الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 786
- بتاريخ: 26 - 07 - 1948
الفريقان المتحاربان في فلسطين الحق والباطل
للدكتور عبد الوهاب عزام بك
سفير مصر لدى المملكة السعودية
يحترب في فلسطين فريقان: فريق العرب يذود عن ذماره، ويدفع عن حقه، ويدعو إلى النصفة والعدل، وإلى أن يعيش هو وخصمه أمة واحدة في بلد واحد، لكل حقه وعلى كل واجبه وفريق آخر من شذاذ الآفاق وخبث الأقطار، يلجون على العرب ديارهم بأيديهم المال والسلاح، وما أورثهم تاريخهم والعيش الذليل في أوربا من ختل وغدر، يظنون أنهم صاروا أمة لأن باطلاً يجمعهم، وعدواناً يربط بينهم، وكل فرقة منهم تنمي أمة، وكل جماعة تنتسب إلى بلد، وكل فرد يحل سحنة تنافر سحنة أخيه ولا تشبهها إلا في سمات اللعنة فيها، ومياسم الخزي عليها ويقول هؤلاء الأرذلون: لا نرضى نصفه معكم ولا مساواة بكم ولكنا نريد وطناً ودولة وأنف الحق راغم، ودعوة العدل صاغرة وإن لنا قوة من سلاحنا ومالنا وحيلنا وغدرنا وخيانتنا. ولنا أعوان في أوروبا وأمريكا يسخرون بالمال ويسخرون بكل الوسائل رؤساء الدول، وأئمة الساسة، وأصحاب الصحف، وبيدهم المصارف، ودور السينما وكل وسائل النشر والتضليل، فيا أيها العرب المساكين! أفسحوا المجال لدولة إسرائيل!
ويقول العرب: لا لا بل تعالوا إلى كلمة سواؤ، نسويكم أيها الطراء المتطفلون بأهل البلاد الذين أقرهم التاريخ فيها لا يعرفون غيرها وطناً، ولا يتخذون غيرها داراً، فهلموا إلى الدولة الواحدة، والشريعة العادلة، والتآخي والتناصف.
فتقول هذه الوجوه الملعونة، وهذه الفئات الطريدة: لا لا إن أرضكم لنا، ودياركم لدولتنا، فانزلوا على حكمنا صاغرين. . .
ويحمي العربي، وهو سمح لا خنوع، وجواد لا جبان، وحليم لا ذليل، ويستنصر حقه، ويتوكل على ربه ويستمد سجاياه وشيمته، وأخلاقه ومكارمه، ثم يستوحي تاريخه ويحشد مآثره فيستبق إليه من أحداث تاريخه ومآثره أمته ما يثبته في المحنة، ويوقره في الشدة، وينثال إليه من عز ماضيه ومجد سلفه ما يهون عليه كل خطب، ويقحمه كل هول.
ويصول عليه عدوان اليهود ومن ورائه مدد من قوى أوروبا وأمريكا، وتدور به خدع
المخادعين وتهاويل المهولين، وهو العربي الذي يعرف نفسه ويعرفه التاريخ، ويهزأ بالشدائد إذا جد الجد. ويحق الأهوال إذا اشتد البأس.
فأثبت في مستنقع الموت رجله
…
وقال لها: من تحت أخمصك الحشر
أن العربي يعرف ما في أيدي أعدائه وأعوان أعدائه من مكر، وما لديهم من سلاح، وما عندهم من علم وفن؛ ولكنه يعرف كذلك ماله من حق، وما عنده من كرامة، وما فيه من إباء وما يمده به تاريخه من ثبات في الأزمات، وصبر في الخطوب. فيقدم على الأهوال ذاكراً قول سلفه.
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه
…
ونكب عن ذكر العواقب جانبا
فيتقدم فيزيده الهول مضاء، والنار صفاء، منشداً:
فإن تكن الأيام فينا تبدلت
…
بنعمي وبؤس والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبية
…
ولا ذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوساً كريمة
…
تحمل مالا تستطيع فتحمل
وقينا بحسن الصبر منا نفوسنا
…
فصحت لنا الأعراض والناس هزَّل
حسب الصهيونيون أن الأمم مال وربا، وأشكال وألوان، وهياكل وجدران، وبغي وعدوان، وغفلوا عن حقيقة الإنسان وما وراء ذلك صور وزخارف، وخدع وأباطيل، تذوب إذا وقدت النار، وتبوخ إذا حمى الوطيس.
ألا ساء فأل الأوغاد، وخاب ظنهم حين زينت لهم أموالهم وزخارفهم أنهم للعرب أكفاء وأنداد. فلتبطل دعواهم الوقائع، ولتكذب ظنونهم المعارك.
ألا أنه إن تحدى الصهيونيين حق العرب، وجرؤ شذاذ الآفاق على خير الأمم، ولم يلفوا كفاء بغيهم من ردع، وجزاء عدوانهم من خزي.
فيا موت زرا إن الحياة ذميمة
…
ويا نفس جدي أن دهرك هازل
أيها العرب الأباة! أنه يوم له ما بعده؛ فاصدعوا الأهوال بقلوب متفقة، وأيد مجتمعة، وامضوا إلى الغاية التي هي بكم أجدر، وبتاريخكم أليق. إنكم تقاتلون حيث قاتل آباؤكم في اليرموك وأجنادين وحطين، وقد حطموا الباطل في كبريائه، وردوا البغي في غلوائه، فزلزلوا بهؤلاء البغاة الديار، وردوا جند الصهيونيين بالخزي والدمار. واتركوها على
التاريخ مأثرة إلى مآثر آبائكم، وسجلوها على الأيام مفخرة إلى مفاخر أسلافكم.
(ولا تهنوا ولا تحزنوا انتم الأعلون والله معكم.)
(للكلام صلة)
عبد الوهاب عزام
مشاهدات وملاحظات:
تحية العلم. . .
للأستاذ أبي خلدون ساطع الحصري بك
المستشار الثقافي لجامعة الدول العربية
كانت جزيرة (كورفو) منتهى المرحلة الثانية من مراحل سفرتي من بغداد إلى المغرب الأقصى قبيل الحرب العالمية الأخيرة.
هبطت بنا الطيارة المائية المطار البحري في المضيق البحري الذي يفصل الجزيرة من البر، وقت العصر؛ ثم نقلتنا السيارة من هناك إلى فندق في المدينة لنقضي الليلة فيه، على أن نعود في فجر اليوم التالي إلى المطار لنستأنف السفر نهاراً.
والطريق الذي يمتد بين المطار والمدينة كان طويلاً، يمر من بين مزارع جميلة وقرى صغيرة؛ شاهدنا فيها عدداً غير قليل من الرجال والنساء والأطفال، كلهم في ملابس أنيقة كأنهم في يوم عيد. وكلما اقتربنا من المدينة رأينا علائم الزينة تزداد شيئاً فشيئاً. . . إلى علمنا أن ذلك اليوم كان فعلاً من أيام الكرنفال.
كنت قد زرت هذه الجزيرة الجميلة مراراً؛ غير أن تلك الزيارات كانت قديمة العهد جداً؛ لأنها كانت تتصل ببداية حياتي التدريسية في حاضرة (الأيبر) - يانيا - التي كانت يومئذ مركز ولاية تابعة للدولة العثمانية.
فكان من الطبيعي أن أشعر برغبة شديدة في التجوال في المدينة قبل حلول الليل، بغية تجديد تلك الذكريات القديمة ومشاهدة الجزيرة - في عهدها الحالي - بعد مرور هذه السنين الطويلة. فما كدت أعرف غرفتي واضع فيها حقيبتي، حتى خرجت من الفندق إلى الشوارع التي تعج بضجيج الكرنفال. وأخذت أسير في الطرق والميادين دون أن أسترشد بدليل، غير مواكب التهريج نفسها. . إلى أن وصلت إلى الميدان الفسيح الذي يقع في ظاهر المدينة، حيث تلتقي شوارع عديدة فتمر منه جميع المواكب في روحاتها وغدواتها المتكررة.
رأيت القوم - كعهدي بهم سبقاً - يملئون الجو ضجيجاً والميدان حركة؛ ويتسابقون في
الضحك والإضحاك بأقنعتهم الغريبة، وأزيائهم العجيبة، ورقصاتهم السريعة، وأغانيهم الخفيفة، وأجواقهم المهرجة. وكان وصول كل موكب من المواكب إلى الميدان يستثير عاصفة من القهقهة والهتاف والصياح. . تندفع من حناجر آلاف المتفرجين المجتمعين هناك.
وقفت مدة في زاوية من زوايا الميدان التي تطل على شوارع عديدة، فتمكنت من مشاهدة المواكب الكثيرة؛ وأخذت أتتبع حركات القوم بكل اهتمام.
وأتفق أن وصل مرة أربعة مواكب غريبة دفعة واحدة من شوارع مختلفة؛ فزاد نشاط الجميع زيادة هائلة. وصارت الجماعات التي تؤلف المواكب تندفع في العزف والرقص والتهريج اندفاعاً جنونياً؛ وأخذت جماهير المتفرجين تغرب في القهقهة إغراباً عجيباً، كأنهم أصيبوا بنوبات عصبية تهز جميع أبدانهم هزاً عنيفاً.
وفي الوقت الذي كان هذا الهرج والمرج قد بلغا الحد الأقصى، وأخذت حواسي تعجز عن تتبع هذه الحركات العجيبة، وعن تمييز هذه الأصوات الخليطة، توقعت كل الحركات بغتة، وانقطعت كل الأصوات فجأة. . وظننت - في بادئ الأمر - أنه حدث حادث مروع جمد الرفح في النفوس، فأدى إلى هذا الوجوم العميق.
فأخذت أجيل بصري كل الجهات، لاستجلاء أسباب هذا التحول الفجائي إلى أن شاهدت في آخر الميدان فيمحل بعيد جداً، علماً ينزل من فوق سارية كبيرة؛ ولاحظت في الوقت نفسه بوق - صوت لم أنتبه إليه قبلاً - وفهمت عندئذ كل شيء.
كان ذلك وقت الغروب، وقد حان موعد إنزال العلم من سارية الثكنة العسكرية التي تقع في آخر الميدان، والبوق كان يدوي إيذاناً بذلك، والناس قد توقفوا عن السير والحركة احتراماً لذلك العلم!.
وكان صوت هذا البوق قد قضى على كل الحركات والأصوات التي تصدر من تلك الألوف المؤلفة من الجماهير، حتى في وسط مهرجانات الكرنفال، وقد أصخب صفحات التهريج؛ مع أن معظم أفراد المواكب كانوا قد أصبحوا شبه سكارى من شدة الفرح الذي استولى على جوانحهم من جهة، ومن كثرة الكئوس التي ارتشفوها في مختلف الحانات من جهة أخرى.
أن صوت البوق الذي يرافق إنزال العلم كان قد حمل الجميع على التوقف بغتة، كأنهم كلهم جنود في ثكنة عسكرية يأتمرون بأوامر قائد يحترمونه كل الاحترام.
أكبرت عندئذ كل الإكبار قوة (التربية المدنية والوطنية) المتأصلة في نفوس هذا الشعب. . هذه التربية التي تحمل الناس على عدم التقصير في أداء واجب (الاحترام للعلم) حتى بين ضجيج مواكب التهريج!.
تذكرت هذه الواقعة - بعد ذلك - عدة مرات، في عدة مناسبات. . وكانت الأخيرة منها، قبل بضعة أيام:
كنت أسير مساء إلى (دار الرسالة) لزيارة صديقي الأستاذ أحمد حسن الزيات؛ وكنت قد وصلت إلى رأس ميدان عابدين عندما سمعت صوت بوق يدوي بنبرات متقطعة متساوقة. فالتفت حالاً إلى الثكنات فرأيت العلم المصري الذي يرفرف فوق سارية البناية المرتفعة أخذ ينزل بخطوات بطيئة، بصورة متساوقة مع نفخات البوق المتقطعة. . فوقفت هناك متوجهاً نحو الثكنات، لأمتع البصر بتتبع سير العلم باهتمام.
ولكن لاحظت بغتة أنني كن الوحيد في هذا الموقف وهذا الاهتمام. . وأما الذين كانوا يمرون مثلي في هذا الميدان، فكانوا يواصلون سيرهم وكلامهم وعملهم. . كأنه لم يكن هناك شيء يستحق الالتفاف: هنا جماعة من الأطفال يلعبون، وهناك طائفة من النساء يتصايحن؛ وفي كل الجهات عربات تمر ببطء، وسيارات تسير بسرعة؛ وعدد كبير من الناس يسيرون في اتجاهات مختلفة، ولا أحد منهم يلتفت إلى الثكنات، أو يرفع البصر إلى سارية العلم القائمة فوقها. . كأن كل ذلك لا يهمه أبداً ولا يخص أحداً غير الجيش وحده. .
وتذكرت عندئذ - بكل تفاصيله - ما كنت شاهدته في كورفو، أيام الكرنفال. . وتأملت - في أمل مرير - البون الشاسع بين ما حدث هنا وما حدث هناك.
بعد أن غاب العلم المصري عن عيني وانقطع صوت البوق عن أذني. . واصلت السير، أنا أقول في نفسي:
أن الوقوف لتحية العلم - بالصورة التي شرحتها آنفاً - قد يبدو للمرء - في الوهلة الأولى - كمظهر من المظاهر المادية التي لا تستحق الاهتمام. غير أن هذا الوقوف - في حقيقة الأمر - من الأعمال التي تتصل بتربية النفس اتصالاً وثيقاً؛ فأن هذه الوقفة التي تضطر
الإنسان إلى الخروج عن عالمه الخاص، ولو لمدة قصيرة. . . وتحمله على الانقطاع عن السير وراء نصالحه الشخصية، ولو لثوان معدودة. وتجبره على الاهتمام بالعلم الذي يمثل وطنه وتاريخه ودولته ولو لفترة وجيزة. .
أن هذه الوقفة المادية، لمثل هذه الأغراض المعنوية، لا بد من أن تؤثر في النفس تأثيراً عميقاً، ولا بد من أن تساعد على إيقاظ الشعور القومي وإشاعته مساعدة كبيرة.
أبو خلدون ساطع الحصري
ما أحبها من نقلة
للأستاذ محمود الخفيف
أحبب إلى نفسي بهذه النقلة إلى تأريخ أمريكا في سيرة زعيمها العظيم (أبراهام لنكولن)، فإنه لمن أعظم ما يسر القراء لا ريب حديث صاحب العبقريات عن أشبه العبقريين في الغرب بابن لخطاب وما أولى لنكولن بنصيب مما يكتب العقاد؛ ولو تفضل كاتبنا الكبير فعقد فصلاً أو أكثر من فصل، فوازن بين لنكولن وعمر، وهو خير من يفعل ذلك، لعددت هذا من أفضل ما بلغت بكتابي من خير. . .
وبعد، فأرجو من أستاذنا الجليل أن يصدقني أن عنايتي بتاريخ لنكولن هي التي حفزتني إلى كتابة هذا الفصل والذي سبقه، إذ لا زلت من بعض الملاحظات التي أبداها الكاتب الكبير غير مطمئن النفس، وما كان ذلك دفاعاً عن كتابي بقدر ما هو رغبة مني في الاهتداء إلى الصواب.
لا زال تأريخ أسلاف لنكولن سراً في أطواء الزمن، وأكبر الظن أنه سوف يبقى كذلك، وماذا عسى تحويه الكتب عن أبيه النجار، وعن جده لأبيه، وقد كان كذلك نجاراً بين أحراج الغابة قتلته رصاصة أطلقها عليه أحد جنود الحمر؟ وماذا عسى أن يعرف عن أمه وهي ابنة سفيحة لرجل مجهول من أهل الجنوب؟ ولولا أن تحدث بذلك لنكولن إلى صاحبه هرندن ما عرف حتى هذا القدر من سيرتها. . .
بذلك رددت على ما أخذه على الأستاذ الكبير من خلو كتابي من تعريف كاف بأسلاف لنكولن من جانب أبيه وأمه؛ وكان ما ذكر الأستاذ تعقيباً على ذلك الرد قوله: (وقد اعتقد الأستاذ الرجل كان كما هو معلوم عصامياً خامل الآباء والأجداد؛ ولكن الواقع أن اللغز يعرض لنا عن أمر آبائه المعروفين ونستطيع حله من تاريخهم).
إذا فلا سبيل لنا إلى أسلافه، بعد ذلك آباؤه المعروفون وما نعرف إلا أباه وأمه. ولقد ماتت أمه وهو في العاشرة من عمره فحرم من تأثيرها في نفسه، ذلك التأثير الذي أشرت إليه في كتابي بقولي: (كان الغلام ينتقل ببصره وخياله من أمه إلى أبيه، وكانت أمه في أقاصيصها جادة، تحس نفسه الصغيرة شيئاً من الحزن يطوف بنفسها ويتسرب إلى حكايتها؛ أما الأب فكان يميل إلى المرح والفكاهة، ويتدفق إذ يحكي تدفق من لا تنطوي نفسه على شيء مما
تنطوي عليه نفس الأمن وما كان شيء من ذلك ليخفى على فطنة الغلام، وأحدثت القصة الدينية أثرها في نفس الصبي وظلت عالقة بلبه وخياله، وجرت في كيانه مجرى الدم في عروقه، واختزنت حافظته ألفاظها بنصها حتى ليتحرك بها لسانه وإن لم يقصد).
ولم يكن لأبيه أثر في نفسه ولا من صفات نستطيع أن نردها إلى آبائه فنعرف، ولو بما يقرب من اليقين شيئاً عن أسلافه فنحل اللغز بعض الحل؛ أما ذلك الذي كانت تنطوي عليه نفس الأم، فمرده في الأكثر إلى أنها كانت تجهل أباها؛ على أني لم أسه عما يكون للوراثة من أثر في حياة لنكولن، فأوردت في صفحة 151 من كتابي ما قصة على صديقه هرندن إذ قلت:(وإنه ليفضي إلى صاحبه هرندن ذات يوم بحديث عن أقاربه وصلته بهم، ويتطرق الكلام أثناء هذا الحديث إلى منشأه فيكشف لنكولن لصاحبه عن سر يتصل بأمه، وذلك أنه لا يعرف أجداده لأمه، فقد كانت أمه التي أحبها والتي يجل ذكراها ابنة رجل مجهول، وسيظل هذا الرجل مجهولاً أبداً، وكل ما يستطيع أن يعرفه عنه أنه من أهل الجنوب، وبيان ذلك أن جدته لأمه كانت تعيش وهي فتاة في ولاية فرجينيا في الجنوب فأصبحت ذات حمل وأن لم تتزوج، ووجدت نفسها بعد أشهر الحمل تضع أنثى، وكانت هي وحدها التي تعرف والد هذه الأنثى، ولقيت من أهلها أشد الغضب لزلتها، ولكنهم احتضنوا بنتها فنشأت بينهم تنتسب إليهم وليست منهم. ذلك هو السر الذي يفضي به لنكولن إلى صاحبه على ما فيه مما يوجب الكتمان، ويردف أبراهام قائلاً لصاحبه إنه كان ثمة من ميزة فيه لا يوجد مثلها في أحد من ذوي قرباه، فمردها لا ريب إلى أجداده المجهولين من أهل الجنوب).
أما عن المصادفة في حياة لنكولن، فإني أخشى أن يكون الذي يخرج به القارئ مما كتبها الأستاذ الكبير في هذا الصدد أن لنكولن مدين للمصادفة بكل شئ، فقد قال الأستاذ في مقاله الأول:(وقد كان من الجائز جداً ألا يصل إلى رئاسة الجمهورية لأنه لم ينجح قط في انتخاب أو ترشيح إلا كان للمصادفة في اللحظة الأخيرة أكبر الأثر في هذا النجاح)؛ وقال في مقاله الثاني: (ولم يكن نصيب المصادفات التي كان لها الأثر في الترجيح بين الأحزاب نفسها وبين جيوش الشمال وجيوش الجنوب أوفي نصيباً من هذه المصادفات التي صعدت بلنكولن إلى رئاسة الجمهورية).
وأرجو ألا أثقل على أستاذنا العلامة حين أقول له إني لا زلت أخاصمه في هذا، وإني لا زلت كل ما أصاب لنكولن من فوز إلى شخصيته، فما أعرف في العصاميين رجلاً مثله اتكأ على نفسه في جميع أطوار حياته، وما أعرف مثله من كانت الظروف كلها عدوة. وكيف لعمري تصعد المصادفات بنجار ابن نجار إلى رياسة الجمهورية، وكان في هذه الجمهورية آلاف النجارين غيره؟ ذلك ما لا أستطيع أن أحمل خيالي على تصوره، أن هذا الرجل الذي بات يحزم متاعه بيده آخر ليلة قبل سفره إلى العاصمة ليجلس فوق كرسي واشنطون قد بنى نفسه بنفسه. وأنا لنرى اعتماده على نفسه واضحاً في كل أطوار سيرته حتى في هذا العمل الذي يبدو هيناً في ذاته وهو عظيم في معناه، فقد سهر الرئيس ابراهام لنكولن يملأ حقائبه بيده ويحزم متاعه دون معونة من أحد!
إني أفهم أن تأتي المصادفة لخامل أو لدعي بشيء من اليسار أو الفوز مرة أو أكثر من مرة، كما أفهم أن تحول المصادفة بين ذي جدارة وبين ما يريد مرة أو أكثر من مرة؛ ولكني لا أستطيع أن أرد ما يبلغه العظيم الحق من مكانه أو ما يصيبه من فوز إلى المصادفة، وإلا فما معنى عظمته، وما معنى العظمة الفردية على الإطلاق؟ أن هذا يقتضينا أن ننكر عنصر الاستعداد الفردي، أو ما نسميه العظمة الشخصية، ونجعل تأريخ البشرية سلسة أو سلاسل من المصادفات لا ندري كيف تجري مجراها. ألا أن الرجل العظيم نفسه لهو المصادفة، فما هو إلا أن يتطلب عصره وجوده ويتهيأ لاستقباله حتى يستعلن السر وتشمل العصر كله، وتسيطر عليه روح الرجل العظيم، وهذا وحده الذي يفسر بوزه وسيطرته على غيره من الناس.
وما كان لنكولن بدعاً من العظماء، فمنذ اشتغاله بالسياسة اقترن اسمه بالمشكلة الكبرى التي شغلت بلاده، ألا وهي مشكلة الرق، ثم ما زالت آراؤه في هذه المشكلة تتضح وتتسع دائرتها حتى أشتهر أمرها. وأن له المقدرة في الخطابة تسلكه في أفذاذ هذا الفن من الموهوبين؛ واغتدى لنكولن أحد رجال الحزب الجمهوري المعدودين، وكانت الغلبة لهذا الحزب لأسباب كثيرة أهمها حسن سياسته في مشكلة الرق، ولقد اشتغل بالسياسة واهتم بمشكلة الرق غير لنكولن من كبار الجمهوريين، ومع ذلك أخذ صيته، وهو المحامي الفقير الذي لا جاه له يعظم يوماً بعد يوم حتى أغرقهم جميعاً؛ وما لمصادفة من أثر قط في هذا،
وبهذا وحده اتجهت القلوب إلى لنكولن وبخاصة بعد ما كان من جدال طويل على أعين الناس بينه وبين دوجلاس أحد قادة الديمقراطيين، وأن اتجاه القلوي إليه لهو (الترشيح) الذي تحسه الأنفس قبل وقوعه رسمياً. . .
فإذا كان هذا جميعاً من المصادفات، فيجب إذا أن نتفق على معنى المصادفة، وإلا عددنا حوادث التاريخ جميعاً مصادفات، وجعلنا أعمال بونابرت مثلا وسعد زغلول أو غيرهما من المصادفات، وما هي إلا تلك القوة التي يمتاز بها الرجل العظيم، أو تلك (الروح) التي لا تدرك ولا تنكر.
وهل نعد قضية الرق في ذاتها مصادفة، واشتغال لنكولن بها مصادفة؟ وما قيمة هذه المصادفة إن عددناها مصادفة؟ والمهم هنا هو كيف علا صوت لنكولن فيها على جميع الأصوات؟ وكيف نفذ إلى القلوب دون غيره؟ وهل نعد مواهبه وفي مقدمتها الخطابة كذلك من المصادفات؟ وإذا فماذا يبقى من (الرجل)؟
ولقد فشل لنكولن في السياسة اكثر من مرة، فأين كانت المصادفة؟ هل نعد فشله كذلك مصادفة كما نعد نجاحه لو أنه نجح؟ ولقد فاز دوجلاس بمقعد الشيوخ دونه بعد صرعهما الطويل، وعاد هو إلى عمله في المحاماة!؟
ودعي لنكولن بعد هذا الفشل إلى نيويورك فخطب الناس هناك فسحرهم بيانه بعد أن سخروا من منظره ومن هندامه ومن شعره الأشعث الذي يعلو رأسه الكبير كأنه ألفاف الغابة. وقد قال الصحفي النابه جريلي وهو من خصومه: (ما من رجل ستطاع أن يبلغ بخطابه لأول مرة ما بلغه لنكولن من عظيم الأثر في جمهور السامعين في نيويورك).
ونشرت كبريات الصحف خطابه وبدأ اسمه يظهر بين أسماء المرشحين لرياسة الجمهورية. ولما عقد الجمهوريون مؤتمرهم العام في شيكاغو في شهر مايو لاختيار أحد رجالهم ليرشحوه للرئاسة، كان سيوارد واثقاً من نفسه قليل الاكتراث بلنكولن، وقدم زعماء المؤتمرين خمسة أسماء غيرهما وجرى الاقتراع على دفعات، وأعلنت نتيجة الدفعة الأولى من الولايات، فإذا سيوارد يزيد على لنكولن بسبعين صوتاً وصوت، ثو أعلنت نتيجة الدفعة الثانية فإذا لنكولن لم يبق بينه وبين منافسه القوي إلا ثلاثة أصوات، ثم تعلن نتيجة الدفعة الأخيرة، فإذا إبراهام يظفر على صاحبه ببضعة أصوات فحسب. وإذا فالأمر هنا
أمر اختيار وتمحيص وليس للمصادفة دخل فيه. وما يقال عن عدم إعداد الوراق اللازمة للاقتراع ونشاط جريلي وتحويله معظم المندوبين عن رأيهم فهو من قبيل ما يروي عن المعارك الانتخابية مما يشبه القصص بقصد التسلية والتشويق أو بدافع المبالغة، إذ لا شك أنه مما ينبغي أن يأخذ في كثير من التحفظ أن تتحول آراء المندوبين في فترة قصيرة في أمر عظيم كاختيار رجل للرياسة في غير سبب من شأنه أن يفضي إلى هذا التحول الخطير. ولقد كان جريلي من أشد خصوم لنكولن طيلة حياته، وظل على لدده حتى بعد أن ظفر لنكولن بالرئاسة. ولم تكن خصومته لسيوارد إلا مفضية إلى نجاح منافسه، وهذا مما يجعلنا نرتاب فيما نسب إليه يوم ذلك المؤتمر العام. هذا إلى أنه لو فرض وقوعه كما ذكرنا فأنه أقل من أن يحول آراء المندوبين بالقدر الذي يؤدي إلى نجاح لنكولن.
لقد مكن لنكولن لنفسه قبل ترشيحه، وسبق هذا الترشيح نشاط وتنافس في القول والكتابة بين أنصار سيوارد وأنصار لنكولن، وجاء انتصار لنكولن بعد ذلك متفقاً مع مكانته التي ظل عاملاً عليها، لا طمعاً في الرئاسة، ولكن استجابة لما كانت تهجس به نفسه.
ومع ذلك كله، فقد كان من الجائز أن لا يظفر لنكولن بالنصر في معركة الرياسة وإن رشحه الجمهوريون، ولكنه ظفر ونال مائة وثمانين صوتاً من أصوات مندوبيه الولايات الذين ينتخبون الرئيس وفق الدستور، وكان عددهم ثلاثمائة رجل وثلاثة، وهذا العدد قلما ناله رئيس من قبله.
لقد شق لنكولن طريقه إلى الرياسة في مشقة، وتحمل من عنت الأيام ومن قسوة الظروف ما يزيد في معنى عصاميته، وما المصادفات هي التي صعدت به إلى رياسة الجمهورية، ولقد ظل يشتغل بالسياسة أكثر من عشرين عاماً حتى نبه اسمه وذهب صيته في طول أمريكا وعرضها، وهو الذي خرج من بين أحراج غابة من غاباتها فقيراً معدماً على نفسه بنفسه، ولم يتكئ منذ كان طفلاً إلا على نفسه. . .
وبعد، فإني أعود فأشكر للأستاذ الجليل ما أبداه من ملاحظات على كتابي كانت سبباً في هذه النقلة المستحبة في تأريخ البلاد الأمريكية، ولعلنا نظفر منه بأمثالها، وإني لسعيد إذا صدقني كاتبنا الكبير أني لم أرد بالرد على ملاحظاته القيمة دفاعاً عن كتابي، وإنما الصواب طلبت؛ وما أبرئ نفسي من الخطأ، ولست أرى أن كتاباً يوضع في تأريخ لنكولن
وتأريخ الولايات المتحدة في عصره ويصدق القائل فيه إذا قال إنه يخلو من ملاحظات جلت أو هانت تلك الملاحظات.
صوم غاندي السياسي
للأستاذ عبد العزيز محمد الزكي
الصوم تعليم ديني فرضته جميع الشرائع السماوية، وسنته مختلف الأديان الأخرى. وجعلت من أدائه طاعة لله وتقرباً منه، ومن مخالفته خروجاً على أوامره. ويعتبر الدين الهندوكي من بين تلك الأديان التي تشرع الصوم في أوقات محدودة، وتلزم الهندوكيين بقضائها تزلفاً لله. وكن الشعب الهندوكي العريق في الروحية لم يكتف بصيام الأيام التي يفرضها الدين، ويقدم طواعية قربان صومه لله كلما نزلت به محنة، أو أشقته مصيبة، أو كلما ارتكب آثاماً يود التفكير عنها. وكانت أم غاندي من أولاء الهندوكيات الورعات المتقشفات التي لا تهمل صيامها الديني، فضلاً عن أنها كانت تنذر في مناسبات مختلفة أن لا تأكل إلا إذا رأت الشمس. ويحدث أن تمضي الأيام تباعاً دون أن تأكل شيئاً لأنها لم تستطع رؤية الشمس خلف سحب الهند الكثيفة. فتعود غاندي منذ صغره أن يرى أمه تصوم صوماً طويلاً شاقاً، ترك في مخيلته أثراً مطبوعاً ظهر مفعوله في حياته العامة.
فابتدأت نزعة غاندي الروحية تتربى في أحضان تلك الأم التقية الصالحة التي تتمسك بفروض دينها. ثم أخذت تنمو حينما تلقن أول مبادئ الديانة الهندوكية، ولمس من مواطنيه تعلقهم بها، ووجدهم شعباً يؤمن بدين يحرم أكل اللحوم، وينبذ لذيذ الطعام، ويعيش على النبات، ويشتهر بالزهد والتقشف. فشب غاندي نباتياً لا تثيره شهوة الأكلن ولا يغريه فاخر المأكولات، ويحترم تقاليد دينه. فغرست حياته الأولى مع أمه، ثم نشأته في ربوع شعب ديني، المبادئ الروحية في نفسه. وأصبح فكره ينزع دائماً إلى الناحية الدينية والروحية، ويغلب الحقائق الدينية على أي حقيقة تخالفها. وظهر كل ذلك واضحاً حينما خاض معترك الحياة الاجتماعية، فكان يحاول أن يحل كل ما يقابله من مشاكل بالطرق الدينية. وكان الصوم أول هذه الطرق.
كان غاندي في أول الأمر يصوم صيامه الديني، أو يزيد عليه أياما معدودة، كلما طرأت مناسبة شخصية تدفعه لذلك. ولكن حينما أخذ نفوذه يقوى في جنوب أفريقية، وأصبح له أتباع مسئول عن سلوكهم وتصرفاتهم؛ حتى إذا ما صدر عنهم أي فعل يخالف تعاليم الدين، أو يتعارض مع أصول الأخلاق، أو يغاير ما ينادي به من مبادئ سياسية، حق عليه أن
يحزن لحدوثه ويتألم، ويشعر أنه مسئول عما أتوه من أثام، وينذر صوم عدة أيام أو بضعة أسابيع ليكشف عذاب الصوم ما يحسه من وخز الضمير وكآبة الروح، أو يخفف ضغط الشعور الأليم بالمسئولية من ناحية، وليكفر عن آثام أتباعه من ناحية أخرى. فكان صومه يؤثر في نفوس أتباعه فيتألمون لألمه، إلا أنهم في الوقت ذاته كانوا يجلون مقاساته آلام صوم متواصل من أجلهم بدون أن يقترف ذنباً يستحق أن يطلب عنه الغفران. ولذلك حرصوا على ألا يقترفوا من المخالفات والأوزار ما يؤلم غاندي، فيضطر إلى أن يلجأ إلى صوم يسبب له ما يكرهون من العناء والتعب.
فلما وجد غاندي ما لصومه من أثر عميق في نفوس الهنود، أدرك بفطرته النفاذة، وفهمه السليم لروح شعبه أنه يمكن أن يتخذ من الصوم ذريعة روحية مفيدة، يخدم بها أغراضه الإصلاحية من تقويم أخلاق قومه، وإصلاح حياتهم المادية والاجتماعية، وترقية مستواهم السياسي؛ كما أدرك أن قوة مفعول الصوم في نفوس الهنود سببه أنهم قوم لا يرهبون إلا قوة الروح، ولا يخضعون إلا لسلطان الدين، فتعمد مخاطبتهم باللغة التي يجيدون معرفتها ويصدعون إليها. فاستعان بالصوم لخدمة مصالحهم، لأنه يعبر عن قوة دينية، وعن مظهر من مظاهر القدرة على تحمل الآلام ومقاساة الجوع، فضلا عن أنه وسيلة من وسائل تطهير الروح. فسهل عليه السيطرة به على قومه، ونجح في استخدامه إلى أبعد حد بحيث أصبح الصوم أمضى سلاح سياسي يعتمد عليه غاندي بصفته الشخصية للقضاء على الاضطرابات والقلاقل التي كثيراً ما تحدث في الهند، ولتهدئة ثورات النفوس الهائجة حتى يشملها الحب والوئام، أو لتفادي ما تتعرض له من أزمات سياسية، وما يهددها من كوارث اجتماعية. ويرجع توفيق غاندي في استخدام هذا السلاح الديني في السياسة إلى أسباب أهمها:
فهم غاندي العميق لمزاج شعبه الروحي، ومعاملته بالأسلوب الوحيد الذي يصدع له دائماً.
ثم دقة حساسية غاندي وصدقها في تلمس خطايا الشعب الحقيقية، وقدرته الروحية ونفاذ بصيرته التي تخترق شغاف قلوب الجماهير، وتشعرهم بأن خطاياهم قد مست أعماق نفسه، فسببت له ألواناً مؤذية من الحزن والألم، فرضى أن يحتمل عناء الصيام ليعفو الله عنهم. وذلك يوجد الفزع في قلوب الشعب الذي يخاف على حياة الزعيم الذي يحبونه كل
الحب فيضطرون للاستماع لنصائحه والأخذ بآرائه السياسية والاجتماعية، حتى لا يعود إلى صوم قد يكلف غاندي حياته، وتفقد الهند بطلها المقدس.
ولقد صام غاندي حوالي خمسة عشر صوماً خلال الخمس والثلاثين سنة الأخيرة من عمره أذكر منها على سبيل المثال ثلاث مناسبات صام فيها غاندي، لأوضح بعض الظروف المختلفة التي كان يصوم من أجلها غاندي. ولنبدأ بصوم سببه أخلاقي تذره عندما كان في جنوب أفريقية يشرف على التعليم في المدرسة التي أنشأها بمزرعة العنقاء، وتسمح باختلاط الصبيان والبنات بالرغم من تباين نشأتهم واختلاف أوساطهم. فحدث أن اعتدى أحد التلاميذ على عفاف فتاة، فلما سمع غاندي بهذا النبأ الأثيم تألم وشعر أنه كمشرف على هذه المدرسة مسئول عما ارتكب، فعاقب نفسه بصوم تسعة أيام ليخفف بها وطأة وخز الضمير وتأنيبه من جهة، وليطلب المغفرة من الله لهذين الآثمين من جهة أخرى. فكان لصيامه وقع أليم في أهل المزرعة طهر ما علق بالنفوس من أفكار سوداء، كما حرر نفس غاندي من كل ما انتابها من قلق واضطراب، وأحل محل غضبه على المجرمين إحساساً بالعطف والشفقة عليهما، فتوثقت العلاقة بينه وبين الأولاد والبنات.
أما عن الصوم الثاني فصامه غاندي بعد أن نزح عن جنوب أفريقية ورجع إلى الهند بصيته المعروف بمحاربة الاستعمار البريطاني؛ فاستطاع بعد أن درس حال الهند من جميع النواحي أن يتولى زعامة الشعب الهندي. ثم أخذ يطالب باستقلال الهند الذاتي الذي وعدت إنجلترا أن تمنحه للهند بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، نظير ما قدمته لها من مساعدات حربية. فلم تكتف الحكومة الإنجليزية بمراوغته، بل أخذت تشدد الرقابة على الهنود كما فرضت عليهم أحكاماً عسكرية صارمة. فعزم غاندي على أن يحاربها حرباً سلمية، أي يحاربها بسلاح العصيان المدني الذي حاربها به من قبل في جنوب أفريقية، واستطاع أن يلغي ضريبة الثلاث جنيهات المفروضة على الهنود هناك. إلا أنه شعر بصعوبة قيام شعب يقرب من أربعمائة مليون نسمة، يختلف فيما يبنه من حيث الدين العادات واللغة، يعصيان إجماعي قبل أن تتشبع روح كل فرد بأساليب العصيان، حتى تبتعد عن العنف والشغب والفوضى وحوادث السرقة والتحطيم والحرق. فأخذ غاندي يمرن الشعب بادئ الأمر على العصيان، بأن طالبهم بمقاطعة كل ما هو إنجليزي. فقاطع الشعب
التوظف في المحاكم الحكومية الظالمة، والتعلم في المدارس والجامعات الإنجليزية التي تفسد عقلية الهنود، وشراء السلع البريطانية. كما طالبهم بمخالفة كل قانون جائر يضر بمصالحهم. وبعد أن تغلغلت مبادئ المقاومة السلبية في النفوس، وبعد أن بلغت حماسة الهنود من القوة بحيث لا يستطاع إغفالها، أعلن غاندي العصيان المدني العام في جميع أنحاء البلاد، وكان يظن أنه لن يحدث شيئاً يعكر صفو سلمية هذا العصيان، ولكن حدث أشد ما يبغضه إذ اصطدم الأهالي برجال الشرطة، فهاج الشعب، وأطلق الرصاص، وأشعلت النيران، وأريقت الدماء، فانتشرت الفوضى، وكثرت حوادث النهب والإتلاف. فأرغم غاندي على أن يوقف هذا العصيان ويعلنه ثلاث مرات متتالية، وعلى أن يصوم أربعاً وعشرين ساعة من كل أسبوع تكفيراً عن الدم الذي أريق، وقصاصاً لنفسه على فظائع بني قومه، حتى يشعرهم بهمجية عنفهم، ويلزمهم حد اللاعنف الذي يجب عن طريقه أن تنال الهند استقلالها.
وكان الصوم الثالث سببه ما بين الهندوكيين والمنبوذين من نزاع من أولى المشاكل الاجتماعية الهندية التي وجه لها غاندي كثيراً من عنايته. وذلك لما وجد الهندوكيين يحتقرون المنبوذين أشد الاحتقار، ويعتبرونهم أنجاساً، ويحرمون معاشرتهم أو الاتصال بهم. فحاول غاندي أن يمحو الفوارق الاجتماعية بين جميع الطوائف الهندية، ويعطي المنبوذين من الحقوق السياسية مثل ما لأي هندي آخر. فكان يظهر في كل مكان يؤاكل المنبوذين أو يعانقهم، حتى يشجع غيره من الهندوكيين على أن يتشبهوا به ويحسنوا معاملتهم. إلا أنه لم يقدر أن يقضي نهائياً على اضطهادهم للمنبوذين. ولكن حين قبلت الهند سنة 1935 المشروع الإنجليزي الذي ينص على خضوع البلاد لحكم نيابي مؤلف من مجلسين أحدهما تشريعي والآخر للمقاطعات، تكون الحكومة مسئولة أمامها، ثم بدئ في توزيع المناطق الانتخابية لتأليف هذين المجلسين النيابيين، طالب المنبوذون بمناطق انتخابية منفصلة. فأيدهم الإنجليز في هذا الطلب؛ إلا أن غاندي رفضه مصرحاً بأن إعطاءهم مثل هذه المناطق يعقد مشكلة المنبوذين ويجعل حلها عسيراً، ويقضي ببقائهم على ما هم عليه من ذل وهوان، وهذا فضلاً عن أنه يزيد الشقاق بين الطوائف الهندية، ويقوي الخلافات الدينية التي تشكو منها الهند، وأعلن الصوم حتى الممات. وما كاد يمضي سبعة
أيام على صيامه حتى انتهى الخلاف بتسوية تسلم بانتخاب المنبوذين في مناطق الهندوكيين، على أن يكون لهم عدد معين من المقاعد في المجالس الإقليمية التشريعية.
وإذا حاولنا أن نتكلم عن كل صيام صامه غاندي، استعرضنا مختلف مشاكل الهند الحديثة سواء أكانت اجتماعية أو سياسية أو طائفية أو دينية، لأن غاندي لم يترك مشكلة لم يتعرض لحلها، فإذا ما أحس أن هناك مشكلة ستحل بطريقة تتعارض مع مصلحة الهند والهنود فإنه يتفادى مقدما نتائجها الوخيمة، ويعلن الصوم حتى تحل هذه المشكلة حلا يقع نفعه على الهند، أو إذا ما تصادم المسلمون والهندوكيون أو اندلعت نيران الثورة الطائفية، وهاجت النفوس، أكثر واشتدت المجازر فإن صيامه يبعث الذعر في قلوب ملايين الهنود مما يبعثه وابل من القنابل، فيضع حداً للمذابح، ويسكن النفوس الهائجة، ويستحيل بفضله الحقد إلى حب. وذلك كله يؤكد زعمنا بأن غاندي أخرج التعاليم الدينية من عالم المعابد إلى عالم الحياة الواقعة، وأعطى الصوم الديني حقيقة عملية، وجعل له وظيفة نافعة في الحياة الاجتماعية والسياسية، واتخذ منه سلاحاً يقوم به أخلاق الناس، ويهدئ من هياجهم، ويمحو الحقد والبغضاء من قلوبهم.
عبد العزيز محمد الزكي
مدرس الآداب بمدرسة صلاح الدين الأميرية بكفر الزيات
الأزهر والإصلاح
للأستاذ محمود الشرقاوي
سيقول كثير من إخواننا الأزهريين حين يقرؤون هذا الذي أكتب عن الأزهر والإصلاح: لماذا ولمه؟.
سيقول كثير من هؤلاء لماذا كتب هذا ومن يريد بكذا وماذا يقصد بكذا؟ لأنهم لابد - في اعتقادهم - أن يكون لكل شئ ظاهر وباطن، ولابد أن يكون وراء كل عمل أو قول أمر مستور يسأل عنه بماذا ولمه.
فهم يقولون في علومهم ودروسهم لماذا ولمه وماذا يراد بكذا وهذه محمدة، وهم يقولون عند ما يرون لأحد رأياً أو سعياً لماذا ولمه وماذا يراد بكذا، وهذه مذمة.
وأعلم أن كثيرين منهم سيقولون لماذا أو لمه، وهم يعلمون أن هذا الذي أكتب اليوم قد بدأته قبل أن أبدأ سن العشرين. وأني كتبته في السياسة والسياسة الأسبوعية منذ عشرين من السنين، وأن الأزهر وإصلاحه كانا شغلي وشاغلي منذ أجريت قلمي على قرطاس، وإني دأبت عليه وكان وكدي في (الرسالة) أول ما ظهرت الرسالة إلى هذا الوقت القريب وفي (البلاغ) ثماني سنين دأباً.
هؤلاء الكثيرون يعلمون ذلك وقد يعلمون غيره، ولكنهم سيقولون لماذا كتب هذا وماذا يريد وماذا يقصد؟.
ولكن هذا التساؤل وهذا التأويل وهذه الظنون حسنة أو سيئة، طيبة أم خبيثة، لن تحول بيني وبين أن أكتب ما أريد، ولن تمنعني أن أقول ما تجيش به نفسي عن الأزهر وإصلاحه.
والذي أريد أن أقوله إن الأزهر لم يصلح، وأن بينه وبين الإصلاح شأواً بعيداً وبوناً واسعاً ومرحلة طويلة جداً، ولست أدري هل إلى هذا الإصلاح سبيل؟
وأنا حين أزعم أن الأزهر لم يصلح لا أريد أن أتوجه بهذه التهمة إلى أحد ولا إلى عهد، فالواقع أن الأزهر قد التوت به وبأهله سبيل الإصلاح وبعدت بهم عن أهدافهم ومراميه؛ والواقع الذي هو أعجب من هذا كله أن الحديث عن الإصلاح في الأزهر حديث لا يصغي إليه أحد ولا يشتغل به أحد من قريب ولا من بعيد. وليس هذا شيئاً جديداً بل هو شيء يمتد
إلى سنين مضت غير قليلة، وقد جرى بيني وبين المرحوم الشيخ المراغي حديث في هذا منذ سنين لعلي راجع إليه في (الرسالة) في يوم قريب أو بعيد، ويوم أعود إلى هذا الحديث سيعلم من لم يكن يعلم أن إصلاح الأزهر لم يشتغل به أحد ولم يفكر به أحد. اللهم إلا المتفائلين والمثاليين والخياليين الذين يعيشون يبن الأماني والأحلام، وقد عشنا بها زمناً رغداً، ثم ذهبت عن أعيننا الغشاوة.
مني أن تكن حقاً تكن أعذب المنى
…
وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا
كان المصلحون يرغبون أن يكون الأزهر قواماً على نهضة دينية أساسها الفهم والإدراك وسعة الأفق حتى يقوم بها ما ينتاش العالم كله من إباحية وإلحاد وتهجم على فكرة الدين وعلى مجرد الإيمان، وكانوا يرغبون أن توجد في الأزهر هذه البيئة الدينية المؤمنة المدركة لما يقع فيه العالم كله اليوم من أزمة روحية يحسها كل رجل مستنير ويدرك خطرها على القيم الروحية وعلى الأديان كافة، فإن توجد في الأزهر هذه البيئة الدينية المدركة فسينهض منها لا محالة من يحول بين هذه العواصف العاصفة بالإيمان وبالقيم الروحية أن تنزع من صدور الناس وأن تذهب هذه العواصف بما بقى في هذه الصدور من أيمان.
وكانوا يرغبون أن توجد في الأزهر بيئة علمية مدركة مستنيرة تخرج للناس هذا التراث العلمي الإسلامي الفريد، فتجلوه لعيونهم وإفهامهم، وتبرز هذا الركاز العظيم المطمور من علوم العرب والمسلمين في كل فن وعلم، هؤلاء يدرسون هذا التراث بعقولهم المدركة المستنيرة، فيظهرون الناس على ما فيهم من عمق ومن سعة ومن دقة ومن شمول، وهؤلاء يبرزون هذا الركاز المطمور بما ينشرون ويخرجون من كتب ومن مذاهب وآراء ومن شروح وفهارس ومن تبويب.
وكانوا يرغبون في أن يخرج الأزهر للناس طائفة من العلماء منيرة عقولهم شجاعة أفئدتهم (يدركون مسافة البعد بين روح الأزهر وحياة الناس، ويملكون - كما يقول الأستاذ الزيات - تزييف (الأباطيل المقدسة) التي اتسمت بسمة الحق وتسمت باسم الدين).
وكانوا يرغبون في أن يخرج الأزهر للناس طائفة من رجاله يكونون للناس مثلاً في كرم الخلق والحرص على أداء الواجب والزهد في زخرف الحياة وما يطمع الناس فيه من مجد
ومن مال ومن صدارة.
طائفة من الناس شعارهم المحبة والتسامح والمودة وكرم النفس والترفع عن الصغيرة والشجاعة في الحق وعفة القلب واليد واللسان، ويجعلون خير الناس مقدماً على خير أنفسهم، والعمل للناس قبل العمل لذواتهم وأشخاصهم وأطماعهم.
طائفة من الناس تقوم حياتها على الإيثار والتضحية، والنصيحة بالعمل قبل القول وبالمثل والقدوة قبل الدعوة والتمثيل.
طائفة من الرجال يحسون ويدركون علة هذه الأمة الإسلامية وأسباب جمودها وتخلفها وجهالة العوام فيها وتواكلهم وضعف إيمانهم وانصرافهم عن المفيد النافع من شؤون الحياة، واستهتار الخواص وأنانيتهم وجحودهم، ويعملون على خلاص هذه الأمة الإسلامية مما هي فيه من جمود ومن جهالة ومن أنانية وجحود.
هذا هو الإصلاح للأزهر وهذه سبيله.
فهل أنا مخطئ إذا أقول أن الأزهر لم يصلح؟. .
وهل أنا متشائم إذ أقول متسائلاً إن بين الأزهر وبين الإصلاح شأواً بعيداً وبوناً واسعاً ومرحلة طويلة جداً، وأني لست أدري هل إلى هذا الإصلاح سبيل؟. .
أما الخطأ فأني لست مخطئاً، ولا أعتقد أن أحداً يرى غير ما أرى وهو منصف مدرك.
وأما التشاؤم والتفاؤل فليس عندي عليهما جواب، وقد تجيب عني الحوادث والأيام.
محمود الشرقاوي
معركة صبيان
للأستاذ نجاتي صدقي
كانت المواصلات بين أحياء القدس العربية اليهودية منقطعة انقطاعاً تاماً. . . وإذا ما تخطت سيارة من سيارات الطرفين الحدود فمعنى ذلك أنها موفدة؛ (مهمة) لا عودة لها بعد أن يتم لها إنجازها.
إلا أن هناك نوعاً من سيارات الشحن اليهودية كان يحق لها أن تخترق أحياء القدس العربية على شكل قوافل أربع مرات في اليوم، هي سيارات (البوتاس).
والسيارات هذه تابعة لشركة البوتاس التي تقع معاملها على ضفة الأردن الغربية، في بلدة (كاليه) اليهودية الصناعية، وهي تستخرج ملحه البوتاس من رواسب البحر الميت، ثم تعبئه في أكياس وترسله إلى القدس في سيارات شحن ضخمة، حيث تتولى وكالة لها تصدير هذه المادة الكيماوية الهامة إلى خارج فلسطين.
ففي بدء الحوادث كانت سيارات البوتاس تسير بحماية عدد من البوليس. . . ثم جعلت مقدمة كل سيارة مصفحة بالفولاذ لا يظهر منها سوى ثلاث كوات، إحداها أمام السائق اليهودي، واثنتان عن يمينه وعن يساره. . . ثم صارت مصفحات الجيش ترافق هذه السيارات. . . ثم أخذ فريق من الجند بكامل معداته يصحبها في طريقها الممتد من أريحا إلى وادي موسى، إلى قرية العازرية، إلى باب الأسباط في القدس فمحلة وادي الجوز، فباب الساهرة، فالشيخ جراح، فالأحياء اليهودية.
وكانت هذه السيارات تتعرض في كل سفرة إلى استقبال حار من العرب، لكنه عديم الجدوى، لأن الرصاص كان يستكين في الأكياس أو يتدحرج على أضلاع المصفحات حاني الرأس منكسر الخاطر!. .
وذات يوم عقد جماعة من صبيان وادي الجوز وباب الساهرة اجتماعاً سرياً في حديقة المتحف الفلسطيني بالقدس، وكان موضوعه رسم خطة للاشتباك مع سيارات البوتاس في معركة!. .
قال حسن، وهو أجير بقال: أنني ارتأى أن نرش الطريق بالمسامير!. .
فهزأ منه صحبه قائلين أن عجلات هذه السيارات من المطاط المسكوب لا المنفوخ.
فقال سليم، وهو صبي ميكانيكي: أنني ارتأى أن نسد الطريق بالحجارة، وحين يخرج القوم من سياراتهم لإزالة ما نضعه من عوائق أمطرناهم بوابل من الحجارة!. .
فاستخف الأولاد رأيه قائلين سيتولى الجند إزالة الحجارة ويذهب مجهودنا سدى. .
فقال شكري، وهو تلميذ في الصف الثاني الابتدائي: أنني ارتأى أن نغتنم فرصة مرور السيارات من هذه الناحية ونقفز عليها ونثيرها ضجة تلقى الهلع في قلوب السائقين، فيضطرب حبل توازنهم، ويصدم بعضهم بعضاً!. .
فضحك زملاؤه من اقتراحه هذا قائلين: وماذا يحل بنا في هذا الصدام ونحن ممتطون ظهور هذه السيارات؟!. .
فقال عبد، وهو أجير فران: أنني ارتأى أن نضع قشاً في طريق السيارات ومتى اقتربت منها أضرمنا فيها النيران. . . وسأتولى إحضار القش من الفرن أثناء غياب معلمي!. .
فقال له المجتمعون: كلامك هذا غير موزون، أتظن أن هذه السيارات هي أرغفة خبز وأنها ستنتظرك حتى تشعل فيها النيران؟
ثم ما هي كميات القش التي ستحضرها من الفرن؟. .
فقال موسى، وهو أبن أحد الجنود العرب الذين اشتركوا في الحرب العالمية الثانية: أنني ارتأى يا أولاد أن نقذف السيارات بالزجاجات المحرقة!. .
فدهش الصبية وقالوا بصوت واحد: وما هي هذه الزجاجات؟
قال: أنا أصنعها.
قالوا: وكيف تصنعها؟. .
قال: أحضر زجاجات (كازوزة) فارغة، وأملأها بنزيناً. ثم أخرق سدادة كل زجاجة وأضع فيها فتيلاً يمتد إلى البنزين. . . وأشعل الفتيل وأقذف الزجاجة الهدف، فتنكسر ويلتهب البنزين!.
فأعجب الصبية بهذه الفكرة الجبارة وأقروها، ثم وزعوا فيما بينهم إحضار المواد اللازمة. فأجير البقال تبرع بالزجاجات الفارغة، وأجير الميكانيكي تبرع بالبنزين، وغيرهم تبرع بالفتيل والكبريت.
ورسمت الخطة. . . وهي أن ينتشر الصبية على سور المتحف الفلسطيني، وعندما تمر
السيارات البوتاس بهذا السور يصرخ موسى: (عليهم)!. . فيقذفون الزجاجات دفعة واحدة، وينتهي الأمر.
وهكذا كان. . . إذ بينما كانت تسير السيارات في حمولتها بالقرب من سور المتحف الفلسطيني قذفها الصبية بزجاجات البنزين، فسقط بعضها في الطريق واشتعل، وسقط غيرها على جوابن السيارات والتهب. . . وسقط غيرها على أسطحه غرف السواقين واحترق.
ولما رأى من داخل السيارات أن النار تشتعل هنا وهناك قفزوا منها ظانين أنهم وقعوا في شرك مرعب. . . وفي هذه اللحظة تقدمت بعض مصفحات الجيش لإنقاذ الموقف، وضرب المشاة طوقاً حول مكان الحادث، وراح غيرهم يبحث عن المهاجمين في حديقة المتحف الفلسطيني فوجدوهم مستلقين في نواويس رومانية قديمة. .
واكتفى الضابط باعتقال موسى، فوضعه في مصفحة وسار به مع القافلة متجهاً نحو الأحياء اليهودية، وكان كلما مر به على جمع من اليهود أمره بأن يطل عليهم من الكوة. . . ثم يأخذ أذنه بين إصبعيه قائلاً: إذا عدت إلى ارتكاب مثل هذه قبضت عليك ثانية وأنزلتك في هذه الأحياء. . ثم أعاده إلى أهله.
وفي صباح اليوم التالي رؤى الصبية مجتمعين في مكان ما في القدس، وقد أغرقوا رؤوسهم في جريدة صباحية يفتشون فيها عن أنباء معركتهم. .
نجاتي صدقي
من وحي الصوم
هيام المتصوفين
للشيخ محمد رجب البيومي
(بقية ما نشر في العدد الماضي)
مَن مِن الناس غير المتصوفين يلوذون بالمقابر الموحشة في الغياهب الحالكة، وكأنهم يخفون إلى رياض مونقة يداعبها عاطر النسيم؟
اقرءوا ما سطره البهلول في سكون الأجداث، وتعالوا معي نتساءل كيف أوحت إليه من المعاني الممتازة ما توحيه الجنان الضاحكة لشعر مطبوع؟! أليس هذا من العجيب؟
وما تقولون في الأحلام الساحرة التي يشاهدها القوم في تلك الأماكن الباكية؟ وهل علمتم أن منهم من رأى في منامه قبوراً تنشق وتخرج منها طيور مجنحة تملأ الأفق، ثم يسطع نور علوي من السماء فيلبس الأجداث حللا بيضاء، ويهب نسيم عاطر فينعش الأموات!!
خيال غريب، وتزداد غرابته حين نعلم أنه أستمد أصوله من الأشلاء المتناثرة، والظلام الدامس، والحجارة الصماء!
أضف إلى ما تقدم كله، ما عرف عن القوم من السهر الطويل ومحاربتهم النوم بشتى الوسائل، ولعلهم يجدون في سكون الليل سلماً إلى التحليق في أجوائهم العالية، فقد شاع لديهم أن أعمال المؤمن تتبدد وتتلاشى إذا عرفها الناس، أما الأعمال المستترة فهي الباقية الدائمة، ومن ثم لاذوا بالظلام وتسربلوا ثيابه السوداء، فنشطوا للعبادة نشاطاً يغبطون عليه!! وتفرغوا للركوع والقيام فإذا نشر الفجر أجنحته تحسروا كثيراً لرؤية الضياء!!
أي سلاح كانوا يستعينون به في مصارعة هذه الأهوال؟!
لا شيء غير الصبر الجميل؛ فقد وطنوا أنفسهم على تحمل كل مكروه؛ وهم يرحبون بالأذى في الله ترحيباً يفوق كل ترحيب؛ ولهم في ذلك روائع مدهشات. قال ذو النون المصري: دخلت على مريض أعوده فسمعته يئن فقلت له: ليس بصادق في حبه من لم يصبر على ضربه. فصاح من أعماقه: لا ولا صدق في حبه من لم يتلذذ بضربه! وهذا رد مسكت بليغ وقد صفقت بدون وعي وأنا أطالعه في مصارع العشاق.
وشبيه ذلك ما حكاه علي بن سعيد العطار قال: مررت بكفيف مجذوم وفوقه زنبور يقع عليه فيقطع لحمه! فحمدت الله أن عافاني مما ابتلاه، فصاح في وجهي:(ما دخولك فيما بيني وبين الله؟ فوعزته لو قطعني إرباً، وصب علي العذاب صباً، ما ازددت له إلا حباً) فما رأيكم في هذا الرد الآخر؟ أن صحائف المتصوفين لتزدحم ازدحاماً بأمثال هذه الروائع. وهي عبر تخلق من الثكلى الصارخة حجراً صلداً لا ينبس بنت شفة وإن فارقها أعز الأبناء!
أن العارفين بالله يرون الأذى الجسمي امتحاناً سماوياً، ولا تصدق محبتهم إلا إذا قابلوه مقابلة طيبة ووقع من نفوسهم أطيب موقع وأرضاه، وقد يبدو لبعضهم أن يمتحن أصحابه بالإيذاء كما يمتحن المولى عبيده بالأوصاب، فقد زار أبا بكر الشبلي جماعة من أحبائه وهو مريض بالمارستان، فسألهم عن مجيئهم، فقالوا إنا محبوك يا أبا بكر، فرماهم بحجر كان في يده، فلاذوا بالفرار وصاح بهم الشبلي: يا كذابون، لو صدقتم في محبتكم ما هربتم! وكأني به وقد رأى في ربه أعظم مثال للاقتداء!!
ولنا أن نتساءل: أكان المتصوفون يشعرون شعوراً تاماً بشدة ما يكابدونه من أنواع الإيذاء؟ أما أن فيهم من وصل إحساسه إلى درجة يهون معها التعذيب كما تنطق بذلك بعض الروايات؟
أرجو أن يكون القارئ واسع الصدر فلا يتعجل بتكذيب ما نعرضه بين يديه، فلن نرسل الكلام إرسالاً بدون تعليل وتدليل، وإن كنا نتكلم في خوارق بعيدة، تفعل بالعقول - بادئ ذي بدء - ما تفعله الزلازل في قنن الجبال.
فهل صحيح ما روي عن أحد الأقطاب أنه كان يسير على الماء وحوله الموج المتلاطم يتراكب بعضه فوق بعض، وكأنه يسير في طريق ممهد يدرج عليه الناس!!
وهل صحيح أن الشبلي كان ينتف اللحم من وجهه بمنقار حاد، فإذا سئل عن ذلك قال: ظهرت الحقيقة ولست أطيقها فأنا أدخل على نفسي الألم لأحس به ولكن هيهات هيهات!!
وهل صحيح أن أبا الحسن النووي سمع منشداً يقول:
ما زلت أنزل من ودادك منزلا
…
تتحير الإفهام دون نزوله
فتواجد وهام في الصحراء ثم وقع في أجمة قصب قد قطع وبقيت أصوله كظبا السيوف،
فكان يمشي عليها وبعيد البيت إلى الغداة والدم يسيل من قدميه، ولا يشعر بشيء من العذاب!
أن في كتب التصوف أقاصيص عديدة من هذا الطراز؟ فهل نحكم عليها بالوضع والاختلاق؟!
سنجد كثيراً من الناس يلوون ألسنتهم ويقولون في تهكم بالغ: خرافات كاذبة، ما كان لكاتب أن يسطرها في صحيفة الرسالة الغراء!!
ونحن - في الرد على ذلك - لا تستشهد بما سطره المتقدمون في بطون الأسفار، ولكننا ننتقل إلى القرن العشرين لنرى ما يجد فيه من خوارق العادات.
لقد نقلت مجلة الهلال بعددها الصادر في أغسطس سنة 1947 عن مجلة (انتير) الفرنسية، حوادث مدهشة تفوق ما قدمناه؛ وقد أعترف بها كثير من أساطين العلم الحديث، ولم يعدموا لها التعليل العلمي ولو أنها سطرت في كتب المتصوفين لقوبلت بكثير من الاستخفاف. ولا نحب أن نطيل على القارئ، ولكن نضع أمامه هاتين الحادثتين - مما ذكرته الصحيفة الفرنسية - وله أن يقول فيهما ما يشاء.
1 -
كان (ريشادسون) الفرنسي يضع الجمر في فمه ويمضغه فلا يصاب بأذى، وقد وضع على لسانه جمراً فوقه قطعة لحم ثم قدمها ناضجة بعد دقائق إلى من شاهدوه من العلماء!!
2 -
قام الهندي (كودابوكس) بتجربة رائعة في إنجلترا أمام رهط من رجال العلم والصحافة أثبت فيها قوته الخارقة على مقاومة الاحتراق بالنار، فقد حفروا حفرة طولها أربعة أمتار وعرضها متر ونصف وقد ملئت بالخشب والحطب، وأضرمت فيها النار حتى ارتفع لهيبها، وجعل الهندي يمشي في ذلك الأتون الملتهب ذهاباً وجيئة من أول الحفرة إلى آخرها، وفحصت قدماه بعد ذلك فلم يظهر بهما أثر من آثار النار!!
فما رأى القراء في هذه الخوارق؟ وإذا صحت على يد أناس لا يتصلون بالسماء، فكيف ننكر أشباهها على الأولياء!
إن الإنسان العادي قد يوجه تفكيره إلى ناحية هامة تستولي على إدراكه فلا يشعر بشيء سوى ما يفكر فيه. وقد قرأت في الصحف ذات يوم، أن النار قد شبت في حجرة ريفية وكان بها طفل صغير، فاقتحمت أمه النار، وأنقذت ولدها ثم خرجت إلى الناس واللهب
يمزق قدميها وهي لا تشعر به حتى نبهها الحاضرون فليت شعري هل يحس بألم جسدي من يرى بعينيه أنوار السماء مهما مزق جسده الرصاص؟!
أفشوا إلى قلوبكم أيها القوم فأن الحق يتسرب إليها بدون استئذان؟
لماذا نسير في طريق معوج ولا نلجأ إلى الصراط المستقيم؟ ألسنا نعرف أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فماذا قال هذا الكتاب؟!
لقد ذكر أن امرأة العزيز جمعت صواحبها واعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكيناً، وقالت (ليوسف) أخرج عليهن؛ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم. فهل نمتري في ذلك بعض امتراء.
لقد أبدع اليافعي رحمه الله حيث قال في التعليق على هذه الآية الكريمة (وهذا في محبة مخلوق فكيف في محبة الخالق، ولا ينكر ذلك إلا من لم يذقه) وأنا أقول زيادة على ما تقدم، إن عدم الإحساس بتقطيع الأيدي كان تعله لامرأة العزيز وهي حينذاك مدعية كاذبة، فكيف ننكر نظائره على البررة من الأولياء، أما معجزة يوسف فهي تأويل الرؤيا بدون نزاع.
إذن فقد آن لنا أن نعترف بما قدمناه عن المتصوفين فنجزم أن الشبلي لا يحس بتقطيع لحمه، وأن النووي لا يشعر بتقاطر دمه؛ ونصدق قول الجنيد رحمه الله (كنت أسمع السري يقول: قد يبلغ بالعبد إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به. وكان في قلبي من ذلك شيء حتى بان لي أن الأمر كما قال).
والواقع أن هذه الخوارق العجيبة هي التي جذبت الخاصة والعامة إلى هؤلاء المتصوفين فكانوا أقوى سلطاناً من الملوك، وكان العارف يعتصم بجبل نازح فتخف إليه الوفود تلو الوفود، وقد يقول الرجل كلمة فترفع الخامل وتسقط النابه، بل أن أمراء المؤمنين كانوا لا يستنكفون من الخضوع لما يمليه الزهاد، وأخشى أن أعرج على شيء من ذلك، أخوض في حديث معاد!.
هل أتاكم نبأ أبي سعيد أبي الخير؟ لقد كان مريدوه يتضاربون بالسيوف حرصاً على ماء وضوئه، والسعيد من حصل على قطرة واحدة يضئ بها جبهته. ويذكرون أن قطعة صغيرة من قشر البطيخ قد سقطت منه، فتهالك عليها الناس واشتراها أحدهم بعشرين ديناراً. فهل بلغ هذه المنزلة في النفوس أمير أو وزير!! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولقد ظهر انكباب العامة على العارفين في حلقات السماع، حيث كان لكل متصوف مجالس إنشاد تقام في أوقات معينة، فما يحين ميعادها حتى تتدافع عليه الناس من كل حدب وصوب، وطبيعي أن يكون المنشد ويسمى (بالقوال) حسن الصوت، لطيف الذوق، فيختار من الأبيات الرقيقة ما تطرب له المشاعر وتهيج به القلوب، حتى كان بعضهم يصيح من وجده، وأحياناً تأخذه النشوة، فيهيم على وجهه في الأفاق كأنما نشط من عقال.
إن للصوت الجميل أثره البالغ في الإحساس، فما ظنك إذا اقترن بمعنى سماوي رائع، ثم سمعه صب ذواق يدرك ما يهدف إليه تمالم الإدراك؟ أليس من القليل عليه أن يترنح ذات اليمين وذات الشمال كمن دارت برأسه العقار.
وقد يرق شعور المتصوف فيسمو إلى مالا تحيط به عين، وإذ ذاك يقف في مكانه لا ينطق بشيء. وليس ذلك في مجلس السماع فحسب، بل في كل موقف تهطل فيه سحائب الرحمة، فقد وقف أبو بكر الشبلي على عرفات مدة طويلة فلم تتحرك شفتاه بشيء، وللحجاج حوله ضجيج وعجيج، فهل يكون هؤلاء أكثر رغبة منه إلى الله؟ أم أنه شاهد ما خفي عن غيره فعقد الموقف لسانه، ورجع إلى مقره شارد العقل متقد الضلوع.
إن كثيراً من المتصوفين يتخيلون أنفسهم تحلق في عالم آخر وتشاهد أضواء متألقة لا تتاح لأحد. وقد سئل بعضهم في ذلك فقال: والله لو غاب عني لحظة لتقطعت (وهم يجزمون أن العارف الصادق يصبر عن كل شيء عدا رؤية مولاه. وقد وقف رجل على الشبلي رحمه الله فقال له أي الصبر أشد على الصابرين؟ فقال الصبر لله! فقال الرجل: لا. فقال الشبلي: الصبر مع الله، فقال الرجل لا، فغضب أبو بكر وقال: ويحك فأي شيء إذن؟ فقال الرجل: بل الصبر عن الله عز وجل. فصرخ الشبلي صرخة كادت تتلف روحه، وكأنه رأى صاحبه قد سبقه في الطريق فعنف نفسه أحر تعنيف وأقساه!!.
وكثير منهم من يذرف الدموع الغزار حين يخطر بباله أنه غير أهل لمحبة ربه. كيف وقد وقر في نفوسهم أن ما على الأرض من حيوان ونبات وجماد يسابقهم مسابقة شديدة في الافتتان بخالقه، فهم يتنافسون فيما بينهم منافسة حادة تضطرم فيها الأحشاء. ولهم في هذا الصدد نوادر غريبة، فقد حكى سهل ابن عبد الله أنه قابل دباً في فلاة فحادثه وناقشه!! وعلم منه أنه - مع فريق من الوحش - هائم في ذكر ربه!! فما منشأ هذه النادرة؟ وهل
استنبطها سهل من قول الله (وإنَ من شيء إلا يسبح بحمده) وما موقفه بعد ذلك بيد يدي نفسه حين يرى أنه بالنسبة إلى غيره ليس في العير أو النفير! مسكين مسكين!!
وإذا غرق العارف في لجج الصبوة لم يجد في قلبه فرغاً يسع شيئاً آخر غير ما هو في سبيله، ولذلك كان الصوفيون رهباناً لا يتزوجون ولا يتنعمون، مع أنهم ينضوون تحت لواء الإسلام؟؟
هل سمعتم تحذير مالك بن دينار من لزواج؟ وهل فكرتم في علة ذلك؟ لأنه يرى اللذة الجسدية سبة نكراء لا يميل إليها غير الدهماء، أم ترى ماذا يكون.
إن القوم مكبلون لما ورد في الكتاب والسنة من الترغيب في الزواج فبأي سلاح دافعوا عن مبدأيهم الغريب؟.
لا يستطيع السامع أن يظفر منهم في هذا الموضوع بغير الأساطير، وللأساطير في نفوس العامة فعل السحر، فهي تقوم مقام الآيات والأحاديث، إن لم تفقها عندهم في بعض الأحايين، وفي آدميين من سلبوا العقل الناصح فهاموا كالدواب!!
وأقرأ هذه (الخرافة) أمام عامي ساذج فستجده ينجذب إليها أتم انجذاب، وربما ندم على ما فرط في جنب الله حين أقدم على الزواج.
(قال بعضهم كنت في زاوية بمصر فخطر بقلبي أن أتزوج، وقوي عزمي على ذلك. فخرج من القبلة نور لم أرى مثله، وإذا بيد فيها نعل من ياقوته حمراء وشراكها من زمرد أخضر مرصع باللؤلؤ، ثم سمعت هاتفاً يقول: هذه نعلها، فكيف لو رأيتها! فذهبت عني شهوة النساء).
فما معنى هذه الأسطورة؟ وهل يحرم من الحور في الجنة من يتصل اتصالاً شرعياً بالنساء؟ هذا جائز جداً في منطق البلهاء.
أن القلب لا يتسع لأكثر من واحد، فلا على الصوفي إذا قنع بمحبة ربهن ولكن ما ذنب العامة من الدهماء؟
أن للقوم شطحات وشطحات، ولا حيل لهم فيما يشطون به من الآراء، فقد تفرد الله وجده بالكمال. ومن ذا الذي ترضى جميع سجاياه؟
وبعد فقد حاولت أن أروح عن نفسي بكتابة هذا البحث، فقد حبب إلي أن أقوم بجولة
خاطفة في ميدان التصوف النظري فأطالع الأسفار، وأستنطق السطور، بعد أن أخفقت في ميدان التصوف العملي، فقد أعددت العدة، وسرت خطوة واحد، ثم وقفت كالمقيد المكبول، فلا أستطيع أن أتقدم، ويعز علي أن أرجع حيث بدأت وأنا في الاضطراب والحيرة كأسير أم عمرو الذي قال فيه أحد كبار الهائمين.
سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها
…
تحل الأسارى دونه وهو موثق
فلا هو مقتول ففي القتل راحة
…
ولا هو ممنون عليه فيطلق
(الكفر الجديد)
محمد رجب البيومي
في آفاق حافظ إبراهيم
بمناسبة ذكرى وفاته
للأستاذ حسين مهدي الغنام
(بقية ما نشر في العدد الماضي)
ومن أمثلة سخريته المستترة ما كان بينه وبين شوقي. فقد وقف شوقي بين حافظ وبين القصر كالعارض الضخم، لا يستطيع حافظ أن ينفذ منه إلى صاحب القصر حتى يستطيع أن يصيب بعض ما أصاب شوقي، ولكن شوقياً لم يترك له مجالاً ينفذ منه.
فقد حاول حافظ أن يتملق شوقياً، بل قد تملقه فعلاً، فقال في بعض شعره يمدح الخديوي:
لم أخش من أحد في الشعر يسبقني
…
إلا فتى ما له في السبق إله
وفي قصيدته الثانية:
إلى سدة العباس وجهت مدحتي
…
بتهنئة (شوقية) النسج معطار
ومنها:
معان وألفاظ كما شاء أحمد
…
طوت جزل بشار ورقة مهيار
ويعلل أحمد بك أمين في مقدمته لديوان حافظ هذا البيت بقوله: الظاهر أنه يريد المتنبي بهذا البيت.
ولكني أراه يقصد شوقياًن كما قال فيما تقدم. والسخرية في هذه الأبيات واضحة.
ومن سخريته بشوقيقوله يمدح الخديوي في قصيدة أخرى:
واليوم أنشدهم شعراً يعيد لهم
…
عهد النواسي أو أيام حسان
أزف فيه إلى العباس غانية
…
عفيفة الخدر من آيات عدنان
من الأوانس حلاها يراع فتى
…
صافي القريحة صاح غير نشوان
ما ضاق أصغره عن مدح سيده
…
ولا استعان بمدح الراج والبان
ولكنهما تصافيا وتصادقا بعد. . .
والأمثلة على هذا كثيرة لا تكاد تحصى.
4 -
شاعر إنساني
من الأمثال العجيبة الدارجة في الطبقات المصرية البسيطة قولهم: فلان هذا رجل إنسان!
فتسأل: كيف؟
فيقال: إنك لا تسأله شيئاً ويرفضه مطلقاً. ثم هو دائم الاهتمام بغيرهوبمن هم أقل منه!
وهذا الوصف الصادق السائر بين الطبقات المصرية ينطبق على حافظ إبراهيم في جملته، وإن ابتسم البعض لهذا الوصف الرفيع. . .
فحافظ إبراهيم كان رجلاً (إنساناً) بكل معاني هذه الكلمة.
ولم تقتصر (إنسانيته) أو عطفه على من هم أقل منه فقط، بل شملت من هم أكبر منه، وشملت الأمم والشعوب المنكوبة جميعاً.
وليست إنسانية حافظ إبراهيم في أنه كان دائم الإحسان على غيره، حتى ليجود بكل ما معه لمعدم أو فقير، ولو بقى جائعاً هو نفسه وإنما إنسانيته في العطف على العالم المنكوب، حتى لتراه - مثلاً - يواسي أمه ويعطف عليها ويستدر عطف الغير على هذه الأمة في نكبة ألمت بها، ولكنه يعود في اليوم الثاني فيحمل عليها حملة شعواء لأنها جارت على أمة غيرها أضعف منها، كما سترى في قصائده عن إيطاليا بعد.
ومن المعروف أن حافظاً ذاق البؤس واليأس والجوع والحرمان والتشرد، فهذا مشهور في سيرته.
ولقد قال أبياتاً في هذا المعنى في إحدى قصائده في حفلة رعاية الأطفال:
لم أقف موقفي لأنشد شعراً
…
صب في قالب بديع النظام
إنما قمت فيه والنفس نشوى
…
من كؤوس الهموم والقلب دامي
ذقت طعم الأسى وكابدت عيشاً
…
دون شربي قذاه شرب الحمام
فتقلبت في الشقاء زماناً
…
وتنقلت في الخطوب الجسام
ومشى الهم ثاقباً في فؤادي
…
ومشى الحزن ناخراً في عظامي
فلهذا وقفت أستعطف الن
…
اس على البائسين في كل عام
ولم تكن إنسانيته من نوع إنسانية أبي العلاء المعري الذي يقول:
تسريح كفك برغوثاً ظفرت به
…
أبر من درهم تعطيه محتاجاً
فإنسانية أبي العلاء هنا إنسانية متطرفة، هي أقرب إلى السخرية والتهكم منها إلى
الإنسانية، فإنه هنا لا يفرق بين الطيب والخبيث، والنافع والضار، وحسبه أن يعطفك على الأضعف منك، رديئاً كان أم جميلاً!
وليست هذه بالإنسانية العليا. . .
أما إنسانية حافظ إبراهيم فإنسانية عليا.
إنه يعطفك على المعوز والمحتاج، ويعطفك على المنكوب والمكلوم، سوء كان ضعيفاً أم قوياً، ولكنه لن يعطفك على الظالم والخبيث.
على أن هذا لا يعني أن أبا العلاء لم يكن شاعراً إنسانياً عالياً في نواحيه الأخرى، فأبو العلاء كان ولا شك شاعراً إنسانياً عالي الإنسانية مرهفها، وهو الذي لم يتزوج حتى لا يجني على أبنائه، ثم قال: هذا جناه أبي علي، وما جنيت على أحد.
ويلتقي حافظ إبراهيم وأبا العلاء في هذه الناحية، وإن كان تزوج لأيام لا تعدو الأربعين، ثم أنفصل عن زوجه، ولكنه يقول:
وددت لو طرحوا بي يوم جئتهمو
…
في مسبح الحوت أو في مسرح العطب
لعل (مانيَّ) لاقى ما أكابده
…
فود تعجيلنا من عالم الشجب
فحافظ إذن يلتقي مع أبي العلاء في ناحية ويخالفه في أخرى.
قال حافظ في إحدى قصائده في جمعية رعاية الأطفال:
قد مات والدها وماتت أمها
…
ومضى الحمام بعمها والخال
وإلى هنا حبس الحياء لسانها
…
وجرى البكاء بدمعها الهطال
فعلمت ما تخفي الفتاة وإنما
…
يحنو على أمثالها أمثالي
فهو يحس أن له رسالة إنسانية كبرى، تحنو على الفقير والضعيف والمريض.
ويقول في رثائه تولستوي:
ولست أبالي حين أبكيك للورى
…
حوتك جنان أم حواك سعير
فإني أحب النابغين لعلمهم=وأعشق روض الفكر وهو نضير
دعوت إلى عيسى فضجت كنائس
…
وهز لها عرش وماد سرير
قضيت حياة ملؤها البر والتقى
…
فأنت بأجر المتقين جدير
وسموك فيهم فيلسوفاً وأمسكوا
…
وما أنت إلا محسن ومُجبر
وما أنت إلا زاهد صاح صيحة
…
يرن صداها ساعة ويطير
حياة الورى حرب وأنت تريدها
…
سلاماً وأسباب الكفاح كثير
أبت سنة العمران إلا تناصراً
…
وكدحاً ولو أن البقاء يسير
تحاول دفع الشر والشر واقع
…
وتطلب محض الخير وهو عسير
ألم تر أني قمت قبلك داعياً
…
إلى الزهد لا يأوي إليَّ ظهير
أطاعوا (أبيقورا) و (سقراط) قبله
…
وخولفت فيما أرتئي وأشير
ومت وما ماتت مطامع طامع
…
عليها ولا ألقى القياد ضمير
أفاض كلانا في النصيحة جاهداً
…
ومات كلانا والقلوب صخور
هذه هي دعوته للحق وتحكيم الضمير والعمل للخير المطلق، بين الناس والأمم جميعاً، لا فرق بين دين ودين، كما قال في حرب طرابلس، مخاطباً البابا:
بارك المطران في أعمالهم
…
فسلوه بارك القوم على ما
أبهذا جاء إنجيلهمو
…
آمراً يلقى على الأرض سلاماً
ثم أسمعه يقول في زلزال مسينا، بعد أن وصف نكبة الطليان، واستدر عليهم عطف العالم جميعاً.
وسلام على امرئ جاد بالدمع وثنى بالأصفر الرنان
ذاك حق الإنسان عند بني الإنسان لم أدعكم إلى إحسان
فاكتبوا في سماء رجيو ومسين وكالبريا بكل لسان
هاهنا مصرع الصناعة والصوير والحذق والحجا والأغاني
إنه يستعطف بني الإنسان من كل لون وجنس ولسان، وإن كان يقول أن هذا ليس إحساناً، لأنه حق الإنسان عند أخيه الإنسان، وكأنما يثأر حافظ للضعيف هنا، وينتصر للمغلوب، حين ثار الزلزال والبحر فأهلك مسينا وأهلها.
ولكنه في قصيدته عن حرب طرابلس، يحمل على الطليان حملة عنيفة شعواء ويسخر منهم سخراً مراً، ويستعدي عليهم العالم، فما سبب ذلك؟
سبه إنسانيته أيضاً، وانتصاره للضعيف المغلوب.
ومن هذا أيضاً شعره الرثائي، فشعر الرثاء في ذاته من أعلى ضروب الشعر الإنساني!
وغير هذا كثير. وهذه أعلى مراحل الإنسانية.
5 -
شعر حافظ
من الأقوال المأثورة عن الأسلوب قول سانت بيف، على ما أذكر، ما معناه: إن الأسلوب يعبر عن صاحبه.
أي أنه يعبر عن روحه.
ولقد أمتاز شعر حافظ بأنه يعبر عن شخصيته، أي روحه، تعبيراً قوياً. . .
والمعروف عن حافظ أنه كان شديد المرح في حياته الخاصة، مع أن شعره وأدبه، في مجموعه، كان شعراً وأدباً رزينين جادين.
فكيف نوفق إذن بين ذلك الرأي وهذه الحقيقة؟
وهل كان حافظ ذا شخصيتين مزدوجتين كما قال أحد الكتاب كلا. . .
فإن نفسه الحزينة - التي عرفت الحياة جيداً - سخرت منها سخرية هائلة فأصبحت كما قال المتنبي تتكسر نصالها على نصاله.
والنكتة التي اشتهر بها حافظ كانت ستراً لآلامه وأحزانه وإمعاناً في السخرية من الحياة.
ولهذا برز حافظ في ناحيتين من شعره:
الوطنية والرثاء
ويعلل حافظ نفسه هذا بقوله، عن شعره الرثائي، في قصيدة تحية الشام:
إني مللت وقوفي كل آونة
…
أبكي وأنظم أحزاناً لأحزان
إذا تصفحت ديواني لتقرئني
…
وجدت شعر المراثي نصف ديواني
وهناك ناحية فنية نحب أن نقرر أن حافظاً كان من أوائل السباقين إلى طرقها والتجلية فيها.
تلك هي الناحية القصصية في شعره.
وإذا كان حافظ لم يسرد قصصاً في شعره بالمعنى القصصي المفهوم، إلا أنه نظم قصائد اجتماعية وطنية نحا فيها نحو القصة بلغ بها الغاية مما أراد. . .
وإذا لم تكن القصيدة التي سماها المنظومة التمثيلية في ضرب الأسطول الطلياني لمدينة بيروت - قصة بالمعنى المألوف، إلا أن له قصائد فيها قصص ساحر بليغ، مثل قصائده
في رعاية الأطفال وحرب اليابان، ومراثيه!
ويجمل بنا هنا أن نقف قليلاً نناقش رأي أحمد بك أمين في شاعرية حافظ، في مقدمته لديوانه:
(وقد سلم لشاعرنا من هذه الأمور ثلاثة، قوة العاطفة، وحسن الصياغة، وجمال الموسيقى. وأعوزه أمر منها وهو قوة الخيال.
(فأما عاطفته فقوية فياضة، وأكبر مظهر لقوتها إثارة نفس السامع والقارئ، فما يسمع شعره سامع، ولا يقرؤه قارئ إلا توثبت نفسه، وهاجت مشاعره، وعواطفه صحيحة لا مريضة والعاطفة الصحيحة هي التي تدعو لأن تكون حياتنا أسعد وأقوى الخ. . .
(وأما خياله فكان مع الأسف - خيالاً قريباً - قلل حظه من الابتكار، وقلل حظه من التصوير، قصر خياله عن أن يغوص في باطن الشيء فيصل إلى مكان الحياة منه، ثم يخرجه إلى الناس كما يشعر به، وقصر عن أن يحلق في السماء فيصور منظراً عاماً يجذب النفوس إليه)
ثم ضرب مثلاً قصيدته في مدح البارودي وقصته في ضرب الأسطول الطلياني لمدينة بيروت.
إن حكم الأستاذ أحمد أمين على عاطفة حافظ وحسن صياغته وجمال موسيقاه حكم صحيح:
ولكن حكمه على خيال حافظ، حكم مرتجل يحتاج إلى (نقض) وهو أشبه بالرأي الفطير، لا يقبل صدوره من رجل كالأستاذ أحمد أمين:
لقد قلنا عن قصيدته في ضرب الأسطول الطلياني لمدينة بيروت أنها ليست بمستوى شعر حافظ، مع أن لها ما يبررها، ولكن لا يصح أن نأخذها مقياساً لشعره وسنداً نحكم بمقتضاه لحافظ أو عليه.
وإذا كان أحمد بك يقصد من الخيال القصة بمعناها الصحيح فليست كل القصص خيالاً، وإن كان حافظ نحا نحواً قصصياً في بعض قصائده كما قدمنا.
ورب بيت واحد من الشعر فيه من الخيال أروع قصة!
فإذا تركنا (هذه القرينة) التي أتخذها أحمد بك أمين سنداً لإدانة شاعرية حافظ بالقصور والضحولة، وفتحنا ديوانه لنقرأ أي قصيدة فيه، راعتنا منه خطرات موغلة في الخيال
البعيد، ولنأخذ مثلاً باب (الوصف) من ديوانه، كما قسمه أحمد بك أمين نفسه.
فاقرأ له وصف كساء، حيث قال مرتجلاً:
لي كساء أنعم به من كساء
…
أنا فيه آتيه مثل الكسائي
حاكه الغر من خيوط المعالي
…
وسقاه النعيم ماء الصفاء
وقصائده في الشمس، والسيف، والمدفع، وليلة عيد الجلوس، وزلزال مسيناً، إذ قال:
إذا سرت يوماً حذر النمل بعضهم
…
مخافة جيش من مواليك يخشاه
أو حتى قوله المفحش في الهجاء، الذي لم يثبته أحمد بك في ديوان حافظ:
أخس من دب على ظهرها
…
ودبت الناس على ظهره!
بل أفتح ديوانه وأقرأ ما يقع عليه نظرك وتمعن فيه، سواء كان سياسياً أم اجتماعياً أم رثاء أم في أي غرض آخر. . .
فلعل الخيال الذي يقصده أحمد بك أمين إذن هو التغني بجمال الطبيعة. أو الغزل وهم الضربان من ضروب الشعر اللذان تخلف فيهما حافظ، لأنه منصرفاً إلى ناحيتين أساسيتين في شعره هما شعره السياسي، وشعره الإنساني النزعة.
على أن التغني في جمال الطبيعة بحد ذات ليس خيالاً كله!
وناحية أخرى في شعر حافظ.
تلك هي براعته في اختيار اللفظ، وفي تحديد المعنى الذي يريده، وفي التصوير.
ومن أقرب الأمثلة على ذلك قوله إلى روزفلت، التي لم تذكر في ديوانه أيضاً:
إنما شوقها لقولك يا روزفلت شوق الأسير للتحرير فما هي أعلى مراحل الشوق عامة؟
أن أعلاها هي بلوغ المشتاق ما يريد.
ولقد حدد حافظ مراحل الشوق وأهدافه في هذا الموضع - بكل هذه البساطة، فهو شوق الأسير للتحرير، والمصريون يشتاقون لسماع قول روزفلت حتى يدافع عن حرية هذا الشعب، الذي شبهه بالشعب الأمريكي، أيان احتلال الإنجليز له!
وهذا أبلغ ما يمكن أن يقال في مثل هذا الموضع.
ومثل قوله عن الإنجليز وسعد:
النسر يطمع أن يصيد بأرضنا
…
سنريه كيف يصيده زغلول
6 -
حافظ الكاتب:
عرف حافظ كاتباً أيضاً، وقد أتسم نثره بالبلاغة والمحسنات اللفظية والبديع، ولكن نثره لم يكن في مستوى شعر.
ولقد ترجم بعضاً من البؤساء لفكتور هيجو، عني فيه بالأسلوب، فتكلف، ولكن أحدث بهذا الكتاب أثراً محموداً في الصحف وفي الترجمة على الأخص، إذ وجه إليها أنظار الكتاب الذين يعرفون لغات أجنبية.
وألف كتاب ليالي سطيح، وهو أحسن كتبه النثرية وقد عني فيه بالأسلوب أيضاً، ولكنه حمل فيه حملة اجتماعية وفكرية ووطنية، لعلها أحدثت بعض الأثر المطلوب في إبانها!
وله كتاب في الاقتصاد السياسي، بالاشتراك مع آخر.
وكتاب في الأخلاق.
وإذا كان نثر حافظ، كما تقدم، في مستوى أقل من شعره إلا أن فيه ما يجل تن يصان كتراث لشاعر عظيم فقدناه، وكاتب مجاهد يجب أن تخلد جميع آثاره، فتبقى أثراً حياً بيننا، وإن كان مثله لا يمكن أن ينسى، فكلما مر عام أحست مصر وشقيقاتها العربية مرارة فقده، بحاجتها الملحة إليه، فهو كما قال حافظ نفسه في صديقه شهيرين:
مضيت ونحن أحرج ما نكون
…
إليك فمثل خطبك لا يهون
هذه عجالة من آفاق شاعرنا حافظ إبراهيم.
وسنعود إليه في مناسبات أخرى، لنوفيه حقه من الدراسات.
حسين مهدي الغنام
عتاب شاعر
طرقت بابك يا صاحب الرسالة حتى كلت كفاي، وقدمت بين يديك نخبة من أشعاري، فكان نصيبها الإهمال؛ وما زال يعاودني حنين إلى طرق بابك من جديد، ولكن اليأس أخذ على كل سبيل. وبين ثورة الحنين وهدأة اليأس، أخذ لساني يتمتم بهذه الأبيات:
ما بياني؟ لقد نكرت بياني
…
وعراني من أمره ما عراني
قال لي صاحبي: بيانك فجر
…
يبسط النور في الصوى والمغاني
كم نهبت الأسرار من عالم الغي
…
ب وصوتها دُمى للعيان
فلسفي الحطْرات محتدم القل
…
ب نزوع إلى شموس المعاني
ولك العالم الرحيب بجني
…
ك ودنيا الهوى ودنيا الأماني
أن تعش حائل الرواء كئيباً
…
ناكس الرأس دائم الأحزان
فلمن تبسم الحياة وتبدي
…
عبقرياً من وشيها الفتان
إنها غادة تَبرج للنا
…
س لتحظى باللحظ من فنان
انفض النوم من جناحك وانهض
…
وازحم الطير في ذرى الأفنان
أنت شبابة الحياة على الأر
…
ض فهدهد شعابها بالأغاني
قلت: دعني فقد نكرت بياني
…
وعراني من أمره ما عراني
طاش سهمي لدى (الرسالة)
…
بالأمس وأضحى قريبها غير دان
كان حلماً فبادرته الليالي
…
كاشرات فمات في العنفوان
وهو صرح من الأماني بنينا
…
هـ قوياً بالروح والوجدان
أرعشت سفحة الرياح اللواتي
…
زلزلتني وطوحت بجناتي
في خضم الظنون والزبد الطا
…
في تهاوت بزورقي موجتان
موجة اليأس ترتمي في مداها
…
موجة الشك في سمو بياني
أين يا قائد الشباب إلى المج
…
د طريقي وأين منه مكاني
أين يا باعث الطموح من الشر
…
ق جناحي فقد مللت هواني
جئت أشكو إليك نفسك فاسمع
…
ني فإنا يا ظالمي أخوان
أنت أيقظت بالروائع إحسا
…
سي ففاض المستور من أشجاني
رضت بالفن مهجتي فتسامت
…
عن قيود الدنى وسجن الزمان
فاغترفت الرحيق من حانة النف
…
س طروباً وصحت بالندمان
موعدي منكم (الرسالة) يا قو
…
م فبشرى بالري والإدمان
واستبقت الصباح أحمل أحلا
…
مي جميعاً وفرحتي ودناني
جئت للمرهف الشعور بأشعا
…
ري ووجدي للموقط الوجدان
ثم كان الذي علمت من الأمر
…
وكان القضاء بالحرمان
هل أرقت الدنان يا مسكر الشر
…
ق بآي نورية التبيان؟!
وأذبت الأحلام والفرحة ال
…
كبرى دموعاً موصولة التهتان
هل من العدل أن تداس أناشي
…
دي وتلقى في علام النسيان؟
وهي من نورك المفاض نجوم
…
وهي زهر من روضك الفينان
لا أراني دون اللذين أقاموا
…
دولة الشعر من بني عدنان
سل إذا شئت من أردت من النا
…
س وسائل صحائف السودان
والجموع التي تخف إلى صو
…
تي وسائل منابر المهرجان
يشهد النيل ذو النضارة والمج
…
د ورب الوثبات والإحسان
والهزار الذي يرف بواديه
…
ويشدو في شطه النعسان
عندما ترقد السكينة في المو
…
ج وتسري الأحلام في الكتبان
ينكر الفن والحياة أبا الفن
…
وحسبي أن تستخف بشأني
أين أين الحنان واحسراتاه
…
من بني الإحساس والوجدان؟
محمد محمد علي السوداني
الطالب بكلية دار العلوم
و (الرسالة) تعتب الشاعر المجيد، وترجو أن تظفر منه بمثل هذا القصيد.
الفاروق في أرض السلام
(فاروق) مجدت الجهاد بآية
…
هزت فؤاد الشرق من إعجابه
زرت المجاهد في عرين جهاده
…
فشحذت من عزماته وحرابه
أبرأت أوجاع الجريح فلم يعد
…
يشكو بما قد ناء من أوصابه
وجعلت تسأل عن شهيد قد فدى
…
أرض السلام بروحه وشبابه
في كل حصن آية أبدية
…
من صنع جيشك خطها بحرابة
ما أوقف الفولاذ أبطال الحمى
…
هم نسل (فرعون) ومن أصلابه
اليوزباشي جمال الدين حماد
المدرس بالمدرسة الحربية الملكية
الأدب والفن في أسبوع
الكاريكاتور في الأدب:
كتب الأستاذ توفيق الحكيم في العدد الأخير من أخبار اليوم، مقالاً بعنوان (الجاحظ والكاريكاتور) قال فيه إنه كان يقرأ في كتاب (التربيع والتدوير) للجاحظ، فخيل إليه أنه يصنع فناً طريفاً في زمانه دون أن يدري، وأني بوصف الجاحظ لرجل يعرفه جسم فيه عيوبه تجسيماً (كاريكاتوريا) بالنثر، وأتى ببيتين لابن الرومي من هذا اللون الكاريكاتوري، ثم قال:(وهكذا زاول العرب فن الكاريكاتور شعراًونثراً. . حيث لم تتح لهم الظروف أن يزاولوه رسماً ونقشاً. . كل شئ خطر على بال عبقريتهم. وأنهم ليعوضون دائماً ما يفوتهم في جانب بالإجادة في جانب آخر. . قانون التعويض الطبيعي كان رائدهم الخفي في حضارتهم. . . حضارة كاملة شاملة أبى الغرب الظالم المجحف أن ينظر إليها بعين التقدير والتوقير).
ويذكر قراء الرسالة ما كتبته عن محاضرة الأستاذ كامل كيلاني (الكاريكاتور في الأدب العربي) التي ألقاها بدار الاتحاد النسائي منذ شهور، ثم محاضرته (الكاريكاتور في شعر ابن الرومي) التي ألقاها بعد ذلك في كلية الآداب بجامعة فاروق الأول بالإسكندرية. وأذكر أنه أفضى إلي عقب المحاضرة الأولى بقوله: كان بعض الغربيين ومن يحاكيهم يعيبون الأدب العربي بالمغالاة، وهذا هو نوع من المغالاة نراه مطابقاً في التعبير لطريقة فن من الفنون الحديثة.
فمن الأنصاف وتسجيل الحقائق أن يذكر سبق الأستاذ كامل كيلاني في هذا المجال.
أسماؤنا والنحو:
حضرت يوم الخميس الماضي مناقشة رسالة بكلية الآداب في جامعة فؤاد الأول، قدمها طالب من قسم اللغة العربية بالكلية للحصول على درجة (الماجستير).
ومن طريف المآخذ التي وجهت إلى الرسالة، أن الأستاذ مصطفى السقا أحد أعضاء لجنة المناقشة طلب من مقدم الرسالة أن يعرب تركيباً ورد فيها أوله (أن الأستاذ أمين الخولي. . .) ويقصد الأستاذ كلمة (أمين) يريدها متصوبة منونة مرسومة بالألف. . .
ويذكرني هذا باعتراض وجهه معقب لغوي منذ سنين بجريدة الأهرام إلى المرحوم الشيخ
حسين والى، لأنه كتب مقالا وقعه باسمه هكذا (حسين والى) وكان عليه - كما رأى المعقب اللغوي - أن يكتب (وال) دون ياء.
ولو تنبه مقدم الرسالة إلى اسم الأستاذ مصطفى السقا لاعترض عليه - جزاء وفاقا - لقصر الممدود فيه وهو (السقاء) من غير ضرورة.
تصور أننا تعقبنا كل أسمائنا العصرية بمثل ذلك، وخاصة لخلوها من كلمة (ابن) ما عدا (عبد الرحيم بن محمود)! تصور فقط. . .
السجل الثقافي:
يعلم قراء الرسالة أن وزارة المعارف أنشأت في العام الماضي إدارة التسجيل الثقافي لإخراج سجل ثقافي سنوي يحوي مظاهر النشاط الثقافي في عام.
والإدارة الآن تعمل في إعداد أول عدد من السجل، وهو الخاص بسنة 1948 الحالية، وقد أتمت قسما منه يشتمل على بيان النشاط الثقافي من أول السنة إلى آخر بونية الماضي، وتتخذ الإجراءات الآن لطبع هذا القسم، على أن يكون في ضمن السجل العام الذي يصدر في أوائل سنة1949 عن سنة1948 كلها.
ويحتوي القسم المنجز على إحصاء للكتب المؤلفة والمترجمة في مصر سنة1947، وبيانات وافية للتأليف والترجمة والصحافة ودور النشر والهيئات الثقافية والمحاضرات العامة وأحاديث الإذاعة والمؤتمرات والمسرح والسينما، وغير ذلك من الشئون الثقافية، عن الفترة الماضية من السنة الحاضرة.
ويؤخذ من تلك البيانات إنه قد صدر بمصر في خمسة الشهور الماضية 217 كتاباً مؤلفاً منها 50 في الأدب، و41 كتاباً مترجماً منها 19 في الأدب. ورقم الأدب في كل من التأليف والترجمة أكبر الأرقام.
بين قصيدتين:
أشرت فيما مضى إلى قصيدة الأستاذ علي الجارم بك التي قالها أخيراً في (فلسطين) وألقاها بالمذياع. وقد تناولت أحاديث المجالس هذه القصيدة مشيرة إلى قصيدة شوقي المعروفة بالأندلسية والتي مطلعها:
يا نائح الطلح أشباه عوادينا
…
نأسى لواديك أم تأسى لوادينا
وذلك لاتحاد القصيدتين في الوزن والقافية، وفيما هو أكثر من الوزن والقافية، ومن ذلك قول الجارم:
عشنا أعزاء ملء الأرض ما لمست
…
جباهنا تربها إلا مصلينا
فقد قال شوقي في أندلسيته:
لفتية لا تنال الأرض أدمعهم
…
ولا مفارقهم إلا مصلينا
الجامعة والمؤسسة:
صدر أخيراً قرار بتغيير اسم الجامعة الشعبية إلى (مؤسسة الثقافة الشعبية) ووجهت إدارتها العامة إلى مناطق التعليم المختلفة والمعاهد الثقافية الإقليمية كتاباً أشارت فيه إلى ضرورة مراعاة ذكر الاسم الجديد في المكاتبات الرسمية بدلاً من. (الجامعة الشعبية)
وأنا لم أفهم حكمة هذا التغيير، ولم استسغ الاسم الجديد. لقد كان الاسم الأول عذباً مغرياً، فقد كان الطالب يقول إنه ذاهب أو آيب من الجامعة وهو معتز مسرور بالفرصة التي أتيحت له إشباع رغبته فيما يميل إليه من أنواع الثقافة.
أما الآن فهو ذاهب إلى المؤسسة وعائد من المؤسسة وحدث كذا في المؤسسة! اسم ثقيل ولا معنى له، لأن الشيء المؤسس هو الذي جعل له أساس وهو أصل البناء، فكيف تصح هذه التسمية؟ وعلى أي (أساس) تقوم؟
وما عيب الاسم الأول وقد كان حسن اللفظ والدلالة؟ يبدو أنهم ضنوا على (الشعبيين) أن يشركوا (الجامعيين) في الاسم. أو لم تكن تكفي الصفة للتفريق؟
العربية تصارع:
لاحظ أعضاء لجنة تقدير درجات اللغة العربية في امتحان الشهادة الابتدائية بالدقهلية، إن ظروف أوراق الإجابةالتي ترد إليهم من لجنة مراقبة الامتحان تستخدم في بياناتها الحروف والأرقام الإنجليزية لتمييز المجموعات، كما أن الترقيم على أوراق لإجابة بهذه اللغة أيضاً، وكذلك ترقيم بطاقات التلاميذ. وقد كتبوا بذلك إلى مراقب منطقة التعليم منبهين إلى أن هذا غير لائق والى وجوب تداركه في المستقبل.
والواقع أن هذه التصرف عجيب، فهو مخالف للرسميات التي تقضي باستعمال اللغة العربية، وهو مناف للكرامة القومية، وأنا أريد أن أسأل هؤلاء الذين تجري أيديهم بالحروف والأرقان الإنجليزية دون العربية على الظروف والأوراق والبطاقات: هل يمكن أن يكتب إنجليز عل أوراق امتحاناتهم بالعربية؟ والجواب لا قطعاً لأنهم يحترمون أنفسهم ويشعرون بذاتيتهم.
يظهر أننا لسنا محتاجين إلى الجلاء عن الأراضي فحسب، بل نحن في حاجة أيضاً إلى الجلاء عن بعض العقول!
ذكرى حافظ:
تقع هذا الأسبوع ذكرى شاعر النيل حافظ إبراهيم، فقد نعى في الواحد والعشرين من يوليه سنة 1932، فهذه الذكرى هي السادسة عشرة. وقد جرينا على عدم الاهتمام بذكرى شعرائنا وأدبائنا، ومن نهتم به لا نحتفي بذكراه الاحتفاء اللائق.
ولم يبد إلي الآن ما يدل على الاهتمام بذكرى حافظ؛ وقد كانت محطة الإذاعة تحيي ذكراه بأن (يغرد) أحد مذيعيها بعض أشعاره. . . ولكنها في هذا العام نسيته نسياناً تاماً.
حافظ وشوقي:
وقد أخرج - في هذه المناسبة - الأستاذ حسن كامل الصيرفي كتابه (حافظ وشوقي) الذي درس فيه الشاعرين دراسة مقارنة فصل فيها القول في النواحي التي اشتركا فيها أو تقاربت صورة المشاركة، فتحدث عن ديباجة الشاعرين، وثقافتهما، وشعرهما السياسي، والطبيعة في شعرهما، والمرأة وأثرها في كل منهما؛ وصدى الحوادث عند الشاعرين، كحادثة دنشواي، ووداع كرومر، ووفاة مصطفى كامل؛ وأثر التاريخ المصري القديم والتاريخ الإسلامي في شعر كل منهما، وما إلى ذلك من الموضوعات التي طرقها الشاعران.
أكاديمية العلوم التاريخية:
تلقت وزارة المعارف من رئسي مكتب البعثات المصرية بلندن، نص الكتاب الذي أرسله إليه رئيس لجنة المراجع في أكاديمية العلوم التاريخية، وفيما يلي ترجمة هذا الكتاب:
في الجلسة الأخيرة للجنة المراجع التي عقدت بباريس تحت إشراف اليونسكو، اتجهت الرغبة إلى أن تحوي نشراتنا قائمة موجزة أو بياناً مفصلاً للمخطوطات العربية الموضوعة في تأريخ العلوم. .
وقد طلب إلى أن أكتب إليكم لأسال عما إذا كانت حكومتكم ستوفد أحد الباحثين ليقوم بهذا العمل. وينبغي أن تعلموا أن قائمة المخطوطات الموضوعة في تأريخ العلوم باللغة اللاتينية واليونانية في بريطانيا العظمى وأيرلندا، والتي كتبت قبل سنة 1500، توجد الآن في المتحف البريطاني تحت أيدي الطلاب، كما توجد أشرطة سينمائية لهذه القائمة في معهد واربورج والمبنى الإمبراطوري بلندن ومكتبة الكونجرس بواشنجتون.
وليس من شك في أنه لو استطاعت حكومتكم أن تتعاون في هذا العمل الآخذ الآن في الانتشار بالبلاد الأوربية الأخرى فإن المراجع العربية الموجودة في مكتباتكم سوف تضم إلى الكثير من الكتب التي لا تعرف الآن إلا في اللغة اللاتينية.
فلم فلسطين:
انحت باللائمة في الأسبوع الماضي على السينمائيين المصرين، لأننا لم نشاهد إلى الآن بإحدى دور السينما مشاهد المجد العربي في فلسطين على الشاشة البيضاء ويسرني أن أذكر اليوم أن استديو مصر يعمل الآن في إعداد فلم كبير تعرض فيه مناظر الحرب الفلسطينية، وكان قد أوفد بعض الفنانين إلى ميدان القتال لتسجيل هذه المناظر. وستكون حفلة العرض الأولى في سينما استديو مصر يوم 27 يوليو الحالي. وقد رأت وزارة الشئون الاجتماعية ألا يقصر عرضه الأول على هذه الدار، فتقرر عرضه في ست دور للسينما بالقاهرة في وقت واحد، كما يعرض في نفس الوقت ببعض المدن الأخرى، وذلك لتتسنى مشاهدته لأكبر عدد ممكن من المصريين في القطر كله.
من طرف المجالس:
حضر المجلس جزار بالقاهرة معروف بميله إلى غشيان مجالس الأدب والفن، وجرت مناقشة أدبية أقحم نفسه فيها، فقال له أحد الأصحاب:
- مالك وللأدب. . . أما يكفيك الحم والكبد والطحال؟
فأجابه على الفور:
- ألا تعلم أن هذه هي المعلقات.
تعريف للفلسفة:
عرف الفلسفة كاتب ساخر بقوله:
الفلسفة هي البحث ليلاً عن قط في حجرة مظلمة ولا قط في الحجرة.
العباس
رسالة النقد
أين المفر
تأليف الأستاذ محمود حسن إسماعيل
بقلم الأستاذ أنور المعداوي
شاعر. . . كلمة أقولها بكل ما يحويه مدلولها من معان يدخل فيها الطبع، والموهبة، وسعة الأفق، وقدرة الجناحين على التحليق؛ أقولها أنا عن صاحب هذا الديوان حين يطلقها غيري على كل ناظم، وكل ناحت، وكل مصنوع.
قرأت له أكثر ما قال من شعر إن لم يكن كل ما قال، وفي هذه الفترة الطويلة بين إنتاجه الأخير لم يتغير رأيي فيه. . لقد ظل على مستواه من الشاعرية التي صقلها الطبع وشحذها التأمل، وغذاها الخيال؟، ونحن حين نقرر هذا كله، تقرره بميزان الوعي الفني؛ الوعي الذي تعينه مقاييس الذوق والفن على تحديد الأوضاع والقيم.
ولا بد من وقفة قصيرة عند تلك الكلمة التي قدم بها الشاعر لديوانه، وعرض فيها للشعر العربي الحديث في شتى فنونه وألوانه وكيف تعددت هذه الفنون والألوان على أيدي أصحابها من الناظمين والشعراء.
وكيف تباينت مصائرها تبعاً لما ينال المعادن الشعرية زيف في الفن أو أصالة؛ وقفة قصيرة لأقول للشاعر إنني كنت أود ألا تظهر تلك الكلمة كمقدمة لديوانه، حتى لا يتهمه النقاد بأنه، اكتبها إلا تزكية لشعره وانتصافاً لنفسه. . . على الأستاذ محمود حسن إسماعيل أن يقدم لنا شعره لنحكم له أو عليه، ولا يحق له بعد ذلك أن يقيم الميزان لنفسه ولغيره في الوقت الذي يقدم فيه إلى النقاد عملاً من أعماله الفنية!
هذه لفتة أسجلها قبل أن أمضي في عرض شعره، وقبل أن أقول إننا نعاني تخمة في الشعر وأزمة في الشعور. . . إن نظرة واحدة إلى ما تخرجه المطبعة من دواوين الشعر في هذهالأيام؟، تنتهي بك إلى الإيمان بهذا الحكم؛ الأيمان به كحقيقة ملموسة، ونظرة فيها التذوق والتمعن تسلمك إلى حقيقة أخرى هي أنك لو رحت تبحث وسط هذه التخمة الشعرية عن آثار أدبية ترضي الفن حين تحفل بصدق الشعور، لما وجدت غير ثلاثة
دواوين هي (أين المفر) لمحمود حسن إسماعيل و (طفولة نهر) لنزار قباني و (الشروق) لحسن كامل الصيرفي؛ ونظرة فيها التأمل والنفاذ تقنعك بأن أزمة الشعور عند الكثرة الغالبة من شعرائنا مرجعها إلى أن التجربة النفسية قد تمر بهم فكأنما تمر بفراغ موحش لا تلقى فيه إلا مجموعة حواس معطلة، لا تستجيب لأحداث النفس والحياة.
أترك هذا لأسجل ظاهرة تلفت الحس الفني عند قارئ هذا الديوان، أقصد القارئ المتذوق لا القارئ العجلان. . . وهي ظاهرة تتركز في الحركة النفسية التي تشيع في الكثير الغالب من قصائده؛ هذه الحركة النفسية هي (المرصد) الذي يتلقى (الهزات) الشعورية من هنا وهناك ثم (يسجلها) في بيت من الشعر أو أبيات. . . هذه الهزات متفرقة ثم متجمعة تنصهر في بوتقة الوجدان النابض لتضع بين يدي الناقد نموذجاً كاملاً للشاعر الإنساني. . .
محمود حسن إسماعيل في (أبن المفر) مثال صادق لهذا الشاعر، ولست أجد في وصف فنه خيراً من تلك الكلمات التي قلتها من قبل عن الفن الإنساني، وهو أن يكون الفن انعكاساً صادق من الحياة على الشعور، وأن يكون الشعور مرآة تلتقي على صفحتها النفس الإنسانية في صورتها الخالدة بكل ما فيها من اشتجار الأهواء والنزعات. . . هنا تتحقق المشاركة الوجدانية التي تتمثل في ذلك التجاوب الروحي بين الفن وصاحبه، وبين الفن ومتذوقه، وبين الفن والإنسانية بكل ما فيها من اختلاف الصور والألوان.
الشاعر الإنساني هنا يقف من وراء هذه الأبيات، وأن شئت فقل من وراء هذه الأنات. . . في (أغاني الرق):
ألقيتني بين شباك العذاب
…
وقلت لي غن
وكل ما يشجي حنين الرباب
…
ضيعته مني
وهذا جناحي صارخ لا يجاب
…
في ظلمة السجن
ونشوتي صارت بقايا سراب
…
في حانة الجن
أواه يا فني
لو لم أعش كالناس فوق التراب!
جعلت زادي من عويل الرياح
…
وغربة الطير
ومن أسى الليل ووجد الصباح
…
وشهقة النهر
وسقتني ظمآن بين البطاح
…
إلا من السحر
وقلت لي رفرف بهذا الجناح
…
واشرب من السر
والسر في صدري
قيدت ساقيه بتلك الجراح!
هذه كلمات شاعر ينظر إلى الحياة من خلال (عدسة) فكرية مكبرة، تكشف الطريق إلى كل خفي من شعاب النفس، وكل تعريجة في منعطف الشعور هي كلمات فنان وأن شئت فقل كلمات إنسان؛ واستمع مرة أخرى لخفقة من خفقات القلب الإنساني، في لحظة من تلك اللحظات التي تمر لكل نفس ألهبتها سياط العذاب، وألهمتها فلسفة الحرمان. . . هناك في (مقابر السحر):
وهفا بالنفس ما يهفو بغصن في يد الإعصار يعول
ثم قالت كيف عن دمعي ومنك الدمع يا حيران تسأل؟
أن أكن فيك سكنت الجسم والجسم تراب يتنقل
فأنا طير بعرش الله لي عش، وبستان، وجدول
إنما أبكي لهذا القفص الداجي الكئيب المتململ
لم يجد أي عزاء في وجودي. . . كيف يغدو حين أرحل؟!
ولما طال المسير بشاعر الإنسانية، آمنت دموعه وكفر جفنه، ومن التقاء الكفر بالإيمان انبعث الهتاف الملتاع، وانطلقت الزفرة المحرقة، في طريقهما إلى الله. . هناك في (التراب الحائر).
رباه! ما أنا؟. . . هل وجدت على زمان الناس سهواً!
سويتني روحاً تمرد، لا يطيق الأرض مثوى
وأنا التراب! فكيف صرت هوى وتعذيباً وشجواً!
شرفات غيبك لا يتحن لغير من يبكي دنوا
وأنا إليك ذرفت أيامي فزاد دمي عتوا
ووقفت أحفر للجراح طريقها. . . فتعود شدوا!
ونقلة أخرى تقف بنا عند ظاهرة أخرى لا تقل عن الأولى استئثاراً باهتمام الناقد ولا إثارة لملكته الناقدة، ونعني بها ظاهرة الرمزية في شعر الأستاذ محمود حسن إسماعيل. . . هذه الرمزية هي التي تدفع بعض الناس إلى وصف شعره بغموض العبارة حيناً وجموح الخيال حيناً آخر؛ والحقيقة التي نقررها أنه لا غموض هناك ولا جموح، وإنما هو عجز العجالي عن التحقيق في أفق الشاعر، وقصور احساساتهم عن التجاوب والجو النفسي الذي عاش فيه، ذلك لأن الرمزية هنا تأتي مطبوعة لا مصنوعة، وأصيلة لا مقصودة. . . الرمزية المطبوعة هي أن يعبر الفنان عن طريق المعنويات، أما الرمزية المصنوعة هي التعبير عن الماديات بما وراء المعنويات، وفي هذا اللون الأخير من الرمزية يكون السخف والدجل والتضليل!
الرمزية في شعر هذا الشاعر تصدر عن منبعين أصيلين: التأمل العميق المنعكس من الحياة على النفس وهو ما يعبر عنه يا (الاستيطان النفسي)، وهذا هو المنبع الأول. . أما المنبع الثاني فهو (الفيض الشعوري) المنبعث من قوة الشخصية الشعرية أو رحابة الحقل الشعري؛ ومن هنا تطغي التهويمات الروحية التي تصبغ الشعر بصبغة الرمزية الأصيلة لا الرمزية المتكلفة، تلك التي لا تهدف إلا إلى الغموض والإبهام! استمع له يقول في (العزلة):
صلت بها عيدان
…
لا تعرف الأديان
واستغفرت أغصان
…
لكن بلا ذنب
خميلها حران
…
ونبعها ظمآن
وصمتها ولهان
…
شوقاً إلى الغيب
تفجرت أنهار
…
فيها من الأسرار
يجري بها إعصار
…
في عالمي الرحب
وهذه أنفاس
…
في صمتها الوسواس
تدق كالأجراس
…
في معبد القلب
وهذه حيات
…
تسعى من الساعات
كأنما الأوقات
…
غاب نما قربي
هنا لون من الرمزية لا يعجزك فهم مراميه حين تلقاه بشيء من الرويه وإمعان الفكر. . . كل ما في العزلة من خلجات النفس وخفقات القلب وهزات الشعور، تلك الانعكاسات المادية المحسة قد عبر عنها في هذه الأبيات بأشياء معنوية؛ (فالعيدان المصلية) بلا دين، و (الأغصان المستغفرة) بلا ذنب، و (الأنهار المتفجرة) من الأسرار، و (الأنفاس الصامتة) التي تدق كأجراس في معبد القلب، و (الحيات الساعية) من الساعات، كل هذه المعنويات التي تنبع من العقل الباطن يمكنك أن تردها إلى وقع العزلة على العقل الواعي؛ ذلك الميزان الشعوري الذي يسجل ما في الوحدة من مظاهر الرهبة والصمت، والرغبة في اختراق حجب الغيب، وبطئ النقلة في خطوات الزمن، وامتلاء الجو بالأسرار، واستجابة الوجدان لدعاء مجهول يوحي بالتعبد والصلاة. . .
وبمثل هذا التطبيق ينجاب ذلك الغموض الذي يطالعك في بعض قصائد الأستاذ محمود حسن إسماعيل حين تلقاه هنا أو تلقاه هناك. . في (عرفت السر) و (نهر النسيان) و (الخريف) و (جلاد الظلال) هاتان ظاهرتان أو ناحيتان؛ ويبقى أن نسجل ناحية أخرى لها وزنها عند الكلام عن الفن التصويري في الصياغة الشعرية، هذه الناحية تتمثل في الربط بين أجزاء الصورة الوصفية تتمثل في الربط الشعوري كما تتمثل في الربط التعبيري. . . ومن اتصال هذا بذاك، ومن التوفيق في اختيار الزوايا وتحديد النسب تكتمل الوحدة الفنية التي تخلق من الصورة الكاملة لوحة نابضة تتناسق فيها الجزيئات في نطاق المدركات الحسية والنفسية. . . هذه الظاهرة تستطيع أن تلمسها في (الشك) و (نشيد الأغلال) و (خمر الزوال) و (المعبد المرجوم) و (الانتظار)، وتعال نستمع له وهو يصف لحظة من لحظاته:
انتظر هنا. . . وطال انتظاري
…
وهي في أعيني التفات وذعر
وسؤال لكل شيء حوال
…
ي وإيماءة لكل طيف يمر
وانتباه، وغفلة، وربيع
…
وخريف، وشيب زهر وعطر
وجناح يهفو، وآخر يهتاج وم
…
ن بين ما يرفان طير
وأنا سبسب توهج منه
…
لخطاها أيك رطيب وزهر
وهي لا أقبلت ولا عاد منها
…
لشقائي بعودة الكأس خمر
هذا هو الشاعر الإنساني، وشاعر الرمزية المطبوعة، وشاعر الصورة لوصفية الكاملة، فما هي الفجوات الشعرية التي يتعثر فيها الناقد ولا يستطيع المضي في طريقه دون أن يشير إليها؟.
هي فجوات قليلة ولكنها تعترض سالك الطريق على كل حال؛ يجدها في غلبة اللفتات الذهنية حين تخمد الومضات الروحية. . هناك في (اللحن المقهور):
ليتني كنت رياحاً
…
تهتف الآباد منها
أنا أهواها ولكن
…
رغم أنفي لم أكنها
أنظر إلى هذا التعبير النثري في قوله (رغم أنفي). . . ألا تشعرها هنا بشيء من الهبوط في الإحساس بالجو الشعري؟! إن هذا التعبير في رأيي يصلح لمقالة من المقالات لا لبيت من الأبيات.
واستمع له مرة أخرى حين يقول في (أغاني الرق):
يا سارق القوت نزعت الحجاب
…
عن هذه اللقمة
ما كنت أدري فتكها بالرقاب
…
أو أنها نقمة
والجوع أن صاح يصيح الخراب
…
وتصعق الأمة
ألا توافقني على أن أفق الخيال في البيتين الأول والثاني أفقشاعر، وأنه في البيت الثالث أفق ناثر؟. . .
وأن القالب الشعري في قوله: (وتصعق الأمة) تصبغه صبغة الخطب المنبرية أكثر مما تصبغه صبغة التهويمات الروحية؟
واستمع له مرة ثالثة حين يهتف في (الرداء الأبيض):
عشقت فيك الحزن والسوادا
…
وسمرة الخدين والحدادا
وجد ولا تحت الدجى تنادي
…
يا ساقي الحب أغث لي وجدي
وهنا أيضاً يصدمك هذا التعبير (أغث لي وجدي). . . إنه هتاف ينبعث من قريحة اعتراها الهمود بعد وهج التوقد وحرارة الانفعال!
وتأمل مني هذه الصورة الوصفية لوقدة القيظ ولفح الهجير:
وألسنة بيض لهن رطانة
…
بمثل لغاها كاهن لم يتمتم
كأن عفاريت الظهيرة طنبوا
…
خياماً على هذا البساط المضرم
إن الصورة هنا تبلغ القمة وتصل إلى مدى الإبداع، ولكن كلمة (عفاريت) قد أفسدت ألوانها الزاهية!
هذه المآخذ التي تنتثر في مواضع قليلة من (أين المفر)، لا يمكن أن يخلو منها أثر من الآثار الفنية. . .
وأعود فأقرر أن هذا الديوان يثب بالشعر العربي الحديث وثبات قل أن تجد لها مثيلاً في ديوان آخر.
أنور المعداوي
البريد الأدبي
حكمة سليمان:
إلى صديقي الأستاذ العقاد المحترم
في التوراة مطارق كثيرة لتكبر جماجم الصهيونيين الأنذال
في الإصحاح الثالث من صفر الملوك الأول قصة فحواها أن امرأتين وقفتا بين يدي الملك سليمان تتنازعان طفلا فقالت الأولى أني وهذه المرأة نسكن في بيت واحد، وقد ولدت كل منا ولداً، وفي هذا الصباح صحوت فإذا الطفل الذي على ذراعي ميت، وإذا هو أبن هذه المرأة، ورأيت ابني على ذراعها. وأنما الطفل أبنها مات لأنها أضجعت عليه. وقامت وسرقت أبني وادعته لنفسها، فالطفل الميت هو طفلها، والحي طفلي. وأنكرت المرأة الأخرى هذا الكلام وقالت بل الحي هو طفلي.
فقال الملك سليمان أتوني بسيف. فآتوه بسيف. فقال: اشطروا هذا الطفل شطرين وأعطوا كلا من المرأتين شطراً. فصاحت الأولى: رحماك يا سيدي الملك! لا تشطروه! أعطوه كله لها. وقالت الأخرى: بل أشطره وأعطوني نصفه! فقال سليمان الملك: أعطوه للأولى فهي أمه.
فلما سمع جميع إسرائيل بهذا الحكم خافوا سليمان لأنهم رأوا حكمة الله فيه لإجراء الحكم.
فأين سليمان يحكم بقضية فلسطين؟!
هيئة الأمم قطيع غنم يرعاه ذئاب؟
ومجلس الأمن جمعية لصوص متآمرين!
فما بقي إلا محكمة العدل في لاهاي. . . فهل فيها سليمان؟ أجل، فيها البدوي باشا رئيسها، وهو مصري عربي.
ولكن، ألا تنبت هناك رؤوس أفاعي الصهيونية؟ أو عبيد الصهيونية مثل ترومان؟!
قضية فلسطين أوضح من قضية المرأتين المتنازعتي الطفل! الصهيونيون يقولون: اشطروا فلسطين شطرين: لنا شطر وللعرب شطر!!!
والعرب يقولون: لا تشطروها هي لسكانها المقيمين فيها. . عرب ويهود على السواء!
فأين سليمان يحكم؟ هل يتقمص في برنادوت؟!!
نقولا الحداد
في محيط النحو:
جرى النحاة على اعتبار كلمة (أشياء) ممنوعة من الصرف، التمسوا لذلك الحكم عللاً غريبة؛ فمنهم من أعبرها اسماً مفرداً منتهياً بالألف الممدودة ليبرر منعها من الصرف؛ وهذا غريب جداً، لأن قصد الجمع واضح كل الوضوح في هذه الكلمة. ومنهم من قرر أنها محولة عن (شيئاء)؛ ومنهم من تعسف فأدعى أنها جمع (شيء) على وزن (سيئ) وقال أنها في الأصل (أشيئاء) على وزن (أدعياء) ثم حصل فيها ما ادعاه من قلب وحذف مما لا محل لعرضه على القارئين.
والذي استطعت أن أهتدي إليه بعد روي وتأمل أن الكلمة جمع (شيء) ووزنها (أفعال) ومثالها جمع (فيء) وهو (أفياء) وحقها أن تكون مصروفة كما صرفت (أفياء) وأمثالها ولا حجة لمن منعها الصرف بورودها غير منونة في الشعر، لأن الضرورة الشعرية تبيح صرف الممنوع والعكس؛ ولكنهم وجدوها في القرآن الكريم في صورة المائدة غير منونة، فقد جاءت في قوله تعالى (لا تسألوا عن أشياءَ إن تُبدَ لكم تسؤكم) ويخيل إلي أن عدم تنوينها ليس نتيجة علة من العلل التي أوردوها ولكنه نتيجة القاعدة العامة التي أتفق عليها النحاة وهي جواز صرف من ع الصرف وصرف الممنوع للتناسب والضرورة، وما التناسب إلا مراعاة الانسجام في جرس الكلمات وأتلاف النغم بين أجزائها؛ ولذلك قرء في المتواتر (سلاسلاً وأغلالاً وسعيراً) وكلمة (سلاسلا) ممنوعة من الصرف لأنها صيغة منتهى الجموع، ولكنها صرفت لتنسجم مع (أغلالاً وسعيراً) وقرء (ولا يغوثا ويعوقا ونسراً) و (يغوث ويعوق) ممنوعان من الصرف للعلمية ووزن الفعل، ولكنهما صرفا في هذه القراءة المتواترة لينسجم جرسها مع (نسراً) وكذلك (كانت قواريراً من فضة قدروها تقديراً). فأن قوارير الأولى نونت لتناسب فواصل الآيات.
فالمحافظة على حسن الجرس والانسجام من عادة العرب، والقرآن الكريم نزل على رسول الله بلسان عربي فلما لا نقول أن كلمة (أشياء) لم تنون لظرف خاص في محيطها في الآية الكريمة إذ لو نونت لتوالى مقطعان من لفظ واحد يحدث منهما شيء واضح من الثقل الذي
يأباه تآلف النغم في القرآن الكريم وهذا التآلف من أسرار الإعجاز؛ فقرأت كلمة (أشياء) غير منونة لأنها مرتبطة بجملة الشرط بعدها ارتباط الموصوف بالصفة وذلك يقتضي وصلها، وهذا يوجب تكرار لفظ (إنْ) مرتين متواليتين، فمن أجل ذلك لم تنون (أشياء) ومن هنا جاءت فروض النحاة، والحق أنها مثل كلمة (أفياء) في الوزن والأعراب.
محمود البشبيشي
المفتش بمنطقة الإسكندرية التعليمية
في اللغة:
في جريدة (البلاغ) سأل ساءل الدكتور زكي مبارك فقال: أيقال: وكان القارب مقطوراً إلى المركب، أم يقال: وكان القارب مقطوراً بالمركب؟
وتفضل الدكتور بالإجابة، فبين أن الزمخشري في أساسه يقول: إبل مقطورة. . وهي مقطور بعضها إلى بعض، وقطر البعير إلى البعير) ثم أردف هذا برأيه فقال: وأنا أقول أن عبارة (القارب مقطور بالمركب) لها وجه صحيح. ونحن نرى بعيوننا أن القارب يشد إلى المركب بحبل غليظ.
وأقول: الصحيح قول الزمخشري لا رأي (الزكي) إذ لو سأل سائل: ما المقطور؟ كان الجواب: القارب. ولو سأل: وما المقطور به. كان الجواب: الحب الغليظ. والحال أن السائل إنما يسأل عن المركب وهو المقطور إليه لا المقطور به.
ولو أردنا التوفيق بين قولي الزمخشري والزكي اللغوي لكان الصواب هو (وكان القارب مقطوراً إلى المركب بحبل غليظ) وكفى الله اللغويين شر القتال، وسوء المقال. . والسلام.
(الزيتون)
عدنان
القصص
المجنونة
للكاتب الفرنسي جي دي موباسان
للأديب جمال الدين الحجازي
قال المسيو داندالين لأصدقائه وهو ينفث دخان سيجارته في بيت البارون رافوت شاتو: (سأقص عليكم أيها الرفاق قصة مخيفة وقعت حوادثها في الحرب البروسية الفرنسية) أنكم تعرفون البيت الذي كنت أسكنه في (فابورج دي كورميل) كانت جارتي هناك امرأة مجنونة لطيفة! وقد فقدت شعورها أثر نكبات شديدة نزلت بها، ففي العقد الثالث من عمرها توفي والدها وزوجها وطفلها الذي ولد حديثاً توفي جميع هؤلاء خلال شهر واحد! وكأن الموت استطاب الرجوع إلى بيتها لاختطاف جميع أفراد عائلتها دون إعطاء مهلة كافية! فتغلبت عليها الأحزان، وانتابتها الأزمات الشديدة، ومكثت في فراشها ستة أسابيع بهذيان دائم كانت خلالها لا تأكل شيئاً إلا ما يسد رمقها، ومكثت في فراشها لا تقوى على الحركة وما أن أبصرها البروسيون حتى تملكتهم الحيرة وحاولوا مراراً إنهاضها من فراشها، فكانت تصرخ في وجوههم وقد ظنت بأنهم سيقتلونها، فلم يجدوا بداً من تركها في فراشها إلا أنهم أخرجوها أخيراً من البيت لإزالة ما علق على جسمها من الأوساخ ولتغيير ملابسها الكتانية. ومكثت بجانبها خادمة صغيرة لإعطائها بعض ما تحتاجه من طعام من وقت لآخر.
ترى ما هي الأحداث التي ألمت بتلك المرأة حتى أصابها الجنون واليأس من الحياة! ذلك ما لم يدرك كنهه أحد، أتراها كانت تحلم بالموتى وتتراءى لها خيالاتهم، أم أصبحت ذاكرتها ضعيفة واهية كالماء الراكد الآسن؟ لم يدري أحد، ومكثت خمسة عشر عاماً على هذه الحالة التعسة.
نشبت الحرب، وفي أوائل شهر ديسمبر احتل الألمان كورميل وأني لأذكر ذلك كأنه حصل البارحة كان الطقس بارداً بل متجمداً وكنت جالساً على كرسي لم أستطع الحركة، عندما سمعت صوت أقدمهم الثقيلة الخطوات المنتظمة الصفوف، ورأيتهم من النافذة يمرون في الشوارع وقد انتظموا في صفوف كثيرة، وبعدئذ أمر الضباط جنودهم بأن ينزلوا في بيوت
سكان البلدة فنزل في بيتي سبعة عشر رجلاً، وكان من نصيب جارتي أثنى عشر، وكان القائد من بينهم. وفي اليوم التالي وصلت الأنباء إلى الجنودالذين كانوا يقيمون في بيت المرأة المجنونة بأنها مريضة، إلا أنهم لم يقيموا وزناً لمرضها ولم يأبهوا له، ولما سألوا عن سبب مرضها علموا أنها طريحة الفراش منذ خمسة عشر عاماً وذلك لتوالي النكبات التي نزلت بها والأحزان التي تغلبت عليها فأورثتها الأمراض، إلا أنهم ولا ريب لم يقيموا لذلك وزناً، واعتقدوا أن تلك المرأة متكبرة وأنها ملازمة فراشها لكي لا يقع بصرها عليهم، أليسوا أعداء بلادها، ذلك ما فكروا فيه.
أصر القائد على رؤيتها ولما وصل إلى غرفتها قال لها غاضباً: يجب أن تنهضي من فراشك وتنزلي إلينا (فلم تجبه، فواصل القائد حديثه قائلاً: أنني لا أحتمل هذه الغطرسة والكبرياء، فإن لم تنهضي من فراشك فسأضطر إلى إنزالك بالقوة) ولكنها لم تجبه ولاذت بالصمت. وحينئذ رجع الضابط إلى غرفته وقد أشتد غضبه وأتخذ من صمتها أداة لاستعمال الشدة معها.
وفي صبيحة اليوم التالي، أرادت الخادم تغيير ملابس المجنونة، إلا أن المجنونة بدأت تصرخ صراخاً عالياً وقاومت ذلك ما استطاعت، وما أن سمع القائد ذلك الصراخ حتى ذهب إليها، ولما رأته الخادم رمت نفسها على قدميه باكية وقالت له: أنها لا تستطيع النزول يا سيدي، لا تستطيع، أرجو أن تسامحها فهي مسكينة).
ولما رأى القائد ذلك، ضحك ضحكة خبيثة وألقى بعض الأوامر إلى جنوده، فأقبلوا وهم يحملون بين أيديهم فراشاً اتجهوا به نحو تلك المرأة المجنونة. أقترب أحد الجنود من فراشها وقال لها متهكماً وهو يفرك يديه: سنرى الآن هل تخلعين ملابسك وتستبدلينها بثياب نظيفة وتسيرين في نزهة قصيرة أم لا! ثم سار الجنود في غابة (أموفيل) وبعد ساعتين رجعوا وحدهم. لم يدري أحد ماذا حصل للمجنونة ولم يعثر لها على أثر، ترى ماذا صنع بها أولئك الجنود وأين أخذوها، لم يعلم بذلك أحد.
بدأ الثلج يتساقط، وغطى السهول والغابات فجاءت الذئاب وهي تعوي واقتربت من بيوتنا، مكثت مدة أفكر في تلك المجنونة الضائعة! وحاولت مراراً الاستعلام من السلطات البروسية عن مصيرها دون جدوى. ولما عاد الربيع أنسحب جيوش الاحتلال وبقي بيت
المجنونة مغلقاً، وكانت خادمتها قد توفيت في الشتاء الماضي! ولم يهتم بالحادث أحد سواي إذ كنت أفكر في مصير تلك المرأة أناء الليل وأطراف النهار، ترى ماذا صنع بها أولئك الجنود وهل هربت إلى الغابة، أو عثر عليها أحد من الناس وأخذها إلى المستشفى رغماً عنها، ولم أجد ما يزيل شكوكي ولكن المصادفات والمقادير تدخلت في الأمر فأزالت هذه الشكوك، إذ بينما كنت غي الغابة وكان الفصل خريفاً اصطاد بعض الطيور الجارحة، وقع أحدها جريحاً في حفرة مليئة بالأغصان ولما نزلت إلى الحفرة لالتقاطه رأيت حطام جثة آدمي في الحفرة، يا إلهي. . . ترى من يكون صاحبها، وحينئذ تذكرت حالاً تلك المرأة المجنونة، قد يكون كثير من الناس ماتوا في الغابة أثناء النكبات التي حلت بهم في تلك السنة، ولكنني لا أدري لماذا كنت متأكداً، بل متأكداً جداً بأنني أرى رأس تلك المجنونة وأن هذه الجثة جثتها!
وعرفت بعدئذ أن الجنود قد تركوها في هذه الغابة وأنها نظراً لتمسكها بمبادئها التي أخلصت لها لم تعبأ بموتها في تلك الغابة الموحشة، لقد مزقتها الذئاب وبنت الطيور أعشاشها من بقايا فراشها الصوفي الممزق!
ولما رأيت هذه المناظر البشعة المحزنة كدت أبكي من شدة تأثري ودعوت الله مخلصاً أن يبعد شبح الحرب عن أولادنا، فلا يرونه أبداً.
(القدس)
جمال الدين الحجازي
الندوة الأدبية