الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 784
- بتاريخ: 12 - 07 - 1948
أدبنا وهذه الحرب
كان أدباؤنا في الحرب العلمية الثانية إذا سئلوا: ما بالكم تظلون (محايدين) والعلم من جهاته الست قد أخذته جنة الحرب ونفضته حمىَّ الهلاك؟ أجابوا: ومالنا ولأمر لا جارَّة لنا فيه، ولا رادَّة علينا منه؟ ليست هذه الحرب لنا فتزهونا العزة، وليست علينا فتهزنا الحميَّة. إنما نحن منها كمن يشاهد من جانب الغاب معركة بين الوحوش، يصيبه من شظاياها الناب المخلوع أو المخلب المقطوع أو المفصل الطائر، فلا يعنيه إلا أن يسب الضارب والمضروب، ويلعن الغالب والمغلوب. وهذا ما نهض به فن المقالة في ميدان واسع، وتحرك له فن الشعر في مجال ضيق.
ذلك ما كانوا يقولونه بالأمس في حرب الألمان والطليان للإنجليز والأمريكان، فماذا عسى أن يقولوا اليوم في قتال العرب لليهود، وجهاد القرآن للتلمود، وكفاح الإسلامية للشيوعية، ونضالالحرية للرأسمالية؟ أيقولون إن هذا الشعب الكريم الذي يجود بنفسه وماله، في سبيل عزته واستقلاله، ليس شعب النيل؟ أم يقولون إن هذا الجيش الباسل الذي قهر العدو ببطولته وإقدامه، وبهر الصديق بخطته ونظامه، ليس جيش الفاروق؟ أم يقولون إن هذه الحكومة الحرة التي دافعت بشجاعة الحق في مجلس الأمن، وهاجمت ببراعة القوة في ميدان الحرب، ليست حكومة مصر؟ أليس فيما يرفع الجباه ويعطر الأفواه مما تسجله الصحف كل يوم لقوادنا وجنودنا وطيارينا، من مواقف البسالة والشهامة والتضحية والإيثار والنجدة والنبل، ما يوحي للشاعر الحماسي بالملحمة، وللكاتب القصصي بالقصة؟ أو ليس فيما يزكم الألوف ويكظم الصدور مما جنته على فلسطين وعلى المسلمين، وغادةُ اشترن، وخيانة أرجون، وفسولة الهاجنا، ونذالة يهود، ما يفتح للروائي الساخر باب الملهاة، وللفنان الشاعر باب المأساة؟ بلى، إن في الغار الذي يكلل رءوس العرب، وإن في العار الذي يجلل رءوس اليهود لمادةً ثرَّة للخيال المبدع، ومداداً فياضاً للقلم الخالق. ولقد أدت الصحافة حق الأدب والتاريخ، وحاولت الإذاعة أن تقضي حاجة العقل والروح، وأخذ الشعر يجيب داعي الغناء والموسيقى، فلم يبق إلا الشاعر الطويل النفس الذي يسجل المفاخر في القصيد، والكاتب البارع الذهن الذي يصور المآثر في الرواية. وعما قريب يجري في الفلك المصري كوكب عطارد فينبض اللسان الساكن ويجيشالقلب القَرور.
لقد كانت القبيلة تغزو القبيلة، فيُقتل بعض الرجال، وتنهب بعض
الجمال، فتثور ثائرة الشعر، وتقوم قائمة الخطابة، ويسمع الدهر
العجلان فيقف مصغياً للبدوي الجلف ليروي للأجيال المقبلة مناقب
قومه، ويخلد على الأباد المتعاقبة حوادث يومه. فهل نقول إن حرب
فلسطين التي احتشدت لها دول العرب السبع أضعف تأثيراً في النفوس
من غزوة، أم هل نقول إن شعراء العروبة اليوم أقل تأثراً بالمجد من
السُّليك وعروة؟
إن حرب فلسطين ليست كما يقال مبدأ نهضة ومفتتح عصر؛ إنما هي أشبه بحروب الفتح في عصر الإسلام الأول: كانت نتيجة لتأليف الله بين قلوب العرب فتوحدت اللغة والكلمة والعقيدة والثقافة والخطة والغاية؛ وكان من وراء أولئك كله سلطان لم يطاوله سلطان، وعمران لم يماثله عمران، وأدب لم يعادله أدب.
(المنصورة)
أحمد حسن الزيات
من سجايا اليهود، نقض العهود
للأستاذ علي العماري
كان موقف الصهيونيين من الهدنة مثيراً للعجب عند الخبيرين ببواطن الأمور، والجاهلين بها، فالعالم كله يعلم أن الدول الغربية إنما أرادت من الهدنة أن تحمي ظهور اليهود، وأن تبقى على البقية الباقية من قواتهم التي مزقتها الجيوش العربية، وأن تهيئ لهم الفرصة للاستجمام والراحة لعلهم يستطيعون أن يثبتوا وجودهم، وأن يمحوا العار الذي لحقهم، ويزيلوا الخجل من الدول التي ناصرتهم، وتساءل الناس، ما بالهم - وهذه حالهم - لم يصبروا على الهدنة ساعة من نهار؟ وما بال عصاباتهم ترتكب كل يوم حادثا جديداً؟ وربما اختلف الناس في الإجابة عن هذا السؤال الذي يبدو غريباً، وربما ذهبوا مذاهب شتى في التعليل والاستنتاج، ولكن الذي أؤكده أن مرجع ذلك ومرده إلى أن الغدر ونقض العهد من طبائع اليهود المتأصلة فيهم.
يؤيد ذلك تاريخهم الطويل المملوء بالمضحكات والمبكيات، مذ أذاقوا كليم الله موسى عليه السلام الأمرين، إلى أن لفظتهم جميع الدول من أرضها في العصر الحديث. ويؤيده ما سجله القرآن الكريم عليهم. ولهذه الطبيعة في نفوسهم لا أظن أن أحداً يرضى أن يركن إليهم، أو يثق بمواثيقهم وعهودهم، ولا أظن (برنادوت) بالغاً شيئاً مما يريد. وكيف، وقد أعيوا جميع الأنبياء والمصلحين الذين أرادوا لهم الخير؟! فما كان منهم إلا أن التووا على الجميع، وأصموا آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وأصروا، واستكبروا استكبارا. شكا منهم موسى عليه السلام فقال فيما حكاه القرآن عنه:(رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الظالمين). وشكا منهم هرون عليه السلام: (قال يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، فلا تشمت بي الأعداء، ولا تجعلني مع القوم الظالمين). وشكا منهم أنبياء الله يوشع بن نون، وصمويل، وزكريا، ويحيى، وفي القرآن الكريم (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ليئس ما كانوا يفعلون).
ولقد عنى القرآن الكريم عناية ظاهرة بأخبارهم، والحديث عن سوء أخلاقهم، وكشف مطويات ضمائرهم، حتى كانت السورة بأكملها تنزل في حادثة من حوادثهم، كما نرى في
سورة الحشر التي سجلت مخزاة بني النضير. ومن مظاهر هذا الاهتمام أن أول سورة نزلت بالمدينة وهي سورة البقرة جاء في صدرها نحو الثمانين آية مما يتعلق باليهود وآبائهم، وأن الدارس ليستطيع أن يستخلص أهم المظاهر الأخلاقية التي كانت فاشية فيهم من بخل، وجهل، وعناد، وخيانة، وغدر، ودعاوي طويلة عريضة، ونفاق ورياء إلى آخر ما حفلت به الآيات الكريمة، ولكني هنا أريد أن أتحدث عن صفة واحدة من صفاتهم تلك هي (نقض العهود).
وقد ذكر جار الله الزمخشري في كشافه عند تفسير قول الله تعالى (أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم) قال: (واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود. وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفوا). . .
نعم قد أخذ الله منهم مواثيق كثيرة، ذكرت في القرآن، ولكنهم نقضوا جميع هذه المواثيق، وقد عاهدهم النبي غير مرة، ولكنهم كانوا ينقضون عهدهم في كل مرة.
فإنه صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة وجد نفسه بين نارين: نار اليهود في المدينة، ونار المشركين في مكة، لذلك كان حريصاً على أن تحسن العلائق بينه وبين اليهود، فعقد معهم عهدا سياسيا خطيراً، بين فيه حقوق الطوائف كلها من مهاجرين وأنصار ويهود، ونص فيه على شروط الدفاع والهجوم، فقد كان يفكر في مهاجمة مكة، كما كان يتوقع أن تهاجمه يوماً ما، وقد أمن اليهود على كيانهم الاجتماعي، وترك لهم حرية الديانة. ومما جاء في هذا العهد (وأنه من تبعنا من يهود فإن له النضرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم أو أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين).
وعاشوا في ظل هذا العهد آمنين مطمئنين حتى تكشف نواياهم، ونزلوا عند حكم طبائعهم، فقد كانوا يريدون أن يستميلوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانبهم، وكانوا يجدون رَوحا واطمئنانا في استقبال المسلمين بين المقدس في الصلاة، فلما رأوا أن بعض أحكام القرآن لا تتفق وأحكام التوراة، وجاء للنبي الأمر بالتوجه - في صلاته - إلى الكعبة بدرت منهم السوءة السوءاء، وقالوا: لو كان نبياً حقاً ما ترك ملة إبراهيم، وهم يزعمون أن بيت
المقدس كان قبلة إبراهيم، فنزل قول الله تعالى:(سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) وقد حاول النبي أن يفهمهم أن لله المشرق والمغرب، ولكنهم سفهاء، فما يهتدون (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض). ثم كان انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى، فدخل الحق والحسد إلى قلوبهم، وقال كبراؤهم:(بطن الأرض اليوم خير من ظهرها) ثم نقضوا العهد.
ثم عاد النبي بني قريظة ألا يمالئوا عليه فنكثوا وأعانوا مشركي مكة بالسلاح، وقالوا نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم فنكثوا، ومالوا مع المشركين يوم الخندق، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم، فأنزل الله فيهم قواصم الظهور (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون) وهكذا يدمغهم في وضوح وقوة، فهم كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، وهم ينقضون عهدهم في كل مرة، فليس على النبي ولا على المؤمنين من حرج إذا مزقوهم كل ممزق (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون، وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين).
وكيف يرجى من هؤلاء اليهود الخير، أو يوثق لهم بعهد، وهم يتنكرون لدينهم ويفضلون الوثنية على التوحيد في سبيل مطامعهم الدنيئة، ومآربهم الخسيسة، حتى وقعوا فيما لا يقع فيه ذو عقل وخلق. ذكروا أن وفداً من قريش جاء إلى اليهود وحادثهم في شأن الدين (وقالت قريش لليهود: يا معشر يهود! أنتم أهل الكتاب الأول، وأهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قال اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه!) وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في قوله تعالى:(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أولئك الذين لعنهم الله، ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا).
ولم يرض مؤرخ يهودي عن هذا الموقف المخزي من اليهود، ذلك هو الدكتور ولفنسون مؤلف كتاب (تاريخ اليهود في بلاد العرب) فقد علق على ذلك بقوله: (كان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في مثل هذه الخطأ الفاحش، وألا يصرحوا أمام زعماء قريش
بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم. . . هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم، ويناقضون تعاليم التوراة إلى توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام، والوقوف معهم موقف الخصومة).
(وبعد) فإن نقض اليهود للعهود موضوع طويل الذيول، ولست أريد - هنا - أن أستوفيه، وإنما هي إشارة عابرة.
ولا أختم هذه الكلمة حتى أروي النفس بهذه الآية الكريمة: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب).
وعد الله لا يخلف الله وعده.
علي العماري
مبعوث الأزهر إلى المعهد العلمي بأم درمان
من مآثر الأمير عبد القادر
(مهداة إلى حفيده الأمير سعيد الجزائري)
للأستاذ محمد أسامة عليبة
لمناسبة قيام الدول العربية بتأديب العصابات الصهيونية في فلسطين رأيت نشر ذَرْو من أخبار هذا الزعيم المجاهد:
في وقعة (خنق النطاح) الأولى سنة 1247هـ كان الأمير بين الصفوف يحرض المحاربين على الثبات ويأمرهم بالتقدم، فحمل عليه أحد فرسان العدو برمحه فمر من تحت إبطه الأيسر فشد عليه بعضده وهوى بسيفه على الفارس فقدَّه نصفين. ولما تولى النهار وقعت الهزيمة في عسكر الفرنسيين فولوا مدبرين واتبعهم المسلمون واستولوا على ذخائرهم. وفي هذا اليوم طُعن فرس الأمير، وكان أشقر اللون، ثماني طعنات بحربات العدو، ثم رماه أحدهم بالرصاص في رأسه فوقع به، فلم يبال الأمير بذلك بل قام في مكانه ثابتاً إلى أن قدَّم إليه جنده غيره فامتطاه، وظل يقاتل إلى أن انتصر المسلمون، وأشار إلى ذلك الأمير في بعض شعره بقوله:
توسد بمهد الأمن فدمرت النوى
…
وزال لغوب السير من مشهد الثوى
وعرِّ جياداً جاد بالنفس كرّها
…
وقد أشرفت مما عراها على النوى
وكم قد جرت طلقاً بنا في غياهب
…
وخاضت بحار الآل من شدة الجوى
وإنا سقينا البيض في كل معرك
…
دماء العدى والسمر أسعرت الجوى
ألم تر في (خنق النطاح) نطاحنا
…
غداة التقينا كم شجاع لهم لوى
وكم هامة ذاك النهار قددتها
…
بح حسامي والقنا طعنها شوى
وأشقر تحتي كلمته رماحهم
…
مراراً ولم يشك الجوى بل وما التوى
بيوم قضى بحباً أخي فارتقى إلى
…
جنان له فيها نبي الرضي أوى
فما ارتد من وقع السهام عنانه
…
إلى أن أتاه الفوز يُرغم من غوى
ومن بينهم خلصته حينما قضى
…
وكم رمية كالنجم من أفقه هوى
ويوم قضى تحتي جواد برمية
…
وبي أحدقوا لولا أولو البأس والقوى
وإنا بنو الحرب العوان بها لنا
…
سرور إذا قامت وشانئنا عوى
وفي وقعة خنق النطاح الثانية استشهد السيد احمد ابن أخي الأمير وهو ابن خمس عشرة سنة بعد أن بدا من بسالته ما أذهل العقول. ولما وقع عن جواده ميتاً بين الصفوف هجم الأمير في طائفة من وجوه الأبطال جعلهم ردءاً له، فخرق صفوف العدو وانتشل ابن أخيه من بينهم، فعجب الأعداء من ذلك وأيقنوا أن القتيل أمير فحاولوا منعهم من أخذه فخابوا. . .
وفي معركة برج (رأس العين) أخذ العدو يرسل قنابله على جيوش المسلمين كالمطر، فلم يزدهم ذلك إلا شدة وحماسة، وجعل الأمير يسير بين المشاة والفرسان وسائر الصفوف يحرضهم على الثبات والصبر في مجال الموت ويذكرهم بأيام الله، وبينما هو على ذلك إذ عدا عليه أحد فرسان العدو بسيفه فحاد عن سرجه فجاءت الضربة في الفرس فوقع لحينه، فركب غيره واستمر على ما كان فيه من الحض على القتال. وبلغه أن المشاة فرغت أيديهم من الرصاص فأسرع إليهم بما يكفيهم منه، ولم يحفل في ذهابه وقفوله بقنابل العدو المتصلة وصواعقه المتتابعة من البرج والبلد.
وفي غزوة (المقطع) التي شنها الجنرال تريزيل ناقضاً بها المعاهدة بينه وبين الأمير، خرج الجنرال من وهران في خمسة آلاف راجل وفرقة من الفرسان وأربع قطع من المدافع الجبلية وعشرين مركبة للتموين عدا المركبات الاحتياطية، فنهض له الأمير في نحو ألفي فارس وألف من المشاة فاحتل (بسبك) عازماً على الإقامة هناك إلى أن يتلاحق الناس بالجيش، ولكن تريزيل عاجله بالزحف إليه، فعبأ الأمير كتائبه ورتب جنده، وعين للميمنة قائداً وللميسرة كذلك، وثبت هو في القلب، وتزاحف الجمعان واحتدم القتال واستمر يومين فارتدت عساكر الفرنسيين على الأعقاب، وقتل منهم على ما ذكره (روا) في تاريخه جم غفير، فيهم الكمندان أودينو ابن المارشال دوك دي تريجو، وكان قتله سبباً في هذه الهزيمة النكراء. وكان الظمأ والتعب أنهكا الجيش الأمير فتفرقوا، ثم شعروا بأن العدو بات قريباً منهم فرجعوا أفواجاً أفواجاً، وتوجه الأمير في ألف فارس اختارهم من جنده وأردف كل فارس جندياً من المشاة، وخفوا إلى (المقطع)، وسدوا على الجنرال سبيله، وأحاط جيش الأمير بجيش الجنرال وأضرموا عليه نار الحرب، فاضطرب الجيش الفرنسي وقتل كثير منه وأسر عدد كبير وغرق في نهر هبره أكثر، وغنم المسلمون ذخائره، وانسل الجنرال
إلى ساحل البحر بمن بقي معه. ثم أرسلت فرنسة المارشال كلوزيل والدوك دورليان ولي عهد ملك فرنسة إلى الجزائر مع الجند والعتاد نجدة وإمداداً لمن هناك ممن عجزوا عن مكافحة الأمير، فكانت الحرب بينهم سجالا في عدة وقائع، ثم تغلب عليه العدو لوفرة عَدده وقوَة عدده، فاستولوا على حاضرة الأمارة. ثم لمَّ الأمير شعثه واستجمع قوته، ونازل عدوه واسترد الحاضرة، ثم ظهر عدوه عليه مرة ثانية وغزا تلمسان، فحصره الأمير وانقض عليه
ويذكر المؤرخ إسكندر بالمار شديد عجبه من استجماع الأمير قوته ورجوعه إلى حاله الأولى بعد أن اضمحلت ثلاث مرات، وكل واحدة منها كافية لسقوط أعظم سلطان راسخ القدم.
وقال تشرشل في تاريخه: بعد أن سرد تاريخ حروب الأمير مع فرنسة: إن هذه الأعمال كبيرة جداً بالنسبة إلى سن الأمير وكان في الخامسة والعشرين مع عدم الاطلاع على أحوال العالم، لكنها صغيرة بالنسبة إلى ذكائه الفريد. ويعجب العاقل متى سمع أن دولة فرنسه احتاجت إلى مائة ألف عسكري تقاتل بها الأمير عدا المساعدات الداخلية والخارجية. . . مع أن الأمير لم تزد قواته على عشرة آلاف مقاتل.
ولما تواطأ العدو مع جيران الأمير على خذلانه، وتوالت النجدات للجيوش الفرنسية التي تقاتله مع فيض من السلاح والذخيرة ضعف أمره، واستولى العدو على المدن والقلاع، فاتخذ الأمير عاصمة كبيرة متنقلة مؤلفة من خيام كثيرة ومضارب وثيرة، وسمى ما يخصه منها (الزمالة) وما يخص الأعيان والعامة (الدائرة) وما يخص الجند (المحلة)، واتخذ جملة مضارب لمصانع السلاح، وأعد فسطاطاً واسعاً لاجتماع المجلس العام، وآخر جعله مسجداً ورتب مضارب للباعة وأهل السوق، تضرب بعيدة عن الزمالة والدائرة. . .
ويقول روا في تاريخه: إن الأمير عبد القادر كان لا يمل من التعب ولا يكل من الحرب ومشقاتها، وكان يشاهد انتصارات فرنسة، ولا يرى نفسه مغلوباً لها. واستمال بحكمته قلوب كثير من القبائل رغبة ورهبة وصاروا في جيوشه. وقال تشرشل: لما رأى الفرنسيون ذلك بادروا بذر الذهب والفضة رشوة لزعماء القبائل، فلم يجدهم ذلك نفعاً. . .
وكان في بضع معاركه يقيم مع كثير من فرسانه في جهات بعيدة عن جيوشه، وينفد زادهم
فيضطروا أن يقتاتوا بالبلوط، ثم يعثرون على خروف فيقدمونه إلى الأمير فيؤثر جنوده به مع أنهم في المخمصة سواء. وكان العدو يبذل كل شيء في سبيل نقض الزمالة مقر الأمير وبيت ماله فركبوا الأهوال من أجل ذلك. وبعد معارك عنيفة وبعد أن انتقل بها الأمير إلى أراض قاسية استطاعوا أن يكتسحوها، فحزن الأمير لذلك ولكنه لم يهن بل قال: سبحان الله! كل شيء كنا نحبه وتعلقت أفكارنا به كان يعوق حركاتنا ويحول دون الوصول إلى مطلوبنا، والآن صرنا أحراراً متجردين لا شغل لنا إلا مقارعة الأعداء ومصاولتهم ومن فقدناه من الرجال فهم شهداء في الفردوس ونعيمه، وأما الأموال فسيخلفها الكريم الوهاب، ويجب أن لا نجبن بل نكون أشد ما كنا أملا.
وبعد استيلاء العدو على حاضرة الأمير (معسكر) خطر للأمير مرة أن يدهمها فزحف عليها بجيش قليل من عدده، كبير في شجاعته وإيمانه، فخرج إليه الأمير الاي جيري بجيشه وانضم إليهم الجنرال بيدو والأمير الاي تاميور ومعهما الفرق التي كانت في تلمسان، ولحقت بهم الفرق التي كانت في قسطنتينة، والأمير في قلة من الجيش والذخيرة، فحمى وطيس الحرب بينهم فطوقوا جيش الأمير، فأبلى الأمير ومن معه بلاء حسناً، فأصيب جواد الأمير، فدافع عنه قومه واستشهد بسبب ذلك عدد منهم، وركب الأمير جوداً آخر ونجا مع بعض قومه، وحال الليل بينهم وبين باقي جند الأمير، فأشاع المرجفون أن الأمير استشهد فقالت شقيقته لوجوه القوم: إن فقد شقيقي وذهب فإن كفاحكم ودفاعكم عن الدين والوطن باق في عنقكم إلى الأبد. فأثارت فيهم روح الشجاعة والفتوة.
وكان من عادة الأمير أن يلقى العدو وهو في طليعة الجيش، ومع ذلك فلم يصب في جسمه سوى مرة واحدة؛ فقد مسحت رصاصة طرفاً من أذنه اليمنى، فصلى لذلك ركعتي الشكر لله على ما أصابه في سبيله. وكان بعضهم يظن أنه يتخذ حجباً وتعاويذ تقيه الأذى فأخبرهم أنه لا يعوذ نفسه إلا بما ورد في السنة من الأذكار المشهورة.
ولجأ الأمير في عاقبة أمره إلى حرب العصابات فكان يظهر في اليوم الواحد في غدوته في مكان، وفي عشيته في آخر بعيد عنه كل البعد. قال تشرشل: لقد عجب الفرنسيون من بسالة الأمير عبد القادر وسرعة اختفائه هو ومن معه، وذكرت ذلك في بعض المحافل السياسية مدهوشاً من أمره فشهد له بعض القواد بعجيب البسالة والحماسة والثبات مع
السرعة في الحركات الحربية.
وقد أفرد تشرشل الإنكليزي الفصل السادس عشر من تاريخه لذكر حسن معاملة الأمير للأسرى ورحمته بهم والشفقة عليهم، وكان يكافئ من يأتيه بالأسير حياً أكبر مكافأة، وكانت والدة الأمير تعنى بأسيرات النساء عناية تنسيهن ما هن فيه. وجاءه مرة أحد أعوانه بأربع من أسيرات النساء، فحول الأمير وجهه وقال: الأسد يقنص الحيوان القوي، وأما ابن آوى فيقع على الضعيف. وقال فاليوت في تاريخه: كان الأمير عدواً كريم الأخلاق فإن كل من كان أسيراً عنده قد أثنى عليه.
واضطر الأمير في بعض معاركه إلى الأمر بإحضار جملين فشدوا على كل واحد حزمتين من الخلفاء بعد أن لاشوهما بالقطران والزفت، وأمر أن تضرم النار فيهما حين الحمل على العدو، فلما أحسن الجملان بالنار نفرا وذهبا يجوسان خلال خيام العدو، والجيش من ورائهما، فما راع العدو إلا مشاعل النار تجول بين الخيام، ومطر القذائف تنزل عليهم من حيث لا يحتسبون، فلم يسعهم إلا الفرار مخلفين الذخائر والمتاع. ولما اضطر الأمير إلى التسليم بشروط وافق عليها الجنرال لامورسيير، ومنها أن يذهب بأهله وحاشيته إلى بلاد المشرق، خدعته فرنسة وحملته إلى بلادها ولامت الجنرال لامورسيير وأنبته على عدم أسر الأمير بدلاً من قبول تسليمه، فقال الجنرال: لو حاولت أسر الأمير وزحفت عليه لهذا الغرض ما رجعت بغير خيمته وسجادته. وإنه ليذهب إلى الصحراء بحيث لا أستطيع الوصول إليه، لأن عبد القادر ذو صلابة في دينه مشتهر بالصدق والأمانة في وطنه شديد التمسك بمبادئه، وهذا هو السبب الذي جمع القلوب عليه، والظفر الذي أحرزه في حربه معنا هو ثمرة ما قررناه، فلو ترك في بلاده لكان خطراً علينا، وما فعلت أنا غير الصواب، وأرجعوه إذا شئتم إلى موطنه وردوا إليه القوة التي بقيت معه واقبضوا عليه عنوة إن قدرتم، وما قبلت أنا والحاكم العام تسليمه على شروطه إلا حرصاً على راحة فرنسة وجنودها التي أنهكها الحرب، وضنا بأموالها الكثيرة التي تنفق في هذه السبيل.
ثم طلبت فرنسة من الأمير أن يتخذ فرنسة وطناً له على أن تمنحه أملاكاً واسعة تجعله من كبار أغنيائها. فأجابهم بأن الحرية أفضل عند من أموال فرنسة كلها.
ومما نظمه في تلك الأيام قصيدة طويلة، منها في حنينه إلى الأوطان:
ومن عجب صبري لكل كريهة
…
وحملي لأثقال تجل عن العد
ولست أهاب البيض كلا ولا القنا
…
بيوم تصير الهام للبيض كالغمد
ولا هالني زحف الصفوف وصوتها
…
بيوم يشيب الطفل فيه مع المرد
وأرجاؤه أضحت ظلاماً وبرقه
…
سيوفاً وأصوات المدافع كالرعد
وقد هالني بل قد أفاض مدامعي
…
وأضنى فؤادي بل تعدى عن الحد
فراق الذي أهواه كهلا ويافعاً
…
وقلبي خلى من سعاد ومن هند
وبعد إقامته في بلاد الشرق سار مرة إلى باريس لبعض الشئون فرار قصر فرساي ودخل إلى مكان فيه صور الوقائع التي جرت بين جنوده وجنود فرنسة وكان النصر فيها لهم، فقال للجنرال المحافظ على القصر: لماذا لم تثبتوا صور الملاحم التي كانت الهزيمة فيها لجيوشكم والديرة عليهم؟ فضحك الجنرال ومن حضر من الأعيان وأيدوا كلام الأمير.
ودعاه إمبراطور فرنسة إلى معسكر شالون ليشهد معه موسم عيده، فكلمه في شئون كثيرة، ثم قال له: إن الإمام الشيخ شامل السجين عند ملك الروس يود الذهاب إلى بلاد الإسلام وقد قاربت سنه السبعين. ولما كنت في الآستانة كلمت سفير روسيا في شأنه، فقال إن الملك وعده بإطلاقه في نهاية الحرب في الداغستان، وقد انتهت، ولكن لابد من انتظار انتهاء هجرة الجراكسة من بلادهم إلى بلاد الدولة العلية. وتحدثت في الآستانة إلى الصدر الأعظم ووزير الخارجية في هذا الشأن فقالا إن الدولة العلية تقبل إقامته في بلادها. وأنا لم أعن بأمر الشيخ شامل إلا لأنه قام بما قمت به، والإنسان يميل بطبعه إلى شبيهه.
طيب الله ذكرى هذا الأمير الباسل، وأجزل له من مثوبة المجاهدين. . .
محمد أسامة عليبة
طرائف من العصر المملوكي:
في ظلال السرحة
للأستاذ محمود رزق سليم
في فوره من فورات الشاعرية، وسنحة من سنحات الفن، وحين هجعة من هجعات الحس الظاهري ولمعة من لمعات الخيال، وبين لمحة من اللمحات التي تنسجم فيها العاطفة وانفعالها بالذهن في صفائه، واللسان في وفائه، جلس الشاعر المبدع الوصاف (فخر الدين ابن مكانس)، في ظلال سرحة من سرحات النيل، كرم في جواره منبتها، وطاب في كنفه غرسها، ورسا أصلها في أدم شاطئه، وسما فرعها على صفحة كوثره، حلا لها المقام حيث تقيم، فلبثت في مكانها لا تريم؛ فهي وليدة النيل أو حبيبته، رضيت ألا تبرح داره، وأقسمت لا تمل جواره. إذا صفا من تحتها ماؤه، ووفى لها حباؤه، ضحكت له بنورها الألاق، وزهرها البراق، وانثنت عليه بالأغصان اللدان، والأفنان الحسان. مثنية شاكرة، مرسلة تحيتها العاطرة.
تلك هي سراحة ابن مكانس التي أطلقت من حوله أرجا عبق بالأرجاء عطره، وضاع في الآفاق نشره، فجذبته إليها به اجتذاباً، واقتضبته اقتضاباً، وأثارت في نفسه وساوس الشياطين، وأهاجت في خاطره أبالسة الشعر فأتاها في بيتها، وناداها من تحتها، وناجاها بقصيدة فريدة، فخلدها بين اللدات، وجعلها في الخالدات.
جلس في ظلالها جلوس الواله الشغوف، شفه منها جمالها، وراعه جلالها، وأعجبه سموقها إلى السماء، في أنفة وكبرياء. حتى ليرتد الطرف عنها وهو كليل. أليست بنت النيل، وسليلة العذب السلسبيل؟
وطفق ينعت قوامها من الأخمص إلى الرأس، ومن القدم إلى الذؤابة، كأنها وهي العجوز الشمطاء كاعب حسناء وخلع عليها من نفسه نفساً، ومن روحه قبساً. وصور ما أشاعته حولها من نشاط، وما نشرته من جذل ومرح. فإذا كان المشيب قد اجترأ فطرق عليها الخباء، ودب في اللحاء، فلا يزال ماء الشباب، يجول منها في اللباب؛ فهي قريرة العين، راضية القلب، إذا راح نورها يبسم من الفرح، غاداه من الغيم كل بكاء، وإذا داعبتها الأنواء، فاكهتها السحب بالماء؛ وإذا توهج القيظ فاستشرى داؤه وعزا دواؤه، طبته عن علم
وخبرة، وشفته من الرمضاء في رفق وقدرة فهي لذلك مقيل ندمان، ومغنى حمائم، لا بل مرتع ظباء وفناء درماء، يطيب في ظلتها الصيف كما يحلو تحت عطفها الشتاء.
وهي قائمة في مكانها راضية كأنها سيدة دار شرقية، أضفى الإسار عليها من الكرامة ثوباً، ومن العزة ذوباً. وبحسبها أن يحبوها النيل تبرا فتنفثه زهراً. وتهزها الصبا فتصبو، وكأنها إليك مقبلة تتهادى في مطارفها، وتختال في خفائفها. تخطو خطو المرهاء، بغير عين كحلاء. وأغصانها الرشاق أعطاف وطفاء
وإذا صفق الموج من تحتها طرباً، نقطته بأزاهيرها ما بين صفراء فاقعة، وبيضاء ناصعة. وإذا جاسن بالنهر خريره، مالت إليه، كأنها أذن مصغية تسمع سره، وتتعرف أمره، فيريها في مرآته محاسنها، وفي صفحته مفاتنها.
وقد خلع عليها القدم قدسية فأصبحت كدير راهب، إذا اعتلى بلبلها ذرا غصن فيها وراح يملأ سواد الليل بتطريبه وترتيلاته خلته مسبحاً داعياً، ومصلياً منادياً.
على هذا الضرب الفريد من الوصف، نظم ابن مكانس سرحيته العصماء، وقد بدأ مطلعها بمناجاتها والدعاء لها وتذكر ما كان بينه وبينها فقال:
يا سرحة الشاطئ المنساب كوثره
…
على اليواقيت في أشكال حصباء
حلت عليك عز إليها السحاب إذا
…
نوء الثريا استهلت ذات أنواء
وإن تبسم فيك النور من جذل
…
سقاك من كل غيم كل بكاء
رحماك بالوارف المعهود منك فكم
…
لنا بظلك من أهوا وأهواء
ومنها:
يا طبة بدواء القيظ عالمة
…
أنت الشفاء لدى الرمضا من الداء
لا صوح الدهر منك الزهر وانبجست
…
عليك كل هتون الودق سوداء
ومنها:
خمائل الروض منشاها ومرضعها
…
ضرع النميرين من نيل وأنواء
فاستمهدت دوحها المخضل وافترشت
…
نجم الربا ورمت عرشاً على الماء
قريرة العين بالأضواء باردة ال
…
قلب الذي لم تنله غير سراء
مقيل ندمان بل مغنى حمائم بل
…
كناس آرام بل أفناء درماء
قديمة العهد هزتها الصبا فصبت
…
فهي العجوز تهادى هدى مرهاء
لا يدرك الطرف أقصاها على كلل
…
حتى تعود له لحظاً لحولاء
وصوت بلبلها الراقي ذرا غصن
…
في حلة من دمقدس الريش دكناء
يقرع ناقوس ديري على شرف
…
مسبح في سواد الليل دعاء
والقصيدة - وتقع في أكثر من ستين بيتاً على هذا النسق - وصفية عاطفية. لم يقتصر الوصف فيها على الناحية الحسية فحسب بل خلع الشاعر على سرحته ضروباً من الاحساسات النفسية والانفعالات العاطفية. فكما وصف ارتفاعها وكلا البصر دونه، ونشأتها بين خمائل الروض، ورضاعها من النميرين: النيل والأنواء، وأغصانها وما فيها من لين، وأزهارها وما بها من وضاءة، وظلها وماله من وروف؛ وكما وصف تصفيق الموج من تحتها وترقرقه، وخرير النهر إليها وجيشه، وصفحة مائه وصفاءها، إلى غير ذلك، نسب إليها ألواناً من الأوصاف المعنوية، فنورها يبسم، وظلها يطب من القيظ، ويشفى من داء الهجير، وقلبها لم تنل منه غير السراء، إلى غير ذلك. وقد وصفها بمعنويين متناقضين، اقتضى كل منهما المقام، أحدهما أنها تصبو كما تصبو العجوز فقال (قديمة العهد هزتها الصبا فصبت، فهي العجوز. . . الخ). وشأن الصابية امتلاء القلب بالشجو، وترنح العطف من الهوى. وبخاصة إذا هبت الصبا وانية رفيقة، فإنها تبعث في النفس الولوع، وتثير فيها الذكريات. ثم عاد الشاعر ففي عن سرحته صبوها وامتلاء قلبها، وذلك حينما راح يوازن بين ما في نفسها وما في نفسه، وبين ما تحتمله في ضلوعها، وما يئوده بين حناياه، فبدت له حسناء خالية الفؤاد من الهوى. والحسناء إذا وثقت بجمالها واطمأنت إليه، ولم يعبث الحب بقلبها ولم يتسلم زمامه، استطاعت بدورها أن تعبث بالقلوب، وأن تسخر من المحبين! وهكذا استطاعت سرحة ابن مكانس أن تتهكم به، وأن تميل إلى سواه، وأن تبعث في فؤاده الغيرة. قال:
خلية حين أحنيت الضلوع على
…
نار لشجوي بها لا حب لمياء
تهكمت بي فما أحنت أضالعها
…
على الهواء وأحنتها على الماء
ويمتاز ابن مكانس في قصيدته هذه بأنه عنى بوصف سرحته هذا الوصف الحسي والمعنوي، وعنى بوصف ملابسها من الحوادث اللصيقة بها، وما دار حولها من المرائي
والمظاهر المختلفة. وبعض الشعراء قد يجنح في قصائده الوصفية، عن وصف موضوعها إلى ملابساته البعيدة. أما ابن مكانس فقد نظم في صميم موضوعه، ولم يخرج عنه إلا نادراً، ولم يخرج عنه إلا إلى ما يتصل به، ولم يخرج عنه إلا ليعود إليه.
ونستطيع أن نعدد الموضوعات الجزئية التي طرقها بوصفه، فمنها: المناجاة والتذكر، وذكر الظل، ونعت المنبت وما فيه من خمائل، وما يجوده من ماء، ولين الغصون واهتزاز القوام، وارتفاع الفروع، وتغريد البلبل، وتصفيق الموج، وتساقط الزهر، وتفضن اللحاء، إلى غير ذلك مما يتصل بالسرحة اتصالا مباشراً.
وقد أبدع ابن مكانس بعد ذلك في وصف النهر بعدة أوصاف منها أنه مرآة بدا فيها الحسن واللألاء، وبأنه يزري بنهر الأبله، وأنه عند تحريك النسيم له يبدو كفرند السيف، إلى غير ذلك. ومن هذه الأبيات قوله:
مالت على النهر إذ جاش الخرير به
…
كأنها أذن مالت لإصغاء
كأنما النهر مرآة وقد عكفت
…
عليه تدهش في حسن ولألاء
ذو شاطئ راق غب القطر فهو على
…
نهر الأبله يزري أي إزراء
كأنه عند تحريك النسيم له
…
فرند سيف نضته كف جلاء
ومنها:
كأنه حين يهدا زرقة وصفاً
…
راووق عين بوجه الأرض شهلاء
ومما يذكر بهذه المناسبة أن التقي بن حجة روى في أحد كتبه هذين البيتين للأرجاني وهما قوله:
كم طعنة نجلاء تعرض بالحمى
…
من دون نظرة مقلة نجلاء
فتحدثا سراً فحول قبابها
…
سمر الرماح يملن للإصغاء
ثم رجح أن الفخر بن مكانس ولد منهما المعنى الذي يتضمنه بيته في السرحة وهو قوله:
مالت على النهر إذ جاش الخرير به
…
كأنه أذن مالت لإصغاء
وقد انتقل ابن مكانس بعد وصف النهر إلى ذكر الحمامات الشادية على أراكها، بين هذه الحدائق الفيح، حتى أطربت عيدانها وأرقصت أغصانها. قال من ذلك:
من كل ورقاء في الأفنان صادحة
…
بين الحدائق في فيحاء زهراء
وُرق تغنت بتحنان رقين على
…
عيدانها فاله في مغنى وغناء
ثم عاد إلى السرحة يذكر خطاب ظلها، وأحباب ناديها، وقد برئت قلوبهم في رحابها من الحقد، وخلصت من الشحناء، فليس يربطهم إلا الوداد، وليس يجمعهم إلا اللهو الذي لا مكر فيه، والمجون الذي لا ندم بعده. قال:
يا كرمها في سراه من أصاحبها
…
لا ينطوون على حقد وشحناء
يداعبون بمعنى شعرهم فأروا
…
رد الأحبة في ألفاظ أعداء
من كل شيخ مجون في شباب فتى
…
يقري المجون بقلب غير نساء
يسعى إليها على جرداء جارية
…
من آلها كهلال الأمن حدباء
ونلحظ في البيتين الثاني والثالث إحدى عادات المصريين في المداعبة والمماجنة. وهي عادة لا تزال ماثلة حتى اليوم وبخاصة بين العوام؛ ذلك أن يترامي الأصدقاء بالهجر من القول، والمنكور من اللفظ، وباللغو من الحديث، وبما يكون بين الأعداء من السباب، ويعدون ذلك دليلاً على عمق الود وتمكن الصفاء بين النفوس
ونلحظ كذلك أن الشاعر انتقل انتقالا لطيفاً إلى وصف السفينة التي يمتطي الأحباب المرتاضون متنها في أمانة النهر وحراسة تياره. وبث في الوصف الرقيق من التورية، والدقيق من التشبيه. وقد أنصف السفينة بتشبيهها بهلال الأمن لا بهلال الشك. فقد استسلم اللاهون فوقها للمجون استسلام المؤمنين للأقدار، في وداعة ورضا واطمئنان. ثم إن السفينة بعد ذلك قديمة العهد لأنها (نوحية الصنع)؛ ولعل الشاعر هنا ينعتها بالقدم ليثبت لها بيض الأيادي على العشاق والمحبين، وفضلها الكثير المتتابع على المجان واللاهين. فكثيراً ما حملتهم إلى غاياتهم، وحفظت الخفي من مكنوناتهم. وآدوا ظهرها، وأثقلوا منكبيها، وما اشتكت عناء، وما بكت إعياء. وهي بذلك تزهو على الجياد الغر، والعتاق الضمرة. ويبدو لنا أن زوارق النيل حينذاك وقد كانت في مقدمة وسائل الرياضة واللهو - كانت تتراءى في أثواب شتى ذات أشكال وألوان بديعة، فتتهادى بها تهادي العروس في جلوتها، والرود في زينتها. وهي بذلك تضفي على روادها جواً سابغاً من البهجة والأنس والانسجام. وقد كان مظهرها هذا معيناً للشاعر ابن مكانس على تشبيه السفينة بحمامة الروض، ونسبتها إلى العنقاء لما فيها من غريب البزة وعجيب الزينة، وفي هذا ما يدل على ما كان في
ملبسها من مبالغات وتهاويل أربت على غيرها. قال ابن مكانس في وصفها:
نوحية الصنع والإحكام منشأة
…
تسير ما سيرت من غير إعياء
سوداء تحكي على الماء المصندل شا
…
مة على شفة كالشهد لعساء
ساجية ألبستها الصانعون لها
…
من التدابيج ما يزهو بصنعاء
غريبة ذات ألوان وأجنحة
…
لم أدر تعزى لروض أو لعنقاء
لم يستطع شأوها أو سيرها عنق
…
غر الجياد على كد وإنضاء
وكما تخلص إلى وصف السفينة في رفق وهوادة، تخلص منه إلى أبيات خمرية طريفة، في لين وكياسة. وقد أبدع في وصف خمره ما شاء له إبداعه. فجمع فيها بين الشمطاء والعذراء، لنفاستها وقدم عهدها، ولأنها مختومة لم تفض، وبكر لم تقرب، ورصع بنعوتها أحد أبياته. وأجاد في وصف إبريقها الذي إذا انحنى فركوع دعاء، وإذا صوت فتسبيح فأفاء. قال بعد الأبيات السالفة:
كم قد نعمنا بها عيشاً بساقية
…
شمطا تجلى على الجلاس عذراء
مما تخيرها كسرى وأودعها
…
رب الخورنق في قوراء جوفاء
حمراء صرفا وصفرا إن مزجت لها
…
كم من يد في سواد الليل بيضاء
راحا إذا ركع الإبريق يمزجها
…
سمعت من صوته تسبيح فأفاء
أم السرور التي أبقى الزمان بها
…
جزء الحياة وقد ألوى بأجزاء
فعاطينها على طل الندى سحراً
…
فإن ترياقها موتى وإحيائي
وقد اختتم بن مكانس قصيدته بعدة أبيات ذكر فيها شيئاً من لهوه بين الشادي والشادية وبين العود والناي، وبين الحدائق ذات البنفسج النفاح، منوها بأنه يأخذ من اللهو بنصيب، وأنه لا ينوح كغيره من الشعراء على طلل، ولا يندب خليطاً، ولا يبكي أحياء.
وبعد! فلعلنا وفقنا إلى التنويه بهذه القصيدة ولو بعض التوفيق، وظفرنا بلغت النظر إلى شيء من نفاستها، ولو بعض الظفر. ويبدو لنا أها كانت مشهورة مروية يتناقلها الأدباء ويرويها الظرفاء في العصر المملوكي، وقد أشار إليها ابن حجة في خزانة الأدب، وروي بعض أبياتها. ونود لو يعذرنا القراء إذا وجدوا منا في عرضها تقصيراً، فقد اعتمدنا في نقلها على ديوان ابن مكانس وحده. وأغلب الظن أنها لا توجد كاملة في سواه. والديوان لا
يزال مخطوطاً مقيما في دار الكتب، يعاني القارئ فيه ما يعاني في فك طلاسم الخط، وترجيح ما يراه في المشكل من حروفه. ولرداءة رسمها أو غرابته ند عن الفهم معاني بعض كلماته، فضاعت بهجة أبياتها واضطربت معانيها.
وبعد فمن فخر الدين بن مكانس؟ هو أحد شعراء العصر المملوكي، عاش بين سنتي 745هـ، 794هـ. وهو من أسرة ابن مكانس القبطية الأصل، المصرية الصميمة في مصريتها، الواسعة في جاهها. واسمه عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم. وإبراهيم هذا هو المعروف بابن مكانس، وينتمي إليه أبناء هذه الأسرة المجيدة، وقد سعدوا بالإسلام، ونبغ منهم رجال خدموا العلم والأدب والدولة أجل الخدمات، ومنهم صاحب السرحة الوزير الصاحب أبو الفرج فخر الدين، الأديب البارع، الكاتب النحرير، الشاعر المجيد، الفكه الطروب.
ويعتبر فخر الدين بن مكانس من حلبة برهان الدين القيراطي التي نبغ رجالها في النصف الثاني من القرن الثامن، ومن أندادهما ابن أبي حجلة، وعز الدين الموصلي، وشهاب الدين بن العطار.
وقد اتصل حبل الصداقة بينه وبين كثيرين من أدباء عصره، ومال منذ الحداثة إلى الآداب، وكان له بالإنشاء والشعر ولوع أي ولوع. فكتب ونظم وراسل وساجل وتغزل وغازل، وجنح للمجون واللهو. ذكروا أن السلطان برقوقا غضب عليه مرة فضربه وعلقه من رجليه بسرياق فلبث نصف نهار منكس الرأس، ولعل ذلك كان بسبب لهوه وعبثه. وقد قال في ذلك:
وما تعلقت بالسرياق منتكسا
…
لزلة أوجبت تعذيب ناسوتي
لكنني مذ نفثت السحر من غزلي
…
عذبت تعذيب هاروت وماروت
وقد نظم فخر الدين الشعر في أغراض عدة، وغلبت على أسلوبه الرقة والسهولة والوضوح مع العناية بالبديع. وقد يرق أسلوبه حتى يصير مبتذلا، وتبدو فيه أخطاء قليلة لا ترضي النحو ولا اللغة واعتبره ابن حجة مبتكراً في معانيه مخترعاً في أوصافه. . . وهو بارع في التضمين. سخر من أنف أحد أصحابه - وكان ضخما - فوصف هذا الأنف وصفاً فكاهيا في أبيات عدة ضمنها أعجازاً بل أبياتاً من معلقة امرئ القيس! فأخرج المعلقة
بذلك عن طريقها إلى طريق آخر، حتى لكأنها له لا لامرئ القيس. وتلك براعة نادرة. ولفخر الدين منظومة مجونية رقيقة في الاستدعاء وآداب المنادمة، واسمها (عمد الحرفاء وقدوة الظرفاء) وله (المزدوجة) وهي في الدعوة إلى المرح. و (وصية ابن مكانس) وهي منظومة في السياسة والنصائح. وله ديوان شعره.
وبعد فهذا أحد الشعراء الذين يمثلون الروح المصرية الخالصة والأدب المصري الصميم، اتخذنا (سرحيته) وسيلة إلى التنويه به وإثارة الخواطر إلى دراسته.
(حلوان)
محمود رزق سليم
مدرس الأدب بكلية اللغة العربية
ترجمة وتحليل:
الغروب!. .
لشاعر الحب والجمال لامرتين
بقلم الأستاذ صبحي إبراهيم الصالح
استلقى الشاعر على الرمال والريح بليل، فما كان أمامه إلا البحر الغضوب والشطُّ الجميل، ولا كان فوقه إلا السماء تسعى فيها إلى المغرب شمس الأصيل. . وراح يتأمل هذا البحر الهائج المضطرب تصطخب أمواجه وتتلاطم، وتعلو رءوسها وتهبط، وترغى أشداقها وتزبد، فخيل إليه أنه أمام قدر تغلي مياهها فتعلو أزبادها، وأن من تحت البحر ناراً تسجره، كما يكون تحت القدر مرجل تسعره؛ فاستشعر حلاوة هذا التأمل واستغرق فيه، فما أفاق على نفسه إلا وقد هدأ البحر بعد اضطرابه، وسكن موجه بعد اصطخابه، فقد خبت ناره فما تسجره، كما يخبو مرجل القدر فلا يسعره؛ ونهض الشاعر يريد العودة إلى منزله فما راعه إلا منظر جديد يتقلب تحت بصره. فلقد هب البحر هبة واحدة، ثم سحب من الشاطئ موجه الدافق المتلاحق، كما تسحب الغانية عن الأرض ذيول ردائها الفاتن، وأقبل والموج في استرخاء، على سرير سابح في الفضاء، ينشدان طيب المنام، بعد يوم شديد الخصام!
وكان حقاً للامرتين أن يظل مستلقياً على الرمال ليشهد هذا المنظر الجذاب، فيسجله بهذه الأبيات:
1 -
(هدأ البحر كقِدر علا زَبَدُه،
ثم ذهب جُفاءً لما خبا موقده. . .
وهبَّ يسحب من الشاطئ موجه المتدافع،
كأنه يريد المنام في سريره الواسع!)
وفي الأفق البعيد، فوق هذا البحر الذي أخذته سِنة من النوم، وبين الغمام المخيم على البحر، كانت (ذكاء) تمشي على استحياء، وتهوي في خَفَر من سحاب إلى سحاب، وتُمدّ في تردد ظلها على الأمواج، فكان ظلا مرتعشاً مرتاباً، يطفو على وجه البحر تارة ويختفي بين
طياته أخرى. . ثم اشتد خجلها من تردد ظلها وارتيابه، فاحمر وجهها حتى أضحى كوجه غانية مخضب بالدماء؛ وأبت أن تشمت الطبيعة بما عراها من اضطراب، فوارت في حجاب الأفق شطراً من وجهها القاني الذي ظل شطره الآخر براقاً يخطف الأبصار، وجلا يتأهب للتواري عن الأنظار، فكان كسفينة جميلة اشتدت بها الريح في يوم عاصف، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، ثم غرقت في الأفق البعيد؛ فانطوى منها شطر في أعماق الماء، وبدا شطرها الآخر على وجهه تندلع منه ألسنة اللهيب في حمرة الدماء!
2 -
(والشمس التي كانت تهوي من سحاب إلى سحاب،
مدّتْ على الأمواج ظلَّها المرتاب. . .
ثم وارت شطراً دامياً من وجهها البراق،
كسفينة غرقت في الأفق بعد احتراق!)
وكأنما أسفت السماء لغياب الشمس، فشحب منها الجانب المواجه لما احتجب من ضيائها، وظهرت عليها إمارات الحزن والاضطراب؛ على حين غارت الصبا من الشمس فظنت تواريها في حجاب الأفق رشاقة ودلالا، فاستترت مثلها ببرقعها الشفاف، وأنشأت شفتاها الرقيقتان تنفحان من خلاله نفحات ألطفً من حفيف الورق، وأنعم من لمس الحرير؛ بينما كانت الظلال تدنو من أمها الشمس وتقترب، وتجتمع بأمرها وتتحد، ثم تعدو بين يديها وتستبق، وتمحو تحت ألوانها الداكنة السوداء كلَّ ما يدب على الأرض أو يجري، وما يسكن في مساربها أو يسري، ولك ما يطفو على وجه الماء أو يسبح، وما ينطوي في أعماقه أو يعوم.
3 -
(وشحب شطر السماء. أما الهواء اللطيف
فتوارى في الحجاب ناعماً كالحفيف. . .
وعَدَتِ الظلال فمحتّ في ألوانها الدكناء؛
كلَّ سارب في الأرض أو سابح في الماء!)
وليت شعري، ماذا يصنع الشاعر أمام هذه المناظر؟
بحر يهدأ بعد اضطراب، وينام بعد اصطخاب. وشمس تمر بين السحاب، ثم تتوارى في الحجاب. . . وسماء تشحب وتصفرّ، وريح تسكن وتقرّ. . . وظلال تعدو وتستبق، وعوالم
تنمحي وتختنق!!. .
أجل. . . ماذا يصنع الشاعر أمام هذه المناظر؟
لقد هدأت بعد ذهاب النهار كلُّ ضوضاء، وسكنت كل حركة، وسكت كل صوت إلا صوت باك من فؤاد حزين، أو متضرع بقلب سليم، أو شاك ظلم الأقدار، أو ناشد حقائق الأسرار!.
ألا وإن للشاعر روحاً تشحب إذا شحبت السماء، وفؤاداً يبكي إذا تذكر البكاء، ونفساً تشكو بألم الآخرين قبل شكواها، وعقلا ينشد الحقيقة ولو من صداها. وهذا ما صنعه لامرتين ووصفه في هذه الأبيات:
4 -
(وفي أعماق روحي التي أمست بدورها شاحبة،
قرت بعد ذهاب النهار كل ضجة صاخبة.
وساور نفسي شيء كما ساور الخليقة؛
يبكي ويدعو ويشكو وينشد الحقيقة!)
ولو كنت تجلس مجلس الشاعر لرأيت في ناحية المغرب - وسط قرص الشمس الهلالي الأحمر - باباً واسعاً مفتوحاً على مصراعيه، تسطع منه الأنوار تتلوها الأنوار، وهاجة كالذهب، دّفاقة كالموج، فتصطبغ السحابة من فوقها بلون أرجواني جذاب، فتحسب هذه السحابة خيمة ضُربتْ أوتادها على نار يضطرم أوراها؛ ويشتد سعيرها، لتغطيها وتمنع الريح من إطفائها؛ وأن ليس هذا اللون الأرجواني إلا صبغة اللهيب، ارتسمت على الخيمة فلاحت من خلالها، في روعة مدهشة وجلال عجيب!
5 -
(وفي ناحية المغرب باب واسع مفتوح،
ترك الأنوار كأمواج الذهب تلوح. . .
والسحابة الأرجوانية شابهت خيمة،
تغطي - ولا تطفئ - نيراناً مضطرمة!)
ومثل هذا المنظر الأّخاذ جدير أن يجذب إليه الظلال والرياح والأمواج، فإذا هي تعدو جميعاً صوت هذا القرص الجمري الملتهب، وتود لو تحول دون غوصه في الأفق، لأن شعاعه العسجدي هو الذي يمدها بالحياة، وأنها لتخشى الموت إذا فارقها الشعاع.
6 -
(وبدت الظلال والرياح وأمواج البحر،
كأنها تعدو صوب هذا القرص من الجمر،
كما لو كانت الطبيعة وكل ما يمدها بالحياة
يخشى الموت بعد أن فقد ضياه!. . .)
ومن عجب أن غبار المساء، أبى إلا أن يطير عن الأرض منتشراً في السماء، وأن زبد الموج آثر أن يطفو على وجه البحر رغوة بيضاء؛ فما بقى على الشاطئ إلا الشاعر حائراً أمام هذه المناظر، يرجع البصر في هذا السكون العميق، فتنحدر الدموع من عينيه على غير حزن، وتنهمر على خديه من غير أسى، فلا يدري ما الذي أبكاه، ولا يفهم كيف ذرفت عيناه. . .
7 -
(وطار عن الأرض عِثْيَرُ المساء،
وطفا الزبد على الموج رغوة بيضاء؛
فأْتبعتها بصري الحائر المنكسر،
ودعوعي - من غير ما يحزنني - تنهمر!.)
بلى أيها الشاعر أن حري أن تعرف ما الذي أبكاك!
أبكاك هذا السكون المفعم بالأسرار، وروعة الليل بعد ذهاب النهار!
أبكاك شعورك بالوحدة إذ رأيت الأفق البعيد خالياً ليس ليس فيه شيء، مضروباً عليه الحجاب لا يكشف من دونه سر، وكان فؤادك الذي عذبه طلب الحقيقة وأضناه طامعاً فيما يحيط بالأفق من أسرار؛ فلما اختفى من أمامك كل شيء تحركت شجونك، وأحسست لوعة تحرقك، فجادلت عيناك بالبكاء، لتلهمك الصبر والعزاء.
ولكن. . . أما يزال فؤادك فارغاً لا تجول فيه الأفكار، أم أوحت إليك هذه المناظر بفكرة جديدة تناجي بها هذه الطبيعة التي تصلى في محرابها القدسي؟. .
كلا. . إنك تفكر. . . ولكنك لا تشعر بما يتلجج في صدرك، فحاول أن تصف حقيقة شعورك، لترى صورة من تفكيرك.
8 -
(واختفى كل شيء. فبقى فؤادك المعذب،
فارغاً خالياً كالأفق المحجَّب. .
ثم تمثلت لي فكرة واحدة. . .
كأنها هرم في واحة راقدة. . .)
وإن هذه الفكرة التي هبطت عليك هبوط الوحي، ومثلت في ذهنك الخالي مثول الهرم في واحة ليس بها أنيس - لفكرة جليلة ما في ذلك ريب: فلقد ناجيت بها هذه الشمس التي ما تنفك تسبح في فلكها ما تستقر، وتدور حول العالم ما تعرف السكون، وتسعد بشروقها قوماً حين تشقى بغروبها آخرين، فإذا هم يعيشون على غير نور، أو يمشون في ضوء القمر المستمد من ضيائها، وهم يرتقبون طلعتها سافرة لا يسترها برقع، ووجهها براقاً لا يخفيه حجاب.
وناجيت بها السحب المتنقلة، والأمواج المتدفقة، والأعاصير المتلاحقة، إلى أين تسير، وعم تبحث، وماذا تروم؟
وناجيت بها الغبار الذي رأيته يتطاير، والزبد الذي شهدته يطفو، والليل الذي راقبته يدخل، وعينيك اللتين أبصرتها كل شيء، وروحك التي سبحت في الوجود، إلى أين الرحيل، وأيان السفر، وفيم الإسراع؟
فهل سمعت رداً، وهل تلقيت جواباً؟!. . .
9 -
(يا فلكا ما انفك يدور، والعالم بعده بلا نور!
يا سحباً وأمواجاً وأعاصير: نبئيني أين المصير؟
أيها الغبار والزبد والليل! يا عيني وروحي خبرين
إلى أين رحيلنا أجمعين؟ هلا تعلمين؟)
دعها أيها الشاعر إن كانت تعلم أو لا تعلم، فبحسبك أنك لا تشك لحظة في أن كل شيء مردود إلى خالقه، وأن الشمس ما شحب لونها ثم احمر وجهها ثم غاص شطرها إلا من هيبة ربها؛ وأن الليل ما أقبل، والنهار ما ارتحل، والأرواح ما بكت وتضرعت وشكت إلا لأنها تمشي بخطى واسعة نحو بارئها: فهو الذي يقلب الليل والنهار، وهو الذي مد الظل، وهو الذي مرج البحر، وهو الذي سخر الشمس والقمر، وهو الذي جعل الحياة البشر خضماً يضطرب ويهدأ كهذا الخصم الذي تراه، ليمخر الناس عبابه فيصلوا إلى شاطئ السلامة.
ألا فلتطأطأ الرأس خشوعاً بين يدي ذي الجلال، فما أنت إلا سابح في موج كالجبال.
10 -
(إليك يا رب. . . فالشمس من بهاء نورك شاحبة،
والليل والنهار والأرواح نحوك ذاهبة!
تقلب الكون كما تشاء في حياة شاملة،
كأنها خضم يغيب كل شيء في أمواجه الهائلة!)
وهنا يقوم الشاعر من مقامه، ويعود إلى منزله وفي عينيه صورة (الغروب)، صورة ما رسمتها ريشه فنان كما ارتسمت على صفحة الروح.
صبحي إبراهيم الصالح
هل اندفع ملوك العرب إلى الحضارة بتأثير الفرس؟
للأستاذ ضياء الدخيلي
يحاول سعادة الدكتور قاسم غني سفير إيران بمصر في بحثه عن تاريخ الطب الإسلامي في مجلة الرسالة الغراء - أن يثبت تصريحاً وتلويحاً أن الحضارة العربية شيدها الفرس وهي وليدة عبقرياتهم في الأغلب، وأن إدخال العلوم إلى بلاد العرب في العهد العباسي كان بتأثير النفوذ الفارسي، فهو يقول (إن النهضة العلمية الحقيقية بدأت في العصر العباسي، وكان للإيرانيين حينذاك نفوذ كبير وشأن في الدولة عظيم) ويقول (وإن أكثر المترجمين كانوا من أمم غير عربية وأحيانا من غير المسلمين كالسريان والعبريين، وفي الإيرانيين المسلمين منهم والنصارى واليهود والمجوس) ويقول (ففي هذا العصر ترجمت كتب علمية على درجة كبيرة من الأهمية، ولا سيما في زمن خلافة المأمون، وكانت أمه وزوجته إيرانيتين، وكان نفوذ الإيرانيين قد بلغ في عهده غايته) ثم قال في العدد الأخير (781): (في هذا العهد ظهر كثير من الأطباء الكبار من أصحاب التآليف المهمة في المسلمين كانت آثارهم ومؤلفاتهم تدرس في المدارس، وكتب العلماء مئات من الشروح والحواشي عليها، وترجمت مؤلفاتهم إلى اللاتينية، ودرست في مدارس أوربا الطبية، وكانت مدار الطب عندهم، وكان كثير منهم من إيران، وقد بلغت شهرة خمسة منهم حداً عظيماً، وخلدت أسماؤهم في تاريخ الطب وهم. .) ثم أورد خمسة من الفرس ليستمر في دراسة حياتهم. . . وإني أريد أن أناقشه اليوم على أولى دعاويه: فهل العباسيون كانوا مدفوعين من قبَل وزرائهم الفرس على أن يبنوا ببغداد مدنية عربية أحجارها من تراث مختلف الأمم السابقة إلى الحضارة والعلم قبلهم مع التسليم بتأثير ما للسنن الاجتماعية، ولكن حتى في استعراضه لهذه العامل يقول حفظه الله:(أصبحت اللغة العربية بالتدريج لغة العلم والعلماء بين المسلمين، وكان العلماء والمسلمون من كل قوم ولغة يؤلفون مؤلفاتهم بها ليستفيد منها جميع المسلمين، وبتوالي الزمن أصبحت كالنقد الرائج يتلقاها الجميع بأحسن قبول) وإذن فإن التأليف والمؤلفات العربية لا فضل للعرب فيها لأن الأقوام الأخرى اضطرها الزمن لأن تكتب بهذه اللغة، وليس النتاج العلمي المدون بلغة الضاد نتاجاً لعبقرية عربية، وإنما ذلك الزمن الساخر العابث هو الذي جعل هذه اللغة أممية عالمةي، فانجر العباقرة الأجانب
للتدوين بها الخ. فلنتساءل الآن: لماذا أدخل العرب مدنيات الأمم إلى لغتهم؟ يورد بعض القدماء رؤيا رأي المأمون فيها أرسطو فاستيقظ وقد تملكه حب لهذا الفيلسوف، فاندفع يبحث عن آثاره. ولا ريب أنك قانع معي بضعف هذا التعليل وركة اتخاذ هذه الأسطورة سبباً للعمل الجبار الذي عج به صدر الدولة العباسية. إن النصوص التاريخية التي سأدلي بها تحدثنا عن طموح ملوك العرب وتطلعهم إلى الرقي والنهوض بأممهم إلى المستوى اللائق بهم مما دفعهم إلى البحث عن منابع الثقافات المختلفة، وإن تفكيرهم العلمي ودقة آرائهم ونضوجهم أمور كانت تدفعهم ألا يرتضوا في الحالات المرضية بالتعاويذ والرقي، إنما كانوا يبحثون عن أرقى الأوساط الطبية وينقبون عنها ليطلبوا كبار أطبائهم، ولم يكونوا يكترثون بالاختلافات الدينية، فإنهم اتخذوا أطباءهم من مختلف النحل والملل، وهذا نفسه دليل على رقي عقولهم وسلامتها من الجهل والتعصب الذميم، وتحريرها من ربقات القيود والتقاليد الرجعية. يقول ابن أبي أصيبعة: إن المنصور في عام 148 للهجرة مرض وفسدت معدته وانقطعت شهوته، وكلما عالجه الأطباء ازداد مرضه، فتقدم إلى الربيع (من رجال البلاط) بأن يجمع الأطباء في سائر المدن - طبيباً ماهراً؟ فقالوا ليس في وقتنا هذا أحد يشبه جورجس رأس أطباء جنديسبور، فإنه ماهر في الطب وله مصنفات جليلة. فأنفذ المنصور في الوقت من يحضره الخ، وقد كانت هذه البعثة الطبية فاتحة اتصالات البلاط العباسي ببغداد بمدرسة حنديسابور الطبية وهي مدرسة أسسها الأكاسرة (كما يخبر القفطي) وظلت قائمة في ظل الحكم العربي لإيراني إلى القصر العباسي، وقد قال ابن أبي أصيبعة إن رسول المنصور لما وصل إلى عامل البلد أحضر جورجس وخاطبه بالخروج معه، فقال له عليَّ هنا أسباب ولابد أن تصبر عليَّ أياماً حتى أخرج معك فقال له إن أنت خرجت معي في غد طوعاً وإلا أخرجتك كرهاً، وامتنع عليه جورجس فأمر باعتقاله، ولما اعتقل اجتمع رؤساء المدينة مع المطران فأشاروا على جورجس بالخروج فخرج بعد أن أوصى ابنه بختيشوع بأمر البيمارستان (المستشفى) وأموره التي تتعلق به هناك، وأخذ معه إبراهيم تلميذه وسرجس تلميذه، فقال له ابن بختيشوع لا تدع ههنا عيسى بن شهلا فإنه يؤذي أهل البيمارستان، فترك سرجس وأخذ عيسى عوضاً عنه وخرج إلى مدينة السلام) وإذن فقد كان في عهد الحكم العربي لفارس - كيان قائم لمدرسة جنديستابور، وكان فيها
أساتذة وتلاميذ ومستشفى تعليمي يتدربون فيه، فقد قال جورجس للخليفة، ههنا معي تلامذة قد ربيتهم وخرجتهم في الصناعة حتى إنهم مثلي، فأمر الخليفة بإحضارهم. وإن المنصور كان أول من فتح مجرى هذه الثقافة ليصب في مدينة السلام، وقد اتبعه خلفاؤه من بعد. قال في عيون الأنباء: لما مرض موسى الهادي أرسل إلى جنديسابور من يحضر له بختيشوع بن جورجس. وقال أيضاً ولما كان في سنة 171 مرض هرون الرشيد من صداع لحقه فقال ليحيى بن خالد: هؤلاء الأطباء ليس يحسنون شيئاً، فقال يحيى يا أمير المؤمنين أبو قريش طبيب والدك ووالدتك، فقال ليس هو بصيراً بالطب، وإنما كرامتي له لقديم حرمته فينبغي أن تطلب لي طبيباً ماهراً، فقال له يحيى بن خالد: إنه لما مرض أخوك موسى أرسل والدك إلى جنديسابور حتى أحضر رجلا يعرف ببختيشوع. فقال له أرسل بالبريد حتى يحملوه إن كان حياً. ولما كان بعد مديدة وافى بختيشوع الكبير ابن جورجس ووصل إلى هرون الرشيد. فها أنت ترى أن الرشيد يلح على وزيره الفارسي في طلب الأطباء وبارزيهم، أما عيسى الذي استهان به فهو ابن ماسة، وقد عده ابن أبي أصيبة في طبقات الأطباء السريانيين الذين كانوا في ابتداء ظهور الدولة العباسية. وفي ضحى الإسلام أن الرشيد أمر جبريل بن بختيشوع أن يعمل ببغداد بيمارستاناً على نمط بيمارستان جنديسابور (نقل الأستاذ أحمد أمين ذلك عن القفطي ولم أجده في ترجمة جبريل بن بختيشوع طبيب الرشيد في طبعة مطبعة السعادة. وقج قال الأستاذ في ضحى الإسلام أن مدرسة جنديسابور الطبية أسسها كسرى أنوشروان. والذي في أخبار الحكماء للقفطي أن سابور بن أردشير عندما بنى المدينة لابنة قيصر التي تزوجها نقلت معها إليها أطباء أفاضل؛ ولما أقاموا بها بدءوا يعلمون أحداثاً من أهلها. ولم يزل أمرهم يقوى في العلم ويتزايدون فيه ويرتبون قوانين العلاج على مقتضى أمزجة بلدانهم حتى برزوا في الفضائل، وجماعة يفضلون علاجهم وطريقتهم على اليونانيين والهند لأنهم أخذوا فضائل كل فرقة فزادوا عليها بما استخرجوه هم أنفسهم، فرتبوا لهم دساتير وقوانين وكتباً جمعوا فيه كل حسنة الخ. وإذن فإن مدرسة جنديسابور تأسست في عهد سابور بن أردشير لا في عهد كسرى أنوشروان كما تفضل الأستاذ أحمد أمين، فهل يرشدنا الدكتور قاسم غني إلى وجه الصواب وأهل مكة أدرى بشعابها؟
ولنعد إلى حديثنا الأول فنقول إنك واجد مما تقدم أن الخلفاء العباسيين قد إنبعثوا إلى الاستفادة من أساتذة مدرسة جنديسابور بحثاً عن المراحل العليا لهذا العلم ولوعا بالاستزادة من أنواره، وأن تطلبهم الطب لمعالجة مرضاهم بأسلوب علمي خال من الشعوذة جرهم إلى الاستكثار من باقي العلوم الطبيعية؛ والحديث بعضه يأخذ برقاب بعض فقامت النهضة العلمية ببغداد وكانت لها جذور من قبل في دمشق.
وهناك مدرسة ثانية للثقافة اليونانية كانت في حران، وقد حدث القفطي أن ثابتاً بن قرة كان من أهل حران وانتقل إلى مدينة بغداد واستوطنها، وكان الغالب عليه الفلسفة، وكان في دولة المعتضد، وله كتب كثيرة في فنون من العلم كالمنطق والحساب والهندسة والتنجيم والهيئة، وأن محمد بن موسى بن شاكر وصله بالمعتضد، وأن ثابتاً هذا قد جر علماء حران إلى بغداد فثبتت أحوالهم وعلت مراتبهم، وقد بلغ ثابت من المعتضد أجل المراتب وأعلى المنازل. ثم يستمر القفطي في رعض مؤلفاته. ويقول ابن أبي أصيبعة أنه لم يكن في زمن ثابت من يماثله في صناعة الطب ولا غيره من جميع أجزاء الفلسفة. وله تصانيف مشهورة بالجودة. وكذلك جاء جماعة من ذريته ومن أهله يقاربونه فيما كان عليه من الفضل. وكان ثابت جيد النقل إلى العربية حسن العبارة، وكان قوي المعرفة باللغة السريانية وغيرها. وقال ابن خلكان إن لثابت تآليف كثيرة في فنون من العلم مقدار عشرين تأليفاً، وأخذ كتاب أقليدس الذي عربه حنين بن إسحاق العبادي فهذبه ونقحه وأوضح ما كان مستعجماً فهي، وكان من أعيان عصره وأن محمداً بن موسى (الذي رباه المأمون وأنشأه في بيت الحكمة) وصله بالخليفة المعتضد العباسي فأدخله في جملة المنجمين. وبعد فإنك واجد الخليفة العباسي هو الذي شجع هذا الحراني على أن يقيم في بغداد ونشر لواء العلم حتى جذب إخوانه من سدنة الثقافية اليونانية في مدرسة حران. قال في ضحى الإسلام كان هؤلاء الحرانيون منبعاً كبيراً من منابع الثقافة اليونانية في العهد الإسلامي، وقد اتصلت مدرستهم بالخلفاء العباسيين بعد اتصال مدرسة جنديسابور وأول من اتصل منهم ثابت بن (221 - 288هـ) وصله بالمعتضد بنو موسى بن شاكر الدين رباهم المأمون والقفطي أوصله واحد من الاخوة الثلاثة هو محمد كما ذكر ذلك ابن خلكان وابن أبي أصيبعة
ومن ذلك الحين قرب الحرانيون من الخفاء ثم من بني بويه، وإن مدرسة حران كان لها الأثر الأكبر في الرياضيات وخاصة الهيئة، وأبناء موسى بن شاكر هؤلاء رباهم المأمون وأنشأهم في بيت الحكمة ببغداد. قال القفطي كان والدهم موسى بن شاكر يصحب المأمون والمأمون يرعى حقه في أولاده هؤلاء فقد مات وخلف هؤلاء الأولاد الثلاثة صغاراً فوصى بهم المأمون إسحق ابن إبراهيم المصعبي وأثبتهم مع يحيى بن منصور في بيت الحكمة، وكانت كتبه ترد من بلاد الروم إلى إسحق بأن يراعيهم ويوصيه بهم ويسأل عن أخبارهم حتى قال جعلني المأمون داية لأولاد موسى بن شاكر. وقد خرج هؤلاء نهاية في علومهم، وقال وهم ممن تناهي في طلب العلوم القديمة وبذل فيها الرغائب، وقد أتعبوا نفوسهم فيها وأنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها إليهم فأحضروا النقلة من الأصقاع والأماكن بالبدل السني، فأظهروا عجائب الحكمة. وكان الغالب عليهم من العلوم: الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم، وإذا عرفت تاريخ حياتهم علمت أن الفضل فيما آتوه من خدمة المدنية العربية وتغذيتها بالثقافات الأجنبية يعود لمن رباهم وأنشأهم، فاقتدوا بسيرته ذلك هو المأمون واضع قواعد النهضة العلمية ببغداد. وبعد فأنا إن استعرضنا كيف أن الخلفاء العباسيين أنفسهم كانوا المشجعين لأن تستفيد الحركة العلمية ممن جاؤوا بهم من العلماء لتغذيتها من مدرسة جنديسابور وحران بقى علينا أن نصغي لابن أبي أصيبعة يحدثنا كيف اتجه الرشيد إلى مدرسة الإسكندرية، قال في عيون الأنباء عند تحدثه عن مشاهير الأطباء في مصر أن الرشيد أهديت له جارية مصرية وكانت حسنة جميلة وكان الرشيد يحبها حباً شديداً فاعتلت علة عظيمة فعالجها الأطباء فلم تنتفع بشيء فقالوا ابعث إلى عاملك بمصر ليوجه إليك واحداً من أطباء مصر ليعالج الجارية، فأرسل له بليطيان بطريرك الإسكندرية فعالجها وشفيت فوهب له الرشيد أموالا كثيرة. وقد تقدم بعد بليطيان جماعة لخدمة أمراء العرب مثل سعيد بن نوفيل طبيب أحمد بن طولون ونسطاس في دولة الأخشيد وبقى مصدر آخر للثقافة العربية في صدر الدولة العباسية هو الثقافة الهندية، وقد حدثنا القفطي في أخبار الحكماء أن المنصور هو الذي فتح مجراه ليصب في مدرسة بغداد إذ نقل أن ابن الآدمي ذكر في زيجه الكبير المعروف بنظم العقد أنه قدم على أبي جعفر المنصور رجل ماهر في معرفة حركات النجوم وحسابها وسائر أعمال الفلك، وكان معه كتاب في ذلك
يحتوي عدة أبواب فأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى اللغة العربية ليعمل كتاب تتخذه العرب أصلا في حساب حركات الكواكب وما يتعلق به من الأعمال، فتولى ذلك محمد بن إبراهيم الغزاري وعمل منه زيجاً اشتهر بين علماء العرب حتى إنهم لم يعملوا إلا به أيام المأمون حيث ابتدأ مذهب بطيموس في الحساب والجداول الفلكية. وهذا يدلك أن العرب وملوكهم اندفعوا إلى الحضارات من أنفسهم لا بتأثبر الفرس أو غيرهم لأنهم من شعب يتعشق المعالي ويجد في نيلها، وقد أصبحوا بعد فتحهم المعمور وتدويخهم الأقطار حكام الأرض وقادة الشعوب، فكيف يرضون لأنفسهم بالجهل والانحطاط، لذلك رأيت ملوكهم بدافع من غرائزهم وجبلاتهم - كلما سمعوا بعلم أمروا بنقله إلى لغتهم وأكرموا العلماء وأعطوهم الحرية الكاملة وجاروهم في عاداتهم وعقائدهم تطميناً لهم ليسخوا في تعليم العرب، فهذا المنصور يأمر الربيع أن يوفوا الخمر لجورجس ويستثنيه من الحظر الإسلامي فيذهب الربيع إلى قطر بل ويحمل منها إليه غاية ما أمكنه من الشراب الجيد. وقال أبو إسحق الصابئ الكاتب إن ثابتاً بن قرة كان يمشي مع المعتضد في الفردوس وهو بستان في دار الخليفة للرياضة، وكان المعتضد قد اتكأ على يد ثابت بشدة، ففزع ثابت، فإن المعتضد كان مهيباً جداً. فلما نثر يده من يد ثابت قال (يا أبا الحسن سهوت ووضعت يدي على يدك واستندت عليها، وليس هكذا يجب أن يكون؛ فإن العلماء يَملون ولا يُعلون) وكان الخلفاء العباسيون والأمراء يعادلون الكتب التي يترجمها حنين بن إسحق العبادي بالذهب، وقد قيل إنه كان يكتب ما يترجم على ورق ثخين وبحرف كبير ليكثر وزنه ويزيد ما يتناول من المال. وقد كان إقبال ملوك العرب وأمرائهم على العلوم قبل أن يتنفذ الفرس في دولتهم. هذا عمر بن العزيز في الدولة الأموية بدمشق يأمر بنقل كتاب أهرن بن أعين في الطب إلى اللغة العربية، وقد سبق خالد بن يزيد بن معاوية إلى ترجمة كتب الفلاسفة والنجوم والكيمياء والطب والحروب والآلات والصناعات من اللسان اليوناني والقبطي والسرياني، وخالد بن يزيد هذا أول من جمعت له الكتب وجعلها في خزانة في الإسلام (كما ذكر في كتاب الإسلام والحضارة العربية)
أما عن إقبال ملوك الأندلس على العلم فقد نقولا أنه في عام 1948 أهدى إمبراطور القسطنيطينة إلى الخليفة الناصر في الأندلس كتاب ديوسقوريدس باليونانية مزيناً بالرسوم
وهذا كتاب في النبات والأقراباذين كان قد ترجمه اصطفن بن باسيل في أيام الخليفة المتوكل وقد ترك بعض الألفاظ التي لم يعرف لها مقابلا في العربية على أصلها اليوناني أملا أن يأتي بعده من يعرف مرادفاتها في العربية. ولما كان لا يوجد في الأندلس حينئذ من يعرف اليونانية، فقد طلب الناصر من الإمبراطور أن يرسل له شخصاً يعرف اليونانية واللاتينية، فأرسل الراهب نقولا الذي وصل إلى قرطبة عام 951 وقد كتب الطبيب الأندلسي ابن جلجل في مطلع القرن الحادي عشر - كتاباً عن الأشياء التي أغفلها ديوسقوريدس. فجاء الكتابان مؤلفاً كاملا، وطبعاً أن ذلك ثمرة جهود الخليفة الناصر المتقدمة وقال ابن أبي أصيبعة أن أبا مروان بن زهر كان جيد الاستقصاء في الأدوية المفردة والمركبة حسن المعالجة قد شاع ذكره في الأندلس وفي غيرها من البلاد، واشتغل الأطباء بمصنفاته، ولم يكن في زمانه من يماثله في مزاولة أعمال صناعة الطب، وكان قد خدم الملثمين ونال من جهتهم من النعم والأموال شيئاً كثيراً. وإن أبا محمد بن الحفيد ابن زهر كان كثير الاعتناء بصناعة الطب والنظر فيها والتحقيق لمعانيها، واشتغل على والده ووقفه على كثير من أسرار هذه الصناعة علمها وعملها، وقرأ كتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري على أبيه وأتقن معرفته، وكان الخليفة أبو عبد الله محمد الناصر يرى له كثيراً ويحترمه ويعرف مقدار علمه، وأنه لما توجه إلى الحضرة خرج منه فيما اشتراه لسفره ونفقته في الطريق نحو عشرة آلاف دينار ولما اجتمع بالخليفة الناصر بالمهدية لما فتحها خدمه على ما جرت به العادة، وقال إنني بحمد الله بكل خير من أنعامكم وإحسانكم عليّ وعلى آبائي. وقد وصل إلى ما كان بيد أبي من إحسانكم ما يغنيني مدة حياتي وأكثر، وإنما أتيت لأكون في الخدمة كما كان أبي وأن أجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه أبي بين يدي أمير المؤمنين، فأكرمه الناصر إكراماً كثيراً وأطلق له من الأموال والنعم ما يفوق الوصف، وكان مجلسه إذا حضر قريباً منه في الموضع الذي كان يجلس فيه والده الحفيد ابن زهر. فهل كان هذا الإقبال من ملوك العرب في الأندلس على العلم وأهله بتأثير من الفرس أو غيرهم، أم ذلك لما جبل عليه العرب من حب العلم وتعشق الكمال والفضيلة.
أما ما نقلوا عن احترام ملوك مصر للعلماء وتشجيعهم لهم فقد ذكر ابن أبي أصيبعة أن ابن الهيثم كان متفننا في العلوم لم يماثله أحد من أهل زمانه في العلم الرياضي ولا يقرب منه،
وكان دائم الاشتغال كثير التصنيف، وقد لخص كثيراً من كتب أرسطو طاليس وشرحها وكذلك لخص كثيراً من كتب جالينوس في الطب، وكان خبيراً بأصول صناعة الطب وقوانينها وأمورها الكلية إلا أنه لم يباشر أعمالها، ولم تكن له دربة بالمداواة وتصانيفه كثيرة الإفادة قال: وكان ابن الهثيم في أول أمره بالبصرة ونواحيها وبلغ الحاكم صاحب مصر من العلويين - وكان يميل إلى الحكمة - خير ما هو عليه من الإتقان لهذا الشأن فتاقت نفسه إلى رؤيته ثم نقل له عنه أنه قال: لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص. فقد بلغني أنه ينحدر من موضع عال هو في طرف الإقليم المصري فازداد الحاكم إليه شوقاً وسير إليه سراً جملة من المال وأرغبه في الحضور فسافر نحو مصر ولما وصلها خرج الحاكم للقائه والتقيا بقرية على باب القاهرة المعزية تعرف بالخندق (ويقول صاحب فلاسفة الإسلام وهو مصري أن موضعها الآن الضاحية المعروفة باسم (كوبري القبة) وأمر الحاكم بإنزال ابن الهيثم واحترامه إلى آخر الخبر ويقول الأستاذ محمد لطفي جمعه لم يكن ابن الهيثم يقصد سوى صنع خزان في موضع خزان أسوان فكر بذلك قبل أن يفكر فيه المهندسون المصريون والغربيون لاسيما الإنجليز منهم - بعشرة قرون، وقد حال دون تنفيذ فكرته ما رآه من صعوبة مباشرة وكثرة نفقات المشروع وعدد ما ينبغي له من الأيدي العاملة والآلات المعدنية الضرورية للحفر والبناء في مجرى النهر وما يقتضيه ذلك من تحطيم الصخر في الموضع المعروف بالجنادل.
وبعد فها أنك ترى كيف كان يحترم الحاكم رجال العلم، وقد ذكر في عيون الأنباء جملة من الأطباء في مصر نالوا حظوة كبرى عند ملوكها فمنهم البالسيّ الذي ألف كتاب التكميل في الأدوية المفردة - لكافور الأخشيدي ومنهم موسى بن العازار الإسرائيلي، وكان مشهوراً بالحذق والتقدم وكان في خدمة المعز لدين الله، وألف له الكتاب المعزى في الطبيخ وله كتاب الأقراباذين ومقالة في السعال ومنهم سعيد بن البطريق كان مشهوراً متقدماً في الطب، وقد صيره القاهر بالله في أول خلافته بطريقاً على الإسكندرية، وله كتاب في الطب علم وعمل، ومنهم محمد التميمي، كان ذا خبرة فاضلة في تركيب المعاجين والأدوية المفردة، واستقصى معرفة أدوية الترياق وركب منه شيئاً كثيراً على أتم ما يكون من حسن الصنعة،
وقد كان مختصاً بالحسن بن عبيد الله المستولي على مدينة الرملة وما انضاف إليها من البلاد الساحلية وكان مغرماً به وما يعالجه من المفردات والمركبات وعمل له عدة معاجين ولخالخ طيبة ودخناً دافعة للأوباء، وسطر ذلك في أثناء مصنفاته، ثم أدرك الدولة العلوية عند دخولها إلى الديار المصرية وصحب وزير المعز والعزيز وصنف له كتاباً كبيراً في عدة مجلدات سماه (مادة البقاء بإصلاح فساد الهواء والتحرر من ضرر الأوباء) ولقي الأطباء بمصر وحاضرهم وناظرهم، واختلط بأطباء الخاص القادمين من أهل المغرب في صحبة المغز عند قدومه والمقيمين بمصر من أهلها، وقد ألف عمار بن علي الموصلي للحاكم كتاب المنتخب في علم العين وعللها ومداواتها بالأدوية والحديد، وكان عمار كحالا مشهوراً ومعالجاً مذكوراً له خبرة بمداواة أمراض العين ودربة بأعمال الحديد، وقد وصف الموصلي في كتاب هذا طريقة عملية الكتركت الساد) بواسطة مصها بإبرة مجوفة، وربما كانت هذه الطريقة قديمة استعملها غيره قبله منذ زمن بعيد فقد قال صلاح الدين في كتابه (نور العيون) أن ثابتاً بن قرة كان معارضاً لهذه الطريقة لأن الإبرة قد تمص أغشية أخرى ولكن الموصلي يقول أنه مارس هذه العملية بنجاح تام.
ونظن القارئ الكريم بعد كل ما تقدم يخرج معنا بأن دول العرب على اختلاف أصقاعها كانت تشجع الحركات الفكرية وتمد العلماء ببالغ عنايتها، وإنه لم تكن النهضة العلمية ببغداد ثمرة التدخل الفارسي وبإيعاز من نفوذ الفرس مباشرة أو بصورة مباشرة، وقد إنهدمت صروح الفكرة التي تغلبت على قلم الأستاذ الفاضل صاحب السعادة الدكتور قاسم غني هذا، وإني أسجل إعجابي بمقالاته القيمة، راجياً أن يواصل بحوثه الفنية بالفوائد، وإن كانت لي بعض ملاحظات عسى أن أبينها قريباً، والله ولي التوفيق
(العراق - بغداد)
ضياء الدخيلي
الطيب المتمرن في المستشفى التعليمي سابقاً
طريق تحقيق الذات عند طاغور
للأستاذ عبد العزيز محمد الزكي
إن تعاليم الديانة الهندوكية تسلم بوحدة الكون، وتفرض على كل هندوكي أن يعمل على إدراك هذه الحقيقة بحيوية حتى يؤمن بها عن صدق شعور. ولذلك كانت أسمى غايات الديانة الهندوكية أن يجد كل هندوكي في تحرير روحه من نواقص الحياة، وتنقية نفسه من شوائب الشهوة، وتطهير عقله من أدران الكفر، وتخليص أفعاله من دناءة الشر، حتى يتسنى له أن يظهر الله الكامن في قرار النفس، ويحس بوحدة الكون الشاملة، فيرتقي إلى أعلى درجات الكمال الروحي ويحقق ذاته.
وتختلف المذاهب الهندوكية القديمة في نوع الطريق التي تحقق الذات، فمنها من يرى أن مجرد حفظ القيدا وإتقان تلاوتها، وأداء الشعائر الدينية يكفل الوصول إلى الكمال الروحي، بينما لا يكتفي مذهب آخر بالأخذ بظاهر الفيدا، ويطلب التعمق في نصوصها، إذ هذا التعمق يساعد على معرفة حقيقة اتحاد الله بالنفس، ويقود إلى تحقيق الذات. ويرى مذهب ثالث الكمال الروحي في التمييز بين الروح والجسد، وإدراك أن مطالب الروح مطالب حقيقية، وأنبل وأرفع من مطالب الجسد الخادعة، ثم تغليب سيادة الروح على الجسد. ولا يعترف مذهب رابع إلا بالطرق العملية، فلا يتخذ إلا المجاهدات من تعذيب النفس وإيلام الجسم وسائل لتحرير الروح من الرغبات والشهوات. ويعتقد مذهب خامس أن تحقيق الذات يكون عن طريق تفسير مظاهر الكون وأحداث الطبيعة ومعرفة العلاقة التي تربطها بالله. ويعتبر مذهب أخيرا التأمل في الوجود وإدراك وحدته هي الغاية القصوى التي يجب أن يقصدها كل فرد.
إن كل هذه المذاهب بوسائلها المختلفة لتحقيق الذات تدلنا على أن الديانة الهندوكية تسمح لكل هندوكي أن يبرز الله الكامن في نفسه بالطريقة التي تتفق مع ميوله سواء أكانت دينية خالصة أم أخلاقية تهذيبية أو عقلية تأملية. ولقد بعث طاغور هذه الطرق في صورة تلائم الحياة العصرية، وتجعل تحقيق الذات متاحاً لكل فرد عن طريق العمل أو المهنة أو الفن الذي يزاوله. كما جعل من العلم والفن والعمل - وهي الأسس التي نهضت بالمدينة الحديثة - الطرق الحية التي تتولى تحقيق الذات. ويمكن أن تلخص طرق تحقيق الذات عند
طاغور في أربع طرق وهي:
أولاً: الزهد والتقوى والورع والمجاهدة.
ثانياً: البحث العلمي والكشف عن القوانين.
ثالثاً: الفن باختلاف فروعه.
رابعاً: العمل بتنوع مجالاته الخيرة والنافعة.
أولاً: أما عن الزهد والتقوى والورع والمجاهدة، فإنها تطهر الروح، وتصفي القلب، وتنقي النفس من همجية الغرائز وبهيمية الشهوات. إلا أن طاغور لم يعد يستسيغ اعتزال الزهاد الحياة العامة، واحتقارهم الأعمال الدنيوية، لأنه يرى أن المجاهدات القاسية، وتعذيب النفس التي تحرر الروح من عوائق المادة، وتخلصها من أدران الحياة، وتهيئ النفس لمعرفة حقيقة وحدة الكون، لا تتعارض مع قيام الزاهد بعمل ما يعود على البشر بالخير والنفع. فضلا عن أن الزاهد لا يستطيع أن يعيش حر الروح في عالم مجهول من الاحساسات الغامضة، والمشاعر المبهمة، والأفكار المظلمة المحبوسة جميعاً داخل النفس لا يسمح لها بأية فرصة للظهور في عالم الأعمال الجلي الواضح. فكان الزاهد من دون جميع البشر لا عمل له يسعى به لتقدم الحياة الأرضية، بينما يقوم كل إنسان ممتاز بعمل ممتاز. فالعالم يعبر عن أفكاره بالقوانين العلمية التي لها فضل كبير على المدنية. ويشغل الفنان احساساته ومشاعره بالموسيقى أو الغناء أو الأدب أو الرسم فيشيع في النفوس لذات روحية وسروراً طاهراً، ويبذل كل رجل صالح جهوداً عظيمة لكي يخدم أهله أو وطنه أو الإنسانية، فلم يشذ الزاهد عن أفذاذ القوم ولا يقوم بعهل إنساني يطلق به ما يحبسه في نفسه من أفكار واحساسات ومشاعر، ويقنع بأن يحقق ذاته وهو بعيد عن الحياة، كارهاً أن يخوض مشاكلها، نافراً من أن يساهم بنصيبه في خدمة ركب الحضارة الإنسانية!
ثانياً: يؤكد طاغور أن العالم الذي يعمل على كشف القوانين الطبيعية يمكنه أن يحقق ذاته، وذلك إذا تحررت بواعث البحث العلمي من أي فضول ثقافي يطلب مجرد معرفة سير حوادث الطبيعة وتطورها معرفة منطقية، أو إذا خلصت من كل مأرب استقلالي يرمي إلى استخدام ما يتوصل إليه من قواني في المنافع الشخصية أو الفوائد المادية، إذ مثل هذه البواعث تحجب عن العالم حقيقة الظواهر الطبيعية، فيغيب عنه ما وراء قوانين هذه
الظواهر من حقائق، ولا يتوصل إلى معرفة علاقة قوانين الطبيعة بحقيقة اتحاد الوجود، فيجهل أنها ملامح مختلفة لقانون واحد، أو أنها حقائق صغرى متعددة لحقيقة كبرى واحدة هي قانون اتحاد الكون بكامل محتوياته بالله. أما إذا خلصت بواعث البحث العلمي من كل غرض ما عدا طلب معرفة الحقيقة الكبرى، فإن بحث العالم وراء قوانين الطبيعة يقوده حتما إلى كشف الوحدة التي تربط هذه القوانين بقانون الحياة الأول، ويعلم باتحاد شتى مضمونات الطبيعة المتنوعة، ويحس بأن هناك جسما عالمياً واحداً يشمل كل ما في الطبيعة بما فيها جسمه، ويشعر بأن جسمه ما هو إلا امتداد لجسم الطبيعة، وليس هناك إلا حقيقة واحدة. وبذلك يحقق البحث العلمي ذات العالم، كما أنه يهدي كل من يلم من عامة الناس بالقوانين الطبيعية إلى إدراك وحدة الوجود ويساعده على تحقيق ذاته.
ثالثاً: إن موضوعي الفن عند طاغورهما جمال الطبيعة وجمال الروح. أما عن جمال الطبيعة فلا ينعم به إلا من صفت بصيرته، وتحررت روحه من سيطرة الرغبات المادية وإلحاح الشهوات الاستقلالية التي لا ترى في الأشياء غير النفع والفائدة فَتحرم الروح من التمتع بالجمال البادي في الكون، وتخفي عنها حقيقة ذلك الجمال الذي بعثه الله في الأشياء ليكون رسوله للناس في الأرض، وعلامة على اتحاده بالطبيعة، حتى إذا ما تأمل بشر وهو طليق الروح طاهر النفس أي شيء في الوجود أحس بما فيه من جمال، وما بين أجزائه من انسجام، فيشعر بجمال توافق الكون، وبروعة حقيقة وحدة الوجود. وكلما قوى شعور فرد بهذه الوحدة في عالم الطبيعة عظم إحساسه بسرور يلهب عواطفه الطاهرة ويثير وجدانه النقي، فيعبر عنه بالموسيقى إذا كان يؤلف الألحان، وبالشعر إذا كان شاعراً، وبالرسم إذا كان رساماً، ويترجم الناس موسيقاه أو شعره أو رسمه إلى ما يحسه الفنان من سرور سرمدي، ثم إلى ما يدركه من حقيقة وحدة الكون، فسيرى السرور في نفوس الناس، ويحسون بدورهم حقيقة اتحاد الخليقة بالله.
كما أن الفنان لا يستطيع أن يدرك جمال الطبيعة على حقيقته إلا إذا سمت نظرته إلى الأشياء، فإنه لا يستطيع أن يدرك جمال الروح إلا إذا سيطر قانون طبيعته الأخلاقية على نفسه، وخلصت من طغيان كل غريزة وشهوة، وصفت من شوائب كل نقص وضعف، حتى يمكن أن تظهر له مزايا الروح في ثوب خلاب بديع ينسجه الخير والحب، وينجلي
في ثناياه روح الله الكبرى التي تربط كل روح بأخرى وتشملها جميعاً. ومن يتم له ذلك يشعر بسعادة تغمره بالسلام والأمن، وتحثه على أن يعبر بفنه عما يشعر به من غبطة وحبور، فيكشف عن جمال الفضائل الروحية ويشجع الناس على تثقيف الروح، ويدعوهم إلى فعل الخير وتجنب الشر، ويصف لهم سمو استقامة الخلق ونبل تشبث المرء بالمثل الإنسانية، ويرفع من قيمة تضحية الفرد في سبيل المجموع، ويشيد بذكر الحب الذي يجمع بين القلوب ويفيض على الإنسانية بالطمأنينة والهدوء، وذلك كله يطهر روح المحبين للفنون ويهيئ لهم سبل تحقيق اتحادهم الصادق بالله. فالفن إذا مدرسة معلموها قوم توصلوا إلى تحقيق ذاتهم، ويعلمون الناس كيف يفوزون بوحدتهم مع الله.
رابعاً: يلزم طاغور كل فرد بأن يقوم بعمل مفيد أو خير، إذا أراد أن يحقق ذاته. ولا يغني عن أداء ذلك العمل طهارة روحية أو سيادة القوانين الأخلاقية على النفس، لأن الطهارة الروحية والتمسك بالأخلاق والتمثل بالفضائل، وإن كانت ضرورية لتحقيق الذات، ليست كافية، وتتطلب عملا يؤكد وجودها، ويصدق على صحتها. ولذلك وجب على كل هندوكي أن يؤدي عملا مفيداً في سبيل الله، ويعود بالخير على أهله أو وطنه أو الإنسانية جمعاء بدون أن ينتظر من ورائه نفعاً شخصياً، ولا يقبل على فعله خوفاً من تهديد جوع أو قوة الفقر أو بضغط أي دافع مادي آخر، وإلا أصبح علما باعثه رغبات نفعية وشهوات غريزية تفوق تحقيق الذات.
فكل من يطلب الله يجب أن يعمل عملا باعثه شريف يفيد به الناس لأن العمل الشريف المفيد يخرج الفرد من دائرة أنانيته ويدفعه لخوض معترك المجتمع الإنساني، فيعرف ما يربطه به من علاقات وثيقة، فتنمو فيه غيرية روحية تشعره بأن له جسما يضم المجتمع البشري بأكمله، يجب أن يسعى لإسعاده مهما تحمل من كفاح متعب قد يعرضه لمختلف الآلام، وينزل به أفدح الخسائر كما تشعره بأن له نفساً تشمل الحياة الإنسانية من جميع نواحيها يجب أن يبذل حياته رخيصة من أجل مصلحتها، ويرحب بالاضطهاد والسجن والحرمان والعذاب حباً في خيرها.
ومن يؤد مثل هذه الأعمال العظيمة، فقد صار في الطريق القويم الذي يظهر له حقيقته الكبرى المقيمة داخل نفسه، فتأخذ روحه في الارتقاء في سلم الكمال الروحي، وتعلوا إلى
أرفع درجات الحياة التي تنتمي فيها الحقائق المتناقضة فتستعذب النفس الألم في سبيل الإنسانية، وتسعد بالحرمان في سبيل الخير، وهكذا يتعادل السرور والألم، ويصبحان حقيقة واحدة في حب الإنسانية، كما تتساوى المتعة والحرمان في فعل الخير. وحين تبلغ النفس هذه المرتبة من السمو تكون قد تحررت تحريراً تاماً من كل ما يتصل بالحياة الدنيوية، ووعت أن هناك وجوداً أكبر خارجاً عن وجودها، فتعرف الحقيقة الخالدة، حقيقة وحدة الكون الشامل الذي يتجلى الله في جميع أجزائه.
فالدين والعلم والفن والعمل الخير كلها وسائل طيبة تحقق الذات، وعلى الهندوكي أن يختار منها الطريق التي تلائم مزاجه ويسلكها، فإنه حتما سيصل إلى غايته الدينية إذا كانت بواعث سلوكه فاضلة، لا تفسد على النفس سعيها إلى الكمال، أو تحجب عنها معرفة الله الموجود في أعماقها. وإذا حاولنا أن نبحث عن الشخصيات التي سلكت هذه الطرق وحققت ذاتها، فإنه من الصعب أن نجدها خارج مواطن طاغور نفسه. إن زهاد الهند القدماء يمثلون لنا بلا شك تلك الشخصية التقية الورعة الصالحة الخيرة، التي تتحمل طواعية آلام الجسم وعذاب النفس تطهيراً للنفس، وإعداداً لإفنائها في الله الذي يوجد في قرارها وفي جميع المخلوقات. أما عن شخصية العالم الباحث عن القوانين الذي نجح في تحقيق ذاته فليس له وجود. وأحسب أن طاغور قد تصور العلم على ما يجب أن يكون عليه، لا كما يوجد بيننا الآن، لأنه يرى أن سبب كلف العلماء بكشف قوانين الطبيعة، إما أن يرجع لمجرد فضول علمي يرغب في معرفة سير أحداث الطبيعة وتطورها والوقوف عند حد هذه المعرفة بدون محاولة التدرج منها إلى حقيقة اتحاد الوجود الشامل، وإما أن يرجع لشغفهم بفرض سيادتهم على الطبيعة، فيسيئون الاستفادة من القوانين الطبيعية، ويسخرونها في اختراع آلات الحرب والتدمير والتخريب التي تنشر الخوف والقلق في النفوس، بينما تتمثل لنا شخصية الفنان في طاغور نفسه، لأن كتاباته لا تتناول غير ما يبدو في الكون من جمال، أو ما تتصف به الروح من طهارة الخصال، فتغرق قارئها في عالم روحي يحوطه الجمال من كل جانب، وتنشر في نفسه الأمن والسلام، وتحثه على قصد الخير وبلوغ الكمال. وإذا بحثنا أخيراً عن شخص حقق ذاته عن طريق العمل الصالح، فإننا لا نجد مشقة في تعيينه، فلقد اغتيل غدراً منذ مدة على أثر صوم أراد به حسم النزاع بين
الهندوكيين والمسلمين. ولا أحسب أن هناك من يجهله، فهو (غاندي) زعيم الهند الروحي وبطلها السياسي الذي ناضل من أجل حريتها واستقلالها فاستحق أن يطلق عليه قومه (المهاتما)، أي صاحب الروح الكبرى التي طهرها الجهاد الطويل الشاق من أجل الهند، ونقتها الأخطار والمحن التي صمد أمامها بعزم وشجاعة، فاستطاعت روحه البشرية أن تندمج في روح الله الكبرى، وتحقق ذاتها في أكمل المراتب
عبد العزيز محمد الزكي
مدرس الأدب بمدرسة صلاح الدين الابتدائية بكفر الزيات
الأدب والفنّ في أسبوُع
لعنة الفراعنة على ألمانيا
أثار مندوب مصر في مؤتمر النقاد الفنيين المنعقد بباريس في الشهر الماضي - مسألة (رأس نفرتيتي) وطالب بإعادته إلى مصر، وقد جرت مناقشة بينه وبين بعض الأعضاء في هذا الموضوع انتهت بإعلان المؤتمر حق مصر في استرجاع رأس نفرتيتي. وهو تمثال لرأس الملكة نفرتيتي، كانت قد كشفته سنة 1913 إحدى البعثات العلمية الألمانية مع مجموعة من الآثار في تل العمارنة، وقد احتال رئيس البعثة على أخذه إذ قال إنه حجر عادي لإحدى الأميرات، ووضع في متحف برلين وظل به إلى أن نقل في أثناء الحرب الأخيرة إلى مدينة فيسبادن للمحافظة عليه من الغارات الجوية، وما يزال بها إلى الآن.
وقصة غرام هتلر برأس نفرتيتي قصة مشهورة، أخذت مكانها بين القصص الخالدة في عالم الحب والغرام، وقد راح هتلر ضحية رأس نفرتيتي كأي محب قتله الهوى. . . إذ حقت عليه (لعنة الفراعنة) المعروفة في عالم الآثار. . . كما حقت على كارنرفون كاشف قبر توت عنخ أمون بلدغة بعوضة في هذا القبر قضت عليه. ولم يصب رأس نفرتيتي لعنة الفراعنة على هتلر وحده، بل محق بها ألمانيا في الحرب الأخيرة، بعد أن لم تعتبر بهزيمتها في الحرب العالمية الأولى ولم تلتفت إلى التمثال (الحرام) الموجود في حيازتها. . . ومن الخير لألمانيا أن ترد ملكة مصر القديمة إلى بلادها، فلن تقوم لها قائمة ما دامت فيها. وأخشى أن يتنبه (الحلفاء) إلى ذلك فيعلموا على بقاء رأس نفرتيتي بألمانيا لتظل هدفاً للعنة الفراعنة!
وقد وقف ولع هتلر برأٍ نفرتيتي حائلا دون تنفيذ الاتفاق الذي تم بين الحكومتين المصرية والألمانية بعد مباحثات طويلة، على أن يعاد الرأس إلى مصر لقاء أن تقدم مصر إلى ألمانيا بدلا منه تحفتين أخريين، هما تمثال كبير للكاهن رع نفير وتمثال آخر من الجرانيت للكاتب المصري أمينحوتب، ولم يسع مصر إزاء هذه إلا أن تقرر عدم الترخيص لأية بعثة ألمانية بالحفر والتنقيب عن الآثار في مصر إلا إذا أعيد رأس نفرتيتي إلى المتحف المصري.
وينتظر أن يثير هذا الموضوع مندوبو مصر في مؤتمر المتاحف الدولي المنعقد الآن في
باريس برعاية هيئة (اليونسكو) ويمثل مصر فيه الدكتور الديواني بك الملحق الثقافي بالسفارة المصرية بباريس والأستاذ توجو مينا رزق الله مدير المتحف القبطي في القاهرة.
هل عندنا شاعرات؟:
تلقت وزارة المعارف كتاباً من إحدى دور النشر بمدريد في أسبانيا بأسماء الشاعرات المصريات القديمات والمعاصرات، ودواوين الشعر التي وضعنها أو نماذج من شعرهن، مع صورهن الشخصية، لأن هذه الدار تعمل في إعداد موسوعة تصدر قريباً عن الشاعرات في مختلف بقاع العالم.
وليت شعري بماذا تجيب الوزارة! وأين هن الشاعرات المصريات اللائى يستحققن التعريف العالمي؛ الواقع أن مصر فقيرة في الشاعرات قديماً وحديثاً، فلست تجد في تاريخها الأدبي غير عائشة التيمورية وباحثة البادية، أما الآن فإنك لا تكاد تعثر على شاعرة، إذ ليس عندنا إلا من تقول أشياء نسميها شعراً من أجل تاء التأنيث المرعية الجانب. . . ومع ذلك فهي أشياء قليلة جداً. ومما يذكر مع هذا أن بعض البلاد العربية الأخرى قد نبغ فيها شاعرات من فتيات الجيل الجديد كنازك الملائكة في العراق وفدوى طوقان في فلسطين.
تشجيع التأليف:
جرت وزارة المعارف على أن تعهد إلى بعض الأدباء المصريين ترجمة بعض المؤلفات الأجنبية إلى اللغة العربية استكمالا لنشر الثقافة العامة بين جمهور قراء العربية. وأخيراً طلبت اللجنة العليا لتشجيع التأليف والترجمة بالوزارة، إلى بعض كبار الأدباء والمفكرين في مصر والبلاد العربية، أن يدلوها على المؤلفات التي يجدر بالوزارة أن تعنى بترجمتها، لتكون في مقدمة الكتب التي يترجمها الأدباء.
هذا ويشكو من يعهد إليهم بالترجمة من قلة الأجر الذي تدفعه الوزارة لهم، إذ هي تحاسبهم على عدد الكلمات باعتبار كل كلمة بمليم. .
ولكن حظ الترجمة مع ذلك أحسن من حظ التأليف، لأن كثيراً من المؤلفين يودون لو ربحوا مليما في كل كلمة. . والذي تتبعه الوزارة في تشجيع التأليف هو تقرير بعض
الكتب للقراءة بشراء نسخة أو نسختين من الكتاب لمكتبة كل مدرسة من المدارس التي يلائمها الكتاب، وأكثر من يستفيد من ذلك هم الناشرون الذين اشتروا حق النشر أو أكثره من المؤلف، ومعنى شراء أكثر الحق أن للمؤلف نصيباً قليلا من الربح إلى الثمن المتفق عليه. ويستفيد من ذلك أيضاً كبار المؤلفين الذين ليسوا في حاجة إلى التشجيع لرواج مؤلفاتهم في السوق
ويبقى بعد ذلك طبقة من المؤلفين تستحق التشجيع ولا تناله وهم الذين لا يستطيعون أن يجازفوا بتحمل نفقات الطبع، ولا ترحب بهم دور النشر لعدم شهرتهم أو لعدم بريق مؤلفاتهم مع جودتها. ويكن تشجيع هؤلاء بأن تنظر الوزارة في مؤلفاتهم المخطوطة لتطبع ما تراه نافعاً منها. وقد فكرت الوزارة في شيء قريب من هذا، وهو أن تطبع ما لديها من كتب أدبية وثقافية عامة فاز أصحابها في مسابقات نظمتها، ولكنها لم تنفذ ذلك، والمرجو أن تكون الفكرة موجودة، وأن تتسع حتى تشمل غير ما فاز في المسابقات من الكتب الجديرة بالتشجيع، فهذا هو أجدى عمل في تشجيع التأليف.
اتجاه الباكستان نحو العربية:
كتبت من نحو شهرين عن جماعة الثقافة العربية بالباكستان ومما قلته إذ ذاك (وشعور المسلمين في الباكستان يتجه الآن نحو البلاد العربية، وقد بدا أخيرا في تأييدهم لقضية فلسطين، ولاشك أن اللغة العربية وآدابها وثقافاتها، هي أهم ما يربطها بالبلاد العربية، وهي وسيلتها إلى كتلة الجامعة العربية)
كتبت ذلك وأنا ألمح اقتراب هذه الدولة الناشئة من الفكرة واللغة العربيتين، وأرصد أبناءها كما يرصد الفلكي حركات نجم جديد. . . وقد قرأت عنها مقالا للأستاذ عبد المنعم العدوي في (البلاغ) يوم الخميس الماضي، جاء فيه (لم يسبق في تاريخ الهند الحديث أو القديم أن رجال الحكم فيها أدلوا ببيانات رسمية عن أهمية اللغة العربية، وحث أبناء المسلمين على تعلمها وفهمها فهماً صحيحاً كما هو الحال اليوم في حكومة باكستان الإسلامية الحديثة) والمقصود من هذا الكلام وهو بيان اهتمام رجال الدولة بنشر اللغة العربية، يدعو إلى الارتياح والسرور، ولكن ينبغي أن يذكر بجانب ذلك ما كان من إقبال مسلمي الهند على تعلم اللغة العربية منذ الفتح الإسلامي وقد نبغ منهم فيها كثيرون في الأدب وعلوم الدين.
ومما تضمنه مقال الأستاذ أن حكومة الباكستان قررت إنشاء كلية عربية كبيرة في حيدر أباد، وأن رئيس الوزراء أصدر بياناً يحث فيه أهل البلاد أن يهتموا بها وأن يبعثوا بأبنائهم إليها، كما قررت إنشاء كلية عربية أخرى في كراشي وقررت أن يكون تعليم اللغة العربية إجباريا في مدارسها، وأن كثيراً من الوزراء بدءوا بأنفسهم فأخذوا في تعلم العربية، وأن من مظاهر اهتمام الحكومة بذلك تأسيسها جمعية باكستان العربية الثقافية.
العربية تصارع:
كان قد نشر أن مؤتمر البريد العالمي الذي انعقد أخيراً في فرنسا، قرر اعتبار اللغة العربية إحدى اللغات الرسمية التي تحرر بها صحيفته. ولكن جاء أخيراً من جنيف أن مكتب مؤتمر البريد العالمي في برن، قرر استبعاد اللغة العربية من تحرير صحيفته الرسمية، وقصر تحريرها على اللغات الفرنسية والإنجليزية والروسية والاكتفاء بإصدار نشرة مفصلة عنها تحرر بالعربية. وهذا القرار يخالف قرار المؤتمر السابق وقد علقت (أخبار اليوم) على ذلك بأن المكتب ليس له أن يصدر مثل هذا القرار لأنه مكتب إداري يستمد نفقاته من جميع الدول المشتركة في المؤتمر وفي مقدمتها الدول العربية. ولا ندري ماذا يكون رأي الدول العربية في هذا القرار وهل تنسحب من المؤتمر ومعاهداته إذا لم يصحح هذا الوضع.
هذا ومصلحة البريد المصرية تحرر تذكرة إثبات الشخصية التي تعملها للإفراد بناء على طلبهم، باللغة الفرنسية. . . ويقولون في تبرير ذلك إن اللغة الفرنسية هي لغة البريد العالمي، ولكن هل يمنع ذلك من كتابتها أيضاً باللغة العربية إلى جانب اللغة الفرنسية؟ وإذا كنا نطالب بتحرير صحيفة البريد العالمي باللغة العربية إلى جانب اللغات التي تحرر بها، فلا أقل من أن تحرر مصلحة حكومية مصرية ما يصدر عنها بلغة عربية
من طرف المجالس:
ترامى إلى أسماع الجالسين، قول المذيع:(وبعد استراحة قصيرة نوالي إذاعة البرنامج).
قال أحدهم: ما معنى هذه الاستراحة! ولمن هي؟ أهي لصاحب الإذاعة السابقة وقد فرغ فلن يستأنف؟ أم هي للمذيع وقد كان ساكتا؟ أن هي لصاحب الإذاعة التالية ولم يبدأ بعد!
قال صاحب النكتة:
هي يا أخي استراحة للمستمعين. . .
من طرف الإذاعة:
في يوم من أيام هذا الأسبوع، كان المذيع يعلن عن العدد الجديد الصادر من مجلة الإذاعة، فذكر من محتوياته: قطعة من ديوان (ابن المعز).
وقع هذا الاسم (ابن المعز) في سمعي موقعاً عريباً. فمن هو ابن المعز؟ أهو شاعر قديم لا نعرفه؟ أم هو شاعر معاصر من شعراء الإذاعة؟ ولكن الاسم غير عصري، وشعراء الإذاعة معدودون معرفون.
وبعد البحث والتحري علمت أن (ابن المعز) ما هو إلا (أين المفر) الديوان الذي صدر حديثاً للأستاذ محمود حسن إسماعيل!! والذي يتمم طرافة الموضوع أن الأستاذ صاحب ديوان (أين المفر) من القائمين بشئون الإذاعة، ولعله كان على خطوات من المذيع وهو يحرف اسم ديوانه.
الأدب والصحافة:
ألقى الأستاذ خليل جرجس محاضرة برابطة الأدباء يوم الأحد الماضي، عنوانها (الأدب والصحافة) شرح فيها معنى الأدب وتكلم على الصحافة كلاماً حسناً، ثم عقد مقارنة بين الأديب والصحفي بيّن فيها خصائص كل منهما.
وقد مر سريعاً ببعض نقط في صميم الموضوع لم يوفها حقها كالعلاقة بين الأدب والصحافة من حيث تأثير كل منهما في الآخر. وليته بسط القول في تطبيق ما بينه من معنى الأدب والصحافة على ما تنشره صحافتنا اليوم من ألوان من الكتابة ينسبونها إلى الأدب، ليستبين موقعها من الأدب أو الصحافة إن كان لها موقع من أيهما.
ومن مقارنته بين الأديب والصحفي أن الأديب ينتج حين ينتج من وحي الخاطر الصحفي الحق يتزود بعلم النفس الاجتماعي ليكون إنتاجه ملائماً لأذواق القراء ومتمشياً مع عقلية الجماهير، وأن الأديب يكتب عندما تواتيه لحظات التجلي والظرف الملائم، والصحفي يكتب كل وقت ويستجيب للظروف بالسرعة المطلوبة، وأن الأديب يكتب للأدب ولا يكون
نقد المجتمع إلا عرضاً من غير قصد، والصحفي يكتب أيضاً للإمتاع ومؤانسة القارئ، ولكنه يقصد إلى إصلاح المجتمع ونقده والتأثير في الرأي العام.
الإنشاء في المدارس الثانوية:
أتيت في الأسبوع الماضي على ما تضمنه تقرير لجنة النهوض باللغة العربية بوزارة المعارف من آرائها في منهاج الأدب والبلاغة في المدارس الثانوية. وهذا التقرير موضع نظر معالي وزير المعارف المعارف الآن، وينتظر أن يبت فيه قريباً للشروع في تعديل مناهج اللغة العربية في المدارس على مقتضاه.
وقد جاء في التقرير عن الإنشاء في المدارس الثانوية أن اللجنة لاحظت أن الطريقة المتبعة في تعليمه تكاد تقتصر على إعطاء التلاميذ موضوعاً يطالبهم المدرس بالكتابة فيه، وقد تسبق الكتابة مناقشة شفوية، وكتابة التلاميذ تسير سيراً سطحياً متكلفا لا يساعد على الابتكار.
وترى اللجنة أن الأساس الأول للإصلاح في هذه الناحية الربط بين التعبير وبين النواحي الأخرى من النشاط المدرسي والاجتماعي، واستغلال كل الفرص الطبيعية الممكنة لتنمية قوى التعبير عند التلاميذ في جميع سني الدراسة، مثل حل النصوص الأدبية وشرحها، وتلخيص الكتب والقصص والتعليق على الحوادث الجارية، وكتابة تقارير عن الرحلات والمشروعات الدراسية وأشرطة الخيالة، وإعداد المقالات والأخبار لمجلة المدرسة، والخطابة والمناقشة والمناظرة، وغيرها مما يدخل في نشاط الجمعيات الأدبية.
وأشارت اللجنة إلى أنه من اليسير أن تكون اللغة العربية لسان المعلم والتلميذ في المدارس الثانوية، فإن التلميذ في هذه المرحلة قد يصل إلى قسط من التحصيل اللغوي يستطيع معه أن يفهم حديثاً عربياً، وان يتابع دروسه بالعربية الصحيحة إذا سار المعلمون معه على هذا المنهج
العباس
البَريدُ الأدَبي
في أنشودة فلسطين:
الشاعر الصديق الأستاذ علي محمود طه، أصبح في الرعيل الأول من شعراء الشرق العربي، لا من شعراء مصر فحسب؛ وأنشودته هذه أنشودة فلسطين الحبيب، همّ كل عربي منذ اليوم؛ فكل ما يتصل بها مهوى الأفئدة، وشرك العيون.
وموقف كهذا الموقف يتبوءه شاعرنا المجيد، كان جديراً أن يتقاضاه حظاً من دقته وعنايته بأنشودته في أسلوبها ومعانيها أوفى مما ظفرت به منهما.
ولعل أظهر ما أخطأته الدقة في هذه الأنشودة:
1 -
وصفه (يسوع) بالشهيد؛ ويسوع في نظر المسلمين الذين منهم الشاعر ليس شهيداً.
2 -
إجابة الصدى في قوله: (يجيبون صوتاً لنا أو صدى) فالمعروف أن الصدى يجيب لا يجاب.
3 -
قراءة (استشهدا) بالبناء للفاعل؛ والذي في معاجم اللغة: (واستشهد) قتل شهيداً، بالبناء للمفعول لا غير. ولولا أن الشاعر العظيم ألقاها في المذياع - مجوداً محتفلا - بالبناء للفاعل، لنسبت الخطأ إلى غيره.
4 -
هذه (الأخت) التي أعد لها الذابحون المدى في القدس، ما هي؟ أهي فلسطين؟ ولكن فلسطين ليست في القدس، بل القدس في فلسطين؛ أم هي أخت على الحقيقة؟ ولكن إخواننا هناك - مع الأسف القاتل - لا تعد المدى لذبحهن، وإنما تذبح أعراضهن بأسلحة الخسة والنذالة والوحشية
5 -
ولا أكتم الصديق الكريم أن أحمد ويسوع صلوات الله وسلامه عليهما، أجل وأكرم على الله، وعلى الناس، من أن يقودا جيشين لمحاربة أخس خليط عرفه الوجود منذ كان الوجود؛ ولو ذكر الشاعر (السلاح الأحمر) سلاح العقارب والحشرات، لأصاب مشاكله الصواب
أما بعد، فإنما أغراني بهذه النقدات الخفيفة، حرصي على المجد الأدبي لشاعرنا الكريم المهندس.
وله مني تحيات مزاجها الإخلاص والإكبار.
مدرس أدب
في الأزهر الشريف
1 -
نصوص تاريخية في الرد على تعقيب:
رداً على ما جاء في ص 769 من عدد (الرسالة) 783 نورد ما يأتي:
قال الأستاذ محمد بك فتكري في تاريخ الجراكسة (ج 1ص 12) نقلاً عن المؤرخ الفرنسي (سن مارتن): أن الكرج والجركس واللزكي والججن فروع أصل واحد، وهم متحدد الأصل، وهم أقدم سكنه القوقاس. وقال أيضاً (ج 1 ص 22): دلت التدقيقات العلمية والتاريخية على أن الجركس والكرج ينتميان إلى جد مشترك. وقال كذلك (ج 1 ص38): قد ثبتت إقامة الججن منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد حيث يقيمون الآن، وكذا اللزكي. وقال أيضاً في (ج 1 ث 6): أن لفظ الجركسي عنوان عام يشمل القبائل الأصلية القوقاسية فيكون (الجركس) يؤدي مؤدي (القوقاسي). وفي (عقد الجمان في تارخي أهل الزمان) للبدر العيني المؤرخ الكبير في (ج 1 ص 170) المحفوظ في دار الكتب المصرية (رقم 71 م): ومن الترك الجركس، وأصلهم أربع قبائل وهم (تركس) ويقال (سركس) و (أوركس) و (الآص) و (كسا) ويتفرع منهم بطون كثيرة. ثم سرد أسماء تلك البطون، وتلك القبائل الأربع في جوانب جبل القوقاس الأربعة، ففي الجنوب الشرقي (أركس)، وفي الشمال الشرقي (تركس)، وفي الجنوب الغربي (أس) - وبهم سمي الجبل (قوقاس) أي (جبل أس)، وفي الشمال الغربي (كسا) وهم الذين يسميهم الروس اليوم (سرقسيان) كما يسمون قبائل أركس اليوم (داغستان)، واتبع البدر العيني المصطلح القديم وهو إطلاق (الجركس) أصلها (جهاركس) ومعناها (الرجال الأربعة) في لغة الفرس. وتخصيص إطلاقه على قبائل (كسا) هو اصطلاح روسي حديث.
وحين قال ابن خلدون: (والجركس غالب عليهم) أراد غلبة إطلاق اسم (الجركس) عليهم. ونود أن نرى الأستاذ البرهان يتحدث ببرهان من الأسانيد التاريخية، فالتاريخ لا يكون طوع بنان أحد.
2 -
مغيب شهابين:
في ص 539 من عدد (الرسالة) 775 أن الشهاب بن صالح مات عام 873هـ. والصواب 863 على ما في تاريخ (الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ج 2 ص 115) و (شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد ج 7 ص 302). وجاء في الصفحة نفسها أن الشهاب بن أبي السعود توفى في مكة والصواب أن وفاته كانت في طيبة على ما في (شذرات الذهب ج 7 ص 310) وعلى ما في تاريخ (الضوء اللامع ج 1 ص 233) حيث قال: ثم رجع إلى المدينة أيضاً فأقام بها حتى مات. . . ودفن بالبقيع بين السيد إبراهيم والإمام مالك رضوان الله عليهم.
3 -
الحاوي في دار الكتب:
جاء في ص 645 من عدد الرسالة 779 في ترجمة أبي الحسن الماوردي: ومن كتبه الضائعة الحاوي في الفقه. والحق أن (الحاوي) موجود منه في دار الكتب المصرية نسخة كاملة في 24 مجلداً، عدا عن 14 مجلدة من نسخ أخرى. وقد قال الإمام الأسنوي عن هذا الكتاب: لم يصنف مثله. على ما في (شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد ج 3 ص 285) حيث ترجم له في صفحة كبيرة وزيادة.
محمد أسامة عليبة
سبق فلم:
في مقال الآنسة الفاضلة نعمت فؤاد في العدد (781) من الرسالة الغراء حول (المتنبي وكافور) قالت تستشهد بأبيات المتنبي على طماحه حين قال:
قالوا هجرت إليه الغيث قلت لهم
…
إلى غيوث يديه والشآبيب
إلى الذي تهب الدولات راحته
…
ولا يمن على آثار موهوب
وهبت على مقدار كفي زماننا
…
ونفسي على مقدار كفيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية
…
فجودك يكسوني وشغلك يسلب
وقام في روعها أن الأبيات من قصيدة واحدة، ولم تلتفت إلى أن كل بيتين منها الأول والثاني - والثالث والرابع) ينسب إلى قصيدة قائمة بذاتها. وقوي الظن عندها أن حروف الروى - وهو الباء - في الأبيات كلها واحد. . ولكنها لم تشأ أن تلتفت إلى أن البيتين
الأولين من - البسيط المردف - وأن البيتين الأخيرين من الطويل الخالي من الردف. .
والمقال - بعد - لا يغض من قيمته الأدبية سبق قلم. . والسلام. . .
(الزيتون)
عدنان
تعقيب:
في العدد (782) من مجلة الرسالة الغراء يقول الأستاذ ضياء الدين الدخيلي في مقاله (الفتوة في التاريخ الإسلامي وكتب اللغة): -
(غير أني أجد من الغريب إدعاء بعض الأدباء وعلماء اللغة أن استعمال كلمة الفتى بمعنى الرجل الشهم النبيل المتحلي بفضائل الرجولة - هو استعمال مولد، وهذا هو طرفة. . .) إلى أن يقول. . . وقال المتنبي: -
فلما أنخنا ركزنا الرماح
…
بين مكارمنا والعلا
(الأبيات)
والاستشهاد بأبيات طرفة لا غبار عليه، وأما استشهاده بقول المتنبي ثم بقول ابن هرمة فبدهي أن بعيد عن الصواب، لأن المتنبي وابن هرمة من الشعراء المولدين، وكلامه في الاستدلال على أن استعمال الفتوة بمعنى الشهامة عربي غير مولد.
وهذا مما يوقع القارئ في شك من أمر الأبيات الأخرى التي لم ينسبها الكاتب لقائلها، هل هي مولدة أم غير مولدة؟
محمد عبد القادر الجمل
المعلمين العليا
القَصَصُ
من الأدب الإيطالي:
الأرنب
قصة للكاتبة الإيطالية جرازيا دليدا
ترجمة الأديب محمد فتحي عبد الوهاب
قامت الجزيرة الصغيرة وسط النهر العريض، وقد توسطتها بحيرة صغيرة، أو بالأحرى غدير تحيط به الأشجار والحشائش الطويلة الناعمة، مرصعة بأزهار عباد الشمس الأرجوانية، على صفحته كل صور الطبيعة، فظهرت أكثر جمالا وأرق خيالا.
وأضفى على المكان، حيث سماء الخريف المتجددة الألوان المتغيرة السحب نهاراً، وحيث البدر المضيء والنجوم المتلألئة ليلا، وأشباح الأفنان المتمايلة تنعكس على مرآة البحيرة العميقة، أضفى كل ذلك عليه جواً من الخيال الرائع.
وفي ذات يوم أرسى الصياد قاربه على الشاطئ الرخو للجزيرة المهجورة، وانطبعت آثار أقدامه على الرمل الأملس. ورأى البدر يظهر خلال الأفنان فينعكس نوره اللازوردي على ماء الغدير الصغير، فبهر بجمال ذلك العالم المجهول، وتلك السماء الشاسعة الغامضة التي ظهرت على صفحة الماء كأنها خارجة من قلب الأرض ذاتها.
ورأت أرنب عجوز كانت تعيش بين الأشجار على ضفة الغدير رأت الصياد عدوها اللدود، فولت هاربة في خفة وسكون، وقد رفعت أذنيها كأنهما سلاح تذود به عن نفسها.
وغرق الرجل في أحلامه، وفقدت الأرنب أحلامها. وعندما وصلت وسط الغابة ربضت تحت شجرة قائمة وانتظرت وقتاً طويلا وهي ترهف السمع وتشم الهواء بأنفها الصغير المرتعش وقلبها يدق دقات قوية لم تستمع إلى مثلها منذ شهور وشهور.
لقد ظنت الأرنب العجوز عندما اختفت جميع الأرانب من أرض الجزيرة بعد الفيضان السابق أنها المالكة الوحيدة لهذا المكان، وكم حلمت بالعيش هنا بقية أيام حياتها عيشة هادئة، وحيدة لا ينازعها أحد، بعد أن هرمت وهجرها أولادها وتخلى عنها الذكور، ولكن. . .
وتذكرت، لقد عاشت بين جذوع الأشجار التي اكتسحها الفيضان وألقى بها على الضفة المرتفعة للغدير الصغير. وأضحت الجزيرة القاحلة لا يهتم أحد بارتيادها، وحتى بعد أن جف رملها ونبتت الحشائش على ضفاف الغدير، لم يزرها الصيادون، ولم يبق فيها إلا الهدوء والوحدة. ولم يعكر ذلك الصفو سوى تغريد البلابل على أشجار، إلى حفيف الأغصان وهي ترحب بالماء يجري تحت ضوء القمر فتهتف قائلة (وداعاً أيها الماء، إنه من الأفضل أن تجري من أن تظل ساكنا) فيرد عليها الماء مندفعاً نحو البحر (وداعاً، أنه خليق بك أن تظل ساكنا من أن تجري وتجري على الدوام).
وكانت الأرنب تستمع إليهما فتشعر بالسعادة تغمر كيانها. إنها أقوى من الأشجار وأسرع من الماء. لقد كان في استطاعتها أن تظل ساكنة، أو تظل جارية.
ومرت الشهور، وصمتت البلابل، وتساقطت أوراق الأشجار، وأصبحت الأرانب العجوز في سعادة وهدوء وطمأنينة لم تشعر بها من قبل. أما الآن، فقد أقبل ثانية ذلك الشبح الداكن المرعب. . . ولماذا يعود؟
ورقدت الأرنب منطوية على نفسها بين الأشجار، وعيناها تحدقان تحت جفونها المحمرة. كانت ترى أمامها امتداداً من الرمل اللامع تحت ضوء القمر، وقد أحاطت بالدغل تلك الساحة التي كانت مرتعاً وملهى لها زمن الصبى والشباب. كانت إذ ذاك تثب وتتعقب ظلها أو ترتقب حبيبها في الليالي التي يشرق فيها البدر. . .
وتحرك خيال على الرمل أعقبه آخر، فظنت الأرنب أنها تحلم. ولكن سرعان ما عاد الخيالان إلى الظهور وجعلا يلعبان ويمرحان لم يكن هناك أدنى شك في حقيقة وجودهما. كانا أرنبين. وعندئذ أدركت المخلوقة العجوز سبب عودة عدوها الداكن، ذلك الصياد، وظهوره في الجزيرة ليلا. وعندئذ انفجر بركان غضبها. لقد انتهكت رفيقاتها حرمة هذه الجزيرة، جزيرتها، واحتلتها دون وجه حق. . .
إن السن والوحدة قد خلقا منها مخلوقة متوحشة أنانية. وكان غضبها، عندما شاهدت الأرنبين أكثر من غضبها عند رؤيتها ذلك العدو الداكن. وعندما اندفعت من مخبئها وتحركت صوب الفضاء الرملي ورأت الأرنبين العاشقين، زاده حدة غضبها واشتد سعيره.
ولكن ذلك لم يحل بين العاشقين وبين اللهو والقفز والعدو. كانت الأنثى ممتلئة الجسم شفافة
الأذنين. وكانت تعدو حول الذكر وكأنها لا تراه، ثم ترقد على الرمل، حتى إذا ما اقترب منها هبت واقفة وجعلت تعدو. وكان الذكر نحيل الجسم مشبوب العاطفة. وكانت كل أنظاره تتجه إلى أنثاه، فتبعها واندفع نحوها كانا سعيدين مبتهجين خالي البال.
ولم تتعب الأرنب العجوز من النظر إليهما، واستمرت تراقبهما حتى اختفيا عن أنظارها بعد أن أجهدهما اللهو اللعب. وارتعشت أذناها كأنهما ورقتا شجر تتلاعب بهما الرياح.
ومرت الأيام والليالي، واختفى القمر وأظلم المكان، ولما ترجع الأرنب العجوز بعد إلى ضفاف الغدير. كانت تخشى مقابلة الصياد. ورقدت في أعماق الغابة المظلمة ولكنها كانت تجازف في بعض الأحيان فتخرج إلى العراء ليلا لتشاهد العاشقين يمرحان في بهجة وسرور.
وفي ذات يوم سمعت صَوت طلقة نارية أعقبتها أخرى ثم ثالثة على بعد كأنها ترداد لصدى بعيد. وأقبل الليل الدافئ وانحدر القمر خلف الأشجار العالية دون أن يظهر العاشقان في تلك الليلة الشاعرية التي تليق للعشاق.
لابد أن العدو الداكن قد اقتنصهما. وعندئذ طغى على الأرنب العجوز شعور من الفرح الشديد جعلها تقفز على الرمل الذي ما زالت تنطبع عليه آثار أقدام العاشقين المسكينين.
وسرعان ما سمعت وقع أقدام بشرية فولت هاربة. واخترقت الغابة حتى اقتربت من الضفة الأخرى للنهر، ورقدت هناك منزوية حتى مطلع الفجر في مكان لم تعهده من قبل.
وعندما أشرقت الشمس قامت من مرقدها. كانت الغابة قد أسدل عليها ستار من الضباب، وتساقطت قطرات الماء البارد من الأشجار. وذهبت الأرنب تستكشف، واندفعت في حفرة صغيرة. فرأت ما أثار عاطفتها على الرغم من أنها كانت جامدة العواطف. لقد وجدت عشا لصغار الأرانب رقد فيه أرنبان صغيران ممتلآ الجسم، يحملقان إليها بأعين ملتمعة. لابد أنهما نسل الأرنبين الذي اقتنصهما الصياد.
كان أحدهما يلعق رأس أخيه، وعندما رأى الأرنب العجوز نظر إليها، ثم جعل يشمها بأنفه المرتعش ثم انكمش خائفاً من جرأته هذه.
وتركتهما الأرنب العجوز وسارت في طريقها. ولكنها رجعت إليهما ثانية فرأتهما يمرحان ويلعق كل منهما الآخر.
كان ذلك اليوم قاتما باردا. وعندما أقبل المساء بدأت السماء تمطر. فرجعت العجوز إلى عشها القديم بين جزوع الأشجار على الضفة المرتفعة للغدير. واستمرت السماء تجود مطراً مدرارا. إن المطر معناه نهاية الطقس الجميل، وبدء الطمأنينة والوحدة، فسرعان ما يصير الرمل رخوا، ولن يجرؤ الصياد على عبور الغابة المنداة العارية.
ولكن. . . ما مصير هذين الأرنبين الصغيرين؟ وما الذي يحدث لهما هناك في عشهما الصغير؟ هل تذكرت الأرنب الوحيدة أولادها الصغار، ودفء عشها، وعطف الآباء؟ إنه من المعتذر معرفة ما جال في خاطرها في ذلك الوقت، ولكنها على أية حال تركت مخبأها عند الفجر وذهبت لترى الصغيرين. كان المخلوقان المسكينان نائمين وقد احتضن أحدهما الآخر. وكانا وهما مستغرقان في النوم كأنهما يتوقعان قدوم أمهما، فإنه عندما أقبلت عليهما الأرنب العجوز مدا أنفيهما وحركا آذانهما.
ونظرت إليهما العجوز بعينين مندتين بالدموع ومدت هي الأخرى أنفهما كأنها تشم رائحة العش.
وعادت السماء تهطل مطراً غزيراً. . . واستمرت سبع ليال وثمانية أيام حتى أحاطت الجزيرة غلالة قاتمة من الضباب والماء. وارتفع الماء وظل يرتفع حتى شارف مأوى الأرنب العجوز.
حاولت أن ترجع لتشاهد الأرنبين ولكنه تعذر عليها السير بقرب ملجئها من الرمال المتداعي المشبع بالماء. وأصبح من المستحيل عليها أن تصل إلى الوادي الصغير. وعادت السماء تمطر وتمطر، واستمعت الأرنب إلى صوت داو قادم من بعيد كأنه ضوضاء جيش معاد غاز يمر مخترقا الأرض مدمرا ما يصادفه.
كانت الأرنب تعرف ذلك الصوت جيداً. إنه هدير النهر المغتصب. فلم تجرأ على مغادرة عشها على الرغم من شعورها بالجوع ونفاذ ما تقتات به اللهم إلا أوراق الشجر الجافة. فاضطرت أن تظل دون طعام بعد أن وصل الماء إلى جذوع الشجر وأصبح من الخطر عليها أن تتحرك قيد أنملة.
وارتفع الماء وظل يرتع في سكون وحلكة. وظهرت الأرض والسماء والهواء كأنها كتلة واحدة من البرد والماء المضطرب.
وفي اليوم الثامن أقلعت السماء وانقشعت السحب عن زرقتها فبدا القمر يلمع ضوءه الفضي وغيض الماء وظهر كأنه يتراجع مجهدا من النصر حاملا معه غنائمه وأسلابه من الأغصان وأوراق الشجر والطمي والرمل والمخلوقات الميتة. . .
وفي اليوم التالي أشرقت الشمس على المكان المقفر، فتركت الأرنب مخبأها وجعلت تتطلع حولها.
لقد اختفى الغدير وحل محله تيار بطيء من الماء المشرب بالوحل يجري تحت الضفة العالية حاملا معه ضحاياه.
وفجأة لاح للأرنب العجوز بين الأغصان العارية وأوراق الأشجار الجافة وآلاف الفقاعات الصغيرة كأنها حبات عقد انفرط لاح لها الأرنبان الصغيران، جثتين هامدتين، نحيلين طويلين مفتحي الأعين مرتفعي الآذان، يسبحان ويسبحان في الماء الجاري، الواحد بجانب الآخر وكأنهما شقيقان صغيران لا يود أحدهما الافتراق عن الآخر حتى بعد الموت.
وهكذا عادت الوحدة والوحشة تطرقان قلب الأرنب العجوز وهكذا عادت الجزيرة إلى حالها من الهدوء والسكون.
(الإسكندرية)
محمد فتحي عبد الوهاب