المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 925 - بتاريخ: 26 - 03 - 1951 - مجلة الرسالة - جـ ٩٢٥

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 925

- بتاريخ: 26 - 03 - 1951

ص: -1

‌الدين والسلوك الإنساني

للأستاذ عمر حليق

النتائج الاجتماعية للاختيار الديني

1 -

الجماعة الدينية

للجماعة الدينية على حد تعبير (أ. هولت)(تاريخ خاص وصعيد خاص، وكيان اجتماعي خاص وخصائص وسلوك وأهداف وغايات خاصة)

ولهذه الجماعة في النظام الاجتماعي وظيفة مزدوجة. فهي بحكم هذا الوضع الخاص تلعب دورا كبيرا في صيانة النظام الاجتماعي الذي تعيش عليه، تدمج بعضه ببعض في تكافل محكم متين، وتوجهه توجيها عمليا إيجابيا على أسس العقيدة والطابع الديني الذي تدين به هذه الجماعة

وهي في الوقت نفسه وبحكم هذا الوضع الخاص تؤثر تأثيرا سليما في ذلك النظام، فهي تضمن التكافل الاجتماعي للفئة التي تندمج في تلك الجماعة تشوب طبائعهم وسلوكهم ومشاريعهم وأهواءهم وحياتهم الروحية والعملية في قالب خاص يتفق والتعاليم الدينية التي تؤمن بها. وبذلك تفصلها عن الفئات الأخرى النظام الاجتماعي الأكبر الذي تعيش فيه وقد تخلق من جراء ذلك تشويشا في العلاقات الإنسانية. وتاريخ الحروب الحديثة شاهد على مبلغ الصدق في هذا التعريف. وقد يكون هذا التشويش في صالح المجتمع الإنساني أو قد لا يكون. وليس المقام مقام شرح سماحة الأديان (والإسلام على وجه الخصوص) إزاء الديانات الأخرى. فلهذه النقطة مجال آخر سنعالجه في مكان آخر من هذا البحث

فلقد سبق ورأينا أن في السلوك الديني عناصر قوية تؤثر في الحقائق الاجتماعية. والجماعة الدينية التي حددناها في مستهل هذا المقال هي المادة الخام التي تتيح لنا دراستها للتعرف على الأثر السلبي والإيجابي التي تتركه في النظام الاجتماعي

فلقد قام الإسلام مثلا في جماعة محدودة من الناس وفي صعيد معين وفي قوم كان لهم خصائصهم ومقوماتهم الخلقية وأساليبهم في حياة الروح والجسد، وكان لهم كذلك أهدافهم وغاياتهم

ولم ينتشر الإسلام في مثل هذه السرعة العجيبة إلا لأمرين: أولهما: تمكنه من صياغة روح

ص: 1

الجماعة العربية أهل يثرب ومكة ومن حواليهما في قالب محكم متين كان علما على الجماعة الدينية الإسلامية في أدق معانيها

وثانيهما: - أن العقيدة والتعاليم التي آمنت بها تلك الجماعة العربية إيمانا صادقا وحملتها إلى المشرق والمغرب فيما بعد - هذه التعاليم لم تجد هذا القبول السريع الصادق في المشرق والمغرب إلا لأنها كانت اقرب إلى الحقائق الاجتماعية وأنفع لمعالجتها من التعاليم الدينية الأخرى التي جاءت التعاليم الإسلامية لتنافسها في مجال الإصلاح

والتكافل الاجتماعي الذي يحققه الدين في الجماعة التي تؤمن به يتوقف مدى وثوقه وسرعة نموه على مبلغ الصدق في الاختبار الديني عند تلك الجماعة. فالعزة الإلهية هي محور الأديان السماوية؛ والاختبار الديني الصادق يستمد منها مزيداً من القدرة على تنظيم السلوك الإنساني في شكل يتفق وما أمر الله به وما نهي عنه. فإذا شمل ذلك الاختبار الكثرة من الجماعة استقام سلوكهم وتوارث عناصر الشقاق الاجتماعي من بينهم ليحل مكانها تكافل منسقة أصوله مبينة أهدافه ومراميه لأنها من عند الله خالق الكون ومهندسه الأعظم

وسرعة نمو التكافل الاجتماعي في الجماعة الدينية يتوقف كذلك على تحديد التعاليم الدينية لأسس ذلك التكافل. فمن الأمور التي ينفرد بها الإسلام على غيره من العقائد أن القرآن والحديث قد جددا كثيرا من أوجه السلوك الإنساني تحديدا شاملا دقيقا

ونستشهد بالسيد محمد رشيد رضا معجبين للدلالة على تحديد الإسلام لوظيفة الدين في التكافل الاجتماعي. فقد صنف رحمه الله في كتابه (الوحي المحمدي) مقاصد القرآن في عشرة هي:

المقصد الأول: - في حقيقة أركان الدين وهي الإيمان - العقيدة - البعث والجزاء والعمل الصالح وتهذيب الأخلاق والنهي عن أتباع الهوى والترغيب في التقوى والإرشاد إلى العبادات

المقصد الثاني: - بيان ما جهل البشر من أمور النبوة والرسالة ووظائف الرسول، والإيمان بالقدر والسنن العلمة وآيات الله الخالصة والحظر على البشر من ارتقاء العلم بدون الدين

المقصد الثالث: - كون الإسلام دين الفطرة والصقل والفكر والعلم والبرهان والحجة والضمير والوجدان والحرية والاستقلال

ص: 2

المقصد الرابع: - الإصلاح الإنساني والاجتماعي والسياسي الوطني بالوحدات الثمان: - وحدة الأمة و (الإنسانية) والدين والتشريع والأخوة الدينية والجنسية السياسية والقضاء واللغة

المقصد الخامس: - في مزايا الإسلام العامة في التكاليف الواجبة والمحظورة. وقد حصر السيد رضا رحمه الله هذه المزايا في عشر هي: - الأولى كونه جامعا لحقوق الروح والجسد (الثانية) كونه غايته الوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة (الثالثة) كون الغرض منه التأليف بين البشر وهو يعني بذلك ما اصطلح علماء الاجتماع على تسميته بالتكافل الاجتماعي (الرابعة) كونه يسرا (الخامسة) منع الغلو في الدين وإباحة الطيبات والزينة (السادسة) قلة تكاليفه وسهولة فهمها (السابعة) انقسام تكاليفه إلى عزائم ورخص (الثامنة) كون نصوصه مراعى فيها درجات تفاوت البشر في العقل والفهم وعلو الهمة وضعفها (التاسعة) معاملة الناس بظواهرهم (العاشرة) مدار العبادات على الأتباع المحض وأحكام المعاملات على الصالح مع مراعاة النص

المقصد السادس: - في حكم الإسلام السياسي نوعه وأساسه وأصوله العامة

المقصد السابع: - في الإصلاح المالي والحقوق المفروضة والمندوبة في المال والإصلاح فيه

المقصد الثامن: - في إصلاح نظم الحرب وفلسفتها

المقصد التاسع: - في إعطاء النساء جميع الحقوق الإنسانية الدينية والمدنية

المقصد العاشر: - في هداية الإسلام في تحرير الرقيق

هذه الخطوط الرئيسية التي جعلها السيد رضا رحمه الله محور شرحه لوظيفة الإسلام أشبه بباقة مبعثرة زهورها تحتاج إلى التنسيق في آنية لطيفة المنظر جميلة الصنع يضاف إليها غصون رطبة من الأخضر اليانع ليكسبها عذوبة وسلاسة تتفق والذوق الذي تربى في قرار العربية هذه الأيام

والأسلوب العلمي الحديث في البحث والاستقراء يوفر للباحث هذه الآنية ويسهل عليه تنسيق تلك الزهور وإحاطتها بالغصون الرطبة الخضراء

وقد لمس كاتب هذه الأسطر - كما لمس غيره من الذين أتيح لهم دراسة مناهج البحث

ص: 3

المعاصرة - أهمية الذخيرة النافعة التي تتوفر في المراجع الإسلامية القديمة منها والحديثة وما يحيط بتلك الذخيرة من مقصد اللفظ والمنطق بشكل يطمر بعض ما فيها من كنوز ويشوه ما فيها من جمال المغزى والمعنى

على أن الذي يعنينا من استعراض أثر السيد محمد رشيد رضا الجليل هذا هو لفت النظر في إشارة عابرة إلى تحديد الإسلام لأسس التكافل الاجتماعي تحديدا يكاد يكون شاملا؛ وذلك ما مهد لذلك التكافل سرعة النمو في الجماعة الإسلامية، ذلك التكافل الذي لا تزال بعض أسسه تربط العالم الإسلامي برباط اجتماعي وروحي كبير الأهمية. وما التفكك السياسي والاقتصادي الذي لازم تاريخ الشعوب الإسلامية منذ أفول نجم الإمبراطورية الإسلامية إلا وليد الوهن الذي أصاب مفهوم الناس وسوء ممارستهم للتعاليم الإسلامية؛ وليس مرجع هذا التفكك وهن التعاليم نفسها

قلنا إن وظيفة الدين لتحقيق التكافل الاجتماعي في الجماعة الدينية تتوقف على صدق الإيمان والاختبار الديني لدى تلك الجماعة، وعلى تحديد العقيدة الدينية التي تدين بها الجماعة لأسس ذلك التكافل.

ولا شك أن سلامة العقيدة الدينية وصيانتها من التحوير والتبديل شرط أساسي لحفظ ذلك التكافل الاجتماعي وهذا لا يعني الجمود والتعصب وإقفال باب الاجتهاد

نيويورك

(للبحث صلة)

عمر حليق

ص: 4

‌الشعراء المجازون

الكلمة التي ألقيت في الاحتفال الذي أقامه مجمع فؤاد الأول للغة العربية في قاعة الجمعية الجغرافية الملكية عصر الخميس الماضي لتوزيع جوائزه على الفائزين

أعلن المجمع في العام الماضي مسابقة في الإنتاج الأدبي شملت الشعر والقصص والبحث، فتقدم إلى حلبة القريض منها عشرة من شعراء الشباب أمتعوا لجنة الأدب حينا من الزمن بأغاريد متسقة الوزن منسجمة اللحن صافية الرنين، ولكن في بعضها التوقيع المتنوع. وفي بعضها الترجيع المتجانس. فاستمعت اللجنة إلى الأصوات جميعا؛ ثم أرهفت أسماعها لثلاثة من هؤلاء الشعراء رأت أنهم خرجوا من فناء العش إلى فضاء الأفق، وجاوزوا طور الزقزقة إلى طور الشدو. فسمعت الأول يقول

دهى النيل ليل فاستطال هجوده

وأورث جنبيه كلالا رقوده

بساتينه باتت نواعس حوله

وأغفت بها أطياره ووروده

فلا ساجعات الأيك فيها صوادح

ولا الورد لذ النفح ريانُ عوده

ولا النبت مطراف على الأرض سابغ

قشيب ولا صوب الربيع يجوده

ولا الصبح طلق الوجه نضر ولا الضحى

ضحوك السنا ضاحي المحيا سعيده

ولا النيل تأتيه إذا نصل الدجا

صباياه يملأن الجرار وغيده

فلما دجا ليل الخطوب توثبت

تهائم واديه وهبت نجوده

وفتح عينا في الدنا فإذا بها

مضى مجده منها وولى تليده

وأغرى به أهل الطماعة أنهم

غزوه فلم تزأر عليهم أسوده

فنادى بنيه الغر هبوا فأوقضت

جحاجحه المستقتلون وصيده

أهاب بشطريه قلباه بيضه

سيوفا جرى فيها المضاء وسوده

وسمعت الثاني يقول:

أبناء مصر ضنيت مما أكتوى

لا الصبر في طوقي ولا إجماله

برح الخفاء فما النقاب بمدل

كلا ولا من حكمة إسداله

أدواء مصر أقلها قتالها

فزن المصير ولا يفتك وباله

الطير تلهم قبل عصف رياحها

والقطر ينبئ إن دنا هطاله

وعجيب قومي أن أنوء بنصحهم

والنصح أدهى ما دهى اهماله

ص: 5

عزت هدايتهم علي بموطن

المرء فيه جاهه أو ماله

لا أصفراه قلبه ولسانه

بل أكبراه عمه أو خاله

وسمعت الثالث يقول:

قد صحونا اليوم من طول الهجوع

ونفضنا النوم عنا والكرى

بعد ما أصبح وادينا المنيع

مرتعا يرعى به كل الورى

وحسرنا الستر عن أبصارنا

لنرى الدنيا وما صارت إليه

فإذا المجد الذي كان لنا

قد طواه الناس واستعلوا عليه

وإذا كان غفلا في الثرى

قد سما بين الورى وارتفعا

وتوانينا فعدنا القهقرى

وخسرا اليوم والأمس معا

فارتقب يا نيل إنا سنعيد

ما مضى من تالد المجد وغاب

واهتفي يا مصر بالماضي المجيد

فغدا يحيا على عزم الشباب

نحن أبناء الفراعين الألي

ملكوا الدنيا وشادوا الهرما

وعلوا بالمجد آفاق العلا

وتخطوا في الخلود الأمما

وسليل المجد لا يرضي الصغار

أو يطيق الضيم يطغي في جماه

وإذا ما هاجه الظلم فثار

هانت الدنيا عليه والحياه

ثلاثة أصوات تتفق في الموضوع والغاية، وتختلف في الشكل والطريقة: شعر الأول جزل اللفظ فخم العبارة محكم السرد، يجري أكثره في البحور الطويلة، ويؤثر لغة الأولين فيذكر التهائم والنجود والجحاجح والصيد. وشعر الثاني والثالث مأنوس الكلم، سلس الأسلوب، متنوع القوافي، حتى ليسبق إلى ظن المقارن أن هناك مذهبين للتعبير: قديما اتبعه صاحب (الأنداء المحترقة) وجديدا اتبعه أخواه صاحب (أدب الثورات القومية) وصاحب (وحي الشباب)، وهي الدواوين الثلاثة التي أجيزت. فهل في تاريخ الشعر العربي ما يسوغ هذا الظن؟ الواقع أن ليس للقديم والجديد في الأدب العربي ما لهما من الدلالة في الآداب العالمية الأخرى: قديم الفرنسية أو الإنجليزية مثلا قد استحال أو اندرس، فلا يستعمل اليوم، وإذا استعمل لا يفهم، وإذا فهم لا يقبل؛ لأن هاتين اللغتين تطورتا مع الزمن تطورا شديدا حتى اتسع الخلاف بين حاضرهما وماضيهما في النطق والنحو والبيان. ثم تغيرت

ص: 6

عقلية قوميهما بتقدم العلوم وارتقاء الحضارة فتغيرت الأساليب واختلفت طبيعة أدبيهما لاتصالهما بحياة الناس عن طريق القصص والتمثيل فاختلفت المذاهب. أما قديم العربية فهو جديد أبدا، وأما جديدها فهو قديم أبدا. لا نجد فرقا جوهريا بين أساليب القرن العشرين وأساليب القرن السابع: الألفاظ هي الألفاظ، والنسج هو النسج، والأعراب هو الأعراب. فما يمتعنا من خطب زياد وسحبان وشبيب، هو ما يمتعنا من خطب النديم ومصطفى كامل وسعد زغلول. وما يعجبنا من نثر الجاحظ وأبي حيان والبديع، هو ما يعجبنا من نثر المازني والمنفلوطي والمويلحي. وما يطربنا من شعر البحتري وأبي فراس والمتنبي، هو ما يطربنا من شعر البارودي وشوقي وحافظ! كأنما نشأ هؤلاء جميعا في عصر واحد وشبوا على ثقافة واحدة! ولعل تعليل ذلك أن الشعر الجاهلي بأصالته، والقرآن الكريم ببلاغته، والدين الإسلامي بثقافته، هي العناصر التي يتألف منها المثال الفني الذي يحتذيه الكاتب والشاعر، فما تفرق مفترق إلا اجتمع عليه، وما تباعد متباعد إلا رجع إليه. فالشعر الجاهلي أقام عمود الشعر، والنثر القرآني أقر أسلوب الكتابة، والأدب الديني طبع الفكر العربي بطابع الرزانة والهدوء والسلفية؛ فهو لا ينفك يستهدي الوحي، ويسترشد السنة، ويستمهل الطفرة، ويستريب البدعة، ويصبغ نتائج القرائح المختلفة في الزمان والمكان بلون من التصور والتصوير لا يكاد يختلف ولا يتغير. فلو أن الزمان تأخر بالمتنبي ألف سنة لكان من الممكن أن يكون شاعر الخديوي عباس. ولو أنه تقدم بشوقي ألف سنة لكان من الجائز أن يكون شاعر سيف الدولة. وما نظن المصريين كانوا يقولون إن شعر المتنبي قديم، ولا الحلبيين كانوا يقولون أن شعر شوقي جديد!

إنما كان الاختلاف بين شاعر وشاعر، أو بين عصر وعصر، في الصور التي تلهمها البيئة والثقافة والحضارة، وفي الألفاظ التي تقرب أو تبعد عن لغة الجمهور ومألوف المجتمع. فبعض الشعراء يغترفون من قاموس المكتبة ولغة القرآن؛ وبعضهم يرتشفون من قاموس الجيب ولغة الصحف. والاختلاف على هذا النحو اختلاف في الشكل. والشكل حكمه حكم اللباس والأثاث والآنية، يتغير بتغير المكان والزمان والحالة. وما كان لأحد أن يختلف أو يختصم فيما لا حيلة فيه. ولكن النقاد الأقدمين جعلوا من اختلاف هذه الأشكال معركة بين القديم والجديد أداروها على اللفظ الجزل والركيك، والأسلوب الصفيق

ص: 7

والمهلهل، والمعنى المسروق والمطروق، والمطلع الجيد والردئ، والتخلص الحسن والقبيح. وعذرهم في ذلك أن الشعراء لأسباب فطرية واجتماعية لم يقدموا إليهم إلا نوعا واحدا من الشعر هو ما يتصل بالوجدان والعاطفة؛ فكان النقاد أمام وحدة الشعر العربي ونقصه، مسوقين إلى أن يقصروا جهودهم على لفظه. فلو أن الشعراء ألهموا أن ينظموا في القصص الحكائي والتمثيلي، لا اختلفوا في الموضوع وما يصدر عنه من أغراض، وفي الينبوع وما يؤدي إليه من مسالك؛ كما اختلف فيهما الشعراء الفرنسيون فظهر في أدبهم الاتباعية والإبداعية والواقعية والرمزية وغيرها من المذاهب المقبولة والمرذولة. ولم يسمع التاريخ فيما سمع أن العرب اختلفوا يوم تركوا علبة الخشب إلى زرق الجلد وكوز الفخار وقدح الزجاج وجام الفضة، لأن الموضوع وهو الماء أو اللبن لم يتغير بتغير الآنية؛ ولكنه سمع أن الخلاف حدث وأن الرأي تشعب حين تغير الشراب من اللبن إلى الخمر. فالقول بأن في الشعر العربي قديما وجديدا وهو لا يزال واحدا في لغته وطريقته ونوعه ووزنه قول مدفوع بالواقع. ولقد صدق شوقي إذ يقول

ما فيه عصري ولا دارس

الدهر عمر للقريض الأصيل

على هذا الوجه أيها السادة نظرت لجنة الأدب بالمجمع في أشعار الثلاثة السابقين فرأت الشاعر كمالا النجمي صاحب الأنداء المحترقة يأتي في الحلبة مجليا لفخامة ألفاظه ورصانة أسلوبه ومتانة قوافيه ووضوح معانيه وقلة سقطه وندرة خطأه، وهي الصفات الفنية الجوهرية التي يطمع المجتمع في أن تشيع في شعر الشباب. لذلك خصه بالجائزة الأولى. والأستاذ النجمي يقول أنه من قبيلة أولاد نجم من عرب الصعيد، وإن أباه كان من رجال الدين واللغة والشعر فوجهه هذا التوجيه الأدبي الخالص. وأبى عليه أن يستقي ثقافته الأدبية من غير مشاعرها الصافية الأولى، فحفظ القرآن الكريم، وقرأ كتابي الأغاني والعقد الفريد، ودرس ديواني البحتري والمتنبي. وفي هذه البيئة وتلك النشأة نجد تعليل الجزالة والسلامة اللتين تميز بهما شعره على الرغم من وقوفه في الدراسة عند حدود المرحلة الثانوية. وقد اخذ ينظم ديوانه المجاز وهو في الثامنة عشرة من عمره، ثم أتمه وقد نيف على الثامنة والعشرين. وشعر الديوان وجداني محض، استمده الشاعر من طبعه، ونقله عن قلبه، وعبر به عن شعوره، فليس للقصص والتمثيل منه نصيب. وقد طفى فيه حديث

ص: 8

الشاعر عن نفسه، على حديثه عن غيره، فقل في السياسة والوطنية والاجتماع، وكثر في الحب والشوق والحنين والذكرى والألم والحزن. وأفكاره وصوره وأخيلته في كل أولئك جيدة، ولكنها في الوصف والشكوى والرثاء أجود

ثم رأت اللجنة على مسافة قريبة من الشاعر المجلي شاعرين يعدوان جنبا إلى جنب وقد كادا يبلغان الأمد، أحدهما الأستاذ محمود محمد صادق صاحب (أدب الثورات القومية) والآخر الأستاذ فريد عين شوكة صاحب (وحي الشباب)؛ فالشاعر محمود صادق ولد بالقاهرة في العام الأول من هذا القرن، ثم تخرج في مدرسة الحقوق سنة 1924 وكان من الطلاب الأولين الذين أوضعوا خلال الثورة المصرية المباركة، يؤرثون نارها بالخطب، ويسعرون أوارها بالشعر، ويرفعون صوتها بالتظاهر. فنظم فيها ديوانا نشره في سنة 1923. وكان وهو في سن اليفاعة يقول الشعر من غير علم باوزانه، ولا معرفة بقواعده. وقد علل ذلك بعض من كتبوا عنه بخلوص العروبة في دمه، لأن والديه نسبا في بني العباس. وبهذه الروح الثورية المشبوبة نظم النشيد الوطني سنة 1936 ونال عليه الجائزة الأولى. ثم أتجه شعوره إلى العروبة والإسلام حين تجددت في فلسطين مأساة الأندلس، فوضع للعرب نشيدا ونظم في كارثتهم مطولة. ولم نكد نقرأ له في خير الأحداث المصرية والعربية شيئا. الشاعر قوي الشاعرية عصبي الأسلوب حماسي العاطفة نبيل الغرض؛ ولكن قيثارته كربابة الشاعر الشعبي ترسل الأنغام من وتر واحد، وذلك ما بطأ به عن الغاية، والأستاذ صادق يسمي قصائده المطولات التي قالها في الثورة المصرية وفي الكارثة الفلسطينية ملاحم. وهذه التسمية من الوجهة الفنية خطأ؛ لأن القصيدة لا يكفيها أن تكون حماسية الموضوع ضافية الطول لتكون ملحمة، إنما الملحمة مصطلح وضع في الأدب الحديث ليقابل لفظ (ايوبيه) في الأدب الأوربي. وهي بهذا المعنى لا بد أن تكون قصة، أما طبيعية تكونت على طول الزمن مما تنوقل وتوورث من الأقاصيص والأغاني حتى تنتهي إلى شاعر سمح القريحة طويل النفس فينظمها كما فعل هوميروس في الألياذة؛ وإما صناعية تنشأ من عمل فرد واحد يخلق مادتها ويصنع صورتها كما فعل الفردوسي في الشاهنامة. وقصة الملحمة لا بد أن تنتزع من حياة شعب بأسره، لا من حياة شخص بعينه، وبذلك تخرج من الملاحم القصيدة العمرية لحافظ. ولا بد أن تقوم على قواعد الفن

ص: 9

القصصي في العرض والعقد والحل، وبذلك تخرج منها أرجوزة (دول العرب) لشوقي. والمطولات التي سماها الأستاذ صادق ملاحم قد خلت من عنصر الحكاية وهو الشرط الأساسي لوجود الملحمة؛ وزخرت بمعاني الشعر الوجداني من حماسة وفخر ومدح ورثاء ووصف وشكوى. وما أسعد المجمع يوم يقدم ويكرم ويجيز الشاعر الموهوب الذي يكمل نقص الشعر العربي في القصص، كما كمل شوقي نقصه في التمثيل. وفي أحداث الفتوح الإسلامية والحروب الصليبية والمعارك الفلسطينية مواقف للبطولة والمروءة والتضحية تنتظر الشاعر العبقري ليجعل منها موضوعا لملحمة العرب

وأما الأستاذ فريد عين شوكة فقد ولد في منوف ثم تخرج في دار العلوم سنة 1936، وزاول تعليم اللغة في مدارس الدولة. وأبناء دار العلوم وإخوانهم أبناء الأزهر هم جنود العربية وحماتها إما بالطبع وأما بالصنعة، فالمصنوعون يخدمون فقهها ونحوها وصرفها وبلاغتها بالبحث والنقد والشرح والتعليم؛ والمطبوعون يمارسون فوق ذلك تنمية أدبها بالكتابة، وتجديد بيانها بالشعر. ومن هذا الفريق الأستاذ فريد. قال الشعر في سن باكرة، ووجد من طبيعة نفسه ومن طبيعة درسه ما يعين عليه فصاغه صياغة حسنة جرى عليها رونق الطبع فهي سلسة، وأثرت فيها صنعة المعلم فهي صحيحة، وأن فعلت مشاعره وخواطره بالنفس والبيئة والطبيعة والمهنة والعقيدة، فتغنى بالشباب والحب، ونظم في التعليم والمدرسة، وأشاد بالنيل والريف، وقال في الإسلام والعروبة. وقد تميز على صاحبيه بمعالجة الشعر التمثيلي وهو أكمل أنواع الشعر الثلاثة، لأنه جماعها بما يشتمل عليه من حرارة الوجدان في وصف المواقف، وجاذبية القصص في سرد الحوادث، وبراعة الحوار في تمثيل الوقائع

هذان الشاعران اللذان جاءا في الحلبة مصليين يجريان في عنان، لانفراد كل منهما بمزية، كانا لقربهما من السابق وبعدهما عن المتخلف موضع تقدير المجمع فدبر لهما جائزة أخرى كالأولى وقسمها بينهما بالسوية

إن المجمع كما ترون يولي شرف السبق في مضمار الشعر من امتاز ببلاغة الأسلوب في جمال صورته وصحة فكرته وشدة أسره؛ ثم لا يغفل بعد ذلك المعنى المبتكر ولا الفن المستحدث ولا الخيال المستطرف ولا الغرض السامي. والشعر على هذا النحو من أرفع

ص: 10

الفنون التي يشجع على إنتاجها المجمع؛ لأنه أحد النبعين الذين ينبثقان من روح اللغة فيحملان لموادها النماء ولأساليبها الجدة ولصورها النضارة. والشعر من بعد ذلك خليق بأن نحتفل له ونحتفي به ونعين عليه، لأنه موسيقى المجاهدين في سبيل المجد، وحداء المجهودين في ركب الحياة

والمجمع إذ يؤدي إلى الشعر هذا الواجب في أشخاص أهله، يتقدم إلى الثلاثة المجازين بخالص التهنئة، وإلى السبعة المؤجلين بجميل المعذرة، وإلى السادة الحاضرين بجزيل الشكر

أحمد حسن الزيات

ص: 11

‌من شعر القوة في بلاد الشام

للأستاذ حمدي الحسيني

إن خلايا الحياة في جسم الأمة العربية بدأت تتحرك منذ أعلن الدستور العثماني؛ فكانت هذه البقعة العربية من طورس إلى رفح أحفل البقاع العربية بمظاهر الحياة والنضال في سبيل الحياة. وقد كان فريق من شعراء هذه البقعة المباركة - ولا يزال أكثرهم والحمد لله أحياء - من أكثر الخلايا العربية تغذية لروح الأمة بالقوة المتدفقة والأمل الهادي، ومن أقواها حركة واندفاعا في ميادين النضال في سبيل الحرية والاستقلال. ولا شك في أن الشيخ فؤاد الخطيب شاعر الثورة العربية - حفظه الله - كان ولا يزال في الرعيل الأول من شعراء العرب الذين أحسوا برغبة الأمة العربية في الحرية وتطلعها إلى الاستقلال. فأخذ ينظم لها هذه الرغبة الصادقة شعرا صادقا فتنشره له الصحف العربية في مصر والآستانة، حتى تقدم الشريف حسين بن علي رحمه الله في الحرب الماضية فأعلن الثورة العربية بإطلاق الرصاصة الأولى في وجه الظلم فما كاد العالم العربي يسمع دوي هذه الرصاصة في سماء البلاد العربية حتى دوى بجانبها صوت الشيخ فؤاد الخطيب بقصيدة عصماء فكان دويها أيضاً واسع المدى قوي الصدى؛ حيا الشريف حسينا وحيا البيت الحرام، وطلب من الشريف أن ينهض للأمر الخطير نهضة قوية عنيفة لأن الظلم لم يعد يطاق، وأن الأذى لم يعد يحتمل. ومن أولى من ابن النبي يحمل هذا العبء الكبير، وينهض بهذا الأمر الخطير؟

والتف حولك أبطال غطارفة

شم الأنوف يرون الموت مغتنما

فاصدم بهم حدثان الدهر مخترقا

سدا من الظلم إن تعرض له انهدما

ثم التفت إلى العرب يستفز حميتهم ويستنهض همتهم:

إيه بني العرب الأحرار إن لكم

فجرا أطل على الأكوان مبتسما

يستقبل الناس من أنفاسه أرج

ما هب في الشرق حتى أنشر الرمما

من ذلك البيت من تلك البطاح على

تلك الطريق مشت أجدادنا قدما

لستم بنيهم ولستم من سلالتهم إن لم يكن سعيكم من سعيهم أمما

وقد ظل الشيخ فؤاد متصلا ببني هاشم في دور ملكهم في الحجاز والشام وشرق الأردن والعراق ملامسا للقضية العربية العامة في أكثر نواحيها. وقد أخرج للمسرح العربي رواية

ص: 12

فتح الأندلس، رأينا فيها روحه مشرقة على كل قطعة منها، ولا ننسى ذلك الموقف الذي اصطدمت فيه همة الشيخوخة الفانية بهمة الشباب المتوثب:

يا شيخنا اسلم وذرنا نحن في محن

ماذا يضيرك أن نستقصي المحنا

تالله ما الموت إلا العيش في ضعة

من يرض بالثوب يجعل ثوبه الكفنا

إن يعوز العرب في بنيان دولتهم

هدم الحياة بذلنا الروح والبدنا

وليجعلوا من بقايانا ومن دمنا

طينا وماء فيبنوا الملك والوطنا

وأما السيد خير الدين الزركلي شاعر القومية العربية أطال الله بقاءه فقد كان من أسبق شباب سوريا دعوة للقوة ومجاهرة برغبة الحرية:

ما منال الحياة بالمطلب السهل

ولكنني أرى النهج وعرا

كل عز فباطل غير عز

شيدته الظباة وخزا وهبرا

واللبيب اللبيب من يؤثر المو

ت على أن يعيش في الذل دهرا

وهو يعتقد بأن أماني الأمم في الحرية والحياة لا تتحقق إلا إذا أصبحت في النفوس إيمانا دافعا:

من كان يؤمن إيمانا بدعوته

أجابه الفلك الدوار آمينا

ومن إذا خلصت للمجد همته

أصاب نجما على الأيام مضمونا

وهل الإيمان إلا الإرادة القوية الحازمة التي تأبى على الدهر إلا أن تتحقق على رغم الصعوبات والعقبات:

إرادة تستذل العصم ماضية

وعزمة تصدع الأطواد توهينا

وللعظائم ما ترضى فإن وهنت

خابت وإن تمض آبت في المجلينا

كل امرئ طامح للمجد يطلبه

لولا العظائم ما خاب المرجونا

وما دامت الإرادة ماضية في العمل فيجب أن يكون العمل ثابتا قويا لا يتزعزع ولا يتضعضع.

ابن علي الصخر وإلا فما

شيد علي المنهار يصدع

وخشي الزركلي أن يظن الضعفاء بأن الحق المهضوم يمكن الحصول عليه بالهوادة واللين والهوان والذل، فراح يحذرهم هذا الظن الآثم بأقصى حدود الصراحة والصرامة:

ص: 13

من خال أن المجد يدرك هينا

فلينتظر بعد الهوان هوانا

ما شاد ملكا أو أعز قبيلة

من آثر الإخلاد والإذعانا

قال الزركلي هذا ولكنه لم يطمئن فقد خشي ألا يفهم الضعفاء وسيلة النضال الحقيقية فيظلوا في هوانهم سادرين فأخذ بأيديهم ووضعها على السلاح:

ابن مجدا ولو بحد المواضي

ما أرى الدهر عن مهين براض

وأخو العزم من بيت وكلتا

مقلتيه لم تكتحل باغتماض

أفلح الخائض الغمار بعيد الغور

رأياً وأخفق المتغاضي

ليس بالندب من إذا مسه

الضيم تولى أو لاذ بالأرباض

إنما ابن العلاء من ليس بالمحجم

عن خصمه ولا الركاض

من إذا استل باليمين حساما

شغل البرق عن سنا الإيماض

وما كاد الزركلي يرى أمته اهتدت إلى الطريق السوي الموصل إلى الحق المهضوم حتى اطمأنت نفسه وزال قلقه: واسمعه الآن في مكة بين يدي الملك حسين يصيح هذه الصيحة القوية على أثر خطب من الخطوب التي أصابت سوريا في ميدان جهادها:

إن في الشام أمة لا تطيق

الضيم، تأبى العلا لها أن تطيقا

أنذرونا بالموت، ما أعذب المو

ت إذا كان للحياة طريقا

إن للباطل اضطرابا على الح

ق وعقباه أن يكون زهوقا

وأما السيد بشارة الخوري - الأخطل الصغير - ففي شعره وثبات قوية وحفزات ثائرة، ونفثات محرقة تجعله في نظرنا شاعرا من شعراء القوة كما هو شاعر من شعراء الحب والجمال. وهل القوة والحب والجمال إلا شيء واحد معناه الحياة السعيدة الهانئة؟ واسمع الآن الأخطل الصغير يزف هذه البشرى الغالية بسقوط عبد الحميد - ليس للأمم العثمانية فحسب بل لأمم الأرض قاطبة

زال عصر السجود يا أمم الأرض

وهذا عصر الإخاء الوطيد

ظمئت هذه النفوس إلى المجد

فلا تمنعوا سبيل الورود

وخذ هذه الحملة القوية التي يحمل بها الأخطل الصغير على الضعف الذي يبدو على الأمة العربية أحيانا عند نزول الخطوب بساحتها:

ص: 14

لا يثور المجد في أعراقها

أمة تغدو على النوح وتمسي

يخطب المدفع في محفلها

طاهر الألفاظ معسول التأسي

خاب من شيد حريته

دون أن يدعم ركنيها برمس

مهروها أنفسا غالية

لا بأحلام وأقلام وطرس

وخذ هذه القطعة القوية التي يوجهها إلى الشباب هذا التوجيه القوي الجميل المحبب

يا دماء الشباب ما أنت إلا

ذائب الطيب يا دماء الشباب

لا تضني على الحراب وإن آذ

تك بل عطري رءوس الحراب

املئيها شذا كما يملأ الورد

يد الجارحيه بالأطياب

قطرة منك بسمة في فم الرفق

وسوط على يد القرضاب

كم سياج من الحديد تقضي

وسياج باق من الآداب

وأما الشيخ سليمان التاجي الفاروقي فهو شاعر فلسطيني مقل ولكن قليله قوي صادع كانت تتفجر به عواطفه المكبوتة بعد الدستور العثماني تفجرا قويا عنيفا. وقد وقعت في يدنا إحدى صوادعه وهي التي كان قد أنشدها في الآستانة في أواخر الحرب العالمية الأولى فكانت نفثة تنم عما تستشعره نفسه المرتمضة وتحس به عواطفه المتألمة. وإليكم هذه القطعة القوية من هذه القصيدة العامرة:

بيد أنا بعد ما قد نالنا

لا يرى اليأس إلينا مذهبا

نحن للحرب خلقنا وبنا

يضرب الأمثال من قد ضربا

عدة الناشئ منا سيفه

وفؤاد منه أمضى مضربا

إن للعرب لجيشا إن مشى

زلزل الشرق وراع المغربا

تسجد الأحكام إجلالا له

ويدك الأرض دكا والربى

كتب النصر على راياته

كيف والله الذي قد كتبا

أيها الطامع في إذلالنا

إن من دون مناك الشهبا

قد أبى الله لنا إذلالنا

كيف ترجو أنت ما الله أبى

الشيخ إبراهيم الدباغ رحمه الله: شاعر فلسطيني عاش في مصر منذ حداثته؛ قد اتصل بالحركة الوطنية في مصر وساهم في خدمتها عن طريق الصحافة والسياسة، انتسب

ص: 15

للحزب الوطني ثم ظاهر حزب الوفد، في شعره رغبة في الحرية وأملا في تحقيقها للعرب وللشرقيين عامة:

غلت فغلي في كل صدر وجيها

ولست لها إن كان غيري مجيها

تعود منها المستبدون هدنة

وسلما وردتهم لرشد حروبها

ممنعة لا تبتغي عند أمة

موزعة أهواؤها وقلوبها

بنو الشرق أبطال لها في بلادهم

وما دك دور العز إلا غريبها

وفي شعره ثورة على الظلم وتبرم بالظالمين:

أغرب ما شاهدت في

حكم الشعوب والأمم

مسلط يطاع فيها

أمره، وإن ظلم

وخادم يعطى له السي

د أجر ما اجترم

السيد إبراهيم طوقان رحمه الله، من شعراء الشباب في فلسطين، في شعره حيوية وقوة تهيجها الذكريات الخالدة، وتحركها الحوادث العظيمة، فذكرى خالدة كذكرى واقعة حطين تعصف في نفسه عصفا قويا ولا تنفك تعصف حتى يقول:

قف على حطين واخشع

يشج قلبك ما شجاني

وانظر هنالك هل ترى

آثار يوسف في المكان

من كل خطار على الأخ

طار صبار الجنان

حلقات أدرعهم قيو

د الموت في درك الطعان

وسيوفهم ماء الحميم

على مضاربهن قان

والخيل طوع كماتها

في النقع مرخاة العنان

لا تنثني أو تحرز القصبا

ت في يوم الرهان

وخذ هذه القطعة القوية التي يصف بها من يخاطر بحياته في سبيل عقيدته:

لا تسل عن سلامته

روحه فوق راحته

بدلته همومه

كفنا من وسادته

بين جنيه خافق

يتلظى لغايته

صامت لو تكلما

لفظ النار والدما

ص: 16

قل لمن عاب صمته

خلق الحزم أبكما

وأخو الحزم لم تزل

يده تسبق الفما

وخذ هذه القطعة أيضاً يصف بها الشهيد:

عبس الخطب فابتسم

وطغى الهول فاقتحم

رابط الجأش والنهى

ثابت القلب والقدم

لا يبالي الأذى ولم

يثنه طارئ ألم

لا تقل أين جسمه

واسمه في فم الزمن

إنه كوكب الهدى

لاح في غيهب المحن

أرسل النور في العي

ون فما تعرف الوسن

حمدي الحسيني

ص: 17

‌فتح القسطنطينية

الدكتور سالم أحمد الرشيدي

(لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك

الجيش)

حديث شريف

تحتل مدينة القسطنطينية موقعا فريدا بين مدن العالم، وحسبك أن تلقى نظرة عليها في الخريطة فتدرك ذلك. فهي تقع عند ملتقى القارتين آسية وأوربا، تحيط بها البحار من ثلاث جهات. وقد حبتها الطبيعة خصوبة الأرض وجودة الطقس كما حبتها أسباب القوة والمتعة. وللقسطنطينية ميناؤها العظيم في القرن الذهبي الذي كان يعد أوسع وآمن ميناء في العالم. وكانت هذه المدينة فوق ذلك كله مركزا عظيما للتجارة، تأتى إليها المتاجر من كل صوب من البر والبحر. وقد نوه نابليون بونابرت بوجه خاص في العصور الحديثة بأهميتها وخطورتها فقال في شأنها (لو كانت الدنيا مملكة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها). وذكر نابليون في مذكراته التي كتبها في منفاه بجزيرة سانت هيلين أنه حاول مرات عدة الإنفاق مع روسيا على اقتسام الإمبراطورية التركية، ولكن وقفت القسطنطينية في كل مرة العقبة الكؤود دون الاتفاق. فقد كانت روسيا تلح في امتلاكها ونابليون يصر على عدم تسليمها إذ أن هذه المدينة وحدها كانت في نظره تساوي إمبراطورية. وهي تعد بمثابة مفتاح العالم، من استولى عليها استطاع أن يسيطر على العالم بأجمعه. وقد كان نابليون في أشد الحاجة إلى صداقة روسيا لمواجهة عدوته اللدود إنجلترا؛ ولكنه برغم ذلك لم يستطع أن يضحي بالقسطنطينية. ولو قد تم الاتفاق بين نابليون وروسيا على مصير المدينة لتغير مجرى تاريخ أوربا وتغير تبعا لذلك مجرى تاريخ العالم كله

وقد أدرك الغزاة والفاتحون منذ القدم أهمية هذه المدينة وخطورة موقعها فحاولوا الاستيلاء عليها وحاصروها مرات كثيرة. غير أن هذه المدينة استطاعت بمناعة موقعها وقوة حصونها أن تصد معظم الغزاة الفاتحين وكان للمسلمين نصيب كبير من هذه المحاولات،

ص: 18

وقد وردت أحاديث كثيرة تبشرهم بفتح القسطنطينية منها قوله عليه الصلاة والسلام (لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش) الأمر الذي زادهم تعلقا وأملا في فتح هذه المدينة. وقد حاول المسلمون فتحها منذ أيام الخليفة عثمان بن عفان واستشهد تحت أسوارها الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري في عهد معاوية بن أبي سفيان. وهكذا أصبحت القسطنطينية - إلى جانب أهميتها الإستراتيجية والاقتصادية - أهمية دينية خاصة في نظر العثمانيين الذين حملوا لواء الإسلام والجهاد في سبيله بعد استقرار دولتهم الجديدة في آسيا الصغرى في بداية القرن الرابع عشر الميلادي. وقد أدرك عثمان أول سلاطين الدولة العثمانية - كغيره من الفاتحين قبله وبعده - قيمت هذه المدينة وعظم قدرها ولكنه لم يكن إذ ذاك قد بلغ من القسوة ما يقدر به على فتحها فأوصى بذلك من يأتي بعده. وقد حاصرها السلطان بايزيد الأول والسلطان مراد الثاني ولكنهما لم يصلا إلى فتحها حتى جاء السلطان محمد الفاتح فاستطاع - بما أظهره من أحكام القيادة وحسن التنظيم وسرعة الخاطر وقوة العزيمة وقوة المصابرة والجلد والتفنن في ابتداع آلات الحصار والقتال - أن يصل إلى فتح هذه المدينة، وحقق بذلك حلم الفاتحين منذ ألف عام كما حقق البشارة النبوية الكريمة بفتح القسطنطينية

وقد أوصى السلطان الفاتح جنوده عند دخولهم هذه المدينة بإتباع تعاليم الشرع الحنيف فلا يقاتلون إلا من قاتلهم ولا يعرضون للنساء والأطفال والعجزة بسوء أو أذى؛ ويحسنون من يقع في أيديهم من الأسرى وأن يكونوا أهلا للشرف العظيم الذي حباهم به الرسول (ص) في حديثه.

وباستيلاء المسلمين على القسطنطينية قضى على ما كان يستحر فيها من المنازعات والمشاحنات الدينية التي طالما أثارت الفتنة وأراقت الدماء؛ وحرم السلطان الفاتح اضطهاد النصارى تحريما قاطعا ولم يميز في تسامحه ومعاملته بين أحد منهم على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم بل جعلهم كلهم سواء وأضلهم جميعا بعدله ورعايته. وقد طلب إليه بعض الجهلة المتعصبين قتل الروم وإبادتهم وإذا لم يدخلوا في الإسلام فأبى عليهم ذلك وقال أنه يخالف تعاليم القرآن وأذن للروم بانتخاب بطريركهم الجديد بنفس المراسم الفخمة التي كانت تتبع في عهد الأباطرة الأول. وقد أحتفي به السلطان الفاتح وأعظم لقياه وبالغ في تكريمه. ولكن

ص: 19

مؤرخا إنجليزيا اللورد إيفرسلي قد استنتج من هذا التسامح أنه دليل على أن العثمانيين في فتوحاتهم بأوربا لم يكونوا يقصدون إلى نشر الإسلام. وهو استنتاج خبيث المرمى والغرض إذ معناه أن الإسلام قبل ذلك لم ينتشر بالتسامح والاختيار، وإنما نشر بالسيف والإكراه ولو أن هذا اللورد الإنجليزي قد شدا شيئا في تاريخ الإسلام لعلم أن هذا الدين في مختلف عصوره وعهوده لم يفرض قط على أحد من الناس. ويقول السير توماس أرنولد إن مدينة القسطنطينية بعد الفتح العثماني الإسلامي أصبحت ملجأ العالم كله، يأمن فيه الخائف والمذعور ويطمئن فيه المضطهد والمظلوم وينال في جميع الناس العدل والمساواة والحرية على قدر سواء لا تميز بين غني وفقير ولا بين عظيم وحقير. فكان فتح القسطنطينية بحق مفخرة من مفاخر الإسلام التي ترهى بها التاريخ ومجدا من أمجاده الخالدة الباقية على الدهر

لقد كان لسقوط القسطنطينية في يد الأتراك العثمانيين (في العشرين من جمادي الأولى سنة 857هـ 29 مايو 1453) دوي عظيم في العالم ولكن اختلف وقعه وأثره في الغرب عن وقعه وأثره في الشرق. أما النصارى في الغرب فقد صعقهم نبأ هذا الحادث وتملكهم الفزع والألم والخزي وتجسم لهم خطر المسلمين وتهديدهم لأوربا النصرانية وتوجوا أن يكون انتصار محمد الفاتح بداية لتوغله في أوربا فأخذوا يتتبعون خطواته وحركاته بقلق واهتمام وعظمت في أعينهم أهمية القسطنطينية وخطورة قيمتها. وأزداد الأتراك العثمانيون شهرة في الناحية العسكرية بعد استيلائهم على هذه المدينة المنيعة الخالدة. وقال حاكم مدينة غلطه في رسالة كتبها بعد فتح القسطنطينية بنحو شهر إن السلطان محمد الفاتح، يهدف إلى أن يكون سيد العالم وأنه قبل أن تمضي سنتان سيزحف إلى روما. وعبر كتاب معاصرون آخرون عن مثل هذا الفزع. وخطب إينياس سلفيوس (الذي صار فيما بعد بابا باسم بي 2) أمام ندوة فرانكفورت يقول: إن سقوط القسطنطينية قد جعل المجر مفتوحة أمام محمد الفاتح وإذا ما خضعت له هذه البلدة انفتحت له الطريق لغزو إيطاليا وألمانيا. وبعث أحد شعراء النصرانية في الشرق بقصيدة طويلة إلى العالم النصراني يهيب به إلى قتال الأتراك وحث البابا نيقولا الخامس أن يعمل على توحيد كلمة أمراء النصرانية وتوجيه جميع جهودهم وقواهم لقتال العدو المشترك ثم ابتهل الشاعر إلى العذراء، ودعا أن يكتب

ص: 20

النصر لقومه

والحق أن النصارى في الغرب قد انبعث فيهم نوع من الروح الصليبية القديمة وتداعى الناس إلى طرح الخلافات والحزازات والاتحاد ضد الأتراك. وعنف الكاردينال سنت أنج اللاتين وقرعهم على تخاذلهم عن نجدة الروم وألقى عليهم تبعة هذه الكارثة العظيمة. وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثرا بنبأ سقوط القسطنطينية في يد الأتراك وجد في توحيد الدول الإيطالية وتأليها على قتالهم. ورأس مؤتمر في روما أعلنت فيه الدول المشتركة عزمها على التهادن فيما بينها وتوجيه جميع جهودها وقواها ضد العدو المشترك

وكان من أعظم الناس تأثيرا باستيلاء الأتراك العثمانيين على القسطنطينية فيليب الطيب دوق بور غويا وقد كان هذا الدوق بطبعه ذا نزعة صليبية قوية ومن أشد الناس تحمسا لقتال الأتراك من قبل سقوط القسطنطينية، فلما استولى هؤلاء على هذه المدينة وجاء رسول البابا سنة 1453 يستحثه على قتال محمد الفاتح التهب حماسا وحمية واستنفر جميع النصارى إلى هذا القتال وذهب بنفسه إلى ألمانيا يستنهض إمبراطورها فريد ريك الثالث. وبعث هذا الإمبراطور بدوره إلى ملك فرنسا شارل السابع كما بعث إليه في نفس الوقت الملك ألفونس يحثانه على حرب السلطان محمد الفاتح، ولم يلبث أن تحولت الفكرة الصليبية من قتال الأتراك العثمانيين إلى قتال جميع المسلمين وغزو جميع بلادهم إمعانا في الانتقام وأخذ الثأر لمدينة القسطنطينية. يقول المؤرخ المصري المعاصر أبو المحاسن ابن تغري بردي (وفي هذا الشهر (ربيع الآخر 861هـ مايو 1457م) وردت الأخبار من الإسكندرية وغيرها من بلاد الساحل أن الفرنج عمرت نحو ثلثمائة مركب لغزو سائر سواحل الإسلام من الروم إلى الإسكندرية ودمياط مكافأة لأخذ السلطان محمد بن عثمان استنبول من الفرنج خزاهم الله فلم يلتفت السلطان إلى هذا الخبر لعزة شوكة الإسلام ونصرته إن شاء الله إلى يوم القيامة) وقد أرسل الغرب النصراني فعلا فيما بعد حملات حربية إلى الشرق ولكنها كانت محدودة الأثر لم نتعد تخريب بعض المدن الساحلية في آسيا الصغرى

وذلك ما كان من حال النصارى في الغرب وموقفهم بعد فتح القسطنطينية. أما في الشرق الإسلامي فقد كان الأمر على عكس ذلك، إذ عم الفرح والابتهاج بين المسلمين في ربوع

ص: 21

آسيا وأفريقيا، لهذا الفتح الإسلامي العظيم. وما أن وصل رسل السلطان محمد الفاتح إلى مصر والحجاز وفارس يحملون نبأ هذا الفتح حتى هلل المسلمون وكبروا وأذيعت البشائر من منابر المساجد وأقيمت صلوات الشكر وزينت المنازل والدكاكين والحوانيت وعلقت على الجدران والحوائط الأعلام والبنود المزركشة المختلفة الألوان وأمضى الناس في هذه البلاد أياما كأحسن ما تكون أيام الأعياد الإسلامية روعة ورونقا وبهاء.

وأي مسلم كان لا يغتبط وقد تحققت نبوءة كريمة لنبيهم الكريم بفتح القسطنطينية التي استعصت على المسلمين منذ الصدر الأول من الإسلام؟

وندع هنا المؤرخ المصري المعاصر الثقة أبا المحسن بن تغري بردي يصف لنا شعور الناس وحالهم في القاهرة بعد أن وصل إليها قاصد السلطان ورفقته في الثالث والعشرين من شوال سنة 857 (27 أكتوبر 1453) بنبأ فتح القسطنطينية ومعهم الهدايا وأسيران من عظماء الروم قال (قلت ولله الحمد والمنة على هذا الفتح المبين وجاء القاصد المذكور ومعه أسيران من عظماء استنبول وطلع بهما إلى السلطان (سلطان مصر الأشرف إينال) وهما من أهل قسطنطينية وهي الكنيسة العظمى باستنبول فسر السلطان والناس قاطبة بهذا الفتح العظيم؛ ودقت البشائر لذلك وزينت القاهرة بسبب ذلك أياما، ثم طلع القاصد المذكور وبين يديه الأسيران إلى القلعة في يوم الاثنين خامس وعشرين شوال بعد أن أجتاز القاصد المذكور ورفقته بشوارع القاهرة وقد احتفلت الناس بزينة الحوانيت والأماكن وأمعنوا في ذلك إلى الغاية وعمل السلطان الخدمة بالحوش السلطاني من قلعة الجبل. .) ويقول ابن تغري بردي في موضوع آخر (ثم طلع قاصد ممتلك بلاد الروم ورفقته إلى القلعة من غير أن يحظر القضاة وتمثلوا بين يدي السلطان وقدموا ما معهم من الهدية التي أرسل بها رسلهم (عدد ابن تغري بردي هذه الهدايا وذكر أنواعها وهي كثيرة) فقبلها السلطان ثم رحب بها ثم أنزل إلى محل إقامته ومعه رفقته وهم يتفرجون في الزينة وكانت عظيمة واستمرت أياما وتغالى العوام في شأنها مع استمرار دق البشائر في صباح كل يوم أياما)

وهذا الذي ذكره ابن تغري بردي من وصف احتفال الناس وأفراحهم في القاهرة بفتح القسطنطينية ما هو إلا صورة لنظائر لها قامت في البلاد الإسلامية الأخرى. وقد سجل لنا المؤرخ التركي فريدون بك في كتابه (مجموعة منشآت السلاطين) الكتب التي تبودلت

ص: 22

بمناسة هذا الفتح العظيم بين السلطان محمد الفاتح وبين سلطان مصر وغيره من ملوك المسلمين وأمرائهم وهي تكشف لنا عن نوع العلاقات القائمة في ذلك العهد بين هذه الدول الإسلامية المتجاورة وكانت تفيض بحسن المودة وصدق الإخاء والصفاء

وبعد، فإن المسلم ليدخل اليوم في مسجد السلطان محمد الفاتح باستنبول فيكون أول ما يروعه من هذا المسجد جبينه المتبلج وقد نقش عليه هذا الحديث الكريم (لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش) فتخشع نفسه ويخفق قلبه وتطوى في ذهنه آماد الزمن وتمر به الذكر بين محمد بن عبد الله الذي أنطقه الوحي بهذا الحديث وبين محمد الفاتح الذي حقق هذا الحديث فلا يملك إلا أن يقول: سبحانك ربي، أية معجزة قد تمت!

الدكتور سالم أحمد الرشيدي

ص: 23

‌بحث لغوي

بين الضر والضرر

للأستاذ طاهر بن عاشور

عضو مجمع فؤاد المراسل

أجملت كتب اللغة في هاتين الكلمتين أجمالا سرت منه إلى ألسن المستعملين أخطاء باستعمالهم كلمة الضرر بالفك فيما يساوي معاني كلمة الضر بالإدغام، غافلين عما تضمنه سر عدم إدغام الحرفين في كلمة الضرر من التنبيه على الاحتراز من استعمالها فيما يساوي معنى كلمة الضر المدغمة

فوجب بسط هذا البحث وتحقيقه؛ ذلك أن في اللغة فرقا في اعتبار بنية الفعل يظهر أثره في حالة مصدره، فالمصدر الذي على وزان فعل بفتح العين إنما يجيء مصدرا من الفعل الذي ماضيه على زنة فعل بكسر العين ومضارعه على زنة يفعل، وهذه البنية مصوغة لأفعال السجايا والوجدان مثل فهم وفرح وجوى، ولأفعال الاتصاف بالعاهات مثل مرض وشلل وعمى وزمن

فلأجل ذلك ففعل ضر الماضي إذا استعمل متعديا فحركة عينه في الماضي تقدر بالفتح لأن مضارعه مضموم العين. قال تعالى: (لن يضروكم إلا أذى_لا يضركم من ضل) فهو جار على قاعدة أن المضاعف المتعدي المفتوح العين في الماضي ينقاس في مضارعه ضم العين، عدى ما استثنى مما جاء بالكسر على خلاف القياس أو جاء بالوجهين الضم والكسر ومصدر ضر هذا المتعدي الضر يوازن فعل كالنصر مفتوح الضاد

وقد وجب فيه إدغام أول مثليه لأن أولهما ساكن وثانيهما متحرك. فالإدغام واجب، فلذلك قالوا ضر كقوله تعالى:(ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا).

وأسم المصدر منه الضر يضم الضاد. ومنه قوله تعالى: (ثم إذا كشف الضر عنكم) وقيل الضر والضر لغتان في مصدر ضر المتعدي جريا على ما جاء باللغتين في الأسماء نحو الشهد والشهد تغليبا لجانب الجمود في المصدر على جانب الاشتقاق، والقول الأول أصح وأقيس

ص: 24

فأما إذا استعمل ضر فعلا لازما فهو حينئذ بمعنى صار ضريرا، أي عمى، فتعين أن يكون وزنه فعل بكسر العين في الماضي لأنه وزن أفعال العاهات والأحزان ونحوها. فقياس مضارعه أن يكون مفتوح العين، فيقال يضر بفتح الضاد، كما يقال عمى بعمى وشلل يشل (واعلم أني لم أعثر على مضارع ضر في كلامهم إلا في قول بشار:

إذا ذكر الحباب بها أضرت

بها عين تضر على الحباب

وقد وجدته في نسخة ديوان بشار غير مضبوط فضبطته بفتحة على الضاد، ولم أعثر أيضاً على من ذكره أو ذكر زنة ماضيه من أصحاب كتب اللغة المعروفة لنا، مثل الأساس والصحاح واللسان والقاموس والتاج والمخصص لابن سيده وإصلاح المنطق ومفردات الراغب والمشارق لعياض والنهاية لابن الأثير

وإذا لم يذكروا فيه أنه جاء على خلاف القياس فهو محمول على القياس في الماضي والمضارع، وقد دل على ذلك أيضاً مصدره، فإنهم قالوا في مصدره الضرر بدون إدغام لأنه جاء على مثال فعل؛ وكل ما كان من الأسماء مضاعف المثلين على هذا المثال وشبهه، فإنه يتعين فيه الفك ولا يجوز الإدغام. وعللوه بالخفة الحاصلة بالفتح مثل: طلل، ولبب، وجلل. وأنا أرى أن علة الفك فيه التفرقة بين الفعل والاسم في الأكثر، ثم طرد الباب على وتيرة واحدة. فإذا قالوا في المصدر ضرر علمنا أن الماضي بوزن فعل بكسر العين، وأن المضارع بوزن يفعل بفتح العين. ومن أجل ذلك لا يطلق الضرر بالفك إلا على ما كان من الأضرار عاهة. فالعمى ضرر والزمانة ضرر. قال تعالى:(لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر) أي العمى والزمانة. وقد فسر المفسرون الآية بذلك، فلا يشمل من أصيب بضر في ماله أو في أهله. وفي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى فأنزل الله على رسوله (غير أولي الضرر) اهـ

ولم يستعمل الضرر في غير ما هو من العاهات فيما بلغنا من كلام العرب ولا رأينا من صرح به من الأئمة المروى عنهم. ولكن وقع في كتاب الأقضية من الموطأ عن يحيى

ص: 25

المازني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا ضرر ولا ضرار) هكذا رواه المازني مرسلا.

وأن كان قد اسند بهذا اللفظ عن أبي سعيد الخدري وعبادة ابن الصامت وعائشة وابن عباس في غير الموطأ من سنن ابن ماجه ومسند أحمد ونحوهما من الكتب التي تخرج الصحيح وتدونه بأسانيد مختلفة.

فلننقل الكلام إلى الاحتجاج بالحديث في العربية، وهي قضية مختلف فيها سكت عنها المتقدمون. وقد منع الاحتجاج به ابن الصايغ الاشبيلي، وقال أبو حيان:(إن الأئمة من البصريين والكوفيين لم يحتجوا بالحديث، وتبعهم على ذلك المتأخرون)

وأجاز الاحتجاج بالحديث ابن مالك وابن هشام الأنصاري. ويؤخذ من كلام الأئمة ما يؤيد القول الأول، إذ قالوا لا تقبل رواية اللغة إلا من الرواة الثقات، يعنون بالرواة رواة العربية المتصدين للرواية؛ إذ لا نشك في أن شرط قبول نقل الناقل في اللغة أن يكون قاصدا نقل اللغة، فلا تؤخذ العربية تبعا لنقله في غرض آخر لأن إنما يضبط ويتحرى في نقله فيما يخص الغرض الذي لأجله ينقل؛ لأن المقصود من الخبر النسبة الخبرية لا الضمنية؛ فالراوي المتصدي لرواية الأحاديث لإفادة أحكام شرعية لا يهمه من الألفاظ إلا موادها المفيدة للمعاني دون صيغها المفيدة لاختلاف كيفيات تلك المعاني. فإذا لم يكن نقله صريحا في غرضه الذي تصدى لأجله، رجع أمر نقله إلى أنه احتجاج يحسن الظن به في تحري الصواب من جميع جوانبه. وذلك غير مقنع في إثبات اللغة. وقد عدوا من القواعد الأصلية أن الكلام إذا سيق لمعنى لا يحتج به في معنى آخر. على أنه قد حفظ الخطأ عن كثير من الأئمة بتصحيف أو نحوه.

ورواة الحديث قد يقع لهم الغلط في عربية ما يروونه، وممن عد من هذا الباب، هشيم بن بشير السلمي من أئمة الحديث. قال النضر بن شميل وهو من أئمة اللغة، كان هشيم لحانا وهو الذي روى حديث (إذا تزوج امرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز) رواه بفتح السين من سداد. والصواب سداد بكسر السين في قصة مدونة في كتب اللغة والأدب. فلعل النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ضر ولا ضرار. فغيرها الراوي لا ضرر. فإذا درجنا على عدم الاحتجاج بالحديث قي العربية، فهذا الحديث لا يثبت به استعمال في العربية لما

ص: 26

يتطرقه من الاحتمالات بالنسبة للرواة لا بالنسبة لقائل اللفظ المروى. فلا يكون ذلك شاهدا لغويا

وإذا درجنا على الاحتجاج به تعين: إما أن نرده إلى الرواية بالمعنى بأن درج الرواة على استعماله مولد، وإما أن نؤوله: فأما بالحمل على الشذوذ مثل قول أبي النجم: الحمد لله العلي الأجلل. والشاذ يغتفر لأهل اللسان ولا يتابعون عليه في استعمال غيرهم. وإما بتأويله بأن الذي أوجب الفك هو قصد الاتباع والمزاوجة بين اللفظين الضرر والضرار، فإن كليهما لا إدغام فيه. فروعي ذلك في المقارنة تحسينا، وهو من ضروب البديع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ووفد عبد القيس في الصحيح:(مرحبا بالوفد غير خزايى ولا ندامى). فجمع نادما على ندامى لموافقة صيغة خزايى. إذ ليس فعالي من صيغ جموع فاعل، بل هو من صيغ جمع فعلان والندمان هو المنادم، ومن هذا النوع قول الشاعر:

هتاك أخبية ولاج أبوبة

يخالط البر منه الجد واللينا

إذ جمع بابا على أبوبة. وقوله صلى الله عليه وسلم لنساء (ارجعن مأزورات غير مأجورات). بهمز مأزورات. وأصله موزورات لأنه من الوزر وهو الإثم وإنما هو اتباعا لقوله غير مأجورات

والحاصل أننا إذا قبلنا الاحتجاج به تعين أن يحمل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء على خلاف القياس مجملا يناسب فصاحته وبلاغته. ويستخلص من هذا كله أن الضر والضر أعم من الضرر فيصح إطلاق الضر والضرر على المعنى الذي يطلق عليه الضرر ولا يقع إطلاق الضرر على كل ما يطلق عليه الضر والضرر

وأما ما وقع في صحاح الجوهري من قوله: (الضر خلاف النفع والاسم الضر ويقال لا ضرر عليك) فهو مما أنفرد به. وقد ذكر الأئمة أن الجوهري لا يؤخذ ما انفرد به. وقد وهمه الفيروزبادي في مواضع كثيرة

قال التبريزي: لا يشك في أن في كتاب الصحاح تصحيفا لا شك أنه من المصنف لا من الناسخ (ص49 مزهر ج1)، وقال الأزهري لا يقبل من الجوهري ما انفرد به (ص67 مزهر ج1)

ووقع في الأساس ما يوهم ظاهره موافقة كلام الجوهري. لكنه ليس بنص بل هو محتمل

ص: 27

للتأويل

ومن أهم الواجبات الحفاظ على فروق العربية ودقائق استعمالها وإبقاء ما شذ عن ذلك غير متجاوز موقعه بحيث لا يرخص لأحد في اتباعه، لأن ذلك يقضي إلى تلاشي رونق العربية وضياعه

تونس

الطاهر بن عاشور

ص: 28

‌الدخان في الشعر.

. .

للأستاذ عبد القادر رشيد الناصري

كتب الأديب فتحي بسيوني دعبس في العدد (920) من الرسالة الزاهرة كلمة في البريد الأدبي تساءل فيها عن عدم تناول الشعراء المعاصرين الدخان في شعرهم مع أنه بلغ من سرعة الانتشار هذا المبلغ العظيم، ورجا في ختام كلمته رجال الشعر وأرباب القريض أن يجعلوا من الدخان ملاحن وأغاريد يخلدون بها هذا النوع من الترف المدني شأنهم في تخليدهم الخمر التي يقول فيها إمام هذا اللون من الشعر وأعني به الحسن بن هاني الملقب بأبي نواس

اثن على الخمر بآلائها

وسمها أحسن أسمائها

لا تجعل الماء لها قاهراً

بلى وسلطها على مائها

والخمر قد يشربها معشر

ليسوا إذا عدوا بأكفائها

وإظهارا للحقيقة وإجابة للصديق الفاضل أود أن أقدم لقراء الرسالة بعض الشعر العراقي المعاصر الذي قاله شعراء العراق في الدخان

فقد قال المرحوم الرصافي وهو من المعروفين لدى أدباء العربية في وصف السيكارة من قصيدة طويلة سماها (العادات قاهرات) أبيات إن تكن متينة في ديباجتها إلا أنها تعد بحق من خيرة القصائد التي قيلت في هذا المعنى. ومطلع هذه القصيدة

كل ابن آدم مقهور بعادات

لهن ينقاد في كل الإرادات

ثم يسترسل حتى يأتي إلى ما نحن بصدده فيقول

لو لم تكن هذه العادات قاهرة

لما أسيغت بحال بنت حانات

ولا رأيت (سكارات) يدخنها

قوم بوقت انفراد واجتماعات

إن الدخان لثان في البلاء إذا

ما عدت الخمر أولى في البليات

ولست أدري ما هو رأي شعرائنا الآن في البيت الأخير من قصيدة المرحوم الرصافي وأعني بهم شعراء الخمر ومنهم صديقنا جميل أحمد الكاظمي وفؤاد عباس وخيري الهنداوي في العراق. أما أنا فلست على رأي الرصافي طبعا ثم يواصل وصفه فيقول.

ورب بيضاء قيد الإصبع احترقت

في الكف وهي احتراق في الحشاشات

ص: 29

إن مر بين شفاه القوم أسودها

ألقى اصفرارا على بيض الثنيات

وليتها كان هذا حظ شاربها

بل قد تفت بكفيه المرارات

عوائد عمت الدنيا مصائبها

وإنما أنا في تلك المصيبات

إن كلفتني السكارى شرب خمرتهم

شربت لكن دخانا من سكاراتي

وقلت يا قوم تكفيكم مشاركتي

إياكمو في التذاذ بالمضرات

إني لأمتص جمرا لف في ورق

إذ تشربون لهيبا ملء كاسات

كلاهما حمق يفتر عن ضرر

يسم من دمنا تلك الكريات

حسبي من الحمق المعتاد أهونه

إن كان لا بد من هذى الحماقات

والقارئ يجد في الأبيات السابقة أن المرحوم الرصافي قد كذب على نفسه وعلى الناس لأنه رحمه الله كان لا تفارق الكأس، شفتيه وهو كما قال فيه صديقنا الأستاذ الزيات:(همه من الحياة شرب العرق ولعب الورق واستباحة الجمال) وقد حدثني الأستاذ الشاعر خيري الدين الهنداوي وهو صفي الرصافي وصديقه الحميم فقال:

إن صاحب الجلالة المرحوم فيصل الأول كان قد سمع بأن الهنداوي يشرب الخمر بإفراط وأن الناس قد نقلوا له - وأعني المقربين إلى جلالته آنذاك - أحاديث لا تسر؛ لذلك أرسل في طلبه، وحينما مثل بين يدي جلالته طلب منه هجر الخمر وإن لم يستطع فليشرب ولكن دون أن يعلم أحد به. . وما كان من الهنداوي إلا أن امتثل أمر جلالته ووعده بالطاعة وترك بنت الحان نهائيا، وخرج الهنداوي على هذا الأمر واعتكف في داره وهو ينظم قصيدة في هذا المعنى. وبعد يومين من نشر القصيدة جاءه المرحوم الرصافي وكان الوقت صباحا وبيده قنينة خمر وعندما استقر به الجلوس قال لصديقه الهنداوي أنت صاحب القصيدة التي تقول فيها لصاحب الجلالة إنك ستتوب عن شرب هذه الفضة، وأخرج له قنينة الخمر، فأجابه الهنداوي: طبعا، فما كان من المرحوم الرصافي إلا أن أفرغ في الكأس قسم منها وناولها الهنداوي وهو يقول:

والله لأفسدن عليك هذه التوبة.

وظل يداوره حتى شربا. وهذه القصة - وصاحبها حي يرزق - ما سقتها إلا للاستشهاد على كذب المرحوم في شعره وأعذب الشعر أكذبه كما قال غيره.

ص: 30

ثم يقول في القصيدة نفسها.

يا من يدخن مثلي كل آونة

لمنى ألمك ولا ترض اعتذاراتي

إن العوائد كالأغلال تجمعنا

على قلوب لنا منهن أشتات

ويختم الشاعر قصيدته بقوله:

لو لم يك الدهر سوقا راج باطلها

ما راجت الخمر في سوق التجارات

ولا استمر دخان التبغ منتشرا

بين الورى وهو مطلوب كأقوات

لو استطعت جعلت التبغ محتكرا

فوق احتكار له أضعاف مرات

وزدت أضعاف أضعاف ضريبته

حتى يبيعوه قيراطا ببدرات

فيستريح فقير القوم منه ولا

يبلى به غير مثر ذي سفاهات

والقارئ الكريم يلاحظ في هذه الأبيات ركاكة في التعبير وذلك كما قلت سابقا أن القصيدة هذه ليست من الفن في شيء إلا النظم، وذلك لدخول ألفاظ عادية فيها ولكنها تعبر عن ابتلاء الشاعر بهذا البلاء الذي عم الورى. ولست أدري ماذا كان الرصافي يقول لو شاهد الآن الغانيات وهن يدخن في شوارع بغداد؟!

ثم أذكر بيتا للشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي الذي قست عليه ظروف العيش في بغداد كما قسمت على غيره فشردته في دمشق وهذا شأن الحكومات أو الوزارات المتعاقبة على الحكم من تشريد الأدباء وإماتتهم جوعا كما فعلت بالرصافي، والكاظمي عبد المحسن الذي لولا كرم الأمة المصرية لمات عاريا، وهذا البيت منشور في مجموعته الشعرية الموسومة (أشعة ملونة) التي طبعتها جريدة الهاتف الزاهرة لصاحبها الأستاذ جعفر الخليلي على نفقتها الخاصة وهو

تخذتها أمة حتى غدوت لها

عبداً، وها أنا أفنيها وتفنيني

وللأستاذ محمد صالح بحر العلوم شاعر الشعب رباعية جميلة في وصف السيكارة هي

ذات جسم مستخلص من نضار

حجبت نفسها عن الأنظار

في خمار من اللجين، شربنا

من شذاها خمراً بدون خمار

قبل (العود) رأسها فأحست

باحتراق، واستسلمت بانكسار

وأذابت أنفاسها بدخان

في فمي، ذوب جسمها في النار

ص: 31

والأستاذ بحر العلوم شاعر واقعي يجيد التعبير عن آلام الشعب وله من الدواوين المطبوعة (العواطف) ومن الخطية (الشعب) و (المكشوف) و (الرباعيات) وسأتناول شعراء العراق المميزين في هذا العصر بالتحليل على صفحات الرسالة قريبا إن شاء الله

وقد عثرت على أبيات للشاعر العراقي محمد سعيد الحبوبي وهو من شعراء القرن التاسع عشر للميلاد وقد ولد كما يقول ديوانه في أواخر العقد الرابع وأوائل العقد الخامس من القرن الثالث عشر للهجرة، يصف بها (النارجيلة) أي (الشيشة) في لغة إخواننا المصريين الدارجة. . ولاتصالها بالدخان أثبتها هنا، وهي كما يراها القارئ رقيقة تتسم بالأصالة والعذوبة وهذا هو شأن شعره على المجموع وإن كان لا يخلو من التقليد شأن شعراء عصره. وقد كنت أرجو لو اتسع لي المجال مع الدكتور مهدي البصير الذي سبق أن تكلم عن الشاعر الحبوبي في سلسلة خطبه التي أذاعها من دار الإذاعة اللاسلكية ببغداد ثم جمعها في سفر باسم (نهضة العراق الأدبية)!

والآن نعود إلى أبيات الحبوبي فنعرضها وهي:

ونارجيلية تهدى يكف رشا

حلو الدلال رشيق القد مياس

ظلت تعربد في كفيه شاربة

من ريقه العذب لا من نهلة الكاس

حتى إذا جاد لي فها بثثت بها

وجدي (عيانا) تراه أعين الناس

حيث الدخان إذا ما جال في كبدي

موهت في نفخه تصعيد أنفاس

جاءت تزر فويق الماء مئزرها

وفوق مفرقها لألاء مقباس

أعديتها داء برحائي معاكسة

فالدفع في قلبها والنار في الراس

وقبل أن أختتم هذه الكلمة أود أن أذكر صديقنا الشاعر الأستاذ إبراهيم الوائلي بأن لشعراء الشيء الكثير في وصف الدخان لم اطلع عليه ولعله يتكرم فيذكر لنا شيئا منه إذ قد حدثني صديقي الأستاذ فؤاد عباس معاون عميد الإعدادية المركزية ببغداد وهو دائرة معارف كما يعرف الأدباء بأن لشعراء النجف الكثير في هذا المعنى. لذا يسرني أن أترك المجال للأستاذ الوائلي الآن. . ولعلي بهذه الكلمة أشبع رغبة الأستاذ دعبس في وصف الدخان

(بغداد)

عبد القادر رشيد الناصري

ص: 32

‌فن القيادة

للكاتب الفرنسي أندريه موروا

بقلم الأستاذ محمد أديب العامري

(كتب أندريه موروا الكاتب الفرنسي المعروف كتابا أسماه (فن الحياة) أو بترجمة أدق (فن العيش) وقد ذاع الكتاب أيما ذيوع وترجم إلى عدة لغات منها الإنجليزية.

والفصل الذي نقدمه الآن هو واحد من فصول الكتاب. ويلاحظ من الفصل أن القيادة أو الزعامة أو الرئاسة عند أندريه موروا لا تعني قيادة الناس السياسية فقط وكما نميل نحن إلى تعريف، ولكنها تعني القيادة أجمالا في ميادين الحياة كلها. فالملك قائد، وزعيم الأمة، وقائد الجيش ورئيس الحكومة قادة. ومثل ذلك رئيس المصلحة أو الشركة أو المدرسة أو رئيس جماعة من البنائين مثلا. ولهذا نرى أن الأمثلة التي يضربها موروا مقتبسة من ميادين الحياة المختلفة، وأنها أمثلة تعتمد على حياة صناعية علمية لا نعهدها كثيرا في بلادنا. فلنصبر على هذه الأمثلة ولنتفهمها فإننا جديرون إذ نفعل أن ندرك أهمية الحياة الصناعية، في الحضارة الراهنة).

المترجم

لا يستطيع الناس أن يقوموا بعمل مشترك قياما مجديا إلا إذا اضطلع واحد منهم بتنظيم نشاطهم جميعا إلى غاية مشتركة، ويتضح هذا عندما يقوم الناس بأعمال تحتاج إلى شيء من النظام. فمن العبث مثلا أن تقوم جماعة من الناس بإنشاء خط حديدي، أو تسيير قارب إلا إذا قام عليهم رقيب يضبط حركاتهم. ولن يكون مصير أي عمل تقوم به جماعة دون قيادة إلا الاضطراب والفساد. ويعلم جميع الذين اشتركوا في حرب من الحروب ضرورة القيادة. وما يصح على الجيش يصح على عمال في ميناء أو صناع في مصنع، أو محررين في مكتب لجريدة، كما يصح على سكان بلد من البلدان. وخلاصة القول أنه حيثما يعمل رجال عملا مشتركا فلا بد لهم من قائد.

وفي اللحظة التي يظهر فيها القائد بقيادته، أو الزعيم بزعامته، وحيث تكون هذه القيادة قوية مضبوطة، يعقب الفوضى نظام واستقرار. وفي الحرب العالمية الأولى كانت الوحدات

ص: 34

التي تقاد قيادة فاشلة تتقهقر وتقع في أزمات حتى قيض لها قائد جدير باللقب فتتحول الكتائب إلى قوة ذات رباطة ومقاومة. وقد يبدو على الأمة الواحدة مؤلفة من شعب واحد معروف، الاضطراب والفوضى، أو النظام والقوة، متوقفا ذلك على ما إذا كانت الحكومة تقوم بمهمة الحكم أو لا تقوم. وبغير هذه القيادة لا يمكن أن تقوم قائمة لعمليات حربية أو حياة وطنية أو نظام اجتماعي.

ولقد أخذت الجماعة البشرية طوال تاريخها بقاعدة اختيار قادة أعمالها على أساس يتلو بعضهم فيه بعضا بنظام هرمي. وقام هؤلاء القادة كل مرة بتأسيس نظام وطدوا فيه لشعوبهم مصائر بلادهم على هذه القاعدة.

لكنهم كانوا يستغلون هذا النظام لظلم الشعوب؛ فكانت هذه تثور في وجههم فيضطرب النظام الذي أقيم وتعقبه الفوضى فتعود الأمم إلى بناء هذا النظام من جديد. ولما انهار التركيب الهرمي العسكري الذي قامت عليه الدولة الرومانية فقدت هذه الدولة قوتها وقام على أنقاضها نظام هرمي إقطاعي لم يتم بناؤه إلا بعد فترة طويلة من الفوضى ولما ألغت روسيا النظام الرأسمالي قام على الأثر نظام من الفنيين ورجال الأعمال أدوا الواجبات الأولى نفسها. وذلك هو السبب الذي يحمل رجال الثورة على الرغم من وعودهم ورغباتهم إلى أن لا يحققوا العدالة التي كانوا ينادون بها. يجب أن يكون هنالك مساواة في الفرص، أو كما قال بونابرت تتاح الفرص دون أي مانع لجميع المواهب. ومن الضروري أن يرغب المرء في المساواة بين الجميع في نظر القانون، غير أنه لا يمكن أن تقوم هذه المساواة بين قائد ومقود، أو في جماعات ليس لها زعامة.

ولقد اكتشفت الإنسانية خلال تاريخها الطويل وسائل قليلة لاختيار الزعماء أو القادة. وكان أقدم هذه الوسائل، الوراثة. وكانت تستخدم دون ريب في القبائل الرحل في قديم الزمن حين كان يخلف الأب ابنه الأكبر. وبدون هذا النظام القائم على خلافة الابن الأكبر كانت تتعرض الجماعات البشرية إلى تصدع واضطراب. ونجد في التوراة مظاهر من هذا الاضطراب كما نجدها في تاريخ اليونان. وكانت السلطة في أنظمة الملك القديمة القوية، تنتقل في هدوء كما كان الزعيم الوراثي يتمتع باحترام وتقدير لا حد لهما.

ولقد كان المركز الممتاز الذي يحتله ملك إنجلترا قائما على هذا الأساس. وأدرك نابليون

ص: 35

ذلك إدراكا تاما، فإنه كان يرمي إلى تأسيس ملك عضوض. لقد عرف أن الملك يظل ملكا حتى إذا انهزم أما الإمبراطور الذي ينصب نفسه فيحتاج إلى انتصارات متوالية ليظل عرشه قائما.

وهذا صحيح أيضاً في الأعمال والدويلات التي حكمتها عائلات خلال أجيال عديدة. وإنك لتجد المديرين والمراقبين والزراع الذين يثورون عادة على السلطان يخضعون لسلطة رئيس العائلة. ولا يعود هذا الخضوع إلى العادة وحدها، ولكنه يعود كذلك إلى شعور طبيعي وتفكير معقول بعض الشيء. فالأب يستطيع أن يورث ابنه تقاليد الزعامة وأعرافها كما يورثه التفاني في خدمة العائلة. والقائد الوراثي كالملك الوراثي يحس برابطة تربطه بعائلته أو ببلاده_رابطة من الشرف تتطلب التضحيات. ولقد رأينا من ذلك أمثلة رائعة في فرنسا خلال الأزمة الاقتصادية التي مررنا بها منذ عهد قريب.

أما خطر القوة الوراثية فهو أن يكون الابن الأكبر للعائلة الحاكمة غير ذي شخصية، أو حتى غير ذي عقل كامل. فهل من اللازم في مثل هذه الحالة أن توكل الأمور إلى رجل لا يقدر على القيادة؟ كلا! وقد عمدت بعض البلاد التي يقوم فيها مثل هذا النظام من الوراثة، إلى استثناءات لا تمكن من الحكم الزعيم الوراثي الذي لا يليق للقيادة. ففي بريطانيا عدل نظام الإرث الملكي مرات عديدة بطرق برلمانية، وحدد رجال الأعمال الكبار في الولايات المتحدة أثناء حياتهم حدود السلطة التي قد تنتقل إلى أبناء لا يستطيعون أن يخلفوهم. فإذا لطفت السلطة الوراثية بما يتطلبه الحس العام وبسيطرة من البرلمان أو المجالس التمثيلية، فإنها تكون ذات صفات طيبة كثيرة.

وأهم ما يجب أن يمتاز به زعيم هو أن يعترف له الناس بصفة الزعامة. وجميع الزعماء الذين لا يقر لهم المجموع بزعامتهم كاملة، تنقصهم القوى الكافية لهذه الصفة الكبرى. والزعيم الذي ينتخب انتخابا يجب أن تكون له سلطة تامة على الذين انتخبوه؛ ولكن يقع أحيانا أن تكون الصفات التي اختير من أجلها الزعيم كالفصاحة وحسن الخلق غير الصفات المطلوبة في موقف معين، فيعود ضعيفا غير قادر على معالجة الأمور. وكذلك الحال في أمة تتقاسمها الأحزاب. فالزعيم المنتخب في هذه الحالة إنما يمثل ما يقارب نصف المنتخبين، فإذا أحس الباقون تجاهه بشيء من الكراهية، تعرضت الدولة للخطر.

ص: 36

ولقد رأينا مرات عديدة بلادا عظيمة تقع فريسة الشك والهزيمة لأن زعيما لها اختارته الأغلبية فلم يملك ثقة جميع الشعب.

واختيار الزعيم أو القائد عملية أشد خطرا عندما يدور الأمر لا على سلطة تقوم في بلاد بكاملها، ولكن على سلطة تقوم في جماعة أصغر وخاصة عندما يمارس الزعيم سلطته مباشرة، أو يكون معرضا لتجديد الانتخاب مرة بعد أخرى في فترات معينة. والسؤال الذي يرد هنا هو كيف يستطيع الزعيم أن يكسب طاعة الناس الذين سيتملق أصواتهم بعد قليل؟ إن انتخاب رئيس لمشروع، أو قائد كبير لجيش، بطريق الغالبية في الأصوات إنما نهى الدمار للمشروع أو الهزيمة للجيش. ولقد أدركت هذا بسرعة إدارات المشاريع والأعمال فرغبت عن الطريقة أكثر البلاد إحساسا بالديمقراطية ونبذتها. وهي تستعيض عن ذلك بأن يختار وكلاء القادة أو أعضاء مجلس الأعيان أو رؤساء الدوائر اختيارا انتخابيا وهؤلاء الموظفون التنفيذيون، أو هكذا يجب أن يكونوا، وليسوا قادة بحال من الأحوال. ومن الخطر جدا أن تجزأ الأعمال على صورة تحول دون الإجراءات اللازمة. فدستور الولايات المتحدة الأمريكية منشأ على شكل يجعل البلاد دون سياسة خارجية على الإطلاق فترة ما يكون الرئيس والكونغرس على خلاف. ويقع ذلك مدة سنتين كاملتين. وهذه حالة مضرة ضررا شديدا بأميركا وبأمم أخرى مثلها. أما للطريقة الإنكليزية فإنها تؤدي غرضها تأدية أفضل، لأنها أكثر مرونة وطواعية.

ومن أساليب اختيار القائد أسلوب الامتحانات، وفي هذا الأسلوب يجوز المرشح للرئاسة شهادة عملية. وقد استعملت هذه الطريقة سابقا في الصين. وهي تستعمل إلى حد محدود في فرنسا هذه الأيام. فإذا أراد فرنسي أن يتبوأ مقاما في الجيش أو في السلك الدبلوماسي أو في دائرة حكومية وجب عليه أن يجوز امتحانات معينة. ويبدو لأول وهلة أن هذا النظام عادل، لأن المتنافسين فيه يخضعون لظروف واحدة؛ ولكن له مساوئ خطيرة فالرجل الذي تتفتح قواه الذهنية ببطء والذي يمكن أن يثبت قدرته على القيادة في الأربعين من عمره يمنعه السن من الاستفادة من قواه. ثم إن الصفات والخصائص التي تكون القائد الحسن لا تظهر أغلب الأحيان ولا تعرف عن طريق الامتحان. ولا يتردد (بول فاليري) في القول بأن أعظم شرور اليوم هي الامتحانات والشهادات.

ص: 37

ويتخذ هذا الأسلوب من الترشيح للقيادة شكله الأشد حين تكون الترقية خاضعة للامتحانات. وهذا هو الحال في مهنة الطب في فرنسا. وفي الجيش يجد الرجل أمامه المدرسة الحربية وكلية الدراسات العسكرية العليا، إذ يجب أن يؤدي امتحاناتهما. غير أن الأقدمية في العمل ووساطات أصحاب الوساطة لها أثرها في التقدم كما تفيد الانتصارات أثناء الحرب ولا يمكن أن نقول شيئا كثيرا عن الأقدمية، فمن الواضح ان الناس يكسبون خبرة كلما تقدموا في السن إلا إذا كانوا شديدي الكسل والبلادة، أو شديدي العناد إلى حد يعوقهم من أن يتعلموا شيئا. غير أن هناك عددا كبيرا من المتقدمين في السن يمكن أن يختار أحسنهم بالنظر إلى شهادات الولادة، وعلى هذا الأساس تجري تعييناتهم.

ومن أكثر الطرق مطابقة للمنطق أن يعين رؤساء الأعمال الرجال الذين يلونهم في المناصب. وفي هذه الحالة يضطرون إلى الاعتماد عليهم وإلى أن يكونوا مسئولين عن أعمالهم. ويعين الملك الوراثي أو الرئيس المنتخب رئيسا للوزراء، بعد موافقة البرلمان أو الجمعية الحاكمة. ثم يختار رئيس الوزراء. ثم يعين الوزراء الموظفين في دوائرهم المختلفة. وبهذا يبنى الهرم بالبداية من رأسه ثم النزول إلى أسفل، وهي عملية ناجحة من الناحية الإدارية وإن تكن غير معقولة بالطبع في إقامة بناء.

وهذا النظام حسن ولا ريب على قدر ما يمكن أن تكون أعمال البشر حسنة. والمبدأ فيه حكيم، ولكن الجهاز مع ذلك لا يعمل عملا كاملا. فجميع التعيينات ما عدا الرئيس وعددا من الوزراء السياسيين، ومنها تعيينات الرجال الفنيين، يجب إن تقوم على أساس المقدرة التكتيكية والمتانة الأخلاقية. إن مصلحة البلاد ومصلحة الذين يقومون على حكمها هي أن يكون قائد الجيش أو مدير مصلحة السكة الحديدية مثلا رجلا من الطراز الأول، مهما كانت نزعاته السياسية أو الدينية، وكائنة ما كانت علاقاته وأصدقاؤه. وليس من الممكن أن يتمتع الناس عن أن تكون لهم عواطف، فالصداقة والقرابة والصلات الحزبية لها أثر كبير في التعيينات، وهذا أمر يؤسف له أحيانا، إذ من الواجب أن نسيطر جميعا على أنفسنا حتى لا تتأثر المواهب تأثرا يضير المصلحة.

وفي النظم التي تخلق الزعيم أن يتقدم الرجل على أثر ما تقع الأمة في حال من الفوضى، فيفرض نفسه عليها فرضا. (إن كرومويل) لم تعينه سلطة عليا، وإنما كان رجلا غامضا

ص: 38

يقود عددا قليلا من الفرسان. وقد رفعت الثورة (بونابرت) إلى مركز جنرال، ولكنه جعل من نفسه قائدا للأمة. وهنالك أمثلة حديثة تخطر ببال كل واحد منا. ومما لا سبيل إلى الشك فيه أن الزعيم الذي يتبوأ مركزه عن طريق القوة زعيم يتمتع بالصفات اللازمة للزعامة. ولو لم يتمتع بهذه الصفات لما تمكن من القوة التي تبوأها بفرض نفسه، والصعوبة هنا أن تكتشف ما إذا كانت مواهب الزعيم مواهب رئيس حزب أو قائد أمة.

قإذا استولى زعيم على السلطة بنفسه واجهنا صعوبة إيجاد من يجيء خليفة له. فابن كرومويل لم يحكم طويلا، وابن بونابرت مات في المنفى. وقد كره خليفة (لينين) ما كان قد تم من قبل فأتى عليه.

ومن الحق أن نعترف بأن اختيار قائد مشكلة ليس لها حل صحيح، وإنما الأمر يتوقف على الظروف السابقة. وعلى أهداف الأمة في المستقبل. لكن شيئا واحدا نعرفه هو أن الزعيم لا يستطيع أن يتمكن من مركزه منتخبا كان أو معينا، وارثا أو مغتصبا، إلا إذا حاز جميع الصفات المطلوبة في الزعيم.

(للكلام بقية)

محمد أديب العامري

ص: 39

‌شوق على قرب

للأستاذ ثروت أباظة

جلس إلى وفي عينيه قالة تترقرق، وفي شفتيه بسمة تبدو وتغيب ومض البرق الخاطف، وعلى وجهه أسى من ظن الخير في غير مكانه. رأيت كل هذه التعبيرات على وجهه فكان يخيل إلي أنني أرى مقالة رمزية عن حرب طحون تعتمل بنفسه، فهششت له وهو الصديق الذي أصطفيه فأصفيه نفسي كلها. هششت فما زاد على أن ثبت من تلك البسمة الوامضة

على فمه فإذا وجهه كله مشرق بضحكة آسية. . . قلت:

- ماذا؟ لقد كنت على أحسن ما أرجو لك بالأمس

- لا شيء

- لاشيء؟ منذ متى تدخل هذه الكلمة في حديثنا. . . لا شيء! أغبي أنا لا أعرفك! أأسألك ماذا بك ولا يكون بك شيء. . . أم تراك تخفي أمرا؛ فإن كان كذلك فدعني أو ولي عنك الوجه فلست صديقك بعد اليوم. . . أترى سرى كله وتخفي عني ألمك. . . ماذا بك؟ انطلق.

سمع الرجل الحديث وهو مطرق إلا بضع لحظات حاول فيها أن يجيب ولكنه احترم دفعتي تلك فعاد إلى إطراقه حتى أتمته فإذا هو رافع إلى دمعتين صافيتين. . . يقول

- أشكرك على ثورتك فقد أرجعت لي نفسي

- وأين كانت؟

- تبحث عنك

- عني. . . حذار أن تكون الثورة قد طغت على عقلك. . تبحث عني تقول وأنا لا أكاد أرى أحدا قدر ما أراك. . . أجننت؟

- أنت تراني نعم ولكنني لا أراك أبدا

- لا تراني؟ لا. . . لا بد أن الثورة قد مست عقلك. . . حسبي الله ونعم الوكيل. . . أأنظر إليك من خص؟ كيف أراك فلا تراني؟ أنتكلم كل يوم وليس بيننا من البعد إلا بقدر هذا النضد. . . ثم أراك فلا تراني؟ أجننت رجل

- وأنا اليوم لم أراك إلا حينما ثرت

ص: 40

- أنك اليوم أما مجنون لم تعلم به الهيئات المختصة بعد، أو حكيم عالمي لم يشرق أسمه قبل. فأيهما أنت؟ لا يمكن أن تكون رؤيتك لي محتاجة لكل هذه الثورة. أيهما أنت

- أنا صديقك

- أو يغنيك هذا عن أن تكون إما مجنونا أو حكيما. أتظن أن كونك صديقي يعفيك من. . .

- أراك تطيل الحديث، اسمع. . . لقد جئت اليوم مجلسك ورأيتك ولكنني جلست إليك أبحث عنك حتى ثرت هذه الثورة فوجدتك؛ كنت قد فقدتك وكنت مشتاقا إليك الشوق كله. حتى ثرت فندبت الشوق ونقمته. كنت إذا رأيتني في الأيام القليلة الماضية كلمتني بنفس غير خالصة وقلب غير مقبل؛ وكنت أحس في رنين صوتك شيئا غير الذي تنطق به فأكتم نفسي على حسرات، وفقدتك لقد عرفت عني أمرا فكتمته وسعيت وراءه تبحث عنه حتى تبين لك كذبه فكنت في فترة البحث تزور عني بنفسك وتقبل علي بلسانك، كنت تثور بي كما كنت تثور بل كنت هادئ القول ثائر النفس وقد عهدتك قبل ثائر القول هادئ النفس. . . ففقدتك. . . وفقدت معك نفسي وانطلقت مني تبحث في أيامنا الحلوة الماضية وترجع لي منها بصور شوهتها نفس فقدتك ولكنها مع هذا تحبك فهي تقبل على تلك الصورة في لهفة مشتاق يحن إلى هاته الأيام. . . واليوم ثرت بي. . . قد تبينت لك الوشاية فوجدتك. . . أرأيت إذن كيف فقدتك وليس بيننا إلا هذا النضد الذي تجلس إليه الآن؛ واليوم أجدك وإن ذهبت بك الأيام إلى أقاصي الأرض أرأيت أني؟ لم أكن حكيما لم يظهر قبل ولا مجنونا لم يحبس بعد. . . بل أنا أنا من تعرف.

- وأنا من تعرف. أبقاك الله لي صديقا حين يعز الصديق، وأبقى لي نفسك حلوة تشتاقني على قرب إذا مل قربي كل صديق، وتبحث في البعد عني إذا لم يحس ببعدي كل رفيق. . أبقاك الله.

ثروت أباظة

ص: 41

‌رسالة الشعر

على قبر عبد العزيز فهمي باشا

للأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي

ألقى الشاعر هذه الأبيات على قبر فقيد الوطنية عبد العزيز

فهمي باشا ببلدته (كفر المصلحة)

نوديت في ألق الصباح الباكر

فمضيت أطهر من نداه الطاهر

تسعى ويسعى النور حولك زاخراً

في موكب جم المآثر زاخر

يمشي به التاريخ، يقظة ساهر

في ليله الداجي، وصرخة ثائر

وإباء حر، واستماتة حازم

وعناد جبار، وغضبة قادر

لفوك بالعلم الذي أعليته

ورفعته بيد الكريم الكابر

خضت المصارع لم يفزعك الردى

ومشيت في عنت الزمان الجائر

ثبت الخطى، لم تدمك الأشواك في

حلك الظلام المدلهم الغامر

لم تدر ما القيد انذليل، ولم تطق

أن يرسف الأسرى بقيد الآسر

فطويت عاتيه، ورضت حديده

بهدى رشيد، وابتسامة ساخر

وسريت في ليل الخطوب، فلم ينل

من همه الساري النحيل الضامر

لله ما صنعت يداك، وإنه

ذكر يدور مع الزمان الدائر

زادتك أحداث الجهاد صلابة

هي نعمة الله القوي القاهر

هذا الذي أضفى عليك خلائقاً

أزكى من الزهر الندي الناضر

فانعم به جاراً، وعش بجنانه

بين النعيم السرمدي الزاهر

أحمد عبد المجيد الغزالي

بين شاعر وسيجارة

للأستاذ محمود محمد بكر هلال

أغرت السيجارة الشاعر بأنفاسها العطرة، فجرى في حبال

ص: 42

هواها، وجاذبها قبلة بقبلة، وبادلها حبا بحب، ولكنه عندما

اضطرمت أنفاسها في صدره، واضطربت قبلاتها على ثغره،

سئم هواها، ومل أنفاسها، فهجرها إلى غير عودة، ونأى عنها

على غير ميعاد، فكان بينهما هذا الهجر، وذلك العتاب. . .!

الشاعر

جاءت تراود في هواده

وتشوقني في دل غاده

أغرت في قبلاتها

فغدت لزاما كالعباده

وتنسكت في حبها

لي وارتدت ثوب الزهاده

ما زلت أهواها وأطلب من مباسمها الزياده

إن غاب عني ثغرها

فقد النهى مني رشاده

حتى صحوت عشية

وإذا بها ولها السياده!

سيجارة غدارة

قد حرمت جفني رقاده!

هيفاء تغري كل ثغر بالصبابة والوداده

طلقتها وأنا محب فبعدها عني سعاده!

ماذا يفيدك من دخا

نك بعد ما تذرو رماده!؟

إما اضطراب في التنفس قد يجر إلى الشهاده؟

إما سعال فاتك

يدعو إلى باب العياده!

صدر المدخن كالظ

م فلن ترى إلا سواده!

خير الأمور لعاقل

ألا يكون أسير عاده!

من لم يضح فلا تصح

لمثله فينا القياده!

السيجارة

أنسيت أنى راحة

من كل نازلة وسلوى؟

أنسيت باعثة الخيا

ل إذا النهى أكدى وأقوى؟

ص: 43

قبلات ثغري متعة

وحديثها همس ونجوى!

تحنو علي إذا ظمئت فتحتسي مني وتروى

أنفاس غانية من القبلات والصبوات نشوى!

في جوها سبح الخيا

ل بكل ما تصبو وتهوى

تتصاعد الأنفاس في

دنيا من الآمال تطوى

فكأنها الغيم الرقيق يراقص الأفكار زهوا

فلم التباغض والقلى

وأنا التي بالنار أكوى؟

أيليق هجران الحبيب وحفظه للود يروى؟

أنسيت أن الهجر بعد الوصل للعشاق يلوى؟

راجع فؤادك فالمحب على التباعد ليس يقوى

فأجاب الشاعر:

أبداً فلست براجع

عن هجرها طول المدى!

من ذا الذي يهفو إلى

ثغر ثناياه الردى؟

آليت لا أصغي لها

أبداً وأتركها سدى!

لو زحزحت جبل المقطم ما مددت لها يدا!

محمود محمد بكر هلال

ص: 44

‌الكتب

شاعر العقيدة

تأليف الأستاذ محمد تقي الحكيم

للأستاذ إبراهيم الوائلي

لعل مدينة النجف الصغيرة هي ثالثة المدن العراقية التي احتضنت تراث العرب المسلمين بعد بغداد والحلة، وقد كانت مثابة لطلاب العلم ومجالا فسيحا للغة العربية وآدابها في أواخر العصر العثماني، وكان تميزها بكثرة النوابغ من الشعراء_عدا العلماء والمؤلفين_ظاهرة يعترف بها التاريخ في أوسع مصادره الحديثة، وكادت تفقد مركزها الأدبي في السنوات الأخيرة لو لم يتح لها جيل جديد ينشط للبحث والتطلع ويسير في الموكب الصاعد، فكانت (جمعية الرابطة الأدبية) ذات طابع شعري معروف، وإلى جانبها جمعية (منتدى النشر) وقد أسست لتجمع بين القديم والحديث. والتف حول مناهجها ودروسها طائفة غير قليلة من شباب النجف والمدن الأخرى، وهي تعمل في شكل فصول وامتحانات كما يفعل الأزهر في مصر، ولم نكتف بالدرس العلمي والبحث اللغوي بل دفعت هؤلاء الشباب إلى مجال الأدب الواسع يقرؤون ويهضمون ثم يكتبون وينشرون، ومجلة (البذرة) هي منبرهم الذي يتبارون عليه، وكانوا يتيحون لنا_هم وأساتذتهم_أن نستشف خلال تلك المسارب الضيقة ومضات تبشر بوجود قوة الاستمرار لتلك الشعلة التي طالما توجهت على ربوة النجف الخضراء في قرون كثيرة، وبالرغم من أن العناصر الرجعية من (الرسميين) وغيرهم لا يريدون لهذه الجمعية أن تسعى في طريقها الإصلاحي فإنها بقيت تصارع وتعمل بصمت وهدوء في سبيل رسالتها العلمية والأدبية.

وقد استثمرت هذه الجمعية جهادها في التأليف والكتابة فكان إنتاجها ضخما في الكم والكيف بالرغم من أن عمرها لا يتجاوز خمسة عشر عاما. ومن ثمرات هذا الجهاد كتابان تفضل بهما على مؤلفاهما الكريمان وآنا في مصر، وأول الكتابين (السقيفة) لفضيلة الأستاذ محمد رضا المظفر معتمد الجمعية، وثانيهما (شاعر العقيدة) للأستاذ محمد تقي الحكيم سكرتير الجمعية، أما الأول فليس من السهل أن أتحدث عنه دون أن أتوفر على دراسة التأريخ

ص: 45

الذي تكونت منه فصول الكتاب، وكنت أود أن يكون غيري هو الذي يكتب عنه، لذلك سأتناول الكتاب الثاني بشيء من العرض والتعريف وتسجيل بعض الملاحظات بقدر ما تسمح به صفحات الرسالة.

(شاعر العقيدة) _كما أراد أن يسميه الكاتب_هو السيد إسماعيل بن محمد الحميري وقد أدرك أواخر العصر الأموي وعاش بقية حياته في ظلال العصر العباسي حيث تتصارع الأفكار السياسية والعقائد الدينية وتتشعب الدروب بسالكيها شعبا متعددة، فهناك بقايا الخوارج الذائبين، وشيعة تجمعهم هذه الكلمة في معناها المادي وتفترق بهم مناحي التشيع في مسالك شتى. وهناك طائفة السنة التي كانت تسيطر على السياسة والحكم، وفي هذا المظطرب الواسع كان السيد الحميري بصطرع مع السياسة والعقائد حتى استقر به المطاف على مذهب التشيع السائد الآن في العراق. وكان تأثير السياسة والعقائد واضحا في شعره وبخاصة الظاهرة الأساسية من ظواهر التشيع وهي (الإمانة) فقد كان بلح بشعره على حديث البيعة وقصة (غديرخم) التي كانت بعد حجة الوداع كم ترويها الكتب التي أوصلها المؤلف إلى ثلثمائة، ومعظمها_كما يقرر_مروى عن طريق السنة.

وقد أراد المؤلف الفاضل أن يلم بدراسة هذا الشاعر ويستخرج من المصادر المتفرقة صورة تطمئن إليها النفس عن نسبه وحياته العقلية والمادية والأدبية والدينية، وقسم الكاتب إلى قسمين: أولها: في نشأة الذي بصور هذه العقيدة، وثانيها: دراسة هذا الشعر على ضوء النقد والتحليل، وقد وفق الكاتب في القسم الأول حين عرض لنشأة الشاعر في البصرة وتطوره من خارجي_ورث ذلك عن أبويه_إلى شيعي كيساني فجعفري. وصراعه مع أبويه اللذين ينكر عليهما بغضهما الإمام عليا وينكران عليه تشيعه، كما أن وصف البصرة وما فيها من حلقات علمية ودينية واختلاف السيد الحميري إلى هذه الحلقات التي انتهى منها بالتشيع، وتحدث عن صلته ببقايا الأمويين ثم العباسيين. وقد كان في كل ذلك يقارن ويوازن ويدرس الروايات المتناثرة ثم ينتهي منها إلى رأي أو حكم لا يخلوان من أصالة في معظم الأحيان. ولكن الذي يؤاخذ عليه الكاتب الفاضل أنه وزع البحث توزيعا يكاد يضطرب على القارئ فهو لم يعقد فصلا خاصا عن اثر العقيدة في الشعر الحميري بل نثر هذه الظاهرة البارزة في أماكن مختلفة لو أنيح لها أن تلتقي في مكان واحد لكانت فصلا

ص: 46

قيما. ولعل هذا العنوان الذي اختاره الكاتب يكاد يتضاءل عند التطبيق على فصول الكتاب. فقد كان الأجدر به أن يعقد فصلا خاصا بالبيئة العصرية في مختلف نواحيها، وفصلا عن نشأة الشاعر والنقلات المذهبية التي رافقت حياته، ثم فضلا عن أثر هذه العقائد في شعره إلى جانب الأثر القبلي، وأن يكون البحث في صلة برجال الحكم والسياسة مستقلا ألا بمقدار ما يتصل بالعقيدة. على أنني لا أنكر_كما قلت_أن الكاتب قد تعرض لذلك بإسهاب ولكن منهج البحث قد أضطرب عليه. أو أنه أختار لنفسه منهجا أدى به إلى هذا التقسيم المشوش. وإذا كان الكاتب قد استعان_كما يقول_بعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرهما فإن استعانته تكاد تتضاءل في المواطن المهمة ومنها تصوير المجتمع تصويرا واضحا ليصل منه إلى دراسة الشاعر دراسة واضحة، ثم دراسة العقيدة الدينية من حيث هي بوصفها ظاهرة اجتماعية وبوصفها عاملا قويا في تكوين حياة المرء وسلوكه الخارجي وما ينتجه هذا السلوك من صور أدبية، ثم تطبيق هذا الإنتاج على مظاهر تلك العقيدة، لا شك أن اضطراب المنهج أضاع على الكاتب أن يجعل من تلك الدراسة المتينة فصولا يستقل أحدهما من الآخر ليصح معها التدرج المنهجي، وهذا الاضطراب هو الذي أوقع الكاتب في زاوية ضيقة المنافذ حين تحدث عن صلة الشاعر بالعصر الأموي المحتضر وموقفه من ذلك العصر فقد قال:

(. . وقد كان لها_أى الدولة الأموية_من سياستها (المكيافيلية) الوصولية التي تبرز في سبيل السلوك إلى غايتها أية وسيلة دنيئة ما يحسس الرأى العام ويحفزه إلى نقد أعمالها والنقمة عليها. . . وهذا ما يعلل كثرة الناهضين عليهم من القادة والعاملين على تقليص نفوذهم. على أن كثيرا من الناس_ومنهم صاحبنا_كانوا لا يقرون لها خلافة ولا يرونهم أهلالها مع وجود أربابها الشرعيين من أهل البيت.)

ألست هذه العبارة مضطربة لا تلتقي عند النقطة التي يجب أن تلتقي عندها في حياة الشاعر وعقيدته، فلو أن الكاتب الفاضل أشار إلى العقيدة الإسلامية من حيث هي وتعرض للنص الصريح في الصفات التي يجب أن تتوفر في الخليفة واعتقاد الشاعر هذا النص لانتهى إلى تحديد الثورة عند الشاعر واكتفى بالفقرة الأخيرة ولم يتعرض إلى سياسة الأمويين (الميكيافيلية) فالثورة هنا هي ثورة عقيدة دينية هاشمية علوية لا ثورة على

ص: 47

السياسة (الميكيافيلية) لأن العباسيين لم يكونوا بأقل (ميكيافيلية) من الأمويين؛ ومع ذلك فإن الشاعر وقف يمدحهم ويؤيدهم. وقد أشار الكاتب الفاضل إلى هذه النقطة الأخيرة متفقا مع الدكتور طه حسين في حديث الأربعاء في مدح السيد الحميري للعباسيين وأنه لم يكن عن تقية: (لأنهم من بني هاشم وبنو هاشم بالنسبة إليه على حد سواء).

أما دراسة هذا الشعر من حيث قيمته الفنية ومقدار استجابته للصدق في التعبير والشعور فقد كان الكاتب موفقا إلى حد كبير فيها، وقد تعرض لمقدار الثروة الشعرية التي خلفها، واضطراب الرواة في تقدير هذه الثروة، وأشار إلى آراء النقاد الأقدمين في قيمة هذا الشعر، وأضاف إليها شيئا من آراء المحدثين_وقد أعجبتني من الكاتب لفتته البارعة إلى شعر الحميري بقوله:

(فبعضه يرتفع بصاحبه إلى القمة وبعضه الأخر يهبط به إلى الحضيض، ووسط بين هذا وذاك.) كما أنه أشار إلى أن بعض هذا الشعر يكاد يدس على الشاعر وينسب إليه نسبة لا تليق بذلك العصر. هذه لفتة بارعة_كما قلت_وقد عرض عليها بعض القصائد المدسوسة، أو التي أنحط بها الشاعر، ولكنه نسى أن يعرض عليها قصيدته المشهورة التي شغلت شيئا من جهد الكاتب في معرض الحديث وهي:

لأم عمرو باللوى مربع

طامسة أعلامها بلقع

أني أشك في كثير من أبيات هذه القصيدة لا لفكرتها وموضوعها ولكن لموسيقاها اللفظية وانسجامها مع ذلك العصر الذي اشتهر بجودة الاختيار وحسن الإيقاع، فقوله:

فعنها قام النبي الذي

كان بما يؤمر به يصدع

يخطب مأمورا وفي كفه

كف على ظاهرا تلمع

رافعها، أكرم بكف الذي

يرفع والكف (الذي) يرفع

إنها فكرة السيد الحميري التي يرددها في معظم قصائده ولكنها ليست موسيقاه ولا ألفاظه بغض النظر عما في بعض أبياتها من اضطراب في النحو واللغة.

وقد كنت أود ألا يقتحم الكاتب باب الغزل والنسيب وما يتصل بالمرأة في هذا الكتاب لأن العنوان لا يتحمل أن يندرج فيه ما ليس منه.

أما أسلوب الكتاب فيبدو قصصيا في بعض الصفحات وبخاصة في حديثه عن نشأة الشاعر

ص: 48

الأولى، وخطابيا في بعضها الآخر، وهو في الأول متأثر بأسلوب الدكتور طه حسين.

ومهما يكن من شيء فإن في الكتاب ذخيرة من بحث وإطلاع لا يتوفران إلا للقليل من الشباب الباحثين، ولعله من خير ما كتب عن السيد الحميري في الأيام الخيرة. وإذا كانت هناك ملاحظات أخرى فهي ملاحظات شكلية تتعلق بطبع الكتاب فقد كنت أود أن يطبع طبعا معتنى به، ولقد نسيت أن أقول أنه الحلقة الحادية عشر من سلسلة (حديث الشهر) التي يصدرها في بغداد السيد عبد الأمير السبيتي وهذا جهد يشكر عليه.

القاهرة

إبراهيم الوائلي

ص: 49

‌البريد الأدبي

لكل جواد كبوة

أخي في العروبة والإسلام الأستاذ أنور المعداوي

سلام الله ورحمته وبركاته عليك. وبعد فهل لهذه الكلمة الموجزة مدخل في باب تعقيباتك كما كان للكلمة التي دعت إلى كتابتها؟؟ أجل إن في رحاب صدرك وكرمك ما لا يضيق به ولا يضن عليه بالنشر.

في الصفحة التاسعة عشر بعد المائة من العدد السادس العشر بعد التسعمائة من مجلة الرسالة كلمة كنا - وكان كل عربي صادق العروبة وكل مسلم صحيح الإسلام - نربأ بمجلة الرسالة - وهي مجلة العروبة جمعاء - أن تدنس إحدى صفحاتها بها - وكنا - كما كان غيرنا - نجل تلك الصحيفة الكريمة أن تكون فيها كالقذاة في العين النجلاء.

هي (فهناك طائفة الوهابية وطائفة الإسماعيلية وطوائف أخر تتحدى وتنذر وتبذر الشك في عقيدة المسلمين على مرآى ومسمع من علماء الإسلام الذين أطلبهم ويطالبهم معي آلاف الشباب الأزهريين أن يضعوا حدا لهذه المهزلة العلمية وأن ينتجوا إنتاجا يتحصن به أبنائهم ضد هذه التيارات المتباينة والآراء الخطيرة. ولست أول من جهر بهذا الرأي فقد سبقني إليه أساتذة أجلاء إذ أذكر من بينهم أستاذي الدكتور محمد يوسف موسى. (محمد إبراهيم الخطيب - كلية أصول الدين).

يا سيدي الأستاذ إذا كان هذا مبلغ طلبة كلية أصول الدين من العلم عن دينهم، وهذا غاية ما وصلوا إليه من معرفة آراء الفرق الإسلامية واختلاف مذاهبهم ومعتقداتهم - أيصح أن يتقبله أستاذ مثقف واسع الإطلاع حر الفكر صافي العقيدة على علته تقبل المطمئن إليه، المقتنع بصحته، العارف بما يرمي إليه، تقبلا ووثوقا واقتناعا ومعرفة برز أثرها في (التعقيبة) التي أختتمها الأستاذ المعداوي بقوله (حسبنا هذا وحسب الأديب الفاضل أن يكتفي منا بهذا التعقيب، وحسب القراء أنهم استمعوا لهذه المشكلة من هذا الطالب الحزين)؟

طائفة الوهابية في أول (قائمة) الطوائف التي تنذر وتبذر بذور الشك في عقائد المسلمين؟ (وما يكون لنا في هذا - سبحانك هذا بهتان عظيم).

ليس الأستاذ المعداوي وليس أستاذنا الكبير الزيات وليس قراء مجلة الرسالة - وهم

ص: 50

الصفوة المختارة من أبناء يعرب وعدنان - في حاجة إلى التدليل على أن أولئك القوم الذين ينبزهم الشعوبيون المغرضون بقلب (الوهابية) ولا تميزهم عن غيرهم من المسلمين ميزة في معتقداتهم - ولا ينفردون عنهم برأي ديني ولا يذهبون إلى قول من الأقوال التي تخالف ما عليه الصدر الأول من المسلمين - النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم بإحسان وأنهم يستقون التعاليم الدينية من معينها الصافي من الشوائب والكدر_القرآن الكريم والصحيح من سنن المصطفى عليه صلوات الله وسلامهم.

للطالب في كلية أصول الدين واسع العذر بجهله حقيقة الإسلام إذا كان - كما يقول في كلمته - يدرس في كليته العقيدة دراسة أشد تعقدا من ذنب الضب. . . لا يكاد يصل إلى نتيجة في بحث إلا وجدها مهددة باعتراضات بيزنطية أشد فتكا بالعقول من القنابل الذرية. . . وله أن يجهل أنه يسيء بكلمته إلى قسم عظيم من إخوانه المسلمين في الوقت - بل في اليوم - الذي يقوم فيه فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر بتكريم رئيس علماء ذلك القسم.

إي أخي أنور - إذا كان مبلغ الدكتور محمد يوسف موسى من العلم - ونعوذ بالله أن يكون ذلك مبلغه - وإذا كانت غايته ما وصل إليه في دراساته - ونجله قدرا من أن تكون تلك غايته - إذا كان مبلغه من العلم وغايته هو أن يجهل من حقائق الإسلام الصحيحة ومن مذاهب أهله ما علمه المستشرق اليهودي (جولد زيهر) الذي اشترك في ترجمة كتابه (تاريخ العقيدة والشريعة في الإسلام) فعلى الغرب وجامعاته وشهاداتها العليا - العفاء -

وبعد فهل تقبل أيها الأستاذ هذه التحية المشوبة بشيء من العتب.

إذا ذهب العتاب فليس ود

ويبقى الود ما بقي العتاب

(الرياض)

حمد الجاسر

شيخ الناشرين:

قال لي صاحب من أهل الأدب إن ال المرحوم مصطفى محمد شيخ الناشرين احتفلوا بمرور أربعين ليلة على وفاة عميدهم، وإن أحدا من الأدباء لم يذكر هذا الجندي المجهول

ص: 51

في مقالة أو بعض مقالة.

والحق أن مصطفى محمد خدم الأدب وأنشأ أدباء، ولم يكن هو أديبا ولا شبه أديب وإنما كان من أولئك الوراقين الذين يعرضون بضاعتهم المزجاة للقارئين - وما أقلهم - ثم سما به الجد فجعل من نفسه (حاميا) للمؤلفين كما كان يحلو له أن ينعت نفسه في بعض الأحيان.

ولقد عرف المستشرقون قدر مصطفى محمد فنوه كثير منهم بالمؤلفات التي نشرها وأذاعها، وبصرنا باسمه في أكثر من ثبت، وفي غير فهرس.

ولم يكن رحمه الله يؤمن بالإعلان عن المؤلفات فعنده أن القارئ يطلب الكتاب واقعا حيث وقع فلا جدوى - في رأيه - من الإعلان والبر ويا جندا!

وكان مصطفى محمد يفخر بأن بعض الشباب الناشئين الذين قدمهم إلى جمهور القارئين بلغوا على يده من المجد والشهرة حتى وصلوا إلى أعلى المناصب.

وكان رحمه الله عيوفا إلى حد التكبر، فما عرفنا أنه طلب إلى ذي منصب حاجة إلا في إباء وكبرياء وكان لا يقبل الدنية في دينه ولا في دنياه، ومن هنا كان الدين الذي له في أعناق عارفيه كبيرا. ومع هذا لم يؤد أحد منهم بضعة من هذا الدين. وإذا استثنينا رصفاءه من أصحاب المكتبات والمطابع فإن أحدا من المؤلفين والأدباء لم يذكره بكلمة خير يوم منعاه!

إن مصطفى محمد من أولئك الجنود المجهولين الذين وقفوا حياتهم لخدمة العلم، وما ونى ولا وهن ولا هان. ولئن عاش مجهولا ومات مجهولا، فحسبه أن يذكر فضله في ذمة الله. عليه رضوان الله.

منصور جاب الله

تحقيق وفاة البرعي

ردا على سؤال الأستاذ عبد السلام النجار بالعدد (920) من الرسالة أشكر الأستاذ الزيات على تصويب التصحيف الذي فرط منا أثناء النقل من كتابنا (تاريخ البديع).

وأضيف إلى ذلك أني لم أخالف الأستاذ النجار في مصدره إذ أن السخاوي وابن عبد السلام

ص: 52

وابن العماد والشوكاني لم يذكروا شيئا عن الشيخ عبد الرحمن البرعي في وفيات القرن التاسع. ولم أخالف السيد محمد زبارة إلا لقصد التوفيق بين الروايات فقد ورد في فهرسة الأدب رقم (3) بدار الكتب المصرية ما نصه: (. . العارف بالله الشيخ عبد الرحمن بن أحمد البرعي اليمني كان موجودا في القرن الخامس. . .)، وذلك ما جعلني أرجح - أول الأمر - أن وفاة البرعي كانت سنة 804هـ وأحسب أن الناقلين تصحفوا عليه فوضعوا الرقم (4) مكان الرقم (8) فحدث الخطأ وحسبوه من رجال القرن الخامس.

وقد خاطبت هذا الأسبوع فضيلتي الأستاذين الشيخ زاهد الكوثري وأحمد خيري بك عسى أن يكون عندهما بعض المصادر التي تؤيد إحدى الروايتين. وقد أكدا ما ذكره السيد في ملحقه (6) من أن وفاة البرعي كانت سنة 803هـ. وصحح الأستاذ أحمد خيري بك هذه الرواية في صفحة (72) من كتابه (إزالة الشبهات) وكتب إلينا بذلك والكتاب على وشك الطبع.

وأخيرا أشكر الأستاذ النجار حيث أتاح لنا فرصة تحقيق وفاة الشيخ البرعي بعد أن اضطررنا إلى التوفيق بين الروايات المضطربة.

حامد حقني داود

ص: 53

‌القصص

السر. .

للكاتب الفرنسي جي دي موباسان

للأستاذ حسين أحمد أمين

تسأليني أيتها الصديقة أن أسرد عليك أكبر الحوادث أثرا في حياتي وأعلقها بذاكرتي. . وبما أنني قد خلفت ورائي الشباب بمراحل طويلة ولم يعد لي من الأقارب من أهتم له، ولذلك لا أجد غضاضة في أن أسر إليك بما تبتغين على ألا تعيديه لأحد، فإن لم تجدي القدرة على الكتمان فلا بأس برده إذا لم تذكري أسمي

تعلمين أني قد اتخذت لي في حياتي عشاقا من الكثرة بحيث لا أذكر عددهم. . وأنني بادلت بعضهم حبا بحب، فقد كنت جميلة فاتنة وكان الحب بالنسبة إلي دعامة الروج لا تستغني عنه كما لا يستغني الجسد عن التنفس. كنت أفضل الموت على الحياة دون حب ودون أن أشعر بأن هناك من يفكر في طوال الوقت ويرغب في رضاي. . وقد تفخر الكثيرات من النساء بعجزهن عن احب سوى مرة واحدة وبأنهن إن وهبن قلوبهن إلى رجل فإلى الأبد. لا يتحولن عنه. . أما أنا فقد أحببت رجالا كثيرين معتقدة في كل مرة أني سأحبه إلى الأبد وأن عاطفتي نحوه لن تتضاءل. لكنها كانت دائما تتضاءل كالنار التي لا تزودها بالوقود. . وينهى بها التضاؤل إلى الموت. .

واليوم أذكر لك مغامرتي الأولى. . وبرغم أنها بريئة تماما إلى أن في تربتها تكونت البذرة التي تفرع عنها سائر المغامرات

كان زوجي كونت هيرفيه دو - رجلا واسع الثروة من عائلة عريقة ولم أكن أحمل في قلبي له ذرة من الحب. . فالحب في رأي يتطلب لوجوده الحرية والصعاب. . أما الحب الذي ينظمه القانون ويحميه، وتباركه الكنيسة فسرعان ما تخمد جذوته. . وما قيمة القبلة المشروعة إذا قيست بالقبلة المغتصبة كان زوجي طويلا ضخم الجسم نبيل الطلعة. . غير أنه كان غبيا إلى أقصد حد، فالمناقشات معه مملة وملاحظاته تافهة وعقله جامد لا يتطور ولا يسمح بدخول أفكار جديدة إليه

ص: 54

كنا نعيش في منزل كبير بالريف وقد مضى على زواجنا عام واحد. . وكانت تحوطه الأشجار من كل جانب. وفي نهاية الحديقة تجد بحيرتين واسعتين مليئتين بالأعشاب المائية وبينهما كوخ صغير بناه زوجي لاستعماله عند صيد البط

وبالإضافة إلى خدم المنزل، كان يعيش معنا حارس مخلص لزوجي كل الإخلاص تابع له غدواته وروحاته، ووصيفة لي تحبني وأحبها كالأصدقاء، كنت قد أحضرتها معي من إسبانيا ورغم أنها كانت في السادسة عشرة من عمرها إلا أن الناظر إليها يحسبها في العشرين. . .

وبدأ في الخريف موسم الصيد. فكنا أحيانا نصطاد في ضيعتنا وأحيانا في ضيعة جيراننا. . وكان البرون دو - على الأخص موضع اهتمامي. . فلما انقطعت زياراته لنا فجأة انقطعت عن التفكير فيه. . غير أني بدأت ألاحظ منذ ذلك الحين تغيرا طرأ على علاقة زوجي بي فقد بدأ لي غامضا تنتابه الهواجس ولم يقبلني. . ورغم أنه لم يعد يدخل إلي في حجرتي الخاصة إلا أنني كنت أسمع أثناء الليل خطوات مسترقة تقف عند باب الحجرة بضع دقائق ثم تعود أدراجها. . وكنت أسمع وقع أقدام في الحديقة ليلا تذهب وتجيء تحت نافذة حجرتي فلما سألت زوجي عنها نظر إلي نظرة طويلة ثم قال: لا شيء. . لا شيء. . لا بد أنه الحارس.

وفي إحدى الأمسيات - بعد أن انتهينا من العشاء - بدأ زوجي في اضطراب نفسي شديد. . وإذا به يسألني بغتة: هلا خرجت معي إلى الضيعة نصطاد ثعلبا اعتاد غشيتها كل ليلة؟

ودهشت لسؤاله وترددت، غير أنه كان ينظر إلي في إلحاح شديد فأجبته أخيرا بالطبع يا عزيزي. .

وأرى لزاما على أن أخبرك أنني كنت أصطاد الثعالب كالرجال. . فلم يكن هناك ما هو غير عادي في سؤاله. لكنه ضل طيلة المساء يقطع الردهة في خطوات قلقة وقد بدا على وجهه الهم. .

وفي العاشر سألني فجأة: هل أنت مستعدة؟ فأجبته بالإيجاب وخرجت معه.

وسألته. أأضع في بندقيتي الرصاص أم (الخراطيش)؟ فحملق في دهشا بعض الوقت ثم قال: فلتستعملي (الخراطيش) ففيها الكفاية. .

ص: 55

ثم أضاف في لهجة غريبة. ما أبردك!

فضحكت قائلة: ما أبردني!؟ وما حاجتي إلى البرودة في صيد ثعلب؟ ما هذا الذي يشغل فكرك يا عزيزي؟

واخترقنا الحديقة في سكون حتى وصلنا إلى حافة البحيرتين فوقفنا أمام الكوخ الذي علينا أن ننتظر في قدوم الثعلب. . وسألني زوجي أن أدخل أولا. . . ثم أحدث فجأة صوتا ببندقيته أرعبني. . . ورآني أرتعش. . .

وسمعته يقول: يكفي هذا الاختبار. . . باستطاعتك الرجوع. . . فدهشت كل الدهشة وقلت له: أنني لم أحضر هنا كي أرجع ثانية ما أغربك الليلة!

قال: كما تشائين. . .

وانتظرنا نصف ساعة دون حراك ولم نسمع للثعلب صوتا فسألت زوجي هامسة: أمتأكد أنت أنه يأتي من هذا الطريق؟

فبدا عليه الرعب من قولي هذا وأجاب: أجل. . . متأكد تماما.

وحفنا السكون ثانية مدة طويلة. . . وإذا بزوجي يمسك بذراعي فجأة ويقول: أترينه؟ أنه هناك. . . تحت الأشجار.

ونظرت جاهدة فلم أتبين شيئا. . . وجعل زوجي يراقبني وأنا أنظر. . . ثم بدأ يعد يندقيته وبدأت أحذو حذوه. . وفجأة، وعلى بعد ثلاثين خطوة رأيت رجلا يبرز في ضوء القمر متسللا وقد حنا جسمه كأنما يفر من شيء. . .

وأصابني الفزع فصدرت عني صرخة عالية. . . وقبل أن أستطيع حراكا سمعت صوتا مدويا ورأيت الرجل يسقط على الأرض كالذئب وقد اخترقته الرصاصة.

وجن جنوني فبدأت أصرخ. . . وامسكني زوجي بقسوة من رقبتي ورماني على الأرض ثم جرني نحو الجثة الراقدة على الحشائش وألقاني عليها بقوة كأنما يريد أن يكسر رأسي. . . لقد كان ينوي قتلي. . . لكنه ما أن رفع حذاءه كي يحطم به وجهي حتى ذراعين يحوطانه ويلقيان به على الأرض.

ووقفت بسرعة. . . وإذا بي أرى وصيفتي وهي تنهش زوجي بأسنانها كالهرة وتمزق وجهه ولحيته بأظافرها. . . ثم رأيتها فتحول عنه فجأة إلى الرجل القتيل وبدأت تقبل

ص: 56

عينيه وشفتيه وهي تستخرط في البكاء. . .

وقام زوجي ورأى وصيفتي تبكي حبيبها فعرف الحقيقة ورمى بنفسه عند قدمي قائلا:

- سامحيني يا حبيبتي. . لقد شككت فيك وقتلت عشيق الفتاة. . لقد ظللني الحارس. .

أما أنا فبقيت أنظر إلى عناق الحي للميت وأستمع إلى بكاء المرأة على حبها. .

. . في هذه اللحظة تبينت أنه من المستحيل أن أظل مخلصة لزوجي. .

حسين أحمد أمين

ص: 57