المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 834 - بتاريخ: 27 - 06 - 1949 - مجلة الرسالة - جـ ٨٣٤

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 834

- بتاريخ: 27 - 06 - 1949

ص: -1

‌9 - أمم حائرة

المرأة والانتخاب

لصاحب العزة الدكتور عبد الوهاب عزام بك

وزير مصر المفوض بالمملكة السعودية

ثار جدال واشتد نزاع على اشتراك المرأة في الانتخاب. وحسبي في هذا المقال أن أصور للقراء جدالا في مجلس ضم جماعة من أولي العلم تختلف آراؤهم في هذا الشأن.

تحدث حاضرو المجلس في بعض ما نشر في الصحف تأييداً لمطالبة المرأة، أو المطالبة لها بالانتخاب، وإنكاراً لهذه المطالب. فبدأ أحد المتكلمين الجدال إذ قال:

حقٌّ للمرأة كيف يجحد، وكرامةٌ لها كيف تهان، ومشاركة في تدبير أمور الأمة كيف تحرَّم عليها؟ لا أرى لمنكر حجة، ولا لمخالف عذراً).

قال أحد المتحدثين: (وددت أنّا تجنبنا هذا الحديث في هذا المجلس، ولكن صاحبنا لا يجد لمنكر حجة ولا لمخالف عذراً، فحق علينا أن نبيّن حجتنا وعذرنا.

إنا نعوذ بالله من السياسة ومكايدها، وعصبية الأحزاب وطرائقها، وتحيز الصحف وجدالها.

ونعوذ بالله أن تسابق المرأة في هذا المضمار، وأن تَصلى بهذه النار. ونعيذها بالله أن تَشغل نفسها بهذا اللجاج، وأن تزج نفسها في هذا العجاج، ونحذر أن تمتد ضوضاء السياسة إلى سكينة البيت، وخلافُ الأحزاب إلى وفاق الأسرة.

أن من شئون الأمة لشئوناً ينبغي أن تُنزَّه عن الجدال، وتُصان عن النزاع والخصام، ويكتنفها الوفاق والوئام، وتحوطها السكينة والسلام، وأولها شئون الأسرة.

إننا لا نرضى لطلبة العلم أن يعملوا في السياسة فيتفرقوا شيعاً، ونود أن تكون معاهد التعليم للأمة كلها، يجمع طلابها الحق، ويؤلف بينهم العلم، ويوكد أخوتهم التعاون على كل بر، والجهاد لكل خير. وقد خبرنا من عمل السياسة في الطلبة ما خبرنا، وبلونا من شرها ما بلونا.

وإن الأمم تنأى بالجيوش عن معارك السياسة وخصومات الأحزاب، لأنهم للوطن كله، وللأمة جميعها، والوطن واحد والأمة واحدة.

ص: 1

ونعوذ بالله من جند يختلف أحزاباً ويتفرق طرائق! إن الجند سياج الوطن المنيع، وحرزه الحريز، ينبغي أن تجتمع قلوبهم وألسنتهم وأيديهم على الذود عن ديارهم، لا تفرقهم الأهواء، ولا تتقسمهم النزعات.

وشئون أخرى للأمة لا تصلح إلا باجتماع الرأي فيها، واتفاق القلوب عليها. وشئون الأسرة أولى هذه الشئون بالتنزه عن التحزب، والتطهر من التعصب.

والمرأة ربة الأسرة، وملكة البيت، تنشر فيهما السلام والسكينة، وتبعد عنهما النزاع والضغينة، فتربِّي أولادها للوطن كله، وتنشِّئ ناشئتها للأمة جميعها. مثِّل لنفسك زوجين اجتمعا على مائدة، وقد تعصب كل منهما لحزبه، وجادل عنه، وذكر حزب الآخر ونال منه، واستمع الأولاد لجدال الأبوين، والجدال طريق الخصام، والخصام رسول العداوة والبغضاء. ثم انظر كيف تكون العاقبة.

هذا جانب واحد من جوانب عمل النساء في السياسة، وآفة واحدة من آفات تعصبهن، ودخول التحزب إلى بيوتهن.

نناشدكم الله والوطن أيها الدعاة أن تدعوا لنا المرأة نسكن إليها من ضوضاء العيش، ونفر إليها من خلاف المذاهب، ونستريح عندها من جدال الأحزاب، ونعلم في جوارها الحب والود، والسلام والبر.

نناشدكم ألا تجعلوا من كل أسرة لجنة حزبية، أو لجاناً متعددة لأحزاب مختلفة، وألا تنقلوا الجدال والخصام، والافتراء والبهتان، إلى المعبد الذي نأوي إليه، ونلتمس الدعة والسكينة والألفة والمحبة فيه.

حسبنا - أيها الإخوان - هذا النزاع الدائم، والدويّ المستمر الذي نلقاه في كل طريق، وكل نَديّ، ونقرؤه في كل صحيفة، ونسمعه في كل مذياع. فنحن منه في شغل بالنهار وهمٍّ بالليل.

دعوا المرأة تتزوَّد من العلوم والآداب والأخلاق، وأبعدوها من هذا المعترك لتكون داعية وفاق ورسول مودة، ولتكون - كما خُلِقتْ - مصدر خير وبر، وألفة وحب.

قال الأول - وقد احتدَّ قليلاً -: (إنكم إذاً تحرمونها المشاركة في أمور الأمة، وتحرمون الأمة تدبير المرأة، وهي - كما تعترفون - مصدر خير وبر وألفة ووفاق، فلماذا تحرمون

ص: 2

الأمة من برَّها ووفاقها في بعض شئونها؟)

فأجابه مناظره: (كلا، كلا، بل تشارك خير مشاركة بالتربية والتهذيب، وبالتعليم والإرشاد، وتدّبر أجدى تدبير بالقيام على أخلاق النشء وأفكارهم، وبدعوتهم إلى الحق والخير، وتنشئتهم على العدل والإحسان، وإشراب قلوبهم المودة والمحبة، وتعويدهم العدل والإنصاف.

إنها إذاً تشارك وتدّبر بقلبها الطاهر، وفكرها المبرأ من العصبية، وتهدي الأمة إلى الخير دون تحيز، وترشدها إلى الحق دون تحزب، فتكون داعية ألفة لا فرقة، ومنبع سلام لا خصام. وليس هذا بعيداً من المرأة، إن قبلتم فيها دعوتنا إلى التكريم والتقديس، ورضيتم لها سلطانها في الأسرة، ومكانها من الأمة.

إننا نرضى شركتها في كل أمر ماعدا الخصام والجدال، ونقبل تدبيرها في كل شأن حاشا معارك السياسة ومكايد الأحزاب.

إننا ننزه المرأة - ومكانُها في القلوب مكانُها - أن تباشر الخصام، وتتخلل الزحام، وتسير في مواكب الانتخاب، وضوضاء المظاهرات، وترمي منافسها ويرميها، ويَبهَتها وتبهته.

إنا والله نُشفق عليها أن تسير في المدن والقرى، وتطرق الأبواب ليلاً ونهاراً، وإعلاناً وإسراراً، وتلقي الكريم واللئيم، والحر والنذل، والغليظ والرقيق، مستجدية التأييد، منفقة من الوعود!

ثم ضحك المجادل وقال مازحاً: (ولسنا نعرض لما وراء هذا من الأقاويل حين يقول السفهاء: هذه المرشحة جميلة، وتلك دميمة، وهذه بسَّامة، وتلك متجهمة، وتلك غليظة في القول، وهذه لينة. . . وهلم جرا.

وإنا والله لنرثى لها حين نتمثلها وقد ابتُلِيت بالنيابة فجاءت الوفود تستنجز الوعود، وطرق الناخبون دارها كل حين، يرفعون الشكايات، ويقتضون الحاجات، ويخرجونها من أسرتها طوعاً أو كرهاً، ويشغلونها عن عيالها، شاءت أم أبت!

إنا وايم الحق لنشفق على الرجال ونرثي لهم حين نراهم في معركة الانتخاب وبعدها، وحين نرى تحكم المُبْطِلين فيهم، وتدلل الطامعين عليهم، حتى لنتمنى أحياناً أن يُعفى الرجال من الانتخاب ومطالبه، والتمثيل ومتاعبه. . وكم عرفنا وبلونا وأشفقنا ورثينا!

ص: 3

فاشتد صاحبه في الجدال، واحتد في الحوار، قائلاً:(أيها المدعون المبطلون، والمجادلون الجاهلون، إنكم تعطلون نصف الأمة أو أكثر، وتحرمونه الإبانة عن رأيه، والإعراب عن حجته في المجالس النيابية، والتمثيل لا يصح حتى يمثل كثرة الأمة ويُبين عن آرائها، فكل أمة لا تشارك نساؤها في الانتخاب والنيابة، لا يصح تمثيلها، ولا يجوز في الحق تصرفها. . . هذه حجة دامغة، فكيف تحتالون لدفعها؟)

قال له صاحبه: قلت آنفاً إن على النساء تنشئة الأجيال وتربيتها، فآراؤهن منبثة في نفوس الرجال والنساء، ممثلة فيها، وأقول الآن: إن مدار تمثيل الأمة على أن يكون لكل مذاهبها وآرائها من يتكلم بها ويجادل عنها في مجالس النيابة. التمثيل صحيح ما تحقق هذا الشرط، فإن عمدت أمة إلى تقليل مشاغل الانتخاب بتقليل عدد الناخبين بأية وسيلة دون إجحاف بطائفة بعينها، أو تمييز جماعة على أخرى. كان الناخبون ممثلين لآراء الأمة، وصح التمثيل، ولم يضر هذا التقليل.

هب أنك أخذت دفاتر الانتخاب في بلد فحذفت نصفها بالاقتراع، ألا يكون النصف الباقي ممثلاً أفكار هذه البلد ونزعاته؟ أتقول إن مذهباً أو رأياً فقد أصحابه بهذا الاقتراع، إن انتصر للرأي ستون من مائة، أو ثلاثون من خمسين، أو خمسة عشر من خمسة وعشرين، لم تختلف النتيجة، ولم تتغير النسبة.

وليس النساء طائفة، أو طبقة في الأمة، ولكنهن شريكات في كل أسرة وفي كل جماعة، فإن أعفت أمة نساءها من مشاغل الانتخاب تمكيناً لهن مما هو أولى بهن، وتنزيهاً عن معارك السياسة ومطاعن الانتخاب، لم يخل هذا بتمثيل الأمة، ولم ينقص من كرامة المرأة.

فسخر صاحبه بهذا الرأي وشرع يجادل فيه، فصاح به: لقد ضاق الوقت، لا تجادل، سأدع كل حجة إلا حجة واحدة، وأتجنب كل القضايا إلا قضية فذة، فإن أجبتم عنها، وخلصتم من سلطانها، كان بيننا وبينكم ما شئتم من جدال.

إني أقول لمن يطلب الانتخاب للنساء، أتطلب هذا عن رضاً من النساء أو كره، أتكرههن على الانتخاب، أو تأخذ برأيهن فيه قبولاً ورداً؟

إن فيصل الأمر بيننا وبينكم أن تبدءوا فتعرفوا آراء النساء في قضيتهن هذه، أيُردن الانتخاب أم يأبينه، أيحرصن عليه أم يزهدن فيه؟ فاستفتوا النساء قبل أن تطلبوا لهن،

ص: 4

واسألوهن قبل أن تدَّعوا عليهن.

فإن استفتيتم النساء فأعرض أكثرهن عن المشاركة في الانتخاب، وأبين أن يكون لهن هذا العناء، فليس لفضولي أن يتكلم عنهن.

وإن قلتم إن عسيراً أن يعرف رأي النساء في أحوالهن الراهنة، قلنا فكيف إذن تحاولون إشراكهن في الانتخاب؟ إنهن إن عجزن عن الإعراب عن آرائهن في قضيتهن فهن في غيرها أعجز! وإن قلتم إن أحوال النساء تحول الآن دون تعرف آرائهن ولكنها حال تزول، وسيكون لهن من الثقافة ما يعربن به عن أفكارهن من بعد؛ قلنا فانتظروا حتى تحول الأحوال، ثم عودوا إلى الجدال.

إنها لحجة دامغة لا تستطيعون الفرار منها، وبرهان مفحم لا تملكون الجدال فيه!

تعرَّفوا رأي النساء في أمرهن، ولا تفتروا عليهن، ولهن القول الفصل، وعلينا السمع والطاعة.

وأخذت المجادل سَورة الحجة، فوجم وفكر، وانتهز الحاضرون الفرصة، فأنهوا الجدال وانفض المجلس.

(للكلام صلة)

عبد الوهاب عزام

ص: 5

‌صور من الحياة:

قبعة تتزوج

للأستاذ كامل محمود حبيب

- 2 -

آه، يا صاحبي، لقد خرجت من لدن سعادة البك بعد أن سامك الاحتقار والمهانة، وبعد أن سفه رأيك وازدرى عقلك، وبعد أن قذف بك إلى خارج الدار ليحول بينك وبين أن تعبث بكرامة ابنته الشابة، أو أن تلوث شرفها.

خرجت وفي قلبك أسى ولوعة، وفي نفسك هم وضيق. . . فلشدَّ ما آذاك ما رأيت من إباء الفتاة المصرية ومن ترفعها! ولشد ما أزعجك ما لمست من كبرياء الأب المصري ومن صلفه! ولشد ما أفزعك ما أحسست من صلابة الأسرة المصرية ومن تماسكها! وحز في نفسك أن يفلت الطائر الجميل من بين يديك بعد أن ظفرت به، فيطير معه أمل عقدته على جمال الفتاة وعلى جاه الأب وعلى ثراء الأسرة.

وحاولت أن تداري خيبة أملك خلف ستار من الكذب والرياء، فذهبت تحقد على الفتاة المصرية وتتهمها بألوان من النقائض، وتقذفها بفنون من الافتراء، لأنها استعصت على خداعك الوضيع، وتمنعت على أساليبك الثعلبية، وضنت بشرفها أن تعبث به يد، وصانت كبرياءها على أن تنحط إلى أسفل.

وقلت لي - ذات مرة -: (إن الفتاة المصرية إنسانة ضعيفة العقل، خاوية الذهن، واهية الخلق، سقيمة الفكر، تنزعج لكل صوت، وتفزع من كل نأمة، وتضطرب لكل حادثة. يلذ لها - دائماً - أن تعيش على حيد الحياة، بعيدة عن نور المدنية لأنه يعشى بصرها، وفي منأى عن دوافع العيش لأنها تصعق أعصابها.

هذا هو تاريخها - تاريخ العزلة والإهمال - يتدفق في عروقها دماً قذراً تافهاً، وهي لا تستطيع أن تنهض بعمل ولا تصبر على مسئولية. وإن تعلمت أضافت سخفاً إلى سخف فيها، وضمت سفهاً إلى سفه، وجمعت بلاهة إلى بلاهة، فهي تتحدث بلسان العلم حديثاً فيه السخف والسفه والبلاهة جميعاً، وهي. . .)

ص: 6

فقلت لك مقاطعاً: (وهي فتاة فيها الشرف والكرامة والانزواء عن الشرور، والنأي عن الدنايا، والفزع عن الفحش. وهي إن تعلمت كانت في الدار صاحبة ورفيقة، وفي الجماعة نبراساً وضياء، وإن تزوجت أصبحت أماً وزوجة ومعلمة).

وقلت لي في ملل وضيق: (إن فيها الرجعية والجمود وانغلاق الذهن وفساد الرأي).

فقلت لك: (وإن فيها بواعث الحياء والخجل والترفع والإباء، ولكنك أنت - يا صاحبي - قد لبست القبعة حيناً، فنفثت فيك من روحها ودمغتك بأسلوبها، فهل كنت تؤمن بما تقول حين اندفعت إلى فلان بك في غير أناة ولا صبر تخطب إليه ابنته وهي فتاة مصرية. . .)

فأرتج عليك، واضطرب ذهنك، وتبلبل عقلك، وخانتك فلسفتك، وأنت فيلسوف كبير.

لا عجب - يا صاحبي - إن كنت قد عصفت بك صاعقة عنيفة يوم أن طردك سعادة البك من داره فتزلزل كيانك وتصدع قلبك، لأن رجلاً مصرياً دَّعك من داره في غير هوادة ولا لين، وامتهنك وأنت فيلسوف عظيم لبس القبعة حيناً من الدهر!

وآدك أن تصبر على ما أصابك من سعادة البك ومن ابنته، فانطلقت تشوه الحقيقة وتمسخ الواقع لتثلب الأسرة المصرية وتحط من قدرها بحديث تافه فيه المغالطة والمكابرة.

وذهبت تلقي أعباء نفسك في نُزل قاهري الموقع أجنبي الصبغة بين يدي سيدة عجوز، ألمانية اللسان يهودية النزعة، ومن حواليها بناتها الثلاث، وإن الواحدة منهن لترف رفيف الزهرة الغضة حين تنفح عطرها الجذاب لتأسر به القلب وتسيطر على الفؤاد.

وسكنت إلى هذا النزل، تعيش بين العجوز وبناتها تمثالاً صامتاً لا ينبض بالحياة ولا يخفق بالإنسانية، فأنت تقضي يومك منطوياً على نفسك في حجرة لا تندفع إلى حديث ولا تنشط إلى سمر، ولا تبسم لمفاكهة، ولا تنزع نفسك إلى رفيق. وضاقت العجوز بأسلوبك في الحياة، فهي تطمع أن تراك طلق الوجه واليدين واللسان تنغمر في حياة الأسرة تأخذ منها وتعطي. . . ضاقت بك العجوز وهي ذات مكر وخداع، وهي ذات حيلة ودهاء، لا يعجزها أن تتوسل إلى غايتها بأساليب شيطانية، ولا يقعدها أن تبلغ الهدف بأفانين أرضية. وانصرفت أنت إلى خلوتك وشغلت بخواطرك، ولكن العجوز اليهودية لم تنصرف عنك، فراحت تسعى إليك، وتنفث فيك سمومها، وتنقض عليك - بين الحين والحين - تريد أن تنزعك من خلوتك، وأن تزعجك عن وحدتك، وأن تكشف عن سرك، وإن لنفثاتها لسحراً،

ص: 7

وإن لحديثها لطلاوة، وبين يديها فتياتها الثلاث وإن فيهن الدلال والجمال وفيهن السحر والجاذبية. وأخذت العجوز اليهودية تتلو رقى السحر حواليك وتتقرب إليك ثم تنشر عليك شباك التمويه والمداهنة لا تهن عزيمتها ولا تفتر قوتها. واستطاعت - بعد لأي - أن تجذبك إلى المائدة الخضراء لتسرق مالك؛ واستطاعت - بعد جهد - أن تسقيك الكأس الأولى لتسرق عقلك. وهكذا خطوت أول خطوة في سبيل الانهيار العقلي والانهيار الاجتماعي، ولكن عقلك المغلق لم يتوضح الطريق فما شعرت بقدمك وهي تنزلق إلى الهاوية. لقد غطى على عينيك ستار من لذاذات كنت تحسها وأنت تطوي لياليك بين فتيات النزل تصغي إلى حديثهن وتنتشى بخمرهن وتشاركهن اللعب والمزاح والعبث، تتودد إليهن وهن يتملقنك فبدأت تهوى إلى أسفل وهن من ورائك يدفعنك إلى الهاوية والأم العجوز - من ورائهن - توسوس بأمر وتسعى إلى غاية. وراقتك الحياة الجديدة وفتنك زخرفها فاندفعت لا تجد رادعاً من دين ولا وازعاً من خلق على رغم أنك تخسر مالك وتقتل وقتك. لقد أسرك القمار والخمر وخلبك الجمال والإغراء فما عدت ترى أنك أنت

ألآن - يا صاحبي - رضيت بأن تصبح سجيناً في قفص من ذهب، وأغلق باب القفص من دونك حين تزوجت من أصغر فتيات المنزل، وهي فتاة عابثة لعوب ريقة الشباب غضة الإهاب، ذات دل آسر وجمال خلاب، وتراءى لك أن الفتاة قد مسحت بيدها الرقيقة البضة على أحزانك، وآست بحديثها الجذاب جراحك العميقة، وبدا لك أنك أمسيت روح هذه الدار وريحانها، وأنك أصبحت فتاها المرموق وسيدها المدلل فاطمأنت نفسك وهدأت نوازعك. ثم أردت أن تحول بين المنزل وبين زواره من كل جنس - وهم كثر - فما استطعت إلى ذلك سبيلاً. وأوحت إليك زوجك الأجنبية بأن تتخذا داراً غير هذه تكون عش الغرام ومنزل السعادة ومهبط الأمان، فانطلقتما معاً تهيئان داراً صغيرة فيها البساطة والأناقة وفيها النظام والترتيب وفيها الهدوء والاستقرار. ثم دفعتك الفتاة إلى السينما وإلى المسرح وإلى الندىّ، ورافقتك إلى الملهى وصحبتك إلى المرقص، وأنست بصحابك تأخذ منهم وتعطي، وأقبلت أنت على رفاقها في بشر وإيناس

وهكذا - يا صاحبي - وجدت في زوجك الأجنبية ما افتقدته في زوجك المصرية، وحدثتك نفسك قائلة: (لا ضير فهذه الفتاة تستطيع أن تمهد لك السبيل الوعر وتفتح أمامك الباب

ص: 8

الموصد، ثم تدفعك إلى الهدف في سهولة ويسر، وأنت من ورائها تندفع حتى تبلغ) أما هي فكانت تجلس إلى أمها العجوز بين الحين والحين وتستمع إلى حديثها بين الفينة والفينة، وإن العجوز لتعرض إليها بأمر وتغريها برأي وهي من ورائها تندفع. ووجدت الفتاة في رفاقك لذة صرفتها عنها، ولمست فيهم متعة شغلتها عن الدار

وعشت حيناً مع زوجك الأجنبية. وهي ألمانية اللسان يهودية النزعة شيطانية المشرب لا تجد غضاضة في ما تفعل ولا تحس أذى في ما تذر. ولكن دمك الشرقي ما تلبث أن ثار وهدر؛ وإن للشرقي لكرامة يعز عليه أن تنهار، وإن له لشرفاً يضن به عن أن يمتهن، وإنه ليبذل روحه ودمه دون أن يخدش. فأنت حين تغاضيت عن مثالب زوجك كنت قد نزلت عن شرقيتك وانصرفت عن مصريتك لتعيش زماناً في جو القبعة وترتدغ في مبادئها، ولكن دمك الشرقي ما تلبث أن ثار وهدر فعزمت على شيء. وأني لك ما تريد وإن زوجك - ومن ورائها أمها - لذات حيلة ودهاء، فهي تترضاك حيناً وتتوسل برؤسائك حيناً، حتى إذا ضاقت بجهلك وعجزت عن ترويضك راحت تتهددك بأن تفصلك عن عملك إن وسوست لك نفسك أن تنالها بأذى، وإنها لقادرة على أن تفعل.

وجاءك - ذات يوم - رجل من بني جلدتها ذو جاه ومكانة يحذرك غب طيشك بقوله: (حذار أن تحدثك حماقتك فتطلق زوجك، وإذن لا تلبث إلا قليلا حتى تطلقك الوظيفة ثم لا تجد بعدها ملجأ ولا ملاذاً إلا الشارع) وصمت لسانك حين شعرت بأن غلاً ثقيلاً يشد على عنقك فلا تستطيع أن تفلت منه، وحين خشيت أن تصبح صعلوكاً تتقاذفك مضلات الحياة وتصفعك متاهات الحاجة، فألقيت السلم وكبتَّ في نفسك نوازع ونوازع لتكون في الدار حمَلاً وديعاً تتلقى الأمر من زوجك الأجنبية الفاجرة فلا تجد مصرفاً عن الطاعة، ولتكون خارج الدار ثوراً هائجاً تفرغ هم نفسك في موظف صغير لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، وتنفس عن غرائزك المكفوفة في خادم عاجز لا يملك أن يتقي شرك

ليتك، يا صاحبي، تعلمت من فلسفتك أن صلات الأسرة تزداد قوة ومتانة حين توثقها روابط الوطن والدين واللغة، فهي تلم شعتها وتجمع ما تبعثر منها وتبذر فيها غرس الألفة والحنان وتنفث روح العطف والمحبة! ليتك يا صاحبي، ليتك. . .!

كامل محمود حبيب

ص: 9

‌مثل من فهم الشعر القديم

في بحث أدبي جامعي

للأستاذ أبو حيان

قرأت هذه الأبيات التي أوردها بعد قليل، في كتاب من هذه الكتب الجامعية التي يتعرف بها الناس، عادة، ألوان النشاط العلمي في الجامعة. وقد زعموا أن هذا الكتاب من خير ما يمثل الجامعة في سنواتها الأخيرة، إذ لم يجل على الناس إلا بعد أن أقرته الجامعة وأجازت صاحبه، ورأته جديراً بأن يحمل أرفع ألقابها، وهو كتاب (الهجاء والهجاءون، تأليف الدكتور م. محمد حسين، مدرس بكلية الآداب بجامعة فاروق الأول) كما يتألق به صدره.

أما هذه الأبيات فهي أبيات الخطيل بن أوس، أخى الحطيئة وقد قالها في حركة الردة وها هي ذي، كما أوردها صاحب ذلك الكتاب، نقلاً عن الطبري، وكما ضبطها هذا الضبط الذي رآه:

فدى لبني ذبيان رحلي وناقتي

عشية يحدي بالرماح أبو بكر

ولكن يُدَهْدَى بالرماح فهبنه

إلى قدر ما إن تقيم ولا تسرى

ولله أجناد تذاق مهانة

لتحسب فيما عد من عجب الدهر

ثم يعلق على البيت الثاني، شارحاً له، بقوله:

(دهديت الحجر فتدهدى دحرجته. هبنه كذلك هي بالنص (يريد: بالمصدر المنقول عنه)، لعلها من أهاب بالإبل والخيل إذا زجرها قائلاً هاب هاب، فيكون المقصود أن هؤلاء الرجال يزجرون أبا بكر وجيوشه، ويدفعونهم إلى قدرهم وحينهم)

أما البيت الأول فلا إشكال فيه عنده، فلا حاجة به إلى التعليق عليه بشرح أو تفسير أو تحرير. وإن كنت أنا لم أفهم - ومعذرة لامرئ بعيد عن منهج المدرسة الحديثة - كيف يحدى أبو بكر بالرماح، فالحادي يحدو الإبل بغنائه، فتنساق خلفه وتطرد وراء حدائه، فكيف يمكن أن تكون الصورة حين يضع الرماح في موضع الحداء؟

يستطيع كل امرئ - ولو لم يكن من الأساتذة الكبار - أن يتكلف ويتمحل في الفهم والتخريج، ويلتمس المذاهب المختلفة في ذلك، وإن لم يمكن أن تستقيم مع ذوق أدبي سليم، أو منهج علمي سديد، ولكن هذه التمحلات لا غناء فيها، ولا جدوى لها، في أداء الصورة

ص: 11

الشعرية الجديرة بذلك الشاعر. والأمر بعد أيسر من هذا العناء، فالدال في يحدى إنما هي ذال معجمة ذهب إعجامها، فتكون العبارة:(عشية يحذى بالرماح أبو بكر) بمعنى يطعن ويمزق جسده، كما هو الأصل في معنى حذا وأخواتها، كحذ وحذق وخذف وحذم.

هذا هو البيت الأول، ولا بأس على الأستاذ أن يتجاوزه، كما تجاوز - فيما يبدو - كثيراً غيره، إذ ليس بصدد التحقيق والتدقيق والتنقيب والتعقيب، وإذا كان أمر الدرس الأدبي قد صار - فيما يبدو أيضاً - أمر دراسة خاطفة عابرة، يعنيها أول ما يعنيها أن تخطف الأبصار - فيما يخيل إليها - ببعض الظواهر البراقة الباهرة، وأن تصل إلى أهدافها المرموقة. . . بما تستطيع أن تصطنعه من حركات بارعة ماهرة.

ولكنا لا نغمط الأستاذ حقه، فبقدر ما تجاوز البيت الأول مسرعاً عجلاً، وقف عند البيت الثاني مستأنياً محققاً متأملاً، كما رأينا في التعليق الذي نقلناه عنه منذ قليل. ففسر كلمة (يد هدى) كما لقنته المعاجم، وجزاه الله عن الباحثين خيراً! ولكن هذه المعاجم التي أسعفته في موقفه من هذا البيت، في هذه الكلمة، فقدمت إليه تفسيرها، فأسرع إليه يدونه كما هو، أميناً عليه، فرحاً به، جعلت تراوغه وتعابثة وتمكر به في الكلمة التالية، فخيلت إليه أنها تسطيع أن تمده فيها بما يثبت أستاذيته، ويظهر ألمعيته، ويحقق دكتوريته، فتشبث بها، وتعلق بذراعها:

(ولكن يد هدى بالرجال فهبنه)، فهبنه؟ ما عسى أن يكون معنى هذه الكلمة؟ أجيبي أيتها المعاجم العزيزة كما أجبتني من قبل. ولكن المعاجم لم تجبه في الأولى إلا لتزلقه وتعيث به وتسخر منه في الثانية. فها هي ذي تأخذ بيده المتشبثة بها. وتجره معها، وتجول به بين هذا الموضع وذاك من مواضع الهاء والباء، ثم تقف به أخيرا ً - وقد بلغ منه الكلال والعناء حتى كاد يسَّاقط من الوهن والأعياء - عند كلمة (أهاب)، وتقول له، وهي تبسم بسمة ساخرة ماكرة: انظر ها هنا ضالتك! أجل ها هنا أخيراً ضالته، وما يكاد يصدق أنه واجدها، ولكنه يسارع فيصطنع هيئة العلماء المتزمتين، ويتخذ سمت الأساتذة المحققين، ثم يتناول قلمه، فيكتب:(لعلها من أهاب بالإبل والخيل إذا زجرها قائلاً هاب هاب)، ثم يتنفس الصعداء بعد هذه الرحلة المضنية الموفقة! مستريحاً إلى هذه الجملة البارعة الرائعة!

ويا لله لهذه الشرارة التي سطعت له من بين صفحات المعاجم، فأضاءت له أرجاء ذلك

ص: 12

البيت وجعلته يتبين فيه سبيله على ذلك الوجه!. وكذلك أحس الأستاذ من أعماق قلبه بالولاء البالغ لهذه المعاجم، فهو مخلص لها، منصرف إليها، مغمض عينيه بين يديها، متفان في الخضوع لما تشير به، وإن لم يتبين وجهه، غير عابئ بما يمكن أن يعارضها فيما يلقفه منها. وكذلك ضرب صفحاً عن قوانين النحو والصرف، وأعرض، ونأى بجانبه عما تحتمه هذه القوانين، إذا كان فيها ما يعترض سبيل الفهم الذي فهمه عن المعاجم، أيا كان هذا الفهم، أو يخالف ما حسب أن المعاجم تدلى إليه به.

وإذن فلا عليه أن تكون هذه الكلمة (هبنه) معدولة عما ينبغي أن تكون عليه، باعتبارها من (أهاب)، ولا عليه أن تكون بدلاً من (أهابوا به) مؤدية ما تؤديه هذه، وأنف القوانين اللغوية الأولية المجمع عليها راغم، ما دام لابد من هذا فيما تأدى إليه. ومنذ الذي أجاز للغة أن تستعصي عليه، أو تنفر من بيد يديه؟! وأي شيء هذه القوانين التي تجعل اللغة شيئاً جامداً متماسكاً لا يساير الأفهام، ولا يطوع لأستاذيته، أو لما تريده منه، وما لا تستطيع أن تفهمه إلا به.

وهكذا يكون معنى البيت، بعد هذا كله:(أن هؤلاء الرجال يزجرون أبا بكر وجيوشه، ويدفعونهم إلى قدرهم وحينهم)، ويا له من معنى!

من هم (هؤلاء الرجال)؟ أهم رجال أبي بكر (يزجرون أبا بكر وجيوشه) أي يزجرون أنفسهم؟ أم هم بنو ذبيان الثائرون على أبي بكر، والذين يفديهم الشاعر برحله وناقته، ثم يجعلهم يتدحرجون كما تتدحرج الحجارة؟ أم ماذا؟ ما أحوج هذا الشرح، بعد كل ما سبق، إلى ما يشرحه، ويزيل ما يبدو صارخاً من تهافته.

لا لا! ما هكذا ينبغي أن يتناول الشعر. وماذا يبقى لـ (بطن الشاعر) إن كان لابد للشعر أن يكون ظاهراً واضحاً مكشوف المعنى مستقيم الوضع؟ وأين إذن فضل الغموض وأثره الوجداني والهزة التي يبعثها في حنايا النفس؟ ولكنها المدرسة القديمة، قاتلها الله! لا تزال تلجأ إلى قواعد النحو والصرف، ثم إلى قوانين المنطق والعرف، دون أن تعني بالمذهب الجديد في الشعر وأساليب قراءته وإدراكه.

وبعد، فما أدري ما القديم والجديد في فهم الشعر وتذوقه ونقده، ولكني أرى الأمر في هذا البيت أيسر من هذا التخبط والتسكع وتحدي قواعد النحو والصرف والعقل والمنطق والفن

ص: 13

أيضاً. فليس هناك أكثر من أن نتعلم كيف نقرأ قراءة صحيحة دقيقة، ولا نكون كهؤلاء الصحفيين والمصحفين الذين يتندرون بأخبارهم، والذين يحكون عن أحدهم أنه نظر في المصحف قوله تعالى:(إذ يبايعونك تحت الشجرة)، فقرأه: اذئباً يعونك تحت الشجرة. وأمضى ليلة يكد نفسه في التماس التخريجات المختلفة من هنا وهنا تحقيقاً لأستاذيته!

فالأمر في هذا البيت شبيه بالأمر في البيت الأول. تصحيف يسير قريب، ولكنه أدى إلى ذلك الخلط العجيب. فليست كلمة (فهبنه) المؤلفة من فاء عطف لا يدري ماذا تعطفه وماذا تعطف عليه، وفعل لا يعرف من أي أصل هو، ونون نسوة لا موضع لها، وضمير غيبه لا مرجع له. ليست هذه الكلمة أو الجملة إلا تصحيفاً قريباً لكلمة واحدة، هي كلمة (مهينة) من الهوان وبذلك يكون البيت:

ولكن بدهدى بالرجال مهينة

إلى قدر، ما إن تقيم ولا تسرى

وبدهدى بصيغة المبني للفاعل لا المبني للمفعول، والفاعل هو أبو بكر، وبذلك يستقيم البيت ويطرد المعنى، دون تحد للنحو أو معاندة للصرف أو معارضة للمنطق.

وأما بعد فهذا مثل من فهم الشعر القديم في كتاب (الهجاء والهجاءون)، ولم أقرأ الكتاب جملة بعد، ولكنني أحسست عند هذا الوضع الذي عرضته بالحسرة تلذع قلبي وتفزعني أشد الفزع، أن يكون مثل هذا من صور الدرس الجامعي في هذه السنوات الأخيرة. والمشتكي إلى الله.

(أبو حيان)

ص: 14

‌من رجال البلاغة في عصر الحروب الصليبية:

ابن الأثير

للأستاذ أحمد أحمد بدوي

أخوة ثلاثة، بلغوا حظاً كبيراً من المجد العلمي، والمنزلة الرفيعة في الحياة، وخلود الذكر بعد الموت. أما أكبرهم فمجد الدين المبارك (544 - 606هـ) الذي كرس حياته لدراسة القرآن والحديث والنحو، له فيها مؤلفات، لا يزال بعضها باقياً إلى اليوم. وأوسطهم عز الدين علي (555 - 630هـ) المبرز في التاريخ، والمصنف فيه عدة مصنفات، أهمها الكامل الذي يعد مرجعاً من أشهر المراجع وأصغرهم ضياء الدين نصر الله، الأديب الوزير، وهو الذي يردي الحديث عنه، ومع اختلاف مناحبهم في الثقافة شغفوا جميعاً بالأدب وألفوا فيه. وتحتفظ دار الكتب برسائل المبارك الأدبية، وبكتاب الجامع الكبير في صناعة المنظوم والمنثور لعز الدين. أما أصغرهم فكان أوفاهم حظاً من الأدب وبلوغ أسمى المناصب، وإن قصرت به سياسته عن أن يحتفظ بما ناله من سلطان وجاه.

ولد نصر الله في يوم الخميس العشرين من شعبان سنة 558هـ (1163) بجزيرة ابن عمر، وهي بلدة على دجلة في شمال الموصل وبالقرب منها. وإذا كان التاريخ لم يتحدث عن والده محمد بن محمد بن عبد الكريم فأغلب الظن أنه كان ميسور الحال يسراً هيأ لأولاده أن يغترفوا من الثقافة وأن يتفرغوا لها.

وانتقل نصر الدين مع والده إلى الموصل حيث تثقف بها، فحفظ كتاب الله وكثيراً من الأحاديث النبوية، وأخذ بحظ صالح من النحو واللغة، أما علم البيان فقد خصص له أكثر وقته، ووقف عليه معظم جهوده، قرأ فيه الكتب النظرية، وأقبل على دواوين الشعراء بحفظ منها ما يشاء، فدرس ما ألف في البلاغة، وعرف ما انتهى إليه العلماء فيها؛ ومن أهم ما قرأه منها:

كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري، والتذكرة لابن حمدون البغدادي، وكتاب أبي العلاء محمد بن غانم، والأقصى القريب للتنوخي، وكان معجباً بكتاب الموازنة بين الطائيين للآمدي، وكتاب سر الفصاحة لابن سنان الخفاجيء، (غير أن كتاب الموازنة أجمع أصولاً، وأجدى محصولاً)، كما قال في المثل السائر. أما علمه بالشعر، وحفظه له، فقد قال عنه في

ص: 15

كتابه: (ولما نصبت نفسي للخوض في علم البيان، ورمت أن أكون معدوداً من علمائه، علمت أن هذه الدرجة لا تنال إلا بنقل ما في الكتب إلى الصدور، والاكتفاء بالمحفوظ عن المسطور. . .

ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع، وأنفذت شطراً من العمر في المحفوظ منه والمسموع، فألفيته بحراً لا يوقف على ساحله، وكيف ينتهي إلى إحصاء قول لم تحص أسماء قائله، فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده، وتتشعب مقاصده، ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم، في اتباع من قصره نظره على الشعر القديم، إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف في اللفظ الجزل واللطيف، فمتى وجد ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل، وقد اكتفيت في هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس، وأبي عبادة الوليد، وأبي الطيب المتنبي، وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته، الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته. وقد حوت أشعارهم غرابة لمحدثين إلى فصاحة القدماء، وجمعت بين لأمثال السائرة وحكمة الحكماء).

وأخذ ابن الأثير كذلك بحظ من الحساب، والجبر، والمقابلة، والهندسة ولست أدري إن كان قد عرف لغة غير العربية، مما هيأ له أن يحكم على الالتفات بأنه خاص باللغة العربية دون غيرها من اللغات؛ وأرجح أنه كان يعرف الفارسية والتركية، كما يدل على ذلك حديثه عنهما في كتابه؛ وكان ابن الأثير متعصباً للغة العربية، مؤمناً بأنها سيدة اللغات، لما أوتيت من خصائص في تركيب كلماتها، وما منحته من سعة ودقة جمال.

أما موقفه من الفلسفة فموقف المبغض المزدري، يرى في دارسيها من أمثال ابن سينا والفارابي رجالاً مغرورين أضلهم أرسطو وأفلاطون.

ولما استكمل ابن الأثير ثقافته، مضى يريد الاتصال بصلاح الدين، فأوصله القاضي الفاضل إليه في جمادي الآخرة سنة 587 وقرر له صلاح الدين مرتباً، ولكنه لم يلبث في معية صلاح الدين بضعة أشهر، حتى طلبه الملك الأفضل نور الدين من والده، فخيره صلاح الدين بين الإقامة في خدمته، والانتقال إلى ولده، فاختار ولده، ومضى إليه في شوال من تلك السنة. ولعل الباعث له على هذا الاختيار رغبته في أن يكون بمكان يستطيع أن يظفر فيه بسامي المناصب وقوى النفوذ، ولن يكون ذلك مع صلاح الدين ووزيره القاضي

ص: 16

الفاضل. وحقق ابن الأثير أمنيته عند الملك الأفضل، فقد استوزره، ونعم بما كان يبغيه من السلطان. فلما مات صلاح الدين، وصارت دمشق إلى الأفضل انفراد ضياء الدين بتدبير شئون الملك، وتصريف أمور الرعية، وأصبح مرجع الحل والعقد. ويجمع المؤرخون على فساد سياسته الخارجية والداخلية فقد توترت العلاقات بين الأفضل وملوك أسرته، بسوء تدبير وزيره، ونفرت الرعية من حكمه، وكان له بلا ريب أكبر الأثر في المصير المحزن الذي انتهى إليه مليكه بعزله عن الملك. وكثيراً ما أشار العادل على ابن أخيه أن يقبله فلم يكن يفعل؛ وهجاه الشهاب فتيان الشاغوري فقال:

متى أرى وزيركم

وماله من وزر

يقلعه الله فذا

أوان قلع الجزر (ي)

وبلغ من سخط الشعب أن الناس هموا بقتله عندما نزل الأفضل عن عرش دمشق، فأخرجه الحاجب مستخفياً في صندوق مقفل عليه، ولكن ذلك كله لم ينزع ثقة مليكه فيه، فصحبه أنى ذهب وحضر إلى مصر في معيته، عندما جاء الأفضل وصياً على العرش لابن أخيه العزيز. وظل ابن الأثير في خدمة الأفضل حتى أواخر سنة 607 بعد نحو عشرين عاماً قضاها في صحبته، ثم تنقل بين حلب عند الظاهر غازي، والموصل، وإريل، وسنجار، ولكن لم يطلب له المقام في واحد منها، فعاد إلى الموصل، واتخذها دار إقامة، وكتب الإنشاء لصاحبها: ناصر الدين محمود بن عز الدين مسعود، وكان ذلك سنة 618، وبقى بالموصل زهاء عشرين عاماً أخرى. وفي رحلة له إلى بغداد، يحمل رسالة من صاحب الموصل توفى بها في إحدى الجماديين سنة 637 (1239م)، ودفن هناك.

كان أظهر صفات ابن الأثير إعجابه بنفسه، وإيمانه بمواهبه، تلمس ذلك في كل خطوة تخطوها في كتبه، فتراه حيناً يعرض عليك نماذج من رسائله، معجباً بها، منوهاً بقدرها، مبيناً ما استطاع أن يصل إليه فيها من معان جديدة، وأفكار مبتكرة، وحيناً يوازن بين كلامه وكلام غيرهن ليقنعك بجودة ما خطته براعته؛ وفي نظريات البلاغة كثيراً ما تراه يقدم إليك آراء يعدها من مبتكراته، أو يأخذ بيدك لتلمس ما زاده هو على آراء من سبقه.

وإنا نقر لابن الأثير كان من مجتهدي هذا الفن، وأن أكثر كتابه كان ناشئاً عن تجارب لصاحبه، وعن تقليبه النظر في ألوان الكلام ليستخلص منه وجوه حسنه، وإن كنا نعرف

ص: 17

أنه يغالي أحياناً في ادعاء الاختراع لمعاني رسائله؛ قال ابن خلكان (ومن رسائل ضياء الدين ما كتبه عن مخدومه إلى الديوان العزيز من جملة رسالة وهي: ودولته هي الضاحكة وإن كان نسبها إلى العباس، فهي خير دولة أخرجت للزمن كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلا بأنها لا تهرم، وأنها لا تزال محبوبة من أبكار السعادة بالحب الذي لا يسلي، والوصل الذي لا يصوم. وهذا معنى اخترعه الخادم للدولة وشعارها وهو مما لا تخطه الأقلام في صحفها، ولا أَجالته الخواطر في أفكارها.

أقول: لعمري، ما أنصف ضياء الدين في دعواه الاختراع لهذا المعنى، وقد سبقه إليه ان التعاويذي في قصيدته السينية التي مدح بها الإمام الناصر لدين الله أبا العباس أحمد، أول يوم جلس في دست الخلافة ومنها:

ورأى الغانيات شيبى فأعرضن، وقلن: السواد خير لباس كيف لا يفضل السواد، وقد أضحى شعاراً على بني العباس ولا شك أن ضياء الدين زاد على هذا المعنى، لكن ابن التعاويذي هو الذي فتح الباب، وأوضح السبيل، فسهل على ضياء الدين سلوكه.

وتنوعت أغراض الرسائل التي كتبها ضياء الدين بين سلطانية وأخوية، وهي رسائل دسمة، فيها كثير من معاني ما حفظه من قرآن وحديث وشعر، وكثير من الأمثال والإشارات التاريخية، فقد كان ابن الأثير مثقفاً ثقافة أدبية قوية، والتزم في رسائله السجع؛ لأنه كان يراه أعلى درجات الكلام، ولا يرى وجهاً لمن يذمه سوى عجزه عن أن يأتي به؛ وإلا فلو كان مذموماً ما ورد في القرآن الكريم، ويعلل وجهة نظره في استحسان السجع بأنه اعتدال في مقاطع الكلام، والاعتدال مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل إليه بالطبع.

وجمعت رسائله في ديوان بلغ عدة مجلدات، يبلغ المختار منها مجلداً واحداً، ولكني لم أعثر على هذا الديوان، بل رأيت نماذج له كثيرة في كتابيه المثل السائر، والوشى المرقوم.

وبلغت ثقته بنفسه في إنشاء الرسائل، والعلم بقوانين البلاغة حداً كبيراً؛ فكان يعارض شيخ الإنشاء في عصره: القاضي الفاضل؛ يكتب في أغراض كتبه، وحيناً يعرض له من المعاني ما يراه قد نقص عبد الرحيم؛ فمن ذلك أنه قد عرض عليه كتاب له، أرسله إلى بغداد على لسان صلاح الدين سنة 571، وضمنه ما أبلاه في خدمة الدولة: من فتح مصر،

ص: 18

ومحو الدولة العلوية، وإقامة الدعوة العباسية، وشرح فيها ما قاساه في الفتح من الأهوال، فلما تأمله ضياء الدين، وجده كتاباً حسناً، قد وفي فيه الموضوع حقه، إلا أنه أخل بشيء واحد، وهو أن مصر لم تفتح إلا بعد أن قصدت من الشام ثلاث مرات، وكان الفتح في المرة الثالثة، وهذا له نظير في فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة فإنه قصدها عام الحديبية، ثم سار إليها في عمرة الفضاء، ثم سار إليها عام الفتح ففتحها، فلما عارض ضياء الدين رسالة القاضي الفاضل، أشار فيما أشار إلى الشبه بين فتح مصر وفتح مكة، وقال بعد أن أورد هذه الرسالة التي أنشأها: وعجبت من عبد الرحيم بن علي البيساني مع تقدمه في فن الكتابة، كيف فاته أن يأتي به في الكتاب الذي كتبه. وانتقد القاضي الفاضل مرة أخرى وإن لم يصرح باسمه عندما رآه يشبه حصناً من حصون الجبال بأنه أنملة، قال: فأي مقدار للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؟!

وكان يوازن بين رسائله ورسائل الصابئ الكاتب ليرى مقدار تفوقه عليه؛ وهو يرى فيه أن عقله زائد على فصاحته وبلاغته، ذلك أنه يورد في كلامه وصايا وشروطا، واستدراكات وأوامر، ما بين أصل وفرع، وكل وجزء، وقليل وكثير: إلا أنه عبر عنها بعبارة في بعضها ما فيه من الضعف.

أما موقفه من علماء البلاغة فموقف الناقد المحاسب لا القابل المسلم، يورد أفكارهم، فيقبل منها، ويرفض، مناقشاً، مدعماً رأيه بالحجة، وإن جانبه الصواب أحياناً. وما كان يرى أن يدخل علماء النحو في الأمور البلاغية حتى لا يصدروا أحكاماً لم تؤهلهم لها دراستهم؛ وهو لذلك ينتقد أبا الفتح بن جني عندما شرح قول أبي الطيب:

كل جريح ترجى سلامته

إلا جريحاً دهته عيناها

تبل خدي كلما ابتسمت

من مطر برقه ثناياها

فظن ابن جني أن أبا الطيب أراد أنها كانت تبتسم فيخرج الريق من فمها، ويقع على وجهه فشبهه بالمطر؛ قال ابن الأثير: وما كنت أظن أن أحداً من الناس يذهب وهمه وخاطره حيث ذهب وهم هذا الرجل وخاطره، وإذا كان هذا قول إمام من أئمة العربية تشد إليه الرحال، فما يقال في غيره؟!

وأما رأيه في الشعراء فإنه يرى الفرزدق وجريرا والأخطل أشعرالعرب أولا وآخراً. (ومن

ص: 19

وقف على الأشعار، ووقف على دواوين هؤلاء الثلاثة علم ما أشرت إليه، ولا ينبغي أن يوقف مع شعر امريء القيس وزهير والنابغة والأعشى فإن كلا من أولئك أجاد في معنى اختص به حتى قيل في وصفهم: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب. وزهير إذا رغب، والأعشى إذا شرب. وأما الفرزدق وجرير والأخطل فإنهم أجادوا في كل ما أتوا به من المعاني المختلفة. وأشعر منهم عندي الثلاثة المتأخرون وهم أبو تمام، وأبو عبادة البحتري، وأبو الطيب المتنبي؛ فإن هؤلاء الثلاثة لا يدانيهم مدان في طبقة الشعراء، أما أبو تمام وأبو الطيب فربا المعاني، وأما أبو عبادة فرب الألفاظ في ديباجتها وسبكها). وهو في هذا الفصل من كتابه يورد آراء بعض الناقدين في الشعراء ويناقشها كعادته.

ومع تعصب ابن الأثير للعربية، يقر بفضل العجم فيما أتوه من المقدرة على الإطالة المفرطة في الشعر، (فإن شاعرهم يذكر كتاباً مصنفاً من أوله إلى آخره شعراً، وهو شرح قصص وأحوال، ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بشاه نامه، وهو ستون ألف بيت من الشعر، يشتمل على تاريخ الفرس، وهو قرآن القوم، وقد أجمع فصحاؤهم على أنه ليس في لغتهم أفصح منه، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها، وتشعب فنونها وأغراضها، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر).

وألف ابن الأثير كتباً بعضها لم أعثر عليه.

1 -

كتابه في السرقات الشعرية الذي حدثنا عنه في المثل السائر.

2 -

كتاب كنز البلاغة الذي أشار إليه السبكي في شرحه على التلخيص.

3 -

كتاب مختارات اختار فيه من شعر أبي تمام والبحتري وديك الجن والمتنبي، قال عنه ابن خلكان:(وهو في مجلد كبير، وحفظه مفيد)، وقال أبو البركات بن المستوفي في تاريخ إريل: نقلت من خطه في آخر هذا الكتاب المختار ما مثاله:

تمتع به علقاً نفيساً فإنه اختيار

بصير بالأمور حكيم

أطاعته أنواع البلاغة فاهتدى

إلى الشعر من نهج إليه قويم

4 -

كتاب المعاني المخترعة في صناعة الإنشاء.

5 -

الكتاب المرصع في الأدبيات، وقد طبع في القسطنطينية سنة 1304.

ص: 20

6 -

أما أهم كتاب له فهو المثل السائر الذي حاول أن يضبط فيه قواعد البلاغة، ونهج في تأليفه نهجاً أدبياً عملياً، لا نظرياً جافاً، وملأه بالأمثلة وبيان مواضع الجمال، ونقد مواطن القبح، وعقد الموازنات، وهو يعد من أسس كتب البلاغة، وكان لهذا الكتاب وقع كبير في الدوائر البلاغية فعندما وصل هذا الكتاب إلى بغداد انتقده المدائني بكتاب سماه الفلك الدائر على المثل السائر، وانتصر أبو القاسم السنجاري المتوفي سنة 650 للمثل السائر، فألف كتاباً سماه نشر المثل السائر وطي الفلك الدائر؛ وتستطيع أن ترجع إلى كشف الظنون لترى ما أثاره هذا الكتاب من دراسات.

7 -

وكتابه الوشي المرقوم في حل المنظوم منهج تطبيقي لفكرته التي يدعو إليها؛ ذلك أنه يرى الكاتب محتاجاً لحفظ القرآن الكريم والأخبار النبوية والأشعار الكثيرة بقدر المستطاع.

وفي هذا الكتاب يبين بطريقة عملية كيف نستفيد مما نقرأ ونحفظ في ترقية أسلوبنا والثروة في معانينا، ولو أن اللفتات التي نبه عليها ابن الأثير، في المعاني والعناية بها، وكيف نستنبطها، ونبتكرها سارت في طريقها، ولم تعقها الدراسات النظرية المحضة لكان لبلاغتنا اليوم شأن جد رفيع.

وله بدار الكتب:

8 -

كتاب مؤنس الوحدة، جمع فيه أشعاراً وأخباراً في المدائح والأوصاف والتشبيهات.

9 -

كتاب المفتاح المنشا لحديقة الإنشا، بدأه مبيناً فضل صناعة الإنشاء وأنها أشرف صناعات الممالك، (فهي اليد اليمنى التي بها الأخذ والعطاء، والمنع والإمضاء، والقبض والبسط)، فلا جرم كان من الواجب أن يختار لهذه الصناعة رجل تتوافر فيه صفات خاصة بين عقلية وخلقية وثقافية. ورتب الكتاب على بابين: أولهما في مراتب الكتب والمخاطبات، والثاني في الأدعية والانتهاءات، فذكر ما تبدأ به الرسائل، والألقاب التي يخاطب بها المرسل إليهم، والدعاء لهم. وذكر فصلا في الأدعية لأرباب غير الملة الإسلامية؛ وأورد الصيغ التي يقدمها الكاتب بين يدي مراده، كما شرح فيه كثيراً من ألوان المحسنات البديعية.

ولابن الأثير شعر قليل، لا يضارع قوة نثره، ولعل من أجوده قوله:

وساءلتموني عندكم كيف حالتي

وذلك أمر بين ليس يشكل.

ص: 21

فعن قلبه، لا تسألوا فهو عندكم

وأما عن الجسم المخلف فاسألوا.

أحمد أحمد بدوي

مدرس بكلية دار العلوم بجامعة فؤاد الأول

ص: 22

‌حرارة الصيف بين العلم والأدب

للأستاذ ضياء الدخيلي

يعاني اليوم قراء (الرسالة) في أنحاء الشرق الأدنى سطوة عامل فيزيائي يقسو على سكان بعض البلاد العربية ويخف بطشه بآخرين - ذلك هو ويل الأمواج الحرارية التي نصلي شواظها في هذه الفترة من الزمن فتنصب على رؤوسنا من هذا الكوكب الملتهب الذي سجر لظاه رب السماوات. فلنتحدث عن حرارة الصيف وما قال عنها العلم الحديث مخصصين عنايتنا بأثرها في أجسامنا، ثم فلنعرض شكوى الأدباء وعويل الشعراء من وهج بلاد العرب وكيف كانوا يتقون عنفها في المملكة العربية قبل أن ينعم أديسون وإخوانه - على البشرية بالكهرباء ومراوحه السحرية، ومولدات الثلج في لحظات تغلب خطو الأماني عبر الدياجي إلى تخوم الوجود.

لعل من مظاهر الرفق ومجالي العطف على القارئ الكريم أن لا تفحمه أبحاث علماء الفيزياء في الحرارة فالمثل يقول: (لا تكن أنت والزمان عليها). فليس من لطف الإنسانية أن نخوض به غمار تلك الأبحاث المتعبة التي يشكو اليوم من ويلاتها الطلبة وهم على أبواب الامتحانات فلنغض عن حديث ما تسببه الحرارة من تمدد في الغازات والسوائل والأجسام الصلبة، ولنضرب صفحاً عن معاملي التمدد الحجمي والطولي فلا نريد أن نبني جسوراً فولاذية في رأس القارئ الكريم وهو يرزح تحت سطوة الحر في بلاد العرب، ولنترك للطلبة استظهار الحرارة النوعية وبحث الانصهار والجمود تلك الأبحاث التي اعتادوا أن يجمدوها في حافظتهم لساعة الامتحان الحرجة حتى إذا انغمروا في لهو العطلة الصيفية انصهرت معلوماتهم، فكأنما كانت تماثيل من الثلج أذابتها حرارة الصيف وتلاشى قانون (بويل) كما غاب نفس بويل قبله في عالم العدم وتصاعدت المعلومات متطايرة بعد أن تكاثفت لخزنها لأوقات الامتحان ولنصم آذاننا عن تعريف الفيزيائيين للحرارة بأنها (عبارة عن طاقة حركية للجزيئات) ولكن لنصغ إلى ذلك الأديب يعرف لنا الحرارة تعريفاً شعرياً. وقديماً عد اليونان في علم المنطق من أساليب البرهنة - القياس الشعري وضربوا له المثل بقولهم:(الخمر مرة مهوعة) فالحق أن التعريف الشعري والبرهان الشعري أقوى تأثيراً في نفوس الناس من الأبحاث الدقيقة القائمة على الإحصاءات، فأكثر الذين اندفعوا

ص: 23

إلى الهيام بالخمر جذبتهم أخيلة الشعراء الذين وصفوها بأنها ياقوتة ذائبة تطير بالنفوس بأجنحة الخيال في عالم الأفراح. ولو قالوا إنها سم يشل مراكز التفكير العليا لكانوا أقرب إلى الحقيقة. ولكنهم يبعدون عن تفكير الجماهير العمياء التي لا يقودها غير عاطفتها. وإذن فلنترك الأديب يحدثنا عن الصيف وحره فيقول (كما أورده النويري في نهاية الأرب في فنون الأدب).

(أوقدت الظهيرة نارها، وأذكت أوارها. فأذابت دماغ الضب، وألهبت قلب الصب. هاجرة كأنها من قلوب العشاق، إذا اشتعلت بنيران الفراق، حر تهرب له الحرباء من الشمس، وتستجير بمتراكب الرمس، لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش، فهو كقلب المهجور، أو كالتنور المسجور) هذا مما قيل في حرارة الصيف نثراً، وأما الشعر فحسبك منه ما يلي: قال ذو الرمة:

وهاجرة حرها واقد

نصبت لحاجبها حاجبي

تلوذ من الشمس أطلاؤها

لياذ الغريم من الطالب

وتسجد للشمس حرباؤها

كما يسجد القس للراهب

(في المنجد: حاجب الشمس ناحية منها وأول ما يبدو منها مستعار من حاجب العين، وحواجب الشمس أشعتها) وقال مسكين الدارمي:

وهاجرة ظلت كأن ظباءها

إذا ما اتقتها بالقرون سجود

تلوذ بشؤبوب من الشمس فوقها

كما لاذ من حر السنان طريد

وقال ابن الفقيسي:

في زمان يشوي الوجوه بحر

ويذيب الجسوم لو كن صخرا

لا تطير النسور فيه إذا ما

وقفت شمسه وقارب ظهرا

ويود الغصن النضير به لو

أنه من لحائه يتعرى

وقال أيضاً:

يا ليلة بت بها ساهداً

من شدة الحر وفرط الأوار

كأنني في جنحها محرم

لو أن للعودة مني استتار

وكيف لا أحرم في ليلة

سماؤها بالشهب ترمي الجمار

ص: 24

وقال آخر:

ويوم سموم خلت أن نسيمه

ذوات سموم للقلوب لواذع

ظللت به أشكو مكابدة الهوى

فكوزي ملآن ومائي فارع

وقال محمد بن أبي الثياب شاعر اليتيمة:

وهاجرة تشوي الوجوه كأنها

إذا لفحت خدي نار توهج

وماء كلون الزيت ملح كأنه

بوجدي يغلي أو بهجرك يمزج

وقال الثعالبي:

رب يوم هواؤه يتلظى

فيحاكي فؤاد صب متيم

قلت إذ صك حره حر وجهي

(ربنا اصرف عنا عذاب جهنم)

ولقد تقدم من ذلك الأديب أن وصف حر الصيف بأنه: (لا يطيب معه عيش ولا ينفع معه ثلج ولا خيش). فما هو الخيش؟ يحدثنا الطبري وياقوت في معجم الأدباء إنه كانت عادة الأكاسرة أن يطين سقف بيت في كل يوم صائف فتكون قيلولة الملك فيه وكان يؤتي بأطباق الخلاف (وهو صنف من الصفصاف طوالا فتوضع حول البيت ويؤتي بقطع الثلج الكبار فتوضع ما بين أضعافها. وكانت هذه عادة الأمويين أيضاً؛ ولكن في عهد المنصور العباسي اتخذت طريقة أخرى للتبريد فكانوا ينصبون الخيش الغليظ ولا يزالون يبلونه بالماء فيبرد الجو (في المنجد: الخيش نسيج خشن من الكتان)

وكان أهل الترف في ذلك العصر يستعيضون عن دخول السراديب بنصب قبة الخيش أو بيت الخيش.

وفي لطائف المعارف للثعالبي (وكان الخيش ينصب على قبة ثم اتخذت بعدها الشرائح فاتخذها الناس). وحكى المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم، في معرفة الأقاليم): أنه رأى في دار عضد الدولة البويهي بشيراز بيوت الخيش يبللها الماء على الدوام بواسطة قنوات حولها من فوق.

قال الأستاذ آدم متز في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري) يظهر أن طريقة استعمال الخيش وسيلة لتبريد الهواء كانت شائعة في بغداد جداً؛ إذ يحكى عن أحد القواد في القرن الرابع الهجري أنه لم ير فرقة من الجند أتت من بغداد أهلا للقيام بغزوة

ص: 25

هامة لأنهم في رأيه قد ألفوا بيوت دجلة وشرب النبيذ والثلج وبيوت الخيش المبلل وسماع القيان كما نقل ذلك ابن مسكويه.

وقال الغزولي في مطالع البدور: وكان يستعمل في البيوت صيفاً مروحة تشبه شراع السفينة تعلق في سقف البيت ويشد بها حبل يديرها وهي تبل بالماء وترش بماء الورد؛ فإذا أراد الرجل أن ينام وقت القائلة جذبها بحبلها فتذهب بطول البيت وتجئ فيهب منها نسيم بارد طيب.

وجاء في جمهرة الإسلام للشيرازي وكتاب المحاسن والمساوئ للبيهقي (أنه كانت حراقات دجلة التي يستعملها رجال الدولة في غدوهم ورواحهم يعد فيها الثلج ويعلق عليها الخيش المبلل بالماء وكانت ترخى على الخيش ستور الكرابيس).

وقد رأيت في كتاب أساس البلاغة للزمخشري ما نقله عنه في تاج العروس من أن (الحراقة هي سفينة خفيفة المر). أما الكرباس فهو كما في المنجد: الثوب الخشن جمعه. كرابيس والكلمة من الدخيل.

وكان أهل بغداد ينامون في ليل الصيف على سطوح البيوت يدل على هذا ما حكاه معظم المؤرخين كابن الأثير في الكامل وابن الجوزي في المنتظم وغيرهما - من ظهور حيوان يسمى الزبزب في عام 394هـ كان بحسب زعم الناس يأكل الأطفال بالليل من على السطوح وما كان حيواناً بل وهماً نشأ من وجود اللصوص. ويقول ابن الجوزي في المنتظم إنه في تموز من سنة 308هـ برد الجو حتى نزل الناس من السطوح وتدثروا باللحف؛ هذا في مدينة بغداد أما في آمل وهي كما في المعجم لياقوت أكبر مدينة بطبرستان في السهل لأن طبرستان سهل وجبل - لقد كانت السطوح في آمل مسنمة لكثرة الأمطار صيفاً وشتاء كما نقل ذلك الاصطخري في مسالك الممالك.

أما في اليمن فيحدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب - فكان الغالب على صنعاء البرد حتى كان إذا اشتد بها الصيف ودخل الرجل ليقيل على فراشه لم يكن له بد من أن يتدثر لأن البيوت باردة بسبب القصة (الجصة) التي تشبع بها (تطين) بواطن البيوت لأن الجص في صنعاء يخلط بمادة غروية هناك فيظهر للبناء بعد جفاف الجص بريق جوهري كبريق المصقول من الجواهر؛ وتشبه الجدران في بياضها

ص: 26

الفضة.

وربما دخل الرجل في صنعاء في المخدع على فراشه وأطبق عليه الباب وأسبل السترين والسجف فلا يتغير ضياء البيت لما في الجدران والسقف من الرخام؛ بل إذا كان في السقف رخامة صافية نظر عوم الطائر بظله عليها إذا حاذاها وتؤدي الرخامة لمعان الشمس إلى القصة فتقبلها بجوهرها وبريقها.

ولكن في سامراء من العراق كانوا يستخدمون السراديب تحت الأرض. قال آدم متز: لقد كشفت لنا حفائر سامراء عن طريقة بناء الدور عند أهل العراق في القرن الثالث الهجري حيث كانت تشتمل على سراديب للسكني مهيأة بوسائل التهوية. ولا نجد فيها بين أيدينا من أخبار القرن الرابع في العراق ما يدل على استعمال السراديب للسكني في فصل الصيف ولا تشير إلى ذلك أية حكاية من الحكايات الكثيرة التي ترجع إلى ذلك العصر

وفي كتاب العيون أنه كان السرداب في ذلك العصر عبارة عن مكان تحت الأرض فيحكى مثلا أن الخليفة المقتدر أمر بحفر سرداب لمؤنس وأن مؤنساً وقع فيه ومات، هذا ما نقله ولكن الذي في كتب التاريخ أن مؤنساً هو الذي قتل المقتدر على يد أصحابه.

ويقول عريب وكان عند رجل في داره سرداب تحت الأرض عليه باب من حديد. بل يحكى عن مروج الذهب أنه في عهد المنصور سير جماعة من أبناء علي إلى الكوفة وحبسوا في سرداب تحت الأرض لا يفرقون فيه بين ضياء النهار وسواد الليل. وفي مقاتل الطالبيين عن رجل كان مسجوناً مع يحيى العلوي في عهد الرشيد، وكان الرشيد يعذبه تعذيباً مؤلماً حتى مات من وقع السياط، وكان اسم السجن المطبق وهو تحت الأرض وكان من شدة ظلامة لا يعرفون أوقات الصلاة فيه.

وإذن فالسراديب لم تكن في صدر الدولة الإسلامية متعارفاً استعمالها لاتقاء الحر في بغداد، وإن كانت موجودة في السجون التي يحبس بها العلويون الذين كان بنو العباس يخشون من ثوراتهم قال آدم متز.

ويرجع أصل عادة اتقاء الحر الشديد بالنزول في السراديب إلى بلاد آسيا الوسطى حيث يحكى لنا الرحالة وانج بن تي في عام 981م أن بعض أهل تلك البلاد يسكنون في الصيف غرفاً تحت الأرض. أما في بلاد الإسلام لذلك العهد فقد كانت مدينة زرنج أكبر مدن

ص: 27

سجستان ومدينة ارجان بفارس أول مدينتين اتخذ أهلها في الصيف سراديب تحت الأرض يجري فيها الماء كما نقل ابن حوقل في كتابه صورة الأرض.

قال ياقوت في معجم البلدان إن أرض سجستان كلها رملة سبخة والرياح فيها لا تسكن أبداً ولا تزال شديدة تدير رحيهم وطحنهم كله على تلك الرحى. وفي القرن الخامس الهجري يفكر الرحالة الفارسي ناصر خسرو أن من خصائص مدينة أرجان أن فيها من الأبنية تحت الأرض مثل ما فوقها وإن الماء يجري تحت الأرض وفي السراديب وفي أشهر الصيف يستروح الناس فيها.

ويذكر المقريزي بعد ذلك بقرون (إن من محاسن مصر أن أهلها لا يحتاجون في حر الصيف إلى الدخول في جوف الأرض كما يعانيه أهل بغداد). وأما اليوم فقد ضربت مدينة النجف الأشرف في العراق الرقم القياسي في استعمال السراديب، وذلك لأنها واقعة على أرض مرتفعة في الصحراء قد جذب المسلمين إليها قبر الإمام علي (ع) فازدحم حوله علماء الإسلام فقامت حركة علمية جبارة وقصدها طلاب العلم في أطراف العالم الإسلامي، ففيها الطلبة من أنحاء إيران والعراق ومن لبنان وسورية والحجاز والصين والهند وأفغانستان وسمرقند وبخارى وغير ذلك فهي مقر (الأمم الإسلامية المتحدة) وإن هؤلاء المهاجرين يعانون من قسوة الصيف ولذع هاجرة الصحراء - أعنف التعذيب لو لم يتفنن النجفيون في نحت السراديب تحت الأرض فيحفرون في طبقات الأرض حفراً عميقاً جداً حتى يصلوا إلى طبقة صخرية يسمونها (السن) فيضربونها بالمعاول ضرباً قوياً عنيفاً حتى يثقبوا تحتها ممراً فينتهون إلى طبقة رملية سريعة الإزالة وإن كان في تضاعيفها صخور كبيرة فإذا حفروا تحتها فسحة تسع أهل البيت برفاهية أووا إليها في هاجرة الصيف فإذا البرد الشديد الذي لا يطاق إلا بالتدثر باللحف على حين أن الحرارة الملتهبة على سطح الأرض تشوي الوجوه؛ وبذلك يستغني النجفيون عن الثلاجات ولاسيما إذا وصلوا تلك السراديب بالآبار حيث تجهزهم بالهواء النقي من أعلى. ولعل هذه العادة اقتبست من أواسط آسيا حيث يكثر في النجف المهاجرون في تلك الأنحاء الإسلامية. وتبلغ السراديب أرقى درجات الإتقان في مدارس الفقهاء ولاسيما مدرسة السيد كاظم اليزدي التي من محاسن مرافقها (الزنبور) وهو طريق للهواء يهبط من أعلاه ثم يمر تحت أرض السرداب

ص: 28

فيكوِّن تحتها تجويفاً يقلل الرطوبة فيه. ثم إن ذلك الطريق ينتهي بثقب صغير في وسط أرض السرداب فيخرج منه الهواء الملطف البارد. وهكذا يحتمي الطلبة فتطيب لهم دراسة الفلسفة والمنطق والرياضيات وعلوم الأدب والشريعة وقد أنتجوا الكتب الكثيرة فيها.

(البقية في العدد القادم)

ضياء الدخيلي

ص: 29

‌رثاء الفنان

للأستاذ الشاعر علي محمود طه

أسألكم: ويح من يُجيب!

ما خطبكم؟ لم يَمتْ نجيب

ما مات من أضحك المآسي

من قَدَرٍ صُنعُهُ عجيب

وصير الدمع في المآقي

على ابتساماته يذوب

وجمَّل العيش للحزاني

فكل حال به تطيب

وأنصف الدهر من حظوظ

تُخطئ في الناس أو تُصيب

ومثَّل الزَّيْف من حياة

مُرَقعٍ ثوبُها القشيب

كادتْ لتمثيله الليالي

تبكي، وتستعبر الخطوب

وكاد منه الزمان يُغضى

خِزياً، وتستغفر الذنوب

مُعلِّمٌ ماله ضريبُ

معهدُهُ المسرحُ الحبيب

فتىً كطير الربيع روحاً

موهوبةٌ نفسُه وهوب

البارعُ اللفظ في بيانٍ

يحار في صوغه الأديب

كأنه ما ثلٌ لعيني

وعهده بالنوى قريب

حلوُ الأشارات في سِماتٍ

له بتصويرها ضروبُ

وصوته ملء كل سمع

تهفو لأيقاعه القلوب

أستاذ جيل إلى نِداهُ

عواطفُ الجيل تستجيب

يعلمُ الشعبَ أو يُسلي

من شفَّهُ الهمُ واللغوبُ

في قصةٍ مُرَّةٍ حوَتها

ملهاته الحلوةُ الطروب

أو مُلحةٍ عذبة جلاها

أسلوبُه الساخر اللعوبُ

يُلقى بها ضاحكاً ويمشي

وقلبه ساهم كئيب

حياتنا مثلما رآها

صورها ناقد لبيب

مصرية الذوق لم يشبها

تصنع لفظه مشوب

ولم تلفق ولم تنمق

بها الأباطيل والعيوب

حقائق لم يوار منها

مجامل هازل هيوب

ص: 30

مدرسة ما بها كتابٌ

ومنبرٌ ماله خطيب

لا سِنَّ للدارسين فيها

طُلاَّبُها فتيةٌ وشيب

ويستوي جاهل لديها

وعالمٌ فاهم أريب

ألكل فيها لهم متاع

وفْرٌ ومن علمه نصيب

يا لهفة الفن حين أودى

وما اعترى نجمه شحوب

ولا روى أفقه ظلام

له على موجه وثوب

في لحظةٍ لم يجُلْ يذهن

قضاؤها الفاجع الرهيب

حيث يُنادي وحيث يُرجى

مشيبه الرائع الخصيب

قم يا نجيب انفُضِ المنايا

واسمعْ تجد أُمَّةً تُجيب

صَحَتْ على موكب هلوع

بخنقه الحزنُ والنحيب

مصر التي قدَّرتك حياً

يا أيها النابغ الغريبُ

بمثل ما شيعتك يوم ال

وداع لم تسمع الشعوب

وأنت بالعهد من هواها

ربيبها وابنها النجيب

لم يَنس (فاروقُ) من إليها

انتمى، ومن باسمها يُهيب

ومن رعاها، ومن حماها

هواهُ أو صدرهُ الرحيب

مْلكٌ تلوذ الفنون منه

بسُدَّة حصنها القلوبُ

في مفرق الفنِّ في يديه

لؤلؤة حُرَّةٌ خلوبُ

تود منها الشموس قبساً

وتصعد الشهبُ أو تصوب

أشعةُ المجد من سناها

عن ملكه الضخم لا تغيب!

علي محمود طه

ص: 31

‌مالتوس ومشاكل السكان في العالم

للأستاذ فؤاد طرزي

(بقية ما نشر في العدد الماضي)

لا يتوقع إلا قلائل من الباحثين إمكان الوصول إلى قانون عام في موضوع نمو السكان ينطبق على الشعوب وفي كل الأزمان؛ ولهذا تحتل اليوم مشكلة التوازن القسم الأكبر من أعمال الباحثين في مسائل السكان وفي مسائل المواد الغذائية على السواء. ولكن فروض مالتوس كانت بمثابة فتيلة ظلت متقدة طوال عصور التاريخ من حين نشر هذا العالم نظريته. وإذا كان هناك من يميل إلى إنكار هذه الفروض فيجب عليه تبعاً لذلك أن يطلع على الملاحظة الدقيقة التي أثبتها لينارد هوبوس والتي قال فيها (إن نظرية مالتوس ذاتها كانت من جملة الأسباب في هزيمة تنبؤاتها فقد كان فحواها أن السكان يتزايدون بسرعة فائقة في الوقت الذي تجري فيه عمليات غير مباشرة تعمل للحد من هذه الزيادة).

ويظن علماء الإحصاء اليوم بأن نظرية مالثوس تكون أكثر نفعاً متى اعتبرت على ضوء صلتها بعصور الدورة الإحصائية العالمية وهي العصور التي تمثل مراحل مختلفة مرت بها شعوب ومناطق مختلفة. وقد بذلك فرنك نوتستين ومساعدوه في جامعة برنستون جهوداً كبيرة لاكتشاف هذه الدورة وترتيب هذه المراحل كما يلي: المرحلة الاحتمالية، والمرحلة الانتقالية، وتمثلت في التجربة الأوروبية الغربية التي شهد مالثوس قسما منها، ومرحلة الهبوط الأولى، (وهذه المرحلة لم ترد في نظرية مالثوس).

يخمن الأستاذ نوتستين بأن ما يقارب نصف سكان العالم هم اليوم في مرحلة النمو الاحتمالي بالقياس إلى العصور الإقطاعية. وإن الشرق الأدنى وجميع آسيا (باستثناء اليابان والاتحاد السوفيتي) والبلدان المتأخرة في جنوب ووسط أميركا لا تزال، مع بعض الاختلافات، في هذه المرحلة التي سبقت عهد مالتوس. فهناك ولادات كثيرة ولكن عدد السكان لا يزال ثابتاً بسبب ارتفاع معدل الوفيات. وهذه هي البلدان التي يمكن إنقاذ النفوس فيها بالوسائل الطبية والصحية ولا يمكن فقدانها إلا بسبب الفقر والمجاعة وفق طريقة مالتوس الأصلية. ومع أنه من الصعب أن نشرح بأي قدر من الدقة الظروف التي تحيط بشعب ما وتؤدي إلى انعدام الطرق الإحصائية الحديثة فيه، إلا أنه من المحتمل اتخاذ

ص: 32

الصين كمثل لتقلبات إحصائيات السكان المتصلة بهذه المرحلة. فنحن نعرف أن الوسائل الطبية والصحية لم تنتشر إلى الآن بين الجماهير الصينية، ولذلك فإن عدداً من العلماء يشكون في إمكان حصول أية زيادة ثانية بين الشعب الصيني الضخم. وعلى كل ففي حالة حدوث أي تغير في النسبة المتعادلة بين معدل الولادات ومعدل الوفيات فإن للصين شعباً قادراً على إحداث زيادة كبيرة حالما تضبط معدلات الوفيات.

وقد ظهر في الماضي أن نمو الشعب الصيني قد جرب الأسلوب الدوري الذي جربه العالم الغربي. فحين تسلمت أول عائلة جديدة الحكم شاع السلام واستتب النظام ورجح معدل الولادات على معدل الوفيات بين طبقات العمال المتزايدة وبين الجماعات المثقفة. ولكن الصين رغم بلوغها مرحلة عالية من مراحل المدنية لم تعمل على تحسين مواردها الآلية كما فعلت أوروبا؛ ولذلك بلغ فيها عدد السكان حد الإشباع. ثم جاءت المجاعات والثورات والحروب فخففت من ضغط السكان. وقد حدثت دورة مالتوس هذه أربع مرات منذ القرن الثاني بعد المسيح. واليوم تعيش المرحلة الاحتمالية في الصين في حالة سكون فلا يحس خلالها بضغط السكان ولكن من غير أن تغذي الزيادة فيها كما يحدث في اليابان.

وأما في الهند فإن تنظيم الأساليب الصحية وطرق مكافحة الأمراض الوافدة وتحسين طرق المواصلات واتساع سيطرة القانون والنظام قد ساعد على إحداث هبوط في الوفيات أدى إلى حصول زيادة في السكان مقدارها 83. 000 ، 000. خلال عقدين (من 1921 إلى 1941) وهكذا فإن الهند مستعدة الآن لقبول زيادة أخرى، ولا توجد حتى الآن دلائل تشير إلى أنها ستمر بالأدوار التي مرت بها كل من فرنسا وأيرلندا.

وقد دخلت اليابان في المرحلة الثانية من مراحل الدورة فحدثت فيها زيادة في السكان أثر انخفاض معدل الوفيات. إن إمكانيات التصنيع قد استغلت في هذه البلاد بنطاق واسع ثبت منه بأن في إمكان الشرق أيضاً أن يخفض الولادات. ولم يسجل معدل الوفيات في اليابان انخفاضاً ملموساً؛ بل إن معدل الولادات في الفترة الحالية تحول نحو الهبوط. وقد أظهرت الإحصائيات اليابانية بين 1920 و1940 نتائج مشابهة للإحصائيات التي حصلت في إنكلترا ووبلز بين 1881 و1910. وخلال العقدين اللذين تخللا الحربين الأولى والثانية كانت معدلات الوفيات والولادات تشبه تقريباً مثيلاتها في إنكلترا قبل 40 سنة: وبهذه

ص: 33

المناسبة من المهم أن نتذكر، كما يقول الأستاذ نوتستين: (بأن التمدين والهذيب في اليابان قد قطعا أشواطاً بعيدة؛ إلا أن نمو السكان كان من نوع التضاعف الثلاثي في القرن الواحد. وقد حصلت أكثر من نصف الزيادة بعد أن ابتدأ معدل الولادات في الهبوط. ومع أن اليابان قد قدمت للعالم مثلاً للتصنيع السريع فإن الاتجاه القادم لنمو السكان فيها سيعتمد على المدى الذي ستؤثر فيه الهزيمة على تطورها الاقتصادي. ولكن علماء السكان يقدرون بأن النمو لا يزال يفعل فعله بين الشعب الياباني.

وإذا عدنا إلى روسيا التي تملك مساحة واسعة من الأرض بين أوربا وآسيا، وتلتقي فيها خصائص الشرق والغرب المتنوعة التي تتميز بها ظاهرة النمو، وجدناها تجني الآن ثمار النهضة الإحصائية، لأنها البلاد الوحيدة القادرة على استغلال كل إمكانيات النمو الانتقالي. فقد حصل فيها توسع صناعي كبير، وانخفض معدل الوفيات بنتيجة التقدم الصحي والطبي. ولم يتخلل عهد التصنيع في هذه البلاد سوى هبوط ضئيل في معدل الولادات، ومع ذلك فإن هذا المعدل حسب ما هو ملاحظ آخذ في الازدياد؛ لأن السياسة القومية تشجع بنشاط العائلات الكبيرة، يضاف إلى ذلك أن الوضع الحالي للاتحاد السوفيتي يشير إلى احتمال حصول زيادة في عدد النساء خلال العقود القادمة. ويتوقع فرانك لوريمر المستخدم في شعب الإحصاء في روسيا في كتابه (سكان الاتحاد السوفيتي) حصول زيادة في السكان بين عامي 1940 و1970 تقدر بـ 70 ، 000 ، 000. وقد وصلت روسيا في الوقت الحاضر إلى المرحلة الانحدارية من الدورة، ودخلت كدولة أوربية في مرحلة الهبوط الأولى. وإذا ما استقرينا قوانين السكان وجدنا أن معدل النمو في روسيا لا يفوق معدل الزيادة الكبيرة في نفوس سكان جاوه مثلاً تحت ظل النظام الاستعماري الهولندي، ولكن في روسيا مجالات تمدد جديدة تتمثل في الحركة الصناعية النامية بينما سبق لجاوة أن اجتازت المرحلة النهائية من مراحل التطور الاقتصادي الزراعي. وبالإضافة إلى ذلك أن الاتحاد السوفيتي يملك داخل حدوده منطقة بكر واسعة لا تملكها أية دولة كبيرة أخرى وهي منطقة سيبيريا. فليس هناك من شك بأن روسيا تنتظر توسعاً كبيراً في السكان، ولكن السؤال الذي يدور في بقية أنحاء العالم هو فيما إذا كان في مستطاع روسيا أن تحتفظ بهذه الزيادات داخل حدودها.

ص: 34

وعندما بحثنا المرحلة الثالثة للدورة الكبرى - مرحلة الهبوط الابتدائي - لم نسر خلف مالتوس لأن توقف الزيادة وهبوطها لم يكونا معروفين في الفروض المالتوسية. فبلدان أوروبا الوسطى والشمالية الغربية كانت أولى المناطق التي دخلت في المرحلة الثالثة، في حين أن فرنسا والسويد وأيسلندا واستراليا وإنكلترا وويلز ستواجه هبوطاً في عدد السكان ابتداء من سنة 1970. أما أيرلندا فقد استعادت كما رأينا قواها ولكنها لم تحقق أية زيادة. ويمكن إضافة ألمانيا إلى هذه المجموعة بسبب خسائرها في الحرب. كما تعاني بولندا نقصاً في السكان لم تعانه أية أمة أخرى في العصور الحديثة. إلا أن طبيعة تكوين شعبها تساعد على العلاج إذا ما توفرت الظروف الاقتصادية الملائمة. ويقول علماء الإحصاء إن شعوب أوروبا الوسطى وأوروبا الشمالية الغربية قد بلغت مرحلة النضج، وقد أدى تحديد النسل بينها إلى إنقاص نسبة الشباب بينما رفع تقدم مستوى المعيشة من نسبه ذوي الأعمار الطويلة. وما دامت أعمار أغلبية النساء في هذه المنطقة قد تجاوزت معدل الخمسين فإن ذلك سيجر وراءه زيادة في طول الأعمار يؤدي إلى توسع إنتاجي إضافي. ففي الولايات المتحدة واستراليا وزيلندا الجديدة من الممكن أن تعيش المرأة البيضاء إلى سن السابعة والستين، كما أنه من الممكن أن تستطيع المدنية الأوربية أن تزيد معدل الحياة عشر سنوات أخرى خلال العقدين القادمين

وقد كان متوقعاً من دراسة معدلات 1935 - 1939 أن يبلغ نمو سكان أميركا نهايته حوالي 1980. إلا أن الولايات المتحدة قد خرجت من الحرب العالمية الثانية بأرباح غير متوقعة في النفوس، لقد فاقت الولادات مقدار عدد الضحايا بين الشعب الأميركي الذي لم يدخل بعدُ مرحلة الهبوط الابتدائي.

وعند هذه المرحلة من مراحل دراستنا سندخل منطقة يميل عند بلوغها علماء الإحصاء في العصر الحديث إلى وضع إرشادات تجريبية فقط بشأنها. إن معرفة ما يمكن أن يحدث وماذا يستحب أن يحدث، إذا ما سارت القوى الطبيعية في مجراها الطبيعي، تدفع الأفراد لأن يستعملوا عقولهم وإرادتهم للوصول إلى نتائج أكثر تكيفاً مع حاجاتهم ورغباتهم. وهناك بعض الباحثين لا ينظرون إلى ظاهرة النقص في السكان نظرة جدية، في حين أن هذه الظاهرة قد بنيت على أسس الاتجاهات التي توجه الوقائع والقوانين. ولكن يتساءل اليوم

ص: 35

عمن يستطيع التحدث عن التقلبات الاجتماعية التي ستظهر فعل هذه الاتجاهات؛ إذ أننا نرى أن ظاهرة زيادة السكان من المكن أن توجه توجيهاً يساير حركات القوى الاجتماعية والاقتصادية التي تعترضها. فهل يمكن أن تفعل مثل ذلك بالنسبة لمشكلة الخوف من نقص السكان؟ وهل ضبط النسل يمثل ثورة على بعض انحرافات النظام الاقتصادي والصناعي؟ وهل يمكن أن يوقف إذا ما تحسنت مؤسسات اجتماعية أخرى تحسناً مناسباً؟ وللإجابة على هذه الأسئلة يجب أن تترك المرحلة النهائية من مراحل دورة السكان مفتوحة، معترفين بأنه من المحتمل حصول هبوط مطرد بين السكان بسري قانونه على البلدان المتقدمة في المدنية الغربية. كما أن هناك بعضاً من الخبراء يعتقدون بإمكان ظهور نوع من أنواع الحركات الميكانيكية توازن بين السكان لتقليل الهبوط الناجم من تحديد النسل.

وإذا ما أردنا أن نطبق هذه التطورات التاريخية على مسائل السكان في الشرق جابهتنا في الحال - وعلى الأخص في البلدان العربية - الصعوبات الناجمة عن تأثر الطرق الإحصائية الحديثة التي يمكن الاعتماد عليها لتنظيم دراسة متفقة موحدة. وكل ما نستطيع أن نقوله في هذا الصدد هو أن البلاد العربية لا تزال في مرحلة النمو الاحتمالي، وأن مجتمعاتها مستعدة لتقبل زيادات أخرى نظراً لكثرة الموارد الطبيعية غير المستغلة إلى الآن، ولانحطاط وسائل الاستغلال الزراعي والصناعي فيها. ولذلك فإن مشاكل السكان الحديثة لا يمكن أن تطبق على هذه المجتمعات إلا بعد أمد طويل نسبياً.

(بغداد)

فؤاد طرزي

المحامي

ص: 36

‌تعقيبات

للأستاذ أنور المعداوي

(كلهن نساء) للأديب اللبناني سهيل إدريس:

لصاحب هذه المجموعة القصصية مجموعتان أخريان صدرا من قبل وكتبت عنهما في مكان آخر غير (الرسالة)؛ ومعنى هذا أنني تتبعت هذا القصاص اللبناني الشاب منذ أن كتب أول قصة حتى فرغ من آخر قصة. . . هناك تطور لا شك فيه، فالوثبة الأولى كانت وثبة الأديب الذي يعالج فن القصة لأول مرة: جناح يصعد به نحو القمة، وجناح يهبط به إلى السفح، وبين الصعود والهبوط تلمح موهبة أصيلة ينقصها الزمن والمران لتنضج وتكتمل وهكذا كان سهيل إدريس في (أشواق).

ومضت فترة أخرى أخرج بعدها مجموعته القصصية الثانية (نيران وثلوج). . . في هذه الوثبة الجديدة لمست أن القصاص الشاب قد قطع مرحلة بعد بها عن نقطة البدء حتى أوشك أن أن يبلغ منتصف الطريق. لقد كان خط السير في المجموعة الأولى بكثرة تعاريجه، يشعرك أن المؤلف لا يصل إلى نهاية الشوط إلا وهو مكدود فاتر الأنفاس! أما في هذه المجموعة الثانية فقد استطاع أن يبصر المسالك التي تدفع به في خط مستقيم تقل فيه الدروب والمنحنيات. . . وكانت محاولة ثالثة تبلورت فيها القطرات الأولى في بوتقة التجربة النفسية والفنية، وإذا (كلهن نساء) دليل مادي حي على أن الجهد والمثابرة جديران بخلق عمل فني مهما حوى من مآخذ فهو جدير بالتهنئة! وتبقى بعد ذلك حقيقة نسجلها قبل أن نسجل غيرها من حقائق، وهي أن سهيل إدريس كاتب قصة أدبية سواء في مجموعته الأولى أو في مجموعته الثانية أو في مجموعة الثالثة. . . هذه في رأيي ميزة كبرى؛ لأن القصة العربية القصيرة التي تطالعها في هذه الأيام قد فصلت عن هيكل الفن التعبيري الرفيع؛ لقد أخرجها القصاصون العوام من حظيرة الأدب ليلحقوها بحظيرة الربورتاجات الصحفية!

هذا هو قصاص الأمس أشت إليه في كلمات، أما قصاص اليوم فمن حقه على أن أحدد اتجاهه القصصي الجديد على ضوء هذه الخطوط الفنية: الخط الأول هو خط النزعة التحليلية التي تضحي بالحادثة في سبيل الفكرة ذات الطابع التصويري، والخط الثاني هو

ص: 37

خط التمثيل للواقع المحس عن طريق النماذج النفسية والبشرية، والخط الثالث هو خط تحديد الزاوية التي تلائم بين الفكرة التصويرية والنموذج النفسي، والخط الرابع هو خط امتداد نقط الارتكاز الفنية في ثنايا العرض، والخط الخامس هو خط التقاء العناصر الرئيسية التي تكون الهيكل الأخير للقصة الكاملة. . . هذه الخطوط التي تبرز التصميم الفني العام للقصة، أو هذه الخيوط التي تنسج الثوب الفني العام للقصة، قد توفرت منها أشياء في (أشواق)، وتوفرت منها أشياء أخرى في (نيران وثلوج)، وتوفر منها الكثير في (كلهن نساء). هناك في (عودة الماضي) و (أنانية) و (الخطيئة الطاهرة) و (لعنة الحب) و (القصاص) و (دموع في الكونتننتال)!. . . إن هذا الترتيب الذي نراه هنا قد أمته على أساس من الصدق الفني أولاً، وعلى أساس من الصدق الشعوري ثانياً، وأخيراً على مدار اللمعات الفكرية والنفسية فيما حدثتك عنه من خطوط القصة.

بعد هذا أقدم إليك قصة من قصص هذه المجموعة هي (عودة الماضي). . . هذه القصة في رأيي من القصص التي تعرض لك موهبة الأستاذ إدريس خير عرض، وتصور ملكته القاصة أكمل تصوير، وتطلعك على نموذج قصصي ناضج يشير إلى فنه ويدل عليه. إنها قصة الحب بين فتى وفتاة، الحب القوي الجارف الذي يجمع في النهاية بين قلبين تحت ظل وريف من الرباط المقدس وتمضي الأيام وتصبح الفتاة امرأة ويصبح الفتى رجلاً ويتخطى كلاهما دور الشباب! ويبقى الحب بين الزوجين ما بقى الوفاء المتبادل والبيت الآمن والأبناء الأحباء. ولكن القدر يضرب ضربته ليتصدع البناء ويتفرق الشمل ويتناثر عقد السعادة حبات من دموع! ستة عشر عاماً ذاق فيها العش الجميل الهادئ ما ذاق من ألوان البهجة وضروب النعيم، ثم ختمت أيامه بأبشع ما يتلقاه الأحياء من معاني الألم والحسرة والعذاب. . . لقد عصفت ريح الغواية بوفاء الزوجة المخلصة فنبذت منطق العقل وانقادت لمنطق العاطفة، وفي سبيل حبها الجديد نسيت الزوج والبيت والولد، وهذا الماضي الأثير بكل ما فيه من ذكريات! ولم يكن الشيطان الذي طرق أبواب الجنة غير أخ تجمع بينه وبين أخيه رابطة الدم وينتهي الأمر بالزوجة الوفية إلى أن تمل السير في طريق الشباب الآفل لتنحرف إلى طريق الشباب المقيم، ولا بد من جمرة تشع تحت الرماد لتلهب الضمير الذي مات. . وفي رسالة يتلقاها الزوج من شريكة حياته تقع عيناه على

ص: 38

قصة حبه الشهيد؛ لقد مضت تستعرض فصول القصة كما وقعت على مسرح الحياة: مبتدئة بدور الزوج، معرجة على دور الزوجة، منتهية بدور الحبيب. ولم تنس الهاجرة وهي في غمرة الوفاء للذكرى الباقية أن تطلب الصفح والمغفرة!

هذا هو الإطار الخارجي لقصة الأستاذ إدريس، إنني لو اقتصرت عليه لبدت لك القصة هيكلاً عظمياً عارياً من اللحم والدم والروح. . . إن الحياة تكمن هناك، في تلك الصورة النفسية التي تعرض طبيعة امرأة؛ امرأة يضع المؤلف بين يديك مفتاح شخصيتها وكل شخصية تمثل المرأة الخالدة! وهذه هي الصورة التي حملتها رسالة الزوجة إلى الزوج، أقدمها إليك منتزعة من معرض السطور:(لقد حمل نايف إلى جونا الاضطراب والخوف والعذاب، ولكنه مع ذلك هز مني الأعماق أعنف الهز، وكشف أمام عيني دنيا جديدة تزخر بالمتناقضات وتمتلئ بالمفارقات. ولست أدري يا صبري كيف أعبر لك عن الأثر الذي تركه أخوك في نفس ساعة وصوله!). . . (وسرعان ما أسبلت جفنيَّ، كأنما خشيت أن تنفر من عيني صور كثيرة، جلية، تعيد إلى الماضي بحذافيره فتبعث في نفسي فيضاً غنياً من المشاعر العذبة. أجل! إن الماضي تدفق ساعتذاك يا صبري كأنه نبع جار يحمل في ثنايا أمواجه ذكريات وذكريات). . . (وفتحت عيني مرة أخرى، لا يا صبري! لم يكن نايف يشبهك، وإنما كان هو نفسك. . . أجل! كان أنت في شبابك، يوم عرفتك للمرة الأولى. لقد رجع في نايف ماضي شبابك يا صبري، شبابك ذاك الذي أغرمت به قبل أن يولي وعشقته يوماً حتى الجنون!). . . (لا يا صبري! أنا لم أخنك! إنني مقيمة على شدة إخلاصي لك، إنني أحبك في نايف، وسأظل أحبك إلى الأبد. أراك تود أن تسألني: وأولادنا؟ وحاضرنا؟ ومستقبلنا؟. . . لا تكن ساذجاً يا عزيزي! أما أدركت أنه لم يبق لي شيء بعد، وأنه لا حاضر عندي ولا مستقبل غير هذا الماضي الذي يعود؟!).

أرأيت كيف حلت الفكرة الناضجة من جسم القصة محل الروح، وكيف سما بها النموذج النفسي النابض إلى الأوج؟. . . هكذا تخلق القصة، وهكذا تحيا، وهكذا تتنفس، وهكذا يكتب لها البقاء! إنك تستطيع أن تجد في هذه المجموعة القصصية نماذج أخرى لا أقول إنها تبلغ هذا المستوى الممتاز، ولكنها تقترب منه وتنبع من نفس المنبع وتدور في نفس الأفق.

ص: 39

وتسألني بعد هذا كله ماذا ينقص سهيل إدريس ككاتب قصة؟. . إنني أعود إلى ما سبق أن كتبته عنه في مكان آخر غير (الرسالة)، أعود إليه لأحذف منه فقرات وأقتطف فقرات، تبعاً لما جد من أسباب الكمال وما بقى من أسباب القصور.

إن كل ما يؤخذ على فن الأستاذ إدريس ظاهرتان: الظاهرة الأولى هي أنه لا يكاد ينظر إلى الحياة إلا من زواياها الضيقة، تلك التي لا تتمثل الخلجات النفسية إلا في إنسان يحب وإنسانة تحب، مع أن في الحياة زوايا متعددة وألواناً لا حصر لها من المشاعر الإنسانية! أما الظاهرة الثانية فهي خلو قصصه من النماذج البشرية؛ إن سهيل إدريس لا يقدم إليك نموذجاً بشرياً واحداً يمكن أن يمثل شخصية من الشخصيات المحلية في المجتمع اللبناني الذي يعيش فيه، ومن هنا كان نقص النماذج البشرية في قصصه يفقدها عنصراً ممتازاً من عناصر التصوير الوصفي، ذلك الذي يعني برسم الملامح الخارجية للشخوص كما هي في واقع الحياة! وتسألني مرة أخرى عن حكمي الأخير على هذه المجموعة القصصية فأقول لك: إنها عمل فني جدير بالتهنئة!

(من وراء الأبد) ورسالة من شرق الأردن:

قبل أن أكتب إليك ما أريد كتابته عن قصتك الخالدة (من وراء الأبد) المنشورة في الرسالة الغراء العدد (838)، أقدم إليك تحية التقدير والثناء، تحية القلب من الأعماق إلى روحك الطهور المثالي وقلبك الخفاق، يفيض الإبداع في شجون القلب وشئون الفكر.

لقد ساقت إليك الأقدار فتاة أحلامك، فوجدت فيها الجمال الروحي الذي كنت تنشده في سماء الوهم يوم أن هبطت إليك وأنت على أرض البشر لتأخذ باقة من الزهور فأحببتها، وأنت تعرف جيداً زيارتها لأملها الدفين يوم كنت تقدم لها تلك الباقة في صباح كل ثلاثاء، لتعطر ثرى ذلك القبر. . . ثم تقدمت إلى تلك الروح بغير تردد حين وجدت أنها ضالتك المنشودة، لتملأ فراغ قلبك ودنياك. فلم كرهت ذهابها إلى القبر بعد الزواج، حتى أدى ذلك إلى القطيعة والفراق؟ أليس الحب شعوراً مقدساً قبل الزواج وبعده؟! ولماذا لم تستطع أن تملأ هذا الفراغ الموحش من قلبها (إن كان موجوداً) بعد الزواج بأحاسيسك وشعورك وأنت صاحب الأحاسيس والشعور والخيال؟!

إن الحب لا يبلغ أعلى مراتب السمو إلا بالتضحية وأنت هنا لم تضح بشعورك وقلبك في

ص: 40

سبيل إسعادها. . . إذ الحب المثالي العميق يقضي عليك في هذه الحالة أن تقدم إليها باقة الزهور، ولو أنك؟؟؟ لتناست ذلك القبر الكئيب البغيض الرابض في صحراء الإمام، ولأصبح مع الأيام طيفاً ضئيلاً وبالتالي تمسي وأنت مسيطر على أحاسيسها ووجدانها مالكاً كل قلبها بأطيافه وأحلامه هذا إذا فرضنا جدلاً أنها مازالت تحن إلى أملها الأول، ولكنها وهبت لك قلبها وأخلصت لك الحب طيلة مدة الزواج، بدليل أنك لم تستشف من خلال شعورها أن هنالك طيفاً يملأ فراغ قلبها وتتشوق إليه بقلب مفجوع وأنت صاحب الشعور والنظرات العميقة، ولو لم تكن تلك العودة لما اكتشفت سرها الذي لم يكن إلا وفاء بعهد.

ألم تشعر أخيراً يا سيدي أنك سببت لها نكبة أخرى فوق نكبتها الأولى، وسببت لك لوعة تصرخ بين الضلوع كلما عاودتك ذكرها؟. . . أنا في انتظار جوابك.

محمد دوبلة

عمان - شرق الأردن

أود قبل كل شيء أن أشكر للأديب الفاضل هذه العاطفة الكريمة النبيلة التي أملت عليه هذه الكلمات. . . الحق أنني لم أتلق في حقيبة البريد أجمل من هذه الرسالة ولا أطرف حول قصتي (من وراء الأبد)؛ هذه القصة التي حركت مشاعر الأديب الأردني الفاضل وأثارت شجونه، حتى دفعته إلى أن ينقل إلى هذا الفيض من المشاركة الوجدانية العميقة التي عشت في أجوائها يوم أن عكست من الحياة على الورق مأساة فنان جني عليه الخيال!

لقد ظن الأديب الفاضل أن القصة قصتي الذاتية، ولعل هذا الظن قد استقر في نفسه من أن القصة كانت في رسالة. . الحق يا صديقي أنني قد نقلت القصة من حياة الناس حيث ألف القدر فصولها لا من حياتي! وصدقني إذا قلت لك إنني مازلت واقفاً على الشاطئ أرقب كل زورق حالم يمخر عباب النهر المقدس، منتظراً أن تدفع أمواج السعادة إلى شاطئ بالحلم الجميل الكبير، بالزورق الذي يمكن أن يحمل إلى أعذب أماني العمر. . وأعني بها رفيق القلب وشريك الحياة! متى تتحقق الأحلام؟ متى تتألق الأيام؟ لست أدري!!

لفتة إنسانية للأستاذ العقاد:

قرأت في (المصور) منذ أيام مقالا تحليلياً للأستاذ العقاد حول نفسية المنتحر، وقد كتب

ص: 41

المقال بمناسبة حادث الانتحار الذي وقع في وزارة المعارف وراح ضحيته موظف بائس. . ولست أبغي من وراء هذه الكلمة أن أعقب على هذا التحليل النفسي الموفق الذي ورد في مقال الأستاذ العقاد، وإنما أحب أن أشير إلى كلمة حق تهز كل صاحب ضمير كضمير الرجل العادل وزير المعارف. كلمة حق نطق بها العقاد الإنسان حين طالب بمعاقبة المسئولين عن الحالة النفسية التي دفعت بالموظف البائس إلى التخلص من الحياة، فيما إذا ثبت بالتحقيق الدقيق أن رؤساءه قد حالوا بينه وبين حقوقه التي كان يطالب بها كانسان يحتاج إلى شيء من العطف والرعاية!

إننا نسجل هذه اللفتة الإنسانية للأستاذ العقاد، ونتوجه بها في نفس الوقت إلى معالي وزير المعارف.

أنور المعداوي

ص: 42

‌الأدب والفنّ في أسبُوع

للأستاذ عباس خضر

نحن وأدباء المهجر:

كتب الأستاذ حبيب كتاباً من نيويورك إلى جريدة الأهرام، يقول إنه التقى هناك بالأستاذ عبد المسيح حداد صاحب جريدة (السائح) التي تصدر بالعربية في أمريكا، بعد عودته - عودة الأستاذ حداد - من رحلته الطويلة في البرازيل والأرجنتين وتشيلي، فأراد أن يستطلع رأيه في الأدب العربي بأمريكا الجنوبية، فقال الأستاذ حداد:

إن هناك فرقاً أساسياً بين السوريين واللبنانيين في أمريكا الجنوبية وفي أمريكا الشمالية، ويتجلى هذا الفرق بأجلى مظاهره في البرازيل، فالسوريون وغيرهم من الناطقين بالضاد هنا - في أمريكا الشمالية - هم عرب ولكن أولادهم ليسوا عرباً. أما في البرازيل فهم عرب جيلاً بعد جيل) ثم ذكر تعليلاً لذلك أن العرب في البرازيل - حيث تسنى له أن يدرس أحوالها درساً وافياً دون غيرها - يحرصون على تعليم أبنائهم وبناتهم اللغة العربية، وأن هناك كليتين عربيتين تتبعان برنامج البلاد في التعليم المدرسي وتلقنان العلوم العربية بأجمعها من صرف ونحو وبيان وبلاغة وعروض وإنشاء وبعض العلوم الأخرى بالعربية، وقال إنه سمع كثيرين من خريجي هاتين الكليتين يخطبون ويلقون قصائد بالعربية من نظمهم، وذكر مع الأسف أن إحدى الكليتين قد اضطرب إلى إقفال أبوابها بعد أن خرجت خمسة عشر ألف طالب. . .

وإنا هنا - حين نقرأ هذه الأنباء - لتهفو نفوسنا وتتطلع إلى تلك الآفاق التي انبثقت منها ألوان جديدة معجبة من الأدب العربي الحديث، واسترعت أنظار الأدباء، وجرت في مشاعر الشباب؛ تلك الآفاق التي لمع فيها جبران خليل جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة وغيرهم، وقد امتازت آدابهم بالحرية والانطلاق والتجديد.

تتطلع نفوسنا إلى أدباء العرب في المهجر الأمريكي، فنحب أن نطلع على كتاباتهم وتتصل أفكارنا بأفكارهم، كما نحب أن تتوافر لهم وسائل الإبقاء على اللغة العربية وآدابها وازدهارها هناك. وإنه لمما يسوؤنا أن نتفقد المجلات العربية الأمريكية في القاهرة مثلاً فلا نجدها، وتلك الأنباء تنقل إليها أن هناك صحافة عربية زاهرة، وبودي أن نقرأ لهم

ص: 43

ويقرؤون لنا، ونبدي الرأي فيما يكتبون كما يبدون آراءهم فينا، وجملة القول أن نعاملهم معاملة أدبية كاملة تعود علينا وعليهم بالفائدة المرجوة في عالم الفكر والأدب والاجتماع.

ولست أدري من المسؤول عن الانقطاع الحالي بيننا وبين أبناء العمومة في عالمهم الجديد، ولكنا نذكر هذا الانقطاع فنتألم له، في الوقت الذي نرانا فيه نسعى إلى توثيق الأواصر الثقافية بين جميع بلاد العالم ما عدا العالم العربي في أمريكا، ولنا مكاتب ثقافية في لندن وباريس وواشنطون للتعاون الثقافي بيننا وبين هذه البلاد، فليت وزارة المعارف تنشئ مكتباً على غرار هذه المكاتب في إحدى العواصم الجنوبية بأمريكا حيث تكثر الجاليات العربية، ويكون من عمل هذا المكتب تحقيق التعاون والتبادل الأدبي بيننا وبين أدباء المهجر، كما يعمل على إمداد المعاهد العربية هناك بما تحتاج إليه من مؤلفات وأساتذة.

والإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، لماذا لا تمد يدها إلى هناك؟ وهي غير مقصورة على الدول المشتركة في الجامعة فالمفروض فيها أن تخدم الثقافة العربية في كل مكان، ويا حبذا لو ضم (متحف الثقافة العربية) شيئاً مما هناك، وهي ترسل بعثات المخطوطات إلى مختلف البلاد الغربية والشرقية فلماذا لا ترسل بعثة لرياد الثقافة العربية المعاصرة في البرازيل والأرجنتين وتشيلي؟

وليس الاتصال المنشود بين البلاد العربية وبين أبنائها في أمريكا، مقصورة فوائده على الآداب والثقافة، بل هو إلى ذلك يخدم قضايا العرب في الهيئات العالمية، وإنهم ليستجيبون لداعي القومية العربية بدافع الشعور المشترك الذي يعززه تنظيم العلاقات، ويتحقق لنا بذلك ما لا نبلغه باستجداء الأمم الغربية التي تخذلنا لقرب مشاعرها من خصومنا.

ونحن نرى الدول الغربية تعمل دائبة على نشر لغاتها وثقافاتها في خارج حدودها وخاصة في بلادنا الشرقية، وهي ترمي بذلك فيما ترمي إلى توسيع نفوذها وكسب أصدقاء موالين لها، فما أجدر البلاد العربية أن تعين تلك الجاليات العربية الكبيرة في العالم الجديد، على تعزيز لغتها وثقافتها العربيتين. ولن يحتاج ذلك فيما أعتقد إلى جهود وأموال كبيرة، بل يكفي القليل مع العناية بتنسيق وسائل التبادل والاتصال.

تقدير وتبعات:

في غمرة الأسى على فقيد فن التمثيل المرحوم نجيب الريحاني يستطيع المرء أن يلاحظ

ص: 44

ظاهرة تدعو إلى الارتياح، بل تبعث الاغتباط.

ذلك أنك لا تكاد تفتح مجلة أو تطالع صحيفة منذ توفى الريحاني في الأسبوع الماضي، إلا ألفيت بها رثاء له نثراً أو شعراً، وقد حفلت بعض الصفحات بالكتابة في تاريخه والتحدث عن فنه وأثره في هذا الجيل وما إلى ذلك مما يتصل به

ولم يكن ذلك إلا صدى لما يجيش في صدور الناس على اختلاف طبقاتهم من الأسف لفقد هذا الرجل والشعور بمكانته باعتباره ممثلاً أدى رسالته الفنية على أتم وجه. ومعنى هذا أن الجمهور في مصر قد عرف قيمة فن التمثيل وقدر أهله إذ أصبح لهم في حسه وشعوره ما هم أهله من مكانة واعتبار، فإذا قضى علم من أعلام التمثيل أخذ الحزن عليه مظهراً عاماً، واستشعر الجميع فجيعتهم فيه، وهذا ما عنيته في صدر هذه الكلمة بالظاهرة التي تدعو إلى الاغتباط، وهي كذلك لأنها تدل على تطور عظيم في حياتنا، إذ تغيرت نظرتنا إلى التمثيل والممثلين من حال إلى حال، ولا تزال للحال الأولى آثار باقية، وإن كانت في سبيل الزوال، تلمح ذلك فيما تنشره بعض الصحف من أن يوسف وهبي أو عبد الوهاب أو غيرهما من الفنانين، يعتزم ترشيح نفسه عن دائرة كذا في الانتخاب القادم لعضوية مجلس النواب، وهي تنشره على أنه أمر طريف جديد، ولعله كذلك فعلا لأننا لم نعهد بعد نواباً من المشتغلين بهذه الفنون مع جدارتهم بأن يأخذوا المكان اللائق بهم في قيادة الأمة.

وقد كان الريحاني من القلائل الذي أعلوا قدر التمثيل في مصر إذ جعلوا له أهدافاً في المجتمع وسايروا به ارتقاء العلوم وسائر الفنون في مصر، فأثبتوا أنهم من المضطلعين بترقية الأمة والناهضين بها. والريحاني أول ممثل ظفر بنشان النيل، وأول ممثل تفضل جلالة الملك بإرسال مندوب عنه لتشييع جنازته، وأول ممثل أعرب جلالة الملك عن حزنه عليه بعبارة كريمة سامية.

وبعد، فذلك هو الوعي القومي نحو فن التمثيل وتقدير أهله ولا شك أن هذا التقدير يلقى على فنانينا تبعات نحو فنهم والإخلاص له وإفادة الناس منه، وعلى مقدار شعورهم بهذه التبعات ونهوضهم بمقتضياتها يتوقف مصير الغراس الذي نما وأثمر بعض الشيء ولا يزال في حاجة إلى تعهد وعناية ورعاية ليؤتي أكله على ما يشتهي الجميع.

قضية (عيسى بن هشام) والإذاعة:

ص: 45

عرضت على قاضي التحضير بمحكمة مصر الكلية يوم الثلاثاء الماضي، القضية المرفوعة من خليل بك المويلحي مؤلف كتاب (حديث عيسى بن هشام أو فترة من الزمن) ضد الإذاعة لأخذها تمثيليات من الكتاب وإذاعتها بلغة عامية مبتذلة، على ما فصلناه في عدد مضى من الرسالة. وقد أجل نظر القضية إلى جلسة 7 نوفمبر المقبل أمام محكمة مصر الكلية.

وأذكر بهذه المناسبة أني وقفت على مقال عن ذلك الكتاب للمستشرق الفرنسي هنري بريز عضو المعهد الفرنسي بدمشق، في المجلد العاشر من مجلة الدراسات الشرقية لسنة 1943، 1944 قال فيه:(إن حديث عيسى بن هشام يعد في طليعة الكتب المؤلفة في الأخلاق والعادات والنقد الاجتماعي، وما من شك في أنه كان العامل الأول في بناء صرح النهضة الحديثة للغة العربية، وإن سلاسة لغته وسجعه غير المتكلف يعيدان إلى الذاكرة أسلوب الكتابة الفنية لجنكور والإنشاء الخيالي لهويسمان. ولقد صور المويلحي الحياة المصرية في شتى مظاهرها الاجتماعية بقلم جريء وصراحة واضحة وإخلاص بلغ حد القسوة في تصوير الحقائق الواقعة تصويراً دقيقاً أذكرنا كتابة بلزاك وفلويير. وإنه لمن المتعذر على أي أديب أن ينسج على منوال حديث عيسى بن هشام أو أن يصل إلى سمو أسلوبه مقلد، فقد بلغ المثل الأعلى للإنشاء الوصفي ودقة تصوير المجتمع ولقد بزغ نوره في فجر النهضة الحديثة للأدب العربي، فمحت آيته مختلف المقامات الأدبية وهدى لنوره الرجعيين القدامى في كتاب الأدب، واسترشد بسناه المجددون من الأدباء فسلكوا من بعده الطريق المعبد إلى المستقبل المثمر)

والواقع أن حديث عيسى بن هشام يعد المحاولة الوحيدة الناجحة في عصره لإحداث فن قصصي جديد في الأبد العربي الحديث، ومن المحاولات المخفقة التي عاصرته (ليالي سطيح) و (صهارج اللؤلؤ)، ومما يؤسف له أشد الأسف أن تتخذ الإذاعة ذلك العمل الأدبي التاريخي الخالد، ذريعة إلى إحداث فن جديد في تمثيلياتها العامية الهابطة المسفة، فن يجري فيه الحوار بمثل:(يا حلمبوحة) و (يا مدهول يا منيل على عينك) وغير ذلك من ألفاظ اللغة التي يدعو إليها سلامة موسى بدلاً من العربية الفصيحة!

والإذاعة بذلك لا تكتفي باستباحة كتاب لم يتصدق به عليها مؤلفه، بل تعمد إلى تحريف

ص: 46

أهدافه عن مواضعها وتهوى به إلى برامجها العامية، بعد أن سلك سبيله إلى نهضة أدبية مثمرة

خمر وجمر:

تلقيت من الأستاذ عدنان أسعد رسالة ذكر فيها ما دفعه إلى كتابه ما كتبه في (الرسالة) عن كتابه (خمر وجمر) منذراً من يقرظه بأنه سيعتبره مأجوراً، قال:(إن جماعة من الأدباء والشعراء الأصدقاء أجمعوا على أن كتاب (الخمر والجمر) كتاب يعتاص على الفهم وتحتاج معاني شعره ونثره إلى التذييل والشرح الطويل. ومن ثم ذهبوا إلى أن أية كلمة يكتبها الكاتب في تقريظ الكتاب لا تخرج عن كونها واحداً من اثنين: إما أن الكاتب المقرظ قد غمض عليه معنى في بطن الشاعر أو ظهر الناثر. . فأراد أن يظهر للناس علمه وفهمه بكلمة التقريظ حتى يقول الناس: قرأ وفهم ثم هضم. وإما أنه (مأجور) أو (مدفوع) بدافع الصداقة، وللصداقة تكاليف، أو (مرجو) يجيب رجاء الراجي ولا يخيب آمال ذوي إلى مال فكان جوابي على هؤلاء إنكم أرضيون ماديون والكتاب على ضآلة شأنه روحاني المذاهب سماوي الجناح مطلق السراح. . وصاحب القلب الكبير والروح الطليق من أسهل السهل عليه أن يستوعب الكتاب من الغلاف إلى الغلاف في جلسة أو جلسات بغير ما حاجة إلى تذييل أو شرح طويل).

وأقول للأستاذ عدنان: إني أراك تقرظ الكتاب، ولا يسعني - على الرغم من بيانك السابق - إلا أن أعتبرك (مأجوراً) من المؤلف. . . ولك تحيتي.

عباس خضر

ص: 47

‌البَريدُ الأدَبي

رد وتصحيح:

حضرة الأستاذ الفاضل رئيس تحرير مجلة الرسالة:

يأبى الأستاذ كاتب التعقيبات إلا ان تكون له الكلمة الأولى والأخيرة في إنتاج الأدباء وفي ذواتهم، وتثور ثورته، إذا ما وجد كلمة حقه هادئة أو متحمسة، رداً على تعقيباته، وهذه مجافاة للروح الأدبي الرياضي المنشود.

وقد كان نصيبي من الرد على بعض تعقيباته، حملة شعواء

على شخصي وأدبي، في العدد (833) المؤرخ 2061949

أما حملته على شخصي فسأترك جزاءه لمجال آخر، ويهمني

الآن تصحيح الرد على ما جاء في هذه التعقيبات من وقائع

غير صحيحة

فقد زعم الكاتب أني سعيت إليه بوساطة رسول كريم لكتابة كلمة، ولو صغيرة عن كتابي (الشعر المعاصر) وإن هذا الرسول الموفد من قبلي - كما يقول - دميت قدماه في سبيل هذه الكلمة وإن الكاتب صارحه بأنه لو كتب عن هذا الكتاب لأهان قلمه وأهان (الرسالة) وأهان عقول القراء وهذه قصة خيالية، ابتدعها التوهم، فإن مركزي الاجتماعي، وتاريخي الأدبي الطويل، وخلقي المترفع، تدحض جميعاً، ما أسند إليَّ من لهفة لكلمة منه، يقدمني بها كما يقول، إلى الناس، فلست في حاجة إلى التقديم، وبحوثي الأدبية والاجتماعية، منذ أكثر من عشرين سنة وكتبي التي أخرجتها كفلت لي التقدير من الخاصة.

وأما عن كتابي (الشعر المعاصر) فقد حفلت به البيئات الأدبية

وأنصفته الأقلام الممتازة، وحفلت به وزارة المعارف واقتنت

منه عدداً (ضخماًً) لمكتباتها كما ازدانت مجلة الرسالة ذاتها

بكلمة عنه من قلم أحد محرريها، وهو زميل للكاتب المعقب

ص: 48

في التحرير، ومما جاء في قوله بمجلتكم الصادرة بتاريخ 410

سنة 48 (لا يسع متتبع الحركة الأدبية إلا أن يلتفت لهذا

الكتاب ويهتم به لأنه كتاب جديد في المكتبة العربية، وهو أول

مؤلف في موضوعه (وقوله في خاتمة كلمته: (وحسب الأستاذ

السحرتي أنه وضع بكتابه هذا لبنة في بناء الأدب العربي

الحديث).

فما رأى الأستاذ المعقب في زميله، وما رأيه فيما كتبته السيدة الأديبة (ابنة الشاطئ) وهي من جماعة الأمناء التي ينتمي إليها إذ قالت عن الكتاب الذي يباع بالرطل في الأسواق (والكتاب يكاد يكون دائرة للشعراء المعاصرين فلم يدع الأستاذ المؤلف شاعراً عرفه أو قرأ له إلا سلكه في هذه الدراسة، وقدم نماذج من شعره، ويجد القارئ إلى جانب هذا عرضاً طيباً لمذاهب النقاد وأساليبهم في وزن الشعر وتقويمه، كما يقرأ خلاصة لمقاييس النقد الأوربي الحديث مطبقة على شعرنا المعاصر).

وزعم الأستاذ المعقب أن الدافع لكلمتي بالمقتطف (النقد والتعقيب) راجع إلى أنه لم يكتب كلمة عن كتابي، ونسى أنه ذكر في صدر كلمته أنني تلميذ للأستاذ سلامة موسى وأن كلمتي في المقتطف كانت دفاعاً عنه. وأحق يشهد بأني لا أدافع إلا عن كرامة الأدباء كيفما كانت ألوانهم وإني قد وهبت قلمي المتواضع للدفاع عن الحقيقة منذ تخرجي في الحقوق من ثلاثة وعشرين عاماً إلى اليوم، وقد شهدت منابر القضاء والخطابة والديمقراطية والوطنية؛ فقول الأستاذ المعقب بأني من التشكيلة العجيبة، التي يريد إرهاب كل من يحاول تصحيح آرائه بها يحمل اتهاماً باطلاً، وما كان يساغ بأي حال من الأحوال أن يلوذ الأستاذ الكاتب إلى مثله.

وليس هذا المكان مجالاً للرد على ما ورد في تعقيبات الأستاذ الكاتب من عبارات مهينة لا داعي لذكرها؛ لأن قاموسنا الأدبي قد خلا من مثلها خلواً تاماً.

ص: 49

ولكن لنا أن نطرح هذه الأسئلة تعقيباً على كلمة الأستاذ الكاتب وعلى طريقته في الكتابة، هل يجوز للكاتب من الوجهة القانونية أو الأدبية أن يترك عمل الأدباء ويتناول أشخاصهم؟ وهل يباح للأدباء الدفاع عن أنفسهم، والرد على نقد ناقديهم؟ وهل يصح في شرعة الأدب محاولة الغض من كرامة الأدباء للاختلاف في الرأي؟

والجواب الصحيح على هذه الأسئلة، وهو محور النقد الأدبي السليم أن الناقد ليس حاكماً بأمره وليس له تناول أشخاص الأدباء تناولاً غير كريم وأن للأدباء أن ينقدوا النقدات الموجهة إليهم وهذه الآراء التي تدين بها هي محور الخلاف بيننا وبين كاتب التعقيبات.

مصطفى عبد اللطيف السحرتي

هذا هو الرد الذي بعث به إلى (الرسالة) الأديب صاحب التوقيع وفي الأسبوع المقبل يقرأ ويقرأ معه القراء تعقيبنا على هذا الرد.

أنور المعداوي

الألفاظ بين الحقيقة والمجاز:

يعرف أبناؤنا دلالات الألفاظ في حقائقها ومجازاتها، و (العلاقة) الرابطة بينها سواء أكانت للمشابهة أم للارسال، وقد كتب مدعي نذكير الضبع - بتصحيح موهم - ينفي رواية (قومي لم تأكلهم الضبع). . . (بقومك) مما لا يبعد الضبع عن أن تكون مؤنثة! فإن التصحيف في المضاف إليه واقع في أشعار الفدامي، بل إن (زهر الآداب) وغيره محتشد شواهد متعددة دالة على عدم إبعاد المعنى مع وجود هذا التصحيف.

لكن الكاتب - كدأبه - يريد الضرب في منحى دعوى البحث؛ فتوقعه الورطة في مأزق المغالطة؛ فالإضافة إلى ياء المتكلم أو كاف الخطاب لم تخرج الضبع على أنها (اسم للحيوان المعروف)! وهي مؤنثة!

أما المباحثة في الحقيقة والمجاز؛ فنكبر (المجمع اللغوي) على عرضهما في معرض الإفادة، لكنا نشير إلى أن التجوز بلفظة (الضبع) إلى السنة المجدية لن يبعدها عن وضعها في حقيقتها، لأن الحقيقة أصل المجاز!

فما إجداء سياقة الكاتب ومكاثرته وهو لم يستشهد على (تذكير) الضبع، ولم يسق في

ص: 50

(تحقيقه) الأخير ما يباعد بين وضع اللفظ والتجوز فيه؟.

إننا لم نخطئ في الاستشهاد لأن حقيقة اللفظة باقية على مدلوها في إفادة الحيوان، ولم نبعد في الرواية لأن اختلافها لا يقدح في صحة الإيراد، ولم نجانب الصواب في التأنيث لعدم ورود ما يباعده؛ فلعل الكاتب لا يتورط فيما يدعو إلى المؤاخذة والتوجيه

(بور سعيد)

أحمد عبد اللطيف بدر

تعقيب على تعقيبات:

قد وردت بالتعقيب الأول من تعقيبات الأستاذ الفاضل أنور المعداوي بالعدد (832) من الرسالة - جمل من هذا القبيل: (لم يكن يعرف. لم تكن تتيح) وهي بينة الخطأ. وصوابها حسب استعمالات العرب - أن ترى على هذه الهيئة: (لم يكن ليعرف. لم تكن لتتيح)؛ لأن كان المنفية بما، ويكن المنفية بلم لا يرد بعدها الفعل المضارع إلا مسبوقاً باللام المؤكدة للنفي. ويسمونها لام الجحود.

وقد ورد القرآن الكريم بهذا الاستعمال قال تعالى: (لم يكن الله ليغفر لهم).

محمد غنيم

ص: 51

‌القَصصُ

صديقان حميمان

للكاتب الإيطالي لويجي بيراند للو

كان جيجي ميار ينتظر مركبة الترام لتقله كالمعتاد إلى طريق باسترينو حيث مقر عمله وكان متذيراً بمعطفه ذلك الصباح، وقد وضع منديله على أنفه، ويديه في قفاز إنجليزي صفيق فإن المرء إذا ما جاوز الأربعين، فإن ريح الشمال لا تعد مزاحاً.

إن كل امرئ يعرف أن مركبة الترام لن تقبل بأية حال إذا كان في انتظارها. فإما أن تتعطل في منتصف الطريق لانقطاع التيار الكهربائي، أو تختار مركبة تمر عليها، أو شخصاً سيئ الحظ تدهمه تحت عجلاتها. وكانت ريح الشمال الباردة تهب بشدة في ذلك الصباح. وجعل جيجي ميار يرفع رجلاً وينزل أخرى، وهو يراقب النهر وقد بدا كأن المسكين يشعر بالبرد القارص أيضاً.

وأخيراً أقبلت مركبة الترام تدندن، وأخذ جيجي يستعد للقفز فيها وهي سائرة دون أن تقف، عندما سمع صوتاً آتياً من بونت - كافور ينادي (جيجي، أيها الصديق العزيز، جيجي) فالتفت فرأى سيداً يهرول قاصداً نحوه، يلوح بذراعين كأنهما عموداً التلغراف. وفي تلك الآونة ابتعدت مركبة الترام. وكان عزاء جيجي على ابتعادها أن وجد نفسه بين ذراعي السيد الغريب الذي لابد أن يكون صديقاً حميما له، إذا حكم على ذك من عنف القبلتين اللتين طبعهما الرجل على المنديل الحريري الذي يغطي وجهه

وقال الرجل - أتعلم أني عرفتك في الحال، أيها العزيز؟! ألا تخجل من نفسك؟ أعطنا قبلة يا عزيزي لبلوغك هذه السن. إنك تبدو وكأنك كنت واقفاً في انتظاري. وعندما شاهدتك تمد ذراعك لتتعلق بمركبة الترام اللعينة قلت لنفسي (هذه خيانة محض خيانة). فقال ميار وقد علت شفتيه ابتسامة مغتصبة - نعم، كنت ذاهباً إلى المكتب.

- أرجوك، لا تحدثني عن مثل هذه الأشياء المنفرة.

- لماذا؟ - إني أعني ذلك. في الواقع أُلح.

- أنت شخص غريب الأطوار أتعرف؟

- نعم أعرف. ولكن خبرني، إنك لم تكن متوقعاً رؤيتي، أليس كذلك؟ إنه يبدو في وجهك.

ص: 52

- حسن، كلا. . . في الواقع.

- لقد وصلت مساء أمس. وأخوك يرسل إليك تحياته. وهو - على فكرة، سأجعلك تضحك - لقد أراد أن يبعث إليك بكتاب يقدمني فيه إليك!. . . فقلت (ماذا! كتاب تبعث به إلى جيجي الصغير؛ ألا تعلم أني أعرفه قبل أن تعرفه أنت؟ نحن صديقان منذ الطفولة، ورفيقان في الدراسة الجامعية ألا تذكر بادوا القديمة الشهيرة؟ وذلك الناقوس الضخم الذي لم تكن تسمعه مطلقاً؟ فقد كنت تنام مثل - مثل - ماذا أقول - مثل الزغبة! أظن كان يجب أن أقول، كالخنزير. حسن. . . وعندما سمعته - مرة واحدة - حسبته إنذار حريق. . . ما أحلى تلك الأيام! إن شقيقك في صحة جيدة، وشكراً لله، فنحن مشتركان في عمل صغير. وأنا هنا من أجله، ولكن، ماذا بك؟ إنك تبدو كالجنازة أمتزوج أنت؟

فأجب جيجي ميار في دهشة وشدة - كلا يا عزيزي!

- على أهبة الزواج؟ - أمجنون أنت؟ بعد سن الأربعين؟ يا إلهي؟ كلا. لم أفكر في ذلك مطلقاً.

- أربعون! إنك تبدو في الخمسين أيها الصغير جيجي.

ولكن، لم لا؟ لقد كدت أنسى أن وجه غرابتك هو في أنك لا تسمع ما يحدث - من الأجراس والسنين. خمسون يا صديقي العزيز، خمسون سنة، أؤكد لك ذلك. لقد ولدت. . دعني أفكر. . في أبريل عام 1851، أليس كذلك؟ 12 من أبريل.

وصاح ميار قائلاً في لهجة من التأكيد - لا تؤاخذني، في مايو. ولا تؤاخذني أيضاً عام 1852، أتعرف أحسن مني؟ 12 مايو سنة 1852، وعلى ذلك فسني الآن 49 سنة وبضعة أشهر

- وبلا زوجة! هذا عظيم! أنا متزوج، ألا تعرف؟ آه، بلى، إنها مأساة. سأجعل جانبيك ينفجران من الضحك، وفي أثناء ذلك، سأعتبر نفسي بالطبع، مدعواً للغداء عندك. أين تأكل هذه الأيام؟ ألا زلت تقصد مطعم باربا القديم؟

وتعجب جيجي في دهشة بالغة وقال - يا إلهي، أتعرف أيضاً أني أذهب إلى باربا؟ أظنك كنت من رواده.

- أنا، عند باربا!؟ كيف أكون هناك وأنا في بادوا؟ لقد علمت وسمعت عن ذهابك أنت

ص: 53

والآخرين تقصدون - أيحق لي أن أقول الحانة، أو الهيكل، أو مكان الأكل؟

فأجاب ميار - سمعها الحانة، أو ما شئت، ولكن إذا كنت ستتناول طعام الغذاء معي فلا بد أن أخبر الخادم بذلك.

- صغيرة، أليس كذلك؟

- أوه، كلا، عجوز يا صديقي، عجوز. فضلاً عن أني انقطعت عن الذهاب إلى باربا. ثم لم أتردد عليه منذ ثلاثة أعوام. فأنت في سن معينة. . . - بعد الأربعين

- بعد الأربعين، يجب أن تتحلى بالشجاعة، وتدير ظهرك للطريق الذي قد يؤدي بك إلى الهاوية. فإن أردت التردي - حسن، فليكن ذلك، على أن تنزلق في بطء، في منتهى البطء وفي خفة، محاذراً ألا تتدحرج، أو تتعثر فتسقط. حسن، ها قد وصلنا. سأطلعك على ما قمت به من عمل طيب بسيط لداري الصغيرة

وأخذ صديق جيجي ميار يردد قائلاً وهو يصعد الدرج خلفه - في بطئ في منتهى البطء، وفي خفة. . علم طيب بسيط. . دارك الصغيرة. مخلوق ضخم التكوين مثلك يتأنق! مسكين أنت يا جيجي! ما الذي فعلوه بك؟ أحرقوا ذيلك؟ أتود أن تترقرق عيناي بالدمع؟

فقال ميار وهو ينتظر حتى تفتح الخادم الباب - حسن، يجب أن نكون في وفاق مع وجودنا اللعين، عند هذه المرحلة من العمر. دلل هذا الوجود، تملقه حتى بالتوافه، وإلا جعلك تافهاً. إني لا أود بأية حال من الأحوال أن أجد نفسي مدفوناً في حفرة عمقها أربعة أقدام. لا، لست أنا.

فقال الآخر يحاول أن يجادله في هذه النقطة - إذا فأنت تعتقد في الرجل أنه حيوان من ذوي الساقين؟ لا تقل إنك تعتقد ذلك يا جيجي الصغير؟ أنا أعرف أية مجهودات أبذلها لأظل قائماً على قدميَّ. صدقني يا صديقي، لو تركنا الطبيعة تسير في طريقها لأصبحنا من ذوات الأربع. إن هذه المدينة اللعينة تهدمنا لو كنت من ذوات الأربع لأصبحت حيواناً متوحشاً جميلاً، ولرفصتك رفصات عديدة بسبب ما حدثتني عنه، ولأصبحت بلا زوجة، وبلا ديون، وبلا هموم. أتريدني أبكي؟

ودهش جيجي من حديث صديقه، ذلك الذي هبط إليه من السحاب وجعل يتأمله وينقب في أركان ذهنه عن اسم ذلك الشيطان، وكيف ومتى عرفه في بادوا، سواء في طفولته أو في

ص: 54

دراسته الجامعية. واستعرض في مخيلته أصدقاءه الحميمين كل من كان يعهدهم في تلك الأيام، دون ان يطابق أحدهم ملامح هذا الرجل. على أية حال، أنه لا يجرؤ على سؤاله، فقد كان يخشى أن يجرح شعوره بعد أن بدت منه كل هذه المودة. فعزم على أن يعرف الحقيقة عن طريق اللف والمداورة.

ومكثت الخادم مدة طويلة دون أن تستجيب إلى قرع الباب فقد كانت لا تتوقع أوبة سيدها سريعاً. وقرع الباب مرة أخرى وأخيراً وقع أقدامها.

وقال لها ميار: ها أنذا قد عدت ثانية أيتها الفتاة العجوز ومعي رفيق فاعتني به، وانتبهي، فلا يقبل مزاحاً مع صديقي هنا، صديق ذي الاسم الغريب. . .

فقال الرجل وهو يضحك مما جعل المرأة لا تدري هل تشاركه ضحكة أو تعبس في وجهه: (إنسان متسلسل من تيس بقرنين ولحية!). ولا يميل أحد إلى التعرف بذلك الاسم الجميل، اسمي أيتها الفتاة! لقد جعل وجوه مديري البنوك تلتوي، والدائنين يترنحون. ما عدا زوجتي. كانت مسرورة به. إنه الاسم الوحيد الذي وهبته لها. ادخل يا جيجي، ودعني أرى رياشك ومتاعك المسكين. .

وقاده ميار وقد خاب أمله من جراء فشله في معرفة اسمه، وجعل يطلعه على شقته الصغيرة وغرفها الخمس، وقد امتلأت بالرياش في عناية وترتيب. وزاد عذابه في غرفة الاستقبال عندما سمع صديقه يتحدث في مودة كبيرة عن أشيائه العائلية، ويتطلع إلى الصور القائمة فوق الموقد ويقول:

- وددت يا جيجي الصغير لو كان لي زوج أخت مثلك. لو عرفت أي وغد تزوجت أختي؟

- أيعامل شقيقتك معاملة سيئة؟

- كلا، بل يسيء معاملتي أنا. لقد كان من الهين عليه أن يساعدني في عسري. ولكن لا، ليس هو الذي يفعل ذلك.

- أرجو المعذرة، إني لا أذكر اسم زوج شقيقتك.

- لا داعي للاعتذار. إنك لا تذكره؛ لأنك لا تعرفه. إنه لم يقدم إلى بادو إلا منذ سنتين. أتدري ما الذي فعله بي؟ إن شقيقك كان رؤوفاً بي ووعد أن يساعدني، إذا قبل هذا التعس أن يبدل سنداتي - ولكن صدقني، لقد رفض أن يفعل ذلك. وشقيقك، مع أنه غريب، قبل

ص: 55

أن يأخذ مشكلتي بين يديه وهو ساخط ناقم عليه. فلأخبرك عن سبب رفض زوج شقيقتي لقد كانت شقيقته سيئة الحظ فوقعت في شراك حبي. يا للفتاة المسكينة! لقد سممت نفسها. . .

فقال ميار: - توفيت؟

- كلا، لقد لفظ جوفها ما ابتلعته؛ ولذلك شفيت. ولكنك تستطيع أن تدرك أنه أصبح من المستحيل على أن أطأ عتبة دار شقيقها بعد هذه المأساة. يا إلهي ألا نأكل؟ أصبحت لا أرى من الجوع. أكاد أموت جوعاً كالذئب!

وعندما كان يتناولان الطعام على المائدة جعل جيجي ميار يدفعه عن طريق الثقة المتبادلة بين الأصدقاء، على أن يحدثه عن أخباره في بادوا، لعله بذلك يزلق لسانه فيذكر اسمه على الأقل. وكان ضيفه إذ ذاك يزداد شيئاً فشيئاً. فقال له حدثني عن بعض أخبارك - كيف حال فالفيرد مدير بنك إيطاليا، وزوجه الحسناء وشقيقتها الحولاء، ألا يزالون في بادوا؟

وإذا بصديقه ينفجر ضاحكاً. فقال ماير في دهشة - ما الأمر؟ أليست شقيقتها حولاء؟ فرجاه الآخر أن يكف عن أسئلته وقد ارتجف بدنه وتملكه نوع من التشنج من كثرة الضحك الذي كان يحاول كتمانه دون جدوى، وقال له - أصمت لحظة، بحق السماء، أصمت. حولاء؟ لم أكن أعتقد أنها كذلك. وذلك الأنف المتسع الذي ترى منه مخها! نعم إنها نفس المرأة.

- أية امرأة؟ - زوجتي!

وشده جيجي ماير دهشة. ولم يبق له من قوته إلا ما يستطيع بها أن يتمتم بعض كلمات الاعتذار. ولكن ظل الرجل سادراً في ضحكه أكثر من ذي قبل، إلى أن هدأ أخيراً، ثم عبس، ثم أخذ نفساً عميقاً، وأخيراً قال: - يا صديقي العزيز، هناك في الحياة بطولة لا تستطيع حتى مخلية الشاعر أن تتصورها.

فتنهد ميار قائلاً: - نعم، حقاً، أنت على صواب. . . إني أعرف ماذا تعني.

فعارضه الآخر قائلاً: - إنك لا تعرف شيئاً مطلقاً. أتعتقد أني أنوه عن نفسي؟ أنا البطل. أنا لست إلا الضحية! إن الشجاعة صفة نادراً ما تتحلى بها شقيقة زوجتي، زوجة لوسيوفالفيرد أصغ لي قليلاً. يا إلهي ما أغباك أيها الرجل!

- كلا، أنا أنا! في خداع نفسي بأن زوجة لتوتشيوفالفيرد تعشقني، لدرجة أنها تزوجت

ص: 56

زوجها. ولكن ماذا تظنه حدث؟ مثال من الروح التي لا تبالي في سبيل التضحية، كما ستسمع.

دعتني ذات مرة إلى دارها، وكان زوجها متغيباً. وعندما حدثت اللحظة المؤلمة التي فوجئنا فيها سوياً، أخبأتني في حجرة شقيقتها السيدة الحولاء، فاستقبلتني في حياء وخجل، وبدت كأنها تضحي بنفسها في سبيل شرف أختها. ولم يكن عندي متسع من الوقت لأصيح. . ولكن يا سيدتي العزيزة، انتظري لحظة. كيف يصدق لوتشيو ذلك. فقد اندفع لوتشيو غاضباً مزمجراً. وتخيل أنت الباقي.

فصاح ميار متعجباً - ماذا؟ أنت، بكل ما فيك من ذكاء؟

فقال الآخر - وديوني؟ فقد يرفض مدي بما يلزمني من المال. دعنا من ذلك الحديث أرجوك. على أية حال وازنت بين حقيقة كوني لا أملك فلساً، وبين عدم رغبتي في الزواج. .

فقاطعه ميار قائلاً: - ماذا؟ أتزوجتها؟

- أوه، كلا، إنها هي التي تزوجتني. إنها هي التي تزوجت فقط. لقد حدثتها في ذلك وكلمتها بكل صراحة. قلت أيتها السيدة، إذا أردت اسمي. حسن، إذاً، خذيه. إني أكاد لا أعرف ما الذي أفعل به، أقسم لك. أكاف هذا؟

وجازف ميار قائلاً: - إذا فهذا ما حدث؟ لقد كان اسمها فالفيرد، ثم أصبح الآن. . .

فضحك الآخر وهو يهب قائماً - تماماً.

وهتف جيجي ميار، وقد أصبح لا يحتمل أكثر من ذلك وتمالك شجاعته بين يديه وقال: كلا، اصغ، لقد تمتعت معك بصباح طيب. وعاملتك كما لو كنت أخي. والآن يجب أن تقدم لي معروفاً. - لعلك تود أن أقرضك زوجتي؟

- كلا، شكراً. أود أن تخبرني عن اسمك.

فسأله في دهشة وهو يطرق بأصبعه على صدره، وكأنه يشك في وجوده - أنا؟ أسمي؟ ماذا تعني؟ ألا تعرف؟ ألا تستطيع أن تتذكر؟ فأجاب ميار معترفاً في حياء - كلا، أرجو المعذرة، سمني أكبر رجل عديم الذاكرة في العالم. ولكني أكاد أقسم أني لم أرك مطلقاً.

- أوه، عظيم جداً، عظيم جداً، يا عزيزي جيجي الصغير، ضع يدك في يدي. إني أشكرك

ص: 57

من أعماق قلبي على حسن ضيافتك - ولكني سأذهب دون أن أخبرك - وهذا كل ما هنالك!

فانفجر جيجي ميار صائحاً وقد هب واقفاً على قدميه - ستخبرني، عليك اللعنة! لقد أرهقت عقلي طول الصباح، ولن أدعك ترحل دون أن تخبرني.

فأجابه الآخر في هدوء وثبات - اقتلني، قطعني إرباً، ولكني لن أخبرك!

فأخذ ميار مرة أخرى يعدل من لهجته وقال - كن رجلاً طيباً. إني لم أجرب مثل هذه التجربة من قبل - فقدان الذاكرة - أنت تعرف. إني أقسم لك أنه شعور مؤلم. فخبرني عن اسمك بحق السماء. . . . ابحث عنه بنفسك.

- استمع إليّ. إن ضعف ذاكرتي لم يمنعني عن السماح لك بالجلوس على مائدتي. وفي الواقع، حتى إذا لم أكن أعرفك على الإطلاق، فقد أصبحت الآن عزيزاً لديَّ. صدقني. إني أشعر بشعور الأخوة نحوك، وأعجب بك، وأود أن تظل معي دائماً. فخبرني إذا عن اسمك.

فقال الآخر في حزم - لا فائدة ترجى من ذلك. أنت تعرف أنك ستنساني إذا ما رجلت. كن عاقلا. أتود أن تحرمني من تلك اللذة التي لم أكن أتوقعها، لذة تركي إياك دون أن تعرف من يكون ضيفك؟ كلا. . اذهب. . إنك تطلب الشيء الكثير. إني أرى جيداً أنك لا تملك أية ذاكرة نحوي. فإذا لم تكن تود أن تجرح شعوري بذلك النسيان، فدعني أذهب كما سأفعل الآن

فصاح جيجي بغضب عاصف - اذهب إذاً، سريعاً، هذا كل ما أطلبه. إني لا أحتمل رؤيتك بعد الآن.

- حسن، إني ذاهب. ولكن اسمح لي أولا بقبلة صغيرة يا جيجي الصغير.

فأجاب ميار صائحاً - إني أرفض، إلا إذا أخبرتني. .

فقاطعه الآخر قائلاً - كلا، كلا، هذا كل ما هنالك. والآن. . إلى الملتقى. وذهب ضاحكاً. والتفت إليه وهو يتأهب في نزول الدرج؛ وأرسل إليه قبلة في الهواء. . .

محمد فتحي عبد الوهاب

ص: 58