الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 855
- بتاريخ: 21 - 11 - 1949
محمد علي الكبير
بمناسبة الذكرى المئوية لوفاته
كلما قلبت تاريخ هذا الرجل العظيم ثم أرسلت فكري وراء أخباره وآثاره، بدا لي الرجل عالماً من المزايا التي لا تخص بها الطبيعة غير الأفذاذ من الرجال؛ وذلك لأنمحمد علي لم يكن فرداً عادياً من هؤلاء الذين تخلقهم الظروف والمناسبات، وتحل الحضور الطارئة في حياتهم محل المواهب النادرة والطموح الذي لا يحد. . . كلا، لم يكن محمد علي واحداً من هؤلاء، ولكنه كان واحداً من أولئك الذين يفرضون أنفسهم على الظروف والمناسبات ثم لا يقيمون للحظوظ وزناً ما دام الوزن في حياتهم للبصيرة النافذة وللعزم القادر وللذكاء الوثاب لهذا كله سواء أسعف الحظأمتخلف، أقبلت الدنياأمأدبرت، ابتسمت الأيام أم لقيت جهادهم بالعبوس! وهكذا تجد العظيم كلما بحثت عن أسباب العظمة في كل ميدان تقام فيه صروح الهمم وتشيد معاقل الكفاح؛ شعلة من الأيمان بالنفس وشعلة من الأيمان بالوطن. . . ومن وهج الشعلة الأولى تكونت شخصية محمد علي وغمر ضوءها كل نفس، ومن وهج الشعلة الثانية تكونت شخصية مصر الحديثة وأمتد سلطانها إلى كل أرض، وعلى مدار الشخصيتين العظيمتين اقترنت حياة رجل في حساب التاريخ بحياة أمة!
حين وفد محمد علي إلى مصر كانت مصر مرتعاً خصيباً للفوضى التي لا يرجى معها نظام، وكانت ملجأ رحيباً للغاصب الذي لا ينتظر من جوره إصلاح، وكانت حلماً جميلاً للطامع الذي لا يؤمن لجشعه مغبة، وكانت نهباً مباحاً للجهل الجاثم على العقول وللتأخر المتخلف عن ركب الحضارة. . . ونظر الرجل العظيم إلى الماضي البعيد بفكره فاستعبر، وإلى الحاضر المشهود بعينه فأنكر، ثم تطلع بطموحه إلى المستقبل المرتقب فامتلأت نفسه بالأمل والثقة والرجاء! ماذا ينقص الأمم من وسائل الرقى لتأخذ مكانها في الطليعة؟ وماذا يعوز الشعوب من أسباب التقدم لتشق طريقها إلى الأمام؟. رسم القائد العظيم خطته قبل أن يخوض أعظم معركة في ساحات المجد؛ رسمها في صبر لا ينفد وأناة لا تيئس وجلد لا يلين. وكانت أعظم معركة وأشرف معركة: مصدر العظمة فيها أنها انتزعتأمةمن مهاوي العدم، ومنبع الشرف فيها أنها انتشلت شعباً من ظلمات الجهل، وأنتصر الرجل في المعركة الخالدة بسلاحين: سلاح العلم والمعرفة هنا وسلاح الجيش والأسطول هناك. وفي كل
خطوة من خطواته فتوح تتري وغزوات!
لست في مجال الإحصاء للمفاخر والمآثر فتلك أمور يسأل عنها كتاب التراجم وكتاب التاريخ، ولكنني في مجال التحية القلمية للعاهل العظيم بمناسبة انقضاء مائة عام على وفاته، وإنها لذكرى تستحق البقاء في كل نفس من نفوس هذا الشعب الذي كافح محمد علي من أجل بقائه، وكافح من بعده أبناؤه وأحفاده من أجل خيره وسمعته وسيادته. . . اليوم وبعد تلك الأعوام المائة ننظر إلى البناء الذي أقمناه بجهادنا على أرضالقومية المصرية، فلا نملك إلا أن نذكر واضع الأساس الأول في هذا البناء، وغداً حين نواصل السير في الطريق الذي نتشوف إلى بلوغ منتهاه، سنرتد بأفكارنا إلى الوراء نلتمس الهدى من تاريخ رجل هو قدوة السائرين في كل طريق.
لقد كان محمد علي مصرياً بالطبع والسليقة وإن لم يكن مصرياً بالمولد والنشأة. وأعظم بهذا المصري الذي شغلته مصر عن وطنه الأول وعن كل ما عداه من أوطان، وأعظم بهذه المصرية التي ألقى صاحبها العظيم في سبيلها من المحن ما لم يلقه إنسان!.
(أ. م)
صور من الحياة:
ركن يتداعى
للأستاذ كامل محمود حبيب
لست أنسى - يا صاحبي - أنك كنت لي في ميعه الصبا رفيق الروح في وحدة الحياة، وأنيس القلب في وحشة العمر، ونور النفس في ظلام العيش!
لقد كنت آن ذاك فتى مدنيّ النشأة والمزني، تختال في الصحة وترفل في العافية، وتتألق على وجهك سمات النعمة وتبدو على جبينك علامات السعة؛ لا تعوزك المتعة الرخيصة ولا تفتقر إلى اللذة التافهة. وأبوك صائغ ماهر يصوغ من الذهب الدور والأطيان. والصائغ ساحر ينفث في العقد ليخلق لنفسه الثراء والغنى؛ غير أنه مبتلى بالشح، مرزأ بالكزازة، يعروه الجزع من الإنفاق، ويدهمه الخوف من البذل: طبيعة ركبت فيه لأنه يرى الكنز بين يديه وهو يتلألأ بريقاً بخطف البصر والقلب، فيشفق أن تبدده لوثة الكرم أو أن يبتلعه داء السخاء. وهكذا كان أبوك - يا صاحبي - صائغاً يصوغ الثروة ويضن بها على نفسه وعلى أولاده، فما تبض يده بالقرش ولا ينبض قلبه بالشفقة. فأصابك بعض قسوته وبخله. وأحسست أنت بغلظة أبيك دون شحه، لأن أمك كانت إلى جانبكن فاعتراك تكسر وفتور من طول ما دعّك عن نفسه وعن مجلسه فنفرت من دارك وأهلك.
أما أنا فكنت فتى ريفي الطبع قروي المزاج، أسترسل في سذاجة وآخذ في قوة وأدفع في عنف، وأنا إذ ذاك قريب عهد بالمدينة، لم تمسني رخاوة المدينة ولا شملتني طراوة الحضارة. أعيش وحيداً في حجرة وضيعة، أحس الشظف والضياع، لا أجد الرفيق ولا المس الراحة، أتقلَّب بين عناء الدرس وعنت الحياة فلا أتململ ولا أضيق، وأتنسم ريح القرية - بين الحين والحين - على أجد فيها بلاغاً، وانتظر هبّات عطف أبي - بين الفينة والفينة - عسى أن أنشق فيها عطر الشفقة. فتعلمت في وحدتي أول مبادئ الصبر والأنفة، فلقنت من فاقتي أول تعاليم الترفع والكبرياء.
واطمأن قلب إلى قلب، وسكنت نفس إلى نفس، فانطلقنا معا ً - جنباً إلى جنب - نجتاز مراحل الدراسة في غير وناء ولا بطئ، صديقين عاشا في صفاء لم يعكره خصا ولا شابه تدابر، وأنطوت الأيام.
وتخرجت - يا صاحبي - في مدرستك لتصير موظفاً في وزارة الأشغال، وانفلت من شبح أبيك وقسوته لتنشق - لأول مرة - عبير الحرية والخلاص، ثم اخترت لحياتك فأصبحت - بعد سنوات - زوجاً وأباً ورب أسرة. أما أنا فقد طوحت بي الحياة في مطارحها، لا أستقر في مكان إلا لأفزع عنه، ولا أهدأ في بلد إلا لأطير عنه. فصرفتني شواغل العيش عن أن أراك وأنا لا أنسى أنك كنت لي في ميعه الصبا رفيق الروح في وحدة الحياة، وأنيس القلب في وحشة العمر، ونور النفس في ظلام العيش.
ثم هفت نفس إليك - بعد عمر من عمري - فانطلقت، فرأيتك رجلاً تتوثب قوة فقوة، وتفيض بشراً وسرورا، يلمع الأمل في ناظروك ويبسم الرضا من نضارتك، وبين يديك صغار يرفون حواليك كالأقمار رونقاً وبهاء، يملأن الدار جمالا وسعادة، ويفعمون قلبك بالغبطة والبهجة. أما زوجك فكانت روح الدار وريحانها.
وحين دخلت دارك، أحسست أنك تسعد هناك بروح الجنة على ثرى الأرض، وأنك تنعم بلذة الخلد في فناء الحياة، وشعرت أنا بأن لأعزب رجل تافه خسر بهاء الدنيا ورونق الأسرة.
ثم ضربت الأيام بيني وبينك - مرة ثانية - فوجدت فقدك في قرارة نفسي ولكن قلبي كان ينبض بالرضا والطمأنينة لأنه رأى دارك تنهق بالسعادة والرفاهية.
وتناهى إلي - بعد سنة واحدة - أنك تطب لمرض ألمّ بك فتاقت روحي إليك، لعليأستطيع أن أرفه عنك بلاء الداء. أو أزيح صفعات الألم. وحين وجدت السبيل إليك، اندفعت أنت تحدثني حديثك، فقلت: (. . . وذهبت أفتش عن دواء لدواء عيني عند طبيب من ذوي الرأي والتجربة. ووجد الطبيب فيّ ضعفاً فاستغله فتهدّم عليّ يستنفد وفرى ويبتلع مالي. وطالت بي مدة العلاج، وللطبيب أسلوب فيه الخديعة والأمل، يستر من ورائه أفنان من الجهل والجشع، وأنا لا أجد معدي عن أن أستسلم في خضوع وأنا أستخذى في ضعف. ثم ارتفعت عن عيني يد الطبيب ففزعت إذ أحسست بأن نور عيني يوشك أن ينطفئ فتظلم الحياة في ناظري إلى الأبد؛ ولكن الأمل كان يعاودني آنا فإنا، لأنني كنت أرى بصيصاً من نور يكشف لي الطريق، فطرت - بعد لأي. إلى الطبيب أستجديه وأستعينه فوضع يده - مرة ثانية - ثم رفعها فإذا أنا أعمى قد كف بصري (آه، يا صاحبي! لقد أنهار كياني وأنهد
عزمي وتداعى ركني وأصابتني البلوى في الصميم من قلبي، وفي العزيز من روحي، واعتراني اليأس والأسى، وآذاني ما انتهيت إليه. فكنت أنطلق إلى حجرتي وحيداً أنخرط في بكاء مر طويل، وأنا أشفق على أولادي أن تصفعهم النكبة فتخبوا فيهم جذوة الحياة، وتخمد روح السعادة في الدار، ويعصف بنا الذل ويقتلنا الضنى وتذهب بريحها الفاقة، فكتمت الأمر في قلبي وفي قلب زوجي.
(وثارت ثائرتي - ذات مرة - فانطلقت إلى الطبيب، برفقة زوجي، أريد أن أثأر لنفسي. وحين اندفعت إليه أحاول أن أنشب أظافري في عنقه أنفلت من بين يدي فارتطمت بالجدار فسقطت وأنا أصرخ في غيض وكمد لأنني لم أشف غلة نفسي.
وانطوت الأيام وأنا أعالج لوعة نفسي بالصبر، وآسو جراح قلبي بالتأسي، غير أنني كنت أفزع لكل نأمة وأجزع من كل صوت وأهرب من كل صديق. ورقت مشاعري فلازمني الصمت والبكاء. . . ثم عافت نفسي أن تنزل عن كبريائها، وأنا من بيت دين وورع، يرتفع عن الاستخذاء في البلوى ويسمو على الضعف في الرزء، فأمسكت على مضض وابتسمت على لوعة وأسلستُ على بثّ.
(ثم وقعت بين فكين من الحياة فيهما الغلظة والجفوة، فأنكرني رفاقي في غير رحمة، وفزع عني ذوو قرابتي في غير شفقة أما الحكومة فكانت الداء العياء والبلاء الأكبر، فلقد طردتني من عمل لا أمل فيه ودَّعتني عن مكان لا أصبو إليه، لم ترحم صبيتي ولا أشفقت على ضعفي، فسلبتني راتبي ومنعتني حقي ونبذتني إلى الشارع.
(وفي ذات مساء جاء ساعي المدبر يعتذر بلسان سيده البك عن ما سطرته يد السيد في خطاب الرفت. ورآني الساعي في محنتي فأنكب على يدي يقبلهما في عطف، ويبللهما بدموع المحبة والإخلاص. . . دموع الرقة والإنسانية، فانهمرت عبراتي، انهمرت لأنني ألفيت في الساعي كرماً وشهامة على حين انطوى قلب سيدة البك على ضعة وسفالة).
وثارت شجون صاحبي فماتت الكلمات على لسانه. . . سكت وجبينه يرفض عرقاً لأنه يحاول أن يكتم نوازع نفسه عني وهي تضطرم في عنف وشدة. . . على حين أني لم أنس أنه كان لي في ميعه الصبا رفيق الروح في وحدة الحياة، وأنيس القلب في وحشة العمر، ونور النفس في ظلام العيش.
وأنتفض قلبي في حرقة وأسى. . . أنتفض لأنني رأيت صغاراً يرفون حوالينا كالأقمار رونقاً وبهاء، فماذا. . . ماذا تخبئ لهم الأقدار، يا قلبي؟
كامل محمود حبيب
أهل العلم والحكم في ريف فلسطين
للأستاذ أحمد سامح الخالدي
يرى المتتبع لتاريخ فلسطين، أن الريف كان شاهداً لكثير من المعارك والحوادث الجسام. وقد ضمنت تربيته المقدسة رفات الكثيرين من الصحابة والتابعين الأكرمين.
وفد رأينا أن نسجل على صفحات مجلة الرسالة الغراء ما عثرنا عليه في المصادر العربية، مما يجهله الكثيرون.
ونرجو أن يتسع المجال لنشر ما توصلنا إليه فيرى القراء الكرام، ما أخرجه هذا الريف من رجال العلم والحكم في مختلف العصور، وما تغنى به فحول الشعراء منذ القرن الهجري الأول حتى زوال الدولة العثمانية.
وقد شهد هذا الريف (أجنادين) و (طاعون عمواس) و (ومقتلة الايوبيين) عند نهرأبيفطرس (العوجا) و (حطين) التي هزم فيها الإفرنج، (وعين جالوت) التي قضى فيها على التتار، إلى غير ذلك من الحوادث والمعارك الفاصلة في التاريخ العربي
على أن الريف قد حرك خيال الشعراء، فكان لشعر جرير والمتنبي، وليلى الأخيلية، وجميل، منه نصيب أي نصيب.
ونحن نعلم ونحن نكتب هذه السطور أن بعض الجهلة والمغرضين من الكتاب، والخصوم، قد شوهوا جمال هذا الريف، وقللوا من شأنه كما نعلم أن أهله قد نسوه ونبذوه وأهملوه فأصبحت. كلمة (فلاح) أو (قروي) مرادفة لكلمة جاهل أو محتقر، حتى صار أبناء الريف أنفسهم يشعرون أنهم من طينة غير طينة أبناء المدن المترفين. ومشى مع هذا شعور بالضعة والمذلة تملك النشء القروي وطغى عليه، فصار إذا ما رأى طالباً نال شهادة الاجتياز إلى التعليم العالي رأى في ذلك أمراً عجباً؛ وإذا ما سمع باسم عالم ريفي يشغل مركزاً في القضاء أو الحكم أستغرب وتعجب، كأنما العلم وقف على المدن والحواضر دون الريف، فكان من جرّاء هذا لشعور المغلوط أن تشّبع أبناء المدن بشعور مبالغ فيه في تقدير قيمة المدن إذا قيست بالقرى فكأنما العلم منشؤه المدن، وكأن الفلاح إنما هو أداة حراثة وحصاد يجد ويشقى لينعم بآثار جهده أبناء المدن وهم قابعون.
على أن الذي ينعم النظر يرى أنه كان لأبناء الريف في فلسطين القدح المعلى في شتى
ميادين العلم والإدارة والقضاء في مختلف العصور. إذ كانوا منذ القرون الأولى ما يزالون حملة العلم لا في فلسطين فحسب بل نقلوا مشعلهم معهم إلى ديار الشام ومصر وسائر البلدان العربية.
ونكتفيالآنأن نسجل بعض أسماء من أبناء الريف الفلسطيني فنذكر الحسن اليازوري رئيس وزراء الدولة الفاطمية (القرن الخامس) وقاضي قضاتها وداعي دعاتها وهو من أبناء يازور، قرية على طريق يافا.
بل لنعد قليلاً إلى القرنين الأول والثاني الهجريين، فنذكر موسى بن نصير فاتح قبرص وقائد معاوية، وفاتح الأندلس فقد سبى والده من جبل الخليل وهو اللخمي الفلسطيني الريفي، ثم الربيع بن يونس أبو فروة حاجب المنصور العباسي باني بغداد ووزيره فهو من جبل الخليل أيضاً. وتعال إلى عالم الأدب فلا تنسى أن تذكر عبد الحميد الكاتب القيسراني، نسبة إلى قيسارية، وقد أعتبرها ياقوت قرية الوزير الأموي، الكاتب المنشئ، كما تذكر القاضي الفاضل البيساني نسبة إلى بيسان، المدينة الريفية الفلسطينية مستشار صلاح الدين، المؤرخ المنشئ البليغ والمصلح العمراني المجاهد الذي قال صلاح الدين عنه أنه لم يفتح البلاد إلا بقلمه.
بل لقد أخرج الريف الفلسطيني عدداً من الأسر العلمية التي ساهمت أكبر مساهمة في الحركة الفكرية في القرون الوسطى في فلسطين والشام ومصرن فمنهم بنو كنانة العسقلانيون، وقد تفرقوا بعد خراب عسقلان بعد القرن السادس فكان لهم فضل عظيم في نشر العلم والفقه واللغة. ومنهم بنو غانم المقدسيون (من يورين) في جبل نابلس الذين أسلمهم صلاح الدين خانقاً في القدس فظل نجمهم يسطع حتى القرن العاشر. ومنهم بنو قدامة الجمَّاعيليون، من جمَّاعيل جبل نابلس، الذين نزحوا إلى دمشق في القرن السادس فأسسوا فيها الصالحية ومدرسة أبي عمر. فكانت مركزاً هاماً لتدريس الفقه الحنبلي خاصة مما كان له أبلغ الأثر في دمشق والشام والعالم الإسلامي عامة.
بل ماذا نقول فيما أخرجته (رامين) في جبل نابلس مما سيطلع عليه القارئ فيما بعد، أو ما ساهمت به (مردا) من العلماء والعالمات حتى كادوا يحتكرون العلم في تلك العصور الغابرة ويحملون مشعلة دون سواهم.
هذا وقد أخرج الريف الفلسطيني عشرات بل مئات من المؤلفين والأدباء، فهذا الجمال البشيتي (نسبة إلى بشيت من أعمال الرملة) يكتب في الألفاظ المعربة، وهذا المحبي صاحب سلك لدرر يقتبس من الحسن البوريني (نسبة إلى يورين جبل نابلس، ويعتبره مرجعه، ويعترف له بذلك في مقدمة كتابه النفيس وهو أعظم مراجعنا عن الحركة الفكرية في القرن الحادي عشر في هذه الديار.
ففي علوم القرآن، والفقه، ورواية الحديث، وفي التصوف والأصول والفرائض، وعلم الكتاب والمذاهب الأرنعة، وفي علوم اللغة، من قواعد ونثر ونظم، وفي إنشاء الرسائل، وفي التاريخ والطبقات والرحلات بل وفي علوم النجوم والرمل والزايرجا، في جميع هذه العلوم التي تؤلف مادة العلوم الإسلامية منذ القرون الأولى ساهم أهل الريف في فلسطين مساهمة تضعهم في الصف الأول من خدمة الثقافة والعلوم في هذه الديار.
وقد استثنينا من بحثنا المدن الفلسطينية الكبرى كالقدس، والرملة، وغزة والخليل، ونابلس ويافا وعكا وصفد، واعتبرنا أرسوف وقيسارية وعسقلان من بلدان الريف لا المدن.
ولم ستئن الناصرة على اعتبار أنها كانت قرية من أعمال صفد، وحيفا لأنها كانت بليدة، وبيبسان هي أقرب إلى المدن الريفية منها إلى المدن والقصبات.
وقد رتبنا قرى الريف، على الحروف الأبجدية ليسهل الرجوع إليها، واعتمدنا معجم ياقوت كأساس للقرى العربية، كما أثبتنا غير ذلك من القرى مما ورد ذكره في المصادر العربية الأخرى.
مشاهد فلسطين، وبقاعها، وأنهارها، وجبالها في المصادر
العربية:
أجناد الشام: لما فتح العرب الشام قسّموها إلى خمسة أجناد وهي جمع جُند ومنها جند فلسطين وجند الأردن وجند دمشق وجند حمص وجند قنسرّين. قال أبن جار اختلفوا في الأخبار فقيل سمّي المسلمون فلسطين جنداً لأنه جمع كوراً، والتحند والتجمّع، وجندت جنداً أي جمعة جمعاً، وكذلك بقية الأجناد. وقيل سمية كل ناحية بجند لأنهم كانوا يقبضون أعطياتهم فيه.
قال الفرزدق:
فقلت ما هو إلا الشام تركبُهُ
…
كأنما الموت في أجناده البغرُ
وجاء في معجم ياقوت ح6 - 397 عن فلسطين ما يأتي:
(العرب في إعرابها على مذهبين: منهم من يقول فلسطين ويجعلها بمنزلة مالاً ينصرف ويلزمها الياء في كل حال فيقول هذه فلسطينُ ورأيت فلسطين ومررت بفلسطين. ومنهم من يجعلها بمنزلة الجمع ويجعل إعرابها بالحرف الذي قبل النون فيقول هذه فَلسطين ورأيت فلسطين ومررت بفلسطينَ. كذا ضبطه الأزهري والنسبة إليه فلسطى. قال الأعشى:
ومثلك خَوْدٌ بادن قد طبتها
…
وساعيت معصياً لدنيا وُشاتها
متى تُسق من أنيابها بعد هجعة
…
من الليل شرباً حين مالت طلاتها
تعله فلسطياً إذا ذقت طعمه
…
على ربذات التي حمسٌ لثاُتها
وهي آخر كور الشام من ناحية مصر قصبتها بيت المقدس. ومن مشهور مدنها عسقلان والرملة وغزة وأرسوف وقيسارية ونابلس وأريحا وعمان ويافة وبيت جبرين أولها رفح من ناحية مصر وآخرها اللجون (مجرو - أو تل المتسلم) من ناحية الغور عرضها من يافا إلى أريحا نحو ثلاثة أيام، وزغر (بحيرة لوط أو البحر الميت) ديار لوط وجبال الشراة إلى آيلة (العقبة) كله مضموم إلى جند فلسطين، وغير ذلك وأكثرها جبال والسهل فيها قليل.
ولو أن طيراً كلفت مثل سيره
…
إلى واسط من إيلياء لكلت
سما بالمهارى من فلسطين بعد ما
…
دنا الشمس من فئ إليها فولت
قال ألبستي، وكان ورد بغداد رسولاً من غزنة يذكر فلسطين والتزم ما لا يلزمه من الطاء والياء والنون يمدح عميد الرؤساء أبا طاهر محمد بن أيوب وزير القادر بالله ثم القائم:
العبد خادم مولانا وكاتبه
…
ملك الملوك وسلطان السلاطين
قد قال فيك وزير الملك قافيةً
…
تطوى البلاد إلى أقصى فلسطين
كالسحر يخلب من يرعيه مسمعه
…
لكنه ليس من سحر الشياطين
فأرعه سمعك الميمون طائره
…
لا زال حليك حلى الكتب والطين
وعشت أطول ما تختار من أمد
…
في ظل عر وتوطيد وتوطين
وقال أبن عرمة:
كأن فاها لمن تؤنسه
…
بعد عبوب الرقاد والعَلل
كأس فلسطية معتقة
…
شيبت بماء من مزنة النسل
قال أبن الكلبي في قوله تعالى (يا قوم أدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) هي أرض فلسطين. وفي قوله تعالى (الأرض التي باركنا فيها للعالمين) قال هي فلسطين.
قال عدي بن الرقاع:
فكأني من ذكركم خالطتني
…
من فلسطين جلس خمر عقار
عتقت في الدنان من بيت رأس
…
سنوات وما سبقها التجار
فهي صهباء تترك المرء أغشى
…
في بياض العينين منها احمرار
أحمد سلم الخالدي
بين أبن خلدون ومنتسكبو:
القوانين والمجتمع
للأستاذ محمد محمود زيتون
عاش أبن خلدون المغربي المسلم في القرن الرابع عشر، وتأمل التاريخ فوضع موسوعته الخالدة (المقدمة)، وهي أول بحث علمي منظم في الاجتماع، وبعده بأربعة قرون جاء منتسكيو الفرنسي المسيحي بكتابه (روح القوانين) أستغرق في وضعه عشرين عاماً قضاها في دراسات واسعة في المجتمعات وظروفها السياسية والاجتماعية والدينية التي تحدد قوانينها.
عني أبن خلدون بالاجتماع الإنساني وما يلحقه من العوارض والأحوال كما أهتم منتسكيو بالمناخ والدين والقوانين والنظم الحكومية والتقاليد والعادات والأحوال المعيشية، وكلها أمور تتحكم في المجتمع وتؤلف (الروح العامة) وهي ما يحدد خصائص الأمة، ويميز شخصيتها عن سائر الأمم. وبمقتضى هذه الروح العامة يجب أن تسن القوانين (ويجب أن تكون القوانين ملائمة للشعب الذي من أجله سنَّتْ بحيث إذا لاءمت شعباً آخر غيره كان ارتباك عظيم. . . ويجب أن تكون متمشية مع طبيعة البلد ومناخه. . . ومع طبيعة أرضه وموقعه وأتساعه، ومع نوع المعيشة التي يعيشها الشعب من زراعة أو صيد أو رعي، ويجب أن نتفق أيضاً مع مقدار الحرية التي كفلها الدستور، ومع ديانة السكان وميولهم وثروتهم وتعدادهم وتجارتهم وعاداتهم وأحوالهم العامة. . . في كل هذه النواحي يجب أن نعالج القوانين).
وينشأ الاجتماع الإنساني - في رأي أبن خلدون - عن الإحساس بالضعْف من جانب الفرد في الحصول على الغذاء والسلاح، وعن الظلم والعدوان مما لا يزال عالقاً بالنوع الإنساني. أما منتسكيو فيرى أن ما يقرب بين الحيوان وأفراد جنسه إنما هي بوادر الخوف المشترك، وكذلك الإنسان.
ولقد أراد (دوركيم) زعيم المدرسة الاجتماعية الفرنسية الحديثة أن يصبغ جهوده في الاجتماع بالصبغة العلمية فميز في هذا العلم ناحيته (الاستقرارية هو معروف في العلوم البحتة كالميكانيكا والكهربائية وغيرهما).
فطن أبن خلدون إلى هذا قبل (دوركيم) إذ يرى أن المجتمع ينتقل من البداوة إلى الحضارة، وهما حالتان طبيعيتان تعرضان له حتى توفرت الظروف. ويحدث هذا التطور تبعاً لنوع المعاش وانتقاله ومن البسيط إلى المركب، من الضروري إلى الكمالي، ومن البداوة إلى الحضارة: فأهل البدو على الفطرة الأولى، وهم أقرب إلى الخير من أهل الحضر، ونظراً (لتفردهم عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي، وبعدهم عن الحامية، وانتباذهم عن الأسوار والأبواب، قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم) فهم لذلك أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر.
ومن مظاهر البداوة: (العصبية) التي تكون بالالتحام بالنسب بين القبائل و (سكني البدو لا يكون إلا للقبائل أهل العصبية) التي بها (تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم) وتكون الرياسة لمن كان (أعرق في البداوة وأكثر توحشاً (والرياسة في نظر أبن خلدون سؤدد، وإذا أنقلب السؤدد إلى الحكم بالقهر والغلبة انتقلت الرياسة إلى الملك وطرأت على المجتمع عوارض الترف والنعيم والأنقياد، ويعرض له التنافس في معالي الأمور كما تعاوره الوحشية وبكل ذاك يكون المجتمع في صميم طور الحضارةلأنالمعاش كان ضرورياً فصار كمالياً، ولأن (الحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع). والملك يتسع إذا كان أساسه الدين أولاً.
هذا هو المجتمع الدنياميكي عند أبن خلدون. أما منتسكيو فيستنتج قوانين طبيعية أولا هي أسباب التطور في المجتمع، منها السلم الناشئ عن شعور الفرد بضعفه إزاء المتوحشين فيشعر (بالدونية) ولا يشعر بالمساواة، ولا يرغب في المهاجمة فيسالم، ويتلو الشعور بالسلم الشعور بالحاجة ثم الشعور بالفرحة المشتركة.
ومن أهم العوامل الفعالة في المجتمع الإنساني (الدين) لما له من أثر في الأخلاق والتربية، وكذلك في السياسة والملك. ويفضل أبن خلدون الأحكام الشرعية على الأحكام التعليمية لأن الأولى يكون الوازع فيها هو الضمير لا المخافة والانقياد كما هو الشأن في الأخرى. لهذا يعتبر التعاليم الشرعية هي أصول التربية والأخلاق، وكل ما عداها مفسد ضار، (فقد تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس، لأن الوازع فيها أجنبي، وأما الشرعية فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي).
وللدين الأثر القوي في الدولة العامة الاستيلاء، العظيمة الملك، (لان الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية، واتفاق الأهواء على المطالبة، وجمع القلوب، وتأليفها، إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه. . . وسرُّه أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل، حصل التنافس، وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق، اتحدت وجهتها فذهب التنافس، وقل الخلاف، وحسن التعاون، والتعاضد، وأتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة). والدعوة الدينية في نظره تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية، والإمام خليفة عن صاحب الشرع.
أما منتسكيو - مع سعة إحاطته بالدين المقارن - فإنه ينظر إلى الدين من حيث صلاحيته للدولة (فسوف لا أعالج مختلف أديان العالم إلا من حيث علاقتها بالخير الذي تحققه للدولة). ويقول (إن الأمير الذي يحب الدين ويخشاه إنما هو أسد يذعن لليد التي تدلله، أو الصوت الذي يناغيه، والأمير الذي يخشى الدين ويبغضه إنما هو الوحش الضاري الذي يعض السلسلة التي تمنعه من التهجم على المارة، وأما ذلك الذي لا دين له أصلاً فهو ذلك الحيوان المرعب الذي لا يشعر بحريته إلا عند ما يتهجم ويفترس).
لهذا أخذ منتسكيو يعرض على كل حكومة ما يناسبها من الأديان والمذاهب حسب اعتدال هذه الحكومة أو استبدادها (لأن الدين يتبع عادة لون الحكومة) ولأن الدين خير ضامن للناس إخلاص الناس، فإذا وجب ألا يتعارض الدين مع القوانين فقد وجب كذلك ألا يتعارض مع الأخلاق.
يفترض أبن خلدون الفوضى قبل الملك وبعده مما يوجب السياسة الدينية التي يقررها الشرع، أما السياسة العقلية التي يفوضها العقلاء فإنها لا ترقى إلى غاية الأحكام الشرعية. (فالسياسة والملك هي كفالة للخلق، وخلافة لله في العباد لتنفيذ أحكامه فيهم، وأحكام الله في خلقه وعباده إنما هي بالخير ومراعاة المصالح كما تشهد به الشرائع، وأحكام البشر إنما هي من الجهل والشيطان).
وأنواع الملك ثلاثة: الملك الطبيعي، والملك السياسي، والخلافة. فالأول حمل الكافة على الغرض والشهوة، والثاني حملهم على العقل في جلب النفع الدنيوي، ودفع الضرر، والأخير هو حملهم على الشرع دنيا وأخرى، وهي خلاف عن صاحب الشرع في حراسة
الدين وسياسة الدنيا.
وإذ تتكون الدولة على هذا النحو، يستقصي أبن خلدون أطوارها الخمسة فيما يلي: - الظفر والاستبداد والترف والمسللة والإسراف: ويرى أيضاً أن المال والجند هما العاملان الرئيسيان في إقامة دعائم الملك إذا وجد، وتقويضها إذا فقدا.
ويستطرد من البحث في الخلافة التي هي الملك الصحيح أو الدولة المثالية إلى البحث في ماهيتها وشروطها وخططها التي في مقدمتها الصلاة، ثم تطورها وانتقالها إلى الملك، ولا ينسى الحروب وأسبابها التي لا تعدو أن تكون من هذه الأربعة: - غيرة ومنافسة، عدوان، غضب لله ولدينه، غضب للملك. والنوعان الأولان حروب بغي وفتنة، والآخران حروب جهاد وعدل.
والعادات تتأثر بالسياسة، فالناس على دين الملك، وعوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه، والمغلوب يقلد الغالب، وتعاقب الأمم والأجيال في الملك يؤدي إلى المخالفة في العادات باطراد. والفضيلة دعامة قوية لقيام الدولة، والعدل أساس الملك، والظلم فساد للدولة وإفساد للرعية.
وعند منتسكيو أن القوانين تنجم عن طبائع الأشياء، والموضوعية منها أو السياسية التي تواضع عليها العقل الإنساني ما هي غلا حالات يتجلى فيها العقل، وهذه القوانين دولية وتشريعية ومدنية: الأولى تتعلق بما بين الدول من علاقات، فهي القانون الدولي العام، والثانية تتعلق بما بين السلطات التي تنظم الدولة من جهة، وبما بينها وبين الدولة من جهة أخرى، والأخيرة تتعلق بتنظيم العلاقات بين الأفراد. ثم يتحدث عن العلاقة بين القوانين الوضعية وبين شكل الحكومة، والأسس التي يقوم عليها الحكم والبيئة الجغرافية والاقتصاد وكل هاتيك العناصر التي تسمى (الروح العامة).
والحكومات عنده أربع: الجمهورية وهي إما ديمقراطية أو أرستقراطية، والملكية، والمستبدة، ولكل حكومة فضيلة تخصها، فالديمقراطية فضيلتها حب الوطن أو حب المساواة، والأرستقراطية فضيلتها الاعتدال، والملكية فضيلتها الشرف، والاستبدادية صفتها السياسية والخوف، فهي إذن فضائل سياسية لا تمت بصلة إلى الدين أو الأخلاق.
ويقول أبن خلدون (إن الملك إذا كان قاهراً باطشاً بالعقوبات منقباً عن عورات الناس،
وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل ولاذوا منه بالخديعة والمكر والكذب، فتخلقوا بها وفسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن الحرب. . .).
وللإصلاح الاجتماعي حدود في منتسكيو إذ يقول) إذا أراد أمير أن يغير من أحوال شعبه فعليه أن يصلح بالقوانين ما هو مؤسس بالقوانين، وأن يغير بالعادات ما هو مؤسس بالعادات، وإنها لسياسة عمياء أن يغير بالقوانين ما يجب تغييره بالعادات).
أما أبن خلدون فإنه ينشد الإصلاح الاجتماعي الذي غايته الاقتداء (إذ هو - أي التاريخ - يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا).
فالظواهر الاجتماعية والعوامل الطبيعية ذات علائق بالقوانين المشتقة من الروح العامة لتي تنتج عن تفاعل هذه العوامل، وتلك الظواهر في كل مجتمع على حدة.
ومن هذا العرض الموجز يرى القارئ مدى الائتلاف والاختلاف بين أبن خلدون رائد التاريخ، وبين منتسكيو رائد السياسة وكيف التقيا في ميدان الاجتماع.
محمد محمود زيتون
صدى مقتل الحسين
في التاريخ الإسلامي والأدب العربي
للأستاذ ضياء الدخيلي
(بقية ما نشر في العدد الماضي)
ولما كان يوم عاشوراء من سنة 516 هـ جلس الخليفة الآمر بأحكام الله على باب (الباذهنج) في القصر وكان ذلك بعد قتل الأفضل وعود الأسمطة إلى القصر - على كرسي جريد بغير مخدة متلثما هو وجميع حاشيته، فسلم عليه الوزير المأمون وجميع الأمراء الكبار والصغار بالقرانيز (ويقول البعض هي على ما يظهر ثياب خاصة ملونة بالقرمز) وإذن للقاضي الداعي والإشراف والأمراء بالسلام عليه وهم بغير مناديل ملثمون حافاة، وعبئ السماط في غير موضعه المعتاد وجميع ما عليه خبز الشعير والحواضر على ما كان في الأيام الأفضلية وتقدم إلى وإلى مصر والقاهرة بأن لا يمكننا أحداً من جمع ولا قراءة مصرع الحسين وخرج الرسم المطلق للمتصدرين والقراء والوعاظ والشعراء وغيرهم على ما جرت به عاداتهم.
قال وفي ليلة عاشوراء من سنة 527 أعتمد الأجل الوزير المأمون على السنة الأفضلية من المضي إلى تربة قبر) أمير الجيوش وحضور جميع لمتصدرين والوعاظ وقراء القرآن والمكث إلى آخر الليل والعودة إلى داره، واعتمد في صبيحة الليلة المذكورة مثل ذلك وجلس الخليفة على الأرض متلثماً يرى به الحزن وحضر في شرف بالسلام عليه والجلوس على السماط بما جرت به العادة.
هذا ما كان يحدث من احتفالات في ذكرى مصرع سيدنا الحسين (ع) قبل أن يشاد الضريح الحسيني حيث دفن فيه رأس الأمام الشهيد منقولا من عسقلان. أما بعد ذلك تحدث أبن الطوير عما كان يصنع في عاشوراء فقال: إذا كان اليوم العاشر من المحرم أحتجب الخليفة عن الناس، فإذا علا النهار ركب قاضي القضاة والشهود وقد غيروا زيهم ليكونوا كما هم عليه اليوم (في عهد الناقل أبن الطوير) ثم صاروا إلى المشهد الحسيني وكان قبل ذلك يعمل في الجامع الأزهر، فإذا جلسوا فيه ومن معهم من قراء الحضرة والمتصدرين في
الجوامع جاء الوزير فجلس صدراً والقاضي والذاعي على جانبيه والقراء يقرءون نوبة بنوبة وينشد قوم من الشعراء غير شعراء الخليفة شعراً يرثون به أهل البيت عليهم السلام؛ فإن كان لوزير رافضاً تغالوا، وإن كان سنياً اقتصدوا. ولا يزالون كذلك إلى أن تمضي ثلاث ساعات فيستدعون إلى القصر بنقباء الرسائل فيركب الوزير وهو بمنديل صغير إلى داره ويدخل قاضي القضاة والداعي ومن معهما إلى باب الذهب فيجدون الدهاليز قد فرشت مصاطبها بالحصر بدل ابسط وينصب في الأماكن الخالية من المصاطب دكك لتلحق بالمصاطب لتفرش، ويجدون صاحب الباب جالساً هناك فيجلس القاضي والداعي إلى جانبه والناس على اختلاف طبقاتهم فيقرأ القراء وينشد المنشدونأيضاً ثميفرش عليها سماط الحزن وفيه مقدار ألف زبديه من العدس والملحات والمخللات والاجبان والألبان الساذجة وأعسال النحل والفطير المغير لونه بالقصد فإذا قرب الظهر وقف صاب الباب وصاحب المائدة أدخل الناس للأكل منه فيدخل القاضي والداعي ويجلس صاحب الباب نيابة عن الوزير والمذكوران إلى جانبه وفي الناس من لا يدخل ولا يلزم أحداً بذلك فإذا فرغ القوم انفصلوا إلى أماكنهم ركباناً بذلك الزي الذي ظهروا فيه وطاف النواح في القاهرة ذلك اليوم وأغلق البياعون حوانيتهم إلى جواز العصر فيفتح الناس بعد ذلك ويتصرفون. أما الدولة الأيوبية فقد اتخذت يوم عاشوراء عيداً ومن أيام الأفراح لإرغام أناف الشيعة وإيذائهم.
هذا هو أثر فاجعة كربلاء في التاريخ الإسلامي.
أما في الأدب العربي فقد أوجدت فيه ناحية قائمة يعلو فيها الصراخ والعويل وتردد في جوانبها الثورة على الظلم القبيح وامتداح الإباء وشرف النفس والتمنع عن دنايا الأمور. كان هذا القسم من الأدب العربي طافحاً بتصوير مآسي كربلاء بخطوط واضحة سوداء وأجتهد في أن يبرز كل جانب من جوانبها مؤلماً يهطل بالدموع ويثير الآهات والحسرات خاصة بعد أن ترديد فاجعة كربلاء على الجماهير مهنة تدر الربح الوفير كما كان حال النواح والمنشدين في العصر الفاطمي بمصر كما تقدم على ما نقل المقريزي في الخطط وكما هو الشأن اليوم في العراق وإيران والهند وجبل عامل وغيرها من الأصقاع الشيعية، ويدعى هؤلاء (خطباء المنبر الحسيني) ويسمون في اللغة الفارسية (روزه خون) وهي تحريف (روضة خون) أي قارئ الروضة الإمام الشهيد يعني قبره الكريم.
وقد ألفت كتب في هذا الموضوع استعرضت تاريخ الفاجعة بصورة مسهبة فضفاضة وشحنت بالقصائد لمعولة باللغة الفصحى والعامية كما أنه نشأ في الأدب الفارسي والأدب الهندي والتركي أيضاً قصائد طويلة تردد مأساة كربلاء ونرى أبناء هذه الأمم ينشدونها عندما يقدمون العراق لزيارة قبر الإمام الشهيد في كربلاء أو أبيه في النجف الأشرف وأن أبرز رثاة الحسين (ع) في الأدب العربي هو السيد حيدر الحلي وقد عرفنا به كتاب (العراقيات) بأنه كان رحمه الله شاعر العراق على الإطلاق حُلّى البلد (نسبة إلى مدينة الحلة على الفرات قرب أطلال بابل التاريخية) هاشمي النسب ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وقد ولد في شعبان في سنة 1246 وتوفى في ربيع الآخر من سنة 1304هـ وعرف بشاعر أهل البيت حيث انتحى في أكثر شعره مدحهم ورثاهم؛ وقد بلغ من رثائهم درجة سامية لم يدع فيها سبقاً لمستبق من مقدما الشعراء ومتأخريهم. على أنه لم يقصر في النسيب والفخر والمديح عن غيره من فطاحل شعراء العراق قال في رثاء سيدنا الحسين (ع)
قد عهدنا الربوع وهي ربيع
…
أين. .؟ لا أين انسها المجموع
درج الحي أن تتبع عنها
…
نجع الغيثأمبدهياء ربعوا
لا تقل شملها النوى صدعته
…
إنما شمل صدري المصدوع
كيف أعدت بلسعة الهم قلبي
…
وثراها يرقى به الملسوع
سبق الدمع حين قلت سقتها
…
فتركت السما وقلت الدموع
فكأني في صحنها وهو قعب
…
أحلب المزن والجفون ضروع
بت ليل التمام أنشد فيها
…
هل لماض من الزمان رجوع
شاطرتني بزعمها الداء حزناً
…
حين أنت وقلبي الموجوع
يا طروب العشي خلقك عني
…
ما حنيني صبابة وولوع
لم يرعني نوى الخنيط ولكن
…
من جوى الطفَّ راعني ما يروع
قد عذلت الجزوع وهو صبور
…
وعذرت الصبور وهو جزوع
عجباً للعيون لم تغد بيضا
…
لمصاب تحمر فيه الدموع
وأسى شابة الليالي عليه
…
وهو للحشر في القلوب رضيع
أي يوم بشفرة البغي فيه
…
عاد أنف الإسلام وهو جديع
ما لشمس النهار فيه طلوع
…
ولشمس الحديد فيه طلوع
أينما طارت النفوس شعاعاً
…
فلطير الزدى عليها وقوع
قد تواصلت بالصبر فيه رجال
…
في حشى الموت من لقاها صدوع
ضياء الدخيلي
سلطان المماليك في العهد العثماني
للأستاذ عبد الباسط محمد حسنسلطان
كثيراً ما يتساءل المؤرخون والباحثون: لماذا لم يتخلص السلطان سليم العثماني من البقية الباقية من المماليك بعد أن تم له فتح مصر في سنة 1517م؟ ولماذا لم يقض عليهم قضاءً نهائياً حتى يستريح منهم ومن أحقادهم. . ويخلص البلاد من شرورهم وآثامهم؟
أكان ذلك ناتجاً عن ضعف الدولة العثمانية. . وعجزها عن القضاء عليهم. . أم كان ذلك. وفقاً لخطة موضوعة. . وسياسة مرسومة؟
الواقع أن السلطان سليما، كان رجلاً حربياً وإدارياً من الطراز الممتاز. . بحيث أننا لا نستطيع أن نقول أنه أخطأ في عمله هذا. . خصوصاً وأنه لم يرتجل سياسته التي سار عليها في حكم البلاد. . بل أنه فكر فيها كثيراً قبل أن يضعها. . وبقي في مصر. . فترة من الزمن بعد انتصاره على قوات المماليك، لتعرف على نظم الحكم فيها، ولوضع سياسة ثابتة، تضمن بقاء مصر تابعة له وللدولة العثمانية. . ولو كان السلطان يرى في وجود المماليك بمصر خطراً يهدده. لتخلص منه ولأفناهم عن أخرهم. .
لقد رأى السلطان ببعد نضره وثاقب فكره أن بعد مصر عن مقر الحكم في الآستانة. . قد يساعد حكامها وولاتها على الاستقلال عن الباب العالي، فقضى بتوزيع السلطة بين عدة عناصر: فالباشا ومعاونوه يمثلون السلطان العثماني ويحكمون الولاية ويشرفون على إدارتها. . والديوان يعاون الباشا في الحكم، وله حق عزله والاتصال رأساً بالباب العالي. . والحامية العثمانية تشترك في الحكم والإدارة أيضاً. . إلى جانب مهمتها الحربية. . ثم هناك إلى جانب هذه الهيئات الثلاث هيئة أمراء المماليك من رجال العسكرية. . يشتركون في الحكم والإدارة وفي الدفاع عن حدود البلاد وقد كان في مقدور السلطان وفي استطاعته أن يقضي على قوات المماليك. . خصوصاً وأن الدولة العثمانية كانت في ذلك الوقت في أوج قوتها ومجدها. . وكانت لها ممتلكات واسعة في البلقان والأناضول والشام وأرض الجزيرة والفرات، وكانت تتمتع بسيادة كبيرة على شبه جزيرة العرب. . فكان في إمكانه أن يشتت شمل هؤلاء المماليك ويفرق جموعهم. . ويقضي عليهم قضاءً مبرماً، حتى لا تقوم لهم بعد ذلك قائمة. . ولكن السلطان سليم أبقاهم في البلاد، لأنه كان في أشد الحاجة إليهم وإلى
جهودهم. . كما أن بقائهم في مصر كان متمشيا مع سياسة الدولة العثمانية في حكم الشعوب الخاضعة لها. فالدولة العثمانية لم تُغير كثيراً من نظم البلاد المفتوحة ولا سيما أن أمراء المماليك عاشوا في مصر مدة طويلة. . وعرفوا أحوالها، وخبروا عادات أهلها ونظم الحكم فيها. فكان من السهل عليهم أن يدبروا دفة الحكم في البلاد، بخلاف العثمانيين الذين لم تكن لهم سابقة عهد بمصر ولا بالمصريين. . ومن ناحية أخرى رأى السلطان سليم أن يترك أمراء المماليك يشتركون في حكم البلاد، ليحفظوا التوازن بين الوالي ورجال الحامية العثمانية وحتى لا يفكر أحد في الاستقلال بحكم البلاد والخروج عليه في يوم من الأيام. بقول على باشا مبارك في خططته التوفيقية. . الجزء السابع (لما أخذ السلطان سليم مصر. . ورأى غالب حكامها من المماليك الذين ورثوها عن سادتهم، رأى أن بعد الولاية عن مركز الدولة. . ربما أوجب خروج حاكمها عن مركز الدولة. . ربما أوجب خروج حاكمها عن الطاعة. . وتطلعه للاستقلال. . فجعل حكومة مصر منقسمة إلى ثلاث أقسام. . . كل قسم منها يشرف على القسمين الآخرين). .
من هذا يتبين أن إبقاء المماليك في البلاد، وإشراكهم في الحكم، كان الغرض منه أيجاد التوازن بين الهيئات الحاكمة، والاستفادة منهم في حكم مصر. .
ظلت سياسة السلطان سليم معمولا بها طوال القرنين السادس عشر والسابع عشر. . واستمر هذا النظام نافذاً طوال هذه المدة. . كانت فيه الدولة العثمانية حافظة لمركزها وسمعتها الحربية؛ فلما ظهر ضعف تركيا الحربي وأنتشر الفساد والاضطراب داخل البلاد لم يعد هذا النظام نافذاً. . وأخذة قوة المماليك تزداد شيئاً فشياً حتى أصبحت لهم السلطة الفعلية في البلاد. . والسبب في ذلك أن المماليك كانوا يشترون الرقيق من جورجيا والقوقاز وبلاد اجركس وكانوا يأتون بهم إلى مصر. . ويدربونهم في سن مبكرة على أعمل الحرب والفروسية. . ويعلمونهم الكتابة والقراءة ويحفظونهم القرآن. . حتى إذا بلغوا الثامنة عشرة، رقوهم إلى رتبة البكوية وجردوهم ومنحوهم مالاً وأرضاً وجواري وهؤلاء يتزوجون بدورهم. . . ويملئون بيوتهم بالرقيق كما فعل أسيادهم من قبل. . . وهذا كان سبباً في كثيرة عددهم في البلاد. . . حتى أن عدد المماليك الكبار في أواخر القرن الثامن عشر عند زيارة (فولني) لمصر بلغ نحو (8500مملوَك) ينفق الواحد منهم على سلاحه
وملبسه وزوجاته وسراريه نحو (2500جنيه) في العام على تقدير فولني. يقول علي باشا مبارك (وأخذت البكوات تكثر من المماليك وتتقوى بها حتى فاقت بقوتها الدولة العثمانية في الديار المصرية، مآل الأمر والنهي لهم في الحكومة. . . وصارت سلطة الدولة العثمانية في الديار المصرية غير حقيقية. ولو كانت الدولة العثمانية تنبهت لهذا الأمر ومنعت بيع الرقيق لكانت الأمور باقية على ما وضعها السلطان). . .
كانت نتيجة لهذه السياسة. . . أن قوى نفوذ المماليك لدرجة كبيرة جداً. . . حتى إنهم كانوا يعزلون الولاة حينما يشاءون. زد على ذلك أن ضباط الجيش وفرقه وهم أعضاء الديوان قد تدهورت حالتهم الأدبية، وأفقدتهم عيشة الخمول والكسل صفاتهم الحربية الأولى. . . فتقربوا من بكوات المماليك الذين استأثروا بالسلطة وأصبح بيدهم الأمر ولنهي في البلاد (حتى أن أحد بكواتهم وهو على بك الكبير) استطاع أن يعلن استقلال مصر في 1769. . كما أن المماليك كانوا كثيراً ما يماطلون الدولة في إرسال الخراج. . (ولرغبة الدولة في استرضائهم لكيلا يمنعوا الخراج عنها. . . كانت لا تكاد تبعث بوال من قبلها، حتى تعزله وتعين بدله. . . حتى لقد بلغ عدد ولاتها منذ الفتح العثماني إلى الاحتلال الفرنسي. . . إي من سنة 1517م - 1798 نحو 285 سنة أكثر من مائة وال قل من أقام منهم أكثر من عامين. . وكثير من بدل كل عام).
بهذا نكون قد بينا الأسباب التي دعت السلطان سليم إلى ترك المماليك في مصر. . وإشراكهم في الحكم. . . ونكون أيضاً قد استعرضنا حالتهم من وقت الفتح العثماني وبينا العوامل التي أدت إلى زيادة نفوذهم في البلاد. . . وهناك ناحية أخرى يجب ألا نغفلها. . . وهي حالة الشعب المصري تحت حكم هؤلاء المماليك.
قبل اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، كانت التجارة تمر عن طريق مصر. . . فكان المماليك يأخذون منها ما يشاءون من ضرائب وهدايا ورشا. . . هذا غير السلب والنهب. . . وكانوا قانعين بما يفرضونه من الضرائب على المتاجر الأجنبية. . . وما يدخل في خزائنهم من المال. . . بحيث لم يروا ضرورة لظلم الفلاح. . . وأخذوا يعيشون عيشة بذخ وترف. . . فيرتدون أحسن المنسوجات. . . ويسكنون أفخم القصور. . . ولكن الحالة لم تدم على ذلك. . . فعندما تغير طريق التجارة إلى راس الرجاء الصالح. . . قلت الأموال
التي كانت تتدفق على مصر. . . فلم يجد المماليك بداً من فرض ضرائب باهظة على الأهالي. . . ولم يكن شرهم إلى المال قاصراً على حاجتهم إليه. . . فلو كان الأمر كذلك لهان الأمر. . . ولكن نظامهم قضىبألا يقوم لواحد منهم شأن إلا بالإكثار من المال وذلك لشراء المماليك. . . والإغداق عليهم من أمواله وجاه حتى يضلوا على ولائهم. . . لهذا أخذوا يمتصون دماء الشعب، ويحملونه مالا طاقة له به. حتى وصل الحال بالفلاح المصري إلى أنه لم يجد سكناً يقيم فيه. فكان يلتحف العراء، وذو اليسار منهم يعيش في أكواخ من الطين، ولا يجد الواحد منهم ما يأكله سوى الخبز الأسود المصنوع من الذرة والحلبة. . . يتناوله بالبصل النيئ أو الأعشاب التي يجمعها من حروف الترع والمجاري، ويطبخها بغير إدام، وكان رداؤه قطعة من القماش المصبوغ بالنيلة وهي ميراث الفلاحين وأليها ينسبون (أصحاب الجلابيب الزرقاء). . . وأما الغنى والرفاهية، والبذخ، والذهب، والفضة. . . فقد كانت للمماليك. . . ذكر فولني في كتابه (رحلة إلى مصر وسوريا) أن علي بك الكبير ابتاع خنجراً مرصعاً بالجواهر الكريمة بمبلغ 225 ألف جنيه، وأنه حينما خذله أنصاره، التجأ إلى صديقه الشيخ ظاهر في عكا، وكان مقدار ما أخذه معه من الأموال (حوالي أربعة وعشرين جنيه)، يحملها على 25 جملاً، وكان معه من المصاغ والحلي ما يساوي أربعة أضعاف ذلك. ويذكر أحد المؤرخين الذين زاروا مصر بعد سقوط القاهرة في أيدي الفرنسيين أن الجنود الفرنسيين كانوا يجدون في ملابس كل واحد من المماليك الصرعى في ميدان القتال في واقعة أمبابة ما لا يقل عن مائتين أو مائتين وخمسين قطعة من الذهب عدا ما تقدر به ملابس الواحد منهم وطيلسانه وسلاحه وسراج جواده من المبالغ الطائلة، هذا في الوقت الذي لم يكن أهل مصر يجدون فيه ما يأكلون!
وكان المماليك كثيراً ما يتنازعون فيما بينهم للوصول إلى الحكم، ووجدت بينهم فتن وقلاقل وحروب داخلية عنيفة كانت توقع الفوضى بالبلاد، وكانت الدولة العثمانية تعمل على بقاء هذه المنازعات بينهم. . . بل أنها كانت تعمل على التفرقة بينهم وغرس بذور الأحقاد في صدورهم. حتى لا يستبدوا بالسلطة. فلم يكن من المعقول - والحال كذلك - أن تصلح حال الشعب المصري، وحكامه المتصرفون في أمره. . . منقسمون على أنفسهم، لا هم لهم إلا جمع الأموال. . . ولا غرض لهم ولا مأرب إلا الوصول إلى الحكم والسيطرة على مقاليد
الأمور في البلاد.
كما أن المماليك كانوا كثيراً ما يعزلون الولاة. فلم تتح لهؤلاء الفرصة للإصلاح. . . ولقد كان بعض أولئك الولاة كما أثبت المؤرخون، من أهل الكفاية والإخلاص، وذوي الرغبة في إصلاح ما أختل وفسد من شئون هذه البلاد. . . فلا يكاد يشعر المماليك برغبته في الضرب على أيديهم. . . وكف مظالمهم. . . حتى يقرروا عزله، وكانت الدولة العثمانية تساعدهم على ذلك وتسترضيهم حتى لا يمنعوا عنها الخراج.
لقد أخطأت الدولة العثمانية في سياستها مع المماليك. . . كما أخطأ المماليك في إدارة حكم البلاد، وسواء أكان الخطأ يقع على كاهل المماليك أم على كاهل العثمانيين. . . فإن هذه السياسة الخرقاء التي أتبعها كلا الفريقين. كانت من أكبر الأسباب التي أدت إلى وقوع الفوضى والاضطراب في مصر، وبالتالي إلى دخول الفرنسيين في سنة 1798م.
(الإسكندرية)
عبد الباسط محمد حسن
ليسانس آداب
الباكستان
وعلاقتها بالعالم العربي والإسلامي
للدكتور حسين الهمداني
شاهد العالم خلال الأحقاب الطويلة البعيدة عدة حضارات ازدهرت في كثير من أرجاء العالم منها الحضارة التي قامة حول البحر الأبيض المتوسط. وقد قسم المؤرخون هذه الحضارات إلى قسمين: قسم يشمل بلاد الشرق من هذا البحر، وقسم يشمل بلاد الغرب منه. والحضارة التي تعيننا اليوم هي حضارة هذا القسم الشرقي الذي يمتد من شمال أفريقيا شرقاً حتى يقف عند نهاية الباكستان. وقد ظلت حضارة الجناح الأيمن هذا تشع على العالم أجمع نوراً من العلم والمعرفة والثقافة، كان يسري بين خيوطه إشعاعات علم الأقدمين كاليونان والرومان.
وكانت هذه الحضارة متفقة مع الحضارة الغربية في كثير من الأسس فقد كانت الحضارتان قائمتين على أساس ديانتين عظيمتين كما كانتا تأخذان من تلك الحضارات القديمة كثيراً من مقوماتها؛ وهكذا اتحدت الحضارتان في الأسس والدعائم.
وقد كانت الباكستان، ولو أنها كانت جزء من الهند، على وثيق بالشرق الأوسط، وكانت، تأخذ من حضارة الجناح الأيمن الشرقي، لأنها كانت تدين بدينه وتتعلق بآرائه وتأخذ من ثمرات مجهودات مفكريه الذين اقتبسوا كثيراً من عصارة ذهن اليونان والرومان والفرس، وكانت شديدة الصلة بالكلدانيين الذين استوطنوا العراق قبل 7 آلاف سنة، كما اتصلت بالبابليين وكما وربطة بينها وبين دولة الفرس بروابط تجارية ثقافية.
ولدخول الإسلام في الهند قصة. . . إذ قام العرب بعد موت النبي صلوات الله عليه بخمس وعشرين سنة بغزو إيران وسوريا وأرمينيا وقسم من وسط آسيا ومصر. وسار المسلمون في فتوحاتهم نحو الشرق صوب حيوات وكابول وبلخ، حتى بلغوا بهر الأندس والسند؛ وهنا تمكنت العلائق بين العرب وأهل السند وهم الذين يكونون اليوم غرب الباكستان، وبقية متينة خصوصاً مع الحكام الهنود في الجنوب مما تنتج عنه توطن الشاطئ الغربي بواسطة كثير منهم، حيث بنوا المساجد. . . . . .
ومع أن مسلمي الهند كانوا يعيشون مع غير المسلمين هناك عيشة قريبة متمازجة يفرضها
الوضع الجغرافي إلا أنهم كانوا شديدي البعد عنهم فيما يتصل بعباداتهم وتقاليدهم وثقافتهم ورغباتهم. وعلى رغم هذا الوضع الذي كان يقرب بينهم كان المسلمون يتجهون بكل نفوسهم إلى العرب ومسلمي الشرق الأوسط وكانوا يتخذون اللغة العربية لغة للعلم والدرس يؤلفون بها ويؤسسون لها المدارس. والمعاهد والجامعات في جميع بلدان شبه القارة.
ولم تقتصر هذه الرابطة على تبادل التجارة أو بعض الأفكار الثقافية بل امتدت الرابطة إلى ما هو أبعد من هذا، امتدت إلى أن خضع المسلمون هناك لطاعة الخليفة، كما دانوا له بالولاء. وفي فتح البلدان يقول البلاذري: إن أحكام السند العرب كانوا يقولون خطبة الجمعة متوجه باسم الخليفة، كما ضربوا العملة باسمه: وظل الحال على هذا من هذه الفترة إلى أن تقوضت الخلافة الإسلامية بتركيا.
وظلت العلاقات قائمة بين المسلمين هناك وبين اشرق الأوسط إلى عصرنا الحديث. . . . . . ولم يكن المسلمون ليتوانوا لحظة في خلال كل هذه السنين عن الشعور بنفس الشعور الذي يساور أهل الشرق فقد كانوا يفرحون لفرحه، ويتألمون لألمه. وكانوا يعتقدون أن هذا الشرق ما هو إلا جسم واحد إذا أشتكى منه عضو تألم له بقية الأعضاء، وإذا أصاب طرفاً منه ضر أو شر فإنه سرعان ما يصيب كل البلاد أقاصيها ودانيها.
ولم يكن مسلمو الهند في جهادهم بمنأى عن هذا الشرق، لأنهم كانوا على اتصال وثيق به، يربطهم به رابطة الدين ورابطة الألم ورابطة الظلم الذي يحل به، ورابطة القسوة التي يجابههم بها الأقوياء، ورابطة الحذر مما يبيت لمسلمين قاطبة من كيد ومن غدر، وقاموا من ساعتهم، في الحدود التي حاولوا فيها أن يصلوا إلى أقصى ما يستطيعون وغم الاستعمار الأجنبي، يريدون الوقوف إلى جانب إخوانهم المسلمين في كثير من العطف وفي كثير من الحزن؛ فهم حزنوا لتفكك الخلافة ولانهيار الإمبراطورية العثمانية، لأنها كانت تمثل في نظرهم قلعة الإسلام. وقاموا يحتجون لدى إنجلترا على المعاملة التعسفية التي عاملوا بها مصر عام 1924 حينما قتل السردارلي ستاك باشا، واحتجوا لديها كذلك ولدى عصبة الأمم عندما امتد الانتداب البريطاني على العراق لخمس وعشرين سنة تالية، واشتركوا في مؤتمر الخلافة سنة 1925 واحتجوا لدى الفرنسيين يوم أن ضربوا دمشق بالمدافع. . . . . . وكانوا ولا يزالون يتألمون لما يصيب إخوانهم عرب مراكش وتونس
والجزائر من ذل يفرضه عليهم المستعمر الغاشم.
وإني لأؤكد أن الباكستان في قومتها دولة إسلامية لم تقم لخدمة بنيها فقط، وإنما قامت لخدمة الإسلام أنى وجد، فكثيراً ما كانت تناهض إنجلترا لإصدارها وعد بلفور بصدد فلسطين.
وكثيراً ما حاولت إنقاذ هذه البلدة من مخالب الصهيونية لأنها تؤمن بأنها بلادتهم المسلمين أجمعين. ولا أضنني أخالف الواقع إن قلت أن زعيمنا الخلد الذكر محمد علي جناح كان ينذر العالم الإسلامي منذ قديم الزمان باحتمال قيام الخطر الصهيوني، وها قد تحققت مخلوفة، وأصبحنا نذر الخطر تبغي الأنقاض علينا. الحق يحضنا على ذلك فقد ورد في القرآن الشريف (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) وليس هناك إلا تقوية الجيوش وحشد القوات، لأن هذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم اليوم وليس هناك إلا إنشاء المصانع وعمل الذخائر، فنحن اليوم في عالم خلا من وازع الضمير، وضاع فيه معنى الحق ومرمى الشرف وأصبحت الكلمة للمدافع والهيبة للقوي، فماذا يمنعنا والحالة هذه أن نعمل لهذه القوة وما الذي يحول دون بلوغنا هذه الغاية؟
لقد آمنت الباكستان بكل هذه وراحت تقوي جيوشها وأسطولها، وليس معنى هذا أنها تطلب سيادة أو تريد إيقاع العدوان على أحد، بل هي تريد أن تبقى محترمة مرهوبة الجانب لما قد يهددها، وتضرب من يهاجمها. . . . . .
توخيت في هذه العجالة أن أبين مدى ارتباط الباكستان بالشرق، وكيف نريد ونأمل أن يكون عليه هذا الأخير من قوة ومنعة، لأننا نريد للإسلام رفعة الشأن وقوة الجانب، وليس هناك للإسلام موطن، وليس له حدود. . . . . .
واجب أن أنوه بأن كلامي هذا لا يشتم منه رائحة العنصرية ولا المذهبية، وأريد أن أزيد بأنني لست متعصباً ضد أية ديانة أو مذهب، وإنما أنا متعصب لديني، ومتعصب لبلادي أريد لها ولمن يشترك معها أن يترسموا الطريق نحو العزة والسؤدد وأن يصلوا إلى المكانة العليا التي يهيئها لهم إيمانهم ودينهم وتسامحهم. . . . . . و (ويرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات).
حسين الهمداني
تاريخ استخدام الدبابات
في جيش المسلمين
للأديب عطا الله ترزي باشى
يرجع تاريخ استخدام الدبابات في الحروب إلى وقت نشوء العجلات الحربية. وقد وجد في العراق كثير من التصاوير التي تكشف لنا عن وجود العجلات غير الحربية منذ سنة (2000) قبل الميلاد، أما الحربية فوجدت في الصين سنة (1450) ق م وظهر بنتيجة البحث ولتدقيق أن استخدام الدبابات لأول مرة في التاريخ كان في إحدى الحروب الدائرة بين المصريين والميتانيين (الانسيكلوبيديا التركية (اينونو) ج3، ص195، سنة1949).
وفي الواقع كان المصريون القدماء أول من استخدموا الدبابات في الحروب، ومن بعدهم الآثوريين فاليونانيون القدماء ومن بعدهم العرب (تاريخ التمدن الإسلامي، جرجي زيدان، ج1، ص160).
وكان المسلمون يتخذون الدبابات لتسلق أسوار العدو، وهي آلات من الخشب الصفيق، وقد تكون طباقاً، وتغلف بالجلود المنقوعة الخل لدفع النار. وتركب على عجل مستدير يدفعها الرجال ويصعد الجند في أعلاها ويستعلون على السور. قد يستخدمون الدبابات لهدم الأسوار فيسيرونها ويحتمون بجدرانها ويجعلون رأسها محدداً يصدمون بها الأسوار حتى تهدم (المرجع السابق).
وقد أستخدم المسلمون الدبابات لأول مرة في السنة الثامنة من الهجرة أثناء غزوة الطائف (أحمد رفيق، الغزوات النبوية، حاشية ص45).
وكذلك جاء ذكر هذه الآلة في كتاب آخر للأستاذ نفسه (باللغة التركية) وهو كتاب (تاريخ الانتصارات العثمانية) نقلاً عن كتاب (كوكب المسعود في كوكبة الجنود لابن إسحاق ص77). أنه في غزوة الطائف استخدم المسلمون الدبابات المصنوعة من جلود الأبقار التي لا تتأثر كثيراً بمقذوفات العدو، وتقدموا بها نحو السور لإحراق الأمكنة المجاورة له. غير أن أفراد قبيلة ثقيف المحصورين في البلدة بدءوا يرمونها بقطع الحديد المحماة بالنار. . . (حاشية ص250، 251من المرجع السابق).
ويبحث الأستاذ محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) عن استخدام المسلمين الدبابات
في غزوة الطائف بشيء من التفصيل، فيقول:
أنه لم يكن من اليسير أن يقتحم المسلمون هذه الحصون المنيعة إلا أن يلجئوا إلى وسائل غير التي ألفوا حتى اليوم حين حاصروا قريظة وخيبر. . . فما عسا أن تكون هذه الوسائل الجديدة التي يهاجمونها بها؟. . .
وكان لبني دوس (إحدى القبائل المقيمة بأسفل مكة) علم بالرماية بالمنجنيق ومهاجمة الحصون في حماية الدبابات. وكان أحد رؤسائها الطفيل قد صحب محمداً منذ غزا خيبر؛ وكان معه عند حصار الطائف؛ فأوفده النبي إلى قومه يستنصرهم؛ فجاء بطائفة منهم ومعهم أدواتهم؛ فبلغوا الطائف بعد أربعة أيام من حصار المسلمين إياها. ورمى المسلمون الطائف بالمنجنيق وبعثوا إليها بالدبابات دخل تحتها نفر منهم ثم زحفوا بها إلى جدار لطائف ليخرقوه، ولكن رجال الطائف كانوا من المهارة بحيث أكرهوا هؤلاء على أن يلوذوا بالفرار. فقد أحموا قطعاً من الحديد بالنار، حتى إذا انصهرت القوها على الدبابات فحرقتها، فغر جنود المسلمين من تحتها خيفة أن يحترقوا. (حسين هيكل، حياة محمد، ص420، 421).
ويظهر أن الدبابات في السابق وإن كانت لها قيمة كبرى في الحروب لإخافة العدو وإثارة ضجيجهم، فإنها لم تنل حظاً في إحراز النصر حيث كانت عرضة للاحتراق، فإن موادها المركبة من الجلود والأخشاب كانت سريعة التأثر بالنار. وقد حاول المهندسون المسلمون عبثاً إيجاد بعض الوسائل لتقيها من الأخطار المعهودة. فاستعملوا الجلود المبلولة بالماء والمستقاة بالخل ولكنهم لم يفلحوا.
ويحدثنا الأستاذ أحمد بدوي في مقال له تحت عنوان (القوة الحربية في مصر والشام) كتبه في مجلة الرسالة عدد 809 وتاريخ 14 - مارت - 949 نقلا عن (النوادر لابن شداد، ص103) عن عظمة الدبابات التي استخدمها العدو في حصار عكا، بما يلي:
(صنع العدو ثلاثة أبراج من خشب وحديد وألبسها الجلود المستقاة بالخل بحيث لا تنفذ فيها النيران؛ وكانت هذه الأبراج كأنها الجبال عالية على سور البلد، ومركبة على عجل يسع الواحد منها من المقاتلة ما يزيد على خمسمائة نفر، ويتسع سطحها لأن ينصب عليه منجنيق، وقد ملأ ذلك نفوس المسلمين خوفاً ورعباً، ويئس المحاصرون في المدينة،
ورأوها وقد تم عملها ولم يبق إلا جرّها قرب السور. وأعمل صلاح الدين فكره في إحراقها ووعدهم على ذلك بالأموال الطائلة والعطايا الجزيلة، ولكن ضاقت حيلهم عن ذلك. وكان من جملة من حضر شاب نحاس دمشقي ذكر بين يديه إن له صناعة في إحراقها وأنه إن مكن من الدخول إلى عكا وحصلت الأدوية التي يعرفها أحرقها، فحصل له جميع ما طلبه، ودخل إلى عكا وطبخ الأدوية مع النقط في قدور نحاس حتى صار الجميع كأنه جمرة نار، ثم ضرب واحداً بقدر فلم يكن إلا أن وقعت فيه، فاشتعل من ساعته ووقته، وصار كالجبل العظيم من النار طالعة ذؤابته نحو السماء واستغاث المسلمون بالتهليل، وعلاهم الفرح حتى كادت عقولهم تذهب. وبينما الناس ينظرون ويتعجبون إذ رمى البرج الثاني بالقدر الثانية فما كان إلا أن وصلت إليه واشتعل كالذي قبله فاشتد ضجيج الفئتين، وما كان إلا ساعة حتى ضرب الثالث فالتهب وغشي الناس من الفرح والسرور ما حرك ذوى الأحلام).
وحسب ما نعلم كانت هذه المواد هي زيت النفط والكبريت والجير والقار فتتكون النار اليونانية. وقد أشار إلى استعمال المسلمين هذه النار في الحروب الصليبية الأستاذ كوستاف لوبون في كتابه (المدينة العربية، ص 514، 515).
ويروى الأستاذ أحمد بدوي في المقال السابق الذكر نقلا عن (خطط المقريزي، ج 1ص347) أن الفرنج هاجموا دمياط سنة 615في آخر أيام العادل وعملوا آلات ومرمات وأبراجاً متحركة (والدبابات) يزحفون بها إلى برج (السلسلة) ليملكوه حتى يتمكنوا من المدينة.
وتبحث بعض المصادر التاريخية عن أهمية الدبابات التي استخدمها السلطان محمد الفاتح أثناء محاصرة القسطنطينية، فيقول المؤرخ التركي الشهيد أحمد رفيق:
أن السلطان قد أمر بإنشاء أبراج تسير بواسطة عجلات لتستخدم في خرق السور فصنعوا برجاً خشبياً سياراً يسمى ب (كشوركشا) أي (فاتح البلاد) وهو مغلف من الخارج ومبطن من الداخل بالجلود بالماء لدفع النار. وكان الجنود يتحصنون في داخله، وإذا ما أرادوا الخروج فتحوا الأبواب الثلاثة باتجاه المدينة من القسم الأسفل منه فكانوا في ذلك في مأمن من مقذوفات العدو أثناء النزول والركوب. وقد جمعت فيه أكوام من الحطب والأخشاب لإملاء الخنادق وتسهيل الهجوم، هذا ويحمل البرج مائة جندي انكشاري (ينيجرى) مع
كامل أسلحتهم ومعداتهم.
وفي ذات ليلة جاءوا بهذا البرج إلى الموضع الذي عينه
السلطان للزحف إلى ميدان القتال. غير أن العدو تمكنوا من
إحراقه بقذفهم النار اليونانية إياها طيلة الليل (18نيسان1453)
(راجع تاريخ الانتصارات العثمانية، ص250، 251).
وقد عقد الأستاذ كوستاف شلومبرجيه فصلاً مفصلاً في كتابه (فتح القسطنطينية) باللغة الفرنسية - نقلاً عن بعض المؤرخين الذين حضروا المعركة أمثال باربارو وتتالدى وفرانجس وبيه رس - وصف فيه الدبابة الضخمة التي استخدمها الجيش العثماني أثناء محاصرتهم للقسطنطينية وصفاً دقيقاً جاء فيه:
أنه في صباح18 مايو ذُعِر المحصورين في المدينة وأخذهم فزع شديد إذا رأوا بغتة البرج الخشبي السيار كالجبل عالياً فوق السور، فملأ ذلك قلوبهم خوفاً ورعباً، وفقدوا صوابهم فتحيروا في أمرهم ولم يدروا ماذا يصنعون؟!. . . وقد حضر الإمبراطور قسطنطين - حين بلغه الخبر - مع أركان جيشه لمشاهدة هذا البرج العجيب المسمى بالقلعة الخشبية (أو الدبابة).
لقد قاموا المهندسون الأتراك بصنع هذه الآلة قرب السور أثناء الليل بصورة خفية وسريعة جداً لم تستغرق أربعة ساعات بدرجة ينبغي أن نقول بأن أهل القسطنطينية جمعاء لم يكونوا ليصنعوا مثر هذا البرج في شهر كامل وإن يساعد بعضهم بعضاً.
كانت هذه القلعة الخشبية مصنوعة من أخشاب قوية مربوطة بعضها ببعض ربطاً محكماً وهي مغلفة من الجهة العليا بطبقتين من الجلد الإبل. وقد غطيت من جميع أطرافها بالطين حفظاً من التأثيرات الخارجية: وكانت تسير على عجلات متحركة ومغلفة بجلود البقر والجاموس. وهناك يوجد في داخلها الدرج (السلم) للصعود إلى الطابق الفوقاني منها. وفيها أنواع العتاد والأسلحة، كما كان فيها أيضاً كثير من السلالم الخشبية بغية استعمالها في التسلق على الأسوار. كانت لها ثلاث نوافذ متجه نحو السور يرمون من خلالها العدو بالسهام. . .
تحركت هذه القلعة وبدأ الجنود يرمون التراب والأخشاب في الخنادق لتسهيل السير حتى بلغوا السور وتمكنوا من فتح ثغرة فيه وبدءوا يثبتون السلالم ويستعلون بها على السور، ولم يتأثروا كثيراً بالمقذوفات التي كانت تلقى عليهم حتى تمكن العدو من إحراق هذه القلعة باستعمال النار اليونانية، وأستشهد بعض من فيها من جنود الانكشارية.
ويصف (فرانجس) هذه القلعة التي يشاهدها عن كثب وهي تلتهب وصفاً جميلاً فيقول إن السلطان كان يصيح بصوته العالي: أنني لم أكن لأعتقد أن باستطاعة العدو إحراق هذا البرج في ليلة واحدة وإن صدق ذلك سبعة وثلاثون ألف نبي.
(وللتفصيل راجع الفصل السادس من كتاب فتح القسطنطينية لكوستاف شلومبرجيه).
(بغداد)
عطا الله ترزي باش
كلية الحقوق
3 - من شجرة الدر
لحضرة صاحب السعادة عزيز أباظة باشا
عز الدين أيبك - شجرة الدر
أيبك: قد كنتِ رائعة الآراءِ بارعة ال_تدبير ملهمةً للحزم والرشدٍ
شجرة الدر: بالغتَ أيبكُ
أيبك: بل قصرتُ مالكتي
شجرة الدر: فتلك عين الرضا يا صاح فاقتصد
أيبك: أسرفتُ يا ملكةَ الوادي؟! أما رأْمتْ=يْداك مصر فعاش عيشة الرغد
دفعت عنها عِداها واعتليت بها
…
مقادم المجد في أيامك الجدُد
وقدِتها للمعالي واحتشدت لها
…
فأصبحت غرضاً للحقد والحسد
يا ربة التاج
شجرة الدر: أما أبصرتَ ما يقع؟
وزادني فيه كرهاً أن نُسبت له
…
وكنت باسميَ تدعونني فأستمع
أيبك: جلالة الملك أقصت عنك لي أملاً=ما زال يهفو له قلبي ويندفع
(في مرارة)
ولمعة التاج لم تطفئ برونقها
…
سوى رجائي وكان الدهرَ يلتمع
يا عصمة الدين
الملكة: عز الدين قلت فلم=تنصف وأنت على نجوى مطلع
أنت الذي مسّ قلبي فاستجاب له
…
وعاد يرتاح للدنيا ويتسع
رحمته وهو تاو في أضالعه
…
أنحى عليه الضنى والوجد والجزع
أيبك: لما وليت أمور الملك قلتُ مضى=عهد الهوى وانقضت في إثره المُتع
وقلت للنفس: تلك الشمس كيف لها
…
ترقى وأنت المعنىَّ العاجز الضِرعُ
طويت روحي على يأس وِهبت بها
…
قرَّى بيأسك، لا يجنح بك الطمع
شجرة الدر: فدتك نفسيَ عزَّ الدين. أي أسى=يهتاج في عتبك الباكي ويندلع
لاشيء كالحبَّ. . . لا ملكٌ، ولا ولدٌ
…
ولا شباب، ولا الدنيا بما تسع
والحب إن كَرُمت أعراقُه وصفَت
…
يسمو على قِيَم الدنيا ويرتفعُ
ما أضيع العمر إن لم تحترق كبدٌ
…
وتحتدمْ لوعةٌ في القلب تصطرع
أيبك: يا عصمة الدين هذي ليلة كرُمت=كأنها من ليالي الخلد تنتزع
بعثتني حين لم أجرؤ على أملٍ
…
وحين كل رجاء فيك منقطع
وحين نفسي - رعاك الله - تالفة
…
وحين قلبي - وقاك الله - منصدع
أهواك. . . أهواك ألواناً فأيسرها
…
مُدى تَواتر في صدري فتقتطع
مازلت والسن تعلو بي أذوب جوى
…
إذا همست واستغشى وأمتقع
شجرة الدر: (وهي تسترد جأشها)
لا بل تحب كاقيال الرجال إذا
…
هاموا فلا الضعف يعروهم ولا الجزع
ما كنت والتاج يُزهى بي سوى امرأة
…
تأوي إلى الرجل الحامي فتمتنع
أيبك: نفسي فداؤك قد مزقتها قطعاً=وسمتها الألم القدسي والسقما
شجرة الدر: وكيف؟
أيبك: من غيرةٍ كالنار حاطمة=والموج مصطخباً، والسيل محتدماً
تظلُّ تعصفُ بي عصفاً
شجرة الدر: سلمت ولِمْ
هذي الشكاية؟
أيبك: غيري فيك من سلما
كم بت غيران ممن قد أنست به
…
ومن همست له فارتاج وابتسما
ما إن تحدثت في لين إلى رجلٍ
…
إلى أثرت بقلبي فتنة عمها
وما هششت لبعض الناس عن عرض
…
إلا نزل الهمُّ في جنبيَّ واضطرما
الغيرةُ الحبُّ ما شبت. . . فإن خمدتْ
…
فقل مضى الحبُّ في أذيالها قدُما
شجرة الدر: ممن تغار وقلبي أنت مالكه=ربا هواك وأرسى فيه فاحتكما
أيبك: إني فريس جوي ما إن خلوت له=إلا انتهى لشغاف القلب فاصطلما
(ثائراً) إني أغار من الماضي
شجرة الدر: أأعقل ما
تلقى!
أيبك: أغار من الماضي الذي انحسما
أغار من كلَّ من قد ظنَّ أن مُلئت
…
يداه منك فرد النفس واعتصما
أغار من كلَّ من أفضى إليك ومن
…
أثنى عليك. . . وإن قال الذي علما
أغار من كل ذي شأن بذلت له
…
عطفاً فقبَّل منه الراح والقدما
وددت لو كنت لي لم تعرفي أحداً
…
ولا بني بك زوج. . . هان أو عظما
عيناك مشرع ما ألقاه من قلق
…
الله بالسحر والإغراء علهما
فما تحركتا إلا وأيقظتها
…
في الغافلين الهوى والشوق والنهما
يا أطهر الناس عرضاً ما نجوت من ال
…
باغي الذي يثلم الأعراض والحرما
أمضهم أنك استعذبت فريتهم
…
وإن رضيت على علاتها التُّهما
عزيز أباظة
تعقيبات
للأستاذ أنور المعداوي
من صدى الدموع التي شابت:
لله هذا القلم الذي تقلبه أناملك فيسطر كلمات هي في أغوار القلب أنغام وألحان. . . فيها الشجن العارم والحزن المقيم، وفيها الحنان الشفيف والأخوة المتسامية، وفيها الإنسانية تحلق في أجواء مترعة من الأفكار وعالم حالم من الصور؛ هنالك حيث يلتقي الناس اخوة. . . وتتناجى الأرواح في همس.
كم حلقت بي كلماتك النابضة التي تتنفس على صفحات الرسالة والتي قرأتها اليوم. . . تلك القصة الرائعة التي سجلها قلمك الحي والتي أعجب أنك إنما صنعتها من كلمات وكلمات فقط. نعرفها جميعاً ونقرؤها كثيراً، ولكنها تتجمع هنا وتتآلف لتكون لحناً وتصوغ سمفونية خالدة!
قصة الدموع التي شابت؟! كم حركت الشجن في صدري، وكم أثارت كوامن الحزن في نفسي. . . نفسي التي عرفت الحزن وألفته وهامت به، الحزن الذي يصقل النفس، ويبلور العواطف، ويجنح بالفكر إلى العلو. .
هذا الصديق الذي كان لحناً توارى بين فجاج الصمت، وكان حلماً تبدد على صيحة مفزعة لملك الموت. . . هذا الإنسان الذي عاش في حساب الزمن سنوات قلائل، وعاش دهراً في حساب التجارب والمحن. . هذا الإنسان الصديق، الذي لم أره من قبل أريد يا سيدي الكتاب أن أعرفه.
اكتب لنا قصته فهو أولى الناس بأن تكتب عنه. لا تهب يا سيدي نبش القبور، ولا تتردد في تقليب الذكريات ومبعثها من مأواها الأخير، الغائر في أعماق الصمت. . فقد مات الإنسان ولا أحد يعرفه، عاش مغموراً ومات كذلك. ذهبت الأنات لم تصل إلى أذن، وتبددت الزفرات لم يشعر بها إنسان إلى أنت. . لقد ثوى الجسد في القبر وأصبحت الذكريات ملكاً للإنسانية الهائمة على مسرح الأرض. ونحن بغير تجاربنا ندور حول أنفسنا. نبدأ ثم نعيد، مغمض الأعين، مغلق السمع، مطموس الحس. . فاكتب عنه يا سيدي على ضوء تلك الرسائل التي بعث بها إليك، فإنك إذ تفعل إنما تضيف إلى تجارب. وإلى
روضة الفن باقة غالية!
افعل ذلك بحق الفن. . وفي الانتظار، تقبل تحيات المخلص المعجب:
سعيد كامل
كلية الآداب - قسم الفلسفة
هذه رسالة من بضع رسائل تلقيتها حول قصة الدموع التي شابت. إنها تعبر عن رجع الصدى العميق الذي هز قلوب ومشاعر وتنوب عن بقية الرسائل في إظهار المحور النبيل الذي تدور حوله رغبة ورجاء.
يا صديقي الذي كتبت إلى. . لقد كنت أود أن أقص عليك وعلى الناس قصة ذلك الإنسان البائس، ولكن هناك أحياء سينفجر مداد القلم دماء جراحهم إذا ما كتبت!. إن وراء السطور مأساة نسج خيوطها القدر، وقام بإخراجها الزمن، واشترك في تمثيلها بعض الناس. . فيهم الشيطان الغادر، وفيهم الملاك الطاهر، وفيهم الإنسان الشهيد! أما المسرح فقد كان هناك. . في الإسكندرية، وأما النظارة فقد كانوا هنا. . . في القاهرة، كانوا فرداً واحداً يستمع إلى القصة تنقل إليه على أمواج الأثير في كلمات، ولكم تناول هذا الفرد الواحد قلمه ليجفف الدموع التي فاضت. . . ولكنها شابت!!
وها هو ذا يحاول اليوم أن يكتب القصة، ولكنه يقف حائراً بين أمرين: رغبة القراء. . . ولوعة الأحياء! ترى هل يرضى الفن فيستجيب لدعائه، أم يخضع لصوت الضمير فيقبض قلمه إلى حين. . . إلى تهدأ الرياح، وتلتئم الجراح، وتتكسر أمواج المحنة على شواطئ النسيان!؟
إنني في انتظار الرأي من كل صاحب رأى. . . وعلى الذين ينشدون عرض المأساة على صفحات الرسالة أن يقدروا هذه الحقيقة وهي أن هناك أموراً على جانب من الخطورة ستذكر، ولا آمن إذا ما اطلع عليها أصحابها أن يتهدم بيت وتتحطم أسرة!!
أدبنا بين المحلية والعالمية:
أسمع صيحة تتردد على الشفاه أحياناً، ثم تنتقل من الشفاه إلى الورق أحياناً أخرى؛ أعني أنها تنتقل من ميدان الحديث المسموع إلى ميدان الرأي المكتوب. . وجوهر الصيحة أو
خلاصتها هو أن أدبنا لا يمثلنا، وهدفها أو غايتها هو أننا نريد أدباً مصرياً؛ أدباً ينبئ عن الشخصية المصرية، ويومئ إلى الطابع المصري، وبقبس من بيئتنا صوره وألفاظه ومعانيه!
صيحة يطلقها بعض المتعصبين عن جهل، ورأى يجهر به بعض المتعالمين بغير علم، و (وطنيه أدبية) ينادي بها بعض (القوميين) على غير هدى وبصيرة. . . يريدون أدباً مصرياً، ماذا يقصدون بالأدب المصري؟ هل يقصدون أن يهمل الكتاب والشعراء والقصاصون كل ما يتصل بالتجربة الشعورية الخاصة، وبالنفس الإنسانية العامة، وبالحياة في كل أفق من آفاقها الرحيبة، ليفرغوا لكل مشكلة يومية تعترض طريق الكادحين من أبناء الشعب، وكل ظاهرة اجتماعية تهم المسئولين عن مصالح الناس، وكل مشهد تقع عليه العين ويلتقط الخاطر في نطاق المجتمع الذين يعيشون فيه؟!. أغلب الظن أنهم يرمون من وراء صيحتهم إلى هذا كله؛ وإلى ما هو أبعد من هذا كله؛ فإذا رحل الشاعر المصري مثلاً إلى ربوع سويسرا وجادت مخيلته برائعة شعرية حول بحيرة لمبان قالت له ألف صيحة وصيحة: هذاأدبسويسري وهذه بضاعة أجنبية، نريد أدباً مصرياً نريد بضاعة وطنية. . . عندك يا أخي بحيرة البرلس وبحيرة أدكو وبحيرة المنزلة، ألا ترى أننا في غنى عن أن نستورد من الخارج؟! وإذا تنقل القصاص المصري مثلاً بين أحياء باريس ثم عكست ريشته بعض صور الحياة في مونبارباس قالي له ألف صيحة وصيحة: هذا أدب فرنسي هذهآداب غربية، نريد أدباً مصري نريد آفاق شرقية. . . عندك يا أخي حي السيدة والحسين وخان الخليل، سألا ترى أننا في غنى عن أن نستورد من الخارج؟! وإذا طاف الكتاب المصري مثلاً بأي بلد أوربي فأستمع إلى أدبائه ونقل ما سمع إلى مواطنيه، أو قضى ساعات بين كتب الغرب ثم تحدث عن رحلته الفكرية إلى قارئيه قالت له ألف صيحة وصيحة: هذا أدب المبرنطين هذه أفكار أعجمية، نريد أدب المطربشين نريد أفكاراً عربية. . يا أخي عندنا فلان وفلان وإنهم لمن سلالة الجاحظ وأبي حيان وأبن المقفع وأبن العميد فمالنا ولجان سارتر وجورج ديهامل وبول كلودل وأندريه جيد؟ ألا ترى أننا في غنى عن أن نستورد من الخارج؟!
هذا هو جوهر الصيحة أو خلاصتها أو هذا هو الهدف الذي تلوذ به وتسعى إليه، ولك أن
ترد الجوهر الهدف معاً إلى تلك الدوافع التي حدثتك عنها من قبل، ولك أن ترد تلك الدوافع إلى مصدر واحد هو مركب النقص. . . يريدون أن يحصروا الأدب المصري في بيئتهم لأنهم لا يعرفون غير هذه البيئة، ويريدون أن يفرضوا على الأدب المصري في بيئتهم لأنهم لا يعرفون غير هذه البيئة، ويريدون أن يفرضوا على الأدب المصري الحديث ألا يتحدث بغير لغتهم لأنهم لا يفهمون غير هذه اللغة، يريدون أن يقصوا أجنحة الأدب المصري إذا حلق في غير أفقهم لأنهم لا يطيقون غير هذا الأفق، ويريدون أن يكتموا أنفاس الأدب المصري إذا عب من هواء الحرية في غير جوهم لأنهم لا يستطيبون غير هذا الجو بما فيه من هواء. . . ولا بأس من الجمود والركود، ولا بأس من الخمول والرجعية، ولا بأس من البقاء في المعاقل دون التطلع إلى ما وراء الأسوار. لا بأس من هذا كله ما دمنا نريد أدباً مصرياً، أدباً يمثلنا، أدباً لا يصح أبداً أن يتخطى حدود الزمان والمكان!!
أدب محلي هذا الذي يريدون، لأنهم لا يدركون أثر العالمية في الأدب ولا قيمتها في حساب الخلود. . . كلا يا أصحاب الصيحة السافرة وغير الصاخبة، أننا نريد أدباً إنسانياً لا مصرياً، أدباً يقرؤه الذين هنا والذين هناك، أدباً يفتش عن مصادر الإلهام ومنابع الوحي في كل قطر من الأقطار وكل بقعة من البقاع، أدباً يخاطر الوجدان في كل نفس بشرية ويستنطق الحياة أينما طافت عدسته بمواكب الأحياء، أدباً يطالعه القارئ من كل جنس ولون فيحس أنه قد كتب له، أدباً يصوّر الخلجة كما تضطرب في أعماق اصدر، والخفقة كما تهدر من أغوار القلب، والنزعة كما تنحدر من أوكار النفس، والنزوة كما تتنزى بين قيود الطبع. . . وهذه هي المرآة الصافية المصقولة التي تلتقي على صفحتها كل الوجوه، وتتألف كل المشاعر، وتتعانق كل الأرواح. هنا وفي كل أرض يرتفع فوق ثراها صوت الفن، وترفرف في سمائها راية الفكر، وتتجاوب في أرجائها صيحات الباحثين عن أنفسهم في زحمة هذا الوجود!!
أنك لن تجد في فرنسا من يقول نريد أدباً فرنسياً، ولن تجد في روسيا من يقول نريد أدباً روسياً، ولن تجد في ألمانيا من يقول نريد أدباً ألمانياً، ولن تجد في إنجلترا من يقول نريد أدباً إنجليزياً. . . ذلك لأن الأدباء في كل بلد من تلك البلاد قد فهموا رسالة الفن كما يجب
أن تفهم، على أنها مادة فكرية تحطم حواجز المحلية المقيدة لتنفذ إلى مسالك العالمية الطليقة، وبمثل هذا الفن الإنساني تمكنت هذه الآداب جميعاً من أن تحتل مكانها في كل وطن، وكل بيئة، وكل لغة. . . وهذا هو الطريق!
جان بول وسارتر والشعر:
للفيلسوف الفرنسي الكبير جان بول سارتر مجلة أدبية فلسفية هي (العصور الحديثة أو. . ولا أريد أن أحدثك هنا عما ينشر فيها من بحوث، ولا عن مكانة صاحبها من الفكر الفرنسي المعاصر، وأن كنت قد حدثتك عن مكانة سارتر في عدد مضى من الرسالة. وإنما أريد أن أنقل إليك قصة طريفة تتعلق بالفيلسوف الفرنسي الكبير وبمجلته الرفيعة؛ وهي أن شاعراً من الشعراء الفرنسيين قد بعث إليه بقصيدة من (روائع شعره) لتزدان بها صفحات (العصور الحديثة). . . ومضى شهر وشهران وثلاثة والشاعر ينتظر، ينتظر نشر القصيدة التي ألقى بها سارتر إلى سلة المهملات!
وحين يئس الشاعر من عطف الفيلسوف، أطلق لغضبه العنان فكتب مقالاً ثائراً في (الفيجارو) يتهم فيه سارتر بأنه رجل لا يحترم الشعر لأنه لا يفهمه، والدليل على ذلك أنه لم يستطع أن يتذوق قصيدته (الفريدة) التي رحبت بنشرها الفيجارو في صفحها الأدبية!. . . وتناول الفيلسوف قلمه ليبعث إلى الصحيفة الفرنسية بهذه الكلمات (عزيزي رئيس تحرير (الفيجارو). . أؤكد لك أنني أفهم الشعر، وأؤكد لك أنني أحترمه أكثر مما أحترم الفلسفة، والدليل على مدى احترامي للشعر هو أنني أخرجت كتاباً عن (بودلير) الشاعر في حين أنني لم أكتب شيئاً عن (ديكارت) الفيلسوف. . . أما الدليل الأخير فهو أنني قد ألقيت بقصيدة الشاعر الذي هاجمني إلى سلة المهملات)!!
قصة طريفة أهديها إلى الشاعر المصري (الكبير) الذي بعث إليّ برسالة يتهمني فيها بأنني لا أحترم شعره لأنني لا أفهم الشعر، وكان قد أهدى إليّ إحدى قصائده لأقدمها إلى القراء على أنها من فرائد (الأداء النفسي)، ذلك الأداء الذي سبق أن بحثت مشكلته على صفحات (الرسالة). . . وأكتفي بهذا وأصفح عما جاء برسالته من عبارات مهذبة، وعليه أن يشكرني في رسالة أخرى لأنني استشرت الذوق فلم أذكر اسمه، وإذا لم يفعل فسأعمد إلى التصريح بعد التلميح!
بعض الرسائل من حقيبة البريد:
هذه رسالة من الشاعر العراقي الفاضل الأستاذ عبد القادر رشيد الناصري أقول رداً عليها بعد شكره على كريم تقديره، هل تود أجيبك عما سألتني عنه هنا أم تود أن يكون الجواب في رسالة خاصة؟ أنني في انتظار رأيك. وهذه رسالة أخرى من العراق أقول لمرسلها الأديب الفاضل محمد سعيد (مسيب)، أنتي أرحب بعضويتك في محكمة الأمانة العلمية وأشكر لك حسن ظنك بصاحب (التعقيبات)، وأعتذر من نشر حكمك القاسي على الدكتور شكري لأننا لم نسمع بعد كلمته في الموضوع، أما الرسالة الثالثة فهي من الأستاذ الفاضل فؤاد الونداوي (بغداد) ومنها سؤال عن (القيود في الفن) سأعرض له بالتعقيب في العدد المقبل من (الرسالة)، ومن العراق أيضاً هذه الرسالة الرابعة وهي من الأديب الفاضل عبد الله نيازي (بغداد) يا صديقي لك خالص امتناني لتفضلك بإهدائي (نهاية الحب)، قصتك الطويل التي تلقيتها منذ أيام، وأنتقل إلى الرسالة الخامسة وهي من الأديب الفاضل عبد الله النافع (عطبرة - سودان) وفيها يرمي زميله الأديب السوداني سيد أحمد قناوي بأنه يبعث إلى (الرسالة) بأقاصيص منسوبة إلى الإنجليزية حيناً وإلى الفرنسية حيناً آخر مع أنه لا يجيد هذه ولا تلك، إن ردى على هذا لاتهام هو أن يدفع الأديب المتهم عن نفسه ما رمى به، وذلك بأن يذكر في أقاصيصه المقبلة أسماء من ينقل عنهم ويترجم لهم! أما الرسالة السادسة فمن أديب فاضل من (الإسكندرية) رمز لنفسه بهذين الحرفين (م. خ) وبها سؤال عن بعض ما جاء بكتاب (الحب الضائع) للدكتور طه حسين، يا صديقي المجهول لك خالص شكري على جميل رأيك في صاحب هذا القلم، وإلى العدد المقبل حيث أتناول بالنقد تلك الفقرات التي نقلتها إليّ. . . ويضيق النطاق اليوم عن بقية الرسائل في حقيبة البريد.
أنور المعداوي
الأدب والفن في أسبُوع
للأستاذ عباس خضر
تكريم الدكتور طه حسين:
أقام اتحاد التعليم الحر يوم الخميس الماضي، حفلة تكريم للدكتور طه حسين بك في دار الاتحاد النسائي لمناسبة عودته من أوربا. وقد بدأت الحفلة بكتاب من معالي الأستاذ محمد العشماوي باشا وزير المعارف ألقاها الأستاذ محمد سعيد العريان، وقد تضمن هذا الكتاب الكريم تقدير معالي الوزير للدكتور طه، إذ قال فيه بعد التعبير عن الأسف لعدم المشاركة في الاحتفال: أنه كان يود الحضور للتنويه بفضل أديب العربية الأولى والاعتراف بما أسداه للأدب والفن، وما أداه لقضية التعليم، وما أفادت الأمة العربية من آثار سفراته العلمية الموفقة في بلاد العلم والحضارة، بما نشر في المجامع العلمية من مباحث، وما أذاع من محاضرات، وما ترجم من آثار، وما أثر عنه من أحاديث.
وقد أجمل معالي وزير المعارف بتلك الكلمات، الأسباب الداعية إلى تكريم الدكتور طه بك. وقد دعوت الأدباء في كلمة سابقة إلى الاحتفاء بعميد الأدباء بعد أن بسطت القول في دواعي هذا الاحتفال، والواقع أن الرجل لا يوفى حقه أي تكريم، لأنه لا يعطي نفسه قدر ما يعطي هذه البلاد، فهو في الداخل محاميها المدافع عن حق أبنائها في التعليم، وهو في الخارج سفير بلا مرتب وداعية ينفق من ماله، على حين نرى عشرات المندوبين توفدهم الدولة إلى المؤتمرات لعلمية، وتكلف خزانتها نفقاتهم، ثم لا نحس أثر لهذه الرحلات والنزهات في غير الصحة الجيدة التي يتمتع بها العضو الكريم. . .
حقا إن الرجل لا يفي بحقه أي تكريم، ولكني لا أخال حفلاً يقيمه الأدباء إلا نافعاً من حيث ما يتوقع أن يقدم فيه من دراسات وألوان رائقة من الأدب والفن. وقد رأينا المشاعر المتدفقة وفاء في حفلة رجال التعليم الحر، رأينها في الجهد على قدر المستطاع، وهو جهد بذل على اصدق في النية أكثر مما يدل على شيء آخر. ولا أستطيع أن أغفل الحديث عن القصيدة الممتعة التي ألقاها الشاعر الإسكندري الأستاذ محمد فضل إسماعيل، فقد خرج فيها عن قوالب المدح المعادة إلى حديث الأديب إلى الأديب، والتعبير الظريف عن الخواطر السرية.
وأختتم الحفل بكلمة فياضة من المحتفى به، دارت حول حق المعلم في رعاية الدولة، وحق الأمة في تعليم أبنائها بالمجان في جميع مراحل التعليم؛ وقد دعا إلى (تأميم التعليم) بأن تدبر الدولة كل معاهدة، وتيسره لكل راغب، وتأتي بالمعلمين منكل قادر على أن يعلم شيئاً، فلا تقتصر على خريجي الكليات ومعاهد التربية وحاملي الشهادات، وقد سخر من (البيداجوجيا) ذهباً إلى أنه لا ينبغي لها أن تقف في سبيل نشر التعليم، وأنه لا ينبغي أن ننتظر حتى نتمكن من بناء المدارس الفخمة وتأثيثها بفاخر الأثاث، بل يجب أن نتعلم في أي مكان وعلى أية حال، حتى يتاح لنا أن نأخذ بأسباب الكمال، وضرب أمثالاً لذلك منها أن المصريين في القرى لا يستطيعون أن يمسكوا عن شرب الماء حتى يصفى لهم.
ذلك، ولقد لوحظ أن خطباء الحفل وشعراءه أجمعوا على إبراز شيء كان يجب - إن لم يكن منه بد - أن يكون (مضمراً) فلم تخل خطبة أو قصيدة من الآمال والمطالب، حتى ليمكن أن يقال إن نصيب أصاحب الحفلة من أنفسهم كان أكثر من نصيب المحتفل بتكريمه. ويمكن أيضاً أن يقال إن تكريم المعلمين لآمالهم كان أكثر من تكريمهم للرجل الذي احتشدوا لتكريمه. . . وقد جعل الخطباء والشعراء يجاذبون هذا المعنى، حتى جاء الخطيب الأخير، فرقَّم المطالب بأول وثان وثالث. . . فهذا (الجدول) المرهق للمعلم المسن في المدارس الحرة، وغيره مما لا أطيل بذكره. ولست أدري كيف غاب عن المعلمين أن الدكتور طه حسين بك ليس الآن في منصب بحيث يقال له ذلك، والقوم جديرون بالإنصاف والتقدير، والرجل أهل لصنع المكرمات، ولكن لكل شيء وقته ولكل مقام مقال.
وقد كثر الخطباء والشعراء، وأطالوا، حتى كاد ينقلب التكريم إلى ضده. ويبدو مع ذلك أنه كان هناك آخرون يبغون القول، غير من قالوا، وقد أفلت شاعر من الذمام ووقف يلقي قصيدته دون أن يُقدَّم غير عابئ بغيظ المنظمين. . وكلما قوطع قال: لم يبقى إلا بيتان!
وقد شاهدت بعض (المظطهدين) في وزارة المعارف ولسان حالهم يبغي اللياذ. . كما رأيت بعض كبار الموظفين في الوزارة يحيطون بالدكتور طه حسين، وقد سألت نفسي: هل كان هؤلاء يُلمحون بهذا المقام في غير هذا الظرف؟ ما أحسب الدكتور طه إلا يتعب كثيراً، كان الله له.
كرامة الأدباء:
كتب (أديب ناشئ) في جريدة الزمان يوم الخميس الماضي يقول أنه حضر مجلساً في ندوة الأستاذ كامل كيلاني أني فيه ذكر الأستاذ العقاد من حيث ترفعه وكبرياؤه، فقال الأستاذ الكيلاني: إن احتفاظ العقاد بكرامته كما يقول على بن الجهم عن العلم:
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلة
…
إذن فأتباع الجهل قد كان أحزما
والأديب الناشئ يحكي عن الأستاذ كامل كيلاني نسبة البيت إلى علي بن الجهم، وإنما هو لعلي ابن عبد العزيز الجرجاني صاحب الوساطة بين المتنبي وخصومه، وقبل هذا البيت قوله:
ولم أقض حق العلم إن كنت كلما
…
بدا مطمع سيرته لي سلما
ولا أشك في أن الأديب غاب عن ذكرياته ما سمعه من الأستاذ الكيلاني، فقد سمعت البيت من الأستاذ غير مرة منسوباً إلى صاحبه، وقد أورد صحيح النسب في بعض مؤلفاته، ويرجع ترديده البيت إلى اعتزازه بهذا المعنى.
وحتى ما قال كامل كيلاني في العقاد، كما أنه مما يجب أن يذكر في هذا الصدد أن جيل الأدباء الحالي رفع شأن أشخاصه بتوجيه همهم إلى القراء عن طريق الإنتاج، وأعراضهم عن التلصق بالكبراء، فالأديب يرتفع قدره أولاً عند الجمهور، ثم يطلب (الباشوات) مودته، وهؤلاء منهم الأديب، أو المثقف، المقدر حقيقة، ومنهم من يبهره الصدى المردد. على أن الزمن قد تطور، فقد أصبح بعض الأدباء من الباشوات ومنهم من لا تقل مكانته ولا ينقص قدره في المجتمع، بل يزيد، عن حملة هذه الألقاب.
فلم الأسبوع:
حسونة الطرابيشي يحب بِلْيه أخت عزوز الحذَّاء، وقد خطبها من أخيها، ولكن هذا لا يريد أن يزوج أخته إلا بعد يتزوج هو، ويلتقي عزوز بعزيزة فيحبها ويخطبها من أمها فترحب به؛ ولكن نعيم الحلاق الطامع في الزواج من عزيزة يقول لعزوز إن خطيبته تعمل راقصة باسم (قطر الندى) فيذهب عزوز إلى المرقص هو وأصحابه وأخته، فيشاهدون الراقصة قطر الندى فيعتقدون أنها عزيزة، والحقيقة أنها غيرها، ولكنهما تتشابهان. وتعرف الراقصة من كلامهم أن لها شبيه، وتعرف عنوانها، فتحاول أن تستغل هذا التشابه في تدبير أمر.
تذهب إلى منزل عزيزة وتعرض عليها أن تحل محلها ليلة واحدة لتذهب إلى والدها المريض، مقابل مائة وخمسين جنيهاً، فتقبل عزيزة وتذهب إلى المرقص وترقص. أما قطر الندى فإنها تذهب إلى جوهري علمت أن لديه جوهرة ثمينة ينوي صديقها الغني أن يشتريها وتخشى أن يهديها إلى غيرها، وتحتال الراقصة على الجوهري حتى يريها الجوهرة، فتضربه على رأسه ليفقد الوعي وتأخذ الجوهرة وتتركه صريعاً، ثم يفيق بعد ذلك ويبلغ (البوليس) وتحدث عدة حوادث وتتردد الشبه في أثنائها بين قطر الندى وعزيزة. وتستطيع عزيزة أن تبرهن لوكيل النيابة على أنها بريئة وأن الجانية السارقة هي قطر الندى، فيقبض على القطر الندى ويطلق سراح عزيزة ومن اتجهت الشبه إلى اشتراكهم معها، وهم عزوز وحسونة وبلية والمعلم كودك المصور الذي كان يصورهم وكانت الصورة تلعب دوراً هاماً في وقوع هذه الأحداث ويتزوج كل صاحبته، حتى المعلم كودك، إذ يتزوج أم عزيزة.
هذه هي قصة فلم (منديل الحلو) الذي عرض أخيراً بالسينما (نحاس فلم) وقد ألف القصة وأخرج الفلم عباس كامل. رأينا الفلم يسير في جو طبيعي مشوق حتى بدأت دسيسة الحلاق لصرف الخاطب عن مخطوبته، فقد ابتدأت سلسلة من الحوادث المبهمة ذات جو بارد ممل رغم ما تخللها من رقص وغناء، ويرجع ذلك إلى التكلف والافتعال في محاولة حبك القصة، فمثلاً أية ضرورة تحمل الراقصة على أن تحل محلها واحدة تشبهها؟ وماذا في أن تتخلف عن العمل ليلة لعذر؟ وما أدراها أن عزيزة تجيد الرقص مثلها؟ والعجيب أنها اكتفت بقول عزيزة لها إنها تعرف الرقص دون أن تحقق من هذا. . . وهكذا لو تتبعنا وقائع الفلم وجدناها تسير وفق رغبة المؤلف والمخرج في أن يهيئ مواقف معينة ولو أخرج طبائع الأشياء عن حقيقتها وأجرى الأمور في غير مجاريها. وهناك الزحمة التي تربك المشاهد والجلبة التي تصدع الرؤوس وتضيع في غبارها عناصر الفكاهة والغناء والرقص. ولا سيما أن بطلته تحية كاريوكا (عزيزة) وقد تعجلها المخرج فلم يصبر عليها حتى تصل الحوادث إلى المرقص، بل جعلها ترقص لخاطبها عزوز بدكانه بين الأحذية في أول مرة يلتقيان فيها. . . وهو (عبد العزيز محمود) يغني لها ولمنديلها (الحلو) حتى استحال الدكان إلى (كباريه)!
ومن العبث أن تسأل عن القصة: ما هي؟ ولم هي؟ فالمقصود هو (الفرقة) أو (الجوقة) أو (التخت) الذي يتكون من تحية وماري منيب وإسماعيل يس وحسن فايق وحسن كامل وسعاد مكاوي وغيرهم، فالغرض الأساسي إظهار هؤلاء في الأوضاع التي عرفوا بها، لترقص الراقصة ويغني المغني ويضحك المضحك. وهكذا نرى أن الفكرة (التخت) القديمة لا تزال كما هي في جوهرها وإن اختلفت بحكم الزمن والاختراع، فكلما كان التخت يدعى إلى الأفراح والليالي الملاح، يدعى الآن إلى (الأستوديو) للتصوير والإنتاج، أما أغراض فن القصة من عرض وتحليل وغيرهما فلا باس أن تتحقق في عرض الأجسام تحليل قدرة الممثلين على إرضاء طبقة الفارغين من الناس. . .
والتسلية في الفلم من النوع المبتذل الرخيص، ومن المؤسف أن الممثلين والممثلات - وهم مجموعة من أشهر النجوم والكواكب - كم يستغلوا استغلالاً مفيداً، لتفاهة التأليف وركاكة الحوار وضعف الإخراج، ووجه الأسف أن تكون لدينا كفاءات تمثيلية يمكن أن توضع في القوالب الفنية الراقية، ولكنها تحول إلى الابتذال والتهريج، حتى لا يجد صاحب الذوق السليم، ولا أقول المثقف - في هذا الإنشاء ما يمتعه ويبهج نفسه.
والفلم مقتر عليه في الإنفاق، وقد ظهر التكلف في انتقال أبطاله إلى الإسكندرية دون حاجة إلى هذا الانتقال، ليظهر منضر البحر والشاطئ والقطار، وهي مناظر متكررة معدة من قبل، وقد قصد بذلك تغطية فقر القلم في المناظر الجميلة، ومنظر الشارع الذي تقع فيه أهم حوادث الفلم لا ينطبق على واقع وليس له أية سمة أو معالم واضحة.
عباس خضر
البريد الأدبي
تعبير جزل وليس فيه مجانية:
(يا ابنة الله)(ويا عين الله) تعبيران وردا في مناجاة الأستاذ الراعي للشمس في العدد 840 من الرسالة. . . وإذا كان لي أن أعقب بكلمة لذينك التعبيرين من الرائعين فإنما الدافع لذلك كلمتان للأستاذين الفاضلين دسوقي حنفي وثروة أباظة. . في الأول سؤال للتبيين. فصاحبها يطلب ما غمض عليه وأعجم من التعبير خدمة للحقيقة والأدب كما يقول. وفي الثانية استنكار لهذا التبيين (بعد أن أوضحه الأستاذ الراعي في العدد 847 من الرسالة) فصاحبها هو الأستاذ ثروة يقول: قلم شط في التعبير وكان الله غفوراً رحيماً. . . ويسترسل في استنكاره مستغفراً ربه لهذه اللغة طالباً منه الهداية والتوبة والرحمة. . . ويبدو لي من ثنايا كلمته أنه أراد أن يتوكأ على هيكل التفسير للأستاذ الراعي ليتسنى له الأصل الممثل في التعبيرين السالفين. مهما يكن الأمر غير ذلك فقد يكون الأستاذ ثروة محقاً فيما يذهب إليه ويستنكره إلى حد ما إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية واحدة ونعني بها المنطقية في متناولها السهل القريب التي تعتمد بها على المألوف وحده. ولو حومنا طويلاً وبذلنا المجهود في التعبير وأعملنا الفكر والخيال إن أردنا التحليق في أفق المعنى البعيد فيستبان ما لم يكن ليدركه العقل إذا أقتصر على أفقه المحدود للحكم الأول على الأشياء لما همّ بنا العجب إذ اتأدّت لنا (يا ابنة الله) - وهي موضع الخلف مع زميلتها الأخرى - أو بمعنى يا نفحة من الله ويا شعاعاً من عظمته وآية من قدرته وعملً من معجزاته واستخراج ذهن إلهيّ جبار. . . ألسنا نعبر عن إنتاج الأديب والفنان بقولنا (هذا من بنات أفكاره؟) فلا تعني سوى المبتكر المستخرج من مصنع الفكر ومستودع الذهن ومنبع الإلهام. . فما أقمن الشمس أن تكون من بنات الله المصنوعة المخلوقة من قدرته وإرادته. جل شأنه في الخلق والإبداع والتكوين. . ففي هذا المجال الممرع الفسيح يسهل التعليق ويلين التبيين وينظق المستغلق. . . وإذا قلنا إن الله واحد لم يلد ولم يولد كما عبر الأستاذ ثروت فالمعنى بعيد عما نحن بسبيله. ويكفي أن تفهم ما يعنيه الكاتب ويهدف إليه وإذ ذاك يبطل العجب. أما أن الشمس عين الله في المعنى الآخر فلست أقول في مجال التعليل واستنهاض المجاز إلا أنها عين الحقيقة. والحقيقة هي الله. وكذا يقولون ولك ما تشاء بعد ذلك من تمحيص وتحليل
واستقصاء للمعنى السامق الجليل.
(السويس)
محمد عبد الرحمن
حضرة صاحب التعليقات:
قرأت في العدد 844 من مجلة الرسالة بحثاً للأستاذ عبد المنعم عبد العزيز المليجي بعنوان الفلسفة الصامتة، وقد أثار انتباهي قوله: بعد أن أنها كلامه عن بوذا وفلسفته التي استوحاها من تلك القصة التي عبرت: إن الحياة أعظم الشرور وأن الخير يقضي بالتحرر منها، كما أنه قال إن هذه القصة ترمز إلى فلسفة الهند الزاهرة في الحيات المتعلقة بالروحانية: هي عين الفلسفة التي يعبر عنها سليمان الحكيم في الكتاب المقدس. وهنا أتساءل كيف قال الأستاذ المليجي إن فلسفة بوذا هي التي عبر عنها سليمان الحكيم. وكيف يكون هذا مادام بوذا يدعو إلى التخلص من هذه الحياة التي قال عنها إنها أعظم الشرور، وهل يدعو إنسان عاقل إلى التخلص من شر إذا علم أنه سيعود إليه فيما بعد؟
ومن خلال دعوته تظهر اللهفة على التخلص من هذه الحياة كما إنها تظهر من خلال كلماته أن الحياة أعظم لشرور. ومن هذه اللهفة يفهم المرءأنلا عودة إلى هذه الحياة إن خلص منها، وبما أنه لا عودة إليها تنتهي فلسفته إلى الجمود.
وأن سليمان الحكيم يقول في الكتاب المقدس: إن ما كان سوف يكون وما حدث سوف يحدث، وليس تحت الشمس من جديد. هل هناك شيء نستطيع أن نقول عنه، أنظر هذا جديد؟ كلا!
إذن. سليمان يقول أن الحياة تعيد دورها والتاريخ يعيد سيرته من ماض إلى حاضر، ومن حاضر إلى ماضي فكل ما يراه الناس جديد يستمد حياته من الفناء كطبيعة الكون في الفصول الأربعة تنتقل من فصل إلى فصل.
ما دام بوذا يقف بفلسفته عند الروحانية وهي الرتبة العليا لأبناء الدنيا، وسليمان لا يقف عند حد، بل الحياة مستمرة في دوراتها تعيد الماضي إلى الحاضر وبالعكس، فلا يمكن أن يقال إن فلسفة بوذا هي نفس الفلسفة التي عبر عنها سليمان الحكيم في الكتاب المقدس.
وإن كلمة (عين الفلسفة) هي التي جعلتني أكتب إلى صاحب التعقيبات مستفهماً عن هذه القطة أملاً أن يغنيني عن السؤال عنها ثانياً، وله الشكر سلفاً.
اللازقية - سوريا
محمد بدر
إلى وزارة المعارف
في كتاب (المطالعة العربية) ص4 المقرر هذا العام على طلبة السنة الرابعة الابتدائية ترجمة للأمام الشافعي، وقد جاء فيها ما نصه:(وفي سنة خمس وتسعين ومائة من الهجرة سافر إلى بغداد أيام الرشيد فرحب به علماؤها)(ص35 مطبعة بولاق سنة 1949).
ولقد أجمعت كتب التاريخ على أن الرشيد توفى سنة ثلاث وتسعين ومائة من الهجرة، فكيف تكون سنة 195 هـ في أيام الرشيد؟
هذا وقد ألف الكتاب لوزارة المعارف ليدرس في مدارسها رسمياً - الأساتذة إبراهيم مصطفى بك، ومحمد عطية الأبراشي، وعبد المجيد الشافعين والدكتور عبد الوهاب عزام بك، وحامد عبد القادر، وراجعه الأساتذة الدكتور طه حسين بك، والدكتور أحمد أمين بك، ومحمد أحمد جاد المولى بك.
فهلا غيرت وزارة المعارف هذه العبارة مصححة إياها بما يتفق وحقائق التاريخ المجمع عليها؟ أو تبين لنا المصدر التاريخي الذي أعتمد عليه أساتذتها المؤلفون والمراجعون فيما تضمنته العبارة المنقولة؟
محمد خليفة التونسي
إلى الأستاذ أحمد شفيق حلمي:
قرأت ما كتبته في (الرسالة) العدد 854 تحت عنوان (الوفاء المذبوح) فأكبرت قوة الأسلوب ومتانة العبارة ورقة المعنى ودقة المبنى ولطافت الجوهر وحسن الحبكة؛ وما إن بلغت قولك في الفصل الرابع عندما سقطت سهام على الملاءات البيضاء: (هل تذبل الورود وهي تختال بين المروج) لم استسغ هذا التعبير - لأن الموقف حينئذ يبرن عليه
الحزن والكدر، ويخيم عليه الانزعاج والكآبة والدهشة من هول ما حدث؛ ففي هذا الموقف، موقف المرء وهو يرى ميتاً يحتضر أمامه - بل بين ذراعيه - في هذا الموقف يفزع الإنسان إلى ربه أن يسلط عليه نوراً يبدد حريته، ويسكب في قلبه ضياء يوقظه من غمرته! لا ليقول عبارة هي إلى الغزل أقرب من تعزية النفس وحريتها؟!
وكيف يكون (وحيد) مجنوناً يحب عروسه وشريكته، ثم يفقدها في غمضت عين بين ذراعيه ليلة العرس؛ أنه يصرخ كالأطفال، ويولول كالنائحات - إلا ليظهر مكنون قلبه - وفقكم الله.
الزقازيق
سعيد عبد الراضي حجازي
القصص
ليلة في الصرب
قصة الكاتب الأسباني بلاسكو أبانيز
ترجمة الأستاذ محمد فتحي عبد الوهاب
الساعة الحادية عشر ليلاً، تلك الساعة التي يغلق فيها مسرح باريس أبوابه. وقد أخليت المقاهي والمطاعم من روادها قبل ذلك بنصف ساعة.
وعلى إفريز الشارع، وقفنا زمرة حائرين. كانت جموع الناس تخرج من أماكن اللهو فتختفي في ظلمات الشارع، والمصابيح ترسل ضوءاً خافتاً سرعان ما يمتصه الظلام، والسماء الحالكة تجذب إليها الأنظار بتلألؤ أضوائها، فيتطلع إليها الناس في نظرات من اقلق. فقد كان ذلك الامتداد الفجائي للنور الكاشف أحياناً ما يكشف عن منطاد، تغمره الأشعة فيبدو كالسيجار المتوهج.
وشعرنا بالرغم في الاسترسال في سهرتنا. ترى أين نذهب وقد أغلقت باريس المكتئبة كل أبوابها؟. . . وحدثنا أحد الصربيين عن مطعم لفندق معين، مفتوح الأبواب طول الليل، يستقبل رواده من الضباط، فيدلفون غليه خلسة وكأنهم من أصحابه. وكان يتردد عليه سراً إخوان في السلاح من مختلف الأمم، قد قدموا إلى باريس لقضاء بضعة أيام فيها. وقصدناه، ودلفنا إلى قاعة استقباله في احتراس، فشعرنا بالفارق الهائل بين أنواره الباهرة وظلام الليل المداهم. كانت القاعة أشبه ما تكون منار كبير، وقد أنعكس من مراياها عناقيد الثريات الكهربائية، فخيل إلينا أننا ارتددنا بأعمارنا عدة سنوات. النساء بزيناتهن، والشمبانيا، وتنهدات القيثارة، وزنجي يرقص وقد ارتعشت أجزاء جسمه في الحرارة - كان كل ذلك من مشاهد عهد ما قبل الحرب. بيد أنه لم يكن هناك من الرجال من يرتدي لباس السهرة.
وكان الجميع من فرنسيين وبلجيكيين وإنجليز وروسيين وصربيين - مرتدين حللهم الرسمية الرثة، وقد علاها الغبار. وكان بعض الجنود الإنجليز يعزفون على القيثارة، فيصفق لهم القوم في ابتسامات باردة كالرخام، وقد جلسوا مكان فرقة الغجر الموسيقية.
وأومأت السيدات إلى جندي منهم يهمس باسم والده اللورد - صاحب الملايين الشهير، وهو ينشد قائلاً (دعونا نبتهج إيه الأخوان، فغداً نموت).
كان كل هؤلاء الرجال الذين قربوا حياتهم لمذبح آلهة الحرب، يشربون العرق في جرعات كبيرة، ويضحكون، وينشدون، ويلقون بتحياتهم في حماس إلى أولئك الملاحين المغامرين الذين كانوا يقضون الليل على الشاطئ، ثم يعودون في صباح اليوم التالي لمجابهة العاصفة بشجاعة.
ولاح على الضابطين الصربيين المرفقين لنا، دلائل الرضا. فقد زج بهما وطنهما إلى باريس، مدينة الأحلام، تلك التي ظالما ملأت أفكارهما أثناء إقامتهما المملة بمعسكر في بلدة ريفية. وكان كل منهم يعرف كيف يسرد قصته. موهبة عادية في بلد يكاد يكون كل من فيه شاعراً. فعندما مر لامرتين بالمقاطعة التركية بالصرب وقتئد منذ حوالي قرن، عجب لما للشعر من أهمية في تلك المقاطعة: مقاطعة الرعاة والمحاربين. وكانت الأفكار والذكريات تنظم شعراً في الأرض قلّ أن تجد فيها من يقرأ ويكتب. لقد مد المؤرخون الوطنيون من أجل الإلياذة الصربية، بما نظم من أناشيد جديدة.
ونذكر الضابطان وهما يحتسبان الشمبانيا، بؤس أيام تراجعهما منذ أشهر مضت: الكفاح ضد الجوع والبرد، والمعارك التي دارت على الجليد، واحد ضد عشرة، وفرار الناس والحيوانات في ارتباك مفزع، والمدافع الرشاشة والبنادق تنطلق دون انقطاع إلى مؤخرة الطابور، والقرى المحترق، والجرحى، والمشردون يئنون وسط اللهيب، والنساء المشوهات ولقد حامت حولهن الغربان، وفرار الملك بطرس العجوز، الكسيح من مرض الروماتزم، دون أن يكون له معين سوى عصاه الخشبية، وقد أخذ هو ومن معه من حاشيته يتسلقون الجبال، محني القامة، صامتاً، يتحدى القدر وكأنه أحد ملوك شكسبير.
وراقبت الضابطين الصربيين وهما يتحدثان. كان كلاهما في غضارة الصبا، قوياً ممشوق القمة، ذا أنف اقني كأنه منقار النسر، وشارب مدبب الطرف، وقد انفلتت خصلات الشعر من تحت قبعتيهما الصغيرتين. وارتدى كلاهما حلة في لون الخردل، ولاح عليهما الهدوء الذي يضفي على الشجعان الدائبين على نفض الموت من فوق أكتافهم.
واسترسلا في الحديث: تكلما عما حدث منذ شهور قلائل، وكأنهما يتحدثان عن مغامرات
ماركو كرايلوفتش (السيد) الصربي الذي تسلح بأفعى كأنها الحربة، ليحارب بها شاربي الدماء بالغابات، ومال يهما الحديث إلى ذكريات طفولتهما القاسية.
ثم قام صديقنا الفرنسي، وأستأذن ورحل، وكان أحد الضابطين يقطع استماعه إلى الحديث بالتطلع إلى مائدة جانبية. كانت ترنو غليه عينان حالكتان، تعلوهما قبعة من الريش الحرير الأبيض، ولا شك أنهما استرعتا ناظريه، فقد هب واقفاً كأنما أنجذب بدافع لا يقاوم، وسارة صوب تلك المائدة وإن هي إلا لحظات حتى اختفى، واختفت معه القبعة الحريرية.
وتركت وحيداً مع الضابط الآخر، وكان أصغر من رفيقه سناً وأقل منه حديثاً. وأرتشف رشفة من قدحه وهو يتطلع إلى الساعة الموضوعة على المقصف. ثم أرتشف رشفة أخرى؛ وأخيراً نظر إليّ تلك النظرة التي تسبق دائماً الإفضاء بسر خطير. وأدركت حاجته إلى الإدلاء إلي بحادث مؤلم يعذب ذاكرته ونظر إلى الساعة مرة أخرى: كانت الواحدة صباحاً.
وعلى حين غرة، أخذ يصيغ حديث الصامت في كلمات، قال - حدث ذلك في هذا الوقت، منذ أربعة أشهر. . .
وأخذ يتابع حديثه، وأنا أتخيل معه الليل الحالك، والجليد الذي يغمر الوادي، والجبال الناصعة البياض المغطاة بأشجار الزان والصنوبر، وقد هزة الريح إفنائها فتساقطت منها ذرات البرد الأبيض. ورأيت أطلال قرية، ترابط فيها فرقة صربية، آخذة في التراجع صوب البحر الأدرياتيكي.
كان صديقي يقود مؤخرة هذا الحرس، كتلة من الرجال، محلة أصبحت قطيعاً من الرعاع. يرافقهم أهل القرى في ذهول من الألم والخوف، فيتحر كون بلا إرادة كالآلات، وينساقون إلى الأمام كالحيوانات، وكانت النساء، الداكنات، المشوقات، القويات، يسرن في صمت فاجع، وينحنين على الأموات أثناء مرورهن فينزعن منهم بنادقهم وذخيرتهم.
وبدا الظلام متوهجاً بضوء أحمر متلألئ من القنابل المتطايرة بين الأطلال. فاستجاب إليها أعماق الليل وأقبلت معه التوهجات القاتلة، وأز في الظلام الدامس الرصاص: حيوانات الليل الخفية.
كان كلما أتى الصباح، يبدأ الهجوم، وكانوا يجهلون عدد من هناك، أولئك الذين يصطفون
ضدهم في الظلام. أهم ألمان؟ نمسيون؟ بلغاريون؟ أمأتراك؟. لقد فرض عليهم أن يجلبوا الكثيرين منهم.
وأسترسل الصربي في الحديث قال: (كان لا مناص لنا من التراجع، مخلفين وراءنا أولئك الذين يعوقون تقهقرنا. وكان لزاماً علينا أن تصل إلى الجبال قبل أن يتنفس اصبح).
وكان الطابور الطويل من النساء والأطفال والكهول وما أختلط بهم من قطيع الحيوانات قد أبتلعهم الليل، ولم يبقى في القرية سوى الرجال القادرين، يحاربون من مخابئهم بين الأطلال وقد أخذ جزء منهم فعلاً في التقهقر.
وبغتة، انتابت الضابط ذكرى قاسية.
الجرحى ما الذي تفعله بهم؟ كان أكثر من خمسين رجلاً ممددين على القش في حظيرة مزقت القنابل سقفها. رجال يعانون آلاما مبرحة، رجال مذهولون، يتململون في نومهم ويثنون، جنود أصيبوا بجراحهم منذ أيام مضت، واستطاعوا أن يجروا أنفسهم جراً إلينا، وجنود أصيبوا في ذات الليلة يتبعهم سيل من الدم الجديد، وقد ضمدت جراحهم بضمادات مستعملة، ونساء أصبنا بشظايا القنابل). .
ودلف القائد إلى ذلك الملجأ الذي تفوح منه خبيث الروائح من الأجسام المتداعية، والدم الجاف، والملابس القذرة والأنفاس المتصاعدة، وعندما تفوه بأول كلماته، تحرك أولئك الذين لا تزال لديهم بقية من القوة، في تململ ومشقة تحت ضوء المصباح الوحيد المتعالي دخانه، وصمتت الإناث، صمتة الدهشة والرعب، كما لو أن هؤلاء الرجال المحتضرين يخشون شيئاً أكثر رهبة من الموت.
ولما سمعوا أنه لا مناص من تركهم تحت رحمة العدو، حاولوا النهوض جميعاً، ولكن تهالك معظمهم في إعياء. وأرتفع نشيد من التوسلات اليائسة، والصلوات الحارة، صوب القائد وجنوده الذين كانوا بصحبته:(أيها الأخوان، لا تهجرونا، أيها الأخوان، بحق المسيح. . .).
وعندما وعت عقولهم في بطئ أنه لا مفر من تركهم، رضوا بمصيرهم في خضوع. ولكن. . . وقوعهم في أيدي الأعداء! وبقاؤهم تحت رحمة البلغاريين والأتراك، أعدائهم منذ قرون بعيدة! وأفصحت أعينهم بما لم تجرأ شفاههم على الإفصاح. أنه من اللعنة أن يؤخذ
الصربي أسيراً. وأرتجف الكثيرون ممن شرفوا على الموت، عندما أدركوا أنهم على وشك فقد حريتهم. إن انتقام البلغاريين لأكثر خوفاً من الموت.
(أيها الأخوان، أيها الأخوان. . .).
وأدرك القائد رغباتهم المختفية في صيحاتهم، فنحى عينيه عنهم. وسألهم العديد من المرات (أتطلبون مني أن. .؟).
وحرك الكل رؤوسهم بالإيجاب. أنه إذا كان لا مفر من تركهم، فلا يليق به أن يغادر خلفه صربياً حياً. ألا يطلب هو نفس الطلب لو كان في مكانهم؟
وكانت قلة الذخيرة بسبب التقهقر قد جعلت الجنود يحتفظون برصاصهم في غيرة. وسل القائد حسامه. كان بعض الجنود قد بدأ في القيام بمهمته وقد أستعمل سلاح بندقية في تردد وبلا دقة. طعنات طائشة بلا هدف، ودافق فياض من الدم. وجر كل الجرحى أنفسهم صوب القائد لينالوا شرف الموت من يديه، وقد جذبتهم رتبته ومهارته في الضرب.
وجعل يدفع نصل حسامه الممشوق في رقابهم، جاهداً أن يقطع شريان الحياة في ضربة واحدة.
وهكذا جعل القائد يصف المشهد المهول وكأنه مائل أمام عيني وأقبلوا زاحفين على أربع، وتجمعوا حول قدميه. وحاول في بادئ الأمر أن ينحي برأسه بعيداً حتى لا يرى ما الذي يفعله، وقد امتلأت. ولكن كان من جراء ذلك الضعف الذي أنتابه أن صار يطعن بلا دقة، مما أضطره إلى إعادة الطعنات وإطالة الآلام. فليهدأ إذا! بيد ثابتة، وقلب جامد!
(أيها الأخ خذني!. . خذني!).
وتجادلوا حول أسبقيتهم في الموت، كما لو كانوا يخشون الوقوع بين أيدي أعدائهم قبل أن تتم الضحية الأخوية. وتعلموا بالغريزة كيف يضعون أعناقهم الوضع المناسب. فكان كل واحد منهم يضع رأسه ويميل به على جانب واحد، حتى يكون العنق مشدوداً، والشريان متصلباً مهيئاً للطعنة القاتلة.
(أيها الأخ، خذني!).
وأنبثق دافق من الدم. وكان كل منهم يسقط فوق الجثث الأخرى، تلك التي (نضب) منها الدم وكأنه زق من النبيذ القاني.
وأخذ المطعم يخلوا من رواده. ومرت السيدات متكئات على الحلل الرسمية، وقد تضوع من ملابسهن عبير خفيف. وتنهدت قيثارة الإنجليزي آخر تنهداتها وسط عاصفة من الضحكات.
وكان الصربي قد أمسك سكيناً صغيراً، وجعل يطعن المائدة في حركة آلية. . . حركة رجل لم ينس. . ولن ينسى. . طعنات متتالية متواصلة. . .
محمد فتحي عبد الوهاب