المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 941 - بتاريخ: 16 - 07 - 1951 - مجلة الرسالة - جـ ٩٤١

[أحمد حسن الزيات]

فهرس الكتاب

‌العدد 941

- بتاريخ: 16 - 07 - 1951

ص: -1

‌هل الأدب قد مات؟

وزارة المعارف تقتل الأدب!

للأستاذ سيد قطب

- 1 -

منذ عشرات السنين ووزارة المعارف دائبة - عن طريق المدرسة - في قتل الأدب والروح الأدبية في نفوس الطلاب!

إنها جادة في هذه العملية كما لو كانت هدفها الأولز فالمدرسة المصرية لا تجيد شيئا كما تجيد هذا الواجب، ولا تفلح في شيء كما تفلح في أدائه!

كل ما في المدرسة يعيش على هذه الغاية ويؤدي إليها: طريقة وضع المنهج. اختيار المقررات، تأليف الكتب المدرسية، طرق التدريس، استخدام المكتبة كل شيء. كل شيء يؤدي إلى هذا الهدف الأول الذي تعتز به المدرسة المصرية في ماضيها وحاضرها!

هذا المنهج المفكك الذي لا يعقد صلة بين حاجات الحياة وواقع الحياة، وبين الموضوعات التي تدرسها المدرسة وبخاصة في اللغة العربية؛ والذي ينتهي إلى تقرير عقيدة خاطئة في نفوس الطلاب، هي أنهم لا يدرسون ما يدرسون في المدرسة لأنه ذو صلة حية بحياتهم وتفكيرهم وبحاجات جيلهم واتجاه مجتمعهم: إنما يدرسونه لأنه ضريبة مفروضة عليهم، ضريبة كريهة يؤدونها للنجاح ولتسلم الورقة التي تفتح لهم مصاريع الدواوين، وغير الدواوين

ومن هنا تنشأ في نفوسهم عداوة القراءة، والاستهانة بها.

والحياة عادة؛ فإذا لم تكن القراءة عادة محبوبة في سنوات الدراسة، فقلما تكون في المستقبل، اللهم إلا للتسلية الفارغة التي تلبيها أرخص الأقلام!

وهذه المقررات الجافة الفارغة السخيفة، وبخاصة في تاريخ الأدب، وفيما يسمونه (البلاغة). إي شيء يمكن أن يثير الكراهية والسأم والنفور من القراءة ومن الأدب أكثر من هذه البلاغة؟! إي سخف وأية غثاثة أكثر من إجراء الاستعارات، وفرز التشبيهات، وتصنيف الجازات؟ وما غناء هذا كله في تكوين الذوق الأدبي، أو تكوين الشعور بجدية

ص: 1

الأدب؟

إن هذه (البلاغة) كانت قواعد للنقد الأدبي. وقد وضعت في عصور انحطاط الذوق الأدبي، وعصور انحطاط النقد الفني، فهي قواعد كاذبة وخاطئة وبدائية، لا تؤدى إلا في المجال التاريخي للمحاولات الأولية للنقد في الأدب العربي، وموعد هذه الدراسة التاريخية ليس هو المدرسة الثانوية، إنما هو دراسات التخصص الجامعية

وأما تاريخ الأدب فشأنه هو الآخر عجيب. ومقرراته في المدرسة الثانوية تشهد بما لا شهادة بعده على جهالة وزارة المعارف بكل شيء عن طاقة الطلاب، وعن طاقة الزمن، وعن مهمة المدرسة. . وإلا فما غناء أن يدرس طالب المدرسة الثانوية تلك الحقبة الطويلة من الزمن من الجاهلية إلى العصر الحديث، وتلك السلسلة الطويلة الحلقات من الأدباء والشعراء في هذا المدى الواسع، وهو لم يدرس إلا القليل التافه من النصوص الأدبية التي أنتجتها تلك العصور، وأخرجها ذلك الحشد من الكتاب والشعراء!!

إن جسم الأدب هو النصوص، لا تاريخ الأدب ولا دروس البلاغة! دسم الأدب الحي الذي يمكن أن يربي حاسة التذوق الفني هو تلك القصائد والمقطوعات والقطع الأدبية، والأقصوصة والرواية والبحث. . إلى آخر الفنون الأدبية المختلفة. . وهذا ما يجب أن ينفق فيه الطلاب ذلك الوقت وذلك الجهد اللذين ينفقان في دروس البلاغة وفي دروس تاريخ الأدب المملة

وإنه لخير للطالب الثانوي أن يقرأ في كل علم كتابين: يحتوي أحدهما مختارات منوعة من جيد النصوص الأدبية الحية، يشرف على اختيارها أدباء في ذوقهم حياة، وفي حسهم تفتح، وهم غير موظفي وزارة المعارف بكل تأكيد!. . . وأما الثاني فيتناول موضوعا قائما بذاته، قصة أو بحثا أدبيا أو اجتماعيا. .

خير للطلاب أن يدرسوا كتابين على هذا النحو في العام، يجدون فيهما غذاء فكريا وغذاء روحيا، ويحسون أن للقراءة المتصلة قيمة في فهمهم للحياة وإدراكهم للأشياء. . . من تمضية الوقت في إجراء تلك الاستعارات الفارغة الهازلة، وفي المرور سراعا على خط سير الأدب الطويل، وترديد الألفاظ والعبارات كالببغاوات

وبهذا وحده يمكن أن نعقد صلة مبكرة بين الكتاب والطلاب. فلا يعود الكتاب في نظرهم

ص: 2

عدوا كريها، أو نسخة زريةز ولا نعتل في نفوسهم بذرة الأدب وهم بعد في سن الطراءة والشياب!

ولقد عمدت وزارة المعارف في السنوات الأخيرة إلى تخصيص كتب للقراءة. ولكنها لم تذهب بتلك البلاغة الملعونة ولم تقتصد في تاريخ الأدب الممل. . . . ثم - في الغالب - لم تكن موفقة في اختيار كتب القراءة المناسبة لكل سن وطاقة. . . لقد دخلت المحسوبية في اختيار الكتب. المحسوبية البغيضة التي لم يكن يفوت الطلاب أن يدركوها في معظم الأحيان

كان الطلاب يعرفون أن هذا الكتاب الذي قررت عليهم قراءته، إنما قرر لأن صاحبه صديق للوزير، أو نصير لعهد الوزير، أو موظف في مكتب الوزير. . .!

كانوا يشعرون أن هذا الكتاب ضريبة مفروضة عليهم ليصل إلى جيب صاحبه بضع مئات أو بضعة ألوف من الجنيهات، وهذا الشعور وحده كفيل بأن يفسد في نفوسهم كل معنى للقراءة، وكل قيمة الكتاب، بل كل شعور بجدية هذه القراءة وجدواها! وبأن يجعل منهم أعداء لقراءة التي تحمل هذا الظلم الحقير!

فلما شاءت الوزارة أن تبدو نزيهة حذفت هذه الكتب حذفا باتا؛ فكانت نزاهتها أشد إيذاء من محسوبيتها. وباء الأدب بالخسارة في الحالين!

فأما الكتب المدرسية فطريقة تأليفها وحدها كفيلة بتنفير أي راغب في الكتاب. . إنني ما أمسكت بكتاب مدرسي حتى وأنا في هذه السن إلا أجفلت وخشيت أن تكتب على الردة إلى عهد التلمذة، فيحكم علي بقراءة هذه الكتب والعياذ بالله!

التفكك، والغثاثة، وفساد الذوق، وسطحية التصور، وجفاف التعبير. . تلك خصائص الكتاب المقرر في وزارة المعارف، وبخاصة في مقررات اللغة العربية المنكوبة باللجان الرسمية، واحتكار التأليف!

ولو ترك الأمر لكل مدرسة أن تقرر الكتب التي تراها كفيلة بخدمة المنهج المقرر والوفاء به، لا نفسح المجال للتجديد والتنويع. ولكن احتكار تقرير الكتب لوزارة المعارف حيث لا تقرر إلا كتب معينة، يعرف أصحابها أقصر الطرق للتفاهم مع المسؤولين! هذا الاحتكار هو الأداة التي تقتل الوزارة بها الأدب في ماضي الطلاب ومستقبلهم، وتوقع بينهم وبين

ص: 3

القراءة عداوة الأبد وكراهة العمر!

وأما طرق التدريس فهي آفة الآفات. . إنها هي التلبية الطبيعية لطريقة الامتحانات في المدرسة المصرية، تلك الطريقة التي لا تتطلب إلا تعاطي العلم في صورة (برشامة) مركزة، تفرغ في ورقة الإجابة، فيتم المراد

ومن هنا تنتشر تلك الملخصات العجيبة التي لا نظير لها في مدارس العالم. فالمفروض في الدراسة أن تدرب الطالب على الانتفاع بالمصادر والمراجع، وعلى أن يحصل لنفسه من المطولات

أما طريقة التدريس المصرية فتهدف أول ما تهدف إلى أن يفقد الطالب قدرته الاستقلالية! وأن يعتمد على المدرس كل الاعتماد، والمدرس يعتمد على الكتاب المقرر - لا على مراجع أوسع - ويجمع للطلبة خلاصات صغيرة تعينهم على المرور في الامتحان، أو يقوم بعضهم يعمل ملخصات تغني حتى المدرس عن الرجوع إلى الكتاب المقرر!

لماذا؟ لأن الامتحان هو الامتحان!

ولما قيل لوزارة المعارف: إن طريقة امتحاناتك تؤدي إلى هذه الكارثة. قالت: وهو كذلك. وإذن فسنلغي الامتحان!

إن العيب ليس في الامتحان ذاته يا وزارة المعارف، إنما هو في طريقة الامتحان. وما من شك أن أيسر الطرق هو الإلغاء الكامل؛ ولكن هذا الإلغاء ليس هو العلاج الفني الذي يدل على أن الأمر يتولاه من لهم إلمام بهذه الأمور!

أن العلاج هو أن يوجه الامتحان إلى اختبار مجموعة قوى الطالب ودراساته، وأن يوجه الطالب إلى الاعتماد على المراجع المطولة في المادة لا على الكتاب المقرر ولا على الملخصات.

وإلغاء الكتاب المقرر، وترك الدراسة حرة في عدة كتب مختارة في كل مادة هو الخطوة الأولى في هذا الاتجاه

وأخيرا يجيء دور المكتبة، وهو الدور الذي ليس له وجود! إن مكتبة المدرسة مخزن مخلق، تبعث إليه وزارة المعارف بين الحين والحين بطائفة من الكتب التي يعرف أصحابها أقصى الطرق لمن يقررون كتب المكتبات في وزارة المعارف في جو غريب

ص: 4

مريب في أكثر الأحيان!

وهناك تبقى مغلقة لا علاقة لها بنظام الدراسة، ولا بالطلبة، ولا بالمدرسين بوده عام!

لقد اقترحت مرة على وزارة المعارف أن تزيل الغبار عن سمعتها في أسواق الوراقين. وهي سمعة لا سير الوزارة أن تعرفها، ورائحة لا يريحها أن تشمها!

لقد اقترحت عليها أن تنشئ ألف مكتبة فرعية صغيرة في المدن الصغيرة والقرى الكبيرة، لا يكلف إنشاء الواحدة منها أكثر من مائة جنيه للأثاث

وأن تتفق مع دور النشر المعتمدة أن تبعث بألف نسخة من كل كتاب تصدره إلى هذه المكتبات العامة بمجرد صدوره. على شرط أن تؤلف كل دار لجنة خاصة بها من بعض الأدباء الموثوق باطلاعهم لتراجع كل كتاب تصدره، بحيث لا ترسل إلى المكتبات العامة كتابا لم تقره لجنتها التي تعرفها وزارة المعارف وتثق بها

ولكي تتأكد الوزارة أن هذه اللجان تقوم بواجبها، تنشئ هي إدارة خاصة أو مراقبة وظيفتها مراقبة مطبوعات كل دار. فإذا اتضح لها في نهاية العام أن هذه الدار أسفت في إنتاجها أو بالغت في أسعارها، حذفت اسمها من القائمة لعام أو أكثر حسب مقتضيات الأحوال

وقلت: إن هذا الاقتراح كفيل بأن يضمن للكتاب الجيد الوجود والرواج، لأن ضمانة الناشر لألف نسخة في اليوم الأول لصدور الكتاب تشجعه على النشر، وطلب الكتاب الجيد والكاتب المجود. . وكفيل كذلك بانتشار حركة القراءة في أوساط جديدة كثيرا ما يتعذر عليها شراء الكتاب أو استعارته، وكفيل في الوقت ذاته بالإعلان عن الكتاب الجيد لمن يريد اقتناءه في هذه الأوساط

ولكن هذا الاقتراح لم يؤخذ به، لأنه يحرم بعض دور النشر المحظوظة من الاستيلاء على أكبر مبلغ من ميزانية الكتب في وزارة المعارف. أو يحرم بعض ذوي النفوذ من الاتجار بنفوذهم في سوق الوراقين! ويحرم بعض ذوي الشفاعات من المؤلفين أن يستمتعوا بالربح الحرام!

وما تزال وزارة المعارف ذائبة في عملية قتل الأدب بمعرفتها الخاصة، وبمعرفة المدرسة ومناهجها ومقرراتها، وكتبها ومكتباتها، وطرق التدريس فيها وطرق الامتحان

وعلى رأس وزارة المعارف أديب. وقل أن تظفر الوزارة بأديب! فإذا لم يتم اليوم انتصار

ص: 5

الأدب في وزارة المعارف فلست أدرى متى يتم الانتصار. وإذا لم يتم إنقاذ الأدب على يدي طه حسين فلست أدري على يدي من يكون الإنقاذ!

سيد قطب

ص: 6

‌بيننا وبين الإنجليز

للأستاذ أبو الفتوح عطيفة

(إن المسألة الرئيسية بالنسبة لنا (الإنجليز) هي كيف يمكن أن تغادر قواتنا القاهرة في الحال)

من اللورد نورثبروك وزير البحرية إلى مأجور بارنج (كرومر) في سبتمبر سنة 1883

(إن إنجلترا حريصة على أن يظل باب المفاوضات مع مصر مفتوحا). يونية سنة 1951

شر البلية ما يضحك

قل يا أهل. . . تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم

في سنة 1882 احتلت إنجلترا ديارنا وقضت على الثورة العرابية وقبضت على زعمائها وحوكموا وحكم عليهم بالإعدام ثم استبدل بهذا الحكم النفي المؤبد ونفي الزعماء المصريون إلى جزيرة سرنديب

وهنا يجدر بنا أن يتساءل: لم تدخلت بريطانيا في شؤوننا واعتدت على استقلالنا؟ إن الثورة العرابية كانت ثورة دستورية ونزاعا بين الخديوي ووزرائه، وكانت مطالب العرابيين الرئيسية تنحصر في توسيع اختصاصات مجلس شورى النواب الدستورية حتى تصبح الوزارة مسئولة أمام المجلس حتى يكون للمجلس حق مناقشة الميزانية، وهو حق طبيعي للمجالس النيابية في جميع البلاد الدستورية. ومنعا لتدخل الدول استبعد المجلس حق مناقشة الجزء الخاص بالدين وبالتصفية المالية من الميزانية

ومع هذا فقد تطوعت بريطانيا بتقديم مساعداتها للخديوي وعرضت عليه حمايته ضد شعبه ووزرائه الذين لم يكونوا خارجين عليه، وقتلت أعرق أمة دستورية (إنجلترا) الروح الدستورية في مصر، واحتلت أراضيها دون أن تعتدي مصر عليها فكان هذا العدوان أول جريمة ترتكبها في الشرق الأدنى

سياسة تقليدية:

إن بريطانيا لا تسير في سياستها الخارجية وفق خطط ارتجالية، وإنما تسير وفق سياسة تقليدية يتبعها وزراء خارجيتها مهما كان لونهم السياسي ومهما اختلفت أحزابهم. وقد كانت سياسة بريطانيا التقليدية منذ قدوم نابليون في حملته سنة 1798 منع قيام دولة قوية في

ص: 7

مصر، ومنع مصر من الوقوع في يد دولة أجنبية معادية. وطبقا لهذه السياسة وقفت موقفا عدائيا ضد محمد علي سنة 1839 - 1841 وألزمته أن يقبع في داخل (قوقعته) مصر على حد تعبير وزير خارجيتها بلمرستون

وقد قامت المنافسة بين فرنسا وبريطانيا حول الاستئثار بالنفوذ في مصر، وجعلت فرنسا تعمل دائما على حفر قناة السويس لتصل الشرق بالغرب مما يجعلها أقرب إلى الشرق، أما بريطانيا فقد عملت على إنشاء خط حديدي بين الإسكندرية والسويس

وقد نجحت إنجلترا في تحقيق غايتها في عصر عباس باشا الأول؛ إذ بدئ بتنفيذ مشروعها فأنشئ الخط الحديدي بين القاهرة والإسكندرية، ثم أنشئ بعد ذلك الخط الحديدي بين القاهرة والسويس

أما فرنسا فلم تيئس بعد، وبرغم أن محمد علي رفض مشروع القناة قائلا (إنني لا أريد أن أجعل من قنال السويس بسفورا آخر) استطاعت فرنسا أن تقنع سعيد باشا بفوائد المشروع، وحصلت منه على امتياز بحفره، وبدأ العمل 1858. قلقت إنجلترا على مصالحها في الهند، وصرح رئيس وزرائها بلمرستون 1860 قائلا: (أخشى أن يؤدي حفر قناة السويس إلى احتلال إنجلترا لمصر) ومات بلمرستون ولكن إنجلترا ظلت تعمل دائبة على تحقيق فكرته. وفي 1882 دون أي اعتداء من ناحية مصر احتلت إنجلترا الأراضي المصرية ثم أعلن وزراؤها منذ الساعة الأولى عزمهم على الجلاء عن مصر فوراً، ومع ذلك فحتى هذه الساعة لم تبر إنجلترا بوعدها، وما تزال تماطل في الجلاء بل وتدعي صداقتها لمصر!!

ولم يقبل المصريون هذا الاحتلال وقاوموه منذ الساعة الأولى، وكان أول أبطال مصر الذين حملوا علم الجهاد مصطفى كامل باشا. ثم في 1919 هبت مصر ثائرة تطالب بحريتها واستقلالها، ووقف المصريون صفا واحدا يبذلون دماءهم في سبيل استقلالهم، وتزعم الحركة سعد زغلول باشا وعبد العزيز فهمي باشا وعلي شعراوي باشا

ولكن مصر على رغم إيمانها العميق بعدالة قضيتها لم تستطع حتى الآن تحقيق أهدافها، وهي الجلاء ووحدة وادي النيل التي أقامها محمد علي منذ 1830. ويرجع ذلك إلى دهاء ساسة بريطانيا مما مكن لهم من إيقاع الفرقة في صفوف زعماء مصر ونجاح بريطانيا في تحقيق سياسة (فرق تسد)

ص: 8

وعندي أن مصر تستطيع أن تحقق أهدافها في أقصر وقت إذا استطاع زعماؤها أن يوحدوا صفوفهم وخطتهم، وأن يقبلوا صفا واحدا رافعين لواء الجهاد وخلفهم أمة مؤمنة على أتم استعداد لبذل دوائها وأموالها في سبيل حريتها واستقلالها

وإني أضرب للقارئ مثلا يمكن به تحقيق أهدافنا بالطرق السلمية. ماذا يكون مصير القوات البريطانية في قنال السويس إذا تكتل المصريون حكومة وشعبا، ورفضوا إمداد هذه القوات بالغذاء والماء والعمال، ثم امتنع المصريون عن شراء البضائع الإنجليزية، وكذلك رفضوا بيع قطنهم وحاصلاتهم لبريطانيا؟ إنني أؤمن أن بريطانيا لن تستطيع مقاومتهم وستستجيب حتما إلى طلباتهم. وقد اتبع فاندي هذه الخطة في الهند، وبواسطتها حصلت الهند على استقلالها

إنني أنظر إلى الماضي البعيد فأرى مصر في تاريخها القديم دولة قوية، ولها إمبراطورية واسعة في وقت لم تكن فيه بريطانيا شيئا مذكورا. وفي العصور الوسطى كانت الإمبراطورية الإسلامية أقوى دول الأرض جميعا وكان اسم المسلمين يثير الرعب والفزع في قلوب أهل الغرب كافة. فماذا دها الشرق حتى استأسد عليه الغرب

قلب النظر أيها القارئ الكريم في أحوال الشرق تر عجبا؛ فبريطانيا تحتل قنال السويس في مصر، وتحتل السودان باسم مصر، وبينها وبين العراق وشرق الأردن معاهدة صداقة!! وهي تحتل عدن وليبيا أيضا. وأما فرنسا فتحتل تونس والجزائر ومراكش وتعتدي على حريات ملوكها وحكامها؛ فما سر ذلك؟

نحن قوم بلا مبادئ وبلا زعماء. إننا نريد زعماء يؤمنون حق الإيمان بعدالة قضايانا، وإن اتحاد صفوفنا وإيماننا بحقوقنا هما الطريق إلى استقلالنا

إن أمم الغرب أعلنت أكثر من مرة بأن لكل قوم الحق في تقرير مصيرهم. وفي ميثاق الأطلنطي 1941 أعلنت أمريكا وبريطانيا أنهما تحترمان الحريات السياسية والقومية والفكرية والدينية، كان ذلك أثناء الحرب العالمية الثانية، وكانت الدولتان تفعلان ذلك تخديرا للشعوب، وضما لها إلى جانبهما، فلما انتهت الحرب تبخرت الوعود والمواثيق وذابت المبادئ

أيها البريطانيون:

ص: 9

إن كنتم تريدون صداقة العرب حقا فليس أمامكم إلا أمر واحد؛ هو الاعتراف باستقلال الأمم العربية استقلالا تاما، ورد عرب فلسطين إلى أوطانهم، وبدون ذلك لن تكون هناك صداقة بيننا وبينكم، وما عدا ذلك فهراء لا يغني ولا ينفع

أبو الفتوح عطية

مدرس أول العلوم الاجتماعية بسمنود الثانوية

ص: 10

‌الصلات الشخصية بالعباقرة

للأستاذ محمد خليفة التونسي

إن العملة التي يتعامل الناس بها في حيواتهم هي الأشخاص وأعمالهم المنظورة، لا المبادئ والأفكار المجردة. ومن هنا تظهر خطورة (الصحبة) التي تتأثر فيها شخصية بشخصية، ويظهر لنا فشل المبادئ والأفكار المجردة عن التأثير في الناس ما لم تعززها الأعمال المعبرة عنها من أشخاص يؤمنون بها حق الإيمان

ومن أعظم ما يشرف الحياة ويجملها ويرفعنا في قلوبنا وعيوننا، ويجعل مزاولتها عملا سائغا شاقا، بل رحلة رياضية جميلة حقيقة بالتقدير والإعجاب والغبطة - أن تقدر لنا في بعض مراحل عمرنا على هذا الكوكب الحائر الخامل في ملك الله، معاصرة أحد العباقرة أصحاب الرسالات الإصلاحية الكبرى، وأن تتوشج صلاتنا به، لنستروح إلى جانبه من نفحات السماء مالا تجود به إلا على قليل من أبناء الفناء في فترات متباعدة

هذه (الصحبة) نعمة كبرى في طيها نعم مختلفات متجددات، فإن صاحب العبقرية بما يفيضه على نفوسنا خلال صحبتنا إياه من إعجاب به، وتعاطف معه، ووعي له - يمكننا من أن نستقل جناحيه ونرتفع معه إلى الآفاق العليا ، ونقتبس معه ومثله من مصادر الإلهام الرفيعة ما يضيء سرائرنا، ويجلي عقولنا، ويصفي حياتنا، فنزداد ثقة إلى ثقة بأنفسنا، ونعلو أمامها على هدى وبصيرة، ومن ثم ترتفع أمامنا الإنسانية بكل ملكاتها، والحياة بكل مضامينها، والوجود بكل آباده وآزاله، إذ لا ثقة بصفة إلا بموصوف ممثل لها

على جناحي هذه العبقرية الصالحة الملهمة نطير إلى تلك الآفاق العليا، وبغير جناحيها لا نطير

بل نظل ملتصقين بتراب هذه الغبراء؛ نهيم على تربتها كما تهيم سوائمها، أو نمشي على بطوننا كما تمشي زواحفها، أو ندب كما تدب حشراتها، وقد نتورط في حماتها فنظل نسوخ في أوحالها دركا فدركا، منسلخين عن مزايانا واحدة فواحدة، كلما أمعنا في الهبوط، فنعيش كما يعيش دود الأرض في أطباقها الحالكة: كل عمله أن يجذب الطين في جوفه من طرف إلى طرف، ثم يموت فيستحيل كبعض هذا الطين في خسته وقذارته

في غمرة إعجابنا بالعبقرية الصالحة خلال صلاتنا الشخصية بها يفيض على نفوسنا، أو

ص: 11

يتفجر في سرائرنا، الإحساس بالحياة الواسعة، وبواجباتنا وحقوقنا نحوها ونحو الوجود بكل آزاله وآباده، وتتأجج في صدورنا الغيرة الصادقة على أداء هذه الواجبات وطلب هذه الحقوق، فينطلق كل من تمسه تلك النفحة من أنانيته الضيقة التي لا مصدر لها إلا عدم الإحساس بالحياة وواجباتها وحقوقها، والتي تجعله يشعر بأنه خليع من المجتمع، مبتور من بنيته، بعيد عنه فيما يصيبه من خير وشر، لا هم له منه إلا ذاته الفردة الجافة، ويشعر من أجل ذلك بتفاهة نفسه، وتفاهة مجتمعه، وتفاهة الحياة كلها، كما أنه يشعر بالحرمان والانقباض والقلق والخوف من كل ما حوله وكل من حوله، ويسيء الظن بكل شيء يتعامل معه أو لا يتعامل، بسبب ودون ما سبب، ولا يرى فيما يحيط به، ومن يحيطون به، إلا عدوا مبينا يكيد له، ويتربص به الشر، فأيان أنس منه غرة أعجله بالأذى، ومن ثم لا يكون له من نشاط في الحياة إلا ما يحمي به نفيه، ويحتجن كل قوة تحميه، ولو جنى في سبيل ذلك أعظم الشرور

وما من دافع له إلى ذلك إلا إحساسه بأنه ملعون من الثقة بنفسه وبمن حوله وما حوله، فهو يتمثل اللعنة أيان ولى وجهه ، ويتوقى لذلك كل شيء ويهرب من كل شيء، مع أنه لا مكان للعنة التي يتوهمها إلا في سريرته

هذه الأنانية الضيقة التي لا أصل لها إلا البلادة - هي أقوى سد يحول بين الإنسان والإحساس بالواجب ورؤيته، فضلا عن التماسه والكدح في البحث عنه ولو كان عند طرف أنفه، ويحول بينه وبين التفكير في أدائه وتهيئة الوسائل المؤدية إليه، فضلا عن أدائه فعلا ولو كان أداؤه من أيسر الميسورات

وما من قوة تصهر هذا السد العائق وتبخره كما بفعل صحبة العبقري الصالح الزعيم بشخصيته المحبوبة وأعماله الطيبة، وبخاصة إذا كان نبيا أو على شاكلة النبي في شخصيته وسيرته الأمينة، ولا تستثنى من ذلك قوة على الأرض لها مثل هذا الأثر السحري في سريرة الإنسان إلا قوة (الحب). . . والولاء للعبقري الزعيم نوع من (الحب)

من أجل ذلك استأثر العباقرة الزعماء ولا سيما الأنبياء بالهداية والتقويم، واستأثروا بما هو أعمق وأقوى من ذلك وهو انبعاث الإحساس بالحياة والواجب في النفوس المهيأة له كي تطلب الهداية والتقويم

ص: 12

وما من مبدأ من المبادئ، ولا معتقد من المعتقدات، ولا فكرة من الفكر، له هذا الأثر أو ما هو دونه قوة إلا أن يكون متمثلا متجسما في شخص عبقري زعيم. وأيان لا يكن هذا الشخص الذي يتأسى به الناس فكل المبادئ والعقائد والفكر كلمات عقيمة بتراء

يقول الناس كثيرا ما يقوله الشاعر

اعمل بقولي ولا تنظر إلى عملي

ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري

وليت هذا كان في الإمكان! إذن لكانت الفضيلة والمعرفة والجمال أعز شأنا، وأكثر جندا، بل لما كان على ظهر هذه الغبراء شرير ولا جاهل ولا قبيح، إذ ما أيسر النصيحة وأيسر فهمها على الناس ولو كانوا أغبى المخلوقات

ولكن الآفة كل الآفة بلادة السريرة التي ينشأ عنها عدم الإحساس بالحياة والواجب

والناموس الذي لا فكاك لنا منه أن العملة التي نتعامل بها هي الأعمال لا الأقوال، والأشخاص لا المبادئ

(اعمل بقولي ولا تنظر إلى عملي. . .) كلام عقيم أبتر، وعملة زائفة لا يثق بها الناس، وإن تظاهروا بقبولها نفاقا، والنفاق هو البضاعة الزائفة التي يبيعها الناس لمن يدفع لهم الأقوال دون الأعمال؛ ولا فبن في الصفقة على البائع ولا المشتري ما دامت البضاعة زائفة وأثمانها زائفة، فكل منهما خادع ومخدوع

وقديما قرر النبي محمد عليه السلام أن (الدين المعاملة) وقال (إن الله لا ينظر إلى صوركم وألوانكم ومكنه ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) فالنية والعمل هما العملة الصحيحة عند الله وعند الناس أيضا

ومن هنا يظهر لنا الخطأ والخطر الذي يقع فيه عن عمد أو غير عمد رجال المبادئ الدينية والسياسية ومن على شاكلتهم حين ينصحون الناس برأي ويعملون هم بغيره، فلا تكون سيرهم مصداق مبادئهم، ثم يعجبون بعد ذلك كيف لا يثق الناس بهم ولا يدينون بمبادئهم، ولا يعملون بها ولو كانوا بها مؤمنين

ولو كان رجال المبادئ هؤلاء جادين في عجبهم لكانوا أشد عجبا من أن يلقاهم الناس بغير الإهمال والمعصية، فلا آفة أخطر على منزلة المبادئ ودعاتها في قلوب الناس كأن يروا هؤلاء الدعاة يقولون ما لا يفعلون. وقد وضح القرآن هذه الحقيقة المرة فقال: (كبر مقتا

ص: 13

عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) وقال: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)

إن الطعن في الديانات ونحوها من المبادئ ومحاولة التشكيك فيها لا ينال منها معشار ما ينال منها نفاق المبشرين بها. إن الطعن في المبادئ قد يوتر إيمان المؤمنين بها ويزيدهم إيمانا، ولكن نفاق الدعاة هو الذي يحل عقدة الإيمان بها في قلوب معتنقيها ويفسدها إفسادا، وتغري النفوس بعداوتها والكفر بها والتمرد عليها تحديا لنفاق دعاتها الذين يأمرون الناس بها وينسون أنفسهم وهذا هو البلاء العظيم

إن شر ما يسلط على مبدأ من عوامل الهدم هو أن يشتد تبشير حماته به بين الناس، بينما هؤلاء الحماة لا يسيرون عليه في نظر الناس. ولعل هذا يفتح عيون المنافقين من دعاة المبادئ والمثل العليا بيننا، فهم بمخالفتهم في سيرهم أقوالهم يشككون الناس فيها ويغرونهم أن يكفروا بها بشر مما ينال منها أعداؤها الذين هم بها كافرون، وعلى حربها قائمون

إن منافقا واحدا من رجال الدين أضر على دينه من ألف ملحد جبار. وإنه ليزعزع من مكانة الدين في ضمائرهم بنفاقه مالا يزعزع ألوف البراهين العقلية على بطلان الدين

وأن خيانة واحدة من زعيم سياسي أو وطني أو حاكم ممن يمثلون مبدأ أو نظاما في المجتمع ليشكك الناس في مبدئه أو نظامه ويزلزل من ثقة الناس به مالا تشكك وتزلزل منه ألوف الخيانات من غيرهم، ولا ألوف الأدلة العقلية ضد هذا المبدأ أو هذا النظام

لا بل تساهل واحد - فضلا عن خيانة واحدة - من جانب أحد القوامين على القانون - وهم ممثلوه في نظر الناس - يحمل الناس على الاستخفاف به والتمرد عليه وتحديه أكثر مما تحملهم عليه ألوف الجرائم يرتكبها من ليسوا من حماة هذا القانون وممثليه، وأكثر مما تحملهم عليه ألوف نقط الضعف فيه وجرائر الظلم في تطبيقه، لأن البراهين العقلية أضعف وسائل الإقناع وأضيعها عند البشر

وإن زلة واحدة من أب أو أم أو أخ أكبر، أو راع ما في رعيته - لتغري هذه الرعية بالزلل ما لا تغريها ألوف الزلات ممن ليسوا آبائهم ولا أمهاتهم ولا رعاتهم بأي صورة من صور الرعاية، وتجعل كل النصائح والإرشادات والديانات والقوانين ومكارم الأخلاق ضروبا من العبث الفارغ جديرة بالسخرية والتحدي لا بالطاعة والتوفير

ص: 14

يقول كارليل: (إن العقيدة - مهما صحت وقويت - شيء عديم القيمة إذا لم تصبح جزءا من السلوك والخلق، بل هي في الواقع لا وجود لها قبل ذلك، لأن الآراء والنظريات لا تزال بطبيعتها شيئا عديم النهاية، عديم الصورة، كالدوامة بين الدوامات - حتى يتهيأ لها من اليقين المؤسس على الخبرة الحسية محور (تدور حوله عندئذ بصير إلى نظام معين. ولقد صدق من قال: لا يزول الشك مهما كان إلا بالعمل)

والعقيدة في نظرنا وفي الواقع لا يمكن أن تكون قائمة ولا صحيحة ولا قوية حتى تصير جزءا من السلوك والخلق، وهي بغير ذلك قيد مثبط لا باعث محرك هي قيد يلزم الإنسان بالسكون إلى حالة واحدة والجمود عليها والجبن عن التحول عنها وانظر ولو مجردا إلى غيرها، والقناعة بالبقاء فيها والرضا بها، والنفور من بذل أي جهد نظري أو عمل حتى في مناقشتها وتجربتها، وتحرمه كل رغبة في الحركة والعمل. أو هي - أحمالا - تحجر الإنسان حينئذ، وتقتل فيه بواعث الجهاد بالفكر أو بالعمل، وتبدو حينئذ تعصبا أو بلادة أو موتا والمعتقد في هذه الحال يحرص أشد الحرص على شكليات العقيدة، ويهمل روحها أشد الإهمال؛ لأن العقيدة في سريرته ميتة محنطة كالمومياء. فهو يغالط نفسه في حرصه على الشكليات عن وعي وغير وعي كي يخدر نفسه ويعميها التناقض الفاضح بين مقتضيات روح العقيدة وسلوكه المناقض لها، وفي ذلك وضع للثقة الزائفة موضع الثقة الصحيحة، أو العزاء الزائف موضع العزاء الصحيح

إن الحرص على شكليات العقيدة بعد موت روحها في السريرة الإنسانية ليؤدي وظيفتين أو يسد حاجتين من حاجات السريرة لا مناص منهما:

إحداهما: أنه يمنح السريرة الثقة بشيء ويملؤها به ولو كان وهما باطلا

والسريرة كالمعدة؛ فالمعدة بطبيعتها محتاجة إلى الطعام ولا غنى لها عنه، وهي إذا لم تجد الطعام الصالح لم يكن لها مفر من ازدراد طعام أي طعام، ولو كان متعفنا أو ساما يؤذيها أو يفسدها أو يقتلها، أو يؤذي الجسد كله أو يفسده أو يقتله، فالمعول عليه أن تمتلئ ولا تبقى فارغة ولو كانت تلفظ ما يدخلها فور ازدراده، وهي لا تكاد تلفظه حتى تطلب ما يملؤها ثانية ولو كان مما لفظته، لأن آلام الفراغ دونها آلام الموت

وكذلك السريرة الإنسانية: لا بد لها من الإيمان بشيء لأنها في طبيعتها محتاجة إلى

ص: 15

الاستقرار لا على شيء أيا كان ما تستقر عليه، لأن شعورها بنفسها وبما حولها لا يتهيأ إلا باستقرار على شيء، ولا يتحقق إلا بهز وكل السرائر تؤمن لأن الإيمان وظيفتها، ولا توجد بل لا تتوهم سريرة تقوى على الحيرة والشك إلى ما لا نهاية وإن انتابتها فترات الحيرة أو الشك أحيانا قصيرة، كما أنه لا توجد بل لا تتوهم معدة تقوى على الجوع إلى ما لا نهاية وإن أمكن كل معدة الصوم مدة قصيرة أو طويلة حسب طاقتها دون أن تفسد أو تموت، ودون أن يفسد الجسم كله أو يموت

هذا - وما أكثر السرائر التي تفر إلى التسليم خوفا من عذاب الشك، وأقل السرائر التي تفر إلى الأفكار خوفا من عذاب الشك أيضا - أما السرائر التي تشك ثم تصر على الشك إلى ما لا نهاية فشيء وراء الواقع ووراء الوهم

إن السريرة إذا عجزت عن الإيمان الصحيح لجأت إلى الإيمان الزائف. الفرق بينهما أن الإيمان الزائف يقتنع بالشكليات ويكتفي بها عن الحقائق، وفي ذلك عزاء كاذب للنفوس الضعيفة، وسكينة كاذبة إلى مكانتها من الوجود، ومخادعة منها لها بأنها شريكة لأصحاب العقائد في كل مفاخرهم ومغانمهم في انتمائهم إليها

وثانية الوظيفتين أو الحاجتين أن الشريرة الضعيفة عاجزة عن احتمال مشقات الجهاد التي يستلزمها الإيمان بروح العقيدة وحقائقها. وهي بحكم ضعفها ضعيفة الضوابط منزوفة الصبر أمام أهوائها وشهواتها الحيوانية المنحطة. وما من عقيدة من العقائد إلا كانت مستلزمة ضبط النفس عن كثير مما تشتهي، محملة إياها ضروبا من جهاد أهوائها. والحرص على شكليات العقيدة - وهو لا يكلف النفس عسيرا من الجهاد - كفيل بان يبرز الإنسان أمام نفسه وأمام الناس على أنه من أصحابها، ويبيح له الحق في مفاخرها ومغانمها بلا ثمن أو ثمن زائف أو ثمن تافه، ولا حاجة مع ذلك كله إلى تكبد مشقات التجارب القاسية التي يستلزمها الإيمان الصحيح بروح العقيدة وحقائقها. فالحرص على الشكليات يعفي من كل عناء، ويضمن كل ربح، ولا يحرم النفس من الانطلاق في كل وجهة كما تملي عليها شهواتها الدنيئة. فما أربحها صفقة في عين صاحبها، وإن كانت في الواقع أخسر الصفقات، لأنها خسران للحياة كلها لقاء وهم زائف

كان المسلم مثلا على عهد محمد (ص) لا يحس بأنه حقيق بالإسلام حتى يضع حياته

ص: 16

وأسرته وكل قواه وممتلكاته موضع الفداء لتعاليم دينه. وأوجب الإسلام على المسلم أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من نفسه وأسرته وأمواله. والمهم في ذلك هو أن الإسلام لم يلزم المسلم بكل هذه الفروض إلا ليقينه اقتدار المسلم يومئذ عليها، وقد كان ذلك. وأحيانا كان يضطر المسلم إسلامه يومئذ إلى تمزيق كثير من الروابط العزيزة التي تربطه بأسرته أو إخوانه أو قبيلته أو عرضه، وهي تنزل من بنية نفسه منزلة أعضائه من جسمه، فتمزيقها تمزيق لبنية نفسه كأنه نوع من الانتحار، وكان مع ذلك يقدم على تمزيقها وفي نفسه من الألم لذلك ما لا طاقة للحم والدم بهز وكل ذلك في سبيل واجب أعظم، هو تحقيق عقيدته وبسط سلطانها على كل سلطان. فابن من أبر الأبناء بالآباء يستل سيفه لقتال أبيه، وقتله نفسه أهون عليه من ذلك، ولكنه يخرج لقتاله حتى يعفيه غيره من هذا الموقف الرهيب الذي يسحق التفكير فيه العقل سحقا. وابن يهم باستلال سيفه لقتل أبيه وهو يحب أباه أشد الحب لأنه يحس أن النبي قد ضاق بكيده ونفاقه، فيتطوع هو بقتل أبيه إرضاء للنبي وغيرة على أبيه من أن يقتله مسلم غيره فيقتل قاتله المسلم به، ولكن النبي يعفيه من أداء هذه المهمة التي ينوء بحملها قلب بشري. ومسلم يخرج عن ماله الكثير الذي لم يجمعه إلا درهما درهما بشق النفس في عدة سنين. ومسلمون رضوا بضروب من شظف العيش يضيق بها المتسولون وفي أيديهم من السلطان والأموال ما لم يجتمع لكثير من القياصرة والأكاسرة والفراعنة حتى يوم كانوا يعبدون

وجرى على هذه السنة عشرات الألوف من معتنقي العقائد الدينية والمذهبية والوطنية في أوائل ظهورها

ومع ذلك نجد أن هذا الإسلام القوي الذي صنع الأعاجيب الخارقة في أولئك العرب على عهد محمد (ص) - قد عجز في ملايين الحالات اليوم وقبل اليوم عن الوقوف أمام أضعف الشهوات الطارئة، واكتفى الملايين في تحقيقه بالاسم يسمون به وبركعات وسجدات وتمتمات، وجوع ساعات، وإرسال لحي وإعفاء شوارب، مع استنباط الحيل واستنفادها للزيغ من تكاليفه، بل بلغ من ضعف سلطان هذا الدين في ملايين النفوس أن اتخذ ستارا لارتكاب ملايين الجرائم التي تتورع عن ارتكابها السباع الضارية، واتخذ في ملايين الحالات مخدرا بتجرعه الشرير ليسكت ضميره الفطري الضعيف عن تأنيبه على جرائمه،

ص: 17

وقد يتخذه مسوغا يسوغ له جرائمه إرضاء لما طبع عليه من شر وضراوة

يتبع

محمد خليفة التونسي

ص: 18

‌4 - عهد

للأستاذ محمد محمود جلال بك

في مستهل عام 1916 تلقيت من الصديق الراحل المرحوم أحمد توفيق البرطباطي كتاباً من أربع صفحات، كله شعر! قصيدة من جيد النظم، بلغت ثمانين بيتاً، همزية القافية، تؤيد ما ذهبت إليه من طول نفسه بقدر ما تؤيد اصطفاءه لوزن وقافية. ولو اقتصرت قصيدته على ما وصفنا لعدت من عيون الشعر

ولكن الشاعر - تولاه الله برحمته - ألهم فيها التعبير عن شتى النواحي من مذهبه في الحياة، حتى لأعدها ديوانا مستقلا، وإنها لتحفة رائعة. وقد نشرت في الصفحة 37 من ديوانه دون تأريخ، وحرص على أن يكون عنوانها (أرسلتها لصديقي محمد محمود جلال) وهاك مفتتحها: -

ضاع الرجاء فكن بحيث رجائي

واحمل على حسن الوفاء وفائي

إن خان خل أو تغير صاحب

فأنا الحري بحفظ عهد إخائي

أرسلت قلبي فهو عندك حاضر

وبعدت حتى ما أبين لرائي

خوفا علي من العيون يواقظا

من أن تخدش عفتي وولائي

وإذا رآني الدهر وهو مناوئي

ومناصبي الأيام طول عدائي

ما بين أولاد له وبناته

أغرى البنات وصاح في الأبناء

فبعدت عن أبنائه متحاميا

أخواتهن مجانب الإيذاء

والمرء فيما بينه نسب وما

بين أخته من جامع الآباء

أخفيت وجهي عنه لا عن فتية

فضلاء مثلك غاية الفضلاء

يسري فيفعل فضلهم بحبيسهم

ما يفعل المصباح في الظلماء

فهجرت هذا الناس لا عن رغبة

في الهجر لكن كي أصون حياتي

أنا في الحقيقة من بقية معشر

قاسوا الأمور بحكمة ودهاء

قست الأمور وسستها ببصرا أهدى

نظرت به عيني إلى نظرائي

وطرحت أهواء الزمان وريبه

كيلا أسب بخلة الأهواء

إلا هوى في نفس كل أخي حجا=تدلى حبائله ذرا العلياء

ص: 19

لقد أحب العزلة وعزف عن ضوضاء المجتمع. أو أن حسه المرهف بكر إليه بالحقائق كأنه ينمو نحو من سبقه هاتفا:

بعدي عن الناس بعد عن سقامهم

وقربهم للحجا والدين أدواء

كان نحيلا كثير الصمت دائم التأمل ولم تكن صحته بعيدة عن العلل، فهذه الحال في جثمانه وتلك في سلوكه وتفكيره وثيقتا الصلة، وكل منهما تدفع بالأخرى في تيارها

فكرة التأمل وطول الصمت توسعان مجال الخيال وإدمان الفكر، فينتجان! كتابا للحياة، وهذا التبرم بالعيش يؤثر بدوره في جسم صاحبه وصحته. كما أن ضعف الصحة يضعف الاحتمال ويرهف الحس عن طريق ضعف الأعصاب

عرضنا مرة في الحديث لحال الريف وأهله وما تقوى به الأواصر من تراحم بين الكبير والصغير وما في التعاون من دفع للبؤس والفقر. . . وإذا به يقص علي في تأثر بالغ أنه شهد أخاه الأكبر يوما ينهال بالضرب على قروي من أهل بلدته لسرقة بعض من أمطار الأذرة، والغريب أن الحادث كانت مضت عليه سنوات، ولكنه حين يرويه بكاد تخنقه العبرات، فهو لا يكاد يسيغه ولا ينساه، وكأنه أبن الأمس القريب!

على أنه في عزلته لا يصل إلى الحد الأقصى من مذهب الشاعر الذي ذكرت فهو لا يعيش

كالبيت أفرد لا إبطاء يدركه

ولا إسناد ولا في اللفظ إقواء

بل لعله في مذهبه من هذه الناحية أقرب إلى المذهب القائل (الحمية من الناس كالحمية من الطعام شفاء من كل داء) فهو يصون حياءه ويصطفي قليلا من الصحاب يتحامى به جديدا من التجارب

وهو في نظرته للحياة وفي سلوكه بين تياراتها ثابت الوداد أليف الوفاء. . . يتغنى يه طربا حين تبسم له الحياة، ويزفر بذكره راثيا حين يسفر له الماء عن سراب

هاهو ذا يجعل من حفاظه طابع نفسه أو موضع اعتزازه وفخاره

إن خان خل أو بغير صاحب

فأنا الحري يحفظ عهد إخائي

ويعود للمؤثرات وما يخشى منها على نفسه وعلى هذا الخلق الذي يعتز به فيقول:

وطرحت أهواء الزمان وريبه

كيلا أسب بخلة الأهواء

وهل من عابث أشد فتكا بالمرء من أهواء الزمان وريبه؟ إن البعد عنهما يجعل من المرء

ص: 20

موضع ثقة حتى من عدوه!. . . وإنك لتجد الرجل يحسن حكما عن أخيه وتسمع أسلوبه تطمئن به إلى الخير؛ فإذا جاءت الظروف بذكر رفيق آخر قرع سمعك العجب وفجعك التناقض، ذلك أن الريبة والهوى تختلطان بحكمه الثاني كما كانت له عونا في حكمه الأول، وإنما جهلك بصلة له بالأول مهد لفجيعتك بما مد لك من خيوط الأمل. في حلبة الإنصاف

أما أولئك الذين يطرحون الريب والهوى فقد حصنت أخلاقهم ووقاهم الله أعدى أعدائهم من نفوسهم، وهم على قلتهم حصن الفضائل وشعلتها المتوارثة على مر الدهور

ولعل أروع ما يعبر ن وحشته في هذه الدنيا وما أينتج له سقم صحته وإرهاف حيه من توجه إلى شبهة يأس قوله:

غاض الوفاء فلست ألقى صاحبا

إلى بغير فضيلة ووفاء

ومن كانت هذه حاله كان قليل الخلطاء وأقل عددا من أصدقاء. وما عرفت له أكثر من صديقين كلاهما أكبر منه سنا. وتلك ظاهرة تستوقف النظر، وتميط اللثام عن عقل أرجح من المعتاد، وعن فكر يسبق السن. ولقد كان بعيدا عن اللهو مع حاجته إليه، عازفا عن العبث، قليل متع الحياة، وهما من أسباب العلاج

أما أحدهما فذو نشأة مدرسية تجعل فيما بينهما بعض المشاركة! أما بعد هذه المشاركة فلا وشيجة تربطهما من حيث اصطلاح العشرة ونوع الحياة ومذاهب الأخلاق! ولكن الشاعر لا يكاد يهبط القاهرة حتى يتلازما: كل منهما ظل لأخيه

أما الشاعر فعدته وفاؤه، وأما الصديق فرابطته إكباره لخلقه ومكانته، وتقديره لشعره، وله عون من ذوقه للأدب، وكذلك شاء الله أن يكون في كفتي الدوافع لدى كل منهما قرب إلى المنتصف حتى يتلاقيا

وأما ثانيهما فذو نشأة قروية، قريب الدار، وجيه في قومه، له شهرة واسعة من خلق كريم

والشاعر الراحل شديد الحنين إلى خليه حيثما يكون، ولا يفترق عن أحدهما أو كليهما ما جمعهما المكان، وشعره ترجمان لصداقته وحنينه، ولكل منهما نصيب منه

ولعل أبلغ ما يعبر عن فضيلة الإخاء ذلك الزفر المستمر، وتلك اللوعة الدافقة التي خلفتها فجيعة في إحداهما المرحوم الشيخ أحمد السيد)

ولقد قال بعض علماء الأدب إن الشاعر في شبابه قلما يجيد الرثاء إلا إذا كان المرثي من

ص: 21

ذوي قرباه؛ ولكن ما هي القربى؟ أليست قربى الأرواح وتقارب الأذواق والنظرات؟ أليست العبرة بما يكمن في النفس من حب وتقدير دون نظر إلى نوع القربى أو تخصيص برابطة الدم؟ أو ليس للمرء من بين أهله أعداء ومن بين الأباعد أقرب الأقرباء؟ حتى قيل (رب أخ لك لم تلده أمك)

لقد رثاه بقصيدة طيبة شارفت على الأربعين بيتا، كل بيت فيها آية حب ووفاء. ثم تكررت مناجاته له في أكثر من موضع مع أن الديوان طبع قبل وفاته بسنوات، ولم يشمل إلا ما كان يحتفظ به حين تطوع أحد عارفي فضله بجمع شتاته وطبعه، وها هو يهتف باسمه ص 92 من الديوان:

قم خليلي واسمع نداء خليل

لا يمل البكاء حتى يجيبا

قم أحدثك هل مللت حديثي؟

أن أمرا دهاك عني غريبا

أتشاغلت عن أخيك بشيء

ما بهذا يلقى المحب حبيبا

ثم يصف صديقه وصفا يفصح لك عن الخلق الذي أحبه الشاعر وهام به طول حياته وجعله مقياسا لما يكبر فيه الناس

وترى لي حقا لتعرف حقي

وتراه حتما عليك وجوبا

وتذهب نفسه حسرات على من فارق، فيخاطب الثرى الذي ضم رفاته:

إيه يا قبر إنما دفنوا فيك

الأماني وأودعوك الطيبا

محمد محمود جلال

ص: 22

‌موازنة وتحليل:

شاعران سجينان.!

للأستاذ محمد رجب البيومي

نحن الآن أمام شاعرين قذف بهما إلى غياهب السجن، ورسفا في القيود والأصفاد قدرا من الزمان، فلجأ كلاهما إلى القريض يبثه وجده، ويطارحه أساه!

والسجن رهيب موحش، ترتعد له الفرائص، وتقشعر منه الأبدان، وكما يفزع الأسد المكبل في قفصه الحديدي، فكذال يفزع الشجاع الصنديد حين يهاجمه الظلام في بقعة لا يراوحها الهراء، وأفزع منه الشاعر المرهف، ذو العاطفة المشبوبة، والوجدان المضطرم، فهو من إحساسه في عذاب أي عذاب وانظر إلى الطائر الغريد يخطف من أيكته الملتفة، ويحبس في الأسلاك المتشابكة، مقصوص الجناح، ثم ابعث عليه الحسرات

ولن نفكر اليوم في سجوننا المستحدثة بالقرن العشرين، فمهما بولغ في إيحاشها وتضييقها، فهي نظيفة محترمة تدرج فيها الشمس، ويمر بها النسيم، وليست كالسجون العباسية التي حبس بها الشاعران اللهيفان، إذ كانت نقمة من نقم الله، فهي لا تحتوي على منافذ - ومقاعد، ولكنها في الغالب سراديب متوغلة ممتدة في أعماق الأرض، يوضع فيها الأحياء كما يدفن الموتى في اللحود، وهي على ظلامها الدامس، حافلة بما يخيف من الأفاعي والهوام، وقد لا يجد السجين من المكان فير ما يسمح له بالجلوس وحده والويل له إن وقف أو سار! بل قد يمكث السجين طيلة نهاره فلا يجيئه السجان غير دقيقة واحدة، يقذف له بفتات الطعام وآسن الشراب، وهو مع ذلك يتلهف على لقائه، إذ هو رسول الأحياء إلى الأموات

وقد قدر لعلي بن الجهم أن يكون نزيل السجون مدة طويلة فانقلب إلى الظلام الموحش، بعد أن نادم المتوكل في قصر الخلافة أمدا طويلا، ونهل من النعيم والمسرة ما لا يقدر بثمن، وجلس على بساط السمر يحتسي الكؤوس ويعابث القيان، وتلك حياة أشبه بالأحلام

لقد كان بن الجهم خبيث اللسان، فاحش الهجاء، وقد تعددت وشايته إلى الخليفة بأصحابه حتى تيقن افتراءه ودسه فعاقبه بالسجن ليرتدع، ونزعه من أفواه البهجة ومطارف النعيم، ونظر الشاعر فإذا ألسنة السوء تلوك حديثه في كل مكان، فتزيد عليه ما يكابد من الغصص

ص: 23

والأشجان. وقد استعطف المتوكل بقصائد باكية، فما نالت من قلبه المعرض أي منال، حتى توهم أن السجن قد أصبح مقره الدائم، أبد الحياة. هذا وأقوال الشامتين الساخرين تصل إليه في معتقلة فتمزق نياط قلبه وتخرق مسامعه فماذا يصنع لإسكات هؤلاء وقد صد عنه الخليفة أعنف صدود وأقساه؟ موقف محزن حقا وحالة تبعث الزحمة والإشفاق وقد رأى ابن الجهم أن يظهر ارتياحه لمحبسه، وقبوله إياه، في شعر يبعث به إلى الشامتين الساخرين ليقصروا ألسنتهم عنه، فنظم هذه القصيدة التي نعرض لها الآن، ذرا للرماد في الآماق، وتجلدا على نوائب الأيام

ومضت الأيام وخرج الشاعر من السجن، وبقيت قصيدته عزاء يندى على الرزوئين بالسجون بعد ذاك، فكانت الأنشودة التي يترنم بها هؤلاء المعذبون في ظلماتهم القائمة. . ثم رمى الدهر بعاصم بن محمد الكاتب العباسي إلى السجن فرأى من أهواله ما أقض المضجع، وأضرم الشجون، وقد كان يحفظ قصيدة ابن الجهم فرددها في نفسه، مرات ومرات، وأيقن أنها لا يمكن أن تعبر عن عواطف السجناء بحال، فهي وإن حفلت بأساليب العزاء والاستسلام، تجافي الواقع الصريح أعنف مجافاة، فاندفع ينقضها بقصيدة تضع الحق في نصابه أمام الناس. وها نحن أولاء نوازن بين القصيدتين لنرى أي الشاعرين أصاب حظا من التوفيق والإبداع

لقد كان ابن الجهم يعتقد أنه مقبل على أكاذيب فاضحة، فهو يدافع عن قضية خاسرة لا تجد الناصر المعين، ومن ذا يحبذ السجون من العقلاء؟ لذلك نجده يقمع عواطفه فلا يسمح لها بالظهور في مطلع قصيدته، ويستهدي بعقله الناصح فيهديه إلى غرائب التشبيه وفي التشبيه مجال فسيح للتلفيق والتنميق، حيث ينسى القارئ عادة ما بين المشبه والمشبه به من فروق، ويلهيه وجه الشبه الواضح عما هناك من أبعاد، وإذ ذاك يجد الشاعر الفرصة مواتية لما يريد أن يقنع به الناس

إن الخيال الزافر بالتشبيه ليحلق بابن الجهم في أجوائه البديعة فيرى السيف الصارم يغمد في جرابه بعد التجريد، ويلمح الليث الواثب يربض في غيله الأشب فلا يتردد في الآفاق كما تتردد صغار الوحوش، ويشاهد البدر المتألق يحتجب وراء الظلام فترة محدودة ثم يضيء واضح القسمات! كما يعلم أن النار المضطرمة تكمن في الحجر حتى يقدحها الزناد،

ص: 24

والرمح القاتل تتناوله الأكف بالتثقيف وتلهبه النار حتى يستقيم، فإذا ما حجبه السجن بعد ذلك عن العيون، فله في السيف والليث والبدر والرمح والنار عزاء أي عزاء وأي عيب على الرجل إذا كان كالليث الصائل، والنار المضطرمة، والسيف البتار!

هذا منطق عجيب، وأعجب منه أن يقنع الشاعر بوجاهته وسلامته فأخذ بتلابيبه ليقول:

قالوا حبست فقلت ليس بضائري

حبسي وأي مهند لا يغمد

أو ما رأيت الليث يألف غيله

كبرا وأوباش السباع تردد

والبدر يدركه الظلام فتنجلي

أيامه وكأنها تتجدد

والنار في أحجارها مخبوءة

لا تصطلي أن لم تثرها الأزند

والزاغبية لا يقيم كعوبها

إلا الثقاف وجذوة تتوقد

فهل رأيتم ما فعل التشبيه؟ لقد كاد أن يجعل السجن أملا باسما بحلم به العيون في غفلات الرقاد، ولكنه لن يمحو الواقع الأليم، فالسجن حميم لا يطاق!

إن عاصماً الكاتب ليقرأ الأبيات ثم يقرنها بما يكابده في السجن من ويلات، فيرى أن كلام ابن الجهم يحتاج إلى تصحيح صريح، ولن يكون هذا إلا من شاعر قادر يدحض الحجة ويقيم الدليل؟ فمن يكون ذاك؟

لقد اعتمد ابن الجهم على التشبيه، فليأته عاصم منه، لينازله بسلاحه في حلبة البيان، وهنا يطهر الحق للعيان

وسيقف القارئ على المناحة الصاخبة التي تولول في أعماق عاصم حين يجده يصرخ في مطلع القصيدة بقوله:

قالوا حبست فقلت خطب أنكد

أنحى علي به الزمان المرصد

لو كنت كالسيف المهند لم يكن

وقت الكريهة والشدائد يغمد

لو كنت كالليث الهصور لما رعت

في الذئاب وجذوتي تتوقد

تمضي الليالي لا أذوق لرقدة

طعما وكيف يذوق من لا يرقد

في طبق، فيه النهار مشاكل

لليل والظلمات فيه سرمد

فإلى متى هذا الشقاء مؤكد

وإلى متى هذا البلاء مجدد

ولك أن تقرأ هذه الأبيات مرة ثانية، فستجدها تخاطب الشعور وتتجه إلى الإحساس، فتلتاع

ص: 25

لها العاطفة، وسر ذلك ما تزخر به من الصدق والإخلاص

لقد كان الخيال الذي حلق به أبن الجهم ضعيف المنة، قصير الجناح، فالسير الحبيس ليس كالسيف أو الليث في شيء، وإلا فكيف يغمد السيف لدى الكريهة النائبة، وما خلق إلا ليمزق الأشلاء، ويسفح الدماء؟ وكيف يغضي الليث عما ينوشه من الثعالب والذئاب، وهي التي ترهب سلطانه الجبار؟ هذا ما فطن إليه عاصم، فاندفع ينقض أبيات صاحبه، ومعه الحق في دعواه ولكن لم يستطرد الشاعر فينقض التشبه بالبدر والنار، كما نقض التشبه بالسيف والليث؟ وذلك حتم أكيد عليه، لأن الشاعر الناقض فير الشاعر المعارض، فإذا قنعنا من المعارض بالتصوير الكلي، فلن نري من الناقض بغير الاستقصاء والثبات، ومثل من يعارض في شعر نقوله كمن يبني قصرا جوار قصرك، فهو لا يتقيد بأسلوبك ونظامك في البناء، وما عليه إلا أن يحدث بناء تشرأب أليه الأعناق، أما الشاعر الناقض فلا يبني بيتا جوار بيت، ولكنه يهجم في صرح مشيد، فعليه ألا يترك بعض المقاصر شاخصة للأبصار!

وقد صور عاصم ظلام السجن أو تشابه ليله بنهاره، وتأفف من غياهبه السرمدية، وشقائه المؤكد، وهو كلام لن تجد نظيره عند صاحبه، لأن الأول ثائر ناقم يذيع الفضائح والهنات، والثاني قانع راض يلتمس المحامد في كل مجال

ثم ماذا بعد ذاك؟

لقد لجأ ابن الجهم إلى الأسلوب الخطابي في تدليله، ولا عليه، فهو شاعر يستحث العاطفة ويخاطب الشعور، وقد وجد السجين يلزم حبسه كما يلزم الكريم بيته، ويزوره الناس في غياهبه دون أن يزور أحدا في رحابه، شأن العظماء المترفعين، فلم لا تحمد السجون على هذا التكريم العجيب!! ذلك رأي يعلنه ابن الجهم إذ يقول:

والحبس ما لم تغشه لدنية

شنعاء، نعم المنزل المتردد

بيت يجدد للكريم كرامة

ويزار فيه ولا يزور، ويحمد

وهذا كلام مردود لا يقره عاصم، وقد شهد في محبسه كل مذلة وهوان، ومتى استراح السجين لزواره، وهم ما بين شامت يبدي التوجع، ويضمر السرور، وصديق يذري الدموع، ويرسل الزفرات، وهذا كذاك، يوقد الشجى في الضلوع، بزورته! وقد عرف

ص: 26

عاصم ذلك فاندفع يقول:

ما الحبس إلا بيت كل مهانة

ومذلة ومكاره لا تنفد

إن زارني فيه العدو فشامت

يبدي التوجع تارة ويفند

أو زارني فيه المحب فموجع

يذري الدموع بزفرة تتردد

وواضح أن ابن الجهم يعترف بهذه الأبيات في أطواء نفسه، ولكنه يلفق الأدلة الوهمية كبتا للشامتين، ونحن نرفع شاعريته حين نعلم أنه يتصيد المحامد للقفر الموحش، وذلك مسلك وعر تتعثر فيه القرائح الجياد، أما صاحبه فيعف ما يرى في القفر الجديب من قسوة وجفاف، فهو يسير مع التيار، ولا يقف في وجهه متحديا العقبات والصعاب!

وقد تعجب لعلي حين ينسى موقفه الدفاعي، وتطغي عاطفته على عقله، فيرجو الفرج القريب، ويأمل الرخاء بعد الشدة:

فلكل حال معقب ولربما

أجلى لك المكروه عما تحمد

قد تعجب لذلك منه وتأباه، إذ أن المستريح في محبسه لا يحب أن يفوه بما يشير إلى الضجر والسخط، ولكن الحق ظافر غالب، وقد عجز الشاعر أن يتنكر لعواطفه إلى آخر الشوط، فعمد إلى إرضائها والترويح عنها، وهو بذلك يلتقي مع صاحبه عاصم في مأساة واحدة، وخطب مشترك، فلا مجال للمناقضة بعد ذلك، وقد ذهبا معا يتوسلان ويعتذران، عسى أن يصيبهما حظ من الصفح والغفران

ولقد كان ابن الجهم بليغا في اعتذاره، متفوقا على صاحبه، فهو يدعو إلى النصفة والسداد، ويود لو اجتمع في مجلس واحد مع خصومه أمام الخليفة ليدحض الحق الباطل، إذ ليس من العدالة أن يتحكم الشاهد في الغائب فيوفر عليه الصدور، وينهشه ما استطاع، اسمعه يقول:

أبلغ أمير المؤمنين ودونه

خوف العدا ومهامه لا تنفد

إن الذين رموا إليك بباطل

أعداء نعمتك التي لا تجحد

شهدوا، وغبنا عنهمو فتحكموا

فينا، وليس كغائب من يشهد

لو يجمع الخصماء عندك مجلس

نوما، لبان لك الطريق الأرشد

والشمس لولا أنها محجوبة

عن ناظريك لما أضاء الفرقد

والبيت الأخير ممتاز رائع، وهو فوق إقناعه السديد يدل على ما يعتقده الشاعر في نفسه

ص: 27

من سمو وسموق، ونحن نستطرف قوله:

شهدوا، وغبنا عنهمو فتحكموا

فينا، وليس كغائب من يشهد

إذ ينبئ عن الظلم الفادح الذي لحق الشاعر بابتعاده عن مقارعة الوشاة، وقد ذيل البيت بحكمة صادقة تضمن له البقاء

أما عاصم فقد نهج نهجه في الزلفى، وراح يتحدث لسيده معتذرا معاتبا، ويحوم إلى أفكار صاحبه إذ يقول عن وليه

فذبت حشاشة مهجتي بنوافل

من سيبه وصنائع لا تجحد

عشرون حولا عشت تحت جناحه

عيش الملوك وحاجتي تتزيد

فخلا العدو بموضعي في قلبه

فحشاه جمرا ناره تتوقد

فاغفر لعبدك ذنبه متطاولا

فالحقد منك سجية لا تعهد

وهذه أبيات لا تقرن بالأبيات الأولى فهي خالية من القوة والتأثير، وإن رافقتها في بعض المعاني فضلا عن الغرض العام. ولست أستطيب كلمة الحقد في البيت الأخير، فهي أبعد ما يكون عن المقام، إذ لا يليق أن يوصف بها إنسان يعتذر إليه ويتزلف عنده، هذا إلى القوافي المستكرهة التي ألصقت إلصاقا بالأبيات!

ولن نختم الحديث عن المقطوعتين قبل أن نجمل الموازنة بينهما في أسطر محدودة. فنقرر أن أسلوبهما سلس رقيق، وأن عليا رغم وعورة مسلكه، وتحديه لشعوره وعواطفه، قد هدى عاصما إلى ما نظمه من المعاني، وفتح عليه بما لم يكن يخطر له على بال، كما ارتفع عنه حين سارا معا في الاعتذار والعتاب فجاء بما لم يتطاول إليه عاصم، وإن كنا نأخذ على الشاعرين معا ضيق الأفق، وعصر النفس، وسذاجة التفكير، رغم اتساع المجال، وفي ذلك بلاغ

محمد رجب البيومي

ص: 28

‌حول مستقبل الأزهر:

الاستقرار أولا

للأستاذ كامل السيد شاهين

إنا وما نكتم من أمرنا

كالثور إذ قرب للناخع

أو كالتي يحسبها أهلها

عذراء بكرا، وهي في التاسع!

كنا نرى فيها، فقد خرقت

واتسع الخرق على الراقع!

إذا كانت الهزات الاجتماعية، والحروب الكاسحة، معوقة للتقدم العلمي، حائلة بين ركب الحضارة وبين الخطو للأمام، فإن الزلازل التي بلى بها الأزهر منذ ست عشرة سنة، جديرة أن تهزه هزا عنيفا يكاد يفقده سمعته العلمية، ويشكك الناس في رسالته، حتى ليوشك أن يبقى اسما فارغا تحته واقع من الفوضى العمياء، والتهويش المخرب، والجهل العميق، والجعجعة الكذوب!

وإذا كان الأزهر في فتائه وإخلاصه للعلم، واستفراغ جهود أبنائه في الدرس، وتوفرهم على البحث - لم يستطع أن يساير الركب إلا لاهثا منهوكا، فأحر به وقد انصرف بنوه رؤساء وأساتذة وطلابا إلى الشغب والاضطراب، وتنور الحركات السياسية المشئومة، والجري معها كما تهوى الأغراض والمنافع، وإرسال الخطب تغريرا بصغار الطلاب ومغفليهم، أحر به وقد انصرف بنوه إلى ذلك كله أن يكبوا كبوا لا يسرع معه إلى النهوض، وأن يكون بمبعدة من ركب الحياة النشط الجاد، لا يدركه إلا بالعجزة بخرق العادة، وتأتي بما وراء الظنون!

امتازت السنوات التي قضاها الشيخ الأحمدي شيخا للأزهر (بين سنة 29 وسنة 34) بأنها كانت مخلصة للعلم والدرس والنظام، ولقد أفاد الطلاب والأساتذة على السواء من هذه النهضة المباركة، ولا يزال من أصابوا حظهم من الدراسة في هذه الفترة، على قدر من الثقافة الأزهرية المؤصلة التي لا تحوج إلا إلى قدر يسير من المعاودة والمراجعة، ليستوي صاحبها عالما ملما متهيئا للإفادة

ولئن كان الشيخ الأحمدي قد أثم أكبر الإثم بما جارى من السياسة الغشوم باشا في تلك الفترة، فأرهب الطلاب والأساتذة، واتخذ بعض العلماء عيونا على بعض، وعاقب بالظنة،

ص: 29

وبطش البطشة الكبرى بمن تحوم حولهم شبهة، وكان غليظ القلب في مصادرة الأرزاق، وتشريد الأسر، حتى أصبح الأزهر كله فرقا يموج بالدس والنفاق، وصار أساتذته في ذلة واتضاع من قلة الرواتب وسوء الحال. . . لئن أثم الشيخ الأحمدي هذا الإثم كله لقد ازدهرت الناحية التعليمية في عهده كل مزدهر، وآتى الاستقرار ثمارا لا تزال حلاوتها ملء الأفواه إلى يوم الناس هذا

وأقبل عهد الشيخ المراغي فكان فيه الخير والشر. كان خيره على الجيوب والبطون، وكان خيره على الكرامة الأزهرية والسمعة الخارجية الداوية، وشره كان على العلم والاستقرار، وكان على الإنتاج التحصيل والإعداد

حينما ثار العلماء والطلاب بالشيخ الأحمدي، وهتفوا بالشيخ المراغي، كانت دعواهم الإصلاح والنهوض. فإن كان الإصلاح الذي يريدون إصلاح الرواتب وإصلاح الجو الأزهري، وإصلاح سمعة الأزهر، فقد تحقق لهم من ذلك بالشيخ المراغي كثير مما يبغون. وإن كان الإصلاح الذي يرجون إصلاحا علميا، ونهضة واثبة لتحقيق رسالة الأزهر، فقد ساروا في ذلك خطوات فسيحات، ولكنز. إلى الوراء!

جاء الشيخ المراغي وفي صدره حب طاغ للأزهريين بعامة، وللطلاب بخاصة. وانثغرت الثغرة الأولى في عامه الأول، فلم تتم المقررات، ليس في الكليات وحدها، بل في المعاهد كذلك، ونادي منادون أن تريث المشيخة بالامتحان حتى يتم الطلاب دروسهم شرحا. وكان حل لهذا المشكل، ولكن على حساب العلم؛ فأوحى إلى وضاع الامتحان أن يكون في المقروء لا في المقرر، فكان هذا بدء الانثلام

وبعد هذا بدأت إضرابات واضطرابات كان يعالجها الشيخ بكثير من الرفق، وفق هوى الطلاب. فاستشعر الطلاب أنهم جانب ذو بال في تسيير دفة الأمور، فعزلوا وولوا، وكان ممن عزل بالهتاف والوقيعة، وممالأة الطلبة، الشيخ الضرغلمي شيخ معهد أسيوط، والشيخ السرتي شيخ معهد طنطا، وأمر أمر الطلاب إلى حد كبير حتى كانت المشيخة تتنور اتجاهاتهم ورغباتهم لتسير كما يطوع هواهم

نسيت المشيخة أن الطلاب لهم قلوب وآراء واتجاهات، وأن شراء ذممهم بالمال تربية سافلة، وسنة قذرة يجب أن تتوقاها مشيخة كريمة جهد التوقي

ص: 30

نسيت المشيخة أنها بذلك تعلم رجال الأحزاب احتقار الأزهر وآله الذين يسخرون بالدراهم، ويسيرون بالرشا. . ولقد ذهب الطلاب إلى الدكتور ماهر ذات يوم يطلبون إليه أمرا من أمور الأزهر، ويذكرونه فضلهم في خدمة الحكومة القائمة. فأجابهم: أما ما تذكرون من الفضل. . فلا. . فقد قبضتم الثمن!

هذا العمل كان جديرا أن يصدر من شيخ غير المراغي العظيم، ولكن الشيخ - غفر الله له - باع الأزهر في سبيل الكيد والمغايظة، ولم يعبأ بانتقاء السلاح الذي ينبغي له استعماله

إن من الإجرام أن يسير الأزهر في ركاب حزب من الأحزاب. وإن من الإجرام أن يحاول حزب من الأحزاب أن يلون الأزهر بلونه. يجب أن تتوقى الأحزاب جرجرة الأزهر واستغلاله في مهاترتها ومناوراتها ومكايدها. وإذا كان لا بد للأزهر أن يتحزب، فليتحزب تحزبا إسلاميا يتفق مع دراسته ورسالته

لقد كان من الآثار الباقية لهذه الحركة المشئومة أن آمن الطلاب والأساتذة من يومئذ بأن الاضطراب أمر مشروع تسنه المشيخة وتباركه وتكافئ عليه وتدعو له، وأن الامتحان مأمون الخطر ما دام في المقروء، وما دام الأساتذة في أيدي التلاميذ، يقرءون ما أراد الطلبة لهم أن يقرءوا، وينتهون إلى حيثما يريد الطلبة بهم أن ينتهوا. . وتخرج على هذا الوضع متخرجون هم في الجهالة ما هم!

وانتهى عهد الشيخ المراغي وقد خلف للأزهر فسادا شاملا وسننا من أسوا ما ضرب للمتعلمين في أي معهد من معاهد التعليم

فإذا كان للشيخ مناح محمودة مشهودة من خلقه ووفائه، ومن عزته وإبائه، ومن علمه وجلالته، ومن حفاظه وكرامته. فليس هذا عليه بمنكور، ولكنا لسنا بصدد التحدث عن ذلك؛ وإنما نحن بصدد الحديث في أمر الفوضى والاستقرار، فليطرد فيه الكلام حسب

من بعده تولى الشيخ مصطفى عبد الرزاق، وقد جاء وصدره تتزاحم فيه الآمال. وأنهى إلى الأزهريين أنه راغب أن يدفعهم إلى الأمام بكلتا يديه. . ولكن مثقلة من انحلال خلقي، وتكتل إقليمي، ونزوع للفوضى، مما يحتاج في علاجه إلى صلابة وجه، وشدة جسم. . . أمر يتكاءد رجلا موفور الحياء، جم التواضع، بالغ الرقة، كالشيخ مصطفى أن ينجح في علاجه وتصفيته. إذن فقد مضت الأمور آخذة أخذها القديم، ولم يتأذن الله للشيخ مصطفى

ص: 31

أن يغير من أمر الأزهر شيئا، ولم يكن الشيخ بطبيعته رجل هذا التغيير. . لقد مات الشيخ مصطفى مغيظا حزينا متأثرا بنداءات خشنة مجانبة للذوق والأدب، صكت سمعه في حرم الأزهر. . لقد قتل الشيخ مصطفى مظلوما. . ظلمه النقراشي باشا إذ ولاه - على رغمه - مشيخة الأزهر!

وما كاد الشيخ مأمون يقتعد كرسي المشيخة، حتى قرب وباعد، وسر وساء، ولكن في مدى معقول غير متطرف، وسار في الأزهر سيرة تعد مزيجا من (الدودشة) والدهاء. والحق أنه عزم ليردن الطلاب إلى الدرس والنظام وليقيمنهم على الطريق، وحاول ذلك جاهدا، وأذن في المفتشين ليرابطن كل مفتش في معهد لا يرميه شهرا، ثم ينتقل إلى آخر ويخلفه مفتش آخر، وكانت سيرة محمودة لو كتب لها النجاح. . ولكن ثقل النظام على الطلاب، وبرم الأساتذة بالدرس المستقر، فتلمسوا الفرص - وما أكثرها - ورجعوا لما اعتادوه من الفوضى والشغب. وحاول الشيخ أن يعالج هذا الاضطراب بضبط الامتحان؛ ولكن الطلاب قد دخل في روعهم - من قبل - أن النجاح حق لهم، وأن الغش حل، بل يدافعون عنه بالهراوي والمدي والغدارات. . . وفعلها الطلاب، ودخلوا بالكتب، وزادوا عن حقهم ما أطاقوا، وكانت حوادث، وظهر من شيوخ المعاهد من يحمي الغش ويدافع عنه ويواطيء الطلاب عليه، وظهر من الأساتذة المراقبين من يدير ظهره ليراقب المشرفين حتى إذا بدا منهم أحد اتجه إلى الطلاب يزجوهم إخفاء ما استعلن. غير أن بعض الشرفين آثر الأمانة في معهد قنا، وصدق المشيخة ما هنالك، فألغت الامتحان، وكانت هذه خطوة جريئة مشكورة

ولكن الشيخ أدركه الهرم، واضطربت أعصابه، وبقي مع ذلك يصرف شؤون الأزهر، ويقوم عليها مصبحا ممسيا، فخرجت الأمور معتلة مختلة، ولم تجن المشيخة ثمار الحزم، وعاد الطلاب إلى الفوضى والاضطراب على أشنع وجه وأبشع صورة

ومما زاد النقمة على الشيخ أنه شايع السياسة، واضطهد الإخوان المسلمين حين كانت السياسة تضطهدهم، وكان جديرا بمشيخة الأزهر أن ترفع يدها فلا تحارب قوما يؤدون رسالة هي لباب رسالة الأزهر ومخهاز وأياما كان فقد أسف الشيخ شر إسفاف بجريه في تيار السياسة التي يجب أن يباعد بين الأزهر وبين رذائلها جهد المباعدة

ص: 32

وما كاد الشيخ عبد المجيد سليم يتولى المشيخة حتى أعلن أزله خططا منهجية يريد الأخذ بها، ولكنه فوجئ بمطالب، ونوهض بمصاعب، ردته عما كان يولي وجهه شطره من إصلاح. ثم أدركه الضعف فدخل مجلس الأزهر عنصر سياسي يتكلم باسم الحكومة، ويقدم طلبات المشايعين لها، ويتعصب لهم ويحمل المجلس على احتظائهم؛ لأن في رفض طلبه إهانة للحكومة واستخفافا بها، والنار والدمار للمجلس وللأزهر كله، إذا لم تسمع كلمة الحكومة، ولم يستجب لندائها

وقرب على هذا الأساس ناس، وبوعد ناس، وعاد شيخ الأزهر بعد مرضته ليلقى باليدين وبالجران لهؤلاء الذين يتكلمون باسم الحكومة، بلا مخالفة ولا اعتراض، لأن في المخالفة الشر كله

ولقد ضخم الوهم من أمر العنصر الطارئ ما ضخم حتى صارت إشارته حكما، والاستجابة له غنما، وحتى أصبح المجلس بوقا ينفخ فيه واحد فتخرج منه أصوات كثيرة عدد أعضاء المجلس الموقر، كلها منسجمة ملتئمة، لا شذوذ فيها - بحمد الله - ولا نشوز

وإذا كنا نستنكر من الشيخ المراغي أن يجيش الأزهر عام 1938 لمحاربة الوفد، فإننا نستنكر على هذا العهد أن يطا من رأسه كذلك للرغبات الحزبية أيا كان مصدرها

وإذا كنا نعز الأزهر عن أن يسير في ركاب محمد محمود والنقراشي وعبد الهادي، فإننا نعز الأزهر كذلك عن أن يسير في ركاب مصطفى النحاس

وإذا كان الهتافة في عهد السعديين مسلطين على رقاب الأزهريين، وكان الهتافة في الوفديين مسلطين على رقاب الأزهريين، فإن ذوي الكفاءات جديرون أن يعفوا أنفسهم من الجهد والعمل والجد، وأن يتربصوا بالزعماء في دورهم وفي أفواه الطرق وأعراض السرادقات هاتفين مصفقين، أولا، فليتخذوا غير الأزهر مكانا يحترم العلم، ولا يضعف أمام الحزبية كما فعل الدكتور محمد يوسف موسى

على أن الحكومة ما تفتأ تنادي بتلطيف حدة الحزبية، فيعلن وزير فيها أنه وزير للعلم لا للسياسة، ويصرح آخر بأنه يربأ بنفسه أن يكون عضوا في حكومة لا تحترم الكفاءات. . . فهل سمع الأزهر. . . وهل وعى؟

يجب أن نعالج الأزهر أولا بالاستقرار، ودعم الاستقرار لا يكون إلا بالقضاء على

ص: 33

الجرثومة الخبيثة، جرثومة الحزبية، ثم يطلب منه أن يؤدي رسالته. فأما وهو على هذا النحو، فأمر من يبغون منه الخير، أمر من يطلب من مريض المفاصل أن يسير وثبا، وهو في كل لحظة يكب لوجهه كبا!

هذا ما رأينا من حال الأزهر، صورناه كما علمناه غير متجنين على أحد، ولا محابين أحدا. ونحنن نعلم أن ذلك سترم له أنوف، وتوغر منه صدور، ولكنا آثرنا أن نضع الأمور في نصابها، ليعلم امرؤ أن التاريخ غير راحم، وليرى أين يضع نفسه

كامل السيد شاهين

المدرس بمعهد القاهرة

ص: 34

‌الشر الطريف

للأستاذ ثروت أباظة

هي الصكة التي إن أخذت لم تذر، وإن حمت لم تدع لصاحب العقل عقلا، أو لصاحب الفؤاد فؤاداً، وهي لا تدع لذي الحياة حياة وتنحط أول ما تنحط فيفقد الإنسان قوامه وتطير نفسه بددا، حتى إذا تراجعت اليد التي أنزلتها رجع الإنسان إلى بعض الرشد منه فيبين له أن الله قد أقام الرجل رجلا حتى يملك زمام أموره، يسيرها فتسير، ويصرفها فتنصرف، فإذا استقام هذا التفكير وجرى في سننه أصبح الرشد الآئب أكبر من الرشد الهارب، واتكأ المصدوع على سنة الله في عباده فيرتئب الصدع أو يكاد، وتستقيم النفس بعد التواء. وبعد ففي كل شر خير، وخير معرفة الصاحب مخلص الصحبة، من العدو مضمر البغض، خير قديم يلازم كل شر ولا جديد فيهز وقديم كذلك أن أقرب الناس إليك قد يكون أشدهم بغضا لكز فهو يخفي بغضه حتى تصيب الصكة وينزل البلاء على صاحبه، فيزاحم ببغضه هذا البلاء ويستبق إلى إنزال الشر كأنه جزء منه، ينزله فلا يملك المبتلى إلا أن يصرخ (حتى أنت؟) فإذا الصرخة في نفس العدو فرحة؛ فهو موغل في شره. حتى إذا تبين له أن كيده مردود، وأن الله قد أقام الرجل رجلا حتى يملك زمام أموره، يسيرها فتسير، ويصرفها فتنصرف. . . يبين ذلك فإذا صاحب الشر مسترجع شره، يضعه في نفسه نارا تحترق ولا تحرق غيره! فياله من مسكين! هذا هو طريف الشر إذن. . آدمي ذو عقل وصاحب قلب يختزن في نفسه النار وتحرق قلبه وهو قلبه، ويملك عقله، ولا يملك عقله أن يبعد عنه النار، ويحه فما يجديه!! ترى أي سبيل يسلك حين تنفرج الأزمة وتنفك العقدة، أهو راجع إلى ما كان يحاول إظهاره من ود؟ أم هو مستقيم مع الشر الذي زاحم فيه وبه؟ أما صاحب البلاء. أما هو فما مصيره مع هذه الشرور التي كان يظنها خيرا؟ أهو مصدق نفاقهم الذي كان يظنه حبا؛ أم هو مستبد بعقله مانع شر الشرير باللفظ الخشن والوجه الملتوي! يا هادي السبيل؟ ما السبيل؟ أهو التغابي الدال على الذكاء يرافقه الخبث المبين عن التجربة؟ أم هو الصدق الدال على الاستبانه تمازجه الصراحة الواضحة عن النقاء؟ يا هادي السبيل! أكاد أسمعك تقول وهل الدنيا إلا اصطناع غباء وتجربة؟ وهو السبيل الأول. . هو السبيل

ثروت أباظه

ص: 35

عظة لوزراء اليوم

الشعراء عند عمر بن عبد العزيز

للأستاذ علي محمد حسن العماري

عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ثامن خلفاء الدولة الأموية، وجده لأمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولا شك أنه ورث عن جده هذا كثيراً من صفاته، فكان عادلا زاهداً متقشفاً حتى عده المؤرخون في سياسته وعدله خامس الخلفاء الراشدين. وقد ظل الناس خصوصا أهل البيت نحوا من ستين سنة يعانون أنواعا من الشدة والاضطهاد في دولة بني أمية؛ حتى جاء عمر ابن عبد العزيز على رأس المائة الأولى للهجرة، فملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا!

وفقد تولى عمر الخلافة وهو كاره. وكان بوده قبل أن تصير إليه أن يبعدها الله عنه، وأن يثني عزم الخليفة سليمان بن عبد الملك عن العهد إليه ولكنه لم يجد سبيلا، فلما وقع الأمر وصارت إليه الخلافة كانت أول كلمة قالها (أنا لله وأنا إليه راجعون) كأنما وقع في شر عظيم. ولا عجب فقد كان يقول:(أنا أخاف فيما ابتليت به حسابا شديدا ومسألة غليظة إلا ما عافى الله ورحم)

كان ورعا زاهدا تقيا فرفع يده عن بيت المال فلم يأخذ منه شيئا، وكف يده عن الفيء فلم ينل منه كثيراً ولا قليلا. وقد حبب إليه أصحابه أن يأخذ من بيت المال مقدار نفقته وقالوا إن جدك عمر بن الخطاب كان يأخذ درهمين كل يوم، فردهم قائلا: إن ابن الخطاب لم يكن له مال فحق له أن يأخذ، وأنا مالي يكفيني

ونذهب نفتش عن مورد رزق أمير المؤمنين الذي تمتد دولته من الصين شرقا إلى بلاد المغرب غربا، فنجد له عبدا يسمى (درهما) يحتطب له - وهجد درهما يضيق بعيشه، ويتبرم بحياته مع هذا الخليفة الزاهد المتقشف، فما هو إلا أن يسأله الخليفة - ماذا يقول الناس يا درهم؟ وهنا ينفث الغلام عن ذات صدره ويجيب الخليفة - وما يقولون؟ الناس كلهم بخير، وأنا وأنت بشر! إني عهدتك قبل الخلافة عطرا لباسا فاره المركب طيب الطعام، فلماذا وليت ورجوت أن أستريح وأتخلص، زاد عملي شدة وصرت أنت في بلاء،

ص: 36

فيقول له الخليفة: اذهب وأنت حر، ودعني وما أنا فيه حتى يجعل الله لي منه مخرجا

ويحرم عمر أولاده المال ويباعد بينهم وبين ترف أولاد الخلفاء، حتى يموت وليس عند أولاده شيء. ولقد أحضرهم قبل موته وهم يومئذ اثنا عشر غلاما فجعل يصعد النظر فيهم ويصوبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع ثم قال: (بنفسي فتية تركتهم! يا بني إني مثلت رأيي بين أن تفتقروا في الدنيا وبين أن يدخل أبوكم النار، فكان أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيرا من دخول أبيكم يوما واحد في النار. قال الرواة - فما احتاج واحد من ولد عمر ولا افتقر

أما الشعراء فكانوا في ذلك العصر الصعاليك السادة، يسيطرون على الحياة الأدبية في الدولة، ويعيشون عيشة الترف والنعيم، يأخذون من عطايا الخلفاء وجوائزهم، فما هو إلا أن ينبغ الشاعر حتى يقصد الوالي فيمدحه، ثم تسمو همته فيرحل إلى الخليفة ويمدحه فيرجع بالمال الوفير والخير الكثير ولم يكن الشاعر من هؤلاء. يعنيه أن يقول الحق أو الباطل، بل كثيرا ما كان يقول غير ما يعتقد، ويعتقد غير ما يفعل. وكان الخلفاء يبذلون للشعراء بسخاء ويعطونهم من بيت مال المسلمين ما نعده نحن إسرافا وفوق الإسراف، بل وما كان بعده معاصروهم من المتورعين ظلما للمسلمين واعتداء على حقوقهم. ولكن الخلفاء كانوا مستريحين إلى هذه الحال، لأن الشعراء في ذاك الوقت أشبه بالصحف الحزبية في وقتنا الحاضر ينشرون فضائل الأصدقاء، ويذيعون مساوئ الأعداء، وكان الأمويون بخاصة يريدون أن يشغلوا الناس حتى لا يتحدثوا في السياسة العليا ووجدوا في الشعراء شاغلا لهم أي شاغل. وقل من الشعراء من كان يربأ بنفسه أن يكون مطية لخليفة أو والي أو أمير. وقف عمران بن حطان الخارجي على الفرزدق وهو ينشد شعره فقال عمران:

أيها المادح العباد ليعطي

أن لله ما بأيدي العباد

فاسأل الله ما طلبت إليهم

وارج فضل المقسم العواد

لا تقل للجواد ما ليس فيه

وتسم البخيل باسم الجواد

ولكن هيهات أن يستجيب الفرزدق أو أحد أصحابه الشعراء لهذا النبل. وقد كان من عادة الشعراء أن يفدوا على الخليفة الجديد يهنئونه وينالون منه يسره وخيره فلما تولى عمر بن عبد العزيز وفدوا إليه - كعادتهم - مؤملين طامعين واجتمعوا ببابه منتظرين الإذن، ولكنه

ص: 37

لم يأذن لهمز وكان على الشعراء أن يدركوا، فإن الخليفة حرم نفسه وحرم أهل بيته؛ فقد اجتمع الأمويون ببابه يوم تولى الخلافة وأعلمه الحاجب بمكانهم، فقال له: ما يريدون؟ قال الحاجب ما عودتهم الخلفاء قبلك. وكان معه ابن في سن الرابعة عشرة فقال: يا أبي دعني أجبهم عنك، فأذن له فخرج وقال: - أبي يقرئكم السلام ويقول لكم - إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم - كان على الشعراء أن يتنبهوا ولكن الطمع أعمى أبصارهم فتوسلوا إليه ببعض جلساته، فقال يا أمير المؤمنين: الشعراء ببابك وأقوالهم باقية وسهامهم مسمومة - قال عمر مالي وللشعراء؟ - قال صاحبه: يا أمير المؤمنين إن النبي صلى الله عليه وسلم قد مدح وأعطى وفيه أسوة لكل مسلم قال: صدقت فمن بالباب منهم؟ قال ابن عمك عمر بن أبي ربيعة، قال: لا قرب الله قرابته ولا حيا وجهه، أليس هو القائل:

ويا ليت سلمى في القبور ضجيعتي

هنالك أو في جنة أو جهنم

والله لا دخل علي أبدا. فمن بالباب غيره؟ قال: جميل بن معمر العذري - قال عمر هو الذي يقول:

ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت

يوافق في الموتى ضريحي ضريحها

فما أنا في طول الحياة براغب

إذا قيل قد سوى عليها صفيحها

أضل نهاري لا أراها ويلتقي

مع الليل روحي في المنام بروحها

أغرب به، فو الله لا دخل علي أبدا - فمن غير من ذكرت؟ قال: كثير عزة، قال هو الذي يقول:

رهبان مدين والذين عهدتهم

يبكون من حذر العذاب قعودا

لو يسمعون كما سمعت كلامها

خروا لعزة ركعا وسجودا

فمن بالباب سواه؟ قال الأحوص الأنصاري - قال أبعده الله، ثم من؟ قال همام بن غالب الفرزدق، قال لا دخل علي أبدا، وذكر لكل منهما شعرا يفسقه به ثم قال فمن غير من ذكرت؟ قال: الأخطل التغلبي قال: أليس هو القائل:

فلست بصائم رمضان عمري

ولست بآكل لحم الأضاحي

ولست بزاجر عنسا بكورا

إلى بطحاء مكة للنجاح

ص: 38

ولست بقائم كالغير يدعو

قبيل الصبح حي على الفلاح

ولكني سأشربها شمولا

وأسجد عند منبلج الصباح

فو الله لا وطئ لي بساطا أبدا، وهو كافر. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قال: جرير بن عطية قال: فإن كان لا بد فهذا - فلما مثل بين يديه قال اتق الله يا جرير ولا تقل إلا حقا، فأنشد قصيدة من رائع الشعر يشكو فيها ما أصاب قومه، ويذكر ما يرجونه من جود الخليفة وعطفه، ويمدح عمر مدحا سريا وفيها يقول

كم باليمامة من شعثاء أرملة

ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر

ممن يعدك تكفي فقد والده

كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر

يدعوك دعوة ملهوف كأن به

خبلا من الجن أو مسا من البشر

إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا

من الخليفة ما نرجو من المطر

أتى الخلافة أو كانت له قدرا

كما أتى ربه موسى على قدر

فقال يا جرير والله لقد وليت هذا الأمر وما أملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله (يريد ولده) ومائة أخذتها أم عبد الله. يا غلام أعطه المائة الباقية، فخرج جرير يقول - إنها لأحب مال كسبته إليز ويسأله الشعراء: ما وراءك؟ فيقول: ما يسوءكم. خرجت من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء. . وإني لراض عنه

على محمد حسن العماري

ص: 39

‌قانصوه الغوري سلطان مصر الشهيد

للأستاذ محمود رزق سليم

الفصل الرابع

أقوال وأحاديث

قال التاجر: يبدو أن السلطان مولع كل الولوع بإقامة المباني الجميلة والمنازه الرائعة الممتازة

المستوفي زكي الدين: نعم إنه لكذلك. ولعلك تشير إلى ما أسسه في الميدان تحت القلعة، ذلك الميدان الذي كان فناء موحشا، وفضاء خاليا. لقد صيره قطعة من الجنة، وأصبح بما بناه فيه من القصور، وما أنشأه من البساتين وما غرسه من الأشجار، منزها ممتازا من منازه مصر. وقد أنفق في سبيل ذلك نحوا من ثمانين ألف دينار. . . لقد بدأ بتعلية حيطان سوره ودك أرضه وتسويتها. ثم بنى في وجهته الغربية مقعدا وقصرا فخما وحجرة خاصة وبركة جميلة كبرى يبلغ اتساعها نحوا من أربعين ذراعا، وبنى غير ذلك فيه من الأبنية

وقد جلب إلى بساتينه أشجار الفاكهة من مختلف الألوان وأعواد الأزهار والرياحين، وأجرى إليها المياه من النيل، برفعها السواقي في مجار خاصة

وأنشأ كذلك قصرا على باب الميدان، وطلا على الرميلة، ومهد الطريق بين القلعة والميدان بممشى جميل يتصل بالقصر بوساطة سلالم لطيفة. وأقام للميدان بابين أحدهما كبير ضخم، وهذا فضلا عما بناه من سبل وما جدده من أبنية. فقد جدد من قاعات القلعة الشهيرة، قاعة العواميد، والقاعة البيسرية. ولقد علمنا أنه أغلظ على القاضي شهال الدين أحمد ناظر الجيش هو وأخوته بأن ينزعوا الرخام النفيس من (نصف الدنيا) وهي قاعة والدهم المشهورة، ورخامها نادر المثال، أنفق أبوهم في سبيل اقتنائه مالا جزيلا، وجهدا وفيرا. وكانوا يعتبرون هذا الرخام أثرا عزيزا من آثار أبيهم. فانتزعه منهم السلطان قوة وقهرا، ليجمل به هاتين القاعتين وغيرهما. فأصبحت كل منهما زينة للناظرين، وفتنة للعيون؟ وبعد تجميلها انتقلت خوند زوجة السلطان إلى القلعة، بعد أن ظلت زمنا طويلا مقيمة ببيت الأمير ماماي بين القصرين؟ وكان يوم انتقالها حافلا. . . لقد بسطت على رأسها القبة

ص: 40

والطير، ونشرت عليها خفائف الذهب ولفضة، وفرشت لها الشقق الحريرية من باب الستارة إلى قاعة العواميد

ولقد وردت إلى السلطان منذ أمد قريب هدايا من الشام حافلة، في عدادها عدة صناديق خشبية فيها أشجار صالحة للغرس لا يزال الطين عالقا بجذورها، وهي ما بين أشجار تفاح وكمثرى وسفرجل وقراصية وأعناب مختلفة. وما بين ورد أبيض وسوسن وزنبق. ومن بينها شجرة من أشجار جوز الهند. . فغرس كل ذلك في بستانه بالميدان. وزود البستان بالمقاعد الكثيرة والمناظر الوثيرة، حتى صار روضة كاملة وجنة حافلة، اعتاد السلطان أن ينفق أوقاته مرتاضا بين أحواضها وممراتها، وأن يقيم مواكبه فيها واستقبالاته، وأن يمد موائده على مقربة منها؛ وأصبحت هذه الروضة تضارع في جمالها وتنسيقها وطرافة ما فيها، ما يرويه التاريخ عن بساتين خمارويه. . .

وليس على السلطان من بأس في كل ما أنشأه، سوى هذه المصادرات الغرامات الفادحة، وسلب مقتنيات الناس بأبخس الأثمان. . .

قال الشاعر شهاب الدين: ألم تسمعوا قول الشاعر:

يا من بنيتم لخلق الله مدرسة

أسستموها بعدل أم بطغيان

إذا بنيتم فلا تبنوا على سفه

ولا تجوروا بسلب أو بحرمان

فكل شيء بناه الجور منهدم

وليس يبقى سوى عقباه للباني

فقال علم الدين الخياط: صدقت. . . ولو أن السلطان نقل الرخام من (نصف الدنيا) إلى مسجده لقلنا سيئة أتبعتها حسنة؛ وقد قال علنه الصلاة والسلام ما معناه (وأتبع السيئة الحسنة تمحها)؟ ولكنه نقلها إلى القاعة البيسرية وسواها، ظهورا وزينة ومتعة، فهي سيئة أتبعها سيئة. . .

التاجر غرس الدين: ليت السلطان يكتفي بعقوبة الأعيان والرؤساء، ومصادرة أموالهم ونفائسهم ولكنه يعاقبنا كذلك معشر التجار من آن لآخر، بفرض الضرائب، الباهظة، وبغيرها، كالأمر بتعلية الأرصفة أو تخفيضها. . . إن علينا نفقاتها، فوق ما نعانيه من دالة الفعلاء، وحاملي الأتربة. إذ يرفعون حينذاك الأجور، ويماطلون في العمل، فضلا عن عطلنا عن البيع والشراء، طالما ضاقت صدورنا وامتلأت بالحرج والحنق، ولكنها الأوامر

ص: 41

السلطانية الشريفة يا سيدي. . . ويبدو أنها ترادف الجور في معناه في أيامنا. . . زد عليها ضريبة المشاهرة التي أبطلها السلطان حين تفشت الأوبئة في البلاد، كأنما كان يتقرب إلى الله بإبطالها. ثم سرعان ما عاد ففرضها علينا وزاد عليها. والأمر لله من قبل ومن بعد

المستوفي: إن ما يصيب التجار - يا صديقي - قليل من كثير مما يصيب أعيان الموظفين. وويل لكل موظف في الدولة من السلطان. . . لقد تعودنا أن نشتري الوظيفة بالمال، من السلطان أو من وسطائه - وهي مع أنها سلعة غالية، قليلة النفع سريعة النفاق. فمتى ساء ظن السلطان في أحد الموظفين لأقل شبهة أو نميمة، قبض عليه وصادره، وأحاط بماله، وفرض عليه غرما ماليا فادحا، وعاقبه عقابا شديدا بالضرب بالمقارع، أو التشهير في الأسواق، أو عصر الأيدي والأرجل بالعصارات. أو إحراق الأصابع بالقصب، أو لي الأصداغ بحبال القنب، وغير ذلك. وقبل هذا كله تطير الوظيفة من يديه. . .

الخياط: مسكين - والله - الشيخ بدر الدين بن مزهر. كان من خيرة زبائننا. وكان معدودا من الرؤساء والعلماء. لقد ولي عدة وظائف سنية من بينها كتابة السر وقد أخبرني أحد أقاربه أن السلطان قبض عليه وسجنه. ثم وكل أمره إلى الحاج بركات ابن موسى الذي صار محتسبا للقاهرة. وإلى معين الدين بن شمس، وكيل بيت المال، وغيرهما، فعصروا أكعابه. وركبه. وأحاطوا أصابعه بالقصب وأوقدوا النار فيه، حتى تساقطت سلامياته. واختطفوا أثداءه بكماشات الحديد المحمى، ثم وضعوها في فمه. . . ولووا أصداغه بحبال من قنب حتى نفرت عيناه. . . ثم مات. . . وقانا الله وإياكم شر العذاب

المستوفي: ولم يكتف السلطان بذلك، بل سطا بعد حين على قاعات أبيه فاقتلع رخامها وزين به الدهيشة. . .

الشيخ ولي الدين: يقال - والله أعلم - إن أبا بكر ابن مزهر يستحق هذا العذاب ن فإنه كان نكبة على الناس وآذى كثيرا منهم إيذاء شديدا. . . هذا إلى أنه كان يأتمر بالسلطنة، ويغري الأنابكي قيت بالوثوب عليها. . . ووضع أمواله تحت تصرف قيت وعصابته. . .

ونحن - وإن كنا لا ندري بواطن الأمور - نستسيغ كل خبر إلا الرشوة التي تقدم للسلطان ووسطائه في سبيل المناصب ثمنا لها، ولا أدري كيف يشتري الموظفون وظائفهم من السلطان؟ ومن المؤلم أنهم درجوا على ذلك زمنا طويلا، حتى كاد شراء الوظائف يكون في

ص: 42

عداد التقاليد. وإذا استسيغ شراء بعض الوظائف فليس بمستساغ أن يشتري قضاة القضاة مناصبهم. . . وهم القوامون على الشريعة، المهيمنون على العدالة، فكيف يؤتمنون بعد ذلك على رعايتها؟ ألا رحم الله السلف الصالح. . . كان كثير منهم يعف عن ولاية القضاء جملة، ولو ضرب في سبيل ذلك أو سجن. وقد عزل بعضهم نفسه من هذه الولاية، وكلما ولوه عزل نفسه. ومنهم من أنف أن ينال من وراء ولايته درهما واحدا. . .

المستوفي: بلغني أن قاضي القضاة محي الدين بن النقيب سعى إلى قضاء الشافعية بنحو سبعة آلاف دينار، دفع منها للسلطان خمسة آلاف، وللوسطاء نحو ألفين، ومن هؤلاء الوسطاء الأمير أزدمر الدوادار. . . ومع ذلك عزل هذا القاضي بعد مدة يسيرة لم يستطع خلالها - فيما أظن - أن يستعيض عن دنانيره

الشاعر: لقد أصبح ابن النقيب هذا، والقاضي جمال الدين القلقشندي، وأضرابهما من قضاتنا الأماثل، مثلة للناس وأضحوكة لتكالبهم على مناصبهم، وأصبحوا مثاراً للقيل والقال محلا للهزء والسخرية. وقد داعب أحد أصدقائنا قاضينا ابن النقيب، فقال فيه:

قاض إذا انفصل الخصمان ردهما

إلى جدال بحكم غير منفصل

يبدي الزهادة في الدنيا وزخرفها

جهرا ويقبل سرا بعرة الجمل

الخياط: أما القاضي عبد البر بن الشحنة فقد هجاه صاحبنا جمال الدين السلموني بقصيدة مرة، ولكني نسيتها. . . وأصابه بسببها مكروه شديد

الشاعر: أما حادثة السلموني فقد بدأت عندما هجا هذا الشاعر، القاضي معين الدين بن شمس، وكيل بيت المال، هجاه فاحشا. ومعين الدين - كما تعرفون - كثير الشر والأذى. وكان في عداد ما هجاه به هذا البيت

وحرفته فاقت على كل حرفة

يركب ياقوتا على فص خاتمه

وفي هذا البيت ما فيه من التورية والإقذاع. فشكاه إلى السلطان. فقال له السلطان: إن وجب عليه شيء شرعا، فأدبه. . . فاتخذ ذلك وسيلة إلى القبض على السلموني، ووضعه في القيد، وسوقه إلى بيت القاضي عبد البر، ورافعه أمامه، وادعى عليه. . . فضربه القاضي ووبخه، وأمر بإشهاره على حمار، وهو مكشوف الرأس. . .

بلغ هذا الحكم مسامع السلطان، فحنق على معين الدين، لأنه ادعى زورا أن السلطان أمره

ص: 43

بإشهار السلموني، فقبض على معين الدين، وسجنه، وكاد يقطع لسانه، لولا أنه أرضى السلطان ببعض المال فعفا عنه. . . .

أما السلموني فقد سخط أشد السخط على القاضي عبد البر بسبب ما ألحقه به من الأذى، وهجاه بقصيدة طويلة هجاء فاحشا، نسب إليه فيه كل كبيرة وصغيرة. وقد شاعت هذه القصيدة وذاعت وحفظها كثير مت الناس، من محبي السلموني وغيرهم. وأخذوا يرددونها في مجالسهم تفكها بابن الشحنة. . ومنها هذه الأبيات:

فشا الزور في مصر وفي جنباتها

ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها

أينكر في الأحكام زور وباطل

وأحكامه فيها بمختلفاتها

إذا جاءه الدينار من وجه رشوة

يرى أنه حل على شبهاتها

فإسلام عبد البر ليس يرى سوى

بعمته والكفر في سنماتها. . الخ

فشكاه عبد البر إلى السلطان. فأحضر السلطان الشيخ جمال الدين السلموني ووبخه، فأنكر أنه نظم هذه القصيدة كلها ولكن أقيمت عليه البينة، وشهد الشهود. . . فأمر السلطان بقيده وسجنه بالمدرسة الصالحية. . . ثم أراد القضاة - انتصارا لزميلهم - أن يضربوا هذا الشاعر بالسياط، ويشهروه في القاهرة، ثانيا. . . فعلم جماعة من العوام بذلك، وهم من محبي السلمونيز فتعرضوا للقضاة وهددوهم بالأذى. وجمعوا الحجارة في أكمامهم، وهموا برجم القاضي عبد البر، وهو في طريقه. . . فاضطر إلى العفو عن الشاعر دون أن يعزره أو يشهره، ولكنه تركه في سجنه زمنا. . ولهج العامة بأن السلطان على هذا الشاعر ويعني بأمره. . .

فقال الشيخ ولي الدين: ويحكم أليس لكم الليلة حديث إلا الغيبة. إنكم لكالغربان لا تسقط إلا على الجيف

للكلام بقية

محمد رزق سليم

ص: 44

‌رسالة الشعر

ذكري غرام

للأستاذ إبراهيم محمد نجا

ذكرى غرام كان

في غابر الأزمان

طارت به الأيام

في عالم الأوهام

الشاعر الحائر

ولما أن تلاقينا

تعانقنا بروحينا

وضم الحب قلبينا

وغنى لحن لقيانا

فغنى القلب أشعاري

على أنغام قيثاري

وباح لها بأسراري

وذاب هوى وتحنانا

ورفرف حولها يشان

بخمر الحب والألحان

وغزل حسنها الفتان

فرف الحسن ألوانا

وناجته وناجاها

وغنته وغناها

فأشرق في محياها

سنا الحب الذي بانا

شفاك الحسن يا قلبي

من الحرمان والجدب

فعشت بجنة الحب

خفوق الظل نشوانا

وكنت مضيع الأحلام

وكنت مشرد الأنغام

وكنت محير الأيام

وكنت تذوب حرمانا

وكنت تسامر الأحزان

وأنت مع الدجى سهران

وتشرب من يد الحرمان

بكأس الوجد نيرانا

وكنت تسير في دنياك

على نار من الأشواك

وكأس الحب في يمناك

تفيض أسى وأشجانا

وكنت تقلب الأوهام

عساك ترى ظلال غرام

فلا تلقى سوى الآلام

تحيل صباك بركانا

ص: 45

وكنت تذيع ألحاني

وفيها سر أشجاني

ليعلم قلبها الحاني

بما ضمته شكوانا

وها قد عادت الأيام

ترف بزهرها البسام

وعادت ربة الإلهام

بماضينا كما كانا

سلام الحب يا ليلاي

ونجوى القلب يل دنياي

وأزهاري وعطر صباي

تزف إليك قربانا

هواك بمهجتي أفراح

وعطرك نشوة الأرواح

وهجرك في حشاي جراح

أطوف بهن حيرانا

وحبك جنة الأشواق

وواحة قلبي المشتاق

وأنت بعالمي إشراق

لفجر رف مزدانا

وأنت ربيع أزهاري

وأنت خميل أطياري

وأنت الجدول الجاري

فكيف أعيش ظمآنا؟

وأنت الجنة الفيحاء

تقل على الربا الخضراء

محرمة الجني عذراء

وجني ثمارها حانا

وأنت كما يحب هواي

وأنت كما تريد مناي

وكم حنت إليك يداي

فلاقت منك هجرانا

تعالى ننفض الأسرار

ونهتك هذه الأستار

فيلفحنا لهيب النار

ويسري في حنايانا

تعالي فالحياة ظلال

تحركها رياح شمال

بضفة جدول سلسال

لعوب الماء هيمانا

تعالي فالحياة زهور

يرف بها الندى والنور

فتسبح في الجواء عطور

تحيل الكون بستانا

ويأتي فجأة إعصار

يمزق هذه الأزهار

فتنسجها يد الأقدار

لوادي الموت أكفانا

تعالي فالفؤاد ينوح

على ذكرى غرام الروح

ص: 46

ويرسل آهة المجروح

على الماضي الذي بانا

إلى الماضي أعيديني

وفي الماضي أذيبي

فإن الحب يحييني

أحاسيسا ووجدانا

تعالي قبلما نمضي

بروحينا عن الأرض

فنفقد لذة تفضي

إلى أسرار محيانا

تعالي قبلما نفني

وتذهب نارنا عنا

ونرجع مثلما كنا

هناك. . . وراء دنيانا

إبراهيم محمد نجا

مخلوقات للظلمات

للشاعر الشاب محمد مفتاح الفيتوري

وهبت قلبي للحرمان والألم

فما تريدين ممن عاش للقمم!

يا زهرة السفح هذا السفح مقبرة

سكرى برائحة الأجياف والرمم

جوسى بعينيك فالظلماء راعشة

الأشباح. . والغاب وجه للحياة عمى

بسمعي لصرير الجندب انبعثت

أصواته في نشيد غير منسجم

ميلي بجذعك تلقي كل عوسجة

أو لرقصي بالصخور السود ترتطمي

فارضي بحظك من هذا التراب فما

خلقت كي تبصري الأضواء من أمم

لا تنسجي من خيوط الشمس واهمة

بردا تعريك منه راحة الظلم

فلن تكوني هوى قلبي ولن تقفي

يوماً كما تقف الذرات من قدمي

أني هنا في سماواتي وأخيلتي

في موكب من جلال الفن والنغم

أبني العوالم في فكري وأهدمها

وأحشر الناس والأيام في حلمي

وأوقف الفلك الجاري بأنملة

وأخلق الخلق من (لاشي) والعدم

كم ليلة غرقت أضواء أنجمها

في زاخر من محيط السحب والسدم

تركت إعصارها الجبار مصطخبا

ونوءها قاذفا بالثلج والرجم

ورحت أغرس في فردوس صومعتي

زهر الربيع وأرعى طفلة النسم

ص: 47

وأستحم بضوء الشمس مبتسما

إلى الشتاء الذي غشى على الأمم

وغادة أنا باريها وخالقها

كأنها حلم الآزال والقدم

عذراء لو جسدت كفي أنوثتها

لقدست بين أهل الأرض كالصنم

ظللت ليلى تشقيني وتسعدني

كأنني في يديها مزهر الألم

حتى إذا ما تمطى الفجر وانتشرت

على الدروب رعاة الإبل والغنم

سكبت في أذن الأوراق قصتها

وبت أحرق في ذاك الخيال دمي

فرضي بحظك من هذا التراب فما

خلقت لي يا ابنة الأوحال والظلم

محمد مفتاح الفيتوري

ص: 48

‌البريد الأدبي

الكوميدية الإلهية وقصة المعراج:

في السنة الرابعة من سني الرسالة نشر الأستاذ دريني خشية ست مقالات تحت عنوان (دانتي الجيبري والكوميدية الإلهية، وأبو العلاء المعري ورسالة الغفران) أثبت فيهما أن دانتي لم يتأثر برسالة الغفران ولا بقصة المعراج؛ وإنما بأثر بالقرآن الكريم، وبالإبنييد لفرجيل وبرؤيا يوحنا اللاهوتي. ثم نشرنا بحثا في ثلاثين مقالة لأحد علماء الأزهر الشريف من المطلعين على الأدب الحديث أثبت فيها التشابه القوي بين دانتي وأبي العلاء، وأيد رأيه بآراء المستشرقين في هذا الموضوع. وظلت المسألة معلقة بين النفي والإثبات حتى كان فصل الخطاب ذلك الكشف الذي تحدث عنه في عدد الرسالة الماضي الدكتور أمبرتو ريزيتانو الأستاذ بجامعة فؤاد الأول، وهو ترجمتان لقصة المعراج لاتينية وفرنسية، واطلاع دانتي على إحداهما. فلم يبع إذن شك في أن دانتي استوحى قصة المعراج ملحمته كما استوحاها أبو العلاء رسالته

ثروة من ثروات الأزهر تنتقل إلى جامعة فؤاد

قرر مجلس جامعة فؤاد الأول بجلسة 30 يونيو تعيين الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى أحد علماء الأزهر وخريج جامعة باريس أستاذاً مساعدا للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق وقد كان الأزهر أولى بهذه الثمرات الناضجة التي تفتحت في جوه، وعاشت بروحه، وتعمقت في ثقافته، ثم أخذت بنصيب موفور من العلم الحديث بلغته وفي موطنه؛ فاكتملت لها الأداة لتجديد البالي، وإصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، مما كثرت الشكوى منه وطال الجدل فيه من أنظمة الأزهر ومناهجه وكتبه. ولكن الأزهر لأمر يعلمه الله لا يريد أن يغير ما بنفسه، ولا يحب أن يعترف بالفضل لأهله. والكفاة إذا لم يجدوا الإنصاف في بيئتهم ومن عشيرتهم تحولوا إلى النظام المنصف. والعلماء إذا لم يجدوا الحقل مهيأ للغراس تركوه إلى المكان الطيب

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا

ألا تفارقهم فالراحلون همو

كتب المطالعة الإضافية للمدارس الثانوية:

ص: 49

قررت لجنة النظر في اختيار كتب المطالعة الإضافية للمدارس الثانوية برياسة صاحب السعادة المستشار الفني لوزارة المعارف وعضوية أصحاب العزة الأساتذة إبراهيم مصطفى بك، وأحمد حسن الزيات بك، وأحمد علي عباس بك، تقرير الجزء الثاني من كتاب (قطوف) للبشري، ورواية في سبيل التاج للمنفلوطي ومجموعة (كل عام وأنتم بخير) لمحمود تيمور بك للسنين الأولى والثانية والثالثة من المدارس الثانوية بنين وبنات

غلام أحمد وأتباعه ليسوا بمسلمين:

هذا عنوان كلمة جامعة لأستاذنا الجليل الشيخ محمد الخضر حسين عضو (جامعة كبار العلماء بالأزهر)، وبقية السلف الصالح علما وتحقيقا وتواضعا ودعوة للدين بالتي هي أحسن. وقد رأينا أن نقبس منه كلمات ومعلومات لا ريب فيها، لنرد على كلمة للأستاذ علي سرطاوي أشاد فيها (بمحمد علي) تلميذ غلام أحمد الذي ظهر بالهند أوائل القرن

قال الأستاذ الخضر فيما قال

1 -

يزعم غلام أحمد أنه يوحي أليه، فقال في كتاب (الاستفتاء) ص 25: فأوحى إلي ربي وقال إني اخترتك وآثرتك. وزعم أنه نبي، فقال ص 19 من الكتاب نفسه: ثم مع ذلك دعاني الله نبيا تحت فيض النبوة المحمدية وأوحى إلي ما أوحى. وزعم أنه رسول من الله، فقال في الكتاب نفسه ص 31: وما أرسلني ربي إلا ليكف عنكم أيدي الكفار. وقال في كتاب (أنجام التهم) ص 79: فكلمني وناداني وقال إني مرسلك إلى قوم مفسدين

2 -

وله مع هذا كلمات آثمة يمدح بها نفسه، ومنها ما يزعم أنه محي من الله جل وتعالى. ز إنه يزعم في كتاب (الاستفتاء) الذكور ص 85 أن مما خاطبه به الله هذه الكلمات، لولاك ما خلقت الأفلاك؛ كما يقول ص 87 عن الله تعلى: وآتاني ما لم يؤت أحدا من العالمين. وقال في كتابه (حمامة البشري) ص28 زاعما أن الله خاطبه به: إنا جعلناك عيسى ابن مريم، وأنت مني بمنزلة لا يعلمها الخلق، وأنت مني بمنزلة توحيدي وتفريدي، وإنك اليوم لدينا مكين أمين

3 -

بل إن هذا الضال الخارج عن الإسلام هو وأتباعه جميعاً، يفضل نفسه على عيسى عليه السلام، إذ يقول في كتاب (أحمد رسول العالم الموعود): (فالواقع أن الله القدير قد

ص: 50

أبلغني أن مسيح السلالة الإسلامية (يعني نفسه) أعظم من مسيح السلالة الموسوية). كما يقول في كتابه (دافع البلاء) ص 13: (قد بعث الله تعالى في هذه الأمة مسيحا أفضل وأرفع في جميع الكمالات عن المسيح السابق، وسماه غلام أحمد)!

هذه العبارات إلى كثير من أمثالها، مما نجده في تضاعيف مؤلفاته بالعربية أو الأوربية أو الفارسية، لا يمكن أن تصدر إلا عن خارج عن الإسلام ضال مضل يسخر من أتباعه ويحاول أن يموه عليهم بدعواه الإسلام والعمل على نشره

وأتباع غلام أحمد - على ما يذكر الأستاذ الشيخ الخضر أيضا - فرقتان: فرقة قاديان ورئيسها اليوم محمود بن بشير بن غلام أحمد، وفرقة لاهور ويرأسها محمد علي مترجم القرآن إلى اللغة الإنجليزية، إلا أنه ترجمه على ما شاء ليشهد لعقائدهم الضالة على ما هو معروف لدى أهل العلم

فكيف بعد ذلك يعجب الأستاذ علي محمد سرطاوي بمولاه محمد علي ويدعو المسلمين جميعا لتكريم رجل يتزعم فرقة ثبت خروجها عن الإسلام بما لا يقبل بدلا؟

محمد يوسف موسى

ملاحظة على مقال:

قل لي بربك: ماذا يحدث لك لو أنك رأيت خطيب مسجد في قرية يدعو إلى ضرورة ائتلاف الأحزاب حتى نكسب قضيتنا الكبرى. ويقيم البراهين والأدلة على دعواه. كل هذا بين قوم أميين لا يعرفون ما هي هذه القضية فضلا عن أن يفهموا أدلة هذا الشيخ الوقور. قل لي بربك ماذا يحدث لك؟ ثم ضع هذه الصورة بجانب مقال الأستاذ علي العماري المنشور بالعدد 939 من الرسالة بمناسبة شهر الإحسان (سؤال الناس) والذي أخذ يوجه فيه نصائحه الغالية إلى المتسولين المحترفين، وأن هذا لا يليق (لأنه يضر بالمجتمع الناهض والأمة التي تريد أن تبني مجدها)

نعم والله. إنه لمجتمع ناهض هذا الذي يقرأ متسولوه مجلة الرسالة الغراء ويستفزهم ذكر الوطن والرقي والأمة إلى غير ذلك من الخرافات التي لا نظن أن كثيرا من المثقفين يراعون قداستها فضلا عن المتسولين. أنها الأستاذ الفاضل. من للمتسولين يفهمهم أبيات

ص: 51

الشنفري

وأبي دلف العجلي؟ اللهم إلا إن كنت تكتب لقراء الرسالة، وقراء الرسالة والحمد لله ليس فيهم من يصح أن تقصده بكتابتك وأخيرا يدعو إلى العلاج الناجح وهو تفهيم الناس دينهم على حقيقته (وأن يتأكدوا أن هذه المظاهر مما يشين الأمة ويحيط من قدر الوطن) أن هذا المتسول أنها الأستاذ قد شان نفسه قبل أن يشين الأمة، وحط من قدرها قبل أ، يحط من قدر الوطن. وهو يعرف ذلك فعبثا تقول له (الوطن، الأمة) إن المعد الخاوية لا تفهم إلا منطق الطعام. فأمسك عليك نصائحك. . . واعلم أن هذا موضوع لا يعالج بمثل هذه السهولة

الصافية

عبد الفتاح الجزار

إلى الأستاذ عبد القادر رشيد الناصري

قد وعدتمونا أنها الأستاذ الكبير بدرس شعراء العصر ففي العراق تحليلا ونقدا وقد طال انتظارنا لهذا الوعد، فإن حققتم هذا العمل الأدبي يكن له صدى جميل وأثر طيب في نفوس الأدباء وهواة الأدب، إنا لذلكم مرتقبون

علودة

عفيف الحسيني

ص: 52

‌القصص

الدكتور فيكل

للكاتب الروسي أنطون تشيكوف

بقلم الأديب أزاد نوري محمود

خرجت (واندا) الحسناء من المستشفى وهي فقيرة معدمة. . . ماذا تفعل! وكل ما عندها من حطام الدنيا خاتم ذهبي ذو ماسة براقة، وقد اضطرت لشدة احتياجها للمال أن تبيعه بروبل واحد. . . ولكن روبلا واحدا لا يكفيها لشراء ما تهفو إليه نفسها

إنها تحتاج إلى ملابس جديدة لتبدو فيها أجمل مما هي الآن، وقبعة بيضاء تزهو بها بين الفتيات، وهذه الأحذية البالية التي أكل عليها الدهر وشرب تبعث الاشمئزاز إلى نفسها. . . ولكن ماذا تفعل؟

وكانت تشعر بخجل واضطراب كلما رأت العيون تحدق فيها وفي ملابسها الرثة وسحنتها الزرية. والغريب أنها تتوهم أن الحيوانات إذا ما رأتها تتقزز من منظرها وتدمدم غاضبة. وكثيرا ما انفردت بنفسها تناجيها:

- آه. أين ذلك الذي ينتشلني من هذه الوحدة، وينقذني من شقائي. . . أخشى ألا أجد أحدا

ثم فكرت في الذهاب إلى (تيفولي). . . وهناك كانت تأمل أن تلتقي بضالتها المنشودة. ولكن، أبهذه الملابس القذرة المهلهلة تذهب إلى تيفولي؟ هل تقدم على ذلك؟

وأطلقت لأفكارها العنان: إلى أين أستطيع الالتجاء؟ ولا وزر لي في تيفولي. . . أإلى (ميشيل)؟ لا، لقد تزوج منذ أيام، أم إلى الهرم الساذج (أوسيب)، وأخشى أن يكون منهمكا في أعماله

ثم هبت بغتة عندما جال بخاطرها اسم (فيكل) طبيب الأسنان في تيفولي، وتذكرت أنها زارته قبل بضعة أشهر عندما وهبها بعض الأساور الجميلة. وداعبها في تلك الليلة حتى أغاظها فلم تتمالك أن أفرغت قدحا مت الشراب على رأسه. إنه طيب القلب مرح. فلا بد أ، يعطيها شيئا إذا زارته اليوم

وهكذا جدت (واندا) السير في طريقها إلى منزل فيكل وقد سرت فيها انتعاشة فياضة

ص: 53

وانبعث منها حمية ونشاط. . وكانت تتمتم بخفوت:

- إذا كان في المنزل ولم يعطني شيئا فسأجدع أنفه!! وسأحاول إغراءه بشتى الوسائل علني أحصل منه على 20 روبلا

لكنها أنكرت هذه الفكرة وحاولت إبعادها من رأسها؛ وانتابتها قشعريرة وأخذت تترنح في سيرها وشعرت بارتباك وخوف. .

وعندما اقتربت من منزل الطبيب ترددت في طرق بابه. . وتسمرت في مكانها لحظات واجمة تفكر:

- ربما يكون قد نسيني. . . ثم هذه الملابس الرثة. . . هذا المنظر الذري. . رباه!

وواتتها شجاعة حينما تقدمت غير هيابة وطرقت الباب بقوة. . . وصاحت: - هل الطبيب هنا؟

وبرزت الخادمة. . . وخطت نحوها ثم قادتها إلى غرفة الانتظار دون أن تنبس. . . وغاصت واندا فوق المقعد الوثير سارحة الفكر شاردة اللب. . . وأبصرت نفسها في مرآة مقابلة. . لقد كانت صورة واضحة للبؤس والشقاء والتشرد

ثم خاطبتها الخادمة بعد هنيهة:

- تفضلي بالجلوس هنا. . . سيحضر الطبيب بعد دقائق وكانت واندا تفكر فلم تفقه من كلام الخادمة شيئا. . . وساءلت نفسها:

لم هذا التهيب؟ سأصارحه بالقول وأقترض ما أطلب من مال. . . ولا عيب في ذلك! وسيتذكرني حالما يراني. . . ولكن هذه الخادمة السمجة، مالها جمدت في مكانها لا تبرحه؟ لن أصعد إلى غرفته إن بقيت في مكانها

وفجأة دخل (الدكتور فيكل) بقامته الفارعة ووجهه المتجهم وعينيه اللتين ينبعث منهما وميض الاعتزاز والكبرياء، تدل سحنته العابسة على أنه متشبث برأيه يصعب إقناعه. ودهشت واندا لتجهمه وعبوسه وقد عهدت فيه المرح والانشراح. وفي تلك الليلة التي زارته في منزله داعبها وهو طلق الأسارير ضحوك. ما باله تغير هكذا؟ وكأنه ببروده وتكلفه الابتسام موظف رسمي في ديوانه. . .

واقترب من واندا وقبل أن يتفرس فيها جيداً سألها بهدوء: - ماذا بوسعي أن أفعله لك؟

ص: 54

ووجف قلبها عندما خاطبها الطبيب بلهجة من لا يعلم عنها شيئا. . . وأخذت تحدق في تلك الخادمة اللعينة بنظرات تتلظى وغضب مكتوم، واصطبغت وجنتاها بحمرة خفيفة عندما خاطبها ثانية: - هل أستطيع أن أقوم بشيء؟

وأجابته على الفور بصوت متهدج واهن وهي تصر على نواجذها:

- أسناني. . . أسناني تؤلمني قليلا يا دكتور. . .

- ها.؟ صحيح؟ وتذكرت واندا سنا لها كانت تؤلمها أحيانا:

- في الفك الأسفل، نحو اليمين. . . حسنا افتحي فاك جيدا. . .

وزوى فيكل ما بين حاجبيه وبدت علنه صرامة قاسية وتنهد تنهدة عميقة، ثم شمر عن ساعديه وأمر أصابعه على أسنان الفتاة بهدوء، ثم أدخل في فمها آلة قاطعة:

- هل هذه السن تؤلمك؟ نعم. .

واستسلمت بين يديه بهمود وتراخ وشرعت تفكر

- إذا عرفته بنفسي. . . فلابد أنه يتذكرني جيدا، ولكن هذه الشيطانة لا تزال جامدة هناك كالصنم

وشعرت بألم حاد حينما اقتلع سنها بقوة، وندت عنها صرخة مكتومة وحاولت أن تمسك يديه. . . وصاح فيها: - ماذا تفعلين؟ إن سنك قد فسدت ولا تصلح لك البتة. . . وعليك ألا تهملي شأن أسنانك منذ اليوم يا صغيرتي. . .

قال هذا واستوى واقفاً على قيد خطوات منها وكأنه ينتظر خروجها. . . بعد أن أنهى عمله. . . وهبت الفتاة ناهضة وتوجهت نحو الباب بخطى مضطربة والتفتت نحو الطبيب وقالت وقد أفتر ثغرها عن ابتسامة متكلفة:

- إلى اللقاء يا دكتور. . .

وأمسك فيكل زمام ضحكة كانت على وشك الانطلاق ثم أجابها بتهكم مرير:

- إلى أين؟ لقد نسيت الأجر!

واصفر وجه (واندا) ثم اكتسى بحمرة الخجل، لكنها تمالكت نفسها:

أوه. . . . المعذرة، لقد نسيت ذلك؛ عفواَ.

وازداد ارتباكها وهي تتلقى نظراته النفاذة، وسرعان ما أخرجت الروبل الوحيد الذي تملكه

ص: 55

وألقته بين يدي الدكتور فيكل وهي ترتعش. . .

ومرقت من الغرفة ماضية نحو الشارع عجلى وهي تشعر بخجل لم تشعر بمثله في حياتها. وطفقت تطرق الشوارع القفراء بحذاءيها الباليين وهي ساهمة شاردة، ولعلها كانت تحلم بالملابس الجديدة والقبعة البيضاء ذات الشرائط الوردية وآمالها الموءودة. . . من يدري

أزاد نوري محمود

ص: 56