المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 78 - بتاريخ: 31 - 12 - 1934 - مجلة الرسالة - جـ ٧٨

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 78

- بتاريخ: 31 - 12 - 1934

ص: -1

‌الراديو و (الشاعر).

. .

ألفت منذ سنين أن أزور رمضان في ربوعه الأصيلة، ومغانيه الباقية. ومن لم يشهد رمضان في حي الحسين، أو في حي الحسينية، أو في أمثالهما من الأحياء القديمة لم يشهد قداسته المهيبة وجلالته الباهرة!

كنت في إحدى الليالي الزّهر أخرج متى استيقظت المشاعر من فترة الصيام، وسكرة الطعام، فأعبر القرون العشرة التي تفصل بين قاهرة الملك فؤاد وقاهرة الخليفة المعز، فأجد رمضان العظيم قد نشر بنوده، وأعلن وجوده، في كل شارع وفي كل منزل! فهو خير يتدفق في البيوت، وبشر يتهلل في الوجوه، وأنس يتطلق في المجالس، وذكر يتضوع في المساجد، ونور يتألق في المآذن، وسمر ينتقل في الأندية، ونفحات من الفردوس ترطب القلوب، وتلين الأكباد، وترف على ما ذوى من العواطف

فالحوانيت سامرة وإن لم تبع، والمصانع ساهرة وإن لم تنتج، والأبهاء عاطرة بحديث الأحبة حتى نصف الليل، والأفنية عامرة بذكر الله حتى أول السحر. أما كثرة الناس فقد أخذوا مجالسهم من قهوات الحي وباتوا ينضحون (مزاجهم) الظامئ بالفناجيل الرويّة، ويشققون أحاديثهم الطلية بالنكات المصرية، ثم يستمعون في خشوع العابد وسكون العاشق ولهفة الطفل إلى القصاص أو الشاعر، وقد طوفت به أشباح القرون، وغمغمت في صوته أصداء الزمن. يتربع في صدر المكان على منصة عالية من الخشب العتيق، وهو في سمته وهندامه ولهجة كلامه وطريقة سلامه نموذج العامي الأديب، ومثال الحضري المثقف: حفظ كثيراً من الأشعار فاكتسب ظرف الأدب، وروى صدراً من الأمثال فاكتسى وقار الحكمة، ووعى طائفة من الأخبار فاتسم برقة المنادمة. وهو إلى ذلك بارع النادرة، دقيق الفطنة، عذب المفاكهة، حاضر الجواب، يؤدي هذا إلى الجمهور الغرير الساذج دعوة الواعظ، وأمانة المعلم، ورسالة الأديب

هاهو ذا قد فرغ من احتساء القهوة، وجباية النقوط ومبادلة السامع المعتاد جميل التحية، ومسارقة الزائر الممتاز رغيب المنظر؛ ثم أخذ يحتفل للقصص أو الإنشاد، فاحتسبت قهقهة (النكتة)، وانقطعت قرقرة (الجوزة)، وانتشرت سكينة الجد في القهوة، واتجهت عيون الجميع إلى المنصة، ثم رن في سكون القوم ذلك الصوت العريض المتزن يرسل الكلام والأنغام في ترجيع مؤثر، وتقطيع معبر، وتنويع مطرب؛ فهو يفخم ويرقق، ويقسو ويلين،

ص: 1

ويأنف ويستكين، ويثور ويهدأ، ويسخط ويرضى، ويتدلل ويتذلل، ويتحمس ويتغزل، كأنه في تعاقب ذلك كله عليه الأوتار الطيعة تحت الأنامل اللينة البارعة، فيملأ الآذان بالنغم، والأذهان بالفكر، والقلوب بالشوق، والمشاعر باللذة

ذهبت ليلة الأمس على عادتي أرود المعاهد، وأجوس الديار، وأستنشي ما بقي على أطراف الزمن من عبير الفاطميين، فوجدت القاهرة الشرقية لا تزال تتحدى القاهرة الغربية بمساجدها ومدارسها ومستشفياتها وخاناتها وحماماتها وأسواقها، وتعلن بشهادة هذه الآثار أن حضارتها العربية الخالصة إنما كانت تقوم على الدين والعلم والمدنية والإنسانية والعمل، وتزعم بأدلة الاختبار أن هذا المظهر الحسي القوي الرائع الذي يميز حضارة الغرب من حضارة الشرق إنما يرجع إلى أن هذه تقوم على الروح، وتلك تقوم على الآلة، وهذه تصدر عن العاطفة والإيثار، وتلك تصدر عن المنفعة والأثرة؛ والميزة التي ينبغي أن تكون لحضارة على حضارة إنما هي ضمانة السعادة للناس، وتحقيق السلام للعالم

ولكن أين صديقي الشاعر، وأين أخوه القصاص! هذا هو الحي، وهذه هي القهوة، وهؤلاء هم الناس، ولكني وجدت في مكان الأريكة المنجدة، والحلة المفوفة، والعمامة الفردة، صندوقاً من الخشب، دقيق الصنع، أنيق الشكل، قد علق بالحائط، فأغنى غناء القصاص، وأبلى بلاء الشاعر!!

تركت هذه القهوة ومضيت أتحسس في زوايا الحي وحنايا السوامر ذلك الصوت الذي كان ينبعث من جوف الماضي السحيق شادياً بالمجد والنبل والبطولة، فلم أجد له - وا أسفاه - جرساً ولا صدى!!

لقد هزم الراديو الشاعر في كل قهوة، كما هزمت الآلة الإنسان في كل عمل! ففي كل مقهى من هذه المقاهي (البلدية) آلة من هذا الاختراع العجيب تغري الأذواق العامية بالفن، وتروض الآذان العصية على الموسيقى، وتنبه العقول الغافلة إلى العلم، وتحبب النفوس المستهترة في الأدب؛ فهي تقرأ القرآن، وترسل الألحان، وتذيع العلم، وتشيع اللهو، وتنشر البهجة! ولكني مع ذلك عظيم الأسف على موت القصاص، شديد الأسى على فقد الشاعر!

فإن مخاطر الشهامة (لأبي زيد)، ومواقع البطولة (لعنترة)، ومواقف النبل (لسيف بن ذي يزن)، أصلح لتهذيب العامة فيما أظن مما يبثه المذياع كل يوم من النوادر الوضيعة،

ص: 2

والأناشيد الخليعة، والألحان الرخوة!

أحمد حسن الزيات

ص: 3

‌السطر الأخير من القصة

للأستاذ مصطفى صادق الرافعي

رجعت إلى أوراق لي قديمة، يبلغ عمرها ثلاثين سنة أو لواذها، تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً؛ وجعلت أفلي هذه الأوراق واحدة واحدة، فإذا أنا على أطلال الأيام في مدينة قائمة من تاريخي القديم، نائمة تحت ظلمائها التي كانت أنوار عهد مضى؛ وإذا أنا منها كالذي اغترب ثلاثين سنة عن وطنه ثم آب إليه، فما يرى من شيء وكان له به عهد في أيام حدثانه ونشاطه إلا اتصل بينهما سر. ومن طبيعة القلب العاشق في حنينه أن يجعل كل شيء يتصل به كأنه ذو قلب مثله له حنين ونجوى!

وذلك التلاشي المحفوظ في هذه الأوراق، يحفظ لي فيها وفيما تحتويه نفساً وطبيعة كانتا نفس شاعر وطبيعة روضة، في عهد من الصبى كنت فيه أتقدم في الشباب وفي الكون معاً، كأن الأشياء تخلق فيّ خلقاً آخر؛ فإذا قرضت شعراً واستوى لي على ما أحب؛ أحسست إحساس الملك الذي يضم إلى مملكته مدينة جديدة؛ وإذا تناولت طاقة من الزهر وتأملتها على ما أحب، شعرت بها كأجمل غانية من النساء توحي إلي وحي الجمال كله؛ وإذا وقفت على شاطئ البحر ترجرج البحر بأمواجه في نفسي، فكنت معه أكبر من الأرض وأوسع من السماء. أما الحب. . .؟ أما الحب فكانت له معانيه الصغيرة التي كضرورات الطفل للطفل، ليس فيها كبير شيء، ولكن فيها أكبر السعادة، وفيها نظرة القلب

عهد من الصبى كانت فيه طريقة العقل من طريقة الحلم؛ وكانت العاطفة هي عاطفةً في النفس، وهي في وقت معاً خدعة من الطبيعة؛ وكان ما يأتي ينسي دائماً ما مضى ولا يذكر به؛ وكانت الأيام كالأطفال السعداء، لا ينام أحدهم إلا على فكرة لعب ولهو، ولا يستيقظ إلا على فكرة لهو ولعب؛ كانت اللغة نفسها كأن فيها ألفاظاً من الحلوى؛ وكانت الآلام - على قلتها - كالمريض الذي معه دواؤه المجرب؛ وكانت فلسفة الجمال تضحك من فيلسوفها الصغير، الواضح كل الوضوح، المقتصر بكل لفظ على ما يعرف من معناه، المتفلسف في تحقيق الرغبة أكثر مما يتفلسف في تخيل الفكرة!

هو العهد الذي من أخص خصائصه أن تعمل، فيكون العمل في نفسه عملاً، ويكون في نفسك لذة

ص: 4

في أوراقي تلك بحثت عن قصة عنوانها (الدرس الأول في علبة كبريت) كتبتها في سنة 1905، وأنا لا أدري يومئذ أنها قصة يسبح في جوها قدر روائي عجيب، سيأتي بعد ثلاثين سنة فيكتب فيها السطر الأخير الذي تتم فلسفة معناها

وهأنذا أنشرها كما كتبتها؛ وكان هذا القلم إذ ذاك غضاً لم يصلب، وكان كالغصن تميل به النسمة، على أن أساس بلاغته قد كان ولم يزل، بلاغة فرحه أو بلاغة حزنه؛ وهذه هي القصة:

(عبد الرحمن عبد الرحيم) غلام فلاح، قد شهد من هذه الدنيا تسعة أعوام، مرت به كما يمر الزمن على ميت لا تزيده حياة الأحياء إلا إهمالاً؛ فنشأ منشأ أمثاله ممن فقدوا الوالدين، وانتزعوا من شملهم فتركوا للطبيعة تفصلهم وتصلهم بالحياة، وتضيق لهم فيها وتوسع

وهيأت الطبيعة منه إنساناً حيوانياً، لا يبلغ أشده حتى يغالب على الرزق بالحيلة أو الجريمة، ويستخلص قوته كما يرتزق الوحش بالمخلب والناب؛ ولن يكون بعد إلا مجموعة من الأخلاق الحيوانية الفاتكة الجريئة؛ فإن الطبيعة متى ابتدأت عملها في تحويل الإنسان عن إنسانيته، نزلت به إلى العالم الحيواني ووصلته بما فيه من الشر والدناءة، ثم لا تترك عملها حتى يتحول هو إليها

وألف (عبد الرحمن) في بلده حانوت رجل فقير، يستغني بالبيع عن التكفف وعن المسألة؛ فكان الغلام يكثر الوقوف عنده، وكان يطعم من صاحبه أحياناً كرزق الطير، فتاتاً وبقايا، إذ كان الغلام شحاذاً، وكان صاحب الحانوت لا يرتفع عن الشحاذة إلا بمنزلة تجعل الناس يتصدقون عليه بالشراء من هناته التي يسميها بضاعة: كالخيط والإبرة، والكبريت والملح، وغزال للولد، وكحل للصبايا، ونشوق للعجائز نسخة الشيخ الشعراني، وما لف لفها مما يصعد ثمنه من كسور المليم، إلى المليم وكسوره!

وتغفله الغلام مرة، وأهوى بيده إلى ذخائر الحانوت، فالتقطت (علبة كبريت)، كان الفرق كل الفرق بين أن يسرقها وأن يشتريها نصف مليم. ولكن من له (بالعشرين الخردة)؟ وهي عند مثله دينار من الذهب يرن رنيناً ويرقص على الظفر رقصة إنجليزية

وماذا يصنع بالعلبة؟ همت نفسه أن تجادله ولما تسكن رعشة يده من هول الإثم. ولكن الغلام كان طبيعياً ولم يكن فيلسوفاً، ولذلك رأى أن يحرز الحقيقة بعد أن وقعت يده عليها.

ص: 5

وقد اصطلح الناس على أن مادة السرقة هي (مد اليد) أخطأت أم أصابت، وجاءت بالغالي أو جاءت بالرخيص؛ فضم أصابعه على العلبة وانتزعها، وترك في مكانها فضيلة الأمانة التي لم يعرف له الناس قيمتها، فهانت كذلك على نفسه، وانطلق وهي تناديه:

أيها الغلام، أتدفع ثمن علبة الكبريت سنتين من عمرك، وهل خلا الناس ممن يعرفون لعمرك قيمة؟

وارتد رجع الصوت الخفي إلى قلبه من حيث لا يشعر، فضرب قلبه ضربات من الخوف، ونزا نزوة مضطربة؛ فالتفت الغلام مرة أخرى، ثم أمعن في الفرار وترك الأمانة تناديه:

أيها الغلام، إن لك في الآخرة ناراً لا توقد بهذا الكبريت، ولك في الدنيا سجن كهذه العلبة، فالعب العب ما دام الناس قد أهملوك، العب بالثقاب الذي في يدك فسيمتد فيك معنى اللهب حتى يجعل حياتك في أعمار الناس دخاناً وناراً، وستكون أيامك أعواداً كهذا الكبريت تشتعل في الدنيا وتحرق

وكأن أذناب السياط كانت تلهب ظهر الغلام المسكين، ولكنه ما كاد يلتفت هذه المرة حتى كان في قبضة صاحب الحانوت، وإذا هو بكلمة من لغة كفه الغليظة، خيلت له في شعرها أن جداراً انقض عليه، وتلتها جملة من قوافي الصفع جلجلت في أذنيه كالرعد، وأعقب ذلك مثل الموج من جماعات الأطفال أحاط به، فترك هذا الزورق الإنساني الصغير يتكفأ على صدمات الأيدي. فما أحس الغلام التعس إلا أن الكبريت الذي في يده قد انقدح في رأسه، وكانت أنامل صاحب الحانوت كأنما تحك أعواده في جلد وجهه الخشن!

وذهبوا به إلى (دوار) العمدة يقضي فيه الليل، ثم يصبح على رحلة إلى المركز والنيابة. وانطرح المسكين منتظراً حكم الصباح، مؤملاً في عقله الصغير ألا يفصح النهار حتى يكون (سيدنا عزرائيل) قد طمس الجريمة وشهودها؛ ثم أغفى مطمئناً إلى أن ملك الموت وأنه قد أخذ في عمله بجد، وأيقن عند نفسه أن سيشحذ في الخميس مما يوزع على المقبرة صدقة على أرواح العمدة، وصاحب الحانوت، والخفير الذي عهدوا إليه جره إلى المركز. . . .! وكيف يشك في أن هذا واقع بهم وهو قد توسل بالولي فلان ونذر له شمعة يسرقها من حانوت آخر. .!

هكذا عرف الشر قلب هذا الصبي، وانتهى به عدل الناس إلى أفظع من ظلم نفسه، وكأنهم

ص: 6

بذلك القانون الذي يصلحونه به على زعمهم، قد ناولوه سبحة ليظهر بها مظهر الصالحين، ولم يفهموه شيئاً ففهم أنهم يقولون له: هذه الجريمة واحدة، فعد جرائمك على هذه السبحة لتعرف كم تبلغ!

كانت في الحقيقة لعبة لا سرقة؛ وكانت يد الغلام فيما فعلت مستجيبة لقانون المرح والنشاط والحركة، كما تكون أعضاء الطفل لا كما تكون يد اللص؛ وكان أشبه بالرضيع يمد يده لكل ما يراه، لا يميز ضارة ولا نافعة، وإنما يريد أن يشعر ويحقق طبيعته؛ وكان كل ما في الأمر وقصارى ما بلغ - أن خيال هذا الغلام ألف قصة من قصص اللهو، وأن الكبار أخطئوا في فهمها وتوجيهها. .! ليست سرقة الطفل سرقة، ولكنها حق من حقوق ذكائه يريد أن يظهر

وانتهى (عبد الرحمن) إلى المحكمة، فقضت بسجنه في (إصلاحية الأحداث) مدة سنتين، واستأنف له بعض أهل الخير في بلده؛ صدقة واحتساباً. . . إذ لم يكلف الاستئناف إلا كتابة ورقة. فلما مثل الصغير أمام رئيس المحكمة لم يكن معه لفقره محام يدفع عنه، ولكن انطلق من داخله محام شيطاني يتكلم بكلام عجيب، وهو سخرية الجريمة من المحكمة، وسخري عمل الشيطان من عمل القاضي. . .!

سأله الرئيس: (ما اسمك؟)

-: (اسمي عبده، ولكن العمدة يسميني: يا بن الكلب!)

-: (ما سنك؟)

-: (أبويا هو اللي كان سنان)

-: (عمرك إيه؟)

-: (عمري؟ عمري ما عملت شقاوة!)

النيابة للمحكمة: (ذكاء مخيف يا حضرات القضاة! عمره تسع سنوات)

الرئيس -: (صنعتك إيه؟)

-: (صنعتي ألعب مع محمود ومريم، وأضرب اللي يضربني!)

-: (تعيش فين؟)

-: (في البلد!)

ص: 7

-: (تاكل منين؟)

-: (آكل من الأكل!)

النيابة للمحكمة: (يا حضرات القضاة؛ مثل هذا لا يسرق علبة كبريت إلا ليحرق بها البلد. . .!

الرئيس: (ألك أم؟)

-: (أمي غضبت على أبويا، وراحت قعدت في التربة، مارضيتش ترجع!)

-: (وأبوك؟)

-: (أبويا لاخر غضب وراح لها)

الرئيس ضاحكاً: (وأنت؟)

-: (والله يا افندي عاوز اغضب، مش عرف اغضب ازاي!)

-: (إنت سرقت علبة الكبريت؟)

-: (دي هي طارت من الدكان، حسبتها عصفورة ومسكتها. . . .)

النيابة: (وليه ما طارتش العلب اللي معاها في الدكان؟)

-: (أنا عارف؟ يمكن خافت مني!)

النيابة للمحكمة: (جراءة مخيفة يا حضرات القضاة، المتهم وهو في هذه السن، يشعر في ذات نفسه أن الأشياء تخافه)

فصاح الغلام مسروراً من هذا الثناء. . (والله يا افندي إنت راجل طيب! أديك عرفتني، ربنا يكفيك شر العمدة والغفير)

وأمضى الحكم في الاستئناف، وخرج الصغير مع رجال من المجرمين يسوقهم الجند، ثم احتبسوا الجميع فترة من الوقت عند كاتب المحكمة، ليستوفي أعماله الكتابية؛ ثم يساقون من بعد إلى السجن

وجلس (عبد الرحمن) على الأرض، وقد اكتنفه عن جانبيه طائفة المجرمين يتحادثون ويتغامزون، وكلهم رجال ولكنه وحده الصغير بينهم؛ فاطمأن شيئاً قليلاً، إذ قدر في نفسه أنه لو كان هؤلاء قد أريد بهم شرٌ لما سكنوا هذا السكون، وأن الذي يراد بهم لا يناله هو إلا أصغر منهم، كصفعة أو صفعتين مثلاً. . . وهو يسمع أن الرجال يقتلون ويحرقون

ص: 8

ويسمون ويعتدون وينهبون؛ وما تكون (علبة الكبريت) في جنب ذلك وخاصة بعد أن استردها صاحبها، وقد نال هو ما كفاه قبل الحكم؟

وما لبث بعد هذا الخاطر الجميل أن رد الاطمئنان في عينيه دموعاً كاد يريقها الجزع. غير أن القلق اعتاده فالتفت إلى كتّاب المحكمة مرة والى الجند مرة، ثم لوى وجهه ولم يستبح لنفسه أن يتجرأ على الفكر فيهم، لأنه قابل مهابتهم بآلهة بلده: العمدة والمشايخ والخفراء؛ فأدرك أن الجنود هم الحكومة القادرة، واستدل على ذلك بأزرارهم اللامعة، وخناجرهم الصقيلة، وتمشت في قلبه رهبة هذه الخناجر، فاضطرب خشية أن يكونوا قد أسلموه إلى من يذبحه، فنظر إلى الذي يليه من المجرمين وسأله (راح ياخذوني فين؟) فأجابته لكمة خفية انطلق لها دمعه، حتى أسكته الذي يليه من الجانب الآخر، وكان في رأيه من الصالحين!

ثم اتصل الجزع بين قلبه وعينيه، فهما تضطربان إلى الجهات الأربع، وكأنما يحاول أن يستشف من أيها سيأتيه الموت ذبحاً. ولم يكن فهم معنى (الإصلاحية)، وحكم القضاة عليه كأنه رجل يفهم كل شئ، ولم يرحموا هذه الطفولة بكلمة مفسرة. وعدل التربية غير عدل القانون، فكان الواجب على القاضي الذي يحكم على الطفل، أن يجعل حكمه أشبه بصيغة القصة منه بصيغة الحكم؛ وأن يدع الجريمة تنطلق وتذهب فلا يقول لها امكثي. . .

وبقي للخناجر رهبتها في نفس هذا المسكين، فلو أنهم قادوه إلى حبل الشناقة لأفهمه (الحبل) معنى العقوبة، أما وهو بين هذه الخناجر المغمدة - وفي الخناجر معنى الذبح - فإنما هو الذبح لا غيره

وطرقت أذنيه قهقهة المجرم عن يمينه فاستنقذته من هذا الخاطر، فثبت عينيه في الرجل، فإذا هو يرى وجهاً متلألئاً، وجسماً رابط الجأش، وهزؤاً وسخرية بهؤلاء الجنود وخناجرهم

واستراح الغلام إلى صاحبه هذا، وألح بنظره عليه، وابتدأ يتعلم في وجهه الفلسفة؛ وليست الفلسفة مقصورة على الكتب، بل إن لكل إنسان حالة تشغله، فنظره في اعتبار دقائقها وكشف مستورها هو الفلسفة بعينها

وقال الغلام لنفسه: (هذا الرجل أقوى من كل قوة؛ فهو محكوم عليه ولا يبالي، بل يقهقه ضحكاً؛ فهذا الحكم إذن لا يخيف. لا، بل هو تعود الأحكام، إذن فمن تعود الأحكام لم يخف

ص: 9

الأحكام؛ إذن يا عبد الرحمن ستتعود، فإن الخوف هذه المرة فد غطك من (علبة الكبريت) في حريق متسعر؛ وما قدر (علبة الكبريت)؟، فلو كانت السرقة جاموسة ما لقيت أكثر من ذلك؛ يا ليتني إذن. . . ولكني لا أزال صغيراً، فمتى كبرت. . . آه متى كبرت. .)

وبدأ القانون عمله في الغلام؛ فطرد منه الطفل وأقر فيه المجرم

وأطرق (عبد الرحمن) هادئاً ساكناً، وقامت في نفسه محكمة من الأبالسة، بقضاتها ونيابتها، يجادل بعضهم بعضاً، ويداولون بينهم أمر هذا الغلام على وجه آخر

وقال شيطان منهم: (ولكنا نخشى أمرين: أحدهما أن (الإصلاحية) ستخرجه بعد سنتين شريفاً يحترف؛ والثاني أن الناس ربما تولوه بالتربية والتعليم في المدارس رحمة وشفقة، فيخرج شريفاً يحترف)

وما أسرع ما نفى الخوف عنهم قول الغلام نفسه بلهجة فيها الحقد والغيظ، وقد صفه الجندي الذي يقوده إلى السجن -:(ودا كله على شان علبة كبريت. . .؟)

وفي سنة 1934 قضت محكمة الجنايات بالموت شنقاً على قاتل مجرم خبيث، عيار متشطر، اسمه (عبد الرحمن عبد الرحيم). . .

مصطفى صادق الرافعي

ص: 10

‌هنا وهناك

حماية التفكير وتكريم النبوغ

للأستاذ محمد عبد الله عنان

نقرأ تباعاً أنباء الجوائز العلمية أو الأدبية أو الفنية التي تمنحها المؤسسات والهيئات العلمية المختلفة لأقطاب رجال التفكير والآداب والفنون؛ وهناك غير الجوائز المحلية القومية التي تنظم في كل أمة لتشجيع الحركة الفكرية، جوائز عالمية ترمي إلى تشجيع أبدع ما يخرج الذهن البشري في أي البلاد أو الأمم؛ ولعل جوائز (نوبل) هي أشهر جوائز من هذا النوع، فهي تمنح إلى أقطاب العلم والأدب والسياسة في أنحاء العالم دون فارق بين الجنسية أو الدين أو اللغة، ثم هي تمنح للنساء كما تمنح للرجال؛ وهذا هو أبدع ما في هذه الجوائز، فهي تقصد إلى تكريم النبوغ البشري حيث يوجد، وهي ترتفع فوق جميع الاعتبارات القومية، ولا تنظر إلا إلى أفق الإنسانية الشاسع، ولقد خلد ألفرد نوبل السويدي، صاحب هذه الوصية العلمية والإنسانية الجليلة، اسمه بتأسيسها وتنظيمها بما لم يخلده فاتح؛ والواقع أن لم يكن ينقص هذا المخترع العبقري شيء من بعد الصيت والذكرى، فقد كان عالماً ومخترعاً عظيماً، له ثبت حافل من الاختراعات العظيمة؛ وقد كان لتجاربه واكتشافاته في أواخر القرن الماضي أثر عظيم في تقدم الفنون العسكرية ولا سيما فيما يتعلق (بالديناميت) الذي وصل إلى اكتشافه وتركيبه. ومن الغريب أن يتجه هذا الذهن الذي أنفق نبوغه في اختراع المفرقعات المهلكة، إلى تشجيع النبوغ البشري في مختلف نواحي التفكير والأدب، وأغرب منه أن يتجه إلى تشجيع السلام العالمي، فيخصص ضمن جوائزه الشهير جائزة لأي جماعة أو شخصية تمتاز بخدماتها الجليلة لقضية السلام

وليست جوائز نوبل سوى مثل من أمثلة لا تحصى لهذا النظام المحمود - نظام الجوائز العلمية - الذي ترتبه جميع الأمم المتمدنة لتشجيع الحركة الفكرية، وتكريم أبنائها الممتازين بسمو التفكير والابتكار، ومعاونة الأذهان والعبقريات المغمورة على الظهور والعمل لاستثمار كفاياتها ومواهبها في مختلف النواحي. ولنلاحظ أن هذه الجوائز الشهيرة إنما هي من وضع فرد فقط، وإن كثيراً من الأغنياء في بلاد الغرب يحذون مثل ألفرد نوبل فيهبون الألوف والملايين إلى الجامعات والجماعات العلمية والأدبية؛ ويرتبون الجوائز لتشجيع

ص: 11

الباحثين والمفكرين، وإظهار جهودهم، وثمرات نبوغهم؛ وفي كل يوم نقرأ نبأ هذه الهبات والجوائز السنية، ونهتز إعجاباً وإكباراً لهذه النفوس والهمم الرفيعة التي تجد مثلها الأعلى في العمل على تشجيع المثل العليا، ولا تنظر إلى المال إلا كوسيلة لإذكاء النبوغ واستثماره لخير العلم والإنسانية. وفي هذه الأمم التي يتقدم أغنياؤها للاضطلاع بهذه الأعمال الجليلة نجد الحكومات والهيئات العلمية الرسمية تعنى أشد العناية ببذل هذا التشجيع المنظم للدرس والبحث والنبوغ؛ ففي الجامعات ترتب جوائز دائمة لنوابغ الطلاب، فضلاً عن إعفائهم من أجور الدراسة، وترتب جوائز دورية مختلفة لتشجيع البحوث والجهود العلمية الممتازة؛ ولا تكاد توجد هيئة علمية أو أدبية، إلا ولها جوائز دورية ثابتة تمنح لكل عامل لتحقيق الأغراض العلمية أو الأدبية التي رتبت لتشجيعها. وأمامنا مثل الجمعيات الطبية والجغرافية والتاريخية في مختلف العواصم الغربية، فإنها جميعاً تبذل من المعاونات المادية في سبيل البحث والدرس والاستكشاف ما هو معروف ومشهور؛ ويكفي أن نذكر أن معظم الاستكشافات العلمية والطبية والجغرافية، تتم تحت رعاية هذه الهيئات المحترمة. بل يكفي أن نذكر أن معظم العلماء والمستكشفين لا يستطيعون القيام بمشروعاتهم إلا بمؤازرتها المادية، وأنها هي التي أوفدت في العصر الحديث معظم المكتشفين إلى مختلف مجاهل أفريقية وأسيا والقطبين

والخلاصة أن الهيئات الرسمية والخاصة في هذه الأمم العظيمة، تتحد جميعاً في مؤازرة الحركة العلمية، وتشجيع التفكير والنبوغ بجميع الوسائل. على أن أبدع ما في هذه النزعة هو الجهود الخاصة والفردية؛ وليس مثل ألفرد نوبل وحيداً، وإن كان من أعظم الأمثلة وأبدعها؛ فهنالك في فرنسا مثلاً مشروع جائزة (جونكور) الذي وضعه الكاتب الفرنسي أدمون جونكور لتتويج الآثار الأدبية البارزة؛ وقد وهب المشروع مالاً كثيراً، وما زالت (أكاديمية جونكور) منذ أواخر القرن الماضي تمنح جوائزها الأدبية للكتاب والقصصيين النابهين، عاماً بعد عام؛ وما زالت تعتبر شرفاً أدبياً يطبع الفائزين بطابع النبوغ، ولا سيما كتاب الشباب، ويفتح أمامهم أبواب المستقبل الذهبي؛ وهنالك أيضاً أمثلة عديدة لهذه الجهود والمنشآت الفردية، كما أن هنالك صحفاً كثيرة تنشئ مثل هذه الجوائز الأدبية؛ ولهذه الجهود المتحدة بلا ريب أثرها القوي في تقدم الحركة الأدبية وازدهارها في هذه الأمم

ص: 12

أما نحن فلم نعرف بعد أهمية هذه المؤازرة العلمية، ولم تأخذ بها إلى اليوم جماعاتنا العلمية الرسمية؛ ولم يسغها بعد أغنياؤنا. فوزارة المعارف لم تفسح في ميزانيتها أي مجال لمثل هذه المؤازرة، لأنها لا تريد على ما يظهر أن تضطلع برعاية الحركة الفكرية العامة، وتريد أن تقتصر دائماً على شئونها الإدارية؛ ولدينا جامعة دينية عظيمة ولها ميزانية ضخمة، ولكنا لم نسمع أنها تقدمت ذات يوم لمؤازرة أي مجهود علمي حتى في دائرةمهمتها الدينية، فلم تساهم قط في تشجيع المباحث الإسلامية التي تنفق في سبيلها الجامعات الأوربية مئات الألوف تحقيقاً لمهمتها العلمية، ولم تساهم قط في إخراج أي أثر ديني أو عربي جامع؛ ولم نسمع أنها رتبت جائزة علمية محترمة؛ ولدينا الجامعة المصرية ما زالت تحتفظ بأفقها المدرسي، وما زالت بعيدة عن أن تخلق ذلك الجو العلمي الذي يمكن أن تنضوي تحت لوائه الجهود العلمية الفردية؛ ولم نعرف أن الجامعة ساهمت في تشجيع مجهود علمي فردي، ولا نعلم أنها على استعداد لذلك؛ كذلك لم تعرف الجامعة المصرية بعد نظام الجوائز العلمية والأدبية المحترمة، وإن كانت تعرف كيف تغدق على الأساتذة الأجانب؛ ولدينا عدة جمعيات علمية تتمتع بالرعاية الرسمية وبأموال الدولة، ولكنها جميعاً أجنبية في روحها وعواطفها، ولا يمكن أن تعتبر بحال ما مصرية، ولا يمكن أن تضطلع بمثل هذه المهام العلمية المحلية، التي يجب أن تتوفر لمؤازرتها عاطفة قومية لا توجد في هذه الجماعات

على أن هناك لدى جهاتنا الرسمية نزعة أخرى إلى تشجيع الجهود (العلمية) لا يمكن تجاهلها، ولكنها مع الأسف وقف على الأجانب؛ ونستطيع أن نحصي عشرات العلماء الأجانب الذين يفوزون بتعضيد الهيئات الرسمية المصرية للقيام بمختلف المهام العلمية أو لإخراج جهودهم، وهم لا يجدون مشقة في الحصول على هذه الهبات والجوائز السنية؛ ولكنك لا تجد مفكراً مصرياً استطاع أن يحظى بهذه الرعاية. ولا ريب أن تشجيع الجهود العلمية مبدأ محمود في ذاته، والعلم لا وطن له؛ ولكنه لا يقتضي الإيثار وحرمان المفكرين المصريين من كل تعضيد ومعاونة، بينما يرتع العلماء الأجانب في أموال الأمة المصرية؛ وما زلنا نذكر الضجة التي قامت منذ أشهر حول المنح المالية الباهظة التي أغدقت على أستاذ إنكليزي هو الكبتن كرزويل، لكي يخرج كتاباً له ولم يخرج منه سوى مجلد واحد،

ص: 13

وكان مجموع الهبات التي استولى عليها من مختلف الجهات الرسمية يبلغ بضعة آلاف جنيه؛ وهنالك علماء أجانب يتقاضون الألوف المؤلفة من الأموال المصرية لكي يضعوا كتباً معينة؛ وتطلع علينا هذه الكتب من آن لآخر باللغات الأجنبية، فلا نراها ترتفع إلى مستوى المؤلفات العلمية القيمة، ولا نرى فيها سوى كتب دعاية ينقصها الطابع العلمي المحترم؛ وما زلنا نذكر تلك البدعة التي ظهرت في الأعوام الأخيرة، وهي انتداب بعض الجهات الرسمية لبعض العلماء الأجانب الذي يؤمون مصر في الشتاء زائرين متنزهين، لإلقاء بعض المحاضرات، ومنحهم عن المحاضرة الواحدة مكافآت باهظة تبلغ أحياناً خمسين جنيهاً!

لقد كانت الرعاية العامة وما زالت أكبر عامل في تشجيع الحركات الفكرية وازدهارها. ومع أن قسطاً كبيراً من هذه الرعاية تضطلع به الهيئات الخاصة والأفراد النابهون في الأمم الحية، فإن الحكومات والجامعات وما إليها من الهيئات العلمية الرسمية تقوم بتنظيم هذه الرعاية والسهر على توزيعها حيثما تبزغ بوادر النبوغ. ذلك أن النبوغ يعتبر في الأمم الحية ثروة قومية تجب المحافظة عليها واستثمارها وحمايتها من عوامل الخمول واليأس. ولقد مرت عصور كثيرة في تاريخنا كانت الحركة الفكرية فيها تأخذ حظها من الرعاية والمؤازرة؛ وكان العلماء والمفكرون يتبوءون أرفع مكانة وتغدق عليهم المنح والهبات الوفيرة لكي يتفتح نبوغهم ويستطيعون العمل في دعة وسكينة؛ وكان الخلفاء والسلاطين يأخذون بأعظم قسط في تشجيع الحركات الأدبية، وكان من بواعث الفخر أن يكون القصر أو العاصمة ملاذاً لأكبر عدد من الكتاب والشعراء؛ وكان من زينة العصر والدولة دائماً أن تزدهر الحركات الفكرية في ظل الرعاية الرسمية؛ وهاهو ذا الأزهر لم يعاونه على الحياة حتى عصرنا سوى التفات السلاطين إليه وتعهد علمائه وطلبته بالبذل والعون. ولم يكن الملق، دائماً، كما هو الشأن في أيامنا ثمن هذه الرعاية. ذلك أن رعاية العلم والعلماء في تلك العصور كانت تعتبر من واجبات الدولة القوية المستنيرة، وكان العلماء يعملون في ظل هذه الرعاية مستقلين في الغالب، ولم يكن يطلب إليهم دائماً أن يكونوا أذناباً أو دعاة للأسر أو الحكومات التي تشملهم برعاية يعتبرونها حقاً عاماً لهم يجب تأديته إليهم

ومن العبث أن ندعي أن الحكومات والهيئات الرسمية المصرية المختلفة قد استطاعت أن

ص: 14

تؤدي هذا الواجب العام أو بعضه نحو رعاية الحركات الفكرية في عصرنا. والحركة الفكرية لم تفد شيئاً من تلك الدعايات الواسعة التي تذاع حولها، وتلك المنشآت العقيمة التي تقام باسمها، والتي يراد أن تكون هياكل فقط تمجد العصر وتنسب إليه؛ وما نخشاه هو أن الجهات الرسمية ما زالت بعيدة عن تقدير هذا الواجب، بعيدة عن تأديته. إن النبوغ في مصر ما زال يعني الفقر والبؤس، إذا لم يوفق من تلقاء نفسه إلى الخروج من غمرة الظلمات والصعاب التي ينشأ فيها؛ بل نستطيع أن نقول أكثر من ذلك، هو أن النبوغ يعتبر في مصر أحياناً خطراً يخشى منه ويجب اتقاؤه؛ وعندئذ يشترى لا ليعضد ويزدهر، بل لكي يسكت ويقبر. أما أغنياؤنا فلن نطمع أن نجد بينهم واحداً يقدر واجباً لا تقدره الحكومة؛ ومن المحال أن يروا مثلهم الأعلى في رجال كألفرد نوبل يرون ذخر الإنسانية في صون التفكير الإنساني، والارتفاع به إلى ذرى التقدير والإجلال

محمد عبد الله عنان المحامي

ص: 15

‌الشيخ الخالدي

للدكتور عبد الوهاب عزام

لقيت في الآستانة منذ خمسين عاماً شيخاً جليلاً ينقب عن الكتب، ويتحدث عن نوادرها، وعرفت أنه الشيخ خليل الخالدي رئيس محكمة الاستئناف الشرعية في القدس

ثم شرفت بلقائه في مصر مرات. كان كلما قدم القاهرة تفضل فزارني في الجامعة. تقابلنا مرة فتكلم عن الكتب والمؤلفين كلام خبير بحاثة. فحرصت على لقائه والإفادة منه فراعني علم لا ينفد، وحفظ لا يخطئ

يبدأ حديثه عن الكتب، فيذكر أنه رأى كتاب كذا في مكتبة كذا، ويصف النسخة وما عليها من سماع العلماء، ثم يتكلم عن قيمة الكتاب ومكانته بين أشباهه، ويذكر المؤلف فيبين عن تاريخه ومكانته من العلم، ودرجته بين العلماء، وهلم جراً، يفضي من حديث إلى حديث، والسامع فرح بما يسمع، معجب متعجب. وقد زار مكاتب الآستانة والأناضول وفينا والشام ومصر وبلاد المغرب والأندلس، ونقب فيها عن نفائس الكتب، فأحاط بما لم يحط به سواه. والشيخ حفظه الله منقطع النظير في هذا الموضوع ما رأيت ولا سمعت بمثله

وهو من أسرة الخالدي إحدى أسر الشام العظيمة، تنسب إلى سيدنا خالد بن الوليد. وهي معروفة في التاريخ بأسرة الديري، وفيها العلماء والقضاة في الشام ومصر منذ خمسمائة وخمسين سنة

والشيخ نزيل القاهرة الآن. وقد أسعدني الجد بلقائه مرات في شعبان ورمضان هذا. وأرجو أن أسعد أنا وأصدقائي بحديثه مرات أخرى قبل رجوعه إلى فلسطين

وقد حرصت أن أكتب عن الشيخ بعض أحاديثه دون أن أشعره بذلك، فلما اجتمعنا في حلوان ليلة السبت ثامن رمضان، سأله بعض الحاضرين سؤالاً فشرع في حديثه، فدونت بعض ما قاله إجمالاً، ثم عدت إليه بعد انفضاض المجلس ففصلته على قدر ما وعيته. وإني أقدم للقارئ هنا ما حفظته عن الشيخ العلامة في ذلك المجلس:

سأل أحد الحاضرين عن المدارس ذات المكانة في التاريخ الإسلامي فقال: المدارس النظامية كانت في بغداد والموصل، وأصفهان ونيسابور، ومرو وهراة، وكان في نيسابور مئات المدارس: منها المدرسة البيهقية. ومدرسة ضياء الدين في سمرقند، وكان يقيم بها

ص: 16

صاحب الهداية وشمس الدين الكردلي صاحب مناقب أبي حنيفة، ومدرسة الأمير مسعود في بخارى، ومدرسة قطلغ تيمور في خوارزم، وهذه البلاد التي ذكرت كانت من مراكز العلم، ومثلها بخارى وبلخ وفرغانه وجرجان، وكان ببخارى من معاهد العلم مسجد كوكلتاش ومسجد كلام، ومن رجال مرو: القفال الكبير والقفال الصغير، ومشايخ إمام الحرمين والبغوي، والسمعاني، وابن حنبل. وكان بدمشق مدارس كثيرة، منها العمرية التي أنشأها أبو عمر بن قدامة. وهو أخو الموفق أخو قدامة صاحب كتاب المغني في مذهب الحنابلة، وهو اثنا عشر مجلداً. ومنها المدرسة الضيائية، وكان بها خطوط المحدثين كلهم. وهي منسوبة إلى ضياء الدين المقدسي ابن أخت أبي عمر بن قدامة. وقد تخرج فيها ابن تيمية والذهبي، ومن مدارس دمشق دار الحديث الأشرفية، وهي دار المتحف العربي الآن. وقد درّس بها النووي وابن الصلاح وأبو شامة، والمدرسة العادلية، وقد درس بها ابن مالك وابن خلكان، والمدرسة الرواحية التي تخرج فيها النووي، وصارت الآن من دور آل الغزى، والمدرسة التي درس بها ابن القيم، وهي بقرب بيت العظم. وكانت بيوت العلم في الشام بني قدامة، وبني تيمية، وبني عساكر، وبني عبد الهادي، وهؤلاء من مشايخ الذهبي

ثم انتقل الحديث إلى الفخر الرازي، فقال في أثناء كلامه: إن الرازي من بني أبي بكر الصديق، فتعجب الحاضرون، فقال: ومن ذرية الصديق أيضاً جلال الدين الداوني، وعضد الدين صاحب العقائد، وأبو اسحق الشيرازي، والفيروز آبادي، قلت وجلال الدين الرومي. قال: نعم، وجلال الدين، وأين جلال الدين من هؤلاء، قلت: لكل وجهة، ثم سئل الشيخ عن بني عمر بن الخطاب في العلماء فقال: منهم السهرورديون من المتصوفة، ومنهم الفنري. وكان في بخارى جماعة منهم. وكان تيمور لنك يجلهم كل الإجلال، قال: وصدر الشريعة من بني عبادة ابن الصامت، وليس كل من نشأ في بلاد الفرس فارسياً، فأبو داود السجستاني، والترمذي صاحب الشمائل، والترمذي صاحب المسند، وابن عبد البر، كل هؤلاء من العرب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري من بني ضبة، ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، وأبو القاسم صاحب الرسالة القشيرية من بني قشير، والمازري، وابن يونس الصقلي، وعبد الحق الصقلي الذي غلب إمام الحرمين في المناظرة، من بني تميم، والقاضي عياض من يحصب

ص: 17

ثم ساقه الحديث إلى القطب الشيرازي العلامة المطلق، وفخر الإسلام البزدوي وصدر الشريعة فأفاض في الحديث. وقال: لفخر الإسلام البزدوي كتاب في الأصول منقطع النظير، حدث شمس الدين الأصفهاني شارح الطوالع أنه دخل على أستاذه القطب الشيرازي فرأى عنده كراسات على وسادة، فقال ما هذه؟ قال: إني منذ سنة كذا أقرأ كتاب البزدوي، وأنقل عنه وما أنهيته. ولصدر الشريعة كتاب تعديل العلوم في المنطق والحكمة والكلام والتصوف والأخلاق. رأيت منه نسخاً كثيرة. وله كتاب التنقيح وشرحه التوضيح

سأل سائل لماذا قل أمثال هؤلاء العلماء بين المسلمين اليوم؟ قال لذلك أسباب: منها أن أسلافنا كانوا يطلبون العلم للعلم لا يبغون من ورائه شهادة ولا منصباً؛ كان كل منهم يتخذ عملاً يعيش منه ثم يحصل العلم عن جهابذته. ولم تكن أساليب التعليم صناعية آلية كنظام المدارس في الوقت الحاضر؛ ومن الأسباب انقطاع الرحلة، كان سلفنا يشدون الرحال في طلب العلم لا يفترون، فيلقى بعضهم بعضاً، ويأخذ بعضهم عن بعض. الخ. أنظر إلى قضاة السلف كيف يفرون من القضاء إشفاقاً على دينهم؟. هذا أبو علي الصدفي أحد قضاة الأندلس ذبح الذبائح وحج شكراً لله على خلاصه من القضاء. ومن القضاة الأباة عظماء النفس، أهل التقوى أبو بكر بن السليم القاضي الأندلسي، وله رأي في الفقه معروف:(أن الإنسان إذا اشترى بيتاً فوجد به بقاً فله خيار العيب) ومنهم ابن زر القاضي، وكان في عهد المنصور بن أبي عامر. وحسبك بقاض يتعاظم على مثل المنصور. وله كتاب الخصال الكبير والخصال الصغير في مذهب مالك، رأيتهما في مجريط. وقد قيل أن من قرأ الخصال استغنى به عن الكتب الأخرى، وكان الأندلسيون ذوي همة عظيمة في تحصيل العلم؛ وكان طلابهم يبدءون بحفظ التسهيل لابن مالك، ومختصري ابن الحاجب في الفقه والأصول، هذا عند المتأخرين. وأما من قبلهم فكانوا يحفظون الموطأ، ومن قبل هؤلاء كانوا يحفظون تهذيب المدونة، وسلفهم كانوا يحفظون المدونة، وكان ابن بشكوال يحفظها كلها، وكان الرازي يحفظ كتاب الشامل لإمام الحرمين، وهو مجلدان في علم الكلام. وأرى أن تفوق الأندلسيين كان من عنايتهم بأمهات الكتب. كانوا يقرءون في النحو كتاب سيبويه، وأين من كتاب سيبويه كتاب الأشموني وحاشية الصبان؟ وقد رأيت في مكتبة الأسكوريات خط أبي علي الشلوبين على كتاب سيبويه بعدد الكتب التي قرأها في النحو وكلها من

ص: 18

الأمهات. ورأيت في مكتبة كوبريلي بالآستانة إجازة قاضيخان كتبها بخطه على السير الكبير للسرخسي وعدد الكتب التي درسها في الفقه. وهي كتب تضمن لقارئها التفقه. أنظر! أهل الأزهر يقرءون في الأصول جمع الجوامع، وليس هو من كتب الأصول القيمة. - قال بعض الحاضرين: قرءوا كتاب الآمدي في عهد الشيخ المراغي ثم أبطلوه، فقال كتاب الآمدي جيد، وللآمدي كتابان: أحكام الأحكام، وأبكار الأفكار. وكتاب ابن الحاجب في الأصول مأخوذ من منتهى السول والأمل للأرموي، وهذا مأخوذ من كتاب الآمدي، والآمدي أخذ من الأدلة القواطع للسمعاني، وهذا مأخوذ من كتاب الباقلاني، فهذا الأصل الذي لم يؤخذ من غيره، ثم تكلم عن أصول الحنفية وعلمائهم وكتبهم وطريقتهم، ورجع إلى الباقلاني فقال: وكان الباقلاني آية من آيات الله. وقد روى أبو الوليد الباجي أنه كان يسير مع الدارقطني - والدارقطني من كبار المحدثين، في درجة الترمذي وابن ماجة - فلقيا رجلاً، فأعظمه الدارقطني غاية الإعظام وقبله، فقال أبو الوليد: من هذا؟ قال: سيف أهل السنة أبو بكر بن الطيب، يعني الباقلاني، وقد رثاه بعض الناس فقال:

أنظر إلى جبل تمشي الرجال به

وأنظر إلى القبر ما يحوي من الصلف

وأنظر إلى صارم الإسلام منغمداً

وانظر إلى درة الإسلام في الصدف

وكان الباقلاني يناظر ابن المعلم فيفحمه. وكان ابن المعلم يوماً في أصحابه فأقبل الباقلاني، فقال ابن المعلم: جاءكم الشيطان، فسمعها الباقلاني فتلا قوله تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزّاً. وتناظرا مرة، فلما أُفحم ابن المعلم أخرج قبضة من الباقلي ورماها في وجه الباقلاني، يعني بذلك أنه ابن بائع باقلى. فأخرج الباقلاني درة من ثيابه ورمى بها ابن المعلم يعني أنه ابن معلم صبيان، فتعجب وقال: ما أخبرت أحداً أني سأرميه بالباقلي، فكيف أعد لي هذه الدرة؟ - وعقائد الدواني مأخوذة من عيون المسائل، وهذه مأخوذة من رؤوس المسائل، وكلاهما للجرجاني، ورءوس المسائل مأخوذة من جواهر الكلام لعضد الدين صاحب المواقف، والجواهر من المواقف، والمواقف مأخوذة من أبكار الأفكار للآمدي، وهذه عن الباقلاني، وهذه كما نرى في فقه المالكية: كتاب أقرب المسالك للشيخ الدردير مأخوذ من كتاب خليل، وهذا عن كتاب ابن الحاجب إن تهذيب البرادعي عن المدونة. وقد رأيت نسخة من المدونة في مكتبة القرويين في فاس بخط عبد

ص: 19

الملك بن مسرة شيخ ابن رشد، وهي في ثمانين مجلداً صغيراً، وكتب في نهايتها:

بالله يا قارئ استغفر لمن كتبا

فقد كفتك يداه النسخ والتعبا

كتبه عبد الملك بن مسرة اليحصبي

وقد ذكر ابن مسرة بن فرحون في كتاب الديباج وهو من أنفس الكتب. وابن رشد الجد له كتاب البيان والتحصيل في الفقه ستة عشر مجلداً. وقد ضمن لقارئه الاجتهاد. وابن رشد الحفيد الفيلسوف كان في المغرب بمنزلة الرازي في المشرق

ثم تكلم عن محنة ابن رشد في دولة الموحدين وقال: والسلطان يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن كان من العلماء، كان يحفظ كتاب المحلى لابن حزم - سأل بعض الحاضرين عن رسالة صلاح الدين إلى يعقوب بن يوسف فقال هي في كتاب أبي شامة. وكان أبو شامة حافظاً وقارئاً ونحوياً وعالماً في الأصول والفروع. ويشبهه في هذا أبو عمرو الداني. قال بعض الحاضرين هل كانا متعاصرين؟ قال لا، أبو شامة توفي سنة 622 والداني توفي سنة 444. الخ الخ. ولعلنا نعود فندون عنه مجلساً آخر

عبد الوهاب عزام

ص: 20

‌تطور الحركة العقلية في شمال أفريقية

للكاتب المستشرق جاستون بوتول

نشرت مجلة (الأخبار الأدبية)(النوفيل لترير) في عددها الأخير مقالاً للكاتب المستشرق جاستون بوتول عن الحركة العقلية في شمال أفريقية هذه ترجمته:

كلما أوغلنا في التاريخ أدركنا أن تونس أو بعبارة أخرى أن تونس - قرطاجنة المعقدة كانت دائماً عقل أفريقيا الشمالية. وإنه لقدر غريب: قدر هذه المدينة، التي كأنها سارية القارة، والتي هي الحد الفاصل بين شرق البحر الأبيض المتوسط وبين غربه؛ ولقد كانت دائماً طريق الفتوح العظيمة، كما كانت مجمع الطرق التجارية الكبرى؛ وهي أقصى بلد في شمال أفريقية وأقربها إلى أوربا، ولكنها أقربها إلى المشرق أيضاً؛ ثم هي أعرقها في الطابع الأفريقي، لأن السهول الصحراوية التي تفصلها عن البحر في الجهات الأخرى حواجز عالية، تمتد بلا انقطاع إلى تونس؛ وأخيراً هي المدينة التي كانت تلتقي فيها النزعات العقلية وتمتزج من جميع الأنحاء

كانت قرطاجنة في الوقت الذي كانت رومة تصارع فيه ما حولها من الظلمات، قد قامت برسالة عظيمة في المدنية، واكتشف غرب البحر الأبيض والبرتغال وساحل أفريقية الغربي. ثم غدت قرطاجنة بعد الحروب البونيقية المدينة الثانية في العالم الروماني؛ ولما أتمت مراحلها الثلاث أعني البونيقية، والرومانية، ثم النصرانية، دخلت تونس في مرحلتها الإسلامية، وسرعان ما تفوقت على القيروان وغدت مرة أخرى أهم مراكز الحركة العقلية في المغرب. ولم يكسفها قط بهاء فاس المحدث، ولبثت تونس هي المركز الذي تزدهر فيه العلوم والفلسفة العربية لآخر مرة، وكان ابن خلدون، في فجر الأحياء، آخر ثمارها العظيمة

أما اليوم فإن الموقف أكثر تعقداً؛ وعلى رغم ازدهار جامعة الجزائر، ونجاح معهد الدراسات العالية المراكشي في رباط وتقدمه نحو التحول إلى شبه جامعة، فإن تونس تبقى مركز التفكير الإسلامي في شمال أفريقية. ويكفي لتوضيح خطر هذا الدور أن نقول أن المسلمين يبلغون اليوم في المغرب أكثر من اثني عشر مليوناً، ولكن لا توجد بقعة أخرى غير تونس يزداد عددهم فيها نحو خمسين ألفاً كل عام

ص: 21

ويرجع هذا النفوذ إلى عاملين: الأول أنه يوجد في تونس أهم واقدم جامعة عربية، والثاني أنه يوجد بها أكبر عدد من صفوة المسلمين الذين تلقوا الثقافة الفرنسية. وصحف تونس العربية، والصحفيون التونسيون هم الذين يوجهون الحركات السياسية والعقلية في الجزائر ومراكش. ومن تونس تخرج الأزياء، ويخرج القصص والغناء، وفيها تتألف الفرق التمثيلية أو الموسيقية التي تجوس خلال المغرب

ويضاف إلى نفوذ جامعة الزيتونة القديمة، التي تأخذ اليوم بأسباب التجديد، نفوذ (الخلدونية) وهي مركز للدراسات التاريخية والعلمية؛ وقد أسست منذ ثلاثين عاماً على يد بعض التونسيين، وكلية الصادقي، وهي معهد غريب تدرس فيه العلوم الحديثة واللغتان الفرنسية والعربية. وقد عقد في أكتوبر الماضي مؤتمر من الطلبة المسلمين في شمال أفريقية

وفي ذلك ما يوضح الدور الهام الذي تؤديه تونس في المسائل الاجتماعية التي تعرض في شمال أفريقية. ومن العسير أن نحدد نزعات الأجيال الفتية في هذه البلاد؛ ويختلف عدد الشباب المثقف وتوزيعه كثيراً في هذه المناطق؛ وأظهر هذه النزعات وأشدها تعرضاً للخلافات الظاهرة هي النزعة السياسية، ولكن هذه الخلافات ترجع دائماً إلى ظروف السياسة المحلية، فهي مؤقتة في الواقع، فمثلاً كان التونسيون يشكون من إقصائهم عن بعض الإدارات، فلما تقرر منذ شهر أن يسمح لهم بدخولها انتهت هذه الشكوى

أما النتائج الثابتة، فهي نتائج التطور العقلي؛ وهي أهمها أيضاً، لأنها تتعلق بالمستقبل، ولا تتقدم إلا ببطء، ولا يمكن تعديلها أو توجيهها بقوانين المشرع. وقد يستطيع المشرع أن ينتهز بعض الفرص السانحة في حرص وحذر، ولكن الاختيار النهائي يبقى لأصحاب الشأن أنفسهم

ويوجد في فاس كما يوجد في الجزائر وقسطنطينة شباب يتلمس ويتساءل. وقد عفت التقاليد التي كانت تسمح للشباب بأن يندمجوا في الحياة بسهولة، وأضحت لا تلائم الحياة الحديثة، وعرضت حاجات جديدة ومطالب جديدة؛ ولكن الشعار الجديد هو أن تبحث وتجد. ويتجه معظم الشباب على الأخص بأنظارهم إلى تونس، لأنهم يعرفون أنهم هنالك يتكونون شيئاً فشيئاً بين الأمل والتثبيط

ص: 22

ولهذا، وعلى الرغم من أن تونس ليست إلا قطعة صغيرة من شمال أفريقية، فإنه يجب أن نتتبع بمنتهى الاهتمام ما يدور في المجتمع التونسي العقلي؛ وهو اهتمام يجب أن يقرن بالعطف، لأن هذا المجتمع هو الذي يحمل أعباء التعقيد وأزمات الضمير، وما يترتب حتماً على مثل هذا التطور النفسي الهام من أسباب الجزع والاضطراب؛ ومن هذا المجتمع وحده يمكن أن يأتي حل المسائل الاجتماعية الشائكة التي تعرض للبحث، وليس من ريب في أن الموقف الذي يتخذه هذا المجتمع يكون ذا أثر قوي في باقي أنحاء البلاد

ونستطيع أن نتكهن بشيء من المستقبل؛ فقد أثبتت الطبقة المتوسطة التونسية إمكان التطور المتناسق في ظل أفق فرنسي؛ وقد ظهر فيها مجموعة من الكتاب والمؤرخين والعلماء والصحفيين الذي يكتبون بالفرنسية؛ ونجد حتى في ظروف الأسرة، وفي الظروف الاجتماعية، ما يدل على تسرب الحياة الحديثة بقوة، وهي حركة اختيارية لأنها تسير حرة دون ضغط ما، وبعد تأمل عميق

ونستطيع أيضاً أن نقرأ في أمثلة يقدمها لنا الماضي مبلغ التعاون بين المسلمين والنصارى، فعلى مقربة من تونس وقعت الحالة الأولى والوحيدة في العصر الحديث للتعاون بين هؤلاء وأولئك؛ ومن الغريب أن ممثلي هذه التجربة العظيمة كانوا فرنسيين وتونسيين؛ ففي مملكة النورمان الصقلية التي يعمرها سلالة الفاتحين الأغالبة، ازدهرت أعظم حضارة في العصر، واشترك في إنشائها النورمان والمسلمون، وكانت بالرم يومئذ هي أعظم مجمع بين الشرق والغرب؛ وكان نجاح هذا التعاون الحر الذي تطاول زهاء قرن، أشنع فضيحة في العصر، في نظر المتعصبين من الجانبين

وقد استطاعت العبقرية الفرنسية أن تنسي في العصور الوسطى مجتمعاً شديد التناقض من حضارتين خصيمتين في كل مكان؛ واليوم إذ نستعرض ذلك المركز الذي حفظته لنا تونس القديمة، نجد أمامنا جامعة الزيتونة الموقرة - وهي قديمة قدم السوربون - ذات الحنايا المرمرية الجليلة، تحيط بها حوانيت الكتب والعطور؛ ثم نجد مكتبة عظيمة فرنسية على الأخص، أقيمت في قصر قديم؛ ثم نجد بعد ذلك فوق مرتفع يشرف على المدينة كلية الصادقي الواسعة التي أخرجت نخبة مختارة من المثقفين العرب، الذين استقوا أيضاً من الثقافة الفرنسية. وعندئذ نتذكر تلك المقدمة التي يهدي فيها الشريف الأدريسي أثره

ص: 23

الجغرافي الخالد إلى الملك رجار (روجر) الذي عاش الأدريسي في بلاطه، والتي تبدو فيها ألوان هذا التعاون الذي قام بينهما

هذه كلها أدلة مادية على قيام تعاون عقلي واضح تقوم به الصفوة، وإنه ليقع على عاتق المفكرين والجامعة أن يخلقوا تلك البيئة التي تتطور فيها عادة الحياة المشتركة، إلى رغبة في الحياة المشتركة

جاستون بوتول

(الرسالة) ترجمنا هذا المقال ليطلع قراؤنا على رأي العلماء الفرنسيين في الحركة العقلية في شمال أفريقية؛ ولسنا نوافق الأستاذ بوتول على بعض آرائه، وعلى الأخص في أثر الثقافة للفرنسية في تونس. والمقصود بشمال أفريقية في هذا المقال هو البلاد الغربية التي تسيطر عليها فرنسا: أعني تونس والجزائر والمغرب الأقصى. فإن المعلوم أن مصر لا تدخل تحت هذه التسمية ولم ينصرف إليها هذا التعبير في أي عصر من العصور

ص: 24

‌ليلة حافلة

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

منذ نحو ربع قرن - فقد صرنا نحسب مسافات الزمن بأرباع القرون! - مات لنا قريب شاب، أبوه من سراة الريف، فرافقنا رفاته على قطار خاص إلى البلدة. وكانت العادة في تلك الأيام أن يظل المأتم قائماً أسبوعاً أو أربعين يوماً، وكنت يومئذ مدرساً، وكان الوقت صيفاً، والمدارس موصدة، ففي وسعي أن أشاطر القوم حزنهم إلى آخر المدى، فجاءني يوماً شاب من أقربائي، وانتحى بي ناحية وأسر إلي أن أخته تكاد تموت جوعاً، فعجبت، فإن الخير كثير والطعام وفير، وما يذبح كل يوم من الخراف والعجول يكفي جيشاً. فأخبرني أن الموائد توضع ثم ترفع كما هي، لا تمتد إلى ما عليها يد، وأن أخته تستحي أن تتناول شيئاً، ولكن نساء البيت بعد ذلك يتسللن إلى حجرة قصية فيقبلن على الطعام ويلتهمن منه ما لا يحسب الحاسب، فهن يمسكن عن المطعم علانية ويمترن منه سراً، وأخته تنظر وتتحسر، وقد التوت أمعاؤها من الجوع. ثم سألني:

(والآن ما الرأي؟ أشر كيف تأمر!)

فقلت له: (دع هذا لي)

وللشباب جمحاته وحماقاته - ركبت إلى مدينة قريبة، فاشتريت شيئاً من الرقاق الملفوف باللحم، ومربى، وألواناً من الحلواء، وأرغفة، وعدت وأنا أقول لنفسي:(هذا شيء ينفعها إذا نام الليل)، ولم يكن من السهل أن أدخل البيت ومعي هذا الحمل، تحت عيون هذا الخلق كله، وماذا عساي أن أقول إذاسألني سائل عما لف عليه الورق؟ لهذا اضطررت أن ألف وأدور، وأختبئ هنا وههنا، حتى تيسر لي أن أبلغ غرفتي من غير أن يراني أحد، وبقي أن أنتظر حتى يقبل الليل، وتنقطع الرجل، فأحمل هذه الربطة إلى حريم الدار، والله المسئول أن يوفقني إلى الوصول إلى قريبتنا الطاوية، وأن يقيني عواقب هذه المجازفة! وهل أعدم خادمة تدعوها إلي أو تحمل إليها هذه الرسالة

وجاء الليل، وقمنا إلى المخادع، وكان لي في غرفتي شريك، فذهبت أدخن سيجارة بعد سيجارة، حتى علا شخيره، ففتحت الباب وأرهفت أذني، فلم أسمع شيئاً، فتوكلت على الله، وأقدمت - أعني مشيت مترفقاً حتى خرجت من هذا البناء المهيأ للضيوف، إلى صحن

ص: 25

واسع يفصل حريم الدار عن ثويّ الرجال، وكان الليل طاخياً، فلم أزل أتخبط حتى لمست باباً توهمته باب المنزل فدخلت، ولكني لم أجد سلماً أرقى فيه، فاستغربت ورحت أدور بالمكان، ويدي على الجدار، فكنت أجد أبواباً، بعضها مفتوح، والبعض مواربٌ أو مغلق، ولكن لامرقات، فقلت أخرج من هذا التيه، وتركت الجدار واندفعت، ويداي أمامي لتتلقيا عني الصدمة إذا بلغت حائطاً أو شبهه، وإذا باللفافة التي معي تلمس جسماً فيسقط منه شيء على الأرض فأفزع، وأدع اللفافة تهوي، ثم إذا بواحد يهجم علي فأقع ونتدحرج معاً على البلاط وهو ممسك برجلي يريد أن ينزعها، وأنا أدفع في بطنه، حتى تخلى عن رجلي فدرت على ركبتي، وقد أيقنت من صمته أنه غريب واغل يتلصص، وألفيت يدي على عنقه، فأخذت بمخنقه، فلكمني بجمع يده فانقلبت على ظهري وقد تخليت عن رقبته، فانقض علي، فضربت برجلي فأصبت جنبه، فمال عني فنهضت على ركبتي وجعلت أضرب بيدي، ولكن في الهواء، حتى لمست رأسه فقبضت على شعره وجذبت بكل ما فيّ من قوة، فنطحني في بطني، فانثنى بعضي على بعض، فركلني برجله، فتدحرجت كالكرة. فعدا يريد أن يجهز عليّ فأخطأني وخبط الباب برأسه فكأن قنبلة انفجرت في سكون الليل، وإذا بصوت رجل يصيح:

(مين. .؟)

ثم انقطع الصوت، لأن صاحبه على ما يظهر داس بعض الطعام الذي تبعثر في المكان، فتزحلق فوقع على الأرض كالحجر، وكنت أنا قد نهضت، ولمست يدي باباً ففتحته ودخلت، وأنا أسوي شعري وأمسح وجهي وأنفض التراب عن ثوبي، وكانت هذه لحسن الحظ غرفتي، فقد سمعت شريكي فيها يقول وهو يثب عن السرير

(ما هذه الأصوات! ماذا جرى؟)

فقلت - وقد ارتدت إليّ نفسي - (لا أدري. . يظهر أن هنا لصاً، قم فلننظر)

فصاح: (لص؟) وأسرع إلى الشباك فنادى

(يا ولد! يا مخيمر! يا مخيمر!)

وفتحت الأبواب، وأطلت منها رؤوس النوام - أو الذين كانوا نوّاماً - وكثر اللغط، وعلت الضجة، واختلطت الأصوات، وصار هذا يسأل عن الخبر، وذاك يدعو مخيمر وغيره ممن

ص: 26

نسيت أسمائهم من الخدم، وثالث يصيح أن هاتوا نوراً، ورابع يقول أين المصباح؟ وخامس يسأل محتجاً (أليس مع أحدكم عود ثقاب؟)

وفي أثناء ذلك كان الذي وقع قد لامس خده المربى التي انكسر وعاؤها فسالت، فلم يخالجه شك في أن قتلاً حصل وأن هذا دم القتيل، فكاد يموت من الرعب، ولزم مكانه ولم يحاول حتى أن يرفع خده عن المربى، وجاء مخيمر يحمل بندقيته، ووراءه كثيرون غيره، وفي يد أحدهم مصباح، تقدم به - في حماية البندقية - وإذا بنا نرى (وكيل) صاحب البيت، مطروحاً على وجهه، ويداه ممدودتان، وخده لاصق بالمربى، وهو يرفع رأسه وينظر محاذراً، ثم كأنما اطمأن قليلاً فجعل يطرف، ويدير عينه، فيبصر بالوعاء وما سال منه، فيمسح بعضه عن خده وهو ينهض، فتجمعنا حوله وحففنا به، وجعل بعضنا ينظر إلى بعض مستغرباً متأففاً، منكراً على هذا (الوكيل) الشره، ألا يكون له هم سوى بطنه، وأن يزعجنا في فحمة الليل بهرسه ومحاولته إخفاء ما يأكل

ونظر إليه صاحب البيت نظرة سخط واشمئزاز، وقال له:(ما هذا؟ مربى، ورقق، لم أكن أعرف أنك مبطان نهم إلى هذا الحد؟؟ وقليل الذوق أيضاً؟ حلواء في مأتم! فهلا انتظرت حتى ينفض المأتم؟؟ أم شامت أنت بي؟ لعنة الله عليك وعلى والديك! قم. . . قبحك الله! ولا ترني وجهك!)

فهم الرجل بأن يقول شيئاً، فقد كان مظلوماً ولا ذنب له، ولكن سيده أبى أن يسمع والتفت إلينا وقال:

(إن هذه فضيحة والله! الخير كثير والحمد لله، وفي وسعه أن يأكل ما شاء، ويشبع، إذا كان يمكن أن يشبع، فانظروا ماذا صنع؟ وبأي شيء يجزيني وقد ربيته وكفلته ولم أزل به حتى جعلته وكيلاً لي. وأميناً على أملاكي!! يشتري حلواء ومربى ورقاقاً ليأكلها خفية في مأتم ابني!! اخرس يا كلب! ولك وجه تقابلني به يا كافر النعمة! والله لولا أنك حقير لأفرغت في قلبك الآن الرصاص. امش. . اخرج من عندي. .)

فقلت: (شيء فظيع!)

وارتددت إلى غرفتي ساخطاً.

ولبثنا ساعة نمزق أديم هذا الوكيل الشره الجحود الذي يأبى إلا أن يأكل حلواه في مأتم ابن

ص: 27

سيده! وأصبح الصباح فاستأنفت ألسنتنا هجوه وذمه. وكنت أشعر بعطف عليه ومرثية له، ولكني لم أكن أستطيع أن أذكر الحقيقة فأحول إلى نفسي كل هذا اللعن الذي ينصب على رأسه. ودنا مني الشاب قريبي الذي كان سبباً في كل هذا، وسألني همساً:(أتعرف حقيقة ما حصل أمس؟)

قلت: (لا. ولا أزال مستغرباً ما كان من هذا الوكيل)

قال: (إنه مظلوم!)

قلت: (يا شيخ! كيف يمكن أن يكون مظلوماً وقد رأيناه بأعيننا؟)

قال: (والله إنه لمظلوم!)

قلت: (ربما يا أخي! العلم عند الله!)

قال: (فينا من يكتم السر؟)

قلت: (لا تخف. إن صدري بئر لا قرار لها)

قال: لقد احتلت حتى جئت بشيء من اللحم والخبز، ولففته في ورقة، وكنت أريد أن أسعد به إلى أختي بالليل، ولكني اصطدمت بالظلام بواحد كان يريد أن يقتلني. . .)

فقلت مستغرباً: (يقتلك؟ لماذا!)

قال: لا شك إن هذا كان قصده، فقد كان همه أن يقبض على عنقي ويضغط، وكان يحرص على الصمت حرصاً شديداً، وعندي دليل آخر: ذلك أنه لم يكد يسمع صوت الوكيل يصيح (مين) حتى اختفى فجأة!)

فسألته: (وما منعك أن تستنجد؟)

قال: (وأفضح نفسي؟ ماذا يقولون عني إذا رأوا معي هذه الأطعمة؟ لقد كان كل همي أن أتخلص وأرتد إلى غرفتي)

قلت: (وكيف خطرت لك هذه الفكرةالسخيفة؟)

قال: (ليست سخيفة. أنها طبيعية، أول ما يخطر للمرء)

قلت: (وهل كان من الضروري أن تجئ بمربى وحلواء؟)

قال: لم أجئ بها. وهذا اللغز الذي يحيرني.)

قلت: فمن أين جاءت إذن؟ الوكيل طبعاً!)

ص: 28

قال: (لا أصدق. لقد كان خارجاً من غرفتي لينظر ما الخبر)

قلت: (صحيح. الحق معك)

قال: إذن من أين جاءت؟)

فصحت به: (وهل أنا أعرف؟ ألا يكفي فزعنا بالليل حتى تحطم لي رأسي بالنهار؟)

فاعتذر ومضى عني

وسعى الوكيل بعد أيام يسترضي سيده

والغريب أن قريبي نسي أني وعدته أن أنقذ أخته، ولو تذكر لعرف من أين جاءت المربى والرقاق، ولأدرك أن الذي اشتجر معه في الظلام لم يكن قاتلاً متربصاً، وإنما كان قريبه

إبراهيم عبد القادر المازني

ص: 29

‌الحكم الأدبي

بقلم: السيد محمد نوفل

لا تختلف الآراء وتتشعب المذاهب اختلافها وتشعبها في الآثار الأدبية، فهذا يرضى عن قطعة أدبية يضيق بها الآخر، وذاك يعجب بمعاني قصيدة يراها غيره مرذولة. . . ومن العسير أن ترجع مخالفك في مسألة فنية عن رأيه مادام يستطيع إلى الدفاع عنه سبيلاً. ولا عاب في هذا، إنما العاب في ألا يخلص الناقد للحقيقة في بحثه، ويندفع مع الهوى في رأيه

وليس من شك في أن للوهم أثراً بيناً في الأحكام الأدبية، فالكاتب الذي يرفعه الجد إلى مرتبة الشهرة يستجيد جل الناس ما يصدر عنه، إن جيداً وإن رديئاً، ولا يكادون يستمعون لاعتراض معترض عليه أو لنقد ناقد له، بينما المغمور يلاقي من عنت الناس وإرهاقهم الشيء الكثير. بل ندر أن يخرج الأديب من غمرة المجتمع ويحتل مرقباً بارزاً فيه بغير يد مشهور يقدمه إلى الجمهور بصوته المسموع، بعد أن ينثر عليه درر المدح ويكسوه حلل التقريظ. . ومن أوضح الأمثلة لهذا ما لقيه الكاتب الكبير جولد سمث، فقد ذاق البؤس أعواماً مكث فيها يعرض آثاره الأدبية القيمة والناس يعرضون عنها حتى ألف قصته التمثيلية البارعة (تمسكنت فتمكنت) وصار يقدمها إلى مديري المسارح وهم يرفضونها إلى أن أيده الله بزعيم الأدب في عصره الدكتور جونسون، فعرضها عرضاً جميلاً وأثنى عليها بالذي هي أهله، فكان تمثيلها وإعجاب الجمهور بها واستمرار عرضها أياماً عدة، وبدأ ظهور نجم جولد سمث، وكان هذا رداً قوياً على بعض مشاهير الكتاب السكسونيين الذاهبين إلى أن الإنسان سيد نفسه وليس للمقادير تحكم فيه. . .

ولعل إمام البيان الجاحظ كان يرى هذا الرأي حينما نصح لمن يريد مزاولة الأدب أن يعرض ثمرة عقله على العلماء (في عرض رسائل أو أشعار أو خطب) لمشاهير أهل البيان، فإن رأى الأسماع تصغي له والعيون تحدج إليه، علم أنه ذو موهبة أدبية واستمر في سبيل الأدب وإلا انصرف عنه إلى غيره مما ترتاح له طبيعته، ولا تشق عليه مزاولته. نعم كان الجاحظ يرى أن للوهم تأثيراً في الحكم الأدبي، وإن لم يوفق إلى طريقة سديدة يختبر بها الناشئ في الأدب نفسه، فإن الوهم الذي يصرف العلماء عن الحكم له لخموله هو بعينه الذي سيصرفهم عن الحكم على غيره لشهرته، وكان الأولى أن يرشده الجاحظ إلى

ص: 30

هذا الناقد الذي يتجرد من المحاباة وينظر إلى ما يقال لا إلى ما من يقول، ولا يحكم سوى عقله الصائب وخبرته الأدبية

ولكن الجاحظ الذي أخفق في هذا الوضع - وما أقل أن يخفق! - كاد يدلنا على هذا الناقد الذي يصح أن يعتمد عليه، ويركن في الأحكام الأدبية إليه، حينما تعرض لشرح موقف الجمهور في المفاضلة بين بليغين فذكر أن الناس في هذا ثلاثة رجال: رجل يعطى كلامهما من التعظيم والتبجيل على قدر ما لهما في نفسه وموقعهما من قلبه، ورجل يتهم نفسه فيسرف في اتهام من يعظمه خشية أن تكون منزلته عنده قد خدعته في أمره، فالأول يزيد في حقه لما له في نفسه، والآخر ينقصه من حقه لتهمته نفسه. أما الذي في استطاعته أن يقدر المعاني حق قدرها ويعطي للأشياء قيمتها الحقيقية فهو العالم الحكيم المعتدل المزاج القوي المنة الوثيق العقدة الذي لا يميل مع يستميل الجمهور الأعظم والسواد الأكثر

ولكن هل العلم وقوة المنة، والتجرد من الوهم كل شيء في الحكم الأدبي؟ أو بعبارة أخرى، هل من تتحقق لهم هذه الصفات تتشابه أحكامهم الأدبية، ولا تتباين آراؤهم الفنية؟

الحق أن هناك عوامل أخرى تعمل في تكوين الحكم الأدبي، وبقدر وجودها كاملة أو منقوصة تكون قوة الأحكام الأدبية وضعفها وهي: -

أولاً: الاستعداد الذاتي - فهناك فضائل في الإنسان يصح اعتبارها مواهب فطرية، كخصب القريحة وصفاء الذهن ودقة النظر ومرونة الطبع. فمن المؤكد أن بعض العقول تستفيد أو يظهر أنها تستفيد في أيامها الأولى أكثر من غيرها، كما يظهر أنها أكثر انتباهاً ويقظة، وأحفظ لما تستفيد من الجزئيات، وأقدر على تكوين كل منها، وعلى حفظها متفرقة كما هي، ثم أقدر على تهيئ نفسها للإجابة على مطالب الوجود الجديدة والحكم على المسائل المستحدثة، وآية أن هذه الصفات فطرية لا اكتسابية هو أنها قد تتهيأ للمتعلم كما قد تتهيأ للأمي، وقد يحظى بها المهمل كما قد يحظى بها المثقف، ولكن لا ننس أن هذا الاستعداد ليس صفة ثابتة كصلابة المعدن مثلاً، بل يعظم بالمران حتى أنه في استطاعة صاحب الاستعداد تقوية استعداده إلى درجة كبيرة تضؤل بجانبها حاله الأولى

ثانيا: النقل بأوسع معانيه - فقل من يستفيد من شعوره وتفكيره الذاتيين، ولكن معظم الناس يستفيد خبرته ممن حوله، وهذا النقل يبتدئ مع الإنسان من يوم ميلاده، حتى أن علماء

ص: 31

التربية ذهبوا إلى أن الطفل يتعلم عن طريق حاسة اللمس في أيامه الأولى. ويروي صمول سميلز (أن أماً سألت قساً عن الوقت المناسب لتربية طفلها الذي كان عمره حينئذ أربع سنين فأجابها: (لقد فقدت هذه السنين إن كنت لما تبتدئي في تربيته)

ولكن الواقع أن تربيته قد بدأت بالفعل، وإن توهمت أمه غير ذلك، فالطفل يتعلم بالمحاكاة البسيطة، وهذا التكوين الأولي لخلق الطفل يلازمه طيلة حياته. ومن هنا صح قول ملتون (الطفولة عنوان الرجولة كما أن الصبح عنوان النهار) ويقوى هذا النقل ويعظم بالتربية المدرسية والإطلاع على أحوال الأجيال الغابرة، وتعرف بالآداب الماضية والحاضرة

وهذا العامل مع ما سبقه في تنازع مستمر وتجاذب دائم وهذا التنازع هو الذي يفرق بين الناس، فمنهم ضعيف الاستعداد الذاتي، مستسلم لما ينقل لا يرى رأياً جديداً، ومنهم ناقد لما يختار وقلما يرى رأي غيره، ولا يراه إلا بعد تدقيق وتمحيص. وعامل النقل ظاهر الأثر في الحكم الأدبي، فرأي القارئ في قصيدة مثلاً مرتبط بكيفية معرفته المعاني العرفية المتعددة لكلماتها وتصورها، وبكيفية ائتلاف هذه المعاني في ذهنه، وبالحد التي تضبط إليه خبرته الذاتية العامة المعنى المركب الذي ألفته هذه المعاني الجزئية. وهكذا فما يأتي في ذهن القارئ نتيجة مجموعة مبهمة من التأثيرات الخارجية

ثالثاً: سلامة الفكر أو النزاهة - وهذه الصفة هي التي تجعل الحكم محكماً وتربط بين العقول، أو بعبارة جامعة تجعلنا إنسانيين. وأصدق التعاريف لها هو (تقدير كل الاحتمالات الممكنة، وعدم ترجيح إحداها إلا بمرجح) فأي قصيدة مثلاً تقدم نفسها إلينا على أنها محتملة مقاصد كثيرة، وهذه الاحتمالات ميادين صالحة للمران العقلي، وقد يؤثر بعضها في بعض، وما دامت هذه الاحتمالات تنال نصيباً من عنايتنا فإن أحكامنا تكون نسبية في مأمن من الزلل، ونحن حين نفرض كل الاحتمالات الممكنة نكون أكمل في معنى الإنسانية البعيدة عن التحيز منا حين نستبد بفرض واحد بعينه ثم نلتمس له بالبراهين. ثم الرأي القائم على النزاهة لا يكاد يتسرب إليه الوهن، لأننا قبل الأخذ به نفند ما عداه من الآراء

رابعاً: فهم صاحب الأثر المنقود - وهذا يكون بتعرف خلقه وما فيه من لين وقسوة وقوة وضعف. فأدب القوة ينتجه أديب قوي، وأدب الضعف ينتجه أديب ضعيف، ولا عيب على كل منهما من الناحية الأدبية، فما عيب من يصدر عنه ما يمثل نفسه؟ أما أن يطابق الأدب

ص: 32

المثل العليا أو لا يطابقها فهذه مرتبة ثانية

والأمة التي تريد أدباً قوياً، عليها أن تعمل على تكوين أدباء أقوياء، وإلا كانت كمن يتطلب في الماء جذوة نار. . . ثم لا بد مع هذا من قراءة أعظم قدر من بيان الأديب المنقود، حتى يألف الناقد أسلوبه في التفكير وطريقته في الأداء

ولكن لسوء الحظ ينسى الكثيرون هذه العوامل فيتوهمون أنه ليس في الموضوع شيء خارج عن ذات القصيدة الواحدة التي يقرأها القراء فيصورونها صوراً مختلفة، ولكن الحق هو أن اختلافهم بالقياس إلى هذه العوامل هو سبب اختلافهم في كل شيء، حتى تفسير القصيدة وتعيين مدلولات مفرداتها فيه مجال واسع للاختلاف بين القراء تبعاً لاختلاف مؤهلاتهم الخاصة، فمن قرأ كثيراً من شعر شاعر فهم ألفاظه فهماً مخالفاً لفهم من لم يقرأ له أو قرأ قليلا. وهكذا فكيفية فهم القارئ للقصيدة مثلاً يتوقف على استعداده الذاتي وكيفية تلقيه، وكيفية حيازته للمعاني الاجتماعية الموروثة والفرص التي تهيأت له للاستخدام هذه المعاني منسقة، والبيئة التي نشأ فيها وحاكاها، وتنازع استعداده الذاتي والنقل السيطرة على فكره وغلبة أحدهما للآخر، وما يعرف من خلق صاحبها وشعره، ولأن الحكم الأدبي يتوقف على هذا كله كان أكثر الأحكام تعرضاً للزلل وأقربها من الخطأ ووجب على من يتعرض له أن يحذر حذراً تاماً

السيد محمد نوفل بكلية الآداب

ص: 33

‌توماس كارليل

نظره إلى التاريخ

للأستاذ محمود محمود محمد

(ليس التاريخ العام في روحه ومغزاه - تاريخ ما أحدث الإنسان في هذا العالم - إلا تاريخ عظماء الرجال الذين ظهروا في هذه الدنيا، فقد كانوا أئمة، وكانوا مثلاً وكانوا قدوة لغيرهم، بل كانوا مبدعين لكل ما مارس الإنسان من أعمال، وكل ما حقق من أماني. إن كل ما نراه قائماً في هذا الوجود كاملاً متقناً إنما هو نتيجة مادية محسوسة، وتحقيق عملي مجسم لكل ما جال في رؤوس أولئك الرجال من أفكار، أولئك الرجال الذين هبطوا إلى هذا الوجود فكان تاريخهم بحق هو لحمة التاريخ وسداه)

بهذه العبارة يفتتح كاريل كتابه (الأبطال وعبادة البطولة) فيلخص لنا نظريته في التاريخ. يرى كارليل أن الفرد هو كل شيء، وأن قادة الشعوب هم خالقوها ومكيفوها، يؤثر الفرد في الجماعة ولا يتأثر بها. والبطولة في نظره تتقمص في فحول الرجال على صور شتى، فالرسول والشاعر والكاتب والمصلح والفيلسوف كل هؤلاء من طينة واحدة، ليس بينهم من خلاف، اللهم إلا في الهيئة التي يكتسون والأسلوب الذي ينتحون (ويصح لنا أن نعتبر هؤلاء الرجال من فصيلة فوق البشر، فصيلة غير آدمية، فكلهم رسول مبعوث إلينا برسالة خاصة من الأبدية المجهولة، من الحقائق الباطنة للأشياء، لا تحجبها عنه أباطيل الناس، وكيف ذلك والحقيقة تسطع على عينيه حتى يكاد ليعشى لنورها. . . الرجل العظيم مخلوق من فؤاد الدنيا وأحشاء الكون، وهو جزء من الحقائق الأولية للأشياء) لا تعميه عن واجبه جهالة عصره أو نقص في نفسه؛ هو يرمي إلى الحقيقة الثابتة، إلى الحقيقة الحية. ومن هذا الحق يستمد قوته، والى هذا الحق تصغي الجماهير، رسالته أبدية مثمرة (وأعمال الرجال! خبئها تحت رواسي الجبال، أو في أعشاش البوم، فهي لا تموت ولن تموت)

ويرى كارليل أن الناس مسوقون بطبيعتهم إلى عبادة البطولة (وإن الإعجاب بمن هم أعلى منا إدراكاً لأسمى شعور يتردد في الصدور، وليس روح الوجود وحياة الشعوب وكيان الجماعة الإنسانية إلا خضوعاً للعظماء وعبادة لأفكار العظماء)

وهذا الشعور كامن في الإنسان في كل زمان ومكان حتى في هذا العصر الحديث الذي

ص: 34

تحاول فيه الإنسانية أن تتخلص من سلطة الزعماء وتقيم الديمقراطية مكان الديكتاتورية كلما اتسع المجال وأتيحت الفرص

لم يكن كارليل مبتدعاً في الرأي حين رفع البطولة إلى هذا المقام وقدسها هذا التقديس، فقد سبقه إلى ذلك هيجل الفيلسوف الألماني إذ كان يقول: إن وراء كل أمة أو عصر أو مدنية (فكرة) تسيرها. هذه الفكرة هي السمة الكبرى لذلك العصر أو تلك المدنية، منها تتفرع وإليها تنتهي جميع مناحي التفكير من فلسفة أو دين أو فن أو أخلاق. هذه (الفكرة) عند هيجل هي (روح البطولة) عند كارليل. ومن ثم نرى أن كارليل كان أشد وضوحاً وأدق تعبيراً من صاحبه الألماني، وقد أراد أن يزيد وضوحاً ويتخلص من غموض (الفكرة) تماماً، فجسد (روح البطولة) في شخص (البطل) فانتقل بذلك من المعقول إلى المحسوس، ومن الفكرة المجردة إلى الحقيقة الملموسة

ومع ذلك فإن كارليل لم يتخلص من تجريد الفكرة تماماً فإن هذا (البطل)، هذا (الكائن الحي) الذي تتجسد فيه الفكرة هو في ذاته معنى مجرد تتجمع فيه فروع الحياة الشتيتة. البطل في نظر كارليل يمثل المدنية التي يعيش فيها، ورأي البطل نبراس يهتدي به بنو عصره. فلو أردنا معرفة تاريخ عصر من العصور بحثنا عن زعيمه وقائده. ولا يريدنا كارليل في دراسة هذا الزعيم أن ندرس تاريخ حياته ومجراها وإنما واجبنا أن نحلل آراءه ومعتقداته حتى نستطيع أن نفهم مدنية العصر الذي نشأ فيه بمظاهرها المختلفة، لأن المدنية - كما كان يرى - كل لا يتجزأ لها مرمى واحد ومعنى واحد.

وروح البطولة هي رائد التاريخ ومنشأ المدنيات، ومجددة الحياة الإنسانية، وما دامت كذلك منبع كل حركة فلا ينبغي أن نفهم التاريخ إلا عن طريقها وبواسطتها. ليضع علماء الاجتماع ما شاءوا من القواعد والقوانين، وليضع رجال السياسة ما شاءوا من نظم ودساتير، وليفرض علينا المؤرخون ما شاءوا من أسباب تسير هذا العالم، فليس الإنسان بكائن جامد تكيفه قاعدة، ويعبر عنه بقانون، وإنما هو روح حي يفكر ويشعر ويتأثر، يخضع لأفذاذ الرجال كلما ظهروا برغم كل قانون

وأحسن مثال يتمثل فيه بكل جلاء، نظر كارليل للتاريخ كتابه عن (كرومويل). أراد كارليل أن يؤرخ البيورتيانية، فكتب عن كرومويل زعيمها الأكبر، وحامل لوائها تاريخاً مفصلاً

ص: 35

حين تقرأه تسمع كلمات الرجل ونبرات صوته وتتخيل صورته ورسمه. يعرض عليك المؤلف صورة واضحة يضعها أمام ناظريك لتبلغ من قرارة نفسك بقدر ما فيها من قوة وتأثير، ولا يفرض عليك رأيناً بعينه ولا فكرة بذاتها، يعرض عليك الحقيقة مجردة من غير تعليق، فلا ترى المؤلف ولا أثراً من نفسه، كان البيورتان يتطلعون إلى إنشاء حكومة على دينهم ومبادئهم فوجدوا في كرومويل الرجل الذي تتجسد فيه ميولهم وأهواءهم، فوضعوه على رأس حكومتهم ورضوا به حاكماً مستبداً، ذلك لأن كرومويل بطل تتمثل فيه آراء جيل كامل وأمة بأسرها

كان كارليل يرى في كرومويل مثلاً للبطولة الحق، وينظر إلى الثورة الإنجليزية التي قام بها نظرة الإعجاب، لأنها كانت تقوم على أساس ديني متين، ولكنا نجده في كتابه عن (الثورة الفرنسية) لا ينظر بعين الرضا إلى هذه الثورة لأنها لم تخضع لزعيم واحد يمثلها ويسير بها إلى الأمام، كما أن فلسفتها كانت في صميمها غير دينية، اندفع فيها الفرنسيون وراء غرائزهم الوحشية وعملوا على إشباع شهواتهم البهيمية وإحلال الفوضى محل النظام

وظاهر أن كارليل لم يكن عادلاً في حكمه هذا. نعم كان في الثورة الفرنسية الكثير من الوحشية والهمجية، ولكنا لا نستطيع أن ننكر أن فيها خيراً كثيراً، وإنها وإن تكن ثورة غير دينية إلا أن الفلسفة التي كيفتها تنطوي على كثير من المبادئ القديمة، وإذا كانت الثورة الإنجليزية قد خدمت إنجلترا فإن الثورة الفرنسية قد خدمت العالم أجمع، وما تزال تخدمه إلى يومنا هذا

وكما انقلب كارليل على الثورة الفرنسية لخروجها عن الدين، فهو كذلك ثائر على إنجلترا الحديثة لإهمالها هذا الجانب الهام في حياتها العامة، ثائر على هذه الديمقراطية الواسعة التي تفسح المجال لكل من هب ودب ليكون ذا رأي محترم وقول مسموع، وليس من سبيل إلى خلاص البلاد إلا بعد أن تسلم زمام أمورها لزعمائها غير منازعين

وهنا نقف عند هذا الحد من بسط آراء كارليل في البطولة وأثرها في التاريخ ونسائل أنفسنا: هل كان كارليل مصيباً حينما رفع أفذاذ الرجال إلى هذا الحد من القوة وهذه المكانة من التقديس؟

إن من يتصفح تاريخ الحياة وتقدمها يرى أن الإنسانية في كل عصورها تنقسم إلى

ص: 36

شطرين: رعية كبيرة وطائفة قليلة من الرعاة، تدق هذه الرعية أمامها، هؤلاء الرعاة هم أدوات التقدم الإنساني وهم عظماء الرجال الذين يمثلون الآداب والآراء التي هي على اختلافها وتباين فنونها ومنازعها بمثابة ظواهر اجتماعية أكثر منها ظواهر فردية، أي أنها أثر من آثار الجماعة والبيئة أكثر من أن تكون أثراً من آثار الفرد الذي رآها ونشرها بين الناس. وإذا كان الأمر كذلك فليس من الحق في شيء أن ننسى الجماعة التي هي المؤثر الأول في ظهور الآداب والآراء والفلسفة، ونقصر عنايتنا على الفرد الذي كان مظهراً لهذه الآداب وتلك الآراء فنمحو الجماعة محواً ونهملهاً إهمالاً، إذ الفرد لم ينشئ نفسه وإنما الجماعة كلها متعاونة متظافرة على تنشيئه وتربية عقله وجسمه وشعوره، فهو صورة منها وظاهرة من ظواهرها. الفرد مدين بلغته ودينه وخلقه إلى الجماعة، إذن فليس من البحث العلمي القيم في شيء أن نقدس الأفراد كل هذا التقديس ونحتقر الجماعة كل هذا الاحتقار. وأنا لو صورنا لأنفسنا طائفة من أواسط الناس متوسطي الذكاء ليس لهم مواهب خاصة ولا عقلية ممتازة فد رحلوا إلى جزيرة جرداء ليس فيها من أثر من آثار المدنية ولا عمل من أعمال الإنسان أدركنا بسهولة كيف يظهر بينهم المخترع والفيلسوف والسياسي والقائد، ولا يلبثون أن يعيدوا في خلال جيل أو جيلين تاريخ التقدم الإنساني كله، ويصبح هؤلاء الأوساط صورة مصغرة من نيوتن ووطسن وكرومويل ونابليون وغيرهم، لأنهم في حياتهم الأولى كانت تعوزهم الفرصة التي أتاحتها لهم الجزيرة الجرداء، فظهرت عبقرياتهم بعد كان مقضياً عليها بالموت والفناء

ويتبين لنا من هذا أن الإنسانية لا تتقدم بظهور الرجال، وإنما يظهر الرجال لأنها تريد أن تتقدم، وفي علم الحياة نظرية ثابتة تقول أن الوظيفة تخلق العضو ولا يخلق العضو الوظيفة، فالإنسان لا يمشي لأن له قدمين، وإنما له قدمان لأنه أراد أن يمشي، ولا ينظر لأن له عينين، ولكنه ذو عينين لأنه أراد أن ينظر

ومن يتدبر التاريخ ير أن الإنسانية تعتريها فترات من الجمود تعقبها النهضات التي تظهر فيها الشخصيات البارزة، ولا تعلل هذه الظاهرة إلا بأن الظروف الاجتماعية والزمنية في فترات الجمود تخالف مثيلاتها في فترات النهضات، فالأولى لا تدعو إلى ظهور الرجال بينما الثانية تتطلب الرجال العاملين وتخلقهم خلقاً فإذا صح لنا أن نقول أن النهضة أوجدت

ص: 37

أبطالاً لا يصح أن نقول أن الأبطال أوجدوا النهضة

ولكن كارليل أراد أن ينزههم عن البشرية ويرفعهم إلى مصاف الآلهة.

محمود محمود محمد

ص: 38

‌6 - محاورات أفلاطون

الحوار الثاني

كريتون أو واجب المواطن

ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود

أشخاص الحوار: سقراط. كريتون

مكان الحوار: سجن سقراط

سقراط - ما الذي أتى بك الساعة يا كريتون؟ إنها الآن جد باكرة

كريتون - بلى إنها لكذلك

سقراط - كم هي على التحديد؟

كريتون - الفجر في البزوغ

سقراط - عجيب أن يأذن لك الحارس بالدخول

كريتون - إنه يعرفني يا سقراط لأنني جئت مراراً، ولأنني فوق ذلك ذو فضل عليه

سقراط - أجئت الآن تواً؟

كريتون - كلا بل جئت منذ حين

سقراط - إذن فما الذي أجلسك صامتاً، وكان أخلق بك أن توقظني على الفور؟

كريتون - حقاً يا سقراط إني لم أكن لأرضى لنفسي كل هذا الغم والأرق، ولكني أخذت بالعجب أن رأيتك في نعاس هادئ، فلم أرد لهذا أن أوقظك، وآثرت لك أن تظل بعيداً عن الأسى، لقد عرفتك دائماً سعيداً بما لك من مزاج هادئ، ولكني لم أر الدهر ضريباً لك في احتمالك لهذا المصاب مستخفاً باسماً

سقراط - إن الإنسان يا كريتون إذا عمر ما عمرت فلا ينبغي له أن يجزع من شبح الموت

كريتون - ولكن سواك من الكهول، إذا ما نزلت بهم أشباه هذه الكوارث لا يمنعهم الهرم من الجزع

سقراط - قد يكون ذاك، ولكن هلا حدثتني عما أتى بك في هذه الساعة الباكرة؟

كريتون - أتيت أحمل نبأ مؤلماً يبعث على الشجن، لا بالنسبة إليك فيما أظن، بل بالنسبة

ص: 39

لنا جميعاً - نحن أصدقاءك - وهو عندي أبلغ ما يكون إيلاماً

سقراط - ماذا؟ أحسب أن قد عادت السفينة من ديلوس ووصولها بنذير بموتي؟

كريتون - كلا لم تبلغنا السفينة بعد، ولكنها ربما وصلت اليوم، فقد انبأني أناس جاءوا من صونيوم، أنهم خلفوها هناك، إذن فآخر يوم من حياتك يا سقراط هو الغد

سقراط - مرحى يا كريتون، إن كانت هذه إرادة الله فمرحباً بها، ولكني أعتقد أن سيؤجل الأمر يوماً آخر

كريتون - ومن أنبأك هذا؟

سقراط - هاك الخبر. إني بالغ أجلي في اليوم التالي لوصول السفينة

كريتون - نعم، وهذا ما يرويه أولو الأمر

سقراط - ولكني لا أظن أن السفينة بالغتنا إلا غداً. عرفت ذلك من رؤيا رأيتها ليلة أمس. بل كنت أراها الآن تواً، حين تركتني - لحسن حظي - نائماً

كريتون - وكيف كانت رؤياك تلك؟

سقراط - جاءتني شبيهة امرأة جميلة وسيمة، تدثرت بثوب أبيض، وصاحب بي قائلة: يا سقراط، إنك ذاهب إلى أخراك في اليوم الثالث عداً من الآن

كريتون - ما أعجبه من حلم يا سقراط!

سقراط - معناه ظاهر يا كريتون، وليس فيه مجال للريب

كريتون - نعم إنه جلي غاية الجلاء، ولكن، أواه! يا عزيزي سقراط، دعني أتوسل إليك مرة أخرى، أن تأخذ بنصحي فتعمد إلى الهروب، لأنك إذا مت فلن أفقد فيك صديقاً فريداً وكفى، ولكن ثمة فوق ذلك شراً: سيزعم من لا يعرفك ولا يعرفني من الناس أني كنت أستطيع لك النجاة لو أنني رغبت في بذل المال، ولكنني لم أعبأ بك، أفيمكن أن يكون بعد هذا العار عاراً - أن يقال أني آثرت المال على حياة صديق؟ وهيهات أن يقتنع الدهماء بأني أردتك على الفرار فرفضت

سقراط - وفيم العناية بحديث الدهماء، يا عزيزي كريتون؟ سترى الفئة الصالحة في ذلك رأياً صواباً يطابق ما وقع، وهي وحدها جديرة بالاعتبار

كريتون - ولكنك ترى يا سقراط أن رأي الدهماء لا بد من اعتباره وذلك ظاهر في قضيتك

ص: 40

أنت، ففي مقدورهم أن ينزلوا أفدح المحن بمن لم يظفر عندهم بالرضا كائناً من كان

سقراط - ليتهم يستطيعون ذلك يا كريتون فذلك كل ما أرجوه، إذ لو استطاعوا لكان كذلك في وسعهم أن يفعلوا أعظم الخير. فيكون ذلك منهم جميلاً. ولكنهم في حقيقة الأمر عاجزون عن فعل الخير والشر على السواء، وليس في مقدورهم أن يصيروا الرجل حكيماً أو فدماً، وكل أفعالهم وليدة المصادفة

كريتون - نعم ولست منازعك في ذاك، ولكن هلا تفضلت فأنبأتني يا سقراط - إن كنت لا تغض النظر عني وعن سائر أصدقائك فيما تصرف من الأمر -: ألست تخشى أنك إن فررت من هذا المكان فقد يصيبنا النمامون بالضر بسبب اختطافك، وإنا قد نفقد أملاكنا كلها أو جلها، أو قد ينزل بنا من الشر ما هو أشد من ذلك هولاً؟ فليطمئن قلبك إن كان ذلك ما تخشاه، فواجب حتم علينا أن نخاطر بهذا، وبما هو أعظم من هذا في سبيل نجاتك، فاقتنع إذن بما أقول، وافعل بما أشير

سقراط - نعم يا كريتون، وليس هذا الذي ذكرته كل ما أخشى، وإن يكن جانباً منه

كريتون - لا تخف. إن هناك نفراً يود لو ينجيك فينتزعك من غيابة السجن، ولن يكلفهم ذلك شططاً، أما النمامون فهم كما ترى لا يشتطون في الطلب، ويقنعهم من المال قليله. إن مالي بأسره رهن إشارتك، وهو كاف فيما أعتقد، فإن أشفقت أن ينفد كله، فهاهم أولاء نفر من الغرباء يمدونك بما يملكون، وهذا أحدهم سيماس الطيبي قد أحضر معه لهذا الغرض نفسه مبلغاً من المال. وذلك سيبس وغيره كثيرون، يتمنون أن يبذلوا في سبيلك أموالهم، إذن فلا تحسب لذلك حساباً، ولا تتردد في سبيل تنفيذ القرار. ولا تقل كما قلت في المحكمة أنك لا تدري ماذا عساك أن تفعل بنفسك إن فررت، فأنى حللت نزلت من الناس منزلاً كريماً، وليس ذلك قاصراً على أثينا، فثمة في تساليا ستجد من أصدقائي حماية وتقديراً إن أحببت الذهاب إليهم، ولن تصادف بين بني تساليا جميعاً فرداً يصيبك بالأذى، ولست أرى بعد هذا كله ما يبرر لك يا سقراط أن تفرط في حياتك، والنجاة ميسورة مستطاعة. إنك لتلعب بنفسك في أيدي أعدائك وقاتليك، بل إني لأزعم فوق هذا أنك إنما تسيء إلى أبنائك، لأنك آثرت أن ترتحل تاركهم لما قسمت لهم حظوظهم وكان في وسعك أن تقوم بنفسك على تنشيئهم وتربيتهم، فإن لم يصبهم ما يصب اليتامى عادة من قضاء، لما استحققت

ص: 41

عندهم من الشكر إلا قليلاً، فليس للإنسان أن يقذف في العالم بأطفال لا يحب أن يستميت حتى النهاية في إطعامهم وتربيتهم، ولكنك تختار أيسر الأمرين، فيما أظن، لا أحسن الأمرين وألصقهما بالرجولة، وكان ذلك أجدر برجل مثلك يبشر بالفضيلة في أفعاله جميعاً. حقاً إني لأستحي منك بل من أنفسنا نحن أصدقائك، كلما دار بخلدي أن قصتك هذه جميعاً، ستنسب إلى نقص في بسالتنا، فما كان ينبغي أن تكون المحاكمة، أو يكن يجب أن تختم بغير ما ختمت به، وهذه النهاية التي أراها أسوأ العبث، ستبدو للناس كأنما صادفت منا ارتياحاً، لما أبديناه من ضعة وخور، نحن الذين كان بوسعنا أن ننجو بك، كما كان بوسعك أن تنجو بنفسك، لو كنا نملك لأي شيء نفعاً (إذ لم يكن الفرار أمراً عسيراً) وسيُظن يا سقراط أنا لم نقدر أن ذلك كله سينقلب علينا وعليك بؤساً وعاراً، ففكر إذن في الأمر إن لم تكن قد اعتزمت بعد شيئاً، فقد انقضت فرصة التفكير ولم يعد لديك إلا أمر واحد يجب إنجازه هذا المساء، لو كنت تريد له إنجازاً، فإن أرجأت أمرك تعذر واستحال، وعلى ذلك فأنا أتوسل إليك يا سقراط أن تسلس لي القياد وأن تفعل بما أشير

سقراط - أي عزيزي كريتون! ما أعز حماسك وما أنفسه، لو كان في جانب الحق، أما إن كان للباطل فكلما ازداد الحماس اشتعالاً ازداد الأمر سوءاً، فلننظر إذن إن كانت هذه الأعمال واجبة الأداء أم ليست كذلك، فقد كنت دائماً، وما أزال، من تلك الطبائع التي تلتزم دليل العقل، كائناً ما كان رأيه، ما دام يبدو عند التفكير أنه الرأي الأمثل. أما وقد أصابتني هذه المحنة فلا يسعني أن أهمل الآن ما ارتأيته قبلاً، فما زالت مبادئي التي طالما أجللتها وقدستها؛ تنزل عندي منازل الإجلال والتقديس. فثق أني لن أظاهرك في الرأي، اللهم إلا إذا اهتدينا الآن إلى مبدأ يكون خيراً منها. نعم، لن أصغي إليك حتى ولو زادني الدهماء حبساً ومصادرة وموتاً، ملقين في نفوسنا من أراجيف الشياطين المفزعة ما نرهص به الأطفال، فأي سبل التفكير أهدى إلى بحث هذا الموضوع؟ أعوْداً إلى رأيك الذي سقته من قبل عما يقول الناس عنا، وبعضه يستحق الاعتبار دون بعض كما سبق لنا القول؟ أكنا نصيب لو أننا أخذنا برأيك (وهو أن يقام وزن لما يقول الناس) قبل الحكم بالإدانة؟ أم هل ينقلب الرأي الذي كان صائباً حيناً ما، كلاماً لمجرد الكلام، ويتبين أنه لم يكن في الواقع إلا عبثاً اتخذ سبيلاً للتسلية واللهو؟ أبحث معي هذا يا كريتون: أترى أنه لم يعد منطقي الذي

ص: 42

اتخذته أولاً يلائم على أية حالة ما يكتنفني الآن من ظروف، أم لست ترى الأمر كذلك؟ ثم هل هو حقيق عندي بالرفض أم بالقبول؟ إن كثيراً ممن يزعمون لأنفسهم رجاحة الرأي يذهبون فيما أعتقد إلى هذا الذي أشرت إليه من قبل، وهو أن من الناس بعضاً يجدر بآرائهم الاعتبار، وأما بعضهم الآخر فلا يصح أن يؤبه له. وإنك يا كريتون لست مقبلاً غداً على موت، أو ليس هناك احتمال بشري بهذا على الأقل، فأنت إذن حكم صالح، لا يؤثر فيك الهوى ولا تميل بك ظروفك وموقفك عن جادة الحق. حدثني إذن: ألست مصيباً فيما أزعم، بألا نقدر من آراء الناس إلا بعضها فقط؟ لقد أخذت بهذا الرأي، وأنا أسألك هلا تراني قد أصبت فيما ارتأيت؟

كريتون - ليس في ذلك ريب

سقراط - ألا يجب أن نحفل بما يقوله أبرار الناس دون شرارهم؟

كريتون - بلى

سقراط - وما يرى الحكماء فهو خير، وما يرى غير الحكماء فهو شر

كريتون - لا شك في ذلك

سقراط - لننظر ما قيل في غير هذا الموضوع، هل يطلب إلى طالب التمرينات البدنية أن يصغي إلى القدح والثناء، والى رأي كل إنسان فيه، أم يجب أن يستمع إلى رأي رجل واحد فقط - هو طبيبه أو مدربه كائناً من كان؟

كريتون - إنه يستمع إلى رأي رجل واحد فحسب

سقراط - أينبغي أن يخاف اللوم وأن يرحب بالثناء يوجهه ذلك الرجل وحده، وألا يأبه للوم الناس ومدحهم؟

كريتون - بدهي ما تقول

سقراط - ويجب أن يعيش ويدرب، وأن يأكل ويشرب، على نحو ما يبدو صالحاً لذلك المعلم الأوحد، وهو عليم بأمره، فذلك أجدى من السير تبعاً لما يراه سوى معلمه من الناس ولو كانوا أجمعين؟

كريتون - هذا حق

(يتبع)

ص: 43

زكي نجيب محمود

ص: 44

‌زواج الشاعر

للأديب حسين شوقي

(س) شاعر شاب تزوج منذ عام بزوجة من الريف لأنه كان يريد فتاة ساذجة طاهرة الجسم والعقل - وذلك ما يندر في المدن الكبرى - يستطيع أن يصوغها على ما يلائم ذوقه الفني، وما يتفق ومثله العليا. . .

عاد (س) بالفعل من الريف بالزوجة المنشودة، إلا أنه وجد من الصعوبة في تكوينها ما وجده آباؤنا في نحت الجرانيت؛ لأن الفتاة كانت ساذجة جداً. . . ثم وجد مع الأسف أنها أقل عاطفة من فتيات المدن وهي بنت الريف التي نشأت وترعرعت بين الحدائق والزهور. . فإن حب الفتاة لشاعرنا كان حباً ضئيلاً جداً إذا قيس بحبه لها، لأن الشاعر احتفظ بطهارة قلبه طوال شبابه من أجل هذا اليوم المشهود (مع استثناء بعض جولات في الغزل البريء) فكان ما به من احتياطي الحب قد يعادل ما في خزائن بنك فرنسا من احتياطي الذهب. . . أما قلب الفتاة فكان أشبه بجليد (الأسكيمو). . .

ولما كان (س) شديد الإحساس كمقياس الحرارة، فإن كان يتألم من الحركات والإشارات غير الموفقة التي كانت تأتيها زوجته كي تغطي حبها الضئيل له. . . ولشد ما كان الشاعر شديد الإشفاق عليها من أجل هذا. .!

انقضى عام على زواج الشاعر، فخرج بهذه المناسبة إلى الخلاء يشكو همه إلى الأطيار والأزهار، أصدقاء الشاعر الحقيقيين. . .

جلس الشاعر هناك على بساط من الخضرة، ثم أخذ يستعيد في ذاكرته حياته الزوجية خلال العام المنصرم، فأحس من جراء ذلك بهم شديد وحزن بالغ. . . فكم من حوادث محزنة وقعت خلال تلك السنة!

إنه ما زال يذكر مع الأسف والحسرة تلك الليلة التي أتفق فيها الزوجان على الذهاب إلى المسرح ليشهدا رواية مشهورة. . إلا أن الزوج مرض في اللحظة الأخيرة، فقال عندئذ من باب المجاملة لزوجه، وقد ظن أنها ستبقى بجانبه لتمريضه وتسليته: إذا شئت فاذهبي أنت يا عزيزتي إلى المسرح. . سأطلب م. . (صديق للشاعر) في التليفون ليأتي فيصطحبك. . ولشد ما كانت خيبة أمله كبيرة حينما أجابته: حسن. . سأذهب مع م. . بعد أن أقيس

ص: 45

حرارتك لأطمئن عليك! أرادت الزوجة بقولها هذا أن تظهر اهتمامها بجسمه. . . ولكن هل فكرت في قلب الشاعر المسكين؟

وفي ليلة أخرى ذهب الزوجان إلى حفلة رقص. . . فلما عزفت الموسيقى بلحن (الدانوب الأزرق الجميل) الذي كان الشاعر يحبه حباً جماً، ذهب من فوره إلى حيث كانت تجلس زوجه ليطلب منها أن ترقص معه هذا الدور، فاعتذرت إليه لارتباطها بوعد سابق! مع علمها بحب زوجها الشديد لهذا اللحن. . . وكان قد أهدى إليها قبل الذهاب إلى الحفلة وردة بيضاء حلت بها صدرها. . . فافتقدها أثناء الحفلة فلم يجدها على صدرها، فسأل عنها وقد ظن أنها سقطت منها أثناء الرقص، إلا أنها أجابته بكل سذاجة: الوردة؟ إن صديقتي البارونة ل. . أظهرت إعجابها بها فأعطيتها إياها! كاد الشاعر يموت في تلك الليلة من الغم. . .

وفي مرة أخرى سافرت زوجته إلى الريف تعود أمها وكانت مريضة مرضاً خطيراً. . ومكثت هناك أسبوعين لم ترسل خلالهما إلا كتابين قد احتويا على عواطف تشبه تلك العواطف الأنموذجية الموجودة في كتب (برليتز) للتمرين والترجمة!. . وفي يوم عودتها من الريف، بدلاً من أن تقضي السهرة على انفراد مع زوجها بعد تلك الغيبة، دعت بعض الأصدقاء إلى السينما لمشاهدة الممثلة جريتا جاربو في فلمها الأخير

بينما كان الشاعر يعيد هذه الحوادث في مخيلته إذ به يسمع تغريد عصافير على الشجرة، فرفع إلى الشجرة نظره، فإذا به يبصر عصفورين على غصن، متعانقين في شوق وحنان، عندئذ سقطت دمعة كبيرة على خد الشاعر، ثم نظر في ساعته فوجد أنه قد تأخر في نزهته، فبادر بالعودة إلى المنزل، لأن زوجه كانت قد دعت بعض الأصدقاء للاحتفاء بمرور عام على زواجهما السعيد!

كرمة ابن هابي

حسين شوقي

ص: 46

‌من الأدب الأندلسي

4 -

التوابع والزوابع

بقلم: محمد فهمي عبد اللطيف

أتينا في المقال السابق على آراء ابن شهيد في شخصية الأديب، وقلنا أنها آراء صائبة لم يسبقه إليها أحد في العربية، ونريد في هذا المقال أن نستجلي آراءه في الآثار الأدبية، فنتعرف المظاهر التي اعتبرها مسباراً لبراعة الأديب الفنية، واتخذها مقياساً لقوته في الصناعة، وقد اعتبر ابن شهيد لذلك عدة مظاهر دل عليها في مواضع متفرقة من (التوابع والزوابع)؛ وأول ما دل عليه من هذه المظاهر: المعنى السامي البديع، يختال في اللفظ المشرق السمح. فالأديب عند ابن شهيد لا يبلغ الشأو ولا يستحق اسم الصناعة إلا (بتعمد كرام المعاني، وتقحم بحور البيان. . . فيمتطي الفصل، ويركب الحد، ويطلب النادرة السائرة، وينظم من الحكمة ما يبقى بعد موته) ولعل من المعلوم أن قضية (اللفظ والمعنى) كانت من القضايا التي طال فيها جدال النقاد المشارقة، واختلفوا في الأخذ بها بعضاً وكلاً، فاعتبر بعضهم اللفظ وحده مظهراً لبراعة الأديب وقوته، ذلك لأن المعاني مطروحة أمام الناس، فالبليغ من أجاد صياغتها، وأحسن سبكها. واعتبر الآخرون المعنى فحسب، فالأديب لا يفضل الأديب ولا يفوقه إلا بجدة أفكاره وغزارة معانيه، ثم استقر الرأي على الجمع بين شقي القضية، فأصبحت براعة الأديب تستجلي في ألفاظه ومعانيه، وأصبح الأديب لا يبلغ منتهى البراعة والقوة (إلا بتعمد كرائم المعاني وتقحم بحور البيان) كما يقول ابن شهيد

وابن شهيد يحب الازدواج في الكلام، ويرغب في المماثلة والمقابلة، ولكنه يكره التزام السجع، ويراه أفناً لا يليق بفارس البيان، ومن العجيب أنه مع ذلك كان يلتزم السجع كثيراً في أسلوبه، وكأن الرجل قد توقع الاعتراض عليه من هذه الناحية، فأراد أن يعتذر عن نفسه، فزعم أنه التقى بعتبة بن أرقم شيطان الجاحظ فشهد له بأنه خطيب وحائك للكلام مجيد، ولكن لامه على غرامه بالسجع، فقال ابن شهيد يرد عليه:(ليس هذا - أعزك الله - جهلاً مني بأفن السجع، وما في المماثلة والمقابلة من فضل، ولكني عدمت ببلدي فرسان الكلام. . .) ثم ينطلق في الانتقاص من معاصريه فيزعم أنهم لغباوتهم لا يفقهون الازدواج ويكبرون من قيمة السجع، فاضطر أن يسجع حتى يحرك من نفوسهم، ويلج بكلامه إلى

ص: 47

قلوبهم، فيقول عتبة: إنا لله، ذهبت العرب وكلامها، ارمهم بسجع الكهان فعسى أن ينفعك عندهم، ويطير لك ذكر فيهم. وهذه معذرة إن صحت لا نقبلها من ابن شهيد، فليس من حسن الرأي أن ينحرف الكاتب عن طريقة يراها سديدة إلى أخرى مستهجنة ليظفر بالرضى من بعض الناس، وإنما الكاتب العبقري هو الذي ينتهج طريقه ويدع الأذهان تتبصر مسلكه؛ وتتبين خطواته فتترسم سيره، وتأخذ أخذه. . .

ولكن ابن شهيد يعود فيستدرك على قضية (اللفظ والمعنى) مظهراً آخر من مظاهر البلاغة، فيرى أن هناك (صوراً من الكلام تملأ القلوب وتشغف النفوس، فإذا فتشت لحسنها أصلاً لم تجده، وللجمال تركيبها وجهاً لم تعرفه، وهذا هو الغريب أن يتركب الحسن من غير حسن. . . وكذلك كقول امرئ القيس:

تنورتها من أذرعات وأهلها

بيثرب أدنى دارها نظر عالي

فهذه الديباجة إذاتطلبت لها أصلاً من غريب معنى لم تجده!! ولكن لها من التعلق بالنفس والاستيلاء على القلب ما ترى. .)

وهذا كلام حمله ابن شهيد على ما اشترطه في شخصية الكاتب من قوة الطبع وصفاء الروح كما سبق بيانه، ومعنى هذا الكلام أنك إذا تأملت بعض الصور الكلامية الرائعة لا تجد لروعتها أصلاً من جزالة اللفظ أو طرافة المعنى، بل قد تكون سهلة التناول قريبة الغور، ولكن روعتها ترجع إلى ما يكمن فيها من القوة الروحية للكاتب، وأكثر ما تتجلى هذه القوة في كلام الله (حين يتحدث ذو الجلال عن ذاته وصفاته. وقدرته وقوته، وجلاله وعزته، ولطفه ورحمته، وناره وجنته، ووعده ووعيده، وإنذاره وإعذاره، وقد كان لهذه القوة الرائعة الأثر الأقوى في رياضة العرب واجتذاب نفوسها نحو الإسلام، وهي التي كانوا يشعرون بوقعها من غير أن يعلموا كنهها). ومن العجيب أنك تقرأ الأبيات من الشعر العالي أو النثر البديع فتشعر بهذه القوة رائعة ظاهرة تكسو الكلام جلالاً وجمالاً، فتحاول أن تعبر عنها كما يجب فتجد نفسك عاجزاً مقصراً، ذلك لأن قوة الكلام لا ترجع في هذه الحال إلى الألفاظ والمعاني، وإنما هي ترجع إلى ما فيه من القوة الروحية، وقد أخذ بعض الكتاب المعاصرين هذه الفكرة عن ابن شهيد، وتبناها لنفسه، وادعى أنها انحدرت من عقله إلى قلمه، وهاجم بها الباقلاني في أقواله في إعجاز القرآن، وجادل بها الكتاب والنقاد الذي

ص: 48

تصدوا للرد عليه!!

وثمت مظهر آخر من مظاهر القوة والبراعة عند الأديب في رأي ابن شهيد، وهذا المظهر هو التفنن في توجيه الخطاب بحيث يكون على وفق أقدار المخاطبين، والتصرف في إيراد القول بحيث يكون من السهولة أو القوة على حسب ما يقتضيه المقام، وقد ذكر ابن شهيد هذه المسألة وهو يشرح ما كان يقع له مع الشاحذين في قرطبة، وكيف كان يعينهم بشعره على نيل مآربهم، فقال:(وربما لاذ بنا المستطعم باسم الشعر، ممن يخبط العامة والخاصة بسؤاله، فيصادف منا حالاً لا تتسع له في كبيرة مبرة، فنشاركه ونعتذر له، وربما أفدناه بأبيات يتعمد بها البقالين ومشايخ القصابين، فإذا قارفت أسماعهم، ومازجت أفهامهم، در حلبهم، وانحلت عقدهم، وجل شخص ذلك البائس في عيونهم، فما شئت إذ ذاك من خبزة وثيرة يحشى بها كمه، ورقبة سمينة تدس في مخلاته، وتينة رطبة يسد بها حلقومه. . فلا يكاد البائس يستتم ذلك حتى يأتينا فيكب على أيدينا يقبلها، وأطرافنا يمسحها، راغباً في أن نكشف له السر الذي حرك العامة فبذلت ما عندها له، وبادرت برفدها إليه. وتعليمه ذلك النحو من الشحذ لا نستطيعه، لأن هذا الذي يريد من هو تعليمه البيان، وبين فكره وبينه حجاب!! ولكل ضرب من الناس ضرب من الكلام ووجه من البيان. .)

وقد سبق أبو هلال العسكري ابن شهيد إلى تقرير هذه الحقيقة بعبارة أصرح وأوضح فقال في كتابه الصناعتين: (وينبغي أن تعرف أقدار المعاني فتوازن بينها وبين أقدار الحالات فتجعل لكل طبقة كلاماً، ولكل حال مقاماً، حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات، واعلم أن المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال. . . فإن كنت متكلماً أو احتجت إلى عمل خطبة لبعض من تصلح له الخطب، أو قصيدة لبعض ما يراد له القصيد، فتخط ألفاظ المتكلمين، مثل الجسم والعرض واللون والتأليف، والجوهر، فإن ذلك هجنة. وكذلك كن أيضاً إذاكنت كاتباً)

ولعل بشار بن برد كان أول من دل على هذه الظاهر واستعملها في شعر من حيث كان الناس يعيبونها بها، فقد جاء في الأغاني بسنده أن بعضهم قال: قلت لبشار إنك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت! قال وما ذاك؟ قلت بينا تقول شعراً يثير النقع وتخلع به القلوب مثل قولك

ص: 49

إذا ما غضبنا غصبة مضرية

هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دماً

إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة

ذرى منبر صلى علينا وسلما

تقول:

ربابة ربة البيت

تصب الخل في الزيت

لها عشر دجاجات

وديك حسن الصوت

فقال بشار: لكل وجه، وموضع الأول جد، وهذا قلته في ربابة جاريتي، وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة لها عشر دجاجات وديك فهي تجمع لي البيض، فهذا عندها أحسن من (قفا نبك. . .) عندك

وصدق بشار فيما قال، فإن البليغ هو من يحوك الكلام على حسب الأماني، ويخيط الألفاظ على قدود المعاني، وقد تكون هناك مواقف للقول يطلب فيها الأسفاف، ويحلو فيها التبذل، فيكون بأقل في عيه وفهاهته، أفصح من سحبان في تشدقه ورغائه، ويقيني لو أن بشاراً توجه في الخطاب إلى جاريته بلغته في الفخر والحماسة، لدل على الحماقة في طبعه، والسقم في ذوقه، وربما ظنت هذه الجارية أنه يشتمها، فكانت تمنعه بيض دجاجها، وتحتم عليه أن يشتري البيض من السوق، فلا يفيده تقعره، ولا ينفعه شعره، فمن القصور أن يلتزم الشاعر أو الكاتب نمطاً واحداً في التعبير لا يتعداه، فيكون في جده كهزله، ومن الهذيان أن يتعنت في توجيه الخطاب، فيكون في كلامه إلى أهل الثقافة والمعرفة كما هو في كلامه إلى ذوي الفهاهة والعي، وإنما الطبع القوي هو الذي يواتي صاحبه في كل طريق يسلكه، والذوق السليم هو الذي يقضي عليه بتوجيه الخطاب إلى مقتضى الحال، حتى يستطيع من وراء ذلك أن ينال غرضه عند المخاطب، وأن يصل إلى قرارة نفسه في يسر وسهولة، فلو انتهج الأدباء هذه الخطة التي أوضحها ابن شهيد، ولو علموا أن لكل ضرب من الناس ضرباً من الكلام، ووجهاً من البيان، لأمكنهم أن يغزوا نفوس الناس على اختلاف طبقاتهم بأفكارهم وأساليبهم، وأن يخلقوا الإحساس الفني في نفوس الجمهور على مر الزمن

محمد فهمي عبد اللطيف

ص: 50

‌4 - بين القاهرة وطوس

طهران

للدكتور عبد الوهاب عزام

استرحنا بقية اليوم وزرنا بالليل دار المفوضية المصرية، ومر وزير المعارف فترك بطاقاته للمندوبين، ووزع عليهم منهاج المؤتمر وأوراق أخرى فيها دعوات إلى حفلات كثيرة، وعرفنا من المنهاج أن أيام المؤتمر والحفلات خمسة عشر يوماً من الأربعاء الرابع والعشرين من جمادى الثانية سنة 1353 (3 أكتوبر سنة 1934 - 12 مهرماه سنة 1313) إلى يوم الجمعة عاشر رجب. ومن ذلك ستة أيام في طهران، وثلاثة في مشهد، وستة في الطريق بين مشهد وطهران ذهاباً وأوبة. وقد سجل في بيان أعضاء المؤتمر اثنان وأربعون من ممثلي الأمم المختلفة، ومثلهم من الإيرانيين. ومندوبو الأمم يمثلون ثماني عشر أمة بينها من أمم الشرق: مصر والعراق وتركيا وأفغانستان والهند واليابان

وفي اليوم التالي بدئت أعمال المؤتمر بمدرسة دار المعلمين في بهو فسيح صفت فيه مقاعد كثيرة، صفوفها الأولى لأعضاء المؤتمر والأخرى للحضار من غيرهم. ووضع في صدر المكان تمثال للفردوسي، ومنصة الرياسة، ومنصة الخطابة، واستمر اجتماع المؤتمر خمسة أيام. وكان الموعد من الساعة التاسعة صباحاً إلى الواحدة بعد الظهر. وزيدت جلستان في مساء اليومين الثالث والرابع لكثرة مريدي الكلام من الأعضاء. وقد تكلم زهاء أربعين قليل منهم من الإيرانيين، وترك بعض الإيرانيين الكلام ليفسحوا مجال القول لضيوفهم

افتتح المؤتمر فروغي خان رئيس الوزراء، ولجنة الآثار القومية، فشكر الوفود باسم الأمة الإيرانية، والحكومة، ولجنة الآثار على ما أجابوا الدعوة وتحملوا مشاق السفر، وأبلغهم سرور جلالة الشاه بقدومهم، وأنه سيقابلهم في طوس، وقال:

(يقول الشيخ سعدي (إن السفر لا يطول على قاصد الحبيب) وإنما أجاب السادة الفضلاء دعوة الفردوسي. وإذا كان الداعي هو الفردوسي أمكن أن نقول: (ليس في السفر الروحي بعد عن المنازل) ونحن مواطني الفردوسي الذين عهد إلينا شرف الترحيب بكم نيابة عنه، نعرف أنكم كنتم على يقين مما تلقون من المشقات الجسمانية، ولكن أرواحكم الكبيرة الكريمة قلبت المحنة راحة بهمتها العظيمة. وأولت إيران يداً لا تنسى. أجل قد حملتمونا

ص: 51

المنن العظيمة، ولكن كان لكم الحق فيما حملتم أنفسكم من مشقة، فإن الفردوسي إن تعلق بإيران جسماً فهو ابن الإنسانية روحاً، بل أقول إذا أذنتم لي: إنه من آباء الإنسانية. وبعد، فقبيح أن يتصدى جاهل مثلي لتعريف علماء أمثالكم بالفردوسي، فمن الخير ألا أشغل أوقاتكم النفيسة، وأن أفسح المجال لأعمالكم المفيدة)

ثم أعلن افتتاح المؤتمر، وأخبر أن علي أصغر حكمت كفيل وزارة المعارف سيتكلم بالفرنسية، لأن بعض الحاضرين لا يعرف الفارسية. فتكلم كفيل المعارف مبدياً سرور الإيرانيين وشكرهم للعلماء الذين وفدوا للمشاركة في حفلات الفردوسي ثم قال:

(إن اجتماع هذا العدد من العلماء على اختلاف الأوطان دليل قاطع على ما قيل من أن العلم والأدب لا وطن لهما. فحيثما لمع نور هذه الموهبة الإلهية اتجهت إليه النفوس المستعدة، والأرواح المشتاقة كالفراش، فيرون أنفسهم في هذه المرآة المشتركة بينهم ويقولون: كنا متحدين، كنا جوهراً واحداً، كنا بغير أجسام ورءوس، كنا جوهراً وضاءاً كالشمس، وكنا صافين كالماء. فلما تصور هذا النور الجميل ظهرت أعدادنا ظهور الظلال على الشرفات

إن اهتمام الأمم العظيم بعيد الفردوسي الألفي، واحتفاءها به في بلادها، وإرسال فضلاءها إلى قبر شاعر إيران برهان على أن الأمم لا تختلف في الحقائق على رغم ظواهر الأمور. إن بين الأمم اختلافاً في السياسة، والاقتصاد، والتجارة، والمعيشة، والآداب والعادات - اختلافاً جعل العالم الحاضر مادياً ملؤه الشرور والآفات، ولكن كلما لاحت للناس الأمور المعنوية والفوائد العلمية والأدبية امحت هذه الاختلافات، وتجلى الوفاق والوئام - ثم بين كفيل المعارف أن الاشتراك في مثل هذه الأمور أحسن وسيلة إلى التقريب بين الأمم، وقال: لذلك أفتخر بأن أقول إن اهتمام الأمة الإيرانية بعيد الفردوسي، ودعوة الأمم إلى المشاركة فيه يعد في الحقيقة خطوة إلى التفاهم الحقيقي بين الأمم وإن يكن في ظاهره ذا مقصد أدبي وتاريخي)

وبعد فراغ وزير المعارف من كلمته دعي الحاضرون إلى انتخاب مكتب المؤتمر فكانت نتيجة الانتخاب:

الحاج محتشم السلطنة اسفند ياري رئيس

الأستاذ كريستنسون الدانمركي نائب الرئيس

ص: 52

الأستاذ زارة الألماني نائب الرئيس

الأستاذ هنري ماتسي الفرنسي منشي (سكرتير)

الدكتور عبد الوهاب عزام المصري منشي (سكرتير)

ثم تلا الرئيس رسائل كثيرة من الحكومات والجامعات تبين عن مشاركة الإيرانيين في الحفاوة بشاعرهم. ثم تكلم بعض المندوبين كلمات قصيرة أبانوا فيها عن سرورهم بالمشاركة في هذا الاحتفال. وكان من المتكلمين الأستاذ عبد الحميد العبادي فتكلم بالعربية عن فضل الفرس على الأدب العربي، وألقى الشاعر الكبير الزهاوي قصيدة فارسية

ثم بدئت المحاضرات على ترتيب حروف الهجاء، فكان أول المتكلمين الأستاذ العبادي فتكلم عن الأخلاق في الشاهنامه، واستمرت كلمته خمساً وعشرين دقيقة وتلقاها الحاضرون بالاستحسان. واقتبس منها بديع الزمان أحد أدباء إيران حينما تكلم عن الشاهنامه من بعده

وفي اليوم التالي تكلم سفير الروس، وترجمت كلمته إلى الفارسية، وأهدى عن دولته كتباً وصوراً فارسية قيمة، ثم خطب سفير الألمان، وقدم هدايا من الكتب منها فهرست للشاهنامه، وأعلن منح بعض الجامعات الألمانية رئيس وزراء إيران دكتوراه في الآداب، وانتخاب وزير المعارف عضواً في جمعية المستشرقين الألمانية. ثم تكلم آخرون، وانتهت الجلسة بإنشاد الشاعر الكبير الزهاوي قصيدة عربية (نشرت في الرسالة)

وفي اليوم الثالث كانت جلستان: في الصباح والعشي، وتكلم ثمانية. وكنت ثاني المتكلمين في الصباح فألقيت بالفارسية كلمتي (مكانة الشاهنامه في آداب الأمم) في عشرين دقيقة. وقد تفضل الحاضرون فأحسنوا استقبالي حينما قمت للكلام، وأحسنوا الاستماع لي، ثم أبدوا استحساناً عظيماً حينما فرغت، وإني أدع للجرائد الإيرانية الكلام، فإن القارئ المصري يهمه أن يعرف ما قالت جرائد إيران في ذلك

قالت جريدة إطلاعات:

(ثم ألقى الدكتور عبد الوهاب عزام معلم الأدب الفارسي والعربي بالجامعة المصرية، خطبة بالفارسية، وموضوعها مكانة الشاهنامه في آداب الأمم، وقد بدأ كلامه بقوله. أنا لا أحسن التكلم بالفارسية، ولكني لا أريد في حضرة هذا الشاعر الكبير (وأشار إلى تمثال الفردوسي) أن أتكلم إلا بلغة الشاهنامة - ولخصت الجريدة المحاضرة، ثم قالت -: وفي

ص: 53

نهاية الخطبة أبدى سروره بمشاركته هو وزميله في عيد الفردوسي باسم الأمة المصرية والحكومة. وقدم إلى رياسة المؤتمر نسخة نفيسة من الشاهنامة العربية التي أخرجها الدكتور عزام أخيراً، بعد أن صححها وعلق عليها، وقدم لها مقدمة نفيسة جامعة، وطلب أن ترفع هذه النسخة إلى الحضرة الهمايونية الشاهنشاهية. وكذلك قدم نسخة إلى حضرة رئيس الوزراء، وأخرى إلى كفيل وزارة المعارف، وكانا حاضرين. وقد قوبلت خطبته وعمله بتصفيق مديد. وحينئذ تقدم إلى منصة الخطابة السيد حكمت كفيل وزارة المعارف، وشكر الدكتور عزام على ما أظهر من عواطف المودة وقال: (أشكر الدكتور عبد الوهاب عزام من جهتين: الأولى أنه تحمل مشقة في ترجمة الشاهنامة وتصحيحها والتعليق عليها. والثانية أنه تكلم بلغة الشاهنامة. يقول حافظ الشيرازي أن الترك المتكلمين بالفارسية يهبون لي الحياة. وأنا أقول أن العرب المتكلمين بالفارسية يهبون لي الحياة. والحق إن لساني قاصر عن الشكر. والأستاذ عزام من أدباء الشرق الذين درسوا الفارسية برغبة وعشق وكلف خاص، وإني أختم شكري بهذين البيتين للشيخ سعدي:

(قلت لقلبي إن الناس يجلبون السكر من مصر فيهدونه إلى الأحباء. فإن تكن يدي خالية من هذا السكر فعندي كلام أحلى من السكر)

ولما جلس الدكتور عزام في مكانه من منصة مكتب المؤتمر قال له الرئيس (لقد أردت أن تثبت أنك أستاذ الأدب الفارسي بحق) اهـ

ثم توالى المتكلمون في اليومين الرابع والخامس، وأنشد الشاعر الإنكليزي درينكووتر قصيدة وترجمها نظماً وأنشدها في المؤتمر من بعد الشاعر الفارسي بهار الملقب بملك الشعراء. وتكلم في اليوم الأخير الأديب أحمد حامد الصراف أحد مندوبي العراق، فألقى بالعربية كلمة قصيرة جميلة تكلم فيها عن المودة بين العراق وإيران

وكانت هذه الأيام الخمسة مزدحمة بحفلات الغداء والعشاء، ومشاهد التمثيل والألعاب الرياضية ومشاهدة الأماكن العظيمة في طهران. ونرجئ الكلام في ذلك إلى المقال الآتي خشة الإطالة

د. عبد الوهاب عزام

ص: 54

‌الشمس في الغروب

للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي

ماذا تحسّ الشمسُ عند غروبها

فيكون ذلك باعثاً لشحوبها؟

ما إِنْ رأت عيني وقد راقبتُها

كالفرق بين طلوعها وغروبها

بَعد ابتسامتها لنا قد قطّبت

والحزنُ كل الحزن في تقطيبها

إني ليحزنني الغروب فإنه

لمذكِّرٌ نفسي بكل كروبها

الشمسُ في الدنيا إليَّ حبيبة

والنفسُ تأْسى من فراق حبيبها

ويزيدها شجناً إلى أشجانها

مَرُّ السحاب محاولاً لركوبها

كانت إذا طلعت تفوز الأرض من

أنوارها مبثوثةً بنصيبها

كانت بجذوتها السماء منيرةً

والأرض كانت تصطلي بلهيبها

أَجمِلْ بألوان الغمائم حولَها

لو دامت الألوان بعد مغيبها

مدَّت مودّعةً بنانَ شعاعها

لبعيدها وتلثّمت بقريبها

انظرْ إلى الأفْقِِ البعيد تَخَلْ به

ناراً تخوض العينَ بعد شبوبها

بالشمس تحيا الأرضُ ضاحيةً لها

وبها تتمّ لها حياةُ شعوبها

صفراءُ خائفةٌ كأن وراَءها

سوداَء تخطف شِلْوَها بنيوبها

وقد اكتست بعد اصفرارٍ حمرْةً

بدَمٍ لها أُهريق فوق تَريبها

وكأنما قِطَعُ السحاب أمامها

سدّت لتمنعها طريقَ وثُوبها

غربت وأبقت في السماء وراءها

شفقاً يثير الشجوَ بعد غروبها

قد أوّبت شمسُ النهار فهل إلى

هذا مصيرُ الشمس في تأويبها

أمَّا الغمائم فهي قد هبّت بها

ريحُ الأسى فتمزَّقت لِهُبُوبها

والثاكلات أذابها عصف الأسى

فقلوبها تنشقُّ قبل جيوبها

تُهوى وتُقلى في زمانٍ واحدٍ

دنيا محاسنُها بواءُ عيوبها

وكأنها من نورها وظلامها

ممزوجةٌ أفراحُها بخطوبها

جميل صدقي الزهاوي

ص: 55

‌شعري

للمرحوم أبي القاسم الشابي

شعري نفاثة قلبي

إِنْ جاش فيه شعوري

لولاه ما انجاب عنّي

غيم الحياة الخطيرِ

ولا وجدْت اكتئابي

ولا وجدْتُ سروري

به تراني حزيناً

أبكي بدمعٍ غزيرٍ

به تراني طروباً

أجرُّ ذيلً حبوري

لا أنظم الشعر أرجو

رضاء أمير

بمدحةٍ أو رثاءٍ

تهدى لربّ السرير

حسبي إذاقلت شعرا

أن يرتضيه ضميري

لا أقرض الشعر أبغي

به اقتناص نوالِ

الشعر إن لم يكن في

جماله ذا جلالِ

فإنما هو طيفٌ

يسعى بوادي الظلالِ

يقضي الحياة طريداً

في ذلة واعتزالِ

ما الشعر إلاّ فضاءٌ

فيه يرف خيالي

أبو القاسم الشابي

ص: 56

‌جنون الغيرة

لفريد عين شوكة

يغار إذا ما لاحه في جماعةٍ

يبادلها بعض الرضى وتبادِلُهْ

ويكره أن يلقى له أيَّ صاحبٍ

يفوز بعطف عنده أو يحاوله

ويعبس إن ردَّ التحية لامْرِئٍ

يُحَيِّيه أو مُدَّتْ إليه أنامله

ويغضب منه إنْ أَطلَ ببسمةٍ

على الغير أو أصغى إلى مَن يسائله

فكيف إذا ألفاه يسعى لغيره

ويُعرِض عمن ناء بالهجر كاهله

تساوره من حُرْقة الوجد لفحة

تضجُّ لها أحشاؤه ومفاصله

ويخشاه إعصار من الهم مُتْلِفٌ

يزعزع ركن القلب حين يصاوله

يريد له أَلاَّ يصاحب دونه

وألاّ يُنيل الغير ما هو نائله

يريد به أَلاَّ يخِفّ لغيره

ولو كان ممن تستبيه شمائله

أمانٍ كحال البدر يدنو ضياءه

وتُمْعِنُ في بُعد المزار منازله

وعبءٌ تنوء الشامخات بثقله

ويفقد رَضْوَى عزمه وهو حامله

فكيف بمحبوب أرقَّ من الصَّبا

وأحنى من الغصن النضير كواهله

فيا غيرة الصب التي طوَّحته في

خِضَ & من البلوى تناءت سواحله

ويا ويحه يخشى لقاء حبيبه

مع الغير حتىَ لا تهِيجَ بلابله

فيهجره رغم الجوار وإِنه

لأحوج أن تَرْوِي صداه مناهله

ويحمل في النأْيِ العَذابَ وكلما

تراءى له المحبوب ضجَّتْ مراجله

وأُغْرِقَ في بحر الأسى وحبيبه

تفيض بآيات الحبور محافله

ويا حيرة المحبوب فيما يشاؤه

مُحبُّ بعيدُ الغَوْر ما هو آمله

عزيز عليه أن يرى بشره أْمَحى

ونضرته كالروض جفَّت خمائله

ولكنه لا يستريح لناصحٍ

له في الهوى أو يرتضي من يجادِلُهْ

فريد عين شوكة

ص: 57

‌فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

3 -

تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا

للأستاذ خليل هنداوي

نقد الحكم

ترى كانت - في فصله هذا - يعزو كل تأثير إلى أحاسيس باطنية، فهو لا يتحرى إذ يتحرى عن أسباب الجمال الخارجية، لأن الحس لا يكمن في الأشياء ولكنه يكمن في الإنسان

وقد شطر نقد الحكم شطرين: الأول ويحتوي على الألفة بين الجميل والسامي لما بين الجمال والسمو من تقارب، والآخر وهو يعنى بمظاهر الأشياء المؤتلفة المتطابقة في الوجود

إن (كانت) بحث في موضوع الجميل كما بحث فيه الأولون، ولكنه وسع دائرة البحث وتعمق في تحليله؛ فاعتبر اللذيذ كل ما فيه لذة للحواس مصحوباً بالرغبة، واعتبر اللذة التي يولدها مشهد الحسن والجمال لذة خالية من الأهواء والأغراض، وإن حكماً ما يمازجه قليل من الهوى لهو حكم فاسد غير مبني على الذوق، ولكن لما كان حكم الذوق مبنياً على العاطفة فهو بحكم الضرورة قابل للتغيير، وفي الإمكان أن نرى في كل بيوت الفن - وفي الطبيعة تماثيل ودمى تحظى برضا الناس؛ ولكننا لن نرى مقياساً واحداً صحيحاً للجمال، لأن الذوق نفسه هو كالبراعة شيء مبتكر

فإذا كان الجمال يؤثر في شعورنا تأثيراً خفياً ويرسل فينا الراحة واللذة من حيث لا نشعر، فإن السمو ليبلونا باهتزاز عنيف قد يكون مضنياً ومرهقاً للنفس ولأن يكون ما يبعثه السمو في أنفسنا أدنى إلى عاطفة الإعجاب والاجلال منه إلى الراحة واللذة أحرى وأجدر، واسمه الحقيقي هو (اللذة السلبية)

ويفرق كانت بين السمو الرياضي والسمو الآلي (أو ذو الحركة) هذا مؤسس على فكرة القوة وذلك على فكرة العظمة والروعة، فالطبيعة هي سامية عالية - رياضياً - في حوادثها التي يصعب على مخيلاتنا إدراكها، وهي سامية أيضاً بحركات أجرامها الهائمة في

ص: 58

الفضاء، حتى كأنها تريد أن تسحق وجودنا المادي. وفي كلا الحالين تهيب مخيلتنا بعقلنا، فيتركنا العقل ذاهلين أمام السماء ذات الكواكب واللانهاية التي لا تحد ولا تبلغ إلى عظمتها المخيلة مهما سمت، وهو العقل الذي يثير فينا عاطفة السمو، ويجعلنا نردد معه (ما أنا إلا قصبة، لكنها قصبة مفكرة)

فالسمو إذن لا يكمن في الأشياء، لكن في أنفسنا، فلا يجب علينا أن نقول (إن هذا الشيء هو سام) ولكنه شيء يبعث فينا فكرة السمو، فلا شيء في الطبيعة مهما جل - إذا نظرنا إليه نظرة قياسية - إلا وهو يهوى إلى أحقر الأشياء، ولا شيء حقير - إذا قسناه بمقياس آخر - إلا وهو يرقى إلى أعلى الأشياء، وهناك المراصد والمجاهر تثبت صحة دعوانا

يعرض أمامنا شيء رائع، يعجزنا التعبير عنه فنقول: إنه لسام رائع: ويخلق معركة حامية بين العقل والمخيلة، فلا تستطيع المخيلة إدراك كنهه، والعقل لا يفتأ يتحرى عن وسيلة يفهمه بها، فينشأ من ذلك تلك الروعة التي نحسها أمام الأشياء العظيمة السامية، ولكنها روعة ترفع أنفسنا إلى المثل العليا، لأنها تنبه فينا ناحية العظمة الصادقة التي تنجلي بها طبيعتنا الإنسانية وحريتنا الأخلاقية.

أسلوب كانت

يعد كانت أصدق الفلاسفة اعتقاداً وأصفاهم أسلوباً، يقول ما يعتقد به حقاً، ويكتب لقرائه كما يكتب لنفسه، تكاد تنطق جملته بفكرته، ويعتقد أن الحقيقة غنية بنفسها، وأن الزخرفة في التعبير عنها مما يرخص من قيمتها، وبرغم هذا الأسلوب الواضح رماه بظلمة التعبير، وقد أراد هؤلاء أن يظهروا أن كانت ليس ممن تنبسط آراؤهم للقارئ بسهولة. على أن أفكار كانت لا تمشي إلى قارئها، وإنما على القارئ أن يسعى إليها ليدركها، ولكنه لا بد مدركها كلها، ولكن إدراكها لا يخلو من الجهود التي لا يستغني عنها رجل يسعى

إن أسلوب كانت واضح جد الوضوح، ولكن عيبه الواحد الذي أخذه عليه النقاد أنه يخلق في الموضوع شعباً كثيراً لا يترك منها مسرباً إلا نفذ فيه، وهذا قد يدل على سعة اطلاع ونظر بعيد وإن كان لا يخلو من السأم، ولكن كانت لم يكتب إلا لذوي الإلمام بهذا الموضوع فقد يأخذ الموضوع الحقير الذي لا يكاد يخوض فيه عقل فيخلق منه موضوعاً كبيراً، وقد ذكر أحدهم نكتة جرت على لسان صديقه (فيمار) أن هذا أعلن للفيلسوف أنه لا

ص: 59

يستطيع أن يقرأ تصانيفه، لأن الله لم يخلق له أكثر من هذه الأنامل، يريد أن يضع أنملة على هذه الكلمة وأخرى على الثانية وهكذا حتى تنتهي أنامله ولما يكمل العبارة ويقف على دقائقها، لأن كانت يستعمل كثيراً الأقواس والأهلة في عباراته المتصل بعضها ببعض. وقد كان لكانت فضل كبير في خلق كلمات وتعابير جديدة فلسفية خلقها بنفسه، وفرضها على اللغة الفلسفية بنفسه

وأخيراً نستطيع أن نقول إن كانت كان مطلع الثورة الفلسفية في ألمانيا التي خلقت (فيخت وشيلنغ وهيجل) وقد تناول تأثيره جميع المدارس العلمية والأدبية، وما ثمة فيلسوف ولا أديب ولا شاعر نشأ بعد كانت إلا وكان مديناً له ولمذهبه بكثير من آرائه، وشيلر نفسه قد استمد من كانت آراءه في الجمال والسمو، وما أصدق كلمة (غليوم همبولد) حين قال (إن قسماً من الذي هدمه كانت لن يقوم أبداً، وإن قسماً من الذي شاده لن يخسف أبداً)

ص: 60

‌فيخت

1762 -

1814

ولد (فيخت) سنة (1762) في قرية (رامينو) ولم يكن أبوه ليقدر على القيام بأعباء تعليمه، فكفله أحد سادة القرية وأنفق في سبيل تعليمه ما أنفق؛ وبعد جهاد عنيف ودرس طويل دخل في العالم الفلسفي، فكان أول كتاب له (تجربة نقدية لكل وحي) وكتابه الثاني (تقويم أحكام الشعب على الثورة الفرنسية) وكتابه الثالث (نداء عام لأمراء أوروبا لكي يفكوا العقل من عقاله) وهذه الكتب الثلاثة وضعت (فيخت) في مصاف أرباب فلسفة النقد والثورة، وبعد هذا الإنتاج الطيب أعلن في محاضرة له قيمة مذهبه الذي وسمه بالمذهب العلمي، وهو الذي يرد به كل العلوم إلى مصدر واحد. وهذا المذهب أو هذه الثورة الفلسفية أطارت اسمه في الآفاق، حتى غدا حديث المجامع النوادي. وقد أسند إليه منبر في (لينا) ليحاضر في الفلسفة، فسهل له هذا المقام أن يعاود شرح مذهبه وتفصيله من جميع نواحيه في كتبه العلمية، وكان خلال ذلك يواصل نشر مقالاته في (واجب العلماء) فهو يريد من العالم أن يسيطر على شؤون بلده، لأن العالم عنده ليس بالرجل الذي يملأ رأسه علماً وعرفاناً، ولا من يتخصص في مادة واحدة يذهب بها كل مذهب، ولكنما العالم هو الرجل الحر الذي اجتمعت له ثقافة عصره، وسما فوق مشاغل حياته اليومية، هو يريد أن ينقاد المجتمع للرجال الألمع ذكاء والأروع عقلاً

وربما دفعه هذا المذهب - أضف إليه بعض مشاغل خاصة - إلى أن يقطع الكثير من دراساته المتواصلة، كان يحاول من ورائها أن يطبق مذهبه النظري على الأخلاق والحقوق والسياسة والدين، يقطع هذه الدراسات ملتفتاً إلى شؤون أمته المجروبة، وقد خطب الشعب كثيراً في (برلين) بأسلوب تبدو فيها حماسة الفيلسوف وشدة تعلقه بوطنه، ومن خطبه خطبة ذكر فيها أسباب انحطاط أمته ووصف العلاج الشافي لهذا الانحطاط

قال: (إن أسباب الانحطاط داخلية؛ لا يمكن أن تعزى إلى بأس الخصم وسيطرته، إنها تنجلي في خنوعنا ولين أخلاقنا، وفي أنانية مرشدينا وقوادنا، وفي إعجابنا وتقليدنا الأعمى للأجنبي الغريب. أما علاج هذه الأدواء فهو التربية المؤسسة على الفضيلة التي تشجع

ص: 61

النفوس وتعلم الأرواح معنى التضحية. . . والوطن ما الوطن - عند فيخت - إلا خلود الإنسان على الأرض، أتلك صفة محمودة فيمن يرغب عن مؤازرة أخيه بعقله أو بعمله؟ من هو ذلك الإنسان الذي يبغي ألا يخلق في فراغ الأزمان شيئاً جديداً لم يمر بخاطر، ولم يقع عليه ناظر؟ هذا الشيء الذي يغدو مورداً لا ينضب لاكتشافات جديدة؟ ومن الذي لا يرضى بأن يفادي بمقامه في هذا الوجود ويتجاوز من أجله القصير المقدر له لقاء بعض شيء سيخلد أبداً في هذه الأرض؟ أي خلق نبيل لا يرضى بهذا؟

ألا إن هذا الرضا لا يتمثل إلا لعيون الذين يعتقدون بأن الوجود كامل الصورة، ملائم كل الملائمة لحاجهم، وجامع لأمانيهم، ما خلق إلا لهم. وأصحاب هذه الفكرة هم عندي أصحاب هذا الوجود، وهم أصله ونواته. أما أولئك الذين ينظرون إلى الحياة غير هذه النظرة فليسوا إلا حشرات سحيقة تزحف في مسارب وجود سحيق)

وبينا كان فيخت يكسو فلسفته الآراء السامية، كان يعمل على أن يكسو نفسه أثواب السمو. ولكن الردى غاله ولما يؤد رسالته، فقضى نحبه سنة 1814 مستريحاً من جميع أوصابه

فلسفته:

فلسفة (فيخت) هي فلسفة رجل لا يعرف للعقل والقوة الإنسانية حدوداً يقفان عندها. وقد كان - كانت - يرى أن معرفتنا تقوم على أن نوفق بين العقل الخارجي وبين نظام إدراكنا الداخلي، وهو يرى أن وراء ما ندركه شيئاً قائماً بنفسه منسلخاً عنا لا يتطاول إليه إدراكنا. وما معرفتنا - عند كانت - إلا مظهر يتوارى وراءه السر الأبدي واللغز السرمدي. أما (فيخت) فهو يوقن بأن هذا المظهر نفسه هو الحقيقة ذاتها، وهو وليد قوة (النفس) التي لا تنفد، وذلك الشيء القائم بنفسه إن هو إلا حد يكبح قوة النفس ويحاول أن يقضي على سطوتها، ولكنه حد يزداد أمره ضعفاً كلما استطاعت النفس أن تبرز من قوتها وتفرض شيئاً من سيطرتها على الوجود؛ وبهذا كانت غاية العلم أن يتغلب العالم الداخلي وهو عالم العقل والروح على العالم الخارجي وهو عالم المادة

والنقطة الأساسية لفلسفة (فيخت) هي هذه الذات التي يجعل منها (الفاعل المطلق) في هذا الوجود، لكن هذه الذات لا تكمل لها معرفة ذاتها إلا إذاقورن بينها وبين غيرها، وبضدها تتميز الأشياء. فإن تخصيصي مثلاً لوجودي بقولي (أنا) يثبت منطقياً لغير ذاتي وجوداً.

ص: 62

لأن الأخص يستثنى من الأعم. وهذا الغير هو الذوات السارحة في هذا الوجود

قد تيقظت الذات في إحدى خطراتها يوم أحست بنفسها فألفت أمامها سداً يقف سيرها. فوقفت وشعرت بأنها مقيدة، من ورائها ومن أمامها سدود، فأخذت تنظر إلى علة هذه الحدود وهذه السدود، فخالت أن هذه العلة كامنة في جواهر الأشياء، فأما الشعور العادي فهو يرى العلة في جوهر الأشياء، أما الفيلسوف فهو يعتقد بأنها كامنة في التحريض الذي تثيره الذات لبسط سلطانها على الأشياء، وتحقيق غايتها التي تطويها في صدرها. وهكذا تجري حياة الكائن المفكر، فهو طوراً يصيب مركز الدائرة وطوراً يحيد عنه

(يتبع)

دير الزور

خليل هنداوي

ص: 63

‌أدب الحرب

كبتن كونان

للقصصي الفرنسي روجيه فرسل

(صاحب جائزة جنكور لعام 1934)

كان لهذا الشهر في عالم الأدب الفرنسي أهمية كبرى تميزه من سائر شهور العام. فقد سطعت في النصف الأول منه أسماء أربعة من الكتاب بعد أن فاز كل منهم بإحدى الجوائز الأدبية الكبرى التي تمنح في فرنسا في مثل هذا الشهر من كل عام إلى خير قصة يقع عليها اختيار لجنة تحكيم كل جائزة من هذه الجوائز. ولقد ذكرنا أكثر من مرة أن اهتمام الغرب بالإكثار من الجوائز الأدبية، يرتفع عن المكافأة المادية التي تصيب الكاتب الفائز، وأن الغرض الأساسي هو شحذ همم الكتاب والاحتفاظ بعاطفة المنافسة حارة في قلوبهم. وكل من تصفح الجرائد الأدبية الفرنسية الكبرى خلال الشهر الفائت استطاع أن يعرف مقدار اهتمام الفرنسيين - وهم كغيرهم من أمم الغرب - بأمر هذه الجوائز الأدبية. واستطاع أن يحس بما تخلقه هذه المباريات في نفوس الأدباء حين يقرأ أحاديثهم قبل ظهور قرار المحكمين. تلك الأحاديث الممتلئة بالعبارات المتحمسة، القلقة على مصاير أعمالهم وعصارة عقولهم. وعندئذ يشعر بحاجة كل أمة متمدنة تبغي النهوض لفنونها وآدابها إلى مثل هذه الجوائز

وروجيه فرسل الفائز بجائزة جنكور أستاذ للآداب بكلية دينان وهو الآن في الأربعين من عمره ولد في بلدة نانر، ولما شب تعلم في (فليش) ثم انتقل إلى (كان) ليدرس الأدب، ولكن لم يكد ينقضي عام حتى شبت الحرب الكبرى فانتزعته من أحضان كتبه وأساتذته الذين كان يجلهم أعظم إجلال مثل بييرفي الأستاذ الضرير الذي لا يزال يذكره روجيه فرسل بالخير، ويرجع إليه أكبر الفضل في نجاحه في الحياة العامة، ومثل موريس سوربو الذي أصلح له فيما بعد رسالته عن كورني، فنال بها ليسانس الآداب

حارب فرسل في كثير من الميادين الحربية في فرنسا مثل: ايبر وشمباني وسم وأرجون، ثم أوفدته السلطات العليا إلى عدد من بلدان أوروبا الشرقية للقيام ببعض المهام، فرأى

ص: 64

اليونان وصربيا وبلغاريا ورومانيا، واستفاد من ذلك أجل الفائدة، إذ عرف أمما تختلف عن وطنه في كثير من النواحي، وفهم نفسيات شعوبها، وأخلاق أهلها، وكان ذلك أكبر عون له على رسم كثير من شخصيات قصصه. وفكرة قصته التي نال عليها الجائزة إنما انبعثت في نفسه حين كان يعمل مقرراً لمجلس الحرب في صوفيا

ابتدأ فرسيل يخوض غمار الأدب برسالته القيمة ' ' التي نال بها ليسانس الآداب. وبعد ذلك نشر كتابه وبعد هذا الكتاب ظهرت قصته الأولى وتليتها قصة ثم ' ثم ثم ظهرت له هذا العام وقد ابتدأت مجلة (جرانجوار) الأدبية تنشر له منذ بضعة أسابيع آخر قصصه

ولفرسل ترجمة شيقة عن (دوجسكلان) وهو يراسل عدداً كبيراً من المجلات الفرنسية الكبرى، وعلى الأخص (ريفودوفرانس) و (ماريان) و (جرنجوار)

وروجيه فرسل يهيم بالقوة، والإرادة الجبارة، والشجاعة الخارقة التي يراها واضحة جلية في كثير من رجال الجيش وبحارة السفن والصيادين المخاطرين. وهو يرى أن غرائزنا الوراثية الأولى التي تدفعنا إلى احتقار الحياة والاستهانة بالموت، والغرام بالنزال والقتال، تلك الغرائز التي يظن الكثير أنها ماتت بتطور الإنسان لا تزال كامنة فينا، وسرعان ما تطغى على شخصيات الكثير منا عندما تمهد الفرصة المناسبة لظهورها كالحرب مثلاً التي هي أكبر عامل في إظهار هذه الغرائز الأولى. وفي قصة (كبتن كونان) يرسم لنا فرسل صوراً من أولئك الأبطال الذين يحملون أرواحهم على أكفهم مستهدفين للمهالك غير عابثين بالموت، وإليهم يرجع كل فضل في الفوز والانتصار

و (كونان) بطل القصة رجل صغير الجسم، هادئ الطبع، لين الجانب كان يشتغل بائعاً صغيراً في سان مالو. ولم تكد تشب الحرب عام 1914 ويتطوع فيها في جيش الشرق حتى تستيقظ في بطولة كانت خامدة تسوقه إلى مراتب الرقي السريع، فنراه على رأس فصيلة صغيرة في الجيش نفخ فيها من روحه وبسالته، حتى استيقظت في أفرادها نفس الغرائز التي استيقظت فيه، غرائز الإنسان الأول الذي لا يعرف للحياة قيمة ولا للموت رهبة، فينساقون وراء رئيسهم (كونان) إلى شتى ضروب المهالك دون خوف ولا وجل

لقد تجردوا من كل صفات الجنود النظاميين، وأصبحوا أشبه ما يكون برؤساء العصابات،

ص: 65

لا يعرفون لهم قانوناً إلا الشجاعة الخارقة التي يجب أن تذوب أمامها كل عقبة تحول بينهم وبين تحقيق ما يرغبون. فبينما نرى في كثير من الأحيان أن سائر فصائل الجيش ينقصها الزاد والماء، نرى ذلك عند فصيلة الكبتن كونان دائماً كاملاً موفوراً بل زائداً عن حاجتهم. وبينما نرى سائر الجنود يرهبون النزال مع العدو وجهاً لوجه حيث يمزق بعضهم أجسام بعض بالسيوف أو بأسنة الحراب، ويعتبرون ذلك أشد ضروب القتال هولاً. نرى الكبتن كونان وأتباعه لا يترددون لحظة في الهجوم على خنادق العدو، وقد تسلحوا بالقنابل اليدوية والخناجر معلقة إلى جوانبهم يغرسونها في أحشاء أعدائهم دون شفقة ولا رحمة حتى أطلق عليهم أسم (منظفي الخنادق). ذلك أن كلاً منهم كما يقول رئيسهم (كونان) لا يعرف إلا أنه (محارب) فحسب، وليس جندياً يخلص للنظم العسكرية وتقاليدها كما يفعل سائر الجنود الآخرين. بل هم ينظرون إلى هذه النظم والتقاليد العسكرية نظر الاستهتار بها والاحتقار لأثرها في الانتصار. وإنك لتستطيع أن تفسر جيداً نفسية أولئك (المحاربين) حين تقرأ كلام (كونان) إلى أحد رفاقه الذي يلومه على تصرفاته هو وزملاؤه ويقول:(حاول قليلاً أيها العجوز المسكين أن تفهم) فيجيبه كونان:

(أفهم؟ أتظن أنني لا أفهم لأنني أتكلم بصوت عال؟ إنني أعرف جيداً منذ بعيد أنهم كانوا يخجلون من أعمالنا، وكانوا لا يعرفون جيداً كيف يتخلصون منا! إنني أنا وشباني الذين خضنا حقيقة غمار الحرب، ونحن الذين يرجع إلينا كل فضل في الانتصار! أنا ومن يماثلني من الأعوان الذين أرعبنا الجيوش. أسامع أنت؟ الجيوش التي كانت ترانا في كل مكان، وكانت لا تحسب لغيرنا حساباً، ولا ترهب سوانا منذ اندلعت أول شرارة! إن قتل جندي أمر في استطاعة كل فرد أن يقوم به، أما مهمتنا نحن فكانت قتل ذلك الجندي بطريقة تلقي الفزع في أدمغة عشرة آلاف آخرين! لذا كان من اللازم الذهاب للقاء العدو بالخناجر. أفاهم أنت؟ إن الخنجر هو الذي كسب الحرب، وليس المدفع! إن ذلك النوع من الرجال الذي أحدثك عنه لا يزيد على ثلاثة آلاف في كل جبهات القتال. على أن هؤلاء هم المنتصرون وحدهم. هم المنتصرون الحقيقيون!)

والقارئ لا يستطيع أن يتمالك نفسه من الأسى والتأثر أمام الخاتمة المحزنة التي تنتهي بها مأساة تلك الشخصيات الغريبة. فقد مضت سنو الحرب الأربع، وإذا (كونان) بطل مقدام

ص: 66

فائز بوسام الشرف، تحلي صدره نياشين المجد والفخار. على أنه لا تكاد تعقد الهدنة العامة وينطفئ جحيم المجزرة البشرية الكبرى، وتوزن الأعمال بميزان أقرب إلى العدل والمنطق حتى نرى الذين كانوا يعتبرون بالأمس أبطالاً صناديد، والذين ببسالتهم النادرة وإراقة دمائهم دون حساب ضمنوا لجيشهم الفوز مراراً في ساحة الوغى، نراهم اليوم وقد أضحى الجميع يعتبرون عملهم جريمة لا تغتفر. وينظر إليهم مجلس الحرب نفسه نظرة الخارجين على القانون، المنتهكين لحرمة الشرف العسكري!

وبانتهاء الحرب ينصرف الجنود جميعاً إلى بلادهم وذويهم متنفسين الصعداء بعد أعوام مريرة من العذاب والشقاء. إلا أن هذه الظاهرة العادية لا نجدها عند الكبتن كونان ورفاقه. إذ يصور لنا روجيه فرسل كيف عاد كونان إلى مسقط رأسه يعمل كما كان تاجراً بسيطاً كسير القلب محطم النفس، غير راض عن حالة السلم والهدوء، غير مرتاح إلى العيش في مجتمع لا يناسب ميوله وغرائزه التي بعثتها الحرب من مرقدها، وأصبح لا يجد إلى التخلص منها سبيلاً

ويتزوج كونان. ثم تمضي الأيام فإذا الحياة الهادئة الوادعة لا تناسبه فيترهل جسده وتنتفخ أوداجه، ويضنيه مرض الكبد وكلما تقدمت به السن شعر بأنه فقد كل شئ. وضاق بالحياة كلها ذرعاً

إن روجيه فرسل يجمع في قصته فكرتين: أولاهما الإعجاب بأولئك الأبطال والرثاء لهم، وثانيتهما الدعوة ضد الحرب، فهو لا يبرر الحرب التي توقظ في هذا النوع من الناس بطولتهم الراقدة تحت وعيهم. بل هو العكس يريد أن يبين لنا أن (الحرب هي الشر الأعظم) كما يقول. أليست هذه الشخصيات التي يصورها لنا خير تصوير كأبطال الحرب الحقيقيين هي كذلك أولى ضحاياها؟ أليست شجاعتهم الخارقة تجعلهم أول وقود لسعيرها الجهنمي؟ ثم أيضاً ذلك النقر مبهم الذي ينقده الحط الحسن من الموت في ميدان القتال، ألم تتحطم سعادته، وتشقى حياته كما رأينا في كونان، ذلك التاجر البسيط الوديع الهادئ العيش الذي أصبح بعد أربعة أعوام من المذابح البشرية رجلاً أجدر به أن يوضع في عداد المرضى حين لا يستطيع الحياة في مجتمع خلو من القتل وسفك الدماء؟!

تلك هي ميزة قصة (كبتن كونان) الكبرى، فلقد كتب عن الحرب منذ بدئها إلى الآن عدد

ص: 67

كبير من الكتب الرائعة ربما كان أعظمها كتابا جورج دوهامل وكتاب رولان دور جيليه وكتاب هنري باربوس الذي نال جائزة جنكور عام 1917، وقد تفوق هذه القصص قصة (كبتن كونان) في كثير من النواحي، إلا أن روجيه فرسل يمتاز في قصته بأنه عالج موضوعاً ورسم نوعاً من الشخصيات الإنسانية بطريقة لم يسبقه إليها أحد من الكتاب

علي كامل

ص: 68

‌البريد الأدبي

الجوائز الأدبية الفرنسية

ظهرت في فرنسا في أوائل هذا الشهر أسماء الفائزين بالجوائز الأدبية الفرنسية الأربع، ففاز بجائزة الكاتب روجيه فرسل بقصته وقد تحدثنا عن القصة ومؤلفها في غير هذا المكان. وفازت قصة - لروبرت فرانس بجائزة - وقصة لمارك برنار بجائزة وقصة للكاتب لوي فرانسس بجائزة

وروبرت فرانس شاب في الخامسة والعشرين من عمره، ولد عام 1909 وكان منذ صغره كلفاً بقراءة الأدب ودراسته، إلا أن أسرته أرغمته على الالتحاق بمدرسة الهندسة، فكان هذا التصرف دافعاً على ازدياد شغفه بالأدب والكتابة: فأصدر وهو لا يزال في الثامنة عشرة من عمره هو وشقيقه مجلة التي عاشت ثلاثة أعوام

وابتدأ يكتب فيها عدداً من المقالات السياسية. وكذلك القسم الخاص بنقد الكتب وفي ذلك الوقت أيضاً نشر في المجلة أول أعماله الأدبية ' ' وهي ترجمة حياته مصوغة في قالب روائي. وفي عام 1930 أدى روبرت فرانسس خدمته العسكرية في قسم الطيران، وقد أظهر كفاءة أثناء اشتغاله في الحصون الشرقية دفعت وزير الحربية إلى انتدابه عام 1931 للعمل في الحصون الشمالية، فقضى ستة شهور متنقلاً بين (مان) و (ريمز) تاركاً العنان لإحساسه الشعري يتأمل تلك الغابات الواسعة الممتدة الأطراف. على أن المرض حال بين فرانسس وبين الاستمرار في البقاع الشمالية فرجع إلى (فانس) حيث قضى ستة أشهر طريح الفراش. ولم يكد يبل من مرضه حتى شرع يكتب أولى قصصه التي ظهرت في العام الماضي، وفي هذا العام ظهرت قصتاه اللتان نال عليهما الجائزة وهما و - تحملان عنواناً رئيسياً واحداً

والقصتان تكملة للقصة الأولى. والقصص الثلاث تفيض بالأخيلة الشعرية التي تدنيها من الأساطير

وفن روبرت فرانسس يمت إلى تلك المدرسة التي يسميها الناقد أدمون جالو وهي مدرسة تحاول أن تصلح ما يوجه من النقد إلى المدرسة الشعبية التي تكاد تقتصر على وصف شقاء المجتمع الفقير وما يخلقه هذا الشقاء من الرذائل. فالمدرسة الجديدة بتجديدها تحاول

ص: 69

أن تتكلم عن فضائل هذا المجتمع الفقير. ولذا نرى روبرت فرانسس يرسم لنا في قصصه مقدار إحساس أبناء الطبقة الدنيا بالكرامة ومقدار سموهم الروحي وصفاء نفوسهم. مما يجعلهم أهلاً لأن يرتفعوا عن مستوى حياة الحيوانات التي يحيونها

وروبرت فرانسس إلى جانب إنتاجه القصصي كاتب سياسي، وهو في مقالاته التي ينشرها من حين لآخر يدعو إلى إصلاح اجتماعي يهيئ للطبقات البائسة حياة حرة كريمة

أما مارك برنار الفائز بجائزة فقد نشأ في بلدة نيمز فقيراً معدماً. وكان طبيعياً أن يحول بؤسه وشقاؤه بينه وبين الدراسة المدرسية، وأن ترغمه ضرورات المجتمع الحاضر على الاشتغال في سن مبكرة ليجني القدر الضئيل من المال كي يطفئ ألم الجوع، فهجر نيمز متنقلاً من بلد إلى آخر. ولم يترك عملاً من الأعمال إلا طرق بابه وعالج سبيله. فاشتغل في السادسة عشرة ممثلاً في مرسيليا، ولما لم يصادفه النجاح اشتغل حمالاً للبواخر، ثم اشتغل عاملاً في السكك الحديدية، وعاملاً في مصانع المعادن، وصابغاً للأحذية وغير ذلك من الأعمال الوضيعة المختلفة

وكان مارك برنار لا يميل ميلاً شديداً للكتابة ولا يرى في نفسه استعداداً لها. على أن الضرورة أرغمته على معالجتها عله يستطيع عن طريقها أن يضمن عيشه، فنشر عام 1928 أول قصصه - فصادف نجاحاً دفع الكاتب هنري باربوس رئيس تحرير مجلة (موند) إلى أن يعهد إليه تحرير قسم النقد الأدبي في مجلته، فعرف برنار عن طريقها عدداً من أعاظم الكتاب، وابتدأ يشارك أيضاً في تحرير (المجلة الفرنسية الجديدة) ومجلة (أوروبا)

وقد نشر برنار بعد قصته الأولى قصة ثم تلتها قصته الأخيرة نال عليها الجائزة

وبرنار كاتب اشتراكي، وهو في قصصه ومقالاته يفيض بالثورة على المجتمع الرأسمالي، ويعلي من شأن الطبقات المهضومة الضعيفة بفقرها التي خصص لوصفها - كما يقول - قصته التي يوشك أن ينتهي منها واسمها (المنفيون)

أما لوي فرانسيس الفائز بجائزة فقد بدأ حياته مدرساً بالليسيه فرانسيه بالقسطنطينية، فعرف الشرق عن ذلك الطريق، ووصف ما وصلت إليه خبرته ودراسته في كتاب ثم كتب بعد ذلك قصته التي فازت بجائزة رينو دوه

ص: 70

الفردوسي في السوربون

احتفل في الأسبوع الماضي بمهرجان الفردوسي في السوربون واشترك في هذه الحفلة رئيس الجمهورية المسيو ليبران، وعدد كبير من السراة والأعيان، بينهم الجنرال غورو حاكم باريس العسكري، وكان بين الذين حضروا المسيو شارلني مدير جامعة باريس، وسفراء العجم في فرنسا وإنكلترا، والجنرال ثوله مستشار وسام اللجيون دونور الأعلى، ومن رجال المجمع العلمي ابيل بونار، ومدير كلية (الكليج ديفرانس)

وقد أقيمت في القاعة قاعدة أقيم عليها تمثال يمثل الفردوسي أحيطت بالأعلام الإيرانية والفرنسية

وألقى مدير الكليج دفرانس خطاباً باسم المجامع الفرنسية

ثم عقبه الأستاذ ماسيه مدير اللغات الشرقية فعرض لشعر الفردوسي وأثره، وألقى المسيو ايبل بونار خطاباً أطرى فيه الفردوسي وختمت الحفلة بخطاب وزير التربية والتعليم تناول فيه حياة الفردوسي

إيطاليا تحتفل بالفردوسي

احتفل في الأكاديمية الملكية في روما بذكرى الفردوسي، وألقى السنيور مالينو محاضرة قيمة عن الفردوسي وعن شعره الخالد وأثره الكبير في الأدب العالمي

وفاة جوستاف لانسون

توفي أخيراً بباريس الدكتور جوستاف لانسون أستاذ الأدب الفرنسي في جامعة السوربون عن سبعة وسبعين عاماً باحتقان الرئة، ولقد كان المصاب به عظيماً أحدث هزة شديدة في الأوساط الأدبية في فرنسا

ولد جوستاف بمدينة أورليان، في الخامس من شهر أغسطس عام 1857، وفي عام 1886 دعاه القيصر ليثقف بالأدب الفرنسي ولي العهد الذي صار فيما بعد نقولا الثاني، ثم عاد إلى التدريس بمدارس الليسيه بفرنسا، وانتقل بين ثلاث مدارس من مدارسها وكان مثلاً للنشاط والجد، وقد أدى اختياره مدرساً بها إلى انتخابه مديراً لمدرسة المعلمين العليا بباريس وكان ذلك عام 1919 وبقي بها حتى عام 1927 ومنذ يومئذ بدأ يتم مؤلفاته في

ص: 71

النقد، ونذكر من كتبه ومؤلفاته، نصائح في فن الكتابة، بوسويه، وبوالو، والناس والكتب، ودراسات أدبية وأخلاقية، وكورني، وفولتير، وثلاثة أشهر في التعليم بالولايات المتحدة، وطرق تاريخ الأدب، والمثل الفرنسي الأعلى في الأدب، ونهضة الثورة، وابتكارات لامرتين

وفي عام 1924عين عضواً في رابطة الشرف، ولكنه أبى أن يدخل الأكاديمية الفرنسية برغم إلحاح المعجبين به، وإن كتابه تاريخ الأدب الفرنسي الذي ظهر في عام 1894 ثم أضاف إليه كثيراً من التعليقات فيما بعد لكفيل بأن يجعل للانسون مكانة عالمية محترمة

تحسين جديد في (التليفون)

بتسابق رجال العلم والاختراع في إدخال التحسينات على (التليفون) وأخر ما طالعناه في إحدى الصحف العلمية أن أحد المخترعين الفرنسيين تمكن من اختراع جهاز جديد ادخله على التلفون الأوتوماتيكي الاعتيادي. والقصد من هذا الجهاز أنه عندما يرغب المتكلم في محادثة أحد، فما عليه إلا أن ينطق بالرقم المطلوب فتدور الاسطوانة من تلقاء نفسها بفعل تموجات الهواء. وهذا الجهاز يصلح استعماله في الظلام أي عندما يكون الإنسان مضطجعاً في فراشه ولا يريد أن يجهد نفسه. ويعتقد المخترع أن هذا الجهاز سيعم استعماله جميع أنحاء العالم

بعض الكتب الجديدة في علم النفس

تأليف محمد عطية الابراشي، حامد عبد القادر

صدر هذا الكتاب النفيس الذي يقع في أكثر من أربعمائة صفحة من القطع المتوسط، منذ شهور قلائل، فملأ من المكتبة العربية فراغاً شاغراً، كان يأسف له كل من يتمنى لهذا الشرق أن يساير الغرب فلا يتخلف من دونه في بعض الطريق. وما ظنك بهذا العلم الذي تبوأ في أوروبا وأمريكا منذ منتصف القرن الماضي مكانة رفيعة بين العلوم، وأصبح منذ ذلك التاريخ حلبة العقول وحومة الأقلام، تتناصر كلها وتتضافر على دراسة النفس الإنسانية، حتى سارت في ذلك شوطاً، إلا تكن قد انتهت به إلى نتيجة حاسمة، فهي على كل حال سائرة في الدرب السوي سيراً مطرداً حثيثاً. نعم، كان علم النفس طوال القرن

ص: 72

الماضي شغل الساعة في عالم الغرب، أما نحن فقد لبثت أقلامنا بإزائه صامتة، لا تكاد تمس الموضوع إلا مسا رفيقا، إذا استثنينا كتابا أو كتابين؛ وكأنما أحس الأستاذان المؤلفان بهذا النقص المعيب، بل هو أجدر أن يسمى فقراً وإجداباً، فشاءت لهما همة عالية، أن يتداركا الأمر بعزم حديد وكفاية ممتازة، فأخذا منذ عام أو نحوه يخرجان للناس بحوثاً مستفيضة في كتب تترى، هذا ثالث أجزائها، وفي فصول متلاحقة أخذت تغمر الصحف، حتى كان لنا في علم النفس بفضلهما محصول ذو غناء بوفرته ومتاعه، وأي شيء أحب إلى النفس وأمتع من أن تطالع نفسها مشروحة مفصلة، في تحليل عميق سهل مستساغ، لا تشوبه خشونة العلم وغلظته؟ فقد وفق الأستاذان الفاضلان فيما يكتبان إلى (السهولة في الأسلوب، والوضوح في العبارة، مع الدقة في التعبير، والبحث وراء الحقيقة، حباً في الوصول إلى الحقيقة لذاتها، حتى يسهل الصعب، ويتضح الغامض، ويقرب إلى الأذهان ما بعد عنها، من تلك الموضوعات التي لم تخدم بالعربية الخدمة اللائقة بها). وأما فصول هذا الكتاب القيم فهي: الفكر، الحكم، الاستنباط، التعليل، التفكير الراقي، الوجدان، الانفعالات، العواطف، الأمزجة، الأذواق، الشخصية. . . . . وقد وضعا بجانب الاصطلاحات العلمية ما يقابلها باللغة الأجنبية تجنباً للخلط، ومنعاً للخطأ في التفكير

وما دمنا بصدد ترجمة الألفاظ، فقد نحب أن نعترض اعتراضاً نعترف أنه تافه بالقياس إلى هذا المؤلف الجليل: فقد ترجم الكاتب كلمة بلفظة (التعقل) في الصفحة الخامسة من الكتاب، ثم عاد في الصفحة الثالثة عشر فأطلق لفظة التعقل هذه، تعريباً لكلمة ومهما يكن بين اللفظتين من قرب وشبه، فقد كنا نؤثر أن ننقل الكلمتان الإنجليزيتان المختلفتان إلى كلمتين عربيتين مختلفتين، وليس ذلك بعزيز على الأستاذين المؤلفين. وهناك ملاحظة أخرى أخذتها العين أخذاً أثناء التصفح السريع، فقد أراد الكاتب أن يورد تعليل الوجدان (ص146) فقال:(التعليل الجثماني - ومعناه أن الوجدان راجع إلى تغيرات مادية خاصة تحدث في الجسم، فينشأ عنها الشعور بالسرور أو الألم. وقد أجريت تجارب لإثبات ذلك فوجد مثلاً أن القلب يبطئ في دقاته، وأن التنفس يسرع عند السرور، أما عند الألم فقد شوهد العكس، أي أن القلب يسرع في ضرباته، وأن حركات التنفس تكون بطيئة. . .) وعندنا أن هذا متناقض أوله مع آخره، أو على الأقل كتب بعبارة يفهم منها القارئ هذا

ص: 73

التناقض، لأنه يريد أن يثبت أن علة الوجدان جثمانية، أي أن الحركة الجثمانية تكون أولاً، ويكون السرور أو الألم ثانياً، ولكن قوله إنه قد أجريت تجارب فوجد أن الجسم يحدث به كذا وكذا عند السرور، قد يفهم منه أن السرور ينشأ فتنشأ تبعاً له حالة معينة بالجسم، وهو عكس ما أريد إثباته

ولا يسعني في ختام هذه الكلمة القصيرة، وقد كان المقام يستدعي الأسهاب، إلا أن أسجل رغبة أحسستها عند تصفحي الكتاب، وتلك أنني وددت لو خرج هذا السفر الجليل الممتع المفيد، أجمل انسجاماً من حيث الطبع، وبخاصة في مواضع العنوانات وحجومها.

وإني لأنتهز هذه الفرصة لأهنئ المؤلفين الفاضلين على هذا التوفيق، وأهنئ قراء العربية أن كان لهم هذان المؤلفان الفاضلان

زكي نجيب محمود

وجهة الإسلام

تأليف جماعة من المستشرقين

ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده

كتاب في نحو مائتين وخمسين صفحة من القطع الكبير، ألفه بالإنجليزية الأساتذة هـ. أ. ر. جب أستاذ اللغة العربية بجامعة لندن، ل. ماسينون الأستاذ بجامعة باريس وكلاهما عضو بالمجمع اللغوي الملكي المصري، ج. كامبفماير بجامعة برلين، ك. برج بجامعة ليدن واللفتنانت كولونل فرار بالجيش الهندي سابقاً. ولقد قام بتعريب هذا الكتاب الأديب محمد عبد الهادي أبو ريدة خريج قسم الفلسفة بالجامعة المصرية

وإنك لتفهم موضوع الكتاب من تلك العبارة التي جاءت في مقدمة الترجمة العربية بقلم الأستاذ جب: (فأما الذي يرمي إليه مؤلفو هذا الكتاب فهو أن يحللوا تيارات الفكر التي تعبر عن حالة المسلمين ثم النزعات التي تتردد بينهم ليراها القارئ الأوربي اللبيب الذي له بعض الخبرة بحياة البلاد الشرقية). ولقد قسم المؤلفون موضوعاته بينهم فاختص الأستاذ ماسينيون بمن اتصل من العمال المسلمين اتصالاً وثيقاً بالحياة الأوربية، وتكلم الأستاذ كامبفماير عن النظم الجديدة في الحياة الاجتماعية والعقلية في آسيا الغربية، وانفرد

ص: 74

الكولونل فرار بدراسة الإسلام في الهند وعلى الخصوص علاقته بالناحية السياسية، أما الأستاذ برج فقد اتخذ إندونيسيا موضعاً لبحثه، وقدم الأستاذ جب هذه الدراسات في فصل طويل ممتع عن الإسلام والحالة في العالم الإسلامي

فهذا كتاب جدير بالدراسة، حري بأن يقرأه الأديب المسلم ليرى رأي علماء المشرقيات، أو بعبارة أخرى ليرى مقدار فهمهم للعالم الإسلامي، ونزعتهم الفكرية أثناء الكتابة عن أحوال الإسلام، وسيرى فيه كثيراً من الأفكار الدقيقة والنقط الهامة الجديرة بالبحث والتحليل كما أنه سيرى بعض أغلاط المستشرقين في نظرتهم إلى العالم الإسلامي، فكثير منهم يقف من هذا الموضوع موقف من يزور مدينة كبيرة لأول مرة فيكون أسرع من أهلها أو أكثر تأثراً منهم بمواضع الدهشة والقوة فيها، على حين أنه يغفل عن كثير من نواحي ذاتيتها ومعاني روحها وألوان شخصيتها مما لا يستطيع معرفته حق المعرفة إلا أبناؤها الخلص

أما عن التعريب فآثار العناية بادية في الموضوعات كلها على العموم، وإن كان المعرب أحياناً يتأثر بالتركيب الإنجليزي والأخيلة الإنجليزية في طريقة سياق الأفكار وتسلسلها في الجملة الواحدة فتلتوى العبارة العربية التواء يلبسها الروح الإنجليزي، مما يسبب صعوبة فهمها أحياناً، أو يخرج بها عن المراد منها أحياناً أخرى. خذ لذلك مثلا قوله:(ولعل من سداد الرأي توقعنا أن يكون انتشار الإسلام على هذه الأصقاع الشاسعة واشتماله على أجناس كثيرة وتقاليد قديمة أمرين سيحولان دون بلوغ وحدة حقيقية في المدنية الإسلامية، وإنه رغم اتحاد المظاهر الدينية فإن بقاء العادات التي رسخت قديماً وأساليب التفكير المختلفة في طبيعتها اختلافاً لا يدع لاتفاقها سبيلاً سيؤثر تأثيراً قوياً في ثقافة كل إقليم على حدة حتى لا يترك مجالاً لتقاليد شاملة ولا لأي وحدة تامة في الشعور وحتى يوجد عدداً من الثقافات الإقليمية الإسلامية)

على أن المعرب الفاضل قد أحسن صنعاً على أي حال بتقديم هذا الكتاب القيم إلى لغة الضاد

الخفيف

ص: 75