المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 812 - بتاريخ: 24 - 01 - 1949 - مجلة الرسالة - جـ ٨١٢

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 812

- بتاريخ: 24 - 01 - 1949

ص: -1

أحمد حسن الزيات

ص: 1

‌أجنحة الجامعة العربية

للأستاذ عمر حليق

في شمالي أفريقيا - أو الجناح الغربي للجامعة العربية كما يحلو لسعادة عزام باشا أن يدعوه - بلبلة نفسانية سيئة إذا لم تعالج فإنها ستصيب النضال ضد الاستعمار في ذلك الجزء من الوطن العربي بنكسة خطيرة.

فقد اطلعت على تقرير وضعته دائرة الوصاية في هيئة الأمم في لايك سكسس عن حالة العرب في ظل السيطرة الفرنسية، فإذا به يذكر صراحة أن فرنسا كانت تنتظر غضبة نارية من عرب مراكش والجزائر وتونس لموقف فرنسا العدائي من قضية فلسطين تكون أشد وأعم من هذه الحماسة وهذا الجود بالمال والمتطوعين الذين بدوا من عرب المغرب منذ أن اتخذ هذا التحدي الصهيوني هذه الخطورة.

وليست هذه الكلمة محاولة للانتقاد، ولا هي كذلك محاولة للدفاع والتبرير، وإنما هي عرض لهذه البلبلة النفسانية التي تجتاح الوعي القومي هناك، والتي دفعت ضعاف النفوس من أمثال فرحات عباس إلى أن يقول في جريدة لامبسيون المغربية:

(إن الوحدة العربية مهزلة ليس فيها من عناصر الجد شيء. إننا جزء من الوحدة الفرنسية فمصلحتنا وكياننا وحتى اتجاهاتنا العاطفية تتطلب ذلك).

والواقع أن التطورات في مجرى الحملة الفلسطينية تركت أثراً لعيناً في مناطق السيطرة الفرنسية والأسبانية في شمالي أفريقيا في موقف السلطات الاستعمارية وفي نشاط حركات التحرر الوطنية.

والحقيقة التي قل أن تعالجها ألسنة الرأي العام العربي هي تشابك الصراع بين حركات التحرر الذي في شمالي أفريقيا وبين مثيلاتها في الشرق الأدنى وخطورة هذا التشابك في معالجة هذه الحركات جميعها. فهو مستمد من حيوية الموقع الاستراتيجي لشمالي أفريقيا العربية في خطط الانجلوسكسون العسكرية التي تعد الآن للفصل في هذه الحرب الباردة التي تدور رحاها بين الروس وحلفاء الغرب.

إن موقع شمالي أفريقيا الاستراتيجي للملاحة البحرية والجوية ومواضع القفز إلى القارة الأوربية، مضافة إلى الموراد الاقتصادية الوافرة من الفحم والأورانيوم والبترول أيضاً -

ص: 2

كل ذلك يكاد يعادل أهمية آبار الزيت السعودية من حيث اتصاله بتطورات القضية الفلسطينية وموقف الأمريكان - وهم سادة حلفاء الغرب - منها هذا الموقف الهدام الذي أمعن في التحدي والاستهتار. إن مناطق العمليات السياسية في الشرق الأوسط - وهو في تعريف الجغرافية الحربية يشمل شمالي أفريقيا - موزعة جغرافياً - على ما يبدو - بين الإنجليز والأمريكان بينما ترك لفرنسا مركز ثانوي.

فمجال بريطانيا قلب الشرق الأدنى، ومجال أمريكا جناحاه. ولبريطانيا أوتاد يبدو أنها متينة في الآونة الحاضرة على الأقل في شرق الأردن وبرقة والسودان، ولأمريكا أوتاد كذلك في نجد ومنطقة النفوذ الفرنسية في شمالي أفريقيا ومنها القسم الذي يطل على المحيط الأطلنطي مجاوراً لجبل طارق.

ولذلك فإن إمعان أمريكا في تحدي شعور العرب في قضاياهم القومية الحيوية لن يتأثر إلا إذا شعرت بتزعزع جدي لأوتادها في المملكة السعودية والمغرب العربي.

ذلك لأن سياسة أمريكا الخارجية مشوبة بطابع الارتجال والتقلب ومراعاة الظروف الطارئة بسبب كونها (أي أمريكا) الآن في حرب اقتصادية وسيكولوجية مع اكبر خطر يهدد حاضرها ومستقبلها وهو الشيوعية السوفيتية.

صحيح أن الأمريكان كرأسماليين أصليين شركاء للاستعمار الأوربي؛ وصحيح أن الكيان الاقتصادي للرأسمالية الأمريكية يتطلب توسعاً جغرافياً في أسواق الاستهلاك والمواد الخام؛ وصحيح أن السياسة الأمريكية في الداخل والخارج مشوشة تتأثر بمطامع الانتهازيين من الساسة المحترفين وعقليتهم المادية (البرجماتيزمية) وهي عقلية ترتكب الجرائم باسم الحريات الديمقراطية - كل هذه حقائق مسلم بها، ولكن الذي يجب إدراكه أن في الولايات المتحدة الأمريكية الآن اتجاهات عملية تضع البلاد على أسس المجهود الحربي، وقد وضعتها فعلاً في مجال الإنتاج والتدريب العسكري. هذا المجهود الحربي هو الذي يفرض على سياسة أمريكا في الخارج أن تتأثر بالاعتبارات المحلية (المعنوية والمادية) لمناطق نفوذها وعملياتها ضد الاتحاد السوفيتي. فمشروع مارشال مثلاً يتوخى عن طريق الإنعاش الاقتصادي، تقوية المناعة النفسية ضد مغريات الشيوعية المادية في أنظمة الحكم والعدالة الاجتماعية. والشرق الأوسط - بعد أوروبا الغربية - هو من أهم هذه المناطق في مجال

ص: 3

التخطيط العسكري، ولعله أهمها في الاقتصاد الحربي.

وإن الظروف الدولية وما تسميه الصحافة الغربية بالحرب الباردة تفرض على طبيعة التأرجح والتقلب في سياسة أمريكا - هذا التأرجح المستمد من طفولة أمريكا في العلاقات الدولية - تفرض ارتجالاً يجعلها سريعة التأثر بالترمومتر السياسي والنفسي لمناطق عملياتها كما ذكرت. ولذلك فإن جناحي الجامعة العربية في شرقي جزيرة العرب وفي المغرب الأقصى هما أمضى سلاح تستطيع الجامعة أن تشهره في وجه الأمريكان وهم أسياد المعسكر الغربي. والجامعة العربية كمنظمة إقليمية لها خطورتها في السياسة الدولية، وكهيئة تمثل رغبة العرب ومصلحتهم في التكاتف والتعاون ورعاية الاستقرار والرفاهية في الوطن العربي الأكبر تستطيع بل هي ملزمة أن تضع سياسة إيجابية عملية لجناحيها الخطيرين. وللجامعة كذلك مساعدات هائلة متوفرة في ذينك الجناحين، ففورة الشعور القومي، والتعلق بالعروبة، والتطلع إلى الوحدة العربية، متأججة في المغرب العربي؛ وقادته في القاهرة يرتمون في أحضان الجامعة ويلحون في طلب المعونة العملية. وإذا كان من الإنصاف أن نعترف بأن اشتغال الجامعة بمشكلة فلسطين وهي كبرى المشكلات يجعل المعونة العملية المطلوبة صعبة، فإن من المهم أن نعترف بأن الصراع في شمالي أفريقيا وزعزعة الأوتاد الأمريكية من شبه الجزيرة العربية هو جزء رئيسي من الصراع في فلسطين بل هم حيوي له.

والمشاكل القومية حين تكون متحدة الأهداف لا تتبع في معالجتها سياسة إنصاف الحلول، ولعل أضعف نقطة في مسلك الجامعة هو فقدان توزيع العمل في سياستها.

إن حركات التحرر في شمال أفريقيا إذا لم تستطع الآن أن تتخذ شكل حرب ضد الاستعمار فلا أقل من أن تتخذ شكل قلاقل جدية، على النحو الذي شغل به الأمير عبد الكريم الخطابي الفرنسيس والأسبان سنوات طوالاً. ولعل في إثارة هذه القلاقل الآن عواقب جسيمة الأخطار، ولكن الذي يبرر الدعوة لها هي وحدة الصراع العربي الشامل وتشابك القوى الغربية التي تتحد مصلحتها في تفرقته. وقد كان كاتب هذه الأسطر يراقب عن كثب خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة مسلك دول الجامعة العربية في هيئة الأمم المتحدة في قضايا فلسطين والسودان. وكانت هذه الدول تميل إلى الأخذ برأي أثبتت الأيام خطأه، وهو أن

ص: 4

الصراع الدبلوماسي في هيئة الأمم يتطلب أن لا تناصب فرنسا العداء مخافة تمضي في عدائها للقضايا العربية (الشرقية). وكذلك كان موقف بعض الدول العربية بادئ الأمر من هولندا في عدوانها على الجمهورية الأندنوسية. وكلنا عليم بأن مواقف كلتا الدولتين في داخل هيئة الأمم وفي خارجها من قضية فلسطين لم تراع مطلعاً هذه الكياسة العربية. وعلى ضوء هذا الجحود، يجب أن يحدد موقف الجامعة من فرنسا تحديداً حازماً. ففتور الجامعة الدبلوماسي على الأقل نحو مصير باي تونس المرحوم محمد المنصف، ونحو قانون الانتخابات للفرنسيين في تونس، وفي فضائح انتخابات الجزائر وفساد قانونها، وفي موقف المقيم العام الفرنسي من سلطان مراكش، هذه السلبية تركت ولا شك أثراً سيئاً في حركات الإخوان العرب في ذلك الجزء من الجسم العربي، كما ولدت فتوراً في حدة الاستنكار الذي كانت فرنسا تنتظرها من المراكشيين والجزائريين والتونسيين لموقف فرنسا من قضية فلسطين ولموقفها من نشاط اليهود في مجهودهم الحربي في فرنسا نفسها وفي المغربي العربي ذاته.

لقد استمدت الجامعة العربية كيانها التي ترعاه أفئدة الملايين من المصلحة العربية المشتركة بالإضافة إلى أسس الشعور الثقافي الشامل المشترك. وعلى ضوء هذه المصلحة الحيوية، وبفضل هذه الشعور الأصيل خطت وستخطو الجامعة قدماً والحق في جانبها، والعدالة رائدها ودستورها، والله والعروبة معها.

وعلى أساس هذه المصلحة وهذا الشعور يجب أن يعالج جناح الجامعة العربية الشرقي في نجد والكويت والبحرين. إن القائمين على الأمر في ذلك البحر من السائل الذهبي، لا يبدو أنهم يقدرون خطورة موقفهم في سياسة الجامعة العربية، فضلاً عن السياسة الدولية إجمالاً. ولعل العذر هو فجاجة الرأي وفقدان المشورة المجردة من الانتهازية الأنانية التي تستغل صفاء النفس البدوية وسذاجة وعيها السياسي في عالم معقد.

بل الواقع أن أمراء المملكة السعودية والكويت والبحرين لا يقدرون خطورة ارتمائهم في أحضان الأمريكان والبريطانيين وهم على مرمى القنابل الروسية في حوض من البترول يستهوي آلة الحرب النهمة.

وإذا كانت مصلحة الهدف الذي تعمل له الجامعة العربية يتطلب تركزاً وسياسة إيجابية

ص: 5

لذلك القسم الهام من الجسم العربي فإن صميم الكيان لتلك المناطق العربية يتطلب تحديداً جديداً في علاقاتهم مع الأمريكان. ويتطلب تجرداً من التزامات ثقيلة وعواقب وخيمة. فهذه الالتزامات وحدها قد تكون مبرراً يتخذه الروس فيما يضمرونه من شر لآبار البترول التي يمتصها الأمريكان. هل قدر الأمراء الذين يلهون بحفنة من الدولارات الأمريكية مغبة وضعيتهم الخطيرة؟

إن المصلحة القومية، وحتى المصلحة الشخصية الأنانية لأولي الأمر وللشعب في شرقي جزيرة العرب تفرض الاندماج الكلي في سياسة التنظيم الإقليمي الذي تعمل له الجامعة العربية في صدق وإخلاص، فهذا الاندماج ضروري بل أساسي لتناسق المصلحة المشتركة.

ويبدو أن السعوديين والكويتيين وسكان البحرين وأمراءهم وشيوخهم يسلكون مسلك الذين يعتقدون أنهم الرابحون في إعطاء امتيازات البترول للأمريكان. ولعل السبب أنانية جماعة من المرتزقة العرب الذين يحيطون بأولي الأمر هناك؛ هذا بالإضافة إلى سذاجة الوعي وفقدان التوجيه الذي تستطيع الجامعة أن توليه.

ولا حاجة للإفاضة في شرح سذاجة هذا التفكير؛ فحصة المملكة السعودية مثلاً من أرباح شركات البترول الأمريكية التي تستغل آبارها الغنية تبلغ خمسة في المائة أي 18 مليون دولار حصة السعوديين من الضرائب وغيرها، بينما أرباح الشركة تزيد في 360 مليون دولار! هذا إذا أخذنا أرقام الشركات الأمريكية على أنها صادقة!

وطبيعي أن سياسة الجامعة العربية في جناحها الشرقي لن تتطلع أو تتوخى امتلاك آبار البترول أو حتى إدارتها؛ ولكن النصيحة الرشيدة و (إثبات الوجود) كفيلة بأن تعزز الهدف لرعاية المصالح العربية في هذا المجال الإقليمي. فهناك فائدة مزدوجة تعود بالربح المادي وغير المادي على الحكومات والشعوب على السواء في المملكة السعودية والكويت والبحرين حين تمتلك السلطات المحلية هناك آبار البترول. فهذا الامتلاك يتطلب تحديد الموقف إزاء الشركات المحتكرة، وهذه الخطوة لا تعني ترك البترول يعفن في طبقات الأرض. ففي أمريكا الجنوبية دول وشعوب تنقصها الخبرة الفنية والتقدم الحضري، ومع ذلك فقد أقصت الأمريكان عن منابع الذهب الأسود كما حدث في المكسيك، وابتاعت

ص: 6

لاستخراج البترول في بلادها الخبرة الفنية الإدارية، وسلمت من الاستغلال الأجنبي ومن ذيوله والتزاماته الخطيرة، مع العلم بأن المكسيك ودول أمريكا اللاتينية ليست هدفاً مباشراً لقنابل الروس كما هو حال نجد والكويت والبحرين.

والبترول فوق ذلك مادة رائجة كأحسن ما يكون الرواج. والتنافس حتى بين الشركات الأمريكية نفسها على أشده في سبيل الحصول عليه. ألم يفز شيخ الكويت بشروط على إجحافها خير من شروط السعوديين في الامتياز الأخير على امتلاك آبار الكويت أوفر آبار البترول في العالم، وقد تنافس عليها فريقان من الشركات الأمريكية؟

ودول الجامعة العربية في السياسة الدولية، شأنها شأن كثير من الدول الآسيوية تتفادى مناصرة أي المعسكرين المتطاحنين الذين يستعدان لتقويض حضارة الغرب. وإن مصلحة الجامعة بالإضافة إلى مصلحة أولي الأمر في شرقي الجزيرة العربية تتطلب التعاون والتكاتف لتوطيد سياسة الحياد الاقتصادي، لتعزز المصلحة السياسية والقومية.

وعلى ضوء هذه المصالح المتشابكة المتضامنة المتماسكة يجب أن يتجه العرب منفردين وفي جامعتهم نحو امتيازات البترول الأمريكية وهذا يفرض على الجامعة توزيعاً في العمل. فسياسة البترول إذا أخذت مأخذ الجد احتاجت إلى خبرة فنية (تكنولوجية) وفي الإدارة والتوجيه. وهذه نواح على فداحة المجهود لتوفيرها هي في الواقع استثمار جم الفائدة في سياسة عملية فعالة مثمرة.

وسياسة الجامعة العربية إذا تطلبت في جناحها الغربي (شمالي أفريقيا) سياسة تحد فأن النشاط في الجناح الشرقي يحتاج إلى توجيه وتركز فني في خطوات عملية يكون الإخلاص والكفاءة والعلم روادها. وكلا المنهجين جزء من المصلحة الأساسية المشتركة، فهما متممان لعمليات الصراع في فلسطين، وهما متممان لتحرير الخمسة والعشرين مليوناً من المعذبين في ظل الاستعمار الفرنسي الشنيع، ولدفع الأذى عن الإنسانية البسيطة التي تلعب بالنار على مقربة من البارود الروسي.

وهما أساسيان لتدعيم التنظيم الإقليمي والتكتل الجغرافي الذي تعمل له الجامعة. وهما بعد هذا وذاك انتصار للحق والعدالة.

(نيويورك)

ص: 7

عمر حليق

سكرتير معهد الشؤون العربية الأمريكية

ص: 8

‌جحود.

. .

للأستاذ كامل محمود حبيب

يا اخي، كيف صرت بعدي؟ هاهي الأيام تمر في غير وناء ولا تلبث فلا أراك ولا اسمع عنك؛ وتصلب قلبي وتحجرت مشاعري فما عدت أجد فقدك ولا أحس بعدك. إني أخالك قد فرغت - منذ أن تدابرنا - إلى عملك الحكومي، تبذل فيه طاقتك وتصرف إليه غايتك وتهيأت لمصالحك الخاصة - كما تقول - فاستنفدت جهدك واستغرقت وسعك، فما أصبح في وقتك فضلة تصل فيها ذوي قرابتك أو تزور صحابتك. واغترقت في سراب كاذب فتصنعت بالكبرياء وتخلقت بالترفع، وإني أعجب من أسلوبك، فما أراك تلبس هذا الرياء إلا أمام أهلك فحسب

فأنت في ديوانك الحكومي لقي في ناحية من حجرة بين أكداس من الورق، همل بين همل من الموظفين. ورئيسك يرى فيك المثل الأعلى للموظف المجد! والموظف المجد في رأي رئيسه هو من يعشي عينيه في القراءة والتحديق، ويبري أنامله في الكتابة والتسطير، ويقوس ظهره في الانحناء والخضوع، ويهدر كرامته في الاستكانة والخنوع، ويلغي عقله فلا يتأبى على عمل ولا يجادل في رأي. لهذا فهو يغفلك ويهملك. أرأيت أصحابك وهم يحاولون أن يتحدثوا إليك في التليفون، أن رئيسك يهر فيهم هريراً مفزعاً، ونكر وجودك في إصرار امتهاناً لقدرك، وتجاهل مكانك في عناد واحتقاراً لك!

يا أخي، لقد تصلب قلبي، وتحجرت مشاعري، فما عدت أجد فقدك ولا أحس بعدك؛ غير أني أشعر - حين تحوم خواطري حواليك - بخيبة أمل. . . خيبة أمل الأب يلقي من وحيده وقد اشتد عوده ونما غراسه وبلغ مبلغ الرجال. . . يلقي منه العقوق والجحود جزاء له على أبوته، وعلى أن بذل دمه وماله وعمره ليكونه ابنه رجلاً بين الرجال. أفتصيب الأب حمى الندم حين يحس خيبة الأمل من أثر العقوق؟ لست أدري. . .!

لقد كنت - يا أخي - أمل أسرة: أبي وأنا وانت؛ وقد ماتت أمي عنا صغيرين!

أما أبي رحمه الله فقد تنشأ - أول ما تنشأ - في الأزهر، وتنشق عبيره، وذاق حلوه ومره، وانطبع بطابعه. والأزهر يسم بنيه بسمات فيها الورع والتقى والاستسلام إلى القضاء والقدر والرضا بالواقع والعزوف عن لذائذ الحياة وأطماعها. ونمت هذه الخصال

ص: 9

في أبي منذ أن كان صبياً واشتد غراسها على الأيام، تغذيها حياة الريف وهي هادئة رتيبة في منأى عن مصطرع الحياة ومعترك النوازع، فما تكالب على المادة من حرص، ولا اندفع في غمرات الدنيا من جشع، ولا تزاحم على نفع من طمع، ولا خلبه المال من شهوة؛ فعاش على حيد الحياة يأخذ نفسه بالزهد والقناعة، ويروضها على التقشف والخشونة، ثم لا يحفل - من بعد - أفاضت غلات أرضه عن جود وسخاء، أم ضنت عن شح وضيق. ونحن - أنا وأنت - فرحة قلبه، وبهجة فؤاده، ونور عينيه، يضمنا حنانه، ويرسلنا عطفه، ومنتهى أمانيه أن يرانا - إلى جانبه - رجلين!

وكنت أنا أكبر ابنيه، وأحس أبي - والسنون تمر - أنه في حاجة إلى من يتخذه رفيقاً وصاحباً وعوناً، فتلفت فإذا أنا إلى جانبه، فالقي بأعباء الحياة بين يدي وقال:(احمل)! فحملت العبء وحدي وأنا ما زلت في سن الصبا وفورة الشباب! حملت العبء وانصرفت عن المدرسة في نشوة وطرب، تكتنفني خواطري الصبيانية، وفي نفسي أنني رجل وأنني رب هذا البيت، وما فيه غير أبي وهو بين صلواته وتسابيحه في شغل، وغيري وبين يدي شئون الدار والغيط أصرفها كيف أشاء، وأنت في المدينة تلميذاً بالمدرسة الابتدائية. وأخذني أبي رحمه الله بالنصح في غير غلظة ولا جفوة، وأنا اهتدي مرة وأضل مرة، وهو من ورائي يدفعني إلى غاية!

وعشت فلاحاً بين فلاحين، ابذر الحب وأرجو الثمار من الرب

ومرت الأيام تشعرني بأن أبي هو صاحبي، وأنك أنت - يا أخي - ابني، وأنني صاحب الدار والأرض والغلة جميعاً.

وأحس أبي مني الرجولة، فراح يزين لي أن أتزوج من فتاة من ذوى قرابتي لنجد ريح المرأة في الدار بعد جدب؛ والمرأة تشيع في الدار الحياة والحركة، وتبعث فيها النظافة والنظام، وتنفث فيها السعادة والمرح؛ وهي تشد أزر الرجل وتعينه على شواغله وتمسح عنه وعثاء الحياة وعناء العمل، وأصغيت إلى حديث أبي وفي النفس نوازع جارفة تدفعني إلى أن ألبي رغبته، ولكني رفضت في رفق وأنا أقول:(يا أبي، أن الزوجة تصرفني عن أخي وهو في المرحلة الأخيرة من الدراسة، وأنا أخشى أن تشغلني الزوجة عن أن أوفر له حاجاته - وما بنا ثراء - فينهار البناء أو يوشك وهو أملنا). . . وسكت أبي وسكت. . . .

ص: 10

وقضيت سنوات شبابي الأول أبذل غاية الجهد في الغيط لأوفر لك حاجاتك في البيت وفي الجامعة، وهي تزداد رويداً رويداً على حين تعصرنا أزمات عنيفة من الخمود الاقتصادي الذي سبق الحرب العالمية الثانية، ومن هبوط أسعار المحاصيل إلى درك لا تكفي معه غلات أفدنة أن تسد حاجة طالب واحد، وللجامعة طلبات تقول للطالب: إما أن تكون غنياً أو تكون جاهلاً! ورضينا - أنا وأبي - أن نقنع بالقليل ونجتزئ بالتافه، أشعر بالضيق في صبر، وأحس الحاجة في تعفف، وأنا شاب تتجاذبني أطراف الحياة وملذاتها فأدفعها عني، أدفعها لأنك أنت تستنفد كل مالنا في غير شفقة ولا رحمة!

أما أنت - أيها الفتى المدلل - فقد تخرجت في الجامعة، وما تذوقت طعم الحاجة، ولا أحسست مس الضيق، وقضيت أيام المدرسة في هدوء وطمأنينة، نخصك بالشهي من الطعام، وأنا في شظف من العيش؛ ونحبوك بالغالي من اللباس، وأنا أتوارى خلف أسمال؛ وتنعم بالدفء شتاء وبالراحة صيفاً، وأنا أصارع الأجواء في صبر يعركني زمهرير الشتاء ويفريني سعير الصيف. . . ثم توظفت في الحكومة!

ولما مات أبي رحمه الله خلت بي تقول: (يا أخي، إنك أنت أخي وأبي في وقت معاً، ولقد نزلت عن رغبات نفسك في سبيلي وأنت في مستهل العمر، والآن لم يبق لي في هذه القرية غير عطفك وحنانك، وغير حبك وإخلاصك، فقم على زراعة أرضي كيف تشاء، ثم اعطني فضل ما يزيد على حاجتك. . .)

وانسرب حديثك إلى قلبي يحفف وطأة الصدمة، ورضينا معاً أن أستأجر منك ميراثك كله (بأجر المثل)، فأكفيك عناء السفر وجهد التحصيل. . .

وبعد سنه واحدة تحدثني حديثاً فيه الرجاء تقول: (يا أخي، إن الأسعار ترتفع في غير هوادة، وإن حاجات العيش في المدينة تكلفني فوق ما أطيق، وأنا أدفع نفسي عن كثير من حاجاتها، فهل ترضى أن نرفع إيجار الفدان إلى كذا وكذا. . . لأجد سعة من المال؟). . . ونزلت عند رأيك، وأنا أحس أن في كلامك شيئاً غريباً علي، وأنه يستر حديثاً بعده، وأن نبرات صوتك تتحدث بأمر. وبرغم أنك تعرف مواسم الدفع والتحصيل، فقد سلكت سبلاً - حين طالبتني بحقك - أشعر معها بالحرج والعنت

وبعد سنة أخرى جئت تقول: (أظنك تعلم - يا أخي - أن إيجار الفدان قد ارتفع إلى كذا

ص: 11

وكذا. . . وأن هذا السعر يبهظك ويشق عليك، فهل تنزل لي عن أرضي ليستأجرها غيرك!) قلت:(يا أخي، إن كان الأمر هو أمر السعر فحسب، فأنا دائماً ادفع لك أجر المثل، وإن كان غير ذلك، فاكشف لي عن دخيلة نفسك). . . فأصررت أنت على قولك: (إني أريد أن يستأجرها غيرك شفقة مني عليك، ثم إني اطمع أن أحس بملكية ميراثي من أبي!) ورأيت في تشبثك التافه خلقاً لم أعرفه عنك من قبل! ثم جاء عمك يقنعك، فعدلت عن رأيك، ورضيت أنت ورضيت. وخيل إلي انك ندمت على أن نزلت عند رأي عمك، فأردت أن تفزعني عن أرضك في أسلوب وضيع، فأخذت تتطاول علي - على ملأ من الناس - تريد أن تشعرني بأنني عبد فضلك، فكنت أدفعك عن هذا الرأي في هوادة، وأنزع عنك هذه العقيدة في لين، وأسلوبك يبعث في الغضاضة والضيق! ورحت أوحي إليك بأننا صنوان وأن ما أربحه من أرضك لا يغني من جوع، ولا يرد غائلة العسر، ولا يرتفع بي إلى الغنى، ولكن كبرياء الوظيفة، وزيف المدينة، وبريق الثراء المزعوم، كانت كلها قد كدرت صفاء قلبك، وطمست على صواب رأيك، فتعاليت على أخيك الفلاح، وأنفت أن تكون في لباسك الإفرنجي إلى جانبه، وهو في جلبابه، ونسيت ما كان منه أيام أن كنت. . .

يا أخي، إنك لن تكون شيئاً، أن أنت قطعت وشائج القربى أو صرمت أواصر النسب!

وتماديت في غوايتك دون أن تبادلني الرأي، فأرسلت رجلاً من أوشاب الفلاحين ليستولي على أرضك - وقد زرعتها - ويقول:(هذا حقلي استأجرته من مالكه). . . ومالكه هو أنت يا أخي! وعجبت. . . ولكن الرجل نشر أمامي (عقد إيجار) يدل على أنك أنت كاتبه!

ونظر الفلاحون بعضهم إلى بعض وزمت شفاهم على ابتسامات فيها السخرية وفيها الإشفاق، وشعرت أنا - لأول مرة في حياتي - بأنك قد أدميت قلبي، وجرحت نفسي، وامتهنت كرامتي، وبأنني أصبحت بين الفلاحين شيئاً تافهاً! ورضيت - يا أخي - أن تخول هذا الرجل أن يقتات على حقي، وأن ينازعني ملكية غيط، وأن يقف مني موقف الند للند. . . وثارت ثائرتي. . فطردت صاحبك من الغيط. . . وطردتك من نفسي. . .

كامل محمود حبيب

ص: 12

‌عقيدة وحدة الوجود وأثرها في فكر طاغور

للأستاذ عبد العزيز محمد الزكي

إن حقيقة وحدة الوجود هي حجر الزاوية في الديانة الهندوكية مثلها في ذلك مثل التوحيد في الإسلام والتثليث في المسيحية. فلا عجب إذا استلهم طاغور الهندوكي هذه الحقيقة وجعلها محور تفكيره وينبوع مشاعره وانفعالاته. فلقد سبقه متصوفة الإسلام في التأثر بها بالرغم من تعارضها في جهات كثيرة مع تعاليم الدين الإسلامي، وادعى الحلاج أنه الحق أي الله، ووضع ابن عربي تصميم فلسفة تدور حول وحدة الوجود. فإن استقى طاغور أخيلة قصصه وإلهامات أشعاره من معين عقيدته الدينية وجد بفكره في إبرازها في صورة حية بسيطة تشعر بصدق صحتها وسهولة تحقيقها، فليس ذلك إلا لطغيان عاطفة دينية قوية على مشاعره رغبته في التعبير بمختلف الوسائل الفنية والفكرية التي تيسرت له عن عقيدة يؤمن في قرارة نفسه أنها حق، فأنتفع بشتى مقومات الحضارات الشرقية والغربية سواء أكانت قديمة أم حديثة، واتخذ منها أسساً ليدعم بها عقيدة وحدة الوجود، ويوضح ما يكتنفها من غموض، ويرغب الغير في تصديقها، ويحض الهنود على اختلاف مهنهم وأعمالهم على تحقيق اتحادهم بالله والخليقة.

وتقرر عقيدة وحدة الوجود الهندوكية أن الله يستقر في أعماق النفس الإنسانية، ويظهر في الحيوان، ويبرز في النبات ويتجلى في الماء والنار، وينتشر في سائر مكونات الكون. وأن الله حقيقة حية حاضرة في كل مكان، دائمة الاتحاد بالوجود، وتتخذ مظاهر متنوعة تبدو في صور محتويات الطبيعة المتعددة من إنسان وحيوان ونبات وجماد، وتشمل جميع هذه الأشياء وتضمها في وحدة مطلقة أبدية، وتمنحها حقائق روحية خلاف مظاهرها المادية.

ويعلل طاغور حلول الله في الخليقة بأن الله حينما امتلأ بالسرور فاضت عنه الخليقة، فالكون عند طاغور هو الصورة التي يتجلى فيها سرور الله، لأن طبيعة السرور أن لا يبقى على حالة مجردة، ويبحث على الدوام عن قالب مقيد بقانون يصب وجوده فيه فإن الفنان الذي تمتلئ نفسه بالسرور عند اكتمال فكرته الفنية يسرع عادة في استعراضها مثلاً في صورة الغناء الذي يخضع لقواعد الموسيقى، أو في قالب الشعر الذي يخضع لقانون تطور المعاني وقواعد العروض. وكذلك سرور الله يرتسم في صورة النفس الإنسانية التي

ص: 13

تتقيد بالقوانين الأخلاقية، كما يبدو في صور مكونات الطبيعة التي ترتبط برباط القوانين الطبيعية.

وعلى الإنسان أن يسعى لمعرفة هذه القوانين لا على أنها غايته القصوى في الحياة، بل لأن معرفتها يبعث في النفس ذلك السرور الذي صدرت بسببه الخليقة عن الله، ومن ثم يعي الله الذي حل في كل شيء ويشعر بتلك الوحدة المتماسكة التي تضم أجزاء الكون

إلا أن المرء لن يحظى بغايته الدينية ما لم يظهر أولاً الله الكائن في قرارة النفس، ويبرزه في عالم الشعور مثل ما تبرزه الشجرة من الحبة. ولن يحصل على كماله الروحي إلا عندما يتلاشى شعوره بذاتيته ويدمجه في كل ما حوله من كائنات، وبغير ذلك لن يدرك أحد حقيقة وحدة الوجود. ولكن إذا تمكن الإنسان من أن يحس بوجود الله في دفينة نفسه فكيف يمكنه أن يعي الله في كل شئ في العالم ويندمج فيه، لأن عدد ما يحتويه العالم من مخلوقات لا يدركه الحصر؟ ولكن يتفادى طاغور هذه الصعوبة على رغم أن الإنسان قبل أن يفنى روحه في الوجود عليه أن يصل إلى أغوار نفسه ويدرك الله الكامن بها. وعن طريق وعي حقيقة كمون الله في النفس الإنسانية واتحاده بها يكشف الإنسان عن تغلغل الله في سائر محتويات الوجود، ويتخذ من تلك الحقيقة مصباحاً يهتدي به في وعي اتحاد الله بمختلف نواحي الكون وإدراك الوحدة الكبرى التي تربط أجزاء الوجود. شأن الإنسان في هذا الإدراك شأن كشف العلم عن قوانين بسيطة عامة عن طريق بحثه مجموعة من الظواهر والحوادث يستعين بها بعدئذ في فهم الظواهر والحوادث المتشابهة التي لم يكن قد بحثها من قبل. فلا بد للإنسان إذن أن يدرك أولاً حقيقة عامة تنير له سبل معرفة كل ما يريد أن يعرفه عن وحدة الكون. فإن عرف مبدأ استقرار الله في أعماق النفس الإنسانية واتحاده بها يمكنه أن يسترشد به في الغوص في مجاهل الوجود تدريجياً إلى أن يتجلى له الله في صور الأشياء جميعاً في صورة بعد صورة، حتى يجد نفسه غارقاً في لا نهايته الفسيحة التي تضم كل محتويات الوجود وتوحدها فيعجز عن أن يميز بين حقيقته الفردية وحقيقة الله الكلية، لأن تدفقه المستمر نحو الله الذي يتوسم في الكون صيره الله وأصبح لا يحس بوجود خلاف وجوده الذي هو وجود الله.

فمفتاح وعي الله ووعي الوجود هو وعي الروح، وأول خطوة يجب أن تخطى نحو تحقيق

ص: 14

الكمال الروحي هي أن المرء يعرف أنه روح في جوهره، ولا يستطيع أحد أن يعرف ذلك ما لم يكن لديه نور من ذات نفسه يحدس به صورة الله في النفوس الإنسانية؛ وذلك لا يتأنى إلا بعد خضوع النفس لسيادة قانونها الأخلاقي، وقيام الإنسان بعمل صالح مفيد، ثم أدائه فروض الدين، لأن سيطرة القوانين الأخلاقية على الحياة الإنسانية تحررها من نزوة الشهوة وتخلصها من إغراء مفاتن الدنيا، وتطهر النفس وتعدها لإدراك وحدة الوجود. بينما قيام المرء بعمل يعود على بني الإنسان بالخير، يعبر عما يختلج في نفسه من مشاعر إنكار الذات وقدرة على تعدي ذاته الفردية إلى شيء عام خارج عنها. أما أداء الشعائر الدينية اليومية من صلاة وصوم ودعاء بإخلاص صادق ينم عن إيمان قوي، فإنه يزيل كل ما يعوق اجتهاد النفس في سبيل كشف الله في داخلها، ويمد الوعي الروحي بالتقوى والصلاح والورع التي تفسح الطريق نحو اللانهاية.

وما أن يتم بالروح الطاهرة الخيرة النشيطة إدراك اتحاد الله بالنفس البشرية بالبداهة الروحية والحدس الفطري يجب أن تستنير بهذه الحقيقة في إدراك الله في الطبيعة عن طريق كشف القوانين الطبيعية التي يدخل تحت نطاقها كثير من الظواهر المتشابهة والحوادث المتكررة والأشياء المتماثلة التي أحل الله سروره في كل منها على صورة القانون الخاضعة له، ثم يستضئ بهذه القوانين العلمية في الإحساس بانسجام أجزاء الكون وتوافقها الذي يوحي بتذوق جمال وحدة الطبيعة واتحادها بالله.

ولكن إدراك الله في النفس وفي الطبيعة وإحساس وحدة الوجود أمر جزئي لا يكفي لتحقيق الكمال الروحي الذي لا يتوصل إليه إلا عن طريق الحب الذي يغمر النفس عند الإحساس بذلك السرور الذي يتولد من إدراك حقيقة وحدة الوجود، وذلك يحدث حين تصير فكرة وحدة الوجود حية في النفس واضحة للعقل، ويعيشها الإنسان في كل عمل يأتيه، وفي كل قول يصدر عنه، حتى يصبح إدراك هذه الوحدة أكثر من مجرد فكرة ذهنية، وينبعث من الإنسان وعي يشع نوره من معرفة الله المقيم في كل شيء، فيشمل هذا الوعي سرور مبهج ينجم عنه حب عميق لكل شيء يستقر فيه الله، وحب الغير أسمى ما يصل إليه الإنسانية من درجات الرقي الروحي، ففيه يتلاشى الشعور بالفردية ويختفي التباين بين الله والطبيعة والإنسانية، وتعرف الروح أن حقيقتها تتضمن أكثر من وجودها الشخصي، وتوقن أنها

ص: 15

حرزت على وحدتها التامة مع الخليقة التي يتوسم سرور الله في كل وجه من وجوهها.

ولم يتورع طاغور من أن يسير مع الدين الهندوكي إلى آخر مداه، ويؤمن معه بأن الإنسان يجب أن يسعى ليتحد بالله حتى يصير هو والله حقيقة واحدة. إلا أنه حاول أن يخرج نفسه من هذا المأزق، وينفي عن الإنسان أصالة الربوبية بادعائه أن القول بأن الروح يجب أن تصبح الله، لا يقصد به أن روح الفرد هي الله بالفعل، إنما يقصد به أن الله هو المثل الأعلى اللانهائي الذي ينبغي أن يتحول إليه الروح. ومثل الروح في ذلك مثل ماء النهر المتدفق نحو البحر، فإنه يستطيع أن يقول (أنا البحر)، ولكنه لا يستطيع أن يزعم أن البحر جزء منه أو ترعة فيه، وتستطيع الروح كذلك أن تكون الله، كما يصير النهر بحراً، ولكنها لا تستطيع أن تدعي أن الله جزء منها، أو تنكر أن غايتها الأخيرة أن تغوص في لا نهائيته، ثم تنمو وتزداد فيه على الدوام حتى تشمله جميعه وتصير حركاتها متفقة مع أنغام هذه الحقيقة اللانهائية.

وإن استطاع طاغور أن يفلت من هذا المأزق، فلقد واجهته مشكلة أخرى مستعصية، وهي كيف يتحد الإنسان المحدود بالله الغير محدود، فإنهما متناقضان والجمع بينهما مستحيل؟ ولكن طاغور لم يجد صعوبة كبرى في دفع هذا الإشكال دفعاً سلبياً، وبين أن اجتماع اللانهائي لا يظهر ما فيه من تناقض إلا المنطق، أما في الحقيقة، فليس هناك مشكلة على الإطلاق. والمنطق بجدله لا ينفي فقط اتحاد الله بالإنسان والكون، بل يستطيع كذلك بعقد البديهيات ويدلل على أن البعد بين نقطتين مهما تقاربتا يصح أن يكون بعداً لا نهائياً لا يمكن اجتيازه، إذ من الممكن تقسيم هذه البعد إلى أبعاد صغرى لا متناهية العدد يستحيل عبرها إذا أخذت كل منها على حدة. هذا فضلاً عن أن العقل الذي يستعين بالمنطق في كسب معرفته ليس إلا آلة أو جزءاً من الإنسان، ولا يستطيع أن يحصل على معلومات إلا من الأشياء التي تقبل التقسيم والتحليل والترتيب، ففصل العقل بين الله والإنسان والأشياء، ولكنها في الحقيقة متحدة اتحاداً تاماً.

وإن ما يبدو في هذه الوحدة من تناقض لا يحل بهذه الوحدة؛ لأن تناقض الوجود في حد ذاته لا يتعارض مع وحدته، فأن ما يشاهده الإنسان في الطبيعة من تضاد بين الحرارة والبرودة والحركة والسكون يثبت أن في الكون مجموعة من القوة المزدوجة المتضادة تعمل

ص: 16

في اتحاد كامل مثل اتحاد اليد اليمنى واليد اليسرى وإن كلاً تعملان في ناحيتين مختلفتين، فإن هذا الاختلاف ألم يسبب أي تنافر في نظام الكون، بل قامت فيه وحدة ناتجة عن ملاءمة قوى الطبيعة بعضها لبعض والتناقض بين اللانهائي والنهائي من هذا النوع، ولا يمنع من اتحادهما، بل لا غنى لأحدهما عن الأخر، فإن الله في حاجة في حاجة لعودة الإنسان إلى اللا نهايته التي انبعث منها حتى تتحقق وحدة الوجود، بينما الإنسان في حاجة إلى الله، لأن كماله لا يتم إلا إذا أفنى ذاته لمحدودة في ذات الله الغير محدودة، وإن ما يوجد بينهما من تناقض ظاهر يزول بالسرور والحب المتبادلين واللذين يوفقان بين لانهاية الله وبين نهاية الإنسان، ويجمعان بين أغراضهما بحيث يصبح هدف الله وهدف الإنسان هدفاً واحداً ألا وهو بلوغ أعلى درجات وحدة الوجود التي لا تتحقق بالإنسان من دون الله، ولا بالله من دون الإنسان، ولكن باتحادها جميعاً.

وبالرغم من أن طاغور ساير الدين الهندوكي في تصويره حقيقة وحدة الوجود، وحاول إزالة ما يكتشف هذه الحقيقة من غموض، إلا أنه في الوقت نفسه لم يساير الهندوكيين مسايرة الأعمى وعمد على ألا تكون حقيقة وحدة الوجود عقيدة جامدة بعيدة عن متناول العامة، وتبلغ من السمو والرفعة بحيث لا يستطيع الوصول إليها إلا خاصة الخاصة، ويتطلب الشعور بها جهوداً شاقة فوق قدرة الإنسان العادي، فأخرج هذه العقيدة من كهف الزاهد النائي إلى حياة عامة الناس، وأعطى لها من الحيوية ولشيوع بحيث مكن الرجل التقي الصالح العالم والفنان ورجل السياسة والمصلح الاجتماعي وأرباب الأعمال الاقتصادية والصانع والزارع من تحقيق هذه الوحدة بعد أن كان تحقيقها قاصراً في العصور القديمة على هؤلاء الزهاد الهاجرين الحياة المعذبين لأنفسهم وأجسادهم.

ويبدو أن طاغور أحس بأن ما كان يبتعه زهاد قدماء الهند من أساليب، أو ما كان يسلكه متصوفة الإسلام من طرق، أو ما كان بحياة المتعبدون المسيحيون من رهبنة، اصبح لا يلائم الحياة العصرية التي تجد وراء الرقي المعنوي والكمال المادي كما يحرم المواطنين من القيام بواجباتهم الاجتماعية، فلو فرضت هذه الاجتهادات الدينية والرياضيات النفسية على الإنسان المعاصر لحمل أكثر مما يطيق، وما ثابر على ممارستها، وقد يدب فيه نوع من اليأس يثنيه عن تحقيق غايته الدينية، وإن قدر أن يحاكي الزهاد القدماء لقصر في

ص: 17

مسئولياته العائلية وفي واجباته الوطنية، وما استطاع أن يساهم بأي نصيب في تقدم المجتمع الإنساني.

فسهل طاغور سبل تحقيق الذات بحيث جعل الاتحاد بالله عن طريق الشعور بالسرور الذي يشمل الروح عند خضوع النفس للقوانين الأخلاقية وأدائها الشعائر الدينية وقيامها بعمل نافع خير يدل على صدق استسلام النفس التام لسيطرة القانون الخلقي، ثم ملاحظة أن سرور الله يمتد في الكون في صورة القوانين الطبيعية وإن معرفة هذه القوانين وإحساس ما تنطوي عليه الطبيعة من توافق رائع وانسجام خلاب يتم للإنسان تحقيق وحدته بالوجود الذي حل فيه سرور الله.

وبذلك جعل طاغور الاتحاد بالله على أساس متين من الأخلاق والدين، ويتوصل إليه عن طريق مسوغات الحياة الراقية الحديثة من عمل وعلم وفن، وبين للهندي أن عقيدة وحدة الوجود ليست دين الخاصة، إنما هي دين الجميع.

عبد العزيز محمد الزكي

مدرس الآداب بمدرسة صلاح الدين الأميرية بكفر الزيات

ص: 18

‌خواطر سياسية وأدبية

للدكتور السيد محمد يوسف الهندي

(بقية ما نشر في العدد الماضي)

كتاب (الفتنة الكبرى) والدكتور طه حسين:

وبما أن الأستاذ محمود محمد شاكر خص اليهود بالذكر وأن إخواننا العرب ربما تفضلوا بالبقاء دروس في القومية والوطنية على مسلمي الهند أود أن أضيف كلمة عن علاقات المسلمين بالوثنين والمجوس حتى أثبت أن الكفر ملة واحدة وأن نظرية الوطنية الحديثة لا تكسر من عدائها وشرها، كما أن التسامح والمعاملة الحسنة لم تؤمن أية حكومة إسلامية في أي عصر من عصور التاريخ من جميع أنواع الدسائس والأعمال الهدامة والجاسوسية لصالح الدول المجاورة المعادية. ولولا خوف مجانية القصد لكان في وسعي أن أقيم الأدلة على أن الإجراءات التي ربما اتخذت ثم أهملت ثم جددت ضد غير المسلمين في مختلف أدوار الحكم الإسلامي - العربي منه والعجمي - لم تكن إلا رد فعل لما تجلى في أعمالهم من عدم الولاء وروح الطابور الخامس. ولم يتعد قدر تلك الإجراءات إلا في بعض الأحوال قدر الأحكام العرفية والخطوات الاحتياطية التي لا تحجم أية حكومة في أيامنا هذه عن اتخاذها ضد رعاية الحكومة المعادية والممالئين لها. وخلاصة القول أن المسلمين أمة مستقلة لا بد أن يعيشوا بهذه الصفة في سياستهم واقتصادهم وجميع شؤونهم حتى يتأنى لهم التعهد بسلامة الأرواح والأموال وحرية العقيدة وحسن الجوار الذين جعلهم الله في ذمتهم، وهذا الوضع أي كون المسلمين فريقاً ذا قوة وشوكة راعياً لحقوق الكفار والمشركين لمجرد الوفاء بالعهد والتمسك بالخلق الكريم لا لضغط اقتصادي أو مالي أو سياسي خارجي أو داخلي مع كونه قادراً على نبذ العهد إلى الخائنين في أية لحظة - هذا هو الوضع الوحيد الذي يضمن عدم اجتراء الذميين على أية حركة مضادة للدولة الإسلامية وحسن تقديرهم للمعاملة الشريفة التي يلاقونها على أيدي المسلمين، فأني وإن كنت أؤيد الشاعر في قوله (ومن لا يظلم الناس يظلم) اعتقد أن كل من بقادر على الظلم لا بد أن سيظلم؛ إذ الإنسان لا يزال بعيداً عن العهد الذي يعترف فيه للحق الأعزل والعدالة التي لا تسندها القوة. أما

ص: 19

الوضع الحالي السياسي في الممالك العربية فلا يسعني إلا أن أقول إنه قائم على أساس علاقة الإسلام مع العروبة مثل علاقة الخليفة العباسي مع وصيف وبغا وهو إنما يؤدي إلى تنويم المسلمين وحرمانهم مما هم جديرون به.

أما ما يتعلق بكتاب الدكتور طه نفسه فيجب أن اعترف أني بدأت في دراسته وفي نفسي شئ مما قرأت وسمعت عن العواصف التي ربما أثارتها مجهوداته العلمية السابقة في المحيط الأدبي وأنا متأكد من أن آفة الأديب أن تكون باكورة أعماله متميزة بطابع النقد اللاذع الهدام للآراء المألوفة، فإن مثل هذا العمل وإن يكن وسيلة ناجحة في لفت الأنظار إلى براعته، فأنه ربما يضع الكاتب في موقف حرج بحيث يسمه بسمة الغرابة، فالقراء لا يرضون منه - فيما بعد - إلا أن يأتي برأي شاذ في كل ما يتناوله، وقلما يقبلون منه أن يقرر رأياً سبق أن عرفه الناس، ثم إن مثل هذا الأديب - مع أنه يتحفز إلى النقد مدفوعاً بطبيعته وبنوع من الإيعاز من قرائه فهو يجتهد دائماً في الاحتفاظ بالحياد وعدم المحاباة والترفع عن التعصب حتى لا ينحط قدر الصادر منه. وينتج من ازدواج هذين العاملين أنه ربما يضطر إلى المصانعة مع الغير والقسوة على ذوبه فهو يوجه النقد إلى ما ينتمي إلى نفسه ويلين ويتحذر حينما يخاف أن يتهم بالمجاراة مع عواطف الجمهور فيما يتعلق بالغير. نعم أقبلت على قراءة (الفتنة الكبرى) وأنا مستعد للمفاجآت فدرسته بهم وشوق، وفرغت منه وأنا ملئ بالإعجاب ببراعة المنهج وحسن الترتيب، وسرد الوقائع، واستقصاء الملابسات، وتحليل الظروف، وتفقد الأسباب الخارجية والعلل النفسية، ما عدا الأسلوب النقي الرائع الممتاز. ولئن كان هناك شئ يبرر ما خيل إلى البعض من التعمد إلى التلطيف فما يتعلق بقصة عبد الله بن سبا أرضه لا يسع أحداً أن ينكر السبب الرئيسي للفتنه ألا وهو سوء إدارة الحكومة بيد عثمان الشيخ العطوف السمح، حسن النية، ضعيف التدبير بحيث انفسح المجال أمام بين أمية للتغلب على موارد الدولة والاستئثار بمناصبها، ثم الغلبة على نفس الخليفة ورأيه عن طريق قلبه. ولا شك أن عبد الله بن سبأ وأمثاله لم يكن ليتأنى لهم أن يعملوا ما عملوا - سواء أكان عملهم خطيرا أم ضئيلاً - بدون أن يجدوا أمامهم أحوالاً مهيأة للاستغلال. ويحق أكد الدكتور طه أن عبد الله بن سبأ إنما استغل أحوالاً نتجت عن مصدر آخر.

ص: 20

ولكني دهشت حينما رأيت الدكتور طه يعاود مراراً القول بأن الأحوال والظروف طغت على عثمان كما كان لا بد أن تطغي على أي واحد حل محله - يعاود الدكتور طه هذا القول بعد أن تبين أسباب الفتنة بوضوح وجلاء تامين، ولا افهم معنى لاتهام الأحوال والظروف إلا أن يكون محاولة لتبرئة عثمان كما حاول الآخرون إلقاء اللوم على عاتق عبد الله بن سبأ وأمثاله للغرض نفسه ظناً منهم بأن مكانة عثمان الدينية لا بد أن تعصمه من أي خطأ سياسي أو زال إداري. ولنتساءل: ما هي الأحوال التي جدت بعد وفاة عمر؟ أن اعظم مشكلة واجهتها الخلافة الإسلامية في نشأتها هي كثرة الفتوح وتنظيم الموارد وتصريف الربع الوارد من الأمصار، وقد فرغ عمر في حياته من تدبير جميع هذه الأمور تدبيراً عاماً شاملاً بحيث لم يكن على يد يخلفه إلا أن يخطو خطوه، وهذا ما عاهد عليه عثمان عبد الرحمن ابن عوف وقت البيعة، ولكنه لم يستطع أن يهتدي بهدى عمر في تسيير دفة الإدارة ولم يلبث أن سلط آل أبي معيط كما كان عمر قد تنبأ بذلك.

وقد عرض الدكتور طه لنقد بعض التقاليد الدستورية عند المسلمين في ذلك العهد ولكني أخشى أن يكون استسلف لذلك النقد موازين ومقاييس من حياة الأمم الغربية السياسية المعاصرة، أولا ترى الدكتور طه يفرض فرضاً بأن الحكم النيابي الغربي هو المثل الأعلى لكل شعب وكل إقليم وكل عهد فيبادر إلى القول بأن المسلمين كانوا خليقين بأن يفكروا في نظام الشورى (أظن عن طريق عقد المؤتمرات وتنظيم حملات الانتخاب ومساومة الآراء) حتى يجئ اقرب إلى النظام المعمول به في فرنسا أو بريطانيا في أيامنا هذه. انظر إليه يزدري شأن مجلس الشورى بوصفه مجلس المرشحين لا مجلس المشيرين في موضع، ويشكو من (الانتداب بدون توكيل في موضع آخر. ولعله قد تنبه إلى أن واضع نظام مجلس الشورى أعني عمر من الذين لا يؤخذ عليهم خطأ ولو في القرن العشرين فتكلف التماس العذر لنفسه بأن قال: أن عمر إنما هو مستوحى من ضحيم روح المجتمع الإسلامي بما أن الإسلام لا يخول حق التصويت لكل ذي حنجرة بل يجعل مبهمة انتخاب الخليفة من اختصاص أهل الحل والعقد؛ أما الجمهور فليس عليهم إلا الإذعان لما يتفق عليه رأى أهل الحل والعقد. قد ورد ذلك ضريحاً في أقوال الفقهاء والقضاة أمثال الماوردي، كما أنه ثبت أيضاً بالعمل فيما يتعلق بانتخاب الخلفاء الثلاثة الأول؛ وإذن يجب أن لا نهمل الفرق بين

ص: 21

الديمقراطية التي تبتني على تعداد الرؤوس فقط والأخرى التي لا تخول حقاً إلا بعد مراعاة التقوى والكفاية وحسن البلاء كما نبه عليه الدكتور طه نفسه، ولا يفوتنا أن النظام الذي وضعه عمر قد نجح نجاحاً تاماً بحيث أن منشأ الخلافات التي نشأت فيما بعد لم يكن هو طريق الانتخاب بل سوء الإدارة فقط. فلنأسف لا على أن نظام الشورى كان ناقصاً من أية جهة بل على أن الظروف حالت دون نموها واتساعها وتوطيدها.

وكذلك يتنافى مع روح الإسلام أن يعترف في النظام السياسي بوجود أية طبقة خاصة كالأنصار وغيرها حتى يراعي (لتمثيلها)، إنما الاعتبار كل الاعتبار بالصفات الشخصية بصرف النظر عن الطبقة التي ينتمي إليها صاحب التقوى والكفاية؛ كما أن المسلم يستبعد منه أن يمقت الثروة في أيدي الصالحين المخلصين للدين أو استغلالها بالطرق المشروعة، إنما يستنكر استخدام النفوذ في الحكومة أو الصلة بالخليفة للحصول عليها والاستئثار بها. فلنحذر من التعبير عن أحداث الفتنة الكبرى بالنزاع بين الطبقات على حد ما عرفناه من دراستنا للنظريات الغربية فأن ما حدث أيام عثمان لم يكن إلا ثورة عامة ضد آل أبي معيط، وإن اتسع نطاقها شيئاً فيما بعد.

وأخيراً تكلم الدكتور طه عرضاً عن الرق في الإسلام، وذلك بلهجة اعتذار ربما يكون منشأها طعن الغربيين في الإسلام من هذه الناحية، ولا شك أن الإسلام اهتم بوضع كل ما يمكن من المشروعات والأوامر لتقصير مدى رق الأسير ولكن النظام - كما اعتقدنا - لم يوضع لحل الرق القائم إذ ذاك فقد بل إنه نظام دائم مستمر كلما استمر المسلمون في حياة الجد والعمل والتعمير والتمدين، والمسلمون في هذا العصر خليقون بأن يدرسوا نظام الرق في الإسلام كأحسن نظام عرفته الإنسانية للشفقة بأسرى الحرب وتحسين حالهم وتوجيههم وإرشادهم وكفالتهم بدون إحداث أي تغيير مفاجئ في اقتصاد البلاد.

السيد محمد يوسف الهندي

ص: 22

‌القبائل والقراءات

للأستاذ عبد الستار أحمد فراح

(تتمة قبيلة تميم)

- 5 -

(1)

من الظاهرات المنتشرة بين كثير من البلاد العربية القاف الصعيدية والجيم القاهرية. أما أولاهما فهي من آثار القبائل العربية عامة وبخاصة النجدية ويستثنى من قبائل العرب قريش الذين ينطقون بالقاف الصريحة. وأما أخراهما وهي الجيم القارية فهي من آثار القبائل اليمينية. فتميم ومن جاورها ينطقون القاف كما ينطقها الآن أهل الصعيد واغلب مديريتي الشرقية والبحيرة. وأهل اليمن كانوا ينطقون الجيم كما ينطقها الآن أهل القاهرة وأكثر الوجه البحري. ولم يرد هذان النطقان للقاف والجيم في القراءات الصحيحة للقرآن.

(2)

بنو تميم يقلبون العين والهاء حاءين ويدغمون أحدهما في الآخر في مثل معهم ومع هذا فيقولون: (محم، محاذا) ولم يفعلوا مثل ذلك فيما إذا تقدم الهاء على العين. على أن هذا القلب في مثل معهم وألم اعهد لم يرد في القراءات الصحيحة للقرآن وقد سبق أن التميميين يسكنون الوسط تخفيفاً على طريقتهم إذا سكنوا تاء (وتد) قلبوها دالا وادغموها فيما بعدها فقالوا (ود) بالتشديد. ويبدو أن التميميين ميالون إلى الإدغام فيما تماثلت مخارجه من الحروف أو تجانست أو تقاربت. ولعل هذا يفسر لنا السر في أن أبا عمرو بن العلاء التميمي أحد القراء السبعة اختص في القراءات بما يسمونه الإدغام الكبير، وذلك ما سأشرحه عند ترجمته أن شاء الله.

(3)

بعض تميم يقلبون تاء ضمير الفاعل طاء إذا كان لام الكلمة صاداً أو ضاداً أو طاء أو ظاء، فيقولون في مثل فحصت وعرضت وأحطت وحفظت (فحعط وعرضط وأحط وحفظط) ويظهر أن الذين يفعلون ذلك منهم يميلون إلى بقوية التاء حتى تشبه الطاء فقد ورد في معاجم اللغة أن كلمة (أفلطني) لغة تميصية قبيحة في (أفلتني) ولكن هذا التضخيم التميمي لم يرد في القراءات.

(4)

إذا جاءك فعل لم تسمع مصدره ففي شافية ابن الحاجب قال الفراء: النجديون يقيسونه

ص: 23

على فعول دائماً سواء متعدياً أم لازماً. واعتقد أننا على هدى هذا النص يمكننا أن نفسر المصادر المختلفة لفعل واحد، فإذا كان للفعل مصدر واحد أو أكثر نستطيع أن نعرف على الأقل أن ما كان منه على وزن فعول هو من نطق النجديين، وما كان على وزن قعل من نطق الحجازيين فخذ أي جزء من أي معجم فستجد مثلاً (زحف زحفاً وزحوفاً وفتك فتكاً وفتوكاً وودق إلى الشيء ودقاً وودوقاً وعجف نفسه عن الطعام يعجفها عجفاً وعجوفاً. .) وغيره كثير. وإني لأستنتج من هذا - وأعتقد أني على صواب في استنتاجي - أن كل فعل جاء له مصدر واحد فإن كان على وزن فعل - نفتح فسكون - فقط احكم بأن أضل هذه الكلمة حجازي وعنهم أخذته القبائل؛ وإن كان مصدره على وزن فعول - بضمتين - فحسب احكم بأن أصل هذه الكلمة نجدي وعنهم أخذته بقية القبائل.

على أننا في المصباح نجد بعض الاختلاف فيما روى عن الفراء إذ يقول: حكى عن الفراء: (كل ما كان من الثلاثي (متعدياً) فالفعل بالفتح والفعول جائزان في مصدره) فهذا النص يقصر الأمر على المتعدي لكنه يجيز لنا صوغ المصدر على الوزنين. وفي المصباح أيضاً نقلا عن الفارابي: قال الفراء: (باب فعل بالفتح يفعل بالضم أو الكسر إذا لم تسمع له مصدراً فاجعل مصدره على الفعل أو الفعول. الفعل لأهل الحجاز والفعول لأهل نجد) وهذا النص بين القبائل ويقصر الأمر على ما لم يسمع مصدره ويسكت عن كون الفعل متعدياً أو لازماً فهو يكاد يتفق مع نص (الشافية) إلا أنه قيده بما كان ماضيه مفتوح العين ومضارعه مضمومها أو مكسورها، ومع اختلاف هذه النصوص فإن ذلك لا يمنع ما استنتجته أولاً بل يزيده توكيداً.

5 -

أهل الحجاز يؤنثون (الصراط والطريق والسبيل والزقاق والسوق والبر والشعير والتمر والبسر والذهب) بمعنى أنهم يشيرون إليها بالتأنيث ويؤنثون لها الفعل ويصفونها بالمؤنث ويعيدون إليها الضمير مؤنثاً فيقول مثلاً: (هذه الطريق كانت واضحة وهي التي سلكتها) أما بنو تميم فيذكرون ذلك كله يقولون: (هذا الطريق كان طريقاً واضحاً وهو الذي سلكته) وإني لأستنتج من هذا ومما ورد غيره منسوباً تأنيثه إلى الحجازين أن كل اسم مفرد استعمل مذكراً ومؤنثاً، فالأصل في تذكيره التميميون، وفي تأنيثه الحجازيون.

هذا والقرآن الكريم استعمل (الصراط) بالتذكير على لغة تميم (اهدنا الصراط المستقيم. هذا

ص: 24

صراط مستقيم) وكذلك استعمل (الطريق) بالتذكير على لغتهم (فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً. يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) أما (السبيل) فإنه في قراءات القرآن استعمل على اللغتين: بالتذكير والتأنيث: (هذه سبيلي وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر). وقرأ حمزة والكسائي وخلف والأعمش وأبو بكر عن عاصم: (ولسيتبين سبيل المجرمين) بالتذكير ورفع سبيل.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصين واليزيدي والحسن وحفص عن عاصم (ولتستبين سبيل المجرمين) بالتأنيث ورفع سبيل. أما نافع وأبو جعفر فبتاء الخطاب ونصب سبيل وليس في قراءتهما هذه شاهد لأي لغة منهما. وجاءت الآية (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا) فقرأ ابن أبي عبلة (لا يتخذوها سبيلا). هذا ولم يرد (السوق) في القرآن إلا مجموعاً على (أسواق) فلا يتضح في مفرده تذكير ولا تأنيث. ولم يرد فيه (البر) بمعنى القمح ولا الشعير ولا البسر ولا الزقاق وورد فيه (الذهب) مما لا يظهر فيه تذكير أو تأنيث (ملء الأرض ذهباً) ومن ذهب. من الذهب) وقد قيل في الآية: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) إن التأنيث فيها على لغة الحجازيين.

6 -

لغة بني بربوع بطن من تميم يكسرون باء المتكلم إذا أدغمت في باء قبلها فشددت يقولون بني ومصرخي. وقد قرأ حمزة والأعمش (بمصرخي) على لغة بني بربوع، وكذلك قرأ يحيى بن وثاب وحمران بن أعين. وقرأ جميع القراء ما عدا حفصاً عن عاصم (يا بني أنها أن تك. .) على لغة بني بربوع بالكسر.

7 -

بلعنبر (بني العنبر) من تميم يقلبون السين صاداً عند أربعة أحرف: (ا) عند الطاء (ب) عند القاف (ج) عند الغين (د) عند الخاء، إذا كن بعد السين ولا يبالي أثانية كانت أم ثالثة أم رابعة. ويقولون في سراط وبسطة وسرقت ومسغبة وسخر (صراط وبصطة وصرقت ومصغبة وصخر) وقد ورد في المعاجم: الصاق لغة في الساق عنبرية. هذا وفي لغة قريش يقولون الصراط في السراط. وقد قرء في السبعة وغيرها: السراط والصراط كما قرء بسطة وبصطة ومسيطر ومصيطر وكباسط وكباصط وبسطت وبصطت. وعلى العموم كل ما ولى السين في طاء قرء بالسين وبالصاد قراءة صحيحة. ولعل قريشاً تشارك في هذا الحرف عند الطاء.

ص: 25

أما ما كان بعده قاف مثل (سقر) أو خاء مثل (سخر) أو غين مثل (مسبغة) فلم يقرأ بقلبها صاداً في قراءة صحيحة. على أننا من معرفة هذه القاعدة يمكننا أن نلغي كثيراً من مواد المعاجم التي استقلت بنفسها ونردها إلى أصلها الذي تفرعت عنه فأن كل ما جاء بوزن واحد وحروفه متفقه إلا في السين والصاد وكان في الكلمة قاف أو غين أو خاء أو طاء بعد السين أو الصاد فالأصلي منهما ما كان بالسين وأما ما كان بالصاد فهو متأثر بلغة بلعنبر من تميم فلا داعي لاستقلاله بمادة منفصلة في المعاجم لأنه فرعي ويكفي ضمة إلى أصله المتفرع عنه والإشارة إلى أنه متأثر ببعض بني تميم أو على الأقل إذا جعلناه في مادة منفصلة أشرنا إلى أنه نطق لبعض بني تميم. ولي بحث في مثل هذا نشر منذ أعوام.

8 -

أهل الحجاز يضعون لقطة (الزوج) للمذكر والمؤنث وضعاً واحداً أما بنو تميم فيقولون زوج للرجل وزوجة للمرأة قال الفرزدق:

وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي

كساع إلى أسد الشرى يستبيلها

والقرآن الكريم جرى على استعمال الحجازيين (أسكن أنت وزوجك الجنة. أمسك عليك زوجك. وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج).

9 -

لفظة (جبريل) كقنديل لغة أهل الحجاز أما التميميون فينطقونه جبرائيل (بفتح فسكون فكسر فهمزة مكسورة فياء: قال عمران بن حطان.

والروح جبريل منهم لا كفاء له

وكان جبريل عند الله مأمونا

وقال جرير:

عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد

وبجبريل وكذبوا ميكالا

أما حسان بن ثابت فقد استعمل اللغتين فقال:

وجبريل رسول الله فينا

وروح القدس ليس له كفاء

وقال:

شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة

مدى الدهر إلا جبرائيل أمامها

هذا وقد قرأ ابن عامر وأبو عمرو ونافع وحفص جبريل على لغة أهل الحجاز، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وأبو بكر عن عاصم جبرائيل على لغة بني تميم.

10 -

أهل الحجاز يقولون (أنا منك براء) على وزن فضاء؛ أما التميميون فيقولون أنا منك

ص: 26

بريء على وزن جريء.

والقرآن الكريم استعمل اللغتين (إنني براء مما تعبدون. وأنا بريء مما تشركون).

11 -

(الزنا) يتلفظ به مقصوراً في أغلب اللغات. أما تميم وأهل نجد فإنهم يتلقطون به ممدوداً.

قال الفرزدق:

أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه

ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا

12 -

(الوتر) بمعنى الفرد أو بمعنى الذحل وهو الثأر. فأهل الحجاز يفتحون الواو في الوتر بمعنى الفرد ويكسرونها في معنى الذحل. وقيس وتميم يسوونهما في الكسر. أما أهل العالية فإنهم بالعكس من الحجازيين يفتحونها في الذحل ويكسرونها في الفرد. وقد قرأ بكسر الواو في (والشفع والوتر) حمزة والكسائي وخلف والحسن والأعمش. وقرأ باقي القراء بالفتح على لغة الحجازيين.

13 -

لغة تميم وأهل نجد ما عدا قبيلة أسد يقولون حج البيت - بكسر الحاء - ولغة أهل العالية والحجاز وأسد بفتح الحاء. وقد قرأ بالكسر حمزة والكسائي وحفص وقرأ باقي السبعة بالفتح.

14 -

استحي يستحي بياء واحدة لغة تميم وقد ورد:

ألا تستحي منا ملوك وتتقي

محارمنا لا يبأو الدم بالدم

ولغة الحجازيين استحيا يستحي وفي القرآن الكريم (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما) وقد قرأ ابن كثير في رواية شبل وقرأ ابن محيصين ويعقوب (يستحي) بياء واحدة.

15 -

صاعر خده يصاعره لغة الحجازيين وصعر بالتشديد وقد قرأ (ولا تصعر خدك للناس) نافع وأبو عمرو والكسائي وخلف واليزيدي والأعمش. وقرأ الباقون (ولا تصعر) على لغة بني تميم.

16 -

قشط الشيء (بالقاف) لغة تميم وأسد. وقد قرأ (قشطت) بالقاف ابن مسعود والشعبي وإبراهيم بن يزيد النخعي أما قريش فتقول (كشطت) بالكاف وبها قرأ القراء.

17 -

هناك كلمات يحدث في حروفها تقديم أو تأخير بين الحجازيين والتميمين وغيرهما، وهو ما يدخل فيما يسمى القلب المكاني. ويحدث ذلك من السماع الخاطئ أول الأمر ثم

ص: 27

ينتشر ذلك المسموع مع خطئه حتى يصبح لغة قائمة بنفسها. ونحن نجد في كتب اللغة كثيراً من هذا النوع وما نص عليه منها قليل، من ذلك أن الحجازيين يقولون (الصاعقة والصواعق، وفج عميق عثى في الأرض وافسد فيها. ولعمري قد حصل كذا. وجذبت الشيء) ويشاركهم في ذلك كثير من القبائل؛ بينما يقول التميميون الصاقعة والصواقع وبها قرأ الحسن (من الصواقع حذر الموت)(ومن كل فج معيق) وبها قرأ ابن مسعود (وعاث في الأرض فساداً. والقراءات كلها على لغة الحجازيين (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) كما يقول التميميون حبذا الشيء. ورعملي قد حصل كذا.

18 -

الكلمة لغة تميم فيها على وزن (عبرة) بكسر فسكون وقد قرأ أبو السمال العدوي جميع ما ورد منها في القرآن بلغة تميم. وجمعها عندهم كلم بكسر ففتح. قال رؤية: (لا يسمع الركب بها رجع الكلم) على وزن (عبر) واغلب التميميين يسكنون اللام في جميعها جرياً على عادتهم التي شرحتها من قبل. أما لغة الحجازيين في (الكلمة) فبفتح فكسر وجمعها (كلم) بفتح فكسر. واغلب القراء على لغة الحجازيين فيها. وهناك لغة ثالثة في الكلمة لم تنسب وهي فتح فسكون ففتح على وزن (جملة).

19 -

(وكأين من نبي قاتل معه كثير) قرء بفتح الراء من (ربيون) فيما رواه قتادة عن ابن عباس وهي لغة تميم، أما غير تميم فلغتهم فيها إما بكسر الراء وهي الأغلب أو ضمها وهي قليلة.

20 -

لغة تميم أرجأه يرجئه ولغة قيس وأسد أرجى يرجي فهو مرج بدون همز وقد قرء (ترجئ من تشاء منهن) وأرجئه وأخاه) بالهمز ابن كثير وأبو عمر وابن عامر ويعقوب وأبو بكر. وقرأ الباقون ترجي وأرجه بدون همز.

21 -

لغة تميم آصدت الباب فهو مؤصد بالهمز ولغة غيرهم أوصدت فهو موصد وقد قرأ أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم (عليهم نار مؤصدة) بالهمز وقرأ باقي السبعة موصدة بدون همز

22 -

(الهدى) وهو ما يهدي في الحج من الذبائح ينطقه الحجازيون على وزن فعل بفتح فسكون أما تميم وسفلى وقيس فينطقونه الهدى على وزن فعيل وقد قرأ مجاهد والزهري وابن هرمز عل لغة تميم (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى

ص: 28

يبلغ الهدى محله) وروي ذلك أيضاً عصمة عن عاصم.

23 -

في الأمالي: تميم وقيس تقولان شايحت بمعنى حاذرت وفي لغة هذيل بمعنى جددت في الأمر.

24 -

في النوادر لأبي زيد: تميم بقول في الأعسر الألفت وفي ألفة وهو العين اللسان الألف.

25 -

في تاج العروس مادة (عش) تميم تقول غس في البلاد في معنى دخل ومضى قدماً.

26 -

السدقة في لغة تميم الظلمة وفي لغة قيس الضوء.

27 -

تقول تميم للقادم من الحج (مبرور مأجور) بالرفع وغيرها بنصبهما هذا وإني إذ أختم الكلام عن أشهر ما روي لتميم مما كان له أثر في القراءات أو اللغة وقواعدها يمكنني أن أستخلص المميزات اللغوية وهي ما يسمونها الخاصة بتميم فهي تحرص على الإمالة وتحقيق الهمزة وقد تبالغ فيه وتسكن الوسط المتحرك في الكلمة وتتجه إلى إدغام ما تماثل من الحروف أو تجانس ويشاركها في أكثر ذلك جيرانها سكان نجد

استدراك:

1 -

ذكرت في المقال الأول أن أبا عثمان المازني من تميم والصحيح أنه من مازن ربيعة لا مازن تميم.

2 -

روي البيت (اليوم أعلم ما يجئ به. . .) في المقال الثالث وصحته اليوم أجهل ما يجئ به. . .)

3 -

ذكر شارح القاموس في المقدمة أن الوتم معناه قلب الكاف شيناً مع أن الوتم هو قلب السين تاء والشنشنة هي قلب الكاف شيناً.

4 -

ناقض أبو حيان نفسه في تفسيره حين ذكر أن تميماً لا تلحق بعسى الضمائر عند تفسير قوله تعالى (هل عسيتم إن توليتم) مع أنه قال عكس ذلك عند قوله تعالى (قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال. .) إذا ذكر أنها تلحقها بعسى وهو الصواب الذي روته أيضاً كتب النحو، ولعل الخطأ لسهو منه أو من الطباعة.

مصادر البحث

ص: 29

يرى المتتبع لهذا البحث أن مصادره التي ذكرت عرضاً في المقالات الخمس هي تسعة وعشرون كتاباً يضاف إليها تاريخ ابن خلكان والكامل للمبرد والمقتضب لابن جني والمفصل للزمخشري وخزانة الأدب البغدادي والنشر لابن الجزري والأصنام لابن الكلبي وبلوغ الأرب للآلوسي والكتاب لسيبويه.

عبد الستار أحمد فراج

محرر بالمجمع اللغوي

ص: 30

‌مسابقة الطلاب السنة التوجيهية

النفس عند ابن سينا

للأستاذ كمال دسوقي

كان ابن سينا في المقالة الخامسة بصدد الحديث عن المركبات وما تتركب منه من عناصر، وكيف يتم هذا التركيب؛ فتناول النار، فالأرض بطبقاتها من بر وبحر وطين؛ فالهواء ما كان منه بخاراً أو برداً أو دخاناً أو ريحاً. . . فكأن العناصر عنده هي العناصر الأربعة المعروفة لكم منذ الأيونيين: الماء والهواء والنار والتراب. لا توجد صرفاً خالصاً، بل باختلاط وتمازج. والجديد هنا أن هذه العناصر (طوع الأجرام العالية الفلكية)، وأن الكائنات الفاسدة (يعني الفانية المحسوسة) تتولد من تأثير تلك (يعني العناصر) وطاعة هذه (يعني الأفلاك)؛ لأن الفلك وإن لم يكن حاراً ولا بارداً فإنه قد ينبعث منه في الأجسام السفلية حرارة وبرودة بقوى تفيض منه عليها. . .). اربطوا قوله هذا (في صفحة 152 ومنتصف 153) بمطلع فصلكم السادس في النفس حيث يقول:) وقد يتكون من هذه العناصر أكوان أيضاً بسبب القوى الفلكية إذا امتزجت العناصر امتزاجاً أكثر اعتدالاً مما سبق ذكره من المركبات؛ كالنبات والحيوان والإنسان التي نفوسها موضع حديثه في هذا الفصل.

وعند ابن سينا أن الأفعال النباتية والحيوانية والإنسانية تكون من قوى زائدة على مجرد الجسمية وطبيعة المزاج، وأنه كلما حدث اعتدال أكثر في تركيب هذه العناصر وانسجامها كانت أكثر قبولاً لقوة نفسانية أرقى من الأولى. وتلمسون فكرة التدرج هذه في تقسيم النفوس النباتية والحيوانية والإنسانية وفقاً لدرجة كل منها في هذا الاعتدال من تعريفه لهذه النقوس. والنفس هي كمال أول الجسم طبيعي آلي - نفس التعريف الذي قال به أرسطو - فإن كانت نباتياً فهي كماله من حيث التوالد والنمو والغذاء؛ وإن كان حيوانياً فمن جهة إدراكه للجزئيات وتحركه بالإرادة؛ وإن كان إنسانياً فمن حيث هو يفعل الأفعال باختيار الفكر واستنباط الرأي. وتذكركم هذه التعريفات - فينا أرجو - بما بين لكم أساتذتكم من الاطراد العكسي في نقص الما صدق تبعاً لاتساع المفهوم؛ خصوصاً وأن هذه الصفات الواردة في التعريفات المذكورة كلها أساسية وجوهرية تنتقل من العام إلى الخاص؛ مما

ص: 31

يترتب عليه أن تكون صفات الأعم، (النبات) موجودة في الأخص (الإنسان)، لا العكس

وهنا نقبل على أقسام كل من هذه النفوس الثلاثة: فقوة الغذاء وقوة النمو وقوة التوالد هي ما تنقسم إليه النفس النباتية، ولن يتعذر عليكم فهم تعريفها واستيعابها. أما النفس الحيوانية فلها فوق صفات النفس النباتية السابقة، وكما ترون من تعريفها قوتان: الحركة والإدراك الجزئي. والحركة إما ببعث الشوق والنزوع للحركة بقوة الشهوة (اللذة) أو بقوة الغضب (الألم)، وإما بفعل الأعصاب يقع عليها التأثير من خارج فيرنه إلى العضلات في حركة رد فعل أو استجابة وكلاهما نظرية علمية لا تزال قائمة في علم النفس إلى اليوم - الأول تستند إلى علم الأخلاق، ويأخذ بها أصحاب الدوافع أو مدرسة القصد في علم النفس والأخرى يؤيدها علم وظائف الأعضاء (الفزيولوجيا) وخصوصاً دورة الجهاز العصبي بطرقه الصاعدة التي توصل التأثير من الحواس إلى المخ والنخاع الشوكي ثم بطرقه الهابطة التي ترتد بالحركة إلى العضلات أو غيرها من مناطق الفعل الحركية مما لا يزال يفسر به كل فعل عصبي أو منعكس شرطي. فابن سينا في هذين القسمين الجزئيين يقدم لنا تفسيراً مزدوجاً للحركة الإرادية وغير الإرادية يسبق به علماء النفس المحدثين بقرون.

ونعود إلى قوة الإدراك في النفس الحيوانية، فنجدها تنقسم إلى إدراك ظاهر وإدراك باطن، أما الإدراك الظاهر فأبوابه الحواس الخمس المعروفة (أبواب المعرفة الخمسة) كما نقلها جون ملتون وهي البصر والسمع والشم والذوق واللمس لأربعة الأزواج المتضادة بنفس ترتيبها حسب أهميتها لدى كوندياك وغيره من علماء النفس المحدثين، وبنفس تفسيرها تقريباً. فالمؤثر من الخارج يقع على عضو الحس فينبهه وينطبع في الذهن فيفسره المخ. وهنا جدل طويل حول الرأي القديم الذي كان يظن بحاسة البصر غير ذلك، وتأييد للرأي العلمي الصحيح. هذه هي الحواس الخمس التي تم بها الإدراك الظاهر، وكان ابن سينا قد قال: الخمسة أو الثمانية - ولكنه لم يذكر إلا هذه الخمسة، فهو إذن يريد بذلك الأربعة الأولى ثم يقسم اللمس إلى الأربعة الأزواج المذكورة: الحرارة والبرودة، واليبس والرطوبة، والصلابة والليونة، والخشونة ونعومة الملمس - بوصفها أربع قوى لجنس اللمس الواحد. وعلى أي حال فقد وجدنا من علماء النفس المحدثين من يقول بثماني حواس

ص: 32

فعلاً من خمس، ولكنه يزيد حينئذ على الخمس آنفة الذكر: حاسة التعب، وحاسة الاتزان في الوضع، ثم حاسة الاتجاه. وليست هذه على أي حال ظاهرية.

أما الإدراك الباطن فهو إدراك صور أو إدراك معان: الصور هي التي تدركها الحواس أولاً، ثم تفسرها القوى الباطنة - كالتي ذكرنا، والمعنى تدركه القوى الباطنة وحدها، أي يتمثله الذهن وحده دون إهابه بالحواس. وهو إدراك سلبي بلا فعل ترتسم فيه صورة الشيء فحسب؛ أو إدراك إيجابي فعال فيه تركيب للصور والمعاني وتحليلها - وهو تقسيم فعلي إلى فاعل إيجابي، وقابل أو منفعل سلبي. ثم هو إدراك أول مباشر يقع للشخص من نفسه - أي إدراك ذاتي أو يؤديه إليه شيء آخر يأتي عليه من خارج - إدراك موضعي

تبينوا هذه التصنيفات الثلاثة للإدراك جيداً، وميزوها بوضوح، ثم انظروا إلى ابن سينا وهو يشرح المخ ليوزع فيه مناطقه المختلفة نفوذ هذه القوى الإدراكية. فالمخ ينقسم باعتبار المكان - في موضعه من تجويف الرأس - إلى مقدم ووسط ومؤخرة. في المقدم يوجد الحس المشترك (وهو ينقل كلمة فنطاسيا من اليونانية بمعنى الإبانة أو الإظهار ليدل بها على المخيلة أو المصورة للشيء بعد غيابه. وفي الوسط توجد المفكرة في الإنسان (والمتوهمة في الحيوان) التي تجمع وتفصل هذه الصور وفي المؤخرة توجد الحافظة أو الذاكرة التي تختزن فيها المعاني الذهنية كما يجمع الحس المشترك الصور الحسية.

وأخيراً تأتي النفس الناطقة وتنقسم عنده إلى نفس عاملة (عملية) وأخرى عالمة (نظرية)؛ الأولى تتعلق بالتدبير والتصرف؛ والثانية باكتساب العلوم والمعارف. الأولى مبدأ يحرك بدن الإنسان إلى تدبير أموره الجزئية الخاصة - أي إلى السلوك بحرية واختيار؛ وذلك بفعل قوتي النزوع والوهم. فالنزوع يبعث فيها الفعل والانفعال كالضحك والبكاء والخجل. . . الخ مما يتعلق بمواقف الإنسان ذاتها وكيف يخرج منها. والوهم يبعث على تدبير الأمور والعمل والاختراع. وهذا العقل العملي ذاته يولد - بالاشتراك مع العقل النظري - مبادئ الأخلاق والمعاملات والتصرف، وهي التي يجب أن تكون لها السيطرة على قوى البدن الأخرى حتى يكون سلوك الإنسان فاضلاً، فلو تغلبت القوى الأخرى كالشهوة والانفعال والغضب. . . الخ؛ لنشأن الأخلاق الرذيلة.

تلك هي النفس العملية التي تتعلق بسياسة البدن السفلي وقيادته إلى الفضيلة. فالنفس -

ص: 33

وإن كانت جوهراً واحداً - تتجه إلى اسفل لتسوس البدن، فتكون عملية، وتتجه كذلك إلى أعلى لتتلقى العلم النظري وتستفيد به، فتكون حينئذ نظرية عالمة عالية لا صلة لها بالبدن ولا بمؤثراته بأي نوع من الصلات. إذ هي تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة، وتجردها منها إن كانت غير مجردة ثم تنطبع بها.

وهذا الفعل النظري بطبيعته قابل لهذه الصور - قابل لها بالقوة لها بالفعل

(1)

يقبلها بالقوة قبولاً مطلقاً من حيث أنه محل قبول هذه الصور، وأن لديه الاستعداد لقبولها متى شاء أو صحت الظروف، فيسمى حينئذ عقلاً هيولانياً، لأنه يشترك فيه أفراد النوع باستعداد فطري.

(2)

ويقبلها بالقوة قبولاً ممكناً بعد أن يكون قد تهيأ للاستعداد الهيولاني السابق تحصيل هذه الصور والكمالات العقلية، فأصبح مهيأ لفعلها متى أراد بلا واسطة، فيسمى حينئذ عقلاً ممكناً (أو ملكة

(3)

ويقبلها بالقوة قبولاً ممكناً كذلك، بأن يكون العقل الممكن في المرحلة الثانية قد تم له تحصيل هذه الصور والكمالات وأصبحت له ملكة كاملة يستطيع بها أن يفعل متى أرد ولو لم يكن فاعلاً في لحظة ما. وتسمى هذه ملكة أو كمال قوة أو قوة كمالية (نسبة إلى الكمال لا الكمالي)

والأولى من هذه القوى النظرية هي التي يمكن أن يقال إنها بالقوة بحق، فإذا ما بدأت تحصل المعقولات الكلية والمقدمات العقلية والبديهيات في المرحلة الثانية (القوة الممكنة) وصارت عقلاً بالملكة؛ ثم إذا تم لها كمال التحصيل والتخزين لهذه الصور المعقولة المدخرة التي تطالعها وترجع إليها في نفسها متى أرادت فتعقلها وتعقل أنها تعقلها - بلا عسر أو تكلف - في المرحلة الثالثة (كمال القوة)، فهنا في هذين العقلين يكون العقل بالفعل لا بالقوة. ومسالة القوة والفعل في هذه العقول الثلاثة نسبية عند ابن سينا، فكل واحد منها يكون بالفعل لما قبله وبالقوة لما بعده. ذلكم أن صفة (الفعل) إنما يكتسبها الواحد من هذه العقول لا من ذاته، بل باستفادته من عقل هو أبداً بالفعل لا بالقوة (هو العقل الفعال الذي سبقت الإشارة إليه) ولذا يسمى ابن سينا العقل في أوج تعقله وإدراكه وكماله العقل المستفاد

ص: 34

بل إن ابن سينا يذهب إلى ما هو ابعد من ذلك فيحدثنا عما يسميه العقل القدسي، فيمن كمل استعدادهم من الناس وهم قلة لأن يتصلوا بالعقل الفعال دون عناء، ولأن يحصلوا على هذه المعقولات وكأنها من عند أنفسهم وحاضرة قيهم، وذلك بما لديهم من الحدس والعيان والمكاشفة أرقى وسائل المعرفة الفيضية هذه التي تدرج بك فيها. وحجته هنا مقنعة وبليغة، وهي أنه يتصور أن أية معرفة عقلية تقوم على القياس والمنطق فهي استنباط نتيجة من حد أوسط مشترك بين مقدمتين، كما تعرفون في منطق الأستدلال؛ بينما توجد معرفة أخرى أرقى يقوم فيها الحدس والذكاء المفرط ذاتهما باختصار هذا الحد الأوسط والوصول مباشرة إلى النتيجة. وهذه النظرية في المعرفة هي أصح ما في مذهب ابن سينا في العقل الإنساني بعد تقسيمه إياه إلى نظري وعملي، لا يزال يقول بها من بعده الغزالي والصوفية وبرجسون في هذا العصر الحديث، حين يجعلون الحدس والعيان قوة إدراك مباشرة تنعدم فيها الواسطة. وغاية ما يؤخذ عليه فيها عدم تحديد مصطلحاته واشتراكها في تسمية شيء واحد. فنحن الآن نفهم بالذكاء القدرة على إدراك المواقف خلال الحدود الوسطى، وبالعيان والحدس الوصول إليها عفواً وتجربة وبلا وساطة.

لقد تدرجنا بك مع ابن سينا حتى الآن في سلسلة من الكائنات النفسية عجيبة الترتيب والتصنيف؛ من أقلها شأناً حتى أعظمها قدراً؛ من قوة التوالد في النفس النباتية حتى العقل القدسي في النفس الإنسانية. وعليك بعد هذا أن تقلب هذه السلسلة التصاعدية رأساً على عقب، وتنظر إليها نظرة تتبين منها أن كل قوة من كل نفس من هذه النفوس تقوم على خدمة الأعلى منها، لا يقتصر الأمر على مملكة النفوس هذه، بل إن القوى الطبيعية تقوم في خدمتها جميعاً. والله المسئول أن يعينكم على أن تتسع عقولكم لتدخل فيها عقلية ابن سينا هذه الكبيرة.

كمال دسوقي

ص: 35

‌تعقيبات

للأستاذ أنور المعداوي

خلف اللثام لمحمود تيمور:

ظاهرة في فن محمود تيمور تتكشف للناقد الذي يتتبع آثاره القصصية بعين لا تنام، فهو في آثاره الأولى غيره في آثاره الأخيرة. . . ولو تناولت إحدى قصصه الطويلة أو القصيرة في بدء حياته الأدبية، لرأيتها تختلف اختلافاً واضحاً عن مثيلتها فيما يكتب من قصص في هذه الأيام. قصاص اليوم يختلف عن قصاص الأمس؛ يختلف عنه في الخامة والأفق، ومنهج التصوير وطريقة التعبير. . . وإذا سألتني أيهما خير من الآخر لقلت لك في غير تردد: قصاص اليوم بلا جدال!

محمود تيمور في إنتاجه القديم كاتب قصة (محلية) وخامة هذا اللون من القصص خامة محدودة إذا ما وزنتها بميزان (العالمية) في الفن. . . أعني أنك لو نقلت أدب تيمور القديم إلى لغة أخرى لما نظر إليه قراء هذه اللغة نظرتهم اليوم إلى أدبه الحديث. أما أفق تيمور فهو على التحقيق أوسع مدى مما كان منذ خمسة عشر عاماً، وكذلك طريقته في رسم الشخوص وتشريح النفوس وانتزاع الحوادث من منابعها الأصيلة. . . وأسلوب تيمور هو الآخر قد انتقل من حال إلى حال؛ لقد كان يميل في سابق أيامه إلى أن يكتب بعض قصصه باللغة الدارجة، ولكنه يعود اليوم إلى حظيرة الفصحى عودة شغف وإخلاص وإيثار، وإذا القصة على سنان قلمه قطعة أدبية رائعة تزخر بإشراق اللفظ وسلامة العبارة.

قصاص الأمس متأثر بالقصة الفرنسية، وقصاص اليوم متأثر بالقصة الروسية، والفارق بين القصتين فارق ملموس. . . إذا نظرت في القصة الفرنسية وجدتها تعني في الكثير الغالب بالمفاجأة، ولا تخلو المفاجأة من الافتعال في بعض الأحيان! ومن السمات التي تغلب على القصة الفرنسية السرعة والحركة والمبالغة، ولكن هذه السمات لا تصلح للقصة ذات الفكرة النفسية والسبحات الروحية، تلك التي تحتاج إلى العرض الهادئ المركز المتزن. ولا تعني القصة الفرنسية كل العناية برسم الرتوش الداخلية والخارجية في ثنايا العرض القصصي؛ ونقصد بالرتوش الداخلية ما يصاحب هذا العرض من لقطات تصويرية للنفوس والشخوص، أما الرتوش الخارجية فنعني بها تلك الظلال التي تلف الفكرة القصصية

ص: 36

بوشاح من الوصف التخيلي الصادق للجزئيات، في نطاق الملامح والسمات. على النقيض من هذا كله تجد القصة الروسية؛ فهي قلما تحفل بالمفاجأة، وإنما تقدم إليك لوحة نفسية تزخر بصراع العواطف، وظلالا إنسانية يمكن أن يجد القارئ فيها صورة نفسه. وهي حين تمضي في طريقها من رسم النماذج البشرية وصب الفكرة في قالبها الذي ينقل من الخيال إلى الواقع، لا تخطئ حين توزع الضوء، ولا تسرف حين تحدد الظل، ولا تستمد اللون إلا من أعماق النفس وأغوار الحياة. . إنني أتحدث هنا موازناً بين الأدبين الروسي والفرنسي في مجال القصة الفنية القصيرة، أما في مجال القصة الطويلة فقد تعلو القصة الفرنسية عند بعض كتابها من أمثال بلزاك وفلوبير فوق مستوى مثيلتها في أدب القصة الروسية! وثمة فارق آخر بين القصتين:

في القصة الفرنسية قد تجد الفكرة في ذروة النضج الفني ولكنها لا تسعى كثيراً وراء هدف؛ وفي القصة الروسية تجد الفكرة والهدف يسيران جنباً إلى جنب؛ الهدف الفلسفي الذي يصبغ الفكرة القصصية بصبغة النظرات العميقة، تلك التي تحاول جاهدة أن تنفذ إلى ما وراء المجهول.

على ضوء هذه الموازنة نستطيع أن تنظر إلى ماضي تيمور الأدبي وحاضره، وليس معنى ما ذكرت أن تلك السمات التي تتسم بها القصة الفرنسية والروسية هي بعينها التي تتمثل في أدب تيمور بين الأمس واليوم، كلا. . كل ما قصدت إليه هو الإشارة إلى أن تيمور متأثر بتلك السمات هنا وهناك!

من هذا الإنتاج الأخير الذي تنعكس عليه ظلال من أدب القصة الروسية هذا الكتاب الذي أخرجته المطبعة منذ قريب، ونعني به (خلف اللثام). . هو في رأيي خير مجموعة من الأقاصيص قرأتها لمحمود تيمور، ولاأحسبني غالياً إذا قلت إن فيه أقصوصة لم أقرأ خبراً منها عند قصاص مصري حتى ولا عند تيمور نفسه، وهي أقصوصة (المستعين بالله الكابتن هاردي). . هناك كاتب يستلهم قلمه وكاتب يستلهم قلبه، وميزة تيمور أنه يستلهم قلبه دائماً!

إنه في هذه الأقصوصة يحلق في أفق مشرق من الروحانية الوضيئة وهو في الأقصوصة الأولى (خلف اللثام) يحلق في نفس الأفق ويملك ريشة الفنان وقلب الإنسان، ولكنه للأسف

ص: 37

قد لجأ إلى طريقة جديدة في معالجة الفكرة القصصية جعلتها تحفل بالغموض والإبهام، طريقة تهب عليك منها رائحة (المذهب السريالي)، وذلك المذهب الذي شاعت تعاليمه أخيراً في الأدب الفرنسي. . . أما خطر هذه الطريقة فيتمثل في انعدام الربط بين الحوادث والأفكار مما ينتج عنه بعض التفكك في البناء الفني للقصة، هذا عدا الغموض الذي اضطررت بسببه إلى أن استفسر من الأستاذ المؤلف عن بعض المواقف التي لم تتضح لي في ثنايا العرض القصصي!. . .

أما تيمور فيعتقد - كما قال لي - أنه لم يتأثر بمذهب السير ريالزم في كتابة هذه الأقصوصة، ومع ذلك فما زلت أحس كلما رجعت إليها أنني أقرأ شيئاً من إنتاج عميد هذا المذهب في الأدب الفرنسي المعاصر. . مسيو أند زيه بريتون! ومهما يكن من شئ فأن هذه الظاهرة قد تمثلت في أقصوصة واحدة من كتاب (خلف اللثام).

وهناك أقصوصة ثالثة نسج تيمور خيوطها من صميم البيئة المصرية وهي (تأمين على الحياة). . . في هذه الأقصوصة نماذج بشرية رسمت الريشة خطوطها في دقة وعناية، وبخاصة تلك الصورة الوصفية التي قدمها تيمور لكاتب المحامي وكذلك الصورة النفسية، ولولا ذلك الموقف الذي خالف فيه تيمور منطق الحياة والواقع لمضت الأقصوصة إلى نهايتها بغير هنات. . .

أما هذا الموقف فأعني به حين يتقدم كاتب المحامي بصنيعته صبي اللبان إلى إحدى شركات التأمين فتقبل أن تؤمن على حياته بمبلغ ضخم من المال، على الرغم من أن حياة الصبي معرضة بين لحظة وأخرى لخطر الفناء. . . من يصدق أن صبياً تحالفت على كيانه عشرات العلل والعاهات يؤمن على حياته الضائعة بألوف الجنيهات؟! وهناك أقصوصة رابعة تتجلى فيها موهبة القصاص المفتوح العينين والقلب والذهن، وهي (شيخ الخفر)، إنها صورة صادقة من حياة الريف، هناك حيث تلقى سذاجة النظرة وإلهام الفطرة وحرارة الإيمان، ولو دبت قدم الشيطان فهو دبيب إلى حين!

بعد ذلك يقدم تيمور خمس أقاصيص أخرى لا يتسع المجال هنا للحديث عنها، فليرجع إليها القارئ إذا شاء ليطبق عليها ما أوردته من دراسة لفن تيمور في بداية هذه الكلمة.

رأي في الشاعر على طه:

ص: 38

هذا الرأي للدكتور طه حسين بك. . . أما أين اطلعت عليه ففي آخر عدد تلقيته من جريدة (بيروت المساء) اللبنانية تحت عنوان: (طه حسين يبايع عمر أبو ريشه).

سؤال من بضعة أسئلة وجهها مندوب الصحيفة اللبنانية إلى الدكتور طه، وجواب من الدكتور على سؤال المندوب الصحفي، وبهذا الجواب العجيب أقام الميزان لشاعرية الشاعرين فأنخفض شاعر وارتفع شاعر. . . في ميزان الدكتور طه لا في ميزان النقد المبرأ من تحكم الهوى وغلبه العاطفة! ولولا أنني أثق بجريدة (بيروت المساء) كل الثقة، لارتبت في أن الحديث الذي نشر قد ناله شئ من التصحيف أو شئ من التحريف!

أدلى الدكتور طه بهذا الرأي يوم أن حل ضيفاً على لينان منذ قريب لحضور مؤتمر اليونسكو بدعوة من الحكومة اللبنانية أدلى به كما قلت لك إلى مندوب جريدة (بيروت المساء) حين راح يسأله عن دنيا الشعر العربي بعد أن رحل عنها شوقي وحافظ. وعندما أجاب الدكتور بأن مكان الشاعرين قد ظل مع الأسف شاغراً لم يشغل، سأله المندوب الصحفي مرة أخرى عن رأيه في مكان الشاعر على طه. . . وهنا ابتسم الدكتور طه ثم قال:(بالله لا تحرجني! هذا شاعر ولا يعرف قواعد اللغة العربية. ولقد حاولت عبثاً أن أفهمه بأن فعل الأمر من (سقى) يختلف مع المفرد المذكور عنه مع المفردة المؤنثة، ولكنه لم يفهم. . . هل تصدق أنه يقول في الحالين (إسقنيها)، مع أنه يجب أن يقول للمفرد المذكر (إسقنيها) وللمفردة المؤنثة (إسقينها)؟ ولكنه للأسف لا يعرف قواعد اللغة العربية!

بعد هذا تحول الدكتور طه إلى الشاعر السوري عمر أبو ريشه ليشيد بفنه ومزاياه، وليخصه بعطفه وتقديره. وليتحدث عن أثر شعره في نفسه يوم أن جمع بينهما لقاء أسمعه الشاعر فيه بعض مقطوعاته، وخلص الدكتور طه من هذا كله إلى أنه ليس هناك شاعر عربي معاصر يستحق إعجابه وبيعته غير عمر أبو ريشه! هذا هو الرأي الذي سجلته الصحيفة اللبنانية للدكتور طه حسين وأود أن أعقب عليه فأسأله: هل حدث حقاً هذا الذي دار بينه وبين الشاعر على طه؟ وإذا كان، ففي شرع أي ميزان من موازين النقد يجوز للناقد أن يقدر أقدار الشعراء على ضوء خطأ نحوي أو لغوي يقعون فيه؟!. . . وإذا أبيح للدكتور أن ينظر إلى الشاعر المصري هذه النظرة التي تنكر كل موهبة من واهبه وتلغي مكانه من قائمة شعراء الطليعة لمجرد خطأ واحد وقع فيه، ففي أي مكان يا ترى يمكن أن

ص: 39

يضع شاعراً كالمتنبي وقد حفل شعره بكثير من الأخطاء اللغوية؟!

لقد كنت أود أن يكون رأيه في الشاعرين وليد دراسة وموازنة لا وليد هوى ومجاملة، لأن ميزاناً تحرك كفيه العاطفة سيكون مآله كمآل ميزان الآمدي حين أجهد نفسه في الانتصاف للبحتري والنيل من أبي تمام. لقد ذهبت أحكامه وبقى الشاعران كل في مكانه الذي حددته الأجيال! أما الشاعر على طه فلا أعتقد أن مكانه يمكن أن يؤثر فيه مثل هذا الرأي الطائر، أو ينال منه هذا الحكم الجائر. . .

ولو كان في المجال متسع للإفاضة لقدمت لقراء الرسالة نماذج من شعر الشاعرين، مع دراسة نقدية كاملة لتلك النماذج الشعرية دراسة تطيل الوقوف عند طاقة وطاقة، وعند موهبة وموهبة، وعند أفق وأفق، وهذا هو الميزان الذي يجب أن يقام للشاعرين ليحدد الفارق في مجال التحقيق بين قدرة جناح وجناح!.

إنني أدافع هنا عن الشاعر علي طه دون معرفة بيننا ولا سابق لقاء!

مسابقة المصور لقصة القصيرة:

أعلنت مجلة المصور عن مسابقة للقصة القصيرة قدمت لها بكلمة عجيبة، أثارت في نفسي كثيراً من الشك حول فهم القائمين على أمر تلك المسابقة لأصول الفن القصصي، وهذه هي الكلمة:

(القصة القصيرة من أرفع وأروع فنون الأدب التي يزداد اهتمام الغربيين بها يوماً بعد يوم. ولا عجب فهي خير ما يناسب عصر السرعة الذي نعيش فيه، وهو عصر لا يكاد معظم الناس يجدون فيه من وقتهم ما يسمح لهم بمطالعة قصة حافلة بعبارات الوصف، والتحليل، والوقوف عند التفاصيل. وهذا هو الذي نتحاشاه القصة التي تمتاز بسرعة الحركة ودقة الحبكة وشدة التركيز، وعنصر المفاجأة في الختام. ولعل هذا العنصر أهم أركانها على الإطلاق.

وقد رأى (المصور) في عهده الجديد أن يدعو للنهوض بهذا النوع من القصة الذي ما زال يحبو عندنا في المهد؛ بينما نراه ناضجاً مكتملاً عند الغربيين، وقد نبغ فيه من أشهر أدبائهم: مارك توين؛ وإدجار ألن بو، وأوهنري، وسومرست موم، وموباسان وغيرهم. و (المصور) إذ يدعو أعلام القصة الطويلة في مصر والعالم العربي إلى تخصيص جانب من

ص: 40

عنايتهم لتحقيق هذه النهضة المنشودة؛ لا يفوته أن ما يبذله كاتب القصة القصيرة من جهد ووقت في حبك سياقها وسبك ختامها، لا يقل - إن لم يزد - على ما يبذله الكاتب في وضع القصة الطويلة) وإذا كانت هذه الكلمة قد حفلت بالعجب في طبيعة النظرة إلى فن القصة القصيرة، وفي طبيعة المعايير التي وضعت لأصولها الفنية، فأن العجب يصبح أمراً عادياً لا غرابة فيه إذا أنعمت النظر وأطلت التأمل في هذا الشرط:

(يجب ألا تزيد كلمات القصة التي تدخل المسابقة على 600 كلمة)

شيء واحد خرجت به من هذه الكلمة التي قدم بها المصور للمسابقة، وهو أن القائمين على أمرها ينظرون إلى فن القصة القصيرة على ضوء الذوق الصحفي دون سواه. . . إنهم يتصورون القصة شيئاً أشبه ما يكون بالربورتاج الصحفي، ذلك الذي خلق للتسلية وملء الفراغ! وهذا واضح من قولهم أنهم يريدون قصة لا تزيد كلماتها على 600 كلمة، لماذا؟ لأن معظم الناس لا يجدون من وقتهم ما يسمح لهم بمطالعة قصة حافلة بعبارات الوصف والتحليل والوقوف عند التفاصيل!. . . ولست أدري من الذي أقنعهم بأن عنصر المفاجأة في ختام القصة يعد أهم أركانها على الإطلاق، ولا من الذي أفهمهم أن ما يبذله كاتب القصة القصيرة من جهد لا يقل إن لم يزد على ما يبذل الكاتب في وضع القصة الطويلة! كلام لا يقوله أبسط الملمين بأصول الفن القصصي؛ لأن القصة التحليلية حين تبلغ غايتها من تشريح العواطف والنزعات لا تكون محتاجة في الغالب إلى المفاجآت، ولكن هناك أناساً ينشدون (الفرقعة) في نهاية كل قصة ولو كانت هذه الفرقعة على حساب الفن!. . . . والقصة الطويلة بعد هذا هي وحدها المقياس الفني الكامل لمواهب القصاص وطاقة القصاص، ولا كذلك الأمر في القصة القصيرة؛ لأن العمل الفني فيها محدود من الصفحات، وكذلك زحمة الحوادث والشخصيات؛ ومن هنا يستطيع كل قصاص أن يقبض على زمام القصة القصيرة بقليل من الجهد الفني، ولا يستطيع الناقد في القصة القصيرة أن يحكم على الطاقة الفنية التي تحدد الفارق بين فنان وفنان، لأنها طاقة تعمل في ميدان ضيق قد تتقارب فيه الملكات القاصة، تقارباً يصعب معه وزن القيم الفنية بميزاتها الدقيق الذي يمكن الناقد من إصدار حكم على الأثر الفني الذي لا رجعة فيه. . . ومع ذلك تسمع من يقول لك إن لهذا الجهد الذي يبذله كاتب القصة القصيرة لا يقل أن لم يزد على الجهد الذي يبذله كاتب

ص: 41

القصة الطويلة!

أنور المعداوي

ص: 42

‌الأدب والفن في أسبوع

للأستاذ عباس خضر

الأدب الشعبي

شمل التعقيب على محاضرة الأستاذ الشبيبي في مجمع اللغة، موضوعاً آخر غير موضوع حرية الأدب الذي تحدث عنه في الأسبوع الماضي، ذلك الموضوع هو الأدب الشعبي، فقد قال الأستاذ ماسينيون: سمعنا حديثاً طيباً عن النهضة الأدبية في العراق وأرى أن كلمة نهضة يجب أن ترجع إلى اندفاع غريزي في الشعب كله نحو التقدم والترقي، وأنا أعرف أن في الشعب العراقي قوة غريزية أو شوقاً للشعر والأدب، فهل أمكنت الإفادة من تلك القوة الغريزية وهذا الشوق لتصفية الأسلوب وترقية الأدب؟

وما أحسبه قصد الأدب العامي، فما في هذا تصفية أسلوب وترقية أدب، وإنما يرمي إلى أن يكون الأدب الفصيح نابعاً من غريزة الشعب مصوراً لمشاعره. ولكن الدكتور أحمد أمين بك قال: أن العناية بالأدب الشعبي واجبة، فكل مؤرخي الأدب، أن في العراق أو في مصر، يميلون إلى الأرستقراطية الأدبية ولا يؤرخون إلا للمتعلمين الذين ينتجون على النمط (الكلاسيكي)، ودعا الأباء إلى أن يؤرخون للزجل والموشحات والروايات العامية لأنها تدل على حالة الشعب أكثر مما يدل عليه الأدب الأرستقراطي.

وقال معالي الرئيس لطفي السيد باشا: ربما كان هذا الضرب من الكتابة أقرب إلى علم أحوال الإنسان منه إلى الأدب.

وقال الأستاذ العقاد: أن الأرستقراطية الفنية والفكرية يجب أن تسود، وأنا أشتري أرستقراطية واحدة كهذه بمائة مليون إنسان لا غرض لهم من الحياة إلا أنهم يأكلون ويشربون.

وقال الأستاذ الشبيبي: اعتقد أن أدبنا في الفترة الحاضرة ليس أدباً أرستقراطياً بل هو أدب ديمقراطي يعبر عن الحياة الواقعة، أما أن يعد الأدب أرستقراطياً لأنه مصوغ في لغة فصيحة فقول لا أوافق عليه.

ثم قال الدكتور طه حسين بك: العربية الفصحى للآن هي لغة الأدب، ونحن مجتمعون هنا لندرسها وحدها، وقال أن الإنتاج الأدبي يجب أن يستمد قوته وبعض خصائصه من البيئة

ص: 43

التي يعيش فيها أي من البيئة الشعبية، وبعد أن فرق بين أدب الفصحى والأدب العامي قال: نحن حريصون على أرستقراطيتنا الأدبية حرصنا على الديمقراطية السياسية.

وقد نجح الدكتور طه إلى أرستقراطية الأدبية على اعتبار أنها أدب الفصحى، ولكن هل يصح أن تطلق الأرستقراطية على الأدب الذي يستمد قوته من البيئة الشعبية؟ ألسنا نتجه الآن إلى الشعب، نعلمه العربية الفصيحة ونكتب له بها معبرين عن قضاياه ومسائله؟ بل ألسنا نحن من صميم الشعب؟ وماذا نصنع بالأرستقراطية التي نشتريها إذا فرطنا في مائة مليون إنسان بدل أن نرفعهم ونحييهم بأدبنا؟

إنني لا أفهم أرستقراطية الأدب إلا أن تكون ذلك النوع الذي كان يتحلى بأصحابه الحكام والأمراء لقاء ما يرزقونهم، أما الأديب الذي يأكل ويشرب من ثمن أدبه وكتابته، الذي يدفعه إليه الشعب، فما ينبغي له أن يسقط الشعب من حسابه، إن الشعب في الحياة التي نهدف إليها هو كل شئ، فيه نبتنا، وإليه نتجه، وبه يجب أن نرتقي وعنه يجب أن نعبر، حتى ينسب أدب الفصحى إليه فيقال له (الأدب الشعبي)، أما الأدب العامي من زجل وموشحات و. . . الخ فهو شئ آخر، الكتابة فيه (أقرب إلى علم أحوال الإنسان منه إلى الأدب، كما قال أستاذ الجيل.

وأما الأرستقراطية فهي كلمة ممقوته مرذولة في السياسة وفي الأدب وفي كل شئ.

ذكرى باحثة البادية

احتفل الحزب النسائي الوطني يوم الأحد الماضي بذكرى باحثة بادية ملك حقني ناصف بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على وفاتها وقد تكلم في هذا الحفل عدد من النساء وبعض الرجال، ودار كلام السيدات والآنسات كله حول حقوق المرأة وظلم الرجل له وأن المحتفل بذكراها كانت من الماجدات في هذا الميدان؛ ولم تعن إحداهن بأن تجلو شخصية باحثة البادية من جوانبها المختلفة، وخاصة الناحية الأدبية، فلم يكن الحفل إلا مناحة على حرمان المرأة المصرية حق الانتخاب ودخول البرلمان. . .

وأنا أحب أن أقول لهؤلاء السيدان والآنسات: لو كان عندنا عدد من مثيلات باحثة البادية لكان للمرأة المصرية اليوم شأن غير ما هي عليه الآن فباحثة البادية أول امرأة مصرية أمسكت القلم ودافعت عن حقوق المرأة ودعت إلى تعليم البنت، واستعانت على ذلك بأدبها

ص: 44

وما أوتيت من البيان، فكن واحدة عندنا ليوم تكتب أو تنظم كباحثة البادية؟ وهذا الحفل المقام لذكراها لولا آنستان من الجامعة لكان مأتماً للغة العربية وبيانها، والآنستان هما نعمت بدر، وعزيزة هيكل، فقد وقفت كل منهما موقف الفتاة المتعلمة التي تتكلم بلغة بلادها

ولا أنكر على النهضة النسائية في مصر ما آتت من ثمرات في نواحي حياتنا المختلفة ولكنها نهضة خرساء وإن كانت تنطق بالهذر. . . فالقلم لا يزال عصياً على أناملهن، وميدان الأدب خال منهن إلا قليلاً. وأقل ما يدل على ذلك أنه ليس لدينا جماعة نسوية تستطيع أن تحتفل بذكرى أدبية كباحثة البادية احتفالاً وافياً لائقاً.

ثم أسال: هل الرجل يظلم المرأة حقاً؟ قد ينكر عليها أمراً من الأمور، ويمنعها شيئاً من الأشياء، وقد يفعل ذلك جاهلاً، وقد يكون له فيه رأي ووجهة نظر، ولكن المحقق أنه لا يريد أن يظلمها، وخاصة لأنها محبوبة لدية أثيرة عنده، فالمسألة مسألة رأى واتجاه لا ظلم وهضم حقوق، والحقيقة الظاهرة أن أكثر ما ظفرت به المرأة من عمل الرجل ودفاعه، فكيف يكون محامياً عنها ومتصباً ضدها في آن؟ ومن الخطأ الشائع أن يعد الرجل والمرأة خصمين متنازعين، فما هما إلا أليفان متعاونان متكاملان.

وقد لاحظت أن جميع من خطبن من السيدات والآنسات بدأن بقولهن: سيداتي وآنساتي وسادتي. والمفهوم أن الرجل يقول ذلك مجاملة للجنس الرقيق أفلا يجدر بالجنس الرقيق أن يكون رقيقاً في مجاملة الرجل وعدم الجور على حقوقه. .؟

ولم يخل الحفل من بعض الطرائف، فقد قال أحد الخطباء إن المرأة اليابانية في الحرب الأخيرة كانت تسأل ابنها وهو ذاهب إلى الميدان: من سيخطر ببالك وأنت تتقدم الصفوف لقتال الأعداء؟ فيقول: لن يكون في خاطري غير الوطن وقد أذكر أمي فتتسرع الأم إلى الانتحار حتى لا تشرك الوطن في خاطره. وأهاب الخطيب بالحاضرات أن تكون المرأة اليابانية لهن مثالاً يحتذينه. . فأجبته:

(لا. . كله إلا الانتحار!)

وقال الأستاذ عبد الحميد حمدي في كلمته إنه وإن كان يؤيد المرأة في المطالبة بحقوقها السياسية إلا أنه يرى الوقت الحاضر غير ملائم لدخولها مجال الانتخابات لما يلابسها من الفوضى، فقالت إحداهن: نعين في مجلس الشيوخ. أقول: ولكن عضو الشيوخ يشترط فيه

ص: 45

ألا تقل سنه عن الأربعين فهل هناك امرأة بلغت الأربعين. .؟

الدكتور عمر بن أبي ربيعة

نحن الآن أمام لون جديد من شعر الغزل، فقد كان الشاعر يتغزل في حبيبة لا يعرفها الناس، فأقصى ما يصرح به أنها (ليلى) وإن شئت فقل (زوزو) وكم في النساء من (ليلى) وما أكثر (زوزو)!

وكذلك كانت تصنع من جرؤت على التغزل في الرجال، وإن كانت مرات هذه الجرأة تكاد لا تحصى.

أما الذي جد في هذا الفن من الشعر فقد وقع في هذا الأسبوع، فهذه صفحة من مجلة (العالم العربي) أول ما يطالعك فيها صورتان، كتب تحت أولاهما (أماني فريد الهائمة) والثانية صورة الدكتور إبراهيم ناجي، ولكل منهما قصيدة غزل صريح في الآخر، عنوان إحداهما (إلى الدكتور إبراهيم ناجي) وعنوان الأخرى (إلى الهائمة أماني فريد)

قالت الهائمة للدكتور:

تعال إلى القلب بعد العذاب

فقد مر عمري وولى سدى

يناديك قلبي هوى واشتياقاً

فمالك لست تجيب الندى

أبيت على لهفة للقاء

ولكن أخاف حديث العدا

فكم ليلة يا قرير الجفون

تركت جفوني بها سهدا

وقبل أن أدع (قرير الجفون) الذي لا يجيب الندا يرد على الهائمة، أقول أن عمرها لم يول سدى بعد. . فهي لا تزال في الريعان. . . وإنها لا تخاف العدا، وهذا ظاهر جداً. . . .

ثم يقول الدكتور ناجي للهائمة به (كما يقول) أماني فريد:

فأنت الوجود وأنت الخلود

وأنت النداء وأنت الصدى

وكيف بغيرك تحلو الحياة

وبعذب موردها موردا

وأنت النعيم وأنت العذاب

وأنت موردها والصدا

ثم يجيب نداءها:

تنادينني! إن قلبي إليك

غدا هاتفاً، وشعري منشدا

وينفي ما زعمته من أنه قرير الجفون:

ص: 46

تظنينني ناعماً بالرقاد

وإني الذي خاصم المرقدا

وبعد فليعلم الغادي والرائح أن الدكتور ناجي يحب الهائمة أماني فريد، وأنه هو (الملهم) لها. . ولكن هل يدينان بالتوحيد في الحب؟ أو بصريح العبارة - فلم يعد في الأمر ما يمنع الصراحة - ألا يحب كل منهما أو يهيم بآخر أو بأخرى؟ أما الهائمة أماني فلم تصرح بعد في شعر ولا كتابة - فليس يعنينا ما وراء الأدب من خصوصيات - بحبيب غير ناجي، وليس لفضولي أن يسأل لم تحبه، فالهوى ذو أعاجيب على أنها لن تعدم منه الشعر. . . يقوله لها. . . وحسبه منها - كما قال بشار - الحديث والنظر. .

وأما (المهيم به) وهو الدكتور ناجي، فقد غبطته مرة أو قل نفست عليه أن حظي بثلاث من حسان الملاهي جمع بينهن في شعر قاله فيهم بمجلة (الاستديو) وهذه الهائمة أماني هي الرابعة. . . ولا شأن لنا - كما قلت - بما وراء الأدب والشعر من خصوصيات. فهو إذن ليس كشعراء بني عذرة، وما (شهرزاد ومديحة يسري وسهام رفقي والهائمة أماني) إلا كصاحبات عمر بن أبي ربيعة. . .

أدباء العراق

أتينا في عدد ماض من الرسالة على ملخص المحاضرة التي ألقاها معالي الأستاذ محمد رضا الشبيبي في مؤتمر الجمع اللغوي عن النهضة الأدبية في العراق، متضمناً أسماء طائفة من الأدباء العراقيين. وقد اطلعت على نسخة مصححة من أصل المحاضرة فوجدت بها أسماء عدد آخر من أدباء العراق، باحثين وكتاب وشعراء، منهم الأساتذة الأزري والسماوي واليعقوبي ومحمد باقر الشبيبي ومهدي البصير من الشعراء المجيدين، والدكتور جواد علي والدكتور سوسه وعبد الحميد الدخيلي وكوركيس عواد من الكتاب والباحثين.

عباس خضر

ص: 47

‌البريد الأدبي

عبقرية محمد الإنسانية:

قال الأستاذ العقاد في معرض الحديث عن إنسانية محمد: (النبي لا يكون رجلاً عظيماً وكفى، بل لا بد أن يكون إنساناً عظيماً فيه كل خصائص الإنسانية الشاملة التي تعم الرجولة والأنوثة والأقوياء والضعفاء وتهيئه للفهم عن كل جانب من جوانب بني آدم فيكون عارفاً لها وإن لم يكن متصفاً بها، قادراً على علاجها وإن لم يكن معرضاً لأدوائها، شاملاً لها بعطفه وإن كان ينكرها بفكره وروحه، لأنه أكبر من يلقاها لقاء الأنداد، وأعذر من أن يلقاها لقاء القضاة وأخير بسعة آفاق الدنيا التي تتسع لكل شئ بين الأرض والسماء، لأنه يملك مثلها آفاقا كآفاقها هي آفاق الروح).

وعلق الأستاذ أنور المعداوي على هذه الكلمة تعليقين في مقال نشر بالرسالة الغراء (عدد 809). قال في الأول (هذه الكلمات التي يسوقها الأستاذ العقاد عن محمد الإنسان تنطبق كل الانطباق على الرجل العظيم لا على الإنسان العظيم؛ لأن الرجل الذي يشمل الناس بعطفه ثم يفسر هذا العطف على أنه أكبر من أن يلقي الأمور لقاء الأنداد، وأعذر من أن يلقاها لقاء القضاة، هذا الرجل إذا وضع في الميزان صاحب طبيعة خلقية تنبع منها الرحمة من منابع العظمة النفسية، تلك التي تنظر إلى كل شئ نظرة القمم إلى السفوح، أو نظرة الكبير إلى الصغير. وفرق بين رحمة بفرضها على صاحبها التعاظم والكبرياء، ورحمة يفرضها التواضع للوصول الروابط بالإنسانية في أوسع آفاقها وأرقع مزاياها). واني أرى أن الصفات التي ذكرها العقاد تنطبق على الإنسان العظيم كما يراه العقاد الذي يفسر الإنسانية العظيمة بأنها الإنسانية الشاملة التي تعم الرجولة والأنوثة والأقوياء والضعفاء الخ. ولا يقصرها على الرحمة في غير موضعها، أو الرحمة حيث لا ينتظرها أحد كما يفسرها الأستاذ المعداوي؛ فهذه الصفة تدخل ضمن الصفات التي ذكرها العقاد للإنسانية العظيمة الشاملة، وليست هي وحدها الصفة التي يصح أن توصف بها هذه الإنسانية؛ ومن ثم كان قول العقاد أشمل وأعم.

وقال الأستاذ المعداوي في تعليقه الثاني: (أما قول الأستاذ العقاد بأن محمداً لا بد أن يكون إنساناً عظيماً لأنه نبي عظيم، فهو في رأيي لا يثبت ولا يؤكد إنسانية محمد في كثير ولا

ص: 48

قليل؛ لأن محمداً كان إنساناً عظيماً بأدق معاني الكلمة قبل أن يبعث رسولاً إلى الناس. والدليل على ذلك من تاريخ حياته مهيأ لكل من يلتمس الدليل. . . وذلك أمر لا ريب فيه ولا جدال)

وإني لا أرى في قول الأستاذ العقاد ما ينفي الإنسانية العظيمة عن محمد قبل أن يكون نبياً؛ لأن العقاد لم يقصر هذه الإنسانية على الأنبياء دون غيرهم، وإنما جعلها من خصائص النبي التي يجب أن تكون متوفرة فيه ليكون أهلاً للنبوة، وهي بهذا تكون سابقة للنبوة فيه لاحقة لها.

وعلى ذلك فمحمد إنسان عظيم قبل رسالته، وإنسان عظيم بعد الرسالة.

محمد محمود عماد

محام

الفيروزاباذي لا الفيروزابادي:

أستأذن الأستاذ السيد عباس خضر في نشر ما هو آت:

جاء في رده على السيد أحمد عزيز بيتوغن في الصفحة 1411 من عدد مجلة (الرسالة) 806 عبارة (قاموس الفيروزايادي) وهنا أقول:

ألا يرى الأستاذ الكريم أن الأصح هو كلمة (الفيروزاياذي) كما قال ذلك ابن خلكان لنسبته إلى فيروزاياذ بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحت وضم الراء المهملة وبعد الواو الساكنة راء مفتوحة معجمة وبعد الألف باء موحدة وبعد الألف ذال معجمة بلدة بفارس. ويقال هي مدينة جور. قاله الحافظ ابن السمعاني في كتابه الأنساب. وقال غيره هي بفتح الفاء ج1ص6 وهذا ما اعتمده العالم المحقق المغفور له أحمد تيمور باشا في كتابه المسمى (ضبط الأعلام). وإذا كان لديه ما ينقض هذا أرجو الإدلاء به.

أحمد الظاهر

من أعضاء محكمة الاستئناف - عمان

حول رواية بيت:

ص: 49

في (البريد الأدبي) العدد (803) كنت كتبت كلمة حول كتاب (النقد الأدبي) أرد بها ما وقع فيه صاحب الوساطة في قول أبي تمام:

ألم يقنعك فيه الهجر حتى

(بكلت) لقلبه هجراً يبين

حين قال؛ إنه لم يعرف لهذه اللفظة (بكلت) معنى، وبهذا أيضاً قال الأستاذ مؤلف الكتاب. وكان جوابي عليهما وهو جواب اجتهاد: يغلب على الظن أن تصحيفاً لحق باللفظة فأخرجها عن المعنى، ولعل الأصل (وكلت)

واليوم أعود - والعود أحمد لأقول: رواية البيت الثابتة في الديوان هي:

ألم يقنعك فيه الهجر حتى

(قرنت) لقلبه هجراً يبين

على أن رواية (بكلت لقلبه هجراً يبين) رواية صحيحة؛ فمعنى بكل خلط. وفي اللسان: البكل: هو الخلط. قال الكميت:

يهيلون من هذاك في ذاك بينهم

أحاديث مغرورين بكل من البكل

وبكله إذا خلطه وبكل عليه خلط. . الخ

وإذاً فلا تصحيف ولا تحريف، والحق أحق أن يقال فيتبع.

عدنان

الزيتون

حول قصة هبارين الأسود:

كتب الأستاذ أنور المعداوي في العدد الممتاز من الرسالة الغراء مقالاً تحت عنوان: (عبقرية محمد الإنسانية) وأورد في مقاله الممتع قصة (هبارين الأسود) بأنه اعترض السيدة زينب بنت رسول الله وهي في طريقها من مكة إلى المدينة ملبية دعاء الشوق الأبوي المنبعث من قلب أبيها العظيم فرماها رمية أراقت دمها الزكي على رمال الصحراء. فتلقى النبي الكريم مصرع ابنته كما يتلقى الآباء مصارع الأبناء، وحزن حزناً شديداً وأهدر دم هبار بأي مكان وجد وبأي واد حل. . إلى آخر ما سطر الأستاذ. وجاء في كتاب (حياة محمد) للدكتور هيكل باشا ص512 أن هباراً والحويرث أفزعا السيدة زينب رضى الله عنها فزعاً أجهضها فمرضت وظلت متهدمة العافية حتى لاقت ربها. . .

ص: 50

وبين الروايتين بون شاسع. واختلاف وخلاف. . . فأي الروايتين يمكن أن يقطع بصحتها عشاق الأدب؟ وخاصة عشاق السيدة الشريفة؟

هذا ما أردت الاستفسار عنه على صفحات الرسالة الغراء.

حسن إبراهيم شقل

المدرس بأدفو

حدث السن:

كتب الأديب إسماعيل أبو ضيف الأزهري في (الرسالة) تعقيباً على تعبيري في مستهل مقالي (الفتوة عند الصوفيين)(والفني هو الشاب حدث السن) قال: حدث السن تركيب لم يرد قي متون اللغة، بل نص في بعض الكتب على منعه. ذكر ما جاء في الأمالي للقالي (الحدث: الشاب، فإذا أضيف إلى السن قالوا: حديث السن ولم يقولو حدث السن).

ويخيل إلى أن الأديب تسرع في تعقيبه وأنه عندما وقع نظره على ما ورد في الأمالي أسرع إلى قلمه يدبج تعقيبه، ولم يجشم نفسه بعض الجهد في الرجوع إلى بعض متون اللغة التي قال عنها لم يرد فيها هذا التعبير وأن بعضها نص على منعه

فقد ورد في القاموس باب الثاء فصل الحاء: (ورجل حدث السن وحديثها بين الحداثة. .)

وكذلك ورد في لسان العرب ج2ص437 فصل الحاء حرف الثاء: (ورجل حدث السن وحديثها ورجال أحداث السن وحدثانها وحدثاؤها. . .)

عبد الموجود عبد الحافظ

ص: 51

‌القصص

أقصوصة تركية

ذات الثوب الأبيض

مترجمة عن التركية

وفقت أمام حديقة البيت سيدة في مقتبل العمر، ذات ثوب أبيض، ولبثت واقفه هناك، أمام البيت، تحدق إليه، وبصرت بها الخادم التي كانت تتنقل آنذاك بين شجيرات الورد تقطف أنضره فتلقيه في سلة صغيرة تدلت من مرفقها، فخالتها قد وقفت تحتلي انظر مما حفلت به الحديقة من الورد. على أن عيني السيدة الشابة الدعجاوين، ظلتا مثبتين بنوافذ البيت، تحدقان إليه، فثار فضول الخادم فأقبلت عليها تسألها:

- هل تريدين أحداً يا سيدتي؟. ولكنها لم تجب، بل راحت تطلع إليها ساهمة كأنها نشوي حلم عميق، ثم اختلجت شفتاها تتممان:

- كلا، لا أريد أحداً، كنت أنظر إلى البيت فقد أعجبت به.

وراحت الخادم هي الأخرى تحدق فيها، وأسرفت في النظر إليها حتى لكأنها تهم بالتهامها، ثم ندت عن شفتيها صرخة، وهوت السلة إلى الأرض، وتناثر ما فيها من الورد، وروعت السيدة، فارتدت خطوة إلى الوراء، وسألتها الخادم بصوت أجش: - ألك يا سيدتي، شقيقة تشبهك؟

- كلا - ولكن مستحيل أن يكون مثل هذا الشبه! فقالت السيدة الشابة ذات الثوب الأبيض والعينين الدعجاوين، وقد رفت على شفتيها ابتسامة باهته تكاد لا تبين:

- هل ترينني أشبه أحداً؟.

فقالت الخادم وهي تشير بيدها إلى الورد المنثور على الأرض.

- نعم، وهذا الورد الذي أقطفه لها هي. . .، ولاح على السيدة العجب فسألتها - حسن، وهذه السيدة، أين هي؟ هل كنت تنتظرينها؟.

فهمست الخادم، وهي تهز رأسها أسى - تلك السيدة. . . ماتت؟. .

- إذن، فأنت حاملة هذا الورد إلى قبرها.

ص: 52

وفتحت الخادم باب الحديقة وهي تقول: كلا ليس من يعرف قبرها سواه، سيدي يعرفه وحده. هل تتفضلين بالدخول؟ وترددت الشابة ذات الثوب الأبيض، والعينين الدعجاوين، فقالت الخادم كأنها كانت تتوقع هذا: - لا أحد في البيت، تفضلي، فسيدي في رحلة منذ أشهر.

ودخلت السيدة حديقة البيت، وأقبلت الخادم على وردها المنثور تلمه، وشرعتا تسيران معاً نحو البيت.

وعادت الخادم تسألها - هل تسكنين هنا يا سيدتي؟.

فهمست السيدة الشابة، ذات الثوب الأبيض والعينين الدعجاوين، وهي غريقة أفكار تتماوج في ذهنها - كلا، كنت أزور أصدقاء لي هنا.

- وهل كنت تسكنين هنا من قبل؟.

- قبل خمس سنوات. . .، وحينما ضمهما البيت كانت السيدة تتطلع إلى ما حولها باهتمام وتأمل. ووقفت الخادم في البهو النير، ذي البسط الوبرية ومقاعد الخيزران، وقالت:

- هل أريك البيت؟

- شكراً، أرجو أن لا أكلفك كثيراً، ولكن.

كلا. أنا أريد ذلك. . . ووضعت سلة الورد على منضدة، ثم فتحت الباب المقابل وقالت - هذا. . . هو مكتب سيدي.

وكان جو الحجرة معتماً، يوحي بالإحساس بالظلمة، برغم النور المنساب منم نوافذها، وكان كل ما فيها يوحي بالكآبة: النوافذ ذات السجف الزرقاء الداكنة اللون، والأرائك القاتمة اللون، والرفوف العالية، تحف بالحيطان وقد رصت عليها الكتب، وكانت السيدة تتطلع إلى ما حولها في سهوم واستغراق والخادم تصل حديثها - يبكر سيدي عادة في اليقظة من نومه، وما أن يغسل وجهه حتى يؤم مكتبه هذا، ويشرع في عمله، حتى انقضت من الصباح ثلاث ساعات أو أربع، ترك حجرته هذه فيستحم، ثم يتناول فطوره. . فإن كان الجو صحواً جلس في الحديقة أو خرج إلى الطريق، وبد تجوال ساعة يعود فيضطجع حتى يحين أو أن الغذاء. . وبعد أن ينهض.

راحت الخادم تحدثها بالتفصيل عن حياة سيدها وشؤونه، وهي تصغي لذلك كله. . . ثم

ص: 53

سألتها - أو ليس للسيد عمل خارج البيت؟

- إن لديه عملاً ولكن ليس دائماً، يؤديه بين يوم وآخر أو بين كل ثلاثة أيام. . . وفي كل عام يسافر إلى الخارج للترويح عن نفسه شهرين من الزمن.

- كم مدة قضيتها هنا؟

- أربع سنوات.

- وهل سيدك مولع بالنساء.

- كلا - وهل يشرب الخمر؟

- قليلاً، وفي المناسبات. وخرجنا من حجرة المكتب إلى البهو، وكان أكثر نوراً منها، يحس المرء فيه برطوبة الزوايا التي لا ينفذ إليها شعاع الشمس على أن بسطه الوبرية، ومقاعده الحمراء اللون، والرسوم الزيتية المعلقة على الجدران، كل هذا يبعث إلى القلب بشعور الدفء والغبطة واللذة العميقة. ولم تتحدثا بشيء في البهو، فقد أطبق عليهما الصمت، وكانت الخادم تفكر في أمر هذه السيدة الشابة ذات الثوب الأبيض والعينين الدعجاوين. وأما السيدة فقد راحت في ذهول وحيرة تتأمل كل شئ، المقصف، والخوان الكبير، وجهاز الراديو، والرسوم المعلقة على الجدران؛ كانت تتطلع إلى هذا كله في صمت عميق، ثم اضطربت شفتاها، وقالت في تردد، وفي نبرات صوتها ما ينم عن أسى وحيرة يتلاطمان في أعماق نفسها: هل لي أن أرى الطابق الأعلى؟

- بالطبع. وحينما ارتقتا إلى الطابق الأعلى، قالت الخادم وهي تشير بيدها إلى باب غرفة على يسار البهو - يزور سيدي بين حين وآخر ضيوف، فيحلون هنا. لكل حجرة من هذه الحجرات خزانة ثياب، فيها منامات ومناشف، وفيها كل ما يحتاج الإنسان إليه من أسباب الراحة. أن كل ما ترينه يا سيدتي لينبئك بشغف سيدي بالحياة الرتيبة.

- وهل سيدك وحده هو الذي يفعل كل هذا؟.

- نعم، وهمست كأنها تحدث نفسها. . . يا للعجب! وقالت والخادم تفتح باب إحدى حجرات الضيوف، وقد خالج صوتها نغم عذب يفيض رخامة وعذوبة.

- هل أستطيع أن أرى غرفة نومه؟ - بالطبع.

وفتحت الخادم باباً كبيراً على يسار، وقالت - تفضلي.

ص: 54

ولكن الشابة ذات الثوب الأبيض والعينين الدعجاوين، تلكأت في الدخول، إذ لم تجد في نفسها القدرة على ذلك، فراحت تتطلع من الباب. وكانت الحجرة تسبح في نور أبيض، كل ما فيها كان يسطع به، حتى النوافذ، وآلة التلفون. . . وكان جوهاً يغمر القلب سكينة وغبطة، ثم دخلت الحجرة بخطى وثيدة وطفقت تتطلع كشأنها في كل شئ، ولكن عينها علقنا بصورة وضعت على منضدة بيضاء، بين ستارين أبيضين، وقد حفت بها وورد بيضاء، فسارت إليها غير واعية، والخادم واقفة كالصنم، ترقب حركتها، وتتابع خطاها، فقد كشف هذا كله من أمرها ما قوى الريبة في نفس الخادم، ثم دنت السيدة من المنضدة الصغيرة البيضاء، ومالت عليها، وراحت تتطلع إلى الرسم ثم امتدت إليه يدها. لكأنها تحلم، وتناولته، وأدنته من عينيها وكانت الخادم إلى جانبها تقول لها:

هذه زوج سيدي التي ماتت، وفي كل يوم لا بد من تغيير الورد، فليس من شئ يخرجه عن طوره ويحنقه على إلا أن أهمل تغيير هذا الورد الأبيض الذي يحف بصورتها.

وكانت إذ تقول هذا تنقل عينها بين الصورة والسيدة، لشد ما تشابهان! العينان الدعجاوان. . . الأسنان النضيدة كعقد من اللؤلؤ، والفم الصغير، والشفتان الغليظتان كأنها عناب يقطر خمراً وشهوة. . . والأنف الأقني والذقن المستدير! ما أشد ما تتشابهان في هذا كله. . . ولكن محيا السيدة الشابة ذات الثوب الأبيض والعينين الدعجاوين تظلله سحابة رقيقة من أعباء وخور، كان شاحباً قليلاً، كلا. . . هذا التشابه لا يمكن أن يكون بين شخصين إلى هذا الحد. . . وكان قلب الخادم يخفق وهي تحدث نفسها بهذا كله. . . وكان ثمة شعور مهم يعتصر قلبها في قلق وحيرة، ويهتف في أعماق نفسها أن ثمة أمراً يوشك أن يحدث، ولكنها لا تكاد لفرط اضطرابها أن تتبينه جلياً.

وكانت السيدة تتطلع إلى الصورة. . . وعلى حين فجأة صرخت، ولوحت بالصورة ثم ألقت بها في ركن الحجرة. وفزعت الخادم فصرخت هي أيضاً: ماذا؟ فعلت؟ لكن السيدة الشابة ذات الثوب الأبيض والعينين الدعجاوين والمحيا الشاحب الحزين، ألقت بنفسها على حافت السرير محطمة القصب منهوكة القوى، متعبة الحس. . . ثم دفنت رأسها بين يديها، وقالت بصوت أجش محموم.

كلا، سأبقى هنا، لن أخرج. وسأنتظره، والورد الأبيض لن يكون للصورة بعد الآن. . .

ص: 55

احمليه إلي.

أنقرة

فيصل عبد الله

ص: 56