الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 94
- بتاريخ: 22 - 04 - 1935
جمعية نهضة القوى
احتفلت هذه الجمعية البرة منذ يومين بانقضاء عامين من جهادها النبيل في إنهاض القرية المصرية. وهذه الجمعية هي أيضا من أعمال الشباب؛ ولعلها أقرب أعمالهم الجليلة إلى الخير المحض! فإن ما ركبوه إلى اليوم من قحم السياسة، وما عالجوه من خطط الاقتصاد، إنما كان مبعثه الغرور القومي، أو الشعور الوطني، أو هما معا؛ أما هذا العمل الخالص عاطفة البر في الإنسان بأخيه الإنسان؛ وهذه العاطفة إنما غرستها في القلوب يد القدرة، وأنمتها قوة الفطرة، وفرضتها طبيعة الحياة، ليحصل بها التئام شمل الناس، وانتظام عقد المجتمع، واتحاد وجهة الإنسانية بالتعاون والتضامن إلى كمال البشري الممكن
راع الشباب - وهم موضع الحس المرهف من الأمة - ما جره تفشي الأمية على القرى المصرية من انقطاع السير، وانخزال الحركة، وانتشار العلل، وانفجار الأحداث، واغبرار العيش، وهي مصدر القوة للشعب، ومورد الثروة للوطن، فحشدوا جنودهم في هذا الميدان، وسددوا جهودهم إلى هذا الغرض، وراحوا يهاجمون الجهل والفقر والمرض في تلك الحظائر أو المقابر التي ضمنت أجوافها السود أربعة أخماس الأمة، ثم دأبوا يقرعون الآذان بالخطابة، ويخزون الضمائر بالكتابة، ويهيبون بالحكومة والقادة أن يأخذوا من تجميل المدينة لتأثيل القرية، ومن ترف الباشا لحاجة الفلاح، ومن فلسفة الخاصة لأمية العامة، حتى ارتفعت حجب الأسماع، وانكشفت أغطية القلوب، فعطف على قضية القرويين رجال البلد من أولي الحكم وأهل العلم وذوي المثالة، وألفوا من قدرة الشبيبة، وخبرة الكهولة، دستور العمل المنتج لإنجاد الفلاح وإسعاد القرية
لعل أنطق الأدلة بخطورة العمل الذي تقوم به هذه الجمعية الجليلة أن
أصف لك قرية أعرف بيوتها كما أعرف بيتي، وآلف أهلها كما آلف
أهلي، وستجد حين توازن بين قريتي وقريتك أنني وصفت على الجملة
قرى مصر جميعا:
كومة من سبانخ الأرض قام عليها أكواخ متلاصقة من اللبن، سقوفها بالخشب والقصب، وحلوها بالعلف والحطب، وجملوها بشرفات من الروث اليابس، ثم جعلوا ظهورها خلاء للحاجة، وبطونها مسرحا عجاجا لشتى الأوالف والدواجن من الكلاب والقطاط والعجول
والدجاج والبط، ثم جمعوا بين قاعة الإنسان وزريبة الحيوان في فناء واحد، فالحديث يمتزج بالخوار، والمضغ يشتبه بالاجترار، والرجل والثور، والمرأة والبقر، والطفل والعجل، يعيشون في شيوعية عجز عن تحقيق حلمها (الروس)! لا يؤديك إلى هذه الدويرات العمى مسلك واسع ولا طريق مشروع، إنما هي طوائف وطوائف، تفتحت كل طائفة منها على زقاق ضيق غير نافذ، ولن تستطيع الدخول في هذا الزقاق إلا من الطريق الدائر حول القرية!. . . بلى قد يشق البلدة منفذ صاعد هابط متحدر متعرج وعر، ولكنه بين الفجوات والحفر يكون أشبه بصراط الحق بين مزالق الفتنة
يركبها من الشمال مستنقع ومن الجنوب مستنقع، ثم يحيط بها ويتخللها من السرجين والسماد منها الرطب ومنها اليابس، وفي أحضان هذه التلال، وعلى حوافي هذه المناقع، قامت مجالس القوم، يجلسون فيها تحت الجدران وفوق المصاطب يستجمون حينا من العمل الدائب والعناء المرهق، لا يألمون لسع البعوض، ولا ينكرون ريح الوحل؛ ثم لا يجري بينهم إلا الحديث القابض كتضاعف الدين على الأرض، وتحكم المالك في الريع، وفتك الآفات بالزرع، وإلحاح الكساد إلى القطن، وما تدخله تلك الحال على النفس الجاهلة من وساوس الأطماع وسخائم الحقد وغوائل الحسد!
اصطلحت على دمائهم الفقيرة جراثيم الملاريا والبلهارسيا والانكلستوما، فغدوا كواسف الوجوه، خواسف الجسوم، خوائر القوى، يعالجون المرض بالصبر، ويخففون الألم بالتسليم، ويدافعون الموت بالتعاويذ، ويسيئون الظن بالمستشفيات التي لا تقبلهم إلا بالشفاعة، ولا تعاملهم إلا بالفظاظة، ولا تحسن علاجهم إلا بالمال في العيادات الخاصة. . . وأين المال من رجل كل ما يملكه أجرة يومه لقوت يومه؟ وليت هذا القوت كان من الأقوات التي تصلح الجسم، وتدفع السقم، وترد العافية! إنما هو في الغالب رغفان من الذرة أو الشعير مأدومة ببعض أحرار البقول واللبن المملح. . .
استغل الملاك ضعفهم، والمرابون جهلهم، فوضعوا أيديهم على أختامهم يطبعونها على العقود والصكوك في غير رحمة ولا ذمة، حتى إذا انقضى الحول وآل كدح الأسرة الناصبة، وجهد الماشية الاغبة، وشقاء الفلاح المسكين، إلى الثمرة المرجوة، عدا عليها الدائن اللص، أو المالك الظالم، فجباها لجيبه، أو جناها لمخزنه
ذلك على الإجمال وصف القرية، فهل تجد فرقا بينها وبين أخصاص الهمج في نشأة الحياة وطفولة الزمن؟ وتلك هي على التقريب حال الفلاح، فهل تجد فرقا بينه وبين البهيم الذي لا يصطنع العلم، ولا يدعي المدنية، ولا يزعم لنوعه الرقي؟
فإذا استطاعت هذه الجمعية الشابة أن تجعل من هذه الأقذار المركومة مسكنا يجمل في العين ويجدي على الصحة، ومن هذا الكائن المهمل رجلا يشعر بالحياة ويسير مع الأمة، فقدر في نفسك أي واجب تؤدي وأي خير تفيد!!
أحمد حسن الزيات
4 - كلمة وكليمة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
لا يفشو الكذب إلا في الأمم؛ فإذا فقدوا سلطة الحكم واستشعروا في الحياة معنى فقدها، سلطوا أنفسهم على ما يسهل الحكم عليه لكل ضعيف: على المعاني في ألفاظها. . ولكن هذا أيضا كذب في الحكم. . .
إذا رأيت قوما عمهم الكذب في باب ما يفتخر به، فاجعل هذا وحده في تاريخهم باب ما سقطوا به
تمتم بعض اللذات في الحرمان من بعض اللذات
ما أسعد العقل الذي يتأثر ببلاهة كالطفل؛ ولكن هل يسمى عقلا. . .؟
الحب في طبيعته حمق عاقل؛ ألا تراه حين يبغض كيف ينقلب إلى الصورة الأخرى فيكون عقلا أحمق؟
أشد العداوة لا تكون إلا من أشد الحب
كرهت رجلا من الدين، وكرهت امرأة في الحب؛ فكان النزاع بيني وبين من كرهت كالنزاع بين دينين لا بين شخصين
من أسخف ما رأيته تنبل الموظفين بثيابهم وظاهر هيأتهم؛ تكون وظيفة أحدهم ستة جنيهات في الشهر، وهو مدين للخياط في أثنى عشر. . يريد أن يقلد الرئيس الكبير في تقرير مكانته بجاه الحكومة؛ فيقررها ولكن بجاه الخياط. . .
لو تاه غني في الصحراء ونفد زاده ثم أصاب رغيفا ملقى هناك - لعرف به لذة الفقر، ولأدرك أن أغنى الغنى يعجز أن يؤتي النفس مثلها. إن إمكان المتعذر وهو وجود تام السعادة بنفسه، وهذا ما حرمه الأغنياء وهو للفقراء كل يوم
قاعدة الحياة أن ما امتنع على الجسم من شهواته جعلته الروح من مسراتها؛ ففي بعض الفقر نوع من الثروة، وفي نوع من الحرمان بعض العطاء. ولكن أين الروح القوية التي تعرف هذا الضرب من المعاملة وتصبر عليه، وأكثر الناس في معاملة الله كالأبله يعطي صكا بألف دينار على (البنك) فيحسبه ورقة كالورق فيمزقه أو يلقيه ويذهب يتوجع من الفقر. . .
لا يجمع الطفل على نفسه همين في وقت معا، بل يحصر نفسه في الهم الواحد ليخرج منه أقوى وأسرع ما استطاع. ولكن أين من يقدر على هذا إلا الطفل في همومه الصغيرة؟
رؤية الكبار شجعانا هي وحدها التي تخرج الصغار شجعانا. ولا طريقة غير هذه في تربية شجاعة الأمة
يقول أهل السياسة أحيانا في الاعتذار إلى الضعفاء المساكين: أيها العقلاء! إن هذا لا يمكن أن يحدث
والمعنى السياسي: أيها البله! إنه لا يمكن أن يحدث إلا هذا. . .
إذا دام ما أرى من حماقة الشرقيين الناقلين عن أوربا؛ فستنقل أوربا يوما عن الشرقيين متى احتاجت إلى مخازيها في شكل همجي. . .
أبلغ ما في السياسة والحب معا: أن تقال الكلمة وفي معناها الكلمة التي لا تقال. . .
الحرب تصحيح لخطأ وقع في السلم أو لما يزعمه القوي خطأ وقع. فلن تنتفي هذه الحرب من الدنيا إلا يوم تربى الذئاب تربية خروفيه. . .
دارها في الزينة والمرح كأنما هي متزوجة أيضا
طبيعة المرأة بفنها منزلية حجابية. والدليل على ذلك وضع امرأة جميلة تعمل في مصنع فيه رجال. فطبيعتها بفنها لا تجعلها حينئذ إلا بين أثنين: إما تطرد من بينهم، وإما أن تكون بينهم كالزوجة. . .
يمثل النساء الغاليات في المطالبة بحقوق المرأة فصلا من رواية العاطفة في شكل من الحق؛ يردن المطاردة والسلام. . .
كن الرجل في معانيه القوية فلن تجد المرأة معك إلا في أقوى معانيها
وددت والله لو أمكن أن يجتمع المطالبات بحقوق المرأة على زعيمة واحدة يخترنها من نساء العالم كله؛ فلن تكون هذه الواحدة إلا المرأة التي يستحيل أن يتزوجها رجل في العالم. . . . . .
قضت الطبيعة قضاءها: أن سعادة المرأة في أن تكون هي سعادة لغيرها؛ فنساء المعامل والحوانيت هن. . . هن والله الشريدات المتصعلكات
أنا مستيقن أن العلم سينتهي إلى إثبات هذه القضية: إن المرأة مريضة بأنها أنثى
الخطأ والمرأة: كلاهما أكبر همه أن يظهر ويغلب. . .
طلب الخليفة المنصور إماما زاهداً عظيما ليوليه القضاء. فلما دخل الإمام قال للمنصور: كيف حالك، وكيف عيالك، وكيف حميرك. . . فقال أخرجوه فإنه مجنون
كذلك يضطر الرجل العظيم أن يخرج أحيانا على عقل سواه ليخرج بعقله هو
الفيلسوف الحق هو الذي ينتهي من نفسه إلى موضع عقلي يكون فيه مع الحياة كما يكون القاضي موضعه العقلي مع الحوادث: تأتيه ليحكم لا تحكم عليه
قلة الرغبات هي قلة الهموم
استطراد
عندما انتهيت إلى هذا الموضع من تصنيف هذه الكلمات، ألقي إلى كتاب ورد من مدينة (حمص) يذكر فيه صاحبه ضيقا وشدة ويسأل:(ما هو علاج الملل النفساني واليأس الدنيوي، عن لم يكن الموت، عن لم يكن الانتحار؟)
ثم يرجو أن يتولاه أول عدد ينتهي إليه من (الرسالة) كيلا يبغي على نفسه؛ وهاأنذا أعجل له كلمات تأتي على أثرها إن شاء الله في العدد التالي مقالة الانتحار
كان عمر بن الخطاب - وفي يده الدنيا - يشتهي الشهوة من الطعام ثمنها درهم، فيؤخرها سنة. يثبت لنفسه بذلك أنها نفس عمر
ليس الذي ينتحر هو صاحب النفس العاملة بإيمانه؛ فإن هذا تنتحر شهواته، ومطامعه، وخسائسه
الانتحار كفر صريح يذهب بالدنيا والآخرة؛ فاليائس وهو يفكر أن ينتحر إنما يقول لله بلغة فكره: إنك عاجز
أنت عجزت أيها الإنسان فأيقنت أنك لا تستطيع أن تغير أطوار الدنيا؛ ولكن كي نسيت الذي يستطيع أن يغيرها وهو يغيرها كل طرفة عين؟
لا يمكن أن ترضيك الدنيا كلما أحببت ولا بكل ما تحب، فلست أنت العاصمة في مملكة الله؛ ولكن الممكن أن ترضى أنت بما يمكن
لقد عجزت أن تنال شيئا به درجة؛ أفعجزت أن تستغني عنه فتنزل درجة؟
في الأرض ناس على أطباق بين الملك إلى الزبال. أفيجتمع الزبالون جميعا فيمجزرٍ
لينتحروا إذ لم يكونوا ملوكا؟
ليست الدنيا بما فيها هي التي ترفعك عند نفسك أو تخفضك؛ بل فكرك بما يكون هو يخفضك أو يرفعك. ومن الذي يملأ فكرك غيرك؟
سر سعادة المؤمن على ما يجد من الفقر والشقاء في هذه الحياة؛ أن في ضميره من فكرة الآخرة وجودا إلهيا عظيما فيه الرضى الدائم عن الله، والصبر الدائم على قضاء الله، والأمل الدائم في رحمة الله. فكل حرمان الدنيا يذهب في الرضى فلا حرمان، وكل مصائبها تقع في الصبر فتتحول معانيه، والأمل الدائم في رحمة الله قوة للقوتين
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
ربيع الغوطة
للأمير مصطفى الشهابي عضو المجمع العلمي ومدير أملاك الدولة
بدمشق
جلست في الدار في سفح (قاسيون) أجيل الطرف في أرجاء الغوطة الفيحاء، وقد ازينت للربيع وتبرجت وتجلت فتنة للناظرين. وجرت مياه بردى ومشتقاته صخابة جرافة، قد بجسها شتاء هذه السنة الممطار، بعد أن لبثت ثلاث سنين لاصقة من الجفاف بأرض النهر، وهي تتنغص وتتمور كأنها ترتقب من يدفعها إلى جنان الغوطة دفعا؛ ودبت الحياة في الأشجار الغبياء، فأرسلت عساليجها تتنشق أنفاس الربيع العليلة، وأطالت غماليجها تستقبل أشعة الشمس المنعشة، ونشرت أوراقها تهيئ للدوح وسائل الحياة وغضارة العيش
وبشر اللوز بإقبال الربيع فنور. وأعقبه المشمش فاشتعل زهرا وتضوع عطرا، وملأ جو الغوطة بهجة وإشراقا. وغار التفاح والكمثري والخوخ فعمدن إلى الازهرار، وتلألأن بالنوار، وسكر الصفصاف المستحي فدلى أغصانه وتمايل، وانتصب الحور فصعر خده وتثاقل، وعربد الجوز الدواح فنثر هريراته ذات اليمين وذات الشمال، وترزن السرو الجبار المتشائم وصاح قائلا كلنا للزوال. وابتسم الزيتون بأوراقه الخضر الحانئة، وقد نثرت أرومته السنون، وكسر فروعه الدهر الطحون. أما الرمان فلبث عاري الجسد ينتظر الدفء، فما ازدهى بنوره، ولا أشعل الجو بناره
وجن جنون النباتات البرية، فنبتت بين الزروع وعلى ضفاف الجداول وفي كل أرض سبخة أو بائرة، فالخردل هجم على الحنطة فكساها من زهره حللا صفرا، والنرجس نجم في مياه المناقع ونثر فوقها دررا وتبرا، وبدت شقائق النعمان بألوانها الزاهية، وتجلى الخشخاش بحمرته القانية، وتضوع البابونج والأقحوان، واستسرا تحت جنبه الآس والرمان
وشاركت الطير النبات فهبت تغرد بشتى الألحان، وتتراقص في كل مكان. فمن سمانيات تغلغلن بين الزروع خشية الصيادين، وشحارير سود الجلابيب إن طارت هتفت، وإن استقرت صدحت، وسنونوات لا يبرحن في السماء مدومات، أو على البعوض هاويات، وأنواع العصافير، في زقزقة وصفير، كأنها تشكر الباعث الغيث آلاء المطر، وكأنها تدعوا الإنسان إلى الأخضرين، لينعم بهما قرير العين
جلست في الدار أدير الطرف بجنان الغوطة وقراها، فبدت عن يميني رياض (النيربين)، فذكرني بأبيات وجيه الدولة ابن حمدان:
سقى الله أرض الغوطتين وأهلها
…
فلي بجنوب الغوطتين شجون
فما ذكرتها النفس إلا استخفى
…
إلى بر ماء الَّنْبرَ بَيَن حنين
وقد كان شكى للفراق يروعني
…
فكيف يكون اليوم وهو يقين؟
وبدت جنوبها بساتين داريا فقلت مع الصنوبري:
ونعم الدارُ دارَيَّا ففيها
…
صفا لي العيش صار أرَيا
ولي في باب جيرون ظباء
…
أعاطيها الهوى ظبياً فظبيا
والتفت إلى دمشق فإذا بها غرقى في خضم أخضر كأنها ياقوتة في نثير من الزمرد، وبرز الجامع الأموي عظيما جبارا بمآذنه الشاهقة العالية التي قال فيها نابغة بني شيبان من قصيدة غراء وصف بها ذلك الجامع الكبير:
وقبة لا تكاد الطير تبلغها
…
أعلى محاريبها بالساج مسقوف
لها مصابيح فيها الزيت من ذهب
…
يضيء من نورها البنان والسِّيف
قلت رحم الله نابغة بني شيبان! فلو عاش في أيامنا هذه لا في أيام بني أمية لقال:
لها مصابيح فيها الكهربا سطعت
…
يضيء من نورها لبنان والسيف
ورق النسيم وراق الجو، فتذكرت قول القائل:
يا نسيما هبَّ مسكاً عبقاً
…
هذه أنفاس ريَّا جِلَّفا
لكنني ما كدت أنشق هذه الأنفاس العطرات وأغرق في بحر من التأملات حتى فتح الخادم مذياع مصر فأسمعني ألحانا شجية حملتها أنفاس القاهرة الكهربائية، فذكرت شتاء مدينة المعز وعهدي به قريب، ورددت قصيدة لي ودعت بها تلك المدينة الساحرة، منها الأبيات الآتية في نسمات النيل:
أوَّاه يا نسمات النيل ساجيةً
…
كم ضمك الصدرَ شهَّاقاً وزفّاراً
وكم تعطرت بِالريحان وامتزجتْ
…
رّياك بالروض أفناناً وأزهاراً
ما إن نشقتك حتى خلتُ منتعشاً
…
ماء الحياة جرى في جسم أنهاراً
وخفق القلب لشتاء مصر ولربيع دمشق معا، فكلاهما ساحر جذاب، وكلاهما مجتلي
ذكريات عذاب، وفي البلدين رفاق وصحاب، وأهل وأحباب، وفيهما للثقافة العربية أفسح رحاب
دمشق
مصطفى الشهابي
عصر الخفاء في مصر الإسلامية
الحاكم بأمر الله
- 3 -
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كان الحاكم بأمر الله صبيا في نحو السادسة عشرة حينما بدأ يضطلع بمهام الدولة على هذا النحو؛ بيد أن هذا الفتى القوي النفس، كان حاكما حقيقيا يقبض على السلطة بيديه القويتين؛ ويشرف بنفسه على مصاير هذه الدولة العظيمة، ويبدي في تدبير شئونها مدهشا، فيباشر الأمور في معظم الأحيان بنفسه، ويتولى النظر والتدبير مع وزرائه؛ وهكذا كان الأمير اليافع يؤثر العمل المضني على مجالي اللهو واللعب التي يغمر تيارها من كان في سنه، وفي مركزه وظروفه؛ وقد لزم الحاكم هذا النشاط المضني طوال حياته. وكان الحاكم ذا بنية قوية متينة؛ وكان منذ حداثته يتمتع بمظهر الجبابرة: مبسوط الجسم، مهيب الطلعة، له عينان كبيرتان سوداوان تمازجهما زرقة، ونظرات حادة مروعة كنظرات الأسد لا يستطيع الإنسان صبرا عليها؛ وله صوت قوي مرعب يحمل الروع إلى سامعيه؛ وقد كان في الواقع سليل نسل من الجبابرة الصحراويين الأقوياء، الذين يذهبون في زهرة العمر والقوة؛ وكان أبوه العزيز بالأخص عظيم القامة عريض المنكبين قوي التكوين، فورث عنه ولده هذه الخواص الطبيعية البديعة، ولم يبددها في شهوات النفس التي ينغمس فيها أبناء القصور
وهنا يبدأ عصر الحاكم بأمر الله حقا، وهو أغرب عصر في تاريخ مصر الإسلامية، وربما كان أغرب عصر في تاريخ الإسلام كله؛ عصر يمازجه الخفاء والروع، وتطبعه ألوان من الإغراق والتناقض مدهشة مثيرة معا؛ ولكن هذه الألوان الخفية المغرقة، وهذه النواحي المتباينة هي التي تسبغ على العصر أهميته وطرافته، وهي التي تحيط شخصية الحاكم بحجب كثيفة من الظلمات يعب اختراقها. ويحسن قبل أن نعرض إلى درس هذه الشخصية العجيبة وقبل أن نحاول استجلاء غوامضها، واستقراء حقيقتها، أن نستعرض أولا أعمال الحاكم وتصرفاته، وحوادث العصر وظروفه؛ ثم نحاول على ضوئها أن نتفهم روح
العصر، ونفسية تلك الشخصية الفريدة التي أفاضت عليه من خفائها وروعتها، وملأته بنشاطها ونزعاتها وأهوائها، وتبوأت فيه المقام الأسمى
- 5 -
تقدم الرواية الإسلامية إلينا الحاكم في صور مروعة مثيرة؛ فتقدمه إلينا أولا في صورة جبار منتقم، وسفاك لا يخبو ظمؤه إلى الدماء؛ ثم تقدمه إلينا في صورة طاغية مضطرم الأهواء والنزعات، متناقض الرأي والتصرفات، لا تكاد تلمس لأعماله باعثا أو حكمة؛ شرسا جموحان ميالا إلى الشر، خؤونا وافر الغدر، لا يستقر على ثقة أو صداقة؛ وتقدمه إلينا على العموم في ثوب شخصية بغيضة خطرة، فاقدة الرشاد والتعقل، يغلب عليها الجانب الأسود، ولكنها مع ذلك لا تنكر عليه بعض نواحي الخير والخلال الحسنة، فتصفه لنا بالجود والتقشف والزهد في كثير من متاع الحياة الدنيا
(كانت خلافته متضادة بين شجاعة وإقدام، وجبن وإحجام وانتقام من العلماء، وميل إلى الصلاح وقتل الصلحاء؛ وكان الغالب عليه الصلاح، وربما بخل بما لم يبخل به أحد قط). (وكان جوادا، سمحا، خبيثا ماكرا، رديء الاعتقاد، سفاكا للدماء، قتل عددا كبيرا من كبراء دولته صبرا؛ وكان عجيب السيرة يخترع كل وقت أمورا وأحكاما يحمل الرعية عليها). (وكان حاله مضطربا في الجور والعدل، والإخافة والأمن، والنسك والبداعة). في هذه الصور وأمثالها تقدم الرواية الإسلامية إلينا الحاكم؛ ولا ريب أن في حياة الحاكم وفي أعماله وتصرفاته ما يبرر كثيرا من هذه الأوصاف المثيرة؛ غير أنها ليست كل شيء في هذه الحياة العجيبة الغامضة؛ ومن الخطأ أن نقف عندها في تصوير الحاكم والحكم عليه، ومن الواجب أن نتقصى في حياة الحاكم جوانب أخرى، وأن نحاول تفهم شخصيته ونفسيته على أضواء أخرى
افتتح الحاكم عهد حكمه بقتل برجوان وصيه ومدبر دولته؛ وكان للجريمة باعث سياسي قوي؛ فلم تك يومئذ دليلا على حبه للسفك أو ظمئه إلى الدم، غير أن الحاكم ما لبث أن أتبع ضربته بضربة دموية أخرى هي مقتل ابن عمار زعيم كتامة وأمين الدولة السابق؛ وكان الحاكم قد حماه من برجوان وأطلق له رسومه وجراياته، وأذن له بالركوب إلى القصر؛ ففي ذات مساء، حين انصرافه من القصرن انقض عليه جماعة من الغلمان الترك كانت قد
هيئت للفتك به، فقتلوه وحملوا رأسه إلى الحاكم (شوال سنة 390) ولم تكن للجريمة بواعث ظاهرة، ولكنا نستطيع أن نعللها برغبة الحاكم في سحق الزعماء ذوي البأس والعصبية، وهي رغبة يدلل عليها كما سنرى في مواطن كثيرة؛ وكانت كتامة أقوى القبائل المغربية كما قدمنا، وكان ابن عمار أقوى زعماء الدولة. ولكن سنرى من جهة أخرى أن الحاكم يسرف في القتل، فيقتل وزراءه وغلمانه تباعا، دون حكمة ظاهرة إلى ما كان من نزعة مؤقتة أو سخط فجائي
وفي سنة 393هـ قتل الحكم وزيره فهد بن إبراهيم بعد أن قضى في منصبه زهاء ستة أعوام، وأقام مكانه علي بن عمر العداس، ولكن لم تمض أشهر قلائل حتى سخط عليه وقتله، وقتل معه الخادم زيدان الصقلي حامل المظلة، ثم قتل عددا كبيرا من الغلمان والخاصة (سنة 394)، ثم تبع ذلك بمقتلة أخرى كان من ضحاياها الحسين بن النعمان الذي شغل منصب القضاء منذ سنة 89، وعدد كبير من الخاصة والعامة، قتلوا أو أحرقوا؛ وقتل جماعة من الأعيان صبرا؛ ولم يك ريب في أن هذه المذابح المتوالية كانت عنوان نزعة خطيرة إلى البطش والفتك واحتقار الحياة البشرية؛ وكان أشد الناس تعرضا لهذه النزعات الخطرة، أقرب الناس إلى الحاكم من الوزراء والكتاب والغلمان والخاصة، ولم يك الكافة أيضا بمنجاة منها، فكثيرا ما عرضوا للقتل الذريع لأقل الريب والذنوب، أو لاتهامهم بمخالفة المراسيم والأحكام الغربية الصارمة التي توالى صدورها في تلك الفترة. وكان رجال الدولة ورجال القصر وسائر العمال والمتصرفين يرتجفون رعبا وروعا أمام هذه الفورات الدموية؛ وكان المجتمع القاهري، ولا سيما التجار وأرباب المصالح والمعاملات يشاطرونهم ذلك الروع؛ ويروي لنا المسبحي صديق الحاكم ومؤرخه فيما بعد، أن الحاكم أمر في سنة 395 بعمل شولة كبيرة مما يلي الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفا، فارتاع الناس وظن كل من له صلة بخدمة الحاكم من رجال القصر أو الدواوين أنها أعدت لإعدامهم، وسرت في ذلك إشاعات مخيفة، فاجتمع سائر الكتاب وأصحاب الدواوين والمتصرفين من المسلمين والنصارى في أحد ميادين القاهرة، ولم يزالوا يقبلون الأرض حتى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يضجون ويتضرعون، ويسألون العفو عنهم؛ ثم دخلوا القصر، ورفعوا إلى أمير المؤمنين عن يد قائد القواد الحسين بن جوهر رقعة
يلتمسون فيها العفو والأمان فأجابهم الحاكم على لسان الحسين إلى ما طلبوا؛ وأمروا بالانصراف والبكور لتلقي سجل العفو. واشتد الذعر بالغلمان والخاصة على اختلاف طوائفهم، فضجوا واستغاثوا وطلبوا العفو والأمان فأجيبوا إلى ما طلبوا؛ وتبعهم في الاستغاثة التجار وأرباب المهن والحرف؛ وتوالى صدور الأمانات لمختلف الطوائف؛ وقد أورد لنا المسبحي صورة أحد هذه الأمانات ونصها:(هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين لأهل مسجد عبد الله: إنكم من الآمنين بأمان الله الملك الحق المبين، وأمان جدنا محمد خاتم النبيين، وأبينا على خير الوصيين، وآبائنا الذرية النبوية المهديين صلى الله على الرسول ووصيه وعليهم أجمعين؛ وأمان أمير المؤمنين على النفس والحال والدم والمال، لا خوف عليكم ولا تمد يد بسوء إليكم، إلا في حد يقام بواجبه، وحق يؤخذ بمستوجبه فيوثق بذلك، وليعول عليه إن شاء الله تعالى؛ وكتب في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلثمائة. . . الخ)
وهكذا هبت على المجتمع القاهري ريح من الرهبة والخشوع، وأصبح اسم هذا الخليفة الفتى الذي لم يجاوز يومئذ العشرين من عمره، وأصبحت نزعاته وتصرفاته مثار الرعب والروع. ولم يك ثمة ريب في أن القتل كان في نظر الحاكم خطة مقررة، ولم يكن فورة أهواء فقط؛ وقد لزم الحاكم هذه الخطة الدموية طول حياته؛ ووقعت في الأعوام التالية حوادث ومناظر من القتل الذريع لا نهاية لها، وكانت تقترن أحيانا بضروب مروعة من القسوة، وقلما كان يغادر وزير أو كبير من كبراء الدولة إلا مسفوك الدم، وفي الأحوال النادرة التي كان ينجو المعزول فيها بحياته، كانت تلازمه نقمة الحاكم حتى يهلك. ففي شعبان سنة 398هـ عزل قائد القواد الحسين بن جوهر، وعين مكانه صالح بن علي الروذبادي ولقب بثقة ثقات السيف والقلم؛ وبعد أسابيع قلائل أمر الحاكم الحسين وصهره قاضي القضاة عبد العزيز ابن النعمان بلزوم دارهما؛ ثم أمر بالقبض عليهما، ففر الحسين وقبض على عبد العزيز؛ واضطربت القاهرة لمكانة الحسين، ثم عفا عنهما وأعيد عبد العزيز إلى منصبه، ولكنهما لم يطمئنا إلى هذا العفو المريب، ففرا بأسرتيهما، فأمر الحاكم بمصادرة أموالهما، وسير الخيل في طلبهما، وأنفذ إليهما كتب الأمان؛ فعادا إلى القاهرة بعد أن استوثقا من الخليفة بالأمان والعفو، واستمرا يركبان إلى القصر مدى حين؛ وفي ذات
يوم استبقيا بالقصر (لأمر تريده الحضرة) ثم قتلا فجأة (12 جمادى الآخرة سنة 401، وصودرت أموالهما، وعاد الحاكم بعد ذلك فأمن أولاد القتيلين وخلع عليهم
وإليك طائفة أخرى من حوادث القتل والسفك التي أمعن فيها الحاكم: في سنة 399، قبض الحاكم على جماعة كبيرة من الغلمان والكتاب والخدم الصقالبة بالقصر، وقطعت أيديهم من وسط الذراع ثم قتلوا، وقتل فضل بن صالح من أعظم قواد الجيش وفي العام التالي وقعت مقتلة أخرى بين الغلمان والخدم، وقتل جماعة من العلماء السنية؛ وقبض على صالح بن علي الروذبادي لأسابيع قلائل من عزله، وقتل؛ وعين مكانه ابن عبدون النصراني، ثم صرف وقتل لأشهر قلائل؛ وخلفه أحمد بن محمد القشوري في الوساطة والسفارة، ثم صرف لأيام قلائل من تعيينه وضربت عنقه (سنة 401). وللحاكم قصة دموية مروعة مع خادمه غين وكاتبه أبي القاسم الجرجرائي، وكان غين من الخدم الصقالبة الذين يؤثرهم الحاكم بعطفه وثقته، فعينه في سنة 402 للشرطة والحسبة ولقبه بقائد القواد، وعهد إليه بتنفيذ المراسيم الدينية والاجتماعية، وعهد بالكتابة عنه إلى أبي القاسم الجرجرائي وكان الحاكم قد سخط على غين قبل ذلك ببضعة أعوام وأمر بقطع يده فصار أقطع اليد؛ ثم سخط عليه كرة أخرى وأمر بقطع يده الثانية وحملت إلى الحاكم في طبق، فبعث إليه الأطباء للعناية به ووصله بمال وتحف كثيرة؛ ولكن لم تمض أيام قلائل على ذلك حتى أمر بقطع لسانه، فقطع وحمل إلى الحاكم أيضا، ومات غين من جراحه (جمادى الأولى 404). وأما أبو القاسم الجرجرائي فقد أمر الحاكم بقطع يديه لوشاية صدرت في حقه، ولكنه أبقى على حياته، وعاش أقطع اليدين
وفي سنة 405هـ قتل الحاكم قاضي القضاة مالك بن سعيد الفاروقي، وقتل الوزير الحسين بن طاهر الوزان، وعبد الرحيم ابن أبي السيد الكاتب، وأخاه الحسين متولي الوساطة والسفارة؛ وقلد فضل بن جعفر بن الفرات، ثم قتله لأيام قلائل من تعيينه. وهكذا استمر في الفتك بالزعماء ورجال الدولة والكتاب والعلماء حتى أباد معظهم؛ هذا عدا من قتل من الكافة، خلال هذه الأعوام الرهيبة، وهم ألوف عديدة.
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان المحامي
روح المدرسة الإنجليزي
الحديثة
للأستاذ محمد عطية الأبراشي
المفتش بوزارة المعارف
إن الزائر الغريب لمدرسة إنجليزية حديثه لأول مرة يلاحظ على الأطفال شيئين:
أولا: النشاط والاستعداد للعمل
ثانيا: السعادة
فالتلاميذ مملوءون نشاطا، وحياتهم كلها بهجة وهناءة؛ وجوه ضاحكة مستبشرة، تملأ المدرسة بشرا وسرورا؛ والجو المدرسي كله حياة ويقظة وانتباه، وحب للعمل واستعداد لأداء الواجب، يتمثل فيه روح الوفاء والإخلاص والعناية والدقة في العمل، والتعاون بين النظار والمدرسين والتلاميذ. هناك لا تجد تلاميذ يتظاهرون بالعمل وهم لا يعلمون، أو يصغون وهم يتثاءبون، لا ترى من يحل مسائل حسابية بطريقة آلية من غير ما تفكير، أو من ينقل قطعا إنشائية، أو كلمات إملائية لا يدرك لها معنى
هناك ينشغل الطفل بعقله ويده؛ فلا يكتفي بتعلم النظريات، بل يشتغل أيضا بكثير من الأعمال اليدوية، ويعطي مقدارا من الحرية في العمل، يعمل على حساب قواه العقلية، وله رأي خاص به. هناك يعتمد الطفل على نفسه في كل عمل مع الاستعانة بمدرسه وإرشاداته عند الحاجة. قد يحل المسألة خطأ، ولكن المهم أنه حاول أن يعمل، وعمل برغبة، وتركت له الفرصة في التفكير، وفي رسم الخطط وتدبير الوسائل
ولقد حدث، في إحدى المدارس الحديثة للبنات أن معلمة من المعلمات اضطرت إلى الذهاب إلى المستشفى يوما ما، فرأت رصيفة لها أن الواجب يقضي بمصاحبتها؛ وكانت ناظرة المدرسة على فراش المرض، ولسوء الحظ قد حدث لرابعتهن وهي في طريقها إلى المدرسة ما أوجب تأخرها نصف ساعة عن الميعاد؛ وعلى هذا بقيت المدرسة ولا ناظرة فيها ولا مدرسة. فلما دخلت الأخيرة المدرسة وجدت كل البنات في أمكنهن، يعلمن بنظام، فلقد نظر بعضهن في جدول أوقات الدروس، واخترن من التلميذات من يستطعن التعليم في
السنين الأولى من المدرسة، وأخذت البقية تعمل بنفسها. فكان كل فصل يسير في عمله بنشاط كالعادة، ولم يحدث من إحداهن ونية أو تقصير في العمل، وكان النظام مستتبا. فمثل هذه الحادثة تبرهن على أن روح المدرسة الحديثة هي: روح التعاون، والاعتماد على النفس، وحب العمل، والفخر بالمدرسة، والإخلاص لها؛ وهذه الروح وتلك المبادئ وحدها تكفل نجاح أي مدرسة من المدارس، وتغني عن استعمال الثواب والعقاب، والمنافسة في المدرسة
فالتلاميذ بالمدرسة الإنجليزية مغتبطون بمدرستهم، يستنفذون جهدهم، ويبذلون كل ما في وسعهم في سبيل تقدمها. محال أن يتمنوا الرفعة على أكتاف غيرهم، يعمل الكل لمصلحة الكل وينسى نفسه. ومن أظهر مقدرة ومهارة في أمر ما فمكافأته أن يسمح له بمعاونة غيره من الضعفاء أحيانا
مثل من المدارس الريفية التي الابتدائية بإنجلترا
من المدارس التي رأيتها مدرسة ريفية ابتدائية داخلية تقبل التلاميذ بعد الانتهاء من قسم الأطفال. فيها يستيقظ التلاميذ مبكرين، فيرتب كل منهم سريره، وينظفون معا حجر النوم.
وبعد ارتداء الملابس يقوم بعضهم بمساعدة الطاهية في إعداد الطعام، أو في إعداد المائدة وتنظيمها. وبعد تناول طعام الإفطار يساعدون في تنظيف الآنية وتنشيفها
ومدة الدراسة النظرية في الصباح أربع ساعات. وبعد الظهر يشتغل التلاميذ بالزراعة في حديقة المدرسة، أو بالنجارة في حجرة النجارة التي يقوم بالتعليم فيها أحد النجارين وفي هذه المدرسة تظهر روح التعاون بأجلى معانيها: فمن التلاميذ من يقوم بإصلاح ما يحدث في بناء المدرسة من خلل، ومنهم من يكوى الملابس، ومنهم من يخيط ما تحتاج إليه من رتق، وهكذا
وتتصل بالمدرسة حديقة كبيرة، تبلغ مساحتها ثلاثة أفدنة، بها قسم لتربية الطيور والحيوانات الداجنة، ويتولى بعض التلاميذ إطعامها والعناية بها. ويقوم التلاميذ أنفسهم بزرع ما أمكن من أنواع الخضر والفواكه والأزهار في تلك الحديقة، وبهذه الوسيلة تستطيع المدرسة أن تستغني عن شراء كثير من المواد الغذائية وغيرها. وتجمع بين التعليم النظري والعملي أو الصناعي فتفتح كثيرا من السبل أمام كل تلميذ حتى تنتفع
بميول، وتعرف ما يرغب فيه من الأعمال، فتوجهه حيث يحب، ويختار له من سبل الحياة ومن المهن والصناعات ما يتفق مع ميوله الطبيعية. فالمدرسة تعطيه الفرصة في أن يعرف شيئا عن النجارة، والزراعة، والحياكة، والكي، والبناء، والرسم، والتصوير، والموسيقى، بجانب المواد المدرسية الأخرى. وهذه هي التربية
ولا يسمح لأحد من التلاميذ بأكل شيء فواكه الحديقة في غير مواعيد الأكل. ومن يخالف ذلك يحرم هذه الفاكهة حتى ينتهي فصلها. وهذا عقاب طبيعي؛ لهذا لا يجرؤ أحد أن يقطف شيئا من الحديقة. ولكل تلميذ صوان خاص به، يضع فيه أدواته. وللناظر وحده الحق في الاطلاع على ما به
وبعد تناول الشاي يسمع التلاميذ اللاسلكي، أو يتعلم بعضهم العزف على المعزف (البيانو)، ويلعبون ألعابا رياضية ككرة المضرب
وفي يوم الأحد صباحا يذهبون إلى الكنيسة مع أستاذتهم، ثم يخرجون للرياضة في جهات خاصة. فأوقاتهم منظمة، موزعة بين العمل واللعب؛ يلعبون حيث يجب اللعب، ويعملون حيث يجب العمل. ويجتهد ناظر المدرسة في ألا يترك لأي تلميذ الفرصة في أن يفكر في أعمال شيطانية، فيدعه يشتغل بأي عمل من الأعمال، حتى لا يفكر في أي عثو أو إفساد في المدرسة
إن الشباب والفراغ والجِدَة
…
مفسدة للمرء أي مفسدة
وإن دروس مشاهدات الطبيعية، والجغرافيا، والتاريخ كثيرا ما تكون في الخارج على شاطئ نهر أو في الحديقة، أو زيارة لدار آثار، أو حصن، أو كنيسة قديمة. وفي كل أسبوع يختار بعض تلاميذ المدرسة لزيارة مدرسة أخرى، لتكثر تجاربهم ويروا أشياء ربما لم يروها قبل في مدارسهم. وبذلك تتبادل المدارس الزيارات في يوم من أيام الأسبوع
وكثيرا ما يقف ناظر المدرسة ليباشر التلاميذ وهم يشتغلون في حديقة المدرسة، ولا يعزب عنه شيء في مدرسته؛ فهو خبير بكل تلميذ، وبالظروف المحيطة به، وبنقط الضعف فيه، وبوسائل العلاج. فيمكنه أن يقول إن (جاك) قوى لأن أمه كثيرة العناية به. أما (جان) فضعيف لأنه لا يجد ما يكفيه من الغذاء، وهذا جيد في التاريخ، وذلك يحتاج إلى العناية بالحساب، وهكذا
والمدرسون يعتبرون تلاميذهم أبناء يفكرون فيهم كما يفكرون في أبنائهم. ففي تلك المدرسة وفي معظم المدارس الإنجليزية تجد التلميذ محبا الألعاب الرياضية، كثير المعلومات، ناضج الرأي، مرتب الفكر، بعيد النظر، قوي الملاحظة، يستطيع التعبير عما في نفسه، يحب النظام، والدقة في العمل. يعرف معنى الطبيعة، ويقدر ما فيها من حياة وجمال، ويمكنه القيام بكثير من الأعمال؛ وهذه نتائج العناية بالطفل في المنزل والمدرسة والبيئة، نتيجة العناية بالتربية العملية لإعداد كل فرد للحياة الكاملة
محمد عطية الأبراشي
محاضرة قيمة:
في الشعر. . .
للمسيو بول فاليري عضو المجمع الفرنسي
عرض وتلخيص للأستاذ محمد روحي فيصل
سيداتي وسادتي:
حديثنا الليلة إليكم في الشعر! والموضوع دائر كما تعلمون الآن في كثير من الصحف والمجالس، ولعل الغرابة أن ينال الشعر الاهتمام وتبذل للفن الجهود في زمن مادي أخذته الواقعية المحسوسة، وطغت عليه الوضعية العلمية، وسادت فيه الفكرة الاقتصادية!
للشعر في الإفهام معنيان: أولهما أنه مجموعة العواطف والانفعالات التي تهيجها في نفوسنا أحداث الزمن، ومجالي الطبيعة، ومعاني الوجود، وألوان الحياة، فنقول منظر شعري، وظرف شعري. وثانيهما أنه فن قائم وصناعة عجيبة، يتناول الأهواء المشبوبة بالتنسيق والتأليف والجلاء، ثم يبرزها لغة جميلة تطرب لها الأذن ويهتز منها القلب! وبين المعنيين صلة شديدة وتباين كتابين الرائحة التي تضوع من الزهر، والرائحة التي تضوع من الكيمياء
ومهما يكن من شيء فالناس لا يزالون في لبئس من المعنيين، وحيرة في الشعر والشعور؛ وكان من أثر هذا أن طائفة من الأحكام والنظريات والمؤلفات قد فسدت وغمضت لإطلاق الكلمة والواحدة على معنيين شتيتين وإن اتصلت أسبابهما اتصالا وثيقا!
فالشمس الغاربة، والغاية الوارفة، والقمر الناعم، والبحر العظيم - هذه وغيرها تبعث في الناس حين يستشرقون لها انفعالات وجدانية تختلف في الشدة والمدة والنقاوة والأثر؛ وقد تكون أزمة الهوى، وفاجعة الموت، ونازلة الفقر، أسبابا مباشرة لاضطراب نفسي عميق أو خفيف يلون الشعور، ويشتت المعاش، ويبدل المثل الأعلى! ولكن هذه العواطف الإنسانية المعروفة تغاير ما نسميه (العاطفة الشعرية) ولعل بيان أوجه التغاير والاختلاف لا يخلو من عنت ومشقة، لأنهما في الواقع متحدان اتحادا شديدا ما ينفصل أحدهما عن الآخر أو يبرز له ويسمو عليه، فالعاطفة الشعرية تتصل أبدا بالحب والألم والخوف والغضب، وما
إلى هذا من مشاعر النفس وأهواء القلب
وإنما العاطفة الشعرية عندي إحساس قوي بحياة غربية، وشعور واضح بعالم جديد جرده المبين من نفسه لنفسه، ثم قوم أشياءه وأحداثه وأشخاصه بالميزان الذي له خاصة، وخلع على ما فيه قيما حديثه، قد تتفق وقد لا تتفق مع القيم المألوفة التي تواضع الناس عليها في حياتهم الدراجة! ولئن تشابهت أشياؤه بالأشياء، وتعارفت الأحياء بالأحياء، فلقد يشملها جميعا قانون النفس العام، وتصطبغ كلها بالشعور والإنساني، تتجاذب تلك الأشياء والأحداث والأشخاص وتتنادى وتطرد لغاية عملها في دقة ونظام؛ والأولى أن نقول إن الأشياء والأحداث والأشخاص تؤلف في العالم الجديد لحنا موسيقيا منسجما لا ضجة فيه ولا نشوز، يتملاه الشاعر ويستوحيه ويخضع له! دنيا رحبة هادئة جميلة هي ملك المبين لأنها من خلقه! ولعل هذا العالم الشعري يماثل من وجوه عديدة عالم الرؤى والأحلام
التي تضطرب في خيال المرء، وتطيف في رأسه الغافي. . .
ولقد أحب أن أشير هنا، وقد انحدرت (الأحلام) مع الحديث، إلى أن جماعة الإبتداعين (الرومانتك) وأدباء العصر الحاضر قد خلطوا بين الشعر والرؤيا ووحدوا معناها! نعم، قد تكون الرؤيا والأحلام صورا شعرية خالصة، ولكنها صورة بارزة مؤلفة من عمل المصادفة والإتقان؛ وما دامت كذلك فهي صور شعرية بالمصادفة والاتفاق
إن عالم الرؤى عالم غريب قد ملأ ساحته الشعور المبهم، وانفرط فيه عقد المنطق المحترم، وهب عليه إدراك غير إدراكنا، وتفكير غير تفكيرنا! فهو عالم مغلق تبرز الأشياء فيه على غير حقيقتها ولونها المعهود، وهي إنما بأهوائنا المكظومة ومثلنا المرجوة ورغائبنا الكامنة. والعاطفة الشعرية حالة نفسية كهذه الحال الطليقة تظهر على غير انتظام، وتعمل في غير استقرار، وتضمحل من غير إنذار! لقد تقوم في أنفسنا بالمصادفة وتخفتي عن أعيننا بالمصادفة! وعجيب - يا سادتي - أثر المصادفة العابثة في ظهورها وفنائها! (تصفيق)
- 2 -
يكر الزمان مسرعا ولا يؤوب، وتتجدد الحياة مشرفة ولا تتشابه، وتزول الصور ماضية بدون أثر! والله القادر الحكيم إنما تفرد بالطي والنشر، والمحو والإبداع، ثم أودع في الحياة معنى الموت، وفي الجذوة قوة الركود، وفي الخلق سر الأعجاز!! ولكن الشاعر المبين لن
يرضى عن اللحظة الحية التي تطوي إلا إذ، سجلها على القرطاس، وأمد في عمرها، وأثبتها على الدهر، كأنما يعارض انحدار الأشياء إلى صندوق العدم، أو يغالب عبث الليالي وتطور الوجود، فهو يقف بالذاهب الآفل وقفة طويلة ممنعة فيقيد خواطره، ويعلن أحاسيسه، ويحي حبه، ثم ينزع من الحياة قطعا يقذفها في إطار خالد جميل إلى العصور التي تليه، والأجيال التي تضطرب بعده على الأرض! كذلك استطاع أن يستمتع بالعاطفة الشعرية الطليقة وأن يستحضرها في نفسه كلما أراد كما تستحضر الرؤى بالتنويم؛ والفنون كلها تقلب العرض الزائل إلى حال دائم، والعمل الفني إنما هو الآلة الحسية لهذا التوليد العجيب والخلق الموفق؛ فالموسيقى والنحت والأدب والتصوير طرائق مختلفة للتمثيل والتعبير اقتضتها كثرة الحواس الظاهرة، واشتباك النفس الباطنة، وغموض المدينة الحاضرة. . . التمس الشاعر طائفة من السبل الملتوية لاستحضار العاطفة الشعرية، ورياضتها على الفن. ولعل أقدم السبل المشروعة، وأعمقها أثرا، وأشدها تركيبا هي اللغة! ولكن اللغة بطبيعتها المادية وسلطانها الواهي واستخدامها العملي أجهدت الشاعر أيما إجهاد، وهو الذي يقوم ويؤلف منها الجرس!
أرجو أن أظفر - أيها السادة - يعرض ما يكابد الشاعر من آلام، ويبذل من جهود، ويغالب من مصاعب
إن اللغة كما ذكرت أداة قديمة يخلص الناس إلى حاجات العيش ومطالب الجسد، فهي على هذا أداة سمجة خلقتها المصلحة، وشوهتها الظروف، وأخضعتها الشهوات! فقيم الكلمات، ومدلول الألفاظ، وقواعد التركيب، وفن الكتابة، ومخارج النطق إنما هي ألهية من الألاهي الطريفة نبعث بها على ما تقتضيه المآرب وترتضيه الأهواء. ولقد نجل مقررات المجمع الأدبي، ونقدر عمل الطباعة والصحافة في تحديد معنى اللفظ وكف شرة الفرد، ولكن خصائص اللغة من حيث قدرتها على إبداع الجرس الموسيقي وتشقق المعني الواحد فيها عن كثير من المعاني المندرجة لم تجد - وا أسفاه - من يرد عنها عادية النزوات وعرف الأوضاع؛ فقد ننطق بالحرف وترسل الكلمة كما تقوى حناجرنا، وتنفرج شفاهنا، وتتسع ثقافتنا، وتزخر نفوسنا فنحرف الكلم عن موضعه، وندخل الفوضى على المفهوم، وننشر الشك في قيمة اللغة والحق أن اللغة لو أنها لم تصلح لغايات العيش، ولم تشتمل على معنى
السعادة لما كانت تكون وسيلة من وسائل الشعر والفن، ومطلبا من مطالب الدقة والتعبير
هكذا، يا سادتي، شاء الحظ العاثر المشؤوم أن يستخدم الشاعر أداة حسية عملية ليحقق بها فنا أبي إلا أن يثور على المعاش، ويشرف على العمل، ويسمو على المادة. .!!
أما الموسيقى السعيد - وا لهفي على حظه - فقد يشرع فيما اختص له توفير عليه، ووسيلته جاهزة سامية مستقلة، لا يشركه فيها أحد من الناس، ولا تتدنى إلى ما لم تخلق له، وهو إنما يعمد إلى مادة قد صهرتها العصور، وهيأتها الطبيعية، وحددتها الغاية! لشد ما يشبه الموسيقى الصناع نحلة ولودا جاءت لتفرخ فوجدت الخلية قائمة على أحسن ما تقوم البيوت، مقسمة على أدق ما تقسم الغرف، فولدت مرتاحة هانئة ثم اهتمت للعسل وحده تجمعه من هنا ومن هناك! كذلك رجل الألحان يؤلف فنه من غير جهد، ويسلك سبيله بهجاً طروباً كأنما الملحن قد انسجم وبرز واكتمل قبل أن تمسه يد الموسيقى الفنان!!
ذلك بأننا نعيش بالسمع في عالم الأصوات؛ ونحيا بالأذن حين تعمى العين ويعيا اللسان؛ وبالأذن تدرك بطبيعتها أن الأصوات المتعالية إنما تتألف من وحدات بسيطة بالغة البساطة، صغيرة بالغة الصغر، حتى كأنها لا تقاس بشيء أو تلمح لوحدها، وهذه الوحدات قد تنسجم لمسافات محدودة، وتطرد بنسب معينة، فتكون الصوت الموسيقى، وقد تضطرب بغير نظام، وتسير على غير منهاج، فتكون الضجة الراجفة. فالأذن تعلم بالغريزة مكان الوحدة من الجرس، وتتذوق بالفطرة نور الجمال في الهمس، وتدرك أن الفرق بين النغم والضجة كالفرق بين النقاوة والكدورة، أو بين النظام والفوضى، ثم جاء العلم الطبيعي فأتم إدراك الغريزة وفطنة الأذن، وهو العلم القديم الدقيق، فقاس النسب، واخترع الآلات وإبداع من الألحان ما لا تستطيعه دنيا الطبيعة بذاتها. . .
وللموسيقى عمل السحر في النفس، تخلق جوا خاصا بها لست أدري ما طبيعته، وإنما أعلم أنه جو هادئ يتخدر فيه الشعور، وتطير العاطفة، ويحلو التخيل، وتبرز الأحلام! ولو أن لحنا شجيا انبعث خافتا من كمان في هذه القاعة الرحبة التي يهزها صوتي المضطرب المتعاظم لرأيتكم فجاءة تميلون الرؤوس وترهفون الآذان إلى مصدر اللحن، تتحسسونه وتتذوقونه، وتمدونه في أنفسكم وأنتم لا تشعرون! أفلا فطنتم إلى الأشعة القوية التي سطعت عليكم من شعاع لطيف، وإلى الدنيا الحالة التي طغت عليكم إثر جرس خفيف؟
ولقد يعطس شخص أو يقع كرسي أو يفتح باب فتستيقظ أنفسكم الحالمة وكأنما صار لها ما يصير للزجاج إذا كسر، أو الحبل إذا تصرم
تلكم الألحان الهادئة، والآذان الواعية، تعين الموسيقى على إحياء النفوس من غير تعب؛ أما لغة الشاعر فكما علمتم ألفاظ جامدة مبهمة، وتخاطب الأذان والنفس على السواء، وتدخل إليهما مزيجا مضطربا من الأصوات والصور، وتثير فيهما ألوانا متداخلة من العواطف والميول. وهنا موضع الشذوذ، فلست أعرف أثرا متداولا أفرط في الغموض والاشتباك كاللغة، ولقد تقول كلاما صحيحا يقبله العقل ولكنه لا يهز الأذن ولا يطرب القلب، أو تقول كلاما منسجما جميلا ولكنه خلو من التفكير والمعاني! وليس أدل على اشتباك اللغة من نشأة هذه العلوم المختلفة التي تتظاهر كلها على شرحها وتفسيرها، فثم علم النقد والأدب والبلاغة والمنطق والاشتقاق والنحو تشترك جميعها في الكشف عما يحجب الألفاظ من الإبهام والتعقيد. ولن يستطيع المبين أن يتجاهل هذه العلوم أو يثور على سلطانها أو يكتفي بالتوقيع على الأذن دون النفوذ إلى النفس!
ولكن الكلام كلامان: منثور ومنظوم، والنثر والنظم مظهران قويان للغة، وبينهما حدود على وضوحها متداخلة متشابكة. . . (تصفيق شديد)
- 3 -
أذكر أني كنت أحاضر مرة في هذا المعنى طائفة من الأجانب، فلما بلغت هذا الموضع من الحديث إذا أحد المستمعين يتلو علي رسالة طريفة بعث بها الكاتب (راكان) إلى صديقه (شايلان) يقول فيها:(. . . وأنت تستطيع أن تنعت نثري بما شئت من الظرف والكياسة والبساطة، فلقد اعتزمت على ألا أحيد عن نصائح أستاذي الكبير (مالرب) ولا التزم ما يلتزمه غيري من الوزن والإيقاع والجرس، وحسبي الوضوح من تاج أزين به نسيج ألفاظي ولفتات ذهني! كان مالرب الذكي يشبه النثر بالمشي، ويقرن الشعر بالرقص، ويقول إن ما نفعله مرغمين يستحق التسامح والاعتدال، ثم لا بد فيه من التجاوز والإهمال، وأما ما نعمله باختيارنا ورغبتنا فمن السخرية أن يكون المرء فيه ضعيفا أو وسطا، فالأعرج مضطر إلى المشي اضطرارا، ولكنه متحذلق سخيف لو راح يرقص على الفالس والخطوات الخمس)
إن تشبيه النثر بالمشي والشعر بالرقص تشبيه خصب جميل لا أعرف أصح منه ولا أدق ولا أشمل! فالمشي كالنثر يقصد به صاحبه أن ينال غاية مائلة ويحقق فكرة مرسومة، فهو يرجو شيئا، ومن أجله يمشي، ولعله لم يدب برجليه ويضرب في الأرض إلا لأن الباعث قد تحرك فيه وألح عليه؛ وظروف المشي، أعني طبيعة الشيء وحالة البدن والأرض واشتداد الرغبة، هي التي تحدد سرعته وتعين وجهته؛ فالمشي على هذا واسطة قائمة تزول متى برز وجه الغاية، أو هو فعل متجدد سوف ينطوي بعد حين. أما الرقص فهو هو الواسطة والغاية، ليس يغني ولا يسير على غير هدى؛ ولئن قصد به فهو الرياضة على الفن الجميل، والشعور بالحياة السعيدة، والاستماع بالمثل الأعلى! على أن الرقص يستخدم نفس الأرجل والأعضاء ولأعصاب التي يستخدمها المشي، وكذلك الشعر أداته الكلمات والصور والمعاني التي يقوم بها النثر عند البيان
إنما يمتاز الشعر من النثر بأنه يتناول الألفاظ على نحو من التركيب والتوجيه يخالف ما يتناول منها النثر في أغلب الأحيان، فنحن نعجب بالكناية والمجاز في الشعر أشد العجب، بل نحن لا نعجب بالشعر إلا إذا كان كله أجله كناية ومجازا. أما القول بوحدة الشعر والنثر فهو قول لم يقره النقد الصحيح ولم يسغه الذوق والحديث، ولعل ما يجوز في أحدهما لا يجوز في الآخر على أوجز تعبير
والمشي كالنثر يسلك به صاحبه أخصر الطرق وأقومها وأقلها عوجا ومنعطفات ليصل إلى بغيته التي يرجوها دون تريث ولا تذبذبن ولكن الرقص بخلاف ذلك لا يحلو إلا إذا أكثر من الروحات والغدوات، وأفرط في اللف والدوران، وأمعن في الجيئة والذهوب؛ ولو سمح لنا الرياضيون لقلنا إن الخط المستقيم سبيل الماشي والناثر، والخط المنحرف سبيل الراقص والشاعر!
تلك السماء تسح مطرا - هكذا يعبر الناثر في نزول المطر الشديد، وهكذا علمنا منذ الطفولة على الكلام، أما الشاعر فلن يبين كما يبين الناثر ويتكلم الناس وإنما يكسو الحقيقة العارية، ويزين الصورة الواقعة، ويعرض الحس في إطار رائع يبهر البصر ويعجب البصيرة. وما ينبغي للشاعر الفنان أن يقول (تلك السماء تمطر تسح مطرا) حتى نحمل المظلة ونتقي البلل لأن (تلك السماء تسح مطرا) قاعدة الكاتب الناثر، ينشئ فيوجز
ويصرح ثم لا يجمل ولا يبالغ
يمشي الرجل متثاقلا أو مسرعا إلى غايته، فما يكاد يبلغها حتى يقف قائما لا يسعى كأنما التثاقل والإسراع كانا من أثر الحاجة والإلحاح، فالرجل يكف عن المشي لأن علة المشي قد زالت ولأن غاية السعي قد برزت! وهذا الأعرج الضعيف الذي ذكره مالرب في حديثه إنما يجلس مستويا على مقعده كما يجلس الراكض العاني بعد طوال اللهث والتعب. كذلك لغة النثر تضطرب وتموت في الذهن متى عرف معناها واستابنت غايتها؛ فهذه محاضرتي غنما ألقيها على مسامعكم لتفهموا عني ما أحب وتعتقدوا بالذي أعتقد، فأنا أقول الآن نثرا، ومتى انتهيت من الكلام وارفض جمعكم الحافل طارت الألفاظ سريعا من ذاكرتكم، وبقي الأثر منطبعا في أذهانكم كأنما أقول من الكلام المنثور لأدفنه بيدي وأذيبه متعمدا، ولقد يتفاعل هذا الأثر الحديث مع غيره من الآثار السابقة كما تتفاعل فيما بينها عناصر الكيمياء؛ ومهما تكن نتيجة التفاعل الفكري فالألفاظ التي أقذفها إنما أقذفها لتتلاشى كما يتلاشى البخار في الفضاء. وكمال محاضرتي أن تفهموا معناها لا أن تحفظوا مبناها، لأن المعنى متى أشرق في الذهن ووضح في الخيال وجد اللفظ سجنا يحد من سعته ويضعف من شأنه؛ فالفهم والدقة والوضوح غاية النثر التي لا غاية له غيرها وأعني أن الكلام المنثور يحيا حياة قصيرة ثم يموت. . .
وما ينبغي أن يحيا النثر إلا حياة قصيرة ثم يموت بعد أن يبلغ رسالته تامة صحيحة واضحة! ولكن الشعر خالد تتجدد ألفاظه في القراءة، وتحلو معانيه عند الإعادة؛ وقيمة الشعر في شكله الظاهر وكلماته المزجاة، قد انتظمت كما ينتظم العقد وانسجمت كما تنسجم الموسيقى؛ فرؤوسنا تحفظ اللفظ تتلوه مترنمة هازجة وتعيده على نحو ما سمعته في الرصف والاتساق. ثم لا تبالي إن ثملت أو حزنت أو ثارت ما دام في إنشادها رنة الفرح أو أنة الألم أو نزوة الهوى. ولقد جهل قوم كثيرون طبيعة الشعر، وهاموا في وضع الحدود وتباين المعالم فما نجحوا ولا استراحوا؛ وعندي أن الشعر لفظ جميل تستمع به الأفهام الراجحة، وتتناشده الشفاه اللاغية، وتهضمه النفوس الواعية. ثم تخرجه كما كان لفظا جميلا تبقي جدته على الزمان كأنما يستعلن في (ميكانيكية) متشابهة قوية رائعة. . .
هاتان نقطتان ثابتتان تقابل إحداهما الأخرى على مسافة صغيرة، يتأرجح بينهما رقاص
مضطرب كرقاص الساعة، قد تدلى وتذبذب في جيئة وذهوب. أما النقطتان الثابتتان المتقابلتان فهما اللفظ والمعنى، أو الشكل والفكرة، أو الجرس والعاطفة؛ وأما الرقاص المضطرب فهو النفس المتصفحة الممعنة، تقرأ القصيدة المنظومة أول ما تقرأ، فتجوز اللفظ لتفهم المعنى، وتنسى الشكل لتذكر الفكرة، ثم تخلص من الجرس إلى العاطفة تستطلع مطاويها كما هو الحال في التخاطب والكلام، وهنا في هذه السطور يتساوى النثر والشعر، ولكنه طور خاطف لا يلبث أن يزول. ذلك أن النفس القارئة تكر راجعة بعد هذا إلى اللفظ تعيده وتتملاه. ثم لا ترى خيرا منه صندوقا يضم أشتات المعنى، ويحفظ دقائق الفكرة، ويعلن جمال العاطفة! تعود إلى اللفظ بعد ما عرفت المعنى كما يعود الرقاص من جولته إلى حيث ابتدأ في الجولان! وهكذا تضطرب النفس القارئة بين اللفظ والمعنى كما يضطرب الرقاص بين النقطتين الثابتتين المتقابلتين، وهذا الاضطراب بين الظاهر والباطن هو الذي أسميناه (بالعاطفة الشعرية) في صدر المحاضرة، وهو غاية الشعر التي لا غاية له غيرها، ولعل الشاعر الموهوب من يختار اللفظة الصالحة لأحداث الاضطراب النفسي، وإحياء العاطفة الشعرية
فالشعر كما أراه يفترق عن النثر ولا يلتبس به، وهو أشد ما يكون بعدا وتساميا عن القصة والرواية اللتين تصفان حوادث الواقع وتعرضان مشاهدة الحياة، وهذا التباين نلمحه واضحا في الوضع الطبيعي الذي يأخذه قارئ الرواية وقارئ الشعر، فالأول ينساق مع تيار الحوادث، فيفخر أو يغضب أو يفرح أو يحزن، وقد وضع جبهته بين كفيه، وركب رأسه فيما يقرأ، وتعجل التلاوة ليأمن الذي يلي ويطمئن للخاتمة، فجسده غائب وحواسه فارغة، وعقله منغمس تائه لا يشعر بما حوله ولا يدرك إلا ما هو فيه، ولو انصفنا لقلنا إن قواه الجسمانية قد انحلت، وأن قواه النفسانية قد انقلبت عقلا يمعن ويتلو ويتأثر، أما قارئ الشعر فلا تتقسم طبيعته ولا تتوزع قواه، وإنما يذهب في القراءة بجوارحه كلها ما دق منها وما ظهر، ما رق وما غلظ، ما شرف وما سفل؛ فالقصيدة تهيج نفسه وعصبه، وتوقظ ملكاته الحسية والفكرية. ثم تريده على أن يتصور الأشياء ويتمثل الحقيقة كما هي غير محرفة ولا ملتوية ولا مضطربة!!
ولكني على هذا ألمح بين الشعر والنثر درجات من الصور خافة متوسطة تربط قطبين
متقابلين في الأدب، وتصل مظهرين قويين للغة، ثم تنشئ بينهما حدودا على وضوحها متداخلة متشابكة. . .
- 4 -
أينظم الشاعر مضطرا أم ينظم مختارا؟
هذا آخر ما أفكر فيه وأتحدث عنه، والغريب أن الباحثين لم ينتهوا بعد من تقرير شيء في هذا. فالجدال عنيف، والتعقيد ظاهر، والعمل شاق. وقد يئست طائفة من الشعراء وتبرمت بالقريض، ثم قالت: إن مهنتنا تضني النفس وتأكل القوى، وصاحبنا مالرب يزعم مخلصا أن الشاعر ينهي مقطوعته الفنية وجب أن يهدأ مرتاحا بعد ذلك عشر سنوات!!
ينظم الشاعر. . . ولكنكم تدرون متى ينظم الشاعر، وما حاجتي إلى شيء تعرفونه حق المعرفة. ينظم الشاعر حين يفيض قلبه ويمتلئ صدره، فينطلق لسانه ويقول شعرا، ولكم وددت أن يكون هذا الرأي الفطير صحيحا سديدا، إذن لاحتمل الشاعر تكاليف الحياة، ورضى المبين بميسور الشقاء! ولكن القريحة الفنية قد تتبلد وتظلم حتى لا تعي أمرا ولا تنطق حرفا، فمن يقول بهذا الرأي الغرير يخضع الشاعر لسلطان القدر العابث، ويغدو الإنتاج الشعري حينئذ مرهونا بالمصادفة المواتية واللمحة المشرقة، أو متصلا بالوحي العالي والموهبة الخارقة. ولست أعلم افتئاتا على حرية الشاعر وامتهانا لكرامته كهذا الرأي القائل العاثر يجعله منفعلا لا فاعلا، وحاكيا أمينا يقول ما يلقى إليه من الكلام، وهو، يحاسب كما يحاسب مدير الصحيفة المسئول، فما كان خيرا قالوا هذا من عند الله، وما كان شرا قالوا هذا من عنده! والعجيب أن الكثرة الغالبة من الشعراء تؤمن بهذا الرأي وتناضل عنه، أو هي على الأقل لا تجد الفضاضة الذليلة بأن ترضى قانعة بمشيئة المصادفة والوحي
توافرت الأدلة وأثبتت التجربة أن الشعر الذي يعترف بجودته وبلوغه المنزلة الرفيعة التي تملى القارئ أثر الوحي والإحساس النفسي، إنما هو الواقع من عمل الجهد الدائب، والإدارة الصابرة، والتفكير العميق. أفلا نحس بهذا المجهود الكبير يبذله الشاعر حين نقرأ قصيدة من قصائده الطويلة الجميلة؟ فنحن نخطئ كثيرا إن حسبنا أن الشعر وحدة لا تقبل التجزئة؛ وموهبة لا تقوى على المران، وأثرا لا يخضع للزمن
لقد يمتاز الشاعر من بين الناس كافة بلحظات مشرقة خاطفة تعصف بذاته وكيانه عصف الريح بفروع الشجر، فتتفتح لديه مغاليق نفسه، ويطل على دنياه الكامنة، ويلمح عجائب الروح. تلك لحظات ثمينة غريزة تضئ ما اختبأ بين اللحم والدم، وتبعث من المعاني والصور ما لا يفهمها أو يقدرها إلا الشاعر وحده، لأنها مختلطة بأوضار المادة وصادرة عن أسرار الظلام؛ وهي معان وصور لا تلبث للمنطق الظاهر ولا تلين للبيان الشعري، وكل ما في الأمر أنها قطع تنتثر من أعماقنا في حالها الطبيعي كما تنتثر الأحجار الكريمة من جوف البركان. ولقد ينبغي أن نطرح الأوشاب، ونحتفظ بالعنصر الصالح النقي لنذيبه في قالب جديد ونقدمه جوهرة خالصة للناس
فالذين يؤمنون بالوحي الشعري يقتلون العمل والإبداع، ويرضون بالشاعر وسيطا تملي عليه القدرة القادرة ما تشاء من ضروب القول وألوان المطالعة، وما لمثل هذا الفن ويخلق الشعراء! لشد ما هزئنا بالذين كانوا يؤمنون بحلول الجن أجساد البشر، ثم يجرون ألسنتهم ما يشتهون من الحجج واللهجات والنزوات! نعم إن شعور الصادق في اللفظ الجميل قوام الشعر الصحيح، ولكن الشعور النفسي لن ينبجس صافيا عذبا مهيئا للبيان، وما أحسبه يصفو ويعذب إلا إذا نهد له الشاعر بنشاطه فجرده من الأدران التي تمازجه، ونفض الغبار عنه ثم أهداه للقارئ أنشودة وأثرا كاملا. . .
بيروت
محمد روحي فيصل
رشيد في ضحى عيدها
للأستاذ محمد محمود جلال
كدنا لا نذكر اليوم عن (رشيد) إلا إخراج الأرز طعاما شهيا. وأنها مقر صناعته ولا نعرف لها أكثر من الترويج الذي نلقاه من جمال موقعها حين نبرم بالمصيف المتمدين المملوء بالرسميات على شاطئ الإسكندرية فنفزع إليها نلتمس شيئا من التغيير وقربا من الطبيعة في أهنأ مظاهرها
فأما نصيبها من حياتنا المعنوية فمقصور على ما نتوارثه سماعا عن سرعة النكتة في طبيعة أهلها، فنتنادر بشيء مما حفظنا منه في مناسبات متباعدة، فإذا طلبت في إحدى بيئاتنا مزيدا فلست تجده إلا رواية عن مختصر مخل من كتب الجغرافيا (فهي ميناء على ملتقى النيل بالبحر الأبيض المتوسط وهي مركز من مديرية الغربية كانت محافظة إلى عهد قريب)
وهكذا غمطت (رشيد) حقها، وغمر في قاموسنا أصلها كما ذهب الإهمال بأكثر صحفنا، وعصفت الأنواء بمفاخرنا. كأنها لم تكن طغراء في كتاب الجهاد الحديث، ومسرحا أظهر الله فيه آيات الحكمة والبسالة لشعب وادي النيل. كأنها ليست هي رشيد التي حققت في سنة 1807 ما لا يزال في أحضان التقدم والرقي مجرد أمل لوادي النيل، وأمنية لأكثر أقطار الشرق
أحببت أن أرى رشيد أول مرة في أول أبريل، وكنت بالإسكندرية والمسافة بينهما تقطعها السيارة في ساعتين
تخيرت (سيارة أجرة) أعجبني مظهرها واطمأنت نفسي إلى أدب سائقها، وسارت تقطع الطريق وقد أوصيت قائدها بالتؤدة لعلة الأمعاء التي أشكو
وقف بي السائق في الطريق عند (ادكو) المشرفة على بحيرتها ونزلت أمشي قليلا على قدمي، فلما عدت أستأنف رحلتي وجدت السائق قد أعد فنجان قهوة وكوبة ماء وقدمهما إلي في أدب يندر أن تراه في زملائه. شكرت له صنيعه وألححت في أن يطلب له فنجانا آخر وسرحته ريثما يشربه في قهوة مجاورة بيد أنه لم يقبل إلا بعد مشقة
جلست إلى جوار السائق مستأنفا رحلتي وقد ألهمت أن للرجل قسطا من العلم ولابد من سر
مؤثر في حياته وبدأت آنس به
قلت: (لأي غرض تظنني أقصد إلى رشيد؟) قال: (لعل حضرتك محام ولديك اليوم جلسة) قلت: (لقد تركت المهنة منذ ثماني حجج وأنا اليوم فلاح مقيم بالوجه القبلي) قال: (لعلها نزهة، فكثير من الخواجات يأتونها في أوقات مختلفة) قلت: (ولا هذا أيضا وليس معي رفيق ولم أر رشيد من قبل)!! قال: (لعلك تزور صاحبا) قلت: (لا أعرف أحدا وقد ذكرت لك أن هذه أول زيارة لها)
اكتفيت من حدس السائق بما سمعت، وخففت عنه عبء الفكر فقلت:(هذا يوم عيد رشيد - بل عيد لوادي النيل. فقد أشرقت شمس هذا اليوم منذ 128 عاما وللمدينة غنى بشمس النصر، وحرارة الجهد والظفر على المعتدين حتى جلا الإنجليز في ظل معاهدة محمد علي باشا عن البلاد بعد ذلك بشهور)!!
سر السائق بما سمع وبدا لي أنه يريد أن يتكلم فلزمت الصمت قال: (إن بلاءنا منا وبسبابنا. قلت: لم وكيف كان ذلك؟ قال: (ألا تذكر حضرتك كيف التجأ الخديو توفيق باشا لحماية الإنجليز؟ - ألم تسرق من معسكر عرابي خريطة في التل الكبير بواسطة أحد الضباط)؟!
ذكرت على التو أمر الخريطة وأني قرأت شيئا من ذلك في أحد المؤلفات التي كتبت عن المسألة المصرية وإذا لم تخني الذاكرة فهذا الضابط الذي يعنيه يدعى (علي يوسف خنفس)
قلت: ولكن بعد ذلك ألم يكن السبيل لتصحيح الخطأ ودرء الخطر؟)
قال: (ألم يكن رؤساء الحكومة أغرابا بين الترك وأرمني ورومي؟)
تساءلت: ومن هذا الأرمني؟ أو كان لنا رئيس حكومة أرمني؟
قال: نعم. نوبار باشا، ألم يساعد على سلخ السودان؟ استدركت قائلا (بل قل الوجه السوداني كما تقول الوجه البحري والقبلي. أو تعرف للسودان قيمة؟)
قال: (إنه حياتنا، ولقد عشت فيه، وتلك الشهادة الابتدائية من كلية غوردون)
صدق ظني فأنا بأزاء رجل متعلم، وطاب لي أن يستمر في حديثه وكله سمر مفيد متصل بما أعنى به
سألت السائق: (وما الذي دفع بك إلى الوجه السوداني؟)
قال: (ولدت هناك؛ وقد كان أبي موظفا بمصلحة السكة الحديد. أرسل إلى السودان ليدرب المبتدئين هناك من عمال التلغراف، ولما عدنا أتممت دراستي إلى شهادة الكفاءة، وشق علي أن أسعى للوظيفة وسط أمواج الساعين وذل الوساطة، فتعلمت قيادة السيارات واشتريت هذه، وأنا بعيشي قانع ولله الشكر)
لم أجد بدا من تحيته تحية تجزئ شيئا من كرامته وحسن تقديره للحياة ولوطنيته. قلت: قف السيارة - وقد ظن أني أريد استئناف السير على قدمي لدقائق أخرى، فهم بفتح الباب قلت: كلا أمد يدك أني أصافحك، وأنت الآن في نظري خير مني، وأنت إذن سائق ورفيق
أشرفنا على المدينة، فسألت السائق هل يعرفها جيدا؟ قال (نعم) فاطمأن خاطري فنزلت وصورت مدخلها
رأيت أعلاما منشورة، وزينات مرفوعة، وبشرا يغمر الوجوه. فقلت: الحمد لله إنهم يعرفون لليوم حقه. والتفت إلى رفيقي خريج (كلية غوردون) وقلت: (ألا ترى مظاهر العيد؟) أجاب الرجل: (إنه اتفاق سعيد، فقد ازينت المنازل والطرقات لعودة الحجاج من أهل رشيد، وقد دعيت أمس ليركب سيارتي أحد أعيانها القادمين، ولكني وعدتك أن أوفيك بفندق وندسور. فاعتذرت مهما علا الأجر، وأنا اليوم أعد نفسي سعيدا) قلت: بل أنا يا بني، فقد وجدت فيك من يحتفل معي بهذا العيد على معرفة!) وقلت: لا يزال في الدنيا من يرخص المادة في سبيل الوفاء، وإذن ما تزال الدنيا بخير
رشيد بلد ظريف جذاب. إذا نظرت إلى التقاء النيل عنده بالبحر الأبيض المتوسط، ذكرت على التو كيف انسابت مدينة وادي النيل القديمة إلى أوربا، وعرفت كيف سارت تعاريج الأمواج الحلوة الهادئة بين الشاطئين الهادئين، فكانت أشبه بالسطور يحملها الأثير بفعل الاختراع - فنقلت في أقدم العصور التشريع المصري إلى (أثينا) فأضفت على تاريخها مفخرة التقنين وسن الشرائع
أمواج النيل الهادئة، بالإضافة إلى أمواج البحر الصاخبة الهائلة، كذلك الخلق الرصين المتين يثابر متئدا فيتغلب على صخب الجبروت، والهيولى الضخمة المخيفة لكتائب الغضب والغزو - وقد شهد وادي النيل مصارع أمم كبيرة فأفنى قواها أو مثلها ففنيت في شعبه
ممرنا بالمباني الحديثة فقلت خلوا بيني وبينها، أروني المباني القديمة، أسمعوني الشهود العدول، دعوها تحدثني عما شهدت وتطلعني على ما خفي من تفاصيل المفاخر
رأيت المنازل القديمة، ووقفت بربوعها أسائلها وتجيبني. أصغي إلى (طيقانها) الصغيرة، فأسمع حديث الإباء والشمم، ووقفت بأبوابها أذكر القرى والكرم
التقيت بأحد أبناء رشيد الكرام الأستاذ فؤاد نور المحامي فحمدت الله رفقته وحمدت السري في ظله، زرنا المنازل الأثرية فهذا بيت (الأماصيلي) كان يملكه حاجب المحكمة الأهلية فابتاعته مصلحة الآثار ولكنه مقفل فلا دليل يقف ببابه للمسترشدين، ولا نشرة توزع بما يجب للبناية الأثرية من بيانات، ولا (كارت بوستال) يباع - حاويا صوره الداخلية
والبيت من داخله تحفة فنية وفيه متعة وشغل للبصر والبصيرة، بني في 28 شوال سنة 1223 هجرية وقل أن تجد من يعنى بتاريخ البناء إلا في السنوات الأخيرة
وأعجب ما ترى فيه (مقصورات) شبيهة بالألواح التي نراها اليوم بالمسارح أعدت لجلوس السيدات ليشهدن مجالس الغناء وتسمى (الأغاني) إضافة إلى الغرض منها
وفقت إذن: أن هذا البيت قد شهد موقعة النصر وأنه شاهد أمين عليها، وقفت به طويلا وقلت: ما يؤلمني أن أكون وحيدا ولا يرافقني رهط قليل ما دمنا نقوم بما نعلم من واجب، فغدا يزور رشيد آلاف وغدا يكون الاحتفال عاما، ولا ضير أن نبدأ قلة وقد نعلم أن (واشنتجون) عد في وقت مجنونا، وأنه لم يخل من تآمر حرسه عليه، وهو اليوم، وفكرته اليوم متجه الأنظار للأمريكان جميعا
ليس في رشيد فندق لائق. وقد أعد يوناني مطعما منذ سنوات قليلة فقاطعه أهل البلد حتى لم يجد مناصا من إغلاقه وهجرة البلد
كل دار أحق بالأهل إلا
…
في خبيث من المذاهب رجس
ولكن هذا الميدان الذي خلا أليس من أهل البلد من يملؤه؛ أولئك الذين كتب عنهم الجنرال ستيورات إلى القائد فرزيه في 31 مارس سنة 1807 يقول: (أن الأهالي لا يعبأون بالمصائب برغم ما أحدثنا بالمدينة من تخريب حتى بلغ ما أطلقناه من القنابل من المدافع البعيدة المرمى وحدها 300 قذيفة)
على أحفاد أولئك الكرام أن يحتفلوا بذكرى أجدادهم وبمجد بلدهم. وعليهم أن يسدوا كل
ثغرة، ولعلنا نقتبس الرشد عما قريب عن رشيد
الشيخ عطا
محمد محمود جلال المحامي
فلسفة موسى بن ميمون
ومصنفه دلالة الحائرين)
بقلم إسرائيل ولفنسون
إذا كانت مدونات موسى أبن ميمون التشريعية قد صنفت لأبناء الثقافات اليهودية قبل كل شيء، وإذا كانت البحوث التي وردت فيها لا تتجاوز حدود الدين وأدب الدين والتشريع الإسرائيلي فإن كتاب دلالة الحائرين يشغل ناحية أخرى من التفكير الإنساني، هي الناحية الفلسفية والمنطقية، أو الناحية الإنسانية العامة التي كانت تشغل بال المفكرين ورجال الفلسفة في ذلك العهد
وقد اعتمد بن ميمون في أثناء تأليفه كتابه (دلالة الحائرين) على المصادر العبرية التي كان له بها إلمام يندر أن يكون في شخص آخر من أحبار اليهود في القرون الوسطى، كما كانت له دراية تامة بمؤلفات اليهود باللغة العربية، ومع أنه لم يسرد أسماء المؤلفين إلا في أحوال نادرة فإن نظرياتهم تتكرر في كثير من فصوله في كتابه (دلالة الحائرين) إذ يسرد آراء سعديا الفيومي وبخيا وسليمان بن جبيرول ويهودا هالوي وإبراهيم بن حيا وإبراهيم بن عزرا
وكذلك كانت له دراية بآداب اليهود القرائين
أما الفلسفة اليونانية فكان يعرفها من التراجم العربية شأن غيره من الفلاسفة في البلدان الإسلامية وهو متأثر قبل كل شيء بأرسطاطاليس الذي يراه رئيس الفلاسفة، يجله إجلالا عظيما إذ يقول:(وكل ما قاله أرسطاطاليس في جميع الوجود الذي من لدن فلك القمر إلى مركز الأرض هو صحيح بلا ريب، ولا يعدل عنه إلا من لم يفهمه، أو من تقدمت له آراء يريد الذب عنها، أو تقوده تلك الآراء إنكار أمر مشاهد. . .)
وكان قد درس كتاب الأخلاق لأرسطاطاليس من ترجمة إسحق بن حنين كما علم نظرياته من شروح يونانية مترجمة إلى العربية مثل إسكندر الأفروديسي وتامستيدس ويحيى النحوي
وكذلك وصلت إليه نظريات أرسطاطاليس بوساطة المصنفات العربية مثل الغزالي وابن باجة أبو بكر بن الصائغ وأبن الطفيل والفارابي وآراء المتكلمين، وكذلك أدمج في (دلالة
الحائرين) بعض النظريات لبطليموس وجلينوس اليونانيين
وكذلك ورد في دلالة الحائرين بحث في منزلة المعتزلة والأشعرية مما يدل على أنه درس المذاهب الإسلامية دراسة وافية
وكان السبب المباشر في نشر كتابه دلالة الحائرين إلحاح تلميذه يوسف بن عقنين عليه، ويقول موسى بن ميمون في مقدمته إلى تلميذه: أيها التلميذ العزيز، لما مثلت لدي وقصدت إلى عظم شأنك لشدة حرصك على الطلب، ولما رأيت في أشعارك التي وصلتني وأنت مقيم بالإسكندرية من شدة الاشتياق للأمور النظرية، وقبل أن أمتحن تصورك قلت لعل شوقه أقوى من إدراكه، فلما قرأت علي ما قرأته من علم الهيئة وما تقدم لك مما لا بد منه، زدت بك غبطة لجودة ذهنك، وسرعة تصورك، ورأيت شوقك للتعليم عظيما فتركتك للارتياض فيه لعلمي بمآلك ولما قرأت علي ما قرأته من صناعة المنطق تعلقت آمالي بك، ورأيتك أهلا لأن تكشف لك أسرار الكتب النبوية حتى تطلع منها على ما ينبغي أن يطلع عليه الكاملون، فأردت أن ألوح لك تلويحات وأشير لك بإشارات، فرأيتك تطلب مني الازدياد وأن أبين لك أشياء من الأمور الإلهية أن أخبرك بمقاصد المتكلمين وطرائقهم. . . وآمرك أن تأخذ الأشياء على ترتيب قصدا مني أن يصح لك الحق بطرقه لا أن يقع اليقين بالعرض؛ ولم أمتنع طول اجتماعك بي إذا ما ذكر نص من نصوص الحكماء فيه تنبيه على معنى غريب من تبيان ذلك لك، فلما قدر الله بالافتراق، وتوجهت إلى حيث توجهت أثارت مني تلك الاجتماعات عزيمة كانت فترت وحركتني غيبتك لوضع هذه المقالة التي وضعتها لك ولأمثالك، وقليل ما هم، وجعلتها فصولا منثورة وكل ما أكتب لك منها يصلك أولا فأولا ودمت وأنت سالم. . .
ولم يقصد موسى بمصنفه هذا الجمهور أو المبتدئين بالنظر، بل كان نصب أعينه (جماعة الذين أخذوا أنفسهم بالكمال الإنساني وإزالة هذه الأوهام السابقة من سن الطفولة) أو إنه (ما ألف الكتاب إلا لمن تفلسف وعرف ما قد بان من أمر النفس وجميع قواها. . . . .) أو (لمن هو كامل في خلقه ودينه ونظر في علوم الفلسفة وعلم معانيها. . . . .)
أما عن غرض تأليف دلالة الحائرين فيقول المؤلف: ما كان الغرض نقل كتب الفلاسفة. . . وما كان قصدي أن أؤلف شيئا في علم الطبيعة، أو أن ألخص معاني العالم الآلهي على
بعض المذاهب، أو أبرهن على ما يبرهن منها، أو أن أقتضب هيئة الأفلاك، ولا أن أخبر بعددها إذ الكتب المؤلفة في جميع ذلك كافية، وإن لم تكن كافية في غرض من الأغراض فليس الذي أقوله أنا في ذلك الغرض أحسن من كل ما قيل، وإنما كان الغرض بهذه المقالة أن أبين مشكلة الشريعة وأظهر حقائق.
ويقع الكتاب في ثلاثة أجزاء، يشتمل كل جزء على فصول أو موضوعات، وعلى كبر حجم الكتاب وتنوع موضوعاته فإن ما ورد فيه من النظريات يتدرج تدرجا منطقيا محكما من قضية إلى أخرى، فكأن جميعها سلسلة واحدة مرتبطة ارتباطا وثيقا
والهدف الأسمى الذي يرمي إليه موسى بن ميمون هو أن يلقى أشعة من أنوار الفلسفة والمنطق والعقل على الأيمان والشعور (العقل الفائض علينا هو الصلة بيننا وبين الله تعالى. . .)
وهو يقصد التوفيق بين الدين والفلسفة (الحكمة المقولة بإطلاق في كل موضوع هي إدراكه تعالى)، كما يقصد التوفيق بين موسى كليم الله وأرسطاطاليس شيخ الفلاسفة حتى ينظر العالم إلى الدين عن طريق الفلسفة، وحتى يطلب الحق والعرفان لا في أفق الدين وحده، بل في ميدان العقل والمنطق أيضا، وقد رفع بذلك الفلسفة والفلاسفة إلى مصف واحد مع الدين وكبار مفكري الدين
ويبحث الجزء الأول من دلائل الحائرين في ماهية الله وكيفية إدراكه وتوحيده، كما يدخلنا في الكتاب المقدس عن طريق الفلسفة والمنطق، ويفتح الكتاب بمحاربة عنيفة كل ما يقصد من الأوصاف المادية المنسوبة لله، فيشرح الآية (نصنع إنسانا على صورتنا وشبهنا) إن الناس قد ظنوا أن لفظ صورة في اللسان العبري يدل على شكل الشيء وتخطيطه فيؤدي ذلك إلى التجسيم المحض، ورأوا أنهم أن فارقوا هذا الاعتقاد كذبوا النص. . . وأما صورة فتقع على الصورة الطبيعية، أعني على المعنى الذي يجوهر الشيء بما هو حقيقته من حيث هو ذلك الموجود المعنوي، هو الذي عنه يكون الإدراك الإنساني. . . فيكون المراد من الصورة النوعية التي هي الإدراك العقلي لا الشكل والتخطيط. . .
وإدراك الإله عنده على الطريقة السلبية لا الإيجابية، فإنه يقول: (اعلم أن وصف الله عز وجل بالسوالب هو الوصف الصحيح الذي لا يلحقه شيء من التسامح، ولا فيه نقص من
حق الله تعالى جملة ولا على حال، أما وصفه بالإيجابيات ففيه من الشرك والنقص)
ويبحث الجزء الثاني في مشاكل وجود الله وتوحيده وروحانيته وما يرى الفلاسفة في الكون إذا كان قديما أو (محدثا)، ومع أن موسى بن ميمون من أشد أنصار أرسطاطاليس ففي مسألة قدم الكون يحاربه محاربة عنيفة، لأن الأخذ بقدم الكون ينفي ما ورد في التوراة من أن الكون محدث، ويقول موسى بن ميمون بعد بحث طويل في هذه المشكلة إن كل ما ذكره أرسطاطاليس وأتباعه من الاستدلال على قدم الكون ليس له براهين قطعية، بل لها حجج تلحقها الشكوك العظيمة. . .
ثم يبحث في النبوة وماهيتها ودرجاتها وتعريفها عند رجال الدين من الملل المختلفة وعند أصحاب المدارس من الفلاسفة
ويشغل البحث في النبوة أغلب فصول الجزء الثاني وهو من أرقى ما وصل إليه التفكير اليهودي الفلسفي في القرون الوسطى
أما الجزء الثالث فيتم موسى في فصوله السبعة الأولى بحثه عن النبوة بشرحه رؤيا النبي حزقيال الذي ورد في الفصل الأول والثالث من سفره من أسفار العهد القديم، وكل ما ورد فيها من الاصطلاحات العويصة والمعاني الغامضة
ثم ينتقل إلى البحث في الشر، وما يحل من المصائب بالعالم وهل الإنسان هو الذي يكون مسئولا عما يقع من الكوارث على المخلوقين أم الله سبحانه وتعالى، ثم ينتقل إلى مشكلة العناية الآلهية بالكون والمخلوقات، وما يقول الفلاسفة من اليونان والمسلمين واليهود فيها
ثم يتعرض لأمور دينية في الشريعة التي جاءت لصلاح النفس وصلاح البدن، كما يشرح واجبات وعبادات وردت في التوراة على الطريقة الفلسفية
وقد ورد في هذا الجزء معلومات كثيرة عن الأخلاق والعادات عند الصابئة وعبدة الأصنام من الآراميين من أهل حران بجزيرة العراق كما ذكرت بعض كتبهم
وكذلك ورد الذكر لكتاب الفلاحة النبطية لأبن وحشية ولم ينتبه العلماء المستشرقون إلى هذا الكتاب إلا بعد أن قرأوا ما كتبه عنه موسى بن ميمون
وفي الفصول الأربعة الأخيرة يبحث المؤلف في العناية بالعبادات والواجبات الدينية التي هي الغاية المثلى في حياة الإنسان حتى يدرك الحقائق الآلهية، وحتى يتقرب إلى الحق
والعدل والحكمة وهي ألفاظ يعرفها موسى تعريفا منطقيا فلسفيا، وهذه الفصول من أدق ما وضع في مصنفه دلالة الحائرين وأكملها
إسرائيل ولفنسون
أستاذ اللغات السامية بدار العلوم
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
بستور
صلة حديثة
وصل الفائت: ترك باستور مدبغة أبيه وذهب إلى باريس. فتلقى على الكيميائي العظيم (دوماس). وبعدئذ أتم أبحاثه في حامض الدردى. وبينما هو كذلك أكتشف (كنيارد دي لاتور) أن الخمائر بالبيرة المختمرة تتكاثر فتحيل الشعير بذلك إلى كحول. وتعين بستور أستاذا بجامعة (ليل) وتزوج ابنة عميدها فسهرت إلى جانبه. وأجرى كثيرا من التجارب الجامحة واخفق فيها.
وتعين (بستور) عميدا لكلية العلوم بجامعة (ليل) فسكن واستقر في (شارع الأزهار. وهنا اتصل عفوا ولأول مرة بالمكروبات. وفي هذه المدينة الأصيلة، مدينة المقطرين للخمور، مدينة زراع البنجر وتجار الآلات الزراعية، قام (بستور) بحملة قوية، بعضها علمي، وبعضها قصصي روائي، وبعضها ديني، وبعضها سياسي، ليضع المكروب في موضعه اللائق من اهتمام الناس ورعايتهم. نعم في هذه المدينة ذات الخطر اليسير والجمال القليل، في هذه المدينة التي لم تشتهر قط بالعلم، أثار بستور زوبعة هائلة نالت سفائن العلم فظلت تؤرجحها ثلاثين عاما. أبان بستور للدنيا خطر المكروب فأوجست منه خيفة، وخلق لنفسه في سبيل ذلك أعداء ألداء، وخلق لها أحبابا خلصاء، وملأ أسمه صفحات الجرائد الأولى. وطلبه خصوم للمبارزة. وضحك الجمهور بادئ بدء من مكروباته الغالية، وقصف بالنكات عليها، بينما كانت كشوفه تنجي حياة العديد من النفساء. واختصارا في هذه المدينة المتواضعة، ومن فوق أرضها شال الشولة الأولى إلى فردوس الخالدين
جاء بستور إلى مدينة (استراسبورج) فحاورته الحقائق فيها واختلطت عليه، ثم جاء إلى مدينة (ليل) فجاءه المجد يسعى، وذلك بإسدائه المعونة إلى. . . خمار!
جاء إلى (ليل) فقال له الرجال ذو المال، وأرباب النفوذ من ذوي الأعمال: (إن العلم جميل
في أرستقراطيته، ولكن الذي نريده، والذي تريده المدينة الناهضة، هو التعاون بين علمك وصناعتنا. نريد أ، نعلم هل يزيد العلم في مكاسبنا. زد يا هذا في الحقل مقدار السكر في بنجرنا، وزد في المصنع مقدار الكحول المتقطر من سكرنا، ندر عليك الخيرات، ونتولى معاملك بالرعايات)
سمع بستور ما سمع في أدب واحتشام، ثم أخذ يريهم كيف يستجيب العلم إذا دعاه الداعي. فإنه لم يكن رجل علم فحسب، بل كان رجلا خبيرا بأمور دنياه وسنن العيش فيها. تصور جماعة من أرباب الأعمال يأنون (نيوتن) فيسألونه ماذا تستفيد مصانعهم من قوانين حركته، إذن لرفع يديه إلى السماء واستعاذ منهم بالله، ولذهب من بعد ذلك إلى إنجيله يقرأ كتاب دنيال ويدرس ما فيه من نبوءات. ولو أنهم جاءوا فراداي إذن لآثر صناعته الأولى، وعاد إلى تجليد الكتب وحزم الأوراق. ولكن بستور كان من أبناء القرن التاسع عشر، يعرف حق المعرفة أن العلم لا بد أن يكسب خبز يومه إذا أراد الحياة. لذلك بدأ يحاضر أهل االبلد فيه، ويدبر لهم المحاضرات الشيقة ليخطب ودهم ويكسب عطفهم
وفي ذات مساء كان يخطب في جمع من أرباب المصانع وأزواجهم، فصاح فيهم:(من من أبنائكم لا ينهض للعلم توا، من من أولادكم لا يتحرق للعلم تحرقا، إذا أنا وضعت في يده بطاطة، وقلت له: إنك تستطيع أن تخرج من هذه البطاطة سكرا، وتستطيع أن تخرج من هذا السكر كحولا، وتستطيع أن تخرج من هذا الكحول خلا وأثيرا؟). ومضت على هذا أيام، فجاءه أحد الذين حضروا وخطابه، وكان رجلا يدعى (بيجو)، وكانت صناعته تقطير الكحول من سكر البنجر المختمر؛ جاء يتوسل للأستاذ:(سيدي، أنا في حرج من صناعتي، فاحتمار البنجر لا يتم على وجهه، وخسارتي تبلغ ألوف الفرنكات في اليوم، فبودي لو جئت مصنعي، ونظرت في معونتي، فأنقذتني من خبلتي)
وكان ابن (بيجو) طالبا في قسم العلوم بالكلية، فأسرع (بستور) إلى معونة أبيه. فذهب إلى مصنع التقطير، وأخذ يتشمم في الحواض المريضة، تلك الأحواض التي تأبى أن تخرج من البنجر كحولا؛ وانكب عليها، واغترف منها، فكان شيئا مختلطا أدكن هلاميا، فوضعه في قارورات وحمله إلى معمله. ولم يفته أن يغترف كذلك من لبابة البنجر من الأحواض الصحيحة السليمة المختمرة الراغية بما تنتج من كحول كثير. ولم يكن يدري كيف يختمر
السكر فيستحيل كحولا، ولم يكن في الدنيا كلها كيمياوي يعرف عن ذلك شيئا. عاد إلى معمله، وأخذ يحك رأسه وهو يفكر، ثم استقر رأيه على أن يمتحن ما اغترفه من الأحواض السليمة أولا، فوضع قطرة منه تحت مجهره، ولعله كان يحسب أنه سيرى بلورات كتلك التي طال تحديقه أليها زمانا مضى، ولكنه وجد هذه القطرة مليئة بكريات أصغر كثيرا من أية بلورة رآها. وكانت هذه الكريات صفراء، وازدحم جوفها بجسيمات كثيرة ترقص كأنما عن طرب، وتمتم لنفسه:(ليت شعري ما هذه الكريات!)
وأسعفته الذاكرة فصاح ثانية لنفسه: (يا للنسيان! بالطبع هي الخمائر التي تجدها دائما في كل محلول به سكر يختمر ليصير كحولا) وأعاد النظر فأبصر هذه الكريات فرادى، وأبصر طائفة أخرى منها متعنقدة، وأبصر أخرى متقاطرة. ثم حدق فدهش لرؤية بعضها قد تنبتت جوانبه كما تنبت البذور الصغيرة، فقال:(لقد صدق كنيارد، فهذه الخمائر حية. ولا بد أنها هي التي تصير السكر كحولا. ولكن ما فائدة بيجو من هذا! وما الذي أصاب الأحواض المريضة فتعطلت؟) واختطف القارورة التي بها ما كان اغترفه من حوض مريض، وحدق فيه بمنظار مكبر، وشمه، وذاقه، وغمس فيه ورقة زرقاء فاحمرت. . . ثم وضع قطرة منه تحت مكرسكوبه ونظر فيها
(عجبا! أين ذهبت الخمائر، فليس في هذه القطرة منها شيء؟ ما هذا؟ ما معناه؟)
وتناول القارورة مرة أخرى، وأخذ ينظر ويفكر، ولا ترى عينه فيها جديدا. وبينا هو يركب في التعليل الخيال، ويسوم ذهنه طلب المحال، إذا بالسائل في القارورة يتراءى له في صورة جديدة تبعث فيه أملا جديدا. (ماذا أرى؟ بقعا صغيرة دكناء لاصقة بجدار القارورة. وهذه بقع أخرى مثلها تطفو على سطح سائلها المريض - إذن صبرا!. . . لا. إنها لا توجد في القارورة ذات السائل الصحيح حيث الخمائر والكحول) ثم غاص في القارورة المريضة، وبشيء من العناء استطاع أن يخرج شيئا من تلك البقع فوضعها في ماء نقي، ثم علاه بمجهره هذا يوم (بستور) جاء أخيرا!
لم يجد في هذا السائل كريات الخمائر. لا، ولكنه وجد شيئا جديدا، لم يره من قبل، أحياء صغيرة كثيرة شديدة الزحام، شكلها كالعصي، بعضها قائم وحده، وبعضها متقاطر كالأبل، وكلها يرقص في ارتعاد غريب لا هدأة له. كانت الخمائر في عينه صغيرة فجاءت هذه
تصاغرها فتصغرها كثيرا، فلم يعد طولها جزءا من ألف من المليمتر
وفي هذه الليلة أرق (بستور) طويلا، وتقلب في مضجعه طويلا. وفي الصباح كنت تراه يجرجر ساقيه الغليظتين القصيرتين إلى مصنع (بيجو)، وبنظارته المنحرفة على بصره القصير، مال على حافة حوض مريض لم يكن أتاه من قبل، وجرف من قاعه بعض الذي فيه. ثم مال على أحواض مريضة غيره. ونسي (بيجو)، ونسي أنه إنما بدأ هذا العمل لمعونة (بيجو). اختفى (بيجو) من فكره، واختفى كل شيء في الوجود إلا نفسه الشمامة البحاثة، وإلا تلك العصي الراقصة الغريبة التي وجد الآلاف المؤلفة منها في تلك البقع الكدماء الصغيرة. . .
ولما جاء الليل أخذت زوجه تنتظره لينام، فلما يأست ذهبت إلى الفراش وحدها، وتركته ينصب الجهاز تلو الجهاز حتى ازدحم معمله بها. ووجد أن جميع السوائل بالأحواض المريضة تحتوي حامضا عرف أنه حامض اللبن، وأنه ليس بها كحول. ولم يلبث أن خطر له خاطر غمر فكره كله، وملأ رأسه أجمع:(إن هذه العصي بالسوائل المرضة حية، وهي هي التي تصنع حامض اللبن؛ وهي ربما تشتجر مع الخمائر في قتال شديد فتقضي عليها فلا تنتج كحولا. إن هذه العصي تصنع حامض اللبن كما تصنع هذه الخمائر الكحول). وهرول إلى السلم، فصعد إلى مدام (بستور) يخبرها بالذي وجد - مدام (بستور) التي لم تعرف من التخمر والخمائر شيئا، مدام (بستور) التي لم تفهم من علمه إلا قليلا، إلا أنها فهمت نفسه المتحمسة وروحه الوثابة، فأعانته بعطفها وحبها كثيرا
بالطبع لم يكن الذي ارتآه إلا ظنا، ولكن قام في نفسه شيء يوسوس له أن هذا الظن حق لامرية فيه. لقد تظنن (بستور) مئات المرات فيما وقع عليه بصره القصير من مئات الظواهر في الطبيعة التي حوله. وكانت ظنونا خاطئة. ولكنه إذ وقع هذه المرة على ظن صادق، إذ خال أنه أصاب تفسيرا لظاهرة التخمر التي أشكلت على القرون من قبله، أخذ يمتحن هذا الظن، ويفحص هذا الخال، ويقلبه، ويداوره، ويتقرى الحقيقة فيه حتى وصل إلى كنهها
وبينما ازدحمت في رأسه الخطط الكثيرة لتقري كنه هذه الحقيقة لم يفته أن يعين أرباب العمل على مصاعبهم، ولا أهل الحكم إذا دهوه إلى نصيحة، ولا المزارعين إذا جاءوه، ولا
الطلبة إذا طلبوه. وحول جزءا من معمله لاختبار الأسمدة الكثيرة التي تأتيه. وهرع إلى باريس يدبر لانتخابه عضوا في أكاديمية العلوم فما أفلح. ورحل بتلاميذه إلى معامل الجعة في (فالنسين9 وإلى مسابك الحديد في بلجيكا. وفيما هو في هذا، تراءى له يوما أنه اهتدى إلى الطريقة السوية التي يثبت بها أن هذه العصى القصيرة تحيا حياة الخلائق، وأنها على صغرها، وعلى قصرها، وعلى حقارتها، تفعل فعل العمالقة - تفعل ما لا يستطيعه العمالقة: تحيل السكر إلى حامض اللبن
حدث (بستور9 نفسه قال: (لا يمكنني أن أدرس هذه العصي في عصير البنجر المسكر وفيه ما فيه من أخلاط عدة. لا بد لي من عصير رائق أتتبع فيه ما تصنع هذه العصي. لا بد لي من ابتداع مرق صاف به غذاء طيب خاص لها، أضعها فيه، ثم أرقبها لأرى هل تتكاثر، هل تتوالد، هل أجد في هذا المرق بعد حين مكان العصا الواحدة عصيا راقصة كثيرة؟)
ووضع شيئا من تلك البقع الكدماء التي كانت بالحياض المريضة في محلول من سكر نقي، فوجد أن العصي لا تتكاثر فيها، فقال:(إنها تريد غذاء أمرا من هذا). فجرب بطلب الغذاء المريء فخاب. ثم جرب وخاب. وأخيرا صنع لها مرقا غريبا بأن أخذ شيئا من خميرة جافة، فأغلاه بالماء ثم صفاه، وأخذ مرقه الرائق فأضاف له شيئا من كربونات الكلسيوم ليضيع ما قد يحدث فيه من حموضة. وأتى بإبرة فغمسها بالبقع الدكناء بالحياض المريضة، وحمل ما علق بطرفها الرفيع من العصي الصغيرة إلى مرقه ودافها فيه. ثم وضعه في قارورة وضعها في فرن دافئ للتفريخ ذي درجة حرارة ثابتة، وأخذ ينتظر في قلق واضطراب. أن لعنة هذا البحث، بحث المكروب، يجدها الباحث دائما في هذه الخيبات المتوالية الكثيرة التي تعوق النجاح طويلا
وذهب فأمضى رجعات، وألقى محاضرات، وعاد إلى قارورته ينظر إليها وهي في مدفئها. ومضى مرة أخرى فألفى فلا حين جاءوا يستنصحونه في محاصيلهم وأسمدتهم فنصحهم بالذي ارتآه. وجاءت أوقات الطعام فابتلع منه ابتلاعا ولم يع مما أكل شيئا. وعاد فنظر إلى قارورته واصطبر. وذهب إلى سريره جاهلا بالذي يجري في تلك القارورة، وليس من اليسير النوم في مثل هذه الجهالة. . .
وجاء الصباح ولم يظهر على مرق القارورة تغير. وجاء الظهر، ومضى أكثر النهار، فأحس رجليه تثقلان من الخيبة مرة أخرى. وجاء المساء وتمتم لنفسه:(يظهر أن كل تلك المحاليل الرائقة لن تأذن لهذه العصي اللعينة بالتزايد فيها. ومع هذا فلأنظر مرة أخرى. . .!)
وكان في معمله مصباح واحد من الغاز يضيئه، وقع بين الأجهزة الكثيرة فألقى على الحائط خيالات كبيرة مروعة. فإلى هذا المصباح رفع بستور قارورته، ثم همس يقول:(لا شك أن شيئا تغير في هذا المحلول، فإني أرى فقاعات صغيرة من غاز تصعد متقاطرة متحاذية من تلك الجسيمات الدكناء التي لقحت المحلول بها. وقد زاد مقدار هذه الجسيمات عما كان بالأمس، وكلها تخرج منه هذه الفقاعات). وعندئذ أغمض بستور عينيه. وبقى في غيبوبة عند محضنه الصغير. ومضت ساعات تلو ساعات ولعله لم يحس بها. ورفع قارورته برفق وحنان، وحركها في الضوء بلطف وئيد، فصعد من قاعها من شيء كالغمام الاقتم دار صاعدا كاللولب، وخرج منه غاز كثير. والآن فإلى المجهر. . .
قطرة قطرة من السائل تحت مكروسكوبه. يا لشياطين الأرض وملائكة السماء! إنها مليئة تعج بالملايين من تلك العصي الراقصة. وهمس لنفسه في لهفة: (إنها تتكاثر! إنها حية!). ثم صاح يجيب زوجه: (نعم، نعم، سأصعد بعد قليل). وكانت تدعوه من عل إلى لقمة، وكانت تدعوه إلى نومه. ومضت ساعات وهو باق تحت معمله
وفي الأيام التي تلت أعاد بستور التجربة، فوضع قطرة تزخر بتلك العصي في قارورة جديدة بها مرق من مرق الخمير رائق جديد ليس به عصا واحدة، وفي كل مرة امتلأ المرق بالبلايين من تلك العصي، وفي كل مرة تكون حامض اللبن فيه. ثم صرخ (بستور) بأعلى صوته يخبر الدنيا، فلم يكن بالرجل الصبور. وأخبر المسيو (بيجو) أن الذي أمرض أحواضه هي هذه العصي الحية:(يا مسيو بيجو، حل بين هذه العصي وبين حياض بنجرك، تحصل دائما على الكحول الكثير) وأخبر طلبته بكشفه الكبير، بأن هذه الخلائق البالغة الصغر تستطيع تخريج حامض اللبن من السكر، وقال لهم إن هذا الشيء لم يستطعه رجل ولن يستطيعه. وكتب بالخبر إلى أستاذه القديم (دوماس)، وإلى جميع أصدقائه. وحاضر فيه للجمعية العلمية بمدينة (ليل)، وكتب مقالا فيه وبعثه إلى أكاديمية العلوم
بباريس
ليس في الإمكان اليوم أن نؤكد أن (بيجو) استطاع أن يمنع دخول هذه العصي إلى سكره المختمر، فهذا ليس بالأمر اليسير، ولكن (بستور لم يحفل بذلك، فكل الذي احتفل له كشف الحقيقة الآتية: (أن التخمر مرجعه الحق إلى أحياء تدق عن النظر)
وبكل سذاجة أخبر كل من لقى أن كشفه هذا كشف عجيب. كان فيه شيء من بساطة الطفولة فلم يحس بالحاجة في هذا إلى التواضع والتخاشع. ومن هذا الوقت ملأت تلك الخمائر الصغيرة دنياه. أكل وشرب ونام وأحتلم وأحب. وأتى كل هذا ولم يستغرق في شيء منه. وأتى كل هذا وخمائره إلى جانبه لا تفارقه. إنها كانت روحه التي ينبض بها
وكان يشتغل وحده، لا معين له إلا نفسه، فلم يكن له حتى خادم واحد يغسل له قواريره. وكأنى بك تتساءل فكيف إذن وجد من يومه الفراغ لاحتواء هذه الأحداث الكثيرة المتزاحمة؟ والجواب أن هذا رجع بعضه إلى نشاطه الجم، ورجعت بقيته إلى مدام (بستور). قال (رو)(إن مدام بستور أحبته حبا كادت به تفقه أبحاثه). كانت الزوجة الطيبة تخلص من خدمة أطفالها ووضعهم في الفراش، وعندئذ قد تسهر وحيدة تنتظر انتهاءه من عمله لتسوقه إلى النوم، أو كانت تجلس بجانب زوجها في اعتدال على كرسي ليس بالمريح إلى نضد صغير تكتب ما يملى من مقالات علمية طويلة، أو كانت تتركه يكب على قواريره ويفكر في أنابيبه وتظل في حجرتها تبيض ما كتب من ملاحظات كنبش الدجاج في خط واضح جميل. كان (بستور) روحها، وكان روح (بستور) عمله، فأخذت هي تذوب في روح بستور - في عمله - حتى أمحت فيه
يتبع
أحمد زكي
شاعرنا العالمي أبو العتاهية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
تمهيد:
الشعراء العالميون في شعراء العربية قليلون، وإنهم ليبلغون من القلة بحيث إنك لا تكاد تبلغ بهم عدد أصابع اليد الواحدة، وهذا بينما ترانا الآن نعرف من أسماء شعراء أوربا في هذا العصر أكثر مما نعرف من شعرائنا الأقدمين، وندرس من شعرهم وأدبهم أكثر مما ندرس من الشعر والأدب العربيين، حتى أصبح الشعر والأدب الأوربيان فتنة شبابنا الناشئين، يكلفون بهما أكثر مما يكلفون بشعرنا وأدبنا، ويصرفون جل أوقاتهم في دراستهما، وتعرف طرائقهما حتى أثر هذا في شعرهم، وصرنا نرى بهذا الشعر العربي أساليب كثيرة ما كان يعرفها من قبل، ومعاني جديدة تغزوه كما يغزونا أصحابها برجالهم وأسلحتهم، وأموالهم ومصنوعاتهم
وربما يكون أبو العتاهية أول شاعر عربي بلغ هذه المنزلة الشعرية العالية، وكان له شعر عالمي تتسابق الأمم المختلفة اللغات إلى روايته ودرسه، وترجمته إلى لغاتها وإذاعته في بلادها. قال أبو الفرج: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي إجازة قال: حدثني الرياشي قال: قدم رسول لملك الروم إلى الرشيد، فسأل عن أبي العتاهية وأنشده شيئا من شعره، وكان يحسن العربية، فمضى إلى ملك الروم وذكره له، فكتب ملك الروم إليه، ورد رسوله يسأل الرشيد أن يوجه بأبي العتاهية، ويأخذ فيه رهائن من أراد، وألح في ذلك، فكلم الرشيد أبا العتاهية في ذلك، فاستعفى منه وأباه، وأتصل بالرشيد أن ملك الروم أمر أن يكتب بيتان من شعر أبي العتاهية على أبواب مجالسه وباب مدينته وهما:
ما اختلف الليل والنهار ولا
…
دارت نجومُ السماء في الفَلك
إلا لنقل السلطان عن مَلِك
…
قد انقضى مُلكَه إلى مَلِك
وهما في الحق بيتان جديران بأن ينالا مثل هذه العناية من ملك الروم، فما أحسنهما عظة بالغة، وما أصدقهما حكمة نافعة، وما أجمل أسلوبهما في سهولته وامتناعه، ولكن علماءنا جازاهم الله لا يقدرون من هذا ما قدره ملك الروم لأبي العتاهية، وقد ينظرون إلى هذين البيتين إذا قرأهما إلى صناعتهما اللفظية، ولا يعنيهم منها هذا المعنى الجليل الذي عنى به
ملك الروم، وربما يعيبونهما بما يسمونه التضمين الذي عابا به بيتي النابغة الذبياني:
وهُمْ وردوا الجِفارَ على تَمِيم
…
وهم أصحاب يوم عُكاظَ إنِّي
شهدتُ لهم مَوَاطِنَ صادقات
…
شَهِدْنَ لهم بحسن الظن مني
والتضمين عندهم هو تعليق قافية بيت بما بعده بحيث لا يتم الكلام إلا به، وهذا بأن يكون جواب شرط أو خبراً أو نحوهما لا نعتا أو نحوه من التوابع والفضلات، فلا يرضيهم إلا أن يكون لكل بيت من القصيدة وحدة مستقلة عن البيت الذي قبله، والبيت الذي بعده، ولا يكفيهم أن تكون القصيدة كلها وحدة يصح أن تتصل أبياتها بمثل هذا التضمين الذي يعدونه من عيوب القافية، ويصح ألا تتصل به إذا اتصلت بأمر آخر غيره، وربما يكون اتصال أبياتها بمثل هذا خيرا من تقاطعها وتباعدها، والاكتفاء في الربط بينهما إذا عني به بمثل قولهم (دع ذا أوعد عن ذا)
وقال أبو الفرج: أخبرني عيسى بن الحسين الوراق، وعمي الحسن بن محمد وحبيب نصر المهلبي، قالوا: حدثنا عمر بن شبة، قال: مر عابد براهب في صومعة فقال له: عظني، فقال: أعظك وعليكم نزل القرآن، ونبيكم محمد صلى الله عليه وسلم قريب العهد بكم، صلى الله عليه وسلم وعلى آله؟ قلت: نعم، قال: فاتعظ ببيت من شاعركم أبي العتاهية حين يقول:
تجرد من الدنيا فإنك إنما
…
وقعت إلى الدنيا وأنت مجرد
وكلا هذا وذاك يثبت لنا من أبي العتاهية شاعرا عالميا نباهي به من يباهينا بشعرائه العالميين في القديم والحديث، على قلة هذا الصنف من الشعراء عندنا، وندرة الشعر العالمي في شعرنا، ويهمنا الآن أن ندرس العوامل التي كان لها أثرها في هذا الأمر إلى ظهور شاعرنا أبي العتاهية، لنعرف كيف ظهر في الشعر العربي بهذا المظهر، ونعرف حال العصر الذي نشأ فيه، وكيف كان أثره في شعره
يجري مؤرخو الآداب العربية على أن الصناعة البديعية لم تظهر في الشعر العربي، ولم يكلف بها شعراء العرب إلا في العصر العباسي، بعد ظهور أبي تمام وأضرابه من الشعراء الذين حذوا في ذلك حذوه، واستنوا فيه سنته، ثم زادوا عليه فيه حتى جعلوا من الشعر صناعة لفظية، لا تنطوي على معنى جليل، أو غرض نبيل، وإنما هي ألفاظ جوفاء لا
طائل تحتها، ولا تهم الناس في أمر دينهم أو دنياهم
أما أنا فأرى في هذا ما يخالف رأيهم فيه كل المخالفة، أرى أن الصناعة البديعية كانت موجودة في الشعر قبل الإسلام، وأرى أن الشعراء قبله كانوا يقصدون إليها في شعرهم، ويتكلفونها فيه كما تكلفها أبو تمتم ومن أتى بعده، وإن أربوا في ذلك عليهم، وقصدوا إليه أكثر منهم، وأرى أن أبا تمام لم يفعل إلا أن جدد هذه السنة، ونهج في شعره على منوالها، بعد أن كاد الشعراء العباسيون قبله يسلكون بالشعر مسلكا جديدا يخالف هذا المسلك، ويتلائم مع العصر الذي ظهروا فيه كل الملاءمة
وكان أمرؤ القيس أول من عني بالصناعة البديعية في الشعر العربي، فتكلف منها ما لم يتكلفه أحد من قبل، وتزاحمت في شعره الكنايات والتشبيهات والاستعارات وما إليها، فكل هذا من الصناعة البديعية، وأسم البديع يشمل عند القدماء التشبيه مثلا، كما يشمل المقابلة والجناس ونحوهما
وقد ضاع أكثر شعر القدماء قبل امرؤ القيس، فلا نعرف مقدار ما كان فيه من تلك الصناعة؛ والذي نرجحه أنه كان لا يخلو منها، ولكن الذي كان يغلب عليه العناية بالمعاني الأصيلة، فكانت تظهر فيه على فطرتها في غير تصنع ولا تكلف ولا اجتهاد في تحسين، يأتيها بتصرف الخيال فيها بتشبيه أو كناية أو نحوهما
وغاية ما ذكره علماء الأدب في ذلك أن القدماء قبل امرئ القيس كانوا يقولون في المرأة الحسناء: (أسيلة الخد، تامة القامة أو طويلتها، جيداء أو طويلة العنق،) فقال أمرؤ القيس في هذا: أسيلة مجرى المع، بعيدة مهوى القرط، وكانوا يقولون في الفرس: يلحق الغزال، ويسبق الظليم. فقال أمرؤ القيس فيه:(بمنجرد قيد الأوابد هيكل)، ولا يكادون يجاوزون هذا في بيان الفرق بين حال الشعر العربي قبل امرئ القيس وحاله بعده
وقد شغف الشعراء بد امرئ القيس بصناعة البديع في شعرهم، وكانت حياتهم البدوية تضيق بهم، وتضيق بعقولهم وأفكارهم، فوقفوا بالشعر العربي عند معان محدودة، متأثرة في ضيقها وعدم اتساعها، وقلة أثر العقل المثقف فيها بضيق تلك الحياة، وقلة أثر الثقافة فيها، وأخذوا يدورون حول تلك المعاني كما تدور الرحى حول محورها، لا يتصرفون فيها إلا بتشبيه أو استعارة، أو مجاز أو كناية، أو نحو هذا من تلك الصناعة التي تنافسوا فيها،
حتى وصلوا بها في سجع كهانهم إلى آخر حدودها، فكان لهم فيه سجع متكلف مرذول، لا يقل قبحا في تكلفه عن السجع الذي تكلف بعد الإسلام في آخر العصر العباسي، إلى أن ظهرت هذه النهضة الحاضرة
ثم جاء المتأخرون من شعراء هذا العصر، فزادوا الطين بلة، واتخذوا الشعر تجارة، وتكسبوا به في المدح والهجاء، وداروا به في تلك المعاني لا يكادون يتجاوزونها، أو يحسنون شيئا سواها، فساء أثر هذا الشعر في الأمة العربية، وصار شعراؤه معاول هدم في بنائها، وقد جمدوا على ما ألفوه من هذا جمود أمتهم على أوثانها وأصنامها
وفي وسط هذا الجمود الأدبي، وذلك الضيق الفكري، ظهر الإسلام يدعوا العرب إلى دين جديد يأخذ بهم من عزلتهم، في هذا الضيق وذلك الجمود، إلى معترك الحياة التي تتلاقى فيه الشعوب، وتجتمع متنافسة في وسائل الرقي والنهوض، فحاربه أولئك الشعراء وحاربهم، لأنهم رأوا فيه خطرا على ما جمدوا عليه في صناعتهم، ورآهم هو من الجمود وضيق الفكر بحيث لا يصلحون ولا يتفق شعرهم مع دعوة هذا الدين الجديد، ورأى أنه لا يتفق معه إلا أدب مثقف يعنى فيه بالمعاني الأصيلة السامية، أكثر مما يعنى بتلك الصناعة التي تضيع فيها تلك المعاني، ويتلاعب فيها بما يسمونه المعاني الثانوية التي لا يصح أن تؤثر في حال من الأحوال على المعاني الأصيلة، ولا شك أنه كلما أوغل الشعر والأدب في إيثار تلك الصناعة بعدا عن هذه الغاية السامية التي يراد لهما فيها أن يتفقا مع هذا الدين، فيكونا للبشر كافة، لا للعرب خاصة، ولا تقف تلك الصناعة حائلا دون فهم الناس لهما، أو العناية فيهما بما يعنيهم منهما
فإذا أردت أن تعرف نظر الإسلام إلى ما كان عليه الشعر والأدب العربي من هذا كله إبان ظهوره، فانظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال له بعضهم يتشادق في كلامه تشادقهم:(يا رسول الله، أرأيت من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس مثل ذلك بطل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم منكرا لهذا منه: أسجع كسجع الجاهلية؟) وانظر إليه صلى الله عليه وسلم يفتخر بنشأته على بغض هذا الشعر فيقول: (لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ول أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله. الحديث). وانظر إلى قوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين)، وقوله أيضا
في سورة الشعراء: (والشعراء يتبعه الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)
وقد انقضى عهد النبوة وعهد الخلافة في محاولة إصلاح الأدب العربي، والوصول بالشعر إلى تلك الغاية النبيلة. ثم جاء بعد هذين العهدين عهد بني مروان، وهم من بني أمية الذين كانت تغلب عليهم النعرة العربية، لما كان لهم قبل الإسلام من الزعامة في قريش، وهذه النعرة هي التي وقفت بهم على رأس المناوئين للدعوة التي أتى بها الإسلام، حتى أنهم لم يسلموا إلا بعد فتح مكة والسيف مصلت على رؤوسهم، وهي التي تأثروا بها في سياستهم حينما آل أمر المسلمين إليهم، فرجعوا بالشعر إلى نعرته العربية، وحولوه عن وجهته الإنسانية التي أخذ يسير عليها في عهد النبي وخلفائه الراشدين
فوقف لهم بنوا عمهم من بني هاشم، قوم النبي وعشيرته الأقربين، وهم الذين كانوا أول من بادر إلى الإيمان بدعوته، وفهموا حقيقة ما يدعوا إليه، وعرفوا أن هذا الدين للبشر عامة، لا للعرب خاصة، وأنه لا يصح أن يكون فيه فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)
وعلى هذا قامت الدعوة العباسية الهاشمية، فنشأت دولة إسلامية محضة، وكانت للعرب كما كانت للفرس وللقبط وللبربر وللترك ولغيرهم من الشعوب التي دانت للإسلام، وقليل من الناس من يفهم كما نفهم كيف قامت هذه الدعوة، وأنها كانت ثورة دينية سياسية أدبية، قام بها العباسيون ومن ناصرهم من الفرس وغيرهم، وأن غايتها كانت إقامة دولة للمسلمين لا للعرب خاصة، وانتهاج خطة جديدة تأخذ فيها بيد كل الشعوب التي دانت للإسلام، لتشترك في بناء الوحدة الإسلامية، وقد كان لهذا أثره العظيم في الدين والعلم والأدب والشعر، إذ أخذ العلماء من كل الشعوب يشتركون في بناء هذه الوحدة، وأخذ الأدباء والشعراء يقضون في الأدب والشعر على تلك النعرة العربية، ويعملون على تسهيل الشعر للناس، وتقيبه لتلك الشعوب الأعجمية التي رفعت رؤوسها في تلك الدولة، وكان أكثر أولئك الشعراء من أصل غير عربي، فانتهزوا فرصة قيام دولة العباسيين وإنصافها لهم، وقاموا بثورتهم الأدبية في
عنف وشدة، حتى صاروا في الشعر أعلام هذه المدة من العصر العباسي، وضعف شأن الشعراء الذين كانوا من أصل عربي، إذ جمدوا في شعرهم على نعرتهم العربية، وعنايتهم بتفخيم لفظ الشعر وتجويد صناته أكثر من عنايتهم بتثقيفه وتهذيبه، والتفنن في معانيه وأغراضه، وقد عاد شأن هؤلاء الشعراء إلى الظهور حينما ظهر أبو تمام والبحتري وأضرابهما من الشعراء الذين تأثروا بأصلهم العربي، وأخذوا يعودون بالشعر إلى سنته القديمة
ولعل هذا الاسم (عصر الثورة العباسية) هو الاسم الذي يجدر أن تسمى به تلك المدة من ذلك العصر، فهو خير مما يسمونها به (صدر الدولة العباسية) وكثير منهم لا يراعي ما يمتاز الأدب به في هذه المدة عما بعدها من هذا العصر، فيجعل العصر العباسي كله عصرا واحدا، ويجري في هذا على ما كانوا يعتادونه من تقسيم عصور الأدب العربي إلى أقسام سياسية محظة، تتبع قيام الدول العربية وسقوطها، ولا تتأثر بغيرهما في بدئها ونهايتها، وقد كان أعلام الشعر في هذه المدة هؤلاء الشعراء الثلاثة - بشار - أبو نواس - أبو العتاهية - فلنوازن بينهم فيها.
عبد المتعال الصعيدي
تحية مولود
للأستاذ محمود غنيم
سرَّكَ اليومَ قولُهم أمْ ساَءكْ
…
حينَ قالوا: هذا غلامُ جاَءكْ؟
جانبُ اللهو من شبابكَ ولّى
…
فَدَع اللهوَ ينتظرْ أبناَءكْ
وتحمَّلْ عبَء الأبَّوة يا وَي
…
حَكَ لم يحمل امُرؤُ أعباَءكْ
أيها الطارقُ الجديدُ سلاماً
…
أسألُ الصفحَ إن أسأتُ لقاَءكْ
عَلِمَ الله ما كرهتُكَ ضيفاً
…
لا ولكني كرهت شقاَءكْ
بتُّ أخشى عليكَ جوْرَ الليالي
…
فالليالي ما أنصفتْ آباءكْ
غيرَ أني أمسيتُ رغم شعوري
…
أتمنى على الزمان بقاَءكْ
وأراني إذا أصابكَ سوءُ
…
أبذلُ النفسَ والنفيسَ فداَءكْ
ساَءني يا بنيّ أنْ كنت نجلاً
…
لي فكانت أبوَّتي لك داءِكْ
أيَّ ذنب جنيتَ في المهد حتى
…
يُصبحَ الهمُّ في الحياة جزاءكْ
ليت شعري أقانعُ أنت أم لوْ
…
تستطيعُ الكلامَ تُبدي استياَءك
أفتدري كم بتُّ أرفو كسائي
…
وأوشِّي بكل زاهٍ كساَءكْ
وإذا ضنَّ ثديُ أمِّك يوما
…
بالحيا جعتُ والتمستُ غذاءك
ولقد أسمعُ الرعودَ تدوَّي
…
في ثباتٍ ولا أطيقُ بكاَءك
كم حملتَ البكاَء سيفاً صقيلاً
…
إن تُلَوِّحْ به ينلْك رجاَءك
دمعةُ الطفل من دموع الغواني
…
صاحِ صُنْ من كليهما أحشاءْك
أنت في مهدك الصغيرِ أميرُ
…
فوق عرش يرجو الجميعُ رضاَءك
فتحكَّمْ تَرَ الذكورَ عبيداً
…
لك في البيت والإِناثَ إِماَءكْ
هو عرشُ أساسه الحبُ لابط
…
شَك نخشى ولا نرومُ عطاَءك
أتُراها جنايةً أم تثراها
…
مِنَّةً تستحقُّ مِنكَ ثناَءكْ
ليتني عشتُ مثلما عشتَ غرَّا
…
تُغمض المقلتين عما وراَءكْ
إنني يا بني أسكُنُ أرضاً
…
دائماً همُّها فصف لي سماَءكْ
قد توارت طفولتي في ظلام ال
…
غيَبْ فانشُرْ على دجاها ضياَءك
لكأنِّي نشأتُ خلقاً جديداَ
…
يوم ناديتَ فاستمعتُ نداَءكْ
يا دقيقَ البنانِ واليَد جلَّت
…
يَدُ مثَّال صوَّرَتْ أعضاَءكْ
نم هنيئاً يرعاكَ من شقَّ عيني
…
كَ وأجرى بين العروق دماَءكْ
عَلَّ من وكَّل البِلَى بردائي
…
يجعلُ الخزَّ يا بنيَّ رداَءكْ!
كوم حمادة
محمود غنيم
تمادوا بشكواهم
للأستاذ فخري أبو السعود
لقد زهَّدَتني في القريض معَاشر
…
إذا نَظَموا فالحزنَ والمّ والغَمَّا
كأنْ ليس غيرَ البؤسِ للشعرِ مُلْهِمُ
…
ولولاه ما قالوا ولا عرَفوا النظما
قوافيهمُ آهُ فواهُ فعَبْرَةُ
…
تَلى زَفرةً من مُهجَةٍ منْ أَسَى تَدْمَى
تمادَوْا بشكوَاهم فَمُلَّتْ وَأصبحوا،
…
إذا ما شكَوْاهَمَّا لقارئهم، همَّا
أكلُّ أخي شِعرٍ خدينُ بلابل
…
يفوز سواه بالأماني وبالنعمى؟
يَخالون أنَّ الشعر يزداد رقةً
…
إذا وصفَ الأشجان والألم الجمّا
فهذا شكا في جنبه ألفَ طعنةٍ
…
وذاك طوى في كلِّ جارحةٍ سهما
وذا صدرُهُ وعيناه ديمةُ
…
وأضلاعُه حرَّى وأحشاه كَلْمى
وذاك بطئُ ليلهُ متطاولُ
…
يُساهر فيه وحده الأفْق والنجما
وذلك أضواه وأَوْهَى اصطبارهُ
…
غرامُ مَشَى في جسمه يُنْحِل الجسما
وذلك يبكي كالوليدة ساخطاً
…
بلا سبب يُدرى ولا غرض يُسمَى
وذَيَّك يشكو دهره ويذمه
…
ويزعم أنَّ الدهر أَوْسَعَهُ ظلماً
يكلِّف باعَ الدهر ما لا يطيقه
…
ويُنحى عليهِ - حين يَمْنعُه - لوما
يود لَوَ أنَّ الدهر يأتيه بالمني
…
جميعاً ولم يدأَب ولا عَقَد العزما
وقد يَبْلُغُ الساعي إذا جَدَّ سعيُه
…
مُناهُ ولم يَلْحَ الزمانَ ولا ذَما
يَخَلُ حياةَ الناسِ قارئُ شعرِهم
…
بلاءً فلا نُعمى هناك ولا رُحْمى
وكم في رحيب الكون من نِعَم ومن
…
مَحَاسِنَ تُصْبى العين والروح والفهما
وكم عَرَضَتْ فينا الطبيعيةُ حسنَها
…
بلا ثمنٍ غُمْاً لِمَنْ بَاَدَرَ الغنما
تَرَى في مجاليها وأَلوان حسنها
…
عَزاَء لمن يأسى وَرِيَّا لمن يَظْماَ
ووحياً لشعرٍ ينبذ الشكو َوالبُكا
…
ويستلهم الأنوارَ والروضَ واليَماَّ
فخري أبو السعود
القصص
من أساطير الإغريق
إيخو ونركيسوس
الفاتنة التي أصابها البكم، والجميل الذي عشق صورته
للأستاذ دريني خشبة
كان زيوس - كبير آلهة اليونان - يتعشق فتاة حلوة الدل، بارعة الحسن، رقيقة الشمائل، تدعى يو. وكان، برغم زوجاته الخمس أو الست، يختلف إلى حبيبته في الخلسة بعد الخلسة، يؤانسها ويسامرها، وتؤانسه وتسامره، ويبل فمه الظامئ من ثغرها الراوي، بقبلة. . . أو رشفة. . . .
وكانت أولى زوجاته (حيرا) هي التي تزعجه بما تبث حوله من الرقباء، وتنشر من الجواسيس، يحملون إليها كل حركة من حركاته. وكان هو يضيق بكل ذلك، ولكنه لا يستطيع إلا أن يداهن ويداهن. . . ويبالغ في المداهنة، لشدة شغفه بحيرا، ولأنه كان يحس في الخضوع لها لذة أولمبية لا تعدلها لذة. . . إلا لذة تدليله لحبيبته يو
وكما كانت حيرا تمكر مكرها في كل حين، كذلك قد مكر الإله مكره. . .!
أراد أن يشغلها عنه بملهاة تذهب من وقتها كل يوم بساعات يقضيها في أحلامه الغرامية بين يدي يو، ملتذا قوامها الخصب، مستمتعا بجمالها الفينان، سابحا في هذه اللجة المترعة بالمفاتن، في كل جارحة من جسمها الممشوق
وقد سنحت له الحيلة. . .
حدثها عن فتاة ناضرة الشباب، ريانة الأهاب، عذبة اللسان، وقادة الجنان، تعرف من قصص الحياة وأنباء الدنيا ما لم يتيسر بعضه للآلهة أنفسهم! وكانت حيرا، ككل الأنثيات، مولعة بالثرثرة، مشغوفة بالمعرفة، تبغض الصمت وتغرم بالكلام الطويل الموشي. وهي مع ذاك طلعة، بقدر ما هي أذن، تتكلم كثيرا، وتثرثر كثيرا، وتسمع كثيرا
وانطلقت إلى الفتاة فشغفت بها لأول لقاء، ووجدتها، كما حدث زوجها فياضة القول غزيرة القصص، تتدفق في حديثها تدفق الخمر في الكأس، حتى إذا استقرت في مكانها من الجسم،
شاعت حمياها فيه، فأطربت، وأرقصت، كأنها عصرت من حديث الفتاة!
ثم جعلت تتردد عليها؛ وما تكاد الفتاة تفرغ من إحدى قصصها العجيبة حتى تأخذ في أعجب منها وأغرب، وهي بين الآونة والأخرى ما تنى تنمق حديثها بالنكات البارعة، والملح الرائعة، مرسلة المثل في مقامهن والحكمة في موضعها، في غير كلفة ولا عناء. ثم هي كانت رقيقة دقيقة، لا تمل السامع ولا ترهق الناظر. وكانت تقبل على سمارها وكأنها تختص كلا منهم بقلبها، وكأنما تلقي إلى كل منهم بقرارة نفسها، حتى ليحسبها كل له وحده، بما يحسبه تؤثره به من عطف، وتغمره من ود، وتزجي إليه من محبة. . .
وكانت حيلة صائبة من زيوس، شغل بها حيرا طويلا، ليفرغ هو إلى يو. . . فيا للآلهة!!
ولكنها شعرت من زوجها لفحة الصد، وأحست فيه انقباضا وجفوة، فوقر في نفسها أن لا بد من أمر، وأن هناك سرا إي سر؛ فآلت لتكشفن ما تغفلها فيه
وبثت عيونها، وأرسلت أرصادها، حتى استوثقت مما كان بينه وبين يو، وحتى أدركت أنه قصد إلى إلهائها بهذه القصاصة الخبيثة ليفرغ هو إلى لباناته وأوطاره!
ولا تدري ما ذنب الفتاة التي ملأت أذني حيرا سحرا، ونفثت فيهما موسيقى وألحانا؟ لقد ظلمتها زوجة الإله الأكبر، التي تحمل بالباطل لقب حامية النساء وحافظة الأجنة، حين أقسمت لتسلبنها الطلاقة والذلاقة، ثم لتسلطن على لسانها العي والحصر يشقيانها ويعذبانها!
لقد كان كل ما اتهمت الفتاة به أنها كانت سببا في تمادي زوجها في غي حبه، وإبعاده في ضلالة هواه؛ فنفثت في عقد سحرها، ثم قصدت إلى الفتاة المسكينة فبهرتها، وأرسلت عليها شواظا من غضبها، وقذفتها من رقاها المهلكة، لم تستطع بعدها أن تلجلج لسانها بكلمة واحدة تفرج بها عما في نفسها. . .
وقهقهت حيرا حين حاولت الفتاة أن تتكلم فلم تستطع؛ ثم شاءت الخبيثة أن تظهر آية أخرى من آيات غدرها، فقالت، بعد أن نفثت ثانية:(أنا أسميك إيخو؛ وأمن عليك فأطلق لسانك باللفظة المفردة ترسلينها في ذيل كل كلام تسمعين. . . اللفظة الأخيرة فحسب يا إيخو. . .)
فرددت الفتاة المسكينة: (إيخو!!)
أما يو فقد نفذت إليها حيرا وصبت عليها جام سحرها ما تحولت به إلى بقرة فاقع لونها. .
تسوء الناظرين. ولهذا حديث طويل مشج ندعه الآن، لنرى ما كان من أمر إيخو. .
دهشت الفتاة لبيانها أين ذهب، ولصوتها الجميل أين ولى، وللرخامة الفضية التي كانت تترقق فن فمها الشتيت كيف ضاعت، ولهذا السحر الدنيء كيف قضى على أولئك جميعا؟!
لقد بكر كثيرا، وتوسلت الإلهة، ولكن. . . أين الإلهة؟ لقد تصاموا جميعا، لأن حيرا هي القاضية، ولأنهم يشفقو أن تفسد أسباب السماء كما أفسدت الأرض على عرائس البحر!
وأطلقت ساقيها للريح، فيممت شطر غابة ذات ماء وذات أفياء، ثم إنها اتخذت لها مأوى في أصل سنديانة ضخمة الجذع، معروشة الفروع، وارفة الأفنان، وأقامت ثمة تجير أحزانها وتسعر أشجانها، وتقابل بين ماضيها السعيد وحاضرها الشقي، وتسكب فيما بين هذا وذاك دموعا ساخنات وعبرات غاليات!
وبينما هي سادرة في كهفها، مستغرقة فيما آل إليه أمرها، إذا بصحب يافع من الشباب اليانع يمرون ببابها، من دون أن يروها، وهم يتحدثون أحاديث الصبى، ويتسامرون سمر الفتوة، ناعمين بأشهى مناعم الحياة
وظلت ترقبهم، وتستذكر أيامها الخوالي، إذا الشمل مجتمع، والرواد محدقون، مرهفة آذانهم، شاخصة أبصارهم، فاهتزت هزة المحموم بالشجن، المروع بالشجى!
وأطلت من كناسها، فرأت الغلام الإغريقي المشهور، (نركيسوس) الذي دله الإلهة بجماله، وتام عذارى أثينا بنضارته وإشراقه. رأته يتخلف عن أصاحبه، مأخوذ بجمال نرجسة حلوة اقتطفها من غصنها المياس وفنها المياد. ثم وقف يحدق فيها بعينيه المعسولتين، اللتين لونتهما شمس الجنوب بهذه الصبغة الساحرة، وكمنت ملأها يعاسيب الفتنة، تنتثر منهما في دنيا القلوب!
والسبيل إلى الغاب ملتوية متداخلة. . . تيه يضل فيه العابر، ويباب أخضر لا يهتدي فيه السائر؛ هنا منعرج لا يصل منه الإنسان إلى أمن، وهناك منحنى لا ينتهي إلى السلام. ولقد مضى الدليل مع الصحاب، ولبث تركيسوس وحده، يضرب أخماسا لأسداس
ولم تستطع إيخو حين أبصرت به أن تفلت من هذا الشرك المنتشر حوله، تعلق بخيوطه السحرية القلوب والألباب. . . فأحبته بكل قلبها، وأرسلت في نظراتها إليه نفسها تتمرغ تحت قدميه، وتهمهم بين قدميه، كأنها خلقت له. . . لا لها!
ولكن كيف السبيل إلى التعبير عن هذا الهوى الملح والحب المخامر، ولسانها في عقال إلا من المقطع الأخير، ينطلق في إثر الحديث، أو اللفظة المفردة تردفها بصياح كل صائح، وهتاف كل هاتف؟!
وراحت تقتفي أثره، من غير أن تشعر هي، ودون أن يشعر هو! وتقص خطاه وهي لا تعي ما تفعل، وهو لا يدري كذلك؛ فكان دبيبها كدبيب القطا، أو كوثب الضفادع. على أن حركة غير مقصودة أتت بها إيخو جعلته يعتقد أن أحدا من سكان الغابة يتبعه، فصاح قائلا:
(من؟. . .)
فرددت المسكينة نداءه: (من؟. . .)
فقال: (هل من أحد هنا. . .؟)
وأسل هذا السؤال في رعب خفيف، فرددت إيخو اللفظة الأخيرة:(هنا. . .)
فبهت نركيسوس، وقال، وقد خال المتكلم امرأة:
(هلمي يا فتاة. . . هلمي. . .)
فرددت إيخو اللفظة الأخيرة. . . (هلمي. . .)
فزادت حيرته، وتضاعف خباله. . وقال:
(لم لا تأتين إلي، وليس هنا أحد يرى؟ ولا إنسان يشهد؟)
فثار كامن الهوى في نفس إيخو، وملأت اللفظة الأخيرة:(يشهد؟) بكل ما تركت لها حيرا في قرارة لسانها من رنين فضي، وجرس جميل. . .)
وعاد نركيسوس يقول: (يا فتاة! ليت شعري ما يحجزك؟ أين أنت إن كنت هكذا تستحين؟ تعالي)
وكأن إيخو أدركت أن الفرصة سانحة للقاء هذا الحبيب الطارئ، فبرزت من مكمنها من غير هيبة ولا وجل، وقصدت إليه، تعرض حبها ولظى جواها عليه؛ ولما لم يكن في مكنتها أن تخاطبه، لتكشف له عما تضمر من هيام به، ومحبة له، بدا لها أن تثب إلى حيث هو فتعانقه، وتضم صدره إلى صدرها، ليبث أحدهما إلى الآخر
ولم تكد تفعل حتى جهد نركيسوس في تخليص نفسه منها، ثم انطلق في الغابة لا يلوي على شيء، كالرئم المروع والظليم المفزع. . .!!
وذلك أنه لم يجرب هذه المفاجأة بالحب، ولا وقع مرة في شراك غرام، وقد ربكته إيخو حين غمرته بكل حبها، فشرق به وغص، وقال: الفرار الفرار!
وتسلط الهم على قلبها فشقه، والشجن على جسمها الناحل فأضناه، وكانت صدمة هائلة صدعت جوانب نفسها، وزادتها نكالاً على نكال، ثم تتابعت الأيام وهي ما تزداد إلا سقاما. . .
واضمحلت. . . ثم اضمحلت. . . حتى غدت. . لا شيء!!
ولا شيء هذه ليست مبالغة فيما حل بها، إذ الصحيح إنها غدت لا شيء، إلا هذا الصدى يتردد في كل واد، ويذهب إثر كل نداء
وهي إلى اليوم تأوي إلى الغيران، وتتخلف إلى الشطئان، وتنحدر مع الريح على جنبات الجبال، تنعى همها، وتندب حظها في الناديين!
وشاءت المقادير أن تنتقم لإيخو المعذبة من هذا الشاب الجميل نركيسوس، الذي حطم قلبها الغض، وقضى على نفسها المحزونة. فبينما كان في طراد عظيم، في يوم قائظ، عرج على خميلة ناضرة ملتفة الأغصان، ليشرب من الغدير الصافي الذي يترقق من تحتها. . وما كاد ينحني إلى الماء حتى رأى صورته في صفحته الساكنة، فبهره حسنها، وأخذ يرمقها بقلب مشوق ونفس هائمة، وهو لا يعلم أن الحبيب الذي تامه إن هو إلا ظله، وعروس الماء التي تبلت فؤاده إن هي إلا خياله!!
عينان كبيرتان ذواتا أهاب زانهما وطف، وجبين واسع وضاء مشرق، وخدان أسيلان كخدود دربات الأولمب، وخمل حلو نابت فوق بشرة الوجه يزيده رونقا وجمالا، وثغر حبيب كأقحوانة أوشكت تتفتح، ترف حوله بسمة ساحرة من حين إلى حين، وذقن رقيق مستدق يرتفع على عنق يوناني رائع، ثم فتنة تغمر ذلك جميعا!!
خاطبه نركيسوس، ولكن. . . وا أسفاه! إنه لا يرد إلا تمتمة، ولا يجيب غلا كما تهمم الريح!
ومد يده. . فمد الخيال يده، واستطير صاحبنا من الفرح، ظانا أن حبيبته تواق إلى ما يريد!
واقترب بفمه، يريد قبلة، فاقترب الخيال بفمه كذلك. ولكن. . . يا لخيبة الأمل! ما كاد العاشق الولهان يمس الماء بشفتيه حتى ذهب حلمه أباديد، وتكسرت منى نفسه الحيرانة،
وفر الخيال في شظايا الماء. . . وتحطمت الصورة الرائعة بددا!! وخيل لنركيسوس أنها تقول وهي تهتز، قبل أن تلتم:(لا. . . لا. . . لا. . . لا. . .)
ولبث عبثا يحاول قبلة، وتتكرر الآية كلما مست الماء شفتاه. . . فانطلق مغيظا محنقا، وهام في القفار على وجهه، لا يطيب لجفنه المسهد كرى، ولا يحلو لفمه المرير عيش، لجفاء الحبيب، ونفزة آسيه العجيب!؟
نركيسوس! الذي بلبل قلوب العذارى، وسفك دموع الحسان، وضرج كبرياء الغيد بالدم، وأذل البسمات التي طالما حملتها إليه أجنحة الحب من ثغور الفاتنات. . . نركيسوس، الذي ألقى بحب إيخو في التراب، تستبيه صورته، ويتصباه خياله، ويأسره ظله؛. . . فيالنقمة كيوبيد، ويالعدالة فينوس!!
لقد طفق يختلف إلى الغدير لدى كل شروق شمس، يناجي حبيبه المعبود وأمله المنشود، فلا ينثني إلا توارت بالحجاب!
وما انفك يشكو ويتوجع ويستعطف، وما انفك الخيال يتصام ويتباكم. وإذا تحدث تمتم!!
ثم. . .
أجل فلابد من ثم هذه. . .
ثم ذوى عوده، وذبلت نضرته، وتهدم جسمه، وتحطم قلبه، وتأرجحت روحه في حدقته،. . . و. . . دنت ساعته!
ووقفت إيخو في فتن وارف، في أيكة قريبة من الغدير، تشهد الفصل الأخير، من مأساة حياتهما. . .
وسمعته يقول مخاطبا ظله: (أيها الحبيب! أجل! لقد حق لك أن تنتصر على كبريائي، وتسحق مرتي وتهدأ أعضائي. . . هاأنذا أموت أيها الحبيب. . . بقربك. . . يا عروس الماء النافر. . . أموت. . . وأحبك. . . فالوداع. . . الودا. . . ع)
وبكت إيخو. . . . ورددت هذا الصدى الحبيب: (الودا. . . ع!)
وأقبلت عرائس الماء تنوح بدورها على نركيسوس، ثم ذهبت في أرجاء الغابة تجمع الحطب لإحراق الجثة، كما جرت بذلك العادة في ذاك الزمن. . . ولكن؛ يا للعجب! لقد عادت فما وجدت غير زهرة جميلة من أزهار النرجس! انحنت على صفحة الغدير تنظر
فيه إلى ظلها. . . وتذرف دمعها. . . قطرة، قطرة. . .
دريني خشبة
في ربوع أمريكا الجنوبية
للأستاذ الرحالة محمد ثابت
عبر الأنديز الرائعة:
لقد كان من أحلامي التي خلتها منذ أمد بعيد خيالا بعيد المنال، أن أعبر جبال الأنديز وأمتع النظر بمشهد (أكونكاجوا) ثانية ذرى العالم علوا، وكانت تعاودني تلك الأمنية سنة بعد أخرى، حتى شاءت المقادير فحققت لي ذاك الأمل في الصيف الماضي، وكم كثرت الأراجيف وأنا على ظهر الباخرة إلى (الأرجنتين) بأن الطريق معطل ولن يمكن عبوره اليوم، وما كدت أصل بونس إيرس حتى قصدت على الفور دار للسياحة مستعلما، فقيل لي إن الطريق معطل على أثر السيول والثلوج التي اجتاحت منه أثنى عشر ميلا بقطرها ومحاطها وقناطرها، ولن يمكن عبوره في ذاك الجزء إلا على متون البغال الممضة وسط الثلوج الرهيبة مدى أسبوع، فأخذتني الدهشة، وكاد يتطرق اليأس إلي، لكني عدت فاعتزمت القيام بتلك التجربة حتى لا أحرم رؤية مجاهل الأنديز الرهيبة، وبعد لأي ما قبلت شركة السياحة أن تبيعني التذكرة، وقد اشترطت ألا تتحمل أية مسئولية إذا حدث لي حادث في الطريق، وكم سرح الخيال في تلك المجاهل بقية يوم السبت وطيلة الأحد، فكان تارة يبدو الأمر قاتما مخيفا، وطورا يضيء الأمل فتبدو الرحلة ناجحة شائقة. قصدت دار الشركة صباح الاثنين لأتسلم التذكرة، وما كاد يراني الرجل حتى صاح باسما أن قد فتح الطريق لأول مرة، وأني سأعبر المنطقة المنهارة على السيارات المريحة بدل البغال الخطرة، وذاك أول يوم يستأنف فيه السفر المأمون بعد أكثر من نصف عام، ومن العجيب أني لم أقابل ذاك النبأ بما يستحقه من الفرح والبهجة إذ كانت النفس تطمح إلى ركوب البغال وسط الثلوج فتكون مخاطرة جديرة بالتجربة. ابتعت التذكرة إلى سانتياجو ودفعت زهاء ستة عسر جنيها مصريا ثمنا لها
قمنا في الساعة السابعة صباحا بالسيارة نبرح مندوزا صوب جبال النديز وما كدنا نغادر جوانب البلدة حتى أوغلنا في سهول شبه صحراوية، يكسوها الحصى وتتخللها أعشاب وشجيرات قصيرة شائكة يابسة، وكانت تقوم جبال الأنديز أمامنا في صفحة قاتمة منفرة عريت من النبت، ولبثنا نسير صعدا على ليات أحد وديانها الغائرة الجافة حتى فاجأنا شبه
سهل في وسط الجبال، به بعض الزرع والشجر الأخضر فبدا كأنه الواحة وسط الصحراء وتلك محطة (أسباياتا وهنا بدت الجبال العاتية تكسوها الثلوج المشرقة يسيل ماؤها في واد ضيق، جوانبه مشرفة عاتية مجدبة، ويجري في أسفله ماء شحيح - وهو نهر مندوزاً - وهذا ممر اسباياتا الذي سلكه الإنسان منذ حل أمريكا في العصور البائدة مخترقا به تلك الجبال، ولما جاء الأسبان اتخذوه طريقهم على متون البغال ثلاثة قرون، حتى أقيمت سكة الحديد، وقد شاهدنا قنطرة صغيرة محدبة من عمل الهنود الحمر قديما ولا يزال يسميه القوم أي طريق الأنديز) بعد ذلك أخذن السيارة تصعد في منعطفات وعرة دونها هوى سحيقة وأمامها نجاد شاهقة تجللها الثلوج الناصعة في مشهد يأخذ بالألباب، وكثيرا ما كنا نلمح على بعد جواناكو يسرع بالهروب بمجرد إحساسه بنا وهو كاللاما من فصيلة الجمال، وبعد مسيرة ست ساعات بسياراتنا وصلنا محطة: لاس فاكاس: وكنا نشاهد فلول القضبان والقناطر مهشمة أيما تهشيم
وقفنا نتظر القطار والريح عاصفة والبرد قارس زمهرير، وكنا نرى على بعد قمة بهامتها المدببة البيضاء وهي من أعلى ذرى الأنديز إذ يبلغ علوها 22136 قدما
أقبل القطار مقدمه مغطى بالثلوج كأنه يحمل وسقا من الجليد الناصع، وحللت مكاني من الدرجة الأولى وهي تقارب الدرجة الثانية عندنا، وليس بالقطار سوى درجتين، وكان قد أمضني الجوع إذ كانت الساعة الثانية بعد الظهر فلجأت فورا إلى عربة الطعام وتناولت الغداء الشهي الجيد، وكان ثمنه زهيدا لا يجاوز ثمانية قروش، وذلك من أثر الرخص الذي كنا نسمع عنه في بلاد شيلي. وفي منتصف الطعام فاجأنا منظر غريب: مجموعة من أسنان الصخر بعضها فوق بعض تتوجها صخرة كبيرة حاكت الدير على بعد، والأسنان شابهت الرهبان الصاعدين إليه، ومن ثم أطلق عليها القوم اسم ثم وقف بنا القطار في محطة (بونتادل أنكاس) ومعناها جسر الأنكا، فنزلنا سراعا نحو الجسر العجيب، فإذا به صخرة متصلة بالجوانب، تحتها واد فسيح يجري به ماء، بعضه مستمد من عيون حارة عظيمة النفع في الاستشفاء، والجسر طبيعي عظيم الاتساع، يمكن ثلاث عربات متجاورة من المرور، فعرضه تسعون قدما وعله 65 وسمكه 70 وقد عرف منذ القرن الخامس عشر وأحيط بالخرافات وأنه مقر الأبالسة في عرف الهنود الحمر، وأطلق عليه اسم أحد قواد
الأنكا توباك توباكوي وقد وقفنا بعد قيام القطار نترقب قمة (أكونكا جوا) أعلى ذرى الدنيا الجديدة (23300 قدم) وأول ما تسم الإنسان هامتها في 14 يناير سنة 1897 ظهرت تشمخ باسقة في السماء ومن حولها جمهرة من الذرى الأخرى يجللها جميعا بياض الثلج الناصع، وبين فترة وأخرى كان يحلق فوق رءوسنا طائر الهائل ملك المرتفعات وأقدر الحيوانات على احتمال عصف الريح وقر البرد، وكان الثلج يسود الأرجاء كلها، اللهم إلا في بعض الشجيرات القصيرة ونبات الصبار (الكا كتاس) في شكله العجيب وكأنه اسطوانات تقوم متجاورة، ويكسوها زغب من شوك طويل، وكنا كلما تقدمنا زادت كثافة الثلج حتى أن القطار كان يجري بين جدران خانق من الجليد الناصع كاد يغطي العربات إلى نصف ارتفاعها. وفي محطة:(لاس خويفاس) دخل القطار ظلة أقيمت من الحديد المجزع تفاديا من ثقل الثلج، وهنا تعددت الربى، فكانت كأنها الهامات الشم جللها الشيب الناصع، ومن ألسنة جليدها كان يسيل لعابها في زرقة مستملحة يزينها زبد أبيض، وكم تكاثر الثلج على أسلاك غلاظ وصفائح قاسية فقوضها، وأنت ترى بقع الثلج الأبيض كمندوف القطن تملأ التجاويف الواحدة تحت الأخرى فيذيبها، وقد يجمد بعض الماء فيظهر في زوائد وأسنان بلورية، وفي الهوى الغائرة يتجمع الماء ويجري في واد ضيق، وفي كثير من البقاع كان للقطار نفق من حديد مخافة تكاثر الثلج، وفي هذا الجزء كان القطار يسير على ثلاثة قضبان، الأوسط منها مسنن لكي تستبك به تروسه خشية وعورة المنحدر. دخل بنا القطار نفق طوله ميلان تقريبا، ومن غريب المصادفات أن ارتفاعه عن سطح البحر ميلان أيضا، وهو أعلى جهات سكة الحديد، فهي هنا 10512 فوق سطح البحر وفي وسط النفق الحد الفاصل بين الأرجنتين وشيلي، وبمجرد عبور القطار بنا هذا الحد داخل النفق، سمعنا صليل أجراس تدق من تلقاء نفسها عندما يضغط القطار على أسلاكها وذلك إيذانا بتخطي الحدود. ولما أن خرج القطار من النفق إلى ضوء الشمس أشار القوم أن هاهو (الكريستو) إلى يميننا، وهو تمثال هائل للمسيح أقيم في سنة 1904 حينما أحتكم الخصمان في مشكلة الحدود إلى ملك إنجلترا إدوارد السابع، والذي توسط في حسم النزاع وعرضه للتحكيم نساء الفريقين وقساوستهم على أن تنفق نقود الحرب في تحسين الطرق على الأندييز، وبجزء من ذلك المال أقيمت سكة الحديد. ثم اكتتبوا لهذا التمثال، وقضى
ملك الإنجليز بجعل الحد عند تقسيم المياه بين الدولتين، وهي هنا على علو 12800 قدم، والتمثال من البرنز القاتم صيغ من بعض المدافع الحربية القديمة التي أخذوها من الأسبان في حرب الاستقلال رمز للسلم وتحطيم أدوات الحرب، ويقوم على قاعدة من جرانيت وعلوه 26 قدما، وقد نقش على قاعدة التمثال، وتحت أقدام المسيح ما معناه:
(لقد أقسم رجال الأمتين بين يدي المسيح ألا ينقض عهد السلام بينهما، حتى ولو دكت تلك الجبال فصارت هباء). على أن التمثال كادت تكسوه الثلوج فتخفيه. أخذنا في الانخفاض من منحدر وعر، ما كان القطار ليستطيعه لولا القضبان المسننة، ومن دوننا وادي أكونكاجوا الغائر، بين محطتي كارا كولس، بورتيليو، فاجأتنا مجاميع الربى في تعقيد رهيب تتوسطها بحيرة الانكا على علو 9000 قدم، ويقولون بأن ماءها ثابت المقدار لا يزيد ولا ينقص طيلة العام وذاك ما زاد قدسيتها عند الهنود! ولن يستطيع قلم مهما أوتي من البيان والإفصاح أن يعرب عما يحسه المسافر من رهبة وجلال تتمثل في عظمتهما القدرة الإلهية التي تزرى بكل شيء، وما الوصف بمجدي شيئا، فلن يأخذ القارئ من قولي ألا قبسا ضئيلا، وعليه إذا أراد الوقوف على شيء منها أن يمتع نظره بمرآها كي يحس بما أحسست. ويقولون أن أجمل ما ترى مناظر الصخور وأروعها في العالم بين تينك المحطتين. أخذنا نمر بالمحاط الشيلية، وكلما هبطنا ندر الثلج وزادت القرى وتعددت المسايل المائية، وقد بدا هذا الجانب من الجبال أغنى بعناصر الحياة بين إنسان وحيوان ونبت وشجر من الجانب الشرقي، لأن رياح الباسفيك تدر عليه من بللها ماءا وفيرا على نقيض الجانب الآخر الشرقي. ومن الأنهار التي استرعت نظرنا (الريو بلانكو) أو النهر الأبيض، وسمي كذلك لكثرة ما يعترض ماءه من صخور يرغي فوقها فيبدو أبيض ناصعا. ثم وقفنا طويلا في محطة وعندها غيرنا القطار الضيق إلى آخر. ثم خيم المساء فحرمنا بقية الاستمتاع بجمال الطبيعة بين هذه وسنتياجو، ولقد غيرنا القطار مرة أخرى وفي محطة (لاي لاي) وهنا يرى أول قبس من مياه المحيط الهادي إلى يمين المسافر
وفي منتصف الثانية عشر مساء دخلنا سانتياجو بعد مسيرة زهاء سبع عشرة ساعة من مندوزا أو سبع وثلاثين ساعة من بونس إيرس، وكان مقدرا لعبور القارة كلها من بنيس إيرس إلى سانتياجو ثلاثون ساعة بالقطار مسافة قدرها 888 ميلا أو تزيد
محمد ثابت
البريد الأدبي
كتاب عن سنت هيلانه
صدر أخيرا كتاب بالفرنسية في مجلدين عنوانه (سنت هيلانه) بقلم مسيو أوكتاف أوبري. والكتاب مثل بديع للتاريخ القصصي أو القصص التاريخي؛ ومن الواضح أن مسيو أوبري لم يرد أن يقدم لقارئه (سنت هيلانة)، تلك الجزيرة المنسية النائية، وإنما أراد أن يقدم تفاصيل المأساة التاريخية العظيمة التي كانت سنت هيلانه مسرحا لها، ونعني اعتقال الإمبراطور نابليون بها مدى ستة أعوام، ثم وفاته وثواءه الأخير بها. ولقد كانت مأساة سنت هيلانه في حياة نابليون أعظم من أي حرب ومن أي موقعة؛ فقد جعلت من الإمبراطور العظيم مسيحا آخر، وشهيدا؛ وما هي سنت هيلانه؟ هي جزيرة صغيرة طولها ستة عشر كيلو مترا، وعرضها اثنا عشر كيلو مترا، وترتفع عن سطح البحر بمئات الأمتار، وتبعد في أعماق المحيط نحو خمسمائة كيلو متر عن الشاطئ الأفريقي، فهذه البقعة النائية القفراء هي التي اختارتها إنكلترا لاعتقال أعظم جندي وقائد في العصر الحديث
ويستعرض مسيو أوبري في كتابه تاريخ الإمبراطور منذ هزيمته وأفول نجمه في سنة 1815، ثم اعتقاله وإقامته في المنفى حتى وفاته سنة 1821؛ ولم يصدر من قبل كتاب أوفى وأدق عن هذه الفترة من حياة نابليون. وقد كتب من قبل عنها كتاب عدة، بالاعتماد على الوثائق والمذكرات المختلفة التي تركت من زملاء نابليون في المنفى؛ ولكن مسيو أوبري لم يكتف بالوثائق المكتوبة، بل سافر إلى سنت هيلانه، وأقام مدى أسابيع في (لونجوود) وهو المنزل الذي سكنه منذ معتقله حتى وفاته؛ واستعرض هناك الوثائق الإنكليزية ورسائل السير هدسون لو سجان الإمبراطور، ورسائل زملائه في المنفى وأطبائه، وهي وثائق تملأ نحو تسعين مجلدا كبيرا؛ ولم يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة الإمبراطور وحياة زملائه في المنفى إلا أستوعبها. وتستطيع أن تتأمل في كتاب مسيو أوبري، لا صورة الإمبراطور وحدها، ولكن صور أولئك الرفاق المخلصين من الرجال والنساء الذين ربطوا حياتهم بحياة سيدهم؛ فهناك أسرة مونثولون، وأسرة برتران، والجنرال كورجو، والسكرتير لاسن كاز، والوصيف مرشان، والطبيبان أوميارا ومنيول؛ هذا عدا حاشية الإمبراطور من الحراس الذين رتبتهم الحكومة الإنكليزية؛ ومما يشوق
القارئ حياة المرأتين اللتين تبعتا الإمبراطور مع زوجيهما وهما مدام مونتولون ومدام برتران؛ فقد كانتا على خصام دائم، ولهما قصص ومنافسات ودسائس مشجية
وهناك نقطة تاريخية هامة يصححها مسيو أوبري، وهي تتعلق بموقف السير هدسن لو، حاكم سانت هيلانه وسجان الإمبراطور؛ فقد ملأت التاريخ والسير التي كتبت عن مأساة سنت هيلانه بذم السير لو واتهامه بالقسوة والجمود والنذالة؛ ولكن مسيو أوبري يصحح كثيرا من أخطاء هذا الرأي، ويقد إلينا السير لو في الصورة الآتية:(كان السجين وكبير حراسه في سن واحدة. وكان الأخير رجل صغير القد، نحيفا أحمر الشعر، في وجهه بقع، يخفي وجله تحت ثوب من الخشونة الحربية؛ ومع أنه لم يكن يتمتع بصفات باهرة، فإنه لم يكن مجردا عن الخلال؛ ولقد كان مخلصا لوطنه، وكان إداريا حازما، مستقيما، متقشفا؛ ولم يكن تنقصه الطيبة الطبيعية؛ بيد أنه كان يصدر عن تحكم، وكان مدعيا، متكبرا؛ ولم يكن ذا رقة ولا ظرف)، والحقيقة أن السير لو كان موظفا أمينا يقضا، يسهر على أسيره بعناية، ويخشى إفلاته من سجنه؛ فكان يراقبه ليل نهار، ويضيق عليه سبيل الحرية والحركة؛ ومن هنا نشأت فكرة اتهامه بالقسوة والنذالة
وقد كان لصدور كتاب مسيو أوبري صدى عميق في دوائر التاريخ والأدب. وأجمع النقدة الثقات على أنه خير كتاب صدر في موضوعه
ذكرى سيرفانيتس مؤلف دون كيشوت
ظهرت منذ أعوام حركة في إسبانيا وفرنسا للعمل على تخليد ذكرى الكاتب والشاعر الإسباني الأشهر سيرفانيتس سافدرا مؤلف القصة الخالدة (دون كيشوتي دي لامنكا)؛ واتخذت هذه الحركة مظهرا عميقا بتأليف لجنة في فرنسا تحت رياسة دومرج الفخرية، وقد كان يومئذ رئيسا للجمهورية، ورياسة مسيو بول بورجيه الفعلية؛ وكان ذلك منذ سبعة أعوام، وما زالت اللجنة قائمة، ولها برنامج ضخم يقتضي تنفيذه الملايين. وقد تجدد الحديث عن مهمة هذه اللجنة وعملها أخيرا بمناسبة ظهور طبعة أثرية جديدة بالفرنسية (لدون كيشوتي). وهذه الطبعة الجديدة من أجمل وأفخم ما ظهر من اليوم من طبعات القصة الخالدة، وهي في مجلد واحد ضخم، وقام على إصدارها الكاتب الفرنسي جان كاسو، وهي من أقدم التراجم الفرنسية المعروفة؛ منها قسم من ترجمة جيزار أودان، وهو كاتب
وجاسوس فرنسي أوفده هنري الرابع إلى مدريد في مهمة سرية، فقضى هنالك تسعة أعوام، وعاد وفي حقيبته مخطوطة الترجمة؛ والقسم الثاني من ترجمة دي روسيه؛ وقد صدرت لعامين فقط من صدور النص الأصلي في إسبانيا (سنة 1605)؛ وقد عني مسيو كاسو بتصيح النصوص القديمة وتنقيحها وشرحها عناية كبيرة
أما حديث اللجنة التخليدية الفرنسية، فهو أنها وضعت برنامجا ضخما لأحياء ذكرى الكاتب الكبير بالتعاون مع اللجنة الإسبانية، وذلك في مدينة ثوبوزو من مقاطعة لامانكا التي ينسب إليها الفارس المتجول (دون كيشوتي)؛ ومن المقرر أن يقام لسير فانيتس تمثال فخم من صنع ماشادو عميد المثالين الإسبانيين؛ ويقترح البعض أن يقام في ثوبوزو تمثال هائل يمثل دون كيشوتي، يتبعه وصيفه سانكو، وهو يجر حماره؛ ويرى أصحاب هذا الاقتراح أن يكون جواد الفارس من الضخامة بحيث ينشأ في بطنه متحف لسير فانيتس، يصعد إليه من سلم في ساقه؛ وأن ينشأ في رأسه مقصف صغير، وأن يكون في جوف الحمار مطعم! وهو مشروع كالحلم يذكرنا بأعاجيب العالم القديم؛ والمهم أنه يقتضي الملايين أو عشرات الملايين، وليس في يد اللجنة منها شيء
اللغة العربية في تركيا
جاء في صحف الأستانة ما نصه:
اجتمع مجلس بلدية ماردين في 8 الجاري برياسة عزيز أوراس وتذاكر في الاقتراح الذي قدمه بعض الأعضاء احتجاجا على تعميم اللغة العربية في ماردين وضرورة منعها، وبعد المذاكرة تقرر مجازاة كل من يتكلم اللغة العربية بخمسين قرشا تركيا، وفي المرة الثانية بمائة قرش، وفي حالة التكرار يحكم عليه بالسجن!!!
اللغة العربية في أمريكا
جامعة برنستن في الولايات المتحدة من أشهر الجامعات في العالم على الإطلاق، وقد أعلنت أخيرا أنها قررت تدريس اللغة العربية والعلوم الإسلامية في فصل الصيف تحت إشراف الدكتور العلامة فيليب حتي اللبناني المعروف. ولأول مرة تفتح هذه الدروس العربية في تلك الجامعة للرجال والنساء على السواء!!
الكتب
الإنكليز في بلادهم
تأليف الدكتور حافظ عفيفي باشا
للأستاذ م. ف. ا
لسنا نحاول في هذه الكلمة أن نقدم كتاب الدكتور حافظ عفيفي باشا إلى الجمهور، فقد تقدم به مؤلفه إليه مباشرة، وله من أسمه ومعرفة الجمهور به ما يغنيه عن ذلك التقديم، كم أننا لسنا نحاول في هذه الكلمة أن نجامل الدكتور، فإن احترامنا للمؤلف إنما يبعثنا عل أن لا نحاول مجاملته بغير الحق
إن ذلك الكتاب الذي أخرجه الدكتور من تلك الكتب التي لا يملك القارئ أن يصفها وصفا موضوعيا، فإن كل فصل منه، بل كل فقرة منه، تدعو إلى التفكير وتتداعى لها المعاني في ذهن القارئ تداعيا يجعله في شبه معترك أحيانا، وفي شبه حماسة أحيانا أخرى، بحسب اختلافه مع المؤلف أو اتفاقه معه في الرأي؛ فالذي يقرأ ذلك الكتاب يحس ما يحسه المتحدث إلى جليسه في اجتماع خاص: لا يخيل إليه أنه يتعلم، ولا يخيل إليه أنه يعرف شيئا جديدا، بل يشعر كأنه يجاذب جليسه أطراف حديث في سمر، وهو في أثناء ذلك تارة يناقش، وتارة يوافق، وتارة يخالف، ولكنه في كل الأحوال مستغرق في الحديث ومستمتع به
لا يحاول الدكتور أن يظهر بمظهر المعلم الذي ينقل إلى الناس شيئا جديدا، بل يلقي ما بريد قوله في نغنة هادئة تنسي الإنسان أنه يعالج موضوعا لم يسبق لأحد أن عالجه بمثل استيعابه وطريقته. مع إن الكتاب جديد في موضوعه، جديد في طريقته، جديد في لونه
يتكون الكتاب من مقدمة ومن ستة أبواب، كل منها يعالج ناحية من نواحي الحياة الإنكليزية، فالأول: يتناول الدستور البريطاني، والثاني: يتناول الرأي العام الإنكليزي وتكوينه، والثالث: المسائل المالية، والرابع: التعليم في بريطانيا، والخامس: نظام القضاء، والسادس: الإمبراطورية الإنجليزية. فأنت ترى من هذا الكتاب بحث شامل يكاد لا يفقد فيه القارئ ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية في بلاد الإنكليز. على أننا مع ذلك
شعرنا بأن مقدار ما يخرج به القارئ من العلم بالحياة العادية في بلاد الإنكليز لا يشفي الغلة، فإن تصوير الكتاب لطبقات الشعب، ونفسية كل طبقة، وعلاقة الطبقات مع بعضها ببعض، يترك محلا كبيرا يشبه التشوق إلى المزيد
والكتاب جدير بأن نعقد له غير فصل واحد في صفحات الأدب والاجتماع. ولكن حسبنا اليوم أن نقول كلمة واحدة عامة عنه، لنبين معنى واحد من المعاني التي رأينا فيها مأخذا على الكتاب، ولكي نقدره تقديرا مجملا بغير تفصيل
لعل من أكبر أسباب الزلل في الحكم على قوم أن يكون الذي يقف نفسه للحكم عليهم متأثرا بميل سابق قبل أن يتصدى للحكم. وقد ظهر ذلك المأخذ واضحا لنا في معالجة الدكتور للحكم على طبقات الشعب الإنكليزي وتحديد ماهيتها. فكما أن الحكم قد يكون منتقدا لتحامل صاحبه على من تصدى للحكم عليهم، كذلك قد يكون منتقدا إذ كان صاحبه مملوء القلب بإجلال من تصدى للحكم عليهم. بل قد يكون زلل الحكم أعظم وأكثر تضليلا إذ كان الذي يحكم متأثرا بالميل والمودة. ويكون ذلك الزلل أشد أثرا إذا صحبته تلك النغمة الهادئة التي تلقي في روع القارئ أن الكاتب غير متحيز في الحكم. فالحق أن الدكتور معجب بالشعب الإنجليزي إعجابا جعله في حكمه لا يكاد يرى بع غاية ذلك الشعب غاية، ولا دون قصاراه قصارى
فنظام إنجلترا في نظره يحوي في نواحيه نزعة ديمقراطية جمهورية بارزة متغلغلة في جميع أسسها ونواحيها، بل إن المؤلف يقول أنه لا يبالغ إذا قال:(إن هذه النزعة أظهر في أنظمة الحكم في بريطانيا منها في أنظمة الحكم في فرنسا التي لما أعلنت الجمهورية استبقت لأسباب تاريخية. . . . . . . جميع أسس الأنظمة التي خلفها الملوك المستبدون)
ويقول: (ومها يكن من بلوغ الديمقراطية البريطانية أعلى غاية ممكنة في هذا الزمان فإن بريطانيا لا تزال محتفظة بجميع مظاهر الأرستقراطية الملكية)
ولن يستطيع أشد الإنجليز تعصبا لقومه، ولا أعظمهم إكبارا لكبريائه القومية، أن يقول أكثر من هذا
وهو يقول بعد ذلك في وصف طبقات الشعب مبتدئا بوصف الأشراف: (فالواقع أن هؤلاء الأشراف في إنجلترة مهما سمت مراكزهم وبلغت ثروتهم هم كغيرهم يعملون ويكدون، لا
يأنفون الاشتغال بأي عمل أو مزاولة أية مهنة)
فهو قد نظر إلى تلك الطبقة من خير جهاتها، وتطلع عليها بعين الرضى والعجاب، ولا بعين الناقد المتحكم
ويقول في عرض حديثه عن الحمل الثقيل الذي تشكو منه حكومات الإنجليز المتعاقبة، وهو ما تبذله في ميزانيتها للعمال العاطلين:(ولئن كان هذا العبء الناشئ من تنفيذ هذه القوانين الاجتماعية في إنجلترة لا يزال ثقيلا، إذ يتراوح بين الخمسين والثمانين مليونا من الجنيهات سنويا، فإن إنجلترة في الوقت نفسه قد اشترت راحتها وطمأنينتها السياسية بهذا المبلغ الذي يتضاءل بجانب النتائج العظيمة التي جنتها من تنفيذ هذه القوانين)
وكأننا به قد تجاهل ما كان لأثر هذه التحيات المالية العظيمة في فداحة الضرائب، وإبهاظ كاهل الإنتاج، وعرقلة المصنوعات الإنجليزية، بطريق غير مباشر في ميدان المنافسة التجارية الدولية
وقد يطول بنا القول إذا التمسنا الأمثلة الدالة على هذه النظرة العاطفة في الكتاب حتى لتكاد تجعل القارئ ينسى أنه يقرأ كتاب رجل من أمة أجنبية يصف ما في إنجلترة بعين الناقد المستقل
ولئن كانت نظرة العطف هذه مالت بالمؤلف النابه إلى هذه الناحية الكريمة في التقدير، فإن نظرة رجل السياسي الدبلوماسي قد أثرت من جهة أخرى في تقدير المؤلف، حتى كاد في بعض الأوقات يصل من المقدمات إلى نتائج لا يبررها الاستنتاج. ولا يمكن أن يؤول هذا إلا بمجاملة الرجل الدبلوماسي الذي اعتاد أن يوحي إلى نفسه بما تصوره الظروف السياسية، فإذا هو ناطق عن هذا الإيحاء بغير أن يحس. يريد الرجل الدبلوماسي مثلا أن يقول أحيانا إن عمل من الأعمال يؤدي حتما إلى نشوب حرب بين دولته وبين الدولة التي هو ممثل لدولته فيها، فإذا به يقول إن ذلك العمل قد لا يكون مما يؤدي إلى زيادة حسن التفاهم بين الدولتين، وعلى هذا القياس كان للدكتور الكبير يصل من بعض مقدماته إلى بعض نتائجه. ولأضرب لذلك مثلا من الفصل الأخير الذي عقده على مصير الإمبراطورية الإنجليزية، فإنه ابتدأ بحثه بسؤال فقال:(أهي سائرة نحو التفكك والانحلال أم أنها ستستطيع المحافظة على وحدتها إلى أجل طويل؟) ثم ناقش السؤال مناقشة لا يشك القراء
منها أنه واصل إلى نتيجة أن تلك الإمبراطورية محتوم عليها أن تتصدع، أو على الأقل أن ينصدع عنها نصفها عند أول حرب جديدة، ولكن القارئ يعجب إذا هو بلغ النتيجة فإذا بها:(من كل ما تقدم يمكن القول بأن لا محال للتشاؤم نحو مستقبل الإمبراطورية البريطانية). ثم استثنى من ذلك أيرلندة وحدها وقال عنها: (إنها سحابة تعكر هذا الجو)
ولا شك في أن الرجل الدبلوماسي هو المسئول عن مثل تلك المجاملة. لقد يكون من المستحسن أحيانا أن نجامل، ولكن المؤلف إذا تعرض لكلمة عامة كان واجبا عليه أن يسير مع المنطق، ومع المنطق وحده، والكلمة التي يقولها مثل الدكتور الكبير لها من الأهمية والوقع ما لا يكون لرجل دونه في المكانة أو أقل منه علما بما يقول
وفي الكتاب فوق كل ذلك نقد ثالث على وجه عام. فإننا إذا قرأنا عن الإنجليز لا يمكن أننا نقرأ عن قوم بيننا وبينهم مسألة قومية، وإذا كان المعنى في ذهن القارئ فإنه بغير شك يعجب أشد العجب إذا هو قرأ كتاب الدكتور الفاضل. إذا يخيل إليه إنه على تقدير إنما يقرأ كتابا لرجل من بلاد غير مصر عن قوم هو معجب بهم إعجاباً خاصاً
على هذا المأخذ الذي أخذناه على نظرة المؤلف لا ينبغي أن يعد مفسدا للكتاب أو منقصا من قدره نقصا فادحا، فإن البحث الذي ساقه المؤلف من دون هذه النظرة العاطفة المجاملة بحث جدير بكل إكبار. ففيه وصف للحياة الدستورية وأساليب الحكم في بلاد الإنجليز قلما يجد قارئ مثله في كتاب واحد؛ وفيه باب في تكوين الرأي العام يمكن أن يعد بحثا خاصا لصاحب رأي مجتهد مستقل؛ وفيه بحث في المسائل المالية استعرض فيه المؤلف الموقف العملي، ودس فيه نظريات المالية والاقتصاد زبدا وافية مع القصد والجمع للأطراف؛ وكان المؤلف موفقا كل التوفيق في بحثه الخاص بالتعليم في بريطانيا، فقد وصفه وصفا دقيقا يدل على نظره الفاحص وعقله الثاقب. فإذا نحن نقدنا لون التفكير ونغمته، فلا يسعنا إلا شكر المؤلف الكبير على بحثه فيما دون ذلك، وعلى هديته من المعلومات الثمينة التي زفها إلى قراء العربية
م. ف. ا