الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 888
- بتاريخ: 10 - 07 - 1950
الصيف ضيعت اللبن!
مثل أمريكا وإنجلترا في سياستهما للدول الصغيرة كمثل (الأشقياء) في الريف و (الفتوات) في المدن، يجمعون حولهم الأتباع من فتيان القرى وصبيان الحارات ممن يفتنونهم بمظاهر القوة، أو يخدعونهم بكواذب المنى؛ ثم يرمون بهم الأغراض التي يتوخونها، فينطلقون انطلاق الأبهم الصم لا إرادة لها ولا رادَّة عليها. فإذا أراد الأشقياء السطو على غني من أغنياء القرية، أو قرر الفتوات الإغارة على حي من أحياء المدينة، أرسلوا هؤلاء الأتباع يرودون الطريق، أو يجسون النبض، أو يجرون (الشكل)؛ ثم يكونون هم وقود المعركة؛ فإذا تم النصر أو تمت الهزيمة كانت النار دائما لمخالب القطط، والكستناء دائما لأنياب القردة! فإن أتفق مرة أن أبى أحد الأتباع أن يأتمر في الشر أو يشارك في الأذى، لأن له رأيا يريد أن يقره، أو قريبا يكره أن يضره، أو ضميرا يحب أن يرضيه، تغيروا عليه وتنمروا له وقالوا: خان العتوة، ونقض الميثاق وجحد النعمة، فحق عليه أن يبتر من الناس أو ينفى من الأرض!
حال هذا التابع من هؤلاء الأشقياء الذين حسبوه يسمع ولا يقول، ويخضع ولا يعارض، وينفذ ولا يقضى، أشبه بحال مصر من هاتين الدولتين الطاغيتين اللتين تزعمان أنهما تمثلان الديمقراطية والحرية، وتحميان المدينة والإنسانية! قالوا لنا تعالوا نكن إلباً على الشيوعية والإباحية والفوضى، وردءا للنظام والسلام والعدل، فقلنا: وهل يسعنا ألا نلبي ونحن أبناء الذين عقدوا فيما بينهم (حلف الفضول) ليقوض للضعيف حتى يقوى، وللمظلوم حتى ينصف، وللذليل حتى يعز؛ وخلفاء الذين جعلهم الله أمة وسطاً يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات؟ ولكن سرعان ما برح الخفاء وشفَّ الرياء عن الرأسمالية والشيوعية تتنافسان في سيادة العالم، وتتخاصمان على أملاك الناس؛ هذه باسم الحرية تسعى لتستعبد، وتلك باسم الشيوعية تسعى لتملك!
قلنا لهم يا قوم نحن زملاؤكم في مجلس الأمن، وحلفاؤكم على نصرة الحق، فأنصفوا النيل من السكسونيين، وفلسطين من الصهيونين! فقال ترومان خليفة ولسن صاحب المبادئ الأربعة عشر: إن سياستنا الخارجية تعضد الإنجليز، وسياستنا الداخلية تؤيد اليهود، وإن الاعتداء على المصريين أو على العرب أضعف من أن يخل توازنا أو يبطل تعاونا أو يعطل حركة؛ لأنهم لا يملكون القنبلة الذرية، ولا ينافسون أمريكا في الكيفية والكمية!! فلما
نهض الدب الروسي ليلتقم كوريا الجنوبية من يد العام سام أضطرب ميزان العدل، وتكدر جو السلام، وقامت قيامة الدنيا، ووجب أن يجتمع مجلس الأمن على وجه السرعة ليقضي على الدول الأعضاء أن يقدموا المعونة لكوريا الرأسمالية على كوريا الشيوعية منعاً للعدوان وقمعاً للظلم!
فلما سألوا مصر أن تعين، وكان ظنهم بها أن تطيع وتستكين، أجابتهم بعزة الفراعين وأنفة العرب: زعموا أن شيخا من أغنياء البادية خطب امرأة في الصيف فردته ردا قبيحاً فلما أقبل الشتاء، وهو زمن القحط عند البدو، أقبلت عليه تطلب منه لبنا، فقال لها بلهجة المتهكم الشامت: لا يا سيدتي! الصيف ضيعت اللبن!
(المنصورة)
أحمد حسن الزيات
الشيخ محمد مصطفى المراغي
لمناسبة ذكراه الخامسة
للأستاذ عبد الجواد سليمان
في ليلة الرابع عشر من شهر رمضان المكرم منذ خمس سنوات مضت فاضت إلى بارئها روح المرحوم الأستاذ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الشريف وشيخ الإسلام حينئذ فكان لوفاته أثر بالغ في نفوس محبي الإصلاح في أنحاء الأقطار الإسلامية لما كانوا يؤملونه على يديه من إصلاح ديني يتوج به ذلك الصرح الشامخ الذي شاد أسسه جمال الدين الأفغاني وأعلى بناءه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده.
ولد المرحوم (محمد مصطفى المراغي) في قرية المراغة من أعمال مديرية جرجا، وبفضل الشيخ الجليل ومساعي أبنائه الموفقة من بعده ارتقت هذه القرية فأصبحت مركزاً من مراكز مديرية جرجا تتبعه بعض البلاد الأخرى المجاورة؛ وأصبحت بها كذلك مدرسة ابتدائية تقوم على تهذيب النشء ونشر الثقافة بين أبناء البلاد.
نشأ الشيخ المراغي في بيئة علمية؛ فلقد كان أبوه ممن يلمون ببعض العلوم الدينية مما جعله موضع احترام أهل المراغة ومرجعهم في المسائل الدينية، فعمل هذا الأب على أن ينشئ أولاده نشأة علمية حتى يؤدي مالهم قبله من حقوق، وحتى يكونوا بالتعليم - مثله محترمين في أعين الناس.
وقد كان أكبر أبنائه السبعة الأستاذ محمد الذي نحن بصدد الكلام في ترجمته، وقد تربى خمسة منهم في الأزهر جنح أحدهم إلى دار العلوم، وكان الابن الكبير متوقد الذكاء مثابراً على درسه، وظل مثابراً عليها حتى نال شهادة العالمية بتفوق رشحه للتدريس في الأزهر؛ ثم عمل بعد ذلك قاضياً في مديرية دنقلة بالسودان فمفتشاً بديوان الأوقاف، ثم عين قاضياً لقضاة السودان بمسعى أستاذه المرحوم الشيخ (محمد عبده) ثم رئيساً للتفتيش بالمحاكم الشرعية فرئيساً لمحكمة مصر الكلية، ثم عضوا في المحكمة العليا الشرعية، فرئيساً لها سنة 1923 ثم شيخاً للأزهر بعد ذلك من سنة 1927 إلى سنة 1930 ثم أنقطع عن المشيخة مدة عاد بعدها إليها سنة 1934 وبقي حتى لحق بالرفيق الأعلى.
لقد كان الشيخ المراغي من تلاميذ الإمام بل أكبر تلاميذه الذين أشربوا روحه في الإصلاح
والتجديد، وقد أظهر في كل هذه الوظائف التي تولاها مقدرة بالغة، وكفاءة ممتازة وإدارة حازمة ومنقطعة النظير بين الشيوخ، شهد له بها رجال العصر من العلماء المواطنين والأجانب. وقد أجمل وصفه الأستاذ العلامة الفيلسوف (أحمد لطفي السيد باشا) فقال يوم تشييعه إلى مقره الأخير:(كان رحمه الله منسجماً في كل شيء، عقله يوازي علمه، حتى جسمه وهندامه).
وأظهر ما نذكر به الشيخ (المراغي) تلك الصفات التي تفرد بها بين الشيوخ الذين تقلدوا قبله مشيخة الأزهر؛ أو بالأحرى مشيخة الإسلام، وأول هذه الأوصاف التي حفظها له تاريخ الأزهر، أن مشيخة الأزهر كانت قبله من الوظائف الروحية التقليدية البعيدة عما يجري في الحياة من تيارات عصرية، فخرج بها الشيخ المراغي من عزلتها، وألقى بها في غمار الحياة فأشعر الناس في الشرق والغرب بأن المنصب له خطره، ونبه إليها الأذهان في العالم الإسلامي، وبذلك ضرب بنفسه المثل الصحيح لرجل الدين، في أنه لم يخلق فقط للعبادة والعيش على هامش الحياة، بل لابد من أن يختلط بالناس فيفيد ويستفيد، وأن يكون له رأي يعتد به في الحياة العامة، يشارك به المفكرين من أبناء عصره ويساهم به في بناء المجتمع الإنساني، ويساعد في رسم الخطوط التي تسير عليها البلاد؛ لذلك رأينا الأستاذ المراغي يعمل على إعادة تنظيم الأزهر على نحو واسع النطاق حتى يتفق وحاجات العصر الحاضر في مصر وفعلا قد صدرت خطة الإصلاح التي وضعها في القانون المعروف بالقانون رقم 49 لسنة 1930، وقد لاقى رحمه الله الشيء الكثير من معارضة الإصلاحات التي كان يبغيها فاستقال من المشيخة.
وقد كان الأستاذ المراغي من أسس إصلاحه أن تنظم مناهج الأزهر وتطعم بالعلوم الحديثة لتكون على مثال مناهج المدارس المدنية، وأن تصلح كتب الأزهر، وتشذب مما حشيت به من الخلافات اللفظية التي لا جدوى من دراستها حتى يخفف العبء على الطلبة، وحتى تساير هذه الكتب نظريات التربية الحديثة فيتسنى لقارئيها أن يشاركوا في بناء نهضة بلادهم، وأن يفهموا الحياة على حقيقها، وأنها ليست فحسب تلك المتون والحواشي والتقارير خطت على الصفحات الصفر؛ بل هي عالم واسع المدى بعيد الحدود.
ومن أوصاف الشيخ المراغي فوق جدارته بالزعامة الدينية أنه كان رجلا (دبلوماسيا) يلبس
لكل حال لبوسها، وينتهز الفرص السانحة التي يتمكن فيها من النهوض بالأزهر والكسب له، وبذلك تقدم الأزهر في عصره تقدما محسوساً. ولعل في إيفاده البعوث الأزهرية إلى جامعات أوربا أصدق دليل على عزمه الصادق في خدمة الأزهر ليجمع في ثقافته بين القديم والجديد، وليكون العالم في الدين عالما بعلوم الدنيا، والثقافات المعاصرة، فتكتمل له العدة في الحياة.
وفي المراغي صفتان أخريان لعل القدر الذي هيأه لقبول تعاليم أستاذه الشيخ محمد عبده هو الذي منحه إياهما ليكون الوارث الحق لصفات أستاذه؛ أما الأولى فجرأته البالغة الحد في الإصلاح، وجهره بآرائه متى أقتنع بوجاهتها، وعدم مبالاته بما يعترض سبيله من مقاومات ومعارضات من الجامدين المحافظين.
وأما الثانية فهي اعتزازه بنفسه، واعتداده بكرامته كرجل من رجال الدن اعتداداً هون عليه مرة منصبه الخطير فتخلى عنه ثمنا للكرامة.
بهذه الكفاية الممتازة أمكن للشيخ المراغي أن يخلق من أبناء الأزهر جيلا جديداً غير ما تقدم عصره من أجيال أزهرية، جيلاً أقل ما يقال فيه أنه بدأ يفهم تبعات الحياة التي يسأل عنها أمام الرأي العام رجل الدين، وبهذا الإخلاص للأزهر استطاع الشيخ المراغي أن يكون له مدرسة من أبناء الأزهر، يدين تلاميذها بكثير من تعاليمه، وإليهم يعزى فضل كبير في تقديم الأزهر، ومحاولته التطور والارتقاء، ورغبته في المساهمة في مجد مصر الثقافي.
ومما هو جدير بالذكر في هذه المناسبة أن ننوه بما لقيه الشيخ المراغي من عطف المليك فقد شجعه ذلك على بث تعاليم الدين الصحيحة، ويتجلى ذلك العطف في دروس الشيخ الدينية التي رغب جلالة المليك في سماعها والتي ألقاها بين يدي جلالته، وهو تشريف جديد لم يحظ به شيخ قبل الشيخ المراغي.
لقد كان الشيخ المراغي كغيره من الزعماء المصلحين، له أنصار ومريدون يمدحونه ويصوبون خططه في الإصلاح، وينادون بمبادئه ويعملون على إذاعة فضله؛ وله إلى جانب هؤلاء حزب معارض مناوئ، لا يرونه رأيه في الإصلاح.
ومهما قيل في هؤلاء وهؤلاء فإن المناوئين للشيخ المراغي يشهدون في قرارة أنفسهم له
بالنضوج الفكري والحنكة عند مواجهة الخطوب، ويقدرونه في قلوبهم وإن عجزت ألسنتهم عن إعلان هذه الشهادة. والآن قد أصبح المراغي في ذمة التاريخ، والتاريخ وحده هو الذي سينصفه ويظهر فضله ويبين عن شخصيته التي تمتع بها، ويبين مقدار قوة ذلك الإشعاع الذي كان ينبعث من نفسه، فيحيي الأمل عند بعض الناس في بلوغ الإصلاح وتحقيق ما كان يتمناه المخلصون منهم للإسلام والمسلمين.
ولكن الوفاء للعاملين واجب، فلو أنصف الأزهر شيخه لخلد ذكراه في مؤسسة نافعة تحمل أسمه. ولو عرف الأزهريون فضل شيخهم عليهم وعلى أزهرهم لاكتتبوا في مشروع نافع ينفق ثمرته على جهة خيرية تمجيداً للشيخ وتخليداً لذكراه. رحم الله الشيخ المراغي فلقد كان وفياً للناس، وقد كان من وفائه رغبته الصادقة في أن يخلد ذكرى أستاذه الشيخ محمد عبده فلقد جاء عنه في كتاب (الإسلام والتجديد في مصر) للدكتور تشارلز أدمز ما نصه (وكانت الصحف في سنة 1929 أي أثناء مشيخته للأزهر تكتب كثيراً عن أمر كان له حسن القبول هو تخليد ذكر الإمام، إما بالاحتفاظ بمنزله في عين شمس، وإما بالقيام بأي عمل آخر من الأعمال التي تدل على التقدير القومي، وكان من المتفق عله بشكل عام أن أليق الناس للنهوض بهذا هو الشيخ المراغي إذ هو شيخ الأزهر، وله بالشيخ عبده صلات قوية قديمة.
رحم الله الشيخ المراغي رحمة واسعة وأنزله منازل الأبرار. . .
عبد الجواد سليمان
المدرس بمعلمات سوهاج
سر التعمير
ترجمها عن البرتغالية
الأستاذ سامي عازر
كل من يطلع على هذا المقال سيرغب، ولاشك، أن يضيف إلى عمره عشر سنوات على الأقل، وسينتظر مني أن أسرد أسماء الأدوية والمحضرات الحديثة التي يجب استعمالها لتحقيق هذه الغاية. بيد أن سر التعمير لا يكمن في (برشام) الصيدليات، ولا يختبئ في زوايا المختبرات الطبية، وإنما ينحصر بمعرفة ما نقدر أن نفعل وما يجب ألا نفعل. فإذا كنت ترغب في أن تعيش طويلاً فعليك أن تدخل على سيرة حياتك علماً جديداً قائماً على الاقتباس والوارثة، ومن نافذة هذا العلم يتكشف لك فن جديد هو فن الحياة. وهذا ألفن يحيطك علماً بعلاقة العوامل الحيوية بالتعمير، والعوامل الحيوية هذه تقوم على التغذية المنظمة واتزان الجهاز العصبي، والراحة والاستحمام، والتمرين العقلي والجسدي، والاستقرار النفساني. إن الطبيعة تتطلب منك ثمناً للسنوات العشر الإضافية وما تمنحك إياه أثمن بكثير مما تدفعه لها.
كان معدل عمر الإنسان في العصور القديمة ثماني عشرة سنة، وقد عُثر على خطوط مصرية منقوشة على مومياء يستدل منها على أن معدل عمر الإنسان كان، منذ الفي عام، اثنتين وعشرين سنة، وأرتفع المعدل في مطلع القرون الوسطى فبلغ خمساً وعشرين، ثم أرتفع في نهاية القرن المنصرم فأصبح خمسين، وزاد في نصف القرن الأخير خمس عشرة سنة فغدا، كما تقول إحصاءات الوفيات، خمساً وستين، بقليل من الاختلافات الطفيفة في بعض الأقطار عن البعض الآخر.
ويعزى هذا الارتفاع النسبي إلى كون المختبرات العلمية قد لعبت دوراً هاماً في حقل محاربة الأمراض الالتهابية في الأطفال بفضل المحضرات العجيبة كالبنسلين والفيتامين. ويحشد العلم، اليوم قواته الهجومية لحل المشكلة المتعلقة بضعف القلب والشرايين والدورة الدموية، بعد أن يتجاوز الإنسان العام الستين من عمره ويرى الدكتور ادغارل بورتز رئيس اتحاد الأطباء الأميركي إن عمر الإنسان العادي يجب أن يبلغ المائة والخمسين عاماً مستنداً برأيه إلى كون الإنسان يختلف كل الاختلاف عن سائر الحيوان، فهو يحتاج إلى أن
يعيش عمراً يفوق ستة أضعاف عمره ليتم ارتقاؤه؛ فالحصان مثلا يتم نموه في العام الرابع وهو يعيش خمساً وعشرين سنة، والهر يتكامل نموه في سنة ونصف السنة ويعيش من التسع إلى العشر سنوات، والكلب يبلغ نهاية النمو في العام الثاني ويعيش اثنتي عشر سنة. أما الإنسان الذي لا يتم نضجه قبل تمام العام الخامس والعشرين فيجب أن يعيش على الأقل مائة سنة.
إن في الإنسان دليلاً قوياً على إمكانية إطالة حياته حتى العام المائة والخمسين، وهذا الدليل هو عيناه إن قوة العيون البشرية على البقاء تصلح لأن تكون مقياساً لإطالة الحياة، فهذه القوة تضعف تدريجياً مع السنين. وإذا تتبعناها، على ضوء الأرقام، وجدنا أنها تحتاج إلى ما يقارب مائة وخمسين سنة حتى ينطفئ نورها انطفاء كاملاً.
إن الإكسير الضمين بإطالة العمر أقرب إلينا مما نتصور، فمنذ سنوات قليلة وصلت من روسيا معلومات عن محضر جديد يدعى (مجدد الشباب) وقد اكتشفه البحاثة الشهير الدكتور إسكندر ل. بورفو موليتز، مدير معهد البيولوجيا (علم الأحياء) وعلم أسباب الأمراض (الباتولوجيا) في كييف. ويرى هذا العالم أيضاًأن إنسان القرن العشرين يجب أن يعمر مائة وخمسين عاماً. ويرجع في أبحاثه إلى المصادر التاريخية المتنوعة بغية العثور على شهادات تؤيد نظرياته. وقد اهتدى إلى كثير منها وهذه إحداها:
توماس بار، إنكليزي التبعة، عاش مائة واثنتين وخمسين سنة، فعاصر تسعة ملوك تعاقبوا على عرش بلاده، وتزوج وهو في العام المائة والتاسع عشر وهو، مع هذا، كامل الرجولة حتى أن زوجته كانت تشك في بلوغه تلك السن. وتوفي بار على اثر تناوله كمية كبرى من الطعام في وليمة أقيمت في القصر الملكي فكانت سبباً للقضاء على حياته. ولم يكن لموته أية علاقة بشيخوخته كما دل التشريح الطبي.
إن ستالين هو أحد الأفراد الأول الذين تعاطوا محضر بورغوموليتز بعد أن ثبت له خلوه من الخطر على حياة المصابين بداء القلب، وحالة ستالين الصحية مغمورة، كأعظم أسرار روسيا الحربية، بتكتم شديد. غير أن الأفراد الذين رأوا هذا المتوشالح الجيورجاني مؤخراً يؤكدون أنه يتمتع بصحة لا مثيل لها.
ويتوصل بورغوموليتز، في تجاربه لفهم أسرار الحياة والتعمير إلى نتائج تتنافى والعقاقير
والمحضرات. فهو يقول إن الاستقرار النفسي هو عامل حيوي في التعمير كالتغذية والاستجمام والرياضة البدنية. وله أتباع كثيرون، حتى بين أطباء العالم الغربي يؤيدون نظريته ويعملون بها.
إن عالم الطب الحديث، الطب البسيكوزماتيكي، منهمك اليوم في درس الأمراض الجسدية المسببة عن اضطراب نفساني والمستوصفات (البسيكاتريكية) تعالج كثيراً من الأمراض بطريقة نفسانية تسفر في كثير من الأحيان عن شفاء تام. والقرحة التي تزعج المرضى والأطباء على حد سواء، والضغط الشرياني العالي إن هما سوى نتيجتين للآلام النفسية. ويعتقد علماء السرطان إن الأشخاص السريعي التأثر، المستسلمين لعاملي الغضب والحسد تهيأ في أجسامهم تربة صالحة لنمو السرطان. وقد لاحظ بعض العلماء، في روسيا، إن إزعاج الفئران يعجل ظهور السرطان فيها بينما يبطئ ظهوره كثيراً عندما يتسنى للفأر أن يعيش حياة هادئة
وهنالك أمر معروف، وهو أن حياة المتزوجين أطول من حياة الأعزاب. وفي إحصائيين روسيين ثبت أن مقابل كل مائة متزوج يموت مائة وأربعون عزبا، وتزيد نسبة الوفيات بين الأرامل والمطلقات عنها بين العزبات. ويعزو بعض المشتغلين في مسألة التعمير هذا الأمر إلى كون المتزوجين يعيشون في حالة نفسانية اكثر تنظيماً من حالة العزب. فالشاب العزب يحيا في جو من التصابي مشبع بالانفعالات النفسية؛ والفتاة العازبة المنتظرة، أبداً كلمة (نعم) من خطيبها، كثيراً ما تهد قواها انفعالات الانتظار وتسبب لها أمراضاً يصعب شفاؤها. أما الأرملة فتذوب كالشمعة ذوباناً بطيئاً تحت سعير العذاب النفسي. إن خفقان القلب السريع الصادر عن خوف أو حزن أو تأثيرات أخرى، يجهد القلب وينهكه، فينشأ عن هذا أن بعض الأعضاء الحيوية الأخرى تصاب بتسمم لعدم التنظيم الطبيعي في الجسم. وقد تمكن الأطباء من شفاء كثير من الأمراض القلبية التي كانت تعتبر، منذ وقت قريب، مستعصية لا أمل البتة في شفائها. ولم يتم لهم هذا بفعل الخوارق والمعجزات، بل توصلوا إليه بالقضاء على وسواس نفساني كان يلازم رؤوس المرضى.
إن في قبيلة (اليوغ) الهندية عدداً كبيراً من المشتغلين في درس مسألة التعمير. واليوغيون بصورة إجمالية يعمرون أكثر من مائة سنة، فاتزان الأعصاب والاستقرار النفسي والتمرين
العقلي والجسدي هي من مميزات الحياة اليوغية. واليوغي الصميم هو رجل هادئ أبداً، لا يكره أحداً ولا يعرف الحسد إلى نفسه سبيلا، لا يقلق لأمر ولا تساوره المشاغل والهموم طويلا. ومن أقوال سبينوزا فيلسوف هايا الخالد الذي وجه حياة الهندوس توجيهاً خاصاً بفلسفته الرحمادية قوله باللاتينية:
، ، لا تبك، لا تغضب، بل افهم. إن هذه النصيحة تتلاءم مع الحياة، وما يتلاءم مع الحياة يعيش طويلا
ومن البديهي أن تكون التغذية سبباً رئيسياً من أسباب الحياة، فمن لا يأكل فموته محتم، ومن يأكل بشراهة يسير على الطريق نفسه. أن غيليرد هوزر وهو من أعظم المراجع القائلة بتحديد كمية الغذاء يرى أن الحمية تؤخر حلول الشيخوخة وتضيف إلى حياة الإنسان بضع سنوات مفيدة. وقد توصل فريق من الإختباريين، بفضل ما قاموا به من تجارب في الحيوانات، إلى الجزم بإطالة الحياة عشرة سنوات إذا واظب الإنسان على تناول كميات كبرى من الفيتامينات. والفئران التي كانت تتغذى في جامعة كولومبيا بكميات من الفيتامين والكلسيوم زادت أعمارها أكثر من عشرة بالمائة عن أعمار سائر الفئران الأخرى. وقد قام (هوزر) بتجاربه في حفظ شباب أطبائه مدة طويلة فحدد لهم غذاء مؤلفا من أربعة ألوان لم يعرفها المطبخ قبلا، وهي: خميرة الجعة (البيرا) والزبادي البلغاري، وحبوب الحنطة، والعسل النباتي ولبن الزبادي البلغاري يحتوي على كمية كبرى من فيتامين وهو الطعام الرئيسي للأرياف البلغارية بالنسبة لحيويته ومساعدته على إطالة الحياة. أما خميرة الجعة الغذاء العجيب في كل المناسبات والأوقات فهي تحوي أحد عشر نوعاً من الفيتامين وستة عشر من حوامض (الامينو) وأربعة عشر من المعدنيات، من الحديد إلى الفسفور. والعسل النباتي المستعمل في المخابز لصنع الخبز العسلي يحتوي على كثير من المعدنيات التي تحفظ الحرارة وكميات كبرى من الفيتامينات لا تتهيأ في غير من الأطعمة. وفي حبوب الحنطة قدر هائل من الفيتامينات والمعدنيات ومحتويات البروتيك المدهشة، ولها نفس فعل خميرة الجعة.
أحذرو السمن الزائد
إن الموت يشن هجومه الأول على الأجسام السمينة ليشبع نهمه. فالسمن مبعث لكثير من
أمراض القلب والشرايين والسرطان والانفجار الدماغي. وهذه الأمراض هي الشرور الأربعة العظمى التي يسقط يومياً عدد هائل من ضحاياها البشرية
ولا يشترط للتحرر من السمنة ممارسة رياضة بدنية عنيفة، فالبالغون لا يحتاجون إلى التقيد بهذا. ويكفي، كما يقول بورغو مولتز، أن يثابر الإنسان على عادة المشي في الهواء الطلق ليروض جهاز تنفسه. والتنفس البطيء المتزن يحرر الجسم من الفساد الدموي الذي من شأنه أن يقرب نهاية الحياة. أما أولئك الذين يتنفسون تنفساً سريعاً فلا يعيشون طويلاً
فيستدل مما قدمنا أنه ليس هنالك عامل واحد لإطالة الحياة بل عوامل مختلفة يقضي علينا فن الحياة أن نعرف كيف نوجهها فتوجهنا. علينا أن تتناول الطعام الذي لا نستسيغه إذا كان فيه كميات فيتامنية تنفعنا، ونقطع يومياً مسافات طويلة لتمرينات عضلاتنا، ونضحي بكثير من المتع الجسمية والروحية التي تعوقنا عن أن نأوي إلى فراشنا باكراً. لنتحرر من نقائص الغضب والحسد والكراهية، ولا نفكر كثيراً في الحياة والموت، وهذا الشرط الأخير يجب أن يظل نصب أعيننا، وإلا أصابنا ما أصاب طبيباً أمريكياً انصرف منذ بدء حياته الطبية إلى معالجة مسألة التعمير ودرسها. وقد شغلت هذه القضية معظم أوقاته وحملته من المتاعب ما هد قواه فسقط في ريعان الشباب صريع عدم الفطنة دون أن يتمكن من نيل أمنيته. إن عدم الاكتراث هو الوسيلة الأولى لإطالة حياتك. فعليك أن تبتسم مهما حف بك من خطوب وكرب، وبذلك تقطع المرحلة الشاقة ذات العقبات الكأ داء ويسهل عليك أن تنتقل منها إلى المراحل الأخرى وهي أسهل عليك وأخف وطأة.
(العصبة)
سامي عازر
عهد
لصاحب العزة الأستاذ محمد محمود جلال بك
- 2 -
يعجب المرء حين يرجع لنفسه أثر صدمة أو مرض أو ذكرى فيجد فيما يشغل قلبه أو باله اتجاها جديدا أو لونا آخر لا يكاد يختلف عما يشغله، بل هو في واقع الأمر منه في أساسه أو على صلة يصعب فصمها. وكيف يتجلى هذا اللون أو يأخذ به ذلك الاتجاه ومنذ وقت قريب كان غامضاً أو كان مع الوجود عدماً.
ومرت أيام بور سعيد كعمر الحاسد الشافي سراعا، على حد قول المرحوم شوقي بك، وكلها ملأى بحديث الشاعر الشاب وما لونت من ذكراه محض المصادفة من لقاء الشاطئ الجميل ووفاء الأخ النبيل بقاع لم تطأها قدمه. فبلده على بحر يوسف، وذكره ينثر حياته النادرة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط بينما فرت روحه في جنات النعيم.
وفي خضم الذكريات وتداعي المعاني ذكرت حديثاً له معي أصيل يوم صائف في شرفة السلاملك ببلدتي (القيس) وقد جاء يزورني في سنة 1917 أو سنة 1918 زيارة كإحداها بيننا تسجل امتداد الوداد القديم الذي ربط الآباء كما ربط الأجداد من قبلهم.
ذكرت على شيء من الغموض إشارته ذلك اليوم إلى اعتزام صديق من أهل بلده جمع قصائده في ديوان. . . وأن الشيخ عبد الوهاب النجار قد يقدم له بكلمة. ومع توالي زياراتنا بين الريف والقاهرة لم يذكر بعد ذلك شيئاً في هذا الشأن.
كان شديد الحياء جم التواضع. ولست أشك أن هذا الخلق هو الذي قام دون إهدائه إلي نسخة من الديوان، وكل ذلك مهد لما أعده تقصيراً مني في جانبه.
مضت سنوات على وفاته. وبعد قليل لحق به أخو الأكبر الذي قام على تربيته وتدبير أمره. فأين السبيل إلى ذلل الكنز؟
غير أن شعوراً بالثقة وإيمانا بأن الله مثيب النيات الصالحة باعد بيني وبين اليأس مما قصدت، وكلما لاحقتني صعاب أثناء تفكيري لاحقها لطف من الله بنور الأمل.
وكيف لا يكون ذلك وقد ذكرت فحملت عهداً محبباً إلى النفس أن تقي به مهما كلف من مشقة. وهل يحس المرء مشقة في أداء عهد؟ ذكرني به صديق وفي عهد به إليه راحل
وفي فالقصة كلها قصيدة وما أحرى الأدب بالوفاء!
ملك علي خوف التقصير مشاعري وأرهف تجدد الذكرى عزيمتي فظللت أبحث مستهديا كل من عرفت له صلة بالشاعر الراحل من قريب أو بعيد طيلة أعوام ثلاثة حتى كانت سنة 1947 فأمدني صديق قريب في مفاجأة ممتعة بالنسخة الوحيدة الباقية من الديوان، وكانت تحتفظ بها شقيقته الكبرى كأغلى تراث يقتنى وما عرفت بعنايتي وحاجتي إليها حتى سارعت إلى قرينها عليه رحمه الله وهو الذي سلمها إلى صديق ورفيق صباي أحمد الأزهري إذ كان زميلا له في العمل.
عددت وما وصلت إليه نعمة كبرى ما عددته جزاء وفاقا للحفاظ والوفاء.
أما النسخة - على أنها تحفة العمر - فسقيمة الطباعة كثير فيها الخطأ، قد امتدت إليها يد الزمن فمزقت من صحفها؛ ولكن هذا كله شحذ العزم على إبراز الشاعر وفضله ووضع شعره في المكان اللائق به. وليس أولى من الرسالة الغراء صحيفة الأدب الرفيع بنشر فضل كاد ينسى، وإحياء غصن ذوى في ربيعه. وأهلت علي سنة 1948 بأمراض وآلام اقتضتني أسفاراً وتوزعت أيامي بين مختلف البلدان. ولعلي أخذت الديوان مرة في رحلة آملا أن أرد به النفس إلى السكينة، أو أن أرد بأداء الواجب السكينة إلى النفس، ثم لم يرد الله، فانقضى عامان آخران قبل أن يحظى بهذا الأداء قلمي. وقد سلخت هذا المدى الطويل باعثاً معقباً بين شواغل الحياة وبلاء الأيام وقلة المصادر إلى قرب إمحاء، التمس مجموعة أو قصيدة من شعر صديقي المرحوم (أحمد توفيق البرطباطي) إذا لم أجد ديوانه لنكون عماد بحث كله خير وأدب وفائدة فكنت على حد قوله عليه رحمه الله
تعاقدت والأهوال عشرين حجة
…
لهن قيام بالأسى وقعود
فلست أبالي بعدها ببلية
…
قرى الخطب عزم للعلا وصمود
للكلام بقية
محمد محمود جلال
شهر الكنافة والقطايف
للأستاذ محمد سيد كيلاني
الكنافة أحب شيء عند الشرقيين، وبخاصة في شهر رمضان إذ يتسابق الناس في شرائها والتفنن في إعدادها وحشوها بالزبيب والصنوبر والجوز والفستق. وإذا أقيمت وليمة في هذا الشهر المبارك فإن الكنافة من غير شك تحتل مكان الصدارة على المائدة، ولذلك يسمى شهر رمضان (شهر الكنافة والقطايف)
أما لفظ كنافة فلم يذكره أحد من أئمة اللغة. ولا تجد في الألفاظ اللغوية ما يصلح أن يكون مادة لها. فلعلها كلمة يونانية
روى السيوطي عن أبن فضل الله العمري صاحب مسالك الأبصار أنه قال (كان معاوية يجوع في رمضان جوعاً شديداً. فشكا ذلك إلى محمد بن آثال الطبيب فأتخذ له الكنافة فكان يأكلها في السحر فهو أول من أتخذها)
وهذا الخبر يشك في صحته. وذلك لأن المؤرخين المتقدمين لم يشيروا إليه. ولم يذكر لنا أبن فضل الله المصدر الذي نقل عنه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الكنافة ليست الطعام الوحيد الذي يدفع به الجوع. وهي ليست علاجاً حتى يصفه الطبيب أبن آثال. وكان من الممكن أن يقوم الرقاق مقامها ويسد مسدها. فما رواه أبن فضل الله، في هذا الموضوع يجب أن يوضع موضع الشك.
ولو عرفت الكنافة منذ عصر معاوية لذكرها الشعراءفيما ذكروا من أطعمة. فقد رأينا الشعراء حتى العصر العباسي الثاني يذكرون القطايف والخبيص والفالوذج وغيرها من أنواع الأطعمة، ولم نر في شعرهم أثراً للكنافة وهذا دليل واضح على أنهم لم يعرفوها ولم يسمعوا بها.
وقد لاحظت أن الشعراء المصريين كانوا أول من لهج بذكر الكنافة في أشعارهم وأول من تغنى بها. ومن هؤلاء أبو الحسن الجزار المصري إذ يقول:
سقى الله أكناف الكنافة بالقطر
…
وجاد عليها سكر دائم الدر
وتبا لأوفات المخلل إنها
…
تمر بلا نفع وتحسب من عمري
ففي هذين البيتين نلمح نفسية الشاعر متبرمة ساخطة على أوقات الفقر والضيق التي لا
يأكل فيها سوى المخلل: وفي ذكره كلمة (تبا) ما يدل على حالة نفسية خاصة. أما البيت الأول فهو دعاء للكنافة بالسقيا بماء الورد والسكر. هو يدعو لها لأنه يحبها فهو في دعائه يعبر عن شعور داخلي نستشف منه الجوع والحرمان.
وكان الفقراء من الشعراء يستهدون الكنافة من الأعيان والموسرين بشعر فيه إلحاح كبير ودعابة مضحكة وفكاهة مطربة.
فمن ذلك قول الشاعر المتقدم وهو
أيا شرف الدين الذي فيض جوده
…
براحته قد أخجل الغيت والبحرا
لئن أمحلت أرض الكنافة إنني
…
لأرجولها من سحب راحتك القطرا
فعجل بها جوداً فمالي حاجة
…
سواها نباتا فا يثمر الحمد والشكرا
والظاهر أن هذا الصنف من الطعام كان له عند هؤلاء الشعراء المحرومين مكانة لا تدانى. فالشاعر هنا يمهد لطلبه بوصف الممدوح بالكرم ثم يشكو فقره واشتياقه إلى الكنافة. وفي البيت الأخير تتجلى نفسية هذا الشاعر المسكين، فهو يريد من الممدوح أن يعجل بإهدائه الكنافة. وقد خشي أن يعطيه شيئاً سواها وهو لا يريد غيرها. لذلك قال بان الكنافة وحدها هي التي تستوجب عنده جزيل الشكر وعظيم الثناء.
وكان الشعراء يتغزلون في الكنافة ويصفون محاسنها وجمالها ويتمنون دوام وصالها ويتألمون لهجرها وفراقها ويشكون من صدها وإعراضها. ونحن نقرأ ما قالوا في هذا الموضوع فنضحك، ومثال ذلك قول الجزار المتقدم وهو:
ومالي أرى وجه الكنافة مغضبا
…
ولولا رضاها لم أرد رمضانها
عجبت لها من رقة كيف أظهرت
…
على جفا قد صد عني جفائها
ترى اتهمتني بالقطايف فاغتدت
…
تصد اعتقادا أن قلبي خانها
ومذ قاطعتني ما سمعت كلامها
…
لأن لساني لم يخالط لسانها
ألا خبروها أنني وحياتها
…
ومن صانها في كل در وزانها
ليقبح أني أجعل الحشو مذهبي
…
فأفسد شأني حين يصلح شأنها
فالشاعر هنا يصور لنا افتقاره إلى هذا الصنف من الأطعمة في صورة مضحكة. فقد شخص الكنافة وهي معرضة عنه، هاجرة له ثم تساءل عن السر في هذه القطيعة وذلك
الإعراض أكان ذلك لأنها اتهمته بحب القطايف والجري من ورائها فاعتبرته خائناً غادراً مجرداً من الوفاء؟ ثم أخذ ينفي عن نفسه هذه التهمة ويتبرأ منها. ويذكر أنه باق على عهده في حبه وإخلاصه لها. وأنه لا يفسد هذا الحب بوصل القطايف. وفي البيت الأخير تورية لطيفة في كلمة (الحشو) فهي بمعنى التشبيه والتجسيم والنسبة إليها (حشوى) وهو الذي ينتمي إلى طائفة (الحشوية) المعروفة وهي تشير في نفس الوقت إلى القطايف لأنها تحشى بالفستق والزبيب وغيره.
وهذا شاعر يتألم ويشكو لأنه لم يذق طعم الكنافة ولم ترها عينه إلا عند البياع في الدكان. قال:
ما رأت عيني الكنافة إلا
…
عند بياعها على الدكان
فما أتعس هذا الشاعر المسكين! وما أحوجه إلى العطف والرثاء!
وشاعر آخر يذكر ليالي الكنافة الخالدة في عمره بالخير فيقول:
ولم أنس ليلات الكنافة، قطرها
…
هو الحلو إلا أنه السحب الغر
تجود على كفي فأهتز فرحة
…
كما انتفض العصفور بلله القطر
فهذه الليالي التي نعم الشاعر فيها يأكل الكنافة اللذيذة باقية في ذاكرته ولن تفارقه مادام حيا. ففي تلك الليالي السعيدة في نظره كان حينما يمسك الكنافة بيده يكاد يجن من شدة الفرح ويهتز من فرط السرور كما يهتز العصفور الذي يبلله القطر.
وأنظر إلى قول هذا الشاعر.
إليك اشتياقي يا كنافة زائد
…
فمالي عنى عنك؛ كلا ولا صبر
فما زلت أكلي كل يوم وليلة
…
ولا زال منهلا بجرعائك القطر
فهذا تقديس للكنافة ليس بعده تقديس، ونوع من العبادة لهذا الصنف من الطعام، فالشاعر يعبر عن شوقه الذي لا حد له للكنافة ويذكر أنه لا يطيق فراقها ولا يستطيع عنها صبراً. فهي قبلته التي يتوجه إليها في الغدو والآصال لا يصرفه عنها طعام آخر ولا يلهيه عنها شيء مهما جل وعظم.
ومن الشعراء من وازن بينها وبين القطايف وفضل الكنافة عليها. ومنهم من أظهر الكنافة بمظهر الساخر من القطايف المحتقر لها. ومثال ذلك قول ابن عنين:
غدت الكنافة بالقطايف تسخر
…
وتقول أني بالفضيلة أجدر
طويت محاسنها لنشر محاسني
…
كم بين ما طوي وآخر ينشر
لحلاوتي تبدو، وتلك خفية
…
وكذا الحلاوة في البوادي أشهر
ففي هذه الأبيات ترى الكنافة تزهو بنفسها وتشمخ بأنفها وتتيه كبراً ودلالا، وتسخر من القطايف سخرية مرة. وتقول الكنافة هنا إنها أحق بالفضيلة من القطايف لأن محاسن القطايف مطوية وحلاوتها محشوة في جوفها، وهذا يغض من قدر القطايف في نظرة الكنافة التي تمتاز منها بظهور محاسنها وجمالها. فالكنافة متبرجة سافرة تتصدى للناس وتلفت إليها الأنظار ببهائها وحسن روائها فيعرضون عن القطايف وينهالون عليها. فهي ناجحة في كسب الزبائن بما تثيره فيهم من كامن الشهوة. وهذه ميزات ليست للقطايف.
وكان الشعراء يتبادلون الألغاز في هذا الموضوع. مثال ذلك ما كتبه أحد الشعراء إلى صديق له وهو:
يا واحدا في عصره بمصره
…
ومن له حسن الثناء والسنا
أتعرف اسما فيه ذوق وذكا
…
حلو المحيا والجنان والجني
والحل والعقد له في دسته
…
ويجلس الصدر، وفي الصدر المني
فأجابه بقوله:
عرفتني الاسم الذي عرفته
…
وكاد يخفى سره لولا الكنى
يقصد بالكنا (الكنافة)
هكذا تناول الشعراء الكنافة. وكان شعراء مصر أكثر تناولا لها من غيرهم. وقد أصبغوا على ما نظموه في هذا الموضوع الروح المصري الذي عرف بالخفة والمرح؛ وأولع بالدعابة والفكاهة.
أما القطايف فقد عرفت منذ العصر العباسي؛ وجاء ذكرها في شعر أبن الرومي وكشاجم وغيرهما، ومنهم من شبهها بحقاق من العاج، ومنهم من شبهها بوصائف قامت بجنب وصائف. ومنهم من شبهها وقد رصت في الأطباق بالمصلين الذين يسجدون وراء الإمام. فالشاعر الذي يقول:
لله در قطائف محشوة
…
من فستق دعت النواظر واليدا
شبهتها لما بدت في صحنها
…
بحقاق عاج قد حشين زبرجدا
راعي المنظر العام لهذه القطايف ورأى أن كل واحدة منها تبدو في شكل حق له لون العاج بداخله حشو يشبه الذهب الخالص. والشاعر الذي يقول:
وقطائف محشوة بلطائف
…
طافت بها أكرم بها من طائف
شبهتها نضدت على أطباقها
…
بوصائف قامت بجنب وصائف
لم ينظر إلى لون القطائف ولا إلى شكلها ولا إلى ما حشيت به بل نظر إلى الطريقة التي وضعت بها في الطبق ولذلك قال. (شبهتها نضدت على أطباقها)
ومنهم من تناول القطايف ولا هم له إلا التلاعب بالألفاظ وإظهار القدرة على استخدام المحسنات اللفظية والمعنوية. ومثال ذلك قول القائل:
وقطائف رقت جسوما مثل ما
…
غلظت قلوبت فهي لي أحساب
تحلو فما ثعلو ويشهد قطرها ال
…
فياض أن ندى علي سحاب
ففي البيت الأول يصور القطائف رقيقة تكاد تشف عما تحتها. وقد بولغ في حشوها. والبيت الثاني قصد به المدح بالكرم لا أقل ولا أكثر.
ومنهم من جمع بين الكنافة والقطايف، ومن ذلك قول القائل:
وقطائف مقرونة بكنافة
…
من فوقهن السكر المدرور
هاتيك تطربني بنظم رائق
…
ويروقني من هذه المنثور
والظاهر أن المائدة التي جلس عليها هذا الشاعر كانت في منزل أحد الأغنياء لأنها جمعت بين الكنافة والقطائف، وهذا لم يكن متيسراً في ذلك الوقت ألا للأعيان وأصحاب الجاه. وقد رقص الشاعر طرباً، وكاد يطير من الفرح والسرور حينما رأى الكنافة وبجانبها القطائف. فأخذ يمد يده إلى هذه مرة وإلى تلك أخرى حتى ملا معدته.
محمد سيد كيلاني
صوم رمضان بين العلم والأدب
للأستاذ ضياء الدخيلي
- 3 -
ومن الزهاد من عاف اللذائذ لإسعاد الناس كما فعل الأمام علي (ع) لم يشأ أن يمتع نفسه باللذات لأنه رأى أنه فعل ذلك توسع الولاة ومن بيدهم أمر الأمة الإسلامية في البذخ والنعيم حتى يرهقوا الرعية كما فعل من بعده الأمويون والعباسيون واتباعهم - فزهد ليسعد الناس، بل أنه اخذ ولاته بالزهد وترك الانقياد لأطايب الأطعمة كما فعل في استنكاره على واليه على البصرة عندما سمع بإقباله على الولائم الشهية فحذره من سوء المصرع بكتاب وانذره.
ومن الزهاد من عاف الملذات تديناً ناسياً إن الشرائع شرعت لإسعاد الناس فمن أتبعها رضي الله عنه لأنه عمل لإسعاد عباده وأن الله لم يجعل تعذيب النفوس سبيلا لرضاه. . .
وكان الكلييون من فلاسفة اليونان يعلمون الناس إن الآلهة منزهة عن الاحتياج، فخيركم من تخلف بأخلاق الآلهة فقلل من حاجاته جهد الطاقة وقنع بالقليل وتحمل الآلام واستهان بها واحتقر الغنى وزهد في اللذائذ. ومن أشهر رجال هذا المذهب (ديو جانيس الكلبي) مات سنة 323 ق. م وقد كان يعلم أصحابه أن يتركوا التكلف الذي اقتضاه اصطلاح الناس وأوضاعهم، وكان يلبس الخشن من الثياب ويأكل رديء الطعام وينام على الأرضويرى مع باقي الفلاسفة الكلبيين أن السعادة في الفرار من اللذة وتقليلها جهد الطاقة وهذا إفراط تأباه الشريعة الإسلامية. العملية التي سايرت المدنية والعلم وطبقت في مختلف بقاع الأرض فنجحت من صحراء الحجاز ونجد اليمامة إلى فردوس الأندلس وجنوبي إيطاليا وصقلية وغربي فرنسا وجنوبيها، إلى جنان مصر والعراق وسوريا وإيران وتركيا، إلى ما وراء النهر والهند والتبت وزنجبار وغربي أفريقيا واليمن - فلاءمت البدو والحضر في أوربا وآسيا وأفريقيا وأمريكا (إن شاء الله)
ولا تنس إن مقابل أولئك الفلاسفة المتزمتين الذين قاطعوا الملذات وتحرجوا من معاقرتها - يوجد فلاسفة آخرون أفرطوا في ما ذهبوا إليه كما أفرط خصومهم، فهؤلاء يرون إطلاق المرء لنفسه العنان وأن يمكنها من كل ملذات الحياة، يرون أن الإنسان في هذه الحياة إنما
خلق ليتنعم ولم يمنح العقل إلا ليبحث له عن وسائل النعيم وطرقه، فهو لذلك يعب اللذائذ عبا ويكرع من مجرها بإفراط، وينهمك في معاقرها ما استطاع. وهذا ضار بالفرد هادم للمجموع، فلو أبحنا لكل إنسان أن يتلذذ كما يشاء وألفينا حبل الفرد على غاريه يعبث كما توحي له أهواؤه ما انتظم شأن مجتمع ولتعارضت شهوات الأفراد وكانت الفوضى المطلقة. وان جمعية أفرادها ليسوا إعفاء أعني أنهم لا تحكمهم إلا أهواؤهم وشهواتهم الحسية - لتحمل معها بذور الانحلال والانحطاط. وهي آيلة إلى الدمار والتمزق لا محالة - وفضيلة العفة تتطلب من الإنسان القصد في اللذائذ، فإن هو افرط فأنهمك في شهواته أو فرط فأماتها وبالغ في الزهد فقد حاد عن سواء السبيل وابتعد عن نهج الإسلام الشريعة السمحة التي ترى خير طريق في الحياة أن نبيل المرء نفسه ملذاتها الطيبة ويعطيها مشتهياتها ما لم تخرج عن حدود الأخلاق فذلك أدعى إلى نشاطها وأقرب إلى طبيعتها، إنما يجب أن لا تتجاوز الحدود المشروعة ففي داخلها من الملذات ما هو أضمن للسعادة الفردية ولسلامة المجموع ونبراس ذلك الآيات الكريمة
(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة (كلوا واشربوا ولا تسرفوا)
(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طبيات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون. إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهل به لغير الله فمن أضطر غير باغ ولا عاد فلا أثم عليه)
(يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين)
قال الطبرسي من القرن السادس الهجري في (مجمع البيان في تفسير القرآن) ثم خاطب سبحانه المؤمنين وذكر نعمه الظاهرة عليهم وإحسانه إليهم فقال يا أيها الذين آمنوا كلوا - ظاهره الأمر والمراد به الإباحة لأن تناول المشتهى لا يدخل في التعبد وقيل أنه أمر في وجهين أحدهما يأكل الحلال والآخر بالأكل وقت الحاجة دفعا للضرر عن النفس. قال القاضي وهذا مما يعرض في بعض الأوقات وقوله تعالى (كلوا من طيبات ما رزقناكم) أي مما تستلذونه وتستطيبونه من الرزق.
وأقول أن من ينتبه إلى ما قيد به الصوفية أنفسهم وحرموا عليها ما أباحه الشرع الشريف من أطايب الطعام والشراب استصوب حمل (كلوا) على الأمر الإيجابي لهؤلاء الذين ضلوا عن سواء السبيل وتتكبوا نهج الطريق وكأنهم تأثروا بما نقل إلى اللغة العربية من إنكار الوثنيين من اليونان كالكلبيين أو من أديان الأمم غير المسلمة كالبراهمة من الهنود ثم حوروا تلك الفلسفات وفق تعاليم الإسلام وحوروا الإسلام فقها فنشأت ضلالات الصوفية وأباطيلهم وضاع جمال الإسلام شريعة العمران العملية. ومن وجهة ثانية لقد نهى الإسلام أن نندفع وراء الملذات اندفاعاً أعمى فقد تقودنا إلى المهالك. ونبراس ذلك الآيات الكريمة (ومن أضل ممن أتبع هواه بغير هدى)(افرأيت من اتخذ إله هواه)
قال الطريحي في مجمع البحرين أي ما تميل إليه نفسه والهوى مصدر هويه إذا أحبه واشتهاه ثم سمي به الهوى أي الشيء المشتهي محموداً أو مذموماً. ثم غلب على غير المحمود وقيل فلان أتبع هواه إذا أريد ذمه سمي بذلك لأنه يهوى بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة إلى الهاوية أي جهنم قال تعالى (وأما من خفت موازينه فأمه هاوية) قيل هاوية من أسماء جهنم وكأنها النار العميقة يهوى أهل النار فيها مهوى بعيداً أي فمأواه النار. (وان كثيراً ليضلون بأهوائهم) أي باتباع أهوائهم وقال تعالى (أو كالذي استهوته الشياطين في الأرض)
فهذه الآيات صريحة في التحذير من الانجراف بتيار الأهواء والشهوات وأتباع خطوات شيطان العاطفة الحمقاء حيث تهوي بالإنسان إلى مصرع السوء ويلقى في النهاية جهنم عذاب الخطيئة وسوء مغبة الأجرام وعاقبته. وكما قدمنا إن الجرائم مبعثها الانصياع لرغبة الأهواء والشهوات الجامحة التي حذرنا الإسلام من موبقاتها وأنب الكارعين من أقذار حمأنها ولقد حاول الإسلام أن يدربنا بالصوم على عصيان الهوى وطاعة العقل، وكأن الإسلام حاول أن يكبح بالصوم جماح النفس ويصدمها ويعاكس أهواءها فهو بدلا من أن يساير فلسفة هؤلاء المعذبين أنفسهم ويتبعها على طول الخط - خصص فترة من الزمن لحرمان النفس من أهوائها وتصبيرها على المكاره وخشونة العيش، وعلم المرء كيف يقاومها ويجر لجامها وينهرها ويصرخ في وجهها، فكأنه تمشي مع مبدأ الأستاذ (جيمس) القائل بأنه يجب أن نحافظ على قوة مقاومة المصائب إذا حان حينها - بل الحق إن هذا
المفكر الغربي هو الذي أقتبس فلسفته من الإسلام أخذها من حكمة الصوم؛ فأوريا مدينة للإسلام في يقظتها ورشدها وهدايتها ومنه أخذت النور والحضارة، وفلاسفتها تلاميذ على فلاسفة الإسلام كابن رشد والفارابي وأبن سينا ونصير أبن الطوسي وغيرهم.
وكيفما كان الأمر فإن الإسلام الذي حاول بالصوم تعليم أتباعه ضبط النفس لم يقصد بذلك القضاء على الرغبات والشهوات كما ظن الضالون من الصوفية فقد صرخ الإسلام بمتبعه (ولا تنس نصيبك من الدنيا) وإنما أراد وحاول تهذيبها واعتدالها وجعلها خاضعة لحكم العقل، ففي القضاء على الشهوات قضاء على الشخص وعلى النوع الإنساني وفي اعتدالها سعادتهما معاً.
وعلى كل حال إننا بالصوم نتعلم احتمال مكاره الحياة ومشاقها وجوعها وعطشها وحرمانها، ولم يقصد بهذه العبادة أن نضل ونفرط في تعذيب النفس بالجوع بل دعا الإسلام أن نكون أمة وسطا؛ ففي الوقت الذي أباح لنا التمتع بنعم الله وطيبات الرزق أراد أيضاً أن نواسي الفقراء والمعوزين واليتامى والمنبوذين في جوعهم وآلامهم ليشعر الأغنياء بما يلاقي البؤساء من مضض الحياة المرة وقسوة أحكامها الصارمة أحياناً على الفقراء والأرامل. وقد كان الإمام علي (ع) يكرر طلب ذلك من المسلمين في خطبه في جامع الكوفة ويستشهد بقول الشاعر
وحسبك داء أن تنام ببطنة
…
وحولك أكباد تحن إلى القد
والقد هو سير يقد من جلد غير مدبوغ وهذا كناية عن فرط جوعهم حتى أنهم ليشتهون ويحنون إلى أكل الجلد اليابس. لقد حاول الإسلام أن يجيع الأغنياء ليذكرهم بجياع الفقراء واليتامى المعوزين حتى يواسوهم، وبذلك يزرعون في قلوبهم حبهم والميل إليهم فلا تبقى هذه النفرة بين الطبقات وتنفي وتنعدم أسباب الثورات الشيوعية كما حدثت ثورة القرامطة مؤلفة من الزنوج الذين كان يرهقهم أسيادهم، وقد حض السلام على إطعام الفقراء قال. الطبرسي في تفسير الآية الكريمة (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) خير الله المطيقين للصوم من الناس كلهم بين أن يصوموا ولا يكفروا، وبين أن يفطروا ويكفروا عن كل يوم بإطعام مسكين لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم ثم نسخ بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه. هذا مضافا إلى ما أمر به الإسلام من الصدقات.
لقد حاول الإسلام أن يعيش الناس أخوانا، ودعانا إلى أن نتجرع نكد العيش اختباراً حكماً نافذاً على الجميع من دون تفريق إلا بالمرض والضعف، وأن نذوق بؤس الحياة بالصوم اختباراً حتى لا يصرعنا إذا حملناه كرها؛ ولكنه اشترط لصحة الصوم أن لايؤذي صاحبه لمرض فيه ولا يهدم بنيته بآثاره، فنهى أن يتجرع كأس الصوم المرضى والمسافرون الذين تكفيهم غربتهم في أتعابهم وترويض أنفسهم على مشاق الحياة وجشوبة العيش وخشونته ونبراس ذلك الآية الكريمة:
(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان؛ فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر. يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ولابد أن تستجلي رأي الطب الحديث في الصوم. . . لقد أجرى العلماء تجارب عديدة على الحيوانات لمعرفة تأثير الصوم فيها. وقد ذكرت تلك التجارب في كتب الفسلجة والكيمياء الحيوية المطولة. ويتلخص رأي الطب الحديث في أنه يرى الصوم واسطة لإراحة الجهاز الهضمي وإذابة الشحوم الزائدة في البدن، إذ أن الجسم يستهلكها عند انقطاع الزاد الخارجي - في توليد الطاقة الحرارية، وإذن فإن الجسم يستريح من الشحم الزائد ويكتسب البدن رشاقة الغزال الأهيف وخفة حركاته. وكذلك فإن جسم الصائم يسطو على ما اختزن من السكريات فيستهلكها. والجوع يرهف الحواس؛ ألا ترى أن الوحوش تضري إذا جاعت وتستيقظ قواها الحيوية للافتراس وخوض معارك الحياة؟ والأمم تنهض للفتح والغلبة ونهب خيرات غيرها إذا شحت أرزاقها فجاعت. ونرى قبائل البدو في الصحراء الغربية تشن غاراتها غازية من تتوفر في يدها الأنعام إذا أجدبت البادية. ولقد قامت القبائل العربية بأكبر غزو عندما جمع شملها تحت لواء الدعوة الإسلامية - فدكت إمبراطورتي فارس وروما وبسطت جيوشها على القسم المعمور من الأرض في فترة وجيزة، وعبرت من أفريقيا البحر إلى أوربا فاستولت على أسبانيا وتوغلت في فرنسا وحكمت نصف إيطاليا الجنوبي واستولت على ممرات جبال الألب وشنت غاراتها على أواسط أوربا في سويسرا - هذا في الميدان الغربي - أما في الشرق فقد ضربت حدود الصين وأخضع العرب أهم أمم آسيا وبسطوا نفوذهم على القسم المعمور المتمدن منها ومن شمالي أفريقيا. ولو دققنا النظر لوجدنا أن العامل البيولوجي الذي حفز
العرب وأنهضهم إلى الغزو هو شح بلادهم وجدبها. وقد هداهم الإسلام بشريعته القويمة إلى الطريق المستقيم وأنقذهم من الفوضى والضلالة ووحدهم ودفع بهم إلى ينابيع الثروة في أخصب بقاع الأرض ليتخلصوا من جدب الصحراء وجوعها وعطشها. وهذا هو ما قالته السيدة الزهراء (ع) للعرب من أنصار ومهاجرين عندما خطبت يوم السقيفة في المدينة بعد وفاة أبيها الرسول (ص) فكان فضل الجوع على الإنسان جليلا فهو الذي يفتح العبقريات الراقدة - والحاجة كما قيل أم الاختراع - هذا من الوجهة الأدبية أما من الناحية الفسلجية الطبية فإن هليبرئون يقول في كتابه في الفسلجة في بحث الجوع إن الجسم يحرق في صومه المواد السكرية المخزونة فيه ويستهلك بتقتير النشأ الحيواني ولا ينال النقص القسم المخزون منه في العضلة القلبية وباقي العضلات، ولكن الشحم والدهن يحترقان بصورة واسعة ويمسيان أخيراً المنبع الوحيد للطاقة الحرارية، وأن الذي يحترق من المواد الدهنية من بدن الصائم هو الجزء المخزون في المستدوعات وفي محلات اختزانه لوقت الحاجة وذلك كما في الثرب وتحت الجلد وبين طيات الأمعاء تلك المواضع التي أعتاد البدن أن يحفظ فيها القسم الفائض عن حاجته من الأغذية ويعده لليوم الأسود؛ فليس الجسم بمحرق أثناء الصوم الدهون الداخلة في تركيب كيان الحجيرات الجسمية والمكونة لمادة البروتويلازم. أهذا ما يذكر في كتب الفسلجة وفي كتب الطب ذكروا الصوم كعلاج للسمانة المفرطة كما ذكره (سافيل) في كتابه في الطب التشخيصي وذكر (تايلار) في كتابه في مزاولة الطب إن المصابين بالسمانة الزائدة يصومون في فترات تمتد عدة أيام وقد سمح لهم بالخضر فقط مع الفواكه الطرية الجديدة مع قليل من السمك. وطبعاً أن هذا في حالة امتداد الصوم لعدة أيام فهو أشد من الصوم الإسلامي الذي ينتهي أمده في نهاية اثنتي عشر ساعة فقط فلذلك سمحوا له بقليل من الأغذية. وذكر الصوم كعلاج للسمانة في كتاب (برابس) في ممارسة الطب الذي ألفه جماعه من كبار الأطباء وقد جاء فيه: لمعالجة السمانة الطفيفة يحدد تناول النشويات والدهنيات مع القيام الزائد بالرياضة الجسمية وهذا هو أساس العلاج المنسوب إلى (بانتينك) وهذا هو رجل إنكليزي عاش (1707 - 1878م) وابتكر طريقته في معالجة السمانة، ويعتمد علاجه على استخدام الصوم عن الأغذية بنظام خاص. ويستمر المؤلف فيصف للسمانة المفرطة صوماً أشد. ولسنا بمقام
التفصيل وإنما أردنا تقرير أن الطب أعتمد على الصوم إجمالا في معالجة السمانة.
للكلام صلة
ضياء الدخيلي
أسامة بن منقذ وشعره
للأستاذ أحمد أحمد بدوي
(تتمة)
ولأسامة نظرات صائبة في الحياة، أوحي إليه بها تجاربه، وطول عمره، وما تلب عليه من حوادث الزمان وعبر الأيام.
يرى أسامة لكل شيء في الحياة نهاية، فلا بقاء لأمر، ولا خلود لحادث، فللسرور غاية ينتهي إليهما، وللأحزان حد تقف عنده، وإذا كانت الحياة تجري على هذا المنوال، فمن الواجب استقبال حوادث الأيام بحسن الصبر، وقلة الأهتمام، فإن الشدائد إذا كانت ستنقضي وتزول، فمن البعث أن يزيد المرء في الآم نفسه:
خفض عليك، فللأمور نهاية
…
وإلى النهاية كل شئ صائر
فاستقبل صروف الزمان بالصبر:
رالق إذا طرق
…
ن بقلب محتسب صبور
بل إن هذه النظرة تنتهي بصاحبها إلى قلة الاكتراث بما في الحياة من سعادة أو شقاء:
لما رأيت صروف هـ
…
ذا الدهر تلعب بالبرايا
يعلو بها هذا، ويهبط
…
ذا، وقصرهم المنايا
ورايته مسترجعاً
…
نزر المواهب والعطايا
متغاير الأحوال مخـ
…
تلف الضرائب والسجايا
لا نعمة فيه تدو
…
م ولا تدوم به البلايا
لم أغتبط فيه بفا
…
ئدة، ولم اخش الرزايا
والمرء يتغلب على شدائد الحياة بالصبر:
إذا ما عدا خطب من الدهر فاصطبر
…
فإن الليالي بالخطوب حوامل
فكل الذي يأتي به الدهر زائل
…
سريعاً، فلا تجزع لما هو زائل
وليس الصبر وسيلة لتحمل المكروه، حتى ينقضي فحسب، ولكنه الطريق إلى نيل الأمل، والظفر بالأماني:
أصبر تنل ما ترتجيه، وتفضل من
…
جارك شأو العلا سبقا وتبريزا
أستطيع أن أعد أسامة بهذه النظرة إلى الحياة متفائلا، إذ هو عند الشدة واثق من زوالها، وإن كان الأمر على ذلك، فلا معنى لليأس، ولا خير فيه:
يا آلف الهم لا تقنط فأيأس ما
…
تكون يأتيك لطف الله بالفرج
ثق بالذي يسمع النجوى، وينجي من البلوى
…
ويستنقذ الغرقى من اللجج
وإذا كان كل شئ في هذه الحياة إلى انقضاء، فمن الواجب ألا يدع المرء فرصة السعادة تمر، من غير أن يأخذ منها بالنصيب الأوفى:
وتغنم اللذات إن ممرها
…
مر السحائب
وأوحت إليه تجاربه في الحياة أن القرب من السلطان غير مأمون العواقب، ولا شهي الثمرة، فنادي بالبعد عنه، وإيثار العيش في خمول وهدوء:
أرض الخمول، تعش به في نجوة
…
مما تخاف، ومن معاندة العد
أما الحياة في جوار ذوي السلطان ففي خطر دائم ثم، وقلق لا يهدأ:
لا تقربن باب سلطان، وأن ملأت
…
هباته غير ممنون بها، الطرق
فإن أبوابهم كالبحر راكبه
…
مروع القلب يخشى دهره القلب
وأسامة ممن يؤمنون بالقضاء والقدر، ويدين بالحظ ويرى الرزق مقسوما لا حيلة في تدبيره:
فوض الأمر راضيا
…
جف بالكائن القلم
ليس في الرزق حيلة
…
إنما الرزق بالقسم
دل رزق الضعيف وه
…
وكلحم على وضيم
وافتقار القوى تر
…
هبه الأسد في الأجم
أن للخلق خالقا
…
لا مرد لما حكم
ولكن الناس جشعون، يتكالبون على الحياة، ولا يزهدون فيها إلا متكلفين مكرهين.
وافرد أسامة في ديوانه بابا للرثاء، خص جزءا كبيرا منه برثاء ولدهأبيبكر عتيق، وكان قد وصفه بين أترابه قائلا:
عتيق كالهلال، إذا تبدى
…
لساري الليل من تحت الغيم
تقول إذا به الأتراب حفوا:
…
أهذا البدر ما بين النجم
وأكاد ألمس في تشبيهه بالهلال يبدو لساري الليل، أنه كان أملا لأبيه، طالما تمناه ليكون رفيقا لولده الآخر مرهف، في جرم كان لموته لذعة ألم في قلبه، أمضته، فمضى إلى شعر يشكو إليه وقدة الحزن، ولا سيما أنه نكب به وقد قارب الثمانين من العمر، لا أمل عنده في خلف يأتي به.
وأسامة يحدثنا عن شغل فؤاده الدائم بابنه الراحل فيقول
كيف أنساك يا أبا بكر أم كيف
…
أصطباري، ما عنك صبري جميل
أنت حيث اتجهت في أسودي عي
…
ني، وقلبي ممثل، لا تزول
ويصف لنا انصرافه بعد زيارة قبره، يملأ قلبه الأسى والشجن:
أزور قبرك والأشجان تمنعني
…
أن أهتدي لطريقي حين أنصرف
فما أرى غير أحجار منضدة
…
قد احتوتك، ومأوى الدرة الصدف
فأنثني، لست أدري أين منقلبي
…
كأنني حائر في الليل معتسف
وقد أثار فيه هذا الحادث المؤلم ذكرى من مضى من أهله، فأخذ يندبهم، ويتوجع لمصيرهم، بل أثار فيه الألم لحياته القلقة المشردة التي لا تأوي إلى الوطن:
رمتني في عشر الثمانين نكبة
…
من الثكل يودي حملها من له عشر
علي حين أفنى الدهر قومي، ولم تزل
…
لهم ذروة العلياء والعدد الدثر
فلم يبقى إلا ذكرهم وتأسفي
…
عليهم، ولن يبقى التأسف والذكر
وأصبحت لا آل يلبون دعوتي
…
ولا وطن آوى إليه ولا وفر
كأني من غير التراب، فليس لي
…
من الأرض ذات العرض دون الورى شبر
ولكن أسامة ينتهي بالتسليم للقدر، ما دام ذلك مصير الأحياء أجمعين، وإن الدنيا كلها، ما دام ذلك عقبى أمرها، لا تستحق عناء طلبها، ولا التعب في جمع ما يخرج المرء منها وهو صفر اليدين.
ليس في غزل أسامة هذه الحرارة القوية التي تشعرنا بقلب دلهه الحب، وأضنته لوعة الغرام، ولا أكاد أتبين له إحساسا تفرد به، أو لمحات أمتاز بها، وليس معنى ذلك أنه لم يذق الحب. بل أرجح أنه ذاقه، وإن كان لم يشغل قلبه كله. وقد استعار أسامة تشبيهات الأقدمين وأساليبهم في وصف عواطف الحب. ومما يلحظ على غزله أنه شاك حزين، لا تكاد تلمح
فيه ابتسامة سرور، وقد يرق أسامة أحيانا، ويتخذ أوزانا مرقصة، وتحس ببعض نبضات الحياة في غزله كقوله:
قل لمن أوحش بالهجر
…
جفوني من كراها
والذي أوهم عيني
…
أن في النوم قذاها:
يا ملولا قلما استر
…
عى عهوداً، فرعاها
يا ظلوما كلما استعطفته، صد وتاها
زدت في تيهك والشيء إذا زاد تناهى
تتقضى دولة الحسن، وإن طال مداها
راحتي لو سمع الشكوى إليه، ووعاها
غير أن الصم لا تسمع دعوى من دعاها
وهو لو نادى عظامي
…
رمة لبى صداها
هذا، وكان أسامة عندما يبدأ غرضاً من أغراض شعره، يجعل روح غزله مناسبة لهذا الغرض، وأستمع إلى غزله في مفتتح قصيدة عتاب إذ يقول:
ولوا، فلما رجونا عدلهم ظلموا
…
فليتهم حكموا فينا بما علموا
ما مر يوما بفكري ما يريبهم
…
ولا سعت بي إلى ما ساءهم قدم
ولا أضعت لهم عهدا، ولا أطلعت
…
على ودائعهم في صدري ألتهم
وعلى هذا النسق مضى، حتى قال:
وبعد، لو قيل لي: ماذا تحب، وما
…
مناك من زينة الدنيا؟ لقلت: هم
هم مجال الكرى من مقلتي، ومن
…
قلبي محال المنى، جاروا أو اجترموا
وهاك من غزله في قصيدة استعطاف:
أطاع ما قاله الواشي، وما هرفا
…
فعاد ينكر منا كل ما عرفا
وعتاب أسامة فيه رقة ورفق بالغ، واستعطافه جدير أن يستل الضغائن من القلوب، تشعر فيه بحرارة العاطفة، وصدقها، يقول لأبن عمه يستعطفه:
هبني أتيت بجهل ما قذفت به
…
فأين حلمك والفضل الذي عُرفا
ولا، ومن يعلم الأسرار، حلفة من
…
يبر فيما أتى، إن قال، أو حلفا
ما حدثتني نفسي عند خلوتها
…
بما تعنفني فيه إذا انكشفا
وبعد، فشعر أسامة من النوع الجزل الفخم، لا تكاد تجد فيه من الهنات إلا ما يعد، ويحصى، فهو في عصره يوضع في مقدمة الشعراء الذين جددوا شباب الشعر، وكسوه حلة من الفخامة، والقوة، والجلال.
أحمد أحمد بدوي
مدرس بكلية دار العلوم
من الأدب الغربي
نداء الطبيعة
للأستاذ إبراهيم سكيك
ارتفع مستوى الحياة وكثرت نتيجة لذلك مطالبها وغدت الكماليات ضروريات لا غنى عنها، فبات الحصول عليها عبئاً ثقيلاً على كاهلرب الأسرة. وكان من أثر ذلك أن صار المرء يرى نفسه مرغماً على مضاعفة العمل وزيادة الجهود، فيكدح ويجد حتى يتمكن من السير في ركاب الحياة ومتابعة قافلة الزمن وتيار العصر.
وليس هذا الوضع بحديث أو مستهجن في هذه الأيام، إذ ظهرت بوادره عندما بدأ الانقلاب الصناعي في أوربا في القرن الثامن عشر، ذلك الانقلاب الذي غير الأوضاع وأدخل استعمال الآلات بدل الأيدي في المصانع والمواصلات فكان من جراء ذلك أن تقدمت الحضارة وتعددت مطالب الحياة.
وظهر على أثر ذلك شعراء عاطفيون تبصروا فيما حولهم فألفوا مواطنيهم منهمكين في العمل مكبين على الدرس والتحصيل، ورأوا في الوقت ذاته مناظر الطبيعة الجميلة ومشاهد الكون البديع فآلمهم إهمال قومهم لتلك المناظر وانشغال مواطنيهم عن تلك المشاهد، فأطلقوا العنان لألسنتهم وانبروا يحثون القوم على التمتع بالحياة والتلذذ بالطبيعة، وكان إمامهم في ذلك الشاعر الموهوب وليم وردز ورث (1770 - 1850) ومن قصائده في ذلك تلك التي يقول فيها:
صاح دع كتبك وأنهض قبل أن ينثني ظهرك،
قم وأرح بصرك ومتع عينيك. لم كل هذا الكد والنصب؟
لقد نشرت الشمس على هامات الجبال فيضاً من النور الوهاج
الذي يضفي عند المساء صبغة ذهبية على الحقول والمروج
أما الكتب فهي نضال بليد لا نهاية له. تعال هنا وأصغ إلى عندليب الغابة وشنف أذنيك بموسيقاه العذبة التي تحمل في ثناياها من الحكمة ما لا تحمله الكتب في طياتها.
أصغالآنوأنصت إلى غناء الكروان فهو أيضاً مرشد عظيم الشأن.
تعال وتغلغل في صميم الأمور، وليكن لك من الطبيعة خير معلم
ففيها الكثير من الثروة الطبيعية معدة بحيث تستسيغها عقولنا وأفئدتنا
تلك هي الكمية الوافرة التي نستنشقها بأنفاسنا ونحن في خير وعافية
يكفيك إذا ما حصلته من العلوم والفنون وأغلق هذه الأوراق القاحلة،
وتعال معي حاملا قلبك الخفاق ليرقب ويتلقى مؤثرات الطبيعة
ثم أنظر إلى قصيدة قصيرة للشاعر ديفس الإنكليزي (1770 - 1940) وفيها يتساءل عن قيمة الحياة إذا خلت من جمال الطبيعة فيقول:
أي قيمة لهذه الحياة إذا أترعت بالعمل دون أن تبقي لنا وقتاً نقف فيه ونحلق في جمال
الكون. نقف تحت شجرة وارفة الظل ونحملق فيها كما تفعل الأغنام والأبقار. نتطلع حولنا ونحن نخترق الغابة حتى نرى السنجاب وهو يخفي حبات الجوز تحت العشب؛ ونرى في ضوء النهار مياه الغدران مرصعه بالنجوم كما تكون السماء في الليل. وننظر إلى روعة الجمال الإنساني لنظفر منه بنظرة خاطفة، ونرقب السيقان تتحرك في رقص رشيق والفم وهو ينفرج عن ابتسامة عذبة بدأت بها العينان.
فان كانت حياتنا حافلة الأعمال بحيث لا تمكننا من أن نقف وننظر ونتأمل فبئس الحياة.
ثم أنظر أيها القارئ إلى ما يقوله اللورد تنيسن (1809 - 1892) في قصيدة غنائية يدعو فيها إلى نبذ متاعب الحياة فيقول:
هنا موسيقى عذبة، ألحانها أرق من وقع الورد المتناثر عندما يسقطه النسيم على الأرض
الخضراء، وألطف من وقع قطرات الندى عندما تتساقط على مياه الغدير.
هنا ترى البرك العميقة المنعشة تزحف على جنباتها شجيرات اللبلاب، وترى الأزهار ذات الورق العريض تبكي فتنهمر دموعي في الغدير، بينما تتدلى أزهار الخشخاش على الحافة الصخرية كأنهما في سبات عميق.
لماذا أثقلنا كاهلنا بعبء ثقيل واستنفذنا طاقتنا بتحمل الكرب الشديد؟
بينما أرى كل الكائنات الأخرى نفضت عن نفسها عوامل الهم والإعياء وباتت مستريحة
البال. نعم كل الكائنات في راحة أبدية فلماذا نكد وحدنا نحن، نكد ونولد حولنا جواً من الكآبة والعويل الدائم، فيظل الأسى يلقي بنا من شجن لآخر دون أن نطوي أجحتنا ونكف عن تجوالنا في عالم الأحزان، ودون أن ننقع جفوننا في بلسم النوم المقدس، ودون أن
نصغي إلى الترتيل الروحاني في أعماق نفوسنا وهو يقول: ليس هناك سرور إلا في الهدوء والاستقرار) فلماذا نكد وحدنا ونحن تاج في غرة الزمان؟
وهذا الشاعر الروائي ماريو (1564 - 1593) يخاطب حبيبة له على لسان راع يغري فتاته بالمجيء لتعيش بجواره ويتمتعا معاً بالطبيعة وما فيها من مباهج فيقول:
تعالي نعش معاً في حب وغرام، فهنا نتمتع بما تعرضه لنا التلال والوديان والحقول
والجبال من مباهج ومفاتن.
هنا نجلس على الصخور ونرقب عن كثب الرعاة وهم يرعون قطعانهم إلى جانب
الأنهار التي ينسجم خرير مائها مع تغريد الطيور
هنا اعمل لك فراشاً من الورد وآلافا من باقات الزهر ذات الروائح العطرية وقلنسوة من
الأزهار وعباءة مزدانة بأوراق الريحان وجلباباً من أجود أنواع الصوف الذي نأخذه من خيرة أغنامنا. وخفاً مخطط الألوان يقي قدميك الجميلتين برد الشتاء ومشابكه من الذهب الخالص وزناراً من القش مزداناً ببراعم الأزهار له مشبك من المرجان وأزرار من الكهرمان فتعالي إلي نعش معاً في حب وغرام.
ولنقتبس الآن أبياتاً من قصيدة رائعة كتبها الشاعر الذائع الصيت اللورد بايرون (1788 - 1824) بعنوان ما أحيلي وفيها يقول:
لشد ما تبتهج نفسك عندما تسمع غناء الملاح وصوت مجدافه وهو يمخر في جندوله
عباب البحر الأدرياتي، ذلك الصوت الرقيق الذي تزداد عذوبته كلما أبتعد عن الأنظار، ولشد ما يثلج صدرك عندما نصغي إلى الريح وهي تعصف في الليل زاحفة من شجرة إلى أخرى، وعندما تلقي ببصرك إلى قوس قزح وطرف منه في أفق المحيط وآخر في عنان السماء!
وليس ثمة أسر من نهوضك مبكراً على أغاريد القنبر، ومن نومك على أنغام خرير المياه واستيقاظك على أزيز النحل وصياح الصبية! وما أبهج فرارنا من مرح المدينة الصاخب إلى هناء الريف الهادئ!
ثم إليك نبذة من قصيدة شاعر الشباب كيتس (1795 - 1821) وهو يناجي بلبلا يغرد فيقول:
ليت لي جرعة من خمر معتقة يحمل نكهة الربيع، ليت لي كأساً مترعة بل طافحة بخمر
الجنوب الحاد، أجرعها عل نغمات الأناشيد البروفنسالية والرقصات الرشيقة فأغادر العالم وأتلاشى منه لأطير معك وسط الغابة
نعم أريد أن أطير لأنسى بين أوراق الشجر تعب الدنيا وإزعاجها وأمراضها، تلك الدنيا التي لا يرى المرء فيها إلا أخاه يئن ويضجر، ويرى الرجال وهم شباب تذوي نضارتهم وتجف أجسادهم ويقضون نحبهم، ولا يمكن للمرء أن يفكر فيها وينعم النظر دون أن يعتريه الكدر والهم ثم اليأس والقنوط. فأبتعد أيها الطير إذا وسأطير معك من هذا العالم على أجنحة القصيدة)
وأخيراً أقتطف أبياتاً رائعة للشاعر اندرو مارفل (1621 - 1678) من قصيدة له بعنوان خواطر في بستان وفيها يقول:
لشد ما يبهر الإنسان ويملؤه غروراً فوزه بعد جهود مضنية بإكليل من الغار أو غصن من
الجريد! وإذ ذاك يرى جهوده تتوج من فرع شجرة واحدة كأنها بظلها القصير تؤنبه على جهوده التي ضاعت سدى، بينما أرى الرجل الذي يلجأ إلى بستان يجد جميع الأشجار والأزهار تتهادى وتتكاتف لتعطيه ظلا وارفا
أيها الهدوء الجميل! لقد وجدتك هنا أخيراً كما وجدت معك أختك الطهارة، وطالما كنت
مخطئاً حين بحثت عنكما بين جموع الناس العاملين لأنكما أبيتما أن تعرسا في غير هذا المكان بين الأشجار والأزهار
وأني لأعيش حياة هنيئة في هذا البستان: لأن التفاح الناضج يتساقط على رأسي، وعناقيد العنب اللذيذة تهصر رحيقها الخمري على فمي لتستقبله شفتاي بنشوة زائدة، وحبات الخوخ والأجاص اليانع تصل إلى يدي دون عناء، وأراني أتعثر بالبطيخ وتعرقلني الأزهار أثناء سيري حتى أهوى على العشب النضير
إبراهيم سكيك
معلم أول اللغة الإنكليزية بمدرسة الإمام الشافعي الثانوية غزة
خواطر مرسلة
المال لا يغني النفوس الفقيرة
للأستاذ حامد بدر
كثر المال عند من يرونه كل شيء، ولا يرون معه محالا، فأقبلوا على إنمائه في نهم وحرص زاعمين إنهم به وحده وقادرون على امتلاك أطراف الأرض، ونيل أبراج السماء، وتسخير الأنس والجن
هذا هو زعمهم، فلم لا ينسيهم المال ما سواء، ويصرفهم عما عداه، وقد ضمنوا به كل مرغوب، وأمنوا به كل مكروه، فلا خوف من عوادي الدنيا، ولا حساب ليوم الحساب.
وإذا كان الغني حقاً هو من كفاء التعفف ريبة التهافت، وأبعده عن فضول الظنون، فإن المعيار الشائع في هذا الزمان، لا يعترف بأهمية العلو الخلقي في وزن قيمة الحياة، اعترافه بالدنيا مقبلة، والنشب نامياً، والذهب موفوراً!
والمال إن لم يأخذ بيد الإنسانية، ويشق لها في البر سُبلا كريمة، فهو لعمري - نقمة لا نعمة، وهو أشد النقم وأخطرها. أن أعان على أثم، وأبعد عن الله!
والنفس الفقيرة المنحطة، لا يغنيها المال ولا يرفعها، بل يقيم الدليل على تشبعها بالفقر المعنوي الوبيل، ويمكن لها في الانحطاط مستقراً فتردى في حمأته أيدا، إذ يتيح لها من الشهوات ما يعمي بصيرتها، ويصرفها عن التفكير فيما يبقى. إلى الإقبال على بلاء النعمة، والتشبث بما يزول!
وقد عاش كثير من ذوي النفوس الكريمة على هامش الحياة، يتململون إباء، ويتضورون حرماناً، ولكنهم ملكوا نفوسهم ولم تملكهم، وصرعوا الشهوات ولم تصرعهم، ولو خيروا بين حياتهم هذه وحياة مترفة تخرجهم على سلطان ضمائرهم لأبوا، لأن البون في تقديرهم يجل عن القياس بينهم وبين أولئك الأثرياء الذين لم يجنوا من وراء المال سوى الفقر والعمى، وليس في الفقر ما هو أشنع من فقر النفس، ولا في العمى ما هو أفظع من عمى القلوب!
والدنيا قد تقبل على الحوذي ويصبح من الأثرياء، فيزيد المال سوطه عنفاً وطغياناً، ويتجاوز به الحيوان إلى الإنسان، ويزعم أنه صار صاحب عزة، ناسياً أن المال الذي ظنه
ينيل المحال، لم يعنه عن حمل سوطه، فهو يحمله اليوم كما كان يحمله بالأمس، ولكنه اليوم صار غنياً، وصار يستعمل السوط في غير موضعه!
حامد بدر
رسالة الشعر
ميلاد شاعر
للأستاذ عبد القادر رشيد الناصري
أترعت يا دنيا كؤوس شقائي
…
وتركتني ثملا بغير طلاء
وخدعتني بالأمنيات بوارقاً
…
وقذفت بي في غمرة الأهواء
دلهتني فإذا الضلال مطية
…
لشقاوتي والرجس من سجرائي
ما ضر لو ألهمتني سبل الهدى
…
أو لم تبثي السم في أجوائي
أنا يا شقائي دفقة من أدمع
…
تروي صدى وترى وتحبي نائي
عمر يدب بد السلال. . . كآهة
…
حيرى تطوف بخاطر الظلماء
صحراء عمري لم أجد في ساحها
…
ظلا يقيني لفحة الرمضاء
أنا في مهالكها سراب شارد
…
كم ظنه الظامي اصظفاق الماء
سأظل مثل الشوك يحلم بالندى
…
حتى يموت بغصه الانداء
لا تسخري مني فتلك مقادر
…
رعناء مثل خلائق الأحياء
عشقوك يا دينا فلا تتبرجي
…
فعيونهم عشيت من الأضواء
جاؤوك أنضاء فلا تتلكئي
…
واسعي لهم كالحية الرقطاء
جاؤوك فانتخبي لكل سمه
…
فلأنت أعلم منهم بالداء
ساويهم إن فرقتهم سنة
…
وأسقى السعيد بأكؤس التعساء
لا تحسبيني منهم، أنا شاعر
…
فردوس أحلامي رحاب سمائي
التائهون كتيبة ما حكمت
…
إلا سعار الشهوة الخرساء
كم طوحتهم في المهالك لذة
…
عمياء فانطرحوا من الإعياء
أغفوا وكف الموت يقظي لا تني
…
تطويهم في نشوة الإغفاء
خذ حكمة الأيام من سفهائها
…
والعبرة المثلى من الجهلاء
لا تخدعنك بهارج أعمارها
…
كالموج لا يحيا لغير فناء
يا يوم ميلادي أذكراك الحيا
…
أم أنت نار سعرت بدمائي
ما أنت في التاريخ؟ موكب أدمع
…
أم غصة الظلماء بالأضواء
لو لم تكن يا بن المصيف هجيره
…
ما كانت إلا القر في بيدائي
يا يوم ميلادي أينتبه الدجى
…
لي ضاحكاً عن ليلة قمراء
حالي مع الأيام حالة مومس
…
باعت طهارتها بوهم هناء
من لي بلقب لا يرق ولا يفي
…
عهداً كخاطر صخرة صماء
أشبهت في بلواي بلبل روضة
…
شلت جناحيه يد الأرزاء
أأعيش في قفص اللئام مقيداً
…
واليوم في روض من النعماء
سبحانك للهم كيف تحكمت
…
بالليث فراساً ضعاف الشاء
يا جوع أيامي أتخنقني الصدى
…
وهواك أنهار من الصهباء
لا تسألني عن سلافة أكؤسي
…
عصفت بشذائي رياح شتائي
هات الكؤوس وجرعتني مرها
…
فعلى يديك يلد لي إغفائي
يا جنة المأوى سعيرك في دمي
…
ألوي بآمالي إلى الإظماء
أنا في جحيم الحب روح حائر
…
قلق يحن لروضة سجواء
هاك الهوى هاك الأماني طاقة
…
من شعري المخنوق بالأشذاء
أآلام والحب العفيف معارج
…
للروح يجهلها بنو الغبراء؟!
الحب ديني وهو أنجع شرعة
…
للعالم الموبوء بالبغضاء
أصبحت يطربني اسم عيسى مثلما
…
أضحى يزكيني هوى العذراء
يا بنت من سن المحبة للورى
…
كيف استحل لديك وأد رجائي
مازلت أرتقب السماء وإنها
…
لبعيدة إلا عن الشعراء
بغداد
عبد القادر رشيد الناصري
تعقيبات
للأستاذ أنور المعداوي
أدب النفس أو أدب التراجم الذاتية:
أنتظر بفارغ الصبر أن تتموا كتابكم عن شاعر الأداء النفسي الأستاذ على محمود طه، وأن تدفعوا به إلى المطبعة ليأخذ طريقه إلى أيدي القراء في شتى البلاد العربية. وليس من شك في أنني سأجد فيه ما تميزتم به من دقة الحكم وجمال العرض وبلاغة الأداء. ولعل الفصول التي نشرتموها في الرسالة الزاهرة هي التي شوقتني إلى هذا الكتاب وجعلتني أتلهف إلى شرائه والاطلاع عليه، ونقده الذي يليق به ويليق بما جاء فيه من غوص وعرض وتحليل ونماذج، إننا لنشكرك على ما بذلت من جهد في هذا الكتاب القيم، ونرجو من الله أن يوفقك إلى إنجازه؛ فقد فكر النقاد في نقده وعرضه قبل أن يخرج كاملاً إلى وجه الحياة، وفي قراءته وهو ما عتم بين المحابر والأقلام.
بعد هذا أود أن أذكر لكم أنني أذعت حديثا عن الأستاذ توفيق الحكيم من محطة الإذاعة العربية بهلفرسم، وأنني أعقبت هذا الحديث بحديث آخر عن معالي الدكتور طه حسين بك، وقد بقي أن أكتب حديثا ثالثا عن الأستاذ الزيات في سلسلة أعلام أدبنا العربي الحديث. وبعد شهرين على وجه التقريب سيكون حديثي الرابع عن النقد والنقاد في مصر، وبالطبع سأبدأ بكم كناقد له أثره المعروف وخصائصه الممتازة. . . وفي خلال هذه الفترة أرجو أن تكتبوا - إن بدا لكم - عن نفسيتكم، إذا استطعتم أن تعرضوا هذه النفسية بشيء من التأمل الباطني والصراحة المحببة، حتى أرى رأيكم فيها وكأنها شئ تنقدونه وهو عنكم بعيد! ومع أنني قد وقفت على كثير من جوانب شخصيتكم الأدبية والإنسانية من خلال هذه (التعقيبات) التي تكتبونها للرسالة، إلا أن هذا الذي أطالبكم به سيعينني على أن أطيل الوقوف وأخرج ببعض الزوايا وأحدد بعض الخطوط ولكم خالص التحية من المخلص:
أحمد طه السنوسي
الأستاذ أحمد طه السنوسي صاحب هذه الرسالة كاتب من الكتاب المعروفين لقراء (الثقافة) فضلا عن قراء (الأهرام)، بما ينشره هنا وهناك من فصول قيمة في الشئون العربية
والسياسية والاقتصادية. . . ولقد أتيح لنا أن نطلع على الحديثين اللذين أذاعهما عن الأستاذ توفيق الحكيم والدكتور طه حسين، وعلى هذا المقال الذي كتبه عن (الشعر العربي في حضرموت) بالعدد الماضي من (الرسالة). ومن هذه الأحاديث الأدبية نستطيع أن نطمئن إلى الملكة الناقدة عند الأستاذ الفاضل، إذا ما خطر له أن يقيم الميزان لناقد من النقاد أو أديب من الأدباء.
وللأستاذ أن يتقبل شكرنا أولاً على حسن ظنه، وأن يثق ثانياً بأننا ماضون في إنجاز الكتاب الذي وعدنا القراء بإنجازه، ونعني به تلك الدراسة المطولة لحياة الأستاذ على محمود طه وشعره؛ وهي الدراسة التي نشرنا بعض فصولها على صفحات الرسالة. . . ولقد كنا على وشك الانتهاء من هذا الكتاب وتقديمه إلى المطبعة، إلا أننا قد رأينا أن نرجئ إخراجه بعض الوقت تبعا لما طرأ من تعديل على منهج الدراسة ومما ترتب عليه من إضافة لبعض الفصول، نلتمس ضوئها ما نتطلع إليه من كمال فني يتناسب ومكانة الشاعر العظيم.
أما عن رغبة الأستاذ الفاضل في أن نقدم إليه شيئاً من الترجمة الذاتية التي تتصل بأدب النفس فإننا نقول له: إن دراسة الشخصية الأدبية مرتبطة بالشخصية الإنسانية أمر من ألزم الأمور لكاتب التراجم ودارس الأدب وناقد الفنون. ولقد سجلنا هذه الحقيقة الفنية في مقدمة دراستنا لشعر على محمود طه حيث قلنا على صفحات الرسالة منذ شهور: (لقد درسنا حياة على طه النفسية ودرسنا آثاره الفنية. . . درسنا هذه وتلك على طريقتنا التي نؤمن بها وندعو إليها كلما حاولنا أن نكتب عن أصحاب المواهب أو كلما حاول غيرنا أن يكتب عنهم: مفتاح الشخصية الإنسانية أولاً، ومفتاح الشخصية الأدبية ثانياً، والربط بعد ذلك بين الشخصيتين لننفذ إلى أعماق الحقيقة في الحياة والفن ومدى التجاوب بينهما منعكساً على صفحة الشعور المعبر عنه في كلمات)
ودراسة الحياة النفسية لأديب من الأدباء تقتضي من الدارسين أن يتصلوا اتصالاً مباشراً بهذه الحياة بغية المراقبة والملاحظة والتسجيل. وإذن فلا مناص من المصاحبة والمعاشرة بين الناقد والمنقود، لتتكشف الشخصية الإنسانية للدارسين من خلال ثوبها الطبيعي الذي يشف عما تحته بلا تعمل ولا تكلف ولا رياء. ذلك لأن البيئة التي نعيش فيها والمجتمع
الذي نضطرب فيه، لا يهيئان لنا أن نتحدث عن أنفسنا حديث الصراحة السافرة التي تعني بإبراز المحاسن والمآثر عنايتها بإبراز المساوئ والعيوب. . . وليس من شك في أن الأستاذ السنوسي يلتمس لنا بعض العذر إذ قلنا له إن الحديث عن النفس شيء عسير، ولا نقول شيء بغيض كما يحلو لبعض المتجرين بالتواضع أن يصفوه! عسير لأن المجتمع الذي نتنفس في رحابه سيتهمنا إذا نحن أنصفنا أنفسنا فذكرنا منها الجانب المضئ، وسيتهمنا مرة أخرى إذا ما عرضناها في صورتها الحقيقية وهي في كنف الظلام. . .
نحن إذن معشر الأدباء متهمون في كلا الحالين، ولكن الأمر يختلف كل الاختلاف إذا ما كتب عنا الآخرون لأنهم في نظر المتجمع قضاة محايدون. هذا إذا قدر لهم أن يطلعوا على ما خفي وما ظهر في حياة المنقودين من شتى الميول والنزعات! لو كنا في بيئة غير البيئة ومجتمع غير المجتمع لتحدثنا عن أنفسنا حديث الفن لا يخشون لومة لائم ولا اتهام متهم، ولا جناية جان على حقيقة الطبائع النفسية كما فطرها الله وكما قدر لها أن تكون. . . ولكننا بهذه الأوضاع الاجتماعية في الشرق لا نستطيع، وإذا أتيح لنا أن نتحدث إلى الغير عن حياتنا الذاتية بجوانبها المشرقة والمظلمة، فهي الإتاحة التي تدفعنا إلى ذكر بعض الحق والتستر على البعض الآخر، وحياة كهذه يحال بيننا وبين التحدث عنها بكل الحق هي في رأينا حياة لا يطمئن إليها الدارسون! إننا نبغي من وراء الدراسة النفسية لحياة أديب من الأدباء أن نضع أيدينا على مفتاح شخصيته الإنسانية، ورب حادث تافه يتحرج الكاتب من ذكره فيدفع إلى حذفه من تاريخ حياته؛ رب حادث كهذا يقدم إلينا المفتاح الحقيقي لشخصيته حين يكتب في بضعة أسطر فلا تغني عنه مئات الحوادث في ألوف من الصفحات!
إن الحياة النفسية إذا أريد لها أن تعرض فلتكن في صراحة (الاعترافات) لروسو وجرأة (اليوميات) لأندريه جيد. . . ونقتطف هنا بعض ما قلناه من الاعترافات واليوميات نقلا عن مقال كتبناه للرسالة منذ سنتين، وكان عنوانه (دفاع عن الأدب): (الاعترافات واليوميات صورة واقعية لفترة من حياة الكاتبين الكبيرين، تعد في حقيقتها لوناً من الترجمة الذاتية التي تضع في يد القارئ والناقد مفتاح شخصيتهما الأدبية والإنسانية. . . وحسبك أن كتاب الاعترافات يقدمون إلى الناس صفحات من سجل الحياة سطرت بمداد الصراحة
والأمانة والصدق؛ صفحات عارية لا تكاد تتشح بغلالة واحدة من غلائل النفاق الاجتماعي وتملق عواطف الجماهير ولعمري إن الكاتب الذي يعرض أمام الناس فترة من فترات حياته بما حفلت من خير وشر، من فضيلة ورذيلة، من لذة وألم دون أن يخشى في ذلك نقداً أو لوماً أو زلزلة لمكانته الأدبية والاجتماعية، هذا الكاتب في رأينا ورأي الحق رجل قوي جدير باحترام الأقوياء. إن هناك كتاباً يتظاهرون بحب الخير والتمسك بأهداب الفضيلة وهم غارقون في حمأة الموبقات، فهل نستطيع أن نصف أدبهم بأنهأدبقوة؟ كلا. . . ولا نستطيع أن نرفع من قيمة هذا الأدب إذا ما قسناه بمقياس الفن الصادق، مقياس صدق التعبير عن الحياة، لأنه أدب يعبث بالحقائق ويشوه الوقائع ويكذب على الحياة والناس إن أندرية جيد لو لم يكن متأثراً في كتاباته بفيلسوف القوة نيتشه لما تهيأ له أن يتناول قلمه ليكتب ما كتب في اليوميات)
هذه فقرات مما جاء بمقالنا الذي كتبناه منذ سنتين عن روسو وأندريه جيد. ولا ينتظر الأستاذ السنوسي من أي كاتب في الشرق أن يتحدث عن نفسه بكل الحق كما فعل الكاتبان الفرنسيان، وليس كحديثهما حديث يرتجي منه صدق التعبير عن عالم النفس وأمانة النقل عن واقع الحياة.
بين ثقافة المدرسة وثقافة الحياة:
أنا من عشاق الأدب وقراء الرسالة ومشكلتي هي مشكلة الكثيرين ممن حال الفقر بينهم وبين مواصلة التعليم مات والدي وأنا طالب بالمدارس الابتدائية، ولم يترك لي من المال ما يعيني عل طلب العلم حتى النهاية. وحين حصلت على الشهادة الابتدائية بعد جهد عنيف حيال الظروف القاسية، لم أستطع أن أنظر إلى أكثر من هذا الذي حصلت عليه، لأنني كنت موزع الفكر بين واجبين: أولهماأن والدي ترك لي والدة وشقيقات ليس هناك من يكفلهن غيري، وثانيهما رغبتي في إتمام مرحلة التعليم شفغاً بالثقافة والمعرفة. ولم أجد بدا من الخضوع للواجب الأول نزولاً على حكم العاطفة ونداء الضمير، وكان أن التحقت بإحدى الوظائف الحكومية بمرتب ولو أنه ضئيل، إلا أنه يوفر لنا حياة تبعد عنا شبح الفاقة والحرمان.
واليوم وقد حالت الظروف المادية بيني وبي طلب العلم في المدرسة، فقد رأيت أن أطلبه
في مدرسة أخرى هي مدرسة الحياة. . . فهل تقبلون أن تكونوا أنتم الأستاذ المشرف على ما يبتغيه تلميذكم المخلص من وسائل التوجيه والإرشاد؟ إنني أريد أن أدرس الأدب العربي دراسة وافيه، وكذلك أريد أن أتجه إلى التثقيف العام الذي يأخذ من كل شيء بمقدار. . . فأي الكتب أقرأ، وعلى أي منهج أسير؟ ودمتم عوناً للأدب ونصيراً للأدباء.
(شندى السودان)
عطيه حسن
بمصلحة البريد والبرق
من حق الأديب السوداني الفاضل علينا أن نحيي فيه هذه الروح الطيبة، روح الجهاد الذي يريد أن يشق طريقه ولو امتلأ الطريق بالأشواك، وروح التضحية في سبيل الأهل حين لا يكون هناك مفر من تحول التضحيات. . . إن الجهد الذي يبذل في سبيل المجموع خير عند الله وأبقى من الجهد الذي يبذل في سبيل فرد من الأفراد!
وإذا كان الفقر قد حال بين الأديب المجاهد وبين التعليم فإنه لن يحول بينه وبين التثقيف، ذلك لأن العلم يطلب في المدرسة وخارج المدرسة، ولن يستطيع أحد أن يقول بأن المدارس هي التي تخرج الأدباء وتصنع المثقفين. . . إن الفضل في تخريج هؤلاء وأولئك يرجع إلى المواهب الذاتية والجهود الفردية، هناك في مدرسة الحياة حيث يجد كل إنسان بغيته من ثمار الآداب والفنون وهل هناك ما يصقل العقول ويلهم النفوس أكثر من مصاحبة العلم في الكتب وممارسة التجارب في الحياة؟ بهذه وتلك يخلق الأديب ويوجد المفكر ويولد الفنان. . . وما أكثر الذين صنعوا أنفسهم بأنفسهم حين حرموا المرشد وفقدوا الموجه وحيل بينهم وبين إشراف المدرس ورقابة الأستاذ!
بعد هذا يريد الأديب الفاضل أن يدرس الأدب العربي دراسة وافية، ثم يطلب إلينا أن ندله على الكتب التي يقرؤها ليظفر بما يريد. . . الحق أن هذا مطلب عسير التحقيق، لأننا محتاجون إلى أن نصدر عدداً خاصاً من (الرسالة) يتسع لهذا العدد الضخم من أسماء الكتب وأصحاب الكتب من القدامى والمحدثين!! هناك طريق واحد يجب أن يسلك، وهو أن يقصد الأديب صاحب السؤال إلى دور الكتب العامة حيث تكون بين يديه شتى الفهارس
للمصنفات والأعلام، وعلى هدى تلك الفهارس يستطيع أن يطلع على القديم والجديد إطلاع الدارس والمتذوق والناقد إذا أراد. . والأمر بعد هذا كله متوقف على جهده الشخصي ومدى قدرته على التفرغ والمثابرة واحتمال المشقات إن للأدباء المحدثين دراسات وافية للأدب العربي في عصوره المختلفة وخصائصه المتميزة، فعليه أن يرجع إلى هذه الدراسات التي تعينه على فهم هذا الأدب وتذوقه عن طريق المقارنة بين الدراسة والنص، أو بين النقد والمثال.
أما عن رغبته في التثقيف العام الذي يأخذ من كل شيء بمقدار، فإن الطريق ممهد إذا ما حقق هذا الذي قلناه بالنسبة إلى الشق الأول من السؤال. . . ثم إذا تهيأ له أن يتقن لغة غير لغته ليستعين بها على النظر في شتى الآداب الأجنبية وآثار الفكر الغربي الحديث. ولن يكون المثقف مثقفاً بأوسع معاني الكلمة إلا إذا قرأ في كل شيء وحلق في كل أفق وطرق كل باب من الأبواب. . . نعني أن الأدب وحده ليس هو المجال الذي يقتصر عليه طالبوا الثقافة ليصبحوا مثقفين، ولكن المجال يجب أن يتعداه إلى ألوان أخرى من العلوم والفنون!
مذهب جديد في نقد الشعر:
قارئ من قراء الرسالة لم يشأ أن يذكر اسمه ولا اسم الشاعر الذي بعث إلينا ببعض شعره، ولكنه يقول لنا في رسالته:
لقد خرجت من دراستكم لشعر الأستاذ علي محمود طه رحمه الله، بأن هناك مذهباً في نقد الشعر هو مذهب (الأداء النفسي) الذي تنادون به ولا تعترفون بمذهب سواه. . . ولقد حاولت من جهتي أن أطبق مذهبكم هذا على شعر أستاذ من شعرائنا. الأحياء فخانني التوفيق، وحسبي أن أقدم إليكم نموذجاً من هذا الشعر لتروا فيه رأيكم عما إذا كان يستقيم ومذهبكم في نقد الشعرأملا يستقيم. . . قال شاعرنا مخاطباً صاحبته مشيراً إلى هذا الكون الذي يحيط بهما ويعيشان فيه:
حسبنا منه سماء لمعت
…
فوق رأسينا بنور كوكبي
حسبنا منه وساد خشن
…
تحت رأسينا وكوخ خشبي؟
هذه هي الرسالة الطريفة التي بعث بها إلينا الأديب المجهول. وردنا عليه هو أن هذا
الشعر لا يمكن أن يستقيم ومذهب الأداء النفسي بحال من الأحوال، ولكنه يصلح للدراسة في ضوء مذهب آخر في نقد الشعر، هو مذهب (الأداء الخشبي). . . وحسب الشاعر الذي جادت قريحته بهذه (الأكواخ الخشبية) في الشعر الحديث، حسبه أنه وجه أنظار النقاد إلى مذهب جديد!!
أنور المعداوي
الأدب والفنّ في أسبوع
للأستاذ عباس خضر
قطية لا لإنسانية
أذاعت إحدى شركات الأنباء العالمية ما يلي:
فقد قطة أحد المزارعين الدانمركيين أطفالها غرقاً في أحد المجاري المائية. وقد اختفت القطة بعد هذا الحادث. وفي أحد الأيام عثر عليها المزارع وهي تطعم وترعى خمسة فيران وليدة. وظل المزارع يراقبها إلى أن عثر عليها ذات يوم وحيدة مكتئبة، وتبين فيما بعد أن الفئران الصغيرة غرقت في المجرى المائي. . .
قرأت هذا النبأ، فوقفت عنده طويلاً، بعد أن عبرت أنباء القتال الناشب في كوريا والذي يوشك أن ينقلب إلى حرب عالمية ماحقة. تلك جيوش تتأهب، وأساطيل تتحرك، وطائرات تغير وتنقض، وقنابل ذرية وهيدروجينية ترتعد الفرائض من هولها المرتقب - كل ذلك يعده الناس بعضهم لبعض، لتمزيق أواصر (الإنسانية) بينهم. وهذه قطة ترفعها عاطفتها فوق العداوة المأثورة بين جنسها وبين الفئران، فتحنو على صغار أعدائها وترعاها، ثم تكتئب لفقدها كما اكتأبت على صغارها. والناس - وهم لأب واحد وأم واحدة - لا يستطيعون أن يزيلوا ما بينهم من خلاف فيلجئون إلى وسائل التقتيل والتدمير.
ولقد اعتدنا أن نطل كلمة (الإنسانية) على الأعمال والتصرفات التي توجهها العواطف والدوافع الرحيمة في نفس الإنسان، واعتدنا أن نمجد هذه الكلمة ونعجب بآثارها في الآداب والفنون؛ فما أحرانا اليوم أن نقف عند هذه (القطية) الرفيعة. ونمجد تلك القطة الدانمركية العظيمة الجديرة بأن تأخذ مكانها بين دعاة السلام، بل تأخذ بينهم مكاناً ممتازاً، لأنها لم تخطب ولم تدبج مقالاً، بل ضربت المثل بالعمل إذ قلمت أظفار العداوة بين القطط والفئران، ورفعت في الميدان راية السلام.
هل بين القطط - كما بين الناس - أدباء وفنانون - يشيدون في إنتاجهم بدوافع الإنسانية ومظاهرها ويضمخون بعبيرها ما يكتبون وينشئون؟ وما أجزم، قد يكون في موائها شيء من ذلك، ولعله شيء نادر إلى جانب صرخاتها في الدعوة إلى افتراس الفئران، كما يدعو الإنسان إلى افتراس الإنسان. . . ولعل تلك القطة استجابت لذلك المواء النبيل فتجنبت
الحرب وأرادت أن تعيش مع أعدائها في وئام.
وهل بين القطط - كما بين الناس - هيئة كهيئة اليونسكو تعمل للسلام وتهدف إلى القضاء على دوافع الحرب في العقول؟ إن كان ذلك فلا بد أن (يونسكو القطط) أنجح من يونسكو الإنسان، والدليل على هذا وقوع تلك الحادثة في الدانمرك، وهي حادثة قد يكون لها ما بعدها فيسود السلام عالم القطط والفئران. . . أما يونسكو الإنسان فقد اجتمعت قريباً وارتفعت فيها أصوات الدعوة إلى السلام، وقدمت لهذه الغاية اقتراحات، وأحسب أن قد وضعت لها خطط وبرامج، وما كاد مؤتمرها ينقض حتى انقضت كوريا الشمالية على كوريا الجنوبية وتحفزت وراءهما القوى العالمية.
أو ترى ليس بين القطط أدباء ولا فنانون ولا يونسكو. . . لأن هؤلاء من مظاهر مركب النقص في الإنسان، إذ يشعر بالوحشية المكبوتة فيحاول أن يغطيها بادعاء ما يسميه (الإنسانية) وما القطط في حاجة إلى ذلك، إذا بغت الافتراس فعلت دون تمويه بهيئة أمم متحدة. . . وإذا جنحت إلى السلم وأرادت الأمن لم تضيع الوقت في جمع مجلس أمن يصدر قرارات تذروها الريح. . .
لقد شعرت بأن نبأ رعاية القطة للفيران الولائد، نسمة رقيقة تهب على النفس في هذا الجو الذي تختنق فيه الأنفاس بغبار السياسة ودخان الحرب.
دفاع كريم ولكن
عرض على مجلس النواب في الأسبوع الماضي مشروع القانون الذي يقضي بربط هيئات التدريس الجامعية بدرجات القضاة، فقال أحد النواب إن مدرسي الجامعة يعطون دروساً خصوصية وإنهم يطبعون المذكرات ويبيعونها للطلبة. فأحتج معالي الدكتور طه حسين بك على ذلك وقال: إن لوائح الجامعات لا تجيز للمدرسين الأساتذة إعطاء دروس خصوصية، ولو حدث هذا من مدرس لقدم إلى مجلس التأديب. وقد أحتد معاليه في هذا الدفاع حتى قال: أنه إذا استمر النائب في توجيه الاتهامات إلى رجال الجامعات فإنه ينسحب.
ولا شك أن هذا موقف كريم، وطبيعي أن يقفه الأستاذ الأول، زائداً عن حرم الجامعة وكرامة الجامعيين؛ وقد بذل جهده في تعزيز ذلك المشروع وبيان حقيته حتى ظفر بإقراره من المجلس.
ولكني أريد أن أقول في الموضوع كلاماً كالذي يقوله أفراد الأسرة بعضهم لبعض، إن ما قاله النائب المحترم في مجلس النواب ليس إلا ترديداً لما يقال وقد كتب في الصحف مراراً، وكتبه مرة أحد الأساتذة في نقد زملائه. . . وفي الأمثال الدارجة. ليس هناك دخان من غير نار. وأنا أعزو بعض ما يقوله الطلبة إلى محاولة تبرير موقفهم في الامتحان، فهم يتقولون كثيراً على الأساتذة والمدرسين، ولكن هل ما يقولونه خيال واختلاق كله؟ وأريد أن أعتبر من الاختلاق ما قاله لي أحدهم وهو طالب في إحدى الكليات العلمية: إن درساً خاصاً وأحداً لقاء خمسة جنيهات كفيل بالنجاح في الامتحان العملي.
ما أحسب - أو لا أود أن أحسب - أن استفحال الغلاء في السنوات الأخيرة له دخل فيما نحن بصدده. وعلى أي حال فإن الجهود العظيمة التي يبذلها معالي الدكتور طه حسين بك في تحسين الأحوال لابد أنها ستثمر ما يوفر العيش الكريم لأهل العلم وبناة الجياة، ويبعث في نفوسهم الطمأنينة إلى العدالة وحسن التقدير.
يبقى بعد ذلك رجاء العمل على نفض الغبار عن (الأرواب) ونقاء الجو من تلك السحب المؤسفة. وما أخال ذوي الغيرة على كرامة الجامعة والجامعيين - وفي مقدمتهم معالي الدكتور طه حسين بك - إلا عاملين على ذلك.
فرقة التمثيل النموذجية
يشتغل الآن الأستاذ زكي طليمات عميد المعهد العالي لفن التمثيل العربي، بمشروع تأليف فرقة نموذجية من الشباب الذين تخرجوا في المعهد وبعض الممثلين والممثلات القدماء، متوخياً في اختيار هؤلاء أن يكونوا من ذوي الثقافة الممتازة والشخصيات المتماسكة، بحيث تتكون الفرقة من أفراد مختلفي الأعمار، يصلح كل منهم للدور الذي يناسبه.
والفرقة (نموذجية) لأن هدفها تقديم الأدب القصصي الرفيع على المسرح بصرف النظر عن إيراد تغله، أي أنها يرجى أن تكون أداة لازدهار الأدب المسرحي باعتباره شعبة من الأدب العربي الحديث. وهو غرض جليل، إذ يتيح هذا العمل للجمهور أن يتلقى المتعة الأدبية الفنية وهو يتفرج. وتتجه النية إلى تيسير مشاهدة مسرحيات الفرقة، ليستفيد منها أكبر عدد من الجمهور وخاصة الطلبة، وستمثل بعض الروايات المقرر عليهم دراستها، ولذلك ستكون أسعار الدخول مساوية تقريباً لأسعار السينما.
ويتضمن مشروع الفرقة برنامج عملها موزعاً على أشهر السنة، بحيث تقوم برحلة سنوية كل عام إلى بلد من البلاد العربية لتكون سفيرة أدب وفن بين أقطار العروبة.
ويتضمن المشروع أيضاً ضرورة الاهتمام بالتأليف المسرحي، ليكون أكثر ما تقدمه الفرقة مسرحيات مؤلفة، إلى جانب بعض المسرحيات العالمية المترجمة أو المقتبسة. ويتجه الأمل في ذلك أكثر ما يتجه إلى كبار المؤلفين الذين عرفوا بالإنتاج المسرحي كالأستاذ توفيق الحكيم والأستاذ محمود تيمور بك.
أما الناحية المالية. وهي مهمة جداً بطبيعة الحال، فهي موضع بحث وتدبير، ويلاقي المديرون فيها عنتاً ومشقة، لأن الدولة لا تزال ضنينة على التمثيل، فكل عام يصطدم ما يقترح من المال لذلك الغرض باللجان المالية وخاصة في مجلس الشيوخ والنواب، وكثيراً ما يعارض أعضاء البرلمان في زيادة المخصص للنهوض بالمسرح، وقد يكون لحضراتهم العذر في ذلك، نظراً إلى ما يرونه من تفاهة الإنتاج المسرحي وما لابس المسرح على العموم من ركود وهزال في السنوات الأخيرة. ولكن ينبغي أن يكون مفهوماً أن هذه الحال أهم أسبابها الضن بالمال، كما أن أهم أسباب هذا الضن هي تلك الحال. . . فهو (دور) لابد من وسيلة للخروج منه، ولا يكون ذلك إلا بأن تكون الخطط واضحة والغايات مفهومة. ومما يدعو إلى الأمل والارتياح أن بعض الوزراء يعنون بهذا الأمر ويعاونون في سبيله معاونة جدية نافعة، وخاصة معالي الدكتور محمد صلاح الدين بك وزير الخارجية ورئيس لجنة ترقية التمثيل العربي، وهو دائب النشاط في خدمة الفن من قبل أن يتولى الوزارة.
وقد وصل المخصص لإعانة التمثيل حتى الآن إلى خمسة وعشرين ألف جنيه في ميزانية وزارة الشئون الاجتماعية، ويقدر الأستاذ زكي طليمات أن يخص الفرقة النموذجية من هذا المبلغ عشرة آلاف جنيه والباقي يوزع على الفرق الأخرى وخاصة الفرقة التي يؤلفها الأستاذ يوسف وهبي بك لتقدم اللون الذي عرف به الأستاذ يوسف لجمهوره على أن تمثل روايات جديدة. ويأمل الأستاذ زكي طليمات أن تعتمد وزارة المعارف عشرة آلاف تضم إلى عشرة الآلاف الأولى وهو أقل ما يمكن أن يدبر به شأن الفرقة الجديدة.
وعلى ذلك ينتظر أن يشهد الموسم القادم فرقاً مسرحية مختلفة، يرجى الخير للفن المسرحي
من تنافسها ومن اختصاص كل منها بنوع من أنواع التمثيل، ولاشك أنها ستكون تجربة يتوقف على نجاحها حياة المسرح في مصر، والمرجو أن تبذل الدولة مساعدتها، لكي تتهيأ لفن التمثيل العربي فرصة يظهر فيها جدواه، ويثبت استحقاقه للرعاية والتقدير.
عباس خضر
البريد الأدبي
من آثار الرافعي - الأدب والأديب
جاءنا رد مسهب من النابغة السيد مصطفى صادق الرافعي على علامة العراق (كلدة) اجتزينا عنه بالسطور التالية قال: -
(قال كلدة)(إن للأدب والأديب معاني قديمة. . . وإن معنى الأديب في عصر الجاهلية وأوائل صدر الإسلام هو الطيب الحديث الحسن الصورة الذي يؤنس السامعين بسحر مقاله ويجذبهم إليه برقة منطقه ولذيذ صوته) وأنا أطلب منه البينة على دعواه ولو شاهدا من كلام العرب يدل عليها أو رواية تثبتها أو أساساً من التاريخ يسوغ ما ذهب إليه ويخرجه، عن باب الوضع. إننا نقرر لهذا الفاضل أن عرب الجاهلية وصدر الإسلام لم يعرفوا معنى الأديب بمثل ما اصطلح عليه العلماء لا على الوجه الذي ذهب إليه من الطيب الحديث الخ لا على قفاء هذا الوجه، ولا جرت الكلمة في استعمالهم لأي معنى يدل على العلم أو الشعر أو البلاغة أو فنون القول أو المحاضرة أيهما كان، ولا يجوز أن يكونوا قد أخذوا هذا المعنى إلا وقد تكلموا به، ولا يمكن أن يعرفه هو إلا وقد وقف على شيء من كلامهم.
بالأمس قام لورد جسبرو في مؤتمر إسرائيل بلندن يزعم أن الإنكليز من بني إسرائيل، وأنهم حققوا النبوة التي ورد فيها أن هذا النسل يملأ الأرض، وأن الدليل على ذلك أن كلمة برتش التي معناها بريطاني هي من كلمتين عبرانيتين بريت أي العهد وأش أي الشعب، قال فالشعب الإنجليزي هو شعب العهد أي شعب إسرائيل. فلم ينكب العرب وحدهم بكلمتين يونانيتين بل نكب الإنجليز بكلمتين عبرانيتين. وأنه لمصعد سهل يثب إليه كل من أصاب مشابهة في مقابلة اللغات ولكن الإنجليز منه تندق فيه العنق) انتهى
طنطا - مصطفى صادق الرافعي
رحم الله ذلك النابغة الذي صفا الأدب العربي في قلمه وخلص ماؤه وزاد رونقه، وليكرم الله من يذكرون بأدبه فإنهم بهذا يقربون إلى الواقع (عالمية) العربية وأدبها. ولاتهن أمة يمجد فيها العباقرة وتنشر ذخائرهم فاللهم وفق من أعان على ذلك أو سعى إليه من كاتب أو عالم أو وزير.
محمود الطاهر الصافي
دالي رجال التربية: -
مرت الأيام ودالت العصور وتغير الزمن، وتقدمت العلوم والفنون، وارتقت الأفكار والعقول وتنوعت طرق التربية، حتى أصبحت مذاهب متمايزة متعددة متعادية، ولكل مذهب وجهة خاصة وأتباع ينافحون عنه ويجادلون بل يزكون. . . وطريقة سبنسر وفرديل وغيرهما إلا مثل لهذا.
ولقد درج السلف في تعاليم على طريقة خاصة، وكلنا قد عاصرها وتعلم على منهاجها، وهي لو نظرنا إليها من ناحية العقل والمنطق لارتاحت نفوسنا إليها وظمأت قلوبنا بها.
وتلك الطريقة تبدأ بتحفيظ الحروف الهجائية مرتبة ترتيباً دارجا على التشابه الملحوظ في بعضها ثم تعيين تلك الحروف بالإعجام وغيره على سبيل الموازنة والمقارنة ثم معرفة الحركات من فتح وكسر ثم وصل تلك الحروف وإلحاق حروف المد بها ثم معرفة الشدة والتنوين. . .
وبعد معرفة هذه القواعد تكون كلمات بسيطة من حرفين ثم ثلاثة وأربعة. . . ويبدأ ذلك بمعرفة بعض أجزاء الجسم، وما يحيط الطفل من أسماء بنص الأشياء. . .)
وبعد أن يلم الطفل إلماما كافيا بما يقع تحت ناظره يبدأ بتعليمه فاتحة الكتاب ثم بقية السور من قصار المفصل وهكذا إلى آخر سورة في القرآن الكريم.
وأثناء قراءته للقرآن إن كان يعلم مبادئ الحساب والدين والإملاء بطريقة متمشية مع عقلية الطفل وفطرته!
والآن وبعد مضي تلك السنوات. وقد أصبحت تعد بالعشرات التي تنوعت فيها طرق التربية وتطاخت الأراء، رجعنا من جديد إلى طريقة آبائنا وأجدادنا الأولين، فهي الطريقة التي تتمشى وعقلية الطفل المحدودة.
وبالرغم من الطرق الكثيرة التي نستعملها في تعليم الأطفال فإني قد تركتها جميعها جانباً، واستعملت تلك الطريقة مع طفلي وقد حفظ جزءين من القرآن الكريم قبل أن يبلغ السابعة من عمره وهو الآن يشق طريقه بخطى ثابتة في التعليم الثانوي محرر العقيدة ثابت البنيان، وفي الطليعة!
فما رأى رجال التربية في طريقة الأقدمين؟. . .
شطاتوف
محمد منصور خضر
القصص
سراب المجد
الحب يقهر كل شيء
فرجيل
للأستاذ محمد محمود زيتون
جلس الرفاق على الشاطئ وأداروا وجوههم إلى البحر وكانت الشمس تهوى إلى الغروب. وفيما ورائها الأفق الجريح يتعثر في حواشيه الرقاق، صارخاً متشبثا بأذيال هاجرة لن تعود، وسرعان ما سيطر الذهول على الجميع فقال أحدهم: ليتك الآن بيننا يا (حماده) فتصوغ هذا المنظر شعراً من نبع خيالك: رحمك الله من نجم علا ثم هوى. وساد الصمت مرة أخرى ثم استطرد أنور يقول:
عرفته منذ كنا صغيرين في مدرسة القرية - خجولاً وادعا، والتقينا بمدرسة رأس التين الثانوية، ولكنه رغب في العباسية الثانوية. قال لي يومذاك. لن أبقى إلا هذا العام في رأس التين وسألحق بعده بالعباسية: بناؤها مهدئ لأعصابي. وموقعها على هذا التل المرتفع يوحي إلى نفسي بالسمو والرفعة.
وقضى حمادة بقية سنته الثانوية بالعباسية التي كشفت فيه عن طموح باكر، ونبوغ سابق الأوان فذاع اسمه في الثغر ونواديه ومجالسه الشاعر. الرياضي. الواعظ، الفنان. فقد كان بهلوان المتوازيين والعقلة، وشاعر الطلبة، وإمام مسجدهم، وخطيب كل إضراب. وواعظ القرية، وكان إلى هذا كله ممثلا وموسيقياً بارعاً ولمع اسمه في الصحافة.
ولم يفتني قط الاستماع إليه في كل مناظرة أو محاضرة، أو الاطلاع على خواطره المسكوبة في الصحف والمجلات.
شخصية محبوبة مرحة في غير ابتذال، وخلق كالجبل الأشم. أقام (حمادة) في حجرة على سطح منزل مرتفع. فعرفت أن هذا (البرج العاجي) هو مبعث إلهامه ومصدر فنه. وهناك أرهف حسه لتهاويل الطبيعة. فامتزجت بروحه وانداحت على وجهه بسمته وإشراقه.
والتحق بالجامعة، وطلب (الآداب) وأخلص بل تفانى في دراستها. وزاد تألقه ولمعانه بين
زملائه، وذاع صيته، ولست أخفي ما كان يجيش في نفسي نحوه من عواطف شتى هي مزاج من حب الخير له، والغيرة منه، والعطف عليه، والانجذاب إليه، والدفاع عنه. . . مع قليل من الحسد كنت أكتمه وأضغطه وأدفنه جاهداً حتى أنحدر في نفسي إلى كهف سحيق عميق.
وكيف لا أغار ونحن من قرية صغيرة نكاد نكون الوحيدين من بين المتعلمين الذين أفلحوا وواصلوا التعليم. ثم كيف لا أنجذب إليه وهو ليس غريمي في شيء. وأخيراً قلت لنفسي: إن (حمادة) سيكون فخراً لقريته بل لوطنه، فهو جدير بحبي وإخلاصي، وكلما سئلت عنه لا أملك غير الإعجاب به والإكبار من شأنه.
وكنا معاً في إحدى العمائر القريبة من الحي الجامعي، بقينا به حتى تخرجنا، أما (حمادة) فقد ذهب إلى الإسكندرية يبحث عن أفق أوسع لميوله ومطامحه، وبقيت أنا تحت التمرين في مكتب محام شهير.
وفي هذه الفترة أحسست بالفراغ الذي تركه حمادة، وأخذت أطالع كل يوم أخلاطاً من الطباع والعقول والأرواح. فأحسست بمرارة الغربة عن كل من حولي، وانطويت على نفسي كالثعبان. والغربة المريرة والبد القارس سيان في هذا. . . ولا أدري ما وجه الشبه بينهما، ولكن هكذا كنت أحس. . . وهكذا كنت فعلا. . . ولا سيما يوم سرى الدفء في أوصالي. ياله من يوم. . . يوم اجتمعت مع الرفاق في منزل أحدهم. . . يوم عيد ميلاده هو وميلاد شقاوتي أنا. . . يوم أديرت الكئوس، وتطوحت الرءوس ورقصت الغانية عارية، إلا من ذلك الثوب الأحمر الشفاف. . . فلم يخف فتنة، ولم يشف لوعة. . . يالها من ليلة حمراء.
كانت هذه الليلة كالشرارة التي أطلقت نفسي من نفسي. . . فنفثت سمومها في كل وكر وبؤرة. . . حقاً كنت كالثعبان: أستبرد ما حوله، واستمرأ الفساد، وتمسكن حتى تمكن. . .
وعدت ليلتها أجرر أثقالاً من الآثام، ما ألبث أن أتعثر فيها حتى أجهد في إخفاء آثارها في الطريق الطاهر الذي كنت أطويه صبحاً ومساء في قدسية الراهب وبراءة الملاك.
وذاب العمود الفاصل بين الفضيلة والرذيلة أمام عيني. . . نعم ذاب كالثلج، وأحسست بلذعاته تحز في قلبي حتى تجمد في صدري. . . فلم يعد كما كان. . .
واعتزلت، وتخلفت عن ركب الحياة أسبوعاً، ورحت أحسد الأحياء وأخبط في الظلام الملتوي المعقد، فتذكرت ذنب الضب الذي قالوا أنه أعقد شيء في الوجود.
وانطلقت ذات صباح إلى شرفتي، أتخفف من أثقال نفسي، فرأيتني كالسمكة تخبط في الشبكة. . . فقد ملأت هذه الفتاة مشاعري، وما إن غابت عن نظري في منعطف الطريق حتى عدت إلى مخدعي بفكر جديد أو قلب جديد. . . وأخذت أرقبها كل صباح ومساء ذاهبة آيبة إلى جامعتها، كتبها تحت إبطها، وعينها إلى الأمام، وكانت في خيالي كالفجر النادي يتمناه قلب شفه السقم، وأضناه الظلام. . . وسميتها (ريحانتي الطاهرة)، وما كان أليق هذا الوصف بمن صحا عليها قلبي بعد غفوة أنسته أحلام الربيع.
وذات صباح، طرق الباب طارق، فإذا بساعي البريد يحمل إليَّ من (حماده) خطاباً، أعتز به، فلا أتسلى عن همومي إلا بتلاوته، وإني لقارئ عليكم قصة أحلامه وأحلامي أودعتها وإياه حطام قلبين ذابا في سراب.
الإسكندرية في 20 أبريل
أخي أنور
أحييك وأرجو لك الخير كله. شاءت الأقدار أن تباعد بيني وبينك، فقد عينت معيداً بجامعة فاروق، وأنا الآن بصدد إعداد رسالة الماجستير في ميتافيزيقا الوجود الذهني،. . . وكنت أظن يا أخي أن الإسكندرية ستلقاني ببحرها الصافي وسمائها الباسمة ونسائمها الرقيقة، ولكنها تنكرت لي، وتجهمت في وجهي، وضاقت بي وضقت بها. . .
أخي: وفاؤك لي. وعطفك علي يدفعانني إلى أن أبثك الآن بعض ما بي لعلي واجد في رحابك ما يزحزح هذا الجبل الرابض على روحي.
أنور: أكتب إليك، وأنا ألقي بنظري إلى البحر من الميناء الشرقي، والعاصفة القائمة تلحفني سمومها، وتعوي أصداؤها كالذئاب، في أحناء ضلوعي، والسماء. . . نعم السماء التي كانت نزهتي في الليل والنهار، تلفعت بالسحاب الأسود، يقطر الدم من حواشيه، وأزهاو الشرفة قد جف ريقها واحترقت أنفاسها، وتبدل شذاها غباراً، (غصة في الحلق). . . لم أعد أطيق المكث هنا. . . ولا تحسبن جديداً في حياتي طرأ على نفسي. . . ولكن. . . ماذا أقول؟ منذ فارقت العمارة، فإن في النفس ذكريات. . . سأذهب إلى الريف أقضي
يومين ثم أعود، والسلام،
حمادة
الجيزة في 23 ابريل
تحية الحب والوفاء، وبعد فقد ألمت بي محنة ألزمتني الفراش أسبوعاً، لم أصح منها إلا على خطابك. تلوته، فأفقت مما أنا فيه، ولست أتردد في أن أبعث إليك بخالص شكري على أن خصصتني يبث شكواك.
وإذ يصلك خطابي أرجو أن تكون قد نفضت عن نفسك غبار إعصار فيه نار.
حمادة
عرفتك ذا الوجه المشرق البسام، فلا تكن غير ذلك، وإياك أن تستسلم لأفكار عسى ألا تكون غير أوهام. ألا ترى أني كنت إلى حين تسلم خطابك فريسة لواعج فرت وبرت ما شاء مني، فكنت - بلا مبالغة - كفنار الإسكندرية يبعث نور الأمل لسفينة غارقة في أقباء الحلك.
أخي:
هات ما عندك، وأطرح عليّ بما شئت، فإنما أنت ذخير لا يستهان بها، وثروة في النبوع تزهي بها خزائن المجد. ولست من الهوان على أخيك حتى يتركك لما أنت فيه. وحذار أن تسترسل. وحذار أن تيأس.
أخوك أنور
الإسكندرية في 15 يونيو
ما توانيت في الرد عليك عن قصد، فقد أصبحت كالزورق الحيران لا شراع ولا مجداف، تناوحت به الريح، وتناهبه الأحداث. ولا سيما بعد أن خلوت من أعباء العمل، وصرت شلوا ألقي به إلى ذئب مسعور. تلك هي نفسي الضارية. ويلي منها. لقد صرت أمقتها وأنكرها. أهكذا تنهشني، وأنا الذي روضتها في المهد، فأحسنت ترويضها، فلما استقامت لي لم أحرمها من لذائذ الحلال شيئاً. يالها من خائنة!
أخي:
لن أفضي إليك برماد النار. بل بجذوتها. أرأيت العمارة التي كنا ولا تزال بها أنت. وأنت
خارج من بابها إلى يمين. بعد منزل أو منزلين، أرفع بصرك إلى الدور الثاني. الشرفة الدائرة هناك يا أنور سر خفي لا أدري مدى تغلغله في نفسي.
تلك الفتاة كانت زميلتي في الدراسة. وقع عليها نظري فجأة فعرفت الحب من أول نظرة. كانت كالوردة لم تتفتح بعد. وإن الربيع يضفي عليها من الفتنة والجمال ما جعلني أسبح من يومها في بحر لا شطئان له. نتحدث بعد كل محاضرة، فكان لحديثها في نفسي موقع الماء من ذي الغلة الصادي. وما كنت أشعر بالوجود ولا بالزمن بل هي اللهفة تسوقني إلى النبع الصافي، فأرتوي، فما ألبث أن أظمأ من جديد
وكنت أعرض عليها بعض خدمات تقتضيها الزمالة الجامعية. . . فتشكرني بنظرة وبسمة أعدمها غذاء روحي في اليوم كله. . . وضقت بالمجد ذرعا، وسرعان ما انتقلت حياتي من عقلي إلى قلبي. . . من أعماق الكهوف، وأصنام الماضي إلى أحلام الربيع، وألحان الفجر. . . وقلت للمجد: وداعاً، عد. . لا حاجة بي إليك.
ومهدت لزواجي منها بزيارة لها بمنزلها حيث استقبلني خالها، فقد علمت أنها يتيمة الأبوين. وكانت هذه الزيارة لقلبي كالمرهم يهدهد جراحه الصارخة. وفاتحت أمي لأني خجلت من مفاتحة أبي في الأمر، فكان رده بالموافقة على رغبتي عذباً رقيقاً دمعت له عيناي، كالطفل أعطي لعبة هو في شوق إليها. . .
وتقابلنا بعدها، فإذا بي أتحطم على (النظرة الصماء). . . نظرة أودت بالرقة والحنان اللذين كنت ألقاهما منها كل صباح. .
هأنذا لا أطيق ذكرى هذه النظرة بل الصخرة. . . فهل أنا واهم يا أنور؟
حماده
الجيزة في 17 يونيو
أخي حماده
لك العذر في تأخيرك الكتابة إلى، واليوم تسلمت رسالتك فشفت نفسي مما تجد، وعرفت أنك معذب بلقبك الذي لا يطاوعك، وأيقنت أنك ماهر فيما وقع عليه رأيك، وأطمئنك مقدما إلى أني كنت قد عزمت على ما شرعت أنت فيه. وهي في الحقيقة فتاة لها مزاياها. . . ومسلكها مما يرضيك، ويتفق مع وجهتك. . . ولولا وفاة والدي ما أحجمت على مد يدي
إليها. . . ولولا ضرورة القدر الذي ذهب بذلك العطر الحبيب. . . لتغيرت دنياي ودنياك. . . لهذا أنصح لك بالتروي والتريث. . . والصبر، فقد أجتاز الأمر دور العاطفة وأصبح في نطاق العقل وحده. . . أرجو أن تحتمل أكثر من صدمة.
أنور
وفي الصيف تقابلنا، فأنكرت ما رأيت من حال (حماده)، وكدت لا أعرفه من فرط ما بدأ عليه من إرهاق وهزال، وبادرني مغتبطاً متمرداً قال: -
أهكذا يا (أنور) تقلب لي ظهر المجن. . . ليتني لم أبح لك بسري. . . لولا أنك كنت تعدني ذخيرة لا يستهان بها، وثروة في النبوغ تزهي بها خزائن المجد. . . اليوم أفلست تلك الخزائن، وذهبت أسطورة النبوغ أدراج الرياح. . .
والتزمت الصمت، وكلفت نفسي عسرا لأصطنع ابتسامة. ولكن دون جدوى، حتى أعرض عني (حماده) وتولى كالعاصفة. ولقد خشيت - إن أنا بحث له بالأمر - أن يقع عليه كالصاعقة، فتأتي على ما تبقى من هيكله المهدود. ولكن آثرت كتمان خبر انتحارها، ورضيت منه بتهمة سوء الظن التي رماني بها رفيق الصبا. . . ولو كان في حطام نفسه بقية لأدرك ما كنت أعني بذهاب العطر الحبيب في خطابي الأخير
ولست أدري بعدها كيف بلغه الخبر، فذهب إلى قصر النيل والتف بذراع الموجة العذراء، وغاب في اليم بتراب الكأس الذي أحترق فيه نبوغ الشباب. . . وهنا تنفس أنور الصعداء. . . وأجهش للذكرى، ثم قال: أما أنا. . . فكتمت السهم في كبدي
محمد محمود زيتون