المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 889 - بتاريخ: 17 - 07 - 1950 - مجلة الرسالة - جـ ٨٨٩

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 889

- بتاريخ: 17 - 07 - 1950

ص: -1

‌حيرة الشباب.

. .!

حيرة الشباب، أو محنة الشباب، أو مشكلة الشباب، قضية من قضايانا الاجتماعية التي تشغل الأذهان، وما أحراها أن تشغل الأقلام. . . ولقد عرضت هذه القضية في ساحة زميلة صباحية كبرى منذ أسبوعين أو يزيد، ثم عقب عليها قلم واحد، ثم طويت القضية في بلد كل ما فيه يطوى، ونسيت في وطن كل ما فيه ينسى، وكأن الكتاب والمصلحين في مصر قد يئسوا من جدوى الكتابة حين لم يجدوا أذنا تسمع، فمضوا في طريقهم لا يلتفتون. . . ولا يعرجون!

قالت (الأهرام) وهي تعرض لحيرة الشباب باحثة عن دوافع المشكلة وأسباب المحنة: (أية مثل أو قيم أخلاقية يسعى إليها الشباب في بلادنا؟ هذا هو السؤال الذي يدور بأذهان الجميع اليوم، ويحتارون في الجواب عليه، والشباب أعظم حيرة، فإنهم يرون حولهم من الأحداث والحوادث ما هز في نفوسهم كل ما أستقر فيها من مثل وأفكار وقيم، وهذا هو أخطر ما يصيب شباب بلد من البلاد، أن تبهت في نفوسهم ألوان الأشياء، وتضعف في قلوبهم جذوة الحماسة، ولمعة الانطلاق! إن الشباب يرون حولهم قيم الأخلاق تضعف وتضطرب، والسباق من أجل المال والجاه والنفوذ يملأ العقول والإفهام والصدور، ويدمر في سبيلها كل ما هو جليل وسام وأخشى ما نخشاه أن يعديهم هذا السباق، فيحسبوا أنه المقصود بكل ما في الحياة من مثل وقيم وأخلاق. فعلى من تقع التبعة وكيف يكون إعداد شبابنا للمستقبل الذي نرجوه لبلادنا؟

إن الجيل الذي نشأ في سنة 1919 وما قبلها وما تلاها بقليل كانت تسيطر عليه مثل وتجذبه أهداف وتغريه تضحيات. . . كان جيلاً كله إيمان وصبر ورجاء، لم يكن عبد الشهوات ولكنه كان عبد المثل العالية والوطنية الرفيعة. فما هي مثل جيلنا؟ ما هي المثل التي تستهوي شباب سنة 1950، وأية مثل يرونها وأية تضحيات تقر في نفوسهم قيماً عالية لحياتهم كأفراد وحياة بلادهم كمجموع، وحياة العالم كامتداد لحياة الإنسانية جمعاء؟

هذه هي المشكلة الحقيقية وهي مشكلة الجيل كله. . . أين المفكرون والباحثون والدعاة بعهد جديد؟ أين الرواد في حقل التقدم والنظر في المستقبل؟ لكل جيل رواده وأفكاره ومثله، فأين رواد جيلنا وأفكاره ومثله؟ هل نحن أمة ترسم مستقبلها وتعبئ قواها وترسل طلائعها، أم أننا أمة نعيش بالصدفة وللصدفة، تنتظر من الحوادث أن تهزها وتنفي عنها البلادة

ص: 1

والسكون؟ وعلى من تقع المسئولية في هذا. . هل تقع على الشباب أم على القادة؟ ومن المسئول عن تحطيم المثل والقيم العالية في هذه البلاد، هل هم الشباب أم القادة والزعماء؟

لقد اشتهر الشرق واشتهرت مصر منذ أقدم عصورها بأنها بلاد القيم الروحية، فأين ضاعت هذه القيم، ومن المسئول عن ضياعها؟)

هذه فقرات مقتطفة من مقال (الأهرام)، فيها تحليل صادق لقلق الشباب وتصوير ناطق بحيرتهم، ومقارنة عادلة وغير عادلة بين جيلين: جيل الأمس القريب وجيل الحاضر المشهود. . . والحق أن الصحيفة الكبرى لم تعد الواقع في كل ما نعتت به هذا الجيل من انحراف عن طريق المثل، وتنكر لمعاني القيم، وتنصل من تحمل التبعات والتضحيات!

ترى من يجادل في هذا كله والشباب يندفعون أمام أعيننا مع تيار المادة، وينغمسون في أعماق الشهوة، ويعيشون لأنفسهم لا للغير، وينظرون إلى الحاضر وليس للمستقبل في تقديرهم حساب؟ أين شعلة الإيمان بالنفس والإيثار للتضحية والأمل في الجهاد. . . من أطفأها في عقولهم وأخمدها في قلوبهم وتركهم يتخبطون في مجاهل الظلام؟ هذا الجيل الذي أحاطت به العواصف فزلزت عقيدته في كل ما هو سام وجميل، كيف اضمحلت قوته فلم يصمد، وانهارت عزيمته فلم يقاوم، واضطربت موازينه ففقد القدرة على الحكم الصائب والنظر الثاقب والتمييز بين ما هو ضار ومفيد؟!

من المسئول عن هذا كما يقول (الأهرام)؟. . . من المسئول عن تحطيم المثل الرفيعة والقيم العالية في هذه البلاد؟ هل هم الشباب أم القادة؟ سؤال ينتظر الجواب، ومع ذلك فالجواب ماثل للخواطر مثول السؤال نفسه، متكشف للإفهام تكشف المشكلة بكل ما يكتنفها من شتى المظاهر والأوضاع! لقد قارنت (الأهرام) بين جيلين وخرجت من المقارنة بتفضيل أحدهما على الآخر: من هذه الزاوية ننظر وعند هذه المرحلة من مراحل المشكلة نقف، لنبحث عن المسئول. أي الجيلين يشرف على صاحبه، وبوجهه، ويرشده إلى الطريق القويم؟ أي الجيلين يمسك بعضا القيادة، ويقبض على دفة الأمور، ويحمل المشعل ليبدد ما تراكم في جوانب النفوس من ظلمات؟ جيل الأمس القريب بلا جدال. . . الجيل الذي تخلى عن تأدية الواجب وتنحى عن تبليغ الرسالة، وأنصرف عن مهمة الأشراف والتوجيه!

ص: 2

لو أمسك جيل الأمس بعضا القيادة كما يجب أن تمسك، وحمل مشعل الهداية كما ينبغي أن يحمل، لسارت أمور الشباب كما يشتهي لها المصلحون أن تكون. . . أليس القادة الحقيقيون من ذلك الجيل الذي نعنيه؟ أليس منهم الوالد الذي يضع منهج التربية في محيط البيت، والأستاذ الذي يحدد معاني الخير في رحاب المدرسة، والزعيم الذي يرسم طريق الجهاد في نطاق المجتمع؟ كل هؤلاء قادة، وكل هؤلاء من الجيل المتهم بالتقصير في حق هذا الجيل الذي تلاه. . . وهكذا تبدو النتائج واضحة في ضوء المقدمات!

ولقد قلنا إن المقارنة بين الجيلين كانت عادلة وغير عادلة. . . عادلة من وجهة النظر التي تقول لك: إن جيل الأمس القريب كانت تسيطر عليه مثل وتجذبه أهداف وتغريه تضحيات. ولقد كان ذلك بفضل الجيل الذي سبقه ومهد لوجوده وصهره في بوتقة التجارب ولم يبخل عليه بالتقويم والتهذيب. ولكنها غير عادلة حين نقارن مرة أخرى بيم ما لقي شباب الأمس من رعاية وبين ما قلي شباب اليوم من إهمال. . . وما أفدح التبعة الملقاة على عاتق الفريق الأول حين نحاسبه على تلك الدروس القيمة التي ورثها عن الأباء، ثم نسى أن يدفع بها إلى رءوس الأبناء!!

ومع ذلك فنحن لا نعفي شباب اليوم من التبعة حين يكون لهم من تحملها نصيب. . . ونصيب الشباب من التبعة يتمثل في أعراضهم عن حب القراءة والإطلاع وإقبالهم على فنون اللهو والمتاع. لو كانوا يقرءون لأدركوا في صحبة الكتب ما لم يدركوه في صحبة القادة، من آراء تأخذ بيدهم حين يحتاجون إلى العون وأفكار تسدد خطاهم حين يفتقرون إلى الثقة، وتوجيهات تلهب مسعاهم حين يعوزهم الإيمان. . . ولكنهم لا يقرءون، ولو قرءوا لتطهرت نفوسهم من أدران القلق والحيرة، وتجددت في شعورهم قيم الخلق والكرامة، واستقرت في أعماقهم مثل الحق والخير والجمال

وماذا يفعل المفكرون والباحثون والدعاة بعهد جديد، وأمور المتعلمين تعترض طريق الدعوة المخلصة وتحول بينها وبين منافاة العقول والأسماع؟!

ا. م

ص: 3

‌صور من الحياة:

قلب أب!

للأستاذ كامل محمود حبيب

وعقد أبوك العزم على شأن يخصكم به - يا صاحبي - ليكون كفارة الزلة التي أرتكب على حين غفلة منه في اليوم الأسود، فدفعكم جميعاً إلى المدينة، إلى المدرسة. وأبتسم في رضى وهو يراك تتأنق في البذلة والطربوش وعلى وجهك سيما الخيلاء والزهو، وطرب حين ألفاك تختال في كبرياء وصعر. ولدى باب الفصل وقف أبوك يودعك وهو يقول (الآن - يا بني - أصبحت رجلاً تتلقى العلم وتسوس الدار وتحفظ أخويك وتدأب على العمل وتندفع إلى الغاية التي أصبو إليها. وهذا مالي ومالكم يهيئ لكم الحياة الكريمة والطعام الطيب والمسكن الجميل واللباس الجديد، وبين يديك الخادم الذي تناديه فيلبي وتأمره فيطيع. وإن بينك وبيني ساعة أو بعض ساعة فاكتب لي دائماً برغبات روحك وحاجات نفسك، لا تخفي عني شيئاً. . .) وودعك وفي عينيه عبرات ترقرق وفي قلبه وجيب يضطرب

وبدا للفتاة الحمقاء - زوجة أبيك - أن الدار قد خلت لها فاهتزت أعطافها من أثر النشوة والطرب، وراحت تتقرب إلى زوجها - أبيك - بأساليب شيطانية، وقد غاب عنها أن الأب لا يبيع أولاده بالثمن الغالي؛ ولكن قلب الرجل كان قد اطمأن فهدأت الثورة المضطرمة التي اجتاحته حيناً من الزمن، فاستقرت الحياة في الدار هوناً ما.

ومرت السنون تؤج فيك روح الرجولة القوية السامية، الرجولة التي تدفقت في نفسك يوم أن أحسست بالصفعة العنيفة تلطمك في جفاء وقسوة فتفزعت عن الدار والأب والأهل جميعاً؛ فعكفت على الدرس لا يصرفك لهو ولا تشغلك لذة ولا تلهيك متعة، وما في خيالك إلا أن تتسم الذروة فتبذ أهلك وذوي قرابتك، وما في رأيك إلا أن تنعم في القرابة بالاحترام وتستمتع بالسمو. وأبوك من ورائك يدفعك بالنصيحة ويزودك بالعطف، يلمس نوازع نفسك الطيبة فتطمئن أبوته وترضى، ويرى رغبات روحك السامية فتسكن مخاوفه وتهدأ، ويشهد فيك النزعة الجياشة إلى الرفعة فتسعد نفسه وتستقر

وجلست - ذات مرة - إلى أترابك، وأنت في سن الشباب، تحدثهم حديث الفاجعة التي

ص: 4

مهدت لك السبيل إلى العلم والعقل. وترامي خبر الحديث إلى أبيك فابتسم في صمت، وأحس أن عاملين يتعاورانه في شدة وعنف. . . عاملين من الأسى والضيق، وقد تيقظت فيه الذكرى الحزينة - ذكرى اليوم الأخير فزلزلت جوانبه، لأنك تذكر الحادثة التي كان يطمع أن تكون قد نسيتها.

وتصرمت عوام الدراسة في غير وناء ولا بطئ، فإذا انتم ملء العين، ملء السمع، ملء الفؤاد، وإذا أبوكم الشيخ ينتشي يوم أن تخرجتم في الجامعة. . . ينتشي نشوة عارمة تنفث فيه روح الشباب الذي ولى منذ زمان، فيزهو في غير تحرج ويفخر في غير رزانة

آه، يا صاحبي، إن الحادثة السوداء ما تبرح وخزاتها تعتمل في قلبك الرقيق فتحول بينك وبين أبيك، رب الدار التي ضمتك في حنان ونشأتك في عطف، فتنطوي عنه إلا حين تصبو إلى عطفه فنطير إليه لتنثر على عينيه معاني الاحترام والمحبة، فترضى نفسه ويطمئن قلبه، وتسعد أنت باللقيا الحبيبة حين تراه يرفل في الصحة والعافية، وينطوي هو عنك إلا حين يدفعه الشوق إلى بنيه، زهرة العمر وفرحة القلب ونور الحياة، فينطلق إليك لينفتح أمامه باب دارك الأنيقة يستقبله في كرم ووفاء، في حب وإخلاص

وتصرمت الأيام على نسق فيه الهدوء والراحة، وفيه الاطمئنان والسعادة؛ لم تشبه حادثة ولم يعكره شجن؛ إلا يوم أن جاءت رسالة من أبيك تقول (. لست ادري، يا بني، وما يشغلك فيصرفك عن أن تزورني، على حين أني ارقب زورتك في شوق ولهفة، وما منعني عنك إلا أنني أعاني داء عضالاً يقعدني عن الحركة والنشاط. ولقد ظننت بادئ ذي بدء - أن الغمرة لا تلبث أن تنجلي وأن السقيم يوشك أن يبرا، فكتمت عنك الخبر خشية أن أفزعك بالخبر أو أن أعنيك بالسفر أما الآن وقد عز الدواء وطال أمد الداء، فلا معدي لي عن أن أكتب إليك علي أجد في رؤيتك شفاء الداء أو راحة الضمير. .)

وتلاقي الأخوة الثلاثة الذين صقلهم وشذبتهم التجربة. تلاقوا لدى سرير أبيهم المريض. وما أجمل الوفاء والرجولة والتضحية وقت الشدة!

ورأيتم - يا احبي - إلى جاب المريض سداً منيعاً يطمعأن يرد عن الرجل الواهي غائلة العلة ويجهد أن يدرأ عنه سقام البدن، لا يدخر الوسع ولا يضمن بالجهد؛ وهو بينكم يرمقكم بنظرات فيها الحنان والشكر.

ص: 5

وجاء الطبيب يعلن رأي العلم فقال (لا بد من أجراء عملية جراحية فنظرت في ثبات وقوة وتقبلت الخبر المفزع بشجاعة وصبر.

واسر إليك أبوك بذات نفسه فقال (هاك، يا بني، مفتاح الصندوق الذي ينضم على وفر الشباب وذخيرة العمر، أحفظه معك ليكون مالي بين يديك. .)

فقلت وأنت ترد له المفتاح (لا عليك اليوم، يا أبت، فمالي كله فداء لك)

قال (لا ريب، يا بني أن الأيمان حين يتغلغل في القلب يصل بينه وبين السماء بخيوط من نور تدفعه عن الأرض وتجذبه إلى السماء فتصفو روحه فتستشف أشياء من وراء الغيب لا تستطيع الروح الترابية أن تسمو إلى شئ منها، وأنا من بيت فيه الدين والأيمان فلا عجب إن استشفت روحي أن النهاية تدنو مني رويداً رويداً)

قلت والعبرات تترقرق في محجريك (لا باس عليك، فما هي إلا غمرة توشك أن تنجلي)

قال (مهما يكن في الأمر من شيء فلا بد أن تأخذ هذا المال قبل أن تمتد إليه يد فتعبث به أو تبعثره)

وأصر هو وأصررت أنت، ولكن يدك لم تصل إلى قرش واحد من أبيك، عفة وسمواً

ووضع الطبيب المشرط ثم رفعه، فأحس أبوك أن الشيخوخة الفانية تتهاوى رويداً رويداً، فخلا إليك يحدثك حديثاً خافتاً فيه سمات الضعف والإعياء، قال (الآن - وأنت رجل وأب ورب أسرة تستطيع أن تفهم نوازع الأب وتقدر معنى الآصرة التي تشد بين قلب الأب وأبنه - أكشف لك عن أمر عاش في مسارب دمي عمراً يربى على العشرين سنة، يخزني في قسوة ويؤرقني في عنف، وأنا أكتمه في خلايا قلبي لا أستطيع أن أتحدث به لرجل من الناس خشية أن تتحطم في ناظريه كرامتي أو أن تتضع في نفسه كبريائي. ولكن لا أحس غضاضة في أنثره على سمعك ليبلغ نبضات قلبك وليتغلغل في خفقات روحك أتذكر، يا بني، يوم الحادثة السوداء، يوم أن أمرت فرفع الطعام من بين يديك - أنت وأخويك - أحوج ما تكونون إليه؟ فأنا منذ ذلك الحين وأنا لا أفتأ أفزع بالأسى وأروع بالحسرة لأنني طاوعت نفسي فأسلست لفتاة خرقاء في غير أناة ولا روية. ولطالما نازعتني نفسي إلى أن اكشف لكم عن خلجات ضميري وخطرات قلبي، لأتخفف من عبء ثقيل أرهقني طويلا، غير أن أبوتي الشامخة كان تترفع عن أن تهبط إليكم لقد أحسست الزلة التي ارتكبت على

ص: 6

حين غفلة مني فأردت أن أكفر عنها فأرسلتكم إلى المدرسة لأرى فيكم الرجولة والسمو والتفوق، ولأنأى بكم عن دفعات الغيرة المضطرمة في صدر زوجتي، وها أنتم قد بلغتم الغاية التي كنت أصبو إليها، فهل تراني غسلت عن نفسي درنها؟)

فقلت أنت في رقة (وهل كان لنا، يا أبي، أن نجحد فضلك أو ننكر أبوتك؟ هذا أمر كان ثم مسحه عطفك الفياض ومحته أبوتك السامية)

قال (ولكنه طالما أقض مضجعي وأزعج نفسي)

قلت (هون عليك، فهذه الذكرى التافهة تزيد من وطأة المرض. أما نحن فلم نجد لذع الحادثة منذ أن أحسسنا عطفك وحنانك)

قال وقد هده الإعياء والجهد (رضيت، يا بني، رضيت)

وحين هوى أبوك تحت ضربات المرض القاسية تشبثت به وتشبث هو بك، واختلطت عبرة بعبرة وخفق قلب لقلب وتعانقت زفرة وزفرة ثم أسلم أبوك الروح بين يديك وأنت تعانقه في شوق وتبكي في مرارة. تعانقه وتبكي في غير شجاعة ولا صبر.

فيالقلب، يالقلب الأب!

كامل محمود حبيب

ص: 7

‌من تاريخ الثورة الفرنسية

الإرهاب وقانون المشبوهين

للأستاذ محمد محمود زيتون

كان اغتيال لويس السادس عشر ملك فرنسا في 21 يناير سنة 1793 إيذاناً بتقدم الثورة الفرنسية نحو غايتها من غير تراجع وفي هذا المعنى يقول المؤرخ (لودج) ما معناه أن الثورة باغتيال لويس السادس عشر قد حطمت جميع العناصر خلفها وحكم المتطرفون البلاد؛ وتألفت (لجنة الأمن العام) وانتشرت فروعها لمواجهة الخطر الداخلي والخارجي معاً، ورأت اللجنة ومعها (المؤتمر الوطني) أن الإرهاب الوسيلة الفعالة لتثبيط همم المعارضة، بإشاعة القلق والاضطراب في صفوفها، وإرغام البلاد على التسلح ضد الأجنبي عن طريق الخوف حتى لقد قال (بيوفاءن) يجب أن يرف من الآن سيف داموقليس، قال (شومت)(فلنتخذ الإرهاب نظامنا اليومي) أي فلنجعله نظام الحياة اليومية.

وبدأت لجنة الأمن العام تسن القوانين إزاء العبث بالنظام والغلاء المستحكم. ففي 17 سبتمبر أعلنت اللجنة قانون المشبوهين وفي 17 من نفس الشهر أذاعت قانون التسعير الجبري بعد أن هددت المجاعة باريس التي لم يعد للحم وجود في أسواقها، حتى كان من الظريف أن يقترح (فرينو) على اللجنة أن تسن تشريعاً يسمى قانون الصوم الوطني بحيث يسري على فرنسا كلها

وكانت المهمة الأولى للجان الفرعية للأمن العام ملاحظة المشبوهين، وإعطاء الأوامر بالقبض عليهم واعتقالهم بينما كانت (محكمة الثورة) تنعقد في (قصر العدالة بباريس لمحاكمة هؤلاء المشبوهين محاكمة مشمولة بالنفاذ العاجل. ويتألف قانون المشبوهين من اثنتي عشر مادة تنص الأولى منها على كل من ينطبق عليه شرط الاشتباه، وإن كان بصفة عامة ينسحب على كل من لم يفعل شيئاً لصالح الحرية، ولو لم يفعل شيئاً ضدها (والثورة والحرية مترادفتان في عرف الإرهابيين حينذاك ويكون مشبوها كل من تلبس بواحدة أو أكثر من الأحوال الآتية:

ص: 8

مناهضة الثورة ومبادئها وتثبيط الهمم عن طريق الخطب والتصريحات والأحاديث في النوادي والمجتمعات العامة.

تشويه الثورة في الأذهان بإثارة آلام الشعب ومصائبه تلميحاً أو تصريحاً أو بنشر الشائعات عن سوء الحال أو بإبداء الحسرة والأسى على مصائر الأمور.

التلون في القول والعمل حسب تغيير الأحوال.

إبداء الأسف على الشدة التي حاكمت بها الثورة كل متلاعب بالأسعار وفق الأسعار التي تفرضها اللجنة على الزراع والتجار والصناع المنتجين.

مخالطة أنصار الملكية والنبلاء والمعتدلين أو من على شاكلتهم سواء كان ذلك سراً أو علناً خصوصاً من كان يجري على ألسنتهم ذكر الحرية والجمهورية والإخاء والمساواة.

التشكيك في دستور الجمهورية أو التهوين من شأنه وتوقع الفشل له.

القعود عن مناصرة الثورة ومبادئها أو على الأقل الوقوف منها موقف الحياد.

وكانت الملكة (ماري أنطوانت) أولى ضحايا هذا القانون فقد نزعت من أولادها الذين سجنوا في المعبد وحجزت هي أكثر من شهرين فيما يشبه الكهف في قصر العدالة، وحكم عليها بالإعدام بعد محاكمة استمرت أكثر من عشرين ساعة ونفذ الحكم فيها بعد ساعات.

والضحية الثانية (بالي) عمدة باريس الأسبق وتلته الضحايا تباعا سراعاً، ومن بينهم (دوق أورليان) الذي عارض اللجنة وقرن أسمه باسم المساواة، ورفع عقيرنه بالاحتجاج على اغتيال قريبه لويس السادس عشر.

وكانت ضحايا هذا القانون الإرهابي لا تقع تحت حصر سواء في باريس أو في غيرها. ففي (ليون) كانت المساجين يقتلون كل مائتين معاً، وفي (نانت) أطلقت لجنة عسكرية رصاصها على أكثر من ألف وخمسمائة سجين، واستعان (كارييه) بعصابة من السفاكين واللصوص على إغراق حوالي خمس آلاف سجين في نهر (اللوار) بدون محاكمة، وذلك في مدى بضعة أشهر وكان منهم ثمانمائة في ليلة واحدة. وألقيت الجثث في بحيرة (نانت) التي أصبح ماؤها مسمما، فاضطرت البلدية منع بيع السمك. هذا والجيش يدفع عن حدود البلاد كل خطر، وعند ذلك رأى (دانتون) وهو من مضرمي النار. أن حركة الإرهاب أصبحت غير ذات موضوع وأنه قد آن الأوان للعودة إلى (عهد القوانين والعدل بين

ص: 9

الجميع) ووافقه صديقه ورفيقه الخطر (كامي دي مولان) ومن ثمت تألف حزب المتسامحين أو (المعتدلين) منهما وممن لف لفهما ودار في فلكهما.

وقام في وجه هذا الحزب حزب آخر هو حزب (المسعورين) الذين لم يشبع سعارهم هذا العدد الهائل من الاغتيالات، فأعلنوا عن تنظيمات جديدة للإرهاب وبدأ يقوضون المذهب الكاثوليكي تحت معاول النظرات الفلسفية وقلبوا كل شيء رأساً على عقب؛ حتى الأيام والأسابيع وأسماء القديسين والقديسات استبدلوا بها أسماء الفواكه والزهور والخضروات المذكورة في الأعياد الدينية، وقرروا أن كل من يتسول أو يتعطل في أيام الآحاد والأعياد المسيحية يكون مآله السجن، وطالبوا بخفض أبراج الكنائس لأنها (تتعارض مع مبادئ المساواة إذ تتعالى على سائر المباني) وهددوا كل عبادة ليبنوا على أنقاضها (دين العقل)

وفي 10 نوفمبر احتفلوا بعيد (الحرية والعقل) بكنيسة نتردام ورمزوا لدينهم الجديد بإحدى راقصات الأبرا وعملوا لها تمثال (مريم العذراء) ولم تنقض أيام حتى أغلقت كل الكنائس وطرد القساوسة الذين رفضوا اعتناق دين الثورة وعقيدة الإرهاب

غير أن لجنة الأمن العام أخذت في مطاردة المسعورين في الأقاليم بلا هوادة، وأطلق دانتون على خزعبلاتهم هذه أسم (مساخر لا دينية) وتدخل الطاغية الجبار (روبسبيير) ليضع لهذه المساخر حداً إذ رأى الخطر محدقاً بالمجتمع من جرائها فما كان منه إلا أن شجع (المعتدلين) على التكتل ضد (المسعورين) وإن كان لا يزال ينطوي على أشد انفعالات المقت والحقد لكمي دي مولان. فهو الذي يقلل من انتشار صيته وذيوع إسمه؛ وهو الذي جرح كبرياءه وغروره، وهو الذي يقف حجر عثرة في طريق مطامحه السرية.

لهذا عزم على هدم الحزبين معاً، فلما كان يوم 5 أبريل كانت المقصلة قد أطاحت برأس دانتون، فلم يعد أمام روبسبير من يكبح جماحه، ويصد طاغوته.

ومضى الإرهاب قدماً لا يلوى على شيء ليصل إلى غايته المرسومة له منذ كان وهي خنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس.

ومن العجيب العاجب أنهم كانوا يرون في الإرهاب نظاماً يمهد لعهد (الفضيلة) أما المقصلة كما يقول (أولار) فقد استخدمت من أجل تصليح النفوس وعاد هذا النظام المزعوم على (روبسبير) بفائدة مزدوجة إذ تخلص من كل من يقلق باله ويعكر صفوه، كما أنه أصبح

ص: 10

يثق في تزايد شهرته منذ ذلك اليوم الذي حطم فيه نظاماً بغيظاً عند الشعب كله، وهو الملكية

ومنذ 8 يونيو، وهو يوم عيد الكائن الأسمى نكست من طراز أعلام الإرهاب والارهابيين، ومع ذلك فإن أنصار روبسبيبر كانوا يعدونه محمد بني الإسلام وكرمويل لأن الفضيلة التي أرادها لفرنسا قد ضمنت (دين الدولة الرسمي)

احتفلت فرنسا بأول عيد للكائن الأسمى سار موكبه من (قصر التوبليه) إلى (الشان دي مارس) وتصدره روبسبيير في ثوب أزرق سماوي، وأمسك بباقة من الزهور والسنابل وأحد القساوسة ينشد، والجوقة تردد دعاءه (يا رب العالمين يا من وسعت كل شيء علماً) وأشعل روبسبيير النار في صنم الكفار.

وابتليت فرنسا بطراز عنيف من الإرهاب سمي الإرهاب الأكبر أستمر سبعة وأربعين يوماً انتهى بسقوط روبسبيير في 7 يوليو؛ وقد أحصيت فيه تحت المقصلة 1376 رأساً منهما (لاقوازبيه) الذي طلب مهلة حتى يتم إحدى تجاريبه العلمية فأجابه القاضي (ليست الجمهورية بحاجة إلى كيميائيين).

واقتيد المتهمون من غير تحقيق أو تثبيت من شخصياتهم حتى لقد كان الفتى يشنق باسم الكهل. وكانت الرءوس تتساقط كالحجارة كما يقول (فوكيه تانفيل) وبانتصار فرنسا على بلجيكا أعلن زوال الخطر الخارجي مما زاد في كراهية الشعب للارهاب، خصوصاً منذ نودي على روبسبير في ساحة المحكمة (فليسقط الطاغية) الذي لم يستطع حيله في الدفاع عن نفسه بعد أن قيل له في وجهه (إنك كرمويل الجديد) وعبثاً حاول أن يبرر أعماله ويضفي على نفسه لقب (عبد الحرية) و (الضحية الحية للجمهورية)

وأستمر الإرهاب عشرة أشهر انتهى بعدها يوم أطاحت المقصلة برأس روبسبيير الذي أجج النيران الحامية وكأنما كان صوت الشعب ينادي: (يا مضرمي النار أصبحتم لها حطباً)

ومن ثم بطل قانون المشبوهين وقانون التسعير الجبري وغيرهما من القوانين، وقام الحزب الملكي الجديد، وأخذ الإرهاب لو جدنا يداً إذ حل الإرهاب الأبيض محل الإرهاب الأحمر الذي ذهب بالدم القاني وأمتزج بماء الأنهار والبحيرات

ص: 11

وكان هذا اللون الإرهابي الجديد كرد فعل طبيعي للوحشية السابقة. فأقلق ذلك لجنة الإنقاذ العام. وأتاح لها فرصة اتخاذ سياسة المقاومة في سبيل الجمهورية. فوقفت (ضد ستورد السنة الثالثة) الذي قصد به بطلان دستور سنة 1793 ذلك الدستور الذي وضعته للجمهورية لجنة الأمن العام؛ ولكنهم لم يعملوا به بل أوقفوه وقفاً تاماً واكتفوا بنظام الإرهاب وما تبعه من قوانين

ومع ذلك انهارت آمال الملكيين الذين توسلوا إلى استرجاعها بالعنف، وبالإعلانات ينشرونها في الشوارع: أيها الشعب الفرنسي أسترجع دينك ومليكك تظفر بالسلام والخبز

وفي 5 أكتوبر سنة 1795 تحرك الجيش وقوامه عشرون ألفاً وفي الغد كان نابليون بونابرت - ذلك القائد الذي لم يتجاوز السادسة والعشرين - قد أستدعي ليكون حاكم باريس، فعاد الأمن إلى نصابه. ولم تغرب شمس يوم 26 أكتوبر حتى أعلنت لجنة الأمن العام أنتهاء أعمالها، بينما كان الهتاف يشق عنان السماء (لتحي الجمهورية)

محمد محمود زيتون

ص: 12

‌صوم رمضان بين العلم والأدب

للأستاذ ضياء الدخيلي

وإذا طوينا النواحي العلمية لصوم رمضان وأقبلنا نتحسس صداه في الشعر ونتلمس أثره في الأدب العربي وجدنا رمضان عبئاً ثقيلاً على الشعراء المتحللين من قيود الإسلام الأدبية وإن كانوا اسماً في ربقة المسلمين، أقصد أولئك الشعراء الهائمين في وديان الغرام وراء الجواري والغلمان المترددين بكثرة على حانات الخمور ومواخير الفجور، قال أبو نواس يهجو رمضان ويتبرم من ظله الثقيل على أهوائه:

إلا يا شهر كم تبقى

مرضنا ومللناكا

إذا ما ذكر الحمد

لشوال ذممناكا

فياليتك قد بنت

وما نطمع في ذاكا

لقد كان رمضان كابوساً على الشعراء السادرين في بيداء الضلالة الهائمين وراء اللذات في كل واد، ساحقين في سبيل متعتهم كل القيود الأدبية. ولم يقتصر عليهم ثقل الصوم فهناك نفوس لا تتحمل الجوع ولا ترضخ لهذه الرياضة النفسية والجسمية فتثور في وجه التقاليد وتعلن تمردها على أحكام الصوم ومن ذلك ما قاله أعرابي ألزم بالصوم في مدينة جاء يزور أقاربه فيها فلم يطق الصوم وأرتحل وهو يقول:

يقول بنو عمي وقد زرت مصرهم

تهيأ أبا عمرو لشهر صيام

فقلت لهم هاتوا جرابي ومزودي

سلام عليكم فاذهبوا بسلام

فبادرت أرضاً ليس فيها مسيطر

على ولا مناع أكل طعام

وقال إعرابي آخر حضته امرأته على الصوم فأباه:

أتأمرني بالصوم لا رد درها

وفي القبر صوم يا أميم طويل

روى ذلك ابن قتببة الدينوري في عيون الأخبار. ولكن الشعراء الذين قيدتهم التربية الإسلامية وزجرتهم عن مهاوي اللهو والباطل والمغريات بالفساد كانوا يرحبون بهذا الشهر الذي فيه تدريب النفس وضبطها وكبح جماحها ففي غالية المواعظ لنعمان الألوسي قال شاعر يرحب برمضان:

قد جاء شهر الصوم فيه الأمان

والعتق والفوز بسكنى الجنان

ص: 13

شهر شريف فيه نيل المنى

وهو طراز فوق كم الزمان

طوبى لمن قد صامه واتقى

مولاه في الفعل ونطق اللسان

ولكن هذه الأبيات أشبه بكلام الفقهاء منها بشعر الشعراء. وشاء أبو نواس أن يشارك أهل الزهد في هداهم كما تبرز في ميدان الفسوق وفاق الخلعاء في غوايتهم وتهتكهم، ورغب تلميذ ولبة بن الحباب أن لا تخلو من سابقة حلبة شعرية فترك في التقوى والورع أبياتاً سيارة تنافي ما أشتهر عنه من فساد الطريقة، فمن ذلك ما رواه أبو هفان من أن العتابي لما تنسك نهي أن ينشد شعر أبي نواس فأظله شهر رمضان فدخل إليه رجل معه رقعة فيها

شهر الصيام غدا مواجهنا

فليبهجن رعية النسك

أيامه كوني سنين ولا

تفني فلست بسائم منك

فكتب العتابي البيتين وقال وددت أنهما لي بجميع ما قلته من طارفي وتليدي، فقال الرجل أنهما لأب نواس فمزق الرقعة ورمى بها. وكان أبا نؤاس بعد أن أغترف من معين اللذات بكلتا يديه عافها وزهد فيها زهد الملل والسأم لا زهد الورع والعفة فمال عن الدنيا وهو يردد بيتيه السائرين:

ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم

وأسمت مرح اللهو حيث أساموا

وبلْغت ما بلغ امرؤ بشبابه

فإذا عصارة كل ذاك أثام

وفي ديوان أبي نواس باب واسع للزهد بحثت فيه عن هذين البيتين الذين أعجب بهما العتابي فلم أجدهما، وليس هما بالجودة التي تسبغها عليها القصة فلعلهما من وضع القصاصين قاصدين الغرابة والطرافة. ولقد صادف عنف أحكام المجتمع الإسلامي في رمضان على الشعراء المتمردين على الآداب العامة - رد فعل قوي فيهم فنتج أدب ثائر صاخب على هذا الكابوس الذي حال بينهم وبين ما يشتهون ومنعهم من الاندفاع في تيارات لهوهم ومعاقرتهم اللذات، ففي عصر ازدهار الحضارة الإسلامية يصرخ أبو نواس في بغداد عاصمة الخلافة العباسية ويصخب صائحاً ممزقاً ثوب ريائه الشفاف:

منع الصوم العقارا

وزوى اللهو فغارا

وبقينا في سجون الصوم

للهم أسارى

غير أنا سندارى

فيه من ليس يدارى

ص: 14

نشرب الليل إلى

الصبح صغاراً وكباراً

وإذا غاب فتى

منا شربنا (اليادكارا)

نتغنى ما اشتهينا

هـ من الشعر جهارا

أسقني حتى تراني

أحب الديك حمار

وقوله شربنا (اليادكارا) هذه الكلمة فارسية ومعناها الذكرى أي شربنا نخب الذكرى للغائب. . . لكن أبن المعتز يتراجع عن الحان ويرد السقاة على أعقابهم احتراماً لقدسية رمضان ويقول:

ونهاني الصيام عن سفه الكأ

س فردت على السقاة المداما

فإذا تولى شهر حرمان النفس من شهواتها يهب ابن المعتز مصفقاً طرباً بحبيبته الخمر ويقول مبتهجاً:

أهلا بفطر قد أنار هلاله

الآن فاغد على المدام وبكر

وانظر إليه كزورق من فضة

قد أثقلته حمولة من عنبر

ويشاركه القاضي الفاضل في فرحته بالعيد فيقول:

قضى تحبه الصوم بعد المطال

وأطلق من قيد فتر الهلال

فدع ضيقة مثل شد الأسار

إلى فرجة مثل حل العقال

وقم هائها مثل ذوب النضار

وموج البحار وطعم الزلال

ويتبعهما بعد أجيال وقرون شوقي شاعر مصر بالأمس فيتغنى فرحاً بتخلصه من غل رمضان:

رمضان ولى هائها يا ساقي

مشتاقة تسعى إلى مشتاق

ما كان أكثره على ألافها

وأقله في طاعة الخلاق

بالأمس قد كنا سجيني طاعة

واليوم من العيد بالإطلاق

ضحكت إلى من السرور ولم تزل

بنت الكروم كريمة الأعراق

ويذكرني حنين الشعراء إلى الخمر في هذا الشهر المبارك الذي تحارب فيه الموبقات ووسائل الفساد بما نقله محمود شكري الألوسي في (بلوغ الأدب في معرفة أحوال العرب) من أن العرب في جاهليتهم كانوا يكثرون في شهر رمضان من شرب الخمر لأن الذي

ص: 15

يتلوه هو شهور الحج التي يمتنعون فيها من السكر وكانوا يعتبرون رمضان أول شهور السنة وبه يبدؤنها ويسمونه (ذيمر) ولم يعدم المجتمع الإسلامي من الظرفاء من يتماجن متحدياً أحكام رمضان الصارمة فقد قال بعض الأدباء مستفتياً الفقهاء مازحاً هازلاً وعلى سبيل الدعابة:

هذا رمضان كلنا نخشاه

من أجل الصيام

ما قولك يا فقيه في فتواه؟

عجل بكلام

من بات معانقاً لمن يهواه

في جنح ظلام

هل يفطر عندما يقبل فاه

أم صام تمام؟

فأجابه ظريف آخر لابساً طيلسان الفقهاء:

يا من سأل الفقيه في فتواه

الشرع فسيح

إسمع لكلامنا وخذ معناه

إن كنت فصيح

من بات معانقاً لمن يهواه

إن كان مليح

لا يفطر عندما يقبل فاه

بل صام صحيح

قال أبو هلال العسكري في (ديوان المعاني) كتب الحسين بن وهب إلى الحسن بن رجاء يوم شك وقد أفطر الواثق:

هززتك للصبوح وقد تهانا

أمير المؤمنين عن الصيام

وعندي من قناني الخمر عشر

تطيب بهن دائرة المدام

فكن أنت الجواب فليس شيء

أحب إلى من حذف الكلام

وقال آخر:

أقول لصاحبي وقد بد لي

هلال الفطر من تحت الغمام

سنسكر سكرة شنعاء جهراً

وننعر في قفا شهر الصيام

وقال محمد الجعفري:

هل لك في صهباء مشمولة

ليست من الدبس الذي ينبذ؟

فإن شعبان على طيبه

درب إذا فكرت لا ينفذ

وقال أحمد بن يزيد:

ص: 16

إلا فاسقياني من معتقة الخمر

فلا عذر لي في الصبر أكثر من شهر

وإن كنتما لم تعلما فتعلما

بأن زمان الصوم ليس من العمر

وحدث الصولي قال كتب علي بن جبلة إلى أبي دلف يستسقيه نبيذاً في يوم عيد الفطر فوجه إليه بما كفاه وبمائتي دينار فقال علي بن جبلة:

وأبيض عجلي رأيت غمامة

وأسيافه تقضى على الحدثان

مددت إليه ذمتي فأجارها

وأغنى يدي عن غيره ولساني

شربت ورويت النديم بماله

وأدركت ثأر الراح من رمضان

وكان لشوال على ضمانة

فكانت عطايا جوده بضمان

وقال أعرابي:

وجدنا دينكم سهلا علينا

شرائعه سوى شهر الصيام

ويحدثنا الفرزدق الشاعر أن التبرم برمضان كان حتى في العصر الأموي على قرب عهدهم بصاحب الرسالة، وطبعاً أن ذلك الضجر كان من فساق المسلمين لا من أولئك الذين كانوا يتفانون في حب الجهاد حتى فتحوا شرق الأرض وغربها وأذلوا أقوى الأمم شوكة وأمنع الناس بلاداً وأكثرهم حصونا.

قال الفرزدق:

إذا ما مضى عشرون يوماً تحركت

أراجيف بالشهر الذي أنا صائمه

وطارت رقاع بالمواعيد بيننا

لكي يلتقي مظلوم قوم وظالمه

فان شال شوال نشل في أكفنا

كؤوس تعادي العقل حين تسالمه

أشال الشيء رفعه وحمله قال أبو هلال العسكري في كتابه (ديوان المعاني) الذي فرغ من تأليفه سنة 395 هـ - ومعاني هذه الأبيات كلها مبتكرة لم يسبق إليها الفرزدق. قال وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي عن الرياشي عن أبيه:

وقفنا فلوك أننا راضنا الهوى

لهتكنا عند الرقيب نحيب

ومن دون ما نلقاه من لوعة الهوى

تشق جيوب بل تشق قلوب

على أن شوالا أشال بوصلنا

ومرتعه للعاشقين خصيب

وأنشد أبن بسام قوله يشكر رمضان إذ ساعده انشغال الناس فيه بالعبادات ففاز بأوطاره

ص: 17

وأختلس من يهواه:

سقيا لشهر الصوم من شهر

عندي له ما شاء من شكر

كم من عزيز فيه فزنا به

أنهضه الليل من الوكر

ومن إمام كان لي وصله

غلى كحيل العين بالسحر

لو كان يدري بالذي خلفه

أعجله ذاك عن الوثر

وخلة زارتك مشتاقة

في ليلة القدر على قدر

فأنصرف الناس بما أملوا

وبؤت بالآثام والوزر

وأنشد المبرد للحارثي:

شهر الصيام وإن عظمت حرمته

شهر طويل بطئ السير والحركة

يمشي الهوينا إذا ما رام فرقتنا

كأنه بطة تنجر في شبكه

لا يستقر فأما حين يطلبنا

فلا سليك يدانيه ولا سلكه

كأنه طالب ثأراً على فرس

أجد في إثر مطلوب على رمكه

يا صدق من قال أيام مباركة

إن كان يكنى عن أسم الطول بالبركة

وسليك وسلكة من عدائي العرب المتهورين والرمكة الفرس فالحارثي هذا يشكو ثقل رمضان وبطء سيره لأنه يكرهه وأعاب آخر على الناس ما يبدون من الرغبة وانقضاء رمضان وتصرمه وفي مروره بعجل التعجل بانتقاص أيام عمرهم

مضى رمضان محموداً ووافى

علينا الفطر بقدمه السرور

وفي مر الشهور لنا فناء

ونحن نحب لن ثفنى الشهور

وقد قال في نفس المعنى الشاعر الآخر

يسر المرء ما ذهب الليالي

وكان ذهابهن له ذهاب

وعسانا أطلنا الحديث وشغلنا قراء (الرسالة) الغراء بالتحدث عن رمضان الذي شغل الأدباء والشعراء طوال العصور الإسلامية ولقد بقيت في نفوسنا بقية من الحديث عن رمضان ترجلا إلى العام المقبل فإلى الملتقى

بغداد

ضياء الدخيلي

ص: 18

الطبيب المتمرن في المستشفى التعليمي سابقاً

ص: 19

‌دفاع عن الشعر الجاهلي

للأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي

كثرت في العصر الحديث مقالات الأدباء والنقاد في الزراية بالشعر الجاهلي، وتنقصه، ورميه بالقدم والجمود، والدعوة إلى تركه والانصراف عنه؛ وعيبه حينا بخلوه من الشعر التمثيلي والقصصي، وحينا بتفككه وعدم وجود وحدة للقصيدة في آثاره الفنية الباقية، وباضطراب معانيه وعدم تمثيله إلا للبيئة البدوية الجاهلية وحدها، وحينا آخر يرمونه من ناحية الصياغة واللفظ والنظم بأكثر مما يعاب به شعر قديم أو حديث.

وقد حمل لواء هذه الدعوات أدباء كان نصيبهم من دراسة الأدب العربي أو الأدب الجاهلي وحده محدوداً ضئيلاً؛ وآخرون قرءوا الأدب الجاهلي فلم يطربوا له، ولم يرتاحوا إليه، ولم يفهموه حق الفهم؛ وفريق آخر تدفعه إلى ذلك الشعوبية الحديثة التي نرى نظهرها باديا في تنقص كل ما هو عربي أو قديم والتعصب لكل ما هو غربي أو حديث.

ولا شك أن في أكثر آرائهم جوراً في الحكومة الأدبية وإسرافاً ومغالاة كثيرين. (فلكل شعر جيد - كما يقول الدكتور طه حسين بك في الأدب الجاهلي - ناحيتان مختلفتان، فهو من ناحية مظهر من مظاهر الجمال الفني المطلق، وهو من هذه الناحية موجه إلى الناس جميعا مؤثر فيهم، ولكن بشرط أن يعدوا لفهمه وتذوقه؛ وهو من ناحية أخرى مرآة يمثل في قوة أو ضعف شخصية الشاعر وبيئته وعصره، وهو من هذه الناحية متصل بزمانه ومكانه؛ فازدراء الشعر الجاهلي غلو ليس أقل إمعانا في الخطل من ازدراء الشعر الأجنبي)

إننا لا ننكر أنه تحول دون فهم الشعر الجاهلي وتذوقه صعوبات كثيرة، أهمها صعوبة لغته وأسلوبه وبعد الأمد يصور البيئة العربية القديمة وألوان الحياة الاجتماعية في العصر الجاهلي ومشاهد الطبيعة والوجود إبان ذلك العهد البعيد. ولكن ذلك لا يمكن أو لا يصح أن يصرفنا عن هذا الجمال الفني الرائع الذي نجده في الشعر الجاهلي. فضلاً عما فيه من تخليد لآثار الحياة العربية الأولى وأحداثها ومظاهر التفكير فيها. ومع ذلك كله فإن الشعر الجاهلي أقوى دعامة للعربية وحفظها وخلودها بعد القرآن الكريم.

فهو من حيث أنه صورة من صور الفن والخيال والجمال، ومن حيث أنه أساس الثقافة الأدبية والعربية؛ لا يمكن لذلك ولغيره أيضاً الاستغناء عن هذا الشعر القديم ونبذه وراءنا

ص: 20

ظهريا

في الشعر الجاهلي جمال، وهو أيضاً لا يخلو من هنات؛ وفيه روعة، وإن كنا لا نبرئه من العيب، ومع ذلك فإننا نستطيع أن ندرس المذهب الفني الذي يمثله الشعر الجاهلي، وأن نتعرف خصائصه وعناصره لنرى إلى أي حد يصح أن نجاري هؤلاء وهؤلاء من النقاد والمتعصبين على الشعر الجاهلي القديم، وإلى أي مدى يصح أن نسير في الدفاع عنه؛ فذلك اقرب إلى العدالة الأدبية في البحث والمناقشة.

أول ما نعرفه من خصائص الشعر الجاهلي البساطة والصدن والوضوح وعدم التكلف أو الإغراق في الأداء. وهذا شيء يسلمه النقاد للشعر الجاهلي تسليما، ويجزمون به؛ وهو ما يدفعنا إلى الإعجاب به واللذة الفنية حين نقرؤه ونستمع إليه، ولا يمكن أن يكون في ذلك ما يدعو إلى التهوين من شأنه، فالجمال أو أحد أسبابه لا يدعو إلا إلى الإعجاب والحب والمتعة. بل إن هذه الميزة الواضحة في الشعر الجاهلي هي نفس ما يدعو إليه نقادنا المحدثون ودعاة التجديد في الأدب العربي الحديث؛ (بعد أن أبعدوا المحدثون الشعر عن البساطة والإخلاص، وهما الصفتان اللتان كانتا حسناً له) كما يقول الدكتور ضيف.

ويمتاز الشعر الجاهلي أيضاً بالزهد في المحسنات وألوان التزيين الفني؛ وهذه سمة عالية عليه. وأدباؤنا المحدثون لا يزالون يدعون إلى هذا المذهب، ولقد كان الشعر المصري الحديث في أول نهضته مثقلاً بقيود الزخرف البديعي الموروث عن العصر التركي والعثماني وأواخر العصر العباسي، إلى أن أثر النقاد على ذلك المنهج ودعوا إلى الخلاص من آثاره، حتى برئ الشعر الحديث من عاهته، وسار طليقا إلى غاياته. وقد ظهرت في الآدب الأوربية أيضاً صبغة الزخرف الفني في العصور الوسطى، كما حدث في الأدب الفرنسي في أعقاب عهد لويس الرابع عشر، وفي الأدب الإنجليزي بعد عصر اليصابات. أفنقول بعد ذلك إن الشعر الجاهلي يعاب لهذه الحسنة الظاهرة، ويزدري لذلك الفضل الظاهر؟

ومن خصائص الشعر الجاهلي متانة الأسلوب وقوته وجزالته وأسره؛ وللبيئة البدوية أثر بعيد في ذلك، وقد سار المحدثون في العصر العباسي على هذا النهج حيناً، وحيناً آخر أغرقوا في العذوبة والسلامة والسهولة إلى ورثوا بعضها عن العصر الأموي ومدرسة

ص: 21

الغزليين التي شاعت فيه. وقد دافع بعض النقاد عن الجزالة والقوة كما دافع آخرون عن العذوبة والرقة، ووقف آخرون يحددون مواقف هذه ومواقف تلك كابن الأثير في المثل السائر وسواه، ولكن العصور الأخيرة كانت تعد العذوبة ضعفاً من الشاعر وميلا منه إلى العامية، وبهذه النظرة كانوا يحكمون على شعر البهاء زهير الشاعر المصري المشهور، ولكننا نقول للناشئين: ربوا ذوقكم الأدبي، وارهفوا مشاعركم الفنية، وتأثروا في حياتكم ومذاهبكم الأدبية بالحياة والحضارة التي تعيشون فيها، وستدركون بأنفسكم الحقيقة الأدبية في هذه المسألة الفنية. ولا شك أن عذوبة الأسلوب وسلاسته يجب أن تبرز في إنتاج الشاعر وفنه، لأثر الحياة والحضارة في نفسه؛ ومع ذلك فهذه العذوبة والرقة يجب ألا تنقلبا ضعفاً وعامية، وأن توشي بألوان من الجزالة في مواقف خاصة تستدعيها حياة الشاعر ونفسيته قبل كل شيء؛ كما يجب ألا تنقلب الجزالة حوشية وإغرابا وتعقيداً عند الشعراء الذين يحافظون على الجزالة. وأحسب أن شعراءنا المعاصرين الذين يتكلفون الألفاظ اللغوية الكثيرة البعيدة في قصائدهم إنما يفعلون ذلك تقليداً فحسب وفي مطلع حياتهم الفنية التي يكثر فيها الناشئون من التقليد؛ ولو كانت قصيدة - نهج البردة لشوقي مثلا - قد صيغت في أسلوب عذب رقيق سهل عن أسلوبها التي صيغت فيه، لكان أثرها الأدبي أعظم في نفس الأمة وذوقها ومشاعرها الأدبية، ونحن على أي حال لا يمكن أن نعيب الشعر الجاهلي لجزالته، فقد رأيت موقف النقاد من الجزالة وإعجاب الكثير منهم بها ودفاعهم عنها؛ فوق أنها أثر من آثار البيئة في الشعر الجاهلي.

ومن خصائص الشعر الجاهلي أيضاً القصد إلى المعنى في إيجاز ويسر وقلة إطناب. ولا شك أن العصور الأدبية التي تلت العصر الجاهلي وتعددت فيها ألوان الثقافات ومظاهر الحضارات قد أبعدت الشاعر عن هذا الاتجاه، ودفعته إلى الإطناب وشتى ألوان التصوير؛ ووقف النقاد حيال ذلك طوائف: طائفة تدعو إلى الإيجاز وتراه البلاغة والبيان، وطائفة تشيد بالإطناب وترى فيه جمال الفصاحة وروعة التصوير، وأخرى تحدد للإطناب مواضع وللإيجاز مواضع كقدامة في نقد النثر وأبن سنان في سر الفصاحة. ونحن لا نقول للشاعر المعاصر: آثر الإيجاز أو اعمد إلى الإطناب؛ وإنما نقول: إن أساس الجودة الفنية أن تؤدي معانيك في رفق ويسر وقلة فضول. وفي الآداب الغربية الآن مذاهب تدعو إلى القصد في

ص: 22

التصوير البياني والاكتفاء بشرح الأفكار الجديدة وحدها وترك ما عداها.

للبحث بقية

محمد عبد المنعم خفاجي

المدرس في كلية اللغة العربية

ص: 23

‌في الشعر السوداني

الطبيعة

للأستاذ علي العماري

كنت كتبت منذ عام أبحاثاً في الشعر السوداني واتجاهاته وطبيعته ثم حالت ظروف دون إتمام هذه البحوث. والآن نستأنف الكتابة في هذا الموضوع، ونبدأ بالحديث عن تصوير الشعر السوداني للطبيعة السودانية.

الأدب طابع الأمة وصورة حياتها، ومظهر عواطفها، واتجاهاتها، وسجل تقليدها وعاداتها، وهو المميز لها (إن صدق) عن كل أمة أخرى غيرها، وتظهر فيه أرضها وسماؤها وجدبها ونماؤها؛ وشرها وخيرها، وحلوها ومرها. ولكثير من الأمم نوع من اللباس أصيل فيها ورثته عن القرون البعيدة، ويعرف في كل أمة باللباس الوطني لها، وتستطيع لأول نظرة إذا كنت خبيراً - أن تدرك وطن اللابس من ملبوسه، وأن تعرف جنسه من زيه، وكذلك الأدب ولا سميا الشعر، إذا استوحى فيه الشعراء بيئاتهم، ولم يقلدوا فيه غيرهم، كان صورة صحيحة لبلادهم، ومميزاً واضحاً لهم، وإذا كنت تجد من الثياب ما يصح لأكثر من واحد من الشعوب فكذلك تجد من الشعر، فأنت تقرأ مثلا قول الشاعر:

ألا ليت الرياح مسخرات

بحاجتنا تباكر أو تأوب

فتخبرنا الشمال إذا أتتنا

وتخبر أهلنا عنا الجنوب

فيقع في نفسك، بل تكاد تجزم أن هذا شعر سوداني، أو على الأقل يقوله شاعر يعيش في السودان. مع أن قائله شاعر نجدي

والطبيعة من أخص الأمور التي تصبغ أدب الأمة بصيغتها وتطبعه بطابعها، فليس من الممكن أن يكون الشاعر الذي عاش في صحراء يضرب فيها ممسياً ومصبحاً، وتروعه وحوشها ويلذعه حرها، وينتجع فيها مواطن الماء ومنابت العشب، كالشاعر الذي يعيش على شاطئ بحر أو نهر. يتنسم النسمات العليلة، ويروى من صور الآفاق والأرض والناس ما لا يرى صاحبه، ولن يختلط الشاعران أحدهما بالآخر إلا إذا خرجا عن دائرة الشعر الأصيل إلى دائرة الشعر التقليدية، حق الكلمات ودلالتها لها آثار بعيدة المدى في طبع شعر الأمة بطابعها. فكثير من الشعوب - مثلا - يعتبر الخريف فصل الجدب تتجرد

ص: 24

فيه الأغصان، وتذبل الأزاهير، وتخلو الأرض من النبات، ولذلك يقولون للرجل إذا بلغ أقصى العمر أنه في خريف الحياة، ويقصدون من ذلك أن ما كان فيه من شباب وقوة ذهب ولكن الشاعر السوداني الذي يصدر عن عاطفة منساقة مع شعور قومه ومعبرة عما يختلج في حياتهم من خضب ونماء لا يستطيع أن يعبر عن الخريف إلا أنه شباب الزمن وفصل الحياة والنمو. كما عبرت عنه الشاعرة البدوية السودانية فجعلت فيه (الطبيعة الصامتة) والجمال الحبيب. فهذا السحاب يحثم في الشرق مؤذنا الأرض بعودة شبابها الأخضر. أو هو قد آذنها أمس وقبله، ويؤذنها الليلة بواكف مدرار. وتلك هي دجاجة الوادي ترجع كعادتها في الخريف إلى بيضها تحتضنه لتهب له الحرارة والدفء، ونقيق الضفادع يعلو في المشارع والمناهل، وأولاد الإبل تعدو مسرعات خلف أمهاتها فرحا بالخريف واستبشاراً به) وهذا في الحق تصوير رقيق لمظاهر الخريف ومباهجه التي تسري في الإنسان والحيوان على السواء.

ولسنا نعني من شعر الطبيعة أن يقول الشعراء - فقط - في المناظر الطبيعية التي تتراءى لهم في بلادهم، ولكنا نقصد أن تكون عواطفهم واتجاهاتهم مطبوعة بطابع هذه المناظر فنجد تشبيهاتهم وتخيلاتهم مستمدة من حياتهم؛ ولست تقضي العجب من هذا الشاعر الذي يتنقل بين (دادي هور) و (وادي كتم) و (صحراء العتمور) و (حدائق المقرن) ثم لا يذكر في شعره ألا ألبان والعلم والخيف من منى ووادي العقيق.

والشعر السوداني شعران: شعر الخاصة: والشعر القومي. والنظر الفاحص في شعر الخاصة يهدينا إلى أنه كغيره من شعر الأمم الشرقية مشدود إلى الشعر العربي بأربطة وثيقة ولا تكاد تجد له استقلالاً عنه. وإذا كان الشعر في بعض البلدان تحلل من تقليد الشعر العربي القديم فإنه لا يزال في السودان حفياً به مقتفياً أثره، متتبعاً خطواته، فالشعراء يبدون قصائدهم بالغزل كما كان يفعل القدماء ويقفون على الأطلال والدمن، ويستوقفون الأصحاب كما وقف القدماء واستوقفوا. . . وهكذا

وبطبيعة الحال لا تعدم في هذا الشعر الكثير الشاعر الصادق والشعر المصور فقد يصف الشاعر رحلته على الناقة، كما وصف القدماء، ويقف على الأطلال كما وقفوا، وهو مع ذلك صادق لأنه؛ مر بهذه التجارب الشعورية، وعاش فيها حيناً من الزمن فهذا الشاعر

ص: 25

السوداني حين رحل إلى وادي هور (وهو أسم واد غرب السودان، وحوله من الآثار ما يدل على أنه كان مثوى حضارة قديمة) رحل على ناقة لقي معها من عنت السفر أو مشقة الطريق ما لقي ولا شك أنه حين وقف على هذه الآثار فاضت عبراته. وتدفق شعوره، فصور ما وقع له، لم يقلد فيه غيره، ولم يصدر عن غير عاطفة، وهذا ما عرفناه من تاريخ حياته قال يذكر حبيبه:

لم أنسه إذ زارني

منه خيال ما أستقر

زار الرحال وبيننا

سير على البيد عسر

إيجاف شهر للمطى

تخوض في كثب عفر

وسرى ليال لم تذق

طعم الكرى حتى السحر

سبحان ربي أمين وا

دي النيل من دادي هور

وادي الجحاجحة الالي

عمروه في خالي العصر

وعواصم القلوم الذ

ين بذكرهم تحلو السير

زرت الربوع فخانني

صبري لذكرى من غبر

ما كان لي كبدا لسلو

ولا فؤاد من حجر

بخل الجفون على ثرى الغا

دين من إحدى الكبر

وهذا الشاعر معرم بوصف بلاده، وقد قال في كثير منها، وأشبه شعره بالشعر العربي قصيدته في (مليط) وهي مركز من مراكز درافور؛ ولا نتهمه في شعوره بل إننا نقول أنه مع هذا النهج القديم صادق الشعور.

حياك مليط صوب العارض الغادي

وجادوا ديك ذا الجنات من وادي

أنسيتني برح آلامي وما أخذت

منا المطايا بإيجاف وإيخاد

كثبانك العفر ما أبهى مناظرها

أنس لدى وحشة رزق لمرتاد

فباسق النخل ملء الطرف يلثم من

ذيل السحاب بلا كد وإجهاد

وأعين الماء تجري من جداولها

صوارما عرضوها غير إغماد

والورق تهتف والأظلال وارفة

والريح ترفع ميادا لمياد

وقد نجد الشعراء المحدثين يتجهون اتجاهاً قومياً وإن كان بعضهم ترك الأفق الشرقي

ص: 26

عامة، واتجه بعواطفه وميوله وشعره إلى أفق آخر لا يستقيم معه أدبنا. وعندي أن الأدب كالدين، فمن ترك ديننا فقد كفر بالله من ترك أدبنا فقد كفر بالوطن. وهؤلاء الشعراء المحدثون ينظمون - أحيانا. . في مناظر بلادهم. وللشاعر التيجاني يوسف قصيدة في جزيرة (توني) وهي جزيرة تقع بين الخرطوم وأم درمان خصيبة التربة. طيبة الهواء، وصفها الشاعر فأجاد، ومن قوله فيها:

يادرة حضها النيل

واحتواها البر

صحا الدجى وتغـ

شاك في الأسرة فجر

وطاف حولك ركب

من الكراكي أغر

وراح ينفض عينيه من

بني الأيك حر

فماج بالأيك عش

وقام في العش دبر

كم ذا تمازح فن

على يديك وسحر

يخور ثور وتثغو

شاة وينهق حمر

وألبهم تمرح والزر

ع مونق مخضر

تجاوب اللحن والط

حن والثغاء المسر

وهب صوت النواعير

وهو في الشجو مر

وكلها - وهي طويلة - على هذا النحو من التصوير الناطق والتعبير البسيط.

أما الأدب القومي فهو صورة صحيحة للحياة السودانية الطبيعية، ففيه الأحاديث الطوال عن السحائب الغر، التي تجود عليه بالمطر، وعن الأشجار الباسقة من سرح وسدر وجميز، وعن ضفاف النيل. وموارد الغدران والأودية، وعن الأطيار الساجعة فوق أغصانها؛ والظباء النافرة في فتن الجبال والغابات. ولنكشف هنا بمثال واحد يصور لنا أوائل الخريف وكيف أستقبله الناس والأنعام وكيف اهتزت به الأرض وربت. سأل أحد السجناء من أهل البطانة شاعرهم الحردلو عن أخبار مسقط رأسه وملعب صباه. وكان الحردلو شاعراً بدوياً مجيداً وله في الأدب القومي شأن أي شأن (وسنفرده ببحث خاص إن شاء الله) فأجاب صاحبه قائلا:

الخبر الجا قالوا البطانة أرشت

وسارية تجود حتى الصباح ما أنفشت

ص: 27

هاج فحل أمصر يصر والمنايح بشت

ديت أم ساق على حدب الجميل انعشت

فالشاعر يجيب صاحبيه بأن الخبر الذي جاء والنبأ الذي وصل إليه خبر جميل طيب. قالوا البطانة أرشت، والبطانة المكان الواقع بين النيل الأزرق والانيرا وفيه مراع واسعة، وكانت فيه قديماً مملكة مروى الشهيرة في التاريخ، والآن ينزله أثناء الخريف عرب الشكرية والبطاحين والضباينة والجمران. والبطانة مشهورة بالخصب. والشاعر جاءه الخبر أنها أرست ونزلت فيها الأمطار. وأن سحابة مملوءة بالماء جاءت عليها طوال الليل وطلع عليها الصباح ومع ذلك فلا يزال فيها المطر الغزير (وسارية تجود حتى الصباح ما انفشت) فسرت الحياة في الأرض، ومشى البشر في نفوس الحيوانات، وبدأت علائم الخصب ونزعة الإنتاج في الأرض والحيوان سواء بسواء، فاهتاج الجمل للقاح (هاج فحل أمصر بمصر وهوت إخلاف النوق بفيوض من اللبن الحبيب (والمنابح كشت وكست الأعشاب أديم الأرض، حتى لتتعشى البكرة التي عبر عنها الشاعر ببنت أم ساق وأم ساق كناية عن الناقة وهي تكنية جميلة جداً. هذه البكرة تتعشى من الأعشاب المحيطة بالمنازل ومن عادة الفصلان ألا تتوغل في المزارع والأعشاب، وتكتفي بأن ترعي قريباً من المنزل، فإذا كان العشب القريب يكفي لعشائهم فمعنى هذا أن الخصب قد عم، وهذا ما أراده الشاعر.

ولو قيض لهذا الأدب القومي السوداني من يدرسه دراسة وافية، ويقف عند مواطن الحسن فيه لجاء الأدب واللغة بخير كثير.

(يتبع)

على العماري

مبعوث الأزهر بالسودان

ص: 28

‌تطور الشعر العربي

التجديد بين البارودي وشوقي

للأستاذ حنفي داود

مضى الشعر حقبة طويلة من الزمن مهملاً، كان في أكثره لا يمثل ما وضع له: من تمثيل للشعور وتصوير لخلجات النفس وأحداث الحياة. فكان إبان عصري المماليك والأتراك أشبه بالحرفة المتبذلة منه إلى الفن الجميل الذي تهواه النفوس وتحن إليه الأفئدة، ومن أجل ذلك كانت هذه الفترة من حياة الشعر العربي تعد فترة ركود أو كمون إن صح هذا التعبير.

وإذا كان الأدب عامة والشعر خاصة يمثل التفاعل الوجداني بين الشاعر من ناحية وبين البيئة والزمن الذين يعيش فيهما من ناحية أخرى، فإن العملية الفنية التي يصدر عنها الشعر كانت مقطوعة الدائرة، مهلهلة الأوصال، ذلك لأن البيئة الأدبية في عصري المماليك والأتراك لم تكن من القوة المهيئة للفن في شيء فلم يكن حكام هذا الزمان ورجال الشأن في ذلك الوقت يشجعون الشعراء أو يحمدون ما يقدونه إليهم من قصائد يجودونها ولعل ذلك لا يقتصر على عجزهم على إدراك معاني الشعر، زهدهم عن التمدح به، فقد كانت اللغة التركية اللغة الرسمية للدولة تحتل الصدارة في هذه البيئات. كما كان الشعراء - وهم الذي يمثلون الطرف الثاني من حلقة التفاعل - محدودي الثقافة بسبب ضعف الحياة العلمية إغلاق أبوابها في وجوههم، وزهد المماليك والأتراك فيها واستهانتهم بها.

وفي أوائل القرن التاسع عشر أنسلخ العالم الشرقي من هذه الحقبة المظلمة وأستقبل عصراً جديداً هو عصر محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، فأعاد للبيئة الشعرية في مصر خاصة والشرق العربي عامة ما كان لها من قوة ومجد، ووصل ما بين الحياة الأدبية قديماً وبين الحياة في عصره، ومن هنا رأب هذا الصدع وسد هذا الفراغ حيث شجع العلماء بالإكثار من البعوث العلمية والأدبية إلى الممالك الأوربية كما شجع طلبة العلم: بفتح المدارس ومساعدتهم على مواصلة تعليمهم. وبهذا استطاع محمد علي أن يجدد الحياة العقلية، وبالتالي أن يخلق أجواء جديدة من الحياة العلمية والأدبية في الشرق العربي. فنال الشعر ما نال غيه من تطور، وكان أن ظهر بعد ذلك - صدى لهذا الإصلاح - جماعة من الشعراء كان البارودي أنبههم ذكراً وأعظمهم شأناً وأحسنهم في عالم الشعر وتاريخه نسجاً

ص: 29

وقدراً.

وأختلف النقاد حول مجدد الشعر في هذا العصر فقال جماعة: أنه البارودي بلا منازع. وقال آخرون: إن الشعر لم ينل حظه من التجديد إلا عند شوقي. واختلفت الأقوال في ذلك وتبلبلت أحكام النقاد، وكان مرد هذا التبلبل اختلافهم في مقاييس الحكم. والمنهج العلمي لا يعني بالتجديد الأبتر، بل يريد بالتجديد في الشعر كل ما يمسه من تصوير يتناول أنواعه، وأغراض تتناول موضوعاته، وأساليب تعالج ألفاظه وأخيلته، وما يأتي تباعاً لذلك من عواطف صادقة، ومشاعر حساسة.

نحن نؤمن أن للبارودي وشوقي آثاراً تجديدية في الشعر العربي لا يمكن إنكارها، ويكفيها قوة أن يعرضها المنهج العلمي في صورة تجريبية لا تقبل الجدل. ونحن في هذا نعرض الرجلين في ضوء المنهج العلمي لنحكم لها أو عليهما مقررين ما لكل من آثار في التجديد.

فقد استفاد البارودي من الشعر الجاهلي فأطلع على تراثه وقرأ في تضاعيف كتبه فأحيا ما لحقه من موات وما أصابه من بوار وكساد في السوق الأدبية. وقد كان الشعر العربي في هذا العصر مقبوراً مهجوراً لا تحيط به إلا بطون الكتب، وكان الشعراء في ذلك العصر لا يعنون بدراسة مسائله أو الانتهال من بحاره الزاخرة ومنابعه الأولى. فجاء البارودي واستطاع بثاقب فكره وثقافته العريضة أن يبعث الشعر العربي القديم من مرقده وأن يخرجه من مكمنه وبذلك أعاد للشعر سابق صولته وأهدى إليه عنفوانه وقوته ويكفينا دليلا على ذلك ما نقرؤه في ديوانه من قصائد في الفخر ومقطوعات في الرثاء ونتف في الغزل وشذرات في الوصف استطاع بها أن يكون أكبر مقلد للقدماء وأعظم مجود لأغراضهم بعد أن مضت عليهم عصور سحيقة وأزمان طويلة.

ويكفي أن تقرأ له هذه الأبيات في الفخر لتعرف كيف أوفى على القدماء في فخرياته حتى كاد يبز عمرو بن كلثوم، ومنها:

وإني امرؤ لولا العوائق أذعنت

لسطانه البدو والمغيرة والحضر

من النفر الغر الذين سيوفهم

لها في حواشي كل داجية فجر

إذا أستل منهم سيد غرب سيفه

تفزعت الأفلاك والتفت الدهر

فأنت ترى كيف جارى البارودي القدماء. ومع ذلك فلم يكن في تقليده مفلساً أو معيباً، ذلك

ص: 30

لأن الصبغة التقليدية كانت قوية في نفسه، فامتدت عدوى التقليد من طريقة التفنن في الأغراض إلى عناصر القصيدة نفسها. فتراه يقتفي آثار الجاهليين - في صناعة الشعر فهو يبدأ قصائده بالغزل كما يبدءونها وينطلق في عناصر القصيدة ولا ينسى فيها الفخر بنفسه كما كانوا لا ينسون أنفسهم.

ونحن لا نعتبره مقلداً صرفاً لسببين: أولهما: الإجادة في أغراضه ومطابقتها لواقع الحياة. وثانيهما: أن نفسه - لما فيها من استعداد وراثي، ولما يحيط بها من أجواء دافعة - أشربت أساليب هؤلاء الشعراء حتى صارت طريقة البارودي أشبه بمشاعر الجاهليين المنبعثة من النفس بلا قصد ممجوج وتكلف ممقوت

ومن هنا نقضي بما قضي به المنهج العلمي: أن البارودي بعض الشعر الجاهلي من رقدته وإن لم يجدد فيه.

فماذا فعل شوقي؟

حين تقرأ لشوقي تحس أن التجديد قد بدا واضحاً في شعره، ذلك لأنه استطاع أن يتحلل من قيود الشعر الجاهلي ومن تقاليده العتيقة فهو ولا يبدأ القصيدة بالغزل كما بدأ القدماء وفعل البارودي، وهو لا يجعل الفخر منتهى همه ومبلغ مزاجه الأدبي كما فعل أسلافه، بل يضرب بإجادته في أطباق الشعر جميعاً وهو في ذلك فضلاً عن تحرره مبتدع، أمين على أساليب الشعر: فهو يسير في (وحدة القصيدة) على طريقة قويمة - يرتضيها المحدثون - فلا يقسم القصيدة أجزاء مفككة لا تآلف بينها، وتستطيع أن تلمس ذلك في وصفه (لحادث دنشواي) فهو حين تحدث عنه تكلم عن كل ما يتصل بهذا الحادث، ذكر الحادث، وذكر شهداءه، وذكر ما قاساه أبناء دنشواي من استعباد، وماجر إلى ذلك من ويل وثبور وتنكيل بالمظلومين فقال:

يا دنشواي على رباك سلام

ذهبت بأنس ربوعك الأيام

شهداء حكمك في البلاد تفرقوا

هيهات للشمل الشتيت نظام

مرت عليهم في اللحود أهلة

ومضى عليهم في القيود العام

كيف الأرامل بعد رجالها

وبأي حال أصبح الأيتام

عشرون بيتاً أقفرت وانتابها

بعد البشاشة وحشة وظلام

ص: 31

فأنت ترى كيف وصل ما بين الأبيات في موضوع واحد هو (دنشواي) وهكذا إلى آخر هذه القصيدة. لا يكاد يخرج عن هذا الموضوع قيد أنملة كما أننا لا ننسى أن في شوقي عنصر خطيراً آخر من عناصر التجديد هو - الشعر التمثيلي - فقد استطاع شوقي بحسن ثقافته وسعة اطلاعه وبراعة تذوقه للأدب أن ينقل إلى الشعر العربي لونا جديداً من ألوانه وأن يطعمه بهذه التمثيليات التي تعد عنصراً دخيلاً في الشعر العربي، وقد كاد أن يكون خلوا منها اللهم إلا شذرات وخطرات جاءت فيه عفو وهي شاذة - والشاذ لا حكم له -

هذه التمثيليات قائمة على الحوار الشعري ومنها تمثيلية (كليوباترة) و (علي بك الكبير) و (مجنون ليلى) وغيرها.

وهذه البدعة الحسنة التي أستنها شوقي لا تزال سنة يحتذي بها الشعراء من بعده مكثرين ومقلين وخاصة المجيدين منهم؟ وبعد هذا كله لا يسعنا إلا أن نقول إن البارودي استطاع أن يبعث الشعر العربي من رقدته الطويلة، بينما استطاع شوقي أن يجدد فيه حتى ساير الشعر الغربي الحديث في كثير من شعابه ونواحيه

فماذا بعد شوقي من تجديد؟؟

(للموضوع بقية)

حنفي داود

ص: 32

‌رسالة الشعر

محاورة:

بين ريح وشجيرة

للأستاذ إبراهيم محمد نجا

مرت الريح علىحقـ

ل، وفي الحقل شجيره

فاستقرت عندها حيـ

نا، وقالت بعد فترة:

يا ابنة الحقل انظريني

تنظري في الحقل حره

ليس لي مثلك قيد

أشتكي لله أسره

خبريني يا ابنة الليـ

ل، ويا أخت النهار

خبريني أي نفع

لك في هذا القرار؟

كيف ترضين بعار الـ

قيد، أو ذل الإسار؟

لم لا تحيين مثلي

حرة في كل دار؟

أنا أعلى منك شأناً

أنا أسمى منك قدرا

هل يساوي العبد من عا

ش مع الأيام حرا؟

والذي عاش اختيارا

دونه من عاش قسرا

إن للخالق في رفـ

عة يعض الخالق سرا

أنا أطوي الكون براً

وأنا أطويه بحرا

وأنا أصعد حتى

ترجع الأبصار حسرى

ولقد أهبط حتى

لا يرى غيري مقرا

إن هذا الكون داري

وأنا بالدار أدري

أنا أمضي كيفا شئـ

ت يمينا أو شمالا

ولقد أمضي جنوبا

ولقد أمضي شمالا

ولقد أعصف حتى

يرجف العصف الجبالا

ولقد أسري فما يو

قظ مسراي الرمالا

ص: 33

إنني أسري مع الليـ

ل، ولا أخشى الظلاما

إنني أمشي على السهـ

ل، وأجتاز الأكاما

كم تخذت الروض دارا

وذرى البيد مقاما

غير أني لم أقم في

موضع إلا لماما

إنني أحيا كما أهـ

وى، وتحيين سجينه

أملأ الكون غناء

بينما أنت حزينه

وقريباً سوف تطويـ

ك يد الموت المكينه

ثم ماذا؟ ثم تبقـ

ين مدى الدهر دفينة

هكذا حالي: غناء

وانطلاق وبقاء

بينما حالك: صمت

وقيود وفناء

إنني والله أرثي

لك، لو يجدي الرثاء!

فاذرفي الدمع على حا

لك، لو يجدي البكاء!

قالت الخضراء بنت الـ

حقل في صوت رزين:

يا ابنة الآفاق يا حيـ

رى بآفاق السنين

انظري حالك إن كنـ

ت لحالي تأسفين

واذرفي الدمع على نفـ

سك، لو يجدي الأنين،

إنني أحيا هنا في

ذلك الحقل أميره

ليس يؤذيني عناء السير

في الدنيا الكبيرة

كل ما أبغيه يأتي

من يد الله القديرة

إن يكن ذلك أسراً

فانأ نعم الأسيرة!

إن طلبت الماء لي

رغبتي ماء السماء

أو أدرت النور حيتـ

ني تباشير الضياء

أو رغبت الظل ذاب

النور في ظل المساء

فلي الري الذي أهـ

وى، ولي خير الغذاء

إنني نفع لغيري

كسنا الشمس المنير

ص: 34

فأنا أنشر ظلي

وارفا وقت الهجير

فينام المتعب الحران في ظلي الكبير

وتغني الطير أسرا

باً على شط الغدير

إنني ظل ظليل

وثمار مشتهاة

أنا عش الطير تقضي

فيه أيام الحياة

وأنا أحيا بدنيا

ي كما شاء الإله

إن يكن ذلك قيدا

ليس لي قيد سواه

عاندي الأقدار إن لم

يك هذا مستحيلا!

فإذا اختارت سبيلا

لك، فاختاري سبيلا!

وإذا شاءتك إعصا

را، فكوني سلسبيلا!

وأقيمي في ظلالي

حين تبقيك الرحيلا!

إن هذا الكون سجن=مترامي الجنبات

حاولي أن تخرجي منـ

هـ إلى يوم الممات

أخرجي من أي باب

قام في أي الجهات

أخرجي إن لم تكوني

مثل باقي الكائنات

أنت في القيد، ولكن

رب قيد غير ظاهره

رب قيد كان سرا

بين أعماق السرائر

لا نره نحن بالأبـ

صار لكن بالبصائر

فانظري قيدك يا حرة، يا بنت الحرائر!

صدقيني نحن في القيـ

د، وفي الأسر سواء

كلنا نحيا لغايا

ت أرادتها السماء

قد جهلناها فعشنا

مثلما شاء القضاء

هكذا نحيا! ونمضي

حينما يأتي الفناء

لا تقولي شأنك الخلـ

د، وشأني للزوال

فأنا في الحقل أحيا

منذ أعوام طوال

ص: 35

وسأمضي عنه يوما

لمصيري ومآلي

فإذا بي أتجلى

للورى في غير حالي

فأنا العرش معدا

لمليك أو أمير

وأنا الكرسي في غر

فة منبوذ فقير

وأنا القصر الذي يعـ

لو على كل القصور

وأنا الكوخ الذي يخـ

شع ما بين القبور

وأنا عكازة الأعـ

مى التي تهدي خطاه

إنها تهديه لكن

لا يراها أو تراه

وأنا في بعض حالي

صولجان في حلاه

فاسألي الأعمى أيغـ

ني صولجان عن عصاه؟

وأنا المهد الذي يحـ

مل أطفال الوجود

وأنا النعش الذي يمـ

ضي بأبناء اللحود

وأنا العود الذي في

عطره عطر الخلود

وأنا العود الذي يلـ

قي لنيران الوقود

وأنا النار التي في

طيها روح الحياة

وأنا في طيها النو

ر مبيد الظلمات

وأنا الزورق يجري

فوق نهر أو قناة

وأنا الطنبور يجري

فيه ماء القنوات

وأنا أشياء أخرى

لست أحصيها بيانا

غير أني لست خيرا

منك، أو أسمى مكانا

فكلانا قالت الأقـ_دار كن شيئاً، فكانا

وكما شاءت له يحـ

يا عزيزاً أو مهانا

إن هذا الكون لحن

نحن فيه نغمات

إنه بحر رحيب

نحن فيه قطرات

إنه قلب كبير

نحن فيه خفقات

ص: 36

وطريق عبرته

قبلنا تلك الرفات

فاتركي الفخر، فما بالـ

فخر يعلى المرء قدره

ودعي الكبر الذي ينـ

فث في قلبك شره

وانظري الزهر الذي يـ

كب في روحك عطره

واعرفي أمرك، فالعا

قل من يعرف أمره

أطرقت من خزينها الر

يح، وقالت في حياء

سامحيني يا ابنة الحقـ

ل؛ فقد نلت جزائي

لم أكن أدري بما تد

رين من سر البقاء

وكشفت الستر عن جهـ

لي، فماتت كبريائي

سوف أمضي عنك يا أخـ

تي، فقد حان الذهاب

فاعذريني واذكريني

كلما طال الغياب

واعرفي أنك في قلـ

بي ثناء مستطاب

ووداعا، ثم ألقا

ك إذا حان الإياب

إبراهيم محمد نجا

ص: 37

‌تعقيبات

للأستاذ أنور المعداوي

لحضات جديدة مع مرجريت ميشيل:

شاهدت في الأسبوع الماضي فيلم (ذهب مع الريح) للمرة الرابعة ولا أذكر أنني شاهدت فيلماً من الأفلام أكثر من مرة واحدة. وهكذا يبدو الفن الجميل جديداً لعينيك دائماً، ولذوقك، ولمشاعرك! وحين تجتمع لقصة كهذه القصة عبقرية القلم وعبقرية الإخراج وعبقرية التمثيل، فقل إن الفن قد بلغ أوجه وأكتمل نضجه واستوى على عرش الخلود من أقر طريق!

ولقد قضيت مع مرجريت ميتشل لحظات جديدة، غير تلك التي قضيتها من قبل على صفحات الرسالة. . . والفضل في قضاء هذه اللحظات يرجع إلى الصديق الذي سألني بعد انتهاء العرض: كيف تعلل هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ القصة، ظاهرة النبوغ الذي أنبثق دفعة واحدة من أول عمل فني قامت به هذه الكاتبة الأمريكية؟! لقد تعودنا دائما أن تكون بداية الكتاب والفنانين خطوة متعثرة تدفع إلى خطوات، ولمعة باهتة تفضي إلى لمعات. . . ثم تقبل النهاية التي تنضج فيها المواهب بعد طول التجربة واكتمال المران. ولقد أتيح لي أن أطلع على أكثر القصص التي أستهل بها أغلب كتاب القصة حياتهم الفنية، فكانت ألمس بوضوح مدى الفارق بين إنتاجهم الأول وإنتاجهم الأخير، وهو الفارق بين النبع في مرحلة الانبثاق الأولى حين يقطر، ومرحلة الانبثاق الأخيرة حين يفيض. أما مرجريت ميتشل فكانت ظاهرة غير الظاهرة وطرازاً غير الطراز، وحسبها أنها حطمت القاعدة المألوفة التي سارت عليها موازين النقد ومقاييس النبوغ!

وقلت للصديق الذي سألني رداً على سؤاله: لو كنت تعلم أن لقصة (ذهب مع الريح) قصة لما سألتني. . . ومع ذلك فما أجدرك وأنت قصاص شاب يريد أن يشق طريقه أن تستمع لهذه القصة، وأن تعيها، وأن تتخذ منها درساً يهدي ومنهجاً يفيد. بل ما أجد الكثيرين من كتاب القصة أن ينتفعوا بهذا الذي أرويه لك. إذا أرادوا أن يكون لهم في مجال الفن مثل ينشدونها وغايات! لقد أنفقت مرجريت ميتشل من عمرها عشرين عاما في قراءة القصص قبل أن تمسك بقلمها لتكتب أول قصة. . . ولم يكن إقبالها على القراءة بقصد التسلية أو

ص: 38

التسرية وإزجاء الفراغ، وإنما كان هدفها اللذة الفنية والمتعة الروحية، والرغبة في صقل الملكة القاصة بهذه الدروس التي تتلقاها على أيدي الأساتذة من حين إلى حين. وكان أساتذتها هم هؤلاء الذين تقرأ لهم. وتأخذ عنهم، وتقضي معهم أكثر وقتها مفتوحة العينين والقلب والذهن. وكانت في ترددها على هذا وذاك من أقطاب القصة في أدب العالم، أشبه بالنحلة التي تقع على كل زهرة وترشف من كل رحيق. لتمد خلية الفن بأشهى الألوان من كل طعم ومذاق!

عشرون عاما قضتها الكاتبة الأمريكية في القراءة والاطلاع والدرس. ومن وراء هذا كله ذوق مرهف بلهب الحواس فتتوهج، وحياة عريضة تحرك المشاعر فتنبض، وموهبة فطرية تنتظر الوقود لتحمل المشعل وتنير الطريق. لقد أصاخت مرجريت ميتشل لصوت الفن ممتزجا بصوت الحياة، حتى لقد شغلها الصوتان عن أن تستجيب لصوت آخر هو صوت الزوج. الزوج الذي كان يصرخ في أرجاء البيت مطالباً زوجته بأن ترعى حقوق الزوجية فيذهب صراخه مع الريح! وحقوق الزوجية في رأي الزوج (الأمريكي) هو أن الوقت الذي ينفق في طهو طعامه وكي ملابسه وتنظيف بيته، أجدى على المجتمع من هذا الوقت الذي يضيع في قراءة القصص ومصاحبة كاتب من أمثال بلزاك. . . وكم هتف الزوج وقد نفذ صبره: يا عزيزتي مرجريت، متى يقع الطلاق بينك وبين زوجك الآخر؟! وترفع الذكية النابغة رأسها عن الكتاب الذي بين يديها وتقول له: آه. . . أتقصد أو نوريه دي بلزاك؟ سأطلقه عند ما آخذ كل ما عنده واشعر بأنني لست محتاجة إليه!!!

وجاء اليوم الذي كان يحلم به الزوج، وخرجت إلى حيز الوجود (ذهب مع الريح). . . أول نفحة من نفحات الكاتب الفرنسي العظيم، أستاذ مرجريت الذي درست فن القصة على يديه، وأستاذ الأساتذة في فنه بلا جدال!

وسألني الصديق بعد أن أستمع في إعجاب بالغ إلى قصة القصة: وماذا أخذت مرجريت من بلزاك؟ فقلت مؤكداً للواقع ومصححاً للسؤال: الحق أنها لم تأخذ منه وإنما أخذت عنه. . . ولهذا يجب أن تكون صيغة السؤال: ماذا أخذت مرجريت عن بلزاك؟ والجواب يا صديقي أنها أخذت عنه كيف تكتب القصة الطويلة بما فيها من رحابة الأفق وامتداد الطاقة وسلامة التصميم. لقد كان بلزاك دارس نفسيات من الطراز الأول، حتى لتستحيل النفس

ص: 39

الإنسانية تحت لمسات ريشته إلى غرفة مفتحة النوافذ والأبواب وكان راسم شخصيات لا نظير له، حتى لتطالعك النماذج البشرية في ساحة عرضه الفني كما تطالعك في ساحة العرض الكبرى وأعني بها الحياة. . . وكان يسخر الحوادث والشخوص لإبراز فكرته العامة التي ينسج خيوطها العرض والحوار، فإذا هذه الفكرة منشورة الجناحين على حدود القصة تمتد ظلالها من البداية إلى النهاية. . . وكان في التزامه لعنصر الواقعية الفنية مثلا أعلى للمراقبة الحسية والنفسية، حين تعملان في خط اتجاه فكري واحد ينتظم كل ماعداه من خطوط. . . وهكذا كانت مرجريت ميتشل!

أخذت عنه هذا كله، ومن العجيب أنها في اقتباسها من مواهبه واغترافها من مزاياه، تلتقي معه في ناحية نقص واحدة هي كل ما وقف عنده النقاد. هذا النقص الوحيد الذي يأخذه النقد على بلزاك ويأخذه على مرجريت، هو عدم التناسب بين طاقتين: طاقة التصوير وطاقة التعبير. أعني أن الأداء التعبيري عند الكاتب الفرنسي والكاتبة الأمريكية لا يرضي المثاليين من عشاق الأساليب، أولئك الذين ينشدون ضخامة اللفظ وفخامة العبارة. ولقد كان أسلوب بلزاك كما وصفه الناقد الإنجليزي الكبير إليوت، أشبه بأسلوب الكتاب الصحفيين!

معايير القيم في الصحافة الأدبية

ألم تقع في يدك مرة هذه المجلة الأدبية التي تصدر كل شهر في أحد الأقطار العربية الشقيقة؟ ألم تعجب إذ لا تجد فيها غير الغث والتافه من ذلك الأدب الذي لا يفهم، والذي يصر أصحابه على تسميته بالأدب الرمزي؟ لاشك في ذلك، بيد أن هناك في الصفحات الأخيرة زاوية خاصة، لو بحثت عنها لوجدتها تعلن أسماء أنصار المجلة خلال تاريخ معين، كما أنها تذكر أرقام المبالغ التي تلقتها من هؤلاء الأنصار تاركة قناع الحياء وهي تستجدي الليرات من أصحاب الأقلام، أو بالأحرى تبيعهم النشر بالمال! فما من أسم يذكر في هذه القائمة إلا وكانت له في المجلة قطع أدبية من هذه القطع الأدبية التي لا تفهم ولا تهضم. . .

أعرف قارئا في العراق أرسل إلى هذه المجلة قيمة الاشتراك السنوي فقط، فإذا برسالة تأتيه بخط صاحبها يبدي فيها شكره الجزيل، ويرحب به وبأدبه وبقلمه. . . في حين لم يكن له - ويشهد الله - أدب ولا قلم! ليس من شك في أن هذا الرجل قد جعله (الإدمان)

ص: 40

على هذا المسلك الخاص لا يفكر في حقيقة المشترك، بل يفتح له صدر مجلته بمجرد استلامه بدل الاشتراك أو تلك (المعونة) التي يطلبها من (الأنصار)! ولا أدري لماذا، فإن هذه المجلة لو بيعت في كل مدينة تصل إليها عشرون نسخة منها لعادت على صاحبها بالربح، والربح الوفير. . .

وأعرف الكثيرين من أصحاب الأقلام المعروفة في العراق، يأبى صاحب هذه المجلة أن ينشر أي شيء لهم لأنهم لا يرفقون مع كتاباتهم قيمة الاشتراك السنوي أو قيمة الهبة التي ينتظرها من الأنصار. . . وقد سمعت أخيراً أن الرجل قد عزم على أن يهجر بلاده ومجلته ولا يأخذ إلا ما جمع من مال!

هذا ما لا ينبغي أن تسكت عنه، أنت أيها الرجل الذي وهب قلمه للدفاع عن قيم الأدب وكرامة الأدباء

كرنيك جورج

(البصرة - العراق)

رسالة الأديب العراقي الفاضل كما يرى القراء، رسالة تضج بالشكوى وتحفل بالاتهام. . . أما الشكوى فمن إهدار القيم في مجلة تمثل الصحافة الأدبية في قطر شقيق، وأما الاتهام فموجه إلى صاحبها الذي يسلك طريقاً خاصاً لا يقره عليه كل غيور على كرامة الأدب والأدباء!

ولا نريد أن نصدق هذا الذي يقصه علينا الأديب الفاضل، لأنه لو صحت هذه الوقائع التي ينسبها إلى هذه المجلة، لترتب على ذلك أن يفقد القراء ثقتهم في رسالة الصحافة الأدبية. . . إننا نريد للصحافة الأدبية أن تسمو رسالتها فوق مستوى الظنون والشبهات، فلا يتهم المشرفون عليها بما ينقص من قدرهم وقدر الأدب وقدر الكرامة العقلية! نقول هذا ولا نريد أن نصدق هذا الذي بلغنا عن زميلة تحرص كل الحرص على أن يظل مشعلها مضيئاً بنور الفن ونور الإيمان. . . الفن الذي لا يقبل أن تكون المساومة معبره إلى القلوب والأسماع، والإيمان بهذه الحقيقة مهما تنكر لها أصحاب المطامع والأغراض!

ونكتفي بهذا القدر من الدفاع عن رسالة الصحافة الأدبية، ونمسك القلم عن العرض لاسم

ص: 41

الزميلة وأسماء المشرفين عليها إلى حين. . . نمسك القلم حتى نطمئن إلى صحة هذا الاتهام من جهة، ويطمئن الذين تمسهم كلمات الأديب العراقي إلى أننا نحرص على مكانتهم من جهة آخرى، نحرص عليها من الزلزلة التي تهتز معها المثل العليا وما يكتنفها من ثقة غالية هي ثقة القراء!

أما عن هذا الأدب الرمزي الذي أشار إليه الأديب الفاضل في رسالته، فقد أبدينا رأينا فيه وفي أصحابه يوم أن تناولناه بما يستحق من سخرية في (التعقيبات). . . وحسب الرمزيين والسرياليين ما تلقاه بضاعتهم الزائفة من إعراض هنا وهناك!

الإنتاج الأدبي بين الأصل والترجمة:

فكرة كثيراً ما راودتني وأردت تحقيقها فإليك أتجه بها؛ فكرة من لا يتقن من اللغات غير العربية ولم يهيأ له أن يلج بغيرها من اللغات، مع شوقه وشدة رغبته في الاطلاع على تلك الأفكار والمعاني الراقية لكتاب الغرب وغيرهم.

وأذكر أنك طالما ناديت بأن الإنسان لا يكون مثقفاً ثقافة كاملة إلا إذا أتقن لغتين أجنبيتين عن لغة بلاده، ليتمكن من تغذية عقله وفكره بتلك الروائع الناضجة. فهل تغني المؤلفات الأجنبية المترجمة إلى العربية بأقلام كبار الكتاب عن النص الأصلي؟ وهل لابد من وجود تفاوت بين الأصل والترجمة في الروح؟ وإذا كان موجوداً فما قيمته؟

صبرى إبراهيم النجار

(كلية اللغة العربية)

أما أننا قد نادينا بأن الإنسان لا يكون مثقفا إلا إذا أتقن لغتين أجنبيتين عن لغة بلاده فصحيح في جملته، غير أننا لا نتمسك بوجوب لغتين أو ثلاث حين تغني لغة واحدة عن بقية اللغات. . . فاللغة الإنجليزية في رأينا تعين من يجيدها على أن يطلع على أغلب الآثار الفكرية في أدب العالم، لأنها أكثر اللغات الأجنبية انتشاراً وأوسعها نقلا لمختلف الآداب والفنون. وفي الوقت الذي لا نستطيع أن نتذوق الكثير من ثمار الفكر الأوربي مترجماً إلى الفرنسية أو الروسية أو الألمانية أو الإيطالية، تيسر لك اللغة الإنجليزية هذا الأمر بما تدفع به بين يديك من ألوان الثقافات.

ص: 42

وإذا كان الأديب الفاضل يريد أن يعتمد على المؤلفات الأجنبية المترجمة إلى العربية، فليس من شك في أن الاعتماد عليها غير كاف ولو أنه مفيد. غير كاف لأن اللغة العربية لم يترجم إليها غير النزر اليسير من آثار الفكر الغربي، إذا قيس هذا الذي نقله الناقلون إلى ما لم ينقلوه بعد ولم يتح للكثيرين أن يطلعوا عليه. غير كاف من هذه الناحية ومفيد من ناحية أخرى، وهي أن هذا العدد الذي ترجم من المؤلفات الأجنبية يعطي القارئ العربي فكرة عامة عن مناهج التفكير وطرائق التعبير عند الغربيين، فكرة عامة ولا نقول فكرة كاملة. . . ولكنها كسب معنوي على كال حال!

أما عن وجود التفاوت بين الأصل والترجمة في الروح فهذا أمر لا جدال فيه، لأن لكل لغة من اللغات خصائصها البيانية وقيمها التعبيرية وآفاقها المختلفة وأخيلتها المتباينة، وكل هذه الجوانب معرضة لشيء من التغيير الذي يمس روح النص إذا ما نقل إلى بيئة غير البيئة ووطن غير الوطن. . ولكن هذا التغيير متفاوت الأثر تبعاً لتفاوت الملكة الناقلة عند الكتاب المترجمين، لأن هناك من يقضي على روح النص بركاكة الأسلوب وضعف الأداء، أو بسوء الفهم وانحراف الذوق، أو بغير ذلك من العوامل المؤثرة على حركة اللفظ وحرارة العبارة. . وضع هذا الطراز من المترجمين في كفة، لتضع في الكفة المقابلة طرازاً آخر يمتلك القدرة على الترجمة الصادقة والأداء الأمين، بما أتيح له من الإجادة الكاملة للغته ولتلك اللغة الأخرى التي ينقل عنها في حذق ومهارة. ولكن مهما بلغ المترجم من الإجادة والصدق والأمانة فإن روح النص في غير لغته لا يمكن أن تسمو إلى المستوى الحقيقي لهذه الروح في لغتها الأصيلة التي يتذوقها المتذوقون!

أنور المعداوي

ص: 43

‌الأدب والفنّ في أسبوع

للأستاذ عباس خضر

تكريم الدكتور طه حسين بك

أقام المعلمون على اختلاف هيئاتهم يوم الثلاثاء الماضي احتفالاً كبيراً في ناديهم بالجزيرة لتكريم معالي الدكتور طه حسين بك وزير المعارف.

أخذت طريقي إلى المكان الاحتفال، فما بلغت كبري قصر النيل وهبت علي نسمات النيل الرقيقات حتى أغرتني هذه النسمات بالتمهل، ورعى الله ليالي كنا (نتسكع) فيها على كبري قصر النيل، إذ لا نجد أرحب من أحضانه ولا ألين من أعطافه، وكما بثثنا النيل من بين قضبانه شكوانا، وكم أودعنا الموج آمالا كان حريصاً عليها، فلما بلغنا ما بلغناه منها لم نجده شيئاً.

ويظهر أن مشية الهوينى على ذلك الكبري تستدعي الخواطر وتبعث حديث النفس، هذه جموع المعلمين وغيرهم من المدعوين تتدفق إلى الجزيرة الفيحاء لتكريم طه حسين: قلت لنفسي: ترى لمن التكريم، ألطه حسين ذاته، أم لوزير المعارف؟ قالت نفسي: لكليهما، ألا ترى أن الرجل لم يكرمه أحد قبل أن تقبل عليه الوزارة، وأن هؤلاء المعلمين لم يكرموا وزيراً من قبله، وقد تعددت فيما مضى المناسبات التي كان طه حسين يستحق فيها التكريم قبل ذلك، وتعاقب وزراء لم يصنعوا ما صنع فلم ينهض أحد لتكريم أحد منهم، فالمسألة إذن فيها تفاعل، رجل يستحق التكريم والظروف مهيأة، وأقبلت علي نسمة يظهر أن مثيلاتها كانت تداعب أفكار الفلاسفة، إذ قفز إلى ذهني خاطر لا بأس به. طه حسين يكرم نفسه طول عمره بأدبه وعمله وقد بلغ بذلك ما بلغ، مما يقصر دونه كل تكريم، وهؤلاء المعلمون الذين يكافح هو من أجلهم، وقد أصابوا من كفاحه شيئاً وبقيت آمال في أشياء - يشعرون بواجب العرفان ودافع الوفاء لمعلم قام من بينهم وأنفلت إلى الصفوف الأولى وهو لا يزال يعيش معهم بوجدانه ومشاعره، فهم يكرمون فيه فكرة تتمثل في المعلم المكافح الساهر على مصالحهم وآمالهم في طريق المصلحة العامة والخير العام، وهو نفسه يشارك في هذا التكريم!

وأضم إلى ذلك ما قاله الأستاذ محمد رفعت بك في كلمته بالحفل إذ تساءل: لماذا لم يكرم

ص: 44

رجال التعليم طه حسين قبل توليه الوزارة وأجاب بأن هناك نظرية في الاقتصاد السياسي تقول: قد تظهر في السوق عملة زائفة يروج لها أصحابها فتتغلب حيناً على العملة الجيدة التي تكاد تختفي، حتى يجيء الحاكم الحازم فيعيد إليها اعتبارها ويقضي على المزيف. وهذا المثل الذي ضربه رفعت بك يرمز إلى الأطوار الأخيرة التي مرت بها وزارة المعارف، إذ كان بها ناس وجاء غيرهم، ثم رجع الأولون. . .

ومهما يكن من شيء - كما يعبر عميد الأدباء - فهذه حفلة التكريم، وهؤلاء المعلمون على اختلاف معاهدهم وألوان ثقافتهم يجلسون إلى موائد الشاي على أرض النادي المكسوة بالحشائش في تلك الأمسية الجميلة، والموسيقى تصدح. . . ويقف الأستاذ سعد اللبان رئيس النادي فيلقي كلمة ضافية يلم فيها بالنواحي المختلفة لشخصية طه حسين وأدبه وآرائه في إصلاح التعليم ونشره وأعقبه الأستاذ محمود حسن إسماعيل فألقى قصيدة تحدث فيها عن آمال الشعب في التعليم وما كان من المساومة في بيع العلم وشرائه - حديثا شعرياً ممتعاً، وقد حفلت قصيدته بالصور الشعرية الجميلة المطربة حتى خيل للسامعين أنه يحلق بهم في سماء النادي، والحق أنني لم أسمع ولم اقرأ لمحمود شعراً رائعاً كهذه القصيدة، فقد كان في نظري هذه الليلة شاعراً جديداً.

وألقى الأستاذ محمود غنيم قصيدة طلية الديباجة، بدأها بقوله:

أعد يا شعر أحمد من جديد

يصوغ ثناءه في أبن العميد

وأقسم ما رفعت بذاك طه

فأين أبن العميد من العميد

وأنا اسأل الأستاذ غنيم: إذا لم تكن رفعت بذاك طه فماذا قلت إذن؟ ولماذا استسلمت للحلية اللفظية التي قضت بأن يكون أبن العميد مثلا؟ إنني أعتقد أن أبن العميد ليس شيئاً إلى جانب أي كاتب من كتاب الدرجة الثانية في هذا العصر. وقد قال الأستاذ في أبيات أخرى إن طه حسين يعيد عصر الرشيد! فهل قصارانا الآن أن نعيد عصر الرشيد؟!

ثم تحدث الأستاذ محمد رفعت بك المستشار الفني لوزارة المعارف، ويظهر أنه قدر أن المقام مقام بلاغة وبيان، فاصطنع السجع في كلمته ليجاري بها في الحلبة، ولكن الأستاذ رجل مفكر وأسلوبه سهل ولا بأس به؛ فما كان أغناه عن ذلك السجع!

وبعد ذلك وقف معالي الدكتور طه حسين بك فأرتجل كلمته التي بدأها بقوله: أيها الزملاء،

ص: 45

وأريد بالزملاء الوزراء والمعلمين، فأنا منكم منذ عهد بعيد؛ وأنا وزير في هذه الأيام فكلكم جميعاً زملاء. ثم تحدث عن فضل رفعة رئيس الوزراء والوزراء في تقرير مجانية التعليم قائلاً إن الفضل الأول لتوجيهات جلالة الملك؛ وقال أنه يذيع سراً من أسرار الوزارة، هو أن الميزانية كما تعلمون ضيقة ومطالب الإصلاح كثيرة. ووزير المالية من شأنه أن يظهر الفقر والبؤس لزملائه كلما طلبوا إليه شيئاً. وقد أدى واجبه هذا نحو وزارة المعارف وخيل لوزير المعارف أن الحكومة مفلسة غداً أو بعد غد. وكان وزير المعارف قد وعد المعلمين بأن يسعى في إجابة مطالبهم، فوقف من فقر الوزير موقف الشاك أولاً والمتحدي ثانياً وقال له: إن كانت الدولة فقيرة فالمعلمون أشد منها فقراً. وأشتد الخلاف بين الوزيرين. فقلت له إن لم يبدأ الوزير بإنصاف المعلمين فسأستقيل؛ وأخيراً حل المشكلة رجلان أحدهما بكرمه وصفاء قلبه وحبه للخير، والآخر بلباقته وحرصه على التوفيق، أما الأول فهو رفعة مصطفى النحاس باشا؛ وأما الثاني فهو معالي فؤاد سراج الدين باشا

ومما قاله معاليه أيضاً: يريدني الأستاذ سعد اللبان على أن أفسر ما وصلت إليه من الانتصار على المصاعب، وأعترف مخلصاً وأقسم بين يدي الله أنني ما اعتقدت يوماً أنني انتصرت على شيء، وإذا كنتم تظنون ذلك فمرد هذا إلى أمرين اثنين؛ أولهما أنني لا أومن بأن لي حظاً من عظمة أو مجد؛ والثاني أن لي أصدقاء يدفعونني إلى حيث ترونني الآن.

وختمت الحفلة بكلمة طيبة من معالي فؤاد سراج الدين باشا.

مرتبة الشرف الأولى:

أشرت في عدد سابق إلى مسألة (الدكتوراه) التي منحت لقرينة عميد كلية الآداب مع مرتبة الشرف الأولى، فأثار ذلك حملة الدكتوراه من كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول. ولهذه المسألة قصة انتهت إلى حل.

أما القصة فيحكيها لنا هؤلاء الثائرون إذ يقولون إن اللجنة التي ناقشت رسالة السيدة التي قدمتها للحصول على الدكتوراه قررت منحها هذه الدرجة مع مرتبة الشرف الأولى والتوصية بأن تطبعها الجامعة على نفقتها واعتبارها من الرسائل التي تتبادلها الجامعة مع الجامعات الأخرى، وليس في قانون الكلية أن ترفق الدرجة بمرتبة الشرف الأولى، وجرى

ص: 46

العمل على أن تمنح درجة ممتاز باعتبارها أكبر تقدير؛ فمنح درجة الشرف الأولى معناه أن درجة (ممتاز فقط) أقل منزلة؛ ومن تمام القصة أن السيدة عينت مدرسة في قسم التأريخ بالكلية، وقد أقترح تعيينها أستاذ بالقسم لا رئيس القسم وكان هذا من مواضع الاعتراض، ولما عرض الاقتراح على مجلس الكلية وكان رئيس المجلس هو عميد الكلية زوج السيدة طلب منه بعض الأعضاء أن يتنحى عن الرئاسة وعن عضوية المجلس، فلم يفعل، وصدر القرار بتعيينها.

واجتمع حملة الدكتوراه ثائرين، وأقترح بعضهم أن يأتي كل منهم بشهادته؛ ويحرقوا الشهادات في فناء الجامعة، وقدموا احتجاجات، ورتبوا الأمر على أن يرفعوا القضية إلى مجلس الدولة

ولكن جاء الحل على يد مجلس الجامعة الذي كان معروضاً عليه أن يوافق على ما قرره مجلس الكلية من منح السيدة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأول. . . الخ. قرر المجلس حذف (مرتبة الشرف الأولى) فبقيت درجة (ممتاز) نهاية التقدير كما كانت عليه الحال من قبل.

وبذلك انتهى الاعتراض القانوني على منح الدرجة، أما مسألة التعيين فما أظن الاعتراض فيها عدا الترشيح من غير رئيس القسم، قائماً إلا على ما أريد للعميد من التحرج، فليس في القانون أن يتنحى الرئيس عن الرياسة والعضو عن العضوية، لأن أمر تعيين زوجته معروض على المجلس، ولكن العميد لم يقبل وجهة نظر من أرادوه على التحرج، ولزوجته بغي الخير.

عباس خضر

ص: 47

‌القصص

زوجة الشيطان

للفيلسوف السياسي - نيفولا مكيافيلي - الإيطالي

للأستاذ عبد الموجود عبد الحافظ

أعتاد نزلاء جهنم من الأبالسة أن يسمعوا من نزلائها من الرجال أن سبب شقائهم وتعاستهم معصيتهم التي جلبت عليهم غضب الله، فسلكهم في سقر، يرجع إلى غلطة كبرى ارتكبوها في حياتهم الدنيا، وهي أنهم تزوجوا وأحسنوا الظن بالنساء.

فاجتمع الأبالسة يوما بملكهم (بلتو) وتشاوروا في مصدر هذه الشكوى وهل الرجال صادقون في قولهم أم هم متجنون على النساء إذ لا يعقل أن تكون المرأة ذلك المخلوق الضعيف الذي أختصه الله بالرقة واللطف ومنحه الحنان والعطف وزوده بصفات الشفقة والرحمة، ووهبه الكثير من الجمال سبب كل هذه المصائب والشرور التي حلت بهؤلاء الرجال وغيرهم ممن سيفدون عليهم. وبعد مناقشات طويلة، قر الرأي على إرسال واحد منهم إلى أرض البشر، ينتحل صورة شاب وسيم ويتزوج من واحدة من بنات حواء، ويقيم معها على الأرض عشر سنوات، يعود بعدها إلى مقره في سقر ليذكر لزملائه الحقيقة بغير محاباة ولا تجن على ذلك المخلوق كسير الجناح ضعيف القوى.

فوقع الاختيار على الشيطان (تلفاغور) أحد المردة العتاة، فأرسل إلى أرض البشر بعد أن زود بقوة الشيطان وخبثه ورجسه وفسوقه، وقد حمل معه مائة ألف جنيه من الذهب، فلما نزل إلى الأرض، ظهر في صورة شاب له من العمر ثلاثون سنة وسمى نفسه (رودر بجو كاستيجليا) نجل أحد الأمراء الأسبان وأسمى الثروة عظيمي المكانة وقد تربى تربية عالية وتلقى من الثقافة الشيء الكثير.

ظهر في مدينة (فلورنسا) ليبحث فيها عن زوجة صالحة تشاركه المدة التي كتب عليه أن يقضيها على الأرض، فأتخذ مقامه في أرقى أحياء المدينة وأحاط نفسه بمظاهر العظمة والثراء، فأتخذ الخيل المطهمة والعربات الفارهة وأحاط نفسه بحاشية كبيرة من الخدم والأتباع، وهو ينفق عن سعة وسخاء عجيبين في إقامة الولائم والحفلات فلم يلبث غير

ص: 48

قليل من الوقت حتى أصبح اسمه ملء السمع والبصر في المدينة، وسارع إلى صداقته أكبر البيوتات وأرقاها في فلورنسا، وخاصة من كان عندهم فتيات يرغبون في تزويجهن ويطعمونه في الجاه العريض والثروة الطائلة.

وسرعان ما وقع اختيار (رودريجو) على الآنسة (أوتستا) ابنة السيد (أمريجو دوناتي) من كبار أغنياء فلورنسا وأعيانها ومن أحسن الأسر وأطيبها وأرفعها نسباً. ولكن الدنيا قد أدبرت عنه ولم يبق له من ثروته إلا حطام قليل يظهره أمام الناس بالمظهر الكريم.

وتمت مراسيم الزواج في حفل عظيم من الأبهة والبذخ، قل أن تجد له مثيلا. . .

ولم يمض على زواج (رودريجو) شعر العسل بين أحضان عروسه حتى هام بها حباً وأصبح حبه لها جنونيا فلا يطيق أن يراها ضجرة أو بها سأم. حتى صار ذلك المارد الجبار، عبداً ذليلاً لها وأصبحت نزواتها أوامر لابد من طاعتها، ورغباتها أحكاماً مقدسة لا مفر من الخضوع لها، فوقف ذلك الشيطان المريد نفسه وماله وراحته على إسعادها وإدخال السرور على نفسها.

لم تكن (أونستا) امرأة ككل النساء، بل كانت شيطانة في صورة امرأة ذات نزوات طائشة لا حد لها وحيل غريبة لا تنفد، وكلما رأت من زوجها هياماً بها شطت في طلباتها وغالت في رغباتها. . . فأخذت تقيم الحفلات والمآدب ببذخ كبير وإسراف زائد بحجة الترفيه عن نفسها، وهي في الحقيقة تتخذ ذلك وسيلة لتهيئة الجو لزواج شقيقتها كما احتالت على ذلك الزوج المسكين حتى أهدى لكل من شقيقتيها مبلغاً كبيراً من المال ليغري شباب فلورنسا بالزواج منهما. ولم تكتف بذلك بل أجبرته على أن يمد يد المساعدة لأشقائها ليبدءوا حياتهم العملية في التجارة. وهذا غير مصاريفها الخاصة بالثياب التي لا حد لها.

كما كانت فظة غليظة القلب في معاملة الخدم حتى أن جميع الخدم رفضوا البقاء عندها وفيهم بعض أبالسة جهنم الذين جاءوا ليرقبوا أعمال (رودريجو) في حياته الزوجية، فقد فضلوا العودة إلى الجحيم الذي يعد نعيماً بالنسبة للبقاء مع هذه الشيطانة التي قهرتهم وغلبتهم على أمرهم.

وكان الزوج المسكين لا يجد في نفسه الجرأة على مخالفة أوامرها وإشاراتها، فإذا تجرأ على ذلك ولو عن طريق الكياسة واللطف، لجأت إلى سلاحها الناعم، فسارعت إلى الدموع

ص: 49

المخزونة الجاهزة لهذا الغرض، وما أكثر ما كان يجتمع مجلس عائلة الزوجة المكون من الأب والأم والأخوة وقد ينضم إليهم بعض الجيران ليلقوا على الزوج درساً فيما يجب عليه نحو زوجته من احترام وضرورة إجابة طلباتها المتواضعة، لتستطيع الظهور بالمظهر اللائق ومركز العائلة الأدبي والاجتماعي، ولابد أن ينتهي الأمر باعتذار الزوج عما فرط فنه في حق زوجته والعمل على اكتساب رضاها ورضا العائلة بإجابة طلباتها وزيادة مع التعهد بعدم العودة إلى إغضابها مرة ثانية، وألا يتدخل في إدارة البيت ولا في شئونها الخاصة.

على هذا النمط سارت حياة (رودريجو) الزوجية حتى أستنفد كل ما جاء به من أموال والتجأ إلى الاستدانة، والزوجة من ورائه تدفعه دفعاً حتى تراكمت عليه الديون وكثر الدائنون وأصبحوا يطاردونه في كل مكان، وهو يرى أبواب السجن تنتظره، فلم يجد بداً من الفرار من وجه الزوجة العاتية ودائنيه القساة، ففي فجر يوم من الأيام أنسل من جانب زوجته واعتلى صهوة جواده وأرخى له العنان ممعنا في الهرب، وما أن انبلج نور الصبح حتى شعر بحركة خلفه فنظر فإذا زوجته والدائنون والشرطة يطاردونه، فخاف أن يلحقوا به. فالتجأ إلى كوخ رجل فلاح يدعى (جيوماتيو) فخبأه حتى مر مطاردوه، ولم يعثروا عليه، وبذلك نجا من هؤلاء المطاردين ولما عرف أنه أصبح آمنا مطمئنا، قص على (جيوماتيو) قصته من وقت أن ترك حياته الهادئة في جهنم إلى أن التجأ إليه طريداً لا يمتلك من حطام الدنيا مثقال ذرة، فرق الفلاح لحاله وتألم لما لقيه، فوعده (رودريجو) أن يكافئه على معروفه الذي قدمه له بحمايته من أعدائه وأنه سيسوق إليه الثروة والغنى من كل مكان. وأتفق معه على أنه عندما يسمع أن بنت أحد الأمراء أصابها مس من الشيطان وأن أمهر الأطباء قد عجزوا من مداواتها، فعليه أن يتقدم هو مظهراً استعداده لطرد الروح الشريرة التي تحتل جسم المريضة، فينجح حيث فشل الجميع، وعليه أن يطلب من الأجر ما يغنيه عن حياة الكد والتعب. وتركه وأنصرف وبعد قليل من الوقت شاع في المدينة أن ابنة السيد (أمبرجو أميدى) مسها الشيطان وسكن جسدها، وأم جميع ما بذله الأطباء ذهب هباء وأن ما أجرى لها من رقي وتعاويذ أخفق تماماً ولم يأت بنتيجة. حتى أن أهلها قد يئسوا من شفائها ولم يعد لهم أمل في نجاتها.

ص: 50

وسمع (جيوماتيو) بذلك فذهب إلى السيد (أمبرجو) وطلب رؤيتها فلما أدخل على المريضة أخذ يتمتم بتعاويذ غير مفهومة وبقوم ببعض الصلوات ثم أقترب من أذن المريضة وهمس فيه قائلا (روديريجو) أما زلت عند وعدك؟ فرد عليه صوت خشن قائلا: إني مغتبط بحضورك وأنا خارج الساعة. فلم تمض لحظة قصيرة حتى انتفضت المريضة وعاد إليها عقلها وصحتها وكأنه لم يكن بها شيء. ولما سئل (جيوماتيو) عن الأجر الذي يريده طلب 500 جنيه. فأخذها وخرج مشكوراً من الفتاة وأهلها جميعاً. وفي الخارج التقى (برودريجو) فقال له هذا لقد تواضعت في طلب الأجر وهذا لا يغنيك ولا ينفعك، لهذا سأحل في جسم بنت الملك (كارلو) ملك نابلي وعندما تذهب لمداواتها، أطلب مبلغاً كبيراً يكفل لك الغنى مادمت على وجه الأرض وتصبح غير محتاج لأحد، على أنك لا تتدخل بعد ذلك في أعمالي، فرضي بذلك (جيوماتيو)

لم يمض وقت طويل على شفاء كريمة السيد (أمبرجيو) حتى أصبح أسم (جيوماتيو) يتردد في كل مكان من فلورنسا وما يحيط بها من القرى بل امتدت شهرة مقدرته على شفاء المرضى بهذا النوع إلى جميع أنحاء إيطاليا.

وبينما الناس يلهجون بذكر (جيومانيو) ويتناقلون أخباره اعترى ابنة الملك (كارلو) مرض من النوع الذي أصاب ابنة السيد (أمبرجيو) فطلب الملك الأطباء ورجال الدين وغيرهم فباءوا جميعاً بالفشل، فبعث الملك في طلب (جيوماتيو) فذهب إلى نابلي فلما دخل على المريضة وتممتم بضع كلمات سرعان ما شفيت من مرضها بمقدرة تشبه المعجزات، ففرح الملك وأهل الملكة جميعاً وأكرموا (جيوماتيو) وأغدقوا عليه المنح والعطايا حتى خرج من المدنية راضيا بما أصاب من مال كثير. وفي خارج المدنية التقى و (رودريجو) فقال له الأخير، لقد رددت جميلك مضاعفاً، وأنا الآن لست مدينا لك فإياك والتعرض لي بعد ذلك فإني سوف أنتقم من بنات حواء، في المدة الباقية لي على الأرض، فوافق (جيوماتيو) على ذلك وعاد إلى بلده فرحاً مغتبطا.

وبدأ (رودريجو) انتقامه، فحل في جسم صاحبة السمو الملكي ابنة الملك لدويج الثاني ملك فرنسا، فظهرت عليها الأعراض التي ظهرت على ابنة ملك نابلي، وكان أسم (جيوماتيو) قد وصل إلى فرنسا، فأرسل جلالة ملك فرنسا إلى جيوماتيو يرجو منه الحضور لمعالجة

ص: 51

ابنته بما عرف عنه من مهارة فائقة، ولكن (جيوماتيو) أعتذر بضعفه وكبر سنه وطول السفر، فلم يجد الملك بدأ من اللجوء إلى ملوك إيطاليا ليحملوا (جيوماتيو) على الذهاب إلى فرنسا، فكان له ما أراد.

فلما وصل (جيوماتيو) إلى باريس ومثل بين يدي الملك، أخبره بخشوع أن مهارته في طرد الأرواح الشريرة محدودة إذ أن كثيراً منها تكون من الدهاء والخبث بحيث يتعذر عليه طردها. عند ذلك غضب الملك وهدده بالقتل، إن هو لم يستطع شفاء ابنته، فخاف جيوماتيو وارتعدت فرائصه فقبل أن يرى المريضة، فلما اختلى بها همس في أذنها قائلاً (أنت هنا يا روديجو) فسمع صوتاً ليس غريباً عنه يقول:(وماذا تريد؟) فجمع (جيوماتيو) شجاعته وتوسل إليه أن ينقذه من ورطته وينجيه من غضب الملك، ولكن الشيطان لم يلن قلبه، فأجابه في قسوة وعناد: ألم نتفق على ألا تعترض طريقي؟ وماذا تريد بعد أن نلت جزاء ما قدمت لك وأصبحت من الأغنياء المعدودين، فبأي حق تطلب مني مزيداً، وحق (بلوتوم) لن أتركها مهما عملت ولا يهمني أن يقتلك الملك صلباً أو حرقاً.

فلما رأى (جيوماتيو) أن تضرعاته ذهبت أدراج الرياح وأن توسلاته لم تجد نفعا مع هذا الشيطان المريد، ترك المريضة واختلى بنفسه يفكر في مصيره، فهداه التفكير إلى خطة يتبعها معه، فذهب إلى الملك وطلب منه أن يدعو جميع رجال الدين والأمراء وكبار رجال المملكة في احتفال كبير يقام فيه عرش فاخر موشى بالحرير ومطعم بالذهب، وأن يحضره هو ورجال حاشيته وأن تعزف فيه موسيقى الحرس والجيش وأن يكون الكل على استعداد صباح يوم الأحد. فأمر الملك بإعداد كل ذلك. وفي الوقت المحدد حضر (جيوماتيو) وأمر فرق الموسيقى أن تعزف أقوى الألحان صدى وأفظعها صوتاً ثم أحضرت المريضة وأجلست على العرش، فلما رأى (رودريجو) كل ذلك همس في أذن (جيوماتيو) قائلا: ما هذا؟ هل تظن أني أخاف هذا الجمع؟ وهل فاتك إنني تعودت قسوة نيران الجحيم وشدة عقاب جهنم؟ فهل هذا يرهبني أو يخيفني؟ سترى ما يكون.

وما كاد الشيطان يفرغ من كلامه حتى أشار (جيو) إلى الفرق فدقت الطبول وأرتفع صوتها وعلا صياح الأبواق في الجو وعزفت جميع الفرق نغمات مزعجة وهي تتقدم بخطى ثابتة إلى المكان الذي تجلس فيه سمو الأميرة، فسأل الشيطان صديقه عما حدث وما سبب كل

ص: 52

هذه الضوضاء المزعجة؟ فأجابه (جيوماتيو) قائلا: ما كنت يا صديقي العزيز أريد إزعاجك وتكدير صفوك ولكن ما حيلتي وأنا أرى زوجتك مقبلة لتعود بك إلى منزل الزوجية بعد غيبتك الطويلة؟ فما كاد الشيطان يسمع أسم زوجته حتى فقد صوابه واضطربت حركاته وضاقت عليه الأرض بما رحبت فسأل صديقه (جيوماتيو) عما يفعل حتى لا يعود مع زوجته، فنصحه بأن يولي هاربا فلم يكد (جيوماتيو) ينتهي حتى شعر بطيف الشيطان يمر مسرعاً ورأى الأميرة قد صرخت بصوت عال، ثم عادت إلى رشدها دهشة مما ترى وسألت عن سبب هذا كله، فأخبروها كل شيء.

وعاد (رورديجو) ذلك الشيطان اللعين إلى سقر ليقص لمليكه وزملائه أبالسة الجحيم ما لقي من هذه الزوجة، وليرثي لأبناء آدم مما يلقون من بنات حواء.

(أسيوط)

عبد الموجود عبد الحافظ

ص: 53

‌البريد الأدبي

ذكرى جبرائيل تقلا باشا

انطوت سبعة أعوام منذ مات المغفور له جبرائيل تقلا باشا، ومن عجب أن تطوى ذكرى هذا الرجل العظيم معه، فلا يجرى ذكره اليوم حتى على ألسنة الذين أحسن إليهم وبوأهم من الشهرة مكاناً عليا.

والحق أن تقلا باشا كان من الرعيل الأول الذين خدموا الصحافة العربية، وإذا كان قد سبقه رجال عظام من أمثال المرحومين الشيخ علي يوسف ومصطفى كامل باشا وأمين الرافعي بك، فقد كان جل اعتماد هؤلاء الأعلام على صحافة الرأي، أما الصحافة الخبرية فلم ينهض بها أحد مثل تلك النهضة التي أضطلع بها تقلا باشا.

ولقد وقفت النهضة الصحفية عند الحد الذي تركه هذا لم تتقدم خطوة واحدة، وكل الذي حصل أن القارئين لم يعودوا يعتمدون على صحيفة واحدة يطالعونها، ومن ثم لم يعد في وسع صحيفة بعينها أن تقول إنها الصحيفة الأولى. وإذا كان هذا ما عناه تقلا باشا في ثورته الصحفية فقد أحسن، فليس من مصلحة القارئ ولا مصلحة المحرر أن تستبد بهما صحيفة واحدة تلمي على الأول آراءها وتدفع في ذهن الآخر أن ليس لم مرتزق فيما سواها.

ولقد كان في وطاب الرجل مستحدثات أخر، أعجلته الحرب عنها فأرجأها حتى حين، ثم طواه الردى فماتت بموته إلى حين.

ولقد كان تقلى باشا صحفياً حتى أخمص قدميه، وكان يعرف كل شيء عن الصحافة، كما كان بصيراً بالصحفيين يكاد يحصي أسماءهم جميعاً ويحيط علماً بكل واحد منهم ويدرك مدى نشاطه أو خموله فهو قد أحاط بهذه المهنة ودرسها من كل أقطارها.

كان يعمل ساعات الليل الأخيرة، يسأل عن هذا المقال، ويبحث هذا الخبر، حتى إذا اطمأن أوى إلى فراشه قرير العين. واذكر أنني جالسته مرات فكان يقول لي: ماذا لا تكتب في موضوع كذا؟ أو لماذا تركت النقطة الفلانية في موضوع كذا؟ وهذا دليل على أن الرجل كان أديبا فوق زعامته الصحفية.

وأذكر أنه عتب عليّ إذ كنت أتناول الموضوعات الإسلامية في صحيفته بشيء من

ص: 54

التحفظ، وأحسب أنه قال لي: إذا كنت أنا مسيحياً فإن جريدتي إسلامية.

ولعل الناحية الإنسانية أو الناحية الشخصية مغتمضة في رجل على غرار تقلا باشا لأن الناس لا يعرفون عنه سوى الناحية العامة، ولكن الإنسان إذا تبطن هذا الجانب من حياة الرجل فسوف يلقى عجباً.

وحسب الإنسان أن يدرك أنه ابتنى - وهو مسيحي - مسجداً في ضيعته بالمنوفية، وإذا قلت له في ذلك، قال إن الأجير الذي يتقي الله ويتعبد له لابد أن يخاف الله في عمله، فلا يعمل إلا بما يرضى الله.

ويحضرني الساعة أن سيدة جليلة من قريباته ماتت في الإسكندرية في مطلع عام 1940، فذهبت إليه أعزيه، ثم رأيته بعد أيام في الإسكندرية فإذا هو مشغول الذهن بأشياء لم أدر كهنها، ولكن لم يمض غير بعيد حتى عملت أن تقلا باشا ورث مالاً جليلاً من قريبته التي قضت، بيد أن شيئاً من هذا المال لم يدخل جيبه ولم يحتجزه لنفسه، وإنما فرقه بين الجمعيات الخيرية في الثغر، غير مفرق بين جنسياتها ولا بين أديانها ما دامت رسالتها - واحدة - هي رسالة الخير.

وقبل وفاته بأيام، زرته في مكتبه فإذا هو ينوء بأثقال من الهم، عرفت مظاهرها من وجهه، وغابت عني بواطنها، وإذ سألت في ذلك صفيه وخليله المغفور له أنطون الجميل باشا لم يحر جوابل، ولكن حين مات الرجل عرفت أن هذا الرجل العظيم كان يرهق نفسه في العمل، وهو واقع تحت ظروف شخصية لا يكاد يحتملها بشر.

ولا احسبني بصرت برجل يحترم معاونه ومساعده في عمله، وينزله من نفسه منزلة سامية، كما بصرت بتقلا باشا مع صديقه أنطوان الجميل باشا، فإنه لعمري ما كان يقدم على عمل دق أو جل حتى يستشير أنطوان باشا ويتلقى موافقته ومباركته، ولقد حدثني أنطوان باشا غداة موت هذا الرجل العظيم بأنه لم يختلف معه على أمر قط. ومما ساقه مساق المثل على مبلغ ما كان بينه وبين تقلا باشا أن وفداً من جمعية القرش زاروه - أي زاروا تقلا باشا - وطلبوا إليه أن يتبرع بمبلغ لمشروع مصنع الطرابيش فسألهم: بكم تبرع أنطون باشا؟ قالوا بجنيهين. فأجابهم: إذن فأنا أتبرع أيضاً بجنيهين.

ولو أن التقاليد الصحفية التي أستنها تقلا باشا بقيت لما أشتكى (قادة الرأي) من حيف لحقهم

ص: 55

أو ظلم طاف بساحتهم. ولكن المؤسف المحزن أن هؤلاء الصحفيين الذين يجأرون اليوم بشكايات الناس ويطالبون بإصلاح الحال، هم أول الشاكين الذين تنو بظلاماتهم صحائف صحفهم!

ويوم مات تقلا باشا رأيت أنطوان الجميل باشا يتنزى ألم ووجيعة وكأنه المهجة الدامية والعاطفة الحرى، وقال يومها لمن عزاه من الناس: لقد فقدت صديقي الذي استخلصته من الدنيا وكذلك كان تقلا باشا من الآحاد الذين قل أن يجود بمثله الزمان.

منصور جلب الله

أفلامنا والرذيلة:

أعتقد أنني لا أكون مبالغاً إذا قلت أن كثيراً من أفلامنا تدعو للرذيلة وتحصن على الابتذال وأن الرجل الحريص على أخلاق أهله يجب أن يحول دونهم ومشاهدة مثل هذه الأفلام الخليعة.

ولا سيما هؤلاء الذين هم في دور التكوين وسن المراهقة حيث تتأثر العقول وتخفق القلوب حينما تظهر على الشاشة تلك المواقف المثيرة. . . عناق. . . وضم. . . وقُبلَ. . . وأغاني أقل ما يقال عنها أنها تحريض صريح للفجور. . . وأظن أننا لا ننسى أغنية مطرب كبير حيث يقول (كل شيء ممنوع في الدنيا إلا الحب). . ولقد روى لي مدرس أنه دخل السنة الثالثة الابتدائي فوجد الطالبات يرقصن ويرددن أغنية حديثة حيث تقول إحدى مطرباتنا فيها (رايداك والنبي رايداك). . . وقس على ذلك من (حموده فايت يا بنت الجيران) لغيرها من هذا القبيل. وفي أفلامنا يكشف البطل عن الطرق التي يستطيع أن يوقع فتاه في حباله كما تستطيع البطلة أن تكشف الحيل التي تستطيع بها أن تغافل أهلها لتخرج لمقابلة عاشقها وهكذا. . .

فما دامت شركات الأفلام لا يهما إلا ما تكسبه ولو كان ذلك على حساب الأخلاق. . . وما دامت الحكومة لا تعتبر هذه المناظر والأغاني خارجه عن حدود الفضيلة فإننا نتجه إلى الآباء الحريصين على أخلاق أولادهم وبناتهم ليتخيروا الأفلام الملائمة حتى لا نلقنهم عن طريق الأفلام طرق الرذيلة وحتى لا نعود فنندم حيث لا ينفع الندم إذا أنحرف الشاب أو

ص: 56

انحرفت الفتاة تحت تأثير أفلامنا وأغانيها. . .

أنور عبد الملك

كلية الحقوق - جامعة فؤاد

ص: 57