الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 791
- بتاريخ: 30 - 08 - 1948
فصيلة المخلوقات الخبيثة
للأستاذ نقولا الحداد
لقي أحد معارفي أحد أفراد أسرتي ونصح له أن ينصح لي بالعدول عن الكتابة في الصهيونية، وكانت نصيحته تتضمن شيئاً من التهديد. ولهذا الصديق علاقة مالية مع يهودي. فهو إذن تحت رحمته، واليهود لا يعرفون الرحمة. ويلوح لي أنه يريد من هذه النصيحة أن يستعطف شريكه، حتى إذا فعلت النصيحة فعلها حسبها ذلك اليهودي خدمة جليلة. . . وما تعلم صاحبنا حتى الآن من علاقته بذلك اليهودي أنه لو سفك دمه لأجل خاطره لما حسب هذا السفك إلا واجباً لا يكافأ عليه إلا بأن يجعل جثته عند عتبة داره مداساً لنعليه.
لا يعلم صاحبنا أن هذه الفصيلة من المخلوقات الحية ليست من جنس البشر ذات قلوب رقيقة وعواطف شريفة وضمائر حية حتى تقدر المعروف حق قدره. إنما هي بلا ضمير ولا عاطفة ولا قلب ولا إحساس ولا شرف - فصيلة الأحياء الخبيثة.
وقد بلغ اللؤم من هذه الفصيلة أن جازت إنكلترا المغفلة على وعد بلفور جزاء سنمار. وكلنا يعلم حوادث بغيهم ولؤمهم من مقتل اللورد موين، إلى خطف القاضي من المحكمة، إلى صلب الضابطين البريئين اللذين خطفوهما، إلى غير ذلك من رذائلهم مع أسيادهم الإنكليز من غدر وخيانات الخ. ففصيلة كهذه لا تحسب حساباً للمعروف والفضل.
وفيما كان الناس يستغربون استخذاء الإنكليز لليهود في فلسطين كان اليهود في مصر وغير مصر يقولون: لا تعجبوا. فإن الإنكليز يخافوننا مضطرين إلى احتمال عدواننا برغم أنوفهم.
والآن إذا ذكرنا أمام يهودي أو يهودية أن اليهود المعتقلين عندنا يعاملون معاملة أفضل مما لو كانوا في منازلهم قال لك:
وهل تجسر الحكومة أن تعاملهم إلا أفضل معاملة؟
لا عجب، لأن ما نحسبه نحن إنسانية في معاملتهم يحسبونه هم واجباً محتوماً، لأنهم لا يفهمون معنى الإنسانية والشرف والضمير.
ألا فليعلم العرب أنه لو قامت لهذه الفصيلة الحيوانية قائمة لصاروا جميعاً أذل من العبيد
لها! أليس أفضل للعرب أن تسفك دماؤهم في حرب شريفة من أن يسفكها هؤلاء الأنذال؟ أو ليس أشرف للعرب أن ينهزموا في حرب تكون الدول الكبرى فيها نصيرة لهذه الفصيلة الطاغية من المخاليق؟.
يتهددني هؤلاء الأنذال بعد أن عجزوا عن إغوائي بالأموال لكي أكف عن فضح سرائرهم وشجب تعاليمهم في كتبهم. فليعلموا أني لن أبقى في الحياة إلى ذلك اليوم المشئوم الذي يستتب فيه أمرهم، إن استتب لا سمح الله، لكي ينتقموا مني. وليفهموا أني لم أذكر إلا الحقائق الصريحة عن غايتهم وتاريخهم ومقاصدهم مما هو واضح في ثوراتهم وتلمودهم.
وما كانت هذه الثورة الصهيونية إلا سبباً في كشف مساوئ هذه الفصيلة من المخلوقات والعالم كله يشهد الآن غدرها وخيانتها وخبثها. كم مرة تزيوا بزي الضباط الإنكليز لكي يخدعوا العرب ويغدروا بهم؟ وكم مرة تزيوا بأزياء العرب ليغشوا العرب! وأمس تزيوا بزي رقباء هيئة الأمم لكي يحتلوا مركز الصليب الأحمر وعمله إنساني محض كما هو معلوم. إن جميع أفعالهم في الحرب والسلم غش وخداع وغدر. والعالم يشهد الآن حقيقة أخلاقهم التي لم يعودوا يستطيعون سترها. لم يعد هؤلاء الذئاب يستطيعون أن يتزيوا بجلود الحملان.
لقد انفضح أمرهم حتى للأمريكان الذين يستنصرون بهم، وشرع هؤلاء منذ الأمس يسخطون على ترومان الغبي الذي حملهم تحت إبطه وهو يتوهم أنه يتأبط حملاناً وديعة. لقد انفض الأمريكان عن ترومان. وسيفشل ترومان في الانتخابات. وحينئذ يعرف العالم أجمع أن من يناصر اليهود فاشل لا محالة. وبذلك تحبط كل دعابة يهودية على وجه الأرض.
ولسوف يندم الأمريكان الذين ناصروا اليهود على العرب وهو قليلون. وسيقولون حقاً: (لقد أسأنا للعرب بمناصرة اليهود) إذ يشعرون أن وطأة مساوئ اليهود في بلادهم أثقل عن وطأة أبالسة الجحيم. وسيعانون في طردهم من بلادهم ما عانى الألمان من قبلهم وما يعاني الإنجليز الآن.
هل يعلم القراء أنه مكتوب على أبواب بعض الفنادق الأمريكية: (ممنوع دخول اليهود والكلاب إلى هذا الفندق)، ذلك لأن فريقاً من البشر لم يعودوا يطيقون ثقل هذه الفصيلة
الحيوانية التي ليس لها من البشرية إلا الوجه واللسان دون الروح والجنان.
لقد اتضح لكل ذي عينين أن هؤلاء المخاليق لا يقيمون وزناً للعهد ولا للشرف ولا للإنسانية ولا لهيئة الأمم ولا لمجلس الأمن، وجامعتنا العربية سامحها الله لا تزال تتمسك بصدق الوعد وشرف الكلمة في حين أنه لا هيئة الأمم ولا مجلس الأمن ولا برنادوت يحسبون هذه المحمدة للعرب ولا يقيمون لها وزناً.
وما رقباء هيئة الأمم بأشراف كلمة وأطهر ذمة من هؤلاء اليهود. فقد صرحوا أمس بكل وضوح أن اليهود هم الذين احتلوا دار الصليب الأحمر متنكرين في أثواب الرقباء وشاراتهم وقد أرسلوا هذا الإقرار إلى برنادوت. واليوم يقولون لقد تيقظنا صباحا فإذا في الدار عرب ويهود، فلا ندري من دخلها أولاً! فانظر المكر الذي ليس بعده مكر! هل يدخل العدوَّان معاً!.
وإذا علمنا أن بعض هؤلاء الرقباء يهود أمريكيون فلا غرابة في هذا النفاق. وقد سأل بعض الصحفيين العرب أحد الرقباء: هل هو يهودي؟ فأجاب نعم إني يهودي، ولكننا لم نأت بهذه المهمة باعتبارنا يهوداً. بل أمريكيين فتأمل هذا الكلام الفارغ أو اللغو البارد.
أيها العرب! إن سياسة: (أحسنوا إلى من أساء إليكم) لا تنفع شيئاً مع هذه الفصيلة الحيوانية حتى ولا مع جماعة الدول، فإن كنتم تنوون خلاصاً من هذه الكارثة فلا تسألوا عن هدنة مفروضة عليكم فرضاً، وقد فرضها اليهود لكي يستغلوها لأنفسهم. فافتحوا عيونكم وانظروا ما أمامكم.
نقولا الحداد
من الأعماق
للأستاذ أنور المعداوي
- 1 -
سأل نفسه وهو يشهد ليلة تنطوي وفجراً يبزغ: أيمكن أن تمر تلك الليلة على إنسان كما مرت عليه؟. . . وسمع جواب نفسه منبعثاً من أعماقه: محال. . .!
وكانت ليلة عيد. . . ولا يذكر أنه أحس القفر في حياته كما أحسه في تلك الليلة، ولا يذكر أنه أنكر دنياه كما أنكرها في تلك الليلة، ولا يذكر أنه استشعر الوحدة والغربة والفراغ كما استشعرها في تلك الليلة. . . لقد كان يشم في كل شئ حوله رائحة الموت، الموت الكريه البشع الذي يتراءى للأحياء في الليالي السود، ويلف الآمال في أكفانه، ويهيل على جمال الحياة أكوام التراب!.
وأشرقت شمس العيد ترسل ضياءها إلى قلوب الناس إلا قلبه. . . لقد بقي وحده في الظلام، ظلام الأماني التي ذوت، والفرصة الكبرى التي انطوت، والدنيا التي ذهبت إلى غير معاد. ولأول مرة منذ سنين، شعر بدافع قوي إلى البكاء، وحاول أن يبكي ولكنه لم يستطع. لقد تجمدت الدموع في عينيه ثم تحدرت إلى قلبه قطرات: فيها من دفء عاطفته، وفيها من وقدة وجدانه، وفيها من لوعة حرمانه. . . وفيها من وهج أساه!.
ونظر إلى السماء نظرة من يبحث عن شئ عزيز قد ضاع منه، أو نظرة من يسأل السماء سؤالاً لا جواب عليه: أين يا رب يجد الصبر وينشد السلوة ويلتمس العزاء؟ كل شئ قد انتهى، وكل جلد قد انقضى، وكل زاوية من زوايا النور قد أغلقتها يد الزمن. . . وها هو يمضي في الحياة وحيداً بلا رفيق، وغريباً بلا حبيب، وجرحاً تخضبت معالم الطريق من فيض دمه!.
إنه ليذكر كيف قضى ربيع العمر منطوياً على نفسه، بعيداً عن الناس، تصلي أفكاره في محراب الشجن. . . ويذكر كيف كان يختلس البسمة اختلاساً، ويغتصبها اغتصاباً، وترف على شفتيه رفيف الشعاع الحائر ترسله على جوانب الأفق شمس غاربة!. . . ويذكر كيف أتى عليه يوم انقلب فيه من حال إلى حال: ابتسم للحياة من قلبه، وأضفى عليها من روحه، وقبس لها من حبه، وأصبح إنساناً غير الذي كان.
لقد كان يسير في طريق الحياة ولا يعرف إلى أين. . . لم يكن له هدف يسعى إليه، ولم تكن له غاية تسدد خطاه، ولم يكن له أمل! كل ما يذكره أنه لقي من مرارة السير في الصحراء ما لم يلقه إنسان: لقي فيها الشوك، ولقي فيها القيظ، ولقي فيها الصخر، وذاق فيها ما ذاق من سقي الرمال ولفح السمائم. . . ويذكر أنه لمح يوماً على البعد واحة، وأنه وقف مشدوها لا يصدق عينيه، وقال لنفسه: سراب ومضى في طريقه لا يلوى على شئ؛ وفجأة قالت له قدماه قف، وقالت له عيناه أنظر، وقالت له نفسه: هنا يا مسكين. . . لقد آن للاعب أن يستجم، وللمجهد أن يستريح، وللسفينة الحيرى في خضم الحياة أن تبلغ الشاطئ!.
ونظر إلى السماء نظرة طويلة، حار فيها دمع واضطرب بريق. . . واحة في صحراء؟ ونبع يتدفق ماؤه؟ وزهرة ندية بالعطر فواحة بالأرج؟ كل هذه الأشياء يا رب له؟ أين كانت وأين كان؟!. . . وابتسم للحياة من قلبه، وأضفى عليها من روحه، وقيس لها من حبه، وأصبح إنساناً غير الذي كان!.
وألقى بالماضي كله في زوايا العدم. . . لقد كان يعيش في حاضرته؛ حاضرة الذي داعبته رؤى من المستقبل الباسم، ورقصت على حواشيه أطياف من الأمل الوليد، وانطلقت في أرجائه صيحة العمر الذي بعث. . . هناك حيث ينتظره المجد تدفعه إليه يد حانية، وقلب يخفق، وبسمة تشرق، وروح برح بها الشوق إلى لقاء روح؛ ويا بعد الدنيا التي كانت في قلبه والدنيا التي تراءت لعينيه!. . .
- 2 -
ومضت به الحياة في طريقا تطوي الأيام. . . الزهرة الحبيبة يسقيها من فيض عطفه، والنبع الرقراق يسعى إليه إذا طال ظمؤه، والواحة الوارفة تحميه بظلها من لفح الهجير. . . يا صحراء!: أين كانت الجنة؟ لقد كانت في رحابك وهما بغيضاً لا غناء فيه! يا صحراء: أين كانت السعادة؟ لقد كانت في عذابك حلماً مخيفاً لا تأويل له! وأنت يا زهرته الحبيبة أين كنت؟ لقد قالت له عيناك إن الجنة ليست وهما، وإن السعادة ليست حلماً، وإن ماضيه كله يمكن أن يختصر في لحظة من حاضره؛ ماضيه الذي أصبح ذكرى في طوايا الغيب، وومضة في ثنايا الخاطر، وصرخة كتمت أنفاسها يد النسيان. .!.
وفي تلك الدار من ذلك الحي كان هواه. . . يذهب إليها مع الصبح، وحين يقبل الليل، وكلما هزه الشوق وطال الحنين؛ ولن ينسى كيف كانت تستقبله الدار يوم كان يقصد إليها: ملء يديه زهر، وملء عينيه أمل، وملء قلبه حب، وملء نفسه دنيا من الأحلام. . . أبداً لن ينسى الوجه الذي كان يتلقاه باليدين حين يقبل، وبالروح حين يجلس، وبالدعاء حين ينصرف مودعاً إلى لقاء قريب. . .
ولن ينسى أنها كانت تهوى الأدب، وتعشق الفن، ويملك عليها المشاعر كل معنى جميل. . . ولن ينسى أن صلته بها كانت عن هذا الطريق الذي جمع بين قلبها وقلبه، وبين طبعها وطبعه، وبين شعورها وشعوره. . . ومن أجل هذا كله كان يدفع إليها بكل كتاب يقرؤه، وكل مقال يكتبه، وكل أثر من آثار الفن يعلم أنه يلقى من نفسها هوى ورعاية!.
لقد كانت تعجب به حين يتحدث، وحين يقرأ، وحين يكتب. . . أما هو، فيشهد أنه لم يكن يكتب إلا لها، لها وحدها! لم يكن يهمه أن يرضى عنه الناس ما دامت هي راضية، ولم يكن يحفل بأن يتحدث عنه الناس ما دامت هي تتحدث عنه. . . ولقد بلغ به الغرور وهو في غمرة إعجابها به حداً جعله يعتقد أن ليس هناك من يكتب خيراً منه، ولا من يفهم خيراً منه، ولا من يتذوق آثار الأدب والفن خيراً منه!!. . وكان حين يسألها عن أي المجلات الأدبية تحب، وحين يتلقى جوابها مشفوعاً بأسباب التفضيل والإيثار يبعث إلى هذه المجلة بمقال، وإلى تلك بغيره. لقد كان يود دائماً أن يرى نفسه إلى جانبها، حتى إذا عاتبته يوماً على غيابه الذي طال اعتذر لها بأنه كان معها بالفكر والروح، وحسبها وحسبه أن يلقاها وتلقاه. . . بين السطور والكلمات! وتشهد دار الرسالة كلما ظهر له في الرسالة مقال، أنه كان يقصد إليها في يوم السبت ليحمل إليها العدد قبل صدوره لتكون هي أول م يقرأ مقاله وأول من ينقده. . . لقد كانت تحرص دائماً على أن تكون أسبق الناس إلى لقائه؛ تلك التي كان يرجو أن تصبح يوما شريكة حياته. . . وكم بنى من قصور الأوهام ما شاءت له فنونه وشجونه! كم أقام على دعائم الخيال عشهما المنتظر؛ عشهما الجميل الهادئ، ذلك الذي يملؤه الأطفال أنساً ومرحاً وبهجة، تملؤه هي حباً وحناناً ورحمة!!.
يا دنيا الأدب والفن، يا دنيا الجمال والنبل، يا دنيا الجلال والطهر، أنت التي دفعته بيديك إلى الأمام فأنسيته كل معنى من معاني الوراء، وأنت التي بعثت الحياة في وجدانه فأنسيته
كل معنى من معاني الفناء؛ وأنت، وأنت، وأنت،. . . فأين أنت؟! أين يا دنيا ذهبت معالمك، وغاض بشرك، ونضب بهاؤك؟ يا دنيا ما أفبحسك، وما أحقرك، وما أهونك. . . حين يضيع فيك الأمل ويخيب الرجاء!!.
- 3 -
وأبدا لن ينسى يا دار هواه، يا من كنت وحي قلمه ومهبط إلهامه وحديث أمانيه. . لن ينسى حين غاب عنك أياماً ثم ذهب ليرى أهلك في آخر يوم من رمضان: ملء يديه كما كان بالأمس زهر، وملء عينيه أمل، وملء قلبه حب، وملء نفسه دنيا من الأحلام. . . لقد كنت يا دار واجمة، كئيبة، يمرح في جنباتك الصمت ويطبق السكون! أين يا دار من كانت تفتح له أبواب الشعور بالدنيا على مصاريعها؟! أين. . أين؟ لقد قالوا له إنها مريضة. . . مريضة؟ وهرع إلى حجرتها مسلوب الوعي، مرتاع الخطو، ملتاع الضمير، وأخذ مكانه إلى جانبها وتناول يديها بين يديه، وألقى على الوجه الشاحب نظرة سكب فيها من ذوب قلبه كل ما ادخرته له الليالي وحفظته الأيام!
أما هي فلم تنطق بكلمة؛ لقد أطبقت شفتيها الذابلتين، وشع من عينيها بريق عتاب لونته الدموع. .
وأطرق برأسه إلى الأرض برهة، وطوفت نظراته الذاهلة هنا وهناك كأنما تبحث عن الألفاظ الحيرى في ساعة اللقاء الرهيب. . . واستطاع بعد جهد أن يجمع شتات نفسه ليقول لها: لا أدري كيف أعتذرإليك. . أحقا كنت غائباً وأنت مريضة؟ كيف بالله لم يحدثني قلبي؟. . ألا تغفرين لي؟!
وأمام اللهفة الحرى والخشوع الضارع والصمت المبتهل، غفرت له!!
ويا لحظة الغفران كم خففت من وخز ضميره، وكم حملت من عبء عذابه، وكم قربت بينه وبين الله!
ومضى يحدثها وتحدثه، ويا عجبا. . . لقد عاد إلى الوجه الشاحب إشراقة الفجر، وإلى الوجنة الذابلة نضارة الورد، وإلى النظرة الفاترة صفاء النبع، وإلى الجسد المنهك تدفق العافية!
وقالتله وهي تستوي في سريرها جالسة: أنظر. . ألا ترى أن العافية قد عادت إلى
بعودتك؟ فأجاب والفرحة الجارفة تهز كل ذرة في كيانه: لو كنت أعلم لعدتك قبلاليوم، ولما تركتك نهباً لعوادي السقم! ومضىيحدثها وتحدثه، ويقرأ لها وتصغي إليه، ويبني لها من قصور الأوهام ما شاءت له فنونه وشجونه. وتقول له وهي في غمرة الأماني وزحمة الأحلام: بالله دعنا من المستقبل وخلنا في الحاضر. . إن غداً ليوم عيد، فهل فكرت في أن تهيئ لنا مكاناً جميلا نقضي يومنا فيه؟! ويقول في صوت تنطلق فيه الهمسة من فجاج روحه: أما العيد فأنا اليوم فيه. . وأما المكان الجميل فقد هيأته لك في قلبي!
وترنو إليه معجبة، ويرتسم على شفتيها ظل ابتسامة فاتنة، وتهتف من الأعماق قائلة له: هل تعرف أنك تجيد فن الحوار؟. لماذا لا تعالج كتابة القصة؟. . . أنا في انتظار اليوم الذي تكتب فيه قصتك الأولى.
ويعدها بأن يكتب قصته، ويودعها وتودعه، وينطلق عائداً إلى بيته على أن يراها في صباح العيد. . . ولم يكن يعلم أن المقادير تدخر له أسود ليلة في رصيد العمر، وأبشع صباح في حساب الشعور! ولم يكن يدرك أن ما رآه من ومضات العافية حين جلس إليها كان أشبه بومضات المصباح قد فرغ زيته، فهو يرسل أسطع أضوائه قبل أن ينطفئ، ويتزك الحياة من حوله يختنق فيها النور تحت قبضة الظلام!
لقد طوى الموت في المساء صفحة عمر، وغيب القبر في الصباح أحلام عذراء. ولقد رغبت إليه أن يكتب قصته الأولى، فإليك يا قبرها يقدم أول قصة وآخر قصة.
وكل حقيقة بعدها وهم، وكل واقع بعدها خيال، وكل إيمان بعدها شك، وكل وجود بعدها عدم. . وكل معنى من معاني الخير والجمال بعدها هباء!
أنور المعداوي
من رمال المصيف
رسالة في قصيدة
(إلى التي خطرت كالشعاع، ثم عبرت بغير سلام أو وداع)
للأستاذ علي محمود طه
إذا أقبل الليلُ يا حَيرتي
…
تفقَّدتُ في الشط حوريَّتي
وُعدت كئيباً إلى غُرفتي
…
أراعي الكواكب من شرفتي
وأشعل بالوجد سيجارتي
…
فلا البدر حبَّب لي سهرتي
ولا البحر هدَّأ من ثورتي
…
وحيداً تسامرني فكرتي!
أأجلس يا بحر وحدي هنا
…
فأين من العين ذاك السَّنى
وأين من القلب تلك المنى
…
وأين مواعيدُ نادت بنا
وأين والمساءُ الذي ضمَّنا
…
لديك وأَلَّف ما بيننا
فيا ويح قلبي ماذا جَنى
…
ليحمل هذا الأسى والضنى!
خلا من محُياكِ هذا المصيف
…
وأقفر ذاك الندىُّ اللطيفُ
كأني به قد دهاه الخريف
…
فليس عليه خيالٌ مطيف
ذَوى بشرهُ فهو أفق كسيف
…
وبرٌّ حزينٌ وبحرٌ لهيف
ومْوج له أنةٌ أو وجيف
…
وريحٌ تنوح وليلٌ شفيف
غداً يا حبيبةُ عند المساءِ
…
ستسأل عنا نجوم السماءِ
ألم يضربا موعداً للقاءِ
…
على صخرة بين رمل وماءِ؟
أجل يا حبيبةَ هذا الضياءِ
…
ذهبنا وعُدنا بحكم القضاءِ!
غريبين نضرب عبر الفضاءِ
…
كأنا على جفوة أو تنائي
مددت إليك يد الواثق
…
فعادت بلذع جوي حارق
وأبعدتِ يا رحمة الخالق
…
فم الحبَّ عن نبعك الدافق
تعاليْ إلى روحي الوامق
…
تعالي إلى قلبي الخافق
تعالي على عهدك السابق
…
تعالي إلى إلفك العاشق!
(سيدي بشر)
علي محمود طه
رحلة في ديار الشام في القرن الثامن عشر (الثاني
عشر الهجري)
(الحلة الذهبية في الرحلة الحلبية)
لمصطفى البكري الصديقي
للأستاذ أحمد سامح الخالدي
كان الداعي إلى هذه الرحلة، رغبة الشيخ مصطفى البكري في زيارة بغداد فيقول في مقدمة رحلته (كان كثيراً ما يختلج في بالي، فيهيج أشواقي وبلبالي، زيارة بغداد ورجالها الموالي. فأصد عن الشرب من نهر دجلتها وقربانه، والغرام يزيد إلى علم الشرق الفريد وصاحب المذهب المذّهب السعيد والكاظم وولده الوحيد، السامي كل منهم على أقرانه، وغيرهم من أعيان، أرباب عيان) الخ. . ويخص من الأعيان سلطان الأولياء سيدي عبد القادر الجيلاني، وكان قد انتسب إلى طريقته وتراءى له في المنام فعزم على التوجه إلى حلب ومنها إلى بغداد، ولكن زوج والدته منعه من ذلك مخافة الحر، وخشي تعرض العربان له بسوء. فعدل عن زيارتها، ورأى أن يتوجه من حلب إلى زيارة مقام سلطان الزهاد إبراهيم بن أدهم في جبلة ومنها إلى طرابلس الشام فبيروت فبيت المقدس. وكان رفيقه في الطريق السيد مصطفى بن عبد الرحمن المنيني وأخاه لامه أحمد.
وقبل ما تحرك خاطر الشيخ، لتلك المنازل العواطر، سأل الشيخ أحمد، فكاشفه قبل الاستشارة وصرح وما اعتنى بالإشارة. وجاءه في هذه الأثناء الأخ الشيخ مصطفى بن عمر الخلوتي وطلب للولد القلبي إسماعيل الحرستاني بالدعوة والإرشاد، ولبس الكسوة على المعتاد، فأذن له.
ثم كرر الشيخ الاستخارة في السير، موقع الإذن بالمسير يوم الجمعة لعشرين خلت من شهر رجب سنة (112هـ - 1715م) فتوجه وبات في قرية (القصير) ورافقه بعض الإخوان مودعين ثم سار إلى أن وصل (القُطيفة) ومنها إلى (قارة) ومنها إلى (النَبْك) المشتية أهلها فيها والمصيفة، ثم إلى (حسية) ومكث يومينومنها إلى حِمْص وهو بلد يذكر ويؤنث. وأقام في جامعها الكبير، وزار من بعيد مقام خالد بن الوليد، مات بحمص سنة
إحدى وعشرين (641م).
ويقول الشيخ (ولم يعشم لنا نصيب، بدخول مدينة حمص العجيب، تكويناً ومزدرعاً وأمواهاً، لأن الخراب عمها حتى فيها ظهورها تناهي، وكان أكثر خرابها من الموالي الذين منوالاهم لم يوال الموالي، على أن فيها من المزارات السادات الكثير ويغلب على أهلها البلاهة والتغفل مع الجد والتشمير، ولقد دخلت جامعها الكبير فرأيته آيل إلى التعمير، فصليت فيه الظهر والعصر، بنفر غير كبير).
وفارق حمص في الصباح، ولم يسر غير قليل حتى بزغت الشمس وإذا بخيول كأنها سيل يسيل من عرب يفسدون في الأرض دون إصلاح، لا يعرفون صلاحاً ولا سلاحاً حتى في صلاح، يرون نهب أموال الخلق مغنماً، وسلامة الخطار من شرهم مغرماً، فأنعمت القافلة كالحرف المشدد، وانحازت المقاتلة إلى جهتهم بالرأي المشدد، فصرف الحق قلوبهم وفَلوا وبعد الكثرة والاجتماع تفرقوا وفلوا وشم الشيخ قرب انصرافهم رائحة قرنفل فقال (قُرِن فلُّ ربِهم) فولوا، ولم يحصلوا على ما أملوا، وأصابهم من الله ضيراً، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراُ، وعند قرب جسر الدستن كرف ورداً، فقال الشيخ وراد فإذا قافلة تكد كداً).
وفي قرية الرستن مرقد الإمام أبي يزيد طيفور بن عيسى السطاوي، والمذكور له مشيخة على الشيخ، فقرأ له الفاتحة. وقرب العصر وصل حماة، ونزل في جامع مطل على العاصي. وسأل الشيخ من أهل البلد عن سبب خراب ديرتها، فقالوا له قبيلة العرب الموالي التي تنفر الطباع من سيرتها. وقد أشجاه صوت نواعيرها السامي، وأبكاه سراً إذ أنكاه جهراً تذكار مربع مربع وطنه الشامي، غير أن نواعيره صغيرة، وهذه كثيرة كبيرة، وأنشد بيت الصلاح الصفدي:
أبدى لنا الدولاب قولا معجباً
…
لما رآنا قادمين إليه
إني من العجب العجيب كما ترى
…
قلبي معي وأنا أدور عليه
قال في القاموس: العاصي العرق لا يرقأ ونهر حماه واسمه الميماس والمقلوب، لقب به لعصيانه فإنه لا يسقى إلا بالنواعير.
وسار إلى المحطة ونزل على العاصي، قرب ناعورة تسقي مروجاً أنيقة فتنبت النبات
الحسن النهج والطريقة، وفي الصباح سار يقطع البطاح، ويوصل الليل بالنهار من السهاد، وكان قد وصل إليه كتاب من بعض الأحباب، صدره ب:
يا نسيماً هب من وادي قبا
…
خبرينا كيف حال الغربا
كم سألنا الدهر أن يجمعنا
…
مثل ما كنا عليه فأبى
وتوجه نحو (المعرة)، وهي على مرحلتين من حلب فبات بها، ثم سار إلى قرية (سرمين) المحتوية على الألوف لا المئيين، ونزل في جامعها الحصين وسار ليلا قاصداً حلب وشهباء، وأصابه عطش لقيظ وحر، حتى وصل سبيل المرأة المرحومة، فشرب وشربت القافلة، وكان معه أخوه لامه أحمد فسبقه معلماً والده الحاج إبراهيم الطويل، فأخذه إلى بيته في القلعة، وكانت تصعب عليه الطلعة، وبعد ثلاثة أيام نزل إلى خلوة في العادلية. وكان الوصول إلى حلب في أوائل شعبان المبارك.
وبعد أيام جاءه رفيق السفر السيد مصطفى المنيني يرجوه بإلحاح أن يمدح مفتي الديار الحلبية أبي السعود الكواكبي. فتردد الشيخ مراراً من الظهور ولكنه نزل على إصرار رفيقه فقال:
سماء الدنيا قد زينت بالكواكب
…
كما زينت الغبرا ببيت الكواكبي
أناس لهم في ذروة المجد منزل
…
يجل ويعلو فوق كل المراتب الخ.
وقد سر بها المفتي، ودعا الشيخ إلى داره ولما استقر به المقام جاءه عمر أفندي النقيب وسأل عنه، وعن ابن عم الشيخ، وسبب تغير مزاجه، وكان قد اجتمع به لما أتى مع أعيان الشام لملاقاة الشيخ مراد، فأجابه أن هذا الأمر أخبر عنه الشيخ عبد الغني النابلسي. ثم استفسر عن قضية الدراهم التي طلبت منه بعزمان، فلخص له القصة وأنها كانت زوراً وبهتاناً، ومن جملة الشهود على أنها باطلة الشيخ عبد الغني، وأعيان الشام وقد أعلم الشيخ المذكور الوزير بالقضية في مكتوب كبير فجاء العفو، وقبول شهادته. ولم يجتمع الشيخ البكري بالمفتي إلا في العيد بعد الصيام، وكان يتردد وهو في حلب على تكية الشيخ أبي بكر بن أبي الوفا، وليس في خارج حلب أنزه من تكيته وأعجب، ولذا قيل فيها صالحية حلب واصطحب معه شيخ التكية، الشيخ على، وتردد عليه مراراً، وتمرض هو والدادة علي، وعوفي المذكور وتوفي الدادة. وطلب الشيخ مصطفى المنيني رفيقه في الطريق
الرجوع، فكتب الشيخ كتاباً إلى الشيخ إسماعيل الحرستاني وطلب منه أنه يسلم له على الحاج إبراهيم الدكاني ويستدعيه فلما حضر، أذن للشيخ مصطفى بالسفر.
وممن زاره في حلب الحاج على الكارجي (وطلب منه الخوة، ورجا الذكر يوم الفتوة) فأنا له مأموله، واستصحبه معه إلى (الحلوية) وحضر ذكر السيد محمد، خليفة الشيخ قاسم الخاني وكان المنشد الشيخ حسن، وكان ينشد أبيات سيدي أحمد ابن عبد الله الإسكندري ولما وصل إلى قوله:
أنا المذنب الخطاء والعفو واسع
…
ولو لم يكن ذنب لما حسن العفو
فبكى وأبكى الحاضرين. وكان الشيخ يتردد على هذا المجلس لالتماس البركة مستعملا الذكر القلبي الخالي عن الحركة ويقول عن أهل حلب والعهدة عليه (ورأيت في هذه الكرة أن أهل حلب عندهم رقة وخلاعة بالمرة، وأنهم أخلع من أهل الشام للعذار وأشجع في تناول أقداح الغرام لوجد ثار، وأهل الشام أجلد في السير وأخلد في طلب المير لأرض الخير، فإني كنت أراهم عند سماع الأشعار المديحية في رمضان يبكون ولدى قراءة القرآن لهم خشوع وسكون).
ولما سمع زوج والدته الحاج إبراهيم الطويل بنية الشيخ زيارة بغداد منعه وأقسم عليه، خوفاً من الحر ومن شر العربان. فعزم على زيارة سلطان الزهاد إبراهيم بن أدهم. فتوجه في منتصف شوال إلى تلك المحال، وسار إلى قرية (كفتيين) وهي من قرى طرابلس الشام، وهم ليسوا من أهل السنة، ينتظرون نزولالحاكم بأمر الله، ووصل (جبلة) وزار مقام إبراهيم بن أدهم وأقام هناك ذكراً.
وسار في اليوم الخامس والعشرين من رجب ومر على طرسوس، ورأى قلعة ارواد، وجاء الرفاق منها بزاد، وشاهد قلعة المرقب المنيعة، وبات قريباً من البلد في مكان نزيه يقال له بركة البداوي. وقدم إليه الشيخ مصطفى القلا ونزل مدرسة الحدادين ثم خلوة الجسر المكين، ثم القادرية البهية، واختلى بها عشر ذي الحجة. وكان الشيخ عبد الله الخليلي المهتدي يتردد عليه، ومدرسة الحدادين قريبة من دار السيد مصطفى القلا، وانضم إليهم الحاج محمد بن الحاج موسى العطار، ثم الشيخ مصطفى الرفاعي ودعاه لداره، وطلب الطريق وتبعه الشيخ عامر الصعيدي، وكانا لا ينفكان عن قرائه الأوراد الأول في تكيته،
والثاني في (المنية) في مسجده عند جماعته.
وكان جناب الصديق السيد محمد التافلاتي نجل مولاي أحمد وهو ابن عم مولاي إسماعيل ملك المغرب، ينتهي نسبهم إلى سيدي عبد الله المحض، قد ورد إلى طرابلس من بيت المقدس، ولم يكن الشيخ قد اجتمع به قبل ذلك، فأرسل يطلب الاجتماع بالشيخ فسر به ولكنه لم يطل الإقامة، وكرر الزيارة. وذهب الشيخ بعد ذلك إلى قرية (المنية) لزيارة مقام النبي يوشع، وقرائه الأوراد، واصطحب معه زمرة من أفاضلها كالسيد علي ابن دبوس، وأخيه السيد محمد والسيد أحمد المفتي، ومن بيت السيري، الشيخ أبي حامد العمري، ومن أولاد السيرمي الشيخ عمر.
وأكثر الشيخ التافلاتي التردد على الشيخ، وكذلك الشيخ عبد الله، وتردد الشيخ عليه في المدرسة التي نزل منها في سوق الحدادين، وتوجه للمنية غير مرة وبات لدى الشيخ عامر الصعيدي. وورد عليه كتاب من الشيخ أحمد الميقاتي بالقدس، يبلغه حلول دار السلامة بسلامة، وضمنه سؤال طويل، عن بيت لسيدي عمر الفارض الذي يقول في مطلعه:(أروم وقد طال المدى، منك نظرة) فأجابه برسالة سماها (رفع السير والردا عن معنى قول العارف أروم وقد طال المدى). ثم كروا على زيارة يوشع بن نون، للوداع، وصحب كل واحد منهم زاد قناق، وجاء السيد محمد بن أحمد التافلاتي بصحن كبير من المغربية ما لها نظير فأكلوا بعد الشبع. وبعد العشاء أقاموا مجلس ذكر وكان الحادي الأخ إبراهيم الحرستاني، وغيره ممن صحب الشيخ في سيره الرباني.
وفي أول جمادى الثاني عزم الشيخ على التوجه للقدس، ولم ينثلج صدره إلا للتوجه في البر دون البحر، فبات ليلة الوداع عنده الشيخ مصطفى بن الشيخ سليمان الرفاعي، والسيد مصطفى القلا، والشيخ عبد الله وجماعته، وكانوا قد تجمعوا فوق الثلاثين، وتوجه الشيخ إلى بيروت وقطع نهر الديمور. ونزل في جامعها الكبير المعمور، ودعاه الشيخ مصطفى الحجيجي الشامي ومر بعد الظهر بصيداً، وقطع جسر نهر الكلب ليلا، أقام فيها خمسة عشر يوماً ينتظر السير براً فما تيسر إلا بحراً، فركب منها ضحوة وضل قبيل الغروب عكا، ونزل في جامع البحر، واجتمع فيها بصديقه القديم الشيخ أحمد، وسار بعد العشاء مع القافلة نحو جينين وقطع نهري النعائم والمقطع ثم أتى جينين وبات فيها ليلتين عند الحاج
عبد الرحمن وفي صبيحة الليلة الثانية سار إلى نابلس، وبات عند أولاد سيدي يعقوب، وفيما هو هناك وفد عليه السيد محمد السلفيتي بغير اتفاق فسر به. وقرأ له الموشح الأول الذي نظمه ومطلعه:
إن رمتموا تشربوا الحميا
…
وتستقوا من دنان ريا
والميت يغدو بالقرب حيا
…
وفي حبيب الحشا تباهوا
فشنفوا سمعي وقولوا
…
الله الله الله يا هو
والموشح الثاني ومطلعه:
بارق القرب حين لاح لعيني
…
غبت عني وزال عني أيني
وانمحت ظلمتي بذاك وغيني
…
وشهدت الحبيب في المحراب
وقد بكى السلفيتي عند سماعهما. وارتأى عليه المنام عند المحب الشيخ خليل الحارثي خليفة الشيخ محمد المزطاري، فبات في خلوته التي في المارستان ليلتين، وبعد الشمس سار إلى قرية (حجة)، فتلقاه أهلها بالترحاب، ونزل في الخلوة المرفوعة، وبات ليلتين، وتوجه عشية النهار إلى (دير أسطيا)، ورأى مجذوبها الشيخ خاطر في بعض القرايا خاطر. وكان الشيخ وهو في نابلس أرسل للإخوان في القدس، خبر قدومه على الديار ليأهبوا له محلا للنزول، وبعد صلاة المغرب سمع عن بعد صهيل خيل، ورأى عجاجة، فسأل فقيل إخوان صفا من سكان القدس، وكانوا السيد أحمد الموقت ونور الدين الهواري ومعه جمع من الإخوان فسر بهم كثيراً. واقترح بعضهم زيارة سيدي علي ابن عليل، فوافقوا وكدوا السير إلى (كفر ثلث) واجتمع الشيخ فيها، بالشيخ علي الرابي، ووصل المقام بعد أن دخل الغابة ليلا خوفاً من الطير وجاءه هناك الشيخ رضوان الزاوي ومعه كبكبة من أهل الود، فبات ليلة طيبة، وسار على طريق الطواحين وأقال لشدة الحروبات في (الزاوية) عند رضوان، ودعاه إلى (مسحا) الشيخ طه، ومنها إلى (بديا) ثم (سرطا) فتلقاه بها مصلح بن صلاح الدين وزار الولي المشهور فيها الشيخ عبد الله. ثم أتى (كفر عين) ونزل عند مقام العيص، وفي أواخر جمادى الثاني دخل بيت المقدس ونزل في الخلوة البيرمية الفوقانية. وتردد على دار الشيخ نور الدين الهواري. وفي أوائل شعبان وصل جناب الشيخ محمد الخليلي وصحبته، الشيخ إسماعيل ين جابر بن رجب النبيل بن أحمد
البغدادي، وكان أرسل للشيخ محمد من حلب كتاباً صدره بقصيدة يعارض فيها قصيدة شيخه، الشيخ عبد الغني النابلسي:
صرفنا عنان العزم عن غيرها صرفاً
…
وقمنا إليها نحتسي خمرها صرفاً
كما أرسل له من طرابلس الشام ثلاثة كتب ضمنها أكثر من قصيدة. وانتقل في أول رمضان من البيرمية إلى خلوة جار الله.
(البقية في العدد لقادم)
أحمد سامح الخالدي
العزلةوأثرها في الأجناس
للأستاذ مصطفى بعيو الطرابلسي
يهتم الجغرافيون بدراسة مناطق العزلة لأهميتها في الدراسات الجنسية ذلك لأن الأجناس البشرية مهما كانت تابعة لنوع واحد فإنها لا تخلو من وجود اختلاف بين الأفراد. فإذا عزلنا مجموعة خاصة من النوع البشري في إقليم منفصل وتركنا هذه المجموعة في عزلة تامة عما يجاورها لحد ما فلا بد لها بسبب هذه العزلة أن تكتسب صفات جديدة غير موجودة في المجموعة التي اقتطعت منها ثم تقوى هذه الصفات بمضي الزمن واستمرار العزلة حتى يأتي وقت نرى فيه تكوين جنس جديد في هذا الإقليم المنعزل وعلى هذا الأساس يظن بعض العلماء أن الأجناس الثلاثة من سوداء إلى بيضاء وأخرى صفراء قد تكون كل منها في عزلة عن الآخر بهذا الشكل. وتعرف هذه المناطق التي تتكون بها الصفات الجنسية بمناطق التكوين لهذا يجب أن تكون منطقة التكوين إقليما منعزلاً إلى حد كبير ومثل هذه الجهات يقصدها الإنسان إما بالمصادفة أو للبحث عن الرزق ثم يظل بها زمناً طويلا يكتسب فيها بحكم العزلة والبيئة الجديدة وما تتطلبه من حياة خاصة صفات جديدة تصبح فيما بعد من مميزاته الخاصة.
والإنسان بطبيعته شديد الرغبة في الانتقال وقد ساقته هذه الرغبة إلى الانتقال لغير موطنه وترتب على ذلك خلط بين الأفراد ونشأة أجناس وانقراض أجناس أخرى، وقد اشتد الخلط خصوصاً في العصور الحديثة بدرجة تعذر معها الحصول على فرد يمثل جنساً معيناً مع علمنا بأن هذا الجنس موجود في مكان خاص وذلك لأن الصفات الجثمانية لا تتوفر في شخص واحد وإنما توجد موزعة بين الأفراد جميعاً، ولهذا ففكرة وجود جنس نقي تماماً تكاد تكون خيالية حتى في الجهات البعيدة المنعزلة. فمثلا جزر الأندمان التي يظن أنها تقطن بأنقى الأجناس قد وجد في ثقافتها ما يدل على اختلاطها ولا يستبعد أن يكون هذا الاختلاط الثقافي قد حمل معه اختلاطاً جنسياً. والإنسان بطبيعته كسول فهو يتفادى المناطق التي لا يجد فيها راحته ولا يلجأ إليها إلا مضطراً، لذلك كانت الموجات الحديثة تطرد أمامها دائماً الموجات القديمة إلى الجهات السحيقة الغير محبوبة، ولهذا يمكن القول أن سكان مناطق الأطراف أو العزلة يمثلون أقدم العناصر بالنسبة لما يحيط بها.
وهناك فرق بين المناطق المعزولة والمناطق العازلة، فمثلا سهل المجر تحيط به جبال فهو منطقة منعزلة، وأما الجبال نفسها فهي مناطق عازلة. إذن فمنطقة العزلة إقليم وعوامل العزلة ظاهرات تضاريسية أو مناخية أو نباتية أو مائية، فبرودة المناخ في أقصى شمال أوربا جعلت قبائل اللابس في حالة قريبة من العزلة وتعزل الجبال الأجناس بعضها عن بعض حتى إن الجبل الواحد يعزل على كل من جانبيه جنساً خاصاً يتكلم لغة خاصة كما هي الحال في سويسرا أضف إلى هذا أن الجبال كذلك تعتبر ملاجئ للأجناس الهاربة إذ تجد فيها مأوى تلجأ إليه إذا استهدفت لأي خطر يهددها بعكس السهول فهي تساعد على الاندماج بين الأجناس إذا تعددت لانبساطها. أما الغابات الاستوائية في وسط أفريقية فهي ملجأ للأقزام بعد أن كانوا يشغلون كل أفريقية الاستوائية من المحيط الأطلسي إلى الساحل الشرقي المطل على المحيط الهندي بدليل وجود بقاياهم في المناطق الشرقية، ولكنهم لجئوا إلى هذه الغابات على أثر موجات الحاميين التي أخذت تفد على أفريقية عن طريق باب المندب دافعة أمامها العناصر الزنجية إلى مناطق العزلة حيث الغابات كما طردتها إلى الجنوب ومن هناك إلى صحراء كلهاري حيث نجد بعض عناصر من جماعات البوشمن السائرة في طريق الإبادة، وقد كانت جماعات الهوتنتون أول من طردهم، ثم تلتهم جماعات البانتو، حتى إذا ما جاء الأوربيون إلى تلك الجهات في القرن السابع عشر زادوا في إبادتهم وساعد على ذلك أن شعب البوشمن لم يستطع التكيف بالظروف الجديدة.
ونظراً لأن الهجرات البشرية في أفريقية قد اتخذت طريقها من الشرق إلى الغرب، لذلك كانت مناطق العزلة غرب القارة كما توجد أعقد المناطق الجنسية هناك، وهذا ما نلاحظه أيضاً في أوربا حيث أن تيار الهجرات قد اتخذ طريقه من الشرق إلى الغرب عن طريق السهل الأوربي الشمالي الذي يقع بين مرتفعات في الجنوب وأخرى في الشمال فلا تجد الهجرات أسهل من هذا الطريق عند انتشارها على هيئة موجات من الشرق إلى الغرب ولذا كان هذا السهل طريقاً للغزوات في مختلف عصور التاريخ ولا يزال إلى الآن مسرحاً للحروب والقتال، ومما ساعد على تكرار هذه الغزوات أنه لا توجد حدود طبيعية تفصل بين أجزاء هذا السهل، وأصبح من الصعب تحديد الحدود بين دوله المختلفة. وإذا كان مظهر تيار الهجرات في أفريقيا قد اختلف في شكله عما هو في أوربا، فذلك راجع إلى
طبيعة المنطقة التي تصل شرقي القارة الأفريقية بغربيها، حيث الغابات بمسالكها الصعبة مما دفع الهجرات إلى الدوران حول هذه المنطقة إما عن طريق الجنوب أو عن طريق الشمال فخففت هذه الدورة من حدة الهجرات وجعلت بينها فترات منتظمة ساعدت على هضم بعضها فلم تكتسب ذلك المظهر الحربي الدموي الذي نطالعه في التاريخ الحبشي لقارة أوربا.
وعند دراستنا لأثر الحاميين الشماليين في زنوج السودان الغربي نجده أقل ما يكون في منطقة الغابات الساحلية، لأنها لا تشجع العناصر الحامية على سكناها وإذا كان الدين الإسلامي نتيجة لذلك قد أخذ ينتشر في الأجزاء الشمالية من السودان الغربي فإن البعثات التبشيرية الأوربية قد انتهزت هذه الفرصة، وأخذت تغزو هذا الإقليم من الجنوب حيث يزاحمها الإسلام هناك ويظهر كذلك في مدى انتشار الدين الإسلامي في المنطقة التي حول بحيرة تشاد إذ نجد هناك بعض قبائل وثنية استطاعت أن تحتفظ بشخصيتها في مناطق المستنقعات على الرغم من تأثير الإسلام في السودان الأوسط، وما ذلك إلا لأن هذه المستنقعات ما هي إلا مناطق عزلة قد لجأت إليها هذه القبائل. أما في منطقة السودان الشرقي فنجد جماعات النوبة تسكن في التلال الواقعة في كردفان والظاهر أنها كانت تسكن السهول أولا، ثم طردتها القبائل العربية الغازية إلى مكانها الحالي وبفضل منطقة السدود استطاعت قبائل النوبة في جنوب السودان المصري أن تقاوم الأثر الحامي الذي يظهر بوضوح في قبائل الشلوك الساكنة بين النيل الأبيض وبحر الجبل.
أما الواحات فيمكن اعتبارها مناطق عزلة لحدودها المنيعة التي يصعب على كل أحد أن يصل إليها، لذا فهي تمثل عناصر نقية إلى حد كبير، وهذا سبب ما نراه في بعض الواحات من عادات ولغات خاصة كما هي الحال في واحة (سيوة) بمصر وواحتي (زلة) و (جالو) في لوبيا. ولكن يجب ألا ننسى أن هذه الواحات كثيراً ما تستخدم محطات لطرق القوافل بين الساحل الأفريقي الشمالي والسودان جنوباً فساعد ذلك على وصول بعض عناصر جديدة إلى هذه الواحات تركت بلا شك أثرها في السكان الأصليين فضلا عن أن أهل البادية كثيراً ما يغزون هذه الواحات ويشاركون أهلها في معيشتهم عند جدب أراضيهم فيختلطون بأهلها ويؤثرون فيهم.
وإذا بحثنا عن مناطق العزلة في أوربا وجدناها قليلة بالنسبة إلى ما هي عليه في أفريقية، وكثيراً ما تكون مناطق العزلة في أوربا نتيجة للسلاسل الجبلية التي تعوق اندماج العناصر. ومن الأمثلة على ذلك جماعة الباسك التي تسكن على جانبي جبال البرانس في أسبانيا وفرنسا حول خليج بسكاي، وهم يكونون شعباً خاصاً لا تؤثر فيه الأقسام السياسية ولا الطبيعية، ولذلك يعلل بعض العلماء وجودهم بأنهم بقايا لأجناس كانت تسكن شبه جزيرة إيبيريا وفرنسا، ثم طردتها عناصر شمالية وأخرى جنوبية إلى هذه المنطقة التي تحتلها الآن. وتتكلم جماعات الباسك لغة خاصة بها ليست متصلة باللغات الآرية، ولا تزال تحتفظ بعاداتها الخاصة أيضاً. غير أنه يلاحظ أن جماعات الباسك في أسبانيا تسير في طريق الانقراض نظراً لاختلاط الأسبان بهم، وربما كان هذا لازدحام المناطق بالسكان الذين اندفعوا إلى جهات الباسك لاستغلالها بعكس ما عليه الحال في فرنسا.
وتبدو آثار العزلة واضحة في أهالي الجزر البريطانية لتطرف موقعها، ولذلك وصلتها موجات الهجرة متأخرة، وليس معنى هذا أن الموجات المختلفة قد صعب عليها الوصول إلى الجزر البريطانية، فالبحر الذي يفصلها عن بقية القارة ليس عميقاً أو متسعاً، بل كان في الواقع عامل ربط أكثر منه عامل فصل. ولكن رغم كل هذا فموقعها المتطرف خصوصاً الأجزاء الغربية منها وجزيرة أيرلندا قد أعطاها ما يلائم حالة العزلة كما أن طبيعة البلاد وما نلاحظه من وجود السهول في الشرق والمرتفعات في الشمال والغرب قد جعل اتصال العناصر بعضها ببعض صعب، ولذا تعسر الموجات التي أتت من الشرق أن تؤثر كثيراً في الجهات الغربية، وكان في معظم الأحوال الوصول إلى الغرب يتم عن طريق الدوران حول الجزر البريطانية.
وقد أثرت هذه الحالة في تاريخ إنجلترا السياسي فهي لا تشترك في المسائل الخارجية إلا بقدر ما يمس مصالحها. وأصبحت سياستها الحربية تدور حول محور موقعها فحيث أنها جزيرة يجب أن تكون أقوى دولة بحرية في العالم، وإلا تسمح لأية دولة أخرى بالتفوق عليها في هذه الناحية. وهناك أثراً آخر لهذه العزلة في تطور النظم النيابية فيها حيث انتشرت الروح الديمقراطية بين سكانها لأن البلاد ليست في حاجة إلى قوة عسكرية دائمة بفضل موقعها الجغرافي، لذلك كانت السلطة الحاكمة تخشى محاولة الاستبداد بالحكم حتى
لا تقوم الثورات في وجهها فتعجز عن قمعها وتعرض سلطتها للزوال. لهذا احتفظت إنجلترا بسياسة التطوع في سلك الجندية ولم تحاول اتباع نظام العسكرة الإجباري إلا في الحرب الكبرى الأولى حين أجبرتها الضرورة على ذلك وبعد إلحاح فرنسا عليها حتى إذا ما انتهت الحرب عادت إلى نظامها القديم، ولكنها في الحرب الأخيرة أيضاً عادت إلى طريقة الإجبار في تكوين جيشها.
ونظراً لما وصلت إليه البلاد من تقدم وديمقراطية فإن جماعة الويلش التي تسكن مقاطعة ويلز ما زالت محتفظة بكيانها الخاص وعاداتها ولغاتها الخاصة بعكس ما تراه في البلاد المتأخرة حيث تضطهد الأغلبية الأقلية، وتعمل على إبادتها.
(مسراته - لوبيا)
مصطفى بعيو الطرابلسي
تعقيب:
تحية العلم
للدكتور السيد محمد يوسف الهندي
قرأت مقال الأستاذ أبي خلدون ساطع الحصري بك المعنون (تحية العلم) المنشور في (الرسالة) العدد 786 يحدثنا فيه عن واجب الاحترام للعلم ويأسف لإهمال إخواننا المصريين تأدية ذلك الواجب على الوجه الرائع المألوف عند أهل جزيرة كافو فقلت لنفسي: إن من الطبيعي أن يتأثر كل من يشاهد ويلاحظ ذلك الفرق بين تقاليد الشعبين كما تأثر به الأستاذ الفاضل ولكن أو ليس أحرى بنا نحن الشرقيين المسلمين إن نطيل الفكر في مثل هذه الفروق حتى ندرسها درساً وافيا ونستخلص روح الحياة الغربية فنتعظ وننتفع بها دون أن ننقل مظاهرها إلينا فنتسلى ونغالط أنفسنا بمجاراة الأمم الراقية؛ ما من شك أن حياتنا في الوقت الحاضر منحلة تماماً غير منظمة ولا منسقة ونحن نحتاج إلى كثير من الإصلاح في عوائدنا وأخلاقنا ولا بأس بأن يجئ الاحتكاك بالأمم الأخرى كحافز لنا على الجد والعمل في سبيل التقدم والرقي ولكن يجب قبل كل شئ أن نأخذ حيطتنا لئلا يتحول شعورنا بالتأخر إلى الشعور بمركب النقص فيكون كالكابوس الجاثم على أفكارنا وعقولنا حتى ينسينا أننا أمة لها ماض مجيد ولا يتأتى لها التقدم إلا بالرجوع إلى ماضيها ووصل حاضرها به. هذه هي المرحلة التي يقول الدكتور إقبال الحكيم الشاعر الهندي المعروف، إن كثيراً من الشعوب الشرقية فشلت في اجتيازها فإنها لما روعها تغلب الغربيين عليها وبهر أعينها تقدمهم في ميادين الحياة المختلفة، بدأت تنشد وتتلمس أسباب هذه القوة الظاهرة والتقدم الباهر فظنت أن تلك الأسباب لا تعدو اللادينية والحروف اللاتينية ولبس البرانيط وتمزيق البراقع وتأبط ذراع الحليلات في الشوارع ومداعبة الخليلات في الأندية والحفلات وما إلى ذلك من مظاهر الحياة الغربية التي لا تمت بصلة لا قريبة ولا بعيدة إلى تقدم الغربيين وقوتهم وشوكتهم.
مضت الأمم الشرقية تتهافت على تلك المظاهر تهافت الفراش على النار وتنقلها بحماسة بالغة وفي بعض الأحيان بقوة وعنف إلى أرضها وديارها ظناً منها أنها تجاري بهذا الطريق الأمم الراقية كأن طريق الرقي والتقدم كله هزل ومتعة ولذة!.
وخلاصةالقول إن مقال الأستاذ ساطع الحصري بك جاء أية للأخذ بالقشرة دون اللبّ ونقل مظاهر الحياة الغربية كما هي دون الاستفادة بروحها في حياتنا الخاصة.
فإن التحية للعلم ليست إلا مظهراً لروح النظام والولاء وأولى بنا أن نطبق هذه الروح على شعائرنا الخاصة وتقاليدنا المألوفة دون أن نتقيد بالشكل الذي تظهر فيه تلك الروح في أي بلد من البلاد أحلف بالله أنه يغمرني من الأسف واللهف أكثر مما غمر الأستاذ كاتب المقال حينما ألحظ في غدواتي وروحاتي أن المؤذن يؤذن للصلاة والآذان يذاع بالراديو فلا يحرك ساكنا ولا يسكن متحركا وترى المارين في الشوارع والتجار في المحال والجموع المحتشدة أمام دور السينما والملاهي وكأنهم لم يسمعوا شيئاً!!! أفلم يلقن الرسول صلى الله عليه وسلم أتباعه كيف يردون على الداعي إلى الصلاة والصلاح والفلاح! أفليس من صميم تقاليدنا ان نكف عن العمل ونذر البيع ونسعى إلى ذكر الله؟ أفلا يكون منظر مثل هذا أروع من التحية للعلم، وأدل منها على روح النظام والولاء؟ وكذلك أرى أن القرآن يذاع بالراديو صباح مساء ولا يكون له وقع ما، في نفوس العاطلين العابثين الهازلينالآثمين الجاثمين على الأفاريز وداخل المقاهي فهم لا يستمعون له ولا ينصتون بل يستمرون في لعبهم بالنرد ولهوهم بأنواع شتى من اللهو وقد تأصل فيهم هذا الداء إلى حد أنهم يدأبون في ساحة الفاروق كما يدأبون في المحال العامة. قد كنت أقرأ وأنا بالهند عن اهتمام ملك مصر بإحياء ليالي رمضان فتشرق نفسي إلى شهودها فلما حقق الله لي تلك الأمنية وحضرت إحدى تلك الحفلات الملكية كنت أتوقع أن أجد المستمعين كأن رؤوسهم الطير وخفت أن تصدر مني هفوة لصوري عن معرفة الآداب المرعية هناك ولكني اكتشفت أن الأمر أهون بكثير وبدأت أفكر في نفسي وأتساءل: أولا يليق برجال القصر والمشرفين على تلك الحفلات أن يعلموا الجمهور درساً في آداب الاستماع إلى أي الذكر الحكيم فيضيفوا بذلك فضلا ويداً إلى أيادي الفاروق المتجددة؟ ولا شك أن مثل هذا الإصلاح هو أول واجب على عاتق الأزهر الشريف ولكن أخاف أن لا تكون حياة لمن يناديهم الأستاذ محمود الشرقاوي كاتب مقال (الأزهر والإصلاح).
وخلاصة القول أن الحياة الإسلامية مليئة بمظاهر روح النظام والولاء لو أننا تمسكنا بالعروة الوثقى وسعينا لإحياء تقاليدنا أكثر من الطموح إلى انتحال عوائد الأمم الأجنبية فإن
اقتراح الأستاذ ساطع الحصري بك إنما يذكرني بحكاية ناظرة مستشفى نقلت من بعض بلدان شرق أوربا الواقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة من أحرّ مناطق الهند فأمرت بفتح جميع النوافذ والشبابيك وقت الظهيرة كما كانت اعتادت ذلك من قبل في الجو المعتدل الذي تركته وراءها وكان الأولى أن تغلقها. ولا بأس بأن أذكر بهذه المناسبة أن الجامعة الإسلامية بعليكره (الهند)، التي لي الشرف بالانتساب إليها، تهتم بمثل هذه الأمور اهتماماً كبيراً لتنمية الشعور الإسلامي بين أبنائها، فمن الواجب المعمول به هناك أن يكف اللاعبون في ميادين اللعب والخطباء في نادي الاتحاد من اللعب وإلقاء الخطب ويلتزموا الصمت طالما يرن صوت المؤذن في آذانهم وربما حدث أن فرقا أجنبية زائرة أشير عليها بالكف عن اللعب أثناء المباريات فبدأت تنظر ذات اليمين وذات الشمال تتحرى السبب في دهشة وحيرة كما كان الحال بالأستاذ الحصري بك في كارفو فلما أخبرت أن السبب ليس إلا الاحترام للآذان تأثروا تأثيراً قوياً ظاهراً بهذا المظهر للطابع الإسلامي الخاص بتلك الجامعة حفظها الله من كل بلاء وعدوان.
السيد محمد يوسف الهندي
بين اليأس والرجاء!
للأستاذ صبحي إبراهيم الصالح
بين مرارة الواقع ومثالية الواجب، وبين يأس يخامر قلوب الناس ورجاء يجيش في نفسي، وبين غمرة تشاؤم الكهول ونفحة من تفاؤل الشباب، أكتب مقالتي هذه مخلصاً فيما تخطه يميني، مبتغياً الإصلاح ما استطعت.
ومن الأمانة ألا أكتم القارئ أن الذي أوحى إليّ هذا الموضوع هو الأستاذ الفاضل محمود الشرقاوي في مقالته (الأزهر والإصلاح) بالعدد 786 من الرسالة.
وللأستاذ في قلبي تجلة واحترام هو بهما جدير: لأن تفكيره في إصلاح الأزهر يعود إلى عشرين عاماً يوم كان شاباً لم يجاوز عقده الثاني، ولأنه - وهذا من جليل محامده - لم يغادر فرصة يستطيع بها خدمة هذا المعقل الإسلامي الحصين إلا انتهزها خالص النية، طاهر القلب، سديد الرأي. ولو نسي القراء مقالاته القيمة في السياسة والسياسة الإسبوعية والبلاغ فما أظنهم قد نسوا ما كتبه إلى عهد قريب عن الأزهر وإصلاحه في مجلة الرسالة التي أبى أستاذنا الجليل الزيات إلا أن يجعلها منبراً من منابر العروبة والإسلام.
وليطمئن الأستاذ الشرقاوي على أني - وقد عرفت روحه - لن أتعمد أن أسأله سؤال الأزهري أو غير الأزهري: لماذا ولمه؟ ولن أسأله عمن يريد بمقالته، أو ماذا كان يقصد بتوجيهه، لأني لا أرى أن لكل شئ ظاهراً وباطناً كما يرى بعض الناس، وإنما أعتقد في الشيء الظاهر له ولي ولكل بصير، وأحب أن أناقشه في هذا الظاهر مناقشة الخبير. . .
والظاهر من مقالة الأستاذ أنه يريد أن يقطع على الأزهريين سبيل مناقشته في موضوعه، لأنه سيدلي برأي خطير لا يقبل فيه جدالاً، ولأنه لا يحب ممن لم تنضجهم التجارب أن يأتوا بالرأي الفطير لئلا يسمعوا مقالاً. وكنت أوثر أن يرسم الأستاذ هدفه كما كان يرسمه من قبل من غير أن يكترث باعتراض المعترضين، ولا بنقد الناقدين: فنحن في عصر تحرم فيه حرية الدفاع عن بلادنا لرد عدوان الغاصبين، ونكره فيه بالقوة على هدنة كلها جور وعسف لئلا نغاضب مجلس الأمن، ولا نستطيع تحويل قضية فلسطين إلى محكمة العدل الدولية لتفصل في النزاع بين حقنا وباطل المبطلين، ولكنا ما زلنا نملك حرية الكلام والنشر والخطابة والحمد لله. فليت الأستاذ استعمل هذه الحرية كما يشاء في توجيه مقالته
بغير تلك المقدمة، وليته ترك الأزهريين يستعملون حريتهم كما يشاءون في السؤال والمناقشة ولو بلماذا ولمه.
بيد أن هذا كله لا يغض - فيما أرى - من قيمة مقالته فلن آخذه عليه؛ وإنما أشير - وما أملك إلا أن أشير - إلى أنه ما كان له وهو الذي بذل في إصلاح الزهر ما بذل من وقت وجهد أن يحكم ذلك الحكم الذي يقطع كل أمل، ويخيب كل رجاء، ويخنق كل صوت، ويثبط كل همة، حين قال:(إن بين الأزهر وبين الإصلاح شأواً بعيداً وبوناً شاسعاً ومرحلة طويلة جداً، وإني لست أدري هل إلى هذا الإصلاح سبيل).
والأعجب من هذا كله أن الأستاذ كرر هذه العبارة في مفتتح موضعه ومنتهاه، وأنه تساءل في المرة الثانية: أهو متشائم في حكمه؟.
وإني لأسأل الأستاذ: إن لم يكن هذا تشاؤماً فكيف يكون التشاؤم؟.
ألا يسمى تشاؤماً قسمه بالله العظيم واستعماله عبارات التأبيد والتأكيد مثل قول الأزهر اليائس: والله لن يصلح الأزهر أبداً مهما حاول المخلصون، وجد العاملون؟.
لو قال أحد هذه الكلمة لاتهمناه بأنه لا يريد أن يواجه الحياة، ولا أن يصادم الواقع، لأنه يعلم من نفسه العجز عن تذليل العقاب واقتحام الأخطار واحتمال المتاعب، فهو يعترف بضعف سلاحه وقلة استعداده، فليتنح للآخرين فلعلهم أقوى منه بداً، وأصلب عوداً، وأثبت جناناً.
ولكن الذي قال الكلمة الأولى رجل مصلح يحفظ له الأزهر خدمات أمينة، ولا ينكر له فضلاً، ولا ينسى له ذكراً، فلماذا يجني هذا الأستاذ الكريم على حماسة الشباب؟ ولماذا يقطع عليهم سبيل الرجاء؟ وليغفر لي كلمة (لماذا) فما يستطيع أحد أن يحذفها من كلامه في مثل هذا المقام.
ألا يرى الأستاذ أن أبسط ما يفهم من مقالته أن أحدنا لو أفنى عمره في إصلاح الأزهر لن يصل إلى غايته أبداً، لأن الطريق محفوفة بالأشواك، والعقبات قائمة هنا وهناك؟.
وماذا يصنع الأزهري الشاب الذي لا يرضى عن حال كلياته ومعاهده بعد أن سمع هذا الكلمة الغضبى من رجل أمضى عشرين سنة يفكر بالإصلاح؟.
أفنعتب عليه إذا حطم قلمه إن كان أديباً، أو كم فمه إن كان خطيباً، أو أسكت عبقريته إن
كان شاعراً، أو آثر لعقود ولو خلقه الله راغباً في الإصلاح!.
وهل لنا فائدة في تحطيم الأقلام أو كمّ الأفواه أو إسكات العبقرية أو قعود القادرين على العمل؟.
لا والله لا يعتب على هذا الزهري منصف بعد تلك الكلمة اليائسة المتشائمة التي تفيض ارتياباً بإمكان إنقاذ الأزهر من ورطته. . .
فيا سيدي الأستاذ:
إنك تعلم أن الرغبة شئ والعمل شئ آخر، ويؤسفني أن أصرح لك بأننا لم نكن إلى اليوم سوى راغبين، ولم نحاول أن نكون عاملين: وإن الأزهر من الميادين إن وجد العاملين نهض وانبعث، وإن وجد المتشائمين تلاشى ومات.
الأزهر صورة من حياة الشرق الذي دبت فيه الفوضى، بل من حياة المسلمين في القرن العشرين: طعام وشراب، وأوهام وأحلام!.
ولا والله ما ضر المسلمين أكثر من التشاؤم، ولا أضعف جهودهم أكثر من القنوط!.
إن دخلنا المساجد يوم الجمعة نستمع الإرشاد صدع الخطباء قلوبنا بأننا أمة التأخر والانحطاط وأن لا أمل في نهوضنا؛ وإن قرأنا صحيفة من صحفنا وجدناها قليلة الثقة برجال تعمل، أو جماعات تضم الشتات؛ وإن سألنا مفكرينا آراءهم في مستقبلنا أفزعونا بنبوءات كأنها الليل المظلم: فلحننا دائماً حزين، ونغمنا أبداً شاك، وقيثارتنا في كل وقت باكية!.
هذه علتنا معشر المسلمين في جميع الميادين - لا علة الأزهر وحده في محيطه الخاص، فأنا لينقصنا عنصر التشجيع، فلا نشكر عاملاً على صنيع، وإنما نقابل الناس بالوجه العبوس حين نستطيع أن نلقاهم بالوجه الطليق!.
أيها المسلمون: شجعوا الأزهر ولا تقنطوه، وساعدوه على القيام من عثرته ولا توئسوه، وأصغوا إلى صوته ولا تخجلوه، وامنحوا ثقتكم للبقية الصالحة من الشيوخ والشباب، فسترون الأزهر الوثاب!.
ويا أيها الكتاب: أقنعوا الرأي العام بتغيير نظرته القاسية إلى الأزهر حتى تشعروه بشيء من الثقة بنفسه؛ حتى إذا لم ينفع تشجيعكم عودوا علينا باللائمة إن كنتم فاعلين.
ويا صاحب الرسالة يا أديب العروبة الأكبر: لقد أمنت بالأزهر وما أحسبك كفرت به كما كفر الناس، ولقد شجعته طويلاً وما أظنك ترضى بيأسه بعد اليوم: فهلا نفحته من نفثات قلمك بكلمة طاهرة تعيد إلى النفوس طمأنينة بعد القلق، وراحة بعد العناء، لينسج الكتاب على منوالك، في هذه الأيام الحوالك! ليتك تستجيب لهذا النداء، فتنير الطريق للأدباء. . .
وبعد. . . فما هذه بكلمة شاب مثالي أو خيالي يعيش في دنيا الأحلام، وإنما هي كلمة من قلب يقدس التفاؤل في عصر نصرنا فيه اليأس على الرجاء، وتثبيط العزيمة على التشجيع.
(طرابلس الشام)
صبحي إبراهيم الصالح
لأنها مصرية
للأستاذ ثروت أباظه
أخلى الشتاء للصيف سبيله هادئاً أول الأمر، ولكنه حين تمكن من القوم أصلاهم ما تعودوا منه مبالغاً في ذلك مفتناً فيه.
ونفر القوم إلى حيث يهادن الصيف، فازدحمت القطُر التي تقصد الشاطئ، وكأنما أبى الحر أن يتيح لهم متعة السفر فجعل من زحامهم عوناً له على إنجاح مهمته في إقامة مشهد من مشاهد جهنم على الأرض.
لم أكن من هؤلاء السعداء قصاد الشواطئ فقنعت بيومين أقضيهما في الريف. ولم يعرف السفْر ذلك فأشركوني في بلائهم فاشتركت مرغماً.
كان بالمقصورة ثمانية أشخاص بين رجال ونساء، وكان لكل منهم صاحب سفر يهمس أحدهما للآخر بما يقطع به الطريق ويخفف القيظ.
وظننت أنا وصاحبي أن الأمر سيقتصر على الهمس، ولكنه حين انجلت ضجة المحطة واستبد القطار بالطريق. علا صوت ناعم برطانة فرنسية، فهمست إلى صاحبي:
- إنها تجيد الفرنسية إجادة أهلها لها، ولعلها أن تكون هي نفسها فرنسية.
- أما قسماتها فلا تدل على ذلك، ورفيق سفرها كما ترى يلبس طربوشاً، وما أظنك ترى أنه هو الآخر فرنسي.
- ومتى عرفت أن المصري لا يصاحب فرنسية؟ وعلى أي حال إن تكن فرنسية فهي من طبقة مصرية راقية. .
- ولا هذا. . لأن الطبقة التي تعنيها لم تعد تباهي بتعلم الفرنسية كما تفعل صاحبتنا الآن. . وقد كان آنسات هاته الطبقة يباهين بتعلم هذه اللغة ليتصيدن بها الرجال. . أما اليوم وقد وجد أغنياء الحرب وتمكنوا من إدخال بناتهم حيث يتعلم الآنسات الراقيات - كما يردن أن يسمين أنفسهن - أما والأمر كذلك فلم تعد بالراقيات حاجة إلى إظهار علمهن باللغة الفرنسية، فهي اليوم لا تدل على شيء. . . وما أظنالآنسة إلا بنت ثري حرب لم يكن ليتوقع لابنته أن تلوي لسانها في فمها بلغة غير العربية. .
- والعربية الدارجة. . فحين حقق الله له شيئاً لم يكن لينتظره أطلق ابنته من عقالها فرحاً
بها فخوراً. . وراحت بدورها تعلن على الملأ - كما ترى - أن أباها. . . بائع الدجاج علمها في (اللسيسه فرنسيه).
- لم أكن أتوقع كل هذا النقاش، ولو كنت توقعته ما اقتحمته. . إذ أن صديقي لا يقتنع أبداً مهما تبين له الحق، وكان القيظ شديداً فآثرت السلامة، وانحرفت بالحديث عن وجهته، معتقداً أنني على حق، ولاحظ هو ما قصدت إليه، فآثر السلامة بدوره، وانحرف معي بالحديث معتقداً أنني على باطل.
وشاء القطار أن يقف فجأة. . محدثاً بذلك صوتاً عنيفاً ذعر له الرجال ذعراً أخفت رجولتهم معظمه. وظهر ما لم تطق الرجولة كبته على وجوههم، أما النساء فقد أظهرن بكل ما يستطعن من القوة ذعرهن، معتقدات أنهن كلما أمعن في الذعر كان ذلك أدنى إلى الأنوثة، ولكن واحدة منهن لم يخرج بها الذعر عن الأدب المنتظر من سيدة. . أما ربيبة المدارس الفرنسية فماذا فعلت؟ لقد استنفد السيدات الجالسات كل المظاهر التي كان يمكن أن تلجأ إليها، ولا يصح أن تقلد واحدة منهن.
وكيف يكون ذلك وهي ابنة الغني، صاحبة الرطانة الفرنسية الصافية الخالصة. . أهي بكل هذا الأمجاد تقلد سيدات مصريات لا يتكلمن الفرنسية؟. . لا ودون هذا كل شئ. . أطلقتها صرخة وأتبعتها بقولة. . . ولكن الحظ خانها فخرجت الكلمة (بلدية) صريحة، وقد أرادتها فرنسية صحيحة. . وخرجت ساقطة تشير إلى القفص الذي أثقل كاهل أبيها قبل أن تدخل المدارس الفرنسية.
- لحاها اللهّ!. لقد أخجلتني أمام صاحبي وقد كنت أدافع عنها وعن أصلها. .
نظر صاحبي إليَّ في شماتة. ونظرْت إلى السيدة في احتقار وغيظ، وشاركني في احتقارها كل من كان بالمقصورة. . وأحست هي بهذه النظرات فألمت لضياع جهادها الطويل الذي بذلته في سبيل احترامنا لها. . جهاد ساعة باللغة الفرنسية.
- سألت صاحبها أن يخرج بها إلى الممشى ليلتمسا هواء. فأجابها إلى طلبها. . سألته في بلدية واضحة وأجابها في بلدية أفصح وخرجا. . وإذا بصاحبي ينفجر ضاحكا، وقد كنت والله مع احتقاري للسيدة أفضل بقاءها حتى تمنع عني ما سألاقيه من سخرية الصديق. . قال:
- إنها فرنسية. أليست كذلك!. . إنها من طبقة راقية ألا ترى هذا!. . إنه والله لن يأتي يوم تنال فيه السيدة المصرية ما هي أهله من احترام حتى تعلم أننا نحترمها لأنها مصرية، وأننا حين نراها قد جنحت إلى جنسية أخرى نزدريها لنكولها عن جنسيتها. . لن نحترم السيدة المصرية إلا حين نعلم أن لكل علم تعلمته مكاناً يظهر فيه. . فلو أن هذه السيدة تكلمت بلغة بلادها وأطلقت نفسها على سجيتها، لما كان بها حاجة إلى كل هذا التكلف الذي ارتكبته وركبها فحاد بها عن سلوك السيدة المحترمة. . . قلت:
- لعلها حسبت أن أحداً من الجالسين لا يعرف الفرنسية وأرادت أن تقول لصاحبها سراً.
- ما هذا التخبط: أفهمت مما قالته أنه سر؟ ولم تحسب هي أن الجميع جهلاء ما عداها؟. . وأي سر هذا الذي يقال بأعلى صوت؟. .
- انتهينا. . إذن أنت لا تريد المصريات أن يتعلمن الفرنسية.
- ما رأيتك أكثر لجاجة منك اليوم. . إنني لم أقل ذلك ولا يمكن أن أقوله. . بل إنني أرى أنه يجب عليهن أن يعلمن اللغات، ولا ارتقاء لهن بغير تعلمها. . ولكن يجب عليهن أن يعلمن أن لغتهن الأولى هي العربية، فإذا لم يعرفنها فأولى بهن ألا يتعلمن شيئاً، ويجب أن يعلمن أيضاً. . . أن فخرهن إنما يكون بلغتهن وبعقلهن لا بأنهن يتكلمن الفرنسية. . إن أحداً لن يحترم السيدة المصرية أو تحس باكتمال شخصيتها وعظمة بلادها ولغتها.
كانت حجة صديقي ناصعة بين يديه لم أطق إغفالها، فقلت:
- لا عليك، فأنت على حق يا صديقي. . ولكن هدئ من روعك فإن اليوم قائظ، وأخشى أن تنفجر وأنت تدافع، وأرى صوتك قد ارتفع حتى لتكاد تفعل فعلتها. .
هلم إلى الممشى، وعهد علي ألا أحترم السيدة المصرية إلا لأنها مصرية.
- أجل، وحسبها أن تحترم لأنها مصرية.
ثروت أباظه
فلسفة التاريخ:
وحدة الإنسانية
للأستاذ عطية الشيخ
التاريخ الإنساني ككل شئ في الوجود، يبدو لأول وهلة قطعاً متميزة، ومجموعات متباينة، مختلفاً باختلاف الأعصر والدول والحضارات والشعوب؛ ولكنه يظهر للمدقق جسماً واحداً متناسق الأجزاء، وشخصية واحدة متعاونة الأعضاء، وبنياناً يشد بعضه بعضا، ونهراً متصل المنبع بالمصب وإن اختفت أجزاؤه وأسماؤه باختلاف بحيراته وروافده. وكما أن البيت صورة مكبرة لأفراد الأسرة، والدولة وصورة كبيرة لمجموع بيوتها وأسرها، فكذلك الأرض منزل واحد لأسرة الإنسانية الكبرى، التي يؤدي فيها كل فرد من البشر ما تؤديه الخلية الواحدة في جسم الإنسان، وبتعبير آخر يقوم الإنسان في حياته بدورين. أحدهما باعتباره فرداً مستقلاً ووحدة قائمة بذاتها، وإرادة ظاهرة الاختيار. والدور الثاني يؤديه مجبراً ودون أن يشعر، باعتباره خلية من خلايا جسم الإنسانية العام، وإرادته الخفية في هذا الدور تسيرها الغرائز المركبة في طبه بالوراثة، والمتحكمة في حياته تحكماً لا يمكن الخلاص منه مهما بذل من العلاج كما يقول علماء النفس، وما أقصر أجل الإنسان باعتباره مستقلاً، وما أطول حياته باعتباره خلية في جسم الإنسانية العام المبتدئ بآدم والمنتهي فناء هذا الإنسان. وما أضعف الإنسان، وما أضيق أفقه إذا قيس بمجهوده الفردي، ومسارحه ومغانيه كفرد. وما أقواه وما أوسع منزله إذا نظر إليه في شخصيته الإنسانية الكبيرة التي منزلها الأرض كلها.
وهناك حقيقة مقررة في علم الأحياء، وهي أن كل خلية في الجسم الحي، تحمل خصائص الجسم كله ومميزاته وتحكي في حياتها وفنائها، حياته وفناءه. وأن النابتة الجديدة لجنس من الأجناس، تمثل في عمرها من وقت اللقاح إلى ما بعد الفناء، الأطوار والأدوار التي يمثلها الجنس كله من حين نشأته على الأرض، إلى وقت هذه النابتة.
ومثال ذلك: أن تاريخ الجنس البشري على وجه الأرض من نشأته إلى وقتنا هذا، تمثله في أطواره حياة فرد من وقت إخصاب البويضة في رحم أمه، إلى ان يفنى بعد شيخوخته.
ويمكن بناء على هذه القاعدة العلمية - والإنسان كائن حي - يمكن تطبيق هذه النظرية
عليه. فكل ما يصيب الفرد الواحد من أحداث، ينتاب الدول والجماعات، والبشرية عامة. فميلاد، وشباب، وهرم، وشيخوخة، ويسر وعسر، وشدة ورخاء. والعوامل التي تؤثر في الفرد الواحد بالغنى والفقر، والبداوة والحضارة، والضعف والقوة، هي التي تؤثر في الدول وفي البشرية عامة، هذا التأثير. وكل حادثة في شرق الأرض، لها أثر وصدى في غربها، وكل واقعة غائبة في جذور التاريخ السحيقة تتفرع وتورق وتزهر فيما يليها من العصور. ويجب على الإنسان ألا يحكم على ما يصيب عضواً من أعضائه إلا بمقدار أثر هذه الإصابة في الجسم كله من خير أو شر. فقد يبتر عضو ليسلم الجسم كله، وتتعب أجزاء لراحة البدن جميعه، وكذلك لا يصح أن يوصف ما يصيب شعوباً أو جماعات من أحداث إلا بالنظر إلى أثر هذه الأحداث في جسم الإنسان العام. وبهذه النظرة، نشعر براحة وتطامن نفس عند قراءة ما يصفه المؤرخون للدول بأنه نكبات وكوارث.
فتهدم بغداد على يد التتار، وتخرب روما على أيدي القوط، جدد شباب العرب واللاتين بإدخال دماء فتية قوية جديدة في عروق هاتين الأمتين.
والحروب المتصلة الجارفة التي لا يخبو أوارها على وجه الأرض، هي من أكبر أسباب التقدم البشري، وهي الوسيلة الفطرية للانتخاب الطبيعي بعد تنازع البقاء وبقاء الأصلح، ليضل الجنس البشري سائراً في مدارج العلا.
والنواميس الطبيعية في عدالتها وسلامة فطرتها، تأبى أن يتحرك جسم الإنسانية جميعه حركة قوية عامة، فيدركه الكلال والتعب والاضمحلال مرة واحدة. وهي كذلك تداول النشاط بين وحداتها لتقوم بدورها، ثم تستريح، ويقوم غيرها. فتضمن بذلك استمرار التقدم والرقي والاستفادة بكل ما في أعضائها من قوى، ومطارح أجزائها من خيرات. فمرة يكون العمل والقيادة لأمم زراعية في أخصب الوديان في الشرق الأدنى والأوسط، وأخرى يكلف بالدر سكان سهوب آسيا وصحاريها، وطوراً يقوم بالعمل سكان أقاصي الشرق في اليابان والصين، حتى إذا كلت الدنيا القديمة ومن عليها، كشفت الدنيا الجديدة في أمريكا، وتولت زعامة الإنسانية والسير بها للأمام.
فانظر - رعاك الله - إلى هذا التوزيع الحكيم للقيادة بالنسبة لأجزاء الأرض وأجناسها. فمرة في شرق الأرض، وأخرى في غربها، وطوراً في باردها وتارة في ساخنها، مع تبادل
الزعامة بين البيض والسمر والصفر، كأنما الناس في تحركهم التاريخي شخص واحد، يشتغل باليسرى إذا كلت اليمنى، ويعتمد على اليمين إذا تعبت الشمال.
وهناك ناموس آخر يسري على الجماد، يمكن تطبيقه على الجنس البشري، وهو قانون التجميع والتفرق.
فالسديم الشمسي يتفرق بالانفجار ويرتبط بالجاذبية. والبخر يرفع الماء سحاباً، والبرد والجاذبية يسقطانه أمطاراً، والحياة تؤلف بين العناصر، والفناء يفرق بينها.
أقول إن ناموس التجميع والتفريق، يجب ألا يغيب عن بحاث علم الاجتماع. ففي الإنسان دوافع انفصال واستقلال تنبع منها الأنانية والتعصب للأسرة، والوطن، والقبيلة، والدولة: وهي أدواراً يمثلها كلها باعتباره فرداً مستقلا، ووحدة قائمة بذاتها، وفكراً مختاراً. وفيه دوافع خفية للترابط والامتزاج والتكتل والاتحاد يؤديها رغم أنفه بما ركب فيه من غرائز باعتباره خلية في جسم الإنسانية العام. فهو بحسب فكره حين يفتح قطراً من الأقطار، يخدم نفسه أو وطنه أو شعبه بتوسع الملك والتسلط على الغير. ولكنه في الواقع، وبالنسبة لسير الإنسانية العام، يسد فراغاً، وينهض نياماً، ويجدد شباباً، ويصل منقطعاً في جزء من أجزاء البشرية.
عطية الشيخ
في حومة البطولة بفلسطين:
المجاهدة الشهيدة
للشيخ محمد رجب البيومي
(قرأت بالعدد (787) من الرسالة الغراء قصة البطلة الشهيدة (حياة) فأوحت إلى بهذه القصيدة المتواضعة وقد جعلت إهداءها إلى الصديق الأعز الأستاذ عبد المنعم محمد البغدادي).
صعدت روحها إلى عالم الغي
…
ب كعطر يفوح بين الزهور
لم تكد تنتمي إلى الخلد حتى
…
لاح في ثغره ابتسام السرور
الطيور الجميلة الشدو غنت
…
في ابتهاج، أحبب بشدو الطيور
والعناقيد في الكروم أكف
…
صافحتها في نشوة المخمور
تلك حياتها النضيرة صارت
…
لؤلؤاً في إكليلها المضفور
خطرت كالنسيم طاف على الرو
…
ض فأمسى مضمخاً بالعبير
زين الخلد أوجه حين وافت
…
هـ ببدر يتيه بين البدور
خفت الحور نحوها مثلما هر
…
ول صاد تجاه عذب نمير
أخذت نايها الحزين وغنت
…
بين أترابها بلحن مرير
سألوها: أفي الخلود نواح
…
وعويل يهيج وجد الصدور
فأجابت: شهيدة تطلب الثا
…
ر حثيثاً لقلبها الموتور
ليس ينسى فؤادها في فلسطين
…
أنيناً يذيب صم الصخور
ذكرت قصة الكفاح فجادت
…
عينها الحيا بدمع غزير
يا لحسناء في ربي الخلد تبكي
…
بين سرب من فاتنات الحور
ذكرت مصرع العدالة في دنياً
…
أحيطت بجاثمات الشرور
جلل البغي وجهها بظلامٍ
…
ليس فيه صبابة من نور
كلما شع من سنا الحق ضوء
…
يتوارى في حالك الديجور
الطغام اللئام قد عاونوا القوم
…
على للبغي والخنا والزور
لو تركنا لهم لهبوا مع الر
…
يح غباراً يطير كل مطير
كعصافير ظنت الأيك يخلو
…
من شريك فبوغتت بالصقور
صدمات من مجلس الأمن هبت
…
تنقذ القوم من عذاب السعير
عقرب لاذ بالأفاعي فويلي
…
من غدور يرعى ذمام غدور
عاونوا الباطل الصراح جهارا
…
وأخوالحق ماله من نصير
ثم جاءوا إلى فلسطين يسعو
…
ن بشر على الورى مستطير
بالدمار المبيد بالخطر الماحق
…
بالويل بالردى بالثبور
فإذا فيلق العروبة ينقض
…
نسورا تطير خلف نسور
الليوث الكماة ناداهم المجد
…
فطاروا إلى العدوالمغير
كل ليث يهج في صدره البأ
…
كنار تشب في تنور
فجسوم تناثرت كالشظايا
…
ودماء تدفعت كالبحور
وسماء منها القنابل تهوى
…
فوق أرض مليئة بالقبور
لو تركنا وشأننا ما تبقى
…
منهمو في الحياة شروى نقير
قدر الشرق إنه لجدير
…
بثناءالورى، وأي جدير
الكعاب الحسان يزحفن للنصر
…
كموج يفيض جم الهدير
(وحياة) شهيدة الحق تسطو
…
في حميمالوغى كليث هصور
رفعت راية البطولة فأعجب
…
للواء كف ظبي غرير
تبصر القاذفات توى مع المو
…
ت وتسعى لها بقلب جسور
تبرئ الجرح تغسل الدمع تذكى
…
في بني قومها لهيب الشعور
ما أجلّ الوفاء تلبسه الغيد
…
وشاحاً مرصعا بالزهور
أبتغي أن أصوغ فيه قريضي
…
فتضيقاللغى عن التعبير
الكفاح المرير غال صباها
…
لهف نفسي على صباها النضير
فتحت للرصاص صدراً وضيئاً
…
يتراءىكصفحة البللور
الكفاح المرير والعمل الدائب
…
والسعيفي السرى والبكور
تهبط السهل تعتلي الحزن تعدو
…
في ظلام الدجى ووقد الهجير
جعلت ثورة المتاعب منها
…
شبحاًفر من وراء الدهور
سمعت في الدجى إليهم أنيناُ
…
لجريح يئن تحت الصخور
نسف البيت فوقه بشظايا
…
خلقت للفناء والتدمير
بحثت عنه - وحدها - فرأته
…
أبتر الساق ذا جناح كسير
حملته رغم الضنى وتولت
…
في شهيق مؤرق وزفير
فإذا العاصف المدمر يهوى
…
طائر العدو كالشهاب المغير
وإذا الغادة النبيلة ذرَّا
…
ت تلاشى كيانها في الأثير
رقدت والجريح في ساحة الخلد
…
تعب الكرى بطرف قرير
زين الخلد أفقه حين وافته
…
ببدر يتيه بين البدور
من مجيري من الأسى - يلهب الصدر
…
إذا ما ذكرتها - من مجيري؟
زهرة تبهر العيون على الغصن
…
وفي الكف نسجها من حرير
سلط المنجل الرهيب عليها
…
فطواها الثرى ليوم النشور
فإذا الروض مأتم تتباكى
…
في روابيه نادبات الطيور
لم أرد أن أصوغ فيها رثاء
…
تلك والله نفثه المصدور
(الكفر الجديد)
محمد رجب البيومي
الأدب والفنّ في أسبوع
للأستاذ عباس خضر
مهزلة اليونسكو:
أخذت مسألة تأجيل انعقاد مؤتمر اليونسكو، جانباً كبيراً من اهتمام الهيئات العربية الثقافية في هذا الأسبوع، وهو اهتمام مشوب بعدم الارتياح إلى التصرفات التي بدت أخيراً نتيجة ألاعيب اليهود ومساعيهم للحيلولة دون انعقاد هذا المؤتمر في لبنان، فقد كان مقرراً أن ينعقد في أكتوبر القادم، ثم أجل إلى نوفمبر، وأخيراً تلقى معالي عبد الرازق السنهوري باشا وزير المعارف برقية من المستر هاكسلي مدير اليونسكو، يطلب فيها موافقة الحكومة المصرية على تأجيل المؤتمر إلى 10 فبراير سنة 1949.
واقترن كل ذلك بتحريض الدعاية اليهودية بعض الدول على الاعتراض على عقد مؤتمر اليونسكو بلبنان لأنه يؤلف أحد طرفي النزاع في الاضطرابات القائمة في فلسطين، وأبدت دول أخرى مخاوفها للحكومة اللبنانية التي أكدت أن المؤتمر سينعقد في جو آمن لا يخشى فيه أي ضرر؛ واقترن أيضاً طلب التأجيل الأخير بما نشر من أن دولة إسرائيل المزعومة طلبت تمثيلها في مؤتمر اليونسكو، ويظهر أنها وجدت صعوبة في السعي لإحباط عقد المؤتمر في لبنان، فحولت الاتجاه إلى طلب تمثيلها به مع العمل لتأجيله مدة طويلة تستطيع فيها أن تظفر بالموافقة على اشتراكها فيه. . ومن يدري ماذا يحدث بعد هذه الألاعيب، وماذا يتلوها من رغبات إدارة اليونسكو؟.
وقد أولى معالي وزير المعارف هذه المسألة ما تستحق من العناية، فاجتمع بوزير لبنان المفوض في مصر، ثم رأس اجتماع المكتب الدائم للجنة الثقافية بالجامعة العربية يوم الخميس الماضي، ونظر المكتب في هذا الموضوع ثم قرر أن يعرض الأمر على اللجنة الثقافية في اجتماعها بلبنان يوم 28 أغسطس الحالي، لتقرر موقف الدول العربية من مؤتمر اليونسكو، وسيمثل مصر في هذا الاجتماع وفد مؤلف من رجال وزارة المعارف برياسة وكيلها الأستاذ محمد شفيق غربال بك.
ويلاحظ من قرار المكتب الدائم أن المسألة لم تعد قبول التأجيل المطلوب أو عدم قبوله فحسب، بل أصبحت (موقف الدول العربية من مؤتمر اليونسكو) إزاء ما أثير حوله
لاجتماعه بلبنان وما نشأ عن ذلك من تكرر التأجيل.
هذا ولم ينس الناس بعد ما أعلنته هذه الهيئة الثقافية الدولية من أن أول أغراضها القضاء على أسباب الحروب في العقول بالتقريب الفكري بين أمم العالم، ولكنها منظمة من منظمات هيئة الأمم المتحدة، فلم يستطع المشرفون عليها أن يقضوا على المطامع السياسية والمصالح الاستعمارية في عقولهم وهم الذين يريدون أن يقضوا عليها في عقول سائر الناس!.
ثم ما هي جدوى اليونسكو، ومؤتمراتها وقراراتها في هذا العالم المضطرب؟ وأي دولة من هذه الدول المتنافسة المتشاحنة ستنفذ توصيات اليونسكو؟ وماذا تجنيه الأمة العربية من هذه الأعمال الخيالية العقيمة؟ لقد أعدت وزارت المعارف بالدول العربية وخاصة مصر تقريرات مستفيضة عن تقدم التعليم في بلادها وأخذها فيه بأحدث الوسائل وغير ذلك، لتلقى في مؤتمر اليونسكو فيسمعها ممثلو الغرب بآذان من طين وعجين.
لقد أحسنا الظن بهؤلاء (اليونسكيين) إذ صدقنا خلوص نياتهم في العمل الثقافي الذي يهدف إلى السلام، وأردنا أن نتعاون معهم، ولكن هاهم أولاء يتأثرون بالمساعي الصهيونية، وقد يقبلون الدولة المزعومة، فالأولى بنا أن ننظم شئون ثقافتنا بيننا ونكرس لها جودنا في داخل البلاد العربية. وليأخذوا مؤتمرهم إلى حيث يشاءون.
بعد كتابة ما تقدم وإعداده للطبع جاءت الأنباء الأخيرة بأن مجلس اليونسكو التنفيذي قرر قبول إسرائيل (المزعومة) في مؤتمر لبنان بصفة عضو مراقب إذا طلبت ذلك، وذلك بناء على طلب مندوب الولايات المتحدة.
الصعلكة:
كان الدكتور زكي مبارك، في (البلاغ) يوم الاثنين الماضي، ينتقل من موضوع إلى موضوع - كدأبه في (الحديث ذو شجون) - حتى جاء ذكر الشاعر البائس عبد الحميد الديب، فقال الدكتور إنه ألقى كلمة في حفلة تأبين الديب قال فيها:(إن الأديب من الوجهة الشخصية لا يهمني ولكن إقامة مناحة على شاعر احترف الصعلكة توحي إلى الناشئين أن الصعلكة من شروط النبوع الشعري. وهذا لا يجوز).
والدكتور زكي مبارك كاتب عربي مبين، وهو يكتب دون تمهل ولا روية، لأن البيان صار
فيه سجية، كما قال عن نفسه ذات مرة، وهو إلى هذا واسع الاطلاع، وذخائره أكثر مما تحويه صفحة صفحة (الحديث ذو شجون) على كثرةما تحوي.
ولذلك عجبت من أن يستعمل (الصعلكة) كما وقعت في عبارته السابقة، استعمالاً يجعل من مدلولها الضعة والتسكع، مجارياً في هذا ما شاع على ألسنة غير المحصلين. فالصعلوك هو الفقير، وليس بلازم أن يكون الفقير حقيراً. ومن الغريب أن الاستعمال الشائع لهذه الكلمة الآن على عكس ما كان يطلقها العرب قبل الإسلام على طائفة من الفتاك المعدودين المقدمين، كانوا يسمونهم (الصعاليك) ومنهم الشعراء المبرزون كالشنفري وتأبط شراً والسليك بن السلكة وعروة بن الورد الذي كان يلقب عروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم وكانت غزواتهم هي السطو على أحياء العرب للسلب والنهب، ولهم في ذلك أخبار وقصص عجيبة، يقوم جانب منها على ما عرف به بعضهم من المهارة في العدو. وكان هذا مظهراً من مظاهر الفتوة والوجاهة في الحياة الجاهلية.
ولا شك أنه يصح أن يقال إن الشاعر عبد الحميد الديب كان صعلوكا، بمعنى فقير، ولكن الذي يقصده الدكتور زكي مبارك هو المعنى الشائع على ألسنة المعاصرين، كما يدل تعبيره (احترف الصعلكة، فالفقر لا يحترف. وقد عنيت بمناقشة الدكتور في ذلك، لأنه من أئمة الجيل، وتعبيره هذا يوحي إلى الناشئين أن الصعلكة هي الضعة والتسكع. وهذا لا يجوز. . .
استهداء الكتب:
كتب الأستاذ أحمد الصاوي محمد بأخبار اليوم، معلقاً على كتاب ورد إليه من المجلس البلدي بكفر الزيات يستهديه فيه كتبه للمكتبة التييزمع إنشاءها، ففند هذا المطلب، وقال:(ففي كل يوم تستهدينا كتبنا المجالس البلدية والمحلية والأندية الرياضية والجمعيات الثقافية والأدبية، ولو كانت كتبنا كالجميز لا فتقرنا وشحذنا من إهداء كل هذا الجميز وتوزيع كل هذا الترمس. . . مجاناً!!).
والأستاذ الصاوي محق في هذا من غير شك، وخاصة فيما يتعلق بالهيئات الحكومية التي تطلب الكتب من مؤلفيها بالمجان، وهي تعتمد الاعتمادات وتنفق الأموال في كل وجه وتريد أن ترزئ المؤلفين في مؤلفاتهم التي سهروا الليالي، وبذلوا من أعصابهم، وسكبوا
عصارات أفكارهم، في تأليفها، ثم أنفقوا على طبعها ما يرجون أن يجمعوه على الأقل من ثمن النسخ.
فهذه المجالس البلدية والمحلية التي تسخو في الاستقبالات وإعداد الاستراحات والمرفهات - تقبض يدها عن المؤلفين وتبسط لهم يد التظرف بالثناء والاستهداء، كأنها تحسب أن المؤلف لديه ضيعة تنبت فيها الكتب بغير حساب.
ويظن هؤلاء المستهدون أنهم يقدرون المؤلف تقديراً أدبياً باستهداء كتابه، فإذا كان الأمر كذلك فكل الناس مستعدون (لبذل) هذا التقدير الذي لا يغني من جوع. . . وهل تستطيع أن تطلب من مصنع - مثلاً - شيئاً من مصنوعاته وتدفع ثمناً له تقديرك لدقة صنعه ومهارة صانعه؟.
التمثال والإبريق:
تلقيت الكتاب التالي من الأستاذ إسماعيل كامل رئيس قلم المناقضات بوزارة المعارف:
(. . . وبعد فقد سبق لشخصي المتواضع أن كتب أقصوصة بمجلة مسامرات الجيب الصادرة في 15 يونية سنة 1947، بعنوان (دش بارد).
(وكان اغتباطي شديداً وممزوجاً بالأسف المر عندما وجدت بمجلة الثقافة الصادرة في 23 مارس سنة 1948 أن هذه القصة بالذات تقدم بها الأستاذ محمد أمين حسونة في مباراة القصة القصيرة في مهرجان الشباب لسنة 1948 فنال بها الجائزة المالية الأولى. وكان اغتباطي لتقدير لجنة التحكيم (حامل) قصتي وإيثاره بالجائزة الأولى. . . وهأنذا أرفق كتابي بعددي الثقافة والمسامرات لعل الحقيقة تحظى بمناصرتكم، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانوينة من ناحيتي).
قرأت هذا الكتاب، ونظرت إلى المجلتين المصاحبتين له، فرأيت قصة (دش بارد) بالمسامرات تتلخص حادثتها في أن شاباً أراد أن يبعث إلى خطيبته بهدية في عيد ميلادها، وحار في ذلك لقلة نقوده. . . ثم رأى بمحل تماثيل تمثالا مهشما إلى أربع قطع، فخطرت له حيلة. . . اشترى التمثال وأخذه من البائع بعد أن لفه، وأرسله بالبريد إلى خطيبته، مقدراً أنها عندما تراه مهشما تعزو ذلك إلى إهمال عمال البريد. ثم حرص الشاب على أن يكون عند فتاته وقت وصول الهدية. ولكن حدث عندما وصل (الطرد) أن فتحته الفتاة
فوجدت به أربع قطع وقد لفت كل قطعة في ورقة منفصلة! فامتقع وجه الشاب عندما أدرك سخافة البائع الذي أسرف في الحرص فأضاع سعادة خطيبته وكرامته).
ورأيت بالثقافة مقالا للأستاذ عبد الله حبيب، كتبه عن مباراة القصة القصيرة في مهرجان الشباب، وقد أتى في على ملخص القصة الفائزة بالجائزة الأولى للأستاذ محمد أمين حسونة، وعنوانها (البغل والإبريق) لأن الكاتب قد حول التمثال المحطم إلى إبريق محطم أيضاً، ولكنه ثلاث قطع، وكل قطعة لقت على حدة، كما حدث في قصة (دش بارد).
ولست أدري لم (يزعم) الأستاذ إسماعيل كامل أن قصة (البغل والإبريق) هي قصته، وقد غير كاتبها العنوان وجعل التمثال إبريقاً، وجعل أربع القطع ثلاثا! وليس هذا فحسب، بل استبدل بالخطيبة ابنة رئيس الشاب في المصلحة التي يعمل فيها، ووفق أيضاً في تغيير المناسبة من عيد ميلاد إلى زفاف!!.
أفيصح بعد كل تلك (التغييراتالفنية) أن يقول الأستاذ إسماعيل ما قال ولا يتسامح فيما عدا هذه التغييرات من اتحاد في الهيكل والعقدة. .؟.
أصعب عليه أن يثني الأستاذ عبد الله حبيب علي قصة (البغل والإبريق) بقوله: (وقد امتازت هذه القصة بالبساطة في عرض وقائعها وتصوير أشخاصها، مع دقة التعبير واتساق الفكرة وربط أجزائها وحسن حبكتها والحرص على تشويق القارئ والاتصال بفكره) وهو خالي الذهن من أن لهذه القصة أصلا ثابتاً في المسامرات كان هو الأولى بالثناء. . . والجائزة. . .؟
هون على نفسك يا صديقي، ولا يخف عليك أن المسامح كريم. . .
رسالتان:
الأولى من الأستاذ حسن أحمد با كثير، صاحب (نشيد جهاد فلسطين) الذي استحسنته اللجنة الثقافية بالجامعة العربية فقررت تلحينه وإذاعته. وقد لحنه قسم الموسيقى بالجامعة الشعبية منذ شهور، وسمعناه هناك في حفل أقيم للجنة الثقافية، فنال ما هو جدير به من الاستحسان تأليفاً وتلحيناً. يقول صاحب النشيد في رسالته: إلى إن أشهراً كثيرة مضت على ذلك حدثت في خلالها أحداث فلسطين المتعاقبة (ومع ذلك لم يفرغ الملحنون بعد من تلحين هذا النشيد، ولم تحاول الإدارة الثقافية بالأمانة العامة دفعهم إلى الإسراع في تقديم اللحن
لإذاعته، ولا أدري متى ينتهون من التلحين ومتى يذاع النشيد إن لم يذع في هذه الأيام).
والأستاذ با كثير يظلم الإدارة الثقافية، لأن النشيد قد لحن فعلا كما ذكرت منذ مدة طويلة، وقد أرسلته إلى إدارة الإذاعة لإذاعته، ويظهر أنه استقر في (كهف) هناك يحرسه كلب باسط ذراعيه بالوصيد. . . ويظهر أيضاً أن الأخ با كثير ليس له صلة بأحد في الإذاعة، ليوقظ له نشيده من سباته.
والرسالة الثانية من (المخلص فتحي. اليسانس الحقوق) يبدي فيه إعجابه بفكرة إنشاء معهد للدراسات الاجتماعية بكلية الآداب بالاسكندرية، ولكنه يأسف لعدم استطاعته كغيره من المقيمين في القاهرة الراغبين في هذه الدراسات، أن يحققوا رغبتهم، ويقول:(إنني باسم الكثيرين ممن يريدون الالتحاق بالمعهد ولكن ظروفهم تمنعهم من ذلك، أقترح على حضرتكم أن تنادي بضرورة افتتاح معهد ممثل يكون تابعاً لكلية الآداب بجامعة فؤاد).
وطلب السيد فتحي جدير بالتحقيق، وأعتقد أن الأمر سيأخذ مجراه كما يريد، أي أن معهد الإسكندرية سيكون تجربة تنتفع منها جامعة فؤاد بالقاهرة، وإن كان معهد القاهرة سيتأخر ميلاده عن معهد الاسكندرية، ونتوجه برغبة هؤلاء الشباب المتطلعين إلى الاستزادة من الدراسات الاجتماعية - إلى عميد الآداب بجامعة فؤاد، ليعمل على إنشاء المعهد المأمول في أقرب وقت مستطاع.
عباس خضر
البَريدُ الأدَبيَ
المفعول معه وواو المعية:
من عنوان المفعول معه يفهم الإنسان أن الاسم المنصوب بعد الواو مصاحب للاسم السابق لها. فالمصاحبة شرح وتوضيح للواو التي هي نص في إفادة المعية في هذا الباب. والأمثلة المسموعة من القرآن وغيره واضح فيها معنى الواو بدون تجوز أو تأويل. فمن القرآن قوله تعالى: (فأجمِعوا أمركم وشركاءكم) فشركاءكم ليست معطوفة على أمركم، بل هي مفعول معه، إذ أنه لا يراد أجمِعوا أمركم وأجمِعوا شركاءكم، وإنما المقصود أجمعوا أمركم مع شركائكم.
وقوله تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان) لا يراد به تبوءوا وتبوءوا الإيمان، إذ أن الإيمان لا يُتبوَّأ، وإنما المراد أنهم تبوءوا الدار مع إيمانهم بالله. ومن قول العرب:(لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها) معناه لو تركتها مع فصيلها لرضعها. ومن شعرهم قوله:
لا تحبِسنَّك أثوابي فقد جُمعت
…
هذا ردائِيَ مطوياً وسربالا
معناه هذا ردائي مطوياً مع سربال. وقوله:
فكونوا أنتمو وبني أبيكم
…
مكان الكليتين من الطّحال
معناه كونوا مع بني أبيكم متقاربين متعاونين.
فالشواهد المأثورة يتضح فيها أن الواو نص في المعية بدون تجوز أو تأويل. إلا أن بعض الشراح توسعوا في الأمثلة وحملوا الواو معاني تحتاج إلى المجاز فلجئوا إلى التفسير، وتفسير للتفسير ومزيد من تفسير التفسير، فقالوا: سرت والنيل، وسرت والطريق، أي مصاحباً النيل؛ ومصاحباً الطريق، أي مقارناً النيل؛ ومقارناً الطريق في سيري، وذلك تفسيراً لقولهم سرت مع النيل، وسرت مع الطريق. وهذا من العبث واللغو بمكان. ولكنا على هذا النمط تعلمنا وعلمنا كتب النحو. وفي هذا العبث وقع المؤلفون، وبهذا العبث ألزم التلاميذ في المدارس، فاضطرب المدرس في الشرح وتحايل، واستغلق المعنى على التلميذ فلجأ إلى الحفظ من غير أن يتصور المراد. ففي كتب قواعد اللغة العربية المقررة على تلاميذ المدارس الابتدائية تعريف معقد للمفعول معه استنباطاً من أمثلة وضعوها وفيها كثير من الخطأ، أو على الأقل فيها مبالغة في المجاز لا يهضمها التلاميذ، فقد عرفوا المفعول
منه بأنه اسم منصوب بعد واو بمعنى مع، للدلالة على ما فعل الفعل بمقارنته. فتكملة التعريف (للدلالة على ما فعل الفعل مقارنته) يتوقف عند تفهمها الكبير ويعجز عن تصورها الصغير. وكان الأولى أن يقتصر في التعريف على شطره الأول (وهو اسم منصوب بعد واو بمعنى مع). أما الأمثلة، فهي مؤلفة بقصد التجديد منهم - على ما يظهر - ولكنها خرجت عن المعنى المطلوب، فقالوا: غرد البلبل والشجرة، أي مع الشجرة، أي مصاحبا الشجرة، أي مقارنا الشجرة في تغريده. وقالوا: جلس المسكين وباب المسجد، أي مع باب المسجد، أي مصاحباً لباب المسجد، أي مقارناً لباب المسجد. وقالوا: جلس التلميذ والكتب. . . أي. . . أي. . . ومع كل هذه (الأيأية) التي يلجأ إليها، فإن الأمثلة لا تتضح للمتعلم، وبخاصة إذا كان صغيراً.
ولعمري إن هذه وأمثالها مما ورد في كتب قواعد اللغة العربية مما أخطئها التوفيق وجانبها الصواب، ولو اقتصروا على خرجت وطلوع الشمس، أو وغروب الشمس، أو صلاة الظهر مثلا، وغيرها مما يتضح فيه المعنى بدون (أيأية) لكان أولى وأرحم بعقول التلاميذ، ولكنه الخطأ في أساس التأليف تبعاً لخطأ سابق في كتب النحو بدون تمحيص.
ومثل هذا الخطأ أيضاً حادث في واو المعية التي ينصب بعدها الفعل المضارع، ذلك أن فاء السببية وواو المعية تضمر بعدهما أن - كما قالوا - وجوباً بشروط، إلا أن معنى كل منها مخالف للآخر. فالفاء يكون ما قبلها سبباً لما بعدها، وما بعدها متأخراً عما قبلها، وقد نبا عليه نقول أقبل فأكرمك، وذاكر فتنجح، فالإكرام مترتب على الإقبال، والمذاكرة سبب في النجاح، ومن القرآن قوله تعالى:(يا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل)؛ يفهم منه أن عملهم المغاير لما كانوا يعملون مترتب على ردهم إلى الدنيا مرة أخرى. أما الواو فيكون ما بعدها مصاحباً لما قبلها في نفس الوقت، ومن ذلك قوله تعالى:(يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين)، فهم يتمنون ردهم مرتبطاً في الوقت نفسه مع عدم تكذيبهم بآيات الله، ومرتبطاً مع كونهم من المؤمنين. ومن الشعر قوله:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
…
عار عليك إذا فعلت عظيم
معناه مع إتيانك في الوقت نفسه مثل ما نهيت عنه. وقوله:
أتبيت ريان الجفون من الكرى
…
وأبيت منك بليلة الملسوع
معناه مع بياتي في الوقت نفسه من حبي لك وتقلبي في فراشي كمن لدغته العقرب.
لكن الأساتذة - مع احترامي لهم - مؤلفي كتب القواعد عاقبوا بين الفاء والواو في الأمثلة بدون نظر إلى اختلاف معنييهما فقالوا: ذاكر فتنجح، وذاكر وتنجح، فالمثال الأول يترتب فيه النجاح على المذاكرة، ولكنه في الثاني يحتاج إلى تأويل، ومع ذلك فهو بعيد عن معنى الواو التي في هذا الباب على كل حال حقيقة أنه قد يكون مع المذاكرة النجاح، ولكن ليس النجاح مرتبطاً مع المذاكرة في نفس الوقت، وإنما هو مترتب عليها، وهي سبب له. وذلك ما تفيده الفاء التي تؤدي معناها لام التعليل، وتصلح أن تخلفها في أمثلتها.
وإن الآيات والأمثلة لتؤيد كل ما قدمناه، ولله در ابن مالك إذ يقول:
والواو كالفاء إن تفد مفهوم مع
…
كلا تكن جلداً وتظهر الجزع
فهو يذكر لنا أن الواو ينصب بعدها المضارع كالفاء بشرط أن تفيد المعية. ومثاله موضع كل الإيضاح. فلعل المؤلفين لكتب القواعد يذكرون ذلك عند إعادة الطبعات.
عبد الستار أحمد فراج
محرر بالمجمع اللغوي
1 -
تشدد في اللغة لا موجب له:
علم الله أنني جد حريص على سلامة اللغة، ولكنني أكره التزمت فيها، وأبغض شئ إلى نفسي الإمعان في الجدل إلا جدلا يكشف حقاً، أو يُدحض باطلا، أو يهدي إلى الرشد؛ وقد ضقت ذرعاً بمسائل كثيرة يتعلق بها بعض من حسنت نيتهم، أو ضاق أفقهم، أو استولى عليهم الغرور، وأحب أن يتسع نطاق (البريد الأدبي) بالرسالة الغراء لنشر هذه المسائل؛ فمنها:
1 -
يحرص كثير من أهل الفضل والدراية على تغيير لفظ العلَم الكُنْية المصدًّر بأب إذا كان مضافاً إليه؛ فيقولون: مدرسة أبي حمص، ومدرسة أبي المطامير؛ جرياً على قاعدة جر المضاف إليه بالياء إذا كان من الأسماء الخمسة؛ وقد يقعون بحسن نية فيما يدعو إلى السخرية فيقولون (مدرسة بني أبي الريش) يريدون مدرسة البنين ببلدة أبو الريش؛ ولو علموا أنه يجوز حكاية الكنية على أشهر أوضاعها، وهو صيغة الرفع بالواو لأراحوا
واستراحوا، وأظن الأستاذ الإمام الشيخ حمزة فتح الله قد عقد بحثاً لذلك في كتابه (المواهب الفتحية)، وقرأ أحد الصحابة (تبت يدا أبو لهب) كما في تفسير العلامة (أبو السعود).
2 -
يتشبث بعضهم بوجوب جر كلمة (أثناء) فيقولون مثلا (يلمع البرق في أثناء السحاب)، وهم يعتمدون في هذا التزمت على ورود الكلمة في جميع المراجع اللغوية التي بأيدينا على هذه الصورة، ويقول النحاة: إن اسم المكان لا يقبل النصب على الظرفية إلا مبهماً؛ وأثناء جمع ثِنْى، وهي في جميع الأوضاع مخصصة غير مبهمة لانحصار حدودها فيما أضيفت إليه؛ وهذا بلا شك كلام صحيح؛ ولكن لم لا يكون نصب الكلمة جارياً على نزع الخافض، وهو كثير جداً في كلام العرب، وجعله بعض العلماء قياسياً في المصادر المؤولة من (أن) وما دخلت عليه بل في غير المصادر من الأسماء الصريحة؟.
3 -
ما زال بعض الأدباء ينكرون كلمة (الهناء) لعدم ورودها مجردة من تاء التأنيث في أشهر الموسوعات اللغوية؛ وقد غاب عنهم ورودها في (المخصص) للعلامة (ابن سيده) في باب ألوان العيش والنعيم (أو كمال قال)؛ ويعلم الله كم جرى قلمهم الأحمر والأزرق على كلمة الهناء شامخين مزهوين، وكم نال (ابن نباته) الشاعر الظريف من الزراية والاستخفاف حين طرق أسماعهم بيته الرشيق:
هناءٌ محا ذاك العزاء المقدما
…
فما عبس المحزون حتى تبسما
4 -
يتمسك كثير من أولئك بوجوب ضم راء (الرصافة) واقفين عند نص (الفيروزبادي)، ولو أنصفوا لحولوا أعينهم إلى ما كتبه شارح القاموس على هامش المادة، وإذاً لعلموا أن الفتح والضم سيان، وفي ظني أن الفتح في مثل هذه الكلمة أرق وأجمل، وما أحسب (علي بن الجهم) طيب الله ثراه قد نطق بها إلا مفتوحة الراء حين قال بيته الخالد:
عيون المها بين الرصافة والجسر
…
جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري
2 -
أحسن من ذي قبل:
كثيراً ما يعترض القارئْين، ويجري على ألسنة المتحدثين هذا الأسلوب، ومنهم من يكتفي بفحواه وما يتبادر إلى الذهن من معناه، غير باحث فيما بني عليه من أساس لغوي، أو قاعدة نحوية، ومنهم من يحرف الكلم عن مواضعه، فيزعم أن اللفظ الأخير منه وهو (قبل) بفتح الباء لا بسكونها، وينسى أن هذا الضبط يفضي إلى قصور في المعنى وتعسف كبير،
إذ (القَبَلُ) هو كل شئ في مستهل وجوده، أو على حد تعبير المعجمات: هو الشيء أول ما يكون؛ وما زالت أبحث في هذه المسألة وأدير الحوار حولها مع الثقاة من أهل البصر باللغة حتى انتهيت إلى ما أعتقده فيها، وخلاصته أن كلمة (قبل) ظرف مبني على الضم لحذف المضاف إليه، ونية معناه كبقية (الغايات) وهي ظروف محصورة في كتب النحاة منها: بعد ووراء وخلف الخ، وأن كلمة (ذي) ليست بمعنى صاحب - كما يتبادر إلى الذهن - ولكنها اسم موصول يستعمل في لغة طْيء للمفرد وغيره مذكراً ومؤنثاً كما هو منصوص في المصادر النحوية كشرح (ابن عقيل) وحاشية (الخضري)، وإنها قد تأتي مبنية بلفظ واحد وهو (ذو) رفعاً ونصباً وجراً، وقد تعرب بالواو رفعاً وبالألف نصباً وبالياء جراً عند قوم من طْيء فتكون في أحوال الإعراب مثل (ذي) بمعنىصاحب التي هي من الأسماء الخمسة، وعلى هذا الوجه يمكن توجيه الأسلوب، ويكون الظرف المبني على الضم صلة الموصول باعتباره شبه جملة على حسب ما شرحه النحاة.
وإذاً يكون المعنى: هذا الشيء خير من الذي كان قبله، أو هذه الحالة أحسن من التي سبقتها وهكذا، وبذلك يستقيم اللفظ وينسجممع المعنى المراد، والسلام.
محمود البشبيشي
التناسب. وجو الآية. وحسن الجرس. وتكرير المقطع:
يظهر أن هذه الكلمات ونظائرها حبيبة إلى الأستاذ الفاضل محمود البشبيشي، ولها بالقلب نوطه، فهو يألفها ولا يفتأ يلهج بها ويكررها!.
ولو كانت تلك الكلمات تحل ما نحن بصدده لقلنا: لقد أتى الأستاذ بما لم يأت به الأوائل، واستدرك ما فاتهم وطلع علينا برأيطريف له دعامة من الحق تسنده، ولكن الأستاذ أخذ يردد كلمة التناسب ويظنها حجة له وهي على الضد مما يرى إذ ما شأن التناسب هنا في موضوعنا؟ التناسب الذي أورده ابن مالك في ألفيته إنما أورده في الأسباب التي تجعل الممنوع مصروفاً، ومثار البحث مقصور على أن المصروف قد لا ينصرف، وذلك عند الاضطرار لا التناسب. وبالرغم من هذا ليست الآية شعراً حتى نقول: إن اضطرار الوزن أدى بكلمة أشياء أن تمنع من الصرف وهي مصروفة وبهذا عرف موضع هاتين الكلمتين:
الاضطرار، والتناسب، وفي أي شئ يردان، وعلم لنا أن كلمة التناسب فقدت قوتها السحرية، إذ لا مكان لها في محل النزاع.
بقي أن ننفتل مسرعين إلى ما بقي من الألفاظ (جو الآية، وحسن الجرس، وتكرير المقطع)، والتي اعتمد عليها الأستاذ بعد التناسب في التوجيه لرأيه الذي أرتاه في كلمة (أشياء) الواردة في الآية، فهو يرى أن كلمة (أشياء) في الآية (لو وردت مصروفه لتكرر حتما مقطعان بلفظ واحد، وكان ذلك مخلا إلى حد ما بحسن الجرس والتناسق، ولا شك أن القرآن الكريمفي المكان الأول من رعاية التناسق والسلامة من كل مظان التنافر، وهذا من أعظم وجوه الإعجاز).
وكأن المفسر - على هذا - لو فسر تلك الآية خارجاً بكلمة (أشياء) عن جو الآية، ومعبراً بقوله:(يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تظهر لكم تشق عليكم وتغمكم) لجاز له أن ينون، لأن الأستاذ يقول:(فلو خرجت كلمة أشياء عن جو الآية لجاز عليها ما يجوز على سواها من الصرف والتنوين). وما رأي الأستاذ الفاضل في مثل هذا التعبير أو التفسير؟ أيراه بليغاً خالياً من التنافر؟ أو يراه غير بليغ؟ إن رآه بليغاً فقد سلم بأن تكرير المقطع مرتين بلفظ واحد سواء في الآية أو غيرها لا يخل بحسن الجرس والتناسق، وإن تخيله غير بليغ لتكرير المقطع مرتين فقد رَجع عما أرتاه من صرف الكلمة عندما تخرج عن جو الآية، والمفسر - كما تعلم - حريص على أن يكون تفسيره متناسقاً يطابق الآية ويقاربها.
وإلى هنا نرى أن التمسك بتكرير المقطع لا يقوى على التحليق طويلا، فقد هوى عندما سدد إليه الأستاذ أحمد العجمي مصوبته وأورد ما أورده من الآيات، وهل روى غلته ما أجاب به الأستاذ البشبيشي بعد ذلك؟ في الحق أن حجة الأستاذ العجمي ما زالت ملزمة، لأن كلمة (شئ) في الآيتين منونة، وليس فوقها علامة منعلامات الوقف كما هو المعهود في المصاحف، والقياس على هذا صحيح، وليس قياساً مع الفارق - كما يقول الأستاذ البشبيشي -:(إنه من الممكن، بل من الحسن الوقف على كلمة شيء) إذ يعد هذا ابتداعاً لم يرد عن الرسول عليه السلام. ويلزم من ذلك على رأيه أن الآية تكون خالية من التنافر عند الوقف بدون موجب، ولا تكون كذلك عند الوصل، وذلك أمر لم يعهد في آيات القرآن،
ولم يقل به أحد إلا إذا وافقنا الأستاذ البشبيشي على هواه كلما أراد التخلص من مشكل، ودون شك أن هذا يجعل الأمر فوضى.
وادعاء أن همزة (شيء) مسبوقة بلين صامت، وهمزة أشياء مسبوقة بحرف مد صاعد، وأن لذلك تأثيره في ثقل المقطعين ادعاء غير ناهض. لأنه ثبت في الآيتين أن المقطع تكرر مرتين بلفظ واحد، ولا يعكر ذلك ما إذا كان الحرف صامتاً أو صاعداً وذلك كاف في الرد.
وفي المختتم نعود فنقول: إن علماء اللغة بصرييهم وكوفييهم أجمعوا على أن الكلمة ممنوعة من الصرف في جميع الحالات إلا إذا كان ثمة اضطرار، ومنعت الصرف لكثرةالاستعمال تشبيهاً لها بألف التأنيث الممدودة، وفي هذا القدر كفاية.
محمد غنيم
لغويات:
نعيد اليوم. للتذكير. ما قلناه بالأمس:
1 -
قلنا إن الفعل (هاج) الثلاثي إنما يتعدى بنفسه ويلزم، وإن الرباعي المهموز منه (أهاج) خطأ لم يلفظ به لسان عربي قح، وإن الصواب - في التكثير - هو التضعيف (هيّج) لا الهمز. ولكن الأستاذ محمد رزق سليم لا يزال - بالرغم مما سبق - يقول ص779 ((وأهاجت) في خاطره أبالسة الشعر فأتاها في بيتها.)
2 -
وقلنا إن وصف (أفعل فعلاء) إنما يكون على (فُعْل) لا غير. ودع عنك تشقيق فلان وتخريج علان. وأضح إلى قول الرحمن على لسان ملكه جبريل. قال: (ومن الجبال جدد (بيضوحمر) مختلف ألوانها وغرابيب (سود)). وقال: (وسبع سنبلات (خضر) وأخر يابسات). وقال (إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالت (صفر).) وقال - وهو أصدق القائلين: (متكئين على رفرف (خضر) وعبقري حسان) فكيف يصح للأستاذ صبحي إبراهيم الصالح - وغيره - أن يقول ص783 (وتمحو تحت ألوانها الداكنة (السوداء) كل ما يدب على الأرض أو يجري)؟
3 -
وقلنا لا يقال (داوٍ) من الدوي وإنما (مدّو) من (دّوى) الرباعي لا الثلاثين ولكن
الأستاذ محمد فتحي عبد الوهاب يأبى إلا ان يقول ص801 (واستمعت الأرنب إلى صوت (داوٍ) قادم من بعيد.)
وبعدك فالذي قلناه بالأمس نقوله اليوم مذكرين. وذكر فلعل الذكرى تنفع المؤمنين.
(الزيتون)
عدنان
جامع الترمذي:
جاء في عدد (الثقافة) 945 في ص 22 قول الكاتب: (المحدث أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع الصحيح في الحديث) والصواب أن نقول (الأمام الحافظ أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع في الحديث) لأن لقب (المحدث) هو دون (الحافظ) في مصطلح علماء السنة، بل هو رابع الأئمة الخمسة: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي. وكتابه في الحديث اسم (الجامع) وأما (الجامع الصحيح) فهو للبخاري، وكذلك مسلم سمى كتابه (الجامع الصحيح) لأنهما لم يخرجا إلا الصحاح وأما الترمذي فاسم ديوانه (الجامع) وقد خرج فيه الصحيح والحسن والغريب، والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ويخرج حديث الثقة الضابط، ومن يهم قليلا ومن يهم كثيراً ومن يغلب عليه الوهم، ويبين ذلك ولا يسكت عنه. وأما مسلم فلا يخرج إلا بحديث الثقة الضابط ومن في حفظه بعض شئ وتكلم فيه بحفظه، لكنه يتحرى في التخريج عنه، وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك، وهو أن لا يخرج إلا للثقة الضابط ولمن ندر وهمه، وإن كان قد اعترض عليه في بعض ما خرج عنه. وبسط القول في هذا في كتاب (شروط الأئمة السنة لمحمد بن طاهر المقدسي) المطبوع مع شروط الأئمة الخمسة (للحازمي). والترمذي ينتسب إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون، والناس مختلفون في كيفية هذه النسبة، بعضهم يقول بفتح التاء، وبعضهم يقول بضمها، وبعضهم يقول بكسرها، والمتداول على ألسنة تلك المدينة بفتح التاء وكسر الميم، وكل واحد يقول معنى لما يدعيه. والترمذي أحد الأئمة الذين يقتدي بهم في علم الحديث، صنف الجامع والعلل تصنيف رجل متقن، وبه كان يضرب المثل في الحفظ، تلمذ للبخاري وشاركه في شيوخه. . . توفي بقرية بوغ إحدى قرى ترمذ
سنة 279، انتهى بإيجاز من (اللباب في الأنساب لابن الأثير) المطبوع بمصر.
محمد أسامة عليبة
قالت شهرزاد
يوالي الأستاذ كامل كيلاني الإنتاج في أدب الطفل الذي يعد هو أول من أنشأه في العربية. وقد أخرجت له أخيراً دار مكتبة الأطفال (32 شارع حسن الأكبر) مجموعة قصصية من سلسلة (قالت شهرزاد) منها (بنت الوزير) و (قاهر الجبابرة) و (أمير العفاريت) و (كنز الشمردل) و (صانع الأعاجيب) و (الأكذوبة) و (حصان الجو) و (الأمير الحادي والخمسون) وهي قصص طريفة مشوقة تقدم للطفل غذاء مناسباً لخياله المتفتح ومادة نافعة لعقله الصغير في أسلوب سهل فصيح جذاب.
ولا شك أن هذا اللون من الكتابة للأطفال باللغة العربية السليمة العذبة الفصيحة، يقوم لسان الناشئ ويطبعه على البيان منذ الصغر. وكم أود أن يقبل ولدي حسام على القراءة في مستقبل حياته مثلما يقبل الآن على قراءة قصص الأستاذ الكيلاني، كما أود لأمثاله من الناشئين، فيتكون جيل يشغف بالقراءة ويجني ثمرات الاطلاع.
أبو حسام
إلى الأستاذ حسين مهدي الغنام:
نشرت الرسالة الغراء في عددها الأخير (785) مثالاً عن المرحوم حافظ بك إبراهيم شاعر النيل نسب فيه كاتبه الأستاذ حسين مهدي الغنام أبياتاً لشاعر النيل. وقد لاحظت:
أولا: أن هذه الأبيات غير موجودة في ديوان حافظ إبراهيم الذي قامت وزارة المعارف بطبعه.
ثانياً: هذه الأبيات من (بحر الخفيف) والبيت الآتي من الأبيات المذكورة، على هذه الرواية غير صحيح من ناحية العروض:
وعجيب يفوز هذا بانطلاق
…
وهذا في ذلة المأسور
فهل الأبيات لشاعر النيل؟ وهل للبيت المذكورة رواية أخرى صحيحة؟.
(الزقازيق)
طه موسى البيومي
سؤال:
حدثني الأستاذ الشيخ محمد رجب البيومي يوم وفاة المغفور له الأستاذ أحمد الكاشف أنه سيكتب ترجمة ضافية (بالرسالة) الغراء عن الشاعر الكبير في أقرب فرصة، كما سيكتب ترجمة أخرى للأستاذ أحمد محرم، ومضت أسابيع وأشهر وطلع علينا الأستاذ الفاضل بأبحاث جديدة غير ما أشار إليه. وأنا لا أدري أنسي الكاتب وعده، أم أدى ما عليه وتأخرت (الرسالة) الغراء عن النشر؟!.
(المنصورة)
سعاد كامل
الكُتبُ
من الأدب
تأليف الأستاذ قدري العمر
مدير معارف الجزيرة
(هذا الكتاب نتاج دراسة تزيد على ثلاثين سنة، لكن تأليفه تم في شهر واحد، وما أدري أي آرائه يتصل بما قرأت من الكتب وأيها يتصل بنجوى متجاوبة بين النفس والحياة).
هذا ما بدأ به المؤلف المقدمة التي صدر بها كتابه هذا ليعرفه ويعرف القراء نفسه، والقراء لا يعنيهم أن يكون كتاب - مهما يبلغ من الضخامة - قد ألف في شهر أو يوم أو نصفقرن بل يعنيهم أن يجدوا فيه ما ينفعهم ويزيد علمهم ولو كان بضع صفحات. وليست التواليف كما بل ماهية وكيفا، والمعارف تستوي في ذلك فرب علم خلد باكتشاف قانون واحد أو نظرية واحدة، ورب شاعر خلد في لغتنا العربية بقصيدة واحدة. والجدة في أسلوب البحث أو في موضوعه أو في اكتشاف حقائق جديدة تضاف إلى ما عرف منه، وقد يستغني عن الجدة بتبسيط الحقائق وتقريب بعيدها إلى الأذهان، وهذا الكتاب يخلو من الجدة في أسلوبه ومعلومته على السواء، ويكاد يخلو من تبسيط الحقائق وتقريبها.
وهو سبع عشرة مقالة تنقسم قسمين: أحدهما خاص بدرس فكرة أدبية. وثانيهما: خاص بموضوعات من تاريخ الأدب العربي، والقسم الأول أربع مقالات هذه عناوينها. ما هو الأدب؟، الأدب متعة وفائدة، الأسلوب، الابتكار في البيان والقسم الثاني ثلاث عشر مقالة أولها: عنوانها (العصر) وفيها يتحدث عن الثقافة الإسلامية في الشرق أثناء القرن (131 - 323هـ) تليها اثنتا عشرة مقالة في ثلاث شعراء وكاتب خص كل منهم بثلاث مقالات. فأما الشعراء فهم أبو نواس، وأبو العتاهية، وأبو تمام، والمقالة الأولى من الثلاث الخاصة بكل منهم في ترجمته والثانية في شعره والثالثة في أنواع شعره، وأما الكاتب فهو ابن المقفع، والمقالة الأولى من الثلاث الخاصة به في ترجمته، والثانية في كتابته والثالثة في رسائله وكتبه.
ومقالات النوع الأول الأربع التي تدرس كل منها فكرة مقالات مستقيمة منسقة الآراء تدل
على نضوج هذا الفكر في ذهن المؤلف وتثبته منها وإيمانه بها ولا سيما مقالته (الابتكار في البيان)، ولكن مقالات النوع الثاني الثلاث عشرة فيتاريخ الأدب لا تخلو من غموض واضطراب وتفكك: ففي مقالة (العصر) لم يزد المؤلف على إيراد حقائق التاريخ دون دراسة ولا غربلة ولا استنتاج وفي المقالات الخاصة بالأدباء لم يستطع أن يترجم لواحد منهم ترجمة واضحة ولا أن يرسم له صورة بارزة، ولا أن يربط بين حياته وآثاره ربطاً محكما مع أن كل جهاده انصب على بيان الصلات، بين حياة الأديب وإنتاجه شعراً أو نثراً ومن أجل هذا اهتم اهتماماً خاصاً بحياته.
وهذا المنهج - فيما أرى قاطعاً - أقوم المناهج في دراسة الأدباء والفنانين خاصة والناس عامة، وهو أهدى المناهج وأيسرها لاكتشاف الحقائق الخافية في حياة الإنسان وآثاره على السواء، وحسن الاستقامة عليه كفيل بأن يعصم الباحث من الشطط، وقد عصمه الغلط، فما أفكارنا الخاصة إلا وليدة حياتنا الخاصة: تأخذ عنها وتعطيها، وتتأثر بها وتؤثر فيها. غير أن المؤلف لم يحسن الاستفادة التامة من هذا المنهج الأقوم، وإن استحق التقدير لإيثاره إياه على غيره وصدق نيته في الاستهداء به إن قدرت (الأعمال بالنيات).
ولعل ذلك راجع إلى أن نزعة المؤلف الأدبية سليمة ولكن لا تؤازرها جلسة تاريخية نفادة، وإلى أن ذوقه الفني خير من اطلاعه على حقائق التاريخ وخفايا النفوس وفهمها فهماً علمياً صحيحاً، فإن يكن ذلك فلعل المؤلف منصرف عما خلق له إلى ما خلق، وفي مقالته (الابتكار في البيان) - وهو خير مقالات الكتاب عندي - غنية له عن الإطالة فيما أريد بيانه.
وفي الكتاب أخطاء تاريخية كقوله (ص57 - 58) إن عبد الله بن المقفع ترجم أرسطو. ولا دليل على ذلك وكل ما رجحه الباحثون أخيراً أن المترجم هو محمد بن عبد الله بن المقفع ومن الأخطاء قوله إن النظام اعتزل واصل بن عطاء (شيخ المعتزلة) وقال بتخليد صاحب الكبيرة في النار (ص62) وهذا خطأ من وجهين أحدهما أن واصلا أول قائل بهذا المبدأ وثانيهما أنه مات قبل مولد النظام.
ومنها قوله إن أبا نواس رثى المأمون وقد مات قبل المأمون بنحو عشرين سنة، فلعله يريد الأمين لا المأمون، ومنها (ص62) ذكره الأشعرية في كلامه في القرن (132 - 232هـ)
ولم يولد الأشعري إلا بعد ذلك ولم يظهر متكلما إلا قبيل نهاية القرن الهجري الثالث. ومنها ذهابه إلى أن اسم صاحبة أبي العتاهية عبدة (ص151) وهي عتبة جارية الخليفة المهدي، وإنما عبدة صاحبة بشار بن برد. وفي الكتاب تحميل للنصوص أكثر مما تحتمل وتوليدها ما لا يمكن أن تلد (ص97، 102).
وفيه أخطاء ذوقية ففي قصيدة بائية لأبي نواس منها هذا البيت وكلها على منواله:
(يا غراب البين في الشؤ
…
م وميزاب الجنابه)
يسمى هذا الشتم هجاء، والهجاء لا يسعى وهو خال من الفن وإلا لعد كل بذاء هجاء ومن ذلك تعقيبه على قصيدة أبي نواس التي منها:
يا قمرا أبرزه مأتم
…
يندب شجوا بين أتراب
بقوله: (وما أرق المحب الذي يطلب الموت الدائم للناس ليرى حبيبته)(ص109) وليس قلب كهذا بالأرق ولا الرقيق بل هو قلب أناني مغلق وحشي. ومنها (ص162) وصفه أبا العتاهية بالزاهد ولو اقتصر على وصفه بالمتقشف لأصاب فهكذا كان الرجل، وفرق بين التقشف والزهد، فليس بالزاهد من كان من أحرص الناس على الحياة والمال وأشحهم بهما.
ومن أخطاء الفهم عده مدحاً ببيتي ابن المعذل في أبي تمام وهما:
يا نبي الله في الشع
…
ر، ويا عيسى بن مريم
أنت من أشعر خلق الل
…
هـ ما لم تتكلم
وهما من الذم المقذع فهو بقوله (يا نبي الله في الشعر) والبيت الثاني يخرجه من الشعراء، لأن الأنبياء - فيما تعورف - ليسوا شعراء وفيه إشارة إلى الآية الكريمة في النبي (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) وفي ندائه (يا عيسى بن مريم) اتهام لأبي تمام بأنه مجهول الأب.
وفي الكتاب قضايا سيقت بلا برهان، وأحكام قاطعة وهي بين الباحثين محل شك أو رفض، وفيه اعتماد على نظريات تربوية ونفسية لم تثبت ثبوتاً قاطعاً ولا راجعاً. وتقسيم أنواع شعر الشاعر إلى حكمة ووصف وهجاء. . . منهج قد يصلح للمبتدئين ولكنه لا يغني في البحوث التي تكتب للشداة فضلا عن الناضجين في المعرفة ولا سيما إذا كانت موضع دراسة (تزيد على ثلاثين سنة) كما قال المؤلف في مقدمته.
ويظهر أن المؤلف لم يطلع على ما كتب حديثاً في ابن المقفع وآثاره حتى ما ألف بالعربية أو ترجم إليها وإلا لما قنع بما اقتصر عليه (يراجع كتاب ابن المقفع للدكتور عبد اللطيف حمزة) والجزء الخاص بابن المقفع من ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي في كل من كتابيه: (تراث الفكر اليوناني، ومن تاريخ الإلحاد في الإسلام) وفي الكتاب أخطاء لغوية وتركيبية لا شك أنها من قلم المؤلف وأخرى ربما كانت منه أو منالتطبيع، هذا إلى كثير غيرها من التطبيع فبعضه لم يصححوبعضه صحح في جدول التصويبات آخر الكتاب ولعلنا ظافرون في الجزء
الثاني بخير مما وجدنا في الجزء الأول.
(القاهرة)
محمد خليفة التونسي