الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 806
- بتاريخ: 13 - 12 - 1948
المنبوذة
- 1 -
جمعني مجلس من مجالس المنصورة الأدبية ببعض السيدات الحديثات من اللائي يتزعمن دعوات الخير، ويتصدرن حفلات التكريم، ويفشين أندية الرياضة. وكان مجلسي من الصالون بين سيدتين رشيقتين أنيقتين لهما اطلاع على الأدب ومشاركة في الثقافة. فجرى الحديث بينهما وبيني أول الكلام فيما يشغل الناس من أمر فلسطين ومصير اللاجئين؛ ثم أفضى إلى ذكر ما تبذلان من الجهد الجاهد في معونة الهلال الأحمر ومبرة محمد علي، فنم سياق حديثهما وما شاب أداءه من نبرات الزهو وحركات العجب على ما تضمران من حب الظهور ورغبة الشهرة، في طوايا ما تظهران من حب الخير ورغبة المنفعة. والمرأة الجميلة الفتية لا تجد في الحياة المصرية مظهراً لفتنتها، ولا معرضاً لزينتها، ولا سبيلاً لشهرتها، إلا في الحفلات الخيرية والخدمات العامة: فهي تشترك فيها بالشعور والحضور لتظهر، وتتبرع لها بالجمال والمال لتذكر. بله ما تشعر به من الرضا والغبطة بمنافستها للرجل في ميدان عمله، ومساعدتها للوطن على تحقيق أمله.
ثم انتقلنا إلى حديث الأدب فذكرتني إحداهما بما كتبته في الرسالة عن (مثل المرأة الحديثة) فشكرت بعضه وأنكرت بعضه. وكان الذي أنكرته ما يرمي إلى تقييد المرأة وقصر كفايتها على تربية وتدبير البيت ومعاونة الرجل. ثم مضت تنوه بما يكون للمرأة الحرة المستقلة من أثر في الأسرة وبلاء في المجتمع إذا شاء الرجال أن يفردوها بشؤون البيت ويشركوها في أمور الوطن. وفي اللحظة التي كانت تقول فيها: (إن المرأة روح الأمة والرجل جسمها وإن الزوجة رأي الأسرة والزوج عزمها، طغى على صوتها الحماسي صوت سيدة نصف كانت تتحدث في تأثر وامتعاض إلى هلال من عقائل المدينة فيهن ربة الدار؛ فأصغتا وأصاخ الجلوس فإذا هي تروي حادث الطلاق الذي وقع في الأيام الأخيرة بين فتى محافظ أبوه من نبلاء الريف، وبين فتاة حرة أبوها من أطباء المدينة. وكان سبب هذا الطلاق الذي أعقب الزواج أن العروس كانت مغرقة في التحرر، مسرفة في التجدد، فسعت بنفسها على أسرة العريس، ورمت حماها بالرجعية وحماتها بالأمية، وطلبت أن تسيطر على أرزاق البيت وعلى أذواق أهله، فتبدل أثاث الغرف كل سنة، وتغير زي النساء كل شهر، وتقيم
حفلة استقبال كل أسبوع. ثم اقترحت أن يزال الجدار الحاجز بين البهو والردهة ليكون منهما مرقص متى أريد الرقص ومقصف متى أريد القصف؛ وأنم يقلع الشجر المثمر في الحديقة لينشأ على مكانه ملعب للتنس وحوض للسباحة. وكان المطلب الأخير ألا يدخل البيت ريفيون من أقارب الزوج ولا فلاحون من رجال العزبة. فلم يستطع الزوج معها صبراً، ولم يجد أبوه لترويضها حيلة، فكان الفراق وكانت الفضيحة!!
فلما سمعت جارتاي الخبر وكانتا على علم به من قبل، قالتا بلسان واحد:(المودرنة للمودرن والقديمة للقديم! والمخطئ هو الذي ينزل في غير أهله، ويقع على غير شكله!).
ثم تركنا القوم على الحادث والحديث بما يشاءون، وانتقلنا إلى مائدة الشاي ثم عدنا حيث كنا. وعادت جارتي اليسرى إلى حديث التقيد والانطلاق، وكانت جارتي الأخرى قد فتحت محفظتها وأخرجت منها قلم الروج أو الإصبع الأحمر وأخذت تجدد به صبغة شفتيها، ثم أعادته وأخرجت سيكارة إنجليزية وأشعلتها، وقطعت صاحبتها الحديث وفعلت فعلتها. ثم لحظتا بعض الهنوات على زينة المدعوات وأزيائهن، وتبادلتا بعض الغمزات على كلام المتحدثات وآرائهن. ثم أقبلتا علي تستأنفان ما كنا نخوض فيه من الحديث فوجدتاني شارد اللب مطرق الرأس مطبق الجفنين كأنما أخذتني فترة النعاس، فقالتا لي: ماذا عراك؟ فقلت لهما: ذكرى بعثها في الخاطر هذا الأحمر على شفتيكما وخديكما! فقالتا: أنعم بذكرى تظفرنا منك بحديث، وتمتعنا بلذة الموازنة بين القديم والحديث. . .
(للحديث بقية)
أحمد حسن الزيات
الصهيونية هي الخطر الأول
في حاضر الشرق العربي ومستقبله
للأستاذ عمر حليق
قد يكون الكاتب أو القارئ العربي أو كلاهما مصابا بمركب (اليهودية) إذا جاز لنا استعارة هذا التعبير من مصطلح علماء النفس، ولكن أي تعليل لا يعترف بأن المشكلة الصهيونية هي الخطر الأول في حاضر الشرق العربي ومستقبله لا ينصف الحقيقة ويساير منطق الحوادث والأشياء.
ولنترك الشرق العربي، ولنترك فلسطين لنتعرف على لون من ألوان الخطورة التي تحكيها اليهودية العالمية في أمريكا وهي البلاد التي بلغ اليهود فيها أوج النفوذ وما يتبعه من رخاء وقوة وجاه.
في هذه الحرب الباردة التي يشنها الروس والأنجلوسكسون في برلين وهيئة الأمم وأقصى القارة الأسيوية وفي كل ناحية من نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية تلعب دور اليهودية العالمية بالنار لعبة أكبر الظن أنها ستحرق نفسها مرة ثانية في أقل من عشرين سنة. أين تقف اليهودية العالمية - وهي عالمية منظمة كما تشهد بذلك فلسطين - أين تقف من هذا الصراع؟
إن النزاع بين الماركسية السوفيتية وبين الديمقراطية الأنجلوسكسونية حقيقة لا مفر لكلتيهما من التسليم بها.
فالماركسية السوفيتية وما علق بها من فلسفة لينين وستالين نعترف في تحليلاتها الاقتصادية والفلسفية والقانونية والسياسية بأن بقاء الشيوعية وحياتها ستظل معرضة للخطر، خطر الفشل ثم الانحلال والدمار، وما لم تحول العالم بأسره إلى الشيوعية عن طريق الثورة وما يسبقها من ممهدات. فهي بذلك حركة توسع من نوع مستحدث وخطير معاً. ولن تنفع في دفع هذه الحقيقة ملايين الخطب والتصريحات التي تصدر عن موسكو وعن فيشينسكي من منابر الأمم المتحدة. ذلك لأن هذا التوسع منصوص عليه في التعاليم الشيوعية وفي الدساتير الشيوعية وفي ثورات الشيوعية وكتبها المقدسة وفي ماركس وأنجلس ولينين وستالين.
والرأسمالية الغربية، وإن لم تكن دساتيرها وفلسفتها السياسية وأنظمتها الاقتصادية تتطلب مثل هذا التوسع السوفيتي - فالغرب توسع استعماري تقليدي من نوع مماثل في السوء - إلا أن هذا التحدي السوفيتي يضع الديمقراطية الغربية في نفس الوضع الهجومي الذي تقف فيه روسيا السوفيتية، ويجعل أمريكا وهي معقل هذه الديمقراطية في هذه الأهبة التي تستعد فيها المواجهة للتوسع السوفيتي ولسحقه وإبادة الماركسية التروروية من الوجود في المراحل النهائية إذا استطاعت ذلك.
أين يقف اليهود، وهم قومية لها في كل معسكر جالية ضخمة العدد، قوية النفوذ؟
في روسيا نفسها نجد العنصر اليهودي في الحزب الشيوعي وفي ألسنته الشعبية والفكرية بارزاً أشد البروز.
فرئيس تحرير برافدا، واسفستيا، وكبار المعلقين في راديو موسكو، وكبار كتاب المقالة السياسية (أمثال اهرتبرغ) يهود، ومراسلا تاس في أمريكا وفي هيئة الأمم يهوديان كذلك.
وفي بولندا يبرز العنصر اليهودي في النظام الشيوعي القائم هناك أشد البروز في وجه مجتمع كاثوليكي يمقت بحكم تعاليمه وتأصل التقوى فيه الشيوعية مقتاً - لعل الفاتيكان خير من عبر عنه في أكثر من مناسبة.
وعلى سبيل المثال فإن الوفد البولندي لهيئة الأمم مؤلف من خمسة أعضاء رئيسين كلهم يهود.
وفي رومانيا مدام بوكر وزيرة الخارجية (وهي ابنة حاخام) تحكم البلاد حكم السيد المطلق السلطة.
وكان اليهود في انقلاب تشيكوسلوفاكيا اليد الطولى، وفي هنغاريا وقسم الاحتلال في النمسا وألمانيا عددهم ونفوذهم في الحكم والتوجيه الفكري والسياسي ظاهر.
ترى ما مبلغ عداء العناصر القومية في تلك البلدان لهذه السيطرة اليهودية؟ لا يمكنك أن تجد الجواب في الصحف المحلية - فهذا غير معقول - ولا تجده كذلك في الصحف الأجنبية في الدول الديمقراطية، فكلمة (اللاسامية) أصبحت - بفضل الضغط والدعاية اليهودية المنظمة - وسيطرتهم على معارض الإعلان ودور النشر والإذاعة والسينما، وباء لا يلمسه المعلقون والكتاب في العالم الغربي إلا ويضعون مستقبلهم الأدبي والاقتصادي في
يد (الجستابو) اليهودي الذي يطلق على نفسه في أمريكا (مجمع مقاومة التشهير) وميزانيته للسنة الحالية، 6 ملايين دولار!
ولكن الظاهرة الخطيرة أن هذا الضغط، هذا الجستابو اليهودي بشدته وجبروته أخذ يدفع العناصر الجريئة في أمريكا إلى أن تحاربه بنفس السلاح - بالتشهير على طريقة جوبلز. ففي النشرة الأخيرة التي أصدرها هذا المجمع اليهودي نفسه يعترف بأن موجة العداء ضد اليهود في أمريكا قد ارتفعت ارتفاعاً مخيفاً.
وهذه الظاهرة تدعو إلى التساؤل: ذنب من هذا؟ ذنب اليهود أم غير اليهود؟ الجواب أن الذنب على الغطرسة، وعلى روح التحدي والخداع والمواربة التي تتملك العقلية اليهودية في كل مكان وفي كل جيل فتجلب على اليهود وعلى المجتمع الذي يأويهم فوضى الشغب العنصري الذي بليت به ألمانيا في ظل النازية، وبليت به روسيا العنصرية، وأسبانيا الكاثوليكية من قبل، وتبلى به العراق مثلاً اليوم.
قلنا إن النزاع بين الشيوعية السوفيتية والرأسمالية الأمريكية حقيقة لا مفر من التسليم بها على شناعتها. واليهود في أمريكا يعلمون ذلك ويعلمونه أكثر من كل المواطنين، وذلك لأن وعيهم السياسي شديد فهو يتمشى مع عقليتهم ونشاطهم الاقتصادي. ولكن أين يقف اليهود؟
اليهود هم العنصر الرئيسي في الحزب الشيوعي الأمريكي، وذلك بشهادة هذه التحقيقات التي لا تزال اللجنة البرلمانية الأمريكية تلاحقها منذ أكثر من سنة. واليهود وراء حزب هنري والاص وهو حزب مهادنة الروس بأي ثمن.
ونسبة اليهود الذين يدرسون النظريات الماركسية والسوفيتية في الجامعات ومعاهد العلم الأمريكية عالية جداً، والكتاب الذين يعالجون مواضيع العلاقات السوفيتية والأمريكية بروح العطف تجد نسبة اليهود بينهم عالية جداً، ولذلك كان من الصعب، بل من المستحيل على الأصوات الأمريكية الخافتة التي تفهم قضية فلسطين وقضايا العالم العربي أن تقنع الرأي العام الأمريكي بخطورة محالفة موسكو والصهيونية في فلسطين، على المصالح الأمريكية.
ولذلك كان من الصعب جداً على خبراء السياسة الفكرية في أمريكا وبريطانيا أن ينجحوا في ضم إسبانيا إلى البرنامج العسكري لأوربا الغربية.
وحتى في مشكلة برلين، حيث التوتر على أشده يقف والترليمان وهو معقب سياسي يهودي
خطير النفوذ يطلب أن تحل مشكلة برلين على حساب الشعب الألماني أن يبني خط الدفاع العسكري في فرنسا وراء مناجم الرور وفحمه! ويسوى خلاف أمريكا وروسيا، بأن ينسحب الطرفان ويترك الشعب الألماني لمقدراته، ببؤسه وحطامه ليبيد! ولزيادة التعريف بليمان هذا أقول إنه وضع مشروعاً لحل قضية فلسطين قبل أن يضع تقريره برنادوت بأربعة أشهر، ومشروع برنادوت صورة فوتوغرافية لمشروع ليمان!
ومن قبل والترليمان هذا شرع يهودي أمريكي آخر، هو هنري موجنتاو عندما كان وزيراً للمالية بواشنطون زمن الحرب وبعد انتهائها، يمحو مقومات الثقافة والاقتصاد والكيان الحيوي لألمانيا بواسطة مشروع جهنمي أكتشف الأمريكان خطورته قبل أن يتم تحقيقه فأقيل موجنتاو، وهو الآن يدير المجهود الحربي ليهود فلسطين في أمريكا.
ومن وجهة النظر الأمريكية البحتة فإن إحياء ألمانيا ضرورة لازمة.
ما الذي يفيده الشرق العربي من هذه الصورة اليهودية الخطيرة؟
الجواب يفيده في مراقبة تسرب النفوذ اليهودي في ألسنة الرأي العام والتوجيه الصحفي والثقافي في العالم العربي؛ فحركة (الكاتب المصري) يجب ألا تكرر، وديكتاتورية السينما والإعلانات اليهودية والأنباء الخارجية، وتمكن اليهود في النفوذ الاقتصادي العربي يجب أن يوقف بأي ثمن. إن هذا النفوذ هو الذي أعمى الأمريكان والروس معاً، ومعهم عشرات الدول الأوربية عن مأساة العرب في فلسطين، وعن مأساتهم في السودان ومراكش والجزائر وتونس. كتبت جريدة (الجويش كرونكيل) اليهودية في لندن تقول إن يهود شمالي أفريقيا يعتقدون بأن كيانهم مرتبط بالاتحاد الفرنسي، أمام بعبع الجامعة العربية!
وفي عالم مضطرب، وفي شرق يحاول بناء حضارة ومجد أصيل، يجب أن يعلم أن اليهودية العالمية تشكل أخطر ما يواجهه من شرور. إنه خطر تكرر في أجيال سابقة وثقافات سابقة وفي التاريخ لنا عبرة.
(نيويورك)
عمر حليق
مجال الأدب بين مظاهر الشعور
للأستاذ أحمد احمد بدوي
يرى علماء النفس للشعور مظاهر ثلاثة: فهو تفكير إذا كان بحثاً عن حقائق الوجود لمعرفة أسبابها، واستنباط قواعدها، وإدراك ما بين بعضها وبعض من صلة أو تنافر؛ وهو وجدان إذا صحبه إحساس باللذة بالألم، فالحب والبغض والسرور والحزن والرجاء واليأس، والخوف والغضب، كلها وجدانات تتصل بالنفس فتحدث بها لذة أو ألماً؛ وهو إرادة إذا حفر المرء إلى العمل، ودفعه إليه، كالرغبات والنيات.
وإن بين هذه المظاهر النفسية اتصالاً وثيقاً لا يتأتى معه انفعال واحد عن صاحبيه، وإن كان المظهر الغالب لأحدهما؛ فمن المحال أن نجد ألماً في أنفسنا من غير أن نبحث عن سببه ونبذل طاقتنا في سبيل إبعاده. ويستحيل أن نفكر في عمل عقلي من غير أن نشعر بارتياح إذا سهل الأمر وانقاد، وامتعاض إذا اعتاص والتوى. والأعمال الإرادية يصحبها التفكير والوجدان، ولا تستقل بنفسها أبداً.
غير أن الصلة التي تربط هذه المظاهر بعضها ببعض قد تكون طبيعية، إذا كانت التجربة نفسها تستدعي هذا الترابط بطريق تداعي المعاني، كما إذا وصل إليك نبأ نجاحك مثلاً، فإن خواطر شتى تفد إلى نفسك من كل صوب: ما بين سرور وابتهاج بما ظفرت به، وتفكير في الوسائل التي انتهجتها، فوصلت بك إلى تلك الغاية السعيدة؛ إلى رغبات وهزمات تصمم عليها، ويدفعك إليها هذا الظفر المحبوب، وبينا ترى بعض هذه الخواطر واضحاً جلياً للنفس، يحتل بؤرة الشعور أو الحواشي القريبة منها، تجد بعضها الآخر غامضاً خفياً لا تكاد نشعر به، ةتكون الصلة غير طبيعية إذا لم تكن التجربة مستدعية لها بطريق تداعي المعاني، كما إذا كنت تدرس نظريات الهندسة، فسئمت العمل وتركته فليس بين نظريات الهندسة والسأم من صلة.
ليس التفكير الخالص بميدان للأدب، وإنما هو مرتع للعلم وحده، أما الأدب فمجاله الإحساس بالحسن الذي يشير في النفس لذة، أو بالقبح الذي يبعث فيها ألماً، فالأدب تعبير عن هذا الإحساس، وتصوير له، فهو لسان الوجدان وترجمانه، وإذا كان العلم لسان التفكير والمبين عنه.
تسمع قول قريط بن أنيف يعاتب قومه الذين لم ينجدوه ويمدح بني مازن؛ لأنهم أخذوا بيده ونصروه:
لو كنت من مازن لم تستبيح إبلي
…
بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إذا أقام بنصري معشر خشن
…
عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
…
طاروا إليه زافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
…
في النائبات على ما قال برهانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد
…
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
…
ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته
…
سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا
…
شنوا الإغارة فرساناً وركبانا
فالشاعر هنا يصور لنا نقمته على قومه، وازدراءه كثرة عددهم لخورهم وجبنهم، حتى ليقابلون ظلم ظالمهم بالصفح والغفران، وإساءة المسيئين إليهم بالعفو والإحسان. يتلمسون لضعفهم المعاذير، من الخضوع لتعاليم الدين، فكأن الله لم يخلق غيرهم لخشيته. أما بنو مازن فهو معجب ببسالتهم وإقدامهم، يمنعون حماهم أن يستباح، ويجد أعداؤهم فيهم خشونة لا تلين، يسرعون إلى نصرة أخيهم قبل أن يطلبوا منه برهاناً على ما قال، فلا عجب أن تمنى استبدال قومه بغيرهم.
تحدث الشاعر في تلك القطعة عن إعجابه وسخطه، أي عن إحساسه بالجمال والقبح، ونجح في تصويرهما، مستعيناً على ذلك بألوان من الخيال، تكاد تلمس بها خشونة جانب من نصروه، وترى بها الشر مكشراً لهم عن أنيابه، وتبصرهم طائرين لا يلوون على شيء، ومورداً هذه المناقضات التي ما كان يليق أن تكون، ومتهكماً بهم تهكماً مراً لاذعاً، ويشعر القارئ لهذا الشعر بلذة أثارها فينا نجاحه في التصوير، وبراعته في التعبير.
بينما نحن لا نعد من الأدب هذه المقالات العلمية التي تخاطب التفكير وحده، من غير أن تشرك الوجدان معه.
على إن الأديب قد يستعين بقضايا الفكر على تصوير هذا الإحساس، كما فعل المتنبي عندما أراد أن يصور حيرته اليائسة من الوصول إلى أن يدرك كنه الحياة ومصير الوجود
فقال:
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم
…
إلا على شجب والخلف في الشجب
فقيل: تخلص نفس المرء سالمة
…
وقيل تشرك جسم المرء في العطب
ومن تفكر في الدنيا ومهجته
…
أقامه الفكر بين العجز والتعب
وهنا نجد الطريق ممهداً للحديث عن هدف الأدب، والحق أننا نقف بهذا الهدف عند حد الإثارة الوجدانية، فلا نطلب منه أن يمدنا بأفكار صادقة عن الحياة، ولا أن يثير فينا النزوع إلى الأعمال الصالحة، أي أن ليس مهمته التعليم والإصلاح، وإن كان ذلك لا يمنع من أن يزودنا بالأفكار، أو أن يحرك إرادتنا للعمل، سواء أكان ذلك مقصوداً للأديب أم غير مقصود؛ فقد يقف الأدب عند حد الإثارة الوجدانية فحسب، كما في أدب الطبيعة، وشعر الغزل وكثير من المرائي والرسائل، والمقالات العاطفية المحضة، مثل قول البحتري:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً
…
من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غسق الدجى
…
أوائل ورد كن بالأمس نوَّما
يفتقها برد الندى فكأنه
…
يبث حديثاً كان قبل مكتما
فمن شجر رد الربوع لباسه
…
عليه، كما نشرت وشياً منمنما
أحل، فأبدى للعيون بشاشة
…
وكان فذى للعين إذ كان محرما
ورق نسيم الريح حتى حسبته
…
يجيء بأنفاس الأحبة نسما
وقول العشيري:
حننت إلى ريَّا ونفسك باعدت
…
مزارك من ريا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعاً
…
وتجزع أن داعى الصبابة أسمعا
قفا ودعا نجداً، ومن حل بالحمى
…
وقل لنجد عندنا أن يودعا
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا
…
وما أحسن المصطاف والمتربعا
ولما رأيت البشر أعرض دوننا
…
وجالت بنات الشوق يحنن نزعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها
…
عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
تلفت نحو الحي حتى وجدتني
…
وجمت من الإصغاء ليناً وأخدعا
وأذكر أيام الحمى، ثم أنثنى
…
على كبدي من خشية أن تصدعا
وليست عشيات الحمى برواجع
…
إليك ولكن خل عينيك تدمعا
وقول ابن الرومي يرثي ابنه.
بكاؤكما يشفي إن كان لا يجدي
…
فجودا فقد أودى نظيركما عندي
ألا قاتل الله المنايا ورميها
…
من القوم حبات القلوب على عمد
توخى حمام الموت أوسط صببني
…
فلله كيف اختار واسطة العقد
على حين شمت الخير من لمحاته
…
وآنست من أفعاله آية الرشد
طواه الردى عني فأضحى مزاره
…
بعيداً على قرب، قريباً على بعد
لقد أنجزت فيه المنايا وعيدها
…
وأخلفت الآمال ما كان من رعد
لقد قل ما بين المهد واللحد لبثه
…
فلم ينس عهد المهد إذ ضم في اللحد
محمد، ما شيء توهم سلوة
…
لقلبي إلا زاد قلبي من الوجد
أرى أخويك الباقيين كليهما
…
يكونان للأحزان أورى من الزند
إذا لعبا في ملعب لك لذَّعا
…
فؤادي بمثل النار عن غير ما قصد
فما فيهما لي سلوة بل حرارة
…
يهيجانها دوني وأشقى بها وحدي
وحيناً يمدنا بمعلومات عن الحياة، ونظم الكون والمجتمع على شريطة أن يكون ذلك ممتزجاً بشعور الأديب، وناشئاً عن تجربة شخصية له، كما ترى ذلك في ألوان الأدب الاجتماعي والسياسي وفي شعر الحكمة كقول زهير:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة
…
يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
…
على قومه يسقفن عنه ويذمم
ومن يجعل المعروف في غير أهله
…
يعد حمده ذماً عليه ويندم
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه
…
يهدم، ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
ومن يغترب يحسب عدواً صديقه
…
ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
…
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
…
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وقول المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
…
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
…
مضر كوضع السيف في موضع الندى
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم
…
ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
وقيدت نفسي في ذراك محبة
…
ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا
وقوله:
إنما أنفس الأنيس سباع
…
يتفارسن جهرة واغتيالا
من أطاق التماس شيء وغلابا
…
واقتساراً لم يتلمسه سؤالا
كل غاد لحاجة يتمنى
…
أن يكون الغضنفر الرئبالا
وقديماً عدوا حسن إيراد الحجة من البلاغة، وضربوا بذلك المثل بقوله تعالى:(وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه، قال من يحيي العظام وهي رميم؟! قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة، وهو بكل خلق عليم، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون، أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى، وهو الخلاق العليم، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن، فيكون؛ فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون).
وحيناً يثير الأديب فينا الإرادة، ويدفعنا إلى العمل. وأظهر ما يتجلى ذلك في الخطابة، فإنها كثيراً ما ترمي إلى إثارة التفكير المصحوب بالوجدان والمتبوع بالعمل كخطبة عبد الله بن طاهر في جنده، وقد تجهز لقتال الخوارج:(إنكم فئة الله، المجاهدون عن حقه، الذابون عن دينه، الذائدون عن محارمه، الداعون إلى ما أمر به من الاعتصام بحبله، والطاعة لولاة أمره، الذين جعلهم رعاة الدين، ونظام المسلمين، فاستنجزوا موعود الله ونصره، بمجاهدة عدوه، وأهل معصيته، الذين أرشدوا وتمردوا، وشقوا عصا الطاعة، وفارقوا الجماعة، ومرقوا من الدين، وسعوا في الأرض فساداً، فإنه يقول تبارك وتعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) فليكن الصبر معقلكم الذي إليه تلجئون وعدتكم التي بها تستظهرون، فإنه الوزر لمنيع الذي دلكم الله عليه، والجنة الحصينة التي أمركم الله بلباسها. غضوا أبصاركم، وأخفتوا أصواتكم في مصافكم، وامضوا قدماً على بصائركم، فارغين إلى ذكر الله والاستعانة به، كما أمركم الله، فإنه يقول:(إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون).
أيدكم الله بعز الصبر، ووليكم بالحياطة والنصر).
فأنت تراه قد أثار وجدانهم، بما عرضه عليهم من الأفكار ليدفعهم إلى الجهاد.
وكما في الآيات القرآنية التي ترمي إلى تحريك الإرادة مثل قوله سبحانه: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) وكقول الشاعر:
دببت للمجد والساعون قد بلغوا
…
جهد النفوس وألفوا دونه الأُزُرا
وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم
…
وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد ثمراً أنت آكله
…
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وأكثر ما يحرك الأدب الإرادة من غير أن يأمرها بذلك، كما في الروايات التمثيلية الخلقية والاجتماعية، وكما في كثير من الشعر، وربما كان هذا هو ما حدا الأقدمين إلى أن يوصوا أولادهم بحفظه ودراسته؛ بل ربما كان هو المعنى الذي لحظوه عندما وضعوا لهذا اللون من القول الجميل اسم الأدب. قال معاوية لأبنه: (يا بني، ارو الشعر وتخلق به، فلقد هممت يوم صفين بالفرار مرات فما ردني عن ذلك إلا قول ابن الإطنابة:
أبت لي همتي، وأبى بلائي
…
وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإقدامي على المكروه نفسي
…
وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت
…
مكانك تحسدي أو تسبريحي
لأدفع عن مكارم صالحات
…
وأحمي بعد عن عرض صحيح
وأنت ترى الشعر نفسه لا يطلب إقداماً، ولا يحث على ثبات، ولكنه حديث عن هذا النزاع الذي دار بنفس قائله، وهو في ميدان القتال، وكيف استطاع أن يثبت في هذا الميدان، يحمله على الثبات ماض مليء بالجهاد، وهمة تأبى النقيصة، وقلب موكل باكتساب المجد، ونفس اعتادت الإقدام على المكاره، وضرب هامات الأبطال دفاعاً عن مآثره، وحماية لعرضه. وليس في الشعر سوى هذا، ولكن معاوية رأى في صاحبه بطلاً جديراً بالإقتداء.
وبما قدمناه يتبين أن هذا الخلاف على أن الإصلاح الاجتماعي من أهداف الأدب خلاف ظاهري، يزيله تحديد معنى الأدب، وتحديد مجاله، أما وقد قلنا: إن كل ما في الحياة يصلح أن يكون موضوعاً للأديب؛ على أن يتناول من ناحية إحساس الأديب بما فيه من جمال أو
قبح، فلا ضير على الأديب إذاً أ، يتناول مسألة خلقية أو اجتماعية يعالجها، أو أن يدعو إلى فضيلة أو ينهى عن مأثمة، على شريطة أن يكون ذلك من تجاربه، وأن يثير فينا الوجدان، فيرضى فنعمل، أو يكره فنكف.
الأديب حر في أن يتناول ما يشاء من تجاربه، من غير أن نضع له خطة ينتهجها، وكل ما نطالبه به أن يرسم لنا شعوره؛ ولذا نرى من الأدباء من أحس بجمال المشورة فمدحها، كبشار بن برد إذ قال:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن
…
برأي نصيح او نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
…
فإن الخوافي قوة للقوادم
ومنهم من لم ير فيه جمالاً، كعبد الملك بن صالح حين قال:(ما استشعرت أحداً إلا تكبر علي، وتصاغرت له، ودخلته العزة، ودخلتني الذلة، فعليك بالاستبداد؛ فإن صاحبه جليل في العيون، مهيب في الصدور، وإذا افتقرت إلى العقول حقرتك العيون، فتضعضع شأنك، ورجفت بك أركانك، واستحقرك الصغير، واستخف بك الكبير، وما عز سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه وآراء نصائحه). وكلا القطعتين من الأدب.
أما التعبير الإباحي فليس من الأدب، ولا الفن الجميل، لأننا نعني بالإثارة، تلك الإثارة الوجدانية الروحية الخالصة، أما إثارة الغريزة الجنسية فليس من عمل الأدب، ومثل هذا اللون من القول مثل الصور الخليعة الماجنة لا يعدان من الفنون الرفيعة.
أحمد احمد بدوي
المدرس بكلية دار العلوم - بجامعة فؤاد الأول
طرائف من العصر المملوكي
عبرتان من عبر التاريخ
للأستاذ محمود رزق سليم
هاتان عبرتان من عبر التاريخ - وكم فيه من عبر - نسوقها إلى زعماء العرب وشعوبهما، في هذه الأزمة الخانقة والآونة الحاسمة التي يمرون بها أو تمر بهمز ولعل فيهما متعظاً ومعتبراً.
في كل عبرة منهما نزل خطب، وألمت شدة، وحزبت ضائقة ووقف عدو لدود بالمرصاد.
أما في الأولى فقد التأمت الصفوف وتنادت الأصوات وتصافت النفوس ولمت الأيدي واجتمع الهوى، حتى أصبح المسلمون - أو بعضهم - جبهة واحدة، فردوا العدوان ودفعوا الطغيان وكانت عاقبتهم نصراً مؤزراً وغلباً مظفراً.
أما في الثانية فقد تغيرت القلوب وانتثر الشمل وتفرقت الأيدي، وأضمر الغدر، وحيكت الخيانة، فكانت العاقبة خساراً ودماراً، وشقوة وبواراً.
هما موقفان من مواقف الأمة المصرية وقادتها، كان أولهما في مطالع العصر المملوكي، وكان ثانيهما في أخرياته. يتمثل في الأولى مزايا الإقدام والشجاعة، وعواقب الحزم والعزم، وفوائد الوحدة والتعاون، بما يحق الحق ويصون الكرامة، ويبقي العزة ويؤثل المجد، ويضفي المهابة. ويتمثل في الثاني مثالب الخور والجبن، وعواقب التردد والضعف، وغرم التفرق والخلف. بما يهدر الحق ويشيع الذل ويمكن للفساد، ويصوح به نبت الحياة.
أقبل عام 656هـ يحمل في جعابه للأمم الإسلامية سهاماً مريشة، وعلى مناكبه رماحاً مشرعة، تنذر بالويل والثبور، والهلاك والدثور. فهاهم أولاء التتار قد نسلوا من أواسط آسيا بعد أن خربوا الديار وأباحوا الدمار، بقلوب فاجرة، وأفواه فاغرة وحب السفك تغلى به دماؤهم، وتضطرب أعضاؤهم، وقد هيئوا العدة، وجمعوا الكيد، فتجهم بهم وجه الأفق، وارمدت بهم صفحة السماء، وأكفهر جو القدر وأرجف المسلمون في كل مصر أن حدثاً جللاً سيقع. فتدافعت سيول التتار إلى بغداد والعراق، بعد أن خلفوا وراءهم أمماً باكية وشعوباً ممزقة وعروشاً مثلولة فأتموا ببغداد فصول روايتهم، وأزالوا من سمائها شمس الخلافة العباسية، واتخذوا في أهلها ما شاء لهم العوام والشراسة وحب السفك والفتك.
تسامع الناس بأخبارهم في ديار حلب والشام ومصر، وأخذت الفرائص ترتعد هلعاً وفزعاً تترقب هبوط هذا الوباء التتري آونة وأخرى. وكانت ديار حلب والشام مقسمة دولاً صغيرة متنابذة متمادية متواثبة يحكمها بقايا من أمراء بني أيوب. بينما كانت مصر قد تأثل فيها المماليك دولة عتيدة وسلطنة مجيدة جهد مؤسسها عز الدين أيبك في توطيد دمائهما وتثبيت أركانها منذ عام 648هـ. ثم خلفه ابنه المنصور، وكان حدثاً صغيراً، فأقيم الأمير (قطز) المعزي مملوك أبيه نائباً لسلطنته وفوضت أمور الدولة إليه. وكان على دمشق أمير من الأيوبيين اسمه الناصر، ترددت الأطماع في نفسه أن يدهم مصر ويستأثر بملكها. فلذلك كان بين سلطان مصر دخل وجفاء. وبينما كان الناصر بين الخوف والطمع إذ وافته رسل (هولاكو) التتري تطالعه برسالته التي يهدده فيها ويتوعده، ويدعو إلى الدخول في طاعته. وبين سطورها يخاطبه ويقرو. (إذا وافقت على كتابي هذا، فسارع برجالك وأموالك وفرسانك إلى طاعة سلطان الأرض شاهنشاه روي زمين، تأمن شره وتغل خيره. كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى). ولا تعوق رسلنا عندك كما عوقت من قبل فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقد بلغنا أن تجار الشام وغيرهم انهزموا وحريمهم إلى (كروان سواي)، فإن كانوا في الجبال نسفناها، وإن كانوا في الأرض خسفناها.
أين النجاة ولا مناص لهارب
…
ولى البسيطان الثرى والماء
ذلت لهيبتنا الأسود وأصبحت
…
في قبضتي الأمراء والوزراء
ففزعت أحشاء الناصر، وصكت ركبتاه، وسقط في يده ولم يدر ما يصنع. فأرسل إلى (قطز) يستجديه معونة مصر، بعد أن كان طامعاً في ملكها وكان (قطز) قد شعر بالخطر القريب، وفطن إلى الشر المرتقب فأخذ يعد للأمر عدته، ويتخذ له أهبته. وتحيل حتى خلع سلطانه (المنصور) وقفز بنفسه إلى سرير الملك، ليكون طلق اليد حر الإرادة في تدبير الأمور، في هذا الوقت الحرج والموقف الشائك. غير أن وثوبه إلى العرش قد احقد بعض الأمراء عليه وأحنقهم، فتجهموا له، وهموا به فأخذ يترفق بالثائرين حتى هدأ من ثورتهم، ويتلطف بالحانقين الحاقدين حتى قلل من حنقهموثبط من حقدهم، واعتذر إليهم بأنه لا مأرب له في ملك أو سلطان، ولا مطمع في عرش أو تاج وإنما همه الأول أن يكونوا يداً
على من سواهم، وأن يدافعوا عن أنفسهم وديارهم خطر التتار، الذين ما دخلوا قرية إلا أفسدوها، ولا مصراً إلا جعلوا أعزة أهله أذلة، ولا بلداً إلا عبثوا بتراثه، أولئك التتار الذين ضجت لهم الأرض وملئوا فجاجها بالدماء، وعرفوا بأنهم القوة التي تغلب، والوباء الذي لا يستطاع كفاحه.
ويذكر بعض المؤرخين أن هذا السلطان (قطز) هو محمود ابن ممدود، وأنه ابن أخت جلال الدين شاه خوارزم الذي أباد التتار ملكه وعفوا أثره. وقع محمود هذا في الإسار، وتنقل به ذله من دار إلى دار، حتى دفع به المقدار إلى مصر، فأبتاعه سلطانها (المعز أيبك) فاستأثر برقه. وكان حبيباً إلى قلبه قريباً إلى مجلسه، أثيراً عند تدبيره. فعلا نجمه، وزكت فيه مخايل الإمارة، ودوى في أعماقه صوت الثأر وصلصل جرس الانتقام فما هو إلا أن ملك الناصية وأخذ بالزمام، حتى قاد أمراءه وجنوده بمقاد الحزم وذكرهم بواجبهم المقدس حيال الإسلام، وإنهم إن أحجموا باد، وإن أقدموا ساد. وهاهم أولاء يرون دولة تسقط فتبيد واحدة إثر أخرى. فراعهم بهذا الخطاب، وملكهم بمنطقه الخلاب، فألقوا إليه السلم، وتوافدوا إلى حظيرته زمراً زمرا، بعد أن بث فيهم عزماً من عزمه، وحماساً مما يتقد في جسمه.
تطايرت الأخبار منذ أوائل عام 658هـ إلى مصر ثوب التتار على حلب ودمشق وغيرهما من بلاد المسلمين، وما اجترحه أولئك الطغاة فيها من قتل وسبي، وسلب ونهب، وتخريب وتدمير وتشريد، وظلم وجور، وعجت التخوم والمسالك بالفارين واللاجئين من وجه البغي والعدوان.
وجاء النذير إلى مصر، ووفدت إليها رسل هولاكو - بعد أن أسر الناصر وخرب دياره - ومعهم رسالة إلى سلطانها يقول فيها: (من ملك الملوك شرقاً وغرباً، القان الأعظم. باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء. يعلم الملك المظفر قطز، الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم، يتنعمون بأنعامه، ويقتلون من كان بسلطانه بعد ذلك. يعلم الملك المظفر قطز، وسائر أمراء دولته وأهل مملكته، بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، أنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه، فلكم بجميع البلاد معتبر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، وأسلموا إلينا
أمركم، قبل أن ينكشف الغطاء، فتندموا ويعود عليكم الخطأ فنحن ما نرحم من بكي، ولا نرق لمن شكا. وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد. فعليكم بالهرب وعلينا بالطلب. فأي ارض يؤويكم، وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم؟ فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال). . . الخ.
حزم (قطز) رأيه وشاور أمراءه، فأيقنوا جميعاً بالخطر الداهم والشر المستطير. وأنهم إن لم يأخذوا الطريق على عدوهم بقلب شجاع ونفس مغامرة وروح فادية، دهمهم في عقر دارهم، وأزال ملكهم، وخرب ديارهم، وهم البقية القوية من جند الإسلام. ولهم عبرة بما اجترح التتار في الشام والعراق والجزيرة وأواسط آسيا. فقر رأيهم على قتل رسل (هولاكو) وعلقوا رؤوسهم على باب زويلة، وأعلنوا في الناس بالجهاد، والخروج في سبيل الله، دفاعاً عن النفس والعرض والدين. وأعجل الجنود عن شئونهم، ودبر المال؛ ورأى السلطان تواكل بعض الأمراء، فقرعهم تقريعاً شديداً، وقال لهم. (يا أمراء المسلمين! لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون. وأنا متوجه فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته. فإن الله مطلع عليه. وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين) فأقبل الأمراء عليه يقسمون له يمين الطاعة والولاء.
ففر جيش مصر بعدده وعدته، يتقد حماسة ويغيض رغبة في القتال وعلى رأسه سلطانه (قطز) الشجاع الباسل الصنديد. يحف به أمراء باعوا نفوسهم لله، يحدوهم الولوع إلى لقاء التتار، فإما حياة كريمة ونصر مؤزر، وإما موت لا يقاس به موت.
وهناك في عين (جالوت) بفلسطين، التقى الجمعان في معركة حامية سالت فيها أنهارالدماء، وتجمعت أكداس الأشلاء. ولما أشتد وطيسها على المسلمين صرخ (قطز) من الأعماق قائلاً:(وا إسلاماه) فدوى صوته في آذان جنوده. وكأنما كانت صرخته إشارة بالمكر، أقدموا لا هيبة ولا وجل، وأخذوا التتار من كل جانب حتى قتل قائدهم (كتيغا) وولت فلولهم لا تلوى على شيء. فتبعهم المسلمون إلى (بيسان) فدارت بها رحى معركة جديدة، دحر فيها التتار وأسلموا للفرار، تاركين من ورائهم قتلى قد ضاق بها الفضاء.
استطاع جيش مصر وجنده بهاتين الموقعتين أن يحمي بلاد الشام من شر التتار، وأن يقذف
بهم إلى غير رجعة بعيداً عن أرض مصر، فلم تطأها لهم قدم. وتعتبر أن نقطتي تحول حاسم في تاريخ مصر لا تقلان في أهميتهما عن موقعة (العلمين) في الحرب الأخيرة. وبدت بهما قوة التتار خرافة لا سند لها، وأن التغلب عليها مستطاع، متى صدق الإيمان، واجتمع الصبر والتعاون، واتحدت القلوب وقد عاشت سلطنة المماليك بعدهما بفضل شجاعة (قطز) وموقفه الرائع، أكثر من قرنين ونصف.
أما في الموقف الثاني فقد كان في عام 922هـ على عهد سلطان مصر قانصوه الفوري، الذي اقتيد إلى العرش بين بكائه ونحيبه رهبة وإشفاقاً من المصير. فقد كانت البلاد مزقتها الفتن الداخلية والحروب الأهلية، ولج بين بنيها الخلف، وصنع بهم ما يصنع السيف. وخوت خزائنها على عروشها. ولم تعد بها إلا حثالات وشراذم من أمراء وجنود، تملأ كل شرذمة العصبية لنفسها، وحب الجهاد لمنفعتها، غير آبهة لسواها إلا مزاحمة ومجالدة، ولم يعد يعنيهم من شؤون البلاد شيء إلا استقلالها. بينما كانت دولة العثمانيين في آسيا الصغرى تبسط سلطانها وتنشر طغيانها. وما وافى عام 962هـ حتى أخذت تمهد لغزو الشام ومصر. ووطئت أنباء استعدادها آذان البلاد. فاضطر الغوري إلى الخروج عن البلهنية والطمأنينة، إلى العمل على اللقاء. وشرع بجميع القادة والجند ويحثهم على التهيؤ للخروج إلى الجهاد، فكان كأنه يستجديهم شيئاً لنفسه، لا أنه يتقاضاهم للقيام بواجبهم. لذلك اثاقلوا عنه ولم يخفوا إليه. وكان كل ما حوله يخذل عن القتال ويثبط عن النفور إليه إلا بقية ممن لا تزال بهم بقية من ضمير، وقبس من إخلاص، وإثارة من كرامة.
وكانت بالسلطان غفلة لا تنبغي لمثله في وقت شدة وضيق، وكلما وردت أخبار تومي إلى الصلح والتراضي بينه وبين العثمانيين هش ونش، وهلل وكبر، وفرح واستبشر. ولعله كان يرمي من وراء ذلك إلى حسم العداء وحقن الدماء، ولا سيما أن العثمانيين إخوان في الدين. ولكن اللهج بالصلح ضعف، واشتهاه الموادعة خور، والاستسلام للعافية جبن.
وكانت تجيئه رسل السلطان سليم فيبهرونه باللسان المعسول، والهدية النفيسة، فيلقاهم لقاء الحافل، ويعاتبهم عتاب الخليل، وما كانوا إلا ليمهدوا للظفر بالغافلين. وبث العثمانيون العيون لينقلوا إليهم أخبار مصر وجيشها الباسل وسلطانها المغوار، فلم يعمل أحد على قطع دابرهم والقضاء عليهم، وبعث نائب السلطان بالشام إليه يجأر بالشكوى مما بالشام من
غلاء فاحش وجدب ضارب، وينكر إن للعثمانيين رغبة في القتال، ويدعو السلطان إلى القبوع والقعود.
ومهما يكن من شيء فقد أنصف السلطان نفسه، وأعد العدة وأنفق المال، وجمع الجند وعين القادة ورتب أمر الخروج إلى الشام لملاقاة بني عثمان. وهو لا يعلم أن العثمانيين قد اتصلوا ببعض أمرائه فوجدوا منهم نفوساً وقلوباً عليلة لا تكبر الأمانة، وتستعذب الخيانة في سبيل للطمع غير المشروع. .
خرجت مواكب الجيش تترى ناسلة إلى دمشق فحلب، وعليها طلاوة وبها خيلاء، ويحسب من يراها أنها إلى النصر تسير وإلى القلب تطير. وهو لا يعلم أنها تجمع قوماً إن لم يمزقهم الضعف فقد فرقهم الخلف، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، عمادها فريقان من المماليك هما (الجلبان والقرانصة)، وبينهما عداء مستحكم اضطرمت ناره وتطاير شراره، وقد تمكن منهم الفساد وحب العناد.
لا نريد أن نسهب إسهاباً تاريخياً في وصف مظاهر الضعف في الجيش المصري، ولا في أنباء قتاله حينذاك، فقد امتلأت بهذه الأنباء بطون الموسوعات.
وحسبنا أن نذكر أن هذا الجيش - على علاته - لقي جيش العثمانيين على كثرة جنده ووفرة عدده، فكاد يذهبه بدداً ويفرقه طرائق قدداً، وذلك في موقعة (مرج دابق) لولا أن أطلت الخيانة بقرونها، وطلع الغدر عليه مطلع الشيطان. فانحاز بعض القادة من سلطانهم بلا سبب، ودبت الوقيعة بين القراصنة والجلبان فشغلتهم أنفسهم عن واجبهم، فكر العثمانيون عليهم وطعنوا القلب، وفيه السلطان يدافع عن شرفه وكرامته، وقد أسفه تفوق الأنصار عنه، وفرار الأصحاب منه. فاضطرب لبه، وامتلأ بالحسرة قلبه. ولهج لوقته وتهاوى عن متن جواده وتناولته سنابك الخيل. ودارت الدائرة على جيش مصر، ورجعت إليها فلوله باكية حزينة.
وتعتبر موقعة (مرج دابق) المشئومة من المواقع الفاصلة في تاريخ مصر. فتحت أمام العثمانيين الطريق إلى غزوها وتمام إخضاعها. وهكذا جثت مصر والشام أمام الغزاة، ووقعتا فريستين سمينتين لهم، فلبثوا بهما زهاء ثلاثة قرون تعسة شقية، لم تسعدا فيها بيوم هناء.
محمود رزق سليم
مدرس الأدب بكلية اللغة العربية
حديث إلى العرب
للأستاذ عبد المنعم خلاف
يلقى هذا الحديث، ومؤامرة الدول الكبرى على فلسطين العربية تتكشف، ونوابا الأمم الغربية الكبيرة والصغيرة ومواقفها من الصهيونية والعرب تتضح وتفتضح، ويظهر خبيئها المستور، وقد فقد العرب جميع أصدقائهم تحت ضغط المصالح التي في أيدي الدول الكبرى، والقضية الفلسطينية تجتاز دورها النهائي، بعد أن أوشك أن يتم الاتفاق الدولي على تمزيق فلسطين وتقسيمها والاعتراف بإسرائيل دولة الإرهاب، وجميع التيارات الظاهرة والخفية في اللجنة السياسية التابعة لهيئة الأمم، كلها تتجه اتجاها واحدا في مسألتين: هما أن لليهود الحق في إقامة دولتهم، وأن تكون القدس دولية يعين عليها حاكم من قبل هيئة الأمم المتحدة، وأن تتولى لجنة توفيق معينة من قبل الهيئة تحديد تخوم تلك الدولة، ويكون الباقي للعرب. وسواء اتصل العرب بهذه اللجنة أم قاطعوها، فهي ستمضي في مهمتها على ضوء ما تسفر عنه قرارات اللجنة السياسية أو هيئة الأمم.
ولم يكن - كما ترون - لعبث اليهود المتكرر بالهدنة، ولا لتشريدهم مئات الألوف من العرب الآمنين، ولا لقتلهم وسيط هيئة الأمم، ولا لافتضاح المؤامرة بينهم وبين الشيوعيين التي ثبتت بالوقائع والدلائل القاطعة، ولا لاعتدائهم المتعمد على مقدسات المسيحية والإسلام، أي تأثير في تغيير سياسة هيئة الأمم ومجلس الأمن نحوهم، بل بالعكس كلما زادوا إمعانافي انتهاك الحرمات، وإقبالا على تحطيم كرامة الهيئة، زادتهم تأييدا وتدليلا.
أما العرب، فقد تلقوا هذه المؤامرات والمكايد بصبرهم المعهود. . . فوفودهم لا تزال تجادل وتكافح في المجال السياسي الدولي بدون جدوى، وجيوشهم لا تزال تحترم الهدنة، وشعوبهم لا تزال تنتظر ما تستقر عليه قرارات حكوماتهم بعد انكشاف المؤامرة، ولم يكن هذا النضج السياسي لدى العرب الذي أوشك أن يتحول إلى احتراق وخمود، أي تأثير في المجامع الدولية والضمير العالمي الخرب بمقدار ما كان لأفاعيل اليهود واعتناقهم مبدأ الاعتماد على الأمر الواقع والتمهيد به إلى تحقيق آمالهم والتدرج به نحوها خطوة خطوة.
ولقد أعذر العرب بصبرهم إلى العالم أجمع، وسواء كانوا محمولين على صبرهم هذا، كما يحمل على السقم السقيم، خضوعاً للضرورات، وتفاديا من الوقوع في شرك المؤامرات
الدولية التي تتمنى أن يزلوا ويخطئوا لتحكم عليهم ومعها الحجة بإدانتهم، أم كان صبرهم هذا طبيعة فيهم ونضجا خلقيا وسياسيا منهم، وجنوحا للسلام حين يدعو داعيه، ولو كانت دعوته خداعا. . . سواء أكان هذا أم ذاك، فقد وضح الصبح لعيونهم ورأوا على ضوئه كرامتهم المهانة ومركزهم الدولي الممتهن، وصبرهم المتهم بالضعف والعجز والبلادة، ومثلهم العليا التي لا تقدير لها، وكميتهم المهملة التي لا وزن لها، وفشل هذا الدور منكفاحهم السياسي فشلا ذريعا لا يمكن نكرانه ولا التهوين من نتائجه.
والسؤال الآن الذي يتردد على فم الدنيا هو: ماذا يفعل العرب بعد ذلك كله؟ هل يريدون أن يحيوا أم يريدون أن يفنوا؟ هل يطيلون الصبر على هذه النظرة العالمية الظالمة إليهم، أم يردون إلى أنفسهم اعتبارها ويثبتون وجودها؟ هل يريدون أن يبقوا على عدوهم في ديارهم ليجلب عليهم بخيله ورجله، وليكون لهم عدوا وحزنا ونحسا ورهقا وخيالا، أم يقضون عليه وفي أيديهم روحه قبل أن يستفحل شره، ويستحيل ذئبه الخسيس إلى أسد شجاع؟
هل يعلمون ويعقلون أهدافه الواسعة الطامعة في بلاد العرب كلها من النيل إلى الرافدين، ومما بعدهما، وأحلامه في محو أهلها وتحويلهم إلى عبيد وحيوانات بشرية، وزرعها كلها يهودا، أم يغفلون عن هذه الأهداف ولا يدركون مداها ويحسبونها قاصرة على فلسطين الصغيرة وحدها؟!
لئن شاء العرب لحولوا سم السرطان الصهيوني الذي فرضته عليهم القوى الغشوم ترياقا يوقظ بلسعاته وموجعاته قوى الكفاح الكامنة في كيانهم المعنوي والمادي، ويثير فيهم حمى الحقد والثأر ومجازاة الشر بالشر وعزائم المقاومة التي خدروها وأناموها في عالم لا تقام فيه لقوى الشر والبغي عين!
أجل. . . إن شاء العرب، كان في هذا الشر الجديد ميلاد لقوى جيوشهم الحديثة وحرية اقتصادياتهم الوفيرة، وكان فيه دفع حثيث لهم إلى السباق الدائم بين الأمم نحو العلم المادي الذي يعتمد عليه عدونا، ويسرع إلى استغلال أسراره، يتخذ منها أسلحته وخيوط شباكه حديثا كما كان يسرع إلى استخدام السحروالجن قديما، كما ورد في آثاره. . .
وإن شاءوا كان فيه دافع عنيف إلى توحيد قلوبهم توحيدا حقيقيا، يولده الدم المتحد، والعقائد
المشتركة، والمصالح المشتركة، والأخطار المشتركة، فلم يعد هذا الزمن يحتمل تفرق كلمتنا وعيشة دولتنا عيشة القبائل التي لا تجمعها وحدة متينة، وليصيبن بغداد وعمان والقاهرة وبيروت ودمشق ومكة وصنعاء وغيرها من عواصم العرب ما أصاب القدس وحيفا ويافا إذا قالت كل أمة أو حكومة فيها: نفسي. . . نفسي. . . وحسب كل جيش من جيوش العرب أن نصره أو هزيمته له وحده!
وهذا التوحيد الحق للقلوب والجهود في جميع أقطار العرب، هو السلاح الضروري الأول الفعال الذي لا جدوى لأي سلاح بدونه، وما أتى العرب ولا أصابهم ما أصابهم للآن إلا من تفريطهم في هذا السلاح. فعلى الشعوب العربية أن تدفع زعمائها وقادتها، إذا ترددوا، على هذا التوحيد دفعا لا هوادة فيه ولا تباطؤ، فإن الحرب بيننا وبين أعدائنا حرب في كل لحظة، وعلى كل ثغرة، وفي كل ميدان، ومن كل فرد، فدولة إسرائيل المزورة، إذا قامت، ستكون كلها معسكرا يعمل فيه النساء والرجال والكبار والصغار ليل نهار، ويمده بالأخبار والأسرار، وينفذ خططه طوابيره الخامسة في كل بلد عربي محيط به، والصهيونيون يعلمون مقدما ما يبيته لهم العرب وما توعدوهم به من خنق عسكري واقتصادي وسياسي، ولذلك سيعملون بنفوذهم الذي لا ينكر في العالم وفي البلاد العربية على إحباط ذلك إذا لم نتيقظ لهم، وسيكون أول عمل لهم هو إفساد ذات البين في علاقات الشعوب العربية داخلها وخارجها، وضرب طبقاتها وأحزابها بعضها ببعض عن طريق الدعوات الاقتصادية والعمالية، وإفساد عزائم الشباب وقواهم بإضرام الشهوات وشغلهم بها عن آفاق مجدهم وكرامتهم، وعما يبيت لمستقبل أوطانهم وعقائدهم. والصهيونيون لم ينالوا ما نالوه من نفوذ بالغ في العالم، ولم يصلوا إلى ما وصلوا إليه بشعورهم بجنسهم المشترك وهدفهم المشترك وتوحيد قيادتهم وتدبير خطتهم، وتوزيع رجالهم على المعسكرات العالمية المختلفة، وصدورهم كلهم في جميع أنحاء العالم عن رأي واحد وقلب واحد. ولا شك أنهم لم يكونوا لينالوا ما نالوه، لو أنهم افترقت قلوبهم وتخاذلت قواهم وشكوا في قادتهم. فإذا أراد العرب أن يخنقوا دولتهم، فلا سبيل إلى ذلك إلا بدوام إذكاء الشعور بوحدة العرب، وبإيقاظ كل فرد إلى أداء واجبه في ضرائب الدم وضرائب المال، وتضحية الصغائر والكماليات، حتى يتغلب الجسم العربي على سموم هذا السرطان!
وإذا كان الصهيونيون يحاولون أن يسرقوا ويغصبوا ديارنا، لأنهم يدركون أهميتها وقيمتها المادية والمعنوية لهم، فأولى بنا، ونحن وارثوها والمالكون لها، أن يكون دفاعنا عنها أضعاف هجومهم عليها!
أجل. . . أولى بصاحب الدار أن يقاتل أضعاف قتال اللص، فلا يكون اللص أعرف منه وأكثر تقديرا لممتلكاته وأشد حرصا على افتدائها. وإذا كان هذا المعقول والواجب في الدفاع عن دار ومتاع خاص، فإنه أكثر وجوبا في الدفاع عن الأوطان والمقدسات والحرمات. واليهود يدفعون دمائهم وأموالهم وجهودهم راضين مغتبطين، لأنهم يشترون بها وطنا وأملا وتاريخا مزورا مفقودا، منذ ألفي سنة، فأولى بنا ونحن نملك الوطن والأمل والتاريخ ألا نضيعه، وإلا كنا غير جديرين به ولا بالحياة. ومعاذ العرب أن يرضوا لأنفسهم وأمجادهم أن تفنى، ولكرامتهم أن تهان على هذه الصورة وعلى رؤوس الأشهاد في أشد قضايا التاريخ ظلما وبهتانا!
وإن الجامعة العربية لتهيب بالشعوب العربية وتنادي كل فرد عربي أن يجند نفسه ويثير جميع قوى الكفاح التي ترسب خمائرها في دمه للدفاع عن مثله العليا وأوطانه وكرامته، وهو الذي لا ينام على ثأر ولا يرضى بضيم، فما بالهين على العربي أن يرضى لكرامة شعوبه ودوله السبع أن تداس في مجتمع الدول لإرضاء طغمة من الإرهابيين أعداء البشر بإقامة دولة ملفقة لهم في أعز بقاعه عليه وفي مهد المسيح الذي عبد قلوب البشر للسلام، وكانت دعوته وروحانيته وحياته كلها ردا على مثل اليهود وأخلاق اليهود ومادية اليهود، الذين يريدون أن يقيموا دولتهم على أرض مهده، بعد أن طردت روحه منها (رأس الأفعى اليهودية) وشردتها.
وإن لدى العرب الآن من قوى معنوية ومادية راهنة، تتزايد على مر الأيام، لكفيلة إذا صمم العرب وتيقظوا وعملوا، أن تحطم هذه الأفعى، مهما تألبت لنصرتها قوى الشر والظلم، وإن أصوات شعوب العرب وساستهم ورجال حكوماتهم قد أصبحت كلها تتنادى في كل قطر بوجوب استئناف الكفاح في الميادين كلها وتعبئة القوى جميعها. وقد تساوى رأي المتطرفين والمعتدلين في البلاد العربية في وجوب أخذ الأمر باليقظة والعمل الدائم والكفاح المستمر، بعد أن تكشفت الرغوة عن الصريح في سياسة الأمم المتحدة!
دعونا من حديث الماضيومسئولياته، فإنه حديث يبلبلنا ويفرقنا، ولننظر شعوبا وحكومات إلى الحاضر والمستقبل بروح السخط والاحتقار لروح الغرب وضميره ومنظماته التي سمحت لنفسها أن تمكن السارق في دار المسروق، مما لم يحدث له مثيل في التاريخ، ولنتفاءل ونأمل ولا نيأس من روح الله، ولكن تفاؤلا غير غافل ولا آبه في هذا الصراع الذي ربما يطول، ولنحذر حرب الإشاعات الكاذبة التي هي من أسلحة عدونا، وليكن شعارنا: هو الإيمان بحقنا، والإصرار عليه، والعمل على نواله بكل قوانا المادية والمعنوية!
عبد المنعم خلاف
شاعر وعصفور
(في أحد الأيام استفاق الشاعر من قيلولته، على صوت عصفور صغير دخل غرفته، وراح يسف بجناحيه على أرضها وهو يحاول الطغيان. فآواه الشاعر عنده أياماً ريثما قويت جناحاه ثم أطلقه. وقد أوحت هذه الحادثة القطعة التالية):
أهلاً بعصفور صغير لاجئ
…
قذفت إلي به يدُ الأقدارِ
ماذا أتى بك يا صغير لغرفتي
…
أحسبتني طيراً من الأطيارِ
هل أمك البلهاء للطيران قد
…
ساقتك لكن قبل حين مطارِ
كم ذا ترفٌّ لكي تطير مسارعاً
…
والهر منتظر بأرض الدارِ
فاشكر إلهك إذ هداك لساحتي
…
فكفاك عطف الوالدين جواري
وحللت من كنفي بعش آمن
…
أسمى وأمنع من ذرا الأشجارِ
لك من خيالي إذ تطير مرافق
…
ومتى صدحت أجبت بالأشعارِ
أرفقت لي فأتيت تؤنس وحشتي
…
يا ألطف الخلان والزُّوَّارِ
حسبي وحسبك جو شعر آمنٌ
…
فالجو ممتلئٌ من الأخطارِ
عجباً كِلانا طار قبل أوانه
…
ونأى الطموُح بنا على الأوكارِ
فبدأت بالأسفار مثلي يافعاً
…
وأنا بلغت نهاية الأسفارِ
فوقاني الله الوحوش أناسياً
…
ويقيك ربك كل طير ضاري
مرِّن جناحك في فدائي طائراً
…
ثم انطلق لتطير دون عثارِ
لا تخشى من أسري ففيه لك البقا
…
ما إن ترى حريةً كإساري
(دمشق)
أحمد الصافي النجفي
حب المنطق
(مهداة إلى الصديق الكريم الأستاذ ثروت أباظة)
تعشَّقْتها حسناء يحرس حسنها
…
وتحمى جناحها حارس من ضميرها
يرف ضياء النُّبل فوق جمالها
…
ويأرج عطر الطهر فوق عبيرها
لقد أقبلت تختال في ثوب عفة
…
فيا حسنه ثوباً سما عن حريرها
إذا ضمَّنا صفو اللقاء تمثلت
…
لعيني ملاكاً من سمو شعورها
فأنهل من كأس يضاعف نشوتي
…
شمائل ساقيها ولطف مديرها
توفيق عوض
الصداقة في رأي ابن المقفع
للشيخ محمد رجب البيومي
(بقية ما نشر في العدد الماضي)
في رأيي أن تشدد عبد الله في اختيار وصفائه قد جعلوا في جنة ورافة من إخوانه ومحبيه، فكانوا قوة عينه وبهجة فؤاده، يهيم بأحاديثهم ويهيم بأخبارهم، ولم يؤثر عنه أنه ارتاب يوما من الأيام في أحدهم فظن الظنون، وهذه مزية التحفظ الشديد، ونحن نسمع في كل مكان من يندبون الوفاء، ويبكون النبل في الحياة، زاعمين أن الصداقة سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، فكل قرين يشكو من قرينه في الكثير الأغلب، وسبب هذه الضجة المفتعلة، أننا لم نفهم الفرق الواضح بين الصداقة والصحبة، فإذا صاحب إنسان زميلا وقدم إليه بعض المعونة الأخوية، قم وجد منه نفورا لا يتفق وما أسلف إليه من نفع، قام يندد بضياع المروءة والوفاء وأولى به أن يندد بنفسه، إذ لم يختر من يجزيه الإحسان بالإحسان، بل عمد إلى طينة سنجة، فغرس فيها بره ثم تعهده بالري فمات الزرع، وجف الماء، ولو أنه غرس معروفه في تربة مختارة منتقاة، لآتت أكلها ولم تنقص منه شيئاً، ولأبصر نفسه - كابن المقفع - في جنة مورقة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ولكن فاته ذلك في حينه فهب من فوره يبكي المروءة ويندب الوفاء!!. . لا يا هؤلاء. . .
ونحن نعلم أن الأديب أو الفيلسوف أو كل ذي موهبة فنية، في حاجة ماسة إلى من يجاذبه أطراف الحديث، ويخوض معه في شتى الأبحاث، ولقد تألقت في عصر ابن المقفع كواكب لامعة في سماء الأدب، وكانت صلته بها صلة مودة وحب، فهو صديق الجميع يؤثرهم ويؤثرونه، وأنت تعجب كل العجب حين تراه يجمع بين صداقة المتناصرين والمتباغضين، فهو صديق حماد وبشار ووالبة وإبان ومطيع، ولا ريب أن عبد الله كان يلاقي كثيرا من الإرهاق والعنف بين أمزجة متباينة، ونفوس متصاولة، وكنت أسأل نفسي مرارا ألا يكون الجمع بين صداقةالأضداد مما يحدث لديهم الريبة في نفس عبد الله؟ وهل يطيب لبشار مثلا أن يبوح بسره لصاحبه وهو يعلم أنه صديق حماد؟ سؤال دقيق يتطلب إجابة دقيقة، وكأني بابن المقفع وقد أدركه تمام الإدراك، فأجاب عنه في ملاطفة هادئة حيث قال (وإذا رأيت صديقك مع عدوك فلا يغضبنك ذلك، فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوك لشر يكفه عنك أو
لعورة يسترها منك، أو غائبة يطلع لك، فأما صديقك فما أغناه أن يحضره ذو تفتك) وهذا كلام مقبول من بعض نواحيه، وإن كنا لا تميل إلى الأخذ به، لأن كل خصيم من بني الإنسان يسلق خصيمه في غيبته وحضوره بلسان حاد، وخاصة إذا كان من طراز حماد وبشار، فلو أن ابن المقفع تصدى دائما للدفاع عن أصحابه لثقل كثيرا على أعدائهم وما استطابوا ذلك منه في كثير أو قليل، وما كان أغناه عن هذا المأزق الحرج! على أنه - في الواقع - لم يثبت على رأيه الأول فقد اتضح له تطرفه الزائد فأتى بما يناقضه حين قال في موضع آخر (إن من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً، ولعدو صديقه عدواً، وليس لي بصاحب ولا صديق من لا يكون لصديقي محباً وإنه يهون علي قطيعة من كان كذلك) وإذن فقد اتفق معنا الكاتب، وتحلل من رأيه الأول، بعد أن خطأه الواقع المرير.
ولقد كانت المجالس الأدبية - كما هي الآن - لا تخلو من نقاش حاد يتطاعن فيه الأصدقاء، وكل يؤيد رأيه بما يسعفه خاطره ويرتاح إليه ضميره، ولكن من الناس من لا يراعي حرمة الحديث ولايصون كرامة الصديق فيندفع في تنقصه اندفاعا يخرج به عن حدود الياقة والذوق، وكان عبد الله يضيق بهذا الطراز من الأصدقاء منتهى الضبق، ولقد كتب الفصول الممتعة في أدب الحوار وطريقة الحديث، فكان مرشداً حكيماً لأصدقائه ومريديه. اسمعه يقول في نصح وتوجيه (لا تلتمس غلبة صديقك والظفر عليه في كل رأي، ولا تجترئن على تقريعه بظفرك إذا استبان، وحجتك عليه إذا وضحت، فإن إخوانا قد يحملهم حب الغلبة وسفه الرأي في ذلك على أن يتعقبوا الكلمة بعد ما تنسى، فيلتمسوا فيها الحجة ثم يستطيرا بها على الأصحاب، وذلك ضعف في العقل ولؤم في الأخلاق) والناس هم الناس في كل زمان فما يشكو منه ابن المقفع أشكو منه الآن، بل ربما وجد في زماننا من يفوق من تقدمه، في مضمار التوقح والسفه، ليختلق الرأي الدنيء اختلاقا، ثم ينسبه إلى غيره مندداً مشهرا، وهناك قوم من المتناظرين لو أطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منه رعبا، فمتى يعتصم هؤلاء بحبل من الخلق القويم؟!
ويلوح لي أن الكاتب كان ملتهب الصدر من هذه الناحية - وحق له أن يلتهب - فلم يكتف بما سطره في الأدب الكبير والأدب الصغير مما فيه العبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، بل عقد في (كليلة ودمنة) فصلا مسهبا يدور حول هذا الموضوع، وقد جعل فيه
اللسان أساس المصائب، ومفتاح النوائب، فهو يقذف بالكلمة الواحدة صغيرة ضئيلة فتبدد الشمل، وتفرق الجمع، وتوقد نار الحرب، وأمام القارئ باب (البوم والغربان) وفحواه أن معركة حامية قامت بين الفريقين بسبب غراب طائش تكلم في حق البوم بما لا يليق، وبعد أن فصل الكاتب قصته تفصيلا منطقيا يستشرف إلى النتيجة الحاسمة، عمد إلى هدفه الأصيل، فقال على لسان بوم يتوعد الغراب الأحمق، ويهدده بعاقبة لسانه، وما جره على قومه من كوارث فادحة يتفجر لها براكين العذاب.
قال الكاتب الحكيم (اعلم أن السيف يقطع به الشجر فيعود فينبت، والسيف بقطع اللحم ثم يعود فيندمل، واللسان لا يندمل جرحه ولا تؤسي مقاطعه، والنصل من السهم يغيب في اللحم ثم ينزع فيخرج، والنصل من الكلام إذا وصلت إلى القلب لم تنزع ولم تستخرج، ولكل حريق مطفئ، فللنار الماء، وللسم الدواء، وللحزن الصبر، ونار الحقد لا تخبو أبداً. وقد غرستم معاشر الغربان بيننا وبينكم شجر العداوة والبغضاء)
وأنت لو فتشت في كتب التربية والأخلاق ما وجدت توجيها أفضل من هذا التوجيه. وليت شعري من يبلغ مبلغ ابن المقفع؟ وقد رسم القاعدة أولا ثم ثنى بالدليل المسكت، وعقب أخيراً بالمثال الحكيم.
بقيت مسالة دقيقة تجول في خاطر كل صديق، وهي تحديد العلاقة بين الصداقة والمنفعة، ونحن نرى كثيرا من الكاتبين يلقون القول على عواهنه فيحكمون أن الصداقة تتعارض مع المنفعة تعارضا تاما، وأن الذي يصادق ليقطف ثمرة، أو يحصد ذرعا فهو نفعي وصولي، مع أن هناك ناحية لا يجب أن يغفل عنها غافل، وهي أن المنفعة والصداقة صنوان متلازمان لا يفترقان، وأن الخلاف لا ينبغي أن يتجه إلى المفاضلة بينهما كعضوين منفصلين، إذ ما من صديق إلا وينتفع به صديقه إن ماديا وإن أدبيا؛ فهو على الأقل يرفه عنه همومه، ويتحمل جانبا من سره، ويزيل ما بنفسه من كبت داخلي قتال، وكل أولئك منافع غالية لا تقدر بمال أو عتاد، ولكن ينبغي أن يتجه الخلاف إلى ناحية أخرى تأتي بعد التسليم بحدوث المنفعة من الصداقة؛ ولعلها تنحصر في السؤال الآتي: هل تكون الصداقة وليدة المنفعة؛ أو تكون المنفعة وليدة الصداقة؟! فإذا كانت الصداقة وليدة المنفعة فهي الصداقة الوصولية المادية التي يحتقرها المثاليون، ويزدريها الأخلاقيين، والتي ندد بها ابن
المقفع أشد تنديد في مواضع عدة من كاتباته. وقال عن أصحابها في تبرم واضح (ومن كان يصنع المعروف لبعض منافع الدنيا فإنما مثله فيما يبذل ويعطي كمثل الصياد وإلقائه الحب للطير، لا يريد بذلك نفع الطير، وإنما يريد بذلك نفع نفسه؛ فتعاطى ذات النفس أفضل من تعاطي ذات اليد).
أما إذا كانت المنفعة وليدة الصداقة فهي بلا ريب مودة مثالية فاضلة ينشدها عشاق الفضيلة وأرباب المروءة، إذ أن الإنسان مهما عظم جبروته وطغى سلطانه، في حاجة قوية، إلى من يطلع على خبيئة سره، ويستكشف ذات صدره، فيشاركه الرأي ويقاسمه التفكير، وهذه هي الصداقةبمعناها الصحيح، وقد حبذها ابن المقفع بكل قواه، وله فيها حكم بينة، كأن يقول (أعلم أن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا، وهم زينة في الرخاء، وعدة في الشدة، ومعونة على خير المعاش والمعاد، فإذا نابت أخاك إحدى النوائب من زوال نعمة أو نزول بلية، فأعلم أنك قد ابتليت معه إما بالمؤاساة فتشاركه في البلية، وإما في الخذلان فتحتمل العار، وأن أول أهل الدنيا بشدة السرور من لا يزال ربعه من إخوانه وأصدقائه من الصالحين معموراً، ولا يزال عنده منهم جماعة يسرهم ويسرونه ويكون من وراء حاجاتهم وأمورهم بالمرصاد، فإن الكريم إذا عثر لا يأخذ بيده إلا الكرام، كالفيل إذا وحل لا تخرجه إلا الفيلة).
وباب الحماسة المظوقة في كتاب (كليلة ودمنة) يدور حول المنفعة المتولدة من الصداقة، بل أن ابن المقفع جعل مزية الصداقة الوحيدة هي ما يعقبها من معونة الأصدقاء، ومساعدة الإخوان، فالحمامة لم تنج من الشرك إلا بفضل صديقها الفأر، والظبي لم يفلت من الصياد إلا بمعونة صديقه الغراب، والسلحفاة لم تتمتع بالحياة إلا بمساعدة الجرذ، وهكذا يضرب الحكيم النابغة أمثاله للناس (وما يعقلها إلا العالمون).
وإذا كان الرجل قد أجادفي الحديث عن الصداقة إجادة محمودة، فإنه أبدع في الكلام عن العداوة إبداعا يستدعي الانتباه، ويقيني أنه لم يلح في إكبار الصداقة إلا بعد أن حيكت له الدسائس، وذاق من الأعداء صنوفا أثيمة من الكيد والختل، وليس بغريب على نابغة كابن المقفع أن يكثر حساده ومبغضوه، وهل يحسد من الناس غير المبجل في عشيرته، العظيم في دولته؟ وهل يتعرض الشانئون لغير من يبزهم في المنزلة، ويرتفع عنهم في المكانة،
ألم يطعنوا على الرجل في دينه وخلقه وتقواه!! محن مظلمة غشيت النابغة العظيم كقطع الليل فعلمته كيف يجيد الحديثعن الوشاة والأعداء، بل إن أعظم فصل في كليلة ودمنة وهو باب الأسد والثور يدور حول الأفاكين من الوشاة، وكيف يبذرون بذور الشقاق بين الأحبة والأصفياء، وقد اصطبغ فيه حديث الكاتب بصبغة شاحبة مشجية حتى لتتصور كلماته أنيناً يتردد في قنوط وحرمان!!
وقد يبدو لمن يطالع ابن المقفع في باب العداوة والكيد أنه عفو صفوح يتبع السيئة الحسنة، لأن له من العبارات ما ينطق بالتسامح والحنو كأن يقول (ابذل لصديقك دمك ومالك، ولعدوك عدلك وإنصافك، وللعامة بشرك وتحننك) ولكن من يتعقبه تعقبا جديا يدرك مقدار يقظته وانتباهه، وما أحب أن أحلل أقواله تحليلا يتشعب معه القول في فجاج شاسعة بل أنقل إلى القارئ بعض ما أثر عنه في مؤاخذة الأعداء، قال ابن المقفع
1 -
إن كنت مكافئا بالعداوة والضر فإياك أن تكافئ عداوة السر بعداوة العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة؛ فإن ذلك هو الظلم. ومن الحيلة في أمرك مع عدوك أن تصادق أصدقاءه، وتؤاخي إخوانه، فتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتلاعن حتى ينتهي ذلك بهم إلى القطيعة والعداوة له.
2 -
قارب عدوك بعض المقاربة لتنال حاجتك، ولا تقاربه كل المقاربة فيجترئ عليك، ويضعف جندك وتذل نفسك ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس إذا أملتها قليلا زاد ظلها، وإذا جاوزت بها الحد في إمالتها نقص الظل.
3 -
الحازم لا يأمن عدوه على كل حال فإن كان بعيدا لم يأمن سطوته، وإن كان مكثبا لم يأمن وثبته، وإن كان وحيدا لم يأمن مكره. . . وإن صرعة اللين والرفق أسرع وأشد استئصالا للعدو من صرعة المكابرة، فإن النار لا تزيد بحدتها وحرارتها إذا أصابت الشجرة أن تحرق ما فوقها، والماء ببرده ولينه يستأصل ما تحت الأرض منها.
وقد يوجد من يؤاخذ ابن المقفع على اختراع هذه الأسلحة الفتاكة في حرب العدو، وربما ظن الظنون بنابه الأزرق، وشك في دخيلة نفسه ونحن لا نتردد في تبرئة الكاتب مما قد يعلق ببعض الأذهان حيث لا نرى جناحا في الكيد لمن يسوء، بل أن على الرجل الذي يحترم رجولته أن يضرب أعداءه ضربة قاصمة حتى لا يسمح للعقارب المؤذية أن تنفث
سمومها في الظلام!
لقد اجتهد عبد الله في تحديد قوانين الصداقة والسمو بها إلى أفق ملائكي تهب فيه النسمات العاطرة، ولكنه اصطدم بغرائز دنيئة تدعو إلى الهبوط في وهدات مظلمة منتنة، فلم يجد بداً من محاربتها محاربة صارمة حتى يهيئ لمثله العليا أن ترفرف في جوها الرفيع، ولقد مات الكاتب وترك من أقواله في الصداقة ظلا وارفا يفيء إليه المخلصون، فيأكلون من ثمره الحلو، ويستنشقون نسيمه المنعش في لذة وارتياح.
حسب ابن المقفع وفاء أن تتقطع أحشاؤه شوقا إلى أصدقائه، وأن يأرق في حنادس الظلام ليسائل البرق الخاطف عن أصفيائه الأعزة، ثم يعمد إلى قلمه الرشيق فتسجل عواطفه الجياشة الموارة، في سطور عبقة يتضوع أريجها مدى الأحقاب المتتاليات!
أي نابغة الفرس العظيم، لقد دعوت إلى مكارم الأخلاق في دنيا وضيعة دنيئة، وناديت بالوفاء في معشر جبلوا على الخيانة والغدر، فهنيئا لك كفاحك المرير في حومة الشرف، وجهادك الشاق في ساحة النبل والوفاء.
فقل للذي يبغي مداه منافساً
…
طمعت لعمر الله في غير مطمعِ
(جزيرة الروضة)
محمد رجب البيومي
الأدب والفن في أسبوع
للأستاذ عباس خضر
على هامش اليونسكو
لقد بذل لبنان منتهى النشاط في الإعداد لمؤتمر اليونسكو، وأنفق كثيراً في الأوجه المختلفة المتعلقة به من تشييد وتأثيث وضيافة وغير ذلك. ودعت مصر أعضاء المجلس التنفيذي لليونسكو إلى عقد دورة فيها عقب انتهاء مؤتمر بيروت العام، فلبوا الدعوة وسينزلون ضيوفا على الحكومة المصرية من يوم 12 إلى 16 ديسمبر الحالي، ويزورون في خلال ذلك المتاحف والآثار، والدور العلمية، وتقام لهم بعض الحفلات، ويشاهدون التمثيل في الأوبرا.
ولاشك أننا - لبنان ومصر - نقصد إلى الدعاية لبلادنا، ونسير في وسائلنا لذلك على ما عرفنا به من الكرم والسماحة، ولا علينا أن للدول الغربية عندما تدعو إلى عقد المؤتمرات العالمية لا تبذل لها ما تبذل بل لعلها ترمي إلى الاستفادة الاقتصادية من وجود أكبر عدد ممكن من مندوبي الدول فيها، فنحن أحفاد حاتم الطائي، ونحن أبناء الشرق الروحيون. . .
ولكن عندما يشاهد أولئك المندوبون الضيوف الكرام منشآتنا وبناياتنا الفخمة الضخمة، من تليد وعتيد، ويرون الأنوار الساطعة في ميادين عواصمنا - لا ينبغي أن نغتر بظاهر ثنائهم، فإن لهم عيونا نافذة تلمح ما وراء هذه المظاهر جزءا صغيرا جدا منها. . . فبناء الجامعة - مثلا - بالغ الروعة، وبها عدد من الأساتذة الأعلام لا يقلون في مستواهم العلمي والفكري عن أمثالهم في أرقى الأمم، ولكن هذه قمة الهرم والباقي سفح لا يشرف ما به من نسب الأمية والجهالة، ومسرح الأبرا يتيم في القطر وأرستقراطي، والأنوار الساطعة لا تعشي البصر عن رؤية الأكواخ ومساكن الفقراء. . . الخ.
وأنا أريد أن أفرض أن ضيوفنا سينخدعون بما نغرقهم فيه من ضباب الحفاوة والمظاهر، وما أحب إلينا ذلك، ولكن أخشى أن ننخدع نحن بصنعنا. . . فنظل على ما نقوم بتمثيله ونحن في أشد الحاجة إلى أن نعيش أكثر الوقت في واقعنا، نواجهه ونرفعه حتى نصل إلى الحد الذي نستمد فيه تمثيلنا من واقع الحياة.
التعليم المصري في السودان
وهذه مسألة من صميم اختصاص منظمة اليونسكو، فليت وفد مصر يثيرها في المؤتمر، أليس من مبادئ اليونسكو نشر التعليم في أرجاء العالم؟ فلتقل للإنجليز لم يقفون في وجه انتشار التعليم في السودان ويعرفون الجهود المصرية في هذا السبيل؟
فقد تضمن خطاب العرش افتتاح الدورة البرلمانية الحاضرة أن الحكومة المصرية تعمل على إنشاء مدرسة ثانوية في الأبيض ومدرستين ابتدائيتين إحداهما في كسلا والأخرى في بور سودان ومدرستين أوليتين إحداهما في واو والثانية في بور. فبلبل ذلك الخاطر الإنجليزي في السودان، لأنهم يعطون التعليم للسودانيين بقدر وعلى النحو الذي يريدونه، من حيث تهيئته تهيئة آلية، وتشبيعه بالروح الموالية لهم، أما المدارس المصرية فهي الخطر كله، وأقل ما فيها أنها تجمع أبناء الوادي على ثقافة واحدة، وهي تشعر السودانيين بأن للحكومة السودانية الإنجليزية شريكا في النفوذ هناك، وحكام السودان من الإنجليز يحرصون على أن يقروا في أذهان إخواننا بالجنوب أنهم - أي الإنجليز - كل شيء هناك، وليس لمصر معهم حول ولا طول.
فما كان من الخاطر الإنجليزي المبلبل في السودان إلا أن أفضى لسانه في مؤتمر صحفي بالخرطوم - على الطريقة الإنجليزية الرقطاء - أن حكومة السودان تشكر مصر على شعورها نحو التعليم في السودان إلا أنها ترى أن تتعاون وزارة المعارف المصرية مع مصلحة المعارف السودانية على إنشاء هذه المدارس المقترحة والإشراف عليها بدلا من أن تكون تابعة رأسا لتلك الوزارة، لأنه ليس من مصلحة البلاد إقامة نظامين للتعليم فيها لكل منهما برنامجه الخاص.
ومعنى ذلك أن إدارة المدارس المقترحة تكون (ثنائية) ومعنى الثنائية في العرف الإنجليزي بالسودان أن ينفرد الإنجليز بكل شيء هناك دون مصر، طبقا لخرافة (الحكم الثنائي) المشهورة. .
ثم كيف كان من مصلحة البلاد إقامة نظامين للتعليم يوم أنشئت مدرسة الملك فاروق في الخرطوم ومدرستان أوليتان في جبل الأولياء وملكال، ثم اصبح ذلك الآن مخالفاً لمصلحة البلاد؟ أكان من المصلحة لأنه وقع في سنة 1943 في خلال الحرب يوم كان (الخلفاء) يخطبون الود ويبذلون الوعود ويستجدون الثقة والمعونة، ثم صار الآن من غير المصلحة.
؟ على أن النظامين قائمان، حتى قبل إنشاء المدارس الحكومية المصرية، فهناك منذ زمن مدارس أهلية برنامجها مصري، ويقبل أبناء السودان على هذه وتلك على رغم العقبات التي تضعها الحكومة السودانية في سبيلهم، والتي منها عدم الاعتراف بالشهادات المصرية في التعيين بالوظائف، والالتحاق بالمدارس العالية التابعة لحكومة السودان، وغير ذلك.
وبعد فإذا كان الهدف الأول لليونسكو القضاء على أسباب الحروب في عقل الإنسان، فهذه هي عقول الإنجليز في السودان.
الصهيوني والفرقة المصرية:
(الصهيوني) مسرحية ألفها، وأخرجها، وقام بدور البطل فيها، الأستاذ يوسف وهبي بك؛ ومثلت في هذا الأسبوع على مسرح الأوبرا الملكية. وهو يقدم لنا فيها شاباً ماجناً خليعاً مدللاً متعطلاً على الرغم من أنه درس الهندسة الميكانيكية ونال فيها أعلى الشهادات، وهو ابن (باشا) عسكري قديم: يسخط عليه أبوه لأنه ولد (خسران) وفجأة يهبط على المنزل بطائرة ويعلن أنه أصبح ضابطاً في سلاح الطيران بالجيش المصري تلبية لنداء الواجب في حرب الصهيونيين بفلسطين، وفي هذا الموقف نرى البطل الطيار (يوسف وهبي) يقلب الجو الذي كان ينبغي أن يكون رائعاً، إلى مهزلة. . يسخر فيها من أبيه (الرجل العسكري) ويتندر عليه. وتسود هذه الروح وهي تكلف الظرف والفكاهة في غير موضعها - أكثر مواقف الرواية، ومن ذلك ما يحدث عند ما يفاجئ الأسرة شاب يدعي أنه (سامي) ابن الباشا من زوجته الأجنبية التي خرجت به من مصر صغيراً، وأنه لما علم بأمر مصر تحارب في فلسطين أسرع إليها ليؤدي واجبه، ويظهر فيما بعد أنه جاسوس صهيوني، وهو المقصود بعنوان الرواية، يدخل هذا الشاب على أسرة الباشا فيستقبلونه ويدهشون للسانه المصري فيقول لهم: إنه كان يدرس اللغة العربية في كلية اللغات الشرقية بألمانيا، وينطق بعبارات فصيحة، فيقول له (عزت) المهندس الضابط الطيار:(دا بيكلم نحوي كمان. . . دا ينفع فقي!) وهذا كلام ليس بائخاً فحسب بل هو من فكاهات الطبقة العامية البحتة. . .
هذا وقد أجاد فؤاد شفيق الذي مثل دور الباشا، في دعابته، وهو ممثل مطبوع على الظرف بإلقائه وحركاته وتعبير ملامحه.
وأجادت أمينة رزق في تمثيل (منى) بنت أخي الباشا، أجادت في القيام بدور الفتاة الكريمة ذات الإحساس النبيل، التي تتألم إزاء إعراض (عزت) عنها، ووالداه يلحان في زواجه منها. وقد رفعت المسرحية في دورها عن مستواها المسف. . . وكذلك فعلت سامية رشدي التي مثلت الزوجة التركية المطيعة والأم التي تكاد تهلك أسى على مصير ولدها.
وقد توالت في أواخر الرواية المفاجآت وازدحمت المصادفات مما كاد يخرجها عن مألوف الواقع في الحياة، فقد كشف أمر الجاسوس الصهيوني بعدة مصادفات محكمة، كأن الأقدار تشترك في تأليف الرواية. . . وقد أفرغ يوسف وهبي المؤلف طاقته الصاخبة في التأليف، حتى لم يبق له منها شيء في التمثيل. . . فقد مثل (عزت) فصغر حتى صار شاباً في الخامسة والثلاثين، صغر (بالمكياج) ولكنه ظل جامد الحركة، تتعاقب عليه الأحداث وهو هو لا تغيير ولا تعبير. ويوسف وهبي إنما يعبر بالحنجرة والصوت الجهير والتلويح باليد وما شابه ذلك، وهو ينجح في هذا اللون من التمثيل حتى يبلغ القمة، ولكن دوره في هذه الرواية لم يكن كذلك.
والمسرحية ترمي إلى الإشادة بالوطنية المصرية، ولكن الموضوع شيء، وطريقة معالجته وأدائه ونصيب ذلك من الفن الراقي شيء آخر. فالرواية تشبه (الاسكشات) التي تقدمها الفرق الاستعراضية، وما أشك في أن (شكوكو) كان أليق من يوسف وهبي بدور (عزت).
ومما يؤسف له أن الفرقة المصرية بعد أن بدأت موسمها بمسرحية (سر الحاكم بأمر الله) وكان يرجى أن تسير في هذا المستوى، وقد ألف لها محمود تيمور وتوفيق الحكيم مسرحيتين جديدتين لم تظهرا بعد أقول مما يؤسف له أنها أخذت بعد ذلك في برنامج لا يبشر بنجاح الموسم النجاح المرجو من المسرح في مصر بعد أن انحصر في الفرقة التي ترعاها الحكومة. وقد أعلن أن الفرقة ستمثل بعد (الصهيوني) روايات أخرى قديمة ليوسف وهبي، وقد تكون هذه الروايات نجحت في وقتها. ولكن هل تصلح الآن للنهضة المرجوة، وهي تحتاج إلى التجديد، وإلى الفن الراقي؟
لا أقول إن يوسف وهبي يستند إلى رعاية الدولة وإعانتها للفرقة المصرية، فيعمد إلى إظهار نفسه كل شيء في كل شيء. . . في التأليف، وفي الإخراج، وفي التمثيل، وفي النقد بالحكم على براعته في الإعلانات التي يصدرها باعتباره مديراً عاماً للفرقة، وهذا
(أنه مدير عام) الطرف الخامس للأطراف التي يريد أن يجمع المجد منها كلها - لا أقول ذلك إلا خوفا على الفرقة المصرية أن تعصف بها هذه الجهود المترامية ونحن في عصر الاختصاص، فليكبح يوسف وهبي جماح عبقريته الشاملة ويترك التأليف على الأقل ويفسح للآخرين من أهله أن يساهموا في خدمة المسرح وتغذيته ورفعته.
الحادثة الهامة:
قرأت الكلمة التي كتبها الأستاذ أحمد عزيز بيتوغن بعنوان (أوهام لغوية) ونسب إلي وهما منها في بعض ما كتبت، وهو (والحادثة الهامة في القصة أو العقدة فيها، ادعاء الحاكم بأمر الله الألوهية) قال: (واستعمال كلمة هامة في هذا المكان للدلالة على أهمية الحادثة وهو لغوي! وكان الصواب أن يقول الحادثة المهمة، ففي قاموس الصحاح للجوهري ما يلي: المهم: الأمر الشديد، وأهمك من الأمر: ما أقلقك وأحزنك).
وفي هذا الكلام وهمان لغويان، أتاه الأول من وقوفه عند (الصحاح) فاعتمد (أهمه) وأنكر (همه)، ولو أنه فتح معجماً آخر لوجد أنهما موجودان بمعنى واحد، ففي القاموس المحيط (همه الأمر هماً ومهمة حزنه كأهمه). وفي المصباح المنير (أهمني الأمر بالألف أقلقني وهمني هماً من باب قتل مثله) فالهامة من وهم والمهمة من أهم، واستعمال كل منهما كاستعمال الأخرى، ويبدو لي أن استعمال أيهما في الدلالة على الأهمية آت من حيث أن الأمر المقلق يدعو إلى الاهتمام.
الوهم الثاني في قوله: (قاموس الصحاح للجوهري) لأن القاموس علم على الفيروز أبادي مأخوذ من القاموس بمعنى البحر، وليس كل معجم قاموساً كما وهم حضرته.
ويظهر أن السيد بيتوغن يريد أن يكون معقباً لغوياً، فأنصحه بالحذر من (الأوهام) وأتمنى له أطيب التمنيات.
عباس خضر
رسالة النقد
اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا
تأليف الدكتور جمال الدين الشيال
إن الذين يحملون العلم إلى الناس بالتأليف أو النشر أو الترجمة أو المجلات، إنما يحملون إليهم من نور الله ليستضيئوا به وليزدادوا نوراً. وحملة العلم سواء كان أدباً أو علوماً طبية، أو غيرها، وسواء كان أصحاب مجلات يتخذونها ندوة للفكر وأصحابه إنما يفترضون على أنفسهم رياضة علمية طويلة شاقة قبل أن يبلغوا مرتبة العلماء. وفي هذه الرياضة العلمية يشترط الإخلاص الذي هو جماع الفضائل وطريق الراغب السالك طريق العلم. وكم من مشتغل بالعلم يمضي ويطويه الزمان الغشوم في غير رحمة بجهوده الطويلة وآماله العريضة؛ فإذا انزل الله نوره على عبيده فتح له من أبواب العلم ونشره ما يرفع له ذكراً.
ومن الذين فتح الله عليهم وهداهم في التاريخ إلى جوانب طريقة فجعلهم مرجعاً للأجيال التي تلتهم والتي تليهم المؤرخ المصري تقي الدين المقريزي صاحب كتاب اتعاظ الحنفا الذي نشره الدكتور جمال الدين الشيال. فقد امتاز المقريزي بنظرات طريفة وملكات مواتية، وجلد على العمل وتوفيق رباني عجيب فيما ألف. وترك من بعده أخباراً تاريخية طويلة تقع في مجلدات عديدة ضخمة، بعضها معروف منشور وبعضها مخطوط ينتظر النشر. وقد عنى بنشر كتب المقريزي جماعة كبيرة من أجلة المؤرخين منهم الأستاذ فيت مدير دار الآثار العربية الملكية المصرية الآن، ومنهم الدكتور زيادة أستاذ التاريخ المصري بجامعة فؤاد، ومنهم ناشر كتاب ألفاظ الحنفا الدكتور الشيال، الذي نتحدث عنه اليوم.
وليس هذا أول كتاب ينشره الدكتور الشيال للمقريزي، فقد نشر له من قبل كتابين قيمين، الأول كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأزمات الاقتصادية، وهو على حجمه جليل القدر عظيم النفع، والثاني: نحل عبر النحل. وهو كتاب قيم بثروته اللغوية الضخمة، كنا نود لو لم يهاجر الدكتور أبو شادي إلى أمريكا حتى يعرف الجمهور ويعرف أمثالنا ممن لا يعرفون عن النحل إلا القليل قيمة هذا الكتاب. أما من الناحية التاريخية، فذلك الكتاب يحوي أخباراً تاريخية قليلة. ثم هذا الكتاب الثالث الذي نعرض له اليوم، وهو كتاب اتعاظ
الحنفا. . في تاريخ الدولة الفاطمية. .
وللنشر أصول صارمة تجعل نجرد النسخ مهمة دقيقة مضنية. فإذا انتهى النسخ عنه المخطوطات المختلفة ابتدأت مهمة جديدة هي إقامة النص وإصلاح خلله. فإن كثرة نسخ الكتاب تدخل عليه كثيراً من الأخطاء. ومن الناشرين من يلتزم بعد ذلك توضيح النص بالهوامش.
ولكن مهمة الدكتور الشيال تعقدت لأن المخطوط في برلين ولا سبيل إليه، فرجع إلى نشرة الكتاب القديمة. وكانت مليئة بالأخطاء فأصلح ذلك كله بمقارنة النص المنشور بالنصوص التاريخية الأخرى، ثم إنه التزم التعليق حتى تضخمت الهوامش وبلغت حداً كبيراً. وقد كان ربع هذا كافيا. ومن الخطأ أن يتصور الناشر نفسه شارحاً، فمجال الشرح طويل لا يحتمله النشر. ودليل ذلك إن الدكتور الشيال لم يشرح نقطاً كثيرة تجل عن الحصر كما شرح أشياء كثيرة فوق الحصر. فأنت تتحير حين تقرأ النص بين هوامشه الكثيرة، وقد تهمل هذه الشروح لكثرتها. فإذا صبرت فقرأت كل ذلك وجدت شيئاً غير مشروح إلى جانب شيء مشروح. ولعل أنفع شيء للناشر والكتاب والجمهور جميعاً أن توضع كافة الشروح والتعليقات في مقدمة بأول الكتاب، فيستطيع المستعجل أن يكتفي بها ويستطيع غيره أن يهتدي بها في قراءته الكتاب. وقد جرى على ذلك المنهج كثير من الناشرين حتى أصبح لزاماً علينا أتباع منهجهم إلا إلى منهج أحسن.
وقد كنا نحب أن ينبه الدكتور الشيال قراءه وقراء المقريزي إلى أن هذا الكتاب لا يعد من أئمة كتبه، وأن صبر المقريزي على جمع الأخبار خانه هذه المرة، وأن جزءاً هاماً جداً من الكتاب قد ضاع حتى ليعد الجزء الباقي منه شيئاً يسيراً إلى جانب الضائع. وقد ذكر الدكتور الشيال هذا الفقد، ولم يعلق عليه؛ وقد نلتمس له أعذاراً كثيرة منها أنك إن ألححت في ذلك زهدت القراء أولاً وعدمت الناشر الطابع؛ وفي ذلك كارثة محققة تصيب العلم قبل أن تصيب العلماء. والناس أحوج إلى من يشجعهم ويشوقهم إلى تراثنا العلمي القديم.
ومن حق الناس مع ذلك أن يعلموا أن الكتاب قد يكون مسودات جمعها المقريزي وفي نيته أن يرجع إليها ثم لم يأذن له وقته بذلك. وإنكان من حقهم أن يعلموا أيضا أن ذلك فرض أرجحه أنا، وقد لا يرى الأستاذ الشيال ذلك، وقد يضع هذا الكتاب في مصاف كتبه
الأخرى. وقد كان عليه أن يعرفنا بقيمة الكتاب لعله يلفت نظرنا إلى ما لم نلتفت إليه.
فإذا عرفت أنه كتب مقدمة طويلة في خمس عشرة صفحة لم تتسع لذلك التمست له العذر، لأنه يحرص على أن لا تطول المقدمة. ونحن على عكسه كنا نريد أن تتسع المقدمة لذلك وأن تتسع أيضا لكثير من الشرح المودع في الهوامش إيداعا شبيها بالتستر والاستخفاء.
وكل ما مضى ملاحظات عن المقدمة وما كنا ننتظره منها. وهي بعد ذلك مقدمة ممتازة حقا واضحة وضوحا تاما في أسلوب رصين معتنى به. نفهمها بمجرد قراءتها وتستوعب ما يريد صاحبها أن يقول في رفق ولذة، فنحمد له ذلك وتنشط نفسك له.
وإذا كان الأستاذ حريصا على الأسلوب هذا الحرص فإني أرى أن يتجنب المضافات إليها قبل ذكر المضاف؛ فإن للصحفيين أن يستطيبوا ذلك التركيب الخاطئ، أما مثله فلا يقع في مثله. فإن تكرار المضاف إليه مستثقل في العادة وهو لا يجوز في النحو إلا في عطف مل يكثر اصطحابهما مما يرجع إلى صنف واحد، فنقول يد ورجل زيد؛ ولكن لا نقول دار وغلام زيد. ومثل هذا التركيب قد يرد في الشعر للضرورة، ولا يباح في النثر وقد ركب الأستاذ هذا التركيب ثلاث مرات اجتمعت في صفحة واحدة هي صفحة س.
ولنقفز بعد ذلك إلى آخر الكتاب. نجد فيه ملحقات كثيرة منها ما قدمه الناشر على أنه استكمال لنص الكتاب ويدل من الجزء الفاقد، ومنها جداول وضعها الناشر نفسه، وهذه الملحقات كما ترى مختلفة في طبيعتها، بعضها للمؤلف وبعضها للناشر. ولهذا كان من الواجب أن تختلف التسمية باختلاف الملحقات، كأن تسمى ما ينسب منها للمقريزي ذيلا أو صلة وهي تسمية مألوفة معروفة عند القدماء، وكأن تسمى ما ينسب للناشر ملحقا. وشيء آخر، هو أن الناشر جعل كل جدول ملحقا فتكاثرت الملحقات تكاثرا يكاد القارئ يضل في ثناياه. وشيء ثالث، وهو أن أحد هذه الجداول وضع لشرح قسم خاص من الكتاب فإذا طابقت بينهما وجدت الناشر أقام جدوله على رواية واحدة وأهمل سائر الروايات.
ومن قلة الإنصاف للناشر مع هذا أن تجرح هذهالملحقات شيء من النقد. لأن الناشر وفق في جمعها ونصب في البحث عنها وصور بها الجزء الفاقد خير تصوير. ولكنه مجرد تصوير للجزء الفاقد لم يقصد به الحصر. ففي كتب المقريزي عن الفاطميين شيء كثير لم يوضع ضمن الملحقات. غير أن الدكتور الشيال إنما اقتصر على كتاب خاص من كتب
المقريزي هو - المواعظ والاعتبار، فنقل عنه، وقد ذكر سببا دعاه إلى ذلك لا نقره عليه، ولكن هذا القسم الملحق قد أحيا الكتاب وصوره لنا فوضع أمام أعيننا الجزء الموجود ورسم لنا تخطيط المفقود منه.
ولنرجع بعد ذلك إلى الكتاب نفسه لأننا لم نعرض إلى الآن إلا لمقدمته وملحقاته.
الكتاب منشور نشرا صحيحا سليما. نظر فيه الأستاذ الناشر فأمعن النظر، وجبر أخطاء النشر القديم، وتكلف في سبيل هذا التصحيح عناء وجهدا يستحقان كل الحمد والثناء، فرجع إلى مراجع كثيرة ضبط بها النص: والمعروف أن التزام النص دون مسه إلا بالاختصار قاعدة جرى عليها القدماء، لاعتبارهم التاريخ علما نقليا لا يجوز التصرف فيه إلا بأقل قدر مستطاع. وضبط الدكتور الشيال كذلك أسماء الأعلام وأسماء الأماكن ضبطا تاما، وعرف بها، فرجع في ذلك إلى المصادر التاريخية والجغرافية القديمة. وقد كان ينبغي عليه أن يزيد على ذلك فيضع في الكتاب خريطة جامعة. ثم حسنة أخرى: هي أنه فصل النص إلى فقرات، وأضاف إليه عناوين دون أن يتجاوز الحد. ولم يضع هذه العناوين جزافا، وإنما أخذها من مصادرها. فاستقام له النص استقامة محمودة، وأصبح مفهوما واضحا. وهذا غاية ما ينتظر من الناشر الأمين، والمؤرخ المثبت.
غير أن الكمال لله وحده، هو وحده المنزه عن السهو والخطأ. وقد تورط الناشر في أخطاء قد يحسن التنبيه إليها. أما بعضها فيتصل بقراءة النص وهو قليل جدا. أما بعضها الآخر فلا نشك أن المطبعة هي التي ورطته فيه. ومثل هذه الأخطاء المطبعية مما يقع فيه الناس جميعا، ومما يقع فيه الناقد نفسه أيضا. ولكن ذلك لا يبررها.
وقد كانت مطبعة بولاق الأميرية تحسن ضبط الطبع؛ والمطابع في أوربا اليوم تعنى بضبط الطبع أكبر عناية، وتتخذ المراجعين على حسابها، ولا تقتصر على تصحيح المؤلف. بل قد تنبه المؤلف على أغلاط منها عنها. فإن خلل الضبط يمس سمعة المطبعة أكثر مما يمس غيرها. وقد وضع الناشر قائمة طويلة للتصويبات، إلا أنه لم يصوب غير الأخطاء الظاهرة، وترك ما عداها لذكاء القارئ.
والقارئ لا يحب في العادة أن يتعدى دور القراءة والاستفادة؛ فإذا كلفته فوق ما ينبغي من القراءة أضجرته وأثقلت عليه. ومن حقي أن آخذ له بحقه وأن ألوم المطبعة والناشر.
وكيف لا أولم وقد سمح الناشر لنفسه أن يلوم صاحب النشرة الأولى، وأن ينبه على أغلاطه واحدةً واحدة. ووجد هذه الأغلاط رغم اليقظة وتحرى الضبط توضح لك ما قلته منذ حين: وهو أن كثرة النسخ تدخل على النص من الأغلاط ما لم يكن فيه. ولهذا كان النشر فنا من الفنون التي تحتاج إلى طبيعة خاصة، وكان الناشر جديرا باحترام القارئ وتسامحه واحتمال ما يقع فيه من سهو. وإليك الأخطاء التي وقعنا عليها:
لعلي بن أبي طالب ولدان سماهما عمر، وميز بين العمرين بالأكبر والأصغر، فلما جاء ذكر أحدهما (ص6) أصلح لفظ الأكبر وجعله الأصغر، ثم جاء ذكر الأصغر (ص7) فلم يدخل عليه تعديلا ولم ينبه عليه، فترك في النص عمرين أصغرين.
وفي ص8: فولد الحسن. . . وحسنا وإبراهيم وجعفر، (بدون النصب في جعفر) وشبيه بهذا أو من قبيله ص10 س4.
وقد ترك النص غير مستقيم ص99 س7، 8، وكان إصلاحه ميسورا. ومن هذا القبيل أيضا ص112 س12، 13 لو حذف:(فتح سوسة بالسيف) لاستقام النص. وشبيه به لفظ (فوقع) ص122 س15، ثم ص123 س6، فإنه غير مفهوم.
وفي ص124 س13 ذكر قلعة كتامة نقلا عن ابن الأثير وهي قلعة كيانة. والفرق بين. وقراءته على ماأراد الناشر فوقع في خطأ أكبر.
وفي ص186 س6 قال: (دخل المعز لدين الله أفريقية) وصوابها: رحل المعز لدين الله (عن) أفريقية. والتاريخ المذكور لحركة المعز هذه هو الذي يحتم تصحيحنا.
وقد يريد الناشر التنبيه على قراءة مخالفة، ثم نجد القراءة المخالفة في الهامش كالأصل في المتن مثل ص106 هـ5، ومثل ص144 هـ2، ص130 هـ2.
ثم إن من الهوامش ما يطول من غير مبرر ظاهر مثل هامش ص2، وقد كان يكفي الإشارة إلى صفحتي و، ز، من المقدمة. ومثل هذا هين، وقد يستلطف التكرار. غير أنه في ص35 أحال في الهامش رقم 1 إلى الذي يليه مع أن الذي يليه لا يتصل به إطلاقا.
أما الأخطاء المطبعية اليسيرة فكثيرة العدد، وقد تقدمنا بلوم المطابع ووفيناها حقها من اللوم والفائدة من التنبيه على هذه الأغلاط ضئيلة ليسرها. ولذلك نضرب عن ذكرها.
ولنلخص ما قلنا: مقدمة رصينة واضحة، ونص أقيم خير إقامة، وملحقات بعضها تذييل من
كتب المقريزي، وبعضها جداول من وضع الناشر. ثم شروح مستفيضة. فإذا استثنينا الأخطاء التي وقعنا عليها، لم نجد غير انتقادات على الشكل في ذاته وتوزيع الشروح في كل مكان.
وحسب الأستاذ الناشر أننا نثني على ضبط النص، فذلك أساس عمله. أما ما عداه فهو متفضل به على القارئ رغبة في معونته وحرصا على نفعه.
ولنا إلى ذلك ملاحظات على قائمة المراجع وعلى الفهرست الأبجدي، ولكنها ملاحظات تتصل بطريقة العرض. وليس لها محل ما دمنا لم نتفق في الشرق العربي بعد على أوضاع ثابتة عامة لها
فالكتاب كما ترى مضبوط مشروح، فلا يهولنك ما ترى من كثرة الملاحظات فإنها لا تمس إلا الشكل ونحن إنما نريد بذلك التنبيه على خلل التنسيق.
والدكتور الشيال بعد هذا قد وقف نفسه على تاريخ مصر كما فعل المقريزي وجعله مادة للدروس التي يلقيها في كلية الآداب بالإسكندرية. وقد دفعه حبه لأستاذه عبد الحميد العبادي بك إلى أن يهدي إليه الكتاب، والواقع أن هذا الإهداء قد وقع موقعا حسنا من تلاميذ العميد المؤرخ؛ فإن فضله على أجيال المؤرخين المعاصرين لا ينكر. فهو أول من خرج عن التقليد القديم في دراسة التاريخ الإسلامي، ونحا به إلى الناحية العلمية الصرفة، ثم تبعه تلاميذه وزملاؤه فوجدوه قد شق لهم الطريق وقرب بين منهج الشرقيين والمستشرقين. والعبادي بك في نفوس الآلاف الذين تتلمذوا عليه منذ ربع قرن أو يزيد منزلة كبيرة وتقدير عظيم. فهو شيخ المؤرخين غير منازع. وإن له من تلاميذه كتبا حية. وله مقالات تعد نماذج في ذاتها وصورا رائعة وهي التي نشرها في المجلات، وقد جمع منها ثلاثين مقالة نتناول كلها العصر الأول وعصر بني أمية، وسماها:(صور من التاريخ الإسلامي). أما مقالاته عن العصر العباسي فستظهر قريبا إن شاء الله. ولكن العبادي بك أهل بغير ذلك لكل إهداء وتكريم من تلاميذه الكثيرين. . .
محمد عبد الهادي شعيره
أستاذ مساعد بكلية الآداب بالإسكندرية
البريد الأدبي
إلى درناوي صريح:
ورد لي ما لا يقل عن 32 خطابا من نواح مختلفة من البلاد العربية بمناسبة ما كتبته عن الصهيونية ثم عن دعوتي إلى الإسلام. إلا أن أمامي خطابا من أديب من درنة من برقة في ليبية. وهو موقعه بهذا الاسم المستعار (درناوي صريح). وهو الوحيد الذي لم يصرح باسمه وبإمضائه، وأنا مضطر أن أجاوبه عن طريق الرسالة، وهذا ما أقتطفه من رسالته قال:
(وددت لو سكت حضرة الأستاذ أحمد عادل وعدل عن دعوتكم إلى الإسلام. ما فائدة المسلمين يا ترى في هذا العصر (إذا زاد عددهم واحدا) وهم يربون على خمسمائة مليون نسمة. (ما نفعهم) بعد الذي جرى في فلسطين المقدسة وسيجري عما قريب في مكة المكرمة (يعني إذا كان المسلمون لا يمدون أيديهم للإنقاذ) إن الإسلام بالإشارة لا ينفع ولا يضر. والإسلام الحقيقي دين قول وعمل معاً، وما ضر المسلمون في هذا العصر إلا أنهم يعرفون الله (ولكنهم) لا يتبعون ما أمر به. وإذا استثنينا الخلفاء الراشدين والصحاب والتابعين والأولياء الصالحين من عباده المخلصين وأحصينا الإسلام وغربلناه لوجدنا الإسلام الصحيح قليلا من هذا العدد الكثير. نحن اليوم في حاجة ماسة للعربي المجاهد من أمثال الأستاذ نقولا الحداد والذي سن قلمه الكاوي وقت اللزوم وجعله وقفا لخدمة العروبة والإسلام وإنقاذ فلسطين، وذلك بتنبيه العالم على صفحات المجلات والجرائد إلى الصهيونية وتبيين حاضر اليهود وماضيهم (الزفت) مع الأنبياء والمرسلين ونياتهم السيئة نحو العالم العربي) الخ. . .
فأولا، أشكر الأستاذ الدرناوي الذي يقاسي الآن تحت نير الاستعمار الأجنبي الذي يعتبره سلعة تمنح لوصاية أجنبية - أشكر له حسن ظنهبي عظيم الشكر. وما أكتبه في القضية الصهيونية لا يساوي قطرة دم مما يسفكه أولادنا في ميادين القتال في سبيل إنقاذ فلسطين. وبكل أسف أقول إن هذه الدماء تسفك في ذمة بعض العرب الزعماء الذين ظهر أخيرا أن فيهم خونة (الخيانة العظمى) يشترون السلاح من مال أمتهم ثم يبيعونه لليهود. إني آسف كل الأسف أن أضطر إلى أن نفضح أنفسنا. ولكن الصبر على المضض يضاعف البلوى.
لا أريد أن أتمادى في هذا الموضوع المؤلم. . .
وثانيا، أن أحد الأدباء فتح علي بابا كنت أتحاشاه طول حياتي وهو عرضه الإسلام علي. وقد أفهمته بصراحة أني أقرب منه إلى الإسلام، فلم يقتنع. واقترح علي آخر أنه ما دمت اعتقد أن الإسلام كالنصرانية فلماذا لا أعلن إسلامي؟
عجباً! ألكي أزيد ملايين المسلمين واحداً وأنقص ملايين النصارى واحداً؟ (إني أخرج من قضاء الله إلى قضاء الله).
يا عزيزي، إن الدين الإسلامي كالدين النصراني عقيدة للعمل لا للقول. وما دمنا نتجادل بالأقوال وننسى الأعمال فنحن إلى الوراء، في حين أن العالم كله ومنه اليهود إلى الأمام.
كدت أيأس من تقدمنا في ميدان الكفاح العالمي، ميدان بقاء الأفضل والأقوى. أكثر الله من أمثالك أيها الدرناوي (من درنة) لعلكم تنهضون بالأمة العربية وتدفعونها إلى الأمام.
نقولا الحداد
2 شارع البورصة الجديدة بمصر
النسبة إلى فلسطين:
نشرت جريدة الأهرام الغراء كلمة لأحد مدرسي معهد طنطا تحت عنوان (فلسطي) خطأ فيها استعمال النسبة الشائعة (فلسطيني) إلى فلسطين معتمداً على ما جاء في (القاموس المحيط) في فصل الفاء باب الطاء، وهو فلسطون وفلسطين. . . كورة بالشام. . . تقول في حال الرفع بالواو، وفي النصب والجر بالياء، أو تلزمها الياء في كل حال، والنسبة فلسطي
وأقول: اختلف اللغويون في النسبة إلى فلسطين أهي فلسطيني أم فلسطي وهذا الاختلاف فرع عن الاختلاف في حقيقة فلسطين أهي مفردة وجميع حروفها أصلية أم لفظها لفظ جمع المذكر السالم فتنزل منزلته وتجري مجراه فتعامل معاملته، فمن قال بالأول نسب إليها على لفظها بدون تغيير فيقول: هو فلسطيني وهي فلسطينية، ومن قال بالثاني عاملها معاملة هذا الجمع فرفعها بالواو فيقول مثلا: عاشت فلسطون عربية، ونصبها وجرها بالياء فيقول: دخلت الجيوش العربية فلسطين لتحريرها من الصهيونية العالمية، وتآمرت الدول الأجنبية
على فلسطين لتحقيق المآرب الاستعمارية، وطبق عليها قاعدة النسب إلى الجوع وهي تفضي بالرجوع إلى مفردها وهو هنا فلسط وإن كان لم ينطق به أصلا فقال: هو فلسطي وهي فلسطية وإليك النصوص التي تثبت صحة ما قلت:
جاء في لسان العرب في الكلام على (قنسرين) ما نصه: قنسرين وقنسرون كورة بالشام فمن قال قنسرين فالنسب إليه قنسريني، ومن قال قنسرون فالنسب إليه قنسري لأن لفظه لفظ الجمع، ووجه الجمع أنهم جعلوا كل ناحية من قنسرين كأنه قنسر، ولم ينطق به مفردا. . . والقول في فلسطين والسيلحين وبيرين ونصيبين وصريفين وعاندين كالقول في قنسرين
وجاء في القاموس وشرحه وقنسرين وقنسرون وهو قنسري عند من يقول قنسرون. . . وقنسريني عند من يقول قنسرين إلى آخر ما سبق من اللسان.
وجاء في اللسان وشرح القاموس في الكلام إلى (نصيبين) ما نصه: ونصيبين اسم بلد وفيه للعرب مذهبان منهم من يجعله اسماً واحداً ويلزمه الإعراب كما يلزم الأسماء المفردة التي لا تنصرف فيقول هذه نصيبين ومررت بنصيبين ورأيت نصيبين والنسبة نصيبي، ومنهم من يجريه مجرى الجمع فيقول هذه نصيبون ومررت بنصيبين ورأيت نصيبين قال: وكذلك القول في بيرين وفلسطين وسيلحين وياسمين وقنسرين والنسبة إليه على هذا نصيبني وبيريني وكذلك أخواتها؟
قال ابن بري رحمه الله ذكر الجوهري أنه يقال هذه نصيبين ونصيبون والنسبة إلى قولك نصيبين نصيبي وإلى قولك نصيبون نصيبني قال والصواب عكس هذا لأن نصيبين اسم مفرد معرب بالحركات فإذا نسبت إليه أبقيته على حاله فقلت هذا رجل نصيبني، ومن قال نصيبون فهو معرب إعراب جموع السلامة فيكون في الرفع بالواو وفي النصب والجر بالياء، فإذا نسبت إليه قلت هذا رجل نصيبي فنحذف الواو والنون قال وكذلك كل ما جمعته جمع السلامة ترده في النسب إلى الواحد.
فنقول في زيدون اسم رجل أو بلد زيدي ولا تقل زيدوني فتجمع في الاسم الإعرابين وهما الواو والضمة.
وجاء في شرح القاموس قال الأزهري في التهذيب: نونها (فلسطين) زائدة، وقال غيره بل
هي كلمة رومية والعرب في إعرابها على مذهبين الخ.
وجاء في (معجم البلدان) قبل إنها سميت بفلسطين بن سام ابن أرم بن نوح عليه السلام. أو بفلسطين بن كلثوم، أو بفليشين ابن كسلوخيم من بني بات بن نوح. . . ثم عربت إلى فليشين الخ.
بعد هذه النصوص الواضحة لا أرى وجها لتخطئة فلسطيني وفلسطينية تلك النسبة الدقيقة الصحيحة المألوفة، ولو أنصف اللغويون فذكروا هذه النسبة بجوار النسبة (فلسطي) كما صنعوا في قنسرين ونصيبين. . . فنجوا من القصور والتقصير وأرشدوا القراء إلى الحقيقة ولعلهم تركوها لأنها واضحة أو لفهمها من نظائرها.
علي حسن هلالي
بالمجمع اللغوي
فارس الخوري:
(فارس الخوري) من الشخصيات الخالدة التي لا تنسى، خدم وطنه وأمته، وضرب في ميدان السياسة الدولية بسهم وافر بيض فيه وجه سوريا ووجده الأمة العربية جمعاء، ولهذا الرجل في سوريا احترام بالغ من مختلف الطبقات، فهو بين السياسيين شيخهم وإمامهم، وبين العلماء والمثقفين أستاذهم وزعيمهم، وبين رجال الحكم صديقهم وكبيرهم، وعند الناس جميعاً (فارس الخوري) وكفى. . .
قالت عنه مجلة (المصور) الغراء بأنه من فرسان الثورة العربية وممن نجح في استغلال الاحتكاك الإنجليزي الفرنسي المتخلف عن الحرب في سوريا، وأضافت بأنه اختلف - بعد التطهير والنجاح - مع أنداده فكان ممن جوزي جزاء صبار. . وقالت بأنه لا يستند إلى عصبية حزبية تجعل منه صاحب نفوذ في بلده، ولذلك فهو قانع بما أصاب من نجاح، وهو قانع بدوره الهادئ خارج الحدود. . .
وأفهم من هذا أن (فارس الخوري) لم يقدر حق قدره وإنه ما زال بحاجة إلى عصبية تؤيده، وحزبية تسانده، ليبلغ مكانه اللائق في بلاده، ولذلك قنع بأن يكون مندوباً عن سوريا ورئيس وفدها في مجلس الأمن، واجب أن ألفت نظر (المصور) الغراء إلى أن (فارس
الخوري) قد بلغ مكانه اللائق، وقدرته الأمة، وأحسنت له الجزاء، فانتخبته (نائباً) عنها وهو في أمريكا، ولم يتقدم لمنازعته مرشح آخر فانتخب بالتزكية، ثم انتخبه المجلس النيابي رئيساً له في هذه الدورة وفي الدورة السابقة، وكان في حقبة مضت رئيساً للوزراء.
وفي نظري أن (فارس الخوري) لا يطمع إلى أبعد من هذا، وهو قانع بما أصاب من صيت ذائع واسم لامع وشهرة تسامق الفرقدين، وحسبه أنه في عداد العباقرة الخالدين.
(القاهرة)
عمر الخطيب
(فتى الفيحاء)
القصص
الضالة
للأستاذ عبد المغني علي حسين
كانت دار الحاج إبراهيم، بطرف القرية الصغيرة الهادئة، تشهد مرحا فوق العادة من صغار ساكنيها وأحاديث اهتمام من كبارهم. فهذا أحد أبناء الحاج إبراهيم، في العاشرة من عمره، لبس جلباباً جديداً، وراح ينظر مبتهجاً إلى خطوطه الزاهية الألوان، ويجد في هشاشة جدته أعظم نشوة وطرب، وعلى رأسه طاقية من القماش نفسه، وفي رجله الحذاء الذي يلبسه في الأعياد. وهذا أخوه محمود، يصغره بسنتين، وهو صورة مصغرة منه في الجسم والثياب. وهذه أختهما الصغيرة سعدية، تضحك فرحة بجلبابها الأحمر، وعلى رأسها المنديل الجديد الفاقع الاصفرار.
وجلس الحاج إبراهيم على المصطبة بمدخل الدار، يبرم مغزله بإصبعيه، ويلاحق استطالة الفتلة بالصوف المنقوش، ويخاطب امرأة فيلقي إليها بأوامره ويبادلها الرأي والجدل في اهتمام واغتباط.
إنهم معتزمون السفر إلى مصر، يعني القاهرة لزيارة آل البيت بمناسبة مولد السيدة زينب، وليوفوا نذراً عليهم لها طال تأجيلهم إياه عاماً بعد عام، وليقضوا بضعة أيام عند قريبة لهم نزحت إلى القاهرة واستوطنتها منذ بعيد.
فلما دخلوا على قريبتهم ومعهم مقادير من الزاد ذي الروائح الشهية والطعوم اللذيذة من فطائر ريفية وقشدة وما إليها رحبت بهم أعظم ترحيب. ثم جلسوا يتذاكرون الماضي، ويستعرضون أحوال الأقارب والأنسباء واحداً واحدا وواحدةً واحدة، ثم أخذ الضيوف يبدون إعجابهم بما رأوا في المدينة الكبيرة من عجاب وجمال، يراه الحاج إبراهيم للمرة الثانية في حياته وتراه امرأته وأبناؤهما للمرة الأولى، تلك الأضواء المتلألئة والعمائر الباذخة والمتاجر الزاخرة وزحمة مواكب المركبات والخلائق التي لا تني ولا تنتهي، وكل ما فيها مسرع عجل كأنما يسابق الذي أمامه ويفر مما وراءه، وكأن حياته على الأرض ليست سوى ثوان فهو يستغلها على هذا النحو طيراناً ونهباً.
وفي الصباح بكر الضيوف إلى الخروج، ليؤدوا الزيارة ويفوا النذر، ويملأوا عيونهم من
مناظر المدينة. ثم عادوا آخر النهار ومعهم بعض حلوى المولد من عرائس ولعب.
فلما كان آخر يوم لهم بالقاهرة، وقد اعتزموا الرجوع إلى قريتهم في الغد، خرجوا لقضاء حوائج لهم وليستمتعوا بفرجة أخيرة على زحمة المدينة وقت الأصيل وبهجة أضوائها بالليل. فلما قضوا أربهم وقفوا بمحطة للترام ليستقلوه عائدين.
وكان الزحام شديداً، والمركبات تأتي غاصة، كأنها أكداس بشرية تتحرك. وجاءت المركبة التي يريدونها بعد طول انتظار لكن ليس فيها موضع لقدم أو مسكة ليد، فلما أراد الحاج إبراهيم أن يركب هو وأهله صاح فيهم (الكمساري) ليبتعدوا ونفخ في زمارته بشدة وانطلق.
وجاءت مركبة ثانية وثالثة ولا يمكنهم الركوب، حتى عيوا من طول الانتظار. وجاءت مركبة آخر الأمر تريثت في وقفتها بعض الشيء فاستجمع الحاج إبراهيم نفسه وأهله ليحشروا بين الراكبين بأية طريقة، ورفع ابنته الصغيرة بين يديه فاندست وغاصت في داخل المركبة بين الواقفين وهم بأركاب امرأته وابنه. ونظر الكمساري فرأى أربعتهم يريدون الركوب وليس لهم موضع، والوقفة طالت، ولم يكن رأى الطفلة التي أركبت، فصاح فيهم صيحته ونفخ نفخته وانطلق، وجرى الحاج إبراهيم وراء المركبة وهو يصيح بالكمساري مستوقفاً لينزل ابنته أو يركبوا معها، وصاح بعض الراكبين بالكمساري ليفعل ذلك ولكن الكمساري لم يفطن إلى ما حدث بالضبط إلا بعد أن كانت المركبة قد استكملت سرعتها والرجل يجري ليلاحقها بين السيارات المندفعة بسرعة مخيفة من كل ناحية.
وزمر الكمساري مستوقفاً السائق لكن السائق أصم أذنيه عن زمره وقال في نفسه إن الذي فاته النزول في المحطة السابقة يضيره كثيراً أن ينزل في المحطة القادمة.
وعجز الحاج إبراهيم عن ملاحقة المركبة، وأشفق على امرأته وابنيه أن يجروا وراءه فيصيبهم شيء فتوقف وعاد إليهم، وأمرهم بأن يبقوا في موضعهم ولا يبرحوه أبداً حتى يلحق بالبنت ويعود بها إليهم.
وكانت المركبة قد بلغت المحطة الثانية فأنزل الكمساري الطفلة الباكية وقال لها: اجري عودي لأبيك.
وجرت الطفلة عائدة متتبعة شريط الترام، لكنها لم تمش إلا قليلاً حتى رأت شريط الترام
يتفرع إلى فرعين في شارعين مختلفين، فوقفت متحيرة في أي الطريقين تمشي لتجد أهلها. ثم تخيرت أحدهما. . . وكان الطريق الخاطئ!
وجاء الحاج إبراهيم مسرعاً صوب الترام مؤملاً أن يجد ابنته واقفة عندها. فلما لم يجدها غاص قلبه إلى رجليه، ووقف ينظر حوله طائر اللب. ثم أخذ يسائل عنها من يلقي من الناس فلم يجد أحداً يعرف من أمرها شيئاً.
ومشى واسع الخطى إلى المحطة التالية لعل ابنته تكون أنزلت عندها، ثم وقف هناك يحوقل ضارباً كفاً بكف.
ومشى محطة ثالثة ورابعة. . . حتى يئس من هذا الهيام على غير طائل. وذكر الذين تركهم واقفين في غربة مخيفة وقلق ممض فصاد أدراجه إليهم.
والطفلة أين ذهبت؟!. . لقد أخذت تسير وتبكي، وتقف تنظر حولها باحثة عن أهلها؛ ثم تسير وتبكي. . . حتى يئست من لقائهم فقعدت تعول وتنتحب.
وكان الناس يمرون بها رائحين غادين، لكن لدى كل من شئونه ما يشغله عن طفلة تبكي وما قد يكون أبكاها من تافه الأسباب. لم يكن يقف عندها إلا بعض الصبية بدافع الفضول وليضحكوا من طريقتها الريفية في العويل والبكاء. ومر بها رجل استلفته بكاؤها فوقف يسائلها عن خطبها ثم نفد صبره وشيكا لما أبطأت في الجواب ومضى لشأنه.
ثم أقبل رجل في مقتبل العمر يمشي الهوينى، فليس لديه كغيره من الناس عمل معين يقصد إليه. واستلفته بكاؤها فوقف برهة ينظر إليها. وفهم بسرعة ما حدث لها فلمعت عيناه بذكاء شرير وافتر فمه عن ابتسامة كريهة وأسنان ذهبية.
وناداها (سعدية!!). وكان قد سمعها تسمي نفسها لبعض الصبية الواقفين.
- سعدية!!. . أبوك أرسلني إليك. . . تعالي!. اجري! وانتبهت الطفلة كغريق لمست يده شيئاً، ونظرت إلى الرجل وكفت عن البكاء.
واستطاع الرجل بقليل من اللباقة والحنان المصطنع أن يستهوي الطفلة الملهوفة فأسلمته ذراعيها وانطلقا.
وركب وإياها الترام - كما قال له أبوها! - ثم نزل وإياها في مكان ما. ومشى إلى باب فطرقه وفتحت الباب فتاة طويلة نحيلة، في عينيها المرهاوين كحل كثير، وعلى وجهها
الضامر أصباغ دامية. ونظرت الفتاة فلما رأت أنه هو أدخلته، وهي تبادله تحيات غير طيبات، وتتحفه متلطفة ببعض السباب. ونظرت إلى الطفلة، وضحكت ضحكة صارخة، فغمز لها الرجل بعينه أن تسكت. قالت الطفلة (أين نحن؟!) قال لها الرجل (في بيت خالة لك) ثم مشوا إلى حجرة تجلس فيها امرأة بدينة. قال الرجل للطفلة (هذه خالتك) اقعدي هنا، وسأذهب لآتي بأبيك) ونظرت المرأة البدينة من الطفلة إلى الرجل ونه إليها ولم تقل شيئاً. ووقفت الطفلة تنظر حولها في دهشة وريبة، لكن الأمل كان أغلب عليها وهي تنظر إلى الرجل الذاهب ليأتي بأبيها.
وقعدت كما قيل لها. وجاء لها بعشاء حسن فأكلت منه، فلم تلبث أن أحست بخدر، وراحت في نوم عميق.
وعاد الرجل في آخر الليل. . . قالت له المرأة البدينة (ما الذي أتى بك؟!)
- لآخذ أتعابي. . . كلام جميل!. . . ما الذي أتى بي!!
- أي أتعاب؟!. طفلة لا تصلح لشيء!
- طفلة!. . . إنها شجيرة بازغة سوف تثمر جوهرا. . . إنها دجاجة صغيرة ستبيض ذهباً. . . انظري إلى جسمها السوي وقسماتها الحلوة. . . سلام عليها حين تطول وتكتمل، ويعلو نهداها، ويشكو خصرها من ردفها!. . ستكون النظرة إليها عندئذ بكذا. وسيهوي إلى بيتك ألوف الرجال مسلوبي القلوب مملوئي الجيوب. هيا انقديني مائة جنيه، ولا أقول ألفاً مما ستأتيك به من ألوف.
- مائة!! مائة من الجن يركبونك!! مائة!!
وجرى على هذا النحو الحوار، والسلعة المسكينة راقدة في خدرها العميق.
من لأبيها وأمها في ذلك الوقت بجرعة من مخدر!. . . عندما عاد الرجل المسكين إلى المرأة المسكينة بغير البنت دقت صدرها، ووقفا ينعتان الليلة السوداء. وأرشدهما الناس إلى إبلاغ البوليس ففعلا، ثم عاد إلى قريتهما بقلبين ينفطران.
وعبثاً سألوا، وعبثا نادوا. إن ابنتهم زالت من الوجود المعروف. لقفها الشيطان وغاص بها في عالم الظلمات.
كان أسوأ الفروض عندهم أنها لقيت حتفها على صورة ما. وكان يهدهدهم أمل في أنها عند
بعض كرام الناس. لم تكن تخطر ببالهم، من لطف الله بهم، تلك المباءات العفنة بجسم المجتمع المريض.
قالت المرأة الثكلى لزوجها: حاج إبراهيم! السيدة زينب غضبت علينا لتأخيرنا وفاء نذرها.
ونذروا للسيدة نذراً آخر، لكن يظهر أن السيدةزينب لم تكن راغبة في نذرهم الثاني. . . لو كانت السيدة زينب تملك من أمور دنيانا شيئاً لكانت غيرت منها الشيء الكثير، ولو كانت تغضب من الناس حقاً لما أغضبها إلا هذا الاعتقاد العجيب، والقول بأنها من أجل ذلك السبب التافه تلجأ لمثل هذا الانتقام الفظيع.
واستيقظت الطفلة في اليوم التالي، وجلست تفرك عينيها وتنظر حولها مشدوهة. قالت (أين أبي؟!) قالوا لها صح النوم!. جاء وأنت نائمة، ولما لم تستيقظي قال أبقوها هنا تتعلم وتتمدن، وسأحضر من البلد لأراها من حين لحين، وكانت لا تزال تحس ثقلاً برأسها، فعادت إلى نومها العميق المريب تتخلله مباهج ولذائذ عجيبة.
وأخيراً زال عنها الخدر والنعاس، وأفاقت إلى الوحشة الموجعة، والريبة في المكان والسكان كما يفيق الذي أجريت له جراحة على آلام الجرح الكبير. فعولجت في الحال بمزيج مناسب من الإبهام والإغراء والإرهاب. قيلت لها مختلف الأكاذيب، وجيء لها بلذيذ المأكولات وبهيج الملموسات، أما انتفاضاتها ومحاولاتها الإفلات فقمعت في الحال بعقوبات رهيبة حتى استسلمت للذي ليس منه بد.
كانت تبكي أهلها سراً عندما تخلو لنفسها ثم أخذت تسلو شيئاً فشيئاً، وتنسى قليلاً قليلا، ثم اعتادت ما يحيط بها، ثم أخلدت إليه، ثم ألفته، ثم لم تعد ترى الحياة إلا سهر الليل ونوم النهار وأحاديث الدنس ومشاهده وكل ما يتعلق بصناعته.
تخرجت سعدية في معهد الشيطان، فلما اكتملت أنوثتها واستوت لم تكن بحاجة إلى إغواء وكانت هي المغوية.
لم تعد تبكي أهلها. بل لم تعد تذكر منهم إلا ظلالا حائلة طافت بناظريها أيام الصغر، ومشاهد القرية والدار والحقل صارت أطياف أحلام لا تخطر لها إلا في منام. إنها اليوم امرأة حضرية تجيد التزين والمشي في الطرقات بخطوة ونظرة وبسمة يتهاوى لها كثير من الرجال. حياتها سهر وخمر ولهو وعبث ونقود كثيرة تأتي وتذهب، ورجال كثيرون
يجيئون ويمضون. متعة متصلة فيما يبدو، لكن آه كم هي مملة ومضنية. أين هي من خفقة حب حقيقية، وخلجة حنان طبيعية. إنها متعة الجسد وحده والروح في حرمان، وما أتعسها متعة.
ثم آه من صناعة كل عدتها رواء الشباب، وكل يوم يمر يحدث في السدة ثلمة ليس لها التئام. كل الصناعات يزداد صاحبها على مر الأيام قدراً إلا هذه الصناعة فلا تزيد الأيام صاحبها إلا رخصاً.
إن سعدية كانت ولدت لتكون امرأة قروية تتزوج رجلاً قروياً وتلد له بنين وبنات وتمشي إلى الحقل حافية في أثواب بسيطة سوداء وتأكل الخبز المقدد وتافه الأدام. حياة شظف وخشونة، لكن آه! إن فيها قلبين يتجاوبان، ونعمى الأمومة لا تعدلها نعماء.
أي الحياتين أفضل؟!. . لكن ما جدوى المفاضلة بينهما؟. وهل كان لسعدية في أمرها أي اختيار؟. . إن الذي هي فيه قد أريد لها وكان.
نعم لا أحد يمنعها الآن أن تخلع زينتها، وتغسل أصباغها، وترمي عنها أثوابها الفاضحة، وتخرج تائبة منيبة وتتزوج رجلا إن وجد، أو تقضي بقية العمر متبتلة طهوراً عاملة لكسب عيشها بعرق الجبين. لكن الذي يستطيع أن يخلق نفسه هكذا خلقاً جديداً لا يكون إلا ملاكاً أو قديساً، وسعدية لم تكن ملاكا ولا قديسة بل كانت امرأة عادية كغيرها من ملايين النساء.
هذه الخواطر كانت تطوف بنفس سعدية في بعض الأحيان فلا تلبث أن تنفضها كلها عنها بهزة كتف وتنصرف إلى شيء آخر وهي أن تلوك بشدقيها مضغة اللاذن.
وذات يوم وهي تتخطر في الطريق رأت رجلين قرويين أحدهما يكبرها بسنتين ويصغرها الآخر بمثلهما، ومعهما قروي عجوز مهدم وقروية عجوز لا تكاد تبصر. لم تكفها منهم كغيرهم من الناس نظرة عابرة بل علقت بهم عيناها لا تستطيعان عنهم حولا. ودارت بهما الدنيا وهي تهوي بذاكرتها عبر السنين إلى أعماق الماضي البعيد وتبعتهم عن كثب وقلبها يكاد يتوقف عن الخفقان.
ورأتهم يدخلون ضريح السيدة زينب. لقد عادوا يتوسلون إليها كي تعود إليهم ابنتهم المفقودة. وماذا تصنع السيدة زينب فيما أقيم فيه العباد؟ إن الله ربها وربهم لا يغير شيئاً بهم
ما لم يأت التغيير من جانبهم. ما حيلة السيدة زينب فيما لا يريده الله.
وطفرت من عيني سعدية دموع حرى. دموع لم تعرفها منذ فقدت أهلها أول مرة. وهؤلاء هم أهلها على بعد خطوات منها. هل تذهب إليهم وترتمي عليهم؟ إن ثيابها وزينتها وسحنة وجهها ونغمة صوتها كلها مطبوعة بطابع داعر. وهي إن ذهبت إليهم فسينكرونها حتماً ولن يعرفونها أبداً، وإن استطاعت أن تعرفهم بها فلن يمحو عنهم عارها إلا قتلها. خير ألف مرة لهم ولها أن يبقوا على ظنهم من أنها لقيت حتفها صغيرة على براءة وطهر، أو أنها، إن كانت تعيش، فعلى أي حال غير هذه الحال.
وأشاحت بوجهها عنهم وولت مدبرة.
لقد كانت طفلة ضالة، وهي اليوم امرأة ضالة.
عبد المغني علي حسين