المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 883 - بتاريخ: 05 - 06 - 1950 - مجلة الرسالة - جـ ٨٨٣

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 883

- بتاريخ: 05 - 06 - 1950

ص: -1

‌أدب المجون

أدب المجون يختلف عن أدب اللذة في الدواعي التي تدعو إليه، وفي الدواهي التي تنجم عنه. فمن دواعي أدب اللذة عامية الذهن، أو سطحية الفكر، أو سآمة الجد؛ وهي أعراض طارئة مصيرها إلى الزوال، وانحراف عن الطبيعة مآله إلى الاعتدال. ومن دواهيه أنه يلفظ أهله على ساحل الحياة فلا يخوضون العباب ولا يغوصون في الجوهر، ويدفعهم إلى هامش الوجود فلا يكون لهم في متنه مكان يرمق ولا شأن يذكر.

ولكن دواعي أدب المجون تنفيس عن رغبة مكظومة، أو التعبير عن عاطفة جائشة، والتحرر من التزامات مقيدة، وهي خواص في طبع الإنسان، تلزم لزوم البكاء والضحك له، وتدوم دوام الجد والهزل فيه. وأقل دواهيه أن تزول الحدود بين المعروف والمنكر، فلا يكون فارق بين حلال وحرام، ولا بين نظام وفوضى، ولا بين إنسان وحيوان.

أدب المجون إذن خاصة تلزم لا عرض ينفك. وذلك أن حياة الإنسان من لوازمها الحياء والوقاحة، والعفة والفجور، والاحتشام والتبسط، والتصون والتبذل؛ والأدب صورة لهذه المتناقضات جميعاً. فالفنان الشاعر أو الكاتب أو المصور لا بد أن يعبر بطريقته الخاصة عن كل ما يجول في نفسه أو يقع تحت حسه، وكلما كان هذا التعبير صادقاً كان أدخل في باب الفن، وأوغل في طريق الكمال. من أجل ذلك كان أدب المجون ثابت الوجود في أدب العالم كله. وهو في الأدب العربي عريق الأصل، ظهر منذ قال العرب الشعر ورووا منه لامية امرئ القيس، ودالية النابغة، ورائية بشار، وغزوات أبن أبي ربيعة، وفواحش أبي نؤاس، ومنديات أبن الياس، ومخازي أبن سكرة، وأحماض أبن حجاج. وظل الأدباء في كل زمان ومكان ينظمون المجون وينثرونه. ولا تزال ذواكر المعاصرين تعي ما تلقفته الأفواه من مجون حافظ والرصافي والهراوي مما لم تسجله صحيفة أو يدونه كتاب.

على أن هؤلاء جميعاً كانوا ينشئونه لأنفسهم لا للناس، ويتناقلونه في السر لا في العلانية، ويتفكهون به في المجالس الخاصة لا في المجامع العامة. ولو كان لهم ما لنا اليوم من طباعة تنشر، وصحافة تذيع، وجمهور يقرأ، لتحرجوا من أكثر ما قالوه؛ فأن الناس منذ بت الله في أبويهم آدم وحواء فضيلة الحياة فخصفا على جسديهما العاريين من ورق الجنة، شعروا أن للجسم عورات لا يجوز أن تظهر. ولما هذبهم الدين وثقفهم العلم وصقلهم التحضر، شعروا كذلك أن للفكر عورات لا يليق أن تنشر. فهو بحكم الحرية والاستقلال

ص: 1

والانطلاق يقولون ويفعلون في خلواتهم ومباذلهم ما شاءوا؛ ولكنهم بحكم الدين والقانون والعرف يسترون سوءاتهم ونزواتهم ما استطاعوا؛ فلا يقولون كل حق، ولا يصورون كل حالة، ولا يظهرون كل مضمر، مراعاة لشعور الجماعة، ومحافظة على كرامة الإنسان. . .

(للكلام بقية)

أحمد حسن الزيات

ص: 2

‌عهد

لصاحب العزة الأستاذ محمد محمود جلال بك

دلفت إلى (حراء) يدفعني إليه مثل ما يدفع الوالد إلى ولده من شوق، وقد تقضت على فرقتنا شهور ستة هي أطول ما غبت عن (شرفة عمرو) تكاءدتني خلالها صروف واحتوتني بلاد غريبة، تارة بمصاحبتها، وطوراً بفنادقها، في ظلمات قاتمة بين باهر الأنوار، والآم مضنية بين مظاهر النعيم. كم دعوت الله أن يجنبها صديقاً وعدواً على السواء!

و (حراء) أشبه بالصومعة منه بالغرفة، يختبئ تواضعنا في ظل السلم الصاعد إلى الدور العلوي - صغير المساحة كبير السعة بما حوى من ذكريات، وما زين جدرانه وما حواليها من آثار وطنية وعائلية خاصة. . . يتصدرها أول مكتب جلست إليه صغيراً، وأول ما حمل في الدنيا من ذكريات دراستي. صنعه (العلم أحمد) من أمهر صناع الأثاث بالقاهرة لذلك العهد وأهداه إلى أبي. وإلى الدار الآخرة تولى الصانع ومن أهدى، أغدق الله عليهما رضوانه. وعلى هذا المكتب أول ما اصطلح عليه المجتمع من مقاييس السير في إحدى طرائق الحياة:(الشهادة الابتدائية).

وما كدت ألقي النظرة الأولى على المكتب حتى استوقفت نظري كتاب ذو جلد أخضر أنيق ليس عليه عنوان، ولكنه يحمل في أسفله أسمي؛ وما أدري لم أستحوذ على اهتمامي كله؟ وكيف طوي ما بيني وبين عديد الأشياء التي تملأ فراغه ولكل واحد منها تاريخه وعبرته، ولكثير منها روعة من الفن!

مددت يميني إلى الكتاب وقلبت صفحاته في عجلة ثم أقفلته، وقد أيقنت بما سمعت من الأستاذ الشيخ محمد عبد السميع: -

(إن لله خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص) فاعتبرت ثم أدركت عهداً!

في سنة 1944 كان صديقي (ر. ز) يعمل رئيساً للنيابة في بور سعيد. وهي بلد أحبه وأفضله عن غيره. ويعرف الصديق في هذا الإيثار فيعجب كيف صبرت فلم أنزل ذلك البلد الحبيب من سنة 1940 وكنت أختصه بما يسمح به الزمن من فترات ثم، يلح في زورة قريبة أروح بها عن نفسي ونفسه. وأجدني محرجا فأهم وأركب الطائرة إليه لأول

ص: 3

مرة منذ سنة 1937 إذ وقف خط الطيران خلال الحرب.

ولا أكاد أغادر الطائرة حتى أرى رجلاً يسارع إلى مكانها في جذل ولم أشك في أنه يستقبل بعض القادمين؛ وكلما لاحت مني التفاتة خيل إلي أنه يراقبني؛ وتتملكني حيرة. . . وتشتد حيرتي حين أتحقق أنه يقبل علي وما أكاد أقترب من بناء المطار حتى يحيني باسمي ثم يصافحني ويحمل عني حافظة أوراقي وبعض كتب وصحف!! إنه صاحب بوفيه المطار وهو لم يرني منذ ثماني سنين وما زال يذكرني كأنما هي أيام.

وعند هذا، تلقى الوفاء وأمثاله فقلوبهم تتلقى الجميل الصغير بمجهر فيرفعه إلى صنيع عظيم يثبت فيه مرآتها وتعكسه على قدر هذه الصورة جزاء عليه. وهذا هو عنوان للشعب الكريم كما صاغه الرحمن في الوادي المبارك. وما يتطرق الخلل إلى الأخلاق إلا من حتى تأتي المثل السيئة من المسيطرين والظاهرين فتعود إلى الفساد تدريجاً ثم يتفاعل في أحضان الزمن فيصبح تهلكة. فعند هؤلاء تجد العزاء بقدر ما تجد البرهان الذي يدرك إلى أناتك فلا تفزع إن الخير باق وهو على المستقبل ظاهر.

وفي الصباح الباكر رافقني صديق قديم إلى الشاطئ الجميل. وهو أجمل شاطئ رأيت فيما زرت من بلاد الدنيا! بل قل انه اجتذبنا واقتادنا. ورحم الله شوقي إذ يقول: -

ألين إذا قاد الجمال أعنتي

وأعنوا إذا أقتاد الجميل عنابى

وجلسنا نستمتع بالهواء وبالمنظر وبالذكريات. فعين إلى الحاضر وأخرى إلى الماضي، لا نذهب في هذا الأخير خببا بل مترفقين. ومتى هدأت أعصاب المرء شمله الرفق، والرفق يولد النظام. وأول ما يتحكم في هذا أتساق داخل المرء من قلب وفكر، وبهما تتناسق أمواج الحياة.

كان الوقت باكراً، والموسم لم يبدأ بعد، فلم يكن بالشاطئ إلا قليل من مرتاديه، وجلهم أهل البلد. وبينما نتناول القهوة إذا بالرفيق يقول:(أنظر! أتعرف من القادم؟) والقادم على بعد. قلت: لا، ولكني أراها (هرولة صديق)! قال يا أخي أنك لا تتبين من ملاحمه شيئاً؟ قلت لعله القياس. ألم يذكر أناتول فرانس مرة عن البرنسيس تريبوف قولها لزوجها (أنظر إن هذا ظهر فرنسي) وذلك بين ازدحام الهواة والمتفرجين في قاعة لبيع اللوحات الفنية. ثم كان هو ظهر أناتول فرانس، وقد كان الزوجان من خلفه وعلى بعد ليس باليسير؟ وكانت

ص: 4

الأميرة فرنسية الأصل.

قال الصديق (أما زلت على شغفك بهذا الكاتب؟ لقد مضت سنوات لم أسمع ما تكشف من ثنايا عباراته، وما تحاول جمعه مما ينثر بين كتاب وآخر! (قلت لندع فرانس اليوم ولأقل لك إن للبصيرة كما للبصر مدى) ولم يطل الحوار، فقد حسن ختامه بيد تمتد سلاماً ووجه يشرق بشراً! هذا زميل في الدراسة الثانوية يشغل اليوم عملاً ذا خطر، وقد جاء يقضي أياماً في هذا البلد الكريم، وله برفيقي سابقة معرفة، وهو من القلائل الذين يحفظون الوداد، ويحرصون على صلات الماضي.

شاركنا القهوة، وعددنا هذا اللقاء غنماً كبيراً. وقلنا إنه الشاطئ الذي أحببنا، يسارع بالجزاء فيضعف إلى ارفاده رفداً، بل هو يضع لهذه الزورة القصيرة طابعاً وتاريخاً.

وللصديق أ. ز. غرام بالشعر صاحبه منذ حداثته، يتخير جيده ويحرص على جمعه وحفظه، كأنما يرى في هذا براً بالماضي، كالذي يرى في صون عشرته وزمالته وتعهده رفاق الدراسة بالسؤال عنهم والتقصي! والأدب مروءة، والمروءة لباب الأدب.

وكذلك لم يكن بد من تطور الحديث إلى هذه الناحية، وكأنما هي الصورة الجامعة لثلاثتنا وهي أقرب الصور إلى ما حولنا، فزرقة البحر ودقة الرمال ورقة الهواء وهذا اللقاء قصيدة عصماء. ولقد صدق المرحوم عبد الرحمن حامد بك الشاعر التركي حين قال إن الطبيعة أول كتاب أو أول قصيدة.

وسارعت الساعات إلى انطواء بسحر هذا الحديث، وإذا (بالصديق المهرول) يفاجئني متسائلاً: هل نفذت العهد؟ دهشت وقلت: ذكرني يا صديقي أي عهد؟ قال عهد صديقك أحمد توفيق الشاعر الشاب الذي. . . فاستوقفت التعريفات الدافقة وقلت لن تزيدني علماً بمن تذكر، فإنني أعرف عنه أكثر من غيري، وتربطني به وبأسرته أكثر من وشيجة، ولكن قل لي شيئا عن ذلك العهد فقد كدت تفجعني في وفائي كما فجعتني فيه المنايا!! قال: ألا تذكر قصيدته إليك سنة 1916 والتي خاطبك فيها.

ضاع الرجاء فكن بحيث رجائي

وأحمل على حسن الوفاء وفائي

قلت: بلى يا صديقي، وكانت كتاباً ما زلت أحتفظ به. وفيها ما يسري مسرى الأمثال، وكثيراً ما استشهدت ببعض أبياتها.

ص: 5

قال أنه نفض إليك فيها بذات نفسه، ووضع بين يديك تراثه النادر من خلق وفن. وقد رجعت إلى ذكريات الدراسة وإلى ذكريات الألفة التي كانت بيننا فعرفت أنه يتجه بكل ثقته إليك حياً وميتاً فتنشر ذكره، وأنه كان في تشاؤمه يحس بدنو اجله، ويعلم أن الذي سيطويه يوماً قد يطوي آثاره إلا أن تقوم عليها

للكلام بقية

محمد محمود جلال

ص: 6

‌آراء من الغرب

العالم بعد خمسة وثلاثين عاماً

بقلم الأستاذ فرحان سعيد

أصدر الكاتب الإنجليزي جورج اورول قبل أشهر قليلة كتاباً قيماً بعنوان (عالم 1984 يصف فيه الحياة العالمية اليومية التي يتخيلها سائدة آنئذ. وقد أثار هذا الكتاب عاصفة من الاهتمام والدهشة في الأوساط الإنجليزية والأمريكية على السواء) وتناوله عدد كبير من الصحف بالعرض والنقد والتحليل. وقد تعرضت له مجلة (ريد رزدا يجسب) في أحد أعدادها الأخيرة فلخصت القسم الأول من أقسامه الثلاثة.

والقسم الأول من الكتاب وصف للحياة اليومية في أوسيانيا كما تخيلها المؤلف في عام 1984. وأسبانيا هذه تؤلف أجزاء العالم الغربي الذي نعرفه اليوم، شاملاً على الأخص الجزر البريطانية وجزر الأطلنطيق والأمريكيتين وأفريقيا الجنوبية وقسماً كبيراً من أستراليا.

ونظراً لما له من الأهمية وما فيه من الطرافة والفائدة، فقد رأيت أن أقدم إلى القراء الكرام بمراجعة عجلى له:

وتستون سميث رجل ضعيف البنية، يناهز التاسعة والثلاثين من العمر، يلتجئ في يوم عاصف من أيام نيسان الباردة عام 1984 إلى المنازل المعروفة (بمنازل النصر). وعندما دخل القاعة استرعىنظره صورة كبيرة ملونة معلقة على الحائط، تمثل وجهاً كبيراً جداً، وجه رجل يقارب الخامسة والأربعين من العمر، له شاربان أسودان كبيران وملامح جذابة، وقد كتب تحتها، الأخ الكبير يراقبك!، فهي إذن صورة الزعيم الذي يدير دفة الحكم في أوسيانيا.

وفي أحد الطوابق كان ينبعث صوت عذب يقرأ لائحة هامة حول إنتاج الحديد الخام لقد كان الصوت ينبعث من قطعة معدنية مستطيلة، تعرف بالتلسكرين. وأدار ونستون مفتاحها، فخفتصوتها، ولشد ما كان يتوق إلى إسكاتها تماماً لو كان ذلك في استطاعته، ولكن الحكومة أعدتها بحيث تظل دائماً مسموعة مفهومة واضحة وقد كانت هذه الآلة الغريبة تلتقط كل ما يخرج حولها من الأصوات وما يجري من الحركات. فكان في استطاعة (شرطة الفكر) أن

ص: 7

يراقبوا جميع الناس من ورائها. وعلى الإنسان أن يعيش وهو موقن أن أي صوت يخرجه أو حركة يأتيها ستكشفها الشرطة ما في ذلك ريب.

ويذكر المؤلف أن العالم قد أنقسم بعد الثورات والانقلابات الخطيرة التي حدثت في الربع الثالث من القرن العشرين إلى ثلاث قارات كبيرة وهي: - أوربة الأسيوية، وآسية الشرقية وأوسيانيا. وقد كانت الحرب بينها سجالاً، فما كانت تنتهي يوما إلا لتندلع نارها من جديد.

وعلى بعد كيلومتر كانت تبين أمام سميث العمارة الشاهقة التي تشغلها وزارة الصدق حيث مكان عمله. وتشغل هذه الوزارة عمارة ضخمة على شكل الأهرام، وقد كتبت على جوانبها المبادئ الثلاثة لحزب الأخ الكبير، وهي تنص على ما يلي: - الحرب سلم، والحرية عبودية، والجهل قوة. وفي هذه المبادئ تتلخص فلسفة الأخ الكبير ونظرته السقيمة إلى الحياة. فلقد كان يعتقد، ويعتقد معه حزبه، أن الحرب إحدى السبل الطبيعية للحياة، ولذا كان أحسن حالاً من السلم. ويرى الحرية عبودية لأن حرية الإنسان تضطره إلى الاهتمام بشؤونه الخاصة وهذه هي العبودية عينها؛ ويرى في الجهل قوة، لأن الإنسان إذا تعلم كثيرا ضعفت قواه الجسمية والعقلية. وتضم وزارة الصدق ثلاثة آلاف غرفة علوية، ومثلها سفلية، وليس في لندن كلها سوى ثلاث عمارات تضاهيها شكلاً ومنظراً. وفي هذه البنايات الأربع تتركز جميع أجهزة الحكومة وهي: - وزارة الصدق التي تهتم بالأخبار والعلوم والفنون وإذاعة البرامج على التلسكرين؛ ووزارة السلم وهي التي تعني بالشؤون الحربية؛ ووزارة الحب وهي التي تسن الأنظمة والقوانين، وتبث التلسكرينات في كل بيت، وتحرم على الناس الحب وتحتم عليهم أن يستغلوا جميع عواطفهم لمصالح الدولة؛ ثم وزارة الكثرة وهي التي تعني بالشؤون الاقتصادية.

وتوجه ونستون إلى بيته، وانتحى ناحية منه، ثم تناول دفتراً ذا غلاف أحمر وعزم على تدوين مذكراته. وأما الدفتر المذكور فيدل منظره على أن له من العمر أربعين عاماً، ولقد وقع عليه بصره في أحد الحوانيت في بلدة تسكنها (الطبقة الكادحة) التي كان محظوراً على المنتمين لحزب الأخ الكبير أن يختلطوا بها أو يدخلوا حوانيتها. وقد استولت على بونستون رغبة عنيفة جارفة لشراء الدفتر، ففعل ولكن بعد أن أخذ الحيطة اللازمة لئلا يكشف أمره وإلا كان عقابه الموت أو السجن في معتقلات الأعمال الشاقة 25 عاماً على

ص: 8

الأقل.

وشرع ونستون يدون مذكراته بحروف غامضة، ولكنه سرعان ما أنقطع عن ذلك عندما راوده الفكر أن شيئاً أهم من كل ما دونه قد حدث في الوزارة صباح ذلك اليوم. فقد انبعث من التلسكرين الجاثم في إحدى الزوايا بقاعة الوزارة ضجة صاخبة تعلن ابتداء برنامج البغض ومدته دقيقتان. فظهرت على شاشة التلسكرين صوره وجه عمانوئيل جولد شتاين، عدو الشعب المارق الذي كان فيما مضى أحد زعماء الحكومة البارزين ولكنه أنغمس في أعمال عدوانية ضد الدولة فحكم عليه من جرائها بالإعدام. ولقد كان هذا البرنامج يتنوع يوماً بعد يوم، ولكن جولد شتاين هو هو بطله في كل الأوقات، فإليه تنسب جميع الخيانات والمؤامرات. فيشاهد على الشاشة وهو مندفع في إلقاء خطاب عنيف موجه للأخ الكبير مندداً بدكتاتوريته ومحقراً شخصيته. وما إن توشك الدقيقتان على الانتهاء حتى تثور ثائرة الجمهور الذي يحاول إسكات ذلك الهذر الجنوني الصادر عن التلسكرين، وتخالط نفسيته موجة من الذعر والانتقام والتعطش إلى القتل والتعذيب، ويتحول كل شخص مجنوناً ثائراً يملأ المكان عويلاً وصراخاً. ولكن الأخ الكبير لا تطول عليهم غيبته، فإذا به يظهر على الشاشة وينظر إليهم نظرات يهدئ بها ثائرتهم ويعيد الثقة والطمأنينة إلى نفوسهم.

تذكر ونستون كل هذا ثم عاد إلى مذكراته يراجعها، فألقى نفسه قد كتب وسط ذلك البحران والتفكير الشارد جملة واحدة بخط كبير مرات ومرات (ليسقط الأخ الكبير!).

وتستبد به رعدة من الذعر لأن كتابة هذه الكلمات أو مجرد التفكير بها لهو إجرامي، وجريمة الفكر ليست من الأمور التي يطول كتمانها إذ لا تلبث أن تكشف يوماً ما، فما يشعر مقترفها إلا وقد امتدت إليه في ساعة من ساعات الظلمة الحالكة يد قاسية عاتية تهز كتفيه بعنف وشدة، وتسومه من العذاب ألوانا ثم تسوقه إلى الإعدام. ولقد كان التجسس أمراً شائعاً، فالأولاد الصغار يتجسسون على آبائهم وأمهاتهم ويراقبونهم مراقبة شديدة؛ وكثيراً ما يشكونهم لشرطة الأفكار، وكانت الجرائد تروي الكثير من نوادرهم بعد أن تشيد ببطولتهم وإخلاصهم، وتلقبهم حين تتحدث عنهم (بالصبية الأبطال) وانبعث من التلسكرين صوت صفارة يصم الآذان، يعلن وقت النهوض لموظفي المكاتب. وينهض ونستون ويقف أمام التلسكرين ليقوم بالتمرينات الرياضية الإجبارية التي تذيعها الوزارة ولا مفر من القيام بها

ص: 9

على أحسن وجه.

أما مكتب عمله فقد كان كغيره من المكاتب مجهزاً بجميع ما يحتاج إليه. فأمامه الآلة المسجلة للكلام وبجانبه شقوق في الحائط ترمي فيها الأوراق المعدة للإتلاف فتحمل آلياً إلى مواقد كبيرة تلتهمها فيها ألسنة النيران وتأتي عليها. وإذا ما احتاج إلى بعض السجلات الرسمية فما عليه إلا أن يدير أرقاماً في قرص أمامه، فيأتيه طلبه في أسرع من طرفة عين. وقد كان العمل الأساسي لدائرته أن تنقح جميع الجرائد والكتب والنشرات والإعلانات والأفلام والصور وما إليها من السجلات بحيث تظل دائماً ملائمة لمقاصد الحكومة ودعايتها، فتحفظ في الملفات.

وأما النسخ الأصلية القديمة فيحكم عليها بالإتلاف. ودائرة السجلات هذه أحد فروع وزارة الصدق التي من شأنها أن تعيد بناء الماضي وتزود سكان أوسيانيا بالمجلات والكتب والأفلام والبرامج وما إليها، وتقدم لأعضاء الحزب جميع حاجاتهم على اختلاف أنواعها.

وأما الجماهير المؤلفة من الطبقة الكادحة التي تكون 85 في المائة من مجموع سكان أوسيانيا، فلم تكن خاضعة في الكثير من مظاهر حياتها لدعاية الحزب، لأن الحزب لم ير ضرورة لذلك بعد أن كان يجعلهم يرجون أكثر أوقاتهم في الأشغال التي لا تبقي لديهم من الوقت ما يسمح لهم بالتحفز ضد الحكومة. كما أن الدوائر المختصة بها كانت تكيف عقليتها على النحو الذي تشاؤه فلا تقدم لها من الأدب والموسيقى واللهو والتمثيل إلا بضاعة رخيصة عثة لا تتعدى إثارة العواطف الجنسية والأفكار المنحطة، بحيث لا تفسح لها المجال في التفكير الراقي في ما يختص بتحسين الحياة وطرق العيش.

ويلتقي ونستون بصديقه سايم في أحد الحوانيت النموذجية التي يتناول فيها أفراد الحزب وجبات طعامهم، وهنا يستفيض الحديث فيتطرق سايم إلى الكلام على المعجم الذي يؤلفه في اللسان الحديث - وهو اللغة المنتشرة في أوسيانيا -، فيقول: - لقد شرعنا نلغي مئات الكلمات القديمة كل يوم لأن الغاية من اللسان الحديث تضييق آفاق الفكر بحيث تجعل جريمة الفكر أمراً مستحيلاً، وذلك بإعدام ما يعبر عنها من المفردات. . . وينصت ونستون إلى التلسكرين وهو يتلو رسالة من وزارة الكثرة تتحدث عن زيادة الإنتاج هذا العام عن العام السابق زيادة في الطعام والملابس والمنازل والأثاث وغيرها. ولكنه يستغرب كل هذا

ص: 10

ويستهجنه، إذ لا يذكر أنه حصل طوال حياته على ما كفيه من مأكل وملبس، ولا يذكر أن أثاثه كان متهافتاً وبيته كان متداعياً. ولكن أنى للإنسان أن يظهر إمارات السخط أو الشك لأن ذلك هو الجريمة بعينها. وراح ونستون يتجول في أحياء الطبقة الكادحة حتى وصل أخيراً إلى الحانوت الذي أشترى منه فيما مضى الدفتر ذا الغلاف الأحمر. وأراه هنا صاحب الحانوت قطعة من الزجاج ركب جوفها فص من المرجان، ويرجع تاريخها إلى مائة سنة خلت. ويملك بونستون إعجابه بها، لا لأنها جميلة فحسب، بل لأنها تنتمي إلى عصر غير العصر البغيض الذي يعيش فيه. ثم قاده صاحب الحانوت إلى غرفة مريحة في طابق علوي فتمنى ونستون لو كان يستطيع أن يستأجرها منه، ويعيش فيها هادئاً مستريحاً عن صوت التلسكرين المقيت، ولكن أين منه ذلك والرقابة منتشرة في البلاد طولاً وعرضاً!

هذا وصف موجز للحياة اليومية كما يتخيلها المؤلف سائدة عام 1984. وأما أفكاره هذه فيختلف وقعها على القراء بحسب بيئاتهم. فقد تبدو للأمريكيين مجرد وهم وخيال لأنه يشق عليهم أن يؤمنوا بدكتاتور كالأخ الكبير يتعطش للسلطة، وبحكومة يسارية فظيعة ما داموا قد تعودوا استطابه العيش في ظلال الحرية. أما خارج أمريكا فقد تكون رسالة المؤلف أعمق أثراً وأبلغ فهماً، فالإيطاليون الذين عاصروا موسوليني وهو يلقن الأولاد الصغار دروساً في القسوة الوحشية لن يدهشهم أن يروا الصبية الذين لا تتجاوز أعمارهم السابعة يمارسون التجسس على يد الأخ الكبير. وإذا تسنى لهذا الكتاب أن يتجاوز الحدود الى ما وراء الستار الحديدي فلن يبدو فيه العالم الرهيب غريبا وخيالياً، لأن الصورة التي رسمها المؤلف له مبنية على الدرس الدقيق لمستقبل الاشتراكية إذا أطرد سيرها على منواله الحالي.

أما أهمية الكتاب فليس في تخيلاته وطرافته، وإنما هي في منطقة المر القاسي، لأن المؤلف يحذر فيه الناس من القوى المهددة لعالمنا إذا نشطت هذه القوى حتى تبلغ بنا إلى نهاية المحتومة.

ولربما تحمل هذه الأفكار بعض الناس على الظن أن المؤلف قصد أن يقول: - (إن الناس أشرار بطبعهم، وليس هناك من أمل يرجى في صلاح البشرية ما دامت على هذا الحال)

ص: 11

وما هذا بصحيح لأن الناس إذا ما واصلوا سعيهم لإسعاف البشرية، واحترام روح الحق، واعتنقواالصدق في السعي وراء المعرفة الكبرى، فلن يقودهم سعيهم هذا إلى الاستعباد الرهيب. وإذا تآزروا جميعاً على محاربة روح التفرقة؛ ودعوا إلى الحرية في عبادة الله، الحض على حب النساء وتقديرهن، والعناية بالأطفال ومساعدة المرضى، والجهاد من أهل الإبقاء على قيمة الإنسان وإنماء الروح الإنسانية فيه، والحرص على حريته، فإن هذا العالم الرهيب الشرير، عالم 1984، المفعم رعباً وهولا لن يقدر له في يوم من الأيام أن يصبح حقيقة ماثلة للعيان.

ماجد فرحان سعيد

مدرسة الفرندز للبنين

رام الله

ص: 12

‌اللغة والفكر.

. .

للأستاذ محمد محمود زيتون

جرت العادة في الإنسان على أنه حيوان ناطق، وهذا النطق الذي أمتاز به الإنسان عن الحيوان معناه التفكير والتعبير معاً. والتفكير عملية تجري في عالم الداخل تترجم نتائجها ونزعتها لعالم الخارج، بإشارات إرادية مسموعة أو مقروءة هي اللغة.

اللغة لا تتحقق من دون فكر. وقد يكون فكر من غير لغة، لأن الفكر أما نفساني أو لساني، والأول منهما أقرب إلى الوجود من الآخر. لأن الوجود هو موضوع الفكر ومجال نشاطه. والفكر بدوره يصبح موضوع اللغة ودعامتها الأولى. ثم هو موجود ما دام الوجود، وحيث لا وجود فلا فكر، وليس يصح في الأذهان أن شخصاً يفكر في لا شيء، أو أنه لا يفكر في شيء. والتفكير أدل على الوجود من التعبير: فإن كل المفكرين أحياء، وليس كل الأحياء مفكرين، ولذا قال ديكارت قالته المشهورة (أنا أفكر، فأنا موجود).

ونحن بذلك نخالف (لويس دي بونالد) في قوله بأن لا فكر بدون لغة، ذلك بأن الفكر هو عالم المعاني النفسانية، واللغة عالم الألفاظ اللسانية. واللغة كمال الفكر. ولا عكس، لأنها تستوعبه، وهو لا بد له منها، وهي لا بد لها منه، ولما كانت صورة التمثال دليلاً على مادته، والثوب دليلاً على لابسه، فهل اللفظ دليل على معناه؟ وعلى أي وجه تكون دلالة اللفظ على المعنى؟ وبعبارة أخرى ما النسبة بين اللغة والفكر؟

البارعون قليل، وكم يتمنى الناس على كثرتهم أن يكونوا أمثال هؤلاء البارعين على قلتهم، وهذا ما نراه في ازدحام الناس على سماع فنان يغني، ونحن جميعاً نأكل اللحم أصنافاً وألواناً، ولكن يندر منا من يعرف كيف يتخير اللحم عند القصاب. وكلنا نفكر ولكن أقلنا من يفكر تفكيراً صحيحاً سليماً.

فإذا كان الغناء براعة، ومعرفة أصناف اللحوم براعة، فلا عجب أن يكون الفكر نشاطاً إنسانياً بارعاً، وإن كان عند ديكارت أعدل الأشياء توزعاً بين الناس. والتفكير أضيق نطاقاً من التعبير، فهو كالقوة الكهربائية لها طاقة تدير الآلات وتدبر أمور الحياة.

ويكون التفكير صحيحاً إذا روعي فيه شرائط أربع:

أولاً: استيضاح موضوع التفكير بالإلمام بشتى خصائصه.

ص: 13

ثانياً: امتحان الوسائل الممكنة لإتيانه قولاً أو عملاً أو معرفة أو اعتقاداً.

ثالثاً: اختيار أقرب المسالك وأقوم السبل.

رابعاً: الربط بين هذه الشرائط جميعاً.

والواقع أن تلك هي خطوات التفكير العام عند المهندس والكيميائي والفيلسوف جميعاً حينما يزاول أحدهم فنه، بل هو منهج السلوك الإنساني في هذه الحياة. ونحن إذ نفكر نزداد قدرة على التفكير يتسع معها مجاله، وبراعة التفكير تستلزم التعمق والتوسع معاً، كما هو الشأن في تخصص العلماء في أدق الأمور.

التفكير إذن تفاعل بين القوة المفكرة ومظاهر الوجود، واللغة نتيجة هذا التفاعل، ولما كان الناطق هو المفكر المعبر معاً، فإن للغة إذن مكانتها من الإنسانية. إذ الإنسان مفطور على الاجتماع ببني جنسه اجتماعاً إنسانياً أي بكلا شطري إنسانيته. أما الشطر الأول - وهو التفكير - فلا يكفي وحده لتحقيق هذا الترابط، وكذلك الشطر الثاني - وهو التعبير - لا يكفي وحده لتحقيق ذلك. فكان من اللازم أن تتحالف اللغة والفكر ما دامت الإنسانية وما دام الوجود.

ولما كانت اللغة تستوعب الفكر، فقد أصبحت العنصر الأول والدائم في التقدموالعمران. فالناس يترابطون باللغة ويتعاملون بها، وكلما يسرت اللغة بين الناس، خطوا نحو الحضارة بأوسع الخطوات، وما طرق المواصلات على اختلافها إلا لغات بين الأفراد والقبائل والشعوب. والإنسان بطموحه المعهود لا يكتفي بما لديه من مواصلات، ولا يقف نشاطه على عوالم يعرفها ويتعامل معها، لذلك عمل على التعرف بأبناء الكواكب، والتحدث إليهم في شجون وفنون، وأعانه على ذلك تطور المواصلات من التعقيد إلى التبسيط، ومن البطيء إلى السريع: من رجليه إلى أحدث ما عرف وسيعرف من وسائل؛ تدرجت من الدواب إلى العجلات، من السيارة إلى الطيارة، إلى الصاروخ الأوتوماتكي، ومن التليفون إلى التلغراف، ومن الطرق البرية والبحرية والجوية إلى اللاسلكية، ومن التلفزيون إلى التلبرنتر، وما تزال الليالي حبالى يلدن كل عجيبة، وذلك اتجاه لا ننكره على العقل الإنساني الذي لا يطيق الفوضى، ولا يحتمل الكثرة، ولا يرضى بحمل الأثقال: فقديما لم يعرف الإنسان العدد، وقديماً أخرج (بأقل) لسانه ليكمل بأصابعه العشر ثمن جَدي اشتراه،

ص: 14

وما زال العقل يختزل حتى عرف خصائص العدد فأغنته عن المعدود، وترقى في الأرقام الحسابية إلى الرموز الجبرية، ومن الأشكال الهندسية إلى التحليل الهندسي، فاستحالت النظريات الهندسية من ألفاظ تنطق وأشكال ترسم إلى معادلات.

واللغة مكتوبة أو منطوقة هي إشارات لا تمت إلى ما تشير إليه بصلة من قريب أو بعيد، فليس ثمة شبه ولو قليلاً بين كلمة (كلب) أو صوتها أو شكل كتابتها، وبين الحيوان المشار إليه بها لا شكلاً ولا لوناً ولا طعماً ولا أي شيء آخر. بل يروي أن سبب تسمية حيوان (الكنجارو) وهو أن الإنجليز عند استعمارهم استراليا، سألوا أحد السكان عن أسم هذا الحيوان فقال (كنجارو) أي (لا أدري) فظن الإنجليز أن هذا الحيوان اسمه (لا أدري) فصار اسماً ملازماً. والواقع أن الإنجليزي والأسترالي وغيرهما يعرفون الحيوان ويدركون صورته، ولكنهم - وإن اتفقوا على تسميته باسم (الكنجارو) - لا يردون من سبب لتسميته.

والحق أننا نجاري السابقين فيما تواضعوا عليه من أسماء، وأن اللاحقين يجاروننا فيما توارثناه عن السابقين من غير معارضة ولا مناقشة، ومن غير معارضة ولا مناقشة، ومن غير ما سبب أو ضرورة.

ومما هو جدير بالذكر أننا بالاتفاق والاصطلاح نجمع على المشار إليه أولاً ثم على ما نشير به إليه، وبذلك يكون العقد اللغوي صحيحاً. فالشيء واحد واسمه واحد. ولكن هل أفكارنا عن المسمى واحدة؟

الواقع أنها ليست واحدة، ولن تكون كذلك: لأن مشاعرنا وميولنا - فضلاً عن مدة تعارفنا - كلها تحدد أفكارنا تقديراً وتقريراً. فمدلول اللفظ واحد عند كل الناس، ومعناه يختلف في الكيف والكم عند كل واحد منهم على حدة. وعلى ذلك يكون لدينا: أسم ومسمى وفكرة. وغالبا ما يتحد الاسم، وغالبا ما يتحد المسمى، ولكن من المحال أن تتفق الفكرة لأنها أشبه بدوائر الماء ألقي فيه بحجر، فهي تتسع وتتسع إلى ما لا نهاية له من الأمواج.

والفرق واضح بن الاسم والفكرة لأن الاسم هو الدلالة على المعنى الاصطلاحي الذي يفهم من اللفظ عند إطلاقه، والذي من أجله أطلق الاسم على مسماه دون غيره، أما الفكرة فهي مفهوم الشيء من غير قيد ولا شرط. ولا بأس من التعرض للخلاف الفلسفي الدقيق الذي دار بين (جون استيوارت) و (جيفونر)، فالأول يعتبر المعنى اصطلاحاً وصالحاً للتعامل

ص: 15

لأنه عام، ويسميه والآخر يعتبره فكرة خاصة بصاحبها ويسميه فهو خاص أو أخص الخواص، وذلك أدعى إلى النفرة والخلاف، بسبب اختلاف الناس في مدى تجاربهم عن الحياة، ولعدم وجود رابط للتوفيق بينهم، وما دام السلوك الإنساني شخصياً، والسلوك الحيواني فردياً. إذ الإنسان - كما يرى علماء البيولوجيا - (شخص) بينما الحيوان (فرد)

ومع ذلك لو تركنا للفكر حبله على غاربه لذهب بنا إلى وديان ومتاهات لا نهاية لها، ولا متنع - مع هذا التيه والبعد - ما هو مرجو من الفكر، لتحقيق أغراض اللغة كأول رابطة تعاونية بين الإنسان والإنسان.

لهذا تنازل الناس إلى بعضهم بعضاً عن الحقوق المحفوظة في الخواطر والمشاعر والأنظار، وهداهم الأمر إلى الإنفاق على مسمى الاسم وهو القاسم المشترك الأعظم بين أفكار الناس عن مفاهيم الألفاظ.

ومما يقوي تركيز الأفكار ويمنع تشتتها استغراق المشاعر والميول في النظر إلى الأشياء. فكلما اتحدت مشارب الناس وتوافقت طباعهم وعوائدهم قل الخلاف على معاني الأشياء اختياراً واستعمالاً. وعلى العكس من ذلك إذا تنافرت الطباع وتناكرت الارواح بعد ما بين الناس، وصعب التوفيق، وضار صرخة في واد. أو نفخة في رماد.

ففي الهند 222 لغة يصعب معها تفاهم القادم من (بمباي) مع المقيم في (مدراس)، وليس ذلك إلا مظهراً للخلافات الفوارق الاجتماعية. فلا عجب إذا قلنا إن الانحلال الاجتماعي يتبعه دائماً انحلال لغوي، إذ تعود الإفهام إلى الفوضى الذهنية الأولى فتتخطى الاتفاقات والمعاهدات وتضرب بها عرض الحائط.

وهكذا تكون اللغة مرآة تنعكس على صفحاتها مجرى الحياة القومية لشعب من الشعوب، فقد طغت الموجة السفسطائية على الحياة اليونانية ردحاً من الزمن فتشتت الشمل، وساد الانحلال الخلقي، واستبدت بالشباب نزعة الاستعلاء الباطل، والتمويه والتزويق، وكادت الروح اليونانية تلقي مصرعها النهائي لولا أن أتاح الله للفكر الإنساني سقراط الحكيم الذي وجه كل كتائبه الأولى نحو تحديد الألفاظ، فقطع على السفسطائين أفاعيلهم ورد إلى الإنسانية كرامتها الفكرية.

والإنجليز يسودهم (المادية) حتى في مجال الحياة المعنوية، فهم يقولون وهكذا يجعلون

ص: 16

الزيارة والانتباه كالمال يدفع.

كما أن الفرنسيين يهتمون بالمبالغة والمغالاة، لهذا تعددت في لغتهم مرادفات كلمة (جداً) فيقولون: ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ، ،

وهكذا تكون اللغة مقياساً دقيقاً للروح القومية في خصائصها العامة من جهة، وفي التضامن الاجتماعي أو التفكك والانحلال من جهة أخرى.

والسر الخفي في هذا المقياس يرجع إلى النسبة بين اللفظ والمعنى، لهذا يجب أن نعرف أن دلالة اللفظ على المعنى تكون بإحدى ثلاث: -

أولاً: (المطابقة) أي يكون اللفظ عين المعنى وليس غيره كما نطلق لفظ الإنسان على الحيوان الناطق، ولفظ البيت على مجموع الجدران والسقوف.

ثانياً: (التضمن) أي يكون اللفظ دالاً على جزء من أجزاء المعنى المطابق كما أنطلق لفظ الإنسان على الحيوان وحده، ولفظ البيت على الجدران فقط.

ثالثاً: (الالتزام) أي يكون اللفظ مطابقاً للمعنى الذي يلزمه أمر آخر ليس جزءاً منه ولكن مصاحباً وملازماً ومستتبعاً. كما نطلق لفظ المخلوق على الخالق ولفظ البيت على الكوخ.

ودلالة الالتزام ليست في الحقيقة دلالة لفظية، بل هي انتقال الذهن من المعنى الذي دل عليه اللفظ بالوضع إلى معنى آخر ملاصق له أو قريب منه. فاللفظ يدل على المعنى كله أو جزئه أو شيء آخر خارج عنه ملازم له.

والعلوم إنما تستعمل الألفاظ المطابقة على معانيها حتى لا يختلف في الأمر اثنان أو على الأقل يكون الخلاف أقل من أي خلاف آخر توجده الدلالتان الأخريان. فدلالة التضمن ودلالة الالتزام هما سبب شطحات الخيال، ونزوات السفسطة. ودلالة المطابقة لا تكون إلا بالاتفاق والاصطلاح. وحرصاً على التركيز العلمي، عمدت كل طائفة من العلماء إلى معاجم اتفقوا علة وضع مصطلحاتها، ولهذه المعاجم القول الفصل في كل خلاف. من ذلك ما صرح به المستر تشتشل إبان الحرب الأخيرة إذ قال فما كان من ساسة مصر النابهين إلا أن فطنوا إلى التورية الإنجليزية واللغة اللولبية التي اشتهرت بها، فطلبت حكومة مصر إيضاحاً لهذه الكلمة التي ربما انطوت على معنى (الحماية) التي جاهدنا بأموالنا ودمائنا في سبيل فك أغلالها عنا، ونزع كابوسها، فما لبث تشرتشل أن فسر قصده

ص: 17

بأننا علينا أن نحميها وفق المعاهدة وبذلك انحسم النزاع، وأغمدت الدماء في القلوب.

ولا شك في أن دلالة المضمون تعني الأديب اللغوي في بحثه عن البيان والمجاز من إرادة الكل وإطلاق الجزء، وكما أن دلالة الالتزام لا تعني المنطقي ولا اللغوي وإنما أهل الفن في تخييلاتهم، وتصويراتهم، فالشاعر يتخيل ويتصور، ويخلع على الموجودات والمعاني من شخصه روحاً وجسداً، والمثال يبرز المعاني ويجسمهاما شاءت له معداته ومواهبه ونوازعه، وعلى ذلك تكون المطابقة من هم أهل العلم، والالتزام يخص أهل الفن، والتضمن يشغل المهتمين بأدب اللغة أو لغة الأدب على الأصح.

واللفظ أحياناً يكون له معنى واحد، وأحيانا أخرى يكون ذا معان كثيرة: فالاسم العلم مثل: القاهرة، فاروق، والاسم الكلي مثل: شجرة والجمال؛ وهذان الاسمان يدلان على معنى واحد. أما الاسم المشترك كالعين، والاسم المنقول كالصلاة والأسد والقطار، فكلاهما يدل على أكثر من معنى.

للكلام بقية

محمد محمود زيتون

ص: 18

‌المسرحية بين الكتابة والخلق

للأستاذ يوسف الحطاب

من الظواهر التي كاد القرن العشرين يألفها: صدور المسرحية عن المطبعة لا خروجها من المسرح. وهذه الظاهرة إذا أنتشر ما انطوت عليه رأينا فيها مراوفا لأشكال خطير غفل عنه كثير من النقاد، لأنه يجعل المسرحية أدخل في باب الأدب من ناحية القصة والحوار، مع أنها أقرب إلى الفن بحكم طبيعتها.

ونحن نعرف أن التاريخ الحقيقي للفن المسرحي لم يبدأ بكتابة المسرحية بل ببناء المسرح، أي أن المسرحية لم توجد إلا بعد أن توفر الإطار المادي الذي برزت من خلاله. وليس هذا البناء جزءاً من فن العمارة، بل هو التحقيق الكامل لوجود الفن المسرحي. والمسرحية المكتوبة باعتبارها شيئاً صادراً عنه تتأكد صلتها به حين تراعي طبيعته الفنية، وتنفصم هذه الصلة إذا تجاهلت هذا الأمر، وبذلك تستحيل إلى قطعة من الأدب الخالص.

وإذا قيل إن المسرحية المكتوبة جوهر المسرح، فأن الوجود يسبق الجوهر. ووجود المسرح يؤكد نفسه في الموضوع الذي يتناوله حين يصوره من خلاله فيكسبه شكله ويحيله إلى كائن له مشخصاته وينتهي بنا إلى أنالمسرحية من المسرح تشاهد، لا من الكتاب تقرأ.

هذه هي الحقيقة التي رأيت أن نتفق عليها قبل تناول الأزمة الفنية التي يمر بها مسرح القرن العشرين - الأزمة التي تتمثل في كتابة المسرحية في كتاب أو كراسات لا ابتداعها فوق المسرح واتخاذ وحدات المسرح موضوعاً لها. وهو أمر نريد دفع فناني المسرح إليه.

ونقصد (بفناني المسرح) الفنانين الخلاقين لا ذلك النفر الذي جرى وراء بدعة تمزيق الفن وتقسيمه إلى أقسام: قسم يشتغل بالتأليف، وآخر بالإخراج، وثالث بالتمثيل. فما دام المسرح يمثل وجها من أوجه الحياة فلا بد أن تتوفر له عضويتها ووحدتها أما بدعة التقسيم هذه فمرجعها إلى طبيعة العصر الذي وجد به التقسيم وفكرة التخصص القائمة على التفرقة بين الأنواع.

والأمر المقطوع به أن طبيعة الكتاب ستظهر حتما في المسرح مهما حاول المؤلف إخفاءها. ومن هنا نرى غلبة عنصر الحوار مسرحيات القرن العشرين على العناصر الفنية الأخرى حتى لكائن شخصياتها عند التمثيل تقرأ بصوت عال كتاباً استظهرته. ولا أذكر

ص: 19

أني شاهدت مسرحية بالغ الممثلون في إتقان أدائها أدركت أنهم يحاولون بعث الحياة في شيء غريب عنهم وتعويض هذا الشيء ما يفقده من طبعية.

والمؤلف حين يشغل نفسه باختيار فكرة للمسرحية - كما يفعل في الكتابة العادية - يحيل المسرح إلى منصة خطابة يدعو لفكرته فوقها. ثم هو حين يعمد مرة ثانية إلى التوفر على تعقيد هذه الفكرة يفعل ذلك ليجبر المشاهد على تتبع المسرحية بفكرتها وحله لها - وهذا تحايل على الفن لا ينطلي على من ينعم النظر في بناء المسرحية الحوارية.

وهذه ظاهرة لا بد لها من تعليل عند هؤلاء الكتاب. والتي ولا شك في أنهم يختفون وراء موهبتهم في التأليف مع شيء من دراسة للمسرح والمران على كتابة المسرحية؛ ولكن يفوتهم أنهم يمارسون هنا نفس الأسلوب الأدبي الذي عرفوا به ويكررون نفس الأخطاء في كل مسرحية يكتبونها لأن المسرحية لا تكتب بالكلمات ولكنها تصور بالمشاهد والمواقف ذات طابع العرض.

ويسوقنا الحديث عن موهبة التأليف إلى القول بأن التأليف للمسرح لا يحتاج إلى الموهبة والاستعداد الكاملين فحسب بل إلى الدراسة والمران حتى يكتمل نمو الملكة المسرحية إلى النهاية، وحتى يصبح رجل المسرح كالطبيب والمحامي والمدرس الجامع بين الاستعداد والدراسة.

تأتي بعد ذلك مسألة الأداء ومن الذي يقوم به: ومن المعروف أن الطبيب يعالج مرضاه بيده ولا يدع أمرهم إلى غيره وإلا كان متناقضاً مع قواعد المهنة. أما رجال المسرح فتراهم يتناقضون مع أنفسهم وقواعد مهنتهم حين ينقسمون إلى مؤلف ومخرج وممثل، وحين ينفرد كل بجانب واحد من جوانب المسرحية يكاد ينفصل عن بقية الجوانب. فالمؤلف ينتهي دوره من كتابة الكلمات، والمخرج لا يبذل جهداً بعد إعطاء التعليمات؛ أما الممثلون الذين يحققون العمل الفني ويقومون بمهمة الأداء فلا يستطيعون أن ينكروا أنهم يؤدون شيئاً ليس لهم. وهذا هو السبب في سرعة ما يلحقهم من تعب وإرهاق، بل هذا هو السبب الحقيقي في فشل بعض المسرحيات أو النجاح المفتعل للبعض الآخر.

والذين يفرقون بين التأليف والأداء يستشهدون على ذلك بفن الموسيقى وأن بيتهوفن أرتفع بالتأليف الموسيقي إلى أسمى الدرجات دون أن يقوم بعزف مقطوعاته بنفسه. ولهؤلاء نقول

ص: 20

إن الفرق كبير بين الفنيين وأن المسرح يحتاج إلى توفر استعداد طبيعي، بل إن المختصين يذهبون إلى أنه غريزة من الغرائز التي تدخل في تركيب الإنسان، وإن الأداء تنقيس عن هذه الغريزة وإشباع لها. ومن هنا حق لنا أما أن نقف الذين يبتسرون الأمور ويكتفون بأجزاء الأشياء دون كلياتها. فما دامت المسألة إشباع حاجة طبيعية فأن هذا الإشباع لا بد أن يأخذ شكله التام في المجال الطبيعي له - وهو المسرح: وما دام المخرجون والمؤلفون يبتعدون عن خشبته فأنهم يعبرون بذلك عن بعدهم الحقيقي عن هذا المجال وأنهم إضافات زائدة يحسن إقصاؤها بعيداً عن العناصر الحقيقة.

وقد يعترض أصحاب فكرة المؤلف الواحد والمخرج الواحد بأن كل ممثل لا يستطيع أن يكون مؤلفاً أو مخرجاً وأنه إذا استطاع فسيختلط الأمر ويصير الأداء فوضى شاملة. ونحب أن نطمئن هؤلاء بأن الأنباء حملت إلينا في العام الماضي نجاح محاولة أحد فصول المعاهد المسرحية بلندن في الاشتراك في كتابة مسرحية جماعية وهي المحاولة التي نريد تعميقها في المسارح الفنية والدراسة والمران كفيلان بتحقيقنا لها.

وليست هذه المحاولة حدثاً جديداً بل لها سند من التاريخ وأسلوب الفن. فنحن نعرف أن المسرحية بدأت عند اليونان بالارتجال فكان مؤلفوها يستمدون موضوعاتها من الأساطير التي خلقها الشعب وكانت واقعاً يعيشه. حتى أنهم كانوا يثورون إذ خرج المسرحي على نص الأسطورة. وهكذا نرى أنهم كانوا يشتركون في التأليف كما كان الممثلون يختارون منهم ويخضعون إخراج المسرحية لتقاليد متفق عليها منهم.

ولم تشذ المسرحية في العصور الوسطى عن هذا الأمر حين كان الكهنة يرتجلون تمثيل حياة القديسين، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك بحرصهم على إعطاء أدوار التمثيليات إلى أشخاص يقومون بنفس الأدوار في الحياة.

وأظهر حركة طبيعية في تاريخ الفن المسرحي بدت في المسرحية الفنية (كوميديا دلارتي) التي كانت تعتمد على ممثلين حذقوا فن ارتجال التأليف والتمثيل وخلفوا وراءهم تراثاً كبيراً في تصوير الشخصيات والإخراج. كما قامت في ألمانيا في أوائل الربع الثاني من هذا القرن حركة ترمي إلى اشتراك الجمهور في أحداث المسرحية.

وليس في هذا خروج عن التيار العام للفن، فأننا نعلم أنه حينما اقتربت دراسات علم النفس

ص: 21

من الفن وانتشرت نظريات العقل الباطن رأينا الفنانين يخرجون على طرق الأداء التقليدية ويتبعون نهج التلقائيين وخاصة في الرسم.

وليس تعدد طرق الإخراج والتأليف في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن وترددها بين الواقعية والرمزية إلا دليل قلق رجال المسرح على المسرحية الحوارية من ظهور الأوبرا والباليه والسينما: أما الأولى فقد رأت أن تقترن الموسيقى بالحوار حتى غطت الموسيقى على الحوار وكادت أن تقضي عليه، حتى جاءت الباليه التي لم تر في الموسيقى علاجاً لطغيان الحوار فألغته إلغاء تاماً واستغنت عنه بالحركة المصورة التي اتخذتها وسيلتها في الأداء أما السينما فقد أرادت أن تقف في مفرق الطريق فجمعت بين عناصر هذه الفنون داخل الصور المعبرة التي تقدمها.

هذا ما جره تمسك لمسرح بالحوار والمسرحيات الحوارية المكتوبة التي يخلفها له أديب غير ممثل ويخرجها مخرج يشرف على المسرح من بعد ولا يضع يديه في العمل.

وإذا بقي المسرح على هذا الحال فلن يمر نصف قرن عليه حتى يكون قد استهلك كل إمكانياته ومله الناس ولم يعد أمامه إلا أن يفسح الطريق لفن جديد لا علاقة له به، أو أن يسير في الطريق الطبيعي الذي رسمناه له. وما زال علاج المسرح في المسرح نفسه وفي الرجال الذين يعملون به.

يوسف الحطاب

ص: 22

‌مجال العبقرية

للأستاذ محمد خليفة التونسي

مجال العبقرية هو السريرة الإنسانية حيث أرادت الإصلاح، ومتى أرادته. . .

فهو المجال الذي منه يبزغ وفيه تعمل، وعليه تعتمد في الإصلاح، وبه تناط معجزاتها الأدبية، فالعبقرية حين تتصدى لإصلاح البشر إنما تعمد إلى تغيير سرائرهم فتغير إحساسهم وتفكيرهم ونظرات بعضهم بعضاً لبعض، ونحو الحياة عامة، والوجود بصور أعم، فإذا أفرغت العبقرية قواها في السرائر الإنسانية التي تتصل بها غيرتها، فتغيرت طوعاً لذلك الاجتماعية وكل ما فيها من نظم.

وبهذا المقياس وحده يقاس أثر العبقرية، وعلى هذا النحو ينبغي أن يمتحن إعجازها الأدبي، إذ أن مناط هذا الإعجاز ما في العبقرية من قوة دافعة إذا مست السرائر الإنسانية جاشت فيها بواعث الحياة وبواعث الواجب وبواعث الشعور وبواعث التفكير وكل ما ركب في البنية الإنسانية من قوى الوعي والحركة.

ومن طلب الإعجاز من العبقرية في غير هذا المجال فهو جاهل بمعنى الإيجاز، ومعنى العبقرية، ومعنى الحياة الإنسانية، وحدود الطاقة البشرية ومكان الإنسان في الوجود. وهو كمن لا يبحث عن الماء إلا في السراب، فإذا لم يظفر به - وما هو بظافر - كفر بالماء والسراب جميعاً. ولو تدبر الأمر لعرف أنه هو الذي دفع بنفسه في مهاوي الضلال بسوء افتراضه ومنهجه وحكمه، ولو فطن إلى أنه يكلف الأشياء ضد طباعها لما زاغ وما طغي.

ومن هنا يتبين الفرق بين منهاج العباقرة ومنهاج غيرهم في إصلاح البشر.

فالعبقري يلجأ أولاً إلى إصلاح السرائر الإنسانية، فإذا صلحت صلح بصلاحها ما يشكو منه المجتمع من أدواء، أو هان على الأقل إصلاح هذه الأدواء أو تخفيف وقعها على النفوس.

وغير العبقري يلجأ إلى إصلاح ما يحيط بالناس، ويحاول أن يوجد توازناً بين القوى المختلفة في المجتمع حتى لا تثقل بعض جوانبه ويطيش بعضها فيتزعزع بنيانه وتنحل ضوابطه.

العبقري يبدأ الإصلاح من الداخل فيندفع إلى الخارج، وغير العبقري يبدأ الإصلاح من

ص: 23

الخارج ليحاول أن يجد له طريقاً إلى الداخل وقد يصل إلى السريرة أو لا يصل.

ومن ثم كان إصلاح العبقري أشبه بالطفرة المفاجئة، وإصلاح غيره أشبه بالدبيب الهادئ الوئيد، وكأن المجتمع يخلق حيث نبغ العبقري خلقاً جديداً، وكأنه على يد غيره يرمم ويقوم بعدة عمليات جراحية خفيفة بطيئة على التوالي طالما هو يحيا، وطالما بنيته محتاجة إلى هذه العمليات، وقادرة على تحملها، ثم يكتب له السلامة من أخطارها.

العبقري دائما صاحب رسالة، وعمله تبليغها إلى الناس، وهو لا يبلغها حتى يكون مثلاً حياً مجسداً، وحتى يكون مثلاً مغرياً ليحمل الناس على التأسي به فيها، وهو لن يغري الناس بتقليده والإيمان به حتى تكون شخصيته محببة جذابة، وسيرته رضية وممثلة لرسالته، فيجبرهم بجمال شخصيته وسيرته على الإعجاب به والاطمئنان إليه، ثم التسليم برسالته؛ ولن يتاح ذلك ضرورة إلا بأن يصحبهم ويصحبوه.

فالصلة الشخصية بين العبقري ومن حوله هو الموصل الجيد السريع الذي تنتقل خلاله شخصيته بكل ما حفلت، ومبادئه كأبسط وأظهر ما تكون في تسربها من سريرته إلى سرائرهم، ولا صلة غير الصلة الشخصية التي تتهيأ فيها الألفة ويتجمع الشتات وتعرض الأمور بسيطة بارزة قادرة على نقل صورته ومبادئه - منه إليهم، وبغيرها يتعذر أو يتعسر التأثير.

وهم لا ينتظرون منه آية على صدق رسالته وكرمها - سواء وعوا ذلك أم لم يعوه - إلا أن يكون هو مثلاً محببا إلى نفوسهم في تصويرها وتوضيحها لهم، ولا آية تقنع المستعدين للإقناع بصدق رسالته وكرمها إلا تجسدها فاتنة محببة لهم في شخصه وسيرته.

وعلى هذا النحو الذي انتقلت به الرسالة من سريرته إلى سرائر أصحابه تنتقل من سرائرهم إلى سرائر من وراءهم في الزمان والمكان، وبأشخاصهم وسيرتهم الممثلة لهذه الرسالة كما تظهر خلال صلاتهم الشخصية المباشرة بالناس يستحوذون على إعجابهم وثقتهم وإيمانهم، فالعملة التي يتعامل بها الناس في حياتهم هي الأشخاص والأعمال الصالحة المنظورة التي تمثل المبادئ والأفكار الصالحة في صورة حسية جذابة، وليست هي المبادئ والأفكار المجردة مهما تكن صالحة، ومن هنا تظهر خطورة الصحبة التي تتسلط فيها شخصية على شخصية، ولا سيما الشخصية العبقرية التي هي بحكم طبيعتها

ص: 24

طاغية غامرة.

نعم، ليست الصلة الشخصية بين العبقري وغيره صلة ذهن بذهن، ولا استمتاع عين بمنظر إنسان عجيب، بل امتزاج تتسلط فيه شخصية مغناطيسية بكل ما فيها من قوى طاغية على شخصية قابلة للانجذاب إليها، متفتحة لتقبل ما تفيض به عليها.

هنا فيض شخصية في شخصية لا يسهل حصر حدوده ولا طرقه، لا نقل معلومات من ذهن بعلمها إلى ذهن يجهلها، يتم فيه تشبع الشخصية التابعة بالشخصية المتبوعة إلى درجة الامتلاء، وذوبان عناصرها فيها حتى تستحيل شخصية أخرى تصدر عنها أفعاله وأقوالها كما يصدر العسل عن النحلة، وتسير في حياتها على هدى هذه الرسالة كأنها تهتدي بوحي غرائزها الفطرية دون تفكير ولا تردد ولا اختيار.

فإذا تحدثت الشخصية التابعة سمعت منها حديث المنوم مغناطيسياً تحت تأثير منومه، وتظهر كلماتها مطبوعة بطابع الرسالة التي تلقتها، ولو لم يكن الموضوع الذي تتحدث به من الموضوعات التي تعرضت لها الرسالة ببيان. ومن الأمثلة التي توضح لنا ذلك أحاديث حواريي المسيح برسالته من بعده إلى الناس، وما كان هؤلاء الحواريون إلا طائفة من صيادي السمك وأشباههم لا يزيدون في ثقافتهم على العوام، ولكنهم ثبتوا في الجدل الكلامي لأساطين كهنة اليهود وأحبارهم الذين كانوا فقهوا حق الفقه صفوة الثقافات الدينية والعملية والفلسفية التي كانت معروفة في عهدهم، وانتصروا عليهم حتى في تفسير الشريعة الموسوية التي هم كهنتها وأحبارها. وكانوا إذا خطبوا أو تحدثوا - وهو العوام - نطقوا بالبيان الساحر الذي يزلزل القلوب ويهز العقول فلا تملك حيال بلاغته العارمة ما يدفعها، فإما أن تؤمن بها وإما أن تنحرف عن طريق سيلها الغامر.

وكانوا إذا تنبهوا إلى أن ما يقولون هو فوق مستوى افقهم تعجبوا من أنفسهم ودهشوا كيف يأتون بمثله وهم العوام، وتأولوا ذلك بأنه من آثار تجلي الروح القدس عليهم وامتلائهم به. ونحن لا نملك إلا أن تعجب كما عجبوا وندهش كما دهشوا كيف يأتون بما أتوا به مما لا يحسن مثله فحول البلغاء الذين قضوا سنين عاكفين يتدربون على تجويد القول والتفنن فيه. هذا إلى ما يمتاز به كلام أولئك الحواريين من بساطة معجزة في التفكير والتعبير. ونحن أخيراً لا نملك إلا أن نسجل هذه الظاهرة ونصفها، فإذا حاولنا تعليلها (بعبقرية الإيمان) في

ص: 25

تلك السرائر التي (تشبعت وامتلأت وذابت عناصرها في فيض عبقرية المسيح) لم يكن هذا التعليل بأقوى من تعليلهم هذه الظاهرة بتجلي روح القدس عليهم وامتلاء نفوسهم به، والمسألة لا تعدو حد الوصف.

ومن هذه الأمثلة ما نقل عن بعض صحابة النبي الأقربين من أقوال وأعمال وسير، وفيهم التاجر الصغير والحداد والجزار وباري النبال والعبد المسخر المستضعف، فنحن نعجب كيف نهضوا بأعباء الفقه والحكم والنصيحة للخلفاء وغيرهم ورتق الفنون التي انفتحت عليهم من أقطارها، فشرعوا وحكموا ونصحوا وأصلحوا كأتم ما يستطيعه من قضوا أعمارهم في دراسة الشرائع وسياسة الممالك والمشورة على الملوك والرعية، والإحاطة بتواريخ الأمم والوسائل الناجعة التي عالج بها أبطال الساسة المشكلات أيام السلام والهزاهز. ولقد بلغوا في هذه الأمور حداً يندر أن يطاول حتى كثير من طائفة العبيد المسخرين المستضعفين فيهم قد كان لكل منهم مشاركة في هذه العظمة يعز أن تظفر بمثله بين أبطال التاريخ في أي مكان أو زمان خلال قرون.

ومن المعجب المعجز أن تظفر بكل هؤلاء وبخير منهم في فترة واحدة على يد رجل واحد. فكيف استطاع محمد في حقله الضيق في سنوات معدودات أن ينبت هذه المئات من أشجار البطولة التي تنوعت سيقانها وفروعها وأوراقها وأزهارها وثمارها كأوسع ما يكون من التنوع، وهي تقوم في تربة واحدة وتسقى بماء واحد. ولا يخفف من عجبنا شيئا أن هذا الرجل الذي تخرجوا به نبي، وأن هذا النبي محمد، ما لم نكن ممن يعشى أبصارهم تلألأ الكلمات فيقفون عند حدودها ولا ينفذون إلى العوالم الفساح المتراميات وراءها، ولو فعلنا ذلك لم نعرف الدرس الأول الذي تعلمنا إياه صحبة العباقرة، وهذا الدرس الأول الذي يمثله (أبجدية العبقرية) هو عدم الوقوف عند الكلمات التي تواضع عليها الناس ولو كانوا من الحكمة في أرفع مكان.

ومن أهم ما يلفت النظر فيهم قولاً وعملاً وسيرة ظاهرة (الاجتهاد) مع أنهم متأثرون أقوى الأثر وأعمقه بشخصية النبي ومن العجب أننا لا نجد تعليلاً لهذه الظاهرة إلا ما نستدركه بعد ملاحظتنا هذه الظاهرة، وهذا التعليل هو أنهم متأثرون أقوى الأثر وأعمقه بشخصية النبي، فتحت هذا التأثر القوي العميق يقولون ويعملون ويسيرون في حياتهم كأنهم (أنبياء

ص: 26

صغار) وكأن (الاجتهاد) الذي يصاحب (النبوة) الكبيرة (غريزة) من أقوى غرائزهم الفطرية غرزها فيهم النبي لتصاحبهم وتوجههم غريزياً، وتلهمهم إلهاماً ما يقولون وما يعملون وما يسيرون كما ينبغي أن يكون القول والعمل والسيرة الشخصية (للنبي الصغير) في غيبة (النبي الكريم). فهم ينظرون إلى أنفسهم وما حولهم ومن حولهم نظرة فيها من الأصالة والاستقلال والحرية ما لا يتوفر إلا لعظماء (المجتهدين).

وهؤلاء لا يظهرون كأنهم (أنبياء صغار) إلا عند مقابلتهم (بالنبي الكبير) وإلا فأنهم إلى جانب كثير غيره من المشهود لهم بالإلهام يظهرون كأنهم قمم لا تطاول.

إن الوجود بكل ما فيه ليبدو لهؤلاء - كما يبدو لكل عبقري - طازجاً غضاً كأنما لم يخرج من يد الله إلا في اللحظة التي رآه فيها. إنه ليبدو في عينيه وجوداً (جديداً) لم يكشفه أحد من قبله، ولم يبدو فيه رأيه، ولم يسم شيئاً فيه باسمه. وآية ذلك أن وعيه لا يقف بداهة عند حد الأسماء التي سماه الناس وسموا محتوياته بها، ولا يعترف بداهة بالمواضعات تواضعوا عليها في معرفته، ولا بالأحكام التي قضوا بها في مشكلاته مهما يكن سداد هذه الأحكام، ومهما تكن قداستها، فكل أمر تقع عليه عيناه قضية لم تحقق، ولم يصدر عليها حكم، ولا تزال تنتظر منه نظره وحكمه، ولا بد أن يكون نظره فيها ثم حكمه عليها جديداً مستقلاً أصيلاً حراً جريئاً لا يأبه كيف أعتبر الناس قبله هذا الأمر مهما كانوا من الحكمة والقداسة.

ومن بناء هؤلاء وتعودهم على النظر المستقل فيما هو من عميهم المكلفين به نرى لهم نظرات أريبة أصيلة مستقلة حتى في ما جاوز عملهم، كما ترى استغراق نشاطهم في تأمل هذا الوجود لا سيما البشرية ذاهلين عن مآربهم المعيشية؛ فهذا الوجود ولا سيما البشرية - وهو الذي تبدو مشكلاته لأبصار العادين اموراً مفروغاً منها - يبدو بأبصار هؤلاء كأن مشكلاته لم يتناول شيء منها بالدرس، ولم يقل في شيء منها كلمة واحدة، بل لم يسم شيء منها باسمه. إن كل واحد منهم يبدو كأنه آدم الإنسان الأول الذي لم يشاهد الوجود إنسان قبله. وكأن قصته قصة آدم الملهم مع الملائكة على وصف القرآن الكريم (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العزيز الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبئهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السموات والأرض، وأعلم ما تبدون وما

ص: 27

كنتم تكتمون).

إن كل عبقري آدم. وكل من أنتفع في جو عبقري خلال صحبته حتى تشبع برسالته هو آدم.

نعم، آدم (النبي الساذج الطازج) الذي (علمه الله أسماء الأشياء) ولم يتعلمها من أحد غيره، وألهمه الله إياها ولم يدرسها حتى على (الملائكة) الذين خلقهم الله من نور، وليس وكدهم في حياتهم إلا تسبيح الله وتقديسه، وليس بينهم وبين الإطلاع على شيء حجاب من الحجب التي تثقل آدم الذي خلقه الله من (طين) فغلبهم في ميدانهم، وعرف (الملائكة) أنهم لا يعلمونإلا ما علموا، وأن خزائن الله (العزيز الحكيم) حافلة بالآيات التي لا تملك أمامها المخلوقات ولو كانوا (ملائكة) إلا العجز والتسليم.

ومن هنا يظهر جانب من إعجاز العبقرية وتأثيرها في السرائر الإنسانية المتفتحة لقبول الفيض الغامر الخالق من الشخصية العبقرية في (صحبتها) المباشرة. كما يظهر هذا الجانب الإعجازي في إنهاض البشرية ودفعها نحو الجمال والكمال عن طريق الصلات الشخصية المتوالية، وخصوصاً أن العبقريات بين البشر نادرة، وذوات الرسالات الكبرى بين العبقريات أندر.

(يتلى)

محمد خليفة التونسي

ص: 28

‌نقي العبث عن النحاة

في التعجب

للأستاذ عبد الحميد عنتر

مهداة إلى من يعترف بالفضل لأهله

إني لأعجب أشد العجب ممن يعمد إلى هدم البناء النافع المتين، بدون أن يبني على أنقاضه بناء نافع أو أنفع منه! ويطول عجبي اكثر إذ كان الهادم نفسه ممن تقدم بهذا البناء النافع، وستفاد منه في حياته أيما فائدة!

هذه قواعد النحو العربي - ومنها التعجب - تدرس تبحث منذ ثلاثة عشر قرناً هجرياً (من سنة 67 - 1369 هـ) وقد تلقاها العلماء بالقبول، وجعلوها نبراساً يستشفون به أساليب القرآن، وأحاديث الرسول، ومنثور العرب ومنظورهم، ويحكمونها فيما ينشأ من كلام المستعربين والمحدثين من النثر والنظم، حفاظاً على اللغة من أن تضيع، أو تلعب بها الأهواء.

ألا تعجب معي أيها القارئ. إذا أتى بعد ذلك من يرمي النحاة بالعبث والتضليل والتجهيل، ويصف كلامهم بأنه غثاء أو هراء، ويتهكم عليهم بأنواع الزراية والسخرية اللاذعة!

أستمع إلى الأستاذ (كمال بسيوني) يقول في عدد الرسالة (881): في الحق أن النحاة يكلفون أنفسهم شططاً، ويرهقونها عسراً حينما يريدون أن يعللوا كل شيء، فلا ينتهي بهم التعليل والتحليل، إلا إلى التجهيل والتضليل، ولم أر النحاة ضلوا في باب من أبواب النحو ضلالهم في باب التعجب، وأكون مقرراً للواقع حين أقول: إن واحداً منهم لم يفهم من قريب أو بعيد صيغتي التعجب. إلى أن قال. . . أو لأنك لم تؤت القريحة النفاذة التي تستطيع بها أن تستسيغ هذا الغثاء، وأن تفهم هذا الهراء، ثم أخذ يحلل الصيغتين بتحليل يزعم أنه من عنده، وأنه بحث علمي جديد يحسن بالقائمين بأمر النحو في مصر أن يتأثروه، وأنهم لو فعلوا ذلك لكان إيذاناً بأنبثاق فجر جديد لقواعد العربية. هذا كلامه. وأقول: لكي لا أشق على القارئ بالتطويل في الرد أجمل الكلام في النقاط الآتية:

قاعدة التعجب عند النحاة. فساد هذه التسمية في نظر الكاتب والرد عليه الكاتب يأخذ رأيه

ص: 29

من كلام النحاة ويزعم أنه رأي جديد له! حملته على شيوخ النحو في مصر.

1 -

قاعدة التعجب عند النحاة: يسلك الكاتب الفاضل أن القاعدة التي وضعها النحاة لما يسمونه التعجب سليمة لا غبار عليها، وقد طبقت على جزئياتها القياسية المختلفة، وعاد ذلك على اللغة بالخير الكثير، ويسلم أيضا أن هذا هو المقصود من وضع القواعد، وأعتقد أنهم لم يخالف في هذا أحد من النحاة القدامى أو المحدثين، حتى من أهديت إليه هذه المقالة، وهو الأستاذ الكبير إبراهيم بك مصطفى عميد كلية دار العلوم. ولكنه يصب جام غضبه المضري على شيء واحد لا دخل له في قواعد النحو في قليل أو كثير. ذلك الشيء هو تحليلهم صيغتي التعجب وإعرابهما وتسمية هذا الباب بباب التعجب!

لنفرض جدلاً أن النحاة أخطئوا أشنع الخطأ في هذا التحليل وذلك الأعراب مع سلامة قاعدتهم التي بنوا عليها الأحكام النحوية. فهل هذا يستوجب من الكاتب هذه الغارة الشعواء وتلك الحملة المنكرة؟! إني اترك الجواب للقارئ المنصف.

2 -

إذا قلنا: ما أحسن العلم وأحسن به، وما أقبح الجهل وأقبح به، أو قلنا ما أجمل الورد وأجمل به، وما أقبح الشر وأقبح به. فأن الكاتب يزعم أن ليس في هذه الصيغ تعجب البتة، وإنما تفيد الكثرة والمبالغة، ويدعي أن المعنى الأدبي لهذه الصيغ هكذا: العلم حسن جداً، والجهل قبيح جداً، والورد جميل جداً، والشر قبيح جداً. وظاهر أن هذا ليس بتعجب. (فتسمية هذا الباب بباب التعجب تسمية غير سديدة).

الرد - لم يوفق الأستاذ الكاتب لفهم معنى التعجب الذي يعنيه النحاة الأدباء - وكان النحاة في أول عهد النحو علماء بقواعد العربية وباللغة والأدب - ومعناه عندهم كما قال أبن يعيش (ص142 جـ7) معنى يحصل عند المتعجب عند مشاهدة ما يجهل سببه. وذلك المعنى كالدهش والحيرة).

ونحن إذا حللنا الأمثلة التي منع الكاتب أن تكون للتعجب وجدنا فيها كلها هذا المعنى التعجبي الذي شرحه العلماء.

فمعنى (ما أحسن العلم وأحسن به) أتعجب من حسن العلم لخلفاء السبب الذي به حسن.

ومعنى (ما أقبح الجهل وأقبح به) أتعجب من قبح الجهل، فقد غاب عني السبب الذي من أجله قبح.

ص: 30

ويلزم هذا المعنى الذي شرحته معنى آخر وهو المدح في المثال الثاني بطريق المبالغة، ويقاس عليهما ما أجمل الورد، وما أقبح الشر. فالمعنى التعجبي كما قلت أولاً، والصيغ بهذا المعنى أو بمعنى المدح والذم خبرية لفظاً إنشائية معنى، لأن التعجب والمدح والذم من وادي الإنشاء غير الطلبي، كما تقرر في علم المعاني. والمعنى اللازمي يفيد المبالغة في المدح أو الذم أو غير ذلك بحسب مواد التعجب. مثل أن نقول: العلم حسن جداً، والجهل في غاية القبح، والورد في نهاية الجمال، والشر قبيح جداً. فالمقصود الأصلي للعربي من صيغ التعجب هو الدلالة على التعجب، ودلالة على المبالغة في المدح أو الذم أو غيرهما تابع للمقصود، والذي قلته هنا قال مثله النحاة. ينظر الصبان علي الأشموني في أول باب التعجب. وبذا تبين أن النحاة فهموا معنى التعجب تماماً، وأنهم لم يهملوا المعنى الذي يدعي الكاتب أنه من عنده، وأنه لم يأت بجديد يتأثره القائمون بأمر النحو في مصر:

بقي أن رأيه الجديد بأن معمول فعل التعجب المنصوب المجرور بالباء الزائدة في نحو قولنا: ما أجمل الورد وأجمل به مسند إليه هذا الرأي الجديد المأخوذ من شرح أبن يعيش على مفصل الزمخشري (ص 148 جـ7)!! ولا أطيل بذكر النص لئلا القارئ. فليرجع إليه إن شاء.

3 -

حملته على شيوخ النحو في مصر:

عني النحاة على طريقتهم في البحث والتمحيص بفهم المعنى من صيغتي التعجب أولاً، ثم بإعرابهما ثانياً.

ولا زلنا ندرس النحو على هذه الطريقة. وما الذي يضير إذا أعربنا (ما) بأنها تعجبية مبتدأ، و (أجمل) بأنه فعل ماض وفيه ضمير مستكن وجوباً يعود على (ما). والورد منصوب على التشبيه بالمفعول، وقلنا في إعراب (أجمل به) أجمل فعل ماض، جاء على صورة الأمر للتعجب. والباء زائدة زيادتها في وكفى بالله شهيداً) وضمير الورد فاعل في المعنى، لأنه الموصوف بالجميل الزائد. ماذا يضير لو وجهنا هاتين الصيغتين بهذا التوجيه الإعرابي أو بغيره من التوجيهات التي ذكرها النحاة بدون أن نتعرض لأساس القاعدة؟ اللهم إن انتقاد هذا الأمر الهين هروب من العلم، ورضى بالدعة وخمول القريحة.

ثم أمن أجل هذه التوجيهات السديدة تقوم القيامة، وتشن الغارة على النحو والنحاة؟!

ص: 31

وهاك أيها القارئ ما قال الكاتب المصلح بالنص (أرأيت إلي أني لم أكن مخطئاً حين خفت عليك أن تضحك أو أن تقهقه حين تسمع هذا الكلام - أستغفر الله - وكنت خليقا أن تحزن وأن تتألم حين تعلم أن شيوخ النحو في مصر ما زالوا يكون هذه السخافات، وما زالوا يخدعون الطلاب بهذا الدجل العلمي، وما زالوا يفسدون العقول والأذواق، ويميعون الملكات الأدبية في نفوس الشباب، وما أسرع ما ينخدع الشباب بهذا التخريف! ويظن حين يملك هذه الألفاظ أنه قد فهم قواعد العربية. وهو لم يفهم إلا قواعد الجهل إن كان للجهل قواعد يتسنى للمرء أن يفهمها) أخشى أن أكون ثقلت على القارئ بإيراد هذه العبارات السمجة، التي لو ألقيت على جبل لحولته إلى تل من القاذورات! وإني لأنزه قلمي أن يخوض في مثل هذه الحمأة المنتنة. ولعلي لا أكون مخطئاً إذا اعتقدت أن هذا الكلام لا يراد به خدمة العلم، ولا تقويم المعوج. . .

نعم - لو قال الكاتب: إن النحو بحاله الراهنة يفتقر إلى التهذيب: بحذف الخلافات التي لا طائل من ورائها، والاقتصار على الصالح المثمر النافع، ودعم القواعد بالإكثار من التطبيق، وجعل المقام الأول للنصوص العربية التي تستبقي منها القواعد، لو قال ذلك أو مثله لدلل على إخلاصه للعلم وحبه للإطلاع ولكنا بما دعا إليه أول المؤمنين.

وبعد فليهدئ الكاتب المفضال أعصابه، وليطمئن، وليعلم بأن في مصر الآن (نهضة نحوية مباركة) لكن لا على الوجه الذي يريده من الهدم والتشهير والتجريح! بل على وجه التجديد المفيد الذي يجمع بين الجديد والقديم، والذي يراعي فيه حال البيئات العلمية المختلفة: من أولية، وابتدائية، وثانوية وعالية.

وهذه النهضة يحمل لواءها الآن كلية اللغة العربية بالأزهر وكلية دار العلوم بجامعة فؤاد الأول، وكليتا الآداب بالجامعتين هذه عجالة عابرة. (وإن عدتم عدنا).

عبد الحميد عنتر

الأستاذ بكلية اللغة العربية

ص: 32

‌رسالة الشعر

بين بغداد وباريس

للأستاذ عبد القادر رشيد الناصري

أنا مالي أضعت حتى رشادي

أقليل علي هجر بلادي

يا بلادي التي أراها بعيني

منهلاً سائغاً إلى الوراد

الثلاثون عشتها في مغانيك

كطير في مكمن الصياد

حاملأ في يدي جراح الليالي

وعلى منكبي عبء الجهاد

وعلى جبهتي المدماة تابوت

حياة وشيكة الميعاد

متعباً أقطع الحياة غريباً

غربة الحق في حمى الاضطهاد

الطريق الممل والشوك والصخر،

ووقع السياط والأصفاد

والأفاعي تفح حولي، وفوقي

أحمر الحد، خنجر الجلاد

أنا وحدي وليس لي من سمير

غير شعر به أذبت فؤادي

فإذا ما ظمئت فالدمع ريي

وإذا جعت فالأماني زادي

الثلاثون، بالتلهف والحرمان

ضاعت، وبالأسى والحداد

وهي صفو الشباب، ريحانة الع

مر، وعطر من الصبى المياد

أفليس الرحيل عن موطن الظلم

سبيلاً يقود للإسعاد

شر ما في الديار أن يزهق الفكر

وأن تخنق القلوب الشوادي

ويذل الأحرار من مصلح فذ

ومن حامل سراج الرشاد

كي تظل الجموع محنية الظهر

لتعلو مقاصر الأوغاد

وصلاح البلاد لا يتأتى

باضطهاد الكتاب والنقاد

يا لهول الفراق أي جحيم

أتلظى به وكيف أبترادي

قيل (باريس) قلت أشهى لروحي

باسقات النخيل في (بغداد)

أين من إذا وقفت على (الس

ين) وأرسلت نظري لبلادي

وتذكرت (دجلة) وهي تنس

اب كما أنساب أرقم في الوهاد

وعلى صدرها الزوارق تهفو

كنسيم هنا على الأوراد

ص: 33

والليالي القمراء، والوتر الش

ادي، وأصداء قينة أو حادي

والفراشات. والربيع إذا نم - على عرسه - الهزاز الشادي

والرياض الغيناء، والأفق الط

لق، وصحو السماء بعد رقاد

واخضرار الغصون بعد ذبول

وانطلاق الطيوب من كل واد

ووميض البرق في الليلة الده

ماء، والكون صاخب الأرعاد

وبكاء الشتاء بالدمع المس

فوح، والنهر هائج الأزباد

وافترار الظلام عن بسمة

النور على ثغر كوكب وقاد

واحتضار الشعاع، والشفق الح

ائر في موكب الغروب الهادي

ورنين الكؤوس في مجلس

الشرب على نخب فتية أمجاد

والقوام الممشوق من كل حس

ناء تصون الجمال بالأبراد

وهي تختال (بالعباءة) - كالغص

ن - دلالاً في خطوها المتهادي

واحنيني لسمرة الجسد الرخص

وإن لف سحره في سواد

وإلى تلكم الوجوه الحييات،

وإن برقعت، فنهن مرادي

أين مني إذا نزحت عن الدار

وحال العباب دون المعاد

وتلفت سائلاً عن نجى=وأشتكي غربتي له وبعادي

وتذكرت جانب (الكرخ) و (الج

سر) وسحر الحديث من (شهرزاد)

وليالي (أبي نؤاس) إذ

الصيف فتون لمجتلي الرواد

صور سمحة الخيال أثارت

ذكرياتي ورقرقت أنشادي

نشرت كالشراع أطياف أحلا

مي وأخفت في لجها آبادي

لم أزل بلبلاً يغرد لل

حب على شرفة الغمام وسادي

يا (هنائي) وما أزال مشوقاً

والهوى مالك علي قيادي

أنا لولاك ما تغرب ركبي

عن بلادي ولا هجرت مهادي

وهي محراب صبوتي، إذ سقتني

عاطفات الهوى من الميلاد

لا تقولي نعمت، يومي منا

حات، وليلي طويله في سهاد

أنت عندي النعيم، والأمل الب

كر، وسلواي من همومي الشداد

ص: 34

بعدك كالدجى مدلهم

ويلقياك تزهدي أعيادي

فالكآبات طوقتني فآلت

جمراتي من الأسى لرماد

فبكفي رعشة، وبعيني

ابتهال السقيم للعواد

وبجنبي آهة خنقتها

غائلات من الزمان المعادي

يا فؤادي حملت عبئاً ثقيلاً

مذ تذوقت حبها يا فؤادي

فتصبر إلى غد سوف تلقا

ها، (بباريس) جنة المرتاد

وتنعم وهل تلذ حياة

لمحب دامي الحشاشة صادي؟

باريس - الحي اللاتيني

عبد القادر رشيد الناصري

ص: 35

‌أماه!!

للأستاذ الشيخ حسن عبد العزيز الدالي

عليك رضوان الله يا أصل وجودي، وبقية الإخلاص المحضر آبائي وجدودي. يا من رأيت النور في ظلام حملها وأنا جنين، وشهد الحياة من ثديها وأنا رضيع، وأحسست دفء الحنان على صدرها وأنا صبي، ورشقت معسول الأماني من ثغرها وأنا يافع، ونقلت حب الأيمان من قلبها وأنا شاب، واقتبست نور الهدى من عقلها وأنا رجل. الآن غاض الحنان، وذوت الأماني، وخشن المضجع واكتأب الوجود، وتكدر الإخلاص، وكذب الدليل. نعم كل زال وأسفاه يا أماه حين لفظت أنفاسك الأخيرة في الهزيع الأخير من الليل وأنا بجوارك ملتاع القلب مسعور الحشا وقد سقتني دموعي على جبينك الناصع فمسحتها بشفتي، وكانت هي قبلة الوداع الذي لا لقاء بعده يا أماه!

لقد شيعنا إلى عالم البقاء جثمانك الطاهر في عصر يوم الثامن من شهر مايو، وفي هذا الشهر يورق الشجر وتتيقظ البراعم الغافية، وتصدح الأطيار الصامتة، الأقدار واحسرتاه قد عودتني في هذا الشهر من كل عام أن أكون غرضاً لرميات قاتلة وصدمات جبارة وآلام قاسية.

ففي مايو مات أبي، وفي مايو ماتت زوجتي، وفي مايو ماتت أختي، وفي مايو كذلك تموتين يا أماه! فتجدد في هذا الشيء المشئوم لواعج نفسي، ومصائب يومي وأمسي.

كما يكون اليتم للصغير حين يفقد أمه وهو مبتدئ، يكون اليتم للكبير حين يفقد أمه وهو منتهي؛ لأن الطفل لا يجد من يسدد خطاه الأولى غير أمه؛ ولأن الرجل بعد تجارب السنين يجد من يسند خطاه الأخيرة مثل أمه. وقول الناس إن العز بعد الوالد قليل، يصدق على كل شخص في كل سن وفي كل طبقة؛ لأن القوة الروحية التي تمسك الإنسان في عرك الخطوب واضطراب الأمور، إنما تنبع من معين الإيمان والحب، ولن يوجد الإيمان كاملاً شاملاً إلا في الدين، ولن يوجد الحب صادقاً خالصاً إلا عند الوالدين، فإذا غاض الحب فاض الإيمان، وإذا ذهب الوالدان بقي الله

كفر دميرة القديم

حسن عبد العزيز الدالي

ص: 36

‌الأدب والفن في أسبوع

للأستاذ عباس خضر

اليونسكو والسياسة

اليونسكو هيئة ثقافية دولية، أنشئت للتقريب بين أمم العالم أهداف العلم والثقافة وتكوين عقلية إنسانية جديدة غير صالحة دور الشقاق والنزاع والمنافسة على السيطرة، ولكن مما يؤسف أن اجتماعاتها ومؤتمراتها تسودها دائما الاعتبارات السياسية هذا أمر طبيعي - على رغم الأهداف الموضعية - مادامت تكون من مندوبين ووفود رسمية تمثل حكومات العالم التي الجميع اختلافاتها وتعارض أغراضها. فلو فرضنا أن هؤلاء مندوبين جميعا من ذوى الثقافة وأهل الفكر فلا ينبغي أن نغفل عن تقيدهم بآراء حكومتهم وما تمليه عليهم من الخطط السياسية.

هذا هو مؤتمرها المنعقد الآن في فلورنسا، يبدأ بالنظر في اقتراح وفدى تشيكوسلوفاكيا والمجر الذي يتضمن عدم الاعتراف وفد الصين الوطنية، وقد هدد الوفدان بالانسحاب إذا لم يستبعد وفد الصين. والمؤتمر ينظر أيضا في اقتراح آخر لتشكوسلوفاكيا قضى باعتبار الدولة التي تسبق غيرها في استخدام القنبلة الذرية (مجرمة حرب) ويطلب وضع هذا السلاح تحت الرقابة الدولية وأن يتعاون الجميع للدفاع عن السلام.

وقد وقف مندوبو الدول العربية من الاقتراح الأول موقفا يتفق مع أغراض اليونسكو، إذ رأوا أن ليس من اختصاصها أن تهتم بالمسائل السياسية وانه يكفى التحقيق من صحت أوراق اعتماد الوفود المختلفة. وعقب الدكتور طه حسين بك رئيس وفد مصر على الاقتراح الثاني بقوله: ربما كنت من الذين يؤمنون بالخرافات فأنا لا احب أن أستمع إلى الحديث عن الحرب وعن السلام، وأوثر عليه الحديث عن العلم والثقافة وأود إلا نستخدم كلمتي الحرب والسلم، إذ أخشى أن تؤدي كثرة الحديث عن السلام إلى التنفير السلام منا.

ولكن يظهر إننا - أيضا - لم نسلم من إقحام السياسة في أعمال اليونسكو، فقد امتنع وفد مصر عن الاقتراح على قبول الأردن عضوا في هيئة اليونسكو، بناء على تعليمات تلقاها الوفد من القاهرة، ولا أريد اعتراض على أن يجري وفد مصر وفق هذا التيار العالي، بل أقول بوجوب ذلك، لأنه من العبث أن نلتزم المثالية بين هؤلاء الذين يلعبون على المسرح

ص: 38

العلي بالبيضة والحجر، كما نقول في أمثالنا. . . وإنما مسألة (وفد الأردن) مسالة أخرى بينها رئيس الوفد اللبناني في المؤتمر بقوله: إن ما حدث في صفوف الجامعة العربية لا يعدو أن يكون خلافا مؤقتا، إذ ليس في حياة الشعوب ما له صفة الدوام، وليس في وسع العرب أن يضحوا باستعباد دولة عربية جديدة عن اليونسكو بسبب خلافات في نطاق جامعة الدولة العربية.

وهناك مسائل أخرى نظرت في اليونسكو، وهي أيضا ذات صبغة سياسية، ولم تتضمن الأنباء الواردة من اجتماعات المؤتمر إلى الآن، إنه بحث موضوعا ثقافيا أو تعليميا مما يتصل بأغراضه الأساسية، وبدل هذا كما تدل دورات المؤتمر السابقة على أن هذه الهيئة ميؤوس من وصولها إلى غايتها التي لم تقطع إليها خطوة جدية إلى الآن. وأنا مقتنع بفائدة اشتراكنا فيه على أنه مظهر ودعاية، فنحن نعد تقارير وبيانات عن جهود مصر في التعليم ونشر الثقافة والتعاون العلمي لتلقي هناك، وفي هذا العام ظفرنا بموقف الدكتور طه حسين بك في المؤتمر وخطابته التي أعجب بها مندوبو الدول الذين هنئوه واعتبروا من حسن حظهم أن استمعوا إليه. هذا كله مظهر عظيم يشرف مصر ويرفع رأسها. وهو حسبنا من المشاركة في هذه (المهيصة) العالمية. . .

وعلى ذلك يجب إلا نأخذ الأمر جدا كله، وان نفهم إن ادعاء الأهداف الإنسانية الموحدة كلام فارغ. لأنه على الأقل ادعاء ممن يعملون على خلافه، على انه يجب أن نكون آخر من يعمل أهذه الأهداف إزاء الدول الكبيرة الطامعة فينا، وليحاربوا عوامل الحرب في نفوسهم اولا، وسيجدوننا بعد ذلك كما نحن الآن وادعين مسالمين.

الأعماق

هذه مجموعة قصصية للأستاذ عبد الرحمن الخميسي اسمها (الأعماق)، وكلها قصص، حتى المقدمة التي تحدث فيها عن كتاب قصصي، هو صورة لنا يقطع الليل كله منكبا على كتابة قصة لم يبق منها غير ما يحتاج إلى جولة نفسية واحدة يستحضر فيها حالة شعورية لبطل القصة ويقسم نفسه قسمين، قسما يعيش عيشة البطل ويحس إحساسه وينفعل انفعاله، والقسم الثاني يراقب الأول ويعبر عنه وفي هذه الفترة التي يتلبث فيها ليجمع طاقاته. يناجي نفسه ويستحضر الأحداث الكبيرة التي أثرت في حياته، وهي أحداث ثلاثة صهرته في بوتقة

ص: 39

الألم. وإذا نحن نخرج من ذلك بقصة حيات الكاتب نفسه، وطريقته في كتابة القصة، التي تتمثل في كلمتين (التجريد) و (الاندماج) وهي طريقة كل فنان مخلص يصدر عن طبع أصيل.

وشخصية الأستاذ عبد الحمن تظهر في هذه القصص، كما أجملها ولا في (قصة المقدمة أعني بذلك ظهور حياته الشخصية في الحديث عن أبطال القصة، فهذا وإن كان موجودا في بعض القصص إلا أن الأهم منه هو نظرته إلى الأمور وإلى الأشخاص وطريقة انفعاله وتفكيره وتصويره. هو كاتب يستمد وجدانا أنضجته نيران الألم التي تحو في القصص إلى نور يشع فيها هادئا في قلق، ترى هدوءه في التحليل، وقلقة في مشاركة الأبطال آلامهم، تلك المشاركة التي تعدي القارئ فتنقله إلى الجو، وهو في قصصه، عرفناه في حياته، دقيق الإحساس مستوفر الشعور ومع ذلك له قدرة على ضبط احساساته ومشاعره وتوجيهها، فهو فوار وهادى. . ولذلك تراه يسيطر على جو القصة منسابا إلى الدخائل والدقائق حتى يبلغ بك ما يريد وينقل إليك انفعاله دون حماس أو جلبة، وإذا أنت قد وصلت معه في طريق لا غبار فيه ولا ترام ولا سيارات. . .

والمؤلف يتخذ موضوعاته وأشخاصه من واقع الحياة التي اضطرب فيها، ويستطيع من يعرفه في الحياة أن يلمح شخصيته في بعض القصص كقصة (آه يا اسمر اللون) حياة في القصة، ويدفعه ذلك أحيانا إلى افتعال الخواتم التي تفسد العرض الجميل، فقد جعل (دهب) تحلم حلماً تتحرك فيه وتصعد إلى حاجز الشرفة لينهي القصة بسقوطها مهشمة في الطريق. . . وكذلك فعل في قصة (الأبله يحب) إذ جعل البطل يندفع إلى الشرفة ويسقط منها إلى الأرض كأنه حصان يقفز فوق الحواجز في سباق.

وأنا أراه في هذه القصص التي يمتد فيها ظله يعطف على نفسه بعض الشيء، وأراه أكثر صدقاً في غير ذلك، لقدرته على الاندماج، ففيه طبيعة الممثل التي اتخذت الكتابة أداة للتعبير، ويبلغ اندماجه أقصاه وأروعه في قصتي (دهب بنت عبد الباسط) و (الحنة يا الحنة) فقد أتبع فيهما طريقة المناجاة أو حديث النفس، فجعلنا نسمع كلا من (دهب) و (حسنية) تفكر في صوت مسموع يروي لنا ما يقع لها، وهاتان القصتان من قصص المجموعة التي تبين اتجاه الكاتب إلى (القطع) الآدمية المهدرة في حياتنا الواقعة، وقد بلغ

ص: 40

قمة الانسيابية في قصة (دهب بنت عبد الباسط) وقد يكون حكمي عليها مشوباً بمشاركة الوجدانية في حادثتها التي تتكرر أمام أعيننا كثيراً في صورة هؤلاء البنات الصغيرات اللائي يجلبن من القرى للخدمة في البيوت بالمدن، ففي القصة بنات ينتزعهن أبوهن أطفالاً من حضن أمهن ليوزعن على سادته من (البكوات) كما توزع أجراء الكلبة على الأصدقاء والمعارف. ويبدو لي أن الكاتب حريص على أن يصور حياة كاملة أو جزءاً كاملاً من

وافتعال الخواتم هذا، لا يتفق مع الواقعية التي يسير الأستاذ الخميسي على منهجها الواضح، والواقعية هي أظهر خصائص هذه القصص، وهي واقعية يضيف إليها الكاتب من ذاته ما يرفعها عن مجرد الملاحظة والتدوين، فهي واقعية قيمة تستحق الغيرة عليها مما يمسها، وقد رأيت هذا المساس - فيما عدا تلك الخواتم - في بعض القصص، ففي قصة (رسالة المنتحرة) طالبة في الجامعة يسكن أهلها (زقاقاً) قذراً في القاهرة، وأبوها وأخوها من العمال، ولم يوضح لنا الظروف التي جعلتها المتعلمة الجامعية الوحيدة في هذه البيئة الجاهلة التي تؤثر تعليم البنين على البنات، وقد علمنا أن أخاها عاملاً فظاً غليظ الكف، فكيف وصلت هي إلى الجامعة وقعد أخوها يرفع في جهله (بالزقاق)؟ وفي هذه القصة تصوير رائعاً لأخلاق النسوة في هذه البيئة.

وفي قصة (آه يا أسمر اللون) يرافق البطل المغنية بعد انتهاء الحفلة إلى المنزل الذي تنام فيه. وقد رأيناه في الحفلة مرتبطاً بجماعة من رفاقه، فكيف تركوه يذهب معها؟ ومن حيث أن الحادثة في قرية كيف يحدث ذلك دون أن يلفت الأنظار؟ ويشبه هذا موقفه في قصة (الموتى يتحكمون في الأحياء) من الفتاة القروية التي منحها البطل جنيهاً لتأتي إليه طائعة، ويحبها وتحبه ويفكر في زواجها، ليس هذا التصوير وما لابسه مما يتفق مع طبائع القرويين، وفي هذه القصة يخبر أبو البطل بأمور غيبية. ولم يفسر الكاتب هذا أي تفسير بل جعلها (كرامات) مسلمة! وأمعن في ذلك فجعل البطل المتعلم يتقيد بها!

وفي ختام قصة (من يوميات الرجل الذئب) يقول إنه وجد هذه اليوميات في كراسة تحتوي اعترافات الرجل الذئب، وثم يقول بعد ذلك مباشرة أن بطل اليوميات إنسان عرفه واستخلص نموذجه النفسي، وليس من أحكام السبك أن يجمع هذين الأمرين: العثور على الاعترافات في كراسة، واستخلاص النموذج النفسي الذي لا يكون إلا بكتابة هذه

ص: 41

الاعترافات.

وفي قصة (اللحن الأخير) قدم موسيقياً يعزف قصائد أمام حبيبته في تسلسل أخاذ وهو يرسم في القصة مثلاً للمواقف المعبرة ذات الموضوع، ولكنه لجأ أخيراً إلى طريقته في الخاتمة، فجعل البطل يموت وهو يطلق آخر نغمه من كمانه وحبيبته تلحق به جثة هامدة في مكانها. . وأنا لا أحب للصديق أن يدأب على قتل أبطاله في آخر القصص، فهذا غير لائق متزن مثله؛ وخير له وللفن الواقعي وللأبطال أنفسهم أن يدعهم أحياء فلا يضحي بهم في سبيل (الفرقعة) بآخر الفصل.

عباس خضر

ص: 42

‌البريد الأدبي

كتاب الرافعي في البلاغة

إن (معركة القزويني) البلاغية التي يروي نبأها الصديق المحقق عباس خضر، فقد فتحت أمامنا آفاقاً من التفكير، فنحن نريد أن ندرس علم البلاغة في عصر الذرة دراسة تختلف عن دراسات القزويني وأبي هلال العسكري وعبد القاهر الجرجاني وأبي حيان التوحيدي وغيرهم من أولئك الأعلام الذين أحسنوا إلينا مدى الأجيال ونسينا ذكراهم على الأيام.

على أن (معركة القزويني) صرفت تفكيري إلى أستاذ البلاغة السيد مصطفى صادق الرافعي، فقد حرص - عليه رضوان الله - أن يبين أن له رأياً في البلاغة سبق به المتقدمين، إذ يقول في كتاب (إعجاز القرآن):(نسأل الله تعالى أن يوفقنا لطبع الكتاب الذي نكمل به كتابنا هذا فنبسط فيه من أسرار الآي وإعجازها ما تطلع به الشمس لمن أبصر ولمن عمى فيحسها) - ص82.

وقال رحمه الله في كتاب وحي القلم (لنا كلام طويل في فلسفة الأسلوب البياني سنذكره إن شاء الله في كتابنا الجديد (أسرار الإعجاز) - ص284 ج3.

ولما تناول الكاتب المحقق الأستاذ محمد سيد العريان حياة الرافعي تحدث عن كتاب الرافعي المجهول في شيء من التفصيل، وإلى القارئ بعض ما أورده الأستاذ سيد العريان في وصف هذا الكتاب:

(أ - يتحدث - يعني الرافعي - في صدر الكتاب عن البلاغة العربية فيردها إلى أصول غير الأصول التي اصطلح عليها علماؤها منذ كانت، ويضع لها قواعد جديدة واصولا وأخرى.

(ب - ويحدث في الفصل الثاني عن بلاغة القرآن وأسرار إعجازه مسترشداً في ذلك بما قدم في الفصل السابق من قواعد.

(ج - ويتناول في الفصل الأخير من الكتاب آيات من القران على أسلوب من التفسير يبين سر إعجازها في اللفظ والمعنى والفكرة العامة، ويعتبر هذا الفصل الأخير هو صلب الكتاب واساسه. وقد أتم الكتابة - إلى آخر يوم كنت معه - عن بعض وثمانين آية على هذا النسق) - راجع ص289 من حياة الرافعي.

ص: 43

ثم يقول الأستاذ سعيد في موضع آخر من كتابه الفريد (نحسن الظن كثيراً إذا زعمنا أن هذا الكتاب - كتاب الرافعي الذي لم يطبع بعد - الفريد في موضوعه وفي تأليفه من عناية أدباء العربية ما يحملهم على محاولة طبعه في يوم قريب. . .) - ص 173 من كتاب حياة الرافعي.

وقد انطوى اليوم على موت الرافعي أكثر من ثلاثة عشر عاماً وكتابه في البلاغة لم ير النور، وأكبر الظن أن أدباء العربية ما برحوا يرجون أن يقوم عنهم بواجب إخراجه صاحب (حياة الرافعي) وإلا فما هذا التباطؤ؟

إن الذي يقف على طبع كتاب الرافعي لا يخدم ذكرى هذا الرجل العظيم بقدر ما يخدم البلاغة العربية ويضع حداً لهذه المعركة الأدبية الناشبة حول البلاغة العربية في أزهى عصورها.

ولا مشاحة في أن للأستاذ سعيد العريان من اشاغيله في الوقت الراهن ما يصرفه عن طبع هذا الكتاب، وقد فعل الرجل أكثر مما يجب نحو ذكرى عالم معاصر، ومن ثم فأننا نرجو أن يقدم أبناء الرافعي - حفظهم الله - بشيء لا يخدم ذكرى والدهم فحسب، وإنما يحفظ لبلاغة العرب رونقها، فإن عجزوا دون طبع هذا الكتاب، وأكبر الظن أنهم سوف يعجزون، فإننا نتوجه إلى الوزير الأديب العالم معالي الدكتور طه حسين بك قد عاد من سفره ميمون النقيبة مبارك الغدة والروحة، نتقدم إليه أن يطبع هذا الكتاب على نفقة وزارة المعارف حتى يتم به النفع وتتم الفائدة المرجوة إن شاء الله.

منصور جاب الله

من رسائل الرافعي - التضمين ليس سماعيا

طنطا في 27 مايو سنة 1930

يا أبا رية

كلمة الشيخ: العليم ما علمك ما أنت ممن معك. استعمل ما لأنها الأوسع في الدلالة إذ لو قال من لا نحضر الأمر في الشخصية، فكأنه يقول ما علمك شخصك في الأشخاص الذين معك، أي من أنت منهم أن كنت دونهم أو مساويهم أو على الخ وهذا تحديد ناقص للعلم،

ص: 44

ولكنه حين يقول: ما علمك ما أنت منهم فقد أراه ماهيته وحقيقته وشخصيته وموضعه وكل ما يتعلق به باعتباره قطعة من الوجود، فيكون بذلك دارسا كل حقيقة من سياسية وأدبية وعلمية ومالية والخ، وهذا هو العلم في أوسع وأدق معانيه على اعتبار انه دراسة لنواميس الوجود في تلك القطعة من الوجود التي عبر عنها الشيخ بما. . .

واليك أجوبة خرفشتك العجيبة! فان مثل (أوراق الورد) لو أتفق فيه عشرون غلطة نحوية ولغوية لا تقبل التأويل فان ذلك لا يؤثر فيه لأن صفحة واحدة من هذه المعاني هي ذخيرة للغة العربية

الأفعال تضمن بعضها معاني بعض، فإذا ضمن فعل معنى فعل آخر استعمل استعماله فيتعدى بمن أو على الخ - فتمتاز على الشمس - أي تفضل - وإني استعمل التضمين كثيرا واتعمده، لأنه يجمع بلاغتين. وكان صادق عنبر كلمني في ذلك وقال: إن التضمين سماعي فقلت له، أن الشواهد الموجودة منه تعد بالألوف. وبذلك يخرج عن أن يكون سماعيا ويجوز لنا استعماله للتوسع في اللغة

ومجيء الواو بعد إلا وارد في القرآن، فليس هناك افصح وفصيح لا في الأسلوب، فإن كانت الواو تجعل العبارة اجمل وضعت وإن كان حذفها حذفت؛ ولذلك تراني استعملها على الوجهين فمرة أثبتها ومرة أحذفها.

ولفظة (العادية) صحيحة لأنها منسوبة إلى العادة وهي هنا فقط. وقد تنبهت لها عند كتابتها وحذفتها في مواضع أخرى واستعملت مكانها ألفاظ غيرها؛ ولكني رايتها طريفة في عبارة القطعة البشرية العادية فتركتها، لأن الغرض تحقير القطعة واعتبارها غير ذات شان إذ كانت مما تجري به العادة فليس فيها ما تنفرد به أو تقع موقعا غريباً، ومع ذلك تنقلب (خارقة للعادة) فخرقها للعادة يقتضي ذلك التعبير. (وأكتشف) صحيحة وأنا استعملها كثيرا وأن لم توجد في المعاجم، لأن شأننا شان العرب ما دمنا نضع على طريقتهم، ولا قيمة لكاتب لا يضع في اللغة أوضاعاً جديدة.

وقوله، وقامت عذراها للقياك كناية عن الأشجار والغصون، أي متى جاء النسيم استقبلته عذارى الروض وأخذت تتيه وتتمايل. وتسمية الأشجار بعذارى الروض كناية جميلة لان في الأشجار روحا نسائية حقيقية كما تجد في فصل الشجرات. وأفهمت يا أبا رية؟ هذه

ص: 45

أجوبة الخرفشة وقد كان من حظك أنى نشطت أمس إلا ترى اثر هذا النشاط؟ وهل تدري من أين جاء النشاط؟ جاء به الشيطان من إيطاليا. . . والسلام عليكم.

مصطفى صادق الرافعي

إلى صديقي الدكتور محمد يوسف موسى

تعودت أن أقرا (الرسالة) من آخرها. أبدا بالأزهريات ثم الأدب والفن في أسبوع، لولدنا الشات (العجوز) عباس خضر، الذي أحسده على ضبط أعصابه وحسن تأنيه؛ ثم استسلم لهواي فيما بقي من عنوانات.

وجرياً على العادة، بدأت قراءة العدد الأخير من الرسالة، بمعركة. (القزويني) التي كان لنا - ولا فخر - شرف شهودها في ميدانها الأول، منذ أول شرارة، ثم مازلنا نتجرع كاسها القذرة المريرة في غيره من الميادين فشعرت بأن (كابوساً) من الهم الثقيل جثم على صدري، فاختنقت وشعرت بذلة وهوان، لا يحتملها إنسان. . .

وكان مقالك يا - دكتور - (إسعافاً) وجدت به روحا، رد روحي، وأشعرني واردا من الاطمئنان إلى إن الأزهر لما يزل بخير!

ليت شعري - يا صديقي الدكتور - وحال الأزهر مشهور متعالم، ما معنى المقام على هذه الحال؟

السنا في أمة تعتز بماضيها وحاضرها، وتتطلع مستقبلها؟!

أولسنا في عهد اكرم ملوك مصر على مصر، وأبعدهم مدى همة، وأطولهم يدا في نواحي الإصلاح والعمارة؟!

أولسنا في عهد حكومة شعبية حريصة على أن تعمل لغدها، اكثر مما تعمل ليومها، في عناية وإخلاص؟!

بلى. . . فما بال هذا العبث الصارخ إذا في هذا الزمن الجاد؟! لا جرم أن بقاء الأزهر على حاله الحاضرة عبث أي عبث فأما أن يصلح، وأما أن يغلق. وحسبه ما سجله تاريخه الطويل من مجد، ومن إجمال، ومن آثار.

أما بعد، فاكتب - يا دكتوري العظيم - ثم أكتب؛ وضع اسمي المتواضع، قبل اسمك

ص: 46

الكريم، شريكا، مسؤولا، غير خاذل، ولا متستر.

والرسالة الغراء التي فسحت في اطوائها لأولاد الكتاتيب الازهرية، لن تضيق صدرا بما يكتب رجلان يعدان - بحق أو بغير حق من هيئة التدريس العالي في كليات الأزهر، أن صح أن في الأزهر كليات. . .

ليس بي أن أحبر مقالا، بعد مقالك الحاسم، الجدير بان يسمع كل ذي اذنين؛ وانما أردت أن أكون أول من يزكيك، ويثني عليك، ومن أثنى، فقد جزى.

ولك تحيات محسوبك.

عبد الجواد رمضان

المؤتمر الثقافي العربي الثاني في الأسكندرية - صيف هذا

العام

في 23 أغسطس 1950

يحضره مندوبو دول الجامعة العربية والجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية. ويشترك فيه من يرغب من الأساتذة والعلماء والأدباء وغيرهم ممن يشتغلون بشؤون التربية رجالاً ونساء.

وسيتناول هذا المؤتمر مناقشة:

سياسة التوسع في التعليم الثانوي والعالي.

إعداد الطلبة لمواجهة الحياة العملية.

وفضلا عن هذا سيستعرض المؤتمر اتجاهات التربية السائدة في وزارة معارف كل قطر عربي وسيناقش موضوع تنفيذ قرارات المؤتمر الثقافي العربي الأول.

امتيازات للأعضاء المشتركين

تخفيضات في أجور السفر ذهابا وإيابا - سكنى مجانية - مطعم خاص بأسعار مخفضة.

يرجى من الراغبين في الاشتراك بهذا المؤتمر والمقيمين في القطر المصري مراجعة الإدارة الثقافية لجامعت الدول العربية - (102 شارع فاروق الأول بالعجوزة)

ملاحظة: قيمة الاشتراك جنيه واحد في مصر

ص: 47

‌الكتب

من نبع الحياة

للأستاذ أحمد فؤاد الأهواني

ديوان شعر من نظم الأستاذ محمد عبد الغني حسن أهداه إلى صديقه أحمد فؤاد الاهواني فقبله شاكراً وقرأه ساهراً فنقله إلى آفاق من خالص الأدب وعوالم من المعاني والفكر، امتزجت فيها المشاعر بالخواطر والعبر.

ظهرت في مصر نغمة جديدة تدعو إلى دراسة الأدب والنظر في الشعر بوجه خاص غير إقليمية، وزعموا أن الكتاب والشعراء مع أنهم كتبوا جميعاً بلغة واحدة هي العربية الفصيحة، وهي لغة لم تتطور من حيث بنائها وهيئتها لأنها لغة القرآن لا مبدل لكلماته، إلا أنك تستطيع أن تميز شاعراً عن شاعر، وتفضل كاتباً على آخر، بما يمتاز به إقليم عن إقليم، وتختلف به أمة عن أمة، وتتفاضل دولة عن دولة. فهذا عراقي وذاك حجازي، وهذا شامي وذاك مصري.

وهذا الاتجاه في دراسة الأدب جدير بالاعتبار.

لأنه يدفع إلى ملاحظة الفوارق فيدعو إلى معرفة الخصائص. ولأنه يصل بين الشاعر وبيئته فينكشف السر عن شاعريته. ولأنه يطلعك على سيرته ويجعل دراسته قطعة من الحياة.

فلا غرابة أن يكون عنوان الديوان (من نبع الحياة)، فالديوان حقاً من العنوان. ولصاحب الديوان براعة ملحوظة في ابتداع العنوان الطريف الأخاذ. فأنظر إلى عين النبع كيف تندى برذاذها ما صحبها من ألف وباء.

وهذه صناعة لا يحسنها إلا صاغة الكلام، والشعر أعلى فنون البيان. ولذلك كانت القصيدة أخلد من المقالة، والبيت أروع من العبارة. وكانت الإلياذة عنوان الأدب في اليونان، والرباعيات أسمى ما نظم في إيران.

غير أن الصورة الشعرية في الأدب العربي تختلف عن صورتها في اليونان، وعنها في الآداب الحديثة. ونعني بهذه الصورة البحر والقافية مما يلتزمه الشاعر من مطلع القصيدة إلى آخرها. ونحن لا نعيب على الشعر العربي خلوه من الموسيقى، فلا شعر بغير

ص: 49

موسيقى، بل الشعر موسيقى، ولكننا نعيب عليه أنه أشبه بالموسيقى البدائية التي تنظر إلى الإيقاع المنتظم، مع تكرار المقطع الواحد، ولذلك قيل عن الشعر إنه (نظم). أما الموسيقى الواقعية، فإنها لا تكتفي بتكرار نغمة واحدة، بل تجمع بين عدة نغمات قد تكون كل واحدة منها غير مشجية ولكن يخرج من ائتلافها موسيقى فيها حلاوة وسمو. وهذا عيب الموسيقى الشرقية على الإطلاق، وهو عيب الشعر العربي كذلك. ولذلك لم تظهر في الشعر العربي (الملحمة) الطويلة التي تمثل الحياة كالإلياذة والأوديسا. ولذلك أيضا يمل القارئ والسامع إذا طالت القصيدة لأنها من بحر واحد.

ولما كان الشعر أعلى صور البيان، فينبغي أن يصان فلا ينزل إلى معترك الحياة العادية المألوفة، وإلا كان الشعر نظما لمعان لا ترتفع إلى مقام الخلود. ولذلك كان من الغريب أن يسخر عبد الغني موهبته الشعرية في وصف كل مناسبة، ولم يكن الحال كذلك بالنسبة لأمراء الشعر في الجاهلية. فقد قيل إن زهيراً كان ينظم القصيدة في عام، ولذلك سميت بعض قصائده بالحوليات. وقد رأيت هذا المذهب الجديد، أعني نظم كل معنى يخطر بالبال، عند (أبو شادي) الذي هجر مصر إلى أمريكا، ولم يلق مذهبه ما يريد من نجاح.

وأنت ترى في هذا الديوان عدة قصائد في الفتاة المصرية، أولها نظمت للسيدة درية شفيق حينما أحرزت ليسانس الدولة في الآداب من جامعة باريس سنة 1932 استهلها بقوله:

أديبة قد نجحت في الأدب

وبلغت في العلم أعلى الرتب

واتصلت فيه بأقوى سبب

وغامرت وشمرت في الطلب

بين الدراسات وبين الكتب

وحازت السبق فيا للعجب

إلى أن قال في نفس القصيدة

مصرية تطير فوق السحب

تشق متن الريح يا للعجب

فأنظر كيف تعجب مرتين في قصيدة واحدة!

وجاء في قصيدة له عن السيدة زينب كامل وهي أول معيد بالجامعة المصرية نشرها عام 1930

عجبت لنيلك تلك العلوم

وصبرك في نيلها أعجب

ومن قصيدة للسيدة فاطمة فتحي بمناسبة نجاحها في شهادة علم النبات من جامعة إنجلترا

ص: 50

ومن عجب نباتك كان فجا

وحزت السبق في علم النبات

وقد خلت قصيدته التي نشرها تحية للسيدة هدى شعراوي من هذا العجب وهي التي جاء في مطلعها

أعليت في صرح البلاد بناء

بلغ السماء وطاول الجوزاء

دار الزمان وأصبحت فتياتنا

يطلبن كالرجل حياة سواء

مهما يكن من شيء فأنت لا تستطيع أن تخطئ أن الشاعر مصري لأنه يتحدث عن ظواهر جديدة وقعت في مصر وعاصرها ودار فيها مع الزمان. وهذا من جملة ما يتميز به درس الأدب من الناحية الإقليمية.

ومما تنفرد به مصر عن غيرها من الشعوب كثرة الحريق في قراها، وقد سجل عبد الغني قصيدتين، إحداهما سنة 1932 عن حريق قرية ميت معاند جاء فيها

كم أقفرت بعد الحريق منازل

وتخربت بعد الحريق مباني

وتفرقت أسر وأصبح شملها

متفرق الخرزان والعيدان

ثم وصف حريق بلدة الراهبين سنة 1938 في قصيدة مطلعها

صار للنار طعمة ووقوداً

بلد كان بالغداة سعيدا

إلى قوله

قلقت مضجعاً وساءت مآلا

وهوت منزلا ومالت عمودا

بعثرت شملهم قبيلاً قبيلا

وطوت جمعهم عديداً عديدا

وهو نفس المعنى الذي صاغه في القصيدة السابقة. وأكبر الظن أن الشاعر لم يعرف ميت معاند ولم يتصل بها فلم تؤثر في نفسه إلا أثر من يقرأ الخبر من الأهرام، نعني الصحيفة اليومية ولا نحسب أن الوصف صادق لأنه يصدق على كل حريق.

ونظم في اليتيم مجموعة من القصائد سماها (في ظلام الحرمان) جاء في إحداها

في مصر قوم كفهم طائية

برجى الندى من كفهم ويؤمل

الفضل في ساحاتهم مجتمع

والخير في أشخاصهم متمثل

وقال في قصيدة أخرى

في مصر قوم يحرصون على

أن لا يمسك بينهم ضر

ص: 51

وذلك في القصيدة التي مطلعها

قل لليتيم تبدل الأمر

والعسر أصبح بعده اليسر

مصر التي فيها لكل ندمي

ولكل يوم في الندى ذكر

مصر التي في كل ناحية

للمكرمات بسوقها سعر

مصر التي لقديم نهضتها=يعزى النجار وينتهي الفخر

مصر التي دامت مطالعها

حسبي وحسبك أنها مصر

المهرجان بمصر قد طربت

وتمايلت أعلامه الخضر

والازبكية في خمائلها

شعر وبين رياضها سحر

ولا نود أن ننبه إلى المصرية الواضحة في هذا الشعر، والأزبيكة شاهد على ذلك، مما يدل على تمييز الشاعر عن غيره من شعراء العرب، ولكننا نحب أن نذكر أصادق هو في إحساسه أم لا، أحقاً أن في مصر قوماً يحرصون على راحة اليتيم؟ فإذا أراد أن يماري في هذه الحقيقة، فلينظر إلى طرقات القاهرة وشوارعها ليرى الأطفال العراة الحفاة قد شردتهم الأيام وعصف بهم الزمان حتى ليندي الجبين خجلاً من مشاهدتهم فأين رجال مصر وأغنياؤها، وكيف تبدل الأمر فأصبح من بعد عسر يسرا؟

لكنه الشعر، وقد صدق الله تعالى حين قال في محكم التنزيل (والشعراء يتبعهم الغاوون) فالشعر يؤثر في القلب بما فيه من موسيقى وخيال، ولكنه يبتعد عن الواقع، ولذلك أضاف القدماء كتاب الشعر إلى المنطق وعدوه من جملة السفسطة. ونحسب أن النظرة الحديثة إلى الشعر قد تغيرت، على الأقل في أوربا، وينبغي أن تغير في مصر، وهذا واجب الشعراء.

أما باب الرثاء فقد جمع بين دفتيه قطرات من الدموع سكبها الشاعر على كثيرين من أعلام مصر في هذه الحقبة الأخيرة. بدأها بقصيدة في رثاء الأمير كمال الدين حسين استهلها بقوله.

يعز على المروءة أن تصابا

وأن نلقي على يدك المصابا

وهو مطلع بارع، وقد برع عبد الغني في الاستهلال، ولكنه مطلع يصلح في رثاء أي إنسان، ولا يختص به الأمير وحده.

ومن براعة الاستهلال قوله في رثاء حسن صبري باشا رئيس وزراء مصر توفي في

ص: 52

البرلمان وهو يلقي خطاب العرش.

أودي بك الجد أم ألوي بك القدر

لا بد من سفر إن أقبل السفر

وهو أيضا من قبيل المطلع السابق.

وهناك مطالع أخرى لا تستطيع أن تنقلها إلى رثاء شخص آخر، لأنها تدل على مناسبة خاصة. وذلك من مثل قوله في رثاء طالب قتل بالرصاص في مدينة المنصورة في عيد الدستور.

كغنوة في الزهر والثغر باسم

أمل في الثراب غفلان نائم

وكذلك قوله في رثاء الأستاذ محمد عبد المطلب

جزع الشعر عليه والأدب

يوم قالوا مات عبد المطلب

خلت الروضة من طائرها

بعد يبس الروض هل يغني الخطب

وقد صاغ هذا المعنى بنفسه في رثاء شوقي

ركن من الأدب الصحيح تهدما

وفم على الأيام لن يتبسما

طير ترنم في الخمائل ساعة

وأراه بعد اليوم لن يترنما

فذاك طير في الروضة، وهذا طائر في الخميلة. ولقد تصحفت على عيني لفظة الصحيح في البيت فقرأتها (الفصيح) ولعلها أليق وأفصح.

ومن المعاني التي تكررت في الرثاء قوله في رثاء أحمد ماهر

ما الذي ضر لو تأخرت حيناً

والمنايا إلى رداك عوابر

وفي رثاء حسن صبري.

يأيها الراحل المزجي مطيته

ما ضرها لحظة لو كنت تنتظر

ومن أروع قصائد عبد الغني، وأعظمها دلالة على مصريته، قصيدتان في وفاء النيل إحداهما.

فاضت بوجهك أوجه النعماء

أعيون تبر أم مسايل ماء

والأخرى؟

طرب النيل في البلاد وغنى

فثنينا الأعناق لما تثنى

وقد لحظ في الأولى معنى الخصب والنماء، وفي الثانية لحن العذوبة والغناء، فلم تتكرر

ص: 53

المعاني فيهما.

قال في الأولى.

تلقى النماء على جوانب أرضها

والخصب في تلك الربى الجرداء

سبحان من جعل البلاد رخية

في راحتيك كثيرة الآلاء

هي فيض نعمتك التي أوليتها=وصنيعك الباقي لغير فناء

وجدير بهذه القصيدة أن تغني من أمواج الإذاعة بدلاً من تلك الأغنيات السخيفة التي يصف فيها الحبيب ذله لحبيبه.

وله في الأحداث السياسية عدة قصائد يذكى فيها روح الشباب ويطلب العزة لمصر عن طريق الكفاح. قال في قصيدة بعنوان (ما سمعنا بمصر إلا صياحاً)

سبب العيش عدة وكفاح

لا يصون الحقوق إلا السلاح

ما سمعنا بمصر إلا صياحاً

آه يا مصر ما كفاك الصياح

وهذه أبيات تصلح أن تقال اليوم كما قيلت بالأمس.

وجاء في قصيدة له ألقيت في محطة الإذاعة عام 1948

ولم تكن مصر في أغلال آسرها

مأسورة الروح بل ماسورة البدن

ما أهون الروح في الأوطان نرخصها

لكنها لسوى الأوطان لم تهن

وبعد لقد أطلت عليك أيها القارئ ولما أفرغ بعد من الإشارة إلى سائر القصائد التي وردت في هذا الديوان. فعليك به، فهو دليل على هذه الروح المصرية التي يريد أصحاب مذهب الإقليمية في الأدب تطبيقها. فيه الحوادث الكبرى والصغرى مما وقع بمصر خلال عشرين عاماً؛ وفيه نفسية الشاعر التي انفعلت بهذه الأحداث وتأثرت بها فصاغتها هذا الشعر العذب؛ وبذلك تكون الروح المصرية التي تسم الشاعر بطابع خاص هي في حقيقة الأمر البيئية الاجتماعية التي يعيش فيها، لا مجرد البيئة الجغرافية، أو البيئة الجامدة التي خلفتها آثار الأقدمين. ويكون من الخطأ التماس هذه الروح في الشاعر الذي يتحدث عن الأهرام أو النيل أو الصحراء وما إلى ذلك، بل الشاعر الحق هو الذي يسير في موكب الحياة، والحياة لا تعرف ماضياً أو حاضراً أو مستقبلاً لأنها كماء النهر تنساب في جريان، ولكن اللحظة الحاضرة هي أشد اللحظات أثراً في حياة صاحبها.

ص: 54

فإذا طبقت هذا الميزان على الشاعر محمد عبد الغني حسن رأيت أنه الشاعر المصري الذي يمثل الروح المصرية أصدق تمثيل أثرت فيه أحداث الحياة فتغنى بكل ذلك شعراً أودعه أحاسيسه وخواطره فنظم في مدح الرسول تعظيماً للدين، وفي

مولاي شرف باسمك الصحراء

وأركز لمصرفي الرمال لواء

تحية للفاروق بمناسبة رحلة جلالته إلى الصحراء الغربية.

وفي ذكرى محمد علي باشا

يا مالئاً صفحات السهل والجبل

ذكراك باقية في صفحة الأزل

وفي الوطن والعروبة. وفي تحية الأصدقاء، ورثاء الأحباء، وفي الحث على البر والإصلاح. وفي الحث على الهمة والاعتزاز بالكرامة بما يمثل العصر أصدق تمثيل، فلا عجب أن يكون الشاعر صورة للمجتمع الذي يعيش فيه.

أحمد فؤاد الاهواني

ص: 55

‌القصص

(طاهر أفندي)

للأديب محمد أبو المعاطي أبو النجا

كان السائر في طرقات القرية يسترعي انتباهه ذلك الحديث الهامس بين الجالسين على المصاطب وبين السائرين في الطريق!!

ذلك الحديث الذي يدور حول طاهر أفندي. وما كان من عادة أهل القرية أن يتحدثوا عنه بذلك الاهتمام لولا ما حدث اليوم في منزله؛ ففي الصباح الباكر حضر لديه طباخ من المدينة القريبة وما زال منهمكاً في إعداد طعام خاص. . . وطاهر أفندي نفسه دائب الحركة في أنحاء الدار ينظم المقاعد هنا وهناك وصوته المتقطع المرتعش يرتفع كل حين آمراً أبناءه أن يعيدوا تنظيم ذلك المكان أو يغيروا ذاك المقعد حتى أضحى بيته وهو أوفر ما يكون أناقة ورواء. . . وها هو ذا العمدة وبعض الأعيان قد يمموا داره منذ حين!!. . . ماذا هناك ياترى؟ أتكونوليمة؟ كل المظاهر تنبئ على ذلك!

ولكن الشيء الذي يقف بين هذه الفكرة وعقول الناس، أو بعبارة أوضح الشيء الذي أثار تساؤل الناس وحيرتهم. . . هو أن طاهر أفندي شخصية معروفة بالبخل والكزازة! لقد كان الزائر الذي يظفر في بيته بكوب من الشاي أو وجبة من الطعام يعتبر محظوظاً فيكيف يقيم وليمة، وينفق فيها بسخاء؟ ولمن يا ترى تلك الوليمة؟ أتكون للعمدة؟ ولكن العمدة وطاهر أفندي يقيمان في القرية منذ عشرات السنين فلماذا لم يفكر في استضافته إلا اليوم فقط؟ وراء هذه الأسئلة كان يختبئ الصمت ليقطع حبل الحديث بين الجالسين على المصاطب وبين السائرين في الطريق!

والواقع أن الواجب لن نظفر به إلا من طاهر أفندي نفسه. لنذهب إذن إلى تلك الدار التي تموج بالحركة وتفيض بالناس هنالك في أقصى القرية!!

ولا مانع من أن أرسم صورة تقريبية لطاهر أفندي حتى يتسنى لك أن تتعرف عليه وسط المدعوين. إن قامته المتوسطة التي تميل إلى الأمام قليلاً، ونظارته العتيقة التي تجثم على عينيه تؤكد لك أنه لا بد يشغل إحدى الوظائف الكتابية. . . أما وجهه الذي ملأته التجاعيد حتى صار أشبه ما يكون بثوب لم يعرف يوماً طريق (الكواء) فيؤكد لك بدوره أنه ليس في

ص: 56

عمر الزهور. . . وأما بذلته التي تنافس طوابع البريد في القدم فإنها تقنعك بأن حديث الناس عن بخله ليس للإشاعات فيه نصيب!!

من السهل عليك إذن أن تتعرف عليه وسط الناس، ولكن ليس من السهل أن تتعرف على أفكاره التي تضطرب في خاطره تماماً كما يضطرب هو في أنحاء الدار. . .

إنه يرمق أنواع الطعام التي تعد، وأصناف الفاكهة التي تهيأ، فيشعر بانقباض حين يذكر تكاليف ذلك كله؛ ولكنه سرعان ما يسري عن نفسه حين يتذكر أن ضيفه هو مفتش المنطقة التي يعمل بها!

وتعود به الذكريات إلى ذلك اليوم الذي جلس فيه إلى أحد زملائه في العمل وجعل يشكو إليه على عادته بؤس الحياة وعنت الوظيفة وإهمال الحكومة. . . ويذكر جيداً أن زميله هتف به قائلاً: أنت رجل طيب لا تعرف الكثير عن أساليب العيش. تستطيع أن تجبر الحكومة على إنصافك حين تتودد إلى الرؤساء فتدعوهم إلى دارك وتقيم لهم الولائم وتظهر لهم. . .

ويذكر أيضا أنه لم يستسغ هذه الفكرة إلا بعد أن أكد له زميله أنها مجربة!

إن الذي يطمئن طاهر أفندي الآن هو أن أمواله التي ينفقها سخياً على هذه المأدبة ستعود إليه ذات يوم، وستكون بصحبة زميلات لها! أجل ستعود حين يرقى إلى الدرجة السادسة بمساعدة المفتش الكبير. . .

ويتنبه طاهر أفندي من أفكاره حين يقبل أكبر أبنائه ليتحدث إليه في بعض الشؤون بلهجة ظهر فيها الضيق والغيظ ولا يكاد ينصرف حتى ترتسم على شفتي طاهر أفندي بسمة ساخرة فيها كثير من الرثاء، الرثاء لأبنه الأحمق الذي لا يفهم الحياة كما يفهمها والده!

إنه يعرف جيداً سبب هذا الضيق الذي يبديه ولده في كلامه، ذلك أنه طلب إليه في مبدأ العام الدراسي أن يشتري له بذلة جديدة ولكنه أفهمه أن ذلك مما يرهق ميزانية الأسرة. لا شك أنه يتساءل الآن لماذا لا ترهق هذه الوليمة ميزانية الأسرة؟؟ ولكن غداً سيعرف هذا الغر الأبله أنه يفكر في دائرة أضيق من التي يفكر فيها أبوه. . . ثم أخذ يتمتم ماذا لو ترك الآباء أبناءهم يتصرفون بكامل حريتهم، فلا يفسدون عليهم أمورهم بآرائهم الفطيرة!

وبعد قليل ينظر طاهر أفندي في ساعته فيرى عقربيها يشيران إلى الثالثة بعد الظهر. لم

ص: 57

تبق إذن سوى ساعة على حضور المفتش الكبير!

وهنا فقط تقفز إلى ذهنه فكرة جديدة. إن سعادة المفتش يحب دائما أن يقرأ جريدة (. . . . . .) المسائية، ولا شك أنه لن يتمكن من شرائها اليوم لأنه قضى الليلة الماضية في العزبة المجاورة عند شقيقه.

ليرسل إذن من يحضرها على جناح السرعة من المدينة القريبة، فإن العربة المسافرة إليها توشك أن تتحرك لتعود بعد نصف ساعة تقريباً.

كم ستكون مفاجأة سارة للمفتش الكبير حين يجد جريدته المفضلة في الانتظار!

وبعد نصف ساعة كانت العربة قد رجعت وفيها أحد أبناء طاهر أفندي ومعه الجريدة؛ ولم يكد يأخذها من ولده ليضعها فوق المنضدة المقابلة لكرسي المفتش حتى يطوف بذهنه هذا الخاطر. . . لا شك أن الزائر الكريم سوف يأخذ الجريدة معه حين خروجه، فلماذا لا يتصفحها أولاً؟ وبيننا كانت نظراته الضعيفة تتساءل بين السطور إذا بها تسمر فجأة أما خبر مؤداه أن المفتش الكبير قد أنتقل إلى أقصى الصعيد. . .!!

محمد أبو المعاطي أبو النجا

ص: 58