الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 831
- بتاريخ: 06 - 06 - 1949
6 - أمم حائرة
الأسرة
لصاحب العزة الدكتور عبد الوهاب عزام بك
وزير مصر المفوض بالمملكة السعودية
تعالوا نلتمس الطمأنينة في موضعها، والسكينةَ في موطنها، ونظفر بالسعادة في مكانها، ونسعد بالمحبة في دارها. هلم إلى الأسرة، إلى البيت الذي يُنبت الودّ والصفاء، والإخلاص والولاء، إلى الجنة التي يرد سلسبيلها الظماء، ويتفيأ ظلالها من برَّحت به الرمضاء، ويأوي إليها من مسَّه العناء، فيجد الروح والرَيحان، والسلم والأمان، والغِبطة والرضوان.
هلمَّ إلى المعبد الذي تطهر فيه الأشباح، وتصفو الأرواح، وتقام على الإخلاص الشعائر، وتتناجى به السرائر، الحرم الذي تهفو إليه الأفئدة، ويظلله الأمان، وتمحى فيه الأضغان، ويتمكن فيه التوحيد، فإذا نفس واحدة في أجسام متعددة، وإذا ألفاظ كثيرة لمعنى واحد!
تعالوا ننظر إلى المدرسة التي تعلّم الودّ والحب، والتعاونَ والإيثار، وتُنشِّئ على الأخلاق العالية، والفضيلة الكاملة، وتعلّم الإخلاص والفِداء، والبر والولاء، والصدق والوفاء.
تعالوا إلى العش يأتلف فيه الزوجان على الخير والشر، والنفع والضر، يأوي إليه الزوج مجهوداً فتمسح تعبه يد رحيمة، ويدخله غاضباً فترضيه كلمة حكيمة، ويفر من ضوضاء الأسواق، ونصب العمل، وكد العيش، فيظفر بالهدوء والسكينة، والقرار والطمأنينة؛ فيتلو الآية الكريمة:(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).
إلى دار الأمومة والأبوة، والبنوة والأخوة، حيث الأم على أولادها مشبلة، ولتربيتهم عاملة، ولنومهم ساهرة، ولراحتهم جاهدة؛ الأم مبعث الشفقة والرحمة، وموئل البر والعطف، أعظم الناس عملاً، وأبلغهم أثراً، وأرفع الخلق مكانة، وأعلاهم منزلة، وأطهرهم فكراً ولساناً ويداً، وأحسن الناس حملاً للأعباء، وأصبرهم احتمالاً للأمانة؛ الأم التي تحمل الأمم وتضعها، وتربيها وتنشئها، وتزكيها وتعلمها. والأب يغدو ويروح بثمار كده، ونتاج سعيه، فيضع ما في يده من تعب، وما في فكره من كد، وما في نفسه من هم، وما في قلبه من
بغض، ساكناً إلى زوج كريمة هي أم رحيمة. الوالدان اللذان عظَّمهما القرآن، وكاد يؤلّههما الإسلام. فذكرهما مع الله، وقرن البر بهما بتوحيده:(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً)(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)(قل تعالَوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا) الوالدان اللذان أعطاهما الله من سلطانه وبرهانه، ونوره وهدايته، ورأفته ورحمته.
هلمَّ ننظر إلى الأسرة، دار الأمومة والأبوة والبنوة والأخوة، حيث تنشأ الأمم وتموت، وتقوى وتضعف، وتسعد وتشقى، وتجتمع وتفترق، وتصلح وتفسد، وتضيء وتظلم، حيث النواة التي تنشأ منها الجماعة، والطينة التي فيها تنمو الأمة، والصورة التي عليها تكبر، والسر الذي أودع سرائرها، وسيرها من المهد إلى اللحد. . . الأسرة سر الله في خلقه، وآيته في عباده.
هلمَّ ننظر إلى هذا البيت، إلى هذه الجنة، إلى هذا المعبد، إلى هذه المدرسة، إلى هذا العش، إلى هذه الدار مشفقين عليها من أعاصير هذا العصر، خائفين من آفاته، وَجِلين من فتنه، فَزعين أن يمتدّ الرجس إلى طهارتها، والقلق إلى هدوئها، والبغض إلى محبتها، والافتراق إلى اجتماعها، حَذِرين أن تمتد المادة إلى روحانيتها، والضوضاء إلى سكونها، والحيرة إلى طمأنينتها، جاهدين أن تبقى لها حرمتها وتدوم قداستها ولا يغلب عليها شر الأسواق والأندية والملاهي، فليس بعدها وَزر، ولا في غيرها مستقَر.
أحذروا أن تُحرم الإنسانية هذا الينبوع الطاهر الذي يمُد بالعواطف رقراقة، وبالأخلاق صافية، فتقسو القلوب، وتذبل الأخلاق، ويضل النشء في الطرق والأسواق وما إليها، يشرب من ماء كدر، ويقتات من سم قاتل، ويذهب به القلق إلى المهالك، وتسوقه الحيرة إلى الضلال البعيد.
ألسنا نرى البيت يُهجر يوماً بعد يوم، تؤثر الأمُّ عليه جولات في الأسواق أحياناً، وجلسات في الملاهي أحياناً، ويفر الأب إلى المقهى والملهى مؤثراً لذاته وراحته، ساكناً إلى لهوه ولعبه، مشفقاً من تبعاته في داره، وواجباته في أسرته؟
إن تمادي الوالدان في إيثار الطريق على المسكن، والملهى على الأسرة، وأغفلا ما يحبب البيت إليهما وإلى الأولاد كان النفور من الدار، ثم زاد إهمالهما، فازداد النفور منها. . .
وهكذا حتى تذهب بهجتها، وتفقد سعادتها، وتزول حرمتها، وتختفي قداستها.
وليس البشر - وإن حرصوا - بقادرين على أن يستبدلوا بالدار معهداً للتربية والتهذيب، ولا بقادرين على أن ينشّئوا في غير الأسرة عواطفها وأخلاقها وتعاطفها وتراحمها، وتآلفها وتعاضدها، وفداءها وإيثارها.
وإن زالت حرمة البيت، وضعفت عواطفه، وطغت المادة على روحانيته، فجعلناه مكاناً من الأمكنة التي نقسم بينها الليل والنهار، وعدلنا به الطريق والمقهى والملهى، وصارت عواطف الوالدين والأولاد واجبات تؤدى على كره، وأعمالا تتصل بالأعضاء أكثر مما تتصل بالقلوب - فقد حُرِمنا الخير كل الخير، وأصبنا الإنسانية في صميمها، وقضينا على الأخلاق في منابتها، وعلى السعادة في مهدها.
ولو أتت المدنية الحاضرة بكل صناعة وكل علم وكل نظام وكل متاع، وذهبت بسعادة البيت، فقد باءت بالخسار، وعملت للبوار.
ولو جاءت الشيوعية بكل طعام وشراب لكل إنسان بغير عناء، ومتَّعت الإنسان بكل متعة، ويسرت له كل لذة، ثم حرمته أسرته، وسلبته رحمة الوالدين وبر الأولاد، وعواطف الأمومة والأبوة والبنوة، وأبعدته من ظلال البيت الوارفة، وأفيائه العاطفة، وموارده الصافية، لكانت قد ربَّت له الجسم وسلبته الروح، وهيأت له الصورة وأخذت الحقيقة، ووفرت له لذات جثمانية قليلة ضيقة، وباعدت بينه وبين لذات الروح التي لا تُعد ولا تُحد، ولكانت قد ردته حيواناً لا إنساناً، ويسرت له العلَف وسلبته الإنسانية!
الأسرة حُوطوها بكل رعاية، وأحكموا أواصرها، ووفروا بركاتها، وادفعوا عنها كل ما يخل بسعادتها وطهارتها وقداستها، وزودوها بالعلم النافع والتربية الصالحة.
إني أرى الأم تُخدع عن سلطانها في البيت، وتُنزل عن عرشها في الأسرة، وتُضلل عن منزلتها، وتُفنن عن واجبها، فيقال لها: دعي البيت إلى السوق، واهجري الأولاد إلى المصنع، اتركي تدبير الأسرة إلى تدبير الشئون العامة.
وأرى الوالد يستبدل بداره الأندية، وبأسرته جلساء المقاهي، ويسهو عن كثير من تبعاته.
وأرى الولد يقسو على والديه، ويلقى بالغلظة أبويه، ويطلب بحقه ويحاسب عليه، ويعصي الوالدين أحياناً ويطيعهما أحياناً.
إني أرى صلة ما بين الوالدين والأولاد تهِن، وسلطان الوالدين على الأولاد يضعف، وأخشى إن لم نتدارك الأمور أن تزلزل أركان الأسرة، وتتقطع وشائجها، ويتبدد نظامها. . . وكيف تقوم الأمة على قواعد واهية وأركان متداعية!
إني أخاف على الأسرة، وأشفق على البيت - الجنة والمعبد والمدرسة - أن يُستباح حماه، وتدخل الفتن إلى مغناه. . . والمرأة وقاية من هذا الشر، وطب لهذا الداء، وشفاء لهذه العلة. . .
وللمرأة حديثنا الآتي إن شاء الله.
(للكلام صلة)
عبد الوهاب عزام
المستغربون
(مهداة إلى الأستاذ عباس خضر)
للأستاذ علي محمد سرطاوي
الاستغراب كالاستشراق، حذوك النعل بالنعل - إذا جاز هذا التعبير - هو الهيام بالغرب والوله في حبه وكل ما يصدر عنه من خير وشر وأوهام وأباطيل.
والمستشرقون فحول من أبناء الغرب، بسقوا من جرثومة شعوب قد استكملت الاستقرار الاجتماعي الصحيح العميق، وفتحوا عيونهم في الحياة على كيان قد توطدت أركان الأسرة فيه على أسس من تصميم الزمن، وبناء من مجتمع قد أرهفت الثقافة الشاملة الفرد فيه.
والشعوب الغربية التي نشأ فيها المستشرقون قد نضج الفرد فيها وفني في المجموع فناء تاماً. والمواطن الصحيح عند تلك الشعوب، ذلك الذي يؤدي واجبه في الخدمة الاجتماعية تاماً غير منقوص، وهو الذي يفتش عن أحسن دور يستطيع تمثيله على مسرح الخدمة العامة مهما تجشم من صعاب في سبيل إتقان ذلك الدور دون أن ينتظر ثناء أو تقديراً.
ولم يكن كل ما قدمه المستشرقون من الدراسات المضنية التي وقفوا حياتهم عليها خالصاً لوجه العلم؛ بل إنما كان في كثير من الأحايين ضرباً شاقاً من الخدمة الاجتماعية يؤديه المستشرق لأمته في هذا الميدان الذي يحطم الأعصاب، ولا يصمد فيه غير الأبطال والجبارين الموهوبين.
والمستغربون عندنا نكرات اجتماعية بسقوا من جرثومة شعوب لا تزال تعتز بالعظام، وتعيش على أمجاد التاريخ، وتدور حول حقائق الحياة، وتدبر عن النور وتقبل على الظلام، وتغفو في وادي الأحلام.
وهؤلاء ليسوا إلا أفراداً تميزوا عن القطيع الذي لا يزال في مستوى الحيوان يرعى العشب ويرضى بالهوان ويقيم على الضيم كالأذلين: عير الحي والوتد.
والذكاء على قلة عند الفقراء، والثراء على كثرة عند الأغنياء، هما اللذان دفعا بعض الشرقيين إلى حضارة الغرب يتتلمذون عليه في دراسات لا تزيد على بضع سنوات، كان بعضها خالصاً لوجه العلم بالنسبة للذين كان يصرفهم عن العبث نقص جسدي في العينين أو مادي في الجيب، وبعضها كان بريئاً في العلم بالنسبة للذين آتاهم الله بسطة في الجسم
وسخاء في الإنفاق، ومصدراً لا ينضب له معين من النضار.
هذه السنوات لم تصنع المعجزة في أولئك الرواد المستغربين في الشرق، أو الغربان التي تنعق - على أصح تعبير - وكل ما في الأمر أنها صبغت ظواهرهم بطلاء براق من الألقاب العليمة ولم تنفذ إلى جوهر الروح الذي بقي مربوطاً بالأمة التي لا يزال مجموعها يعيش في الجهل، وبالأسرة التي لا تزال على غرار أسرة الإنسان الأول في طفولة الحياة البشرية.
ولا نستطيع أن ننكر عقولنا ونسلم جدلا بأن هؤلاء قد أصبحوا - على سوء الجيرة - كالغربيين روحاً وذوقاً وفناً، وإنما كل ما في الأمر - وهو الصحيح والواقع - أن حضارة الغرب قد بهرتهم ماديتها ولم يفهموها فهماً صحيحاً، وفي محاولتهم تجريح الشرق بأظافر مستعارة من روح الغرب، البرهان الذي لا يقبل الجدل على أنهم يشعرون بذلك في أعماق نفوسهم ويحاولون التضليل.
والبيئة الجغرافية تترك أثراً عميقاً من سماتها في الأخلاق والدين والفن والذوق والاجتماع في الجماعات التي تعيش فيها وتطبعها بطابع خاص لا تجد سبيلا إلى الخلاص منه مهما أوتيت من عزيمة وجبروت.
ولو أنك غرست شجرة من مناطق خط الاستواء في غير تربتها ومناخها، وحاولت كل طريقة لاستدامة روعتها ورونقها ولذة فاكهتها، لما وجدت إلى ذلك سبيلا.
والأفكار المستوردة من بيئات بعيدة لا تستطيع الحياة في مناخ غير مناخها، وفي تربة غير تربتها، وغالباً ما يكون نصيبها الموت.
أرأيت نتيجة تلك المحاولة التي قام بها ملك من الشرق لينقل حضارة الغرب إلى بلاده عن طريق اللباس في بلاد الأفغان، وهي على بعد سحيق من أوربا، غير مقدر النتائج الخطيرة التي آلت إليها، وغير مفرق بين موضع تركيا الجغرافي والفارق البعيد بين الأتراك والأفغان؟
وأولئك المربين المستغربين الذين يغيرون على أفكار أساطين التربية في الغرب - تلك الآراء التي ترعرعت وشبت في جو ملائم وبيئة جغرافية خاصة - فيملئون بها المجلدات نقلا حرفياً وتقليداً وتشويهاً ومسخاً للعمل بها في بيئات وشعوب لا صلة لها بالشعوب التي
انتزعت من حياتها تلك الأفكار. أليس مثلهم مثل الطبيب الذي يأتيه المريض وقد هد جسمه الداء فلا يستأصل شأفة المرض، وإنما يصبغ وجه المريض باللون الأحمر، وكفى الله المؤمنين القتال؟
والنكسات الروحية والخلقية والقومية التي تصاب بها الأمم والشعوب من حين إلى آخر في سير الزمن لا تمس جوهر الروح في تلك الأمم والشعوب، بل لعلها تجدد شبابها وتخلع عليها أبراداً قشيبة من اليقظة فتفيق من سباتها وتعاود السير من جديد، عزيزة الجانب، قوية الخلق، متحدة كالبنيان المرصوص.
والكسب المادي، والأشخاص الذين حرمهم الله نعمة الذوق الذي لا تعلمه الكتب والجامعات، والذين في نفوسهم مرض - كل ذلك وهؤلاء لا يزيدون في نظر الواقع على غبار تثيره أقدام الأمة في مسالك الحياة دهى سائرة إلى غايتها البعيدة.
ولعل شر فئة من هؤلاء المستغربين تلك الفئة الخاملة الجاهلة التي تعيش في الحياة كالنباتات الطفيلية على أفكار غيرها من مرضى الضمائر ومعتلي النفوس، فقد يضمك مجلس مع جماعة فينبري منها من يكيل الثناء لشكسبير لأنه غربي، ويطعن في المتنبي لأنه شرقي، حتى إذا حز في نفسك هذا المسلك وطلبت منه تحديد النقد وتقديم الأمثلة، تكشف لك عن عامية مغرقة في الجهل، لأنه لم يقرأ للمتنبي، ولم يعرف لغة شكسبير، وإنما كل ما في الأمر أنه يقلد التقليد الأعمى ليضاف إلى قائمة أصحاب الرأي الحر الذين يهدمون بيوتهم ليبنوا من حجارتها بيوتاً للآخرين.
وفي كل قطر عربي مجموعة من هؤلاء المستغربين يحملون الإجازات الدراسية العالية وقد مكنت لهم تلك الدراسات من الجلوس على المقاعد الأمامية في رواية الحياة وتوجيه الأجيال المقبلة التي تضع الأمة العربية آمالها وأحلامها فيها.
ومن رعاية الله لهذه الأمة أن جعل في جذورها الغضة التي تستمد حياتها إلى الغد المجهول قوة شديدة تقاوم تلك الرياح اللافحة، وجعل في كنانته جنوداً يذودون عن المجد التليد والدين الحنيف والتاريخ المشرق، ولا تأخذهم في الحق لومة لائم، ومكن (لرسالته) في النفوس.
(العراق)
علي محمد سرطاوي
مدرس في متوسطة المسيب
صور من الحياة
جزاء. . .
للأستاذ كامل محمود حبيب
آه، إن في الإنسان دوافع ترابية إن سيطرت عليه نزلت به عن معاني الإنسانية!
قال لي صاحبي: وانفلتّ من لدن أخي بعد أن سخر من ضعفي وسلبني مالي. . . انفلت من لدنه وفي يدي جنيهات، وفي قلبي لوعة، وفي عيني عبرة، وأحسست بقلبي يحتدم غيظاً وكمداً، وشعرت بفؤادي ينشق أسى وألماً.
ولبسني الشيطان، وسيطر عليَّ الأرق، وتناهبتني الهموم، فقضيت ليلتي أتقلب في أتراحي وشجوني والشيطان إلى جانبي ما يبرح ينفث فيَّ سموماً شيطانية ويسوِّل لي أمراً، وأنا ألقي السمع إلى كلماته، أطمئن إلى حديثه حيناً، وأفزع عنه حيناً، وبين يديَّ جنيهاتي أقلبها ذات الشمال وذات اليمين وفي قلبي قلق واضطراب، وفي رأسي خواطر سود ما تنقشع. . . ولكن أخي هو أخي، ضمني وإياه تاريخ سنوات عجاف، ولطالما استشعرت منه العطف والحنان والتضحية.
وقال لي الشيطان: لقد غالك أخوك وأنت في مرضك تهفو إلى شفقته وترنو إلى رحمته، غالك لتصبح فقيراً ترى أبناءك يحسون لذع الفاقة ومرارة العوز وقسوة الحرمان على حين يرفل أبناؤه في السعة ويتقلبون في النعيم.
لا عجب، فهو رجل ترابي العقل، أرضي العاطفة، نشر حواليك شباك الجشع - على حين غفلة منك - ليستلبك من مالك، وأنت في سقامك لا تستطيع أن تذود عن نفسك بعض طمعه ولا أن تناقشه الرأي، فاستسلمت - على الرغم منك - في فتور وضعف. لقد عبث بالأوراق في خسة، ورتب الحساب على نسق أراده هو ليبلغ غاية يتلظى الشره في ثناياها منذ أن شطر الدار شطرين، وأرهقك بالدين عن عمد منه، ثم صدمك بفكرة بيع الدكان ليرغمك على أن تنزل له عن حصتك بثمن بخس. تلك أمور سوَّنها إرادة طينية تغلغلت في نفسه ليستولي على مالك في غير حق. فأنت عاجز الهمة، فاتر المروءة، إن لم تدفع ما أصابك من ظلم وطغيان. ستراه - بعد أيام - يرفل - هو وصغاره - في الحرير والدمقس ويستمتع بأطايب الطعام ولذيذ المأكل، على حين لا تجد أنت إلا صبابة من مال لا تغني
من عرى ولا تسمن من جوع. فلا تقعد عن أن تغمد هذا الخنجر في صدره، أو تصوب فوهة ذاك المسدس إلى قلبه. تسلل إليه في سكون الليل، تحت ستر الظلام، ثم استل روحه من بين جنبيه وارتد إلى فراشك هادئ البال، ساكن الجأش، فتكون قد انتقمت لكرامتك ومالك. وإلا فأنت عاجز الهمة فاتر المروءة.
وظل الشيطان يوقع لحن شيطانيته على أوتار أذني في دربة ولباقة، حتى أوشكت أن ألقي إليه السَّلم فأتردى في الهاوية، وظللت أنا أضطرب في مضلات لا أهتدي ولا يغمض لي جفن، فما سكنت جائشة نفسي إلا حين سمعت صوت المؤذن ينادي في الفجر:(الله أكبر، الله أكبر). . . فاستيقظت الروحانية في قلبي، وقمت في تراخ وكسل أدس جنيهاتي في درج مكتبي، ثم انطلقت صوب المسجد عسى أن أجد هناك راحة النفس وهدوء الضمير، أو أن أنفض عني الخواطر الشيطانية وهي ما زالت تتدفق في قلبي منذ الغسق. وهناك - في المسجد - أحسست السكينة والأمن حين ألقيت عن كاهلي متاعبي وشجوني. وكنت كلما سمعت (الله أكبر) شعرت بروح المسجد تغمر قلبي نوراً وهدوءاً، وتملأ جوانحي ثقة وإيماناً، وتنفث في روحي الحياة والنشاط. وللمسجد في قلب المؤمن معان سماوية تسمو به عن النوازع الأرضية الوضيعة، وترتفع به عن شواغل المادة الحقيرة. وسكنت إلى المسجد فجلست في ناحية منه استلهم وحيه السماوي وأجتلي نوره الفياض، فما أفقت إلى حين ملأ نور الصبح صحن الجامع.
ورجعت إلى داري يهدني الجهد والإعياء مما قاسيت في ليلتي وأنا مؤرق الجفن، مضطرب البال، مشتت الذهن، فبدا عليَّ الشحوب والذبول. ورأت زوجي عذاب نفسي مسطوراً على جبيني فنظرت إليَّ في ذهول وشفقة، ثم انعقد لسانها فما استطاعت أن تحدثني بأمر ولا أن تشير برأي، وخشيت أن تقول كلاماً ينكأ جرحي ويدمي قلبي ويركسني إلى العلة التي برئت منها منذ أيام، فأمسكت بالرغم منها.
وقضيت يومي أضطرب في أنحاء القرية لا أستقر، أريد أن أفر من خواطري، وأن أهرب من أخيلتي، فلا أستطيع إلى ذلك سبيلا، وظلت هي تلاحقني وتتشبث بي حتى رجعت إلى داري عند الأصيل. وألفيت زوجي تختلج اختلاج مكروب أرمضه الأسى، وفي عينيها أثر البكاء والضنى.
وعزَّ عليَّ أن أحمِّلها بعض وزري، أو أن أشركها في هذا البلاء، فأطفئ فيها جذوة الشباب وأخمد فيها نور الحياة. وعزَّ عليَّ أن تتساقط أسفاً وحسرة، وأنا قد لمست فيها العطف والحنان في ساعة العسرة، فجلست إلى جانبها أحدثها:(ما بك؟) قالت: (لا شيء، إلا أن أراك تأسى على أمر تافه ضئيل). قلت: (لقد غالني أخي فسلبني مالي). قالت: (لا بأس عليك، فهو أخوك الأكبر، وهو منك بمنزلة الأب، وله عليك ألف حق وحق). قلت: (أفيذرني وحيداً عاجزاً يلتهمني الألم وتعصرني الفاقة). قالت: (آه، إن في السماء أموراً غُيِّبتْ عنا لتكون بلاءً للصابرينّ! وما أقسى فقر النفس!). قلت: (هذه فلسفة عفنة). قالت: (ولكنها فلسفة روحانية تذر النفس هادئة مطمئنة، فكم أخذت من أخيك بالأمس ثمناً لحصتك من الدكان). فسحبت جنيهاتي من درج المكتب في فتور، ثم ألقيتها بين يديها في صمت. ونثرت هي الجنيهات بين يديها تعدها وأنا أرمقها في سكون، ثم قالت:(الحمد لله، هذا شيء كثير). وعجبت أنا لقولها. ولكن نفسي اطمأنت حين أحسست بكلماتها تزيح عني عبئاً ثقيلاً يمضني ويضجرني. . .
وفاضت روح الإيمان والعقيدة على المبلغ الضئيل فملأته خيراً وبركة، وفاض نور المسجد على قلبي فغمره فاستحال اليأس القاتل إلى أمل واسع جيَّاش، وانقلب الفتور إلى نشاط يتوثب، وأحسست بالصحة تسري في عروقي، وانطوت الأيام فإذا جنيهاتي تصبح دكاناً يفهق بالبضائع من كل صنف، ورفّت السعادة على داري فأفعمتها بالهدوء والطمأنينة. . . ثم. . . ثم نسيت ما كان من أخي الأكبر.
أما أخي فظل يدل عليَّ بمال وصحته وأولاده حيناً من الزمان، ثم ضربته العلة وركبه السقام فانهدت قوته وذوى نشاطه. أفكان ذلك من أثر الندم الذي يتأجج بين جوانحه على أن غالني حقي وأنا مهدود القوة لا أستطيع أن أدفع أذى ولا أن أرد شراً؟ أفكان من أثر أكل المال الحرام وهو ينسرب إلى جوفه لظىً يتضرم؟ أفكان من عدل السماء وهو يجازي الشر بالشر ويدفع السيئة بالسيئة؟ من ذا يدري؟ ولكنه انطلق يطب لداءين: داء نفسه وداء جسمه. . . وثقلت عليه وطأة المرض فانحط في فراشه لا يبرحه، وانصرف عن تجارته فأغلق دكانه، وتسلل المال من بين يديه إلى الدواء والطبيب، وبدا على وجه زوجه سمات الجزع والقلق - بادئ ذي بدئ - ثم برمت به فهي لا تصغي إلى حديثه إلا في ملل، ولا
تجيب نداءه إلا في ضجر، ولا تقوم على خدمته إلا في تثاقل.
واختلفت إليه أريد أن أخفف عنه لوعة المرض، وأن أزيل عنه جفوة الوحدة، فاستقبلتني زوجه - أول الأمر - في بشر وتلقتني في بشاشة وتحدثت إليَّ في سرور، ثم تراءى لي أنها تطمع في أن تصرفني عن أخي، وأن تخدعني عن نفسي، وأن تستلبني من قلبي، فدفعتها في رفق ونصحتها في لين، ولكنها كانت فتاة جميلة فيها المكر والمداهنة، تتوسل إلى رغبات نفسها بأساليب شيطانية فيها الإصرار والعناد. وخشيت أن أغلظ لها القول فتنطلق إلى أخي توسوس له وتوحي إليه بأنني أريد أن أعبث بكرامته، أو أن أسطو على عرضه فتقمصه الصدمة، وهي قوية عنيفة، وهو ما يزال يعاني عنت المرض ولأواء العلة.
لشدَّ ما آذاني أن أراك - يا أخي - تفقد مالك وصحتك وزوجك في وقت معاً! ولشدَّ ما حزَّ في نفسي أن أرى زوجك تحاول أن تغترني عن كرامتي وشرفي ورجولتي لأكون حيواناً يرتدع في حيوانيته في بيتك أنت يا أخي!
بالرغم مني - يا أخي - أن أنزوي عنك فلا أزورك إلا بين الحين والحين، وبالرغم مني أن أصانع زوجك اللعوب لأحفظ ودك. . . آه، لو أن لك أذناً تسمع حديثي وتطمئن إلى قولي! ولكني أوقن بأنك لا تسكن إلا إلى حديث زوجك، ولا تستعذب إلا كلماتها، ولا تستسيغ إلا خداعها!
ومضت الأيام، فإذا أخي يخرج إلى الناس يتكفأ في مشيته من الضعف والهزال، وقد ضربه الإفلاس وركبه الدَّين، لا يجد من يحنو عليه غيري أنا. . . أنا أخوه الذي اغتال مالي وسلبني حقي ليشبع رغبات نفسه ورغبات زوجه.
فيا أخي، إن في الإنسان دوافع ترابية إن سيطرت عليه سفلت به عن معاني الإنسانية!
كامل محمود حبيب
شعر المعتمد بن عباد
للأستاذ أحمد أحمد بدوي
- 1 -
ولد في مهاد الملك، وعاش أميراً فملكا، لم تدفعه الحاجة إلى الارتزاق بشعره، وإنما كان كالعصفور الغَرِد، يمتلئ شعوراً بالحياة، فيغني، وتبهجه آيات الجمال، فيصدح، لا يضطر إلى أن يلبس عواطفه غير لبوسها.
وقد رأى والده فيه بادرة هذا النبوغ، فشجعه على أن يقرض الشعر، وعرف الابن في أبيه حبه للشعر، فاتخذه في رسائله إليه: يمدحه آنا، ويستعطفه حيناً، ويعتذر إليه مرة، ويطلب منه بعض أنعامه تارة أخرى كما سنرى علماً منه بما للشعر من تأثير في نفس والده، وبأنه جدير أن يبلغ به ما يريد.
وأغرم المعتمد بالشعر، حتى إنه ليفضل أن يكتبه في رقعة الدعوة إذا دعا، ويستجيز الشعراء، ويطلب إليهم أن يكملوا ما بدأ، وكثيراً ما كان يرسل إلى وزرائه، وندمائه، وشعرائه رسائل بالشعر بدل منثور الكلام.
- 2 -
وكان شعره صورة للحياة التي عاشها في عهد الإمارة والملك، حياة الترف والجلال معاً، تراها ممثلة في قوله:
ولقد شربت الراح يسطع نورها
…
والليل قد مد الظلام رداء
حتى تبدى البدر في جوزائه
…
ملكا تناهى بهجة وبهاء
لما أراد تنزها في غربه
…
جعل المظلة فوقه الجوزاء
وتناهضت زهر النجوم يحفه
…
لألاؤها، فاستكمل الآلاء
وترى الكواكب كالمواكب حوله
…
رفعت ثرياها عليه لواء
وحكيته في الأرض بين مواكب
…
وكواعب جمعت سنا وسناء
إن نشرت تلك الدروعَ حنادسها
…
ملأت لنا هذي الكؤوسَ ضياء
وإذا تغنت هذه في مِزهر
…
لم تأل تلك على التريك غناء
فحياته كما ترى بين راح يسطع نورها في ظلمة الليل، تحت أضواء بدر يملأ الكون بهاء وبهجة، تحف به النجوم المتلألئة كما تحف الرعية بمليكها. وهنا يعقد موازنة بين نفسه في الأرض والبدر في السماء، فهو في ملكه بين مواكب من الجند، أو بين كواعب أتراب، يصدحن بأعذب الموسيقى، وأرق الغناء.
وملهاة أخرى كانت أثيرة لديه، تلك هي ملهاة الصيد؛ يطلب من والده حيناً أن يأذن له بساعة ينفقها فيه، ويرى في ذلك منة من والده عليه، وحيناً يرسل إلى أبيه يحدثه عن ساعة قضاها في الصيد والقنص.
وكان لبعض الأحداث السياسية صداها في شعره، ولعل من أعظم تلك الأحداث استيلاءه على قرطبة، وهو حادث ملأ نفسه زهواً، وربما أفعم قلبه بالأمل، في أن يوحد الأندلس العربية تحت رايته، ويقيم في البلاد دولة بني عباد. ولا جرم فقد كانت قرطبة عاصمة الأندلس كلها، يوم كان الحكم العربي مزدهراً بتلك الديار. ويبين المعتمد عن هذا الزهو، وذلك الأمل في قوله:
من للملوك بشأن الأصيد البطل
…
هيهات، جاءتكمُ مهدية الدول
خطبة قرطبة الحسناء إذ منعت
…
من جاء بخطبها بالبيض والأسل
عِرْس الملوك لنا في قصرها عُرُس
…
كل الملوك به في مأتم الوجل
فراقبوا عن قريب، لا أبا لكم
…
هجوم ليث بدرع البأس مشتمل
ومن أعظم هذه الأحداث أيضاً تلك المعركة التي دارت رحاها يوم العروبة بين المعتمد بن عباد، والمرابطين، وأمراء الأندلس من ناحية، وبين ألفونس السادس ملك إسبانيا المسيحية من ناحية أخرى، وعرفت في التاريخ بمعركة الزلاقة، وقد تحدث عن صبره على أوار تلك المعركة. والمؤرخون يروون بلاءه فيها، ويثنون على شجاعته واستبساله، وسجل ذلك في حديثه عن ابنه أبي هاشم، وقد ذكره ورحى القتال دائرة، إذ يقول:
أبا هاشم، هشمتني الشفار
…
فلله صبري لذاك الأوار
ذكرت شخيصك ما بينها
…
فلم يَثْنِني حبه للفرار
ويظهر أنه كان رقيق المعاملة لوزرائه وندمائه، عظيم التواضع لهم، كتب مرة إلى ذي الوزارتين أبي الوليد بن زيدون؛ وكان المعتضد قد أمر أن يكون مجلس الوزير دون
مجلس ولده المعتمد:
أيها المنحط عني مجلسا
…
وله في النفس أعلى مجلس
بفؤادي لك حب يقتضي
…
أن تُرى تُحمل فوق الأرؤس
ولذا لا نعجب أن يجيبه ابن زيدون فيصفه بأنه ملك مالك بالبررق الأنفس.
كما كان يحب أن يأخذ الأمور بالرفق واللين، ويدل على ذلك شعره الذي أرسل به إلى ابن عمار عقب نزوع هذا إلى أن يستأثر بمرسية:
متى تلقني تلق الذي قد بلوته
…
صفوحاً عن الجاني، رءوفاً على الصحب
كان شعر المعتمد أميراً وملكاً يفيض بالبهجة، ويغمر بالسرور، حتى إذا ما قلب الدهر له ظهر المجن، فهاجمه يوسف بن تاشفين حليفه بالأمس، انقلبت تلك الحياة الراضية حياة بؤس وشقاء. ولعل من أوائل الكوارث التي نزلت به وفاة ولديه اللذين كانا على قرطبة ورندة عندما أغار عليهما جيش يوسف، وهنا يبدأ عهد المحنة ويفيض شعره الباكي الحزين، حتى إذا تم أسره مضى الشعر يروي احساساته الحزينة، وآلامه الدفينة، وذكرياته المؤلمة، وخواطره القائمة، كما سنرى.
- 3 -
كان الغزل أهم أغراض شعر المعتمد في عهد الإمارة والملك، وهو غزل حقيقي تحدث فيه عن عواطفه في حال الرضا والغضب والقرب والبعد؛ وأظهر ما فيه أنه غير وقف على واحدة بل هن جوار وزوجات عرفنا منهن جوهرة، وسحر، ووداد، وأم الربيع، وزوجه اعتماد، يقول في الأولى منهن:
سرورنا دونكمُ ناقص
…
والطيب، لا صاف ولا خالص
والسعد إن طالعنا نجمه
…
وغبت فهو الآفل الناكص
سموك بالجوهر مظلومة
…
مثلك لا يدركه غائص
ويقول في الثانية:
عفا الله عن (سحر) على كل حالة
…
ولا حوسبت عما بها أنا واجد
أسحرُ، ظلمت النفس واخترت فرقتي
…
فجمعت أحزاني، وهن شوارد
وكانت شجوني باقترابك نزحا
…
فها هن لما أن نأيت شواهد
ويقول في ثالثتهن:
أشرب الكأس في وداد ودادك
…
وتأنس بذكرها في انفرادك
قمر غاب عن جفونك مرآ
…
هـ، وسكناه في سواد فؤادك
ويقول في أم الربيع:
تظن بنا أم الربيع سآمة
…
ألا غفر الرحمن ذنباً تواقعه
أأهجر ظبياً في ضلوعي كناسه
…
وبدر تمام في جفوني مطالعه
وروضة حسن اجتنيها وباردا
…
من الظلم لم تحظر علي شرائعه
إذاً عدمت كفي نوالا تفيضه
…
على معتفيها أو عدواً تقارعه
أما زوجه اعتماد فيقول فيها:
بكرت تلوم، وفي الفؤاد بلابل
…
سفها، وهل يثني الحليم الجاهل
يا هذه، كفي فإني عاشق
…
من لا يرد هواي عنها عاذل
حب اعتماد في الجوانح ساكن
…
لا القلب ضاق به، ولا هو راحل
يا ظبية سلبت فؤاد محمد
…
أَوَ لم يروعك الهزبر الباسل
من شك أني هائم بك مغرم
…
فعلى هواك له علي دلائل:
لون كسته صفرة ومدامع
…
هطلت سحائبها وجسم ناحل
وهذا الغزل الذي لا يقتصر على واحدة يدل على أن صاحبه مغرم بالجمال، ويعجب به أينما كان، لا كهؤلاء المحبين الذين لا يرون الجمال إلا ممثلا في واحدة. وليس حبه حباً عذرياً، يقنع من الحب بالذكرى وطيف الخيال، فلا ترى في غزله صوفية، ولكنه غزل دائم الحديث عن لذة المتعة بالجمال، فتسمعه يقول:
الصبح قد مزق ثوب الدجى
…
فمزق الهم بكفي مها
خذ بلسما من ريقها خمرة
…
في لون خديها تجلى الأسى
ويخاطب من يحب قائلاً:
متى أدواي - يا فدا
…
ك السمع مني والبصر
ما بفؤادي من جوى
…
بما بفيك من خمر
ويقول:
وشادن أسأله قهوة
…
فجاء بالقهوة والورد
فبت أسقى الراح من ريقه
…
وأجتني الورد من الخد
حتى في النوم عندما يزوره طيف من يهوى لا يقنع إلا بالحب الواصل، ولا يرضيه إلا أن يظفر في النوم بما كان يظفر به في اليقظة، فهو يرسل إلى من يحب رسالته منها:
إني رأيتك في المنام ضجيعتي
…
وكأن ساعدك الوثير وسادي
وكأنما عانقتِني وشكوتِ ما
…
أشكوه من وجدي وطول سهادي
وكأنني قبلت ثغرك والطلا
…
والوجنتين ونلت منك مرادي
والمعتمد يسجل في شعره ما ظفر به من متع حسية بالجمال، ويحن إليها إذا نأى عنها، وشعره في الشوق إلى الجمال المفارق بارع قوي، ومن ذلك ما كتب به إلى ابن عمار يذكر عهده بشلب (إحدى مدن الأندلس) ولياليه السعيدة بها، ومعاهد لهوه فيها، فقال:
ألا حي أوطاني بشلب أبا بكر
…
وسلهن هل عهد الوصال كما أدري
وسلم على قصر الشراحيب عن فتى
…
له أبدا شوق إلى ذلك القصر
منازل آساد وبيض نواعم
…
فناهيك من غيل وناهيك من خدر
وكم ليلة قد بت أنعم صبحها
…
بمخصبة الأرداف مجدية الخصر
وبيض وسمر فاعلات بمهجتي
…
فعال الصفاح البيض والأسَل السمر
وليل بسد النهر لهواً قطعته
…
بذات سوار مثل منعطف البدر
نضت بردها عن غصن بان منعم
…
فيا حسن ما انشق الكمام عن الزهر
وباتت تسقيني المدام بلحظها
…
فمن كأسها حيناً وحيناً من الثغر
وأغلب الظن أن ميدان حبه كان جواريه وحظاياه، وهؤلاء كن قريبات منه؛ ولهذا لا تحس في شعره لوعة ولا حرمانا، فهجر الجواري دلال ينتهي بوصل، وخصام لا يلبث الصلح أن يعقبه، والفراق إذا كان اليوم، ففي غد اللقيا والوصال، وهو حين يغالي في التعبير عن أساه للهجر والفراق - مدلل لمن يهواه، وكثيراً ما صور لنا مداعبات جرت بينه وبين من يهوى. ولعل من أرقها تلك التي صورها وقد جرى بينه وبين جاريته جوهر عتاب فكتب إليها يسترضيها، فأجابته برقعة لم تعنونها باسمها، فقال:
لم تَصْفُ لي بعد، وإلا فلمْ
…
لم أر في عنوانها جوهره
درت بأني عاشق لاسمها
…
لم ترد للغيظ أن تذكره
قالت: إذا أبصره ثانياً
…
قبَّله، والله لا أَبصره
وللمعتمد شعر بعث به إلى أبيه تلمس فيه ما كان يحمله الفتى الأمير لوالده من إكبار وإجلال، فهو حيناً يمدحه إلى التفرد بالمجد والسيادة إذ يقول له:
ألا يا مليكا ظل في الخطب مفزعا
…
ويا واحداً قد فاق ذا الخلق أجمعا
وحيناً يرسل إليه يسأله بعض نعمه، كما كتب إليه يطلب مجنا، وحيناً يشكره على كثرة ما أولى وأنعم، ومن ذلك أن أباه أرسل إليه فرساً أصدأ، فكتب إليه المعتمد:
نوال جزيل ينهر الشكر والحمدا
…
وصنع جميل يوجب النصح والودا
لقد جدت بالطِّرف الذي لو أباعه
…
بذلت ولم أغبن به العيشة الرغدا
جواد أتاني من جواد تطابقا
…
فيا كرم المهدي ويا كرم المهدى
وكم من أيدٍ أوليت موقعها نَدٍ
…
لدى، ولكن أين موضع ذا الأصدى
لعلي يوماً أن أوفي حقه
…
فأنعله ممن عصى أمرك الخدا
فإذا ما غضب الوالد على الأمير وجد هذا من شعره وسيلة يستل بها هذا الغضب. ولعل أكبر قصيدة في الديوان تلك التي بعث إليه بها، وقد خرج من مالقة منهزماً أمام باديس، وقد تصرف في هذه القصيدة تصرفاً بارعاً، فبدأها بالحديث إلى نفسه، يطلب منها أن تهدأ وتستقر، إذ لا فائدة في البكاء، ولا خير يرجى من الحزن والألم، ما دام القدر قد عاق عن بلوغ الأمل فيقول:
سكن فؤادك لا تذهب بك الفكر
…
ماذا يعيد عليك البث والحذر
ثم ينتقل انتقالا طبيعياً إلى مدح والده مدحاً رائعاً قويا بدأه بقوله:
سميدع يهب الآلاف مبتدئاً
…
ويستقل عطاياه ويعتذر
ويمزج المدح بالاعتذار إليه، طالباً منه أن يبقي عليه ولا يوهنه فهو العدة في حوادث الدهر، وهو الناب والظفر وقت الشدة. ويظهر مما وصف به المعتمد نفسه، معتذراً إلى والده حين يقول:
فالنفس جازعة، والعين دامعة
…
والصوت منخفض، والطرف منكسر
وزاد همي ما بالجسم من سقم
…
وشبت رأساً، ولم يبلغني الكبر
وذبت إلا ذماء فيّ يمسكني
…
أني عهدتك تعفو حين تقتدر
يظهر أن وقع الهزيمة كان شديداً على نفس أبيه، وأكاد ألمح أن والده المعتضد قد أرجع سبب الهزيمة إلى انصراف ولده المعتمد إلى اللهو والغناء، والخمر والنساء، ومن أجل هذا بذل المعتمد جهداً كبيراً في أن يبرئ نفسه منها، منحياً على قوم ذوي دغل، لعلهم هم الذين نقلوا إلى أبيه أموراً لا ترضيه، فقال المعتمد يتنصل:
لم أوت من زمني شيئاً ألذ به
…
فلست أعهد ما كاس ولا وتر
ولا تملكني دل ولا خفر
…
ولا سبى خلدي غنج ولا حور
ما تركي الخمر من هذر ولا ورع
…
فلم يفارق لعمري سني الصغر
وإنما أنا ساع في رضاك فإن
…
أخفقت فيه فلا يفسح لي العمر
(البقية في العدد القادم)
أحمد أحمد بدوي
من أسرار الوضع في اللغة العربية
للأستاذ جلال الحنفي
ليس للشك مجال إلى أفكار الباحثين في أن اللغة العربية ذات سلطان مبين في عالم اللغات؛ وأن معجماً واحداً من معاجم اللغة العربية يكفي للدلالة على أن هذه اللغة لغة بالغة أوج المراتب من بين سائر الألسنة؛ وأن أهلها الذين وضعوها كانوا على جانب عظيم من الرجحان العقلي والنضج والإحساس.
ومن البديهي أن لغة كل قوم حجة لهم أو عليهم. فإذا كانت لغتهم حصيفة موزونة، فهم أولو أفكار عالية وأذهان خصبة؛ وإذا كانت لغتهم ركيكة ضئيلة فإن ذلك يدل على أنهم متفككو عرى التفكير ومتقطعو سلاسل الثقافة.
والعرب وإن كانوا أميين لا يعنون بالقراءة ولا بالكتابة فإنهم استطاعوا أن ينشئوا لأنفسهم لغة محكمة مفصلة في خلال أدوار أميتهم ومن قبل أن ينتقلوا إلى عهود الكتابة والتدوين.
وليس المهم أن يضع العرب الأميون لأنفسهم لغة واسعة للتخاطب كغيرهم من الأمم؛ وإنما المهم أن تكون اللغة التي وضعوها قائمة على مقاييس فنية عجيبة تدهش العقول وتخلب الألباب. ولم يُعرف أن لغة أخرى غير العربية قام فيها الوضع على مثل هذه الملاحظات والدقائق. فكثير من الألفاظ التي أطلقاها العرب على بعض المسميات أو بعض المعاني لم تكن لمجرد التسمية فحسب، بل كانت فوق ذلك لملاحظات فنية بارعة؛ فمن ذلك أن العربسموا المتاهة المخوفة (مفازة) تفاؤلا بالسلامة من المكاره وارتقابا للنجاة من المخاطر؛ وفي ذلك إشعاع على النفوس وإمداد لها بالطمأنينة والرجاء. . . كما أنهم سموا الملسوع الذي لدغته الأفعى (سليماً) ليوحوا إلى نفسه شيئاً من الأمل بالبرء، وليوقعوا في ذهنه بعض الرجاء في الشفاء. . . وسموا الأعمى (بصيراً) ليهدئوا في نفسه ثورة التبرم ولئلا يشعر بأن العمى منقصة في الحياة أو جناية من الجنايات، أو أنه شيء مما يقصر بالمرء عن مساواة الناس في الحقوق. . .
ومن هذا النوع الشيء الكثير من مفردات اللغة يستدل منه على أن الوضع في العربية قام على أركان غير ملحوظة في سائر اللغات العالمية التي توخى واضعوها تركيب الألفاظ لقاء المعاني المقصودة ليستعان بها على التخاطب والتفاهم. . .
وهناك أنواع من المفردات أتقن الواضع العربي أمرها كل إتقان، وأحكم تدبيرها كل إحكام، فجاءت مهندسة الشكل معينة على بلاغة الأساليب صريحة في دلالتها على عظمة هذه اللغة وعلى جلالة قدرها وارتفاع شأنها. وقد وضعت هذه المفردات لتدل دلالة مفاجئة على المعاني المقصودة، فمن ذلك لفظة (ضيزى) فإذا قرأ أحد قوله تعالى:(تلك إذن قسمة ضيزى) علم بالبداهة أن هذه اللفظة إنما تعني وصف القسمة بالجور والنقيصة، وإن كان لم يسبق إلى ذهنه شيء من تفسير معنى اللفظة، وذلك لأن النمط الذي نسجت عليه يدل دلالة واضحة على أن هذه اللفظة لا ترمي لغير معنى الجور والنقص. وكذلك الحال في معظم ألفاظ العربية فإنها جاءت مقارنة لمعانيها فلم توضع في العربية لفظة خشنة لمعنى رقيق، ولا وضعت لفظة رقيقة لمعنى ثقيل. . . وأسباب ذلك أن الواضع كان يتأثر نفسياً ببعض الأعمال أو ببعض الأمور فيضع لها مسميات بحسب ما يسيطر عليه من الشعور نحو تلك الأعمال والمسميات، فكان إذا كره شيئاً أو اشمأز منه سماه باسم فيه وعورة وخشونة، وإذا أحب شيئاً ورغب فيه سماه باسم فيه رقة وليونة؛ فهو مثلا عندما بوغت يوماً ما بقسمة جائرة اشتد غضبه وعظم انزعاجه فانبرى يصف تلك القسمة بوصف يثير أكبر مقادير الاشمئزاز في النفوس فكان لديه من ذلك لفظة (ضيزى). ويرى الواضع شيخاً هرماً خائر القوى فلا يجد إلا أن يطلق عليه تسمية خشنة تنم عن مبلغ ما اعترى هذا الواضع من الدهشة لذلك المنظر الذي هو رمز من رموز الموت، تلك التسمية هي:(القشْعُمان).
ونجد الواضع يستمع إلى شاعر يلقي قصيدة من الشعر الركيك المهلهل فيمج ذوقه مثل هذه القصيدة ويستسخف مثل هذا الشاعر فيؤلف له من بعض الحروف الخاصة تسمية يصب عليها شعوره الحاد، ثم يطلقها عليه ليثأر منه فينقلب ذلك الشاعر وقد حمل اسماً جديداً هو (القرزام)
ويمشي الواضع في طريق كثيرة التبلد والأعقاد فينهكه التعب ويجهده السير فيلقي على الطريق اسماً جديداً ينم عن شدة تذمره منها وذلك الاسم هو (القردودة) وكذلك أطلق نفس الاسم على شدة برد الشتاء. . . وينزعج الواضع من امرأة كثيرة الكلام والصخب تقطع عليه راحته وتشوش عليه طمأنينته فيطلق عليها اسم (القُراقِرة) تشويهاً لها. ويرى رجلاً
متهيئاً للشر متربصا لأسباب الشقاق والخصومات على الدوام فيسميه (المقدَحِر). . .
ومن هنا وجدت في العربية مفردات متنافرة الحروف أو ثقيلة على الأسماع، وكان البلغاء يظنونها معيبة في البلاغة غير أنها إذا جاءت في مواقعها الملائمة لها كانت من عرافين البلاغة ومن عيون الكلام. . .
ولقد عيب على الشاعر استعماله كلمة (النقاخ) في هذا البيت
وأحمق ممن يكرع الماء قال لي:
…
دع الخمر واشرب من نقاخ مبرّد
مع أن الشاعر نال باستعمال هذه الكلمة توفيقاً عظيماً من البلاغة، لأنه أراد أن يهجو الماء تحدياً لمن نهاه عن الخمر، ولم يكن مناسباً لهذا الهجو إلا أن يطلق على الماء أبشع أسمائه.
والعجيب في هذه اللغة أن كل لفظة موضوعة فيها يمكن الوصول إلى معرفة السر في وضعها واختيارها، وما وضعت في العربية لفظة واحدة لمعنى من المعاني إلا لعلاقة رابطة أو بسبب وثيق. فإن الواضع العربي وضع مثلا لفظة (المضجع) لمعنى وضع الجنب على الأرض، ثم وضع نفس اللفظ لمعنى ميلان النجم للغروب، وأسباب ذلك أن النجم عندما مال للغروب شابه ميلان الرجل للنوم فأطلق عليه ذلك. ولما كان النائم المضطجع قاصراً عن كل عمل فقد قالوا: تضجَّع الرجل إذا قصر في الأمر، وأطلقوا (الضجعة) على الوهن في الرأي، لأن الرأي الواهن أشبه بحالة الراقد الذي لا يفكر تفكيراً سليماً. وأطلقوا لفظة (الضاجع) على الأحمق لأنه أشبه بالنائم لعدم إنتاجه لشيء من الخير والمصلحة، وكذلك أطلقوا هذه اللفظة على منحنى الوادي لأنه مائل كالنائم المضطجع، وأطلقوا لفظة (الضجوع) على السحابة المثقلة بالماء والبطيئة في سيرها كأنهم شبهوها بمن يريد أن يضطجع من ثقل وتراخ. . وهكذا الأمر في كل لفظة من ألفاظهم. . .
وليس للألفاظ المشتقة في العربية أصل لدى الواضع فإنه كان طوراً يبدأ الاشتقاق بالفعل وطوراً يبدأه بالمصدر وطوراً باسم من الأسماء، فمثلا على ذلك أنه أطلق اسم (الأسد) على الحيوان المفترس المعروف، وبعد حين احتاج إلى أن يصوغ منه فعلا فقال (أسِد) أي صار أسداً في بعض خصائصه. . وكذلك الأمر في سائر الألفاظ فإنها تنقسم في الاشتقاق إلى هذه الأقسام. وقد يضع الواضع المعنى المطلوب لأول مرة بصيغة الأمر ثم يشتق منه الماضي، أو بصيغة الماضي ثم يشتق منه باقي الأفعال؛ وربما وضعه بصيغة اسم الفاعل
أو اسم المفعول ثم ينتقل فيتصرف في النحت والاشتقاق. . .
وقد أعانت هذه الطرائق في الوضع على توسيع دائرة البلاغة وإنهاض أساليب الكلام، فقد هيأ واضع اللغة للشعراء جملة كبيرة من الوسائل الميسرة لقرض الشعر وتجويده؛ فإعداد مئات من الألفاظ والمترادفات أدى إلى انتعاش القافية في الشعر كما أدى إلى تعدد الأوزان والبحور، ولولا هذه المترادفات الكثيرة لما حصل لدينا هذا الرقم الكبير من البحور والقوافي والتفاعيل، فإن الشاعر إذا لم يجد ملاءمة بين بعض الألفاظ ذات المعنى المقصود وبين وزن التفاعيل استطاع الإتيان بألفاظ أخرى تماشي الوزن وتناسب الروى وتقضي المطلوب. . .
وهناك حروف إن اجتمعت في بعض كلمات دلت على معان متقاربة (فالعين) و (القاف) و (الدال) إن اجتمعت دلت على الشدة والأحكام؛ و (العين) و (الطاء) و (النون) دلت على الإقامة والثبات؛ و (الكاف) و (الراء) تدل على الجمع والترديد؛ و (الهاء) و (الزاي) تدل على الاضطراب والحركة. وهناك حروف إن اجتمعت في كلمات دلت على أنها منقولة إلى العربية من ذلك (الظاء) إذا جاءت بعد (الخاء) وكذلك (الزاي) بعد (الدال). . .
وهناك أسرار وأعاجيب في هذه اللغة المجيدة تثير الدهشة
ذلك تلخيص الكلام عن أسرار الوضع في العربية فكيف يا ترى تيسر لسكان جزيرة العرب أن يؤلفوا لغتهم هذا التأليف المحكم، وكيف كان عليهم أن يضعوا مفرداتها هذا الوضع الفني الدقيق؟!. . .
إن ذلك شيء عجيب يستحق الكلام الطويل. . .
(بغداد)
جلال الحنفي
ترجمة وتحليل:
الخلود
لشاعر الحب والجمال لامرتين
ترجمة الأستاذ صبحي إبراهيم الصالح
- 1 -
كان لفاجعة لامرتين في حبيبته (جوليا) - وهي موضوع قصة (رفائيل) - أثر عظيم في إرهاف حسه، وإخصاب خياله، وتفتيق عبقريته: فله فيها مراثٍ جياد تفور بالعاطفة الجياشة، وتزخر بالتصوير البارع، وتمتاز بالنفس الطويل.
ولا ينسى مطلع على كتاب (من الأدب الفرنسي) تلك اليد البيضاء التي أسداها إلى أبناء هذا الجيل أستاذنا الجليل الزيات يوم نقل إلى العربية بقلمه الرشيق، وحسه الدقيق، وأسلوبه الذي لا يجارى، قصائدَ (البحيرة، والوحدة، والوادي، والمساء، والذكرى، والدعاء) فأظهرنا على نفسية شاعر عظيم، وعلمنا كيف نترجم للخالدين. . .
أما القصيدة التي نقدمها اليوم إلى الرسالة - بعد غيبتنا الطويلة - فهي إحدى مراثي لامرتين لحبيبته، وهي فياضة بصوره وأخيلته، تصف بلباقة ما كان يكظمه من الحزن، وتفصِّل بأسلوب شعري علاقة الروح بالبدن، وتقوِّي في الفطرة السليمة عقيدة (الخلود).
نظم الشاعر هذه القصيدة سنة 1817 بعد أن مضى زمن قصير على موت جوليا وأفول شمسها، وكان الحزن لا يزال يلوع قلبه، ويحطم أعصابه؛ فلا غرو إذا كانت نغماته في كل فقرة تنطلق كالزفرات وتوشك أن تسكب الدموع؛ ولا يدع إذا شرع - في استهلال قصيدته - يصور فكرة الفناء بأسلوب يثير الخشوع.
فالشمس ليست عنده آية النهار ومصباح الوجود، وإنما هي شمس أيامنا السريعة التي ما تكاد تشرق حتى تؤمر بالغروب؛ فتشحب في صباحها قبيل ضحاها، وتستبدل اصفرارها بسَناها، وتأفل متعثرةً بخطاها، وتضنُّ على جباهنا الكليلة الفاترة، بأشعتها المرتجفة الحائرة، ثم تمن بها علينا باهتةً حائلة تتماوت بين يدي الليل الهاجم، فتتوالد في عقِبها ظلمات حوالك يولي منها كل شيء فراراً، ويمتلئ من سوادها رعباً، وينمحي في طياتها
ذعراً ورهباً.
(إن شمس أيامنا تشحب مع صبحها المتنفس؛
وعلى جِباهنا الكليلة تلقي وهي تتردَّد
أشعة مرتجفة تقاوم الليل المعسعس:
فيولد الظلام، ويموت النهار، وينمحي كل شيء ويتبدد!)
وجدير بالإنسان الذي وُهب حساسة وشعوراً أن يتمثل فكرة الفناء كلما رأى مغرب الشمس، وحضر مأتم النهار، وشهد مولد الليل! وجدير به أن يقشعرَّ جلده ويلين قلبه لهذا المنظر الخاشع المؤثر، وأن يوجس في نفسه خيفةً من ظلام الدجى وأن يتلمس مواطئ قدميه حيثما أسرى، فإذا أحس أنه على شفا حفرة أو لدى شفير مهوى، تراجع منتفضاً ناكصاً على عقبيه، وظل متراجعاً حتى يثوب حسه إليه.
ولقد يسمع أثناء نكوصه وانقلابه ألحاناً تشكو، وأنغاماً تبكي، وزفرات تتصاعد حرَّى، وأنفاساً تختنق كرباً، ونواقيس تنتحب ولْهى، وأَجراساً تعلن نعياً. . . فتلك أصوات تعزي العشاق في فقد أحبابهم، والإخوان في رحيل صحابهم، يوم جثوِّهم على سُرُر الموت لا يتزحزحون، وتشبثهم بأقدامها لا يتحولون. فلتتمشَّ الرعدة في أوصال الإنسان إذا ما سمع هذه النغمات، فإنها - مهما بعدت عنه - نذير بالفناء، يعكر في القلب صفو الهناء.
(ما أحرى الإنسان أن يقشعر لهذا المنظر ويلين
ويتراجع منتفضاً عن مهاوي الشقاء،
ثم يرتعد حين يسمع لحن الموت الحزين
الذي يوشك أن يتعالى في الفضاء،
ومحتبس الأنفاس من عاشقة ولْهى أو أخ حيران
متشبثين بأقدام السرير الرهيب،
أو ناقوساً منتحباً يُنبئ صوته الهيمان
أن شمس بائس شقي آثرت المغيب!)
أما وإن هذه الشمس الغاربة الخليقة بتحية الشعراء، فإنها رمز حزين لاحتضار بائس يستحق العزاء! فليضع الشاعر يده على ما يكمن في الموت من أسرار، وليسمِّ المحتضر
(فدية) تستغفر بها السماء من ذنوب الأرض وخطاياها؛ وليناج روحه مخففاً عنه ما غشيه من سكرة الموت ورهبة الحساب، غابطاً إياه على رحيله من دار الفناء إلى الملأ الأعلى، حيث تتغير حياته، وتتبدل عاداته؛ فلن يحمل سيفه الصقيل ليطيح بالرءوس ظلماً وعدواناً، ولن يقطب جبينه ويحدق بصره ليغاضب إنساناً، ولن يطلب الشر ويسعى إليه، فسيلهمه الله كل معاني الخير، وسيجعله ملكاً رحيماً يضئ بنوره ما حوله، ويحمل بيده مشعلا قدسياً يمض منه بريق الرفق والحنان.
(سلاماً أيها المحتضر! إنك لم تبدُ لحظة في دنياك
- يا فدية السماء - بهذا المنظر المخيف
الذي غشَّاك به ذعرُك أو خطاياك.
لن تشهر ذراعك أبداً سيفك الرهيف؛
ولم يعُدْ لك جبين عبوس، ولا بصر حديد:
فسيلهمك الإله الرحيم مواساة الضعفاء.
وأنت لا تبيد. . . بل ستنطلق في عالم الخلود،
حاملاً بيدك مشعلاً قدسياً يا ملك السماء!)
طوبى لروح المحتضر! فإن مآله إلى عالم الأنوار المشعشع إلى الأبد، بينما الأحياء في دار الفناء يقضون نصف حياتهم بلا نور؛ فمتى ولد الليل هجعت العيون، وانطفأت الأنوار، وامتد الظلام.
طوبى لهذا الروح! فإنه سيكون أحد هذه الأرواح العلوية التي تحمل مشاعلها القدسية، وتنزل من السماء إلى الأرض لتتسور بيوت النائمين، فتدنو من فراشهم، وترقد إلى جانبهم، ثم تسبح بهم في بحر من نورها الأزلي، وتُغرق أجفانهم في موج من ضيائها الأبدي؛ وتريهم في منامهم أخيلة رائعة، وأضواء ساطعة؛ وتريهم الليل نهاراً، والسراب أنهاراً؛ وتريهم الهائمين بين القبور يفتحون بيد الأمل أبواب الخلود، ويدخلون بسلام آمنين
(وإذا أحيل بين بصري الحسير وبين النور
أقبلت تغرق جفني بنهار أصفى وأزهى؛
فيفتح لي الأمل - وأنا قريب منك هائم بين القبور
معتصم بالإيمان - عالماً أسمى وأبهى. . .)
وهذا العالم السرمدي الذي تنعم به الأرواح في منامها ودَّ الشاعر لو يسمو بنفسه إلى آفاقه، لأنه الموطن الأول الذي نزح الإنسان منه فينبغي أن يعود إليه؛ ولكنه يرى أغلال حسه وقيود بدنه تعوقه عن الطيران، فليست يداه جناحين فيحلق بهما في السماء، وإنما هما وسائر أعضائه سجن ضيق يتحرك فيه بقدر، ويدور منه على حذر. فمن له بتحطيم أغلاله، وفك قيوده، وفتح سجنه، وجعلهِ طائراً يطير سوى هذا الروح الطليق الذي يمضي في اللانهاية حيث يشاء؟
فليستغث به عله يُصرخه، وليستعجله إلى نجدته قبل أن يقذف بنفسه إلى العالم المجهول، وهو في غمرات الحيرةوالذهول.
(تعال إذن. . . تعال حطم أغلال حسي!
ثم افتح سجني وأعرني جناحيك فأطير على رسلي!
ما يبطئ بك؟ أسرع فإني قاذف بنفسي
إلى هذا العالم المجهول غايتي وأصلي. . .)
ويخيل إلى الشاعر - وما ذاك منه سوى خيال - أن روحا لبى نداءه، فحطم أغلاله، وأطلقه من سجنه، وألقى في روعه أنَّ في مكنته أن يطير؛ فينظر فيما حوله حائراً شروداً، ويرى أنه خُلق خلقاً جديداً؛ فتعجب نفسه من نفسه، ويقارن بين حاضره وأمسه. ويتساءل عن الذي فك قيود حسه، ويستفهم عن منقلبه ومصيره، وعن سر مبعثه ونشوره. ويستعلم عن الضيف المجهول الذي أجابه إلى رجيته، وعن مثواه العلوي الذي كان فيه وعن غرضه حين يسعى إليه.
(من حطم أغلالي؟ من أنا وما ينبغي أن أكون؟
إني أموت. . . ولا أفهم سر بعثي ونشوري. . .
عبثاً أسألك أيها الضيف المجهول والروح الأمين!
أين كان مثواك قبل أن ترد حياتي وشعوري؟)
(يتبع)
صبحي إبراهيم الصالح
قضايا الشباب بين العلم والفلسفة
للأستاذ إبراهيم البطراي
- 3 -
يزعم سارتر أخذ هذه الفلسفة عن الفليسوف الألماني المعاصر هيديجر ويجب أن نعرف أن هيديجر هذا كان يلوّح للناس لينظروا إلى فلسفته بصفتها بشيراً ورسولا من لدن الاشتراكية الألمانية. وبعد أن دالت دولة هتلر رأيناه في كل ما وصل إلينا من آرائه تقريباً يتجه اتجاهاً لا هو بالاشتراكي ولا هو بالإلحادي ولا هو بالشيوعي، وإنما هو أقرب - كل القرب - إلى أن يكون دينياً منه إلى أي شيء آخر. يزاد على هذا أنه يدعو الناس إلى أن ينظروا إلى فلسفته القديمة بهذا المنظار ويؤولوها بما يتفق وهذا المعنى الجديد. فأي شيء بقى إذن للتلميذ وعشاقه؟
يزعمون أن الوجودية ليست بدعاً وإنما قال بها الفيلسوف الطبيعي باسكال قبل سنة 1662، ولكن باسكال هذا حينما أحس بوجوده وتعمق هذا الوجود، وحينما نظر إلى الموجودات الأخرى وتعمق النظر راعه أن يرى الإنسان - وهو أسمى الموجودات طراً - ينغمس في شهواته الحسية الجامحة مهملا عقله فصاح صيحته الخالدة:(عجبي للإنسان يهمل عقله الذي به صار وجوده)! ولما أدمن النظر العميق في الكون، أدرك خالقه الأعظم سبحانه وآمن به أعمق إيمان، ثم انصرف ببحثه إلى الدين وبدأ يؤلف كتابه المشهور في الدفاع عن المسيحية فكان أشبه في ذلك بالرجل المتصوف.
فهل فعل سارتر مثل ما فعل؟ لقد قال إن للسن عند باسكال عذره!!
وعلى نهج باسكال، أو قريب منه، سار كيير كجارد الفيلسوف الدنمركي وكثيرون غيره أخص منهم بالذكر الكاتب المسرحي الفيلسوف جابرييل مارسيل الذي توصل إلى معرفة الله وبين أن أسمى صلة بين الموجودات ما كانت قائمة على المحبة، وأسمى أنواع المحبة محبة واجب الوجود سبحانه.
لم يبق إذن لاتحاد شركات سارتر وآخرين كما يسمونهم في فرنسا إلا أن يدعوا أنهم وريثوا فلسفة نيتشه وأنهم على طريقه ناكبون. فما هي فلسفة نيتشه هذا؟ وهل الغرض الذي قامت من أجله هذه الفلسفة في ألمانيا هو الغرض الذي تقوم من أجله في فرنسا؟ وهل
يمكن لزاعم أن يزعم أنه حتى هذه النظرية - نظرية نيتشه - كتب لها البقاء؟
أما من الناحية العلمية فلم يعد لهذا النظرية ظل من الوجود بعد زوال ظروفها وبهذا قضت على نفسها بنفسها.
وأما الغرض الذي قامت من أجله هذه الفلسفة في ألمانيا فهو تخليص الشعب من أزماته النفسية التي حلت به إثر طغيان الروح الرومانتيكية عليه كما قدمنا، وتخليص كذلك من سلطان الدين وسيطرة رجاله، لأن نيتشه كان يظن أنهم أصل كل شر، وأن الدين علم الناس العبودية للناس، هذا فضلا عن بث روح الجندية القوية التي لا تعتمد على شيء خارج عن ذاتها والتي لا تبال بشيء في الشبيبة، لأن موقع ألمانيا الجغرافي يحتم عليها ذلك.
لهذا جعل إنسانه الأعلى هو ذلك الذي يحقق لذاته وآلامه وحاجاته، أو بالمعنى الاصطلاحي (يحقق وجوده) بنفسه وبفعله الإرادي دون خوف أو ترقب لإرادة السماوات فهي لا تمطر ذهباً ولا فضة.
وليس لنا إلا اللحظة التي نحن فيها: إما عشنا عظماء وإلا فلنمت عظماء. ومن السخف أن ينظر الإنسان إلى تالد مجده فهذا شيء قد مات، ومن الغباء النظر إلى الموتى. لنفعل دائماً بإرادتنا شيئاً جديداً نجدد به وجودنا، ولنكن أقوياء نطفر قدما نحو الأمام، وويل لمن ينظر وراءه أو ينتظر عون الإله. فليست الحياة هي التي تحدد للإرادة وجهتها، وإنما الإرادة هي التي تحدد معنى الحياة ووجهتها.
وبفرض أننا تغاضينا عما في هذه النظرية من التناقض البين فمهما يكن من خطئها أو صوابها، فإنها على كل حال قد ماتت واستنفدت غرضها ووجودها أيضاً في مهدها ألمانيا. فماذا يقصد هذا الرجل المعاصر بنشر نزواته في فرنسا ومحاولة نشرها خارج فرنسا؟ شتان بين ما أراد نيتشه وبين ما يريد (اتحاد الشذوذ)، فإنهم يهملون الغاية؛ لأنهم ليسوا لها أكفاء كما أثبتت الحوادث الأخيرة في حرب هتلر، ويتشبثون بالوسيلة ولا هم لهم إلا الإباحة وهتك ستر ما بقي للناس من وشل الحياء.
وفي هذا يقول شاب فرنسي من الوجوديين المتحمسين يصف حال الشبان هناك بعد تفشي هذا المذهب فيهم واعتناقهم له: (كان الرجل البرجوازي يطالب أسرته بأن تتكلم كلاماً
مهذبا وتتأدب بآداب حسنة. . . ولكن ذلك لم يمنع من إتيان المفاسد سراً). (فالأجيال الناشئة إذ تنبذ هذه الحياة الزائفة تصر عمداً على كل هذه النقط التي يراد الحيلولة بينها وبينهم في سنهم الصغيرة؛ فهم يقضون كل يومهم في ضروب التسلية في السينما وصالات الرقص والحانات، وهم يمجدون الكسل ويمارسونه، ويتكلمون كما تتكلم شخصيات سارتر، لغة مشوبة باللهجة الدارجة مملوءة بالألفاظ التي يأباها الحياء. وليس هذا عندهم مجرد ميل طبيعي، بل هم يمون إلى ذلك روح عدم الاكتراث، وهو روح الحياة التي قد خلصت من الأوهام بما فيها وهم اللذة نفسه، ويجمعون إلى ذلك أيضاً نظراً منيراً يعرفون به أن (الوجود) هو هذا، وأن الإنسان لا يستطيع أن يفعل سوى أن يكون موجوداً) اهـ
ولكم بعد هذا أن تفرقوا بين غاية نيتشه وغاية سارتر إن استطعتم إلى ذلك سبيلا.
وأخيراً قولوا لي بربكم مالي أرى الإنسان هكذا يأبى إلا أن يكون عبداً؟
إنه يريد واهماً أن يتخلص من (عبودية) اختيارية سامية يحتمها العقل السليم ويوجهها الذوق المهذب؛ وأقصد بها عبودية المدين للدائن، عبودية المحسن إليه للمحسن، أستغفر الله! فما كان مثل هذا عبودية! وإنما هو الشكر: شكر الموجود لمن أوجده، شكر المخلوق للخالق.
يخدعه الشيطان ويخدع نفسه بوجوب التخلص من هذه العبودية (الثقيلة البغيضة)! ثم يخدع نفسه بوجوب تعطيل الفكر من النظر في آثار رحمة هذا المعبود لكي لا يكون في ذلك منغص لوجوده، وهذا غاية الإفلاس.
ويخدع المسكين نفسه مرة أخرى فيخيل إليه أنه قد صار - بهذا - موجوداً بعد أن لم يكن كذلك؛ لأنه - في زعمه - قد صار (حراً). وما هذه الحرية لو تبصرناها إلا ارتماء في هوة أحط دركات العبودية وأقذرها، وإنها لتتنافى ويستحيل وجودها مع أبسط قواعد التفكير السليم.
أو تدرون ماذا؟ إن الفلسفة حين ارتقت وتقدمت اكتشفت هذا الكشف الباهر وهو أنه إذا كان هنالك إله فهو الشهوة، وإذا كاهن لا بد للإنسان من عبودية فأنعم بها من معبود؛ لأنه يكون حينئذ بكامل حريته، ومهما تكن فهي على كل حال خير ألف مرة من العبودية للإله؟!
رحمك الله يا من قلت: (يظن ابن آدم أنه حر وذلك لجهله مصدر العلل التي تجره لما يقوم
به من عمل)
ولكن ليس لنا أن نعجب فهذه بدعة من بدع العصور الحديثة (المودرن) التي تتوهم الحرية في هذا الضرب من الجنون الذي يسمونه الوجودية، وما زالت الليالي حبالى. . .!
فوا ضيعة هذا الشريد المسكين (الإنسان)! إن أهون ما يقال فيه هو أنه عبد بفطرته. ذلكم هو الرأي المتواضع الذي أرجو أن تسمحوا لي بتقريره وقد بلغنا هذا الموضع من حديثنا.
هذه عقدة الفاجعة الإنسانية التي يعاد تمثيلها اليوم على مسرح المدنية باسم الفلسفة الحديثة.
والحق أننا نكون أسوا حالا لو انتظرنا منهم غير هذا. وماذا تنتظر من قوم (خليين) يجلسون في المقاهي وفي المجتمعات والصالات يزجون فراغهم بالمناقشة في أي شيء: في أصل الكونن وكنه الإله، ويصفون الميتافيزيقيا وحقيقة الوجود، وما إلى ذلك من أي شيء يخطر ببالهم؛ ويحكمون على هذا كله حكم من شاهد واختبر وتثبت ما داموا هم قد اقتنعوا بصحة هذا أو بطلان ذاك! ماذا ننتظر من هؤلاء القوم أكثر من انتظارنا من جماعة من الصبية نشأوا في بيت ريفي منعزل: لم يروا أحداً ولم يرهم ولم يختلط بهم أحد ولا يعرفون - فيما عدا بينهم - عن العالم الخارجي شيئاً؛ ثم ننتظر منهم أن يصفوا لنا حياة الزنج في مجاهل أفريقيا، وناطحات السحاب في أمريكا، وطرق المناقشة في هيئة الأمم المتحدة - وصفاً دقيقاً صميما!
والواقع أنه لا فرق بين هؤلاء وهؤلاء إلا أن أولئك نسميهم فلاسفة وهؤلاء نسميهم صبية، كما نطلق على هذا (نبيل) وعلى ذاك (ابن المقفع).
(يتبع)
إبراهيم البطراوي
رسالة العلم
من مشاهير رجال العلم:
بافلوف 1849 - 1936
يعد العلامة أفان بتروفيتش بافلوف من أشهر رجال العلم الحديث. وقد تبوأ مكانة سامية ومقاماً ملحوظاً بين علماء روسيا.
بدأت شهرته كعالم فيسولوجي منذ سنوات عديدة، عندما شرح المبادئ الرئيسية لعملية الهضم، ونجح في ذلك البحث العظيم. وكان يحافظ على راحة الحيوان الذي يجري عليه تجاربه أثناء دراسته دورته الدموية. كان يقول إنه إذا تألم الحيوان أثناء إجراء الاختبارات عليه، فإن أعصابه المضطربة تؤثر في العمليات الفسيولوجية التي تحدث في جسمه. فإن الألم يمنع الغدد التي تمد المعدة بالعصارات الهاضمة من إفراز هذه العصارات إفرازاً طبيعياً. وكان هذا الأمر باعثاً له على محاولته التخلص من الألم. فانعدامه شرط من الشروط الرئيسية لنجاح البحث الفسيولوجي. ولذلك سنحت الفرصة لبافلوف - حينما أنشأ الأمير أولد نبرج معهد الأبحاث الفسيولوجية ببترغراد عام 1891 - أن ينشئ معملاً خاصاً ومستشفى بالمعهد ليمارس فيهما إجراء التجارب على الحيوان بأقل ألم. ويعد هذا المعمل الأول من نوعه في العالم.
وقد استطاع بافلوف في أوائل تجاربه على الدورة الدموية، أن يقلل بقدر المستطاع من آلام الحيوان أثناء إجراء العمليات الجراحية له، بطريقة فنية دقيقة. وكانت عملياته في العروق من السرعة بمكان حتى أن الكلب الذي كانت تجرى له هذه العملية لم يكن يشعر بها على الإطلاق. وتعود الكلب أن يقفز طواعية يوماً بعد يوم وفي عروقه أنابيب لقياس ضغط الدم، دون أن يشعر بوجودها.
وقد ساعدته مهارته الفائقة في الجراحة أن يثبت - عن طريق الاختبار - أن هناك أعصاباً معينة في الجسم تتحكم على الغدد التي تمد المعدة بالعصارات الهاضمة.
وكان بافلوف يدعو إلى دراسة التركيب الفسيولوجي للجسم الحي دون الإخلال من نظام عمله؛ ولذلك يقول: (نحن لا نستطيع أن نسمح لأنفسنا بتحطيم التركيب الآلي للجسم الحي، بما فيه من أسرار خفية تحتل أفكارنا منذ زمن بعيد، بل طول حياتنا. فإذا كانت الميكانيكا
ترفض أحياناً أن تغير أو تتداخل مع تركيب بعض الآلات الدقيقة، حتى لا تفسد آليتها؛ وإذا كان الفنان يخشى في رهبة أن يلمس بريشته إنتاج فنان عظيم، أليس العلماء الفسيولوجيون الذين يتعاملون مع أدق تركيب آلي - وهو الكائن الحي - أليس لهم نفس هذا الشعور؟)
وقد نال بافلوف جائزة نوبل عن أبحاثه في عملية الهضم عام 1904. ومع ذلك فقد اشتهر في أبحاث أخرى، كبحثه الشهير في نشاط المخ المعروف باسم (الانعكاسات الشرطية) ، ولو أن هذا البحث يبدو مختلفاً عن بحثه السابق، فإنه يتفق معه في موضوعين: فعل الغدد الهاضمة، وإجراء التجارب بدون ألم.
ومن الجلي أنه إذا كان الألم يعرقل عملية المعدة الفسيولوجية، فإنه لا بد أن يعرقل أيضاً عملية المخ الفسيولوجية. إذاً يجب أن تجرى التجارب على المخ بدون ألم، وتراقب في عناية زائدة. ولذلك كان على بافلوف أن ينشئ معملاً خاصاً لإجراء اختباراته على الكلاب بعيداً عن تدخل المختبر، نفسه والأصوات، بل حتى أشعة الشمس.
إن الصلة بين المخ وعملية الهضم ناتجة من الظاهرة الطبيعية التي تربط الفم بالمعدة، تلك الظاهرة التي تدعى (اللعاب). فحينما يشاهد كلب أو إنسان، الطعام، أو يشمه، أو حتى عندما يسمع وقع أقدام الخادم وهي مقبلة به، فإن لعابه يسيل. ويسيل كذلك، بمجرد أن يضع الكلب الطعام في فمه فيأخذ في مضغه. ويفسر هذا الفعل بأنه انعكاس بدأ من التأثير الكيماوي للطعام على سطح الفم الداخلي، تبعته رسالة على طول المسار العصبي، تصل إلى عضلات الفك، ولكن، لماذا يسيل لعاب الكلب بمجرد سماعه وقع خطوات الخادم؟ هل تدخل عقله وفسر ذلك الصوت إلى الفم؟ يقول بافلوف: لسنا في حاجة إلى معرفة أن الكلب لا يعقل. إن الصوت يؤثر على أذن الكلب، فتذهب رسالة إلى الأغشية، ثم إلى الفم. ولكن، لماذا ترسل الأغشية الرسالة إلى الفم؟ ذلك لأنه في الحالات السابقة كانت تعقب خطوات الخادم عملية الهضم في انتظام وبذلك اختلطت الرسائل التي نشأت في الجهاز العصبي من ذلك الصوت بالرسائل التي ولدت عملية المضغ. ونشأ من ذلك أنه في مرة، تبعث الرسائل العصبية التي نشأت من تأثيره، برسالة إلى الفم ليقوم بعملية، يسيل اللعاب.
ويبدو من ذلك، أن أي رد فعل يعزى إلى ذكاء الحيوان، كمعرفة أن صوت وقع الأقدام
يعني الطعام، نستطيع تفسيره تفسيراً صحيحاً بمصطلحات من الرسائل العصبية والانعكاسات. فلماذا إذاً لا نعزو كل فعل نفسره بالذكاء إلى انعكاسات محضة على قدر كبير من التعقد؟ ذلك كان موضوع بحث بافلوف، وهذا سبب أهمية آرائه.
جعل بافلوف يجري الاختبارات على الحيوانات ويبحث هو وأتباعه في نشاط الانعكاسات وموقعها من السلوك. وبذلك حصل على معلومات قيمة. واستطاع بتنشيط بعض الانعكاسات على بعضها الآخر وضع الكلب في حالات من النوم والتنويم والنورستانيا.
وعلى ذلك فسلوك الكلب أثناء هذه التجارب يستطاع وصفه بأنه من تدبير الانعكاسات. وتلك نتيجة غريبة!!
كان بافلوف من رجال العلم الذين يؤمنون بأن رفاهية العالم وسلامته، ورقي الإنسان وتقدمه، لا تتوفر إلا عن طريق العلم. ولذلك كان يدعو إلى ذلك في محاضرات، وكانت أهمها تلك التي يقول فيها (إني مقتنع تمام الاقتناع أننا سنجد في هذا الطريق - أي طريق العلم - أن العقل البشري قد انتصر انتصاراً تاماً على أعظم معضلاته، وهو معرفة التركيب الآلي وقوانين طبيعة البشر. وبهذا فقط يستطيع الإنسان أن يحقق لنفسه سعادة دائمة كاملة. دع العقل يسمو من نصر إلى نصر على الطبيعة المحيطة به، دعه ينتصر للحياة البشرية، لا على سطح الأرض فحسب، بل بين أعماق البحار، بل وفوق أجواز الفضاء. دعه يسخر لخدماته نشاطاً فائقاً يفيض على العالم من بقعة إلى أخرى. دعه يسيطر على السماء حتى تنتقل أفكاره. ومع ذلك، فالمخلوق الحي ذاته، ذلك الذي ينقاد بقوى حالكة إلى الحروب والثورات وما فيها من شرور، ينتج لنفسه من وسائل الدمار ما يجعله يرتد إلى الحياة البهيمية، ويقاسي من الآلام ما يجل عن الوصف. العلم الصحيح الدقيق في طبيعة البشر ذاتها، هو الذي سينقذه من ظلامه الحالي، ويطهره من عاره على سطح الأرض المعمورة)
ولد بافلوف في مقاطعة زيازان بروسيا. وتلقى العلم في بطرسبرج. وكان والده كاهناً ريفياً، وأقاربه مشهورين بأنهم محاربون من الطراز الأول. ولذلك كان بافلوف يهوى فلاحة البساتين والملاكمة وغيرها من الألعاب الرياضية التي تحافظ على قوة عضلاته. فقد كانت شيئاً ضرورياً له في الجراحة التي كان بارزاً فيها. وكان دقيقاً في مواعيد عمله، وأوقات
راحته، فيثابر على العمل في ساعات معينة، وحينما ينتهي منه يترك معمله، إلى أن يعود إليه في ساعة معينة في صباح اليوم التالي. وكان ذا نشاط عظيم ومقدرة فائقة في كبح جماح نفسه.
وفي عام 1897 عين أستاذاً للفسيولوجيا بالأكاديمية الحربية. وفي عام 1907 أصبح عضواً من أعضاء علماء أكاديمية سان بطرسبرج. ومنح وسام كوبلي من الجمعية الملكية عام 1915.
وكان بافلوف لا يميل إلى البلشفية، ولذلك كان يناهضها في كل مكان، ولا يخفي كراهيته لها، بل يصرح بذلك لتلاميذه في كل مناسبة.
ثم اختفى ذلك الرجل العظيم خلف ستار روسيا الحديدي. وتساءلت الأوساط العلمية في أوربا إذ ذاك: ما الذي يحدث له هناك؟ وماذا يعمل في روسيا؟ وهل هو حي أو في عداد الأموات؟
وأخيراً، تبين، أنه على الرغم من عداوته للبلشفية، فقد بذل لينين مجهودات كبيرة لمده بالمهمات العلمية، وبذلك حصل على كل ما يلزمه لمواصلة أبحاثه.
وفي عيد ميلاده الخامس والستين، منحته الحكومة الروسية - وكان لا يزال ينتقدها - مبلغاً كبيراً من المال لتوسيع معامله، ومعاشاً سنوياً قدره 20 ألف روبل.
وظل يواصل أبحاثه الهامة حتى مات في سن السابعة والثمانين
محمد فتحي عبد الوهاب
نفسي حزينة حتى الموت
للأديب أميل خليل بيدس
(الكلمة الأخيرة التي قالها خليل بيدس لشريكة حياته قبل أن
ينام ليظل نائماً، فلا يفيق من رقاده الأبدي)!
(نفسي حزينة حتى الموت)! ما أسمى نفسك هذه يا أبي؟ ما أنبل القلب الفياض بالعاطفة، المختلج بالشعور الهادئ الحزين الذي يستطيع وهو يعاني سكرات الموت ويشرب من كأس الحمام أن يعبر عن خلجاته بهذه الكلمات القليلة البسيطة؟!
ما أصفى هذه النفس الحزينة التي شاركت كل متألم ألمه، وعانت مع كل شقي لوعته، ورمضت مع كل من أرمضته البرحاء، وأثخنته ضربات الدهر بالجراح؟!
هكذا كان حزن نفسك وألمها! هكذا كانت تباريحك انعكاساً لتباريح البشرية، وصدى لبؤس الإنسانية، وصورة لما يعانيه إحساسك المرهف المصقول من شعور من يكون من المسئولين أمام الله للتخفيف من كروب الإنسانية وأوصابها!
كنت مملوءاً حياة، وكنت تحب الحياة وتحب كل ما هو حي، وكانت الحياة في نظرك هي الحركة والعمل، وكانت الحياة في ناموسك كل شيء جميل.
فالفن الجميل هو الحياة؛ والأدب الجميل هو الحياة؛ والإنسان الجميل في نفسه وقلبه وأخلاقه وأعماله وحزنه وألمه وفرحه وانشراحه، هو الحياة؛ وما عدا ذلك جميعاً فهو الموت والاندثار، وهو الفناء والزوال!
كنت تحب الحياة لأنك عشت في سبيل الحياة، وتفانيت من أجل الحياة، وجاهدت للإعلاء من شأن الحياة. . . والحياة من عمل الله وصنعه؛ والحياة هي الإنسانية التي أحببت والتي جاهدت من أجله وضحيت في سبيلها، لأنك أحببتها وأخلصت لها.
ما أرق هذا القلب المشبع بخوف الله، المستنير بهدى الله، العامل على خدمة الحياة التي خلقها الله!
ما أرق هذا القلب الذي شع نوراً ساطعاً ساحراً، وومضت فيه ومضات من القوة السماوية الكامنة فيه!
ما أرق هذا القلب الذي ما نزع يوماً إلى النفاق والرياء، وما جنح مرة واحدة إلى المكر والخديعة والدهاء؛ بل كان عنوان الطيبة ورسولا من رسل الخير، أدى الرسالة التي ناطه الله بها خير أداء وعلى أحسن وجه وأتم صورة.
كنت تحيي الليل تسطر بدائعك الزاخرة. وكنت تتعذب في جسمك المتعب المرهق المحتاج إلى الراحة وإلى الغذاء. . كنت تقنع بالقليل من القوت تقيم به الأود، لأن نفسك الملهمة كانت (حزينة حتى الموت) ولأنك كنت تريد أن تسكب على القرطاس حروفاً متسقة العقود من الكلم الكثير الذي نصب الله لسطوره أبهى المعاني وأبدعها.
(نفسك حزينة حتى الموت) ولكن دمي جمد في عروقي، وقلبي تحول إلى حجر ساعة أراحك الموت من حزن نفسك. . .
(نفسك حزينة حتى الموت) ولكن صدري تمزق، وقلبي سالت دماؤه ساعة رأيت ضبابة الموت منتشرة على محياك. . .
وإن في فؤادي من نار الحزن ما يحرق جسدي. . لأن مرارة الحياة تمثلت لي بانفصالي عمن كان سبب وجودي وكياني.
أميل خليل بيدس
تعقيبات
للأستاذ أنور المعداوي
الفن والحياة بيني وبين الدكتور طه حسين:
كان للكلمتين اللتين كتبتهما عن (الفن والحياة) على صفحات (الرسالة) أثرهما البعيد عند أديبين كبيرين هما الدكتور طه حسين والأستاذ توفيق الحكيم، فقد عقب عليهما الدكتور في (الأهرام) بكلمة مستفيضة وكذلك فعل الأستاذ الحكيم في (أخبار اليوم).
أما الكلمة الأولى فقد حاول فيها الدكتور أن يرسم الطريق فخانه التوفيق. . . ومعذرة إذا ما بدأت ردي بهذه العبارة لأني لا أعرف في النقد صداقة ولا مجاملة! وأشهد أنني أعجبت كل الإعجاب بروح الدكتور حين بدأ تعقيبه على ما كتبت بهذه الكلمات: (وكذلك تشيع في بيئات المثقفين ألفاظ ظاهرة الوضوح شديدة الغموض (يقصد لفظي الفن والحياة) ومع ذلك يخيل إليهم أنهم يفهمونها حق الفهم فإذا أرادوا تفسيرها لم يحققوا منها شيئاً). . . أعجبت بهذه الكلمات لأن صاحبها قد نسي ما بيني وبينه من صلات الود والصداقة في سبيل إبداء رأي يعتقد أنه الحق، وكذلك أفعل أنا حين أؤكد لقرَّاء (الرسالة) أنني أصبت بخيبة أمل مريرة حين خرجت من مقال الدكتور بحقيقة ناصعة، وهي أن كل ما كتبه حول (الفن والحياة) لم يكن سوى (لخبطة) من طراز ممتاز!!
ولن أعيد اليوم ما قلته بالأمس حول (الفن والحياة) فقد قرأه الناس وعرفوا رأيي فيه، كل ما يهمني هو أن أنقل إليهم تلك الخطوط الرئيسية التي خرجت بها من مقال الدكتور طه حسين، ليروا أينا كان أكثر فهماً لموضوعه وأينا كان أوفر احتشاداً لفنه!
لقد تساءل الدكتور في ثنايا كلمته: هل يتاح للإنتاج الفني أن يبلغ ذروته دون أن يكون هناك اتصال بالحياة العامة الصاخبة أم لا سبيل إلى تلك الذروة إلا إذا اضطرب الكاتب أو الشاعر أو صاحب الفن في كل ما يضطرب الناس فيه من شئون حياتهم اليومية على اختلافها وتنوعها واختلاطها وتعقدها في أكثر الأحيان؟ إن صاحب الفن في رأي الدكتور وكذلك الكاتب والشاعر ليسوا محتاجين إلى أن يعيشوا في أعماق المجتمع لينتجوا فناً تنبض فيه الحياة؛ (فالقراءة والاستمتاع من أخصب المصادر التي تتيح للأدباء وأصحاب الفن أن يتصلوا بالحياة ويسيغوها، وتتيح لهم بعد ذلك أن يصوروها خيراً من الذين يبلون
حلوها ومرها ويسعدون بنعيمها ويشقون بجحيمها)!
إلى هنا ونقف قليلا لنناقش هذه الكلمات التي تحفل بطلاوة الأسلوب وتفتقر إلى سلامة النطق. . . إذا أمكنك أن تصدق أن (القراءة والاستماع) من أخصب المصادر للاتصال بالحياة، فلا بأس عليك إذا كنت من بلد آخر غير مصر أن تقرأ ما نقله إليك عنها بعض الكتاب المغرضين من أمثال وندل ويلكي، لتستطيع بعد ذلك أن تصور الحياة المصرية خيراً من الذين بلوا حلوها ومرها وسعدوا بنعيمها وشقوا بجحيمها كما يقول الدكتور طه حسين! ولا بأس عليك أيضاً إذا كنت من بلد آخر غير مصر أن تستمع لكاتب مثل جان كوكتو إذا ما حدثك عن البيئة الشعبية في مصر لتستطيع بعد ذلك أن تصور هذه البيئة خير تصوير، مع أن كوكتو مثلا لم يشهد من معالم الحياة المصرية غير فندق الكونتننتال ودار الأوبرا وأهرام الجيزة وجامعة فؤاد!
أريد أن أقول لك إن القراءة قد تنقل إليك الحقائق مشوهة وإن الاستماع قد يطلعك على الوقائع محرفة، ومعنى هذا أن الأديب إذا اتصل بالحياة عن هذا الطريق فهو اتصال لا فائدة منه في الأغلب الأعم ولا خير فيه، لأنه اتصال مشوه المعالم ممسوخ السمات!
إن الدكتور يستشهد على صدق ما ذهب إليه بما كتب جيته عن الشرق، فهو (قد كتب مثلاً أشياء رائعة صادقة فيها كثير من الدقة والصدق وحسن الاستقصاء مع أنه لم يزر الشرق ولم يشهد حياة الناس فيه، وإنما قرأ كتب الذين رحلوا إلى الشرق وقرأ ما ترجم من آثار الشرقيين في عصره ففهم الشرق خيراً مما فهمه الذين رحلوا إليه والذين ترجموا آثاره)!
هذا كلام لا يقوى على التمحيص ولا يثبت على المراجعة، لأن جيته الذي استمد كل معلوماته عن الشرق وحياة الشرقيين من كتب الغير، لا يمكن أن يكون أكثر صدقاً ولا استقصاء من هؤلاء الذين قرأ لهم ونقل عنهم، ورأوا الشرق رأي الحس والعين لا رأي الفكر والخيال! وإذا كان جيته قد صور الحياة في الشرق تصويراً رائعاً عن طريق (القراءة والاستماع). فمما لا شك فيه أنه لو قدر له أن يزور الشرق وأن يطلع بنفسه على حياة أهله لكتب خيراً مما كتب ولأجاد التصوير خيراً مما أجاد؛ لأن الواقع المحس شيء والواقع المنقول شيء آخر. . . وإذن فلا مبرر إطلاقاً للقول بأن (القراءة والاستماع) من أخصب المصادر التي تتيح للأدباء أن يصوروا الحياة خيراً من الذين بلوا حلوها ومرها
وسعدوا بنعيمها وشقوا بجحيمها، إلى آخر هذه الكلمات التي تحفل بطلاوة الأسلوب وتفتقر إلى سلامة المنطق.
بعد هذا انتقل الدكتور طه إلى رأي آخر حيث يقول: (وليس الأديب المعاصر مضطراً إلى أن يخالط الناس مخالطة مادية، فحياة الناس كلها تحمل إليه، وليس اتصال الأديب بالحياة هو العسير الآن وإنما اعتزال الأديب للناس هو الشيء الذي لا يكاد يجد إليه سبيلا).
إنني أوافق الدكتور على أن الأديب المعاصر متصل حقاً بالحياة، ولكن الدكتور ينسى أن هذا الاتصال يفترق عند أديب عنه عند أديب سواه. . . هناك أديب يرقب مجرى الحياة من حجرة مغلقة، وهناك أديب يرقب مجرى الحياة من زقاق ضيق، وهناك أديب يرقب مجرى الحياة من شارع واسع، وهناك أديب يرقب مجرى الحياة من ميدان عام، وهناك أديب يرقب مجرى الحياة من كل حجرة وكل زقاق وكل شارع وكل ميدان! ومعنى هذا أن هناك أدباً هو أدب الجدران المغلقة والآفاق المحدودة، وأن هناك أدباً آخر هو أدب الهواء الطلق والآفاق الرحيبة!.
ومالي أذهب بعيداً والدليل قائم بين يدي من أدب الدكتور نفسه ممثلا في بعض أعماله الأدبية؟ لقد عالج الدكتور فيما عالج من فنون الأدب فن القصة، أعني أنه حاول فيما حاول أن يكون فناناً يصور الحياة وينقل عن الحياة. . . وها هو ميزان النقد يقرر في ثقة واطمئنان أنه قد أحس الحياة يوماً كما يجب أن تحس، وأنه قد عاش فيها بفكره وقلبه وشعوره، وأن هذا الإحساس الصادق الكامل الأصيل المتميز قد انعكس في صورته القوية الرائعة على صفحات (الأيام)! في هذه القصة الذاتية تلهب حسك الفني حرارة الحياة. . . الحياة التي نقلتها حواس طه حسين لا حواس الناس وكتب الناس وأقوال الناس!! ترى هل يستطيع بعض الكتاب عن طريق (القراءة والاستماع) أن يصوروا حياة طلاب الأزهر في أمسهم الغابر خيراً مما صورها هذا الأديب الذي بلى حلوها ومرها وأعني به الدكتور طه حسين؟
نترك (الأيام) لننتقل إلى (شجرة البؤس) و (دعاء الكروان)، ولننتقل من فن الحياة إلى فن المخيلة، ومن فن الهواء الطلق إلى فن الجدران المغلقة. . . إن الأديب الذي يحاول أن يرسم صورة للحياة والناس في إقليم من أقاليم مصر وهو جالس في حجرته من ذلك البيت
القائم في حي الزمالك، أشبه بمن يحاول أن يرسم صورة للحياة والناس في منطقة من مناطق القطب الشمالي وهو يعيش في منطقة من مناطق خط الاستواء. . . أقول هذا ولا أزيد!
ويختم الدكتور طه مقاله بهذه الكلمات: (ولكن أريد قبل كل شيء أن يطمئن الشباب الذين لا يتاح لهم التنقل ولا يتيسر لهم مخالطة الناس ومشاركتهم في حياتهم بالفعل، فإن هذا كله لم يتح لكثير من أفذاذ العبقريين ولا لكثير من أوساط الأدباء، فلا ينبغي أن ييأس الشباب الأدباء وأصحاب الفن إذا لم يتح لهم من ذلك ما يريدون)!
لقد كنت أود أن يذكر لنا الدكتور طه اسم عبقري واحد من هؤلاء الأفذاذ الذين لم يتح لهم التنقل ولم يتيسر لهم مخالطة الناس عبقري واحد حتى لا أتهمه بأنه يلقي الكلام على عواهنه. . . إنني أؤكد لقراء (الرسالة) أن طه حسين لو قدر له أن يعيش في بيئته التي نشأ فيها دون أن يرحل إلى أقطار الغرب ليتنقل هنا وهناك، وليتصل بالحياة في أوسع آفاقها ممثلة في مخالطة الناس من كل جنس ولون، ولو قدر له أن يقضي عمره في تلك البيئة التي نشأ فيها لكان حتى اليوم أديباً محدود الأفق قاصر الأداة!
مرة أخرى أعود فأقول: من أعماق الحياة ينبع الصدق في الفن، ولن يتحقق الصدق في الفن ما لم يستخدم الفنان كل حواسه في تذوق الحياة. . . يرقب، ويتأمل، ويهتك الحجب، وينفذ إلى ما وراء المجهول. فإذا استطاع أن ينقل كل ما يلهب الخيال فيها إلى لوحات من التصوير الفني فهو الفنان، وإذا استطاع أن ينقل إلى هذه اللوحات كل ما في القلب الإنساني من نبض وخفوق فهو الفنان الإنسان. وعلى مدار القوة والضعف في دفقة الحياة وخفقة القلب يفترق العمل الفني عن مثيله في كل فن من الفنون!
هذا هو الطريق، فمن شاء أن يسلكه فليسلك، ومن شاء أن ينحرف عنه فلينحرف. . . ولكل اتجاه من هذين الاتجاهين ميزان يقام.
الفن والحياة بيني وبين الأستاذ توفيق الحكيم:
حلقت بك في أفق الدكتور طه حسين، وبقى لي أن أحلق بك في أفق الأستاذ توفيق الحكيم. . . ومرة أخرى أقدم إليك الخطوط الرئيسية في كلمة هذا الفنان الصديق، تلك التي يبدأها بقوله:(ولقد رددت الألسن عبارات (الفن والحياة) و (الفن والشعور). . . وهو كلام في
جملته صحيح والخطأ فيه يسير)!
أما تلك العبارات التي أشار إليها الأستاذ توفيق الحكيم فقد وردت في كلمتي عن فنه، حين تحدثت عن هذا الفن بين واقع الفكر وواقع الحياة وحين وزنته بميزان القلب والشعور. . . من حقه إذن أن يدافع عن نفسه فيما كتب على صفحات (أخبار اليوم)، ومن حقه أن ينسب إلي بعض الخطأ فيما أخذته عليه، وإن كان الأستاذ توفيق قد اتصل بي عقب أن كتبت عنه ما كتبت متفضلا بإبداء موافقته غير مشير إلى هذا الخطأ اليسير! مهما يكن من شيء فقد كان في كلام الدكتور طه شيء كثير من اللخبطة، أما كلام الأستاذ الحكيم ففيه شيء يسير من المغالطة!
يقول الأستاذ توفيق: (القلب في الفن هو الصدق، لا الصدق بمعناه الضيق المقصور على الشعور العاطفي أو الوجداني، بل أيضاً الشعور بحقيقة فكرة من الأفكار. . . على هذا النحو يجب كذلك أن نحدد معنى (الحياة) في الفن. ما من شك أن الفن هو التعبير عن الحياة، وليس من السهل تصور فن منفصل عن الحياة).
إن الفن يا صديقي ليس هو التعبير عن الحياة، وإنما هو صدق التعبير عن الحياة، لأن التعبير عن الحياة حين يخلو من (الصدق) لا يعد فناً! هذه واحدة. . . أما الثانية فهي قولك بأن القلب في الفن هو الصدق. . . ترى أي قلب هذا الذي تقصد؟ أهو القلب الذي ينبض بشعور صاحبه وحده دون سواه؟ إن هناك كثيراً من أمثال هذا القلب، القلب الذي يخفق بعاطفة لا تمثل عواطف كثير من الناس، وبالشعور بحقيقة فكرة لا تتفق وأفكار كثير من الناس. . . صدقني إن قلباً من هذا الطراز لا يمكن أن يمثل الصدق في الفن، لأنه إذا حقق شيئاً من المشاركة الوجدانية بين الفن وصاحبه، فإنه لا يحقق شيئاً من هذه المشاركة بين الفن ومتذوقه!
كلماتك يا صديقي تحتاج إلى كثير من الدقة وإلى كثير من التحديد. . . القلب في الفن هو الصدق؟ نعم، ولكنه القلب الذي تتفق دقاته ودقات قلوب الملايين، هو القلب الذي يهتز بين جنبي صاحبه فيهتز له الجيل الذي يعيش فيه ومن بعده أجيال، هو القلب الذي يقبس وهج حرارته من أفراح الناس وأحزان الناس، هو القلب الذي يرى فيه كل صاحب شعور صورة من قلبه، هو القلب الذي يستطيع كثير من الأحياء أن يفزعوا إليه فراراً من
أنفسهم! هنا يا صديقي يتحقق الصدق في الفن، لأن القلب الذي أعنيه بهذه الكلمات هو الذي يغترف من ماء الحياة!
هذا عن الصدق في الفن، أما قولك بأنه ليس من السهل تصور فن منفصل عن الحياة فتجد الرد عليه في كلمتي عن الدكتور طه حسين.
بقي أن أناقش المغالطة الأخيرة عندما تقول عن الحياة في الفن: (لا بد أن تكون الحياة في الفن وليس فقط كل ما يقع في العالم الخارجي ويضطرب فيه الإنسان بحسه وقلبه وشعوره، بل أيضاً كل ما يقع في العالم الخارجي ويستخرجه الإنسان بفكره وذهنه وتأملاته. . . إن الحياة تسكن في كل جزء من أجزاء الإنسان الحي، في قلبه وفي غريزته وفي حسه وفي رأسه. . . ولو جئت بإنسان، شاعر أو مفكر، وحبسته في جب وأغلقت عليه بسبعة أختام وتركته الأعوام، لأخرج بعد كل ذلك حياة!)
ما هذا الكلام يا أستاذ توفيق؟ إن أحداً ممن يفهمون رسالة الفن لا يمكن أن يوافقك عليه!. . . شاعر أو مفكر تحبسه في جب، ثم تغلق عليه بسبعة أختام وتتركه الأعوام، ثم يخرج بعد كل ذلك حياة؟! أية حياة تلك يا صديقي؟ إنها حياة المغاور والكهوف. . . ولا يمكن أن ترضي حياة المغاور والكهوف إلا عشاق الفن منذ خمسين ألف سنة! معذرة يا صديقي فإننا نعيش في القرن العشرين، ومن مزايا القرن العشرين أنه يضيق بالحياة محبوسة بين جدران أربعة، فما بالك لو قدمت إليه فناً تتنفس فيه الحياة داخل جب تغلق عليه بسبعة أختام؟!. . . كلا يا أستاذ توفيق، إننا لا نريد أن نعيش في الماضي الغابر، ولكننا نريد أن نعيش في الماضي المشهود!
أنور المعداوي
الأدب والفن في أسبوع
للأستاذ عباس خضر
التوجيه السامي والأدباء:
حيا الله الفاروق العظيم، فقد اقتضت رعايته لهذه الأمة أن يكون توجيهه الكريم السامي فارقاً بين أمر وأمر، أو قل بين خير وشر. لقد راعه أن رأى روح الحزبية يطغى على الصالح القومي، ويحول دون استفادة البلاد من كفايات بعض أبنائها، لأن غباراً مما يثار بين الأحزاب يعلق بأشخاصهم، بل قد يفضي الأمر إلى استهلاك هذه الكفايات في ضروب من الصراع الشخصي الزائل، فلا يكاد يبقى من طاقاتهم شيء للعمل الصالح الخالد.
فكانت التفاتة الرعاية من الفاروق لخير هذه الأمة، التنبيه على وجوب النظر إلى المسائل العامة نظراً قومياً، وألا يحول شيء دون انتفاع الوطن بكفايات من أنجب.
وكان من أثر ذلك التوجيه الملكي السديد، أن استجاب له معالي الأستاذ علي أيوب وزير المعارف بما صنع من التقدير والتكريم للأدب في أشخاص أربعة من كرام الأدباء، هم الدكتور طه حسين بك والأستاذ علي محمود طه والأستاذ محمد سعيد العريان والدكتور زكي مبارك؛ فأحسن التلقي من القائد الأعلى، وأحسن عملا؛ وقد كرم أيضاً بذلك المثل الأعلى لولاة الأمور في شخصه العظيم. وإذا كانوا يقولون: العلم لا وطن له، فقد أضاف معاليه إلى هذا القول - بلسان العمل - أن الأدب لا حزب له. والعلم والأدب والفن أخوة لأب واحد هو الفكر الفائق.
وبعد فقد وضع معالي الوزير بذلك الصنيع عنوان الكتاب والمأمول بعد ذلك أن يقوم بتأليفه. . فإن هناك غير أولئك الأربعة أربعات من الأدباء، ما أجدرهم بأن يتم بالالتفات إليهم وتقديرهم تأليف الكتاب، وما أجدر معاليه أن يبحث عنهم بإبرة العالم، ولا يخفى عليه أن الأدباء أهل كبرياء وذوو حماقة. . . وأن كبرياءهم وحماقتهم تمنعانهم من كثير مما يظفر به (العقلاء) فليقرب إليهم - متفضلا - ما أبعدته عنهم كبرياؤهم، وليغض - جزاه الله صالحة - عن حماقاتهم.
في وزارتكم يا معالي الوزير، وزارة العلم والثقافة، جمع ذو عدد من الأدباء الذين يعرفهم الجمهور بإنتاجهم، وقد حشد أكثرهم في الإدارة العامة للثقافة مع من حشد فيها من غيرهم.
للقيام على ما تختطه للتثقيف العام من الوسائل الأدبية والفنية. يعيش هؤلاء الأدباء في غمار الموظفين، لا ينالون ما هم أهل له - بحكم مواهبهم وآثارهم النافعة - من وسائل العيش الكريم؛ ومما يتذرع به لتأخيرهم شيء اسمه (الأقدمية) يقدم عليهم من لم تقدمهم السنون في غير العلاوات والدرجات. . .
ومن أولئك الأدباء من أفسدت الحماقة عليه أقدميته، ومنهم من ألزمته حماقته العزلة اليائسة الساخرة، وجعلت هذه الحماقة بعضهم ينتظر ركب الزمن المتواني. والحماقة، بما فيها من الكبرياء، فنون. . .
والخطير في الأمر يا معالي الوزير، أن ما تجره حماقة أولئك الأدباء عليهم يكاد يستنفد الطاقات ويستهلك الكفايات. فهلا أنقذت الأدباء من حماقاتهم وأغضيت عن كبريائهم وبحثت عنهم. . . لتيسر من أمرهم ما يعسرونه على أنفسهم بحماقاتهم، وتقدمهم إلى ما هم خليقون أن ينهضوا به، إتماماً للعمل بتوجيه الفاروق العظيم نحو خير هذا الوطن العزيز.
الصحافة والفن:
ألقى الدكتور محمد صلاح الدين بك محاضرة موضوعها (الصحافة والفن) يوم السبت الماضي في قاعة فاروق الأول بنادي نقابة الصحفيين، فبين أهمية الفنون للمجتمع قائلا بأنها علاج روحي لأمراض الأمم النفسية، ثم انتقل إلى موقف الصحافة من الفن، فقال إن صحافتنا تقدمت تقدماً كبيراً في النواحي المختلفة، ولكنها مقصرة في حق الفن؛ حقاً إن أكثر الصحف يخصص كل منها صفحة أسبوعية للشئون الفنية وتصدر بعض المجلات خاصة بالفنون، وحقاً أيضاً إن النقد في هذه المجلات وفي تلك الصفحات قد تجرد مما كان يسوده قديماً من التأثر بالعلاقات الشخصية، إلا أن الصحافة على العموم تنظر إلى الفن على أنه شيء كمالي، لا تهتم به كما تهتم بالشئون السياسية والاجتماعية، ولا تضع لها فيه خطة تسير عليها كما تفعل في تلك الشئون، وهي لا تعني بالبحوث الفنية من الناحية العملية التطبيقية، فتنظر مثلا هل عناية الحكومة بالفنون كافية أو لا، وهنا ذكر المحاضر أنه تتبع خطب العرش من سنة 1924 إلى الآن فلم يجد بإحداها كلمة واحدة عن الفن، وقال إن الصحافة هي التي تستطيع أن تحمل الحكومة والشعب على النظر إلى الفنون باعتبارها ضرورة من ضرورات الحياة، تجب العناية بها كما يعنى بسائر الأمور.
وقد تحدث الدكتور صلاح الدين عن تقصير الصحافة والحكومة والشعب نحو الفنون، وبين خاصة موقف الصحافة من حيث أنها لا تختط لها خطة في خدمة الفن كما سبق، ولكنه لم يحدثنا عن أهل الفن وهل هم يؤدون رسالتهم الفنية أو هم أيضاً مقصرون، ولم يذكر لنا الخطة التي رسموها للغايات الفنية في هذا البلد، إن كانت لهم خطة.
ولست أدري أظلم الصحافة أم حاباها حين أخذ عليها أنها لم تتخذ لها منهجاً في خدمة الفن. . . والذي أراه أن خطة صحفنا ومجلاتنا إزاء الفن وأهله واضحة كل الوضوح، وهذه الخطة ترتبط بالإعلان عن الأفلام والروايات بها. . . وتقوم خطة صحافتنا الفنية على استغلال الرشاقة والجمال والفتنة والإغراء لدى الممثلات والراقصات وعلى ما يسود البيئات الفنية من الحرية في العلاقات وعدم التحرج من كثير مما يتحرج منه سائر الناس، فمن أخبار شخصية ماجنة إلى صور مغرية فاتنة، فهذه ممثلة تحافظ على رشاقتها بتمرين تنام فيها على قفاها وترفع رجليها إلى أعلى. وهذه راقصة تبادل ذاك الممثل قبلة عميقة يهتز لها كيان القارئ العزيز. وأيسر ما تشتمل عليه هذه الصحف هو النقد، وكثيراً ما يكون مرتبطاً بالاعتبارات التي قال المحاضر إنه تجرد منها.
ليلة الإسراء في سفارة الباكستان
دعا سعادة سفير الباكستان إلى الاحتفال بليلة الإسراء في دار قسم الصحافة والاستعلامات بالسفارة الباكستانية. وكانت ليلة تجلت فيها وحدة الشعور بهذه الذكرى الدينية المقدسة بين أمتين إسلاميتين، مصر والباكستان، وأثيرت فيها آمال العروبة والإسلام في حياة كريمة قوية تليق بسالف المجد وتبعثها عظمة الروح الكامنة في خير تراث على الأرض.
ابتدأ الحفل مدير قسم الصحافة بالسفارة، واختتمه سفير الباكستان، فرحبا وشكرا، وأشادا بجلال الذكرى ونوها بروح الإسلام وحاجة العالم إلى رسالته إزاء المادية المتفشية، وألقى صاحب المعالي الأستاذ إبراهيم دسوقي أباظه باشا كلمة قيمة قال فيها إن لهذا الاحتفال مظهراً اجتماعياً وأدبياً إلى مظهره الديني، لما يشتمل عليه من تبادل الشعور وجمال التعبير، وأشار إلى الاتجاه القويم الذي تسير عليه دولة الباكستان من حيث ربط مصائرها بمصائر البلاد العربية الإسلامية.
وقال الأستاذ محمد مصطفى حمام في كلمته الظريفة إننا في هذه المناسبات: ليلة الإسراء،
والمولد النبوي، والهجرة الشريفة، وما إليها، نحتاج إلى تجديد إيماننا بل إلى اعتناق الإسلام من جديد
وأنشد الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي قصيدة تحدث فيها عن قصة الإسراء والمعراج حديث الشاعر المفتن الممتع، وقد ختمها بقوله:
إن من شاقه السمو لواد الـ
…
غيب فليحي ليلة الإسراء
يذهب الدهر ليلة بعد أخرى
…
وهي فيه حنينه للبقاء
وقد أثار الدكتور منصور فهمي باشا مسألة فلسطين، من حيث مناسبة المسجد الأقصى في الإسراء، فعبر عن الألم لما يحيط به من القلاقل والمخاوف؛ وقد بدأ الدكتور كلامه بأنه لا يحسن الكلام على ليلة الإسراء لأنه ليس من رجال الدين، واستند إلى ذلك عندما أخطأ في إيراد آية من القرآن الكريم. ولا أرى هذا العذر خيراً من الذنب، فقد كان الدكتور عميداً لكلية الآداب وأستاذ الفلسفة الإسلامية بها وهو عضو مجمع فؤاد الأول للغة العربية، ومن كان في مكانه لا تبعد عنه مناهل العلم الإسلامي وأنا لا أحب هذه الكلمة التي جاءت إلينا من الخارج وهي (رجال الدين) فكل مسلم رجل دين.
وقد قفي الدكتور حسن إبراهيم حسن على أثر الدكتور منصور فهمي باشا فتواضع تواضعه. . . وقال قولته تلك، كما قال إنه إنما يعرض للأمر من ناحيته التاريخية البحتة. والدكتور حسن إبراهيم كان أيضاً عميداً لكلية الآداب ولا يزال أستاذاً للتاريخ الإسلامي بها. وقد سلك في حديثه عن الإسراء مسلك الرواية، أعني أنه روى عن فلان، كأنه كان يقرأ في كتاب من كتب السيرة النبوية فلم يقص القصة متماسكة ولم يقل شيئاً من عنده ولا من أسلوبه.
وتطوعت السيدة ملك في ختام الحفلة لغناء قصيدة (وحقك أنت المنى والطلب) فأبدعت فيما لم تخرج فيه عن التلحين المرسوم في غناء أم كلثوم. . . وقد بدت خفيفة مرحة، تضحك وتبادل الدعابة، مما حفز الدكتور زكي مبارك على إدناء مجلسه من المنصة وهو مبرنشق يبدي رغبته في اختطافها لولا أنها في حمى معالي الوزير. . .
عباس خضر
البريد الأدبي
حول مدفن الاسكندر:
أورد الأستاذ عزيز خانكي في العدد (824) من مجلة الرسالة الزهراء تعليقاً على مقالي (إيوان كسرى) فقال: إن الاسكندر توفي في مدينة بابل وتابوته لا يعرف له مقر حتى الآن، وأمه عند وفاته كانت تقيم في بيللا مسقط رأس عائلة الاسكندر.
أما مدينة بابل فقد سبق خرابها قبل ظهور الاسكندر إلى عالم الوجود. وفي ذلك يقول البستاني في دائرته بمادة بابل م5 ص16: (ولما استولى عليها الاسكندر كانت خربة بالنسبة إلى حالها الأولى فعزم على إعادة بنائها وجعلها عاصمة لمملكته في آسيا غير أن المنية أدركته قبل إنفاذ مقصده) وليس في هذا الخبر ما يدل على أن الاسكندر مات في بابل كما أنها ليست في ذلك الوقت بالمدينة العامرة الآهلة بالسكان.
والمسعودي لم يتحقق تماماً من المكان الذي مات فيه الاسكندر فذكر في ذلك أقوالاً ثلاثة لم يرد فيها اسم بابل. قال في ج1 ص180: (وسار الاسكندر راجعاً من سفره يؤم المغرب. فلما سار إلى مدينة شهرزور اشتدت علته. وقيل ببلاد نصيبين من ديار ربيعة وقيل بالعراق فعهد إلى صاحب جيشه وخليفته على عسكره بطليموس. فلما مات طافت به الحكماء. . . الخ)
وما ادعاه الأستاذ خانكي من أن (تابوته لم يعرف له مقر حتى الآن. وأمه عند وفاته كانت تقيم في بيللا مسقط رأس عائلة الاسكندر) لا ندري من أين استقاه. والمسعودي يصرح في ج2 ص182 من المروج أن الاسكندر (عهد إلى ولي عهده بطليموس بن أذينة أن يحمل تابوته إلى والدته بالإسكندرية). وقال بعد ذلك: (وأمرت به فجعل في تابوت من المرمر وطلي بالأطلية الماسكة لأجزائه وأخرجته من الذهب لعلمها أن من يطرأ بعدها من الملوك والأمم لا يتركونه في ذلك الذهب، وجعل التابوت المرمر على أحجار نضدت وصخور نصبت من الرخام والمرمر قد رصعت، وهذا الموضع من الرخام والمرمر باق ببلاد الإسكندرية من أرض مصر يعرف بقبر الاسكندر إلى هذا الوقت وهو سنة 332هـ). هذا ما نص عليه المسعودي وهو من المصادر المعتبرة التي يعتمد عليها في مقام النقل.
وجاء في تاريخ بغداد للخطيب ج1 ص128 ما يلي: وذكر بعض أهل العلم: أنها - أي
المدائن - لم تزل مستقره - أي الاسكندر - بعد أن دخلها حتى مات بها، وحمل منها فدفن بالاسكندرية لمكان والدته فإنها كانت باقية هناك.
وأورد ابن خلكان هذا الخبر ونسبه إلى الخطيب فقال: وحكى الخطيب في تاريخ بغداد أن الاسكندر جعل المدائن دار إقامته ولم يزل بها إلى أن توفي هناك. . . إلى آخر ما وجدته في كتاب الكنى والألقاب للقمي ج3 ص132 إذ ذكر هذا الخبر عن ابن خلكان.
ولا يخفى ما لابن خلكان والخطيب من شهرة واسعة في عالم التاريخ وما لديهما من خبرة ودراية بشئون الأمم القديمة وأحوال ملوكها وأيامها وغير ذلك.
كاظم المظفر
حول كتابي (خمر وجمر):
سألني سائل بالبريد: ما السبب الذي دعا الصفوة من الكتاب إلى الإحجام عن الكتابة والتعريف بكتابك (خمر وجمر) مع العلم بأن كتاباً مثل هذا الكتاب - الفريد في الباب واللباب (كذا) - يجب أن يكتب فيه ويجب أن ينشر ويذاع في الناس؟ ومع العلم أيضاً بأن أضأل كتاب - بل أثقل كتاب -! يصدر فتقرع من حوله الطبول ويحرق من أجله البخور؟!. . . الخ
وأنا بدوري أشكر للسائل الفاضل سؤاله، وأرجو أن يتفضل فيعلم يقيناً بل ويعتقد - كما يعتقد بوحدانية الله - أن صاحب الكتاب في أغنى الغنى عن الكتّاب والتعاريف. . . ولو أراد أن يكتب فيه وله - وليس عليه - مائة من المأجورين لكان ما أراد. . . وأنا حقيقة - وكما تقول - قد بعثت بعشرات النسخ إلى الأصدقاء من الأدباء والشعراء والكتاب، ولكن ما كان ذلك إلا من باب رد الجميل بالجميل أو من باب الإهداء لا غير.
والكتاب الذي لا يأخذ القراء سبيلهم إليه ليقرؤوه - وليس يأخذ هو سبيله إلى القراء ليقرأ - بعد - عندي على الأقل - من فقع القاع أو من سقط المتاع.
ثم أعود لأعلن على صفحات الرسالة - منبر الحق - أن أية كلمة يكتبها الكتاب في تقريظ كتابي سأعتبره وأستميح القراء كذلك أن يعتبروه مأجوراً من المأجورين؛ ولو كان الكاتب ممن لا يرقى إليهم الشك في قليل أو كثير.
على أني أستثني من هؤلاء الأديب الشاعر الأستاذ محمد الأسمر الذي تفضل - بادئ ذي بدء - فكتب في الزمان المسائية - كلمتين مشكورتين حول الكتاب، وقد كان في نيته - كما يقول في رسالة منه إلي - أن يكتب كلمة أخرى تعقبها كلمات. . . الأمر الذي اضطرني إلى أن أبعث إليه برسالة شاكرة فيها الرجاء الذي ألجم القلم. . . وكان من المشكورين!
وبعد: فالشكر أزجيه بدياً للناقدين ثم للسائل الفاضل، والسلام.
(الزيتون)
عدنان
انسجام:
خطأ أحد الباحثين استعمال الانسجام بمعنى الوفاق؛ لأنه في اللغة سيلان الماء وانصبابه وأقول: إن استعمال الانسجامبمعنى الوفاق والوئام والائتلاف والانتظام، والتناسب والتجانس والامتزاج وما أشبه ذلك صحيح بل فصيح لأنه استعمل في غير هذا المعنى على سبيل التجوز والتشبيه وإليك النصوص التي تؤيد هذا وتبين تطور الكلمة:
فقد جاء في محيط المحيط للبستاني:
الانسجام: مصدر انسجم، وعند البديعيين أن يكون الكلام لخلوه من التعقيد متحدراً كتحدر الماء المنسجم ولسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه وعدم تكلفه يكاد يسهل رقة ويكون له في القلوب موقع وفي النفوس تأثير اهـ
وجاء في نفحات الأزهار في فن البديع ص295:
الانسجام: هو أن يأتي الشاعر أو الناثر بالبيت أو الفقرة من النثر خالية من العقادة وتكلف السبك، كانسجام الماء في انحداره يكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة وعذوبة مع لطافة معناه ورشاقته وخلوه من الأنواع البديعية إلا أن يأتي ضمن السهولة من غير قصد وإن كان الانسجام في النثر يكون غالب فقراته موزونة ومن غير قصد لقوة انسجامه الخ.
جاء في خزانة الأدب لابن حجة الحموي في البديع ص236 المراد من الانسجام أن يأتي
الكلام لخلوه من العقادة كانسجام الماء في انحداره ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسهل رقة. . . الخ وجاء في زهر الربيع للحملاوي:
الانسجام ويقال له السهولة أيضاً هو أن يكون النثر أو النظم خالياً من التعقيد وتكلف السبك بحيث يكاد يكون كالماء في انسجامه وسهولة انحداره عذب الألفاظ متين السياق مع لطافة المعنى ورشاقته وخلوه من أنواع البديع إلا أن أتت بغير قصد وبدون تكلف الخ.
علي حسن هلالي
بالمجمع اللغوي
مدرج مصطفى عبد الرازق:
أرسل الدكتور أحمد فؤاد الأهواني خطاباً إلى عميد كلية الآداب جاء فيه بعد التحية: أذكر أن هيئة التدريس بقسم الفلسفة اجتمعت عقب وفاة المغفور له الأستاذ مصطفى عبد الرازق باشا واتخذت بعض قرارات لتخليد ذكراه.
منها أن يطلق اسم مصطفى عبد الرازق على أحد مدرجات الكلية إحياء لذكرى العاملين وتخليداً لفضل أستاذنا وقد كان من أعلام المفكرين.
وقد رأيت من واجبي نحو أستاذي الذي أخذت عنه وطلبت العلم عليه أن أتقدم بهذا الاقتراح إليكم راجياً عرضه على مجلس الكلية.
وأحسب أنه سوف يلقى من قبلكم الاستحسان والترحيب ومن ألسنتكم الموافقة والتقدير.
الضبع عند ابن جني:
تعليقاً على ما دار حول (الضبع) في مجلة (الرسالة) أورد ما يأتي: يقول العلامة الأمير شكيب أرسلان في (المناظرة اللغوية الأدبية) المطبوعة بالقاهرة ص94: هذه مسائل قيل فيها الشيء وعكسه كثيراً، وما أوسع أبواب العربية لمن عرفها.
وقال الإمام ابن جني في (كتاب المذكر والمؤنث): الضبع مؤنثة. . .
عبد الله معروف
رسالة النقد
نظرات في كتاب الأشربة
للأستاذ السيد أحمد صقر
- 3 -
16 -
ص31 يقول ابن قتيبة: (وقد فضح الله بالشراب أقواماً من الأشراف فحدوا، ودونت في الكتب أخبارهم ولحقت بتلك السبة أعقابهم، منهم الوليد بن عقبة، شهد عليه أهل الكوفة بشرب الخمر، وأنه صلى بهم الغداة وهو سكران وقال: أزيدكم يشهد الله بذلك، وبمنادمه أبي زبيد الشاعر - وكان نصرانياً - فحده هناك عمرو بن العاص سراً، فلما قدم على عمر رضي الله عنه جلده حداً آخر).
وهذا نص مضطرب أشد الاضطراب؛ يشوه وجه الحق والتاريخ معاً. فإن الوليد بن عقبة لم يكن والياً للكوفة في عهد عمر، وإنما وليها في عهد عثمان بن عفان؛ ولم يذهب عمرو بن العاص إلى الكوفة ليحده هناك، ولم يحد الوليد في الكوفة وإنما حد في المدينة، ولم يشترك عمرو بن العاص في حده بسبب من الأسباب. والذي حده عمرو في مصر سراً وأعاد عليه عمر بن الخطاب، كما ذكر المؤرخون، وكما ذكر ابن قتيبة نفسه في هذا الموضع من كتاب الأشربة. وقد ضلت تلك الحقائق التاريخية عن ذهن كرد علي. ولو وجد ريحها لأحس أن في الكلام سقطاً لا يستقيم معناه إلا بذكره. وهو كما جاء في العقد نقلا عن ابن قتيبة: (. . . وأنه صلى بهم الغداة وهو سكران ثم التفت إليهم فقال: إن شئت زدتكم. فجلده عليّ بن أبي طالب بين يدي عثمان وكان نديمه أبو زبيد الطائي، وفيه يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه
…
أن الوليد أحق بالعذر
نادى وقد تمت صلاتهم
…
ليزيدهم خيراً ولا يدري
ليزيدهم خيراً ولو قبلوا
…
لجمعت بين الشفع والوتر
كبحوا جماحك إذ جريت ولو
…
تركوا عنانك لم تزل تجري
ومنهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب شرب بمصر فحده هناك عمرو بن العاص سراً. فلما
قدم على عمر رضي الله عنه جلده حداً آخر).
17 -
وفي صفحة 32 ذكر ابن قتيبة أبيات الأخطل في نديمه العباس بن عبد الله بن العباس التي أولها:
ولقد غدوت على التجار بِمُسْمِحٍ
…
هرَّت عواذله هرير الأكلب
فضل الكياس إذا تمشى لم يكن
…
عند الشراب بفاحش متقطب
مر الأستاذ على البيتين الأخيرين ولم يعقب؛ لأنه لم يدرك معناهما، ولو أدركه لأصلح ما فيهما من خطأ. وصواب البيت الأول منهما:(خُضِلُ الكِياس إذا تشتى) والخضل: الندي والكياس جمع كأس. وتشتى: أي دخل في الشتاء.
وصواب البيت الثاني (وإذا تُعُوِّرت الزجاجة) من التعاور وهو التعاور وهو التداول.
18 -
ص32 ذكر ابن قتيبة أن من المفضوحين بشرب الخمر (عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي القاضي بالكوفة، فضح بمنادمة سعد بن هبار فقال حارثة بن بدر:
نهاره في قضايا غير عادلة
…
وليله في هوى سعد بن هبار
ما يسمع الناس أصواتاً لهم عرضت
…
إلا دويا دويّ النحل في الغار
فأصبح القوم إطلاقاً أضربهم
…
حث المطي وما كانوا بسفار
يدين أصحابه فيما يدينهم
…
كأساً بكأس وتكراراً بتكرار
ولست أدري كيف فهم كرد علي معنى أن القوم أصبحوا (إطلاقاً) وهي لا معنى لها لأنها محرفة وصوابها (فأصبح القوم أطلاحا) جاء في لسان العرب: (الطلح والطلاحة: الأعياء، وجمع طلح: أطلاح وطلاح).
19 -
ص34 يتابع ابن قتيبة حديثه عمن فضح بالشراب فيقول: (ومنهم خالد بن عمرو بن الزبير، وفيه يقول القائل:
إذا أنت نادمت العتير وذا الندى
…
حبيراً وعاطيت الزجاجة خالدا
أمنت بإذن الله أن تقرع العصا
…
وأن يوقظوا من رقدة السكر راقدا
وصرت بحمد الله في خير فتية
…
حسان الوجوه لا تخاف العرابدا
والعجب عندي من قوله: وأن يوقظوا من نومة السكر راقداً وأكثر ما يوقظ السكران للصلاة، أفتراهم حمدهم على تركه إيقاظه للصلاة إذا سكر).
والصواب (وذا الندى جبيراً) والرواية الصحيحة التي رواها ابن قتيبة كما ذكرها في الجملة السابقة هي: (وأن يوقظوا من نومة السكر راقدا). ولكن الأستاذ لم يفطن لذلك التخالف البين بين رواية البيت والرواية التي يتحدث عنها ابن قتيبة. وصواب الجملة الأخيرة: (. . . أفتراه حمدهم. . .) على أن في هذا النص خطأ تاريخيا كبيراً لم يلحظه الأستاذ، وهو من أوهام الناسخين الماسخين وليس من أوهام المؤلف، فإن ابن قتيبة لم يقل (ومنهم خالد بن عمرو بن الزبير) وإنما قال:(ومنهم خالد بن أيوب الأنصاري) وقد أشار إلى ذلك في كتاب المعارف ص105، 106 في ثنايا حديثه عن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، قال: (ولسهيل عقب بالمدينة. منهم عتير بن سهيل وكان صاحب شراب وفيه يقول الشاعر:
إذا أنت نادمت العتير وذا الندى
…
جبيراً وعاطيت الزجاجة خالداً
وجبير هو ابن أيمن ابن أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخالد هو ابن أبي أيوب الأنصاري).
ولم يسم ابن قتيبة قائل هذا الشعر لا في كتاب المعارف ولا
في كتاب الأشربة، وهو السريُّ بن عبد الرحمن بن عتبة بن
عويم بن ساعدة الأنصاري. قال أبو الفرج الأصفهاني في
كتاب الأغاني 1825 (والسري شاعر من شعراء أهل المدينة،
وليس بمكثر ولا فحل، إلا أنه كان أحد الغزلين، والفتيان
المنادمين على الشراب، كان هو وعتير بن سهيل ابن عبد
الرحمن بن عوف، وجبريل بن أيمن، وخالد بن أبي أيوب
الأنصاري يتنادمون، وفيهم يقول:
إذا أنت نادمت العتير وذا الندى
…
جبيراً وعاطيت الزجاجة خالدا
وذكر بقية الأبيات ثم أعاد روايتها مرتين في ص67، 66 وروى في هذه الصفحة أنهم
قالوا له: (قبحك الله ماذا أردت إلى التنبيه علينا، والإذاعة لسرنا؟ إنك لحقيق أن لا ننادمك، قال والله ما أردت بكم سوءاً، ولكنه شعر طفح فقئته عن صدري. . .)
20 -
ص34 يقول ابن قتيبة (وهذا أبو محجن الثقفي شهد يوم القادسية وأبلى بلاء حسناً، شهر وكان فيمن شهد ذلك اليوم عمرو بن معدي كرب فقال عليه، وهو القائل:
إذا مت فادفني إلى أصل الكرمة
…
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني
…
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها)
وهذا نص مضطرب جداً لا معنى له وقد مر عليه الأستاذ مرور الكرام كما يقال وكأنه قد فهمه، ما معنى (فقال عليه) وما معنى إقحام (عمرو بن معدي كرب) هنا؟ لست أدري ولعل الأستاذ يتفضل علينا وعلى القراء ببيان معناه.
21 -
ص35 (قال العتبي شعراً ذكر فيه كثيراً من مقابح السكر:
دع النبيذ تكن عدلا وإن كثرت
…
فيك العيوب وقل ما شئت يحتمل
هو المشيد بأسرار الرحال فَما
…
يخفى على الناس ما قالوا وما فعلوا
كم زلة من كريم ظل يسبرها
…
من دونها سُتر الأبواب والكلل
أضحت كنار على علياء موقدة
…
ما يستسر لها سهل ولا جبل
والصواب (. . . ظل يسترها) ثم يقول العتبي:
والعقل علق مصون لو يباع لقد
…
ألفيت بُيَّاعه ما سُألوا
والصواب (يعطون ما سُئلوا)
فاعجب لقوم مناهم في عقولهم
…
أن يذهبوها بعل بعده نَهَل
قد عقدت لخمار السكر ألسنهم
…
عن الصواب ولم يصبح بها عِلل
وازورت بسنات النوم أعينهم
…
كأن أحداقها حول وما حَوِلوا
والصواب (قد عقدت بخمار. . . وازَّاوَرَت بسنات النوم أعينهم) أي مالت.
22 -
ص26، 27 (وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة حين تتابعت الأخبار عليه، وتتابع الناس في الأشربة المسكرة على التأويل: أما بعد فإنه قد كان من أمر هذا الشراب أمر ساءت فيه رغبة الناس حتى بلغت بهم الدم الحرام، والمال الحرام والفرج الحرام، وهو يقول: شربنا شراباً لا بأس به. وإن شراباً حمل الناس على هذا البأس شديد
وإثم عظيم، وقد جعل الله عنه مندوحة وسعة من أشربة كثيرة، ليس في الأنفس منها حاجة: الماء العذب، واللبن والعسل والسويق، وأشربة كثيرة من نبيذ التمر والزبيب في أسقية الأدم التي لا زفت فيها، فإنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نبيذ الضروف المزفتة وعن الدنان والجرار).
والصواب (أمر ساءت فيه رِعْيَتُهم. . .)
جاء في سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص101 (كان في الناس من هذا الشراب أمر ساءت فيه رِعْيَتُهم، وغشوا فيه أموراً انتهكوها عند ذهاب عقولهم، وسفه أحلامهم، بلغت بهم الدم الحرام. . .) وهذه الجملة أدق من الجملة التي نقلها ابن قتيبة.
والصواب أيضاً (. . . من أشربة كثيرة ليس في الأنفس منها جائحة).
والصواب أيضاً (. . . فإنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نبيذ الجرّ والدُّبَّاءِ والظروف المزفتة) وليس لكلمة (الضروف) أي معنى في لغة العرب.
23 -
37، 38 (وقد شهر المتعاشرون على الشراب بسوء العهد، وقلة الحفاظ وأنهم صديقك ما استغنيت حتى تفتقر، وما عوفيت حتى تنكب، وما غلت دنانك حتى تنزف، وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك، قال الشاعر:
أرى كل قوم يحفظون حريمهم
…
وليس لأصحاب النبيذ حريم
إذا جئتهم حيوك ألفاً ورحبوا
…
وإن غبت عنهم ساعة فدميم
إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم
…
وكلهم رث الوصال سؤوم
فهذا ثباتي لم أقل بجهالة
…
ولكنني بالفاسقين عليم
والصواب (فهذا ثنائي) كما في العقد الفريد 4321 وليس
للثبات هنا أي معنى يستقيم به نظم الكلام، ويقوم عليه بناء
معناه.
(يتبع)
السيد أحمد صقر
المدرس بالليسيه فرنسية بمصر الجديدة