المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 891 - بتاريخ: 31 - 07 - 1950 - مجلة الرسالة - جـ ٨٩١

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 891

- بتاريخ: 31 - 07 - 1950

ص: -1

‌إسماعيل صدقي باشا

كان صدقي باشا رحمه الله عظيما ما في ذلك خلاف بين خصومه وشيعته، ولا بين أمم الناس وأمته وكانت عظمته من العظمات التي توهب مع الفطرة وتولد مع النفس، فليست من صنع الظروف ولا من عمل الحزبية ولا من أثر العصبية ولا من نتاج المال ولا من خداع المنصب نمت مع جسمه نمو العضو، وسمت مع نفسه سمو الروح، وترجمت عنها في جميع أطوار عمره، وفي شتى ضروب عمله، فحولة في تفكير، وبطولة في الجهاد، ورجولة في الحكم

تميز صدقي باشا على نظراته ببراعة الذهن وقوة الحجاج وسداد المنطق وشجاعة القلب؛ فكان في الأدب كابتاً في العربية والفرنسية عميق التصور دقيق التصوير، تقرأه وأنت خصمه فلا يسعك إلا أن تعجب له وتعجب به

وكان في السياسة عملياً واقعياً لا يتأثر بالعواطف ولا يؤثر بالأماني؛ إنما كان يقود الخاصة ويسوق العامة إلى الخطة التي ترسمها المنفعة، وإلى الغاية التي يحددها الواقع

وكان في الحكم عارماً حازماً يقظاً جريئاً يقود السفينة في العباب المضطرب والأفق المكفهر فلا تزعزع يديه القويتين عن سكانها وثوب إعصار ولا شبوب نار ولا مساورة حوت

وكان في العمل دءوباً كسوباً يشارك في الاقتصاد القومي بالرأي الصائب واليد المصرفة والجهد المنتج؛ فكان له في كل مشروع شرع، وفي كل شركة أعضاء، وفي كل جمعية إمامة

وكان صدقي باشا في تاريخ وطنه فصلا قيما لا تقرأ فيه غير الجد؛ وفي نهضة قومه رائدا صادقا لا تجد وراءه غير الخصب. وكان من سبقه في الجهاد أن نفي مع الثلاثة في مالطة؛ وكان من فضله في السياسة أن قبل مع الاثنين تصريح 28 فبراير؛ وكان من توفيقه في الحكم أن سن وحده قانون التسوية العقارية، وهذه هي الأركان الثلاثة التي قام عليها استقلال الدولة برفع الحماية، وسلطان الأمة بوضع الدستور، وعمران البلاد بحفظ الملكية وصيانة الثروة

ثم كان صدقي باشا مثلاً فذاً في رجال العصر قل أن تجد له أشباها فيما غير من الدهر الطويل. كان لا يشغل ذرعه بسفساف الأمور ولا بخسيس الأنصبة ولا بوضيع المطامع.

ص: 1

وكان لا يحب الوقوف على الهامش ولا الدروج على الشاطئ؛ إنما كان يسير قدما في الصلب، ويسبح دائما في اللجة. ثم كان عزيمة لا تنكل حتى في ضراوة الخطب، وحيوية لا تفتر حتى في وقذة الداء، وعبقرية لا تخبو حتى في غشية الموت

ذلك هو الرجل الحق الذي يجب أن يجعله كهولنا مثلا ويتخذه شبابنا قدوة

(المنصورة)

أحمد حسن الزيات

ص: 2

‌المستعمرة الذرية

للأستاذ محمد محمود زيتون

قالوا (العلم لا وطن له) وهم بذلك أرادوا ألا تدنس السياسة أقداس العلم، ومحاريب العلماء، بل أرادوا ألا يتأثر العالم في علمه وبحثه بأي عامل سياسي أو جنسي أو ديني حتى يتحقق للعلم استقلاله، ويؤدي رسالة النهوض بالإنسانية إلى ما يخفف عنها أعباءها، ويختزل الصعاب التي تواجهها.

وهذا ما يفهمه كل إنسان على ظهر هذا الكوكب المعمور، فليست عملية حسابية أو تجربة كيميائية أو ظاهرة طبيعية أو عملية جراحية مما ينسب إلى وطن بعينه، وإنما هو الفكر الواحد الذي يسود مظاهر العلم بعيداً عن حدود الزمان والمكان، ولذلك يقال في معرض التفرقة بين العلم والفن: العلم موضوعي الفن شخصي.

ومع ذلك تمخضت نزعة الجنس الألمانية عن (الكيمياء النازية) فكانت من الأصداء المعكوسة للاستقلال العلمي، فارتكست ألمانيا في قرار غير ما كانت تريد وتأمل مع ذلك العظمات التي شيدت أركانها وشدت بنيانها.

فإذا عرفنا أن الكون في شتى صوره ليس إلا شيئين هما: الإنسان والطبيعة، استطعنا أن نقول إن الإنسان في محاولته التعرف على الطبيعة إما راغب في معرفتها كما هي عليه فذلك هو العلم، أو كما يريدها هو فذلك الفن.

وتبدو الطبيعة للإنسان في بادئ عهده بها كلاً لا يتجزأ، فما يزال يتقرب منها حتى يدور حول هذا (الكل) ليعلم تفاصيله وأجزاءه، وبذلك ينتقل من إدراك الصورة الكلية (الجشتالت) إلى العناصر والأجزاء، ويكون هذا التحطيم من عمل الفكر، وإن لم يكن له في الوجود وجود، حتى إذا تحقق كان الفكر أسبق شيء إلى توهين القوى، وتحليل الكامل.

وما دام الإنسان في تصعيده قدماً في معرفة الطبيعة يعترف على نفسه بالجهالة كلما تبين له الخطأ فيما كان يزعمه صواباً، فلا شك أن هذا الجهل الذي لا يرضاه يحفزه بطبعه إلى التعمق والتفحص والتمرس بالطبيعة حتى يحطم كيانها، ويفتت أجزاءها، ويحلل عناصرها بعد أن كانت في نظره البدائي (طاقة كلية).

وهذا هو ما يعرفه كل متتبع للتطور العلمي، والتصاعد الفكري للإنسانية في شتى

ص: 3

أعصارها. ألم تكن (الذرة) سراً خفياً، وجزاءا لا يتجزأ، ثم إذا بنا أمام ثورة فكرية هائلة على هذا الجمود، فطالعنا علماء الطبيعة بتحطيم الذرة وانقسامها، حتى لقد سارعوا إلى توكيد ذلك عملياً بما سموه (القنبلة الذرية) التي تشرفت بها (هيروشيما) البائدة فأصبح عاليها سافلها كأن لم تغن بالأمس، ثم انفضت الحرب، ووضعت أوزارها، فإذا بجزيرة (بيكيني) تهتز براً وبحراً وجواً، ومن يدري ماذا سيكون بعد الذي كان، وما لم يكن، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟

لسنا نشك في أن (الثورة الذرية) ستغير من جميع أوضاع الحياة الإنسانية في مظاهرها تغييراً بدت آثاره بين ظهرانينا الآن، أما الأيام القادمة فليست غير توكيدات عملية صريحة لهذه الآثار.

كانت النظرة الإنسانية إلى الطبيعة شاملة غاية الشمول، عامة كل العموم. ثم صرنا نقول: الشرق الغرب، ولكل (كتلة) هو موليها، وهناك القارات فإذا بالقارة الواحدة تنقسم إلى قسمين، فأصبحت أمريكا أمريكيتين، وانشطرت من ثم كل واحدة إلى مالا عداد له من الولايات. وهكذا الحال في الهند والصين وفي غير الهند والصين.

قد يقال إن النواة البيولوجية هي أصل الانقسام، ولكن عاملا جديداً دخيلا له أكبر الأثر في كل انقسام وهو (الاستعمار) الذي وجد لنظرية (فرق تسد) مركبا سهلا وهو تحطيم الذر فأتخذها ذريعة للوصول إلى غايته.

لقد استأثرت أمريكا - وهي دولة الاستعمار العصري - بأسرار التحطيم الذري، ولم لا يكن لهذا السر أصداء بقيت هي في الواقع (ظواهر) للطاقة الكامنة. فالكهرباء كانت لا ندري عنها غير ما يظهر لنا من نور وحركة وحرارة، فانحطمت هذه الطاقة، وأنكشف سترها وخافيها، ولم تعد طلسما يعيب العقول ويحير الألباب.

وكذلك (الوحدة السياسية) التي توافر عليها كثير من العوالم الجغرافية والتاريخية والجنسية والاجتماعية، تأخذ هذه الوحدة في التقدم والنمو حسب مقدراتها الخاصة والعامة، ولكن كيف تقف أمريكا وغيرها من الدول الدائرة في فلكها إزاء هذه (الوحدة) في عصر الذرة؟ وكيف يصح في الأذهان الذرية أن يظل شعب واحد على ما هو عليه من تماسك وتضافر في عصر انحلت فيه كل قوة، وانشقت العصا، وحل التخاذل والانحلال مكان التساند

ص: 4

والاستقلال؟ بل كيف يكون الفرد الواحد متماسك الوعي، ثابت الاتزان، متكامل الوجدان؟

شق ذلك على المستعمرين الذريين، فالتمسوا السبيل إلى تحطيم الفرد بتحطيم الأعصاب، فأصبح موزع الشعور، صريع الهوى، شتيت الفكر، غريب القلب والعقل واليد واللسان، ودفعهم إخلاصهم (لهذه البشارة) إلى تفتيت كل وحدة، وتحطيم كل قوة، وتفريق كل متماسك، وتصديع كل ما هو (كل)، وتفرعوا بهذه البدعة الجديدة من الحروب التي لا تعرف الزحف والأدبار، ولا الكر والفر، حرب لا يحمى وطيسها مبادئ، ولا يعقد ألويتها زعامة، ولا يحرص عليها إيمان، تلك هي (الحرب الباردة) التي توحي بها السياسة العقربية التي شعارها (تلدغ العقرب وتصئ).

ومظاهر التحطيم واضحة في كل مكان: فالحكام في البد الواحد معتدلون ومتطرفون، وفي البرلمان الواحد أصحاب يمين وأصحاب يسار، وفي الدولة الواحدة أُصلاء ودخلاء. فهذه دول مغلوبة على أمرها، توزع الاستعمار نفوذه فيها، ويزكي بعضه بعضا، ويدفع معور عن معور كما يقول الشاعر. وهذه فلسطين ظلت كتلة واحدة حتى دس الاستعمار أفاعيه، فشطرها إلى عرب ويهود، ثم إلى يهود من الشرق وآخرين من الغرب؛ وأخيراً إلى يهود عصابة شتيرن ويهود عصابة فيومي.

وهذا وادي النيل يعملون على فصل شماله عن جنوبه، وأندنسيا يقسمونها بين الهولنديين والوطنيين، واليونان يشطرونها بين الثوار والآمنين. واجتاحت الصين شيوعية حمراء تقاومها عناصر صفراء، وكوريا يفصلون شمالها عن جنوبها ويحرضون هؤلاء بهؤلاء.

وبينما تنتظم الكتل السياسية المزعومة تباعا في هذا العصر الذري مثل كتلة (الينلكسي) وكتلة البحر البلطي، والكتلة الغربية الديمقراطية في مواجهة الكتلة الشرقية الشيوعية، بينما يكون ذلك، نرى الخطر يحدق بالدول الصغرى التي ليس لها في هذا النزاع الدولي القائم، ناقة ولا جمل. ولعلها لا تنخدع بنخوة التكتل والتجمع، ونشوة التحالف المقنع. فليحذر دعاة الكتلة الأفريقية.

اللهم إن كل جامعة تقام بنيانها على غير أساس لا تقوم إلا على شفير منهار، إذ الأساس الذي يجب أن يدعم حقا هو الضمير النقي السليم الذي يستحضر مركباته من خوف الله، وحب الناس، وعمل الخير، ورعاية الحق، ودفع الشر، وهدم الباطل. بهذا لا تكون

ص: 5

السياسة، وسياسة الأنانية بالذات، هي الباعث على التجمع والائتلاف، ويوم لا يكون هم العالم إلا الدفاع أو الهجوم فقل على الإنسانية وتراثها ألف سلام.

والأركان السليمة التي لا تتصدع مهما تكن عوامل التعرية إنما يدعمها الدين المتين، واللغة القومية، والهدف النبيل، والماضي المؤلف، والأمل المشترك، وتلك هي (الجامعة الإسلامية) التي وضع بعض لبناتها دعاة القوة في ماضينا أمثال: الأفغاني ومحمد عبده ومصطفى كمال، والتي لن يكون للعالم المترنح خلاص إلا بها، فقد اكتملت معداتها، وتهيأ لها الفرد، واكتمل فيها الدستور، واتضحت الوسيلة والغاية، وتغلغل الإيمان بها في كل قلب، واستنار العقل بما عنده وعند غيره في الماضي والحاضر، وليس إلا دور النزوع والخروج من حيز الأمل إلى ميدان العمل، العمل الإيجابي المنتج في غير تراجع أو نكوص. أما (جامعة العرب) فلم يغمض الاستعمار عنها جفنة. ونحن لا نستطيع جدالا في أصالتها وتعمق جذورها، وستظل إلى وقت غير بعيد إرهاصاً يبعث جديد لأمها الكبرى (جامعة الإسلام) وهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها.

ولن يغيب عنا أن سياسة الاستعمار الذري أو التحطيم العصري تتربص بنا، وتنغل في الداخل والخارج بشتى الأساليب ما ظهر منها وما بطن، غير أن البداهة المنطقية تقول إن القوة لا تفنى إلا بالقوة و (لا يفل الحديد إلا الحديد) والحكمة تقتضي أن أتغدى بالعدو قبل أن يتعشى هو بي.

وليس ببعيد أن تقوم دول الاستعمار جملة لا فرادى، ومتضافرة لا منفردة، وقد رفعت بعض أحقادها وضغائنها على الرفرف ووضعت أيديها في يد الشيطان في سبيل الشيطان، وبذلك وحده تواجه أهدافها بقوة واتحاد، متحايلة حينا، صريحة سافرة حينا آخر، فتجتمع على الأسلاب والغنائم ثم تنصرف إلى أوكارها تتوزع الجراح، وتقتسم الأشلاء، والدماء الزكية الطاهرة تسيل من أشداق الوحشية الذرية. . .

هذه هي (هيئة الأمم المتحدة) هل تزيد صورتها شيئا عن (عصبة الأمم) وهل تغيرت مبادئ ولسون شيئا بتغير الزمن عن ميثاق الهيئة؟. كلا غير أن شيئا واحدا يجب ألا ننساه هو أن العصبة الجديدة قد تمخضت عن القرن العشرين أو قل القرن الذري. وأخشى ما نخشاه أن يتحول العالم في القريب غير العاجل إلى جزيرة بيكيني ليكون اسمه الجديد

ص: 6

(المستعمرة الذرية).

وبذلك وحده يصبح العلم لا وطن له، والحضارة لا أصل لها، وتتناثر في الفراغ أجزاء الطبيعة وأشلاء الإنسان وأضواء العلم

وتلك سياسة مرسومة سهرت عليها شهوات أهل الباطل في غفلة من مفاخر أهل الحق وتكالب على تخاطيطها ورسومها شراذم الشذاذ والأفاقين، فلنبحث عنها في (قاموس الوحوش)

محمد محمود زيتون

ص: 7

‌الشيخ محمد عبده كفاحه ونجاحه

للأستاذ محمود الشرقاوي

في يوم 11 يوليو من سنة 1950 توفي المرحوم الإمام الشيخ محمد عبده، وقد بقي أسم الأستاذ الإمام بعد موته كما كان في حياته اسماً عالي الذكر حتى ليكاد يذكر إلى جانبه ما قاله المتنبي عن المجد:

وتركت في الدنيا دوياً كأنما

تداول سمع المرء أنمله العشر

كان أسم الشيخ محمد عبده في حياته وبعد موته عالي الذكر، وكان شخصه في حياته وبعد موته عظيم الأثر.

فلم كانت للشيخ الإمام هذه المنزلة في الحالتين. . .؟

ترك الشيخ عبده مؤلفات كثيرة، منها شرحه على نهج البلاغة، وشرحه مقامات بديع الزمان، وشرح على البصائر النصيرية في المنطق، وتفسير جزء (عم) والإسلام والنصرانية، وهو مجموعة مقالاته في الرد على هانوتو جمعت في كتاب، وله كتاب ترجمه عن الفرنسية في النهضة الأوربية، ولكن هذه الكتب كلها ليس لها، في رأيي، سوى قيمة جزئية محدودة. وبعض هذه الكتب لا يعرفها ولا يقرؤها الآن أحد، حتى تفسيره الذي جمعه المرحوم الشيخ رشيد رضا، رغم قيمته الذاتية وشهرته، يصدق عليه أيضاً هذا الوصف الذي ذكرته عن بقية كتبه.

لم كانت، إذن، للشيخ هذه المكانة حياً وميتاً.؟

أعتقد أن شخصية الشيخ وكفاحه هما اللذان جعلا له هذه المنزلة في تاريخنا وتاريخ الشرق الحديث.

وقد كان يتخذ كتبه تلك ومحاضراته ودروسه ومقالاته وسيلة من وسائل كفاحه وتمكين دعوته الإصلاحية وبثها والعمل على نماء غرسها.

كافح الشيخ، عندما عين محرراً أول للوقائع المصرية، لإصلاح الأداة الحكومية وإرشاد الحاكم والمحكوم فكان من أقوى المكافحين.

وكافح، معارضا، الثورة العرابية، لأنه كان من دعاة التطور التدريجي، ولأنه كان متوجساً من الحركات العنيفة، ولأنه كان، أيضاً، سيئ الرأي في زعماء الثورة، وخاصة عرابي،

ص: 8

فلما خرجت الثورة عن كونها حركة من الجيش ضد ما يراه ظلماً وهضماً، وانتقت إلى أن تكون حركة من الأمة كلها ضد الإنجليز، انحاز الشيخ إلى جانب الثورة مع وطنه، فكان في معارضته وتأييده من أقوى المكافحين. وحوكم، بعد فشل الثورة بوصف كونه من زعمائها وحكم عليه بالنفي سنوات ثلاث، وكان إذ ذاك في سن الثلاثين.

وكافح، مع أستاذ جمال الدين في بارس، حين أنشآ مجلة (العروة الوثقى) كافح مع أستاذه ضد الظلم وضد الأستعمار، وكانت مجلتهما هذه، التي لم يصدر منها سوى بضعة عشر عددا، من أكبر أسباب القلق عند الإنجليز والفرنسيين، ومن أكبر عوامل التنبه واليقظة عند المسلمين والشرقيين.

وكافح في لندن متحدثاً وخطيباً في مجلس العموم، وسفيراً غير رسمي لدى رجال السياسة والصحافة من الإنجليز، في سبيل استقلال مصر ووفاء الإنجليز بوعودهم في الجلاء عنها.

وكافح في بيروت في سبيل النهوض بالتفكير والتحرير الذهني، وبيروت كانت في ذلك الوقت قطعة من الإمبراطورية العثمانية، الإمبراطورية التي كانت يحكمها السلطان عبد الحميد وتخضع لجبروته وسطوة جواسيسه الذين لم يكونوا يكرهون شيئاً مثل كراهتهم لكل تفكير وكل حرية.

وكافح في سبيل إصلاح التعلم الديني في مدارس الإمبراطورية العثمانية وفي سبيل إصلاح ولاية سوريا، وكتب في هذا وذاك إلى والي بيروت وإلى شيخ الإسلام في الأستانة.

وكافح في سبيل أن تدرك الأمة الإسلامية، والإسلام عنده جامعه، أن تدرك هذه الأمة حقوقها قبل حاكميها. حتى قال هو عنه نفسه أنه كافح (والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظلم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد)

وكافح، في مجلس شورى القوانين، وكان عضوا، دائما فيه، في سبيل تمكين سلطة الأمة والتوفيق بين المجلس وأصحاب السلطة، وتنفيذ أكبر عدد ممكن من القوانين الإصلاحية.

قال، وهو في إنجلترا، عن الخديو توفيق (إنه مهد لدخول الإنجليز مصر؛ ولذلك لا يمكن أن نشعر نحوه بأدنى احترام، إننا لا نريد خونة، وجوههم مصرية وقلوبهم إنجليزية.!؛، قال ذلك عن توفيق ونشره في صحيفة إنجليزية، وتوفيق يحكم مصر، وهو منفي عنها يتمنى لو يعود.

ص: 9

وقف في وجه الخديو عباس، وكانت بينهما مودة، عندما أراد عباس أن يخلع على مفتى المعية، الشيخ محمد راشد، كسوة التشريفة، وكانت القوانين لا تجعله مستحقاً لها، رد على الخديو أمام شيخ الزهر والعلماء رداً قاسياً جعل الخديو يتغير وجهه غيظاً ويقف حتى ينصرف من حضرته الشيوخ.

ووقف موقفه المشهود ضد رغبة الخديو عباس أيضاً في صفقة البدل التي كان يريدها للخاصة.

وكافح كفاحه الأكبر في سبيل إصلاح الأزهر وإصلاح العقيدة. وفي الكلمة التي قالها الخديو عباس عند تنصيب الشيخ الشربيني على الأزهر وتعريضه الجارح بالشيخ عبده حتى حمله على الاستقالة من مجلس إدارة الأزهر، في هذه الكلمات القاسية التي ألقاها الخديو عند ذاك ما يدل على ذلك المدى الذي بلغه كفاح الأستاذ الإمام في سبيل رأيه وعقيدته.

أي ملك في جلدك. . .؟

كلمة قالها السيد جمال الدين لتلميذه الشيخ عبده. ولعلها أقوى كلمة وأصدق كلمة وصف بها الشيخ، فقد كانت له أخلاق ملك.

شخصية قوية بل مسيطرة، ومروءة، وشجاعة، ووفاء، وكرم فياض، ومحبة للخير، ودؤوب في العمل للخير العام، وتجرد من كل منفعة وغاية ذاتية. ودماثة خلق، وسماحة، وبر بالضعيف، ورقة جانب.

تلك كانت صفات الشيخ عبده وخصائص نفسه، وهو بها، جدير بهذه المكانة المرموقة التي بلغها في مصر والشرق، وأجمع عليها الناس بعد أن أدركوا هذه الصفات عنه.

هل نجح الشيخ عبده في كفاحه هذا. . .؟

لقد كافح وتحدى وقاوم جميع القوى التي وقفت في طريقه وطريق دعوته الإصلاحية أو السياسية.

وأية قوى كانت. . .؟. كان منها الإنجليز أول الأمر، وكان منها الخديو ورجال السلطان في الأستانة، وشيوخ الأزهر، وعوام الناس، وطائفة كبيرة من الصحف. وكل من يمالئ هذه القوى ويتبعها ويتملقها ويسير في ركابها.

ص: 10

كانت كل هذه القوى مجتمعة أحيانا ومتفرقة أحيانا، تصده، وتتحداه، وتنوشه، ولكنه كافحها جميعاً متفرقة ومجتمعة. وكانت خصومات هذه القوى للشيخ لا تخلو، في كثير من الأوقات، من العنف والقسوة والإسفاف، ولكنه غالبها جميعاً مغالبة الرجال. وهو، هنا، قد نجح.

أما نجاح دعوته فأعتقد أن دعوته الصحفية قد نجحت، من ناحية الأسلوب والمستوى نجاحاً كبيراً، ودعوته السياسية نجحت من الناحية النظرية، وكذلك دعوته لتنبيه الشعب إلى حقوقه. أما دعوته لإصلاح الأزهر وإصلاح العقيدة فقد نجحت خارج الأزهر أكثر مما نجحت في داخله.

لقد قال حافظ إبراهيم، يرحمه الله، في رثائه البارع للأستاذ الإمام هذا البيت: -

زرعت لنا زرعاً، فأخرج شطأه،

وبنت، ولما نجتن الثمرات

وحقاً مات الشيخ ولما يجتن ثمرات كفاحه، وأعتقد أننا - بعد هذه السنين الخمس والأربعين من وفاته - لما تجتن ما ينتظر من ثمرات، ولعلنا نجني في المستقبل أكثر مما جنينا من الثمرات التي غرس بذورها الشيخ الإمام.

هذا الرجل المخلص، الشجاع، الجلد، المتفاني، الذي قضى عمره كله يكافح الجبروت والطغيان والفساد والجهل، مات فقيراً جهد الفقر. ولا يمكن، في وطننا، أن يموت رجل هذه صفاته، إلا فقيراً. وعاشت زوجه من بعده معيشة ضنكا، لم يرفه عنها في ختام حياتها سوى تلميذه الوفي أستاذنا المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرزاق، رحمه الله، ورحم أستاذه الإمام.

محمود الشرقاوي

ص: 11

‌مع حافظ في ديوانه

بمناسبة ذكراه

للأستاذ عبد الفتاح بركات

سلام على شاعر النيل، مازال ذكره حبيباً، تهتز له المشاعر بالطرب والإعجاب، ولقد أطل (يوليه) فبدا لي كأنه طيفه الأغر على حافة الأفق، يدعوني إليه؛ وما هي إلا نقلة من قدم حتى وجدتني أجالس حافظاً في (الديوان) أستمع إلى حديثه، وكم في حديثه من عذوبة تخلب، وسحر يفتن. . . قلت. . . لقد تميز جيلكم بالثورة في كل شيء. . . في السياسة، والأدب، والاجتماع. فأحدثتم حياة جديدة هي منة في أعناق الاخلاف جعلت لكم حق التقديس والإكبار. . . ولعل قضية المرأة كانت أبرز معالم تلك الثورة إذ تناولها بالبحث والنظر كثير من قادة الفكر وأرباب الرأي، وإذ ذكرت تلك الصفوة الممتازة فشاعر النيل منها في الصف الأول. فماذا يرى؟

قال - رأيت في المرأة أنها الأصل والمجتمع أثر لها، متأثر بها، فهي الأم الوالدة، والأستاذة المرشدة، وأن أفضال الجماعة من غرسها، وأوزارها من بذرها؛

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعباً طيب الأعراق

وتلك مقدمة نتيجتها أن تربى المرأة تربية صحيحة صافية، وطريقة ذلك إذا أردناه أن تكون الشرقية غربية في العلم والثقافة. بهذا خاطبت (ملك) حين بكيتها:

أني أرى لك سيرة

كالروض أرجه الزهر

قد كنت زوجا طبة

في البدر عاشت والحضر

غربية في علمها

مرموقة بين الأسر

واسترسلت فمجدت في شخصها صواحب الرأي والفكرة: لله درك إن نثرت -. . . .

أما حريتها - يعني المرأة - فقد أردتها مقيدة محدودة بعرف الإقليم والدين.

أنا لا أقول دعوا النساء سوافراً

بين الرجال يجلن في الأسواق

يفعلن أفعال الرجال لواهياً

عن واجبات نواعس الأحدافي

وبحيث لا تفيض شرقيتها وتضيع. قلت عن (ملك)

شرقية في طبعها

مخدورة بين الحجر

ص: 12

وكأنه أحس بي ميلاً إلى الكلام فأرتفع صوته بعض الشيء وهو يقول - حذار أن تظن بي رجعية تجذب نظرتي إلى الوراء فهذى قوافي الثوائر تنقض على راث التقاليد، وعتيق العادات هادمة محطمة، ترفع عن المرأة الإصر، وتفك من عنقها الغل،

ليست نساؤكم حلي وجواهراً

خوف الضياع تصان في الأحقاق

ليت نساؤكم أثاثاً يقتنى

في الدور بين مخادع وطباق

تتشكل الأزمان في أدوارها

دولا وهن على الجمود بواق

وأنا بين التقييد والإطلاق لا أبغي غير الوسط والاعتدال.

فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا - فالشر في التقييد والإطلاق وأن تكون التربية قائمة على أسس وطيدة من الفضيلة والأخلاق

ربوا البنات على الفضيلة إنها - في الموقفين لهن خير وثاق وعلى ضوء ما قدمت بين يديك طوقت أجياد نسوة المظاهرة أيام الثورة الكبرى بقصيدة صيغت كلها بالثناء والإكبار. وصفوة ما أقوله في المرأة أن البيت خير مستقر لها، وهو عالمها الأفضل، وبحال جهادها الأكبر.

في دورهن شئونهن كثيرة - كشئون رب السيف والمزراق

ولا يغيبن عن البال أن هذا هو ما قال فيلسوف الشرق والإسلام (جمال الدين).

قلت - ولكن قيل عند أنك كنت عائما على السطح لا تغوص في القاع وغالى أهل هذا الرأي فرووا عنك أبياتاً قلتها في رثاء (قاسم أمين بك) سلكت فيها مسلكاً حياديا فلم تتعرض لأفكاره في المرأة بالتأييد أو التفنيد وتلك هي الأبيات:

ورأيت رأياً في الحجاب ولم

تعصم فتلك مراتب الرسل

الحكم للأيام مرجعه

فيما رأيت فنم ولا تسل

فإذا أصبت فأنت خير فتى

وضع الدواء مواضع العلل

أولا فحسبك ما شرفت به

وتركت في دنياك من عمل

فقال - وماذا كان يراد مني يا فتاي. . . لقد أتيت بما لا يمكن غيره؛ فالقول رثاء يرسل لفقيد، ودموع تنثر على قبر، والرثاء من قديم مدح باك، وعلى هذا الدرب سار الشعر العربي حديثه وقديمه، لم يحد عنه. وما كان لمثلي أن يخرج على أسلافه القدماء وأقرانه

ص: 13

المحدثين ليهدم رجلا يبكي عليه ويتحسر، أو ليهبه التأييد المطلق وهو يكن في نفسه رأيا خاصاً قد يخالف ما بغي (قاسم) وارتاه. فأكون كما قلت:

وهذا يصيح مع الصائحين

على غير قصد ولا مأرب

وما أسلفت كاف لتجريد الأبيات من وجه الاستدلال فلا تنهض حجة على أفكاري وآرائي، وإلا فلماذا لم يتكرر مثل هذا الموقف مع السيدة (ملك)؟

وإنه لواجب أن تحاط علماً بأن كتاب (قاسم) في المرأة أحدث هزة عنيفة، وقيل عنه حينذاك بأنه يدعو إلى الحرية المطلقة؛ وكم في هذه الدعوة من جرأة جديرة بأن تكون عذراً يصرفني عن قراءة الكتاب.

فالأمر لا يخرج عن كونه تبايناً بين رأيين. أما الرجل نفسه فعلم شامخ من أعلام نهضتنا الحديثة له قدره وخطره، وإثم في حق الوطن كبير لو لم أرثه وأبكيه إذ فقدناه، ولقد فعلت فوفقت. . . وتعابثت بشيء في يدي، وأنا أتلو بصوت خفيض - كأني أحدث نفسي. . .

لمحت من مصر ذاك التاج وألقمرا

فقلت للشعر هذا يوم من شعرا

يا دولة فوق أعلام لها أسد

تخشى بوادره الدنيا إذا زأرا

أعزي القوم لو سمعوا عزائي

وأعلن في مليكتهم رثائي

وأدعو الإنجليز إلى الرضاء

بحكم الله جبار السماء

وهنا التفتت إلي وفي نظرته القوية آيات الاحتجاج ثم قال - ماذا؟: ماذا تريد؟

قلت - أما أنا فلا أريد شيئاً. . . وإنما هناك من يريد أن يؤاخذنك على قصيدتين: إحداهما في مدح (إدوارو السابع) والثانية في رثاء الملكة (فكتوريا) ومنها هذه الأبيات.

قال - يا محدثي. . . إنما هي نزعة إنسانية جارفة تحكمت في شعري السياسي تحكم القضاء في أبن الفناء، فجعلتني أمدح العدو وأرثيه، ولا يستطيع منصف ناقد أن يعيب على مسلكي فقد مدحت الإنجليز في بلادهم وحاربتهم في بلادي عنيفاً قاسياً، وليس هذا في شرعة الحق بمستنكر، وهاتان القصيدتان إن دلتا على شيء فإنما تدلان على خصلة حميدة في شعب مصر تعلى من شأنه وترفع؛ فهو لا يحارب في الأجنبي جنسيته وإنما يحارب فيه أخس طباعه وهو استعماره للبلاد، واستعباده للناس. . . ولكل امرئ يعلم مقدار حبي لأمة اليابان وإعجابي بها، ولكن ذلك لم يمنعني مطلقاً من أن أقف في الحرب بينها وبين

ص: 14

الروسيا موقفاً إنسانياً يفر منه الضمير، فنعيت على الفريقين أن يتخذا آلات التدمير والهدم.

عز ريل هل أبصرت فيما مضى

وأنت ذاك الكيس الأمهر

كذلك المدفع في بطشه

إذا تعالى صوته المنكر

ومثل ذاك كثير.

. . . وإلى هنا انتهت جلسة ممتعة هي في حساب العمر أسعد أوقاته؛ وما كنت أود أن تنقضي، ولكن من من الناس نال كامل مبتغاه.

طنطا

عبد الفتاح بركات

ص: 15

‌إلى معالي وزير المعارف

للأستاذ كامل محمود حبيب

أرأيت - يا سيدي - يوم أن زفت لنا البشرى السعيدة، يوم أن تقلدت منصب الوزارة؟ لقد وجفت - إذ ذاك - قلوب، واستبشرت قلوب.

وجفت قلوب لأنها تعلم في غير شك أن فيك قوة جبارة إن قالت فعلت، وأن فيك صلابة عاتية إن وعدت أنجزت، وأن فيك جرأة عارمة إن هامت انطلقت، وأن فيك بطولة صارمة إن انطلقت مرقت. فاستولى عليهم الرعب خيفة البطشة الكبرى، وعصف بهم الفزع خشية الرجفة العظمى.

ولكنك كنت طيب القلب سمح الخلق كريم السجايا رقيق العاطفة، فقذفت بالنقمة جانباً، فقربت نفراً منهم إلى نفسك، وحبوتهم بالخير، وأغدقت عليهم من الفضل؛ فاطمأنت النفوس وهدأت القلوب ونام الجزع؛ غير أن أياديك البيض لم تستطع أن تستل غلاً قديماً سرى في العروق، ولا أن تستلب ضعفاً دفيناً اختلط بالدم.

فلا عجب - يا سيدي - أن تكون - كدأبك أبداً - سماوياً في رأيك، علوياً في خواطرك؛ ولكن لا تجعل الأفعى تحس بالدفء في يوم قر.

وبذلت جهد الطاقة لتحل قضية المعلمين، واستنفذت غاية الوسع لتهدئ من روعهم؛ وأحسوا هم منك العطف فشكروا لك الجهد الضخم، وشعروا بالحنان فحمدوا لك الهمة العالية. ولكن فريقاً من الذين وجفت قلوبهم لدى البشرى السعيدة اتخذوا من فضلك دعاوة يروجون بها لأنفسهم ويبهرجون بها لأشخاصهم، ابتغاء لمنفعة شخصية أو طلباً لمصلحة خاصة. وأنت تعلم ما يضطرب في قلوبهم وتسمع ما تخفق به أرواحهم.

فلا عجب أن تكون معهم - كدأبك أبداً - سماوياً في رأيك، علوياً في خواطرك؛ ولكن لا تجعل الأفعى تحس بالدفء في يوم قر.

وطفرت بالعلم الطفرة العظمى، الطفرة الموفقة التي عجزت القرون الطوال عن أن تأتي بمثلها، ففتحت باب المدرسة للمقل وذي الحاجة بعد أن أوصده الصلف وأغلقته الكبرياء. فاهتزت الدنيا واستبشر الناس. ولكن الذين وجفت قلوبهم لدى البشرى العزيزة. . . الذين وجفت قلوبهم - يا سيدي!

ص: 16

ولا عجب أن تكون - كدأبك أبداً - سماوياً في رأيك، علوياً في خواطرك؛ ولكن لا تجعل الأفعى تحس بالدفء في يوم قر.

واستبشرت - يا سيدي - قلوب وجدت فيك - منذ زمان - العميد والأستاذ والمرشد واستخفها الطرب فهفت نحوك أرواحهم، وحاموا حواليك يباركون العهد الذهبي؛ ثم غمرهم السرور حين تفتحت أيامك عن مثل الزهر شذي وعطراً وشملتهم البهجة لأن يدك الرقيقة مسحت على الأرض الجرداء فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.

فكن - كدأبك أبداً - سماوياً في رأيك، علوياً في خواطرك؛ فضمهم تحت جناحك وأفض عليهم من حنانك.

وأشرعت أقلام تستحثها قلوب استبشرت بالبشرى السعيدة. . أشرعت أقلام تحوطك بالإجلال في أخلاص، وتحفك بالإكرام في محبة، لا تبتغي إلا أن تكون أنت في السنام والرفعة.

فكن لهم - كدأبك أبداً - سماوياً في رأيك، علوياً في خواطرك؛ فضمهم تحت جناحيك وأفض عليهم من حنانك. . . وكن - يا سيدي - كدأبك أبداً. . .

(الإسكندرية)

كامل محمود حبيب

ص: 17

‌الغزالي وعلم النفس

للأستاذ حمدي الحسيني

لست حديث العهد بالإمام الجليل حجة الإسلام أبي حامد محمد الطوسي الغزالي. فقد قرأت له وقرأت عنه في ماضي السنين قراءات كثيرة.

ولكنني شعرت بالأمس وأنا أقلب صفحات كتابه النفيس (إحياء علوم الدين) أنني حديث العهد بناحية جديدة من حياة الرجل العلمية وهي ناحية معرفته النفسية. فاندفعت إلى بحث هذه الناحية في كتابه هذا بحثاً رجعت بعده معتقداً كل الاعتقاد بأن الرجل لم يكن مسلماً متصوفاً مجاهداً بقلمه ولسانه في سبيل يقينه فحسب، بل كان عالما نفسياً أيضاً بتأمله الذاتي الذي قضى فيه السنين الطوال مستعيناً بالعزلة الفكرية والخلو الجسمية في منارة جامع دمشق تارة وفي جوف الصخرة المشرفة في القدس تارة أخرى. يتأمل في ذاته ويدرس نفسه، يحلل عواطفه وسلوكه وخواطره ونزوعه. ولا نعني بقولنا أنه كان عالماً نفسياً ما نعنيه إذا قلنا إن فرويد أو ادلر أو يونج عالم نفسي. فالغزالي عالم إسلامي صوفي ذكي القلب عالي الهمة غزير المادة لمع في سماء العالم الإسلامي وهي ملبدة بغيوم الفوضى الدينية والاضطراب السياسي فرأى من واجبه أن يكون مصلحاً فأنبري للإصلاح الديني يدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة فدفعته الرغبة في الإصلاح إلى التأمل في النفس البشرية التي يريد إصلاحها في الأمم الإسلامية المضطربة بين النزعات السياسية الداخلية القائمة بين طلاب الحكم من الفاطميين والعباسيين والغزوات والعسكرية الواقعة على البلاد الإسلامية من قبل السلاجقة والصليبين فرأى أن يبدأ بنفسه يتأملها فتكون نموذجاً لهذه النفوس البشرية الحائمة الحائرة بين الحياة والموت تطاردها الحوادث فلا تدري في أي أرض تحيا ولا في أي أرض تموت. فأوصله التأمل المتلاحق في الوقت الطويل إلى معرفة حسنة ببعض الخصائص النفسية والطبائع الإنسانية، ودراستنا لهذه المعرفة على نور علم النفس الحديث ترينا أثر المجهود الفكري قواعد نفسية تتماشى جنباً إلى جنب مع القواعد النفسية الحديثة. وإخراج هذه القواعد النفسية التي وصل إليها الغزالي بتأمله وتفكيره وبحثه ودرسه فدونها في كتابه إحياء علوم الدين ومقابلتها يمثلها من قواعد علم النفس الحديث ومصطلحاته هو الغرض الذي رمينا إليه في دراستنا لهذا

ص: 18

الموضوع الجليل.

ولنشرف الآن على مدينة طوس بخراسان في منتصف القرن الخامس الهجري فنرى في بيت من بيوتها عائلة فقيرة يعلوها رجل غزال ولكنه متدين متفقه رقيق القلب. . . يبكي ويتضرع كلما سمع عظة فيها تهديداً ووعيد، يحس في نفسه بالخضوع والانقياد لله، ويحس برغبة التعبير عن هذا الخضوع والانقياد وعظاً وإرشاداً فيخونه جهله ومقامه الاجتماعي فيروح متمنياً على الله أن يرزقه أبناً واعظاً يسد به نقصه ويحقق بواسطته رغبة كبتها الجهل والفقر في نفسه، فمن الله عليه وضاعف في المنة، فرزقه بدل الولد ولدين فسمى الكبير محمداً وهو وموضوع بحثنا، وسمى الثاني أحمد وهو عالم كبير. حرك الوالد في نفس الطفلين الخضوع والانقياد لله ونقل إليهما رغبته في أن يكونا فقيهين واعظين. ولكن الوالد قد لحق بربه وخلف طفليه في الحياة الموحشة المضطربة القاسية ضعيفين فقيرين فكفلهما صديق للوالد فقير غزال، فأنفق الصديق الوصي على الطفلين ما تركه أبوهما من المال القليل ثم أدخلهما تحت ضغط الحاجة مدرسة ينالان منها القوت بصفتهما من طلاب العلم في تلك المدرسة الخيرية التي أسسها الرجل العظيم نظام الملك فيما أسس من المدارس الكثيرة في ذلك الزمان العصيب. كان الإمام أبو حامد الغزالي يشير إلى هذا بقوله:(طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله). فأصبح الطفلان عالمين كبيرين وفقيهين عظيمين وواعظين خطيرين.

تعلم الإمام الغزالي في طوس ثم رحل في سبيل العلم إلى جرجان ثم إلى نيسابور حيث برع في الفقه والمنطق والفلسفة فتولى التدريس في المدرسة النظامية في بغداد مرة من الزمن انكمشت بعدها نفسه عن العمل فترك التدريس وذهب إلى بيت الله الحرام فحج ثم توجه إلى بيت المقدس فجاور الحرم القدسي حقبة من الزمن عاد بعدها إلى دمشق فاعتكف في زاوية بالجامع الأموي ولبس الثياب الخشنة وقلل طعامه وشرابه ثم رجع إلى بغداد واعظاً مرشداً ثم عاد إلى خراسان ودرس بالمدرسة النظامية في نيسابور مدة يسيرة عاد بعدها إلى طوس فاتخذ فيها إلى جانب داره مدرسة للفقهاء وزاوية للصوفية وزع وقته وجهده عليهما حتى توفاه الله.

وما دمنا قد ألممنا هذه الألمامة العامة بحياة الغزالي فقد أصبح من الحق أن نعرض لهذه

ص: 19

الحياة الحافلة بمواضع الدرس والتحليل على رغم قلة سنيها وضيق أفقها فندل على بعض ما فيها من مواضع تعين على فهم تلك النفسية التي أنتزع منها الغزالي أقواله التي رأينا فيها قواعد نفسية تنطبق على قواعد علم النفس الحديث انطباقاً إن لم يكن تاماً في العرض والجوهر فهو تام ولا شك في الجوهر كامل في المعنى.

نحن وإن كنا لا نعرف مما في أيدينا من الكتب عن شخصية الغزالي في أدوار حياته المختلفة ما يكفي لتحليل شخصيته تحليلا نفسياً صحيحاً ولكننا نعرف جيداً أن والد الغزالي كان فقيراً جاهلا يشعر بالضعف فساقه الشعور بالضعف إلى الله القوي القادر سبحانه وتعالى فاعتصم به وخضع له وأنقاد إليه وأعتمد عليه، فأنتقل هذا الشعور من الوالد إلى الولد بالذات في حياة الوالد، وبالواسطة بعد وفاته، وقد قوى اليتم والفقر في نفس الغزالي الشعور بالمضعف فزاد هذا الشعور غريزة الخضوع والانقياد تحركاً وهياجاً في نفسه فغدا سلبياً كل السلب، فاصطدمت سلبيته بإيجابية الحياة، وبهذا الاصطدام نشأت المعركة الهائلة بين هذه السلبية المسلحة بعقل من أقوى العقول وإرادة من أقوى الإرادات وبين الحياة الإيجابية الحافلة بالخير والشر والحلو والمر. رأى الغزالي ضعفه حقيقة ماثلة أمامه فآمن بهذه الحقيقة إيماناً تحول فيما بعد يقيناً آخذاً بمجامع قلبه مستولياً على جملة نفسه فدفعه يقينه بالضعف إلى الخضوع المطلق فسلك سلوكاً هو السلبية بعينها والانهزام النفسي بذاته. وظل يتدرج في هذا السلوك السلبي حتى أنقطع عن الدنيا انقطاعاً لا هوادة فيه وأعتزل الحياة اعتزالا لا رحمة معه. ونحن لا يعنينا الآن من حياة هذا الرجل العظيم شيء أكثر من ذلك التأمل الذاتي الذي كان مكباً عليه متعلقاً به ممارساً له بإرادته الصميمة سواء أحتك بالحياة أم أعتزلها، وسواء أجتمع بالناس أم اختلى بنفسه دونهم. وما هذا التأمل الذاتي الدائم إلا التنفيس عن رغباته المكبوتة بشعور الضعف وما يتبع الشعور بالضعف من الخوف والخجل والخضوع والانقياد وإلا التبرير لهذه السلبية المستحكمة في نفسه المأزومة؛ وهو فوق هذا كله محاولات وتجارب لحل العقد النفسية التي كان يحس بها إحساساً مبهما كلما صدمه مطلب من مطالب الحياة ودهمته ضرورة من ضرورات المجتمع. ويمكننا أن نجزم هنا أن ذلك الاضطراب الملحوظ في حياة الرجل الروحية والجسمية، المادية والأدبية هو مظهر واضح لهذه النفسية المصابة بالسلبية العنيفة في ذلك الزمن الإيجابي العنيف. أنظر

ص: 20

إلى هذه السلبية ترها واضحة جلية في تصرفاته منذ نعومة أظفاره، فهو سلبي في انقطاعه عن التدريس في المدرسة النظامية في بغداد؛ وهو سلبي في تلك الجولة الطويلة العريضة التي قضاها بين مكة والقدس ودمشق حاجاً ومجاوراً؛ وهو سلبي في اختلائه تارة في الصخرة المشرفة في القدس وفي منارة الجامع الأموي في دمشق تارةً أخرى؛ وهو سلبي في انقطاعه السريع عن التدريس في المدرسة النظامية في نيسابور؛ وهو سلبي في إقامته الأخيرة في طوس بين مدرسة الفقه وزاوية الصوفية ورضاه بالحياة في هذه البلدة الصغيرة بعد أن لمع نجمه وعلا قدره فأصبح علماً من أعلام الهداية الإسلامية يهتدي به في تلك الظلمات ونوراً يقتبس منه في هاتيك الأيام الداجيات.

ويقيننا لو أن الغزالي كان إيجابياً مع فضل عقله وعلو همته لكان شأنه في الحياة غير ما نعرف وفوق ما نعرف ولكن شاءت الأقدار أن يعيش حياته سلبياً فتسوقه هذه السلبية إلى ذلك السلوك الذي لبس معه الثياب الخشنة وقلل من طعامه وشرابه وأرهق جسمه ونفسه بكل ما فيه إرهاق لذلك الجسم الضعيف وتلك النفس المتألمة. وانطوى على نفسه ذلك الانطواء الذي بدأ في أكبر أيام طفولته وانتهى بانطفاء سراج حياته رحمه الله.

حمدي الحسيني

ص: 21

‌دراسات تحليلية

إبراهيم بن أدهم

للأستاذ عبد الموجود عبد الحافظ

على سرير الملك، وبين بريق الذهب الذي يخطف الأبصار وشتى ألوان العز والسيادة: ولد الزاهد الورع والثقة المأمون، إبراهيم بن أدهم بن منصور بن عمار بن إسحاق التميمي، من أعرق بيوت الملك في فارس والعراق. ولد في بلخ إحدى بلاد خراسان. وشب تحيط به أبهة الملك وجلاله، وحوله أنواع من اللهو والمجون، اللذان يصاحبان الترف والنعيم، فتوفر إبراهيم على إمتاع نفسه بمختلف الألوان وألقى لها زمام الهوى ترتع من أنغام المزامير والألحان، وتنتشي بحلو الأهازيج وعذب الأنغام.

وقد شهدت له البلاد أروع حلقات الرماية وأمتع مواكب الصيد، وهو على صهوة جواده الأشهب لا يعلق بغباره فارس ولا يجاريه في الرماية منافس، فهو الرامي الذي لا يخيب له سهم ولا ينجو من رميته صيد مهما أوتي من سرعة وخفة.

وشغل إبراهيم نفسه وترك أمر الملك الذي ينتظره، ومقاليد البلاد التي تتطلع إليه، وراءه ظهرياً، فهو وحيد أبويه ووارث ملك أبيه من بعده فتوجس الناس خفية من أن بلي الملك هذا الفتى اللاهي، ويتسلم مقاليدهم هذا الخليع المستهتر.

وفي يوم من أيام الجمعة بينما الناس خارجون من بيوتهم، قصدين بيوت ربهم، ملبين دعوة الداعي - حي على الصلاة - إذا موكب حافل يشق المدينة يتوسطه الفتى الفارس إبراهيم، يتهادى على فرسه، وحوله أبناء الأمراء وخاصته المقربون، خارجون إلى الصيد، فتهامس الناس في غضب وسخط: أما يرعوى هذا الخليع في يوم الجمعة المقدس، أفي مثل هذه الساعة يخرج إلى الصيد والقنص وكان أولى به أن يذهب إلى بيت الله؟ ومر إبراهيم بالمساجد الواحد بعد الآخر وعلى مآذنها المؤذنون يدعون الناس إلى الصلاة ويناجون رب السماء، فلم يلق بسمعه إلى ندائهم؟ وما كان لهذا النداء أن يرقي إلى سمعه وسط هذا الضجيج الذي تحدثه سنابك الخيل، ورنين السيف.

وخرج الموكب من المدينة مشيعاً من الناس بالسخط والألم لهذا الاستهتار الشنيع بأمور الدين والتحدي لحرمات الله سبحانه وتعالى في يوم من أيامه المقدسة.

ص: 22

السهام تتطاير، وحمر الوحش تنفر، والظباء تفر خفيفة رشيقة، والفتى الفارس إبراهيم يفتك بكل ما يعترضه منها فلا يفلت منه صيد. وأسكرته نشوة المطاردة وأخذته لذة الظفر، فأبتعد عن حاشيته وتوغل في الغاب متأثراً صيداً ثميناً، حتى إذا أقترب منه وقوق إليه سهمه، وقبل أن يطلقه عليه ليرديه قتيلاً، سمع هاتفً وجف له قلبه وارتعدت له فرائصه، يهتف به قائلاً:

(يا إبراهيم! ما لهذا خلقت ولا به أمرت) فتفت حوله وجال ببصره ذات اليمين وذات اليسار فلم يجد أحداً، فهم السير يبغي صيده الفار، ولكنه سمع الصوت مرة أخرى، فتوقف عن السير وسرح طرفه في الفضاء ليرى ذلك المتطفل الجريء، ولكن لم يقع نظره على أحد فعجب لذلك وأمتزج عجبه بالخوف.

ولما صمت الصوت ظن أن سمعه قد خدعه، فأرخى عنان فرسه وهم بمعاودة المطاردة. وما كاد يتحرك حتى سمع المنادي يقول:(يا إبراهيم؟ ما هذا العبث (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون)) فردد إبراهيم النداء في ذهول مما سمع بعد أن تردد هذا النداء في جوانب الغابة، وتجاوب في فؤاده كما تجاوبت في الفضاء أصداؤه، وأعاده بعد أن تنبه من ذهوله، فإذا هو أنشودة عذبة ونغم شجي، ولحن عوي أيقظ في هذا القلب الغافل السر القدسي الذي يخص الله به عباده المؤمنين، وفتح مغاليق هذه النفس الساودة في الغي والضلال، فرأت بعين البصيرة جمال الإيمان.

ما أحلى هذا النداء الجميل، والإنذار الرقيق:(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً. .)

لا أننا لم نخلق عبثاً، ولم نوهب هذه العقول العظيمة والقلوب الكبيرة لنعيش بها لاهين عابثين، فهذه العقول إنما وهبناها لنلتمس بها عظمة الخالق عزته وسلطانه، وهذه القلوب إنما أعطيناها لتستقر فيها معاني الرحمة والحب والسلام؛ ولنطير بها إلى ملكوت الله شوقاً وطرباً وإيماناً ففي الإيمان راحة وسلام، وفي الحب الرباني سعادة وحياة. .

وأفاق إبراهيم من ذهوله على حوافر فرسه تضرب الأرض يستحث الفارس الذي يمتطيه إلى متابعة الصيد النافر، ولكن إبراهيم أجاب جواده هذا بجواب مختلف عن سوابقه، فلم يرخ له العنان ليتابع المطاردة، بل أجابه قائلاً: لقد انتهى ذلك العهد فقد جاءني نذير من رب العالمين. ثم لوى عنانه ليعود، فأنطلق به كالسهم؛ ولكن إبراهيم خفف من سرعته

ص: 23

ولسان حاله يقول: لم نعد في حاجة إلى الإسراع، فالذي تقصد موجود أينما توجهنا وحيثما حللنا. أينما تولوا فثم وجه الله، أنه واسع عليم. حتى إذا وصل إلى أصحابه ورأوه يسير على مهل وقد عودهم أن يروه منطلقاً كالسهم يسابق الريح، هم أحدهم بسؤاله؛ ولكنه لمح في عينيه بريقاً آخر وفي وجه إمارات لم يعهدها من قبل. ثم ترجل عن فرسه الحبيب وربت على ظهره في رفق وحنان ومسح بيده عليه ليطوي التاريخ صحيفة من صفحات اللهو والمغامرة، ولينشر صفحة من الزهد والتقوى والرضا والقناعة، صفحات تشرق بالنور القدسي الجليل. . . ثم أتجه إلى أحبابه وسماره وأصدقائه وخلانه فودعهم. وسار يضرب في فجاج الأرض مجاهداً صابراً، فلقي في طريقه راعي غنم أخذ منه جبة وكساء وأعطاه ثيابه. ثم أعترضه خارج بلخ جبل فصعده، وكأنما يقول له: يا إبراهيم وطن نفسك على المشاق فكم في طريقك من جبال أصعب مني مرتقى وأقسى مني صلابة، حتى إذا وصل إلى مكان فيه كان التعب قد أخذ منه مأخذاً كبيراً فمال يبغي الجلوس في جوار حجر كبير، فرأى مكتوباً على الحجر:

كل حي وإن بقى

فمن العيش يستقى

فأعمل اليوم وأجتهد

وأحذر الموت يا شقي

وبينما هو واقف يقرأ ويبكي أحس يدا رفيقة توضع على كتفه، فالتفت، فإذا رجل أغبر، فسلم الرجل عليه.

وقال له: مم تبكي؟ فال إبراهيم، من هذا وأشار إلى المكتوب، فأخذ الرجل بيده ومضى به إلى صخرة كبيرة.

وقال له: اقرأ، ثم قام يصلي، فقرأ إبراهيم على جانب من الصخرة.

لا تبغين جاها وجاهك ساقط

عند المليك وكن لجاهك مصلحي

وعلى الجانب الآخر:

من لم يثق بالقضاء والقدر

لاقى أمورا كثيرة الضرر

وفي أسفلها:

إنما الفوز والغنى

في تقى الله والعمل

فلما فرغ إبراهيم من القراءة التفت فلم يجد للرجل أثرا، فما درى هل أنصرف أو أين

ص: 24

ذهب. وسار إبراهيم يطوف في الأرض ترفعه رابية ويخفضه سهل، يبيت على الطوى أياماً لا يذوق فيها الطعام إلا إذا أصابه من عمل يده ووصل إليه يعرق جبينه، فكان يشتغل فاعلا أو حارساً أو حطابا، ثم يشتري الطعام فيطعمه أصحابه وهو صائم قانع بطعام المحبة ناعم باللذة العظمى، لذة الاطمئنان والإيمان. فإذا أفطر أكل من رديء الطعام وحرم نفسه طيب المطعم، ليبر به الناس ويشبع به جائعي البطون تأليفاً لهم وتحبيباً وتودداً إليهم وتقربا إلى ربه، عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: عندما سأله رجل أن يدله على عمل يحببه إلى الله وإلى قلوب الناس، فقال له عليه السلام:(إذ أردت أن يحبك الله فابغض الدنيا، وإذا أردت أن يحبك الناس فما كان عندك من فضولها فأنبذه إليهم).

ومرت السنون وإبراهيم هائم في حب الله يمسي في بلد ويصبح في آخر، يتلقى العلم من لدن حكيم عليم، ويشرب من كأس المحبة والصفاء، فترتوي نفسه ويأنس قلبه بنور ربة. وقد وهبه الله المعرفة وطوى له بساط الأرض؛ فيما تراه اليوم في بيت المقدس تسمع عنه ذلك في دمشق أو غيرها من البلدان المتباعدة.

حكى أبن عساكر قال: بينما أنا ببلخ إذا شيخ وقور حسن الهيئة جميل الطلعة أخذ منظره بمجامع قلبي فدعوته إلى الطعام فأتى، فقلت: من أين أقبلت؟ قال: من وراء النهر. قلت وأين تريد؟ قال: الحج. قلت في هذا الوقت؟. وقد كان أول يوم من ذي الحجة أو ثانيه، فقال: يفعل الله ما يشاء. فقلت: الصحبة. قال: إن أحببت ذلك فموعدك الليل، فلما كان الليل جاءني فقال: قم باسم الله. فأخذت ثياب سفري، وسرنا نمشي كأنما الأرض تجذب من تحتنا، ونحن نمر على البلدان، ونقول هذه فلانة وهذه فلانة، فإذا كان الصباح فارقني، وقال: موعدك الليل، فإذا كان الليل جاءني ففعل مثل ذلك فانتهينا إلى مدنية الرسول، ثم سرنا إلى مكة فجئناها ليلا، فقضينا الحج مع الناس ثم رجعنا إلى الشام فزرنا بيت المقدس. وقال إني عازم على الإقامة بالشام. فرجعت أنا إلى بلدي بلخ.

عبد الموجود عبد الحافظ

ص: 25

‌من أسرار الإعجاز

للمرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي

كنت أرجع إلى نابغة الأدب مصطفى صادق الرافعي في تفسير بعض آيات من القرآن الكريم لأستورى بذلك زند قريحته وأستدر ضرع بلاغته. وكان قلمه يجرى في هذا التفسير على القرطاس مسرعاً على غير عادته في سائر ما يكتب لي من رسائل مما يدل على تدفق المعاني التي يوحي بها إليه، وانثيالها من خاطره الفياض عليه. وإني أتحف قراء الرسالة الغراء بشيء من هذا التفسير البليغ المعجز.

محمود أبو ريه

تفسير آية (زين للناس حب الشهوات)

راجعت عن آية (زين للناس) تفسير الشيخ محمد عبده، وتفسير الألوسي فلم أر فيهما ما يهدي إلى السر في هذه الآية، والمفسرون جميعاً متفقون على أن (حب الشهوات) يراد به المشتهيات. والمعنى: زين للناس المشتهيات من النساء الخ، وهذا يجعل الآية موضع نقد ويذهب بسر التعبير (بحب الشهوات)

وإعجاز هذه الآية هو في لفظة (حب الشهوات، فلو قال: المشتهيات أو الشهوات، أو حب النساء لما كان ذلك شيئاً. والشهوات وظائف طبيعية في الناس فكونها زينت للناس أمر لا معنى له وليس فيد جديد؛ ولكن (تزيين حبها) هو السر كل السر لأن حبها هو سبيل الحرص عليها، والإكثار منها كالذي يجد مالا ينتفع به؛ فالمال في نفسه منفعة وليس في ذلك شيء عجيب؛ ولكن الذي يبتلى (بحب) المال تنقلب فيه هذه المنفعة ضرراً فيبخل ويبتلي بالحرص ثم يبتليه الحرص على المال بمحق حياته كلها.

فالشأن إذن ليس في المشتهيات ولا في الشهوات ولكن في (أحب الشهوات). ثم أن حب الشهوات متى كان سبباً في الحرص عليها والإكثار منها فهو خطأ وضرر، فإذا (زين) ذلك للإنسان كان أشد ضرراً وأمعن في باب الخطأ. وهذه هي حكمة استعمال (زين) فكأن هناك ثلاث درجات: الشهوة وهو عمل طبيعي، ثم حب الشهوة، وهذه إضافة جديدة من العقل تزيد فيها، ثم تزيين هذا الحب، وهي إضافة ثانية تزيد الزيادة وتضاعف الخطأ. وعلى هذا

ص: 26

تلحق الشهوات في هذا الترتيب بالحد الخارج عن العقل، وهذا الحد هو أول الجنون، كما يشاهد في ذهاب أثر العقل وضعف حكمه عند (تزيين شهوة محبوبة) بحيث لا يبقى للعقل حكم ولا حكمة مع هذا التزيين!

وجعلت (زين) مبنية للمجهول لأن بعض هذا محبوب محمود فهو من زينة الله ويدخل في قوله تعالى (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) وبعضه مذموم مكروه فهو من تزيين الغرائز الفاسدة، وبعضه حمق وجنون فهو من تزيين الشيطان.

والغرض من الآية تجاوز الحد المعقول من شهوات الدنيا، فإن تجاوزه يجعل الدنيا هي الغاية، ومع أنها وسيلة فقط، ولهذا قال (ذلك متاع الحياة الدنيا) ثم أنه قال (حب الشهوات) بالجمع، ولم يقل الشهوة فتكون (الشهوات) مختلفة متباينة تقدر كل واحدة باعتبارها الخاص في الأصناف التي وردت في الآية، فالشهوة للنساء غيرها من البنين، وهذه غيرها من المال، وهذه غيرها من الخيل المسومة الخ فكل واحدة ذات شأن خاص في النفس كما هو مشاهد، ولكن الجنون بها كلها متى (زين حبها في النفس) شيء واحد.

وانظر الحكمة العجيبة في الترتيب. فالنساء شهوات من الغريزة والعاطفة، والبنين شهوات من العاطفة والنفس، والمال الكثير من النفس فقط، والخيل المسومة والأنعام والحرث؛ هذه الثلاثة تارة جزاء من المال، وتارة جزاء من عاطفة النفس كما يغرم بالخيل بعض الناس أو بالأنعام أو بالزراعة، ولذلك جاءت في الآية بعد النساء والبنين لأنها لاحقة بالغريزة والعاطفة والنفس.

ويدخل في الخيل المسومة كل ما يقتنى للمباهاة والزينة أو لأغراض القوة على إطلاقها ومنه السيارات والطيارات الخ. ويدخل في الأنعام كل ما يقتنى للتجارة والكسب، وفي الحرث كل ما يقتنى للأعمال والإيجاد ومنه المصانع والمعامل الخ، فإذا حققنا هذا وجدنا هذه الأبواب جامعة لكل الشهوات الناشئة من جميع قوى الجسم الإنساني والنفس الإنسانية.

أما ما كان خاصاً بشهوات العقل فلا يدخل في الآية، وهذا من أعجب إعجازها، لأن أمور العلوم والفنون (لا تزين) إلا لفريق محدود من لناس، أي لا يزين حب الشهوات منها، وهذا الفريق عادة هم النوابغ العبقريون، وهؤلاء العبقريون في الحقيقة لا يجدون من العلوم والفنون (متاع الحياة الدنيا) ولكن مصائب الحياة الدنيا. . .

ص: 27

تفسير أية (ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا)

وسألناه عن موضع لفظ (شيئاً) من الآية الكريمة (ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض - شيئاً - ولا يستطيعون) من سورة النحل فأجاب رحمه الله:

أما تفسير الآية التي سألت عنها فقد راجعت التفاسير أول من أمس فلم أر فيها ما يقنع. والذي ظهر لي أن (شيئاً) في الآية بدل (من رزقاً) وهذا الإعراب نبه إليه المفسرون وجعلوه ضعيفاً مع أن فيه كل القوة، لأن المراد من الآية أن هؤلاء (يعبدون من دون الله مالا يملك لهم زرقا من السموات والأرض) وهنا يعترض هؤلاء أنفسهم بأنهم يعتقدون أن معبوداتهم تلك ذلك وإلا فلم عبدوها؟ فجاءت لفظة (شيئاً) لبيان أن كل ذلك وهم وتخيل وضلال إذ لا معنى للرزق إلا إذا كان (شيئاً) لا وهم فقط، ولا شيء ترزقه هذه المعبودات من السموات والأرض فإذا كانت لا ترزق شيئا على الاطلاق، فهي على الإطلاق ليست شيئاً إلا ما توهموه منها، وهذا كالذي توهموه فيها فالأمر فيهم وفيها كله وهم وضلال، ولهذا جاء بعد ذلك (ولا يستطيعون) وعبر هنا بضمير الجمع والعاقل، مع أن أول الآية (مالا يملك) فدلت الكلمة الأخيرة على أن المراد أن هؤلاء العابدين ومعبوداتهم كالأوهام المحضة، لا هي تستطيع أن ترزقهم شيئاً كائنا ما كان من السموات والأرض أي ولو ذرة، ولا هم يستطيعون أن يجعلوهن قادرة على شيء من ذلك.

(فشيئاً) هذه معجزة الآية كلها، ويستحيل أن ينتبه إليها عقل بشري ويجيء بها في هذا الموضع. وتكون النتيجة التي ترمي إليها الآية بهذا التعبير: أن المعبود الحق هو القوة الأزلية المالكة للإيجاد المطلق، أي الواحد الأحد وهو الله لا غيره وما عدا ذلك فهو من اختراع أوهام الناس؛ موجود في الوهم معدوم في الواقع والمعنى. أليست هذه الكلمة الواحدة (شيئاً) تستحق أن يسجل لها أهل البلاغة يا أبا رية؟

أنقل هذا التفسير وأرسله في ورقة على حدة لنضعه مع مذكرات أسرار الإعجاز فإن هذه الكلمة التي تظهر كالزائدة في الآية، هي سر الآية كلها، وهذا كله كالإعجاز من الإعجاز (واكتب لي هذه العبارة أيضاً في ورقة التفسير

مصطفى صادق الرافعي

ص: 28

‌أي قوة لأعظم من القنبلة الذرية!

للكاتب الأمريكي هاري امرسون فوزدك

(صوت هادئ قوي يخرج واضحاً من بين ضجيج الآلات وعجيجها ليفهم عبيد الآلة أن في الحياة ما هو خير وأقوى من الآلات، وشعاع من نور يتخلل سحب الدخان الكثيفة الفارة من الآلات ليهدي الناس إلى الرشد ويضئ لهم آفاقا من الجمال، ذلك الصوت هو صوت الشرق، صوت الروح، يردد صداه ويبين قوته الكاتب الأمريكي (0هاري إمرسون فوزدك) الذي يعرفه العالم أجمع والأستاذ والمؤلف الذي قدرته الجامعات في أمريكيا وأوربا ومنحته كثير منها درجات فحرية، والذي ترجم كثير من كتبه إلى جل لغات العالم. وهو كاتب نفساني مبرز، طرق العلاج النفساني واهتدى بكتابته النفسية الملايين من قرائه. ولعل فيما كتبه عقب الحرب الأخيرة وننقله اليوم، عبرة لهؤلاء الذين انسلخوا من شرقيتهم ففقدوا روحانيتهم، وراحوا يمجدون مادية الغرب ويدعون إلى عبودية من نوع جديد.)

المترجم

كتب هنري آدمز صاحب كتاب (تربية هنري آدمز) في سنة 1900 خطابا من باريس يقول فيه أنه كان يذهب عقب كل ظهر إلى (معرض العالم) حيث يصلي للدينامو، وأنه قد ترك كل شيء الإ عبادته. ولقد كان الدينامو أسمى شيء في العالم الحديث، وكتب كذلك (لماذا لا يكون الدينامو جديراً بالتقديس)

وإن ذلك أصبح تقريباً دين الملايين الحقيقي، لأن الإنسان في ثلاثة أجيال قد أخترع بأذهان نفاذة منهمكة وأنتج المعدات العلمية المدهشة في عالمنا الحديث، وقريباً في المدرسة التي تعلمت فيها، جامعة كولجات، حيث كانت تخصص دراسات لرجال الطيران كان شاب قد تأخر عشر دقائق عن ميعاد التسجيل، فكان رده على تأنيب الضابط (إني آسف يا سيدي أن أكون متأخراً ولكني كنت بالأمس في أفريقيا).

إن اختراعات العلم الباهرة لتذهل، والدينامو - كما في حالة هنري آدمز - مضافاً إليه القنبلة الذرية وعماتها وبنات عماتها قد خلقت الآلهة الجديدة للعالم الغربي.

وليس هناك في عصرنا من شيء بالغ الأهمية كتنبيه عقل الإنسان والضمير إلى إفلاس هذه العقيدة الجديدة.

ص: 30

وفي سنة 1924 كتب ونستون تشرشل متنبئاً بأن العنصر البشري إذا لم يستفد من الفضيلة مقدراً إياها حق قدرها ولم يحظ بقيادة أرشد. . . فإنه بذلك قد وضع في يديه للمرة الأولى الآلات التي بها يستطيع أن يستأصل شأفة نفسه.

وفي هذا العمل الانتحاري الآخذة فيه المدنية الآن، ليست علة النكبة تدمير العلم المبتدع - وإن بدا هذا التنميق البلاغي مثيراً للدهش - ولكنه خسران روحي وخلقي مبين.

وهناك أشياء لا بد أن يرفع من قدرها إذا أرادت المدنية أن تبقى؛ القيم الخلقية أعني إحياء تقدير القوانين الخلقية السرمدية وإيجاد ثقافة روحية موحدة مؤسسة على فلسفة الحياة والإيمان المتصل بها ويدعم كل ذلك المبادئ الأخلاقية لأن ذلك سوف يضفي على الحياة معنى وغرضاً.

وكان الجيل الذي درجت فيه - معتقداً في الآلية والتقدم الحتمي - موسوماً بطابع التفاؤل العريض الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ، فقد كما نرى أنفسنا راقين فوق معراج سماوي أردنا أم لم نرد حتى (يصبح الإنسان، ليس ملكا فقط بل رئيس ملائكة) كما كتب صمويل بتلر.

ولكنا اليوم يواجه إحدى الأزمات الجد عصبية في التاريخ مع أن الإنسان لا يبدى أية دلائل على أنه سوف يكون رئيس ملائكة، وبين كل ذلك هذه الحقيقة: إن حل مشكلتنا لا يكمن في سيطرتنا على الناحية المادية كمونه في سيطرتنا على الناحية الروحية.

وحينئذ فلن نضع الروحية أولا، رغم أنه من الواجب أن تكون أولا إذا أردنا أن نحيا، بل علينا أن نعمل ما ندعوه تكون أولا (بالتربية على نطاق واسع) دون الإشارة إليها؛ وأن ندفع بمثل هذه المبادئ الأخلاقية والاعتقادات الدينية كما ندفع شهوة في حياتنا الخاصة مع أن القوانين الخلقية السرمدية والحقائق الكلية لم تنطبق على الحاجة الماسة للعالم أجمع.

إن عيوناً كثيرة مازالت مركزة على سيطرة الإنسان على المادة، وجميع الآلات النافعة التي سوف يكون لها أثر نتيجة لمواجهتنا مشاكل ما بعد الحرب المرعبة، مع أن ذلك لا يعني ضرب أوربا لنيويورك بقنابل تسير كأنها البشر، وما شابه ذلك من المروعات التي لا حد لها، ما لم تسد الإنسان المبادئ الأخلاقية والحقائق الدينية التي يخلص لها.

وينبغي أن تكون النازية معلمنا ومبصرنا في هذه النقطة، فلم يكن على الأرض من أمة

ص: 31

أكثر كفاءة علمية من ألمانيا، ولكن لننظر إلى مآلها تحت قيادة هتلر الجنوبية، فإن النازيين قد أسلموا جميع المبادئ الأخلاقية وجعلوا (الجنس السيد) إلههم وأنكروا كل فلسفة ترفع من الكرامة الجوهرية للشخصية الإنسانية، واعتقدوا فيما يتعلق بالأخلاق المسيحية (أنها لا تصلح إلا للجبناء والضعفاء).

وفي قصة الإنجيل القديمة عن الطوفان، ذكر أول ما ذكر عن نوح، أنه سكر بعد أن غاص الطوفان، ومازالت الطبيعة الإنسانية ذاتها باقية، فإن نوحا ربما كان رائعاً حين الفيضان؛ وحين اللحظة الحرجة كان يصنع كل شيء في عراك مع الحياة والموت؛ ولكن حينما انتهى التوتر استرخى وأنزل كل شيء وجثا على ركبتيه ثم سكر.

ولقد فعلنا نفس الأمر عقب الحرب الأخيرة - فهناك طرق كثيرة للسكر علاوة على استعمال الكحول - فإن الملايين تفعل ذلك ثانية الآن، ولقد أصبح الإغراء بعد الكفاح بالاتضاع خلقيا عند الكثيرين على وشك ألا يقاوم: وإن الحقيقة عقب كل حرب لتحقق قول الفرد أدلر العالم النفساني: (أن نحارب من أجل مبادئنا أسهل من أن نعيش لرفعتها)

ولقد قال النبي العبري ميخا، كما في ترجمة الدكتور موفات له، إلى قومه (عليكم ألا تعبدوا بعد الآن الأشياء التي تصنعونها)، وإننا ليعوزنا ذلك أشد العوز بدرجة لم يحلم بها ميخا. ولقد نجمت كارثتنا عن خسران خلقي وروحي؛ ولن يأتي خلاصنا إلا عن إعادة تدعيم المبادئ الخلقية والروحية والمعتقدات.

وإن علينا أن نأخذ تلكم الحقيقة باهتمام مع مراعاة تربيتنا وديننا، ولقد انحدرت من بين جيلين من رجال التعليم وقضيت جل حياتي على صلة بالدارس والجامعات. وإني لأعطف من كل قلبي على المشاكل التي يواجهها المدرسون وأوافق على أنه ليس من العدل لومهم، لأن الناس ينقصهم فلسفة روحية موحدة ووجهة نظر واضحة تجاه المبادئ الأخلاقية الحتمية. وان مدارس تتأمل بكل بساطة الآراء السائدة عن ثقافتنا ككل واحد، وقد أصبحت أكثر فنية ومهنية فتخصصوا في كل شيء تحتاج الاختراعات العلمية.

إن شبابنا يستطيعون أن يلموا سريعاً بميراث الحقائق الأخلاقية العظيم وعن المعتقدات الفلسفية والدينية التي تجعل ممكنا أيا كان الصالح في ثقافتنا الغربية، وكما أجمل أحد خريجي الجامعة (النتيجة بقوله لقد أعطونا كلاما، ولكن دون محور)

ص: 32

وإذا أدرنا أن نحفظ الديمقراطية فعلينا أن لا نستمر في تعليم الناس كل شيء عدا المعتقدات العظيمة والمبادئ الأخلاقية التي جعلت الديمقراطية ممكنة الوجود في المكان الأول. ولقد نبعت الديمقراطية من نهرين التقيا في ثقافتنا الغربية - اليهودية والمسيحية وميراث اليونان - فجعلا الديمقراطية ممكنة لأنها كشفاً عن سلسلة عظمى من أصل الخلق الحميد وعن قدسية الشخص الإنسانية، ومكانة الحرية الروحية وأسس القانون الأخلاقي طبيعة الله. وهذا هو المستوى الذهبي الذي بدونه لن تكون هناك ديمقراطية البتة، ونحن آخذون في تربيتنا في الانحراف عن المستوى الذهبي كأن بيننا وبينه ثأرا.

ولهذا السبب نواجه مستقبلا قائما العالم أقتصر على فن الصناعة ولكنه صفر من الإيمان والثقافة الروحية الموحدة، ومن وحدة الروح المؤسسة على معرفة وصدق في الفهم العام للحياة ومبادئ أخلاقية في السلوك فيها.

والحقيقة الواقعية أننا قد ملكنا في أيدينا علما حديث وأنه هنا ليدعم وينمي ويضع تحت سيطرتنا أكبر قدر ممكن القوة، وسيطرته على القوى الذرية - والكونية تزيد يومياً قدرتنا على رفع أو إبادة العنصر البشري، وتنتشر بسرعة في جميع الأجناس والأمم، وما لم تستطع أن تساير الخلقية الإيجابية والأخلاق الدينية السامية كل هذه القوة الجامحة وتولد وحدة روحية وإخلاصا عاما نحو المقاصد الخلقية التي تؤدي إلى العدل والصلاحية أولا فإن علمنا سوف يستعمل لهلاكنا.

إن أي فحص جدي لهذا الموضوع سوف يريك بوضوح حياتنا الشخصية وأوطاننا. وإنه من السهل أن نسلم أبناءنا وبناتنا معدات العالم وليس بهذه البساطة نستطيع أن نسلمهم ثقافة روحية غنية وميراث المعتقدات والمبادئ الأخلاقية العظيم الذي بدونه لا يكون شيء خيراً ولا شيء ينقد.

وفي غالبية أعمالنا لا نعمل صالحا، فإن مدارسنا وكنائسنا وبيوتنا وعمل الإنسان كله في الحياة العامة يثبت أنه غير ملائم للعمل أو بالأحرى معادلة، وإن نوع العالم الذي سوف يعيش فيه أحفادنا سوف يعتمد على ميزة روحية تسير كل القوى التي يديرها؛ قوى ضخمة حتى إننا الآن لا نقدر على تصورها، وإن هؤلاء الذين يعلمون ما يجري داخل بعض معاملنا ليسوا فخورين بهذا العمل ولكنهم مجدون، فهم يقولون أن القوى الجديدة التي سوف

ص: 33

تكون في متناول الإنسان مروعة. وإنما الشخصية التي علينا أن نعتبرها أول ما نعتبر الآن - هي الشخصية التي تحفظها والمبادئ التي تسيرها والأغراض التي تكسبها بهاء وتعين لها غرضاً.

ترجمة

عبد الجليل السيد حسن

ص: 34

‌من الأدب الغربي

من روائع (شلي)

للأستاذ إبراهيم سكيك

عرف (شلي) في الأدب الإنكليزي بميله للطبيعة ووصف مظاهرها وصفاً خيالياً رائعاً برقة وعذوبة، وهو يعالج ما يصوره الخيال ويبتدعه العقل بدقة تجعله يبدو مجسماً حقيقياً، وهو من هذه الناحية يخالف زميله الشاعر (كيتس) الذي يجعل من الأشياء المحسوسة الجميلة أطيافاً رائعة تسمو إلى الخيال.

نشأ شلي في بيئة أرستقراطية غنية، لكنه نبذ مظاهر الغنى وأنهمك في دراسة الأدب وقرض الشعر منذ كان في جامعة اكسفورد، ولم يعمر طويلاً حتى ينتج ديواناً كبيراً لكنه رغم ذلك كثير الإنتاج بالنسبة إلى سني حياته التي انتهت وهو في ريعان الشباب عندما غرق على ساحل لجهورن بإيطاليا.

وكانت أشعاره لا تثير اهتمام الأدباء والنقاد في زمانه كما أنها لم تترجم إلى اللغات الأوربية كأشعار (بايرن) لصعوبة ترجمتها لأن الأفكار لا يمكن نزعها من الألفاظ بسهولة. ثم بدأ الذوق الإنكليزي يستسيغ قصائده ويعجب بها لما تحويه من خيال رائع وأفكار فلسفية جديدة حتى غدا بين الشعراء في المنزلة الثانية بعد شكسبير وملتون، وله قصائد طويلة وروايات تراجيدية لكنه نال شهرته بقصائده القصيرة الرائعة التي سأقتطف منها نبذاً يستدل منها القارئ على عبقرية هذا الشاعر الموهوب.

وأشهر قصائده على الطلاق مرثية (ادونيز) التي تعد من اشهر المراثي في جميع اللغات، كتبها عندما جاءه نعي صديقه وزميله (كيتس) وفيها يقول: -

(صه، صه: ليس هو بميت ولا بنائم، وإنما صحا من حلم الحياة المريع بينما نحن التائهون في أحلام عاصفة، نجاهد ونكافح أطيافاً لا طائل من ورائها، وفي غيبوبة جنونية نطعن بخنجر أرواحنا معقدات لا وجود لها، ثم نضمحل كما تضمحل الجثث في القبور بعد أن يزعزع كياننا الحزن والخوف فيعملان على تحطيمنا يوماً بعد يوم.

وتنخر الآمال الباردة هيكلنا الطيني كما تنخر الديدان جثث الأموات.

لقد حلق في فضاء لا يصل إليه ظلام الليل السادل علينا

ص: 35

وهناك: الحسد والحقد والبغض والألم وعدم الاستقرار الذي نسميه خطأ بالسرور لا تجد لها سبيلاً في دنياه فلا تصيبه ولا تضنيه

وهو هناك في مأمن من أن يصاب بعدوى الشرور الدنيوية.

ولن يندب بعد اليوم فؤاداً التاع أو رأساً أشتعل شيباً.

إنه يعيش ويصحو، والذي تلاشى هو (الموت) وليس (هو)

إذاً لا تندبوا أدونيز: لا تندبه أيها الفجر، أضف جلالك وعظمتك على قطرات الندى، لأن الروح التي تندبها لم تفارقك.

وأنت أيتها الغابات والكهوف كفي عن العويل

وكفي أنت أيتها الأزهار والينابيع، وأنت أيها الهواء الذي ألقيت بوشاحك على الأرض كما تلقي النادبة خمارها الأسود على وجهها، أكشف الآن هذا القناع عن العالم ليتمتع برؤية النجوم الضاحكة.

لقد أتحد الآن مع الطبيعة ليكونا عنصراً واحداً: فصوته يسمع في جميع أنغامها المنسجمة: في أنين الرعد وترتيل الطيور، ونحن نشعر بوجوده في الظلام والضياء وبين الأعشاب والصخور ينشر نفسه حيثما تتحرك القوة الإلهية التي أخذته إلى جوارها تلك القوة التي تعالج أمور العالم بمحبة وحكمة.

إنه كقبة الفلك العظيمة الشامخة علواً وارتفاعاً، وكالشمس يتطرق لها الكسوف لكنها لا تتلاشى، وكالنجوم تسير إلى مستقر لها لا تتعداه، والموت ضبابة كثيفة تحجز نور الشمس ولكن لا تطمسه أبداً.

وفي نهاية هذه القصيدة يشعر بدنو أجله بدافع غريزي عجيب ويدعو الموت الذي لم يمهله أكثر من عام بعد ذلك فيقول:

إيه يا قلبي! مالي أراك متثاقلا متوانياً.

لقد ذهبت كل آمالك وخلفتك وحيداً

فلنغادر هذا العالم إذا

هاهو وجه السماء الرقيق يبتسم، والريح الهادئ يهمس؛

إنه نداء من (أدونيز) فلأسرع إليه

ص: 36

إذ لن تفرق الحياة بين من يمكن أن يجمعهما الموت.

وفي الدرجة الثانية قصيدته الرائعة التي يناجي فيها الريح الغربي وهي روح الكون التي يستطرد في مناجاتها حتى يدمج نفسه بها، وندع للقارئ الحكم على متانتها وبراعة تخيلاتها ومعانيها المبتكرة بعد أن ينعم النظر فيها!

أيتها الريح الغربية الهائجة، أنت زفير الخريف العظيم، أنت الذي تنساق أمامك أوراق الشجر دون أن تراك قد تفر بين يديك كما تفر الأشباح من ساحر جبار. ثم تفر تلك الأوراق الصفراء والسوداء والشاحبة والحمراء بجماهيرها الغفيرة.

أنت أيها الريح تشيع البذور التي تتطاير كأنها مجنحة إلى مرقدها الشتوي المظلم حيث تظل راقدة كما ترقد الجثة في قبرها وتظل كذلك حتى تهب شقيقتك الزرقاء وهي ريح الربيع التي تنفخ في البوق لتوقظ الأرض النائمة وتسوق الأزهار اليانعة كما يسوق الراعي قطعانه من الحظيرة إلى الفضاء فتملأ الربى والوهاد.

فأيتها الريح الهائجة المتحركة في كل مكان، أنت تدمرين الحياة وتصونينها في الوقت ذاته فأسمعي:

تتساقط على غديرك الغيوم المنحلة كما تتساقط أوراق الشجر فكأنك تهزينها من جذوع السماء وأغصان المحيط. وعلى سطح أمواجك الزرقاء الهوائية تتدلى خصل من العواصف المضطربة.

أنت تنشدين ترتيل جناز السنة المنتهية التي ستتخذ من قبة هذه الليلة السادرة الفسيحة مزاراً ومقاماً. وسينفجر من بخار أنفاسك مطر وبرق ورعد.

أنت التي أيقظت البحر الأبيض المتوسط من نومه بعد أن كان مستغرقاً في أحلام الصيف العذبة وهو نائم على أنغام أنهاره البلورية، فتقطعين عليه أحلامه وتشوهين تصوراته. وعندما تمرين بالاقيانوس الأطلنطي تشقين فيه أخاديد عميقة بعد ما تثيرينه من أمواج عاتية شامخة ويشعر بهزاتك كل كائن حتى ذرات النبات الراسبة في قاع المحيط، فتشيب فزعاً وتهتز اضطراباً.

ليتني أيها الريح ورقة ميتة تحملينها.

وليتني سحابة سريعة أطير معك، وليتني موجة ألهث من شدتك وأشاطرك قوة اندفاعك ولو

ص: 37

كنت أقل حرية منك، أنت التي لا يسيطر عليك أحد.

بل ليتني مازلت في عهد الصبا زميلا له في تجوالك في أفق السماء.

أتوسل إليك الآن أن ترفعيني كما ترفعين الموجة أو الورقة أو السحابة لأني ملقي على أشواك الحياة ودمي ينزف بعد أن كبلتني ساعات الزمن الثقيلة وحنت ظهري بعد أن كنت مثلك سرعة وكبرياء!

اجعليني قيثارتك كما اتخذت من الغاية قيثارة تعزفين عليها أعذب الألحان.

فماذا يهمني لو سقطت أوراقي بعد أن تأخذي أنغامي وتنشريها في الكون كما تنشرين البذور لتحيا من جديد. هكذا أريد منك أن تنشري كلماتي وأشعاري بعد وفاتي بين جميع البشر كما تنشرين رماد الموقد بعد أن تخبو ناره. ويا ريح الخريف: إذا كان الشتاء قادماً فهل يكون الربيع بعيداً؟

وهناك مقطوعات أخرى كثيرة يجد فيها القارئ متعة ولذة وقد رغبت في تأجيل ترجمتها لعدد قادم لئلا أطيل كثيراً في هذا المقام

إبراهيم سكيك

ص: 38

‌خواطر مرسلة

النائم اليقظان

للأستاذ حامد بدر

قال أخي: أراك مغفيا ما تفيق، مفيقاً ما تنام، كأنك دهري الكرى، أبدي السهاد!

قلت: ما هذا التناقض؟

قال: لا تناقض، فأنت في إغفائك عميق الاستغراق، جبار الوجوم، متصل التفكير، وأنت في استغراقك العميق، ووجومك الجبار، وتفكيرك المتصل، جوال فياف ووديان، غواص بحار وأعماق، قطاع أجواء وآفاق. . . فهل تزعم أن الكرى يلف بهدوئه أعصابك، وقد شد الزمن منها أوتاراً مضناة، وظل يعزف عليها بمطارق الألم ألحانه الباكية المبكية؟! أم هل تعتقد أنك تغفى إغفاءة المستريح، وقد تنازعت صروف الأيام ذهنك فبددته، ولم تترك جزيئاته المتفرقة لتجتمع لحظة واحدة؟!

قلت: آمنت بأن من كان ذا حس لطيف، وألم عنيف، فهو يقظان لا يستريح! ولكن كيف كان اليقظان دهرى الكرى؟!

قال: ما يقظة من يستعرض الرؤى، ساجي الطرف، شارد اللب، ساكن الهيكل، بعيداً عن الحياة، قريباً من الفناء؟!

ما يقظة من انصرفت حواسه عن لذات الدنيا ومسراتها، وأقامت تلك اليقظة بينه وبينها أمنع السدود؟!

إنها يقظة المحتضر الذي لم يشك في قرب فراق الحياة. وإن تباطأ الروح في طريقه، وتثاقل العمر في خطاه. وليست تلك اليقظة بأكثر من نومة عميقة، في مكان مدلهم سحيق؛ بل أنها يقظة تمت بالقربى إلى نومة عبود الذي زعموه نائماً في موتته، وهو ميت في نومته!

قلت: تعني أن أخاك في نومه يقظان، وأنه في يقظته وسنان، وتزيد على هذا أنه في إغفاءته الموهومة، ويقظته المضنية أقرب إلى الموت منه إلى الحياة!

قال: نعم!

قلت: لقد فصلت ما أجعلت، وفسرت ما أبهمت، وأقنعت أخاك بأنه وسنان ما يفيق، مفيق

ص: 39

ما يغفى، وأنه دهرى الكرى، أبدى السهاد!

قال: اتفقنا على أن لا تناقض.

قلت: على هذا التفسير لا تناقض.

حامد بدر

ص: 40

‌رسالة الشعر

بردى

نهر دمشق

للأستاذ أنور العطار

يردى سلسل الشفاء ولحن

عبقري على المدى يتغنى

رف بين الحقول نشوان هيما

ن وغنى الربا فجنت وجنا

مر كالعاشق المتيم بالرو

ض وكالطير ويسلب الروح لحنا

قص أسطورة الليالي الخوالي

بخيالات شاعر ما تجني

وروى قصة الغساسنة الغر

وعهداً من بهجة الفجر أسنى

الآلي سطروا المحامد في الأر

ض وعاشوا كرماً وكأسا ومزنا

واستطابوا الهوى ولذوا الهناءا

ت وعبوا النعيم دناً فدناً

سكروا رافهين سكرة عان

لم يفق مهجة ولم يصح جفنا

وحكى إمرة الغطارفة الصي

د ومن أشرقوا على الملك يمنا

الحماة الأباة من عبد شمس

شرفوا مغرساً كريماً ومجنى

أوسعوا جانب الحضارة حسناً

ورعوا أمرها وأعلوه شأنا

وغذوها نباهة وائتلافا

فانجلت خاطراً ورأياً وذهنا

ولقد طافت العصور عليها

وهي عشواء تذرع الفكر ظنا

خلصت من عملية وضلال

وعقول تعج جهلا وأفنا

ملكوا الأرض فاستقادت لهم طو

عا ودان الوجود سهلا وحزنا

فتحوها مراحما وسماحا

غير ما فاتحين ضرباً وطعنا

وبنوها على المكارم داراً

فزكت بالأخاير البيض سكنا

غبر الناس في رؤى الدهر لفظاً

وانطووا في الغيوب لفظاً ومعنى

زينوا الكون بالهداية والنو

ر وأرخوا عليه علماً وفنا

ذكريات يحيا بها ونجاوى

تركته مشتت النفس مضنى

ص: 41

متعب الروح إن تذكر أنا

موجع القلب إن تلفت جنا

ما عليه إذا جرى كالح الوج

هـ كئيباً جم الهموم مرنا

بين جنبيه من صراع الليالي

ما يعني وما يهيج المعنى

سارب في الفجاج ما يتروى

راكض في الوهاد ما يتأنى

ما لنهر الخلود يجري مغيظاً

محنقا مترع الجوانح ضغنا

أنراه اجتوى الذين أضاعو

هـ فولى غضبان يعرض عنا

مفرعي في الخطوب إن شفني الهم

ومر النهار يطفح حزنا

يجد القلب في حواشيه دنيا

من فتون، ومتعة ليس نقنى

من نسيم يظل ينفح عطراً

وندى كالغمام يهتن هتا

ورياض غنية بالغوالي

حانيات علي غصنا فغصنا

وعيون سحاحة بالآلي

ساكبات تغالب النوم ضنا

يستحم الصفصاف في ضفته

ويناجيه ناعم الفرع لدنا

مستهاما يسلسل الروج دمعا

ويصاديه عبقريا مفنا

بين أفيائه تمرغ ورحا

بين أمواهه تبلل ردنا

يترامى عليه شوقا وحبا

وهو أصبى إليه نفسا وأحنى

يقف الحور منهما مستريبا

شاخصاً مقلة وقلباً وأذنا

وهما في تلازم وعناق

يطويان الزمان قرنا فقرنا

لا يحسان للحياة ملالا

تخذاها حملا حبيبا ومغنى

رشفاها رغادة وصفاء

كرعاها خمراً وبشراً وأمنا

وهي ورد يشوى الضلوع أجاج

مستسر يفيك رنقا وأجنا

برداي الحبيب يا فرحة الرو

ح ويا منية الهوى ما نمنى

يا شفاء القلوب يا كوثر الخل

د ويا منهلا يناسم عدنا

أنت نجواي إن أظلني الشج

ووأنحى علي سقما ووهنا

وردك العذب من أمانيك أحلى

جرسك الحلو من أغاني أغنى

أنت تجري في خاطري وضلوعي

وتعيد الحياة روضاً أغنا

ص: 42

وتثير الهوى فيهمي دموعاً

وتهز الفؤاد ركنا فركنا

تنتجي جلق الحبيبة لهفا

ن وتجري في مهدها مطمئنا

وهي في فرحة المشوق تلاقي

ك وتحنو عليك صدرا وحضنا

وتحييك بالموائس لدنا

وتناجيك بالصوادح لسنا

وتغني فيخفق النهر قاعاً

وضفافاً خضراً نظافاً ومتنا

تتراءى في السهل تنساب فيه

تتثنى ما شئت أن تتثنى

كشريط من فضة في وشاح

سندسي يسبى النواظر حسنا

جوك السمح من شذا المسك أندى

نفساً عابقاً وأشهى وأهنا

أنت للشعر ملهم يغمر للشع

ر لحونا ويكسب الفن وزنا

يتغنى بك الهوى مستهاماً

ليس يختار غيرك الدهر خدنا

يسرب الحب في حماك شهياً

كل دوح يظل قيسا ولبنى

وتظل الطيور هيمى تغادي

ك فرادى وتنثني عنك مثنى

ملء أرواحها حنان وشوق

وضلوع على ودادك تحنى

برداي الذي حببت على الدهـ

ر وأحللته فؤادي سكنى

أنت مني الحلم الذي أتشهي

أنت مني الشعر الذي أتغنى

أنور العطار

ص: 43

‌الأدب والفنّ في أسبوع

للأستاذ عباس خضر

بين صديقي وبيني أو بين الكفاية والوصولية:

أخي عباس. . .

آسف أن أكون في حديثي إليك عن من فضلك! - قد مسست سياستك الداخلية في بيتك. فأنت الذي جعلتني أتحدث لك عنها باهتمامك الظاهر بها وبأخبارها، وبتفصيلات اهتمامها بخطك. . . الخ، وإلا فإن بيني وبينها الآن حوالي 500 ميل، ولم يشفي حسنها ولا جسن تمريضها، بقدر ما شفتني نسمات فيها من نسمات مصر مشابه وروائح!

وأفرغ من هذا إلى تعليقك على رسالتي إليك. . . عن تلك الحفنة من (الباشوات) و (الكروش) وعن تلك (الحفنات) التي تحدثت عنها من الوصوليين الذين (يسيرون في ركابهم ويصهرون إليهم وغير ذلك من أساليب؛ فيكتالون ويستوفون، وهناك مئات من ذوي الكفايات يقعد بهم الحياء وتحتجنهم الكرامة فيهملون. . . وبذلك تحرم البلاد من خير أبنائها وأوفرهم حياء وكرامة، ويحرمون هم مما تلغ فيه الكلاب) كما تقول

أنا لا أومن بهذا (الحياء) الذي يقعد بأصحاب الكفايات عن بلوغ حقهم، وترك (الكلاب) تلغ في الاستثناءات وغير الاستثناءات.

بل أنا أشك في (كفاية) هذه الكفايات، التي ترى حقوقها تؤخذ وتعطي (للكلاب) من الوصوليين، ثم تتقبل ذلك راضية وتستنيم!

لو أن كل هذه الجموع من الموظفين وغير الموظفين، التي لا تملك صهرا إلى وزير أو كبير، ولا تملك الوسائل الأخرى التي لا يرضاها الرجل الشريف، والتي تقفز بأصحابها فوق الأمناء الشرفاء. . . أقول لو أن هذه الجموع كانت لها (كفايات) حقيقية، لما سكتت على هذا الفساد، ولما تركت هذه الوسائل الملتوية تعمل عملها في داخل الدواوين وخارجها.

إن الذي يسكت على حقه - خوفاً من غضب وزير أو رئيس - ويدع (الكلاب) تقفز فوق رأسه بالاستثناء أو بأية وسيلة أخرى، تنقصه أهم أنواع (الكفايات) وهي الشجاعة الأدبية.

لو أن كل صاحب حق من هؤلاء أسمع الوزير أو الكبير صوت غضبه لتخطيه، لما جرؤ

ص: 44

وزير أو كبير على أن يمضي في طريقه إلى حد التبجح أحيانا بالمحسوبيات والاستثناءات.

لست أنكر أن كثيراً من هؤلاء الموظفين الأمناء الشرفاء المتواضعين الذين تقفز على رؤوسهم (الكلاب) يضطلعون بأعباء عائلية، ويخشون نقمة الوزراء والرؤساء، ويخافون على لقمة الخبز أن تؤخذ من أفواه أطفالهم ومن يعولون من آباء وأمهات وأقرباء. . . ذلك حق. . . ولكنه لا يبرر السكوت.

ماذا يملك الوزير الذي يرقى مائة في وزارته بالاستثناء، لو أن مئات الموظفين الآخرين أسمعوه صوت غضبهم على تصرفه المعيب؟

إنه لا يملك أن يرقيهم جميعاً بالاستثناء، ولا يملك كذلك أن يطردهم جميعاً من وزارته. ولكنه يملك أن يتعلم أن هؤلاء الموظفين في وزارته ليسوا (عبيداً) في ضيعته. أعني أنه يملك أن يكون أكثر (أدباً) ولو أنه وزير!

إنني لا أملك أن أسمي سياسة القفز بالوصوليين والمحاسيب والأصهار إلا (سوء أدب) منشؤه أن التربية السياسة للشعب لم تنضج بعد، ليستطيع أن (يربي) أصحاب السلطة فيه، كما ينبغي أن يكون!

وهكذا ترى أن هؤلاء الأمناء الشرفاء من الموظفين مسؤولون عما يناله الوصوليون المحظوظون. فليجربوا مرة أن (يؤدبوا) ذلك الرئيس الذي يتخطاهم، ولن يكلفهم هذا إلا أن يبلغوه صوتهم متضامنين.

وتقول: (من حقي أن أكون قرفان) من جانب حالتنا التي لا تسر

لست أحاول أن أمنعك من (القرف)! ولكني أحب أن يستحيل هذا (القرف) سخطاً. نحن في حاجة إلى السخط على أوضاعنا الحاضرة لا إلى (القرف) منها. فالسخط معناه أن ننفض أيدينا من يائسين.

وإذا آمنا بأن لنا رصيد من كنوز الطبيعة الأرضية ومن كنوز الطبيعة البشرية. على السواء وأن حفنة من (الباشوات) و (الكروش) هي التي تهمل ذلك كله وتقبله؛ فإنه يكون أمامنا أن نضع شيئاً، أن نجمع كل العناصر الساخطة المتيقظة لتنشئ سياسة جديدة. وليس من الضروري أن ننتظر الحلول الجاهزة من (موسكو) كما يحاول أحيانا بعض المخدوعين

ص: 45

في موسكو. إن حلولنا يجب أن تنبت من بيئتنا وظروفنا يجب أن تدرس أولا واقعنا ثم نجد الحلول المحلية التي تناسبنا.

وأنا أؤكد لك ما أنا واثق به إلى حد العقيدة: إننا نملك حلولا أهدى وأقوم من الحلول الواردة من لندن أو واشنطون على السواء.

إننا نملك (العدالة الاجتماعية في الإسلام) وهي كفيلة بأن تنشئ لنا مجتمعا آخر غير هذا الذي نعيش فيه. مجتمعاً إسلامي متحضرا يؤمن بالسماء ويؤمن بالأرض، لا كما يحسب الجاهلون أن الدين تزهد وتقشف وتخل عن شؤون الأرض للمفسدين.

سان ديجو - كاليفورنيا

سيد قطب

جميل جداً يا أخي هذا الأسف الذي تبدأ به رسالتك. . . وأجمل منه هذا الذي سقته سببا يشبه الاعتذار. . . وهو اعتذار أجمل من (الذنب) فأنا الذي جعلتك تحدثني عن مس فرو باهتمامي بها و. . . الخ. وهذا الاهتمام وما بعده، من دواعي استتباب الأمن في بيتي! أليس كذلك يا رجل يا مكار. . .؟

ثم أليس يحملنا هذا على أن توقن بأن حسنها أو حسن تمريضها أو كلاهما، هو الذي شفاك؟ ولهذا تهتم بتصحيح لقبها، فهي (مس) لا (مسز). طيب يا سيدي. . . لعل لك في مصر من يسمع!

وأقصد بعد ذلك إلى الجد. أنت تنظر إلى موضوع الوصوليين من زاوية معينة، وهي نظرة سليمة من حيث هذه الزاوية، تنظر إلى جمهور الموظفين وغيرهم الذين يسامون الخسف ولا ينبسون فيهدرون حقوقهم بسكوتهم، ولعلك تعمل أن صنفا منهم وهم (الموظفون المنسيون) قد هبت زوجاتهم يطالبن بحقوقهم، فأنعكس الأمر وأصبح للرجال نساء يحمينهم ويزدن عن (الحريم) ولا شك أني لا أسمي هذا (حياء) ولا أصف أصحابه (بالكفاية) إنما أقصد ذوي الكفاية حقا الذين لا يتخطون لأنهم في وضعهم الرسمي العادي، ولكنهم يستحقون أن يتجاوزوه، ولكن أحد لا يقدرهم لأنهم لا يسيرون في ركاب ولا يتخذون سبباً آخر من أسباب الوصول المعروة، تمنعهم كراماتهم أن يصطنعوا ذلك، ويمنعهم حياؤهم أن

ص: 46

يعلنوا عن كفايتهم، وهم لا يستطيعون أن يحتجوا بهذه الكفاية كما يحتج بالأقدمية مثلا أو بالشهادة، لأن الكفاية والجدارة والنبوغ وما إليها، أمور تلحظ فيمن يتصف بها ويمنع الحياء صاحبها أن يتقدم بها، إذ أيسر ما يقال له: دعي مغرور!

أولئك هم (كنوز الطبيعة البشرية) التي لا تحتاج إلى استخراج، لأنها ظاهرة لا يسترها إلا غبار المتسابقين من ذوي الوسائل الرخيصة، وهم الذين يعينيهم القانون حين ينص على أن كذا في المائة من الدرجات للاقدمية، وكذا للكفاية. ولكن (الكفاية) في التطبيق لها معان أخر لدى كبرائنا. . . إذ نرى أصحابها عندهم ممن يمتون أو ينفعون، وللنفع أساليب مختلفة. . .

هذا، وأنا يا أخي عندما تحب، عند السخط. . . ولم يكن (القرف) إلا تعبيراً مخففاً. وسلام عليك.

تطهير الإذاعة

يظهر أن معالي الدكتور حامد زكي وزير الدولة المختص بشئون الإذاعة لم يقصر اهتمامه على دور الإذاعة وإنشاء دار حديثة تجمعها، بل التفت التفاتا جديا إلى (من سكن الديارا) من أساطين الإذاعة المصرية الذين ظلوا يهيمنون عليها في السنوات الأخيرة رغم صيحات الرأي العام وشكوى الناس من الفوضى التي يعلنها (الميكروفون) صباح مساء. وهم قوم ليسوا من ذوي الثقافات الفنية الملائمة لشئون الإذاعة، إلى مسلكهم الشخصي في ادراتها من حيث تقديم (المحبين) والأقارب والأصهار في الوظائف وفي الاذاعات، حتى أصبح مقياس الكفاية في الإذاعة المصرية مقدار الصلة بالمتولين فيها ومقدار ما يرجونه أو يخشونه، وحتى تطور الحال إلى أن صار لبعض الفنانين والفنانات أنصار من أولئك المتولين. لم يقتصر الأمر على مساعدتهم الإيجابية بل تعدى إلى معاكسة الآخرين من أهل الفن الذين ينافسون المحظوظين المستأثرين بمودة المتولين، ويجري الآن تحقيق يتناول مسائل من هذا القبيل.

وليس مما يتهم به متولو الإذاعة - بطبيعة الحال - أن يستوعب برنامج الإذاعة أكبر عدد ممكن من ذوي المواهب الأدبية والفنية في البلاد، وقد يكون ذلك راجعاً إلى أنهم ليسوا من بيئات هذه المواهب ولا من أهل الحكم عليها، إذا فرضنا اجتهادهم في تحقيق الأغراض

ص: 47

المنشودة، وأضرب مثلاً لذلك شاعراً كبيراً هو السيد حسن القاياتي عضو مجمع فؤاد الأول للغة العربية تقدم هذا الرجل - وهو من أعلام الأدب - إلى الإذاعة المصرية ببعض أشعاره لإذاعتها مبديا رغبته من أجر مادي لأنه مكتف بما عنده وليس من ذوي الأطماع المادية، فلم يعره أحد اهتماماً في الوقت الذي يأتون فيه بكل من يعرف القراءة من محبيهم ليقدم (قراءة أدبية) أي يقرأ في كتاب من كتب الأدب! فأصبح في الإذاعة نوع آخر من القراء إلى جانب قراء القرآن الكريم مع الفارق فيما يقرأ وفي أن الأخيرين يمتازون بالقراءات السبع!

فتح المدير العام للإذاعة الأستاذ محمد قاسم بك إجازة شهرين هو أسلوب يتبع مع كبار الموظفين غير المرغوب في استمرارهم في العمل، وقد طلب أن يمهل نحو خمسة عشر يوما قبل قيامه بالإجازة (لحلاوة الروح) فأجيب إلى طلبه، وقد انتهت هذه المدة، وبدأت الإجازة.

وهناك من يدعي (المراقب العام) الذي أستفحل أمره في ظل ذلك المدير، والذي أخذته العز بشخصية فنية كبيرة فأهان رجلا من رجال الموسيقى المعروفين، وبدرت مكن ألفاظ غير لائقة وأسندت إليه أمور أخرى، فأمر معالي الدكتور حامد زكي بإجراء التحقيق معه، وقد نشرت عدة صحف في (الاجتماعات) وبصيغة واحدة أن التحقيق يجري بناء على طلب المراقب. . . والنتيجة واحدة وهو أن التحقيق جار سواء أطلبه أم لم يطلبه، والطلب لا يقدم ولا يؤخر في الموضوع.

وبعد فهل آن أوان الإفساح لذوي القدرة على النهوض بالإذاعة المصرية لتكون لسان مصر الناهضة الزاخرة بعناصر الفن والثقافة؟ نرجو أن يكون ذلك.

عباس خضر

ص: 48

‌البريد الأدبي

أيقظة أم غفلة؟

بعدد المصور الصادر في الثالث عشر من هذا الشهر أقصوصة للسيدة أمينة السعيد بعنوان (يقظة) ما كدت استرسل في قراءتها حتى ذكرت أنني قرأتها قبل ذلك في لغة غير اللغة العربية. ورجعت إلى مكتبتي فوقعت على المجلة المنشورة بها القصة وهي مجلة سينمائية معروفة بإسم بعددها رقم 405 من المجلد السادس عشر الصادر في الخامس من شهر فبراير سنة 1927 وقد عرضت منذ سنوات على الستار الفضي بعنوان الأحمق

وما نأخذه على السيدة أمينة السعيد نأخذه كذلك على جمهرة القصصيين المصريين الذين يسقطون على القصص الأجنبي فيتناولونه بالمسخ والتشويه حتى غدت هذه الظاهرة من الظاهرات السخيفة الجديرة بالمحاربة ضناً على مجتمعنا من تلقيحه بالعادات الغربية والأخلاق الأجنبية - ذلك أننا نرى الواحد من هؤلاء القصصيين ينقل القصة الإفرنجية مع تغير لا يتناول غير أسماء الشخوص؛ فهي في القصة الأصلية شخوص أجنبية وفي القصة المنقولة شخوص مصرية؛ ولكن الناقل يفوته أن الشخوص المنقولة شخوص باهتة والجو الأجنبي يشي بالسرقة فتبدو القصة على الجهد المبذول لإخفاء السرقة أجنبية لحماً ودما.

ففي قصة (يقظة) التي نقلها السيدة أمينة السعيد عن قصة (الأحمق) السينمائية إخفاق تام في عرض الفكرة السيكولوجية التي تدور عليها حوادث القصة وهي فكرة (الخوف) وكيفية قهره على سند من علم النفس. . . هذا فضلاً عن أن (بارى) بطل القصة الأجنبية لم تستطع براعة الناقلة أن تجعله أحمد أو حسناً عند ما خلعت عن رأسه القبعة ووضعت عليه الطربوش للاختلاف الكبير بين العادات المصرية والأجنبية، ذلك الاختلاف الذي ظهر واضحاً في سلسلة الحوادث المفتعلة التي ساقتها والتي انتهت بمشهد التلاحم بالأيدي والأرجل في ناد راق من الأندية الرياضية الذي ينتظم في سلكه الجنسين؟.

. . وثمة بدهية أولية في فن القصة يجهلها أكثر النقلة عندنا وهي أن هذا الفن يقوم على دعامتين: دعامة الفن ودعامة الشخصية. . فلئن صح أن استطاع الناقل أن ينقل القصة نقلا سليما من الوجهة الفنية فإنه لا مشاحة ملغ شخصيته لأنه إنما ينقل شخصيات الكتاب الذين ينقل عنهم، وهكذا لا تكون له شخصية مستقلة أبداً. . . وهذا هو السر في أن أكثر

ص: 49

كتابنا القصصيين ليست لهم شخصيات متميزة. . . وهو السر أيضاً في ضعف القصة عندنا. . .

كمال رستم

في محيط التربية: (بين الرغبة والرهبة)

بعد تلك المناقشات التي دارت بين رجال التربية في مشاكل الأطفال والشباب وها قد وضح الداء وأستفحل ولم نصل بعد إلى الدواء فقد عز وندر، مما يجعلني أنظر إلى الوراء قليلا فأسطر مأخوذاً بموقف آبائنا من المربين في تربيتهم وطرق تأديتهم، وما كان لهم من أثر ملحوظ، وهمة مشكورة، وروحانية شاملة.

ولا أكون مغالياً إذا قلت: إن المربين في العصور السابقة كانت لهم شخصيات خاصة تمتاز بالفراسة المبنية على التجارب دون الاستعانة بعلم النفس أو بغيره من العلوم الحديثة.

ذلك أنهم كانوا يأخذون بالشدة ومن غير هوادة أو لين من يرونه بالبداهة جامد الحس بليد الذهن تصلحه العصا وما يتبعها من توبيخ وتقريع، ويتركون غيره المزمن يصقله ويهذبه ممن يلمسون فيه نوعا من الفهم والحذق تلهبه البشاشة وتزكيه الكلمة الطيبة الصغيرة والمعاملة الحسنة التي تشير من طرف خفي إلى محاسن الأخلاق والعادات.

ويزداد عجبي أن تسير تلك النظرة بخطة ثابتة على مر العصور تفتش وتستوعب بل وتعالج ذلك التنافر والتباين بين الأطفال من كل طبقة ووسط.

ولقد كانت تلك النظرة الممزوجة بالفراسة، هي العلاج الموحي إلى عقول الأطفال، فهي تهذب وتعالج في صمت دائم، يحس بذلك الطفل، وقد نظر إليه معلمه نظرة مناسبة لحاله، تشير إلى تأنيب شديد أو عقاب صارم. وما أمر تلك الحكمة الخالدة يخاف علينا (عصا المعلم من الجنة) فتراه يحاسب نفسه) فيزن أعماله بالميزان الذي يسير عليه العالم الذي حوله.

ومن هنا يزداد الطفل إيماناً بأن لكل نفس مريضة دواءها، ولكل نفس تتوق إلى الشر والخمول عقابها، فتراه يقيس نفسه بمقياس ما يراه حوله - وتلك لعمري كانت حالنا في الأزمنة السابقة؛ أما حالنا اليوم وفي عصرنا الراهن فهو - مع الأسف الشديد - محاولة

ص: 50

غمر الطفل بوابل من العطف والرأفة والرقة على حساب العلم، وإحاطته بسياج من الدلال وقوة القانون، ومن هنا شلت يد المربي فأصبح كالجندي الأعزل، حيث لم يحسب لميول الطفولة حسابها، وفيهم من تكفيه النظرة، ومنهم من لا يخاف ولا يرعوي إلا من العصا وما يتبعها من عقاب.

وقد نشأ عن ذلك ما نراه في هذه الأيام من تحلل في أخلاق الشبيبة، وعدم اهتمامهم بالقائمين على تربيتهم، إما بمعاكستهم وإغضابهم أو محاولة الاستهزاء بهم وإهانتهم بل وثورتهم على النظام والعلم، وما أمر تلك الحوادث المؤسفة التي حدثت أخيراً ببعيد.

وها نحن أولاء نشاهد تخلي الشباب عن القيم الأخلاقية وتحليه بما يسمونه الحرية وهي التي بعدت بهم عن العلم وآدابه، وبذلك رفع الإخلاص الذي كان حلقة اتصال بين المربي وتلميذه، فقل الاهتمام وزاد الجهل وغاض معين الوفاء وضاعت المروءة.

فيا ليت شعري أين نحن من الاحترام الذي كنا نحس به لمعلمينا الأماثل في الأزمنة الماضية، لقد كنا نحس بجلال وهيبة دونها جلال الوالدين. بل أين نحن الآن من تلك الآداب السامية وقد جرد منها - مع الأسف - أكثر شبابنا في هذه الأيام؟

على أنني لست أدري - وقد حفيت أقلامً الباحثين - ما منشأ هذه الحالة الأليمة التي وصل إليها شبابنا: أمن تطور الزمن وهو هو لم يتغير -؟ أم من آثار تلك الحرية التي أعطيت بلا حساب فكانت كسلاح حاد سلط على نحورهم وأخلاقهم؟ أم من تهاون المربين؟ أم من فساد الضمائر؟

لقد حيرني ما أراه بعيني في هذه الأيام فمن لي بمن بدلني على سبب ذلك الجحود وهذا الاستهتار الذي يباعد عن الاستفادة من العلم والاغتراف من مناهله العذبة:

ولكني أعتقد مع ذلك اعتقادا جازما بأن التربية الصحيحة والأخلاق المرضية تحيا وتترعرع في ظل الرغبة والرهبة على شريطة استعمالها استعمالاً صحيحاً مبنيا على الفراسة الملهمة والتجارب السديدة السليمة.

شطانوف

محمد منصور خضر

ص: 51

جاسوس لا جسوس

كتب في العدد 42 من مجلة الشرق العربي، أحد الزملاء يقول:(يغلط كثير من المصريين في هذا الاسم فيقولون جاسوس والصواب جسوس بفتح الجيم وضم السين المشددة. . .) وأعتقد أن الاستعمال الأصح هو جاسوس لا جسوس كما يقول الزميل. فقد جاء في الصباح المنير مادة (جس): جسه بيده جساً من باب قتل واجتسه ليتعرفه، وجس الأخبار وتجسسها تتبعها، ومنه الجاسوس لأنه يتتبع الأخبار ويفحص عن بواطن الأمور، ثم أستعير لنظر العين؟ والجاسة لغة في الحاسة والجمع الجواس.

وكذلك جاء في القاموس ج2 طبع المطبعة اليمنية:

الجس: المس باليد كالاجتساس وموضعه المجسة، وتفحص الأخبار كالتجسس، ومنه الجاسوس والجسيس لصاحب الشر، والجواس الحواس، وفي المثل: أحناكها مجاسها؛ لأن الإبل إذا أحسنت الأكل اكتفى الناظر بذلك في معرفة سمنها من أن يجسها. وجسه بعينه أحد النظر إليه، والجساسة دابة تكون في الجزائر تجس الأخبار فتأتي بها الرجال.

وعبد الرحمن بن جساس من أتباع التابعين. وجس بكسر الجيم زجر البعير. ولا تجسسوا أي خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله عز وجل ولا تفحصوا عن بواطن الأمور وتبحثوا عن العورات. واجتست الإبل الكلأ رعته بمجاسها.

ومثل هذا ما جاء في لسان العرب وغيره من كتب اللغة. وللزميل تحيتي وتقديري

عبد الموجود عبد الحافظ

ص: 52

‌القصص

وليم تل

مسرحية من شريدان

للأستاذ محمود علي السرطاوي

تقديم الكاتب

(ولد رتشارد برستلي بطلر شريدان في دبلن عاصمة أيرلندا في 30 - 10 - 1761من أم وأب يعشقان الأدب والفن الجميل، تعلم في هارو، واستقرت أسرته في مدينة باث، وتزوج في هذه المدينة اليزابث لينلي، أجمل نساء عصرها. كانت إلى جانب هذا الجمال النادر موسيقية لا يشق لها غبار في هذا الفن، فجمعت حولها جيوشاً من المعجبين والمفتونين والعشاق؛ وحلقت بهذا الزوج محمولا على أجنحة الحسن الأخاذ حتى وضعته على كرسي وزارة الخارجية عام 1728 وجعلته حديث الدنيا في محاكمة ورلن هاشنج حاكم الهند العام تلك المحاكمة التي أشتهر أمرها في التاريخ، وحينما أخذت ورود العز الحسن تصوح من الروض المعطار، أنفض عنها المعجبون، وهبت رياح الخريف على حياتها، فعاشت وزوجها في فقر مدقع ومات في 7 - 7 - 1816ودفن في كنيسة وستمنستر في مقبرة الخالدين في بلاد الإنجليز.

ومسرحيته (مدرسة الفضائح) المشهورة يعرفها عشاق أدبه الإنجليزي)

أشخاص المسرحية

جسلر: الحاكم النمساوي في سويسرا

وليم تل: قائد السويسريين في ثورة التحرر من حكم النمسا وقد وقع أسيرا مع أبنه البرت في قبضة جسلر

البرت: الن وليم تل وهو فتى في الثالثة عشر من العمر.

فرتر: صديق وليم تل

جنود: ضابط جمهور كبير من النساء والأولاد والرجال.

المنظر الأول

ص: 53

جسلر: ما أسمك!

تل: اسمي؟ لا ضرورة لإخفائه عنك الآن. اسمي. . تل. .

جسلر: تل! وليم تل!

تل: أنه لكما تقول

جسلر: ماذا! ألست الذي أمتاز على أبناء جنسه بمهارته في السيطرة على قارب في البحيرة في يوم عاصف؟. . أولست الذي لم تخطئ سهامه أهدافها أبدا؟ لقد آن لي أن أنتقم منك انتقاماً طريفاً!. . أصغ إلى! سأمنحك وأبنك الحياة. . وأعفو عنكما. . . ولكن. . على شرط واحد!

تل: ما هو الشرط؟

جسلر: أريد أن تظهر مهارتك في تجربة تستعمل فيها قوسك الذي تحسن الرماية عنه!

تل: ما هي التجربة. . .؟

جسلر: أنك تنظر إلى ولدك: ويخيل إلي أنك قد فهمت بغريزتك ما أهدف إليه!

تل: أنظر إلى ولدي! ماذا تقول بذلك! أنظر على ولدي كأنني قد فهمت ما ترمي إليه! فهمت التجربة التي ستحملني عليها! فهمتها بغريزتي! أنت لا تعني. . كلا. كلا. . إنك،: لن تحملني على إظهار مهارتي على ولدي! مستحيل! أنني لم أفهم ما تريد. .

جسلر: أود أن أراك تصيب بسهمك تفاحة على مسافة مائة خطوة!

تل: هل تشترط أن يمسكها ولدي!

جسلر: كلا

تل: تقول كلا! إذن سينفذ سهمي منها

جسلر: ولكنها ستوضع على رأسه!

تل: يا إلهي! ماذا تسمع أذناي!

جسلر: أنك قد فهمت الآن ما عرضته عليك، وأنها الفرصة أنحتها لك لتظهر فيها مهارتك التي طالما تحدثت بها الركبان وليس أمامك غير الموت لك ولأبنك. . . فأختر لنفسك خصلة من الاثنتين. . . ولا مناص لك من الاختيار!

تل: أيها الوحش!

ص: 54

جسلر: أتريد أن تختار!

البرت: لقد أختار!! لقد أختار!. . سيرمي التفاحة!

تل: (في ذهول. . .) أيها الوحش الضاري! أتريد من الأب أن يقتل أبنه بيديه!!

جسلر: حلوا وثاقه إذا قبل بما عرضته عليه. .

تل: (مستمرا في ذهوله) يقتل أبنه بيديه. . .!

جسلر: هل قبل!!

البرت: نعم لقد قبل!

(يشير جسلر إلى ضباطه فيتقدمون إلى تل ويحلون يديه من الأغلال وتل في ذهول عميق لا يحس ما يفعلون)

تل: (مستمرا. .) يقتل أبنه بيديه! نعم! يريد من الأب أن يقتل ولده! يا لرحمة السماء! أنه أمر فظيع تهتز منه رواسي الجبال!!. . . أنه أمر وهيب. . . يا إلهي. .! (يحلون جميع الأغلال فتسقط السلاسل على الأرض ويسمع لها صوت يعيد تل إلى وعيه) أيها الأوغاد ماذا كنتم تفعلون! أعيدوني إلى الأغلال أعيدوني إليها! إنني لم أقتل ولدي إرضاء لجسلر!

البرت (باكيا) أني!. . أني!. . أني. . .! إن سهمك لن يؤذيني!

تل: لن يؤذيك؟ كيف يمكن ذلك؟ إن لم تحطم السهم دماغك فسيذهب بإحدى عينيك! وإذا لم يذهب عينيك فسيمزق هذا الخد الذي طالما رأيت شفتي أمك تغمره بقبلات الحنان والشوق الشديد، والحب الجارف العميق. . لن يؤذيك يا إلهي!. . إن قلب أمك سيحطم لو مست شعرة من رأسك!

جسلر: هل رضيت!

تل: هل رضيت بقتل ولدي أيها الطاغية!

البرت: كلا يا أبي كلا! إنك بذلك تنقذني! أنني واثق من مهارتك وقدرتك على إصابة الهدف. . أبي! (باكياً) ألا تريد أن تنقذ حياتي.!

تل: إذن. . . هيا بنا. . . . هيا بنا. . . سأجرب هذه التجربة القاسية!

البرت: شكراً لك يا أبي!

تل: أتشكرني! امقدر أنت جسامة ما أنت مقدم عليه! كلا. . . كلا. . . لن أقبل بهذه

ص: 55

التجربة! إنها تجربة تكون نهايتها أن أحمل ولدي بين ذراعي جثة هامدة إلى أمه!

جسلر: إذن فسيموت أمامك هذه اللحظة! وستكون أنت سبب ذلك. أتيحت لك الفرصة لإنقاذ حياتها فلم تهتبلها!

تل: حسناً! سأفعل! سأفعل!

البرت: أبي!

تل: صه! لا تتحدث إلي! لا تجعل لي مجالا لسماع صوتك

كن حيث اللسان! ليمت كل شيء حولي! الأرض والمخلوقات والانسام. . . أيتها السماء! أرسلي صواعق غضبك وامنعي وقوع هذا الجرم الفظيع. . .! إلى. . . إلى. . . بقوسي! وبجعبتي!

جسلر: ليس الآن! سيعطيان لك في الوقت المناسب!

تل: هيا بنا؛ إلى الجرمية الرهيبة؛ إلى العمل الوحشي الفظيع؛ إلى الموت.

المنظر الثاني

يدخل جمهرة من الرجال والنساء. والأولاد والبنات. . . يسيرون سيراً بطيئاً - جسلر - وتل - والبرت وجنود يحمل أحدهم قوس تل وجعبته، ويحمل الآخر سلة من التفاح)

جسلر: قف في هذا المكان. وستقاس المسافة من هذا الموضع مائة خطوة قيسوا المسافة؛

تل: هل المسافة مائة خطوة بالضبط

جسلر: ما شأنك وهذا؟

تل: وأنت ما شأنك أيضاً؛ قد يكون الخطأ صغيراً وصغيراً جداً. . . خطوة. . . وخطوتين. . . أو أكثر من ذلك. . . أمور تافهة! أتحسبني أفوق سهمي إلى ذئب!

جسلر: أحمد الله أيها الوغد الحقير! إنك تحت رحمتي! وأنا الذي منحتك الحياة التي أنت فيها الآن!

تل: سأكون شاكراً فضلك وجميلك يا جسلر! (يتلفت إلى الذي يقيس المسافة) أيها الوغد! إنك تقيسها في اتجاه الشمس!

جسلر: وما شأن الشمس في المسافة؟ ماذا تستفيد من ذلك إذا كانت المسافة في اتجاه الشمس أو في عكسها؟

ص: 56

تل: أفضل أن تكون الشمس ورائي. ينبغي أن يشع نور الشمس على الهدف وليس على وجه الرامي. ليس في مقدوري أن ارمي والشمس في وجهي. . . ولن أفعل ذلك أبداً.

جسلر: ليكن ما تريد أن السبب الذي ذكرته قد حرك الرحمة في قلبي!

تل: سوف أذكر ذلك. . . أود أن أرى التفاحة التي ستكون هدف سهمي!

جسلر: قف أبى بسلة التفاح هي تلك

تل: أنك قد تخيرت أصغرها حجما

جسلر: لقد تعمدت ذلك!

تل: أو صحيح ما تقول لكن لونها معتم كما ترى! أفضل أن تكون بيضاء اللون لأراها جيدا!

جسلر: لا يمكن تبديلها. . . وستكون مهارتك عظيمة إذا أصبتها!

تل: نعم. . . نعم. . . إن ذلك لم يدر بخلدي مطلقا. . . أن العجب ليأخذني من هذا المنطق. . . أرجو أن تتيح لي فرصة أنقذ بها حياة ولدي، (يرمي التفاحة إلى الأرض بكل قوته) لن أقترف جريمة قتل ولدي إذا كان ذلك في استطاعتي. لو أفعل ذلك تخاذلا أمام مظاهر القوة التي لا تعرف الرحمة.

جسلر: إذن تخير التفاحة التي تريدها.

تل: (يحملق في الجمهور المحتشد حوله) أيها الناس الذين حولي أبينكم صديق؟

فرتر: (يتقدم إليه مسرعا) أنا الصديق ياتل!

تل: شكراً لك يا فرتر، أنك الصديق الذي أرسلته السم ليمد إلى يد العون في أحرج ساعات حياتي تهتز وتضطرب في أرجوحة القدر أمام عيني. أصغ إلى يا فرتر! مهما تكن نتائج هذه الساعة الحرجة، فعليكم الثبات إلى النهاية. لا تجعلوا نور الغد يشرق وعلم الطاغية يرفرف في الفضاء فرتر. فرتر. يا صديقي أتحسب أن لدى الولد شجاعة تجعله يحتمل ذلك الموقف الرهيب وهو في جفن الردى.

فرتر: نعم.

تل: (دون أن ينظر إلى البرت) كيف ترى ملامح وجهه

فرتر: طلق المحيا. كثير الابتسام، وإذا شككت في ذا فأنظر إليه؟

ص: 57

تل: كلا! كلا! حسبي أن أسمع ذلك منه يا صديقي!

فرتر: أنه ليبدو في شجاعة لا تتناسب مع عمره!

تل: إنني أعرف ذلك. إنني أعرف ذلك!

فرتر: ويبدو في ثبات منقطع النظير!

تل: إنني متأكد من ذلك.

فرتر: وينظر إليك بعينين يفيض منهما الحب العميق والتقديس

تل: حسبك يا فرتر! كفى بربك! أصمت رحمة بي! لا تحدثني عنه بهذه اللهجة فأخانا أبوه الذي سيكون جلاده بعد لحظات! لا تحدثني عنه يا صديقي! سأحمل بين جنبي قلباً أقسى من الصوان! أقسى من الصوان! أقسى من قلب الطاغية! لا تجعلني أحس بعاطفة الأبوة! خذ البرت وأوقفه متجها بظهره إلى! دعه يركع على ركبته! وضع التفاحة على رأسه! وليكن عنقها في اتجاهي! أطلب منه أن يكون شجاعا! وأن لا يتحرك وأكد له أنني سأصيب التفاحة. . . قل به كل هذا بأقل الكلمات؟

فرتر: اتبعني يا البرت؟ (يمسك بيده)

البرت: ألا تسمح لي بالتحدث إلى أبي قبل السير؟

فرتر: كلا؟

البرت: أريد أن أقبل يديه؟

فرتر: يجب أن لا تفعل ذلك؟

البرت: يجب أن أفعل. . . لا أقوى على مغادرته دون ذلك؟

فرتر: أنه يريد منك أن لا تفعل شيئا من هذا النوع؟

البرت: أهي اراؤه؟ إنني راض بها. . . هيا بنا؟

تل: إذا كنت لا تستطيع أنت ترني قبل وداعي يا البرت فكي أحتمل ذلك أذهب الآن، وأذكر وأنت في موقفك الرهيب أن أباك يجيد الرماية. لا تتحرك فسأصيب التفاحة. . . أذهب يا بني. . . ليرحمني ويرحمك الله أذهب أذهب أين قوسي (يقدمون له القوس يخاطبه وهو نظر إليه) أحب أنك لن لا تخذلن في أرهب ساعة من ساعات حياتي يا قوسي لقد كنت الساعد والعون في الماضي وأنا واثق في إخلاصك إلى بجعبتي

ص: 58

جسلر: أعطوه سهماً واحد فقط

تل: (ينظر إلى الجندي) أتجيد الرماية؟

الجندي: نعم

تل: أذن كيف اخترت لي هذا السهم أيها الصديق؟ ألا ترى أن رأسه غير مدبب، وأسفله مكسور (يكسره وبرميه إلى الأرض) هذا ما يصلح له. . . .

جسلر: أعطوه سمهاً آخر.

تل: أنه أحسن من الأول؛ ولكنه لا يصلح لهدف من هذا النوع. أنه ثقيل. أنني لن أرني به عن القوس. (يرميه إلى الأرض) اسمحوا لي بجعبتي - أحضروها. أنني لا تخير سمهاً من عشرين لأرمي به حمامة؛ فكيف بحمامة كالتي أمامي!

جسلر: أعطوه الجعبة ولا مانع لدي!

تل: (لفرتر) انظر إلى الولد هل هو مستعد!

فرتر: أنه كذلك.

تل: وأنا كذلك أيضا. أصمت يا فرتر إكراماً لله ولا تتحرك - وأبتهل إلى الله بصلواتك. أدعو الله وأشهد فيما إذا أصيب بأنني ما أقدمت على ذلك إلا حرصاً على حياته (يتلفت إلى الناس) أيها الأصدقاء. . . رحمة بي. . . لا تتحركوا وأصمتوا (يفوق السهم. تنبعث أصوات الفرح كهزيم الرعد من الجمهور يسقط على الأرض مغمي عليه. . .

فرتر: (مسرعا يا لبرت) لقد أنقذ الولد، ولم يمس السهم شعرة من رأسه.

البرت: (باكيا) أبي! أبي! لقد أنقذتني، أبي! العزيز! لقد أنقذتني من الموت! أبي! تحدت ألي! أستمع إلى صوتي!

فرتر: أنه لا يستطيع التحدث إليك أيها الصبي أصمت البرت (إلى جسلر) أوهبت له الحياة!

جسلر: لقد وهبت لكما الحياة.

البرت: وعفوت عنا؟

جسلر: نعم

البرت: شكراً لك يا إلهي شكر لك يا ربي

ص: 59

فرتر: (إلى الجمهور المحتشد حول تل) أيها الناس ابتعدوا عنه افتحوا صداره دعوا الهواء الطلق ينفذ إليه (يفتح البرت صدار والده. يسقط سهم تحت الصدار فيراد جسلر. يعود تل إلى وعيه فيرى البرت منضمة إلى صدره.

تل: ولدي! ولدي! حبيبي!

جلسر: لماذا أخفيت هذا السهم في صدرك؟

تل: لا قتلك به أيها الطاغية إذا نفذ سهم القدر في ولدي!

أصوات الفرح تنبعث من الجمهور وتتلاشى رويدا رويدا ستار

دار المعلمين الريفية - بغداد

علي محمد سرطاوي

ص: 60