الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 973
- بتاريخ: 25 - 02 - 1952
من مذكراتي اليومية
رسالة وصورة. . .
يحلو لي أحيانا الهروب من زمني الحاضر لإثقاله أو إملاله، فارجع إلى ذكرياتي اجتر منها ما ألذ، أو إلى مذكراتي اقرأ منها ما احب.
وفي هذه الساعة التي اكتب فيها للرسالة شعرت بضيق في الصدر أو الفكر، فألقيت بالقلم وقلت لنفسي: دعي الكتابة اليوم وتعالي نتفرج من هذا الهم برجعة إلى دنيا الماضي، فلعل في أصدائها الباقية ما يؤنس هذه الوحشة. وتذكرت أن شهر يناير قد عودني الجميل في ما مضى من عمري، فقد سجلت فيه اكثر ضحكات القلب، وحسبي منها ميلاد ولدي: رجاء والرسالة. فتحت مذكراتي عن صفحات هذا الشهر، فوجدتني قد كتبت في يومه العاشر من عام 1950 هذه السطور:
(ألقى البريد الجوي إلي في صباح هذا اليوم غلافا من العراق على ورقة طابع الذوق، وعلى خطه سمة الظرف. فلما فضضته وجدت فيه رسالة وصورة. قرأت الرسالة والإمضاء، ثم تأملت الصورة والإهداء، فإذا هما لآنسة من أوانس بغداد المثقفات، قد أولعت بالأدب وأغرمت بأهله. ثم عدت اقرأ، وعدت أتأمل. وطال تردد البصر والفؤاد بين الصورة وهي رسالة الجسم الجميل، وبين الرسالة وهي صورة الروح النبيل، حتى غاب حسي في سكرة من سكرات الأحلام، تراءت لي في خلالها أطياف في تعاجيب الهوى والشباب، تتراقص نشوى في أزقة (الوزيرية) و (رأس القرية) من مغاني بغداد العزيزة وكلما عاد الحس أو كاد، نضرت إلى الفم الحلو الذي يريد أن يبتسم، وإلى الطرف الأحور الذي يهم بان يقول، والى الشعر المغدودن الفاحم الذي يسيل على الأذنين وأطراف الخدين فيجعل الوجه كله صورة من الفتنة، فتعود إلى الغفوة، أعود أنا إلى الحلم!
وأخيرا تخلصت قليلا من سحر الصورة لأرى صاحبتها الأديبة تقول أول ما تقول: (اعتذر إليك من الكتابة والإهداء على غير تعارف. .) ولم يخل اعتذارها الصريح من احتجاج ضمني على العرف الذي يفرق في مثل هذا الصنيع بين الرجل والمرأة. فلو أنها كانت فتى كما تقول لما وجدت في الكتابة إلى مثل ما يعتذر منه. ثم تحدثت طويلا عن صلتها بالرسالة وحرصها على أن تقرأ كل ما أكتب؛ وخصت بالذكر رثائي للمرحوم محمد علي
طه، وخرجت من ذلك إلى الكلام عن شاعريته وعبقريته. ثم طلبت إلى آخر الأمر أن اخصص لتأبينه عددا من (الرسالة) اكتب أكثره! كل أولئك في أسلوب رقيق دقيق يوحي اكثر مما يعبر، ويمتع اكثر مما يقنع. ولم أكد أستوعب الرسالة بفكري، وأناقش موضوعها في سري، حتى تناولت القلم وفتحت الألبوم وأجبت عن الرسالة برسالة، ورددت على الصورة بصورة! ولكن هيهات وا أسفاه! لن تجيب رسالة عقل عن رسالة قلب، ولن ترد صورة قبيحة على صورة (مليحة)
ما أيسر السعادة على ابن آدم لو يدري أو لو يريد! أن كلمة قلب مفتوح، أو بسمة من شفة بريئة، أو نظرة من عين حبيبة، أو فقرة من رسالة شاعرة، أو قسمة من صورة فاتنة، لتستطيع أن تنير ما أظلم قلبه، وان تفرج ما اشتد من كربه! إن السعادة فتات وفترات، فلا تكون في واحد صحيح، ولا تدوم في زمن متصل!
احمد حسن الزيات
امرأتان عظيمتان من دولة المغول
للدكتور محمد بهجت
عندما يطوف السائح بمدن لاهور وأكرا ودلهي بشمال الهند تتفتح أمامه صحف عديدة من تاريخ المغول العظيم، حافلة بجلائل الأعمال وضروب البطولة، ويلمح في ثنايا تلك الصحف بعض السطور البارزة التي خطتها أنامل بعض نساء المغول في تاريخ تلك البلاد المجيدة. ومن ابرز نساء تلك الدولة سيدتان عظيمتا الخطر، ربطتهما وشيجة الرحم وعاشتا في عصر واحد. كانت كلتاهما زوجة لإمبراطور، رائعتي الجمال، راجحتي العقل تلكم المرأتان هما (نور جاهان) و (ممتاز محل).
أما نور جاهان فمن اصل فارسي، ضاقت سبل العيش في وجه أبيها - (مرزا غياث) - فأزمع الهجرة من طهران إلى الهند عسى الحظ يبسم له هناك. وفي الطريق ولدت له ابنة سماها (مهر النساء). وكان مسافرا معه في القافلة تاجر ثري رقيق القلب اسمه (مالك مسعود) أخذته به وبعائلته البائسة شفقة فتولاهم بعنايته ومعونته طول الطريق حتى بلغوا دلهي بسلام. وهناك أراد (مسعود) ان يسدي يدا أخرى لصديقه المسكين فقدمه للإمبراطور (أكبر) العظيم الذي ألحقه بخدمته كما الحق زوجه وبناته بالقصر مع حريمه. وبعدما أبدى كفاءة وإخلاصا في عمله احبه الإمبراطور وأدناه ورقاه.
وفي أثناء ذلك نشأت (مهر النساء) وترعرعت بين نعيم القصر وأبهته، والفت حياة البذخ والترف. وما أن بلغت السابعة عشرة حتى تزوجت من ضابط باسل بجيش الإمبراطور اسمه (علي كولي) وكان هو الآخر فارسيا وسيم الطلعة، قوي البنية، خدم في أول الأمر الشيخ إسماعيل الثاني - شاه الفرس - بان كان نادلا يقدم له صحائف الطعام، وسرعان ما جذبته الهند واستهوته مغامراتها فهاجر إليها والتحق بخدمة اكبر. وهناك برزت مواهبه فألحقه بأركان حرب أبنه الأمير (سليم) عندما خرج على رأس جيش كبير لإخضاع ولاية (ميوار) فأبدى من ضروب البسالة والشجاعة ما حبب الأمير فيه وقربه إليه، واجزل له العطايا والمنح، وسماه (شر أفغان) أي قاتل النمر لأنه أردى نمرا متوحشا أمامه، واصبحا علما له فيما بعد. وبعد انتهاء الحملة، ولأمر ما، شق الأمير عصا الطاعة على أبيه ومليكه فأنفض اكثر الضباط المخلصين من حوله ومن بينهم (شر أفغان) ولما كان من عادة الجنود
المغول استصحاب نسائهم في الحروب فربما عرضت للأمير فرصة لمح فيها زوجة صديقه الشابة الفاتنة. ويقول بعض الكتاب أنه رآها عدة مرات ترتع في حدائق القصر وردهاته فأسرت فؤاده وسكن طيفها قلبه حتى آخر عمره.
وسارت الأحداث سيرها إلى أن توفى (أكبر) واعتلى (سليم) عرش أبيه بعد حوادث دامية في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر عام 1605 وصار يعرف باسم نور الدين محمد وبكنيته (جاهان جير) أي القابض على ناصية العالم. وفي يوم ما تذكر صديقه القديم فاستدعاه وصفح عنه واسند إليه منصبا كبيرا بعيدا ببنغالة. وهنا تختلف رواية المؤرخين، فبعضهم يقول إن حب (مهر النساء) استبد به وعصف بقلبه فأرسل إليها رسولا خاصا يغريها بهجر زوجها والالتحاق بالإمبراطور المتيم بها، فأبت كل الإباء، وغضبت لهذه المساومة الدنيئة وكذلك ثار زوجها لشرفه، فأوعز الرسول إلى الحاكم أن يغتاله، فاغتيل مدافعا عن كرامته وعرضه، ثم حملت زوجه وأبنتها الطفلة إلى العاصمة وألحقتا بجناح الملكة (سليمة). والبعض الآخر من المؤرخين ينفي هذه الرواية بل يستنكرها بقوة قائلا ببراءة الإمبراطور من هذه التهمة القذرة، ويفسر ما حدث بأن الأخبار ترامت إلى الإمبراطور بأن (شر أفغان) ثائر عليه باستدعائه إلى العاصمة ليشرح موقفه منه، وليمتحن إخلاصه له، فأبى. وعند ذلك أراد (قطب الدين كولا) حاكم بنغالة أن يقبض عليه فعلاه (شر أفغان) بسيفه وأصابه بجراح بالغة، وعند ذلك انقض عليه حرسه وقطعوه بسيوفهم إربا. وهكذا فصل الموت بين ذينك القلبين المتحابين بعد ستة عشر عاما من زواج سعيد موفق.
وفي شهر مايو من عام 1611 أي بعد ست سنوات من اعتلاء (جاهان جير) العرش وبعد أربع سنوات من مقتل (شر أفغان) أعلن الإمبراطور زواجه من (مهر النساء) بالغا من العمر اثنين وأربعين سنة، أما هي فكانت تصغره بتسع سنوات. وهكذا أصبحت الطفلة التي ولدت من أب رقيق الحال، والفتاة التي أوردها الحظ موارد النعيم، والأرملة الشابة الفاتنة التي بكت زوجها الحبيب أربع سنوات، إمبراطورة لدولة عظيمة، وهكذا بدت هذه المرأة الفذة تملي والتاريخ يكتب.
نحن لا نعلم على وجه التحقيق كيف رضيت أن تتزوج من الإمبراطور بعد طول إباء،
واغلب الضن أنها توسمت فيه أداة المجد والشهرة، ووسيلة لتحقيق مطامعها الواسعة. ولكن دلت كل الدلائل فيما بعد أنها أحبته وأخلصت له مثلما أحبت زوجها الأول وأخلصت له. أما هو فقد هام بها هياما شديدا وأخذ يغمرها بأجزل العطايا الثمينة، ويغدق عليها اكثر ما يمكن أن يغدقه إمبراطور عظيم على آسرة روحه، ومصدر سعادته، ثم أنه اشتط فأمر بنقش اسمها بجوار اسمه على النقود الشيء الذي ليس له نظير في التاريخ الإسلامي. وكان يدللها بأعذب الألفاظ وارقها فسماها أولا (نور محل) غير أنه استقل ذلك فعدله إلى (نور جاهان) أي نور العالم، وهو الاسم الذي عرفت به حتى الآن. وإذا علمنا أن (جاهان جير) كان رجلا فظا غليظ القلب، سريع البادرة، صريع الخمر، لدهشنا كيف استطاعت هذه المرأة القديرة أن تسيطر عليه وتجعله طوع بنانها. فإذا ما انتابته نوبة من نوبات الغضب الجارف لم يجرؤ أحد أن يدنو منه سوى زوجته الحبيبة، فتطفئ تلك النار الخبيثة التي تأكل روحه بلمسة رقيقة أو بسمة مشرقة أو كلمة عذبة، فينقلب رادعا مستسلما، فكانت بحق مروضته الوحيدة.
ومن أهم مزاياها التي أسرت بها القلوب واستعبدت الرعية، الكرم الحاتمي والعطف على الفقير الذي كانت له بمثابة الغيث ينزل على الأرض الجديبة فيحييها. لم ترد طالبا رفد، أو تخيب أمل قاصد. وكانت راعية الفتيات الفقيرات تزوجهن وتمهرهن وتيسر لهن العيش الكريم. وكم من ضعيف حمته ومن مظلوم أنصفته وانتصفت وانتصرت له. ثم إنها شملت أقاربها بسامي رعاياها، فجمعتهم حولها وأسندت لهم المناصب العالية، فاصبح والدها رئيسا للوزراء مع لقب اعتماد الدولة أيضا، كما أصبح من اعظم رجال الدولة مالا وجاها.
وفضلا عن جمالها الساحر وأنوثتها الجارفة كانت (نور جاهان) شاعرة مجيدة، مرهفة الحس، واسعة الأفق والخيال، مصقولة الذوق، عالية الثقافة، ملمة بالآداب الفارسية والعربية، فكانت تهدهد الإمبراطور بشعرها العاطفي الرقيق، وبمقطوعاتها العذبة المسكرة. وكانت تضع جميل الرسوم للمنسوجات، وتبتكر الأزياء في الملابس والحلي بذوق رفيع نادر لم يعهد من قبل في بلاط الإمبراطور.
ومن عجب أن امرأة هذه بعض صفاتها تكون قوية البنية، صلبة الخيزرانة، مولعة بالألعاب الرياضية، بل وفارسة من الطراز الأول، تمتطي صهوات الجياد، وتخوض
المعارك بشجاعة نادرة وثبات عجيب، فلا يطرف لها جفن، أو يتزلزل لها جنان في أخطر المواقف وأخطر الملمات. وكثيرا ما وافقت زوجها في حفلات صيده وقتلت بعض النمور المفترسة أمام الإمبراطور المعجب، الذي لم يسعه مرة إلا أن يهدي إليها سوارين من الماس النادر، وأن يأمر بتوزيع ألف كساء على الفقراء، إعرابا عن فرط سروره ببطولة زوجته. وسوف تقف على المزيد من ضروب شجاعتها بعد قليل.
وبجانب هذا كله استطاعت (نور جاهان) أن تدير شؤون الملك بيد حازمة، وعقل راجح، وعين يقضة ثاقبة، تنفذ بها إلى بواطن الأمور، وأعماق السرائر، فلم تفتها شاردة ولا واردة من شؤون الدولة، وأحاطت بجميع المسائل السياسية والعسكرية إحاطة تامة، حتى تهيبها رجال السيف والقلم، الذين لم يكونوا أندادا لمناقشتها، فكانوا يأتمرون بأمرها راكعين. أما أكابر البلاد وسراتها، فكانوا يقدمون لها فروض الطاعة، ويبتغون مرضاتها، علما منهم بان سعادتهم أو شقاءهم رهن بكلمة تخرج من شفتيها، أو بإشارة عابرة من يدها، حتى لقد قال عنها بعض المؤرخين:(إنها قوة من وراء العرش)
ولو إن الأمور اقتصرت على ذلك لختمت هذه المرأة حياتها خاتمة سعيدة ولتمت لها حياة راضية هنيئة لم تتم لامرأة أخرى. فقد كانت إيثارها لأفراد أسرتها ومحاسبيها، وخصهم بأرفع المناصب عاملا من العوامل التي أوغرت عليها بعض الصدور، وبابا تسربت منه عوامل الفساد والرشوة واستغلال النفوذ.
ثم إن مطامعها أملت عليها أن تضمن العرش لابنتها من زوجها الأول، فكيف دبرت ذلك.
كان للإمبراطور أربعة أبناء هم خسرو وكرام وبارفز وشهريار. فأيهم تختار؟ كان خسرو ثائرا على أبيه، واشتبك في عدة معارك دموية مع جيوش الإمبراطورية، ولكنه هزم في آخر الأمر، وسملت عيناه وأودع السجن. ومع ذلك فقد كان محبوبا وله أنصار كثر. وأما كرام فقد فكرت فيه كثيرا، وراقبته طويلا، وأيدته إلى حين غير إنها عدلت عنه لما تبين لها من قوة شكيمته، وشدة مراسه، فضلا عن إن أخاه (أصف خان) سبقها إليه وزوجها من ابنته. وأما بارفز، الوارث الشرعي للعرش، فكان تافه الشخصية، احتضنه (مهابت خان)، القائد الكبير الذي ناصب (نور جاهان) العداء، (واخذ ينصب حولها شباك المؤامرات. إذا لم يبق أمامها سوى (شهريار) الذي زوجته ابنتها في عام 1622 وسندته بقوة، وأخذت
تدفعه قدما نحو العرش. ولننظر الآن كيف انتهى ذلك الصراع بين تلك المعسكرات الثلاثة.
رق قلب الإمبراطور لابنه السجين (خسرو) فأطلق سراحه، ولما خافت (نور جاهان) مغبة ذلك أفسدت العلاقة بينه وبين أبيه الذي أمر بوضعه تحت يد قائده (مهابت خان) ليرى فيه رأيا، ولكن الأخير سلمه بدوره إلى أخيه الأمير (كرام) الذي أمر بقتله فوضع بذلك حدا لآلامه، ولتاريخه المحزن، وتخلص من مزاحم له على العرش.
ثم حدث أن استولى شاه الفرس (عباس) على قندهار، فأمر الإمبراطور ابنه البطل (كرام)(شاه جاهان) بالتوجه إليها واستردادها. ولكنه تردد بعد أن أبصر يد (نور جاهان) تقصيه عن طريق العرش وتمدها إلى (شهريار) الذي طلبت من الإمبراطور إسناد القيادة إليه، كما طلبت منه أن يأمر (شاه جاهان) بإعادة القوات التي تحت إمرته إلى العاصمة. وبعد ما حاول عبثا أن يصلح ما بينه وبين أبيه، وان يخلصه من نفوذ زوجته الذي يوشك أن يقوض أركان الإمبراطورية، ثار عليه وهاجم أكرا عام 1623 م ولكن هزمته جيوش أبيه تحت إشراف (نور جاهان) وبمساعدة أنصارها من الضباط القدماء ففر جنوبا إلى الدكن. - وبعد محاولات عديدة فاشلة لاستثارة حكام الولايات ضد والده، وبعد عدة مغامرات تبادله فيها الحض والنحس، وبعد معارك شديدة مع جيوش الإمبراطورية التي كانت تطارده حيثما ذهب، هزم في معركة فاصلة على يد أخيه الأمير (بارفز)(ومهابت خان) واستسلم لهما بعد أن هجره كثير من ضباطه وإنحازوا إلى جانب قوات أبيه -، ونزل عن كل ما كان في قبضته من ضباطه وانحازوا إلى جانب قوات أبيه، ونزل عن كل ما كان في قبضته من أراض وقلاع وحصون، واضطر إلى كتابة خطاب لأبيه - يعتذر عما فرط منه، ويستعطفه، ويطلب منه الصفح والغفران. وتأكيدا لحسن نواياه أرسل ابنيه (دارا) و (اورانك زيب) - إلى دلهي رهينة، كما أرسل لوالده هدايا ثمينة تقدر بنحو مائة ألف روبية. فصفح عنه والده بناء على نصيحة (نور جاهان) التي أوجست خيفة من تحالف الأمير (بافز)(ومهابت خان) ثم اعتكف مع زوجه وأبن له يسمى (مراد) في بلدة ناسك الصغيرة، مرتقبا الفرص.
بعد ذلك وقفت (نور جاهان) وجها لوجه مع (مهابت خان) فاتهمته بالاختلاس واستغلال النفوذ ونشر الفساد وجرد صهره من ثروته، ووجها بالسؤال: من أين لك هذا؟ ثم صدر
أمر الإمبراطور له بالتخلي عن القيادة العليا للجيش، وبتولي حكومة ولاية بنغالة. فأبدى الأمير (بافز) استيائه العظيم واحتج عبثا على سوء معاملة القائد الأكبر الذي عيل صبره واشتم رائحة الغدر، فاعتزم أمرا خطيرا وهرب في خمسة آلاف مقاتل من الراجبوت الاشداء، وأخذ يقتفي أثر الإمبراطور فشاهده يعبر قنطرة على نهر (جهيلم)، بعيدا عن حرسه، فأطبق عليه وأسره. وكانت مفاجأة مؤلمة لمعسكر (جاهان جير) ووقع عليه اضطراب عظيم، وهربت (نور جاهان) مع أخيها (آصف خان) الذي كان معها. ولكن عز عليها أن تتخلى عن زوجها في محنته، فدبت فيها النخوة والحمية والنجدة فكرت راجعة وحضت قائد الجيش (فدائي خان) الذي قام بهجوم عنيف لم يكتب له النجاح لفرار الضباط والجند، ولحالة الفوضى التي كانت سائدة. وعندئذ تجلت شجاعة هذه المرأة العظيمة، فامتطت ظهر فيلها الهائل، وتقدمت به على من تبعها من الجند الذين دهشوا لجرأتها، فهجمت على الأعداء هجمة صادقة وهي تمطرهم بوابل من السهام، وحاولت في تقدمها عبور النهر، ولكن أسرع جنود (مهابت خان) إلى إشعال النار في القنطرة، فلم يثن ذلك عزمها واستطاعت أن تصل إلى الشاطئ في وجه مقاومة عنيفة، تتطاير السهام من حولها، وتتفجر الكرات النارية حول هودجها. وهنا بلغ الروع أشده والفزع غايته، وأخت الخيل والأفيال والفرسان تتساقط في النهر وتداس وتعرك. ثم قتل سائق فيلها فجمح فيها الفيل وغاص في ماء النهر، ولكنه بلغ بها الشاطئ مرة أخرى فأندفع بها النسوة يعولن، والمخلصين من الجند والحاشية يدرءون عنها السهام والرماح بأجسامهم، ويفدونها بأرواحهم. أما هي فجلست هادئة، مخضوبة بالدم، تنزع سهما أصيبت به حفيدتها من شهريار، وتضمد جراحها هي. ولما رأت إن لا جدوى من المقاومة، رضيت بالسر مع زوجها، عساها تستطيع إنقاذه. أما أخوها فأرتد بالثلاثة آلاف مقاتل الذين كانوا معهم واعتصموا بحصن قريب. وفي الأسر استخدمت أسلحة أخرى فعلت ما لم تفعله أسلحة الحرب. استعانت بذكائها ودهائها وجمالها. . . فاستمالت إليها ضباط (مهابت خان) ثم استولت على كنوزه. . . ولما رأى ذلك نجا بنفسه وبنفر قليل من أنصاره وفر إلى الدكن حيث وافى (شاه جاهان) وتحالف معه على (نور جاهان) واستعجل القدر خاتمة الرواية فمات الأمير (بار فز) عام 1626 م. أما الإمبراطور المسن فقد تابع سيره إلى كإبل ثم عاد
منها إلى كشمير لقضاء فصل الصيف. وفي أواخر عام 1627م. حيثما كان عائدا من مصيفه بكشمير مرض مرضا شديدا ومات في الطريق ببلدة (بهمبار) ومنها نقل جثمانه إلى حديقة (نور جاهان) المعروفة باسم حديقة (دلكوشا) بشاه دارا إحدى ضواحي مدينة لاهور. وهناك كانت (نور جاهان) بجانب نعش زوجها تبكيه بدموع غزار إلى أن ووري التراب، وأمرت بإقامة ضريح فخم له. وبعد أن تمت مراسيم الدفن أعلن الأمير (شهريار) نفسه إمبراطورا في لاهور، تؤيده حماته، وفي نفس الوقت طير (آصف خان) نبأ موت الإمبراطور إلى صهره (شاه جهان) الذي كان بالدكن فأسرع نحو الشمال برفقة (مهابت خان) على رأس جيش كبير ليفوز بالعرش. وشغلا للعرش الشاغر بأكرا نصب (آصف خان) ابن خسر (دوار بخش) إمبراطورا إلى حين وصول (شاه جاهان) ثم تقدم على رأس جيش قوي إلى لاهور. وهناك حاولت (نور جاهان) أن تتصل بأخيها لتستميله إلى جانبها ولكنه أعرض عنها وانقض على جيش شهريار وهزمه هزيمة ونكرة وأسر (شهريار) وسملت عيناه ثم قتل بعد ذلك. ولما وصل (شاه جاهان) أعلن آصف خان الإمبراطور المؤقت على الهرب؛ أما أتباعه واتباع شهريار ونور جاهان فقتلوا شر قتلة، وكان الإسراف في القتل شديدا لدرجة ألجأت بعض نساء القصر إلى الانتحار. وهكذا سار شاه جاهان إلى العرش في طريق مخضب بالدم مرصوف بالجماجم. وكان ذلك في السادس من شهر فبراير عام 1628 م.
أما (نور جاهان) فلم تمس بسوء، أو تمتهن كرامتها، بل لقيت كريم الصفح، وعظيم الاحترام والعطف، وأجرى عليها الإمبراطور الحليم معاشا سنويا ضخما يضمن لها حياة كريمة. ولما رأت يديها خالية من زوجها الحبيب، وصرح آمالها منهارا أمامها، والدنيا عنها مدبرة، لبست الثياب البيضاء حدادا على زوجها، واعتزلت الحياة العامة، وزهدت في مظاهر البذخ والأبهة، وعاشت مع حفيدتها أرملة (شهريار) عيشة بسيطة إلى جانب قبر زوجها في لاهور إلى أن ماتت في الثامن من شهر ديسمبر عام 1645.
طافت برأسي قصة هذه المرأة العظيمة وأنا واقف بحديقتها بشا هدارا بعد أن متعت نفسي بمشاهدة ضريح زوجها الرائع الذي قست عليه يد الإهمال، وشوهت الكثير ممن محاسنه، وسألت رائدنا عن ضريحها الذي توقعت أن يكون في عظمة باقي آثار المغول. فأشار بيده
إلى مكان قريب وقال أنه لا يستحق الزيارة لأنه من البساطة بحيث لا يلفت النظر أو يثير الاهتمام. وقد أوصت أن يكتب على قبرها شعر بالفارسية من نظمها معناه:
لا يكون على قبري مصابيح أو أزهار، حتى لا تحرق الفراشات أجنحتها، وحتى لا تأتي البلابل لتغني على الأزهار.
للكلام بقية
محمد بهجت
اللغة الفرنسية في مصر
للأستاذ محمد زيتون
اللغة الفرنسية أو اللغة الأوربية الإضافية في مصر هي العامل المساعد للاستعمار الإنكليزي في الشرق! فمنذ داعبت نابليون أحلام الإمبراطورية الفرنسية، شرع في احتلال مصر وهي (تاج العلاء في مفرق الشرق) كما يقول شاعر النيل.
وتعاقدت إنكلترا وفرنسا سنة 1890 على اقتسام مناطق الاستعمار فيما بينهما بحيث تطلق إحداهما يد الأخرى في الأمم المستضعفة تفعل بها ما تشاء، فلما أعلنت إنكلترا الحماية على مصر سنة 1914 لم تشأ إلا أن تترك لفرنسا دورا ثانويا في مصر، إذ جعلت لغتها إضافية إلى جانب الإنجليزية العتيدة بينما خلا لفرنسا الجو في سوريا ولبنان وتونس والجزائر ومراكش والمستعمرات الأفريقية.
ومنذ يومئذ واللغة الفرنسية تؤدي دورها في الحدود المرسومة، حتى تمكنت من جعل الزعماء أداة طيعة للاستعمار يستسيغونه في يسر ويجترونه في غير عناء، وما كان ذلك ليكون لو إن الزعامة قائمة على رصيد شعبي.
ومن الألاعيب الإنجليزية الفاجرة توزيع الاستعمار الثقافي بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية بغية الفتنة، ورجاء تحويل الأنظار عن التراث العربي والمجد الإسلامي، وكأنما كتب على المصريين أن يتعلموا هاتين اللغتين ولا مفر من ذلك؛ كما لا مفر من القضاء والقدر.
غير إن القومية المصرية كانت قد تبلورت تماما، فلما اصطرعت مع الاستعمار الفرنسي صمدت له، وردته في قوة وإباء. وكان نابليون أول من فطن إلى هذه الحقيقة؛ إذ كتب في تعليماته للقائد كليبر (إن من يكسب ثقة كبار المشايخ في القاهرة يضمن ثقة الشعب المصري) وكذلك بوسيلج في تقريره إلى الحكومة الفرنسية إذ يقول فيه (إن اختلاف العادات - وأهم منه اختلاف اللغة وخاصة اختلاف الدين - كل ذلك من العقبات التي لا يمكن تذليلها والتي تحول دون إيجاد صلات الود بيننا وبين المصريين. .)
فالدين واللغة والعادات في مصر هي الأثافي الثلاث التي لم يستقر عليها قدر الاستعمار الفرنسي، فأنهار ولم يعد له قرار، ولا سيما بعد إفلاس الحملة من كسب ثقة الشعب ممثلا
في (كبار المشايخ) وهم حماة الدين، ودعاة اللغة، ورعاة العادات، وسدنة المقدرات القومية.
وسجل التاريخ للشعب المصري كفاحه ضد الاستعمار الإنكليزي في المحافل الأوربية التي هزها الشاب المجاهد مصطفى كامل، خطابة وكتابة، فكان له (اللواء) الأعلى في الدفاع عن القومية المصرية.
أما (السعي بكافة الطرق السلمية المشروعة في سبيل الاستقلال - كما أراد سعد زغلول - فإنه لم يدفع بالقضية إلى الأمام كما كان منتظرا بعد مصطفى كامل، بل أصيبت بنكسة مزمنة باضت جراثيمها وأفرخت في أدمغة أذهلها الفراغ الفكري عن حدود (الوكالة) التي أجمعت عليها الأمة (الطيبة القلب) من أصحاب الجلابيب الزرقاء)
وفي سنة 1919 نهض زغلول فرفع مذكرة الوفد المصري إلى الميسو فريسنييه رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي يستصرخه في التحرر من الحماية الإنجليزية وجاء في هذه المذكرة المعروفة:
(. . هل مصلحة فرنسا العامة يمكن أن تلزم حكومة الجمهورية بأن تتخلى كلية عن الشعب مدينته الحديثة ظاهرا عليها الروح الفرنسية، عن شعب تربيته ونظامه الإداري والقضائي يحمل الطابع الفرنسي، عن شعب تشغل الآداب الفرنسية عنده المحل الأول كما يظهر ذلك لكل من يلاحظ ذوق الخاصة، ومن يطلع على الآداب الوطنية.
مهما يكن من أمر تلك المصالح التي تدفع حكومة الجمهورية للتنازل عما لفرنسا من السيادة إليها في مصر، يستحيل معها - حتى ولو كان ذلك من مصلحة الديمقراطية الفرنسية - أن تنكر فرنسا تعهداتها التي ارتبطت بها نحو الأمم الصغيرة. .)
ماذا؟ أهو دفاع عن استقلال أم اعتراف بانحلال؟. . وهل في سبيل المجاملة العرجاء، تزل قدم المحامي حتى يوقع موكله في ورطة مزرية،؟. . ومن أين لفرنسا هذه (السيادة الأدبية في مصر) وذئابها الفاتكة حتى يئست منها فعادت إلى بلادها جائعة تتلوى؟
وليس أمعن في الانحلال من الشعور بصعوبة التخلص منه والندم على الاستعمار كلما تقلص ظله، فليتأمل كل مواطن بصير هذا الخطاب الذي وجهه زغلول مصر إلى المسيو موريس لونج مقرر اللجنة البرلمانية الفرنسية، ومقرر المسألة المصرية لدى لجنة الصلح:
(. . أنه ليشق علينا أن نصدق أن الفرنسيون يقبلون عن طيب خاطر أن ذلك الطابع
المطبوعة به تربيتنا المدنية والعسكرية من قرن مضى تعفو آثاره عفاء تاما، يشق علينا أن نصدق أنهم يقبلون القوانين الفرنسية التي استمدت قوانيننا نصوصها منها، وباتت متأصلة في نفوس المصريين وعوائد هم حتى أصبحت اليوم جزءا من راس مالنا الاجتماعي، ولا يكون لها أثر في الأساس الذي تستند عليه مدينتنا المصرية - وإن اللغة الفرنسية الجميلة المنتشرة في مصر أكثر من أي بلد أجنبي آخر، والتي بات لزومها في طبقاتنا المستنيرة لزوم لغتنا الخاصة نستعملها في معيشتنا العائلية اليومية بالسهولة التي نستعملها في حياتنا إليها يكون مصيرها إلى الزوال، وإن دور التعليم المتنوعة الأشكال والتي أنشأتها فرنسا في مصر والتي استوجبت منها بسببها عظيم الحمد وجزيل الشكر توصد أبوابها، وإن الإرساليات التي نبعث بها إلى فرنسا ليرشف أبناؤها من منابعها الفياضة لبان المعارف والعلوم والفنون ينصرف حبلها.
وصفوة القول أنه يعز علينا أن يرضى الفرنسيون بأن يوقف تيار النمو وهو بالغ منتهى سرعته في الشركات الفرنسية والبيوت التجارية والبنوك وغيرها بين ظهراني أمة تحب فرنسا وتفضل كل ما هو فرنسي على جميع ما عداه.
لا شك أن الشعب الفرنسي - وهو أكثر الشعوب تمسكا بالكماليات وأحرصهم على صون مهمته التاريخية في العالم - لا يمكن أن يغض الطرف بسهولة عن الامتيازات التي يضمنها له في وادي النيل ماض مفعم بأحسن العلاقات وداً، وأكثر المصالح انتشارا. .)
هذه هي الجناية على القومية المصرية باسم المطالبة برفع الحماية، وإن المواطن اليقضان ليعجب كل العجب كيف أفلتت هذه الصفقة السياسية من الحراسة الشعبية، وكيف جازت على المصريين حتى أسلمتهم (اليد الأمينة) إلى تجار الرقيق، وسماسرة الاستعمار، ولم يعد لهم من الحرية ما يمكنهم من نزع هذا النير الغليظ من أعناقهم الكليلة.
وإن هذا الاستجداء هو الذي أطمع فرنسا في استعمار مصر ثقافيا، بعد عن عجزت عن احتلالها، فلا أقل من أن تسير وفق الخطة الإنجليزية وهي استفراغ العقلية المصرية من مواهبها ومآثر تراثها، فتوسلت بذلك باللغة الفرنسية، التي بلغ بها التواضع إلى أن قبلت السير في الركاب الاستعماري الأعزل، وتظاهرت بالتساهل والتقرب إلى الناشئة في الوقت الذي يشيع فيه الذعر والهلع من (البعبع) الأساسي، وجعل للغة في باريس ثلاثون
درجة بحد أدنى قدره تسع درجات، بينما جعل للغة التايمز خمسون بحد أدنى قدره عشرون.
وبين يدي مجموعة وافية من امتحانات الثقافة العامة في مدى عشر سنوات، والى القارئ أسوق هذه الملاحظات عليها:
1 -
خلو الامتحان في بعض السنين خلوا تاما من دروس القواعد، مما أدى إلى الاستهانة بها أثناء الدراسة باعتبار إن التلميذ - كما هو الواقع - لا يدرس إلا من أجل الامتحان فقط.
2 -
تحول الامتحان من اختبار المعلومات إلى اختبار في الأرقام، فقد جاء في أحد الامتحانات سؤال: ما ارتفاع برج إيفل؟ ومعنى ذلك أنه يجب حفظ رقم ثم التعبير عنه كتابة فهو امتحان لامتحان.
3 -
الإيحاء بالبلادة الذهنية: وذلك بابتداع (الأرتوجراف) وخصم درجة عن كل ثلاثة أخطاء، غي حين يخصص للإنشاء 15 درجة، ويحرص التلميذ عادة على حفظ نموذج له فينجح من غير تعب.
4 -
تجاهل حدود المنهج أحيانا ووضع أسئلة خارجة مقررة على السنوات الأعلى، وعدم مراعاة ذلك عند التصحيح.
5 -
عدم تنويع الأسئلة، والاكتفاء بجزء من المقرر، للخط في اجتيازه دور كبير، وكان الأولى أن يستوعب الامتحان معظم الدروس المعطاة.
وبالجملة فإن طريقة الامتحانات في اللغة الفرنسية على هذا الوجه تعمل على احتقار عملية الناشئ، وإهمال قواعد التربية، وتحويل الامتحان إلى (ورقة يانصيب)
ودعائم التربية ثلاث: المعلم والمتعلم والعلم. أما المعلم فهو الوسيط بين طرفين، وليس في الإمكان إهمال مهمته أو التغاضي من خطرها، فلنتساءل: ما مؤهلات مرسي هذه اللغة؟
الواقع إن مدرس الفرنسية في مصر لا يخلو أن يكون أحد ثلاثة: أجنبي - أو مصري متخصص عضو بعثة - أو غير متخصص أو غير مؤهل. وهذا الصنف الأخير هو الغالبية الساحقة، فإن الأجانب والمصريين الفنيين قلة لا تكفي، فاستعين بالجامعيين من دارسي الفلسفة غالبا، والكثرة كلها ممن لا يحملون مؤهلات دراسية، ولا سبق لهم
التدريس، مما اضطر وزارة المعارف - إزاء نقص عدد المدرسين وكثرة عدد الفصول - إلى تعيين كتبة في المحاكم المختلطة، وصيادلة، وعمال شيكوريل وهانو وعمر أفندي، وكثيرا ما حدث صدام بين طالب ومدرس لمجرد الشعور بفارق الشخصية والطريقة.
ولست أخشى هذه الخطورة على اللغة الفرنسية بقدر خشيتي على الكرامة الفكرية للتلميذ وهو وديعة لدى الدولة، فلماذا نفرض تدريس لغة ليس عندنا من يحسن أداءها ولا من يكفي لأدائها؟ ولماذا تصر على تدريسها وزارة المعارف وفي مدارس الأقاليم فصل بحصتين اثنتين فلا تجد مدرسا فيحال تدريسهما على أحد مدرسي اللغة الإنجليزية بالمدرسة أو يندب لهما مدرس من أقصى المدينة؟
وقامت الوزارة باستفتاء أولياء أمور التلاميذ في اختيار الإنجليزية أو الفرنسية في بدء الثالثة الابتدائية. ولكن الوزارة لم تستجب للرغبات. وتعثرت بين سياستين متضاربتين بين الإلغاء والبقاء، فألغيت اللغة الفرنسية من الأولى الثانوية ثم من الثانية ثم أعيدت ثم ألغيت ثم تقررت على الثانية الثانوية والزراعية وخصص لها حصتان بعد أربع، وزيدت في الثالثة إلى خمس، وألغيت نهائيا بعد الثانية زراعة.
وقد أبيح في سنة ما دخول امتحان الدور الثاني ثم عدل عنه وأعتبر الراسب في الفرنسية ناجحا، ولم يعمل بذلك في الامتحانات الرسمية عند النزول بالمنهج إلى المستوى الأدنى، فكانت الضحايا بالمئات حيث أعيدت الدراسة بسبب الرسوب في الفرنسية فقط فاضطر الطالب إلى اجترار كل المواد التي نجح فيها وإذا بالمنهج الفرنسي الجديد كان قد نجح فيه منذ عامين.
وأدهى من ذلك إن بعض الفصول بمدارس البنات تشتمل على فقرتين في دراسة اللغة الفرنسية: أحدهما يدرسها أساسيا والآخر إضافيا. وقد يكون عدد طالبات الأساسية تلميذة واحدة تستنفد من وقت المدرسة سبع ساعات في الأسبوع لها وحدها، وقد ننتدب لهذه التلميذة معلمة فرنسية بماهية مضاعفة في حين تشكو من قلة المدرسين والمدرسات للكثرة المتزايدة من التلاميذ والتلميذات.
ونحن إذ نبني البيت (بالباع والذراع)، وندعي أن لبيت قائم في حين إن البناء الذي سيقيمه لم يوجد بعد، ولم نحظر المواد اللازمة له يوم يوجد، والسكان الذين سيشغلون البيت لم
نرسم لهم خط المستقبل حتى نضمن رغبتهم في سكني البيت أو التحول إلى غيرة.
وليس يخفى عن أحد هذا الفارق الشاسع بين الدراسة الثانوية والدراسة الجامعية عند الشعور بالضعف الشديد في اللغة الفرنسية وهي من الزم ما يلزم الطالب في الآداب والحقوق والتجارة مع الاستغناء عنها تماما في العلوم والطب والزراعة.
ولغة الفرنسية - حقا وصدقا - مكانتها الرفيعة في الثقافة العامة، دليل ذلك أثرها الواضح في نفوس المثقفين، ولكن هذا التشتت الذي نضحي الناشئ بسببه هو حائر بين الإنجليزية والفرنسية أدى إلى نتيجة لازمة حاتمة وهي ضياع الوقت سدى في دراستهما معا، وعدم جدوى هذه الدراسة عليه في مستقبل ثقافته وتكوين شخصيته. وما ذلك إلا لأنه ليس للتعليم سياسة واضحة الأهداف، مرسومة الوسائل، مصطلح على وضعها، وهذا ما سبق لنا القول فيه في مقال (سياسة التعليم)
أما وقد مضينا بخطوات سريعة نحو الوعي القومي، أرى الاقتصار على لغة أوربية واحدة يترك حق اختيارها للمدرسة وولى أمر التلميذ، وسيترتب على ذلك أولا إتقان هذه اللغة والاستزادة من آدابها وفنونها وعلومها في أقرب وقت ممكن، ولن يجدي ذلك إلا إذا سرحت الوزارة هذا الجيش العرمرم من غير الفنيين، وإلا إذا رجعت إلى أصول التربية في التدريس والامتحانات، وعندئذ فقط يكتمل شعور المواطن الناشئ بكرامته القومية والفكرية، ويتحقق لديه أمل التزود من ثقافة الغرب. حتى إذا طلب المزيد، فالوسائل الخاصة لا تعوزه ولا تعجزه.
محمد محمود زيتون
نصيب السودان في ثقافتنا المدرسية
للأستاذ أحمد أبو بكر إبراهيم
لا أود أن أعتب في هذه الكلمة على الماضي؛ فقد انقضى بخيره وشره، ولكني أنبه إلى حاضر يختلف في طبيعته واتجاهاته، وأشير إلى مستقبل قريب يتطلب منا العمل الحاسم السريع. أما الحاضر الذي اختلف، فمرد اختلافه إلى أننا قد نظرنا الآن إلى السودان نظرة جد وحزم، أوضحت أمامنا المسالك، بعد أن التوت علينا أزمانا. وأما المستقبل القريب ففيه الأمانة التي ارتهنت بها مصر لشباب الوادي جميعا، وهي تهدف من ورائها أن يرتبط الشعبان، وان يلتقيا معا على الفهم الواضح الصحيح، والمعرفة الوثيقة؛ ليعيشا معا في ظل الخاء والوئام. ولا احسبنا واصلين إلى ما نبتغي، إلا إذا سعينا إلى هذا المستقبل على علم صحيح بما في الجنوب من معالم وأحداث، وثقافة وعادات؛ ولهذا فقد رأيت عند أوبتي من السودان في ديسيمبر الماضي أن أذكر وزارة المعارف بهذه الحقيقة؛ لتأخذ الأهبة، وتتحفز للعمل، فبعثت إليها بتقرير، أوضحت فيه ما يجب أن تعمل حيال الاتجاه الجديد؛ ولكني عدت فخشيت أن تطوي الوزارة هذا التقرير فلا تفيد منه، فيظل شباب الوادي في حيرة لا تنتهي، ونظل كذلك بعيدين عن واقع الحياة الحاضرة وبوادر الحياة المستقبلة؛ فرأيت أن أنشر على صفحات الرسالة الغراء بعضا من هذا التقرير؛ لأنه - على ما اعتقد - ضرورة يجب الأخذ بها في سرعة واهتمام:
أولا:
لا يزال الطلبة في مدارسنا المصرية يجهلون الضروري من أحوال السودان؛ فهم لا يعرفون من تاريخه إلا القليل، ولا يدركون عن طبيعته وتياراته السياسية، وحياته الاجتماعية إلا صورا ضئيلة باهتة لا تغني ولا تفيد
هذا هو منهج الجغرافيا، لا يلقي على السودان ضوءا واضحا، يبصر التلاميذ بما فيها، وإنما هو إيجاز مخل، لا يكاد الزمن يمضي عليه، حتى يذهب من الأذهان، لضآلة أثره وقلة غنائه، لا يتناول من أحداث السودان إلا القليل مما يأتي عرضا، على حين يعني المنهج بدراسة الحوادث في بعض الممالك الأجنبية دراسة تفصيلية. وهذه هي النصوص إليها لا تلم في أية مرحلة من مراحلها بأبيات لشاعر سوداني، وفي هذا ما فيه من غمط
لحقوق شعراء طالما رددوا صوتهم عاليا بحب مصر والمصريين.
لقد حان إذا أن تحقق المعارف رغبة كريمة، طالما جاشت في صدور الكثير من المصريين والسودانيين، فتولي الدراسات السودانية بالمدارس المصرية العناية اللائقة بها؛ حتى يعرف الطالب المصري عن جنوب الوادي ما يدركه عن شماله، وعندئذ فقط تتأكد الروابط، وتشتد الصلات، ونبلغ الغاية التي نصبو إليها من التئام الشعب، وتوثيق العرى.
من الخير أن ننظر الآن في مناهج الجغرافيا والتاريخ والتربية الوطنية نظرة جديدة، قوامها العناية بما في الجنوب من تراث وثقافة ونظم وشؤون. ومن الخير كذلك أن تنتظم النصوص إليها طرفا من الشعر التيجاني يوسف بشير، والعباسي، واحمد صالح، وعبد اله عبد الرحمن وغيرهم؛ فقد جاهد الكثير منهم بإنتاجهم القيم في سبيل الإنسانية والعروبة الوطنية، واصبح من حقهم علينا أن نعتني بأشعارهم اعترافا منا بهذا الجميل.
ثانيا:
مما لا شك فيه أن الصحف مرآة تنعكس عليها صور الحياة الحاضرة، فهي التي تحمل للقراء الآراء والاتجاهات، وتوضح ما يجري في البلاد من أحداث. ومن المؤسف حقا أن القراء في الشمال قد تجاهلوا الصحف التي تصدر في الجنوب، فخفي عليهم بعض أحواله الراهنة، وكان من الطبيعي أن يجهل الشبان المتعلمون بعض أخبار الجنوب وأحداثه. أقول ذلك وأنا اعلم أن صحف السودان لم تكتمل بعد نهضتها، ولا تزال تجاهد في سبيل الرقي المنشود، ولكنها على أي حال تلقي الكثير من الأضواء على الحياة السودانية الحاضرة. ومن الواجب - إذا أردنا أن نبصر التلاميذ بما يجري في الجنوب - أن تشترك كل مدرسة ثانوية في صحيفتين على الأقل من صحف السودان؛ إحداهما معتدلة، والأخرى من الجرائد الاتحادية؛ ليطلع عليهما الطلبة، أو تقوم الجماعة الأدبية في المدرسة بتخليص الأخبار المهمة، وتسجيلها في مجلة حائط؛ لتكون قراءتها في متناول الجميع.
ثالثا:
لا يجهل السودانيون أن طائفة من علماء مصر وأدبائها، قد عنوا بشؤون السودان؛ فألفوا في بعض نواحيها كتب قيمة، ولا يجهلون كذلك أن بعض السودانيين قد طرقوا هذا الباب،
فاصدروا بعض الكتب في السياسة، واللغة السودانية العامية، والتاريخ والأدب. ومن الواجب في وقتنا الحاضر أن تتولى إحدى اللجان دراسة الكتب جميعا؛ لتزود بالمصالح منها مكتبات المدارس، وستجد - ولا شك - من كتب إخواننا السودانيين طائفة تصلح للاطلاع الحر في المدارس الثانوية، ستجد كفاح جيل، وديوان إشرافه، وديوان العباسي، والعربية في السودان، وتاريخ مكي شبيكة، وشعراء السودان، والطريق إلى البرلمان، وغيرها من الكتب.
رابعا:
لست أريد الانتهاء من هذه الكلمة الموجزة قبل الإشارة إلى ناحية مهمة تتصل بالروابط الثقافية بين الشمال والجنوب؛ فقد درجت المعارف في العهد الأخير على إيفاد طائفة صالحة من العلماء والأدباء يلقون المحاضرات في جنوب الوادي، وهي سنة محمودة، وخطة حكيمة تستحق التقدير؛ فقد شهد الناس هناك ألوانا ممتازة من معالجة الموضوعات على اختلاف أنواعها فقابلوها بالشكران والتقدير، وتأكدت بينهم وبين إخوانهم المحاضرين الصلات الثقافية والروحية.
حدث هذا فعلا في الخرطوم وأم درمان، فأفاد منه أهل هاتين المدينتين، ولكن سكان المدن الأخرى لم يسمعوا إلا تلخيصا لعدد ظئيل من المحاضرات في الإذاعة، فكان إسماعهم لهذا التلخيص جانبان: جانب أسف؛ لأنهم لم يجدوا من العناية ما وجده سكان المدينتين الكبيرتين، ففاتهم الكثير من الفوائد. وجانب استبشار؛ لأنهم أدركوا في هذا التلخيص من الفوائد ما لم يدركوه من قبل، وودوا جميعا لو طوف هؤلاء المحاضرون في المدن الكبيرة الأخرى كمدنى وكسلا والأبيض وعطيرة، يحملون إلى الناس هذه الثقافة العالية الممتازة. ودوا ذلك ويودون مستقبلا أن تتحقق رغبتهم؛ لتعم الفائدة ويصيب منها القريب والبعيد.
وبعد فهذا رأي أدلي به، موقنا أن الحاجة ماسة إليه في وقتا آمنا فيه وآمن الناس أن الشعب الذي يعيش على ضفاف النيل من منبعه إلى مصبه شعب واحد يجب أن يلتقي تحت تاجه، ويتحد في سياسته وثقافته، وارجوا أن تبذل المعارف جهدها لتسهم - كما أسهمت من قبل - في تحقيق ما تبقى لها نحو غايتها الكريمة.
أحمد أبو بكر إبراهيم
الحسن البصري
رئيس المدرسة الفلسفية الأولى في الإسلام
للأستاذ حسين علي الداقوقي
لم تمض على تأسيس مدينة البصرة حقبة طويلة من الزمن حتى تسنى لها مناهضة مدينة الأبلة القديمة والتغلب عليها من جميع النواحي المدينة حين نسى الكتاب ذكر ما في تلك المدينة من أحوال الحضارة ومعالم العمران. كما حدث على تلك الشاكلة تغلب الكوفة على تلك الحضارة طيسفون والسيطرة عليها.
غدت البصرة ثغر العراق المزدهر، وميناءه المتطور الزاخر بصناعتها وزراعتها ونشاط تجارتها. وبضروب فعالياتها الفكرية. فقد أنجبت المشاهير من مشاهير الفكر الإسلامي، وقامت فيها المدارس العلمية والأدبية التي ضمت إليها هؤلاء المشاهير. نشأت فيها مدرسة النحو يوجهها الخليل بن أحمد، وظهرت فيها ألوان من الأدب تمثلت في كتابات أبن المقفع والجاحظ. وفي بيئة البصرة تثقف أبن الهيثم، وبشر واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، والنظام بمذهب الاعتزال. وألف إخوان الصفا جمعيتهم الفلسفية وفي هذه البيئة أيضاً وضع أسس الصوفية كبار أعلامها مثل رابعة العدوية والحسن البصري وغيرهما من نبغوا في مجالات الفكر. ليست لدينا - ويا للأسف - وثائق تاريخية وصفية جمعها أنصار الحسن البصري وطلابه لنبين منها تفاصيل سيرة الرجل، سوى نتف من ملاحظات، أو شتيت من المذكرات دونها عنه أعوانه أمثال قتادة وأبن عون ويونس وأيوب، ومنتثرات من المعلومات تلقاها في كتب المحدثين مثل أبن سعد، وفي مصنفات المؤرخين والمفسرين كابن قتيبة والطبري، وفي كتابات المتكلمين كأبي عمرو الجاحظ وفي كتب المترجمين كأبي نعيم وغيرهما من المصنفات.
نشأته
ولد أبو سعيد الحسن بن يسار البصري بالمدينة عام 521 وكان أبوه يسار في الأصل من سكان مدينة ميسان قرب البصرة. وقد سبي خلال عام 12هـ إبان حملة خالد على العراق فنقل مع من نقل من ميسان إلى المدينة حاضرة العالم الإسلامي في ذلك الوقت، وغدا هناك
مولي لزيد بن ثابت الصحابي وكانت أمة خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي (ص) نشا الحسن بوادي القرى وشب في كنف علي بن أبي طالب وعمر وتتلمذ على أنس بن مالك، ولقي سبعين من البدريين، كما أخذ عن حذيفة بن اليمان وعمر بن أبي حصين الخزاعي وعاصر عددا كبيرا من الصحابة فأرسل الحديث عن بعضهم وسمع من بعضهم، وكان قد أظهر ذكاء لامعا منذ صغره، فقد حفظ حفظ القرآن وهو دون سن الأربع عشرة سنة ثم كبر ولازم الجهاد ولازم العلم والعمل.
أستقر الحسن في الأبلة، فالبصرة حيث كان المركز الثقافي الإسلامي خلال العهد الأموي. وفي عام 35هـ شد إلى رجال المدينة، وعند ما عاد إلى البصرة في غضون سني 37 - 41 هـ تعقب المناقشات التي احتدمت بين أصحاب الرسول وأحتكم فيها. وأشترك في الجهاد فحارب في جبهة كابل، وبعد ما رجع من الجهاد عارض خلافة يزيد، وأجتلب نحوه الأنظار بما أوتي من حدة الذكاء وحسن البيان، ومهابة وجمال في خلقه وخلقه، فوقع من أنفسهم أسنى مقام وأجل موقع.
أشتغل الحسن موظفا عند الأمويين؛ فكتب للربيع بن زياد والى خرا سان في عهد معاوية. وتقلد منصب القضاء في البصرة مدة من الزمن إبان خلافة عمر الثاني، ثم استقال منها ولم يأخذ على قضائه أجرا. وأعتكف في أحد مساجد البصرة يقوم بالوعظ والإرشاد والتدريس والتوجيه، ويشارك غيره في كثير من الفعاليات الأخرى كما سوف نرى.
حياته السياسية:
يبدو للإنسان إن القدرية كانت أول مدرسة فلسفية في الإسلام، وإنها كانت قد اقترنت (أكثر مما انطبعت) بفلسفة سياسة ذلك العصر. بحيث إنها بدأت تعدو عن كونها فلسفة مجردة، مطلقة، غاية لنفسها، وأخذت تهدف إلى ارتياد العقل، وتحرير الفكر وإعطاءه قيمته الحقة، وبالتالي مقاومة السلطة الحكومية آنذاك. فحمل ذلك الأمويين على التنكيل بأنصارها والفتك بمروجيها، فذهب عدد غير يسير من نوابغ ذلك العصر ضحايا هذا الاضطهاد السياسي. أذكر منهم عمر المقصوص أستاذ الخليفة معاوية الثاني حين وثب عليه بنو أمية وقالوا: أنت أفسدته وعلمته، فطمروه ودفنوه حيا) كذلك انصبت نقمة الاضطهاد على نابغة آخر من معاشري الحسن البصري وهو معبد الجهني، على أنه جاهر بالقدر في مدينة البصرة،
فأذاقه الحجاج الوالي الأموي من العذاب ثم قتله بطلب من عبد الملك بن مروان. وكان معبد من السابقين في القول بالقدر، يذكر عنه الذهبي بأنه كان قدريا وتابعيا صدوقا قتله الحجاج عندما أشترك في ثورة عبد الرحمن بن الأشعث. وقد كان كذلك غيلان الدمشقي قدريا وخطيبا مصقعا وصلب على باب دمشق.
وهناك نصوص تاريخية كثيرة تثبت قدرية الحسن. فيقول المقربزي: إن معبد الجهني وعطاء بن يسار سألا الحسن البصري (إن هؤلاء - يريدان الأمويين - يسفكون الدماء ويقولون إنما نجري أعمالنا على قدر الله) فقال الحسن (كذب أعداء الله) فإنهم الحسن بهذا ومثله لم يكن الحسن يحمل العقيدة مجردة عن العمل، ولم يأل جهدا في الدفاع عن مبدأه والإفصاح عن آراءه بشجاعة، وقد أمضى حياته يصارع مشاكل شتى دون أن يكترث لها مع أنه كان بمقدوره، أن ينال العز والجاه والرغد والرفاه. فالمتصفح لكتاب أبي نعيم (حلية الأولياء 2ج) يجد أنه قد ترتفع عن هبات الأمويين، وأبدى شجاعة منقطعة النظير في رد المظالم، تارة بتبيان وخامة العاقبة وطورا بالتنديد بالروادع الدينية، ولم يستهدف من ذلك غير الإصلاح الاجتماعي العام، فرفعه ذلك إلى موضع التقدير والإجلال لدى أغلبية الجماهير.
ذكر الشهرستاني وكثير غيره بأن الحسن إنهم بالقول في القدر، والحقيقة أنه كان كذلك، بل أنه كان رئيس القدرية، ورأس حرية الإدارة، والأكثر من ذلك أنه جهر بمخالفة استخلاف يزيد بن معاوية من دون أن يتخوف عاقبة الأمر، على حين أن الشعبي وأبن سيرين لم يجرموا على إبداء رأيهما بصراحة. وكان من أهم أسس عقيدته السياسية إتباع الأصول الإسلامية الأولى، ومعارضته الخلافة الأموية الوراثية، والاعتقاد بمبدأ الانتخاب للخلافة، بيد أنه لأسباب لم نتحقق منها تماما، رفض الاشتراك بثورة أبن الأشعث عام 81 - 82هـ، بالرغم من المظالم التي كان يقترفها الحجاج، وبالرغم من اشتراك زملائه بها كعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، ولعل ذلك كان بسبب اعتقاده الجازم بعدم نجاح الثورة، أو أنه ما كان يسوغ الحرب وسفك الدماء بين الإسلام مهما كانت أسبابها الموجبة، وذلك للصلة الوثيقة بين تصوفه وآراءه السياسية، إذ لم تكن أي حركة من حركاته أو فعالية من فعالياته من قبيل الصدفة والعرض. ومع العلم أنه كان ضد سياسة الحجاج إلا أنه لم يقم
بأية حركة ثورية أو عصيان مسلح ضده؛ لأن الإسلام عند الحسن واحد ووحدة، وإن هذه الوحدة لتستند إلى وحدة الحق والإيمان، وإن كل حركة ينجم عنها التصدع في هذه الوحدة، وإن كان مبعثها الحق فهي ليست بأسلوب صحيح يركن إليه ويتوسل به.
والمعروف عن الحسن البصري أنه غدا بين86 - 95هـ موضع ريبة موظفي الحجاج الذين صاروا يتحرون دقائق أعماله ويترقبون تصرفاته؛ حتى أضطر إلى الاختفاء والتواري عن الأنظار. وفي عام 99هـ تقلد منصب القضاء في عهد عمر الثاني ثم استقال منه. وفي 101هـ أنتقد بلهجة لاذعة في إحدى مواعظه الشهيرة حركة أبن الملهب التي قامت ضد الأمويين غير أنه لم يسلم في سلوكه هذا من التهجم عليه خلال حيلته، فذكر عنه أنه كان يلقي الناس بما يهورع ويتصنع الرياسة. وروي عن تلميذه أبن أبي العرجاء أنه لما قيل له لم تركت صاحبك ودخلت فيما لا أصل له ولا حقيقة؟ قال إن صاحبي كان مخلطا، كما يقول طورا بالقدر وطورا بالجبر، وما أعله أعتقد مذهبا دام عليه ويقول عنه تلميذه أبوب السختيالي إن انفصال الحسن من القدرية كان خوفا من السلطة الحاكمة، وإن عدم اشتراكه مع ابن الأشعث في الثورة كان خوفا من أن تذهب عنه وظيفته الموجهة إليه. كذلك انتقده ابن سيرين لأنه يريد الكبيرة ولا يريد الخلود في النار أبدا.
هذا ولم يكن الحسن في عقيدته السياسية مكافحا من نوع صاحب الزنج في الثورة على النظام الاجتماعي، ولا مثل جان دارك في الدفاع عن استقلال الوطن، إنما كان أقرب مثيل إلى البابا بيوس التاسع في بعض جوانب تصرفاته، وبأبي العلاء المعري في جوانب أخرى. وكان في عصره من هذه الناحية نسيج وحدة. ويرجح أن كفاحه كان محددا بحدود صوفية معينة، وباعتبارات دينية واجتماعية أخرى تمسك بأهدابها، وجهد في السير على مقتضاها، وقد أوصى ابنه عبد الله أن يحرق كتبه ففعل ما أوصاه به والده، لذلك لم يرد لنا منه إلا النزر اليسير الذي ذكرناه فأشكل على الباحث تحقيق أمره، ولم يوف في التدقيق عن حقه، فنستميح القارئ الكريم عما يبدو من المقال من سطحية وضآلة مادة، فعسى أن نكون به حافزين. وداعين إلى دراسة طرف من أطراف التراث الإسلامي أو شخصية من شخصياته، لم تتكشف حقائقه مفصلة سافرة على ضوء المباحث القائمة على المنهج التاريخي العلمي الحديث.
للبحث صلة
حسين علي الداقوقي
بين شاكر وقطب:
لا تسبوا أصحابي
للأستاذ محمد رجب البيومي
للأستاذ محمود محمد شاكر منزلة كبيرة لدي، فأنا أعهده كاتبا قوي الأسلوب، رصين العبارة، وأعرفه أبيا مخلصا يتدفق غيره على الإسلام، وتعصبا لأفذاذه الأبطال، لذلك أقبل على قراءة ما يدبجه يراعه المؤمن في شوق واهتمام. وقد طالعت أخيرا ما كتبته مجلة (المسلمون - العدد الثالث ص 38 جمادي الأولى سنة1371) تحت عنوان لا تسبوا أصحابي، فوجدت المجال واسعا للخلاف بيني وبينه، ولم أشأ أن أطوي ما دار بخلدي عن القراء، فرأيت أن أناقش الكاتب الكبير فيما سطره راجيا أن يحق الله الحق بكلمته، فالحق وحده هدف الكرام الكاتبين، وفي طليعتهم الأستاذ الجليل.
ولعل من الأوفق أن أبدأ بتلخيص الفكرة التي يدور حولها مقال الأستاذ شاكر، فأعلن أن الكاتب الفاضل ينحي بالأئمة على المجاهد الداعية الأستاذ سيد قطب - وإن لم يصرح باسمه - إذ تعرض في كتابه (العدالة الاجتماعية في الإسلام) إلى أناس عدهم الأستاذ شاكر من أفاضل الصحابة، وقد خصهم صاحب الكتاب بما لا يليق في مذهب الأستاذ شاكر من النقد والتجريح، وهو بذلك يخالف ما أجتمع عليه الرأي السائد من تقديس أصحاب الرسول (إذ لا سبيل لأحد من أهل الأرض ماضيهم وحاضرهم أن يلحق أقل أصحاب محمد، مهما جهد في عبادته ومهما تورع في دينه، ومهما أخلص قلبه من خواطر السوء في سرة وعلانيته، كما قال الأستاذ الجليل.
وقد بدأ الأستاذ شاكر مقاله بحديث الرسول (لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) واندفع في سياق منبري يسرد الأدلة الخطابية، ويستثير النوازع العاطفية، ويستشهد بقول الرسول (خير الناس قرني ثم الذين بلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم بيمينه، وبيمينه شهادته) كما ذكر حديثا يدور حول هذا المعنى، محاولا أن يؤيد بذلك كله دعواه الخطيرة إلى تقديس أناس بعدوا عن الحق فيما سجله التاريخ عليهم من أعمال. ومما نحمد الله عليه أن الحق - في هذه الناحية - واضح أبلج لا يحتاج إلى برهان.
وقبل أن نعرض ما ذكره الأستاذ قطب في شأن معاوية وأصحابه، نذكر أن الأستاذ شاكر قد أثار هذه العاصفة وحجته الوحيدة، أن كل صحابي رأى الرسول وسمع عنه قد أكتسب مكانة تحترم على كل إنسان أن ينتقد أخطاءه أو يظهر أغلاطه، (فإذا أخطأ أحدهم فليس يحل لهم ولا لأحد ممن بعدهم أن يجعل الخطأ ذريعة إلى الطعن عليهم) كما ذكر الكاتب.
وحسماً للنزاع من أقرب طرقه، نبدأ بتحديد معنى الصحابي، وهو - في أبسط حدوده - يطلق على كل إنسان حصلت له رؤية الرسول أو مجالسته، فجميع من سعدوا بمشاهدته صلى الله عليه وسلم في حياته بعد الإسلام صحابة يشرفون بهذه الصفة المباركة، حتى عبد الله بن أبي رأس النفاق بالمدينة، فقد قال الرسول لمن هم بقتله:(معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)، فعبد الله من أصحاب محمد كما ينطق الحديث، فليت شعري أينطبق الحديث القائل لا تسبوا أصحابي على جميع من سعد بالصحبة، أم يخص من باعوا أرواحهم وأموالهم لله من المؤمنين الصادقين؟ لابد أن تكون الطائفة الأخيرة هي المقصودة دون أدنى تردد أو نزاع، فكل من تمسك بأخلاق الإسلام من أصحاب الرسول وشهد تاريخه بمروءته وصدقه فهو موضع التجلة والتبجيل، ولا يجوز لمسلم بدين الإسلام أن ينتقصه في شيء، وكل من حامت به الشبهات فوق تاريخه فهو موضع الملامة والنقد لأن الناس سواسية أمام الإسلام، ولا فضل لعربي على أعجمي بغير بتقواه، والإسلام لا يقدس غير البررة المخلصين.
ومعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا من الدين والجهاد بمنزلة واحدة، ففيهم من أسلم في فجر الدعوة منذ أعلنها الرسول وقطعت السنوات المتتابعة في الجهاد والجلاد، وفيهم من أسلم قبيل الفتح أو بعده والسيف مصلت على رأسه، وفيهم من بذل الكثير من الدم والمال وأدخر القليل، وفيهم من تقاعس ولم يبذل شيئا من دمه وماله، ومن الظلم البين أن نرتفع بهؤلاء جميعا إلى منزلة واحدة، بل على التاريخ أن يهيئ لكل إنسان منزلته وفق ما أسلف من أعمال (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) 95 النساء.
وإذا كان الأستاذ شاكر يرى أنه لا يجوز لأحد من الناس أو من الصحابة أن يجعل الخطأ
ذريعة إلى الطعن في المخطئين، فماذا يفعل في الصحابة إذ أحلوا لأنفسهم ما حرمه عليهم الآن، فخطأ بعضهم بعضا، وطعن فريق منهم على فريق آخر يناوئه، أفيكونون بذلك قد خالفوا الحديث النبوي كما فهمه الأستاذ شاكر. . . أم عرفوا أن الصحبة وحدها لا تعصم من النقد والملام؟
لقد أتضح بجلاء أن الحديث الذي عنون به الأستاذ مقاله لا يتدرج على جميع من سعد بالصحبة، بل يختص الطائفة المناضلة التي لم تترك أخلاق القرآن في موقف، أو تنبذ روح النبوة في صنيع، وجميع من سار على النهج القويم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبن مسعود موضع القدرة والاحتذاء من المسلمين، وحرام على كل مؤمن أن يحوم على أحد منهم بطعن أو تجريح، أما الذين تأخر بهم الركب عن اللحاق بالإسلام في مشرق شمسه، فيجب أن ننظر إلى صحف أعمالهم ومواقفهم في الحياة ثم نحكم عليها في ضوء القرآن والنبوة، وهذا ما فعله الأستاذ سيد قطب، فقد نظر إلى أعمال معاوية وطائفة من بني أمية نظرة إسلامية صادقة، فوجد خليفة المسلمين قد بعد عن روح الإسلام في أكثر أعماله، وساعده في هذا السبيل فريق باع آخرته بدنياه، فرأى أن يقول كلمة الحق في أناس تجاوزوا حدود الله في أعمالهم، والأستاذ قطب لم يرد بكتابته أن يكون مؤرخا راويا، فالرسالة التي يضطلع بها الآن أعظم من أن تنحصر في حدود التاريخ، ولكنه ينادي بالرجوع إلى أحكام القرآن، وهدى النبوة، وتعاليم الإسلام، وقد عرف أن الخلافة الإسلامية قد فقدت معناها الديني بعد مصرع علي، وجاء من الخلفاء من أحالها إلى ملك عضوض، تبعد عنه روح الإسلام في أكثر نواحيه، وقد ظن كثير من الناس أن هؤلاء الخلفاء الرسميين من لدن معاوية يمثلون الخلافة الدينية التي تتقيد بالقرآن وتهتدي بالسماء، ورأوا من جرائرهم الخلقية، وترفهم المقيت، ولهوهم الماجن ما يبغضهم في الخلافة والإسلام، فقام الأستاذ السيد قطب بدافع عن دينه، ويبين أن الإسلام لا يعترف بخلافة بعد علي، وقد نطق بالحق المؤيد بالتاريخ حين أعلن أن معاوية أول خليفة تحلل من قيود الإسلام، أفنقول له بعد ذلك لقد تهجمت على أصحاب الرسول وخالفت هدى النبوة، أم يريد الأستاذ شاكر أن يفهم الناس أن معاوية وأشياعه يمثلون الإسلام بما ارتكبوه من رشوة وخداع وممالأة؟ لو أن الأمر كذلك لبعد الناس عن الإسلام، ولبرئ المسلمون من دين يبيح لخلفائه
الخديعة والمكر والإرهاب وإقامة القصور واحتكار الأموال والضياع؟
ولقد كان الأحرى بالأستاذ شاكر أن ينقد ما ذكره الأستاذ قطب عن معاوية نقدا تاريخيا فيبين أن الواقع التي ذكرها في كتابه الخالد غير صحيحة، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك، إذ أن الأستاذ قطب قد نقل وقائمه عن كتب التاريخ ولم يخترعها من عنده اختراعا، وهي - رغم ثورة الأستاذ شاكر - معروفة لدى الكبير والصغير.
فمن ذا الذي ينكر أن معاوية حين صير الخلافة ملكا عضوضا في بني أمية لم يكن ذلك من وحي الإسلام إنما كان من وحي الجاهلية.
ومن الذي ينكر أن أمية بصفة عامة لم يعمر الأيمان قلوبها! وما كان الإسلام لها إلا رداء تلبسه وتخلعه حسب المصالح والملابسات!! وهذا باستثناء عمر بن عبد العزيز الذي أحاطه الأستاذ قطب في كتابه بسياج من المحبة والإجلال، وجعل عهده بقية من عهود الخلافة الراشدة، وإشاعة مضيئة تنير الطريق، وقد بسط الكلام عن هذا الخليفة العظيم في أربع صفحات طوال!!
ومن الذي ينكر أن يزيد بن معاوية قد فرضه أبوه على المسلمين مدفوعا إلى ذلك بدافع لا يعرفه الإسلام؟
ومن الذي ينكر أن معاوية قد أقصى العنصر الأخلاقي في صراعه مع علي وفي سيرته في الحكم بعد ذلك أقصاه كاملا، لأول مرة في تاريخ الإسلام، وقد سار في سياسة المال سيرة غير عادلة، فجعله للرشوة واللهي وشراء الضمائر في البيعة ليزيد بجانب مطالب الدولة والفتوح بطبيعة الحال.
هذه وأمثالها أمور مسلمة في تاريخ لا يستطيع الأستاذ شاكر أن ينكرها بحال. ونحن نعجب كثيرا في حين نجده في مقاله يلبس مسوح الوعظ والإرشاد فيقول: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن أن بعض الظن إثم. يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا. ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا. أفبهذه الآيات وأمثالها يستطيع الأستاذ شاكر أن يسكت لسان التاريخ.
كنا ننتظر من الأستاذ أن ينتقد هذه الحوادث التاريخية نقدا موضوعيا يحدد على ضوئه موقف معاوية من تاريخ الإسلام! ولكن الأستاذ لا يستطيع أن يأتي لمعاوية بتأريخ جديد
فذهب بدافع عنه من باب آخر، فنقل عدة روايات تدل على أنه حسن الصلاة!! وأنه أوتر بواحدة! فقال أبن عباس أنه فقيه!! وأن الرسول قد قال: اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب!! وسار في هذا المضمار خطوات أتعبته كثيرا. والعجب أنه يجعل ما ذكره الأستاذ قطب من تاريخ معاوية روايات متلقفة من أطراف الكتب! وهي جميع ما تنطق به كتب التاريخ، أما ما ذكره الآن من فضائل معاوية فليس من الروايات المصنوعة، وإن اصطيد من مجمع الزوائد وأمثاله من مراجع الأستاذ، أفهذا منطق يقنع الباحثين!
وقد تعجب كثيرا وأنا أقرأ قول الأستاذ شاكر عن قطب (أن كان يعلم أنه أحسن نظرا ومعرفة بقريش من أبي بكر حين ولي يزيد بن أبي سفيان وهو من بني أمية، وأنه أنفذ بصرا من عمر حين ولي معاوية فهو ما علم!) كأن تولية عمر لمعاوية كافية لأن تمحو أخطاءه فلا يأخذ مؤرخ بملام! ونحن نقرأ أن معاوية كان حسن السيرة على عهد عمر فولاه أعمال دمشق، ولكنه قلب المجن للتعاليم الإسلامية بعد مصرع عثمان فلم تنفعه تزكية الفاروق في شيء، وعمر رضي الله عنه لا يعلم الغيب حتى تكون تزكية لإنسان ما في عهده ممتدة إلى جميع أعماله مدى الحياة!
هذا هو معاوية، أما أبو سفيان وهند زوجه وعمرو أبن العاص فلا أعلم أن الأستاذ قطب قد تجاوز الحق فيما كتب عنهم من تاريخ!! فجميع المسلمين يعرفون أن أبا سفيان حارب الإسلام حربا لا هوادة فيها، ولم يدخل في حظيرته إلا بعد أن تقررت غلبة الإسلام! وأن زوجه هند قد ولغت في الدم حين أخذت كبد حمزة بين فكيها، ولاكتها لتأكلها فلم تستطع، وإنها قالت عن زوجها حين أسلم: اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه، قبح من طليعة قوم، هلا قاتلتم ودافعتم عن أموالكم ثم أسلمت بعد ذلك أيضا!! وإن أبن العاص قد عاون معاوية في خصامه مع علي جريا وراء مآرب يدخرها لنفسه دون نظر إلى صالح الإسلام والمسلمين!! هذا كله ما ذكرته كتب التاريخ، أفيلام الأستاذ قطب إذا ذكره في معرض الدفاع عن الإسلام وتبرئته من آثام المذنبين أم يريد الأستاذ شاكر أن يؤخذ الإسلام بجرم أبنائه ومدعيه، حين يحتضن أناسا لم يتمسكوا بأهدابه وقواعده، ما يكون لنا أن نتكلم بهذا في ذلك الشأن.
ولقد تعمدت أن أكون واضحا صريحا حين تكلمت عن المراد (بالصحابي) فتحدثت عما
يفهم من مادة الكلمة دون نظر إلى ما دار حولها من اختلاف لدى الأصوليين، إذ هم يذكرون عدو تعاريف تتقارب وتتباعد دون أن تلتقي في ناحية واحدة، ولو تمسك كل إنسان بتعريف معين لتضارب القول، واتسعت شقة الخلاف! على أن الصحبة بمدلولها اللغوي تدل على الملازمة، فصاحبك هو الذي يطيل المكث معك أكثر من سواه، وصحابة الرسول بالمعنى الشرعي واللغوي معا هم أكثر الناس ملازمة له، وليس منهم معاوية وأبوه وأمه ونجله على أي حال، ولن أطيل هذا القول فيما ذكر المحدثون في قول الرسول خير الناس قرني ثم الذين يلونهم - وقد سبق في صدر هذا المقال - إذ أن مفسري الحديث قد أجمعوا على أن العبرة بالمجموع لا بالجميع، فقد يوجد في القرن عشرين من هم أفضل بكثير من بعض من عاصروا الرسول العظيم وإذن فليس للأستاذ شاكر أن يتمسك - بهذا وأمثاله - كدليل يستند إليه في دعواه وهو من البداهة بمكان لا يحتمل الترديد والإسهاب.
إن من القسوة العنيفة أن يقول قائل عن الأستاذ سيد قطب أنه قد بعد في كتابه عن منهج الإسلام، وهو الداعية البصير الذي تشرب روح الإسلام، وفهم دقائق التشريع، ورسم خطوطا واضحة يترسمها الشاب المتوثب للنهوض والعزة في ضلال الدين الحنيف، وكان بجهاده الميمون رائد جيل، ومنقذ نفوس، وداعية إصلاح.
أعلمت أشرف أو أجل من الذي
…
يبني وينشئ أنفسا وعقولا
محمد رجب البيومي
رسالة شعر
اللحن الثائر
للشاعر السوداني محي الدين فارس
إلى أخي في الشمال. .!
إلى أخي في الجنوب. .!
إلى كل وطني حر آمن بالنور. . وكفر بالظلام. .!
إلى موكب الحرية الحمراء أزجي هذا اللحن الثائر.
يا شرق. يا محراب آمالي، وأحلامي وفني. .
في ليلك الباكي نسجت ملاحمي وملأت دني. .
وسكبت خمري للظلماء هناك في الليل الدجني
الغازلين من الدموع غلائل القصر الأغن!
الكادحين هناك في الليل المحجب بالغيوم
الشاربين مرارة الأيام في السجن المقيم
الفأس في يدهم نشيد هز أسماع النجوم
غرسوا النعيم. . وما جنوا منه سوى خمر الجحيم!
يا شرق يا مهد الحضارة والثقافة والفنون
يا حانة الأرواح تجري كوثر الخلد الرزين
عبرتك شتى الفلسفات وأنت مثواها الأمي
تسمو على مر الدهور فمثل تاجك لا يهون
إن فاخروا بشريعة الغابات في جنح الليالي
وهناك في السودان. في الوادي المقدس في القنال
سنعب من دمهم ونحملهم على نعش الزوال
ونطهر الوادي من الأصنام، من عبث الظلال
سنظل نشدوا محاريب الهوى لحن الإخاء
سنظل نعلي بالكفاح الحر ألوية السماء
سنظل نعصف كالرياح الهوج في ركب العداء
حتى يؤوب إلى دجى الأدغال في ذل الإماء
يا أمس يا دنيا المواجع والشقاوة والسأم
يا مسرح الزمن الخؤون المنتشى بدم الرمم!
وليت ملعون الخطى وغفوت في حضن السدم
وغدت نهيل عليك ليل الموت أجنحة العدم
الوعي يقظان وقافلة الحياة على الدروب
هتكت حجاب الليل بالنور المجنح في القلوب
فبدا لها الهدف البعيد يرف كالشط القريب
فهفت إليه. . كالفراش. . إلى ينابيع الطيوب
قد آن للفجر المجنح أن يضوي للنسور
قد آن للفجر الموشح بالوضاءة والزهور
أن يملا الوادي بألحان الخلود وبالحبور
بمواكب البشرى تهز مسامع الأبد الكبير
محي الدين فارس
الأدب والفن في أسبوع
للأستاذ عباس خضر
عميد الأدباء في الهواء الطلق
قضى في الوزارة عامين قدم فيهما العلم إلى جيل بأكمله من الناشئين، ويسر مصاعب الحياة لجمع كبير من خيار المواطنين هم الأساتذة والمربون، ولقي هو في سبيل ذلك من المتاعب والعناء ما لا ثمن له عند مثله إلا انتعاش النفس لما ينال المجموع من خير.
كان طه حسين قبل أن يلي الوزارة كاتبا بيدي الرأي ويدعو إلى العمل، ثم ولى الوزارة فأشفقنا عليه مما كتب، إذ خشينا أن يكون من العوامين على البر، وإذا هو في البحر يضرب أمواجه بذراعي جبار. . كان طه حسين الكاتب الناقد رقيبا على طه حسين الوزير العامل. . ويخيل إلى أن الوزير كان يخشى في نفسه الكاتب ويفرق منه أشد الفرق حين أوغل في القسوة على نفسه ومنع تقرير كتبه في المدارس وكان كثيرا منها مقرراً من قبل.
يكتب طه حسين ويحاضر فينفع الناس، ويتولى المناصب فينفع الناس، حتى حين يقصد إلى شيء من الترويح عن نفسه بالسفر إلى الخارج نراه ويراه العالم سفير مصر الأدبي ونديد الأساطين في إشعاع الفكر فينفع الناس.
قال لي مرة وقد أقبلت عليه لأتزود منه بحديث لقراء (الرسالة): أتريد حديثا يطرف القراء أم تريد كلام جد؟ قلت له أريد حديثا يطرف القراء! فابتسم، ثم تحدث إلى فلم يكن في حديثه غير الصدق وغير الإمتاع. . فحين قلت له ما قلت كنت أعلم أن كل ما يقوله طه حسين طريف لا يخرج عن الجدو والصدق، وكل ما يجد فيه من القول لا يتجرد من الطرفة والإمتاع.
إن من خصائص عميدنا الاندماج الكلي فيما يتعرض له، وقد اندمج هذين العاملين في التيسير على المتعلمين والمعلمين، ولم يعبا بقلة (الأوكسجين) في هواء الوزارة، ثم ترك الوزارة فأحس بهبوب الهواء الطلق على نفسه، وسندعه يشبع رئتيه من هذا الهواء، ندعه قليلا لنتوقع منه بعد ذلك الكثير. . .
الثقافة تنتقل إلى المتخلفين:
أنشئت الجامعة الشعبية كي تنتج الفرص لمن تخلفوا عن قطار التعليم في إحدى المحطات. . ومدت يدها إليهم تعينهم على السير واللحاق بالركب. ومضت بهم قليلا وهم فرحون بانتسابهم إلى الجامعة ثم هب عليهم غبار من نوع معوقاتهم الأولى. إذ قيل: جامعة! وما الفرق إذن بين الجامعيين وبين الشعبيين؟ حتى الاسم استكثروه عليهم. . فليكن أسمها (مؤسسة الثقافة الشعبية) كما أطلق عليها منذ سنوات.
لا يهم الاسم ما دامت القافلة تسير، وقطعت القافلة أشواطا وأخيرا تلفتت. . قطعت أشواطا بمن جاءوا إليها، ولكن هل هؤلاء كل من فاتهم القطار؟ تلفتت تنظر فإذا محطات التخلف لا تزال عامرة، فما كل من فيها يستطيع أن يقصد إلى المراكز الثقافية، وقد يستطيع ولكن يتكاسل. فكرت المؤسسة بأمر هذه الآلاف المتخلفة القاعدة، فرأت أن تنتقل هي إليهم في قراهم بالأقاليم وفي أحيائهم بالمدن. فوضعت مشروعا لذلك يعتمد على وسيلتين:
الأولى مكتبات متنقلة تحملها سيارات تعد أعدادا خاصا بحيث تصبح - بفتح بابها حيثما وقفت - مكتبة مفتوحة، فيستعير منها من يشاء لقاء (تأمين) زهيد لا يبلغ نصف ثمن الكتاب، وقد تغري المستعير قلة ما يدفعه ويروق في عينه الكتاب وليكن، وتحتمل المؤسسة الفرق بين الثمن والتأمين في سبيل تأدية الرسالة الثقافية. .
وتستمد المكتبات الطوافة من المكتبات مركزية تقام في قواعد تختار لها، وتؤدي هي أيضاً رسالتها كمكتبة عامة في مكانها، وتحتمل المكتبات الطوافة إلى كل جهة ما يناسبها من الكتب، وتصحبها آلت للعرض السينمائي الثقافي لتكون وسيلة اجتذاب الجمهور، إلى جانب الغرض الأساسي من موضوعها.
أما الوسيلة الثانية فهي كتب دورية (شهرية أو أسبوعية أو غير ذلك قدر الإمكان) تعهد المؤسسة في تأليفها إلى مؤلفين من غير موظفيها تكلفهم بتأليفها في موضوعات حيوية على أن يقصد بهذه الموضوعات أما تنمية المعلومات الثقافية العامة، أو الإرشاد والتوجيه في ناحية من نواحي الحياة العملية، وتوزع هذه الكتب على من يطلبها بثمن أسمى يغري بطلبها.
ذلك هو مشروع مؤسسة الثقافة الشعبية التي تريد أن تنقل به الثقافة إلى الناس في بيوتهم وفي مقار أعمالهم والذي يشتغل الآن بوضع خططه الأستاذ علي عزت الأنصاري بك
المدير العام للمؤسسة.
إلى رفعت علي ماهر باشا
وأريد أن أسوق الحديث بعد ذلك عن الموضوع السابق إلى حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا رئيس الوزراء:
قرأنا ما أدليتم به إلى الصحف في الماضي من إنكم توجهون اهتماما كبيرا إلى مسألة التربية الشعبية، التي هي القاعدة الرئيسية للعمل المنتج والصالح لخير البلد وأهله، والتي تبعث في كل شخص روح الكبرياء القومي. . . إلى أن قلتم إنكم أصدرتم إلى محطة الإذاعة اللاسلكية المصرية تعليمات مشددة بأن تساهم بنصيب كبير في تربية الذوق السليم وإنماء الروح المعنوية القومية.
ليس هذا جديدا علينا منكم يا رفعة الباشا، فنحن نذكر جهودكم في إنماء الثقافة في مختلف العهود التي توليتم فيها الوزارة، نذكر من تلك الجهود ما قمتم به في سنة 937 - على ما أذكر - من تنظيم المسابقات للنشيد القومي، وللكتابة في موضوعات أدبية فكرية كرسالة الجامعة والأزهر وغيرهما في القرن العشرين.
فنحن إذن نعلم إنكم مؤمنون كل الإيمان بأثر الثقافة في التربية الشعبية، ولعلكم ترون الموضوع الذي عرضته قبل هذا، وخاصة ما تقترحه مؤسسة الثقافة الشعبية من إصدار كتب دورية يمكن اتخاذه وسيلة إلى التربية الشعبية التي توجهون إليها عنايتكم، فلا تكون المسألة قاصرة على الإذاعة، بل تتناول هذه المؤلفات التي تفكر المؤسسة بموضوعها، فتولونها عنايتكم وإرشادكم لكي تقوم بنصيبها في تحقيق هذا الغرض.
الإعداد للمؤتمر الثقافي الثالث
كان المؤتمر الثقافي العربي الثاني الذي انعقد بالإسكندرية في صيف سنة 950 - قد قرر أن تؤلف لجنة برئاسة معالي الدكتور طه حسين باشا. . . بصفته الشخصية. . . للإعداد للمؤتمر الثقافي العربي الثالث، وكان معاليه قد تحدث في ختام ذلك المؤتمر إلى الوفود العربية محييا لهم معتذراً من تقصير مصر في إكرامهم، معربا عن رغبته في أن يكون اجتماع المؤتمر الثالث بمصر أيضاً كي تستطيع أن تقوم بما ينبغي عليها نحو أبناء
الشقيقات.
ومنذ أسابيع أخذ معالي الدكتور طه حسين باسا في العمل وإعداد ما ينبغي لتنظيم المؤتمر الثالث، ثم استقالت الوزارة السالفة وجاءت الوزارة الحالية التي ولي فيها وزارة المعارف معالي الأستاذ محمد عبد الخالق حسونة باشا، فكتب إلى معالي الدكتور طه حسين باشا ليمضي في الإعداد للمؤتمر.
وأستأنف العميد العمل في هذا السبيل، فدعا اللجنة التي ألفت للإعداد للمؤتمر إلى الاجتماع، فاجتمعت يوم السبت بدار مجمع فؤاد الأول للغة العربية برآسة معاليه، وحضرها مندوبو مصر وباقي الدول العربية، وهم الأستاذ محمد سعيد العريان والدكتور سلمان حزين بك (عن مصر) والدكتور بديع شريف (عن العراق) والدكتور مدحت جمعة بك (عن المملكة الأردنية) والأستاذ مدحت فتفت (عن لبنان) والدكتور زكي المحاسني (عن سوريا) والسيد علي الآنسي (عن اليمن)، ولم يحضر مندوب المملكة العربية السعودية، ومثل الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية الأستاذان سعيد فهيم وعلي عبدة.
ونظرت اللجنة في الزمان والمكان الذي يجتمع فيهما المؤتمر، وتناول البحث الوقت الصالح لمجيء الوفود إلى مصر من حيث ملاءمة الجو، فتقرر أن ينعقد المؤتمر بدار الجمعية الجغرافية في القاهرة في الأسبوع الثالث من شهر ديسمبر سنة1952، وهو وقت ملائم من عدة وجوه، منها أنه أوان العمل والنشاط في المعاهد والهيئات الثقافية وغيرها، ويستطيع الضيوف أن يطلعوا على مختلف النواحي وتنظم لهم الرحلات إلى هنا وهناك فيطالعوا أوجه النشاط المختلفة في أحسن أحوالها.
ونظرت اللجنة بعد ذلك في الموضوعات التي قرر المؤتمر الثاني أن تكون موضع دراسة المؤتمر الثالث، وهي - بعد أن نظمتها وصفتها اللجنة الثقافية التي عقدت في الصيف الماضي بالإسكندرية: -
1 -
طبع التعليم في مختلف البلاد العربية بالطابع القومي الذي يقوم على خصائص الثقافة العربية وخير ما في الثقافات الغربية. وقد تقرر تكوين لجنة من الأستاذة سعيد العريان وبديع شريف ومدحت فتفت والملحق الثقافي بمفوضية المملكة الأردنية - لبحث مناهج التعليم والكتب الدراسية المقررة في الدول الأعضاء لمواد اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا
والتربية الوطنية لبيان مدى ملاءمتها لتحقيق الغرض من هذا الموضوع وهو طبع التعليم بالطابع القومي. . الخ، وبيان صلة ذلك بما قرر المؤتمر الثقافي العربي الأول من القدر المشترك الواجب تدريسه لكل تلميذ من تلاميذ البلاد العربية في هذه المواد. ولوحظ في أثناء بحث هذا الموضوع إن مصر في الوقت الحاضر بصدد وضع مناهج جديدة تطبيقا لقوانين التعليم الأخيرة، وفي ضوء ما يسفر عنه تقرير اللجنة بعد استيفاء وسائل الاتصال بوزارات المعارف يكون بحث المؤتمر في هذه المسألة.
2 -
تحقيق الوحدة اللغوية في المجتمع العربي حتى تصبح اللغة الفصحى لغة العلم والحياة معا، ورؤى أن هذا الموضوع يستحق أن يلقي فيه بعض الأعضاء بحثا يتتبع فيه مدى رقي الفصحى في البلاد العربية وتطورها تبعا لانتشار التعليم، مع القصد إلى بحث موضوع تيسير تعليم العربية في ضوء المشروع الذي أعده مجمع فؤاد الأول للغة العربية من نحو عشر سنوات لتيسير تعليم قواعد العربية.
3 -
نشر الثقافة بين الكبار. تألفت لجنة هذا الموضوع من الأساتذة سعيد العريان وبديع شريف وزكي المحاسني، واقترح معالي الرئيس أن ينظم إليها الأستاذ محمد فريد أبو حديد بك باعتبار تخصصه وتجربته في هذا الموضوع.
4 -
تعميم التعليم الأساسي كوسيلة من وسائل مكافحة الأمية وقد رؤى أرجاء النظر في هذا الموضوع إلى أن تتبين نتائج التجارب المختلفة التي تجريها فيه (اليونسكو) بمصر.
5 -
بحث موضوع الكتاب المدرسي: يدخل بعض هذا الموضوع في نطاق البحث الذي تقوم به اللجنة المؤلفة للموضوع الأول
6 -
النظر في مدى تنفيذ ما اتخذ في المؤتمرين السابقين من قرارات، وسيدلي كل وفد من وفود الدول الأعضاء بموقف وزارة المعارف في بلاده من هذه القرارات.
وستوالي اللجان التي ألفت لبحث بعض موضوعات المؤتمر اجتماعاتها على أن تفرغ من عملها قبل أول مايو القادم، ثم تجتمع اللجنة الإعدادية للنظر في أعمال اللجان الفرعية.
عباس خضر
الكتب
السنوسية دين ودولة
تأليف الدكتور محمد فؤاد شكري
للأستاذ محمد محمود زيتون
(درج الكتاب من الإفرنج على اعتبار السنوسية إحدى الطرائق الصوفية فحسب، وانبرى الطليان من سنوات مضت يعملون لتعزيز هذا الاعتقاد بكل الوسائل، يحدوهم إلى ذلك الأمل في صرف أذهان سواد الناس عن التفكير في أصول السنوسية الحقة والتسليم بأنه ما دامت السنوسية طريقة من الطرق الصوفية فهي بعيدة كل البعد عن العناية بغير شؤون الدين، بل ولا يحق لها أن تعمل لمطالب الحياة والدنيا، ووجه الخطر في هذا الاعتقاد - إذا رسخ في الأذهان - ظاهر واضح، ذلك بأنه يحرم السنوسية - كنتيجة منطقية في النهاية - من التطلع إلى الحكم وتشييد صرح الدولة الإسلامية العتيدة، تلك الدولة التي جاهد الليبيون سنوات طويلة من أجل إرساء قواعدها في ليبيا، ومع ذلك فقد فات الطليان ومن حذا حذوهم أن الإسلام لا يعرف تفرقة بين شؤون الدين والدنيا، ولا يفصل بين العقيدة والدولة. وما كانت السنوسية في أدوار تاريخها الحافل (طريقة) تقصر اهتمامها على شؤون العبادة من غير نظر في أحوال الشعوب التي أخذ (الإخوان) السنوسيون على عاتقهم إرشادها حتى تتحرر من قيود الجهالة وتنعم بهدى المعرفة).
بهذه الفقرة يفتتح المؤلف تصديره لكتابه الذي نقدمه للقراء في هذه الفترة التي تلفت الأنظار إلى المملكة الليبية الناهضة كثمرة الدعوة السنوسية في هذا القطر الشقيق.
وتقديم هذا الكتاب إنما هو تعريف بتاريخ النضال الذي اضطلع به هذا الشعب المسلم المجاهد الذي طرح عن كاهله نير العبودية في قوة وجلد، فما أوهنت عزائمه تقلبات العثمانيين، ولا فتت من أعضاده فضائح الطليان ودسائس الألمان ومخازي الفرنسيين والإنجليز.
وثمة ميزة أخرى لتقديم هذا السفر للقارئين في هذا الوقت: ألا وهي التنويه بحلقة من سلسلة الجهاد في سبيل (الجامعة الإسلامية) التي شغلت ولا تزال تشغل قادة الفكر
الإسلامي في العصر الحديث، وانطوت صحائف، وما يزال هؤلاء القادة في مكان الصدارة من التاريخ المجيد، فضلا عن اعتزاز بلادهم بمآثرهم الإسلامية التي لا تنسى.
أما ليبيا التي نعتز اليوم بنهضتها فإنها خضبت تراب بلادها بدماء الشهداء لا من أهلها فحسب؛ بل من المتطوعين من شتى الأقطار الإسلامية، كما أن كثيرا من المصريين بصفة خاصة كان لهم سهم وافر في هذا الجهاد الصادق، وما يزال الليبيون على ذكر من الأعمال التي قام بها عبد الرحمن عزام، وصالح حرب، وعزيز المصري، وعبد المنصف محمود، والمرحوم محمود لبيب، الذين خاضوا غمار المعارك الدموية، مؤمنين باليقظة الإسلامية، والوحدة العربية، والحرية والاستقلال، تحت ظلال السيوف، كما أن الأمير عمر طوسون - عليه رحمة الله - كان جم النشاط في جمع المال اللازم لحركة الجيران المناضلين عن دينهم وشرف الوطن.
والدعوة السنوسية امتداد مستقيم للدعوة المحمدية التي جوهرها تنوير الأذهان وتحرير الأوطان، وقد اقتضت الظروف التي حاقت بالدول الإسلامية في القرن الماضي يقظة فكرية شاملة، ترسم أصحابها خطى النبي المصلح، فلما صدق العزم، تبين الرشد من الغي، واتضحت السبل والأساليب، ذلك بأن الإسلام مصحف ومنبر، سيف وكتاب، عبادة وقيادة، عقيدة وشريعة، رهبانية وإرهاب، وبالجملة دين ودولة، لهذا كانت السنوسية طريقة ودعوة وغزوة، وما زالت تمضي في سبيلها المرسوم من نظام اجتماعي إلى جمهورية فإمارة ثم ملكية.
ولد زعيم السنوسية الأول السيد محمد بن علي السنوسي بالجزائر سنة 1787ونشأ في بيئة علم وفضل، وتنقل في الأقطار الإسلامية مقتبسا من مناهل العلماء مناقشا وفاحصا وقد صقل التصوف من عنفوان شبابه ولكنه لم يحد من نزعته الصادقة إلى (إحياء الملة الإسلامية وتوحيد الصفوف في العالم الإسلامي للنهوض بالدين الحنيف نهضة صحيحة قوية) وأخذ يتزود من العلم ويمنحه للطالبين في يسر ومضاء حتى ذاع صيته وأوجست منه خيفة شتى العناصر الجامدة في فاس والقاهرة وصار (خطرا على الأمن العام) وألصقت به التهمة المأثورة (محاولة قلب نظام الحكم) فأصابه أذى كبير من الولاة والمشايخ، وبانتقال الداعية الإسلامي الكبير إلى برقة بدأ (الإخوان) ينشئون الزوايا بمثابة
المركز العام لهذا النشاط الذي دوخ الاستعمار.
على أن السنوسية لم تكن دعوة لتطهير الدين من البدع والخرافات فحسب، بل تعدت هذا النطاق إلى تحرير الرقيق من أهل (واداي) فكان سلطانها محمد شريف يشتري هؤلاء الأرقاء ويعلمهم في الزوايا ثم يعتقهم ويبعث بهم إلى أهليهم لينشروا الإسلام في الزنوج والوثنيين.
وليبيا الواقعة حينذاك في نطاق الخلافة العثمانية لم تنس حقيقة هذا الدين المتين فتمسكت بأهدابه، وعندئذ رأى العثمانيون في السنوسية عاملا من عوامل الدعاية لهم، فاستعانوا بالسنوسي الكبير على بث روح الألفة بين الناس، ونشر السلام بين ربوع البلاد، وسار ولاتهم في ركابه كلما انتقل في البلاد إلا أنهم ما لبثوا أن قلبوا له ظهر المجن عندما بدأت السلطات العثمانية (تخشى من سلطان السيد في الجهات التي أنشئت فيها الزوايا وكثر بها الإخوان والأتباع والمريدون) وعملوا على زعزعة مكانته في نظر المسلمين حتى ناهضته العناصر الرجعية بالأزهر، فلم يثنها ذلك عن المضي قدما.
ولما توفي السنوسي الكبير سنة 1859انتقت الإمارة إلى ولده المهدي الذي أخذ على عاتقه إتمام ما بدأه أبوه فزاد عدد الزوايا وتوغل في الصحراء الكبرى، وأوجد بها مراكز لتعليم الرماية، فاتهمته فرنسا وتركيا وإيطاليا بتعطيل مصالح الاستعمار والتعصب ضد المسيحية واغتيال المكتشفين للصحاري. وتوفي المهدي في أول يونيو سنة 1902وخلفه الشاب السيد أحمد الشريف حفيد السنوسي الكبير فواصل الجهاد ضد الفرنسيين وصمد لهم على الرغم من تخلي العثمانيين عنه حتى أسلم القيادة إلى ابن أخيه الراشد إدريس.
وفي سبتمبر سنة 1911قطعت إيطاليا علاقتها بتركيا، فأغار الطليان على برقة وطرابلس. فبدأت السنوسية صفحة عريضة من نضالها الشعبي الذي دام ثلاثين عاما، وتحققت الجامعة الإسلامية بصفة عملية في تدفق المؤن والذخائر والمال والرجال على ليبيا من مصر والسودان والعراق والشام وتركيا، وقام صالح حرب بدور جريء إذ انقلب على الإنجليز ودافع عن مقدسات الشعب الليبي، كما أبلى البطل الشهيد عمر المختار أحسن البلاء حتى وقع أسيرا في أيدي الطليان الذين حاكموه صوريا وأعدموه رميا بالرصاص.
وما إن اندلعت شرارة الحرب العالمية الثانية حتى تقدم الجيش (الإنجلو نوسي) لطرد
الألمان والطليان من ليبيا وتأمين الجناح الأيسر لمصر، وقد سجل الأمير إدريس السنوسي في هذه الخطوة لنفسه ولبلاده شرف المجاهد والسياسي العامل على تحقيق استقلال بلاده.
وإذ وضعت الحرب أوزارها دأب السنوسي على ضم الصفوف فبويع بالإمارة على الأقطار الليبية: برقة وطرابلس وفزان، حتى نودي به ملكا على مملكة مستقلة لم يكف عزام عن سرد قضيتها على الرأي العام والسعي في انضمامها إلى هيئة الأمم المتحدة وبالتالي إلى جاراتها أعضاء جامعة الدول العربية.
هذه هي قصة السنوسية كما عرضها الدكتور محمد فؤاد شكري في كتابه القيم (السنوسية دين ودولة) الذي بذل فيه جهودا جبارة في سبيل التحقيق العلمي، فجاء عمله مثلا طيبا للمنهج التاريخي الذي وضع دعائمه الأولي ابن خلدون. فقد تجنب السرد المضل. وعمد إلى التحليل والاستقراء، وليس أدل على ذلك من فصل (الإمارة السنوسية) الذي خصصه لتفصيل دعائم هذه الدعوة وهي أصول دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية.
ومما يجدر بنا الإشارة إليه - كآخر أصل سياسي للإمارة السنوسية - (تلك الوصية التي تركها السيد رحمه الله بإسناد رئاسة الطريقة السنوسية إلى الأكبر الأرشد من الأسرة السنوسية. ثم نظامك البيعة) وما نعلم مطلقا أن للبيعة في الإسلام كتلك المراسيم التي ننكرها على الطقوسيين، فهل من الإسلام أن البيعة تستتبع تقليد المبايع سيفا ومنحه كتابا وإلباسه جردا، وإعطاءه مسبحة، وإقامة صلاة ومصافحة (فكانت هذه الصلاة وهذه المصافحة بمثابة المبايعة له بالإمارة من بعده؛ وأجمع الإخوان وكبار السنوسية وشيوخها على قبول هذه الإمارة في حياة والده ثم بعد وفاته، وعلى ذلك فكأنما جمعت السنوسية في نظام الحكم بين مبدأ الوراثة والصلبية والعمل بمبدأ الشورى وحققت في هذا النظام بعض شروط الإمارة). وينزع المؤلف إلى منطق التبرير الذي نراه يباعد بينه وبين منطقه المنهجي إذ يقول (ومن المعروف أن الشورى كانت ركنا من أركانها، والواقع أنه لم يكن هناك مناص من هذه (البيعة) الإسلامية باعتبارها أصلا من الأصول التي قام عليها (بيت) شريف ينتهي في نسبه القرشي إلى الرسول الكريم). . . كذا. .
هذا ولا ننكر على المؤلف هذه الطاقة العلمية التي جعلته - في سبيل التحقيق والتحليل - يعتمد على أوثق المصادر، ولا سيما الإيطالية بعد أن ترجمها له أصدقاؤه من الليبيين
أنفسهم فذللوا أمامه كل عسير، ثم هو يعتمد على رواية المعاصرين ممن أسهموا في النهضة الليبية بأوفر سهم، وصدق الشاعر (فما راء كمن سمعا). والكتاب من منشورات دار الفكر العربي، تلك الدار التي لا تفتأ تزود المكتبة العربية بالمؤلفات القيمة، وترمي دواما إلى هدف رفيع، وغاية نبيلة، خدمة للقضايا العربية والإسلامية متخير لذلك العقول الكبيرة والأقلام الرفيعة، فصدر الكتاب في 424صفحة من القطع الكبير والطبع الأنيق وثمنه خمسون قرشا.
وإنه ليحق لكل درس قومي أن يفخر باقتناء هذا السفر، وإلى مثل هذا الجهاد التأليفي ندعو الباحثين في قومياتنا ونهضاتنا آملين الظفر - في آخر الأمر - بمؤلفات عريقة، ودراسات دقيقة كهذا الكتاب
محمد محمود زيتون
توجيهات نبوية
تأليف الأستاذ عبد المتعال الصعيدي
للسيدة وداد سكاكيني
كانت هذه التوجيهات آخر ما نشر الأستاذ الجليل عبد المتعال الصعيدي من علماء الأزهر المجددين وقد ضمنها أربعين حديثا محمديا صحيحة السند موثوقة المتن والنقل، اختارها المؤلف ملائمة لروح العصر وتوجيه أهله في الدين والعلم والاجتماع. ولعلنا أحوج ما نكون في محنة الأيام إلى هذا التوجيه المحمدي الذي دعا إليه الرسول أو قام به ليكون قدوة تحتذي وسنة تتبع، ففي كل عصر من العصور غمرة فساد وموجة طغيان ينهض لصد شرها ودرء عواقبها أهل الصلاح والإصلاح ممن آتاهم الله علما وفضلا.
وهل كان شيء أجدى على الإنسانية الحيرى وأهدى في ردها إلى سواء السبيل من أحاديث الرسول وتوجيهاته التي كان يبصر بها الناس ويقيهم الانحراف والعثار، وقد جعلها لهم دستورا رافدا لتعاليم القرآن ونيرا للأمم في حياتها الاجتماعية ولقد قسم المؤلف هذه الأحاديث الأربعين إلى فصول صغار شرح فيها الكلمات شرحا لغويا وإعرابيا، ثم بسط الغاية منها بسطا وافيا، فكأنه يلقيها من على منبره في كلية الأزهر التي أسندت إليه
تدريس الحديث في جملة عمله الجامعي.
والأستاذ الصعيدي ذو دأب وتجديد في التأليف بالأدب والدين، لا لطلابه فحسب، بل لجمهور المثقفين بمصر وبلاد العرب، فهو إذا عرض دراساته إليها لم نجد كفايته وإتقانه مقصورين على هذه الدراسة، إذ نراهما يتناولان جذور البحوث الدينية فتجيء مشبعة بالتحليل والاستقراء.
ففي كتابه توجيهات نبوية أو محمدية يبلغ المدى في فهم الحديث على الوجه الذي فهمه الصحابة فيه، ويقرر خلال الدرس والبحث نواحي المقارنة والمطابقة دون استطراد ينحرف بالقارئ أو تفصيل يضيق به كما اتفق لكثير من الشروح الدينية في زماننا. وأطرف ما وجدت في هذه الأحاديث تحليل المؤلف لحديث النهي عن سبب الدهر، ولعل الدهر لم يتحمل سبايا مثلما تحمل في زماننا، فالأفراد يلومونه ويرمونه بالجور والعدوان، والجماعات تعزو إليه أسباب الفشل في الحياة، ولو جمعنا شعر العرب من امرئ أتقيس إلى شوقي لأتينا على شعر لا يحصى في سب الدهر وملامته، ناهيك ما عند المعري من ذلك.
والنادرة الجميلة في هذا الحديث - إن صح أن يكون في الأحاديث نوادر - ما أورده المؤلف حفظه الله من تعليل لهذا الحديث وهو حث الإنسان على الرضى بما يصيبه في الدهر وعلى عدم الشكوى فيه من الدهر.
وقد علل وجود الشكوى باعثا على اليأس، نعم إننا قد نيأس لأن اليأس مخلوق في غرائزنا وشعورنا، فالطفل الرضيع يمارس اليأس دون فكر، والكبير يمارسه بفكر أو بفلسفة، ولا مناص منه للإنسان ليجد الرجاء ويفتح باب الأمل بمحاربة القنوط، غير أن العلة في النهي عن سب الدهر كالعلة في النهي عن اليأس. ولليأس درجات أنكرها وأقصاها ما نهى عنه القرآن.
كذلك نجد في هذه التوجيهات المحمدية ضروبا من الأحاديث الملائمة لعصرنا وأهله، فيها أدب وثقافة، وفيها هداية ووقاية، وقد فقد المؤلف باختيارها وشرحها إذ وضعها في قنديله، فشعت بنورها الجميل.
وداد سكاكيني
البريد الأدبي
بريد الرسالة الأدبي:
تنظر طائفة من الناس إلى (البريد الأدبي) للرسالة على أنه هامش لا يجدر بهذا الاحتفال الذي يتمثل في التعقيبات المختلفة ما بين نحوية وصرفية ولغوية إلى تصحيح رأي، ونقد فكرة، والواقع الذي لا مرية فيه أنه باب حافل خليق بكل عناية، فأقل ما يقال عنه أنه حرب على الأخطاء الشائعة التي يخشى منها ومن مثيلاتها على اللغة العربية الفصحى التي نسعى جاهدين في صيانتها والحفاظ عليها، ولا أعتقد أن واحدا من المعقبين يقصد إلى التشهير بالمخطئ، أو الزراية باللاحن، ولا تعنيه (زبدة البحث وعصارة المقال) بمقدار ما يستهويه تسقط اللحن، وتعقب الأخطاء.
الرسالة مدرسة خالدة رصدت نفسها منذ نشأتها إلى الذود عن لغتنا الحبيبة، والدفاع عنها في شتى النواحي والأبحاث. واللغة العربية في محيطها مجموعة من الألفاظ السلمية القويمة، ونحن نريد أن نقيم الحواجز بينها وبين الدخيل الذي يحسب منها وهو شوكة في جنبها، لا يفتأ يخزها في مقال الكاتب، وخطبة الخطيب، وعلى لسان المتحدث. وإن تعجب فعجب أن نرى الأستاذ المنيفي في العدد (971) من الرسالة يخذل عن هذه المهمة، لأن تصويب الأخطاء الشائعة الشائهة (كما يقول)(عسير الهضم على أفكار الأدباء والكتاب، لأن الكلمة قد أخذت مدلولها بين المتكلمين، بيد أن تصحيحها لا يضفي عليها معنى جديدا، أو زيادة مستحدثة). وأعتقد أن عسر الهضم، ومشقة الإساغة وضيق الصدر، كل أولئك يهون في سبيل الحرص على سلامة اللغة وصونها من العبث. كان أولى أن يحمد للباحثين في المعاجم صنعهم، فهم يقدمون له ولغيره البيان الشافي فيما يرتاب فيه، وليس ضئيلا أن يضيف إلى معلوماته في كل عدد طائفة أخرى من الألفاظ المنخولة المنقاة. . إننا نخشى أن تفتح الثغرة للدعي من الكلمات، فلا يحجزه إلا أن يبارك الله (البريد الأدبي) وينسأ في أجل (الرسالة) الحبيبة، ويزايل الغضب من النقد البريء صدور الناس، فلا يضيق كاتب بتوجيه، ولا ينكل قارئ عن بيان، ولا يستنكف أستاذ عن تعلم، وتلك هي أهداف الرسالة التي تجمع على الحق قلوب الأدباء، وتشيد على المحبة صرح المجتمع، وتدفع في صراحة وقوة عن مجد العروبة.
محمد محمد الأبشبهي
اعتذار وشكر:
نشر بالعدد الماضي تحيتان للرسالة بمناسبة عامها الجديد إحداهما من الحجاز والأخرى من العراق وقد اشتملتا على قدر عظيم من جميل الرأي وحسن الظن في الرسالة وصاحبها. وقد لعودنا في الماضي الطويل ألا ننشر شيئا مما يشبه ذلك. ولو أننا سنناه لكان من موجبات الذوق أن ننشر عشرات الرسائل التي تفضل بها علينا كرام القراء في هذا الموضوع. لذلك نعتذر من نشر ما نشر ومن طي ما لم ينشر، شاكرين للسادة الكتاب والشعراء حسن تقديرهم وفضل تشجيعهم.
لمن هذا الشعر
جاء في (نديم الخلفاء) من سلسلة اقرأ الصادر في فبراير سنة 1952للأستاذ عبد الستار أحمد فراج قوله: شرب الحسين ابن الضحاك يوما عند إبراهيم بن المهدي فجرت بينهما ملاحاة في أمر الدين والمذهب فدعا له إبراهيم بن المهدي بنطع وسيف وقد أخذ منه الشراب فأنصرف وهو غضبان فكتب إليه إبراهيم يعتذر ويسأله أن يجيئه فكتب إليه الحسن: -
نديمي غير منسوب
…
إلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشر
…
ب فعل الضيف بالضيف
فلما دارت الكأس
…
دعا بالنطع والسيف
كذا من يشرب الخمر
…
مع التنين في الصيف
وأقول: قد قرأت كثيرا في كتب التصوف وفيها هذه الأبيات بنصها منسوبة إلى الحسين بن منصور الحلاج الصوفي الشهير، وفي ترجمته في الطبقات الكبرى للإمام الشعراني: -
قال أبو العباس الرازي كان أخي خادما للحسين بن منصور قال فسمعته يقول لما كان الليلة التي وعد من الغد بقتله قلت يا سيدي أوصني قال: عليك بنفسك إن لم تشغلها شغلتك. . . فلما كان من الند وأخرج للقتل قال: حسب الواحد إفراد الواحد له ثم خرج يتبختر في قيده يقول:
نديمي غير منسوب
…
إلى شيء من الحيف
ثم قال: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق) ثم ما نطق بعد ذلك بشيء حتى فعل به ما فعل!
تباين عجيب وفرق شاسع بين صاحب همزية في وصف الخمر وهذا العالم الرباني الفريد.
وإلى أن يبين لنا الأستاذ عبد الستار فراج مرجع روايته نرجى الكلام في هذا الموضوع.
محمد منصور خضر
استفهام
في العدد الممتاز من الرسالة (966) لسنتها العشرين، وفي مقال الأستاذ عبد القادر المغربي (من مشاهد الهجرة ما فيه روعة وعبرة) وفي الصفحة التاسعة، وفي السطر الخامس والعشرين من العمود الأول. يذكر لنا فضيلة الأستاذ الجليل أن سن الرسول كان عند دخوله المدينة المنورة نحو الخمسين. إذ يقول (فإذا لحيته الشريفة سوداء ليس فيها شيب. مع أنه أكبر من أبي بكر بثلاث سنوات وكان النبي في نحو الخمسين من عمره).
وأنا أعلم أن الكثرة الساحقة من الرايات تنص على أن الوحي تنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، وسنه أربعون، وأنه أسر بالدعوة ثلاثا، وجهر بها في مكة عشرا ثم هاجر بعد ذلك، فما الحكمة في أن يذهب الأستاذ الجليل في مقاله الرائع القيم هذا المذهب؟
عبد الحافظ عبد المجيد كسبة
القصص
انتقام الأميرال
للقصصي الفرنسي أرنست دوويه
كان القصر العتيق يجثم كالحصن الجبار فوق صخرة عظيمة هائلة على سيف البحر. وكانت الشمس حينذاك تضيف للغروب وتنحدر رويدا من شارف السماء، إلى ما بين الأفق والماء. وقد سالت حولها أباطح الدم، وارتسم على جبينها الكلال والابن. ويشرف القصر أيضاً على الطرق الممتد إلى (برست) وعلى قارعة هذا الطريق تقع الميناء وقد أطلت من وزرائها سواري السفن ومداخنها مصبوغة بألوان الشفق الزاهي الجميل. . . ومن نوافذ القصر الضيقة بان البحر كأنه بساط من سندس وإستبرق تجري عليه السفن بقلاعها التي يهددها نسيم الأصيل فتتموج، وتداعبها الرياح الخفيفة فتترجرج. . . وتعلو من القصر المنيف قباب وأبراج شامخة في الفضاء تتحدى الزوابع العاتية والعواصف الهوجاء. . وتحف أغصان الأشجار اللفاء الوارقة بجدران تحركها الرياح العواتي فتبدو كضفائر جافة خشنة لطيف امرأة تضرب فزعا في الليل المدلهم. . . وعندما غسق الليل وأجن الكون في مسوحه الطاخي الأسحم، أترعت السماء سحاب ثقال منشئات تحركها العواصف الهوج في شدة وعنف. وعب عباب الرياح فهاجت الأمواج الصاخبة المزبدة فراحت تصطدم بصخرة القصر الهائلة وتنحسر عنها فيسمع لها زئير كزئير الأسد وهزيم كهزيم الرعد.
في تلك الأثناء كان الأميرال المركيز (دي بك هيلوين) جالسا إلى عضد صغير وضع عليه بضع رسائل عفى على لونها الزمن فاصفر وخال، وبضع زهور ذاوية ونوط قلادة وشريط من الحرير الأزرق، وبجوار هذه الأشياء صندوق صغير مفتوح من خشب الأبنوس المطعم بالعاج، كان ولا ريب يضم تلك الآثار الغرامية المتناثرة على النضد وتجلت إمارات الحزن على وجه الأميرال بينا لمعت عيناه فجأة ببريق الغضب المسحور.
وكان الأميرال رجلا رقيق البدن واهن العظم له وجه مغضن بارز العضام، وعينان غائرتان قد أنطفأ فيهما التألق والبريق، ويدان معروقتان عاريتا الأشاجع. وعلى الجملة كان بدنه المنهوك قد ذبل بفعل المرض الذي يفتك به فتكا ذريعا. ولقد فقد أميرال البحر العظيم قوة العزم التي كانت تسبح ثائرة في دمعه وتشع من عينيه، وخفت فيه ذلك الصوت
الجهوري المليء الذي كان يمزق العواصف ويطغي عليها. ولم تبق فيه ذرة من القوة التي طالما أعجب بها رجال أسطوله وبحارته من قبل. وأبت الجرأة والبسالة أن تسكنا ذلك الجسم المهدم الفاني ففارقتاه بعد إذ كانتا تفوران فيه فورانا حينما كان يزخر بقوة الشباب ويموج بفتوة الرجولة واشتد به السقام حتى صيره هزيلا ناحلا. ولم يبق عليه المرض الجاثم فوق صدره ألا ليعالج هذه الجريمة النكراء التي اكتشف الآن فقط دليلها الحاسم، وليرى مدى قدرته على الثأر وهو من الموت قاب قوسين أو أدنى.
لقد تسلم صباح اليوم رسالة من (نيس) حيث أعتاد أن يقضي فصل الشتاء من كل سنة، يقول فيها كاتبها:(لقد خلت أربع عشرة سنة وزوجك ممعنة في خيانتك، دائبة على العبث بشرفك؛ ولعلك وحدك الشخص الذي لا يعلم شيئا عن علاقتها الآثمة بمساعدك السابق الكابتن (فوشيرون). وإذا أردت على ما أقول شاهدا ودليلا فاذهب إلى مخدع المركيزة، فهناك من ناحية رأس السرير ترى تحت إحدى الصور المعلقة خزانة في الحائط، بها صندوق صغير. افتح هذا الصندوق واقرأ ما فيه، فستنقشع الغشاوة عن عينيك، وتتبين بوضوح ما غاب عن بصيرتك كل تلك السنين المواضي).
وعزا المركيز هذه السعاية إلى خادم مطرود. لذلك قضى سريعا على ما أثاره الخطاب في نفسه من شكوك وأوهام، وفرك الرسالة في يمناه وهم بتمزيقها لولا أن حاك الشك في صدره فأرجع الكتاب يتلوه مرة أخرى. . . وللمرة الأولى في كل حياته مع زوجته تساوره الظنون والريب. وتحامل على نفسه وغادر مضجعه، ثم راح يجر نفسه جرا، وفي الحرز المعين في الكتاب ألفى أدلة الاتهام السود.
وراح يتمثل ويعجب كيف مرت عليه هذه السنون الطوال وهو غارق في لجج هذا الوحل دون أن يدري. . . ها هو ذا يمضي إلى مثواه الأخير تكتنفه قرائن الجريمة الدنسة التي اكتشفها اليوم فقط هازئة ساخرة. . . فكيف إذن يتسنى له الثأر لنفسه من هذين المجرمين قبل أن ينطفئ سراج حياته الخافت الضئيل.
يا للخيانة والغدر! أزوجه الذي شملها بحبه ووهب لها كل قلبه؟! ومرؤوسه الذي أمطره بوابل من عنايته، وغمره بفيض من صداقته. . يا للعار ويا لدرن! أنسى هذا السافل الخؤون، هذا الجاحد الكنود. . . أنسى كيف كان يرعاه كابنه وزيادة؟ وهذه الشقية زوجه؟
لا نكران أنه اقترن بها والفرق بين عمريهما جد كبير. إذ كانت في العشرين وهو في الخمسين. . . بيد أنه ليس ثمة من ينكر أيضاً أنه انتشلها من وهدات اليتم والمسبغة، وأضفى عليها لقبه المجيد التالد وقلبها في ثرائه الواسع وضمن لها الحماية والرعاية في حياته، وسيخلع عليها من تراثه درعا يقيها من بعده عدوان الناس وغدرات الزمن. أبدا. . ما أرغمها امرؤ على الزواج منه، بل كان هذا على اختيار منها ورغبة. . . ولم يكن يوما ليني عن تلبية رغبة لها مهما صعبت وشقت. فالصيف في الريف الجميل الساحر، والشتاء في أرفع فنادق باريس الفواخر. أو إذا شاءت في قصره العظيم في (نيس). في كل حفل كانت تبدو زينة الأتراب والصواحب، وفي كل جمع كان يعلو بها اسم زوجها إلى أرفع مكان وأسمى منزلة بين سائر الفتيات والعقائل. وبينا كان يثق في وفائها وإخلاصها ويعجب بجمالها وفتنتها ويتيه لسحرها وأنوثتها، إذا هي تخونه وهو لا يدري.
لقد خدم بلاده أربعين سنة سويا. حارب في أفريقيا وفي المكسيك، وحاز أرفع القلائد والأوسمة، وجلب المجد والفخار لأبنه. . . ثم ماذا بعد كل تلك الحياة الحافلة بجلائل الأعمال وطيب المآثر؟ عار تجلبه عليه هذه المخلوقة الشقية وهو من الموت على شفا جرف هار.
وليت الأمر قاصر على هذا فحسب، بل جرته إلى شك مظلم يتخبط فيه حتى ليكاد يذهب عقله فيمضي إلى رمسه مخبولا. ابنه (باتريك) زهرة آماله وعمره الثاني. . . ابنه هو، أم ابن غريمه فوشيرون؟ باتريك. لقد شب ونما في قصره العتيد حيث تقضي أمه كل شتاء وحيث كان يذهب هو ليعانقه ويتملى من رؤيته. أنه يبدو قويا كغصن شامخ فتي، ويتجلى الزهو والكبرياء في نظراته، ويبدو الصلف والخيلاء في لفتته، وتنطلق ملامح وجهه بقوة العزم وشدة المراس. يا له من إله صغير من آلهة القوة والجمال! خير خلف لأشرف سلف. ومما زاد الرجل تعلقا بابنه وحبا له أنه ورث عنه قوة العزم وصلابة الرأي وثبات الجنان.
والآن تقضي هذه الجريمة التي اقترفتها زوجه على كل تلك الذكريات السامية حول ابنه وذلك الإعجاب الذي يجنه الرجل لوحيده.
وأمسك الرجل التعس رأسه الثائر بين كفيه كأنه يمنعه من الانفجار، وسرت حمى الغضب في دمه فغمغم وهو في تلك الحال من اليأس والضعف والمرض.
- سأنتقم لنفسي. . . سوف أثأر لشرفي. . .
ولكن كيف؟ أيقتل ذينك اللذين لوثا اسمه ولطخا شرفه وكيف السبيل إليهما وهذه الفراسخ العديدة تفصلهما عنه، فلا هو بمستطيع أن يبلغهما، ولا هما ببالغيه قبل أن يموت. . . وأوغل في سبل الانتقام الكثيرة المتشعبة. . . وأغطش الليل ولما يهتد فكره إلى سبيل يبلغه طيته فيشفي غليله. . . واستلقى على الفراش بقلب ممزق وأضلع تكتنز نارا تكاد تأتي على بقايا جسمه المحطم.
وعندما انصدع عامود الفجر أقبل طبيب الطوافة (العتيد) التي اعتلاها علم الأميرال طويلا، ليعود رئيسه العليل؛ وذعر لدى رؤيته وجه رئيسه الشاحب الممتقع، ودهش لتقدم المرض السريع في يوم وليلة. . . ونم وجهه عن ذعره ودهشته فقال الأميرال:
- قل إني انتهيت يا دكتور.
لم يضع الأمل بعد يا سيدي. . . إنك في حال سيئة ولكن. . .
- لا تراوغني. لقد صمدت للموت مرارا، ولا أود أن يأخذني هذه المرة على حين غرة. قل الحق إني آمرك. . .
فظل الطبيب صامتا لا ينبس دقيقتين قال بعدهما:
- سيختارك الله هذا المساء على الأكثر يا سيدي إن لم تحدث معجزة وتلقى الأميرال الصدمة بكل ثبات. . . قال:
- حسن. . . وستعودني طبعا مرة أخرى. . . أليس كذلك؟
- بالتأكيد يا سيدي الأميرال. ألا تحب أن تخطر سيدتي المركيزة؟
- وأي جدوى في ذلك وهي في نيس. ثم إني لا أود أن أحملها الحزن فجأة. إنها تعلم أني مريض، وستعرف على كل حال أنها ترملت، ولكن يجب أن يكون هذا بعد أن أموت.
فانسحب الطبيب
وقابله باتريك لدى الباب فقال له:
كيف أبي؟
فلم ينبس الطبيب بل أجابت عنه عيناه، فأسرع الصبي نحو أبيه بقلب جزوع. فنهض الأميرال بجهد جهيد على مرفقه وقال:
- أدن مني يا بني. إن لي حديثا معك. . . إنك في الثانية عشرة من عمرك يا باتريك، ولكني مضطر أن أحدثك كما أحدث رجلا.
ولم يأخذ منهما الحديث طويلا. ولكن حينما انتهى ومضت عينا الصبي ببريق من نار، وتثلج بدنه حتى كأنما انتقلت برودة الاحتضار من بدن أبيه إلى بدنه. وفي أثناء هذا الوقت القصير انتقل فجأة من طور الطفولة إلى طور الرجولة، وما تحمل من متاعب وأعباء.
وفي السنة التي تلت ذلك، أي بعد موت الأميرال بعشرة أشهر أو تقل راح الناس يلغطون بقرب زواج أرملته من الشاب الوسيم القسيم فوشيرون. تناقلوا ذلك فيما بينهم في غمز ولمز كأنما كان ذلك عين ما يتوقعون. ويبدو أن العاشقين قد آثرا بعد علاقتهما الدنسة الآثمة أن يرتبطا بعلاقة يقرها العرف والدين.
ووصل الكابتن فوشيرون ذات صباح إلى القصر العتيد حيث تنتظره المركيزة مع ابنها بعد إذ قضى زوجها نحبه.
وعندما متع النهار وارتفعت الشمس دخل باتريك على أمه يحمل من الأعباء ما ينوه به عمره الصغير. قال لها:
- أحقا أنك تعدين العدة للزواج من الكابتن فوشيرون يا أماه؟
فأجابته بصوت مضطرب.
- من أبلغك هذا؟
لم ينبس الغلام. فاستطردت المرأة
- على كل يجب ألا يستجوب الغلام أمه.
- إني لا أقبل مهما يكن الأمر أن يشغل الكابتن فوشيرون مكان أبي.
لا تقبل! ماذا تقصد بهذا الهراء؟ ثم أشارت إلى الباب ماضية واستأنفت.
- أخرج من هنا حالا يا سيدي.
فانصرف من لدنها إلى غرفته، ثم غادرها بعد بضع دقائق إلى غرفة فوشيرون واقتحمها دون استئذان واضعا إحدى يديه فغي جيب بنطلونه.
وكان فوشيرون يحلق لحيته أمام مرآة، فاستدار نحو باتريك وقال:!
- إن اللياقة تقضي بدق الباب قبل الدخول.
أنه بيتي يا سيدي، ومن حقي أن أدخل أية غرفة فيه بدون دق ولا استئذان، ثم أن لي حديثا معك.
- لك حديث معي؟ تكلم
- إني أعلم سبب وجودك هنا. وإن ما تبغيه لا يمكن أن يتم. ويجب أن ترحل الليلة على ألا تعود أبدا. إنني أمنعك من الزواج بأمي.
- إنك مجنون ولا ريب أيها الطفل.
- من الخير لك أن تطيعني.
- فشحب وجه فوشيرون من شدة الغضب. وومضت عيناه من فرط الغيظ. وقال:
- أخرج أيها الغرير وإلا عركت أذنيك. واتجه نحو باتريك رافعا يده فتراجع الغلام عنه ثمة وأخرج من جيبه شيئا كان يخفيه، مسدسا ورفع به يده. ضغط الزناد، فأنطلق.
فأنشق صدر فوشيرون عن صرخة هائلة دوت في سكون القصر العميق. وترنح ثم سقط جثة هامدة وقد اخترقت الرصاصة جبينه. . .
وأقبلت الماركيزة على عجل ورأت كل شيء. . . ثم صرخت تقول بعد أن ألقت بنفسها على ابنها وجردته منة سلاحه.
- ماذا فعلت أيها الشقي؟
وتركها باتريك تأخذ منه السلاح ثم قال: وقد رآها ترتمي على الجثة تبكيها وتندبها!
- لقد أنبأني أبي قبيل وفاته أن هذا الرجل عدو لي وعدو لك، وأوصاني بحمايتك من شره وغدره حتى ولو أدت الحال إلى قتله. وقد نفذت وصية أبي.
ثم أشيع بين الناس أن الكابتن قوشيرون مات منتحرا
م. ع