المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 892 - بتاريخ: 07 - 08 - 1950 - مجلة الرسالة - جـ ٨٩٢

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 892

- بتاريخ: 07 - 08 - 1950

ص: -1

‌صور من الحياة

على الشاطئ

للأستاذ كامل محمود حبيب

قالت لي: بعد أيام يسافر أهلي إلى الإسكندرية، فيا حبذا لو رافقتنا فنفزغ من لفحة وتخلص من غبار القاهرة فنسعد هناك في الإسكندرية برقة النسيم ومتعة النفس وراحة الجسم وهدوء القلب!

قلت لها: يا حبذا لو فعلنا، فأنا في حاجة إلى أن يستجم جسمي من عناء العمل وأن ينفض عقلي شواغل الحياة؛ ولكنك ولا ريب تعلمين أنني عبد الوظيفة تقيدني بأغلال لا أستطيع منها فكاكا إلا أن يرضى الرئيس

قالت ومتى يرضى الرئيس؟

قلت: حين يخلص من تاريخه. . . تاريخ الذل الذي عاش فيه سنوات وسنوات فسرى في عروقه فاختلط بدمه فلا يجد منفذا إلا أن يتدفق كبرياء مصنوعة يضرب بها مرءوسيه في غير حق ولا سبب.

قالت: إذن أسافر أنا معهم وتلحق أنت حين تجد الفرصة قلت وكيف يكون ذلك ونحن زوجان لم نفترق مرة واحدة منذ سنوات سبع؟ لقد محت هذه السنوات الطوال من نفسي آثار العزوبة فما أستطيع أن أهيئ لحياتي حاجاتها ولا أن أسكن إلى دار تتراءى أمامي خربة خاوية تثير النفس وتزعج الفؤاد وتمض الروح

قالت لعلك نسيت أن الطبيب قد نصح بأن نبتغي لوحيدنا المريض نزهة على شاطئ بالحر ترد له نسمات الصحة وتبعث فيه روح القوة!

قلت لا لم أنس، وسنعمل حين نجد الفرصة.

قالت وماذا يضير إن أنا سافرت في صحبة أهلي ريثما تهيأ لنفسك فسحة من الوقت فتخف إلينا نقضي أياما فيها اللذة والمتعة؟

قلت: لا ضير؛ غير أني أوقن بأني سأعاني هنا - في وحدتي - ضيق النفس ووحشة الدار وجفوة العيش

قالت: ولكنك رجل تستطيع أن تحتمل وتصبر.

ص: 1

قلت: أأعاني أنا هنا وأصبر، وأنت هناك تستمعين؟

قال: هذا خيال شاعر فيه المبالغة

قلت: إن الزوجة - في رأيي - إنسانة خلقت لتستفرغ الجهد في أن توفر للزوج الراحة وتلتمس له الهدوء وتعينه على وعثاء الحياة وتزيح عنه ضنى العمل، فإن هي ضاقت بوظيفتها فنفرت عنها أصبحت شيئاً غير الزوجة وغير المرأة وغير الإنسانة

قالت حقا، ولكن الرجل كثيراً ما ينكر عليها إنسانيتها فيغفل حقها في أن تهفو إلى الراحة أو تحن للمتعة، فيدفعها إلى أن تسعى هي لتوفر لنفسها الراحة والمتعة

قلت: والزوجة إن سيطرت عليها الأنانية الوضيعة فقدت روح الأنوثة والإنسانية معاً، وهذه أول ضرة جاسية من معول الحمق تسددها هي لتقوض ركن الدار وتهد عمار الأسرة)

قالت (وأي أنانية في أن أطلب لوحيدنا الشفاء والصحة؟)

قلت (سنفعل معاً، ولكني أخشى أن تذهبي من دوني فتتلقفك ذئاب الشاطئ وهي منبثة على طوله)

قالت (ذئاب الشاطئ؟ إذن أنت تتهمني في عقلي وفي كرامتي!)

قلت (لا، ولكني أعرف عقل المرأة، سبرت غوره وعجمت عوده!)

قالت (وأنا فتاة - كما تعلم - سموت بنفسي عن الشبهات. صقلت علي بالعلم، وشذبت تجاربي بالمعرفة، فترفعت عن الخطأ وعلوت عقلي الزلل)

قلت في تهكم (العلم! آه، العلم!)

قالت (وماذا في العلم؟)

قلت (هو داء الغرور الذي إن دخل عقل المرأة تفلسفت فيه الفضيلة. والفضيلة - إذ ذاك - تتفلسف لتخلق مذاهب منها الثورة على طبيعة المرأة، ومنها الحرية التي لا تحدها شريعة، ومنها الشارع. . . ومهما تكن المرأة فهي خلق يبهره الألق ويهزه الإطراء وتنطلي عليه الخديعة. . .)

قالت (وهب أنني من الغرور والجهل بحيث لا أستطيع أن أمسك نفسي عن الانزلاق إلى الجريمة، فكيف يتأنى ذلك وأنا بين أهلي: أبي وأمي وأخوتي؟ هذا كلام - ولاشك تزوقه

ص: 2

في لباقة لتصرفن عن الغاية التي أصبو إليه. . . عن السفر في رفقة أهلي!)

قلت (الغاية التي أصبو إليها. . . الغاية التي اصبوا إليها!)

وأصرت هي وأصررت

وحين احتواني الفراش اكتنفتني خواطر متناقضة سلبتني الراحة، وحدثني الشيطان حديثاً طويلا حرمني لذة النوم. وتراءى لي من خلال أخيلتي أنني إن حبست زوجتي عن (الغاية التي تصبو إليها) لا تعدم أن تجد خلاصاً فتتغفلني فتطير إلى دار أبيها تتصنع الخصام وتأبى الصلح حتى يحين موعد السفر فتنطلق في ثنايا الركب، وأنا أرى ولا أستطيع أن أمد يدي ولا لساني، فيأكلني الغيظ ويطحنني الكمد لأن فتاة من بنات حواء سخرت مني وعبثت بي. . . عبثت بي أنا، فعقدت العزم على أن أستسلم رويداً رويداً ثم أحتمل وأصبر

وانطلق الركب إلى المصيف، إلى الحياة الرفافة، إلى الحرية الحيوانية. . . انطلق ليخلفني هنا - في القاهرة - أقاسي شدة القيظ وعنت العمل وفراغ الدار وضيق النفس وشعرت - لأول مرة - أن الزوجة هي روح الدار وبهجة الحياة وسكن النفس، وأحسست - أيضاً - بأنها شيطانة دربت على أن تسلك إلى حاجتها من منافذ فيها الختل والخداع. وقضيت أياماً أسلي القلب بالعمل فما يتسلى، وأصرف الهم بالمطالعة فيما ينصرف، واختلطت عليّ أمور الحياة وأمور العمل، فانحطت قوتي ووهي جلدي وثارت جائشتي، فقر الرأي على أن أنطلق إلى زوجتي أنزعها غضباً من بين أهلها. . .

وجلست إلى نفسي - ذات ليلة - أدبر الأمر، فخيل إلى أنني مريض أتقلب على الفراش وحيداً، لا أجد اليد الرفيقة التي تؤاسي، ولا القلب الرقيق الذي يعطف، ولا الرفيق الطيب الذي يرق، فطرت إلى دار أخي أتلمس العزاء والسلوى

وفي الصباح طلبت إلى رئيسي أن يأذن فأبدا إجازتي السنوية، فأنطوي عني في إباء وصلف، فرحت أصب خواطري على قرطاس أبعث به إلى زوجي عسى أن ترتد عن الغواية أو تثوب إلى الرشد، فكتبت إليها (. . . الآن لا استمرئ الطعام ولا أستعذب الشراب ولا أحس لذة الشباب ولا متعة العافية. وأرى الدار أمامي خاوية تصفر فأهرب منها خشية أن يفجأني مرض الكلى - وأنت تعلمين أنه يعاودني بين الحين والحين - فلا أجد العون ولا الساعد ولقد ساورتني الهموم فسدت على السبيل جميعا إلا سبيلا واحداً هو

ص: 3

السبيل إلى دار أخي فأنطلق إلى هناك علي أجد الهدوء والسلوى؛ غير أني خشيت أن يكشف عن خبيئة نفسي فيحتقر رجولتي ويسخر من ضعفي، فرجعت إلى الدار التي تقذفني بالضيق والألم فتبعثر قوتي وتبدد خواطري. وأنا ألح على رئيسي. على غير عادتي - ليأذن لي فأطير إليك. فأصم أذنيه، فهلا تزلت عن أنانيتك ساعة من زمان؟. . .)

وجاءني خطابها فاترا مقتضباً؛ فتبلبلت أفكاري واضطربت أعصابي، فذهب إلى الرئيس - مرة أخرى - ورأى في كلماتي الإصرار، وأحس في جرأتي العناد، فخاف أن ينفد صبري، فألقي السلم عن يد.

وشملتني هزة من الفرح تبدت لي الحياة من خلالها باسمة تتألق، وسرى الدم في عروقي فواراً ينفث في قوة ونشاطا فقدنهما منذ أن خلفتني زوجي هنا - في القاهرة - أقاسي شدة القيظ وعنت العمل وفراغ الدار وضيق النفس. وتراءت لي زوجتي وهي تلقاني بعد غياب دام نيفاً وثلاثين يوماً. . . تلقاني في طرب يمسح عني العناد، وتضمني في فرح يمحو عني الجهد، وتراءى لي ابني الوحيد وهو يندفع نحوي في بهجة وسرور يطوقني بذراعيه الصغيرتين ويغمرني بقبلاته الحلوة البريئة، فتأججت روحي بالعاطفة الجياشة عاطفة الزوج والأب. فرحت أهيئ نفسي للسفر وأعد لزوجي هدية جميلة وأختار لابني لعبة طريفة. . . ثم انطلق بي القطار وأنا استحثه واستبطئه وبلغت الإسكندرية لدى الأصيل

وقال لي عقلي (هذه ساعة يفزع فيها الناس إلى سيف البحر يستروحون النسمات الطرية ويتنشقون الشذا الزكي ويستمتعون بغروب الشمس حين تغرب في عين حمئة فتلفها الأمواج المضطربة بين ثناياها في رفق ولين مثلما تضم أم ابنها الوحيد في شوق وحنان. .)

فجلست في مقهى على الشاطئ أستجم من تعب، وأهدأ من اضطراب، وأعد نفسي للقيا الحبيبة، وأتصفح وجوهاً تفيض بالبشر وتطفح بالسرور، وخيالي هناك عند زوجتي، وابني لا يبرح

وحانت مني التفاته فرأيت زوجتي فهممت في نشوة أريد أن ألقاها، غير أني شعرت بأن يدا عاتية تمسكني إلى الكرسي. . . شعرت بأن يدا عاتية تدفعني عنها لأنني رأيتها تسير مع رجل غريب، جنباً إلى جنب، وذراعاً في ذراع، ووجهها يفيض بالبشر ويطفح

ص: 4

بالسرور. . . ونظرت ونظرت

آه، يا بني، برغمي أن أفزع عن الإسكندرية ولما أتمتع بوجهك الغض الجميل وبسماتك النقية الطاهرة وقبلاتك الحارة الخالصة ونشوتك الوثابة المتألقة. وبرغمي أن أذرك بين يدي هذه المرأة. . . هذه الفاجرة!

الإسكندرية

كامل محمود حبيب

ص: 5

‌التربية الأدبية

للأستاذ محمد محمود زيتون

يحكى أن ملكا من ملوك الفرس غضب على وزير له إثر شائعات ودسائس حتى دنت رقبته من حبل المشنقة. وفي ساعة التنفيذ وقع نظر الملك على بنت الوزير وقد رآها سافرة على غير عادة الفرس من الحجاب، فبعث إليها من حاشيته من يقول لها:

مولاي يعجب كيف لم تتقنعي

قالت له: أتعجبا وسؤالا

ما كان للحسناء تكشف وجهها

لو أن في هذي الجموع رجالا

في هذا اللون من فن القول ما يكفي للدلالة على أهمية الأدب في الحياة الإنسانية، ذلك بأن الأدب يهتف في دوافعه ونوازعه بمظاهر الشعور، فاللفظ مسموعاً ومقروءاً أول ما يتصل بالإحساس الذي يوصله بدوره إلى الوجدان فتتفاعل فيه العناصر الأولى للعاطفة. فما يلبث الإنسان أن ينزع إلى إتيان أمر أو تجنب آخر

وإذ ذاك يكون الأدب غير دخيل على النفس. لأنه منها يستفرد، ومعها يجري، غير أن (للصورة الأدبية) لا تقف طويلا بباب الشعور، وإنما هي تحمل (جواز المرور) بما تأهلت له من جرس جميل، وخيال هائم ومعنى كريم.

بهذا يكون صاحب هذه الصورة قد وجد أصداء نفسه تتردد في جوانب غيره بطريق (الإيحاء) الذي يقوم بدور كبير في نقل التجارب من المعلم إلى المتعلم.

ولما كانت التربية الكاملة تقوم على علاج البدن والعقل والروح بحيث تتعالى الغرائز عن المستوى الحيواني، فقد بقي على التربية وتنسيق القوى النفسانية بحيث لا ينمو البدن على حساب العقل والروح أو عل العكس.

والأدب كفيل بتحقيق هذه الغاية، إذا هو يتفاعل أولا مع الروح، ومنها تنبثق مؤثراتها على كل من البدن والعقل. وقد أثبتت تقارير (علم النفس الطبي) أن معظم الأمراض التي تنتاب الجسم، مردها إلى انفعالات عنيفة. واستطاع تلاميذ (سيجموند فرويد) أن يعالجوا قلة اللبن في أثداء الأمهات بعزف بعض القطع الموسيقية، كما استكثر بعض الصيادين من السمك باستعمال الحاكي (الفوتوغراف) فتهافت السمك على النغم من كل مكان.

وقديماً قالوا (العقل السليم في الجسم السليم) وهذا خطأ، فقد فطن الأطباء السيكولوجيون إلى

ص: 6

علاج الأمراض الجسمانية بالتحليل النفساني والتغلغل في أعماق العقل الباطن للكشف عن العقدة التي هي أصل كل داء وبلاء. وفي الحديث الشريف (من كثر همه سقم بدنه).

ومما يعرف عن (الفارابي) أنه ابتدع آلة موسيقية عزف عليها مرة فأضحك ثم عزف فأبكى، وأخيراً عزف فنام من أضحكهم وأبكاهم.

كما أن (ابن سينا) كان يعالج المرضى بالوهم، بالإيحاء النفساني، وقصته مع الرجل الذي أصيب بالمانخوليا فغلب على ظنه أنه بقرة، معروفة مشهورة.

كذلك الحالة العقلية ينتظم ميزانها غالباً وفق الحالة الوجدانية، فقد أجريت تجارب على أطفال، اصطنعت أمامهم عوامل الخوف ولوحظت نتائجها في إجاباتهم على أسئلة وجهت إليهم.

وقد يعجب الناس من هذه (الطاقة) الأدبية التي تنفذ أشعتها إلى أعماق الشعور وتتردد في جوانبه، والأعجب من ذلك، ما بين الكيمياء والأدب من صلة وثيقة حتى في الصيغة اللغوية: تفاعلات وانفعالات.

ولكن يزول العجب إذ نسمع مثلا الشاعر العربي يقول:

وإني لألقي المرء أعلم أنه

عدو، وفي أحشائه الضغن كامن

فأمنحه بشرا، فيرتد قلبه

سليما، وقد ماتت لديه الضغائن

فهنا تفاعل بين بسمة الشاعر، وضغن العدو، يستحيل به القلب سمحاً كريماً، وذلك هو الصدى الذي توحي به الآية (الكريمة)(ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) ولا شك في أن هذا الإيحاء الصادر عن تلك الطاقة هو السفير الشعوري الذي يقوم بهذا الدور المحمود.

ومن هذا الباب أيضاً ما يروى عن الأعرابية التي ولدت أنثى، فهجرها زوجها وظل وجهه مسوداً وهو كظيم، من سوء ما بشر به كعادة الجاهلية، فلما مر بخيمتها ذات يوم سمعها تقول:

ما لأبي حمزة لا يأتينا

نراه في البيت الذي يلينا

غضبان ألا نلد البنينا

ص: 7

تا لله ما ذلك في أيدينا

فنحن كالأرض لغارسينا

ننبت ما قد غرسوه فينا

وإذا بهذا الأعرابي ينبض قلبه بالحنان، وينبثق بالرحمة - وهو الصخر الأصم - فيقبل صاحبته ويحتضن بنته.

ونحن بهذا لا نقوم بدعاية للأدب - وهو مشروع غير ممنوع - ولكنا بصدد التقريب بين رسالة الأدب، ومؤهلات التربية كوسيلتين للإصلاح، ولاشك أن الذوق السليم، والنفس الراضية المرضية من أعز المواهب التي تستكمل بها فضائل الإنسان، الذي يعرف أن له كرامة يجب أن تصان.

وما أسرع الأدب إلى تحقيق هذه الغاية: فإنه هو الذي يكفل للناشئ حياة مضمونة إذا درج على سماع الكلام الموزون، وإلقائه وتمثله وتمثيله، والاستشهاد به في بعض الأحايين.

وأول الطريق هو (الوجدان) الذي يكاد يشبه الكرة من المطاط إذا لم ينفخ فيها الهواء ركدت وأخلدت إلى الأرض، وكذلك القلب بحاجة إلى غذاء الروح، وهذا هو الغنى وتلك هي العافية للفرد والمجموع معا، والفقر ليس في الجيوب، ولكنه في القلوب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب)

وما أجدرنا بالبدء من هنا للقضاء على ما يسمونه بالمبادئ الهدامة، ولن يكلفنا الأمر أكثر من تغذية الفرد بتراثه العريق. من أمثال وحكم وتعليقات سلطانية، وقصص وملاحم، وقصائد وخطب، ومسرحيات، ومما يدخل الآذان بلا استئذان فيستقر في الوجدان، ولا سيما إذا كان من صميم البيئة ومن أصول العوائد والتقاليد التي قامت الأيام بتمثيلها على مسرح المجتمع.

وإذا كانت معدة الفرنسي تستسيغ أكل القواقع والفيران مما تتأفف منه نفس المصري وتعافه، فكذلك لكل شعب (معدة أدبية) خاصة وذوق لا يعيبه أنه يطرب للموسيقى الشرقية ولا يهتز للموسيقى الغربية، وتستهويه ألحان سيد درويش دون سيمفونيات بيتهوفن.

وهل ينكر أحد اثر خطبة طارق بن زياد في رجاله (البحر وراءكم والعدو أمامكم) تلك الخطية التي إذا أخذنا الناشئة على إلقائها انطلق عقال ألسنتهم وسلموا من رخاوة الحديث

ص: 8

ورطانة الغرب، وأكبروا هذه الفلذة الحية من دماء ماضيهم التي دفعت القائد الجبار إلى إحراق أسطوله ليمضي قدماً إلى البرانس حيث اتصلت حضارة العرب بأوروبا وحتى استمد الشعر البروفنسي عناصر من حضارة العرب كما يقول جوستاف لوبون.

وهذا عقبة بن نافع يخوض بجواده المحيط الأطلسي فيقول: اللهم رب محمد لولا هذا البحر لفتحت الدنيا في سبيل إعلاء كلمة الله. وهذه الأمثال العربية الناضحة بالحكمة، الزاخرة بالروعة مثل: حمى الوطيس، يا خيل الله اركبي، لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين، تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، كيف تصاحبني وهذا أثر فأسك، وكذلك التوقيعات السلطانية المحفوظة في سجلات الشرف والعزة مثل (كثر حاسدوك وقل حامدوك فإما اعتدلت وإما اعتزلت) ومثل (دع الضرع يدر لغيرك كما در لك). .

ولا شك أن هذه الروائع الأدبية من ألزم اللزوميات للزعامة الرشيدة والقيادة المستنيرة، فقد كان النبي عليه السلام ينشد لعبد الله بن رواحة رجزاً جميلاً وهو يعمل مع العاملين في حفر الخندق، في غزوة الأحزاب فيشتد أزرهم وتنشط قابليتهم للعمل، فلا يطغي التعب على مجهودهم، كلما رددوا وراءه عجز الرجز:

والله لولا الله ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا

وثبت الأقدام إن نادينا

وإن أرادوا فتنة أبينا

ويكررون الكلمة الأخيرة من رجز الراجز:

سماه من بعد جميل عمرا.

وكان للبائس يوماً ظهرا.

على أن الخيال الذي قد يؤخذ على الأدب إنما هو دعامة العلم الثابت. . لميتدولوجيا (علم مناهج البحث) تحدثنا أن الاختراعات لم تكن قبلا إلا أخيلة في عقول أصحابها، وفروضاً هائمة اقتنصها أرباب الاختراع كما هو معلوم من تفاحة نيوتن، وحمام أرشميدس، حتى جاء الفيلسوف برجسون فأنتصر لعنصر الإلهام في مجال العلوم الخالصة.

ص: 9

ولا حرج في القول إذن بأن أول مخترع للطائرة هو الشاعر العربي الذي تكنفته الجاهلية بأطباقها، ومع ذلك وصف فرسه فقال:

ولو طار ذو حافر قبلها

لطارت ولكنه لم يطر

وما أروع الصور الأدبية ذات الألوان والأنغام إذا عرضت

على السمع الذي لا يألف قول المتنبي وهو يمدح سيف الدولة:

لو تعقل الشجر التي قابلتها

مدت محيية إليك الأغصنا

وكذلك وصف العربي لنفسه وهو يتهدج في لفظه من طول ما أخنت السنون عليه، وأناخت على عوده فيقول:

أصبحت لا أحمل السلاح ولا

أملك رأس البعير إن نفرا

والذئب أخشاه إن مررت به

وحدي وأخشى الرياح والمطرا

من بعد ما قوة أعزيها

أصبحت شيخا أعالج الكبرا

وما أنجح تلك المحاولة التي قام بها الأستاذ الدكتور محمد صبري في تقريبه بين معلقة امرئ القيس وبعض اللوحات الفنية الأوربية لمشاهير الرسامين، وإن كنا نعلم أن (الشعر رسم ناطق، والرسم شعر أخرس) وهذا جبران خليل جبران يتصور فكرة الألوهية فيرسمها بيده الصناع فتخيلها في صورة كف مبسوطة وفي وسطها عين مبصرة. ومن حولهما سحاب الزمن تدور فيه الملائكة بأجيال البشر.

ومع هذا فأين هذه الصورة المرسومة من تلك الصور الشعرية التي عرضها جبران الشاعر عن الفجر إذ يقول:

هل شربت الفجر خمرا

في كؤوس من أثير

وتنشقت بعطر

وتنشفت بنور

وهل تنصل الخيوط المستطيلة والمستعرضة للأنسجة الجميلة التي اصطنعها شعراء العرب على نول الفنون؟ كلا فإنها لا تبلى على ممر الأيام، بل تظل تبهر العقل والوجدان، وتستثير الحس، وتستهوي الذوق، فقد أحكم صوغها، فاهتزت لها النفس واستجابت لها الإرادة طائعة مختارة فكأنما هي أسراب طائرة في فلك الجمال، تسبح فيه كما تشاء، وتهبط آخر الأمر على أرض الإنسانية فتزودها بنور الفضيلة، ما وسعها الزاد.

ص: 10

هذا العربي الأبي النفس الكريم الخلق، يقول::

وأغض طرفي حين تبدو جارتي

حتى يواري جارتي مأواها

وهذا العربي أيضاً يقول:

إذا كنت ربا للقواص فلا تدع

رفيقك يمشي خلفها غير راكب

أنخها فأركبه، فإن حملتكما

فذاك، وإن كان العقاب فعاقب

والنفس الشرقية لابد مستجيبة لهذا الخلق لأنه من سجيتها وطبعها المغروس فيها المركب في سلوكها.

وهذا عنترة العبسي يدلي بدلوه في التربية الأدبية إذ يذكر عبلة وهو في المعمعة فينفث في قيثارته حب الرجل الذي لا يفقده غرامه معالم رجولته إذ يقول:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل

منى وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها

لمعت كبارق ثغرك المتبسم

وفي أسطورة بشر بن عوانة حفز للبطولة، وإذكاء للهمة، ولن أنسى قط وقعها في نفوسنا يوم كنا نحفظها وننشدها عن ظهر قلب عندما كنا لا نزال تلاميذ بالمدارس الأولية، تلك القصيدة التي مطلعها:

أفاطم لو شهدت ببطن خبت

وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا

وأشهد أن روح القصيدة كان من أهم العوامل على تطلعنا إلى فهم مغلقات ألفاظها الجزلة، التي لم تعد الأذن تنكرها لسلامة الشعر، وعذوبة الروى، ونبالة الهدف.

وكلما تعمقت في الكشف عن سبب ميلي إلى الأدب، وصلت إلى ما كان يدعوني إليه جدي عليه رحمة الله كلما قدمه ضيف كبير فقد كان يطلب إلي وإلى أترابي من بني الأعمام إلى التنافس في إلقاء ما حفظناه من الشعر في المحفوظات، ونحن بعد تلاميذ بالمدرسة الأولية وكان يشجع الفائز بالتصفيق والتشجيع وبما وراء ذلك طبع من القروش والحلوى.

وللأدب مع ذلك كله رسالة خالدة قام بها أصحاب النفوس الكبار من أمثال محيي الدين بن عربي الذي نفض عن وجدان غبار التعصب، واخترق ضباب الحياة ليحلق في أمسى ذلك عرف القلوب إذ يقول:

لقد كنت اليوم أنكر صاحبي

إذا لم يكن ديني إلى دينه دين

ص: 11

فأصبح قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أني توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيمان

وما أروع قول من قال في أخذ العدو باللين والسياسة بالعنف والجبروت:

إذا المرء أولاك الهوان فأوله

هوانا وإن كانت قريبا أواصر

وإن أنت لم تقدر على أن تهينه

فدعه إلى الوقت الذي أنت قادر

وسالم إذا ما لم تكن لك حيلة

وأقدم إذا أيقنت أنك

على أننا لا نريد بالتربية الأدبية مجرد تلقين الآداب في ألوانها المختلفة وحفظها وتسميعها، ولكن نأمل العمل على توجيه المواطن منا نحو الفنون عامة من مهده إلى لحده. وعليه أن يتخير منها أقربها إلى ميوله ومشاربه؛ فإذا استطاب الأدب دفعناه إلى الإنشاء سواء في نظم القصيد أو ارتجال الخطب أو على الأقل إجادة التحدث إلى الناس، ومراعاة مقتضى الحال، والتزين البيان والبديع في كل ما يقول، وذلك أضعف الآداب.

ونأمل أيضاً العناية بالأدب المعاصر، وتوخي عناصر القدرة فيه، وجعل معظم الدروس الأدبية قائمة على ما يمس حياة العصر وحفز الناشئة على التحليل، ومحاولة الوصول إلى قواعد النقد وأصول الأدب. وذلك هو سبيل التبشير لا التنفير، في وقت سادت في المادية، وأغمضت العيون عن أفلاك الجمال، وجمدت العواطف عن الأدب الرخيص إن جاز أن يوصف بذلك أدب في الوجود.

وإذا أشمخر أصحاب الأبراج العاجية بأنوفهم قائلين (الأديب مطبوع لا مصنوع) فليس يعيب التربية الأدبية أن تعمل جاهدة على تربية الذوق وصقل الوجدان وتزكية العاطفة، وتنمية الملكة فضلا عن شغل الفراغ بما يبعث في النفوس كل شعور بالطموح، متى ساهم الفرد بقلمه ولسانه في أي أثر أدبي يستوجب التقدير والإكبار، وأياما كان فإنه سيظل مخلصا للأدب يتذوقه وينتجه

وما أشبه الإنسان بعربة يجرها جوادان أحدهما أسود والآخر أبيض فلا بد من حذوى ماهر يوفق بينهما، ذلك هو القلب الذي يستجيب للجمال في الموسيقى والغناء، والرواء الباهر، والانسجام الملهم، والتقاسيم الرائعة في بلد كل ما فيه يوحي بالأدب عامة، والشعر خاصة

ص: 12

وهو فن الفنون.

وإذا ألمت بالمرء محنة كان لا بد له أن يتنفس وإلا انفجر المرجل، وليس غير الأدب هنا متنفسا يؤمن معه (صمام الأمن) وسرعان ما تستحيل غزيرة المقاتلة إلى أثر أدبي، فتهدأ العاصفة وتصفو الوجوه بعد الوجوم، كما أن الكبت إذا طال تسرب إلى كهوف الظلام، وأوغل في أوكار الفساد، ومن هنا تتداعى الانفعالات الوجدانية في صور رمزية فيها لصاحبها سلوان، وللشركاء ترضية وترفيه، وعلى السنة الطير والحيوان والأفلاك والأسماك متسع للجميع.

محمد محمود زيتون

ص: 13

‌حول البردة

للأستاذ محمد سيد كيلاني

إذا ألقينا نظرة على المدائح النبوية عند البوصيري وجدناها تنقسم إلى قسمين: قسم نظمه قبل أداء فريضة الحج، وقسم قاله بعد أداء هذه الفريضة. ولكل قسم مميزات خاصة. وسنقدم الكلام على القسم الأول، ثم نتبعه بالقسم الثاني.

القسم الأول، قبل الحج

إن أداء فريضة الحج من أكبر الأماني التي تجول بخاطر المسلم. وقد عاش البوصيري طوال حياته في بلبيس يحن إلى زيارة قبر الرسول ويشتاق إلىرؤية الأماكن المقدسة. وقد أعرب عن تلك الأمنية في قصائده التي نظمها في مدح الرسول قبل أن تهيأ له أسباب الرحلة إلى الحجاز. ففي إحدى هذه القصائد يقول:

فهب لي رسول قرب مودة

تقر به عين وتروى به كبد

وإني لأرجو أن يقربني إلى

جنابك ارقال الركائب والوخد

ولما عزم على أداء فريضة الحج قال في قصيدته التي رد بها على النصارى واليهود:

فلأقطعن حبال تسويفي التي

منعت سواي إلىحماه وصولا

نظم البوصيري قصائد أربعة في مدح الرسول قبل ذهابه إلى الحجاز: وهي القصيدة الدالية وسماها (ذخر المعاد على وزن بانت سعاد). والقصيدة الحائية. والقصيدة اللامية الثانية وسماها (المخرج والمردود على النصارى واليهود)

وامتاز هذا القسم بخلوه من الغزل والتشبيب بالأماكن الحجازية كسلع ورامة وذي سلم وغيرها. فكان يبدأ بالمدح رأسا كما في قصيدته الحائية، أو بالوعظ والإرشاد كما في قصيدته ذخر المعاد، أو بإظهار الأسى والحزن على ما أصاب المسجد النبوي من فعل النار، أو بمهاجمة النصرانية واليهودية كما في قصيدته (المخرج والمردود على النصارى واليهود)

القسم الثاني

أ - في الطريق إلىالحجاز:

صحت نية البوصيري على أداء فريضة الحج وزيارة قبر الرسول وقطع حبال التردد

ص: 14

والتسويف، وسمحت له الأقدار التي حالت بينه وبين أمنيته الكبرى مدو من الزمن، أجل! لقد شد الرجل رحاله وامتطى ظهر العيس التي سارت به تقطع البيد سهولا وحزونا. وقط نظم وهو في طريقه إلى الأماكن المقدسة قصيدة مطلعها:

سارت العيس يرجعن الحنينا

ويجاذبن من الشوق البرينا

داميات من حفى أخفافها

تقطع البيد سهولا وحزونا

بدأ الشاعر هذه القصيدة بذكر الأحبة والديار وتخلص من ذلك إلىمدح الرسول وهي ستون بيتا.

ب - في حضرة الرسول:

ولما وقف البوصيري أمام الضريح النبوي أنشد قصيدته مطلعها:

وافاك بالذنب العظيم المذنب

خجلا يعنف نفسه ويؤنب

وأخذ الشاعر يبكي ويستغفر ويتضرع ويتوسل وقد أطال الوقوف أمام باب الرسول، قال:

وقفت بجاه المصطفى آماله

فكأنه بذنوبه يتقرب

وبدا له أن الوقوف ببابه

باب لغفران الذنوب مجرب

ثم انتقل إلى المدح وختمها بأبيات في الاستغاثة بالله أن يغفر لم ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأن يجعل الجنة مقره ومثواه.

(ج) في طريق العودة:

فرغ البوصيري من أداء فريضة الحج فأرضى نفسه بالسعي والطواف، ومتع ناظريه برؤية الضريح النبوي، وأطال الوقوف أمام أبواب الرسول، وأخيراً حزم أمتعته وشد الركاب وامتطى بعيره وسار قادماً إلىمصر. وقد نظم وهو في طريق العودة قصيدة مطلعها:

ازمعوا البين وشدوا الركابا

فاطلب الصبر وخل العتابا

وأخذ يتغزل في سلمى ويذكر أشواقه إليها ويصف جمالها ومحاسنها. ولكنه أفرط في هذا الغزل وخرج به عن حدود الأدب الواجب في هذا المقام أعني مقام مدح الرسول. ومثال ذلك قوله:

سمتها لثم الثنايا فقالت

إن من دونك سبلا صعابا

ص: 15

حرست عقرب صدغي خدي

وحمت حية شعري الرضابا

ويح من يطلب من وجنتي ال

ورد أو من شفتي الشرابا

ثم تخلص من هذا الغزل الذي لا يناسب مقام النبي عليه السلام تخلصاً مرذولا. فقال:

حق من كان له حب سلمى

شغلا أن يستلذ العذابا

ومن يمدح خير البرايا

أن يرى الفقر عطاء حسابا

وقد شبه البوصيري نفسه بحسان بن ثابت. فقال يخاطب الرسول:

فادعني حسان وزدني

أنني أحسنت عنه المنابا

(د) هذه الرحلة:

ولما رجع البوصيري إلى مصر نظم تلك الهمزية المشهورة وسماها (أم القرى في مدح خير الورى). بدأها بمدح الرسول ثم قص علينا تفاصيل رحلته إلى الحجاز وذكر لنا كثيراً من الأماكن التي مر بها. ومنها نرى أنه سلك الطريق البري الذي يمر بأيله وينحدر جنوبا إلى الحجاز. ولم يذكر في هذه القصيدة أنه ركب بحراً ثم أخذ يذكر لنا ما قام به من مناسك الحج كالسعي والطواف ورمي الحجار. ثم وصف وقوفه أمام أبواب الرسول. واستوعب البوصيري في هذه القصيدة كثيراً من أخبار السيرة النبوية وناقش النصارى ورد على اليهود، وبكى على آل البيت وأثنى علىأبيبكر وعمر وعثمان، وعدد كثيراً من مناقب هؤلاء الخلفاء وذكر جميع كبار الصحابة ولم يستثن منهم سوى عمرو بن العاص ومعاوية بن أبيسفيان فإنه لم يقل فيمها شيئاً ولم يذكرهما البتة. ثم ختم هذه القصيدة بالدعاء والاستغاثة والتوسل والتضرع.

(و) طيف الرحلة:

والظاهر أن البوصيري رأى بعد رجوعه من الحجاز بمدة من الزمن قوماً ذاهبين لأداء هذه الفريضة فتذكر رحلته التي قام بها ووقوفه أمام الضريح النبوي كما تذكر الأماكن التي مر بها في أثناء تلك الرحلة. وأخذت الذكريات تعاوده فأشتد شوقه وعظم حنينه وسالت الدموع من مآقيه ومن هنا نفهم السر في قوله:

أمن تذكر جيران بذي سلم

مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم

هل أصيب الرجل بفالج؟

ص: 16

ذهب البوصيري إلى المحلة سعياً وراء الرزق. وهناك دعاه بعض أصدقائه من بني عرام إلى دخزله الحمام، فزلت به قدمه وفي ذلك يقول:

كونوا معي عوناً على الأيام

لا تخذلوني يا بني عرام

إن كان يرضيكم وحاشا فضلكم

ضري فحسبي زلة الحمام

وأصبحنا بعد هذا الحادث نرى البوصيري يشير في قصائده إلىتلك العلة التي ألزمته داره. أما هذه العلة التي أصيب بها صاحبنا فهي كسر وليست فالجاً كما يعتقد الناس. وقد أشار البوصيري إلىهذا الكسر بقوله:

ما ضركم جبر الكسير وحسبه

ما يبتغي في الجبر من آلام

ومع أن الشاعر هنا يتلاعب بالألفاظ إلا أننا نستطيع أن ندرك أنه كان مصاباً بكسر عاقه عن الحركة مدة من الزمن.

وقال:

ما حال من منع الركوب وطرفه

يشكو إليه رباطه محبوسا

وفي كلمة (طرف) هنا تورية. فالطرف بمعنى مؤخر العين. والطرف بمعنى الساق وهي من أطراف الإنسان. فالبوصيري قد عجز عن الركوبلأنساقه المكسورة كانت قد لفت عليها الأربطة والضمادات فتعذرت عليه الحركة. وعلاوة على ما تقدم فإن الفالج لا يربط. ومن هنا نستطيع أن ننفي إصابته بالفالج الذي أبطل نصفه نفياً باتا.

وأمر آخر نستطيع أن نبطل به دعوى إصابة الرجل بالفالج، وهو قوله:

وبليتي عرس بليت مقتها

والبعل ممقوت بغير قيام

إن زرتها في العام يوماً أنتجت

وأتت لستة أشهر بغلام

أو هذه الأولاد جاءت كلها

من فعل شيخ ليس بالقوام؟

فالرجل يقول إنه مع وجود هذه العلة كان يباشر زوجته وينجب منها. فكيف تكون هذه العلة فالجا أبطل نصفه؟ وإذا انتهينا من هذا إلىأن البوصيري أصيب بكسر ولم يصب بفالج، أمكننا أن ننفي تلك القصص التي نسجت حول البردة.

روي ابن شاكر عن البوصيري أنه قال: ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني فالج أبطل نصفي ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة فعملتها واستشفعت بها إلى الله تعالى في أن يعافني

ص: 17

وكررت إنشادها وبكيت ودعوت وتوسلت ونمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فمسح على وجهي بيده المباركة وألقى علي بردة. فانتبهت ووجدت في نهضة فقمت وخرجت من بيتي. . . الخ)

وروى غير ابن شاكر أن البوصيري (جاء يوماً من عند أحد السلاطين إلى بيته فصادف شيخاً مليحاً فقال له:

أنت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة في المنام؟ قال البوصيري: إني لم أر النبي في تلك الليلة. لكن امتلأ قلبي من ذلك الكلام بعشقه ومحبته عليه السلام فجئت إلى بيتي فنمت فإذا أنا رأيت النبي صلى الله عليه ومع الأصحاب كالشمس بين النجوم فانتبهت وقد ملئ قلبي بالمحبة والسرور، ولم يفارق بعد ذلك من قلبي محبة ذلك النور وأنشدت في مدحه قصائد كثيرة كالمضرية والهمزية)

فهذه القصة تزعم أن البوصيري رأى النبي مع أصحابه وأن الشاعر لم يكن في ذلك الوقت مريضاً بل كان في صحة جيدة وأن هذه الرؤيا هي التي أوحت إليه بنظم مدائحه في الرسول كالمضرية والهمزية ولم يذكر شيئاً عن البردة. وقد سبق لنا أن عرفنا أن البوصيري لم ينظم من المدائح النبوية قبل الحج سوى قصائد أربعة منها قصيدة (تقديس الحرم من تدنيس الضرم) ومنها (المخرج والمردود على النصارى واليهود). وسبق أن تتبعنا الظروف التي نظم فيها البوصيري قصائده النبوية الأخرى.

ولا نجد الشاعر قد أشار في همزيته إلى تلك الرؤيا التي تحدثنا عنها تلك الرواية فليس من العسير علينا بعد ذلك أن ننفي هذه القصة.

ثم استطرد الرواة فذكروا أن البوصيري قال (أصابني خلط فالج فأبطل نصفي وقطعني عن الحركة ففكرت أن أعمل قصيدة مشتعلة على مدائح النبي صلى الله عليه وسلم واستشفى بها من الله تعالى. فأنشدت هذه القصيدة ونمت فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام في المنام فمسح بيده الكريمة على أعضاء الحقير فقمت من المنام ملابساً بالعافية من الآلام.)

وهذه القصة لا تذكر لنا أن البوصيري قال بأن النبي كان يتمايل عجباً حين سماعه للبردة، ولا أنه قال إن النبي ألقى عليه بردة. ومضى الراوي يحدث عن البوصيري أنه قال:

ص: 18

(فخرجت من بيتي غدوة فلقيني الشيخ أبو الرجال الصديق لي فقال لي: يا سيدي هات قصيدتك التي مدحت بها النبي عليه السلام، والحال أني لم أكن أعلمت بها أحداً من الناس. فقلت: هي التي أولها أمن تذكر جيران بنى سلم=مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم

فقلت أين حفظتها يا أبا الرجاء؟ وما قرأتها على أحد ممن جاء. قال: لقد سمعتها البارحة ننشدها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتمايل ويتحرك استحسانا تحرك الأغصان المثمرة بهبوب نسيم الرياح. فأعطيته إياها فنشر الخبر بين الناس.)

وهذه القصة تمتاز عن قصة ابن شاكر بأنها ذكرت لنا اسم هذا الفقير وهو أبوالرجاء. وأن هذا الفقير كان صديقاً للبوصيري. كأنما البوصيري كان نبياً يقول بأمور لا قصد فيها غير أبي الرجاء، ومن ثم أطلق عليه لقب (الصديق)

وتفيدنا هذه القصة أن أبا الرجاء الصديق هذا قد شارك البوصيري في رؤية الرسول وأنه كان حاضراً حينما أنشدها الشاعر ورأى النبي يتمايل تمايل الأغصان المثمرة. وأن هذا الصديق هو الذي رأى النبي وهو يلقى على البوصيري البردة. أي أن موضوع البردة هنا من عند أبي الرجاء الصديق وليس من عند البوصيري.

ولا شك في أن هذا كله مختلق وموضوع وأنه من نسج الخيال. ولقد أمعنوا في الكذب والاختلاق فرووا أن البوصيري لما وصل إلىقوله:

(فمبلغ العلم فيه، أنه يو - فعف) بشر فقال له النبي: قل يا إمام.

فقال البوصيري: (إني لم أوفق للمصراع الثاني) فقال النبي: قل يا إمام (وأنه خير خلق الله كلهم). فأدمج البوصيري هذا المصرع في قصيدته. وكل هذا إفك وبهتان. والعجب لمن لا يتورعون عن الكذب على رسول الله!

(يتبع)

محمد سيد كيلاني

ص: 19

‌فلنتفق على هدف الإسلام

للأستاذ أحمد الشرباصي

يا أيها الناس!. .

دعوني أسألكم: ما هو الإسلام؟ وقد يكون فيكم من يعجب أو يغضب لتوجيه هذا السؤال وبقول: أبعد ألف سنة من نزول القرآن، وبعد ألف كتاب في شرح الإسلام، وبعد آلاف من الخطب والمقالات والبحوث في توضيح شريعة محمد عليه الصلاة والسلام تسائلنا. ما هو الإسلام؟.

ولكن الحقيقة المؤلمة المرة أيها الناس هي أننا لم نتفق بعد على فهم الإسلام وتحديد معناه ومغزاه؛ فمنا مثلا قوم سيقت إليهم الدنيا بحذافيرها، فهم يتمتعون ويسرفون، ويطغون في شهواتهم ولا يتذكرون، ويتوسعون في فهم الإسلام توسعاً خاطئاً فيرونه دين تساهل وسماحة وتناس وغفران فحسب؛ ويرددون لتسويغ ما يرون:(إن الله غفور رحيم)(إن الله يغفر الذنوب جميعاً)، (ورحمته وسعت كل شيء)، ويستشهدون مثلا بأن سليمان عليه السلام سأل ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فلم إذن لا تكون دنيا هؤلاء مليئة بالرغبات واللذات؟!. وهكذا يسرفون في التأويل أو التحريف حتى يحتفظوا بما في أيديهم من قوة وجاه ومال ومتاع.

وفي مقابل هؤلاء قوم حرموا من الدنيا ولذاتها والحياة وبهجتها، فزهدوا زهد ضعف وافتقار، وتقشفوا عن عجز لا عن اقتدار، فتراهم يفهمون الإسلام فهما خاطئاً كذلك، إذ يعتبرونه دين ذلة ومسكنة، وفقر وبطالة، وكسل وخمول، وتراهم يرددون في ذلك قوله تعالى:(أعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) وقول الرسول: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها) وقوله: (حب الدنيا رأس كل خطيئة) وهكذا تراهم حين فقدوا الحياة العاملة يضيقون على الناس مسالكهم؛ ويشوهون أمامهم دنياهم، وكأنهم يأبون إلا أن يتساوى جميع الخلق معهم في العجز والافتقار!. . .

وبين هؤلاء وهؤلاء قوم حيارى مذبذبون، لا يستقرون على حال، ولا ينتهون إلى مآل. هم لا يجدون كل شيء، ولا يحرمون من كل شيء، فإذا وجدوا ما أرادوا تمتعوا ورتعوا، وعربدوا وأفسدوا، وضلوا في الاستشهاد فرددوا: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده

ص: 20

والطيبات من الرزق)؟ وإذا جرت عليهم الأقدار يوما بحرمان، فحالت بينهم وبين ما يشتهون، نسوا رأيهم القديم واصطنعوا لهم في الدين رأيا جديداً، فتظاهروا بالتقشف كذبا وتحدثوا عن الزهد باطلا ورياء، ورددوا قول الرسول:(لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها شربة ماء) وهكذا يظل ذلك الفريق مذبذباً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء!

فهل يقال مع ذلك الاختلاف إننا قد اتفقنا على فهم الإسلام وتحديد مغزاه؟!

وهناك اختلاف كبير آخر حول الإسلام الغريب في بلاده فقوم ذوو بصائر يؤمنون بالإسلام ديناً ودولة، وقيادة وسيادة، ويجاهدون في سبيل ذلك بما يملكون، ويذوقون من أجله ما يذوقون، وينفسح أمامهم الطريق فيسيرون، وتحوطهم ظلمات البغي فيصبرون، وبجوارهم قوم آخرون أقل منهم قدراً واضعف شأناً، فهم يؤمنون في قرارة نفوسهم بأن الإسلام هو صمام الأمان ومضخة الإطفاء، وزورق النجاة وقارورة الدواء؟ ولكنهم خاشعون قانعون شغلتهم بوارق من دنياهم عن تبعات جلى تناديهم وخافوا الناس والله أحق أن يخافوه، فتراهم يسكتون ويسالمون ويتابعون وإن انطوت نفوسهم على غير ما يظهرون.

وفي مقابل هؤلاء وهؤلاء قوم ارتفعوا وامتلأوا وعلوا سواهم وهم يرون في سيادة الإسلام الصحيح عليهم وعلى غيرهم من الناس حداً من شهواتهم، ومقاسمة منه في بعض أموالهم، وتسوية لهم بغيرهم، ومؤدبا لجبروتهم وطغيانهم، وهم قوم قد استلذوا ما هم فيه سادرون، واشتروا الضلالة بالهدى، وآثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وإذن فليكونوا حربا على الإسلام، وعلى كل من يدعو إلىالإسلام. . .

وتراهم في خبثهم يعملون جاهدين لكي يقتصر أمر الإسلام على ركيعات تؤدي أو خطبة تقال أو احتفال يقام، وكان الإسلام عندهم كهنوتية بالية أو رهبانية فانية؛ مع أنه جاء ليكون مصباح الظلام ومصدر الأحكام ومعقد الزمام:(قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من ابتع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بأدبه، ويهديهم إلىصراط مستقيم).

أفيقال بعد ذلك الاختلاف المبين إننا متفقون على معنى الإسلام؟

يجب أولا وقبل كل شيء أن نتفق في الإسلام على كلمة جامعة مانعة بعد أن ننفي عنه ما

ص: 21

ليس منه، وبذلك نستبين طريق الرشاد. يجب أن نتفق على أن الإسلام عبادة وعمل، وجسم وروح، وتهذيب وحكم، وقيادة وسيادة، جاء ليصلح النفس ويقوم الفرد ويربي الأسرة ويسوس الأمة ويخفف الآم العالم!. . . جاء ديناً وسطاً عدلا، لا يفرط ولا يفرط، فأباح لك أن تجمع ولا تكنز، وأن تأكل ولا تتخم، وأن تنفق ولا تسرف، وأن تتجمل ولا تنحنث، وأن تكسب وتزكي، وأن نثرى ولا تتفحش، وأن تسمو إلى العلا وتعدل. وهكذا تراه يدعوك إلى كل ما ينفعك ويقومك، ويصدك عن كل ما يضرك ويرديك:(إن الله بالناس لرءوف رحيم)!.

جاء الإسلام ليعلمك أن تكون على خير في سائر أحوالك التي تتقلب عليك في دنياك، فغني مع شكر وإحسان، وفقر مع صبر وإيمان، وقوة مع تواضع واجتهاد، ومرض مع احتمال وعلاج؛ لأن الذي خلق الداء خلق الدواء، ورضا بالقضاء والقدر معه السعي والاكتساب، واتكال على الله مع أخذ بالوسائل والأسباب، وأنت في كل هذه الأحوال مأجور شكور، مؤيد بحفظ الله ورعايته، موعود بفضله ونعمته، قد سخر لك ما فيالأرضوالسماء، وأعانك في السراء والضراء، مادمت تخلص النية وتريد وجه الله:(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم).

هذا هو الإسلام أيها الناس، ولو أنكم فهمتموه على هذا الوضع، ونفذتموه عن إخلاص، لكان لكم في الكون شأن غير هذا الشأن، وسلطان غير السلطان، ولعز المسلمون بين الأنام كما عز لهم أسلاف وأجداد من قبل، يوم كان القرآن هو أول صوت يسمع ويطاع، فإذا أمر الله فقد خضعت الرقاب وذلت الأعناق وانتهى الجدال.

إلى الإسلام أيها الناس!. .

أحمد الشرباصي

المدرس بالأزهر الشريف

ص: 22

‌الاجتهاد في التشريع الإسلامي

للأستاذ محمد سعيد أحمد بك

باب الاجتهاد لا يزال مفتوحا

لقد أخطأ من قال إن باب الاجتهاد قد أقفل بعد الأئمة الأربعة فقد أباح القرآن الاستنباط صراحة وهو الأصل الذي بنى عليه مبدأ اجتهاد المسلمين في وضع أحكامهم - وقد كان اجتهاد الصحابة شائعاً في عصر الرسول - وقد قررت المجالس المكونة من علماء الصحابة والتي أنشأها الخلفاء كثيراً من الأحكام الجديدة. وقد أضاف التابعون كثيراً من الأحكام إلى ما قررت الصحابة. وهكذا كان كل جيل يقرر بكل حرية الأحكام بما يناسب حاجات وسائله الخاصة به والتي لم يسبق تقرير أحكام فيها. ثم ظهر الأئمة الأربعة في أفق الاجتهاد في القرن الثاني للهجري الواحد تلو الآخر وكان لكل واحد منهم رأيه واجتهاده بما لا يدع مجالا للشك في أن الإسلام أباح للعقل حريته وللفكر استقلاله في وضع الأحكام التي تناسب حاجات العصر الجديد - فلم يقتنع الإمام مالك بآراء سلفه الامامأبي حنيفة وكذلك الإمام الشافعي كان له رأيه في المذهبين السابقين، وأما الإمام أحمد بن حنبل فإنه أخرج للعالم الإسلامي - الذي كان متعطشاً دائماً للازدياد من العلوم - ثمرة اجتهاده الشخصي مستقلا عن أسلافه من الأئمة على وضع الأحكام لمواجهة حاجات العصر الجديد بل إنهم اجتهدوا في الآراء الفقهية واختلفوا فيها ولم يعتقد أحدهم أن الآخرين كانوا معصومين من الخطأ - فإذا كان هذا اعتقادهم في أنفسهم فكيف نستسيغ لأنفسنا أن نقول عنهم أنهم معصومون من الخطأ بعد مرور هذه القرون العديدة، فلم لا نضع من القوانين الجديدة ما يلائم الأحوال الجديدة. وواضح أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح باب الاجتهاد ولم يقل أحد بأنه أمر بأقفاله في وقت معين، كما أن الأئمة أنفسهم لم يقولوا بأقفال هذا الباب بعدهم ولم يحرموا على أحد اجتهاده ولم يقولوا أنهم معصومون ولم يذكر في أي كتاب من كتب الأصول أن اجتهاد الإنسان ممنوع بعد الأئمة الأربعة أو أن للاجتهاد حجة مثل حجة القرآن فلا يمكن الرجوع فيه. ولم يقل الرسول ولا الصحابة ولا المجتهدون أنفسهم بأن المسلمين ممنوعون من الاجتهاد في وقت معين؛ فالاجتهاد نعمة من نعم الله على المسلمين فهو المنفذ الوحيد لاستنباط الأحكام المناسبة للشعوب الجديدة التي دخلت في دين الإسلام

ص: 23

والملائمة لحاجات الناس المتزايدة ولم يقل أحد ولن يقول إن الناس قد جعدوا ولن تكون لهم حاجات جديدة تحتاج إلى تشريعات جديدة بعد القرن التاسع الهجري - وكل ما حدث هو أن الأفكار قد اتجهت في القرن الثالث إلى الحديث ونقده وجمعه وتدوينه وأن الأئمة الأربعة قد ارتفعوا إلى مكانة في الاجتهاد تضاءلت أمامهم همم من داهم من المجتهدين فلم يجسر أحد أن يعطى رأيه مستقلا عنهم قد أدى ذلك إلى الحد من حرية الفكر والاجتهاد في الأحكام الذي دعا إليه الإسلام وإلى وقف النشاط التشريعي الذي دعا إليه تزايد حاجات المسلمين فأقفل بذلك باب الاجتهاد وحل محله جمود قي التشريع.

استقلال الفكر

قال الله تعالى: -

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول) 4 - 95

تتكلم هذه الآية عن طاعة أولي الأمر في سياق طاعة الله وطاعة الرسول في الشطر الأول منها ولم يذكر (أولو الأمر) في الشطر الثاني من الآية ليبين أن النزاع المشار إليه إنما هو نزاع مع أولي الأمر وفي هذه الحالة يجب رد النزاع إلى الله وإلى الرسول، أو بعبارة أخرى إلى الكتاب والسنة. ويدخل في معنى أولي الأمر كل سلطة في الإسلام سواء أكانت زمنية أم روحية، وعلى هذا فاستقلال الفكر أمر قائم بين المسلمين بحكم هذه الآية؛ فإذا اختلفوا وتنازعوا في مسألة وجب ردها إلى القرآن والحديث. ويدخل في نطاق أولي الأمر الصحابة والمحدثون والأئمة والأربعة والمجتهدون؛ فهؤلاء يجب طاعتهم وتقدير أحكامهم ما دامت هذه الأحكام مطابقة لما جاء به القرآن والحديث.

وبما أنه من المسلم به أن الحديث يحب أن لا يتعارض مع القرآن فيمكن القول بأن الإسلام قد أباح استقلال الفكر على شريطة عدم مخالفة المبادئ الإسلامية الواردة في القرآن.

ترى مما تقدم أن لأي جماعة من المسلمين الحق في أن يقننوا لأنفسهم القوانين الصالحة لهم بشرط ألا يخرجوا فيها عن المبادئ الإسلامية الواردة في القرآن والسنة وانه لا أساس للزعم القائم للعالم الإسلامي والقائل أنه لا حق لإنسان أن يرى خلاف ما رآه الأئمة الأربعة منذ ألف سنة ونيف مهما تكن الظروف، وتوسع العمران وازدادت حاجات الناس، فالاجتهاد

ص: 24

حق طبيعي ومقرر لكل فرد بعد الرسول في حدوده المشروعة. وفي حرمان المسلمين من هذا الحق ضربة قاضية على حرية الفكر بل وعلى الإسلام نفسه. وفي هذه الأيام التي تغيرت فيها الأحوال بعد سير العالم ألف سنة ونيف كان المسلمون خلالها جامدين. وعلى هذا يجب على كل حكومة إسلامية وكل شعب إسلامي أن يستعملوا حكمتهم أمام هذه الأحوال المتغيرة ويحرروا أفكارهم ويعملوا على خلاصها.

محمود سعيد أحمد

ص: 25

‌دراسة الأدب في المدارس

للأستاذ عبد الجواد سليمان

تقوم دراسة الأدب العربي في المدارس المصرية على طريقة ملتوية، ونهج غير وقويم وليس من شأن هذه الطريقة أن تخلق من الطلبة أديباً، أو حتى على الأقل تكون فيهم الذوق الأدبي.

وليس العيب عيب القائمين بدراسة هذه المادة، فهؤلاء جنود مأمورون مطيعون؛ ترسم لهم المناهج، وتوضع لهم الخطط، فينقذونها دون أن يسمح لهم بإبداء الرأي، أو يحسب حساب حتى لتجاربهم التي قد يكون بعضها صادقا صحيحاً، استخلصوه من تجاربهم بعد طول الدارسة والممارسة، لكن العيب هو عيب من تجاربهم على رسم الخطط وانتهاج الطرق ووضع المناهج.

لقد درجت وزارة المعارف المصرية منذ نصف قرن تقريبا على وضع مناهج الأدب لتلاميذ المدارس الثانوية وما في حكمها من معاهد التعليم: في صورة تاريخ يلقى في نظريات جافة، يستظهرها التلاميذ ويرددونها ترديداً لا يثير في النفس عاطفة، ولا يحرك شعورا، يستظهرونها ليجتازوا بها الامتحان فإذا ما خطوها على أوراقه، خرجوا ليحملوا أنفسهم جملا على نسيانها، وحق لهم ما يفعلون، فإن هذه النظريات الجوفاء لا خير في الاحتفاظ بها بل الخير كل الخير في نسيانها والتخلص منها، فهي معلومات لا يصدق عليها أن توصف بأنها أدبية بل هي في الواقع من قبيل الأدب الزائف، فإن الأدب فن من الفنون الرفيعة، وهذه لا تمت إلى الفن بسبب قريب أو بعيد فهي ظواهر اجتهادية وقوانينها عامة تصلح لكل عصر من العصور، وتنطبق على كل كاتب وكل شاعر، فلم تستبط من دراسة شعر الشعراء أو نثر الكتاب، فمن الظلم كل الظلم للتلميذ أن نحمله على الاحتفاظ بها.

وقد تطور كل شيء خضوعاً لسنة النشوء والارتقاء، وبقيت هذه المناهج في الأدب راكدة رتيبة، لم تجر عليها سنن الحياة.

لقد نادى جماعة من كبار العلماء في مصر ممن جمعوا بين القديم والجديد وتشعبوا بالدراسات الأدبية في الغرب، بأن الأدب فن من الفنون وهو فن رفيع، واصطلحت إحدى المدارس الأدبية في مصر على تسميته (بفن القول) وما دام الأدب فنا، فيرى هؤلاء،

ص: 26

الأعلام في الأدب أن يخضع في دراسته للطريقة التي تدرس بها سائر الفنون، وأن يفصل فصلا تاما عن تاريخ الأدب، يفصل عنه في منهاجه، ويفصل عنه في مدرسيه، ذلك لأن الأدب ككل فن، فليس كل مدرس بقادر على مزاولة دراسته، والعمل على ترقية والنهوض به، بل هو في حاجة إلى عناصر تتولى دراسته من طراز آخر، في حاجة إلىشخصيات أدبية أو شخصيات يمكن أن يقال عنهم أنهم أدباء، لهم في الأدب ذوق ولهم فيه انتاج، ولهم آراء، نتبع مذهبا من المذاهب الأدبية المعاصرة، قديمة أو حديثة؛ حتى يمكنهم أن يوجهوا دراسة الآداب إلىوجهات سديدة يسير على هديها تلاميذهم فيقرءون النافع المنتج ويهجرون الضار العقيم.

حقا لقد استجابت وزارة المعارف في أول العام الدراسي السابق، إلى نداء هؤلاء الأدباء، فوضعت لأول مرة في تاريخها منهاج الأدب تتفق وهذا الاعتبار الذي يعد الأدب أحد الفنون فقررت على تلاميذ الفرقتين الأوليين من المدراس الثانوية منهاجا في الأدب كفن تعرض فيه النصوص من القرآن الكريم أو السنة الشريفة أو شعر العرب ونثرهم في مختلف العصور، ثم تناقش هذه النصوص مناقشة شرح ودراسة وتحليل، ثم تستنبط منها بعد ذلك الظواهر الأدبية، وهي طريقة استقرائية ناجحة، وهي وحدها التي رآها كبار الأدباء جديرة بالدراسات الأدبية الفنية، إذ فيها يعود الطالب على حرية الرأي، والاستقلال في الفهم، وتعينه على الملاحظة والنظر الصحيحين، ثم على الذوق والاستنباط؛ تغرس فيه حب الاطلاع على كنوز الأدب الزاخرة في مختلف العصور. لو بقيت هذه المناهج، لحققت لنا ما نصبو إليه من سلوك الاتجاهات الحديثة في دراسة الأدب ونقده، نعم لم تبق هذه المناهج بل عصفت بها الأهواء كما تعصف بكل مشروع نافع، فمحيت هذه المناهج من الفرقة الثانية وأعيدت إليها المناهج الأولى الجافة التي لا تمت مطلقا إلى الأدب بصلة، وبقيت في السنة الأولى، إلا أنها بقيت فقط في المنهاج، فلم توضع لها كتب يستضئ على ضوئها المدرسون. فأنتهز بعض محترفي التأليف الكتب المدرسية هذه الفرصة ووضعوا فيها مذكرات ألقاها كتاب جيداً، وأكثرها كان تافها قصد أصحابها من ورائها إلى المادي، فألفوها على عجل، وطبعوها على عجل فجاء الكتاب منها غثاء ممجوجا. . .

ومن الغبطة أن نذكر هنا أن أول من نادى بهذا الرأي دراسة الأدب وجار به في كتبه،

ص: 27

ودروسه ومحاضراته هو مع وزير المعارف الحالي الدكتور طه حسين بك، وما دامت الفرص قد سنحت له لتحقيق آرائه، والأمر أصبح في يده، فمن حسب عليه، بل من حق كل ناطق بالضاد عليه أن يذكره بذلك لي النظر في مناهج الأدب المدرسة، حتى تصاغ هذه المناهج صورة نافعة ترضى الأدب أولا، فيرضى عنها الأديب ثانيا.

عبد الجواد سليمان

المدرس بمعلمات سوهاج

ص: 28

‌رجل صغير

للأستاذ ثروت أباظة

رجل، إذا كانت معالم الرجولة شارباً ضخماً وجسما عريضاً. غني، إذا كان الغني مالا وفيرا وبسطة في الرزق. ذو سلطان، إذا كان السلطان خنوع الآكلين من يده وخضوع الطامعين فيه.

ولكنه طفل إذا كانت الرجولة اتساعا في الأفق وبعدا في النظر وتجربة في الحياة. وهو فقير إذا كان الغنى تقديرا للمال وإنفاقا له في أوجهه، وإذا كان الغنى أن يبسط الإنسان يده فلا يغلها إلى عنقه حتى ليكاد يختنق بها. وهو تابع ذليل إذا كان السلطان قوة في الشخصية لا في النفوذ، وصلابة في الجليل من الأمور لا التافه منها.

مسكين هو! وهب الله له من أسباب الرجولة والغنى والجاه ما يتمنى كل إنسان أن يوهب؛ ولكن ماذا يفعل؟ مات أبوه وهو لم ينل من الثقافة إلا حظا لا يقيم للعقل أودا، فأنحرف به تفكيره عن أن يكمل ما يجب أن يسير فيه، وأعماه الغنى العريض الذي ترك له عن الفقر المدفع الذي ينحط فيه عقب فصار كذلك. . . رجلا وهو طفل، غنيا وهو فقير، ذا سلطان وهو عبد.

هو ضيق العقل بطبيعته، وقد زادته ثقافته المبثورة ضيقا فهو لا يكاد يفعل أمرا ألا ليدل به على الغباء العميق والفكر الضحل. ولعل هذا داعية إلى بخله الشحيح على غناه الواسع فتراه يمد للاقتراض يده وفي وسعه دائما أن يمدها إلى جيبه وغباؤه وهو وسيلة أصدقائه إليه فهم يسخرون منه في أنفسهم وينفذون من غبائه إلى ماله فيعيشون على مديحه، يأكلون من ضعف نفسيته وشعوره بما هو فيه من نقص وهو منقاد لهم ويفهمونه أنه قائدهم، وعلى الرحب منه يفهم! رجل طفل، غني فقير، سيد عبد.

عرفته حين كان لا بد لي أن أعرفه، فهو زميل المكتب الذي لا بد له من اثنين ليجلسا إليه. . . كان معي في المدرسة الابتدائية ولا حقني إلى المرحلة الثانوية، وانقطع عن الدراسة في منتصف الطريق وذهب إلى أملاكه الواسعة ولكنه دوام على الاتصال بي، ولعلي الوحيد من الذين يعرفهم ويصر على معرفتهم دون ينال مديحاً أو إعجابا. عرفت ما ينقاد إليه، ورأيت إصراره على صحبتي فوجدت حتما على أن أنبه من غفلته فنبهتها ولم تنتبه،

ص: 29

وظننت بعدها أنه منقطع عن صحبتي الناقدة البغيضة ولكنه أصر عليها فأصررت على التنبيه.

غاب إن لقائي أشهرا طويلة فحمدت الله في نفسي، فليس أثقل علي من أن أواجه مخطئا بخطأه، ولا يسعني أن أسكت وشخص يعتبرني صديقا يتردى في هاوية بعيدة لا أعلم إلى أين تنتهي به.

كان والده رجلا عظيما على أوثق صلة بكبار القوم؛ وقد استطاع هو أن يصل إلى صحبة هؤلاء عن طريق أبيه فأكرموا فيه ذكرى والده، واستطاع أن ينفذ من أبواب الحكام الموصدة فكان يقضي هناك أمورا. كان لا بد لأصدقائه أن يعرفوا اأيضاً هذه المكنة التي بيد صاحبهم فاستغلوها منه وصاروا يرجونه أن يتوسط ليقبضوا هم الثمن. وبلغتني هذه الأنباء في الشهور التي انقطع عمي فيها، وأخبرني من أبلغها أن الثمن يصل في النهاية إلى جيبه هو.

ألمت للوالد الكبير، يقضي عمره ليحيط اسمه بالسمعة الشريفة، ويقضي نحبه فيلوث الوارث السمعة. . . ألمت وحمدت الله ثانية أن انقطع عني فلم تصبح ثمة صداقة أنا ملزم أمامها بإخلاص النصح وإزجاء النقد.

ولكن لا. . . إن الصديق لم ينقطع عن عزوف. ولكنها مشاغل بين صحبة سريرة وعمل غير كريم - لم تكن صداقة مقطوعة ولكنها كانت صلة موقوفة.

قصد إلى حيث يجدني. . . على وجهه من الأسى أمارة ومن الغباء إمارات.

- سلام عليك!

- وعليك - خيرا! إفراغ جئت تملأه بهذه الجلسة

- بل هم جئت أجلوه بالجلوس إليك

عفوا. . . منذ متى أزيل أنا همك. . . اذهب إلى أصدقائك واصحبهم إلى ليلة معربدة ينطقون بمديح يبدل همك أفراحا. . . خبرني بربك - ألا تمل المديح.

- أراك قاسي القلب. . . حزين يقصد إليك فتسخر منه

- لا والله ما إليها قصدت ولكنني أسأل مخلصا في السؤال ألا تمل المديح؟

- ألا تسأل عما أنا فيه. . . أليس ذلك أولى بالصديق؟!

ص: 30

- أتعرف الأولى بالصديق. . . أتعرف الصديق الأولى بالصديق أن يسمع النقد ولو على مضض، والأولى بالصديق أن يمحص القول وينعم فيه النظر. . . أجل أعرف انك على كره منك تجلس وتسمع، وأنا أيضاً على كره مني أقول وأطيل، فإنه يؤلمني أن يستغل اسم أبيك فيما يستغله أصدقاؤك.

- ماذا سمعت؟

- سمعت ما تعلم أنه يحدث وتسكت عنه لتنال ما ينهالون به عليك من مديح تعلم أنت في بعيد نفسك أنه كاذب.

- أذن فلهذا طردت

- طردت!

- أجل ذهبت اليوم لأقابل السيد بك. . . صديق أبي. . . نعم انك تعرفه ويعرفك، وأخبرني سكرتيره أن لديه أمرا يمنعني من الدخول.

- ولن تكون الأخيرة

- فماذا أفعل؟

- أعيد ما أعدت؟ - أقص السوء من أصدقائك، واصح تنقذ ما بقي لك من أبيك.

- أنها لم تنقص

- بل كادت تضيع - كانت ثروة ضخمة

- أي ثروة تلك. . . أنا لم أفقد فدانا واحدا

- وهل هذه ثروة. . . كانت سمعة كريمة فلوثتها. . . أدركها. . أدركها فإنها لا ترجع إن ضاعت، وقد ترجع الأفدنة

- أنت تعلم أنني لا أمد يدا لرشوة

- بل تمد أيادي لا يستطيع شخص واحد أن يمدها. . . إنها أيدي أصدقائك جميعا. . . تمد بإسمك، وبإسمك تنال ما تنال واسمك هو المهان. . . اقطعها والإضاع بناء بناه أبوك جميعاً. .

- أنت ما تزال ناقدا. . . ما ذنبي أنا به

- نعم. . . لا ذنب لك. . . سبحانه يعطي الغباء لمن يشاء من عباده وقد خلقك غباء لا

ص: 31

يفهم وجمادا لا يحس. . . قم أيها الرجل. . . لا - لا تقم. . . بل أقم كما أنت فإني أنا الذاهب وأحذر بربك أن أراك فما أطيق.

وانصرفت. . . لقد بذلت جهد الصديق وجهد السليط ولم أفلح ولن أفلح. . . ما حيلتي؟. هكذا هو. . . غني فقير. . . سيد عبد. . . رجل طفل.

ثروت أباظة

ص: 32

‌من وسائل البريد الجوي في الإسلام:

الحمام الزاجل

للأستاذ عطا الله ترزي باشي

لقد تحقق من دراسة العلماء الباحثين أن فكرة استخدام الحمام ظهرت منذ وجود البشرية على وجه البسيطة. واستنتج العالم الإنكليزي (داروين) أن المصريين القدماء استخدموا الحمام قبل الأسرة الفرعونية الخامسة. ويذكر (هوميروس) أن اليونانيين كانوا معروفين بتربية الحمام منذ العصور الغابرة، كما استفاد الرومان من هذه الوسيلة أثناء استيلائهم على بلاد اليونان ويشير المؤلف نفسه إلىأن استخدام الحمام عم في الهند حوالي سنة 1600م.

وأول إشارة وردت في الكتب المقدسة عن استخدام الحمام هو ما جاء في التوارة، فقد أطلق النبي نوح عليه السلام حماماً من سفينته أثناء الطوفان ليستدل به عما إذا كان الماء قد غيض. . ويشير أبو سفيان الثوري إلى ما ورد في القرآن حول كلمة (المؤتفكات) إلى أنها مدن جرت بينها المخابرة بالحمام الزاجل قبل الميلاد بألفي (راجع نجيب عاصم: كوجرجين بوسته سي (في اللغة التركية) ص11).

وقد قام الحمام الزاجل في العهود الغابرة بوظيفتي البريد والتلغراف. ويقال أن أول عهده بهذه الوظيفة كان في سنة 786 ق. م بأثينا؛ فقد أحضر أحد اليونانيين حمامة من جزيرة (أوجين) وبعد أن حضر مسابقة في الألعاب كانت له الغلبة فيها أرسل هذه الحمامة إلى أهله لتحمل إليهم خبر فوزه، فأحدثت هذه الرسالة فكرة استخدام الحمام في المواصلات البريدية ثم انتشرت هذه الفكرة في أكثر بلاد العالم (عبد الغني غنام: الحمام وتربيته ص8)

ولما أن بزغ فجر الإسلام أدخلت تحسينات كبيرة في طريقة استخدام الحمام الزاجل حتى امتاز المسلمون في ذلك على سائر الأمم. ولقد قيل أهم كانوا يستخدمونه في المواصلات البريد وخاصة خلال الحركات العسكرية بدرجة لم يبلغها الأوربيين في استخدامهم الحمام في الحروب الحاضرة (سياح كوكرج (في اللغة التركية) ص14)

وقد اجمع المؤرخون - كما جاء في كتاب الحيوان للجاحظ على أن المسلمين كانوا أول من استخدام الزاجل في الرسائل في القرن الثاني للهجرة.

ويبحث المؤرخ التركي عبد العزيز قره جلبي في كتابه المشهور (روضة الأبرار) عن

ص: 33

استخدام الخليفة المتقي بالله في سنة 33 حمام الزاجل في بغداد؛ فقد أرسل هذا الخليفة خطاباً بواسطة الحمام إلى الأمير المصري آقشيد يدعوه إلىمعاونته علىتوزك ويبحث المؤرخ نفسه في حوادث 372هـ عن استخدام الحمام في أغراض غير الرسالة)

ورأى صاحب (التعريف) أن الزاجل نشأ في الموصل بالعراق وحافظ عليه الخلفاء الفاطميون بمصر وبالغوا حتى أقر له ديواناً وجرائد بأنساب الحمام. وللقاضي محي الدين بن عبدفي ذلك كتاب سماه بـ (تمائم الحمام).

وأما أول من نقله من الموصل فهو الشهيد نور الدين بن زنكي سنة 565هـ ففي هذه السنة اتخذ نور الدين بالشام! الهواوي وهي التي يقال لها المناسيب وهي تطير من البلاد إلى أوكارها، وجعلها في جميع بلاده فساعدته كثيراً في حربه أيام الفرنج (عبد الغني غنام: نفس المرجع ص 11 وص 85)

والواقع أن السيد خليل داهري من مؤلفي القرن الثاني يحكي عن الأبراج التي شيدت في نقل الرسائل فصارت مدينة الموصل حينذاك مركزاً هاماً لشبكة واسعة من دوائر المراسلات. نور الدين بن محمود قد وسع هذه الشبكة داخل البلاد التي فتح لتلقى الأخبار في أسرع وقت ممكن، فأمر بتشييد الأبراج (البريد) في مصر وسوريا بأن لا تزيد المسافة بين كل برجين عن أثنى عشر ميلاً. وقد عين في هذه الأبراج حراساً يراقبون حركات الحمام طيلة الليل والنهار، وخصص من الخزينة المبالغ الكافية لإدارة شئون هذه التشكيلات. (نجيب عاصم: المرجع السابق ص 18).

وفي سنة 623هـ قام الخليفة العباسي (أحمد) بتأسيس شبكة أقوى وأحسن مما أسسه نور الدين كما سبق ذكره.

ومما يذكر في هذا الصدد أن أمير الجيش الإسلامي فخر الدين أعلن في سنة 648هـ حادثة سقوط مدينة دمياط من جانب (سن لويس) ملك فرنسا بحمام أرسله إلى السلطان صالح نعيم الدين.

ويذكر (جو واتويل) الكاتب الخاص لـ (سن لويس) أن المسلمين أبلغوا خبر ورود الصليبيين إلى بلاد السودان ثلاث مرات بالحمام الزاجل.

ويذكر صاحب كتاب (حمائل الحمامات) أن الرسائل كانت تحرر في ورق حريري خاص

ص: 34

يسمى بورق الطير وتوضع في قوارير ذهبية خفيفة تعلق في عنق الحمام أو في ذيله وأحياناً كانت تربط بجناحيه، ويكتب في الورقة تاريخ يوم الإرسال وساعة حركة الحمام. وقد جرت العادة أن تكتب في أول الرسالة عبارة (الحمد لله) وفي آخرها (والله نكتفي).

وكانت المخابرات تجرى بين البلاد حينذاك كما يلي:

- بين القاهرة والإسكندرية، ودمياط، وغزة؛

- وبين غزة والقدس، والصفد، والشام؛

- وبين الشام وبعلبك، وحلب، وطرابلس الشام؛

- وبين حلب وبهسني.

وقد اعتادوا قديماً على إرسال نسخة ثانية من الرسالة تكون طبقاً لصورة الأصل وذلك لإزالة الخوف الناشئ من ضياع الأصل في الطريق.

وعند وصول الحمام إلىمحله يقوم الموظف المختص بقراءة الرسالة ووضع تاريخ يوم وصولها والساعة التي استلمها فيها.

وشاع استخدام الحمام في الحروب الصليبية؛ ففي سنة 4492هـ حينما حاصر الصليبيون مدينة القدس، قام القائد العربي في موضع (حصار) الوقع بين القدس وإنطاكية، بإبلاغ خبر تسليم المدينة بواسطة الحمام. وصادف أن وقعت حمامة بالقرب من (عكا) بيد الصليبين وفي عنقها رسالة فيها تفاصيل الحركات الحربية لدى المسلمين فاطلع الفرنج على أسرارها؛ وكان لهذه الواقعة أسوأ الأثر في نفوس المسلمين.

وكذلك استخدام السلطان صلاح الدين الأيوبي الحمام في أر سال التعاليم اللازمة إلى المحصورين في عكا فشيد برجاً في جبل (خروبة) للاتصال بهم، فكانت الاتصالات قوية حسب المرام مدة حولين كاملين (584 - 587هـ) (نجيب عاصم: نفس المرجع، ص 20).

ولقد أساء بعض الزعماء العابثين والرؤساء المفسدين في القيام باستخدام الحمام في أغراضهم الخاصة للوصول به إلى غايات شخصية بحت. ومن بين الوقائع غير المشروعة ما قام به (حسن بن صباح) رئيس الجمعية الحشيشية بالاستفادة من الحمام الزاجل في تحقيق الأغراض التي من أجلها أنشئت الجمعية. وفي سنة 595هـ تولى

ص: 35

رئاسة هذه الجمعية (رشيد الدين سنان) الذي تمكن من تأسيس إمارة في سوريا باستخدام الحمام بصورة سرية وتزويد الأهلين بالوقائع التي تحدث في البلاد النائية قبل وصول أخبارها إلى الناس فكان بذلك يعتبر نفسه شيخاً كريماً وإماماً جليلا يرشد الناس إلىالخير ويأمرهم بإتباع طريقته.

وكان (عبد الله بن ميمون) رئيس مذهب الإسماعيلية يتنبأ بالحوادث قبل سماع الناس لها، باستخدامه الحمام الزاجل فكون له مركزاً ممتازاً بين أفراد حاشيته (نجيب عاصم: المرجع السابق ص 21).

ويذكر الأستاذ محمد كرد علي في مقال نشره في مجلة المقتطف (ديسمبر سنة 1902) أنه منذ سنة 1850 - 1860 بطل استعمال الزاجل بين الإسكندرونة وحلب لأن بعض لصوص الأكراد أطالوا يد التعدي عليها وقتلوا أكثرها. ويشير إلى أن بعض المؤرخين ذكروا أن الدولة العثمانية أبطلت استعمال الزاجل في أواخر القرن الحادي عشر بعد أن لبث زمناً مستعملا في بلادها فكان العثمانيون أبرع الناس في تربية الزاجل. . . بيد أننا لم نجد في كتب التواريخ العثمانية إشارة إلىأن الدولة العثمانية قد استخدمت الحمام في شئون الرسالة. ولا نقول بهذا جزافاً فإن العالم التركي المعروف نجيب عاصم يؤيدنا في كتابه السالف الذكر. فلا ندري من أين أتى الأستاذ محمد كرد علي بتلك المعلومات وما هي المصادر التركية التي اعتمد عليها في ذلك!

عطا الله ترزي باشي

(كركوك - العراق)

ص: 36

‌جوالق الهمهوم

للآنسة الفاضلة (الزهرة)

تستوعب الأساطير القديمة، قصة رجل كان يدلف في مرتقى جبل صليع، وأخذه البهر أثناء سيره من الجوالقين اللذين فدحاه. وناء تحت ثقلهما وخذلته قواه، واصبح لا تتبعه رجلاه، وهو يحاول أن يشق طريقه إلى الأمام. وأخيراً انقطع من الإعياء ولم يقدر أن يغالبه وتصدى له ملك كريم، فاستوقفه وسأله قائلا:(مالي أراك يا صاحبي الطيب تقاسي هذا الكبد، في توقل الجيل)؟

فأجابه الرجل: (إني أقاسي ما أقاسي، بسبب هذين الثقلين يا مولاي)

ثم انهد فوق صخرة ليستريح قليلا

فسأله الملاك قائلا: (أيمكنني أن استفسر منك عما وضعته في هذين الزفرين اللذين يروثانك كل هذا الجهد)؟

فقال: (آه أودع فيهما همومي).

فنظر إليه الملاك وقال له في صوت آمر: (أطلعني على محتوياتهما)!!

ففتح الرجل أحد الجوالقين ولكنه حين أطرق مع الملاك لاستنفاض محتوياته، لم يجدا شيئاً في داخله!

فسأله الملاك قائلا: (ماذا كنت تضع في هذا العدل)؟

فأجاب الرجل في دهشة قائلا: (كنت أضع فيه. هموم. . . أمسى. . .! ولكن يظهر أنها قد مضت وتولت). . .

فقال الملاك وهو يشير إلى العدل الآخر: (وماذا يوجد هنا؟)

فأجاب الرجل: (إيه! هنا؟ أني أودع هنا هموم. . . الغد!)

ثم حملق الرجل في الجوالق الثاني، فوجده خاويا فارغا كأخيه. . . ثم تابع كلامه قائلا:(ولكن يظهر أن لا وجود لها هنا بعد)

فوضع الملاك يده في رفق عل كتف الرجل وقال له: (دع جوالقيك كليهما. . . إن الأمس قد ولى ومضى ولن يمكنك أن تصنع به شيئا، فلا تحزن على ما فات، ولا يعظمن عليك فوته. . . أما الغد، فلم يأت بعد، فلا تستسلفن تأخره، ولا تستعجل ما هو آت. واعلم أن

ص: 37

الذي يحمل أعباء يومه الحاضر، لا يحتاج إلى عدل يودع فيه همومه).

وترك الرجل ثقله وراءه، وانطلق لسبيله مبتهجاً قريراً.

هذا ولقد ثبت بالدليل المقنع، إن السعادة لا تستفيض في حياتنا إلا إذا كنا ننهض ذواتنا، لكي نحيا ليومنا الراهن فقط وننسى أخطاء الأمس ومنغصاته، ونعقد النية على أن نرجو أن يكون نصيب الغد من التوفيق والهناء أوفى وأرقى، وعلى أن نبذل ليومنا الران خير ما نملك من جهد وطاقة. ولله در من استعرض هذه الحكمة الرائعة، حين قال:(علينا أن نرجو الأحسن، ونتأهب للأسواء، ونتقبل كل ما يعرض لنا، في حلم راجح وخلق وادع، وصدر رحب، ووجه طليق، وحنان وقر).

ولقد قيل إن الهموم صنفان: صنف يسير قريب المنزع مذلل الأغصان. وصنف لا تبلغ إليه وسيلة، ولا يقع في حباله أمل فلا تناله حيلة محتال. ولا مرية في أنه يجدر بنا أن نصلح الأمور التي يمكن أن نرتاد لها نواحي الترصين والتجويد - وأن تحسم الأدواء التي يمكن أن ننفض لها سبل العلاج - وأن نتطلب الذرائع لكل معضل ممتنع وكؤود معجز. ومن اليسير أن يعرون ضرب من القلق والخوف، حين نعجز عن استخراج ودائع الغيوب، والنظر إلى المستقبل من وراء ستر رقيق، لنطالبه بعين السداد والتوفيق. بل إن من اليسير إن يهن منا العزم حين تخذلنا القدرة على وضع الخطط اللازمة لمآتي أيامنا. ولكن الله تعالى شأنه، كفيل بأن يوجه خطانا إن سلمنا له جميع طرقنا. . .

ترى هل خطر لنا أن نقف لحظة، ونستعرض الهموم التي رزحنا تحت أثقالها في بعض أيامنا، ثم أدركنا من بعد، ما كان يزاملها من سخافة وتفاهة، وسقم وغبانة؟! أعرف طالباً جامعيناً سويسرياً، ابتلي (بعادة القلق وحمل الهموم) وأبهظته هذه العادة الآسرة الفادحة، فرأى أن يأخذ العدة لمحاربتها والقضاء عليها. وما إن روي قليلا في الآلات التي ينبغي أن يستعين بها للانتصاب في هذه الحرب المقدسة، حتى هداه تفكيره إلىاستحضار كراسة، يعمد إليها في مستهل الشهر، ليدون فيها أنواع الهموم، التي يثيرها القلق في تقديره، ويسبقها التخمين إلى حسه، ويغريه التكهن بانتظار وقوعها، في الأسابيع الأربعة المقبلة. . . ثم يعود إليها في آخر الشهر، ويرى هل صدق في دائرة الواقع العملي شيء من هذه المظنات التي زاملته من قبل. . . وأقضت مضجعه!!

ص: 38

وكان في مقدمة الأمور التي تروثه هماً ملحاً - افتقاره إلى سروال من الفانلا البيضاء، ليلبسه في رحلة ريفية احتفاء بمقدم الربيع، وأيقن أنه سيكون الشخص الوحيد الذي سيظهر في الحفلة - دون رفاقه بغير هذا السروال. وإلى جانب هذا الهم أرهقه هم آخر لا يقل عنه خطراً وإلحاحا. وذلكلأن عميد الكلية طلي إليه أن يتولى افتتاح اجتماع الرابطة الأدبية في مساء يوم الخميس المقبل، وطارت نفسه شعاعاً لهذا الطلب وهتك الخوف قميص قلبه،. . . وماذا عساء أن يقول في مثل هذا الاجتماع المهيب - ولم يتعود أن يتعلى المنابر - وأيقن أنه سيبيت بين رفاقه الطلاب - أضحوكة من الأضاحيك - وقد دفع في صدره العجز، وملكت الركاكة خطامه. . . وكان هذان الهمان أبرز ما في المجموعة التي سجلها في يوميات كراسته. وفي نهاية الشهر رجع الفتى إلى يومياته فما تمالك أن ضحك، وضحك حتى أغرب إذ ذكر أن نصف عدد رفاقه الطلاب، لم يظهروا في حفلة الربيع بسراويل بيضاء. ولقد هبت زوبعة شديدة يوم ذاك، وندم الذين كانوا يرتدون السراويل البيضاء لأنهم لم يختاروا سواها. ثم ذكر أن العميد انتحى به في الليلة السابقة للاجتماع العهود وأخبره أن سائحا من كبار الأدباء سيتحدث إلى الجماعة في المساء المقبل، وأن خطبته من ثم يجب أن تؤخر إلى أجل غير مسمى. وعلى هذا النحو كان نصيب غالبية الأمور التي سجلها ف كراسته، وربك ذاته بالاهتمام لها.

ولعله يحسن بالكثيرين منا أن نعد لذواننا مثل هذه الكراسة. وما الذي يمنع من أن نجري على أسلوب ذلك الطالب المجتهد ونأخذ أخذه؟!

تقول الكاتبة الموهوبة (الن. ج. هوايت) إن القلق أعمى، ويمكن أن يتبين المستقبل ويوضح معالمه ويستجلي رسومه. ولكن الله سبحانه وتعالى يرى النهاية من البداية، ويرصد الهبة لكل صعوبة! ويهيأ لكل ضيقة مخرجاً ومفرجاً!!

ويقول فاضل من أعلام الأدباء الاجتماعين العاملين في الغرب: إن القلق (أو حمل الهموم) يشبه الرمل الذي يتسرب إلى الزيت في سيارتك وكما يبلى الرمل آلاتها وأجزاءها، كذلك يستهلك الهم عناصر حيويتك شيئاً فشيئاً ويفنيها. بل إن القلق يشبه الصدأ الذي يأكل على الولاء بعض أجهزة المصنع في إصرار بطئ ولا يلبث أن يحدث تحت ضرب من ضروب الضغط صدعاً شديداً بل انقصاما أكبراً بل انفجاراً هائلا يجر في كثير من الأحيان

ص: 39

مضرة فاجعة وخسارة قاصمة. ولاشك في أن القلق قد حطم عشرات الآلاف من الناس ولكن لو اجتمعت الأوبئة والحروب والمجاعات لما أمكن أن تفتك بالعباد، فتك القلق. والتاريخ مشحون بألوان الدمار التي ألحقها بالعالم هذا الثالوث الذي يتهاوى ويتضاءل أمام القلق.

إن القلق لا يوقد النار ولا ينفخ البوق ولا يضرب النفير ولا يدق الطبول ولا يترك صفوفاً من الأشلاء في الحومة ومنازل الوقائع منا تصنع الحروب. . . أنه لا يسقع المزارع ويدقعها كما يصنع القحط. . . أنه يشبه السوس الذي ينخر خلسه في الغلال ويفسد. . . أنه كالدودة التي تسطو في هدوء، على مزارع الأقطان وتيبسها. . . أنه يشبه اللص - ينسل خفية إلى عقلك وقلبك، ويبدأ عمله المهلك - وهو العمل الذي يفضي آخر الأمر إلى المرض والموت، ما لم تسارع إلى رد عرامه، حبس عنانه والضرب على يده. . . أفلا يجمل بنا بعد هذا كله أن نطرح عنا جوالق همومنا، ونحيا حياتنا، ونتقبل كل يوم من أيامها - كما يجئ!!

الزهره

ص: 40

‌رسالة الشعر

(هواء وعلم)

للأستاذ محمود حسن إسماعيل

(ألقيت في مهرجان العلم والمعلمين بالجزيرة احتفالا بالدكتور

طه حسين بك وزير المعارف)

غناء. . . وأشجى منه ما أنت قائله

وسحر. . . وأعتى منه ما أنت فاعله

حشدت لك الإلهام من كل مهجة

ومن كل نور أنت للفن باذله

ومن قمة للفكر أنت بفجرها

شعاع من الرحمن هلت مشاعله

ومن صيحة للحق، تمضي زئيرها

كأن بداً للغيب خفت تزامله

ومن أدب حر الأعنة سقته

إلى الناس ركباً لا تجاري قوافله

مدتت لها الأرسان في كل وجهة

لمحت بها ليلا، فطارت تقاتله

يمر على جدب العقول حداؤها

ربيعاً جديد الخطو، غنت أصائله

له مذهب في السير، فالأرض كلها

زمان وأفق يممته قبائله

ومن فرحة للعلم. . . هذا هديرها

حواليك ضجت بالوفاء سواحله

تنادى لها طير الجزيرة بالهوى

وأنطق ضجت الرياحين زاجله

وأصغي إليها النيل حتى حسبته

أخا لوعة تهفو إليك خمائله

وسبح صمت النخل فيها، ولم تكن

لتعرف في التسبيح شيئا أنامله

أكاد - ولو لم أصغ - أسمع بظله

ترانيم طير بالحنين تساجله

فهل هو ممن يعشق الفكر قلبه

وممن لأهل العلم تنمي سلائله!

ومن كل إيمان، وكل عقيدة

وكل خيال طاوعته حبائله

حشدت رباباتي، وفني، وصاحباً

هو الشعر لم تهدأ بأرض رواحله

وجئتك أبغي طيف سحر، فإنما

بيانك يدري أين تخفيه بابله

بربك هبني بعض وحي لعلني

لسمعك أشدو وبعض ما أنا حامله

فلا كانت الأوتار إن هز عودها

هواك، ولم تشج الليالي بلابله. . .

ص: 41

أتاك بناة العقل، من عهد آدم

وهم حوله نبع نثر مناهله

يجيء لهم طفلا، غريراً مدثرا

بثوب غرير الوعي، هبل غلائله

يمد يداً ظمآى، وأخرى لعلها

تشير إلى رى بعيد تحاوله

تلفوه سفحاً جاهلا في مفازة

بها عبهب الإظلام طنت مجاهله

عنيد الدحي، إن خالس النور ليله

يضئ، وإن يفجأ حماه يصاوله

سقوا مهده خطو الرسالات رحمة

وكدحاً صبوراً لا تئن معاوله

وشقوا ثراه، فاستحال يبابه

حقولا، عليها العلم صافت سنابله

وخلوا جناها للحياة، فإنهم

هداها، وهم في كل شعب دلائله

فإن شئت بعثاً للبلاد، فهذه

يد الله فوق الجهل، هذى جحافله

بنان، وإيمان، ولوح، ووقفة

وما بعد هذا، كله أنت خاذله.

أتوك. . . فجاء والذي سارق الحجا

فخرت له أبراجه ومنازله

له منطق النور المبين، إذا هوى

على الشك راحت تستجير مقاتله

يمزق بالتبيان كل مطلسم

من الرأي حتى تستبين دخائله

وينفض أسرار النفوس بيانه

كما لو رواها كل طيف تزاوله

إذا رق فالأسحار لحن بكفه

وطير الربى ناي رخيم يغازله

وإن مس ظلماً، خلت ناراً وعاصيفاً

وذكرى هشيم في الفيافي تقابله

يسير وحب النيل لحن مقدس

يهز به سمع الضحى ويطاوله

تطوف على الدنيا خطاه، كأنها

لمصر نشيد لا تكل فواصله

فكم رحلة للغرب طارت بذكرها

وغنت بواديها العزيز رسائله

يحب ضنى الأسفار حباً لمجدها

وتشجيه أشجان السرى وشواغله

رآي العلم مأسور الضياء، كأنه

شقي على الأصفاد شدت سلاسله

أقاموه في سوق تعاوت دروبه

وصدت أياديه وسدت مداخله

ونادى مناد فوق أعتاب بابه

بصوت جهير الظلم بحث غوائله

هنا لألف العصماء، عود ممنع

من العزة القعساء شيدت حوائجه

هنا الباء طير عبقري مجنح

على طيفه يبكي من اليأس حابله

ص: 42

هنا (ألف)(كالباء)، كل بدرهم

ومن سام الأسعار لست أعامله

هذا كل حرف في وعاء مختم

شحيح الرؤى، إياك يوماً تسائله

إذا كنت ذا مال فأقدم، وإن تكن

فقيراً، فحلم الشمس ما أنت أمله

هنا كل سطر تحت قبر، فإن ترد

نشوراً، فهات المال تخشع جنادله

هنا سد يأجوج، هنا العلم سلعة

تباع وتشرى كالمتاع مراحله

وكم من يد جاءت تبكي لقطرة

فقالت لها بيعي الدموع جداوله

وكم من أب في الكوخ أقعى شقاؤه

وناحت عليه فأسه ومناجله

أتى ببنيه ضارعاً متوسلا

لعل حظوظ العاجزين تغافله

فهب المنادي صائحا في عذابهم

بصوت على الآفاق جوت زلازله

إلى الكوخ عودوا يا بني الفقر، واقنعوا

فأولى بكم قطعانه وسوابله

أساطير عن (دنلوب) تروى وإنها

لفتك بروح الشعب دقت وسائله

وقيد لمجد النيل طال هوانه

وطالت عليه ناره ومشاكله

خطا نحوه (طه) العظيم مؤزراً

بشعب من الأغلال ملت كواهله

وكر عليه فارساً، في يمينه

شبل قلم للحق سنت مناصله

هواء وعلم. . . تلك أصداء صيحة

تغنت بها راياته وحمائله

رماه بها، فإنها دليل مطنب

من الجهل، ناءت بالضياء كلاكله

وذابت قيود العلم، واندك سجنه

وراحت لكل الشعب تسقي هياكله

أبا الفكر، لم تلحق شعاعك مرة

أواخره طول المدى وأوائله،

تنزلته فجراً، ولقنته ضحى

أضاءت لأحرار العقول مشاغله

فمن شاء صحوا للشعوب ونهضة

فهذا طريق المجد، هذى دلائله

رعى الله ما أسديت للنيل من هدى

وبارك عهداً خلدته شمائله

وأبقى يد الفاروق نوراً وقوة

بها الشعب يجني كل ما هو آمله

محمود حسن إسماعيل

ص: 43

‌الأدب والفنّ في أسبوع

للأستاذ عباس خضر

الأدب المصري أدب عربي

كتب صديقي الدكتور عبد الحميد يونس مقالا في صحيفة (المصري) يوم الخميس الماضي، عنوانه (تراثنا الأدبي) نعى فيه إهمالنا الآثار الأدبية التي حلفها بعض أعلام الأدب في العصر الحديث، ثم تحدث عن الفكر التي دعت إلى إنشاء إدارة لإحياء التراث الأدبي في مراقبة الثقافة بوزارة المعارف، فأبدى خشيته من (أن يكون القوامون على الثقافة العامة في الدولة قد تورطوا في الخطأ المنطقي الذي يقع فيه كثيرون من المشتغلين بتوجيه الحياة العقلية، وهو أن مقياس الأصالة في الفن والفكر هو القدم أولا، والعروبة ثانيا) وندد بعناية إدارة التراث التي تابعت فيها (المشتغلين بالحياة العقلية) - بالأدب العربي القديم دون الأدب المصري بعد الفتح الإسلامي كما ندد بإهمال الأدب المصري الحديث.

والاهتمام بالأدب المصري قديمه وحديثه لا يمارى في وجوبه أحد، ولكنني أحب عندما ندعو إلى هذا الاهتمام، أن نفعل دون أن نستشعر العصبية الاقليمية، فقد قامت هذه العصبية للأدب المصري منذ ومن في بعض الأذهان، وكان مما صاحبها إنشاء كرسي للأدب المصري في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول ولم يصنع هذا (الكرسي) شيئاً جديداً في هذا السبيل إلى الآن، ولعل ذلك راجع إلى الشعور بأن فكرة الاهتمام الجزئي الزائد غير طبيعيةلأن الأدب العربي، وفي جملته الأدب المصري، وحدة متماسكة لا تتزايل أجزاؤها.

وقد لمحت تلك العصبية في مقال صديقنا الدكتور عبد الحميد يونس، وهي نزعة أعرفها فيه. وكنت قد قرأت الذي كتبه في مجلة (الأديب المصري) بعنوان (أدب أمة لا أدب لغة) عزز فيه (الفكرة المصرية) وقال:

(مضى الزمن الذي كان الأدب فيه يدرس ويتذوق على أنه ثمرة لغوية لا أكثر ولا أقل، وانطمست النظرية القديمة التي كانت تحتفل بالصورة دون المصور، ولم يعد للفكرة الحرفية التي سيطرت على الآداب والفنون من السلطان ما كان لها في الماضي البعيد أو

ص: 44

القريب) وهو يذهب بذلك إلى أن اهتمامنا بالأدب العربي غير المصري موجه إلى تذوقه كثمرة لغوية دون أن نحس بما يعبر عنه أو ننفعل بما يصوره، كأننا غرباء في الإحساس عن أهله!

والواقع أننا نحس الإحساس العربي العام ونشعر بالمشاركة والوجدانية لأولئك الأدباء المتقدمين الذين عاشوا في العراق والشام وغيرهما، ولا يقل شعورنا بهذه المشاركة عن شعورنا نحو أدباء مصر الذين عاصروا الدول الإسلامية التي قامت بها، بل أنا أعزم أن المشاركة الوجداني في أدب الأولين أكثر منها في أدب الاخرين، لأن هؤلاء كانت تستهلك الزخارف اللفظية طاقاتهم ويشغلهم التكلف عن صدق التعبير والنفوذ إلى الأعماق

فالأدب العربي، قديما وحديثا، ليسأدب لغة مشتركة فقط، بل هو أيضاً أدب أمة هي الأمة العربية. ولا أنكر الفوارق والسمات الاقليمية، ولكن الروح العام يصهرها جميعاً في بوتقة العروبة.

فالأدب المصري - كما أرى واشعر - جزء من كل، لا ينبغي له أكثر مما ينبغي لأي جزء آخر.

كما أنه يجب الاهتمام به مثل غيره. والحق أنه لم يكن معنيا به مثل غيره، ولكن الحق أيضاً أن ذلك لم يكن سببه أن مقياس الجودة (العروبة) كما يقول الدكتور عبد الحميد، وإنما هو راجع إلى أن النهضة الأدبية الحديثة قامت على أسس منها الرجوع إلى أدب المتقدمين للخروج من ركاكة العصور المتأخرة وهزال آدابها، فاتجهت حركة الإحياء إلى الآداب الأولي التي كانت قبل التكلف والركة، وخاصة آداب العصور الزاهرة كالعصر العباسي في بغداد.

وتصور أي مهزلة تكون لو قامت الآن في العراق مثلا حركة أدبية ترمي إلى الإعراض عن الأدب العربي الحديث في مصر، لأن الأدب العراقي في هذا العصر أولى بالعناية منه! أليس هذا كذاك؟

على أن الفكرة العربية العامة أدنى إلىالفكرة العالمية في الأدب والفن، فهل يريد هؤلاء المواطنون أن ننطوي على أنفسنا أدبيا ونتخلف عن ركب العالم؟ أو يريدون أن نزيح العروبة جانبا ونمشي في الركب. . .؟

ص: 45

ولست أدري ماذا يضيرنا إذا نحن درسنا الأدب المصري وأحيينا آثاره على أنه أدبعربي، في هدوء دون أن نشغل أذهاننا بالفكرة الانفصالية ونتعب أعصابنا بالعصبية الإقليمية؟

الشاعرة (ن. ط. ع)

قرأت بإحدى الصحف اليومية في يوم من هذا الأسبوع نعى فتاة باسمها الكامل، أعرف أنها الآنسة (ن. ط. ع) الشاعرة التي نشرت لها (الرسالة) قصائد وقطعاً من أشعارها ونشرت لها صحيفة البلاغ كثيرا، كما نشرت لها (الأهرام) وكانت قد استرعت انتباهي فعقبت على بعض شعرها في العام الماضي، تعقيبا ختمته بما يلي (والفتاة الآنسة وإن كانت في أول الطريق إلا أنها على الجادة تهديها إلى الغاية موهبة صادقة مخلصة، فهيا يا آنسة ن. من يدري. . .)

أجل من يدري أنها كانت تسير إلىالغاية المحتومة بهذه السرعة، وكنا نرجو أن يكون ما كانت تصبوا إليه من صيد وخلود في عالم الشعر، كما كانت تقول:

هل يأخذ القبر

مني سوى جسمي

والصيت والشعر

لن يتركا اسمي

سأصير شاعرة

من قادة الفكري

أنا لست ساخرة

يا قلب من يدري

ولكن الموت أعجلها، فاحتطفها وهي على عتبة الخلود، فطوى أملها الذي كانت تعكف على التطلع إليه. وقضى على عالم من الإحساس المرهف كانت تنوء به، فحطت حملها ونامت بجواره، وليتها نامت قريرة بما كانت تؤمل من ترك اسمها وراءها يلمع في دنيا الأدب والشعر، ولكن الموت أعجلها ولعله أطلعها على أن ما كانت تطمح إليه أمر باطل وسراب خادع. . . من يدري!

لقد قرأت قصة هذه الفتاة فيما كانت تنشره من شعر، كانت حبيسة (التقاليد) تطل على الحياة من بين قضبان سجنها. . . تنظر بعين الأدبية الشاعرة إلى المجتمع الحافل الصاخب فتود لو شاركت الركب سيره، ثم لا تلبث أن تثوب إلى ما أخذت به في تربيتها المحافظة، فتقول:

ورجعت أدراجي

أتجانب الناسا

ص: 46

في برجي العاجي

أتذوق الكاسا

كاس من الطهر

وهناءة البال

والفن والشعر

في برجي العاجي

ولكن (البرج العاجي) كان مضروبا عليها في قسوة يظهر اللم بين السطور وإن أظهرت ميلها إلى الاعتصام به مطاوعة لما جرت عليه السرة من الحجاب وشدة التحرز. فكان الصراع دائراً في نفسها بين ذلك الحجاب وبين ألوان الحياة التي تدعو إليها لا باعتبارها أية فتاة، بل لأنها فنانة، والفن يأبى الإسار.

لقد قلت في الكلمة التي كتبتها عنها: إنها في حاجة إلى مزيد من العناية من حيث إخضاع التعبير. ولما تتبعتها بعد ذلك ورأيتها تدر حول ذلك الصراع في نفسها، لا تخرج عنه إلا قليلا، عرفت أنها مشغولة بها عن تأمل ما عداه، فكان ينقصها أيضاً الآفاق الرحيبة التي تنتقل بينها. ولم يكن كل الأمر احتجابها، وإن كان هو بعض الأمر بلا مراء، فكان يمكن لو فرغت من ذلك الهم أو لو تحررت من تسلطه عليها كل التسلط أن تتصفح الحياة من حيث هي ومما تقرأ، ولكن حتى هذا القدر حرمته لانشغالها بالتفكير في آلام نفسها ومنازعتها القيود

ظلت شاعرتنا تكافح تلك النوازع النفسية، تثبها تارة في شعرها، وأحيانا تنطوي عليها، وهي ترجو أن تجد من الشعر والصيت فيه ما يعوضها، حتى كلت فأسلمت للمنية قيادها، وإذا نحن نطلع على وجه كئيب من نعهيا، فيبعث في النفس الألم والأسى، في الوقت الذي كنا نتفقدها، عسى أن تطلع علينا بجديد من الشعر.

وإذا كان القبر قد احتوى على جثمانها فلعل لتلك الروح الشاعرة من هذا الكلمة ما يرضيها بعض الشيء. ولقد كانت (السرالة) مجلتها الحبيبة في دنياها الأدبية، فالآن تبعث الرسالة إليها هذه الباقة، من حبيبة حزينة إلى فقيدة عزيزة.

السياسة العربية والتعاون الثقافي

نشرت (الأهرام) أن وزارة المعارف قررت وقف ندب المدرسين المصريين للعمل في معاهد العراق، وقال المحرر إن الوزارة اتخذت هذا الإجراء بعد دراسة مستفيضة، وإن العراق أساءت معاملة المدرسين المصريين، وإن ذلك القرار أتخذ بتوجهيه من وزارة

ص: 47

الخارجية المصرية على ضوء التطورات الأخيرة للعلاقات السياسية بين البلدين.

وذلك كلام غير صحيح، ولا ندري لماذا يكتب! فلم تقرر وزارة المعارف شيئاً في هذا الصدد، ولم يطرأ على خطتها في التعاون الثقافي بينها وبين البلاد العربية أي تغيير. ولم يجد في العلاقات الثقافية بين مصر والعراق ما يجعل وزارة المعارف تدرس هذا الموضوع أية دراسة، لا مستفيضة ولا غير مستفيضة، ولم تتلق الوزارة أية شكوى من أي مدرس أسيء إليه في العراق. ولست أدري من اين أتت هذه الإشاعة العجيبة، فقد لقيت عدداً من إخواننا المدرسين العائدين من العراق فلم أجد عندهم شيئاً من ذلك، بل هم على العكس يذكرون ما لقوا هناك من تقدير وتكريم.

كل ما في الأمر أن وزارة الخارجية المصرية تلوح بهذا الموضوع في محادثاتها التي تتعلق بالشئون السياسية مع العراق. . . ووزارة المعارف ترى ذلك فتسكت، على سبيل التضامن السياسي.

والمأمول ألا يتعدى الأمر ذلك التلويح، فلا ينبغي للسياسة أن تتجاوز دائرتها إلى الشئون الثقافية، وخاصة أن ميثاق الجامعة العربية يكفل التعاون الثقافي بين البلاد العربية، وتنص المادة الثانية من المعاهدة الثقافية على أن (دول الجامعة توافق على تبادل المدرسين والأساتذة بين معاهدها العلمية بالشروط العامة والفردية التي يتفق عليها)

على أن ذلك التعاون الثقافي أقدم من جامعة الدول العربي، وآثاره ظاهرة في العلاقات التعليمية والأدبية الموطدة.

عباس خضر

ص: 48

‌الكتب

كتاب الأعوام الحاسمة

الفيلسوف الألماني أوزفالد شبنجلز

ترجمة الأستاذ علي بك حسن الهاكع

المراقب العام لمنطقة التعلم بالدقهلية

هذا كتاب نقله الأستاذ علي بك حسن الهاكع المراقب العام لمنطقة التعليم بالمنصور عن اللغة الألمانية إلى اللغة العربية وهو آخر كتاب أنتجه الفيلسوف الألماني شبنجلر قبل وفاته، وضعه سنة 1933 وتوفي سنة 1936 قبل اشتعال نار الحرب العالمية الماضية بثلاثة أعوام وتناول فيه قضايا العالم ومشكلاته وحضارته، فدرسها على ضوء الفلسفة الواقعية وصور الحاضر على أساس المشاهدة، وتنبأ بالمستقبل قياساً على الماضي. وعرض كله على الناس في وضع جلي واضح يفسر كل غامض، ويجلو كل مبهم. ويوضح نظراته في فكرة شاملة تنتظم كل مظاهر الحضارة وتختزلها في حيز محدود لا فخاء فيه ولا غموض.

وقد ضم الأستاذ الهاجع بك إلى المكتبة العربية بهذا العمل الجليل كتاباً يعتبر من انفس وأثمن ثروات الفكر الإنساني لا توزن بذهب الأرض، ولا تقوم بكنوز العالمين.

وكأني بالمترجم الفاضل، وقد رأى أن فلسفة شبنجلر ليست بالشيء الهين الذي يتناوله القارئ في يسر وسهوله، وأنها من العمق والأصالة بحيث تحتاج إلى مقدمة تقرب إلى الباحث مذهب شبنجلر ونظرياته الجريئة الجديدة، فوضع لهذا الكتاب مقدمة ضافية تعتبر كتابا بذاته، سماها (النظرة المصرية) أتاح فيها للقارئ أن يلم بمذهب الرجل وأن يدركه إلى الحد الذي يسمح له بتذوق ما يقرأ وفهمه على الوجه الذي قصده شبنجلر

وقد ذكر في هذه المقدمة أن كثيراً من المعاني السامية قد ابتذلت في هذه الأيام، ومنها الفلسفة، التي أصبحت إما نقلا أجوف لشتى المذاهب وفي مختلف الثقافات قديمها وحديثها، وهو نقل يقصى ما بينها وبين الإدراك السليم، ويجعل منها عبارات غامضة لا يتذوقها إلا طائفة محدودة تستأثر بها وبغوامضها، وإما لهواً ولعباً ينضم إلى سائر ضروب الشعوذة

ص: 49

الأدبية التي ترمي إلى صرف النشاط الثقافي عن جوهر الأمر.

وإن هذا الذي يقوله الأستاذ الهاكع في مقدمته الرائعة ليذكرني بمحاضرته القيمة التي ألقاها عن شبنجلر قبل توزيع هذا الكتاب في قاعة المحاضرات بدار المركز الثقافي بالمنصورة وفيها بسط لنا معاني الفلسفة وقربها إلى أذهان المستمعين، وعرضها عرضاً مغريا جذاباً خالياً من التعقيدات، والمعميات،

وقال عن شبنجلر أنه ليس من هؤلاء المتفلسفين الذين جعلوا من الفلسفة عبارات غامضة تستأثر بتذوقها طائفة محدودة، وأنه ليس بالناقل وإلا باللاهي، وإنما هو مفكر أصيل جرئ حسن وأفكاره عصارة دمه قبل أن تكون وليدة فكره، ولذلك يعرضها عارية من كل ملطف، ويقذف بها في وجه العالم أجمع في صراحة مدهشة، وشجاعة عجيبة قلبت كثيراً من أوضاع الفكر المقرر. ومن أسس الفنون وسائر الاتجاهات العلمية والأدبية! فكم من هيكل فكري أو حكم راسخ حمته القداسة مئات أو آلاف من السنين قد انهار تحت معوله القاسي؛ وكفاك أنه حكم القضاء على المنطق المألوف - منطق العلمية - فنزع سلطانه وأخذ بمنطقه الخاص الذي أسماه منطق الحياة.

ولقد أحسن الأستاذ الهاكع بك كل الإحسان حين كشف لنا في مقدمته عن شخصية شبنجلر؛ وحدثنا عنه حديثاً مفصلا أظهرنا على مذهبه وفلسفته، واتجاهاته الفكرية؛ فقرأنا كتابه ونحن نعلم تمام العلم أن الرجل قد جاوز حد الإعجاز فيا كتبه وفيما وجهه إلى الحضارة الأوربية من لطمات، وأنه كشف لنا عن خفايا وأسرار هذه الحضارة وعوامل نهضتها وانحلالها ودورانها المحتومة، وأن تقديراته للمستقبل يلفت حد الروعة الفذه إذ أنه قدر الحرب الأخيرة قبل وقوعها وقدر نتائجها والساحة السياسية والحربية تقديراً عبقرياً. وإننا لنقرأ اليوم ما كتبه منذ سبعة عشر عاما كأننا نقرأ تصويراً للحاضر يستحيل على غير المعاصر أداؤه.

وأنا أعتقد أن الأستاذ الهاكع بك حين فكر في ترجمة شبنجلر عن الألمانية نفسها، فإنما ترجمه وهو متأثر به ومعجب بأفكاره ومذهبه إلى حد بعيد بالرغم من أنه احتاط لنفسه وقال: أنه لا يسلم بكل ما رآه، ولكن صراحته الألمانية الخشنة تفتح لنا فرجة إلى خفايا كلها فائدة وخير لنا.

ص: 50

ولذلك فقد أطال الكتابة عنه، ولم يترك ناحية تتصل بهذا الفيلسوف عن قرب أو عن بعد إلا عرضها على القارئ عرضاً نموذجياً ناجحاً يحبب إليه اعتناق مذهب شبنجلر والتأثر به قبل قراءته.

وهذا نوع عجيب من عبقرية القدرة على الدعاية للمذاهب الفلسفية التي يميل إليها الكاتب القدير.

ألا ترى أنه يصور لك آراء شبنجلر تصويراً بديعاً يملك عواطفك ويهز جوانحك ويتغلغل في صميم نفسك حين يقول لك: (إنه يرى أن كل ألوان القياس والقضايا تسند في النهاية إلى بدهيات هي في ذاتها قضايا؛ ولكنها قضايا مسلم بها لا تتسع لأن تبنى على قضايا أخرى. شوهنا يتساءل: أليس كل التفكير إذن مرتكزاً على الاعتقاد؟ وأليس كل ما تعارفنا عليه من نظريات وأسس علمية مهما تبلغ من الدقة مبنياً على مسلمات هي في ذاتها عقائد؟ فإن كان الفكر في ذاته مبنياً على المسلمات والعقائد فما الفارق إذن بين التفكير والاعتقاد؟

أليس هو في الدرجة فحسب؟ أي في أن الفكر المألوف أبعد عن العقيدة الأساسية التي تطالعك مباشرة، وبدون أدنى وسيط أو تسلسل؟ وبهذا حول العلوم في أسسها إلى عقائد وقال إن ما يأخذه العلماء على الدين إنما هو مبهم مردود إلى راميه.

وهكذا هدم العلية المألوفة وحصرها في حيز ضيق واهتدى إلى أن وراء الحوادث ما يعلو على الأسباب السطحية! وراءها منطق الحياة والزمن، وراءها القضاء أو المصير بالمعنى الألماني.

القضاء الذي يملي على الفرد وعلى النوع وعلى الحياة ألوان النمو والتطور مما لا يمت بأي وشيجة إلى السببية، فهو يعتنق جبرية من لون جديدة تتصل بالجبرية الإسلامية وتختلف عنها، تتصل بها من حيث الحتمية، وخلوها من التدبير، وتختلف عنها من حيث ردها إلى مقدر بصورته الفلسفية الألمانية ذلك القدر الذي تلعب فيه الإرادة البشرية الفردية دورها. ومن العسير على غير من تذوق الثقافة الألمانية أن يتصور كيف نتسق صور القدر مع فكرة إرادية ذاتية خارجة عن الروح الكونية)

وما كان لغير علي بك الهاكع الكاتب المسلم الفيلسوف أن يعلق على رأي شبنجلر مثل هذا التعليق، وأن يوازن بين الجبرية الإسلامية والجبرية التي يعتنقها الفيلسوف الألماني،

ص: 51

ويبين الفوارق الدقيقة ووجوه الشبه بينهما بمثل التفصيل البديع الذي يعقب عليه بقوله: (ومهما يكن لون هذه الجبرية التي أتى بها شبنجلر فإنها مع غيرها من أركان مذهبه كانت معولا جباراً أصاب المادية الحديثة في أرسخ جذورها وأفسح الطريق لضرب جديد من الروحانية ينظر إلى المرحلة الحضارية الحالية في القرب نظرة فيها لنا نحن الشرقيين رضا وتأس وبسط للأمل في المستقبل: فهو روحا أصيل قد نفذ ببصره الثاقب إلى ما وراء المادة واهتدى إلى أن الروح هي جوهر الأمور لا المظاهر المادية التي تلعب بالأحاسيس فتخدعها وتصرفها عن الحقيقة (الكافية) هذا هو شبنجلر كما يصوره لنا أستاذنا الجليل علي بك الهاكع في مقدمته بعبارته الخلابة، ومنطقه الصحيح، وذوقه السليم

أما شبنجلر حين يصور نفسه في كتابه (الأعوام الحاسمة) فلي فيه كلمة أخرى أرجو أن أوفق في كتابتها إن شاء الله.

المنصورة

علي عبد الله

ص: 52

‌لنقاب

للأستاذ عبد الحميد جوده السحار

مما لا ريب فيه أن الأستاذ عبد الحميد جودة السحار في طليعة أولئك الشباب الذين يجاهدون في ميدان الدب القصصي ليخلقوا للقصة المصرية مكانة مرموقة. وقد تفاوت الناجح الذي أصابه في جهاده باختلاف أعماله القصصية الكثيرة. وإن كنت مقتنعاً أن روايته (في قافلة الزمان) تعتبر قمة نجاحه القصصي.

أما قصته الجديدة (النقاب) فلا أستطيعأن أصفها مصاف الأعمال القصصية الرائعة، ولكنهاقصة ناجحة ما في ذلك شك. وقد عالج فيها موضوعاً يتغلغل في صميم النظام الاجتماعي السائد، تناوله غيره من الكتاب بالبحث والدراسة، ولكنه أبدع فيه بما أضفى على القصة من جو نفسي رائع.

وتدور قصة حول شاب في العشرين من عمره ينتمي إلى أسرة فقيرة، وله أبنه عم ثرية، تواضعت أسرتها على اعتبارها خطيبة له منذ صغرهما. ولما كبر ظل كل منهما يمحض الحب لصاحبه، فكلما لاح خيال (علية) في خاطر (حسين) أحس بقلبه يهفو نحوها وبمشاعره تنصرف إليها. وكلما التقى (حسين) بـ (علية) فضحت عيناها ما تنطوي عليه جوائحها من وجد وهيام.

ودارت عجلة الأيام، واشرف حسين على التخرج من كليته - كلية البوليس الملكية - فأخذ ينتابه شعور غريب كلما جمعه مجلس بعلية. شعور مزيج من الضعة والهوان، والضيق والاشمئزاز. ولم يكن يفقه لهذا الشعور سبباً، بل كان يرغب رغبة صادقة في التحرر من ربقته. فقد كانت العناية التي يلقاها من بيت عمه، والمحبة التي يغمره بها أعضاء الأسرة من صغيرهم إلى كبيرهم، حرية بافتراع عواطف الحب من قلبه. ومبادلة الأسرة العطوفة وداً بود، ومقاسمة عليه مشاعرها الصادقة. ومع ذلك فقد ظل خيال عليه يراوده في أحلامه ويثير في قلبه العواطف المتقدة. وتفاقم نفوره من علية، وتأججت بيم جوانحه ثورة على القدر المسطور له في كتاب الزواج، فلماذا يتخذ من علية زوجة له نزولا على إرادة أبيه وعمه بينما أمحت صورتها من قلبه؟!

ثم ألقى نفسه ينحرف في حب فتاة التقي بها في بيت عمه، وإذا بها تستحوذ على مشاعره،

ص: 53

ويحتل تفكيره وتملأ فؤاده. وأحس بشعور الغريق الذي عثر على حبل الإنقاذ أخيراً، أو إحساس التائه الذي اهتدى بعد لأي إلى السبيل. ورغم معارضة أبيه العنيفة فقد أصر على الزواج منها، وفضل مخاصمة أبيه على الاقتران بابنة عمه علية.

تزوج حسين من الفتاة التي اختارها بنفسه، ورحل إلى الإسكندرية لاستلام مهام منصبه الجديد بعد تخرجه من كلية البوليس. وعاش فترة من الزمن تزيد على العامين وهو يحاول إقناع نفسه بأنه مستمتع بالسعادة الحقة إلى جانب زوجته، وقد نجح في محاولته إلى حد بعيد، ولكن القناع سقط عن عاطفته المزيفة عندما أخبرته زوجته ذات يوم أن علية زارت المنزل في غيابه وسألت عنه ملحة في رؤيته. فجرى إلى شاطئ البحر يتفقد الموضع الذي اعتادت أن تتخذ منه كل صيف مستقراً، وما وقعت عليها أنظاره حتى أحس بلهيب العاطفة يضرم جسده، وبجمرات الحب تتقد بين وجانبه، ودب الوهن في عزيمته واجتاحته حيرة مضنية بين التقدم إليها أو التواري عن أنظارها، ثم لم يلبث أن تراجع بخطوات متلصصة حذراً من أن تكشفه عيناها، وقفل راجعاً والخيبة والمرارة تقسمان مشاعره.

مرت الأيام وعلاقة حسين بزوجته على خير ما يرام صفاء، إلى أن وجد نفسه في صباح يوم من الأيام أمام خطاب غفل من التوقيع يتحدث عن ماضي زوجته الحافل. ومنذ ذلك الصباح نبتت زهور الشك في قلبه، ومنذ ذلك الصباح تتالت الخطابات المغفلة من التوقيع تكشف النقاب عن ماضي الزوجة وتسقي زهور الشك بماء الغيرة حتى أينعت وحان قطافها، فكان الطلاق.

وأحس حسين حينما انتهت علاقته بزوجته كأنه يستيقظ من حلم مريع، أو كأن كابوساً هائلاً يرتفع عن صوره وداعبه شوق ملح لرؤيته علية. وطفق يستعيد في ذهنه صورتها، ويستعرض مشاهد حياتهما الماضية فيعجب كيف انصرف عنها إلى هدى، وكيف شاغل الإحساس بالنفور منها لحظة من الزمن وهي تكن له كل هذا الحب. واستقل الترام في شوق ولهفة إلى (الزمالك) ونزل مسرعاً صوب منزل عمه، ودفع باب الحديقة. ومشى بخطوات متلكئة نحو الباب الكبير، وما أن ارتقى آخر درجة من درجات السلم حتى خارت عزيمته، وإذا به يولي ظهره شطر الباب ويطلق العنان لقدميه هارباً من المنزل.

وهكذا تنتهي قصة (النقاب) وإن لم تحل العقدة النفسية التي ظل حسين يقاسي متاعبها

ص: 54

ويتخبط بسببها في مسارب الحياة، نقاس جميعاً عقدها ومآسيها ومشاكلها. فنحن نرى إِذن أن حسين قد أخطأ الطريق إلى قلبه، ومهما يقل عن وضوح هذا الطريق فلا يسعنا إلا أن نلتمس له العذر في هذا الخطأ، فتلك هي قصة المجتمع ذي الفروق الطبقية الشاسعة، كما عالجها الأستاذ السحار من زاويته الخاصة.

وقد كان أسلوب الأستاذ السحار المتميز بالسلاسة والصفاء، سلاسة الينبوع المتدفق، وصفاء البحيرة الساكنة، واضحاً متميزاً في هذا الكتاب. ولكنه لم يكن في الحوار على عهدنا به، إذ كان حوار القصة على ما يلوح لي اضعف ما فيها. ويبدو أن أبطال قصته جميعاً مؤمنون بفضيلة (خير الكلام ما قل ودل) إذ كان حوارهم مقتضباً دائما. وهذا مثال صادق لحوار القصة:(وقعد في فراشه يرقبها وهي تتزاين ثم قال: - بدأت أغار. - مم؟! من المرآة. - لم تفدك نصيحة أبي. - افادتني. لفت نظري إلى ما كنت في حاجة إلى سنين لأكشف وحدي. - جعلتك تغار قبل الأوان. من هذا عيب النصائح، توقظ في نفوسنا ما كان نائماً. - لن أنصحك أبداً. - إنصحيني أن أسارع باترداء ثيابي، فقد حان وقت خروجنا. - لن نخرج معاً. - ولماذا كل هذه الزينة إذا كنا لا نخرج الليلة؟. - ستخرج وحدك - وأنت؟ - عندي ميعاد. - أين؟ - هنا. - مع من؟ - أناس يجب ألا تراهم. - قولي من؟. - أصدقاء.)

ويخيل إلي أن هذا الحوار - إلى جانب تكلف الاقتضاب فيه - في حاجة إلى قبس من الحرارة أيضاً لتدب فيه الحياة.

ولابد للناقد أن يعجب بسيطرة الأستاذ السحار على الجو النفسي في القصة رغم أنه الصراع النفسي فيها هو كل شيء. فبطل القصة - حسين - حائر بين مشاعر قلبه المبهمة التي تدفعه بيد خفية إلى الاتجاه نحو ابنه عمه، وبين مشاعر الأنفة والعزة التي توحي إليه أن علية لا تصلح شريكة لحياته لأنها من أسرة تبذ أسرته بالثروة والغنى، ومحمود أفندي - والد حسين - حار بين الموافقة على زواج ولده من هدى لتحقيق سعادته، وهو ما يهدد علاقته بأخيه بالدمار، وبين حمله على الاقتران بابنة عمه وتحطيم فؤاده، وفي هذا صيانة للأواصر بينه وبين أخيه. وهدى حائرة بين أن تفضي لزوجها بسر ماضيها أو أن تكتم عنه كل شيء وتسلم الأمر بين يدي المقادير.

ص: 55

وهكذا نجد كل شخصية من شخصيات القصة مسرحاً للصراع النفسي العنيف. ولكن الزمام لم يفلت من قلم المؤلف في تلك المواقف جميعها.

وللأستاذ السحار لمسات إنسانية رائعة في هذه القصة، ويحضرني بهذه المناسبة حديث جرى بين الصديق الأستاذ أنور المعداوي وبيني في صدد الحديث عن هذا الكتاب وعن الأستاذ نجيب محفوظ. فقال المعداوي أن نجيب محفوظ أعمق خبرة بالحياة من عبد الحميد السحار، ولكن السحار أكثر إقبالا وتفاؤلا منه بالحياة. وقد وافقه على هذا القول، وأظنه حقيقة بينة، فما لا ريب فيه أن الأستاذ نجيب محفوظ أعمق كتاب الشباب خبرة بالحياة، بل لا اظنني مغالياً إن قلت أنه أعمق كتاب القصة العربية خبرة بالحياة. وهذه رواياته تثير دهشتك في عمق كاتبها وقوة فلسفته وفهمه الحياة فهماً حقاً. أما الأستاذ السحار فإنه ولا شك من أكثر الكتاب المصريين تذوقاً. للحياة العائلية ولعل باستطاعتنا أن نجد وجهاً للشبه في هذه الناحية بينه وبين الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني. وبوسعنا أن نلحظ تلك اللمسات الإنسانية التي يتجلى فيها تذوق الأستاذ السحار للحياة في قصة النقاب في مواقف كثيرة، وأخصها تلك المواقف التي تجمع بين الوالد وولده والأم وأبنها والزوج وزوجته، والقصة بعد مليئة بمثل هذه المواقف.

وإذا غفرت للأستاذ السحار أن يزجني في موقف إنساني ويلمس أوتار قلبي، ثم ينتزعني منه على غرة قبل أن أرتوي من الاستمتاع به - كما حدث في عدة مواقف من القصة - فلن أغفر له أبداً إفساده عليّ وعلى قراء القصة أجمعين لذة. ذلك الموقف الإنساني الرائع (ص 275) الذي عرض فيه مشكلة فتاة ذات ماض معكر - تعكر بسبب بحثها عن زوج، وهي الأمنية الكبرى في حياة كل فتاة، - ودافع فيه عن هدى دفاعا حاراً ولكنه للأسف دفاع مبتور، سرعان ما نقلنا منه إلى موقف آخر كأنه يخشى أن يزج نفسه في مشكلة إنسانية ينتصر فيها للحق؛ وهو انتصار لاشك سيحمله لوم بعض من أغلقت عينهم عن عدالة الحياة.

ولست مغالياً إذا قلت أن المشكلة التي أثارها الكاتب في ص (275) توازي في خطرها المشاكل التي مرت بنا في صحائف الكتاب جميعها، وكان من الممكن أن تقفز إنسانية القصة فيها إلى القمة. فكيف أجاز الأستاذ السحار لنفسه أن يمر بها مرور العابرين؟ لست

ص: 56

أدري.

أما شخصيات القصة فلم تكن على جانب واحد من القوة ولكن أقواهاً على ما أعتقد شخصية محمود أفندي بلا مراء. فقد كنت أتمثله يدب بين السطور بقامته الطويلة ووجهه المرح وهو زاخر بالحيوية والنشاط والحياة، وتليها شخصية حسين شابا فتياً معرضاً للأحلام اليقظة كغيره من الشباب، ولكن المؤلف اشتط في ذلك، وانطلق يدير الحوادث ويسوق الحوار بشكل مطول وفي مناسبات عديدة، حتى ليخيل إلى أن القارئ لابد أن يذوق شيئاً غير قليل من الملل والضيق. والشخصية التي أثارت اهتمامي وإعجابي أيضاً هي شخصية علية، هذه الفتاة العاشقة المسكينة التي لا تدري ماذا تفعل وكيف تتصرف لترضي فارسها الجميل. ولكنها لم تكن في قوة الشخصيتين السابقيتن، كما أنها لم تسلم من أحلام اليقظة المملة.

أما الشخصيات الأخرى فكانت باهتة الصور مطموسة الملامح لا تكاد نتبين فيها سوى أشباح تتخايل على الورق. على الرغم من أن البعض منها ذو دور هام في القصة كشخصية الضابط جمال أو شخصية إجلال صديقة علية.

ولست أنسى، قبل أن أختم هذا التعليق العابر، أن اذكر الأستاذ السحار أنه لم يكن في حاجة إلى أن يفترض بطأ الفهم في القارئ فيردف بعض الحوادث بالشروح والتعليقات، وأمثلة ذلك يزخر بها الكتاب.

القاهرة

شاكر خصباك

ص: 57

‌البريد الأدبي

حول ثلاثة أبيات

في عدد مضى من (الأساس) كتب الأستاذ الكبير عباس خضر محمود العقاد مقالا فيما عنوانه (شعر العبيد) جاء فيه ما نصه:

(. . . في هذا الجيل تبغ نصيب مولى عبد العزيز بن مروان وكان الشعراء الفحول في عصره يقولون عنه أنه أشعر بني جلدته لينزلوه في منزلة دون التي يدعونها لأنفسهم وهي منزلة الشاعر الأول من العرب؛ فكان يقول لهم. نعم، وأشعر الإنس والجن وهو القائل وقد أجاد:

وركب كأن الريح تطلب عندهم

لها ترة من جذبها بالعصائب

سروا يركبون الريح وهي تلفهم

إلى شعب الأكوار ذات الحقائب

إذا استوضحوا ناراً يقولون: ليتها

وقد خصرت أيديهم؛ نار غالب

وشعره كله على هذه الطبقة من الجزالة. . . الخ)

وبهذا نسب الأستاذ العقاد هذه الأبيات الثلاثة إلى نصيب مولى عبد العزيز بن مروان، غير أن المتصفح للجزء الأول من (الشعر والشعراء) لأبن قتيبة يجد هذا النص:

(دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك) وسليمان ولي العهد ونصيب عنده، فقال سليمان أنشدنا يا أبا فراس، وأراد أن ينشده بعض ما امتدحه به، فأنشده:

وركب كأن الريح تطلب منهم

لها سلباً؛ من جذبها بالعصائب

سروا يركبون الريح وهي تلفهم

إلى شعب الأكوار ذات الحقائب

إذا استوضحوا ناراً يقولون: ليتها

وقد خضرت أيديهم؛ نار غالب

فغضب سليمان، فاقبل على نصيب فقال. أنشد مولاك يا نصيب فأنشده:

أقول لركب صادرين لقيتهم

قفاذات أوشال ومولاك قارب

قفوا خبروني عن سليمان إنني

لمعروفه من أهل ودان طالب

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله

ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب

فقال له سليمان: أحسنت، وأمر له بصلة، ولم يصل الفرزدق فخرج الفرزدق وهو يقول:

وخير الشعر أكرمه رجالا

وشر الشعر ما قال العبيد

ص: 58

هذا نص ما جاء في الشعر والشعراء) وقد ورد كذلك في (الكامل) وجاء أيضاً في (اللآلئ) والأبيات الثلاثة فوق ذلك كله وردت في ديوان الفرزدق ضمن قطعة في قافية الباء

ومن هذا يتضح لنا أن الأبيات الثلاثة المذكورة والتي وردت خلال مقال الأستاذ العقاد هي من شعر الفرزدق لا من شعر نصيب. . .

بور سعيد

محمد عثمان محمد

تزوبج النبي بأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان

1 -

كانت أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان إحدى زوجات النبي (ص) عند عبد الله بن جحش قبل أن تتزوج من النبي، وكان زوجها هذا قد هاجر إلى الحبشة معها ثم تنفر هناك وفارقها، ولما علم النبي بذلك أرسل إلى النجاشي ليخطبها، فزوجها النجاشي إياه بعد أن أصدقها من ماله، ولما عادت إلى المدينة بنى بها، وكان ذلك في السنة السادسة أو السابعة من الهجرة، ولما انتشر نبأ هذا الزواج قالوا لأبي سفيان: مثلك تنكح نساؤه بغير إذنه؟ فأجاب: ذلك الفحل لا يقرع أنفه! وكان في قوله هذا لأن الفحل اللئيم إذا أراد الضراب زجروه وضربوا أنفه بالعصا.

وبذلك يتبين أن النبي صلوات الله عليه قد تزوج أم حبيبة قبل إسلام أبيها، ومن المعروف أن أبا سفيان قد اسلم بعد فتح مكة الذي وقع في السنة الثامنة من الهجرة.

أما الحديث الذي رواه مسلم في كتابه بأن أبا سفيان طلب من النبي صلوات الله عليه يعد إسلامه أن يتزوج أم حبيبة، وأن يجعل معاوية كاتباً له، وأن النبي قبل منه ذلك هذا الحديث أنكره المحققون على مسلم لأنه يخالف أمراً اجمع الناس عليه.

وعلى أن هذا الأمر لا خلاف فيه فقد سمعنا حضرة صاحب العزة الشيخ عبد العزيز المراغي بك في حديث أذاعه قبل غروب يوم الجمعة الموافق 21 يوليه سنة 1950 يستشهد على فضل معاوية بما رواه مسلم في كتابه؛ والمستمع إلى هذا الحديث المذاع يفهم منه أن ما رواه مسلم صحيح، وأن أم حبيبة قد زوجها أبوها من النبي بعد إسلامه وهذا ينافي الحقيقة كما بينا

ص: 59

2 -

تاريخ وفاة البارودي

نشر الأستاذ الكبير عزيز خانكي بك بياناً في جريدة الأهرام عن تواريخ وفاة رؤساء الوزارات المصرية في العصر الحديث تحرى فيه اليوم الذي توفى فيه كل رئيس منهم، اللهم إلا البارودي رحمة الله فقد اكتفى بأن قال - إنه توفي في سنة 1905! ومن قبل قرأنا في المقدمة التي وضعها الدكتور محمد حسين هيكل باشا لديوان البارودي الذي أخذت وزارة المعارف في طبعه منذ أكثر من عشر سنين ولما تفرغ بعد منه. إن وفاته كانت (في الأيام الأخيرة من شهر ديسمبر سنة 1904)

وعجيب أن يفوت هذين المؤرخين معرفة اليوم الذي انطوى فيه هذا العلم الكبير! ولكن لعل المحن التي ألحت على البارودي في حياته، لا تزال تلاحقه بعد مماته، ولعل من هذه المحن أن يجهل الناس حتى تاريخ وفاته! ولعل منها كذلك أن ينقضي على موته حوالي نصف قرن ولما تفرع وزارة المعارف من طبع ديوانه، ويحرم الأدباء طول هذا الزمن من تذوق شعره وبيانه

وأنا وفاء بحق هذا الرجل العظيم وليكون الناس جميعاً على علم بتاريخ وفاته نذكر أنه انتقل إلى جوار ربه في يوم الاثنين 12 ديسمبر سنة 1904 رحمه الله رحمة واسعة.

(المنصورة)

محمود أبو رية

ص: 60