المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 86 - بتاريخ: 25 - 02 - 1935 - مجلة الرسالة - جـ ٨٦

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 86

- بتاريخ: 25 - 02 - 1935

ص: -1

‌الأزهر بين الماضي والحاضر

ويل للأزهر من أهله! كان منيعاً بالدين فابتذلوه بالدنيا، وعزيزاً بالعلم فأذلوه بالمال، ومستقلاً في حمى الله فأخضعوه لهوى الحكم! وكان سُنة واضحة لِهَدْى الشريعة استقام الناس بها منذ ألف عام على عمود واحد، فشبهوا وجوهها بالأنظمة الفجة، ولبسوا صورها بالأعلام المستعارة، ثم وقفوا لدى المفترق المبهم الذي أحدثوه يديرون أعينهم في الفضاء، ويردونها من الأمام إلى الوراء، فلا يرون أقدامهم على أثر، ولا يجدون وجوههم على سبيل!

كان للأزهر، على عهدنا القريب، جلالة تغشى العيون، وقداسة تملأ الصدور، لأنه المعقل الوحيد الذي ثبت لحملات الغيرَ فانتهت إليه أمانة الرسول، واستقرت به وديعة السلف، واستعصمت في لغة القرآن، واستأمنت إليه آداب العرب، فأرضه حَرم لا يُنتهك، وأهله حمى لا يستباح، وأمره قَدرٌ لا يُرد؛ وكان لعلمائه مكانة في القلوب، ومهابة في النفوس، لأنهم دعاة الله، ووراث النبي، وهداة المحجة؛ ينطق على ألسنتهم، وتتمثل في أفعالهم السنة؛ فمحبتهم السنة؛ فمحبتهم عقيدة، وطاعتهم فريضة، وإشارتهم نافذة

وكان لطلابه كلف به لا يُهتم، وثقة برجاله لا تحد، وانقطاع إلى جواره لا يبغون من ورائه غير فقه الدين وتحصيل المعرفة وتجديد حبل الدعة، فهم عاكفون على معاناة الدرس، قانعون بميسور العيش، لا ينصرفون عن حلقات التعلم بالقاهرة، إلا إلى حلقات التعليم في الريف

كانت صلة العلماء بالحكومة صلة دينية، تقوم على حسم المشاكل بالقضاء، وحل المسائل بالفتوى؛ وكانت صلتهم بالأمة صلة روحية، يجلون صدأ القلوب بالذر، ويكفكفون سفه الجوارح بالموعظة، ويشفون على الجوانح بالمؤاخاة، فكانوا لذلك موضع الاجلال أني حلوا. كنا نرى العالم اذا نزل مدينة أو قرية كان يوم نزوله تاريخاً لا يُنسى: يأخذ الناس فيها حال من الشعور الصوفي يدفعهم إلى رؤيته، فيهرعون إليه كما يهرعون اليوم إلى زعيم الأمة أو إلى رئيس الحكومة، فيتوسمون في أساريره نور الرسالة، ويتنسمون من أعطافه ريح النبوة، ويتخففون على يديه من أوزار العيش وتبعات الجهالة. وطلاب الأزهر القديم لا يزالون يذكرون ما كان في نفوسهم لشيوخهم من الحب والتجلة. كانوا يتحلقون حول كرسي الشيخ من غير نظام ولا ضابط، فيكون لهم على السبق إلى الأمام عراك دامٍ

ص: 1

وصخب مُضم، حتى اذا ما أقبل خشعت الأصوات وسكنت الحركات كأن شيئاً علق الأنفاس فلا تنسم، وعقد الشفاه فلا تنبس! وربما نزا اللجاج على لسان أحدهم أثناء المناقشة فيغضب الشيخ فلا يكون أنكى في عقابه من الاشارة إليه بالخروج من الدرس، أو الدعاء عليه بالقطيعة من الأزهر! والقطيعة عن الأزهر كانت أقصى ما يتصوره الأزهري من شقاء الحياة! فإذا انقضى الدرس وقال الشيخ:(والله أعلم) تضامت أطراف الحلقة عليه، وأنحى الطلاب بالقبل على يديه وردنيه، فما يشق بينهم إلا بعد لأي

تدبر ذلك في نفسك على إجماله وعمومه، ثم اقرنه إلى ما تسمع اليوم أو تقرأ من خير الأزهر وحال علمائه وأبنائه، فهل تجد المعهد هو المعهد والناس هم الناس؟ إن الأزهر البائد على فوضاه المنظمة كل أجدى على الدين وأعْوَد على الثقافة من هذا الخَلْق المسيخ الذي وقف بين الماضي والحاضر، وبين الدين والسياسة، موقفاً يُندى الجبين الصُّلب، ويوجع الفؤاد المُصْمت!

تقلب بعض زعمائه على فرش الديباج، وخبوا في أفواف الشاهي، وتأنقوا في ألوان الطعام، وتنبلوا بالمظاهر الفخمة، وسردوا أعداد الدنانير على المسابح العِطرة. وكان أسلافهم طيب الله ثراهم كما طيب ذِكراهم يتسترون بمرقعات القطن، ويتبلغون بقشور البطيخ، ويستروحون النسيم على شرفات المآذن

ثم شايعوا أهواء الناس، وصانعوا أهل النفوذ، وجَرَوا في تمكين أمورهم وترفيه نفوسهم على الضراعة والملق؛ من أجل ذلك فقدوا خطرهم في الخاصة، وأثرهم في العامة، وجروا معهم كرامة الدين إلى هذا المنحدر

ان في بقية السلف من أعلام الأزهر مَفْزعاً من هذه الحال الأليمة. فليعملوا لرد هذا المعهد الكريم إلى نظامه، فان شديداً على النفس أن يضطرب فيه الأمر ويشرى به الفساد حتى تطرد طلابه، وتغلق أبوابه

لقد قرأت بالأمس فصلا عن الإسلام في مجلة شهرية فرنسية يقول كاتبه فيه: (لقد انحسر الإسلام عن بلاده أو كاد، فلم يبق داوياً متوثباً إلا في الزهر) فماذا عسى أن يقول هذا المأفون إذا قيل له غداً إن هذا الدوي قد سكن، وهذا التوثب قد قر؟

لا جرم أن المخلصين من علماء الأزهر وأبنائه أقدر على درء هذه الكارثة متى أنضجوا

ص: 2

الرأي وأجمعا الكلمة؛ والحكومة القائمة أربأ بعهدها عن هذا الحدث، وأضنُّ بتاريخها على هذه الصفحة؛ وليس في مصر ولا في غير مصر ضمير نزه يرضيه أن تعبث الشهوات الرعن بهذا المعقل الديني الذي عصم القرآن ولغته وعلومه من طغيان الأحداث والفتن عشرة قرون

أحمد حسن الزيات

ص: 3

‌زوجة إمام

بقية الخبر

للأستاذ مصفى صادقي الرافعي

قال أبو مُعاوية الضرير: وكنتُ في الطريق إلى دار الشيخ أرَوِّىء في الأمر وأمتحنُ مذاهبَ الرأي وأقلبها على وجوهها، وأنظرُ كيف أحتالُ في تأليف ما تنافرَ من الشيخ وزوجته؛ فان الذي يَسفرُ بين رجلٍ وامرأته إنما يمشي بفكره بين قلبين، فهو مُطْفيء نائرةٍ أو مُسْعرُها، إذ لا يضع بين القلبين إلا حُمقَه أو كياسته وهو لن يرد المرأة إلى الرأي إلا إذا طاف على وجهها بالضحك، وعلى قلبها بالخجل، وعلى نفسها بالرقة، وكان حكيماً في كل ذلك؛ فان عقلَ المرأة مع الرجل عقلٌ بعيدٌ، يجيء من وراء نفسها، من وراء قلبها، وجعلتُ أنظرُ ما الذي يُفسدُ محل الشيخ من زوجته، ومثلتُ بينه وبينها، فما أخرج لي التفكيرُ إلا أن حسن خلُقه معها دائما هو الذي يستدعي منها سوء الخُلقِ أحياناً؛ فان الشيخ كما ورد في وصف المؤمن:(هينٌ لينٌ كالجمل الأنف، إن قِيدَ انقادَ، وإن أنيخ على صخرة استناخ) والمرأةُ لا تكون امرأةً حتى تطلبَ في الرجل أشياءَ: منها أن تحبه بأسباب كثيرة من أسباب الحب؛ ومنها أن تخافه بأسباب يسيرة من أسباب الخوف. فإذا هي أحبته الحب كله ولم تخف منه شيئاً وطال سكونه وسكونها، نفرت طبيعتها نفرةً كأنها تُنخيه وتذمره ليكون معها رجلاً فيخفيها الخوف الذي تستكملُ به لذةَ حبها، إذ كان ضعفها يحب فيما يحبه من الرجل أن يَقسو عليه الرجلُ في الوقت بعد الوقت، لا ليؤذيه ولكن ليُخضِعَه، والآمرُ الذي لا يُخف إذا عُصى أمره هو الذي لا يعبأ به إذا أطيع أمره

وكأن المرأةَ تحتاج طبيعتها أحياناً إلى مصائبَ خفيفةٍ تؤذي برقة أو تمر بالأذى من غير أن تلمسها به لتتحركَ في طبيعتها معاني دموعها من غير دموعها؛ فان طال ركودُ هذه الطبيعة أوجدت هي لنفسها مصائبها الخفيفةَ فكان الزوج أحدها. . . .

وهذا كله غير الجُرْأة والبَذَاءِ فيمن يُبغضن أزواجَهن، فان المرأة إذا فركت زوجها لمنافرة الطبيعة بينها وبينه، مات ضعفها الأنثَوِيُّ الذي يتم به جمالها واستمتاعها والاستمتاع بها، وتعقد بذلك لينُها أو تصلب أو استخجر، فتكون مع الرجل بخلاف طبيعتها فيتقلب سكرها النسائي بأنوثتها الجميلة عربدة وخلافاً وشراً وصخباً، ويخرج كلامها للرجل وهو من

ص: 4

البغض كأنه في صوتين لا في في صوت واحد. ولعل هذا هو الذي أحسه الشاعر العربي بفطرته - من تلك المرأة الصاخبة الشديدة الصوت البادية الغيظ، فضاعف لها في تركيب اللفظ حين وصفها بقوله:

صُلًبّة الصيحة صَهصَلِيقها

قال أبو معاوية: واستأذنت على (تلك) ودخلت بعد أن استوثقت أن عندها بعض مَحارمِها؛ فقلت: أنعم الله مساءَكِ يا أم محمد. قالت: وأنت فأنعم الله مساءك. فأصغيتُ للصوت فإذا هو كالنائم قد انتبه يَتَمَطى ولا هو خالص للرضى

فقلت: يا أم محمد إني جائع لم ألِم اليومَ بمنزلي. فقامت فقربت ما حضر؛ وقالت معذرة يا أبا معاوية، فانما هو جُهدُ المُقل وليس يعدو إمساك الرمق. فقلت إن الجوْعان غيرُ الشهوان؛ والمؤمن يأكل في معي واحد ولم يخلق الله قمحاً للملوك وقمحاً غيره للفقراء

ثم سميتُ ومددتُ يدي أتحسسُ ما على الطبق، فإذا كِسَرٌ من الخبر معها شيء من الجزر المسلوق فيه قليلٌ من الخل والزيت؛ فقلت في نفسي هذا بعض أسباب الشر. وما كان بي الجوعُ ولا سدُّه. غير أني أردتُ أن أعرف حاضِرَ الزرق في دار الشيخ فان مثل هذه القبلة في طعام الرجل هي عند المرأة قلةٌ من الرجل نفسه؛ وكل ما تفقده من حاجاتها وشهوات نفسها فهو عندها فقرٌ بمعنيين: احدُهما من الأشياء والآخرون من الرجل. كلما أكثر الرجل من إتحافها كُثر عندها وإن أقل قَل. وإنما خلقت المرأة بطناً يلدُ، فبطنها هو أكبر حقيقتها، وهذه غايُتها وغايةُ الحكمة فيها. لا جَرَم كان لها في عقلها مَعِدةٌ معنوية؛ وليس حبها للحلي والثياب والزينة والمال، وطِماحُها إليها واستهلاكُها في الحرص عليها والاستشراف لها - إلا مظهراً من حكم البطن وسُلطانه؛ فذلك كله إذا حققته في الرجل لم تجده عنده إلا مِن أسباب القوة والسلطة، وكان فقدُه من ذرائع الضعف والقِلة.

فاذا حققته في المرأة ألفيتَه عندها من معاني الشبع والبطر، وكان فقدُه عندها كأنه فنٌ من الجوع، وكانت شهوتُها له كالقَرمِ إلى اللحم عند من حُرِم اللحم. وهذا بعضُ الفرق بين الرجال والنساء؛ فلن يكون عقلُ المرأة كعقل الرجل لمكان الزيادة في معانيها (البطنية) فحسبتْ لها الزيادةُ ههنا بالنقصُ العقل فهذه علته؛ وأما الدينُ فلغلَبة تلك المعاني على طبيعتها ما تغلب على عقلها. فليس نقصُ الدين في المرأى نقصاً في اليقين أو الأيمان فانها

ص: 5

في هذين أقوى من الرجل؛ وإنما ذاك هو النقصُ في المعاني الشديدة التي لا يكمل الدينُ إلا بها؛ معاني الجوع من نعيم الدنيا وزينتها، وامتداد العين إليها واستشرافِ النفس لها؛ فان المرأة في هذا اقل من الرجل. وهي لهذه العلة ما برحت تُؤْثِرُ دائماً جمالَ الظاهر وزينته في الرجال والأشياء دون النظر إلى ما وراء ذلك من حقيقة المنفعة

قال أبو معاوية: وأريتها أني جائع فهشمتُ نهشَ الأعرابي كيلا تفطنَ إلى ما أردتُ من زَعْم الجوع، ثم أحببتُ أن أستدعيَ كلامَها وأستميلها لأن تضحك وتسر، فأغير بذلك ما في نفسها فيجد كلامي إلى نفسي مذهباً. فقلت يا أم محمد: قد تحرمتُ بطعامك ووجب حقي عليك، فأشيري علي برأيك فيما أستصلحُ به زوجتي فانها غاضبة علي وهي تقول لي: والله ما يقيم الفأر في بيتك ' لا لحب الوطن. . . وإلا فهو يسترزقُ من بيوت الجيران

قالت: وقد أعْدَمتْ حتى من كِسَر الخبز والجزر المسلوق؟ الله منك! لقد أستأصلها من جذورها؛ إن في أمراض النساء الحمُى التي أسمُها الحمى التي اسمها الزوج. . . .

فقلت: الله الله يا أم محمد؛ لقد أيسَرتِ بعدنا حتى كأن الخبز والجزر المسلوق شيءٌ قليل عندك من فَرْط ما يتيسر؛ أو ما علمت أن رزق الصالحين كالصالحين أنفسهم، يصومُ عن أصحابه اليومَ واليومين. . . . . . وكأنك ما سمعتِ شيئاً من أخبار أمهات المؤمنين أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساءِ أصحابه رضوان الله عليهم، فما امرأة مسلمةٍ لا تكون بأدبها وخُلقها الإسلامي كأنها بنتُ إحدى أمهات المؤمنين؟

أفرأيتِ لو كنتِ فاطمةَ بنت محمد صلى الله عليه وسلم؛ أفكان ينقلك هذا إلى أحسن مما أنتِ فيه من العيش؛ وهل كانت فاطمةُ بنتَ ملكٍ تعيشُ في أحلام نفسها أو بنت بني تعيش في حقائق نفسها العظيمة؟

تقولين إنني استأصلتُ أم معاوية من جذورها؛ غما أم معاوية وما جذورُها؟ أهي خيرٌ من أسماء بنت أبي بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قالت عن زوجها البطل العظيم: فُرَسِه وناضجة فكنت أعْلفُ فرسَه وأكفيه مؤنتَه وأسُوسُه، وأدقُّ النوى لناضحه وأعلفُه، وأستقي الماء وأخرزُ غَرَبه وأعجن؛ وكنت أنقلُ النوى على رأسي من ثُلُثي فرسخ حتى أرسل إلى أبو بكر بجارية فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقني

هكذا ينبغي لنساء المسلمين في الصبر والأباء والقوة والكبرياء بالنفس على الحياة كائنةً ما

ص: 6

كانت، والرضى والقناعة ومؤازرة الزوج وطاعته واعتبار مالَهن هند الله لا مالَهن عند الرجل، وبذلك يرتفعْنَ على نساء الملوك في أنفسهن، وتكون المرأة منهن وما في دارها شيء، وعندها أن في دارها الجنة. وهل الإسلام إلا هذه الروحُ السماويةُ التي لا تهزمها الأرض أبداً ولا تُذلها أبداً ما دام يأسها وطعمها معلقين بأعمال النفس في الدنيا لا بشهوات الجحيم من الدنيا؟

هل الرجلُ المسلم الصحيحُ الإسلام إلا مثلُ الرب يثورُ حولها غبارها ويكون معها الشظفُ والبأسُ والقوةُ والاحتمالُ والصبر، إذ كان مفروضاً على المسلم أن يكون القوة الانسانية لا الضعف، وأن يكون اليقينَ الانساني لا الشك، وأن يكون الحق في هذه الحياة لا الباطل؟

وهل امرأةُ المسلم إلا تلك المفروض عليها أن تمد هذه الحرب بأبطالها وعَتَادِ أبطالها وأخلاقِ أبطالها ثم ألا تكون دائماً إلا من وراء أبطالها؟ وكيف تلد البطل إذا كان في أخلاقها الضعةُ والمطامعُ الذليلةُ والضجرُ والكسلُ والبلادة؟ ألا إن المرأة كالدار المبنية لا يَسهُلُ تغييرُ حدودها إلا إذا كانت خَرابا

فاعترضته امرأة الشيخ وقالت: وهل بأسٌ بالدار إذا وسعتْ حدودها من ضيق، أتكون الدار في هذا إلى نقصها او تمامها؟

قال أبو معاوية: فكدُت أنقطعُ في يدها، وأحببتُ أن أمضي في استمالتها فتركتُها هنيهةً ظافرةً بي وأريتها أنها شدتني وثاقاً، وأطرقت كالمفكر. ثم قلت لها: إنما أحدثك عن أم معاوية لأبي معاوية؛ وتلك دارٌ لا تمل غير أحجارها وارضها فبأي شيء تتسع؟

زعموا أنه كان رجل عامل يملك دُوَيرةً قد التصقت بها مساكنُ جيرانه وكانت له زوجةٌ حمقاء ما تزال ضيقةَ النفس بالدار وصغرها كأن في البناء بناء حول قلبها؛ وكانا فقيرين كأم معاوية وأبي معاوية؛ فقالت له يوماً: أيها الرجل ألا توسع دارك هذه ليعلم الناس أنك أيسرت وذهب عنك الضر والفقر؟ قال: فبماذا أوسعها وما أملك شيئاً، أأُمسك بيميني حائطاً وبشمالي حائطاً فأمدهما أُباعِدُ بينهما. . . . . وهبيني ملكتُ التوسعةَ ونفقتها فكيف لي بدور الجيران وهي ملاصقةٌ لنا بَيْتَ بَيت؟

قالت الحمقاء: فاننا لا نريد إلا أن يَتَعالم الناسُ أننا أيسرنا؛ فاهدم أنت الدار فانهم سيقولون لولا أنهم وجدوا واتسعوا وأصبح المال في يدهم لما هدموا. . . . . .

ص: 7

قال أبو معاوية: وغاظتني زوجةُ الشيخ فلم أسمع لها هَمسةً من الضحك لمثل الحمقاء وما اخترعُته إلا من أجلها، كأنها تريد أن تذهب عملي بالاً. فقلت: وهل تتسع أم معاوية من فقرها إلا كما اتسع ذل الأعرابي في صلاحه؟

قالت: وما خير الأعرابي؟

قلت: دخل علينا المسجد يوماً أعرابي جاء من البادية وقام يصلي فأطال القيام والناس يرمقونه، ثم جعلوا يتعجبون منه، ثم رفعوا أصواتهم يمدحونه ويصفونه بالصلاح. فقطع الأعرابي صلاته وقال لهم: مع إني صائم. . .

قال أبو معاوية: فما تمالكت أن ضحكت وسمعتُ صوت نفسها وميزت فيه الرضى مقبلاً على الصلح الذي أتسبب له. ثم قلت:

وإذا ضاقت الدار فِلمَ لا تتسع النفسُ التي فيها؟ المرأة وحدها الجو الانساني لدار زوجها، فواحدةٌ تدخلُ الدار فتجعل فيها الروضة ناضرةُ متروحة باسمةً، وإن كانت الدارُ قَحِطةً مسحوتةً ليس فيها كبيرُ شيء، وامرأة تدخلُ الدارَ فتجعل فيها مثلَ الصحراء برمالها وقيظها وعواطفها، وإن كانت الدار في رياشها ومتاعها كالجنة السندُسية، وواحدة تجعل الدار هي القبر. والمرأة حق المرأة هي التي تترك قلبها في جميع أحواله على طبيعته الأنسانية، فلا تجعل هذا القلبَ لزوجها من جنس ما هي فيه من عيشة: مرة ذهباً، ومرة فضة، ومرة نحاساً أو خشباً أو تراباً، فانما تكون المرأة مع رجلها من أجله ومن أجل الامة معاً، فعليها حقان لا حق واحدٌ أصغرُهما كبير. ومن ثم فقد وجب عليها إذا تزوجت أن تستشعر الذات البيرة مع ذاتها، فان أغضبها الرجلُ بهفوة منه تجافتْ له عنها وصفحتْ من أجل نظام الجماعة الكبرى، وعليها أن تحكم حينئذ بطبيعة الأمة لا بطبيعة نفسها، وهي بيعة تأبى التفرق والأنفراد، وتقوم على الواجب، وتضاعف هذا الواجب على المرأة بخاصة

والإسلام يضعُ الأمةَ ممثلةً في النسل بين كل رجل وامرأته، وبوجب هذا المعنى إيجاباً ليكون في الرجل وامرأته شيء غير الذكورة والأنوثة يجمعهما ويقيد أحدهما بالآخر، ويضعُ في بهيميتهما التي من طبيعتها أن تتفق وتختلف، إنسانية من طبيعتها أن تتفق ولا تختلف

ص: 8

ومتى كان الدينُ بين ل زوج وزوجته مهما اختلفا وتَدَابرا وتعقدت نفساهما، فان كل عقدة لا تجيء إلا ومعها طريقةُ حلها، ولن يُشاد الدينَ أحدٌ إلا غَلَبه، وهو اليُسر والمُساهَلةُ والرحمةُ والمغفرةُ ولينُ القلب وخشية الله، وهو العهدُ والوفاء والكرمُ والمؤاخاةُ والإنسانية، وهو اتساعُ الذات وارتفاعها فوق كل ما تكون به منحطةً أو ضيقة

قال أبو معاوية: فحق الرجل المسلم على امرأته المسلمة هو حق من الله ثم من الأمة ثم من الرجل نفسه ثم من لطف المرأة وكرمها ثم مما بينهما معاً. وليس عجيباً بعد هذا ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرتُ النساء أن يسجدْن لأزوجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق)

وهذه عائشة أم المؤمنين قالت: يا معشر النساء لو تَعلمْن بحق أزواجكن عليكن، لجعلت المرأةٌ منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بِحُر وجهها

قال أبو معاوية: وكأن الشيخ قد استبطأني وقد تركته في فناء الدار، وكنت زورتُ في نفسي كلاماً طويلاً عن فروته الحقيرة التي يلبسها، فيكون فيها من بذاذة الهيأة كالأجير الذي لم يجد من يستأجره فظهر الجوع حتى على ثيابه. . . . وقد مر بالشيخ رجل من المُسودة وكان الشيخ في فروته هذه جالساً في موضع فيه خليج من المطر، فجاءه المسود فقال قم فاعُبر بي هذه الخليج، وجذبه بيده فأقامه وركبه والشيخ يضحك

وكنت أريد أن أقول لأم محمد: إن الصحو في السماء لا يكون فقراً في السماء، وإن فروة الشيخ تعرف الشيخ أكثر من زوجته، وإن المؤمن في لذات الدنيا كالرجل الذي يضع قدميه في الطين ليمشي، أكبر همه ألا يجاوز الطينُ قدميه

ولكن صوت الشيخ ارتفع: هل عليكم إذْن؟

قال معاوية: فَبدرْتُ وقلت: بسم الله ادخل؛ كأني أنا الزوجة. . . وسمعت همساً من الضحك؛ ودخل أبو محمد إن شيخك في ورعة وزهدة ليشبعه ما يشبع الهدهد، ويرويه ما يروي العصفور، ولئن كان متهدماً فانه جبل علم، (ولا تنظري إلى عمش عينيه، وحموشة ساقيه، فانه إمام وله قدْرٌ)

فصاح الشيخ: قم أخزاك الله، ما أردت إلا أن تعرفها عيوبي! قال أبو معاوية: ولكني لم أقم، بل قامت زوجة الشيخ فقبلت يده.

ص: 9

طنطا

مصطفى صادق الرافعي

ص: 10

‌الدعوة الفاطمية السرية

ضوء على موضوعها وغايتها

للأستاذ محمد عبد الله عنان

لما قامت الدعوة الفاطمية بمصر، وامتد سلطان الشيعة السياسي بين الغرب وأقاصي الشام، عني الفاطميون أشد العناية بالمسائل المذهبية، وعملوا على بث العقائد والمبادئ الشيعية بكل الوسائل، واتخذت هذه الدعاية صفة رسمية في مجالس الحكمة الشهيرة التي كانت تنظم بادئ بدء القصر الفاطمي وفي الجامع الأزهر تحت رعاية الخليفة نفسه، ويقوم بتنظيمها قاضي القضاة أو داعي الدعاة؛ ثم أنشئت لها بعد ذل جامعة رسمية خاصة هي دار الحكمة الشهيرة التي أنشأها الحاكم بأمر الله سنة 395هـ (1005م)، ولبثت عصراً تقوم ببث الدعوة الفاطمية السرية في صور وأساليب ما زال يحيط بها الخفاء والغموض. ولقد تقلبت دعوة الشيعة قبل ظفرها السياسي الحاسم على يد الخلفاء الفاطميين في أدوار ومراحل مختلفة، وتشعبت مذاهبها وإمامتها، فظهرت الدعوة الإسماعيلية أولاً في ثوب دعوة دينية سرية؛ ثم كانت فورة القرامطة التي قامت عليها وانتسبت إليها؛ ثم كان ظفر الفاطميين، وقيام الخلافة الفاطمية، فاتخذت الدعوة الشيعية بذلك لونها السياسي الواضح إلى جانب لونها الديني، وأدرك الفاطميون ما للدعاية الدينية من أثر في توطيد الملك السياسي، فعملوا على بث مبادئهم وتعاليمهم بقوة وذكاء، ووضعوا لذلك نظماً ومراتب سرية، كانت دار الحكمة القاهرية مجمعها ومبعث وحيها

وقد اتخذت هذه الدعوة في عصر الحاكم بأمر الله لوناً من الخفاء والعنف، لم تتخذه في أي عصر آخر، يسبغه عليها خفاء الحاكم وعنفه، وغريب تصرفاته وأهوائه. وكان الحاكم بأمر الله شخصية جريئة مدهشة برغم اضطرابها وتناقضها، ترتفع أحياناً في سماء التفكير حتى لتزعم السمو فوق البشر وتهيم في دعوى الألوهية؛ وتنحط في تصرفاتها إلى درك الجنون. وكان ذلك الذهن الهائم يشغف بنظريات الخفاء والعالم الآخر، ويهيم في غمر المباحث الروحية والفلسفية، ويفيض من خفائه وشذوذه على جماعة من الدعاة الأذكياء الذين يحشدهم الحاكم حوله لينظموا معه وسائل الدعوة المذهبية السرية، وليحملوا دونه تبعة ما تعرض من الأقوال والنظريات الجريئة الممعنة في الإلحاد والهدم. ومن الحقائق

ص: 11

المعروفة أن معظم الكتب والوثائق المذهبية التي وضعت في هذا العصر قد دثرت ومحت معالمها يد الدول الخصيمة، ولم نتلق عن هذه الدعوات السرية سوى قليل من الرسائل والشذور التي نقلها إلينا بعض المؤرخين المتأخرين. على أن هذه الوثائق لقليلة التي انتهت إلينا تلقي مع ذلك شيئاً من الضياء على طبيعة هذه المبادئ والأقوال الخفية التي عمل الدعاة الفاطميون كثيراً لبثها، والتي بعثت في عصرها إلى أصول الإسلام الحقيقية كثيراً من سحب الزيغ والريب

ومن هذه الوثائق غريبة من الرسائل الفلسفية الكلامية تحتفظ بها دار الكتب المصرية، وهي متنوعة في موضوعها، ولكنها متحدة في أسلوبها وتدليلها وغايتها؛ ويبدو من تلاوتها لأول وهلة أن موضوعها إنما هو جزء من الدعوى السرية الفاطمية، وأنها كتبت في أواخر عصر الحاكم بأمر الله، وأنها حسبما يدعي كاتبها قد وضعت بوحيه وإرشاده، وأحياناً بالتلقي عنه. أما كاتبها فمن هو؟ في معظم هذه الرسائل يقدم لنا هذا الداعية الغريب نفسه، ويذكر لنا اسمه وهو (حمزة بن علي ابن احمد) وهو اسم قلما تذكره سير العصر، ولا تقدم لنا أي تعريف شاف عن صاحبه، وكل ما نعرفه أنه فارسي من مقاطعة زوزان، وكان عاملاً يشتغل بصنع اللباد، وفد على القاهرة حوالي سنة 405هـ وانتظم بي الدعاة، وخاض غمار الجدل الديني الذي كانت تضطرم به مصر يومئذ. ومما تجدر ملاحظته أن معظم الدعاة والملاحدة الذين خرجوا على الإسلام وحاربوه باسمه ينتمون إلى أصل فارسي؛ بيد أنا نستطيع أن نعرف من هذه الرسائل كثيراً عن شخصيته وعن مهمته؛ فهو بلا ريب من أكابر الدعاة السريين الذين اتصلوا بالحاكم بأوثق الصلات، وتلقوا وحيه، وبثوا دعوته، وكان لهم أكبر النفوذ في التوجيه الخفي لكثير من مسائل العصر؛ وسنرى حين نعرض إلى مهمته الحقيقية والى رسائله الغربية أنه يقدم لنا نفسه أيضاً في صفة النبوة، ويصف لنا بعض أعماله بالمعجزات

ولدينا من هذه الرسائل مجموعتان: إحداهما فتوغرافية نقلت عن مخطوط محفوط بالعراق، والثانية خطية، وقد اقتنتها دار الكتب أخيراً، والمجموعة الأولى أكبر وأعم من الثانية، وبها كثير من الرسائل التي وردت فيها؛ غير أن الثانية (الخطية) تحتوي أيضاً على بعض رسائل لم ترد في الأولى. وتسمى المجموعة الأولى في صفحة العنوان (بالرسالة الدامغة)

ص: 12

وتنعت بأنها رد على النصيري (الفاسق) وهو ما يقوله لنا كاتبها أيضاً في الديباجة؛ وفي معظم هذه الرسائل يذكر لنا الكاتب اسمه وهو حمزة بن علي. ولكن هناك مجموعة ثالثة تختلف في موضوعها عن المجموعتين السابقتين، وليس لها عنوان، ولم يذكر فيها اسم الكاتب، ولكنا لا نشك في أنها من تأليف حمزة بن علي على نفسه لما بينها وبين الرسائل الأخرى من التشابه الواضح في الروح واللهجة والأسلوب. . . وسنرجئ الكلام عليها الآن؛ ونبدأ ببحث رسائل هذا الداعية الغريب، حمزة بن علي، ونحاول أن نستخرج منها بعض الحقائق التاريخية التي ما زالت تقدم إلينا في أثواب من الريب والغموض والتناقض، والتي كانت أعظم ظاهرة في عصر الحاكم بأمر الله، وكانت مستقى لكثير من النزعات والأهواء المدهشة التي أحاطت تلك الشخصية الغريبة بسياج كثيف من الخفاء والروع

من الحقائق التاريخية المعروفة أن بعض الدعاة الملاحدة قد دعا إلى ألوهية الحاكم بأمر الله، وأن الحكام كان يغذي هذه الدعوة ويمدها بتأييده. وقد ذكر لنا ذلك أكثر من مؤرخ، في مقدمتهم ابن الصابي، وهو كاتب معاصر، وشمس الدين سبط ابن الجوزي، والهبي؛ وكان في مقدمة هؤلاء الدعاة شخص يدعى بالأخرم، زعم ألوهية الحاكم ودعا إليها جهراً في جامع عمرو مع نفر من أصحابه، فثار الناس بهم ومزقوهم وفر الأخرم؛ ثم قام بهذه الدعوة داعية آخر هو محمد بن إسماعيل الدرزي، وكان أوفر ذكاء وبراعة، فصاغ دعوته في مذهب منظم ذي قواعد وأصول خاصة، وألف كتاباً في ذلك؛ فقربه الحاكم وتمكن نفوذه لديه حتى غدا أقوى رجل في الدولة؛ ولكنه لما حاول إذاعة مذهبه والدعوة إليه بجامع القاهرة (الأزهر) ثار الناس عليه، فالتجأ إلى القصر، فحاصرته الجموع، وأنكره الحاكم خوفاً من الثورة، وعاونه على الفرار؛ فسار إلى الشام، ونزل ببعض قرى بانياس، ونشر دعوته، فكانت أصل مذهب الدروز الشهير؛ وقوامه القول بالتناسخ وحلول الروح؛ وأن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب، ثم انتقلت روح علي إلى الحاكم بأمر الله

ثم ظهرت الدعوة كرة أخرى على يد حمزة بن علي، والظاهر أن حمزة عمل مدى حين مع الدرزي ثم اختلف معه وخاصمه؛ كما يبدو ذلك في إحدى رسائله. وفي هذه الرسائل العجيبة يشرح لنا حمزة مذهبه في (ألوهية) الحاكم بأمر الله، ويقدم إلينا شروحه وأسانيده،

ص: 13

ويحاول أن يعلل لنا كل ما ارتكبه الحاكم من الأعمال والاجراءات الشاذة ويتخذ منها سنداً لنظريته. وقد نسقت هذه الرسائل، وهي ثمانية، على حدة في المجموعة المخطوطة الصغرى التي اقتنتها دار الكتب أخيراً، وأشرنا إليها فيما تقدم؛ ويلوح لنا أن هذه المجمعة تكون وحدة متصلة منتظمة، وأن ما أدرج منها في المجموعة الأخرى قد أدرج على سبيل الاختيار العام من مؤلفات الكاتب؛ ولهذا نؤثر الاعتماد عليها في عرض قواعد هذه العدوة الغربية التي كادت تحدث في هذا العصر ثغرة خطيرة في صرح الإسلام ومبادئه الحقيقية كتلك التي احدثتها فورة القرامطة قبل ذلك بنحو قرن

يفتتح الداعي كتابه بما يسميه (ميثاق الزمان)، وفيه صورة الشهادة بالتبرؤ من جميع الأديان الأولى والدعوة إلى الدين الجديد، أي عبادة الحاكم؛ يحدثنا عن اصل العالمين وبدء الخليقة في عبارة غامضة ويقول إن أصل العالم هو البرودة والحرارة؛ ويقدم إلينا بعد ذلك خلاصة موجزة عن معركة علي ومعاوية وبدء الحركة الشيعية؛ ثم يصف الحاكم بأنه (مولانا القائم بذاته، المنفرد عن مبتدعاته، جل ذكره، أورا العالم قدرة لاهوتية ما لم يقدر عليه ناطق في عصره ولا أساس في دهره. . .) ويطلق عليه لقب (قائم الزمان)، في جميع مراحل الدعوة رمزاً إلى القول بالحلول والتناسخ، وأنه هو الرمز الحي القائم. ويعرض الداعي بعد ذك في جرأة إلى قواعد الإسلام، وإلى ما يلقي في شأنها في مجالس الحكمة الباطنية؛ وهنا نستطيع أن نظفر بلمحة من الضياء على موضوعات تلك المجالس السرية الشهيرة التي لبثت عصراً تعقد بالقصر ثم انتظمت بعد ذلك في جامعة خاصة هي دار الحكمة؛ وأول ما نعرف هو أن السرية كانت قاعدة أساسية لهذه المجالس، وأن من يجرؤ على إفشاء مناقشاتها يعتبر منافقاً وخارجاً يستحق اللعنة والعقاب. وقد نقل إلينا المقريزي بياناً ضافياً عن المبادئ الكلامية العامة التي كانت تدور عليها الدعوة الفاطمية السرية في مراتبها التسع؛ ولكن الداعي يتناول هنا بعض الشروح الخاصة؛ فيحدثنا عن الزكاة مثلاً بأنها في الحقيقة ليست كما تلقي إلى الناس؛ بل هي الاعتراف بولاية علي بن طالب والأئمة من ذريته والتبري من أعدائه أبي بكر وعثمان، وأن معناها الباطن هو في الحقيقة (توحيد مولانا جل ذكره، وتزكية قلوبكم وتطهيرها من الحالتين جميعاً، وترك ما كنتم عليه قديماً). وعن الصوم بأنه من الناحية الباطنة صيانة القلوب بتوحيد مولانا جل

ص: 14

ذكره. أما الحج ورسومه فيحمل عليها الداعي بشدة، ويصفها بأنها (من ضروب الجنون) وليس أدل على ذلك من أن قائم الزمان (الحاكم) قد قطع الحج والكسوة لنبوية، أعواماً طويلة؛ ومعنى الحج في الحقيقة والباطن (هو توحيد مولانا). وأما ترك الحاكم للصلاة والنحر (في عيد الأضحى) فهو تحليل ذلك للعباد، وقد أبطل الحاكم صلاة العيد وصلاة الجمعة بالجامع الأزهر، واسقط الزكاة، ومعنى ذلك أنه يحل للعباد (عباده) أن يقتدوا به في ذلك (إذ كان إليه المنتهى، ومنه الابتداء في جميع الأمور)

ويؤرخ الداعي هذا القسم الأول، وهو القسم التمهيدي من كتابه بشهر صفر ثمان وأربعمائة من الهجرة (408هـ)؛ ويقول لنا إن هذه السنة (هي أول سنين ظهور عبد مولانا ومملوكه، هادي المستجيبين، المنتقم بسيف مولانا جل ذكره. . . . الخ)، ومعنى ذلك أن حمزة بن علي كان ينتحلها بعد ذلك صراحة. وهو يرجع بدء رسالته إلى هذا التاريخ؛ ثم يقول لنا في خاتمة رسالته الأولى المسماة (بدء التوحيد لدعوة الحق)، إن سنة 408هـ أيضاً (أول سنين قائم الزمان) أعني بدء الزعم (بألوهية) الحاكم بأمر الله، على يد هذا الداعي. وقد كان من قبل ثمة دعاة آخرون روجوا لهذا الزعم كما قدمنا؛ والظاهر أن حمزة هو آخر من ظهر من حشد أولئك الملاحدة في عصر الحاكم، لأن الحاكم لم يطل أمد حكمه بعد ذلك سوى ثلاثة أعوام وبضعة أشهر، وكان مصرعه في شوال سنة 411هـ في ظروف غامضة، اتخذها الدعاة مستقي جديداً للزعم والإرجاف

ثم تأتي بعد ذلك الرسائل الثمان؛ والأولى هي (بدء التوحيد لدعوة الحق) وفيها يدعو حمزة إلى (ألوهية) الحاكم، ويحاول أن يبرر إبطاله لأحكام الشريعة بأن محمداً (ص) قد نسخ كل الشرائع السابقة، فكذلك ينسخ الحاكم شريعة محمد وينشئ له شريعة خاصة. وفي الرسالة الثانية وهي (ميثاق النساء) يتحدث الداعي عن واجبات النساء في الطاعة والتوحيد والبعد عن الفساد والدنس، وألا يشغلن قلوبهن بغير توحيد (مولانا) وأن يكن صادقات وفيات في طاعته، وأن يتركن ما كن عليه من قبل، وفي الرسالة الثالثة وهي (رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد) يوصي الداعي بعبادة الحاكم، والإقرار بوحدته، ويقول إنه رفعها بنفسه إلى (الحضرة اللاهوتية)، في شهر المحرم الثاني من سنيه المباركة (المحرم سنة 409)، وأنها نسخت عن خط قائم الزمان بغير تخريف ولا تبديل؛ وفي هذه العبارة ما يستوقف النظر؛

ص: 15

ذلك أنها تعني أن الحاكم بأمر الله قد اشترك في تأليف بعض هذه الرسائل سواء بالكتابة أو الأشراف على كتابتها، وأنه كان يرعى هذه الدعوة ويشجعها بنفسه؛ وهنا أيضاً يعرض الداعي جوهر دعوته ولباب مذهبه، أعني فكرة الحلول، فيزعم أنه من الخطأ أن يعتبر الحاكم ابناً للعزيز أو ينعت بأنه أبو علي؛ ذلك لأنه من زعمه (المولى سبحانه هو هو في كل عصر وزمان) يظهر في صورة بشرية (كيف يشاء وحيث يشاء). وفي الرسالة الرابعة وعنوانها (الغاية النصيحة) يحاول الداعي أن يقيم المفاضلة بين الإسلام أو دين محمد والدين الجديد. وفي الخامسة وهي (كتاب فيه حقائق ما يظهر) يحاول أن يبرر بعض تصرفات الحاكم. وفي السادسة وهي (السيرة المستقيمة) يحدثنا عن آدم وأصل الخليقة ويزعم أن القرامطة هم الموحدون؛ ثم يحدثنا عن تعاقب الشرائع ويزعم أن الإسلام قام بالعنف والسيف، وان الشريعة الإسلامية اختتمت بمحمد بن إسماعيل، وأن آخر خلفاء إسماعيل هو عبد الله المهدي (مؤسس الدولة الفاطمية)، وأن القائم هو الحاكم وفي السابعة الموسومة (بكشف الحقائق) يلجأ الداعي إلى العبارات الرمزية ويقول:(والآن فقد دارت الأدوار، وظهر ما كان مخفياً من مذهب الأبرار، وبان للعالمين ما جعلوه تحت الجدار، وعادت الدائرة إلى نفطة البيكار، فألفت هذا الكتاب، بتأييد مولانا البار، الحاكم القهار، العلي الجبار، سبحانه وتعالى عن مقالات الكفار، وسميته كشف الحقائق. . . . . .)

ولعله يريد بهذا الاسم - كشف الحقائق - عنوان الكتاب كله، لا الرسالة الموسومة بهذا الاسم فقط، فإذا صح ذلك فنكون أيضاً قد عرفنا اسم كتاب حمزة. وفي هذه الرسالة يزعم الداعي أن الإله بشر يأكل ويشرب، وليس كما زعموا من التجرد عن الصفات البشرية، ويقدم لنا شرحاً فلسفياً للعقل والنفس. وفي الرسالة الثامنة والأخيرة، وعنوانها (سبب الأسباب) يتخذ الداعي صفة الهادي والمعلم الأكبر يتفويض مولاه

(للبحث بقية)

محمد عبد الله عنان المحامي

ص: 16

‌نظام التربية والتعليم بإنجلترا والعناية بالنظر في

‌أخلاق الشعب وتقاليده

للأستاذ محمد عطيه الأبراشي المفتش بوزارة المعارف

يجب أن يعني نظام التربية بالنظر في أخلاق الشعب وتقاليده، وفي الصفات السائدة بين الأمة، وألا يكون ضد العادات القومية. كل هذه الأمور قد لوحظت في التعليم بإنجلترا؛ فان الصفات والأخلاق التي تعرف بها بين الأجناس البشرية معروفة منذ أجيال، متأصلة فيها كل التأصل. يقول (بيتر ساند يفرد):(الرجل الإنكليزي مولع بالمنافسة، يحب من صميم فؤاده الرحلات والسياحات. ولا يستطيع أحد الاستقرار في إنجلترا إلا من كان يميل إلى المنافسة، وإن هذا الميل إلى حب التنافس لا يظهر للناظر العادي، لأنه مغطى بطبقة كثيفة من المندوء العقلي.) والرجل الإنجليزي يمقت النظريات والتفكير في النظريات، ويجب أن يقبض على الأمور العملية في الحياة، ويحلها وهو سائر في عمله. ويقول (بيتر ساند يفرد) أيضاً:(إن الرجل الإنكليزي يُرى هادئاً، وهو في حاجة إلى قوة الخيال، ومن الصعب أن تؤثر فيه، فهو كالفحم الحجري الصلب يتقد ببطء، ولكن حينما يتقد يحترق إلى النهاية.) ولدى الرجل الإنجليزي قوة كبيرة على كتمان شعور، ويمكنه أن يمتلك نفسه، وهو شديد المحافظة على القديم، يحب الحرية الشخصية فوق كل شيء، ولقد قاتل في سبيل تلك الحرية أكثر من ألف سنة؛ ويقول (ساند يفرد) في موضع آخر:(الرجل الإنجليزي هادئ من الجهة العقلية، ولديه حب عميق للحرية، ولقد كانت هاتان الصفتان سبباً في اتخاذه سياسة البطء، لا في السياسة فحسب، بل في التعليم كذلك.) وهو منعزل بطبيعته، يحب العزلة والوحدة، لا يحادثك إلا إذا تعارف بك. وقد يكون هذا الانعزال ناشئاً عن الحياء والخجل، وإذا حادثك فلا تخرج محادثته في الغالب عن الجو، والجو لحسن الحظ كثير التغير والانقلاب بإنجلترا، فمن اعتدل في الطقس إلى ضباب أو مطر، أو برودة، أو عاصفة أو رعد وبرق. وإذا زالت الكلفة وذهب الخجل تحادث معك في أي موضوع كالخيالة والتمثيل، والألعاب الرياضية، والموضوعات الأدبية والاجتماعية. . . يتجنب الأمور الشخصية؛ فلا يسألك عن مقدار ما يمنحك أوبوك في الشهر، ولا عن مقدار ما تنفقع أو تدفعه للسني أسبوعياً - كما يسأل الفضوليون حينما يرونك أو يعرفوك أول مرة.

ص: 17

ويميل الإنجليزي دائماً إلى التحفظ في الجواب، فلا يجيب إجابة الجازم المتحقق، ولكنه يجعل للشك دخلاً في كل ما يقوله، ويجيب دائماً بكلمة:(أظن، أو ربما)، بعكس الرجل الفرنسي فانه يميل كثيراً إلى الجزم واليقين

والإنجليز معروفون بحبهم للمحافظة على القديم. وفي إنجلترا تندر المجلة في تنفيذ نظرية من النظريات، أو مشروع عن المشروعات في التربية والتعليم؛ فبينما تحاول الولايات المتحدة بأمريكا تجربة طائفة كبيرة من طرق التعليم والنظريات الحديثة - وقد لا توافق على شيء منها بعد التجربة وعدم الاستحسان - تجد إنجلترا في هذه الحال مثلاً في دور المناقشة والمناظرة في طريقة واحدة من هذه الطرق؛ لأن إنجلترا تخاف الخسارة وضياع الوقت، أما الولايات المتحدة فلا تبالي بما تفقده في سبيل البحث والتجربة، ولذا تجدها اليوم تقود اليوم العالم في العلم والاختراع والصناعة، ولقد ساعدها غناها على هذا التقدم والأقدام، فالمحافظة على القديم في إنجلترا لها فوائد، ولكن يجب ألا ننسى أن لها أيضاً كثيراً من المضار، فإنجلترا تميل إلى الوقوف عند حدما، وهي بطيئة في الإصلاح؛ لأنها لا تستفيد في الحال ما يقدمه لها المفكرون، وما يظهره المصلحون من أبنائها، ولا تشجع الباحثين والمخترعين تشجيع الولايات المتحدة لهم. وإن ولع إنجلترا بالمحافظة على ما لديها يظهر جلياً في القوانين المختلفة للتربية التي وافق عليها مجلس النواب الإنجليزي؛ فلا تجد مطلقاً حذف قانون من القوانين برمته واستبداله بقانون آخر، بل تجد أن كل قانون هو تعديل للقانون السابق، للتوفيق بينه وبين الرأي الجديد الذي يراد إدخاله، ولا يشك أحد في أن التعليم بإنجلترا يستفيد من أن قوانينها في التربية ثابتة

ومع ذلك قد حدق تغيير في التعليم بإنجلترا، فمنذ سنة 1900 نرى المحافظة على القديم أقل منها في الزمن السابق، وفي الحق إن التغيرات الحديثة بإنجلترا كثيرة وظاهرة لمن عرفها من قبل ورآها اليوم. ولا يشعر من الإنجليز بالفائدة الكبيرة من هذا التغيير إلا القليل منهم، وكل ما تعرفه الأكثرية هو أن هناك شيئاً يجري في عالم التربية، وأن الأمور تتغير بسرعة. وهم يشعرون بالحيرة في الابتداء وهم سكوت لا يتكلمون. ولا ننكر أن النزاع بين المحافظين والمجددين دائم لا ينقطع، ولو أنه نزاع صامت

ويظهر الميل الفطري لحرية الفكر، واستقلال الرأي في أحوال كثيرة في التعليم بإنجلترا.

ص: 18

وإن قوانين التربية مفتوحة للتغير البطيء، فحينما تظهر التجارب صواب الفكرة الجديدة، ويرى معظم الناس فائدتها، يتغلب الإنجليز على كراهتهم لها؛ فالحرية الشخصية تخضع دائما للمجتمع، حباً في المصلحة العامة، فمثلاً كان الذهاب إلى المدرسة اختيارياً يذهب إليها من يشاء من التلاميذ، لكن لما تبين أن من المحال تعميم التعليم إذا ظل اختيارياً، غير هذا النظام وجعل إجبارياً. وكان التفتيش الطبي على المدارس والتلاميذ اختيارياً، ثم غير وجعل إلزامياً، وكان إعداد المدرسين اختيارياً أيضاً، ثم ظهر أن المدرس لا يستطيع أن يقوم بمهنته كما ينبغي إلا إذا نال قسطاً من التربية وعرف طرق تدريس المواد، فجعل عشرات الأمثلة لأمور كانت اختيارية بإنجلترا، ثم أصبحت إجبارية يطالب بها القانون

وإن إنجلترا - وإن كانت أمة عملية لا تدين بالنظريات - لا تمتنع من أن تعمل بما يمكن تنفيذه منها. ولا ينكر أحد أن النظرية التي لا يمكن تنفيذها لا فائدة منها، ولا خير في العلم إذا لم يصحبه العمل. لذ كانت طريقة التعليم في إنجلترا طريقة عملية، تتفق هي والأمور العملية التي تحتاج اليها، تنفق مع حاجات الشعب وحياته. ولا يمكن أن تفهم هذه الطريقة منفردة عن التاريخ القومي لهذه الأمة، لأنها نتيجة الخلق القومي والحالة الشعبية.

والمهم لدى الإنجليز الوصول إلى العمل بأي طريقة كانت من غير عناء كبير أو بحث طويل في النظريات، وتاريخ التعليم الإنجليزي مملوء بالأمثلة الدالة على حب العمل، وعدم الاكتراث للنظريات. فمدارس إنجلترا إذن مدارس عملية ذات قوة كبيرة، وتأثير عظيم في تهذيب الأخلاق وتقويمها، وإعداد رجال مخلصين عمليين يثقون بأنفسهم، ويشعرون بما يجب عليهم لغيرهم، ولا يفرقون من تحمل مسؤولية أي عمل يقومون به. هي مدارس تربى في كل طفل الثقة بالنفس، فيقول لك دائماً:(سأحاول) إذا سألته: هل يستطيع أن يقوم بعمل من الأعمال؟

محمد عطية الابراشي

ص: 19

‌أين كانوا يوم كنا؟.

. . . . .

للأستاذ كرم ملحم كرم

صاحب مجلة (العاصفة) البيرونية

لا نجد حولنا غير المعجبين بالأدب الإفرنجي. ومن حق هؤلاء أن يعجبوا بهذا الأدب الكثير الألوان، الجديد، الطري، السائر والحضارة في طريق واحد لا تبتعد عنه ولا يبتعد عنها. من حقهم أن يعجبوا بأدب يوفر لهم ما يحتاجون إليه من غذاء روحي أعده لهم طهاة عرفوا ميولهم فسايروها، ونفحوها بما تستطيب من علم، وبما ترتاح له من ابتكار مستساغ تهضمه المعد والعقول. فالأدب الإفرنجي في القرن العشرين ينضح بعصير يجد فيه كل طالب ما تشتهيه نفسه. فليس له إلا أن يختار. فان أمامه من مختلف الأطعمة، بل أمامه الأطعمة على إطلاقها. فإذا حن إلى التاريخ وجد التاريخ، وإذا حن إلى الشعر لمس من هذه البضاعة ما يروم، وإذا شغف بالرواية وقع منها على ألوان وألوان كبيض العيد، من أحمر وأخضر وأصفر وبنفسجي وبرتقالي

فما عليه ليدرك مبتغاه إلا أن يحرك شفتيه. وهذا الخصب في الأدب الإفرنجي يعود إلى أمرين: الأول أن الغرب اليوم في عز ومنعة، فهو المسيطر الحاكم المستبد. والآخر أن فيه شعباً يقرأ ويقدر مؤلفيه. فإذا أجهد الكاتب ذهنه وكد قريحته فلن يضيع وقته في العبث، فلابد له أن يستفيد، وأن يضمن لنفسه الغذاء والقوت

وسر نجاح الأدب في نجاح الدولة التي تحميه، فمن المحال أن ينشط أدب ويُفك عن عقاله ويزدهر وينمو إن لم تكن هناك دولة يعتمد عليها ويستند إليها. فالأدب العاطل من سلطة تعضده وتؤيده أشبه بالرجل التائه الشريد، بل أشبه باليتيم، يقضي العمر وحيداً ينبذه الكون، وينفر منه الناس، فيعيش في اكمداد واضطراب حتى تدق ساعته الأخيرة فيلفظ الروح

ثم إن هذا الأدب بحاجة إلى من يغذيه بالمال ليعيش، فالأديب ككل ذي صناعة إن لم تمده بما يوفر له طعامه، يعجز من أن يمدك ببنات صدره وعقله. فهو يحتاج إلى الغذاء: إما بأن يرفده الملوك وأصحاب الغنى والجاه والمراتب السنية، وإما أن يقبل الشعب على مؤلفاته يؤدى عنها ما تساوى. وهو إن لم يوفر غذاءه المادي، فكيف يتوفر على صوغ جواهره في

ص: 20

عقد نضيد نظيم تقرّ به العيون وتبتهج القلوب؟

فالأدب الإفرنجي إذاً مدين في خصبه إلى الحظ، فالحظ يخدمه في دول تحميه وتدفعه في طريق الحياة، ويخدمه في شعب يقبل عليه ويشتريه. وأي أدب لا يثمر ما دام الاهتمام به متوالياً بلا انقطاع؟ فالصخر إذا عكف عليه من يفتته أنبت أروع الأزهار، وأينعت فيه أطيب الثمار!

وهذا هو الأدب الفرنسي كم انقضت عليه أزمان فما جاد بالسمين؟. . . لقد ظل عصوراً طويلة ضائعاً، غامض اللون والوجه، لا يستقر على حال ولا يقوم له كيان، مع أن فرنسا عرفت أياماً نضرة في عهد (كلوفيس) و (شالمان).

وانتقلت إليها روائع اللغة اللاتيتية، وعكف الرهبان في أديارها على تدريس الأدب اللاتيني لنشر تعاليم الدين المسيحي. إلا أن هذه الهمة الشماء لم تنهض بالأدب الفرنسي المضطرب اللهجة واللسان. فظل ضائعاً نغلاً لا أب له ولا أم، لا جامعة تربطه ولا قوة يعول عليها فتوحده وتجمع شتيته. حتى جاءه (ماليرب) فاجتهد في تكوينه وفي بناء قواعده. ولاح في الظلماء بصيص نور فخطر للكردينال (ريشيلو) أن يحي هذا الوليد. فأنشأ المجمع العلمي الفرنسي، وقامت بإنشاء هذا المجمع الدعامة الكبرى في بنيان أدب فرنسا

ومن هو (ريشيليو)؟. . . .

هذا كاهن عالي الرتبة ساد فرنسا ثمانية عشر عاماً

فهو أدهى من قام في البلد الفرنسي من رجال السياسة على إطلاقهم، ولا نستثنى حتى (تاليران) وزير نابليون الأول. فان فرنسا مدينة بعظمتها لهذا الكاهن الذي لم يكن في سياسته كاهناً. فتلاعب بتلك الدولة الكبرى كما يتلاعب بسبحته. فهدم وبنى، وأمات وأحيا وظلم. وشعر بنفور الشعب منه. وأدرك أنه بحاجة إلى ما يرفع من شأنه، فالتفت إلى الأدباء يصلح من شأنهم ويعطف عليهم. فما جهل أن للأدباء ألسنة طوالاً يقتلون بها من يشاؤون، ويقوضون أي ركن راموا تقويضه. ما جهل أن الأدب خالد في بطن التاريخ خلود الممالك، وأن الأدباء أخدان الملوك في البقاء على ممر الأعوام والدهور. وقد يموت الملك ويطوي، ويمحي اسمه حتى من صدور الكتب ولا يموت الأديب

ص: 21

ما جهل كل هذا ريشليو صاحب اليد الحديدية، وقاتل الملكة (ماري دي ميدسيس) هماً ونكداً، والمسيطر على الملك لويس الثالث عشر. فدعا إلى إنشاء ذلك المجمع الأدبي، ولا يزال المجمع حتى اليوم ينتسب إليه أربعون أديباً ومؤلفاً وعظيماً، وإنه لساهر على اللغة الفرنسية والأدب الفرنسي سهر الأم على بنيها، فلا يغفل عنهما لحظة لئلا يسلطا طريقاً غير قويم

وبعد (ريشليو) أطل (الملك الشمس) لويس الرابع عشر، فزاد في توطيد دعائم الأدب الفرنسي. وكان حيال أدباء بني قومه أشبه بملوك العرب حيال أدباء العرب، فجاء بكبار الأدباء يفسح لهم صدر بلاطه، ويخصص لهم المرتبات، ويجزل لهم العطاء، ويدعوهم إلى التأليف. وهو نفسه كان يحاول نظم الشعر، فلمعت في عهده أدمغة أدبية لا تزال حتى اليوم تفيض إشراقاً.

وستظل في هذا الفيضان حتى الأبد. فان ما جاء به أدباء فرنسا في القرن السابع عشر يكاد يكون خير ما أنتجته قرائحهم من سام رفيع وطيد نفيس، فجاروا الأدب اليوناني والأدب اللاتيني في أروع ما عندهما من آثار. واقتبسوا منهما الفن التمثيلي والأمثال الحكيمة في روايات وجيزة على ألسنة الحيوانات. واقتبسوا منهما الفلسفة. ولم يكن للأدب الفرنسي أي ميزة يبهر بها العيون، فأمسى في القرن السابع عشر منارة تهتدي بها أوربا جمعاء، بل يهتدي بها المعالم

فالروح الأدبية استيقظت من ذلك الحين في فرنسا، ومشت في طريق آمنة مرفوعة الرأس متوجة بأكاليل الغار، ولما تزل مسرعة في سيرها الوثاب. أجل، لقد كان لها ومضات في القرن السادس عشر، إلا أنها أشبه بانتفاض الجنين في بطن أمه، يختلج اختلاجاً يدل على أن الحياة أخذت تدب فيه

وليس من حق الفرنسيين أن يزعموا أن أدبهم يرتقي إلى أبعد من القرن السادس عشر. فان يكن لهم بعض فلتات أدبية ترجع إلى ما قبل ذلك العهد فانها لا تستحق العناية. ثم هي موضوعة في لغات متباينة خاضعة للهجات العامية المتداولة يومذاك في شمال فرنسا وفي صميمها، وليس هذا الأدب بالأدب المكتوبة له الحياة. فهو من النفايات التي تطرح جانباً ويضطر التاريخ الأدبي إلى إثباتها لإشارة إلى روح الأدب في عصرها ليس غير

ص: 22

وما هي روح الأدب في فرنسا قبل القرن السادس عشر؟. . . . روح فروسية وبطولة تفيض بالحماسة وتنسج الملاحم على طراز ملحمة عنترة في اللغة العربية. إلا أنها ملاحم من شعر لا روعة فيه ولا وحدة ولا قافية، فيكفي أن يكون موزوناً

والعصور التي سبقت العصر السادس عشر في فرنسا لم تكن بالعصور اللامعة في حضاراتها. فما هناك غير حروب وغزوات. فالقوم كانوا يعيشون على صهوات الخيل، يبايعون يوماً هذا الأمير وينتصرون يوماً لذاك، والحروب كانت أبداً عندهم على لظى واضطرام. فما التفتوا إلى الأدب مثلهم إلى السيف.

وهم إذا صاغوا بعض آثار أدبية فقد صاغوها لخدمة السيف ورجال السيف

على أنهم ما تذوقوا طعم الأدب الصحيح حتى باتوا يجدون فيه ضرورة من الضرورات لا غنى لهم عنها في حياتهم العامة والخاصة. فأصبح الأدب لديهم أشبه بالقوت. وتكاثر رجال الأدب فيهم. وبرز القرن الثامن عشر حافلاً برجال الفكر من أمثال (فولتير) و (جان جاك روسو) وطغى الأدب على السيف واستولى على الأفكار والعقول. ولفت الأنظار إلى مظالم الملوك. فخرج الشعب من غفلته واعد الطريق إلى ثورة 1789، وهي الثورة الفرنسية الكبرى. وهذه الثورة مع اخمادها روح الأدب زمناً، أحيت في الصدور أدبا جديداً شق طريقه (شاتوبريان) ولحقه فيه (لامرتين) و (ألفرد ده موسه) و (فيكتور هوجو)

فالشعر في فرنسا لم يعرف مجده الأسمى في عهد غير ذلك العهد، وتوالت الأيام فما ظهر بين الفرنسيين شاعر يستوي ومن سطع في القرن التاسع عشر من شعراء. نعم، إن القرن العشرين لا يزال في مرحلته الأولى. وليس من العجيب أن يتلألأ فيه نجم يكسف ما أشرق في سماء الأدب الفرنسي من كواكب ونجوم. على أن هذا النجم لا يزال في برجه تسد دونه النوافذ والأبواب

ووقوف الأرحام عن إتحاف فرنسا بهذا الشاعر المتفوق لا يدل على أن الأدب الفرنسي في جمود. فالأدب الفرنسي اليوم كثير الرواج، فائق الإنتاج، يهدي إلى العالم الغث والسمين، المتين والركيك، العالي والسخيف، كل أدب في غليان، ككل بضاعة تجد أسواقاً تقبل عليها وتلتهما. ولا ريب في أن هذه البضاعة تنفد وتذوب. ولا يبقى منها على توالي الأيام غير الجيد الجيد. والجيد دون القليل. فليس كل ما يأتينا به أي أدب من الآداب بالخالد الباقي

ص: 23

الرفيع

والفضل في رواج الأدب الفرنسي أن له دولة تحميه. فهو لم ينهض إلا يوم قامت في فرنسا دولة موحدة. وسيظل حياً ما بقيت هذه الدولة تنشر حضارتها في العالمين، فالأدب لا تقوم له قائمة إذا لم يكن إلى جانبه سلطان يذود عنه ويدفعه في طريق النهوض، شأن الأدب الهندي، والأدب الصيني، والأدب الفارسي، والأدب العبراني، والأدب اليوناني، والأدب اللاتيني، والأدب العربي

وأين كان الأدب الفرنسي يوم كان الأدب العربي في الوجود؟

وكان نكرة من النكرات

كان لا شيء

فالأيام لم تكد تلقي بذوره في الأرض

وكم استفاد الأدب الفرنسي من الأدب العربي!

فان مؤرخيه أنفسهم يعترفون بفضل الأدب العربي عليه فلولا الأدب العربي لطال جهل الفرنسيين فلسفة أرسطو. فقد نقلوا فلسفة الحكيم اليوناني إلى لغتهم باعتمادهم اللغة العربية، وكانوا يهتمون بهذه اللغة ويطلعون على دقائقها ويدرسونها يوم كان العرب يحتلون الأندلس. وكم استغلوا من روائعها وكم اقتبسوا منها! فان شعرهم لم يعرف الألوان قبل وقوفهم على الشعر العربي. وبعض المؤرخين يقول إن ذلك الشعر اعتمد القوافي يوم درس الفرنسيون الآداب العربية واطلعوا على منظوم شعراء العرب

فالأدب الفرنسي لم يكن له وجود يوم كان الأدب العربي ريانَ وضاءً، ينشر لواءه من قلب فرنسا وإيطاليا إلى خليج العجم وإلى ما هو أبعد من خليج العجم. أما احتل العرب بلاد الهند؟ أما نشروا فيها حضارتهم؟. . . أما حملوا إليها القرآن ولغة القرآن؟. . . أما جاء زمن سادت فيه لغة القرآن العالم فاحتلت ثلاث قارات: هي أسيا وأفريقيا وأوربا؟. . . .

وأين كان شعراء فرنسا يوم عرفت الجاهلية أصحاب المعلقات؟.

وأين كان فيكتور هوجو يوم نشأ المتنبي؟

وأين كان (فولتير) يوم عرفت الآداب العربية أبا العلاء المعري؟. . .

لقد سبقناهم بألف ومئة سنة. هذا إذا خضعنا لقول القائلين أن الأدب العربي عرف الحياة

ص: 24

في القرن الخامس للميلاد. مع أن الأدب العربي انبثق قبل هذا الزمن بمئات السنين. فمن المحال أن يبلغ أي أدب من الآداب الكمال الفني في وثبة واحدة. فلا بد له من عصور ريثما ينضج. أن هو إلا أشبه بالطبخة. وهذه الطبخة لا تكفيها سنة ولا عشر سنوات. فهي بحاجة إلى مئة سنة على الأقل لتصلح للمضغ والازدراد. ونحن عرفنا أول شعر عربي أتصل بنا مستوفي الشروط كامل العدة. إذاً فلابد أن تكون الأجيال التي بدأت قرض هذا الشعر قد تولت عجنه قبل اختماره بمئات السنين

ومن المؤسف ألا يكون للأدب العربي تاريخ صحيح نرجع إليه. فالكتابة كانت مجهولة لدى عرب الجاهلية وهم أبناء البادية والقفار. وهم البعيدون عن كل حضارة. فما وصلت إلينا أشعارهم التي قرضوها في بدء عهدهم بالشعر. فالحفاظ والرواة جاؤونا عنهم بكل غريب. فحدثونا عن العرب البائدة أحاديث لا يقرها عقل ولا صواب. ونحلوا الشعر العربي حتى جدنا آدم، وقالوا إن سفر أيوب كتب باللغة الغربية. وإن موسى تقله منه إلى العبرانية. وتفننوا فيما اختلفوا من روايات عن عاد وثمود وطسم وجديس. فإذا آمنا وصدقنا هذه الروايات كان لنا أن نقول إن اللغة العربية حفلت بالأدب الراقي قبل العصر المسيحي، وإنها من اللغات الأولى التي تخاطب بها الناس. على أننا نكتفي منها بأن تكون آدابها ارتقت إلى المستوى العالي في القرن الخامس للميلاد، يوم قامت فيها الممالك تحالف الفرس من جانب والروم من جانب آخر. فالآداب العربية أثمرت في ذلك الحين ثماراً طيبة لا يزال العطر منها يفوح، ولا تزال مثالاً يحتذى

وإننا لنرى في امرئ القيس على ما في شعره من الكلام الخشن - مما تكن تنبو عنه الآذان في ذلك العصر - سيداً من سادات الأدب لم يعرف أمثاله الأدب الفرنسي في غير القرن السابع عشر. وامرؤ ألقيس عرفه الأدب العربي في القرن السادس. وهذا أصدق دليل على أننا سبقنا القوم بألف ومائة عام

وكانت الآداب العربية وافرة الجني في عهدها الأول. وظهر الإسلام فزادها ثروة على ثروة. وخصوصاً في كتابه القرآن. فالقرآن أفضل ما تحفل به اللغة العربية، وإذا اكتفينا بأن ننظر إليه ككتاب يحفظ للغة العربية متانتها وبلاغتها، ويعدو الخاضعين لتعاليمه إلى قراءته وترديد آياته. فهم وحده يقي اللغة الموت، ويرد عنها البلاء، ويصونها من الضياع.

ص: 25

ولولاه لاضمحلت اللغة العربية في عصر الانحطاط وتلاشي كل أثر منها

ومال الخلفاء في صدر الإسلام إلى الشعراء فزادوا في إحياء لغة العرب، وهم كانوا في حاجة إلى الشعراء. لقد كانوا في حاجة إلى شعرهم ينالون به من خصومهم ويهدمون من أمجادهم، تشبهاً بالرسول في موقفه من شاعره حسان. ولم يكن للصحف وجود في ذلك الحين. فبحث الخلفاء - وفي طليعتهم معاوية - عمن يقوم بالطعن على خصومه في كلام يردده الحداة ويتناقله الركبان، فلم يجد أمامه غير الشعراء وسادة القريض. ومما زاد في حاجته إليهم اضطراره إلى الكفاح والنضال بعد انتزاعه الخلافة من علي بن أبي طالب. فأصبح للشعر ولقائليه شأن. خصوصاً وقد تعددت في ذلك الحين الأحزاب السياسية والدينية، وأمسى كل سيد قوم بحاجة إلى من يطنب في الثناء عليه ويغالي. ولم يكن ثمة غير الشعراء يصوغون من المديح عقوداً ويتقاضون عنها نقوداً.

فكثر الإقبال عليهم وأكثروا هم من التقلب في مدح هذا يوماً وذاك يوماً آخر استداراً لرفده وعطائه. وراجت بضاعة الشعر فتكاثر الشعراء، وأورقت رياض الأدب، ومعظم الذين حفلت بهم من المكتسبين. غير أن هؤلاء المتكسبين جادوا بأحسن ما عندهم رغبة منهم في غنم أوفر مبلغ مستطاع

وأكثر عصور الأدب ازدهاراً في اللغة العربية هو العصر العباسي، بل الأعصر العباسية على إطلاقها. فقد بلغ الأدب العربي في ذلك الحين القمة، وما اكتفى رجالة بالشعر يصوغونه على الفطرة والسليقة، بل تعمقوا في الأدب يدرسونه وينتقدونه ويؤلفون فيه الكتب والأسفار، فولجوا الأبواب كلها: من نظم ونثر، من نقد ورواية، من علم وتاريخ، وامتزجوا بمن حولهم من الأمم، فوقفوا على الأدب الفارسي والأدب اليوناني، وأضافوا إلى كنوز الأدب العربي كنزاً آخر، وهو كنز لا يقل في شيء عما تفاخر به اللغة الفرنسية من نفائس وروائع، فما نفحها به أدباؤها في عصر (الملك الشمس) والقرن الثامن عشر والتاسع عشر لا يزيد قدره الفني ما طفحت به اللغة العربية في الأعصر العباسية، وكل ما للأدب الفرنسي من ميزة أنه أكثر تنظيماً وتبويباً، وأحكم وحدة وارتباطاً، فالأدب العربي يكاد يكون خالياً من الوحدة والارتباط، فلا صلة بين أجزائه وموضوعاته، ولا لحمة في مؤلفاته. فهي متناثرة كحجارة البناء المطروحة على الطريق تحتاج إلى البنائين ليرصفوا

ص: 26

بعضها فوق بعض ويقيموا منها داراً عامرة

أما الإنتاج فلا نبالغ إذا قلنا إنه يوشك أن يكون والإنتاج الفرنسي في مستوى واحد، وما على من يرتاب فيما نقول إلا أن يطلع على ما أبقاه العهد العباسي من جليل نفيس. فالخزائن تكاد تضيق بروائع تلك الأعصر الزاهرة

والفضل فضل الدولة القائمة، بل الدول التي قامت في تلك الأعصر. ولو ظلت في مناعتها لكان الأدب العربي اليوم في رقي الأدب الغربي إن لم يكن أرقى منه. ولكن سقوط بغداد في أيدي أعداء العرب طعن الأدب العربي في صميمه. وكان عهد الانحطاط. واستمر هذا الانحطاط طويلاً. استمر ستمائة عام. وفي هذه الأعوام الستمائة جمدت اللغة العربية جموداً قاتلاً. وكادت أركانها تنهار لولا القرآن وبعض الهائمين بها. وفيما هي ترقد رقادها الفاجع تحركت الآداب الأخرى وبنت لها قصوراً منيعة ننظر إليها اليوم معجبين، ونكاد نتناسى في ظلالها أن لنا أدباً حياً لا يقل شأناً عن سائر الآداب الحية، ولكننا وقفنا بينما مشى سوانا، وبينما نرى أننا عاجزون عن اللحاق به. وهذا اليأس زاد في ضعفنا وخمولنا

وقد نظل ضعفاء خاملين لا تقوم لنا قائمة إلا يوم تقوم دولة عربية حرة يتقيأ أديبنا ظلال قبابها العالية. فإذا كتب أو أنشأ علم أن الأيدي تمتد من كل جانب للوقوف على ما كتب أو أنشأ، وما دامت هذه الدولة غير موجودة أو واهية القوى، فلأدب العربي يعيش على سواعد عشاقه. وسواعد عشاقه لا تكفي للنهوض به. فكل ما تفعل أنها ترد عنه عوادي الزمن، وتنقذه من الفناء ريثما يأتيه يوم يرفع فيه رأسه، ويغزو من يغزوه، ويبطش بمن يكتسحه

فالأدب يلمع عندما تلمع الدولة التي يحمل لواءها

وليس الأدب العربي بالشاذ عن القاعدة مع كل ما في القواعد من شواذ!. . . .

(بيروت)

كرم ملحم كرم

ص: 27

‌ورطة

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

خرجت من بيتي في صباح يوم، ومعي - في جيبي - ثلاثون قريشاً ليس إلا. . . وقالت لي نفسي، وأنا أضع الطربوش على رأسي بيد، وأفتح الباب بيد:

(إنك يا هذا ذاهب إلى عملك فعائد منه إلى البيت لتتغذى، فما حاجتك إلى أكثر من هذا القدر؟ اقنع به، فان امتلاء اليد يغري بالأنفاق، وكفك كالغربال - كثيرة الخروق، وواسعتها جدا - ولو رزقت مال قارون لأتيت عليه كله في بعض يوم، فأنت والله أحق الناس بالحجر!)

فوقفت مغيظاً، فما يليق أن تصبحني نفسي بمثل هذا الكلام القبيح. وكيف بالله أؤدي عملي إذا كنت أسمع مثل هذا التأنيب على الريق؟ وقلت لأزجرها عن هذا السلوك المعيب:

(بدأنا؟ يا فتاح يا عليم! ألم أنهك عن هذا ألف مرة!)

فراحت تكابر وتقول: (وهل قلت إلا إنك مسرف؟)

فصحت بها من الضجر: (مسرف كيف، يل ستي؟ وهل ما أكسب يكفيني حتى أعد مسرفاً؟)

قالت: (إنه لا يكفيك لأنك مسرف. . . . مخروق الكف، وفي دون ما تكسب فوق الكفاية)

قلت: (كلام فارغ. . . ولعب بالألفاظ. . . . هذه يدي ليس فيها خرق واحد، وإني لأحب المال حباً جماً، وأحاول أن أخزنه وأكنزه، ولكن ماذا أصنع؟ كلما دخلت البيت قالوا هات. . . هات. . ولست أسمع وانا في البيت إلا قولهم (هات. . هات!) لا أحد يقول (خذ!) كلا. . هات صابوناً. . . هات بناً. . . هات أحذية وطرابيش. . . كأني مصلحة تموين. . . حتى وأنا نائم أسمع هاتفاً يقول لي: (هات) فاستيقظ مذعوراً. . . وإذا لم أذهب إلى البيت - أعني إذا فرت منه - فلا مفر من الانفاق في حيثما أكون. . . . لا أحد يقبل أن يعطيني شيئاً بالصلاة على النبي. . . كلا. . . لم تبق في الدنيا مروءة ولا كرم ولا تقوى ولا. . . . .)

وأمسكت، فقد رأيت أحد الجيران يرقي في السلم، فخفت إذا سمعني أتكلم أن يحسبني مجنوناً، ولم أر أحداً غيري يحادث نفسه، فيظهر أنهم لا نفوس لهم. . . أعني أن نفوسهم

ص: 28

لا تتعبهم ولا يسرها التنغيص عليهم

وجاء الظهر، وزارني صديق عزيز طال غيابه عني، فقلت له وأنا أنهض معه:

(تعالى نتغذى)

قال: (أين؟)

قلت: (أين؟ في البيت عندنا!)

قال: (بيت؟ لا لا لا. . . تعال إلى المطعم)

قلت: (مطعم؟ يا خبر أسود! لا يا سيدي! لا آكل في مطعم ولو شنقوني)

قال: (كيف تقول؟ لماذا تتكلم بهذه اللهجة؟)

قلت: (يا أخي بالله عليك دع المطاعم فان آكالها لا هنيئة ولا مريئة، وتعالى معي إلى البيت)

وكنت وأنا أدعوه إلى ذلك أرجو أن يرضى، وأخاف أن يأبي، ويف لا أخشى وكل ما معي ثلاثون قرشاً لا تكفيني وحدى، فكيف به معي وهو ضيفي؟ وخطر لي أن أصارحه؛ ولكني استحيت، وقلت خير من ذلك أن أحتال حتى اقنعه وأجره معي، والتفت إلى نفسي وقلت لها همساً:

(أرأيت؟ هل يعجبك هذا؟ هذه الفضيحة تسرك؟ مسرف أنا؟ هيه؟ أنا أبعثر المال باليمين والشمال؟ أنفقه بلا داع. . . . أرميه في التراب! بالله ماذا كان يضيرني أو يضيرك لو أني خرجت بجنيه مثلاً بدلاً من هذه القروش القليلة التي لا تنفع؟)

وبدا لي أن خير ما أصنع في هذا الموقف هو أن أكون رجل عمل لا رجل كلام، فشددت ذراعه وقلت:(تعال!)

قال: (لماذا تجرني هكذا؟ إلى أين؟)

قلت: (إلى البيت. . . . لا فائدة من الكلام تعال)

وشاء سوء الحظ أن تمر في هذه اللحظة مركبة قديمة يجرها جوادان هزيلان معروقان، وأبى السائق اللعين إلا أن يتلكأ ويومئ إلينا بالسوط الذي في يمينه أن نرب، ويقول:

(أجي يا بك؟)

فصحت: (لا لا لا لا. . .) وأشرت إليه أن يذهب عنا، وأن يبعد جداً، وأن يسرع في ذلك

ص: 29

فقال صاحبي: (لا، يعني ماذا؟ انتظر يا رجل. . . تعال نركب فإني متعب)

قلت: (نركب؟)

قال: (نعم. . . إلى مطعم الـ. . . . تعال. . .)

وشدني، وكان أقوى مني وأضخم، فتعثرت وراءه وأنا أقول:(يا أخي، الترام أسرع من هذه الخيل المحنطة. .)

قال: (لا، هذا أحسن)

وركبنا، وضرب الرجل جواديه بالسوط، فصحت به:(يا رجل، حرام عليك، انزل وجرهما!)

فابتسم الرجل، وأقبل على اللجم يشدها ويرخيها، ويخرج وهو يفعل ذلك أصواتاً ليس في الحروف المعروفة ما يترجمها، فلست أدري أهي جء جء، أم تء تء؟ أم ماذا غير ذلك؟ وأدرت وجهي إلى صاحبي وقلت له:

(وكيف تكتب هذا؟)

وقلدت صوت السائق، فقال:(لا تكتب)

قلت: (ما أشد قصور اللغة إذن، وأقل وفاءها بمطالب التعبير!)

قال: (أي تعبير يا أخي؟ مالك اليوم؟)

قلت: (ألست ترى الخيل تفهم عنه؟ فهي لغة تفهمها، ويجب أن نعرف كيف نكتبها ونرسم الرموز لنطقها، وإلا كان هذا منا قصوراً)

قال: (طيب. . . . . . طيب. . . .)

فقلت محتداً: (كيف تقول طيب؟ أيجوز أن تسع اللغة كل هذا الذي تسعه وتعجز عن أداء هذه الأصوات القليلة؟)

قال: (نعم يجوز. .)

قلت: (كيف تقول؟)

قال (نعم، لأنها لغة مجعولة لأبناء آدم، لا للخيل والحمير)

قلت (ولكن الخيل ليست هي التي تنطق بها، بل هذا السائق الآدمي)

قال: (أسلكه مع الخيل والحمير، وأرح نفسك وأرحني) فسكت، فما بقي لي بعد هذا كلام،

ص: 30

وبلغنا المطعم الذي اختاره فترجلنا، وأنقدت السائق خمسة قروش - قطعة واحدة، خرجت من عيني، لا يخلا، فما بي بخل، وإني وحقكم لكريم مضياف، وقد سمعتم نفسي تنكر على إسرافي وتبذيري، وتزعمني لذلك من إخوان الشياطين، ومن كان لا يصدق فليجئني بمال، ولير كيف أنفقه له، ولا أبقي لنفسي منه دانقاً!

وجلسنا إلى مائدة نظيفة، وجاء الخادم بورقة كبيرة مطوية فيها ألوان الطعام - أغني أسماءها - فنحيتها عني بإصبعي، وقلت له:(اقرأ واختر لنفسك)

قال: (وأنت؟)

قلت: (ابدأ بنفسك يا سيدي، واتركني لاختياري بعد ذلك) فرفع الورقة أمام عينيه، واضطجعتُ أنا، وجعلت أنظر إليه، وأجيل عيني في جسمه الضخم الهائل الأنحاء، وأسأل ماذا ترى يكفي هذه المعدة الكبيرة ويملأ هذه الكرش العظيمة؟ وماذا يكون العمل إذا جاوز الأمر ما معي؟

ورمي إلى الورقة وقال:

(الاختيار صعب، فاطلب لي أنت ما تشاء!)

فتناولت الورقة، وأنا فرح مسرور، وقلت في سري:(يا مفرج الكروب يا رب) وصرت أنظر في الأثمان، فأهمل ما ثمنه غالياً، وأقصر الاختيار على كل معتدل الثمن أو ضئيله وقلت له:

(في المطاعم يحسن اتقاء الدجاج والسمك، مخافة أن تكون تلك مخنوقة وهذه قديمة، ولست أرى هنا ما يصلح للأكل إلا المرق والأرز والخضر والفاكهة، والجو اليوم حار جداً، فيحسن الاجتزاء بالخفيف من الطعام، والذي لا خوف من الغش فيه)

فخطف مني الورقة وهو يقول: (يا أخي مالك أنت؟ أهي بطني أم بطنك؟ وصحتي أنا أم صحتك؟ ومن قال لك إني مترف يؤذيه الحر ويثقل فيه على معدته اللحم والطير والسمك؟)

قلت: (إنما أخاف عليك الموت، فما زلت شاباً، وقد مات منذ أيام شباب من إخواننا من أكلة. .)

فقاطعني قائلاً: (لا فائدة. . . لا فائدة. . سآكل ما أريد على رغم أنفك)

فهززت رأسي وقلت: (شأنك، إن همي كله ألا يصيبك ما أصاب ذلك الموظف الذي أكل

ص: 31

سمكة متعفنة. .)

فصاح بي: (يا أخي اسكت، أي حديث هذا على الطعام؟)

قلت: (سكت يا سيدي، ولكن لا أقل من أن تشاورني لأنصح لك)

قال: (كلا. . . ولا هذه. . . وهل أنا مسئول منك؟)

قلت: (إنك ضيفي وأنا مسئول عنك)

قال: (متنازل. . . اسكت بقى)

فلولا أن كرمي طبع لا تطبع، لسرني هذا القول، ولكني أبيت أن أقبل (تنازله) ودعوت الخادم وقلت لصاحبي:

(مره بما تشاء. . واطلب مه كل الألوان التي يقع عليها اختيارك دفعة واحدة، ليعدها لك، من الآن، ولا يعود يعتذر بأن هذا فرغ، وهذا لم يبق منه شيء)

فوافق، وكانت غايتي من هذا الاقتراح أن أعرف على وجه الدقة كم يكلفني إطعام ضيفي، وهل يبقى في جيبي بعد ذلك شيء آكل به، أم ينبغي أن أصوم إكراما له وإيثاراً، فوجدت أن جملة الثمن بلغت تسعة عشر قرشاً، فقلت في سري (أما والله إنه لشره نهم! أما كان يستطيع أن يكتفي بلونين؟ إنه لا يبقي لي بعد ذلك إلا ستة قروش تذهب منها اثنان تجزية للخادم، وقرش لابد منه لركوب الترام إلى البيت، فالباقي ثلاثة قروش، وما يدريني أنه لا يستمرئ نعمتي فيطلب قهوة أيضاً، إذن هما قرشان اثنان لا أملك لنفسي غيرهما. . . حسن. . فليكن كل طعامي تفاحة)

واستغرب صاحبي زهدي في صنوف الأطعمة، واكتفائي بتفاحة، فقلت له (يا أخي ألم أقل لك أني أكره أن آكل في معطم؟ ولقد نصحت لك فهل كنت تظنني عابثاً، أم حسبتني من جماعة (يا أيها الرجل المعلم غيره)؟ لا يا صاحبي. وقد تركتك لرأيك، فاتركني لرأيي!)

وكان يأكل وانا أدخن وأتكلم، ثم صفق فذعرت وسألته ماذا تريد؟)

قال (أليس عند هؤلاء القوم نبيذ جيد؟)

فقلت بسرعة (لا لا لا. . . إنه خل - إحذر)

قال (خل. . . عسل. . . لابد لي من النبيذ)

فضربت كفاً بكف، ولولا المكان غاص بالناس للطمت وجهي، فنظر إلي مستغرباً

ص: 32

وسألني: (مالك، لم أرك قط على مثل هذا الحال؟)

قلت: (يا أخي أتريد أن تفضحني)

قال: (أفضحك؟ لماذا؟)

قلن: (تشرب النبيذ وأنت معي؟ ماذا يقول الناس عني إذا رأوك ورأوني)

قال: (إيه؟ أنت تخجل أن يراك الناس مع صاحب يشرب خمراً؟ متى تغيرت عن عهدي يا صاحبي؟)

قلت: (اليوم. .)

قال: (على كل حال، هذا لا يعنيك. . اطلب ما شئت إلا الخمر. . . فلن أدفع ثمن قطرة)

فأطال التحديق في وجهي، ثم قال:

(ليس هذا مربط الفرس. . . ما هي الحكاية؟ قل بصراحة!)

فلم أعد أطيق الكتمان، فقد كنت أمعائي تنقطع من الجوع، وعيني تكاد تخرج من الغيظ، وشق علي أن أراه يلتهم الطعام وأنا جالس أنظر وأتضور واتحسر، فانفجرت قائلاً:

(الحكاية يا أحمق يا غبي أن كل ما معي في هذه الساعة المنحوسة التي تجلس فيها أمامي خمسة وعشرون قرشاً. . . وأنت تأكل كأنك ما ذقت طعاماُ منذ قرن كامل، وتريد فوق ذلك أن تشرب نبيذاً! شيء لطيف جداً؟ ومن أين أجيء بثمن النبيذ الذي تفرغه في جوفك؟ أرهن ثيابي؟؟ أم أطعمك وأسقيك، نسيئة؟ او كان في رأسك هذا ذرة من العقل والفهم، أو في عينك تنظر لفطنت إلى الحقيقة ولم تحرجني إلى الكلام، ولكن كل جارحة فيك مَعِدة. . .)

فقال بعد طول الإصغاء: (أهو ذاك؟)

قلت بغيظ: (نعم هو ذاك يا أيها الكرش؟)

فلم يجب بشيء وصفق فجاء الخادم فقال له:

(اطعم هذا الجوعان المسكين)

فقلت له: (قبحك الله! ألا بد أن تفضحني؟)

قال: (ألا تستحق ذاك؟)

قلت: (ليس هذا وقت الجدل. . هات دجاجة سمينة)

ص: 33

قال: (فان الدجاج مخنوق. . . .!)

قلت: (لا تكن كزاً لئيماً. . اذهب يا هذا وهات الدجاجة السمينة. . . والله لا بدأتُ إلا بها)

قال: (بدأت؟)

قلت: (نعم، ثم بسمك)

قال: (إنه قديم، متعفن)

قلت: (فليكن من عهد الفراعنة، فأن الجوع لا يرحم)

قال: (قاتلك الله. لقد كنتُ أشتهي الدجاج والسمك فصرفتني عنهما بتهويلك وخوفتني منهما)

قلت: (ما في بطني في بطنك!)

ولما عدت إلى البيت قلت وأنا أبدل ثيابي لأستريح

(أظن أنه لا يسعك أن تتهميني بالإسراف في يومي هذا، فقد عدت بأربعة وعشرين قرشاً من ثلاثين خرجت بها)

فابتسمت، وهزت رأسها راضية، فقلت:

(ولكنه موقف لا يحتمل إذا تكرر، ولن أطاوعك بعد اليوم)

إبراهيم عبد القادر المازني

ص: 34

‌2 - قصة المكروب

كيف كشفه رجاله

ترجمة الدكتور أحمد زكي

وكيل كلية العلوم

لوفن هوك

أول غزاة المكروب

(بائع القماش الهولاندي الساذج الذي ضحك منه أهل بلده فكاتب الجمعية الملكية البريطانية وبها روبرت بويل. وإسحاق نيوتن فاستمعت له وصفقت خمسين عاماً)

إن كثيراً من مكتشفات العلم الأساسية قد تظهر لرائيها اليوم بسيطة بالغة البساطة حتى ليعجب المتأمل في العصر الحاضر من رجال العصور الغابرة كيف أنهم تحسسوا وتلمسوا آلاف السنين عن أشياء كانت منهم قاب قوسين أو أدنى من ذلك قرباً. خذ المكروبات مثلاً. فعامة الشعوب تراها اليوم تتبختر على الشاشة البيضاء، والكثير من ذوي العلم القليل رأوها تسبح وتمرح تحت عدسة المكرسكوب، وطالب الطب البادئ يستطيع أن يري جراثيم كثير من الأمراض - وإذن فما هذه العقبة الكأداء التي قامت دون رؤية المكروب لأول مرة!

أذكر أن (لوفن هوك) عندما ولد لم يكن في الدنيا مكرسكوبات، ولكن عدسات يد صغيرة خشناء لا تكاد تكبر الشيء ضعفين، لو نظر بها هذا الهولاندي ثم نظر لعلاء الشيب ولما يكتشف من الأحياء إلا دود الجبن فما حجماً. وإنما الذي غير وجه الأمر نحت هذا الرجل عدساتٍ جديدة، ومثابرته على ذلك وإلحاحه فيه إلحاح معتوه، ثم شغفه بعد ذلك بنظر كل شيء، والتجهير إلى كل شيء، خص أو عم، علا أو حقُر، شرف أو سفل، دخل في حدود الأدب أو خرج عنها، فنال من ذلك خبرة وكسب مراناً هيأه لاستقبال ذلك اليوم الباغت الفاجيء الخالد، يوم نظر من خلال عدسته، تلك اللعبة الزجاجية فإطارها الذهبي، إلى. . . قطرة ماء!

ص: 35

تلك النظرة. . . إلى تلك القطرة. . . . بدأت تاريخاً مجيداً. كان (لوفن هوك) بحاثاً مخبولاً غريب الأطوار، وإلا فما الذي حدا به إلى أن ينظر من بين ألوف الأشياء إلى قطرة ماء نزلت من السماء؟! وما الذي عساه أن يرى فيها! كانت مريم ابنته في التاسعة عشرة من عمرها. وكانت كثيرة الحَدَب على أبيها المأفون ترعاه وتدفع عنه. والويل للجار السافل الغبي الذي يغريه سوء طالعه بالهزء من والدها على مسمع منها وكانت مريم ترقب خُطى أبيها؛ ففي هذا اليوم المعهود رأته يتناول أنبوبة من الزجاج أحماها في لهب حتى صارت حمراء، ثم مطها حتى كانت كالشعرة، ثم كسرها قطعاً صغيرة. ونظرت إليه وهو واسع العينين ذاهل اللب فإذا به يخرج إلى الجنينة فُيكب على إناء كان وضعه هناك ليقيس به مقدار المطر العاطل، ثم يغمس تلك الشعرات الزجاجية فيه، ثم يعود بها إلى مكتبه فيضعها تحت عدسته. ليت شعري ما وراء هذا الأب المأفون العزيز الآن. إنه ينظر في العدسة ويُجهد النظر حتى حًوِلتْ عينه. إنه يتمتم بكلمات تتردد في حلقه ولا تخرج إلى شفتيه. ها هو ذا قد زاد اضطرابه وعلا بغتة صوته، وأخذ يصيح لابنته في اهتياج ظاهر:(تعالي. تعالي أسرعي! أسرعي! أرى أحياء في الماء، أحياء صغيرة. إنها تسبح. إنها تدور وتلعب. إنها أصغر ألف مرة من الحيوانات التي تراها أعيننا المجردة. أنظريها وانظري ماذا اكتشفت)

هذا يوم (لوفن) جاء أخيراً، وهو يوم في الأيام مُعلَم مشهور. ساح الاسكندر ما ساح حتى جاء إلى الهند فاكتشف فيها ما لم تره عين إغريقي من قبله: فيلةً عظاماً ضخاماً تملأ العينَ والقلب، هذه الفيلة كانت عند الهندوس كالخيل عند الإغريق، أشياء مألوفة لا تبعث فيهم دَهَشاً ولا تثير عجباً. وضرب قيصر في الأرض ما ضرب حتى طلع به المطاف على الجزر البريطانية فراعه ما وجد فيها من أقوام بادين مستوحشين، ولكن هؤلاء البريطانيين كانوا فيما بينهم معروفين مألوفين كألفة قيصر جنوده. أما (لوفن هوك) التاجر الصغير فقد سبق العالم فأطل على عالم عجيب لا يبلغه البصر، عالم من مخلوقاتٍ صغيرة عاشت وعاودت العيش، ونمت وعاودت النماء، وتقاتلت وعاودت التقاتل، وماتت وعاودت الموت، وكل ذلك تحت عين الإنسان وسمعه، ومنذ بدأ الزمان، والإنسان لا يسمعها، والإنسان لا يبصرها. مخلوقاتٍ على صغرها أهلكت شعوباً وأذلت أمماً من رجال يكبرونها

ص: 36

عشرات الملايين من الأضعاف. مخلوقاتٍ شرٍ على البشر مما خالوا من أفاعٍ تنفث النار وتنشر الفزع والدمار. مخلوقاتٍ قتالة، تقتل في صمت، تقتل الطفل وهو في دفء مهده، وتقتل الملك بين أعوانه وجنده. تلك المخلوقات الخفية الحقيرة العدوة اللدود - والتي قد تسالم أحياناً وتصادق - هي التي نظر إليها (لوفن هوك) أول رجل على ظهر البسيطة

- 3 -

سبق أن حدثتكم عن (لوفن هوك) بأنه رجل كثير الشك كثير الريبة، لذلك لما وقعت عيناه على تلك الحيوانات رآها بالغة الصغر بالغة العجب حتى لا يكاد يؤمن الرائي بها. ومن أجل هذا أعاد النظر ثم أعاده حتى انجمدت يده من مسك المكرسكوب ودَمَعت عيناه من إطالة التحديق، فوجد أن نظرته الأولى لم تكن خُدعةً، فها هي الحيوانات نفسها تعود فتتراءى له، وليست هي من جنس واحد هذه المرة، فها هو جنس ثان أكبر من الأول سريع الحركة رشيق الدوران لأن له بضعة أرجل بالغة في الدقة، وها هو جنس ثالث، ورابع ولكنه صغير جداً فلا يبين شكله، ولكنه حي يدور بسرعة خاطفة فيقطع الأميال في دنياه الصغيرة - في تلك القطرة من الماء

وكان (لوفن) قياساً ماهراً، ولن أنى له بمقياس تُقاس به هذه الحيوانات الصغيرة. جمع لوفن ما بين حاجبيه، وجمع بتجميعه أشتات فكره، واخذ يبحث في زوايا رأسه وفي الأركان المهجورة من ذاكرته بين آلاف الأشياء التي تعلمها وأتقن تعلمها عله يهتدي بها إلى قياس تلك الأحياء، وعدّد ما عدّد، وحسب ما حسب، وخرج من حسابه على أن (الحيوان الأخير الذي رآه أصغر ألف ألف مرة من عين قملة كبيرة). وكان هذا تقديراً صائباً من رجل مدقق محاذر، فنحن نعلم اليوم أن عين القملة التامة النماء لا تزيد حجماً عن عشرة آلاف من تلك الحيوانات

ولكن من أين أتت وكيف سكنت قطرة الماء؟ أجاءت من السماء؟ أم زحفت من الأرض على جدار الإناء حتى بلغت الماء؟ أم قال لها الله كوني فكانت من لا شيء؟

إن (لوفن) يؤمن بالله بمقدار ما آمن به أي هولاندي من أهل القرن السابع عشر، وكان يصفه بأنه خالق هذا الكل العظيم، وكان فوق إيمانه يُعجب به أي أعجاب، وكيف لا يعجب من خالق حاذق عرف كيف يصنع أجنحة النحلة بهذا الجمال المطرب. ولكن (لوفن) كان

ص: 37

إلى جانب هذا يعتقد في المادة وفي وساطتها، وهداه وحي نفسه الصادق إلى أن الحياة لا تنتج إلا من حياة، وأن الله لم يخلق هذه الحيوانات في وعاء الماء من لا شيء. . ولكن صبراً. . ولم لا يخلق ما شاء كيف شاء؟ لا سبيل إلى معرفة مأتي هذه الحيوانات إلا التجربة. فقال لوفن لنفسه (فلأجرب)

فغسل كاس خمر غسلاً طيباً وجففه، ورفعه إلى حيث يقطر ماء المطر من سقيفة داره، فلما تجمع فيها بعضه أخذ منه قطرة وسلط عليها عدسته. . . نعم! لا يزال بها قليل من تلك الحيوانات غادياتٍ رائحات. إذن فهي توجد في ماء المطر غب نزوله. ولكن مهلاً، فهذا استنتاج فطير، من أدرانا؟ لعلها كانت على السقف فنزل المطر فاكتسحها في الكأس

فدخل لوفت بيته وخرج بصحن من الصيني داخله أزرق صقيل فغسله ورفعه إلى السماء والمطر يهطل، ورمي بما تجمع فيه من الماء ليتأكد من نظافته، ثم رفعه مرة أخرى، ثم غمس في مائه شعرة من شعراته الزجاجية وبكثير من الحذر حملها بقطرتها إلى مكتبه لينظر فيها. (لقد واتاني الدليل! هذا الماء ليس فيه مخلوق واحد من تلك المخلوقات الصغيرة، فهن لن يأتين من السماء)

ولكنه احتفظ بهذا الماء الساعةَ بعد الساعة، وهو يحدق فيه، واليومَ بعد اليوم وهو يحدق فيه، وفي اليوم الرابع أخذت تلك المخلوقات تتراءى فيه مع ذرات من التراب وخيوط القطن ونسائل التيل

اكتشف (لوفن) هذه الدنيا الجديدة التي لم تخطر على بال أحد، فهل كتب إلى الجمعية الملكية ينبئها خبر هذا الاكتشاف الضخم؟ لا، لم يكن بعدُ أخبرهم، فقد كان رجلاً بطيئاً، وإنما سلط عدساته على كل أصناف الماء، على الماء الذي في مكتبه وهواؤه محبوس، على الماء بالقدر الذي وضعه في الهواء الطلق على سطح بيته، على الماء الذي بقنوات بلدته وهو غير شديد النقاء، وعلى ماء البئر البارد الذي بجنينة داره، وفي كل هذه الأمواه وجد هذه الحيوانات. وراعه صغرها الهائل، فكثير منها لم يبلغ الألفُ منه حجمً الحبة من الرمل، وقارن بعضها بدودة الجبن، تلك الحشرة القذرة الصغيرة، فوقعت منها وقوع النحلة من الفرس

كان لوفن بحاثاً يبحث عن كل شيء وفي كل شيء، ومن غير علم سابق عن تلك الأشياء.

ص: 38

وكان من شأن هذا الضارب في أشتات الأمور أن يعثر في طريقه على كثير مما لم يقصد إليه. وكان هذا حاله مع الفُلفُل. الفلفل حريف لاذع فلماذا؟ سؤال خطر له يوماً فقال لنفسه: (قد يكون هذا بسبب نتوءات في الفلفل حادة تشك اللسان عند الأكل فتلذعه) ولم يكد يستقر هذا الخاطر في رأسه حتى قام يبحث عن هذه النتوءات

بدأ بالفلفل الجاف فطحنه ثم طحنه، وعَطس وعَرق، ولكن لم يبلغ به الطحن الصغرَ الكافي لرؤيته بالعدسة. فخال أن يلينه بالتبليل فنقعه في الماء بضعة أسابيع ثم جاء بإبرة حادة فمزق بها ذرات الفلفل فزادها صغراً، ثم مصها مع قطرة ماء في إحدى شعرياته الزجاجية، وأخذ ينظر فيها، ولم يكد بفعل حتى نسي النتوءات التي كان يبحث عنها، وامتلأت نفسه واغتمر حسه بما وجد من جديد. ففي المواه الأخرى التي رآها كان يرى الحيوانات الصغيرة التي اكتشفها بقدر معتدل يقل حيناً ويزيد حيناً. أما في ماء الفلفل هذا فقد وجد هذه المخلوقات على تنوعها كثيرة العدد كثرة لا تصدق، وهي لا تزال في ازدحامها تهيم وتسبح في رشاقة وجمال

خرج (لوفن هوك) يبحث في الفلفل عن نتوءات، فوقع على طريقة يربى بها حيواناته وينميها ويكثرها

وعندئذ، وعندئذ فقط، شاء أن يكتب إلى لندن يخبرها بالذي كان. وملأ الصفحة بعد الصفحة بخط جميل ولغة بسيطة يشرح ما صنع، ويقول لهم إن حبة القمح تسع مليوناً من هذه الحيوانات، وأن ماء الفلفل يربيها ويكثرها حتى تحوي القطرة منه 2700000 منها. وتُرجم الكتاب إلى الإنجليزية وتلى على الجمعية فترك عاليها سافلاً. هؤلاء العلماء كانوا قد اطرحوا الخرافات، وكفروا بالذي كان في زمانهم من أباطيل وترهات، ثم يأتي هذا الهولاندي يحدثهم عن حيوان تسع قطرة الماء منه بقدر ما تسع هولندا من السكان! تلك خرافة من خرافات الأولين، ولا والله ما خلق اله حياً أصغر من دودة الجبن

على أن نفراً من هؤلاء العلماء لم يضفق بما سمع. فهذا الرجل كان محققاً مدققاً مفرطاً في تحقيقه وتدقيقه. وقد وجدوا صدقه في كل ما كتب لهم عنه. وعلى ذلك جاءه كتاب من لندن يرجونه فيه أن يشرح لهم بالتفصيل الطريقة التي صنع بها مكرسكوبه وأن يصف لهم كيف يستخدمها لرؤية ما يرى

ص: 39

وجاءه الكتاب يحمل الشك في ثناياه فغضب. ما كان يُهمه أن يضحك منه حمقى بلدته، ولكن لم يكن يخطر في باله أن ترتاب الجمعية الملكية في قوله. لقد كان يحسب أنهم فلاسفة. أيكتب اليهم بالشرح الذي طلبوا، أم يوليهم من الآن ظهره ويحتفظ بما يعمل لنفسه. وذكر المجهود الذي أنفقه فعز عليه ما احتمل منه، وكأني بك تسمعه يتمتم في نفسه: رحماك اللهم فأنت تعلم كم عملت وعَرِفت، وكم سهرت لكشف تلك الخبايا، وكم احتملت من ضحك الناس وسخرية حماقهم في صناعة مكرسكوباتي وتجويدها واستنباط طرق الرؤية بها. . .

ولكن كما أنه لابد لكل ممثل ممن يسمع وينظر، فكذلك لابد لكل مبتكر من نظارة سماعة. لقد علم (لوفن) أن هؤلاء الشكاكين من أعضاء الجمعية لابد باذلون جهداً لا يقل عن جهده لإنكار دعواه. لقد جرجوه في كرامته، ولكن لابد للمكتشف من نظارة! فكان أن كتب لهم كتاباً طويلاً يؤكد لهم أنه لم يَغلُ فيما وصف، وشرح لهم الحساب الذي عمل، وكتب لهم الحسبة بعد الحسبة من قسمة فضرب فجمع حتى صار كتابه ككراسة صبي في مدرسة وخرج بنتائج قريبة جداً من النتائج التي يخرج بها علماء المكروب اليوم بواسطة ما استجد لهم من عُدة وجهاز. وختم (لوفن) كتابه بقوله إن كثيراً من أهل (دلفت) رأوا تلك الحيوانات الصغيرة العجيبة بعدساته فأكبروها! وأنه يستطيع أن يأتيهم باقرارات شرعية مبصومة مختومة، اثنين منها من رجلين من رجال الله، وواحد من مسجلي العقود، وثمانية أخرى من شهودُ عدول. أما أن يصف لهم كيف صنع مكرسكوباته فهذا ما لا سبيل إليه

كان (لوفن هوك) كثير الريبة في الناس. كان يسمح للناس بنظر الأشياء من عدساته، ويرفعها إلى أعينهم ليحسنوا الرؤية بها دون أن يمسوها، فان هم رفعوا يداً إليها ليتولوا بأنفسهم إحكامها أو لزيادة المتعة بها لم يكبر على (لوفن) أن يطردهم من بيته طرداً. . كان كالطفل بيده تفاحة كبيرة حمراء يعجب بها ويسر برؤية أصحابه لها، ولكنه يصرخ في وجوههم إذا نالوها بأصابعهم خشية أن ينالوها بعد ذلك بأسنانهم

وبناء على هذا وجهت الجمعية وجهها ناحية أخرى، فانتدبت (روبرت هوك) ونهيمياه جرو ليقوما بصناعة أحسن المكرسكوبات المستطاعة، وبتجهيز نقيع مائي من أجود أصناف الفلفل الأسود. وفي الخامس عشر من نوفمبر عام 1677 اجتمعت الجمعية وجاءها

ص: 40

(روبرت هوك) يحمل إلى المجتمع مكرسكوبه والنقيع، وفي خطاه سرعة، وفي قلبه لهفة، لأنه وجد أن (أنطوان لوفن هوك) لم يَكْذب، فها هي تسبح وتلعب، تلك الحيوانات التي حدث عنها (لوفن). قام الأعضاء عن مقاعدهم وتزاحموا حول المكرسكوب، وحملقوا فيها، ثم صاحوا: لا يكشف عن مثل هذا إلا رجل من عبقر. وكان هذا يوم فخار كبير (للوفن هوك). ولم يمض غير قليل حتى انتخبت الجمعية هذا القمّاش عضوا بها. وبعثت إليه براءة العضوية في إطار من الفضة وعلى غلافها شارة الجمعية

فأجابهم (لوفن) يشكرهم ويقول: (. . . . . وسأخدمكم بإخلاص إلى الرمق الأخير من حياتي). وهكذا فعل. فانه أخذ يكتب إليهم تلك الكتب التي خلط فيها بين العلم ولغو الحديث حتى مات وسنه تسعون عاماً. وعلى كثرة ما بعث لهم من الكتب لم يبعث إليهم بعدسة واحدة. كل شيء إلا هذه ما دق قلبه بالحياة. وفعلت الجمعية كل ما استطاعت في سبيل ذلك دون جدوى، وأنفذت الدكتور مولينو إليه ليكتب تقريراً عنه فعرض عليه مولينو ثمناً طيباً مغرياً لأحد مكرسكوباته فأبى. (يا رجل! لديك مئات المكرسكوبات قد ترصصت في القمطرات بحوائط مكتبك، أفلا تستغني ولو عن واحدة فقط؟). ولكن هيهات. (هل أستطيع أن أرى السيد رسول الجمعية الملكية شيئاً آخر؟ هذا محار في زجاجة لم يولد بعد. وهذا حيوان غطاس سريع رشيق). ويرفع الهولاندي عدساته إلى عين الإنجليزي ليرى بها، وهو يلحظه بركن عينه خشية أن يمس جهازاً أو ينشل شيئاً، وهو الرسول الأمين الذي لا يشك أحد في ذمته أو يرتاب في أمنته. (مولاي رسول الجمعية!. كم أتمنى لو كان في استطاعتي أن أريك عدسة بعينها هي أحسن عدساتي، وأن أريك كيف تنظر فها، ولكني اختصصت بها نفسي فلا أطلع عليها أحداً حتى ولا أهل بيتي)

(يتبع)

أحمد زكي

ص: 41

‌14 - محاورات أفلاطون

الحوار الثالث

فيدون أو خلود الروح

ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود

- أو قد تنساق كذلك إلى تذكر سمياس نفسه؟

فقال - هذا حق

- وقد يكون التذكر في هذه الحالات جميعاً منبعثاً من أشباه الشيء أو مما يباينه؟

- وهناك سؤال لابد ان ينشأ، حينما يكون التذكر قد انبعث من شبيه الشيء، وهو: هل يكون شبيه الشيء المتذكر ناقصاً في أي ناحية من نواحيه، أم لا يكون؟

فقال: هذا جد صحيح

- وهل نتقدم خطوة أخرى، فنؤكد بأن التساوي موجود فعلاً، لا تساوي الخشب بالخشب أو الحجر بالحجر، بل هو ما أسمى من ذلك وأرفع. أنؤكد بأن التساوي موجود في عالم التجريد؟

فأجاب سمياس: بلى: أؤكد ذلك وأقسم على صحته بكل ما وسعت الحياة من يقين

- وهل نحن نعلم هذا الكنه المجرد؟

فقال: لا شك في ذلك

- ومن أين جاءنا هذا العلم؟ ألم نَرَ متساويات من الأشياء المادية، كقطع الحجر والخشب، فاستنتجنا منها مثالاً لمساواة تخلفها؟ أفأنت موافق على هذا؟ أو فانظر مرة أخرى إلى الموضوع على هذا النحو: أليست قطع الحجر والخشب بعينها تبدو متساوية حيناً متفاوتة حيناً آخر؟

- لا ريب في هذا

- ولكن هل تتفاوت المتساويات الحقيقية أبداً؟ أم هل يكون مثال التساوي يوماً عدم مساواة؟

- لاشك في أن ذلك شيء لم يُعرف بعد

ص: 42

- إذن فهذه المتساويات (كما يسمونها) ليست تطابق مثال التساوي ووصلت إليه، على الرغم من أنها مخالفة لذلك المثال؟

- فقال: هذا جد صحيح

- وقد يكون مثال التساوي شبيها بها. وقد يكون مبايناً لها؟

- نعم

ولكن هذا لا يغير في الأمر شيئاً، فما دمت قد تصورت شيئاً من رؤية شيء آخر، سواء أكانا شبيهين أم متباينين، فقد حدثت بذلك من غير شك عملية تذكر؟

- جد صحيح

- ولكن ماذا عساك أن تقول في قطع متساوية من الخشب والحجر، أو في غيرها من المتساويات المادية؟ وأي أثر هي تاركة في نفسك؟ أهي متساويات بكل ما في التساوي المطلق من معنى؟ أم أنها تقع في القياس دونه بشيء يسير؟

فقال: نعم، بل دونه بمسافة بعيدة جداً

- ثم ألا يلزم أن نسلم بأنني، أو أي أحد آخر، حين ينظر إلى شيء فيدرك أنه إنما ينشد أن يكون شيئاً آخر، ولكنه مقصر من دونه، عاجز عن بلوغه - فلابد أن قد كانت لدى من يلاحظ هذا معرفةٌ سابقةٌ بذلك الشيء الذي كان هذا الأخير أحط منه، كما يقول، وإن كانا متشابهين؟

- يقيناً

- ثم أليست هذه حالنا في موضوع المتساويات والتساوي المطلق؟

- تماماً

- إذن فلا ريب في أننا كنا نعرف التساوي المطلق قبل أن نرى المتساويات المادية لأول مرة، وفكرنا بأن كل هذه المتساويات الظاهرة، إنما تنشد ذلك التساوي المطلق، ولكنها تقصر من دونه؟

- هذا صحيح

- ونحن نعلم كذلك أن التساوي المطلق لم يُعرف إلا بواسطة اللمس، او البصر، أو غيرهما من الحواس التي لا تمكن معرفته بغيرها وإني لأؤكد هذا عن كل إدراك كلي من

ص: 43

هذا القبيل

- نعم يا سقراط، فكل واحد من هذه المدركات لا يختلف عن الآخر في شيء مما يدور حوله الحديث

- وإذن فمن الحواس تنبعث المعرفة، بأن كل الأشياء المُحسة تنشد مثال التساوي، ولكنها تقصر من دونه - أليس ذلك صحيحاً؟

- نعم

- إذن فقبل أن بدأنا في النظر، أو السمع، أو الإدراك بأية صورة أخرى لابد أن قد كانت لدينا معرفة بالتساوي المطلق، وإلا لما استطعنا أن ننسب إليه المتساويات التي نشقها من الحواس؟ - فهذه كلها تسعى نحو ذلك التساوي المطلق فتقصر من دونه؟

- تلك يا سقراط نتيجة مؤكدة للعبارات التي سلف ذكرها

- ثم ألم نأخذ في النظر والسمع واكتساب حواسنا الأخرى بمجرد أن ولدنا؟

- يقيناً

- إذن فلابد أنا قد حصلنا معرفة المتساوي المثالي في زمن سابق لهذا؟

- نعم

- أي قبل أن نولد فيما أظن؟

- صحيح

- وإذا كنا قد حصلنا هذه المعرفة قبل أن نولد، وكانت لدينا عند الميلاد، إذن فقد كنا قبل الميلاد، وفي ساعة الميلاد نفسها نعرف كذلك، فضلاً عن المتساوي، والأكبر والأصغر، سائر المُثل جميعاً، فنحن لا نُقصر الحديث على المتساوي المطلق، ولكنه يتناول الجمال، والخير، والعدل، والقداسة، وكل ما نطبعه بطابع الجوهر في مجرى الحوار، حينما نلقي أسئلة ونجيب عن أسئلة، أفنستطيع أن نؤكد، أننا قد كسبنا معرفة هذه كلها قبل الميلاد؟

- هذا صحيح

- ولكن، إذا نحن بعد كسب المعرفة، لم ننس ما كنا قد كسبنا، فلابد أنا قد ولدنا ومعنا المعرفة دائماً، وسنظل أبداً على علم بها، ما دامت الحياة - لأن العلم هو كسب المعرفة وحفظها، لا نسيانها. أليس النسيان يا سمياس هو فقدان المعرفة لا أكثر ولا أقل؟

ص: 44

- جد صحيح يا سقراط

- أما إذا افتقدنا عند الميلاد تلك المعرفة التي حصلناها قبل أن نولد، ثم كشفنا فيما بعد، بواسطة الحواس، ما قد كنا نعلم من قبل، أفلا يكون ذلك، وهو ما نسميه تعلما، عملية لكشف معرفتنا، ثم ألا يجوز لنا بحق أن نسمي هذا تذكراً؟

- جد صحيح

لأنه من الواضح، أننا إذ ندرك شيئاً بواسطة البصر، أو السمع، أو أية حاسة أخرى، لا نصادف صعوبة في أن ينشأ لدينا من هذا الشيء، تصور لشيء آخر، يشبه أو يباينه، كنا قد أنسيناه، وكان قد ارتبط الشيء، وعلى ذلك، فكما سبق لي القول، يقع أحد الأمرين: إما أن هذه المعرفة كانت لدينا عند الميلاد، وظللنا نعلمها طول الحياة، وإما أن يكون أولئك الذين يقال عنهم إنهم يحصلون العلم، بعد ميلادهم، لا يفعلون أكثر من أن يتذكروا، فما العلم إلا تذكر وكفى

- نعم يا سقراط، هذا جد صحيح

- فأي الأمرين تُؤثر يا سمياس؟ أكانت المعرفة لدينا عند الميلاد، أم أنا قد تذكرنا فيما بعد الأشياء التي كنا نعلمها قبل ميلادنا؟

- لا أستطيع الحكم الآن

(يتبع)

زكي نجيب محمود

ص: 45

‌دار الحديث الأشرفية والمتحف العربي بدمشق

بعنوان (الخالدي) نشر الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام في العدد الثامن والسبعين من (الرسالة) الغراء مجلساً من مجالس الأستاذ الكبير الشيخ خليل الخالدي، وحسناً فعل، فان أمثال الشيخ الخالدي بيننا قليل، ويجب أن ينتفع بمعارفهم وثمرات بحوثهم. وحبذا لو عمد كل من يلقاهم أو يسمع منهم شيئاً إلى تسجيله ونشره ما داموا هم لم يدونوا مذكرات منظمة على أبحاثهم، فليس من السهل أن نجد شخصية مثل الشيخ الخالدي غزارة علم وسعة اطلاع، وإن الإنسان ليعجب عندما يستمع إليه وهو يتحدث عن كتاب نادر، فيصفه وصف الدارس المطلع، بل يتجاوز ذلك في كثير من الأحيان فيذكر عبارات الكتاب سرداً عن بديهة. ثم ينتقل من وصف الكتاب إلى ترجمة مؤلفه، فيذكر الكثير من شأنه، مما لا نجده في كثير من البحث والدرس، ثم ينتقل من ذلك إلى عصر المؤلف، وحال الحركة العلمية فيه وما إلى ذلك، فمجالس الشيخ الخالدي شائقة ممتعة نرجو الذين يجالسونه ويستمعون له تدوين مجالسه ونشرها على الناس كما فعل الدكتور عزام

عرفت الشيخ الخالدي في دمشق أواخر سنة 1929، أيام ترددي على دار الكتب العربية، لذلك لفت نظري مقال الدكتور عزام وقرأته بشغف شديد حتى أتيت على ذكر المدارس في دمشق فاستوقفني قوله:(ومن مدارس دمشق دار الحديث الأشرفية وهي دار المتحف العربي الآن) استوقفني هذا كثيراً لأني أعرف دار الحديث الأشرفية كما أعرف دار المتحف العربي وأن كلا من الدارين غير الأخرى، فدار الحديث الأشرفية التي بناها الملك الأشرف موسى بن العادل، ونجز بناؤها سنة 630هـ والتي درس بها جلة من العلماء مثل ابن الصلاح وابن الحرستاني وأبي شامة والنواوي والشريشي والفارق وابن الوكيل وابن الزملكاني والحافظ المزني والسبكي وابن كثير وغيرهم - هذه الدار لا تزال تؤدي رسالتها في نشر العلم - وعلم الحديث بنوع خاص - إلى يوم الناس هذا، وقد اعتراها شيء من الفتور في أواخر القرن الماضي حتى أرسل الله لها الفقيه الشيخ يوسف البياني المغربي، فأعاد إليها حياتها ونشاطها، ثم تولى شأنها من بعده المحدث الكبير الشيخ بدر الدين الحسني، ولا يزال يلقي دروسه في دار الحديث الأشرفية ويحضرها الكثير من كبار العلماء. وأما المتحف العربي في دمشق فهو دار المدرسة العادلية الكبرى التي تقع في مواجهة المدرسة الظاهرية

ص: 46

والمدرسة العادلية التي بناها نور الدين محمود بن زنكي ولم يتمها، ثم الملك العادل سيف الدين ولم يتمها أيضاً، حتى أتمها من بعده ولده الملك المعظم ونسبها إلى والده الذي دفن فيها فسميت العادلية

كانت هذه المدرسة من أمهات المدارس الخاصة بالشافعية في دمشق كما كانت مقر القضاة فيها

سكنها الكثير من كبار العلماء أمثال ابن خلكان والعلاء القونوي. وأبناء السبكي وابن مالك النحوي وابن جماعة

وفيها ألف ابن خلكان تاريخه المشهور وعلى بابها كان يقف ابن مالك يدعو الناس لحضور دروسه، ينادى هل من متعلم هل من مستفيد؟ وحول بركة العادلية كان قاضي شمس الدين ابن خلكان يدور الليل كله حتى الصباح ويقول في دورانه:

أنا والله هالك

آيس من سلامتي

أو أرى القامة التي

قد أقامت قيامتي

ولما أسس المجمع العلمي العربي في دمشق سنة 1919م جعلت مقر المجمع، وهي الآن تضم المجمع العلمي والمتحف العربي وقاعة المحاضرات التابعة للمجمع. وعلى ذكر العادلية وشغل المجمع العلمي لها أقول: إن المجمع وضع يده أيضاً على المدرسة الظاهرية التي أنشأها الملك الظاهر بيبرس ودفن بها هو وابنه الملك السعيد

والظاهرية كانت مدرسة ودار حديث معاً، درس بها الأذرعي والأخنائي والسويدي والأسدي والرعيني والواسطي

فتسلمها المجمع العلمي العربي وجعلها مقر دار الكتب العربية في دمشق، وخص القبة الظاهرية المزينة بالفسيفساء البديعة بالمخطوطات المحفوظة في الدار

برهان الدين محمد الداغستاني

ص: 47

‌12 - بين القاهرة وطوس

اصفهان إلى سلطان آباد

للدكتور عبد الوهاب عزام

والباب العالي بناء ضخم قسمه الأمامي إيوان عال يمسك سقفه الرفيع ثمانية عموداً، مشرف على الميدان، ووراء الإيوان بناء ذُو طبقات ست وسلاليم ضيقة، وفي كل طبقة حجرات قليلة صغيرة، وهذا البناء كله كان لجلوس السلاطين مشرفين على اللعب في الميدان، ولاستقبال الوفود أحياناً، وكان بابه العظيم مفتوحاً ليل نهار يأوي إليه أصحاب المظالم فترفع إلى الشاه ظلاماتهم

ومن الآثار التي رأيناها، المسجد الجامع، وهو من أكبر المساجد سعة رقعة وضخامة بناء، وقد كمل بناؤه الحاضر في عهود مختلفة، وهو أقدم مساجد أصفهان. إيوان القبلة له قبة عالية ضخمة مبنية بالآجر، والى الغرب إيوان صغير جميل أظنه من آثار الصفويين، ووراءه مصلي كبير يؤخذ مما كتب على قبلته أنه بني سنة عشر وسبعمائة، ووراء هذا مصلي كبير لا نوافذ له، وفي سقفه كُوى ينفذ ضوؤها من أحجار من المرمر شفافة

وفي المسجد إيوانات أخرى ومصلي له قبة صغيرة زعم بعض الإدلاء أنه كان بيت نار، وأن القبة الكبرى كانت كذلك؛ وذلك زعم لا يصدقه التاريخ وفن البناء. وقصارى القول أن المسجد الجامع بأصفهان من عجائب الأبنية، وأن فيه للتاريخ وفن العمارة درساً طويلاً. وفي الجمعية الجغرافية الآن عشرات الصور تبين عن أقسام هذا الجامع العظيم ودقائقه

وأكبر الظن أن هذا هو الجامع الذي وصفه مفضل بن سعد ابن الحسين المافر وخي في كتابه (محاسن أصفهان) حيث يقول: (والجامعان: الكبير العتيق البديع الأنيق. بني أصله القديم عرب قرية طبران وهم التيم. . . ثم أعيد في أيام المعتصم سنة ست وعشرين ومائتين، ثم زاد فيه علي بن رستم في خلافة المقتدر، فصار أربع أدور يماس كل حد من جماعتها رواقا، يلاصق كل رواق منه أسواقا. . . . . وهو منذ اتخذ يطن بالتهليل والتحميد، ويحن بالتسبيح والتمجيد. لا ينظم لإحدى الصلوات الخمس أقل من خمسة آلاف رجل. وتحت كل اسطوانة منه شيخ مستند ينتابه جماعة من أهلها بوظيفة درس أو رياضة نفس. تزين بمناظره الفقهاء، ومطارحة العلماء، ومجادلة المتكلمين ومناصحة الواعظين،

ص: 48

ومحاورات المتصوفين، وإشارات العارفين، وملازمة المعتكفين. إلى ما يتصل به من خانكاهات قوراء مرتفعة وخانان عامرة متسعة، وقد وقفت لأبناء السبيل من الغرباء والمساكين والفقراء. وبحذائه دار الكتب وحجرها وخزائنها الخ الخ

والباب العالي الذي ذكرته آنفاً كان يؤدي إلى حدائق واسعة فيها قصور كبيرة رائعة، رأينا منها قصر (جهل ستون) أي قصر الأربعين عموداً الذي بناه الشاه عباس واحترق فعمره الشاه ومقدم البناء رواق رفيع واسع يقوم بسقفه عشرون عموداً رفيعاً كل عمود قطعة واحدة من خشب الدلب، وكان مكسواً بالمرمر تعلوه قطع المرايا على الأسلوب المألوف في البلاد الفارسية، وللبناء على الجانبين رواقان آخران صغيران، ووراء الرواق الأكبر مدخل يفضي إلى قاعة كبيرة، ووراءها حجرات

وفي رواق الجانب الأيمن نقوش كثيرة، بعضها يصور نفراً من الموسيقيين والمغنين، وبعضها يمثل جماعة من سفراء دول أوربا الذين وفدوا على الملوك الصفويين، وفي القاعة الكبرى صور زيتية كثيرة تمثل الملوك الصفويين مستقبلين ضيوفهم أو محاربين أعداءهم، وهي صور تذكر بصور قصر فرسايل في فرنسا

وأمام البناء كله حوض كبير على حافته نافورات، ينعكس فيه مرآى الرواق الأمامي. قال محدثنا: للرواق عشرون عموداً وهذه مثلها في الماء، فمن أجل هذا سمي قصر الأربعين عموداً

والحق أن آثار الصفويين في أصبهان على ما نالها من عوادي الزمان تشهد بما كان لهم من الغنى والأبهة، وبما كان في الدولة من العمران والصناعات، والنبوغ في العمارة والنقش

ورأينا آثاراً أخر يضيق المقام بوصفها، ثم أوينا إلى الفندق وفي حيالنا جلال الماضي وجماله، وأمام أعيننا ما كان من تبدل وتحول

عصف الدهر بهم فانقرضوا وكذلك الدهر جال بعد حال

خرجنا العشية، فجلنا في أطراف المدينة، ورأينا القناطر المشيدة على نهر زنده رود، ورأينا مصنعاً كبيراً لآل اليزدي ينسج فيه الصوف، ثم ذهبنا إلى السوق، وسوق أصفهان من أعظم الأسواق في الشرق، فرأينا بدائع صناعة اصفهان، واشترينا منها ثم رجعنا إلى

ص: 49

الفندق

ولما حان موعد العشاء خرجنا إلى دار الحكومة إجابة لدعوة الحاكم. فنعمنا هناك زمناً بحديث السيد الهمام قاسم صور أسرا فيل ورئيس البلدية، والشاعر الإنكليزي درنيكووتر والدكتور شميت الألماني. ثم عدنا إلى الفندق نمشي في القمراء وقد هود الليل، فقلنا حبذا لو امتد بنا المقام

بكرنا إلى الرحيل ونحن نذكر قول أبي عبد الله الحسين النظري:

حوت أصفهان خصالاً عجاباً

بها كل ما تشتهيه استجاباً

هواء منيراً وماء نميراً

وخيراً كثيراً ودُوراً رحاباً

وترباً ذكياً ونبتاً روياً

وروضاً رضياً يناغي السحايا

وفاكهة لا ترى مثلها

نسيماً وطعماً ولوناً عجاباً

تفيد الأعلَاء برءاً كما

يفيد الربيع الرياض الشبابا

وزاد محاسنها زنروذ

مياهاً كطعم الحياةِ عِذاباً ألخ

فارقنا أصبهان والساعة ثمان وربع من صباح الاثنين ثالث عشر رجب (22 أكتوبر) عائدين أدراجنا تلقاء قم - ومن أصفهان إلى كرمانشاهان طريق تسير شطر الغرب لا تمر بقم، وهناك طريق أخرى إلى سلطان أباد في العراق العجمي، ولكن سائق سيارتنا، وهو خبير بالطرق، أبى إلا أن يسلك طريق قم إلى سلطان أباد فهمذان فكرمانشاهان لأنها طريق معبدة مطروقة معروفة، ومررنا والساعة تسع ونصف بقرية صغيرة اسمها مورجه خورد (النملة أكلت) قال السائق هذه قرية دعا رسول الله صلوات الله عليه أهلها إلى إطعام بعض الفقراء فأخفوا ما عندهم من طعام فدعا الرسول عليهم فأكلت النملة ما ادخروه من قوت: ووردنا دليجان والساعة اثنتا عشرة فوقفنا موقفنا الأول على المطعم الذي وصفه آنفاً، فجاء صاحبه وقال قد هيأت لكم الطعام، قلنا أعددت دجاجة؟ قال نعم وغيرها، فصعدنا إلى الطبقة العليا فاسترحنا ثم جاءنا الطعام فأكلنا مسرورين فكهين

واستأنفنا المسير والساعة واحدة وأربعون دقيقة، فلقينا على الطريق زميلنا في المؤتمر الدكتور نظام الدين الهندي، فوقفنا نجدد العهد به. ثم سرنا قليلاً فإذا ثلاثة من أعضاء المؤتمر: ألماني وأمريكي وتركي مقيم في أمريكا، فتحدثنا قليلاً ثم افترقنا وكان هؤلاء

ص: 50

يؤمون أصفهان فشيراز

بلغنا قم والساعة أربع فلم ندخلها، بل ملنا عنها شطر الغرب نريد سلطان آباد. ونزلنا بعد نصف ساعة ببناء عند أشجار على مقربة من نهر قم. قلت للسائق أي موضع هذا؟ قال تخت شير (تخت الأسد) شربنا الشاي، وطلبنا شمامة (خربوزه) فجاء رجل بشمامة وبطيخة قلنا هذه البطيخة قديمة، فما رأيك في الشمامة؟ قال حلوة جداً. قلنا شققها. فإذا شمامة غير ناضجة فقمنا نندب أملا ضاع بين قِدم البطيخ وحداثة الشمام. ولم أنس من بعدُ تخت شير وشمامته. وان مسيرنا في أرض عامرة تبدو فيها القرى والزروع والأشجار، والبيادر ليست كالطريق بين طهران وأصفهان. ومررنا بقرية صغيرة وقف عليها السائق قائلاً لا يفوتنا أن نأكل من عسل هذه البلدة فهو حديث الركبان. ثم دخل بناء إلى جانب الطريق، وعاد بقليل من العسل والزبد والخبز. وقد صدق الخُبر خبر صاحبنا فقد وجدنا عسلاً صافياً بارداً فقلنا قد أبدلنا الله بشمامى تخت شير عسل راهجرد. وتمادى بنا السير حتى اجتزنا بقرية اسمها إبراهيم آباد فعلمنا أننا على مقربة من غايتنا، وبعد نصف ساعة وقفنا في مدخل سلطان آباد والساعة ست وخمس وأربعون مساء بعد أن فصلنا أصبهان بعشر ساعات ونصف. فرآى الشرطة جواز السفر ودخلنا المدينة:

عبد الوهاب عزام

ص: 51

‌في تاريخ الأدب المصري

3 -

ابن النبيه

للأستاذ أحمد أحمد بدوي

- 5 -

أهم أغراض شعر ابن النبيه المدح والغزل والرثاء والوصف، ولقد كان مدح شاعرنا رقيقاً بارع الأسلوب، يستهوي السامع ويأسره، ويستطيع أن يملك قلب الممدوح فيهبه جزيل الهبات، وهو يبدؤه بالغزل غالباً وأحياناً كثيرة يبدؤه بذكر الخمر ومجالسها والساقي وجماله وحينما مدح الخليفة الناصر أحمد بدأ مدحه بذكر الناقة التي حملته إلى الممدوح، وقريته من مقر حكمه، كما كان في بعض الأحيان يبدأ مدحه بدون تقدمة، غير أنه كان حينما يأتي بمقدمة قبل مدحه يجيد غالباً التخلص منها إلى المدح بلباقة وبراعة فهو حين يبدأ بالغزل يتخلص إلى المدح بمهارة كقوله:

عسى قلبه يعديه قلبي برقة

كما طرفه الفتان بالسقم أعداني

لئن كان ينسى عقد عهد مودتي

فلي ملك من فصله ليس ينساني

وحين يبدأ بالخمر يحسن التخلص منه كذلك مثل قوله بعد أن وصف الخمر:

حمراء تفعل بالألباب ما فعلت

سيوف شاه أرمن من في عسِكر لجب

ولقد كان في النادر يطيل المقدمة إطالة كبيرة حتى تغير على المدح المقصود من القصيدة، ولقد كانت المقدمة مرة سبعة عشر بيتاً في حين أن المدح لم يستغرق أكثر من أحد عشر بيتاً، غير أن هنا ملحوظة أحب أن أوجه النظر إليها، تلك هي صيحة التجديد التي رفع الصوت بها، مندداً بأولئك الذين جعلوا كل همهم تقليد الأقدمين في بدء الشعر بالحديث إلى الأطلال وسؤال الديار، وهو في تلك النزعة يشبه - إلى حد كبير - أبا نواس الذي صاح قبله تلك الصيحة، واستمع إلى ابن النبيه يقول:

شكر المدام وشكر موسى مذهبي

فلقد محون بطاعتي عصياني

شغلي مدائحه وغيري لم يزل

كالبوم يندب دارس الجدران

للبيد والقفر الدوارس معشر

عدل الزمان بشانهم عن شاني

ص: 52

فأنت تراه يشبه أولئك الذين يتحدثون إلى الديار بالبوم تندب دارس الجدران، ثم يؤكد لك أن مذهبه لا يشبه مذهبهم، وطريقته لا تتفق مع طريقتهم ويقول:

حسبك لا يغني سؤال الديار

قم، فاصرف الهم بكأس العقار

واستنطق العيدان إن كنت ذا

لب فما ينطق صم الحجار

البم والزير وكأس الطلا

أولى بمثلي من سؤال الديار

وهو يشبه في ذلك أبا نواس الذي سفه أولئك الباكين على الأطلال والآثار، وصرح بأن الأولى والأفضل أن يبدأ الشعر بذكر الخمر وما إلى الخمر

ولقد سار ابن النبيه على تلك الطريقة فلم يبدأ شعره يوماً بسؤال حجر ولا استنطاق أثر، وهناك نقطة ثانية تراها في بعض مدحه تلك هي نقطة الاستطراد والدخول في موضوع جديد بمناسبة ذكره، ولنمثل لذلك بمدحه للخليفة الناصر فهو مدحه وأثنى عليه، وما هو إلا أن ذكر انتسابه للنبي حتى مضي يمدح النبي، ويذكر خصاله ومعجزاته. ولعل ذلك نشأ من أن الخليفة في ذلك الوقت لم يكن له من السلطان والقوة شيء، وإنما كان يعتز بالسلطة الروحية التي تستمد من النبي، فلا جرم كان مدح النبي مصدر تلك السلطة مدحاً للخليفة، وترقية من شأنه، هذا وقصائد مدحه متوسطة بين الطول والقصر غير أنه كان يقصرها أحياناً، ولكن لا يفوته أن يعتذر عن هذا القصر، ولنختم الحديث عن مدحه بذكر قطعة صغيرة تعطيك صورة عن هذا المدح: قال يمدح الملك الأشرف، ويذكر دخوله مدينة خلاط:

أبيٌ، سخيٌّ تحت سطوته الغني

فحف وتيقن أن في عسره يسرا

هو البحر بل أستغفر الله إن في

بنان يديه للندى أبحرا عشرا

لحي الله حربا لم يكن قلب جيشها

ومجلس عدل لا يكون به صدرا

أطل على أخلاط يوم قدومه

بلجة جيش يملأ السهل والوعرا

تلقاه من بُعد المسافة أهلها

فذا رافع كفا وذا ساجد شكرا

فشككت أن الناس قد حشروا ضحا

أم الناس يستسقون ربهم القطرا

أما غزل شاعرنا فنوعان: غزل هو مقدمة لمدح، وغزل قصد إليه قصداً وعناه من أول الأمر، وهو في كلا الغزلين عذب جميل تحس فيه رقة الهوى وشكواه، وقد تحدثنا عن

ص: 53

تعزله بالغلمان: السقاة منهم والجنود؛ ومن الرقيق هنا أنه كان يستخدم ألفاظاً للتورية كقوله في غلام يهودي:

من آل إسرائيل علقته

عذبني بالصد والتيه

أنزلت السلوى على قلبه

وأنزل المن على فيه

على أن غزله لم يقتصر على الذكر، بل كان يتغزل كذلك بالمؤنث وإن كان قليلاً. ومن أرقه قوله:

إلي كم أكتم البلوى ودمعي

يبوح بمضمر السر الخفي

وكم أشكو للاهية غارمي

فويل للشجي من الخلي

ممنعة لها طرف سقيم

شديد الأخذ للقلب البري

وشاحاها على خصر عديم

ومئزرها على ردف ملي

وقد صدرنا مقالنا بشيء من هذا الغزل الرقيق الذي شهر به شاعرنا حتى أصبح يقال في حقه: هو صاحب الغزل البديع، فهو جميل حين يصف لك الحب وإن كان وصفاً حسياً، وجميل حين يذكر أيام الوصل أو حين يعيد إلى نفسه ذكرى الأيام العذبة ويقول:

أترى لأيامي بوصلك عودة

ولو أنها في بعض أحلام الكرى

زمن شربت زلال وصلك صافيا

وجنيت ورد رضاك أخضر مثمرا

ملكتك فيه يدي فحين فتحتها

لم ألق إلا حسرة وتفكرا

لننصت إليه حين يقول ارتجالا:

أماناً أيها القمر المطل

فمن جفنيك أسياف تسل

يزيد جمال وجهك كل يوم

ولي جسد يذوب ويضمحل

وما عرف السقام طريق جسمي

ولكن دلُّ من أهوى يدل

إذا نشرت ذوائبه عليه

ترى ماء يرف عليه ظل

أيا ملك القلوب فتكت فيها

وفتكك في الرعية لا يحل

قليل الوصل ينفعها فان لم

يصبها وابل منه فطل

أدر كأس المدام على الندامى

فمن خديك لي راح ونقل

فنيراني بغيرك ليس تطفي

وأحزاني بغيرك لا تبل

ص: 54

فهو مع استخدامه الصناعة اللفظية لم يزل جمال الشعر رائعاً خلاباً كما ترى

(يتبع)

أحمد أحمد بدوي

ص: 55

‌القُبلة الممنوعة

تحفة من الشعر الرائع

للعالم الشاعر الأستاذ أحمد الزين

ياغُة الصدر من حر الجوى زيدي

أبتْ شفاءكِ حتى بالمواعيد

سحريةُ الفم لو مَست بقُبلتها

فَم العَي لحلت كل معقود

تكاد من رقةٍ تُغرِي مقبّلها

أن يحتسيها رحيقاً غير مورود

قد صاغها الله لما أشركتْ أممٌ

به وقال اشهدوا برهان توحيدي

قل للبخيلة جودي لالقيت جوي

إن كان يشفع لي قولي لها جُودي

وساعةٍ تحت أفياء الهوى سلفت

يا ساعة تحت أفياء الهوى عودي

ما ضر لو أنها في قُبلةٍ سنحتْ

منْت بوعدٍ وإن ضنت بموعود

هل حاذرتْ حر شوقي حين ألثِمُها

أن تُذبِل الوَردَ أنفاسي بتصعيد

رُحماك لليائِس الممطول يُقنعِه

من الوجود خيالٌ غيرُ موجود

ظمآن لا رَشفاتُ الماء صافيةً

تروي صَداه ولا بنتُ العناقيد

شفاؤه قبلةٌ لو أن محتضراً

داوَى بها الموتَ رَدت غير مَردود

فكم أقبل ثغرَ الزهر من شبه

بثغرك العَذْب في حُسن وتوريد

عينٌ مِن الخُلد من يَنهل بكوثرها

وِردَ الحياة يَفُزْ منه بتخليد

صوتٌ من القلب أمليه على فِمها

وعهدُ حًبٍ على الأيام ممدود

ولٍلقلوب لغاتٌ ليس يدركها

سوى فؤادٍ بنار الوجد معمود

حديثُ شوقٍ بلا حرفٍ ولا كلمٍ

تُفضى به شفتي للخد والجيد

معنىً من الحب يسمو أن أؤديةُ

بكل لفظٍ من الألفاظ محدود

اللفظ يَثقُل بالترديد مَوقعه

وتلك تحلو معانيها بترديد

دع الرسائل فيما لا تحيط به

تلك اللغاتُ ودَع صَوْغَ الأناشيد

فللشفاهِ على أمثالها لغةٌ

أحلى على السّمع من مزمار داود

أدتْ عن القلب ما يعيا اللسانُ به

كمنطق الطير غِريدٌ لِغريد

كم قُبلةٍ لا أرَى الدنيا لها ثمناً

فلا تبعْ معدودٍ بمعدود

ص: 56

أحمد الزين

ص: 57

‌على مذهب روسو

ثورة على الحضارة

للأستاذ محمود غنيم

ذَرَعْتم الجو أشبارا وأميالَا

وجُبتم البحر أعماقا وأطوالَا

فهل نَقَصْتم همومَ العيش خردلةً

أو زدتمو في نعيم العيش مثقالا؟

صرعى الهواء وغرقى الماء قد كثروا

وراكب الحيل جر الذيل مختالا

العيسُ ألْين ظهرا من مراكبَ إن

جنَّبن هولا فقد قرّبن أهوالا

تسنّم القوم غربَ الجو وانطلقوا

كأن للقوم في الأفلاك آمالا

أقسمت لو دنت الأفلاك طائعة

فنالها المرء لم يقنع بما نالا

إني أرى الناس ما زادوا رفاهيةً

في العيش زاده تعقيدا وإشكالا

كم هان أمر فقلدناه طائفةً

من الحواشي وحملناه أثقالا

تجاوز العرفُ والعاداتُ حدها

فأصبحا في رقاب الناس أغلالا

يا طالما حدثتني النفس قائلةً

أنحن أنعم أم أسلافنا بالا؟

كانت حياتهمو تَضفي بساطتُها

عليهمو من هدوء البال سر بالا

كم للمحاكم أحكام يقوم بها

في البدو فيْصَلهُ - والقولُ ما قالا

لا الحق ضاع إذا ما عيَّ مدرهُهُ

ولا ترقُّبُ يوم الفصل قد طالا

قد رتم الوقت تقدير الشحيح به

فكدتمو تملؤون الليل أعمالا

أتختمُ الوقت بالأعمال ويحكمو

هلا أضفتم إلى الآجال آجالا!

تحضر الناسُ حتى ما لمكرمة

قُدْسٌ لديهم ولكن قدسوا المالا

في كل مملكة حربٌ منظمةٌ

تضم جيشين: مُلاكا وعمالا

يد السياسة بالأخلاق قد عبثت

وقرض العلم صرح الدين فانهالا

البدو أكرمُ أخلاقا وأحسبهم

لله أكثرَ تقديسا وإجلالا

قالوا: تألق نور العلم، قلت لهم:

بل ناره أصبحت تزداد إشعالا

عهد الحسام بفضل العلم قد درست

آثاره وزمان الرمح قد دالا

يا رُب حربٍ بغير العلم ما اتقدت

ورب جيشٍ بغير العلم ما صالا

ص: 58

مدمرات وغازات مسممة

تصور الموتَ ألوانا وأشكالا

لنا جرائمُ لم يسبق بها زمنٌ

باتت تزلزل ركن الأمن زلزالا

كم وضّح العلم منهاجاً لمختلس

وبات يحمي من القانون مغتالا

ابْنُ الحضارة جسم دون عاطفة

يكاد يحسبه رائيه تمثالا

وبرقها خلب يغريك بارقةُ

جتى إذا شِمتَه ألفيتَه آلا

رسالة الغرب لا كانت رسالته

كم سامنا باسمها خسفا وإذلالا

وصوّرتْه لعين الشرق أمثلة

عُليا وصوّرنا الرحمن أمثالا

تغزو الحضارة أقواما لتسعدهم

والزنج أسعد من أربابها حالا

هي الطبيعة ما بر الأنامُ

أما وبرت بهم من قبلُ أنجالا

هل تشهرون عليها الحرب ويحكمو

وكم طوت قبل هذا الجيل أجيالا

عودوا إلى حجرها إن شئتمور غدا

كما نشأتم بهذا الحجر أطفالا

صوت الهزار وصوت العود أيُّهما

أفواهما أثراً في النفس فعالا؟

أقسمت ما نظرت عيني بحاضره

كالرمل أصفَر أو كالماء سلسالا

إذا نظرتُ إليكم من ذُرا جبلٍ

لاحت قصورُكم الشماء أطلالا

يا رُب قصر له شمسُ الضحى طنفٌ

بين العيون وبين الشمس قد حالا

يود ساكنهُ لو كان منطلقا

كالذئب يسكن أحراجا وأدغالا

قودُ والبخارَ وسوقوا الكَهرباء فما

زلتم بأسرار هذا الكون جهالا

لكم حياةٌ وموتٌ كان سرُّهما

من عهد آدم مستوراً وما زالا

كوم حمادة

محمود غنيم

ص: 59

‌وداع.

. . . .

بقلم وصفي البني

يا عهوداً من حياتي شطرت

كيف أصبحت وراء العدم؟

أنت من قلبي شظايا ألمٍ

كيف أرصى عن بقايا الألم؟

يا عهوداً قد تولى ذكرها

أنت من ليلي منار الأنجم

سوف أمشي فوق آلامي وما

في فؤادي من بقايا الأسهم

مسرعاً في الليل أعدو كي أرى

نور أيامٍ تغذت من دمي

هل يطول الليل دهراً كاملاً؟

بل سيمضي رغم أنف النوم

يا عيوني ما بكائي والأسى

غير أصوات بواد مظلم

قد سكبت الدمع في أمسي ولم

أستمع غير التشكي من فمي!

خلني أحيا ضحوكا فالبكاء

سوف يكويني بنار الندم

قد شربت الكأس مراً علقماً

واحتسيت الصبر فوق العلقم

فلنقف يا دهر، ذا وادي الشقا

من يرى الوادي وفيه يرتمي؟. . .

هذه دنيايَ ما عيشي بها

باكياً إلا كليلٍ أقتم!

قد تراءى الفجر يزجي نوره

في حنايا الليل يجري كالدم

فلنودع يا رفاقي أمسنا

إن نجم الصبح أغرى مبسمى!

دمشق

وصفي البني

ص: 60

‌فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية

8 -

تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا

للأستاذ خليل هنداوي

شوبنهاور

1788 -

1860

هذا هو شوبنهاور الذي طبع الفلسفة الألمانية بطابع التشاؤم، فتركها مظلمة قاتمة، يخال الجانح إليها أنه نازل في أنفاق بعضها أقتم من بعض. نشأ نشأته الأولى بهدوء وسكينة، لا يكاد الناظر إلى وجهه النحاسي يتبين أن وراء هذا الوجه خيوطاً سوداء متصلة بقلبه الأسود؛ وقد خانه الجد في أول عهده كما يخون العظماء، فكبا فاستثقل أن ينهض من كبوته، فما زاده ذلك إلا حقداً على الناس ومبالغة في الانتقام منهم. اتخذ رسله إلى الناس الكتب؛ فكان أول كتبه (الجذور الأربعة لمبدأ السبب الأتم)، فخاض كتابه في صفوف الناس فلم يلق إلا فشلاً، لأنه لا يزال خامل الاسم، ولما تزل سحابة الحزن مخيمة على ألمانيا المغزوة المجرحة، فالناس في شغل عن الفلسفة والفلسفة في شغل عنهم، ولكن شوبنهاور المتشائم لم يثنه ما أصاب كتابه عن مواصلة السعي، فأعد عدته لحدث عظيم يترك وراءه دوياً، فقذف بكتابه (العالم إرادة وتمثيل) وهو خير كتبه، وأكثرها تمثيلاً لشخصيته فيه من فلسفته الشيء الكثير، ومن الشعر الشيء الكثير. . . ولكن ذلك لم يقعد ببعض حاسديه عن أن يحملوا على الكاتب وينالوا منه. فاستهل مطلع الجزء الثاني من كتابه بهذه الأبيات (وهي لغوتي)

(لماذا تنفر منا؟

وترمي بآرائنا. . . .

وترمي بآرائنا. . . .

أنا لا أكتب لأسرك وأبهجك

ولكني أكتب لأعلمك شيئاً)

ص: 61

وقد أسلم كتابه إلى المطابع وولي وجهه شطر إيطاليا موطن الفن، دون أن يرتقب ما يتركه كتابه من تأثير، فقضي فيها زهاء عامين يحيا حياة بسيطة، هادئة. ويرود مواطن الآثار متأملا في تلك العظمة الغائرة في تلافيف التراب. وقد كانت له ميول غزيرة للفن؛ وكم متع النفس - في حداثته - بمباهج الحياة! حتى إذا آب إلى برلين افتتح شعبة خاصة في الجامعة، ولبث شوينهاور يرتقب عبثاً من يسمع له، أو يأخذ عنه، حتى يئس من نجاحه، وتبرم بمذهب (هيجل) الذي يحتل ذهن الجامعة، وهو - عنده - مذهب الجنون والمحال، فما أشد مقته لأتباع هذا المذهب، ولليهود ذوي الأثرة، والنساء اللواتي يخرجن الكون من قلق إلى قلق. عاد إلى إيطاليا ليتم دراسته الفنية، ثم أقام في (فرانكفورت) وبعد جهاد خمسة عشر عاماً مشت إليه الشهرة ذليلة بعد صدود، منقادة بعد جموح، ولقي حتفه عام 160، وهكذا قدر لشوبنهاور أن يصرع مذهبه الجديد مذهب (هيجل) الذي تقطعت أسبابه، وتفككت روابطه، وشغرت الأفكار من بعده وأصبحت تتقبل أي مذهب كان يبعثه مجدد!

يعتقد شوينهاور بأنه هو الوارث الحقيقي لتراث (كانت) وأن (فيخت وشيلنغ وهيجل ما هم إلا أطفال فاسدون)، يرى أن كانت نحا بالفلسفة منحى جديداً، وسار بها في منهاج واضح، أما أتباع كانت فقد ذهبوا بالفلسفة مذهباً وعراً لا مأمن فيه لسالكه، وأقحموها في بقاع هي فوق (المحسوس) تتعانق أجزاءها، وتتلاقى أشلاؤها في نقط مظلمة مبهمة. والآن قد آن للفلسفة أن تدرس حقائق الأشياء الموجودة. (وان الطريقة المثلى في تأمل الوجود، والوقوف على أطواره ما يصل بنا إلى بواطن الأشياء، وحقيقة أكناهها الخفية، ويطلعنا على سر ما يكمن وراء كل حادث، لا تسأل الكون من أين أتي؟ وإلى أين يمضي، ولماذا وجد؟ ولكنها في كل لحظة وفي كل خطرة تود أن تعرف ما هو؟) وهكذا تحول مجرى العلم النظري الذي كان يجري وراء الخيال، وعاد ينقل من التجارب ما سلم بها الاختبار، ويشرح لنا ناموس الوجود حسب وضعه

يقول شوبنهاور: العالم هو أين تمثيلي وتصويري، وأين الحقيقة التي تصورها احساساتي التي يحولها الفكر إلى معارف.

وشوبنهاور لا يتخطى بهذه الفكرة ما افترضه معلمه (كانت) من قبل. ولكن العالم عنده هو إرادة، هو ميول عمياء أو غريرة قاهرة عند الكائنات، وفاعلية حساسية عند الانسان،

ص: 62

ولكنها إرادة متمثلة في كل شيء، هي جهاد عنيف في سبيل الحياة، تسعى لبسط سلطتها وقوتها على ما هو خارج عنها، الإرادة هي الشيء القائم بنفسه الذي لا ينفذ إليه فناء. الحياة هي العمل

وقد يُخيل للبالغ هذه النقطة من فلسفة شوينهور أن صاحبها يريد أن يبشر بالفعالية المستمرة والجهاد المتواصل الذي لابد منه لحي، ولكن شوينهاور لا يبلغ بك هذه النقطة إلا ليحمل إلى نفسك فكرته المسمومة التي تجعل من الدنيا كهفاً مظلماً، ومعتركاً تتطاحن فيه الإرادات. يصرع بعضها بعضاَ: ألم يصرع أملاً، وأمل مغسول بالدمع يصارع أملً مخضباً بالدم

الحياة جهاد عنيف. والجهاد العنيف سبب باعث للألم والشقاء. والكائن كلما زاد سمواً ورقياً زاد تألمه وشقاؤه. وذو النظام المتسق أكثر شعوراً بالألم من ذي النظام الناقص المضطرب. أما الشجرة فلا تتألم، فهي غير حساسة. أما رجل العقل ورجل العبقرية فهما أكثر شقاء وألماً ممن خُلقوا محدودي المدارك، ضيقي الآفاق. والحياة - مهما تجردت - لنا منها حاجات نريد إدراكها، ونريد أن ندركها كاملة، والكمال ظل طارئ لا يثبت، وقد تجر الحاجات حاجات مثلها مما يجعل الحياة - حسب هذا المقياس - لا تنطوي إلا على شقاء، فلا ندرك كل ما نتمنى، ولا نعقد عن التمني:

وشوينهاور إزاء هذه الحالات الغامضة، وجد كماله وراحته في المذهب البوذي الذي يجرد عن النفس الألم لأنه يقصيه عن الاشتغال في الحياة، ويدعوه إلى الفناء المطلق في الوجود، والتأمل في آياته تأملاً ساكناً، خالياً من الرغبة والشعور

هذا هو شاطئ النجاة القائم التي أوت إليه سفينة شوبنهاور بعد أن طافت في أكناف المحيط أعواماً، وهو مذهب كأن، صاحبه قد استمده من تلك الساحبة السوداء التي غشيت ألمانيا في عقلها وشعرها وفلسفتها. ومن خيبة طويلة رافقته أكثر أيامه وقد وجد الناقدون القائلون بتأثير الوارثة أن شوبنهاور قد اقتبس من أمه الأيم نظراتها السوداء، وعن أبيه أخذ الإرادة. ومهما كان تأثير هذه الوارثة المتنقلة بعيداً في نفس شوينهاور، فهو تأثير ضعيف إزاء تلك الموجة التي اكتسحت القطر الألماني جميعاً بما فيه من أدب ومذاهب وشعر وفلسفة

ص: 63

وبرغم ما بذله شوينهاور في إعلاء شأن مذهبه، وإظهار خطره، فقد قسما عليه النقد ووجد في مذهبه خطراً يهدد أماني الأنسانية، ويقتل كل ما حملته معها منذ فجر الخليقة حتى الآن، وأرادوا من شوينهاور أن تهديه النتيجة التي بلغها في أول مراحله (الحياة هي جهاد عنيف) لا إلى مناصرة الألم القوي، وتثبيت جذروه السامة في قلوب البشرية، بل إلى تخفيف أثقاله الرازحة على الكواهل والغوارب. فيعمل بذلك على إنماء الحياة وتكثيرها، وجعل رسالته رسالة رضاً وابتسام، لا رسالة سخط وامتعاض

ولكن هب أن شوينهاور كان فاقداً لروح التفاؤل، فما هو سر انتشار مذهبه الأسود بين الناس، وقد علموا أن الحياة لا تغدو بمذهبه إلا متجهمة قاطبة. فهل كان شوينهاور معبراً عما يجول في صدور قومه ويخفق في قلوبهم، كما كان معبراً عما يختلج في صدره وفي قلبه؟ قد يكون احتمال الاثنتين معاً من أكبر العوامل التي جعلت من شوبنهاور نبياً للتشاؤم محترماً في قومه، وإن كان صاحب التشاؤم قريناً لا يقبل صحبته غراب

لقد كان شوينهاور وكمن تظلمه غمامة سوداء، كثيراً هزؤه، نسيج وحده في خلقه. جاءت فلسفته ابنة طبعه، يحاول أن يقنع بها نفسه، لا الناس، لأنه يشعر أن الناس واجد أكثرهم في الحياة نوراً وسعادة، ولكن نفسه لا تبصر من هذا النور شيئاً

على أن أسلوبه الفلسفي هو الذي أحياه، برغم أن اعتقاده - بالبوذية - لم يقم أمره كمذهب. لأن العقول لا تتقبله وإذا تقبلته فلن تفهمه. أما أسلوبه فهو حي يغري ويملأ النفس جلالاً.

فتفكيره فيه جد وصرامة، يغلب المنطق على أقواله حتى في الأشياء البعيدة، يدل استشهاده الكثير على سعة اطلاع، وقد بلغت منه قوة الملاحظة مبلغاً عظيماً، حتى لتأتي الفكرة منه مبنية على خطأ، وتأني أجزاؤها صحيحة سليمة، كأنها البشاعة مبطنة بالجمال؛ وهو فياض الخيال الذي يندمج مع الفكر دون ما نفور. ولعل أعظم ما جاء منه (فكرة الإرادة) التي بان تأثيرها في الأجيال التي عقبت جيل شوينهاور؛ فما زالت هذه الإرادة تتطور وتنمو حتى أوجدت لنفسها كياناً في العالم الفلسفي والعالم المادي، ولعل (نيتشه) هو أكبر مولود وضعته الإرادة الجبارة بين يدي الحياة.

(يتبع)

خليل هنداوي

ص: 64

‌القصص

من أقاصيص الجاهلية

3 -

حرب البسوس

بقلم اليوزباشي أحمد الطاهر

تتمة

كان للناس عجباً أن اعتزل الحرب الحرثُ بن عباد والفند الزماني، وامتزج العجب بالحسرة حين انحازت إليهما عشائرهما. ولكنهما والعشائر قوم جنحوا للسام، وأرادوا أن يأخذوا الأمور بالرفق والحلم، وعز عليهم أن تطير بالقوم عنقاء، وأن تراق هذه الدماء، في مقتل ناقة عجفاء

جلس الحرث بن عباد يوماً على شرف من الأرض واجتمع الناس حوله يقصون عليه من أنباء القتال ما أمضه وزاد في حسرته. واندفع الحرث في اللوم والتثريب: يعيب على بكر ما فهل فتاها من قتل كليب يناب من الإبل وما جرت فعلته النكراء من كرب وبلاء. قال له الفند الزماني: (إنك يا حرث قد أسرفت في اللوم والتثريب، أما ترثى لهذا الشيخ مرة بن ذهل وقد توالت عليه المصائب وتزاحمت عليه النوائب، وكانت أخراها قتلى ابنه همام الذي ضن به يوم عرض الفدية. وأنت تعلم مكان همام من قومه وعشيرته! لشد ما يحزنني قتل هذا الفتى. لشد ما يحزنني قعودنا على نصرة بكر وقد أسرف المهلهل في النكال. وهالني ما يتندر به القوم علينا في مجالسهم ومجامعهم: قال قوم: إننا جبناء، وقال آخرون: إننا ضعفاء الرأي قليلو الحيلة، وقال آخرون إننا أذلاء نتملق تغلب ونصطنع عندهم يداً بعقودنا عن مناجزتهم. وحسبنا بها فرية تحط من كرامتنا وتضع من عزتنا. فهل أنت على رأيك مقيم؟)

قال الحرث: (أما مرة بن ذهل فلقد والله عز على مصابه في ولده ما يحز قلبي إلا مرآه مضرجاً بدمه وموقف المهلهل منه بظهر الأسى ويخفي الشماتة. ولكنك تعلم أن من دخل الحرب لم يأمن عواديها، وأن من نصب نفسه للقتال فقد استهدف للموت. وإن في ضن الرجل بفتاه يوم الفداء وبذله يقتل بسيف الأعداء شرفاً لا يطاوله شرف وفخاراً لا يتسامى

ص: 66

إليه فخار، ولا أحب إلي من أن يقتل بُجير ولدي إن كان في قتله صلاح بين أبني وائل وفي دمه وفاء لدم كليب. وأما مقالة السوء التي تتناولها بها ألسنة بذيئة فما أحفل بها ولا أقيم لها وزناً. . . . .)

وفيما هو يتحدث إذ قدم رجل قد أطلق ساقيه للريح يلهث من فرط التعب ولا يكاد يبين: قال الملأ (ما بال هذا الرسول يعدو كأنما يسابق الريح؟)(والله ما نحسبه إلا أتى ينعي لنا المهلهل!) وانكب النذير على الحرث بن عباد واحتضنه بين ذراعيه وقال:

- (عزاء يا أبا بجير! عزاء!)

قالوا: 0يا لهول المصاب! وما وراءك يا غراب البين!)

- (عزاء يا حرث! لقد والله كان أشجع من شهدته الحرب:

أفتقعد عن حربهم بعد هذا؟)

- (قل يا رجل من الذي مات؟)

- (بجير ولدك!)

- (وكيف مات!)

- (بل قتل. قتله المهلهل بن ربيعة. أفتقعد عن حربهم بهد هذا؟

- (مالك والمسألة عن هذا! أما بجير فنعم القتيل أصلح بين بكر وتغلب

وما أحسب المهلهل إلا قد أدرك به ثأر كليب وجعله كفؤاً له)

قال الناعي: (لا. لقد غابت عنك أشياء. أما علمت أن المهلهل عندما طعن بجيراً قال له: (بؤبشسع نعل كليب)؟)

قال الحرث: (أقالها والله؟)

- (نعم ولقد تجاوبها الحي من أقصاه إلى أقصاه)

قال الفند الزماني: (يا للمذلة! ويا للعار!)

قال الناعي: (وارحمتاه لهمام زين الشباب!)

قال الحرث: (دعا هماماً وقتل زين الشباب. لقد أسرف المهلهل وجاوز الحد. وما عرف لها الفتى الذي لم يخط العشرين حرمته وهو ابن اخته. ولم يعرف لي سابقتي وقد كففت عن حربه:

ص: 67

قربا مربط النعامة مني

لقحت حرب وائل عن خبالي

لم أكن من جناتها علم الل

هـ وإني بحرها اليوم صالي

فأحضر له غلامه النعامة وهي فرس له، فركبها وخرج يدعو العشائر للقتال فلبته يشكر، وعجل، وبنو حنيفة، وبنو قيس بن ثعلبة، وسادتهم، وسار في القوم الفند الزماني وكان يقوم بألف رجل، وترأس القوم الحرث بن همام البكري

ولما اجتمع القوم وقف الحرث بن عباد خطيباً فاعتذر لهم عن نفسه وعن الفند الزماني فيما كان منهما من إحجام عن خوض هذه اللجة التي طغت على القوم فأصبحوا فيها مغرقين وقال أنه والفند قد استمسكا بالصبر والأناة حتى لم يعد في قوس الصبر منزع، والمهلهل قد أسرف في سفك الدماء جاوز حد الفداء، ولم يحتسب لنا قعودنا عن حربه وقد ناصبه قومنا العداء، وها هوذا قد قتل بجيراً ولدي وإني لأشهدكم - علم الله - على أنني حين بلغت مقتل بجير طابت نفسي واطمأنت ظناً بأن المهلهل سيجد في قتله غناء عن الحرب وكفاء للفدية، ولكنني أسرفت في الظن الجميل، وأسرف المهلهل في التنكيل، فالسكوت بعد اليوم لا يزكو بالحر، ولا يبرره عذر، يا قوم! لا أدعوكم للقتال انتقاماً لعزة ديثت بالصفار، ودماء جرت كالأنهار، ودفعاً للمذلة والعار. . . . . . .)

ثم نظر إلى الحرث بن همام البكري وقال له (وأنت يا ابن همام هل أنت مطيعي فيما آمرك به؟ قال: (ما أنا بتارك رأيك إلى ما هو شر منه) قال: (أعلم أن القوم مستقلون لقومك في السلم وازدادوا جرأة في الحرب فلنقاتلهم بالنساء فضلاً عن الرجال)

قال: (وكيف قتال النساء؟) قال: (تعمدون إلى كل امرأة لها جلد ونفس، فتعطى كل واحد منهن اداوة وهراوة، فإذا صفقت أصحابك فصفهن خلفهم فان ذلك مما يزيد الرجال جلداً وشدة ونشاطاً، ثم تعلموا بعلامة تعرفها نساؤكم فإذا خرج منكم إنسان في القتال أمرن بسقيه، وإذا مررن من عدوكم بإنسان ضربته بالهراوة فقتلنه) وفعل الحرث بن همام ما أمر به الحرث بن عباد.

وكان هو أول من أشار بحشد النساء مع الرجال. وحلقوا رؤسهم علامة بينهم وبين النساء. وسمي هذا اليوم يوم (تحلاق اللمم)

وخرج النساء من دورهن أسراباً محتشدات، وفي يد كل واحدة اداوة وهراوة، ووقفت

ص: 68

تلقاءهن إحدى بنات الفند الزماني وصاحت: (يا معشر القوم! أحب إلينا أن نموت مع الرجال في ساحة الوغى أحراراً، من أن نقبع في دورنا ذلة وانكساراً. فأما عدوا مع رجالنا منتصرين، أو هلاكا مع الهالين، وسيرى القوم أن المرأة البكرية لا تقل عن الرجل تحمساً للشرف وحفظاً للكرامة، وحرصاً على الثار. يا نساء الحي! حي على القتال! حي على القتال!)

ثم برزت أختها وقفت إلى جوارها وتغنت الفتاتان بأبيات ترهف الشعور، وتوغر الصدور

وتدافع القوم رجالاً ونساء للقتال: فما كنت ترى إلا أعناقاً تمتد إلى الموت، وأجساماً تتزاحم على الردى، وصدوراً تهبط وتعلو من فرط الجوى. ثم حمي وطيس الحرب، واشتد البلاء.

واشتبكت الأسنة، وسالت الدماء، وظهرت تغلب حمرة تستمر استعاراً، وناراً تضطرم اضطراماً، وانقضت على بكر تحصد أعناق رجالها، وتطيح رقاب أبطالها، حتى تراجع البكريون وأيقنوا بالفناء، وظنوا أن لا كاشف لهذا البلاء، وفيما هم يتعثرون في انكسارهم أقبلت كرمة بين صلع أم مالك بن زيد فارس بكر وغنت

نحن بنات طارق

نمشي على النمارق

مشي القَطى البارق

المسك في المفارق

والدر في المخانق

إن تقبلوا نعانق

عرس المولى طالق

والعار منه لا حق

وما أشد ما يفعل الغناء والنسا في نفوس الأبطال. كان لهذه الأنشودة نغم كأنه خيوط انتظمت عليها الصفوف واتحدت في سلكها القلوب، بل كان النغم قبساً من نور سماوي نفذ إلى القلوب فأضاءها، وإلى النفوس فأنارها، وإلى العزائم فقواها، والى الهمم فدعاها. وسار القوم على هداه إلى نصر مبين. تدافعوا على العدو واقتحموا الصفوف واستباحوا المعاقل، وانكشف الهول فإذا المهاجم يرتد، وإذا المهزوم يشتد، وإذا تغلب بين قتيل وأسير وشريد

وانكشفت الغاشية، ونظر البكريون فيما بينهم فإذا بالحرث ابن عباد قد خلت منه الصفوف. فجزعوا وفزعوا. وذهبت بهم الظنون كل مذهب. وفيما هم في حيرتهم إذ أقبل فارس ينهب الأرض نهباً. قالوا لعل عنده الخبر اليقين. قال: (كأني بكم تبحثون عن الحرث من أبطال تغلب وانقض الحرث عليه كما ينقض النسر على الفرخ، وإذا بطل تغلب بين يديه

ص: 69

كالعصفور قد هيض جناحه وقال له الحرث: أتدلني على عدي بن ربيعة المهلهل وأخلى عنك؟ قال الأسير: أدلك عليه إن وثقت من وعدك. قال الحرث: قد وعدتك. قال الأسير: أنا المهلهل! فما وسع الحرث إلا أن يفي بوعده ويخلي الرجل)

صاح القوم صيحة نكراء وهاجوا وماجوا. قالوا: (لقد أسرفت الحرث)، (يخلي المهلهل بعد أسره؟)، (أليس المهلهل قاتل ولده؟)

(قلنا إن الحرث ضعيف الرأي). (بل الحرث جبان!)

(كانت فرصة ولن تعود). (ولكن هو الوفاء). . .

- ولكن اسمعوا يا قوم. سماع! سماع! سماع: لقد بالغ الحرث في مذلة المهلهل ومهانته. فما تركه إلا وقد جز ناصيته كما يجز صوف النعاج)

وفيما هم يتندرون على المهلهل وجز ناصيته، ويختلفون في تأويل مسلك الحرث، إذ أقبل الحرث على وجهه آثار مختلفة فيها الإعياء وفيها الزهو وفيها الأسف وفيها الرضى. فأقبل عليه القوم بعضهم يسد يده مهنئاً، وبعضهم ينحي عليه باللائمة، وبعضهم يقره على وفائه بالعهد

قال الحرث بن عباد: (وما تركته حتى جززت ناصيته عبرة ونكالاً، أما تخليته فما كنت لأعدل عنها، وقد وعدت الرجل وأنا أجهله، ولو قد نكثت بعهدي للحقت بي سبة لا يمحوها الدهر ولا يغفرها الأهل

لهف نفسي على عدي، ولم أع

رف عدياً إذ أمكنتني اليدان!

قال الراوي: ومنذ ذلك اليوم فارق المهلهل قومه ونزل في مذحج ولم تقم له قائمة، وظل البكريون من رحيق النصر ينهلون

اليوزباشي أحمد الطاهر

ص: 70

‌البريد الأدبي

تعليق وتعقيب

لامرتين

قرأت في (الرسالة) الغراء في باب (من هنا ومن هناك) من العدد التاسع والسبعين، كلمة عن نسب لامرتين الشاعر الفرنسي الملهم واحتمال أن يكون متسلسلاً من أصل عربي كما كان يقول هو عن نفسه. وللتعاون مع الباحث في هذه المسألة أقول:

إنني وجماعة من الأدباء، منذ مدة قريبة كنا تذاكرنا في هذا الموضوع، وبعد استعراض ما قيل فيه ما جلبه الأستاذ صاحب المجلة، جوزنا على تقدير عربية الشاعر أن يكون بين اسمه واسم أسرة العمارتي صلة ما، ولا سيما أن أصل الاسم هو ألا مرتين أي العمارتي كما نكتبها بالحروف الإفرنجية. وأسرة العمارتي هي من الأسر المنتشرة في هذه الجبال الريفية، والتي يغلب أن يكون أهلها من عرب الأندلس المهاجرين إلى المغرب. فهذا مما يزيد قوة الاعتقاد بعربية لامرتين. نعم هذه النون التي في الطرف ليست في اسم الأسرة المذكورة، ولكن لا مانع أن تكون من تصرف الألسنة الفرنجية في الاسم كما هو معهود منها اليوم مع هذا الاختلاط العظيم، فكيف به قبل؟ وعلى كل حال فهذا التعليق القصير ربما يلقي بصيصاً من النور على هذا البحث الطويل

بشر بن عوانة

كذلك قرأت في الباب نفسه من نفس عدد المجلة بحثاً صغيراً مضمونه الشك في حقيقة حياة هذا الشاعر وترجيح أن يكون شخصية خرافية من شخصيات المقامات كأبي الفتح الإسكندري والحرث بن همام؛ ذلك لأن الكاتب لم يقف على اسم بشر هذا في سفر من أسفار التاريخ ولا في كتاب من كتب الأدب التي قرأها إلا في مقامات بديع الزمان وكتاب تاريخ أدب اللغة العربية لجرجي زيدان وكتب المحفوظات للمدارس المصرية فرجح عنده إنكار وجوده. وبما أنني كنت وقعت على اسم بشر المذكور في غير هذه الكتب، رجعت إلى المظان التي أذكر أنني رأيته فيها فوجدت من أقربها كتاب (المثل السائر). وقد جاء ذكر بشرفيه في الصفحة 64 (طبع مصر بالمطبعة البهية) حيث قال: (وكذلك وردت لفظة

ص: 71

مشمخر فان بشراً استعملها في أبياته التي يصف فيها لقاءه للأسد فقال:

وأطلقت المهند من يميني

فقد له من الأضلاع عشرا

فخر مضرجاً بدم كأني

هدمت به بناء مشخمرا

وخدمة للأدب فقط كتبت هذا التعقيب، وإلا فحياة بشر لا تثبت بمثل هذا الذكر استطراداً، على أن قصته التي حكاها البديع تسف حتى تلتحق بالخرافات لما فيها من المتناقضات

طنجة

عبد الله كنون الحسني

حول رواية نهر الجنون

. . . . قرأت في العدد (84) من الرسالة الغراء مقالاً للأستاذ (جورج وغريس) تحت عنوان (سياحة في نهر الجنون). . .

ذكر فيه خلاصة موجزة للقصة التمثيلية (نهر الجنون) للأستاذ توفق الحكيم، وذكر كيف أن المرحوم جبران خليل جبران نشر شبيه هذه القصة في كتابه الجنون. وتساءل الأستاذ (جورج وغريس): هل هناك اقتباس؟ وأشارت الرسالة في نهاية المقال إلى أن مصدر الكاتبين قد يكون واحداً. . .

وقد نشر نفس القصة لكاتب التركي المرحوم (عمر سيف الدين) سنة (1326) رومية أي منذ خمس وعشرين سنة تقريباً في كتابه المعبد الخفي (كيزلي معبد) تحت عنوان (الماء الذي شربه الجميع، أسطورة صينية) صفحة (127) والقصة تتلخص فيما يلي:

كان (لينغ - يو) ملكاً عادلاً حكيماً، توفر في أيامه الهناء للرعية، فجاءه في أحد الأيام ساحر وأعلمه أن أمطار غزيرة ستهطل مدى أيام، وكل من يشرب ماء خالطته قطرة من هذه الأمطار يصبح مجنوناً لا محالة. فأمر الملك بملء صهاريج القصر وكل ما فيه من أوان ماء نقياً عذباً لينجو من شرب الماء المسبب للجنون. . . وبعد أيام بدأت الأمطار بالتهطال ودام انهمارها أياماً وأسابيع. . فخالط ماؤها ماء الينابيع والآبار فجن السكان كلهم، وانتشروا في الأزقة والساحات يصيحون ويصرخون. وتجمع قسم كبير منهم حول قصر الملك وأخذوا يسخرون منه ومن صحبه الذين ظلموا عقلاء حتى تلك الساعة بفضل

ص: 72

الماء المخزون في صهاريج القصر. فكان إذا بدا واحد من سكان القصر في إحدى الشرفات صاحوا بصوت واحد قائلين: (مجنون! انظروا المجنون!) وأصبحت الحالة لا تطاق، فلم ير الملك بداً من أن يشرب هو أيضاً من ماء الجنون، فتناول منه قدحاً وهو يقول:(لا لزوم لبضعة عقول صحيحة بين هؤلاء المجانين. . . .!)

ومرت الأيام والسنون. . وتأصل هذا النظام الجنوني وأطلقوا عليه (نظاماً اجتماعياً)، وزُج كل من عاوده عقله من هؤلاء المجانين في أمكنة أطلق عليها (مستشفيات المجاذيب). . ومنذ ذلك الحين لا ينفك العلماء من ترديد هذا القول:(الصين منبع الحكمة والعقل. . .)

فللقصة التي نشرها المرحوم جبران والأستاذ الحكيم ليست سوى أسطورة صينية تنقلتها أكثر اللغات

الدكتور محمد سالم

رسائل جديدة لبلزاك

لأدباء الغرب شغف خاص باستقصاء الآثار والرسائل الخاصة لأعلام الكتاب والمفكرين، وكثيراً ما يؤدي هذا الشغف إلى نتائج أدبية باهرة، فيظفر البحث بآثار ورسائل جديدة لها قيمتها في درس شخصية صاحبها. ومنذ بضعة أعوام ظفر الكاتب الفرنسي مارسل بوثرون بطائفة من رسائل بلزاك الخاصة إلى صديقته مدام (زولما كارو). واونوريه دي بلزاك هو القصصي الفيلسوف الفرنسي الذي تعد آثاره من أقيم ما أنتج الأدب الرفيع في القرن التاسع عشر. ونشر مسيو بوثرون بعض هذه الرسائل في مجلة (العالمين) سنة 1923؛ ثم ظفر بطائفة جديدة منها، وجمع الجميع في كتاب واحد صدر أخيراً، وعنوانه (مراسلة لم تنشر لبلزاك)

وليست هذه الرسائل غرام كما يتبادر إلى الذهن، ولكنها رسائل صداقة خالصة؛ وهذا النوع من المراسلة نادر في حياة أكابر الكتاب إذا كتبوا لامرأة يشغفهم سحرها، ولكن بلزاك كان فيلسوفاً. وقد جمعت بينه وبين مدام زولما كارو ظروف عرضية، فقد كانت تقيم مع زوجها الضابط كارو حوالي سنة 1820 بجوار أخت لها تدعى لور وهي زوجة مهندس يدعي سير فيل، وكان بلزاك يزور صديقه المهندس سير فيل وزوجه، فتعرف بالطبع بأختها مدام

ص: 73

زولما، ونشأت بينهما صداقة حميمة، وكان بلزاك يشعر نحو مدام زولما بعاطفة حنان خاصة ليست هي الحب، وكانت مدام زولما تبادله عطفه وصداقته، لما نقل زوجها إلى بعض مدن الأقاليم، سافر بلزاك لزيارتها، وأقام حيناً إلى جانبها، وكان أثناء بعده عنها في باريس، وحينما تحتجزه صاحبته المركيزة دي كاستري، ينفس عن نفسه بالكتابة إلى مدام زولما، وتكتب هي اليه، وكان بلزاك يودع هذه الرسائل كثيراً من أسرار روحه وقلبه وآماله وشجونه، ويصوغها في قالب رفيع من البلاغة، وذهب في إكباره وصداقته لمدام زولما إلى حد أن أهدي إليها قصته (منزل نوسنجان)

ثم وقع بلزاك في حب الكونتس هانسكا، وأثار هذا الغزو الجديد قلبه شجناً واضطراباً، فكان كلما غلبه الشجن، أو ضاقت به السبل وأرهقه الدائنون يفر إلى مدام زولما فيقيم مع هذه الأسرة المحبوبة أياماً يروح فيها عن نفسه خلال الإيناس والزهر

وبعد فترة طويلة من الزمن قضاها الكاتب الكبير في متاعب وأزمات مختلفة اقترن بصاحبته الكونتة الأجنبية سنة 1850؛ ولكنه لم يعش بعد زواجه سوى ثلاثة أشهر، ولكن مدام زولما عاشت بعده أعواما طويلة؛ ولها اليوم حفيدة على قيد الحياة تدعى مدام جورج بابيل؛ واليها يهدي مسيو بوثرون رسائل بلزاك الجديدة

خمسون عاماً لوفاة فكتور هوجو

تستعد دوائر فرنسا الأدبية للاحتفال بالعيد الخمسيني لوفاة شاعر فرنسا الأشهر فكتور هوجو الذي توفي في يونيه سنة 1885 وسيجري الاحتفال بهذه الذكرى في جميع أرجاء فرنسا، ويوضع تحت رعاية الحكومة الرسمية، ويلقي وزير المعارف بهذه المناسبة خطاباً رسمياً على قبر الشاعر اتباعاً للتقاليد المعروفة، وقد رأت إدارة مسرح الكوميدي فرانسيز، وهو مسرح الدولة ان تشترك في الاحتفال بهذه الذكرى، وان يكون اشتراكها عملياً، وذلك بان تخصص موسماً خاصاً لتمثيل بعض روايات هوجو الشهيرة يبتدئ في مارس وينتهي في أول يونيه، وهو تاريخ وفاة الشاعر، وان يمثل خلال هذا الموسم من رواياته القطع الآتية:(روي بلاس)، (هزناني)، (ماريون دي لورم)، (لوكريس بورجيا) وغيرها

ص: 74

‌الكتب

أدولف

للكاتب الفرنسي بنجامان كونستان

ترجمة الدكتور حسن صادق

لا يزال فن القصص عندنا في بدء مرحلته الأولى، ولا زال أدباؤنا يتلمسون طريقهم إلى القصة ويتوقون إلى رؤية هذا الفن من فنون الأدب، وقد انقاد لهم ووصل في أدبهم إلى مثل تلك الدرجة التي وصل إليها في الآداب الغربية، ذلك لأن القصة في منحاها وطبيعة تركيبها، من أهم وسائل التثقيف وأيسرها، كما أنها من ألذ ضروب الاستمتاع وأقربها إلى القلب والذهن، والقصة الجيدة بلا شك هي الحياة في ناحية من نواحيها، ففيها ما في الحياة من معان، وفيها الحياة من اضطراب

وهذا الافتقار في أدبنا إلى القصة، يجعلنا نرحب بكل تعريب جيد لشهيرات القصص في الأدب الغربي، إذ بذلك تتوفر لدينا النماذج وتتنوع المثل، فضلاً عما يكون لمثل تلك القصص من عظيم الأثر في تهذيب الذوق وصقله، وإيقاظ العواطف وحسن توجيهها

نعم إن لكل أمة ذوقاً، ولكل أمة شرعة ومهاجاً، ولكل أمة وجهة تتجه إليها حسب ما ركب في طبيعتها من ميول، وفن القصص ملكة لا تكتسب، ولكن الأديب المصري الموهوب مع ذلك لابد له من نماذج، وهو كفيل أن يشكل قصته على هدى تلك النماذج حسبما يتفق مع بيئته

ولقد اختار الدكتور حسن صادق قصة أدولف، فنقلها إلى العربية، وهي من القصص الفرنسية التي حازت عظيم الشهرة في أوربا كلها، وهي واحدة من تلك القصص التي تلائم كل بيئة وكل عصر، فليست من ذلك النوع المحصور الذي يتقيد في وضعه بغاية محدودة كالدعوة إلى إصلاح اجتماعي في ناحية من نواحي الحياة، أو من ذلك النوع الذي تصور فيه أمال ومثل عصر من العصور، حتى إذا انقضى ومنها أصبحت لأغنية فيها، بل هي من تلك الآثار الخالدة التي تساير الحياة وتغالب الفناء، وحسبك أنها قطعة فنية تقرأ فيها خطرات نفس كبيرة أملتها تلك العاطفة المشبوبة، عاطفة الحب في شرخ الشباب

ص: 75

ولما كانت هذه ميزتها، فأنا أعتقد أن المترجم الفاضل قد أحسن الاختيار فقدم إلى قراء العربية أثراً أدبياً جميلاً ستلذهم قراءته وسيعجبهم ما جاء فيه من روعة التعبير عن خلجات النفس ومنازع القلب، ولقد أحسن أيضاً حين قدم لكتابه بفصل طويل دقيق، شرح فيه حياة المؤلف وحياة العصر الذي عاش فيه، مما جعل كتابه يجمع إلى اللذة الفنية، لذة ذلك البحث التاريخي القيم

أما أسلوب الترجمة فمتين مشرق، تحس به في أول الكتاب عسيراً بعض العسر، ولكنه لا يلبث أن يلين ويعذب ثم يطرد، وقد تتراءى في بعض مواطنه بعض الصور والتراكيب الفرنسية نشأت من محافظة المترجم على دقة الترجمة، ولكن الأسلوب على الجملة صحيح التركيب، فصيح الأداء، يشهد للمترجم بما بذله من الجهد وما تحراه من الإجادة

أما عن القصة في ذاتها فإني مع شديد إعجابي بها وتأثري بقراءتها تأثراً عميقاً، قد أحسست فيها ظاهرة أحسب القراء جميعاً سيحسونها مثلى، ذلك أن خواطر المؤلف كلها تدور حول نفسه وحول حبيبته، مما ضيق مجالها وتركها خالية من ذلك الجو الشعري الذي يوجد في مثل تلك الآثار الأدبية العظيمة، ومن تلك الأفكار الفلسفية الباهرة التي يعلق بها أصحاب تلك الآثار على ما سيصادفهم من ظروف ومواقف، فيزيدونها روعة وقوة، كما أن القصة تكاد تكون خالية من الأوصاف الطبيعية ومن أوصاف الرجال والبيئات. فهي من ناحية التعبير عما في داخل النفس، أو بعبارة أخرى من الناحية المعنوية البحت التي تدور حول عاطفة الحب قد بلغت غاية الجودة، ولكنها بالاقتصار على ذلك فقدت كثيراً من الصور والأطياف التي تشعر المرء لدى قراءة القصة بصدى الحياة

هذا وإني لأشكر للدكتور حسن صادق ما بذل من مجهود وأرجوه أن يتحف قراء العربية بين حين وآخر بمثل هذه النفحة الساحرة من أدب الغرب

الخفيف

أغاني الكوخ

نظم الأديب محمود حسن إسماعيل

أنتقل بالقارئ إلى هذا الديوان المسمى أغاني الكوخ، لناظمه محمود حسن إسماعيل، ويقع

ص: 76

في نحو مائة وخمسين صفحة، وقد أخرجه صاحبه في صورة أنيقة جذابة تشهد له بحسن الذوق ولعلك ترى في هذا الاسم (أغاني الكوخ) ما ترتاح إليه نفسك وخيالك، فإذا مضيت تقرؤه حمدت لناظمه هذه الروح المصرية، بل هذا الإعجاب الشديد بجمال الريف وبهائه، مما يعد خطوة محمودة نحو ما نتمنى بلوغه في نهضتنا الأدبية من صبغ أدبنا بالصيغة المحلية الطبيعية، وتصوير بيئتنا تصويراً يحفظ لثقافتنا لونها، ويبعد عن أدبنا ما يوشك أن يعلق به من بهرج زائف وتكلف مملول

وأذكر أني قدمت للقارئ على صفحات (الرسالة) من أمد قريب (ظلال القمر) للأديب أحمد مخيمر وقد أعجبتني منه هذه الروح المصرية التي أراها أكثر ظهوراً وأتم نضوجاً في ديوان الأديب محمود حسن إسماعيل، فان معظم قصائده تدور حول المناظر الريفية المحبوبة في صعيد مصر مع دقة في الوصف وصدق في الإحساس أعتبرهما باكورة طيبة لابد أن ستتدرج في سبيل الرقي إلى الكمال.

يبد أني وقد أعجبني صدق إحساس شاعرنا، أراه يأتي في شعره ببعض الأخيلة التي لم أستطع أن أصالح ذوقي عليها كما جاء في قصيدة الكوخ وفي قصيدة (تبسمي) و (القيثارة الحزينة) و (النعش) و (سنبلة تغني) و (عند زهرة الفول)، فقد ورد في تلك القصائد بعض المعاني الجزئية التي لا تتواءم وطبعه

هذا إلى استعماله بعض المجازات والاستعارات كتصفيق الألحان في القلب، وأجفان القلاع، وقوله إنه رشف قصائده من يغر عشيقته وغير ذلك مما لا يتسع له المجال

ولست أغضب الأديب محمود حسن إسماعيل فيما أعتقد، إن نبهته في إخلاص إلى الاهتمام بتجويد فنه والاهتمام بمعانيه، فديباجته في الجملة مشرقة، ولغته سليمة وألفاظه جيدة، كذلك يجدر به أن يولي قوافيه من العناية أكثر مما يفعل، ولئن اهتم بذلك فسوف نرى منه في المستقبل القريب شاعراً مصرياً رقيقاً.

الخفيف

شعراؤنا الضباط

للأديب محمد عبد الفتاح إبراهيم

ص: 77

يجد القارئ هذا الكتاب كما يتضح له من عنوانه، تراجم لشعراء مصر من الضباط، وضعها الضابط الأديب محمد عبد الفتاح إبراهيم، ولعل القارئ يشاركني شعور الغبطة حين يتجلى له هذا الإخلاص من المؤلف لطائفة من أهل مهنته، كاد ينسى معظمهم المشتغلون بالأدب، على الرغم مما قدموه في ميدان الأدب من خدمة اللغة عامة: وفن القريض خاصة

ترجم هذا الأديب الفاضل للبارودي، وحافظ إبراهيم، وعبد الحليم حلمي المصري، ومحمد فاضل، ومحمد توفيق علي

وقد سار في دراسته فيما يتعلق بهؤلاء جميعاً على وتيرة واحدة تقريباً، فكان يأتي بلمحة عن تاريخ كل شاعر، مبيناً البيئة التي نشأ فيها، ثم يذكر المناسبات التي حركته إلى نظم القصيد، مورداً بعض الشواهد من مأثور نظمه ومن مشهور قصائده

وإني وان حمدت للضابط الأديب وفاءه واجتهاده، أحس أنه كان في كتابته يقصد إلى الوفاء أكثر مما يقصد إلى الدرس، ولن أظلمه إذا قلت أنه في بحثه كان يميل إلى سرد المعلومات متهماً باستيعابها دون تمحيصها، فلم تكن له طريقة محدودة، أو بعبارة أخرى لم يكن قوام عمله التحليل الأدبي الذي يستند إلى الفن وإلى الخبرة بالحياة، ولست أنكر هذه الخبرة عليه، ولكنني لم أتبين صداها في بحثه، وكان يخيل إلى أثناء كلامه عن البارودي، ثم عن حافظ - على الخصوص - أنني أستمع إلى محدث في مجلس الأدب، لا يتقيد فيه من يتعرض لحياة شاعر بأوضاع فنية أو يراعى وحدة الموضوع وسبيل التدرج فيه. هذا إلى أنه كان يترك الامر أحياناً لغيره، فيعرض أقوال من كتبوا عن حافظ دون أن يتناولها بتعليق

على أن كتابه على الرغم من هذه المآخذ، جدير أن يثير اهتمام أدبائنا بهؤلاء الشعراء، وهو وفاء يثاب عليه المؤلف، واجتهاد يستحق من أجله الثناء

الخفيف

ص: 78