الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 912
- بتاريخ: 25 - 12 - 1950
تحية لجامعة فؤاد في يوبيلها الفضي
تحية مباركة طيبة يا جامعة فؤاد!
لشدّ ما يُزهى بك المصري ويفخر! كنت أول تعبير عن إرادة مصر،
وأول مظهر لحرية الفكر، وأول صدع في بناء الاحتلال، وأول نبو
على طغيان كرومر!
كان اللورد يريد بحوله وطوله أن يصرفنا عن إنشائِك إلى إنشاء الكتاتيب، لأن سياسة المستعمر المحتل أن يجعل من ضحاياه عبيداً لا سادة، وجنوداً لا قادة. ولكن حملة (المؤيد) و (اللواء)، وصيحة بعض الزعماء والكبراء، أخذنا على (العميد) الطريق، فانكفأ راجعاً إلى (الوكالة البريطانية) يقلب كفيه من الخيبة، ويعضعض شفتيه من الغيظ؛ واتخذت أنت سبيلك إلى الوجود، فاحتفلت الأمة بمولدك في شهر ديسمبر من عام 1908. ثم تبنتك الحكومة في شهر ديسمبر من عام 1925؛ ثم قضيت في الجهاد العلمي تحت الرداء الرسمي خمساً وعشرين سنة، فيها رسخ بنيانك وشمخ، واتسع سلطانك وعز، وتأثل مجدك وعظم، وسطع نورك وانتشر، وارتفع ذكرك واستفاض، ولكنك لا تزالين تذكرين وتفخرين بأنأباك الرحيم هو الأمير فؤاد، وأن أمك الرءوم هي الأميرة فاطمة إسماعيل، وأن معينك البار هو مصطفى الغمراوي، وإن داعيك العظيم هو سعد زغلول، وأن حاميك القوي هو عبد الخالق ثروت، وأن ابنك البكر هو طه حسين!
أنت وبنك مصر يا جامعة فؤاد كل ما غنمناه من جهاد اثنتين وثلاثين سنة. وأقسم بالله جهد يميني لو أننا تجاهلنا الإنجليز بعد إلغاء الحماية الكاملة، وإعلان الاستقلال الناقص، ووقينا الأمة شر هذه الخصومات والمنافسات والمظاهرات والإضرابات والمفاوضات، وعملنا ما عمل بالأمس طلعت حرب في الاقتصاد، وما يعمل اليوم طه حسين في التعليم، لأجتمع لنا من سطوة المال وقوة العلم ما يدفع عنا معرّة الجهل ومضرّة الفقر ومغبّة المرض، ولوقفنا في مصائر الشعوب أمام الكتلتين الشرقية والغربية موقف النظراء الأكفاء في الكمال الإنساني، لنا نفع يرجى، وضرر يخشى، وقولٌ يسمع، ورأيٌ يتبع. ويومئذ لا يكون بين النِّدين المتمدنين قضية جلاء ولا مسألة استجداء ولا مشكلة دفاع، ولكننا ابتلينا يا جامعة فؤاد بقوم من كبار المتعطلين احترفوا السياسة، وامتهنوا التهريج، فشغلوا الأمة بالقول عن
الفعل، وبالهزل عن الجد، وبالحزبية عن القومية، وبالفرقة عن الجماعة، حتى أضلوها الطريق، ودفعوها مكرهة في هذا المضيق!
أحمد حسن الزيات
تنازع اللغات في طائفة من الكلمات
لفضيلة الأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي
عضو مجمع فؤاد الأول للغة العربية
إن من أشق الأمور على من كلف الكلام في الحفلات اختيار موضوع كلمة الحفلة لحفلة مثل حفلتكم، أقيمت لافتتاح أعمال مجمع لغوي مثل مجمعكم: إذ لا يحسن بالمتكلم إذ ذاك إلا أن يكون موضوع بحثه مما له علاقة باللغة وسلامتها، أو اتصال بتاريخها وبحوث آدابها. وبحوث اللغة أيها السادة قد يعتريها سوء تعبير، ويلحق بها أحياناً شيء من جفاء وجفاف، فما أحوج المتكلم اللغوي إلى التلطف في جمال العرض وحسن الإيراد ونصاعة البيان.
وهي خطة أصبحت لا أجيدها، ولا أطيق الجولان في ميادينها. وماذا أصنع وقد ذكر أسمي في جملة خطباء الحفلة من دون أن أستشار، أو يجعل لي اختيار، في تلمس الأعذار.
وبعد لأي هديت إلى بحث لغوي رأيته يلائم الزمان والمكان. غير أني لما زرته، وحاولت إفراغه في قالبه وجدته في حاجة إلى أن أذكر السبب في اختياره، والداعي إلى جمع مسائله وتقييد أوابده.
وإذا بي أرجع إلى ذكرى حادثة قد تسمى تاريخية. وقد تسمى مصرية. ويغلب على الظن أنها لم تدون بعد. فأزمعت تدوينها كمقدمة لبحثي اللغوي، أو كصفحة من تاريخ الوادي ومغامرات أبنائه في سبيل استقلاله.
وبدل أن تقع المقدمة في كلمات. إذا هي استوعبت صفحات. وفيها من الخبر ما يحسن وقعه، ويطيب لكم أيها الإخوان سمعه:
ألا تحبون أن تسمعوا أن الشيخ عبد العزيز شاويش رحمه الله نجح في إقناع (جمال باشا) قائد الجيش الرابع في الحرب العالمية الأولى (حرب سنة 1914م) - إقناعه باسترداد المدرسة الصلاحية في القدس من أيدي الرهبنة الفرنسية المسماة بالآباء البيض وإرجاع تلك المدرسة سيرتها الأولى: مدرسة دينية أزهرية عمائمية لكنها عصرية باسم (الكلية الصلاحية) نسبة إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي الذي كان بنى تلك المدرسة على ظهر مغارة كانت تأوي إليها السيدة حنة وطفلتها السيدة مريم. وكان هذا من صلاح الدين بعد أن
أنقذ بيت المقدس من براثن الصليبيين، وجعل المدرسة داراً للحديث باسم السادة الشافعية.
نجح الشيخ شاويش في هذا وفاز بأمنيته، وباشر تأسيس الكلية وترتيب فصولها وتنظيم برامجها.
ودعيت من (طرابلس الشام) إلى معاونته في عمله، فلبيت الطلب، وأسرعت إلى القدس أهدى من القطا الكدرى. وأعلن خبر افتتاح الكلية الصلاحية في طول البلاد وعرضها، واجتلبت الأساتذة إليها، واقبل الطلاب من كل حدب عليها. وكانوا يؤمونها لا لطلب العلم وحده، بل للتخلص من أهوال حرب كانوا يعتقدون أنها شر وبلاء عليهم وعلى دولتهم. وكان الخلاف بين الترك والعرب لحين نشوب تلك الحرب في منتهى شدته، وعلى أحر جمرته.
وكان من أساتذة الكلية المرحوم محمد رستم حيدر الوزير العراقي، والمرحوم إسعاف النشاشيبي الأديب الفلسطيني؛ ومن طلابها المرحوم محمد الأنسي البيروتي رئيس وزراء شرق الأردن. وعباس باشا ميرزا الشركسي وزير داخليتها اليوم، والشيخ يوسف ياسين الوزير السعودي، وصبحي بك الخضرا السياسي الفلسطيني. وليس الشأن أيها السادة في هؤلاء وأولئك، وإنما الشأن في رهط من أبناء مصر الأحرار أووا إلى الكلية في ذلك الحين العصيب كما أوى فتية أهل الكهف إلى كهفهم. فخصص لهم نقيبهم الشيخ شاويش جناحاً من بناء الكلية؛ فكانوا يقيمون فيه ولا يبرحونه إلا ريثما يتناولون قوتهم في مطاعم المدينة. ثم يأوون إلى كهفهم دون أن يشعر بهم أحد.
ولا غرو أن يكون مدار حديث هؤلاء الفتية في خلوتهم على الحرب ونتائجها، والحملة التركية ومناهجها، وكنت أنا وصديقي الشيخ شاويش ننظر في أمور الكلية وقبول الطلاب الحائزين للشروط، ونريح أنفسنا أحياناً بزيارة الفتية في كهفهم، بل الأشبال في عرينهم.
وما كان أشد اغتباطي حين أخذني الشيخ شاويش من يدي لأول وصولي إلى الكلية، وجاء بي إلى أولئك الأشبال في منامتهم. هذا مستلق على سريره وبيده كتاب، وآخر منتبذ ناحية يقرأ جريدة، وذاك ينفض الغبار عن معطفه، وهنالك من يأمر الفراش ببعض حاجته.
وقدمني إليهم صديقي شاويش باسم (المغربي) المحرر في جريدة المؤيد منذ خمس سنين.
فهشوا إلى لقياي، وأخذت أعانق من أعرف، وأصافح من لم أكن اعرف؛ ثم قال لي الشيخ
شاويش:
هذا فؤاد بك سليم، وهذا الدكتور أحمد فؤاد المصري نزيل الآستانة، وهذا عبد الملك حمزة بك، وهذا عوض بحراوي بك، وهذا فلان: وأشار إلى واحد منهم سماه باسم إسماعيل بك، بل قد نسيت إن كان (إسماعيل) اسماً له أو اسماً لأبيه. وكان هذا الفتى النجيب مربوع القامة أبيض اللون بديناً. وكان أكثرهم مرحاً وتفاؤلاً وأقلهم مبالاة بما تأتي به الأقدار.
وقضينا أيها السادة مع هؤلاء الفتية المؤمنين بربهم وبوطنهم ساعة من الزمن في مطايبة ومفاكهة وأحاديث مختلفة ثم كنت أزورهم من وقت إلى آخر. وكان الشيخ شاويش يغيب عن الكلية لمراجعة مقر القيادة التركية في بعض المهام ويترك الأشبال في عرينهم ينتظرون إيابه بلهفة وفرط استشراف. وكانوا في غيبته أحياناً يفكرون ويقدرون، وطوراً يزأرون من الغيظ ويزمجرون. ثم يعود الشيخ إليهم بما يسرهم تارة، ويؤلمهم تارة أخرى.
كلما ذاق كأس بأس مرير
…
جاء كأس من الرجاء معسول
واتفق ذات ليلة أيها السادة أن تركت غرفتي وتخطيت الرواق المؤدي إلى عرين الأشبال أزورهم. وكان يتدلى من سقف الرواق قنديل قديم من قناديل الأديرة يتنفس عن أشعة ضئيلة لا تتبين معها الأشباح إلا بصعوبة؛ وإذا بشبح كالعملاق يعترضني ويلقي بتجليده عليَّ قيل أن يتوسمني أو يتبين من أنا، فسألته قائلاً:
- من يكون حضرة الأخ؟
- عبد الحميد سعيد (قالها بلهجة المشتاق ألمتحبب وعجب من سؤالي مع أن طوله وعرضه رحمه الله ينبئان عن شخصه ثم قال)
- ألست الشيخ عبد العزيز شاويش؟
- لا: بل أنا عبد القادر صديق الشيخ شاويش ومغربي مثله.
فتبسم ضاحكاً من قولي وعجب من هذا الشبه بيني وبين صديقه. وانقلبنا إلى مأوى الأشبال متشابكي الذراعين نحدثهم بما وقع. فقامت فيهم ضجة صاخبة مرحة قللت من العبوس، ورفهت بعض الشيء عن مخاوف النفوس، وكان (عبد الحميد بك سعيد) حين جئت الكلية من طرابلس غائباً في قضاء مهمة وراء منطقة القدس. فلما رجع ودخل على إخوانه هللوا لمقدمه؛ وكان أول ما سألهم عن صديقه الشيخ شاويش فقالوا: هو في المنامة
الكبرى يتفقد الطلاب قبل نومهم، فلم يطق صبراً وخف إليه مسلماً عليه. فصادفني في الرواق وكان من أمرنا ما كان.
والأشبال في أحاديثهم أيها السادة قلما كانوا يتخطون المشاكل الدولية عامة، والمسألة المصرية خاصة. وكانوا يتنسمون أخبار الغزاة، ويستطلعون طلع الحركات والمقارنة بين الاستعدادات. وكثيراً ما كانت تقع بينهم مناظرات في أي الأعمال والمساعي أنجح؟ فترتفع أصواتهم، وتحتدم نار الجدل بينهم. وكان أقواهم حجة وأعنفهم لهجة، ذلك البطل المصري، يافعة السياسة (الدكتور أحمد فؤاد): فإن إقامته في الآستانة أكسبته مزايا في الجدل وسعة اطلاع على المناورات الدولية وتفقهاً في أسرار القضية المصرية.
وكنت إذا زرتهم خففوا من الخوض في السياسة وفاضوا في العلم واللغة والأدب وتاريخ العرب وتناشدوا شعر شوقي وحافظ، وتطارحوا النوادر ومستملح النكت على الطريقة المصرية التي مرن إخواننا المصريين عليها، ويقف غيرهم مبهوتاً حواليها. ولذا كنت إذا شاركتهم في الحديث فعلت بشيء من الحذر والتهيب منشداً بيني وبين نفسي:
أقول لمحرز لما التقينا
…
تنكب لا يقطرك الزحام
وتذاكرنا يوماً فضلاء مصر وكبار أدبائها. فقلت لهم: إن من رجال مصر ثلاثة اشتركوا في الاسم، وسعة الفضل والعلم. وسميتهم لهم (ألأباره) وألأباره أيها السادة جمع إبراهيم. وأردت بهم الأساتذة إبراهيم اللقاني، وإبراهيم الهلباوي، وإبراهيم المويلحي، رحمهم الله.
فهب الأشبال للمجادلة فيهم، وإعمال الموازنة بينهم. فقلت ليس غرضي التحدث عن درجاتهم في الفضل وإنما الغرض التعجب من اتفاقهم في الاسم. وأن يكون لهم أوفر سهم في الأدب واللسن وصنوف العلم. فقال بحراوي بك: إذن لا تنسى يا أستاذ الأحامد الثلاثة وهم أصحاب السعادة: أحمد بك حسني، وأحمد بك تيمور، وأحمد بك زكي.
قلت: وأزيدك أنهم مع اشتراكهم في الاسم تراهم شركاء في حب الكتب واقتنائها والولوع بجمعها والبحث عنها هنا وهناك ولدى كل منهم مكتبة لا نظير لها. ولم يكد يرتد إلى صوتي حتى علا من زاوية المكان صوت استنكار لما قلت. وإذا هو فؤاد بك سليم ينكر على أن تكون مكتبات (الأحامد) أجمع لنفائس الكتب ونوادر المخطوطات من مكتبة والده. وإذا الإخوان يخبرونني بمكانة والده في المجتمع المصري وعلو كعبه في شرف المحتد
وهو عبد اللطيف باشا سليم. وشهدوا بأن مكتبته لا تضاهيها مكتبة في مصر. فقلت: وهل يسمى الباشا بأحمد؟ قالوا لا، قلت لا داعي إذن للمعارضة إذ أن المقام مقام (أباره) و (أحامد) لا مقام إحصاء هواة الكتب. ولاحظت أن في فؤاد بك رحمه الله شيئاً من أرستقراطية وتمجيد بالنسب.
ثم رجعنا إلى التحدث في الأخبار العامّة. وكان كثيراً ما يتخلل كلامنا ذكر (القنال). وكنا نستعمل لفظ (القنال) أكثر مما نستعمل لفظ (الترعة). فصاح بنا (الدكتور أحمد فؤاد) معترضاً على من يقول القنال وقال إن القنال لفظ فرنسي ولفظ (الترعة) العربي أفضل منه وأكرم عند الله. فسألني الأخوان إذ ذاك عما إذا كان لفظ (قنال) عربياً أو فرنسياً؟
فقلت هو من جملة الألفاظ المولدة التي تبنتها اللغة العربية وينازعها فيها غيرها من اللغات: كالفارسية واليونانية والحبشية والسريانية وأخيراً التركية ثم الفرنسية.
أقول: وهذه الكلمات المتنازع فيها كثيرة يصح أن يؤلف فيها معجم صغير. واستحسن زميلنا العلامة رضا الشبيبي أن يسمى هذا المعجم باسم (الوغى في ميادين أللغى) وإني لذاكر لكم أيها السادة من هذه الكلمات المتنازع فيها ثلاثة أمثلة. وأبتدئ القول في كلمة (القنال) التي كانت السبب في إثارة هذا البحث (أي بحث تنازع اللغات في بعض الكلمات) فالقنال لفظ عربي وقد نازعت اللغة العربية فيه اللغة الفرنسية فهي (أي الفرنسية) تدعى أنه منها وإليها، وتزعم أن أصل القنال باللغة اللاتينية أما اللغة العربية فتقول إن القنال كلمة عربية مولدة منحوتة من كلمتي (قنا الماء) أو (قنا البحر) وربما كان الفرنسيون هم الذين جروا في فرنستها مجرى أميرال فإن لفظ (أمير) أضيف إليه اللام من كلمة (البحر) إذ أن الأصل أمير البحر. فلم يعجب قولي هذا (فؤاد بك سليم) فصاح من زاويته العاجية، وما تقول يا أستاذ في أخوات أميرال وهي المارشال والجنرال والكابورال؟ هل الفرنسيون نحتوها من العربية أيضاً؟ فقلت: إن لفظ (أمير) من أميرال عربي قطعاً بخلاف أخواتها فإنها فرنسيات بجميع حروفها. وأمير البحر اسم لكبير الربابنة في اصطلاح مؤرخي العرب، وقد استعمله الفرنسيون أولا بتمام لفظه أعني أمير البحر، ثم نحتوا منها كلمة (أميرال) لتكون على وزن كلماتهم (مارشال، جنرال، كابورال).
وهكذا الحال في (قنال) اصلها قنا البحر أو قنا الماء، وقنا جمع قناة بمعنى مجرى الماء،
فنحتوا من قنا الماء (قنال) اسماً لمجرى الماء الواسع المسمى بالعربية الفصحى ترعة.
ومثل هذا النحت في العربية الفصحى قولهم عقابيل المرض، وعقابيل الحمى اسم للبثور التي تظهر على المريض عقبى الحمى فنحت العرب منهما أي من عقبى الحمى (عقبل) ولكن اشتهر عقبل بلفظ جمعه أعني عقابيل.
ومن أمثلة هذا النحت في الألفاظ العربية المولدة ما جاء في لهجة السوريين وهو قولهم دحل الأرض بالمدحلة أي رصها وسواها. وأصله (أي أصل دحل) دحا الأرض يدحوها بالمدحاة، فنحتوا من دحا الأرض فعل (دحل) باللام المنحوتة من أل.
ومثله في هذا النحت اسم عائلة تجارية مشهورة في (بمباي) و (جدة) وهم زينل إخوان منحوت اسمهم من اسم جدهم (زين العابدين).
عندها كثر الجدال بين الأشبال في أي القولين أرجح: عجمية القنال أو عروبته؟
نتركهم في حوارهم ونعمد إلى مثال آخر من أمثلة التنازع الواقع بين العربية والفارسية. وهو كلمة (عنبر) اسماً لمخزن الغلة والقمح. وقد قال بعض الفضلاء إن عنبر فارسية الأصل محرفة من كلمة (أنبار) الفارسية بدليل أن الفرس القدماء سموا إحدى مدنهم في العراق (أنبار).
فقلت: ولكن المعاجم العربية وخاصة معجم البلدان لياقوت تذكر أن (أنبار) عربية وأنها جمع (نبر) بمعنى ألهري الذي يجمع على أهراء. وهي أي الأهراء مخازن الغلال كالأنبار.
وأزيد على ذلك أن جماعة من عرب تنوخ في عهد ملوك الفرس الأقدمين المشهورين بملوك الطوائف نزلوا مدينة (الأنبار) الفارسية العراقية وكان اسمها بالفارسية فيروزسابور فرأى فيها التنوخيون أكوام الغلال مرتفعة هنا وهناك فسموا مدينة (فيروزسابور) باسم (أنبار) لكثرة ما رأوا فيها من أنبار الغلال. وبقي الاسم عليها إلى اليوم. والنبر في اللغة العربية بمعنى الارتفاع ومنه المنبر ونبرات الصوت. ثم حرفت كلمة (أنبار) إلى عنبر بالعين المهملة.
ومثال النزاع بين العربية واللغة العبرانية كلمة (شعر) اسماً للكلام المقفى الموزون. لا جرم أنها عربية مشتقة من شعر بالشيء إذا علمه. وشعراء العرب هم علماؤهم. وذهب بعض
المستشرقين إلى أن كلمة (شعر) عبرانية الأصل محولة عن كلمة (شير) التي هي في العبرانية بمعنى ترتيلة وتسبيحه وفي كتاب (فجر الإسلام)(جزء 1 عدد 69) للعلامة أحمد أمين ما يشعر بترجيح بعضهم لعبرانية شعر.
وأمثلة التنازع بين العربية وغيرها كثيرة كما قلنا. وإن كثرتها وضيق الوقت يحولان دون الإفاضة فيها:
فكلمات موسيقى وقهوة وقازوزة وقرش وفرن وفانوس وبارود وبندقية وقبعة وسراب وميزاب وعسكر - كلها عربيات. واللغات الأخرى تنازعنا في عروبتها فلنرجئ الكلام عليها وتحرير النزاع فيها إلى إحدى جلسات المجمع العادية.
على أننا مهما تسامحنا في عروبة تلك الكلمات لا يحسن بنا أيها السادة أن نتسامح في (القنال) لظهور أدلتنا على عروبته فلنتمسك بحقنا فيه مهما كلفنا الأمر.
هذه هي كلمتنا أيها السادة. وخير ما فيها مقدمتها وما تضمنته من ذكرى أولئك الأشبال الأحرار الذين وفوا لربهم نذرهم، وقضوا في سبيل وطنهم نحبهم، سوى واحد منهم قد مدَّ الله في عمره، ليرى حسنة عاقبة صبرهم وصبره.
وما أحقهم برثاء الشاعر الذي فجع بإخوان له مثلهم إذ قال
هبت قبيل تبلج الفجر
…
هند تقول ودمعها يجري
أقذى بعينك لا يفارقها
…
أم عار أم مالها تذري؟
أم ذكر إخوان فجعت بهم
…
سلكوا طريقهمو على خبر
فأجبتها بل ذكر مصرعهم
…
لا غيره عبراتها يمري
يا رب أسلكني طريقهمو
…
ذا العرش واشدد بالتقوى أزري
عبد القادر المغربي
العيد الفضي لجامعة فؤاد:
كيف نشأت أول جامعة في مصر
للأستاذ سيد محمد كيلاني
إن فكرة إنشاء جامعة في مصر فكرة قديمة اختمرت في رؤوس بعض المفكرين المصريين. وقد كان يعقوب باشا أرتين أحد وكلاء وزارة المعارف السابقين أول من تناول هذا الموضوع وكتب فيه. ففي سنة 1894 أخرج كتاباً عنوانه (القول التام في التعليم العام) ومما جاء فيه قوله (. . . ومتى وقع الإقرار على هذا التعديل ألمحتم وتم إخراجه من عالم القول إلى عالم الفعل وأصبحت مدارسنا العالية مؤسسة على أسلوب منتظم وقائمة على قواعد متينة يقضي بها العقل، حينئذ تتجه الرغبات إلى ضمها كلها (المدارس العالية) بعضها إلى بعض وجعلها مدرسة كلية جامعة. وبما أن العناصر اللازمة لإنشاء هذه المدرسة الكلية تكاد تكون متوافرة لدينا بتمامها فعندما نتمكن من الحصول على الأساتذة القديرين على التدريس في هذه المدرسة الكلية يكون من السهل وصولهم إلى درجة الاستعداد والكمال، فتكتسب البلاد فوائد عظمى من حيث تقدم العلوم والآداب والفلسفة النظرية والعملية وما يحدث من السنن والتقاليد وبما يظهر من روح الموالاة في العمل وبالمزاحمة والمسابقة اللتين تتولدان بالطبع بين مدرستنا الكلية ونظائرها الأخرى.).
غير أن سياسة المحتلين كانت ترمي إلى حرمان المصريين من كل تقدم أو رقي، فكان المستشار المالي من ناحية ومستشار المعارف (دنلوب) من ناحية أخرى ينفذان بكل دقة وأمانة الأوامر الإنجليزية الاستعمارية القاضية بالحيلولة بين الشعب المصري وبين التعلم حتى يعيش جاهلاً فيسهل عليهم قياده ويهون إذلاله واستعباده.
ولما نشأ الحزب الوطني وكثرت الصحف أخذت الأصوات ترتفع من كل جانب مستنكرة سياسة المحتلين التي حرمت الأمة من نور العلم. وكانت حملات الكتاب والشعراء في ذلك عنيفة قاسية. ولكن المحتلين لم يغيروا خطتهم المرسومة فرأينا المستشار المالي يكتب في تقريره الذي أصدره سنة 1904 ما نصه (إن الحكومة لا تملك المال للإنفاق على تعليم الأمة وإنما هي تعلم في مدارسها العدد الذي تحتاج إليه في وضائفها فقط).
وفي سنة 1905 ظهرت في الصحف فكرة إنشاء جامعة مصرية؛ وأخذ الكتاب يحررون
المقالات في التنويه بمزايا إنشاء هذه الجامعة. فخشي اللورد كرومر أن تخرج هذه الفكرة إلى حيز الوجود، فأراد أن يقضي عليها وهي في بدايتها. فشد رحاله إلى الفيوم وألقى خطبة في أعيان تلك المدينة قال فيها (. . إن التعليم الذي تحتاج إليه الأمة المصرية هو تعليم الكتاب فقط.).
وحث الأعيان والحكام في جميع جهات القطر على إنشاء الكتاتيب فجمعت آلاف الجنيهات، ولكن لم ينشأ من الكتاتيب إلا عدد يسير لم يلبث أن حول إلى حظائر للمواشي والأغنام.
كانت سياسة المحتلين هذه حافزاً للمصريين على إنشاء المدارس والعمل على نشر العلم بين أبناء الشعب، فظهرت الجمعيات الخيرية كجمعية المساعي المشكورة بالمنوفية، وجمعية العروة الوثقى بالإسكندرية، وقد جدتا في فتح المدارس وتعليم الفقراء فيها بالمجان، وحذت حذوهما الجمعيات الخيرية الإسلامية والقبطية في كثير من جهات القطر المصري.
إلا أن فكرة الجامعة بقيت حلماً من الأحلام حتى قام أحد أعيان بني سويف في شهر سبتمبر سنة 1906 وأعلن أنه تبرع بمبلغ 500جـ م لإنشاء جامعة ودعا المصريين إلى التبرع لهذا العمل الجليل. أما هذا الرجل فهو مصطفى بك كامل الغمراوي. وفي شهر أكتوبر من تلك السنة اجتمع في منزل سعد زغلول بك (باشا) بعض الأعيان والوجهاء وشكلوا لجنة لتسليم التبرعات سموها (لجنة الجامعة) وقد قرروا إنشاء جامعة تسمى (الجامعة المصرية) وأصدروا نداء جاء فيه:
(إن جميع الذين يشعرون منا بنقص تربيتهم العقلية يرون من الواجب أن التعليم يجب أن يتقدم خطوة في بلادنا نحو الأمام وإن أمتنا لا يمكنها أن تعد في صف الأمم الراقية لمجرد أن يعرف أغلب أفرادها القراءة والكتابة أو أن يتعلم بعضهم شيئاً من الفنون والصناعات كالطب والهندسة والمحاماة، بل يلزمهم أكثر من ذلك.).
وكان من رأي هذه اللجنة أن تشمل الجامعة التعليم بأنواعه الثلاثة: الابتدائي والثانوي والعالي. ولكن نظراً لتعذر تنفيذ ذلك كما ذكرت ولوجود التعليم الابتدائي والثانوي رأت أن تكتفي مؤقتاً بالتعليم العالي الذي لم يكن له وجود في ذلك الوقت.
وقد تبرع أعضاء اللجنة بمبلغ 4485 جـ م ثم أخذ الناس يبعثون بالتبرعات من جهات
مختلفة: وقد دبت روح الغيرة الوطنية في النفوس. انظر إلى ما كتبته صحيفة اللواء في شهر أكتوبر سنة 1906 وهو: (دبت في نفوس الناشئة روح الشعور الشريف نحو مشروع الجامعة المصرية حتى أن من التلامذة من يقتصد من مصروفه الخاص بعض الدراهم فيتبرع بها لذلك المشروع فلقد جاءنا كتاب يفيد أن حضرة أحمد أفندي رأفت التلميذ بمدرسة راتب باشا بالإسكندرية اقتصد من مصروفه خمسين مليماً ودفعها للجنة اكتتاب الجامعة. ونحن نشكر هذا الشعور ونرجو الله تنميته في الناشئة).
ولكن سياسة الإنجليز التي أشرنا إليها قد وضعت نصب عينيها دفن هذا المشروع قبل أن يظهر إلى الوجود. فأخذ رجالهم يحاربون هذه الفكرة القيمة بطرق شتى ويحاولون صرف المصريين عن تحقيق ما يجول في أذهانهم في هذا الصدد. وقد كتب لورد كرومر في تقريره عن سنة 1906 يقول (. . ولما كان إخراج هذا المشروع من القول إلى الفعل يقضي زماناً فإني أشير على أصحابه أن يدرسوا تاريخ إنشاء المدارس الجامعة في البلدان الأخرى، ويبذلوا الجهد في إفهام المصريين الغرض الحقيقي الذي يتولونه، ويجدر بهم أيضاً إعمال الفكرة في بعض التفاصيل الخاصة بالمشروع وأهمها تدبير الطلبة وتعيين اللغة التي تتخذ أساساً للتعليم، وإعداد الأساتذة والمعلمين للجامعة في المستقبل فهذه هي الأمور الجوهرية التي يحسن أن يدور البحث الأول عليها، ويتلوها أمر الشؤون المالية وعلاقة الجامعة بنظارة المعارف والمدارس الفنية العالية، وتأليف مجلس إدارة لها ووضع نظام فدارة الطلبة والسكن إلى غير ذلك من الأمور التي تستحق النظر والاعتبار.) ،
بهذا أراد كرومر تثبيط الهمم وإضعاف العزائم، فهو يشير على لجنة الجامعة بأن تبذل الجهد في إفهام المصريين الغرض الذي كانت تتوخاه في حين أنه هو كان يبذل الجهد في محاربة هذا المشروع والقضاء عليه.
ولما كان سعد زغلول هو الذي نهض بتشكيل لجنة الجامعة، وهو الذي جد واجتهد في الترويج لتلك الفكرة، ظن كرومر أنه قادر على قبر هذا المشروع الجليل بإقصائه سعداً عن اللجنة.
وأقدم على تنفيذ هذا الغرض فعين سعد وزيراً للمعارف في سنة 1907 فخلفه قاسم أمين بك الذي واصل الجهاد والكفاح. وقد أخذ حافظ إبراهيم يستحث الهمم بشعره ويلهب
العواطف فمن ذلك قوله من قصيدة:
ذر الكتاتيب متشبها بلا عدد
…
ذر الرماد بعين الحاذق الأرب
فأنشئوا ألف كتاب وقد علموا
…
أن المصابيح لا تغني عن الشهب
هبوا الأجير أو الحراث قد بلغا
…
حد القراءة في صحف وفي كتب
من المداوي إذا ما علة عرضت
…
من المدافع عن عرض وعن نشب
ومن يروض مياه النيل إن جمحت
…
وأنذرت مصر بالويلات والحرب
ومن يوكل بالقسطاس بينكم
…
حتى يرى الحق ذا حول وذا غلب
ومن يطل على الأفلاك يرصدها
…
بين المناطق عن بعد وعن كثب
يبيت ينبئنا عما تنم به
…
سرائر الغيب عن شفافة الحجب
ومن ينر أديم الأرض ما ركزت
…
فيها الطبيعة من بدع ومن عجب
يظل يرشد من ذراتها نبأ
…
ضنت به الأرض في ماض من الحقب
ومن يميط ستار الجهل إن طمست
…
معالم القصد بين الشك والريب
فما لكم أيها الأقوام جامعة
…
إلا بجامعة موصولة النسب
هكذا وقف حافظ مبيناً أهمية التعليم الجامعي وضرورته لمصر والمصريين، داعياً إلى تحقيق هذا المشروع الذي فيه حياة مصر قال:
ولا حياة لكم إلا بجامعة
…
تكون أما لطلاب العلا وأبا
وفي سنة 1908 أوعز الخديوي عباس إلى الأمير أحمد فؤاد (المغفور له الملك فؤاد) أن يرأس لجنة الجامعة فقبل ذلك ووقف جهده ووقته في العمل على إخراج تلك الفكرة السامية إلى حيز الوجود كما أوعز الخديوي إلى وزارة الأوقاف فقررت للجامعة إعانة سنوية قدرها خمسة آلاف جنيه.
وفي ديسمبر من تلك السنة افتتح الخديوي عباس الجامعة المصرية في حفلة أقيمت بمجلس شورى القوانين. وقد خرج تلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية والفنية حاملين أعلامهم وساروا حتى وصلوا إلى مكان الاحتفال ووقفوا في انتظار قدوم الخديوي.
وقد ألقى الأمير (الملك) أحمد فؤاد خطاباً جاء فيه:
(. . . وإنني أبتهل إليه تعالى أن يجعل هذه الجامعة نافعة لطلاب العلم عموماً ولشبيبتنا
المصرية خصوصاً. إذ أننا لم نقدم على هذا العمل الجسيم ولم نسهر الليالي بسببه إلا لترقية هذه الشبيبة).
ورد الخديوي عباس مبدياً سروره واغتباطه لتحقيق هذا المشروع الوطني الجليل وختم كلمته بقوله (فباسم الفتاح العليم أعلن افتتاح الجامعة المصرية وأسأله تعالى أن يجعلها منهلاً عذباً لطلاب العلم والعرفان على اختلاف الأجناس والأديان.).
وكان الطلبة على نوعين: منتسبون ومستمعون، فالطالب المنتسب هو الذي يواظب على حضور جميع المواد التي كانت مقررة، وهذا الطالب يدفع رسم قيد قدره 240 قرشاً يضاف إليها رسوم مكتبة قدرها عشرون قرشاً.
وكانت المحاضرات تلقى بعد الظهر من الساعة الرابعة والنصف إلى الساعة السابعة والنصف. أما مكان الجامعة فكان بأحد القصور الواقعة في أول شارع قصر العيني من جهة ميدان الخديوي إسماعيل (محل الجامعة الأمريكية الآن).
وقد بلغ عدد طلبة الجامعة بين مستمعين ومنتسبين في العام الأول من افتتاحها 754 طالباً.
وفي سنة 1909 أنشأت الجامعة قسماً للسيدات وكانت المحاضرات تلقى فيه صباح يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. وقد ذكرت الجامعة في إعلانها عن هذا القسم أن المحاضرات تلقى فيه في غير أوقات المحاضرات الخاصة بالطلبة ثم جاء في هذا الإعلان ما نصه:
(وزيادة على ذلك فإن الجامعة أناطت بسيدتين أوربيتين مقابلة السيدات اللاتي يرغبن في حضور هذه المحاضرات الخاصة بالسيدات بحيث لا يصادفهن أحد من موظفي الجامعة ولا من الأجانب عند دخولهن وخروجهن.). هكذا أرادت الجامعة أن تطمئن السيدات على أنفسهن. وكانت السيدة تدفع خمسة قروش في سماع محاضرة واحدة. وقد بلغ عدد المستمعات ثمانية وخمسين سيدة بين مصرية وأجنبية.
وكانت الدراسة في الجامعة عبارة عن محاضرات تلقى في موضوعات شتى في الأدب وتاريخه والتاريخ الإسلامي وعلم الفلك عند العرب وآداب اللغتين الإنجليزية والفرنسية. وفي سنة 1910 أنشأت الجامعة قسماً خاصاً للآداب والفلسفة.
وبدأت بإنشاء فرع للعلوم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وقد بلغت نفقاتها السنوية في
ذلك الوقت 3200 جـ م. هذا غير ما كانت تنفقه على الطلبة الذين أرسلتهم إلى أوربا للدراسة في الجامعات.
وسعت الجامعة لدى الحكومتين الفرنسية والإيطالية لتقبلا في مدارسها أطفالاً من سن ثماني إلى عشر تنتخبهم الجامعة ليربوا ويتعلموا بمدينتي باريس وروما حتى يتموا الدراسة الثانوية وذلك على نفقة الحكومتين المذكورتين. وقد قبلت كل من الحكومتين ذلك فأرسلت الجامعة أربعة أطفال إلى فرنسا ومثلهم إلى إيطاليا.
وفي هذا العام أعني عام 1910 منحت الجامعة أول دكتوراه فخرية للسيد روزفلت الرئيس السابق لجمهورية الولايات المتحدة.
وفي سنة 1911 احتفلت بعض جامعات أوربا بمرور مائة عام على تأسيسها. فدعت الأمير (الملك) أحمد فؤاد لحضور تلك الاحتفالات بصفته رئيساً لأحدث جامعة. وكان رحمه الله كما ذكرنا يبذل جهداً جباراً في النهوض بالجامعة. وقد ذكر في تقريره عن سنة 1911 ما نصه (- ولو كنا ممن يميلون إلى الاستعارات والتشبيهات لقلت إن من السهل تشييد الجامعة بتشييد تلك الأبنية الشاهقة والمعابد الشامخة التي يتبادر إلى الذهن أنها لا تتم أبداً لما تستدعيه من المعدات الهائلة المختلفة الأنواع، غير أني أوثر العمل على زخارف الكلام العديم الفائدة وعلى تسليم أن عملي مؤسس على خيال فإني آمل أن يصبح بناؤنا يوماً بعد تمامه مركزاً لإعادة مجد العلوم والفنون في هذه البلاد، وأن تكون خيالات اليوم حقائق الغد.). فالأمير (الملك) أحمد فؤاد كان عليماً بالصعوبات الجمة الهائلة التي كانت تكتنف هذا المشروع وتحول دون قيامه. ولكنه لم ييئس بل آثر العمل في هدوء وسكينة متذرعا بالصبر، متحلياً بالعزيمة الصادقة، مؤملاً كما ذكر (أن تكون خيالات اليوم حقائق الغد) وقد تحقق ظنه وقدر له أن يرى في مصر جامعة عظيمة مستكملة العدة قائمة على مكان في أجمل بقاع مدينة القاهرة وفي أبنية رائعة فخمة. وهذا هو الحلم الذي يراود القائمين بأمر الجامعة حينما افتتحوها في منزل صغير قديم وحينما كانت الجامعة مجرد قاعة لإلقاء محاضرات في بعض المواد.
وفي سنة 1914 تبرعت الأميرة فاطمة إسماعيل للجامعة بتسعة عشر فداناً من أجود أراضيها في الجيزة كما تبرعت بجواهر تبلغ قيمتها 26 ألف جنيه؛ ففكرت الجامعة في
إقامة بناء على تلك الأرض.
وفي 30 مارس سنة 1914 وضع الخديوي عباس الحجر الأساسي لمباني الجامعة. وفي سرادق الاحتفال غنى المطرب زكي عكاشة قصيدة شوقي التي مطلعها
يا بارك الله في عباس من ملك
…
وبارك الله فيكم آل عباس
ولكن قيام الحرب العظمى الأولى قضى على فكرة بناء أمكنة للدراسة وتعرضت الجامعة للإفلاس واضطرت إلى استدعاء بعثاتها من أوربا بعد أن إنعدمت التبرعات.
وفي سنة 1914 منحت الجامعة أول دكتوراه علمية للطالب طه حسين (بك) بعد أن جرت فيها أول مناقشة علمية علنية برياسة الشيخ الخضري وقد حضرها جمهور كبير من الطلبة والأساتذة.
وفي عام 1915 فكرت الحكومة في إنشاء جامعة. وفي 27 فبراير سنة 1917 وافق مجلس الوزراء بصفة مبدئية على ما اقترحه وزير المعارف من إنشاء جامعة. وناط بوزارة المعارف إعداد مشروع لهذا الاقتراح فشكلت لجنة لهذا الغرض بقرار وزاري صدر في 20 مارس سنة 1917 وقامت بالعمل في الحال وقدمت في 17 نوفمبر من تلك السنة تقريرها التمهيدي الأول متناولاً الاقتراحات التي ترى العمل بها في وضع النظام الذي تقوم عليه الجامعة وبيان ما لرجالها والهيئات المكونة لها من الحقوق وما عليهم من الواجبات. ثم وقفت اجتماعات اللجنة مدة تزيد على سنتين من 22 يناير سنة 1918 إلى 24 مارس سنة 1920 وفي 4 يناير سنة 1921 رفعت اللجنة تقريرها إلى وزير المعارف.
وقد كانت أغلبية أعضاء هذه اللجنة من الأجانب، لذلك قررت أن تكون لغة الدراسة بالجامعة هي اللغة الإنجليزية أو الفرنسية.
أما الأعضاء المصريون وكانوا ثلاثة فقد احتفظوا برأيهم وسجلوه في التقرير وهو تدريس المواد باللغة العربية. وقد بقي هذا المشروع في طي النسيان حتى شهر مارس من سنة 1925 إذ صدر مرسوم ملكي بإنشاء (الجامعة المصرية) وقد جرت مفاوضات بين الحكومة والقائمين على الجامعة القديمة. وانتهت هذه المفاوضات بضم الجامعة القديمة إلى الحكومة. ولم تكن الجامعة الذي صدر بها هذا المرسوم تشمل سوى أربع كليات وهي:
الآداب، والعلوم، والحقوق، والطب.
وفي 7 يناير سنة 1928 وضع المغفور له الملك فؤاد الحجر الأساسي لمباني الجامعة الحالية. ولعل من محاسن الصدف أن يكون الرئيس الأعلى لجامعة فؤاد الآن هو أول طالب حصل منها على شهادة الدكتوراه.
ونحن إذ نحتفل في ظل الفاروق حفظه الله بالعيد الفضي لجامعة فؤاد إنما نحتفل بانتصار إرادة الأمة على إرادة الطغاة المحتلين.
لقد أراد المحتلون أن يحرمونا من التعليم العالي بل ومن التعليم الثانوي وأن يقنعونا بالاكتفاء بالكتاتيب؛ فنجد غورست مثلاً يقول في تقريره عن سنة 1908 ما نصه (وما دامت المدارس نقطة الدائرة التي تدور حولها مساعي المضللين السياسيين فلا مناص من إبطاء تعليم الشبان المصريين.). ولكن الأمة أرادت عكس ما أراده لها المستعمرون فكان لها ذلك ونصرها الله نصراً عزيزاً مؤزراً.
محمد سيد كيلاني
شبيب بن يزيد
للأستاذ حمدي الحسيني
حج عبد الملك بن مروان بالناس في السنة التي ولى فيها الحجاج العراق وأخمد المهلب حركة الأرازقة، وحج في السنة نفسها صالح بن مسرح وشبيب بن يزيد وغيرهما من خوارج الموصل. فحاول شبيب أن يفتك بعبد الملك بن مروان فكتب عبد الملك إلى الحجاج بالخبر وطلب إليه أن يناهض هؤلاء الخوارج الفتاك. فهب الحجاج سريعاً يطارد القوم مطاردة فيها الشيء الكثير من العنف والشيء الكثير من الاعتداد بالنفس والاستهتار بالخصم. فتململ الخوارج في مخابئهم وتحفزوا للوثوب، وكان صالح بن مسرح الرجل التقي الورع معلمهم ومرشدهم؛ فقال لهم ذات يوم: ما أدري ماذا تنتظرون وحتى متى انتم مقيمون؟ هذا الجور قد فشا وهذا العدل قد عفا ولا تزداد هذه الولاة على الناس إلا عتواً وتباعداً عن الحق وجرأة على الرب؛ فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون إنكار الباطل والدعاء إلى الحق مثل الذي تريدون فيأتونكم فنلتقي وننظر فيما نحن صانعون وإن خرجوا نحن خارجون).
أذاع صالح بن سرح بيانه هذا على أصحابه فكان كالنار أصابت مواد ملتهبة فانفجرت عواطف الخوارج وثارت عزائمهم للنضال وكان أشد الجماعة حماسة وأسرعهم تلبية شبيب بن يزيد؛ فقد أرسل إلى صالح كتاباً يقول فيه أما بعد: - فقد علمت أنك كنت أردت الشخوص، وقد كنت دعوتني إلى ذلك فاستجبت لك. فإن كان ذلك اليوم من شأنك فأنت شيخ المسلمين ولن نعدل بك منا أحداً، وإن أردت تأخير ذلك اليوم علمتني فإن الآجال غادية ورائحة، ولا آمل أن تخترني المنية ولما أجاهد الظالمين.
فياله غبناً وياله فضلاً متروكاً، جعلنا الله وإياك ممن يريد بعمله الله ورضوانه والنظر إلى وجهه ومرافقة الصالحين في دار السلام، والسلام عليك).
أخذ صالح كتاب شبيب القوي الحازم فصمم على العمل تصميماً قوياً حازماً وبعث إلى شبيب بعزمه وتصميمه واستدعاء بقوله: ولم يمنعني من الخروج إلا انتظارك فأقبل إلينا ثم اخرج بنا ما أحببت فإنك ممن لا يستغني عن رأيه ولا تقضى دونه الأمور.
نهض شبيب للعمل بذلك الإيمان الراسخ وتلك العزيمة الصادقة والهمة العالية والإرادة
القوية فبعث إلى نفر من أصحابه الأبطال المغاوير فجمعهم إليه ثم خرج بهم حتى قدم على صالح أبن مسرح، فلما لقيه قال له: اخرج بنا رحمك الله فو الله ما تزداد السنة إلا دروساً ولا يزداد المجرمون إلا طغياناً. فبث صالح رسله في أصحابه وواعدهم الخروج في هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ست وسبعين للهجرة فاجتمع بعضهم إلى بعض وتهيئوا للخروج وجيوش الحجاج في أعالي العراق بقيادة صالح وما زال القتال يشتد ويعنف بين الفريقين حتى سقط صالح قتيلاً في معركة حامية الوطيس جرت بين الخوارج وجنود الحجاج بالقرب من الموصل.
هذا موقف عسكري دقيق لا ينتج إلا أحد أمرين: أما أن ينهزم هؤلاء المتحمسون بعد مقتل مرشدهم الروحي وقائد هم العسكري صالح بن المسرح؛ وإما أن يقيض الله لهم رجلاً منهم يفرغ في نفوسهم الصبر والاحتمال والشجاعة والتضحية على قتلتهم وكثرة عدوهم فيصمدوا للقتال فينتصروا أو يفنوا عن أخرهم. ليس في الجماعة أحق من شبيب بهذا الأمر فهو المؤمن الصادق والقائد الشجاع وصاحب الرأي الموفق الذي لا يستغني عنه ولا تقضى دونه الأمور. قتل صالح في الميمنة وصرع شبيب عن فرسه بالقرب منه فوقع ولكنه نهض فشد على خصومه شدة قوية حتى انكشفوا فذهب إلى صالح فألفاه قتيلاً. هنا في هذه اللحظة الدقيقة الرهيبة ظهرت عبقرية شبيب وبطولته ولمثل هذه اللحظات الدقيقة الرهيبة يدخر الله العباقرة من عباده. نادى شبيب: إلي يا معشر المسلمين، فلاذوا به فقال لهم: ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن كل واحد منكم عدوه إذا أقدم عليه حتى ندخل الحصن ونرى رأينا. ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن وهم سبعون رجلاً فكان دخولهم هذا نصرا بالنسبة لموقفهم الدقيق أمام جيش الحجاج الجرار. ولكن قائد جيش الحجاج أبى أن يتركهم معتصمين في الحصن بل أمر رجاله أن يحرقوا باب الحصن تمهيداً للفتك بهم فأحرق الباب حتى صار جمراً لا يمكن الخروج منه، فتنبه شبيب للأمر وأمر رجاله أن يتهيئوا لاقتحام النار المشتعلة ومداهمة الجيش المرابط أمام الباب، فتحمس الأبطال لهذه الخطة الخطرة وصمموا على تنفيذها ولكنهم التفتوا إلى شبيب وقالوا له ابسط يديك نبايعك، فبايعوه واقتحموا النار المشتعلة وخرجوا من الحصن فلم يشعر الجند المرابط إلا وشبيب وأصحابه يضربون بالسيوف في جوف الجيش فقتل قائد جيش الحجاج،
فاحتمله أصحابه وانهزموا به. فكان هذا الجيش أول جيش من جيوش الحجاج المتعددة التي هزمها البطل شبيب بن يزيد بن نعيم الخارجي. وصلت أخبار الهزيمة إلى الحجاج فأقلقته وأثارت مخاوفه. رأى أن الأمر جد لا هزل فوجه إلى شبيب جيشاً ثانياً ولكن شبيب لجأ هذه المرة إلى الحيلة الحربية البارعة فتظاهر أمام جيش الحجاج بالانسحاب بعد أن أكمن له كميناً فانخدع الجيش ولحق بشبيب غير عالم بالكمين، وما كاد يجتاز الكمين حتى عطف عليه شبيب فاشتبك معه وصاح به الكمين من ورائه فدب الرعب في جيش الحجاج فانهزم شر هزيمة. ظهرت شخصية شبيب الحربية بعد هذه المعركة ظهوراً أوقع الرعب في قلب الحجاج وقلوب رجال جيوشه من جهة، ومهد لاتساع حركة شبيب وزيادة أنصاره من جهة أخرى؛ فراح الحجاج يعبئ الجيوش من فلوله المهزومة ويقذف بها في وجه شبيب فيستقبلها شبيب بما آتاه الله به من أيمان بالنصر وقدرة على القيادة وشجاعة في القتال فيهزمها ويشتت شملها. وظل الحال كذلك: نصر متواصل لشبيب، وخذلان مستمر لجيوش الحجاج، مما شجع شبيباً على طلب الكوفة مقر إمارة الحجاج وقيادته. فعزم شبيب على أن يدخل عرين الأسد فوجه إليه همته وجعل الكوفة هدفاً له يعمل في سبيل الحصول عليه جهده.
تحفز شبيب للوثوب على الكوفة فانخلعت قلوب حماتها والذائدين عنها؛ ولم تلبث الكوفة أن أصبحت تارة في يد الحجاج وتارة أخرى في يد شبيب يتجاذبها البطلان تجاذباً قوياً عنيفاً اضطر الحجاج أن يطلب المدد من الشام ليدفع به شبيباً عن الكوفة دفعاً قوياً حاسماً، فجاء المدد وكانت المعركة الكبرى. جيوش العراق والشام وعلى رأسها الحجاج وخيرة قواده، والخوارج وعلى رأسهم شبيب وصفوة أعوانه. انقض الخوارج على خصومهم انقضاض الصواعق فاستقبلهم خصومهم استقبال الجبال الراسية. وفي هذا الهجوم والدفاع أبدى شبيب ورجاله من ضروب الشجاعة وفنون القتال معجزات باهرات، وأبدى الحجاج وقواده من ضروب الإدارة وأساليب الحزم والسياسة في القتال آيات بينات، ولكن شبيب قد انهزم في هذه المعركة التي لم يهزم قبلها في حياته وكان من أمره أن سقط في النهر فمات غريقاً. قيل كان شبيب ينعى لأمه فيقال لها قتل شبيب فلا تصدق، فلما قيل لها هذه المرة إنه غرق صدقت وقالت إني رأيت حين ولدته أنه خرج مني شهاب من نار فعلمت أنه لا
يطفئه إلا الماء. وقيل أنه قد شق بطن شبيب واخرج قلبه فوجده صلباً كأنه قطعة صخر، وكانت تضرب به الأرض فيثب قامة إنسان.
أجل سقط شبيب في النهر فغرق فانطفأت تلك الحياة المشتعلة إيماناً وقوة وشجاعة وجبروتاً، وخبت تلك الروح الكبيرة المتوثبة المنطلقة، وخمدت تلك الحركة الدائمة المتواصلة في سبيل الله وفي خدمة المبدأ ونصرة الحق. رحم الله البطل شبيب بن يزيد بن نعيم سيد الشبيبة وقائدها المحبب ومذيقها المرجب، وأسكن روحه الكبيرة فسيح الجنان وتعمدها بالرحمة والرضوان.
حمدي الحسيني.
رسالة الشعر
شاعر العراق
للأديب جعفر حامد البشير
(مهداة إلى الأستاذ عبد القادر رشيد الناصري)
يا أخا بالعراق يندب مجداً
…
ظنه ضاع في غمار الليالي
لا ترع إن في قريضك مجداً
…
سوف تنو له جباه الرجال!
أنت ذكرتنا الرصافة والجس
…
ر وبغداد في العصور الخوالي
وأغاريد عذبة تسكر الرو
…
ح بلحن غض وسحر حلال
والهوى والجمال. . ما كان أحلا
…
ها أغانيك في الهوى والجمال!
شاعر الجيل دونك المجد فاصعد
…
وابن مجد القريض للأجيال
أحزنتني شكاة شعرك لما
…
أعولت أمس أيما إعوال
أحزنتني فعدت أسمع أنغا
…
ماً ثكالى تئن في الأغلال
يا أخا الشعر والعروبة هون
…
كم أمات الزمان من آمال
نحن قيثارة الأنين وأهدا
…
ف الليالي منذ ابتداء الليالي
نحن صخر الضفاف فليرسل الدهر
…
من الموج شامخاً كالجبال
يا أخا الشعر من سوانا أعدته
…
المقادير كائناً للنضال
للكفاح المرير للقدر السا
…
خر للبؤس للردى للنكال
يا أخا الشعر للمشاعر دنيا
…
حلوة. . مرة على الجهال
الألى يعبدون جاهاً ومالاً
…
ويحهم من عبيد جاه ومال
ليس في ثروة النقود ثراء
…
إنه في النهى وبيض الخلال!
ياأخا الشعر أنت تعلم ماذا
…
دون بعض القلوب من أقفال
أظلمت حيث لا بصيص من الن
…
ور فيا للإحراج والأدغال!
يا أخا دجلة إليك من
…
النيل مزاج الآلام والآمال
فرقت بيننا الحياة ولكن
…
ربطت مصر حلقة الاتصال
نحن - جمعاً - بنو العروبة إن
…
ننسب فما ثم غير عم وخال!
جعفر حامد البشير
لوعة
للأديب حسن طنطاوي سليم
طفت ولهان على الشا
…
طئ أشدو وأغني
دون أن يسمع مخل
…
وق على الشاطئ لحني
كنت فناناً ول
…
كني فتى أشقى بفني
كنت طيراً إلفه غا
…
ب فلم يحظ بأمن
هاجت النفس فغني
…
ت لكي تسكن نفسي
ونأي الأنس فرجع
…
ت لكي يرجع أنسي
كان لحني في فؤادي
…
محض سر مستكن
إنني قد صنته في القل
…
ب عن إنس وجن
أرأيت القلب قد أغ
…
رقه فيض الحنين
ورأيت الصدر قد أح
…
رقه فرط الأنين
فلمن أزجي أغاري
…
دي ومن يسمع مني
ولمن أهدي أناش
…
يدي ومن يسأل عني
وفد الموج على الشا
…
طئ مبسوط اليدين
لقى الموج فراحا
…
في عناق العاشقين
وأنا أشرب كأسي
…
مرة من قاع دنى
وأغني في ضميري
…
دون أن تسمع أذني
قلت للموج لم التص
…
فيق يا ذوب اللجين؟
قال محبوبي معي قد
…
صار في قلبي وعيني
قلت ما أسعده في
…
حبه يا ليت أني
وبكت عيني أسى بل
…
غيرة وازداد حزني
رمت أن أطفئ بالدمع
…
جوى أحرق قلبي
فإذا دمعي بخار
…
صعدته نار حبي
وتلفت كثيراً. . .
…
بين يأس وتمني
علني ألقاك لكن
…
ويلتا قد خاب ظني
حسن طنطاوي سليم
تعقيبات
للأستاذ أنور المعداوي
بعض الظواهر في حياتنا الأدبية:
(بين جمهرة القراء في اللغة العربية طائفة لا ترضى عن شيء، ولا تكف عن اقتراح! ولا تزال تحسب أنها تفرض الواجبات على الكتاب والمؤلفين، وليس عليها واجب تفرضه على نفسها. . إن كتبت في السياسة قالوا: ولم لا تكتب في الأدب؟ وإن كتبت في الأدب قالوا: ولم لا تكتب في القصة؟ وإن كتبت في القصة قالوا: ولم لا تكتب للمسرح أو للصور المتحركة؟ وإذا كتبت للمسرح والصور المتحركة قالوا: ولم لا تحي لنا تاريخنا القديم، ونحن في حاجة إلى إحياء ذلك التراث؟
وإذا أحييت ذلك التراث قالوا: دعنا بالله من هذا وانظر إلى تاريخنا الحديث فنحن أحق الناس بالكتابة فيه. . وإن جمعت بين هذه الأغراض كلها قالوا لك: والقطن؟ وشؤون القرض الجديد؟ ومسائل العمال! ورؤوس الأموال؟ وكل شيء إلا الذي تكتب لهم فيه!
وقد شبهت هذه الطائفة مرة بالطفل المدلل الممعود: يطلب كل طعام إلا الذي على المائدة، فهو وحده الطعام المرفوض. . إن قدمت له اللحم طلب السمك، وإن قدمت له الفاكهة طلب الحلوى، وإن قدمت له صنفاً من الحلوى، رفضه وطلب الصنف الآخر، وإن جمعت له بين هذه الأصناف تركها جميعاً وتشوق إلى العدس والفول، وكل مأكول غير الحاضر المبذول!
سر هذا الاشتهاء السقيم في هذه الطائفة معروف. سره أن الجمهور في بلادنا العربية لم (يتشكل) بعد على النحو الذي تشكلت به الجماهير القارئة في البلاد الأوربية. وإنما نعد الجمهور القارئ متشكلاً إذا وجدت فيه طائفة مستقلة لكل نوع من أنواع القراءة، وإن ندر ولم يتجاوز المشغولون به المئات. . وسنسمع المقترحات التي لا نهاية لها، ولا نزال نسمعها كثيراً حتى يتم لنا (التشكيل) المنشود وهو غير بعيد!
إننا لا نعتقد أن هنالك واجباً مفروضاً على الكاتب غير الإجادة في موضوعه الذي يتناوله كائناً ما كان. . وليس هناك موضوع يكتب كتابة حسنة ثم لا يستحق أن يقرأ ولا يفيد إذا قرء قراءة حسنة: فالبطل القديم الذي يدرس على الوجه الصحيح هو موضوع جديد في كل عصر من العصور. والبطل الحديث الذي يساء درسه خسارة على القارئ والكاتب والبطل
المكتوب عنه؛ لأن العبرة بتناول الموضوع لا الموضوع، والعبرة بأسلوب العصر الذي نتوخاه وليست بالسنة التي يدور عليها الكلام. . فالكتابة عن سنة 1937 بأسلوب عتيق هي موضوع عتيق. والكتابة عن آدم وحواء بأحدث الأساليب العلمية أو النقدية هي موضوع الساعة الذي لا يبلى. وأولى من الاقتراح على الكتاب أن نقترح على القراء أن يقرءوا كل ما ينفعهم كيفما أختلف موضوعاته، لا أن نشجع (الولد المدلل الممعود) على رفض كل ما على المائدة وطلب كل ما عداه)!
هذه الكلمات ليست لي، ولكنها للأستاذ العقاد يوم أن كان يكتب للرسالة. . لقد ابتلي العقاد يومئذ بهذه الطائفة من المقترحين فكتب هذه الكلمات القيمة؛ وابتليت أنا بها في هذه الأيام فلم أجد في الرد عليها خيراً من هذا الذي كتبه العقاد!
ما أكثر المقترحين حقاً وما أكثر المعترضين. . قارئ يقول لي، في لهجة لا تخلوا من السخط والاحتجاج: لقد حدثتنا عن سار تر، وحدثتنا عن دستوفسكي، وحدثتنا عن شو، وحدثتنا عن بلزاك، وحدثتنا عمن ندري ولا ندري. . صدقني لقد شبعنا حديثاً عن الأدب والأدباء، وبقي أن تتجه بقلمك إلى تلك الجوانب الأخرى التي يضطرب فيها الأحياء من حولك؛ تلك الجوانب التي تصور واقع المجتمع الذي نعيش فيه. . يا أخي عندنا فقر ومرض وجهل، وعندنا من أخطار هذه الأمراض الاجتماعية ما هو كفيل بتحريك المشاعر وإثارة الأقلام، فإلى متى ستظل مشغولاً بغير وطنك، ومحلقاً في غير أفقك، وغافلاً أو متغافلاً عن هذه الصيحات (القومية) التي تنطلق من هذه البقعة من بقاع الشرق، لتفتح منافذ الفكر والشعور لتلك الصيحات (الفنية) التي تأتيك من بقاع الغرب؟! إن كلمة عن الفقير الذي يبحث عن لقمة العيش، أو الجاهل الذي يفتش عن أضواء العلم، أو عن المريض الذي يلتمس ثمن الدواء، لأجدى ألف مرة من فصل يكتب عن سار تر أو يكتب عن دستوفسكي أو يكتب عن برناردشو وبلزاك!
وقارئ آخر يقول لي، في لهجة لا تخلو هي أيضا من العجب والإنكار: يخيل إلينا أنك تحترم الأدب الغربي أكثر مما تحترم الأدب العربي، وتفضل ثقافة الأباعد على ثقافة الأقارب، وتقدر أولئك حيث لا يظفر منك هؤلاء بمثل هذا التقدير. . أو تعتقد أن في أدب الغرب ناقداً مثل عبد القاهر، أو كاتباً مثل الجاحظ، أو شاعراً مثل المتنبي، أو باحثاً مثل
ابن خلدون، أو حكيماً مثل أبي العلاء؟ يا أخي عندنا في مجال الأدب والفكر أقطاب وأعلام، فلماذا لا تخصهم بمثل ما خصصت به الآخرين من البحث والدراسة، ومن النقد والمراجعة، ومن العرض الأمين الذي يبرز قيم المواهب والملكات؟ إن في التراث العربي كنوزاً تزخر بكل ما هو ثمين ونفيس، فلماذا لا تسمح لقلمك بأن يعرج على تلك الكنوز النادرة ليرفع عنها الغطاء؟!
وقارئ ثالث يقول لي، في لهجة تفيض بالأسف وتعج بالإشفاق: لماذا أهملت نقد الكتب كل هذا الإهمال؟ صحيح أن أكثر كتاباتك في النقد، ولكننا نريد نقد الكتب بالذات. . ترى هل أمسكت قلمك عن الكتابة لأن الإنتاج الأدبي في مصر لا يرضيك؟ وإذا كان ذلك كذلك، فهل من الأمانة العلمية أن تسكت عن العيوب لأنها عيوب، وتنصرف عن المآخذ لأنها مآخذ، وتشغل عن رسالة النقد مع أن أساسها الأول هو توجيه الخطى وتحديد الهدف وتمهيد الطريق؟ ألا تشعر أنك تتخلى عن ميدان نرى نحن القراء ما يكتنفه من أزمة في كتابه، وتجوس بقلمك خلال ميادين أخرى لا تشك أنت أنها تشكو التخمة التي تعقب الشبع والامتلاء؟!
وقارئ رابع يقول لي، في لهجة باطنها التذكير وظاهرها التأثير: لقد طرقت أبواب القصة في يوم من الأيام، وأثبت أن ملكتك القاصة لا تقل نضجاً وأصالة عن ملكتك الناقدة، فلماذا لا تترك النقد إلى القصة بعد أن عالجت كل فن من فنونه ونفذت إلى كل زاوية من زواياه؟ صدقني يا أستاذ أن القصة هي أكثر ألوان الأدب رواجاً وأحفلها بإقبال القراء، ومن الخير لقلمك أن يقبل على هذا الإنتاج الذي يتلاءم وشتى الميول وترضى عنه كافة الأذواق!
وقارئ خامس يقول لي، في لهجة يتوثب فيها الخيال وتنزي العاطفة: لست أدري لم تؤثر في هذه الأيام أن تخاطب العقول دون القلوب؟ أين (قصة الدموع التي شابت)، وأين (موكب الحرمان)، وأين تلك النفحات الوجدانية التي كنت تطالعنا بها من حين إلى حين؟ إن ومضات الفكر بما فيها من جفاف لتحوج أرض النفوس إلى قطرات من المطر، هذه القطرات المنعشة من أدب الشعور والوجدان!
وقارئ سادس وسابع وثامن، ورغبات متنافرة وأخرى متناقضة، وسبحان من يرضي جميع العباد. وأقف أنا حائراً بين أنصار الأدب وبين أنصار القصة، وبين أشياع الفن للفن، وبين
أشياع الفن للمجتمع، وبين أصحاب الفكر وبين أصحاب العاطفة؛ ومصدر الحيرة أنني كتبت للجميع فلم أستطع أن أرضي الجميع، لأن كل فريق يريدني على أن أكتب وفق هواه!
لقد كتبت عن الفقر، وكتبت عن الجهل، وكتبت عن المرض، وكتبت عن هموم الشباب وحيرة الشباب، وكتبت عن القصة وفي القصة، وكتبت عن النقد وفي النقد، وكتبت عن أدباء الشرق وأدباء الغرب، وكتبت في مختلف الشؤون وفي أكثر الموضوعات: منها ما يتصل بالفن، ومنها ما يتصل بالفلسفة، ومنها ما يتصل بالتاريخ، ومنها ما يتصل بالسياسة، ومنها ما يتصل بالمجتمع. . ولكن المشكلة كما يتصورها الأستاذ العقاد فيبدع في التصوير، هي أن هذه الطائفة من المقترحين أشبه بالطفل المدلل الممعود:(يطلب كل طعام إلا الذي على المائدة، فهو وحده الطعام المرفوض. . إن قدمت له اللحم طلب السمك، وإن قدمت له الفاكهة طلب الحلوى، وإن قدمت له صنفاً من الحلوى رفضه وطلب الصنف الآخر، وإن جمعت له بين هذه الأصناف تركها جميعاً وتشوق إلى العدس والفول، وكل مأكول غير الحاضر المبذول)!.
إن ردي على هؤلاء المقترحين والمعترضين هو أن أقول لهم اليوم كما قال العقاد لأمثالهم بالأمس: إننا في الواقع لا نعتقد أن هناك واجباً مفروضاً على الكاتب غير الإجادة في موضوعه الذي يتناوله كائناً ما كان. وأولى من الاقتراح على الكاتب أن نقترح على القراء أن يقرءوا كل ما ينفعهم كيفما اختلفت موضوعاته، لا أن نشجع (الولد المدلل الممعود) على رفض كل ما على المائدة وطلب كل ما عداه!
في محيط الشعر والشعراء
قرأت في العدد الأخير من مجلة الرسالة الغراء ضمن تعقيباتك القيمة، كلمة الأستاذ محمد المهدي مجذوب، وهي الكلمة التي كتبها عن تلك المباراة الشعرية التي جعلتها بذوقك الرفيع مباراة نقدية. . لقد رأى الأستاذ - حسب ذوقه الخاص - أن الشوام أشعر من المصريين، فكان ردك على هذه الكلمة هو أنك قلت له: (وتبقى بعد هذا كله إشارة الأستاذ الفاضل إلى شعرائنا وشعراء الشام. . أتريد مقارنة؟ أرجو أن تنظر في شعر علي محمود طه، وأن تعيد النظر فيما كتبته عنه من فصول، ثم قارن أنت. . قارن بينه وبين شعر أبي
ماضي، أو بينه وبين شعر أبي شبكة، أو بينه وبين شعر أبي ريشة)!
إن القارئ يفهم من هذه العبارة أنك تفضل علي محمود طه على غيره ممن ذكرت، ومع إعجابي بالشاعر الخالد وبخاصة بعد أن قرأت لك تلك الفصول القيمة التي كتبتها عن فنه وعطرت بها صفحات الرسالة؛ مع هذا فقد تذكرت أنك وضعت أبا ماضي في مكان عال من شعراء (الأدب النفسي)، حيث قلت في العدد (847) من الرسالة وكنت تقارن بين الشعر القديم والحديث:(وإذا قلنا الشعر العربي الحديث فإنما نعني ذلك الشعر الذي بدأت مرحلته الأولى بتلك المدرسة من بعض الشعراء الشيوخ وعلى رأسهم (شوقي) وبدأت مرحلته الثانية بتلك المدرسة الأخرى من بعض شعراء الشباب وعلى رأسهم (إيليا أبو ماضي)!
إنني يا سيدي الأستاذ أقارن بين ما كتبته اليوم وبين ما كتبته بالأمس، فأجد فارقاً كبيراً بين الكلمتين. فبالأمس كنت تضع أبا ماضي على رأس شعر الشباب ومنهم علي محمود طه، واليوم تقول إن علي محمود طه أشعر من هؤلاء ومنهم أبو ماضي، فهل غيرت رأيك في شعر الشاعرين فأنصفت اليوم علي طه كما أنصفت شوقي من قبل؟ ذلك ما أرجو معرفته. والسلام عليك ممن ينتظر كتبك الثلاثة وما يليها.
(محلة المرحوم)
السيد حنفي الشريف
أما أنني غيرت رأيي في شعر الشاعرين فأود أن أقول للأديب الفاضل إن شيئاً من هذا لم يحدث. . وأما أنني قد كتبت عن أبي ماضي بالأمس واضعاً إياه على رأس شعراء الشباب فأود أن أقول للأديب الفاضل مرة أخرى إن هذا قد حدث، وأزيد عليه أنني كنت أتوقع أن يذكرني قارئ فطن بهذا الذي كتبت، بعد أن رددت على الأستاذ مجذوب بما قد يوهم الكثيرين بأنه مناقض لما سبق أن قلت. . لقد كنت أتوقع من فطنة القراء مثل هذا التذكير لأروي هذه القصة، إنصافاً للحقيقة وإنصافاً للتأريخ: كان شاعرنا الخالد علي محمود طه يوم أن كتبت تلك الكلمة مقارناً بين الشعر القديم والشعر الحديث، كان رحمه الله صديقاً لي وكان على قيد الحياة. . وأمسكت بالتليفون لأتحدث إليه وهو وكيل لدار الكتب المصرية،
لأتحدث عن موضوع تلك الكلمة ولأقول له: لقد كان يجب أن أضع اسمك بدلا عن اسم أبي ماضي على رأس شعراء الشباب، ولكن (صداقتي) لك قد ضغطت على قلمي حتى أرغمته على ألا يذكرك مع شديد إعجابه بك وعميق تقديره لك، ذلك لأن الناس قد دأبوا على اتهام الصداقة في مواقف النقد البريء والأحكام العادلة. . ومع ذلك فأعتقد أنني قد اخترت اسماً آخر لا يجادلني في اختياره إلا كل بعيد عن تذوق الشعر وكل منكر لمكانة الشعراء! وأجاب الشاعر الخالد رحمه الله في صوت مخلص ونبرات صادقة: إنني أقدر أبا ماضي وأقدر شعره، ولا أستطيع أبداً أن أعترض عليك حين تضعه في مكانه ثم لا تنس أن اختيارك لي كان كفيلاً بأن يعرضك لنوع آخر من الاتهام أعرف أنك تحاربه وتضيق به، وهو العصبية الإقليمية وذلك حين تضع على رأس شعراء الشيوخ والشباب شاعرين مصريين!!
من هذه القصة يتبين للأديب صاحب الرسالة أن رأيي في شعر الشاعرين لم يتغير بين الأمس واليوم، فهما عندي من طبقة واحدة هي الطبقة الأولى بين الشعراء، ويأتي من بعدهما إلياس أبو شبكة وعمر أبو ريشة. . وعلى هذا الأساس يمكن أن يرجع مرة أخرى إلى ردي على الأستاذ مجذوب ليخرج من ذلك الرد مقترناً بهذا التوضيح، بأن شعراء الشام لا يفضلون شعراء مصر حين يكون هناك مجال للمقارنة والتفضيل!
عاصفة على نقد:
في الأسبوع الماضي وعلى صفحات الرسالة، هبت على الناقد المسرحي الأستاذ أنور فتح الله عاصفة هوجاء. . ولست أريد بهذه الكلمة أن أدافع عن نقد الأستاذ فتح الله لأنه من أصحاب الأقلام القادرة على الدفاع، ولكن الذي أريد أن أقوله هو أنني كنت أوثر للناقدين الفاضلين اللذين تعرضا له أن يبتعدا عن مواطن الاتهام، اتهام القراء لهما بأن حماسهما في نفي المآخذ الفنية عن مسرحية الأستاذ تيمور، قد زادت كثيراً عن الحد المألوف!
لقد كان يجدر بكل منهما أن يسمو بقلمه فوق مستوى الاتهام الموجه إليه، بدلا من توجيه مثل هذا الاتهام إلى الأستاذ فتح الله وهو الرجل الذي لا تربطه بالأستاذ تيمور علاقة من العلاقات. . لقد حاول الأستاذ الفاضل أن يكتب نقداً نزيهاً لا أثر فيه للمصانعة، فكان جزاؤه أن رمي بالتحامل، لأنه لا يجامل!
لفتة أخيرة أود أن أختم بها هذه الكلمة، وهي أنني أقدر فن الأستاذ تيمور. . وأحترم نقد الأستاذ فتح الله!!
أنور المعداوي
الأدب والفن في أسبوع
للأستاذ عباس خضر
افتتاح مؤتمر المجمع اللغوي:
احتفل مجمع فؤاد الأول للغة العربية يوم الاثنين الماضي بافتتاح مؤتمره السنوي الذي يجمع كل أعضائه من شرقيين ومستشرقين. وقد افتتح الحفلة معالي الدكتور طه حسين بك وزير المعارف بكلمة موجزة قال فيها إنه - باعتباره وزير المعارف سيعين على أن تنفذ أعمال المجمع وتتم مشروعاته، وأن هذا هو ما يود أن يقوله الآن متوخياً الإيجاز، أما الحديث عن اللغة العربية وسلامتها ونمائها وما إلى ذلك مما يتعلق بأغراض المجمع فهو حديث معاد أربأ بكم عن سماعه وأربأ بنفسي عن تكراره، ثم حيا معاليه حضرت الأعضاء وأعرب عن رجائه أن تكون هذه الدورة خصبة كالدورات الماضية.
ثم ألقى الأستاذ محمد شوقي أمين كلمة الدكتور منصور فهمي باشا كاتب سر المجمع، وقد تحدث فيها عن المحاضرات التي ألقاها الأعضاء في المؤتمر الماضي حديثاً مجملاً، وأشار إلى الصعاب التي يلاقيها المجمع للنهوض بأعبائه، والناشئة من ضيق ميزانيته، ثم قال: على أنه مهما يكن من صعاب تحد من نشاط المجمع فإن آثاره الحميدة تجد سبيلها موصولة ممهدة في محيط التعليم وفي البيئات الثقافية في مصر وغيرها من بلاد العروبة، ثم تحدث عن نشاط المجمعيين واتجاهاتهم، وقال: إن المجمعيين يتلاقون عند عاطفة كريمة تملك عليهم مشاعرهم وهي الاعتزاز بهذه اللغة وشمولها بكثير من التقديس والإجلال، وذلك نتيجة لتأثير وراثي عريق أنحدر عن الأسلاف، تضاف إليه عوامل اليقضة والتوثب إلى الحياة ومجاراة التطور. إلى أن قال: وإن هذه اللغة بخصائصها الجوهرية وأصولها الموحدة، لتمتد في الماضي وتشيع في الحاضر وترنو إلى المستقبل على صور يتقارب بعضها من بعض وينزع بعضها إلى بعض، وتلك ميزة للغة العرب لا نعرفها لغيرها من اللغات، وهي في ذلك أشبه بشجرة قوية مباركة حية تتشابه أصولها وفروعها وغصونها، وإن لغة هذا شأنها وتلك حالها خليقة بالتمجيد والتقدير.
وألقى بعد ذلك الأستاذ عبد الفتاح الصعيدي بحثاً للدكتور أحمد أمين بك في (أخذ اللغة من القبائل) وصل فيه من تعدد لغات قبائل العرب إلى الحديث المستفيض عن الترادف، ذاهباً
إلى أن هذا الترادف لا فائدة له إلا في التزام القافية بالشعر، ورأى أن هذا الالتزام لم يعد ضرورياً إزاء المصطلحات الجديدة التي يجب أن تحل في اللغة محل المترادفات الكثيرة. وأرجو أن أتوسع في تلخيص هذا البحث القيم في فرصة مقبلة.
وأعقب ذلك الأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي، فألقى كلمة طريفة ظريفة، جعل موضوعها (تنازع اللغات في طائفة من الكلمات) وقد أستطرق إلى هذا الموضوع من حديث عن جماعة من المصريين الوطنيين لجئوا إلى (الكلية الصلاحية) بالقدس، حيث كان الأستاذ مع الشيخ عبد العزيز جاويش في إدارة تلك الكلية، وذلك أنهم تناولوا في بعض أحاديثهم السياسية (قنال السويس) فقال بعضهم عن كلمة (قنال) فرنسية ولفظ (الترعة) العربي أفضل منه وأكرم عند الله. . فرأى الأستاذ المغربي أن (القنال) عربي أصله قنا البحر أو قنا الماء، وقنا جمع قناة بمعنى مجرى الماء، فنحتوا من قنا الماء (قنال). وأتى بعد ذلك بكلمات أخرى تتنازع عليها اللغات، وقال: فلنرجئ الكلام عليها وتحرير النزاع فيها إلى إحدى جلسات المجمع العادية على أننا مهما تسامحنا في عروبة تلك الكلمات لا يحسن أن نتسامح في عروبة (القنال) لظهور أدلتنا على عروبته، فلنتمسك بحقنا فيه مهما كلف الأمر.
وكانت كلمة الختام للمستشرق الألماني (ليتمان) وموضوعها (الأدب الشعبي) قال فيها إن الأدب الشعبي المصوغ باللغة العامية لم يكن عند علماء أوربا موضع عناية واحترام، حتى جاء العالم الألماني (هردر) في القرن الثامن عشر، فاهتم به لأنه يدل على باطن الإنسانية، واتصل منذ ذلك الحين الاهتمام بالآداب الشعبية وصار لها موضع في مقارنة الآداب. وقال الأستاذ ليتمان - إنه خلال زياراته لمصر - جمع كثيراً من نصوص الأدب الشعبي، كالقصص المتداولة بين العامة، والأزجال، ونداءات الباعة والمسحرين، ونواح الأمهات على أبنائهن. . الخ وأنه جمع كل ذلك وكتبه بالحروف اللاتينية، وترجم كثيراً منه إلى اللغة الألمانية.
أغنية (غفاة البشر):
قالوا ستغني أم كلثوم أغنية جديدة مختارة من شعر عمر الخيام. قلت: لماذا تجشم نفسها مشقة الإغماض عمن حولها وما حولها، والبحث في لفائف الزمن عن شعر الخيام؟ أهي مغرمة بالراحلين من ذوي الأسماء الكبيرة، وقد يقع اختيارها بعد ذلك على طاغور مثلاً،
ومن يدري فقد تعرج على شكسبير: أم قد تصوفت وأخذتها الجلالة من هذا العالم الذي تضطرب فيه؟
وسمعت الغنية، وهي ثلاثون بيتاً ملفقة - على الطريقة التي تتبعها في ديوان شوقي - من رباعيات الخيام، أولها:
سمعت صوتاً هاتفاً في السحر
…
نادى من المغيب غفاة البشر
والحق أنني أشفقت عليها، فقد تبين لي أنها تورطت في هذا الاختيار، فلم تجد للأغنية جواً تندمج فيه وتنقل السامع إليه، كما كانت مثلاً في أغنية (سهران لوحدي) التي كان غناؤها فيها كائناً حياً له روح. أما (غفاة البشر) فلم يطب لهم في السحر غي رنين الحنجرة الفضية الذي يطرب الأذن أو (يشنفها) ولا ينفذ إلى القلب، ولعل عدم الانسجام مع الأغنية جعلها تغفل عن ضبط كلمة (اليوم) في البيت الآتي:
غذ يظهر الغيب واليوم لي
…
وكم خيب الظن في المقبل
فقد نطقتها منصوبة وهي مبتدأ، وسيتكرر الخطأ مع إذاعة الفلم المسجل، فيا له من خطأ أبلق، لأنه من أم كلثوم: وكذلك التلحين، لم يندمج في جو الأغنية، ولم ينسجم مع معنى لها بل كان أيضاً نغمات مختلفة تصل إلى الأذن ولا تعبر عن شيء ولا أرى قصور الغناء والتلحين عن غاية التعبير راجعاً إلى أم كلثوم والسنباطي، فهما هما؛ ولكن الرحلة كانت شاقة، ولم تعوض غايتها مشقتها، فليس هناك إلا (مسحراتي) يوقظ الناس في السحر ليملئوا الكأس وينهبوا اللذات. . وحتى هذه الصورة - إن كان لابد من مثلها - ليست من الواقع الحاضر، فأهل الكأس والهوى يسهرون الآن من أول الليل علناً ولا يحتاجون إلى التخفي والتداري بالسحر.
إن أم كلثوم هي كوكب الشرق. . ومن حق الشرق على كوكبه أن ينير له، ليرى على صفحته الدرية صور حياته وخلجات نفسه، فهل من ذلك أن نصحو في السحر ونسكر ثم نتوسل وننام. .؟ ألا تذكر أم كلثوم صدى صيحتها في هذا البيت:
وما نيل المطالب بالتمني
…
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
بيت واحد جاء على الجرح، فانبعث الحماس ودوى التصفيق حتى كاد يوقظ الغفاة حقاً. . فما بالها تغفل عن مثل ذلك؟ ألم تجد في مصر شعراء يقولون ما يعجب؟ إني أعلم أن
بعض الشعراء الجيدين قدموا إليها شعراً حياً لو غنته لوجد فيه الناس ما يصبون إليه في هذه الآونة ولكنها تريد الخيام بعد شوقي، ولست أدري من بعده
لقد أعجب الإنجليز وغيرهم بشعر الخيام وأمثاله في وقت فرغوا فيه من الضرورات، وتطلعوا إلى الاستطراف بصور من الشرق مغرقة في الخيال، على أن هذه الرباعيات مترجمة عن الإنجليزية، لا كما قال المذيع إن رامي ترجمها عن الفارسية! - ففيها كثير من الإضافة والتحوير وليست كلها خيامية.
أما نحن الآن فما أغنانا عن ذلك (الأفيون) وما أحوجنا إلى كلام آخر، يقال أو يغنى فيوقظ الغفاة، لا ليسكروا ويناموا وإنما ليجدوا ويعملوا.
مسرحية (قلوب الأمهات):
قدمت الفرقة المصرية هذه المسرحية في الأسبوع الماضي بمسرح حديقة الأزبكية، وهي من تأليف الكاتبة الفرنسية (كلود سو كوري) وقد ترجمها الأستاذ فتح الله، وأخرجها الأستاذ أحمد علام وهي من المسرحيات الحديثة التي تعرض الحياة على المسرح هادئة بعيدة عن الافتعال والمؤثرات الصارخة.
وعنوان المسرحية في الفرنسية (فابين) وهو اسم الفتاة التي تدور حولها، بنت حزينة كاسفة البال، تبدو هادئة مستسلمة لما تأخذها بها جدتها (ماريا) المتدينة من الشدة والصرامة، لتعودها السلوك الحسن وتجنبها ما انزلقت إليه أمها (فرانسواز) التي تركتها صغيرة، فارة من زوجها الذي تزوجته على كره، مع عشيق رحلت معه إلى الأرجنتين. ولكن لا تلبث (فابين) أن تتكشف عن فتاة ثائرة النفس، عندما تعلم أن أمها ستعود إلى المنزل، فتعبر عن بغضها لأمها التي أهملتها مستجيبة لنزواتها وشهواتها وتقول فابين إنها لا تريد رؤية أمها ولا تستطيع أن تبقى في المنزل إذا أتت إليه، وعند ما ترى أنها قادمة لا محالة تسارع إلى الموافقة على الزواج من رجل دميم الخلقة شائه النفس لا لشيء إلا لتبتعد عن المنزل الذي ستنزل به أمها. .
وتدور عجلة الزمن، فإذا الفتاة الحاقدة على أمها تقع في نفس الظروف التي كانت فيها أمها، فقد أحبت وشعرت بأن لا سعادة لها إلا بجانب حبيبها (ريمون) الضابط بالجيش والذي تقرر نقله إلى مراكش. . وهناك ابنتها الصغيرة (كوليت) التي أتت بها من الزوج
البغيض. . ماذا تصنع وقد وقعت في صراع شعوري عنيف بين دافع الهوى وقلب الأم.
قررت الرحيل مع ريمون. . ولكن كوليت. آه. . تذكرت أن أمها فرانسواز كانت تبعث إليها ضارعة أن ترسل إليها الصغيرة كوليت لبضعة أيام، فتأبى ثائرة على صديقتها (أليس) التي كانت تخاطبها في ذلك. لماذا لا ترسلها الآن. .؟ لا لبضعة أيام ولكن إلى ما شاء الله. وهذه الأم (فرانسواز) المسكينة! لقد كانت إذن على حق فيما فعلته. . وهي إذن جديرة بالرحمة والغفران! ولكن فرانسواز - عندما تجيء ملبية دعوة فابين - تصحح للفتاة موقفها وتبين حقيقة شعورها، قائلة لها: إنك تبرئين عملك يا فابين. . أنت تغفرين لنفسك لا لي، فابين! لا ترحلي، فقد تعذبت وندمت، لا أحب لك ما قاسيت: وتتبين فابين هول ما هي مقدمة عليه، وتتذكر ما عانته من حرمان الحنان، وأنها توشك أن تضع ابنتها في مثل ما كانت فيه، وهي عالمة به. . فتنفجر في قلبها الأمومة لتقضي على أمل العاشق المنتظر. .
وهكذا نرى المسرحية تعرض تلك المشكلة، وتكشف عن جذورها التي تتمثل في الزواج الذي لا ينبني على أساس من الألفة والمودة، وتعالج إعراضها علاجاً طبيعياً يرد كل شيء إلى أصله، وتعطي الدوافع الإنسانية حقها كاملاً، فالحب ليس شيء يهمل ولكن هناك معارضاً أقوى منه، وهو الأمومة التي تتغلب لا لإملاء قواعد أخلاقية غير مقتنع بها، وإنما لأنها دافع إنساني لا يقهر، وبذلك تجيء القيمة الخلقية طبيعية فتثبت، لا كالتي تجيء بالوعظ فتتبخر بعد تمصص الشفاه. .
والقضية قضية أنثوية، ولذلك أحسنت المؤلفة معالجتها، ولم تنس في خلال الحوار أن تبث خواطر المرأة كأن تقول في الحوار إن المرأة ترتطم بقوانين المجتمع الظالمة التي يضعها الرجل.
ولا شك أن نقل جو المسرحية ودقائقها يرجع الفضل فيه إلى المترجم والمخرج، وأجمل ملاحظاتي فيما يلي:
ظهر (ريمون) في حياة (فابين) قبل زواجها، وعرفت أنه يحبها ويعتزم خطبتها، ولم يطرأ ما يغير هذا العزم إلا ما قيل لها من أنه اختلف مع أهله ويعتزم الرحيل إلى مراكش، وليس ذلك مانعاً قاطعاً للأمل في خطبتها، ولكنها مع ذلك سارعت إلى زواج الرجل الذي تبغضه ولم يكن ثمة ما يدعوا إلى هذه السرعة فلا يزال باقياً على عودة أمها ثلاثة أشهر.
قال العم (فيلكس) لفابين ما معناه: لماذا لا تكونين سعيدة وأنت في سن العشرين، فأجابته: إن هذه السن تبدو مطلباً جميلاً عندما نجاوزها، أما ونحن نبلغها فإننا نحتاج معها إلى شيء آخر فكيف تشعر بذلك الشعور وهي لم تجاوز تلك السن؟
كانت المناظر غير موافقة، بل كان بعضها مزرياً. ففي المنظر الأول حديقة منزل أو المفروض أنها كذلك. . ولكن المتأمل في الستارة التي رسم عليها المنظر يرى في آخر الحديقة مباني بعيدة غير المنزل الذي يفترض أن الحديقة حديقته. والمنزل نفسه ليس إلا حجرة صغيرة كالتي تعد في جانب وحدها للاستقبال في معزل عن الجدار والمناظر المزرية تتمثل في الستائر القذرة المزيتة. . التي أقيمت جدراناً ل (صالونات باريس) الفخمة الأنيقة.
ويبدو جهد المخرج الذي يستحق الثناء في حركات الممثلين وتنسيق المواقف. وقد أجادت زوزو حمدي الحكيم في دور (فابين)(وكان تمثيلها عاملاً مهماً، بل أكبر عامل في أداء الأغراض المقصودة من المسرحية. وكان منسي فهمي (العم فيلكس) موفقاً في تمثيل الرجل العجوز المتسامح الذي عرك الحياة وصقلته التجارب، وقد أمعن في (الطبيعية) إلى حد أنه نسي الجمهور فكان أحياناً يلقى كأن لا أحد يسمعه، أما كان يمكن أن يجمع بين الأمرين: الفناء في الدور والشعور بالجمهور كما فعلت رفيعة الشال في دور الجدة العجوز؟ ولم يكن كل من كمال حسين (ريمون) وروحية خالد (إليس) مالئاً دوره. أما زينب صدقي فيخيل إلي أنها كانت تمثل من غير مزاج. . فهي تؤدي الواجب والسلام. .
عباس خضر
رسالة الفن
حول نقد مسرحية (ابن جلا)
للأستاذ أنور فتح الله
نشرت الرسالة بالعدد رقم 910 نقداً لي عن مسرحية (ابن جلا) وبالعدد 911 تصدي للتعقيب على هذا النقد الأستاذان إسماعيل رسلان، وعبد الفتاح البارودي. . وقد أختار الأستاذان، أن يتعديا الناحية الموضوعية للنقد إلى التعريض بشخص الناقد، لأسباب لا داعي للتعرض لها، حتى لا أجعل من هذه المجلة التي تحمل رسالة الفن والثقافة ميداناً لشيء من هذا القبيل.
وأحب أن أقول للمعقبين، ولمن يعنيه أمرهما، وأمر فرقة المسرح الحديث إن النقد كما يفهمه المحبون للفن، المخلصون له، لا يعني الهدم. وإن الشخص الذي يضيق بالنقد، ولا يريد أن يفيد منه، قد يكون غير مهيأ بتركيبه السيكولوجي للنجاح الذي ننشده للمسرح المصري في عهده الجديد. . وليس إخفاء النقص بوسائل مفتعلة يعني أن النقص غير موجود، كما أن السعي إلى طلب الثناء بأي ثمن لن يكون وسيلة لإنشاء مسرح صحيح.
وباستعراض آراء المعقبين، نرى أنهما قد التقيا في بعضهما، وتعارضا في البعض الآخر فكان مما التقيا فيه، تفسيرهما للمسرحية التاريخية وحق المؤلف في خلق الشخصيات في المسرحية التاريخية. فبدأ الأستاذ البارودي تعقيبه بعرض طويل لآراء النقاد في المسرحية التاريخية، وانتهى بأن قرر بأن نقاد المسرح قد أجمعوا على أن طبيعة حوادث التاريخ تغاير طبيعة الموضوع المسرحي. وبهذه النتيجة انتهى الأستاذ إلى الرأي الذي استندت أنا إليه، وطبقته على المسرحية. وهو مع هذا يخطئ تطبيقي لهذا الرأي، ولا يحاول أن يبين الأساس الذي استند إليه في هذا الحكم وهما يريان معاً، ألا محل لمؤاخذة المؤلف على خلق شخصية الاهوازية. وأحب أن أقرر أولاً أنه ما دامت هناك شخصية حقيقية تستطيع أن تؤدي نفس الغرض الذي يقصد إليه المؤلف فلا محل لخلق شخصية خيالية. وهذه الشخصية الحقيقية كما سبق أن بينت هي شخصية هند بنت أسماء. ولا محل لاعتراض الأستاذ رسلان بأن هند بنت أسماء لا تحتل من حياة الحجاج سوى سنة واحدة، وكأنه فرض على المؤلف أن يصور حياة الحجاج مدى ربع قرن.
أمّا مطالبتنا بأن تكون شخصية الأهوازية ذات واقع تاريخي. فلا يعني مطلقاً أننا نحرم خلق شخصيات لم يرد ذكرها في التاريخ، وإنما نعني - كما يفهم كل مشتغل بالنقد الفني - أن يصدق خيالنا في خلق الشخصية حتى يجعلها واقعية الصورة، فلا تبدو شاذة في الحياة التاريخية الواقعية التي تعرضها المسرحية. فقد بدت الأهوازية في صورة مغامرة من طراز رعاة البقر، فأهدر المؤلف بذلك حق الحياة العربية في ذلك الزمن الذي لم يشهد هذا النوع من النساء المغامرات. وأهدر أيضاً تصوير الواقع النفسي لشخصية الحجاج فلم تكن الأهوازية في موقفها منه في جميع مشاهد المسرحية، موضوعاً لعاطفة أو وسيلة لتحقيق مطمح من مطمحه العريضة. وقد اقتصر دورها في المسرحية على خلق الحركة بطريقة (بهلوانية). . وعلى نحو ما قصدناه سار برناردشو وأمثاله في خلق الشخصيات المتخيلة في المسرحيات التاريخية. ولعل الأستاذ البارودي قد فهم برناردشو على غير ما يفهمه الناس.
وقد التقى المعقبان أيضاً في فهمهما للصراع المسرحي فقال الأستاذ رسلان إنه يخيل إليه أني أرى أن المسرحية يجب أن تصور الصراع العاطفي. وقال الأستاذ البارودي، إن الصراع لا يكون حتماً بين شخصيتي البطلين. وأسأله أي صراع في هذه المسرحية غير ما بين الأهوازية والحجاج؟. . أما باقي المسرحية فمشاهد لم تصور دراماتيكا ووقف عند حد الحكاية وعرض النتيجة. فهلا كان الأجدر بالمعقب أن يهرب من تقديم مبادئ تسئ إلى المسرحية التي يدافع عنها؟. .
وقد اتفقا أيضاً في الرد على ما أخذته على المسرحية من تكرار في المواقف العاطفية، فاعتبر أحدهما أن ما أعده عيباً هو أسمى ما يصل إليه المؤلف المسرحي من تصوير الشخصية المتماسكة المطردة. وقال المعقب الآخر إن كبار المؤلفين كثيراً ما لجئوا إلى ما يشبه التكرار إما بالمعارضة أو المطابقة. ويؤسفني أن أحتاج إلى القول بأن المعارضة أو المطابقة إنما تأتي للتلوين وعرض جوانب مختلفة من الشخصية. بعكس ما رأيناه من إعطاء اللون الواحد في مواقف متعددة، وهذا هو التكرار الممل.
هذا، ويناقض الأستاذ رسلان نفسه، فيقول إن المؤلف قد أصاب إذ خلق شخصية الأهوازية لتسد الفجوة العاطفية التي أهملها مؤرخو العرب. ثم يعود في موضع آخر فيقول إنه (لو
لان الحجاج للأهوازية، وتنكر لطبيعة قلبه الصلد، لأنكرنا من المؤلف صورة مشوهة للحجاج لا تمثل شخصيته التاريخية.). فأية فجوة عاطفية يسترها المؤلف بتصويره للأهوازية ما دام قلب الحجاج سيظل مغلقاً؟. . وما الغرض إذن من تصوير هذه الشخصية؟. . لاشك في أن الدافع الذي ساق الأستاذ إلى هذا التناقض هو الرغبة في المغالطة وتسفيه الرأي. فهو عند دفاعه عن شخصية الأهوازية يرى أنه من حق المؤلف أن يصور حياة الحجاج العاطفية، فإذا ناقشنا الخط العاطفي الذي رسمه المؤلف ومدى فاعليته من المسرحية، عاد فأنكر حق المؤلف في هذا التصوير. وهكذا لم يستطع التمييز بين الحق والباطل.
ولقد استهل الأستاذ رسلان تعقيبه بتوهمه أني أخطأت خطأ كبيراً عندما قلت إن الأهوازية ألقت بنفسها في النهر هاربة. وقد بنى على هذا الخطأ المتوهم نتيجة كبرى، وهي أنني غير جدير بنقد البواعث الخفية للأشخاص الخ. . ولا أحسب الأستاذ جاد في رمي من كتب هذا النقد الذي أفزعه بمثل ما رماني به من عدم الإلمام بأحداث المسرحية.
أما البديهية التي تبرع بها لنا فرجائي إليه أن يحتفظ بها لنفسه، لأنها ليست من بديهيات العصر الذي نعيش فيه. ويستطيع أن يرجع إلى أستاذه في ذلك ليزيده علماً بمثل هذه البديهيات، ويشرح له تطورات المسرحية الحديثة ومقدار فهمها للشخصية الإنسانية.
هذا. . . وأحب أن أقول للأستاذ البارودي، إني قد ذكرت رأيي في التمثيل في حدود التشجيع المرعي لكل مبتدئ في عمله الجديد، وأترك له رأيه في الحكم على مقدرة المشرف على الفرقة التي يعمل داعية لها. وإني أستميحه عذراً في أن أهمس في أذنه لأذكره برأيه الذي أبداه لي في هذه المسرحية في الليلة الأولى من عرضها، وما بدا في رأيه من سخط على المسرحية والممثل وما كنت أعتقد أن الناقد المخلص لفنه ينتقل هكذا سريعاً من طرف لطرف.
وبعد. . . فلست أحب أن أشغل القارئ - ولا أحرج المجلة الوقورة التي نقدت فيها - بالكشف عن الدوافع الشخصية التي أخرجت هذه التعقيبات، كما أتجاوز - كريماً - عن الرد على ما تساقط من أقلام المعقبين مما يدخل في باب المهاترة لا في باب النقد.
أنور فتح الله
البريد الأدبي
محاضرة للأستاذ ساطع الحصري بك
كان معالي الأمير مصطفى الشهابي قد ألقى محاضرة قيمة في جمعية الوحدة العربية موضوعها ما هي الأمة العربية، ومن هو العربي.
وقد غاص المحاضر في أعماق التاريخ القديم والحديث، رجال بين الآشوريين والفينيقيين وأثبت انهم من العرب كما أثبت أن أقباط مصر عرب أيضاً، ثم استعرض تاريخ كل أمة من هذه الأمم في أسلوب رفيع وعرض بديع ولا على غزارة علمه، وإحاطته بموضوعه وانتقل إلى تعريف العربي فعرفه بأنه هو كل من يتكلم العربية ويشارك الأمة العربية آلامها وآمالها ومصالحها. وقد أدى هذا التعريف إلى نقاش حاد عقب المحاضرة تشعبت نواحيه واشترك فيه عدد من الحاضرين الذين كان من بينهم سعادة العلامة الكبير الأستاذ ساطع الحصري بك، فشخصت إليه الأبصار تسأله التعقيب على المحاضرة، والإجابة عن بعض الأسئلة، وتفصيل ما أجمله معالي الأمير، وتلبية لرغبة الحاضرين تفضل سعادته بإلقاء محاضرته في الجمعية نفسها يوم الثلاثاء 12 ديسمبر.
وقد استهل الأستاذ محاضرته ببيان انقسام الأمة العربية إلى دول عديدة وشعوب مختلفة، واستطرد من ذلك إلى توضيح الفرق بين الدولة والأمة. وفحوى ما قاله في ذلك أن بين العلماء اختلافاً في الرأي على صحة التعبير بالدولة عن الأمة والعكس، ففريق يرى دلالة الكلمتين على معنى واحد، وآخر يرى دلالة كل كلمة على معنى خاص. وبتمحيص الرأيين يتبين أن ما ذهب إليه الفريق الأول يصح بالنسبة إلى بعض الدول التي تنتمي إلى أمة واحدة ولا يصح بالنسبة للدول التي تنتمي إلى أمم متعددة، في حين أن ما ذهب إليه الفريق الثاني يصح بالنسبة لكل الدول، ومثل بولونيا التي هاجمتها ثلاث دول وتمكن المهاجمون من إزالة الدولة البولونية ولكنهم عجزوا عن إزالة الأمة البولونية التي ظلت محتفظة بكيانها.
وانتقل المحاضر بعد ذلك إلى بيان معنى الجنسية فبين أن لها معنيين: الجنسية بالمعنى القانوني وهي التي ينحصر البحث فيها في نطاق الدولة ولا يشمل الأمة. والجنسية بمعنى القومية.
وأوضح أن كلمة في الفرنسية تدل على الانتساب إلى دولة، وقد تدل على الانتساب إلى أمة ولو لم تكن الأمة كاملة الوجود.
وقال إن العلماء الألمان كانوا أصدق تعبيراً من العلماء الفرنسيين في هذه الناحية وأقرب للواقع والحق حين أستعمل الأولون كلمة للدلالة على الأمة، وأخرى للدلالة على الدولة، وطلب من العلماء العرب أن ينهجوا طريق علماء الألمان فيضعوا كلمة للأمة وأخرى للدولة.
وهنا قال إن وضعنا الاجتماعي والسياسي يفرضان علينا أن نضع ألفاظاً وكلمات للتفريق بين هذين المعنيين. ثم واصل الأستاذ حديثه قائلاً يجب أن نميز بين القومية والجنسية ونفرق بينهما فقد توجد القومية حيث لا توجد الجنسية بمعناها القانوني.
وضرب مثلا بالعرب عندما كانوا تابعين للدولة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى حيث كانوا جنسية تابعة للدولة العثمانية ولكنهم من حيث قوميتهم عرب أي قوميتهم عربية واخذ يضرب الأمثلة ويسوق الشواهد، فمثل أولاً بمنطقة ليبيا وما تعاقب عليها من احتلال واستعمار ومحاولات تجزئة. وطبق ذلك على الأمة العربية عندما كانت تابعة للدولة العثمانية قائلاً:
عندما بدأت الحركة العربية كانت حركة عربية محضة لا تعرف الإقليم ولا البلد ولهذا لم تعرف باسم الحركة العراقية أو السورية أو المصرية أو الحجازية، والنادي العربي الذي أسس يومئذ كان يعمل باسم الشبيبة العربية، والثورة العربية نفسها التي أشعلها المغفور له الملك حسين لم تكن ثورة حجازية بل ثورة عربية عامة للعرب كلهم وللأمة العربية جمعاء، ومن أجل هذا لقب المغفور له الملك فيصل عندما حرر جيشه دمشق بقائد الجيوش الشمالية.
ثم انتقل المحاضر بعد ذلك إلى الدول العربية القائمة اليوم شارحاً الظروف التي قامت فيها، وكيف حددت مساحاتها، وأعلنت حدودها الموجودة الآن فقال: إن هذه الدول العربية المختلفة لم تقم رعاية للأمم العربية، ولا محافظة على حقوقها، بل قامت لأسباب سياسية أو بتعبير أدق باتفاق الدول الكبرى الاستعمارية. وألمع المحاضر للاتفاق بين بريطانيا وفرنسا وروسيا على تقسيم ميراث الدولة العثمانية بينها عقب الحرب العالمية الأولى بل في
أثنائها، ثم الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا على تقسيم العراق وسوريا وكانت فلسطين يومئذ جزءاً منها يعرف باسم سوريا الجنوبية - إلى مناطق نفوذ واستعمار، وهذا الاتفاق هو الذي عرف فيما بعد باتفاق سايكس بيكو وأقر في مايو سنة 1916.
ويؤيد هذا أن مواطن الاتفاق الأربعة بين فرنسا وبريطانيا زاد منطقة خامسة هي الأردن، ولذلك لم يتجاوز الفرنسيون عند استيلائهم على سوريا خط العرض المتفق عليه بينهم وبين حليفتهم كما أدخلت بريطانيا فلسطين في وعد بلفور وأخرجت الأردن من حدود هذا الوعد الظالم.
أما حدود الدول العربية الفاصلة القائمة اليوم فقد فرضتها الدول المستعمرة أيضاً وعدلتها وفق رغباتها الاستعمارية ومن ذلك الموصل التي كانت في اتفاقية سايكس بيكو تابعة للنفوذ الفرنسي فطلبت بريطانيا من حليفتها فرنسا أن تتنازل لها عنه مقابل أن تطلق بريطانيا يدها في سوريا، فوافقت فرنسا على ذلك، وأصبح الموصل الآن جزءا من العراق وكان السبب في هذا اهتمام بريطانيا بالقطر العراقي.
فهل يعقل أن يعتبر السوري أو المصري أو العراقي حدود بلاده القائمة اليوم حدوداً للأمة العربية؟ بالطبع الجواب بالنفي، فالأمة العربية أمة واحدة لا تعترف بهذه الفواصل الجغرافية التي خلقها الاستعمار تنفيذاً لأغراضه السياسية. وقد يقول إخواننا المصريون هذا صحيح بالنسبة للدول العربية التي قسمت إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا فماذا تقول في مصر وعروبتها وحدودها؟ والجواب أن حدود مصر الشمالية تنتهي بخط بين رفح وخليج العقبة، فمن الذي قرر هذا الحد لمصر؟ ويسترسل المحاضر في هذه الناحية فيقول:
لو رجعنا إلى عصر رأس الأسرة العلوية محمد علي باشا الكبير لوجدناه قد بسط سلطانه على سوريا مدة كبيرة ولم يتركها إلا مكرهاً، ولو لم ينسحب منها لظلت مصر وسوريا دولة واحدة منذ 120 سنة إلى اليوم. فإذا تركنا عهد محمد علي وعدنا إلى الوراء في عهد المماليك وجدنا أن سوريا والحجاز كانتا تحت حكمهم بالإضافة إلى مصر. ومعنى هذا أن مصر كانت وحدة مع سوريا والحجاز في عهد المماليك، وفي عهد الأيوبيين قبلهم كانت مصر وحدة مع البلاد العربية كما كانت كذلك في عهد الفاطميين.
ولم نجد مصر تنكمش في حدودها الحالية إلا في الآونة الأخيرة. فإذا أضفنا إلى وحدة مصر السياسية مع البلاد العربية تكلمها باللغة العربية، وتبوأها أسمى مكانة في الناحية الثقافية ظهر لنا جلياً أن مصر ليست عربية فقط، بل عريقة في العروبة. إن كل الشعوب التي تتكلم العربية هي شعوب عربية، وكل إنسان ينتمي إلى أحد هذه الشعوب عربي ينتمي إلى الشعب أو الشعوب المختلفة التي هي أجزاء من الأمة العربية الواحدة. وكانت آخر نقطة في المحاضرة الحركة القومية وعوامل تكوين الأمة فقال:
ظهر في أواسط القرن التاسع عشر نظريتان مختلفتان، نظرية ألمانية وأخرى فرنسية، تقول الأولى إن القومية كائن حي وليست مما يقرره الأشخاص، وهي قائمة على اللغة بوجه خاص، على حين تقول الثانية إن القومية مبنية على الإرادة. وعند تمحيص هاتين النظريتين نجد النظرية الأولى أقرب للصدق والواقع والمنطق، فألمانيا بنت وحدتها وتكوينها وقوميتها على وحدة اللغة ولما رأت فرنسا خطراً عليها من هذه النظرية جاءت بنظريتها. والواقع يؤيد نظرية الألمان ويهدم نظرية الفرنسيين لأن إرادة الأمة لا تأتي عفواً بل نتيجة عوامل متعددة، ولأن الإرادة ليس لها مقياس ثابت إذ يجوز أن تظهر وتختفي فلا يجوز اعتبارها أساساً للقومية. واعترافا بضعف النظرية الفرنسية وقالوا ليست كل إرادة أساساً للقومية بل الإرادة القومية الطويلة الأجل. وعلت نبرات الأستاذ إذ يقول: عندما تتكلم الأمة بلغة واحدة فإن أفرادها يتفاهمون ويتفقون ويتماسكون ويتجهون نحو الوحدة الشاملة وتشعر الأمة أنها واحدة فتريد، فالإرادة تأتي بعد تكوين الأمة لا قبلها. إن أساس تكوين الأمم يقوم على اللغة، وحياة الأمم تقوم على اللغة أيضاً، أما شعورها فيقوم على التاريخ، وإذا زال التاريخ وظلت اللغة أمكن أن تتكون الأمة ويبقى وعيها، أما إذا فقدت الأمة لغتها فقد فقدت حياتها واندمجت في الأمة التي تتكلم بلغتها. ولذلك أقرر أن كل الأمم التي تتكلم العربية أمم وشعوب عربية وعندما نستعرض قضايا التاريخ لا يبقى فينا من يقول أنا مصري أو عراقي أو فلسطيني بل عربي ولا شك أن الكل سيقول آخر الأمر العروبة فوق الجميع!
كامل السوافيري
تصويبات لغوية
يقع في مقالات كثير من الكتاب بعض الأخطاء اللغوية التي لا يمكن السكوت عليها لوقوعها ممن لا يستساغ وقوعها منه.
فمن ذلك ما جاء في (وحي الرسالة): (. . ليحمل إلى الناس رسالة الزهور. .) وهذا خطأ. لأن (زهرة) لا تجمع على (زهور) فقد جاء في (محيط المحيط): (الزهرة والزهرة النبات ونوره الأصفر منه والجمع زهر وأزهار وأزاهير والعامة تقول زهور).
وجاء في كتاب (في منزل الوحي) للدكتور (محمد حسين هيكل) ما نصه (. . إن العمل الصالح يخلع قدسيته. .) والصواب (قداسته). (والقداسة) الطهارة كما جاء في (المنجد).
وجاء في (ما قل ودل) للأستاذ (الصاوي) لفظة (عريظة) والصواب (عريضة) فلا يوجد الفعل (عرظ) حتى يؤخذ منه (عريظة) ولكن يوجد (عرض) بمعنى أظهر وجاء في مقال بالهلال للدكتور (بنت الشاطئ). تحت عنوان (صور من حياتهن). (. . وهي تعجب للصدفة. .) والصواب (للمصادفة)، جاء في (المنجد):
(الصدفة لفظة مولدة بمعنى المصادفة والاتفاق). والمولدون - كما هو معلوم - لا يحتج بكلامهم:
وجاء في كتاب (رجعة فرعون) للدكتور (بنت الشاطئ) ما نصه (. . كامل المعدات الجنائزية. .) والصواب (الجنازية) برد المجموع إلى مفرده ثم النسب إليه.
وجاء في كتاب (ساعات بين الكتب)، للأستاذ (العقاد):(ولعلني أدري السبب. .) وكان الصواب أن يقول (ولعلي) - بلا نون وقاية -، قال ابن مالك:
وليتني فشا وليتني ندرا
…
ومع لعل اعكس. . الخ
ولم تأت (لعل) في القرآن الكريم إلا بغير النون كقوله تعالى - حكاية عن فرعون - (لعلي أبلغ الأسباب).
وجاء في ص 351 (. . لكن أين هي الكتب. .). وإني أذكر أن الدكتورة الفاضلة (بنت الشاطئ) قد أخطأت مثل هذه العبارة في مقال سابق لها بالأهرام عند نقدها كتاب (ثقافة الناقد الأدبي) للدكتور (محمد النويهي) فقد خطأت قوله (ما هو حظ شبابنا) إذ رأت ألا موضع للضمير هنا، ولعل الذي دفعها إلى هذا ما توهمته - وتوهمه كثير من الناس - من ضرورة وقوع ضمير الفصل بين معرفتين وإلا كان ذكره خطأ. والصواب أنه يجوز
وقوعه بين معرفتين أو معرفة ونكرة تشبه المعرفة في عدم قبولها أداة التعريف - كما هنا - وعلى هذا فلا خطأ في العبارتين.
وقد فشا الآن استعمال لفظ (عضوة) وهذا خطأ والصواب (عضو) - بلا تاء - للمذكر والمؤنث. لأنها اسم جنس وأسماء الأجناس لا تلحقها (التاء) إلا سماعاً، ولم يسمع.
وبعد: فهذه هنات يسيرة كان يمكن تجاوزها والسكوت عنها، لو أنها وقعت من غير المشهود لهم بالكفاءة والرسوخ في اللغة العربية.
أحمد مختار عمر