الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 947
- بتاريخ: 27 - 08 - 1951
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين
للأستاذ سيد قطب
ما أحوج المسلمين اليوم إلى من يرد عليهم إيمانهم بأنفسهم، وثقتهم بماضيهم، ورجائهم في مستقبلهم! ما أحوجهم لمن يرد عليهم إيمانهم بهذا الدين الذي يحملون اسمه ويجهلون كنهه، ويأخذونه بالوراثة أكثر مما يتخذونه بالمعرفة!
وهذا الكتاب الذي بين يدي: (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) لمؤلفه (السيد أبي الحسن علي الحسن الندوي) من خير ما قرأت في هذا الاتجاه، في القديم والحديث سواء
إن الإسلام عقيدة استعلاء، من أخص خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن بها إحساس العزة في غير كبر، وروح الثقة في غير اغترار، وشعور الاطمئنان في غير تواكل. وأنها تشعر المسلمين بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم، تبعة الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، وتبعة القيادة للقطعان الضالة، وهدايتها إلى الدين القيم والطريق السوي، وإخراجها من الظلمات إلى النور بما آتاهم الله من نور الهدى والفرقان:(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). . (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً.
وهذا الكتاب الذي بين يدي، يثير في نفس قارئه هذه المعاني كلها، وينفث في روحه تلك الخصائص جميعاً. ولكنه لا يعتمد في هذا على مجرد الاستثارة الوجدانية أو العصبية الدينية بل يتخذ الحقائق الموضوعية أدانه، فيعرضها على النظر والحس والعقل والوجدان جميعاً؛ ويعرض الوقائع التاريخية والملابسات الحاضرة عرضاً عادلاً مستنيراً؛ ويتحاكم في القضية التي يعرضها كاملة إلى الحق والواقع والمنطق والضمير، فتبدو كلها متساندة في صفه وفي صف قضيته، بلا تمحل ولا اعتساف في مقدمة أو نتيجة.
وتلك مزية الكتاب الأولى
انه يبدأ فيرسم صورة سريعة - ولكنها واضحة - لهذا العالم قبل أن تشرق عليه أنوار الإسلام الأولى. يرسم الصورة لهذا العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً من الهند والصين إلى فارس والروم، صورة المجتمع وصورة الضمير في هذه الدنيا العريضة في الجامعات التي تضلها الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية والتي تضلها الديانات الوثنية كالهندوكية
والبوذية والزرادشتية وما إليها. . .
إنها صورة جامعة تعرض رقعة العالم وتصفها وصفاً بيناً، لا يتعسف المؤلف فيه ولا يستبد؛ إنما يشرك معه الباحثين والمؤرخين من القدامى والمحدثين، وممن يدينون بغير الإسلام، فلا شبهة في أن يكونوا مغرضين له، وللدور الذي أداه في ذلك العالم القديم
إنه يصف العالم تسيطر عليه روح الجاهلية، ويتعفن ضميره، وتأسن روحه؛ وتختل فيه القيم والمقاييس، ويسوده الظلم والعبودية؛ وتجتاحه موجة من الترف الفاجر والحرمان التعس؛ وتغشاه غاشية من الكفر والظلال والظلام، على الرغم من الديانات السماوية، التي قد أدركها التحريف، وسرى فيها الضعف، وفقدت سيطرتها على النفوس، واستحالت طقوساً جامدة لا حياة فيها ولا روح؛ وبخاصة المسيحية التي يصورها مستر (ج. هـ. دينسون) صورة دقيقة في كتابه فيقول:
(في القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدن على شفا جرف هار من الفوضى؛ لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت، ولم يكن ثم ما يعتد به مما يقوم مقامها، وكان يبدو إذ ذاك أن المدينة الكبرى التي تكلف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة مشرفة على التفكك والانحلال، وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية، إذ القبائل تتحارب وتتناحر، لا قانون ولا نظام
أما النظم التي خلفها المسيحية، فكانت تعمل على الفرقة والانهيار بدلا من الاتحاد والنظام. وكانت المدينة كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله. . واقفة تترح، وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب. . وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم جميعه
. . . فإذا فرغ المؤلف من رسم صورة العالم في جاهليته هذه بدأ يعرض دور الإسلام في حياة البشرية، دوره في تخليص روح البشر من الوهم والخرافة، ومن العبودية والرق، ومن الفساد والتعفن، ومن القذارة والانحلال، ودوره في تخليص المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان، ومن التفكك والانهيار، ومن فوارق الطبقات واستبداد الحكام واستذلال الكهان، ودوره في بناء العالم على أسس من العفة والنظافة، والإيجابية والبناء، والعدالة والكرامة، ومن العمل الدائب لتنمية الحياة، وترقية الحياة، وإعطاء كل ذي حق حقه في
الحياة
كل أولئك في أبان الفترة التي كانت القيادة فيها للإسلام في أي مكان، والتي كان الإسلام فيها يعمل. وهو لا يستطيع أن يعمل إلا أن تكون له القيادة، لأنه بطبيعته عقيدة استعلاء، ومنهج قيادة، وشرعة ابتداع لا اتباع
ثم تجيء التي فقد الإسلام فيها الزمام، بسبب انحطاط المسلمين وتخليهم عن القيادة التي يفرضها عليهم هذا الدين، والوصايا التي يكلفهم بها على البشرية، والتبعات التي ينو طها بهم في كل اتجاه
وهنا يستعرض المؤلف أسباب هذا الانحطاط الروحي والمادي ويصف ما حل بالمسلمين أنفسهم عندما تخلوا عن مبادئ دينهم ونكصوا عن تبعا تهم؛ وما نزل بالعالم كله من فقدان لهذه القيادة الراشدة، ومن انتكاس إلى الجاهلية الأولى. ويرسم خط الانحدار الرهيب التي ترتكس فيه الإنسانية في ذات الوقت التي تفتح فيه آفاق العلم الباهرة. يرسم هذا الخط رسماً حياً مؤثراً عن طريق التأمل الفاحص، لا بالجمل النارية والتعبيرات المجنحة. فالحقائق الواقعة كما عرضها المؤلف فنية عن كل بهرج وكل تزويق
ومن خلال هذا الاستعراض يحس القارئ بمدى الحاجة البشرية الملحة إلى تغيير القيادة الإنسانية، وردها إلى الهدى الذي انبثق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجاهلية إلى المعرفة. ويشعر بالقيمة الكلية لوجود هذه القيادة في الأرض، وبمدى الخسارة التي حلت بالبشر جميعاً، لا بالمسلمين وحدهم في الماضي والحاضر وفي المستقبل القريب والبعيد. . كذلك يثور في نفس المسلم بصفة خاصة روح الندم على ما فرط، وروح الاعتزاز بما وهب، وروح الاستشراف إلى القيادة التي ضيع
ولعله مما يلفت النظر تعبير المؤلف دائماً عن النكسة التي حاقت بالبشرية كلها منذ أن عجز المسلمون عن القيادة بكلمة (الجاهلية)
وهذا تعبير دقيق الدلالة على فهم المؤلف للفارق الأصيل بين روح الإسلام، والروح المادي الذي سيطر على العالم قبله، ويسيطر عليه اليوم تخلى الإسلام عن القيادة. . إنها (الجاهلية) في طبيعتها الأصيلة: فالجاهلية ليست فترة من الزمن محدودة، ولكنها طابع روحي وعقلي معين. طابع يبرز بمجرد أن تسقط القيم الأساسية للحياة البشرية كما أرادها
الله، وتحل محلها قيم مصطنعة تستند إلى الشهوات الطارئة، والنزعات الهابطة. وهذا ما تعانيه البشرية اليوم في حالة الارتقاء الآلي، كما كانت تعانيه من قبل في أيام البربرية الأولى
(فرسالة العالم الإسلامي هي الدعوة إلى الله ورسوله، والإيمان باليوم الآخر. وجائزته هي الخروج من الظلمات إلى النور ومن عبادة الناس إلى عبادة الله وحده، والخروج من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. وقد ظهر فضل هذه الرسالة وسهل فهمها في هذا العصر أكثر من كل عصر، فقد افتضحت الجاهلية، وبدت سوأتها للناس، واشتد تذمر الناس منها. فهذا طور انتقال العالم من قيادة الجاهلية إلى قيادة الإسلام، لو نهض العالم الإسلامي، واحتضن هذه الرسالة بكل إخلاص وحماسة وعزيمة، ودان بها كالرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تقف العالم من الانهيار والانحلال. . .) كما يقول المؤلف الفاضل قرب نهاية الكتاب
وأخيراً فإن الخصيصة البارزة في هذا الكتاب كله هي الفهم العميق لكليات الروح الإسلامية في محيطها الشامل. وهو لهذا يعد نموذجاً لا للبحث الديني والاجتماعي فحسب. بل نموذجاً كذلك للتأريخ، كما ينبغي أن يكتب من الزاوية الإسلامية
لقد مضى الأوربيين يؤرخون للعالم كله من زاوية النظر الغريبة، متأثرين بثقافتهم المادية، وفلسفتهم المادية؛ ومتأثرين كذلك بالعصبية الغريبة؛ والعصبية الدينية - شعروا بذلك أم لم يشعروا - ومن ثم وقعت في تأريخهم أخطاء وانحرافات، نتيجة إغفالهم لقيم كثيرة في هذه الحياة، لا يستقيم تاريخ الحياة ولا يصح تفسير الحوادث والنتائج بدونها، ونتيجة تعصبهم الذي يجعل أوربا في نظرهم هي محور العالم ومركزه دائماً؛ ولإغفالهم العوامل الأخرى التي أثرت في تاريخ البشرية، أو التهوين من شأنها إذا لم يكن مصدرها هو أوربا
ولقد درجنا نحن على أن نتلقف التاريخ من أيدي أوربا كما نتلقف كل شيء آخر، نتلقفه بأخطائه تلك، وهي أخطاء في المهج بإغفال قيم كثيرة وعوامل كثيرة، وأخطاء في التصوير نتيجة النظر من زاوية واحدة للحياة البشرية، وأخطاء في النتائج تبعاً للأخطاء المنهجية والتصويرية
وهذا الكتاب الذي بين يدي نموذج للتاريخ الذي ينظر للأمور كلها، وللعوامل جميعها،
وللقيم على اختلافها. ولعل القارئ لم يكن ينتظر من رجل مسلم واثق بقوة الروح الإسلامي متحمس لرد القيادة العالمية إليه. . أن يتحدث عن مؤهلات القيادة، فلا ينسى بجوار (الأستعداد الروحي) أن يلح في (الاستعداد الصناعي والحربي) و (التنظيم العلمي الجديد) وأن يتحدث عن الاستقلال التجاري والمالي
انه الإحساس المتناسق بكل مقومات الحياة البشرية. وبهذا الإحساس المتناسق سار في استعراضه التاريخي، وفي توجيهه للأمة الإسلامية سواء. ومن هنا يعد هذا الكتاب نموذجاً للتأريخ كما يجب أن يتناوله المسلمون، مستقلين عن التأثر بالطريقة الأوربية، التي ينقصها هذا التناسق، وهذه العدالة، وهذا التحقيق
وانه ليسعدني أن أتحدث عن هذا الكتاب بذلك الإحساس ذاته، وأن أسجل هذه الظاهرة وأنا مغتبط بهذه الفرصة التي أتاحت لي أن أطلع عليه في العربية. . اللغة التي أثر صاحبه أن يكتبه بها، وأن ينشره في مصر للمرة الثانية:(إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد)
سيد قطب
الملك الشهيد عبد الله بن الحسين
تعقيب على مقال (الرسالة)
بقلم الأستاذ أحمد رمزي بك
القنصل العام السابق لمصر بفلسطين وشرق الأردن بين
1935 و1937
- 1 -
حينما بدأت هذه الكلمة كان أمامي ديوان البحتري مفتوحاً فوقع نظري على بيتين من الشعر لا أدري من الممدوح فيهما، ولكني رأيتهما ينطبقان على عبد الله بن الحسين، رحمة الله عليه:
لو أن كفك لم تجد لمؤمل
…
لكفاه عاجل وجهك المتهلل
وتصرفت بك في المكارم همة
…
نزلت من العلياء أعلى منزل
رحم الله الملك الراحل! لقد مات ميتة الشهداء وانتقل إلى الرفيق الأعلى. ولقد (كانت قوة مؤثرة في سياسة الشرق والغرب) كما قال عنه الأستاذ أحمد حسن الزيات بك في مقاله الافتتاحي الذي أثار شجوني، ودفعني إلى الكتابة. وأنا الذي آليت أن أعتكف في المسائل العربية منذ أمد طويل، فجاء مقال الأستاذ الكريم وذكريات الملك الراحل، الذي تشرفت بمعرفته عن كثب، وعاشرته وحظيت بوده وكرمه وبعطفه، مدة من الزمن، فحملني كل أولئك على أن أتكلم. لقد أنهى عبد الله بن الحسين، ولم يعد يرهب الناس ولا يجتذب لصفه أحداً يقال أننا نخدم سياسته وندعو إلى عترته ونحاول إعطاءه لوناً براقاً إنها كلمة الحق، وصورة واضحة، لا نقصد منها سوى تسجيل حياة عاهل عربي عظيم، قد أصبح بين يدي الله وفي ذمة التاريخ
إنني لا أزال أذكر أول لقاء معه في قصره بعمان في حجرته التي كان يخلو فيها مع بعض أخصائه، ليقرأ الكتب ويلعب الشطرنج، وكان ابن عمي ضابطاً في الجيش العربي، إذ لنا فرع من عائلتنا استوطن هذه البقاع منذ أكثر من أربعين عاماً، وهو الذي قدمني للعاهل كأحد موظفي السفارة المصرية في أنقرة. وكان هذا اللقاء في صباح يوم الأحد 6 مايو سنة
1934 وكان يشاركنا في الجلسة فؤاد باشا الخطيب، الشاعر الأديب
ودار الحديث عن تركيا وحالتها السياسية والاقتصادية، وقد حاول الملك الراحل أن يجعل الحديث بالتركية، فاعتذرت بقلة بضاعتي فيها. ولما تحدثت كنت أتكلم بصراحة تامة: إذ كانت تعاليم الثورة الكمالية وأهدافها نبراساً أسير في هداه، وكانت كلمات الأتاتورك مصطفى كمال لا تزال ترن في أذني وتحرك نفسي، وكنت أؤمل في شيء واحد أن أعيش وأكافح لأرى مصر قد حققت استقلالها التام وحطمت قيودها التي تحول دون تقدمها، ولذلك تحمس فؤاد الخطيب باشا وأنشد (السيف أصدق أنباء من الكتب. . .)
وكنت أمضيت خمسة أعوام أقرأ عن أحوال الدولة العثمانية وعوامل تأخرها وعلة تفككها، فجئت من أطراف الأناضول: إلى قيصرية - الوقيشلة - بوزانتي فوزي باشا - حلب - حماة - حمص - دمشق. هناك حيث تقوم فرنسا بانتدابها، لأكتشف في نهاية سوريا الجنوبية جزءاً صغيراً من الأرض يمثل أثراً حياً من آثار الدولة العثمانية - تلك هي دولة شرق الأردن - لقد كنت أقول لنفسي أفي حلم أنا أم في يقظة؟ للآن ما هو الأثر الذي تركته في نفس الملك عبد الله، إذ لا بد أنه قال هذا شاب قد افتقدته المدينة الكثير. ولكن تحمس فؤاد الخطيب باشا جعله ينقل الحديث لناحية أخرى ويوجه إلى السؤال الآتي: هل تقدر الجمال التركي؟ والحقيقة أنى لم أشغل نفسي كثيراً بالجمال التركي أو المصري أو الشامي حتى أجيب على مثل هذا السؤال؛ لأن المرأة في الشرق قد تلقت الكثير من المديح في الصحف والمجتمعات وعلى السنة القادمة لدرجة أنه أصبح من الخطر مواجهة الرأي العام بأفكار لا تتفق مع الدعاية القائمة في صالحها، وأن كنت من أنصار تحريرها، ولذلك أجبت العاهل العربي بجملة غريبة قلت له (يجب أن تنتظر جيلاً جديداً حتى تحكم على جمال المرأة التركية). ففهم أنني لا أعير المرأة اهتماماً كبيراً في نظرتي إلى الحياة. . وأن كنت أعد أولى واجبات الدولة إعداد جيل قوي من النساء القادرات على زيادة النسل؛ بشرط أن يكون الجيل قوياً. . زيادة تستحق الأمة أن تكون بها موضع احترام الأمم الأخرى
والحقيقة التي لم أشأ أن أبوح بها، وكانت تدور بمخيلتي ساعتئذ، هي انحطاط الأمم الشرقية والإسلامية يعود إلى ضعف المرأة جسمياً وعقلياً، ولكنني لم أشأ أن أثير مشكلة
كهذه في أول لقاء. .
وكتبت في مذكرتي (عاهل الأردن أمير شرقي لا يفهم ضرورات ومستلزمات العصر الحالي التي قذفتنا الأقدار لنعيش فيه. وسط أمم قوية راقية تسير على هدى مدنية جبارة دافعة زاحفة ونحن نيام. . فالويل لنا والويل للمغلوب على أمره ممن هم على شاكلتنا. أننا نسير حتماً بخطوات واسعة إلى الفناء العاجل. . . كما سارت آشور وبابل وفرعون وثمود وعاد. . . أن الصمت والسكون والبيداء هي كل ما لدينا، وسيستمر هذا طويلاً حتى ننقرض وتذهب ريحنا كبعض الحيوانات التي تشغل بهياكلها العظيمة أركاناً في المتاحف وقاعات العرض. . . إذا لم نعمل عملاً حاسماً
وتناولت الغذاء بفندق فلادلفيا ثم دعيت عند الجنرال بك باشا الذي دعاني إلى زيارة مركز الجيش العربي والمدرسة الخاصة بأبناء الجنود والمسجد الذي أنشأه، كما دعيت إلى نادي ضباط الجيش ولقيت الكثير من الترحاب. وفي اليوم التالي توجهت إلى مدينة القدس، وأمضيت اليوم بالقنصلية المصرية مع أصدقاء عباس حلمي وحسين عزيز وأحمد عبد المجيد. .
وزرت الممرض العربي فلفتت أنظاري صور خالد بن الوليد وطارق بن زياد والمجاهد الطرابلسي عمر المختار، وهنا اغرورقت عيناي بالدموع إذ شعرت بأن الوسط العربي بالقدس أقرب إلى مشاعري وإحساسي من الوسط في مصر، ولكن نفسي كانت حزينة حتى النهاية. كان كل شيء يظهر أمامي كأنه مؤقت، وكان يبدو على العرب وهم يسيرون في الطرقات ويجلسون في المجتمعات أو يتحادثون في منازلهم وكأنهم على سفر منزل كسكان منزل قد أنذرهم صاحبه بالإخلاء السريع وهم يستعدون في أي وقت للرحيل العاجل. . .
ولم أنم تلك الليلة رغم تقليبي صفحات نسخة إنجليزية من الكتاب المقدس. لقد نسيت كل ما مر بي، في شرق الأردن وعلى جسر النبي وأجنحة المعرض العربي وحديث أخواني، وترحيب رجال العرب وتناول العشاء في مطعم يهودي وسماع تلك الموسيقى الغربية التي تقدمها فرقة من الفتيات المهاجرات في أواسط أوربا. لقد جعلني كل هذا أسرح في المستقبل البعيد، وكان كل ما حولي يدعو إلى التأمل والتساؤل. . .
أما أنا فوجدت في تلك النغمات الأوربية الإجابة على سؤال العاهل العربي العظيم. ما
رأيك في الجمال التركي؟
إننا أمام زحف جارف أيها الأمير الخطير. . .
ويقول أستاذنا الجليل أحمد حسن الزيات بك في مقالة البديع (لا أستطيع أن أتحدث عنه ولا أن أحكم عليه إلا من وراء ما يرى ويسمع)
وإني أحاول أن أنقل لقراء الرسالة صورة من آراء الملك الفقيد وأقواله كما جاء في بعض ما كتبه وبعض ما تحدث به
لقد وضع الفقيد كتاباً تحت اسم (من أنا) كتبه على طريقة الأسئلة والأجوبة: بدأه بقوله:
من أنت؟
أنا عربي أنتسب إلى العرب وبهم أفخر
ما هي مفاخرك؟ ديني ونسبي
ما هو دينك؟ ديني الإسلام وربي الله ونبيي محمد عليه الصلاة والسلام
وقال عن العرب: (انهم بالهداية ألا لاهية والرسالة النبوية والمؤهلات العنصرية، أسسوا المجد العظيم في سنوات معدودة)
وأراد تبرير ثورة العرب ضد الأتراك فقال:
عندما شاخت دولة بني عثمان وسلك رجالها مسلكاً يتعارض مع المبادئ العربية دنيا وديناً بدأ الخلاف المسلح بين الأمتين
وذكر والده الحسين بن علي فقال:
(وبإرادة الله تعالى اتحدت كلمة الأمة مرة أخرى مقتدية بالمنقذ الأعظم رحمه الله
ولما تقطعت أوصال البلاد العربية قال: (إن البلاد العربية تقسمت زعامتها فئة من الناس تضع نصب العين الحرص على الحكم والتحكم، مرة بالعصبية وأخرى بالحربية، وأحيانا بالقوى الأجنبية)
وله رأي في الأمة العربية يؤمن به إذ يقول: (أمة واحدة في بقعة واحدة تحدها آسيا الصغرى في شمالها، وبلاد فارس في شرقها؛ والخليج المعروف بها، ومن الجنوب يحدها بحر الهند، ومن الغرب حدها البحر الأحمر فالحدود المصرية ثم بحر الروم)
وهو الرأي الذي أخذ به نوري السعيد في مذكرته المشهورة إلى المستر كايزي، وكان
يؤمن به رياض الصلح ويصرح به كثير من زعماء العرب للإنكليز والأميركيين، أي أنهم لا يعدون المصريين عربا. . .
وللفقيد آراء صريحة في الحكم إذ يقول:
(ليست الأمة بميراث يورث، وليست مصالح الشعب منحة للمتغلبين، وليس القول لمن يحسن القول، ولكن جل هذا تراث للأمين بعد الأمين، من يظهره الله سبحانه وتعالى، ويثبت هو جدارته في تأدية واجبه بأمانة وإخلاص)
ورأيه هذا يتلخص في أن العروبة والهاشمية صنوان لا يفترقان، وأن هذا الأمر في هذا البيت من قريش. أنه يؤمن إيماناً لا يتزعزع برسالة بني هاشم وزعامتهم وقيادتهم للعرب كافة، ويشاركه في ذلك كثيرون من أبناء بلاده وأتباعه وأنصاره
وكان الكونت جاك دومال قنصلا عاما لفرنسا بالقدس، أمضى هناك سنوات عدة، وكتب كتابا سماه (أصوات من الشرق، وذكريات دبلوماسي) تحدث في خاتمته عن مقابلة له تمت مع صاحب السمو الأمير عبد الله بن الحسين عاهل المملكة الأردنية وكان ذلك في يوليه 1937، وكان مع القنصل الفرنسي صديقان، وجه أحدهما السؤال الآتي: أتعتقد بنهضة العرب وأن تعود الخلافة إلى الوجود بعد أن ألغيت باستنبول؟
والإجابة التي وضعها، الكونت دومال عن لسانه هو، تكاد تنطق بأن الكثير منها من وحي الحديث الذي دار في ذلك الاجتماع مع الأمير. اقرأ معي (الخلافة في ركن من أركان الإسلام، والخليفة في الشريعة حامي الدين وخادم الشرع، إذن يجب أن تكون بلاده حرة وقوية، مهيبة الجانب، تتمتع بكامل سيادتها واستقلالها حتى تقوى به كلمة الحق والدين)
(الخليفة هو أمير المؤمنين الذي يتولى أمور المسلمين للعمل بالكتاب والسنة والمشورة العامة والخروج في الجمع، وتلقي الأسئلة على منبر الخطابة، والإجابة عليها - هذه هي الخلافة النبوية الغير الوراثية، والمشترط فيها القرشية)
وهي كما ترى غير الملك والسلطان، ولقد استشهد مرة الملك الفقيد بقول عمر بن الخطاب الذي قال:(أما ولي سلطان فلا. . .)
وبعد فهذه كلمات مأخوذة عن الملك عبد الله بن الحسين، الذي كان أقرب الأبناء شبهاً بوالده الحسين بن علي، وأشدهم تمسكا بالتشبه به، أضعها أمام القارئ ليعلم أنه آمن منذ البدء
بتعاليم والده، قائد الثورة العربية والنهضة الهاشمية فكان يعد نفسه وارث هذه الحركة، والأمين عليها والحارس على اتجاهاتها، وأنه ليس في بني هاشم من هو أحق بها منه، ولذلك قال:(هي تراث للأمين بعد الأمين)
لقد تأثر الحسين بن علي بالبلاط الحميدي وبالتربية التركية وكذلك كان الملك عبد الله بن الحسين. لقد كان أثر الناحيتين ظاهراً عليه، كان مثال الحاكم الشرقي الذي يعنى بملبسه ومظهره، والذي تحيط به هالة من الاحترام والحشمة، وكان كذلك متأثراً بالحجاز تتجه أنظاره إليه ويحبه من أعماق قلبه، فكان ينزل إلى مكتبه ويفتح بابه ليقابله من يشاء من رعيته. . . وتلك نفحة حجازية
وسنرى في العدد القادم ذكريات سنتين قضيتهما في القدس أعمل كقنصل عام لمصر وفلسطين وشرق الأردن، وما لقيته من كرم الأمير وما قيدته من أحاديثه مع كبار الساسة
أحمد رمزي
النسيان في نظر التحليل النفسي
للآنسة فائزة علي كامل
كان العلماء النفسانيين يوجهون كل اهتمامهم إلى دراسة الذاكرة، تاركين جانبا ظاهرة النسيان، إلى أن كان أواخر القرن التاسع عشر فانعكست الآية واحتلت الأبحاث في النسيان مكان الصدارة. ويرجع الفضل في ذلك إلى (فرويد) الذي ألقى ضوءا على هذه العملية فأبان ما فيها من ديناميكية لم تكن معروفة من قبل
لقد كانت الآراء السائدة ترد النسيان تارة إلى عدم الانتباه؛ وأخرى إلى علل فسيولوجية، وثالثة إلى عوامل نفسية وفسيولوجية معاً. درس (فرويد) هذه النظريات وصرح بأنها ليست خاطئة من أساسها، ولكنها في حاجة إلى التعديل، إذ ليست جامعة لتفسير كل حالات النسيان
أخذ (فرويد) يدرس ما سماه (الأفعال الفاشلة)، وهي تلك الحوادث البسيطة التي نصادفها في حياتنا اليومية كفلتات اللسان، وفلتات القلم، وأخطاء السمع. وكالنسيان الذي يظل لفترة معينة مثل نسيان اسم شخص أو موضع شيء ثم نذكره بعد مدة قد تطول أو تقصر
إن هذه الوقائع لو طلبنا تفسيرها من شخص عادي فإنه قد يستخف بنا في بادئ الأمر وينظر إلينا شزرا، ثم يقول أنها أشياء تافهة في نظره، يتحكم فيها عامل الصدفة ولا تحتاج إلى شرح أكثر من ذلك. فإذا عدنا وسألناه: ماذا تعني بذلك؟ هل تعني أنه توجد حوادث تقع خارج سلسلة ظواهر العالم وقد بلغت حدا من التفاهة جعل حدوثها وعدم حدوثها سيين؟ أنك بذلك تحطم قانون الحتمية وتقلب التصور العلمي للعالم. هنا نجد أن الشخص سيتراجع ويحاول أن يجد علة لهذه الأفعال فيقول: إنها تحدث عندما يكون الإنسان منحرف المزاج أو متعبا أو عندما يستثار أو عندما يشرد ذهنه عن الشيء الذي يقوله أو يقوم بأدائه
لو أنعمنا النظر فيما أتى به هذا الشخص العادي لوجدنا أنه يقول بعامل واحد هو عدم الانتباه، وهذا ينشأ نتيجة عوامل فسيولوجية كالتعب، والصداع، والهزال. . الخ. أو عوامل نفسية فسيولوجية كتشتت الفكر، الاستثارة. . . الخ. ولكن هل حقا أن عدم الانتباه هو وحده الذي يوقع في فلتات اللسان فيجعل الخطيب يخطئ ويأتي بكلمة عكس المقصود مثلاً؟ يجيب (فرويد) بأن ذلك وأن كان عاملا مساعدا إلا أنه ليس العلة الحقيقية. فماذا
نقول إزاء نسياننا كلمة معينة على الرغم من توجيه الانتباه إليها وقول الشخص (إنها على طرف لساني)!؟
يرى (فرويد) أن العلة الحقة هي الاضطراب في الانتباه لا القلة فيه. فسبب هذه الأفعال هو اضطراب في الانتباه نشأ من تدخل مجرى آخر من الأفكار. ففلتات اللسان مثلاً هي نتيجة تداخل غرضين أثناء الكلام، فإذا تغلب أحد الغرضين يؤدي إلى تشويه أو تحوير الكلمات والأسماء فتأتي الفلتة بمعنى تهكمي أو هزلي. ويسري هذا على فلتات القلم وأخطاء السمع ونسيان الكلمات والأسماء لزمن معين. فهذه كلها أفعال لها معنى، إنها أفعال نفسية لها هدف خاص
إن فكرة التقاء القوى هي الفكرة الأساسية لدى فرويد وأثرها ظاهر في تفسيره للنسيان. فهو لا يرجعه إلى ضعف في الذاكرة، وإنما يراه نتيجة دافع مكبوت بواسطة قوى معاكسة، هو نتيجة اصطدام مؤثر محرك في طريقه إلى التصريف بمؤثر آخر فيؤدي ذلك إلى كبته. فالاسم المنسي أو الكلمة المنسية غالباً ما يكون لها علاقة بشخصية الفرد ويثيران فيه انفعالات عنيفة ومؤلمة. فتبعا لمدرسة زيورخ نستطيع أن نقول انهما يمسان (عقدة شخصية). قد تكون هذه العقدة مهنية كما نسى (فرويد) اسم مستشفى وهو لأنه يتصل بالأعصاب وقد تكون عائلية كنسيان (فرويد) أيضا اسم محطة لأن أخته كان اسمها فمن أهم الدوافع التي تساعد على النسيان الميل إلى تحاشي عودة الألم إلى الذاكرة، إذ أن كل شخص يود نسيان الأشياء المكدرة. أنه يوجد صراع نفسي مستمر لاستبعاد الخبرة المؤلمة من الشعور، وهكذا. . فالنسيان ليس إلا عملية دفاعية تتم بطريقة لا شعورية لتصل الأنا إلى حالة نتمتع فيها بالارتياح
كذلك يلاحظ أن الشيء قد ينسى لارتباطه بشيء له أثر مؤلم. ويأتي (فرويد) بمثال شاب غير موفق في حياته الزوجية لبرود الزوجة. وفي ذات يوم قدمت له تلك الزوجة كتابا اشترته له لعلمها بأن فيه ما يهمه. فشكرها على هذا الاهتمام ووعدها بأن يقرأه. ومر شهران دون أن يقرأه، ثم تذكره وقام ليبحث عنه ولكنه لم يستطع العثور عليه إذ نسي نسيانا تاما ذلك الموضع الذي وضعه فيه. ومرت ستة شهور ثم مرضت أم الزوج مرضاً خطيراً ولم تكن تقطن مع ابنها، وهنا تركت الزوجة منزلها وذهبت إلى منزل حماتها،
وقامت بتمريضها خير قيام وأظهرت عناية فائقة بها مما أفعم قلب الزوج بحب زوجته لما تبين فيها من نبل ووفاء. وفي هذه الأثناء عاد الزوج إلى منزله وإذا به يتقدم من المكتب ويفتح درجا معينا فيجد الكتاب المفقود
إن الميل إلى نسيان الأشياء التي لا يحبها الإنسان شيء عام، وما الانكارات والتكذيبات التي يصادفها الطبيب أثناء عمله إلا إحدى نتائج هذا الميل. فمثلا جاءت أم إلى فرويد وعرضت عليه ابنها العصبي وفي أثناء حديثها ذكرت له أن الولد يتبول تبولا لا إراديا أثناء الليل، وأن أخوته وأخواته كانوا مثله أيضا، ثم مرت عدة أسابيع وحضرت الأم فسألها (فرويد) عن بعض الأشياء ومن بينها مسألة (البول) وإذا بها تنكر هذه الواقعة بالنسبة للمريض وبالنسبة لأخوته وتعجب وتتساءل: من أين عرفت هذا؟! وهنا ذكرها فرويد بسياق الحديث السابق الذي دار بينهما وظهر أنها هي التي صرحت بذلك!
وإن (دارون) يؤيد قول (فرويد) بأن الأشياء المؤلمة تكون أسرع إلى النسيان من غيرها. فهو يذكر أنه يسير على قانون ذهبي يتلخص في أن يأخذ مذكرة بكل واقعة أو فكرة أو ملاحظة جديدة تنشر وتكون معارضة نتائجه العامة. فقد اتضح له من تجاربه أن مثل هذه الوقائع والأفكار أكثر فرارا من الذاكرة عن الوقائع والأفكار المحببة إلى الشخص
وهكذا يأتي (فرويد) بهذه النظرية الجديدة لتفسير النسيان، فهو في نظره إنما يرجع إلى اضطراب في الانتباه منشؤه دوافع لا شعورية تعمل على إبعاد الأفكار التي توقظ شعورا مؤلما. فكل عملية عقلية يصحبها قدر معين من الطاقة النفسية فإذا زاد هذا القدر إلى حد كبير فإن الشخص يشعر بعدم الارتياح، ولذلك يوجد ميل دائم إلى تصريف هذه الطاقة حتى يتجنب الألم ويمنع نشوب التوتر النفسي. فإذا حدث أن حلت عملية عقلية معارضة لمؤثرات أخرى واصطدمت بالنشاط الترابطي المعتاد فإن هذه العملية العقلية تفصل وهذا دفاع شبيه باستجابة الهرب لمنبه مؤلم
ان الميل لنسيان ما هو مكدر وغير سار شيء ضروري ولازم لكل إنسان يعيش على سطح البسيطة. . إذ أنه لا يستطيع الخلاص من حدوث أشياء مؤلمة تنغصه. . كما لا يقدر على التحرر من الانفعالات الشديدة الناجمة عن تأنيب الضمير أو الشعور باللوم والخجل. . أو الإحساس باقتراف الإثم واستحقاق العقاب
فائزة علي كامل
طالبة ماجستير بقسم الفلسفة
4 - ألمانيا
للأستاذ أبو الفتوح عطيفة
مستقبل ألمانيا:
يتساءل الناس في أيامنا هذه: أقضي حقا على ألمانيا نهائيا؟ ألا تعود إلى سابق قوتها وعظمتها؟ وهل نسي الألمان عن مصيرهم الأخير؟
والجواب عن هذه الأسئلة واضح كل الوضوح، فلن تستطيع أية قوة على وجه الأرض أن تمحو أمة ناهضة. صحيح قد تغلب الأمة على أمرها حينا من الزمن ولكنها لا تلبث أن تسترد نهضتها وأن تعيد مجدها وعظمتها. ولم ينس الألمان هتلر ولن ينسوه لأنه في نظرهم بطل ضحى بحياته من أجل ألمانيا ورفاهيتها
والدليل على صدق ما أقول أن إحدى الصحف نشرت أخيرا صورة رائعة لمدينة برنسويك بألمانيا وهي تستقبل الجنرال رامك قائد فرقة جنود المظلات الألمانية التي هاجمت كريت واستولت عليها إبان الحرب العالمية الأخيرة. وقد حضر هذا الاستقبال الذي أقيم لمناسبة خروج الجنرال من السجن ما يزيد على خمسة آلاف من الجنود النازيين السابقين الذين عملوا في هذه الفرقة. ومما قاله الجنرال رامك أثناء الاجتماع (انه لا يمكن الاعتماد على ألمانيا في المساهمة في الدفاع عن غرب أوربا ما لم تطلق بريطانيا وأمريكا وفرنسا سراح من سمتهم مجرمي الحرب). وقد حمل الجنود القائد على أكتافهم ووضع على حائط السرادق الشعار القديم للفرقة
وأكثر من هذا أن أعداء ألمانيا بالأمس ما عدا روسيا وفرنسا يعملون على إعادة قوتها إليها؛ لا حباً في ألمانيا وسيادتها ولكن لأنها القوة الوحيدة التي تستطيع الوقوف في وجه العدوان الروسي. أما فرنسا فإنها تعارض في عودة وحدة ألمانيا لما ذاقته على يدها من ألوان المحن والهوان
وقد زار المستر موريسون وزير خارجية بريطانيا منذ شهور ألمانيا الغربية وتحدث مع رئيس الجمهورية الألمانية الغربية عن اشتراك ألمانيا في الدفاع عن غرب أوربا، فكان رد الرئيس (إن ألمانيا لا تستطيع أن تتعاون مع محتليها، فإذا أردتم أن نتعاون فعليكم بالجلاء عن أراضينا). وتعمل بريطانيا فعلاً على إنهاء الاحتلال لغرب ألمانيا، أما روسيا فتعارض
في الجلاء عن البلاد التي تحتلها وذلك لأنها تعلم ما يبيت لها الحلفاء
وجدير بنا أن نبحث عن أسباب هزيمة ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية. أكان ذلك لضعف ألمانيا أم لنقص في شجاعة جنودها؟ الواقع أن قوة ألمانيا كانت عظيمة وكان استعدادها هائلاً، وخططها مرسومة منظمة، ومن ثم نجح الألمان في السيطرة على غرب أوربا بسرعة عجيبة أفزعت الناس أجمعين. وما زال الناس يذكرون كيف استولت ألمانيا على الدانمرك والنرويج من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب في ليلة واحدة. الواقع أن السر في هذا النجاح راجع إلى دقة الخطط الألمانية وحسن تنظيم قواتها
إذن فما سبب هزيمة ألمانيا؟ يرجع سبب هزيمة ألمانيا إلى عاملين: أولاً غدر روسيا بها، فقد عقدت روسيا ميثاق عدم اعتداء بينها وبين ألمانيا قبيل قيام الحرب الأخيرة 1939، فلما اطمأنت ألمانيا على حدودها الشرقية دخلت الحرب ولاقت قواتها نجاحاً رائعاً لم يشهد له التاريخ مثيلاً. لقد خطب هتلر في القوات الألمانية قائلا (أنتم تقررون مصير ألمانيا مدى ألف عام)
واندفعت القوات الألمانية فاستولت على هولندا وبلجيكا وفرنسا في مدى شهر من الزمان أو أقل؛ ثم استولت على الدنمرك والنرويج في ليلة واحدة؛ ثم ولت وجهها شطر الجنوب الشرقي للقارة، فاستولت على البلقان
وهنا غير الدب الروسي سياسته، وطلب من ألمانيا أن تعطيه ميناء على البحر الأبيض، ولكن هتلر رفض فوقعت الحرب بين روسيا وألمانيا سنة 1942 مما كان له أكبر الأثر في تغيير مجرى الحرب
ثانيا: دهاء بريطانيا وساستها ومقدرتهم العجيبة على الكذب والنفاق والغدر، مما لا ترى له مثيلاً في التاريخ، وسعة حياتهم فبريطانيا إذا وقعت في خطر جعلت من قضيتها قضية العالم أجمع، واجتهدت في أن تكسب الحلفاء والأنصار للدفاع عن قضيتها. ألسنا نذكر جميعا بكاء الثعلب الماكر تشر شل؟ أنه كان يدعي أنه يبكي على حرية العالم التي يحاول الألمان القضاء عليها. والتفت الأمم حول بريطانيا لأنها رأت في انتصار بريطانيا وحلفائها انتصاراً للحرية. وانتهت الحرب وإذا بتشرشل العجوز يتنكر لماضيه ويطعن الحرية التي كان يبكي عليها طعنة نجلاء. ألسنا نذكر جميعا كيف كان يشيد بالخدمات التي قدمتها مصر
لقضية الحلفاء! وكيف كان يذكر أن وقوف مصر بجانب الحلفاء كان من أهم العوامل في انتصارها. فلما انتهت الحرب تنكر لمصر ومن ثم نراه في كل جلسة من جلسات مجلس العموم البريطاني يلوم وزير خارجية بريطانيا على تساهله مع مصر ويطلب إليه عدم إمداد مصر بالأسلحة، وتدفع مصر ثمن الأسلحة ولكن لا ترد إلى مصر ولا يرد الثمن. فإن أعطيت مصر أسلحة فإن هذه الأسلحة تكون إما تالفة أو غير صالحة بتاتاً. وهكذا يكون وفاء الإنكليز بالعهد. لقد حار الناس في فهم حقيقة الخلق البريطاني! انهم الأفعى التي تلدغ الشعوب جميعاً. لقد كسبت بريطانيا الحرب بالعتاد الأمريكي وبالدم الروسي وبدماء الشعوب الأخرى، أما هم فكانوا أقل الشعوب تضحية ومع ذلك فازوا بنصيب الأسد من ثمرات النصر
ومثال آخر من أمثلة الغدر البريطاني. في سنة 1914 قامت الحرب العالمية الأولى وعمدت إنكلترا إلى إثارة العرب ضد تركيا التي كانت قد انحازت إلى جانب ألمانيا على أساس أن تعطى الشعوب العربية حريتها واستقلالها بعد انتهاء الحرب، ووفت الشعوب بما عاهدت وانتصرت إنجلترا والحلفاء، ومع هذا ماذا كان جزاء العرب؟! احتلت إنجلترا فلسطين والعراق ومصر. واحتلت فرنسا سوريا ولبنان، ثم كان من نتائج هذا الوفاء بالعهد والغدر من جانب إنكلترا قيام دولة إسرائيل وطرد العرب الآمنين حلفاء الإنكليز من ديارهم وبلادهم!!
ولعلك تسألني ما سر العداء بين بريطانيا وألمانيا؟ وأنا أجيبك بأن ألمانيا بعد أن كونت وحدتها ونهضت صناعتها أرادت أن تكون لها مستعمرات وأساطيل بحرية تجارية وحربية، ومن ثم بدأ الصراع بين إنجلترا التي تريد احتكار الأسواق العالمية وبين ألمانيا التي تريد أن تكون التجارة العالمية حرة حتى تأخذ ألمانيا نصيبها من تجارة العالم، وكان من نتائج هذا الصراع قيام الحربين الأولى والثانية، وهزيمة ألمانية
أما بعد:
فان ألمانيا أمة قوية ودولة فنية وشعب ناهض وقطر غني ومواردها المعدنية والزراعية عظيمة، والعقل الألماني من غير شك من أرقى العقليات العالمية. ونحن جميعا ما زلنا نتمتع بثمار هذا العقل. والصناعات الألمانية تمتاز بجودتها ورخصها. بل أكثر من هذا أن
أرض ألمانيا غير صالحة للزراعة ولكن العقل الألماني قد استطاع أن يحيل هذه الأرض الجدبة إلى أرض زراعية خصبة وافرة الإنتاج
ومن ثم فإن ألمانيا لن تلبث طويلا حتى تسترد مجدها وتستعيد قوتها
وأما بريطانيا فقد انكشفت ألاعيبها وحيلها وشاخت إمبراطوريتها، ولن يلدغ العالم من جحرها مرتين، وقد تنبهت الشعوب تماما ووقفت جميعا تناضل في سبيل حريتها نضال المستميت، ولن يجدي بريطانيا ما أقامته من هيئة أمم متحدة تعمل في الخيال لمصلحة الشعوب والأمم ولكنها في الحقيقة تخدم المصالح البريطانية
ولعل من الخير لبريطانيا أن تعدل عن سياستها القديمة وأن تحترم حرية الشعوب وإرادتها، فإن ذلك فقط هو الكفيل بتحقيق السلام العالمي
أبو الفتوح عطيفة
صحيفة مطوية في البلاغة العربية
للأستاذ أمين محمد عثمان
لا يسعك وأنت تجول في ميدان الدراسات النفسية الحديثة، وتخوض في بحر الثقافة الأوربية الخضم، إلا أن تعترف لعباقرة العرب بفضل السبق في هذا الميدان، وتؤمن إيمانا بأن في التراث العربي العريق كنوزا مطمورة تحتاج إلى من ينقب عنها، ويخرجها من كهوف النسيان إلى عالم النور والعرفان
لقد كان علم النفس القديم يرى أن إدراكنا للعالم الخارجي يبدأ بالأجزاء والتفاصيل، ثم يربط بين بعضها وبعض حتى يتألف الكل، فأنت - على هذا الزعم - حينما ترى الشخص تبدأ في إدراك أجزائه أولاً (شعره. عينيه. فمه. . . الخ) فإذا كررت النظر أدركت الشخص في جملته وهيئته. وعلى هذه النظرية كانت التربية التقليدية إلى عهد قريب، تبدأ في تعليم الرسم بالخطوط والمنحنيات والدوائر والأشكال الهندسية ثم تنتقل بعد ذلك إلى رسم القصص والحوادث والمناظر الطبيعية، وعلى هذا الأسلوب سرنا ولا زلنا نسير في تعليم القراءة والكتابة على الطريقة الأبجدية، فنبدأ بتعليم الطفل حروفا ثم كلمات ثم جملا، ضاربين صفحا عن كل أساس سيكولوجي أو تربوي
فلما ظهر علم النفس الحديث، وبزغت في أوائل القرن العشرين (مدرسة الصيغ الإجمالية) قلبت هذا الوضع رأسا على عقب، وقامت بتجارب شتى دلت كلها على أن الإدراك عند الحيوان والإنسان يسير من المجمل إلى المفصل، ومن الكلي إلى الجزئي، على العكس مما تقول التربية القديمة، فلو أنك ألقيت نظرة على شخص أو على صورة، لكان أول ما تراه من الشخص شكله العام، وأول ما تأخذه عن الصورة انطباعا مجملاً عاماً، فإذا أطلت النظر والتأمل، أودعتك ضرورة عملية إلى التحليل، أخذت تفاصيل الشخص أو الصورة تثب إلى عينيك واحدة بعد أخرى
والإدراك الإجمالي أكثر ما يكون وضوحا وبروزا عند الأطفال والحيوان، فالطفل لا يحلل الأشياء في إدراكه، وليست به حاجة إلى التحليل، والعنكبوت لا يعرف الذبابة أن قدمت إليه لا على نسيجه، بل في مكمنه الذي يتربص لها فيه، كأن الذبابة جزء من كل، أن انفصلت عنه لم يعد لها معنى. ومن أجل ذلك اختلفت الأفراد في نظرها إلى الأشياء،
فنظرة الفنان إلى اللوحة الفنية غير نظرة الرجل العادي، لأن الأول يدرك من تفاصيلها ودقائقها ما لا يدركه الثاني، ونظرة الفلكي إلى السماء ليست كنظر سائر الناس
وقد أجرى العالم النفساني (كهلر) تجارب على الدجاج أيد بها أن الكل سابق لأدراك أجزائه، فقد وضع بعض الدجاج في أقفاص تسمح لها بإخراج رؤوسها لتلتقط الحب من لوحة أفقية، ووضعت على اللوحة ورقتان رماديتان: إحداهما فاتحة والأخرى داكنة، وكلما حاولت دجاجة التقاط الحب من الورقة الفاتحة طردت، ومن الأخرى تركت، حتى تعلم الدجاج الالتقاط من اللون المقصود بعد (65) تجربة، ثم استبدلت الأوراق الفاتحة بأخرى أشد سوادا من الأوراق الداكنة. فبادر الدجاج إلى الالتقاط من هذه الأوراق الجديدة، وهذا دليل قاطع على أن الدجاج لم يدرك كل لون على حدة، بل أدركه بالنسبة إلى الشكل الذي يضم اللونين معا، ولو كان يدري كل لون على حدة لأستمر يلتقط الحب من الورقة التي تدرب على الالتقاط منها. وقد أحدثت هذه النظرية انقلابا خطيرا في التربية الحديثة، واستفاد منها المربون في أسلوب التربية والتعليم كما فعل العالم البلجيكي (دكرولي) في تعليم القراءة والكتابة، حيث سار على الطريقة السيكولوجية، فبدأ بالجملة ثم بالكلمة ثم انتهى إلى تعليم الحرف، وأخذ الفنانون ومدرسو الرسم يبدءون في تعليم الطفل برسم الحوادث والقصص والمناظر الطبيعية لأنها تلائم نفسية الطفل وعقليته على عكس ما كانت التربية القديمة
هذا ما ذكره علم النفس الحديث. وقد تراءى لي بعد البحث والتروي أثناء دراساتي بالعيادة السيكولوجية بمعهد التربية أن هذه النظرية على جدتها وقرب عهدها بالعصر الذي نعيش فيه ليست بالنظرية المبتكرة، ولا هي بالرأي المخترع - كما يدعي بعض علماء أوربا المعاصرين - فلقد سبق إليها عبد القاهر الجر جاني إمام البلاغة في عصره، منذ تسعة قرون. ولعلك تغرق في الإعجاب إذا علمت أنه لم يخرم من هذه النظرية حرفا واحداً. . واليك ما ذكره عبد القاهر الجر جاني في كتابه (أسرار البلاغة) وكان في معرض الحديث عن التشبيه البليغ (إنا نعلم أن الجملة أبدا أسبق إلى النفوس من التفصيل، وأنك تجد الرؤية نفسها لا تصل بالبديهة إلى التفصيل، ولكنك ترى بالنظر الأول الوصف على الجملة، ثم ترى التفصيل عند إعادة النظر، ولذلك قال العرب! النظرة الأولى حمقاء، وقالوا لمن
يصف الشيء على غير حقيقته: فلان لم ينعم النظر ولم يستقص التأمل. وهكذا الحكم في السمع وفي غيره من الحواس؛ فإنك تتبين من تفاصيل الصوت بأن يعاد عليك حتى تسمعه مرة ثانية ما لم تتبينه بالسماع الأول، وتدرك من تفصيل طعم الذوق بأن تعيده إلى اللسان ما لم تعرفه بالذوق الأول، وبادراك التفاصيل يقع التفاضل بين راء وراء وسامع وسامع) وهكذا يسترسل عبد القاهر في الكلام عن المحسات حتى يصل بك إلى قوله (والأمر في المعقولات كذلك، تجد الجملة أبدا هي تسبق إلى الأوهام وتقع في الخواطر أولا، وتجد التفاصيل مغمورة بينها، وتراها لا تحضر إلا بعد أعمال الروية واستعانة بالتذكير)
أما بعد: فقد أن لنا أن نبحث في تراثنا العربي على ضوء العلم الحديث، لنكشف للعالم ما أثبتت التجارب العلمية صحته ومطابقته للواقع، ولا زال فينا - مع الأسف - من ينظر إلى هذا التراث نظرته إلى خرق بالية قد مزق أديمها، ولم يدر أن بها من الكنوز ما أن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة، ورحم الله (حافظاً) إذ يقول على لسان اللغة العربية:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
…
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟
أمين محمد عثمان
دبلوم معهد التربية العالي
مدرس بمدرسة الرمل
رحلة إلى الحجاز للشيخ مصطفى البكري الصديقي
للأستاذ سامح الخالدي
في هذه الرحلة يصف لنا الشيخ في أسلوبه الخاص رحلته إلى الحجاز، وزيارته قبر الرسول، وأدائه مناسك الحج ثم عودته
وقد دعاه إلى الحج وهون عليه الأمر، صديقه الوزير رجب باشا وقد كان أميراً للحج. فأذعن الشيخ، ويلاحظ الشيخ أن رجب باشا كلمه (بالتركي المعرب) وعرض عليه أن يستصحبه ففعل
ثم يصف لنا الشيخ وصوله إلى المدينة، وزيارته الحجرة المطهرة ثم مكة، ومناسك الحج. وقد اجتمع وهو في مكة بالشيخ محمد التافلاني (مفتي الحنفية) في القدس ودعاه إلى مرافقته إلى القاهرة فاعتذر
ويستدل من الرحلة، على عدد من الأمور الشيقة، فمنها أن الحج المصري كان قائماً في ذلك العهد، وأنه والحج الشامي يؤلفان أهم موكبين من مواكب الحجاج، وكيف كان الحرم في مكة يفتح في الليل خصيصا لأمير الحج الشامي، وقد فات الشيخ استمتاعه بهذه الفرصة النادرة لانشغاله في الوضوء، إذ لم يكد يستعد لدخول الحرم في الليل حتى أقفلت أبوابه
وكان أمير الحج، قد أقام مولداً وفرق الدنانير، ويصف لنا الشيخ تأثراته في المدينة ومكة، وقد أخذه الحال، حتى كاد يتأخر عن الركب الراجع بعد الحج
ويظهر من وصف الشيخ أن قوافل الحجاج كانت تحرسها الجنود، ويصفهم بالجردة، ويقول أن تأخر وصولهم أقلق الحجاج، ولما أطلوا، عادت إليهم طمأنينتهم
كما يصف لنا الشيخ ما فعلته الأمطار في (الحسا) من اضطراب، ونقص في الجمال
وإننا نترك الآن للشيخ البكري أن يصف لنا رحلته الشيقة في حجه المبرور:
وبعد: فيقول أفقر الأنام وأحقر الخدام بكثرة الآثام مصطفى بن كمال الدين بن علي الصديقي، لما كان الحج على المستطيع من الأمة فرضا، كانت النفس تشوق لأدائه لتكون ممن الحق أرضى، ونتشوق لزيارة تلك الأماكن، التي إليها القلب متحرك غير ساكن، لكن عدم وجود الاستطاعة لها مانع، وكلما هم العبد أعجزته الأقدار وأقعدته الموانع، إلى أن فتح الحق الوهاب بابا لزيارة البيت المقدس المستطاب، وذلك عام (1122هـ - 1710م)
وذكرت ما اتفق لنا في هذه الخطرة في الرحلة المسماة (بالخمرة المحسية في الرحلة القدسية) ثم عدنا إلى الديار، وأقمنا فيها مدة بحكم الاضطرار، فهاجت بنا دواعي الشوق، ودبت فينا نشوة التوق، إلى تلك الآثار المقدسة وثارت الأشجان إلى لقاء الأخوان في سنة (1126هـ - 1714م) وأودعت ما وقع هذه الكرة وما جرى هذه المرة، في كراسة وسميتها (الخطرة الثانية الأنسية للروضة الدانية القدسية) وكرينا على الأوطان، وأعددنا أنفسنا من القطان، في شهر رمضان سنة (1127هـ) وأقمنا إلى شهر رجب من شهور عام ثمانية وعشرين، فحرك الحق سبحانه الهمة إلى زيارة علم الشرق وما حواه العراق من السادات المتكاثرة. ولما وصلنا إلى محروسة حلب لم تقسم الزيارة لأمر محتم، فقصدنا زيارة سلطان الزهاد سيدي إبراهيم بن أدهم، ومكثنا في طرابلس الشام نحو سبعة أشهر وأيام، وتراجعنا للآثار المقدسة، لعلاقة لا تنسى، وضمنت بعض ما شهدناه في جزء سميته (الحلة الذهبية في الرحلة الحلبية) وعطفنا على المرابع السامية الشامية؛ عام ثلاثين راجين القرب من رب البرية وازداد وارد الأدكار والأفكار، كيف الوصول إلى سعاد الحجاز الرفيع المنار، وكان عام ثمانية وعشرين توجهت همة الأخ عبد الكريم القطان، إلى الحج الشريف، فقال له الأخ ذو الود والوفا الشيخ مصطفى ابن عمرو، أنت حجيت واجعل هذه عن أخيك فلان، ليحصل لك الثواب سبعين حجة كما جاء في بعض الآثار، فقبل منه ذلك وقرأ الفاتحة وتوجه لذلك المقام، نائباً عن الفقير في رحلته، وذكرت ذلك في ترجمته المسماة (بالصراط المستقيم في ترجمة الأخ الشيخ عبد الكريم) ولما عدت للديار ودخلت سنة (1130هـ) وقرب زمن مسير الحاج، أنشدني المجذوب الشيخ أحمد بن سراج مطاوعياً، ثم قال لي يا مصطفى (أن مرادهم يرسلوني إلى الحج في هذا العام) ففهمت إشارته ومقصده، في هذا الكلام، فقلت له (أرسلني نائبا عنك) فقال (أتروح)؟ فقلت (نعم ولو أن الروح تروح) فقال (ان رحت أرسلك مكاني) فقلت (عسى أن يدنو التهاني). ثم غاب وحضر بعد مضي جملة أيام. وجاءني قائلا (مرادنا نرسلك إلى الحج في هذا العام) فقلت (حفظك الله السلام، هذا هو القصد والمرام). وكنت ذهبت لوداع الحاج قبل هذا العام بعامين أو أكثر، وأنشدت حين شهدت الهوادج والأجمال تسير بلامين للسيد الأكبر:
زجروا العيس نحو وادي العقيق
…
ليت شعري هل لي له من طريق
ولما رأيت (الأجمال) سائرة تخب الأرض خبا، والقلوب طائرة، والأقدام تطوي السباسب خبا، تزايدت منا الحسرات، وبعد العود من التوديع، قيدت هذا القصيد الآتي مخافة أن يضيع، وأنشدتها الرفيق الأعز الأخ الشيخ عبد الكريم الجمل فهاج وماج، ولمفصل ما عنده أجمل، وبكى واستبكى، والمدامع أهمل، وهي:
أبروق لاحت بتلك البوادي
…
أم بواد في حي سلمى بوادي الخ
اجتماعه بصديقه رجب باشا والى الشام وأمير الحج:
(وكنت لما اجتمعت بجناب الدستور الأكرم، والمشير الأفخم محبنا الأعظم، والى الديار الشامية، وأمير الحج في هذه السنة السنية، رجب باشا، حبي من الخيرات ماشا، سألني (هل حججت؟) قلت (لا) فعرض أن نصحبه في الزيارة، وصرح في كلامه التركي المعرب الآن، بعد التعريض والإشارة، فأحلنا الأمر على الإرادة، ورجونا حجاً مبروراً لنيل السعادة
عم الشيخ البكري يحج أيضا:
(ولما توجهت همة العم، زاد السرور وزال الغم، وكنت أرى لي قبله مالاً، فقلت أحسب مصرفه على منه مآلا. وسألته الرفق والإرفاق، فأجاب بالوفاق والإشفاق، وأخبرت أن الوزير المشار إليه، أمره بأخذ الفقير فهان الصعب عليه، وعند الحزم والعزم على الرحيل، ودعنا قطب رحى الوجود، شيخنا صاحب الكشف الأنسي، جناب الشيخ عبد الغني النابلسي، وجميع من عنده. ممن أصحبهم رفده
زيارة المشاهد وقبور الأجداد قبل التوجه إلى الحج:
(وزرنا قدوة العارفين سلطان الغارقين في بحر الوحدة والعارفين سيدي محبي الدين، وتوجهنا بأهل السفح، ثم زرنا الوالد والأجداد الكرام في مقبرة الشيخ أرسلان، وتممنا الزيارة بشيخنا المرحوم الشيخ عبد اللطيف، وختمنا بمرقد سيدي عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق، وهذا المرقد على التحقيق لجدنا سيدي محمد ابن عبد الرحمن المعروف بابن أبي عتيق، وسبب ذلك أن محمد بن عبد الرحمن هذا ولد له عبد الله وله عقب، فاتفق أن عدة من أولاد أبي بكر رضي الله عنه، تناضلوا، فقال أحدهم (أنا ابن الصديق) وقال الآخر:
(أنا ابن ثاني اثنين) وقال آخر: (أنا ابن صاحب الغار) وقال محمد بن عبد الرحمن: (أنا ابن أبي عتيق) فنسب إلى ذلك هو وولده إلى اليوم. ذكره ابن قتيبة في تاريخه. وأما عبد الرحمن الحد الأعلى فمات فجأة سنة (53 هـ أو 58 هـ) وحمل إلى مكة ودفن بها، ذكره الشيخ محمد بن عبد الدائم البرماوي في (شرحه الزاهر البسام فيما حوته عمدة الأحكام)
(وبعد إتمام الزيارة وتوديع الأهل والأحباب الأخيار توجهنا مع العم إلى قبة الحاج، عشية النهار، وبتنا في سرور وبسط تام. بين رفقة أعزة وأحبة كرام)
في طريق الحج:
(وفي صبيحة اليوم الأزهر الميمون، سرنا إلى (الكسوة) ونزلنا قريبا من تلك العيون، وساروا بنا ليلة السبت إلى (المزريب) فوصلناه وأقمنا فيه أياما بعيش خصيب، وفيه شرعت في مسودة هذه الرحلة المباركة المسماة (الحلة الحقيقية لا المجازية في الرحلة الحجازية)، ولم نزل نسير، والحق سبحانه يهون العسير، إلى أن وصلنا (معان) والحاج كما يقال معان، والزفرة في وهج، تصلى بحرها المهج
وأقمنا يوما بها ثم سرنا
…
نحو تلك الرحاب نرجو الأمانا
نترامى على الوشاة غراما
…
كي يمر الزمان نأتي المكانا
ولديه يلتذ سمعي بمغنى
…
فيه نغنى عن الشوادي يدانا
(وكنا نشتغل في المحفة ببعض أذكار وأوراد، تدني الإمداد وتبعد الأنكاد، ولما وصلنا (المعلى) سبحنا العلي الأعلى، وأهدينا الفواتح لمن حلها من أهل التكريم، وخصينا بفاتحة الأخ الشيخ عبد الكريم، فإنه دفن بها بعد العودة من الحج المبرور، نائبا عن الفقير، كما قدمنا قريبا بهذه السطور
(وما زلنا نسير إلى أن وصلنا منزلا نلنا به غاية الابتهاج، إذ يلاقي فيه أهل المدينة الحجاج، وفي عشية تلك الليلة رأى الناس طلائع الأنوار، من ناحية السيد السند الحبيب الطبيب المختار، وحج الحجيج لرؤية ذلك، بالصلاة والتسليم على زين الممالك، ولم نزل بحول من أعلى وأنزل، نطوي البيد طي، طالبين وادي العقيق، إلى أن لاحت للعين لوائح القرب، وطاب للشارب من دموعه هناك الشرب، وحق لنا أن نلثم أخفاف الجمال، التي حملتنا إلى أن شاهدنا هذا الجمال. وفي هذا المعنى أنشد الواله المعنى:
وإذا المطى بنا بلغن محمداً
…
فظهورهن على الرجال حرام
قريننا من خير من وطئ الثرى
…
فلها علينا حرمة وذمام
وحق للزائر، أن ينشد مكان تلك الدوائر:
فيا ساكني أكناف طيبة كلكم
…
إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
(ولما عجنا على وادي العقيق ضحى، سالت الآماق الجامدة، واضطرمت الأنواق الخامدة، وأنقينا العين على شهود العين، وحبذا عين تنفق في عين، ونزلنا إذ رأينا على البعد المنارات النيرة، والبناء المدهش نوره وبروق آثاره محيرة، فألقينا عن الرواحل من فرط المسرة أنفسنا، وقلنا للأنفس، هذا الأنفس الذي من أنفسنا وأنفسنا، ونزولنا عند رؤية الآثار من السنة لا يقال فيه لبس، لأنه أقر على ذلك سيد الأكوان وقد عبد قيس. قال الفاكهي (في حسن التوسل في زيارة أفضل الرسل) في الفصل التاسع والأربعين، أي من الآداب أن ينزل عن راحلته إذا رأى المدينة ومنائرها تواضعا لله، وإجلالا لنبيه، صلى الله عليه وسلم وأن يمشي إلى المسجد إذا استطاع بلا مشقة شديدة، وآلا مشى قليلا، لأن وفد عبد قيس لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم نزلوا عن الرواحل ولم ينكر عليهم وكانوا نزلوا بإلقاء أنفسهم قبل أن ينخوها، فإلقاء النفس بحيث لا يتأذى ولا يؤذي الدابة وغيرها حسن فيما يظهر
ونقل أن العلامة أبا الفضل الجوهري ترجل عند قرب بيوتها باكيا منشداً:
ولما رأينا ربع من لم يدع لنا
…
فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة
…
لمن حل فيه أن نلم به ركبا
انتهى. وهذا الكتاب يعزى للمحقق المقدم الهيتمي، وكتابه (الدر المنظم في زيارة القبر المعظم). والقينا في الخيام عصي التسيار، وقلنا ما بعد العشية من عرار، وبادرنا إلى الزيارة، فرحين بمن حللنا داره
للمقال بقية
سامح الخالدي
رسالة الشعر
الميعاد
للأستاذ عبد القادر رشيد الناصري
كتب في مذكراته يقول:
(حملت إليه طاقة من الزهر. وافترقت على أن تلقاه في
روضة الملتقى، وشاءت الأقدار أن تخلف وعدها. . ورجع
شاعرها إلى أزهارها يبثها هواه ويهرق عليها دموعه. .
وعندما أوشك الفجر أن يبتلج كان قد أتم هذا اللحن تزفه إلى
أفقه ملهمته الخالدة. مهدية الزهر. ومخلفة الميعاد
يا مهدي الزهر نواحا لعاشقه
…
ماضي لو رحت تهديه الهوى عبقا
تركته نهب أوهام وأخيلة
…
حيران يضرب في بيد المنى فرقا
لكم سقى زهرات الحب أدمعه
…
وظل حران يستسقي الظما أرقا
فاعجب لظمآن قد جفت مناهله
…
والورد من دمعه المسفوح قد شرقا
ناداك والليل قد شابت ذوائبه
…
من السهاد، ونجم الصبح قد خفقا
وظل يصرخ حتى ذاب من ألم
…
فؤاده وجرى من ثغره مزقا
دخلت روضتنا الغناء أسألها
…
عن موعد كان لي في ظلها ولقا
والشمس معتلة الأضواء شاحبة
…
كأنما لقيت من حيرتي رهقا
وقد توارت عن الأنظار تاركة
…
على حواشي السما من جرحها شفقا
فلم أجد غير طيف منك يصحبني
…
أني التفت أراه نيرا ألقا
ضممته بين أجفاني فهيج لي
…
شوقي، فرحت عليه أطبق الحدقا
(هناء) يا كوكبا ما زال مؤتلقا
…
لكنه لم يجد إلا الأسى أفقا
أأنت ناديت أم صوت يخيل لي
…
سمعته من وراء الغيب منطلقا
قد مر بي وطوى الآباد أجمعها
…
حتى استقر بسمعي حينما طرقا
فديته من صدى ما رن في أذني
…
إلا، وأهدى لي الأشجان والحرقا
في لحظة ردت الأقدار عاجزة
…
عن سيرها. وأعادت كل ما سبقا
فجسد الوهم لي الماضي وصوره
…
شخصا لعيني إذا كلمته نطقا
يا لحظة تربط الماضي بحاضره
…
لا كنت يا لحظة منها الأسى انبثقا
أعدت لي ذكريات كلما سطعت
…
في خاطري جددت لي الحزن والقلقا
يا ليت من أيقظت عيناه عاطفتي
…
للحب، يشعر من في حبه احترقا
أوليت خالق هذا الحسن من علق
…
أحب يوما إذن ما ذل من عشقا
يا من تمثل فيه الروض مبتسما
…
والبحر منبسطا والنجم مؤتلقا
ما لي أجرعك الأحلام صافية
…
وأنت تملأ لي كأس الهوى رنقا
أغرك الحسن أخاذا فتهت به
…
على، حتى ظننت الحسن ما خلقا
أم قد علمت بما في القلب من حرق
…
فرحت تمنح عيني الدمع والأرقا
عبد القادر رشيد الناصري
الأدب والفن في أسبوع
للأستاذ عباس خضر
قرينة طه حسين:
مسألة النساء في حياة الرجال مسألة معروفة، من الإملال وفضول الكلام أن نتخذ منها مقدمة لهذا الحديث الذي نريد أن نسوقه في هذه الكلمة. وهو حديث عن السيدة الجليلة قرينة عميد الأدب والأدباء معالي الدكتور طه حسين باشا
كثيراً ما جال بفكري أمر هذه السيدة، من حيث أثرها في حياة طه حسين وفي أدبه. لقد تحدثت إلى مراسل لمجلة (آخر ساعة) في باريس، فصاغ من حديثها موضوعا ضمنه ما أفضت به إليه من معلومات تتعلق بالحياة العامة للزوجين الكبيرين، وهي معلومات نعرف بعضها ويسرنا أن نقرأ ما لم نكن نعلمه منها
إن قرينة العميد شريكة حياة مثالية، فهي شريكته المهيأة له أسباب الراحة والاطمئنان في حياته الخاصة، وهي شريكته المشاركة له في آلام نفسه وأمانيها. فقد كانت خير معين له في فترات شديدة من حياته، إذ كانت خير معين له في فترات شديدة من حياته، إذ كانت تحاول دائما أن تثبت فيه الصبر والشجاعة، وتربت إحساسه المرهف، فيمر بالشدائد كريما جلداً ظافرا. وأستطيع أن أقول - على ما ألمح من بعيد - إنها تدفعه إلى المجد، وأن ما تدفعه إليه قد جنت منه البلاد ولا تزال تجني أطيب الثمرات. جاء في حديث (آخر ساعة) ما يلي:
(ولطه حسين وزوجته ذوق واحد في كيفية قضاء أوقات فراغهما، فهما يفضلان الموسيقى أو المطالعة إذا لم يكونا مرتبطين بموعد لقضاء سهرة. وهما يحملان معهما أسطواناتهما الكلاسيكية المفضلة في جميع أسفارهما لأنهما يشعران براحة تامة في الاستماع إليها عندما يكونان وحيدين)
وهذا جانب لا يستهان به في الحياة الزوجية، وهو التعاون على قضاء وقت الفراغ فيما يمتع ويفيد، فيذهب ما مضى من عناء وينبعث النشاط لما يأتي من أعمال. وإذا كان الرجل العادي يستريح إلى زوجته التي تعد له ما يشتهي من أطباق، فإن من أسباب السعادة التي يستشعرها مفكر ذو إحساس مرهف، زوجة تهيأ له ما يحب من غذاء العقل والروح. ومما
نعلمه عن عميدنا الكبير شغفة بسماع الموسيقى الراقية، وهو يحرص على حضور حفلاتها التي تقام بمسرح الأوبرا الملكية في موسمها الشتوي السنوي بمصر، بل هو فوق ذلك يحرص على ألا تفوت متعتها من يؤثره، وسوف لا أنسى دعوته الكريمة التي تفضل فوجهها إلي لحضور بعض هذه الحفلات في الموسم القادم
وجاء أيضاً في ذلك الحديث أن قرينة العميد ترى في الحركة النسائية أن على المرأة المتزوجة أن تهتم ببيتها وبأولادها وأن تترك السياسة للأرامل والفتيات
إن فكري وخيالي يذهبان إلى التساؤل: كيف كان طه حسين وكيف يكون إذا مني بزوجة من هؤلاء المتصايحات المشتغلات بكل شيء عدا بيوتهن وأولادهن؟ وكيف يكون حال الأدب والعلم والتعليم عندنا إذا ابتلي بامرأة ممن يطفئن النور في القلوب ويبعثن بأزواجهن إلى القهوات والجلوس على الطوارات فرارا من نكد الزوجة وتعب البيت؟ إنني أتصور ذلك الفراغ الهائل في عالم الأدب العربي الحديث، فيهولني التصور. . وطه حسين كتلة من المواهب والحيوية الأدبية، ولكن هذه تحتاج إلى تهيئة الجو الصالح لتنميتها، الملائم لتنفس صاحبها
إن طه حسين - وهو الإنسان الحساس - يعرف لقرينته فضلها، وقد عب عنه بإهدائه إليها بعض مؤلفاته. ولكننا نحن اللذين انتفعنا بآثار ذلك الفضل، نحن أهل هذه البلاد المصرية وكذلك إخواننا في سائر البلاد العربية، ينبغي أن نذكر تلك السيدة الجليلة، ونذكر فضلها وأثرها في أدبنا وحياتنا، وأن نقرنها بزوجها العظيم فيما قدم لنا من نتاج أدبي وعمل مثمر، فنجلها كما نجله، ونحبها كما نحبه
عهد جديد
هذه مجموعة قصصية لكاتب قصصي جديد، هو الشاب العراقي الأستاذ شاكر خصباك، أنست بها في هذا المضيف المعتزل وكانت مما وصلني بالعالم الحبيب المتعب الممتع. . الذي نهرب منه ونحن إليه: عالم الأدب والفن
أعرف نزعة شاكر مما قرأته له من قبل في (الرسالة) وفي مجموعة سابقة، وأعرفها منه صديقا طالما التقيت به في القاهرة خلال السنوات التي قضاها طالبا بجامعة فؤاد الأول. فلما أصدر مجموعته هذه صدر هذا الصيف وقبيل رحيلي إلى المصيف، كانت مما
احتقبته، عسا أن يذهب عن نفسي ما ألم بها فأشتاق إلى المتاعب الممتعة
أحب من الأدب - أكثر مما أحب - ذلك النوع الذي يتخذ كاتبه أخاه الإنسان موضوعا له، على أنه أخوه. . أخوه كيفما كان، لا يترفع عنه لأن الأقدار أو الأسباب الاجتماعية أرادت له الحرمان والجهل وسوء الحال، لا يتخذه إلهية ولا طرفة يلهى بها ويطرف، بل يراه أخا له يرثي لحاله ويأسو جراحه ويلتمس له - كمطلق إنسان - البرء والسعادة
وعندما قلت (أعرف نزعة شاكر) كنت أعني تسديده إلى ذلك الهدف الذي أحببت أن أرافقه - بقراءته - في الاتجاه إليه
هذه قصة (عهد جديد) - وهي قصة كبيرة جعلها في مقدمة المجموعة وسماها باسمها - تعرض لنا أسرة جزار عراقي جعل الكاتب نفسه أحد أبناءه وتحدث بلسانه كدابة في سائر القصص، ولابد أنه يتخذ هذه الطريقة - طريقة التحدث بضمير المتكلم - استكمالا للاندماج في جو القصة، وهو وأن كان تخيلا إلا أن ضلال شخصية الكاتب تظهر في كثير من قصصه، كالقصص التي يصور فيها حياة شباب ينزلون في القاهرة لدى أسر (بنسيون)
نعود إلى قصة (عهد جديد) فنراه يصور لنا حياة تلك الأسرة تصويرا ينقلنا إلى ذلك البيت الصغير الذي تعيش فيه، وكأننا نجالس الرجل وابنيه ونؤاكلهم على الحصير الذي يفترشونه في مدخل البيت. والحادثة التي تدور عليها القصة في غاية البساطة وهي تتلخص في أن الجزار يعامل أسرته بخشونة وغلضة، وخاصة زوجته وابنه الكبير، فلا يفتأ يوبخ الولد على كل تصرفاته، ويوجه إلى أمه قوارص الكلم، فيثور الابن وينفجر في وجه أبيه محتجا على إهانة أمه في إحدى المرات، ويغادر المنزل والبلد (الحلة). . . وتمر أيام لا يعلمون له مقرا ولا مرتحلا؛ حتى يهتدي الوالد إلى أنه رحل إلى كربلاء ليعمل عند قصاب هناك على أن يستدعي أمه لتعيش معه بعيدا عن أبيه الفض الغليظ، فيجزع الرجل ويلين جانبه ويخفض صوته ويحسن ألفاظه، ثم يبعث بزوجته إلى كربلاء، فتعود بولدهما، وما يراه الأب حتى يخرج من صلاته ويتجه إلى ابنه فرحا قائلا بصوت متهدج: الحمد لله على السلامة يا نجم!
الوقائع الظاهرة قليلة بسيطة، ولكن الكاتب يأخذنا إلى وقائع وأحفل، هي التي تجري في نفوس أفراد الأسرة جميعاً، فبعد أن عرفنا شخصية كل منهم عن طريق تصرفاته جعل
يحركهم عندما وقعت المحنة التي زلزلت أركان البيت، وهي اختفاء نجم، جعل يحرك مشاعرهم ويصف حركاتهم وفقا لطبيعتهم، فالأخت البكاءة (أم دمعة) لا تنفك عن البكاء، والأخت الجامدة تعبر عن التياعها لاختفاء أخيها بجمودها. . على طريقتها! وقد أفاض في وصف المعالم الظاهرة والدقائق النفسية، وهو في كل ذلك يسير في خطة القصة المؤدي إلى نهايتها والمعرض عن عقدتها وهي تغير الأب من حال إلى حال واستئناف الأسرة عهدا جديدا صار فيه الرجل الجافي إنساناً رقيقا.
وتتمثل في هذه القصة خصائص قصاصنا الشاب، وأولاها نظرته الإنسانية، فقد نقد الأب وصور حماقته نقداً وتصويراً بالغين ولكنه ما تخلى عن العطف عليه كإنسان مسكين ظل سواء السبيل ثم اهتدى أو هدى إليه
وثانية الخصائص دقة الرسم مع تجنب الفضول، فقد عرفنا بكل شخصية من الشخصيات حتى كأنهم من معارفنا الأقدمين وحتى لأحسبني أن ذهبت إلى (الحلة) سأبحث فيها عن منزل ذلك القصاب وأسأله عن أفراد أسرته لأطمئن على حالهم جميعاً! وهو يفيض بالحديث عن أشياء فلا يمل لأنك تشعر انك في طريق القصة لم يعرج بك إلى هنا أو هناك، وفي خلال هذا الحديث تتجسم لك أصالة الكاتب في تصوير البيئة، وفي إجراء الكلام على ألسنة الأشخاص بما يناسب حالهم، فالجزار مثلاً يشبه زوجته بالنعجة، وابنه بالخروف؛ وأبناء هذه الأيام بالجاموس الهائج!
وثالثة الخصائص التي ألمحها في قصص شاكر خصباك هي النقد الاجتماعي فليست واقعيته من قبيل (التصوير الفوتوغرافي) وإنما هو ينظر إلى ما وراء الظواهر لينفذ إلى الحقائق ويلقي الضوء على ما يعترضه من مظاهر الحياة الإنسانية، وفي كثير من قصصه أهداف بعيدة، كقصة (أغلال) التي يثير فيها قضية حب بين حمال وإحدى طالبات المدارس، فيصور الفارق الاجتماعي بينهما عائقاً ظالماً، أليس للحمال قلب كغيره من الناس!
وأنت بعد كل ذلك تحس روح القصاص العذبة وظله الخفيف وطلاوته التي تأسرك وتشوقك إلى النهاية، على رغم ابتعاده عن الأغراب وافتعال المفاجآت
وقبل أن أنظر إلى (الكفة الثانية) أحب أن أهنئ عالم الأدب العربي الحديث بهذا الشاب
الذي يرجى أن يكون فيه من أعلام القصة المبرزين
وهاك ما أراه من المحتويات (الكفة الثانية):
لاحظت في بعض القصص اهتمامه بما يشبه التعليق على النهاية أو الزيادة على النهاية بما لا داعي إليه وأحيانا تفسد الزيادة الموقف، وذلك كما في قصة (الرهان) و (قلب كبير) فقد عنى فيهما بالتعبير عن ألمه بعد الخاتمة التي كان يحسن السكوت عليها، والحالة النفسية مفهومة وينبغي أن يدع القارئ يدركها من طبيعة الموقف، وفي قصة (بدور بنت عمي) كانت نهايتها مصرع الفتاة التي أثارت حنقه وغيرته، وكان يحسن صنعاً لو أنه ترك القارئ يفكر في هذا المصرع وكيف وقع، وكنه راح يتساءل: هل اختل توازنها أو أنه دفعها بيده؟ فأفسد الموقف احتمال دفعه إياها أي قتلها. وفي رأيي أن القصاص غير مسئول عما يحدث بعد أن يعرض صفحة معينة من الحياة هي التي انفعل بها وتعلق بها موضوعه، فليس مطالباً بأن يجعل الأبطال يعيشون في (التبات والنبات) ويخلفون صبياناً وبنات، أو يلحق بهم مفرق الأحباب وهادم اللذات. . .
لاحظت في بعض القصص مجانبة لمنطق الواقع، ففي (قصة الدخيل) سكن غرفة في شقة تسكنها أرمل توفي زوجها منذ شهر، اسمها (ثريا) فلم يمض الأسبوع الأول حتى تأبط ذراع الحزينة على زوجها المخلص. . . وقضيا المساء في قهوة بمصر الجديدة، وبعد أسبوع آخر ذهبا إلى السينما، فلو فرضنا أنها (استلطفته) بهذه السرعة استلطافاً اذهب الحزن من قلبها بهذه السرعة أيضا، أفما كان من اللائق أن تتحرج قليلا فلا تخرج معه إلى القهوة والسينما بهذه السرعة ما وهو متأبط ذراعها أمام الناس في الشهر الثاني لوفاة زوجها الذي تنطق حوادث القصة بحزنها عليه؟ كل ذلك وأسمها (ثريا) لا (مرجريت) ولا (راشيل)!
أسلوب شاكر خصباك عذب حي والحوار فيه طبيعي جميل، وهو يستكمل بذلك أدوات القصصي الفنان. ولكن. . وليس قليلا ما بعد (لكن) تعوزه السلامة اللغوية والنحوية في كثير من المواطن، ومن أمثلة ذلك استعماله الامتنان بمعنى الشكر في قوله (ص110):(والحق أنني عظيم الامتنان لذلك الطفل) والخطأ النحوي ظاهر في قوله (ص111): (ولم أكن بأحسن حال منها) وهو يستعمل حيث للتعليل في قوله (ص114): (وكذلك يفقد الموقد
الذي حفرته في إحدى زوايا الغرفة صلاحيته للعمل حيث يمتلأ بالماء) ويقول (إحدى المستشفيات) في (ص135) بدل (أحد المستشفيات). ويقول (الأشياء المفقودة التي يعثر بها) في (ص144) بدل (يعثر عليها)
وأني آسف لهذا النقص في كتابة صديقي شاكر خصباك، وتدفعني الغيرة عليه وعلى مواهبه الممتازة إلى إبدائها، وأدعوه إلى أن يتألم من هذا الذي أكتبه، كي يعمل على تمام ذلك النقص وهو من القادرين على التمام
عباس خضر
الكتب
نماذج فنية من الأدب والنقد
تأليف الأستاذ أنور المعداوي
للأستاذ إبراهيم محمد نجا
علم من أعلام النقد الأدبي في العصر الحديث، وأديب من أدباء الطبقة الأولى. . ظهرت مقالاته الأدبية منذ سنوات، فلفتت إليه الأنظار والأفكار، وجمعت حوله القلوب والعقول، وهيأت له مكانة عجز عن الوصول إليها كثير من الأدباء. قرأت له تعقيباته التي يوالي نشرها في الرسالة الزاهرة، فوجدته يمتاز في هذه التعقيبات بالنفاذ إلى صميم ما يعرض له من موضوعات الأدب، وشؤون الفكر، ونظريات الفن، ومن هناك يسلط أضواءه القوية على كل زاوية من زوايا الموضوع الذي يتناوله بالدراسة والنقد، فتبدو الأشياء سابحة في النور، بعد أن كانت مغلفة بالظلام، ويصبح ما كان بعيداً عن الإفهام، وقد صار أدنى إليها من كل شيء سواه. وسر هذه المقدرة أن الأستاذ لا يفكر بذهنه فحسب، ولكنه يفكر بقلبه أيضاً، وحين يستطيع القلب أن يفكر، فإنه ينفذ إلى حقائق الأشياء
ثم لقيت الأستاذ المعداوي، وتوطدت بيننا أواصر المودة وصلات الأخوة، فلم أجد فارقا جوهريا بين شخصيته في الأدب وشخصيته في الحياة، فهو في كليهما قوي الشخصية، يعرف لنفسها حظها من التفوق، ونصيبها من الامتياز، فلا يضعها إلا فيما يليق بها؛ ومن هنا يأتي اعتداده بنفسه، ذلك الاعتداد الذي لا يبلغ حد الغرور. وهو جريء في الحق، صريح في إبداء الرأي، لا يتأثر بصداقة الأصدقاء، ولا يتهيب سطوة ذوي الجاه والسلطان. ومواقفه في ذلك معروفة مشهورة. وهو متسامح مع الناس في شؤون الحياة، ولكنه لا يتسامح معهم في شؤون الفن والأدب. ومن هنا كان عنفه في مدافعة ما يراه خطأ وباطلا من الآراء والأفكار، ومن هنا أيضاً كان اتهامه بأنه معول هدم في الحياة الأدبية، وليس عامل بناء! وقد دافع هو عن نفسه دفاعا قويا (هدم) به هذا الاتهام من أساسه، وذلك في المقدمة الرائعة التي قدم بها لكتابه الأول (نماذج فنية من الأدب والنقد)
وهذا الكتاب يضم بين دفتيه طائفة من المقالات والدراسات الأدبية، منها تعقيباته
المشهورة، بعد أن تناولها بشيء من التنقيح والتجويد، وبشيء من الحذف هنا، والزيادة هناك. وهو يعطينا صورة واضحة عن الأستاذ المعداوي كناقد أدبي وكدارس شخصيات، يملك موهبة فائقة، واستعداداً ممتازاً، واطلاعاً واسعاً منوعاً، ويملك فوق ذلك تجارب إنسانية مختلفة تعينه على إدراك الأعمال الأدبية إدراكا صحيحا، وعلى فهم الشخصيات الإنسانية فهما مباشراً، لأن هذه التجارب الإنسانية المختلفة تجعله أقدر على التجاوب مع أصحاب هذه الشخصيات، وتلك الأعمال، في تجاربهم الخاصة. والتجاوب النفسي شرط أصيل في إدراك الأعمال الأدبية وفي فهم الشخصيات الإنسانية على السواء، واللذين ينقصهم هذا التجاوب من النقاد يقفون بنقدهم عند المظاهر الواضحة دون أن يصلوا إلى البواعث النفسية. وقارئ هذا الكتاب يرى بوضوح أن صاحبه قد احتفل بكل موضوع من موضوعاته أتم احتفال، واحتشد له أكمل احتشاد حتى لم يدع زيادة لمستزيد، أو سؤالاً لمستفهم، ويرى كذلك أنه يتفوق على نفسه في بعض ما كتب، وذلك حين تتيح له طبيعة الموضوع أن يبدي كل ما لديه من موهبة، ويعرض كل ما يملك من استعداد، ثم هو يجد الأستاذ يفكر دائما بعمق وبوضوح وهذه ميزة، ويجده مع ذلك يملك المقدرة الفائقة على الإبانة والتوضيح، وهذه ميزة أخرى؛ لأن الإنسان قد يفكر بعمق في شأن من الشؤون، فإذا أراد أن يعبر عن أفكاره خانته وسائل التعبير؛ لأنه لا يملك منها الشيء الكثير
أما أسلوب الأستاذ، فإنه يمتاز بالدقة والتناسب والانسجام ونعني بالدقة اختيار الكلمات التي تحدد المعنى تحديداً تاماً، وذلك من ألزم اللوازم في النقد الأدبي؛ ونعني بالتناسب أنه يوجز في مواضع الإيجاز، ويطيل في مواضع الإطالة، فلا يخل بذلك، ولا يمل بهذه. أما الانسجام فهو تلوين الأسلوب بحيث يلائم طبيعة الموضوع. ولهذا الموضوع موسيقى رائعة الوقع، شجية الرنين، تمتاز بالجلال في موضوعات النقد ودراسة الشخصيات وتتفرد بالجمال في موضوعات العاطفة والوجدان. وليس من شك في أن أسلوب الأستاذ المعداوي يعد من أجمل الأساليب الأدبية المعاصرة. وما كان الأسلوب الأدبي في أي عصر من العصور أجمل منه في هذا العصر الذي نعيش فيه
والخلاصة أن الأستاذ المعداوي ناقد ملهم، قوي الطبع، عظيم الموهبة، وافر الأداة، كامل الاستعداد، مخلص في عمله، مؤثر له، متوفر عليه، وهذه الصفات مجتمعة لا تكاد تتحقق
الآن في أحد سواه
يرى الأستاذ في مقاله (حول مشكلة الفن والقيود) أن العقل الواعي هو الذي يقول للشاعر أن الجو الشعري لهذه القصيدة يصلح له هذا الوزن دون ذاك، ونتلاءم معه هذه الموسيقى الداخلية دون تلك. . .
وهذا بالتجربة غير صحيح، لأن العقل الباطن هو الذي يدرك أولا الصلة بين الجو الشعري للقصيدة، والوزن الموسيقي الذي يصلح له، والموسيقى الداخلية التي تلائمه. . . ثم ينبعث منه بعد هذا الإدراك - ذلك الوزن الصالح، وتنبع منه هذه الموسيقى الملائمة. أما العقل الواعي فإنه (يلمس) بعد ذلك هذه الصلة
ومطلع القصيدة الذي يحدد وزنها الشعري، هو عند الشعراء الملهمين هدية من العقل الباطن لا دخل للعقل الظاهر فيها، ولا صلة له بها. . . أما النظامون، فإن القصيدة عندهم من مطلعها إلى مقطعها (وليدة) الذهن الواعي. . . الواعي للتقليد والمحاكاة والسرقات!
ويقول الأستاذ في مقاله (العبقرية والحرمان): (إن العبقريات معادن. . بعضها يتوهج في ظلال النعيم، وبعضها يتأجج في رحاب الفاقة والحرمان)
والذي أراه أن العبقريات لا تتوهج ولا تتأجج إلا في سعير الحرمان الروحي، أما الترف والفاقة فإنهما مظهران خارجيان لا يؤثران في العبقريات إلا بمقدار ما يكون لهما من صلة بالحرمان الروحي. . وهذا الحرمان ألوان، فهناك الحرمان من احترام الناس، وهناك الحرمان من التمتع بالجمال، وهناك الحرمان من الحب - والحب أنواع -، إلى غير ذلك من ألوان هذا الحرمان. ولا يمكن لعبقرية من العبقريات أن تتوهج في ظلال ترف لا يكون معه حرمان روحي، أو تتأجج في رحاب فاقة لا تولد مثل هذا الحرمان
وعلى ضوء ذلك نستطيع أن ندرس العبقريات جميعها، فنجدها كلها من هذه الناحية معدنا واحداً، وليست معادن مختلفة
وقد كتب الأستاذ مقالا عن أبي العلاء كما يراه، بلغ فيه القمة حين أثبت أن القلق هو الظاهرة الكبرى في شخصية أبي العلاء، وليس التشاؤم كما ذهب إلى ذلك غيره من الباحثين، وحين أثبت أن سر هذا القلق هو ما كان يشكوه أبو العلاء من فراغ النفس، وفراغ القلب، وفراغ الجسد، ثم رأى أن حرمان أبي العلاء من المرأة هو مصدر الحرمان
كله، ومركز الفراغ كله. . وذلك حق لا سرية فيه، ولكن الأستاذ لم يبين السبب الذي من أجله حرم أبو العلاء من المرأة، وذلك لازم لفهم هذه الشخصية النادرة. والذي أراه أن أبا العلاء هو المسئول عن حرمانه من المرأة؛ لأنه حين صدمته الحياة سخط عليها سخطا شديدا دفعه إلى المجاهرة بآرائه الشاذة عن النسل، وعرفت عنه هذه الآراء، واشتهر هو بها، وأصبحت من عناصر شخصيته، وخصائص فلسفته، فلم يستطع أن يتراجع عنها، ولم يستطع كذلك أن يجعلها بمعزل عن حياته، حرصاً منه على مذهبه الفكري من مهاجمة الأعداء المتربصين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأنه كان عنيدا بكل ما في هذه الكلمة من معنى. وهكذا حرم أبو العلاء نفسه من المرأة روحها وجسدها، فكبرت عقدته النفسية، وازداد معها قلقه النفسي، وتبرمه بالناس وبالحياة
فشخصية أبي العلاء فيما نراه شخصية مريضة، ظلت طول حياتها تعاني كبتا جنسيا وآخر نفسياً. وهي المسؤولة عن هذين الكبتين أكثر من غيرها. وهناك سؤال وجه إلى الأستاذ المعداوي عن هذين البيتين من شعر جميل:
وأني لأرضى من بثينة بالذي
…
لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا، وبألا أستطيع، وبالمنى
…
وبالأمل المرجو قد خاب أمله
والسائل يعترض على قول جميل: لم أبصره الواشي لقرت بلابله، ويرى في ذلك تغييراً لطبيعة الواشي الذي لا تقر بلابله حين يرى العاشقين على هذه الحال من الطهر والبراءة، ولكن تقر هذه البلابل حين يراهما في حالة مريبة!
وقد أجاب الأستاذ عن هذا السؤال بشرح للبيتين يتمثل جوهره في قوله: (هذا الواشي الذي يعنيه جميل لم (يبصر) هذا الذي يقنع به دائماً من حبه لبثينة، لو أبصر لما (تخيل. . لما تخيل أن كل محظور قد وقع في عالم المنظور)
وليس في هذا الكلام ما يدفع اعتراض السائل، وإنما يدفع اعتراضه أن نقول له أن الواشي هو في صميم طبيعته النفسية عاش مغلوب على أمره، أو حاسد يشقى بنعمة محسودة، وهو هنا في قول جميل عاشق لبثينة، وحاسد له؛ ومن شأن العاشق الحاسد أن (تقر بلابله) حين (يبصر) ما بين العاشق المحسود، ومعشوقه الذي يحسده عليه، فيعلم أنه شيء كالحرمان أن لم يكن أوجع منه، وأشد إيلاماً
ثم يبدي الأستاذ إعجابه بهذين البيتين من قصيدة بدوي الجبل في أبي العلاء:
من راح يحمل في جوانحه الضحى
…
هانت عليه أشعة المصباح
وجلى المصون من الضمائر، فانتهى
…
همس النفوس لضجة وصياح
مشاركا في هذا الإعجاب الأديب السوري المعروف الأستاذ روحي فيصل. فهل علم الأستاذان الناقدان أن البيت الثاني قد نظر صاحبه إلى هذا البيت من شعر المتنبي في صفة الجياد:
وتنصب للجرس الخفي سوامعا
…
يخلن مناجاة الضمير تناديا
وهل علم الأستاذان الناقدان أن (الضجة والصياح) يثيران في نفس السامع صوراً مادية مبتذلة من شأنها أن تفسد الصورة الفنية التي تكون للكشف عن أسرار النفوس؟!
وكلمة أخيرة أحب أن أقولها قبل أن أدع القلم؛ هي أن هذا الكتاب يضم بين دفتيه من الآراء والأفكار والنظريات ما يعد اتجاهاً جديداً في النقد الأدبي، ولذلك أقترح على وزارة المعارف أن تجعله ضمن كتب المطالعة الأدبية المقررة على تلاميذ المدارس الثانوية. وفي يقيني أن هذا الكتاب وحده يعد أجدى على التلاميذ من كل الكتب المفروضة عليهم في البلاغة وتاريخ الأدب، هذه الكتب التي تفسد الأذواق، وتنحرف بالمواهب عن وجهها الصحيح
وأملي أن يستجيب وزير المعارف - وهو الرجل الأديب - لهذا الاقتراح، وأن يضعه موضع التنفيذ
إبراهيم محمد نجا
(بيام مشرق) لإقبال
نقله إلى العربية سعادة الدكتور عبد الوهاب عزام بك
للأستاذ س. م. ي.
لقد عهد قراء (الرسالة) في الدكتور عبد الوهاب عزام بك أديبا مطبوعاً واثقاً من نفسه، صامداً أمام تيارات الغرب، جادا في تفكيره، صادقا في تعبيره وأدائه، ومن أهم ما امتاز به هذا الأديب أنه واسع الأفق، اضطلع بالآداب الفارسية الغزلية والأردوية واطلع على
الآداب الغريبة؛ كما أن صدره انشرح لآمال الشعوب الإسلامية جمعاء متخطياً في ذلك القومية الضيقة والوطنية المتطرفة ومع أنه انخرط في السلك السياسي منذ أعوام إلا أنه لا يدع أعمال منصبه الجديد تصرفه عن نزعته الأدبية كما أنه لا يصعب عليه الجمع بين الدبلوماسية بين مصر والباكستان لا تتطلب إلا توفر روح الود والصداقة وشيء من الجرأة الأدبية في مناصرة الحق والعدل من غير مبالاة بمصالح قصيرة الأمد.
ولعل الأوساط العلمية والأدبية قد سمعت من العمل الأدبي الجليل الذي قام به أخيراً سفير مصر في الباكستان، أعني الترجمة العربية ل (بيام مشرق) تصنيف الفيلسوف وشاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال الذي أراد أن يجعل من تلك المجموعة من الشعر رسالة من الشرق إلى الغرب مضاهاة لما فعله الحكيم الشاعر الألماني (جيته) في ديوانه
وها أنذا أورد فيما يلي ملخصا لما كتبه الأستاذ برويز صاحب مجلة (طلوع الإسلام) وهي من كبريات المجلات العلمية في الباكستان، بشأن قيمة هذه الترجمة العربية وشخصية المترجم الكبيرة المتواضعة، وأثرها في توحيد الأفكار وتوثيق عرى الصداقة بين الأقطار الإسلامية
يقول الأستاذ يرويز، وهو من كبار الباحثين عن المعارف القرآنية وفلسفة إقبال، وفي عدد يوليو من مجلته (ألح علي صديق لي منذ وقت قريب في زيارة الدكتور عبد الوهاب عزام بك، وقد كنت راغباً عنها لضيق صدري بمقابلة (الأمراء والكبراء) على وجه العموم، إلا أنني تو ما جلست أمام سعادة الدكتور عزام بك أيقنت بأنني أن لم أقم بتلك الزيارة لكنت قد حرمت نفسي من سعادة أية سعادة، فقد شعرت وأنا في بهو السفارة المصرية الذي لا يعدمه شيء من أسباب الزينة والزخرفة ومظاهر البذخ والثراء - شعرت هناك كأنني في صحبة (درويش) لم يأبه بما يجري به التقليد من التقديم والتعارف وما إلى ذلك، بل أخذ يحدثني عن كبار أئمة الأدب
والشعر مسترسلاً في ذلك على سجيته من غير أن يبدو في حديثه أدنى أثر للصنعة والتكلف، بل كان بالعكس متسما بطابع الصدق وعمق التفكير، وهكذا انتهت المقابلة الأولى كما بدأت بدون أي اهتمام بالتقاليد الرسمية
ثم يتكلم الأستاذ برويز عن قيمة الترجمة العربية لشعر إقبال فيقول: والدكتور عزام بك من
المفتونين بشعر إقبال وفلسفته، ومن حسن الحظ حقاً أنه مستكمل المدة لترجمة إقبال إلى العربية ترجمة تحافظ على روح الشعر من غير أضرار بالخصائص اللفظية وذلك لعمري ليس بالأمر الهين. إلا أن الله قد وهب الدكتور عزام ملكة قوية لقول الشعر بحيث أنه يقرض الشعر كما لو كان ينشد شعر غيره على التوالي، وهو يتمتع بقدرة فائقة على اللغة العربية - أعني العربية الفصحى التي يفهمها ويتذوقها (الأعاجم) - مع تعمقه في دراسة الفارسية والأردوية، أضف إلى ذلك أنه قد أحاط بجميع نواحي فلسفة إقبال وأدرك كنهها، وأخيراً يمتاز الدكتور عزام بأنه دائم التعطش ويعني بالاستزادة من كل مصدر أياً كان
وإذا فيعتبر تصدي الدكتور عزام لترجمة شعر إقبال استجابة لدعاء إقبال نفسه لأنه، رحمة الله، كان شديد الرغبة في إبلاغ رسالته إلى الأمة الإسلامية قاطبة، وقد صرح بأن هذه الرغبة هي التي حدت به إلى قول الشعر بالفارسية بدلاً من الأردوية في كثير من الأوقات، إلا أنه لم يكن في وسعه - وكم كان يأسف لذلك - أن يتحدث إلى العرب بلغتهم، والآن وقد وجد إقبال خير مترجم له في الدكتور عزام بك، فلنأمل أن يؤدي الاطلاع على أفكار اقبال وفلسفته إلى (وحدة القلب) تلك الوحدة التي هي أسمى وأفضل من (وحدة اللغة) - كما يقول إقبال - بين الشعوب الإسلامية المختلفة، ولعل الاطلاع على شعر إقبال أيضاً يبرز الحقيقة التي عبر عنها اقبال بقوله: أن (لا اله إلا) لا بد وأن يبقى كلمة غريبة ما لم يشهد القلب به، سواء في ذلك العرب والعجم كلاهما
وترجمة الدكتور عزام تفيض بإعجابه الشديد بإقبال وإيمانه القوي بالمبادئ التي نادى بها شاعر الإسلام، وانه لمن المدهش حقاً أن يتمكن المترجم لا من نقل الروح والمعنى فحسب، بل من تتبع الأصل فيما يتعلق بالشكل وديباجة الشعر أيضاً، والترجمة مذيلة بكلمة شعر طويلة للدكتور عزام بك يعرض فيها خلاصة وافية لتعاليم اقبال، ويبتهل إلى الله أن يكون انتشارها سبباً لإنقاذ العالم من محنته الحاضرة
ويختتم الأستاذ برويز كلمته بإهداء التهاني إلى شعب مصر الذي قام ممثله بإيجاد مثل هذه الحلقة المحكمة للربط بين العالم الإسلامي، تلك الحلقة التي هي أبعد أثراً من أية عهود ومواثيق سياسية لأنها ترمي قبل كل شيء إلى (وحدة الفكر) ووحدة الفكر هي الأساس المتين (لوحدة العمل) لا غير
س. م. ي
الإسلام وجهاً لوجه
للأستاذ محمد الخفاجي
الأستاذ (السمان) من خيرة شبابنا الذين يفهمون رسالتهم في الحياة على وجهها الصحيح، ويذودون عن حرية الرأي والقلم بكل ما يستطيعون، ويرون للإصلاح في مصر والبلاد الإسلامية وجها واسعا غير الوجه الذي يسير فيه الآن ببطيء وتعثر شديد وهو يقظ يقظة فكرية شديدة في رأيه ومعانيه وتعابيره
وقد صاحبته في كتابة (الإسلام حائر بين أهله) فوجدت ما يعجب كل قارئ من خصائصه الفكرية والأسلوبية
واليوم أقدم للقراء أثره الجديد الثاني وهو (الإسلام وجها لوجه) الذي أفاض فيه في شرح الإسلام وبادئه ومناهجه؛ دينا ودولة، سيفا ومصحفا؛ والذي يرسم فيه خطوط الإصلاح وفق نواميس الإسلام الخالدة، وينقد مظاهر الحياة الاجتماعية الحاضرة على أضوائها، ويفلسف عقيدة (الأخوان المسلمين) الدينية والإسلامية، ويتحدث عن آرائه فيه بأيمان قوي
ولا شك أنه جدير بالعناية والاهتمام من كل قارئ وباحث، لما حواه من جديد الآراء في الدراسات.
صلوات على الشاطئ
كتاب خصب، ألفه الأستاذ أحمد الشرباصي الأستاذ بالأزهر الشريف، ونشر هدية أدبية سنوية لمجلة البعثة الكويتية التي تصدر بمصر. . وقد طبع الكتاب بمطبعة دار الكتاب العربي بالقاهرة عام 1951 في نحو 128 صفحة طبعة أنيقة جميلة
والكتاب مذكرات أدبية روحية، أملاها المؤلف على شاطئ رأس البر، وقدمها إلى شاطئ الخليج العربي وصدرها بإهداء إلى حضرة صاحب السمو الأمير المعظم الشيخ عبد الله السالم الصباح أمير الكويت
وإذا كان أدب الطبيعة في اللغة العربية قليلا محدودا، وكان أدب الشواطئ أقل وأندر. . فإن هذه الفصول جديدة التصوير للطبيعة ومظاهرها، وللبحر وأسراره، وللنفس الإنسانية
وأغوارها
ولا شك أنها متعة أدبية روحية عالية، وأثر طيب من آثار الشرباصي المفعمة بالروحية الصادقة، والصوفية الطاهرة ومختلف المشاعر الحية.
محمد خفاجي
البريد الأدبي
إلى السيدة أمينة السعيد!
جاء في باب (اسألوني) في العدد 1399 من مجلة المصور الصادر في 3 أغسطس سنة 1951 استفهام من سائلة عن ختان البنات وكان الجواب (إن عملية الختان ليس لها أصل ديني مطلقا بل هي تقليد توارثه الناس عن الفراعنة ويقول الأطباء إنها مضرة بالفتاة. . وأن معظم الولادات العسرة يعود إليها والمسلمات المتمدينات. . . إلى آخره
والإجابة على هذه الصورة لا تشفي غليلا وليس لها سند تعتمد عليه، فقد تواتر تأييد الدين الإسلامي لهذه العملية وأجازها بصورة حكيمة وضحتها الأحاديث النبوية الكريمة
وهذا الموضوع بالذات قد تناولته أقلام الباحثين في المجلات الطبية والأدبية والإسلامية وقامت مجلة الرسالة الغراء مشكورة بنشر الأبحاث المتعلقة بهذه العملية. وخوف التكرار الذي لا طائل تحته أحيل السيدة الفاضلة على مجلة الرسالة ففيها بحث وافي في العدد 937 ومجلة لواء الإسلام العدد الأول من السنة الخامسة، وتعليقنا في العدد 938 من مجلة الرسالة، ففيها شفاء وكفاء
وليس من شك في أن لزاما على الباحث الفطن أن يستقصي وينقب في الموضوع الذي يتعرض له قلمه ولا يلقي الكلام إلقاء وفيه ما فيه من بلبلة الأفكار. . بل قد يتخذه بعض القراء حجة على وهنه وضعفه وفي ذلك ما فيه من نقص في البحث وقصور في الاطلاع، ونعيد قلم الكاتبة الفاضلة من الدنو من ذلك في رسالتها السامية، وفقنا الله جميعا للصواب
شطانوف
محمد منصور خضر
نسبة شعر
اطلعت مؤخرا على العدد (944) من الرسالة الأغر فإذا الأستاذ الشاعر عبد القادر رشيد الناصري يستنكر في صفحة البريد الأدبي على الأستاذ صاحب كتاب (الشعر العربي في بلاطات الملوك) نسبة أبيات إلى النابغة الذبياني وهي:
المرء يأمل أن يعيش وطول عيش قد يضره
تفنى بشاشته ويبقى بعد طول العيش مره
وتخونه الأيام حتى لا يرى شيء يسره
كم شامت بي أن هلكت وقائل: الله دره
ويقول أن الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي نسبها هو الآخر كذلك إلى النابغة الذبياني خطأ في مؤلفه (الشعراء الجاهليون) اعتمادا على بعض كتب الأدب (. . والأصوب نسبتها إلى لبيد ابن ربيعة العامري حيث نشرها جامع ديوانه مع شعره). .!! ما هذا يا أستاذ عبد القادر! أليس من المحتمل أن يكون هذا الذي جمع ديوان لبيد وطبعه في مطابع أوربا قد دس في تضاعيفه هذه الأبيات دسا دون تحقيق أو تمحيص وأخطاء في نسبتها إليه؟! وهل يصح عقلا أن تخطأ النصوص والمراجع الأدبية قديمها وحديثها ونضرب بها عرض الحائط لنصدق زعم زاعم من المحدثين مهما كان مركزهم الأدبي ومهما كانت درجة ثقافته
انك لو رجعت إلى الجزء الأول من (الشعر والشعراء) لابن قتيبة مثلا - وهو كما نعلم مرجع من المراجع الأدبية الموثوق بها - لوجدت فيها هذا النص:
(. . قال أبو عبيدة عن الوليد بن روح قال: مكث النابغة زمانا لا يقول الشعر، فأمر يوما بغسل ثيابه، وعصب حاجبيه على عينيه، فلما نظر إلى الناس قال:
المرء يأمل أن يعيش وطول عيش ما يضره
تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره
وتخونه الأيام حتى لا يرى شيئا يسره
كم شامت بي أن هلكت وقائل: الله دره
ومنه يتضح لك أن الأبيات الآنفة الذكر من شعر النابغة الذبياني لا من شعر لبيد بن ربيعة العامري كم تبادر إلى ذهنك خطأ. . .
بور سعيد
محمد عثمان محمد
تساؤل:
نشرت مجلة الرسالة قصيدة بعنوان (النور الحائر) للشاعر الشاب محمد مفتاح الفيتوري
ولا أدري مدى التطابق بين العنوان والقصيدة، ولكن القصيدة جيدة جعلتني أهمهم بها مرات، وقد لفت نظري بيت محجوب بالغموض ولا أقول بالخطأ لأن الشاعر قد يؤوله إلى الصواب قال: - وهو يناجي الرب -
يا أيها الأزل المحجوب بالقدم
…
يا أيها الأبد المستور بالعدم
إني أسأل الشاعر هل يجوز وصف الله بالأزل والأبد بدون نسبة أي (الأزلي) و (الأبدي) وما معنى الأزل المحجوب بالقدم؟ مع أن كلا اللفظين مترادفان؟ ثم ما هو المراد بالأبد المستور بالعدم. أظن البلاء جاء من القافية
عاموده
عقيقي الحسيني
عبرة:
سئل بعض بني أمية عن سبب زوال ملكهم فقال:
شغلنا بلذاتنا عن التفرغ لمهماتنا، ووثقنا بكفاتنا فأثروا مرافقهم علينا، وظلم عمالنا رعيتنا ففسدت نياتهم لنا، وحمل على أهل خراجنا فقل دخلنا، وبطل عطاء جندنا فزالت طالعتهم لنا، واستدعائهم أعداؤنا فأعانوهم علينا، وقصدنا بغاتنا فعجزنا عن دفعهم لقلة أنصارنا، وكان أول زوال ملكنا استتار الأخبار عنا فزال ملكنا عنا بنا
حفني مصطفى العظامي
تصحيح:
جاء في كتاب الدكتور أحمد أمين (المهدي والمهدوية) في الحديث عن مهدي السودان ما يأتي (وقوى هذه العقيدة في نفس صديقه عبد الله وهو المعروف بالتعايشي الذي أصبح خليفته من بعده وأصله من دنقلة كذلك)
وإذن فقد نسب الدكتور المهدي إلى دنقلة وهو صحيح، أما نسبه للخليفة إلى دنقلة فهو خطأ. كنا نود ألا يقع فيه حضرة الباحث الكبير. . والمعروف أن الخليفة من دارفور من قبيلة التعايشة العربية
أبوه حمد حسب الله
الإجهاز لا التجهيز
كتب الأستاذ محمد رجب البيومي في العدد 945 من الرسالة الزهراء عن كتاب الإسلام المفترى عليه لمؤلفه غزالي القرن العشرين فألقيت في ثنايا حديثه كلمة أوقفتني وهي: (التجهيز) فقد جاءت في صدد قوله عن الشيوعية (والتجهيز عليها بسيف الإسلام) والأصح والإجهاز لأن التجهيز هو التهيؤ والاستعداد فلا تؤدي المعنى الذي يقصده حضرة الكاتب الفاضل دون الإجهاز. وقد جاء في مختار الصحاح ما نصه في مادة (جهز) أجهز على الجريح أسرع قتله وتممه وجهز العروس والجيش تجهيزا، وجهزه أيضاً هيأ جهاز سفره وتجهز لكنا تهيأ له.
العريض. فؤادية
محمد الدسوقي
القصص
باريس: سبتمبر1792
عن البارونة أورزي
للأديب محمد البكري محمد
- 1 -
. . قبل غروب الشمس بفترة وجيزة. . وفي الباب الغربي لباريس. . كانت هناك أصوات صاخبة تصدر من كائنات لا تحمل من الإنسانية غير أسمها!
. . وظلت المقصلة سحابة اليوم ماضية في عملها المخيف. . تحصد أولئك الذين كانت فرنسا تفخر بهم في العصور الغابرة: من ذوي الأسماء التليدة، والدماء النبيلة. . لقد دفعوا الضريبة عندما هبت ثورة الحرية والمساواة!
. . وتوقفت المذبحة عند هذه الساعة المتأخرة من النهار. . لا لشيء سوى أن هنالك مناظر أكثر أهمية. . وأكثر تسلية تشاهدها الجماهير في الفترة القصيرة قبل أن تغلق أبواب باريس ليلا
. وهكذا اندفع الناس خارج ميدان (لاجريف) وتوجهوا إلى الأبواب المتفرقة كي يتسلوا بالمنظر المثير الذي كان يتكرر كل يوم. . منظر الأرستقراطيين الذين يحتالون - ويحاولون أن يهربوا من فرنسا
. . وكانت هذه الطبقة خائنة في نظر العامة. . خائنة كلها بلا استثناء. ولقد طالما اضطهد أسلافهم أبناء العامة. . وداسوهم تحت أحذيتهم المترفة. ولكن ها قد أصبح العامة حكام فرنسا. . وداسوا سادتهم الأولين لا تحت أحذيتهم، فقد كانوا في الغالب حفاة - ولكن تحت سيف المقصلة!!.
- 2 -
. . كانت المقصلة تدعو إليها ضحاياها. . من رجال بلغوا أرذل العمر. . ونساء في ميعة الشباب. . وأطفال في غضاضة الزهر!. حتى جاء يوم لم ترحم مديتها فيه أن تفصل رقبة ملك. . وملكة صغيرة جميلة
ولكن هذا ما كان ينبغي!. ألم تصبح فرنسا اليوم في قبضة الرعاع؟ كل أرستقراطي خائن. . كما كان أسلافه من قبل ولم يعد لأحفادهم مهرب من انتقام الرعاع إلا أن ينجو بأبدانهم ويفروا من فرنسا
. . لقد حاولوا أن يستخفوا. . وحاولوا أن يهربوا. . وكانوا في كل ذلك مبعث تسلية لأفراد العامة! ففي كل أصيل قبل أن توصد أبواب المدينة. . وقبل أن تخرج منها عربات الأسواق. . كان بعض الأرستقراط يحاولون الإفلات من قبضة (لجنة الأمن العام) متنكرين في أزياء مختلفة. . يبغون لهم مقرا في إنجلترا. . أو أي بلد آخر
. . ولكنهم كانوا - غالبا - يقعون في قبضة الحراس. . .
. . وكان (بيبو) ينوع خاص له حاسة غريبة يشم بها أيا منهم مهما أمعن في التنكر. وكان ينظر إلى فريسته بالعين التي ينظر بها القط إلى فأر. . يداعبه. . ويتظاهر أنه خدع بمظهره. . وأحيانا يتغافل عنه. . ويدعه يمضي. . ويتيح له أن يحلم بالنجاة ولكن سرعان ما يرسل وراءه اثنين من رجاله بعيدانه خزيان. . ليلقى حتفه
. . وليس بعجيب أن يتزاحم الناس حول (بيبو) فلقد شهدوا اليوم مائة رأس نبيل تتهاوى تحت المقصلة. . وانهم ليرجون أن يتاح لهم أن يتاح لهم أن يشهدوا مائة أخرى مع الغد
- 3 -
كان (بيبو) جالسا على برميل بجوار الباب الموكل بحراسته وتحت إمرته شرذمة قليلة من الجنود المدنيين. . وكان العمل قائما على قدم وساق في هذه الأيام الأخيرة، لأن أولئك النبلاء المناكير. قد أفرخ روعهم. . ودفع بهم الفزع إلى محاولة للفرار من باريس بأي ثمن!. ولكن (بيبو) كان بمرصد لهم دائما!. يكشف أمرهم. . ويبعث بهم إلى (تنيفيل) رئيس لجنة الأمن العام. . حيث تنتظرهم النهاية المروعة!. .
. . وكانت حماسة (بيبو) وإخلاصه وغيرته تبلغ إلى حد إعجابه بنفسه فلقد أرسل خمسين من الأشراف بمجهوده إلى ساحة المقصلة!. . .
. . ولكن أوامر خاصة صدرت إلى الحراس اليوم!. . . أن عددا غفيرا من الأشراف قد نجح في الهروب. . وأن شائعات غريبة تلوكها الأسئلة عن هذا الهرب. . وأن هذا الأمر قد أصبح شغل الناس. . ومبعث دهشة الجميع!. . . وها هو ذا (جروسبيير) تحت سيف
الجلاد. . جزاء ما قصر. . فأتاح لعائلة أرستقراطية أن تفر من الباب الشمالي!. .
وأصبح معروفا أن هذا التهريب تنظمه عصابة من الإنجليز كانت تفتن في أداء مهمتها. . وإنقاذ طبقة الأشراف من الإعدام. . ونمت الشائعات وترعرعت. . ولم يعد هناك شك في وجود هذه العصابة الغامضة. . وأكثر من هذا فقد أصبح من اليقين أنها تحت إدارة رجل ذي مرة وحيلة فوق الوصف!. .
. . أن أحدا لم ير هذه العصابة المخيفة. . وأن أحدا لا يجرؤ أن يذكر رئيسها. . إلا في رعب. . كأنما يتحدث عن الشيطان!
وكان (تينيفل) تصل إليه رسالة غامضة. . يجدها مرة في جيب ردائه. . وأخرى تصل إلى يده في غمرة الزحام. . وفي كل مرة. . كانت تنبئ عن نشاط العصابة. وقوتها. . وكانت تحمل في نهايتها. . ختم العصابة (الزهرة القرمزية). . ولا تزال الأخبار تصل إلى أعضاء اللجنة أن عددا من الملكيين قد غادروا الشاطئ إلى إنجلترا حيث الأمان!. . .
- 4 -
. . ضوعف عدد الحراس. . وهددوا بالموت، وانبعثت المكافآت هنا وهناك لمن يرشد عن هذه العصابة الآثمة. . أما رئيسها. . فإن خمسة آلاف فرنك لمن يقبض عليه!. . وقد أحسن (بيبو) أنه سيحظى بهذه المكافأة دون شك. . بل أنه واثق من هذا! ولذلك لم يك غريبا أن تجمع الناس حوله كل يوم. . ليشهدوا بأنفسهم هذا الحارس الماهر عندما يتصيد ضحاياه. . والتفت (بيبو) إلى مساعده قائلا: -
(لقد كان (جروسبير) ابله بلا شك!. . . آه لو كنت مكانه!. .) ثم بصق على الأرض ليعبر عن اشمئزازه من غباء زميله. . . فأسرع مساعده إلى سؤاله: -
(كيف؟!. ماذا حدث؟!). وهم (بيبو) بالإجابة في رزانة مفتعلة. . بينما تزاحمت الجماعة لتنصت - في شغف - إلى حديثه:
(في الوقت الذي كان فيه (جروسبير) عند بابه. . يلاحظه في انتباه كانت عربات السوق تمر إلى الخارج. . وكانت إحداهما محملة بالبراميل ويقودها رجل عجوز والى جواره ولد. . وكان (جروسبير) ثملا نوعا ما. . ويعتقد في نفسه المهارة الفائقة. . نظر في البراميل - في معظمها على الأقل - وظن أنها فارغة. . فترك العربة وشأنها! ولم يمض نصف ساعة
حتى أقبل عليه أحد ضباط الحراسة ومعه اثنا عشر جنديا. . وسأله:
هل مرت عربة من هنا. . يقودها رجل عجوز بجواره ولد؟
نعم! منذ نصف ساعة
عندئذ صاح فيه الضابط:
- وتركتهم يهربون! ويلك. . إلى المقصلة جزاء ما فرطت. . أن هذه العربة كانت تقل (دوق دي شالي) وعائلته!
فانتفض (جروسبير) من الوجل. . ثم أردف القائد قائلا:
- أجل! والسائق العجوز لم يكن شخصا غير رئيس العصابة الإنكليزية!
. . وهنا تصايحت الجماعة من الدهشة. وأخذ (بيبو) يضحك كثيرا ثم استأنف قائلا:
-. . . ثم صاح الضابط في جنوده الإثني عشر يهيب بهم أن يدركوا هذه العربة الهاربة. . . ويذكرهم بالمكافئة. . واندفع إلى الخارج وتبعه رجاله
. . . وهنا تصايحت الجماعة مرة أخرى واستبعدوا أن يلحق الضابط ورجاله بالعربة. . بينما كان (بيبو) يضحك من هذا التصايح حتى بدت نواجذه. . وطفرت الدموع من عينيه. وسرعان ما قطع دهشة الجميع حين قال:
إن النبلاء لم يكونوا في العربة. . ولم يكن السائر العجوز لرئيس العصابة بل أن الضابط نفسه هو ذلك الإنكليزي الجريء. . ورجاله الإثني عشر كانوا كلهم من الأرستقراطيين. وقد هربوا!.
. . . وفي هذه المرة. . لم تتصايح الجماعة ولم تحر جوابا. . في الحق أن هذا الإنكليزي الغامض لا بد أن يكون الشيطان نفسه!
- 5 -
. . . كانت الشمس تدنو إلى الغروب. . . فاستعد (بيبو) أن يقفل. . . وصاح أن تتقدم العربات الخارجة. . . وكان هناك يضع عشرات من العربات المقفلة على استعداد أن تغادر المدينة لتحضر المحاصيل من الريف، ابتغاء السوق في الصباح. . .
. . . وكانت هذه العربات معروفة جد المعرفة لدى (بيبو) لأنها تمر من خلال بابه. . . مرتين كل يوم! ولذلك كان يبدو عليه الأسف عندما أخذ يفتش هذه العربات. . . ثم لمح
(بيبو) امرأة عجوزا بين سائقي العربات وسائقاتها. . . وكان قد رآها في الصباح قريبا من المقصلة فقال لها:
هيا. . . يا أم! ماذا أتى بك إلى هنا؟!
فأخذت تعبث بسوطها بأصابعها الغليظة المعروقة بينما ضحكت ضحكة خشنة إلى (بيبو) وأشارت إلى مقبض سوطها المحاط بخصل من الشعر مختلفة الألوان. . . وقالت له:
لقد صادقت الجلاد!. . وقد أهدى إلي هذه الخصل من الرؤوس التي تتهاوى تحت سيفه. . . وقد وعدني خصلا أخرى غدا. . ولكن لا أدري. لعلي لا أكون هنا في الغد!
فأسرع (بيبو) إلى سؤالها عن السبب فأشارت بسبابتها إلى داخل العربة وأجابت:
أن حفيدي مصاب بالجدري، ويقول البعض أنه الطاعون! وإذا كان الأمر كذلك، فسوف لا يسمح لي أن أدخل باريس في الصباح!
ولم تكد العجوز تذكر كلمة (الجدري) حتى تراجع (بيبو) إلى الوراء، وعندما ذكرت (الطاعون) تقهقر عنها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وتحاشت الجماعة كلها هذه العربة وصاح (بيبو) في العجوز:
- عليك اللعنة
- بل عليكم أنتم، أيها الجبناء! أي رجل هذا الذي يرتاع من المرض؟! وظلت الجماعة واجمة، خائفة، يبدو عليها الفزع، لأن هذا الداء الخبيث (الطاعون) هو الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يثير الرعب والضيق في هذه المخلوقات المتوحشة!؟ وأخيرا صاح (بيبو) في المرأة مرة أخرى:
- أغربي عنا. . . أغربي بطفلك هذا المصاب بالطاعون!
. . وفي ضحكة خشنة ألهبت العجوز ظهر حصانها بالسوط وانسلت خارج باريس!.
. . وأفسدت هذه الواقعة أصيلة اليوم. . ولا يزال أفراد الجماعة التي حول (بيبو) ينظر بعضهم إلى بعض في ريبة وحذر ولا يزالون يتحاشون بعضهم خشية أن يكون (الطاعون). . قد اندس بينهم من قبل. . ثم أقبل فجأة ضابط من الحرس. . وكانت حقيقة هذه المرة. . لأنه معروف شخصيا (لبيبو). . ولا خوف أن يتكشف عن ذلك الإنجليزي المخادع المتنكر. . وقبل أن يصل الضابط إلى الباب: -
- عربة. . العربة!. . .
فسأله (بيبو) في لهفة: -
- أية عربة؟!. . .
- تقودها امرأة عجوز. . . عربة مغطاة!. . .
- امرأة عجوز تزعم أن حفيدها مصاب بالطاعون!. . .
- أوه!. . . نعم!. . .
- بالطبع. . . أنت لم تتركها تذهب!!. . .
فأجاب (بيبو) وقد استحالت حمرة خده إلى شحوب الموت: -
كلا!. . .
- إن هذه العربة تحمل (الكونتس دي تورنيا) وطفليها. . وهم من الخونة. . الذين تنتظرهم المقصلة!. . .
. . . وكانت رعدة الخوف قد تملكت (بيبو) عندئذ. . . فتمتم المحموم قائلا: -
- ومن السائق؟!. . .
- لا شك أنه ذلك الإنجليزي الملعون. . . رئيس العصابة الغامضة!. . .
الكيمان
محمود البكري محمد
جامعة فؤاد الأول
-