المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 843 - بتاريخ: 29 - 08 - 1949 - مجلة الرسالة - جـ ٨٤٣

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 843

- بتاريخ: 29 - 08 - 1949

ص: -1

‌كانتا أمتين.

.!

في عيد الباكستان

لحضرة صاحب المعالي إبراهيم دسوقي أباظه باشا

كانتا أمتين انبثقت أحدهما عن الأخرى، ثم حثت الأولى خطاها إلى مستقر الخلود، وظلت الأخرى وستظل تصعد في مراقي الحرية والكرامة، مدفوعة بما ينبض في تجاليدها من حرارة الإيمان وصدق الجهاد اللذين تحدرا إليها من الأمة المائلة في الرجل الخالد محمد علي جناح. .

وليس على الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد

كان، أجزل الله مثوبته، أمة وحده حقاً خلق أمته من حلم رف في يقينه، وخاطر استبد بخلد؛ ثم نشأها على معان عالية من العزة والكرامة، فكانت بين عشية وضحاها خامس دولة بين دول العالم، وأول دولة بين الإسلام.

إن محمد علي جناح الزعيم المسلم يقف وحده بين عظماء التاريخ وزعمائه فوق قمة لم يطاولها ولن يطاولها عظيم من عظماء الرجال وأفذاذهم، فقد تميز بسمات وخصائص لم تتوفر لسواه

رجل تمخضت حركته عن إنشاء دولة وبناء أمة.

ولو تراخى الزمن بفيلسوف الضاد وشاعرها المعري، ورأى كيف تسنم جناح هضبة المجد بأمته الباكستان وأحلها أعلى قممها وأرفعها سموقاً وعظمة ما قال هذا البيت:

وزهدني في هضبة المجد خبرتي

بأن قرارات الرجال وهودها

ومن هنا طاب لي أن يدور حديثي في تحية عيد استقلال الباكستان على صاحب الفضل الأول والأخير في هذا الاستقلال الضخم العتيد.

فالحديث عن جناح إذن هو الحديث عن الباكستان، فهما اسمان مترادفان يتواردان على مدلول واحد من العمل الخالد والمجهود العظيم.

سمعت عن منشئ الباكستان العجب العجاب من أحاديث البطولة والتفوق، ثم أتيح لي شرف الصلة الوثيقة به، وأسعدني بزيارة كريمة في بيتي، فشهدت عن كثب هذه الشخصية الفريدة؛ وتحدثت إليه وتحدث إلي في فنون شتى من ألوان الحديث لمست خلالها تلكم

ص: 1

المثل العالية في الوطنية الممتازة، والسيرة العامرة بمعجزات الجهاد.

إيمان عميق، وعزيمة غلابة، ونضال كريم، يترجمها مع حديث القائد الأعظم هذا الحديث الحاد المتدفق من عينيه النفاذتين، ثم هذه التجاعيد المرسومة على وجهه الدقيق التي تلخص جهاده الطويل المرير في جمع شتات قومه ودعم استقلال دولته.

عامان مرا على ميلاد هذه الأمة الفتية؛ ففي 15 أغسطس سنة 1947 أشرقت الباكستان في الأفق الدولي دولة مستقلة ذات سيادة ولقد كانت الدعوة الدينية التي اضطلع بها القائد الأعظم عدته وعديدة في بناء صرح الباكستان وجعلها قوة ملحوظة الجانب مرهوبة الشأن.

ولقد ثارت العواصف حول هذه الدولة إبان قيامها، واكتنفتها الهزاهز تريدها على أن تحني الهام وتعود إلى الوحدة، فأبى لها جناح الخنوع والذلة قائلاً:(نحن نعلم المصير الأسود المهيأ لنا إذا اضطررنا يوماً إلى الركوع وطلب المغفرة والعودة إلى الوحدة؛ ولذلك وطدنا العزم على ألاّ نفعل مهما نقاسي ومهما نشقى. امنحونا سنتين ولن يستطيع أحد بعدئذ أن يرغمنا على الركوع)

ولقد صدق القائد الأعظم حين صدق الله وعده له، فها هي ذي دولة الباكستان تسير بخطى فسيحة متوثبة طموحة إلى أبعد الغايات وأسماها في الوطنية والقومية والاجتماع.

هيأ الله للباكستان من أمرها رشدا، وشد أزر رجالها العاملين ليؤدوا رسالة قائدهم الأعظم التي تركها أمانة في أعناقهم. وسيكتب الله للباكستان الظفر بحقوقها كاملة والغلبة على ما يعترضها من صعاب، لأنها شعب عميق الأيمان بشريعته السمحة، عظيم الثقة برب السماء.

وفقنا الله جميعاً لما فيه خير الإسلام والمسلمين.

إبراهيم دسوقي أباظة

ص: 2

‌من معجزات الإسلام في القرن الرابع عشر

‌الهجري:

بين مهاجري قفقاسيا الجنوبية

قالت السيدة: (هذه الأرض الطيبة فليباركها الله الرب لأهلها)

للأستاذ أحمد رمزي بك

إن القوة الإسلامية التي بعث بها الخليفة عثمان بن عفان وكانت من عرب الجزيرة وأهل الشام تحت قيادة حبيب بن مسلمة الفهري إلى أرض الشمال لازمها الحظ في الحروب حتى أخضعت ما وراء أرمينية ونفذت إلى بلاد القوقاز، ولما طلبت الإمداد جاء إليها جيش من عرب الكوفة عليهم سلمان بن ربيعه الباهلي وهو سلمان الخيل وكان ذلك المدد من المنمية عن طريق أذربيجان التي يتحدثون عنها اليوم.

وانضم الجيشان حتى أتوا إلى بلاد الكرج وجاء صاحب فتوح البلدان بكتاب الأمان الذي أهل تفليس وقال صاحب معجم البلدان إنها أي تفليس بقيت قروناً بيد المسلمين ثم خرجت من أيدهم ثم عادت فخضت لآل سلجوق ثم لأهل خوارزم وأخيراً لملك التتار ولا تزال بأيديهم.

فهذه البقعة من أراضي القوقاز بجبالها العالية ومروجها الخضراء وغاباتها وثلوجها ومياهها العذبة روتها دماء الفاتحين من المسلمين، وطالما سرحوا خيولهم فيها كما أنها استظلت بأعلام العروبة والإسلام في عهود الراشدين وبني أمية وبني العباس وفي يوم قريب من الأيام القادمة سنعثر حتما على بقايا الآثار الإسلامية وسنقرأ ويقرأ من يأتي بعدنا ما نقشه السلف على الأحجار تأكيداً لتلك الفتوح وإثباتاً بأن هذه الأرض لشعوب أسلمت ودخل أهلها في دين الله أفواجاً.

ومن حوادث القرن السابع الهجري أن الأمير بدر الدين الخازندار كان على ولاية يافا من قبل المصريين في عهد الملك الظاهر بيبرس وكان لا تشرد منه شاردة فأتاه الخبر بأن ملكاً من ملوك الكرج قد دخل عكا عن طريق البحر في زي الرهبان يقصد بيت المقدس للزيارة فبعث إليه وقبض عليه وسيره للسلطان بدمشق فأنزله ببرج من أبراج قلعتها حتى بعث

ص: 3

بنفرين إلى بلاده ليعرفهم بأمره حتى إذا تأكد السلطان من حقيقته أعاده معززاً مكرماً.

وكانت الصلات قائمة على أهل تفليس وبقية سكان من جهة جورجيا وبلاد المسلمين ومن جهة أخرى وأطلعني صديق لي على صور لبعض المساجد هناك وعلى المنائر وقد ظهرت بغير أهلة وقال الصديق هذا أن الناس يؤكدون أن زعيم روسيا من جورجيا والحقيقة أن والدته كرجية أما والده فهو من الشمال من إقليم (استويا) وهو الذي يطلق عليه الجبليون (قوشحا) وهذا الصديق من أهل هذا الإقليم ويقول إن غالبية (الأساتين) مسلمون ويغلب عليهم التشيع وأن والد الزعيم البلشفي كان مسلماً شيعيا وأمه كرجية مسيحية ولما مات أبوه أرادت أن تجعل منه قسيساً فأدخلته مدرسة دينية: فخرج منها يدعو إلى الثورة.

كنت في أواخر عام 1928 بمدينة استنبول بين القارتين أوربا وآسيا على ضفاف البوسفور ومرمرة حيث يلتقي البحران وكان قد مضى تسعة أعوام أو عشرة على إمضاء هدنة الحرب الأولى، ومر أكثر من ذلك على قيام الثورة الروسية الكبرى التي حررت الملايين من البشر في زعمها وسببت تشتيت الآلاف من الناس ففر المرء من مواطنه ومن أمه وأبيه والتمس الخلاص من الموت، فكانت استنبول أول مرحلة من مراحل الهجرة الطويلة التي بدأت عام 1918 ولم تنته بعد.

وكان المهاجرون يفضلون العاصمة التركية القديمة لا لأنها بقعة من أجمل بقاع الأرض فحسب بل لأن من بينهم من هم من أصحاب العقول أي الفكر ومن هم من أصحاب القلوب أي العاطفة، فالأوائل يفضلون مركزاً قريباً يرابضون فيه للمراقبة وتلمس الأخبار في بلادهم أما أصحاب العاطفة فهم الذين لا يصدقون بوقوع ما قد حدث ولا يسلمون بما قد رأته أعينهم ولمسته أيديهم، إذ ليست الثورة عندهم إلا كحلم من الأحلام، فمثلهم ممن طالت به الغربة كمثل أهل الكهف (إذ يتساءلون بينهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم) كذلك هم تمرَّ بهم الأيام والشهور والسنوات وهم في حلم دائم ينتظرون اليقظة لتأتي إليهم بالحقيقة أو هم يسرح بهم فيقولون:(سنفتح أعيننا يوماً لنعود إلى بلادنا وأعز شيء لدينا ولن نترك استنبول أبداً لأننا الطليعة الأولى التي ستترك أرض المهجر وتستأنف حياتها الأولى بأرض الوطن يوم يزول حكم البلاشفة وليأت من بعدنا من يشاء).

تلك كانت أمانيهم وهذه كانت آمالهم تقرأها مرسومة واضحة في عيون الفريق الأكبر من

ص: 4

مهاجري روسيا سواء من موسكو أو شبه جزيرة القريم أو بلاد القوقاز. رأيتهم وعاشرتهم وصادقتهم وأنست بهم في العاصمة القديمة للدولة العثمانية، كانوا من أجناس وأعمار مختلفة ولم يكونوا من طبقة أو فئة واحدة فنقول النبلاء مثلاً أو الرأسماليين أو التجار أو الصناع أي الذين أضرت بهم الثورة بل كان بينهم العمال والمزارعون والخدام، لم يكونوا من جنس واحد أو وطن واحد أو دين واحد بل كانوا يهوداً ونصارى ومسلمين كانوا شيعة وسنية: فهم مع اختلاف أديانهم وطبقاتهم وأجناسهم ومراتبهم يمثلون دنيا بأكملها لا وطناً واحداً بل يمثلون قارة من القارات.

وكانوا مع اختلافهم هذا وتباين مذاهبهم السياسية والفكرية تجمعهم عقيدة واحدة وأمل ثابت وفكرة راسخة: هي أنهم مهما طال بهم الزمن وأن تقطعت بهم الأسباب سيعودون يوماً ما إلى تلك الأرض الشرود التي ولدوا عليها ونشئوا بها، والتي ذهبت من بين أيديهم فصارت حلماً في أذهانهم يمثله الحنين الدائم والذكريات الخاثمة على صدورهم وخفقات القلوب لدى أي خبر يأتي من عزيز في بلاد لا طريق للوصول إليها.

وكانت الحكومة التركية قد أمضت مع الحكومة السوفيتية الروسية اتفاقاً للجنسية جعلت فيه نصاً بخول كلُّ مسلم من مسلمي روسيا يلجأ إلى الأراضي التركية الحق في اختيار الجنسية التركية وحرمت على اللاجئين من غير المسلمين هذا الاختيار فكان من نتيجة ذلك أن حصل المسلمون من المهاجرين على تبعية البلاد التي استوطنوها وتمتعوا بحقوق المواطن التركي بينما بقي آلاف غيرهم يحملون جوازات السفر التي أطلقوا عليها أسم (نانسن) والتي تجعلهم عرضة للنفي والتشريد في أي وقت - وبمرور الزمن تبين لفريق كبير من المهاجرين هذا النص فقالوا لأنفسهم إن كلُّ مهاجر من أصل روسي أو من الأجناس التي خضعت لروسيا ينشرح صدره للإسلام ويشهر اعتناقه له، يكتسب تواً الجنسية التركية ويصبح عالقاً بتلك الأرض الطيبة التي تفيض عسلاً ولبناً حيث المناظر الخلابة والمياه العذبة والطيور المغردة وحيث الحياة اللينة السهلة التي تعطي ما تشتهي، وأهم من كلُّ ذلك العيش في عالم قريب من الأرض التي نحن إليها - فلم لا تقدم على ذلك؟

وكان أن دخل عدد من المهاجرين في دين الله أفواجاً منهم اليهودي والارثوذكسي والحر

ص: 5

العقيدة، وفيهم التاجر والمالي والفنان، منهم من آمن بحق ومنهم آمن ظاهرياً وبقي على دينه الأصلي ولكنهم جميعاً تسموا بأسماء تركية وأخرى إسلامية وسجلوا ذلك على أنفسهم فأصبحت معاملاتهم وتصرفاتهم خاضعة لصفتهم الجديدة وشخصيتهم التي أخذوها وبهذا ضمنوا كإخوانهم المسلمين البقاء في تركيا والحصول على تبعية خاصة وتنازلوا عن أوراق (نانسن) وقواعدها ومضايقاتها وفي ذلك كله راحة كبرى واستقرار لهم.

ومن العائلات التي قذفت بها ثورة 1917 إلى الهجرة عائلة من أشراف مدينة تفليس تعرفت إليها بمدينة استنبول وارتبطت منها بروابط الصداقة والمودة الدائمة وكان تركها لموطنها الأصلي شاملاً أي كان بالخدم والاتباع صغاراً وكباراً وكانت إقامتها في مدينة استنبول ثم نقلت إلى ضاحية على الشاطئ الأسيوي. وكان منزل هذه الجماعة قطعة صغيرة من أراضي جورجيا الشهيدة يجمع كلُّ ما في الروح القوقازية من مرح وسرور وحيوية مع أدب جم وحساسية متناهية وعطف على الفقير وتواضع مع الناس بغير تبذل وكانت مظاهر الكرم والرغبة في إدخال السرور وإراحة على الضيوف من الأمور الثابتة الراسخة التي يقوم بها الصغير قبل الكبير أو الخادم عند غياب السيد، وتفليس ملتقى الشرق مع الغرب بل هي قطعة من هذا الشرق الأوسط ارتباطنا بها خلال القرون الماضية، لا يفصلنا عنا فاصل.

ومن منا لم يسمع بمدينة مراغه وعلمائها أو برذعة وما كان عليه في الماضي وهذه الأنهار المنحدرة من جبال قفقاسيا أو من جبال آسيا الصغرى يعرفها مؤرخو العرب ويتحدث عنها مؤلفوهم ويشاء القدر أن تلتقي الأنهر وتصب في بحر قزوين. فالصلات بيننا وبين تفليس كانت قائمة مستمرة ولم يقطعها إلا مجيء الروس في غفلة من الزمن وقطعهم لهذه البلاد وحرماننا منهم وحرمانهم منا. فالوصل حالة طبيعية والقطع الروسي حالة غير طبيعية: تتساءل إلى متى تدوم؟ ولذلك تشعر أنك لست غريباً عن هؤلاء القوم من أهل تفليس حيث تطل جبال قفقاسيا من الشمال وحيث تظهر في أحيائها المنابر وبقايا المساجد التي كانت يوماً ما عامرة.

لقد أنسنا بالأيام والليالي التي قضيناها مع القوم بل سعدنا بها وكان بالمنزل الذي يقع على شاطئ بحر مرمرة وكيل يدعى قاقتراتز نشأ أرثوذكسياً على مذهب كنيسة جورجيا وانتهى

ص: 6

به المطاف أن دخل وتسمى باسم تركي، وكان يعامل كأحد أفراد العائلة، لا يرد له طلب ولا يجنح بطبعه إلى شدة أو إلحاح؛ فهو جزء من البيت الذي اعتاد عليه في تفليس واستمر على العيش فيه بتركيا لا فارق بين الحالين سوى السنوات تمضي سراعاً.

كان محدثاً لبقاً له مكانه على المائدة الرئيسية: يشرب الأنخاب ويحضر لكل ضيف كلمة طيبة يلقيها بأسلوبه الخطابي مرحباً بالضيف هاتفاً باسمه ولا تنسى أن الموائد تبدأ من الثامنة ولا تنتهي إلا عند انتصاف الليل، كانت تمد بالردهة الكبرى شتاء، وفي الحديقة تحت ظلال الأشجار المطلة على البحر صيفاً، حيث تكشف وأنت جالس مناظر جزر الأمراء (برينكبو)، ومرت الأيام واعتدنا اللغة الكرجية وألفاظ التحية بها، وأعقب الصيف شتاء وجاءت السنوات تترى. وفي يوم أيام الصيف 1934 توفي هذا الرجل الذي أمضى حياته مع أهل هذا البيت الكريم.

وكانت السيدة الفاضلة تعرف قدر إيمانه وتمسكه، فأمرت بأن يؤتى بقسيس أرثوذكسي وأن يقيم مراسم الصلاة ليلاً، وأوقدت الشموع وسهر أهل البيت يرتلون الصلاة وينشدون ترانيم بلاد الكرج بلسان أوطانهم، حتى انتهى الأمر عند مطلع الفجر، وانصرف رجال الدين وقد نفحتهم بمبلغ لا يستهان به. وكان خروجهم من المنزل تحت جنح الظلام في قارب أعد لهم لينقلهم إلى المرسى المجاور حتى لا ينتبه لمقدمهم ومسيرهم أهل القرية.

وفي الصباح المبكر جاء مختار القرية ومعه الهيئة الاختيارية من أهل بوستنجي ومعهم الخطيب والإمام، وتسلموا جثمان الوكيل وتولوا غسله وتكفينه على سنة النبي وتعاليم الإسلام، وساروا به في جنازة محمولاً في نعش على الاعتناق، حتى أتوا المسجد فصلوا عليه المسلمين، وقاموا بدفنه في قبور المسلمين وانصرفوا بعد أن قدموا تعازيهم لأهل الفقيد والسيدة الفاضلة

وكانت السيدة على شيء كبير من مكارم الأخلاق، يغلب عليها الحياء وتخشى أن تجرح الناس في عواطفهم وأفكارهم، فاستعملت الحيلة مع القرية وإمامها، ووسطت من حادثهم برفق وتؤدة، وطلبت إليهم أن يعملوها عن رسوم الحكومة وتكاليف الجنازة، وما يطلبه أهل المسجد الذي أقيمت الصلاة فيه، وما تكلفته البلدية من ثمن للكفن والغسل ومكان للدفن فدهشت السيدة حينما تقدم كبير القرية وقرر أمامها: أن القرية لا تطلب شيئاً وأن الجماعة

ص: 7

من الرجال الذين حملوا النعش متطوعون وأن ما قام به إمام المسجد وخطيبه إنما هو واجب عليهم إزاء كلُّ مسلم، وأن هذا البلد ليرحب بأن يدفن في ثراه رجل نطق بالشهادتين وأتى إلى بلادهم لاجئاً فحباه الله بنور الإسلام والهداية.

ونظرت السيدة الفاضلة إلينا نحن معاشر المسلمين وقد أتمت حديثها، وقامت من مقعدها وأخذت حفنة من تراب الحديقة وقالت: هذه الأرض الطيبة فليباركها الله، لقد حمتنا بعد جور وأنقذتنا من ظلم، أما إن أر ما رأيت من أهل الإسلام وما بذلوه لغريب ليس منهم، فإني لولا قدم الأسم الذي أحمله لأعلنت اليوم إسلامي لأعلنت اليوم إسلامي ودخلت بينكم. إني أفهم لماذا لا تدخل الشيوعية بينكم. . . .

أحمد رمزي

ص: 8

‌جيوفاني بوكاشيو

للسيدة الفاضلة ماهرة النقشبندي

1313 -

1375

ولد جيوفاني بوكاشيو في باريس عام1313، كان والده في زيارة لتلك المدينة في مهمة تجارية. فقد أحب الوالد فتاة فرنسية تدعى (جان) وكان جيوفاني ثمرة هذا الحب الجامح، ولم يعرف من حنان هذه الأم أو ذكرياتها سوى بعض الحروف المتشابهة التي يحملها اسمه من اسمها، إذ عاد والده إلى فلورنسا بعد سنة من ولادته، وتزوج مباشرة بفتاة اسمها (مرغريتا) ولدت له ولداً شرعياً سماه (فرنسسكو). لقد كانت طفولة خالية من الحنان والرحمة والرعاية، فماتت في نفسه الغضة المعاني الإنسانية في الحياة لأنه لم يشعر بها، وهذا يفسر من ناحية نفسية قسوته الشديدة وتهكمه المرير وعبثه بالفضائل المعنوية التي يعلم أن البشر لا يعرفونها أبداً، في قصصه، وفي الأشخاص الذين تتصل بهم تلك القصص من قريب أو بعيد.

وقد قضى وقتاً غير يسير من طفولته في تسكانيا، ووقتاً في مسقط رأس والده، وحينماً في ضواحي فلورنسا، وخاصة في التلال حول فيزول، حيث كتب كتابه العظيم (دى كامرون) وأعماله الأدبية الأخرى. وأرسله أبوه إلى (نابولي) وهو لا يزال شاباً في الحادية والعشرين من عمره ليتعلم مهنة تكون عوناً له على حياته المقبلة. وهناك في تلك المدينة الساحرة، لقي صبيحة يوم السبت - المقدس في كنيسة القديس لورنزو - فياميتا الابنة غير الشرعية للملك روبرت ملك نابولي الملقب (بالعاقل)، فأحبها من النظرة الأولى حباً ملك عليه قلبه وحياته وجعله مسلوب اللب لا يعيش إلا لأجلها مدة اثنتي عشرة سنة، حتى ماتت عام 1348 في الوباء المعروف في التاريخ الأوربي بالموت الأسود.

كان حبه يشابه في شدته حب بتراك للورا، وقد أوحى إليه هذا الوله العنيف جميع أعماله الأدبية الأولى، ومن بينها أول قصة سيكولوجية في التاريخ سماها (فياميتا المحبوبة).

وظهر ميله الأدبي المبكر وهو في نابولي، فرأى والده أن يوافق على رغبته في تعلم القانون، وأن يترك ما كان فيه، ولكن إفلاس والده المالي، وعودته مضطراً إلى فلورنسا عام 1341، أعاده إلى الأدب وحال بينه وبين المضي في دراسة القانون.

ص: 9

وبدأ في نابولي آثار أدبية أتمها في فلورنسا منها (فيلوكولو) و (فيلوستراتو) و (تسيد)؛ وزاد تلك الآثار (اميتو) و (فياميتا) و (نتفال فينسالانو). وعاد بعد ذلك إلى نابولي. أما فياميتا، فقد كان قلبها يخفق بحب غيره حتى قبل مغادرته نابولي. والمعتقد أنها توفيت سنة 1348 في وباء الموت الأسود المروع الذي يعتبر نهاية العصور الوسيطة في التاريخ، فقد أهلك ثلاثة من كلُّ خمسة أشخاص في فلورنسا ونابولي ومختلف بقاع أوربا وإنجلترا، فكان موتها ضربة أليمة لقلبه المعذب. وقد خلدها في الفصل الأول الذي يفتتح به كتابه العظيم (دي كامرون) إذ يعترف أن هذا الحب هو الذي دفعه إلى كتابة هذا الأثر الخالد، وفي القصص التي كتبها سابقاً يعود إليها فصلا فصلا، فيشيع في جوها حب فياميتا واللوعة على فراقها والحنين إليها.

لقد كان حبه لفياميتا الأساس لجميع أعماله الأدبية، حتى رأى بترارك فنشأت بينهما مودة متبادلة كانت عوناً على تناسى بعض آلامه وعلى شفاه بعض الجراح العميقة التي سببها موتها.

لقد مات الحس المرهف في خياله، وخبا النور الذي كان يشرق على بصيرته في شمس الحب، فتلبد حسه، وتحجرت عواطفه، وانتهت أجمل فترة من فترات الإلهام، فكتب بعد (دي كامرون) كتابه (كاربا كشيو) وهو مجموعة من الهجاء المقذع ما رأته لغة من اللغات، صب جام غضبه فيه على الدنيا التي حرمته الحب وعذبته بقسوتها. . .

ثم هدأت الثورة قليلا في عواطفه، ومال من تلقاء نفسه وبتشجيع من صديقه بترارك إلى نوع من الاستقرار وتناسي الماضي، فأخذ يدرس الآداب اللاتينية والإغريقية، وكتب كتابه (تاريخ حياة دانتي) وأهدى نسخة من (الكوميديا الإلهية) إلى صديقه بترارك، وأهدى إليه بترارك في مقابل ذلك مجموعة خطية من إلياذة هوميروس.

لقد رأى بترارك للمرة الأولى في ربيع عام1351 في مدينة بادوا، حيث ذهب إليه يرحب به بإسم مدينة فلورنسا ليعود من منفاه. فشاهد حماسه الشديد للآداب الكلاسيكية أو الدراسات المقدسة، وعدم رضاه عن الأدب الإيطالي، وقد كان لذلك، لسوء الحظ الأثر الفعال في نفس بوكاشيو، فترك العناية بالأدب المعاصر، وقصر مجهوده الأدبي على دراسة آداب اللغة اللاتينية وكل ما يتصل بها.

ص: 10

لقد كان بوكاشيو أديبا أصيلاً، وفناناً مبدعاً، وفلته نادرة من فلتات الذكاء التي تراها الإنسانية في سيرها الطويل في فترات متباعدة جداً وفي أشخاص تخلقهم القدرة المبدعة لعمل يحمله الزمن إلى ذروة الخلود. لقد خلق في كتابه (دي كامرون) عالماً جميلا يموج بالحركة والإحساس العميق. فهو يجلس في عالم الخلود الأدبي إلى جانب دانتى وتشوسر وشكسبير. وقلما عرف التاريخ الأدبي فناناً مرهف الحس يجمع إلى فنه علماً غزيراً وجلداً على دراسات مضنية تتطلب صبراً جميلاً. ليس في مقدورنا أن نزعم أن بوكاشيو كان من هذا الطراز النادر، كما أنه ليس من الإنصاف أن نبخس مؤلفاته في اللغة اللاتينية حقها من التقدير، فقد كانت دائرة معارف الأدباء ومعجمهم في أوائل عصر النهضة، وهو وإن لم يبذل في تأليفها أكثر من مجموع الجمع والترتيب، كان بجلده الرائع وصبره وأناته الوحيد الذي حفظ للعالم قصائد للعالم قصائد هوميروس.

إن إيطاليا وأوربا مدينتان لبوكاشيو بحفظ آثار أعظم شاعر تفخر به الأجيال. . . لقد بذل بترارك مجهوداً في جمع تلك القصائد التي لم يكن في مقدور أحد في أوربا قراءتها في اللغة اليونانية، ولكن بوكاشيو هو الذي أخذ تلك القصائد وراح يراجعها كلمة كلمة ويعيد كتابتها مستعيناً بليون بلاتوس الذي كان يلفظ له حروف الكلمات اليونانية، وبذلك تمكن بوكاشيو من ترجمتها بأسرها إلى اللسان اللاتيني.

كانت حياته الخاصة سلسلة من الآلام والعذاب، ولم يكن يخفف من قسوتها عليه غير العطف الذي كان يغمره به بترارك وزيارته لأسرة هذا الصديق. كان معدماً ينغص عليه الحياة القاسية خوف وتشاؤم من الموت ومن المصير المجهول في العالم الأخر، ذلك الخوف الذي استطاع بترارك أن يخفف شيئاً من وقعة عليه ويهدي قليلا من سواد أفكاره. كان مهملا في زمانه لا يعرف أحداً. وأبتسم الحظ له في أخريات أيامه، فاختير لملء أول كرسي في جامعة فلورنسا أسس بإسم دانتي، وكأنما جاء تكريم دانتي في الوقت المناسب لتخفيف وطأة الفقر، وراح يحاضر عن (الكوميديا الإلهية) ويدافع عن شعر دانتي، ذلك الشعر الذي أحبه وتعصب له حتى مع صديقه بترارك. وألقي محاضرته الأولى في شهر تشرين الأول عام 1373، وكان في الستين من عمره، واستمر يحاضر حتى بلغ النشيد السابع عشر من الجحيم في الكوميديا الإلهية، فداهمه مرض شديد أقعده عن العمل، وبقي

ص: 11

يعاني سكرات الموت حتى اليوم الحادي والعشرين من شهر كانون الأول 1376، فأراحه الموت من عذاب الحياة بعد أن ذاق حسرة موت صديقه بترارك في صيف 1374.

لقد ذكرنا فيما مضى أن جميع ما كتبه بوكاشيو في اللغة الإيطالية كان من وحي فياميتا التي أحبها، ففي الصفحات الأولى من كتابه (دي كامرون) نرى أنه لم ينس حب تلك الفتاة بعد أن كتب عنها - أو متأثراً - ستة مؤلفات نثرية، فافتتح ذلك الكتاب العظيم بالإشارة إليها أن يذكر اسمها، وختمه بنفس الطريقة والأسلوب. إن جميع الأسماء التي قص على لسانها في كتابه مائة قصة في عشرة أيام خيالية محضة ما عدا اسمها (فياميتا). أما بوكاشيو، فإنك لا تجد له ظلا في تلك القصص المائة. إن العجب ليأخذ الناقد الحصيف وهو يرسل رأيه ويتأمل كتابه الخالد (دي كامرون) الذي يمثل نبوغه ومجونه وتسامحه الكثير ومحبته العميقة للإنسانية، إذ يجد على النقيض في مؤلفاته الأخرى التي كتبها باللغة الإيطالية الدارجة، لا يعبر كما عبرت عن حوادث حياته الخاصة، وآرائه في الحياة وحبه وكرهه وسخطه.

إننا نتلاقى مع بوكاشيو في هذا الكتاب مرة أو مرتين، ولكن في غير القصص التي يبدو غامضاً جداً في حوادثها وأشخاصها ورسم أهدافها.

إن تصميمه الفني لهذه القصص يدل على فن أصيل وعبقرية فذة وذكاء مفرط، استطاع أن يشيع فيها عالماً تضطرم فيه الحياة بكل ما فيها من أحزان ومسرات، وظواهر وأسرار. لقد نفذ بعبقريته الفذة إلى ما وراء مظاهر الأشياء، نفذ إلى أسرار النفس الإنسانية فصور أفراحها وأحزانها، صفحها وانتقامها، رحمتها وحقدها، كرمها وبخلها، تصويراً عميقاً شاملا، لم تشذ عنه النفس، ولم يتوار عنه ضمير؛ فكان بذلك (شكسبير) عظيم الأثر في عصره، وفي العصور التي حملها فجر الزمن من بعده، يقرأها المرء فيجد فيها وصفاً لما يضطرع بين جنبيه من ألم وعذاب، ومرح وسرور، في أي عصر كان، وهذا عمل العباقرة الخالدين!

إن كتاب ألف ليلة وليلة يتوارى خجلا أمام دي كامرون إذ وضعا في ميزان التقدير وتحت ضوء النقد. إن كتاب ألف ليلة وليلة لا يقوم في مجموعه إلا على ملك مستبد يقتل زوجاته لألم في نفسه من النساء، وعلى شهرزاد الفتاة الأريبة التي تقص عليه تلك القصص، ولا

ص: 12

تهدف إلى غاية غير استبعاد الكارثة وإطالة أمد المقاومة والتعلق بآمال الغيب، لعل المعجزة تتم فتنجو بحياتها، ولكن هذا القلق لا يلبث أن يتلاشى رويداً رويداً من نفسها بحكم ما تثيره قصصها من لذة في النفس الملك شهريار. أما دي كامرون، فتقوم حوادثه على ثلاثة من الفتيان وسبع من الفتيات ولواّ هاربين إلى سفوح تلال الفيزول من الموت الذي أباد مدناً بأسرها. . . يرون تلك القصص تناسياً للآلام وتوارياً خلقها من خيال الموت!

تعتبر مقدمة اليوم الأول من قطع الوصف الخالدة في الآداب الإنسانية عامة صور فيها مدينة فلورنسا في قبضة الوباء المهلك عام 1348 وقد أقفرت شوارعها من الحركة وتكدست الجثث هنا وهناك وقد فاحت منها الروائح المنكرة، تصويراً لا يلحقه فيه لا حق. . . صور ذلك الصمت الشامل الذي يغشى المدينة فلا يسمع فيها غير قهقهات خافتة من بقايا أجساد حطمت الكارثة كلُّ ما فيها من حس إنساني وشعور نبيل، وغير مجموعات أخرى تتحرك وفد خولطت عقولها وعبث بها الرعب فغدت كأشباح الموتى.

وفي صبيحة يوم من أيام الثلاثاء تلاقت في الصلاة سبع فتيات في كنيسة القديسة ماريا فلورنسا، فاقترحت عليهن كبراهن بامبينا أن يرافقنها إلى الريف هرباً من الموت، حيث يعشن في أحضان الطبيعة، في قصر ريفي لإحداهن عيشة الفضيلة والانقطاع عن الناس فلا تصل إليهن يد الموت وتشاء المصادفات أن يدخل الكنيسة في تلك اللحظة ثلاثة شبان يتصل أكبرهم ببامبينا بصلة القرابة، فاقترحت عليهم الانضمام إليهن فوافقوا مغتبطين.

وفي فجر اليوم التالي كانوا في طريقهم إلى ذلك الريف، فاستقر بهم النوى في قصر جميل وارته الأشجار وقامت على جوانبه الحدائق الوارفة. واقترحت بامبينا أيضاً أن يختاروا في كلُّ يوم رئيساً عليهم يكلون إليه أمرهم بحيث يكون كلُّ منهم مسؤولا بدوره. وتم انتخاب بامبينا في اليوم الأول فوضعوا على رأسها إكليلا من أغصان شجر الغار. وبعد غروب الشمس أخذوا طريقهم إلى حقل غطى العشب الأخضر أرضه. . . وهنالك جلسوا في دائرة وطلبت بامبينا ملكة ذلك اليوم أن يقص كلُّ واحد قصة في كلُّ يوم، وقد رأوا في اقتراحها طرافة فوافقوا عليه. . . وتلفتت بامبينا إلى بامفيلو الذي كان يجلس على يمينها وأمرته أن يبتدئ بقصة، وهكذا تأخذ هذه القصص طريقها إلى الوجود.

ص: 13

من هذا النوع من التصميم تنبع قص بوكاشيو في دي كامرون، وهي تشابه قصص ألف ليلة وليلة في بقاء القاصين في مكان واحد في حقل العشب الأخضر في تلال الفيزول، وفي غرفة الملك شهريار في بغداد. وهو جمود يضفي على قصص الكاتبين لوناً من الكسل والخمول. أما قصص كانتباري تشوسر فتتسم بالحركة والنشاط والحياة، فالحجاج الذين يقصون القصص لهم سمات الأحياء تميزهم وتتعرف شخصياتهم في سهوله ويسر.

والضعف الذي نلمسه في قصص دي كامرون حين نقارنها بقصص كانتاباى لا يتصل بالخطوط الرئيسية في بنائها وإنما يتصل في الأشخاص. فأشخاص قصص كانتباري يتحركون فيمثلون الحياة الاجتماعية الإنجليزية في القرن الرابع عشر، لكل منهم شخصيته مستقلة واضحة المعالم. أما أشخاص بوكاشيو فليس في المقدور تمييز الواحد عن الآخر. وليس هنالك فارق بين لورنا وفيلومينا، وربما حسبناهما ديونيو أو فيلستراتو. أما فيتاميتا أقوى أشخاصه فإننا لا نراها وإنما نستمع إليه يصف جمالها وذكرياتها ويقحمها في مجال القصص من وقت إلى آخر.

(البقية في العدد القادم)

ماهرة النقشبندي

ص: 14

‌على هامش (دراسات عن المقدمة):

رأي ابن خلدون عند الحصري

للأستاذ محمد سليم الرشدان

- 1 -

كتب الأستاذ أبو خلدون (ساطع الحصري بك) في العددين (819 و820) من الرسالة الزاهرة، بحثاً قيماً أورده جواباً على سؤال تقدم به إليه الأستاذ الكبير (صاحب الرسالة) وكأن مؤداه:(هل الشقاق طبع في العرب؟). وقد تطرق الأستاذ الحصري في جوابه إلى الحديث عن ابن خلدون وعن رأيه في العرب الذي جاء في مقدمة تاريخه. ثم تدرج من خلال ذلك إلى الحديث عن كتابه (دراسات عن مقدمة ابن خلدون) واستشهد من هذه الدراسات (نموذجين من البراهين المسرودة فيها). كان أحدهما من القسم الأول عن المقدمة، والثاني من القسم الأخير منها.

فأغراني حديث الأستاذ هناك أن أصطحب (دراساته) تلك، لأجعلها شغل فراغي في المصيف الذي جنحت إليه، فكانت خير مشغلة، وكانت نعم الرفيق. وهأنذا أتقدم بهذه الكلمة المتواضعة، تعليقاً على هامش تلك (الدراسات) فأقول:

لقد كان الوازع الذي حفز الأستاذ الحصري لإصدار هذا الكتاب - كما أحسست من دراسته - أنه معجب بابن خلدون إعجاباً جعله يتكنى باسمه، ولذلك يدافع عنه في رد هذا المأخذ الذي أخذه الناس عليه من رأيه (في العرب). ولقد حاول جهد طاقته أن يظهره بمظهر الحدب الشفيق، وأن يلبس أقواله زخرفاً يخضد معه كثيراً من هذه الأشواك التي يلمسها (ناتئة وخازة) كلُّ من ينصرف إلى دراسة آراء هذا المؤرخ الفاضل في الأمة العربية منذ أقدم أزمانها إلى أيامه.

وإنك لتجد الأستاذ الحصري في (دراساته) يبذل غاية الجهد في هذا السبيل. فهو لا يدع حجة تلوح له من قريب أو بعيد إلا ساقها فيستشهد بنص يورده كاتب فرنسي. كما يشير إلى آخر يورده كاتب تركي. ويقبل بعد هذا كلام المؤرخ يستقرئه حيناً، ويحمله فوق ما يحتمل أحايين. ثم لا يقف عند هذا الحد، بل يلجأ إلى كلام تواطأت عليه العامة، فيدور

ص: 15

حوله طويلاً حتى يكاد يبرزه بين معظم هذه السطور التي أعدها للدفاع عن ابن خلدون. وهاأنذا أسوق للقارئ الكريم طرفاً من دفاعه، وأظهر مبلغ تساوقه مع الحقيقة، مستشهداً - ما وسعني المقام - في استجلاء ما أشكل وأنبهم، بكلام المؤرخ نفسه كما أورده في مقدمته.

يقول الأستاذ الحصري عن كلمة العرب عند ابن خلدون ما يلي: (إن كلمة العرب في مقدمة ابن خلدون من الكلمات التي ولدت أغرب الالتباسات وأنتجت أسوأ النتائج. ذلك لأن ابن خلدون استعمل الكلمة المذكورة بمعنى البدو والأعراب، خلافاً للمعنى الذي نفهمه منها الآن، كما تبين من الدلائل والقرائن الكثيرة المنبثة في جميع أقسام المقدمة).

ويتحدث بعد هذا طويلاً عن دحضه أقوال لكثير ممن تحاملوا على ابن خلدون بسبب خطئهم في فهم ما يقصده من كلمة (العرب) ومن هؤلاء - على حد تعبيره - مدير المعارف العراقية الذي دعا إلى (حرق كتبه ونبش قبره باسم القومية، زاعماً أنه من الكافرين بالعروبة. . .).

ثم يورد بعد ذلك ما يذكره علماء اللغة في تعريف كلمتي (العرب والأعراب) فيعقب عليه بقوله: (يظهر من ذلك أن مدلول كلمة العرب تطور تطوراً كبيراً خلال أدوار التاريخ. ويمكننا أن نعين اتجاه هذا التطور بالصفات الثلاث التالية:

أولاً: كان مدلول كلمة العرب يختص بالبدو وحدهم.

ثانياً: صار يشمل هذا المدلول من يسكن المدن والأمصار من غير أن يقطع صلاته بالبادية. . .

ثالثاً: (وهنا موضع الشاهد) صار يشمل مدلول كلمة العرب سكنة الأمصار أيضاً، بقطع النظر عن صلاتهم بالبادية، أو رجوع نسبهم إلى البادية. . .).

وهكذا يحدد الحصري مدلول هذه الكلمة في صفات ثلاث تطورات - كما يقول - مع أدوار التاريخ. ودعني أيُها القارئ الكريم أوقف بك عند كلُّ واحد منهم، مبتدئاً - حسب الترتيب الذي سار عليه - بالأولى حيث يقول:(كان مدلول كلمة العرب يختص بالبدو وحدهم. .) و (كان) هذه تحتمل من الإمكان ما نعيدها معه إلى إبان صدر الإسلام وما قبله، حيث جعلها الأستاذ بداية التطور خلال أدوار التاريخ. ولو تسائلنا على ضوء هذا التحديد، عما إذا ورد في القرآن الكريم - وهو قاموس العربية - ما يؤيد قول الحصري! لألفينا

ص: 16

الجواب بأن القرآن الكريم لم يخصص كلمة (العرب) للبدو، وإنما خصص لهم غيرها حين يقول:(الأعراب أشد كفراً ونفاقاً. . .) و (وقالت الأعراب آمنا. . .). وهذا النبي صلوات الله عليه يقول: (ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى. . .) وما أظنه يقصد بالعربي (هنا) من كان مقيماً في البادية دون سواه! وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول يوم السقيفة: (نحن المهاجرون، أول الناس إسلاماً وأكرمهم أحساباً. . . وأكثر الناس ولادة في العرب. . .) وهو يقصد بالعرب أهل (مكة). وهي حاضرة الجزيرة يومذاك.

وبما أن الأستاذ الحصري لم يحدد زمناً يربط به تطور مدلول هذه الكلمة، فالاعتراض عليه لا يتجاوز حد الافتراض. ولذلك فإننا نقف بهذا الذي أوردناه إلى جانب أول وصف لمدلول هذه الكلمة عنده، ثم نترك للقارئ الكريم الحكم عليها. . وننتقل إلى الصفة الثانية فنجده يقول فيها:(صار يشمل هذا المدلول من يسكن المدن والأمصار من غير أن يقطع ِصلاتة بالبادية. .) ولا أظنه يقف ابن خلدون عند هذا التعريف. وإنه لو فعل ذلك لأقام الدليل بنفسه على بطلان ما يقوله في دفاعه عنه. ولأثبت عندئذ أن ابن خلدون إنما قصد أهل الأمصار من العرب بقوله، وهو عكس ما يريده ويبتغيه. . إذن فلم يبقِ أمامنا غير التعريف الثالث، وهو الذي يقول فيه: أن مدلول كلمة العرب (صار يشمل. . سكنة الأمصار بقطع النظر عن صلاتهم بالبادية. .) وفي هذا الوصف ثالثة الأثافي! فهو إن كان قد تطور خلال أدوار التاريخ، فلابد من أن يكون قد عاصر ابن خلدون أو تقدم عنه أو جاء بعده. فإن كانت الأولى أو الثانية، فقد جعل قوله حجة عليه، ولن تبقِ هنالك حاجة لإقامة برهان. وإن كانت الثالثة، فقد أنطق ابن خلدون بالغيب، وجعله يتحدث بلسان الزمن قبل أن يجيء. وهيهات أن يكون ذلك كذلك؟!

وإليك أيُها القارئ ما يجيبنا به الأستاذ على كلُّ ما تقدم حين بقول: (ومما تجب ملاحظته أن هذا التطور لم يكن تاماً ولا قاطعاً. . لأن الطور الأول لا يزال مستمراً في استعمال العوام. . فقد تعود الناس في جميع البلاد العربية استعمال كلمة (العرب) بمعنى البدوي والفلاح. . .).

ولا أدري كيف (تطور تطوراً كبيراً خلال أدوار التاريخ) ثم نجد تطوره بعد ذلك (لم يكن تاماً ولا قاطعاً)!! بل يستمر الطور الأول منه في استعمال العوام إلى يوم الناس هذا!! وإنه

ص: 17

ليلذ لي أن أتساءل في هذا المقام: لماذا لم يظهر مثل هذا الالتباس في مدلول كلمة العرب على أقلام المؤرخين ممن سبق ابن خلدون أو تأخر عنه؟! ولماذا لم يظهر كذلك في شعر الشعراء ممن تقدموه أو عاصروه، ما دام هذا هو مدلول الكلمة منذ طورها الأول الذي كان في بداية أدوار التاريخ؟!

ويورد الحصري بعد ذلك - تأييداً لابن خلدون - مثلاً شعبياً كثيراً ما تلوكه ألسنة العامة من أهل الحواضر، فيوردونه شاهداً على فساد ذوق البدوي، وهو قولهم:(الكل عند العرب صابون. . .) وأشهد لقد سمعته كثيراً ولكن بتحريف بسيط، فذكرني بـ (غير عزيز!)، وأعاد للنفس ذكريات مفزعة من الماضي الرهيب الذي توالى على الأمة العربية فصبرت عليه صبر الجبال. . . أجل لقد سمعت هذا القول كما سمعه الحصري فذكرني بشيء غاب عنه تذكره، ذكرني بذلك الاستعباد الطويل الذي تقلبت هذه الأمة بشتى مطارفه، يوم كان العربي في حاضرته يضطر - كارهاً أو مختاراً - أن يتشبه بذلك المتسلط القاهر فيحاكيه في عجمته، ويماثله في بزته. يوم كان العلج في عنجهيته يقف أمام هؤلاء الأعراب الذين يردون الحواضر، فيتأذى بصره المترف برؤية شقائهم البادي من فتوق أسمالهم، فلا يجد شيمته يحقرهم بها، فتوصل إلى قرارة نفسه الرضوان، أكثر من أن يردد على ملأ منهم قائلاً:(عرب! عرب!).

وإن كنت في ريب من ذلك فسل من شئت: هل عسيت إن شاكسك رجل من أهل هذه الدساكر حتى بلغ منك ما تكره ثم أردت أن تثار لنفسك منه، فهل رأيتك تغمغم بأكثر من أن تقول له:(فلاح! فلاح!) إلا أن هذه قرينة تلك، وكلتاهما مما خلفته لنا عصور الاستعباد الطويل، وتلقفناه عن أفواه أولئك المستعبدين، بعد أن يورد الأستاذ الحصري هذا الشاهد يعلق عليه طويلاً ويتحدث عن مبلغ تفشيه بين العامة في شتى الأقطار، وهذا أمر سلمنا له به، ولعل في ردنا عليه الكفاية، ثم ينتقل الاستشهاد بأقوال كبار المؤرخين والباحثين، ملتمساً في ذلك ما يقوله شاهداً على صواب ما يورد. وإنني أتناول واحداً من هذه الأقوال الكثيرة، فاتخذه شاهداً على عكس ما يقول، وأؤكد له أن (الثعالبي والفالي وابن السكيت وابن الأثير) وغيرهم ممن استشهد بهم، لم يخرجوا قيد أنملة عما تآلف عليه الناس منذ أقدم الأزمنة إلى اليوم. إنهم حين لا يفرقون بين باد وحاضر يقولون:(عرباً) وإذا ما أرادوا

ص: 18

أهل البادية دون سواهم قالوا: (أعرابياً) أو (بدوياً). وهذا نص يورده الأستاذ يؤيدني على ذلك، وهو قوله: (وأننا نجد في المثل السائر. . لابن الأثير. . ما يلي: (فإن قيل إن ذلك البدوي كان له طبعاً وخليقة. . . فالجواب على ذلك أني أقول: إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب بالطبع والفطرة فماذا نقول فيمن جاء بعدهم من مشاعر وخطيب.

أرأيت كيف يقفك عند قوله: (البدري) حين أراده قبل أن يهجر باديته، ثم يطلقها بعد ذلك حين لا يريد مثل هذا التحديد؟!

وليت شعري كيف يرتضي الأستاذ الحصري أن (يحصر) مثل العدد الوافر من كرام المؤرخين، وأن (يحصر) نفسه أيضاً في حدود هذه الدائرة الضيقة حين يؤكد أنهم أرادوا جميعاً بقولهم (العرب) أهل البادية فقط؟! وبماذا سموا إذن - الله أبوهم - أهل الحواضر من عرب الشام والحجاز ومصر والعراق والمغرب والأندلس؟! هل قالوا حاضري أم حضري أم كيف؟! لقد توقعت أن أجد للأستاذ قولا مثل هذا، فكنت أجد منه مولجاً للاعتراض، ولكنه لم يفعل بل ترك الأمر غامضاً ملتبسا! وأن الأستاذ الحصري بعد ذلك يتحدث عن ابن خلدون بما يؤكد (ما ذهبت إليه) غاية التأكيد. وذلك حين يقول:(لم يستعمل ابن خلدون في المقدمة كلمة (الأعراب) و (الأعراب)، إلا قليلا جداً. فإنه قد استعمل كلمة (العرب) أو (العربي) في نحو (330) موضعاً، في حين أنه لم يستعمل كلمة (الأعراب والأعرابي) إلا في بضعة مواضع. . .)

هو ذاك! لأن الرجل أراد أن يسير على نهج زمانه، وهو منهج كلُّ زمان من أزمان العربية، لذلك يطلق كلمته العرب على كلُّ عربي من غير ما تخصيص، ويخص أهل البادية - حين يريد أن يميزهم عن سواهم - بقوله:(الأعراب). وهذا القرآن الكريم - وكان وما يزال (قراناً عربياً غير ذي عوج) - وقف عند هذا التحديد بعينه، وسار الناس بعد ذلك على منهاجه.

و (أرى) أبن خلدون ما تجاوز ذلك إلى سواه. .

ويأخذ الأستاذ الحصري بعد هذا ي اقتباس الشواهد من المقدمة، للتدليل على ما ذهب إليه، فيقول:(لنبدأ من الفصل الذي يتضمن أقسى الأحكام وأعنف الحملات على (العرب). فلنلاحظ الفصل الذي يقول فيه ابن خلدون: (أن العرب إذا ما تغلبوا على أوطان أسرع

ص: 19

إليها الخراب)، ولننعم النظر في الأدلة التي يذكرها لتعليل وتأييد رأيه هذا:(فغاية الأحوال العادية كلها عندهم الرحلة والتغلب. . . فالحجر مثلاً إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافي للقدر، فينقلونه من المباني ويخرجونها عليه. . . والخشب أيضاً إنما حاجتهم إليه ليعمروا به خيامهم. . .) ومن البديهي أن مدار البحث هنا لا يتعدى البدو الذين يعيشون تحت الخيام، فلا مجال للشك في أن ابن خلدون عندما كتب هذه العبارات لم يفكر قط بأهل دمشق أو القاهرة. . . بل إنما قصد أعراب البادية وحدهم. . .).

والذي أقوله، ويقوله ذلك الفصل بعينه، يغاير ما أورده الأستاذ الحصري، ويؤكد أن ابن خلدون أراد البدو وغير البدو، وأقول بتعبير آخر: إنه أراد للعرب على اختلاف مشاربهم. وتبين ذلك من قوله الذي يكمل به ذلك الفصل بعينه. فهو يقول بعد الكلام الذي استشهد به الحصري (مباشرة) ما يلي: (فهم متنافسون في الرئاسة، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام، فيفسد العمران وينتقض، وأنظر إلى ما ملكوه وتغلبوا عليه من الأوطان، كيف تقوض عمرانه وأقفر ساكنه، فاليمن قراهم خراب، وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع، والشام لهذا العهد كذلك وأفريقية والمغرب). فهل نتبين من ذلك كله أنهم البدو فقط؟! وإذا كان الذين عمروا اليمن والشام والعراق وأفريقية والمغرب هم (البدو)، فمن هم (العرب) إذن؟! ثم يخطو الأستاذ الحصري بعد ذلك خطوة لا تخلو من تعسف، وهي أنه يصدر بحكم مبرم مؤداه أن ابن خلدون لم يقصد بقوله (العرب) في سائر فصول المقدمة غير (البدو)، ولم يتجاوز ذلك إلى غيره قط. فيورد هذا بأن يقول:(إن ابن خلدون لم يستعمل كلمة (العرب) بمعنى البدو في فصول الباب التي ذكرتها فحسب، بل استعملها على نفس المنوال في فصول الأبواب الأخرى أيضاً).

وهكذا يجعلنا الأستاذ في حل، لنلتمس ما يناقض دفاعه (في سائر الفصول)، بعد أن أكد - كما رأيت - أن ابن خلدون لم يقصد بقوله (العرب) في سائر الفصول سوى البدو وليس غير! ويستشهد بعد هذا ببعض كلام ابن خلدون مقدماً له بما يأتي:(يوجد في الباب الرابع أيضاً فصل خاص بالعرب، وهو الفصل الذي يقرر: (أن المباني التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب إلا في الأقل). ثم يأتي على ذكر ما قاله ابن خلدون عن العرب في هذا

ص: 20

الباب فيقول: (والعرب إنما يراعون مراعي إبلهم خاصة، ولا يبالون بالماء طلب أو خبث. . . ولا يسألون عن زكاء المزارع والمنابث والأهوية، لأن الرياح إنما تخبث مع القرار والسكنى وكثرة الفضلات).

ويعلق على ما سلف بما يلي: (يظهر من ذلك بكل وضوح أن العرب المقصودين في هذا الفصل هم البدو الذين يعيشون في القفار ولا يوجد في هذا الفصل كلمة واحدة تنطبق على أهل الأمصار).

وفي هذا المقام أيضاً استشهد من الفصل عينه، مؤكداً أن في هذا الفصل أكثر من (كلمة واحدة) تنطبق على العرب الأولين الذين خرجوا من الحجاز واليمن، من مكة والمدينة والطائف وصنعاء وظفار وغيرها (وهي أمصار كلها!) بل خرجوا جميعاً من مدرسة محمد (ص) بعد أن قذف في قلوبهم هذا الإيمان الراسخ، فإذا هم يعلمون الحضارة لأهل الحضارة.

أجل، تنطبق على هؤلاء بعينهم، ويتضح ذلك مباشرة بعد آخر كلمة يوردها الأستاذ الحصري في النص الذي استشهد به من كلام ابن خلدون، وذلك حين يقول:(وأنظر لما اختطفوا الكوفة والبصرة والقيروان، فقد كانت مواطنها غير طبيعية للقرار، ولم تكن في وسط الأمم فيعمرها الناس).

ألا ترى - يا أخي القارئ - صدق ما أشرت إليه من خلال هذا النص الذي (بُتر) أوله ليؤدي معنى غير معناه الذي أراده له صاحبه؟! وهل اختط الكوفة والبصرة والقيروان إلا رجال أفذاذ من أقران (عمر ومعاوية وابن العاص) وغيرهم ممن ساسوا البدو والحضر فأحكموا السياسة؟!

ثم يتدرج الأستاذ الحصري بعد كلام طويل إلى قوله: (ومما يزيد الأمر وضوحاً وقطيعة أن ابن خلدون يعود إلى هذه القضية (أي أن العرب بمعنى البدو) في بحث العلوم أيضاً، إذ يقول بعد أن يشبه العلوم بالصنائع:(وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر، وأن العرب أبعد الناس عنها، وصارت العلوم لذلك حضرية، وبعد العرب عنها وعن سوقها). . . يلاحظ أن ابن خلدون يذكر هنا كلمة (العرب) مرتين مقابلا لكلمة (الحضر) بشكل لا يترك مجالا للشك في أنه يقصد منها (البدو).

ص: 21

والذي أقوله: إن كلام ابن خلدون لا يدع مجالا للشك فيما يقصد. ويوضح لنا كلمات تلي (ما استشهد به الأستاذ الحصري) ما يقصده من الكلمتين (العرب والحضر). وهأنذا أورد قوله ليتضح وجه الصواب: (والحضر لذلك العهد هم العجم أو من هم في معناهم من الموالي الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف).

أرأيت كيف كان يقصد بقوله (الحضر) غير العرب، وأن العرب لديه هم العرب سواء سكنوا البادية أم الحاضرة؟!

ولما كان المقام لا يتسع لمناقشة جميع الشواهد التي أوردها الأستاذ الحصري من كلام ابن خلدون، لذلك أكتفي بهذا المقدار الذي أوردته منها، ملمحاً إلى أن جميع ما جاء في هذا الصدد لا يعدو ما ذكرته في مكانته من الحقيقة. وحسبك - في كشف الغطاء عنه - أن تواصل قراءة تلك النصوص في المقدمة عينها لينطق لك ذلك الكلام (المبتور) بأن ابن خلدون إنما عني بقوله (العرب)، العرب الذين يعرفهم الناس منذ خلق الله العرب في الناس!

وأما الكاتب الفرنسي الذي أشرت إليه في بداية هذه الكلمة وقلت إن الأستاذ الحصري استشهد به، فهو الأستاذ (العرباني) البارون (دوسلان)، وقد ترجم مقدمة ابن خلدون إلى الفرنسية قبل ثمانين عاماً، وقال فيها عن مدلول كلمته العرب عند ابن خلدون عند ابن خلدون ما يلي:

وترجمة ذلك: (أن عرب ابن خلدون هم الأعراب. .). كما أن الكاتب التركي الذي أشار إليه الأستاذ الحصري هو المؤرخ (جودت باشا). وقد ترجم كلمة عرب - كما يقول الأستاذ في (دراساته) اعتماداً على ما فهم من كلام ابن خلدون، فأثبتها:(في مواضع كثيرة على شكل (قبائل عرب). .).

ومن هنا (أكاد) أجزم بأن الأستاذ الحصري إنما جاءنا بهذا الرأي الجديد نقلاً عن هذين الكاتبين. وإنني لا أجد تعليلاً (لوهمهما) هذا إلا أنهما أبصرا في بعض المواضع اقتران كلمة العرب بالإبل والخيام فحسبما أن عرب ابن خلدون ليسوا سوى أهل البادية من الأعراب. غير أن الحقيقة التي لا تغيب عن باحث هي أن ابن خلدون لم يكن يدقق في

ص: 22

التمييز بين أهل البادية وأهل الحاضرة من العرب، فكان يسميهم جميعاً (عرباً) على أنه كان يستعمل كلمة (الأعراب) أو (البدو) حين يريد أن يحصر مدلول كلامه في حدود معينة. وهذه الحقيقة مشاهدة في مقدمته، وظهورها أعم وأبين في دراسات الأستاذ الحصري عن ابن خلدون، وذلك حين يحصى عدد ما أورد ابن خلدون من كلا التعبيرين فيقول أنه ذكر العرب (كذا) مرة، وذكر الأعراب (كذا) مرة. وقد ذكر ذلك وعلقت عليه في خلال ما أسلفت.

(البقية في العدد القادم)

محمد سليم الرشدان

ماجستير في الآداب واللغات السامية

ص: 23

‌من ظرفاء العصر العباسي

أبو دلامة

توفي سنة 161 هـ

للأستاذ صبحي إبراهيم الصالح

- 5 -

ونلاحظ أن أبا دلامة لم يكن يصله - غالباً - شيء من المال إلا بنادرة كما رأينا في قصة الوصيف، أو بحيلة كما سنرى الآن في قصته مع العباس بن محمد - عم المهدي - الذي كان من أبخل الناس:

دخل أبو لامة يوماً على المهدي، فحادثه ساعة وهو يضحك وقال له: هل بقي أحد من أهلي لم يصلك؟ قال: إن أمنيتي أخبرتك، وإن أعفيتني فهو أحب إليَّ. قال: بل تخبرني وأنت آمن. قال: كلهم قد وصلني إلا حاتم بن العباس. قال ومن هو؟ قال: عمك العباس بن محمد. فالتفت إلى خادم على رأسه وقال: جَأُ عُنق العاض بظر أمه. فلما دنا منه صاح به أبو دلامة: تنحَّ يا عبد السوْء لا تحنثْ يمين مولاك وتنكث عهده وأمانه. فضحك المهدي وأمر الخادم فتنحى عنه، ثم قال لأبي دلامة: ويلك! والله عمى أبخل الناس. فقال أبو دلامة: بل هو أسخى الناس. فقال له المهدي: والله لو مت ما أعطاك شيئاً. قال: فإن أنا أتيته فأجارني؟ قال: لك بكل درهم تأخذه منه ثلاثة دراهم. فانصرف أبو دلامة فحبر للعباس قصيدة ثم غدا بها عليه وأنشده:

قف بالديار وأيَّ الدهر لم تقفِ

على المنازل بين الظهر والنجف

وما وقوفك في أطلال منزلة

لولا الذي استدرجتْ من قلبك الكلف

إن كنت أصبحت مشغوفاً بساكنها

فلا وربك لا تشفيك من شغف

دَع ذا وقُل في الذي قد فاز من مُضر

بالمكرمات وعز غير مقترَف

هذي رسالة شيخ من بني أسد

يهدي السلام إلى العباس في الصحف

تخطها من جواري المصر كاتبةً

قد طالما ضربت في اللام والألف

وطالما اختلفت صيفاً وشاتيةً

إلى معلمها باللوح والكتِف

ص: 24

حتى إذا نهد الثديان وامتلأا

منها وخيفت على الإسراف والقرف

صينت ثلاث سنين ما ترى أحداً

كما يصون تجارٌ درة الصدف

فبينما الشيخ يهدي نحو مجلسه

مبادراً لصلاة الصبح بالسدف

حانت له لمحة منها منها فابصرها

مطلة بين سجفيها من الغرَف

فخر والله ما يدري غداتئذ

أخر منكشفاً أم غير منكشف

وجاءه الناس أفواجاً بمائهمُ

ليغسلوا الرجل المغشى بالنُّطف

ووسوسوا بقُران في مسامعه

مخافة الجن والإنسان لم يخف

شيئاً ولكنه من حب جارية

أمسى وأصبح موقوفاً على التلف

قالوا: لك الويل ما أبصرت؟ قلت لهم

تطلعتْ من أعالي القصر ذي الشِرَف

فقلتُ - أيكمُ والله يأجرُه -

يعين قوته فيها على ضَعف

فقام شيخ بهيٌّ من رجالهمُ

قد طالما خدع الأقوام بالحِلف

فابتاعها لي بألفي درهم فأني

بها إليَّ فألقاها على كتفي

فبتُّ ألثمها طوراً وألزمها

طوراً واصنع بعض الشيء في اللحف

فبين ذاك كذا إذا جاء صاحبها

يبغي الدراهم بالميزان ذي الكفف

وذكرَ حق على زند وصاحبه

والحق في طرف والطين في طرف

وبين ذاك شهود لا يضرُّهمُ

أكنت معترفاً أم غير معترف

فإن يكن منك شيء فهو حقهمُ

أوْ لا فإني مدفوع إلى التلف

فضحك العباس وقال: ويحك أصادق أنت؟ قال نعم والله. قال: يا غلام أدفع إليه ألفي درهم ثمنها. فأخذها ثم دخل على المهدي فأخبره ثم دخل على المهدي فأخبره القصة وما احتال له به. فأمر له المهدي بستة آلاف درهم وقال له المهدي كيف لا يضرهم ذلك؟ قال: لأني مُعدم لا شيء عندي. وفي رواية: إن العباس بن محمد قال له: شاركني في هذه الجارية يا أبا دلامة. قال: أفعلُ ولكن على شريطة. قال: وما هي؟ قال: الشركة لا تكون إلا مفاوضة فاشتر معها أخرى، ليبعث كلُّ منا إلى صاحبه ما عنده، ويأخذ الأخرى مكانها ليلةً وليلة. فقال له العباس: قبحك الله وقبح ما جئت به! خذ الدراهم لا بارك الله لك فيها وانصرف.

وإنما أوردنا هذه القصة بتمامها لكيلا نمسخها إذا اختصرناها فتفقدها كثيراً من جمالها:

ص: 25

ولعلك تذكر أننا استشهدنا بها على وصول أبي دلامة إلى المال بأسلوب الاحتيال، ولاسيما مع البخلاء من الناس.

والواقع أنه كان لا ينجو من تنادر أبي دلامة وهجائه إلا من أعطاه فأجزل عطيته. وإنه ليكون المرء أبغض الناس إلى قلبه، فإن هو وصله بشيء أضحى أحبهم إليه. وكان الناس يفرون من هجاء أبي دلامة فرارهم من تنادره بهم، فإذا تجرأ أحدهم على النيل منه أو ذمه عرف كيف يسلقه بلسانه الحاد.

دخل أبو دلامة على المهدي وعنده مُحرز ومقاتل أبنا ذؤال يعاتبانه على تقريبه أبا دلامة ويعيبانه عنده. فقال أبو دلامة:

ألا أيها المهدي هل أنت مخبري

وإن أنت لم تفعل فهل أنت سائلي؟

ألم ترحم اللَّحْييْن من لحيتيهما

وكلتاهما في طولها غيرُ طائل؟

وإن أنت لم تفعل فهل أنت مكرمي

بحَلْقهما من محرزٍ ومقاتل؟

فإن يأذن المهدي لي فيهما أقُلْ

مقالاً كوقع السيف بين المفاصل

وإلا ندْعني والهموم تنوبني

وقلبي من العلجين جمُّ البلابل

فلم يدعه الخليفة للهموم تنويه، وإنما ساعده على العلجين فقال له يتمتم أسئلته: أو آخذ لك منهما عشرة آلاف درهم يفديان بهما أعراضهما منك؟ قال ذلك إلى أمير المؤمنين. فأخذها له منهما وأمسك عنهما.

فلا يُرضى المهديَّ إذا أن يسمع من أحد تجريحاً بشخص أبي دلامة لأنه واجدٌ فيه أنسه ومرحه، وقابلٌ إياه على ما فيه من عيب ومنقصة. . . ولا يرضى أبا دلامة ويُسكتُ لسانه السليط إلا المالُ يُعطاه وفيراً!

وكما يهجو أبو دلامة مخلوقاً أملاً في الوصول إلى بعض ماله، تراه يمدح آخر للغرض ذاته. وقد ينتظر مطلوبه من سواه كما حدث يوم دخل أبو دلامة على المهدي وعنده شاعر ينشده. فقال له: ما ترى فيه؟ قال: إنه قد جهد نفسه لك فاجهد نفسك له فقال المهدي: وأبيك إنها لكلمة عذراء منك أحسبك تعرفه! قال لا والله ما عرفته ولا قلت أنا إلا حقاً. فأمر للشاعر بجائزة، ولأبي دلامة بمثلها لحسن محضره.

ولقد صدق أبو دلامة، فما كان إطراؤه للشاعر عن معرفة سابقة به أو بعد وقوف على

ص: 26

شيء من شعره - وإنما هي كلمة تعجب المهدي وتسر قلبه، وهي - بعد ذلك - وسيلة هينة للوصول إلى شيء من المال الذي يجزى به الخليفة من كان لبقاً حديثهُ، حاضرة بهديته، سديداً جوابه.

وكما درس أبو دلامة نفسية المنصور فاستطاع أن يأخذ منه الجوائز السنية - على بخله - عرف كيف المهدي حق فهمه لكي ينال منه - في مختلف المناسبات - أكثر مما يحلم به. وتجده لذلك يحرص على إضحاك الخليفة الذي تفيض يداه كلما نهلل وجهه: خرج المهدي وعلى بن سليمان إلى الصيد، فسنح لهما قطيع من ظبياً، فأرسلت الكلاب وأجريت الخيل، فرمى المهديُّ ظبياً بسهم فصرعه، ورمى على بن سلمان فأصاب بعض الكلاب فقتله. فقال أبو دلامة:

قد رمى المهدي ظبياً

شك بالسهم فؤادَهْ

وعلى بن سليما

ن رمى كلباً فصاده

فهنيئاً لهما، كل ام

رئ يأكل زاده!

فضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه، وقال: صدق والله أبو دلامة، وأمر له بجائزة سنية. ويقال: إن علي بن سلمان لقب منذ ذلك اليوم (صائد الكلب) وعلق به.

وما دام الخليفة يملأ عين أبي عين أبي دلامة ويشبع بطنه ويعطيه من المال ما يجعله مغموراً بفضله، فما على الظريف إلا الإخلاص في طاعته، والصدق في محبته، وإدخال السرور عليه ولو لم ينتظر منه شيئاً، لأن فضله سابق عليه: لذلك كان أبو دلامة ينتهز الفرصة ليثبت أن تقريب الخليفة له مصيب موضعه، فهو الذي يتنفس عنه كربة، ويسرى عنه غمه، ولو كان هو نفسه مغموماً.

مر أبو دلامة بنخاس يبيع الرقيق، فرأى عنده منهنَّ من كلُّ شئ حسن، فانصرف مهموماَ، فدخل على المهدي فأنشده:

إن كنت تبغي العيش حلواً صافياً

فالشعرَ أعزبْه وكن نخاساً

تَنَل الطرائف من ظراف نهَّدٍ

يحدثن كلُّ عيشةٍ أعراساً

والربح فيما بين ذلك راهنُ

سمحاً ببيعك كنت أو مكاسا

دارت على الشعراء حرفة نوبة

فتجرعوا من بعد كأس كاسا

ص: 27

وتسربلوا قُمص الكساء فحاولوا

بالنخس كسباً يذهب الإفلاسا

فجعل المهدي يضحك منه.

وليضحك الخليفة ما شاء فما عليه أبو دلامة هذه القصة ولا نظم ذاك الشعر إلا ليضحكه ويسري عنه، ويحيطه بجو مشبع بالأنس والسرور!

(يتبع)

صبحي إبراهيم الصالح

ص: 28

‌قلب يتحدث. . . على أي شيء؟!

الأستاذ محمد رجب البيومي

تبأطأت عني بعد طولِ تسرعٍ

على أي شئٍ كلُّ هذا التمنعِ

تصنعت هجراً فاستحال طبيعةً

فيالك طبعاً قد أنى من تصنع

يخادعني شوقي فأحسب أنني

أراك تُناجيني بمرأى ومسمع

أحاديث يحْسوها الفؤاد كأنما

تعاطي بها كأس الرحيق المشعشع

ويدهشني أني أرى كلُّ ليلةٍ

خيالَك عندي لا يبارح مضجعي

تذكرت ما قد كان بالأمس بيننا

من الود فانهلت على الفور أدمعي

عيشة تلقاني ببشر كأنما

نزلت بروض ضاحك الزهر مونع

أراك على بُعد فأقفز عاجلا

إليك وقلبي خافق بين أضلعي

تجاورني جنباً لجنب كأنما

أتيتَ إلى الدنيا لتبقي بها معي

وكُنا إذا نمشي يقولون أخوةُ

تغذّوْا معاً في المهد من ثدي مرضع

فكيف غدا روض الصداقة بلقعاً

تصيح به الغربان في كل موضع

أمرَّ على ناديك كلُّ عشية

وبي غلّة إن أقتربْ منك تنقع

أحدث نفسي أن أجيئك زائرا

وأحذر ما عودتني من ترفّع

فأرجع حران الجوانح صاديا

وقد كنت من عيني على قيد إصبع

أنقل خطوتي فوق شوك من الأس - ى كأني أمشي إذا أسير لمصرعي

ويرهقني التفكير فيك فانثنى

إلى مكتبي كالخائر المتصدع

تمر فلا تلقي على تحية ً!!

وتلك التي تدمي فؤادي بمبضع

وتقُرئ أعدائي السلام ودونهم

مهامه أعيتْ ناظر المتطلع

فيا ليت شعري هل توهمت أنني

أمامك تمثال من الصخر لا يعي

ويا ليت أني حين أخجلت موقفي

تسترتُ - حتى لا تراني - ببرقع

أتعرض عمن كان ظلا مجاورا

فأين تسرْ في رقعة الأرض يتبع

هنيئاً لأرباب الوشاية بيننا قد حققوا في أمرنا كل مطمع

أطأطأ رأسي إنْ قدمت تزلفا

وإن كان في جنبيَّ مهجة أروع

ص: 29

وفاء بعهد قد تغيب في الثرى

وشيعته عمداً ولما أشيع

إذا هاج بي وجدي أقول لعلها

سحابة صيف آذنت بتقشع

ولكن أرى الجو الرحيب ملبدا

بغيمٍ متى يشخص لعيني تهمع

تمر الليالي وهو اللقب راسخ

رسوخ الأسى في قلبي المتوجع

تهيج بي الذكرى فأطرق جازعاً

ومن يدَّ كر عهد الصداقة يجزع

وأخفض للغبراء رأسي كأنما

أقول لها: إني أمامك فْابلعي

فيا كبدي صبراً جميلاً على النوى

ويا مهجتي بالله لا تتقطعي

ويا من نآى عني بغير جريرة

ولم يُبق غير النار تلهب أضلعي

نصحتك بالحسنى وأنت مخير

فدونك فافعل ما بدا لك واصنع

فإن تغترب عني إلى غير رجعة

فبين يدي السم فْلأَ تجرع

(الكفر الجديد)

محمد رجب البيومي

ص: 30

‌وداع.

. .

عن الإنجليزية للشاعر (كوفنتري باتمور)

ترجمة الآنسة (ن. ظ. ع)

رغم إحساسي وطوع ال

عقل لبيت الوداعْ

قد بدا الآتي وما لي

من عزاء في الصراع

رغم إعيائي سأمضي

في خطاي الواهيهْ

لست أدري كيف أخطو

من دموعي الهاميه

وجهتي للغرب هيا

أنت نحو المشرقِ

لهف نفسي كيف أنَّا

بعد هذا نلتقي

حين يخبو حزننا الغا

لي ويتلو الهجوع

حين تجلو عن مآقي

نا غمامات الدموعْ

سوف نلقي الليل مزدا

ناً بأسراب النجومْ

والأماني عاودتنا

بعد إعصار الهموم

رغم ما تبدين من صد

قٍ وأبدى من إباء

وارتحالي في طريق

لا يؤدي للقاء

نلتقي وجهاً لوجه

في ذهول قاهر

لست أدري كيف سرنا

في طريق دائر

بعد ذاك النأي والتجو

ال في وادي الشقاء

سوف نحيي ما حيينا

ذكر هذا لالتقاء

ق. ط. ع.

ص: 31

‌الأدب والفن في أسبوع

للأستاذ عباس خضر

واقعة حال مع المازني:

وقعت هذه الواقعة من نحو ثلاثة عشر عاماً، وكنت طالباً في مطلع الشباب. كان الأستاذ كامل كيلاني قد أصدر كتاب (أساطير ألف يوم) فكتب الأستاذ المازني نقداً له في جريدة (البلاغ) وكنت د قرأت الكتاب فسررت من قصصه وأعجبني أسلوب المؤلف في سياقتها. فلما قرأت نقد المازني له بدت لي أوجه في الرد عليه، فكتبتها وبعث بالرد إلى (البلاغ) فنشرته ونشرت معه تعقيب المازني عليه. وقد ساءني من التعقيب أنه لم يتضمن تفنيد شئ مما أوردته في الرد، ولو أنه سفه كلامي وبين فيه وجه فساد أو قال مثلا إنه يدل على عدم الفهم أو نحو ذلك، لكان الأمر أهون عليَّ مما وقع. . .

ذلك أنه ألمع إلى أن للأستاذ كامل كيلاني يداً في الرد إن لم يكن كاتبه، وزاد على هذا أن ذلك مما يزهده في نقد الكتب وأنه سيمسك عن هذا النقد. . .

كدت أجن من ذلك، وامتلأت نفسي سخطاً على المازني، فكتب رداً على ذلك التعقيب ناقشه فيه مناقشة عنفت فيها، ومما قلته إنه لا ينبغي أن يكتب ما يكتب ثم يعتصم مني في (قلعة التقديس) وأذكر أن كلمتي تضمنت هذا اللفظ بعينه، وتوجهت إلى دار البلاغ، وقصدت إلى مكتب المازني حيث ألقيته، فدفعت إليه الرد وأنا أنظر إليه نظرة معناها: هأنذا فهل تريد أن تعرف أني صاحب الرد الأول؟

وتناول المازني ردي وألقى عليه نظرة خاطفة، ولم يرد على أن قال:(طيب حاضر) فسلمت بالإشارة منصرفاً كما فعلت مقبلا. ورضيت نفسي بأن أبلغته الرد، وقلت يستوي بعد ذلك أن ينشره أولا ينشره، المهم أني جابهته بما أريد.

وفي اليوم التالي رأيت كلمتي منشورة في البلاغ بحذافيرها وفيها ما فيها من عبارات القاسية الموجهة إلى فقيدنا اليوم.

اغتبطت بنشر الرد، ولكن خاطراً قلل من قيمة هذا الاغتباط في نفسي: أيكون الرجل قد استهان بي وأراد أن يدلل على أنه لا يحفل بمثلي مهما كتب؟ ولكن ألا يكون ذلك من قبيل الإفساح لحرية الرأي؟ ترددت بين هذا وذاك، ولكن الأمر المحقق الذي لا شك فيه أني

ص: 32

أكبرت المازني منذ ذلك الحين وصنعت له في نفسي تمثالا سيبقي ما بقيت.

وبعد أن مضت سنوات على ذلك الحادث، التقيت بالأستاذ كامل كيلاني، وقال لي غير مرة: أنا لا أنسى أنك هاجمت الأسد في عرينه! ولكني لم أغتر بكلمة الأستاذ كيلاني، لأن الذي قرَّ بنفسي أن الأسد أكبر نفسه من أن يصغر في مدافعتي، فمكن لي من الهجوم عليه. . .

المازني ولإذاعة:

على أثر وجهه بعض الكتاب إلى إدارة الإذاعة من اللوم على تقصيرها في تسجيل مسرحيات الريحاني أعلنت الإذاعة في مجلتها أن همتها لم تقعد عن تسجيل أصوات العظماء وأعلام الأدب والفكر والفن في مصر، وأنها قامت بذلك فعلا، حتى أصبحت لديها هذه المسجلات.

ثم توفي المازني، ولا وظهر أن الإذاعة الهمامة ليس لديها أي تسجيل لأحاديثه. . . ولا أظن المشرفين على الإذاعة لم يسمعوا بأن المازني أديب كبير، فلماذا لم يسجلوا شيئا من أحاديثه؟ لقد قالوا إنهم سجلوا أصوات أعلام، الأدب؟ وأريد أن أصدقهم، فلم إذا لم يسجلوا لهم؟ فيمن سجلوا لهم؟ أليس هو من أعلام الأدب؟

ولم يظفر المازني من عناية الإذاعة بعد وفاته، بغير نعي قصير في نشرة الأخبار، في الوقت الذي نسمع فيه المحطات العربية من خارج مصر تتحدث عن المازني وتفيض في الحديث عنه.

فلم كلُّ هذا يا إذاعة؟ ألأنه غضب من الفوضى المتغلغلة في أعمالك، ولم ترضه تصرفاته غير اللائقة معه، فانقطع عن مواصلة أحاديثه؟

وأريد بعد ذلك أن أسأل: هل الإذاعة مرفق عام من مرافق الدولة العامة تعرف للناس أقدارهم كيفما كانت علاقة موظفيها بهم أو هي ملك خاص لهذه الفئة المشرفة عليها، من رضيت عنه قربته وكالت له، ومن لم يحظ برضاها أعرضت عنه وأهملت شأنه مهما كان مكانه

عيد الباكستان:

ص: 33

احتفلت سفارة الباكستان بالذكرى الثانية لاستقلال الباكستان يوم الاثنين يوم 15 أغسطس الحالي بدار جمعية الشبان المسلمين. وقد اشتمل الحفل على برنامج حافل من الخطب والقصائد والموسيقى والغناء، وتجلى فيه روح المودة والإخاء بين الدولتين الإسلاميتين الباكستان ومصر، تجلياً رائعاً بعث الأمل في استعادة تماسك البنيان الإسلامي، ولقد كان سرورنا نحن المصريون لا يقل عن سرور إخواننا الباكستانيين بعيدهم وعيدنا عيد استقلال الشقيقة الناشئة الكبيرة: الباكستان.

وقد تحدث الخطباء وأنشد الشعراء فعبروا جميعاً عن ذلك الشعور وأشادوا بما يجمع بيننا من التراث الإسلامي والثقافة الإسلامية، ومن هؤلاء الخطباء والشعراء الدكتور حسين الهمداني الملحق الصحفي بالسفارة وأصحاب المعالي إبراهيم دسوقي أباظة باشا وحافظ رمضان باشا وصالح حرب باشا والأستاذ إبراهيم اللبان والدكتور إبراهيم ناجي والأستاذ محمد عبد المنعم إبراهيم المحامي.

وقد أفاض حافظ رمضان باشا في الكلام على الإسلام من حيث هو عقيدة ونظام، وبدأ حديثه بالإعراب عن شعوره حينما دعي إلى هذا الحفل، فقال إنه لبى هذه الدعوة، وقد جرى أخيراً على رفض الدعوات إلى الحفلات الكثيرة التي تقام لناسبات وأغراض مختلفة، لأن رجال الباكستان أعلنوا أنهم يضعون دستور بلادهم على أساس التعاليم الإسلامية، وقال إن الإسلام هو دين العدل والحرية والمساواة والإخاء، وإنه لا يوافق الديمقراطيات الحديثة فحسب بل إن هذه الديموقراطية لم تستطيع أن تخالف مبدأ واحداً من مبادئ الإسلام.

ولما جاء دور الأستاذ إبراهيم اللبان شرع في بيان تاريخي لتطوير الدولة الإسلامية في الهند، واسترسل إلى إجادة المثقفين الباكستان للغة الإنجليزية، ذهاباً إلى أن هذا يتيح لهم التقريب بين الإسلام والعقلية الأوربية. والأستاذ اللبان عالم مستقيم الفكر، ولكنه لم يراع مقتضى المقام في حفل يتعاقب فيه خطباء كثيرون، فأطال مع خلو كلامه من العناصر الخطابية المشوقة، فنال أكبر حظ من تصفيق الحاضرين. . . حتى اضطره هذا التصفيق إلى أن يقطع كلامه ويجلس ساخطاً على المصطفين المحتجين.

وكم كان جميلً وظريفاً أن تعتلى المطربة تلك خشبة المسرح، وقد ارتدت (الساري) ثوب

ص: 34

المرأة الباكستانية، فغنت (نشيد الباكستان) الذي نظمه الأستاذ عبد المنعم إبراهيم، وهو نشيد جيد حبذا أن تتخذ الباكستان نشيداً دائما، على أن يلحن تلحين الأناشيد، فقد (عنت) فيه ملك على طريقها المعروفة بصوتها الجميل، فأطربت ولكنها لم تؤده باعتباره نشيداً، فقد كانت تلين وتطرو عندما تنشد أو تغني مثلا:

عيد باكستان أضحى

عيد مجد المسلمين

وكسَّرت (المسلمين) وأنثته برقة صوتها، وهو جمع مذكر سالم. . .

الباكستان تتجه نحو العروبة:

التفت هذا القلم إلى دولة الباكستان الفتية منذ أشرقت عليها شمس الاستقلال، واتجهت مشاعر أهلها وأنظار قادتها إلى توطيد العلاقات بالبلاد العربية وإحياء اللغة العربية وآدابها وثقافتها بين مسلمي الهند الذين أصبح لهم كيان مستقل بالباكستان. وقلت مرة: إنني أرصد هذه الدولة الفتية كما يرصد الفلكي حركات نجم جديدة. وهأنذا اليوم أنظر إلى هذا النجم فيسرني أن أراه صاعداً في السماء. . .

إن حضارة الأمة الباكستانية ولغتها وعاداتها وتقاليدها، مستمدة من الحضارة العربية الإسلامية، ولم يستطع الزمان أن يمحو ميلها الشديد إلى العرب بسبب الروابط الدينية والتاريخية الوثيقة التي تربطها بهم، ولم يمنع اكتمالها عروبتها إلا الظروف والأحداث التاريخية في القرون الأخيرة إذ حكمها الترك والمغول ثم الاستعمار الإنجليزي في آخر المطاف. ورغم هذه الظروف والأحداث لا تزال الصبغة الإسلامية باقية، ولا يزال الأثر العربي بارزاً في مظاهر الحياة المختلفة، فاللغات المحلية كالسندية وغيرها تحتوي على ألفاظ لا حصر لها من اللغة العربية كألفاظ الجبل والنهر والخطر والقلم والعلم والمدرسة والكتاب والحكيم والمدير وغيرها، واللغة السندية تكتب حتى اليوم كتابة عربية. ويقال إن اللغة الأردية لو أسقط منها الكلمات العربية استحال استعمالها.

وقد تخلصت الباكستان من الاستعمار البريطاني، وأصبحت بلاداً حرة، فجعلت تقوى صلاتها بالعرب، وكان من ذلك ما أبدته من المؤازرة في قضية فلسطين أمام هيئة الأمم المتحدة، ثم هذه الأريحية العظيمة التي جادت بنحو خمسين ألفاً من الجنيهات للاجئين من عرب فلسطين، وهو مجموع ما تبرعت به دولة الباكستان وشعبها.

ص: 35

ولاشك أن الإسلام والعروبة صنوان، والباكستان الإسلامية تتجه الآن إلى العروبة اتجاهاً ظاهراً، لا بتعزيز علاقاتها بالدول العربية فحسب، بل كذلك بما شرعت فيه من العمل على نشر اللغة العربية بين أهليها والبدء باتخاذها لغة ثقافية لها، إلى ما تدعو إليه الضرورة الدينية من فهم لغة القرآن الكريم، وسيفضي ذلك إلى اتخاذ العربية لساناً قومياً لا ثقاً بأكثر أمة إسلامية، وإن توحيد لغة التفاهم بين المسلمين كفيل بالتقارب وتبادل الآراء بينهم. وحكومة الباكستان جادة في تعليم اللغة العربية بمدارسها، وهي تتجه في ذلك إلى مصر كما تتجه إلى الأزهر خاصة للتوسع في التعليم الإسلامي. وقد افتتحت الإذاعة العربية من الباكستان يوم الاحتفال بعيد استقلالها، وبرامج هذه الإذاعة حافلة بالإنتاج المصري في الفنون والثقافة، وقد اختير لإرادة هذه الإذاعة شبان مصريون مثقفون.

وبعد فإني أريد - مع اغتباطي بكل تلك المظاهر - أن أهمس في آذان زعماء الباكستان وقادتها، أن يبدؤا بأنفسهم فيتعبوها قليلاً بتعليم اللغة العربية، لتكون لساناً لهم، بدل الإنجليزية في البلاد العربية على الأقل.

عباس خضر

ص: 36

‌البريد الأدبي

حياة الريف في الأدب:

إن الخضرة المترامية التي تكسو الوادي الخصب لتبدو رائعة حينما تأتلق بين أعطافها الإشعاعات الحانية المرسلة من شمسنا الوادعة، والأبصار تختلف حينما يجذب أحداقها مرائي الصور الخلابة في مرامي الأحاسيس الشاعرة؛ فأين تصوير حياة الريف بعد الانفعال بمظاهر روائعه الأخاذة؟.

لقد صعد بنا الخيال إلى أقاصي الصعيد، ومتعنا برؤية المرئيات التي

شاهدت بها عواطفنا أسمى ما يصل بين الخالق والمخلوق، وعلى

الرغم من معاناتها التأزم النفسي لم يتقلص شعورنا بل كانت الباصرة

تطل من نافذة الإيمان على مشاهد الوجود، فتأنس إلى الوحدة،

وتستأنس الوحدة، ويقال: إن نقد الشيء أيسر من وجوده؛ ونحن لا

نتطاول في نقدنا إلى درجة التعجز، أو تدفعنا غرة الغرور إلى

الاستصلاف، وإنما نبغي التنويه بما يجب أن تتجه إليه المشاعر؛

فالأدب مقفر من معالم (البيئة)، لانصراف الأذهان عن الاتصال

بالحياة الأصيلة الفطرية إلى الصنعة الوافدة الراكدة!.

لقد بلغت الجهود الاكتفاء بأوصاف أجزاء الأجسام (العارية) عن الإنسانية، فكيد الشاعر خياله، وديباجته، ولغته في تصيد الألفاظ التي تكشف سيئاتها عن سوآتها!، وهو يكون رائعاً إذ يصف الثغر، والنهد، والساق، والشعر وما (يلي. .!، وقد تناسى تلك المتناهية في خفر الأنوثة حاملة جرتها على رأسها تناغي مع مناغاة ماء النيل أعذب غنوة من أطهر شفة!.، يذهب بالتغني (بالعوامة) إلى تجاهل روعة (المركب الشراعي) الذي لا زال وفياً بعهده، باقياً على وده!.

إن أدبنا فقير في تصوير (البيئة)، وطفت موجة التقليد للصحف البعيدة عن حياتنا وعاداتنا، وطبيعة بلادنا، حتى كاد يغمرنا طوفان ننسي معه قوميتنا!

ص: 37

لا نعني بالأدب المنثور والمنظوم من الكلام، وإنما نقصد كلُّ لون فني يسموا بالمعاني الإنسانية، كالتصوير والنحت والخيالة ذات التقصير المعيب!. ولا ننسى أديبة ملهمة موفقة كالسيدة (بنت الشاطئ) قد كتبت عن الريف، ولا زالت تنتهز النهزات (للتعريف) به لمن جحدوه وجفوه وأنكروه لكن صوتاً واحداً مهما تبلغ جهارته لن يكون بعيداً الأثر إذا لم يكن من دخائل الطباع ما يحثها على تعرف مواضع الجمال في هذا الريف وتمجيده، والتباهي. في مقام المفاخرة، والإشارة بما يرسمه الفن على صفحة النفس من الانفعالات التي ترتفع بمعالم الوطن إلى مواطن الخلود!

(بور سعيد)

أحمد عبد اللطيف بدر

من لحن القول

1 -

دأب الكتاب على جمع باسل على بواسل، وتردد هذا الجمع في الأيام وصفاً لجنودنا. ويعلم السادة الأفاضل - الكتاب - أن الجنود رجال أبطال وقوم عقلاء فلما يضعونهم - من الوجهة الصرفية - بين ربات الجمال وفاقدي العقول.

وهذا الجمع غريب شاذ، فلا المعاجم تذكره ولا القياس يبره ولا السماع يؤيده، فلما لا نقتله ونحيي لفظين رشيقين صحيحين يستعذبها الذوق ويستلهمهما القلم وهما بسل وبسلاء.

وقد ورد هذا الجمع في تعقيبات الأستاذ أنور المعداوي في العدد (481) من الرسالة.

2 -

ومما يقبله الكتاب - عامتهم - قلباً ويمسخونه مسخاً ويسلخونه سلخاً استعمالهم تواً بمعنى (الساعة وحلاً) فيقولون ذهب تواً وذهب لتوه.

وهذا المعنى تلفظه المعاجم وتنبذه اللغة وما قالته هو تواً بمعنى الفرد، فذهب تواً أي فرداً أو لم يلوه شئ والصواب توه.

3 -

ويقال التحق بالجيش وبالمدرسة، وهذا غير فصيح وليس بالصريح، بل هو عامي مولد كما جاء في تاج العروس والصواب لحق بالحق.

هذا ما أردت إثباته، ثبتنا الله على الفصيح والسلام. . .

(المنصورة)

ص: 38

عبد الجليل السيد حسن

نقد وتعقيب:

كان الأستاذ أبو حيان جائراً أشد الجور في نقده لكتاب. . (الهجاء والهجائين) ولو كان محقاً فيما قاله لقبلناه منه وحمدناه له برغم ما في المقال من ألفاظ التهكم التي لا تليق بكبار الكتاب ولكنه مع هذا كان مجانباً للصواب في بعض ما أخذه على المؤلف الكريم. . .

فالأستاذ الناقد يقول في البيت الأول: (كيف يحدي أبو بكر بالرماح. . فالحادي يحدو الإبل بغنائه فتنساق خلفه وتطرد وراء حداثة. فكيف يمكن أن تكون الصورة حين يضع الرماح في موضع الحداء. . وفات الناقد أن الحدو أو الحداء ليس الغناء فقط، وإنما هو سوق الإبل والغناء لها. . وللرماح - حالة إرسالها. صوت يشبه الترنم قال الشماخ:

إذا نبض الرامون فيها ترنمت

ترنم ثكلى أوجعها الجنائز

وعلى هذا فالصورة الشعرية واضحة لا تعقيد فيها ولا التباس. . أما قوله بأن يحذى بالذال المعجمة بمعنى يطعن فدخلها التحريف. فلا حاجة إليه بعد أن اتضح المعنى على التخريج الذي ذكره المؤلف ورضيناه. . فضلاً. . عن أنه لم يُسمع حذا بالذال بمعنى طعن كحذ وحذق وحذف. . وأنني أود أن يكون الناقد رفيقاً فيما يتناوله بالنقد. . .

(أسيوط)

كيلاني حسن سند

إلى الأديب الأستاذ الكبير راجي الراعي:

أعجبتني خطرات فكرية رقيقة، وأضواء ذهنية مشرقة دبجتها براعتكم بالعدد 840 من الرسالة. ولقصوري عن الإحاطة بالمراد من العبارتين الواردتين في مناجاة الشمس وهما (يا ابنة الله)(يا عين الله) أرجو التفضل بجلاء ما غمض منهما خدمة للحقيقة والأدب ولكم منا عاطر الثناء، ومن الله أحسن الجزاء.

(المنيا)

ص: 39

دسوقي إبراهيم حنفي

حول تصحيح:

طالعت تعقيب الأستاذ (غازي) على شرح الأستاذ (أبي حيان) لبيتي الخطيل بن أوس - ومع تقديري لرأي الأستاذين رأيت أن أدلي في الدلاء، فأقول: كلمة (الرجال) في البيت الثاني قد تكون محرفة من (الرحال) جمع رحل والمقصود بها الأنحاء وكذلك كلمة (هبنه) محرفة من (هجنه) بمعنى أفزعنه وأثرنه، فلا يبقى محل لتخطئة الأستاذ (غازي) للشاعر: فيكون البيت هكذا:

ولكن يدهدي بالرجال فهجنه

إلى قدر ما إن يقيم ولا يسري

وبذلك يستقيم معنى البيت والله أعلم.

(كفر الدوار)

أبو جعاذة

ص: 40

‌القصَصُ

الشقاء المقدّس. . .!

(إلى اللائى يعشن في مأتم الروح. . . عزاء من الحياة)

للأستاذ أنور المعداوي

كانت أجمل امرأة في عصرها، وكانت أشقى امرأة. . . أما جمالها فحسبه أنه كان وحياً لأمير النثر الفرنسي شاتوبريان، وأمير الشعر لامرتين، وسيد كتاب القصة الذاتية بنجامان كونستان. وأما شقاؤها فلو قدر لفنان أن يصنع تمثالاً للجمال البائس، أو يرسم لوحة للأمل اليائس، لما وجد لفنه خيراً من قصة مدام ريكامييه!

عندما وفدت إلى باريس عام 1793، كانت الثورة الفرنسية المجنونة تلتهم أبناءها من غير رفق ولا هوادة. وكانت نفس الصغيرة جولييت برنار تفيض أسى ولوعة، لمنظر الذاهبين إلى المقصلة: نساء ورجال، في ميعة الصبا وفجر العمر. . . يذهبون إلى غير رجعة. وشعب يصفق للدماء المراقة تجري هنا وهناك، وهو أبداً ظمآن لا يرتوي!. . . أية نفوس تلك التي خلت من معاني الرحمة وأية قلوب تلك التي تحجرت فلا ينبض فيها عرق بعاطفة، وأية عقول تلك أذهلتها القسوة فلا تصغي لصوت برئ ولا تحفل بشكاة مظلوم؟!. . كانت جولييت الفاتنة تحدث نفسها بهذا كله وهي تصبح وتمسي على منظر واحد: مقصلة، ودماء، وشعب يلهو بضحاياه كما يلهو عالم التشريح بحيوان بائس، يئن تحت أطراف مبضعه. . . ولكم ودت أن تفر من هذا العذاب إلى بلد آخر، تنعم فيه بالهدوء والصفاء والأمن، وتلقي بنفسها في أحضان الطبيعة الحانية: تشبع عينيها من النهار المشمس والليل المقمر، وتملأ رئتيها من الهواء النقي، يحمل إليها رائحة الزهر لا رائحة الدم، وغناء الطير لا أنين الضحايا، وتلقي نفوساً لم يدنسها حقد ولا ضغينة، بل يجمع بينها صفاء ووفاء، ووداعة وقناعة، ولكن أين هي من هذا كله؟. . . لقد قدر لهم منذ أن فتحت عينيها على الوجود، أن تعيش في العذاب: إحساساً ورؤية!

كانت في ربيعها الخامس عشر حين كان مسيو ريكامييه يتردد على بيت أبويها، وكان أبواها يدركان أن ريكامييه الثرى وصاحب المصرف الشهير، لا يتردد على بيتهما إلا لأنه

ص: 41

يحب ابنتهما كلُّ الحب، ويعجب بها كلُّ الإعجاب. . . وما أكثر الذين كانوا يتهافتون على جمالها النادر فيرتدون على أعقابهم إلا ريكامييه، فقد وصل. وصل بماله إلى قلب الأم والأب، ولكنه لم يصل إلى قلب جولييت. . . وحين خطبها إلى أبويها ألحا على ابنتهما أن تقبله زوجاً فقبلت على مضض! كان في الأربعين من عمره. . . خمسة وعشرون عاماً تفصل بين قلبين، ومزاجين، وشعورين. وهنا يلتقي الخريف بالربيع، ربيع حياتها بخريف حياته! وعاشت في قصر ريكامييه كما تعيش الملكات، لكنها كانت تحس القفر في كلُّ مكان تطؤه قدماها. . . لقد مضت بها الأيام قلقة متشابهة، لا يشع فيها أمل يبدد من ظلام القلب والروح. أي شباب هذا الذي تقذف به المقادير في خضم من أعاصير الحيرة، فلا يدري على أي شاطئ ترسو سفينة أحلامه وأوهامه؟!. . . لقد مرت شهور ومدام ريكامييه لا تزال عذراء كما كانت. حياة كلها غموض وأسرار، ولقد كان الحياء وحده هو الذي يمنعها أن تسأله عن سره. . . سره الذي طال! أي إنسان هذا الذي يحوطها بعطفه وحبه وحنانه، ثم لا يقربها كما يقرب الأزواج. . .؟! كانت تتعذب في صمت، وتبكي للجمال يذوي بين يدي الحرمان، ولا تجد الجرأة على أن تفاتحه يوما بما يعتلج في نفسها: أليس رجلاً؟ أليس زوجاً؟ ألا يهزه هذا الجمال؟ ألا يصير راهباً إلا حين تربط بينهما المقادير؟! وتتلظى الكلمات على شفتيها كصفوف جيش أعدت للهجوم، وتلتهب الأفكار فيما بينها التهاب القنابل. . . ولكنها حين تلتقي بزوجها وجهاً لوجه، تموت الكلمات، وتخور العزيمة، وتخمد الجرأة، ولا يبقى إلا الحياء يشل منها اللسان، ويجعل منها إنسانة ضعيفة مسلوبة الإرادة! كانت تتلهف إلى شيء واحد. . . هو أن تعلم سره. ولكن سره الرهيب كان أمنية بعيدة المنال، وعاشت مدام ريكامييه وماتت، دون أن تعلم شيئاً. لقد عاشت عذراء، وماتت عذراء!!

ثلاثة هم الذين كانوا يعلمون سر ريكامييه: الله. . . وهو. . . وأمها! أكان يمكن أن يبوح مسيو ريكامييه بسره إلى زوجته ألا ما أقسى سخرية القدر!. . . أيقول لها إنه أبوها، وإنها ثمرة حبه من أمها؟! أمن الممكن هذا؟ زوج وأب؟ وتريد ابنته أن يعاشرها كزوج؟. . . إنه يحنو عليها كما لم يحن على إنسان، ويؤثرها بحبه وعطفه ورعايته، لينسيها على مر الزمن هذا الذي تفكر فيه، ويرمض جوانحها بالعذاب! واستطاع مسيو ريكامييه على الأيام

ص: 42

أن يحل الروح نفسها محل الجسد، وان يزيح عن كاهلها كثيراً مما تعانيه.

أما لماذا تزوجها وهو يعلم أنها ابنته، فذلك سر آخر. . . كان ريكامييه من أنصار الملكية، وكان ينتظر يومه الذي لا مفر منه على أيدي الثوار. وكان يدرك أن المقصلة في انتظاره، وإذا كانت قد أخطأته اليوم فلن تخطئه غداً، فلمن يترك ملايينه بعد مصرعه؟ ليس هناك من يستحقها غير ابنته. . جولييت برنار! ومن هنا تزوجها ليكفل لها حياة هنيئة، يسعد فيها هذا الجمال الذي ينتسب إليه. كان يخشى أن يثير الظنون إذا ما ترك لها ثروته دون علاقة تربط بينها وبينه. . . ولكن المقصلة تخطئه، والثوار يغفلون عنه، ويقدر لمسيو ريكامييه أن يعيش ليتعذب وأي عذاب أكثر من هول الشعور الذي كان يرزح تحت أثقاله. . الشعور بأن زوجته هي ابنته؟! لكم ود أن يطلقها ولكنه لم يستطع، إنها ابنته ومن حقها وحدها أن تنعم بثروة أبيها. وماذا يقول زوجها الآخر إذا ما قدر لها أن تتزوج من بعده، حين يكتشف أنها خرجت من بيته وهي عذراء؟! أليس في ذلك ما يجرح كرامته كرجل يعتز برجولته؟ أليس من المحتمل أن يكشف سره فيتهامس به الناس، فلا يلبث أن يكون حديثاً تجهر به الشفاه؟!. . . ويلح عليه العذاب حين يخلو إلى نفسه، ويشعر أن زوجته، تلك الزنبقة الغضة، قد أرغمت على أن تعيش بسببه بين سفى الرمال ولفح السمائم! شيء واحد كان يعجب له مسيو ريكامييه ولا ينتهي له عجب، هو ما تتحلى به ابنته من طهر وعفاف، على الرغم من أن حياتها الزوجية قد خلت من الرجل!. . . لقد كانت مدام ريكامييه محط أنظار الشباب وحديث أمانيهم، يتهافتون عليها في كلُّ مكان من أجل نظرة أو ابتسامة. وما أكثر ما كانت تنظر إليهم وتبتسم لهم، وتضن عليهم بما دون ذاك. . . إنها امرأة، وجميلة، فلم لا تفيض على ركب المعجبين من هذا النبع الفياض، وهم الذين يشعرونها في كلُّ لحظة بأنها إنسانة ساحرة، تنطق بذلك وجوههم فلا حاجة بها إلى مرآة؟! من هنا كان ريكامييه يعجب بها ويعجب لها، ويزداد حبه لزوجته وتقديره لابنته. . . وكانت مدام ريكامييه تنسى مرارة الحرمان حين ترمقها نظرات المعجبين، وحين تنادي شفتيها شفاههم الظامئة، فتمتنع وفاء للزوج، واستجابة للضمير، وإرضاء للدلال!. . . جمال تتقاذفه أمواج الحرمان فحرم من نعيم الحياة وحرم معه الناس، وزهرة ندية بالعطر فواحة بالأرج، عاشت في تربة من عفاف وصون فعزت على القاطفين!

ص: 43

كان قصرها في (كليشي) أشبه بندوة عامرة يؤمها رجال السيف والقلم بين حين وحين، وصالوناً من تلك الصالونات الفخمة التي كانت تزجر بها باريس ويقصد إليها المترفون من الرجال والنساء لتغذية العين والفكر والخيال. . . وفي يوم من أيام قصرها الحافلة بالترف والإيناس والمتعة، يقع لمدام ريكامييه حادث يهز كيانها هزاً عنيفاً، وتتذوق في ظلاله طعم الري، وتنسى حرقة الظمأ، وتشعر كما لم تشعر من قبل. . . بأنها امرأة! كان ذلك في حديقة القصر حين ركض وراءها ابن أخت ريكامييه، وكان شاباً جميلاً من ذلك النوع الذي يخلب ألباب العذارى. . . وكانت هي تنفر منه في دلال، وتضحك من عجزه عن اللحاق بها، ولكنه يلحق بها ويحتويها بين ذراعيه. . . وكادت تصعق من هول المفاجأة، فراحت تقاوم في عنف، ولكنها أحست بوجهها يلتهب تحت أنفاسه المحترقة، وبشفتيها تذوبان في شفتيه، وبكيانها يتلاشى في كيانه. وفي غمرة النشوة رأت نفسها تغيب معه في حلم جميل، وتطوق عنقه بذراعيها، وتدفن وجهها في صدره، وتنظر في عينه نظرة طويلة حالمة. . . نظرة امرأة استيقظ في أعماقها الرجل! وحين أفلتت من بين يديه تطلعت إليه كغزال مذعور، وانطلقت تجري إلى القصر. . . كانت تريد أن تخلو إلى نفسها لتستعيد الحلم الجميل مرة أخرى!

حرك هذا الحادث في نفس مدام ريكامييه كلُّ عاطفة خامدة، وأثار كلُّ شعور كامن. . . وراح الفكر الحيران يسبح في خضم الوجود، باحثاً عن أمنيات ضلت طريقها من طول ما لقيت من ظلام وضباب. والذهن الكليل يحلق في أجواء الخيال، بيني من قصور الأوهام ما شاءت فنونه وشجونه. والقلب الثائر يرسل أناته في نبضاته، فلا يسمع لها صدى من عطف حبيب أو رفيق، والروح الشاردة تعبر عالم الأسى والأنين مرتاعة ملتاعة، تنشد الري فلا تجد إلا الظمأ، وتترقب النشوة فلا تحس إلا الألم، وترجو الفرحة فلا تلقى إلا الشجن، ولا تعود من عالمها هذا إلا بأشتات المنى تحتضر!

وتمضي الحياة في طريقها تطوي الأيام حتى تقف بمدام ريكامييه عند يوم لا ينسى. . . لقد رآها نابليون في ذلك اليوم في حفلة من تلك الحفلات الصاخبة التي كان يعج بها قصر أخيه لوسيان!

كان لوسيان يهيم بها، ويتقرب إليها، ويلقي إلى الصيد الجميل بكل ما شاء من شباك، ولكنه

ص: 44

لم يكن يظفر إلا بابتسامة عذبة تحمل إليه كثيراً من المعاني. . . ولوسيان من هو؟ جمال تحلم به كلُّ فاتنة، ووزير الداخلية، وأخو القنصل الأول والحاكم بأمره! وعلى كثرة الوجوه الفاتنة التي كانت تزخر بها حجرات القصر وردهاته، فإن نظرات بونابرت النفاذة لم تستقر إلا على وجه مدام ريكامييه، وحين مرت بغيره، راح يسأل الجنرال برنادوت عن هذا الجمال الذي لم يحفل بنظرات القنصل الأول:

- برنادوت. . . أتعرف هذه الفاتنة؟

- أية فاتنة يا مولاي؟!

- تلك التي تتحدث إلى أخي لوسيان. . .

- أتعني مدام ريكاميية يا صاحب الجلالة؟!

وهتف بونابرت في صوت حالم: مدام ريكامييه. . . يالها من امرأة. . .!

وغادر المكان وفي رأسه ثورة تحتدم. . . لقد قرر أن ينالها مهما يكن، وأن يكن الثمن، وأن يخوضها معركة حامية. . . ضد امرأة!

ويا لها من معركة كانت أسلحتها من أهداب وجفون. . . معركة لم يكن يقدر لها أن تطول، وأن تنتهي بهزيمة! لقد جرب القائد الشجاع كلُّ سلاح، واستنفذ كلُّ خطة، وحارب في كلُّ ميدان، وحين باء بالخذلان راح يصب نقمتة على الجمال الغادر. . . وابتدأت حياة العذاب، تلفح بنارها الوجه المشرق، والثغر الباسم، والعينين الساحرتين. . . وعلى مر السنين، وتحت وطأة الشجن، ذبل السباب النصر، وسكت الصوت العذب إلا من أنات!

لقد بدأ النضال بين بونابرت ومدام ريكامييه في ذلك اليوم الذي قبض فيه على أبيها، أعنى زوج أمها ليحاكم في اليوم التالي بتهمة الخيانة العظمى. . . كان الرجل مديراً عاماً للبريد، وكان من الذين يدينون بالولاء للنظام الملكي، فاشترك في إيصال بعض المكاتبات للحزب الملكي الذي كان يعمل في الخفاء ضد الحكم القنصلي. . . لقد خارت قواها في ذلك اليوم من هول الصدمة، ومضت تنشد العون عند كلُّ صديق، لتبعد شبح المقصلة عن الرجل الذي كانت تظنه أباها. ويتوسط لها الجنرال برنادوت، ويصحبها إلى قصر التويلري لمقابلة القنصل الأول، وكانت هذه هي المرة الثانية التي يرى فيها بونابرت مدام ريكامييه. . . وخضع الجبار لسطوة الجمال القاهر، فأمر بحفظ الدعوى والإفراج عن الرجل! وخيل

ص: 45

إلى الصقر الفرنسي أنه بهذا الصنيع الذي أسداه إلى الحمامة الوديعة، خيل إليه أنه يستطيع أن يدنيها منه حين يشاء، وأن يخضعها لرغباته!

وتدور عجلة الزمن، ويصبح القنصل الأول إمبراطوراً تدين له فرنسا وما حولها بالطاعة والولاء. وعلى الرغم من المهام الكثيرة الملقاة على عاتقه، وما يشغل فكره من أمجاد وأطماع، فإن صورة مدام ريكامييه ما فتئت تداعب أحلامه وأمانيه. . . عرض عليها أن تكون وصيفة لزوجته الإمبراطورة فاعتذرت عن قبول هذا الشرف في لطف ولباقة! كانت خطة محكمة رسمها القائد العظيم لينهي بها المعركة التي طالت، وكان يهدف من ورائها إلى يدني منه مدام ريكامييه. . . وحين ألح عليها أن تقبل ما عرضه عليها، اعتذرت مرة أخرى في عزم وإباء. . . كلُّ شيء قد خضع لنابليون إلا مدام ريكامييه! ومن هنا أعلنها حرباً سافرة لا تبقي ولا تذر. . . وتحت ضرباته الرهيبة المتوالية، هوى الجمال النادر من قمة الثراء إلى حضيض الفاقة. . . وفقدت مدام ريكاميية كلُّ صديق، وانطلقت الأراجيف تنال من سمعتها كلُّ منال، ولقي كلُّ من ينتسب إليها أعنف ألوان الاضطهاد والتشريد. . . هذه صديقتها الكاتبة الفرنسية الشهيرة مدام دي ستايل يلقي بها بونابرت بعيداً عن أرض الوطن، ولا يلبث أن يلحق بها صديقها الآخر بنجامان كونستان! أما مسيو ريكامييه فقد أمر بونابرت بأن يقطع عنه بنك فرنسا كلُّ معونة مالية، وأسرع الناس يسحبون ودائعهم من مصرفه، وحين أوشك على الإفلاس، لم تجد مدام ريكامييه بداً من أن تتوسل إلى الجنرال مينو حاكم باريس ليشفع لها لدى الإمبراطور. . . ويرفض بونابرت، ويصيح بشماته صارخاً في وجه صديقه:

قل لمدام ريكامييه إنني لست عشيقاً لها حتى أنتشلها من مهاويها. . . وهكذا تردَّى مسيو ريكامييه إلى هوة الفقر والشقاء، وذاقت معه مدام ريكامييه طعم البؤس والحرمان كما لم يذقه إنسان

وحين فقدت أمها وهي آخر أحبابها وأعز أمانيها؛ قررت أن تهجر فرنسا أرض العذاب، لتلحق بصديقتها الوفية مدام دي ستايل. . . وهناك على شاطئ بحيرة ليمان في سويسرا، التقى قلب بقلب، وتصافحت روح بروح، وامتزجت دموع بدموع! وفي رحاب صديقتها وعلى مر الأيام استطاعت مدام ريكامييه أن تنسى بعض آلامها وأن تجد لقلبها بعض

ص: 46

العزاء. . . لقد التقى بها أحد الأمراء البروسيين، وكان له من جماله وشبابه ونبل محتده ما ألهب عواطفها الخامدة. وحين صارحها بحبه، تفتح له قلبها المغلق كما تتفتح الزهرة تحت أنداء الفجر. . . وراحت تكتب إلى زوجها مسيو ريكامييه، طالبة إليه أن يطلقها لتتزوج من الرجل الذي أحبها وأحبته. وعندما تلقت رد زوجها من باريس لم تملك إلا أن تبلل سطوره بالدمع! ومضت تقرأ وهي لا تكاد تتماسك من الأسى واللوعة:(عزيزتي جولييت. . . لم أكن أنتظر أن أفقد كلُّ شيء في دنياي حتى زوجتي الحبيبة. . . ذلك الأمل الأخير الذي كان يسطع في أفق حياتي فينير لي الطريق. . . ما أقساك يا جولييت؟. . . إنك لا ترحمين وحدتي وغربة روحي. أتريدين أن تتخلي عني لأنني أصبحت فقيراً؟. . . أنا الذي ضحيت بمالي في سبيل إسعادك!. . . إن كان ذلك يسعدك يا جولييت، فلا يسعني إلا أن أفسح لك الطريق. . . وإلا أن أدعو لك الله. . . دعاء تباركه الدموع). وحين فرغت من تلاوة رسالته الحزينة، تطلعت إلى الأمير أوجست وهي تقول له: يا صديقي، أرجو أن تغفر لي. . . لقد عدت إلى قلبي أسأله، فوجدت أن زوجي هو الرجل الوحيد الذي أحببته. . . لك دعواتي، ووداعاً! وشدت رحالها مرة أخرى إلى فرنسا إلى أرض العذاب، فما عادت تطيق البقاء في ذلك المكان الذي لف حبها في أكفانه.

وإلى جانب مسيو ريكامييه راحت في مأتم الأحلام تقتات على بقايا الذكريات. . . ولكن الذكريات تلح على القلب الحزين فيطول ليلها ويطول أرقها في رحاب الشجن. ويشير عليها الأطباء بتناول بعض المخدرات لتمنع عن نفسها الأرق فلا يفلح الدواء. . . ويخطر لها ذات يوم أن تضع حداً لهذه الحياة المريرة، فتتناول زجاجة فيها سائل مميت، وحين تهم بوضعها على شفتيها يسرع ريكامييه وهو لا يملك نفسه من الفزع. . . ويختطفها من يديها وهو يصيح صيحة ملتاعة: ابنتي. . . ابنتي!. وتطلعت إليه في ذهول كمن أفاق من حلم مروع، وأخذت تنظر إلى عينيه كأنما تريد أن تستل من أعماقها سر ما نطق به لسانه. . . وحين أوشك ريكامييه أن يفضي إليها بسره الرهيب، دخل أبوها برنار! وانتابها شعور خفي لم تدرك له كنها، شعور فيه حيرة تجلت في عينيها تساؤلاً ولهفة، ومضت تنقل بصرها بين الرجلين، وصاحت وهي ترتمي في أحضان برنار: أبي. . . أحبك يا أبي! أما ريكامييه فكان يغالب دموعه!! وعلى الرغم من كلُّ هذا العذاب، فقد أمر نابليون بنفيها إلى

ص: 47

خارج فرنسا حين علم أن بعض الرسائل تصلها من مدام دي ستايل، تلك الكاتبة التي أصلته بقلمها ناراً حامية، هي وصديقها بنجامان كونستان. . . ومرة أخرى يممت شطر صديقتها الوفية، والتقى قلب بقلب، وتصافحت روح بروح، وامتزجت دموع بدموع!

وحين دالت دولة الجبار، عادت من جديد إلى أرض العذاب لتقضي بقية أيامها في أحد الأديرة. . . بعيداً عن الناس. وفي مكانها هذه المنعزل يقضي إلى جانبها أمير النثر الفرنسي شاتوبريان أكثر أوقاته، ويضفي عليها من عذوبة روحه، وسحر حديثه، وذوب قلبه، ما يعزيها عن فقد الأحباب، ولكن أين من يعزيها عن فقد الشباب؛ لقد أطفأت الأيام بريق عينيها، وعبثت بنضارة وجهها، وحكمت على شبابها بالأفول!

وقالت له وهو يعرض عليها أن تكون شريكة حياته: يا صديقي. . . إن حبك لي هو آخر واحة ترسل ظلالها في صحراء حياتي. . . ولكن أصوات من سبقوني إلى الله، تهتف بي أن أظل كما كنت. . . مدام ريكامييه!. . ومع ذلك فماذا يجدي من التقاء قلبينا وضم جسمينا، ونحن نحث الخطى إلى القبر؟!.

وهكذا عاشت مدام ريكامييه. . . وكانت حياة كلها شقاء. . . شقاء مقدس!!

أنور المعداوي

ص: 48

‌رسالة النقد

موسيقى الشعر

تأليف الدكتور إبراهيم أنيس

بقلم الأستاذ إبراهيم الوائلي

تفضل الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس أستاذ فقه اللغة بكلية دار العلوم فأهدى إليَّ نسخة من كتابه (موسيقى الشعر) وقد أخرجه أوائل هذا الصيف دارساً الأوزان الشعرية عند العرب ومقدار تعرض الباحثين لها مؤيداً تارة ومخالفاً تارة أخرى. وقد بنى بحثه على القواعد علم الأصوات وخصائص الحروف من حيث الجهر والهمس والشدة والرخاوة. وقد استأثر بآراء جديدة في التنافر وعيوب الشعر والأوزان الإضافية الزائدة، وابتداع تفاعيل جديدة.

والكتاب يتألف من أحد عشر فصلاً تنوعت إلى مواضيع مختلفة، وسنشير إلى الفصول ذات الأهمية، كما أننا سوف لا نكتم ما نجده من ملاحظات على هذه الفصول.

يتحدث الدكتور في الفصل الأول عن الإحساس الأدبي وعلاقته بالفطرة والتجارب المكتسبة، ثم أثر النعم في حفظ الشعر، وعن أبرز صفات الشعر وهي الموسيقى، وعن التجديد في هذه الموسيقى التي هي عبارة عن الوزن والقافية وينعى على الشعراء المتحدثين عدم تجديدهم في الأوزان ويعزز ذلك إلى البطء في تطور الأوزان وأن هذا البطء طبيعي (لأن الناس عادة لا يقبلون الطفرة في تطوير موسيقاهم أو أوزان شعرهم) ثم يضيف إلى هذا إهمال الإنشاد في عصرنا الحديث، وهذا الإهمال (أفقدنا إلى حد كبير تذوق الموسيقى الشعرية). هذا رأي سديد، ولكن لماذا لا نظيف إليه التزام شعر المناسبات: من مدح ورثاء وغيرها من الأوزان التي لا تزال آخذة بتلابيب كثيرة من الشعراء؟. وآية ذلك أن الشعراء الذين تحرروا من كلاسيكية المناسبات يجددون في أوزانهم وقوافيهم كما عند المهاجرين واللبنانيين وبعض العراقيين، وقد أشار الدكتور إلى هذا التجديد عند المهاجرين وذكر لهم بعض شواهد، ولكنه لا يريد أن يبقي ذلك مقصوراً عليهم بل يجب أن يشيع في البيئات العربية.

وفي الفصل الثاني يتحدث عن (الجرس في اللفظ الشعري). وأهم ما فيه تعرضه للتنافر

ص: 49

وتعريف علماء البلاغة له وهو يتفق مع القائلين بأن التنافر إنما يكون إذا تقاربت الحروف في مخارجها، ولكنه يشترط لذلك ألا يفصل بين الحرفين حركة من الحركات لأن الحركة صوت كسائر الأصوات الأخر. وعلى هذه القاعدة يجب أن تنظر في الشواهد التي ساقها البلاغيون للتنافر.

ثم يتحدث عن طبيعة الأصوات وصلتها بموسيقى الشعر، فالأصوات المهموسة وأصوات الأطباق وبعض أصوات الحلق لا تستسيغها موسيقى الشعر كما تستسيغ الأصوات المجهورة، والشديدة أسهل من الرخوة فعدم استحسان كلمة (اطلخم) يرجع إلى الطاء والخاء لأن الأولى من أصوات الأطباق والثانية من أصوات الحلق وكلاهما مهموسان.

وفي هذا الفصل يتحدث عن (جرس الألفاظ في البديع) ويناقش عبد القاهر الجرجاني مناقشة عنيفة لأن الجرجاني لا يهتم بجرس الألفاظ بل يعزو الجمال في التعبير - إذا كان هناك جمال - إلى المعنى وحده.

يقول الدكتور في صفحة 44: (ولاشك أن عبد القاهر قد بالغ في هذا مبالغة غير محمودة، فجمال الجرس أمر معترف به بين أهل الأدب ونقاده ولا معنى لإنكاره).

ثم يقول في الصفحة نفسها: (وتظهر مبالغة الجرجاني حين نتذكر أن نقاد الأدب، قديمهم وحديثهم، قد أجمعوا على أمر واحد وهو وجوب إخضاع اللفظ للمعنى). وإلى هنا يبدو شيء من التناقض بين التعبيرين، ويظهر أن الدكتور أراد أن يقول: إنهم يجمعون على إخضاع المعنى للفظ حتى يتناسب هذا مع إنكاره لرأي الجرجاني، وإلاّ فأية مبالغة تظهر عند الجرجاني وهو الذي لا يقيم لجرس الألفاظ وزناً:(فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً ويستجيد نثراً يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ. . . فأعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف وإلى ظاهر الوضع اللغوي بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده). ويقول معلقاً على الجناس والسجع: (وعلى الجملة فانك لا تجد تجنيساً مقبولاً ولا سجعاً حسناً حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساقه إليك). والجرجاني يستحسن سجع الجاحظ لأنه خال من التكلف والصنعة ويزيف كثيراً من التجنيس عند أبي تمام ومن نحا نحوه لأنه مصطنع متكلف، ويسوق لذلك أمثلة كثيرة في أسرار البلاغة الحسن والقبيح.

ص: 50

نعم إننا لا نريد أن نزركش الثياب على جسم ناحل متداعي الأوصال كما أننا لا نريد من الزهرة أن تبتسم وهي بين الأشواك والصخور، ولعل الجرجاني لا يند عن هذا الرأي.

أما الفصل الثالث فإنه يبحث في الأوزان وأنواعها وبحث القدماء لها وفيه نقد للقدماء على إغراقهم في خصائص الأوزان ومصطلحاتها وإتيانهم بأوزان لم يرد عليها من الشعر العربي شيء وإذا ورد فلا يكاد يتجاوز البيت أو البيتين، ولعل أكثرها موضوع. كذلك ناقش القدماء في بعض الأوزان التي افترضوا لها أصولاً ثم سقطت منها بعض التفاعيل مع أنه لم يرد لهذا الأصل الذي افترضوه شاهد من الشعر العربي. ونحن مع الدكتور في مناقشته لهذا التحمل الذي شغل العروضيون به أنفسهم فلا داعي للافتراض لأن الدوائر العروضية لم توضع اعتباطاً وإنما وضعت وفق ما جاء من الشعر العربي. وفي أثناء بحثه تعرض لبحر المقتضب بشي من الحذر لأنه نادر الشواهد وذكر قطعة للحسين بن الضاحك شاهداً عليه وأولها:

عالم بحبيه

مطرق من التيه

ومنها:

لا وحق ما أنا

فيه من عطف أرجيه

وآخرها:

تائه تزهده

في رغبتي فيه

فقال: إننا مضطرون إلى منع كلمة (عطف) من الصرف حتى يستقيم الوزن. والحقيقة أن الوزن لا يستقيم حتى مع هذا الاضطرار بل يكون الشطر الثاني من الهزج على كلتا القراءتين، ويخيل إليَّ أن البيت مصحف ولا يستقيم إلا إذا فيه هكذا:

لا وحق ما أنا

فيه فلا أرتجيه

وإن اختلف المعنى وقال: إن الشطر الأخير من القطعة لا يستقيم له وزن، والصحيح أن الوزن مستقيم بتشديد (فيّ) وهذا ما يقتضيه المعنى كذلك.

وعالج في هذا الفضل نسبة شيوع الأوزان في الشعر مقدماً بعضها على بعض حسب هذا الشيوع وابتدأ بالطويل وذكر ما فيه من التفاعيل الشاذة التي تأباها الأذن الموسيقية ونحا باللوم على العروضيين الذين أقروها لمثل أو مثلين قد تكون من أخطاء الرواة أو من

ص: 51

التصحيف. ومن هذه التفاعيل ورود (مفاعيل) و (مفاعل) حشواً في البيت الأول قول امرئ القيس:

ألا رب يوم لك منهن صالح

ولا سيما يوم بدارة جلجل

ونحن نوافق الدكتور على هذا ونعتقد أن البيت مصحف إذ تكاد تكون أمثلته نادرة جداً وقد يكون هو وحده الذي روى بهذه الصورة ولذلك روى هكذا:

ألا رب يوم لي من البيض صالح

ولا سيما يوم بدارة جلجل

فراراً من هذه الشذوذ. ومن الثاني قول امرئ القيس أيضاً:

ويوم عقرت للعذارى مطيتي

فيا عجباً من رحلها المتحمل

وقد افترض الدكتور قراءة: (عقرنا) فراراً من الزحاف. كما افترض لبعض الأبيات التي ساقها شاهداً لهذا النوع قراءة تتفق مع الوزن الصحيح، وإلى هنا لا نستطيع أن نوافق الدكتور على تخطئة الرواة أو التصحيف؛ لأن هذا النوع شائع عند العرب في الجاهلية والإسلام وفي العصر العباسي وشواهده كثيرة في الشعر الجاهلي، ويكثر عند الأخطل في صدر الإسلام ومنه قوله:

فجاء بها كأنما في إنائه

بها الكوكب المريخ تصفو وتزبد

وعند البحتري في العصر العباسي ومنه قوله:

جديد الشباب كبره لفعاله

وبعض الرجال كبره بسنيه

ومثل هذا كثير لا يتسع المقام لذكره. ولعل مرجع ذلك إلى طبيعة الغناء في العصر الجاهلي فإن معظم الشعراء كانوا يترنمون بأشعارهم حين ينشدون وهذا الإنشاد قد يطيل المقاطع والحركات فلا يحس الشاعر بنبوة أو شذوذ. وإطالة الحركة شائعة في الشعر قال لبيد:

فبنى لنا بيتاً رفيقاً سمكه

فسما إليه كهلها وغلامها

فوزن البيت يقتضي إطالة الكسرة في هاء (إليه) وعلى هذا فلا يبعد أن امرأ القيس كان ينشد بيته هكذا:

ويوم عقرت (و) للعذارى مطيتي

فيا عجباً من رحلها المحتمل

أما شيوعه فيما بعد العصر الجاهلي فلأن الشعراء وجدوه شائعاً فنسجوا عليه. على أننا مع

ص: 52

الدكتور في أن هذا النوع من التفاعيل يجب الابتعاد عنه.

وفي استعراضه لبحر البسيط ذكر شواهد لمجيء (متفعلن) بدل (مستفعلن) في حشو البيت. ومن هذه الشواهد بيت النابغة وهو:

سراته، مدخلا (لبانه)، لهق

وفي القوائم مثل الوشم بالقار

وآخر لأعشى باهلة وهو:

طاوى المصير على (الغراء) منجرد

بالقوم ليله، لا ماء ولا ثمر

وقد وضعنا كلمتي (لبانه) و (العزاء) بين قوسين إذ فيهما يرد احتمال الشذوذ. أما القراءة الصحيحة فأنها تجعل البيتين مستقيمي الوزن، فصحة الكلمة الأولى:(لبَّاته) بياء مشددة وتاء جمع لبَّة وهي موضع القلادة. وصحة الكلمة الثانية (المزَّاء) بتشديد الزاء وهي السنة الشديدة وهذا ما يقتضيه المعنى أيضاً.

تعرض الدكتور في ص 94 لبحر المديد وذكر أنه وزن قديم جداً هجره الشعراء وليس في القدماء الجاهليين من نظم عليه ما يستحق الذكر إلاّ بضعة أبيات نسبت للمهلهل بن ربيعة. ولا أدري هل يوافق الدكتور على رواية أبي تمام فقد روى قصيدة ذات 26 بيتاً لتأبط شراً وأولها:

إن بالشعب الذي دون سلع

لقتيلاً دمه ما يطل

ولعل رأي الدكتور في بحر المديد أرجح لأن الأصمعي نفسه شك في أن تكون هذه القصيدة جاهلية لبعض المعاني والتعابير التي وردت فيها؟ وقد أشار إلى هذا التبريزي في شرحه للحماسة وبَّين الآراء التي قيلت فيها.

وقد جمع الدكتور بين الهزج ومجزوء الوافر في بحث واحد وسرُّ هذا الجمع كون البحرين يلتقيان في تفاعيلهما ويفترقان في بعض التغييرات. فالهزج يأتي فيه (مفاعيل) أحياناً بدل (مفاعيلن) ولا يجوز ذلك في مجزوء الوافر. وقول الدكتور: (فإذا جاءت الأبيات مكونة من مكرر مفاعلتن وحدها فذلك هو مجزوء الوفر) قول صحيح لا غبار عليه. أما قوله: (وإذا رويت من مكرر (مفاعيلن) وحدها فهنا يلتبس الأمر بين مجزوء الوافر والهزج) فهذا ما لا نستطيع أن نؤيده بل تقول: إنه الهزج بصورته الأصلية القديمة، وكان على الدكتور أن يبرئ الهزج من (مفاعلتن) ليستريح من كلُّ هذا العناء، والذي جعله يمزج بين البحرين

ص: 53

هو هذا الخلط العجيب الذي درج عليه بعض المحدثين فلم يفرقا بين الهزج ومجزوء الوافر بل تأتي القطعة وهي خليط من هذا وذاك. فالقطعة التي نقلها الدكتور من ديوان (الملاح التائه) شاهداً على الهزج لا يقرها الوزن الصحيح لأنه يقول فيها:

هناك على ربي الوادي

لنا مهد من العشب

فإن الشطر الأول من مجزوء الوافر حتما لمجيء (مفاعلتن) فيه

وقال: (ويظهر أن الهزج تطور لمجزوء الوافر جاءت به عصور الغناء أيام العباسيين ولم يكن معروفاً أيام الجاهليين) وقد بنى رأيه هذا على ندرة الشواهد وعدم اعتماده على الرواة في معظم الأحيان. ولو أنه اعتمد على رواية أبي تمام لما أنكر وجود الهزج فقد روى أبو تمام في الجزء الأول من الحماسة قطعة نسبها إلى الفند الزماني من شعراء بكر بن وائل ومنها:

صحفنا عن بني ذهل

وقلنا القوم إخوان

والدليل على أنها من الهزج قوله فيها:

ولم يبقِ سوى الأعداء

دّناهم كما دانوا

وقوله:

بطعن كفم الزق

غذا والزق ملآن

فقد وردت (مفاعيل) في البيتين الأخيرين وهي من خصائص الهزج:

هناك شيء يجب أن أشير إليه بإعجاب وهو التفاعيل التي استنبطها الدكتور لتبنى منها الأوزان الشائعة بعد ترك الأوزان التي لم يرد عليها شاهد صحيح، وهذه التفاعيل ثلاث: فعولن، فاعلن، مستفعلن. ثم يضاف إلى كلُّ تفعيلة مقطع ساكن فيتولد ثلاث تفاعيل أخر: وهي فعولانن، فاعلاتن، مستفعلاتن. ومن هذه التفاعل الست يمكن بناء عشرة أبحر ما عدا الكامل والوافر والهزج. وعذر الدكتور في استثناء هذه الثلاثة أنها قد تشتمل على مقطعين قصيرين متواليين فيتعذر بناؤها. وكان على الدكتور أن يضم الهزج إلى هذه البحور العشرة ويبنيه من (فعولاتن) مكررة بعد أن قلنا: إن الهزج لا تأتي فيه مفاعلتن، أما الكامل والوافر فإنه يمكن أن تجري فيها على قواعد الصرفيين. ونقول: إن الحرف المتحرك لا ينافي أن يقابله الساكن في الكلمة بالمتحرك في الميزان الصرفي؛ فيقولون: اشتد على وزن

ص: 54

افتعل. وإن كان في هذا مجال للبحث.

وفي الفصل الرابع تعرض لتحليل المستشرقين للأوزان واتخاذ نظام المقاطع بدل التفاعيل. ولعل هذا يحتاج إلى دراسة شاملة؛ لأن نظام المقاطع مبنى على دراسة الأصوات اللغوية وهذه لا تزال في بداية مراحلها.

وفي الفصل الخامس تحدث عن غناء الشعر وإنشاده وعلاقة هذا بجودة الشعر وموسيقاه ونبه على ضرورة العناية بالإنشاد في المدارس لتؤدي رسالة الشعر غير منقوصة. ولدى الحقيقة أن إهمال الإنشاد في العصر الحديث قد أفقد الشعر ميزة كبرى لا تقل عن العاطفة والتعبير.

واختص السابع بدراسة أوزان المولدين كالمستطيل والممتد والمتوفر وغيرها وشيوع الأزجال المبنية على نظام البحور القديمة وقد ذكر لهذا عدة شواهد من مقدمة ابن خلدون ومن الأزجال المصرية الحديثة وحاول جهد الطاقة على البحور الشائعة.

والحق أن الأزجال في البلاد العربية كلها أو معظمها موزون كالشعر الفصيح ولكن الوزن يختلف باختلاف اللهجات والأغاني في الشعوب العربية؛ لأن الشقة قد أصبحت بعيدة بين البيئات العربية في تأدية الكلمات العامية.

وفي الختام لا يسعني إلا أن أثنى على المؤلف الجليل لما بذله من عناية وجهد في هذا الكتاب فجاء تحفة رائعة تغني عما كتبه العروضيون وتكفي من يريد دس العروض دراسة صحيحة يستطيع بواسطتها أن يعرف النسج الشعري دون مشقة أو عناء ويتجنب العيوب الشعرية من علل وزحافات وغيرها.

إبراهيم الوائلي

ص: 55