الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 993
- بتاريخ: 14 - 07 - 1952
إلى النائمين في العالم الإسلامي
للأستاذ سيد قطب
نحن في مصر مشغولون لا نفيق، ليس لدينا وقت للتفكير فيما يدبره لنا اليهود بمعاونة العالم الصليبي. نحن مشغولون بالانقلابات الوزارية، مشغولون كذلك بالانتخابات: هل تكون بالقائمة أم بالوزن أم بالكيل؟ مشغولون بحكاية الاستثناءات، هل ترد لأصحابها أم لا ترد؟ ومن منهم ترد إليه استثناءاته ويزاد، ومن منهم يؤخذ منه ما معه. .
وهي أمور - كما - من الأهمية بحيث لا تترك وقتاً ولا جهداً للتفكير في أي شيء آخر
وفي هذا الوقت تقترب إسرائيل يوما بعد يوم من حدود سينا المصرية، المصرية اسماً وان كانت مصر لا تعرف عنها شيئاً، لأن السياسة اليهودية الإنجليزية عزلتها عن مصر طوال فترة الاحتلال، ولم يكن هذا العزل شيئاً عارضاً ولا أمراً غير مقصود، إنما كان وفقاً لسياسة بعيدة الغور، تتفق مع أطماع اليهودية العالمية
إن شبه جزيرة سينا يشتمل على أقدس مقدسات اليهود. فمن جانب الطور الأيمن نودي موسى، وعليه تلقى الألواح، وبه صخرة العهد. وسينا هي أرض التية. . لذلك كله ترف حول سينا أطماع اليهود التاريخية، ويربى أبنائهم على عقيدة أن جزيرة سينا هي قلب مملكتهم الموعودة، وما فلسطين ألا جزءاً صغيراً من تلك المملكة التي تضم سينا وفلسطين وشرق الأردن وقسماً من سورية والعراق حتى الرافدين
وعلى هذا الأساس هم يعملون منذ أجيال، وفي سنة 1906 وفدت على مصر لجنة إنجليزية يهودية قضت في سينا خمس سنوات كاملة، تفحص عن كل شيء فيها، وتنقب عن المياه الجوفية والأراضي الصالحة للزارعة، والمعادن والطبيعة الجيولوجية بصفة عامة، والمناخ والطرق والأهمية الاستراتيجية، وعادت ومعها تقرير شامل يثبت أن سينا صالحه لإسكان مليون نفس وأعاشتهم
وقد عني الإنجليز بعزل سينا عن كل نفوذ للحكومة المصرية، وكان محافظ سيناء (جارفس) الإنجليزي هو حارس شبه الجزيرة أن تمتد إليها عين مصرية، وأفهموا المصريين أن هذه الصحراء لا أمل فيها ولا ضرورة للاهتمام بها، لأن المياه الجوفية فيها لا تصلح لخلق حياة مستقرة، وكان هذا كله لحساب اليهود الذين يسيرون دفة بريطانيا
ومن المعروف أن جيش إسرائيل عندما تجاوز الحدود المصرية سنة 1948، كان أول عمل لرجاله عندما وطئت أقدامهم رمال الصحراء بعد رفح أن ترجلوا جميعا، وقبلوا تراب الأرض، وأقاموا الصلاة، ثم تابعوا خطواتهم في الأرض المقدسة.
أما اليوم فهم يقيمون على الحدود استحكامات قوية، ويسكنون في أرضها الفتيان الفدائيين بزوجاتهم وأولادهم، يقطعونهم الأرض، ويبنون لهم مساكنهم تحتها - لا فوقها - ويمدونهم بالمال ليستصلحوها
وأمامهم ألوف الأميال المربعة في الشقة المصرية خلاء فإذا أرادوا هم أن يزحفوا فسيزحفون من استحكاماتهم على الحدود وورائهم العمار. وإذا أردنا نحن - حتى أن ندافع - وقف جيوشنا وورائها هذه الألوف من الأميال القاحلة الجرداء الخاوية من السكان.
لماذا؟ لأننا نحن مشغولون. مشغولون بالانقلابات الوزارية، مشغولون بالانتخابات هل تكون بالقائمة أم بغير القائمة مشغولون بالاستثناءات ومن ترد إليهم استثناءاتهم ومن لاترد؛ مشغولون بهذه الأمور الكبار التي لا يجوز أن يلهينا عنها خطر اليهود أو غير اليهود، وما تكون سينا وهي صحراء جرداء إلى جانب كراسي الوزارة الفخمة ومقاعدها الوثيرة، وقاعاتها المكيفة الهواء!
وفجأة - وفي هذه الظروف - تطلع علينا نغمه لا يدري مبعثها إلا الله، والراسخون في العلم من اليهود والصليبيين. نغمة تحديد النسل. . لماذا؟ لأن مصر تضيق بسكانها، ولأن موارد الرزق لا تنمو بنسبة نمو السكان، ولأن الأرض الزراعية محدودة
جميل! نحن معكم في أنه حين تعجز موارد البلد عن إعالة سكانه يجب أن يقف نمو هؤلاء السكان. ولكن حين تكون في موارد هذا البلد بقية فيجب أن يستمر سكانهم في التزايد، لأن نمو السكان في هذه الحالة ضمانه من ضمانات البقاء أمام تكتل الأعداء. وضمان من ضمانات القوة في المجال الدولي. لأن الأمم التي تريد أن يكون لها وزن في الكتل الدولية تحاول كلها زيادة سكانها. وأمامنا ألمانيا وإيطاليا وروسيا واليابان. بل أمامنا إسرائيل الصغيرة وهي تحاول مضاعفة سكانها على الرغم من كل ما يشاع من الأزمة الاقتصادية الممسكة فيها بالخناق!
فهل استنفذت مصر وسائلها لزيادة مرافقها أن في مصر من الموارد والمرافق ما يكفي
لأعاشت ضعف سكانها كما يقول بعض الخبراء، وأمامنا مثل واحد في سينا، فهي كافية لأعاشت مليون من الناس، لو وجدت من يعمرها ويرد إليها الحياة فلماذا يتجه التفكير أول ما يتجه إلى وقف نمو السكان؟ ومرة أخرى نكرر، أننا لا نعارض - بل نحتم - وقف نمو السكان حين يثبت أن مرافق البلاد غير قابلة للنماء. أما حين يثبت أنها قابله لأن تتضاعف، فإنه يكون من الحمق، أو الاتجاه المريب، أن يثور مثل هذه النغمة. لأن معناها وقف نمو البلاد لا من ناحية تعدادها فحسب، ولكن من ناحية مرافقها فضغط السكان قد ينبه الغافلين إلى محاولة الاستغلال الكامل لمرافق البلاد
على أن حكاية تحديد النسل أو زيادته لا تخضع لحسن الحظ لهذه الأفكار السطحية التي لا تحاول التعمق في دراسة الأمور أن الحرص على زيادة النسل في الريف ضرورة اقتصاد وضرورة اجتماعية. ولا عبر بالمدن لأنها على هامش حياة الوطن!
إن الذي لا أولاد له في الريف يعيش في مستوى اقتصادي اقل من مستوى أبي الأولاد. كما أنه أقل هيبة وحصانة على الاعتداء! وهذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية من القوة بحيث لا تستمع لنصائح السطحين وان يتغير حكم هذه العوامل ويخف ضغطها إلا حين ينتشر التعليم، ويصبح هناك مورد آخر للرزق على العمل في الأرض وقوة أخرى للحماية غير قوة العضلات! وعندئذ فقط يستطيع الشعب كذلك أن يستعيض من قوة العدد قوة العقل، ليقف في وجوه أعدائه المحيطين به
أن الفطرة تتصرف في هذا أحكم مما يتصرف السطحيون الذين يحسبون أنفسهم (مثقفين!) فإذا عز على حضراتهم أن يدرسوا الأمور دراسة حقيقية، فلا أقل من أن يدعوا الفطرة تعمل بحكمتها عن حكمتهم الذهبية، المستمدة من الدسائس اليهودية والصليبية!
وبعد فنعود إلى استصراخ النائمين في العالم الإسلامي ليصحوا على مطامع الصهيونيين في سيناء. فإن مصر مشغولة الآن، مشغولة بالانقلابات الوزارية. مشغولة بالانتخابات وهل تكون بالقائمة أو بالوزن والكيل. مشغولة بالاستثناءات وغير الاستثناءات. وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. والأهم يقدم. ولا حول ولا قوة إلا بالله
سيد قطب
تبعات السينما في حياتنا الاجتماعية
للأستاذ أنور الجندي
استفاضت المجلات الأوربية في الأسابيع الأخيرة في الحديث عن السينما والأفلام التي تعرضها، وكان الحديث هذه المرة جد غاية الجد، انطوى على تقدير ومراجعة العوامل التي تصيب المجتمع نتيجة لموضوعات هذه الأفلام.
وكانت الصحف الفرنسية الأسبوعية أكثر الصحف شغلاً لهذه الآثار الاجتماعية والاخلاقية، وتطرق الحديث إلى الشباب والشابات قبل سن المراهقة وأبانها، ومدى أثر الأفلام وموضوعاتها في شخصيته وكيانه، ونتائج الهامة المترتبة على ذلك في محيط الحياة العامة
وكانت إحدى المجلات الفرنسية قد قامت باستفتاء ضخم منذ عدة شهور في موضوع (السينما والشباب)، وتدفع إلى المعصية والخطيئة والإجرام.
وقدمت صحف أخرى إحصاءات ظهر منها أن 90 % من الأفلام المعروضة تنطوي قصصها على القتل والإجرام والاختلاس والإغراء والزنى والنصب والاحتيال.
وبذلك أصبح موضوع النتائج الاجتماعية للسينما والأفلام من الموضوعات الجديرة بالاهتمام في مصر، بعد أن لقيت مثل هذه الرعاية في البلاد الأوربية التي ابتدعت هذا الفن.
ولاشك أننا في الشرق قد بدئنا نحس مدى الخطر الضخم الذي يجتاح المجتمع نتيجة للأفلام المعروضة، والتي لا هدف لها ولا سياسة ثابتة توجهها.
وكان من الضروري - والفلم جزء من الثقافة العالمية - أن يشغل أمره بال المصلحين والكتاب والباحثين
ولست أشك لحظة في أن عنصر التسلية والمتعة، والخروج من النفس والجد، هو أبرز ما يهدف إليه القائمون على العمل السينمائي، غير أن ذلك لا يحول مطلقاً دون تقدير المدى الذي تستطيع أن تهضمه عقليات المراهقين والشبان والفتيات، مما له أبعد الأثر في تكوين السلوك الفردي والعقد النفسية.
وإذا كانت الشاشة تستجيب لرغبات الجماهير - في بعض الأحيان ألا أنه من الممكن اليسير أن يحاط ذلك بقيود تهدف إلى المحافظة على قواعد الخلق وتقاليد المجتمع.
ولسنا نطمع في أن تكون الشاشة موجهة مؤثرة منافحة عن المثل العليا في الخلق، أو عن الأمجاد الرفيعة المستمدة من التاريخ والماضي، ولكنا نريدها على أقل تقدير كريمة وطنية بحيث لا تطغى عليها الناحية المادية التجارية التي يحرص عليها الممولون، فتكون هدفها الأول والأخير
ويبقى أن كتابة القصة السينمائية وحبكتها الفنية، وبراعة عرضها، كل هذا كفيل بأن يكسبها أكبر عدد من المعجبين، ويدر على أصحابها الربح بصرف النظر عن العوامل المصطنعة التي يغرى بها فريق قليل من النظارة
وأنا لنرجو أن تنال هذه الصيحات الأوربية اهتمام المشرفين على السينما في مصر فيحرص على أن يتفادوا الآثار النفسية الإجرامية أو الآثمة، وأن يحولوا دون كل ما من شأنه إبراز معنى الغواية، وهي خطيرة الأثر على الشاب والشابة المراهقين.
وأنا لنرجو أن يتسع الميدان أمام العاملين، فلا يقصر عن المعاني الضيقة والأوهام والشهوات بعد أن خطت الأفلام الغربية خطواتها في مضمار الثقافة والتوجيه، وعرفت بأنها جميعها بلا استثناء تحمل فكرة معينة مدروسة.
وإذا كان الأوربيون اليوم يدرسون تبعات السينما وأثارها الخطيرة في المجتمع، فنحن أولى - ونحن نجري وراءهم دائماً - أن نأخذ عنهم هذه الخطوة دون أن نخشى أن نتهم بالرجعية أو القصور.
والسينمائي الناجح كالطبيب الماهر، يعرض الأداء ويصف الدواء، ويستطيع أن يحشد عوامل الإيحاء والسيكولوجية والفن في تحويل نفسية المريض وإقناعه.
ولا أظن أننا في كبير حاجة إلى هذه الاستعراضات الراقصة التي يتمسك بها المنتجون، وقد ظهرت أفلام دون أن تحشر هذه المناظر المبتذلة، فنجحت نجاحاً منقطع النظير، وقيل عنها في الخارج إنها رفعت رأس مصر عالياً، بعد أن كانت مصر متهمة بإنتاج الألوان الغثة وحدها
وجدير بالشاشة في مصر والشرق أن تحرص على عرض أمجاد الشرق ومحاسنه، ليكون ذلك - على الأقل رداً علي على ما تحرص عليه الأفلام الغربية من تشويه تاريخ الشرق ومسخه، ووضعه في صورة من ألف ليلة وليلة. . .
فلطالما عرضت الأفلام الغربية للشرق على نحو من التعصب والهوى، وهي بما لها من قوة التوزيع والانتشار استطاعت أن تقنع الكثيرين بأن هذه هي حقيقة الشرق، ونحن نستطيع - وفي أيدينا الوسائل ميسرة - أن نواجه هذه الحملة بتصوير صحيح لأمجادنا وقضايانا، من شأنه أن يضع الحقائق في نصابها
ومما هو جدير بالذكر أن الأمم المتحدة كانت قد طلبت من مصر في العام الماضي موافاتها بيانات عن أفلام تنتفع بها لجنة التربية والعلوم الثقافية للهيئة، لتوزيعها بعد اعتمادها على سائر الدول الأعضاء في العالم كله.
وقد حدد هذا الطلب بأفلام تصلح للعرض على الطلبة في المدارس، وعلى الجمهور المثقف، مما يعالج المشكلات العالية، من سياسية واجتماعية واقتصادية، ومن موضوعات صحية، وأساليب وقائية، ومن رعاية للطفل إلى نظام المنزل، إلى مزارع نموذجية لتربية الحيوانات، إلى مصايد الأسماك، ثم في مسائل التغذية واختيار الاطعمه، وطريقة تحضيرها وحفظها. . الخ.
ومع الأسف الشديد أن السينما المصرية لم تجد ما تقدمه لهذه اللجنة، لأننا لازلنا قاصرين عن بلوغ هذا الشوط. .
فالسينما هي إحدى المدارس الثلاث الخطيرة الأثر، البعيدة المدى في حياة الشعوب، وهي لذلك جديرة بأن تحاط بالكثير من العناية، وعن طريقها يمكن إصلاح المجتمع وتوجيه خير وجهة، بعد أن تغلغلت دور السينما في الأحياء وفي البلاد وفي القرى، حتى يمكن القول بأن 90 % من السكان يحضرونها، ومعنى هذا أن جزءاً ضخماً من مواردنا المالية، وخاصة موارد العمال والطبقات الوسطى، وهي موارد محدودة جداً تذهب إلى هذا الباب، ولما كنا نقاسي في حياتنا العاملة العامة ضغط وضيقاً، فإننا نجد في السينما باباً من أبواب التسلية، وفرجة من فرج تصريف العوامل النفسية المكبوتة، ولذلك فنحن في مثل هذه الحالة من الاستعداد للتلقي، نتأثر إلى ابعد حد مما يقدم لنا لاسيما الفتيات في سن مبكرة، والأطفال والشباب أبان المراهقة، ولعلنا نلحظ بوضوح تلك الحركات التقليدية الواضحة في تصرفات النشء الصغار، والتي هي منقولة نقلاً كاملاً عن حركات الممثلين والممثلات
ولهذه العوامل مجتمعة كان من حقنا على المصلحين أن يولوا مدرسة السينما عناية كبرى
بحيث لا يقضي جانب التسلية والترفيه على روحنا المعنوية أو شخصيتنا الحقيقية.
أنور الجندي
4 - إندونيسيا
الحياة الاقتصادية
للأستاذ أبو الفتوح عطيفة.
الاقتصاد والاستعمار.
لاشك أن الدافع الأول إلى الاستعمار هو العامل الاقتصادي. فالدول الاستعمارية إنما تقصد بوضع يدها على المستعمرات إلى أن تضمن لنفسها إنتاج هذه البلاد سواء أكان زراعيا أم حيوانيا ام معدنيا، كما تضمن أن تكون هذه المستعمرات أسواقا لتصريف مصنوعاتها. وكل هذا يحقق رفاهية الشعب المستمر ورخاءه، وهكذا يسعد بعض الشعوب ويشقى البعض الآخر
تلك هي قصة الاستعمار منذ نشأته، وستظل كذلك ما بقي! أنه الدليل الحي على ظلم الإنسان للإنسان وجشعه وطمعه وأنانيته.
ولم تختلف قصة الاستعمار الهولندي لإندونيسيا عن غيرها من القصص، فقد ظل الهولنديون يدأبون على وضع يدهم على منتجات إندونيسيا وخيراتها وأرضها وعلى تسخير الإندونيسيين في العمل والإنتاج حتى تم لهم ذلك، فأصبحوا يسيطرون تماماً على الاقتصاد الإندنوسي وجنت هولندا (بقالة أوربا) وشعبها من وراء ذلك أرباحاً طائلة وسعد الهولنديين بينما كان الإندونيسيون لا يجدون القوت! وكثيراً ما أستخدم الهولنديون القسوة في دفع الإندونيسيين إلى العمل، ولما وجهه إليهم اللوم قالوا إنا نفعل ذلك لأن فيه صلاح الإندونيسيين وهذا هو الاستعمار: شر وبلاء وفقر ومذله!
وقد كانت الشركة الهولندية الشرقية أول محتكر لإندونيسيا ولكن منذ 1870 سمح للرأسماليين الهولنديين باستثمار أموالهم في إندونيسيا فامتلأت البلاد بشركاتهم ومؤسساتهم، وعاد الربح الوفير على الشركات الهولندية والهولنديين
راع الدول الكبرى ما تجنيه هولندا من أرباح فطلبت أن تسمح لرعاياها باستثمار رؤوس أموالهم في إندونيسيا، واضطرت هولندا إلى اتباع سياسة (الباب المفتوح) فتدفقت رؤوس الأموال الأجنبية من هولندا وإنجليزية وأمريكية وفرنسية وألمانيا ويابانية على إندونيسيا
وقال المستعمرون انهم يعملون على إنماء ثروة إندونيسيا. ربما كان صحيحاً، ولكن هل أدى ذلك إلى تحسين حال الإندونيسيين ورفاهيتهم؟ والجواب على ذلك: لا
صحيح أن إندونيسيا قد أصبحت قطرا غنيا عظيم الإنتاج يمج بالمصانع والبنوك، وتنتشر فيه الطرق الحديدية والسيارات، وتكثر بموانيه السفن والبواخر، ولكن الشعب الإندونيسي كان ينظر إلى تلك الثروة بكل حسرة لما أصابه من الحرمان والفقر المدقع. يقول الأستاذ (هلفرسن) الهولندي عندما ودع إندونيسيا: آه يا إندونيسيا الغنية. . . ولكن شعبك في عوز وفقر مدقع! ويقول الدكتور ليفرت (إن الأجور التي يتقاضاها العمال الإندونيسيون لا تزيد عما يسد الرمق).
على أن هذا البؤس كان مما دفع الإندونيسيين إلى أن ينهضوا والى أن يحاولوا رفع هذا الضغط الاقتصادي عن كاهلهم والى أن يعملوا على تحسين حالتهم الاقتصادية، وفي النهاية إلى أن يعملوا على تحرير وطنهم من ربقة المستمر وإعادة الاستقلال إليه. وهكذا استيقظت إندونيسيا من سباتها
وكانت الشركة التجارية الإندونيسية التي تأسست 1909 أول حجر في هذا البناء الشامخ أصبحت الجمعيات والأحزاب الإندونيسية تعني بالتحرر الاقتصادي للإندونيسيين كما تعني بالتحرر السياسي ومن ثم كثرت الشركات الوطنية التجارية والصناعية
وفي 1938 تأسست شركة (الملاحة والتجارة) للجمعية المحمدية، وقد كانت تهتم بتيسير نقل الحجاج إلى مكة، وساعدت كثيراً على تقدم حركة النقل التجاري الإندونيسية.
ثم أنشئ (البنك الإسلامي) تحت إشراف الجمعية المحمدية وبمجهود المرحوم الدكتور ستدمو قام في سورابايا (البنك الإندونيسي الوطني).
وهكذا سارت حركة التحرير الاقتصادي جنبا الجنب مع حركة التحرير السياسي، وفي 1945 تحقق استقلال إندونيسيا ونحن نرجو لشعبها الرفاهية والقوة في ظل الاستقلال
قصة جوز الهند:
شجرة جوز الهندي زينة المناطق الحارة وحلية المناظر الطبيعية في الغابة، تمتاز بارتفاع هامتها وباعتدال جذعها النحيل وبتجرد ساقها من كل فرع أو غصن، وتتوج هامتها أوراقها الوارفة تتموج في الفضاء تحت ضربات الرياح فيسمع لحركاتها صوت يشبه حفيف
أجنحة الحمائم الطائرة.
وإندونيسيا من أكثر الدول إنتاجاً لجوز الهند فهي تنتج 25 % من المحصول العالمي وتصدر منه ما يزيد على 500 ، 000 طن سنوياً.
وللجوز الهندي منافع جمة: فبداخله شراب لذيذ الطعم ويحيط به لب ناصع البياض هو غذاء شهي. وللجوز الهندي غلاف صلب يمكن استخدامه كوعاء وتغطيه ألياف يمكن صناعة الحبال منها وكذلك تستخدم في صباغة الأكلمة والمكانس أما السعف والأوراق فتستخدم وقودا وأما الجذع فيعتبر من أقوى خشب العمارة ويتخذ لبناء البيوت والجسور.
ولشجرة الجوز الهند قصة طريفة ترويها الأساطير الإندونيسية.
زعموا أنه كان يعيش في إندونيسيا في قديم الزمان ملك عظيم الشأن يخضع لسلطانه جميع الملوك المعاصرين. وكان لهذا الملك طاهيه قديرة تتفنن في صناعة الأطعمة الشهية والمأكولات اللذيذة ولا يفوقها أحد في براعتها أو مهارتها. وكان الملك فخوراً بها مزهواً في براعتها ويشملها دائماً بعطفه ورعايته وهدايا وجوائزه.
ولقدرتها الفائقة بعث الملوك بطهاتهم إلى قصر الملك ليأخذوا عن الطاهية فنها ولكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى السر وظل فنها قاصراً عليها.
وذات يوم كانت الطاهية مشغولة بطعام الملك فغافلها أحد ندمائه ودخل المطبخ خلسة واختفى في ركن من أركانه وظل يراقبها لكي يقف على سرها.
وكانت الطاهية تحمل على ذراعها طفلها الرضيع، وسرعان ما وقف النديم مبهوتاً مدهوشاً. لقد رأى الطاهية تحلب من ثديها لبنا صبته في الإناء الذي يفور فيه الطعام المهيأ للملك. عرف النديم السر فتسلل من مخبئه وذهب تواً إلى الملك وأوقعه على الأمر.
ثار الملك وغضب على طاهيته التي تجرأت على أن تطعمه من لبن ثديها القذر، ولم ير سوى الموت عقاباً لها على جريمتها، وأمر بتنفيذ حكم الإعدام فوراً ولم يشفع لديه بكاؤها ولا توسلاتها.
عرفت المسكينة أنها هالكة لا محالة فدعت الإله في ضراعة أن يحمى طفلها الوحيد بعد موتها وسألته أن يرد جسمها بعد دفنه إلى شيء يستطيع أن يقوم لأبنها ولأعقابه بأجل الخدمات ودفنت جثتها في موضع بداخل الغابة، ولم تمض أيام على موت الطاهية حتى
شوهد فوق قبرها نبات ينمو ويترعرع في سرعة مدهشة، وما لبث أن أصبح شجرة عالية ذات ثمار كبيرة مستديرة أن الوجود قد أنشق عن أول شجرة للجوز الهندي أو النارجيل
لقد تحقق جميع ما طلبته الطاهية: أن جسمها قد تحول إلى شجرة جمة المنافع، فثمرها عظيمة، في جوفها ماء ليس كالمياه تجده نقياً صافياً فيه حلاوة الرحيق وأنفاس النبيذ لذة للشاربين ومطفئا لأوار الظامئين. كم من مسافر أطفأ ظمأه شراب جوز الهند
وكم من جائع ناله الشبع من لب جوز الهند.
وكم للجوز الهندي من فوائد (راجع ما سبق)
وهكذا استجاب الإله لدعاء الطاهية فصنع من جسمها شجرة عظيمة النفع وأحفادها.
وتمضي الأسطورة فتقول: أن روح الطاهية تطوف بأشجار النارجيل ليلا تودع أحفادها وكأنها تقول
نم أيها الطفل الحبيب نم
فأن أعمالي قد انتهت
وقد أجهدت أنت نفسك كثيراً في اللعب
والنهار قد ولى وبلغ نهايته
والليل قد أرخى سدوله
فنم أيها الطفل العزيز نم
وأغمض جفونك أيها الحبيب
وخذ قسطك من الراحة
كيما تشب قوياً مفتولا
وأتخذ من صدري فراشا وثيرا
وأغمض جفونك أيها الحبيب
للبحث بقية
أبو الفتوح عطيفة
هلن كلر
العمياء الصماء البكماء
للأستاذ نقولا الحداد
بقية ما نشر في العدد الماضي
قالت مس سوليفان في أحد تقاريرها. أن لهن ذاكرة عجيبة لا تصدق. كنا ذات يوم في فندق في بلدة تدعى هوسفيل وتجمع النزول حولنا لكي يروا تلك المرأة العجيبة. كانوا نحو عشرين شخصاً. فقدموا لهن هدايا مختلفة. وقدموا أنفسهم إليها بأسمائهم. وكانت تصافح كل واحد منهم وكنت أنقل لها اسمه على كفها. وفي اليوم التالي تجمعوا حولها. وكانت تصافح كل واحد منهم وتذكر لي اسمه على كفي
هذا هو العجب العجاب من يصدق؟ المعلمة لا تكذب إذ لا غرض لها من الكذب في تقريرها. وكان كل واحد من نزلاء الفندق يقول كلمة من إعجابه. فقال أحدهم: ما رأيت في حياتي وجهاً يشع بهاء كهذا الوجه كأنها ليست عمياء أو خرساء وقال آخر: أود أن أهب كل ما أملك وأن تكون هذه الفتاة دائماً إلى جانبي)
روت مس سوليفان في أحد تقاريرها أن هلن كانت شديدة الأساس العقلي لدرجة لا تتصور. كانت تدرك عاطفة كل شخص تلمسه أو تلمس يده أو تتصل به بأية طريقة. فتعلم هل هو مرح أو غاضب أو مستاء أو يائس أو آمل ففي ذات يوم رمى ولد (فرقيعة) صغيرة أمام أمها فما جفلت فسألتها هلن في الحال (مم خفت)؟ (ألا يخفى أنها كانت قابضة على يد أمها كعادتها حين تسير مع أي شخص). وفي ذات يوم كانت هلن ومعلمتها سائرتين في الشارع، فرأت المعلمة شرطياً قابضاً على غلام يمضي به إلى دائرة البوليس، فقالت لها هلن:(ماذا تشاهدين؟) كأنها أحست أن المعلمة أشفقت على الغلام
وفي ذات يوم دعا داع أن تدخلا إلى مقبرة. قالت سوليفان رأيت هلن قد انقبضت كأنها أحست بشيء كئيب من إنها حتى ذلك الحين لم تكن تعرف شيئاً عن الموت، بل عرفته لأنها في ذات يوم عرفت أن حصاناً انكسرت رجله في حادث. فكانت تريد أن تزوره كل يوم. وكانت تشعر أنه يئن من الألم، وفي ذات يوم ألحت في الذهاب إليه فقالت لها أنه مات ودفن تحت التراب. فسألت كيف مات؟ هل مات كما تموت البطة التي يصطادها
أبوها بالبندقية؟ وكانت تمسك البطة الميتة وهي تعرف كيف تكون البطة الحية. فقالت لها المعلمة: نعم وقد رموه بالرصاص كي يخلصوه من الألم إذ لم يبق أمل بشفائه. وهكذا عرفت الموت
وفيما كانت في المقبرة كانت تتحسس كل حجر وكل رخامة إلى أن صادفت اسم فلورنس محفوراً على رخامة قبر. فسألت: (أين فلورنس الآن؟) هل بكيت عليها؟ من وضعها في الحفرة الكبيرة؟ أظنها ماتت جدا. وكانت المعلمة تتجنب أن تجاوب على أسئلتها. وإنما أفهمتها معنى الموت
وكانت هلن في حداثتها رقيقة الشعور جدا. ففي ذات يوم ألبستها أمها معطفاً أنيقاً، وكانت فرحة به جدا، وقالت لها أمها (يوجد غلام أعمى فقيرة ليس له مثل هذا المعطف. فما قولك؟ فما كان منها إلا أن جعلت تخلع المعطف لكي تعطيه للغلام. . فردته أمها عليها وقالت سأصنع معطفا غيره للغلام
وكانت رقيقة الإحساس نحو جميع الأحياء الذين حولها. وكانت إذا ركبت المركبة إلى جنب السائق نرجو منه أن لا يقرع الحصان بالقرعة فتقول له بلغتها. (حرام الحصان يبكي).
كانت في أوقات الفراغ تخيط أو تطرز. ولكنها كانت تقرأ كثيراً، وفي قراءتها تمر أصابع يسراها على الخط العماني وبأصابع اليمنى تتهجى الكلمات، وحركات يدها سريعة جداً وفي ذات يوم علمها ابن عمها أبجدية التلغراف فتعلمتها بسرعة وكانت تخاطب بها كل من يعرفها بنقر أصابعها على كفه. عجيب أنها تفهم بسرعة ولا تنسى ما تعرفه
والغريب أنها تعلمت السباحة والغوص، وكانت تسوق المركبة ذات الحصانين. وبالطبق كانت معلمتها إلى جنبها لتقيها من الزيغان والحصان يقيها منه لأنه يرى الطريق وهي تلقى له اللجام على الغارب
وكانت كل أمنيتها أن تدخل كلية ردكليف لتدرس مع المبصرين والسامعين العلوم العليا، ولما دخلت الكلية انتخبها الصف الأول نائبة رئيس الصف والصف أربع سنين دراسة أعلاها الرابع
جميع كتب الدراسة والتعليم مكتوبة للعميان بالحروف البارزة. وللعميان آلات كتابية (تيب
ريتر) يستعملونها. وكان لهلن جميع الكتب العميانية ولها اله كاتبة خاصة. ومس سوليفان لا تفارقها وتساعدها مي كل ظرف من ظروف دراستها ففي الكلية درست النحو وآداب اللغة الإنكليزية. ودرست اللغة الألمانية واللغة الفرنسية واللغة اللاتينية واليونانية. ولما كان للعميان جميع الكتب المهمة في هذه اللغات بالحروف تيسر لهلن أن تقرأ بعض إلياذة هوميروس وبعض شكسبير. وأهم مؤلفات الألمان والفرنسيين.
والغريب أنها وهي في الكلية كانت تهتم بإنشاء كلية لتعليم العمى والبكم. وبذلت جهدا في هذا السبيل وألفت لجنة لهذا الغرض منها معلمتها وأمها وبعض موظفي مدرسة العميان التي درست فيها، وهي تعترف دائماً بأن مس سوليفان صاحبة الفضل الأعظم عليها وأنها أمها الثانية، ثم إنها جعلت تسعى لتحويل هذا المشروع فكتبت للكثيرين أن يمدوه بالمال. فلا بدع أن نراها وهي في سياحتها في الشرق توجه كل اهتمامها إلى مدارس العميان والسعي لمساعدتها.
وانتهت هلن من كلية رد كليف بنجاح فائق وأخذت مع المبصرين والسامعين درجة بكالوريوس علوم. وما قنعت بهذا بل طمحت إلى الجامعة لكي تحصل على دكتوراه في العلوم ثم دكتوراه في الفلسفة.
ولما بلغت العشرين من العمر وكانت قد انتهت من الدرس شرعت تكتب تاريخ حياتها الذي طبع في سنة 1903 أول مرة ثم طبع سنة 1932 مرة ثانية.
وكانت مجلة السيدات تنشر مقالاتها وجميع أخبارها وأخبار مس سوليفان عنها.
وبكل أسف ليس في كتاب تاريخ حياتها الذي نحن بصدده شيء عن حياتها بعد كتابة كتابها الأول. وإنما هناك كتاب أخر بعنوان يستوفي بقية حياتها في الجامعة وبعدها. وأتأسف أنه لم يتيسر لي الحصول عليه.
ولمس سوليفان فصل طويل في مسائل هلن عن الوجود والله والطبيعة، فكانت مس سوليفان تسوف الأجوبة على هذه الأسئلة إلى أن تنتهي هلن من الجامعة ودرس الفلسفة
هذه هي هلن كلر التي هي كتلة عقل في دماغ طري مرن، وكتله أعصاب في بدن شديدة الحساسة ماعدا أعصاب السمع والبصر. والذين رأوها في مصر دهشوا من مقدرتها في التعبير عن نفسها وأفكارها. ومنهم كثيرون لم يصدقوا هذه المقدرة لأنهم رأوا وجهها يشع
جمالاً وليس في عينيها ما يدل على عمى، وما فهموا أن العيب ليس في عينيها ولا في أذنيها، وإنما هو في مراكز السمع والبصر في الدماغ
فسبحان من منع ثم منح
جحا القاضي
للأستاذ عطا الله ترزي باشي
أشتهر من بين المستطرفين في الشرق رجلان سميا بجحا، أحدهما عربي، هو أبو الغصن بن رجين بن ثابت الذي عاش بمدينة الكوفة في القرن الثاني من الهجرة، والآخر تركي يعرف بجحا الرومي، وهو الخوجة نصر الدين الفيكهان العالمي المعروف
ونريد في هذا المقال أن نتكلم عن الثاني على أن تحصر الكلام في ناحية هامة من نواحي حياته، ونعني بها جانب القضاء، وان تطرق كذلك بإيجاز إلى جوانب حياته الأخرى كلما مست بنا حاجه أودت إلينا ضرورة.
ولد جحا في مدينة (سيورى حصار) من ولايات الأناضول وتلقى علومه الابتدائية في مدينتي (آق شهر) و (قونيه). وعين بعد ذلك إماماً في بعض المساجد فمدرساً. وقد اشتهر بالوعظ والخطابة، وشغل منصب القضاء مدة غير قليلة في نواحي قونية. وتوفي سنة 683 هـ عن عمر يناهز الستين سنه، فكتب تاريخ 386 هـ بدلاً من 683. وهذا الأخير مشكوك فيه أيضا.
لقد كان جحا الرجل الفذ المعروف بحضور بداهيته وقدرته على إبداع النكات بما لا يضارعه في ذلك أحد من المستظرفين. ولئن كان جحا ضحكةبين الناس فإنه لم يكن صاغراً أو مهاناً راضياً بالذل والضيم. . فقد كان شيخاً كريماً وأديباً ممتازاً جمع بين الجد والهزل بشكل لا يجاري فيه أحد من الأدباء، وعالماً فاهماً يفحم فطاحل العلماء بأجوبته المسكتة وأدلته المقنعة. وهو يعد بلا شك برنادشو زمانه، والواقع بأنه كان أذكى وأعقل. . ومن درس حياته دراسة عميقة توسم فيه أدباً رفيعاً بعيداً عن المهازل المبتذلة. . ورأى من وراء سفاسفه فلسفة مثلى. . والمطلعون على نكاته - باختلاف طبقاتهم واختلاف ألوانه - نراهم يستمتعون بلذاتها أبد الدهر. فهو يتمثل في مخيلة كل قارئ شخصاً يتغير وصفه بتغير حال المخيل، فيتصوره الصغير رجلاً طاعناً في السن وعصاه في يده يسوق بها حماره الذي يلازمه في أكثر نكاته. ويتخيله الجاهلون من طبقة العوام رجلاً ذا جنة فيهرفون في الضحك به، ويعتبرون نوادره لونا من الهزل الرخيص. وهو في الواقع رجل عظيم كما ذكرنا، حكيم رزين، وعالم متزن متحل بمزايا الإنسان الكريم. أما نكاته فهي
مرآة صافية تتمثل فيها جوانب شخصيته الممتازة. وقد ترجم أغلب نوادره إلى اللغات العربية والفارسية والهندية فضلاً عن أنها ترجمت إلى كثير من اللغات الأوربية الحديثة. وقيل أن أحد الإنكليز المغرمين بنوادر جحا كان يقتني كل نادرة غير موجودة في مجموعته بجنيه أسترليني، حتى تمكن من الحصول على عدد غير قليل من نوادره. .
كان جحا يجالس العلماء البارزين ويتحداهم في كثير من المسائل، وكان يصاحب رجال الدولة وخاصة القضاة منهم، فيستشيرونه في كثير من الأمور فيرشدهم إلى أسلم الحلول. وكان الأفراد، صغيرهم وكبيرهم، يحتكمون إليه فنراه يحل مشاكلهم بفطنته وبقطع بينهم دابر الفساد بدرايته. فيرضى بحكمه الصغير ويقنع برأيه الكبير. . يحسم النزاع بشكل لا يدع فيه للاعتراض مجالاً ولا يترك للمناقشة باباً. يعبر عن غاياته بتعابير شيقة توافق مقتضى الحال. فيعرف كيف يخاطبٍ الصغير ويجارى الجاهل الغرير وهو يعرف كيف يوازي الحكيم المحكم ويوازن الشيخ الكريم. . .
أدرك جحا عصر تيمورلنكالملك الجبار وأنس بمجلسه. وكان يواجه في كل حين مواجه صديق لصديقه، لا يأخذه منه روع أو جزع. .
دخل تيمور بلدة جحا مظفراً منتصراً على العثمانيين. فخاف الناس أن يصيبهم منه أذى حتى أقدم جحا على زيارته وأبدى جسارة في الجلوس بجانبه. ولما رآه وقد مد إحدى رجليه أراد أن يضحك منه؛ فمد هو رجله من ساعته. فاستشاط تيمور غضباً وقال له: لقد سمعت عنك أنك ظريف حكيم ولكن تبين لي أنك حمار! فتبسم جحا ضاحكاً وقال له: أجل أنه ليس بيني وبين الحمار فرق سوى ذراع أو ذراعين! فتعجب تيمور من هذا الجواب فأمر بالانعدام عليه وجعله من المقربين
ويروى عنها نكات كثيرة، تخص بالذكر هنا إحداها وقد تميزت بطابع القضاء الذي جعلنا المقال يدور حوله
ارتجل جحا يوماً إوزه وجاء يقدمها إلى تيمور. فغلب عليه الشوق إلى كل شرحة منها، فعالجها لاختيار الموضع الذي يأكل منه حتى تناول إحدى رجليها. . ففطن السلطان للمسألة، فسأله بغضب عن علتها فأجاب جحا قائلاً:
- إن الإوز في هذه البلاد - يا سيدي - له رجل واحدة! وأشار إلى الإوز في الحديقة وهي
واقفة على رجل واحدة. . وعندها قام تيمورلنك فضرب الإوز بعصاه حتى تولت برجليها مسرعة. . قال له جحا: لئن ضربناك بهذه العصا لرأيناك تركض بأربع أرجل! وكان ذلك جواباً مفحماً ابتغى من ورائه الإشارة إلى الآثار السيئة التي تنجم عن التعذيب في المجتمع
لقد زادت قيمة جحا وعلت منزلته بين الناس بمر الأيام وكر الأعوام حتى تكون له مركز ممتاز في المجتمع. وقد ذاع صيته في أطراف البلاد، فاهتمت به الأوساط الأدبية وعنت المجالس الثقافية بجمع نوادره الرائعة. . وأحبه الناس حباً جما فكانوا يكرمون وفادته في كل مكان. رجال العلم وأكابر القوم وولاة المملكة وقضاتها لا ينقطعون عن مجلسه ولا يدعونه ينقطع عن مجلسهم
يروى أن أحد القضاة أراد يوما أن يستهزئ بجحا في مجلس ضم جمعا غفيراً من علية القوم، وكان يغريه في ذلك أحد التجار، قال:
- لا غرو أن كثرة الكلام داعية للخطأ، فهل صادف أن سببت لكم الثرثرة خطأ؟
قال جحا: نعم. وكان ذلك في موضعين: أحدهما في جملة (وقاضيان في النار) فقد قرأتها خطأ (وقاض في النار) وثانيهما في آية (إن الفجار لقي جحيم) إذ قرأتها (إن التجار. . .)
ويروى له مع هذا القاضي نادرة أخرى أطراف من سابقتها وهي أن جحا كان يوما جالساً مع صديقه القاضي في قاعة المرافعة، فجاء رجلان يتخاصمان على رفع جيفه ملقاة في الطريق بين داريهما، يطلب كل منهما إلزام الآخر برفعها
رأى القاضي أن يحيل المسألة على جحا فيحسم النزاع وكان يروم الاستهزاء به. فما كان من جحا إلا أنه اعتلى منصة القضاء واصدر حكما يتضمن أن الأفراد غير ملزمين بإزالة الجثث من الطريق العام، وإنما المختص بهذا العمل هو حضرة القاضي الذي يمثل المصلحة العامة
وهكذا حسم الدعوى حسماً موفقاً لمقتضى القانون والعدالة، منتقماً من القاضي الذي أراد الاستهزاء به. .
ويعبر جحا بنكاته البديعة عن واقع الحال تعبيراً صادقاً، ويصور بها الأوضاع السيئة في عصره خير تصوير. فانظر إلى فكاهته هذه كيف يوضح بها سوء القضاء وتفشي الرشوة بين الحكام:
حكي أن ثرياً قال لجحا: أن تبصق على وجه فلان، وهو عدو لي، فلك مني دراهم كذا. . وافق جحا على ذلك. . فرفع المشتكي أمره إلى القاضي ولدي السؤال أجاب جحا قائلاً. أن لدى فرمانا يخول لي في ذلك. .
فاستغرب القاضي من ذلك وقال له ارني هذا الفرمان. فأجاب بجحا يدفع كيساً إليه رغيفه نصف المبلغ الذي أخذه من صاحبه التاجر. وما أن اخذ القاضي الدراهم حتى ولي وجهه إلى المشتكي وقال:
- حقا لقد ابرز خصمك فرمانا يخول له الحق أن يبصق. على وجهك وعلى وجوه الناس بل وعلى وجهي كذلك. .
وتقلد جحا منصب القضاء مدة طويلة كان خلالها مثال الحاكم العادل الذي لا يغريه الطمع والحكيم المجرب الذي لا يغويه الفساد. فكان حازماً في رأيه صريحاً في نطقه، قوي الحجة كثير البلاغة، ذكيا ذا فطنه لا تخدعه خديعة الماكرين ولا يجترفه عن الصواب مكر الماجنين.
حكى أن أحد الماكرين أراد أن يحتال على كسار خشب، فادعى أن له بذمته مبلغاً نشأ عن المدعى عليه على كسر الحطب بترديده كلمات (هينغ. . هينغ) حيث سهل أمر الكسر، ولذا فإنه يطلب من المحكمة إلزام المدعي عليه بالمبلغ المدعي به وهو اجر قوله. . .
تأمل القاضي - وكان جحا - في المسألة ثم قال للمدعي عليه: هات المبلغ المدعي به وما أن اخذ الدراهم حتى رنها وأعادها إلى صاحبها المدعي عليه قائلاً:
- إياك الدراهم. . وأنت يا مدعي قد انتفعت بصوتها فهو اجر قولك
ويروى عن جحا في هذا الموضوع نوادر شتى، منها:
المدعي (مشيراً إلى المدعي عليه) لقد كان هذا يحمل ثقلا فوقع من ظهره، وطلب إلى أن اعاونه، فسألته عما يعطينيه قال (لا شيء) فرضيت بها وحملته الثقل. . . ولذا فإني أطلب من المحكمة إلزام المدعي عليه بتأدية (لا شيء) لي
جحا (وهو القاضي) - دعواك صحيحة يا بني. . تقرب مني وارفع هذا الكتاب. . ماذا في أسفله؟
المدعي - لا شيء. .
جحا - فخذها وانصرف
ويلاحظ أن القرارات التي يصدرها جحا لم تكن من نوع القرارات القراقوشية التي لا تتفق مع قواعد العدالة. . ولئن كان ظاهرها موصوفا بطابع الهزل فإن باطنها كان محبوكا بأنسجة الحق والصدق. . فلم يكن جحا ليمزج الحق بالباطل أو يخرج الصدق بالمين إلا على سبيل الملاطفة. . جاءه يوماً رجل وقال له:
ان ثوركم نطح ثوري فهلك فهل يلزم الضمان؟
فقال جحا: كلا فإن دم العجماء جبار. . .
فقال صاحب الثور: عذرا لقد أخطأت، فإن ثوري هو الذي نطح ثوركم
وعندها قام جحا منزعجا وقال:
- هات لي الكتاب الفلاني، فقد تغير وجه الادعاء وأبدع جحا مرة في الإجابة عن بعض الادعاءات المتناقضة بقول حاسم جميل، لقد جاءه أحد المتخاصمين يبسط له النزاع ويبرئ نفسه ويدين خصمه. فقال له جحا:(نعم أنك على حق)، وبعد قليل جاء المتخاصم الثاني وبدأ يشرح له الأسباب، فقال له جحا:(نعم انك على حق)، فاستغربت امرأته من ذلك وقالت له: لقد جاءك المتخاصمان فقلت لكل منهما انك على حق ولئن كان أحدهما محقا في دعواه، فإن الآخر ولاشك غير محق فيها، فالتفت إليها جحا وقد تدارك الجواب:
(نعم وأنك على حق)
كركوك
عطا الله رزي باشي
زعماء التاريخ
مصطفى كمال أتاتورك
للأستاذ عبد الباسط محمد حسين
(لم يكن مصطفى كمال رجلا من رجال المصادفة والحظ. . يرفعه إلى الزعامة غباء الأمة. وإنما كان من الصفوة المختارة الذين يضم الله فيهم الهداية للقطيع الذي يوشك أن يضل. والحيوية للشعب الذي يأبى أن يموت.)
الزيات بك
- 6 -
انتهى الكفاح المسلح. . . وخرجت تركيا من الحرب منتصرة ظافرة. . وبذلك بدأت الحياة تدب في قلب الوطن التركي من جديد. . واضطر الحلفاء أن يعترفوا باستقلال الأتراك. . ويعيدوا إليهم حريتهم المسلوبة. . وأراضيهم المحتلة
ومن عجيب المتناقضات. . أن هول هذه النكبة التي حاقت باليونانيين. . كانت أكبر سبب في إزالة العداء بينهم وبين الأتراك. . وإنشاء علاقات ودية بين حكومتي أنقرة وأثينا. وهكذا نفذ مبدأ تقرير المصير عن طريق السيف والنار. . والذبح والتدمير
وإن الباحث في تاريخ الحركة الكمالية يرى أن هناك ظروفا - لم تخل من مزايا - ساعدت مصطفى كمال وأتباعه. . على الوصول إلى هذه النتيجة الباهرة. . التي لم يكن يتوقعها الأتراك أنفسهم
وهذه المزايا يمكن تلخيصها فيما يلي:
أولا: نجد الترك في سنة 1919 - 1920 قد تخلصوا - إن طوعا وإن كرها - من عبء إمبراطوريتهم. . وكانت عبئاً أثبتت الحوادث أنه لم يكن لهم طاقة بحمله
ثانياً: في الحروب الماضية لم تنفذ الأطماع الأوربية إلى أرض الوطن التركي نفسه. أما عند نهاية الحرب العالمية. . فقد قسمت تركيا إلى مناطق نفوذ بين الدول الكبرى. . فكان لذلك أثر كبير. إذ دبت في صدور الأتراك عاطفة وطنية قومية. . تهدف إلى استقلال الوطن. . لا إلى استبعاد الغير. .
ثالثاً: أنهكت الحرب العالمية قوى المتحاربين جميعا لا فرق في ذلك بين المنتصرين والمنهزمين. . ولذلك لم يعبأ الرأي العام في الغرب بغضب رجال السياسة. . ولم ينل اليونانيون مساعدة جدية. . من جانب الحلفاء. . . مما ساعد الكماليون في حركتهم القومية
رابعاً: عملت الحكومة البلشفية في روسيا على تشجيع الكمالين ومساعدتهم. علهم يتمكنون من إجلاء الحلفاء عن القسطنطينية. . وسد المنافذ للبحر الأسود
ويرى الأستاذ محمد شفيق غربال. . أن هذه المزايا الأربع. . كانت عظيمة الأثر. . كبيرة الخطر. . ولكن لا يقلل هذا من عظمة مصطفى كمال. . وحسن بلاء أتباعه. . إذ لم تكن إذ ذاك واضحة وضوحها لنا الآن. . وكان قيامه بالحركة كله جرأة وإقدام وبعد نظر
وإذا أردنا أن ندرك عظمة الجهود التي قام بها مصطفى كمال. . فلنرجع إلى خطابه الذي ألقاه أمام حزب الشعب سنة 1927م. . والذي جاء فيه. . (وهناك أمران مهمان في صدد هذه الفترة. . أولهما: أنه كان يسود في الأذهان فكرة وجوب عدم إغضاب الدول الكبرى المنتصرة. أثناء البحث في وسائل الخلاص. . وكانت فكرة عجز الأمة عن الوقوف أمام واحدة منها. . فضلاً عن الجميع. . . راسخة رسوخا قويا في الأذهان. . ولم يعد منه شيء أبعد عن المنطق والعقل في نظر الناس من الوقوف في وجه قوى الحلفاء
أما ثانيهما: فهو الارتباط التام بمقام السلطان الخليفة انسياقا وراء التقاليد الدينية والوطنية التي مرت عليها الأجيال. . ولم يكن أحد قادرا على فهم معنى الخلاص من غير الخليفة. وكان من يشذ عن هذا المفهوم. . يتهم باللادينية. . واللاوطنية. . والخيانة. . .)
ومع هذا الفساد في الحكم. . والتشاؤم من المستقبل المظلم القاتم. . وفقدان الثقة بعظمة الأمة التركية وحيويتها. . كانت خطب الزعيم مصطفى كمال. . وأقواله المأثورة منذ أوائل الحركة النضالية وفي أثنائها. . وبعدها. . تدل على أن ما صدر عنه من توجيهات. . وأعمال قضائية. . وسياسية. . وانقلابية. . وإصلاحية. . في مختلف النواحي. . لم يكن مرتجلا، وإنما كان يدل على عظمة حقيقية
بعد أن انتهى مصطفى كمال من تحقيق غرضه الأول. . وهو الحصول على الاستقلال الوطن التركي. . بدأ ينظر في حالة البلاد الداخلية. . فكان أول عمل قام به هو الفصل بين السلطنة والخلافة. . وإلغاء السلطنة نهائياً من البلاد
أخذ يخطب في المؤتمر الوطني. . وقال للنواب: (إن السلطنة شئ. . والخلافة شيء آخر. . ولابد من الفصل بينهما وإلغاء الأولى. .)
وحينما طال الاجتماع - وكثرت المناقشات. . ضجر مصطفى كمال من طول الانتظار. . فاقتحم القاعة وقال. (لقد اغتصبت السلطنة العثمانية السلطنة من الشعب. . ومن حق الشعب أن يستردها. . ويفصل بين السلطنة والخلافة. . ويجب عليكم أن توافقوا على هذا القرار. . وإلا كلفتكم المعارضة ثمنا غاليا هو. . . رؤوسكم. .) وما أسرع ما وافق الأعضاء. . وألغيت السلطنة. . وعزل السلطان وحيد الدين. . ونصب مكانه عبد المجيد خليفة للمسلمين. . دون أن تكون له صفه سياسية. . وبعد فترة قصيرة. . أعلنت الجمهورية. . وأصبح مصطفى كمال رئيسا لها. . ورئيسا لأركان حرب الجيش. . ورئيسا لحزب الشعب. . .)
نظر مصطفى كمال بعد ذلك إلى منصب الخلافة. . وكان يعتقد بعبث وجوده. . خصوصا وأن زعماء المعارضة بدءوا يتخذونه محورا لحركاتهم. وعملوا على تقويته بمختلف الوسائل، وكانت خطتهم تقضي بإعادة السلطة الزمنية للخليفة، وجعله سلطانا على الأتراك وفي سنة 1924، قرر المؤتمر إلغاء الخلافة وحرمان الخليفة المخلوق، وأفراد العائلة العثمانية ذكورا وإناثا، من الإقامة داخل حدود الجمهورية إلى الأبد
عمل مصطفى كمال بعد ذلك على إلغاء الطرق الصوفية، لأنه رأى ما لمشايخ الطرق من تأثير على الجمعيات والاجتماعات السرية، والدعوة إلى المظاهرات، وأثارت العصبية الدينية ضد العهد الجديد، وفي سنة 1925، صدر قانون بإلغاء الطرق، وإغلاق الزوايا، ومما قاله مصطفى كمال في ذلك، (إن هذا الظرف كان من خير الظروف للقضاء على هذه المخلوقات البغيضة التي شوهت الدين ومبادئه، وجعلت أماكنه أوكار جهل وعبث وفساد. .) كما أصدر تشريعا يقضي بمنع الإسراف في الأعراس، ومما جاء في هذا التشريع، (منع إقامة الأفراح لأكثر من يوم واحد، ومنع إقامة مآدب أفراح عامة، ومنع إهداء العروس أكثر من ثوبين. . .)
وعمل أيضاً على منع تعدد الزوجات، وتعليم البنات، وقد نص الدستور على التعليم الإجباري للأنثى كالذكر تعليما ابتدائيا، ويعتبر هذا التشريع خطوة كبرى أدت إلى سفور
المرأة التركية، وخروجها إلى ميدان الحياة، ولم يقتصر على ذلك، بل نادي بتغير الزي بما يتناسب وروح العصر، وجعل القبعة غطاء الرأس لجميع أفراد الشعب التركي. . كما أصدر قانوناً بإلغاء الرتب والاقاب، واكتفى بأن جعل لكل عائلة لقبا تعرف به، وبذلك عرف باسم (أتاتورك) أي والد تركيا
حقا: لقد كان مصطفى كمال، والد تركيا، وزعيمها الأكبر، فإليه يرجع الفضل في نهضتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فهو الذي جدد معالمها، وخلقها آخر، وجعلها من أقوى الدول الشرقية
ومما عرف عنه، أنه كان يكره أن يعزى إليه كل الفضل في بناء صرح النظام الجديد، بل يعزو نجاحه إلى وطنية الشعب التركي، وإخلاص رفاقه القائمين معه بأعباء الدولة، وكان يكره أيضاً أن يوصف عهده (بالكمالي)، أو أن يقال أن الشعب التركي ينتمي إلى الحزب الكمالي، وذلك لأنه يعتقد أن ليس في البلاد حزب كمالي، وحزب غير كمالي، لأن الشعب كله حزب واحد، هو حزب الوطن، يسعى لخير الأمة، ويعمل على رفع منارها
ولقد كان للأتراك في مصطفى كمال ثقة عمياء، وقد سئل أحدهم عنه مرة فقال (انه صفوة الرجولة التركية، ونموذجها المعصوم عن كل خطأ) لقد كمال زعيما وطنيا مخلصا، أحيا وجاهد، واصلح وشرع. . . (ولم يكن رجلا من رجال المصادفة والحظ، يرفعه إلى البطولة خلو الميدان، ويدفعه إلى الزعامة غباء الأمة، وإنما كان من الصفوة المختارة الذين يضع الله فيهم الهداية للقطيع الذي يوشك أن يضل، والحيوية للشعب الذي يأبى أن يموت. . .)
الإسكندرية
عبد الباسط محمد حسن
مجال الدعوة الإسلامية يجب أن يشمل المجموعة
البشرية
للأستاذ أحمد عوض
مهداة إلى الأستاذ سيد قطب
كان من اثر الاستعمار في البلاد الإسلامية أن سلبها حريتها، وألزمها خطة الانطواء على النفس، وركز فيها سوء الظن، وحرمها مزية التعاون، وكفها عن نشر دعوة ألزمهم دينهم نشرها؛ هي دعوة الإسلام
والإسلام دين لم يخص من الناس فريقا دون فريق، ولا عني بطائفة دون أخرى، وإنما على قوم كلفوا بأن يوسعوا مجاله بنشر تعاليمه حتى تشمل الكافة. وعلى كل من ينضم إليه أن يشارك السابقين إليه في الدعوة إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبالجدل بالتي هي احسن
لكن الدعوة إلى تعاليم عالمية تستلزم أول ما تستلزم ضروبا من الحريات، منها حرية الكلام، وحرية الاجتماع، وحرية العقيدة
وهذه الحريات جميعا وسائر الحريات كبحها الاستعمار وبخاصة ما كان منها مؤديا إلى دعوة عالمية، فالاستعمار منفعة خاصة أساسها أنانية المستعمرين على حساب حريات الإنسانية العامة.
وفرط المسلمون في حق أنفسهم وحق دينهم بما أهملوه من التسلح بكافة الأسلحة، معنويها وماديها، فغلبهم المستعمرون على امرهم، وكبتوا مشاعرهم ذلك الكبت الذي لم يصل ولن يصل إلى اصل العقيدة، ولكنه وصل إلى وسائل نشرها، فلم يقو الاستعمار على رغم بطشه وظلمه على انتزاع الإسلام من الصدور ولكن قوته كانت كافية لمنع المسلمين من توسيع مجال الدعوى اليه، وهذا ركن أساسي فيه
واكتفى المسلمون قرونا بالتحدث عن مزايا الإسلام بين المسلمين، حديثا مادام بين مسلم ومسلم، فهو لا يشرح العقيدة المفروغ بين المسلمين من اعتقادها، وإنما يشرح الطقوس والشكليات، لأن هذه هي التي يحتاج المفروغ من أمر عقيدتنا الإسلامية إلى الاستزادة من
معرفتها. وبذلك أصبحت الدعوى بين المسلمين قاصرة على العبادات والمعاملات، وهي عظيما الشأن ما في ذلك من شك، ولكن روح الإسلام وأهدافها الجماعية - وهي التي من اجلها أنزل - أصبحت مهملة، لأن الكلام في الدين أصبح بين مفروض فيهم التمتع بها، بتلك الروح والمعرفة بهذه الأهداف
لكن لا هذه ولا تلك ولا المعاملات ولا العبادات ولا أي شيء في الحياة يمكن أن يصل إلى كماله أمام العقبات التي أوجدها الاستعمار من كبت الحريات، ومن نشر الجهل والمرض والفقر
والآن وقد أكلت النار نفسها حين لم تجد ما تأكله وتناقصت قوى الغرب المستعمر بما تناقص إيمانه بالله وتمسكه بالفضائل، فأصبح لا يكاد يستقر في حكم نفسه حتى يستقر في حكم المستعمرات. والآن وقد أحس المفكرون في الغرب بأن الحضارة التي أقاموها على الماديات توشك أن تنهار، فقد انتقمت الفضائل المهملة لنفسها، وتزعزعت عقائد الماديين بالمادة، وبشر الإسلام بنفسه حين أكره المسلمون على الكف عن التبشير له
والآن وقد بدأ المسلمون يستروحون نسيم الحرية بما أضعف خصومهم، فانصدعت قيودهم، واتسمت حدودهم، فإنهم يجدون في الغرب عقائد دينهم تمشي على أقدامها هي لا على أقدام المسلمين. وللفكرة أقدام وأيد ولها أيضاً أجنحة، ولئن أهملنا أن نعطي من مزايا الإسلام، فقد أكره الغرب وان لم نعطه منها على أن يأخذ هو، وشتان بين أخذ هـ من ماديتنا ذلك الأخذ الذي ينتقص من تلك الماديات، وبين أخذه من معنوياتها ذلك الأخذ الذي يزيدها ويباركها، والدين كالعلم يزيد مع كثرة الإنفاق، والآن أمام هذا كله أصبح في الغرب من يبشرون بالإسلام، أو بركن من أهم أركان الإسلام، هو نواحيه الخلقية، ودائرته الجماعية ومساواته بين الخلق كافة في الحقوق والواجبات، ودعوته إلى السلام، وتحريمه الحرب إلا دفاعا
بدأنا نتحرر، وبدأنا نستطيع استئناف ما وجب علينا، ولا يزال مستمر الوجوب من الدعوة اليه، فهل يقضي المنطق بأن نصحح أخطاء الداعين دعوتنا، ونكمل النقص إذا كان هناك ثمة خطأ أو نقص، أم نظل نحن المنوطة بنا رسالة الدين من بين المدعوين المستمعين، أم نظل مقتصرين على الدعوة للإسلام بين المسلمين؟
ماذا يجب على المفكر المسلم الملم بلغات الغرب حين يقرأ في تلك اللغات دعوة إلى مبادئ دينه؟ أيناهضها لأنها (من الخارج) أم يدعو الداعين ويجادلهم بالتي هي احسن
ليس هناك إسلام أجنبي، بل ولا إسلام عربي، وإنما هناك رسول عربي بكتاب عربي من عند (الله)، كلف المسلمون أن ينشروا تعاليمه في أرجاء العالم الفسيح، ومن أركان الإسلام: الشهادتان والصلاة والصوم والزكاة وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا
نعما ونعم هي، ولكن الإسلام الذي هذه أركانه والذي كتابه قرآنه، قد نص على سبب نزوله، وهو الهدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، ونبيه المبعوث بين سبب بعثته بأنها إتمام مكارم الأخلاق
وبعد فالحركات القائمة في أوربا وأمريكا لنشر فضائل الدين الإسلامي، لا تهدف إلى مزاحمة ديننا، وليست مذهبا في هذا الدين، وهي لا تزيد فيه ولا تنقص منه ولا تبتغي التأويل، وإنما القوم قد أسرفوا في مادياتهم واستعزوا بها، ومن استعز بشيء أورثه الله ذله، فاتجهوا إلى الدين، إلى دينهم أولا فوجدوا من الهداية بالمحبة والتسامح والتضحية، ولكنهم فطنوا بعد ذلك إلى أمور نص الإسلام فيها أصرح وأوضح ن فالإصلاح المنشود سبيله في الإسلام التغيير. تغير المرء ما بنفسه حتى يغير الله ما به. ولئن دعاهم السيد المسيح فيما ينص عليه إنجيلهم أن على الذي يحبه أن يحمل صليبه ويتبعه، فإن القوم قد لهجوا بالآية القرآنية
ولئن فطن القوم إلى علة شقائهم هي التنازع فيما بينهم على المستعمرات، والعداوة التي وجهها العالم سببها التنازع بين الطبقات وبين الألوان وبين الأديان، فقد لهجوا بما نص عليه القرآن من أن أفضلكم عند الله أتقاكم، وما نص عليه مبعوث هذا الدين من أنه لا فضل لحر قرشي على عبد حبشي إلا بالتقوى وقام فيهم من يدعو، لا إلى اعتناق الإسلام على صورة غير صورته، ولا إلى نسبة شيء إلى الإسلام ليس فيه، ولا إلى اخرج لفظ في الإسلام عن معناه، بل إلى روح الدين والى الفضائل الشائعة بينه وبين سائر الأديان
ولكنهم أخذوا بعضه، فهل ندلهم على باقيه؟ أم لا تزال بأنفسهم من أثر الاستعمار بقية تلزمنا الانطواء على النفس؟
أنهم يريدون محاربة الشر بمثل سلاحنا، بسلاح الخلق. فهل نحارب الشر معهم به؟ قبل أن
ننطق بالجواب يجب أن نسائل أنفسنا، أين منا موضع الدعوة ومن الذي ندعوه وكيف ندعوه؟
ليس في أمريكا ولا أوربا إسلام أمريكاني ولا أوربي، وإنما فيها اليوم أكثر من دعوة لنشر فضائل الدين الإسلامي ولكن في مصر وفي سائر البلاد الإسلامية من يهملون الدعوة إلى الإسلام تاركين هذا الواجب لدخلاء عليه مستغلين له مسخرين لغابات استعمارية ابتغاء منفعة شخصية كما يقال بحق الأستاذ سيد قطب في افتتاحية العدد الأخير من الرسالة
هؤلاء يجب أن يحاربوا ولكن يجب أن نفرق بين هؤلاء وبين الداعين مخلصين لمبادئ إسلامية لم يجدوا غيرها وسيلة لمحاربة المادية، استعمارية كانت أو شيوعية، ولانتشال المدنية مما جنى عليها من الطامع الأشعبية
أحمد عوض
دراسة وتحليل
لجواهري شاعر العراق
للأستاذ محمد رجب البيومي
- 3 -
أما الأوضاع الاجتماعية في الشرق العربي فقد شغلت الشاعر شغلاً عنيفاً حتى أتعبته، فقد دار بعينيه فيما حوله فوجد العطب يدب في كل مكان، والظلم يخنق الرقاب بقيد حديدي ثقيل، وقد تعددت مظاهر الفساد، فلم تقتصر على شكل واحد، واختلفت أماكن الداء فلم تخيم في بقعة واحدة ولكنها سلاسل ممتدة مشدودة، لا تجد الرقاب ولأيدي والأجل منها بعض الفكاك، والجواهري لا يفرد النواحي الاجتماعية بقصائد خاصة تكشف عن مساوئها الخاطئة، بل يقرن الشغب السياسي بالفوضى الاجتماعية في قصائده الملتهبة، فلولا الانحطاط الاجتماعي الشائن في الشعوب المحتلة، ما وجد المستعمرون وأذناهم ماء عكرا للصيد، ولولا فساد الساسة وأنانية القادة ما رزحت الدول تحت كابوس ثقيل من الجهل والمرض والحرمان! وكان شاعر الفرات يتأوه تأوها مريرا لما تقابل به صيحاته من دس واتهام، فقد علم المستعمر أذنابه أن يقاوموا حركات الإصلاح في كل شعب، فكل ناصح مخلص ثائر مخرب، وكل مدافع عن دينه ووطنه هدام ثوري يدين بالمبادئ الخطيرة المتطرفة، حتى التبس الأمر على السواد، ودفعهم الجهل إلى التردد في قبول النصائح وإحلالها محلها من القبول والانصياع.
فالوعي بغي والتحرر سبة والهمس جرم والكلام حرام ومدافع عما يدين مخرب ومطالب بحقوقه هدام
وقد كانت الشيوعية - ولا زالت - أقرب تهمة وأيسرها على المحتلين وأشياعهم، فما يكاد أحد في الشرق العربي ينطق بكلمة في الاصلاح، حتى يتهم اتهاما خطيرا بما لا يقصد إليه بحال، واضطر الساسة جريا وراء مآربهم الذاتية أن يربطوا عجلتهم الضعيفة الوانية، بعجلة إنجلترا القوية السريعة، ووقف الدب الروسي رمزا للخوف والهلع والازعاج، كأن الأسد البريطاني المتوحش لا يؤذي أحدا من الضعفاء من أن ضحاياه في الشرق من تسعين
عاما قد ملأت المقابر بالأشلاء، والطرق بالدماء. ولا يزال المغرضون يفيئون إلى حنانه الكاذب وعطفه المزعوم.
شدوا بذيل غراب أمة ظلت
…
تطير أن طار، أو تهوى إذا وقعا
وخوفوها بدب سوف يأكلها
…
في حين تسعين عاما تألف السبعا
وضيقوا أفق الدنيا بأعينها
…
بما استجدوه من بغي وما ابتدعا
وذاك معناه أن بيعوا كرامتكم
…
بيع العبيد بتشريع لكم شرعا
ورغم هذه التهم الكاذبة شق الشاعر طريق الإصلاح في صلابة وإيمان، وقد حارب ببراعة المكافح في جبهات متعددة، وحمل المشعل في يده يطارد الظلام في كل مكان ساخرا بالعواصف، متحديا جميع الصعاب!
ففي جبهة أولى يقف أمام الفقر فيحلل أسبابه، ويكشف عن علله، ويرمي بنظره في هذه الكتل المتراصة في الشوارع وقد كسرها الجوع لباسا أصفر شاحبا هزيلا تمد الأيدي السائلة وتتبع الفتات في القمامات كما تتبعه الحيوانات، وتقف أمام القصور الشامخة منحية ذليلة تتطلب الكفاف مما يرمي إلى الكلاب المدللة!! وقد مسح الفقر من نفوسها معاني الكرامة والعزة والإباء، وفي داخل القصور الممردة نفوس تبترد بالخمور، وتتجمل بالحلي والعطور، وأخونة تمتد بالطيبات من المطاعم، وليالي حمراء مرنة بالقصف والرقص، مغردة بألحان الفتيان، مضيئة بوجوده الكواكب الحسان! فشتان بين أولئك وهؤلاء
عجب لخلق في المغارم رازح
…
يقدم ما تجنى يداه لغانم
وأنكأ من هذا التغابن قرحة
…
غباوة مخدوم وفطنة خادم
لو اطلعت عيناك أبصرت مأتما
…
أقيم على الأحياء قبل المآتم
إذا أقبل الشيخ المطاع وخلقه
…
من الزارعين الأرض مثل السوائم
قياما على أعتابه يمطرونها
…
خنوعا وذلا بالشفاه اللوائم
حنايا من الأكداح تلقى ظلالها
…
على مثل جب باهت النور قاتم
أمبتردات بالخمور تثلجت
…
وبالماء يغلي بالعطور الفواعم
ومفترشات فضله في زرائب
…
يوسدها ما حولها من ركائم
أمن كدح آلاف تفيض تعاسة
…
يمتع فرد بالنعيم الملازم
سياسة إقفار، وتجويع أمة
…
وتسليط أفراد جناة غواشم
وفي جبهة ثانية يحارب الجهل فيعلن أنه أس المصائب وشر لمحن، فلولاه ما نهش الجوع نهشا في النفوس الكادحة، ولولاه ما حيكت الدسائس والمؤامرات للشعوب في ظل من الخداع والابتسام، ولولاه ما وطد المستعمر قلاعه وأقام بناءه الراسخ، ولولاه ما أقفلت المصانع والمتاجر وأصبحت الوظيفة الحكومية مناط الآمال ومبعث الرجاء، ولولاه ما قيدت الجموع اللاغية حفاة عراة لراكب، ولولاه ما حاز أشباه الجهلة من المتعالين أسمى المناصب، وأعظم الألقاب، ولولاه ما كمت الأفواه الناطقة، واحتجزت الألسنة الصارخة عن كشف المثالب والهنات!! وأخيراً لولاه ما تدهورت الشعوب العربية إلى ما انحدرت إليه من ذلة وهوان
غزا الجهل أرض الرافدين فحلها
…
كثير السرايا مستجاش الكتائب
طليعة جيش للمصائب هددت
…
كرامته، والجهل أم المصائب
وما خير شعب لست تعثر بينه
…
على قارئ من كل ألف وكاتب
تمشي يجر الفقر ردفا وراءه
…
وأتعس بمصحوب وأتعس بصاحب
فكان لزاما أن تحوز عصابة
…
تزينت بزي العلم أعلى الرواتب
وكان لزاما أن تتم سيادة
…
عليه لأبناء الذوات الأطايب
وكان لزاما أن تعطل صنعه
…
وأن يصبح التوظيف أعلى المكاسب
وكان لزاما أن تقاد جموعه
…
حفاة عراة مهطعين لراكب
وأوجع ما يصمى الغيور مقاصر
…
أطلت على محجورة في الزرائب
يبين على الحيطان شرخ نعيمها
…
وتغمرها اللذات من كل جانب
وتحيا ليالي الرقص فيها خليعة
…
تكشف عن سوق الحسان الكواعب
وتلك من الأدقاع تتسد الثرى
…
يلاعب جنبها دبيب العقارب
والجواهري قد حارب الجهل كما تقدم محاربة عنيفة، يحمل سوطه في يده ويهوى به على النشء المثقف من المتعلمين! فيعجب القارئ بادئ ذي بدء لهذا الثائر الذي لا يرضى عن أحد، ولكنه ينصب للشاعر فيجده صاحب حق في جميع أقواله، فلا تناقض بين ما يقوله في شئ، إذ أن النشء المثقف في العراق وغيرها لم يحققوا الآمال المعقودة عليهم فقد رأوا
كثيرا من الخرافات فلم يجلوا ظلامها الحالك عن النفوس، وشهدوا الأوضاع الظالمة - في عالم السياسة والاجتماع - فلم يحاولوا أن يقفوا أمامها وقوفا ينذرها بالتصدع والانهيار، بل ربما ساروا في ركابها سيرا مشينا، وقذفهم التيار إلى لحجها الزاخرة، فهزوا مع الغواة وأساموا سروح اللهو حيث اساموه، والشاعر يرجع ذلك كله إلى التربية نشأ عليها التلميذ في مدرسته، فقد وجد من الأساتذة من لا ينير طريقه ويكشف ليله، ومن المناهج قشورا بالية يعني وضعها المستعر، فليست خلقا أو تحيى كرامة، بل تخلق فتى مائعا بهندامه كلبسه، ويتشبه بالنساء في عطوره وزينته، ويمشي متخاذلا مدلا تغمره الأحاسيس الناعمة. وتقوده العواطف الرقيقة وقد يتناسى رجولته فيلجأ إلى التخنث والتبذل والعربدة، فخطرات النسيم تحرجه، ولمس الحرير يكلم راحته، وقد مات شعوره فلم يفكر في ضحايا قومه، وصرعى معشره، كأنه ليس عنهم وليسوا منه! فيصير هؤلاء المماسيخ المشوهون خلقا وعقلا ومعقد آمال ومبعث حياة، أم يسيرون بأمتهم إلى الوراء مئات الأميال، ويهوون بها إلى الحضيض السحيق في أغوار الظلام!
هلمو إلى النشء المثقف واكشفوا
…
حجابا يغطي نفسه وقناعا
تروا كل مفتول الذراعين ناهدا
…
قصيرا إذا جد النضال ذراعا
وكل أنيق الثوب شد رباطه
…
إلى عنق يمشى العيون لماعا
يموع إذا مس الهجير رداءه
…
كما انحل شمع بالصلاء فماعا
تراه خلي البال أن راح داهنا
…
وان قد ذكا منه الأريج وضاعا
وليس عليه ما تكامل زيه
…
إذا عرى الخلق الكثير وجاعا
وان راح سوط الذل يلهب أمة
…
كراهية يستاقها وطواعا
ولم تشجه رأيا وسمعا قوارع
…
يسوء عيانا وقعها وسماعا
ورب رءوس برزة عششت بها
…
خرافات جهل فاشتكين صداعا
بها نومتنا الأمهات تخوفا
…
وما أيقظتنا الحادثات تباعا
وكما حنق الجواهري على المثقفين من بني وطنه، حنق على بعض رجال الدين من ذوي العثانين الممتدة، والعذبات الطويلة، إذ أن رجل الدين الصادق في رأيه هو الذي يغير المنكر بيده ولسانه وقلبه، فيكون ثائرا أن دعا الأمر للثورة، وصائلا حين يتحتم الصيال،
وقد تزين بلباس الدين أقوام من مشايخ الطرق وأصحاب الأذكار والأولاد، هم لايفهمون قليلا عن روح الشريعة ولباب الإسلام، وصادفوا من العامة ثقة غالية ومنزلة رفيعة فحرفوا الكلم عن موضعه، وابتدعوا البدع ابتداعا، وجسموا الأوهام تجسيما يدعو إلى الذعر والهلع، ومسخوا روح الدين من النفوس، وساعدوا الطغاة والآثمين، فكانوا مطاياهم السريعة في التنويم والتخدير، وزاد الكارثة هولا أن هؤلاء الأدعياء لا يتورعون عن الآثام في حقير أو جليل، فهم يقترفون الموبقات، وينتهكون المحارم! ويتصيدون الرشى والأموال من سبل مريبة، حتى فاح النتن الآسن منهم على الناس، ولابد لهذه الشرذمة من نقد عاصف يكشف زيفها الخاتل، ويطمس بريقها الأخاذ، فأندفع الجواهري يندد بهم في قصائده الثائرة كأن يقول
تحكم باسم الدين كل مذمم
…
ومرتكب حفت به الشبهات
وما الدين إلا آلة يشهرونها
…
إلى غرض يقضونه وأداة
وخلفهمو الأسباط تترى ومنهمو
…
لصوص ومنهم لاطة وزناة
وما كان هذا الدين لولا ادعاؤهم
…
لتمتاز في أحكامه الطبقات
أتجبي ملايين لفرد وحوله
…
ألوف عليهم حلت الصدقات
وأعجب منها أنهم ينكرونها
…
عليهم وهم لو ينصفون جباة
والشاعر لا يترك سبيلا للتنديد بهم إلا سلكه وأغل فيه، ولو لم تكن مناسبة الكلام قوية ملحة، فعندما احتفلت البلاد بالذكرى الألفية لأبى العلاء المعري، وذهب الشاعر إلى دمشق ليلقي قصيدته باسم العراق، لم يشأ أن يقصر الحديث على روائع الفيلسوف وآثاره، بل حلل آراءه الاجتماعية تحليلا شعريا يمس اللباب الخالص، ويشع مومضا بمختلف الإيحاء والإلماع، وكأن الشاعر الفرات يجد الراحة الهانئة في التنفيس عن مشاعر الممتزجة بمشاعر أبي العلاء، والناس هم الناس في كل زمان ومكان، فما أغضب المعري من أوضاعهم الشائنة قد أغضب الجواهري بعد ألف عام!! وكان لأدعياء الدين نصيبهم الوافر من النقد والتجريح، فحفلت قصيدة الجواهري بقوارس لاذعا تسيل دماءهم وتحطم كبريائهم، وتوغر صدورهم، وما عليها وقد وافق أبا العلاء في رأيه، وجرى معه في سنن واحد حين أهدى إلى روحه هذه الأبيات
وهؤلاء الدعاة العاكفون على
…
أوهامهم صنما يهدونه القربا
لحابطون حياة الناس قد مسخوا
…
ما سن شرع وما بالفطرة اكتسبا
والقاتلون عثانينا مهرأة
…
ساءت لمحتطب مرعى ومحتطبا
والملصقون بعرش الله مانسجت
…
أطماعهم بدع الأهواء والريبا
والحاكمون بما توحي مطاعمهم
…
مؤولين عليها الجد واللعبا
على الجلود من التدليس مدرعة
…
وفي العيون بريق يخطف الذهبا
أوسعتهم قارصات النقد لاذعة
…
وقلت فيهم مقالا صادقا عجيبا
صاح الغراب وصاح الشيخ فالتبست
…
مسالك الأمر أي منهما نعبا
يتبع
محمد رجب البيومي
شوقيتان لم تنشرا في الديوان
للأستاذ عبد القادر رشيد الناصري
- 2 -
اطلع القراء في العدد السابق من الرسالة الغراء على درة من درر شوقي التي تجمع إلى أخواتها في دواوينه الأربعة المطبوعة ولم تضم إلى شعره المتداول بين أيدي القراء في جميع البلدان الناطقة بالضاد، وكنت وعدتهم في ذيل مقالي السالف أن أقدم لهم في هذا العدد شوقيه أخرى من تلك الشوقيات الفذة التي لم نتفتح عنها غير قريحة أبي علي، وهذه القصيدة الجديدة عثرت عليها في مجلة أدبية قديمة يرجع تاريخ صدورها إلى سنة 1928 أيضاً. أما اسم المجلة فلا أعرفه لأن أكثر صفحاتها الأولى والأخيرة كانت ممزقة، وأما كيف عثرت عليها فتفصيل الخبر أنني كنت في يوم من الأيام في سوق الوراقين ببغداد أنقب بين الصحف القديمة التي تعرض للبيع بالأكوام فلفت نظري صديق إلى مجلة ممزقة كانت بين يديه وهو يشير إلى بعض بحوثها فلما أخذتها منه وتصفحتها عثرت فيها على قصيدة أميرنا مدرجة. وكم كان سروري عظيماً عندما راجعت دواوينه فلم أعثر لها على ذكر! فقلت في نفسي هذه هدية قيمة لا يستحقها إلا مجلة الأدب الرفيع والشعر الخالد حيث تقدمها إلى ابناء العروبة
والقصيدة كما يراها القراء لا تختلف في كثير أو قليل عن شعر شوقي من جميع النواحي، فالديباجة ديباجه، ولأسلوب أسلوبه، والنفس واحد، والصور والتركيب والتعابير والموسيقى اللفظية واللفتة الشعرية البارعة كلها له، وهي فوق كل هذا قصيدة عالية مشرقة بالرغم من أنها من بحر الرمل، ذلك البحر الذي لا يجيد فيه من حيث متانة تركيب الأبيات إلا القادر من فحول الشعراء. ولا أذكر أنني - على كثرة قراءتي للشعر - وقفت إلى شاعر نظم قصيدة من بحر الرمل وأجاد فيها أو أظهرها بديباجة متينة اللهم إلا شوقي، لأن هذا البحر على الرغم من سهولة النظم فيه لابد أن تأتي القصيدة فيه ركيكة مهلهلة الأبيات كما يحدث عند الكثير من الشعراء. لذلك يتجنب الفحول النظم فيه على العكس من البحور الأخرى كالكامل والوافر والبسيط حيث تأتي الأبيات قوية التركيب متينة الأبيات كأنها البنيان المرصوص. وأذكر أنني في بدء نظمي الشعر كنت لا أقوله إلا على بحر الرمل لسهولته،
ولكنني تركته بعد ذلك ولم أعد ألجأ إلى النظم فيه إلا ما ندر؛ حتى الموشحات الغنائية التي أكثر من النظم فيها أترك الرمل وألتزم مجزوءه - نظرا للإيقاع الموسيقى الذي فيه والجرس الراقص، أما شوقي فهو حتى في هذا البحر يبدع ويجيد - خذ مثلا قوله
ارفعي الستر وحيي بالجبين
…
وأرينا فلق الصبح المبين
واتركي فضل زماميه لنا
…
نتناوب نحن والروح الأمين
ألا يرى معي القارئ القوة والمتانة التي تتخلل الأبيات على سهولتها وعذب موسيقها؟ أيستطيع أحد مهما بلغ من المقدرة البيانية والبلاغية ومطاوعة اللغة والقوافي له أن يضع لفظة بدل أخرى!! أشك في ذلك لأن الفحول من الشعراء عندما ينظمون حتى على هذا الوزن لا يتركون فيما يقدمونه مغمزا لناقد فيه! وهكذا الحال عند شوقي على خلاف غيره من الشعراء عصره
قد يطول بنا القول إذا نحن قارنا بينه وبين غيره لأن المفاضلة والموازنه تحتاج إلى إيراد أمثلة تخرجنا عن الموضوع الذي نطرقه الآن، لذلك نترك ذلك الحديث إلى مجال آخر وعسى أن يكون ذلك في القريب
قلت في بدء الكلام أن القراء نشقوا في العدد الماضي عطر باقة من الأزهار أبي علي ويسرني الآن أن أتحفهم بإضمامة أخرى قطفها لهم من روضته وهي كما يرون نغمة ككل شعره العطر الندى، تزول جدة الدهور ولا تزول جدتها، فإن كان الورد لا تتفتح إكماله إلا في الربيع ولا يعبق نشره إلا في أيار، فإن شعر شوقي فواح الأريج في كل الفصول. فلنستاف إذا شذاه الموار
الشوقية الثانية
وهذه العصماء الثانية قالها شوقي في جمعية الشبان المسلمين حيث ألقيت في حفلتها التي أقيمت بدار الأوبرا الملكية في 14 شوال من عام 1347هـ - 1928م
لم يضع صاحب المجلة عنواناً للقصيدة ولم يذكر المناسبة التي قيلت فيها ولكن القارئ يدرك من فحواها أنها نظمت لأجل جمع الإعانة لدار الأيتام التي قامت ببنائها الجمعية المذكورة على حد قوله:
يا شباباً حنفاء ضمهم
…
منزل ليس بمذموم النزيل
يصرف الشبان عن ورد القذى
…
وينجيهم من المرعى الوبيل
أو قوله
رب عرس مر للبر بما
…
ماج بالخير وبالسمح المنيل
ضحك الأيتام في ليلته
…
ومشى يستروح البرء العليل
والتقى البائس والنعمى به
…
وسعى المأوى لأبناء السبيل
ومن أحق بالرعاية من اليتامى وأبناء السبيل؟ ومن غيره شوقي من الشراء عصره يستطيع أن يلهب أكباد الأثرياء حماسة ويضرب على المواطن الحساسة من شعورهم فيجودوا لهذا المشروع النبيل بالمال عن طيب خاطر؟
إذن لنستمع إلى صناجة القرن العشرين وهو يوقع على أوتار قيثارته أغاريد الخير والحق والحنان، في أسلوبه الموسيقى المشرق ونغماته العذاب إذ قال في. . .
مهرجان اليتيم
حبذا الساحة والظل الظليل
…
وثناء في فم الدار جميل
لم تزل تجزى به تحت الثرى
…
لجة المعروف والنيل الجزيل
صنع (إسماعيل) جلت يده
…
كل بنيان على الباني دليل
أتراها سدة من بابه
…
فتحت للخير جميلا بعد جيل
ملعب الأيام، إلا أنه
…
ليس حظ الجد منه بالقليل
شهد الناس به (عائدة)
…
وشجي الأجيال من (فردي) هديل
وائتلفنا في ذراها دولة
…
ركنها السؤدد، والمجد الأثيل
أيعنت عصرا طويلا وأتت
…
دون أن تستأنف العصر الطويل
كم ضفرنا الغار في محرابها
…
وعقداه لسابق أصيل
كم يدور ودعت يوم النوى
…
وشموس شيعت لا يوم الرحيل
رب عرس مر للبر بما
…
ماج بالخير وبالسمح المنيل
ضحك الأيتام في ليلته
…
ومشى يستروح البرء العليل
والتقى البائس والنعمى به
…
وسعى المأوى لأبناء السبيل
ومن الأرض جذيب وند
…
ومن الدور جواد وبخيل
يا شبابا حنفاء ضمهم
…
منزل ليس بمذموم النزيل
يصرف الشبان عن ود القذى
…
وينجيهم من المرعى الوبيل
اذهبوا فيه وجيئوا أخوة
…
بعضهم خذن لبعض وخليل
لا يضرنكم قلته
…
كل مولود وان جل ضئيل
أرجفت في أمركم طائفة
…
تبغ الظن عن الإنصاف ميل
اجعلوا الصبر لهم حيلتكم
…
قلت الحيلة في قال وقيل
أيريدون بكم أن تجمعوا
…
رقة الدين إلى الخلق الهزيل
خلت الأرض من الهدى ومن
…
مرشد للنشء بالهدى كفيل
فترى الأسرة فوضى وترى
…
نشئاً عن سنة البر يميل
لا تكونوا السيل جهما خشنا
…
كلما عب، وكونوا السلسبيل
رب عين سمحة خاشعة
…
روت العشب، ولم تنس النخيل
لا تماروا الناس فيما اعتقدوا
…
كل نفس بكتاب وسبيل
وإذا جئتم إلى ناديكم
…
فاطرحوا خلفكم العبء الثقيل
هذه ليلتكم في (الأوبرا)
…
ليلة القدر من الشهر النبيل
مهرجان طوف (الهادي) به
…
ومشى بين يديه (جبرائيل)
وتجلت أوجه زينها
…
غرر من لمحة الخير تسيل
فكأن الليل بالفجر انجلى
…
أو كأن الدار في ظل الأصيل
أيها الأجواد لا تجزيكمو
…
لذة الخير من الخير بديل
رجل الأمة يرجى عنده
…
لجليل العمل، العون الجليل
أن داراً حطتموها بالندى
…
أخذت عهد الندى أن لا تميل
إلى هنا تنتهي القصيدة ويبدو فيها شوقي مرشدا ينصح شباب الجيل بعدم الطعن في العقائد لأن الطائفية من شأنها التفرقة، والأمة لا تستطيع الوثوب إلى الأمام ومما شاة ركب النهضة إلا بالاتحاد، وأن الأمة التي لا تستطيع أن تذهب أبنائها وتجد لهم سبل العيش والثقافة ما هي إلا أمة مقضي عليها لا محالة وخصوصا إذا جمع أبناؤها (رقة الدين إلى الخلق الهزيل) لأن (الأمم هي الأخلاق) والله دره حين يقول:
وليس بعامر بنيان قوم
…
إذا أخلاقهم كانت خرابا
فشوقي إذن هنا مصلح اجتماعي يلبس مسوح الوعاظ ليقدم نصائحه، وهكذا يجب أن يكون الشاعر الإنساني حيث يؤدي رسالته على الوجه الأكمل
عبد القادر رشيد الناصري
رسالة الشعر
الشاعر
أنت حب ورقة وحنان
…
ومن الحب عبقري الغناء
(تهدى إلى الكاتب الكبير الذي أغار الشعر من النثر، بما أراق عليه من العطر، وأشاع فيه من سحر، الأستاذ الجليل أحمد حسن الزيات بك)
(أنور العطار)
للأستاذ أنور العطار
واهب عاش خالد الأصداء
…
غمر الكائنات بالنعماء
للهوى قلبه، وللشجو عينا
…
هـ، وللعالمين سحر الحداء
طافت الأرض في رؤاه تصاويـ
…
ر ندايا بجدة ورواء
قيل لي صفه قلت: دنيا من الفـ_ن وكون من رفعة وزدهاء
ليس يدري غير التسامح دينا
…
فهو روح السخاء رمز الفداء
صاغه الله من حنان ورفق
…
ودموع وصبوة ووفاء
صور الطبع خير من صور الطب
…
ع وغنى في رقة وصفاء
يشرق البشر في محياه نضرا
…
ومن البشر أنفس الشعراء
ويرف المعني النبيل على اللف
…
ظ رفيف السنا على الأنداء
هو في حالتيه قيثارة النج
…
وى تسامت في ضحكها والبكاء
تذر النفس أدمعا وشعورا
…
ولهيبا كوقدة الرمضاء
ياله ساحرا تمرس بالسح
…
ر وأربي عليه في الافناء
ان تغنى مسترسلا ملك الأر
…
واح حتى تغيب في الاصفاء
كل معنى مثل الطبيعة باق
…
والمعاني أنى مناجم الحكماء
يا صدى الأنفس اللهيفة يا حا
…
مل عبء الهموم والأدواء
تنقل البرء للألى نشدوا البر
…
ء وفي القلب عالم من رثاء
هكذا الأنفس الكبيرة تحي
…
لسواها في فرحة واحتفاء
فإذا رمت أن تكون سعيدا
…
فتعهد مصائب الأشقياء
بسمات الحنان أفعل في الأن
…
فس من أي نائل وعطاء
تمحى الكائنات والفضل يبقى
…
وهو ارث العلياء للعلياء
وإذا راعك القضاء بخطب
…
فكن الثبت في صروف القضاء
واحي للشعر والهوى والتمني
…
واصحب العيش بالرضا والرجاء
قل إذا اهتجت في احتدام الليالي
…
والتحام الأرزاء بالأرزاء:
أنا ما عدت أستسيغ بكائي
…
مردت مرتي على البأساء
نقيت مهجتي من الوهن المز
…
ري ولم تحفل الأسى حوبائي
ونفضت الأعياء عني وصعب
…
أن يعيش الفتى بلا إعياء
وتهزأت بالحياة ولاقي
…
ت الرزايا بالنظرة الشزراء
وتقحمت غايتي غير هيا
…
ب صراع الدجنة السوداء
وهي النفس أن تثر تركب الصع
…
ب وتزحم منكب الجوزاء
فاعصفي يارياح، هامتي اليو
…
م تعرت عن صخرة صلداء
واصخبي واصرخي فلن تثلمي الده
…
ر اعتزامي ولن تفلي مضائي
من هبوب السموم أنفاسي السح
…
م ومن شعلة الشموس ردائي
ما أبالي الرمضاء وهي تلظى
…
بلهيب يفرى حشا الغبراء
أنا من زأرة الأسود أناشي
…
دي ومن جأرة الرياح ندائي
أنا هذى الصحراء في قلبها الثب
…
ت وفي هزئها من اللأواء
أنا دينا من المهابة والعز
…
م وكون يضج بالأنباء
لست أختار أن أكون تبيعا
…
أنا أسمى والمجد يسمى ورائي
عربي النجار من ذروة الحز
…
م ومن قمة العلي والاباء
يا دموع الضعاف، خير وأبقى
…
من شجا الدمع بسمة الأقوياء
ونعيم الحياة ملك الأشدا
…
ء قواها للمعشر الضعفاء
غًن يا أبن الغمام والجبل المله
…
م والظل والشذا والماء
غًن يا أبن الليل الموشح بالنو
…
ر وياأبن الضحى ويأبن المساء
غن يا أبن الوديان يا ابن الينابي
…
ع ويا ابن السماء والدأماء
غن يا ابن النجوم والقمر العا
…
شق والسفح والربا الشماء
عن يا ابن الفتح الذي انتظم الأر
…
ض وأولى طرائف الأشياء
غًن يا ابن الماضي المضمخ بالمج
…
د ويا ابن العروبة العرباء
غًن فالعالم الرحيب تسابي
…
ح هيامي من نشوة الإيحاء
صور الرحمة التي تغمر الكو
…
ن بغيض الأنداء ولآلاء
صور الحب والحنان على الأر
…
ض ونجوى الأصداء للاصداء
طف كهذا الربيع نشوان فرحا
…
ن غنى العبير جم البهاء
لح كهذا الصباح يختال جذلا
…
ن يعم الأكوان بالأضواء
بأبي القلب سامياً بالمزايا
…
يأبى الوجه طافحاً بالحياء
بأبي العبقرية الفذة البك
…
ر تلف الحياء بالكبرياء
أنا نشوان من نشيدك هيما
…
ن فهات اسقني وزد في انتشائي
هدهد القلب والهوى والأماني
…
بغناء باق على الآناء
وطن أنت ظاعنا ومقيما
…
لست والله بالغريب النائي
إنما الغربة التي ما تقضي
…
غربة الفكر والندى والعلاء
شاعر الخلد يا نشيد الأناشي
…
د ويا روعة الأماني الوضاء
لك لحن جم المناعم فيه
…
راحة النفس والقلوب الظلماء
هو فيض العقول والفطرة السمح
…
ة وأين الطبيعة السجواء
لا يغني سوى الجمال ولا يع
…
رف غير الحقيقة الغراء
خيره كالربيع صاف شهي
…
طافح بالطيوب والأشذاء
لم يزل ينشد الوضوح ويبغي
…
الشعر خلوا من زخرف وطلا
لك من روضه الظليل المندى
…
مثل ما للربيع من أفياء
عبق يغمر السماوات والأر
…
ض ويزهي بمطرف وشداء
حافل بالعبير آذار ندا
…
هـ وأغفى على البطاح الرواء
كل زهر في الكون يذوي ويفنى
…
غير زهر القريحة الغناء
درج الليل والنهار
…
حثيثين وملا من روحة واغتداء
وأصاب الحياة عادي المنايا
…
فتوارت عن نفسها بخباء
وأطل البيان من رفرف الخ
…
لد عتيا على الردى والعفاء
لم يزل عطره يروح ويغدو
…
وهو زاد الحياة والأجيال
هو باق على امتداد الليالي
…
والليالي إلى هوالك ونوائي
هات يا شاعر النهي نبه القو
…
م وحدث بالدمعة الحمراء
شاعر الحب شد قيثارة الشع
…
ر وغًن الحمى لحون السماء
أيها الموقظ النفوس من الض
…
يم ومردى جحافل البغضاء
انفح الكون بالعظائم تترى
…
فالعظيمات نفحة العظماء
أيها العبقري يا روعة الفك
…
ر ويا رفرف السنا والسنا
أنت حب ورقة وحنان
…
ومن الحب عبقري الغناء
خالد أنت والعوالم تفنى
…
لا يذوق الخلود طعم الفناء
أيها الشاعر الذي عاش لحنا
…
وسرى كالعبير في الأرجاء
زهر أنت يغمر الكون بالعط
…
ر وحلم موشح بالضياء
يا نجي القلوب يا جدول البش
…
ر بسفح الخميلة الغيناء
منك صغت القريض لحناً شجيا
…
وتفردت في بديع أدائي
كرمتك الأجيال يا رفة الخ
…
لد وأولتك روضة من ثناء
فلئن صاغت القريض عقودا
…
فبما صغت يا شعاع البقاء
هات منك البيان سمحا طروبا
…
خيرا نيرا كقلب الفضاء
لا يوفي القصيد مهما تغني
…
ما دناني تكفي ولا صهبائي
أنور العطار
الكتب
دواوين الشعراء الستة الجاهليين
شرح الأستاذ عبد المتعال الصعيدي وتنسيقه
نشر مكتبة القاهرة سنة 1952. ص 376 من القطع المتوسط
الدكتور زكي المحاسني
عناية الأدباء المحدثين بأدب لغتهم القديم دليل على أصالة ذلك الأدب. وأيما أمة أطرحت أصول أدبها فإنما هي قد جزت جذورها، وأنكرت أنسابها، فضاعت بين سمع الأرض وبصرها. وما شيء كان أجدر بالعناية في أدبنا العربي من الشعر الجاهلي، لأن فيه نبعة التراث الروحي لأدب الأمة العربية. وهذا سر عكوف الأقدمين على دراسة هذا الشعر يجمعونه ويمحصون فيه، ويروون قصائده، ويروقون رواياتها. ولقد عاق التلهف على دراسة الشعر الجاهلي في الفترة الحديثة ما طلع به بعض الأدباء من إنكار لصحة هذا الشعر، وما زعم الزاعمون من أن هذا الإنكار مرده دراسات لبعض المستشرقين. وإن الصواب الذي لا أرتاب فيه أن هذا الشك ذاته قد سبق الناس إليه الأصمعي وقد بان لي أن من عند الأصمعي كان مولد هذا الشك حين اختلفت لديه أبواب الرواية في الشعر الجاهلي، واضطراب الأسانيد في بعض أنحائه. وقد ترك السبيل مفتوحة أمام ذوى الشك في الأدب خلو النصوص الجاهلية للشعر من التقييد الحجري. فلو أن شعراء المعلقات بديلاً من أن تكتب لهم معلقاتهم على رقاق الغزلان بماء الذهب وتعلق على الكعبة قد نقشوها في الحجارة، لما تركوا سبيلاً لذلك الشك والارتياب الذي كدر علينا في فسحة من الزمن
نقاء الشعر الجاهلي
إن الدكتور طه حسين حين أنكر الشعر الجاهلي سنة 1926 كان كمن جاء إلى أسرة فيها الزوج الوقور والأم الحنون والولد المطيع، وهم جميعاً في خير وطمأنينة، فقال للأبوين أن ابنكما هذا مدخول النسب. قالها قولة جارفة فأقض على الأسرة مضاجعها، وهدم بناءها. ولم تكن أداته أكثر من شك وارتياب. ومن المحمود للدكتور طه حسين بعد ذلك أنه اعتلى
منبراً في جامعة فؤاد الأول سنة 1945 سمعته وشهدته يقول من فوقه فيدلى باعترافات أدبية جديدة في أنساب الشعر الجاهلي الذي صح عنده أنه يمثل في تاريخنا الأدبي أدبا كلاسيكيا قديما. وقد أمسك بيده الأستاذ الفاضل عبد الوهاب حمودة قبل أن يغادر ذلك المنبر وصاح في الناس أيها الجامعيون أن طه حسين الذي أنكر الشعر الجاهلي يعترف به اليوم يرد إليه اعتباره.
هذه خواطر دارت بفكري وأنا أقلب كتابا حديثا فيه دواوين الشعراء الستة الجاهليين شرحه ورتبه صديقنا الأستاذ الجليل عبد المتعال الصعيدي. ومن المقطوع به أن يكون بدء الكلام على امرئ القيس وختامه على عنترة. وقد نسب شرح هذه الدواوين في أصلها إلى ثلاثة من علماء الأدب القديم أشهرهم الأعلم الشمنتري من سانتا ماريا بالأندلس. وفي عصرنا تناول هذه الدواوين بالشرح أحد فضلاء العلم في جامعة فؤاد الأول هو الأستاذ مصطفى السقا. حتى إذا حانت عناية الأستاذ عبد المتعال الصعيدي. ومن المقطوع به أن يكون بدء الكلام على امرئ القيس وختامه على عنترة. وقد نسب شرح هذه الدواوين في أصلها إلى ثلاثة من علماء الأدب القديم أشهرهم الأعلم الشنتمرى من سانتا ماريا بالأندلس. وفي عصرنا تناول هذه الدواوين بالشرح أحد فضلاء العلم في جامعة فؤاد الأول هو الأستاذ مصطفى السقا. حتى إذا حانت عناية الأستاذ عبد المتعال الصعيدي بالشعر الجاهلي أخرج هذا الكتاب بطبعة جديدة تضم هذه الدواوين بتناول ميسور. وعنى بشرحها على صورة موجزة كثيرة الجدوى. فهو يعطيك في معنى البيت على استغلاق وجهه وغرابة لفظه، شرحا موفيا للغرض من أقرب سبيل. وقد قدم لكل شاعر من هؤلاء الستة وهم امرؤ القيس فعلقمة فطرفة فالنابغة الذبياني فزهير فعنترة بنبذ يسيرة مكثفة، ألم فيها بتاريخ الحياة ثم بلمحات ثابتة في دراسة الشعر وتحقيق الرواية. والذي كنت أتمناه عليه، وقد يكون مطلوبا منه صنعه، أن يكون قد كتب لهذه الدواوين مقدمة، وإنما كتب تقديما في سطور. فهو لم يذكر رأيه في الشعر الجاهلي، ولم يتناول قضية هذا الشعر، وقد شغلت الناس زمنا في القديم وفي الحديث. كما لم يفضل شاعر على شاعر وإنما قصر همه على الشرح وحده. وذلك ضرب من ضروب التأليف الذي عرف في عصرنا الحديث ولدى الأقدمين، وقل شبيهه في الأدب عند الغربيين. فليس شائعا عندهم نشر ديوان للشعر ديوان للشعر مقصور
على الشرح لألفاظه، وإنما لديهم الناشرون من الأدباء الذين يكثر تناولهم الدواوين بالدراسة والتعليق مع الشرح والتفسير، وقد تعذر الأقدمين منا والمحدثين في هذا الضرب من التأليف إذ المعول فيه على إبراز النصوص القديمة كما جاءت دون التقول فيها. وهذا مذهب أدبي له دعاته. فللنصوص القديمة حرمة لا ينبغي أن تمس بتقويل.
والقصد الذي ينبغي أن يدكه دارسوا هذه الدواوين هو الوقوف على صحيح معانيها لتمثل الشعر الجاهلي واهتضمامه في الفكر والإحساس. وحين يقنع المتأدبون المحدثون أن الرجعة إلى الشعر الجاهلي هي قوام الأدب العربي كله، وأن صفاء ذلك الشعر ونقاء معانيه هو الشعاع الأول الذي ينبغي أن تستمد منه كل روح في كل شعر عربي؛ فقد حملوا رسالة الأدب لا في العصر الحديث فحسب؛ وإنما في سائر العصور الأدبية التي توالت على العرب. وإني لأعد الشعر الجاهلي ضمان لغة العرب في الشعر، وناظم روحها الأصيلة مهما تجدد الأدب، وتطور الشعر والأستاذ الكبير عبد المتعال الصعيدي إلى إكبابه على التأليف في الموضوعات الدينية والأدبية التي اتسمت بالدقة والإحكام جدير بالثناء على جهده الذي بذله في شرح دواوين الشعراء الجاهليين وعنايته بتبسيط المعاني للطلاب خاصة وللقراء عامة
زكى المحاسني
البريد الأدبي
المدرسة الصلاحية
حمل إلى بريد الكنانة الأخير هدية غالية من هدايا صديقنا الأستاذ أحمد أحمد بدوي المدرس بكلية دار العلوم بجامعة فؤاد الأول وهي الجزء الأول من مؤلفه القيم (الحياة العقلية في عصر الحروب الصليبية بمصر والشام) ولا أريد في هذه الكلمة أن أذكر قيمة الكتاب من الناحية التاريخية لأن مثل هذا المؤلف الضخم الذي اعتمد علامتنا البدوي على أكثر من (202) مرجع في تأليفه يحتاج إلى دراسة طويلة وقريبا متقنة؛ وخاصة أن لهذا الجزء بقايا تحت الطبع، كما أنني لا أريد أن أعرف الأستاذ البدوي فهو غنى عن التعريف بمؤلفاته ومترجماته وبحوثه النادرة التي نشرها وما زال ينشرها الصحف ويذيعها على الناس. وقراء (الرسالة) الزاهرة لا شك يعرفونه جيدا ولكني أحببت وأنا أقرأ كلامه عن المدرسة الصلاحية المنشور في الصفحة (43) من كتابه النفيس أضيف إليها هذه النبذة الموجزة التي نشرتها مجلة (الزهراء) الجزء السادس سنة 346 هـ - 927 م وهي:
(هي مدرسة إسلامية أقامها السلطان صلاح الدين الأيوبي لفقهاء الشافعية منذ القرن السادس الهجري وقد زارها رصيد السيد عمر الطيبي وقرأ على بابها الكبير منقوشاً في الحفل السطور الخمسة الآتية
(1)
- بسم الله الرحمن الرحيم. وما بكم من نعمة فمن الله
(2)
- هذه المدرسة المباركة أوقفها مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام
(3)
- والمسلمين أبي المظفر يوسف ابن أيوب بن شاذ محي دولة أمير المؤمنين أعز الله
(4)
- أنصاره وجمع له خير الدنيا والآخرة على الفقر من أصحاب الإمام أبي عبد الله
(5)
- محمد بن إدريس الشافعي رضى الله عنه. في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة
واستمرت هذه المدرسة إسلامية سبعمائة سنة ثم سعي الفرنسيون سنة 1856 م لدى السلطان عبد الحميد بانتزاعها من أيدي المسلمين بحجة أنها كانت في الأزمان القديمة كنيسة على اسم حنه أم سيدتنا مريم عليهم السلام، فأذن لهم السلطان عبد الحميد بأخذها، وجعلها هدية منه إلى نابليون الثالث، فاتخذها الفرنسيون داراً للتبشير بالمذهب الكاثوليكي.
ولما أعلنت الحرب العظمى ووضع الترك أيديهم علىما لرعايا دول الحلفاء من مدارس ومعاهد أعادوا هذا البناء إلى تصرف المسلمين وجعلوا فيه (الكلية الصلاحية) التي كان يديرها الأستاذ الشيخ عبد العزيز شاويش. فلما انتهت الحرب العظمى بانكسار الترك واستيلاء الإنكليز على القدس أعطى الإنكليز هذه الدار إلى البعثة الفرنسية وهي الآن مدرسة لتخريج الرهبان الكاثوليك.
بغداد
عبد القادر رشيد الناصري
للمعري لا للمتنبي
أورد الأستاذ احمد الشرباصي هذا البيت:
فيا موت زر أن الحياة ذميمة
…
ويا نفس جدي أن دهرك هازل
منسوبا إلى المتنبي والصواب أنه لأبي العلاء المعري من قصيدته المشهورة التي مطلعها: -
(ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل) ومثل الشرباصي في فضله وعمله لا يفوته ذلك ولابد أنه سبق قلم سببه تأثر الأستاذ أثناء رده. وقد انتظرت حتى صدر العدد التالي 990 وما بعده الأستاذ يصحح هذا الوهم. فلما لم أجد ما توقعته بكتابة هذا راجيا نشره مع خالص الشكر.
عبد السلام النجار
تصحيح
طالعت في العدد 986 من الرسالة مقال الدكتور الكفراوي عن أبي العتاهية فاسترعى انتباهي قوله في آخر المقال: قال الشاعر مشيرا إلى جواري المهدي
رحن في الوشي وأصبحن عليهن المسوح
كل نطاح من الدهر له يوما نطوح
نح على نفسك يا مسكين أن كنت تنوح
لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح
والذي نعرفه أن أبا العتاهية قال هذه القصيدة وهو في السجن لما آلم لحن الملاحين في دجلة الخليفة الرشيد فأرسل إليه أن يصنع لهم شعرا سهلا يتغنون به فغاظه أن يطلب إليه ذلك ولم يأمر بإطلاقه فصنع هذه القصيدة لينغص عليه عيشة ومطلعها
خانك الطرف الطموح
…
أيها القلب الجموح
هل لمطلوب بذنب
…
توبة منه نصوح
فمن هنا نعلم أن القصيدة قيلت في عهد الرشيد لا المهدي كما يقول الدكتور وأن الإشارة إلى جواري الرشيد.
محمد إبراهيم الجبوشي
دار العلوم
أشكر للأستاذ الشاعر أحمد العجمي عنايته بشعراء الشباب وأتوقع لها أثرا طيبا وان قد ذكر في العدد (987) من الرسالة الغراء أن في الاستطاعة أن يحصي الناقد خمسة عشر شاعرا من دار العلوم أيام أن كانت مدرسة، أما بعد أن صارت كلية جامعية فلا يستطيع أحد أن يحصى شاعرا أو اثنين، فيسره أن يعرف أن السبب في ذلك هو أن الفترة التي قضها دار العلوم وهي مدرسة فترة طويلة جدا كفيلة بأن تنجب فيها ما تشاء من الشعراء، أما التي قضتها وهي كلية جامعية فهي فترة وجيزة لا تكفي لإشهار شعراء يعدون ويحصون
على إنني أرى أن هناك أزمة شعرية في الأيام الأخيرة في جميع المعاهد الأدبية. ومرد ذلك - فيما اعتقد - إلى أن الصحافة وهي المنبر الذي يذيع عليه الشعراء الناشئون أشعارهم أصبحت يضيق صدرها بالشعر والشعراء ولا سيما الناشئين منهم، فبعض الصحف تنشر القصائد في صفحة الغلاف بشكل يوحي بالإهمال، والبعض الآخر يفرد لها حيزا محدودا جدا يستوعبه في الغالب من اشتهر من الشعراء! بربك ماذا يفعل الشعراء الذين يريدون أن يظهروا؟
أيلجئون إلى طبع أشعارهم في دواوين وهم في الغالب لا يملكون من المال والشهرة ما يساعد على ذلك؟!
أم ينطوون على أنفسهم يقولون الشعر لا يسمعه أحد حتى يملوا هذا الوضع فيطمر ينبوع الشعر في نفوسهم؟
إننا نرى كل فن من فنون الأدب قد خدم الخدمة اللائقة به، فالمقالة تعج بها معظم الصحف، والقصة أفردت لها صحف خاصة، بقي الشعر والشعراء المساكين
إني لأذكر بالخير ذلك العهد الذي كانت تقوم فيه مجلة (أبو لو) على خدمة الشعر الحي. واعتقد أنها أفسحت لكثير من الشعراء الناشئين طريقهم حتى برزوا وجلوا في ميدان الشعر. فهل إلى بعث هذه المجلة أو ما يشبهها من سبيل حتى تتفتح براعم من شعراء الشباب أوشكت أن تموت؟
محمد علي جمعة الشايب
أدب لغة
1 -
كسول: صنيع اللغويين يشعر بأن كسولا من الأوصاف المختصة بالإناث، قال جار الله في الأساس - كسل: وامرأة كسلى، وهي مكسال وكسول ونحوه في المختار والمصباح والتاج والقاموس واللسان واكثر المعاجم التي رجعت إليها، ومن ثم ذهب كثيرا من الخاصة إلى تخطئة مثل هذا التعبير (تلميذ كسول)
بيد أني وقعت في لسان العرب مادة - زمل - على هذا البيت:
فلا وأبيك ما يغني غنائي
…
من الفتيان زميل كسول
وهذا نص لا يحتمل التأويل ينادي بصحة ما خطأه بعض الباحثين. ولعل من يتتبع كلام العرب يقف على اكثر من شاهد لهذا الاستعمال. ولا يعزين عن البال أن كتب اللغة لم تلزم الإحاطة بكل ما نطقت به العرب، فدون هذا خرط القتاد كما يقولون. على أنه يمكن أن نلتمس عذرا لصنيع اللغويين في أن النص على - امرأة كسول - من قبيل النص على البعيد المتوهم - لا من قبيل البيان لما يجوز حتى يمنع ما عداه، وعلى هذا أرى أن لفظة - كسول - مما يوصف بها المذكر والمؤنث على السواء، وليست مختصة بأحدهما
2 -
كسلان: أما كلمة - كسلان - فقد يتبادر إلى الذهن بادئ كسلان الرأي إنها عامية أو خاطئة وان هي إلا فصيحة، وقد وردت في تضاعيف قصة أديبة نرويها لقراء الرسالة
لطرافتها ولما فيها من جمال وإبداع
روى المبرد أن عمر الوادي سمع عبدا أسود يغني، فأعجب به، وطلب إليه أن يعيد عليه ما سمع، فقال العبد: والله لو كان عندي قرى أقريك ما فعلت، ولكني أجعله قراك، فإني ربما غنيت هذا الصوت وأنا جائع فأشبع، وربما غنيته - وأنا كسلان - فإنشط، وربما غنيته وأنا عطشان فأروى، ثم أنبرى يغني:
وكنت إذا ما زرت سعدي بأرضها
…
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها
…
إذا ما قضت أحدوثة لو تعيدها
تحلل أحقادي إذا ما لقيتها
…
وتبقى بلا ذنب على حقودها
وكيف يحب القلب لا يحبه
…
بلى قد تريد النفس من لا يريدها
3 -
نسوان: وقد وردت هذه الكلمة التي تتردد على السنة العامة - وقد تنفر الأسماع منهافي شعر يسحر اللب ويأخذ بمجامع القلوب، قال كلثوم العتابي.
تلوم على ترك الغنى بأهلية
…
لوى الدهر عنها كل طرف وتالد
رأت حولها - النسوان - يرفلن في الكسا
…
مقلدة أجيادها بالقلائد
العقد ج3 ص 159
وقال الحكم بن معمر - عامر ابن ميادة -:
فوالله ما أدري أزيدت ملاحة
…
وحسنا على النسوان أم ليس لي عقل
فساهم ثوباها، ففي الدرع غادة
…
وفي المرط لفاوان ردفاهما عبل
الأغاني ج2 ص 286
وقال الهمذاني (الأجدع أبو مسروق بن الأجدع الفقيه)
لقد علمت نسوان همدان إنني
…
لهن غداة الروع غير خذول
وأبذل في الهيجاء وجهي وإنني
…
له في سوى الهيجاء غير بذول
(تهذيب الكامل ج2 ص93)
وقال ابن مقبل:
أصوات نسوان أنباط بمصنعة
…
يجدن للنوح واجتبن التبابينا
(الأساس - صنع)
رياض عباس
القصص
الخادم
للكاتب العظيم سيمونوف
عاد جيرازيم إلى موسكو حين كان يتعذر الحصول على عمل فيها، وذلك قبل عيد الميلاد بأيام قلائل. وفي هذه الفترة كان كل عامل يتمسك بعمله مهما كان حقيرا، طمعا في الحصول على هدية من مخدومه. وهكذا قضى الشاب الفلاح ثلاثة أسابيع دائبا في البحث عن مهنة ولكنه لم يوفق.
وكان يعيش مع أقاربه وأصدقائه الذين نزحوا مع قريته. ولم يكن في فقر مدقع، ولكنه يغتم لرؤية شاب قوي مثله يحيا بغير عمل.
وقد عاش جيرازيم في موسكو منذ حداثته. وعندما كان طفلا كان يشتغل بغسل الأواني في معمل من معامل البيرة، ثم اشتغل بعد ذلك خادما في أحدا المنازل. وفي السنتين الأخيرتين كان يعاون أحد التجار، ولولا أنه دعي إلى قريته لسبب يتعلق بالخدمة العسكرية لبقى حيث كان إلى الآن. ولسبب ما لم يقبل جيرازيم جنديا. ولما لم يكن معتادا حياة الريف فقد بدت القرية لعينيه في حلة من الكآبة، وصمم على الرجوع إلى موسكو مهما كانت النتائج.
وكل دقيقة تمر كانت تزيد ملله من جوب الطرقات في فراغ وبطالة. ولم يترك جيرازيم أي سبيل للعمل إلا طرقها. ولقد ضايق جميع معارفه بإلحافه، وأحيانا كان يتصدى للمارة ويسألهم إذا كانوا يعرفون سبيلا إلى عمل خال
ولم يعد يحتمل جيرازيم أن يكون عالة على الناس. وقد اصبح وجوده يغيظ بعض مضيفيه. وتعرض بعض الخدم الذين كان ينزل عليهم لتأنيب مخدوميهم إياه بسببه. لقد كان في حيرة تامة لا يدري ماذا يفعل. وأحيانا كان يجوب في الطرقات النهار كله دون أن يتناول طعاما
وفي أحد الأيام ذهب جيرازيم إلى صديق له من أبناء قريته، يعيش على حدود موسكو. وكان هذا الصديق حوذيا عند رجل يدعى شاروف، وقد مضى عليه أعوام كثيرة في خدمة شاروف وقد أفلح في أن يستحوذ على محبة سيده فأصبح يأمنه على كل شيء ويبدي له دلائل الرضا. ولعل لسانه الفتيق هو الذي كسب له ثقة سيده فقد كان يشي بكل الخدم،
وكان شاروف يقدره من اجل ذلك.
وتقدم جيرازيم وحياه، واستقبل الحوذي صديقه استقبالا مناسبا وقدم إليه شايا وبعض الطعام ثم سأله عما يفعله فأجابه:
- في أسوأ الأحوال يا يجور. أني أعيش بدون عمل منذ أسابيع ألم نسأل مخدومك القديم أن يستعيدك إليه؟
- لقد سألته
- أو لم يقبل؟
- هناك من حل محله
آه. . . هذا هو السبب. تلك هي خطتكم أيها الشبان. تخدمون رؤسائكم حيثما اتفق، فإذا تركتم مهنتكم تكونون قد سددتم طريق الرجوع إليها بالأوحال. إلا يجب أن تقوموا بواجباتكم بحيث تنالون التقدير الحسن، فإذا رجعتم إلى مخدوميكم لا يهملونكم - بل يخرجون من حل محلكم. . .
- وكيف يكون ذلك؟ إنك لا تجد مخدومين على هذه الشاكلة في هذه الأيام كما إننا لسنا بملائكة!
- وما فائدة الكلام؟! إني أريد أن أحدثك عن نفسي: إذا حدث أني تركت عملي لسبب من الأسباب ورجعت إلى منزلي، فالسيد شاروف يقبلني عندما أرجع ويكون سعيدا بقبولي وجلس جبرازيم. لقد لاحظ أن صديقه يباهي بنفسه ورأى أن يسايره فقال:
- إني أعرف ذلك ولكن من العسير وجود رجل مثلك يا يجور. ولم لو تكن من أجود الخدم ما أبقاك سيدك في خدمته أثني عشر عاما
فابتسم يجور لأنه كان يحب المدح وقال:
- ذلك هو الواقع. لو انك اتبعت نظامي في الحياة والعمل ما وجدت نفسك عاطلا شهرا بعد شهر
ونادى شاروف حوذيه فخرج وهو يقول
- أنتظر برهة. . سأرجع حالا
- حسن جدا
عاد يجور وأخبر صديقه أن عليه في خلال نصف ساعة أن يعد العربة ويسرج الخيل ويستعد لحمل سيده إلى المدينة. وأشعل يجور بيته وأخذ يذرع أرض الغرفة ثم وقف فجأة أمام جيرازيم وقال:
- أستمع يا بني، إذا رغبت أن احدث السيد شاروف عنك فلا بأس؟
- وهل هو في حاجة إلى خادم؟
- لدينا خادم غير كفء تقدم به العمر ومن المتعذر عليه القيام بالخدمة. ومن حسن الحظ أن هذه الضاحية غير مأهولة - كما أن رجال البوليس لا يدققون كثيرا، وإلا لما استطاع الخادم الشيخ أن يحتفظ بالمكان على حالة من النظافة ترضيهم
- آه. . لو أمكنك، حدثه على يا يجور - أني سأدعو لك طول حياتي. . لم اعد أحتمل العيش بدون عمل.
- حسن. سأحدثه عنك. تعالى غدا. والآن يحسن أن تأخذ هذه الدريهمات
- شكرا يا يجور. هل ستحدثه عني؟ قم بهذا الجميل من أجلي.
- حسن سأحاول!
وانصرف جيرازيم وأعد يجور العربة وارتدى ملابسه الخاصة بمهنته وقاد العربة إلى الباب الرئيسي للمنزل حيث ركب شاروف ثم آب إلى منزله. ولاحظ يجور أن سيده على شيء من البشاشة فبدأ حديثه معه
- هل لي أن أسألك معروفا؟
- وماذا تطلب؟
- شاب من قريتي، شاب طيب. . . ليس لديه عمل
- حسن!
- ألا تلحقه بخدمتك؟
- ألحقه على أن يقوم بأي خدمة تطلب منه
- وماذا يعمل بوليكار؟
- وما فائدة بوليكار؟؟ لقد حان أوان فصله
- ليس من العدل فصله. لقد خدمنا سنوات. فلا أستطيع طرده بدون سبب
- ولنفرض أنه اشتغل بخدمتك سنوات، أنه لم يخدمك بغير أجر. لقد كان يتناول مرتبا، ومن المؤكد أنه ادخر بعض المال لسني شيخوخته
- أدخر؟ كيف يمكنه ذلك، أنه ليس وحيدا في الدنيا: لديه زوجة يعولها وهذه مضطرة أن تأكل وتشرب أيضاً
- إن زوجته تكسب أيضا. إنها أجيرة باليومية. ولم تعير بوليكار وزوجته اهتماما؟ حقا أنه خادم فقير، ولكن لم تبعثر أموالك؟ أنه لا يؤدي عمله كما يجب. وعندما تحين نومته في حراسة المنزل يترك مكان الحراسة اكثر من عشر مرات أثناء الليل. لم يعد يحتمل البرد وقد يكدرك البوليس بسببه يوما. قد يهبط المفتش علينا يوما، وعندئذ لن يسرك أن تكون مسؤولا عن نتائج إهمال بوليكار
- ومع ذلك ففصله قسوة واستهتار. لقد خدمنا خمسة عشر عاما، وبعد هذه المدة نعامله هذه المعاملة الفظة في شيخوخته. إنها لخطيئة.
- خطيئة؟ هل يصيبه منك ضرر؟ أنه لن يموت جوعا بل سيذهب إلى ملجأ الفقراء. وهذا أجدى عليه. هناك يقضى شيخوخته في سلام
وأخذ شاروف يفكر في المشكلة ثم قال.
- حسن. دع صديقك يحضر غدا. وسأرى ما يمكنني أن افعل له
- أرجوا يا مولاي أن تلحقه بخدمتك. كم أنا حزين له!
يا له من شاب خيرا ومع ذلك فهو عاطل منذ أمد طويل. أنه سيؤدي واجبه على أكمل وجه وسيخدمك بإخلاص: لقد ترك عمله الأول بسبب الخدمة العسكرية ولولا ذلك ما تركه مخدومه الأول
عاد جيرازيم في المساء التالي وسأل صديقه:
هل أمكنك أن تقوم بشيء في سبيلي؟
- نعم. . . . على ما اعتقد: دعنا نتناول بعض الشاي أولا وبعد ذلك نذهب لمقابلة سيدي
ولم يكن جيرازيم بالراغب في شرب الشاي: لقد كان متشوقا إلى معرفة ما قر عليه أمره ولكن مقتضيات الواجب واللياقة نحو صديقه أجبرته أن يشرب قدحين من الشاي، أخذه بعدها صديقه إلى رب الدار.
وسأل شاروف جيرازيم عن مكان مسكنه وعن مخدوميه السابقين ثم أخبره بعد ذلك باستعداده لقبوله خادما عاما يؤدي كل ما يطلب منه وأن يأتي صباح اليوم التالي ليبتدئ عمله. وأذهل جيرازيم هذا المفاجئ وكان فرحه عظيما حتى أن قدميه لم تقويا على حمله، وبعد برهة رجع جيرازيم إلى غرفة الحوذي.
وقال له الحوذي: (حسن يا بني يجب أن تعنى بأن تؤدي واجبك على الوجه الأكمل حتى لا أضطر يوما إلى الخجل بسببك، أنت تعرف من هم السادة إذا قصرت مرة تعقبوك دائما بالبحث عن أغلاطك ولن يدعوك في سلام أبدا.
- كن مطمئنا يا يجور
وانصرف جيرازيم وعبر في طريقه فناء المنزل، وكانت غرفة بوليكار تطل على هذا الفناء وكان ينبعث منها نور ضئيل يضئ طريق جيرازيم الذي شعر بالشوق إلى رؤية الغرفة التي ستخصص له، ولكن زجاج النافذة كان مغطى بالصقيع بحيث يتعذر رؤية أي شيء خلاله. وسمع جيرازيم أصواتا تنبعث من الغرفة فوقف يتستمع. سمع صوتا نسائيا يقول (ماذا نفعل الان؟) فأجاب رجل - وكان بوليكار لاشك:
- لست ادري. . لست ادري نطوف الشوارع مستجدين
- هذا كل ما بقي لنا. وما من حيلة أخرى. بالله لنا، نحن الفقراء! أي حياة تعسة نحياها؟ نكد ونكدح من الصباح الباكر حتى الليل يوما بعد يوم وعاما بعد عام، وعندما تتقدم بنا السن تتضور جوعا.
- ماذا نفعل؟ إن سيدنا ليس من طبقتنا ولا جدوى في الذهاب والتحدث إليه. أنه لا يهتم إلا بمصلحته.
- كل السادة على مثل هذه الحالة. انهم لا يهتمون إلا بأنفسهم، لا يخطر ببالهم أننا نعمل بشرف وإخلاص مدى سنوات، نفى زهرة قوانا في القيام بخدمتهم ثم يخشون أن يبقونا عاما آخر، حتى ولو كانت لدينا للقيام بواجباتهم. فإذا عجزنا تماما وجب علينا أن ننصرف من تلقاء أنفسنا.
- إن شاروف لا يلام بقدر ما يلام حوذيه الذي يود الحصول على مهنة لصديقه.
- نعم. . . . يا له من ثعبان! أنه يعرف كيف يشقشق بلسانه. . . . وأنت يا يجور أيها
الحيوان القذر اللسان. . . . انتظر، سأنتقم منك، إني سأذهب إلى السيد وأخبره كيف كان هذا الوغد يغشه وكيف يسرق التبن والعلف. وسأقنع السيد أن هذا الوغد يكذب في كل ما ينقله عنا
- لا لا: أيتها المرأة لا ترتكبي خطيئة.
أية خطيئة؟ أو ليس حقا ما اقوله؟ أنني أعرف صدق ما سأتحدث به وسأفضي بكل شيء للسيد. ولم لا؟ ماذا نفعل الآن؟ أين نذهب؟ لقد حطمنا، وانفجرت المرأة باكية متأوهة سمع جبرازيم الحديث كله وكأن خنجر نفذ في أوصاله.
لقد تحقق أي بلاء كان يجره إلى هذين الشيخين وشعر أن قلبه يتمزق وقف حيث كان زمنا طويلا محزونا غارقا في الفكر، ثم دار على عقبيه وذهب ثانية إلى غرفة الحوذي الذي سأله عندما رآه.
- هل نسيت شيئا
وأجاب جيرازيم متلعثما: لا. . . لقد أتيت. . . أستمع إلي. . .
أود أن أشكرك كثيرا على حسن استقبالك أياي، وكل ما عانيته من أجلي. . ولكني لا أقبل العمل هنا.
- ماذا؟ ماذا تعني؟
لا شيء. لا أرغب في العمل هنا، سأبحث عن عمل آخر. وانتابت يجور حدة غضب وقال:
- هل تعني أن تجعلني مجنونا في رأي سيدي؟ هل تعنى ذلك أيها الأبله؟ لقد أتيت تتضرع في وداعة وترجو المساعدة.
والآن ترفض العمل. أيها الوغد لقد أخزيتني!
وصعد الدم إلى الوجه جيرازيم وخفض عينيه ولكنه لم ينبس ببنت شفة.
وأدار يجور ظهره في احتقار وكف عن الكلام وعندئذ ألتقط جيرازيم قبعته بهدوء وترك غرفة الحوذي وعبر الفناء مسرعا ثم اجتاز باب المنزل وابتعد عن الدار مهرولا
وكان يشعر بالسعادة والفرح. . .
ن. ع. م