الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 868
- بتاريخ: 20 - 02 - 1950
علي محمود طه
حياته من شعره
للأستاذ أنور المعداوي
- 10 -
أشرت في مقدمة هذه الدراسة إلى أن شاعرنا المصري كان أشبه بكتاب مفتوح. أستطيع أن أقول لك وأنا مطمئن، إنني قد قرأته كله. . . شعره على ضوء حياته، وحياته على ضوء شعره، ناحيتان تؤلفان هذا الكتاب الذي قراته، وعشت بين سطوره، وخرجت من هذه السطور بآراء عرضتها على الذاكرة فمل اعترضت، وعلى الضمير فما أنكر، وعلى موازين النقد فما اختلفت مع أصوله كما افهمها ومناهجه.
وقلت لك أيضاً إنني قد درست حياة علي طه النفسية، ودرست آثاره الفنية. . . درستهما على طريقتي التي أومن بها وادعوا إليها كلما حاولت أن اكتب عن أصحاب المواهب أو كلما حاول غيري أن يكتب عنهم: مفتاح الشخصية الإنسانية أو مفاتيحها اولا، ومفتاح الشخصية الفنية أو مفاتيحها ثانيا، والربط بعد ذلك بين الشخصيتين لتنفذ إلى أعماق الحقيقة في الحياة والفن، ومدى التجاوب بينهما منعكسا على صفحة الشعور المعبر عنه في كلمات.
وقلت لك مرة ثالثة إن الذين لم يعرفوا هذا الشاعر ولم يطلعوا على دخائل نفسه وآفاق حياته، يستطيعون إذا لم ينزعوا عن الألفاظ أثوابها النفسية، أو يجردوا الأخيلة من ظلالها المعنوية، أو يفرقوا بين الصور وبين وشائج اللحم والدم. . . يستطيعون إذا لم يلجئوا أي شيء من هذا كله أن يعرفوه حق المعرفة من خلال شعره! لقد كان شعره مرآة صادقة لهذا الوجود الذي أحاط به، لأنه كان إنسانا صادقا في صحبته لتلك المرآة: لم يحاول يوما أن يقف أمامها بوجه غير وجهه، ولم يحاول يوما أن يلقاها بملامح لونتها المساحيق أو اختفت حقيقتها وراء الأقنعة!
وقلت لك مرة رابعة أنه كان يمثل الوضوح في الفن، وقيمة الوضوح في الفن هو أن يتيح للدارسين أن يطمئنوا على مواقع أقلامهم كلما قطعوا مرحلة من مراحل الطريق. . . لا
غموض في المقدمات يدعو إلى الشك في النتائج، ولا ضباب على سطح المنظار يحول دون الرؤية إذا التمستها العيون!
هذه بعض فقرات مما قلناه من قبل، ونزيد عليها الآن وجهات نظر أخرى تدور حول مشكلة الغموض والوضوح في الشخصية الفنية والإنسانية. . . إن الرجل المغلق القلب في الحياة مغلق القلب في الفن، وإن الرجل المعقد النفس في الحياة معقد النفس في الفن. ولا خلاف في هذه الحقيقة المستخرجة من ألوان التجارب ولا جدال! وكل ما يصادفك من غموض وشذوذ وانحراف عن كل ما هو مألوف ومعروف هنا، يمكنك أن ترده إلى صوره المماثلة وأحواله المشابهة ولحظاته المطابقة هناك: شخصية فنية مبهمة ومضطربة وغير مفهومة في هذا الجانب، تقابلها شخصية إنسانية تصطبغ بكل هذه الصبغات وتتصف بكل هذه الصفات في الجانب الآخر. ومهما حاول الفنان أن يظهر أمام الناس بوجه ارجواني غير وجهه الأصفر، أو بقلب إنساني غير قلبه المقفر، فلن يستطيع أن يخدع بعض العيون المستشفة لما وراء الطلاء من حقائق، ولا بعض الآذان الراصدة لما بين الجوانح من خفقات. . . وهذه هي اللحظة الحاسمة في حياة كاتب التراجم كلما حاول أن يدرس واحدا من أصحاب الفن، سالكا كل الطرق التي يمكن أن تدفع به إلى الهدف المرجو وتقذف به نحو الغاية المنشودة. وليس كل هدف يسير البلوغ وليست كل غاية قريبة المنال، وما دام الأمر كذلك فلا مناص من استخدام علم النفس الأدبي وتسليط أضوائه على كل فجوة تتعذر فيها الرؤية حين يكتنفها الغموض ويلفها الظلام!
واستخدام علم النفس الأدبي من الزم الأمور في كل دراسة تريد أن تأمن الزلل في التأويل وأن تتقي الخطأ في التعليل، وأن تتجنب كل منحدر في طريق التشخيص والتشريح وإصدار الآراء والأحكام. ومع ذلك فهناك شخصيات مهوشة السمات مطموسة الحدود معقدة الطباع، ترهق الدارسين حين يضعونها تحت مجهر التحليل النفسي وتكلفهم من الجهد والصبر والمثابرة فوق ما تحمل طاقة الأحياء. وفي الكفة المقابلة شخصيات أخرى واضحة سهلة التناول مسبورة الغور مكشوفة الأعماق، ينفذ إليها الدارسون حين يضعونها تحت المجهر نفسه دون أن يصيبهم عنت أو إرهاق.
من هذه الشخصيات الأخيرة شخصية هذا الشاعر المصري علي محمود طه، ومن تلك
الشخصيات الأولى شخصية ذلك الشاعر الفرنسي شارل بودلير. ومن الذي تناول بودلير بالدراسة النفسية فأجهده وأرهقه وأصابه بما يشبه الدوار؟ أنه الكاتب والفيلسوف الفرنسي جاك بول سارتر. . . وعلى الرغم من أن سارتر قد وصل من وراء دراسته لبودلير إلى ما لم يصل إليه في رأينا كاتب تراجم من قبل، فقد خرج من هذه الدراسة وهو مكدود الأنفاس يخيل إليك أن جبينه قد تصبب بقطرات من العرق!
لقد كان بودلير في رأي الحق إنسانا غير مفهوم ولا مهضوم، ومع ذلك فقد حاول سارتر ما وسعته المحاولة أن يفهمه ويهضمه، وأن يقدمه إلى الناس في صورته الشاذة المعقدة وقد زايلها أكثر ما فيها من شذوذ وتعقيد. . . وهكذا تفعل الدراسة النفسية حين ترفع السجف المدلاة على نوافذ الشخصية المغلقة ليندفع الضوء إلى شتى الجوانب والأركان!
وأين هي عناصر الشذوذ في هذه الشخصية البودليرية الغريبة الأطوار؟ هي في تلك النواحي الإنسانية المتباينة التي لا تكاد تجتمع في منهج واضح محدد يلم شعثها أو يؤلف بين ما فيها من شتات. لقد كان بودلير رجلا يفتش عن الآلام في كل مكان، ويسعى إليها سعيا متواصلا ليثور عليها آخر الأمر تلك الثورة المكبوتة العاجزة التي لا تدفع شرا ولا تدرأ خطيئة. . . كان مثاليا بينه وبين نفسه، ولكنها المثالية القاصرة على عالم الذهن وحده لا تكاد تتعداه. هو في (وجوده الذهني) إنسان مترفع عن كل ما يخدش الكرامة ويشين الخلق ويهبط بالسمعة إلى حمأة الموبقات، وهو في (وجوده الواقعي) إنسان غارق في لجج الإثم ضال في متاهات الغي متخبط في ظلام الوزر والمعصية. يدعو إلى الشيء ولا ينفذه، ويرسم الطريق ولا يسير فيه، ويضع لحياته خط سير هو أول المنحرفين عنه والخارجين عليه. . . يحب الوحدة ويتوهم في ظلالها راحة نفسه ونعيم دنياه، ولكي يظفر بها فلا بأس من أن ينفر منه الناس وأن يغضبهم فيه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يرمي شخصه بأقبح التهم، وينعت خلقه بأشنع النعوت، ولا ضير من أن يشيع عن نفسه أنه قتل أباه وانحدر من الشذوذ الجنسي إلى أدنأ بؤرة أحط مهاويه هذا كله ليحقق لنفسه تلك الوحدة المنشودة التي يخلو فيها إلى هواجسه بعيدا عن دنيا الناس. . .
ومع ذلك فما أكثر ما يضيق بهذه الوحدة ويفزع من أشباحها الرهيبة ويفر من ظلالها الخانقة! وهو، ذلك المخلوق الذي يسمو (بأفكاره) إلى مدراج العلاقة الجنسية النظيفة، تراه
يهبط (بأفعاله) إلى اقذر ما يمكن أن تلحقه هذه العلاقة بإنسان. . . تراه يتصل بإحدى العاهرات ذلك الاتصال الشائن الذي يخرج منه بأخبث الأمراض وافدح العلل، ثم لا يحاول أن يقصد إلى طبيب ليلتمس لجسمه المنهك أي وسيلة من وسائل البر الذي يعقب العلاج! وهو، ذلك الرج العاجز عن تصريف أموره، المشلول الحركة في معركة الحياة، يسعى عن طيب خاطر إلى أيجاد من يشرف عليه ويرعاه، حتى إذا وجد (مجلس العائلة) أو مجلس الوصاية ليشرف على هذا الرجل الذي يفر من المسئوليات الضخام وغير الضخام، تراه يثور على هؤلاء (الجلادين) الطغاة الذين يذيقونه الذل ويسومونه سخف العذاب! وهو، ذلك الفنان اللامع الذي كان يتطلع إلى أن يظفر بمكانه بين الخالدين من أعضاء الأكاديمية الفرنسية، تراه يعبر كل درب يمكن أن يباعد بينه وبين المكان الخالد. وأعجب العجب أنه كان ينشد من كل قلبه مثل هذا الإخفاق! وهو، ذلك الشاعر الجهير يخرج للناس يوما ديوانا من الشعر يطلق عليه (أزهار الشعر) ليقف بسببه في ساحة القضاء. ترى أكان يهدف من وراء هذا الشعر إلى مؤازرة الذين ينادون بمذهب (الفن للفن)، أم كان يهدف إلى شيء آخر تتردد أصداؤه بين جنبيه وترسب في قرار سحيق؟ اغلب الظن أنه كان يحب أن يكون منبوذا من الناس تلاحقه اللعنة في كل عمل من أعماله الأدبية والإنسانية. . . . وإلا لما تعمد أن يطالع الناس بهذا الشعر الذي عرضه للإدانة من جانب القضاء الفرنسي، وهي إدانة مادية ومعنوية!
هو إذن في رأي سارتر رجل مضيع عاجز مبهم يحرك يديه في شتى الاتجاهات ليثير من حوله الزوابع والأعاصير، حتى إذا هبت عليه من كل ناحية وعصفت بكيانه وأودت بوجوده وقف حيالها مكتوف اليدين. . . رجل عاش ولكنه لم يستطع أن يفسر لنا هذه الحياة التي عاشها ولا أن يكيف لنا هذا الوجود الذي خلق فيه رجل كون مزاجه بنفسه واختار مصيره برضاه، وخانته القدرة على أن يخرج من أخطائه وآثامه بمذهب يحدد ذاتيته في زحمة الوجود أو يبرر مكانه في غمار الحياة. هذه الشخصية العجيبة الغريبة المتقلبة تحتاج إلى مفتاح يعالج أبوابها المغلقة على فنون من الطلاسم والأسرار. . . وها هو سارتر يحاول أن يقدم إلينا هذا المفتاح.
بودلير الذي كان يفتش عن الآلام كان يريد أن يتعذب، والدليل على ذلك مستخلص
بوضوح من أخباره وآثاره، من أخباره الخاصة وآثاره الفنية. . . كان يسعى إلى صهر روحه في بوتقة الألم والعذاب، وكان يحلو له أن يتأوه كلما أحس في نفسه حاجة إلى الثورة. كان يبغي أن يضطهد نفسه ليكون اضطهاده لنفسه عقابا لها، عقابا على عجزه وضياعه وما اقترف في حقها من أخطاء وآثام. أكان ذلك من جانبه لونا من القعاب الذاتي الناتج عن تغلغل النزعة الدينية المسيحية بين جوانحه كما ذهب إلى ذلك بعض النقاد؟ إن سارتر ينبذ هذا التفسير المتهافت الذي لا يستطيع أن يقف على قدميه، لأن هناك أدباء أشربت نفوسهم تلك النزعة الدينية منذ المولد وخلال النشأة والتربية ثم ساروا ردحا من الزمن في نفس الطريق الشاذ الذي سار فيه، ومع ذلك فما ابعد الشقة بينهم وبين بودلير لقاء الحياة بمثل ما لقيها به من عقاب للنفس واضطهاد للذات!
إن المسالة إذن ليست مسالة تلك النزعة الدينية من قريب ولا من بعيد، ولكنها مسالة مركب النقص ومركب التعويض. . . رجل كان يشعر في أعماقه أنه لا وجود له أو أن وجوده كان أشبه بالعدم، ومن هنا راح يتلمس شتى السبل ليقنع نفسه أو ليخدعها بأنه موجود. وهذه الخطوط المتنافرة التي كانت تحدد اتجاهات مصيره في الحياة، تعود آخر الأمر لتلتقي في نقطة ارتكاز وجودية عمادها الكبرياء. . . كبرياء الذات المهزومة!!
وما أشبه جوانب الشخصية البودليرية بعدد من الغرف النفسية التي تفتحها كلها بمفتاح واحد: غرفة للألم، وتسلمك هذه إلى غرفة أخرى للعذاب، وتسلمك هذه إلى غرفة ثالثة للعقاب، وتسلمك هذه إلى غرفة رابعة للسخط والثورة، وتسلمك هذه إلى غرفة خامسة للكبرياء. . . أعني أنه رجل يريد أن يجد نفسه لأنه تائه مضطرب، وهذا هو الطريق: بحث عن ألوان الشذوذ حتى اكتظت بها حياته، وحين تحقق له ما يبتغيه بدأ يتعذب، ثم طاب له أن يتخذ من هذه المرحلة معبرا إلى العقاب الذاتي الذي يتيح له أن يتبرم ويثور، وفي هذا تحقيق لكبريائه، وجوهر تلك الكبرياء الموهومة آهة حانقة على المجتمع ساخطة على الوجود. . . لتشعره بينه وبين نفسه بأنه موجود!!
هذه هي خلاصة رأي سارتر في شارل بودلير. . . ومنها يتضح لك أن الكاتب الفرنسي قد اجهد نفسه كل الجهد ليصل إلى ابعد أغوار هذه الشخصية القلقة المعذبة، بعد أن طاف بنظره الثاقب بينما خلف صاحبها من أوراق ورسائل، وما ترك من أخبار ونوادر، وما
نشر من آثار في الشعر والنثر، وبعد أن راح يجمع بين أطرافها المتناثرة ويوفق بين أحوالها المتناقضة. . . تلك الشخصية التي لا تكاد ترضى حتى تسخط، ولا تكاد تحب حتى تكره، ولا تكاد تقبل حتى تدبر، ولا تكاد تثور حتى تذعن، ثم تتخيل بعد هذا كله أن في الاستعلاء شيئا من العزاء! ومن هذه الخلاصة يتضح لكأيضاً اثر الدراسة النفسية في تناول الشخصية الفنية، ذلك التناول الذي يعرضها لك عاريا من كل ثوب من أثواب الغموض والإبهام!. . . ونحن حين نقدم إليك هذا النموذج النادر من نماذج أدبالتراجم، فإنما نقدمه لنستشهد به على أن التعقيد بقدر ما يطبع صاحبه بطابعه ويسميه بما يسميه فإن الوضوح من شانه أن يقوم بمثل هذا الدور في مثل هذا المجال!
ولقد كان الوضوح كما قلنا لك لازمة من لوازم شاعرنا المصري في كل فترة من فترات حياته وكل وجهة من وجهات فنه، ولك أن تعده أول مفتاح يهيئ لنا أن نضع أيدينا على منافذ شخصيته الأدبية والإنسانية، دون أن نلجأ إلى الفروض التي تضع الشيء موضع الاحتمال في أن يكون حقيقة من الحقائق أو لا يكون. . . ولقد كان علي طه واحدا من هؤلاء الذين يفتحون القلب على مصراعيه أمام الخلص من الاصدقاء، حتى ليخيل إلى من يعرفه منذ شهور أنه يعرفه منذ أعوام وأعوام. كان واضحا في فرحه كما كان واضحا في حزنه، وكان واضحا في سره كما كان واضحا في جهره، حتى لو أنه حاول أن يصمت لكان صمته فنا من الكلام، أو حاول أن يكتم لكان كتمانه ضربا من البوح والإفضاء! ومن هنا كانت حياته على لسانه سلسلة من الأحاديث وكانت في شعره سلسلة من الاعترافات. . . واستمع إلى هذا (الاعتراف) في موضعه من الصفحة الثالثة والثلاثين من (شرق وغرب)، وهو حديث ينبع من قلب ابيض كزهرة الحقل البيضاء:
إن أكن قد شربت نخب كث
…
يرات وأترعت بالمدامة كأسي
وتولعت بالحسان لأني
…
مغرم بالجمال من كل جنس
وتوحدت في الهوى ثم أشر
…
كت على حالتي رجاء ويأس
وتبذلت في غرامي فلم أحب
…
س على لذة شياطين رجسي
فبروحي أعيش في عالم الفن
…
طليقا والطهر يملأ حسي
تائها في بحاره لست أدري
…
لم أزجي الشراع أو فيم أرسي
لي قلب كزهرة الحقل بيضاء نمتها السماء من كل قبس
هو قيثارتي عليها أغني
…
وعليها وحدي أغني لنفسي
لي إليها في خلوتي همسات
…
أنطقتها بكل رائع جرس
كم شفاه بهن من قبلاتي
…
وهج النار في عواصف خرس
ووساد جرت بها عبراتي
…
ضحك يومي منه وإطرق أمسي
أيهذي الحذور! أنوارك الحم
…
راء كم أشعت ليالي أنسي
أحرقتهن! آه لم يبق منهن س
…
وى ذلك الرماد برأسي!
هذا شعر صادق كل الصدق، وأصدقه ذلك الوساد الذي جرت به العبرات. . . ولا بد لك من أن تقف معنا طويلا عند هذا البيت من هذه القصيدة الأعترافية، لأنفيه مفتاحا رئيسيا يفصل بين فترتين من حياة الشاعر: فترة تحفل بالدموع وفترة تعج بالبسمات، الأولى فترة الأمس أو ما قبل الثلاثين، والثانية فترة اليوم أو ما بعد الثلاثين. . . وها هو ذا يعترف بأن يومه يضحك لمنظر العبرات في حين يأسى لها الأمس ذلك الأسى المعبر عنه بالإطراق! وفي الفصل المقبل نحدثك عن هاتين الفترتين من حياته، وأثرهما في خلق مزاجين متباينين كل التباين في نطاق الشخصية الفنية والإنسانية!.
(يتبع)
أنور المعداوي
كارلو نلينو
المستشرق الكبير
لمحة تاريخية يستدل منها على مدى تعمقه في العلوم عند العرب،
وبنوع خاص في الجغرافية والهيئة وآداب اللغة والفقه
للأستاذ يوسف الخوري
في يوم صافي الأديم من عام 1909 اطل على إدارة مجلة الهلال الزاهرة بغية التعرف على إحدى أمهات المجلات العربية في مصر شاب إيطالي حس الهندام وسيم المحيا يشع من عينيه بريق الذكاء وتنم على رزانته لحية شقراء تعبث بها أصابع أرستقراطية. وما وقف بباب غرفة رئيس التحرير حتى رفع قبعتهمسلما وانحنى بتأدب محيياً بعبارة عربية لا عجمة فيها ولا لكنة، هي:(السلام عليكم يا سادتي الكرام)
وما سمع الحاضرون هذه التحية العربية الخالصة حتى تولتهم الدهشة ووقفوا إجلالا لها ولملقيها وهم يكادون لا يصدقون انهم أمام أجنبي ينطق بلسانهم بفصاحة العرب الأقحاح.
أما هذا الزائر الشاب المتكلم بالعربية كأحد أبنائها فلم يكن سوى الأستاذ كارلو نلينو الذيأمالقاهرة بطلب من الجامعة المصرية لكي يدرس فيها باللغة العربية تاريخ علم الفلك عند العرب.
ولم يكن تلامذة الجامعة أقل إعجابا بفصاحة أستاذهم الأوروبي وسعة اطلاعه طيلة المدة التي قام فيها على تدريسهم حتى أواخر عام 1912، كما تعداهم الإعجاب عينه إلى الجماهير، لا في مصر وحدها بل في سورية ولبنان والبلدان العربية أيضاً حتى ليبيا وطرابلس وتونس الخضراء والجزائر والمغرب وكل البلدان التي أسعد الحظ رجالها وعلماءها بالتعرف إلى هذا العالم الكبير والمستعرب النادر المثال الذي طاف بكل هذه البلدان بعد أن سبقته إليها شهرته وتآليفه فكان في كل مكان حله وكل مجلس ضمه موضع تقدير أهل العلم، لا لحسن نطقه وطلاقة لسانه في العربية فحسب، بل لسعة معارفه. ولا بدع فهو المستعرب الفذ الذي ملك ناصية اللغة وتعمق في دراستها وتمكن من تاريخ العرب وآدابهم وحضارتهم وكل فرع من فروع اجتهادهم العلمي غير تارك شاردة ولا ورادة من
فقه أو لغة أو نحو أو حساب أو فلسفة أو تاريخ أو هيئة حتى بلغ الغاية فيه على شكل لم يتأت لأي واحد من المستشرقين الذين تقدموه أو خلفوه.
وكل من يدرس تاريخ هذا البحاثة المجاهد في حقل العربية دون كلل ولا ملل يرى أنه تعشق العربية والأبحاث الشرقية منذ حداثته وبرع في هذه الدراسات حدثا يافعا حتى توصل في كهولته إلى التسيطر الفكري على كل ما يتعلق بهذه العلوم فأصبحت له الكلمة العليا بين المستشرقين وقوله هو القول الفصل في كل نواحي الفكر العربي من حضارة وتاريخ في الجاهلية والإسلام لغة ولهجات وقبائل وعادات واديانا ونحلا وسياسة وفلسفة واجتماعا، حتىإنالمرء ليعجب كيف أن قوى رجل واحد وحياة واحدة تكفي لاستيعاب كل ما تقدم، إلى جنب إنتاج خصب امتاز بالدقة والتحقيق ومعرفة تامة بالنصوص على تسام في القصد وتنزه عن الهوى. فعمل الأستاذ نلينو ونتاجه العلمي رفعاه إلى مرتبة سيما بين كبار المستشرقين مثل (سنوك هورجرنيه) الهولندي، وجولد زيهر المجري، ونولدك وولهوزن وريت.
وقد أسعدني الحظ بالحصول على جل مؤلفات هذا المستعرب الأكمل الذي ظل يخدم العربية والشرق حتى الرمق الأخير فأحببت أن ألخص سيرته لكي يرى كل عربي رأي العين كم نحن مدينون له ولأمثاله من المستشرقين، إذ هم الذين كشفوا لنا معميات تاريخنا ولغتنا لعلنا نقتفي إثرهم فنعمل بمثل جدهم ونشاطهم وتفانيهم على إحياء التراث المجيد الذي خلفه لنا أجدادنا فأهمله وارثوه الشرعيون وحفل به الغرباء.
1
ولد كارلو نالينو في تورين عام 1872 وفيها تلقى دروسه الابتدائية والثانوية وتعشق منذ حداثته علم تقويم البلدان وأكب على مطالعة كتب الرحلات. وطالما حدثته نفسه كالكثيرين من أنداده باقتعاد غارب الأسفار واكتشاف المجاهل، ولكن حلمه هذا لم يتحقق، وكان شانه شأن الكثيرين سواه ممن امتطوا متن الخيال صغارا وكبابهم كبارا. على أن إخفاقه كان أجدى عليه فازداد انصبابا على الدرس وتقصى آثار أصحاب الرحلات وأخبارهم وأوصاف البلدان التي أموها حتى استخلص منها وهو بعد في سن الفتوة خريطة لأوساط أفريقيا ومجاهلها.
ولم يكن شغفه باللغات الأجنبية دون شغفه بعلم الجغرافية. وشعر بميل خاص إلى اللغة العربية لانتشارها في بلدان كثيرة من قارتي آسيا وأفريقيا فأكب على دراستها في مجموعة عربية وقعت له في مكتبة بلدية أوديني. ولما تبين ذووه رغبته هذه اهدوا إليه أجرومية في العربية الدارجة ألفها بالإيطالية جوزيه سابيتو. وكان مؤلف ذلك الكتاب مرسلا وجغرافيا معا طاف بلاد الحبشة والمستعمرات الإيطالية الواقعة على البحر الأحمر وعلم العربية في مدرسة فيرنزة العالية ثم في جنوى برغم أنه كان أعرف بالعربية العامية منها بالفصحى. ولكن الشاب نالينو استعان بهذا الكتاب السقيم كما استعان بغيره من الكتب التي كانت تصل إليها يده حتى قطع بكده وثاقب فكره شوطا بعيدا في معرفة اللغة العربية وأصبح قادرا على تفهم النصوص الصعبة قبل أن تفتح له الجامعة أبوابها.
وبينما كان مكبا على درس العربية عكف على دراسة أختيها السريانية والعبرية اللتين تعمق فيهما تعمقه في العربية.
وفي سنة 1899 رشح نفسه لدخول فرع الآداب في كلية تورينو لوجود كرسي فيها للدروس الشرقية يتولاها عالمان شهيران أحدهما ايطالو بينري الذي لم يحل تخصصه في الدروس الفارسية دون إلمامه بالعربية إلى حد أن اصدر مؤلفا في آدابها. وعلى يده تضلع نالينو من العربية وظل حياته كلها حافظا جميله. على أن ميله للأبحاث الجغرافية كان يحفزه للتتلمذ على أحد أساتذة هذا العلم المشهورين بتفوقهم وهو جويدي كورا صاحب مجلة الكوزموس العلمية وأستاذ الجغرافية في كلية تورينو ثم في كلية روما.
وكانت باكورة ميله المزدوج إلى العلوم العربية وعلم الجغرافية إصداره في العام الأخير من دراسته أول تأليف في هذه الأبحاث نشره له أستاذه جويدي في مجلته تحت هذا العنوان: (قياس العرب درجة من قوس نصف النهار وتعديلها بالمقاس المتري) وفي مستهل المقال يخبرنا أنه فرغ من تأليفه سنة 1890 ولكن نشره تأخر عامين بسبب اضطراره إلى الإقامة في موناكو لفحص المخطوطات العربية في مكتبتها الملكية وإعداد برنامج استغرق عمله فيه بضعة اشهر. وفي هذه الرواية ما يدل على مبلغ تضلع هذا الفتى من العربية إلى حد أن يطالع وينتقد من نصوصها ما يتعذر فهمه حتى على المحنكين في حين أنه لم يكن إذ ذاك قد جاوز الثامنة عشرة.
وهذه الباكورة الناضجة من تآليف نالينو نمت برغبته في التخصيص في الأبحاث الجغرافية والفلكية وما إليها عند العرب. وقد خصص لهذا القصد عدة مقالات نشرها في مجلة الكوزموس، منها مقالة ضافية في خمسين صفحة كبيرة ذات أهمية بالغة في تاريخ الجغرافية عندنا عنوانها:(الخوارزمي وتجديد جغرافية بطليموس عند العرب) وذلك على إثر تناوله بالدرس العميق الدقيق نسخة خطية وحيدة عثر عليها في مكتبة ستراسبروغ من كتاب صورة الأرض للخوارزمي. ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن الدقة في البحث وحرية النقد كانتا مألوفتين على الأخص في زمن المأمون في حين أن العرب كانوا يومئذ في بدء نشأتهم العلمية ولبطليموس عندهم منزلة رفيعة تحيط اسمه بهالة من الإجلال والاحترام، لا بل إنهم كانوا ينظرون إلى علمه ومعارفه الفلكية نظرهم إلى الخوارق أو الأعاجيب.
وفي هذه المقالة كما فيما كتبه سواها قبل أن يبلغ الخامسة والعشرين اظهر نالينو من القدرة العلمية في الحساب والهيئة وقراءة المخطوطات العويصة ما حدا العالمين سكابارللي - المستعرب منهما والفلكي - إلى تحميله سنة 1894 مسؤولية استبهظها علماء طائر والصيت يفوقونه سنا هي إشرافه على طبع اجل المخطوطات العربية في عم الفلك وهو كتاب الزبج الصابئ للبتاني ومؤلفه أبو عبد الله محمد بن ثابت بن سنان بن جابر الحراني أزهر في أواخر القرن التاسع واوائل العاشر إبان بلوغ الحضارة العربية أوج مجدها. وكتابه أس من أسس علم الهيئة لا عند العرب فحسب بل في الغرب أيضاً حيث ترجم إلى اللاتينية وانتشر واشتهر حتى أصبح الدستور الذي يمشي عليه هذا العلم في أوروبا المسيحية حتى عهد البحث أو التجديد. ولم تأفل شمسه إلا بعد تغلب نظرية كوبرنيكوس على معتقد الفلكيين الأقدمين.
وأقبل نالينو بملء الارتياح على هذا العمل وهو أعلم الناس بما سيعترض سبيله من المشاق فتوجه سنة 1894 إلى مدريد لكي يطلع على النسخة الوحيدة المعروفة لهذا الكتاب في مكتبة الاسكوريال ولكنه ما عتم أن رجع إلى نابولي لكي يمهد لقيامه بتلك المهمة على الوجه الأكمل، وذلك بدخوله كليتها الجامعة لكي يدرس فيها أصول علم الفلك فيعد نفسه لمجابهة المشاكل التي لا بد أن تعرض له في كتابه هذا خصوصا ما استعصى منها في
جداول أبعاد النجوم وحركات الكواكب المتحيرة التي تؤلف معظم الكتاب وهي أصعب قسم فيه. ولكي يتمكن من تصحيح ما ارتكبه الناسخ من إخلال وتصحيف أجهد نفسه في تحقيق كل العمليات الحسابية التي بنيت عليها أبعاد النجوم وتثبت من أرقامها المشيرة إلى كل نجم بمفرده. ولم يكتف من علم الهيئة بالنظريات بل اقتفى إثر العرب فأكب على الدرس العلمي جامعا ومتصفحا طائفة كبيرة من النصوص غير المطبوعة التي لم يوفق إليها سواء كما راجع عشرات الترجمات اللاتينية القديمة التي صاغ الأصل العربي المنقولة عنه وأعاد النظر في الأصول اليونانية والفارسية والهندية وكل علوم الأقدمين الذين أخذ عنهم العرب.
وبفضل انكبابه المنقطع النظير وتنقيبه المتواصل تكلل سعيه بالنجاح فأتحف العلم بثلاث مجلدات ضخمة جاءت في 1131 صفحة من القطع الكبير يشتمل الأول منها وهو ثلثها على النص العربي للزيج الصابئي ويليه الجزء الثاني وهو ترجمة لاتينية للنص العربي مع شروح وتعليقات ومقدمة تاريخية تعرف الصابئ وتآليفه ومكانته بين فلكي العرب. أما الثالث فيتضمن ترجمة جداول الكتاب باللغة اللاتينية مع فهارس مهمة ومعجم نفيس للمصطلحات الفلكية وشروح لاتينية للتعابير العربية، وفي نهاية الكتاب فهارس تهدى إلى كل مادة من مواده.
وكان من شان هذا التأليف الذي أنفق المؤلف في وضعه أعواما عديدة أنه ألقى بأبحاثه نورا جديدا على علم الفلك وكشف عما بلغه العرب في شرحه وجلائه وأظهر للملأ مقدرة ناشره العجيبة في العربية وتفوقه في شتى فروعها ومصطلحاتها العلمية القديمة والحديثة، مما أكسبه شهرة واسعة في عالم الاستشراق وأحله الذروة بين علماء الهيئة المعدودين.
ومما زاد في شهرته في هذا المضمار حادث جرى له مع زميله المستشرق السويسري سوتر فقد اطلع على كتاب ألفه هذا وضمنه رأيه في فلكيي العرب فكتب له بشأنه رسالة خاصة جاءت في كراس كامل ضمنه ملحوظاته وتنقيحاته وشروحه وتفاسيره، وبلغ من اهتمام العالم السويسري برسالة زميله الإيطالي أن أجلها لأهميتها التاريخية ونشرها كملحق لكتابه مما كان له أجمل وقع في الأوساط العلمية عادة بالفخر على المستدرك والناشر معا.
من أجل ما تقدم تسلم نالينو أعلى المراتب عند العلماء المحققين وأصبح مرجعا يعتمد عليه في كشف الغوامض وحل الرموز الفلكية.
- 2 -
ولا بدع وهذا شأنه وخطره أن يعهد إليه بكتابة مقالات في علم الفلك وأحكام النجوم لدائرتي معارف عالميتين هما الموسوعة الإسلامية التي تطبع في هولندا وموسوعة أخرى إنكليزية.
على أن ما يعنينا مباشرة هو وقوع الاختيار عليه عام 1909 لإلقاء الدروس في الجامعة المصرية في علم الفلك عند العرب وسواهم مما تقدموهم، فلبى طلبها وراح يحيي في ذلك القطر العربي هذه الدروس التي كان من تفوق العرب فيها بعد أن أكسبتهم شهرة عالمية ولكنها لسوء الحظ أصبحت عند أحفادهم أثرا بعد عين.
واستفاض نالينو في أبحاثه في هذا العلم لا عند العرب فحسب بل عند الأقدمين الذين أخذ عنهم العرب كما أبان عما أخذه علماء القرون الوسطى بدورهم عند العرب. وبعد أن سرد تعريفات هذا العلم عند الأقدمين والمحدثين أخذ في الفحص عن مصادر أخبار فلكي العرب ومؤلفاتهم مبتدئا بما كان يعرفه عرب الجاهلية عن السماء والنجوم وحساب النسيء ومنازل القمر وأنوائها. وتطرق إلى مبادئ علم الفلك عند الأمة الإسلامية وما كان من تأثير علم الفرس فيهم وما ورثوه عن اليونان والهنود وتعريبهم لكتبهم. وبعد هذه التوطئة أخذ في ترجمة الذين اشتهروا من الفلكيين العرب وذكر تآليفهم التي وصلت إلينا التي عبثت بها أيدي الضباع وتوغل في الفحص عن أهم مباحث علم الهيئة موضحا رأي العلماء العرب في كل منها فشرح أقوالهم في طبيعة الأفلاك والكواكب وأصل نورها الخ، وأخيرا دار كلامه على اعلم أحكام النجوم مبينا ما أخذه العرب عن أسلافهم وما اخترعوه هم أنفسهم، وأورد المناقشات التي دارت رحاها بين المتكلمين والفقهاء والفلاسفة والمنجمين في تأييد هذا العلم أو بطلانه، فجمع هذه الدروس القيمة في كتاب أتى في 370 صفحة، طبعه في روما سنة 1911، مع فهارس عامة وحواش وتعليقات جعلته تحفة من التحف. وقد تكرمت آخرا الآنسة كريمة الأستاذ الدكتورة مارينا نالينو فأتحفتنا بهذا الكتاب القيم فشكرا لها على هذه المنة.
وبلغ من ارتياح عمدة الجامعة المصرية إلى دروسه وأبحاثه أن جددت التعاقد معه دورتين أخريين حتى سنة 1913. ومما زاد في دهشة ذوي الاطلاع تبريزه في تاريخ علم الأدب
عند العرب على وعورة مسالكه وخشونة مركبه لأجنبي، ناهيك بأنه كان إذ ذاك معدودا من اختصاص العلماء المصريين وحدهم فليس لأجنبي أن يقدم عليه وإلا تعرض لسهام النقد وأثار السخرية والهزء. ولكن مستشرقنا تغلب على كل هذه الصعوبات لأن عربيته كما قدمنا كانت سالمة من كل شائبة لفظا ومبنى. وبدلا من أن يجري على المألوف فيدرس الأدباء تبعا لترتيب الحروف الأولى من أسمائهم نسق تاريخهم وقسمه لما طرأ على علم الأدب من تطورات جوهرية في عصوره الجاهلي والمخضرم والأموي والعباسي ودرس كلا من هذه الحقب مبينا الخاصية الأدبية والفنية التي تميزت بها عن سابقتها ولاحقتها، متقصيا في كل حقبة النتاج الفكري الذي تفردت به نظما ونثرا، مما أنزله في الأوساط الأدبية منزلة لا ينازعه فيها منازع وجعله ذا أثر بين في التقدم العجيب الذي أحرزته اللغة العربية في الربع الأول من هذا القرن. ويكفينا للتدليل على صحة هذا الرأي أن كان بين تلامذته المعدودين الدكتور طه حسين بك زعيم المدرسة المصرية الحديثة في التاريخ والآداب العربية والذي طالما اعترف بأنه مدين لأستاذه نالينو بثقافته الأدبية ونضجه الفكري.
أما البشرى السارة التي نزفها إلى القراء فهي أن هاتيك الدروس التي استقى الأستاذ نالينو مادتها من خطوط قديمة لقي صنوف العناء في قراءتها واستجلائها واعتمد عليها في مقام التدليل والاستشهاد إثباتا لنظرياته واستنتاجاته أصبحت في مأمن من الاندثار إذ ستبعثها قريبا من مدافنها كريمته الدكتورة ماريا نالينو في كتاب متقن الطبع يضم تعليقات وحواشي ضافية وفهارس عديدة. وهي قمينة بالاضطلاع بهذا العبء لأنها من أوسع الناس اطلاعا وأطولهم باعا في هذه الأبحاث في لغتنا واللغات الأجنبية جزاها الله خيرا وأبقاها خير خلف لخير سلف.
وللأستاذ نالينو عدا مؤلفاته الكبيرة مقالات عديدة نشرتها له المجلة الخديوية المصرية سنة 1907 في الجغرافية وأسماء الأمكنة في البلاد، على الأخص ما وضعه من القواعد لنقل الأسماء العربية إلى الإيطالية وكيفية التوصل إلى ضبط الأسماء الجغرافية في طرابلس وبرقة وما كتبه من المقالات العلمية للموسوعة الإيطالية. وقد امتاز في كل ما كتبه بالتعمق في الدرس وإيفاء الموضوع حقه من البحث والتنقيب كما كان بطبعه عدوا للمطرق
والسطحي فيلج العباب ويغوص على اللباب ويعود بكل مجهول طريف.
- 3 -
وإذا انتقلنا من علوم الطبيعة إلى علم العقل نرى إنتاج نالينو في هذا الحقل ينمو ويزداد، وإذا نظرنا إلى اللغة من مختلف نواحيها فصيحها وعاميها وبائدها، نرى نالينو قد امتلك ناصيتها وأخذ بأعنتها حتى ليكاد يلم بكل ما دق وخفي من قواعد صرفها ونحوها ولا يلتبس عليه أدنى صوت من مقاطع لهجاتها. وأصدق شاهد على قولنا هذا كتابه في (العربية المتكلم بها في مصر) الذي أصدر الطبعة الأولى منه سنة 1910 وأعاد طبعه سنة 1913. وبيت القصيد في هذا الكتاب مقدمته التي لا تتأتى كتابة مثلها إلا لعربي متضلع من لغته إلى أبعد حد.
ومثل ذلك يقال في الملحوظات التي أوردها بشان اللغة التونسية ونشرها في مجلة الشرق الحديث الذي كان يصدرها باللغة الإيطالية. وقد أسعفه على التقصي ما امتاز به من دقة حاسمة السمع ومرانه الطويل في رحلاته المتعددة إلى تلك البلاد.
وقد أولى الجاهلية عناية فائقة وكرس لبحثها وقتا طويلا. ففي سنة 1893 ظهر له وهو بعد فتى مستفيض عن نظام القبائل العربية قبل الإسلام أبدى فيه من الرصانة في الحكم إلى جنب البحث في القبائل العربية وتاريخها وأساليب معيشتها وعلاقاتها الاجتماعية ما حدا بالأب لامنس اليسوعي المعترف له بالتفوق في هذا المضمار إلى ذكر هذا الفتى بعد انقضاء عشرين عاما على صدور مقاله.
ولهذا المستعرب أبحاث كثيرة لم تنشر؛ ولكن ما كان نصيبه النشر منها يثبت معرفته التامة بلغات جنوبي الجزيرة العربية وهي المعروفة بالحميرية التي تفرعت منها لهجات عديدة منها المعينية والسبئية والحضرمية والقتبانية الخ، وجميعها تختلف عن العربية الفصحى كل الاختلاف. أما ما اتصل بنا منها فالفضل ببقائه عائد إلى النقوش التي عثر عليها في المغاور والصخور الكائنة على طريق القوافل القديمة. وقد بدأ المستشرقون منذ سنة 1834 في قراءة حروفها وحل رموزها غير مبالين بالصعوبات التي تعترض سبيلهم لتعذر الوصول إليها. أما النصوص الحميرية التي نجدها في كتاب الإكليل للهمذاني فليست سوى نصوص مزيفة لفقها المؤلفون كابن وهب ومحمد الكلبي وابن هشام وتقتصر على
بعض كلمات عربية إلى جنب كلمات حميريةقليلة اهتدوا إليها مما عثروا عليه من الآثار، وقد تناول نالينو هذه اللهجات البائدة واثبت معرفته التامة بها في مقال طويل تناول فيه بالنقد والتحليل كتابا أصدره العالم الإيطالي السيد كونني روسيني باللاتينية عنوانه (مجوعة نصوص عربية جنوبية).
وعلاوة على أبحاثه في الكتب كان نالينو يتحف بعض المجلات العربية في مصر والشام بمقالات في اللغة والأدب، منها مقالة نشرتها له مجلة الهلال سنة 1917 كانت من الجرأة الأدبية والأهمية العلمية بمكان وعنوانها (كيف نشأت اللغة العربية) انتهى فيها إلى الاستنتاجات التالية:
إن اللغة العربية الفصحى هي بلا شك لغة الشعر الجاهلي المدون في كتب السلف. ومزية هذا الشعر أن ما فيه من أوصاف وتشابيه وأفكار ومعان يدل على أن مبتكريه هم الأعراب أهل الوبر، أخذه عنهم الحضر وقلدوه لغة وأسلوبا. ولما كان من الثابت أن معظم آداب الجاهلية انحصرت في القريض لزمنا القول إن العربية الفصحى كانت لهجة من لهجات هاتيك القبائل التي أخذ عنها الشعر والتي شد إليها الرواة فيما بعد الرحال وتلاهم النحاة الذين دونوا أصول اللغة وقواعدها لكي يأخذوا عنها صحة النطق وتقويم اللسان وتفسير الغريب وشواهد النحو، وإذا أمعنا النظر في تاريخ القبائل التي كان لها القدح المعلي في الشعر انتهينا إلى الجزم بأنها كانت القبائل المعدية المنضوية تحت لواء كندة قبل منتصف القرن الخامس. وكانت نهضة الشعر الجاهلي وبلوغه أوج الإجادة في عهد ملوك كندة الذين كانوا امرؤ القيس آخرهم، وقد وتوفي بين 530و540، وإذن فاللغة الفصحى مردودة إلى إحدى اللهجات النجدية وقد تهذبت في عهد المملكة الكندية ونقلت دون سواها من اللهجات وأصبحت لغة الأدب السائدة وبها نزل القرآن على محمد فأصبح مرجع العرب الديني والسياسي واللغوي.
وفي ثنايا هذا المقال ينفي زعم الكثيرين بأن قريشا كانت أفصح العرب إذ في رأيه أنه لو صح هذا الزعم لأخذ الرواة والنحاة الشعر والنحو عن قريش وأهملوا عرب البادية. ولو كان التنزيل بلغة قريش لاعتمد الشراح أهل مكة في تفسير ما استغلق من غريب القرآن. زد على ذلك أن قريشا لم ينبغ فيها شاعر مشهور ولا خطيب مذكور، فلا شك إذن في أن
ما ذهب إليه الناس من القول بتفضيل لغة قريش لم يكن مصدره سوى حب الرسول واعتبار تكريم قبيلته تكريما له.
وغريب أن يتفرع نالينو للكتابة في المجلات والجرائد إبان انصرافه إلى الدروس التحليلية وإلقاء المحاضرات في جامعتي مصر وروما، وكانت محاضراته في الجامعة الأخيرةخاصة بتاريخ اليمن القديم وجاهلية بلاده مما ساعد كثيرا على فهم الإسلام ونشأته. وما من شك في أنه لو استطاع لنشر هاتيك المحاضرات القيمة وخلعها إرثا ثمينا.
ومما زاد في مشاغله انكبابه الوقت الطويل على تنقيح مؤلف جاء في ثلاث مجلدات ضخمة كان أصدرها المستشرق الإيطالي ميكالي اماري وتناول فيها تاريخ مسلمي صقلية، وقد عنى نالينو بضبط الأسماء والتواريخ وذكر المصادر من كتب مطبوعة ومخطوطة بحيث جاء ذلك الكتاب دليلا ساطعا على سعة اطلاع هذين العالمين المستعربين.
ويقصر باعنا وعلمنا ويضيق بنا الوقت والمجال عن ذكر كل ما ألفه علماء الغرب وعلى الأخص نالينو مما لا عهد لصحافتنا وكتابنا بمعالجته وكله يتعلق بالإسلام. وقد نقب عليه في فقه اللغة وغريب اللغة والشرع الإسلامي والفرق الإسلامية، قديمة كانت كالخوارج والشيعة والمعتزلة والقدرية، أو حديثة كالوهابية. وعلى هذه الصورة من المتانة في التعبير والدقة في البحث جاء ما كتبه عن المتصوفة في الإسلام وأشعار ابن الفارض والرئيس ابن سينا في الحب الإلهي والفروق التي تفصلهما عن متصوفة اليونان المشركين.
- 4 -
وظل نالينو منذ نشأته معنيا بشؤون الشرق، قديمها وحديثها حتى تنبهت إيطاليا إلى ما للشؤون الشرقية والإسلامية من الأهمية في ساسة الدولة، وكان ذلك على اثر خروجها من الحرب العالمية الأولى فإنشأ (اماديو جانيني) في روما معهد الشرق وعهد نالينو بإدارته العلمية. وكان في مجلة مقررات المعهد إنشاء مجلة شهرية بعنوان (الشرق الحديث) تبحث في الشؤون السياسية والاقتصادية التي تتعلق بالمشرق الإسلامي فقام نالينو بالمهمة التي أسندت إليه خير قيام. وكان في الوقت نفسه يشرف على المجلة ويتعهدها بقلمه ويودعها من الأبحاث كل طريف مفيد. وعلى كثرة مشاغله لم يكن يهمل مطالعة كل ما يرد عليه من المجلات والجرائد والمنشورات العربية على اختلافها ويستفيد مما يطالعه أبحاثا للمجلة
التي لا تزال توالي الصدور بعد أن أفل نجم منشئها المتوقد.
ويجمل بنا ذكر المكتبة النفيسة التي أنشأها هذا العالم العامل وأودعها كل ما عثر عليه واستطاع اقتناءه من الآثار الأدبية والعلمية في البلدان العربية التي زارها وكل ما صدر في أوروبا من كتب الاستشراق حتى أصبحت أغنى مكتبة خاصة بالمختار من الكتب النادرة. والغريب أنه بدأ بجمعها وهو بعد فتى رقيق الحال قليل المال وزادها أضعافا بعد أن اصبح في يسر وإقبال.
وبلغ من شهرته العالمية أنه انتخب عضوا في الجمعية الملكية الآسيوية في لندن والجمعية الألمانية المضارعة لها، وهو مشرف رفيع نادر لم يظفر به سوى فطاحل العلماء. أما في الشرق فقد عرفت له جمعياتنا العلمية مكانته وضمته إلى سلكها ابتداء بالجمعية الملكية المصرية سنة 1932 كما أصبح من الأعضاء العاملين في مجمعي دمشق وبغداد. وفي سنة 1938 أم البلاد السعودية فاستقبل فيها بالإكرام والإجلال وطاف بها من العقبة حتى الطائف تصحبه كريمته الآنسة ماريا غير عابثة بقطع القفار وتجشم الأخطار. وبهذه الرحلة تمت له أمنية طالما راودته وكان اغتباطه عظيما بتغذيته بصره وتشنيفه سمعه بما وعاه ذهنه من أوصاف تلك البلاد وما كتبه بشأنها من أبحاث وألقاه من دروس فعاش مع أهلها عيشة البداوة واطلع على عاداتهم وسمع لهجاتهم وإنشادهم الشعر في سمرهم وهم يصطلون في خيامهم السود أو متكئون حلقات على بساط الرمال. وهناك استعاد إلى ذهنه الحوادث الجسام والانقلابات التاريخية التي مثلت فيما عبر على مسرح تلك الجزيرة المترامية فطوت الأيام الحوادث والرجال وبقى المسرح شاغرا لتحتله فرق جديدة تمثل عليه أدوارا ترمز إلى العصر الجديد.
وكانت أمنيته الثانية بعد عودته أن يصف تلك البلاد وصف شاهد عيان ويقيم المقابلة بين ما عرفه من ماضيها وما خبره من حاضرها ولكن شاءت الأقدار أن يكون تسليمه عليها وداعا وأن تكون آخر بقعة أمها ولم يمهله ريثما يستعيد ذكرياتها في خلواته ويدون بشأنها معلوماته فذهب في سنة 1938 مذكورا بمآثره الغر مأسوفا عليه من كل من عرف فضله ونهل من ينبوع علمه الفياض ليتلألأ كنجم ساطع في سماء النبل والفضل وينعم بالخلود.
العصبة الأندلسية
يوسف الخوري
مطالعات في العهد القديم
الخطيئة والمعرفة
للأستاذ محمود الشرقاوي
في أمسية من أمسيات هذا الشتاء المنقلب المضطرب القاسي وكان يوما غائما لم تظهر له شمس، دخلت إلى خزانة كتبي وأنا قلق النفس ابحث عن شيء ولكني لا أدري ما هو، وأشعر في داخل نفسي بشيء من ذلك الشعور الحزين الغامض الرقيق لم أدر له سببا ولم أدرك له تعليلا، اللهم إلا أن يكون مشاركة الطبيعية فيما هي به من الظلام والكآبة والقلق، أو هو انسحاب ما في السماء من غيوم إلى ما في النفس من إحساس.
وقفت أمام الخزانة لاختار كتابا، من غير قصد، أي كتاب، أسري بالمطالعة فيه عن نفسي واصرف عنها هذه الكآبة الغامضة الرقيقة.
هذا تفسير الكشاف، نعم، ولكنه يحتاج إلى تدبر وإمعان وتهئ، وليس نشاطي الآن مما يساعد على التدبر والإمعان.
هذا ديوان البحتري، نعم، ولكنه شعر، وما أنا بسبيل البحتري وما فيه من صياغة وتحتاج إلى نفس ناصعة كشعره لا إلى نفس غائمة تغشاها هذه السحابة من الحزن.
هذا هو الكتاب المقدس بعهديه، القديم والجديد، نعم. لأقرأ فيه شيئا. ولا بد أن ينسكب شيء مم فيه من الأيمان والاطمئنان على ما في نفسي من الجزع والقلق.
وأخذ الرب الإله آدم، ووضعه في جنة عدن ليعمل ويحفظها وأوصى الرب الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلا، وأما شجرة (معرفة الخير والشر) فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتا تموت.
وقالت الحية الخبيثة للمرأة (أحقا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية، من ثمر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا، فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه (تنفتح أعينكما) وتكونان كالله عارفين الخير والشر).
قد تكون الخطيئة إذن هي الطريق للمعرفة؛ والثمرة المحرمة قد تخرج الإنسان من الجنة إلى محنة الحياة ولكنها تخرجه أيضاً إلى عالم المعرفة والإدراك والتجربة والنور، أو كما
قالت الحية تفتح العين وتجعل الإنسان كالله عارفا الخير والشر، ولذلك عندما أخذت المرأة (من الثمرة وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل، انفتحت أعينهما وعلما أنهما عاريان) وكانا من قبل أن يأكلا (كلاهما عريانان، آدم وامرأته، وهما لا يخجلان) وعند ذلك خطا (أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر)
كانا عريانين من قبل الخطيئة ولكنهما لا يخجلان لأنهما لم يدركا عريهما، فلما أكلا من الشجرة المحرمة عرفا الخير من الشر والحسن من القبيح وأدركا عريهما فاكتسيا.
وهذه ثمرة الخطيئة. المعرفة.
ولذلك قال الرب وهو ينادي آدم في الجنة (أين انت؟ فقال. سمعت صوتك في الجنة فخشيت، لأني عريان فاختبأت) فقال له: من أعلمك أنك عريان! هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألا تأكل منها!) فقد عرف آدم إذن - كما قال الرب - عريه في خطيئته.
وكانت هذه الثمرة، أو هذه الخطيئة، سببا في أن غضب الله على آدم وزجه وعلى تلك الحية الخبيثة التي أغرتهما بالمعرفة ليخطئا أو جعلت المعرفة سبيلا لمقارفة الخطيئة، فعاقب الله الثلاثة على السواء، وكان عقاب آدم وحواء أن يخرجا من الجنة، ولعن الله الأرض كلها بسبب آدم وجعله (بالتعب يأكل منها كل أيام حياته وشوكا وحسكا تنبت له ويأكل عشب الحقل). ويعرق وجهك تأكل خبزا حتى تعود إلىالأرض التي أخذت منها لأنك تراب والى التراب تعود).
وقد تال آدم وحواء هذا الغضب كله من الله وخرجا من الجنة مطرودين، ولكنهما أدركا (معرفة الخير والشر) وهذه المعرفة نفسها - بنت الخطيئة - قد أوشكت أن ترد إلى آدم وحواء ما فقدا من الحياة الأبدية حتى يخرجهما الله من جنته قبل أن تدلهما المعرفة على شجرة هذه الحياة الأبدية الدائمة. فإنه بعد ذلك يقول الرب الإله:(هو ذا الإنسان قد صار (كواحد منا) عارفا للخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياةأيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد) وأخرجه الرب الإله من جنة عدن (ليعمل الأرض التي اخذ منها).
فهذا آدم الذي أخرج من الجنة بالخطيئة، كاد أن يدخل في زمرة الآلهة بنفس الخطئية.
ومن الناس من يعيش الآن - على الأرض الملعونة - وهو سعيد ناعم، كأنه في الجنة، لأنه يعيش على هامش الحياة تلك الحياة النباتية التي لا تنفعل ولا تتأثر ولا تدرك إلا ما
يحيط بها أو يمس خاصة شأنها أو طعام يومها. فهي في نعيم ولكنه بعيد عن (نعيم) المعرفة. ذلك النعيم الذي لا يدرك ولا ينال إلا بالاقتحام وشجاعة القلب والذهن والمغالبة والإقدام.
وكذلك كانت حياة الرواد والمخترعين والمفكرين والقادة وكل أولئك الذين أفادت البشرية كلها من حياتهم ومعرفتهم وتفكيرهم وخطاياهم، قديما قال الشاعر العربي
ذو العقل يشقى - في النعيم - بعقله
…
وأخو الشقاوة - في الجهالة - ينعم
وكذلك يقول العامة (المجانين في نعيم.!)
ولحكمة بالغة أراد الله لآدم وحواء أن يقارفا الخطيئة حتى يعرفا - ونسلهما من بعدهما - الخير والشر، وما قيمة الحياة بلا معرفة.؟
وفي كتب العقيدة الإسلامية والتفسير - وخاصة كتاب (المواقف) - مباحث بارعة عن الإنسان والملائكة وأيهما افضل.؟ الملاك الذي لم يقارف معصية لأن الله برأه من الشهوات والنزوات والرغبات وخلقه بفطرته للطاعة؟ أم الإنسان الذي خلقه الله وركب فيه النوازع والرغائب وسلط عليه همزات الشياطين؟
محمود الشرقاوي
ألكسيس كاريل
للأستاذ عبد الفتاح الديدي
عقلية من تلك العقليات الخصبة التي أفادتها الخبرة أكثر مما أفادتها المعلومات، وذهن صوفي متطلع إلى معاني الحياة بين المظاهر المعاشية دون توقف عند حدود المسطور والمقروء. فهو مثال الرجل الذي يحس الإنسان عند قراءته بأنه في حضرة مفكر ابتعد عن التفاصيل والتفت إلى الكليات ونظر في حقائق الامور، لا من حيث هي مبحث موقوف على نوع خاص من أنواع الدراسة، وإنما من حيث هي مجال للتأمل والتدبر في كل حين، وعند كل إنسان. فثقافته أكبر من تعليمه، وتربيته أكثر من معرفته، فجاءت كتبه حية تنبض فيها الدم، عميقة تأسر اللب، واضحة وضوح العبقرية المتزنة بعد أن اضطربت في كمينها عصارة العلم والفلسفة والأدب جميعا.
ذاك هو الكسيس كاريل مؤلف كتاب الإنسان ذلك المجهول ولد في فرنسا بالقرب من ليون في سنة 1873. وبعد أن نال الدكتوراه ودرجة أخرى في العلوم سافر إلى الولايات المتحدة عام 1905 حيث اشترك في معهد روكفلر للأبحاث الطبية بنيويورك ولم يعد من هنالك إلى فرنسا مرة أخرى إلا بعد أربع وثلاثين سنة أي في عام 1939، واشترك بعد هذا في أعمال حربية حتى نوفمبر من عام 1944 حيث مات تاركا تراثا علميا رائعا ومخليا بعض الكتب من غير إتمام. ومن مؤلفاته كتاب عن الصلاة وكتاب بعنوان (الطب الرسمي وطب الزندقة) وقصة كتبها في سن الثلاثين بعنوان (رحلة مدينة لورد). وهذه القصة بوحي من زولا ومطبوعة في مجموعة تضم يوميات وتأملات وابتهالات. أما كتابه عن (سير الحياة) فقد كان يزمع أن يجعله على طراز الإنسان ذلك المجهول ومكملا له. إذ جاء كتابه الإنسان ذلك المجهول فريدا في نمطه، فذا في نوعه، ومشجعا له على أن يتبعه بآخر من نفس الطراز. وقد اشتهر هذا الكتاب في الأوساط الثقافية جميعها: أوربية وشرقية، لما فيه من تجربة إنسانية عميقة ونظرة عليمة ممتزجة بروح صوفية جارفة.
وقد حاول كاريل أن يوقف هذا الكتاب بصفحاته الثلاثمائة على دراسة الإنسان من نواحيه المختلفة؛ وكان يؤمن بأنه لا بد من أن نعطي تخطيطا عاما لما تقدمه لنا العلوم المختلفة من المساعدات إذا شئنا أن ندرك حقيقة ذواتنا وأن نقف على ماهية نفوسنا. ومن الضروري
في رأيه - علاوة على ذلك - أن نصف في تدقيق شامل وفي تفصيل كامل تلك العمليات الطبيعية والكيميائية والفسيولوجية التي تختفي من وراء ذلك الاتساق الجمالي في حركاتنا وأفكارنا. وكان مقدرا لهذا العمل أن يكون مستحيلا لو لم تسمح لنا أساليب المعيشة في العصر الحديث من الملاحظة والتجريب، ولو لم تقدم لنا المعونة من اجل تحقيق هذه الرغبة الهائلة. فبفضل المنشئات العلمية التي تعني بالنواحي المختلفة من الإنسان استطاع الدكتور كاريل أن يمد التفاته وأن يرعى بنفسه مجالات الحيوية الكثيرة لدى الأفراد.
وليس لكتابة هذا من غرض كما يقول هو نفسه إلا أن يجعل تحت أيدي الناس مجموعة من النتائج العلمية والحقائق الخاصة بالكائن البشري الذي يحيا في هذه الفترة بالذات. فعلى هذا النحو يمكننا أن نلمس جوانب الضعف في مدينتنا ونحس بما بدأ يظهر عليها من أعراض التهالك والانهيار. فإذا صح أن هناك طائفة معينة نخصها بهذا الكتاب الذي بين أيدينا فأظنها تلك الطائفة التي آثرت الهروب من حياتنا الاجتماعية والإفلات من أسر عادلتنا الحديثة وقيودنا المصطنعة. والكسيس كاريل نفسه واحدا من هؤلاء؛ إذ آثر في آخر أيامه أن يعتزل في جزيرة سانت جيلدا حيث أمضى بقيه عمره.
ولما تأمل كاريل حياة المجتمع الحديث أحس بأننا قد شغلتنا المسائل الشكلية عن أمور جوهرية في غاية الأهمية بالنسبة إلى الإنسان في معاشه وتصرفه ووجوده. ولعل حياتنا اليوم قد غدت أكثر صعوبة وتعقيدا وأشد اضطرابا وأدهى للتفكير في أمر موقفنا منه بعد كل هذه التغيرات. وإذا كان للعلم في حد ذاته قيمة ما، فذلك لأنه يؤثر في كياننا بأجمعه ويجعلنا نرتد إلى أنفسنا ونناقش أفعالنا ونجدد أخلاقنا. أما أن يكون العلم مدعاة للانشغال عن الإنسان بهذه الأشياء العارضة في حياتنا، وبهذه المظاهر التي تنأى بنا عن الذوق والخير والصحة، فذلك أكبر دليل على أننا لم نحتط للثورة التي أحدثناها بايدينا، ولم نعد العدة من أجل أن نوجد مثالا حيويا يحقق آمال الإنسان وأمانيه قبل أن يرضي مطامعه وشهواته.
ومن هنا حاول كاريل أن يؤكد ظاهرة التكيف وأن يضعها في المرتبة الأولى من مظاهر الحيوية الإنسانية. وذلك طبيعي بالنسبة إلى عقليته التي ترى ضرورة المواءمة بين علوم العصر الحاضر وبين حياة الإنسان في المجتمع. فالعلم الذي لا يفيد في أستناد الإنسان إليه
عند حل مشاكله المختلفة لا ينفع في شيء ولا يؤدي إلى نتيجة ذات قيمة. وظاهرة التكيف هي الأمل الوحيد الذي يفتح أمام الإنسان منفذا إلى حياة مستقيمة كريمة بازاء أحداث الحياة ودلائل الحضارة. ثم أن الدكتور كاريل يؤكدها ويبين خطرها وهو يعلم أن الأمر لا يقتصر على الاستفادة من جانبها الفسيولوجي، وإنما يمتد اكثر فاكثر إلى الناحية الاجتماعية وهي الناحية الجديرة باعتبارنا بما نتصف به من الآدمية. فالمفكرون والفلاسفة يعرفون ظاهرة الجسم الطبيعية في تكيفه مع البيئة ومع الحرارة والبرودة ومع المؤثرات الخارجية، ويعلمون أن قد كان من المستحيل على الأطباء أن يتقدموا قيد أنملة في علوم الجراحة والتضميد لو لم تكن هذه الظاهرة محل عنايتهم واهتمامهم. ولا بد لهم بعد ذلك أن يتعضوا بالتقدم الهائل الذي أحرزه الأطباء نتيجة لالتفاتهم إلى هذه الحقيقة. إذ أنهم يستطيعون في بابهم أن يقيموا علوما في غاية من الخطورة على أساس من بحثهم لظاهرة التكيف الاجتماعي.
فالعمليات الحيوية العقلية تجنح إلى خدمة الفرد وأعانته على أداء مهماته. مثال ذلك أن الإنسان يندفع عادة وراء فضوله ورغبته الجنسية، وطموحه وحبه للمال حتى يجد نفسه في أجواء غير مألوفة لديه أو لعلها تصل إلى درجة المعاداة له. وها هنا يتحقق من ضرورة الغلبة والانتصار على العناصر التي تحيط به أو أن يكبت الدوافع التي تشب في صدره وتتأجج في خاطره. ومن المستحيل أن يتم لنا العمل الأخير للقضاء على النزعات الباطنية من غير أن نعني بالتكوين الفردي المستقل للإنسان. أما عن العمل الأول، وأعني به الغلبة والصراع مع العناصر المحيطة والظروف المجتمعة، فلا شك أن الإنسان يحتاج عند النزول إليه والاشتباك فيه إلى قوة شخصية وطاقة نفسية تعينه على أن يطمح ولا يطمع، وأن تمتد يده بالحق، وأن يضرب في صفوف الخير، وأن يسعى بغير أن يسيء سعيه إلى الآخرين. ليس هذا فحسب وإنما يدخل ضمن عملية التكيف الاجتماعي هرب الإنسان عند اللزوم. فالهرب لا بد منه في كثير من الأحيان وخاصة عندما يستحيل النمو الصحيح والتكامل المشروط مع المجتمع الذي نعيش فيه.
فهناك أشخاص لا يستطيعون أبدا أن يتكيفوا مع الجماعة. من بين هؤلاء ضعاف العقول، ومن بينهم من سلم عقله ولكنه أمضى فترة طويلة بين الأشرار والأوغاد حتى استحال عليه
أن يعود من جديد فيتكيف مع الحياة الاجتماعية السليمة. وإن لم يستطع علماء الاجتماع أن يستفيدوا من هذه الظاهرة فاغلب الظن أن علومهم ستكون قليلة النفع بالنسبة إلى المستقبل. ومن هذا كله نرى أن أهم ما في ظاهرة التكيف هو أنه تفتح أبواب الأمل للإنسان المسكين في تقدمه وارتقائه الذي يحدث على صورة وثبات ونهضات متفاوتة أو حركات طورية مستديمة.
ثم في هذا الكتاب الذي وضعه كاريل تفصيل دقيق لفكرة الزمن. ولأول مرة في تاريخ علم النفس يأتي باحث ليقدم مثل هذه الدارسات القوية العميقة في آن واحد. لقد حاول أن يحدد أنواع الزمن فجاءت ارع من بينها زمن جديد بالمرة هو الزمن الفسيولوجي. وكما استطاع كاريل أن ينتقل بظاهرة التكيف من مجالها العضوي المحدود إلى مجالات الحياة الفسيحة، حاول ها هنا في كلامه عن الزمن أن يبرز أهمية الزمن الفسيولوجي كم الناحية البيئية الخالصة. وهو في أصله عبارة عن الوقت الذي يستغرقه الجرح حتى يلتئم أو الذي يمر على العضو الجسدي إبان تكوينه.
وتكلم بإفاضة عن الزمن النفسي فقال إنه نوع من القياس الشعوري لكمية العواطف والانفعالات التي تتدفق من باطن الوجدان ومن داخلية الفؤاد ساعة تأثره وتجاوبه مع الوقائع الجارية في حياتنا الخاصة أو العامة. وإذا كان يمكننا القول بان الزمن النفسي يعتمد على شيء سواء فلن يكون ذلك الشيء غير الذاكرة الإنسانية. إن الذاكرة هي التي تجعلنا نحس بمرور الزمن وبتواصله على قدر ما تعيننا الأحداث في الخارج أو تصوراتنا الخاصة داخل نفوسنا. والدليل على ذلك أن تكوين شخصيتنا على وجه التعميم قائم على أساس من تذكرنا للتاريخ الفردي واستحضارنا لما جرى لنا في الأيام الماضية.
والملاحظة الثانية التي يسوقها كاريل في تعليقه على الزمن النفسي هي التي يعتمد عليها في تأييد وجه الاختلاف والتباعد بين كل من الزمن الفزيائي والزمن النفساني. فها هنا يذكر أن الزمن الطبيعي (الفزيائي) الذي يمضي علينا في سن الطفولة والبلوغ لا يزيد عل ثمانية عشر عاما، بينما تزيد سنوات النضوج والشيخوخة في عمر الفرد على الخمسين أو الستين. فالإنسان يبدأ في فترة نمو قصيرة ثم تعقبها فترة تمام وانحلال طويلة. ومع هذا فإن الزمن الفزيائي يفقد كل قيمة هنا تبعا لشعور الإنسان بان سنوات الطفولة طويلة
وبطيئة بينما يحس أن السنوات تكون قصيرة جدا أثناء الشيخوخة. وهذا يثبت مفارقة عجيبة ويبرهن على أن الزمن النفسي محل اختلاف دائما في تقديره والإحساس به وتعداد جزئياته عند الأفراد.
وهنا يجري قلم كاريل بفقرة تعد من أرفع ألوان الكتابة الأدبية. يقول (تبدو لنا أيام طفولتنا كما لو كانت بطيئة جدا. أما أيام نضجنا فتمتاز بسرعتها التي تبعث على الفزع. وقد يكون هذا الشعور ناجما من إننا نضع الزمن الطبيعي بطريقة لا شعورية داخل إطار المدة. ويبدو لنا الزمن الطبيعي مختلفا من غير شك عن تلك المدة بصورة عكسية. إذ ينزلق الزمن الطبيعي بسرعة واحدة بينما تنقص سرعتنا نحن دائما. ويشبه ذلك نهرا كبيرا يجري في سهل، ويمشي في ذلك السهل إنسان نشيط محاذيا النهر منذ طلوع النهار. وتبدو له المياه آنئذ كسولة ولكنها تزيد من سرعتها شيئا فشيئا. وعند الظهيرة لا تسمح المياه لذلك الإنسان النشيط بأن يتخطاها. . أما إذا اقترب المساء فإنها تضاعف من سرعتها، وغالبا ما يقف الإنسان بينما يمضي النهر في طريقه بغير إشفاق. والحق أن النهر لم يغير قط من سرعته ولكن سرعة خطونا هي التي نقصت. ومن الممكن أن نعزو البطء الظاهر في بدء الحياة، وقصر المدة الختامية إلى أن السنة كما نعلم تمثل لدى الطفل والشيخ نسبا مختلفة من حياتيهما الماضيتين ومع ذلك فإن الأكثر احتمالا هو إننا ندرك إدراكا غامضا مشى زماننا الداخلي الذي يبطيء إلى غير حد والذي يتمثل في عملياتنا الفسيولوجية. وكل منا هو الإنسان الذي يجري على طول النهر ويعجب حينما يشتد تزايد سرعة مرور المياه.)
وأخطر وأهم من هذا كله ما يقوله الكسيس كاريل عن ظاهرة التصوف. والذي يمتاز به هذا الجانب النظري في عرضه هو أنه امتزج بروحه وصادف تجاوبا مع نفسه ولاقى ميلا واندفاعا هائلين من داخلية ذاته يؤيدان تفكيره وهواه. وحماس كاريل النظري في العرض الفلسفي لهذه الظاهرة لم يكن مجردا من التجربة الشخصية ولم يكن محروما من التأييد الحيوي. فكان كاريل متصوف قبل أن يكون في عداد العلماء، وجرت عليه نزعته تلك متاعب كثيرة، إذ اعتبره رجال الكنسية خارجا على أحكام الدين. وبعض أقواله تذكرنا بالوثنيين الأقدمين. قال في يومية بتاريخ 31 يوليه 1941 (يستطيع الذين بقدرة فائقة أن يعين الإنسان على ملاحظة قواعد الحياة بناء على ما يضيفه العنصر العاطفي إلى العنصر
العقلي. إن الناس مهيئون على نحو يجعلهم محتاجين إلى التجاوب مع كائن حي أكثر من تجاوبهم مع فكرة ما. وكثير من الناس قد ضحى بحياته من اجل وطنه، ولكن التضحية تكون أكثر إمتاعا إذا كان موتهم من اجل نابليون. إن حب الرجل أقوى من حب الفكرة. إن الراهبة التي تقوم منهوكة في الرابعة صباحا كيما تبدأ عملا لا ينتهي أبدا، إنما تبذل هذا المجهود المخيف حبا في المسيح وحبا للمساكين والصغار، وليس ذلك من الشعور بالغيرية أو من الرغبة في شغل عمل بين الناس. ولذلك فإن الدين يبث في السلوك عنصرا عاطفيا. فهذا الكلام على صحته وعمقه لا يلائم جماعة المتدينين الذين يريدون التجريد ويزعمون الخلاص تجربة الروح بين أجراس الكنيسة وإنشاد الآباء.
ومن ابتهالاته التي نشرت في نهاية قصة مدينة لورد قوله: إلهي: أشكرك لأنك حفظت لي الحياة أمدا أطول من الأمد الذي خصصت به زملائي الأقدمين. قبل أن تطوي الكتاب هبني من لدنك فضلا يريني ما خفي علي حتى الآن. لقد كانت حياتي كالصحراء بسبب حرماني من معرفتك. . . فلتأمر على الرغم من الخريف بأن تزهر الصحراء. وستكون كل دقيقة من الأيام التي تبقت لي موقوفة لجلالك. ولا أطمع في شيء من أجل نفس سوى رحماك. وسأبقى بين يديك كالدخان الذي تحمله الرياح. فاعطني النور حتى أقوى على إعانة أولئك الذين أحبهم. ومن كلامهأيضاً في هذا الباب: إلهي. خذ بزمامي بعد أن تهت في الظلام. وسأفعل كل ما توحي علي إرادتك بفعله. ينبغي أن أقترب من جلالك يا إلهي بكل نقاء وتضرع. فكيف أصلح الشر الذي تسببت فيه الآخرين وآتي اليوم خيرا كنت قد قصرت في فعله؟
ومن ابتهاله ليلة عيد الميلاد: أي إلهي. كم آسف لأنني لم أستطع أن أفهم شيئا في الحياة! وكم آسف لأنني قد حاولت أن أفهم أشياء من العبث أن نحاول فهمها. فالحياة لا تحتوي على الفهم وإنما على الحب ومساعدة الغير والصلاة والقيام بالأفعال. فليكن أجلي متأخر يا الهي، ولتأمر بان تظل الصفحة الأخيرة من الكتاب غير مكتوبة حتى يمكن أن يضاف فصل آخر إلى هذا الكتاب الفاسد. تكلم فعبدك الحقير منصت لك. أنه يهبك ما بقي له، ويضحي من أجلك بحياته كما لو كانت صلاة. أنه يطلب إليك أن تهديه سواء السبيل. . سبيل البسطاء والمحبين والمصلين فاغفر له كل الأخطاء التي جناها في حياته. وأعط
النور من كان جاهلا بالمرة. فكل لحظة من الزمن تسمح له بأن يحياها ستمر لتحقيق مرادك في السبيل الذي تختاره أنت من أجله. أي إلهي. في هذا اليوم الذي يعيد ذكرى ميلاد ولدك، أجعل منك النهاية الكلية لذاتي وأرسم عليك حدودي آسفا لأنني قد مررت خلال الحياة كالأعمى.)
فألي هؤلاء الذين يؤمنون بالباطن من أهل التصوف أقدم هذه الشخصية التي آمنت بالروح وهي في أسفل مباحث المادة، وتشربت بالنزعة الصوفية وهي في غمار العلم الخالص، واستطاعت أن تنفذ إلى السماء بين ضوضاء المدنية المترفة وجلبت الحياة الصارخة وناموس الطبيعة المبسوط.
عبد الفتاح الديدي
الشعر المصري في مائة عام
للأستاذ محمد سيد كيلاني
من 1825 - 1880
الساعاتي
وقال:
وجه البسيطة ضاق عن جيش به
…
رمت العدى فركبت هول الأبحر
وفيه مبالغة كاذبة. وفضلا عن ذلك فإنه عظم من شأن العدو وأسبغ عليه من مظاهر القوة والمنعة ما حمل الممدوح على تجهيز جيش كثيف ضاق به البر ليلقى به هذا الخصم العنيد الجبار ولو كان الخصم ضعيفا هينا لما احتاج الممدوح إلى هذا الجحفل الجرار.
ومنها:
سرتم وموج البحر يلطم وجهه
…
أسفا على الأعداء كالمتحسر
والسحب ترسل أدمعا من حزنها
…
والرعد يندب في قبائل حمير
والجو مسود الجوانب عابس
…
والبرق يضحك منه كالمستبشر
وفي هذه الأبيات صور الطبيعة عابسة حزينة باكية على ما سيلحق الأعداء من الخطوب. وهذا لا يحدث إلا إذا كان العدو عظيما. فالطبيعة لا تبكي إلا على عظماء الناس.
ولاشك في أن الشاعر لم يكن موفقا حينما حشر هذه الأبيات في هذه القصيدة. فمن المستقبح أن يخاطب الممدوح بمثل هذا.
وقال:
والجاريات تآزرت بقلوعها
…
والريح قد لعبت بفضل المئزر
رقصت على نقر النسيم بدفها
…
وتمايلت بالتيه كالمستكبر
شبه السفن بالنساء وقد تحجبت بالقلوع. وبقي من كل قلع جزء أضحى لعبة في يد الرياح تحركه كيف شاءت. وهذه السفن ترقص حينما ينقر النسيم على دفها. وتميل تيها وكبرا. ونسي الشاعر أن الرقص والتمايل مما لا يستحب في السفن، لأن السفينة لا ترقص إلا إذا تعرضت للأخطار وحاقت بها الزوابع والعواصف. حينئذ لا تقوى على السير ولا تستطيع
أن تشق طريقها فتعلو وتنخفض بفعل الأمواج. وهذا هو الرقص الذي يريده الشاعر. ولا ريب في أن التوفيق قد أخطأه. والسفينة لا تميل تيها وكبرا، إنما تميل ضعفا وعجزا، وتكون عرضة للغرق بنم فيها.
ونسي الشاعر الجنود الذين في هذه السفن. ولو أنه خلع من بأس هؤلاء العساكر وقوتهم صورة للسفن فيها روعة وجبروت وعزة لكان ذلك أنسب للمقام، ولا سيما أن الممدوح ذهب للقتال والنضال. فتصوير السفن بالنساء المتحجبات لا يتلاءم مع الجو الحماسي الذي ينبغي أن يخلق في هذه الحال. على أن الساعاتي قد أجاد وصف هذه السفن في قصيدة أخرى حيث يقول:
وشقت لهم صدر العباب سفائن
…
بدت كالجبال تحتها البحر أزبدا
رمتهم بأمثال الصواعق أضرمت
…
فكاد بها الدأماء أن يتوقدا
ففي هذين البيتين ترى صورة مرعبة مخيفة. وهي من غير شك مناسبة لمقام الحرب. وللساعاتي أبيات في وصف بعض السفن البخارية التي كان يملكها سعيد باشا، ومنها:
وقلاعها مثل القلاع شواهق
…
تحت البنود ومشيها خيلاء
وقد أتى في هذه الأبيات بما يتفق مع الطابع العسكري الذي اتسمت به الزحلة السعيدية إلى الأقطار الحجازية.
وقال:
طارت بنا نحو الحديدة سرعة
…
مثل السوابق في العجاج الأكدر
حملت لها جيشا منذ انتبذت به
…
غربيها وضعت أسود العسكر
من كل مولود لديها لم يزل
…
في النقع يلعب بالحسام الأبتر
بعد أن شبه السفن بالنساء ترقص وتميل استطرد فصورها حينما طارت نحو الحديدة بالخيول العوابس الجبارة.
وفي هذا تناقض بين صورة النساء المتحجبات وبين الخيول العوابس. وفي البيت الثاني نظر الشاعر إلى قصة مريم. فشبه السفن بالنساء الحوامل. فلما وضعت جاءت مواليدها أسوداء. وصورة الحمل والوضع من الصور الضعيفة. وخير من هذا قوله:
رمتهم بأمثال الصواعق أضرمت
…
فكاد بها الدأماء أن يتوقدا
وقال:
ولدوا على مهد العلا وقد اغتذوا
…
بدم العدى وتكحلوا بالعثير
ففي قوله (ولدوا على مهد العلا) معنى جيد. أما بقية البيت فتوحي بصورة كريهة، واخلق بمن يتكحل بالعثير أن يصاب بالعمى.
وقال:
رفعوا الخيام على النجوم وأوقدوا
…
في الأرض نارا بالقنا المتكسر
وقد أغرم الساعاتي بهذا المعنى فجاء به في قصائد كثيرة. وهو من اللغو الذي لا طائل وراءه. وقال:
ولقد أقاموا بالأسنة سوقها
…
في يوم حرب بالسيوف مسعر
فقضت ببيع المعتدين سيوفهم
…
للنسر لما غاب عنها المشتري
ومعنى البيت الأول مأخوذ من قول الشاعر
أقمنا بالذوابل سوق حرب
…
وصيرنا النفوس لها متاعا
والبيت الثاني جميل المعنى غير أنه أخطأ في التعبير عما يريد.
يريد أن يقول إن الجنود لم يجدوا من يشتري منهم المعتدين فقتلوهم وتركوهم نهبا للنسور. فذكر أن جيش ممدوح لما عدم مشتريا باع الأعداء للنسر. وفي هذه الحال يكون النسر مشتريا فلا محل لقوله (غاب عنها) المشتري. ولو قال:
فقضت بمنح المعتدين سيوفهم
…
للنسر لما غاب عنها المشتري
لكان موفقا. وقال:
وتواثبوا نحو الحصون فزلزلت
…
والقوم بين مجندل ومعفر
حتى إذا اقتلعوا القلاع وأسبلو
…
ذيل العفاف رأيت كل مشمر
والمعنى في البيت الأول جيد. غير أن الصورة التي في (معفر) لا تذكر بجانب الصورة التي في (مجندل) أما البيت الثاني ففي منتهى الضعف. وقال:
أسد إذا نزع الدروع لرغبة
…
في حتفهم لبسوا دروع تصبر
قوم عصوا إلا لأمر أميرهم
…
ملك بفعل خطيئة لم يأمر
والمعنى في البيتين تافه. وتكرار (أمر) و (أمير) و (يأمر) جعل البيت الثاني ثقيل على
الأسماع.
وقال:
فضحت مناقبه الملوك وأظهرت
…
تقصير كسرى عن علاء وقيصر
وهذا من لغو الكلام الذي دار على السنة الشعراء في ذلك الدور. ومنها:
فتح الممالك لا لكثرة رغبة
…
فيها ولكن رغبة في المفخر
والمعنى هنا تافه جدا. وفضلا عن ذلك فأين هي الممالك التي فتحها أبن عون؟ وقال:
ولقد نحاها والبنود خوافق
…
والرعب في قلب الحسين وحيدر
والحسين وحيدر كانا من أمراء اليمن في ذلك الوقت. ولكن ذكرهما على هذه الصورة لا يتفق في قصيدة يمدح بها ابن عون الذي يدعوه الشاعر بابن بنت الرسول. فلهذين الاسمين من الإيحاء ما لا يخفى.
(يتبع)
محمد سيد كيلاني
رسالة الشعر
قفر وسراب
للأستاذ إبراهيم الوائلي
ضيعت في دنيا الظلام شبابي
…
وطفقت المحه وراء ضباب
حيران يستهدي الطريق فلا يرى
…
في موكب الظلماء غير يباب
ومتيهة جرداء إلا غابة
…
نبتت على الأشلاء والأسلاب
تعوي الذئاب حيالها مسعورة
…
وتمد للسإرين أفظع ناب
والريح تعصف صرصرا مجنونة
…
كعزيف جن أو هدير عباب
ضيعته ما بين تلك وهذه
…
فمضى وما أدركت فيه طلابي
دنيا وما كادت ترافق موكبي
…
حتى طواها اليأس طي كتاب
وتناثرت كالروض ريع بعاصف
…
أو كالعنادل فوجئت بعقاب
حسب الحوادث ما يؤجج في الحشا
…
نارا وما يطغي على الأعصاب
أطوي الحياة ومثل أمسي ذاهب
…
يومي، وأمسي أحمر الجلباب
صديان لكني أعب عصارة
…
هي في فمي نار وفي أهدابي
أين الكروم الوارفات تمدني
…
بألذ ما تهدي يد الأعناب؟
أو كلما قربت كأسي من فمي
…
طفحت شواظا وارتمت بلهاب!
أورحت أستجلي السماء بنظرة
…
لاثت عليها السحب فضل نقاب
يا سامرين وللطلي إشراقة
…
شتان بين شرابكم وشرابي
أن شاقكم رشف الكؤس فإن لي
…
بالهم ما يغني عن الأكواب
أو بات يطربكم صدى أنشودة
…
مرنانة فلقد كفاني ما بي
ذوبت قلبي في حنايا أضلعي وصبغت قيثاري به وربابي
وبعثت أنغامي نشيد مكبل
…
صب الطغاة علية سوط عذاب
ومشرد في البيد ظل طريقه
…
ما بين أودية وبين شعاب
يطوي الظلام وللرياح مناحة
…
ضربت على الآفاق ألف حجاب
الشوك ملء طريقه فإذا مشى
…
أدماه وخز أسنة وحرأب
أو راح ينتبذ الكهوف توثبت
…
ذؤبانها مسنونة الأنياب
ويلاه كم أصدى ودون تعلتي
…
قفر وما في القفر غير سراب؟
لي مثل غيري في الحياة رغائب
…
أكذا تموت كما أموت رغابي؟
وبنفسي الظمأى نزوع مؤمل
…
يأبى الحياة تموج بالأوصاب
ماذا جنيت من السنين تمر بي
…
كخفوق طيف أو كلمع شهاب؟
أفنيتها لمشيئة موروثة
…
عن سالف الأيام والأحقاب
وخسرتها - وهي الشباب - فلم أفد
…
منها سوى أني خسرت شبابي
ودفنتها بين الصخور وأبت من
…
تأريخها المقبور شر مآب:
رحماك يا دنيا وحسبك ما أرى
…
فلقد أطلت مع الزمان حسابي
ما لي وللشكوى وأعظم محنة
…
شكوى الغريق لمزبد صخاب؟
ولمن أحرق باللهيب جوانحي
…
وأزم في الوادي المخيف ركابي
المستبد لا يمل سياسة
…
جبلت على التنكيل والإرهاب؟
أم للسياط على المتون خضيبة
…
بدماء من نكصوا على الأعقاب؟
أم للهياكل أستجير بظلها
…
فإذا برمت بها فبالأنصاب؟
أم للخشارة لم يكلل مجدهم
…
بسوى النعوت السود والألقاب؟
يستمرئون العيش غير مكدر
…
من جهد كل ممزق الجلباب!
ويشيدون بيوتهم معروشة
…
بأكف من ركعوا على الأعتاب
رحماك يا دنيا وشر بلية
…
جيل يظل مشرد الألباب!
ويتيه في بيداء موحشة الرؤى
…
والنجم مكدود الملامح كابي
لا لا ولخلف الليل فجر فاغفري
…
لي هذه الشكوى ومر عتابي
واستقبلي العهد القريب فربما
…
تحيي الغيوم نضارة الأعشاب
إبراهيم الوائلي
الأدب والفن في أسبوع
للأستاذ عباس خضر
أنفاس محترقة:
لست أدري لم لا يلمع الآن اسم الشاعر محمود أبو الوفا، ولم لا ينال حقه من التقدير اللائق به، حتى كد ينساه من عرفه من أهل الجيل، وحتى كاد يجهله الشادون من الجيل الجديد، وهو الذي قال فيه أمير الشعراء منذ ثمانية عشر عاما:
البلبل الغرد الذي هز الربا
…
وشجا الغصون وحرك الأورقا
سباق غايات البيان جرى بلا
…
ساق فكيف إذا استرد الساقا
وهو نفس الذي قال ما قال ولا يزال من الشعراء ما يقوم حجة على أن الشعر ما زال حيا على رغم قابليه من قائليه. .
لقد سعدت بديوانه الجديد (أنفاس محترقة) وقضيت في روضه أوقاتا طيبة، ومما قرأت فيه رثاؤه لنفسه، إذ يقول:
في ذمة الله نفس ذات آمال
…
وفي سبيل العلا هذا الدم الغالي
بذلته لم أذق في العمر واحدة
…
من الهناء ولا من راحة البال
كأنني فكرة في غير بيئتها
…
بدت فلم تلق فيها أي إقبال
أو أنني جئت هذا الكون عن غلط
…
فضاق بي رحبه، المأهول والخالي
لست أدري لم تحترق هذه الأنفاس، ولم يضيق بصاحبها الرحب، ولم لا يأخذ هذا الشاعر مكانه من قمة الشعر العربي في هذا العصر؟
ولكنني أدري. . أنه رجل فقير أبى يضع نفسه حيث تحلق شاعريته، يمشي على عكازة ويوضع الصخر في طريقه، كما قال يخاطب فكتور هوجو:
يا صاحب البؤساء جاءك شاعر
…
يشكو من الزمن اللئيم العاتي
لم يكفه أتى على عكازة
…
أمشي فحط الصخر في طرقاتي
لو كان محمود أبوالوفا من ذوي النفوذ أو المال في هذا البلد، أو حتى مدير إدارة في أية وزارة، لكان أمير الشعراء. . .
والحق أنني قبل ظهور هذا الديوان لم أكن قرأت كثيرا لأبي ألوف، وإن كان القليل الذي
قرأته له من قبل قد هزني، ولعل ذلك - أي قلة القراءة - يرجع إلى انزواء الشاعر في العشرين السنة الأخيرة أو إقلاله من النشر، ويبدو لي كأنه منطويا على نفسه لما لاقاه من أخلاق الناس وعنت الأيام. وهو يعبر عن مكافحته في الحياة، وبصور حياة الكفاح الشعوري التي عاشها، أقوى تعبير وأصدق تصوير كم رأيت في الأبيات المتقدمة التي رثى بها نفسه وبعدها يقول:
أبي وفي النار مثوى كل والدة
…
ووالد أنجبا للبؤس أمثالي
خلفتني فوضعت الحبل في عنقي
…
تشده كف دهر جد ختال
ما ضرك لو من غير صاحبة
…
قضيت عمرك شأن الزاهد السالي
وهو يقول في قصيدة (قلب الفنان)
أمشي وقلبي على كفي أقول ألا
…
من راغب في فؤاد صادق حاني
يحب حتى كأن الأرض ليس بها
…
إلا زنابق من آس وسوسان
وليس في الأرض من بغض ولا إحن
…
وليس في الأرض ظلم وطغيان
وليس من فوقها إلا سواسية
…
من الصحاب ومن أخدان أخدان
فلا وربك هذا القلب ما التفتت
…
عين إليه فيا للبائس العاني
وفي هذه الأبيات نرى نزعته الإنسانية الصافية، فهو على رغم ما يكابده من الحرمان والنكران يحب، متخيلا أن الأرض كلها روض جميل، وأن الناس يعيشون عليها إخوانا متحابين لا يبغي بعضهم على بعض، وهو يحب ولو أن عينا لا تلتفت إلى قلبه البائس الحاني.
ومن النزاع بين نفسه المتفتحة للحياة وبين الحياة العابسة له قوله:
أحب أضحك للدنيا فيمنعني
…
أن عاقبتني على بعض ابتساماتي
هاج الجواد فعضته شكيمة
…
شلت أنامل صناع الشكيمات
وهو يبتكر البكاء فيقول في آخر قصيدة (وقفة الوداع)
تعلم يا هزار الروض مني
…
أنا لحن النواح ولا فخارا
غيري من يقلد حين يبكي
…
ولكني أنا الباكي ابتكار
ولا تستطيع ضرورات الحياة التي يجاهد من اجلها هذا الشاعر أن تحول بينه وبين التغريد
والتغني بالجمال، يقول في قصيدة (جمال مصر)
جمالك يا بنت مصر كمصر
…
يجمع كل فنون الجمال
ففي مصر حلي النسيم اعتدال
…
وفيك يحلى القوام اعتدال
وفيك من الشمس حسن الصقال
…
وبعد المنال وبذل النوال
وفيك السهول وفيك الربا
…
وعنف الشمول ولطف الشمال
تباركت يا نيل هذا جناك
…
وهذي المخايل من ذي الخلال
بل حتى فيما يعبر به عن آلامه تغلب عليه روح التطلع إلى الحب والخير والجمال كما رأيت في أبياته السابقة. وهذا وذاك ومجرد قوله الشعر، يدل على أصالة هذه الشاعرية وقوة بذرتها وعمق جذورها، فهي كنبتة الصحراء تنبت قوية رغم الجفاف وحرمان التعهد، ثم تعيش رغم ما يصطلح عليها من الأنواء.
وقد أكسبه عراك الحياة والاحتكاك بالقساة من الناس الذين لا يصدرون إلا عن الأهواء والأغراض - أكسبه ذلك نفوذ بصيرة إلى دخائل النفوس، فتغلغل إليها بأداته الشاعرة، يقول تحت عنوان (جاء):
لا تلمه إن لم يعنك بجاه
…
هو قد باع نفسه واقتناه
فحرام إن باعه دون ربح
…
أو بشيء أقل مما اشتراه
وكم هو ظريف في قوله:
أخي قل لي ولا تخجل
…
بماذا قد ترقيت؟
وما أنت بذي جاه
…
وعمرك ما تزوجت!
أما بعد فما مكان هذا الشاعر بين شعراء هذا العصر، وما هي مدرسته، وما هو مذهبه؟ أسئلة يرددها النقاد ويلحون بها على الشعراء، ويطيلون النظر فيما وراءها. ولكن أبا الوفا لا يلتفت إلى شيء من ذلك، فهو يدع النقاد، عليه أن يقول وعليهم أن يسلكوا قوله فيما (يمذهبون) من المذاهب، كما كان الشعراء يقولون للنحويين: إنا نقول وعليكم أن تعربوا. وكأني بشاعرنا لا يعتد إلا بأمرين هما قوام الشعر فيما أرى:
الأول خصب الشعور وصدقه، والثاني اكتمال الأداة. وقد اجتمعا له فأنتجا ما نحسه في شعره من النبض والجمال، وحسبه أن صور حياته تصويرا يطل منه الفكر اللماح وتنبعث
منه الأنغام المطربة.
إن ديوان (أنفاس محترقة) يعيد إلى الشعر اعتباره بعد أن انصرف كثير من الناس عن قراءته لكثرة هذر الشاعرين، وأنا زعيم بأن هؤلاء المنصرفين، إذا عرض لهم هذا الديوان، لن يستطيعوا عنه مصرفا.
حق المحدثين في الوضع اللغوي
عرض على مؤتمر مجمع فؤاد الأول للغة العربية في جلسته الأخيرة، المقترحات التي انتهى إليها الأستاذ أحمد حسن الزيات في محاضرته التي كان ألقاها في أول انعقاد المؤتمر عن (الوضع اللغوي وحق المحدثين فيه) وقد أتيت من قبل بأهم ما دار من المناقشة بين أعضاء المؤتمر على ثر إلقائها. وقد استأنفت المناقشة في هذه الجلسة الأخيرة، فبدأها الأستاذ الزيات بالرد على ما كان قد أبداه بعض الأعضاء من الملاحظات، بين أن قرارات المجمع السابقة تناول المولد والقياس، فيبقى من المقترحات الأربعة اثنان: فتح باب الوضع للمحدثين، وإطلاق السماع من قيود الزمان والمكان، ثم قال: يخشى صديقي الدكتور أحمد أمين بك أن يكون في فتح باب الوضع على مصراعيه مقتحم للفوضى في اللغة فيكثر الترادف بتعدد الوضع، وقد احتطت أنا لذلك فجعلت الكلمة العليا للمجمع في إقرار الوضع، إذ قلت: فأيما كلمة توضع لا تدخل في متن اللغة قبل أن يسمها بميسمه ويدخلها في معجمه وإذا انتفت الفوضى بقي الحق مطلقا لكل متكلم يريد أن يعبر عن ذات أو معنى لم يوضع له لفظ من قبل. وقد توقعت من اختلاف الرأي في مدى هذا الحق، ومن تزمت قرار المجمع في استعمال المولد، أن لجنة المعجم الوسيط ستغفل ما وضعه المحدثون وما عربوه، فلما قرأت حرف الألف من هذا المعجم تحققت ما توقعته، فإن هذا الحرف قد خلا أو كاد يخلو من الأوضاع التي استحدثتها الحضارة واقتضتها الصناعة والزراعة. وأتى الأستاذ بأمثلة كثيرة لذلك، منها أنه ذكر في مادة أبر: إبرة الخياطة ولم تذكر إبرة الحياكة ولا إبرة المحقن ولا إبرة البندقية، وذكرت الاسطوانة للسارية المبنية ولم تذكر الاسطوانة التي يسجل عليها الصوت، وذكرت الآنسة بمعناها القديم ولم تذكر بمعناها الجديد وهي الفتاة البكر، وفي مادة أنف لم تذكر محكمة الاستئناف، إلى أن قال: وهناك غير ذلك كثير من ألفاظ الصناع والزراع أغفلها المعجم وفي يقيني أن المعجم الوسيط وهو أكثر معاجم
المجمع دورانا بين الناس لا يغني عن اللغة شيئا إذا أنغض رأسه هو أيضاً للأوضاع الجديدة.
ثم رد الأستاذ الزيات على ملاحظات لمعالي الأستاذ الشبيبي، ومن هذا الرد قوله - فهم معالي الأستاذ من الأمر الرابع وهو إطلاق المسماع من قيود الزمان والمكان أني اقصد المسموع من المعرب وقال إن علماء اللغة الأقدمين قد وضعوا قواعد للتعريب ولم يطلقوه إطلاقا، والذي قصدته من إطلاق السماع إلا يظل مقصورا على ما سمع من العرب الذين جعلوا لهم حق الوضع والتعريب وإنما يجب أن يقبل من المحدثين أيضا، فكما قبلوا من المتقدمين أن يقولوا أيفع الكلام فهو يافع والقياس موفع، وغلام أموي بالفتح والقياس الضم، نقبل نحن كذلك من المتأخرين أن يقولوا مطار الماظة وكان القياس أن يقولوا مطير، وأن يقولوا متحف الحضارة وكان القياس أن يقولوا متحف بالضم، وأن يقولوا مقهى بالفتح وكان القياس، يقولوا مقهى بالضم. فإنا لنكلف الناس شططا إذا أردناهم على أن يعودوا فيقولوا مطير ومتحف ومقهى.
وقد دارت المناقشة بعد هذا البيان، فقال الأستاذ أحمد العوامري بك - فهمت من كلام الأستاذ الزيات أنه يوصي بأن نأخذ من الصناع وأصحاب الحرف الأسماء التي يطلقونها على آلاتهم وأدواتهم دون أن نناقشها ونلتمس وجه الصواب فيها فعندهم أسماء يطلقونها على أجزاء السيارة منها ما يمكن أن يرد إلى ألفاظ عربية، ومنها ما لا يمكن أن يرد، فأما ما يمكن توجيهه فلا أخالف الأستاذ في قبوله، وأما ما خالف قياس العربية فلا يمكن أن نقبله ونثبته في معاجمنا، وعندنا مثلا كلمة مطار فالعامة وجمهور المثقفين يستعملونها وقد بحثتها ووجدت لها وجها في العربية، ولذا لا أمانع في استعمالها بدلا من كلمة مطير التي لم تجر على الألسنة وعندنا كلمة متحف بضم الميم، وقد شاع على الألسن نطقها بالفتح وهو خطأ، فهل نعترف بهذا الخطأ وندخله في معاجمنا؟
قال الأستاذ فريد أبو حديد بك - لماذا لا نقول متحف بفتح الميم؟ أليس في العربية (محجر) اسم للمكان الذي تكثر فيه الحجارة؟ ولنا أن نقيس من الجامد كما نقيس من المشتق فنسمي المكان الذي يضم تحفا كثيرة متحفا بفتح الميم.
وقال الأستاذ الزيات - بعض الكلمات التي ليس لها اصل عربي معروف مثل (الرابوب)
وهي الفأرة الكبيرة التي يستعملها النجار ومثل هذه الكلمات يجب أن تدخ المعجم.
وقد تفرعت المناقشة إلى نقط أخرى، ثم وافق المؤتمر على إحالة مقترحات الأستاذ الزيات إلى مجلس المجمع لنطرحها فيه في متسع من الوقت.
البريد الأدبي
الأداء النفسي في القصة المصرية القصيرة:
منذ أسابيع، وأنا أرقب من منظار النقد محاولة جديدة في بناء القصة المصرية القصيرة، وكانت نفسي وأنا أرقب هذه المحاولة، موزعة بين الإعجاب الخالص والإشفاق البالغ. . . أما الإعجاب فمبعثه إنني كنت - منذ أمد بعيد - أتطلع إلى ذلك اليوم الذي أعثر فيه على (الأداء النفسي) وقد غزا ميدان القصة، بعد أن عثرت عليه وقد غزا ميدان الشعر.
وحين عثرت على هذا الأداء - فجأة وعلى غير انتظار - غمرتني هذه النشوة التي تغمر كل صاحب فكرة تمليها وجهة من وجهات النقد، وتحققها دورة من دورات الزمن. . . ومن هنا كان هذا الإعجاب الخالص بتلك المحاولة التي بدأها على صفحات (المصري) منذ أسابيع، ذلك القصاص الشاب زكريا الحجاوي!
وقلت لنفسي بعد أن قرأت له أول قصة: ترى أيكون هذا القصاص قد اهتدى إلى النبع، نبع الأداء النفسي الذي كم تمنيت أن تكون أول ريشة تغمس فيه هي الريشة المصرية؟ وامتزج الإعجاب الخالص بالإشفاق البالغ، خشية أن تكون قصته الأولى رمية أصابت الهدف من غير قصد!. . . ونشر الأستاذ الحجاوي قصته الثانية وإذا أنا أرجع إلى نفسي وأراجع إشفاقي: لقد كان المنهج المرسوم والهدف المقصود واحدا في القصتين، ولم تهتز الريشة في يده. إنها تتجه إلى النبع الذي كنت أتطلع إليه في خط مستقيم لا انحراف فيه! وبقي الإعجاب كما كان وتبخر جزء كبير من الإشفاق. . . وحين دفع القصاص الشاب إلى القراء بقصته الثالثة ومن بعدها الرابعة، أدركت تماما أن هناك محاولة جديدة لخلق قصة جديدة، أو بدء محاولة تخطو إلى غايتها في وعي وثبات وهي مفتوحة العينين!
فقد اهتدى القصاص الشاب إلى النبع، وتلك محاولة من حقه علينا وعلى تاريخ الأدب أن نسجلها له. . . ونحن الذين قد قمنا من جانبنا بتلك المحاولة التي تهدف إلى مذهب جديد في النقد هو مذهب الأداء النفسي في الشعر، يسعدنا أن نعثر بين الكتاب المصريين على من يبدأ بمثل هذه المحاولة في ميدان آخر هو ميدان القصة القصيرة. ذلك لأننا مطالبون في هذه الفترة من حياتنا الأدبية بأن يكون لنا كيان فني قائم بنفسه مستقل بطابعه، أعني أنه قد آن لنا أن نتخطى مرحلة المحاكاة الناقلة إلى مرحلو الأصالة الخالقة، أو مرحلة الجلوس
حول موائد الغير إلى مرحلة الجلوس حول موائدنا الخاصة!
. . نريد هذه المحاولات (المذهبية) المستقلة وندعو إليها في كل فن من فنون الأدب، فإذا تحقق هذا الحلم الجميل واستجاب له كان كاتب في محيط مواهبه الأصيلة وملكاته الذاتية، أمكننا أن نظفر بذلك (الأدب المصري) الذي تنسب فيه كلمة (المصرية) إلى منهجه الفني المتفرد بطبيعة التفكير وطريقة التعبير، قبل أن تنسب إلى موطنه الذي يضفي عليه ظلال البيئة ويغمره بأضواء المكان!
إننا نبارك هذه المحاولة الجديدة وقد ونلفت إليها الأنظار، وهي المحاولة التي طبقها الأستاذ الحجاوي على قصصه الأربع:(يوم الزفاف و (أنا قديس) و (الطريق الخامس) و (الشارع المسدود). . . وليثق هذا القصاص المصري الشاب أنه لو سار على هذا النهج (المنهج النفسي) الذي اختطه لفنه في بناء القصة القصيرة، ليثق كل الثقة من أننا سوف لا نكتفي بتسجيل محاولته، بل سنعمد إلى وضعها تحت مجهر النقد الذي يكرس وقته وجهده لتحليل كل ظاهرة مذهبية جديدة في حقل الأدب المصري الحديث. . علينا هذا، وعلى الأستاذ الحجاوي أن ينهض بإتمام محاولته!
سهو من الذاكرة
في مقالنا الذي ظهر في العدد الماضي من الرسالة وردت هذه الآية الكريمة: (ورأى جداراً يريد أن ينقض)، وهو سهو من الذاكرة. . . وصحتها:(فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض)
أنور المعداوي
هل التواليت كلمة عربية؟
اذكر في جلسة بندوة الرسالة أن تحلقنا حول الأستاذ الكبير أحمد حسن الزيات، وتطرق الحديث إلى شئون وشجون حول انحرافات اللغة العربية ولهجتها في الأقطار الناطقة، وكم كان جميلا أن يدلي كل منا بدلوه. فقد كان خليطا من أبناء تلك الأقطار أو رواد بعضها أو من العارفين ببعض اللغات الأوروبية.
ودار الحديث حول بعض ألفاظ من اللغة الفرنسية ذوات أصول من اللغة العربية مثل واصلها قميص، ` واصلها بطيخ، واصلها أمير البحر. . .
وهنا قلت مع القائلين: الرفاق وقالوا: فما أصلها؟ قلت أصلها من (التولة). قالوا: وما التولة؟ قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الرقى والنمائم والتولة شرك) وجاء في لسان العرب: والتولة (بضم التاء وفتح الواو واللام) ضرب من الخرز يوضع للسحر أو لتحبيب المرأة زوجها أو هو ما يحبب المرأة إلى الزوج من الخاتم. وعند صاحب القاموس المحيط التولة هي السحر أو شبهه في خرزة تحبب معها المرأة زوجها، وزاد على ذلك رسمها بكسر التاء ومرة أخرى بفتحها مع تسكين الواو والجمع تولات، وتال يتول عالج السحر. وفلان ذو تولات أي ذو لطف وسحر.
أما الكلمة الفرنسية هي تصغير ومعناها (الزينة أي وكذلك (قطعة الأثاث المزودة بكل الأدوات الخاصة بلوازم الرأس والملبس).
لا عجب إذن في أن تكون الكلمة الفرنسية مأخوذة من الكلمة العربية، وورودها في حديث الرسول عليه السلام قبل فتح الاندلس، بل قبل الاتساع والاتصال والترجمة في الزمن العباسي.
والكلمة العربية فضلا عن ذلك غنية بمشتقاتها فمنها الاسم والفعل والصفة. وجدير بنا أن نعمل على إحيائها وتداولها، وتلك الرسالة منوطة بمجلة الرسالة الغراء والمجمع اللغوي الموقر.
محمد محمود زيتون
ذكرى صادق عنبر
حلت الذكرى الثانية عشر لوفاة فقيد اللغة والأدب المرحوم محمد صادق عنبر، فذرفت عليه ابنته دمعة تقاطرت في هذه الأبيات:
أواه من ذكرى إذا هي أقبلت
…
لم تُبق في سكينة ركونا
أواه منها حين تأسر مهجتي
…
فتثير فيها لوعة وشجونا
يا نسمة من والد ترك ألدُّنا
…
أجريت دمعاً كان قبل مصونا
يا أدمع الذكرى حنانك أشفقي
…
فالدمع أوجع ما يكون سخينا
يا قلبي الملهوف هل لك سلوة
…
تُهدي إلي وداعة وسكونا؟
أبتاه! والذكرى حياة طلقة
…
تفني السنين وإن مررن قرونا
قد كنت لي عموناً فصرت بغيره
…
لا أعرفن على الزمان معينا
قد مر عيشي بعد فقدك علقما
…
ولقيتُ من دنيا الهموم فنونا. . .
وألفت أُكدر الحياة كريهةً
…
ورضيت بعدك أن أذوق الهُونا
لو كنت حياً لم تكن لي غصة
…
ولكان همي عارضاً مرهونا. . .
أشتاق طيفك في المنام يزورني
…
فيخاصم النومُ العنيدُ جفونا
فأزور قبرك في الغداة يهزني
…
شغف بقربك لا يزال كمينا
وأطوف بالقبر الذي أودعته
…
أملا عزيزاً في التراب دفينا
ويطول بي التطواف غير ملولة
…
أعلي النداء تشوفا وحنينا
ويظل صوتي هاتفا في كربة
…
حتى يمزقه الهتاف أنينا
وأروح من بعد الطواف حسيرة
…
في سكرة تدع الفؤاد طعينا
أبتاه! إن بكت الرفاق فقد بكي
…
قلما يتيه به الأديب مبينا
وبكت إخاءك إذ رحلت مصافيا
…
ثبت المقام على الإخاء أمينا
وأنا التي أبكيك. كنز أبوة
…
أبكيك ركنا في الحياة ركينا
أبكيك قلبا خافقا لي رحمة
…
ما إن يزال بها الزمان ضنينا
أبكي منار هدى، وظل هناءة
…
ومناط عز لا يرام مكينا
فلئن ذكرتك في مغيبك، إن لي
…
قلبا بموصول الوقاء ضمينا
وداد صادق عنبر
القصص
منزل للبيع
للكتب الفرنسي ألفونس دوديه
بقلم الأستاذ أنور لوقا
وراء تلك اللافتة الصغيرة المبتذلة المعلقة على باب بيت من البيوت، قرأ الفونس دوديه - وهو الذي لقب نفسه (بالشيء الصغير) واستلهم أشياء أدبه - هذه المأساة الإنسانية المؤثرة.
فوق الباب، باب خشبي واهي المفاصل، يدع رمل الحديقة الصغيرة يختلط بتربة الطريق على بسطة من الارض، كانت لافتة معلقة منذ أمد بعيد، ساكنة في شمس الصيف، معذبة تمكو في ريح الخريف، عليها (منزل للبيع)، ولعلها كانت تقول أيضاً (منزل مهجور)، فقد كان الصمت يكتنف الدار.
ولكن امرأ كان يقيم هناك. فإن دخانا خفيضا مزرقا يصعد من آجر المدخنة الذي يعلو الجدار قليلا، كان ينم عن حياة خفية، متكتمة، حزينة كهذا الدخان الذي ينبعث من نار الفقراء. ثم من خلال ألواح الباب المزعزعة ما كنت تحس الإهمال والخواء، وهذا الجو الذي يسبق ويعلن بيعا أو رحيلا، بل ترى ممرات الحديقة مستقيمة التخطيط، وعرائش مستديرة مشذبة، وماقي بجوار الحوض، وأدوات بستاني مسندة إلى البيت الصغير. لم يكن ذلك الربع سوى بيت من بيوت الفلاحين، يتوازن على هذه الأرض المنحدرة بسلم صغير قد نحي الطابق الأول جهة الظل والطابق الأرضي جهة الجنوب. ومن تلك الجهة كان يخيل إليك أنه معمل الإنبات. فقد رصت درجات السلم نواقيس زجاجيه، وأصص فارغة مقلوبة، وأخرى منضودة على الرمل الأبيض الساخن قد نما فيها (الجيرانيوم) و (العرفين) بيد أن الحديقة كلها، فيما عدا شجرتين أو ثلاثا من شجر السرج الفارع، كانت تحت وهج الشمس. وكانت تمتد في النور الساطع مروحة من أشجار الفاكهة، قائمة على أسلاك حديدية، أو معرشة وقد انتزعت بعض أوراقها إعداد للثمرة ليس غير، كما اصطفت أيضاً أغراس من الشليك وأغراس من البازلاء تتسلق قضبانا طويلة مثبتة في الأرض. وفي
وسط هذا كله، وسط هذا النظام وهذا الهدوء، كان رجل عجوز، ذو قبعة من الخوص، يجوس المسالك طول النهار، يروي في الساعات الرطيبة، ويقتطع ويشذب الأغصان ويسوي الأفاريز.
هذا الشيخ لم يكن يعرف أحدا في البلد. لم يكن يطرقه زائر قط. اللهم إلا عربة الخباز التي كانت تقف في كل باب في شارع القرية الوحيد. وأحيانا كان يرى اللافتة عابر من الناس يلتمس قطعة من أراضي السفح هذه الغنية الخصبة التي تمنح بساتين جميلة فيتوقف ليقرع الباب، ويقرع في أول الأمر فإذا البيت أصم. ثم يقرع ثانيا، فيدنو من أقصى الحديقة وقع (قبقاب) في بطأ وتؤدة، ويوارب الشيخ بابه وهو متهجم الوجه:
- ماذا تريد؟
- هل المنزل للبيع؟
فيجيب الرجل الطيب القلب بجهد:
- نعم. . . ولكني أقول لك مقدما إنهم يطلبون فيه ثمنا غاليا جدا. . .
وكانت يده المتأهبة لإغلاق الباب تسده عليك - وكانت عيناه تطردانك، فما اشد ما كانتا تظهران من سخط، وكان يظل هناك قائما كالفارس على حراسة أحواضه وخضره وفنائه الصغير المفروش بالرمل. وإذ ذاك كان الطارقون يتابعون سبيلهم وهم يسائلون أنفسهم من تراه يكون هذا المخبول الذي عرضوا له؟ وأي مجنون هذا الذي يحمله على الإعلان عن بيع منزله بهذه الرغبة الملحة في الاحتفاظ به.
وخيرا وضح لي هذا السر. ذات يوم وأنا مار أمام البيت الصغير، سمعت أصواتا ثائرة، وصخب مناقشة حامية.
يجب البيع يا أبانا، يجب البيع. لقد وعدت بذلك وسمعت صوت الأب متهدجا يقول: إني يا أولادي لا اطلب افضل من البيع. . . أما ترون؟ لقد وضعت اللافتة. وهكذا علمت أن هؤلاء أبناؤه وكناته، تجار من صغار أصحاب الحوانيت في باريس، يحملونه على أن يتخلص من هذا الركن الحبيب. لأي سبب كان؟ هذا ما كنت أجهله. أما المؤكد فهو أنهم بدءوا يلمسون أن الأمر قد طال وأن الشيخ يمطلهم. ومنذ ذلك الوقت اقبلوا بانتظام؛ يوم الأحد من كل أسبوع، يستنهضون الرجل المسكين ويحثونه على أن ينجز وعده ومن
الطريق في هذا الصمت العريض الذي يسود القرية يوم الأحد، حين تستريح الأرض ذاتها من كونها قد حرثت وبذرت طوال الأسبوع، كنت أسمع ذلك جليا. كان التجار الصغار يتحدثون، ويتجادلون فيما بينهم وهم يلعبون لعبة (البرميل)، وكانت كلمة (النقود) ترن رنينا جافا كهذه الأقراص المعدنية التي يقذفونها. وفي المساء كان الجميع يرحلون، وكان الرجل الطيب القلب، بعد أن يرافقهم في الطريق بضع خطوات، يعود مسرعا فيغلق من جديد بابه الغليظ سعيدا مبتهجا، وقد ظفر بمهلة لمدة أسبوع. ويستعيد البيت سكونه، ويظل ساكنا ثمانية ايام، فما تسمع في الحديقة الصغيرة التي تلفحها الشمس إلا صوت الرمل يسحقه وطء قدم ثقيلة أو تجرفه المجرفة.
على أنهم من أسبوع لأسبوع، راحوا يضيقون الخناق على الشيخ. ولم يدخر صغار التجار وسيلة من الوسائل. أحضروا الأحفاد لإغرائه:(أترى يا جدنا حين يبيع البيت ستأتي لتسكن معنا، وكم سنكون سعيدين معا!. . .) ثم كانت أحاديث منفردة يلقيها كل امرئ لنفسه في ركن من أركان البيت على حدة، وسير خلال ممرات الحديقة لا يقف عند حد، ومسائل حسابية يجريها صوت مرتفع. ومرة سمعت إحدى البنات تصيح: - هذا ألخص لا يساوي مائة دانق. . . أنه خليق بأن يهدم.
وكان الشيخ يصغي دون أن يقول شيئا. كانوا هم يتكلمون عنه كأنه قد مات، وعن داره كأنها قد هدمت بالفعل. فكان يتجنبهم ويمشي، احدب الظهر، والدموع ملئ عينيه، ملتمسا كعادته غصنا يشذ به أو ثمرة يعني بها أثناء مروره. وإنك لتحس أن حياته قد تغلغلت جذورها في هذا الركن الصغير من الأرض تغلغلا لن يبعث فيه القدرة على اجتثاث نفسه منه. والحق أنه كان مهما افتنوا في إغرائه، يرجئ دائما لحظة الرحيل. في الصيف، حين تنضج هذه الثمار التي ويحي إليك مذاقها الحامض بعضا الشيء بأن السنة ما زالت في نضرتها وريعانها، ثمار الكرز، والبرقوق، والمشمش، كان يقول:
لننتظر المحصول. . . سأبيع بعده مباشرة.
وبعد المحصول، بعد انقضاء موسم الكرز، يأتي موسم الخوخ ثم العنب، وبعد العنب تأتى ثمار (النيفل) السمراء الجميلة التي يكاد المرء يجنيها تحت الجليد. وحينئذ يأتي الشتاء، فيسود الريف وتخلو الحديقة. الآن لا مارة، ولا شراة، بل ولا صغار التجار يوم الاحد،
وإنما ثلاثة اشهر عريضة من الراحة لإعداد البذار، وتقليم أشجار الفاكهة، بينما تتأرجح على الطريق اللافتة الباطلة وقد قلبها المطر والريح.
وعلى مر الأيام، فرغ صبر الأبناء واقتنعوا بأن الشيخ كان يبذل كل ما في وسعه لإقصاء المشترين، فاتخذوا قرارا حاسما. قدمت إحدى الكنات واستقرت بجانبه، وتلك امرأة صغيرة من نساء الدكاكين، حالية منذ الصباح، بارعة في إظهار الحفاوة وتكلف الرقة والتلطف في المجاملة براعة الذين اعتادوا التجارة. وكأن الطريق قد أصبح ملكها. فقد كانت تفتح الباب على مصراعيه، وتتحدث وتلغو، وتبتسم للمارة كأنما تقول لهم:
ادخلوا. . . انظروا. . . إن المنزل للبيع!
ولم تعد للشيخ المسكين مهلة بعد ذلك. أحيانا كان يحاول أن ينسى أنها هناك، فينصرف إلى تقليب حياضه وبذرها من جديد، كهؤلاء الناس الذين يوشكون على الموت ويحبون القيام بمشروعات ليخدعوا مخاوفهم. ولكن البائعة كانت تتبعه طيلة الوقت وتنغص عليه. - دع! ما انتفاعك بهذا؟. . . أمن أجل سواك تجشم نفسك كل هذا التعب؟ فما كان يجيبها وإنما كان ينكب على عمله في عناء غريب. إن ترك حديقته لعبث الإهمال معناه فقدانها بعض الفقدان منذ ذلك الوقت، وبد انفصاله عنها. ولهذا ما كنت تجد في الممرات عودا واحدا من العشب، ولا في شجيرات الورد غصنا طفيليا.
وظل البيت معروضا للبيع، ولكن الشراة لم يتقدموا. ذلك أن الحرب قد نشبت. وعبثا ثابرت المرأة على فتح بابها وإرسال النظرات المعسولة إلى الطريق، فلم يكن يمر غير النازحين عن الأرض ولم يكن يدخل إلا الغبار. واشتد غيظ السيدة من يوم إلى يوم، لا سيما وقد كانت أعمالها في باريس تستدعيها. كنت اسمعها توسع حماها لوما وتأنيبا، وتقسو في الهجون عليه وتخبط الأبواب، وما الشيخ فكان يحني ظهره دون أن يقول شيئا، ويتعزى إذ يبصر بازلاء الصغيرة تنمو، واللافتة معلقة في مكانها دائما:(منزل للبيع).
وفي هذا العالم، عندما وصلت إلى الريف، وجدت المنزل وعرفته! ولكن وا حسرتاه لم تكن اللافتة هناك! كانت إعلانات ممزقة بالية لم تبرح عالقة بأوجه الجدران. لقد قضي الأمر، وباعوه!. . . وفي مكان البوابة الرمادية الكبيرة أصبح باب أخضر، حديث الطلاء، تعلوه عتبة مستديرة، وتنفتح فيه نافذة ذات قضبان، تلوح من ورائها الحديقة. ولم تعد
الحديقة ذلك البستان الذي كنت أعهده هناك قديما، بل غدت خليطا (بورجوازيا) من السلال والخضرة، ومساقط الماء، وصور لهذا كله تنعكس على كرة معدنية تتأرجح أمام الدرج. وفي هذه الكرة، بدت الممرات صفوف من الأزهار الزاهية، وأمتد شكلان في كثير من المبالغة والتهويل، رجل سمين أحمر، غارق في عرق غزير، غائص في كرسي من كراسي النزهة الخلوية؛ وسيدة ضخمة لاهثة الأنفاس، تصبح وهي تطوح مسقاة بيدها.
- لقد دفعت ثمنا للبلسمين أربعة عشر!
وكانوا قد شيدوا طابقا، وجددوا السياج، وفي هذا الركن الصغير المستطرف، الذي ما زالت تفوح منه رائحة الطلاء، كان (بيانو) يعزف ملء الريح مقطوعات صاخبة مبتذلة وألحانا جذلة مما تردده جلبات الرقص العامة. وهذه الأنغام الراقصة التي كانت تنطلق إلى الطريق نابضة حارة، مختلطة بقتام بوليه الكثيب، وعجيج تلك الأزهار الضخمة، والسيدات الضخمة، هذا المرح الغامر الفياض، هذا المرح السوقي المبتذل، كن يقبض قلبي. كنت أفكر في الشيخ المسكين الذي كن يتمشى هنا راضيا وادعا سعيدا، ثم أتمثله في باريس، وقبعة الخوص على رأسه، وحدبة البستاني للعجوز في ظهره، هائما في غور دكان ما، ضيقا بأمره، حبيا، مشحونا بالدموع، بينما تتبوأ زوجة ابنه الظافرة خزانة جديدة، ترف فيها قطع ذهبية هي ثمن البيت الصغير.
أنور لوقا
الكتب
دعبل الخزاعي
تأليف السيد محسن الأمين
للأستاذ إبراهيم الوائلي
ليس من شك في أن دعبلا الخزاعي من أشهر شعراء القرنين الثاني والثالث للهجرة فقد تطرق في نظمه إلى مختلف المواضيع وتعرض بشعره إلى كثير من الأشخاص، وعرض نسفه إلى شتى لمخاطر حتى انتهت حياته إلى الاغتيال وهو بعيد عن أهله ووطنه.
ولقد نظر مؤرخو الأدب إلى هذا الشاعر من زاوية المقاييس العمة التي حددوا بها الشعر القديم فسموه شاعرا هجاء مقذعا في هجائه وشاركهم في الرأي بعض المؤرخين المحدثين، ولكننا حين ننظر إلى هذا الشاعر نظرة فيها شيء من العمق والتحليل نستطيع أن نسميه شاعر سياسيا وإن في شعره ما يسمى هجاء بالمعنى الدقيق لن بعض الذين تناولهم ليس خطرا في المجتمع.
وليس من شك في أن شعر دعبل يمثل حيته المضطربة ونفسه الثائرة ونوازعه المذهبية التي دفعت به إلى كثير من المخاطر، وما تعرض به للخلفاء العباسيين بمثل صفحة كبيرة من الشعر السياسي العارم في العصر العباسي الأول وليست السياسية بأكثر من أن يتعرض الرشيد وأولاده وأحفاده ويتناولهم تناولا شديد الوقع على أنفسهم حتى أغضبهم ولقي منهم الجفوة والعنت كم لقي منهم الحظوة والتكريم، يقربه الرشيد ويرفع من منزلته فيناله بعد موته، ويصفح عنه المأمون فلا يجد منه غير السكوت، ويسخر بإبراهيم بن المهدي اشد السخرية ويتندر بالأمين والمعتصم، ويغضب المتوكل فلا يسلم منه إلا بالهرب، ويتجاوزهم إلى غيرهم من ذوي المكانة في المجتمع في نعته مؤرخو الآداب بنعوت شتى من سلاطة اللسان وإفحاش الكلام وإقذاع الهجو، وكل هذه النعوت التي وصفها بها الشاعر مردها إلى تلك النظرة السطحية إلى لم تتوغل إلى دخلية القلب ولم تتعمق في مطاوي النفس، مع أن الأمر أيسر مما تتصوروه في هذا الشاعر. ولو أنهم أرجعوا هذه الثورة إلى منابعها الأصلية ودوافعها الذاتية لأنصفوا الشاعر وأعطوه نصيبه
من الدراسة المتينة وأفادوا من شعره في تاريخ الأدب السياسي، وما هذه المنابع والدوافع إلا عقيدة الشاعر ومذهبه؛ فقد كان دعبل ممن يوالون آل علي ويتعصبون لهم، وقد مدح أحياءهم مدحا قوي العاطفة والإحساس، وبكى شهداءهم بكاء سخي الدموع شديد الحزن، وكان من البديهي أن يقف الشاعر من خصومهم موفقا لا يرضى الخصوم وأن يتعصب لأوليائه ويدافع عنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فالرشيد قد آذى الإمام الرضا وسجنه وهو من أثمة دعبل، والمأمون يبايع الرضا بولاية العهد ثم ينكل عن هذه البيعة، والمتوكل يغضب الشيعة ويطاردهم حتى في ضريح الإمام الحسين، وإبراهيم بن المهدي يبايعه الناس في بغداد عنادا للمأمون في موقفه الأول من الإمام الرضا، وإبراهيم هو من هو في لهوه ومجونه، وأبو عباد وزير المأمون كان شرس الخلق جافي الطبع. إن من الحق لدعبل - وهو يتولى العلي - أن ينتصف لهم ويدافع عنهم ويندد بخصومهم ولو ناله ما ناله من الأذى والتشريد لأن هذا جزء من عقيدته الدينية ومذهبه. وليس بغريب عليه أن يتعصب لعقيدته ومذهبه ما دام يجد في هذا التعصب لذاته الروحية واطمئنانه النفسي، وما دام يرى العلي أصلح من غيرهم لرعاية دينه وعقيدته وأولى بالحكم من سواهم.
هذه النقطة الدقيقة في تاريخ هذا الشاعر جدن منها لمحة عابرة في كتاب (دعبل الخزاعي) لسماحة العلامة السيد محسن الأمين وهو كتيب صغير ألف في الأيام القريبة وطبع بدمشق.
وكنا نود أن تكون هذه النقطة موضع عناية المؤلف الجليل ولكنه لم يفعل ذلك جريا مع عادته في التأليف إذ أنه يعني بالترجمة وجمع ما تفرق من أخبار المترجم له وتتبع حياته الأدبية والمادية إذا كان للثانية صلة بالأولى دون إطالة في التحليل أو عمق في الدراسة، على أنه لا ينسى أن يمحص الأخبار التي ينقلها عن حياة الشاعر ويطرح الزائف منها وينقد المشكوك فيه ويقارن ويوازن وكثيرا ما يستنبط من الخبر الواحد فوائد كثيرة تدل على ميله إلى التحليل والتعمق، ولكنه ميل قليل بالنسبة لطريقته العامة التي أشرنا إليها والتي تتجلى لنا في هذا الكتيب الصغير الذي جمع فيه معظم ما تحدث به المؤرخون عن دعبل الخزاعي وعن مواقفه من الخلفاء وصلته بهم ومقدار ما ظفر به من إطراء وتنويه بشاعريته. ثم علاقته بآل علي ومدحه إياهم. وفي الكتاب منتخبات كثيرة من شعر دعبل في المديح وفي السياسة، وقصيدته التائبة المشهورة في آل البيت التي يمدحهم بها
ويستعرض مصارع الشهداء منهم استعراضا حزين وغير ذلك من المقطوعات.
ولعل هذا الكتاب عمل ضئيل بالنسبة لما أنتجه سماحة السيد الأمين من كتب وموسوعات في الأدب والشعر إلى جنبه كتبه العلمية النافعة.
إبراهيم الوائلي
أجواء
تأليف الأستاذ حسن محمود
للأستاذ إبراهيم محمد نجا
كتاب صغير الحجم، قليل الثمن، ولكنه على صغر حجمه، وقلة ثمنه، يجمع بين القيمة الكاملة، والمتاع النفسي الوفير.
ومؤلف هذا الكتاب هو الأستاذ حسن محمود، وهو كاتب قصصي من طراز رفيع، يعمل للمجد الأدبي، دون أن يحفل بالشهرة الزائفة، ولذلك يعني كل العناية بجودة إنتاجه وإتقانه، لا يكثرته والإسراع فيه.
وهذا الكتاب يضم طائفة من الأقاصيص ذات أجواء مختلفة بعضها يمثل الحياة المصرية التي يعرفها الأستاذ عن خبرة وتجربة، وبعضها الآخر يمثل الحياة الأوربية التي ألم بها في رحلاته وأسفاره، وإن كانت هذه الأجواء المختلفة تتفق في أنها تصور النفس البشرية، في إطارها من الحياة الإنسانية العامة.
وكثيرون من كتاب القصة المصرية يهدفون في قصصهم إلى إثارة القارئ إثارة حسية، أما بالإكثار من وصف أجساد النساء، وإما بالاعتماد على الحوادث الضخمة المثيرة، وإن كانت في صميمها فارغة من المعاني والدلالات! ولكن هؤلاء لا يفهمون فن القصة، ولا يعرفون رسالتها الفنية، وإنما يعرفون ويفهمون شيئا واحدا هو اكتساب الشهرة الزائفة، بتملق غرائز الجماهير!
أما الأستاذ حسن محمود فإنه يعني في قصصه أول ما يعني، بإبراز الأثر الداخلي الذي تعكسه الحوادث الخارجية في نفوس شخصياته؛ فالحادثة عنده لا تقصد لذاتها، ولكن لأثرها النفسي، ومن ثم تكون الحادثة الصغيرة لها حظ كبير، لأنه يعرف كيف يستلهم منها المعاني
الكبيرة، وكيف يستخرج منها الدلائل العميقة، وهذه هي المقدرة، وتلك هي البراعة. وشيء آخر يتصل بذلك، هو أن الأستاذ حين رسم شخصياته لا يعتمد في ذلك على الألفاظ وحدها يسرد بها أوصاف تلك الشخصيات سردا متتابعا، كما يفعل بعض كتاب القصة عندنا، ولكنه يوزع لمساته التصويرية على أجزاء القصة كلها؛ ليتسنى له استخدام الحوادث في الرسم والتصوير، فلا ينتهي من القصة حتى تكون شخصياتها قد استوفت حظها من دقة التصوير، وبلغت قسطها من قوة الحياة.
وقد قلنا أن الأستاذ حسن محمود لا يعتمد في إثارة قارئه على الحوادث الضخمة المثيرة؛ ونزيد هنا أن مادة قصصه لهذا السبب تمتاز في مجموعها بالبساطة والعمق؛ لأنه يتناول الحادثة البسيطة في مظهرها الخارجي، فيتعمقها بفكره وروحه وتجاربه، ثم يعرضها لنا، فنرى فيها ما لم نكن نرى، ونفهم عنها ما لم نكن نفهم، وهو من أولئك الملهمين الذين يلتقطون الفتات المتساقط من مائدة الحياة، فيحيلونه بفنهم أعظم غذاء للنفس الإنسانية في حياتها المثالية الرفيعة!
وأسلوب الأستاذ في قصصه، يلائم مادة هذه القصص كل الملائمة؛ فهو مثلها بسيط عميق، ينساب كالماء في رقة ودعة، لا من ضحولة مجراه، ولكن من طبيعة مسراه، فلا ترى فيه العبارات الطنانة، والكلمات الضخمة، وإنما هي كلمات طبيعية يؤلف بينها في حذق وبراعة، فإذا هي عميقة الدلالة، قوية الإيحاء، وافرة الأنغام والأصداء، والأضواء والظلال!
والأستاذ هادئ الشخصية، كما يبدو من خلال أسلوبه وطريقة عرضه لقصصه، هادئ حتى حين يريد أن يسخر من بعض الناس سخرية خفيفة مبطنة، فتراه يفعل ذلك في شيء اقرب إلى الحياء، وبصورة لبقة مهذبة قد تثير الضحك، ولكنها على كل حال لا تجرح الإحساس!
وهو هادئ أيضاً حي يلمس في قصصه أحزان الناس ومآسيهم، وليس ذلك من قلة تأثره بها، ولكن لأنه من أولئك الذين يحزنون في صمت، فيكون صمتهم ابلغ من كل كلام حزين! وصراخ الإنسان قد يثير الفضول أكثر مما يثير الرثاء والإشفاق، ولكن دمعة واحدة تذرفها عين محزون، في صمت وسكون، تهز النفوس، وتثير الدموع!
وهو حين يسجل الانفعالات النفسية لشخصية إنسانية، يحيطها بما يلائمها من الأجواء
والمشاهد، فيكون ذلك منها بمنزلة الإطار من الصورة. يتجلى ذلك في قصته (نظرة إلى شاعر). ففي هذه القصة تراه يرصد الانفعالات النفسية كما تظهر في شخصية شاعر ركب معه القطار الذاهب من مدينة (بون) الألمانية، إلى (كوبلنز) ويسجل مع هذه الانفعالات المختلفة، ما يطرأ على مشاهد الطبيعة من تغير واختلاف، بحيث يجعل من ذلك كله وحدة متناسقة.
وهو ينتقل بشخصياته من جو إلى جو، ومن حال إلى حال، بعد أن تمهد لذلك تمهيدا مناسبا، بحيث يبدو هذا الانتقال طبيعيا ممكنا، لا أثر فيه للتكلف والاستحالة، وهو يقتصد في طريقة عرضه، بحيث يتجنب الحواشي والفضول، كما يقتصد في تعبيره بحيث يخلص في لباقة من الكلام المكرر المألوف إن لك يكن منه بد في موضع من مواضع القصة؛ ففي قصة (قسم) نرى حسينا يسير بعد الغروب في طريق مهجورة، ثم يتنبه فجأة لوقع أقدام تطأ القوام تسير مثله في هذه الطريق. . . فلو أن قصاصا آخر عرض لمثل هذا الموقف في قصة من قصصه، لاستغله كما يشاء، في كلام كثير، وحوار طويل الحس، وينبه الغرائز.
ولكن الأستاذ حسن محمود يكتفي في هذا الموضع بأن يقول:
ارتاحت نفس حين لمنظر هذه الفتاة، فسار إلى أن حاذاها عازما على بأية وسيلة، ولسنا نريد أن نقص كيف بدأ الحديث فإن حسينا لا يذكر كيف كان ذلك، ونحن لا نود أن نفضح سرهما، ولكننا نقول أننا رأيناهما يسيران جنبا إلى جنب، ثم كانا بعد نصف ساعة في سيارة تسير بهما سريعا إلى حيث مسكن الفتاة). وهذا غاية في حسن الإيجاز، وبراعة التخلص.
وللأستاذ حسن محمود ملاحظات صائبة، ينثرها في خلال قصصه وهي ملاحظات تنم عن تجارب كثيرة، وثقافة واسعة، وفهم عميق للحياة.
أما بعد، فقد حلقت في هذه الأجواء حينا من الزمن، فأتاح لي ذلك لذة روحية عميقة، ومتعة نفسية كاملة، فمن واجبي أن أوجه إلى صاحب هذه الأجواء، شكري الخالص لما أتاح لي، ومن واجبي كذلك أن أعبر له عن تقديري الصادق لمقدرته الفنية. وأنا أعلم أنه لن يرضى عما كتبته عنه، تواضعا منه وحياء؛ فقد عرفته جم التواضع، وافر الحياء. ولكن ما ذنبي
أنا، وما كتبته هو الحق والحق ينبغي أن قال؟
إبراهيم محمد نجا