الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 997
- بتاريخ: 11 - 08 - 1952
العبيد.
.
(هذا المقال منع من النشر في عهد الطغيان. وهو اليوم هدية
للأحرار الذين طهروا الوادي وكرموه)
للأستاذ سيد قطب
ليس العبيد هم الذين تقهرهم الأوضاع الاجتماعية، والظروف الاقتصادية، على أن يكونوا رقيقا، يتصرف فيهم السادة كما يتصرفون في السلع والحيوان، إنما العبيد الذين تعفيهم الأوضاع الاجتماعية والظروف الاقتصادية من الرق، ولكنهم يتهافتون عليه طائعين!
العبيد هم الذي يملكون القصور والضياع، وعندهم كفايتهم من المال، ولديهم وسائلهم للعمل والإنتاج، ولا سلطان لأحد في أموالهم أو أرواحهم. . وهم مع ذلك يتزاحمون على أبواب السادة، ويتهافتون على الرق والخدمة، ويضعون بأنفسهم الأغلال في أعناقهم، والسلاسل في أقدامهم، ويلبسون شارة العبودية في مباهاة واختيال!
العبيد هم الذين يقفون بباب السادة يتزاحمون وهم يرون بأعينهم كيف يركل السيد عبيده الأذلاء في الداخل بكعب حذائه. كيف يطردهم من خدمته دون إنذار أو إخطار. كيف يطأطئون هاماتهم له فيصفع أقفيتهم باستهانة، ويأمر بإلقائهم خراج الأعتاب، ولكنهم بعد هذا كله يظلون يتزاحمون على الأبواب، يعرضون خدماتهم بدل الخدم المطرودين، وكلما أمعن السيد في احتقارهم زادوا تهافتا كالذباب!
العبيد هم الذين يهربون من الحرية، فإذا طردهم سيد بحثوا عن سيد آخر، لأن في نفوسهم حاجة ملحة إلى العبودية. لأن لهم حاسة سادسة. . أو سابعة، حاسة الذل. . لابد لهم من إروائها، فإذا لم يستعبدهم أحد أحست نفوسهم بالظمأ إلى الاستعباد، وتراموا على الأعتاب، يتمسحون بها، ولا ينتظرون حتى الإشارة من إصبع السيد، ليخروا ساجدين!
العبيد هم الذين إذا أعتقوا وأطلقوا حسدوا الأرقاء الباقين في الحظيرة، لا الأحرار المطلقي السراح، لأن الحرية تخيفهم، والكرامة تثقل كواهلهم، لأن حزام الخدمة في أوساطهم هو شارة الفخر التي يعتزون بها، ولأن القصب الذي يرصع ثياب الخدمة هو أبهى الأزياء التي يتعشقونها!
العبيد هم الذين يحسون النير لا في الأعناق ولكن في الأرواح، الذين لا تلهب جلودهم سياط الجلد، ولكن تلهب نفوسهم سياط الذل، الذين لا يقودهم النخاس من حلقات في آذانهم، ولكنهم يقادون بلا نخاس، لأن النخاس كامن في دمائهم.
العبيد هم الذين لا يجدون أنفسهم إلا في سلاسل الرقيق، وفي حظائر النخاسين، فإذا انطلقوا تاهوا في خضم الحياة وضلوا في زحمة المجتمع، وفزعوا من مواجهة النور، وعادوا طائعين يدقون أبواب الحظيرة، ويتضرعون للحراس أن يفتحوا لهم الأبواب!
والعبيد - مع هذا - جبارون في الأرض، غلاظ على الأحرار شداد، يتطوعون للتنكيل بهم، ويلتذون إيذاءهم وتعذيبهم، ويتشوفون فيهم تشفي الجلادين العتاة!
إنهم لا يدركون بواعث الأحرار للتحرر، فيحسبون التحرر تمردا، والاستعلاء شذوذا، والعزة جريمة، ومن ثم يصبون نقمتهم الجامحة على الأحرار المعتزين، الذين لا يسيرون في قافلة الرقيق!
إنهم يتسابقون إلى ابتكار وسائل التنكيل بالأحرار، تسابقهم إلى إرضاء السادة، ولكن السادة مع هذا يملونهم ويطردونهم من الخدمة؛ لأن مزاج السادة يدركه السأم من تكرار اللعبة، فيغيرون اللاعبين ويستبدلون بهم بعض الواقفين على الأبواب.
ومع ذلك كله فالمستقبل للأحرار. المستقبل للأحرار لا للعبيد ولا للسادة الذين يتمرغ على أقدامهم العبيد. المستقبل للأحرار لأن كفاح الإنسانية كلها في سبيل الحرية لن يضيع. لأن حظائر الرقيق التي هدمت لن تقام، ولأن سلاسل الرقيق التي حطمت لن يعاد سبكها من جديد!
إن العبيد يتكاثرون نعم؛ ولكن نسبة الأحرار تتضاعف والشعوب بكاملها تنضم إلى مواكب الحرية، وتنفر من قوافل الرقيق؛ ولو شاء العبيد لانضموا إلى مواكب الحرية؛ لأن قبضة الجلادين لم تعد من القوة بحيث تمسك بالزمام، ولأن حطام العبيد لم يعد من القوة بحيث يقود القافلة؛ لولا أن العبيد كما قلت هم الذين يدقون باب الحظيرة، ليضعوا في أنوفهم الخطام!
ولكن مواكب الحرية تسير؛ وفي الطريق تنضم إليها الألوف والملايين. . وعبثاً يحاول الجلادون أن يعطلوا هذه المواكب أو يشتتوها بإطلاق العبيد عليها. عبثا تفلح سياط العبيد
ولو مزقت جلود الأحرار. عبثا ترتد مواكب الحرية بعدما حطمت السدود؛ ورفعت الصخور، ولم يبق في طريقها إلا الأشواك!
إنما هي جولة بعد جولة. وقد دلت التجارب الماضية على أن النصر كان للحرية في كل معركة نشبت بينها وبين العبودية. لقد تدمى قبضة الحرية ولكن الضربة القاضية دائما تكون لها. وتلك سنة الله في الأرض، لأن الحرية هي الغاية البعيدة في قمة المستقبل، والعبودية هي النكسة الشاذة إلى حضيض الماضي!
إن قافلة الرقيق تحاول دائماً أن تعترض موكب الحرية. . ولكن هذه القافلة لم تملك أن تمزق المواكب يوم كانت تضم القطيع كله، والموكب ليس فيه إلا الطلائع؛ فهل تملك اليوم وهي لا تضم إلا بقايا من الأرقاء أن تعترض الموكب الذي يشمل البشرية جميعا؟
وعلى الرغم من ثبوت هذه الحقيقة، فإن هنالك حقيقة أخرى لا تقل عنها ثبوتا؛ إنه لابد لموكب الحريات من ضحايا. . لابد أن تمزق قافلة الرقيق بعض جوانب الموكب. لابد أن تصيب سياط العبيد بعض ظهور الأحرار. لابد للحرية من تكاليف. إن للعبودية ضحاياها وعي عبودية، أفلا يكون للحرية ضحاياها وهي الحرية؟
هذه حقيقة وتلك حقيقة. ولكن النهاية معروفة والغاية واضحة والطريق مكشوف والتجارب كثيرة، فلندع قافلة الرقيق وما فيها من عبيد تزين أوساطهم الأحزمة ويحلي صدورهم القصب، ولنتطلع إلى موكب الأحرار وما فيه من رؤوس تزين هاماتها مياسم التضحية، وتحلي صدورها أوسمة الكرامة. ولنتابع خطوات الموكب الوئيدة في الدرب المفروش بالشوك، ونحن على يقين من العاقبة، والعاقبة للصابرين. . .
سيد قطب
كلمة صغيرة
للأستاذ (ع)
أكتب هذه الكلمة وأنا مريض في المصيف في (مضايا)، قد هبط معي الضغط، وضعف مني الجسم، وانقطعت عن عمل اليد وعمل الدماغ، ولذلك ما أخللت بعهدي، وكان العهد أن أكتب إلى (الرسالة) مرتين في الشهر. ولكن أخبار مصر، ومن قبلها أخبار إيران، تطرد المرض، وتنهض الجسد، وتهز من الحماسة الجبال، وترقص الحجر، فكيف أنام اليوم واليوم عزت بالإسلام العرب والعجم. واليوم استكمل الشرق يقظته إلا بقايا في عينيه من الكرى وأقسم أن لن ينام، واليوم أحس كل مسلم بأن الأمة التي يكون فيها زعماء الدين أمثال حسن البنا والقاشاني، ومن زعماء الدنيا أشباه نجيب ومصدق. لم تفقد عزتها، بل إن لها من حاضرها أياما غرا محجلات لا يضر من رآها ألا يكون رأى تلك الأيام. لا، لا يضر من حضر الجلاء عن الشام، وإقامة إندونيسيا والباكستان، وشهد ظفر الشعب في طهران أمس وفي مصر اليوم ألا يكون قد حضر القادسية وشهد اليرموك.
لقد تتالت علينا الأفراح، وتتابعت البشائر حتى ما تستطيع أن تحتملها أعصابنا. إننا نعدو عدوا في طريق الظفر لا نقدر أن نقف ساعة لنستريح ونلقتط أنفاسنا. هذا شعب إيران يهب هبة الرجل الواحد، يحمل معه أكفانه ليثبت للدنيا أن الكفن يد المستميت أمضى من المدفع في يد من يحب الحياة ويكره الموت، وأن الرغبة الصادقة في الموت هي أقصر طريق إلى الحياة، وأن الشعب إذا استمات لا تغلبه قوة في الدنيا. وهل يمكن أن يباد الشعب على بكرة أبيه فلا يبقى له أثر؟ هل تستطيع قوى الشر كلها التي حشدها المتمدنون ليقتلوا بها البشر باسم المدنية التي نسبح جهلا بحمدها، ونموت في عشقها، أن تهلك أربعمائة مليون ضفدع لو هاجمت بلداً من أقطاره الأربعة؟ فكيف لو هبت أربعمئة مليون إنسان، يستجيبون لصوت إيمانهم، ويغضبون لماضيهم، ويعملون لمستقبلهم؟ إن القطة إن غضبت لأولادها، كشرت عن أنيابها، وأبدت عن مخالبها، وهجمت على الذئب، فكيف إن غضب شعب كشعب إيران؟ وكيف إن كان يقوده شيخ له عزة العلم، وله قوة اليقين، كالقاشاني، ينفخ فيه من روح الدين ما يثبت للعالم أن قوة الإيمان هي أقوى القوى، وأن العدو لم يصنع بنا شيئاً أضر علينا من صرفنا عن ديننا، وتعطيل هذا السلاح الماضي
الذي وضعه الله في أدينا!
ثم جاءت أخبار مصر. مصر الدينة الصينة التي طالما احتملت الفسوق والعصيان. . . وسكنت ترجو أن ينيب الفاسق، ويتوب العاصي. . مصر العزيزة الحرة التي صبرت على الطغيان والاستبداد. . مصر التي بذلت في حرب فلسطين ما لم تبذله دولة عربة، ثم ضربها في ظهرها من كبار أبنائها من كان شرا عليها وعلى جيشها من أعداء الله والإنسانية: اليهود. مصر التي طالما زرتها وأقمت فيها الشهور الطوال فكنت أشم روائح الفساد كلما خرجت من إدارة الرسالة مررت بالميدان الكبير. وانتشرت هذه الروائح حتى عمت مصر، ثم وصلت إلى أوربا. . وشمها أصحاب الجرائد هناك بأنوفهم الحساسة فنشروها في كل مكان حتى بلغت الشام ودخلت كل بيت؛ لذلك كانت أخبار الانقلاب الأولى فرحة في كل بيت. . يتباشر بها الناس. ويفتحون الراديو ليسمعوها، وأزهد الناس بسماع الأخبار صار يعانق الراد في داره ليسمع إذاعة مصر وغير مصر. . فلما أذيع أن الفاروق (الذي كان يوما الملك الصالح) قد أخرج من مصر لم يعد يستطيع الناس أن يضبطوا من الفرح أعصابهم. ووالله ثم الله الذي لا يحلف به كذباً إلا فاجر، لو أعطيت مائة ليرة ما فرحت بها مثل فرحي بهذا الخبر. ولولا أني مريض. . وأن ذهني مكدود. . . لحييت هذا اليوم العظيم التحية التي تليق به. . . ولسقت له كلاما غير هذا الكلام: كلاما تثب له القلوب، وتحمى منه أقحاف الرؤوس، وترقص له من الحماسة الأعصاب، وتغلي الدماء، ولكني إن عجزت اليوم عن نظم هذا الكلام. . فلقد قال هذا البطل بفعاله أكثر منه؛ وهو صامت متواضع لم يفخر ولم يتحمس. فيا أيها الرجل العظيم حقا؛ لك شكر العروبة. لك شكر الوطن. لك شكر الإسلام.
يا محمد نجيب، لقد نقش اسمك على محاريب القلوب مع أسماء أبطال التاريخ.
وبعد فهذه عاقبة الفسق والفجور، واستغلال أموال الأمة وسلطانها في إرضاء الشيطان وإرواء الشهوات؛ فاعتبروا يا من لم تصل إليهم النوبة بعد فإنها ستنوبكم. إن الله يمهل ولا يهمل. وينسي ولا ينسى. وليعتبر الذين أنبت الله لهم من التراب ذهباً، وأنبع لهم من الرمال دولارات؛ فتركوا قومهم جياعا حفاة وأنفقوها على الفسوق والشهوات حتى ضجت من عجبها من فجورهم باريس مدينة الفجور.
اعتبروا فإن نعم الله لا تحفظ بالمعصية ولكن بالشكر. . وإن الأوطان لا تحمى باتباع الشهوات، وإضاعة الأموال في البذخ والترف؛ ولكن بتقوية الجيش وإعداد السلاح؛ وإطاعة الله، والعمل على إعلاء كلمة الله. وإن الملك لا يكون ليستمتع الملك ويلهو، ويعدو هو وحاشيته على العرض وعلى الأرض. ويرفع نفيه عن النقد؛ بل ليكون أطول الناس سهرا على مصالحهم؛ وأكثرهم شغلا بهم، وأعظمهم تبعة؛ وأشدهم من الله خوفا. كذلك كان الرسول صلوات الله عليه؛ وكان أبو بكر وعمر؛ وكان الصالحون من الملوك. وبعد فإن في كل بلد (محمد نجيب) لا تعرفونه اليوم؛ ولكنها ستعرفه الدنيا كلها في لحظات كما عرفنا محمد نجيب؛ وما كنا قبل دقائق قد سمعنا في الشام باسمه. وأن في كل بلد (يخت) كالمحروسة، أو سيارة تقوم مقامها و (دار ابن لقمان على حالها). .
وبعد فبارك الله في شعب مصر. وبارك الله في شعب إيران، وبارك الله في كل شعب يأبى الدنية ويرفض العار، ويعرف كيف يرفع رأسه ويقول: لا!
والسلام على روح حسن البنا موقظ الأرواح النائمة في مصر؛ وعلى القاشاني؛ وعل مصدق؛ وعلى البطل النجيب: محمد نجيب
دمشق
(ع)
الحاجة إلى الجذور
للدكتور عمر حليق
- 2 -
لتراث الماضي في عنق الجيل المعاصر مسؤولية قدسية. فإذا انهدم الماضي فإن عودته ضرب من المحال. وإن أعظم الجرائم قسوة أن يهدم الناس ما ورثوه عن أسلافهم من تراث. فما علينا إلا أن نجعل همنا الأكبر الاحتفاظ بالقليل الذي تبقى لنا من تراث الماضي.
ليس في هذه الصرخة من البلاغة والحكمة إلا ما يزكيها من تحليل دقيق وفكر عميق يطفح به هذا الكتاب النفيس الذي قدمنا له في المقال السابق.
ولعل بين القراء طائفة نقرأ في ثنايا هذه الصرخة (رجعية) لا ترضى عنها رغبتهم في بناء المجتمع الجديد على أنقاض الماضي وجموده.
ولكن الحاجة إلى الجذور ليست نزعة عاطفية مبعثها الرجعية والجمود وما يمت إليها من ألوان المحافظة والتزمت. إنما هي غريزة روحية تكمن في نفوسنا جميعا. فحين تستذكر ما يعتري الجيل من بلبلة فكرية وانفعالات نفسية حادة لا يسعك إلا أن توافق المؤلفة على أن رجل العصر إنسان اقتلعت جذوره لأنه قطع الصلة بالذخيرة الروحية التي هي جزء من تراث الماضي ومن أصوله الخالدة.
ففي الثورة على الماضي دعوة إلى القطيعة الروحية بين الخالق والمخلوق، بين الجذور والأغصان. وهذه القطيعة من أين العناصر التي تزيد من بلبلة الفكر وتشتت الجهد وكآبة النفس التي تشيع بين الواعين من أفراد هذا الجيل.
فرجل العصر حين يقتصر في تسلحه لمواجهة مسؤولياته ومشاكله الخاصة والعامة على المعاول الحديثة المستنبطة من فنون السياسة والاقتصاد والإصلاح الاجتماعي خالية من الذخيرة الروحية التي تكمن في تراث الماضي - وحين يتخذ من هذه المعلول وحدها أسلحة يواجه بها تسيار الحوادث وتيارات الفكر وانفعال المشاعر والاحساسات - لا مفر له من أن يفكر بالمجتمع والناس حين يمر بنكسة قاسية أو خلاذن كبير. فهذه المعاول مجردة من الذخيرة الروحية لا تستطيع أن تبعث في رجل العصر الإيحاء والطمأنينية
الصادقة حين تخفق (هذه العوامل) في تلبية حاجته عندما تدهمه بعض حقائق الحياة القاسية مما لا تقوى على ترويضها فنون الاقتصاد والسياسة والخدمات الاجتماعية. فهذه المعاول مجردة من العنصر الديني والروحي العميق ليست سوى آلات ميكانيكية لا تتأثر لانفعال المرء ولا تستطيع أن تعبر عن حمايتها له وعفها عليه حين يعتريه في صراعه مع الحياة وقيامه بواجبات الجيل ومسؤولياته. الفتور والفتنة والكآبة. فهذا النوع من الإيحاء والطمأنينه والعطف والحماية مقصور على الصلة الروحية التي تربط المرء في جميع الأجيال بهذه العناية الإلهية الرحيمة الرءوفة السمحة التي تعيد إلى النفس الثقة وتبعث في قرارتها القوة والعزم فتدفع عنها بالإيمان والاختبار الروحي الصادق شر الفتنة ومساوئ الفتور وبلية الكآبة وأمراض القلق وعلل الشك.
ومن ثم يجد الذين اقتصروا في تسلحهم لمواجهة مسؤوليات الجيل ومشاكله على فنون الاقتصاد والسياسة والاجتماع واستمدوا من فلسفتها ذخيرتهم الروحية - يجدون أنفسهم في حيرة شديدة. . فإذا تبين لهم أن الشيوعية لا يمكن أن تطبق إلا في ظل النظام المطلق فتصبح قاسية في حكمها على الطبيعة البشرية اتجهوا إلى الاشتراكية أو الديمقراطية كما تفسر في أوروبا والعالم الجديد لعلهم يجدونها أكثر سماحة في توجيه السلوك الإنساني في أقرب المسالك لتحقيق ما يتطلع إليه أهل الجيل من عدالة ومساواة.
ولكن طبيعة السلوك الإنساني وتسيار الحوادث أكثر تعقداً وأشد قساوة من أن تلين لهذه النظريات. وما أكثر ما يقف الذين اختاروا هذه المعاول (المادية) واجمين قلقين حين يعتري مسلكهم في التفكير والعمل نكسات تدفعهم في ساعات التجرد والتأمل أن يكفروا بهذه المعاول أو أن ينفروا من إحداها ليلتجئوا إلى أخرى؛ وهكذا دواليك.
ويجب أن لا يساء الفهم في هذا التحليل. فليس القصد أبداً إنكار النفع في هذه المعاول - هذه المبادئ والنظريات اشتراكية أم ديمقراطية أو غير ذلك من الأنظمة المعاصرة فهي أيضا جزء من تراث الماضي وأسلحة لابد للجيل من أن يلجأ إليها ليواجه مسؤولياته ويحقق مطالبه. إنما القصد بيان الدور المهم الذي يمارسه التراث الروحي (وهو الجزء الأهم من تراث الماضي) في سلوك الناس ومبلغ الإيحاء والقوة الدافعة التي توفرها الذخيرة الروحية للذين يتسلحون بفنون العلم والنظم الحديثة ومعاولها لبناء المجتمع الجديد.
وإنك لا تستطيع إلا أن تعجب لهذه البلاغة التي عبرت بها مؤلفتنا الشابة عن هذه الصلة بين فنون العلم ونظمه الحديثة وبين القوة الروحية الكامنة في تراث الماضي. فهي تقول بأنها لا ترغب في شيء أشد من رغبتها في أن تتعمق في عشق المجتمع وكل ما في الكون من جمال وقبح. فهي لا ترغب في أن يعيش الجيل في برج تحيط به سحب الروح وينغمر في تراث الماضي، فهي تشارك الناس صراعهم في الحياة اليومية (وفترة اشتراكها في حركة المقاومة السرية الفرنسية للاحتلال النازي شاهد على ذلك) ولكنها شديدة الرغبة كذلك في أن ترتفع بنفسها وبأهل الجيل عن هذه (العزلة النفسية) القاسية التي يمرون بها كلما عجزت فلسفة العلم ومعاول النظم الحديثة عن أن تحل مشاكلهم وتمهد لهم طمأنينة النفس واستقرار الروح.
وهذا الارتفاع لا يكون إلا بتوطيد الصلة بين الجيل الجديد وبين العناية الإلهية والذخيرة الروحية العميقة التي خلدها تراث الماضي.
فهي تستهل مؤلفها في فصل عن (الحاجة إلى الروح) وهو مثال طيب للمنطق الفرنسي حين يتعمد أن يضع قاعدة فكرية يؤمن بها ويدعو الناس كذلك إلى الإيمان بها.
فالحاجة إلى الروح تستند إلى افتراضين:
أولهما: أن الله موجود وكل شيء في الكون والسلوك الإنسان يثبت وجوده، فلا العلم ولا النظم الفكرية قادرة على أن تنفي هذا الوجود وحاجة الناس إلى إدراكه واستيحاء رشده العلي وهداه. وأن الله تعالى بصفته جوهر الكون هو الجذر الأوحد لتراث الماضي والعنصر الرئيسي في ذخيرته الروحية.
وثانيهما: أن فشل العلم الحديث ومعاول النظم الاقتصادية والسياسية في الاعتراف بحاجتها على هدى الله قد أوجد هذه المساوئ وهذا التفكك والتشويش والقلق الذي يهيمن على أفكار أهل الجيل وسلوكهم.
وقد بلغ من حماس هذه المؤلفة الفرنسية لتعزيز الحياة الروحية في هذا العالم القلق أن دعت في كتابها إلى سن أقسى التشريعات ضد الذين يتعمدون تشويش الحياة الروحية من المجتمع من الطامعين في السيادة السياسية والسيطرة الاقتصادية، وفي الكتاب والفنانين الطامحين إلى المجد الفني مع شل الدين والقيم الروحية (الذين يبثون في عقول الناس
وأفئدتهم من الصور الفنية المشوهة ما ينحط إلى مستوى البدائية فيعكر على القيم الأخلاقية صلاحها وبدفع القيم الروحية إلى الانحطاط.
والمؤلفة في دعوتها هذه تضرب يمينا وشمالا. فتهاجم (أندريه جية) الكاتب الفرنسي الشهير لهجومه على بعض القيم الأخلاقية، وتنتقد (جاك ما ريتان) الفيلسوف الكاثوليكي العتيد لتزمته في تفسير صلة القيم الروحية بمسؤوليات الجيل ومشاكله.
وهي لا توقر رجال الصحافة في حملتها هذه، فتقترح لهم العقوبة الصارمة إذا ثبت عليهم جرم تزوير الأنباء وتحريف الوقائع والاتجاهات لحاجة في نفس يعقوب.
و (سيمون وايل) في ثورتها على (الجراثيم التي تعيث فسادا في الذخيرة الروحية) مدفوعة برغبة ملحة في أن تثير في أفراد المجتمع الحماس فيمن يأنس في نفسه القدرة على أن يعين أهل هذا الجيل على مواجهة مسؤولياته بقلب آمن وفكر سليم وفتح خزائن التراث الروحي والإلهام الديني لهم ودفع شر الذين يغلقون الأبواب فيزيدون دنيا هذا الجيل حلكة وظلاما.
ففي كتاب آخر لها عنوانه (في انتظار الله) تقول كاتبتنا إن الذين تحيق بهم الكآبة والتعاسة ليس لهم في هذا الكون حاجة أشد من أن يجدوا في الناس من يوليهم لفتة مخلصة وعناية صادقة. فلا يكتفي أن تصمت إذا ألمت بجارك مصيبة وتتركه لشأنه. إن حسن الجوار يتطلب أكثر من الصمت وترك الجار وشأنه. إنه يفرض عليك أن تنشط للاتصال بجارك في المجتمع لتضع بين يديه ما في طبيعتك البشرية من أنس وبشر. وفي مكان آخر من هذا الكتاب تؤكد بأن (سكوتك عن ضلال الآخرين وصمتك إزاء محنتهم وكآبتهم ومشاكلهم هو في الواقع ضرب من الحقد عليهم والسخرية بهم، فالصمت والحالة هذه لون من الشلل النفسي وعنوان على تفاهة العيش وحيوانية السلوك)
وبعد فهذا استعراض متواضع لكتاب نفيس. والكتب القيمة على نوعين: كتاب يعالج في كل فصل فكرة أو فكرتين، وآخر في كل فقرة من فقراته حكمة ورأي سديد. وكتاب (الحاجة إلى الجذور) من النوع الأخير. فهذا الاستعراض الموجز لا ينصف ولا يوفيه حقه.
ولكنها على كل حال محاولة أحببت أن أعراضها للقارئ دلالة على أن حاجة جيلنا إلى
الجذور حد وواجب، وليس سرف عقلية أو رجعية فكرية ينفر منها بعض المثقفين الذين يعتقدون مخطئين بأن البضاعة الفكرية المستوردة من حاضر الثقافة الغربية هي في كليتها نتاج (علماني) صلته بالحياة والذخيرة الروحية مبتورة لا وصل لها.
فأمثال (سيمون وايل) من الداعين إلى صيانة تراث الماضي وعناصره الروحية كثيرون في حاضر الفكر الغربي.
وجيلنا في العالم العربي سعيد الحظ بأن يجد نفسه في بيئة لا يزال فيها للقيم الروحية معاقل وحماة. فما عليه إلا أن يعير تراث الماضي قسطا وافيا من اجتهاده، ويعزز بالذخيرة الروحية ما اختاره من معاول العلم وفنون النظم الفكرية الجديدة ليتسلح بها جميعا لمواجهة هذه المسؤوليات الجسام التي تتحداه.
نيويورك
عمر حليق
من الإسكندرية إلى ديروط
للأستاذ أنور الجندي
جمعت في خلال إجازتي بين سفرين؛ كلاهما أبعدني عن القاهرة. فسافرت إلى الإسكندرية ثم عدت إلى ديروط؛ فكأنما ذهبت إلى أقصى الشمال حتى شارفت البحر الأبيض. . ثم قصدت إلى الصعيد الأوسط حيث قضيت أياما في البلد التي ولد على ضفافها حافظ إبراهيم شاعر النيل.
وفي كلتا الرحلتين متاع كبير، ومتاعب كثيرة. . .
أما في الإسكندرية فقد التقيت بصفوة الناس، وتغلغلت في الطبقات الميسورة التي لان لها العيش وأتيح لها أن تأخذ بأوفى حظ من المتاع. . فهجرت القاهرة والأقاليم، وأقلعت إلى الساحل تأخذ أكبر قسط من الهواء والماء. . ومن متاع النفس والجسد
رأيت المجتمع المصري في صورة الحرية المطلقة. وقد تجرد الرجال والنساء على وجه أهله البحر وحرمه الدين؛ وأعطى كل من الجنسين لنفسه الحق في أن يذهب حيث شاء. إن شاء أمضى يومه أمام الكابين. أو تحت المظلة. أو سابحا في الماء. . .
ورأيت صورة الهدى وهي تختلط في صورة الضلال. . . فلا تكاد تفصح إحداهما عن نفسها أو تتبدى واضحة جلية، وأشفقت من المصير الذي ينتظر هذه الجماعات وقد منحت أنفسها ما تهوى وما تحب دون أن تجعل للعرف أو للتقاليد أو للدين حسابا معلوما أو حقا مفروضا. . .
ومن العجب أن تقوم مسارح الفتنة والجمال على شاطئ البحر بين مقامين كبيرين لرجلين من أعظم رجال التاريخ والتصوف هما: ابن جبير الأندلسي الرحالة الذي طاف الشرق وقدم من المغرب ومات في الإسكندرية.
وبشر الحافي الصوفي العراقي الذي أثر عنه الزهد والعلم والورع ولكل منهما مسجده الضخم القائم في قلب المنطقة الآهلة بالمصيفين ورواد الكابينات؛ والذاهبين إلى البلاج والعائدين منه وبينما تذهب آثار الرجلين في بطون التاريخ فلا يذكرهما ذاكر إلا القليل من الباحثين والعلماء، يبسط الله في اسميهما؛ فيكتب في تذاكر الأتوبيس والسيارات، وينادى به الحمالون والسائقون، ويجرى على ألسنة المسافرين والعائدين. . .
ثم سافرت إلى ديروط، تلك المدينة التي كانت حديث الصحف في الشهور الماضية، فلقيت قوما يختلفون كل الاختلاف عمن لقيت في الإسكندرية.
لقيت قوما يكدحون في سبيل العيش والرزق، يعملون سحابه يومهم. . . فإذا أمسى المساء التقوا على (القناطر) التي هي أبدع عمل هندسي في الصعيد بعد خزان أسوان وقناطر أسيوط
رأيت أهل الصعيد في نقائهم وطهرهم وبساطتهم، يمضون في الحياة لا يتكلفون، قد أخذوا من الحضارة بطرف، ولكنهم ما زالوا يضنون عليها بالعرض والشرف والخلق والتقاليد.
رأيت (المئذنة) العالية وسمعت صوت النداء باسم الله ينبعث من فوقها فيهز النفس من الأعماق، ويرسل إلى الكون كله فيضا من الحب والسلام. . . هذه مئذنة الجامع الكبير، من أعلى مآذن القطر كله؛ قد بنيت بالقرميد الأبيض والأحمر على هيئة غاية في الرواء والإبداع، وكان مقامي في بيت قريب منها على الضفة الثانية للترعة الساحلية، فما كنا ألقى نظري من النافذة مرة، جالسا أو قائما، إلا كانت تتراءى لي فتهزني، وتملأ نفسي بذلك الإحساس الروحي الغامر. . فإذا واجه فرقتنا المؤذن في صلاة الفجر، انبعث صوته رطبا نديا. . كأنما يسكب على هذا الصمت والسكون الضياء والنور، فما ألبث أن أهتز في مضجعي أردد اسم الله. . .
ألا ما أبعد الفارق بين ما تثيره ديروط وما تثير الإسكندرية في النفس؛ إن هذه تعطيني معنى الروح كاملا حيا، أما تلك فلا تترك في نفسي إلا متاعب الصراع بين الهوى والحق، وبين القلب والغريزة. . .
وفي ديروط كنت أطلق الطرف بعيدا في تلك المروج الخضراء أتزود وأقتات من جمال الريف، وهناك في أطراف المدينة حيث تلتقي الحضارة بالريف، والصناعة بالزراعة. . . كنت أجلس الساعات الطوال أنظر وأسلح بعيداً حتى ردني عن أفكاري قطار (الديزل) السريع وهو ينهب الأرض في طريقه إلى القاهرة. . .
وفي المساء كنا أسير مع صديقي (محمد زكي) نتحدث عن الرافعي. . . إن صديقي لا يمل الحديث عنه، إنه يحبه غاية الحب، ويرى يومه عبثا من العبث لو أنه انقضى دون أن يقرأ له فصلا أي صفحة أو كلمة أو (كليمة)
إن صديقي من أدباء الريف المغمورين، الذين قضت عليهم ظروف الحياة أن يعيشوا هناك، حيث لا تصفو الحياة كثيرا للأديب الذين يريد أن يصنع المجد. . .
وفي ساعات الغروب على الإبراهيمية أو على اليوسفية، تلبس ديروط حلة قشيبة من الجمال. . الحزين. حيث نعود بالذاكرة كرة إلى ما قبل عشرين عاما من العمر، عندما كنا نخطو إلى هذه المدرسة القائمة تجاه مبنى الري. . . نلتقي أول دروس العلم، ودروس الحياة
أما ذلك المساء، فقد كان حزينا حقا، بالغا غايته في الظلمة والحزن. فقد انطلقت إلى حيث كان للقلب قصة منذ سن السابعة عشر، ولما مرت العربة بنا على ذلك المكان الذي يعيش فيه ذلك الروح الحزين. هتف القلب: ترفق أيها السائق؛ فإن لنا هنا ذكرى عزيزة.
كان الوجه الأول الذي لقيني بين ظلمات الأحداث، ومتاعب الشباب الباكر، فأحال دنياي جنة وارفة الظلال، وأمد روحي بذلك الرحيق القدسي الذي يحسه الشباب الحدث، الذي يتطلع إلى المجد، حيث يلتقي مصادفة بإنسان وهبة الله فيض الجمال وفرط الحسن. . . وأمده بذلك الروح الشاعر الصادق، بحيث لا يخرجه عن تقاليده وخلقه، ولا يصرفه عن طهره ونقائه. . .
ولكن الظروف تقصر، والأقدار تأبى، فإذا به يمضي في طريقه وأمضي في طريقي. وأظل على الرغم من مرور بضعة عشر عاما أحس كأنما كان الأمر بالأمس، مازال قائما في النفس لا يبرح، وما تزال صورته في الضمير لا تزول. إذا هتف الهاتف باسمه ظننت أنه هو، وإذا خطر من يشبهه ذكرته، وعدت بالخيال مرة أخرى إلى أيامه الحلوة، عليها سلام الذكريات.
وبالرغم من الزمن البعيد، فهو ماثل في القلب، يذكرني بالماضي البعيد، وكأني به أنتظره وأترقبه؛ وأرجو على مر الزمن أن يتاح لي مرة أخرى أن ألقاه. . .
كان ذلك المساء قاسيا على نفسي، فقد كنا في السيارة نتذاكر قصيدة الأستاذ محمود محمد شاكر (اذكري قلبي فقد ينضر من ذكراك عودي). . . وبينا كان صاحبنا يرددها، كنا نمر في نفس المكان الذي يتنسم فيه شاعرنا أنفاس الحياة.
والحق أن (ديروط (أعادت إلى نفسي الذكريات التي طوتها أعباء الحياة في القاهرة؛ فما
أظن أنني قضيت في ديروط عشرة أيام منذ سبعة عشر عاما غير هذه المرة. . .
لقيت وجوها كثيرة لم أرها منذ طويل، وجوه كلها إلى حبيب، ولي معها ذكريات؛ ولكن غاب عني وجه لطالما أحببت أن ألقاه، ولكنه طريح في المستشفى، عجل الله له الشفاء وكتب له الصحة والعافية. . .
أنور الجندي
حلوان المنوفية قويسنا
للأستاذ أبو الفتح عطيفة
مدينة حديثة. . . يرجع تاريخ إنشائها إلى أوائل هذا القرن، بلدة جميلة تمتاز بطيب هوائها واعتدال مناخها وجفافه. تلك هي حلوان المنوفية أو مدينةقويسنا
تقع هذه المدينة عند خط عرض 30، 30 شمالاً وعلى خط طول 31. 10 شرقا وهي وبلاد مركزها تحتل الجزء الشمالي الشرقي من مديرية المنوفية.
وقد بنيت هذه المدينة في عهد المرحوم عبد الرحيم باشا صبري حين كان مديرا للمنوفيه ولذلك يسمى الجزء الحديث منها منشأة صبري، وقد اختير لبنائها بقعة رملية هي جزء من جبل قويسنا، ووجودها في هذه المنقطة الرملية هو الذي جعلها تشبه حلوان مناخا.
ظهور السلحفاة
يشاهد المسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بعد عبوره لجسر بنها وعلى مسيرة خمسة أميال من بنها عدة بقع رملية تنتشر حول مدينة قويسنا شمالا وجنوبا وشرقا، تلك البقع أطلق عليها هيوم اسم ظهور السحلفاة، وهي بقع فريدة في بابها وغريبة في وجودها؛ إذ أنها هي البقع الرملية الوحيدة الموجودة في الدلتا باستثناء منطقة فاقوس.
ويطلق عليها الأهالي اسم جبل، وهذا ليس من الحقيقة في شيء؛ ولكن ندرة رؤيتهم للجبال وللبحار هي التي جعلتهم يتحدثون عن بحر النيل وبحر شبين وجبل بوغوص وجبل قويسنا وغيرها. ذلك أن هذه الجبال لا يزيد ارتفاعها في أعلى جهاتها عن سطح الأرض المجاورة بعشرة أمتار، وهي بهذا ليست جبالا بل ولا تلالا.
وقد حاول الجغرافيون تعليل وجود هذه البقع الرملية في تلك المنطقة واختلفت آراؤهم:
ذهب بعض الباحثين إلى أن هذه (الجبال) كانت جزائر رملية في وسط الخليج الذي تتكون منه الدلتا، فلما ردم النهر بطميه ورواسبه هذا الخليج وكون الدلتا بقيت هذه المرتفعات بعيدة عن أن تغطيها رواسب النهر وظلت قائمة بشكلها الحالي، ويؤيد هذا الرأي عدم وجود أية قواقع بحرية في تلم المنطقة. وأنا أعتقد أن هذا هو أسلم الآراء.
وهناك رأي آخر يذهب إلى أن هذه البقع الرملية هي من عمل النهر، وأن النهر قد قذف بهذه الرمال في أثناء موجة شبابه الأول وتركها في مكانها الحالي.
هذه هي أهم الآراء، ولعل من الخير أن أحاول وصف هذه البقع. وهي تتكون من أربعة أجزاء أو (جبال):
1: جبل قويسنا
وتوجد مدينة قويسنا في شماله ويمتد جنوبا إلى بلدة كفر السيخ إبراهيم وتبلغ مساحته 495 فدانا. وتمتاز رماله بحسن صلاحيتها للاستخدام في البناء، ومن هنا أخذت يد الإنسان تعتدي على تلك المنطقة مما يهدد بزوالها.
وفوق ربوة عالية اختارت وزارة الدفاع مكاناً أعدته ليكون معسكرا للقوات المرابطة التي يجند رجالها من أبناء مديريات المنوفية والغربية والقليوبية. ويمتاز هذا المعسكر بحسن موقعه وجودة هوائه واعتدال مناخه لولا قسوة الحر في أيام الصيف نهارا.
2: جبل بوغوص
وهو أكبرها جميعا وأكثرها ارتفاعا ويقع شرق السكة الحديدية ويمتد من منشاة دملو إلى شرانيس إلى كفور الرمل وتبلغ مساحته 1800 فدان.
وقد جاءته هذه التسمية نسبة إلى بوغوص بك وزير التجارة في عهد محمد على الكبير، فقد أخذ بوغوص بك يعمل على استصلاح هذا الجبل وإعداده للزراعة، ولكن ارتفاعه وتعذر وصول مياه النيل إليه وكثرة تكاليف الري الصناعي قد أدت إلى فشل التجربة.
وقد بنيت فوق ربوة عالية دار كبيرة ما تزال قائمة وتعرف بسراي موريس
وقد اشترى هذا الجبل حديثا ملاك وطنيون أخذوا يعملون على استغلاله وأخذوا في بيع رماله ونقلها حتى ينخفض سطحها إلى مستوى الأرض الزراعية فتزرع.
3: جبل أبو طاقية
وبقع في شمال شرق قويسنا بجوار قرية كفر ابنهس ومساحتي 267 فدانا
وقد اشترى جزءا من هذا الجبل رجل فلسطيني وزرعه فواكه فنمت أشجار البرتقال واليوسفي والليمون الحلو والأضاليا. وقد انتقى المالك بذورا ممتازة فجاءت بخير الثمار، وتنتج تلك المزرعة أنواعا ممتازة جدا من البرتقال واليوسفي والمانجو والليمون.
وقد واجهت المالك مشكلة الري ولكنه تغلب عليها. .
أولاً: حفر ترعة لتصل مياه النيل إلى الحبل.
ثانياً: أقام آلة لرفع المياه إلى أعلى مستوى في الجبل حتى يمكن ري جميع جهاته في سهولة.
ثالثاً: حفر لكل شجرة حفرة كبيرة ملائها بالطمي والردم والسماء فأتاح بذلك لجذور الشجر أن تجد الغذاء الكافي.
رابعاً: أنشأ مساقي صغيرة أو قنوات من الطوب الأحمر والأسمنت أو من المواسير والغاية من ذلك ألا تضيع المياه في الرمال. وهكذا تغلب على صعوبة الري ونمت الأشجار باسقة وجادت بخير الثمر ونجحت التجربة.
وإلى الذين يدرسون مشروعات زراعة الصحراء أقدم تلك المزرعة كنموذج لزراعة الصحراء فعليهم زيارتها والانتفاع بتلك التجربة.
4: جبل سيدي هلال
ويقع قرب بلدة الرمالي وتعرف تلك المنطقة بمنشاة رزق الله وتبلغ مساحتها 30 فداناً. وقد زال معظمها إذ استهلك الفلاحون الرمال في زراعة القطن.
هذه هي المناطق الرملية بقويسنا، ومن العجيب أنها تخلو تماما من الآثار فليست بها آثار للمصريين القدماء ومن جاء بعدهم.
تل أم خراب:
ويقع بجوار قرية مصطاي من ناحية الجنوب وتبلغ مساحته 105 فدادين. وكان يتكون من تراب كفري ويشبه تل أتريب بينها وتل بسطة بالزقازيق، وهو يكون المنطقة الأثرية الوحيدة في تلك المنطقة، وقد زالت هذه المنطقة إذ استهلك الفلاحون ترابها الكفري ثم وضعوا يدهم على الأرض وزرعوها. وما تزال هناك أحجار أثرية بجوار مقام الست فاطمة أم حرب
وبهذه المنطقة جبانة لليهود ما تزال آثارها موجودة مع أن العناصر اليهودية قد انقرضت منها، وهذا يدل على أن تلك المنطقة كانت من أقدم المناطق التي سكنت الدلتا.
منشاة صبري
بلدة جميلة تمتاز بروعة مبانيها وبساطتها وحسن تنسيق شوارعها وتخطيطها، وليس ذلك عجيبا فهي حديثة الإنشاء، ومن ثم خططت تخطيطا هندسيا فجعلت شوارعها واسعة مستقيمة لا عوج فيها ولا التواء مما نشاهده في كثير من الدن القديمة التي تمتلئ بالأزقة الضيقة والحواري الملتوية.
ومنازلها جميلة لكل بيت حديقة، وسر ذلك هو اتساع الأراضي وعدم صلاحيتها (فيما مضى) للزراعة.
ومناخ البلدة جميل حقا؛ فشتاؤها دفئ جاف وصيفها لطيف وليله جميل ساحر وهواؤه عليل طيب. وأمطارها قليلة وهي تسقط شتاء كما يحدث في سائر المناطق الجنوبية من الدلتا.
وقد حبب سكني هذه المدينة إلى الناس جمال مناخها فنمت وترعرعت. ويتمنى كثير من الموظفين أن تنقل عاصمة المنوفية من شبين الكوم إلى قويسنا، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب:
1: إن شبين الكوم مدينة عتيقة يتغير الزمن ولا تتغير، ويتقدم الدهر ولا تتقدم. وهناك قصة مصرية طريفة ملخصها أن مصريا قديما بعث وأحذ معه دليلا ليطوف بالوجه البحري وليشاهد ما أطرأ عليه من تغيرات. وطاف المصري القديم ودليله ببلاد الوجه البحري حتى إذا وصلا إلى شبين الكوم وهم الدليل بتعريفها أجابه المصري القديم: إنني أعرفها: إنها شبين الكوم.
2: سهولة اتصال قويسنا بعاصمتي مصر القاهرة والإسكندرية، فبينها وبين القاهرة ساعة وبينها وبين الإسكندرية ساعتان تقريبا. أما شبين الكوم فهي مدينة قريبة بعيدة، قريبة لأن المسافة بينها وبين القاهرة قصيرة، ولكنها بعيدة لأن القطار يقطع هذه المسافة القصيرة في ثلاث ساعات وهي مدة تكفي لانتقال الإنسان من القاهرة إلى جدة أو أثينا بالطائرة طبعا.
3: جودة مناخ قويسنا واتساع مساحة الأراضي اللازمة للبناء؛ وقد عطف المفغور له جلالة الملك فؤاد على قويسنا؛ فأمر أن يقف بها القطار الملكي أثناء انتقال جلالته من القاهرة إلى الإسكندرية، ومنذ ذلك التاريخ والقطار الملكي يقف في قويسنا ليتشرف مدير المنوفية وأهلها بتقديم التحية إلى الجالس على العرش.
وتحقيقاً لرغبة كريمة أنشاء المرحوم محمد أفندي نصر مسجدا عظيما بجوار محطة السكة
الحديدية.
ويبلغ عدد سكان مدينة قزيسنا عشرين ألفا، وتحيط بها منطقة زراعية من أجود أراضي المنوفية.
وقد قامت قويسنا دائما بنصيبها الكامل في الحركات الوطنية، وكانت القوات الإنجليزية تعسكر في جبل بوغوص 1919 ولكن الأهالي قاوموها وتعرضوا لكثير من البلاء، ولكن الله أنقذ المنطقة منهم، فبفضل جهودهم وتعريضهم تلك القوات للخطر رحلت تلك القوات وطهرت البلاد.
ويطيب لي أن أذكر أن سعادة محمود فوزي ممثل مصر لدى هيئة الأمم المتحدة ومستشارها السياسي والرجل الذي يعرف دقائق قضية مصر والسياسة العالمية من أبناء قويسنا.
أبو الفتوح عطيفة
ما غرض التربية في مدارسنا؟
للأستاذ إيليا حليم حنا
لكل أمة طابع وغرض من التربية. فما هو طابعنا الحالي؟ وما الغرض العام المرسوم للتربية عندنا؟ الحقيقة لا طابع ولا غرض لنا إلا إعداد أطفالنا وشبابنا للامتحانات لينجحوا ويحصلوا على الشهادة التي تمكنهم من النزول في معترك الحياة ليرتزقوا ويعيشوا. هذه غاية التربية في مدارسنا، وقد مضى هذا الهدف على كثير من شبابنا المتعلم أن يموت فكريا لأنه لا يتابع سير تفكيره بعد أن يتخرج في معهده أو مدرسته. ونجد أن أصحاب المهن الفنية من شبابنا المثقف يعيشون بما يتعلمونه لا يسايرون الزمن في فنهم، ولا ينتجون شيئا جديدا في ميدان الخلق والابتكار. إننا في حاجة إلى نوع العلم الذي يتيح للمواهب الفردية أن تنمو تبعا لطبيعتها، ويكفل لكل طفل الأحوال التي تتمكن فيها فرديته من النمو إلى أكمل حد مستطاع ونزوده مع ذلك بالثقافة التي تجعله منسجما مع المجتمع. يجب أن نقلب سياسة التربية الحالية رأسا على عقب، ونوقف نظام صب القوالب وحشو الرءوس. إننا الآن لا نراعي الفروق الفردية والميول المختلفة؛ بل نصب أطفال الفرقة كلها في قالب واحد.
لقد بدت في الأيام الأخيرة ظاهرة يجب أن يهتم بها رجال التربية أشد الاهتمام، وهي تفشي داء الغش بين الطلبة والطالبات في جميع مراحل التعليم والسبب الأول لهذا الداء الخلقي الوبيل هو أن ما يتعلمه الفرد عندنا لا يناسب الميول والقوى الكامنة، وأن الهدف الذي يهدف إليه المتعلم هو الشهادة وليس العلم لذاته، وفي هذا أكبر دلالة على أن مناهجنا الحالية فاشلة في توجيه أبنائنا نحو حياة اجتماعية خلقية شاملة وشخصية متكاملة.
وهناك ظاهرة أخرى هي كراهية الشباب لمعاهد التعليم، وللقراءة بعد التخرج. ذلك أيضاً لأننا لا نراعي ميولهم التي هي النواة الحية ونقطة الابتداء والأساس لتربيتهم في مراحل التعليم المختلفة. إن كل اهتمامنا موجه إلى ملء الإناء الفارغ إننا نملأ الرءوس استعدادا للامتحان؛ المدرس يجاهد لإدخال المعلومات؛ والطالب يكافح لإتقانها حتى يفرغها على ورقة الامتحان ويخرج وقد شعر براحة لأنه قد تخلص مع عبئه الثقيل. وقراءة سطرين في كتاب بعد تخرجه تجعله يشعر بالسأم والملل، وهو إن أراد أن يقضي على أرقه في
إحدى الليالي فعلاجه يسير وهو قراءة بضعة أسطر في كتاب. إننا نحن الذين غرسنا في نفسه الكراهية للعلم، وقضينا عليه ألا يتابع التطور الفكري ويتخلف عن قافلة الزمن؛ هذا بجانب النسيان الذي يقضي على معلوماته المكروهة وهو يفزعه ولا يهمه أن ينسى كل ما درسه. أليست معه الشهادة تلك الوثيقة الرسمية من الدولة؟ ماذا يهمه حتى لو أنه أصبح أميا!
إننا في حاجة إلى سياسة محدودة مدروسة في المراحل التعليمية المختلفة لنصل إلى الهدف التربوي الصحيح؛ ونقضي على الركود الفكري والأمية الفاشية بين كثير من المعلمين منا. ففي مراحل التعليم العام يجب أن نراعي وضع البرامج التي تمكن كل فرد من أن ينمي ما تنطوي عليه نفسه، وأن نجعل المدرسة صورة مصغرة للمجتمع الكبير حتى يتدرب النشء على الحياة نفسها. . . فالتربية ليست إعدادا للحياة بل هي الحياة نفسها.
أما الجامعات في كل أقطار العالم الراقية فهي معاهد للبحث تخرج العلماء في الفنون المختلفة ينزلون إلى الحياة وقد تدربوا على الأسلوب العلمي؛ يمنحون الإجازات الدراسية ليبدءوا حياة البحث والاستزادة. . مستقلين معتمدين على أنفسهم يستخرجون الحقائق الجديدة من المبادئ التي درسوها وبحثوها. أما إن جعلناها معاهد للدرس لنيل الشهادة ليحصل المتعلم على درجة ممتازة في كادر الموظفين فقد قبرنا مواهب شبابنا، وأقصيناه عن ميادين العلم والفن وجعلنا منه آلة متحركة وعبدا للوظيفة، وحرمنا مصر من نبوغ كامن كل ما يمكن استغلاله في اختراع والاستكشاف وكل ما يتصل بقوى الفكر. وإذا قضى على الناحية الإبداعية في التفكير فإن الأمة تصبح جامدة متخلفة ذات رتابة مملة وشخصية مطموسة.
جميل حقا أن نهتم بزيادة عدد المتعلمين وتيسر التعليم للجميع وأجمل من ذلك أن نهتم بنوع العلم الذي نقدمه. لقد أوليت لكم ما فيه الكفاية وبقى أن نولي الكيف عناية أشد.
إن هدف الأمم الديمقراطية في التربية هو تدريب النش على أن يفكر بنفسه لنفسه بتنمية قواه العقلية والنفسية والخلقية وتغذية ميوله الكامنة، وإعداد أصحاب النبوغ والعقليات والملكات الممتازة ليكونوا علماء الأمة وروادها في مختلف فنون الحياة. لذا أقول لا فائدة من وضعنا سياسة تعليمية نسير بها العلم وننشره ما لم نتجه نحو قيم جديدة نصل إليها
بالأساليب التربوية الصحيحة التي تجعل النفس تبسط وتعبر عن كيانها؛ لا عما تخزنه الحافظة محنطا دون روح ولا انسجام.
إيليا حليم حنا
روح الإنسانية يقرع باب الإسلام
لمولانا محمد علي
للأستاذ على محمد سرطاوي
تمهيد:
هذا المقال القيم كتبه الزعيم الإسلامي العظيم مولانا محمد علي - الذي يدلف الآن إلى السنة السبعين من عمره المجيد الذي قضاه في خدمة الإسلام - منذ أيام في مدينة لاهور ونشرته مجلة (ليت) الإسلامية في عددها الصادر في اليوم الأول من أيار 1951 باللغة الإنجليزية.
لقد تفضلت الرسالة فنشرت في أعدادها 929، 930، 931 قصة جهاد الحاج خواجة كمال الدين تحت راية الإسلام في الشرق والغرب، ولكن قصة ذلك الجهاد لا تكون تامة إلا إذا قرن بها جهاد مولانا محمد علي الذي سنقدمه للقراء في بحث مفصل حين تصل إلينا من لاهور المعلومات التي طلبتها عن طريق الصديق الباكستاني المسلم الغيور السيد تصدق حسين القادري الذي يبذل من ماله وراحته الشيء الكثير في صمت المؤمنين لخدمة الدين الحنيف في عاصمة الرشيد. وأنا حين أنوه باسمه على صفحات الرسالة الغراء لا أكشف عن جندي مجهول من جنود الإسلام فحسب؛ وإنما أعطي صورة دقيقة عن شعور كل مسلم باكستاني تحت الشمس نحو الإسلام؛ فلقد طلب إلى أن يطبع على نفقته كتاب مولانا محمد علي المشهور (نبي الإسلام) إذا أنا أقدمت على ترجمته إلى اللغة العربية حتى يكون لي نصف ثواب العمل، فوعدته بذلك مغتبطا بعمل من هذا النوع.
ولكن انتظار ذلك المقال المفصل لا يمنع من ذكر ملخص لحياة مولانا محمد علي. فلقد ولد عام 1874 في قرية (مرار) في إمارة (كبورتلا) من مقاطعة البنجاب من عائلة متوسطة، ودرس في القرية مبادئ القرآن وقواعد اللغتين الفارسية والأردية. ثم دخل معهد الإرسالية في لاهور فقضى فيه سبع سنوات وأتقن اللغتين الإنجليزية والأردية، ودخل بعد هذا النجاح جامعة الدولة في لاهور وحصل على شهادتين عاليتين. وفي هذه الجامعة ظهرت اتجاهاته الدينية. وقد رغب في ممارسة المحاماة عام 1897، ولكنه بدلا من ذلك رأس
تحرير المجلة الإسلامية المسماة (ريفيو أورلجن) التي كانت تصدر بالإنجليزية وبقي في هذا العمل حتى 1914. وبدأ بترجمة معاني القرآن الكريم عام 1908. وفي عام 1914 رأس الفرقة الأحمدية التي انشقت على القاديانية وجعل مقرها مدينة لاهور. ولقد كان صديقا حميما لمحمد علي جناح مؤسس الدولة الباكستانية العظيمة، يستشيره في كل الأمور التي لها مساس بالأمور الدينية، وله مؤلفات باللغة الإنجليزية كثيرة سأذكر معظمها.
ولسنا نجني على الحقيقة حين نزعم أننا نحن العرب المسلمين قد قصرنا في واجب الدعاية للإسلام والتمكين له في بقاع الأرض كما صنع المسلمون في الباكستان.
والأزهر على جلال قده وعلو مكانته في الحياة الإسلامية لم يساهم مساهمة فعلية في الدعاية للإسلام في مدة قرون عشرة من عمره السعيد.
واللغات الحية كالإنجليزية والفرنسية والألمانية لم يكن لها نصيب في مناهج الأزهر لإتقانها إتقانا واسعا للدعاية للإسلام عن طريقها بين الشعوب التي تتكلمها بالكتب والخطب والمجلات على طريقة الدعاة الإسلامية في الباكستان.
ولم ينحصر تقصيرنا في الناحية الدينية معاشر العرب؛ وإنما تجاوزها إلى النواحي الأدبية والسياسية: فلقد امتلأت المطابع في البلاد العربية بالصحف السياسية والمجلات الأدبية. ولكن أحدا لم يفكر في تأسيس صحيفة سياسية قوية باللغة الإنجليزية يتولى العرب أنفسهم الإشراف عليها مباشرة للدعاية للقضايا السياسية التي لا يعرف عنها الذين من إلا سمات مشوهة المعالم. حتى لم تكر جامعة الدول العربية في إنشاء صحيفة من هذا النوع.
فنحن أحوج ما نكون إلى مجلات أدبية وصحف سياسية تصدر باللغات الأجنبية للدعاية إلى آدابنا ومشاكلنا التي لا تزال تفهم فمها مشوها والتي يشوهما خصومنا كما يشاءون في الرأي العام الدولي كما اقتضت مصالحهم ذلك التشويه.
ويقتضيني الاعتراف بالجميل أن أنوه بفضل الدكتور صفاء خلوصي أستاذ المشرقيات بجامعة لندن بما كان يكتب عن الأدب العربي باللغة الإنجليزية في مجلة (إسلامك ريفيو) من بحوث رائعة كان يتجلى فيها ذوقه الأدبي الرفيع وأسلوبه الفاتن في اللغة الانجليزية؛ ونحن نرجو من الدكتور الملهم أن لا يقصر بحوثه الرائعة على آداب العراق في المستقبل.
ونحن نرجو أن لا يبعد ذلك الوقت الذي نشاهد فيه كل قطر عربي صحيفة سياسية ومجلة
أدبية تصدران بالإنجليزية وتبثان الدعاية لأدبنا وقضايانا. في الوقت الذي جعلت المواصلات الحديثة العالم بأسره بقعة واحدة وأرغمت البشر على التلاقي في صعيد واحد للتفاهم والتآلف في أجواء قد يسودها الحب والوئام إذا أشرق عليها نور الإسلام في داعية مركزة وقوية تقوم عليها قلوب مؤمنة بما في الإسلام من خير للإنسانية.
قال مولانا محمد علي:
تمد الإنسانية المعذبة في مشارق الأرض ومغاربها أكف الضراعة، مستنجدة بمن ينقذها من التردي في الهاوية السحيقة التي تنحدر إلى قرارتها في سرعة جنونية. فالاعتقاد بأن التقدم المادي غير المحدود، والسيطرة على الطبيعة بالشكل الذي لم يتوقعه الإنسان سيوصلان الإنسانية إلى السعادة والطمأنينة، قد قضت عليه حوادث السنين السابقة، وأضحت الإنسانية تشعر بفراغ هائل لا تستطيع ملئه غير مبادئ دين صحيح. لسنا ننكر أن التقدم المادي قد عاد على الإنسان بفوائد مادية على مقياس واسع؛ ولكنه في الوقت نفسه قد سلبه الشيء الكثير الذي يمكن أن يوصل السعادة الحقيقة إليه، وحرمه من السكينة وراحة الضمير. إن الإنسانية تتلمس طريقها في الظلام الحالك إلى الطمأنينة التي لا يوصلها إليها غير الإيمان بالله؛ والنظام الذي يسير عليه العالم بأسره. في حاجة ماسة إلى أن يقوم صرحه الشامخ على أسس متينة من الإيمان بالله ووحدة الإنساية، ولا يملك مثل هذا الأساس المتين لتثبيت صرح الإنسانية غير الإسلام
إننا نسمع هذا الصوت مدويا من ديار الغرب هاتفا: (لا يمكن لأوروبا. وهي في سبيل التحليق بحياتها العقلية في الآفاق النائية إلا الاستعانة فما في المجتمع الإسلامي من قوة وأجنحة جبارة تعين على ذلك التحليق البعيد)
ولعلها تنبعث إذ ذاك بين شعوب الشرق قوة جديدة تشيع الحياة في الإسلام، وربما حولته إلى اتجاه جديد إذا استمرت أوربا مندفعة وراء جنونها المادي. وأي إنسان ينكر الاحتمالات التي قد يتمخض عنها تطور من هذا النوع حين يرى على سبيل المثال ما قامت به الجمعية الأحمدية، بما تملك حركتها من قوة أخلاقية وعاطفية دينية عميقة، من النتائج البعيدة المدى في نشر الدعوة للإسلام في المواطن البعيدة عن البلدان التي أشرق نوره عليها.
إن الغرب متعطش إلى مبادئ الدين الإسلامي، والمسلمون يتطلب منهم الإخلاص لدينهم الحنيف أن يشمرا عن ساعد الجد ويخرجوا من عزلة الضعفاء، ويقدموا للغرب ما هو في أشد الحاجة إليه من غذاء روحي. ولقد خطت الجمعية الإسلامية في لاهور بالباكستان الخطوة الأولى في هذا السبيل حين أسست الإرساليات الإسلامية في أوربا وأمريكا وفي أقطار الدنيا الأخرى منذ زمن بعيد. وهي بالإضافة إلى ذلك ذد أصدرت سلسلة من الكتب الإسلامية باللغة الإنجليزية بكثرة واستعداد وإتقان لم يسبق لها مثيل، ثم راحت تترجم هذه الكتب إلى لغات العالم المختلفة بعد أن بثت فيها مبادئ الإسلام وروح الإسلام ونبي الإسلام. . بأبرع ما يكون العرض؛ وبأصدق ما يكون العربي ولعل من تمام الفائدة أن نشير إلى هذا الجهد الجبار بشيء قليل من التفصيل:
1) لقد تأسست الإرساليات الإسلاميات لبث الدين الحنيف في وكنج بإنجليزية. . وبرلين بألمانيا. . وهوج في هولندا. . وسان فرنسكو في الولايات المتحدة؛ وإلى جانب هذه المراكز الكبيرة أنشئت مراكز أخرى للغاية نفسها في نيجيريا. . وغانا الهولندية، وغانة البريطانية؛ ونرننداد؛ وإندونيسيا، وسيام وبورما، وأماكن متعددة أخرى في بلاد الهند
2) لقد تم إنشاء مسجد فخم في برلين
3) ترجمت معاني القرآن الكريم إلى تسع لغات؛ نشرت منها فيما سبق ترجمات بالإنجليزية، والألمانية، والهولندية، والأوردية وتمت ترجمته أيضا إلى خمس لغات أخرى هي التميلية، والسندهية، والجرموخية، والخاسية، والجافية، وقد تمت هذه الترجمات وأصبحت معجة للطبع الآن. وتقوم اللجان الأخرى بترجمة معاني القرآن إلى البنغالية؛ والسيامية، والبرمية؛ والهندية، والفرنسية
4) لقد وزعت من ترجمة القرآن بالإنجليزية أكثر من ستة آلاف نسخة مجانا، وبلغ مجموع النسخ الموزعة أربعين ألفا. وتتخذ العدة الآن لطبع عشرين ألف نسخة جديدة
5) ولقد ترجمت حياة الرسول ونشرت في سبع عشرة لغة من لغات العالم، كالإنجليزية؛ والألمانية، والعربية؛ والألبانية. . ووزعت مجانا أكثر من عشرين ألف نسخة.
6) ويعتبر كتاب (الدين الإسلامي) الذي ألف بالإنجليزية دائرة معارف بذل في تأليفه جهد كبير؛ وهو يتحدث عن مصادر الإسلام ومبادئه العملية، وتعاليمه. وقد تم نشره في لغات
ثلاث هي: الإنجليزية، والهولندية؛ والتركية. . وهو ينقل الآن إلى اللغة العربية.
7) ومجلة (ليت) الإسلامية الأسبوعية التي تصدر بالإنجليزية في لاهور ويشرف على تحريرها أفراب الدين أحمد؛ تقوم بعمل جبار في نشر مبادئ الدين في أنحاء الدنيا التي يتكلم الناس فيها الإنجليزية. . وهي تطفح كل أسبوع بالمواضيع الإسلامية الرائعة ويشترك في تحريرها فطاحل الكتاب.
8) ونشرت كتب أخرى متعددة عن نواحي الإسلام في ثلاثين لغة من لغات البشر.
9) تنشر رسالة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها بين الأمم والأفراد عن طريق إرسال الكتب الإسلامية مجانا إلى أكثر من خمسة آلاف مكتبة في العالم من مجموعة الكتب التالية:
أ) ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية مع التعليقات المطولة على الآيات الكريمة
ب) الديانة الإسلامية
ج) مختصر الأحداث النبوية
د) محمد رسول الله
هـ) الخلافة الأولى
و) نظام العالم الجديد
ز) الأفكار الخالدة للنبي محمد
ح) تعاليم الإسلام
10) توزيع كتب مجانية عن نواحي الإسلام المختلفة في عدة لغات بكميات هائلة، وهي ترسل مجانا لكل من يرى في نفسه القدرة على توزيعها
11) تأسيس ثلاث مدارس عليا للدراسات الإسلامية
12) إن الموازنة السنوية للدعاية الإسلامية تزيد على عشرة ملايين روبية أي ما يساوي أكثر من مائة أف جنيه إسترليني. وتبلغ ممتلكات الجمعية الإسلامية الأحمدية في لاهور أكثر من خمسين مليونا من الروبيات.
وتغتبط هذه الجمعية بقبول التبرعات من جميع المسلمين الذين يسرهم أن يروا نور الإسلام مشرقا في ظلام الدنيا، فالزكاة والربح الذي تدفعه المصارف على الأموال الودعة
لديها، والصدقات الأخرى. . هي موارد إسلامية ينبغي أن تصرف لهدف عظيم من هذا النوع يخدم مبادئ الإسلام. والذين تهزهم الأريحية ويجدون لديهم الرغبة في إرسال شيء، فليوجهوا مشكورين ما يرسلون إلى أمين سر الجمعية الإسلامية الأحمدية في لاهور بالباكستان
بغداد - أعظميه
علي محمد سرطاوي
الأدب واللغة من الكائنات الحية
للأديب محمد عثمان الصمدي
ينهض الأدب واللغة تبعا لنهوض الدولة وامتداد سلطانها، ويقوى ساعداهما بالقياس إلى قوة ساعد الدولة أيضا. هكذا يقول بعض الباحثين إلى قوة ساعد الدولة أيضا. هكذا يقول بعض الباحثين ومؤرخي الآداب والفنون. وقد يكون هذا أو بعضه حقا؛ ولكن من الحق أيضا أن ليس الأمر مقصورا على اللغة أو الأدب أو الفن، وإنما هو ينسحب على سائر مرافق الدولة، وعناصر الحياة فيها، وكل ما من شأنه أن يكون من مقوماتها. ولكنها تختلف ويسبق بعضها بعضا إلى الوجود بحسب الحاجة إليها، والباعث عليها، وبحسب ما يكتنفها من صعاب وعقاب. وأخيرا بحسب قدرة الدولة على الخلق والإيجاد، أو البعث والإحياء. وإنما كان الأدب أسبقها جميعا إلى النمو والازدهار لأنه وليد الفطرة لا يحتاج إليه سائر العناصر والمرافق والمقومات. . ولأمر ما أجاد الجاهليون الشعر
وقد عجب بعض الباحاث من العربية حين قويت وشاتد ساعدها في مدى العصر العباسي كله؛ لأنها لم تأبه لما منيت به الدولة من تدهور سياسي في القرن الرابع الهجري. ثم عللوا ذلك بأن الفاتحين لم تكن لهم لغة جديرة بالإحياء. ولأنهم كانوا يتخذون الشعر دعاية لدوهم الناشئة. ولأنهم مع هذا كان لهم تمكن في الأدب ومشاركة في فنونه)
ولعل هذا أو بعضه أن يكون حقا. ولكن يجدر بنا أن نلاحظ مع أن هذا أن الأدب كائن حي كسائر الكائنات الحية. فمنذ أن نمته الدولة بعد الجاهلية، واصبح بتلقي المؤثرات التي جاءت نتيجة للصراع السياسي وما إليه، صار له من الأغراض والأهداف ما لم يكن له من قبل. وما هي إلا أن اتسعت هذه الأغراض وامتدت على مدى الأيام. وأصبح كثير من الشعراء يطرقونها لا لشيء إلا أنها موضع للإجادة والتفوق والتبريز.
وبعبارة أخرى أصبحت ضرورة فنية دون أن يكون لها من الحياة ما يوحي بها أو يحمل عليها. وإنما يوحي بها ما سبقها من آثار جاءت في أول الأمر نتيجة لمؤثرات الحياة الواقعة، وما تتمخض عنه من أحداث. ثم أصبحت هذه الآثار تؤثر بدورها كالحياة الواقعة في الشعراء وأرباب البيان. ومن ثم فقد صار للأدب حياة قادرة على أن توحي وتلهم، وعلة أن تمس النفوس فتفجرها أرحه واهتزازا وطربا، وعلى أن تأخذ بالعقول إلى حيث
تفكر وتقدر. وقليل أولئك الذين يفرضون أنفسهم وأدبهم عليها وعلى الأدب فرضا. وهم مع ذلك لا يكاد يخلو الأمر من أن يكونوا متأثرين تارة ومؤثرين أخرى. وإلى هذا فإن حياة الأدب ككل حياة يختلف عليها ما يختلف على سائر الكائنات الحية من قوة وضعف وتطور في الغرض والوسيلة والاتجاه. إلى غير ذلك من ملابسة الزمن ومخالطة الحضارة التي يستمد الأدب جدته منها، والتي تسمه آخر الأمر بميسمها في اللفظ والمعنى والهدف والأداء. وإذا جاز لنا أن نشبه الأدب بالإنسان قلنا إن يلابس الأدوار التي يلابسها الإنسان من طفولة فصبا فشباب فكهولة فشيخوخة فموت. ولسنا نريد أن نقول إن الأدب عابث لاغ في طفولته كالطفل. أو أنه قوي طاغ في شبيبته كالشباب وإنما نريد أن نقول إن الأدب كائن حي نام يحمل في أدوار نموه عناصر الموت والفناء. وقد تطول أو تنصب إحدى هذه المراحل أو كلها مجتمعة بالنسبة إلى عوامل حضارية وأخرى ثقافية واجتماعية، وإن كان لا تخلو كل مرحلة من آحاد يعيشون بأذواقهم وعقولهم في بيئات سلفية أو مستقبلية. ففي عهد الطفولة تظهر الفطرة بجميع مميزاتها من حسنات وسيئات لا تكاد ترتفع ببصرها إلى السماء ولا تهبط إلى الأغوار، وإنه تتخذ ما يحيط بها من الحيوان ونبات وجماد موضوعا للقول وأداة للتمثيل والتخيل. وهي لا تنزع إلى غايات اجتماعية أو إنسانية. ولا يعود بصرها إذا امتد شؤون القبيلة وما هو من ذلك بسبيل. تؤثر الكلام والوفاء؛ وتأنف أن تتقيد بشيء إلى ما يقيد به نفسه الرج الحر. وأنت لا ترى عندها فرقا كبير بين الإباء والجماح. أو بين الكرم والتضحية. أو بين الوفاء والفداء. أو بين الشجاعة ووالتهور. أو بين الصراحة والغلظة والفظاظة. وبالتالي فهي تتسم بالصدق ودقة الملاحظة وحرارة الإحساس ومعاطفة اللغة عطافا قلما نشعر بمثله نحن الآن. وهي تحن حنينا قويا إلى تحقيق قول القائل
أطيب الطيبات قتل الأعادي
…
واختيال على متون الجياد
ورسول يأتي بوعد حبيب
…
وحبيب يأتي بلا ميعاد
ثم إن شعر الرثاء فيها لا نكاد نجد له مثيلا في الصدق والحرارة في سائر المراحل والعهود التي تليها جميعا. وهي جامدة لا تكاد تتطور إلا بحدث يهزها هزا عنيفا، وينال منها ومن تقاليدها وعرفها نيلا شديدا. ولكنها تاقومه أحيانا وتذعن له حينا. يظهر ذلك في حياة الأدب
عامة. وفي حياة المعنيين بالإذعان والمقاومة على وجه خاص. ومن ثم فقد ظفرت حياة الأدب بشيء من التطور والانتقام ووسعت أغراضا جديدة، وأحيت مثليات قديمة. وأصبحت في صبا غض تتفتح فيه المتدارك وتتهيأ لما عسى أن يتكشف عنه عهد الشباب من دوافع البعث والإيقاظ. وإذن فقد صار لها امتداد مكفول يأتيها من نفسهتا حينا، ومما حولها حينا آخر. ونحن حين ننظر إلى عهود الخلفاء الراشدين بحسبانها امتداداً لعهد النبوة. كذلك نرى الأدب في ظلها امتدادا لذلك العهد أيضا. ولا نكاد ندع هذه العهود إلى عصر بني أمية حتى يدخل الأدب مرحلة الشباب من حياته. وهنا يقوى حقا قوة لم نر ما يقرب منها في سائر المراحل والعهود. وإن لم يسع من الأغراض ما وسعه في العصر العباسي بعهديه أوله وثانيه. فالسلائق كعهدها من قبل غنائية لم تتعقد بضروب الثقافات، ولم تصبح رواسب عقلية كما سنرى فيما بعد. ولكنها تصدر عن تلك النفس العربية السمحة الكريمة، نازعة إلى مثل عليا هي جماع الخلال الرفيعة للعربي في الحب والأدب والسياسة والاجتماع.
أما اللغة فقد نالها غير قليل نمن التطور والصقل والمرونة. ذلك لأن العربي في عهود اللغة الأولى كان يحس في اللفظة الواحدة شحنة عاطفية وجدانية. وكانت صوتية اللغة تصور له المدلولات تصويراً ليس إلى مثله من سبيل في زمننا هذا إلا بالجمل الفضفاضة والعبارات، فلو أن عربيا رأى حية ولم يكن عرف اسمها من قبل، ثم ذكرت له لفظة الأفعوان وهو جاهل بها أيضا لو ثبت إلى ذهنه صورة الحية التي كان قد رآها منق بل فيما رأى. فإن في لفظ الأفعوان وهو يتلوى ويمتد في النطق لدليل على ما يمتاز به من خصائص ومميزات. ولو ذهبنا نفترض أن قبيلة من قبائل العرب كانت تدعو حنشاً، وأخرى كانت تدعوه (الأرقم). ثم عرض لفظ الحنش للأخرى فلا تلبث أن تدرك على نحو ما يراد بهذا اللفظ من مدلول. ذلك لأنه مصور لخصائص عديدة فيه. فاللفظ في جملته مصور له وهو ممدود على النحو المعروف. أما الحاء فهي منه بمثابة الرأس. وأما النون تفيدنا دقة جسمه بحركتها المفتوحة وهي خارجة في النطق مع أخويها الحاس والشين هوائية هكذا. وكذلك الشين فهي ربما أعطتنا مغازلة الشمس لجلده وهو يتألق ومضا ولمعانا
للكلام بقية
محمد عثمان الصمدي
رسالة الشعر
الشاعر
للأستاذ حسين محمود البشبيشي
شف روحاً وراق فيض جنان
…
وارتوى من منابع الرحمن!
أطلق الله روحه فنجلى
…
شاعرا واستوى نبي معان!!
وتلك أيضا تهدي كأختها قصيدة شقيق الروح الأستاذ الملهم الشاعر أنور العطار. . على مهذب الروح، ومثقف العقل. . من كان له فضل تقدير ينابيع نفسي. .
أستاذي الجليل (الزيات) حسين
شف روحاً وراق فيض جنان
…
وارتوى من منابع الرحمن
زخرت مقلتاه بالنور وال
…
ظل ففاضت من ناظريه المعاني
غمرته الحياة. . . فهو حياة
…
ورعاه النشيد فهو أغان
في حساب الزمان سار خلوداً
…
ويعرف المكان فوق المكان
جمع العالم الوسيع بروح
…
يسع الكون في شفيف كيان!
كان معنى في خاطر الأكوان
…
يتهادى رؤى وراء الزمان
أطلق الله روحه فتجلى
…
شاعراً واستوى نبي معان!
ياله شاعراً يكاد من الف
…
ن يذيب الفؤاد في الألحان
رجع حناته ترانيم خلد
…
وصدى قلبه نشيد حنان
الخيالات بين جنبيه نشوى
…
من رحيق مقدس روحاني
تترسلن أغنيات بقلب
…
عبقري الإغفاء والثوران
ملهم ظامئ المشاعر لهفا
…
ن لخمر الحياة في كل آن
فاض من حوله الخيال وشاع ال
…
فن. . . يا للمغرد الفنان
أيها الشاعر المفيض على الكو
…
ن من روحه فيوض البيان
إنما أنت ما هم عبقري
…
دينه الفن جل في الأديان!
رب شعر مقدس روحاني
…
من فؤاد مقدس ريان
ومعان تنساب إثر معان
…
حيوات مفجرات الحنان
طهرت لحنها أكف قدا
…
سات ففاض القيثار بالإيمان
أنبياء الفنون إشراقة الله
…
بأرض السراب والبهتان
نبضة الطهر في حنايا وجود
…
دنسته غرائز الإنسان
يا بني الترب. . . إن روحنا من الخل
…
د تجلى بشعره النتوراني
لاح في جدبكم ربيع قلوب
…
وسرى بينكم بشير أمان
شاعراً ينبض الخيال بكفي
…
هـ كنبض القلوب في الأبدان
ساخراً يقهر الحياة بروح
…
سخرت من صلالة الطغيان
خالقاً للجمال في كل آن
…
عابداً للجمال في كل آن
ملهما يعبد الحقيقة في الكو
…
ن ويطوي متاهة الأزمان
كلما شاقه فراق ربيع
…
سبق العمر للربيع الثاني
يا له شاعراً يحدثه الفج
…
ر حديث المتيم والولهان
وحفيف الأنسام قبل عطفي
…
هـ ففاضت نسائم الوجدان!
وطيوف الوجود أوحت إليه
…
كل سر جرى وراء العيان
إنه الشعر كالغواني جمالا
…
هل رأيت القصيد مثل الغواني
كل بيت حسناء أبدعها الله
…
بحسن يسمو على الإحسان
فتن كالسنا الأغر محلاة
…
بإشراقة من الألوان
يدفق الشعر من براعم نحواها
…
ويفتر عن معان حسان
ما تراها كأن خفق صداها
…
همسات التحنان للتحنان
تملك الروح آسرات وتشتق
…
طريق الإلهام للفنان
دفقات من المشاعر تنساب خيالا منغم الأوزان
سلست منطقا وراقت رويا
…
واستوت صورة وصدق بيان
إن ألفاظها تشف عن المع
…
نى كما شفت القلوب الحواني
فهي روح من روحه قد تسامت
…
عن قيود الإيهام والإدجان
وضحت كالندى وقد قبل الزه
…
ر بفجر معطر نديان
يا ضمير الوجود ما أنا إلا
…
شاعر هائم وراء المعاني
لي قلب أرق من نسمة الفج
…
ر وأصفى من عطرها الريان
أعبد الفن في الحياة وأحيا
…
عابداً للجمال في كل آن
كلما شاقني فراق ربيع
…
أسبق العمر للربيع الثاني
حسين محمود البشبيشي
رسالة النقد
مناقشة هادئة مع الأستاذ الناعوري
القيم الفنية في الشعر المتطلق
للأستاذ سليم غاوي عبد الجبار
أصدر الشاعر العراقي بدر شاكر السياب ديوانه الأول (أزهار ذابلة) عام 1948، وقد تفردت قصيدة (هل كان حبا) من بين قصائد الديوان بطريقتها التعبيرية الجديدة، هذه الطريقة التي آن للشعر العربي أن يدركها. وبعد صدور الديوان استرسل بدر في نظم قصائده، وفقا لطريقته الحميدة، وقد جمعها فيما بعد في ديوانه الثاني (أساطير)
وقرأت الشاعرة العراقية المبدعة نازك الملائكة، هذه القصائد، - كما قرأها آخرون يهمنا منهم الآن صالح جواد الطعمة - فصادفت عندها قبولا ومن ثم حاولت مجاراة الشاعر - في موسيقاه - فنظمت أغلب قصائد ديوانها الثاني - شظايا ورماد - وهي تتأثر خطي بدر. وفعل صالح كذلك، فنظم بعض قصائد (ظلام الغيوم - و - والربيع المحتصر) على هذا المنوال
وقد كتب بدر، ونازك، عن هذه الطريقة، أما بدر فقد اكتفى بإشارة تهدي السارين، ولم سهب. وأما ناظك فقد أفاضت بالكلام. . . ولكن عن القيم (العروضية) فقط، مما يدلنا، دلالة واضحة، على أنها لم تفطن للقيم الأخرى ولم تتحسس بها، وليست ملومة على ذلك، فلا يطلب من الشاعر، ما هو من حصة النقاد
ولكن الناقد لم يقصدوا لهذه الطريقة، ولم يدرسوها، دراسة موضوعية شاملة غرضها الأصيل، توضيح القيم، وتثبيتها للآخرين، فمثل هذه الدراسة تحتاج إلى جهد مضن، مما قد يتمهل عن مثله النقاد العجالي
على أن أمامي الآن عددين من أعداد مجلة الأديب البروتية، وفيهما مالات للناقد الأردني الأستاذ عيسى إبراهيم الناعوري، حاول فيهما مثل ذلك الدراسة؛ ولكننا نراهما بعيدين عن الروح العلمية، هذه الروح التي تحتم على كل ذي مقال نقد أن يلتجئ إليها، وإلى الذوق المرهف الحساس، وكان من الطبيعي وقد تناءى الأستاذ عن ذلك، أن يتورط في أخطاء
علمية بارزة، وأخطاء ذوقية وعرة، لا يرتضيها الواقع الشعري، ولهذا وددنا أن ننطلق في تثمين هذا الإنتاج، أن نقف قليلا، ونناقشها، مناقشة علمية هادئة، بدون تحيز إلا للعلم، وبدون خضوع إلا للذوق.
قال الأستاذ - وهو بصدد الأسلوب التعبيري الجديد
(ولكنه جاء يشبه النثر بتفعيلاته غير المتجانسة، وغير المنضبطة في نظام موسيقي)
لابد وأن الأستاذ - مع احترامنا الوافر له - لم يقرأ مقدمة شظايا ورماد وإلا لأدرك أن التفعلات ليست متجانسة فقط، وإنما هي (متطابقة)، وأزيد للتوضيح فأقول إنها عبارة عن تفعيلة واحدة مكررة - في كل بيت - عدداً من المرات يتغاير - عدديا - مع البيت الذي يليه أو يسبقه تغايراً يشاؤه الاعر أو بالأحرى كما يتطلبه المعنى، وذلك لأن هذا الشعر يعتمد على (الأبحر الكاملة) المتساوية التفاعيل.
ثم. . . ما الذي يقصد الكاتب بجملته (وغير منضبطة في نظام موسيقي) إذا كان ما يقصده بالنظام الموسيقي هو الطريقة السلفية - الكلاسية - فالشعر الغربي منذ هوميروس وإلى الآن غير منضبط في نظام موسيقي، وهذا ما لم يقله أحد
هذا وقد أحس الشاعر العربي منذ القديم بقساوة هذا النظام - نظام الشطرين المتوازنين - والتفاعيل الثمان - فحاول الانفلات منه، فابتدع المجزوء، والمشطور، والمنهوك، وتوج ابتداعه (بالموشح)، ولم أقرأ مقالا لناقد عربي أو غرب يتهم هذه الفروع الشعرية - وخاصة الموشح - بالخروج على النظام الموسيقي!!
إن النظام الموسيقي للشعر العربي (أو الغربي) لا يحدد يا أستاذ بنظام الشطرين - الأبحر - بقدر ما يحدد بالتفعيلة الواحدة، أو التفعيلتين! راجع أوزان الشعر للدكتور محمد مندور. في الميزان الجديد
ثم يقول الأستاذ في مكان آخر من مقاله الأول (العدد الثالث)
(ولكننا لا نظلم الشاعرة إذا قلنا إن طريقة النظم فيها لم تعرف الرحمة بآذان القراء وأذواقهم الشعرية)
أرأيت - طريقة النظم - وليس نظم الشاعرة، إن الأستاذ هنا (يحابي) الشاعرة - ومعذرة من الصراحي - فلا ينسب الفشل إليها، بل يرجعه إلى (طريقة النظم!) فشأن الأستاذ كشأن
ذاك التلميذ الذي تستعصي عليه مسألة رياضية فلا يستطيع حلها، ولا يستطيع اتهام أستاذه بقدرته على التفهيم، فيلقي القلم - مرتاحا - ليقول (إن المسألة مغلوطة!!)
ما ذنب (طريقة النظم) إذا فشل الشاعر في التعبير بواستطها؟ وهب أن قارئا - مثلي - استطاع البرهنة على صلاحية (طريقة النظم) وعدم تخديشها لآذان القراء! وأذواقهم الشعرية، فما يكون موقف (طريقة النظم) آنذاك؟ أتكون تعرف الرحمة ولا تعرف، في آن واحد!
ثم من الذي أخبر الأستاذ بآذان القراء وأذواقهم الشعرية! هل استفتى القراء - والعصر عصر التجريب - أم اعتمد على رأي موثوق بصحته له أثره التوجيهي في تأريخنا النقدي!
ألا يجوز اعتبار تنادي شعراء العراق للتعبير وفقاً لهذه الطريقة دليلا على رحمتها بآذان القراء. والشعراء (وهم من أدق القراء إحساسا) فما إن ابتدع بدر هذه الطريقة حتى تصايح الشعراء العراقيون، ونسجوا أشعارهم على تلك الطريقة؛ أذكر منهم نازك، صالح، بلند الحيدري، عبد الوهاب البياتي، شاذل جاسم طاقه، عبد الرزاق عبد الواحد.
ثم إن الكاتب احترس فحدد تذوق القراء بالنسبة لقصائد ثلاث من قصائد الشاعرة، فما الرأي في القصائد الأخرى المنظومة بنفس (طريقة النظم) لماذا لم يشر الكاتب إلى طريقة النظم فيها؟
إذا ما أراد الأستاذ أن يصدر هذا الرأي - الذي كاد يكون حكماً - من وجهته الذاتية فله كل الحق أن يتحدث عن نفسه، أما أن يشرك آذان القراء وأذواقهم الشعرية، فهذا ما هو بعيد عن الحياد العلمي
ولكن لماذا لم تعرف طريقة النظم فيها - كما يقول الأستاذ - الرحمة بآذان القراء، وأذواقهم الشعرية. لابد من سبب، والأستاذ ماهر، لا يعوزه ذلك فاسمعه متمماً جملته السالفة
(فقد ألف القراء في الشعر العربي إيقاعا موسيقيا متجانساً، فوجدوا هنا نظماً، غريباً مقلفاً يصدم الأذن بشكل عنيف)
والمطلوب من الأستاذ أن يعرف - لنا الإيقاع - تعريفاً علميا، فالذي أفهمه أنا من الإيقاع، التعريف الذي جاء فيه مندور إذ يقول
(نعرف الإيقاع؟! فهو عبارة عن رجوع ظاهرة صوتية ما على مسافات زمنية متساوية أو متجاوبة)
فمن تعريف مندور يتراءى لنا أن الإيقاع لا علاقة له بنظام الشطرين. لا علاقة له مطلقاً، هذا وليس هناك إيقاع (غير متجانس)(فأنت - والكلام لمندور - إذا نقرت ثلاث نقرات، ثم نقرت رابعة أقوى من الثلاثة السابقة، وكررت عملك هذا، تولد الإيقاع من رجوع النقرة القوية بعد كل ثلاث نقرات)
ومن هذا التبسيط الأخير يلتزم وجود الإيقاع المتجانس (وكل إيقاع متجانس) في الشعر الجديد كما في الشعر القديم
وما دام النقد هو فن دراسة النصوص - كما يقولون - فلم يعد بالإمكان الرضوخ والقنوع بمثل قول الأستاذ (فوجدوا هنا نظما. . .) إذ أصبح من اللازم أن يقوم الناقد - بوضع خطوط سوداء -! تحت استنباطاته كأن يبين أثر هذا اللفظ، أو ذاك، وأثر هذه التفعيلة أو تلك، أما أن يرسل (تذوقه) إرسالا مطلقاً، فهذا ما لا نقره عليه
ثم تابع الأستاذ
(والحقيقة أن القارئ يسير مع الشاعرة في هذه القصائد وأمثالها (!) لاهثاً من التعب. . . فهناك بين طويل، وآخر قد لا يريد على لفظة واحدة)
ماذا نقول للأستاذ! أيصح لدينا أن ننبذ هذا اللون من الشعر لمجرد أن هناك بيتاً طويلاً. وآخر قد لا يزيد على لفظة واحدة، أم يتحتم علينا - كنقاد - أن نقف باستغراق وعمق إزاء هذا الإنتاج، وكل إنتاج، فنتساءل - مادام الشاعر قد ارتضاه - عن مدى ما فيه من طاقة، ونستقرئه استقراء دقيقاً شامخاً، ونحلله تحليلا جزئيا، ومن بعد نصدر حكمنا القاطع عليه
لا عليك - يا أستاذنا - من الرتابة التقليدية، فإنها أصبحت لا تثير ولا توحي، عليك أن تنظر إلى المعنى! فإذا كان القصر أو الطول مما يقتضيه المعنى ليستثير الخيال والعاطفة، رحب به، وأفسح له صدرك
هل يجوز لنا أن ننتقد - رساماً لا لشيء إلا لأنه يستعمل لوناً واحداً أو لونين في صورته - راجع المدرسة الثانوية في الرسم - (الأديب ت 4801)
ألم تلاحظ يا أستاذ أن غرض الشاعر هو الخروج عن ذلك التوازن الهندسي!
هذا ما جاء في مقال الأستاذ الأول، ولم يزد في مقاله الثاني - الأديب العدد السابع 1952 على ترديد ما سلف قوله فاسمعه
(إلا أن تشكيلة تفعيلاته غير المتجانسة تمنع من رؤية الجمال والحيوية فيه) وقوله (فلو جاءت هذه القصائد على أوزان وتقطيعات متناسبة متناغمة، لكانت أجمل وألطف وقعاً في النفس ففيها معان جميلة لكنها ضاعت بالصياغة)
أما عن جملته الأولى فقد ناقشناها من قبل، وأما عن جملته الثانية فقراء عبد القاهر الجرجاني، يرد كون مقدار ما فيها من التواء، فالمعنى لا يكان له - إلا ظلا ضئيلا لا يعبأ به - خارج الصياغة، وليس لنا أن نتسائل عما يصبح عليه المعنى إذا ما تبدلت الصياغة تبدلا جوهريا، فعلينا تقبله أو رفضه ضمن الصياغة
ولا أفهم أكثر تناسقاً وتناغماً من سيطرة تفعيلة واحدة على كافة أبيات القصيدة
على الأستاذ الماهر أن يتحرز من استعمال كلمته خارج دلالاتها العلمية المتقف عليها (وسك الأفكار - كما يقول جورج ديهاميل - مجازفة خطرة). مما سبق يتضح لنا بجلاء أن الكاتب الأردني لم (يحاول) أن يسير وفق المنهج العلمي للنقد، ولم يختط له خطة مثلى، تعينه على اجتياز مشق الطريق، وعلى ثغره ابتسامة ناضرة
ولو درس الكاتب الشعر العراقي - الجديد - دراسة موازنة، وراجع شعر بدر، والآخرين، لما تورط
(وموعدنا في عدد قادم)
العراق - العمارة
سليم غاوي عبد الجبار
الكتب
الفلسفة الصحية في الإسلام
تأليف الشيخ جلال الحنفي
للأستاذ عبد الخالق عبد الرحمن
هذا الكتاب الصغير أصدره فضيلة الشيخ جلال الحنفي رئيس جمعية الخدمات الدينية والاجتماعية في العراق، وبالرغم من أن هذا الكتاب يغلب عليه الطابع العلمي إلا أن أسلوبه كان رائعاً حقاً، فالشيخ الحنفي من المتأثرين إلى حد بعيد بأسلوب أستاذنا الزيات صاحب الرسالة، فهو يقتفي آثاره ويترسم خطته، ولا أدل على ذلك مما جاء في العدد الأخير الصادر بتاريخ 8 تموز سنة 1952 من الصحيفة التي تصدرها الجمعية التي يرأسها الحنفي حيث يقول:(. . . واحترامنا الفائق للأستاذ الزيات وإيماننا بأسلوبه الجميل وبلاغته المشهودة. . . الخ)، والأستاذ الحنفي لا يترك فرصة تفلت من يده دون أن يشيد بأسلوب الزيات الرائع، وديباجته الساحرة، وفنه اللامع
والحنفي في كتابه هذا يعالج مشكلة من مشاكلنا الاجتماعية التي عالجها الإسلام، فكتابه هذا لم يكن بالكتاب العادي، فهو غير عادي في دروسه وأحكامه، لما يتناول من القضايا التي تهم جزءاً كبيراً من البشرية في حياتهم كل يوم
يقول في فصل (الحياة كفاح) لا نغلو إذا قلنا إن الإسلام كان أول دين سماوي عني - بصورة دقيقة - بمثل هذه النواحي الحيوية، وذلك لأن الإسلام قام على فلسفة عميقة في توجيه الإنسان إلى فهم الحياة. فالحياة في الإسلام كفاح في سبيل تثبيت دعائم السلام والفضيلة والإنسانية، وهذه الأقاليم العظيمة لا تستقر إذا كان الدعاة إليها مضرى، ولا تستمر إذا كان العاملون عليها يلتحفون ملاحف الهزال والضنى والعلة، إلى آخر هذه الكلمات التي تفيض بالحكمة وتحض الناس على التمسك بالصحة وفهم الدين على وجهه الصحيح
والواقع أن هذا الكتاب من الكتب التي يعتز بها، ولست أشم أبداً في أنه إذا ما انتشر في البيئات الإسلامية حق الانتشار خليق بأن يوقظها على آفاق جديدة، وأن يحدث في جنباتها
دويا فكريا
جاء في فصل (فوائد الاعتدال وأضرار الشراهة) ما يلي:
من القواعد الصحية السديدة التي وضعها الإسلام قاعدة الاعتدال وعدم الإسراف، ففيما يتعلق بتناول الطعام مثلا نقرأ في القرآن الكريم:(كلوا واشربوا ولا تسرفوا)، ونجد في الحديث النبوي:(إن المؤمن يأكل في معي واحدة وإن الكافر ليأكل في سبعة أمعاء) فالاعتدال في الطعام والشراب طريق من الطرق الموصلة إلى سلامة الإنسان من الأسقام، وقد كان هذا الموضوع من الموضوعات التي تردد عليها الكلام في الآيات الكريمة والحديث النبوي الشريف، لأن الاعتدال أصل مهم في الصحة، وقد استشهد المؤلف بعدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية تثبت ما ادعاه. فمن الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام (حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولابد فثلث للأكل وثلث للشرب وثلث للنفس). وقد وصف الله ذوي الشراهة في إلتهام الأطعمة بأنهم يأكلون كما تأكل الأنعام، وهذا وصف أراد الله تعالى به أن يذكر الناس بمصير من يأكل كما تأكل الأنعام وهو الغباء والغفلة والحرمان من فهم حقيقة الحياة
وجاء في فصل (الحجر الصحي) والإسلام أول دين سماوي وضع نظام الحجر الصحي عند حدوث أوبئة عامة، فقد جاء في الحديث النبوي النهي عن الدخول في أرض أصابها الطاعون، وكذلك النهي عن الخروج منها، وقد كان لهذا الابتكار الصحي العظيم أثر ملحوظ في حماية البشرية من الموت بالجملة، أما ما كان يحدث في بعض فترات التاريخ من الأوبئة الماحقة التي كانت تفتك بالناس في عواصم الإسلام خلال العهود الأخيرة فما كان ذلك إلا من جراء الغفلة عن الأخذ بهذا النظام الصحي الدقيق
وقد حث النبي أيضاً على اجتناب الموبوئين بالأمراض المعدية فقال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) والغرض من ذلك حماية الصحة أولا ولفت أنظار الهيئة الاجتماعية إلى عدم الاستهانة بالأمراض المعدية ووجوب معالجة المصابين بها
وقد أمر النبي بغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب لما ينقله لعاب الكلب من الأمراض
ومما يؤخذ على الشيخ الحنفي الاستشهاد ببعض الحكم الدينية القديمة بينما الكتاب يبحث
عن الصحة في الإسلام، فمن ذلك قوله:(ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)، واستشهاده أيضاً بالحكمة القديمة القائلة:(إذا امتلأت المعدة فسدت الفكرة) وعلى كل فإن هذه الهنات الهينات، لا تحط من قدر هذا الكتاب المفيد
بغداد
عبد الخالق عبد الرحمن
النقد الأديب
للدكتور أحمد أمين
للأستاذ محمد عبد الحليم أبو زيد
حسب القارئ الذي يطلي خلاصة مركزة مهضومة سهلة التناول في النقد الأدبي؛ أصوله؛ وتاريخه؛ هذا الكتاب الذي يقدمه أستاذنا لطلاب الثقافة الأدبية؛ النقدية؛ فهو يعد أوفى كتاب في اللغة العربية في باب النقد وتاريخه؛ فليس يغنى غيره عنه. وقد يغنى هو عن كثير من الكتب في هذا الباب. ولكن ما خصائص أسلوب هذا البحث القيم الفكري والفني؟ أما عن أسلوبه الفكري أي مادته العلمية فهي تتسم بالإحاطة والشمول بكل ما قيل بصدد المسائل التي يتعرض لها في اللغة العربية واللغات الحية؛ ثم موازنة؛ وهضم هذه الأفكار؛ ثم مزجها مزجا فنيا، وتقديمها بأسلوب أستاذنا الهادئ، الطيع، السلس، المبين، حتى تشعر أنك قد ألممت بعصارة الآراء مبلورة في رأي المؤلف. ثم ينتقل بك من موضوع إلى موضوع في رفق، ولين، واتزان منطقي. أرأيت أسلوب فجر الإسلام، وضحاه، وكيف قدم إليك هذه المادة العلمية في ذلك الأسلوب الأدبي مما جعلك تشعر أن الدكتور قد أدب العلم بعرضه وفنه. فأنت أيضا في هذا الكتاب لا تطالع مادة عقلية، منطقية، جافة، ثقيلة، بل مادة موشاة بألوان الفن مما جعلها أقرب إلى القلب، وأعلق بالنفس، وهذا هو سر حياة كتبه، وتجدد طبعاتها. ومما يزيد هذا الكتاب اتزانا في البحث، وسلامة في المنطق، ووضوحا في العرض، هو تحضير مادته في هدوء، وعلى مهل، فلا عجلة، ولا اضطراب ثم بعد أن تحضر هذه المادة تدرس لطلاب الجامعة. فيزيدها هذا تركيزا، واستجلاء
وتقويما، أن في عرضها إشاعة الضوء في كثير من جوانبها، واستبانه ما دق على النظر عند تحضيرها، فإذا ما انتهت من عمل المؤلف واجتازت بوتقة الدرس فقد وصلت مبرأة من المآخذ، خالية من الشوائب. وهذا ما يحسه القارئ في كل مبحث من مباحثه وباب ومن أبوابه. فهو يتناول النقد الأدبي وعناصر الأدب والشعر والنثر. ودراسة العناصر الأساسية للأسلوب؛ والرواية، ثم نظرة عامة في النقد، والنواحي التاريخية، ثم تطبيقات وملاحظات عامة، ثم تاريخ النقد عند الأفرنج، وعوامل انحلال الكلاسيكية الحديثة، ثم يتناول النقد عند العرب في الجاهلية، والعصر الأموي. والنقد في العراق، والشام، والعصر العباسي، إلى آخر ما يتعلق بهذا الموضوع
هذه هي بعض المباحث التي يضمها هذا الكاتب القيم الذي يجمع دقة البحث العلمي وجمال العرض الفني. ومن المباحث الجيدة في الكتاب ذلك البحث الذي تناول فيه الدكتور والرواية، وتتبع نشأتها، وأنواعها، وعناصر كل منها، وأيضاً البحث الذي تناول فيه النقد، والنقد كأدب، ومهمة النقد، والنقد الاستدلالي، والنقد الحكمي، ومؤهلات الناقد، وذخيرة الناقد كل هذه
ديوان ابن أبي ربيعة
نشره فضيلة الأستاذ الشيخ محي الدين عبد الحميد
شخصية ابن أبي ربيعة من الشخصيات التي كانت ولا زالت محورا لكثير من الدراسات التي تناولت سمات فنه الشعري، وحاولت أن تبرز ملامح شخصيته الأدبية؛ وأن تضع تراثه في ميزان النقد، وأن تفسر تلك الألوان التي تطبع شعره، والتي يتفرد بها ابن أبى ربيعة بين شعراء جيله. وهي ذلك الولع بالحديث عن المرأة، وتلك الأحاديث الشعرية التي يقصها الشاعر عن مغامراته. وغرامياته في ميدان الهوى؛ ومسارح الصبابة؛ ومقدار ما فيها من صدق فني ونفسي وتاريخي؛ وهل كان صادق العاطفة يصدر في شعره عن بواعث نفسية؟ كل هذه قضايا طال تجاذب الرأي فيها. وبرغم كل هذا فشخصية ابن أبي ربيعة من شخصياتنا الأدبية التي استطاعت أن تشغل كثيرا من الأقلام في سبيل استجلائها فنيا ونفسيا، غير أن هذه الدراسات التي قامت حوله على تطاول العصور؛ لم تنسق وتنشر
نشر علميا، بحيث تكون بين يدي الباحث على ضوئها. هذا ما يتعلق بالدراسات التي قامت حوله. وشعر ابن أبي ربيعة أيضا في حاجة قوية إلى بذل المجهود اللغوي الذي يتصل بضبط ألفاظ وشرحها، لتصبح سهلة التناول ميسرة السبل على الباحث.
وقد تمكن الأستاذ الجليل الشيخ محيي الدين أن يجمع كل ما قيل حول هذا الشاعر، وأن يتولى ضبط ألفاظ الديوان، وشرحها شرحا لغويا أولا، ثم شرحا أدبيا ثانيا ليمهد على قدر الإمكان السبيل أمام القارئ ليتذوق ويدرس، ثم عهد إلى ما امتازت به صناعة ابن أبي ربيعة من حيث استعمال بعض التراكيب التي خرج بها عن لغة قريش، فعرض لهذه المسائل مع استشهاده لذلك، ثم تتبع الألفاظ التي استعملها عمر جانب فيها معاجم اللغة، ثم ختم الكتاب ببيان الشعر الذي نسب إلى عمر في بعض كتب الأدب وليس من شعره. وقد أنفق في هذا العمل عامين كاملين يجمع النصوص ويقارنها ويصححها، ويقوم بضبطها وشرحها، حتى تهيأ له أن يخرج هذا الكتاب الذي نيف على الخمسمائة صفحة من القطع الكبير. وقد قسمه إلى أربعة أقسام: الأول يشمل أخبار عمر، والثاني آراء العلماء فيه، والثالث يشمل الديوان، والرابع الشعر الذي نسب إلى عمر وليس له. ولا شك أن هذا العمل يعد مساهمة جديدة للشيخ محيي في نشر ذخائرنا الأدبية
محمد عبد الحليم أبو زيد
البريد الأدبي
بين الإسلام وحركة التسلح الخلقي
نشرت مجلة (الأزهر) الغراء كلمة تحت هذا العنوان في جزئها العاشر لسنة 1952 أشار فيها إلى المصلح الاجتماعي الدكتور فرانك بكمان فوصفته بأنه قصد إلى تغيير المجتمع بتغيير، أفراده ووسيلته أن يتسلح كل فرد بمبادئ يأخذ بها نفسه في غير تساهل، ومن هذه المبادئ الاتجاه إلى الله والإصغاء إلى أوامره وطاعته، وأن يحاسب المرء نفسه كلما أذنب مصمما على أن يتجنب الرذائل، وأن يتعاون الأفراد على تحقيق هذه المبادئ كي تسود في المجتمع (فالانقسام من علامات عصرنا. . . والاتحاد مطلبنا العاجل. والانقسام نتيجة التكبر والحقد والشهوة والخوف والطمع وهو من صنع المادية وهو العلامة التي تميز بضاعتنا)
وهذا تلخيص موجز بليغ لحركة التلسح الخلقي. . . وقد أشارت المجلة أيضا إلى فصل عقده أحد الكتاب في المجلة الإسلامية التي تصدر باللغة الإنكليزية في ووكنج بإنجلترا مقارنا فيه مقارنة طريفة بين مبادئ الإسلام الخلقية وبين ما تدعو إليه حركة التسلح الخلقي. ومما قاله هذا الكاتب وهو هولاندي يدعى فرانز ستال أن التوبة في إسلام هي وسيلة تغيير الأفراد وهي لسلاح خلقي عظيم.
وقد أحسنت مجلة الأزهر بإيرادها الإشارة إلى رأيه في المقارنة بين الآداب الخلقية في الإسلام وبين حركة التسلح الخلقي بعد تلخيصه مبادئ تلك الحركة
وبقي أن يلم القارئ إلمامة سريعة بالأسباب وبالظروف التي دعت إلى نشأة هذه الحركة، ولما كان كاتب هذه السطور أحد الذين اتصلوا بهذه الحركة الخلقية وحضروا بعض المؤتمرات التي دعت إليها جماعة التسلح الخلقي في سويسرا وخطب في تلك المؤتمرات مقارنا بين مبادئ الإسلام وبين أهداف هذه الحركة فمن واجبه أن يتحدث عما رآه وما عرفه عنها
كان الدكتور بوكمان يعمل سنة 1921 مدرسا في مدرسة أمريكية وكان منهجه في الحياة أن يقضي في التدريس نصف العام ويقوم برحلات في أرجاء العالم المختلفة في النصف الآخر
وفي خلال سنة 1921 دعي لحضور مؤتمر (نزع السلاح) في واشنطن وكان السفر إلى تلك المدينة يستدعي بين ليلة في غربة النوم بالقطار - وقد سافر ولكنه لم ينم الليلة وانحصر تفكيره في (نزع السلاح) وفي الأسباب التي دعت إليه. ووصل التفكير إلى أن السلاح الذي لا ينزع والذي لا خطر على الخير في استعماله وفيه على الشر الخطر الأكبر هو سلاح الخلق
في هذه اللحظة كان مولد فكرة التسلح الخلقي وقد كان من بين ما فكر فيه أن الحرب الكبرى (1914 - 1918) التي أدت إلى مؤتمر نزع السلاح لم تحدث (تغييرا) في العالم ولم تفرق بين ما قبلها وما بعدها؛ وفكر بمثل المعنى الكريم الذي تضمنته الآية
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) - فجعل وسيلته لنشر مبادئ التسلح الخلقي في الدعوة إلى التقوى وفسرها بأنها الإصغاء لصوت الله وطلب الوقاية منه دون غيره، وقال في نفسه إن الله لن يحدث تغييرا في الناس حتى يحدث التغيير لما في أنفسهم، فقرر أن يستقيل من عمله وأن يتفرغ لدعوته؛ فالدعوة وفقا لنشأتها كانت رد فعل لويلات عالمية، واستجابة لدعوة بنزع السلاح تجنبا لتكرار المأساة الدامية، وصراعا مع العوامل التي كانت تهب لتصل إلى الحرب العالمية الثانية
وقد حدثت تلك الحرب وكان من بين آثارها تعليم الناس أن ميدان القتال ليس هو وحده مجال الحروب، فالحرب في المجال الاقتصادي وفي ميادين العمل وفي الأسرة وفي كل مكان سببها التكالب على المادة ولا سبيل إلى وضع حد لها إلا التمسك بالخلق بمحاربة الأنانية
وكما نشأت الحركة في أعقاب حرب فقد زاد نشاطها وكثر عدد المؤمنين بها بعد الحرب الثانية وكان هذا رد فعل لها وصراعا للعوامل التي لا تزال تدب لتصل بالدنيا إلى حرب عالمية ثالثة
وكلما خطت هذه الحركة خطوة في سبيل توحيد الناس بالتمسك بما لا خلاف عليه بين أديانهم ومصالحهم وعرفهم - خطت هذه الحركة خطوة في هذا السبيل تبين أنها تتأثر الإسلام وتصاحبه قاصدة إلى أهدافه
وليست هذه الحركة ذات عصبية فهي ليست بالهيئة التي تدعو إلى الانضمام إليها ولكنها
فكرة يعاش بها وشعارها (أن في العالم من الخيرات ما يكفي حاجة كل إنسان ولكن ليس فيه ما يكفي مطامعه)
وقد كان لي في أحد المؤتمرات في سويسرا شرف الموازنة بين الإسلام وبين مبادئ هذه الحركة؛ كما خطب فيها من المسلمين من شهدوا بأنها تتأثر مع ديننا الحنيف وتتمشى معه رجال مسؤولون من بينهم سعادة محمد صلاح الدين وزير الخارجية السابق وسعادة عبد الرحمن عزام الذي أكد (أنه يعضدها على اعتبار أنها تتوافق كل التوافق مع العقيدة الإسلامية)
الإسكندرية
أحمد عوص
براعم شعراء الشباب
لا خوف على براعم شعراء الشباب في مصر وفي البلاد العربية مهما قست الظروف وضاق نطاق الصحف والمجلات وعجز الشعراء عن طبع دواوينهم لسبب من الأسباب. . . لا خوف على هؤلاء الشعراء ما تذرعوا بالصبر، وتدرعوا بالجهاد، وأقبلوا على نظم الشعر برغبة حارة وقوة دائبة وشعور لا يغيض
هكذا قلت لنفسي حين قرأت الكلمة التي تفضل بتوجيهها إلى مشكورا - الأستاذ محمد علي جمعة الشايب في العدد 993 من الرسالة، وهو يبدي مخاوفه من هذه الأزمة الشعرية لدى الشعراء الناشئين الذين تعرض الصحف والمجلات عن نشر أشعارهم وأكثرهم ما يزال في دور البدء والتكوين، وإنما المهم دائما الإقبال على النظم وإمعان النظر وإدامة الفكر فيما ينبغي أن يقال على نهج جديد، وبروح جديد. وسيأتي يوم لكل مغمور فيشهر، ولكل مجهول فيعرف، ولكل مظلوم فينال حقه المهضوم. . . وخير للشاعر أن يظهر أمام الناس قمة عالية تتطلع إليها الأنظار، من أن يبدو وهدة سحيقة تتخطاها العيون وتدوسها الأقدام
أحمد أحمد العجمي
إذاعتنا الغراء
لست أجانب الحقيقة لو قلت: إن إذاعتنا المصرية (الغراء) أوشكت أن تعلن إفلاسها، وتثبت أنها عاجزة عن مسايرة أهزل إذاعات العالم جميعا. . .
إن برامج إذاعتنا الغراء لا تشجع مطلقا على الإقبال عليها، ولا على تتبع محتوياتها، فتسعة أعشارها حشو من الأغاني الغثة، والتمثيليات التافهة التي لا تثقف عقولا ولا ترقي أفكارا ولا تنهض بشعب
لا تسل عن ركن الأطفال الذي هو مزيج من الأناشيد المكررة، والقصص المفزعة، والأصوات المنكرة، ولا تسل عن ركن المرأة الذي لا يتصل برسالة المرأة في الحياة إلا من جانب الكماليات الأرستقراطية. ولا تسل عن ركن الريف الذي هو خلو مما يفيد الريف ويوضح آلامه ويحل مشكلاته وينهض بأهله. . . لا تسل عن ركن من هذه الأركان أو غيرها حتى لا تتميز من الغيظ حسرة وأسفا على إذاعتنا الغراء. . .
لعلك اضطررت اضطرارا ليلة تأليف الوزارة الهلالية الثانية إلى تتبع برامج الإذاعة لعلك تستريح إليها ولو خلال لحظات، ولعلها تنال منك ولو ذرة واحدة من رضاك، فماذا سمعت في تلك الليلة المشهودة التي تستمع فيها بلاد العالم إلى إذاعة مصر، فتقف على حقيقة الأحوال فيها، والتقلبات السياسية المفاجئة. إن إذاعتنا لم تكن - بالطبع - مستعدة لتسترنا في مثل هذه الليلة، فأبت أن ترحمنا من أغاني فيلم (في الهوا سوا) وفيلم (من القلب للقلب)، وكل ما تكرمت به علينا أن أذاعت علينا وثائق استقالة الوزارة السابقة، وتأليف الوزارة اللاحقة، دون أن تتكرم ولو بتعليق واحد سياسي على تقلبات السياسة في مصر، وهل هي في مصلحتها أم في غير مصلحتها. . .
أما بقية الليلة فقد قضاها (ميكرفون) الإذاعة الغراء بالجمالية بالقاهرة ليذاع علينا من هناك الاحتفال بمولد العارف بالله (سيدي) مرزوق الأحمدي، وواصل الشعب المصري الكريم السهر إلى قبيل الساعة الواحدة صباحا يستمع إلى (أبيض الوجه، وجميل القد، وأحمر الوجنتين، وأكحل العينين) من قصائد وتواشيح الشيخ طه الفشني.!
وبعد فإن المذياع ليعتبر من أهم وسائل النهوض بالشعوب والتقدم بها، والعمل على رقبها ورفع مستواها الثقافي. ولكن يظهر أن مصر هي البلد الوحيد الذي كفر بهذا الاعتبار وتنكر له وسخر منه؛ لأنها نكبت بإذاعة لا تتساوى مع إذاعات العالم إلا في الاسم وكفاها
بهذا فخرا!
فقية الشيخ
القصص
الوطنية
مترجمة عن الإنجليزية
تزوجت من (هانز) - وهو أحد الجنود الألمانيين - لعام واحد قبل الحرب العالمية الضروس التي أهلكت كل حي ودمرت كل شيء، بالرغم من أني فرنسية الأصل والجنس. . . وكان أول عهدي به لاقيته في معرض من معارض الفنون في (باريس) - وكان قد ذهب إليه زائرا - فلما سمعته يتكلم الفرنسية بطلاقة تحدثت إليه، فملكني حديثه العذب الفكه، وأسرني غزله المرح الرقيق، فكان ما كان، وانتهى بنا الأمر إلى الزواج بعد قليل
وتركت وطني راضية لأعيش مع زوجي (هانز) في قرية صغيرة من قرى ألمانيا. وعشت بين أحضان عائلته في سعادة ورفاهية، ورغد وبلهنية. وصار أصدقاؤه مع مضي الزمن أصدقائي، وخلصاؤه خلصائي، وأقاربه أقاربي! وما مضى على وجودي بينهم غير قليل حتى تعلمت كيف أتكلم الألمانية، وحتى كدت أنسى أنني كنت فرنسية الجنس واللغة في يوم من الأيام. ونقلني (هانز) بما حباه الله من قوة وسحر إلى دنياه فذقت لذة الهناء، وحلاوة الصفاء، ومتعة الحب
ولكن هذا النعيم لم يدم طويلا وا أسفاه! فقد أعلن لي (هانز) في يوم من الأيام - وقلبه يفيض فرقا - أن ألمانيا قد أعلنت الحرب على أعدائها، وأنه سيسافر إلى ميدان القتال لأن اسمه قد درج بين أسماء المحاربين هناك. . . ثم رجاني أن أعود إلى (باريس) - في الوقت نفسه - خوفاً من أن تجد ظروف تحول بيني وبين ذلك. وقد كان (هانز) - بالرغم من كل ذلك - على يقين من أن الحرب لت تستمر أكثر من ثلاثة شهور على أكثر تقدير، وأنه سيعود إلى بعد ذلك. . .
وأحسست بعد ان أفقت من صدمة هذا النبأ الفاجع، وهول هذا الخبر المؤلم - أن حبي لزوجي (هانز) أقوى وأعنف بكثير من حبي لوطني (فرنسا)! وشعرت أن كل ما هو حبيب إليه أحب إلى نفسي من كل ما سواه، وأن كل ما هو عزيز عليه أعز على قلبي من كل ما عداه. ومن أجل ذلك أهبت بنفسي أن أكون ما حييت فداء لهانز وللقيصر ولألمانيا. . . متحملة في سبيل ذلك ما قد ينتابني من الألم أو يمسني من السوء. . .
وودعت (هانز) وأرسلته إلى المعركة، وقلبي يفيض إعجابا ونفسي تتيه فخارا. وقد كنت أنا أيضا أعتقد أن الحرب ستضع أوزارها عمل قليل، وأن (هانز) سيعود إلى سليما قويا آمنا. وانقضت شهور عدة فما خمد لهيب الحرب وإنما ازدادت الممالك المشتركة فيها عددً وعددا. وكان (هانز) يرسل إلى بين الحين والحين بعض الرسائل - وهو في ميدان القتال - فكنت أجد فيها قليلا من المتاع واللذة، وشيئاً من الراحة والطمأنينة، ووميضاً من السلوان والأمل! ولكني ما كنت أريد إلا أن أرى وجهه، وأسعد به جواري مرة أخرى!
أواه يا قلبي!
إنني ما رأيت (هانز) بعد ذلك اليوم أبدا، وما كنت أحسب أنني قد ودعته الوداع الأخير! فقد ترامى إلى أن طائرة فرنسية دمرت الكمين الذي كان يختبئ فيه - بعد مضي عشرة شهور من بدء الحرب - فقضى نحبه محترقا. وكاد الحزن يفقدني عقلي ويورثني الخبل. . .
ومن ذلك اليوم تولدت في نفسي الكراهية والبغضاء لفرنسا وتمنيت لو استطعت أن أثأر لزوجي أو أنتقهم له من أولئك الذين قتلوه! وأحببت لو أن فرنسا خرجت منهزمة منكسرة من الحرب، بل مدمرة مهدمة مخربة! ولكن السنين - وا حسرتاه - قد خيبت ظني، إذ وقعت الهزينة على ألمانيا؛ فملأت الأحلام المفزعة فؤادي، وأفعمت الأوهام القاتلة خيالي؛ فصدقت كل ما يقال عن قسوة الألمانيين، وكل ما يذاع من أبناء اعتدائهم على الأطفال الآمنين والنساء الضعيفات. فدعوت الله من قلب خالص أن ينصر القيصر ويكتب له الفوز المبين!!
. . وفي يوم من أيام سبتمبر من عام 1918 أجلى الفرنسيون الألمان عن قريتنا، ولكن المانيين تمكنوا - قبل غروب شمس ذلك اليوم - من استرداد قريتهم المسلوبة ومحاصرتها وتطويقها. . .
واستيقظت على حين غرة على صوت مزعج ودوي هائل وضجيج وجلبة الاستقبال التي في الطابق الأسفل من منزلي، فارتديت منامتي على عجل واضأت المصباح الكهربائي الذي ينير الدرج ثم هبطت الدرجات مسرعة يدفع بعضي بعضاً
فماذا رأيت هناك؟
لقد رأيت جنديا فرنسيا يرتدي ملابسه العسكرية متكئاً بجانبه على المنضدة، ولدم يتفجر غزيراً من جرح في رأسه، وكانت سترته ملطخة بالوحل، وعلى وجهه أثر ما يعاني من الألم ويقاسي من الجهد. . .
وما كاد الرجل يراني - وأنا أقترب منه - حتى ألقى إلى نظرة فيها كل معاني الاسترحام كأنما يستجدي بها المعونة، ويرجو بها الغث. ثم مد إلى إحدى يديه كأنما يعلن إلى أن لا لا حول له ولا قوة
فقلت له بلهجتي الفرنسية الوطنية: (هل يؤلمك هذا الجرح كثيراً؟)
ففتح الجندي عينيه على مهل ثم قال: (هل سيدتي. . . فرنسية؟)
وما أدري لماذا أحسست ساعتئذ بثورة في دمي وهزة في جسمي، وخفقات في قلبي!
وقلت للجندي: (نعم، إنني فرنسية، ولكني مقيمة هنا. . . إني. . . أنا. . .!)
وأمسك الجندي بذراعي ثم قال: (إن الواجب يحتم عليك أن تساعديني. لقد حسبني زملائي ميتا فتركوني، والآن يجب على أن أرجع إلى صفوفنا! يجب علي. . .)
وما كاد يتم كلامه حتى سمعت دقا عنيفاً على الباب، وصوتاً عالياً ينادي:(أيتها السيدة!. . . أيتها السيدة)
كانت في منزلي حجرة صغيرة اعتاد (هانز) أن يقضي فيها شؤونه الخاصة؛ فلما مات أغلقت بابها الصغير ثم غطيته بستر عن الأبصار. وأبقيت الحجرة على ما كانت عليه، فلم أتناول أي شيء فيها بتغيير أو تبديل كأنها مكان مقدس لا يمس، أو كأنها الموئل الذي يستريح فيه زوجي ويطمئن إليه
وما أدر ما الذي دفعني إلى أن أنتهك هذا الحرم المقدس في ذلك الموقف العصيب!
لقد دقت الجندي الفرنسي إلى الحجرة فرفعت الستر عن بابها، ثم فتحته، وبعد أن أدخلته فيها أغلقت بابها ثم أعدت الستر إلى موضعه
واشتد الدق على الباب الخارجي عنفاً، وما كدت أفتحه حتى دخل منه جندي ألماني ضخم الجسم كبير الجرم أحمر الوجه فدفعني جانباً وزاحني عن طريقه، ثم أخذ يجول في أنحاء البيت كيفما شاء باحثاً عن الجندي الفرنسي. ففتش المطبخ ثم الحمام فلما لم يجد غريمه اندفع يرقى الدرج إلى أعلى
وتلبثت في موضعي حتى عاد إلى، وحرصت على أن أكثر شعوري، وأكبح عواطفي، وأدفع عن نفسي رجفة كادت تهزني. وحاولت أن ابعد عيني عن الستر حتى لا ألفت نظر الألماني إليه
وما كاد الجندي يقف أمامي وجهاً لوجه حتى أدركت أنه مخمور لا يعي!
وقال لي بصوته الغليظ الخشن: (إنني. . . إنني أظن أني قد رأيت كلباً فرنسياً يجري في فناء دارك وما أرتاب في أنه قد تسلق الحائط ودخل منزلك من النافذة. . . إني. . . إني. . .!)
فأجبته بهدوء: (لقد بحثت بنفسك فلم تجد أحداً هنا)
وكان من العسير عليه أن يدرك ما يقول أو يفكر فيه فقال (أنا. . . أنا. . . لقد أخطأت. . . أنا. . . أنا. . .)
وانتشرت على شفتيه ابتسامة شيطانية ما رأيت أخبث منهم ثم قال: (هل تعيشين هنا. . . وحيدة؟!)
فأجبته: (نعم. إنني أعيش هنا وحيدة منذ أن قتل زوجي)
فاقترب مني شيطاناً فاجراً، وعربيداً داعرا، ومخموراً خبيثاً وهو يتمتم:(وعلي ذلك فأنت تعيشين هنا وحيدة؟!)
ولكن بالرغم من كل ذلك لم أتحرك من موضعي ولم أتزحزح عنه، بل قلت له:(ألا تظن أنه من المستحسن أن تخرج الآن لتبحث عن الكلب الفرنسي فلعلك عاثر عليه؟!)
ولكنه أجابني - بعد أن طوق خصري بذراعه وضمني أليه بعنف -: (لا. . . لا. . . لقد ذهب. . . و. . . وأنا لا اريد أن أربح هذا المكان. . . بل أريد أن أمكث هنا بأية طريقة!!) وأحسست بعد ذلك بشفته تنطبقان على عنقي. ثم قال: (ستكونين - ولا ريب - متساهل لينة الجانب معي. . . أليس كذلك؟!)
وحاولت أن أدفعه بعيداً عني ثم قلت له: (أرجوك. . .)
ولكنه ضمني إليه بقوة، ثم تتابعت أنفاسه سراعاً وهو يقول:(لا تقاومي. . . فلن تجديك المقاومة شيئا. لابد مما أريد. . . وتستطيعين أن تنسي كل شيء عندما أتركك إن كنت لا تريدين أن. . . لا تقاومي. . .!!)
وهممت أن أصرخ مستغيثة ولكني تذكرت أن صراخي سيجلب دون ريب عدداً كبيراً من الجند، وأن هؤلاء سيفتشون وسيبحثون من جديد عن الجندي الفرنسي. فقلت للجندي الألماني:(أرجوك. . . أرجوك. . . أن تدع هذا لوقت آخر. . .!!)
فقهقه الرجل ثم قال: (لوقت آخر؟! وقت آخر؟! ربما يكون ذلك عندما أموت!!)
وما تلبث حتى حملني على ذراعيه وأخذ يصعد بي الدرج إلى أعلى. ولكنه لم يكد يخطو خطوة واحدة حتى سمعنا صوتاً يقول على حين غرة: (إنني آسف يا سيدتي على ما سببت لك من تعب. . .!)
وما سمع الألماني هذا الصوت حتى أنزلني من فوق يديه وأوقفني على قدمي، ثم أدار وجهه فيما حوله وإذا. . . وإذا بالجندي الفرنسي واقفا أمامه وجهاً لوجه، منتصب القامة، مرفوع الهامة، بالرغم مما يقاسي من جراحه، وما يعاني من آلامه! وإذا به يبسم لنا بالرغم من أنه كاد يغمى عليه من الألم، ويغشى عليه من الجهد والإعياء
إنني سجينك الذي تبحث عنه، وأسيرك الذي ترجوه، إنني حاجتك وطلبتك. . . ومادام الأمر كذلك فهيا بنا إذن نذهب من هنا ونترك هذه السيدة الكريمة في سلام وطمأنينة!!) هكذا قال الجندي الفرنسي للجندي الألماني الذي أذهلته المفاجأة فوقف مرتبكا لا يدري ماذا يفعل. وأخيراً قال هامساً في نفس متقطع (نعم. . . نعم. . . إنك سجيني!)
وخرج الرجلان من داري وسار معا؛ وعلى ثغر الفرنسي ابتسامة لا تفارقه، وعلى وجه الألماني حيرة وذهول!
وما رأيت الجندي الفرنسي بعد ذلك اليوم أبداً. فيا ليت شعري هل مات في الحرب أم هو ما يزال حيا إلى اليوم!؟ ولو أنني رجعت إلى (باريس) بعد الحرب لما تباطأت في البحث عنه حتى ألقاه فاشكره على ما أسدى إلى من عارفة وما قدم إلى من جميل
ولكني وا أسفاه لم أعد إلى فرنسا، لأن حياتي فيها تزوير على نفسي؛ ولم أبق في ألمانيا، لأني فجعت فيها بموت زوجي الذي كنت أعيش من أجله على أرضها، بل أتيت إلى إنجلترا لأبدأ حياة جديدة، وما نسيت هذه الذكريات المؤلمة في يوم من الأيام بالرغم من مرور هذه السنين الطوال.
م. س