الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 910
- بتاريخ: 11 - 12 - 1950
آخر المدنية همجية!
هدد الرئيس ترومان باستخدام القنبلة الذرية عندما ساء موقف جيشه في كوريا، معتقدا أن مثل هذا السلاح المدمر يمكن أن ينهي الحرب ويرد إلى نفسه شيئا من الاطمئنان. . وعندما أراد رئيس الولايات المتحدة أن يطمئن، غمرت الضمير الإنساني موجة من القلق عصفت بكل ما رسب في أعماقه من أمل في مستقبل السلام؛ ذلك لأن مستقبل السلام في العالم مرتبط بمستقبل الحضارة الإنسانية، هذه الحضارة التي لا يمكن أن يضيء مشعلها وهو معرض لهبوب العواصف والأعاصير!
يريد الرئيس الأمريكي أن يطمئن على سلامة مائة ألف من الأمريكيين، ولا ضير في منطق الضمير الأمريكي والسياسة الأمريكية أن يذهب الملايين من الأجناس الأخرى إلى الجحيم. . ولقد اطمأن الرئيس من قبل ونام ملء جفنيه وسعد بهْدوء الفكر وراحة البال، يوم أن ألقى هذه القنبلة المشؤومة على مدينة هيروشيما فأودت بحياة تسعين ألفا في لحظة عابرة لن يغتفرها التاريخ! ولماذا لا يطمئن هذا (الإنسان) العظيم وقد أنهى الحرب اليابانية على خير وجه وفي أسرع وقت وبأيسر جهد فيما عرفه الناس من جهود؟ المهم هو ألا يراق الدم الأمريكي ولا بأس من أن يراق غيره من الدماء!
واليوم يحاول الرئيس ترومان أن يكرر التجربة ويعيد إلى الأذهان قصة الأمس البغيض، ولكن هذه الأذهان التي لم تثر بالأمس قد ثارت اليوم، لأنها قد أحست وخز الجراح العميقة التي غفلت عن أن تحس وخزها من قبل، يوم كانت في غمرة المعركة واحتدام الصراع! وتمثلت هذه الثورة الجارفة في قالب صيحة ساخطة، أطلقتها في وجه أمريكا حناجر الأصدقاء ولم تطلقها حناجر الخصوم. . ليدرك الرئيس الأمريكي أن مستقبل البشرية فوق مستقبل جنس واحد، وأن التفكير في بقاء القيم الإنسانية أجدى من التفكير في إلقاء القنبلة الذرية!
ترى هل يعتقد الرئيس ترومان أن مشكلة السلام والاستقرار والأمن، يمكن أن تحل بأن تنتصر أمريكا ولو كان انتصارها مرتبطا بهدم الحضارة وإفناء الشعوب؟ أي انتصار هذا الذي يريد له أن يبنى على الأنقاض وأن يقام على الأشلاء؟ ويقال بعد هذا إن (الديمقراطيات) الغربية تسعى إلى توطيد أركان السلم وتنشد بعث الطمأنينة في قرار النفوس، والقنبلة الذرية هي السلاح الكفيل بتحقيق هذا الأمل. . وهكذا تجد أن آخر المدنية
همجية!
أ. م
على حد منكب
للأستاذ محمود محمد شاكر
قلت قديماً في الرسالة إن الشيخ إبراهيم اليازجي ومن لف لفه كالمعلم الشرتوني، هم أصحاب حشد وتخليط في جمع اللغة. وآفة الحشد والاستكثار ترك التبصر ومجافاة التمحيص. ثم يأتي الناس بعد ذلك فيأخذون هذا الحشد على ثقة وأمن، فتزداد بلبلة الناس في شأن اللغة. فما كل أحد يصبر على تتبع الكلام المبعثر في الشعر والنثر، ثم جمعه وتأليفه، ثم النظر في أصوله ومبانيه، ثم تمحيص المعاني المختلطة ورد كل قرينة منها إلى أختها.
وقد قرأت في عدد الرسالة (908) ما نقله الأستاذ محمود أبو ريه من كتاب نجمة الرائد لليازجي: (هو منه على حد منكب: أي منحرف عنه دائم الإعراض) وما عقبت به الرسالة من قول أقرب الموارد: (وفلان معي على حد منكب: أي كلما رآني التوى ولم يتلقني بوجهه، وهو كقولهم: فلان يلقاني على حرف). وأستطيع أن أوسع لليازجي والشرتوني في هذا الموضع مكان العذر، فقد نقلا، ولكنهما لم ينخلا الكلام ولم يمحصاه. والذي أوقعهما في هذا الوهم، هو حب الاستكثار، ثم اطمئنانهما إلى شيخ قديم كان من أئمة العربية، ولكنه كان أيضاً عريض الدعوى، جريئاً على التوهم، كثير التخليط في اجتهاده، بل كان يدلس فيما يكتب، إذ كان يأتي بالشيء يوهمك أنه مما نقله عن الرواة قبله، وهو في الحقيقة مما اخترعه بسوء رأيه وقلة معرفته بغامض كلام العرب - ولا أعني غريبه -، فهو كان قيما بالغريب حفظاً ونقلا. وهذا الشيخ القديم هو الخطيب التبريزي شارح الحماسة. ويدل شرحه للحماسة على ما ذكرت من صفته، وعلى شيء آخر، هو ضعفه الشديد في فهم دقائق الشعر العربي. ثم على شيء آخر أيضاً، هو أنه مشغول بالنحو وما إليه وبالأغراب في بيان وجوهه المختلفة. وهذه الكلمة التي نقلها اليازجي والشرتوني عنه، هو صاحبها، وهو مدعي هذا المعنى لها، ولم ترد في شعر قديم، ولا نثر معروف، على الوجه الذي توهمه التبريزي واحتال له. وإنما أتى الشيخ من سوء فهمه لما تولى شرحه من شعر الحماسة.
جاءت الكلمة في شعر للبعيث بن حريث بن جابر الحنفي، أحد بني الدؤل بن حنيفة بن
لجيم. . بن بكر بن وائل، وهي أبيات جياد مختارة، يذكر فيها طروق طيف صاحبته على بعد الزيارة، ثم مسيره في البلاد، ثم يفخر بنفسه وبمحاماته دون عشيرته وذبه عن مآثرها ومجدها، يقول في مطلعها:
خيال لأم السلسبيل ودونها
…
مسيرة شهر للبريد المذبذب!
حتى يفخر بما فعل في نصرة رجلين من قومه هما (يزيد) و (عبس)، كانا استصرخا به في ملمة من ملمات الحروب، فنصرهما وحامى عنهما، واستنقذهما، وهم يومئذ جميعاً في غربة عن ديار عشيرتهم، قال البعيث في ذلك:
وإن مسيري في البلاد ومنزلي
…
لباً لمنزل الأقصى إذا لم أقرب
ولست، وإن قربت يوماً ببائع
…
خلاقي ولا ديني ابتغاء التحبب
ويعتده قوم كثير تجارة
…
ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي
دعاني يزيد، بعد ما ساء ظنه،
…
وعبس، وقد كانا على حد منكب
وقد علما أن العشيرة كلها،
…
سوى محضري، من خاذلين وغيب
فكنت أنا الحامي حقيقة وائل=كما كان يحمي عن حقائقها أبي
ويظهر لي أن البعيث كان قد خرج هو وصاحباه (يزيد وعبس) إلى خراسان في ولاية أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، ومن أجل ذلك قال:(ومن دونها مسيرة شهر للبريد المذبذب)
قال التبريزي في شرح البيت: (أي أشرفا على الهلاك. هذا إذا رويت بفتح الكاف. يقال: أصابه نكب من الدهر ومنكب ونكبة ونكوب كثيرة. ومنه حفر نكيب ومنكوب: إذا أثر فيه حجر أو غيره. ويروى (على حد منكب) بكسر الكاف. يعني أنهما كانا مهاجرين له. يقال: فلان معي على حد منكب: أي كلما رآني التوى ولم يتلقني بوجهه. وتنكب عني: أي اجتنبني. والمنكب من كل شيء جانبه وناحيته. ومثله قولهم: فلان يلقاني على حرف. وفي القرآن (ومن الناس من يعبد الله على حرف). ويجوز أن يريد بقوله: (بعد ما ساء ظنه) بعد تسلط اليأس والقنوط من الحياة)
والذي حمل التبريزي على التفسير الذي اجتهد فيه، وادعى فيه دعوى ليس عليها بينة من نفس الشعر، ولا من كلام العرب، بعد أن قارب المعنى الصحيح في الشعر بقوله (أي أشرفا على الهلاك) - أنه أتى من سوء فهمه الذي بدر إليه في معنى قوله: (دعاني يزيد
بعد ما ساء ظنه وعبس) فتوهم أنه أراد (بعد ما ساء ظنه في)، ثم ازداد في توهمه فزعم مهاجرة كانت بين البعيث وصاحبيه عبس ويزيد، لكي تتسنى له المداخل إلى دعواه في تأويل الكلام على وجه توهمه واخترعه، ثم أثبته بقوله (يقال: فلان معي على حد منكب). وهو شيء لم يقله غير التبريزي نفسه، بالمعنى الذي فسره به، وكان من حيرته أن عاد في آخر شرحه يقول:(ويجوز أن يريد بقوله (بعد ما ساء ظنه) أي بعد تسلط اليأس والقنوط من الحياة)، وكأن الأول الذي فهمه الصواب وكأن هذا الثاني جائز على تمريض.
وأخطأ التبريزي فيما فهم من قول الشاعر (ساء ظنه)، وأخطأ أيضاً في هذا التفسير الذي قال إنه (يجوز) أن يكون من وجوه تأويلها. فالعرب حين تأتي بقولها (ساء ظنه) في مثل هذا الموضع، إنما تريد بالظن: ذميم الخواطر التي تخامر نفس المحارب حين يحمر البأس، إذ يحدث نفسه بالهرب والفرار حبا للحياة وحرصاً على الأحوال، فيرتكب أخلاق للئام والأنذال والجبناء في ترك المحاماة عن الأعراض مخافة الموت المطبق. فمن ذلك قول أشابة بن سفيان البجلي:
ومستلحم يدعو، وقد ساء ظنه،
…
بمهلكة، والخيل تدمى نحورها
كررت عليه، والجياد كأنها
…
قناً زاعبي، لم تشنها فطورها
فنهنهت عنه أول الخيل، إنني
…
صبور، إذ الأبطال ضج صبورها
والمستلحم: من قولهم: استلحم (بالبناء للمجهول) أي روهق في القتال، واستوحش العدو من هنا وهنا. فهو يدعو باسم عشيرته، وقد حدث نفسه بالفرار. وهذا البيت هو نفس معنى بيت البعيث. إلا أن هذا قال:(بمهلكة)، والآخر قال:(وقد كانا على حد منكب) بفتح الكاف. وهو أيضاً ما قاله التبريزي أولا، ثم أخذه حب الاجتهاد، فظن ظنا خطأ جعله رواية للبيت، بكسر الكاف، ثم توهم وتصنع الاجتهاد، ثم ادعى ما ادعى.
بل لقد قال عروة بن الورد يتمدح بنصرته قومه (بني عوذ) حين اشتد القتال عليهم بمادان فقال:
تدارك عوذاً، بعدما ساء ظنها،
…
بمادان، عرق من أسامة أزهر
يعني نفسه حين نصرهم، وقد أوشكوا أن يفروا عن أعدائهم.
ويقول موسى بن جابر الحنفي (عم البعيث صاحب الأبيات المذكورة آنفاً)
وجدت بنفس لا يجاد بمثلها
…
وقلت: اطمئني، حين ساءت ظنونها
وما خير مال لا يقي الذم ربه
…
بنفس امرئ في حقها لا يهينها
أي حين خطر له أن يفر من حومة القتال
هذا أول سوء قصد التبريزي إلى المعاني. أما ثانيهما فما استخف من الفرح باجتهاده، حتى عجل فلم يقف على كلمة (حد) ولم يحاول أن يفهمها، إلا على الوجه الذي بدر إلى عقله، وهو الحد الفاصل بين شيئين. بيد أن العرب تقول:(حد الظهيرة) و (حد المطر) و (حد الخمر) و (حد الموت) وكثير من مثل ذلك، وتعني بالحد الشدة والبأس والصلابة والعنفوان. وقد قال موسى بن جابر الحنفي في أول كلمته التي ذكرناها آنفاً
ألم تريا أني حميت حقيقتي
…
وباشرت حد الموت، والموت دونها
وقد روى هذه الأبيات أبو تمام في حماسته، وشرحها التبريزي نفسه، فشغله الاجتهاد في إعراب (دونها) مرفوعة، عن تمحيص العبارة، وعن الوقوف على معنى (حد الموت)، وفر إلى النحو والعروض يسود الصحف بوجوه تأويلها. ونسى أن يفسر (حد الموت)، وهي سورته وشدته وتلهبه في المعترك وهذا هو المعنى الذي جاء في قول البعيث (حد منكب): أي سورة النكبة وشدتها في القتال، ولم يعن الحد الفاصل بين شيئين
وأما ثالث الثلاثة. فإنه عجل كعادته ولم يتثبت من معنى (على) في قوله (على حد منكب) فمعنى (على) في مثل هذه العبارة ينظر إلى معنى (في) أو (عند) ومن ذلك قول الحطيئة:
وإن قال مولاهم، على جل حادث
…
من الدهر: ردوا فضل أحلامكم، ردوا
أي عند حادث خليل ينزل بهم. وكذلك قول الفرزدق
على ساعة، لو كان في القوم حاتم
…
على جوده، ضنت به نفس حاتم
أي: في ساعة شديدة، لو شهدها حاتم لضن بالماء على أصحابه
ورحم الله إمام العربية شيخنا المرصفي، فإنه لم يعرج على سوء فهم التبريزي واستطالته في الدعوى، وقد قرأت عليه أبيات البعيث هذه أيام قراءتي عليه شرحه لحماسة أبي تمام. وقد جاء في المطبوع من شرحه عند ذكر هذا البيت:(على حد منكب) بفتح الكاف، مصدر ميمي من نكبه الدهر ينكبه بالضم نكباً: أصابه بنكبة. يريد، وقد أرهقهما العدو فبلغ منهما كل مبلغ)
هذا، ومعنى الأبيات الثلاثة الأخيرة أن عبساً ويزيد حين حمى القتال، حدثتهما نفسهما بالفرار وهما في سورة نكبة كريهة مستأصلة، فدعوا - كعادة العرب في الاستغاثة والتداعي عند القتال - فقالا (بآل بكر بن وائل)، وقد عجلا فظنا أنهما يدعوان عشيرتهما، وبينهما وبين العشيرة (مسيرة شهر للبريد المذبذب)، إذ كانوا في خراسان كما قلت آنفاً، لا في ديار قومهما وكانت هذه الدعوة وسوسة من وساوس النفس الأمارة، فالعشيرة كلها كما يعلمان، علماً ليس بالظن، غائبة بعيدة، والقليل الذي حضر منها خاذل لهما مشغول بنفسه، إلا أنا، فإني حاضر لم أغب، وإذا دعيت فلا أخذل من دعاني. فإذا دعوا فقالا (بآل بكر بن وائل) فهما لم يدعوا أحداً سواي أنا وحدي
فكنت أنا الحامي حقيقة وائل
…
كما كان يحمي عن حقائقها أبي
فالبيت الثاني (وقد علما أن العشيرة كلها) بيان واعتذار عن كذبه في قوله: (دعاني يزيد. . . وعبس) وهما لم يدعواه باسمه هو، بل هتفا باسم عشيرتهم (بكر بن وائل) ومن أجل هذا المعنى قال البيت الأخير الذي بلغ به غاية الفخر بنفسه، وحق له. فقد كان سيداً شريفاً شاعراً، وكان أبوه حريث سيداً شريفاً شاعراً، وكذلك كان سائر أعمامه وبني أعمامه.
وفي البيت رواية أخرى جادلت عنها كتبي في هذين اليومين، فلم أهتد إليها لطول الترك والنسيان. وهي (وقد كانا على حز منكب). أي في ساعة نكبة شديدة. والحز والحزة اليسير من الوقت، لأنه من معنى الحز وهو القطع. يقولون:(على أي حزة أتانا فلان!) أي في أي وقت ضيق حرج أتانا! ويقولان: (جئتنا على حزة منكرة) أي في ساعة منكرة شديدة. (وكيف جئت في هذه الحزة؟). ويقول أبو ذؤيب، يذكر جفاف الماء في شدة الحر، وانقطاعه حين لا يطاق الصبر عنه
حتى إذا جرزت مياه رزونه،
…
وبأي حز ملاوة تتقطع!!
يقول: في أي ساعة منكرة شديدة ينقطع الماء، حين لا يستطاع الصبر عنه! فهذه الرواية تؤيد تفسيرنا، وتنفي عنه تحريف التبريزي وانتحاله واختراعه واجتهاده وأرجو أن يفسح لي القارئ العذر في الإطالة، كما أفسح الناس لتخليط التبريزي والناقلين عنه.
محمود محمد شاكر
الإرث التناسلي بين الطب والإسلام
للدكتور حامد الغوابي
أما بعد فإن القرآن الكريم منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً قد أبدى من التوجيهات الطبية ما لم يعرفها الطب إلا حديثاً ولم يصل إلى كنهها إلا بعد فحص وتمحيص.
ولست هنا لأتكلم عن نضارة القول وفصاحة الكلام ودقة الأداء وحلاوة التعبير في كتاب الله فهذا قد خاض فيه رجال الأدب وما بلغوا منه ساحلا، إنما أتكلم من وجهة الطب بعد أن كشف الطب ودائع الغيب في كتاب الله الكريم فانجلت الرغوة عن الصريح ووضح الحق لذي عينين. فإلى الذين انصرفوا عن نور الإيمان وانحسرت نواظرهم عن طريق الهداية أقول: اسمعوا وعوا عسى أن يذكر ما أقول منكم ناسيا وينبه فبكم لاهيا.
وإلى الذين نبت الإيمان في حنايا ضلوعهم وامتلأت به أرجاء قلوبهم أقول: اسمعوه تجدوا فيه روحا على قلوبكم وبردا على صدوركم وزيادة اطمئنان وحلاوة إيمان.
يقول الله تعالى (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) هنا تعجب قوم مريم كيف تأتي أمرا فريا وأبوها لم يكن امرأ سوء وأمها لم تكن بغيا فبين الله تعالى في هذه الآية على لسان قومها أن الأخلاق تنتقل بالوراثة وأن الأب إن كان غير حميد الخلق والأم إن كانت فاسدة نقلا إلى ذريتهما سوء الأخلاق بالتوريث.
وقال تعالى (قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلى فاجراً كفارا)
ومعنى ذلك أن الخلف يأخذ من السلف صفاتهم بالوراثة؛ فهؤلاء الكفار الفجر لا يلدون إلا أمثالهم. ولا جرم أن الولد سر أبيه ولا تلد الحية إلى حية.
هذا وفي أحاديث رسول الله (ص) ما يؤيد تأثير المرأة في توريث أخلاقها لأنسالها فيقول في الحديث (تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس) ويقول (تخيروا لنطفكم ولا تضعوها في غير الأكفاء).
فنرى في هذين الحديثين أن رسول الله قد وضع أسس علم الوراثة فحذر من زواج المرأة إن لم تكن في الحجر الصالح أو لم تكن من الأكفاء لأن العرق دساس ينقل إلى النسل ما
فيها من خير وما فيها من شر. وحقاً إن تكن المرأة سيئة الخلق، لوثت بويضتها نطفة الرجل فيخرج الجنين كأمه سيئ الخلق أو إن تكن غير كفء بأن تكون ضعيفة العقل أو ذات بله فتنقل بويضتها وراثة البله والجنون وغير ذلك من الأمراض إلى نسلها.
وأمر لذلك رسول الله باختيار المرأة ذات الدين والخلق فقال في حديث آخر (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين والخلق تربت يداك) فإن النسل سيرث منها خلقها فيكون ملكاً رحيماً إن صلحت وشيطاناً رجيماً إن فسدت وهي مرآة أبنائها وهم صورة مصغرة منها ولم يهتم الرسول بغير دينها وخلقها.
هذه وجهة نظر في الوراثة من الأبوين وسنرى رأي الطب في ذلك.
الطب والوراثة
يقول الطب إن الجنين يعتمد في خلقته وتكوينه على نوع الحيوان المنوي في الرجل ونوع البويضة في المرأة فيخرج يشبه الأبوين جسماً وعقلاً، فإن اختلف عنهما كان موضع غرابة وشذوذ قاعدة.
وقانون (مندل) يقول بأن هناك وحدات تمثل صفات خاصة موجودة في الحيوان المنوي وفي البويضة، وهذه الوحدات تنتقل بعضها أو كلها إلى النسل، وعندما تتحد وحدات الأبوين المختلفة مع بعضهما باتحاد الحيوان المنوي والبويضة تتغلب وحدة على الأخرى أو بمعنىآخر قد تطغى إحدى خواص الوحدات من إحداهما على الأخرى في الذرية ولنضرب لذلك مثلاً يسهل علينا فيه هذه النظرية.
إذا توالد خنزيران بريان (وقد اختير هذا الحيوان لسهولة عمل التجارب عليه في المعامل) وكان أحدهما أبيض اللون والثاني أسود كان أول نسل منهما أسود اللون كأحد الأبوين وذلك لأن اللون الأسود يطغى ويمسح اللون الأبيض.
وليس معنى ذلك أن يذهب اللون الأبيض لغير رجعة فإن هذا النسل الأسود سوف ينتج إذا تناسل مع بعض نسلاً بعضه أسود وبعضه أبيض وقد وجد أن ثلاثة أرباع النسل في هذه الحالة يكون أسود كأحد الأجداد السود والربع أبيض كالجد الأبيض.
رأينا من المثل السابق كيف يطغى اللون الأسود على الأبيض في الإرث التناسلي فكذلك الخلق الفاسد يطغى على الخلق الحسن كما يطغى اللون القاتم الأسود على الأبيض الأزهر.
فإن كان أحد الأبوين فاسد الخلق نشأ النسل أكثر ميلاً إلى الفساد وجرى ذلك في أنسال متعاقبة ينشأ جيلهم إن لم يكن كلهم وقد التوت طرقهم وسقطت مروءتهم وضلت عقولهم. والأمثلة من واقع الحياة وسجل الأطباء كثيرة في ذلك، وأبدأ بإرث الجنين من الأب فأذكر قصة أسرة بأكملها هي أسرة جيوكس في نيويورك (عن كتاب الطب الوقائي لمؤلفه رزينو) بدأت هذه الأسرة برجل كانت مهنته صيد السمك وكان شريراً فاسد الأخلاق نزاعاً إلى الشر كسولاً في عمله وقد ولد سنة 1720 وقد رزق خمس بنات فتزوجت هذه الفتيات فأتين في ستة أنسال متعاقبة بحوالي 1200 شخص وقد عرف تاريخ 540 شخصاً منهم تمام المعرفة وعرف عن 500 آخرين جزء من تاريخهم وكان سجل هذه الأسرة أن 300 ماتوا في سن الطفولة و310 التزموا مهنة التسول و400 رجال ونساء فاسدات وأكثر من نصف النساء عاهرات و130 حذقوا أساليب الإجرام و60 لصاً اعتادوا الإجرام. ولم يعثر في سجل هذه الأسرة على واحد تعلم في مدرسة أو تخرج في جامعة ولكن وجد فيها 20 شخصاً تعلموا صناعات ولكن أين تعلموها؟ لقد تعلموها بين جدران السجون.
وسبب هذا النسل الفاسد كله رجل واحد فاسد قد لقحت نطفته الفاسدة المرأة فنقلت إلى بويضتها الفساد فورَّث البنات والبنين الشر والخنا المبين.
هذا مثل طبي أوردته كتب الطب وأثبتت كيف ينشأ النسل فاسدا كأبيه. وقد سبق إلى ذلك القرآن فقال (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء) حتى تأتي شيئاً فريا.
كما أن للجنين إرثا تناسليا من الأم ويصف (بويلمان) حالة أسرة بدأت بفتاتين أنسلتهما امرأة شرير سكير وأعقبا في خمسة أو ستة أنسال 834 منها 107 نغلاً (ولد زنا) و64 في الملاجئ و162 اتخذوا التسول مهنة و164 عاهرات و17 بين قواد وقرنان (لا غيرة له) و76 حكم عليهم بالإعدام والباقون بين لصوص وقتلة.
وهناك أمثلة عديدة لا يتسع المجال لذكرها الآن ولكن قد يسأل سائل لماذا نرى في بعض الأحيان من قد ينحدر مريضاً من أب سليم؟ فالجواب على ذلك أن السبب في مرض الأجداد السابقين كما رأينا أن الخنزير البري الأبيض قد نشأ في ثالث دور من التناسل من أبوين أسودين راجعاً إلى لون جده الأبيض الأول.
فالأب والأم والأجداد ينقشون صفحاتهم في الأولاد، ويورثونهم ما فيهم من عناد، حتى
ليرى المولود كأنه نسخة طبعت مرة أخرى من صحيفة لوح موجود.
أجل. ألم تروا سادتي إلى أسر قد انتشر في أفرادها جميعاً شمم الأنوف، وإلى أسر غيرها قد تفشى فيهم فطس الأنوف؟ أم لم تروا مثلاً إلى أسر قد انتقل فيها نسلاً بعد نسل مرض البول السكري وإلى غيرها قد انتقل فيها الميل إلى الانتحار حتى إن أفرادها ليتشابهون في طريقة الانتحار.
ألم تروا إلى بني إسرائيل وقد توارث فيهم حب المال ينتقل فيهم جيلاً بعد جيل؟ أم لم تشهدوا العرب الرحل وقد كرهوا سكنى المدن ونزئوا تحب الخيام يتوارث الأبناء منهم ذلك عن الآباء؟
أليس فيما سبق أدلة على أن الوراثة تنتقل من الآباء إلى الأبناء وأن هذه الوراثة جسمانية وعقلية ونفسية، فكما تتجلى في الجسم في خلقته وقامته وصوره وحركاته
تتجلى في العقل في نموه أو ضعفه، وصحته أو مرضه، وذكائه أو بلاهته، وتتجلى كذلك في النفس في صفاتها وسجاياها وطباعها.
هذا وقد رأينا أن النطفة هي العامل على ذلك والناقل لما في الأب إلى النسل وكيف أن الدين الإسلامي قد ألم من قبل بتأثير الوراثة ثم رأينا كيف عبر القرآن عن النطفة بأنها أمشاج فقال تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا)
فالنطفة إن تكن بسيطة شكلاً فهي مركبة أصلاً وهي خليط من المواد في تكوينها، فهذه الحيوانات المنوية وهي ترى متشابهة شكلاً، فإذا بها قد أخرجت بعد تلقيح البويضات أجنة مختلفي الأنواع متبايني الصفات متنوعي الأشكال، فهذا ذكر وتلك أنثى وهذا أبيض وذاك أسود وهذا جميل وذاك دميم وهذا عاقل ذاك مجنون وهذا مستقيم وذاك مجرم أثيم.
فما هذا الذي يغير الأجنة وقد بدءوا متشابهين، وما هذا الذي ينوع الناس وقد كانوا في مبدأ الخليقة متماثلين؟ ألا إنه شيء في النطفة وفي البويضة كمين، وخبئ هو فيها دفين، ذلك صنع الله رب العالمين الذي خلق النطفة الأمشاج وجعلها في قرار مكين فتبارك الله أحسن الخالقين.
أرأيتم كيف ثبت القرآن الإرث التناسلي من قديم ثم جاء الطب فأيد القرآن بالأدلة والبرهان؟
وفي فرصة أخرى سنتكلم في موضوعات الطب والإسلام التي نرى لزاماً علينا أن ننشر بيانها على الناس هدى وإرشاداً.
حامد الغوابي
طبيب أول مستشفى رعاية الطفل بالجيزة
الغزالي وعلم النفس
للأستاذ حمدي الحسيني
- 10 -
السلوك
التقينا بواسطة هذه المجلة الزاهرة مع القراء الكرام تسع مرات تحدثنا خلالها عن شخصية الإمام الجليل حجة الإسلام أبي حامد محمد الطوسي الغزالي وعن معرفته النفسية التي رأيناها تتلاقى مع قواعد علم النفس الحديث فتتآخى، وتتقارب فتتجاذب، فظهر من كل هذا صورة واضحة لنفسية هذا الرجل العظيم وصورة أوضح لعقليته الجبارة وتفكيره الدقيق العميق. وقد وعدنا في مقالنا السابق أن نتحدث هذه المرة عن السلوك في نظر الغزالي وهو ما يسميه الغزالي بالخلق.
والأخلاق الإنسانية هي هذه الصور الكثيرة المتعددة التي تشبع الرغبات بها نفسها فينشأ عن تعددها الفروق بين الناس والتفاوت في أقدارهم وقيم أعمالهم. والغزالي - ولا شك - من أكبر علماء السلوك أو (الخلق) الإنساني وعلى الأخص الخلق الإسلامي بالنسبة لقواعد الدين الحنيف، فبرا بالوعد وحرصاً على الخير نسوق لكم ما يقوله الغزالي في السلوك اللاشعوري أو ما يسميه هو بالخلق، وقوله هذا تحديد دقيق للسلوك اللاشعوري سواء كان هذا السلوك غريزيا أم مكتسبا بالعادة. يقول الخلق والخلق عبارتان مستعملتان معاً يقال فلان حسن الخَلق والخلق أي حسن الظاهر والباطن، يراد بالخَلق الصورة الظاهرة وبالخلق الصورة الباطنة. وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح مدركة بالبصيرة ولكل واحد منها هيئة وصورة إما قبيحة أو جميلة؛ فالخلق إذاً عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية. فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة سميت تلك الهيئة خلقاً حسناً. وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً.
هذا ما يقوله الغزالي في السلوك اللاشعوري وهو قول واضح الجوانب لا غموض فيه ولا إبهام. وهو موافق كل الموافقة لما يقوله علم النفس الحديث من أن الطفل يحس بالفرق
الكبير بينه وبين أبيه وأخوته وأقاربه من الرجال في الطول والضخامة والقدرة فيشعر بضعف أمام قوتهم، وبعجزه بالنسبة إلى قدرتهم، وبحقارته بالقياس إلى عظمتهم، ثم ينتقل هذا الشعور إلى عقله الباطن فيستقر فيه ويصبح هذا الشعور هو الحاكم المطلق والمتصرف الذي لا ترد إرادته ولا تعصى إشارته. ينتقل الطفل من دور الطفولة إلى بقية أدوار حياته. ولكن ذلك الشعور بالضعف والعجز والحقارة يظل مستقرا في عقله الباطن يوجهه لاشعوريا ويصرفه باطنيا فقد تراه وهو في شيخوخته طفلاً في سلوكه ينزع في سبيل الحصول على أهدافه نزوعاً طفلياً كالإقدام الشاذ الذي قد يتخذ شكل الاعتداء والتحيز، والإحجام الشاذ الذي هو النكوص والانطواء على النفس وتجاهل المشكلة والتردد والحيرة والذبذبة التي قد تنقلب قلقاً ووسواساً وحصراً نفسياً خبيثاً مما لا يعلم غير الله مداه في السلوك ومدة بقائه في النفس حتى تنحل العقدة (عقدة النقص) بأعجوبة فيشعر الشخص بقوته وقدرته وكرامته ويندس هذا الشعور في عقله الباطن ويتولى قيادته من جديد فيسيره تسييراً يتناسب مع رجولته وقوته وكرامته. يسيره لاشعوريا كما يقول الغزالي (بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية).
ولنرجع الآن إلى الأمثال التي يضربها الغزالي على صحة قواعده والشواهد التي يقدمها لشرح تلك القواعد وتقريبها للأفكار. يقول:
وإنما قلنا إن الأخلاق هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور ولحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ. وإنما اشترطنا أن تصدر الأفعال بسهولة ومن غير روية لأن من تكلف بذل المال والسكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال خلقه السخاء والحلم، فالسلوك الصحيح عند الغزالي هو السلوك اللاشعوري. وبعبارة أقرب إلى الحقيقة هو السلوك الذي يكون ناشئا عن توافق بين العقل الباطن والعقل الواعي بدليل قوله ليس الخلق عبارة عن الفعل. فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل لفقد المال أو لمانع؛ وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل إما لباعث أو لرياء. وليس هو عبارة عن القوة إلى الإمساك والإعطاء بل إلى الضدين واحد. وكل إنسان خلق بالفطرة قادر على الإعطاء والإمساك وذلك لا يوجب خلق البخل ولا السخاء. وليس هو عبارة عن المعرفة فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعاً على وجه واحد. بل هو أي
الخلق عبارة عن الهيئة التي تستعد النفس لأن يصدر منها الإمساك أو البذل هو عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة.
ونقارن الآن بين هذه الأقوال التي يقولها الغزالي وأقوال علماء النفس المعاصرين وهي أن الرغبات ليست خيراً ولا شراً في ذاتها فإن الخير والشر موجود فقط في ذلك الطريق الخاص الذي يسلكه الفرد لإشباع رغباته.
ومن الحق أن نترك الغزالي يقرر الخير والشر في طريق السلوك لإشباع الرغبات ويضع قيم الأخلاق. وينعت هذه القيم بالحسن والقبح في نور عقيدته الدينية وآدابه الإسلامية. يقول: إن حسن الصورة الظاهرة لا يتم بحسن العينين دون الأنف بل لابد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر. فكذلك في الباطن أربعة أركان لابد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهو قوة العلم وقوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العدل. أما قوة العلم فحسنها في أن تصير بحيث يسهل بها إدراك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال، وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبح في الأفعال. فإذا حسنت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة. وأما قوة الغضب فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على ما تقتضيه الحكمة. وكذلك الشهوة، فإن حسنها في أن تكون تحت إشارة الحكمة. وأما قوة العدل فهي ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع.
ونحن نرى الغزالي قد عرف جيداً أن كثيراً ما تتصارع رغباتنا وتتعارض دوافعنا المختلفة فيكون لدينا نزوع أو رغبة في أن نسير على نهج معين من الأعمال. وفي نفس الوقت يكون فينا ميل آخر أو رغبة في أن نسلك طريقا مخالفا للأول كل المخالفة. وقد يكون هذان النوعان من السلوك متناقضين تمام التناقض فنندفع إلى هذا الطريق ثم إلى ذاك إذ لا نستطيع أن نسلك الطريقين معا فينشأ الصراع.
عرف الغزالي كل هذا فانبرى يضع القوى النفسية المصارعة في صفوف معينة ويطلق عليها إذا ما بدت سلوكاً، نعوتاً من الحسن والقبح والخير والشر والفضيلة والرذيلة يقول:
العقل مثاله مثال الناصح المشير وقوة العدل هي المقدرة ومثالها مثال المنفذ المحض لإشارة العقل، والغضب هو الذي تنفذ فيه الإشارة ومثاله مثال كلب الصيد فإنه يحتاج إلى أن
يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان شهوة النفس، والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فإنه تارة يكون مروضا مؤدبا وتارة يكون حجما؛ فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا. ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة. كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون البعض، وحسن القوة العصبية يعبر عنه بالشجاعة، وحسن قوة الشهوة يعبر عنه بالعفة. فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهوراً. وإن مالت إلى الضعف والنقصان تسمى جبناً وخوراً. وإن مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمى شرها. وإن مالت إلى النقصان تسمى جموداً. والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة. والطرفان رذيلتان مذمومتان. والعدل إذا فات فليس له طرفاً زيادة ونقصان بل له ضد واحد وهو الجور. وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستفحال في الأغراض الفاسدة خبثا ويسمى تفريطها بلها. والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة.
فإذاً أمهات الأخلاق وأصولها أربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ونعني بالحكمة حالة النفس وقوة يساس بها الغضب والشهوة، ونعني بالشجاعة قوة الغضب مقادة للعقل في إقدامها وإحجامها، ونعني بالعفة تأدب قوة الشهوة بأدب العقل والشرع. ومن اعتدال هذه الأصول تصدر الأخلاق الجميلة كلها إذ من اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير وجودة الذهن. ومن إفراطها يحصل المكر والخداع. ومن تفريطها يصدر البله والجنون.
وأما خلق الشجاعة فيصدر عنه الكرم والنجدة. وأما إفراطها وهو التهور فيصدر منه الصلف والكبر. وأما تفريطها فيصدر منه الذلة والصغار والانقباض عن تناول الحق الواجب. وأما خلق العفة فيصدر منه السخاء والحياء. فأمهات الأخلاق إذاً هذه الفضائل الأربعة وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدل.
حمدي الحسيني
فلسفة الوجودية
للأستاذ شاكر السكري
هناك نمت بين أحضان باريس بصورة خاصة فلسفة الوجودية التي استفحل أمرها بشكل يدعو إلى الغرابة والدهشة لا باعتبار الوجودية كفلسفة، ولكن باعتبار الأشخاص وجوديين. وإذا ما عالجنا هذه الوجودية القائمة اليوم بشيء من الصدق وجدنا أن هناك نوعاً جديداً من التهتك والتفسخ الناتج عن وجهة نظر مغلوطة أدت بها إلى مفهوم مغلوط.
وإذا تساءلنا عن سر هذه الفلسفة وجدناه في (الحرية الفردية كما تدعوها أو تدعو إلى تفسيرها الوجودية).
والحرية الفردية في منطوق هذا المذهب سر الفلسفة الوجودية ولكن أية حرية فردية تزعمها هذه الفلسفة العدمية؟
الحقيقة هي أن ليس هناك غير الحرية الفردية الجنسية؛ الحرية التي تقضي بأن يكون الفرد الوجودي وليد اللحظة التي يعيش فيها، وليست هذه اللحظة إلا أن يفرغ فيها كل رغباته وأهوائه وقواه الجنسية على الشكل التي تبشر به الوجودية. ومعنى ذلك أن الوجودي هذا والوجودية تلك لهما مطلق الحرية في تمثيل وجوديتهما كما يرغبان على مرأى ومسمع من الناس. ومن ميزات هذه الحرية أن الوجودي له ملء الحرية في كيفية القيام بأعماله. فمثلا يشعر أن هذا الإنسان ليس من حقه أن يعيش فما عليه إلا أن يقتله لمجرد اعتقاده ذلك دون أن يلتفت إلى القيم والنظم الاجتماعية والشعور بالمسؤولية. فإذا قلت له إنك مسؤول عن ارتكابك هذا الجرم اكتفى بأن - يعلن لك مبرراً ارتكابه الجرم. . إنه وجودي. . من حقه أن يقرر المصير الذي يعتقده والذي تقره الوجودية هذا بغض النظر عن المقومات التي ترتكز عليها الحياة.
(. . وأغرب ما في باريس اليوم هؤلاء الوجوديون. إنك تقابلهم في كل مكان، وحينما يقع بصرك على أحدهم تجد نفسك قائلة على الفور: الوجودية. وكل شبان باريس اليوم وشاباتها يجرون وراء هذا المذهب ويمعنون في التطرف فيه. وكيفما كان رأي (جان بول سارتر) عميد هذا المذهب في تفسير الناس لمذهبه فالذي لا شك فيه أن الوجودية الآن في فرنسا تمثل انحلال الأخلاق والاستهتار بكل ما تحويه كلمة الاستهتار من معان.
وتروي باريس الأعاجيب عما يحدث في حفلات الوجودية وهي (أعاجيب) لا يمكن أن تروى لا في الشرق فحسب بل حتى في مواخير (مونمرتر) التي تتأذى برغم فجورها المشهور لما يحدث في حفلات الوجوديين.
ومفهوم مثل هذا يدعو إلى الخروج على القواعد الفلسفية الصحيحة التي ترتكز عليها القواعد العامة لهذه الفلسفات. ولا يمكن أن تعمر هذه الفلسفة في ظل النظام الذي تسير عليه الحركات والنظم الشعبية في العالم نحو خلق حياة مطمئنة تعيش بظلها الشعوب وتنضوي تحت منارها قوى الطبقات الشعبية العاملة. ومفهوم الحرية الشعبية ليس كمفهوم الحرية الفردية التي تبشر بها الوجودية القائمة على أساس الإشباع الجنسي. وإشباع حيواني مثل هذا قد يجر وراءه البشرية إلى أسوأ المصاير وأحطها قيمة وخلقا. ولعل الوجودية هذه فلسفة تدور حول حورها القاضي بدعوى الانطلاق الذاتي لتلك الغرائز لكي تعمل على الهدم لا البناء، ودعوة مثل هذه قد يكون عمرها أقصر مما قامت عليه أعمار الفلسفات والمذاهب المختلفة الأخرى. ولعل عميد المذهب (جون بول سارتر) سيزيد في استنكاره للوجودية القائمة الآن في فرنسا بالرغم من اعتباره ما يحدث شيئاً لا تقره الوجودية ولا تدعو إليه. والواقع يؤيد أن (جون بول سارتر) هو الوجودية الباريسية بنفسها، ولا غرابة إذا كان الوجوديون لم يفهموا معنى وجودية عميدهم. كما أن عميدهم تجاهل وجوديته ووجوديتهم أيضاً.
أما بقاء هذه الفلسفة قائمة فذلك لا يعني أنها ستعيش، ولا يمكن لها العيش إلا في وسط مثل باريس وأمثالها من المدن الأوربية الخليعة.
هناك فلسفات أخرى تجري وراء استقصاء الحقائق والغوص إلى أغوارها إلا أنها فلسفات لا تخلو من الدوران حول نفسها. . وليست هذه الفلسفات المضطربة إلا نتيجة لشخصيات مضطربة تتخبط في فهم وتقدير الأمور كما أنها تزيد حوار هذه الفلسفات غموضاً وإبهاما. والكل آخذ في طريقه لبلوغ النتائج التي تمخضت عنها الحياة. الحياة التي لابد من أن تلد حياة أخرى وعالماً آخر. وطبيعي أن الحياة سائرة خطوة نحو التقدم لتعقبها خطوة أخرى نحو بلوغ العقل الإنساني أقصى مداه وأبعد ما يهدف إليه.
فما دامت الحياة قد بدأت بالتقدم فسوف تنتهي لا محالة بتقدم يكفل لها ما تصبو إليه بعد أن
تحيل العناصر الضارة عناصر صالحة تستخدمها البشرية لبلوغ أمانيها.
فحقيقة مثل هذه تدعو العقل البشري لأن يعمل ويعمل جاهداً حتى اللحظة التي يسوده فيها الركود والهدوء. . ومن ثمة تعقبه عقلية أخرى آخذة بما أنتجه هذا العقل ليكون بداية فلسفة جديدة. تعمل على إظهارها عقليات أخرى، وهكذا تقارب النهاية البداية.
ولابد من يوم تكون فيه الحياة فلسفة غامضة من الصعب فهمها والإحاطة بكل مداخلها ومخارجها. وعلى هذا النحو تجتر البداية النهاية ويعود العالم وهو سائر نحو التقدم - ليقارب النهاية التي ستبدأ فيها البداية.
شاكر السكري
رسالة الشعر
القمر
(في قصيدة القمر أقباس من الهوى العنيف العفيف، وتوله
بالطبيعة وعبادة لها واندماج بها وفناء فيها)
(هجران شوقي)
وفي ليلة قمراء ممشوقة القد
…
أطل على البدرُ وهنا على عمد
وكان فراشي لا يقر من الضنى
…
أقلب فيه الطرف سهداً على سهد
أداري فؤاداً شفه لاعج الأسى
…
وأورده ليل النوى أشأم الورد
ومن كان مثلي في اكتئاب ووحدة
…
تمنى لو أن النوم يسري على مهدي
فقلت له: - لما ترامى شعاعه -
…
سلام على من كنت منه على وعد
تعال أيا ملك الليالي وسحرها
…
ويا طيفها الغري ويا حلمها الوردي
تعال! إلى قلبي فأنت نجيه
…
وأنت أحاديثي إذا هاجني وجدي
وقد قر عيناً واستراح إلى الهوى
…
وأقبل في ثوب المحبة والود
فغنيته حتى استلان إلى الكرى
…
وأفرشته صدري ووسدته زندي
ونام بإحدى مقلتيه طماعة
…
وحام على ثغري وطاف على خدي
وكانت نثارات من النور رخصة
…
تراكض ما بين الترائب والنهد
وسامرني من بت أهوى وصاله
…
ومن وصله أحلى من العيشة الرغد
تساءل قلبي وهو في نشوة الهوى
…
أأطمع أن ألقى الذي أشتهي عندي
فتاتك عيناه وذلك جيده
…
وتلك يدي تنساب في شعره الجعد
أضم أليف الروح في غمرة الجوى
…
وأشربه دمعي وأطعمه كبدي
وأرجع للنفس اللجوج ألومها
…
أما كنت في همي وفي ليلتي وحدي!؟
دمشق:
هجران شوقي
إليها
للأستاذ جورج سلستي
يا بسمة الأمل النضير وهناءة الحلم القرير،
وسنا الربيع الطلق، يزخر بالوضاءة والعبير،
وندى الصباح يهل بالنعمى على الزهر الحرور،
روحي يحوم عليك يا (ليلى)، فأنى شئت سيري!
ويطوف حولك طوفة الحجاج بالحرم الطهور!
فلأنت، ما تدنين أو تنأين، مالئة شعوري
أحيا، ذكرك في فمي أبداً، وطيفك في ضميري!
أنا مذ عرفتك ما عرفت الكون إلا دفق نور!
تتألق الدنيا بثغرك لي، وتبسم لي أموري
أمشي، وقد علقت بشخصك مقلتاي، على حرير
فكأنني أصبحت كالملك المجنح في مسيري
نشوان من خمر معتقة بخابية الدهور!
طافت بها عيناك يا (ليلى) فبعتهما مصيري
والبابلية تستبيح بمقلتيك حجى الوقور!
وفم تفتح مثل كم المورد في الروض النضير
متألق البسمات، معسول اللمى، رف السرور
شفتاه حاليتان كالشفق المنور في البكور
رواهما ألق الصبا الريان بالسحر الوفير
وعلاهما، كشقائق النعمان، ذوب من سعير!
أفدى انفراجهما يمن علي بالنطق الأثير،
ويجود بالكلم المدلة، في الحديث، دلال حور
في غنة الوتر الحنون وقد شأى سجع الطيور؛
كلم أفانين النظيم بها، وومضات النثير!
كلم تشربها النفوس تشرب الماء النمير!
يا للحديث المستساغ ينم عن قلب كبير،
هو نزهة الروح الحزين، وبلسم القلب الكسير
قيد السميع، وعقلة المصغي، وأسر للسمير!
(ليلى)، وروحك في منسكب كمنسكب العطور،
إني أحسك في دمي وحياً تؤج به سطوري!
أشدو فتلتفت الدنى وتطل سالفة العصور
بيروت
جورج سلستي
في الدير
للأديب عبد الوهاب البياتي
أحبك للفن، لا للهوى
…
وأهواك للروح، لا للجسد
فلا تذرفي كاذبات الدموع
…
ولا تخبري عن هوانا أحد
لئن فرقتنا حدود القطيع
…
يعود، فيجمعنا معتقد
فخلف الجدار. . جدار الزمان
…
لنا موعد، ولنا مسترد
ستحملنا الريح يوماً له
…
ولكن. . ولكن يطول الأمد
فليت غدي. . ليته ما يكون
…
لأبقى. . لأبقى أحن لغد
ليبقى بعينيك نفس الحنين
…
تغلفه ظلمات الأبد
لنبقى ندور بهذا الفراغ
…
ونجتر في الصمت هذا الكمد
لتبقى مصابيحنا المطفآت
…
على الرف ظمأى لزيت نفد
يقولون: (ضلا) وكيف نضل
…
ونحن على الدرب كنا رصد
يغني لنا في المساء اللصوص
…
عن النور والفرح المفتقد
وعن ظمأ جارح يستغيث
…
يؤججه الليل إما خمد
على قمة الموت حيث النسور
…
تثور بها كبرياء الجلد
سأغرز هذا الصليب الخضيب
…
وأدفن في الثلج هذا الجسد
الرمادي - العراق
عبد الوهاب البياتي
تعقيبات
للأستاذ أنور المعداوي
المباراة الشعرية ونموذج من النقد:
إن هذا المجلس الذي ضم الشعراء: شاهين وميشال وفوزي وشفيق معلوف في دار السيدة إيزابيل لمجلس ينفح بالترف الثقافي.
ولقد هبت علينا منه ونحن في السودان، نسمات رقاق معطرات.
إن السيدة جميلة لا شك في ذلك، وهؤلاء الشعراء يقدرون هذا الجمال المصون، ويعشقونه عشقاً مهذباً عفيفاً. أمثال هذه السيدة الفضلى هن اللائى يوحين ويأخذن بيد الأدب الفنان إلى عروشه الخالدات. أما تراها تبالغ في إعزاز الأدب وتعده عاطفة سامية مطهرة؟ أما تراها تبالغ في إعزاز الجمال وتكريمه؟ فهي تضعه في كفة، وتضع في الكفة الأخرى ساعة ذهبية. . إن الذهب في رأيي لا قيمة له، لأنه هنا رمز للإعزاز والتقدير، أعني أن قيمته معنوية لا مادية!
وإنه ليدهش الخاطر أن يقول هؤلاء السادة شعراً في هذه الحادثة العادية البسيطة، ولكن الله أدركني برحمته فشعرت أو علمت أن الباعث المؤثر هو جمال الثغر الذي يلامسه الفنجان. لقد تمنى كل شاعر من هؤلاء جاهداً في أعماق نفسه لو كان مكان الفنجان، وهنا تذوب النفس رحمة لضعف الإنسان الشاعر؛ إن شعراءنا هؤلاء يشتركون في هذا. . وهو المرجع الأصيل لهذه الخطرات الشعرية!
أما السيد شاهين فقد قص علينا قصة مظهرية (فوتوغرافية) حرارة الفنجان. وإن الفنجان لو درى ما أصاب السيدة منه لاعتذر وأن السيدة وضعته فارتمى. . إنها قصة بردت قبل أن يبرد الفنجان، فبين البيت الأول:
ثمل الفنجان لما لامست
…
شفتاه شفتيها واستعر
وبين الشطر: وضعته عند ذا من كفها، بون بعيد. . وإذا صح أن الفنجان مستعر فإنها لا تضعه وإنما (تدلقه)! وأين إجفال الجسم الرقيق من هذه الحرارة المستعرة؟ وإذا صح أنها (وضعته) فإنه لا ينكسر، كما جاء في البيت الأخير:
وارتمى من وجده مستعطفاً
…
قدميها وهو يبكي فانكسر
إن الانكسار فيه ثورية لطيفة. ولكن هذا البيت لا صلة له بالأبيات السابقة!
أما السيد ميشال فقد هزني شعره أول ما نظرت فيه، وقد أعجلني هذا الشعر حتى زاحم أنفاسي وأعجل عيني على حروفه المتحركات في صخب. . إنه شعر أصيل، وكأنه كان معتقاً في خلد الشاعر منذ أمد، فلما سنحت المناسبة سال وفاض، وماج وهاج. . كما يشطح الصوفية وهم في مرتبة الفناء. إنه يقول:
عاش يهواها ولكن
…
في هوان يتكتم
كلما أدنته منها
…
لاصق الثغر وتمتم
دأبه التقبيل لا ينفك
…
حتى يتحطم!
إن كلمة (عاش) هنا تخلع الإحساس على هذا الفنجان الذي عاش فعلاً في كنف هذه السيدة وبين أنفاسها وهي قد خلعت عليه جوها الخاص. . ثم (يتكتم)، وهذا الكتمان يصور حال هذا الفنجان وعشقه المكظوم وإطراقه ووحدته ثم صمته الحزين - وهنا شيء هائل يزحم نفسي ولا أستطيع التعبير عنه - فأنا أشبه هذا الفنجان العائش - وكم في الناس مثله من فناجين - ولكن ليس لي سيدة تعطف علي أو أجد منها غفلة لأحس مسها. فما أخبثه من فنجان سروق وما أظرفه!
ثم يندفع الشاعر العملاق فيقول (كلما أدنته منها). . . ولا أملك إلا أن أصيح: واغوثاه!. . إن الفنجان العاشق الكتوم لا يستطيع الدنو منها، فإذا (أدنته) في رفق ولطف (لاصق الثغر وتمتم)! و (لاصق) هذه ليست كلمة ولكنها شعور مطلق، و (تمتم) هذه رقية الشعر وتميمته في هذا البيت بل هي طلسم السحر فيه. . إن ذلك الفنجان العاشق الكتوم، انتظر طويلا فلما أحس حرارة اللقاء، أدهشته المفاجأة ولم يصدقها وأعجله الشعور الجارف العاصف فتمتم. . وليسمح لي الأستاذ في صيحة أخرى: واغوثاه! واغوثاه!
ثم الخاتمة الطبيعية لهذا الاندفاع الشعوري: (دأبه التقبيل) وهذا إصرار عذب معذب. . (ولا ينفك) وكيف ينفك؟! وقد وجد المورد الروي الخفاق بعد ظمأ. . (حتى) وهذه الغاية المطلوبة (تحطم). . وهذه نهاية القبلة التطبيعية ذلك الجيشان المسعور المتعجل - ذلك الفتور. . تلك الراحة. . ذلك الخدر. ذلك التحطيم!! وهكذا تمر هذه العاصفة الشعرية بنفسي فتترك صدى من بعدها بعيد الرنين.
إن السيد ميشال هو صاحب الجائزة. . ولا داعي لأن يسابقه أحد، وأنا أقسم بأ ولو المقدس أن له قريناً من الشياطين العظام.
أما السيد شفيق فقد حطم الفنجان فعلاً فتطايرت شظاياه. . إنه فنجان عادي كفناجين المقاهي العامة! وفنجان من خزف - مثلي - لا أمل فيه. . له رنين خشن مزعج. . ألم يقل السيد شفيق:
كل جزء طار من فنجانها
…
كان ذكرى قبلة من فمها
والقبلة لا تكون إلا من الفم. . فلا داعي لذكر أي فم هنا. . أم لعلها قبلات طائرة كالأطباق الطائرة؟. . إن بركان ذو شظايا لا فم تعتز به حسناء!
وسيدي فوزي المعلوف - في الذي أظن - شيخ. . إنه نظر ونظر فرأى الفنجان لم ينكسر. . لقد فقد التحفز والتأثر بالمفاجأة، ولا داعي للشعر بعد ذلك! ولكنه عنى نفسه وجامل وأظنه تعب أشد التعب في الجري وراء هذه الأبيات حتى تعطلت أنفاسه القصار. . وليس من اللياقة في مخاطبة السيدات - فيما أظن - والعبد الفقير لم يخاطب سيدة، بالمعنى الصحيح، أبداً - أن يخطر ببال السيد فوزي مثل هذا الكلام الرخيص:
هي ألقته وذا حظ الذي
…
يعتدي يوماً بتقبيل عليها
إن كلمة (ألقته) هنا باردة. . والأصح أن يقول - ما دام قد اعتدى عليها بالتقبيل - إنها ضربته قلماً! وكيف يوحي إلينا - ولو من بعيد - أن هنالك معتدين؟!. إنه أراد تنزيه السيدة ولكنه لم يجد طرف الخيط فتخبط في العقد!
إن إخواننا الشوام شعراء، وهم عند العبد الضعيف أشعر من المصريين. . الشوام يحلقون في خفة، والمصريون يجرون أغلالهم ويحملون أوزارهم وأقصد بذلك لغتنا الشريفة! في مصر الأزهر. . وفي الشام. . في الشام الحدائق والينابيع والعرق. . ولعل سيدي أنور. . يكتب لنا مقارناً بين شعراء مصر وشعراء الشام!
أما بعد فللرسالة علينا حق لا نستطيع إيفاءه. هذا الحق خالط الدم والنفس. فإن جاءها قارئ برأي فإنما يميل إلى أم روحه ليفض في أحضانها صدره، وقد عن لي - على كساد القريحة - أن أكتب شيئاً في هذا الموضوع النقدي - وأنا لا أجرؤ فأسميه نقداً. . وإنما هو شيء أميل به إلى ظلال الرسالة.
والشكر كل الشكر للمعداوي. . إنني أسمع صوته يحث قلمي كما يعين طفلاً يحبو على المشي. . نشكره على الرفق بالقراء وقربه منهم هذا القرب الصديق، وسعيه إليهم هذا السعي الحاني.
سيدي الأستاذ: إن السيد ميشال صاحب الجائزة، فلو قسمت لغيره فسوف يحزنني - ورب الكعبة - ذلك ويغمني. ونحن الآن نتحرق شوقاً وانتظاراً لرأيك الفيصل. . رأي النابغة!
(الخرطوم) - وزارة المالية
محمد المهدي مجذوب
عندما قدمت تلك المباراة الشعرية إلى القراء في عدد مضى من الرسالة، كنت أرمي بها إلى شحذ القرائح واختبار الأذواق.
وكنت أبغي من ورائها أن ألهب الملكات الناقدة لأظفر بالناقد الموهوب؛ ناقد الشعر الذي يتذوق اللفظة الموحية، ويقف عند الصورة الملهمة، ويحلق مع الخيال الطليق. كنت أريد هذا كله وأهف إليه، لأحرك الخواطر الخابية حين أوفر لها عناصر الحركة، وأثير المشاعر الغافية حين أهيئ لها مصادر الإثارة. . وعلى هذا الأساس جعلتها مباراة نقدية!
تدفقت رسائل القراء من هنا وهناك، حتى بلغ عددها خمساً وسبعين رسالة. . وكما أرسلت الذوق وراء كل بيت في المباراة الشعرية، وحشدت الفكر خلال كل مقطوعة، لأحكم للفائز الأول من الشعراء؛ فقد أطلت الوقوف عند كل رسالة في المباراة النقدية، وأقمت الميزان لكل ملكة، لأقدم الفائز الأول من النقاد. وانتهت إلى أن عدالة التقدير تفرض علي اختيار هذه الرسالة للنشر، وجدارة صاحبها بالسبق. . وهو الأستاذ الشاعر محمد المهدي مجذوب!
كانت هي خير رسالة لا مراء، وكان هو خير ناقد بلا جدال. ولا أزعم أني أرضى عن هذا الناقد كل الرضا أو أطمئن إلى ذوقه كل الاطمئنان، لأن مدار التفضيل هنا مقصور على مدى التفاوت بينه وبين غيره من النقاد. إنه يفترق عنهم في رهافة إحساسه بظلال اللفظة الشعرية، فهو من هذه الناحية صاحب لفتة واعية. ولكن الذي لا يرضيني منه هو هذا المنظار الذي يركز (الرؤية النقدية) في لفظ بعينه أو مجموعة من الألفاظ تجتمع في مكان، ثم يترتب على هذا التركيز أن تبدو الصور الفنية القريبة من العدسة واضحة
لعينيه، وأن تبدو الصور البعيدة عن هذه العدسة مغلقة بطبقات من الضباب، تحول بين صاحب المنظار وبين الرؤية الصادقة في بعض الأحيان! أريد أن أقول إن الأستاذ مجذوب حين أعجب بهذا الشعر الذي يفضله، كان أشبه بالمصور الفوتوغرافي الذي سلط أضواء المغنيسيوم على مشهد واحد ووجه مقدمة الكاميرا إلى زاوية واحدة، فظهرت المشاهد الأخرى وهي باهتة الظلال حائلة الألوان. . أقصد أنه لو عنى بتوزيع الضوء على المشاهد المختلفة عند الشعراء الأربعة، لوقعت عنياه على كثير من الإشعاعات اللفظية المتوهجة في أفق آخر غير أفق ميشال معلوف، هذا الشاعر الذي لم يسمح الناقد لعينيه أن تتحولا عن أفقه لتحلق في غيره من الآفاق. . . إن الذي يعجب بلون الورد يا سيد مجذوب، لا يحق له أن يغفل عن لون الفل والبنفسج وزهور القرنفل واللبنسيه!
بعد هذا أحب أن أقول لهذا الناقد الذي يهزني منه خفة الظل وعذوبة الروح، إنني لا أتهم ذوقك حين تقف إلى جانب ميشال لأنه خيال محلق وجناح رفاف، ولكنني أتهم هذا الذوق حين يفطن إلى مواطن الجمال عند هذا الشاعر ثم لا يفطن إلى أمثالها عند غيره من الشعراء. . . إن الذي آخذه عليك هو أنك شغلت في رحابه عن أن تلتفت إلى سواء، وسرت في ركابه حتى أهملت من عداه! وهذا هو العيب الذي وقع فيه كل من اشترك في المباراة النقدية من النقاد، هؤلاء الذين رفع نصفهم شعر شاهين إلى قمة المجد وهبط بشعر الباقين إلى الحضيض، وأقدم نصفهم الأخير على مثل ما أقدم عليه نصفهمالأول بالنسبة إلى شعر فوزي المعلوف. . . مهما يكن من شيء فقد كانت رسالتك هي الرسالة الوحيدة التي انتصفت لشعر ميشال وهو جدير بالإنصاف؛ كانت الوحيدة من بين خمس وسبعين. وحسبك مثل هذه الشخصية الاستقلالية في ميدان النقد الأدبي!
إن الأستاذ مجذوب يشفق من أن أحكم بالسبق لشاعر آخر غير هذا الذي حكم له، ويجهر بأن مثل هذا الحكم سيغمه - ورب الكعبة - ويحزنه!! ألا يرى الأستاذ مجذوب أنه قد بلغ حداً كبيراً من الطمع حين يريدني على أن أحكم لشاعره المفضل بالسبق على غيره من الشعراء، بعد أن حكمت له بالسبق على غيره من النقاد؟! مهما يكن من شيء فإن إعجابي بشعر ميشال سيخفف من حدة هذا الغم ويلطف من شدة هذا الحزن. وموعدنا العدد المقبل أو العدد الذي يليه، حيث أعرض بالنقد المفصل لتلك المباراة الشعرية، معرجاً على بعض
المآخذ في نقد الأستاذ مجذوب، حاكما للفائز الأول بما يرضي الحق والنقد والضمير.
وتبقى بعد هذا كله إشارة الأستاذ الفاضل إلى شعرائنا وشعراء الشام. أتريد مقارنة؟ أرجو أن تنظر في شعر على محمود طه، وأن تعيد النظر فيما كتبته عنه من فصول، ثم قارن أنت. . . قارن بينه وبين شعر أبو ماضي، أو بينه وبين شعر أبي شبكة، أو بينه وبين شعر أبي ريشة، ثم ابعث إلي برأيك الموجز أو برأيك المفصل، مقاماً على مثل تلك الأسس النقدية التي أقمت عليها رأيي في شعر على محمود طه، وأنا أستعرض شتى الملكات الشعرية عند هذا الشاعر الفنان. . . وعندئذ سأوافيك وأوافي القراء بما شئت من مقارنات!
أما عن قصيدتك (ذات مساء) فهي شعر شاعر. . وسننشرها في عدد مقبل من الرسالة إن شاء الله.
لحظات مع أوسكار وايلر:
لما كنت أعرف أن الصفحات المخصصة لكم من الرسالة الغراء، مقصورة على الأمور الأدبية والمسائل الفنية؛ لما كنت أعرف ذلك لم أتردد في أن أسألكم شيئاً من التعقيب على ما عرض لي أثناء مطالعتي لقصة (دوريان جراي) وأنا أكتب هذه الكلمات بعد تأمل لم يتمخض عن نتيجة مرضية، وبخاصة لما في آراء كاتبها الكبير من شذوذ عجيب وتخريج غريب، ونظر للأمور ومسائل الحياة من جهات مغايرة ومنظار مخالف. . بيد أنني لا أشك في أن الآراء والنظرات مهما كانت ممعنة في الشذوذ مسرفة في التطرف، لا أشك في أن يكون لتلك الآراء والنظرات مرتكز ترتكز عليه أو تفسير يرجع إليه. . ولهذا كتبت إليكم راجيا أن تظهروا لي خبئ ما عز علي تفسيره، وأن تجلوا ما لم أرتح إلى إحاطتي به، وإليكم بعض النماذج من خواطره وأفكاره:(الحب مسألة فسيولوجية لا دخل لها في الإرادة، ولذلك فأنت ترى الشباب يحاولون الوفاء فلا يستطيعون، وترى الشيب يحاولون الخيانة فلا يستطيعون)!. . (الفن الخيالي يبدأ حيث يجب أن ينتهي)!. . (الجبن والضمير اسمان لمدلول واحد، وكل ما هنالك أن الضمير هو الاسم الرسمي، الماركة المسجلة على حد قولهم)!. . (الفرق الوحيد بين النزوة العارضة والعاطفة الدائمة، هو أن النزوة العارضة أطول عمراً من العاطفة الدائمة)!
ألا ترون أن لمثل هذه الآراء خطرها الكبير على المجتمع وشرها المستطير على الأخلاق؟. ولكم خالص الشكر والتقدير.
(عمان - شرق الأردن)
يوسف. ب
من الغريب أنني حين فضضت غلاف هذه الرسالة وبدأت أقرأ ما جاء بها من كلمات، كان يجلس إلى جانبي مترجم هذه القصة وهو الأستاذ لويس عوض المدرس بجامعة فؤاد الأول. . وارتسمت على شفتي ابتسامة عريضة وأنا أدفع إليه برسالة الاحتجاج الأردنية قائلا له: أجب يا أستاذ! كيف تترجم للناس قصة من شأنها أن تهز معايير القيم وتزلزل مكارم الأخلاق؟! وقال الأستاذ المترجم بعد أن فرغ من قراءة الرسالة في شيء من الإنكار: أو تعتقد هذا حقا؟ إنني أترك لك الجواب!
وهذا هو جوابي عما جاء برسالة الأديب الفاضل: إذا رأيت شيئا من الشذوذ في الأدب أو شيئا من الانحراف في الفن، فعليك أن ترد الشذوذ والانحراف إلى أثر (البيئة المعنوية) في نفس الأديب أو شعور الفنان. . هذه البيئة المعنوية التي أحاطت بحياة أوسكار وايلد هي التي طبعت عقله بهذا الطابع الفكري، ولونت مشاعره بهذه الألوان النفسية. لقد عاش أوسكار وايلد في بيئة منحلة وتنفس في أجواء موبوءة. . كان يحلم بالقيم فتبخرت من حوله القيم، وكان يتطلع إلى المثل فتبددت من حوله المثل، وكان يحاول أن يزن الأمور بميزانها الصحيح في وقت اختلت فيه شتى الموازين! من هنا نشأ الكاتب الكبير ساخطا على الدنيا ثائرا عن الناس، ساخرا من الأوضاع المألوفة والتقاليد الموروثة، حتى غدت أكثر القيم الخلقية والإنسانية وهي في رأيه مجموعة من (الاصطلاحات). . تلك التي (يتعامل) بها المجتمع لأغراض وغايات!!
الحب مسألة إرادية؟ هذا (اصطلاح) زائف. . إنه مسألة فسيولوجية! الضمير المثالي؟ هذا (اصطلاح) فاسد. . إنه سلاح الجبناء! الفن الخيالي؟ هذا (اصطلاح) فاشل. . إنه أداة العاجزين! النزوة العارضة والعاطفة الدائمة؟ إنهما (اصطلاحان) يفسرهما كل فريق حسب هواه! وهكذا تجد أوسكار وايلد، كافرا بكل ما تعارف عليه الناس، لا يكاد يؤمن إلا بهذا
الذي تعارف عليه بينه وبين نفسه. وهذه هي (الواقعية النفسية) التي تجاوبت أصداؤها في أعماق ذاته، منعكسة على وجهات نظره من واقعية المجتمع الذي عاش فيه، والمجتمع وحده هو المسؤول عما أصابه من شذوذ وانحراف!
هذا هو التفسير الذي يمكن أن يرجع إليه الأديب الفاضل حين تعترضه أمثال هذه الآراء المنحرفة في قصة (دوريان جراي) أما عن خطرها الكبير على المجتمع وشرها المستطير على الأخلاق فأود أن أقول له: هون عليك! ألا تخشى على المجتمع الشرقي مما يسري في كيانه من فنون المحرمات وضروب الموبقات، ثم تخشى عليه من كلمات لأوسكار وايلد؟! أو كذلك أن مجتمعنا الشرقي قد بلغ من الفساد والتأخر والانحلال، ما جعل الكثيرين من أبنائه يجدون أنفسهم في كلمات الكاتب الكبير. . ومع ذلك فإن البقية الباقية من أصحاب المثل العليا والخلق القويم، لا يمكن أن تنحرف عن طريقها في الحياة ولو امتلأ هذا الطريق بنوافث السموم!!
بعض الرسائل من حقيبة البريد:
قلت وما زلت أقول: إنني أوثر أن ألقى الذين يكتبون إلى في وضح النهار. . . ولهذا أرجو أن يكشف هؤلاء القراء عن أسمائهم، حتى أستطيع أن أرد على رسائلهم هنا أو في رسائل خاصة: الأديب (م) بالمدينة المنورة، والأديب (ع. ص) بدمشق، والأديب (ف. ش) ببغداد، والأديب (ابن العميد) ببيروت، والأديب (هـ. س. أ) بقنا. . ولهم جميعاً خالص الشكر على وفائهم للخلق والعقل، مع صادق التحية والتقدير.
أنور المعداوي
الأدب والفن في أسبوُع
للأستاذ عباس حضر
مسرح المجتمع
كتاب جديد للأستاذ توفيق الحكيم، وهو كتاب ضخم يضم بين دفتيه إحدى وعشرين قصة تمثيلية عصرية. والمؤلف يتجه في هذه القصص إلى تصوير نواح وأنماط مختلفة من المجتمع المصري، ويعني عناية خاصة بما جد في هذا المجتمع في السنوات الأخيرة من تيارات واتجاهات وشخصيات كانت نتيجة للهزات الاجتماعية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
ولذلك جاء الكتاب متحفا لحياتنا الحاضرة، جمع كثيرا من الأشكال والألوان، فبدت في مرآة المؤلف الفنان، فنا حيا يمتع ويستهوي ومن أبرز ما يحتويه هذا (المتحف) صور الأداة الحكومية وما يجري في مكاتب الوزراء وكبار الموظفين من النفاق ووسائل الوصولية، كما في قصة (بين يوم وليلة) التي تعطينا نموذجا لمدير مكتب الوزير، نراه متكرراً ملموسا في واقعنا، من أولئك الذين بزوا الحرباء في التلون؛ ومن محتويات (المتحف) صور للحياة النسوية في عراكها وتطلعها إلى أوضاع جديدة، وقد أعجبتني قصة (أريد هذا الرجل) التي جعل فيها الفتاة تذهب إلى الشاب لتخطبه. وهي صورة في غاية الطرافة والظرف، وأبدع ما فيها منطق الفتاة وهي تبرر مسلكها، إذ تقول لصاحبتها إنها لا ترى غضاضة في أن تسمع ممن تخطبه كلمة (لا) ما دامت هي صاحبة الإرادة الأولى.
(. . . ولكن الغضاضة عندي هي أن أشعر بأني حبيسة ذلك الوهم الذي نسجته الأجيال عن ضعفنا وحياتنا وعجزنا عن مجابهة الحقائق وتحمل النتائج، وأني سجينة ذلك البهتان والكذب والسخف الذي ألبسنا إياه خيال الرجال فجعل منا مخلوقات أشبه بعرائس المولد، أجسامها من حلوى وأثوابها من ورق مفضض مذهب، لا تتحرك إلا بيد الرجل، ولا تتحمل أكثر من لمس أصابعه. لا يا درية. . آن الأوان أن تكون لنا إرادة نصدم بها إرادة الرجل. . وأن نجرؤ على أن نتقدم إليه ونعرض عليه، ونرغمه على أن يجيبنا بكلمة (نعم) أو (لا) كأنه عذراء، وأن نمتع عيوننا بمنظره وقد علت وجهه حمرة الحياء!) وهو منطق سليم جدا، لا يملك العقل إلا أن يسلم به كما سلم الشاب (المخطوب) وأجاب بنعم. .
وفي (متحف الحكيم) صور أخرى متنوعة معجبة، ومما يسترعي الانتباه عنايته بتحليل النفس الإنسانية والتعمق في أغوارها، ومن أمثلة ذلك قصة (أريد أن أقتل) التي عرض فيها زوجين يتبادلان عبارات المحبة التي تبلغ إلى حد أن يتمنى كل منهما أن يجعل الله يومه قبل يوم الآخر! وهي عاطفة، مهما صدقت، لن تجاوز الشعور الظاهر، ولكنه يظل سائرا بهما حتى يقفهما أمام القتل الذي لا بد منه لأحدهما، فيبرز ما استكن في الأعماق من إيثار النفس، وإذا كل منهما يود أن يقدم الآخر فداء له. . وفي القصة أيضا لمحة بارعة إلى ما أحدثه الكبت في نفس الفتاة التي أرادت أن تقتل أي الزوجين، من اضطراب عصبي وقلق نفسي.
ومما يسترعي الانتباه أيضا في (متحف الحكيم) تصويره للمرأة تصويرا كريما لا يتفق مع ما وصف به من أنه عدو المرأة، فقد أتى لها بنماذج طيبة كتلك الفتاة العصرية المفكرة الواعية التي خطبت فتاها، ومثل (النائبة المحترمة) التي صور متاعبها في (الحياة النيابية) تصويرا جديا وانتهى بها إلى موقف مشرف كريم عندما اضطرت إلى الاستقالة من عضوية البرلمان. ولا شك أن عدو المرأة هو الذي يريد لها المتاعب، وها نحن نرى الأستاذ الحكيم على عكس ذلك، فما أحراه أن يكون (صديق المرأة).
والأستاذ الفنان يجنح في هذا (المتحف) إلى (التجسيم) تجسيم المحاسن والمقابح وعرض النماذج البشرية كما هي، مع نظراته في الحياة التي يلقيها على ألسنة أشخاصه، ولكنه يترك لك الحكم واستخلاص الحقائق، حتى السخرية لا يمعن فيها لأنه يكتفي بإبراز السمات ويدعك وشأنك معها. وهو يعنى بأن يقدم إليك طريفا يمتع نفسك أكثر مما يعمل على اجتذاب مشاركتك الشعورية في الجو الذي يصوره.
وبراعة الأستاذ توفيق الحكيم في الحوار مقررة معروفة وأساس هذه البراعة حرصه على الواقعية، بحيث ينطق الأشخاص بما يمكن أن يقولوه في الطبيعة والواقع، ويجري على الألسنة العبارات الحية التي تأتي حيويتها من التقريب بين اللغة الفصيحة واللغة الدارجة، بحيث يرفع من الثانية إلى الأولى. هذا وقد لاحظت خروجا عن واقعية الحوار في موضعين، الأول في ختام قصة (بين يوم وليلة) إذ جعل خاطب بنت الوزير وهو في موقف التملق لمدير مكتب الوزير لشدة حاجته إلى معاونته جعله يقول له: (إن صاحب
السلطة بسهولة يصدق الملق. . وبسرعة ينسى النفاق) فهو يصفه بأنه يتملق ونافق في الوقت الذي يعمل فيه على كسب رضائه ونيل مساعدته. وعلى ذلك يظهر لنا القائل الحقيقي وهو المؤلف الذي يريد التعبير عن هذه الحقيقة فلم يجد لها غير ذلك الذي لا تناسبه في موقفه. والموطن الثاني في حديث الفتاة التي خطبت الرجل، عندما شبهت المرأة في انتظار من يخطبها بالطائر (يخطر على أعشاب المروج في انتظار يد القانص الذي قد يأتي وقد لا يأتي. .) ولا شك أن الطائر لا ينتظر الصائد، وإنما هذا يفاجئه، بخلاف المرأة التي تنتظر متمنية.
وبعد فإنني أحيي الأستاذ الحكيم أطيب التحية، وأعرب عن إعجابي باتجاهه نحو المجتمع واستجابته لدواعيه، بهذه المجموعة من التمثيليات الحية النابضة.
وقد كان الأستاذ - في أكثر إنتاجه الماضي - يتجه إلى الأفكار المجردة العاجية. ولكنه شعر في الفترة الأخيرة بنداء المجتمع فلباه، وما أحسن ما فعل! وأنا - مكرها على هذه (الأنا) لأتحمل تبعة ما أقول - أعتقد أن من يمشي على الأرض ساعيا مع الناس في حركة ونشاط، خير وأسمى ممن يحلق مع الغربان في أجواز الفضاء. . .
مسرحية (البخيل)
هذه هي الرواية الثانية لفرقة المسرح المصري الحديث، قدمتها في الأسبوع الماضي على مسرح الأوبرا الملكية. وهي للكاتب الفرنسي موليير، وكان، قد ترجمها المرحوم محمد مسعود بك.
السيد (هارباجون) رجل بخيل، بل هو البخل مجسما في شخصه، لا يرى في الحياة ما يستحق العناية غير المال، لا يقيم لغيرة وزنا. يقتر على نفسه وعلى ولديه (كليانت) و (إيليز) أشد التقتير، ويقرض المال بالربا الفاحش، ويفرض على المقترض شروطا قاسية، ويصفه أحد أشخاص المسرحية بأنه إذا سلم قال (إني أقرضك السلام) ولا يقول (أهدي إليك السلام) لأن الإهداء أبعد شيء عن حياته، وهو يضن أن يجري على لسانه!
وهارباجون في الستين من عمره فقد زوجته أم ولديه، ويأبى مع ذلك إلا أن يتزوج فتاة في سن ابنته (إيليز) هي (ماريان) التي يحبها ابنه (كليانت) ويدور الصراع بين الأب المتصابي والابن العاشق على ماريان، يريد كل منهما أن يتركها له الآخر.
ويصاحب ذلك علاقة حب أخرى بين (إيليز) ووكيل أبيها الفتى (فالير) في الوقت الذي يريد فيه هارباجون أن يزوج ابنته إيلز من رجل غني مسن.
وأخيرا يدبر كليانت مكيدة لأبيه إذ يسرق الصندوق الذي جمع فيه ماله. فيجزع هارباجون لفقد ماله، ويطالب المحققين بنصب المشانق للسارقين، فإذا لم يعثر على السارق طالب بالقبض على الناس أجمعين!
ويتهم فالير بالسرقة، فيدور بينه وبين هارباجون حوار ظريف بديع، إذ يقر الأول بالسرقة وهو يعني سرقة إليز التي اتفق معها على الزواج، ويحمل هارباجون الكلام على المال. ثم يظهر كليانت ويعترف بالسرقة ويبدي استعداده لإعادة الصندوق إذا تنازل له أبوه عن ماريان، فلا يتردد الرجل في إجابة هذا الطلب ما دام سيرد إليه ماله الذي هو كل شيء لديه.
ذلك ملخص مسرحية (البخيل) وهي تقوم على تحليل هذه الشخصية العجيبة، ورسم صورة البخيل كما هي في كل زمان وفي كل مكان، يتجه كل شيء في الرواية إلى إلقاء الضوء عليها، لتظهر سماتها وخصائصها، فإذا أنت أمام شخصية تعرف لها في الحياة أشباها، وإذا أنت تشارك المؤلف نظرته إليها وسخريته بما يجري منها وحولها، وإذا أنت إزاء مفارقات تغرق في ضحك لا يبعثه تدبير ولا قصد، لأن روح الدعابة يجري في الحوار وفي المواقف طبيعيا منسابا في جسم الرواية من أولها إلى آخرها.
والحوار مسوق في أسلوب أدبي، وهو يميل في أول المسرحية إلى التطويل في الحوار بقصد التعريف بالأشخاص أو الإنباء بالحوادث وتشيع فيه كلمات كثيرة عن الشرف والحب البريء والفضيلة وما إليها مما هو أدنى إلى الطريقة المباشرة في إلقاء الدروس. .
وقد أخرج المسرحية الأستاذ زكي طليمات، وأهم شيء يظهر به جهده في الإخراج، إسناد الأدوار إلى الممثلين والممثلات، وتحريك المجموعة كلها في اتجاه معبر عن جو الرواية، ويعجبني من الأستاذ زكي طليمات أنه يجعل كل فرد على المسرح جزءاً حيا من الحياة التي تجري فوقه، إذ يظهر الظلال والأصداء على سمات الواقفين الساكتين كأنهم ينطقون مع الناطقين. على أنني لا أدري لم ظهرت إليز وفالير في أول الرواية على مؤخرة المسرح، وكنت أوثر أن يتقدما نحو الجمهور. وقد رأينا النور يسطع فجأة عندما دخل
كليانت معلنا أنه السارق، ويبدو أن ذلك مقصود به ظهور الحقيقة الساطعة بعد الظلام الذي كان يجري فيه التحقيق، فهو تعبير بالضوء، ولكن مع ملاحظة هذا الهدف المعنوي شعرت بالانتقال المادي المفاجئ من الظلام إلى النور، وهو انتقال يوغل في البعد عن الواقعية.
وقد مثل دور البخيل سعيد أبو بكر فأجاد فيه إلى حد بعيد، حتى ليخيل إلى أنه لم يخلق إلا ليكون هارباجون البخيل، ويليه في الإجادة صلاح سرحان في دور فاليرا، فقد كان موفقا في تمثيل المداهن اللبق الذي يستجلب الرضى بنفاقه وفي الوقت نفسه يصل إلى ما يريد. وقد برحت نعيمة وصفي في دور (فروزين) المرأة الناعمة التي أرادت خداع البخيل عن شيء من ماله، وقد كان حريا أن ينخدع لما بذلته معه، ولكنه البخيل. .
وكان عدلي كاسب خفيف الظل. وقامت كل من زهرة العلى وانشراح الألفي بدوريهما في توفيق، غير أن الأولى تحتاج إلى مران في إشباع النطق العربي الفصيح.
حول مشكلة القراءة:
تلقيت من الأستاذ عبد الخالق الشهاوي، رسالة يعقب فيها على ما أثير على صفحات (الرسالة) حول مشكلة القراءة. فيما يلي أهم ما يقوله.
(ليس بي حاجة إلى أن أقرر أن 90 في المائة من طلبة جامعاتنا على أقل تقدير - يهتمون - إلى أبعد حدود الاهتمام - بالزي وبالسينما، وبقراءة المجلات الرخيصة التي لا تحمل حتى قشور الثقافة، بل إن بعض الطلاب - ولا أقول الطالبات - يتابعون أحدث تطورات الأزياء! فإذا بقى للعلم متسع من وقت شبابنا (الحي) فإنما هي أيام قبيل الامتحان (يحفظ) فيها ما يخف حمله ويغلو ثمنه. . وإذا هو بعد سنوات في المجتمع المسكين ينشئ جيلا أو يدير عملا خاصا أو عاما. .
(وتعود أصول هذه المأساة أولا إلى الأيام الأولى في البيت المصري المريض، وثانيا إلى النقص الكبير الذي نعانيه في تنظيم برامج التعليم في جميع مراحله، وثالثا إلى الأساتذة والقائمين على تكوين العقل المصري. . فالجامعيون منهم ليس لهم من الجامعية سوى الاسم، أما في المدرجات فالمتبع هو الطريقة المدرسية (المتحفية) التي تسير بالجيل إلى ما رسمه (دانلوب) من أساليب تعليم لا يكون متعلمين، وإنما يوجد موظفين يقطعون الوقت بالحديث عن العلاوات وتعمير المقاهي ودور السينما. وهكذا نسير في دائرة مفرغة: طلبة
لا يعرفون واجباتهم يتخرجون لواجهوا جيلا يسير إلى مصيرهم التافه. .
(فالمشكلة ليست مشكلة مال، وإني لأخجل حين أرى مكتبة الجامعة والمكاتب العامة تصفر صفير المقابر. . فليست الأزمة اقتصادية ولا هي أزمة في التأليف، فمكاتبنا بحمد الله تشكو التخمة وعدم التصريف. . وإنما هي في صميمها (أزمة سياسية) وإليك الدليل:
(كلنا يحفظ تلك الكلمة الخالدة (الشعب الجاهل أسلس قيادا من الشعب المتعلم) وكلنا يعلم أن التعليم ثورة خفية وقوة كامنة رهيبة. . . هو النور الذي يخشاه خفاش الاستعمار، فالاستعمار الذي رسم طريق التعليم الجاف العقيم)
وأنا أوافق الأستاذ الشهاوي على مدخل (السياسة) في الموضوع، فنحن لا نزال نسير في تعليمنا على تلك الأسس التي أريدت لنا، وذلك بدافع (القصور الذاتي) وبدافع العقليات التي كونها التعليم الاستعماري ولا تزال تشارك في توجيه التعليم.
وقد مر الأستاذ عابرا بمسألة (البيت المصري) باعتباره جذرا من جذور مشكلة القراءة المتشعبة المتغلغلة، فالناشئ عندنا يشب - غالبا - في بيت ليس فيه للكتاب مكان وأذكر أني شاهدت معرضا لكتب الأطفال أقيم في القاهرة من نحو سنتين، كان يحتوي على كتب بلغات أجنبية وأخرى باللغة العربية، فرأيت هناك عددا كبيرا من الأجنبيات يفحصن ويتأملن الكتب المعروضة بعناية وانتباه، كي يخترن لأولادهن ما يغريهم بالقراءة ويجدي على عقولهم، ولم أر في المعرض مصرية واحدة. . . وهذا طبيعي، لأن الأم المصرية نفسها لا تقرأ، فما الذي يحفزها على طلب ما يقرأ لأولادها؟
عباس خضر
رسالة الفن
مسرحية (ابن جلا)
تأليف الأستاذ محمود تيمور بك
إخراج الأستاذ زكي طليمات
تمثيل فرقة المسرح المصري الحديث على مسرح دار الأوبرا
الملكية
للأستاذ أنور فتح الله
بدأت فرقة المسرح الحديث حياتها في منتصف هذا الشهر. وكانت بالأمس أمنية في نفس الأستاذ زكي طليمات، ظل يجاهد ويكافح حتى أخرجها إلى عالم الوجود، لتجمع شمل خريجي المعهد العالي لفن التمثيل، ولتكون ميداناً يعملون فيه على النهوض بالمسرح المصري.
ونحن إذ نرحب بهذه الفرقة الغنية بالمواهب الشابة، والقلوب الفتية، والثقافة الفنية، لا يسعنا إلا أن نرجو لها التوفيق في أداء رسالتها، ونتمنى أن يكون مولدها بدء نهضة جديدة في المسرح المصري.
وقد افتتحت الفرقة موسمها التمثيلي بمسرحية (ابن جلا) للأستاذ محمود تيمور بك.
وقد اتخذ المؤلف حياة الحجاج بن يوسف الثقفي موضوعاً لمسرحيته. واختار الفترة من سنة 32 هجرية إلى سنة 95 هجرية ليصور منها حياة الحجاج من بدء ظهوره في تاريخ الدولة الأموية إلى يوم وفاته. فصوره في الحادية والثلاثين من عمره وقد تولى أمر عسكر عبد الملك بن مروان بالشام ثم صوره قائداً للجيش الذي فتح مكة وانتزعها من عبد الله بن الزبير ثم والياً على المدينة ثم والياً على العراق، إلى أن يصوره وهو على فراش الموت.
وقبل أن نعرض المسرحية، أو نتعرض لها، نرى لزاماً علينا أن نحدد الفرق بين التاريخ والمسرحية التاريخية.
فالتاريخ يسجل حقائق حدثت في الماضي، ولم تعد تمتد إلى الحاضر لتؤثر فيه. أما
المسرحية فماض مستمر في الحاضر؛ ومادة التاريخ وثائق ومحفوظات، وقيمته إخبارية بحتة. . والمسرحية على العكس من ذلك، فهي لون من ألوان الأدب الحي لقدرته المستمرة على الإثارة الفكرية والعاطفية. فالمسرحية التاريخية إذن تصور الواقع التاريخي تصويراً يعيد خلقه على نحو حي، وترتب هذا الواقع التاريخي في صورة فنية تثير المشاهد، وتولد الأثر الذي يهدف إليه المؤلف. فالمقياس إذن، هو مدى قدرة المؤلف على بعث الحياة في الواقع التاريخي، ومقدار توفيقه في التأثير على المشاهد. ولتحديد ذلك نستعرض المسرحية.
. . . في سنة 72 هجرية نرى الحجاج وقد أصبح قائداً في جيش أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وقد ظهرت في حياته امرأة هي (الأهوازية). .
وبعد ذلك بعام يصبح الحجاج قائداً لجيش الخليفة بالقرب من مكة، ونرى ابن حكيم وابنته عفراء يدخلان عليه، ويستنجزانه وعده للعفراء بالزواج، فيردهما خائبين. وعندما تراهما الأهوازية، وتسأله عن الفتاة فيجيبها بأنها رفيقة صباه، وأنه سيتزوجها، فتغار، وتثور غاضبة مهددة، فيصرفها في لين. . ويعود أحد الرسل فيخبره بأن ابن الزبير قد أبى الاستسلام، فيأمر بضرب الكعبة بالمنجنيقات. ويعين الحجاج والياً على المدينة ويطلب من عبد الله بن جعفر أن يزوجه ابنته أم كلثوم، فيأبى لأنه هاشمي، وتقتحم الأهوازية عليهما القاعة، فينصرف عبد الله، وتتوسل إليه الأهوازية أن يعرض عن هذا الزواج لأنها تحبه، فيصر على عزمه، وتعميها الغيرة، ويثيرها الغضب فتهدده بالكيد له.
. . . ويصبح الحجاج والياً على العراق. . ونراه في قصره بالكوفة يسأل عن أنباء الأهوازية بعد أن هربت. . وإذا بسهم يصيبه في كتفه، وتقبض الشرطة على الضارب فإذا به الأهوازية!. . وقد أرادت أن تقتله لتنساه. وتطلب منه أن يقتلها ليخلصها من العذاب الذي تقاسيه، فيقترب منها، مبدياً إعجابه بفتنتها، وجسدها الرائع، وتكاد شفتاهما تتلامس، لكنه يقذف بها بغتة مصرحاً بأن الحب لا يقع منه ببال. . . ثم يخبرها بأنه سيخطب هند بنت أسماء. . وتنتهز الأهوازية فرصة غفلته عنها، فتلقي بنفسها في النهر، فيصيح الحجاج بالجند ليدركوها، ويأتوه بها حية أو ميتة. . . وتستعين الأهوازية بشبيب على الحجاج، وتعده بأن تكون له، إذا مكنها من الحجاج الذي أذلها. . ويعلن شبيب أنه سيفاجئ
الكوفة الليلة، ليظفر بالحجاج. . . وفي نفس الليلة، نرى الحجاج في قصره وقد حاصره جند شبيب، وأرسل له رسولاً يفاوضه،. . ويدخل الرسول وإذا به الأهوازية أيضاً! ويقبل عليها الحجاج معاتبا. . . لائما. . . يصرح لها بالحب وكان بالأمس يرفض حبها، ويذل قلبها، ولكن الأهوازية تطلب منه أن يسلم نفسه فيركع عند قدميه في تذلل قائلا (رحماك (يا أهوازية رحماك) فتقول له دعني دعني لا تخدعني) وتصر على أن يسلم نفسه، فيأبى، فتنصرف. وتمر برهة وتدوي الأبواق. . وينظر الحجاج من الشرفة فيرى الجند يجلون عن القصر، فيقول مهتاجاً (يا لقلب المرأة! لقد خدعتها فخدعت هي صاحبها) ثم يأمر الجند بأن يرموا ظهر الأهوازية بالنبال. . فيقول له عنبسة (أتضرب ظهر من عملت على إنجائك أيها الأمير؟) فيأمر الحجاج جنده بأن يسددوا الضرب.
. . . وفي سنة 90 هجرية. . . ترى الحجاج في مقر ولايته بمدينة واسط. . . وقد أضناه المرض. . . نرى الأهوازية وقد عادت إليه، وأصبحت سيدة قصره. . . وتشتد العلة بالحجاج. . . ويأتيه كاتبه يزيد فيخبره بأن سعيد بن جبير ينتظر الإذن في الدخول ليحاسب في أمر خروجه مع ابن الأشعث. . فيأذن له في الدخول. . .
. . . ويأتي سعيد بن جبير وهو مقيد بالأغلال. . . ويدور الصراع بينهما. . . وينتهي بأن يأمر الحجاج بقتل سعيد. . . وعندما يقتل، يضطرب الحجاج، ويجزع، وتحتبس أنفاسه. . . ثم يهدأ قليلاً. . . ويأتيه رسول قتيبة بحفنة من تراب الصين. . . فيأمر أن تزف البشرى إلى أمير المؤمنين. . ويلفظ نفسه الأخير. هذه هي المسرحية. . . وقد التزم المؤلف جانب التاريخ في تصوير حياة الحجاج السياسية. . . وبما كتبه المترجمون في تصوير حياته الخاصة وعاداته وميوله وطباعه. . وأخبار غزواته. . وآرائه في الحكم والسياسة. . .
وأراد المؤلف أن يبعث الحياة في هذه الصورة التاريخية، وذلك بتصوير الجانب العاطفي في حياة الحجاج. . فخلق من مخيلته شخصية الأهوازية وتجعلها تحتك بالحجاج في مواقف عدة، وطول بذلك أن يقيم الصراع بينهما وينفذ من هذه الزاوية الإنسانية إلى قلب المشاهد ليؤثر فيه. فهل وفق المؤلف في فرضه؟ ذلك ما سنحاول أن نبينه بمناقشتنا للجانب العاطفي الذي صوره المؤلف في مسرحيته.
وأول ما نأخذه على المؤلف هو اعتماده على الممثلة في تصوير المرأة في حياة الحجاج، وكان من الخير له أن يستند في تصويره على امرأة حقيقية لها مع الحجاج قصة عاطفية فيجسم هذه القصة، ويكملها من مخيلته ليصل إلى غرضه، وبهذا تبدو الصورة للمشاهد قريبة من الحقيقة، فيستجيب لها. أما أن يعتمد على صورة خيالية لا تمت للواقع التاريخي بأية صلة، فهذا من شأنه أن يشعر المشاهد بغرابة الصورة، وينفره منها.
ومن حيث الصراع العاطفي، وهو الأساس الأول في التأثير على المشاهد في مثل هذه المسرحية التاريخية. نرى أن المؤلف لم يحتفظ بالتوازن بين قوة الحجاج وقوة الأهوازية، ليقيم بينهما صراعاً عاطفيا متكافئ القوى فالأهوازية لم تستطع النفاذ إلى قلب الحجاج في أي موقف من المواقف. بل كان موقفها سلبياً في كل موقف التحمت به. فهي تغار وتثور وتهدد عندما ترى عفراء، وتعلم أنه سيتزوجها، فيصرفها الحجاج بكلمة. . وعندما تعلم برغبته في الزواج من أم كلثوم تفر منه، وعندما تعلم بعزمه على الزواج من هند بنت أسماء تلقي بنفسها في النهر. . . وعندما يحاصره شبيب، يوهمها بأنه يحبها، فتفك الحصار عنه. . وعندما يفك الحصار، يأمر جنده بضربها بالسهام. ومع كل هذا تعود إليه وبهذا انتفى الغرض الأول من خلق هذه الشخصية وهو إقامة الصراع بينها وبين الحجاج.
وعلى الرغم من كثرة المشاهد العاطفية بين الحجاج والأهوازية لم يستطع المؤلف أن يعطينا أية فكرة عن حياة الحجاج العاطفية. فقد صوره معجباً بها، عطوفاً عليها، وهو مع هذا منصرف عنها يرغب في الزواج من عفراء، ثم من أم كلثوم وهند بنت أسماء ليحقق أغراضه السياسية.
وعندما فرت منه جعل يبحث عنها، وعندما حاولت قتله أبرزه متساهلا معها، ثم جعله يقترب منها مظهراً افتتانه بها ثم راح يقذفها على الأرض معلناً أن الحب لم يقع منه ببال، وعندما ألقت بنفسها في النهر راح يصرخ في الجند أن يأتوه بها حية أو ميتة، وعندما أقنعت شبيباً بفك الحصار عنه، أمر الجند بضربها بالسهام. ومن هذا يبدو جليا أن المؤلف كان يبتعد في كل خطوة يخطوها عن الغرض الذي خلق من أجله شخصية الأهوازية، وأنه كان يفسر الغموض بالألغاز.
ولقد كانت المشاهد العاطفية بين الحجاج والأهوازية مكررة ومتشابهة تمام الشبه. فموقف
الأهوازية من الحجاج عندما سمعت أنه سيتزوج من عفراء، هو نفس موقفها منه فيما يختص بأم كلثوم، وكذلك فيما يختص بهند. في تثور ثم تهدد، ثم تعود لتقف نفس الموقف، وكذلك موقف الحجاج منها فهو كل مرة متساهل متسامح، وعندما تحاول أن تلين قلبه، يقترب منها ثم يبتعد نافراً، ثم يعلن أنه سيتزوج من غيرها.
هذا، وفي كل مرة تظهر فيها الأهوازية لتلتحم بالحجاج، أو تختفي فراراً منه، كان يصاحب ظهورها أو اختفاءها مفاجأة مفتعلة، بعيدة عن المنطق والعقل. فقد ظهرت في حياته فجأة، مدعية أن روح بن زنباع خمش وجهها لتنقذه من غضب الخليفة، وهذه ولا شك طريقة صبيانية لا يقبلها عقل أو منطق. وقد أمرها الحجاج بالذهاب إلى مكة، فعادت إليه متخفية في صحبة عبد الله بن منصور في اللحظة التي كان يخطب فيها أم كلثوم لتفسد عليه خطته. ثم فرت منه لتعود إليه فجأة متخفية في ثياب فتى أعرابي لتقتله. ثم تلقي بنفسها في النهر لتعود متخفية في ثياب رسول من رسل شبيب لتفاوضه في تسليم نفسه، وبعد أن يأمر الجند بضربها بالسياط نراها وقد عادت إليه راضية قريرة. . . وبهذا الافتعال والتلفيق بدت هذه الشخصية في صورة خرافية بعيدة عن الطبيعة والصدق.
ومن هذا يتضح أن الجانب العاطفي الذي صوره المؤلف من مخيلته، بعيد كل البعد عن الحياة، ولا تأثير له على المشاهد وبهذا فقدت المسرحية القدرة على بعث الحياة، والإثارة، ولم يبق فيها سوى الجانب التاريخي.
ولقد أساءت شخصية الأهوازية إلى الصورة التاريخية للحجاج، وتعارضت مع أبرز صفاته، وهي القسوة الصرامة، فالحجاج الذي لا يتسامح أبداً، كان متسامحاً معها، يعفو عنها وقد حاولت قتله، بل إنه ليستخدم أساليب الخداع عندما حاول استمالة قلبها في مشهد الحصار، وقد أظهر المؤلف الحجاج في موقف يتنافى مع الشهامة العربية عندما أمر الجند بضرب الأهوازية بالسياط بعد أن أنقذته من حصار شبيب.
والخط الذي سار عليه المؤلف في تتبع الحجاج في فترات حياته المختلفة، هو نفس الخط الذي سار عليه المؤرخ والمترجم، ولانعدام الصراع بدت المسرحية من حيث الموضوع، وكأنها عرض تمثيلي لحياة الحجاج. ولتقيد المؤلف بحرفية التاريخ، وبطلان تأثير الجانب العاطفي الذي تخيله، انقطعت صلة المسرحية بالحاضر وأصبحت قيمتها إخبارية بحتة.
هذا، وعلى الرغم من ولع المؤلف بالتاريخ وتقيده به، فقد فاته أن يستغل امرأة قوية لها قصة مشهورة في حياة الحجاج، وكان يبنه وبينها صراع عنيف، لو جسمه المؤلف وسلط عليه أضواءه، وركز فيه موضوع مسرحيته، لنفذ إلى قلب الحجاج. . . تلك المرأة هي هند بنت أسماء التي تزوجها قسراً، فذهبت إلى الخليفة تشكو إليه أمرها، فأجبر الحجاج على تطليقها، وأمره أن يقودها إليه وهو يمسك جملها، ليتزوجها فلما كانت في بعض الطريق، ألقت بدينار، وقالت للحجاج (قد سقط مني درهم فأتني به) فبحث فوجد ديناراً فقال (بل هو دينار) فقالت (الحمد لله الذي أبدلنا الدينار بالدرهم) وهي أيضاً التي قالت فيه:
وما هند إلا مهرة عربية
…
سلالة أفراس تحللها بغل
فإن ولدت مهراً فلله درها
…
وإن ولدت بغلا فجاء به البغل
فلو استبدل المؤلف الأهوازية بهند، وكمل الحقيقة بالخيال لأقام صراعاً عاطفياً قوياً يرتكز على أساس من الواقع.
وإذا نظرنا إلى بناء المسرحية. . وجدناها لا تقتصر على حادث مسرحي واحد يرتكز فيه موضوعها، بل هي تتضمن أحداثاً مختلفة تصور حياة الحجاج السياسية الحربية والاجتماعية والعاطفية كقصته مع روح بن زنباع، ورميه الكعبة بالمنجنيقات وقصته مع عفراء، وعبد الله بن جعفر، وحربه مع شبيب، ومحاصرة قصره، وقصة مرضه وحادث الأعرابي، وقتل سعيد بن جبير، ثم وفاته. فكل هذه الأحداث قد أخلت بوحدة الحادث المسرحي، فقضت على التركيز، وكانت سبباً في تشتيت انتباه المشاهد. ولانعدام الرابطة بين هذه الأحداث، ولدورانها حول شخصية الحجاج فقد طغى على المسرحية جانب العرض. وليس لهذه المسرحية عقدة، ولا يعرف لها بداية ولا نهاية، فكل منفصل عن الآخر، ومن السهل أن نبدأ المسرحية من أي منظر فيها وننهيها بأي منظر يتلوه، ولو حذفنا أي منظر لما أحسسنا بنقص فيها.
ولانعدام التعارض بين الشخصيات الرئيسية، وبعد المؤلف عن الصدق في تصوير الطباع والميول البشرية، انعدم الصراع المسرحي الذي يثير المشاهد ويحرك قلبه، وأصبح من المتعذر جذب انتباهه إلى خط سير الأحداث، وإثارة غريزة حب الاستطلاع في نفسه، ليتطلع إلى الأحداث اللاحقة.
ولعدم ربط المؤلف بين الماضي التاريخي والحاضر الواقعي، وذلك بأن تكون المشكلة التاريخية شبيهة بمشاكل الحاضر الذي نعيش فيه، انقطعت صلة المشاهد بها، وبعدت عن مشاكل الحياة، وهي من أهم ضرورات المسرح.
ولقد كان الحوار مثقلاً بالعبارات الطويلة، والأوصاف والأخبار المملة، وبهذا انعدم التركيز في الحوار، وفقد الشحنة العاطفية التي تثير عقل المشاهد وقلبه.
قام بالإخراج الأستاذ زكي طليمات وسار فيه على المذهب الإيجابي الذي يرمز للكل بالجزء، فيجسم جزءاً من المنظر، ويكمله بالأستار. وبهذا استطاع أن يلاحق مناظر المسرحية الثمانية. وكان موفقاً في خلق جو المسرحية، ففي المناظر الخارجية صور الصحراء بخيامها؛ وسفح الجبل، والسماء الصافية، فبدت وكأنها لوحات رسمتها يد فنان. وفي المناظر الداخلية، أبرز قصر الولاية بالمدينة، وبالكوفة وواسط، في جو من الفخامة والترف متدرجاً في ذلك مع حياة الحجاج في تطورها.
وكانت الإضاءة ترمز للجو النفسي العام في الموقف المسرحي، وتضفي على المناظر هالة من السحر.
وكان المخرج ممتازاً في تحريكه للمجتمعات فلم نشعر بتكتلها أو جودها، واستطاع أن يطابق بين الإيقاع الحركي والإيقاع النفسي، فالمجموعات في حالة الحرب سريعة الحركة، وعند حصار القصر بطيئة لتصور جو الحزن واليأس الذي يثيره الموقف المسرحي.
وليس من شك في أن أثر المخرج كان بارزاً وراء كل ممثل، وكل حركة أو إشارة، فبدأ الجميع في وحدة فنية تتعاون على بعث الحياة على خشبة المسرح.
وقام الأستاذ زكي طليمات بدور الحجاج. وهذا الدور يمثل الحجاج شاباً صارماً طوحاً وينتهي بتصويره شيخاً قد أضناه المرض وخمدت في نفسه جذوة الطغيان والشر وبدأت عوامل الخير تصارع عوامل الشر نفسه، فأصبح مترددا بينها. وتمثيل مثل هذه الشخصية يحتاج إلى طاقة انفعالية قوية ليتسنى لممثلها أن يفصح عن باطن الحجاج الذي أضرمته غريزة المقاتلة، وأشعلته نزعة القسوة والظلم وقدرة الممثل على الانفعال في مثل هذا الدور ترجع إلى السن والتكوين العضوي وقد بذل الأستاذ زكي مجهوداً كبيراً ليعوض الفارق بينه وبين طبيعة الدور الذي يمثله معتمداً في ذلك على الحركة والصوت والانفعال بالقدر
الذي يسمح به تكوينه وسنه. فأدى به ذلك إلى المد في العبارة والضغط على آخرها، وغلب على أدائه النغمة الكلاسيكية. وفي المنظرين الأخيرين، عندما التقت طبيعته بطبيعة الدور الذي يمثله، ارتفع إلى القمة في أدائه.
وقام الأستاذ عبد الرحيم الزرقاني بدور عبد الملك بن مروان، فجسمه في حكمته وحزمه وإنسانيته، وأبرز الخطوط الخفيفة التي تصور معالم شخصية دوره بالصوت المعبر، والانفعال المتزن، والحركة المصورة.
وقام الأستاذ محمد السبع بدور سعيد بن جبير فجسم ثورته على بني أمية بالنار المندلعة في العبارات التي كان ينبذ بها في وجه الحجاج، والنبر الصوتي القوي المشحون بالغضب والإيمان.
وقام الأستاذ أحمد الجزيري بدور أبي بردة، وهو رجل تقي ورع ساذج، فبلور هذه الشخصية بروحه الخفيفة الشفافة، وأثار المرح العميق في القلوب بحركاته الطبيعية، وأدائه الصادق، وأثبت في اللحظات التي ظهر فيها أنه ممثل كوميدي راسخ في فنه.
وقام الأستاذ سعيد أبو بكر بدور الخصي بهروز، فكان موفقاً فيه، وأضحك المشاهد بتصويره الكاريكاتيري لهذه الشخصية.
وقام الأستاذ محمد الطوخي بدور ابن حكيم فصور بصوته القوي الطيع حنان الأب الذي يتعلق بالأمل، ليسعد ابنته.
وقام الأستاذ عدلي كاسب بدور شبيبب فساعده جسمه على الظهور بمظهر القائد الثائر، وساعده أداؤه الجيد على تصوير المحب الوالد.
وقامت بالدور النسائي الأول السيدة نعيمة وصفي، وهو دور الأهوازية. فجسمت غيرة المرأة المتنمرة، وغضبها إذا جرحت في عزتها، وحبها العارم للحجاج، وحقدها عليه لإذلاله قلبها، ثم مثاليتها عندما ارتوى قلبها المحروم. لقد صورت هذه الألوان العاطفية المتباينة، في طبيعة وصدق. وأثبتت أنها ممثلة جديرة بأن تقوم بالأدوار الرئيسية.
وقد برز من طلبة المعهد، سعد قردش، وفوزية مصطفى، فنجح الأول في دور عبد الله بن جعفر، ووفقت الثانية في دور عفراء وامتازت بصوتها المرن الحنون.
. . . وبعد. . . فقد أثبتت فرقة المسرح الحديث وجودها في عالم المسرح. وبلغت ما كان
يرجى لها من نجاح بفضل مخرجها إلى الحياة، ومن ورائه أبناؤه الذين كان له الفضل الأول في اكتشاف مواهبهم، وصلتها بالثقافة الفنية.
أنور فتح الله
البريد الأدبي
حول (كلمة غريبة في مقال)
قرأت في عدد 909 من الرسالة الغراء كلمة للأديب السيد عبد الخالق عبد الرحمن من بغداد يعلق فيها على مقال للأستاذ علي العماري بعنوان (دم الحسين) وقد استغرب السيد عبد الخالق وأخذته الدهشة من تطرق الأستاذ العماري إلى رواية تعد من الخزعبلات والأباطيل!! أما الرواية فهي: أن (الفارس الذي منع (الحسين) الماء مات عطشان بالرغم من أنه كان يسقى الماء حتى يبعر ثم يعود فيشرب حتى يبعر وما زال كذلك حتى لفظ أنفاسه) ومنشأ الاستغراب عند السيد عبد الخالق من أنتكون للحسين فضيلة يظهر أثرها في حياة مانعه الماء. وأحسب أن الشك يسري بالأديب المستغرب إلى حديث (الغمامة) التي كانت تظل النبي (ص) وإلى كراع (المعز) التي أشبعت جيش النبي، وإلى عادة هز الكتفين التي لازمت أبا جهل حين كان يسخر من مشية النبي، وإلى حديث (التلباثي) على حد تعبير الأستاذ العقاد، وغير ذلك من الروايات المماثلة التي تعج بها بطون الكتب الدينية والتاريخية. وقد تستفز السيد عبد الخالق هذه المقارنة بين النبي (ص) وبين سبطه الحسين، وأؤكد له أن موقفي حيال هذه الروايات التي تعد خرقاً للطبيعة موقف التشكيك والتأمل، ولكن تصديقي رواية (الفارس) التي ذكرها الأستاذ العماري قد لا يعترضه الشك لا لسبب ديني ولكن لسبب آخر يستند إلى (علم النفس) وحده، فإن قتل الحسين على تلك الصورة التي تحدث عنها التاريخ (المحايد) لم يكن هيناً على المسلمين. ولعل هذا (الفارس) الذي يمنع الحسين الماء قد ندم وشعر بجسامة ذنبه مع ابن بنت نبي المسلمين الذين يزعم (الفارس) أنه منهم، أو أن الضمير الإنساني الذي استيقظ فيما بعد نبهه إلى فظاعة الجرم فانتهى به المطاف إلى الندم الشديد ولكنه ندم لا تستجيب له العقيدة الدينية أو الضمير الإنساني، ثم انتهى به الندم غير المجدي إلى عقدة نفسية وحالة من اللاشعور تدفعه إلى اعتياد شرب الماء فلا يرتوي أو لا يكاد يرتوي حتى يعود إلى الشرب نتيجة للإرادة اللاشعورية.
وهذه الرواية أصدق ما تكون بالنسبة لهذا الفارس لأن الصورة التي طلت ترافقه وتهيمن على ضميره اللاشعوري هي مشهد النهر ومشهد الحسين حين يقترب إلى النهر ليشرب
الماء، ومشهد الفارس يمنعه شرب الماء بالقوة، ولباعث من العقيدة الدينية أو الضمير الإنساني خلق هذا المشهد عقدة نفسية في هذا الفرس ولا يبعد أن تكون هذه العقدة قد أدت به إلى مرض في الجسم لا يشفيه إلا الماء فكلما تذكر المشهد اندفع إلى الماء ليشرب ويبقى يكرر العملية بوعي أو بدون وعي.
وقد أثبت العلم الحديث كثيراً من الحالات الشاذة التي ترجع إلى عوامل نفسية بحتة، تبقى ما بقيت هذه العوامل وتزول متى زالت، كما أن اعتياد بعض الأعمال والإدمان عليها بإرادة أو بدون إرادة كثيرا ما يرجع إلى مرض نفسي وإلى عقدة تنشأ من حادث يمر بحياة الإنسان فيدفعه إلى الشذوذ أو المرض الجسمي، وفي الماضي القريب قرأنا: أن رجلا شفي من مرض السل بعد وفاة حماته بلحظات. وأثبت الطبيب المشرف على علاجه أن مرضه لم يكن إلا نتيجة لعقدة نفسية.
وبعد فإن رواية عطش (الفارس) وعدم ارتوائه لا تدعو إلى الاستغراب والدهشة واستهجان (نخبة ممتازة من الشباب المثقف) ببغداد ولا تستدعي لوم (الرسالة) على نشرها لأنها من الأساطير والخزعبلات!! ما دام (الشباب المثقف) يجد مفتاحا لحل مثل هذه الأساطير والخزعبلات على ضوء العلم الحديث، وقد تنبهت (الرسالة) نفسها فعلقت على الكلمة بقولها:(لعله أصيب بهيضة) وليس بغريب أن يكون ذلك سواء أكان نتيجة لتلك العقدة النفسية التي سببها ذلك المشهد الخطر أم جاء هذا المرض عفواً فرافق حياة الفارس وكان جزءاً من تاريخه.
أما إذا لم يكن هناك تفسير لمثل هذه الروايات فإني مع المستهجنين الذين لا يرون في نشرها إلا تضليلا للعقول واستثارة للعواطف الدينية.
القاهرة
عراقي
أيها اللاجئون. . .
أقبل الشتاء أيها اللاجئون: وعلى وجهه ظلمة القبر، وفي قلبه قسوة الكفر، وعلى شفتيه صيحة الذعر، وعلى راحتيه ألف زوبعة وزوبعة. . .! أقبل الشتاء أيها اللاجئون: وحشو
كسائه الأعاصير الهوج، وستر أعضائه السحائب السود، وبصيص عينيه بورق وامضة، وملء جبينه رعود قاصفة، لها في الأسماع ألف قرع وقرع، وألف طنين وطنين!
أقبل الشتاء أيها اللاجئون بارز الناب والمخلب، طويل النصل والسوط. ولكنه - بالغة ما بلغت لذعات سياطه من القسوة والشدة، وكائنة ما كانت نصال ظباه من المضاء والحدة - ليس شرا مما عانيتم وقاسيتم، وليس أسوأ مما كابدتم وجاهدتم، وهل رأيتم موقداً أخشن من الجوع والفاقة، ومورداً أكدر من الضعة والحاجة، ومتكأ أقسى من الذل والهون. .؟!
أقبل الشتاء أيها اللاجئون: وقد بدلتم بالقرار الفرار، وبالمنازل النوازل، وبالرحاب الخراب. .!
أقبل وقد بدلتم بالتسويد التشريد، وبالنعمة النقمة، وبالعلاء البلاء. .! أقبل وأمركم بين يدي حريص ومضيع، وفي وعاق، ولكم الله بين هذا وذاك. .! فماذا ترجون. .؟! والقوم قد ضاقت بكم حدودهم، كما ناءت قبل ذاك جنودهم. .!
ماذا ترجون وقد ركنوا إلى أحاديث يذيعونها، وأهوال يسوقونها (وقلوب يهبونها) بعد أن غدرت بهم قلة الذخيرة، وأضلتهم متاهات الأطماع، وأودت بهم قذارات النفوس. بل ماذا ترجون سوى أن يزجوا إليكم كل يوم قولا واهياً وأملا خابياً، ووعداً كاذباً. .!
ولا بأس أن يطالبوا بأن تفرحوا وتستبشروا، وتبتهجوا ولا تبتئسوا، ألم يقل أحدهم إن قلوبهم معكم، وإنهم حريصون على تدبير المستقبل لكم؟ وهل هناك أغلى من القلوب؟ وقد منحتموها، أو أثمن من الأفئدة؟ وقد وهبتموها. فلتتلمسوا فيها الدفء والغذاء والكساء، ولتتحسسوا فيها السلوى والعزاء والدواء. .؟ وماذا يضرهم بعد هذه الهبة الرائعة لو متم جوعاً وظلماً؟ وماذا عسى يضيرهم بعد تلك المنحة الرفيعة، لو هلكتم فريسة الفقر والعنت والإملاق بل ماذا يهمهم لو عشتم في الحاضر البائس المميت - أشباه موتى أو أشباه أحياء - حتى يدبروا لكم المستقبل الباسم السعيد. .؟ ألا ما أكرم هؤلاء السادة. .؟ فحذار أن تنسوا هذا الكرم فإن ذلك يتنافى مع إخلاص البائسين. .؟ وحذار ألا تتمنوا لهم أطيب المنى، وأهدأ الأحلام. أي إخواننا: إن كانت الصهيونية تطلق على كل من كان سبباً في طرد فرد أو أفراد من مقارهم، وإن كنتم سميتم باللاجئين لأنكم أخرجتم من مطرح إلى مطرح، فإبليس إذن أول الصهيونيين، وآدم إذن أول اللاجئين وأبو اللاجئين: فعزاء به
واقتداء، وليعلم كل عربي أنه لاجئ في وطنه، وغريب في بلاده، مهما حاول أن يؤكد غير ذلك بأغلظ الإيمان، حتى تندمل جراحكم، وتلتئم قروحكم، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً. .
أحمد قاسم أحمد
خطآن: مطبعي وقلمي
خطآن وقعا في مجلة الرسالة الغراء بالعدد 909: مطبعي في مقال الأستاذ الزيات إذ وردت به هذه العبارة (وإذا وقع على مجلة في الطب أو مقالة في العلاج أو إعلاناً عن دواء. . .) والصواب إعلان بالكسر.
وقلمي في مقال الأستاذ حبيب الزحلاوي إذ وردت به هذه العبارة (وكان لا يطيع أمر الطبيب ويعصاه). وكان الأستاذ قد التبس عليه الأمر في قوله (يعصاه) لأن الماضي (عصى) بفتح الصاد، أو كأنه ظن أن (يعصاه) مثل ينهاه وينعاه. والصحيح (يعصيه) كما ورد ذلك في التنزيل الحكيم.
عبد الحميد عمر
القصص
ماما. . . ماما
للشاب الأديب محمد أبو المعاطي أبو النجا
كانت (صفية هانم) تنتقل نشوى بين المرآة وصوان الملابس وهي تستعرض الفساتين الحريرية الناعمة على جسدها العاجي البديع لتختار الفستان الذي يبرز مفاتن ذلك الجسد ويشي بأسراره إلى العيون.
ثم تنتقل وهي تدندن بإحدى الأغنيات أمام معرض العطور والأدهان في ناحية أخرى من الحجرة لتستعيد لقسماتها الغضة جمال الزهور ولثيابها الأنيقة رقيق العطور. . . ثم تقف أخيراً أمام المرآة وكأنها تسألها رأيها في كل تلك الأناقة وإذ ذلك لا تستطيع أن تكتم تلك الابتسامة الرائعة التي تكشف عن مدى إعجابها بهذا الرأي.
وما تلبث (صفية هانم) أن تلقي بجسمها على مقعد وثير حين تنتبه إلى أنها ستنتظر ساعة أخرى حتى يمكنها أن تذب إلى الشقة المقابلة لتلقى صلاح.
ووضعت رأسها الصغير المضمخ بالعطور بين يديها وجعلت تنتقل بنظراتها القلقة في أنحاء الحجرة حتى انتهت تلك النظرات إلى وجه (سمير) وهو مغرق في النوم فوق سريره الصغير. . . وعلى الرغم منها تجد أ، نظراتها تشيح عنه وهي تشعر بشيء من الضيق يوشك أن يستحيل إلى كراهية. . . وعلى الرغم منها أيضاً تجد هذه النظرات تتجه إلى الماضي لتحدق فيه وسرعان ما تنساق هي ورائها تنبش بعصا الخيال أنقاض الذكريات.
أربع سنوات مضت وهي تعيش في هذا السجن المكون من ثلاث غرف مزودة بفاخر الأثاث ونادر التحف وجميل الستائر، أعني منذ مات زوجها وخلف لها ذلك المعاش الذي أتاح لها تلك الحياة الرخية الناعمة وخلف لها أيضاً سميرا ذلك الطفل الذي يهدف نحو سنته السادسة.
إنها تعجب أشد العجب!!. . . لقد كانت منذ شهر واحد تجد في كل أولئك جنة صغيرة وهي الآدمي الوحيد الذي منحها فوق الأرض. . .
كانت تعتقد أنه يمكنها أن تكون أسعد مخلوقة ولو عاشت في مكان أقل من هذا وبيئة أبسط من تلك ما دام معها (سمير) وما دامت تتملك ذلك الفيض الزاخر من الذكريات. . .
الذكريات التي تنهل منها القلوب حين تظمأ في العواطف في صحراء الحياة!!
وإنها لتكاد تجن حين تذكر أن هناك أيدي كثيرة كانت تمتد إليها ومعها الثراء والشباب والجاه ولكنها كانت ترفضها جميعاً لأنها كانت تفتح ذراعيها لتستقبل ذلك الطفل الصغير الذي يقطع الردهة جرياً على قدميه الصغيرتين ليلقي بنفسه في حضها الحبيب!!
كانت لعبة طريفة من غير شك تلك التي أنستها شبابها النضير.
ومتى يا ترى كانت تذكر ذلك الشاب وهي التي كانت تمضي يومها الطويل لا تفكر إلى في سمير! وهذه اللعبة الطريفة ستسره من غير شك. . . وتلك البدلة الأنيقة سوف تكون مثار دهشته. . . وهذه الحفلة ما أجمل أن يشاهدها سمير. . .!
لقد كانت تود لو استحال العالم كله إلى لعب، إذن لأحضرتها من أجل سمير. . .!
البسمات التي تمرح على شفتيه، والنظرات التي ترقص في عينيه، والكلمات التي تعدو متعثرة على لسانه الصغير؛ كل أولئك تحف غالية كانت تبيع شبابها من أجلها وما أرخصه من ثمن!.
إن أوثق رجل في الوجود لا يستطيع وهي في كنفه أن تقوم بالليل لتتفقد فراش سمير. . ولتنظر هل لا زال الغطاء منسولاً عليه؟ وهل تحرك وهو نائم وأوشك رأسه أن ينحرف قليلا عن الوسادة؟؟ وهل مد يديه الصغيرتين فلم يجد عنقها ليطوقه في شغف؟ كلا كلا هذا مستحيل!
إنها ترفض العالم كله إذا قدم إليها خالياً من سمير!
إنها الآن تتذكر كل ذلك ولا تملك إلا أن تبتسم في سخرية لهذه الأفكار التي تبدو لها الآن تافهة!
أجل إنها تافهة من غير شك وهي تعجب كيف ظلت تجهل ذلك حتى الآن!
الأمومة. . . التضحية. . . الذكريات، كل هذه الألفاظ الجوفاء التي ظلت تتعبد بها طيلة تلك السنوات الأربع ما جدواها وما نفعها؟ أجل ما جدواها في ذلك الزمن الذي يغتصب فيه كل إنسان سعادته من فم الأيام؟ ما أشبهها بأزهار القرع لا تجد وراء ألوانها الناقعة نفحة من عبير!
إن سميراً هذا الذي تبيع شبابها من أجله لتشتري له البسمات سوف يدفع لها الثمن يوماً
وسيكون دموعا. . غداً يكبر. . وتكون له معشوقات ويمضي الليالي الطوال لا يفكر إلا في فتاة أحلامه! أما هي فأغلب الظن أنه لن يذكرها إلا حين يحتاج إلى نقود! ثم ماذا بعد ذلك؟ سيتزوج سمير من غير شك. ومعنى هذا أنها ستنتقل من مركز الأم إلى مركز الحماة! وهو مركز لن تحسد عليه بأي حال! ومعنى هذا أيضاً أن (سمير) لن يتكلم معها إلا ليقول. . . يا سيدتي إن هذا لا يصح! لماذا دائماً تثيرين الخلاف مع زوجتي؟ وإذا قدر لها أن تظفر منه بابتسامة فإنها فضلا عما ستحمله من معاني التهكم فستكون على رأس طائفة من الألفاظ لن تفضل بأي حال هذه العبارة. . إنني على استعداد لأن أبحث لك عن مكان لائق وأتكفل بكل مطالبك على أن تتركينا ننعم ببعض الحياة التي كنت تنعمين بها مع أبي. . .!
أما إذا تكرم يوماً بزيارتها فلن يحدث ذلك إلا حين يكون على خلاف مع زوجته، أعني أنها لن تسمع منه غير ألفاظ الشكوى وزفرات الألم!
وهكذا وبكل بساطة تأتي امرأة أخرى لتأخذ الرجل الذي صنعته هي بدموعها وقدمت ليالي شبابها الذاهب قرباناً في محراب حبه!
كم كانت ستخدع وراء هذا السراب الزائف الذي يسمونه الأمومة؟
ثم تبتسم في سخرية وهي تلقي على نفسها هذا السؤال. . . لو الذي هي التي ماتت أكان من المعقول أن يبقى زوجها أربع سنوات بدون أن يتزوج؟ لا، لا يمكن بعد اليوم أن تترك عواطفها الشابة تستدفئ على موقد ليس فيه غير الرماد!
هي إذن ليست مخطئة حين تعرفت إلى صلاح! ذلك الشاب الذي يسكن الشقة المقابلة لقد أحست حين رأته أول مرة وهو يحمل ابنها الصغير بين يديه حين وجده يبذل مجهوداً في صعود السلم! أحست بكل جسدها ينتفض مثلما ينتفض المحموم حين توضع فوق جبينه قطرات الماء. . . لقد استبقت يده بين يديها قليلا وهي تستجمع أشتات الألفاظ لتشكره على ذلك الصنيع الطيب!
ولم تكد تخلو إلى نفسها حتى رأته يبدو أمام عينيها بقامته الفارعة ووجهة الأسمر وابتسامته الخلابة؛ ومثلما سمحت ليفه أن يزور خيالها فقد سمحت له أن يزور مسكنها. وهكذا استطاعت أن تجعل هذا اللقاء العابر يستحيل إلى صداقة. ومن يدري فقد تستحيل تلك الصداقة إلى حب. ومهما يكن من شيء فحسبها تلك الصداقة التي تتيح لهما أن يذهبا معاً
إلى دور السينما أو يرتادا أماكن اللهو وهو الشيء الذي يملأ حياتها بفنون من المسرة والإمتاع!. . . وترفع رأسها الصغير ثم تنظر في ساعة يدها وسرعان ما تدرك أن ميعاد السهرة قد قرب فتقف قليلا أمام المرآة ثم تسرع نحو الباب، وحين تدير المزلاج يحدث ذلك الصوت الطبيعي المعروف فيستيقظ سمير وينظر نحو أمه ثم يهتف بصوت أضعفه النعاس - ماما. . . ماما! إنت رايحه فين يا ماما! فتعود الأم وهي تحاول أن تهدهده حتى ينام ثم تقول له
مش رايحه يا حبيبي. . .! ولكن يدي الصغير تحوطان عنقها في إصرار وتشبث وهو يقول. . . خليكي هنا يا ماما. . . ترتجف الأم حين تسمع ذلك الصوت الصغير الحالم.
وتحس بأهدابها تختلج وبأعصابها تنتفض. . . إنها تنظر في عينيه فلا تجد تلك النظرات الساذجة الهادئة، بل إنها لتكاد ترى فيهما عيني والده. . . الزوج الذي مات منذ أربع سنوات. . . إن عينيه لم تموتا. . . إنهما هنا ببريقهما العميق النفاذ. . .! وهاتان اليدان الصغيرتان إنهما يشدان على عنقها بعنف لا تقدر عليه يدا رجل. . . إن هذه الرغبات الطاغية التي كانت تعصف بروحها منذ حين لتوشك أن تختنق تحت وطأة هاته الأيدي الطفلة. . .! ولكن ها هو النوم يطبق أجفان سمير في هدوء، وها هو يستل يديه من حول عنقها كأنه يريد أن يسنده إلى صدره؛ وها هو ذا عقرب الساعة يشير إلى تمام الثامنة ويشير إلى شيء آخر هو أن صلاح ينتظرها الآن فلماذا لا تخرج؟ والواقع أنها لا تستطيع لأنها هي الأخرى قد نامت إلى جوار سمير. . . ثغرها على جبينه. . . ويدها على خصره. . . وروحها تعانق روحه في سماء لا يعلمها غير الله. . .
محمد أبو المعاطي أبو النجا