الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة التحقيق
الحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه؛ أَمَّا بعد:
فهذه «حاشيةٌ على الجلالين: الفاتحة والبقرة» ، لشيخنا العلامة عبد الرحمن البراك - حفظه الله - سمَّاها:«التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين» ، أَملاها في مجالسَ عديدةٍ تعليقًا وتوضيحًا لمُراد المؤلِّفَين من عبارتهما في تفسير الآيات، وصدَّر ذلك بتفسيره - حفظه الله - على الآيات، ثم ثنّى بالتعليق على كلام المؤلِّفَين، وقد تعقَّبهما في المخالفات العقدية، وكان هذا هو السببُ والباعثُ الأَوَّلُ له على إخراج هذا الكتاب قبل أن يبدو لشيخنا أنْ يكتبَ تفسيرًا على الآية - على وجه الإجمال والاختصار - قبل التَّعليق.
ولا يخفى على طالب العلمِ أَهمية تفسير الجلالين لمؤلِّفَيه: جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي؛ فهو من التفاسير المختصرة الشائعة، و «ظهرت خصائصه اللامعة بين الناس على اختلاف المستويات؛ فقد تميَّزَ بصنيع هذين العالمين معًا؛ إذ كان فيه إيجازٌ وافٍ بكثيرٍ من حاجات التفسير مع الاحتفاظ بجميع النص القرآني، واستيعابُ جهودِ العلماءِ في القرون الإسلامية التسعة»
(1)
.
وقد سِرنا في العمل على هذا الكتاب وِفقَ المنهجِ التالي:
1 -
مقابلةُ أَصل الكتاب وضبطه على طبعة الدكتور: فخر الدين قباوة وهو العمدة في هذه التعليقات، ونُنبِّهُ في الهامش إلى ما قد يكون من اختلافٍ بينهما وبين النسخ الأخرى، كما نُنبِّهُ إلى بعض ما وقع في الكتاب من إشكالات، وننقل ما يُصوِّبه شيخُنا في بعض المواضع منها.
(1)
ينظر: مقدمة تحقيق «تفسير الجلالين» للدكتور قباوة.
2 -
تعريفٌ موجزٌ بالكتاب، وبيانُ منزلته وأَهم حواشيه ومَن اعتنى به.
3 -
ترجمةٌ مختصرةٌ للمؤلِّفَين: جلالِ الدِّين المحلي، وجلالِ الدِّين السيوطي.
4 -
تقسيمُ الكتاب إلى فقرات؛ كالتالي:
- نُصدِّرها بالآيات المراد تفسيرها.
- ثم يليها تفسير شيخنا للآيات.
- ثم نُورد تعليق الجلالين على الآيات.
- ثم نُعقبه بتعليقات شيخنا على كلام الجلالين.
وطريقة التقسيم هذه من عمل شيخنا، كما نص في مقدمته فيما سيأتي.
5 -
توثيقُ النقول التي وردت في الكتاب وعزوها إلى مصادرها الأصلية.
6 -
ربطُ مباحثِ الكتاب بكتب التفسير وعلوم القرآن وغيرِها من سائر الفنون.
7 -
إحالةُ بعضِ المباحث إلى مواضع أخرى موسَّعة من كتب وشروح شيخنا حفظه الله.
8 -
ضبطُ الكلمات المشكلة، والعنايةُ بعلامات الترقيم.
9 -
عزو الآيات إلى مواضعها من كتاب الله عز وجل، وإثباتها على رواية حفص عن عاصم، أما الآيات في الجلالين؛ فقد أثبتناها بالخط العادي، وشكّلناها وفق ما ضبطه المحقق الدكتور فخر الدين قباوة لأنَّ القراءة التي اختارها المصنفان لآيات القرآن جمهورها الأساسي معتمد على قراءة إمام البصرة أبي عمرو بن العلاء ولم يلتزما ذلك، وقد أشرنا في الحاشية لاختلاف القراءات.
10 -
تخريجُ جميع الأحاديث والآثار الواردة في المتن، أو التعليق والشرح.
والطريقةُ في ذلك كالتالي:
أ- إذا كان الحديثُ في الصحيحين أو أحدهما نقتصرُ في العزو إليه إلا لفائدة؛ كأن يكون اللفظُ المذكورُ لغيرهما.
ب- إذا كان الحديثُ في غير الصحيحين:
- خرَّجناه من أهم المصادر، وهي السننُ الأربعُ وموطأ مالك ومسند أحمد، وغيرها من المصادر الحديثية المعتبرة.
- لا نتوسع بذكر الطرق والشواهد، وإنما نحيلُ إلى بعض المراجع لمن أراد التوسّع والزيادة، وغالبًا ما تكون الإحالة إلى كتب التخريج، والعلل.
- ننقل ما تيسَّر من كلام الأئمة النقاد المتقدمين عليه تصحيحًا أو تضعيفًا، وإذا كان بين الأئمة خلافٌ نذكر أقوالهم دون حُكمٍ أو ترجيحٍ، وقد نستأنس - في هذه الحالة - بترجيحات المتأخرين، والمعاصرين ممن يشتغل بالتصحيح والتضعيف.
- إذا لم نجد للأئمة النقاد كلامًا في الحديث: لا نحكم على الحديث صحةً أو ضعفًا، وغالبًا ما نعتمد في هذه الحالة على أحكام المتأخرين في ضوء قواعد النقاد.
ج- نذكر اسم الصحابي راوي الحديث إلا أن يُذكر في المتن، وإذا كان الحديث مرويًا عن أكثر من صحابي ذكرنا صاحب اللفظ وأشرنا إلى غيره تبعًا.
11 -
ترجمةُ الرواة من غير الصحابة والتعريفُ ببعض الأعلام.
12 -
بيانُ معاني الكلمات الغريبة.
13 -
التعريفُ بالفِرق والمقالات.
14 -
صنعُ فهرسٍ تفصيلي للموضوعات، وللمصادر والمراجع.
ملاحظة: إذا ورد في الهوامش كلمة «شيخنا» فالمراد به صاحب التعليقات شيخنا العلامة عبد الرحمن البراك - حفظه الله -.
اللجنة العلمية في
مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
للتواصل:
جوال: 0505112242
البريد الإلكتروني: [email protected]
التعريف بالجلالين
ألَّف هذا التفسير إمامان، ولقب كل واحد منهما جلال الدين، وهما: جلال الدين المحلَّي، وجلال الدين السيوطي.
ترجمة جلال الدين المحلي:
هو محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد المحلي الأصل نسبة للمحلة الكبرى. ولد بالقاهرة سنة (791 هـ) واشتغل وبرع في الفنون؛ فقهًا وأصولًا ونحوًا وغيرها، وكان آيةً في الذكاء والفهم؛ فكان بعض أهل عصره يقول فيه: إن ذهنه يثقب الماس. وكان يقول عن نفسه: أنا فهمي لا يقبل الخطأ.
وكان من أهل الصلاح والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام، ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم، ولا يأذن لهم بالدخول عليه، وإذا ظهر له الصواب على لسان من كان رجع إليه، وكان متقشفًا في ملبوسه ومركوبه، ويتكسب بالتجارة، وألف كتبًا تشد إليها الرّحال؛ في غاية الاختصار والتحرير والتنقيح، وقد أقبل عليها الناس وتلقوها بالقبول، وتداولوها؛ منها:«البدر الطالع بشرح جمع الجوامع» ، و «كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين» ، و «شرح الورقات» ، وله مصنفات أخرى في شتى الفنون. توفي في أول يوم من سنة (864 هـ)
(1)
.
ترجمة جلال الدين السيوطي:
هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي، ولد في رجب سنة (849 هـ)، نشأ في القاهرة يتيمًا إذ مات والده وعمره خمس سنوات،
(1)
ينظر: «الضوء اللامع» (7/ 39 - 41)، و «حسن المحاضرة» (1/ 443 - 444)، و «طبقات المفسرين» للداودي (2/ 84 - 85)، و «الأعلام» (5/ 333 - 334)، و «معجم المؤلفين» (8/ 331 - 312).
ختم القرآن العظيم وله من العمر دون ثمان سنين، ثم حفظ «عمدة الأحكام» ، و «منهاج النووي» ، و «ألفية ابن مالك» ، و «منهاج البيضاوي» ، وعرض الثلاثة الأولى على علماء عصره وأجازوه، ولما بلغ أربعين سنة من عمره أقام في روضة المقياس وأخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك، وكان الأغنياء والأمراء يزورونه ويعرضون عليه الأموال والهدايا فيردها، وطلبه السلطان مرارًا فلم يحضر إليه، وأرسل إليه هدايا فردها، وبقي على ذلك إلى أن توفي، وكان يلقب بابن الكتب؛ لأن أباه طلب من أمه أن تأتيه بكتاب، ففاجأها المخاض، فولدته وهي بين الكتب!
له العديد من المصنفات في شتى الفنون
(1)
، منها في التفسير وعلومه:«الدر المنثور في التفسير بالمأثور» ، و «الإتقان في علوم القرآن» ، و «لباب النقول في أسباب النزول» ، و «مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع» توفي سنة (911 هـ)
(2)
.
التعريف بكتاب تفسير الجلالين:
لم يضع الجلالان لهذا التفسير اسمًا بل عُرف بين العلماء باسم «تفسير الجلالين» ، أو «الجلالين» نسبة إليهما.
(1)
ينظر: «دليل مخطوطات السيوطي وأماكن وجودها» لأحمد الخازندار ومحمد إبراهيم الشيباني - الطبعة الثانية -، فقد أوردا فيه (1080) عنوانًا ما بين مخطوط ومطبوع ومجهول المكان أو مفقود، وهذا الرقم فيه الكثير من المكررات؛ لكون الكتاب الواحد ذا عناوين مختلفة.
(2)
ينظر: «حسن المحاضرة» (1/ 335 - 344)، و «الكواكب السائرة» (1/ 227 - 232)، وشذرات الذهب (10/ 74 - 79)، و «الأعلام» (3/ 301 - 302)، و «معجم المؤلفين» (5/ 128 - 131).
وقد ابتدأ جلال الدين المحلي تفسيره من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس، ثم ابتدأ بتفسير الفاتحة، وبعد أن أتمها اخترمته المنية فلم يُفسِّر ما بعدها، فجاء السيوطي وكمَّل تفسير المحلي - في مدة ميعاد الكليم؛ أي: أربعين يومًا! -، فابتدأ بتفسير سورة البقرة، وانتهى عند آخر سورة الإسراء، وجعل السيوطي تفسير الفاتحة في آخر تفسير المحلي؛ لتكون منضمة لتفسيره
(1)
.
وبعد أن اكتمل هذا التفسير انتشر بأيدي الناس واشتهر وقُرِّر في المعاهد وقُرأ في المساجد.
مصادر الكتاب:
اعتمد الجلالان على عدة مصادر في هذا التفسير منها:
التفسير الكبير والصغير لأحمد بن يوسف كواشي
(2)
، ويعرف الأول بـ «تبصرة المتذكر وتذكرة المتبصر» ، والثاني هو مختصره الموسوم بـ «التلخيص في تفسير القرآن العظيم» ، وقد اعتمد عليهما المحلي، واعتمد السيوطي عليهما واقتبس من وضع المحلي واستفاد منه، واستفاد أيضًا من «الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» للواحدي، و «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» للبيضاوي، و «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير.
(1)
ينظر مقدمة البقرة وخاتمة الإسراء للسيوطي (ص 3)، و (ص 1078)، و «حاشية الجمل» (1/ 7)، (2/ 707) وما بعدها.
(2)
أحمد بن يوسف بن الحسن بن رافع بن الحسين بن سويدان الشيبانيّ الموصلي، موفق الدين أبو العباس الكواشي، عالم بالتفسير، من فقهاء الشافعية، من أهل الموصل، من كتبه:«تبصرة المتذكر» في تفسير القرآن، و «كشف الحقائق» ويعرف بـ «تفسير الكواشي» ، و «تلخيص في تفسير القرآن العزيز» ، نسبته إلى كواشة أو كواشي، قلعة بالموصل. وكف بصره بعد بلوغه السبعين، وتوفي سنة 680 هـ. ينظر:«النجوم الزاهرة» (7/ 352)، «هدية العارفين» (1/ 98)، «الأعلام» (1/ 274).
كما أشار السيوطي في ترجمته للإمام أحمد بن يوسف كواشي في بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة؛ فقال: «وله التفسير الكبير، والصغير، جود فيه الإعراب، وحرر أنواع الوقوف، وأرسل منه نسخة إلى مكة والمدينة والقدس.
قلت: وعليه اعتمد الشيخ جلال الدين المحلي في تفسيره، واعتمدت عليه أنا في تكملته مع الوجيز وتفسير البيضاوي وابن كثير»
(1)
.
عناية العلماء بالكتاب:
حظي تفسير الجلالين باعتناء الناس وطلاب العلم للآتي:
- كونه أوجز التفاسير وأخصرها، وقد ذكر حاجي خليفة عن بعض علماء اليمن أنه قال:«عددت حروف القرآن وتفسيره للجلالين؛ فوجدتهما متساويين إلى سورة المزمل، ومن سورة المدثر التفسير زائد على القرآن، فعلى هذا يجوز حمله بغير الوضوء»
(2)
.
- اعتناء الكثير من أهل العلم بتدريسه، والإجازة فيه، وتقريره في المعاهد الشرعية.
- كثرة الحواشي والتعليقات التي أظهرت معناه، وكشفت عن كثير مما خفي.
وقد قام الكثير بشرحه، والتعليق عليه، وتوضيح دقائقه في مؤلفات وحواش كثيرة، منها المطبوع والمخطوط، والمفقود، والناقص، تزيد على الثلاثين، وأهمها
(3)
:
(1)
«بغية الوعاة» (1/ 401).
(2)
ينظر: «كشف الظنون» (1/ 445).
(3)
ينظر: «جامع الشروح والحواشي» (1/ 609 - 613).
1 -
«مجمع البحرين ومطلع البدرين على تفسير الجلالين» لمحمد بن محمد الكرخي، توفي سنة (1006 هـ) في أربع مجلدات، وحققت أجزاء منه في رسائل جامعية، وله حاشية صغرى عليه
(1)
.
2 -
«حاشية الجمالين على الجلالين» للملا علي القاري، توفي سنة (1014 هـ) طبع جزء منها
(2)
.
3 -
«حاشية على تفسير الجلالين» لعبد الرحمن بن محمد القصري، الفاسي، المالكي، توفي سنة (1036 هـ)، طبع جزء منها في المغرب عام (1436 هـ) بتحقيق الدكتور السيد حسن عزوزي، نشره المجلس العلمي المحلي لإقليم مولاي يعقوب
(3)
.
4 -
«كتاب الكوكبين النيرين في حل ألفاظ الجلالين» لعطية بن عطية الأجهوري، توفي سنة (1190 هـ)، وحققت أجزاء منه في رسائل جامعية
(4)
.
5 -
«الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين بالدقائق الخفية» والمعروفة بحاشية الجمل لسليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل، توفي سنة (1204 هـ)، وهو مطبوع مشهور.
6 -
«حاشية الكمالين على الجلالين» لسلام الله بن فخر الدين الدهلوي، المتوفي سنة (1229 هـ)، وقيل (1233 هـ)، طبعت سنة (1381 هـ).
(1)
ينظر: «كشف الظنون» (1/ 445)، و «خلاصة الأثر» (4/ 152)، و «الأعلام» (7/ 61)، و «إيضاح المكنون» (4/ 433)، و «هدية العارفين» (2/ 263)، و «معجم المؤلفين» (11/ 261).
(2)
ينظر: «كشف الظنون» (1/ 445)، «الأعلام» (5/ 12)، «هدية العارفين» (1/ 751).
(3)
ينظر: شجرة النور الزكية (1/ 433)، و «معجم المؤلفين» (5/ 194).
(4)
ينظر: الأعلام (4/ 237)، و «إيضاح المكنون» (4/ 395)، و «هدية العارفين» (1/ 665) و «معجم المؤلفين» (6/ 287).
7 -
«حاشية على الجلالين» لأحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي، توفي سنة (1241 هـ)، وهو مطبوع مشهور.
8 -
«حاشية على تفسير الجلالين» لمحمد بن صالح أبي السعود السباعي، توفي سنة (1268 هـ)، وهو في ثلاث مجلدات مخطوطة
(1)
.
9 -
«قرة العين ونزهة الفؤاد» لعبد الله بن محمد الشافعي النبراوي، توفي سنة (1275 هـ)، هي حاشية على تفسير الجلالين في أربع مجلدات، مخطوطة، وقد حققت أجزاء منه في رسائل جامعية
(2)
.
10 -
«التعليق على الجلالين» لعبد الرزاق عفيفي، توفي سنة (1415 هـ)، من سورة غافر إلى سورة الناس ضمن مقرر التفسير بالمعاهد العلمية.
11 -
«قرة العينين على تفسير الجلالين» لمحمد أحمد كنعان، توفي سنة (1432 هـ)، أضاف إلى التفسير ما تدعو الحاجة إليه، وعلَّق على بعض المواضع منه، وخرَّج أحاديثه، طبعته شركة دار البشائر.
12 -
«تنبيهات مهمة على قرة العينين على تفسير الجلالين» لمحمد بن جميل زينو، توفي سنة (1431 هـ)، وهو تنبيهات على بعض الأخطاء الواقعة في الكتاب السابق، وجعل فصلًا في ذكر تنبيهات مفيدة لمحمد كنعان.
13 -
«تهذيب تفسير الجلالين» لمحمد لطفي الصباغ، توفي سنة (1439 هـ)، طبعه المكتب الإسلامي.
14 -
«أنوار الهلالين في التعقبات على الجلالين» لمحمد بن عبد الرحمن الخميس، وهو تعقبات على بعض الأخطاء العقدية. طبعته دار الصميعي.
(1)
ينظر: «الأعلام» (6/ 164)، و «إيضاح المكنون» (3/ 304) و «هدية العارفين» (2/ 373)، و «معجم المؤلفين» (10/ 83).
(2)
ينظر: «الأعلام» (4/ 131)، و «معجم المؤلفين» (6/ 142)، و «معجم المفسرين» (1/ 326).
15 -
«حاشية هداية الموحدين على تفسير الجلالين» لهشام برغش، طبعته مدار الوطن.
مذهب الجلالين العقدي:
ومما يُؤخذ على هذا التفسير: أنَّ مؤلِّفيه لم يلتزما منهج أهل السنة والجماعة في مسائل الأسماء والصفات التي أجمع السلف على إثباتها، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فوقعا في زلات عفا الله عنهما؛ فقد سلكا مسلك التأويل لكثير من الصفات على طريقة الأشاعرة، وقد علق شيخنا عليها وحرَّر مذهب أهل السنة والجماعة بما يقتضيه المقام بسطًا وإيجازًا.
نسأل الله أن يجزي شيخنا خير ما يجزي به العلماء الصادقين والدعاة الناصحين والأئمة المصلحين، كما نسأله جل وعلا أن يتغمد العلَّامتين المحلي والسيوطي برحمته ويعفو عنها بمنه وكرمه؛ إنه غفور رحيم.
مقدمة التعليق
الحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين؛ أمَّا بعد: فقد أشار عليَّ بعضُ الإخوةِ الفضلاء أنْ أُعلِّقَ على المواضع التي فيها مخالفة لعقيدة أهل السنَّة من «تفسير الجلالين» ، فاستحسنتُ ذلك، ولكني رأيتُ التَّعليقَ على جميع الكتاب مما يتعلَّقُ بالعقيدة وغيرِها، وذلك بتوضيح مُراد المؤلِّف من عبارته في تفسير الآيات.
ثم بدا لي أنْ أكتبَ تفسيرًا على الآية - على وجه الإجمال والاختصار - قبل التَّعليق، ممَّا فهمتُه منها وممَّا حصل لي من قراءتي في بعض التفاسير، فصار ذلك تفسيرًا مستقلًا متبوعًا بالتَّعليق على كلمات مؤلِّف تفسير الجلالين، فحصل بذلك الجمعِ بين التفسير والتَّعليق تكاملٌ وتمامُ فائدةٍ في تفسير الآية.
وقد أكتفي في بعض المواضعِ بتفسير الجلالين مع التَّعليق عليه إذا رأيت ذلك مُغنيًا عن تفسيرٍ مُستقلٍّ للآية.
والمنهجُ الذي اتَّبعتُه في هذا: أنْ أسوقَ الآيةَ أو الآيات أولًا، ثم أذكرَ تفسيرَها، ثم أذكرَ نصَّ تفسير الجلالين، وأُتبعَه بالتَّعليق عليه.
أسالُ اللهَ أن يجعلَه عملًا خالصًا ومُعينًا على فهم كتابه تعالى.
قال الإمام جلال الدين المحلي:
(سورة الفاتحة)
مكيَّةٌ، سبعُ آياتٍ بالبسملة إن كانت منها، والسابعةُ {صِرَاطَ الَّذِينَ} إلى آخرها، وإن لم تكن منها فالسابعةُ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ} إلى آخرها، ويُقدَّرُ في أوَّلها «قولوا» ليكون ما قبل:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} مناسبًا له بكونه من مَقول العباد.
قولُه: (بالبسملة إن كانت منها): أي: إن كانت البسملةُ آيةً من الفاتحة، وفي ذلك قولان، والصواب: أنها ليست آية من الفاتحة
(1)
بدليل الحديث القدسي؛ قال الله: ((قَسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين)) - يعني: الفاتحة - ((فإذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ؛ قال الله: حمدني عبدي
…
))
(2)
الحديث، فبدأ بالحمد لله ربِّ العالمين، ولم يذكر البسملةَ.
وقولُه: (ويُقدَّرُ في أوَّلها «قولوا»): لأنَّ الفاتحةَ كلَّها تعليمٌ من الله لعباده المؤمنين، وقد تضمَّنت الحمدَ والثناءَ والتمجيدَ لله، والتوحيدَ والدعاءَ، فالمسلمُ يقرأها يقصدُ تلاوةَ كلامِ الله، ويقصدُ معانيها المذكورة، ومَن يقرأها غافلًا عن معانيها يكون قاصدًا للتلاوة فقط فله أجرُ التلاوة؛ لأنَّ التلاوةَ مع الغفلة عن المعنى تكون ناقصةً.
(1)
وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد هي المنصورة عند أصحابه، ومذهب جمهور الفقهاء والقراء. ينظر:«المجموع شرح المهذب» (3/ 333 - 340)، و «المغني» (2/ 151 - 153)، و «تفسير القرطبي» (1/ 92 - 94)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 116 - 117)، و «النشر في القراءات العشر» (1/ 270 - 271).
(2)
أخرجه مسلم (395) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقولُه: (ليكون ما قبل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} مناسبًا له): يريدُ أنَّ تقدير «قولوا» يجعل ما قبل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} - وهي الآياتُ الثلاثُ - إنشاءً من العبد بتعليم الله، حمدًا وثناءً وتمجيدًا، ويؤيّده قولُه تعالى في الحديث القدسي:((حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجَّدني عبدي))، وعليه يكون قولُه:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} التفاتًا، وهو انتقالٌ من الغيبة إلى الحضور.
* * *
قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)} .
الباءُ للاستعانة، والاسمُ هو اللفظُ الدالُّ على المسمَّى، فالمعنى: استعينوا بالله ذاكرًا لاسمه، كقوله:{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [الواقعة: 74، 96، الحاقة: 52]، و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1].
و {اللَّهِ} : أشهرُ أسمائه تعالى، والجامع لمعاني أسمائه وصفاته
(1)
، وأصلُ كلمة الله الإله، فحُذفت الهمزةُ وأُدغمتِ اللامُ في اللام مع التفخيم
(2)
.
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} : اسمان من أسماء الله يدلَّان على صفة الرحمة، والفرقُ بينهما أنَّ الرَّحمن يدلُّ على الرحمة الذاتية، وقيل: الرحمة العامة، والرحيم يدلُّ على الرحمة الفعليَّة، وقيل: الرحمة الخاصة
(3)
.
* * *
(1)
ينظر: «بدائع الفوائد» (2/ 782)، و «التعليق على القواعد المثلى» لشيخنا (ص 49 - 50).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 121 - 123)، و «الكتاب» لسيبويه (2/ 195 - 196)، و «لسان العرب» (13/ 467)، و «اشتقاق أسماء الله» للزجاجي (ص 23 - 32)، و «بدائع الفوائد» (2/ 782).
(3)
هذا قول ابن القيم كما في «بدائع الفوائد» (1/ 42)، واختاره شيخنا في «توضيح مقاصد العقيدة الواسطية» (ص 67)، و «التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري» (ص 104 رقم 67). وينظر أقوال أخرى في التفريق بينهما في:«تفسير الطبري» (1/ 125 - 129)، و «تفسير أسماء الله الحسنى» للزجاج (ص 28)، و «شأن الدعاء للخطابي» (1/ 35 - 39)، و «اشتقاق أسماء الله» للزجاجي (ص 38 - 43).
وقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} .
«ال» في {الْحَمْدُ} للاستغراق، واللام في {لِلَّهِ} للاستحقاق، المعنى: الحمدُ كلُّه مُستحَقٌّ لله، والجملةُ إنشاءٌ للحمد من العبد لربه، وهي خبرٌ من الله مدحًا لنفسه، وتعليمًا لعبده، والربُّ: هو: المالكُ المنعمُ، المربي بالنِّعم، المستحقُّ للعبادة
(1)
.
و {الْعَالَمِينَ} : جمعُ عالَم، والمرادُ بهم في هذا الموضع: جميعُ الخلق، فكلُّ جنسٍ من المخلوقات عالَم، تقول: عالَمُ الإنس، وعالَم الجنِّ، وعالَم الملائكة، وعالَم الحيوان، وغير ذلك.
وقد يُرادُ بالعالمين: الجنُّ والإنسُ فقط؛ كقوله تعالى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)} [الفرقان: 1]، وقد لا يُراد بهم إلا البشر؛ كقوله تعالى - في بني إسرائيل -:{وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)} [البقرة: 47، 122]
(2)
.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ} : جملةٌ خبريةٌ قُصد بها الثناءُ على اللَّه بمضمونها من أنه تعالى مالكٌ لجميع الحمد من الخلق، أو مُستحقٌّ لأن يَحمدوه.
و {الله} : عَلَمٌ على المعبود بحق. {رَبِّ الْعَالَمِينَ} : أي مالك جميع الخلق من الإنس والجنِّ والملائكة والدواب وغيرهم، وكلٌّ منها يُطلَقُ عليه «عَالَم» ، يقال: عالَم الإنس وعالَم الجن إلى غير ذلك، وغلب في جمعه بالياء والنون «أولو العلم» على غيرهم. وهو من العلامة؛ لأنه علامةٌ على مُوجِده.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 142 - 143)، و «اشتقاق أسماء الله» (ص 32 - 36)، و «شأن الدعاء» (ص 99 - 100)، و «مجموع الفتاوى» (14/ 12 - 13).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 144 - 147)، و «نزهة الأعين النواظر» لابن الجوزي (ص 444 - 446، رقم 214).
وقولُ المؤلِّف: (جملةٌ خبريةٌ): أي من حيث اللفظ، أمَّا من حيث المعنى فهي مدحٌ وثناءٌ على الله، ولهذا قال المؤلِّف:(قصدَ بها الثناء على الله بمضمونها).
وقولُه: (مالكٌ
…
أو مستحق): إشارةٌ إلى أنَّ اللام في قوله: {لِلَّهِ} : يُحتمل أن تكون للملك أو للاستحقاق، والأظهر: أنها للاستحقاق
(1)
.
وقولُه: (واللهُ عَلَمٌ على المعبود بحق): هذا الاسم «الله» مختصٌّ بربِّ العالمين، وهو الإله الحقُّ المعبودُ بحق، ولكن هذا الاسم ليس علمًا محضًا بل هو عَلَمٌ وصفةٌ؛ لأنَّ أصلَ اللفظ مُشتقٌّ، فأصل الله إله، بمعنى: مألوه أي: معبود، فحُذفت الهمزةُ، وأُدغمتِ اللامُ في اللام مع التفخيم كما تقدَّم.
وقولُه: (وجُمع بالياء والنون)؛ أي: جُمعَ العالمُ جمعَ مذكَّرٍ سالمٍ مع أنَّ العوالمَ منها ما يَعقِل ومنها ما لا يَعقِل، وما لا يَعقِلُ لا يُجمعُ جمعَ مذكَّرٍ، ولكن يقول المؤلِّف: غُلِّب أُولوا العلم؛ يعني: أُولوا العقل؛ أي: غلبَ مَنْ يَعقِلُ على ما لا يعقل فجُمع جمعَ مذكَّرٍ سالمٍ. والصحيحُ أنَّ عالَم قد فقد فيه ثلاثةَ شروطٍ من شروط ما يُجمعُ جمعَ مُذكَّرٍ سالم:
الأولُ: أنَّ العالم ليس بعَلَمٍ ولا صفة، وهذا شرطٌ فيما يُجمع جمعَ مذكر سالم.
الثاني: أن يكون مذكرًا حقيقيًا، والعالَمُ مذكرٌ لفظًا.
الثالث: أن يكون ما يُجمعُ جمعَ مُذكَّرٍ سالمٍ عاقلًا، والعالَم منه ما يعقلُ ومنه ما لا يعقلُ كما تقدَّم.
ولهذا كان الصواب: أنَّ العالمين مُلحقٌ بجمع المذكَّرِ السالم.
(1)
لأنها داخلة بين معنى وذات. ينظر: «اللامات» للزجاجي (ص 65)، و «مغني اللبيب» (ص 275)، و «حاشية الصبان على الأشموني» (2/ 320).
وقولُه: (وهو من العلامة): يريد أنَّ العالَم والعالمين سُمِّيَ بذلك لأنه دالٌ على موجده، فكلُّ مخلوقٍ هو علامةٌ على الخالق سبحانه، وهذا معنى قول المؤلِّف: أنَّ العالَمَ مأخوذٌ اسمُه من العلامة، والعلامةُ ما يعرف به الشيء ويدلُّ عليه
(1)
، ويقال: له أيضًا آية، والآية والآيات بهذا المعنى هي الآياتُ الكونية، وهي: المخلوقات. والآية والآياتُ في القرآن يُرادُ بها في الغالب الآياتُ الكونيةُ؛ كقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} [البقرة: 248]، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ} [يونس: 67]، {وَمِنْ آيَاتِهِ} [الروم: 20]، ويُرادُ بها تارةً الآياتُ الشرعية، وهي: آياتُ القرآن؛ كقوله: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} [يونس: 1]، {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7].
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الماوردي» (1/ 55)، و «تفسير البغوي» (1/ 52)، و «تفسير ابن عطية» (1/ 74)، و «الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد» للهمذاني (1/ 75).
وقولُه تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} .
ما يتعلَّقُ بهذين الاسمين تقدَّم في البسملة، وقال الله في الحديث القدسي:((وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي)).
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أي: ذي الرحمة، وهي إرادةُ الخيرِ لأَهلِه.
وقولُ المؤلِّف: (أي: ذي الرحمة، وهي إرادةُ الخيرِ لأَهلِه): تفسيرُ الرحمة بالإرادة مبنيٌّ على نفي حقيقةِ الرَّحمةِ، وهو من مذهب الأشاعرةِ الذين لا يُثبتون إلَّا سبعًا من الصفات
(1)
، ومنها الإرادةُ، فيفسرون بها كثيرًا من الصفات التي ينفونها؛ كالرحمة والغضب والمحبة والبُغض، والواجبُ إثباتُ هذه الصفات على حقيقتها اللائقةِ بالله سبحانه وتعالى كما هو ظاهرُ القرآن، فالاسمان دالَّان على أنَّ الرحمةَ صفةٌ لله - تعالى - قائمةٌ به.
* * *
(1)
وقد انتقد شيخ الإسلام هذا التقسيم عندهم. ينظر: «درء التعارض» (3/ 21 - 22)، و «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 330)، و «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» للمحمود (3/ 1049).
قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} .
«يوم الدين» : أحدُ أسماءِ يومِ القيامة، ومعناه: يومُ الجزاءِ والحسابِ للعباد على الأعمال.
{مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أي: الجزاءُ، وهو يوم القيامة، وخُصَّ بالذِّكر لأنه لا ملك ظاهرًا فيه لأحدٍ إلَّا لله تعالى، بدليل:{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ} [غافر: 16]. ومن قرأ «مالك» فمعناه: مالكُ الأمر كلّه في يوم القيامة؛ أي: هو موصوفٌ بذلك دائمًا كـ {غَافِرِ الذَّنْبِ} [غافر: 3]، فصحَّ وقوعُه صفةً للمعرفة.
وقولُ المؤلِّف: (خُصَّ بالذِّكر): معناه: خُصَّ يومَ الدين بأنَّ اللهَ ملكه، والملكُ فيه له سبحانه مع أنه تعالى مالكُ الدنيا والآخرة، {وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى} [الليل: 13]، ويُبيّنُ المؤلِّفُ وجهَ التخصيص بقوله:(لأنه لا ملك ظاهرًا فيه لأحدٍ إلَّا لله تعالى)، بخلاف الدنيا ففيها ملوكٌ لكنَّ ملكَهم عاريةٌ، وهم: ذاهبون، ولهذا في الحديث الصحيح: أنَّ اللهَ إذا أخذ الأرضَ والسماوات بيديه يقول: ((أنا الملكُ، أين ملوك الأرض؟))
(1)
، فلا ملكَ لأحدٍ يومَ القيامةِ سواه، كما قال تعالى:{يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19].
وقولُه: (ومن قرأ «مالك»
…
) إلى آخره: يدلُّ على أنَّ في الكلمة قراءتين، و {مَلِكِ} بلا ألف قراءةُ الجمهور
(2)
، واختارها ابنُ جرير
(3)
. ووجهُ التخصيص بـ «يوم الدين» مثل: وجه التخصيص على القراءة الأولى.
(1)
رواه البخاري (4812)، ومسلم (2787) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وأبو حاتم وخلف بإثبات ألف بعد الميم لفظًا، وقرأ الباقون بغير ألف. ينظر:«النشر في القراءات العشر» 1/ 271.
(3)
«تفسير الطبري» (1/ 150).
وقولُه: (أي: هو موصوفٌ بذلك دائمًا): يريد أنَّ إضافةَ الملك ليوم الدين يحتملُ أنه ليس للتقييد والتخصيص بل {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} اسمٌ لله وصفةٌ له دائمًا، وعلى هذا فيكون الاسمُ معرفةً بالعلمية، وعلى الأول يكون: معرفةً بالإضافة، فيصحُّ أن يكون صفةً للمعرفة على التقديرين، ولهذا قال المؤلِّف:(فصحَّ وقوعُه صفةً للمعرفة)، لكنْ عبارتُه توهم أنه لا يصحُّ وقوعُه صفةً للمعرفة إلَّا على التقدير الثاني.
ومضمونُ هذه الآية تمجيدُ الربِّ بوصفه بالمَلِك في يوم الدِّين على قراءة الجمهور، وبمالك يومِ الدِّين على القراءة الأخرى، وفي الحديث القدسي:((وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قال الله: مجَّدني عبدي)).
* * *
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} أي: نخصُّكَ بالعبادة من توحيدٍ وغيره، ونطلبُ منك المعونةَ على العبادة وغيرِها.
قولُه: (نخصُّكَ بالعبادة): معناه: لا نعبدُ إلَّا إياك، وهذا قصرٌ أفادَه تقديمُ المعمولِ وهو الضميرُ المنفصل المنصوب «إياك» ، فتضمَّنت الآية توحيدَ العبادة.
وقولُه: (ونطلبُ منك المعونةَ على العبادة وغيرِها): كان الأولى أن يقول: ونخصُّك بطلب المعونةِ على العبادة وغيرها فلا نستعينُ غيرك؛ لأنَّ قولَه تعالى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يفيدُ القصرَ؛ كالجملة التي قبلها، فدلَّت الآية على توحيده سبحانه بالعبادة وبالاستعانة، فتضمَّنت الآية توحيدَ الإلهية في الجملة الأولى، وتوحيد الربوبية في الجملة الثانية، فكما لا معبودَ بحقٍّ إلَّا الله؛
فلا مُستعانَ على الأمور كلِّها إلَّا الله، وتقديمُ العبادة على الاستعانة؛ قيل: هو من تقديم الغايةِ على الوسيلة
(1)
.
والعبادةُ هي: كمالُ المحبةِ مع كمال الذلِّ
(2)
، وهي: أيضًا اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبُّه اللهُ ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة
(3)
.
والاستعانةُ: طلبُ العون كما يفيد ذلك: «السين والتاء» ؛ كالاستعاذة والاستغفار.
ويحسنُ التنبيهُ إلى أنَّ مضمونَ الآيات الثلاث - وهو ما تدلُّ عليه من أسماء الله وصفاته - هو المقتضي لما تدلُّ عليه الآية الرابعةُ من التوحيد في العبادة والاستعانة.
وفي الآية الرابعةِ انتقالٌ من الغيبة إلى الخطاب، وهو ما يُسمَّى عند البلاغيين التفاتًا، وفي الحديث القدسي:((فإذا قال العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل))، ومعنى ذلك: أنَّ العبادةَ لله والعونَ للعبد من الله.
* * *
(1)
ينظر: «مجموع الفتاوى» (10/ 284)، و «مدارج السالكين» (1/ 117). تنبيه: في بعض كتب التفسير في هذا الموضع مخالفات عقدية، والكلام عن الاستطاعة هل هي قبل الفعل أو معه، ونحو ذلك؛ فلينتبه.
(2)
«مجموع الفتاوى» (10/ 19، 56، 153، 251)، و «مدارج السالكين» (1/ 115 - 116)، و «التدمرية وشرحها» (ص 481).
(3)
ينظر: «مجموع الفتاوى» (10/ 149)، و «شرح التدمرية» لشيخنا (ص 481).
قولُه تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)
…
} إلى آخر السورة.
هذا هو السؤالُ المشارُ إليه في الحديث القدسي، وقد تضمَّن سؤالَ الهدايةِ إلى الصراط المستقيم وهو: دينُ الإسلام الذي هو الدِّين عند الله، وهو: دينُ النبيين والمرسلين
(1)
. ومعنى «الصراط» في اللغة: الطريقُ المسلوكُ الواضحُ الواسعُ المستقيمُ الموصلُ إلى المقصود
(2)
.
والهدايةُ المذكورةُ تشملُ الهدايتين: هدايةُ الدلالةِ والإرشادِ، وهدايةُ التوفيق، وكلاهما تُطلَبُ من الله
(3)
.
والمرادُ بـ {الَّذِينَ} في قوله: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} : هم المُنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وهذا الصراطُ يُضافُ إلى الله لأنه هو الذي شَرعَه؛ كما في قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} [الأنعام: 153]، ويُضافُ إلى المنعم عليهم لأنهم سالكوه كما في هذه الآية، ويُضافُ إلى الرسول لأنه الدالّ عليه والداعي إليه كما في قوله:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى: 52]، وقوله:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 108]
(4)
.
(1)
جاء هذا التفسير مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أحمد (17634)، والحاكم (245) عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا
…
ثم قال: والصراط الإسلام)). وروي أيضًا هذا التفسير: عن ابن مسعود، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن الحنفية، ومقاتل، ورويت أقوال أخرى، وهي من اختلاف التنوع الذي منشأه تعدد الصفات أو الأسماء التي تكون لمسمى واحد. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 173 - 175).
(2)
ينظر: «لسان العرب» (7/ 314)، و «بدائع الفوائد» (2/ 416 - 417).
(3)
ينظر: «مجموع الفتاوى» (18/ 171 - 172)، و «بدائع الفوائد» (2/ 445 - 448).
(4)
ينظر: «الانتصار لأهل الأثر» (ص 82)، و «مدارج السالكين» (1/ 15 - 16).
وقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}
معناه: اهدنا طريقَ غير المغضوب عليهم والضالين، وهم: المُنعَمُ عليهم، واجنبنا طريقَ المغضوب عليهم والضالين، فتضمَّن هذا الدعاءُ سؤالَ الهداية لطريق المُفلحين، وتجنيبَ طريق الهالكين.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي: أرشدنا إليه، ويبدلُ منه:{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بالهداية، ويبدلُ من «الذين» بصلته {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وهم اليهود {وَلَا} وغير {الضَّالِّينَ} وهم النصارى. ونكتةُ البدل أفادت أنَّ المهتدين ليسوا يهودًا ولا نصارى.
واللهُ أعلمُ بالصواب، وإليه المرجعُ والمآب، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله العلي العظيم.
وقولُ المؤلِّف: (أرشدنا إليه): فسَّرَ الهدايةَ إلى الصراط بالإرشاد، وهذا تفسيرٌ للهداية بأحد معنييها، فإنَّ الهدايةَ من الله لها معنيان: هدايةُ الإرشاد والدلالة والبيان، وهدايةُ التوفيق، والصواب: أنَّ قولَه: {اهْدِنَا} شاملٌ للنوعين كما تقدَّم.
وقولُه: (ويبدلُ منه): يريد أنَّ صراط الثاني بدلٌ من الأول، فهو منصوبٌ بناصبه.
وقولُه: (بالهداية): يريد أنَّ النعمةَ التي أنعم اللهُ بها على أوليائه هي الهدايةُ إلى الصراط المستقيم بنوعيها.
وقولُه: (ويبدلُ من «الذين» بصلته): يريد أنَّ «غير» بدلٌ مِنْ الموصول {الَّذِينَ} ، فإنَّ محلَّه الجرُّ بالإضافة، ومن تفسير القرآن بالقرآن أنَّ الذين أنعمَ الله عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ
مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69]. وقولُه: (بصلته): يريد جملةَ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ؛ لأنَّ الاسم الموصول لا يُعرَفُ المرادُ به إلَّا بصلته.
وقولُه: ({الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وهم اليهود {وَلَا الضَّالِّينَ} وهم النصارى): صحَّ هذا التفسيرُ عن النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
ويشهدُ له آياتٌ من القرآن؛ كقوله تعالى في اليهود: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البقرة: 90]، وقوله في النصارى:{وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77].
(1)
أخرجه أحمد (19381)، والترمذي (2953)، و (2954)، وابن حبان (7206) من طريق سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم، به. قال الترمذي:«حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب» .
وسماك صدوق في غير روايته عن عكرمة، التقريب (2624)، وعباد بن حبيش لا يُعرف إلا بهذا الخبر ولم يرو عنه غير سماك؛ لذلك قال الذهبي في «الميزان» (4112):«لا يعرف» ، لكنه توبع في روايته عن عدي، تابعه مري بن قطري: أخرجه الطبري في تفسيره (1/ 186) من طريق محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة، عن سماك، به، بنحوه. وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد؛ فإن مري بن قطري وثقه ابن معين كما في تاريخه برواية الدارمي (رقم 766)، ومحمد بن مصعب ـ وهو القرقساني ـ مختلف فيه، قال الحافظ:«صدوق كثير الغلط» ، التقريب (6302).
وله طريق آخر: رواه الطبري (1/ 194) عن أحمد بن الوليد الرملي، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم به. وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أحمد بن الوليد الرملي، وهو أبو بكر الأمي البغدادي؛ فقد ترجم له الخطيب وسكت عنه. «تاريخ بغداد» (6/ 419، رقم 2912).
وله شاهد من حديث أبي ذر؛ ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 42) من رواية ابن مردويه من طريق عبد الله بن شقيق عنه. وقد حسَّن ابن حجر إسناده في «الفتح» (8/ 159).
والحديث صححه وأثبته جمع من أهل العلم، منهم ابن حبان، وابن تيمية في «درء التعارض» (1/ 166)، و «مجموع الفتاوى» (1/ 64)، و «منهاج السنة» (2/ 11 - 12)، وابن أبي العز في «شرح الطحاوية» (2/ 800)، والألباني في «الصحيحة» (3263).
وقولُه: ({وَلَا} وغير): يريد أنَّ {لَا} بمعنى غير، فيكون المعنى: غير المغضوب عليهم وغير الضالين.
وقولُه: (ونكتة البدل
…
) إلى آخره: يريد أنَّ جعلَ {غَيْرِ} بدل من الموصول {الَّذِينَ} ؛ ليفيد أنَّ الذين أنعم اللهُ عليهم ليسوا يهودًا ولا نصارى، فدلَّتِ الآيةُ على طوائف الناس الثلاث:
الأولى: المنعمُ عليهم، المهتدون، الذين علموا الحقَّ واتَّبعوه وعملوا به.
الثانية: المغضوب عليهم، وهم الذين علموا الحقَّ فعاندوه ولم يعملوا بما علموا.
الثالثة: الضالون، وهم: الذين لم يعلموا الحقَّ، وعملوا بلا علمٍ.
فالأولون هم أهلُ الصراط المستقيم. والآخرون هم: الناكبون عن الصراط؛ كما قال تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} [المؤمنون: 74]، وفي الحديث القدسي:((فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))، فنسألُ اللهَ أن يجعلنا من أهل هذا الوعدِ الكريمِ من الربِّ الرحيمِ.
* * *
قال المؤلِّف جلال الدين السَّيوطي في مقدمة تفسيره:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا موافيًا لنعمِه مكافئًا لمزيده، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وآلِه وصحبِه وجنودِه.
هذا ما اشتدَّتْ إليه حاجةُ الراغبين، في تكملة تفسيرِ القرآن الكريم، الذي ألَّفَهُ الإمامُ المحقِّق جلالُ الدين محمد بن أحمد المحلِّي الشافعي رحمه الله وتتميمُ ما فاتَه - وهو من أول سورة «البقرة» إلى آخر «الإسراء» - بتتمَّةٍ على نمطِه، مِنْ ذكر ما يُفهَمُ به كلامُ الله - تعالى - والاعتماد على أرجحِ الأقوال، وإعرابِ ما يُحتاج إليه، وتنبيهٍ على القراءاتِ المختلفة المشهورة، على وجهٍ لطيفٍ وتعبيرٍ وجيزٍ، وتركِ التطويل بذكرِ أقوالٍ غير مرضية وأعاريبَ محلُّها كتب العربية.
واللهَ أسألُ النفعَ به في الدنيا، وأحسنَ الجزاء عليه في العُقبي، بمنِّه وكرمه.
قولُ المؤلِّف: (الحمدُ للهِ حمدًا موافيًا لعمِهِ مكافئًا لمزيدِهِ): هذا اللفظُ مُقتَبَسٌ مِنْ حديثٍ ذكر ابنُ القيم أنه لا يصحُّ عن النبي ولم يُرْوَ بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف، وإنما يُروى عن أبي نصر التمَّار
(1)
عن آدم عليه السلام
(2)
، قال ابن
(1)
أبو نصر التمار: عبد الملك بن عبد العزيز، من أبناء أهل خراسان من أهل نسا، ونزل بغداد، وتجر بها في التمر وغيره، وكان ثقةً فاضلًا، خيرًا ورعًا، وثقه: أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم. توفي ببغداد سنة (228 هـ). ينظر:«الطبقات» لابن سعد (7/ 340)، و «سير أعلام النبلاء» (10/ 571، رقم 199).
(2)
رواه أبو نصر التمار، عن محمد بن نضر الحارثي، عن آدم عليه السلام، به. كما قال ابن الصلاح في «شرح مشكل الوسيط» (4/ 316 - 317)، والنووي في «الأذكار» (ص 113 - 114)، وابن حجر في «التلخيص» (5/ 3125)، و «نتائج الأفكار» (3/ 288 - 289).
وقال ابن القيم في «فتيا في صيغة الحمد» (ص 4 - 5): إنه من رواية أبي نصر التمار، عن آدم عليه السلام، بإسقاط محمد بن نضر الحارثي، والصواب هو الأول، والله أعلم.
وله شاهد ضعيف عن ابن عمر، رواه البخاري في الضعفاء كما في «الترغيب والترهيب» للمنذري (2/ 441) ت عمارة، وبيض له الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (رقم 962).
القيم: «ولا يدري كم بين آدمَ وأبي نصرٍ إلا اللهُ عز وجل»
(1)
، ولابن القيم رسالة تكلَّم فيها عن أصل هذا الحديث ومعناه
(2)
، وبيَّنَ أنه لا يصح روايةً ولا معنىً، وذلك أنه لا أحدَ من الخلق يقدر على أن يحمدَ الله حمدًا يوافي نعمه كمًّا ولا كيفًا
(3)
؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]، وقوله صلى الله عليه وسلم:((لا أُحصي ثناءً عليكَ))
(4)
، ورحم الله المؤلِّف وعفا عنه.
وقولُه: (سيدنا): لو قال نبيّنا كانَ أولى؛ لأنَّ النبوةَ خاصيتُه ومناطُ الإيمان به صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك سيدُ ولد آدم صلى الله عليه وسلم
(5)
، لكن مطلقُ السيادةِ يثبت لغيرِه من خيار الصحابة وخيار الأمة.
(1)
ينظر: «فتيا في صيغة الحمد» (ص 4 - 5).
(2)
طبعت هذه الرسالة عدة مرات، طبعت أول مرة بعنوان «مطالع السعد بكشف مواقع الحمد» ، بتحقيق فهد بن عبد العزيز العسكر في دار ابن خزيمة بالرياض عام 1413 هـ. ثم طبعت بعنوان «جواب في صيغ الحمد» ، بتحقيق: محمد بن إبراهيم السعران في دار العاصمة في الرياض عام 1415 هـ. ثم طبعت بعنوان «فتيا في صيغة الحمد» ، بتحقيق عبد الله البطاطي في دار عالم الفوائد ضمن آثار الإمام ابن قيم الجوزية، وهي الرسالة السابعة منه.
(3)
ينظر: «فتيا في صيغة الحمد» (ص 11 - 13)، و «عدة الصابرين» (ص 266 - 267).
(4)
رواه مسلم (486)، عن عائشة رضي الله عنها.
(5)
أخرج البخاري (3340)، ومسلم (194) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد القوم يوم القيامة، هل تدرون بم؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد
…
)) وذكر حديث الشفاعة.
(سورة البقرة)
مدنيةٌ
(1)
، وهي مائتانِ وستٌّ أو سبعٌ وثمانونَ آيةً
بسم الله الرحمن الرحيم
اختلف المفسِّرون في المراد بالموصول في قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}
(2)
، فقيل: إنه صفةٌ ثانيةٌ للمتقين، وهو: معطوفٌ على الموصول في قوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} . وقيل: إنه معطوفٌ على المتقين، والمراد بهم: مؤمنو أهل الكتاب، والمراد بـ {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} المؤمنون من غيرِ أهل الكتاب، وعلى هذا فَهُمْ صنفانِ واختارَه ابنُ جرير
(3)
، والأظهر أنَّ الآيتين في عموم المؤمنين مِنْ أهل الكتاب وغيرهم، وهو الصواب؛ فكلُّهم يؤمنون بالغيب، وبما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وبما أُنزل مِنْ قبل {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)}
(4)
.
(1)
قال ابن عباس: هي أول ما نزل بالمدينة، وهذا قول الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وقتادة، ومقاتل. ينظر:«تفسير ابن عطية» (1/ 98)، و «زاد المسير» (1/ 24)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 155).
(2)
ينظر: «تفسير الماوردي» (1/ 70)، و «تفسير ابن عطية» (1/ 108)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 170).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 246).
(4)
وقاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 246)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 170).
وقوله تعالى: {وَبِالْآخِرَةِ} أي: بالدَّار الآخرة، وهي: دارُ القيامة في مقابل دار الدنيا؛ كما قال تعالى: {وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13)} [الليل: 13].
وقوله تعالى: {عَلَى هُدًى} ؛ أي: على نورٍ وبيِّنةٍ وبصيرةٍ واستقامةٍ وسَدادٍ.
{الم} الله أعلمُ بمرادِه بذلك {ذَلِكَ} أي: هذا {الْكِتَابُ} الذي يَقرؤُه محمد {لَا رَيْبَ} لا شكَّ {فِيهِ} أنه مِنْ عند الله، وجملةُ النفي خبرٌ مبتدؤُه «ذلك» ، والإشارةُ به للتعظيم {هُدًى} خبرٌ ثانٍ أي: هاد {لِلْمُتَّقِينَ} الصائرينَ إلى التقوى بامتثالِ الأوامرِ واجتنابِ النَّواهي لاتِّقائِهم بذلكَ النار {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} يُصدِّقون {بِالْغَيْبِ} بما غابَ عنهم من البعثِ والجنةِ والنارِ {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} أي: يأتونَ بها بحقوقِها {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} أعطيناهم {يُنْفِقُونَ} في طاعةِ الله {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أي: القرآن {وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أي: التوراةُ والإنجيلُ وغيرهما {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} يعلمون {أُولَئِكَ} الموصوفونَ بما ذُكِرَ {عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} الفائزون بالجنَّة النَّاجونَ مِنْ النار.
وقولُ المؤلِّف: (الله أعلمُ بمرادِه بذلك): هذا أحد الأقوالِ في الحروف المقطَّعة في أوائل السور كالبقرة وآل عمران والأعراف وغيرها، ومعنى: هذا القولُ في الحروف المقطَّعة أنها مِنْ المتشابِه الذي لا يَعلمُ تأويلَه إلا الله، وقد اختار المؤلِّفُ هذا القول
(1)
، ولهذا قال:(الله أعلمُ بمرادِهِ)، وفيها أقوالٌ أخرى
(2)
: استوفاها الإمامُ ابن جرير، ورواها بالأسانيد
(3)
، واختار أنَّ الحروفَ
(1)
روي هذا القول عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود رضي الله عنهم وعامر الشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خثيم. ينظر:«تفسير القرطبي» (1/ 154).
(2)
ينظر الخلاف في المسألة، والأقوال فيها تزيد على العشرين قولًا في:«تفسير الطبري» (1/ 204 - 228)، و «زاد المسير» (1/ 25 - 26)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 156 - 160).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 204 - 210).
المقطَّعة تحتملُ كلَّ المعاني التي قيلت، ولم يذكر أنها مِنْ المتشابه الذي لا يَعلمُ معناه إلا الله
(1)
، ومن أحسن ما قيل: أنَّ الحروف المقطعة إشارةٌ إلى إعجاز القرآنِ، وذلك أنه مؤلَّفٌ من هذه الحروف التي يتألَّفُ منها سائر الكلام، وقد تحداهم الله أن يأتوا بسورة مثل القرآن فلم يفعلوا، واستُدلَّ لهذا القول بذكر القرآن بلفظ القرآنِ أو الكتابِ أو التنزيلِ في مطلع كلّ سورة افتُتحت ببعض هذه الحروف، إلا قليلٌ من السور إما بالإشارة إليه أو إلى آياته أو القَسَمِ به أو التَّنويهِ بإنزاله أو إحكامه، وهو: قولٌ حسن، ولا ينافي ما جاء عن السلف في تفسير الحروف المقطعة
(2)
.
وقولُه: (أيْ: هذا): يريد: أن ذلك من قَبيلِ وضع إشارةِ البعيد موضعَ إشارةِ القريب، وتأويل {ذَلِكَ} ؛ «بهذا» عزاهُ ابنُ جرير إلى عامَّة المفسرين
(3)
، وهو: جائزٌ في اللغة
(4)
، وقيل: إنَّ الإشارة في الآية على بابِها، وهي: للبعيد، وأنها تدلُّ على علوِّ منزلة القرآن، وقد أشار المؤلِّف إلى ذلك بقوله:(والإشارةُ به للتعظيم)
(5)
.
وقولُه: (الذي يَقرؤُه محمد): يريد: أن «أل» في الكتاب للعهد الذِّهني.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 223).
(2)
حكى هذا المذهب: الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، كما ذهب إليه الزمخشري. ينظر:«الكشاف» (1/ 136 - 138)، و «تفسير الرازي» (2/ 253)، و «تفسير القرطبي» (1/ 155)، و «العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير» (3/ 7).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 228).
(4)
ينظر: «شرح التسهيل» (1/ 248)، و «التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل» لأبي حيان (3/ 206) وما بعدها.
(5)
ينظر: «مفتاح العلوم» للسكاكي (1/ 184)، و «حاشية الطيبي على الكشاف» (2/ 44)، و «التحرير والتنوير» (1/ 221).
وقولُه: (لا شَكَّ): هذا تفسيرٌ للرَّيب بالشَّك، وهو المشهور
(1)
، وسُمِّيَ الشك: ريبًا لأن أصلَ الرَّيب القلقُ والاضطراب، والشَّك: يؤدي إلى ذلك.
وقولُه: (أنه مِنْ عند الله): هذا بيانٌ لمتعلَّقِ الشك المنفي فيكون المعنى: لا ريبَ في أن هذا الكتاب من عند الله.
وقولُه: (وجملةُ النفي خبرٌ): يريد أنَّ جملة {لَا رَيْبَ} فيه خبرٌ، فهي في موضع رفع، واسمُ الإشارة مبتدأ.
وقولُه: (والإشارةُ به للتعظيم): يريد أنَّ وضع إشارةِ البعيد موضعَ إشارة القريب يُفيد التعظيمَ للكتاب.
وقولُه: (خبرٌ ثانٍ): يريد أنَّ {هُدًى} خبرٌ ثانٍ للمبتدأ الذي هو اسمُ الإشارة، والخبر الأول جملةُ {لَا رَيْبَ فِيهِ} .
وقولُه: (هَادٍ): يريد أنَّ {هُدًى} مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل.
وقولُه: (الصائرينَ إلى التقوى): معناه: الذين صاروا متَّقين بلزومِهم التقوى بامتثال الأوامر والنواهي، بفعل المأمورات واجتناب المنهيَّات، وسُمِّيَ امتثالُ الأوامر والنواهي تقوى؛ لأن العبد يتقي بذلك غضبَ الله وعقابَه، وخصَّ المتقين بهداية القرآن مع أنه هدىً لجميع الناس؛ لأنهم المنتفعون به
(2)
، وهدايةُ القرآن: هي هداية الدَّلالة والإرشاد والبيان.
وقولُه: (يُصدِّقون): هذا هو المشهور في معنى الإيمان في اللغة
(3)
، ومعناه في الشرعِ: تصديقٌ خاصٌّ، ويتضمَّن القبولَ والانقياد، ويشمل الاسمُ جميعَ شرائع الدين
(4)
، وهي: شُعَبُ الإيمان؛ كما جاء في الحديث
(5)
.
(1)
ينظر: «مقدمة التفسير» لابن تيمية (ص 52 - 53).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 234 - 235)، و «تفسير القرطبي» (1/ 161).
(3)
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية بعض التنبيهات المهمة في الفرق بين الإيمان والتصديق لغة. ينظر: «الإيمان الكبير» (ص 227 - 230)، و «الإيمان الأوسط» (ص 413 - 423)، و «شرح الطحاوية» لشيخنا (ص 229 - 230).
(4)
ينظر: «الإيمان الكبير» (ص 226)، و «جواب في الإيمان ونواقضه» لشيخنا (7 - 13).
(5)
أخرجه البخاري (9)، ومسلم (35)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقولُه: (بما غابَ عنهم): يُفهم منه أن الغيبَ مصدرٌ؛ بمعنى: اسم الفاعل.
وقولُه: (من البعثِ والجنةِ والنارِ): لو قال: كالبعثِ والجنة والنار كان أولى؛ لأنَّ الغيب الذي يجب الإيمانُ به أعمُّ من ذلك فيدخل فيه الملائكةُ، والعرشُ، وأخبارُ الأمم الماضية، وغير ذلك، وأعظم ذلك ما يتعلَّق بشأن الربِّ تعالى، قال تعالى:{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ} [هود: 49].
وقولُه: (بحقوقِها): أي بما يجب لها وفيها من الشروط والأركان والواجبات.
وقولُه: (في طاعةِ الله): يريد: أنهم يُنفقون النفقاتِ الواجبة والمستحبة، ولا يَخرجون عن ذلك، وأوجبُ النفقاتِ: الزكاة المفروضة، ولذا يأتي الإنفاق مقرونًا بإقامِ الصلاة في كثيرٍ من الآيات.
وقولُه: (يَعلمونَ): أي علمَ اليقين.
وقولُه: (الموصوفونَ بما ذُكِرَ): أي من قوله: {لِلْمُتَّقِينَ} إلى قوله: {يُوقِنُونَ} ، وعليه فتشمل الآياتُ المؤمنين من هذه الأمة، ومن أهل الكتاب، فاسم الموصول في الآيتين:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} ، {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} ؛ صفتانِ لموصوفٍ واحد، كما تقدَّم
(1)
.
وقولُه: (الفائزون بالجنَّة النَّاجونَ مِنْ النار): يدلُّ له قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185]، وهذا أعظم فلاح.
* * *
(1)
(ص 33).
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)} [البقرة: 6 - 7]:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} : أي جحدوا الحقَّ، وأصلُ الكفر في اللغة: السَّتْرُ والتغطية
(1)
، والجاحدُ ساترٌ لِما جحدَه.
وقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} : خبرٌ من الله عن أولئك الكفار بأنهم مُقيمون على الكفر في حالِ إنزالهم وعدمهم، لذلك كان إنذارُهم وعدمُه سواءٌ بالنسبة لإيمانهم. ثم أخبر - تعالى - عن سببِ إصرارهم على الكفر وعدمِ انتفاعِهم بالنذارة وهو الخَتمُ على قلوبِهم وسمعهم فلا يعقلون الآياتِ ولا يسمعونها سماعَ تدبُّرٍ.
{وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} : غطاءٌ
(2)
يمنعهم من النظر في آيات الله نظرَ تفكُّرٍ واعتبارٍ. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)} : وهو عذابُ جهنم الذي يَصْلَونه يومَ القيامة.
{إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} كأبي جهلٍ وأبي لهبٍ ونحوهما {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ} بتحقيقِ الهمزتينِ، وإبدالِ الثانية أَلِفًا وتسهيلها، وإدخالِ ألفٍ بين المسهلة والأخرى وتركه {أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} لعلمِ اللهِ منهم ذلك فلا تطمعْ في إيمانهم، والإنذارُ: إعلامٌ مع تخويفٍ
(3)
. {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ} طبعَ عليها واستوثقَ فلا يدخلُها خيرٌ {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} أي:
(1)
ينظر: «مقاييس اللغة» (5/ 191).
(2)
ينظر: «المفردات» للراغب الأصبهاني (ص 607).
(3)
ينظر: «تهذيب اللغة» (14/ 304).
مواضعُه، فلا ينتفعون بما يسمعونَه مِنْ الحق {وَعَلَى أَبْصَارِهمْ غِشَاوَة} غطاءٌ فلا يُبصرون الحقَّ {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ} قويٌّ دائمٌ.
وقولُ المؤلِّف: (كأبي جهلٍ وأبي لهبٍ): يُبيِّنُ بهذا أنَّ المرادَ بـ {الَّذِينَ كَفَرُوا} في الآية هم الذين عَلِمَ اللهُ أنهم يموتون على الكفر
(1)
، ومنهم: أبو جهل وأبو لهب، وأصحابُ القَلِيب، وهم: الذين قُتلوا في بدر من المشركين، وطُرحوا في القَليب، فهم ممن قال الله فيهم:{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يس: 7]، وقال الله فيهم:{وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يس: 10].
وقولُه: (بتحقيقِ الهمزتينِ وإبدالِ الثانية أَلِفًا
…
) إلى آخره: يبيِّنُ بذلك القراءاتِ في الهمزتين، وذكرَ فيها أربعَ قراءاتٍ
(2)
.
وقولُه: (لعلمِ اللهِ منهم ذلك): يريد أنَّ الله أخبرَ بنفي إيمانهم، وما أخبرَ بنفيه لن يكون، ومَن أخبرَ اللهُ بنفي إيمانِه فلن يؤمنَ، وحينئذٍ فإنذارُه وعدمُه سواءٌ، ومَن عُلِمَ أنه لا يؤمن فلا يُشرعُ إنذارُه، ومثل هؤلاء مثل قوم نوحٍ الذين قال الله فيهم:{وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود: 36]، ولذا أخبر - تعالى - أنَّ الإنذارَ لا يُجدي، ولذا إنذارُه إيَّاهم وعدمُه سواءٌ، فلا طمعَ في إيمانهم.
وقولُه: (والإنذارُ: إعلامٌ مع تخويفٍ): ولذا يقترن الإنذارُ بذكرِ العذاب كثيرًا؛ كقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46]،
(1)
ينظر: «تفسير ابن عطية» (1/ 110 - 111)، و «زاد المسير» (1/ 29)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 173).
(2)
ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 135) وما بعدها، و «الحجة للقراء السبعة» (1/ 244).
وقوله: {قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا} [الكهف: 2]، وقوله في نوح:{أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [نوح: 1].
وقولُه: (طبعَ عليها واستوثقَ): يشير رحمه الله إلى الفرقِ بين الخَتْم والطَّبْع، وقد ذكر الله الختمَ على القلوب والأسماع في موضعَيْنِ من القرآن؛ في هذه الآية، وفي آية الجاثية، وذكر الختم على القلوب في موضع ثالث من سورة الأنعام، وذكر الطبع على القلوبِ في مواضع كثيرة، والظاهر أن الختم أشدُّ، وهو: يدلُّ على الاستيثاق، كما في عبارة المؤلِّف.
وقولُه: (أي: مواضعُه): يريد أنَّ الختم على مواضعِ السمع، وهي: آذانهم فلا يسمعون بها ما ينفعُهم، وأصل السمعِ: مصدرُ سَمِعَ يَسمَعُ، عبَّرَ به عن الآذان، وأكثرُ ما يرد السمع مفردًا؛ لأنه مصدرُ يَصدقُ على القليلِ والكثير
(1)
.
وقولُه: (غطاءٌ فلا يُبصرون الحقَّ): هذا غطاءٌ معنويٌّ سببُه الإعراض عن التفكُّر في الآيات الكونية، وعن التدبُّر للآيات القرآنية، وكذلك الختم على قلوبِهم وسمعِهم هو أمر معنويٌّ سببُه الإعراض.
وقولُه: (قويٌّ دائمٌ): لو قالَ: «شديد» بدل «قويٌّ» لكانَ أولى؛ لأن هذا مِنْ صفتِهم في آيات أخرى، والمراد به عذابُ النار، وقد وُصِفَ بأنه شديدٌ وأليمٌ ومهينٌ وعظيمٌ.
* * *
(1)
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 82 - 83)، و «تفسير القرطبي» (1/ 190).
يخبر - تعالى - في هذه الآية وما بعدَها عن الصِّنف الثالث مِنْ الناس، وهم المنافقون الذين يُظهرون الإيمانَ ويُبطنون الكفرَ، فقال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ} ؛ أي: بعضُ الناس الذي يقولُ بلسانه: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} وما هو بمؤمنٍ في الباطن، فهو يقول بلسانِه ما ليس في قلبِه، وهذا هو النفاقُ الأكبر. ثم أخبرَ - تعالى - عن هؤلاء المنافقين أنهم بنفاقِهم يُخادعون الله ويُخادعون المؤمنين؛ أي: يفعلونَ ذلك ظانِّين أنهم يخدعونَ الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسَهم ولكنَّهم لا يشعرون بأنَّ خِدَاعهم راجعٌ إلى أنفسهم، فهم المخدَعون بهذا الخداعِ، ولا يَروجُ على الله ولا على الذين آمنوا؛ لأن الله يعلم السرائرَ فلا يخدعُه المخادعون، والذين آمنوا يعرفونَهم بلحنِ القول، وهذا ما دلَّ عليه الحصرُ في قوله:{وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} .
ثم أخبر - تعالى - أنَّ في قلوب المنافقين مرضًا، وهو: الشكُّ في الحقِّ في الله ورسوله وكتابه وفي اليوم الآخر، ولذلك لم يكونوا مؤمنينَ على الحقيقة، بل يقولون بألسنتِهِم ما ليس في قلوبِهم، {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} على مرضِهم الأول فازدادوا كفرًا على كفرٍ {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة، وذلك بسبب كذبِهم في دعوى الإيمان، وقد أكذبَهُم الله بقوله:{وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)} ، وقُرئ:{يُكَذّبون} بفتحِ الكاف وتشديد الذال
(1)
، ورجَّح ابن جرير القراءة
(1)
وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي:{يَكذِبون} ، خفيفة بفتح الياء وتخفيف الذال. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 143).
الأولى: بسكونِ الكاف وكسرِ الذال
(1)
؛ لقوله في الآية السابقة: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)} المعنى: أنهم كاذبون في قولهم: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} .
ونزلَ في المنافقينَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} أي: يومَ القيامة؛ لأنه آخرُ الأيام {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} رُوعِيَ فيه معنى «من» وفي ضميرِ {يَقُولُ} لفظُها {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} بإظهار خلافِ ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامَه الدنيوية {وَمَا يُخادعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} لأنَّ وبالَ خداعِهم راجعٌ إليهم فيُفتضحون في الدنيا بإطلاع اللهِ نبيَّه على ما أبطنوه ويُعاقَبون في الآخرة {وَمَا يَشْعُرُونَ} يعلمون أنَّ خداعَهم لأنفسِهم، والمخادعةُ هنا مِنْ واحد كعاقبتُ اللصَّ، وذِكْرُ اللهِ فيها تحسينٌ، وفي قراءةٍ:{وما يَخْدَعُونَ} . {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} شكٌّ ونفاقٌ فهو يمرض قلوبَهم أي: يُضعفُها {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} بما أنزلَهُ من القرآن لكفرِهم به {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مُؤلمٌ {بِمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَ} بالتشديدِ أي: نبيُّ الله، وبالتخفيفِ أي: في قولهم: {آمَنَّا} .
وقول المؤلِّف: (ونزلَ في المنافقينَ): يبيِّن أنَّ الآيات الآتية ابتداءً من قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ} ، وهي: ثلاث عشرة آية كلّها في صفة المنافقين، وأنَّ الآيتين المتقدِّمتين - السادسة والسابعة - في شأنِ الكفار وبيانِ مصيرهم.
وقولُه: (يومَ القيامة): يريد أنَّ اليوم الآخر من أسمائِه؛ وقولُه: (لأنه آخرُ الأيام): يريد أنَّ يوم القيامة سُمِّيَ الآخر؛ لأنه لا ليلةَ بعده فلا يوم بعده؛ لأنَّ كلَّ يومٍ مسبوقٌ بليلته، وكلُّ يومٍ من أيام الدنيا تأتي بعده ليلة
(2)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 293 - 296).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 278 - 279).
وقولُه: (رُوعِيَ فيه معنى «من» وفي ضميرِ {يَقُولُ} لفظُها): يريد أنَّ «من» في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ} : اسمٌ موصولٌ لفظُه مفرد، ومعناه: جمع، ففي قوله:{وَمَا هُمْ} رُوعِي معنى: من، وهو الجمع، وفي قوله:{يقولُ} رُوعِي لفظها، وهو الإفراد.
وقولُه: (بإظهارِ خلافِ ما أبطنوهُ مِنْ الكفر): معنى ذلك أنَّ خداعَهم لله وللمؤمنين هو نفاقُهم؛ فهُم بإظهارِ الإيمان وإبطانِ الكفر يقصدون خداعَ الله والمؤمنين، وهذا من جهلِهم وسَفَههم؛ فالله لا يخدعه أحدٌ؛ لأنه علَّام الغيوب، ويعلم ما في القلوب، وكذلك المؤمنون لا يضرُّهم خداع المنافقين؛ لأنَّ الله يفضحُ المنافقين.
وقوله تعالى: {وَمَا يُخَادَعُونَ إلَّا أَنَفْسهمْ} : مشى المؤلِّفُ على قراءة نافع
(1)
وابن كثير
(2)
وأبو عمرو
(3)
، وقرأ جمهور القُرَّاء:{وَمَا يَخْدَعُونَ} بحذف الألف
(4)
، واختارها ابنُ جرير
(5)
، وضعَّفَ القراءةَ الأولى قائلًا: إنها لا
(1)
نافع بن عبد الرحمن، أبو نعيم المدني، أحد القراء السبعة والأعلام، ثقة صالح، أخذ القراءة عرضًا عن جماعة من تابعي أهل المدينة، وأقرأ الناس دهرًا طويلًا نيفًا عن سبعين سنة، وانتهت إليه رياسة القراءة بالمدينة وصار الناس إليها. مات سنة (169 هـ) وقيل غير ذلك. ينظر:«معرفة القراء الكبار» للذهبي (ص 64، رقم 3)، و «غاية النهاية في طبقات القراء» لابن الجزري (2/ 330، رقم 3718).
(2)
عبد الله بن كثير بن المطلب أبو معبد، مولى عمرو بن علقمة الكناني الداري المكي، إمام المكيين في القراءة وأحد القراء السبعة، توفي سنة (120 هـ). ينظر:«معرفة القراء الكبار» (ص 49، رقم 15)، و «غاية النهاية» (1/ 443، رقم 1852).
(3)
أبو عمرو زبان بن العلاء المازني المقرئ النحوي البصري الإمام، مقرئ أهل البصرة وأحد القراء السبعة، وليس في القراء السبعة أكثر شيوخًا منه، توفي سنة (154 هـ). ينظر:«معرفة القراء الكبار» (ص 58، رقم 1)، و «غاية النهاية» (1/ 288، رقم 1283).
(4)
ينظر: «التيسير في القراءات السبع» للداني (ص 276)، و «المبسوط في القراءات العشر» (ص 126 - 127).
(5)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 285).
تناسب مع قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا} لأنها تؤدي إلى تضاد بين أول الآية وآخرها، ولأنها خلاف قراءة جمهور القَرَأة.
وقولُه: (لأنَّ وبالَ خداعِهم راجعٌ إليهم): هذا وجهُ الحصر في قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنَفْسهمْ} ، فضررُ خداعِهم لا يتعدَّاهم، فلن يضرُّوا الله شيئًا، ولا المؤمنين، والله يجزيهم بخداعِهم بأن يخدعَهم؛ كما قال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142].
وقولُه: (فيُفتضحون في الدنيا
…
) إلى آخره: هذا وصفٌ لضرر خِداعهم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فضيحةٌ وتهديدٌ، وفي الآخرة خزيٌ وعذابٌ شديدٌ.
وقولُه: (يعلمون أنَّ خداعَهم لأنفسِهم): الشعورُ بالشيء هو العلم به
(1)
.
وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} خبرٌ من الله بأنَّ المنافقين لا يعلمون أنَّ خداعَهم لأنفسهم، فضررُهُ عائدٌ إليهم، ولن يضرَّ اللهَ والمؤمنين شيئًا.
وقولُه: (والمخادعةُ هنا مِنْ واحد كعاقبتُ اللصَّ): يريد أنَّ المخادعة في هذه الآية من طرفٍ واحد، وهم: المنافقون، فلا يقال: إنَّ الله يُخادع المنافقين بل يَخدعهم، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ
…
} الآية [النساء: 142]
(2)
، والصواب: أن المخادعة من الأفعال التي تكون من فاعلين كالمخاصمة والمدافعة، وهذا اختيار ابن جرير
(3)
.
وقولُه: (وذِكْرُ اللهِ فيها تحسينٌ): يريد أنَّ ذكرَ الله في قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} ؛ تحسينٌ للكلام وتشنعينٌ على المنافقين بقصدِهم خداعَ الله، وليس لأنَّ الله يُخادع، وهذا مبني على ما اختاره المؤلِّف من أن المخادعة في الآية من واحد، وهم المنافقون؛ كما تقدم، وتقدم أن الصواب خلافه.
(1)
ينظر: «لسان العرب» (4/ 409).
(2)
ينظر: «معاني القرآن» للأخفش (1/ 40)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 85).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 281 - 283).
وقولُه: (شكٌّ ونفاقٌ): الشكُّ ضدُّ اليقين، وهو تردد بين التصديق والتكذيب، وشكُّ المنافقين مرضٌ في قلوبهم، وهو شكُّهم في توحيد الله وصدقِ الرسول، وفي اليوم الآخر، وهذا الشكُّ الذي في قلوبهم مع قولهم بألسنتهم:{آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} هو حقيقةُ النفاق، كما قال تعالى:{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 77]. وسُمِّيَ الشكُّ في الحق مرضًا؛ لأنه علَّةٌ في الإيمان والاعتقاد، وأضافه إلى القلوب؛ لأنها محلُّ الإيمان والاعتقاد؛ قاله ابن جرير
(1)
.
وقولُه: (فهو يمرض قلوبَهم أي: يُضعفُها): أي: يُضعفُ إيمانَهم واعتقادَهم، فعبَّر بالمحلِّ وهو القلوب عن الحالِّ فيها، وهو الاعتقاد، كما تقدَّم.
وقولُه: (بما أنزلَه من القرآن لكفرِهم به): معناه أنَّ الله زادَهم مرضًا؛ بسبب ما أنزله من القرآن لمَّا كفروا به، فكفرُهم به مرضٌ في قلوبهم متضمِّنٌ للشك في قلوبهم، فيكون زيادةً على مرضهم الأول.
وقولُه: (مُؤلمٌ): يريد أنَّ {أَلِيمٌ} فعيل بمعنى اسمِ الفاعل مِنْ آلَمَهُ.
وقولُه: (بِالتَّشْدِيدِ
…
) إلى آخره: يشيرُ إلى القراءتين في قوله: {يُكَذِّبُونَ} ، بتشديد الذَّال وتخفيفِها، وهي: قراءة الجمهور؛ أي: قراءةُ التخفيف، ورجَّحها ابن جرير
(2)
، قال: لأنها المناسبةُ لقوله تعالى في المنافقين: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} ، فدلَّ على أنهم يكذبون في قولهم:{آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، ولا شك أنَّ قراءة التخفيف هي المناسبةُ لسياق الآيات، ومعناها هو الغالبُ على وصف المنافقين في القرآن، وقراءةُ التشديد صحيحةٌ، ومعناها حقٌّ؛ فإنَّ المنافقين في حقيقة أمرِهم مُكذِّبون، وهم في دعوى الإيمان كاذبون.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 286 - 288).
(2)
تقدم في (ص 41).
وقولُه تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)} [البقرة: 11 - 12]:
يخبرُ - تعالى - في هاتَين الآيتَين عن هؤلاء المنافقين أنهم إذا قيل لهم: {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} بالكفر والمعاصي والصدِّ عن سبيل الله {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)} ، فجعلوا الإفسادَ إصلاحًا إمَّا جهلًا وإمَّا عِنادًا، وهذا كقولهم في الآية الأخرى:{إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62)} [النساء: 62]، فأكذبَهم الله بقولهم:{قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)} ، وأخبر خبرًا مؤكدًا أنهم {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)} أي: لا يعلمون.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي: لهؤلاء {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض} بالكفرِ والتعويقِ عن الإيمان {قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} وليسَ ما نحن فيه بفسادٍ، قال الله - تعالى - ردًّا عليهم {أَلَا} للتنبيهِ {إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يشعرون} بذلك.
وقولُ المؤلِّف: (لهؤلاء): الإشارة إلى مَنْ تقدَّم ذكرهم قريبًا، وهم: المنافقون.
وقولُه: (بالكفرِ والتعويقِ عن الإيمان): هذا تفسيرٌ للإفساد في الأرض، ولا ريب أن الكفر والصدَّ عن دين الله أعظم فسادٍ وإفسادٍ، كما أن الإيمان والدعوةَ إلى الله أعظم إصلاحٍ في الأرض؛ قال تعالى:{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56] وقولهم: {إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} : دعوى كاذبة تتضمنُ مغالطةً وهي نفيُ الفساد عن عملهم وأنه إصلاح.
وقولُه: (بذلكَ): أي لا يعلمون أنهم هم المفسدون، وفي قوله تعالى:{إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ} حصرٌ للإفساد فيهم يدلُّ على أنهم أمكنُ في الإفساد مِنْ سائر المفسدين.
* * *
وقولُه تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)} [البقرة: 13]:
هذا خبرٌ من الله عن المنافقين إذا دُعُوا إلى الإيمان، وقيل: لهم آمنوا كما آمنَ الناسُ - الذين هم الصحابة رضي الله عنهم ردُّوا على مَنْ يَدْعُوهم إلى الإيمان؛ قائلين: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} ، والسُّفهاء: هم ناقصُو العقل وسَيئُو التدبير، فجمعوا بين ردِّ الحق وتنقُّصِ المؤمنين، فردَّ الله عليهم بنعتِهم بالسَّفَهِ الذي نعتُوا به المؤمنين وقَصَره عليهم؛ فقال تعالى:{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)} أي: لا يعلمون أنهم أحقُّ بهذا الوصف، وأيُّ سَفَهٍ وأيُّ جهلٍ فوق تركِ الإيمان مع ازدراءِ المؤمنين؟
قال المصنف: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاس} أي: أصحابَ النَّبيِّ {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء} الجُهَّال، أَيْ: لَا نفعل كفعلِهم، قالَ - تعالى - رَدًّا عليهم:{أَلَا إنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاء وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} ذلكَ.
وقولُ المؤلِّف: (أَصْحَاب النَّبِيّ): معناه أنَّ المراد بالناس الذين دُعِيَ المنافقون أن يؤمنوا كإيمانهم هم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقولُ المنافقين:{أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء} : تسفيهٌ وتجهيلٌ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إيمانهم؛ لذلك فهم لا يقتدون بهم في الإيمان.
وقوله تعالى: {أَلَا إنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاء} : ردٌّ على المنافقين في رمي الصحابة بالسَّفَهِ بقَصْرِ السَّفهِ على المنافقين، وفي هذا قلبٌ للحكم عليهم بإثباتِ السَّفهِ لهم، ونفيه عن الصحابة رضي الله عنهم
(1)
.
وقولُه: (ذلكَ): أي لا يَعلمون أنَّهم هم السُّفهاء.
(1)
ينظر: توجيه لطيف في علة إثبات السفه لهم ونفيه عن الصحابة في: «تفسير الرازي» (2/ 308)، و «اللباب في علم الكتاب» لابن عادل (1/ 357).
وقولُه تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)} [البقرة: 14 - 15]:
يُخبرُ - تعالى - أنَّ المنافقين إذا لقوا المؤمنين أظهروا الإيمانَ بقولهم: {آمَنَّا} ، وإذا ذهبوا إلى شياطينِهم - وهم كبراؤهم ورؤساؤهم - وخَلَوا بهم اعتذروا إليهم عن قولهم للمؤمنين:{آمَنَّا} بأنهم مُستهزئون، والاستهزاء: نوعٌ من المَكر بإظهار ما يحبُّه المستهزَئُ به وإخفاء ما يسوؤه.
ثم أخبر - تعالى - أنه يَستهزئُ بهم كما فعلوا مع المؤمنين، ومِن استهزائِه - تعالى - بالمنافقين: إظهارُ قبولِ إيمانهم بعصمة دمائِهم وأموالِهم واعتبارهم في عِداد المؤمنين والعيش بينهم، وقد أعدَّ اللهُ لهم الدَّرْكَ الأسفل من النار، فكان الجزاء من جنس العمل، ومع استهزاء الله بهم يُملي لهم ليزدادوا طغيانًا، وهم:{يَعْمَهُونَ} ؛ أي: يتحيَّرون لا يهتدون سبيلًا
(1)
.
ثم أخبر - تعالى - عن جزاءِ المنافقين على استهزائِهم بالمؤمنين، وذلك أمران:
الأول: أنَّ الله يستهزئُ بهم وهذا من باب أنَّ الجزاء من جنس العمل، وتقدَّمَ تفسير: الاستهزاء مِنْ الله بالمنافقين.
الثاني: أملى اللهُ لهم بجعلِهم يتمادَون في طغيانهم، وهذا معنى:{وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)} ، وفرَّقَ أهلُ اللغة والمفسرون بين: مَدَّ يَمُدُّ، وأمدَّ يُمِدُّ؛ فقالوا: مَدَّ في الشر، وأمدَّ في الخير
(2)
. والطغيان: مجاوزةُ الحدِّ في الباطل. وقوله: {يَعْمَهُونَ} يتحيَّرون.
(1)
ينظر: «المفردات» (ص 588).
(2)
حكي عن يونس بن حبيب الجرمي. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 319)، و «لسان العرب» (3/ 392).
{وَإِذَا لَقُوا} أصلُه لَقْيُوا حُذفتِ الضمة؛ للاستثقالِ، ثم الياءُ؛ لالتقائِها ساكنةً مع الواو {الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا} منهم ورجعُوا {إلَى شَيَاطِينهمْ} رؤسائهم {قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ} في الدِّين {إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} بهم بإظهارِ الإيمان {اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ} يُجازيهِم باستهزائِهم {وَيَمُدّهُمْ} يُمْهِلهُمْ {فِي طُغْيَانهمْ} بتجاوزِهم الحدَّ في الكفر {يَعْمَهُونَ} يتردَّدون تَحَيُّرًا، حالٌ.
وقولُ المؤلِّف: (أَصله لقيوا): يريد أنَّ أصلَ الفعل قبل إسنادِه إلى واو الجماعة: لَقيَ كرضيَ، فلمَّا أُسند إلى واو الجماعةِ ضُمَّت الياءُ لمناسبةِ واو الجماعة، ثم نُقلت الضمَّةُ إلى القاف. وقولُه:(حُذفت الضمةُ؛ للاستثقال): يريد الضمَّةَ التي على الياءِ، لمناسبة إسنادِ الفعل إلى واو الجماعة، والصواب: أنَّ الضمةَ لم تُحذفْ بل نُقلت مِنْ لام الفعل وهي الياء إلى عين الفعل وهي: القاف، فسُكِّنت الياءُ ثم حُذفت؛ لالتقاءِ الساكنين الياء والواو.
وقولُه: (منهم ورجعُوا
…
) إلى آخرِه: يعني خلا المنافقون من المؤمنين بعد لقائِهم، ورجعوا إلى شياطينهم؛ وهم الرؤساء.
وقولُه: (فِي الدِّين): يعنون أننا لم نتحوَّل عن دينِنا في قولنا للمؤمنين عند لقائهم: {آمَنَّا} ، بل نحن مُستهزئون بهم غيرَ جادِّين.
وقولُه: (يُجازِيهم باستهزائِهم): مضمونُه تفسير الاستهزاء من اللهِ بمجازاةِ المستهزئين، وهذا التفسير يتضمَّن نفيَ حقيقةِ الاستهزاء عن الله، وصرفَ اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، فيكون من قَبيلِ التعبير بالسبب عن المسبَّبِ؛ من أجل المشاكلة اللَّفظية، والصواب: إجراءُ اللفظ على ظاهرِه وإثباتُ حقيقة الاستهزاء من الله بالمنافقين جزاءً على استهزائهم بالمؤمنين، فالجزاءُ من جنسِ العمل،
وهكذا يقال: في المكر والكيدِ من الله - تعالى -، فكلُّ ذلك حقيقةٌ على ما يليق به - سبحانه - ولا موجبَ لصرفِ الكلام عن ظاهرهِ
(1)
.
وقولُه: (يُمهلهُم): هو تفسير يمدُّهم؛ أي: يزيدُهم في المدَّة إملاءً لهم واستدراجًا، وهو مِنْ مَدَّهُ الثلاثي، وذكر ابنُ جرير الخلافَ في الفرق بين مدَّهُ وأمدَّهُ، والمشهور «مدَّهُ» في الشرِّ، و «أمدَّهُ» في الخير، كما تقدَّم.
وقولُه: (تجاوزهم الحدَّ في الكفر): لأنَّ المنافقين أغلظُ كفرًا من غيرهم؛ لجمعِهم بين الكذب والتكذيب مع شدَّة العداوة للمؤمنين.
وقولُه: (يتردَّدون تَحَيُّرًا): يريد أنَّ العَمَهَ هو الترددُ والحيرةُ، وهذه حال المنافقين، ولهذا قال الله في وصفِهم:{فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .
وقولُه: (حالٌ): يريد أنَّ جملة {يَعْمَهُونَ} حاليةٌ في موضعِ نصبٍ.
* * *
(1)
ينظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 471)، و «مختصر الصواعق» (2/ 737 - 747)، و «التعليقات على المخالفات العقدية في الفتح» (ص 126، رقم 85).
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)} [البقرة: 16]:
اسم الإشارة راجعٌ إلى المنافقين، والإشارةُ إليهم بإشارة البعيد يُشعر ببعدِ منزلتِهم في الشر، وبُعدهم عن مواطنِ الرحمة والكرامة، يخبرُ - تعالى - عنهم أنهم بإيثارِهم الكفر على الإيمان قد استبدلوا الضلالةَ بالهدى، فسمَّى اللهُ هذا الاستبدال اشتراءً؛ تشبيهًا لهم بالتاجرِ المغبون إذ خسرَ في الصفقة؛ لأنه قد باع الشيءَ الثمين بأبخس الأثمان، وكانت تجارتُهُ تجارةً خاسرةً ولهذا قال تعالى:{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، وفي إسنادِ الربح إلى التجارة مجازٌ عقليٌّ؛ لأنَّ الأصلَ أن يُسندَ إلى صاحبِ التجارة، فإنَّ المعنى: فما ربحُوا {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)} .
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى} أي: استبدلُوها به {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ} أي: ما ربحُوا فيها بل خسرُوا لمصيرهم إلى النارِ المؤبَّدة عليهم {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} فيما فعلوا.
وقولُ المؤلِّف: (استبدلُوها به): أي استبدلُوا الضلالةَ بالهُدى، يريد أنَّ معنى اشتروا: استبدلوا، وفي التعبير عن استبدلوا بـ {اشْتَرَوْا} استعارةٌ تصريحية، علاقتُها التشبيه؛ لأنه عبَّرَ بالمشبَّه به عن المشبّه، والضمير المنصوب في قوله:(استبدلُوها).
وقولُه: (أي: ما ربحُوا فيها): يشير إلى أنَّ الأصلَ إسنادُ الفعلِ رَبِحَ إلى صاحب التجارة، وقد أسند إلى التجارة، فكان من المجازِ العقلي الذي علاقتُه المحلية أو السببية.
وقولُه: (بلْ خَسِرُوا
…
) إلى آخره: يريد أنه لم يقتصر أمرُهم على عدم الربح؛ بل خسروا خسرانًا مبينًا.
وقولُه: (فيما فعلوا): أي لم يكونوا على هدىً في استبدال الضَّلالة بالهدى، وفي هذا تأكيدٌ لنفي الربحِ عنهم، ونفيٌ للاهتداء عنهم قبل أن يُظهروا الإسلام، ويفعلوا ما فعلوا من الاستبدال، وفي هذا احترازٌ من أن يُظنَّ أنهم كانوا على هدىً قبل أن يفعلوا ما فعلوا.
* * *
وقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)} [البقرة: 17 - 18]:
هذا مَثَلٌ ضربه الله للمنافقين لإظهارِهم الإيمانَ وما حصل لهم مِنْ الانتفاع بذلك في الدنيا مِنْ عصمة أموالهم وأولادِهم وعيشهِم بين المسلمين، فإذا انتقلوا عن هذه الدنيا لم ينتفعُوا بذلك الإيمان؛ لأنه لم يكن إيمانهم صحيحًا؛ بل يُصيَّرون إلى أسوء العواقب، فمثلُهم في ذلك {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} فانتفعَ بضوئِها فيما حوله، ثم انطفأتِ النارُ فذهب الضوءُ واستحكمتِ الظلمة فصاروا {لَا يُبْصِرُونَ (17)}
(1)
، واسم الموصول «الذي» بمعنى:«الذين» ، فلفظُه مفردٌ ومعناه الجمعُ؛ فعادتِ الضمائرُ أولًا باعتبار اللَّفظ ثم باعتبار المعنى
(2)
.
ومعنى {مَثَلُهُمْ} : صفتهم، {كَمَثَلِ}: أي كصفة الذي استوقدَ نارًا، وهذا من التشبيه التمثيلي، وحقيقتُه تشبيهُ هيئةٍ مجتمعةٍ من أشياء بهيئةٍ مجتمعةٍ كذلك.
وقوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)} : هذا وصف آخر للمنافقين، أخبر اللهُ فيه بأنَّ المنافقين صُمٌّ لا يسمعون سماعَ قبولٍ ينفعُهم، بُكمٌ لا يتكلَّمون بخيرٍ، عميٌ: لا ينظرون بأبصارِهم إلى آياتِ الله فيعتبرون ويهتدون، فلم ينتفعوا بأسماعهم ولا بألسنتِهم ولا بأبصارِهم، فلما لم ينتفعوا بشيء من ذلك كان وجودُها كعدمِها، فهذا وجه وصفهم بالصَّمَمِ والبكم والعمى؛ فلذلك لا يرجعونَ من نفاقِهم وطغيانهم وضلالِهم.
(1)
ويسمى هذا بالمثل الناري. ينظر: «مجموع الفتاوى» (10/ 102 - 103)، و (19 - 95)، و «إعلام الموقعين» (2/ 270 - 271)، و «اجتماع الجيوش الإسلامية» (2/ 63 - 68)، و «الوابل الصيب» (ص 125 - 127).
(2)
ينظر: «معاني القرآن» للأخفش (1/ 54)، «تفسير الطبري» (1/ 332 - 336)، و «الكشاف» (1/ 191 - 192).
{مَثَلهمْ} صِفَتُهم في نفاقِهم {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ} أوقدَ {نَارًا} في ظلمة {فَلَمَّا أضاءَتْ} أنارتْ {مَا حَوْله} فأبصرَ واستدفأَ وأمِنَ ما يخافُه {ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ} أطفأه، وجُمِعَ الضميرُ مراعاةً لمعنى «الذي» ، {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ} ما حولهم مُتحيِّرين عن الطريقِ خائفينَ، فكذلك هؤلاء أمنوا بإظهارِ كلمة الإيمان، فإذا ماتوا جاءَهم الخوفُ والعذابُ، هم {صُمٌّ} عن الحق فلا يسمعونَه سماعَ قبولٍ {بُكْمٌ} خُرْسٌ عن الخيرِ فلا يقولونه {عُمْيٌ} عن طريقِ الهدى فلا يرونه {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} عن الضَّلالة.
وقولُ المؤلِّف: (صِفَتُهم): يريد أنَّ معنى المثل الصفة؛ كقوله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الرعد: 35]
(1)
، ووصفُ الشيء قد يكون بتمثيله بشيءٍ آخر؛ كما في هذه الآية، قال الله تعالى:{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ، وقوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24].
وقولُه: (في نفاقِهم): يريد أنَّ المشبَّه في هذا المثَل هم المنافقون، أظهروا الإيمان فانتفعوا بذلك عصمةَ دمائِهم وأموالِهم، والعيشَ بين المسلمين، فشُبِّهوا بالذي استوقد نارًا فأضأت ما حولَهُ فانتفع بذلك وأبصر ما حوله وأَمِنَ، فانطفأَ الضوءُ، وعادت الظُّلمةُ فصار لا يُبصر وعاد الخوف، وهذا المستوقد شُبّه به المنافقون؛ آمنوا ثم كفروا وأبصروا ثم عمُوا
(2)
، ويُسمَّى هذا التشبيه تشبيهًا تمثيليًا؛ لأنه تشبيهُ هيئةٍ مجتمعةٍ من أشياء بهيئةٍ مجتمعةٍ من أشياء، كما تقدم.
(1)
ينظر: «الوجوه والنظائر» للدامغاني (ص 415 - 416)، و «نزهة الأعين النواظر» لابن الجوزي (ص 551 - 552).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 336 - 344)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 93).
وقولُه: (أوقدَ): في تفسير استوقد؛ ليدلَّ على أنَّ السين والتاء في {اسْتَوْقَدَ} ليست للطلب، فهي كالتي في استجاب بمعنى: أجاب
(1)
.
وقولُه: (فِي ظلمةِ): معناه أنه أوقدَ النار في مكانٍ مُظلمٍ لظلمة الليل أو غيرها، بدليل قوله:{فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} إلى آخر الآية.
وقولُه: (فأبصرَ واستدفأَ): ليس في الآية إشارةٌ إلَّا للأبصار دون الاستدفاء والأمن.
وقولُه: (وجُمِعَ الضميرُ): يريد الضميرَ في قوله: {بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ} .
وقولُه: (مراعاةً لمعنى «الذي»): يريد أنَّ الذي استوقد نارًا بمعنى الذين استوقدوا نارًا؛ لأنَّ المناسب تشبيهُ الجمع بالجمع.
وقولُه: (ما حولهم مُتحيِّرين عن الطريقِ
…
) إلى آخرِه: هذا بيانٌ لوجه الشَّبَه بين المشبَّه - وهم: المنافقون - والمشبَّه به - وهم: الذين استوقدوا نار -.
وقولُه: (هم {صُمٌّ}): يريد أنَّ {صُمٌّ} خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديره: هم صم.
وقولُه: (فلا يسمعونَه سماعَ قبولٍ): فكان سماعُهم وجوده كعدمه لذلك قيل فيهم: {صُمٌّ} ، وهكذا قوله:{بُكْمٌ عُمْيٌ} .
وقولُه: (عن الضلالةِ): أي لا يتوبون عن الضلالة، وترتيب نفي الرجوع على ما قبلَه؛ لأنهم لا ينتفعون بالآياتِ والمواعظ بسببِ إعراضِهم عنها.
* * *
(1)
وهو قول الأخفش. ينظر: «معاني القرآن» للأخفش (1/ 53)، و «تفسير الطبري» (1/ 335).
هذا مثلٌ آخرُ ضربَه اللهُ للمنافقين
(1)
، فقال تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ
…
} الآية، والتقدير: أو مثلُهم كأصحاب صَيِّبٍ؛ وهو المطرُ النازل من السحاب، وفي السحاب ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ ومع الرعد صواعقٌ، ولذا أصحابُ الصَّيِّب الواقعون تحت السَّحاب يجعلون أصابعَهم في آذانهم من أصوات الصواعق يَحْذَرون الموتَ.
فهذا المثل كالذي قبله؛ تشبيهٌ تمثيليٌّ، فالمنافقون مع القرآن وما فيه من الوعدِ والوعيد والتهديد المُرعب للمنافقين هم كأصحاب هذا الصَّيِّب مع ما فيه من الظلمات والرعد والبرق والصواعق، فالظلماتُ مَثَلٌ للشبهات التي يظهرها المنافقون، والرعد والبرق والصواعق مَثَلٌ لِمَا في القرآن من الوعد والوعيد والتهديد الشديد الذي يجعل المنافقين يخافون أن يؤخذوا ويُقتلوا
(2)
.
وقوله: {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)} : تهديدٌ للمنافقين وتصريحٌ بإطلاق اسم الكفر عليهم.
وقوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} : بيانٌ لحال أهل الصَّيِّب مع البرق الشديد، وأنه لشدة لَمَعانِه يقرب أن يخطفَ أبصارَهم، وأنه تارةً يُضيءُ
(1)
قال شيخ الإسلام: «فإن المفسرين اختلفوا: هل المثلان مضروبان لهم كلهم، أو هذا المثل لبعضهم؟ على قولين، والثاني هو الصواب» ، وذهب الطبري إلى أنهما صنف واحد. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 354 - 356)، و «الإيمان الكبير» (ص 217).
(2)
ويسمى هذا بالمثل المائي. ينظر: «مجموع الفتاوى» (10/ 102 - 103)، و (19 - 95)، و «إعلام الموقعين» (2/ 271)، و «اجتماع الجيوش الإسلامية» (2/ 68 - 72)، و «الوابل الصيب» (ص 127 - 132).
وتارةً يُظلمُ، فإذا أضاء مشَوا {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أي: وقفُوا
(1)
، وهذا مَثَلٌ للمنافقين.
{أَوْ} مَثَلُهم {كَصَيِّبٍ} أي: كأصحابِ مطرٍ، وأصلُه صَيْوِبٌ مِنْ صابَ يصوبُ أي: ينزلُ {مِنَ السَّمَاءِ} السَّحاب {فِيهِ} أي: السَّحاب {ظُلُمَاتٌ} بتكاثفه {وَرَعْدٌ} هو الملَكُ الموكَّل به، وقيل: صوتُهُ {وَبَرْقٌ} لمَعَانُ صوتُه الذي يزجرُه به {يَجْعَلُونَ} أي: أصحابَ الصَّيب {أَصَابِعَهُمْ} أي: أناملُها {فِي آذَانِهِمْ مِنَ} أجل {الصَّوَاعِقِ} شدة صوتِ الرعد لئلَّا يسمعوها {حَذَرَ} خوف {الموتِ} مِنْ سماعِها، كذلك هؤلاء إذا نزلَ القرآنُ وفيه ذِكْرُ الكفر المشبَّه بالظلماتِ، والوعيدِ عليه المشبَّه بالرعد، والحججِ البيِّنة المشبَّهة بالبرقِ، يسدُّون آذانَهم؛ لئلَّا يسمعوه فيَميلوا إلى الإيمان وتركِ دينِهم، وهو عندهم موتٌ {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} علمًا وقدرةً فلا يفوتونه {يَكَادُ} يقربُ {الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} يأخذُها بسرعة {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} أي: في ضوئِه {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} وقفوا تمثيلٌ لإزعاجِ ما في القرآن مِنْ الحُجَجِ قلوبهم وتصديقهم بما سمعوا فيه مما يحبُّون ووقوفهم عما يكرهون {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} بمعنى أسماعِهم {وَأَبْصَارِهِمْ} الظاهرة كما ذهبَ بالباطنة {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} شاءَه {قَدِيرٌ} ومنه إذهابُ ما ذُكِرَ.
وقولُ المؤلِّف: (مَثَلُهمْ): يريد أنَّ «أو» عاطفة على مَثَلهم الأول، ويحتمل أنها عاطفة على قوله تعالى:{كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ، و «أو» للتنويع.
(1)
ينظر: «تفسير البغوي» (1/ 70)، و «الكشاف» (1/ 208)، و «تفسير ابن عطية» (1/ 142).
وقولُه: (كَأَصْحَابِ مَطَر): يريد أنَّ {صَيِّبٍ} على تقديرِ مضافٍ محذوف، والتقدير: أصحاب صَيْبٍ، وهم: المشبَّه به؛ فالمعنى: أو مثل المنافقين كأصحاب صيِّبٍ. والصَّيبُ: المطر، وهو: مِنْ صابَ يصوبُ إذا نزل، ووزنُ صَيِّب فَيْعِل، وأصلُه: صَيْوِب
(1)
.
وقولُه: (السحاب): تفسيرٌ للسماء؛ لأنَّ السماءَ تُطلق على كلِّ ما علا وارتفع
(2)
، ولذا سُمِّيَ السحابُ سماء.
وقولُه: (هو الملَكُ الموكَّل به، وقيل: صوتُهُ): هذان القولان معناهُما واحد، فمن يقول:«الرعدُ هو الملَك» ؛ فإنه يُريد أنَّ ما نسمعُهُ صوت الملَكِ الذي يزجرُ السحاب، ومَن يقول: الرعدُ صوتُ المَلَك؛ فقولُه راجعٌ للأول
(3)
، ولا ريب أنَّ الرعد هو ذلك الصوت الذي ينطلقُ من السحاب، فتارةً يكون قاصفًا فيُوجب الخوف، وتارةً يكون هادئًا، وأمَّا مصدرُ الصوت فأكثر المفسِّرين على أنه مَلَكُ السحاب، وإذا لم يكن لهذا التفسير أصلًا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوزُ الجزم به نفيًا ولا إثباتًا، ولعل هذا التفسيرَ المأثورَ مأخوذٌ عن بعض أهل الكتاب، والله أعلم.
وقولُه: (لمَعَانُ صوتُه): أي صوت الملَك، وتفسيرُ البرق بلَمَعانِ صوتِ الملَك لا يظهر وجهُه، وذكر ابنُ جرير أنَّ البرقَ مخاريقُ يَزجرُ بها الملَكُ السحاب
(4)
.
وقولُه: (أي: أناملها): الأنامِلُ: أطرافُ الأصابع، يريد أنهم لا يجعلون في الآذانِ كلَّ الأصبع بل طرف الأصبع، وهو الأُنملة، ويقول أهل البلاغة: أنَّ هذا من التعبير بالكلِّ عن البعض، وهو: مجازٌ مرسل.
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 42)، و «تفسير الطبري» (1/ 350 - 351).
(2)
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 108)، «لسان العرب» (14/ 398).
(3)
ينظر الخلاف في: «تفسير الطبري» (1/ 356 - 362)، و «تفسير ابن عطية» (1/ 139)، و «زاد المسير» (1/ 39 - 40).
(4)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 362 - 363)، وأسنده لعلي بن أبي طالب، وابن عباس رضي الله عنهم.
وقولُه: (أجلِ): يريد أنَّ يُبيّنَ أنَّ «مِنْ» للتعليل؛ فالمعنى: أنهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من أجل ما يسمعون من أصوات الصواعق لئلَّا يسمعوها.
وقولُه: (من سماعِها): يريد أنهم يجعلون أصابعهم في آذانهم خوفًا من الموت بسبب سماعِهم الصواعق.
وقولُه: (كذلكَ هؤلاء
…
) إلى آخره: يريد أنْ يُبيِّن وجهَ الشَّبه بين أصحاب الصيِّب والمنافقين، فالظلماتُ ما في قلوبِهم من الكفر، والرعدُ ما يقرعُ أسماعَهم من الوعيد في القرآن، والبرقُ ما في القرآن من الحُجج البيِّنة المبيِّنة للحقِّ، أو هي الآيات الدالَّة على إقرارِهم على ما يظهرون، وذلك نافع لهم في أمر دنياهم.
وقولُه: (علمًا وقدرةً): يريد أنَّ معنى إحاطة اللهِ بالكافرين إحاطةُ علمِه وقدرته، فلا يخفى عليه من أمرِهم خافيةٌ، وأنَّ قدرتَه محيطةٌ بهم فلا يُعجزونه، ولا يمنعُه منهم مانع، ولا يفوتونه إن طلبَهم.
وقولُه: (يقربُ) هذا معنى: يكاد، والنحويون يقولون: كاد من أفعال المقاربة ترفع الاسم، وتنصب الخبر، والبرق اسمها، والمضارع خبرها، ومعنى: يخطف: يذهب بالأبصار بسرعة من شدة ضوئه.
وقولُه: (في ضوئِه) يعني: أصحاب الصيِّب إذا أضاء لهم البَرقُ الطريقَ مشَوا فيه.
وقولُه: (تمثيلٌ
…
) إلى آخره: يريد أنَّ ما ذكر من حالِ أصحاب الصيِّب مِنْ أنهم تارةً يُضيء لهم البرق فيمشون، وتارةً ينطفئُ البرق فيظلم عليهم المكان فيقومون؛ أي: يقفون متحيِّرين، فهذه الحال تمثِّلُ بها - أي تشبه - حالَ المنافقين، فإنهم إذا وَرَدَ عليهم من آي القرآنِ ما يَسرُّون به داموا على إيمانهم، وإذا وَرَدَ عليهم ما يفضحهم صاروا متحيِّرين فصارت حالُهم كحال أصحاب الصيب.
وقولُه: (بمعنى: أسماعِهم): يريد أنَّ سمع - وهو مفرد - معناه: الجمع، وهذا مُطَّردٌ في القرآن، يذكر السمع مفردًا، ومعناه: الجمع؛ كقوله: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} ، وقوله:{وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا} [الأحقاف: 26]، وقوله:{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} [النحل: 78].
وقولُه: (الظاهرة): يريد أسماعَهم وأبصارَهم الحسيَّة بآذانهم وعيونهم.
وقولُه: (كما ذهبَ بالباطنة): يريد أنَّ الله جمعَ لهم بين عمى الأبصار وعمى القلوب.
وقولُه: (شَاءَهُ): عبارته تقتضي أنَّ قدرةَ الله لا تتعلَّق إلَّا بما شاءه، والصواب: عدم التقييدِ بالمشيئة، فالله - تعالى - على كلِّ شيءٍ قديرٌ، سواء ما شاءَه أو لم يشأه.
وقولُه: (ومنه إذهابُ ما ذُكِرَ): يريد أنَّ إذهابَ الأسماع والأبصار داخلٌ في عموم قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
* * *
هذا أمرٌ من الله لجميع الناس بعبادتِه وحده لا شريك له، بأنه ربُّهم الذي خلقَهم وخلق مَنْ قبلَهم مِنْ آبائهم، وهو الذي خلقَ الأرضَ وجعلها فِراشًا يستقرُّ عليه الناس، وخلقَ السماء وجعلها بناءً؛ أي: سقفًا مرفوعًا، وهو الذي أنزل على الأرض من السماء ماءً فأخرج به منها الزروعَ والأشجارَ، وأخرج به من أنواع الثمار رزقًا للعباد، فذكر - سبحانه - الحكمَ وهو وجوب عبادته، وذكر البرهانَ العقليَّ على ذلك، وهو أنه خالقُ الأولين والآخرين، وخالقُ السموات والأرض، ومنزلُ الغيث ورازق العباد، وكلُّ هذا من معاني ربوبيتِه ولا شريكَ ولا نِدَّ له في شيءٍ من ذلك، ولهذا نهى أن يجعل له أندادًا؛ أي: نظراء يُعبدون من دونه، فكما أنه - سبحانه - لا نِدَّ له في ربوبيته فلا نِدَّ له في إلهيتِه، فلا ربَّ غيرُه ولا إله سواه، ولهذا قال سبحانه:{لَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} .
وبيَّن - سبحانه - أنَّ الغايةَ من العبادة تكون وقايةً للعبد من عذاب الله، ولهذا قال:{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} ، فبدأتِ الآيتان بالأمرِ بالتوحيد:{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} ، وختُمتا بالنهي عن الشرك:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} ، وهذا الأمر والنهي هو معنى لا إله إلا الله، وعُلِمَ مما تقدَّم أنَّ الآيتين قد دلَّتا على توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية.
{يأيها النَّاس} أي: أهلَ مكة {اُعْبُدُوا} وحِّدُوا {رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ} أنشأَكُم ولم تكونوا شيئًا {وَ} خلقَ {الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} بعبادتِه عقابَه، ولعلَّ في الأصل للترجي وفي كلامِه - تعالى - للتحقيق {الَّذِي جَعَلَ} خلقَ {لَكُمْ الْأَرْض فِرَاشًا} حالٌ «بساطًا» يفترش
لا غايةً في الصلابة أو اللُّيونة فلا يمكن الاستقرارُ عليها {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} سقفًا {وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ} أنواعِ {الثَّمَرَات رِزْقًا لَكُمْ} تأكلونَه وتَعلفُونَ به دوابَّكم {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} شركاءَ في العبادة {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه الخالقُ ولا تخلقون ولا يكون إلهًا إلا مَنْ يخلق.
وقولُ المؤلِّف: (أي: أهلَ مكة): يريد أنَّ المخاطَب في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} هم الكفار مِنْ أهل مكة، وفي هذا التفسير نظرٌ؛ لأنَّ السورة مدنية، والصواب: أنه خطابٌ لجميع الناس من المؤمنين والكفار والمنافقين، وهم الطوائفُ المذكورة قبل.
وقولُه: (وحِّدُوا): فسَّرَ العبادة بالتوحيد؛ لأنَّ التوحيدَ هو عبادة الله وحدَه لا شريك له، وهذا ما بعثَ الله به جميعَ المرسلين.
وقولُه: (أنشأَكُم ولم تكونوا شيئًا): هذا معنى {خَلَقَكُمْ} ، ومعنى: أنشأكم: أوجدكم بعد العدم.
وقولُه: (خلقَ): يريد أنَّ العامل في الموصول محذوفٌ، والتقدير: وخلق الذين مِنْ قبلكم، والمعطوف هو الموصول، والمعطوف عليه ضميرُ المخاطبين، وكلاهما في موضعِ نصب.
وقولُه: (بعبادتِه عقابَه): يريد أنَّ التقوى تتحققُ بعبادة الله وحده لا شريك له، فمَن عبدَ اللهَ كما أُمر فقد اتقاه، والمُتَّقَى: هو العقاب، ويصحُّ أن يكون التقدير: لعلَّكم تتقون الله. وقولُه: (ولعلَّ
…
) إلى آخره: يريد أنَّ معنى «لعل» في الأصل: الرجاء، وهذا مِنْ المخلوق ظاهرٌ، أمَّا مِنْ الله فيقول المؤلِّف: إنها للتحقيق؛ مثل ما قالوا في «عسى» من الله واجبةٌ
(1)
، وقيل: أنَّ «لعلَّ» في مثل هذا السِّياق للتعليل.
(1)
وهذا مروي عن ابن عباس، قال:«كل عسى في القرآن فهي واجبة» ، أخرجه الطبري في تفسيره (11/ 376)، وابن أبي حاتم في التفسير (6/ 1766، رقم 10060)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (9/ 23، رقم 17753).
وقولُه: (خلقَ): فسَّر الجعل في هذه الآية؛ بمعنى الخلق، والأظهر أنَّ {جَعَلَ} في الآية بمعنى صَيَّرَ؛ فتَنصب مفعولين؛ المفعول الأول:{الأرضَ} ، والثاني:{فِرَاشًا}
(1)
.
وقولُه: (حالٌ): أعرب {فِرَاشًا} حال {بِنَاءً} ، على أن {جَعَلَ} عنده بمعنى: خلق، وهي لا تنصبُ إلَّا مفعولًا واحدًا.
وقولُه: (بساطًا
…
) إلى آخره: المعنى: جعل الأرض فراشًا مبسوطًا ومهادًا تصلحُ للاستقرار عليها والعيش فيها، فلم تكن صلبةً كالحديد، ولا رِخوة كالطين؛ قال تعالى:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا} [النبأ: 6]، وقال تعالى:{وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48].
وقولُه: (سقفًا): المعنى: جعل السماءَ سقفًا؛ أي: بناءً عاليًا؛ كما قال تعالى: {وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ} [الطور: 5]، وقال تعالى:{وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا} [الأنبياء: 32].
وقولُه: (أنواعِ): أي أصناف ثمرات الأشجار والزروع مِنْ الفواكه والحبوب، رزقَا لكم ولدوابِّكم مما يأكل الناس والأنعام، والجار والمجرور الأول حال، و «من» بيانية، والجار والمجرور الثاني صفة لرزق، ومعنى الآية:{وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ} - أي: السحاب - {مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ} رزقًا لكم من أنواع الثمار، والباء في {بِهِ} سببية.
وقولُه: (تأكلونَه
…
) إلى آخره: يبيّن أنَّ الرزق عامٌّ فيما يأكلُه الناس وما تأكله الأنعام، ويشهد له قوله تعالى:{كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} [طه: 54]، وقوله:{مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ} [يونس: 24]، وقوله تعالى:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ} ؛ أي: لا تعتقدوا أنَّ لله أندادًا، وتحكموا بذلك، والفاء للتفريع أو هي الفصيحة،
(1)
ينظر: «تفسير الراغب» (1/ 111 - 112)، و «تفسير البيضاوي» (1/ 55)، و «الدر المصون» (1/ 192).
والأنداد: جمعُ نِد، وهو: المثلُ والنظير
(1)
، المعنى: لا تجعلوا لله نظراءَ في العبادة فتجعلوا معه آلهةً أخرى.
وقولُه: ({وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: أنه الخالق) لهذه المخلوقات المذكورة في الآيات، فكما أنه لا خالقَ غيره؛ فلا إله غيره.
* * *
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 769).
هذا خطابٌ من الله للكفار من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين الشاكِّين فيما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مِنْ هذا القرآن؛ قاله: ابن جرير
(1)
، واحتجاجٌ عليهم إن كانوا شاكِّين فيما أنزل الله عليهم من القرآن بأن يأتوا بسورةٍ من مثله ثم ليَدعوا شهداءهم؛ أي: أعوانهم وأنصارهم؛ رواه ابن جرير عن ابن عباس
(2)
، ورجَّحه، ورجِّح أنَّ الضمير في قوله:{مِنْ مِثْلِهِ} يعودُ إلى القرآن
(3)
.
{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)} : في زعمِكم أن قد جئتم بسورةٍ مثل القرآن. {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} : ما طُلب منكم من الإتيان بسورةٍ - {وَلَنْ تَفْعَلُوا} - وإذًا فقد قامت الحجَّة عليكم، فوجب عليكم أن تتَّقوا النارَ بالتوحيد والإيمان بالرسول وبما جاء به، وهي النارُ التي وقودها الناسُ والحجارة، وهي معدَّةٌ للكافرين، فتضمَّنت الآيتان تقريرَ رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم، كما تضمَّنت الآيتان قبل تقريرِ التوحيد، فدلَّت الآيات على الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقوله تعالى: {مِمَّا نَزَّلْنَا} : أي من الذي نزَّلناه، وهو القرآن. وقوله تعالى:{عَلَى عَبْدِنَا} : أي رسولنا الذي جاء بالقرآن، ذكره بوصف العبودية الخاصة، وقد ذكره الله بهذا الوصف في أربع مقامات:
أحدها: مقام التحدي، وهو: المذكور في هذه الآية.
والثاني: مقام الإسراء، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1]، ومنه مقام الوحي، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)} [النجم: 10].
(1)
«تفسير الطبري» (1/ 395).
(2)
«تفسير الطبري» (1/ 399).
(3)
«تفسير الطبري» (1/ 397).
والثالث: مقام الإنذار، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)} [الفرقان: 1].
والرابع: مقام الدعاء، {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن: 19]
(1)
.
{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب} شكٍّ {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدنَا} محمدٍ مِنْ القرآن أنه مِنْ عندِ الله {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله} أي: المُنزَّل، و «مِنْ» للبيان أي: هي مثلُهُ في البلاغةِ وحُسن النَّظمِ والإخبار عن الغيب، والسورةُ قطعةٌ لها أولٌ وآخر أقلُّها ثلاثُ آيات {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} آلهتَكم التي تعبدونَها {مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي: مِنْ غيره لِتُعِيْنَكُم {إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في أنَّ محمدًا قالَهُ مِنْ عند نفسِه، فافعلوا ذلك فإنكم عربيُّون فصحاءُ مثله، ولمَّا عجزوا عن ذلك قال تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} ما ذُكِرَ لِعَجْزِكُم {وَلَنْ تَفْعَلُوا} ذلك أبدًا لظهور إعجازِه - اعتراضٌ - {فَاتَّقُوا} بالإيمان بالله وأنه ليس من كلامِ البشر {النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ} الكفارُ {وَالْحِجَارَةُ} كأصنامِهم منها، يعني: أنها مُفرطة الحرارة تتقدُ بما ذُكِرَ، لا كنارِ الدنيا تتقد بالحطبِ ونحوه {أُعِدَّتْ} هُيِّئَتْ {لِلْكَافِرِينَ} يُعذَّبون بها، جملةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أو حالٌ لازمةٌ.
وقولُ المؤلِّف: (شكٍّ): تقدم تفسيرُه للرَّيب بالشك، والرَّيب أخصُّ من الشك؛ لأنه شكٌّ يفضي إلى الحَيرة والقلق
(2)
.
وقولُه: (أي: المُنزَّل): يريد أنَّ الضمير في قوله: {مِثْلِهِ} يعود إلى الموصول في قوله: {مما نَزَّلْنَا} ، والمنزَّل: هو القرآن، وهذا أحد الوجهين
(1)
ينظر: «روضة المحبين» (ص 84)، و «مدارج السالكين» (1/ 156 - 157)، و (3/ 400).
(2)
ينظر: «توضيح مقدمة التفسير» لشيخنا (ص 79 - 80).
في مرجع الضمير، وقيل: أنه يعود إلى العبد
(1)
؛ في قوله: {عَبْدِنَا} فيكون المعنى: فأتوا بسورةٍ من مثل الرسول؛ فالمماثلة بين من يأتي بالسورة، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فمعنى:{مِنْ مِثْلِهِ} يعني: في البشرية، والأميَّة، و «مِنْ» على هذا القول ابتدائية.
وقولُه: («مِنْ» للبيان
…
) إلى آخره: يريد أن «مِنْ» في قوله: {مِنْ مِثْلِهِ} بيانيَّة، والمماثلةُ المطلوبة بين السورة التي يأتون بها والقرآن المنزَّل في البلاغة وحُسنِ النظم، والإخبارِ عن الغيب؛ فتضمَّن الكلام وجهين من الإعجاز؛ أحدها: البلاغة وحسن النظم. الثاني: الإخبار بالغيب.
وقولُه: (والسورةُ قطعةٌ
…
) إلى آخره: يريد أنَّ السورة اسمٌ لقطعةٍ من الكلام لها أولٌ وآخر، والمراد: قطعة من القرآن، أقلُّها: ثلاث آيات كسورة الكوثر والعصر
(2)
، وتُطلَق السورة في اللغة على المنزلة الرفيعةِ، ومنه:«سُور البلد» لارتفاعه
(3)
.
وقولُه: (آلهتَكم
…
) إلى آخره: في هذا التفسير نظرٌ، بل غير مستقيم؛ لأنه خلافُ ما جاء عن ابن عباس
(4)
، واختاره ابن جرير؛ قال:{شُهَدَاءَكُمْ} : أعوانَكم وأنصاركم على الإتيان بسورة، وأيضًا فإنَّ الآلهة أصنامٌ لا تشهد ولا تُستشهد.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 396 - 399)، و «تفسير ابن عطية» (1/ 147)، و «زاد المسير» (1/ 44)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 314) ط. أولاد الشيخ.
(2)
ينظر: «البرهان في علوم القرآن» للزركشي (1/ 263 - 265).
(3)
ينظر: «لسان العرب» (4/ 386).
(4)
جاء عن ابن عباس: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} يعني أعوانكم على ما أنتم عليه {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 399)، و (1/ 401)، ورواه ابن أبي حاتم في التفسير رقم (240).
وقولُه: (أي: غيره .. ): فَسَّرَ {دُونِ} بغير، وهذا أحد معاني هذه الكلمة، وجاءت في القرآن بهذا المعنى كثيرًا
(1)
.
وقولُه: (في أنَّ محمدًا قالَهُ مِنْ عند نفسِه
…
) إلى آخره: المعنى: إنْ كنتم صادقين في زعمكم أن محمدًا افترى هذا القرآن فهاتوا أنتم سورةً واحدةً مثل الذي جاء به محمد، واستعينوا على ذلك بمن شئتم ثم أخبر - تعالى - أنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا، وجواب الشرط في قوله:{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} محذوفٌ دلَّ عليه ما قبله.
وقولُه: (ما ذُكِرَ): يريد أن مفعول {تَفْعَلُوا} محذوف؛ تقديره: ما ذكر؛ أي: من الإتيان بسورة مثل القرآن؛ المعنى: فإن لم تأتوا بسورةٍ لعجزكم عن ذلك، وقد عجزوا فلم يفعلوا، ثم أخبر - تعالى - أنهم لن يفعلوا، والجملة معترضةٌ بين الشرط وجوابه، وفي هذا الاعتراض زيادة في التحدي.
وقوله: {فاتَّقُوا} جواب الشرط في قوله: {فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا} ، وهو واقعٌ موقع الأمر بالإيمان؛ لأنه من التعبير بالمسبَّب عن السبب؛ لأن مَنْ آمن اتقى.
وقولُه: (بالإيمان بالله وأنه ليس من كلامِ البشر): يريد أنَّ اتقاء النار يكون بذلك فالإيمان بالله ورسوله هو الواقي بتوفيق الله من عذاب النار.
وقولُه: (الكفارُ): بيانٌ للمراد بالناس، فيكون الناس في الآية من العامِّ الذي أُريد به الخصوص.
وقولُه: (كأصنامِهم منها): يريد أن مِنْ الحجارة التي توقد بها النار ما كان يَعبده المشركون من الحجارة؛ كما قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98].
(1)
ينظر: «المفردات» (ص 324).
وقولُه: (هُيِّئَتْ
…
) إلى آخره: تفسير لقوله تعالى: {أُعِدَّتْ} ، والصواب أنَّ جملة:{أُعِدَّتْ للكافرينَ} مستأنفةٌ تضمَّنت الخبر بأنَّ النارَ مخلوقةٌ للكافرين.
وقولُه: (يُعذَّبون بها): المعنى: هُيِّئَتْ لتعذيبهم.
* * *
لمَّا ذكر الله النار ومَن أُعدّت لهم إنذارًا وتحذيرًا أمرَ نبيَّه أن يبشِّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما أعدَّ لهم من الجنات التي تجري مِنْ تحتها الأنهار، وأخبر - تعالى - أنهم يُرزقون فيها من أنواع الثمرات المختلفة في الطُّعوم واللذات المتشابهة في الألوان لذلك كلما رُزقوا شيئًا من هذه الثمار؛ قالوا:{هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا} ، والصواب أنَّ المراد ما رُزقوه مِنْ قبلُ في الجنة، وأخبر - تعالى - أنَّ لهم في الجنة أزواجًا مُطهَّرة من العيوب الخَلقية والخُلقية، وأنهم مع ذلك في الجنة خالدون؛ أي: مقيمون أبدًا؛ نسأل الله من فضله.
{وَبَشِّرِ} أخبرْ {الَّذِينَ آمَنُوا} صدَّقُوا بالله {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} مِنْ الفروضِ والنوافل {أَنَّ} أي: بأنَّ {لَهُمْ جَنَّاتٍ} حدائقَ ذات أشجارٍ ومساكن {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} أي: من تحت أشجارِها وقصورِها {الْأَنْهَارُ} أي: المياهُ فيها، والنهرُ: الموضعُ الذي يجري فيه الماء؛ لأن الماءَ يَنْهَرُهُ، أي: يحفرُهُ، وإسنادُ الجري إليه مجازٌ {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا} أُطعمُوا من تلكَ الجناتِ {مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي} أي: مثلَ ما {رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} أي: قبله في الجنةِ لتشابهِ ثمارِها بقرينةِ {وَأُتُوا بِهِ} أي: جِيئوا بالرزقِ {مُتَشَابِهًا} يشبهُ بعضُه بعضًا لونًا، ويختلفُ طعمًا {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ} مِنْ الحورِ وغيرها {مُطَهَّرَةٌ} مِنْ الحَيضِ وكلِّ قَذَرٍ {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ماكثونَ أبدًا لا يَفْنَوْنَ وَلَا يَخْرُجُونَ.
وقولُ المؤلِّف: (أخبرْ): البشارةُ: الإخبار بما يَسُرُّ المُخبَر، والمبشِّر: الرسول صلى الله عليه وسلم، والمبشَّر هم: الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وقولُه: (صدَّقُوا بالله): فسَّر الإيمان بالتصديق، ولا شك أن الإيمان؛ أصلُه في اللغة: التصديق، أو نوعٌ من التصديق، وفي الشرع: الإيمانُ بالله وبكلِّ ما يجب الإيمان به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمانُ أن تؤمنَ باللهِ وملائكتِهِ .. )) الحديث
(1)
.
وقولُه: (من الفروضِ والنوافل): معناه أن الأعمال الصالحة تشمل جميع العبادات من الواجبات والمستحبات، و {الصَّالِحَاتِ} في الآية صفةٌ لموصوف محذوف؛ المعنى: عملوا الأعمالَ الصالحات، وعَطْفُ الإيمان على الأعمال من عَطْفِ الخاص على العام
(2)
.
وقولُه: (بأنْ): يريد أنَّ جملة {أَنَّ} وما دخلتْ عليه في تأويل مصدر مجرور بالباء فالمعنى: بشِّرهم أيها النبيُّ بما أعدَّ الله لهم من الجنات وما فيها مِنْ النعيم.
وقولُه: (حدائقَ ذات شجرٍ ومساكن): يريد أن الجنات - وهي البساتين -، وعبَّر عنها بحدائق فيها أشجار وأنهار ومساكن.
وقولُه: (من تحتِ أشجارِها وقصورِها): يريد أن الأنهار ليست تحت أرضِ الجنة، بل فيها تجري تحتَ أشجارها وقصورها
(3)
.
وقولُه: (أي: المياهُ فيها): يريد أن النهر في الأصلِ هو الحفرُ الذي يجري فيه الماء، فإسناد الجريان إليه مجازٌ مُرسلٌ علاقته المحليَّة؛ لأنه تعبيرٌ بالمحليِّ عن الحال، والأولى أن يُقال: إن النهر يُطلق على المجرى الذي هو الحَفر،
(1)
أخرجه البخاري (50) من حديث أبي هريرة، ومسلم (8) من حديث عمر رضي الله عنه.
(2)
ينظر: «الإيمان الكبير» (ص 138 - 143)، و (ص 157 - 161).
(3)
جاءت أحاديث فيها: أن الكوثر وأنهار الجنة تجري من غير أخدود. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 406 - 407)، و «تفسير القرطبي» (1/ 239)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 204).
وعلى الماء الجاري، والسياق والتركيب يُعيِّنُ أحدَ المعنيين، إذًا: فالأنهار في الآية هي أنواع الأشربة من الماء واللَّبن والخمر والعسل وغيرها.
وقولُه: (وإسنادُ الجري إليه - أي: إلى النهرِ - مجازٌ): جعله من قَبيل المجاز العقلي، والأظهر أن المجاز في كلمة {الْأَنْهَارُ} فيكون مِنْ المجاز المرسل؛ كما تقدم.
وقولُه: (أُطعمُوا من تلكَ الجناتِ): يعني أُوتي لهم بطعامٍ من ثمار الجنة، و (مِنْ) في قوله:{مِنْهَا} ابتدائية، وفي قوله:{مِنْ ثَمَرَةٍ} بيانية، و {رِزْقًا} مفعولٌ ثانٍ لرُزقوا.
وقولُه: (مثلَ ما): يريد أنَّ قولهم: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} مثلَه لا عينه.
وقولُه: (قبلَه في الجنة): يريد أن المعنى أن الذي رُزقوه من قبلُ هو من رزق الجنة، وهذا أحد القولين في الآية
(1)
، وهو الصواب، وقيل: المراد: بما رُزقوه من قبلُ في الدنيا، واختاره ابن جرير
(2)
؛ لقوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُوا} فيدخل فيه أول رزقٍ يُرزقونه في الجنة، والصواب: هو القول الأول؛ لأن رزق الجنة لا يشبه رزقَ الدنيا، وإن كان يوافقُه في الاسم، ولقوله تعالى:{وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} ، وهذا مختصٌّ بثمار الجنة
(3)
.
وقولُه: (جِيئوا بالرزقِ): هذا معنى {أُتُوا بِهِ} . وقوله تعالى: {مُتَشَابِهًا} حالٌ من الرزق، ومعنى {مُتَشَابِهًا} أي: يشبه بعضه بعضًا فاللون واحد والطعم مختلف.
(1)
وهو قول يحيى بن أبي كثير، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 409 - 410).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 410).
(3)
ينظر الخلاف وذكر الحجج في: «حادي الأرواح» لابن القيم (358 - 362)، وكأن ابن القيم يميل لما ذكره شيخنا؛ فقد عقب على حجج الطبري ولم يصرح بشيء.
وقولُه: (مِنْ الْحُور وغيرها): يريد أنَّ أزواج المؤمنين في الجنة؛ أي زوجاتُهم بعضُهن من الحور التي خلقهن الله لِيَكُنَّ أزواجًا للمؤمنين، وبعضهن من غيرهن، وبعضُهن من غير الحور من المؤمنات اللاتي يدخلن الجنة فهن من نساء الدنيا سواءً كن في الدنيا مُزوَّجات أو غير مُزوَّجات، كما قال تعالى:{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِم} [الرعد: 23]، والله أعلم بتفاصيل ذلك
(1)
.
وقولُه: (مِنْ الحَيضِ وكلِّ قَذَرٍ): المعنى: أنَّ زوجات المؤمنين في الجنة مُطهَّرات، من الحور العين وغيرهن، مُطهَّرات من عيوبِ نساء الدنيا من الحيض والبول والغائط، الخَلقية والخُلقية وكل قذرٍ، بل الأزواج من المؤمنات أكملُ من الأزواج من الحور؛ بفضل الإيمان والعمل الصالح
(2)
.
(1)
للاستزادة ينظر: حادي الأرواح (1/ 470 - 506).
(2)
جاء معنى هذا في حديث طويل أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (870)، و «الأوسط» (3141) وأورده الضياء في «صفة الجنة» (119) من طريق بكر بن سهل الدمياطي، ثنا عمرو بن هاشم البيروتي، ثنا سليمان بن أبي كريمة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، « .... قلت: يا رسول الله، أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال:((بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة)). قلت: يا رسول الله، وبم ذاك؟ قال:((بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن لله عز وجل). وقال الضياء: «لا أعلمه إلا من طريق سليمان بن أبي كريمة، وفيه كلام» .
قلنا: ولا خلاف في ضعفه. قال العقيلي في «الضعفاء» (2138، رقم 627): «سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان، يحدث بمناكير ولا يتابع على كثير من حديثه» ، وذكر هذا الحديث، وقال:«لا يعرف إلا به» .
وقال ابن عدي في «الكامل» (4/ 250، رقم 740): «وعامة أحاديثه مناكير، ويرويه عنه عمرو بن هاشم البيروتي» .
وذكره ابن الجوزي في «الضعفاء والمتروكين» (2/ 24، رقم 1542)، والذهبي في «المغني في الضعفاء» (1/ 228، رقم 2616)، وفي «ديوان الضعفاء والمتروكين» (ص 175، رقم 1772).
وقولُه: (ماكثونَ أبدًا
…
) إلى آخره: يعني مقيمون في الجنة أبدًا فلا يموتون ولا يخرجون، كما قال تعالى:{لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ} [الدخان: 56]، {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48].
* * *
يخبر - تعالى - أنه لا يستحيي من ضربِ المثل ببعض الأشياء الحقيرة، بأنه - تعالى - حكيمٌ يريد بيان الحقِّ لعباده في كلِّ طريق للعباد ويحصل لهم به الفرقان بين الحق والباطل؛ لهذا ضرب المثل بالذبابِ والعنكبوت، قال تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا} الآية [العنكبوت: 41]، ولو شاء - تعالى - لضرب المثل بأحقرَ من العنكبوت كالبعوضة.
ومن حكمته - تعالى - في ذلك: ابتلاءُ العباد ليتميَّز المؤمن من الكافر، ولهذا قال تعالى:{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} ، وبضرب هذا النوع من الأمثال يهدي الله كثيرًا ويُضِلُّ به كثيرًا؛ يهدي به المؤمنين، ويُضِلُّ به الفاسقين الذين يعترضون على الله في كلامه وبيانه؛ فيقولون فيما ضربه اللهُ من الأمثال مُعترضين على الله:{مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} . وأما الذين آمنوا فلا يعترضون على الله؛ لأنهم يعلمون أن ما جاء عن الله كلُّه حقٌّ.
والفاسقون: هم الخارجون عن طاعة الله بالكفر والنفاق ونقضِ الميثاق، ومِن فِسقِهم قَطْعُ ما أمرَ الله به أن يُوصل، وإفسادهم في الأرض بالمعاصي وبالصدِّ عن سبيل الله وقد حكم - تعالى - عليهم بالخسران؛ فقال تعالى:{أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)} ، والكفار والمنافقون هم أخسرُ الناس؛ لأنهم صائرون إلى النار خالدين فيها، فبذلك يخسرون أنفسَهم وأهليهم؛ كما قال
تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)} [الزمر: 15].
ونزلَ ردًّا لقول اليهود لَمَّا ضرب الله المثلَ بالذبابِ في قوله: {وَإِنْ يَسْلُبهُمْ الذُّبَاب شَيْئًا} والعنكبوت في قوله: {كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوت} ما أرادَ الله بذكرِ هذه الأشياء الخسيسةِ؟ فأنزل الله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ} يجعلَ {مَثَلًا} مفعولٌ أول {مَا} نكرةٌ موصوفة بما بعدها مفعولٌ ثان أي: مثل كان، أو زائدة لتأكيدِ الخِسَّة، فما بعدها المفعول الثاني {بَعُوضَة} مفردُ البعوضِ وهو صغارُ البَقِّ {فَمَا فَوْقهَا} أي: أكبرُ منها أي: لا يترك بيانُه لِمَا فيه مِنْ الحِكَم {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} أي: المثل {الحَقُّ} الثابت الواقع موقعه {مِنْ رَبّهمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مَثَلًا} تمييزٌ أي: بهذا المثل، و «ما» استفهامُ إنكارٍ مبتدأٌ و «ذا» بمعنى الذي، بصلته خبرُهُ أي: أيُّ فائدةٍ فيه؟ قال - تعالى - في جوابِهم {يُضِلُّ بِهِ} أي: بهذا المثل {كَثِيرًا} عن الحقِّ لكفرِهم به {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} مِنْ المؤمنين لتصديقِهم به {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَّا الْفَاسِقِينَ} الخارجينَ عن طاعتِه {الَّذِينَ} نَعْتٌ {يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه} ما عَهِدَهُ إليهم في الكتبِ من الإيمان بمحمَّدٍ {مِنْ بَعْد مِيثَاقِهِ} توكيدِهِ عليهم {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل} مِنْ الإيمان بالنبي والرَّحمِ وغيرِ ذلك و «أنْ» بدلٌ مِنْ ضميرِ «به» {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بالمعاصي والتعويقِ عن الإيمان {أُولَئِكَ} الموصوفونَ بما ذُكِرَ {هُمْ الْخَاسِرُونَ} لمصيرِهم إلى النارِ المؤبَّدةِ عليهم.
وقولُ المؤلِّف: (ونزلَ ردًّا
…
) إلى آخره: يذكر هنا سببَ نزول هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} ، وذلك أنَّ الله لَمَّا ضرب المثلَ بالذباب وبالعنكبوت
لأصنام المشركين قال الكفار والمنافقون: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} ، ومعنى قولهم: أنَّ هذه الأشياء حقيرةٌ فكيف يضرب اللهُ المثلَ بهذه الأشياء الحقيرة التي يُستحيا من ذكرها؟! فأنزل الله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}
(1)
، فإنَّ ضَرْبَ الأمثال من طرق بيانِ الحق وإبطالِ الباطل، لذلك يضرب الله المثلَ بما شاء بعوضةً أو أكبر من البعوضة أو أصغر من البعوضة. وقولُه:(يجعلَ): فيه تفسيرُ ضربِ المثل بالجَعْلِ، والجَعْلُ: بمعنى: التصيير، ينصبُ مفعولين، وجعل المثل تشبيه الشيء بالشيء، ولذا جعل المؤلِّف مثلًا مفعولًا أولًا، و «ما» نكرة موصوفة.
وقولُه: (لا يترك بيانُه لِمَا فيه من الحِكَمِ): يريد أنَّ معنى الآية أنَّ الله لا يتركُ ضربَ المثَلِ بما شاء من صغيرٍ وكبيرٍ؛ لأنَّ في ضربِ المثل حِكَمًا، وهو بيان الحق.
وقولُه: (أي: المثل): يريد أنَّ الضمير في قوله تعالى: {أَنَّهُ الْحَقُّ} يعود إلى المثل الذي ضربَه الله، فالمعنى: أنَّ الذين آمنوا بالله ورسوله يؤمنون بأنَّ المثلَ الذي يضربه الله يعلمون أنه الحق، أي: الموافقُ للحكمة المحصِّل للمقصود.
وقولُه: (تمييزٌ): يريد أنَّ {مَثَلًا} منصوبٌ على التمييز؛ لقولهم: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا} ، وقدَّره المؤلِّف بقوله:«ماذا أراد الله بهذا المثل مثلًا»
(2)
، فاسم الإشارة راجعٌ إلى المثل الذي ضربه الله في ضرب المثل بالعنكبوت والذباب.
وقولُه: (و «ما» استفهامُ إنكارٍ مبتدأٌ
…
) إلى آخره: يريد أنَّ «ما» في قولهم: «ماذا» اسم استفهام، وهي: مبتدأ فهي في موضعِ رفع، والاستفهام إنكار أي: استنكارٌ واعتراضٌ من الكفار على ما ضربه الله من المثل، فالمعنى: أيُّ فائدةٍ
(1)
وهو قول ابن عباس كما في رواية عطاء وأبي صالح عنه، والحسن وقتادة ومقاتل. ينظر:«أسباب النزول» للواحدي (ص 23 - 24)، و «العجاب» لابن حجر (1/ 245).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 432).
من ضرب ذلك المثل؟ و «ذا» في قولهم {مَاذَا} اسم موصول بمعنى: الذي، وجملة {أَرَادَ اللَّهُ} صلةُ الموصول، والموصول وصلتُه خبرُ المبتدأ الذي هو:«ما» الاستفهامية.
وقولُه: (قال - تعالى - في جوابِهم
…
) إلى آخره: يريد أنَّ قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} جوابٌ لقول الكفار: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} ، وقد تضمَّن الجواب بيانَ حكمته - تعالى - في ضرب المثل؛ وهي ابتلاء العباد فيهتدي به مَنْ آمن بأنه الحق - وهم كثيرٌ - ويُضِلُّ به مَنْ طعن في حكمة لله مِنْ ضرب المثل حتى قالوا: ماذا أراد الله بضرب هذا المثل، فإنه لا تظهرُ فيه حكمة فأيُّ فائدة في ضربه المثلَ؟ فصار ضَرْبُ المثل سببًا لهداية المؤمنين وسببًا لضلال الكافرين، وهذا معنى قوله تعالى:{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} .
وقولُه: (الخارجينَ عن طاعتِه): يريد أنَّ الفاسقين هم الكفار والمنافقون، فَفِسْقُهُم هو الفِسق الأكبر، وهو: المذكور في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة: 20]. وفي قول المؤلِّف: (الخارجينَ) إشارةٌ إلى أصل معنى الفِسق في اللغة، وهو الخروج عن الشيء، ومنه قولهم:«فسقتِ الرُّطبةُ مِنْ قشرها» أي: خرجتْ
(1)
.
وقولُه: (نَعْت): يريد أنَّ الاسم الموصول بصلتِه نعتٌ للفاسقين، فالموصول في محل نصب؛ لأنَّ الفاسقين مفعولٌ به ليضل، والاستثناء مُفرَّغ.
وقولُه: (مَا عَهِدَهُ إليهم
…
) إلى آخره: هذا تفسيرٌ للعهد الذي ينقضونه، وهو أنَّ مما عهد الله به إلى أهل الكتاب أن يؤمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم إذا
(1)
ينظر: «لسان العرب» (10/ 308).
بعث إليهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به
(1)
، والآية عامة لكل عهدٍ من الله، والأول هو المناسب لسببِ النزول
(2)
.
وقولُه: (توكيدِهِ عليهم): أصل الميثاق: العهدُ المؤكَّدُ، لكنه هنا اسم مصدر؛ بمعنى: التوثيق؛ فالمعنى: ينقضون عهد الله من بعد توكيدِه عليهم.
وقولُه: (مِنْ الإيمان بالنبي والرَّحمِ وغيرِ ذلك): هذا بيانٌ من المؤلِّف للمراد بالموصول في قوله تعالى: {مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ} أي: يقطعون الذي أَمر الله بوصلِه.
وقولُه: (و «أنْ» بدلٌ مِنْ ضميرِ «به»): يريد أنَّ المصدر المؤول مِنْ «أن» والفعل بدلٌ من الضمير المجرور في «به» فيكون التقدير: أمر الله به بأن يوصل؛ أي: بوصلِه.
وقولُه: (بالمعاصي والتعويقِ عن الإيمان): يريد أنَّ الإفساد في الأرض يكون بمعاصي الله والصدِّ عن سبيله.
وقولُه: (الموصوفونَ بما ذُكِرَ): يريد أنَّ اسم الإشارة: {أُولَئِكَ} راجعٌ إلى الموصوفين بنقضِ عهد الله، وقطعِ ما أمر الله بوصله.
وقولُه: (لمصيرِهم إلى النارِ المؤبَّدةِ عليهم): هذا تعليل، فالمعنى: أنهم خسروا لمصيرهم إلى النار، وقد دلَّ القرآن على الذي خسروه، وهو أنفسهم وأهلوهم؛ قال تعالى:{قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15]، فهذا هو الخسران المذكور في هذه الآية، والله أعلم.
* * *
(1)
نسبه ابن الجوزي في «زاد المسير» (1/ 48) لابن عباس ومقاتل، واختاره الطبري في تفسيره (1/ 436 - 437) بعد أن ساق الأقوال، ولم ينسبها.
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 435 - 457)، و «المحرر الوجيز» (1/ 158 - 159)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 210).
وقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)} [البقرة: 28]:
هذا توبيخٌ من الله للكافرين بالله واليوم الآخر وتعجُّبٌ من حالهم، وهم يعلمون أحوالَ الموت والحياة، وقد كانوا أمواتًا في الأصلاب والأرحام فأحياهم الله هذه الحياة الدنيا ثم يميتهم فيفارقون الدنيا، ثم يُحيهم يوم القيامة فيَبعثهم من القبور ثم يرجعون إلى الله ليجزيهم بأعمالهم، فهم يعلمون الموتتين والحياة الأولى ويُنكرون الحياة الأخرى فكفروا بذلك بربهم.
{كَيْفَ تَكْفُرونَ} يا أهلَ مكة {باللهِ و} قد {كُنْتُمْ أَمْوَاتًا} نُطَفًا فِي الأصلَاب {فَأَحْيَاكُمْ} في الأرحامِ والدنيا بنفخِ الروح فيكم. والاستفهامُ للتعجيبِ مِنْ كُفْرهمْ مع قيام البرهان، أو لِلتَّوْبِيخِ {ثُمَّ يُمِيتكُمْ} عِنْد انتهاءِ آجالِكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بالبعثِ {ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تُرَدُّونَ بعد البعث فيُجازيكم بأعمالِكم.
وقولُ المؤلِّف: (يا أهلَ مكة): يريد أنَّ الخطابَ في الآية للكفار بمكة، وهذا التخصيص غير صحيح؛ لأنَّ ذلك خلافُ ظاهر الآية، بل الخطاب للكفار والمنافقين الذين تقدم ذِكْرُهم في أول السورة، وذُكِروا فيما بعد، وأيضًا فالسورة مدنية فالمخاطَبُ بها الكفار من أهل الكتاب والمنافقين.
وقوله تعالى: {وكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} : زاد المؤلِّف «قد» الدالَّة على التحقيق، والواو للحال.
وقولُه: (نُطَفًا فِي الْأَصْلَاب): تفسيرٌ لقوله: {أمواتًا}
(1)
، وهي الموتة التي لم يتقدمْها حياةٌ، وهي الموتة الأولى في قوله - تعالى - عن الكفار:{أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11]، والموتة الثانية: هي موتُهم بعد إحيائهم في الدنيا، والإحياءةُ الثانية حين يُنفخ في الصور ويُبعثون من القبور، وهي المذكورة في قوله:{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28].
وقولُه: (في الأرحامِ والدنيا بنفخِ الروحِ فيكم): هذه الحياة الأولى، ومبدؤُها نفخُ الروح في الجنين، وتشمل هذه الحياة أطوارَ الإنسان جنينًا وطفلًا وما بعد ذلك من أطوار الإنسان في هذه الدنيا.
وقولُه: (والاستفهامُ للتعجيبِ
…
) إلى آخره: يريد أنَّ الاستفهامَ في قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} المقصود منه: التعجُّب مِنْ كفرهم، أو التوبيخ على كفرهم
(2)
مع ما يعلمونه ويشاهدونه مِنْ خلق الله لهم، ونقلهم من طور إلى طور بالإحياء والإماتةِ، وذلك برهانٌ على كمال قدرته وحكمته، فمنه المبدأُ وإليه المعاد - وهو الرجوع إليه بعد البعث - للجزاء على الأعمال، ولهذا قال سبحانه:{ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .
* * *
(1)
جاء هذا التفسير عن ابن عباس في رواية عطاء عنه، وقتادة، وهناك أقوال أخرى. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 446)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 73، رقم 302)، و «زاد المسير» (1/ 49).
(2)
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 107)، و «الإيضاح» لابن الأنباري (1/ 510 - 511)، و «الكشاف» (1/ 248).
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)} [البقرة: 29]:
يخبر - تعالى - في هذه الآية ممتنًا على عباده بأنه خلق لهم جميع ما في الأرض من أسباب المنافع من أنواع النبات والحيوان والمعادن، ثم صعد إلى السماء فخلق السمواتِ وجعلهُنَّ سبعًا، ثم أخبر أنه بكلِّ شيء عليمٌ، فدلَّت الآيةُ على كمال رحمته وكمال قدرته وإحاطة علمه، وذلك يقتضي أنه الإلهُ الحقُّ، لا يستحقُّ العبادةَ سواهُ، وفي ضمن ذلك تقريعٌ للذين كفروا به فأشركوا به وجحدوا ما أخبرَ به من البعث والجزاء، وبهذا يظهر اتصالُ هذه الآية بالتي قبلها، فالمخاطبون بقوله:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ} هم الذين قيل لهم: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} .
وقال دليلًا على البعثِ لَمَّا أنكروه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ} أي: الأرضِ وما فيها {جَمِيعًا} لِتَنتفِعُوا به وتَعتبرُوا {ثُمَّ اسْتَوَى} بعد خلقِ الأرضِ أي: قصدَ {إلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ} الضميرُ يرجعُ إلى السماء؛ لأنها في معنى الجملةِ الآيلةِ إليه، أي: صيَّرَها كما في آية أخرى: {فَقَضَاهُنَّ} [فصلت: 12]{سَبْعَ سَمَاوَات وَهْوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم} مُجملًا ومُفصَّلًا، أفلا تَعتبرون أنَّ القادرَ على خلقِ ذلك ابتداءً - وهو أعظم منكم - قادرٌ على إعادتِكم؟
وقولُ المؤلِّف: (أي: الأرضِ وما فيها): يريد أنَّ قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ} يتضمَّن خلقَ الأرض وما فيها؛ لقوله تعالى بعد ذلك: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} كما فصل ذلك في سورة فصلت.
وقولُه: (لِتَنتفِعُوا به وتَعتبرُوا): يشير إلى ما تدلُّ عليه اللام في قوله: {لَكُمْ} من الامتنان بما خلقَه الله في الأرض من النعم لمصلحة العباد.
وقولُه: (بعد خلقِ الأرضِ أي: قصدَ): هذا بيانٌ لمعنى قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ، وأنَّ ذلك بعد خلق الأرض كما تدلُّ عليه الآيات في سورة فصلت، وفسَّر المؤلِّف:{اسْتَوَىْ} بقَصَدَ، وهو معنى قول بعضهم: عمدَ، وهو معنى صحيح
(1)
، والأَولى: تفسيرُه بصعد
(2)
؛ لأنَّ كلًّا منهما يتعدى بـ «إلى» .
وقولُه: (الضميرُ يرجعُ إلى السماء): يريد ضمير جمع المؤنث «هُنَّ» ، يقول: يرجع إلى السماء، وهو مفرد، فعَوْدُ الضمير إليها بلفظ الجمع باعتبار ما هي صائرةٌ إليه، وهو كونها سبعَ سموات، وأصل معنى السماء: العُلُو من سماء يسمو
(3)
، وكانت السماء دخانًا كما في آية فصلت:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهْيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11]، قال المفسِرون: وهذا الدخان هو بخارُ الماء الذي عليه العرش
(4)
، فسوَّى الله من هذه السماء سبعَ سماوات، كما قال في سورة
(1)
قاله: الفراء وابن كيسان وابن قتيبة، واختاره: ابن كثير والسعدي. ينظر: «معاني القرآن» للفراء (1/ 25)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 107)، و «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 45)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 213)، و «تفسير السعدي» (1/ 52 - 53).
وتفسير الاستواء هنا بالقصد ليس من التحريف المذموم؛ فإن {اسْتَوَى} ترد في القرآن على ثلاثة معاني: فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها: الكمال والتمام، كما في قوله عن موسى:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} ، وتارة تكون بمعنى «علا وارتفع» ، وذلك إذا عديت بـ «على» كما في قوله تعالى:{ثم استوى على العرش} ، {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} ، وتارة تكون بمعنى «قصد» ، كما إذا عديت بـ «إلى» كما في هذه الآية، أي: لما خلق تعالى الأرض، قصد إلى خلق السماوات. ينظر:«تفسير السعدي» (1/ 52 - 53)، (1/ 22 - 23).
(2)
قال البغوي: قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: «أي: ارتفع إلى السماء» ، واختاره الطبري. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 456)(1/ 457)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 75 رقم 308)، و «تفسير البغوي» (1/ 78).
(3)
تقدَّم (ص 59).
(4)
روي بنحوه عن وهب بن منبه. ينظر: «تفسير الطبري» (12/ 334)، و «زاد المسير» (4/ 47).
فصلت: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 12].
وقولُه: (مُجملًا ومُفصَّلًا): يريد أنَّ الله يعلم كلَّ الأشياء جملةً، ويعلم كلَّ واحدٍ منها بمفرده، ويعلم الكليات والجزئيات.
وقولُه: (أَفَلَا تَعْتَبِرُونَ
…
) إلى آخره: يشير إلى أنَّ ذِكر خلق السموات والأرض وعلمه بكلِّ شيءٍ سِيقَ للدلالة به على قدرته - تعالى - على البعث، وهذا في القرآن كثيرٌ؛ كقوله تعالى:{لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57].
* * *
وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} [البقرة: 30]:
يذكر تعالى بقوله حين قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} أي: سأجعل فيها مَنْ يخلف مَنْ سبقَه مِنْ المخلوقات وهو آدمُ وذريته، وهم أممٌ يخلف بعضهم بعضًا، كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} [فاطر: 39]، وقد أطلعَ - سبحانه - الملائكةَ على ما يحصل من بني آدم من الإفساد في الأرض وسفكِ الدماء، لذلك قالوا متعجّبين مِنْ خلق مَنْ هذه صفته من الإفساد وسفك الدماء وجعلِهم خلفاءَ في الأرض، هذا وهم - أي: الملائكةُ - قائمونَ بما يليق بالله من حقِّه عليهم تسبيحًا وتحميدًا وتقديسًا، وإنما صدر هذا التعجُّبُ من الملائكة؛ لعدم علمهم بحكمته - تعالى - في خلقه وتدبيره، ولذلك جاء الرد قال:{إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} .
{و} اذكرْ يا محمد {إذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} يَخْلُفُنِي في تنفيذِ أحكامي فيها، وهو آدم {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا} بالمعاصي {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} يُرِيقهَا بالقتل كما فعلَ بنو الجانِّ، وكانوا فيها فلمَّا أفسدوا أرسلَ اللهُ عليهم الملائكة فطردوهُم إلى الجزائرِ والجبالِ {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ} مُتَلَبِّسِينَ
(1)
{بِحَمْدِكَ} أي: نقولُ: سبحان الله وبحمده {وَنُقَدِّسُ لَك} نُنَزِّهكَ عما لا يليقُ بكَ، فاللام زائدةٌ، والجملة حالٌ، أي: فنحن أحقُّ بالاستخلافِ {قَالَ} تَعَالَى {إنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} مِنْ المصلحة في استخلافِ آدم وأنَّ ذريتَه فيهم المطيعُ
(1)
في النسخة المحققة (ص 16): (مُلتَبسين)، وأشار المحقق لنسخة (مُتَلَبِّسِينَ) كما أثبتناه، وهو ما رجحه شيخنا.
والعاصي فيظهرُ العدلُ بينهم، فقالوا: لن يخلقَ ربُّنا خلقًا أكرمَ عليه مِنَّا ولا أعلمَ لِسَبْقِنَا له ورؤيتِنا ما لم يره، فخلقَ الله - تعالى - آدمَ مِنْ أديمِ الأرض أي: وجهها، بأن قبضَ منها قبضةً من جميع ألوانِها وعُجنتْ بالمياه المختلفة وسوَّاه ونفخَ فيه الروحَ فصار حيوانًا حساسًّا بعد أن كان جمادًا.
وقولُ المؤلِّف: (اذكرْ يا محمد): يريد أنَّ الظرف «إذ» متعلِّقٌ بمحذوف تقديره: اذكر؛ فالمعنى: اذكر أيها النبي، حين قال الله للملائكة.
وقولُه: (يَخلُفُني في تنفيذ أحكامي فيها وهو آدم): ما ذكره المؤلِّف في تفسير الخليفة، وهو أنَّ الخليفة آدم، وأنه خليفةٌ عن الله في تنفيذ أحكامه، هذا أحدُ الأقوال في معنى الخليفة
(1)
، واستشهد لهذا القول بقوله تعالى:{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص: 26]، قيل: ويؤيد هذا التفسير أنَّ الخبرَ عن الخليفة ذُكِرَ توطئةً لقصة آدم، ويُشكِلُ على هذا قول الملائكة:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ؛ لأنَّ آدم لا يكون منه ذلك، وأيضًا الخليفة إنما يكون لِمن يغيب أو يموت، فالله لا يجوز أن يكون له خليفةٌ لهذا المعنى، بل هو - تعالى - يكون خليفةً لمن شاء عند غيبتِه أو بعد موته كما جاء في دعاء السفر:((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل))
(2)
، وكما قال صلى الله عليه وسلم في حديث الدجال:((إنْ يخرجْ وأنا فيكم فأنا حَجِيْجُهُ دونَكم، وإن يخرجْ ولستُ فيكم فامرئٍ حجيجُ نفسِه، واللهُ خَليفتي على كلِّ مسلمٍ))
(3)
.
(1)
وهو قول ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 479)، و «زاد المسير» (1/ 50).
(2)
أخرجه مسلم (1342) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه مسلم (2937) عن النواس بن سمعان رضي الله عنه.
وبهذا يُعلم أنَّ الصواب أنَّ المراد بالخليفة آدم وذريتُه؛ فإنَّ الله جعلهم خلائفَ في الأرض؛ أي: يخلُف بعضُهم بعضًا، وآدمُ عليه السلام خليفةٌ عمَّن سكن الأرض قبلَه من الجن أو الملائكة على قول جمهور المفسرين
(1)
، وعليه: فخليفة فعليةٌ بمعنى: فاعل، ويصح أن يكون بمعنى مفعول؛ أي: مُستخلَف، فاللهُ استخلف آدم عمَّن قبلَه واستخلف ذريتَه بعضَهم عن بعض وجعلهم خلائفَ في الأرض، وشواهد هذا المعنى في القرآن كثيرٌ.
وقولُه: (بالمعاصي)، وقولُه: (يُرِيقهَا بِالْقَتْلِ
…
) إلى آخره: تضمَّن كلامُ المؤلِّف أنَّ الإفساد في الأرض بفعل المعاصي؛ وهي جميع ما حرَّمه الله، وأنَّ سفكَ الدماء يكون بالقتل، وهو من الإفساد في الأرض، فَعَطْفُه على الإفساد مِنْ عطف الخاص على العام، وتضمَّن كلام المؤلِّف الإشارة إلى سبب قول الملائكة:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ، وهو أنهم قاسوا آدمَ وذريته على سكان الأرض قبل آدم، وقد قيل: أنهم الجن كما أشار المؤلِّف
(2)
.
وقولُه: (مُتَلَبِّسِينَ): يريد أنَّ المعنى أننا نسبِّحكَ مُتَلَبِّسِين بحمدك، فالباء للملابسة، فيصير المعنى: نقول: سبحان الله وبحمده أو سبحان الله والحمد
(1)
حكي هذا القول عن الحسن البصري، واختاره ابن كثير. ينظر: المصادر السابقة، و «تفسير ابن كثير» (1/ 216). وفي «مفتاح دار السعادة» (1/ 427 - 432) تفصيل في قول:«فلانٌ خليفةُ الله في أرضه» ، خلاصته:«إن أريد بالإضافة إلى الله أنه خليفةٌ عنه، فالصوابُ قولُ الطائفة المانعة منها، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممَّن كان قبله، فهذا لا يمتنعُ فيه الإضافة، وحقيقتُها: خليفةُ الله الذي جعله اللهُ خَلَفًا عن غيره. وبهذا يخرَّجُ الجوابُ عن قول أمير المؤمنين -يقصد علي بن أبي طالب-: «أولئك خلفاءُ الله في أرضه» .
ولشيخنا مقال منشور في موقعه الرسمي بعنوان: هل يُقال: خليفة الله؟!
وينظر أيضًا: «مجموع الفتاوى» (35/ 42 - 46).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 482) وما بعدها، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 77، رقم 321 - 323).
لله، والتسبيحُ: هو التنزيه عن النقائص والعيوب
(1)
، والحمدُ: هو الثناء بصفات الكمال
(2)
.
وقولُه: (نُنَزِّهكَ عما لا يليقُ بكَ
…
) إلى آخره: فسَّر التقديسَ بالتنزيه، وهذا معنى مَنْ فسَّره بالتطهير، فيصير معنى نقدِّسُكَ هو معنى نسبِّحُك، وقد ذُكر التسبيح قبل فلا بدَّ من الفرق إذن بين التسبيح والتقديس، وقد ذُكِرا معًا، والأَولى تفسير التقديس بالتنزيه والتعظيم
(3)
؛ ليظهرَ وجهُ الجمع بينهما.
وقولُه: (اللام زائدةٌ): يريد اللام الداخلةَ على ضمير المخاطَب، وهو:«الكاف» في قوله: {نُقَدِّسُ لكَ} .
وقولُه: (والجملة حالٌ): يريد أنَّ الجملةَ الاسمية التي بعد الواو حال.
وقولُه: (مِنْ المصلحة في استخلافِ آدمَ
…
) إلى آخره: في هذا ردٌّ على الملائكة في تفضيلِهم أنفسَهم على الخليفة الذي يكون من ذريته مَنْ يُفسد ويَسفك الدماء، وذلك لقولهم:{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} ، وأنهم لذلك أولى بالاستخلاف، ومما يعلمه - تعالى - مِنْ أمر الخليفة ما يكون من ذريته من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وما يكون من الابتلاء الذي يحصل به من الأعمال التي هي أحبُّ إلى الله من أعمالِ الملائكة؛ كالتوبة من الذنوب، والجهاد في سبيل الله، وبذلِ الأنفس والأموال في ذلك مما جعل الله ثمنَهُ الجنة:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} الآية [التوبة: 111]، فخلقَ اللهُ آدمَ ليجعلَه الخليفة في الأرض للحِكَمِ التي يعلمها، ثم أظهر - سبحانه - فضلَ آدم على الملائكة بالعلم كما في الآيات التي بعد هذه الآية.
(1)
ينظر: «لسان العرب» (2/ 471).
(2)
ينظر: «بدائع الفوائد» (2/ 436)، و «الوابل الصيب» (ص 219).
(3)
جاء عن أبي صالح: {وَنُقَدِّسُ لكَ} : نعظمك ونمجدك، وعن مجاهد نحوه. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 505 - 506).
وقولُه: (فَقَالُوا: لن يخلقَ ربُّنا خلقًا أكرمَ عليه مِنَّا ولا أعلمَ): نسبةُ هذا القول إلى الملائكة لا يجوز الجزمُ به - لأنه مِنْ الغيب - إلَّا بنقلٍ صحيح
(1)
.
وقولُه: (فخلقَ الله - تعالى - آدمَ مِنْ أديمِ الأرض
…
) إلى آخره: ما دلَّ عليه من أنَّ آدم خُلِقَ من تراب من طين فهو معلوم بالضرورة من دَلالة القرآن، وأمَّا سائر ما تضمَّنه الكلام من التفصيل فقد جاءت فيه آثارٌ كثيرة رواها ابن جرير وغيره
(2)
، ثم إنَّ قول المؤلِّف:(فخلقَ اللهُ آدم) يقتضي أنَّ قوله تعالى: {إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} كان قبل خلقِ آدم، وظاهرُ سياق القرآن أنه بعدَه، وخلقُ آدمَ تعقبُه وجودُ الملائكة له بأمرِ الله تعالى، ثم إنه - تعالى - أظهر فضلَ آدم عليهم بتعليمه أسماءَ كلِّ شيء، وعجز الملائكة عن معرفتها حتى أنبئَهم آدم بها بأمر الله - تعالى - كما في الآيات التالية، وعلى هذا فقوله:{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} متقدِّمٌ على قوله: {إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} .
* * *
(1)
لم يصح في ذلك خبر مرفوع، وقد روي بنحوه عن الربيع بن أنس، وعن أبي العالية. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 533)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 83، رقم 356).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 482 - 488).
يخبر - تعالى - في هذه الآيات أنه علَّم آدمَ الأسماء كلها، وهي: أسماء أجناس الأشياء
(1)
، ثم إنه - تعالى - عرض هذه المسمَّيات على الملائكة، قال:{أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} ، فاعتذروا وقالوا:{سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} ، ثم إنه - تعالى - أمر آدم أن يُعْلِمَ الملائكةَ بأسماء هذه الأشياء، فلما أخبرهم آدم بها ظهر فضلُه بذلك عليهم، وقال الله للملائكة:{أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ .. } أي: في السموات والأرض {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)} فلما علّمَه - سبحانه - وخفي على الملائكة الحِكمُ والمصالحُ المترتبة على استخلافِ آدم وذريته بالأرض؛ أقرَّ الملائكةُ بالعجز وفوَّضُوا العلم إلى الله - تعالى - وآمنوا بكمال علم الله وحكمته لقولهم: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} .
{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ} أي: أسماءَ المُسمَّيات {كُلَّهَا} حتى القصعة والقُصَيعة، والفَسوة والفسيّة، بأنْ ألقى في قلبِه عِلْمَها {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} أي: المسمَّيَات، وفيهِ تغليبُ العقلاء {عَلَى الْمَلَائِكَة فَقَالَ} لهم تبكيتًا:{أَنْبِئُونِي} أخبروني {بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} المسمَّيات {إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في أني لا أخلقُ أعلمَ منكم أو أنكم أحقُّ بالخلافةِ،
(1)
وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وجماعة من السلف. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 514 - 517)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 80، رقم 336 - 338).
وجوابُ الشرط دلَّ عليه ما قبلَهُ {قَالُوا سُبْحَانك} تنزيهًا لكَ عن الاعتراضِ عليكَ {لَا عِلْم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا} إيَّاه {إنَّكَ أَنْتَ} تأكيدٌ للكافِ {الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} الذي لا يخرجُ شيء عن علمِه وحكمتِه. {قَالَ} تعالى {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ} أيْ: الملائكة {بِأَسْمَائِهِمْ} المُسمَّيات فسمَّى كلَّ شيءٍ باسمِه، وذكرَ حِكمتَه التي خُلِقَ لها {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ} تعالى لهم موبِّخًا {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّيَ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ما غابَ فيهما {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} ما تُظهرون من قولكم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا
…
} إلخ {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} تُسِرُّون من قولِكم: «لن يخلقَ ربنا أكرمَ عليه مِنَّا ولا أعلمَ» ؟
وقولُ المؤلِّف: (أي: أسماءَ المُسمَّيات): أي الألفاظ الدالَّة على معانيها، وهي: أجناس الأشياء، والاسم هو: اللفظُ الدالُّ، والمسمَّى هو: المعنى المدلول عليه باللفظ.
وقولُه: (بأنْ ألقى في قلبه عِلمَها): هذا بيانٌ لكيفية تعليم الله آدم الأسماء، والقرآن دلَّ على التعليم، ولم يدلَّ على الكيفية فالواجبُ الوقوف عند ما ورد به النص، والله أعلم.
وقولُه: (أي: المسمَّيَات) يريد؛ أن الضمير في قوله: {عَرَضَهُمْ} يعود إلى المسمَّيات المفهومة من ذكر الأسماء.
وقولُه: (وفيهِ تغليبُ العقلاء): وجهُ ذلك: أن المسمَّيات عامةً للعقلاء وغيرهم، وضمير الجمع الذي بالهاء والميم مختصٌّ بالعقلاء لذلك كان في عَوده إلى المسميات تغليبٌ للعقلاء.
وقولُه: (تبكيتًا): أي قال لهم {أَنْبِئُونِي} على وجهِ التبكيت
(1)
لهم على تفضُّلِهم على آدم، وأنهم أولى بالاستخلاف منه، فامتحنَهم الله بعرضِ المسمَّيات عليهم واستخبارِهم عن أسمائها؛ ليظهرَ عجزَهم وفضلَ آدم عليهم.
وقولُه: (الْمُسَمَّيات): يريد أنَّ هؤلاء اسم إشارة إلى المسمَّيات المعروضة على الملائكة. وقولُه: (في أني لا أخلقُ أعلمَ منكم أو أنكم أحقُّ بالخلافةِ): يبيِّن المؤلِّف بما ذكر دعوى الملائكة التي طُولب بالبرهان على صدقِهم فيها، وهو علمُ الأسماء، ودعواهم تلك يدلُّ عليها قولهم:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} . وقولُه: (وجوابُ الشرط دلَّ عليه ما قبلَهُ): الشرطُ قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ} ، وجوابه محذوف دلَّ عليه قوله تعالى:{أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} .
وقولُه: (تنزيهًا لكَ): هذا تفسير لقوله: {سُبْحَانَكَ} إذ معنى التسبيح: التنزيه، و «سبحان» مصدرٌ بمعنى التنزيه لا يتصرف؛ لأنه ملازمٌ للنصب.
وقولُه: (عن الاعتراضِ عليك): تنبيهٌ إلى أنَّ قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} لم يكن على وجهِ الاعتراض، بل هو السؤالُ عن الحكمة.
وقولُه: (تأكيدٌ للكافِ): يريد بذلك الضميرَ المنفصل {أَنْتَ} ، ذُكِرَ تأكيدًا للضمير المتصل الواقع اسم إنَّ وهو: الكاف {إِنَّكَ} ، فكلٌّ من الضمير المتصل والمنفصل في محلِّ نصبٍ بـ «إنَّ». وقولُه:(الذي لا يخرجُ شيء عن علمِه وحكمتِه): يريد أنَّ علمَه محيطٌ بكل شيء، وأنَّ له حكمةٌ في كلِّ شيء.
وقولُه: (أي: الملائكةُ): يريد أنَّ الضمير بالهاء والميم في قوله: {أَنْبِئْهُمْ} يعود على الملائكة. وقولُه: (المسمَّيات): يريد أنَّ الضمير في قوله: {بِأَسْمَائِهِمْ} راجعٌ إلى المسمَّيات، فيكون التقدير: أَنْبِئهُم بأسماء المسمَّيات.
(1)
التبكيت: هو التقريع والتوبيخ. ينظر: «لسان العرب» (2/ 11).
وقولُه: (فسمَّى كلَّ شيءٍ باسمه): هذا هو الإنباء بأسماء المسمَّيات؛ المعنى: أنَّ آدم امتثل أمرَ ربِّه فسمَّى كلَّ شيءٍ باسمه الذي يُعرف به.
وقولُه: (وذكرَ حِكمتَه التي خُلِقَ لها): ليس في الآية ما يدل على هذا المعنى الذي ذكره المؤلِّف.
وقولُه: (مُوَبِّخًا): يريد أنَّ الاستفهام في قوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} الآية للتوبيخِ، وهو العَتَبُ واللَّومُ.
وقولُه: (ما غابَ فيهما): هذا تفسيرٌ لغيب السموات والأرض، والظاهر - والله أعلم - أنَّ قوله:{أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} إشارةٌ إلى قوله: {إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
وقولُه: (ما تُظهرون من قولكم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا}) إلَخْ: هذا بيانٌ للقول الذي أظهروه.
وقولُه: (تُسِرُّونَ): هذا تفسيرٌ لقوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} .
وقولُه: (لن يخلقَ ربُّنا أكرمَ عليه مِنَّا ولا أعلمَ): تقدَّم أنَّ إضافةَ هذا القول إلى الملائكة لا يجوز الجزمُ به إلا بحجَّةٍ من كتابٍ أو سنَّة.
* * *
وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)} [البقرة: 34]:
يذكِّرُ - تعالى - بقوله للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} ، والقول المشار إليه في الآية هو قولُه تعالى للملائكة:{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} كما في سورة الحِجر وص [الحجر: 29، ص: 72]، فالمعنى في الآية: اذكرْ حين قلنا للملائكة: {اسْجُدُوا} ، و «إذ» ظرفٌ في موضعِ المفعول به لـ «اذكرْ» المقدَّر. وقوله:{اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا} : أي سجد الملائكة كلُّهم أجمعون كما في سورة الحجر وص. وقوله: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)} : أي إنَّ إبليس لم يسجد لآدمَ، منعَه من السجود الاستكبارُ، فصار بذلك من الكافرين كما هو في علمِ الله، والصواب: أنَّ إبليسَ لم يكن من الملائكة بل مِنْ الجنِّ
(1)
؛ لقوله - تعالى - في الكهف: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50].
{وَ} اذكُرْ {إذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم} سجودَ تحيةٍ بالانحناء {فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيس} هو أبو الجنِّ، كان بين الملائكةِ {أَبَى} امتنعَ من السجود {وَاسْتَكْبَرَ} تكبَّرَ عنه وقال: أنا خيرٌ منه {وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} في علمِ الله.
(1)
وهذا قول الحسن والزهري وقتادة وابن زيد وجماعة، والذي حققه ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (4/ 346):«أن الشيطان كان من الملائكة باعتبار صورته، وليس منهم باعتبار أصله، ولا باعتبار مثاله» . ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 535 - 543)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (7/ 2366)، و «آكام المرجان في أحكام الجان» للشبلي (ص 209 - 212).
وقولُ المؤلِّف: (اذكُرْ): تقديرٌ للعامل في الظرف «إذ» ، وعلى هذا فـ «إذ» مبنيٌ على السكون في محلِّ نصبِ مفعولٍ به لـ «اذكر» .
وقولُه: (سجودَ تحيةٍ بالانحناء): أمَّا قولُه: (سجودَ تحية): طاعةً لله لا سجودَ عبادة
(1)
، فحقٌّ، وأما قولُه:(بالانحناءِ): فمعناه أنَّ سجودَ الملائكة ليس على جباههم بل هو ركوعٌ، وهذا محتملٌ، فقد يُطلَق السجودُ على الركوع؛ كما قال - تعالى - لبني إسرائيل:{ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [النساء: 154]، ولكن لا نجزم بأنَّ سجودَ الملائكة لآدم كان ركوعًا، فالله أعلم
(2)
.
وقولُه: (هو أبو الجنِّ): هذا صحيح
(3)
، يدلُّ له قوله تعالى:{إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} الآية [الكهف: 50].
وقولُه: (كان بين الملائكةِ): يريد أنَّ إبليس كان مع الملائكة حين أُمروا بالسجود لآدم فدخل في الأمر تبعًا.
وقولُه: (امتنعَ من السجود): هذا تفسير لقوله تعالى: {أَبَى} .
وقولُه: (تكبَّرَ عنه): يريد أنَّ الحاملَ له على تركِ السجود الاستكبار.
وقولُه: (وقال: أنا خيرٌ منه): لم يُذكر معنى هذا القول في هذه السورة، ولكنه ذُكِرَ في الأعراف والحِجر والإسراء وص.
وقولُه: (فِي علمِ الله): يريد أنَّ قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ
(1)
وهو قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وقتادة. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 546)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 232).
(2)
ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 177 - 178)، و «تفسير القرطبي» (1/ 293)، و «التحرير والتنوير» (1/ 421 - 422).
(3)
روي ذلك عن ابن زيد والزهري. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 541)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (7/ 2366، رقم 12846).
الْكَافِرِينَ} بمعنى: أنَّ الله عَلِمَ بعلمِه القديم أنَّ إبليس سيكفر، وليس معنى:{وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} أنْ قد كفر قبلَ أن يؤمَرَ بالسجود ويعصي، بل قبل أمرِه بالسجود ومعصيتِه كان مؤمنًا
(1)
.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 546)، و «المحرر الوجيز» (1/ 180)، و «زاد المسير» (1/ 54).
يخبرُ - تعالى - في هذه الآية عن إسكانِه لآدم وزوجِه الجنة والإذنِ لهما بالأكل من الجنة حيث شاءا، ونهيهِ لهما عن الأكل مِنْ شجرة، إمَّا شجرةٍ معينةٍ أو جنس شجرة من أشجار الجنة، وأنَّ ذلك كلّه كان بقولٍ قالَه لآدمَ وزوجه.
وقوله: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} : أي بالأكل منها.
وقوله: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)} : أي تصيران بسبب أكلِكُما من الشجرة من الظالمين، والفاء سببيةٌ، ثم أخبر - سبحانه - بأنَّ الشيطان قد أزلَّ آدم وزوجَه، أي: أوقعَهُما في الزَّلل؛ وهي المعصية، وذلك بالأكل من الشجرة، أزلَّهما بسبب أنَّ الله أسكنَهُما الجنة حسدًا منه لهما، وهذا معنى {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} ، وقُرئ:{فَأَزَالَهُمَا}
(1)
وضعَّف ابن جرير هذه القراءة
(2)
، وقال: أنها لا تناسبُ مع قوله تعالى: {فَأَخْرَجَهُمَا} ؛ لأن معنى: «أَزَالَهُمَا» أخرجهما فيلزم من ذلك التَّكرار.
وقوله: {فَأَخْرَجَهُمَا} : أي أخرجَ الشيطانُ آدمَ وزوجَه مما كانا فيه من النعيم في الجنة بسبب ما زيَّنه لهما من المعصية التي نُهيا عن قربانها، ثم أخبر - تعالى - أنه قال لآدم وزوجه وإبليس:{اهْبِطُوا .. } ؛ أي: من الجنة، وهي في السماء إلى الأرض، و {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} ، وقيل لهم:{وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} أي: مكان تستقرُّون فيه ومتاعٌ تتمتعون به إلى وقتِ الأجل المقدَّر، ثم أخبر - تعالى - أنَّ آدم - أي: وزوجَه - تلقّيا من ربهما كلماتٍ علَّمهم اللهُ إياها يُعبِّران بها عن
(1)
قرأ حمزة وحده: {فَأزالهُما} بألف مع التخفيف. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 154)، والنشر (2/ 212).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 560).
توبتِهما واعترافِهما بذنبهما، وهذه الكلمات هي المذكورة في سورة الأعراف:{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} [الأعراف: 23]، فتاب الله عليهما وغفرَ ذنبَهما بأنه - سبحانه - توَّابٌ أي: كثيرُ التوبة على عبادِه رحيمٌ بهم.
{وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ} تأكيدٌ للضمير المستترِ ليَعطفَ عليه {وَزَوْجُكَ} حواء بالمدِّ، وكان خَلْقُها مِنْ ضلعِهِ الأيسرِ {الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا} أَكْلًا {رَغَدًا} واسعًا لا حَجْرَ فيه {حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} بالأكلِ منها، وهي الحِنطة أو الكَرْم أو غيرهما {فَتَكُونَا} فتصيرا {مِنَ الظَّالِمِينَ} العاصينَ {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ} إبليسُ أذهبَهما، وفي قراءة:{فَأَزَالَهُمَا} نحَّاهما {عَنْهَا} أي: الجنة بأنْ قالَ لهما: هَلْ أدلُّكما عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ؟ وَقَاسَمَهُمَا بالله إنه لهما لِمَنْ النَّاصِحين فأكَلَا منها {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} مِنْ النعيم {وَقُلْنَا اهْبِطُوا} إلى الأرضِ أي: أنتما بما اشتملْتُما عليه مِنْ ذريتكما {بَعْضُكُمْ} بعضُ الذرية {لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} مِنْ ظلمِ بعضكم بعضًا {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} موضع قرار {وَمَتَاعٌ} ما تتمتعون به من نباتها {إِلَى حِينٍ} وقت انقضاء آجالكم {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبّه كَلِمَاتٍ} ألهمَهُ إيَّاها، وفي قراءة: بنصب آدم ورفعِ كلماتٌ، أي: جاءَهُ؛ وهي: {رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا} الآية، فدعا بها {فَتَابَ عَلَيْهِ} قَبِل توبتَه {إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ} على عباده {الرَّحِيمُ} بهم.
وقولُ المؤلِّف: (تأكيدٌ للضمير المستترِ ليعطفَ عليه): يريد أنَّ الضمير المنفصل وهو «أنت» جاء في الجملة تأكيدًا للضمير المستتر الواقع فاعلًا لفعل الأمر «اُسكن» .
وقولُه: (ليَعطفَ عليه): أي ليعطفَ على الضمير المستترِ، فإنه ضميرُ رفعٍ متصلٍ، ولا يجوز العطفُ على ضمير الرفع المتصل إلَّا أن يفصلَ بينهما بفاصلٍ كضمير الفصل، وهو في هذه الجملة «أنت» ، وزوج معطوف على الضمير المستتر.
وقولُه: (حواء
…
) إلى آخره: هذا اسمُ زوجِ آدم، وهو المعروف، وجاء تسميتها في الصحيح:((لولا حواءُ لمْ تَخُنْ أُنْثَى زوجَها))
(1)
، وليستِ الخيانة بفعل الفاحشة
(2)
، ولهذا يقال للنساء: بنات حواء.
وقولُه: (وكان خَلْقُها مِنْ ضلعِهِ الأيسرِ): أي مِنْ ضلعِ آدم من جنبِه الأيسر، أمَّا خلقُها من آدم فهو نصُّ القرآن؛ قال تعالى:{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]، وأمَّا خلقُها من الضِّلع فجاء في السنَّة
(3)
.
وقولُه: (أَكْلًا): قدَّرَ المصدر؛ ليُبيِّنَ أنَّ {رَغَدًا} صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره: أَكْلًا رغدًا، والأولى تقديره رزقًا
(4)
.
وقولُه: (واسعًا لا حَجْرَ فيه): معناه أنَّ الرزق الذي أُذِنَ لهما بأكله من الجنة واسعٌ لا حجرَ فيه ولا حرجَ، فلهما أن يأكلا من جميع أشجارِ الجنة إلَّا التي نُهيا عنها، ولذا قيل في معنى:{رَغَدًا} : واسعًا هنيئًا
(5)
، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:{حَيْثُ شِئْتُمَا} أي: في أيِّ مكان من الجنة.
(1)
رواه البخاري (3330)، ومسلم (1470) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
قال الحافظ في «الفتح» (6/ 368): «وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش، حاشا وكلا، ولكن لَمَّا مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة وحسَّنت ذلك لآدم؛ عُدَّ ذلك خيانة له» .
(3)
في قوله صلى الله عليه وسلم: ((استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء)). رواه البخاري (3331)، ومسلم (1468) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.
(4)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 551).
(5)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 46)، و «المفردات» للراغب (ص 353).
وقولُه: (بالأَكل منها): بيانٌ للمنهي عنها المتعلِّق بالشجرة يدلُّ لذلك قوله قبل ذلك: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا} ، فقوله:{وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} : كالاستثناءِ من الإباحةِ العامة المفهومةِ من قوله: {حَيْثُ شِئْتُمَا} .
وقولُه: (وهي الحِنطة أو الكَرْم أو غيرهما): لم يقل دليلًا على تعيينِ الشجرة المنهي عنها أو جنسِها فلا معنى للخوض في ذلك.
وقولُه: (فتَصيرَا): لأنَّ من معاني كانَ: صار، وذلك إذا وقعتْ بعد فاءِ السببية كما هنا. وقولُه:(العاصينَ): بيانٌ لنوع الظلم، وأنه مِنْ ظلم العبد نفسَه بالمعصية لا بالكفر.
وقولُه: (إبليسُ أذهبَهما): فسَّرَ الشيطانَ بإبليس الذي امتنعَ من السجود لآدم، وأَزَلَّهُمَا أذهبهما، فالمعنى: أذهبَهما إبليس عن الجنة فصار لعدوِّهما اسمانِ: إبليس والشيطان، وإبليسُ من الإبلاس، وهو: اليأسُ من رحمة الله
(1)
، والشيطان قيل: مِنْ شاط، وقيل: مِنْ شَطَنَ
(2)
.
وقولُه: (وفي قراءةِ: {فَأَزَالَهُمَا} نحَّاهما): قلتُ: القراءتان متقاربتان لفظًا ومعنى، على ما ذكره المؤلِّف في معنى «أَزَلَّهُمَا» قال: أذهبَهما، والصوابُ أنَّ معناهما مختلفٌ؛ «فأزَّلَهُمَا» مِنْ الزَّلل، و «أزالهما» من الإزالة.
وقولُه: (أي: الجنة
…
) إلى آخره: بيَّن مَرْجِعَ الضميرِ في قوله تعالى: {عَنْهَا} ، ثم ذكر المؤلِّف رحمه الله حيلةَ الشيطان في إخراج آدم وزوجِه من الجنة، وذلك مبيَّن في سورة الأعراف وطه، ففي الأعراف قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا
…
} [الأعراف: 20] إلى قوله: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22]، وفي سورة طه: قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا .. } الآية [طه: 121، 120].
(1)
ينظر: «لسان العرب» (6/ 29).
(2)
ينظر: «لسان العرب» (13/ 238).
وقولُه: (من النعيمِ): بيانٌ لما كان فيه من الحال الحسنة في الجنة، وقد بيَّن - سبحانه - ذلك في قوله:{إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى *} [طه: 118 - 119]، وقوله:{وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35].
وقولُه: (إلى الأرضِ
…
) إلى آخره: الهبوطُ ضدُّ الصعود، وكلاهما يتعدَّى بـ «إلى» ، وكان هبوطُ آدم وزوجِه من الجنة إلى الأرض، وجاء في هذه الآية أمرُهما بالهبوط بصيغة الجمع، وتأوَّلَه المؤلِّف: بأنه خطابٌ لآدم وزوجِه بلفظ الجمع؛ لاشتمالِهما على الذرية التي ستكون منهما، وهذا مِنْ أحسن التوجيه
(1)
، وقد قيل: بأنه خطابٌ لآدمَ وزوجِه وإبليس، وهذا أجود؛ لقوله:{بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} ، وإبليس: عدوٌّ لآدم وزوجه وذريتهما، وعليه فلا إشكالَ في جمع الضمير
(2)
.
وقولُه: (بعضُ الذرية): هذا التفسير يتضمَّن أنَّ العداوةَ المذكورة هي التي تكون بين بني آدم، وأظهرُها وأكثرُها العداوة بين المؤمنين والكفار، ومن أسباب العداوة ما سببُهُ الظلم بين الناس. وقولُه:(موضعُ قرار): يريد أنَّ {مُسْتَقَرٌّ} اسمُ مكانٍ من استقرَّ، والاستقرارُ في المكان هو: الثباتُ فيه
(3)
.
وقولُه: (ما تتمتعونَ به من نباتها): أصل المتاع اسمُ مصدر بمعنى التمتُّع، وهو الانتفاع بالشيء
(4)
، وقد يُعبَّر به عن المتمتَّعِ به، وقد مشى المؤلِّف على هذا فقال: المتاع: ما يُتَمتَّعُ به من نبات الأرض، والصحيح: أنه عامٌّ لكلِّ ما
(1)
واختاره الفراء في «معاني القرآن» (1/ 31)، والزمخشري في «الكشاف» (1/ 255).
(2)
قاله مقاتل، واختاره الأخفش في «معاني القرآن» (1/ 84)، والطبري في تفسيره (1/ 571).
(3)
ينظر: «المفردات» للراغب (662)، و «لسان العرب» (5/ 84).
(4)
ينظر: «لسان العرب» (8/ 329).
يُنتفع به مما خلقَه الله لعباده في الأرض؛ كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]
(1)
.
وقولُه: (وقتَ انقضاءِ آجالكم): من المعلوم بالحسِّ والشرع أن تمتُّعُ الإنسان بما في الأرض من متاعٍ غايتُه الأجل المقدر لحياته فينتهي المتاع بانتهاء الحياة.
وقولُه: (ألهمَهُ إياها
…
) إلى آخره: هذا تفسير لـ «تلقى» ؛ فمعنى {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} : ألهمَه الله كلمات، وعلى قراءة رفع {كَلِمَاتٌ} المعنى: فجاه من ربِّه كلماتٌ، وهذا الكلمات بينها - تعالى - في سورة الأعراف:{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وهذا استغفارٌ متضمِّنٌ للتوبة النَّصوح، فقَبِلَ اللهُ توبتهما؛ لأنه - تعالى - هو التوَّاب الذي يُوفِّقُ من شاء للتوبة، ويقبل التوبة ممن تاب إليه، وهو الرحيم بعباده، وتوبتُه على التائبين من رحمتِه بهم.
* * *
(1)
واختاره الماوردي في تفسيره (1/ 108)، والزمخشري في «الكشاف» (1/ 255)، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 187).
وقوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)} [البقرة: 38 - 39]:
يخبر - تعالى - أنه أمرَ آدمَ وزوجَه وإبليسَ بالهبوط إلى الأرض كما في الآية السابقة. وقوله: {جَمِيعًا} : تأكيدٌ لمعنى الواو في قوله: {اهْبِطُوا} ، وأعادَ الأمر بالهبوط - والله أعلم - بذكر ما يترتَّبُ عليه مما لم يُذكر في الأمرِ الأول، وذلك قوله:{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} وهو ما بعثَ به رُسُلَهُ، ثم ذكر حالَ الناس مع هذا الهدى وأنَّهم فريقان: متبعٌ له، ومُعرضٌ عنه، وحُكْمَ كلِّ فريق، وذلك قوله: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)
…
} الآيتين.
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا} مِنْ الجنة {جَمِيعًا} كرَّرَهُ ليَعْطِفَ عليه {فَإِمَّا} فيه إدغامُ نونِ «إنْ» الشرطية في «ما» المزيدة {يَأْتِيَنكُمْ مِنِّي هُدًى} كتابٌ ورسولٌ {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} فآمنَ بي وعملَ بطاعتي {فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} في الآخرة بأنْ يدخلوا الجنة {وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} كُتُبنَا {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ماكثونَ أَبدًا لَا يَفْنَونَ ولا يَخرجون.
وقولُ المؤلِّف: (مِنْ الجنةِ): الهبوطُ من الجنة يدلُّ على أنها في العُلو.
وقولُه: (كَرَّرَهُ): أي كرَّرَ الأمرَ بالهبوط، وقد جاء الأمرُ بالهبوط في هذه الآية، والآية السابقة؛ يقول المؤلِّف:(كَرَّرَهُ لِيَعْطِف عَلَيْهِ) وليس قولُه هذا بظاهرٍ؛ فإنه ليس في الآية عطفٌ، ولو قال: كرَّره ليذكر ما سيكونُ بعد الهبوط، وذلك في قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنكُمْ مِنِّي هُدًى
…
}، إلى قوله:{خَالِدُونَ} .
وقوله تعالى: {فَإِمَّا} يقول المؤلِّف: (فيهِ إدغامُ نونِ «إنْ» الشرطية في «ما» المزيدة): لذلك تُنطَقُ ميمًا مشدَّدة، والفاء للتفريع.
وقوله تعالى: {يأْتِيَنكُمْ} : فعلُ الشرط مبنيٌّ على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وهو في محلِّ جزم. وقوله تعالى:{هُدًى} دَلالةٌ وإرشادٌ بكتاب مُنزَّل، ونبيِّ مُرسَل، ولذا قال المؤلِّف:({هُدًى} كتابٌ ورسولٌ).
وقوله تعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} : الفاء واقعةٌ في جواب الشرط «إن» ، و «مَنْ» اسمُ شرط. وقوله تعالى:{تَبِعَ هُدَايَ} : قال المؤلِّف: (فآمن بي وعمل بطاعتي)، وهذا تفسيرٌ صحيحٌ، فاتباع الهدى يتحققُ بالإيمان بالله والعمل الصالح.
وقوله تعالى: {فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : الفاء واقعةٌ في جواب «مَنْ» الشرطية، ونفيُ الخوف والحزن عنهم يتضمَّنُ السعادةَ بالأمن والسرور، وذلك في الجنة، ولذلك قال المؤلِّف:(بأنْ يدخلوا الجنةَ).
وقوله تعالى: {وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا} : الموصول مبتدأ، وكفروا؛ أي: كفروا الله؛ أي: جحدوه.
وقوله تعالى: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} : قال المؤلِّف: ({بِآيَاتِنَا}: كُتبنا)، وهذا تفسيرٌ للآيات بالآيات الشرعية، ولكنَّ الآيةَ تعمُّ الآيات الشرعية والكونية كالمعجزات، فالكفار كذَّبوا بآيات لله كلها.
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ} : اسم الإشارة عائدٌ إلى الذين كفروا وكذَّبوا.
وقوله تعالى: {أَصْحَابُ النَّارِ} : أي هم أهلُ النار.
وقوله تعالى: {هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ} : قال المؤلِّف: ({خَالِدُونَ}: مَاكثونَ أَبَدًا لَا يَفْنَوْنَ وَلَا يَخْرُجُونَ). كما قال تعالى: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} [فاطر: 36]، وقال تعالى:{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167].
* * *
هذا خطابٌ من الله خاصٌ ببني إسرائيل بعد الخطاب العام لجميع الناس في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
…
} إلى آخر قصة آدم وإبليس. وإسرائيلُ: هو نبيُّ الله يعقوب بن إسحاق عليهما السلام، وفي ذِكْر نَسبِهم إلى إسرائيلَ تنويهٌ بفضله وتحريضٌ لبَنِيه على الاستجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كما يقال: يا بني العبد الصالح، اقتدوا بأبيكم، واستقيموا
(1)
.
والمقصودون بهذا الخطاب أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى فإنهم بنو إسرائيل، واليهودُ أخصُّ بذلك؛ لأنهم الموجودون حولَ المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود: تذكيرُهم بأسلافهم، وما جرى لهم أو عليهم من النِّعم والابتلاءات، وما جرى منهم من المخالفات في عهد موسى رسول الله إليهم وبعده، وامتنانٌ على المخاطَبين، ودعوةٌ لهم إلى شكر لله والإيمانِ بهذا الرسول، وتحذيرٌ لهم من الإصرار على التكبُّر والعصيان.
ثم أمر اللهُ بني إسرائيل أن يؤمنوا بما أنزلَ اللهُ على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وهو القرآنُ، وهو مُصدِّقٌ لِمَا معهم من التوراة والإنجيل؛ أي: شاهدٌ بصدقهما، وينهاهم تعالى عن المبادرة إلى الكفر به، وذلك قوله:{وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} .
(1)
ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 241).
وقوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} : هذا نهيٌ من الله لأحبار اليهود أن يؤثروا الدنيا على الآخرة، فيستبدلوا بآيات الله التي عندهم ثمنًا؛ أي: عرضًا من الدنيا قليلًا يُعطَونه ليُحرِّفوا أو يكتموا آياتِ الله التي فيها الخبرُ عن الرسول صلى الله عليه وسلم وَصِفَتُه، ثم أكَّد الأمرَ بالخوف منه فقال:{وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)} .
وقوله: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)} : هذه الجملةُ إعرابُها كالتي قبلها {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)} ، وهذا أمرٌ من الله لأَحبار اليهود أن يتَّقوه فلا يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، والتقوى: هي امتثالُ الأوامر والنواهي خوفًا من الله تعالى، ولهذا قال المؤلِّف: - تفسيرًا لقوله تعالى: {فَاتَّقُونِ} -: (خَافُونِ فِي ذَلِكَ دون غيري).
وقوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)} : اللَّبس: خلطُ الشيء بالشيء حتى لا يتميَّزْ أحدُهما من الآخر
(1)
، والآية نهيٌ لليهود عن خلط الحقِّ المنزَّل عليهم بالباطل الذي افتروه من تشريعاتٍ وتحريفاتٍ، ولذا قال المؤلِّف في تفسير كلمات الآية: في معنى {تَلْبِسُوا} : تخلطوا، {الْحَقَّ}: الذي أنزلتُ عليكم، {بِالْبَاطِلِ}: الذي تفترونه.
وقوله تعالى: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)} : الواو: قيل عاطفة؛ فالتقدير: ولا تكتموا الحقَّ؛ فتفيد الآية النهيَ عن كلٍّ من الأمرين على انفراد: اللبس والكتمان، {وَتَكْتُمُوا} مجزومٌ بلا الناهية، وقيل: الواو واو المعيَّة، والفعلُ منصوبٌ بأنْ بعدها، فتفيدُ الآية على هذا الإعراب: النهيَ عن الجمع بين الأمرين - اللبس والكتمان -، وهذا اختلافٌ في الإعراب ودلالةِ الكلام
(2)
، وأمَّا الحكمُ فمعلومٌ أنَّ كلًّا من اللبس والكتمان حرامٌ مجتمعَين أو منفردَين،
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 775)، و «التبيان في تفسير غريب القرآن» لابن الهائم (ص 71).
(2)
الوجه الأول هو قول ابن عباس، والوجه الثاني هو قول أبي العالية ومجاهد. ينظر:«معاني القرآن» للفراء (1/ 33)، و «تفسير الطبري» (1/ 607 - 609).
والجمعُ بينهما أقبحُ، والحقُّ الذي نُهوا عن كتمانه: ما عندهم من الخبر عن بعثة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وصفتِه، وما يجب عليهم من الإيمان به واتِّباعه
(1)
.
وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} : هذا أمرٌ من الله لأهل الكتاب بالدخول في الإسلام، وإقامةِ الصلاة المكتوبة، وإيتاءِ الزكاة المفروضة في شريعة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، والركوعِ مع الراكعين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا كأمرِ المشركين بالعبادة والصلاة إيمانًا بالله ورسوله، وعملًا بشريعته؛ قال تعالى:{فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} [النجم: 62]، وقال:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)} [المرسلات: 48].
وما أُمِر به أهلُ الكتاب في هذه الآية من إقام الصلاة وإيتاءِ الزكاة مُتابعةً للرسول صلى الله عليه وسلم هو نظيرُ ما أُخذ عليهم من الميثاق أن يقيموا الصلاةَ ويؤتوا الزكاةَ المفروضة عليهم في شريعتهم، وذلك في قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ .. } إلى قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)} .
ثم وبَّخَ اللهُ بني إسرائيل - وهم: اليهود - على أَمْرهم الناسَ بالبرِّ - وهو: العمل الصالح - وترك المعاصي، وتركهم أنفسَهم فلا يفعلون ما أَمروا به غيرَهم، ولا يتركون ما نُهوا عنه، وهذا معنى:{وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} ، يفعلون ذلك على عِلم، ولذا قال سبحانه:{وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} أي: التوراة، ومعلومٌ أنَّ أَمْرَ الإنسانِ غيرَه بما ينفعه، وتركَه نفسَه جهلٌ وسَفَهٌ، ولذا قال تعالى منكرًا على الذين سلكوا هذا المسلك:{فَلَا تَعْقِلُونَ (44)} ، فَعُلم من هذه الآية أنَّ مَنْ يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر رياءً، وهو في نفسه في السرِّ يُخالفُ ما يُظهره مذمومٌ ومُستحقٌّ للوعيد المذكور في حديث أسامة في الصحيحين في شأن الرجل الذي يُلقى في النار فتندلقُ أقتابه
…
الحديث
(2)
.
(1)
وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي وجماعة. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 609 - 611)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 98 - 99).
(2)
رواه البخاري (3267)، ومسلم (2989).
أمَّا مَنْ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر صادقًا ولكنه مُقصِّرٌ في نفسه؛ فهو مأجورٌ على قيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى جهاده لنفسه، وليس هو من أهل هذه الآية، ولا حديثِ أسامة، ويغلطُ بعض الناس في فهم هذه الآية فيظنُّ أنَّ مَنْ كان مقصرًا في طاعة الله ورسوله لا يجوز له أن يأمرَ غيرَه وينهاه، وهذا يُحقِّقُ للشيطان غرضًا؛ وهو تركُ أكثر الناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنَّ التقصير فيما يجب من طاعة الله وترك معصيته هو الغالبُ على الناس؛ فالواجبُ على المسلم أن يجاهدَ نفسَه ليقومَ بما يجب عليه، ويجاهدَ غيرَه بالأمر والنهي، فكلٌّ من الجهادين واجبٌ لا يُترَكُ أحدُهما للتقصير في الآخر
(1)
.
ثم أمرَ اللهُ بالصبر والصلاة فقال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} ، والمخاطَبُ بهذا هم بنو إسرائيل على ما اختاره ابنُ جرير
(2)
، وذهب ابنُ كثير إلى أنه أمرٌ عام لم يُقصَد به أهلُ الكتاب خاصَّةً
(3)
، وكلٌّ من القولين له وجهٌ، فقول ابن جرير هو المناسبُ لسياق الكلام؛ لأنَّ قوله:{وَاسْتَعِينُوا} معطوف على ما تقدَّم من الأوامر والنواهي من قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} . وما قاله ابنُ كثير هو: ما يقتضيه المعنى؛ فقوله: {وَاسْتَعِينُوا} عامٌّ من حيث المعنى، خاصٌّ من حيث اللفظ، وهكذا القول في كلِّ الأوامر والنواهي المتقدِّمة؛ الأصلُ أنها خطابٌ لبني إسرائيل، ولكنَّ حُكمَها ومعناها عامٌّ، فنحن أمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُكلَّفون بما في هذه الآيات من الأوامر والنواهي، فعلينا امتثالها طاعةً لله وعملًا بوصاياه
(4)
.
وقوله: {وَاسْتَعِينُوا} : أمرٌ من الله بالاستعانة على كلِّ الأمور المهمة بالصبر والصلاة، وهي الصلواتُ الخمسُ، أو الصلاةُ مُطلقًا فتشملُ نوافلَ
(1)
ينظر: «لطائف المعارف» (ص 57 - 59)، و «غذاء الألباب» (1/ 215 - 219).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 623).
(3)
ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 253).
(4)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 24)، و «التفسير البسيط» كلاهما للواحدي (2/ 457).
الصلاة، {وَإِنَّهَا} أي: الصلاة، {لَكَبِيرَةٌ} أي: شاقةٌ
(1)
، {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)} أي: الساكنين الخاضعين لربهم، وللمفسرين من السلف في تفسير الخاشعين عباراتٌ مختلفةٌ في اللفظ مُتَّفقةٌ في المعنى؛ كقول بعضهم:«المتواضعين»
(2)
، وقول بعضهم:«الخاضعين»
(3)
.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)} : معنى {يَظُنُّونَ} : يعلمون ويُوقنون كما قال المؤلِّف، والظنُّ يأتي بمعنى العلم، ومنه قوله تعالى:{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)} [الحاقة: 20]، ويأتي بمعنى الشك
(4)
، واعتبر ذلك ابنُ جرير من قَبيل المشترك اللفظي، فالعربُ تُطلِقُ الظنَّ على اليقين والشك، كما تُطلِق على الظلمة: سدفة، وعلى الضياء: سدفة
(5)
.
وقوله: {أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} : يعني يوم القيامة إذا بُعثوا. وقوله: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)} أي: ويعلمون أنهم إلى ربهم راجعون، فَيُنبئهم بأعمالهم، ويجزيهم عليها.
{يَا بَنِي إسْرَائِيلَ} أولاد يعقوب {اُذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ} أي: على آبائكم من الإنجاء من فرعونَ، وفلقِ البحرِ، وتظليلِ الغمامِ، وغير ذلك؛ بأن تشكروها بطاعتي {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمَّدٍ {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} خافون في ترك الوفاء به دون غيري
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 696)، و «نزهة الأعين النواظر» (ص 520).
(2)
قاله مقاتل بن حيان كما أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (1/ 103 رقم 492).
(3)
قاله الضحاك. ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 253). وقال الطبري (1/ 622 - 623): «الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده» ، وقال:«وأصل الخشوع: التواضع والتذلل والاستكانة» .
(4)
ينظر: «نزهة الأعين النواظر» (ص 425).
(5)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 623 - 624).
{وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ} من القرآن {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوَّة {وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِرٍ بِهِ} من أهل الكتاب لأنَّ [مَنْ]
(1)
خَلفَكم تَبَعٌ لكم فإثمُهم عليكم {وَلَا تَشْتَرُوا} تستبدلوا {بِآيَاتِي} التي في كتابكم من نعت محمَّدٍ {ثَمَنًا قَلِيلًا} عوضًا يسيرًا من الدنيا؛ أي: لا تكتموها خوفَ فوات ما تَأخذونه من سَفَلتِكم {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} خافون في ذلك دون غيري. {وَلَا تَلْبِسُوا} تخلِطوا {الْحَقَّ} الذي أَنزلتُ عليكم {بِالْبَاطِلِ} الذي تَفترونه
(2)
{وَ} لَا {تَكْتُمُوا الْحَقَّ} نعت محمَّدٍ {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه الحق {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} صلُّوا مع المصلِّين محمَّدٍ وأصحابه. ونزل فِي علمائهم وكانوا يقولون لأَقربائهم المسلمين: اثبتوا على دين محمَّدٍ فإنه حقٌّ {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} بالإِيمان بمحمَّدٍ {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} تتركونها فلا تأمرونها به {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} التوراةَ، وفيها الوعيدُ على مخالفة القول العملَ {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} سُوءَ فِعلكم فترجعون؟ فجملةُ النسيان محلُّ الاستفهام الإنكاري. {وَاسْتَعِينُوا} اطلبوا المعونةَ على أموركم {بِالصَّبْرِ} الحبس للنفس على ما تكره {وَالصَّلَاةِ} أفردها بالذكر تعظيمًا لشأنها، وفي الحديث:((كَانَ صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ بَادَرَ إِلَى الصَّلَاة))
(3)
. وقيل:
(1)
زيادة من شيخنا، قال: لا يستقيم المعنى إلا بها، ولم نجدها في نسخ الجلالين المطبوعة.
(2)
كذا في طبعة دار السلام، وابن كثير وحاشية الصاوي وحاشية الجمل، وهي التي رجحها شيخنا، وفي نسخة قباوة:(تغيرونه).
(3)
أخرجه أحمد (23299)، وأبو داود (1319)، كلاهما من طريق يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة، عن حذيفة، قال:«كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، صلى» . وهذا إسناد رجاله ثقات غير محمد بن عبد الله الدؤلي وشيخه عبد العزيز بن أخي حذيفة، فهما مجهولان.
أما محمد بن عبد الله الدؤلي؛ فقد قال الذهبي في «الميزان» (7747): «ما أعلم روى عنه غير عكرمة بن عمار» ، وقال الحافظ في «التقريب» (6042):«مقبول» ، أي حيث يتابع وإلا فهو لين؛ بحسب اصطلاحه.
وأما عبد العزيز بن أخي حذيفة؛ فقد روى عنه حميد بن زياد اليمامي، وذكره ابن حبان والعجلي في ثقاتهما. ينظر: على التوالي (4161)، و (1019).
والحديث حسنه الحافظ في «الفتح» (3/ 172)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» (1192).
الخطابُ لليهود لَمَّا عاقَهم عن الإيمان الشَّرهُ وحُبُّ الرياسة فأُمروا بالصبرِ وهو الصوم؛ لأنهُ يكسرُ الشهوةَ، والصلاةَ؛ لأنها تُورثُ الخشوعَ وتنفي الكِبْرَ {وَإِنَّهَا} أي: الصلاةُ {لَكَبِيرَةٌ} ثقيلةٌ {إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} الساكنين إلى الطاعة {الَّذِينَ يَظُنُّونَ} يوقنون {أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} بالبعث {وَأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُونَ} فِي الْآخرة فيجازيهم.
وقولُ المؤلِّف: (أولاد يعقوب): في هذا بيانُ المراد بإسرائيل أنه نبيُّ اللهِ يعقوب، ومعنى إسرائيل: عبد الله
(1)
؛ كإسماعيل وجبرائيل.
وقولُه: (أي: على آبائكم من الإنجاء من فرعونَ، وفلقِ البحرِ، وتظليلِ الغمامِ، وغير ذلك؛ بأن تشكروها بطاعتي): لأنَّ الإنعامَ على الآباء إنعامٌ على الذريَّة؛ كما قال تعالى عن العبد الشاكر
(2)
في دعائه: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} [الأحقاف: 15]، وأخبر عن نبي الله سليمانَ بمثل ذلك؛ لذلك أمر اللهُ بني إسرائيل أن يذكروا ما أنعم الله به على آبائهم ممَّا قصَّه تعالى في هذه الآيات التالية، ومن نِعم الله على بني إسرائيل ما ذَكَّر به موسى قومَه إذ قال:{اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [سورة المائدة: 20].
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 593).
(2)
قيل: هو أبو بكر الصديق، وروي ذلك عن ابن عباس وجماعة، وقيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقيل: هي عام في جنس الإنسان. ينظر: «تفسير الطبري» (21/ 141)، و «زاد المسير» (4/ 107).
وقولُه: (الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمَّدٍ)، وقولُه:(الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة): العهدُ اسمُ مصدرٍ مُضاف إلى مفعوله في الجملتين؛ فيكون التقدير في الجملة الأولى: أوفوا بعهدي الذي أخذتُه عليكم؛ فيدخل في ذلك كلُّ ما أخذه اللهُ على بني إسرائيل من المواثيق؛ كما في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
…
} الآية [البقرة: 83]، وقوله:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} [البقرة: 84]، وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
…
} الآية [آل عمران: 81].
والتقدير في الجملة الثانية: أوفي بعهدكم الذين عهدته إليكم؛ فيدخلُ في ذلك كلُّ ما وعدَ اللهُ به بني إسرائيل من الثواب العاجل والآجل؛ كما في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 65 - 66]، وقوله تعالى:{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} إلى قوله: {وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
…
} الآية [المائدة: 12].
وقولُه: (خافون في ترك الوفاء به دون غيري): الرهبةُ: خوفٌ مع الفرار من المخوف
(1)
، لكنَّ اللهَ الفرارُ منه إليه، والضمير المنصوب «إياي»: مفعولٌ به
(1)
ينظر: «المفردات» (ص 366)، قال ابن القيم:«الرهبة هي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه، وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى، يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع» «مدارج السالكين» (2/ 181).
مقدَّم لدلالة على القصر، ولهذا قال المؤلِّف:(دون غيري)، وقد يكون مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ يُفسِّرُه ما بعدَه، فيكون من باب الاشتغال
(1)
.
وقولُه: (من القرآن): بيانٌ للمراد من المنزَّل أنه القرآنُ المنزَّلُ على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر تأكيدٌ لِمَا تضمَّنه قوله تعالى:{وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} ؛ لأنَّ الإيمانَ بالرسول والقرآن ممَّا أخذَ اللهُ به الميثاقَ على بني إسرائيل.
وقولُه: (من التوراة
…
) إلى آخره: بيانٌ للمراد بما معهم، وأنَّ القرآن شاهدٌ للتوراة بأنها منزلة من عند الله، وبموافقتها فيما دلَّت عليه من توحيد الله وصدق رسله، وإن كان ناسخٌ لبعض ما فيها من الشرائع.
وقولُه: (من أهل الكتاب
…
) إلى آخره: يريد أنَّ قوله: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} أي: من أهل الكتاب؛ لأنه قد كفر به قبل ذلك المشركون من أهل مكةَ وغيرهم، فهم أوَّل كافرٍ به مطلقًا
(2)
.
وقولُه: (خوفَ فوات ما تَأخذونه من سَفَلتِكم): السفلةُ: هم لؤماءُ الناسِ وغوغاؤهم، وهم الفَسَقةُ الخبثاءُ اللؤماء
(3)
.
وقولُه: (في ذلك): يريد فيما نُهوا عنه؛ في قوله: {وَلَا تَشْتَرُوا} .
وقولُه: (دون غيري): ينبِّه إلى ما في الآية من القَصْر؛ لتقديم المفعول: إياي.
وقولُه: (الذي أنزلتُ عليكم): أسند فعلَ الإنزالِ إلى المتكلِّم؛ لأنَّ الآية خطابٌ من الله لعلماء أهل الكتاب، وفي تفسير «الباطل» قال: الذي تفترونه.
(1)
الاشتغال: أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في سببيِّه، وهو المضاف إلى ضمير الاسم السابق، فمثال المشتغل بالضمير: زيدًا ضربته، وزيدًا مررت به. ومثال المشتغل بالسببي: زيدًا ضربت غلامه. ينظر: «شرح التسهيل» (2/ 136)، و «شرح ابن عقيل على الألفية» (2/ 129).
(2)
ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 196)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 243).
(3)
ينظر: «لسان العرب» (11/ 337).
وقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنَّ ما كتبتموه هو الحقُّ، ولذا قال المؤلِّفُ في تفسير الحقِّ الذي كتموه: هو نعتُ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} قال: (أنه الحق)؛ أي: وأنتم تعلمون أنَّ ما كتمتموه من نعتِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم هو الحق، وجملة:{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} حال.
وقول المؤلِّف في تفسير البر أنَّه الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؛ يقتضي أنَّ من علماء اليهود مَنْ يأمرُ العامَّةَ بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يؤمنْ به، وهذا لا يُستَبعدُ، ولكنَّ البرَّ في الآية أعمُّ ممَّا ذكرَه المؤلِّفُ
(1)
.
وقوله في الكتاب أنه التوراة: صحيحٌ، ولا يحتملُ الكتابُ غيرَ التوراةِ؛ لأنَّ الخطابَ لعلماء بني إسرائيل.
وقولُه: (فترجعون): أي عن سوء فعلِكم.
وقولُه: (فجملة النسيان): يريد قولَه تعالى: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ} .
وقولُه: (محل الاستفهام الإنكاري): يريد أنَّ الاستفهامَ الإنكاري في قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} .
وقوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} يتعلَّقُ بقوله سبحانه عنهم: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ} لا بقوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} ، فالأمرُ بالبرِّ خيرٌ وفعلٌ لواجبٍ كما تقدَّم بيانُه.
وقولُه: (اطلبوا المعونة على أموركم): هذا تفسير قوله: {اسْتَعِينُوا} ؛ لأنَّ السين والتاء تدلان على الطلب؛ مثل: استغفروا؛ أي: اطلبوا المغفرة.
وقولُه: (الحبس للنفس على ما تكره): تفسيرٌ للصبر، وهو يشملُ أنواعَ الصبر الثلاثة:
(1)
وهو قول السدي وقتادة وابن جريج، واختاره: الطبري وابن كثير. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 613 - 616)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 246).
- الصبرُ على المصائب.
- والصبرُ عن المعاصي.
- والصبرُ على طاعة الله.
- وقد فسَّرَ بعضُ السَّلفِ الصبرَ في هذه الآية بالصوم
(1)
.
وقولُه: (أفردها بالذكر): أي الصلاة، يريد: خصَّها بالذكر من بين الفرائض والعبادات؛ إظهارًا لفضلها.
وقولُه: (وفي الحديث
…
) إلى آخره: رواه أبو داود وأحمد وابن جرير، ومعنى:«حزبه أمر» أي: نزل به أمرٌ مهم
(2)
.
وقولُه: (وقيل: الخطابُ لليهود
…
) إلى آخره: هذا يوافقُ اختيارَ ابن جرير كما سبق.
* * *
(1)
روي ذلك عن مجاهد كما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/ 102، رقم 480).
(2)
ينظر: «النهاية» (1/ 377).
وقوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)} [البقرة: 47]:
هذه الآيةُ نظيرُ الآية المتقدِّمة من حيث المخاطَب، والمقصودُ بالخطاب هو التذكيرُ بنِعم الله، وتقدَّمَ أنَّ المراد بإسرائيلَ: نبيُّ الله يعقوب
(1)
.
وقوله: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} : أي نعمي التي أنعمتُ عليكم وعلى آبائكم، واشكروها بالإيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم واتِّباعِه.
وقوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)} المعنى: واذكروا أني فضَّلتُكم على العالمين، وتفضيلهم على العالمين هي إحدى نِعَمِه العظيمة عليهم؛ فَعطْفُ هذه النِّعمة على ما قَبلها من عَطْفِ الخاصِّ على العام
(2)
.
وقوله: {عَلَى الْعَالَمِينَ (47)} : أي عالَم زمانِهم فلا يكونون أفضل من أمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم
(3)
، وأعاد في هذه الآية الخطابَ لبني إسرائيل، والأمر بذكر نعمه تأكيدًا، ولأمرهم باتِّقاء اليوم الذي لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولِتذكيرهم بالنِّعمِ التي أنعمَ اللهُ بها على آبائهم؛ كما في الآيات من قوله:{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ} .
* * *
(1)
ينظر: (ص 106).
(2)
ينظر: «البحر المحيط» (1/ 305)، و «تفسير أبي السعود» (1/ 98).
(3)
وهو قول قتادة وأبي العالية ومجاهد وابن زيد، وذكره ابن قتيبة في «غريب القرآن» (ص 48)، وقال:«وهو من العام الذي أريد به الخاص» . ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 629 - 630)، و «التفسير البسيط» (2/ 467).
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)} [البقرة: 48]:
{وَاتَّقُوا} : أي اتخذوا وقايةً من الإيمان والعملِ الصالح تَقيكم شرَّ ذلك اليوم.
{لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} : أي لا يُغني أحدٌ عن أحدٍ، ولا تكون نفسٌ فداءً عن نفسٍ، ولو كان أقربَ قريب؛ كقوله تعالى:{وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} .
{وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} : أي ولو وُجدَ شافعٌ لم تُقبل شفاعتُه، ولكن ليس هناك من يشفع للظالمين؛ أي المشركين؛ كما قال تعالى عن الكفار:{فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)} [الشعراء: 100 - 101].
{وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} : أي فداء؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70]
(1)
.
{وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)} : أي ليس لهم مَنْ ينصرُهم، ويُنجيهم من عذاب الله.
{يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} بالشكر عليها بطاعتي {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ} أي آباءكم {عَلَى الْعَالَمِينَ} عالمي زمانهم. {وَاتَّقُوا} خافوا {يَوْمًا لَا تَجْزِي} فيه {نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} هو يوم القيامة {وَلَا تُقْبَلُ} بالتاء والياء {مِنْهَا شَفَاعَةٌ} أي ليس لها شفاعة فتقبل {فَمَا لَنَا مِنْ شافعين} . {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} فداء {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} يُمنعون من عذاب الله.
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 48).
وقولُ المؤلِّف: (فيه): الضميرُ يعود لليوم، ولا بُدَّ من هذا التقدير؛ لأنَّ الجملة صفةٌ ليومٍ فلا بُدَّ لها من رابط.
وقولُه: (بالتاء والياء): يُشير إلى أنَّ فيها قراءتين: {تُقْبَلُ} و {يُقْبَلُ}
(1)
.
وقولُه: (ليس لها شفاعةٌ فتُقبل): أراد به دفعَ توهُّم أنَّ للكفار مَنْ يشفعُ لهم، ولكن شفاعتُهم لا تُقبل.
وقولُه: (فداء): هذا تفسيرُ {عَدْلٌ} ، والمرادُ به: ما تقدِّمه النفسُ لتفتدي من العذاب لو أمكنها ذلك.
* * *
(1)
قرأ أبو عمرو وابن كثير ويعقوب: {تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} بالتاء، والباقون بالياء. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 155)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 212).
هذا شُروعٌ في ذِكر نِعَمه على بني إسرائيل التي أمرهم بذكرها، مع التذكير بما جرى منهم من السَّيئات، وما جرى عليهم من الابتلاءات، وأولُ هذه النِّعم نجاتُهم من آل فرعون الذين كانوا يُعذِّبونهم، ومن عذابهم ذبحُ أَبنائهم، واستبقاء نسائهم للخدمة، وفيما جرى عليهم من التعذيب، وما جرى لهم من النَّجاة ابتلاءٌ عظيمٌ، وهذا ما تضمَّنَه قولُه تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
…
} الآية، فـ «إذْ»: ظرفٌ يدلُّ على الزمن الماضي، وهو مُتعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديره: اذكروا حين نجيناكم؛ كما قدَّره المؤلِّف، و «آل فرعون»: هم فرعون وقومه.
{فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} : يعني يُذيقونكم أشدَّ العذاب؛ كما قال المؤلِّف، وجملة: يسومونكم: في موضع نصب على الحال من الضمير في نجيناكم؛ على ما ذكر المؤلِّف، ويُحتملُ أن تكون حالًا من آل فرعون
(1)
.
وقوله: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} : تفصيلٌ وبيانٌ لنوع العذاب.
وقوله: {وَفِي ذَلِكُمْ} : اسمُ الإشارة راجعٌ إلى العذاب أو الإنجاء كما ذكر المؤلِّف، ويُحتملُ أن يعودَ إلى مجموع الأمرين
(2)
، فإنَّ كُلًّا من الأمرين بلاء؛ أي: ابتلاء من الله، والابتلاءُ يكون بالنِّعم، ويكون بالمصائب؛ كما قال تعالى:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]، ويُطلَقُ البلاءُ على ما به الابتلاء
(1)
ينظر: «البحر المحيط» (1/ 312)، و «التحرير والتنوير» (1/ 492).
(2)
واختار الوجهين: الواحدي، والراغب الأصبهاني، وابن عطية، والشنقيطي. ينظر:«التفسير البسيط» (2/ 505 - 507)، و «تفسير الراغب» (1/ 186)، و «المحرر الوجيز» (1/ 207)، و «العذب النمير» (1/ 73 - 74).
من النِّعم والمصائب، وذلك من باب التسميةِ بالمصدر أو اسم المصدر؛ فإنَّ البلاءَ اسمُ مصدرٍ، ومن أعظم النِّعم عليهم فلْقُ البحرِ لهم، وجعلُه يبسًا، وطرقًا يسلكونها آمنين، ومن نِعمِه إغراقُ عدوِّهم فرعونَ وقومه، وهم ينظرون إليهم؛ كما دلَّ على ذلك قوله تعالى:{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)} .
وقوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا} : الواو عاطفة، وإذ ظرف مُتعلِّقٌ بـ {اذْكُرُوا} ، و {فَرَقْنَا}: أي فلقنا البحرَ حتى صار الماءُ فِرقين، كل فرقٍ كالطود العظيم، وبينهما طرقٌ يبسٌ لا يخافون دَرَكًا، ولا يخشون غرقًا. وقوله تعالى:{فَرَقْنَا بِكُمُ} : الباءُ سببية؛ المعنى: فرقنا البحر بسببكم لنجاتكم، ومن تمام نعمتِه عليكم إغراقُ فرعون وآله، و {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)} إليهم وهم يغرقون، فجمعَ اللهُ لهم بين نعمتين: نجاتهم، وهلاك عدوهم وقد غَشِيَهم من اليمِّ ما غَشَيهم.
{وَ} اذكروا {إذْ نَجَّيْنَاكُمْ} أي: آباءكم، والخطابُ به وبما بعده للموجودين في زمن نبينا بما أنعم اللهُ على آبائهم تذكيرًا لهم بِنَعم الله ليؤمنوا {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ} يُذيقونكم {سُوءَ الْعَذَابِ} أشدّهُ، والجملة حال من ضمير نجيناكم {يُذَبِّحُونَ} بيانٌ لِمَا قبله {أَبْنَاءَكُمْ} المولودين {وَيَسْتَحْيُونَ} يَستبْقون {نِسَاءَكُمْ} لقول بعضِ الكهنةِ له: إنَّ مولودًا يُولدُ في بني إسرائيل يكون سببًا لذهاب ملكك {وَفِي ذَلِكُمْ} العذابُ أو الإنجاءُ {بَلَاءٌ} ابتلاءٌ أو إنعامٌ {مِنْ رَّبّكُمْ عَظَيِمٌ} . {وَ} اذكروا {إذْ فَرَقْنَا} فَلقْنا {بِكُمْ} بسببكم {الْبَحْرَ} حتى دخلتموه هاربين من عدوِّكم {فَأَنْجَيْنَاكُمْ} من الغرق {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} قومه معه {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} إلى انطباق البحر عليهم.
وقولُ المؤلِّف: (المولودين): يُشير إلى أنهم يذبحونهم صغارًا رُضَّعًا، ولهذا كان موسى رضيعًا حين ألقته أمُّه في التابوت.
وقولُه: (لقولِ بعض الكهنة
…
) إلى آخره: يُشير إلى سبب ذبحِ فرعون وقومِه أبناءَ بني إسرائيل
(1)
، وهذا خبرٌ إسرائيليٌّ لا يُقطَعُ به؛ لأنه يُحتمل أنَّ السبب غيرُ ذلك.
وقولُه: (ابتلاءٌ أو إنعامٌ): فيه المقابلةُ بين الابتلاء والإنعام، وهو مبنيٌّ على أنَّ أكثر ما يُطلَقُ البلاءُ على المصائب، وإلَّا فالابتلاءُ يكون بالخير والشر؛ كما قال تعالى:{وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} [الأعراف: 168]؛ أي: النِّعم والمصائب.
* * *
(1)
تنظر هذه الآثار في: «تفسير الطبري» (1/ 646 - 649)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 105 - 106 رقم 505 - 506).
وقوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)} [البقرة: 51 - 53]:
{وَإِذْ وَاعَدْنَا} الواو عاطفة، و «إِذْ»: ظرفٌ مُتعلِّقٌ بـ «اذكروا» ، واعدَ اللهُ موسى أن يأتيه عند جبل سيناء على رأس أربعينَ ليلةٍ، وقد واعده ثلاثينَ ليلة ثمَّ أتمَّها بعشرٍ؛ فتمَّ ميقاتُ ربِّه أربعينَ، ثم لمَّا ذهب موسى لميقات ربِّه، صنع السامريُّ لبني إسرائيلَ عِجلًا من الحُلي الذي كان معهم، وقال لهم:{هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88)} [طه: 88]، فأطاعوه وعكفوا عليه، وأنكر عليهم نبيُّ الله هارون عليه السلام فأَبوا أن يتركوا العكوفَ على العجل الذي اتخذوه إلهًا، وقد فصَّلَ اللهُ قصةَ العجل في سورة الأعراف
(1)
وسورة طه
(2)
، وأشار اللهُ إلى ذلك في هذه الآية؛ فقال:{ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)} ، وأصلُ الظلم: وضعُ الشيء في غير موضعه
(3)
.
وفي هذه الآية تذكيرٌ للموجودين من بني إسرائيل بقبيحِ ما صنعه أسلافُهم؛ تحذيرًا لهم من أن يركبوا طريقَهم بعصيان هذا الرسول محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كما عصى آباؤهم موسى رسولَ الله إليهم، وفي هذا المقام يُذكِّرهم بنعمتين أنعم اللهُ بهما على مَنْ قبلهم:
أُولاهما: عفوه تعالى عن الذين تابوا من عبادة العجل.
والنعمةُ الثانية: ما آتى اللهُ موسى من الكتاب، وهو التوراة، وفيها الفرقان، وذلك في قوله تعالى:{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)} ، فدخل مضمونُ هاتين
(1)
آية رقم (148) فما بعدها.
(2)
آية رقم (85) فما بعدها.
(3)
ينظر: «لسان العرب» (12/ 373).
الآيتين في عِداد النِّعم التي أمرَ اللهُ بني إسرائيلَ بذكرِها وشكرها، وبيَّن تعالى في الآيتين حكمتَه من العفو، ومن إيتاء الكتابِ، وكلُّ هذه الخطابات في الآيات السابقة واللاحقة هي خطاباتٌ لليهود الذين كانوا حولَ المدينة؛ لأنهم من بني إسرائيل.
{وَإِذْ وَاعَدْنَا} بأَلفٍ ودونها {مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} نعطيه عند انقضائِها التوراة لتعملوا بها {ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ} الذي صاغه لكم السامريُّ إِلهًا {مِنْ بَعْدِهِ} أي بعد ذهابه إلى ميعادنا {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} باتخاذه لوضعِكم العبادةَ في غير محلّها {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} محونا ذنوبَكم {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} الاتخاذ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمتنا عليكم {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} التوراةَ {وَالْفُرْقَانَ} عطفُ تفسيرٍ؛ أي: الفارق بين الحقِّ والباطل، والحلال والحرام {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} به من الضلال.
وقولُ المؤلِّف: (بألفٍ ودونها): إشارةٌ إلى أنَّ فيها قراءتين: {وَاعَدْنَا} ، و {وَعَدْنَا}
(1)
.
وقولُه: (نعطيه عند انقضائِها التوراة لتعملوا بها): يُبيّنُ المؤلِّفُ بهذا أنَّ مواعدةَ اللهِ لموسى ليعطيه التوراة مكتوبةً في الألواح، يدلُّ لهذا قوله تعالى: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
…
} الآيات. [الأعراف: 144].
(1)
قرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو جعفر: {وَعَدْنَا} بغير ألف، وقرأ الباقون:{وَاعَدْنَا} بإثباتها. ينظر: «المبسوط في القراءات العشر» (ص 129)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 212).
وقولُه: (محونا ذنوبكم): أي التي أَعظمُها: اتخاذُ العجل معبودًا؛ فاللهُ عفا عنهم وغفر لهم لَمَّا تابوا إليه، وجعل ذلك نعمةً يستحقُّ تعالى عليها الشكر، ولذا قال:{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
وقوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا} : إعرابُه كنظائره؛ أي: واذكروا حين آتينا موسى الكتابَ والفرقانَ. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} : أي لتهتدوا بالإيمان بالكتاب؛ وهو التوراة، وتعملوا بما فيها.
وقولُه: (عطف تفسير
…
) إلى آخره: معناه أنَّ الفرقانَ هو التوراةُ؛ لأنها متضمِّنة للفرقان بين الحقِّ والباطل والهدى والضلال والحلال والحرام
(1)
؛ كما ذكر المؤلِّف.
* * *
(1)
وروي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد، واختاره الطبري. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 676 - 678).
إنَّ أعظمَ عِصيانِ بني إسرائيل في عهد موسى عليه السلام اتخاذهم العجلَ إلهًا من بعد ما ذهب موسى لميعاد ربه، ولذا يذكر اللهُ بني إسرائيل الموجودين حول المدينةِ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بما صنَعَهُ آباؤهم تحذيرًا لهم من أن يسلكوا طريقَهم في المعصية، وفي هذه الآية يُذكِّرُهم بدعوة موسى عليه السلام لقومه - الذين اتخذوا العجلَ - إلى التوبة، مُبيِّنًا لهم أنهم ظلموا أنفسَهم أعظمَ الظلم؛ وهو الشرك، ومُبيّنٌ لهم ما شرعَ لهم طريقًا لصدق التوبة، واعتبار القتل لأنفسهم طريقًا للتوبة هو من الآصار
(1)
التي حُمِّلتْ عليهم، وذلك في قول موسى:{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} . ثم أخبر تعالى بتوبته عليهم مخاطبًا بذلك بني إسرائيل الموجودين حين نزول القرآن؛ فقال تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)} ، فهو على سننِ ما تقدَّم في الآيات من الخطابات:{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ} ، {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ} ، {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ} ، {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} .
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} الذين عبدوا العجلَ {يَا قَوْمِ إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسكُمْ بِاِتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ} إلهًا {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئُكُمْ} خالقِكم من عبادته {فَاقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ} أي: ليقتلَ البريءُ منكم المجرمَ {ذَلِكُمْ} القتلُ {خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} فوفقكم لفعل ذلك وأرسل عليكم سحابةً سوداءَ لئلّا
(1)
الآصار جمع إصر، وهو العهد الثقيل. ينظر:«لسان العرب» (4/ 22).
يبصرَ بعضكم بعضًا فيرحمه حتى قتل منكم نحو سبعين ألفًا {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} قَبِلَ توبتَكم {إِنَّهُ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ} .
وقولُ المؤلِّف: (إلهًا): تقديرٌ للمفعول الثاني للمصدر المضاف إلى فاعله، وهو:«اتخاذكم» ، والمفعولُ الأول: العجلُ؛ لأنَّ «اتخذ» ينصبُ مفعولين.
وقولُه: (وأرسل عليكم سحابةً سوداء
…
) إلى آخره
(1)
: هذا من أخبار أهلِ الكتاب التي لا تُصدَّقُ ولا تُكذَّبُ، لكنْ أصلُ القصة ثابتُ في القرآن، كما في هذه الآية.
وقولُه: (قبل توبتكم): التوبةُ من الله تأتي لمعنيين
(2)
:
أحدهما: توفيقُ العبدِ للتوبة، وهذه قد تُقيَّدُ بالمشيئة؛ كقوله تعالى:{ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} .
والثاني: قبولها؛ ولهذا قال المؤلِّف: ({فَتَابَ عَلَيْكُمْ} قَبِلَ توبتَكم).
وجملة: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ} : مستأنفة للتعليل، ولا محل لها من الأعراب.
* * *
(1)
تنظر تلك الروايات في: «تفسير الطبري» (1/ 679 - 685)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 110).
(2)
ينظر: «اشتقاق أسماء الله» للزجاجي (ص 62)، و «مدارج السالكين» (1/ 481).
قول تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ} : الواو عاطفةٌ، و «إذ» ظرفٌ يدلُّ على الزمن الماضي، والتقدير: اذكروا حين قلتم، وفي هذا تذكيرٌ لبني إسرائيل بما صدر من آبائهم من القول القبيح:{لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} ، فأَخذتهم الصَّاعقةُ فماتوا، ثم بعثهم اللهُ من بعد موتهم، وفي الآيتين تذكيرٌ لبني إسرائيل الموجودين بسيئةٍ من سيّئات أَسلافهم، وعقوبةِ اللهِ لهم، ثم الإنعامِ عليهم ببعثهم بعد موتهم بالصاعقة، ولهذا قال:{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)}
(1)
.
وقوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى
…
} الآية: هذا امتنانٌ من الله على بني إسرائيل الذريَّة الموجودين في عهد النبوة بما أَنعم به على آبائهم من تظليلهم بالغمام وقايةً لهم من حرِّ الشمس، وإنزالِ المنِّ والسَّلوى عليهم، وهما من أطيب الطعام؛ فالمنّ: نوعٌ من الحلوى
(2)
، والسَّلوى: نوعٌ من الطيور الناعمة يقال له: السُّمَانَى
(3)
؛ كما ذكر المؤلِّف. ثم أخبر تعالى أنه قال لبني إسرائيل الذين أنزل عليهم المنَّ والسَّلوى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ، والأمرُ أمرُ إباحةٍ وامتنانٍ
(4)
، ونهاهم عن الطغيان؛ كما قال تعالى:{وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ} [طه: 81]، ولكنهم عصوا، ولهذا قال تعالى في هذه الآية:{وَمَا ظَلَمُونَا} أي: ما ظلموا اللهَ بمعصيته، ولكن ظلموا أنفسهم، ولهذا قال تعالى:{وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)} .
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 688).
(2)
ينظر الخلاف في: «تفسير الطبري» (1/ 700 - 704)، و «المحرر الوجيز» (1/ 220).
(3)
هو قول الضحاك والشعبي ورواية عن ابن عباس، وقيل: يشبه السماني. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 704 - 706)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 1592 - 1593).
(4)
ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 273).
{وَإِذْ قُلْتُمْ} وقد خرجتم مع موسى لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل وسمعتم كلامَه {يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِن لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} عيانًا {فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ} الصيحةُ، فمتم {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} ما حل بكم {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} أحييناكم {مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمتنا بذلك.
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ} سترناكم بالسحاب الرقيق من حر الشمس فِي التيه {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ} فيه {الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} هما الترنجبين والطير السُّمَانَى - بتخفيف الميم والقصر - وقلنا: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَات مَا رَزَقْنَاكُمْ} ولا تدَّخروا، فكفروا النِّعمةَ وادَّخروا، فقطع عنهم {وَمَا ظَلَمُونَا} بذلك {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ} لأنَّ وَبَاله عليهم.
وقولُ المؤلِّف: (وقد خرجتم مع موسى): يُبيّن بهذا أنَّ الذين قالوا: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} ؛ هم الذين حضروا مع موسى لميقات ربه، وهم الذين قال الله فيهم:{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا} [الأعراف: 155]
(1)
.
وقولُه: (لتعتذروا إلى الله من عبادةِ العجلِ): يقتضي أنَّ موسى جاء لميقات ربِّه مرَّتين؛ مرَّةً قبل عبادةِ قومهِ للعجل، وهو المذكور في قوله تعالى:{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: 51]، ومرَّةً بعد اتخاذهم العجلَ، وهو المذكور في قوله: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا
…
} الآيات، ففي المجيءِ الأوَّلِ كلَّمه ربُّه، وطلبَ موسى النظرَ إليه، وتجلَّى اللهُ للجبل، وخرَّ موسى صعقًا، وأعطاه اللهُ التوراةَ، وأخبره اللهُ بفتنةِ بني إسرائيل بالعجل، وإضلالِ السَّامري لهم؛ كما في قوله:
(1)
قاله ابن مسعود وابن عباس، ولم يحك كثير من المفسرين سواه. ينظر:«المحرر الوجيز» (1/ 216)، و «زاد المسير» (1/ 67)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 265).
{فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه: 85]. والظاهرُ أنه لم يكن معه أحدٌ من قومه في هذه المرَّةِ، ولكنَّ اللهَ قد واعدَ بني إسرائيل أن يأتوا مع موسى لجانب الطور؛ كما قال تعالى:{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} [طه: 80]، فتقدَّمهم موسى عَجِلًا إلى ربَّه، وكانوا على أَثره؛ كما في قوله تعالى:{وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 83 - 84]، ولكنهم تخلَّفوا وأَخلفوا الموعدَ لِمَا ابتلوا به من اتخاذ العجلِ إلهًا بإضلال السامريِّ لهم، فرجع موسى إلى قومه غضبانَ أسفًا، ومعه الألواحُ فيها التوراةُ؛ فذكَّرهم بمواعدة الله لهم، وأنكر عليهم إخلافَهم الموعد، واتخاذهم العجل إلهًا، وعاتبَ أخاه هارونَ وأنكر عليه إذ لم يتبعه حين ضلَّ قومُه كما في سورة طه.
وفي المرَّةِ الثانية كان معه سبعون رجلًا من قومه، وهم الذين اختارهم من قومه لميقات ربِّه، وليس في هذه المرِّةِ طلب النظر من موسى، ولا تجلٍّ، ولكن الذين معه طلبوا أنْ يُريهم اللهَ جهرةً، وهم الذين قالوا:{لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} ، فأخذتهم الصاعقةُ فماتوا ثم بعثهم اللهُ، وفصَّل اللهُ ذلك في هاتين الآيتين. والصاعقةُ: صيحةٌ عظيمةٌ، وهي الرجفةُ المذكورة في قوله:{فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} ، وسُمِّيت الصاعقةُ رجفةً؛ لأنها تُحدِثُ رجفانًا في الأرض؛ أي: زلزلةً
(1)
، كما سمَّى اللهُ صيحةً ثمودٍ وصيحةَ مدين رجفةً في سورة الأعراف والعنكبوت، والله أعلم.
وأمَّا قولُ المؤلِّف: (وسمعتم كلامَه): فليس في الآيات تصريحٌ بذلك، ولكنه وردَ في الآثار المرويَّة في تفسير الآية
(2)
؛ فظهرَ ممَّا تقدَّم أنَّ اللهَ كلَّم موسى ثلاث مرات:
(1)
ينظر: «لسان العرب» (10/ 198).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 293 - 297)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (رقم 536، 539).
- الأولى: عند إرساله كما ذكر ذلك مفصَّلًا في طه والنمل والقصص، وأُشير إليه في سُورٍ أخرى.
- الثانية: تكليمُه في مجيئه الأول، وهو المذكور في سورة الأعراف؛ في قوله تعالى:{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} إلى قوله: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
…
} الآية [الأعراف: 143 - 145]، وهو المشار إليه كذلك في قوله:{وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} إلى قوله: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} [طه: 83 - 85].
- الثالثة: تكليمُه في مجيئه الثاني، وهو المشار إليه في قوله:{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ} [الأعراف: 155].
وقولهم: {لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى نَرَى اللَّه جَهْرَة} ، هذا القولُ من سيئات بني إسرائيل، وتعنتاتهم، وقد ذمَّهم اللهُ بذلك وعاقبهم بأخذ الصاعقة لهم حتى ماتوا ثم بعثهم ليشكروه، ويتوب إليه، ولهذا قال تعالى:{ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، فجعل تعالى بَعْثَهم بعد موتِهم نعمةً يستحقُّ عليها الشكرَ، فإنهم إذا بعثوا أَمكنهم أن يتوبوا، ولهذا قال موسى في دعائه بعدما أخذتهم الرجفة:{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156]؛ أي: تُبنا إليك
(1)
.
وقولُه: (ما حل بكم): هذا تقديرُ المفعول به لتنظرون، وهو يدلُّ على أنَّ أخذَ الصاعقةِ لهم في حال يقظتهم، وهو أبلغُ في إحداث الرعبِ والفزعِ.
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 173)، و «المفردات» للراغب (ص 847).
وقولُه: (سترناكم بالسَّحاب الرقيق من حرِّ الشمس): فسَّر {ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ} : بـ «سترناكم» ، وهذا بعضُ معنى الكلمة، وقد عُدِّي الفعلُ بـ «على» ، فهو مُضمَّنٌ معنى جعلنا الغمام عليكم؛ أي: من فوقكم يَقِيكم حرَّ الشمس، وفسَّرَ الغمامَ بالسحاب الرقيق، إذًا هو نوعٌ من السحاب، فالسحابُ يكون رقيقًا وغليظًا.
وقولُه: (فِي التيه): يُبيِّن بذلك أن تظليلَهم بالغمام وإنزالَ المنِّ والسَّلوى عليهم كان في زمن التيه، وهو مدة أربعين سنة كما في آية المائدةِ، هذا هو المشهورُ
(1)
، ويظهر أنه قد حصل لهم أيضًا قبل التيه بعد أن نجاهم اللهُ من عدوهم؛ كما في قوله تعالى:{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَأنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} ، والظاهرُ أنَّ هذا خطابٌ لبني إسرائيل الذين كانوا مع موسى بعد نجاتهم، ومجاوزتهم البحر، فتكون نظيرَ قوله تعالى عن موسى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} .
وعلى هذا فالخطاب في آية «طه» وآية «إبراهيم» لبني إسرائيل الموجودين في عهد موسى، وتُشبههما آية الأعراف: {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ
…
} الآية، وذلك بخلاف ما في سورة البقرة؛ فإنه خطابٌ لبني إسرائيل الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تذكيرًا لهم بِنَعم الله على أسلافهم، وتحذيرًا لهم ممَّا وقع من أسلافهم من أنواع الظلم والعصيان.
(1)
قال ابن عباس: «ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام» ، وروي عن ابن عمر، والربيع بن أنس، وأبي مجلز، والضحاك، والسدي، وقتادة؛ نحو قول ابن عباس. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 699)(1/ 706 - 710)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 113)، و «التفسير البسيط» (2/ 546).
فعُلِمَ ممَّا تقدَّم أنَّ الخطابَ في أوَّل هذه الآية: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ} لبني إسرائيلَ الذرية الموجودين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: اليهود، والخطاب في قوله:{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} لبني إسرائيل الأسلاف الذين أنزلَ عليهم المنَّ والسَّلوى، ويؤيد هذا التفصيلَ أنَّ سورةَ البقرة مدنيةٌ، وكثيرٌ من آياتها الخطابُ فيها لليهود الذين كانوا حولَ المدينة، وأمَّا سورةُ «الأعراف» ، و «طه» ، و «إبراهيم» ، فهي سُورٌ مكيةٌ، وأكثر ما فيها أخبارٌ عن بني إسرائيل في عهد موسى.
وقولُه: (فيه): أي في التيه.
وقولُه: (الترنجبين): نوعٌ من الطلِّ حلوٌ يجدونه على الشجر
(1)
.
وقولُه: (وقلنا): يفيد أنَّ قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} : مقولُ قولٍ مُقدَّرٍ حُذِفَ لدلالة الكلامِ عليه، والجملةُ خبرٌ مُستأنفٌ معطوفٌ على ما قبله من الأفعال: وظللنا، وأنزلنا.
وقولُه: (ولا تدخروا
…
)، إلى قوله:(فقطع عنهم): هذا من التفسير بالمأثور، وإذا صحَّ أنهم قد نُهوا عن الادِّخار؛ فالادخارُ يكون من الطغيان الذي نُهوا عنه في قوله:{وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ} [طه: 81]
(2)
.
وقولُه: (بذلك): أي بمخالفتهم أمرَ الله ونهيَه.
وقولُه: (لأنَّ وباله عليهم): يريد أنَّ معصيتهم لله ظلمٌ لأنفسهم؛ لأنَّ شرَّ المعصية واقعٌ عليهم، ولن يضرُّوا اللهَ شيئًا.
* * *
(1)
الترنجبين: طل يقع من السماء وهو ندى شبيه بالعسل جامد متحبب. ينظر: «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية» لابن البيطار (1/ 187).
(2)
لم نجد خبرًا مسندًا، وذكر بعض المفسرين حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه؛ يعني:((لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها))، أخرجه البخاري (3330)، ومسلم (1470). ينظر:«التفسير البسيط» (2/ 551)، و «تفسير البغوي» (1/ 98)، و «المحرر الوجيز» (1/ 220 - 221).
وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)} [البقرة: 58]:
القول في هذا الظرفِ «إذ» والجملةِ المضافِ إليها؛ كالقول في نظائرِه فيما تقدَّم من الآيات وفيما يأتي، فالتقديرُ: اذكروا وقتَ قلنا لآبائكم: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} ، وهي بيتُ المقدسِ
(1)
، وهي الأرضُ المقدَّسةُ المذكورةُ في سورة المائدة، وكانت كثيرةَ الخيرات من أنواع الفواكه والثمار، ولهذا قال:{فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} ؛ أي: رزقًا واسعًا هنيئًا
(2)
.
{وَادْخُلُوا الْبَابَ} : أي باب القرية.
{سُجَّدًا} : أي رُكَّعًا خضوعًا لله.
{وَقُولُوا حِطَّةٌ} : أي مسألتنا حطة؛ المعنى: أن تحطَّ عنا خطايانا.
{نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} : وعدٌ لهم بمغفرة ذنوبهم إذا استغفروا الله، وسألوه أن يحطَّ عنهم الخطايا. {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)}: بفعل الأعمالِ الصالحةِ الخالصةِ لله الموافقةِ لشرعه، والمحسنين إلى عباده، وهذا وعدٌ بالزيادة على المغفرة يزيدهم أجرًا عظيمًا.
{وَإِذْ قُلْنَا} لهم بعد خروجهم من التيه: {اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة} بيتَ المقدس أو أريحا {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} واسعًا لا حَجْر فيه {وَادْخُلُوا الْبَاب} أي: بابها {سُجَّدًا} مُنحنينَ {وَقُولُوا} : مسألتنا
(1)
وهو قول قتادة والسدي والربيع بن أنس، واختاره الطبري وابن كثير. ينظر:«تفسير الطبري» (1/ 712 - 713)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 116)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 273).
(2)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 46)، و «المفردات» للراغب (ص 358).
{حِطَّةٌ} أي: أن تحطَّ عنَّا خطايانا {نَغْفِرْ} وفِي قراءة بالياء وبالتاء مبنيًا للمفعول فيهما {لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} بالطاعة ثوابًا.
وقولُ المؤلِّف: (لهم): المناسب «لكم» بصيغة الخطاب؛ ليتفق مع سياق الآية السابقة وما قبلها.
وقولُه: (بعد خروجهم من التيه): أي الذي أصابهم يوم حُرِّمَ عليهم دخول القرية أربعين سنة بعد أنْ أُمروا بدخولها، فعصوا، كما في سورة المائدةِ، فلمَّا انقضتِ المدةُ، وخلصوا من التيه، غزا بهم نبيُّهم فقاتلَ الكفرة الجبارين فأظهره اللهُ عليهم، ثم قيل لبني إسرائيل بعد الفتح: {اُدْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَة
…
} الآية، وأُمروا عند دخولها بقولٍ وفعلٍ؛ أن يدخلوا بابَ القريةَ سجدًا، وأن يقولوا:{حِطَّة} .
وقولُه: (منحنين): يُبيِّنُ أنه ليس المرادُ بالسجود السجودَ على الجبهة على الأرض، بل الركوع؛ لأنه لا يمكن الدخول بهيئة السجود؛ بل بهيئة الركوع
(1)
.
وقولُه: (مسألتنا): يُبيّن أنَّ {حِطَّةٌ} خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديرُه: مسألتنا.
وقولُه: (أن تحطَّ عنَّا خطايانا): تفسيرٌ لقوله: {حِطَّةٌ} ، وحطّ الخطايا بالمغفرة.
وقولُه: (وفي قراءة
…
) إلى آخره: أفاد أنَّ في هذه الكلمة ثلاثُ قراءاتٍ؛ بالنون مبني للمعلوم {نَغْفِرْ} ، وهي قراءةُ الجمهور، وبالتاء والياء مبني للمفعول {تُغْفَرْ} ، و {يُغفَرْ}
(2)
.
(1)
وهو قول ابن عباس واختاره الطبري. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 714).
(2)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: {نَغْفِر لَكُمْ} بالنون، وقرأ نافع وأبو جعفر:{يُغْفَر لَكُمْ} بالياء مرفوعة على ما لم يسم فاعله، وقرأ ابن عامر:{تُغْفَر لَكُمْ} مضمومة التاء. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 157)، والنشر (2/ 215).
وقولُه: (ثوابًا): هو المفعول الثاني لـ «نزيد» ، والمفعول الأول {الْمُحْسِنِينَ} ، وقد ذكر المفسرون والمؤرِّخون أنَّ موسى وهارون عليهما السلام ماتا في التيه، وخلفهما على بني إسرائيل يوشعُ بن نون
(1)
؛ وهو الذي فُتحت قريةُ بيت المقدس على يديه، كما جاء في السنَّة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ يوشعَ بن نون لَمَّا أشرف على فتح القرية وقتَ صلاةِ العصر، وخشي أن تغربَ الشمس؛ دعا اللهَ أن يحبسها عليهم ليتمَّ الفتحَ قبل غروب الشمس
(2)
، وعلى هذا فأمر بني إسرائيل بدخول القرية، ودخول الباب سجدًا، وأن يقولوا:{حِطَّةٌ} . كلُّ هذا بعد فتح القرية، والمبلِّغُ لهم ذلك هو يوشعُ بن نون عليه السلام.
* * *
(1)
ينظر: «تاريخ الطبري» (1/ 432 - 442)، و «الكامل» لابن الأثير (1/ 172 - 176)، و «البداية والنهاية» (2/ 221 - 242).
(2)
أخرجه البخاري (3124)، ومسلم (1747) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وورد التصريح باسمه في «المسند» (8315)، و «شرح مشكل الآثار» (1070)، والحاكم في «المستدرك» (2618). ينظر:«الصحيحة» (202).
قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)} [البقرة: 59]:
يخبر تعالى في هذه الآية عن بني إسرائيل الذين قيل لهم: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} ، وقيل لهم:{وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} ، وقيل لهم:{وَقُولُوا حِطَّةٌ} ، وقد ظلموا أنفسَهم بمعصية الله؛ بدّل هؤلاء الظالمون من بني إسرائيل القولَ الذي قيل لهم قولًا غيره؛ كما جاء في الحديث المتفق عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قيل لبني إسرائيل: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58]، فبدَّلوا، فدخلوا يزحفون على أَسْتاهِهم
(1)
، وقالوا: حبةٌ في شعرةٍ))
(2)
.
ثم أخبر تعالى أنَّه عاقبهم فأنزلَ عليهم رجزًا من السماء؛ أي عذابًا، قيل: إنه الطاعون
(3)
.
وقوله: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)} : أي بسبب فِسقهم؛ أي: خروجهم عن طاعة الله بما ارتكبوه من التبديل، وفي الآية الأخرى:{بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)} [الأعراف: 162].
{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} منهم {قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} فقالوا: حبةٌ في شعرةٍ، ودخلوا يزحفون على أستاههم {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} فيه وضع الظاهر موضع المضمر مُبالغةٌ فِي تقبيح شأنهم {رِجْزًا} عذابًا
(1)
أَسْتاهِهم: جمع است؛ وهي الدُّبر. ينظر: «النهاية» (2/ 429)، «لسان العرب» (13/ 495).
(2)
رواه البخاري (3403)، ومسلم (3015)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
وهو قول ابن زيد وابن جبير، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الطاعون رجز أو عذاب أرسل على بني إسرائيل كما في «صحيح مسلم» (2218). قال الطبري في تفسير الآية:«وجائز أن يكون ذلك طاعونًا، وجائز أن يكون غيره» . ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 730)، و (1/ 731).
طاعونًا {مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} بسبب فِسقهم؛ أي: خروجهم عن الطاعة، فهلك منهم في ساعةٍ سبعون ألفًا أو أقل.
وقولُ المؤلِّف: (فيه وضع الظاهر موضع المضمر): يُريد أنَّ {الَّذِينَ ظَلَمُوا} في قوله: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ؛ هم الذين تقدَّم ذكرُهم في قوله: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، فالمناسبُ على هذا أن يقال: فأنزلنا عليهم، فكان ذِكْرهم بالاسم الموصول دون الضمير هو من قَبيل وضعِ الاسمِ الظاهرِ موضعَ المضمر، ويشهدُ لقول المؤلِّفِ قولُه تعالى في سورة الأعراف:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} [الأعراف: 162].
وقولُه: (فهلك منهم فِي ساعةٍ سبعون ألفًا أو أقل): هذا ممَّا ذكره المفسرون
(1)
، وهو من الإسرائيليات؛ فالله أعلم.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير البغوي» (1/ 99)، و «المحرر الوجيز» (1/ 225)، و «زاد المسير» (1/ 70).
قوله: {وَإِذِ اسْتَسْقَى} : المعنى والتقدير: اذكروا حين استسقى موسى؛ كما في نظائره فيما سبق، و «إذ»: ظرفٌ يدلُّ على الزمن الماضي، و {اسْتَسْقَى}: أي طلب موسى السُّقيا من الله تعالى، وذلك حين طلب منه بنو إسرائيل السُّقيا لَمَّا عطشوا في التِّيه، فأوحى الله إليه أن اضربْ بعصاكَ الحجرَ، فضربَه {فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} ، وجاء في الأعراف:{فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ} ، والانبجاسُ: أقوى من الانفجار
(1)
، وجاءتِ العيونُ بعدد أسباطِ
(2)
بني إسرائيل؛ كما قال تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ
…
} [سورة الأعراف: 160] الآية.
وقوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} : أي كلُّ سِبطٍ من بني إسرائيل قد عَلِمَ نصيبَه من الماء والمكان الذي يَرِدُ عليه، ثم قيل لهم:{كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} ، وهذا أمرُ إباحةٍ وامتنانٍ. وقوله:{وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)} : أي ولا تُفسدوا في الأرض قاصدين الفساد.
{وَ} اذكر {إِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى} أي: طلب السُّقيا {لِقَوْمِهِ} وقد عطشوا فِي التِّيه {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ} وهو الذي فرَّ بثوبه، خفيفٌ مربعٌ كرأس الرجل رُخامٌ أو كذَّانٌ، فضربه {فَانْفَجَرَتْ} انشقَّتْ وسالت
(1)
وقيل: هو دونه، وقيل: هما بمعنى واحد. ينظر: «المفردات» للراغب (ص 108)، و «الكشاف» (2/ 521)، و «المحرر الوجيز» (1/ 226).
(2)
قال ابن عباس: «الأسباط: بنو يعقوب، كانوا اثني عشر رجلًا، كل واحد منهم ولد سبطًا أمة من الناس» ، فالأسباط من بني إسرائيل: كالقبائل من العرب. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 7 - 8).
{مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} بعدد الأَسباط {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ} سبطٍ منهم {مَشْرَبَهُمْ} موضعَ شربهم فلا يشركهم فيه غيرهم. وقلنا لهم: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} حالٌ مؤكدةٌ لعاملها من «عَثِيَ» بكسر المثلثة: أفسد.
وقولُ المؤلِّف: (وهو الذي فرَّ بثوبه
…
) إلى آخره: هذا من الإسرائيليات التي لا يُجزَم فيها بإثباتٍ أو نفي
(1)
.
وقولُه: (وقلنا لهم): يُبيّن به أنَّ قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا} : مقول قولٍ محذوف قدَّره المؤلِّف: (وقلنا لهم)، والخطابُ فيه لبني إسرائيل في عهد موسى، والخطابُ في أول الآية الذي قدَّرناه: واذكروا لبني إسرائيل في عصر النبوة؛ كنظائره المتقدِّمة.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 6 - 8)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 121)، و «التفسير البسيط» (2/ 566 - 567).
المخاطَبُ في هذه الآية هم المخاطبون في الآيات السابقة، الموجودون من بني إسرائيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأخصُّهم بالخطاب في هذه الآيات من قوله:{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} : هم اليهودُ الذين كانوا حول المدينة؛ تذكيرًا لهم بِنِعَم الله على أسلافهم ليشكروها، وتذكيرًا لهم بما كان لآبائهم من المخالفات وما نزل بهم من العقوبات ليحذروها، فقوله:{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى} تقديره: واذكروا حين قال قومُ موسى لموسى: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} ، يعنون به المنَّ والسَّلوى، وذلك يوم كانوا في التيه.
وقوله: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} : طلبوا من موسى أنْ يدعو اللهَ بأنْ يُخرج لهم هذه البقول والحبوب؛ فهي آثرُ عندهم من المنِّ والسَّلوى، وكلُّ هذه الأسماء معروفةٌ، والفوم: هو الحنطة، وهي نوعٌ من البُرِّ.
فردَّ عليهم نبيُّ الله موسى بأنَّ ما طلبوا أدنى من الذي أعطاهم اللهُ؛ فقال: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} . والاستبدال: كالاشتراء، يتعدَّى بنفسه إلى المأخوذ، وإلى المتروك بالباءِ؛ فهو في معنى: أتشترون الأدنى بالأعلى والأفضل. والأدنى: هو ما طلبوه من البقول والحبوب، والذي هو خيرٌ: ما أنزل اللهُ عليهم من المنِّ والسَّلوى.
وقولهم لموسى: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ
…
} إلى آخره: هو ممَّا عُدَّ في مساويهم وكفرهم النعمةَ.
وقول موسى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ} : توبيخٌ لهم وإنكارٌ عليهم. وقوله: {اهْبِطُوا مِصْرًا} : ظاهرُه أنَّه من تمام كلامِ موسى، وقال: بعضُ المفسرين أنَّه مقولُ قولٍ محذوفٍ، والتقدير: قلنا اهبطوا مصرًا، والأول أظهر
(1)
.
وقوله: {مِصْرًا} : بالتنوين قرأ الجمهور؛ أي: مصرًا من الأمصار، وقرئ:{مِصْرَ} بلا تنوين
(2)
، وعليه فالمراد: مصر، البلد المعروفة التي خرج منها بنو إسرائيل، وقال ابنُ جريرٍ في القراءة الأولى:«لا أستجيزُ القراءةَ بغيرها»
(3)
.
وقوله: {فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} : أي ما ذكرتم وطلبتم موجودٌ فيه.
وقوله: {وَضُرِبَتْ} : الواو للاستئناف، {وَضُرِبَتْ}: جُعلت عليهم الذلة لازمةً.
و {الذِّلَّةُ} : الهوانُ والجبنُ.
{وَالْمَسْكَنَةُ} : الفقرُ، وسُمِّيَ مسكنةً لأنَّه يُورثُ السكونَ وقلةَ الحركةِ
(4)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 21)، و «التفسير البسيط» (2/ 586)، و «المحرر الوجيز» (1/ 230).
(2)
وهي قراءة الحسن وطلحة والأعمش، وهي كذلك في مصحف عبد الله وأبي بن كعب وبعض مصاحف عثمان. ينظر:«معاني القرآن» للفراء (1/ 42 - 43)، و «المصاحف» لأبي داود (1/ 303، رقم 184)، و «مختصر في شواذ القرآن» لابن خالويه (ص 14)، و «الكامل في القراءات» (ص 486).
(3)
«تفسير الطبري» (2/ 25) بنحوه. ونص كلام الطبري: «وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها؛ لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين، واتفاق قراءة القرأة على ذلك، ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه إلا من لا يجوز الاعتراض به على الحجة فيما جاءت به من القراءة مستفيضًا بينهما» .
(4)
ينظر: «لسان العرب» (13/ 217).
{وَبَاءُوا} : أي رجعوا بأعظم الخسران، وهو غضبُ الله عليهم، والجملةُ معطوفةٌ على جملة {وَضُرِبَتْ} ، والجملتان لا محلَّ لهما من الإعراب.
وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} : أي ما ذُكر هو بسبب كُفرِهم بآيات الله، وقتلهم النبيين بغيرِ الحقِّ، وممن قتلوه من الأنبياء: أشعيا
(1)
، وزكريا، ويحيى، على ما ذكر المفسرون
(2)
.
وقوله: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا} : قيل: تأكيدٌ للمعنى السابق، ويحتمل: أن يكون بيانًا لسببِ السببِ، وكفرهم بآيات الله وقتلُهم النبيين سببٌ لضرب الذلَّةِ وحلولِ الغَضَبِ، وعصيانُهم وعدوانُهم سببٌ لخذلانهم الذي أوجبَ لهم الكفرَ بآيات الله وقتلَ الأنبياء
(3)
.
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ} أي: نوعٍ منه {وَاحِدٍ} وهو المنُّ والسَّلوى {فَادْعُ لَنَا رَبَّك يُخْرِجْ لَنَا} شيئًا {مِمَّا تُنْبِت الْأَرْضُ مِنْ} للبيان {بَقْلهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا} حنطتها {وَعَدَسِهَا وَبَصَلهَا قَالَ} لهم موسى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} أخس {بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} أشرف، أي: أتأْخذونه بدله، والهمزةُ للإنكارِ، فأبوا أن يرجعوا فدعا اللهَ؛ فقال تعالى:{اهْبِطُوا} انزلوا {مِصْرًا} من الأمصار {فَإِنَّ لَكُمْ} فيه {مَا سَأَلْتُمْ} من
(1)
هو أشعيا بن آموص، ومعنى أشعيا بالعبرية (خلاص يهوه) أو خلاص الرب، وتكتب: أشعيا، وأشعياء، وشعيا في بعض المراجع، ومع أن أشعيا من أشهر أنبياء العهد القديم إلا أنه لم يعرف عنه إلا القليل من سيرته، وفي مقدمات أسفار هوشع، وعاموص، وميخا ما يدل على أن هؤلاء كانوا معاصرين لأشعيا. ينظر:«التراث الإسرائيلي في العهد القديم وموقف القرآن منه» لصابر طعيمة (ص 172).
(2)
ينظر: «تفسير الثعلبي» (1/ 207)، و «التفسير الوسيط» (1/ 148)، و «الكشاف» (1/ 276).
(3)
ينظر: «الكشاف» (1/ 276)، و «المحرر الوجيز» (1/ 233)، و «التحرير والتنوير» (1/ 530).
النبات {وَضُرِبَتْ} جُعلتْ {عَلَيْهِمِ الذِّلَّةُ} الذلُّ والهوانُ {وَالْمَسْكَنَةُ} أي: أثر الفقرِ من السكون والخزي، فهي لازمةٌ لهم وإن كانوا أغنياءَ لزومَ الدرهمِ المضروبِ لِسِكَّتِه {وَبَاءُوا} رجعوا {بِغَضَبٍ مِنَ اللَّه ذَلِكَ} أي: الضرب والغضب {بِأَنَّهُمْ} أي: بسبب أنهم {كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} كزكرياء ويحيى {بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي: ظلمًا {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} يتجاوزون الحدَّ في المعاصي. وكرَّره للتأكيد.
وقولُ المؤلِّف: ({مِنْ} للبيان): يريد {مِنْ} في قوله: {مِنْ بَقْلِهَا} ، فإنها بيانٌ لِمَا في قوله:{مِمَّا تُنْبِتُ} ، ومن الأولى في قوله:{مِمَّا} ابتدائية.
وقولُه: (حنطتها): فسَّر الفومَ بالحنطة، وهو قولُ الأكثر
(1)
، وقيل: الفوم: الثوم
(2)
؛ فالأولُ يُناسبُه ذِكر العدسِ، والثاني: يُناسبُه ذِكر البصلِ، فاللفظُ مُحتملٌ للمعنيين.
وقولُه: (فأبوا أن يرجعوا): يريد أنهم أصرُّوا على طلبهم فلم ينفع فيهم قول موسى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} .
وقولُه: (فدعا الله): أي دعا موسى ربَّه.
وقولُه: (فقال تعالى: {اهْبِطُوا}): هذا يقتضي أنَّ قولَه: {اهْبِطُوا} من كلام الله، وهذا خلافُ ظاهر القرآن، وليس لِمَا ذكره دليلٌ.
(1)
هو قول ابن عباس وقتادة والحسن وأبي مالك الغفاري والسدي، واختاره الطبري وابن عطية، ونسبه ابن عطية لأكثر المفسرين. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 15 - 18)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 143)، و «المحرر الوجيز» (1/ 228).
(2)
وهو قول مجاهد والربيع والضحاك وسعيد بن جبير ومقاتل والكسائي والنضر بن شميل وابن قتيبة، وروي عن ابن عباس، وقرأ عبد الله بن مسعود:{وثومها} بالثاء، واختاره الفراء. ينظر المصادر السابقة، و «معاني القرآن» للفراء (1/ 41)، و «غريب القرآن» (ص 51)، و «تفسير الطبري» (2/ 18 - 19).
وقولُه: (لازمة لهم
…
لزومَ الدِّرهم المضروبِ لِسِكَّتِه): هذا مأخوذٌ من قوله: {ضُرِبَتْ} .
وقولُه: (رجعوا): تفسيرٌ لـ {بَاءُوا} ، فهي بمعنى آبُوا، مع أنها عكس حروفها في الترتيب
(1)
.
وقولُه: (أي: الضرب والغضب): بيانٌ للمشار إليه في قوله: {ذَلِكَ} على تأويل المذكور.
وقولُه: (أي: ظلمًا): تفسيرٌ لقوله: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} ، ولا مفهوم لهذا القيد؛ لأنَّ قتلَ الأنبياء لا يكون إلا بغير الحقِّ، فذِكْرُه إظهارٌ لمنشأ القُبح تشنيعًا عليهم.
وقولُه: (وكرَّره للتأكيد): سبق بيانُ أنه من باب بيان سببِ السبب.
* * *
(1)
ينظر: «مقاييس اللغة» (1/ 312).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [البقرة: 62]:
يُخبرُ تعالى في هذه الآية عن الطوائف الأربعِ التي تنقسمُ كلُّ واحدةٍ منها إلى مؤمنين وغير مؤمنين؛ أنَّ مَنْ آمنَ منهم وعملَ صالحًا؛ فله أَجرُه عند الله، فالذين آمنوا هم من أظهر الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم منهم الصادق ومنهم المنافق، كما ذكر في أول السورة.
{وَالَّذِينَ هَادُوا} : هم اليهود، وهم المنتسبون لشريعة التوراة والإيمان بموسى عليه السلام، ومعنى هادوا: أي صاروا يهودًا، وأصلُ التسميةِ من قول موسى عليه السلام:{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أي: تُبنا إليك.
{وَالنَّصَارَى} : هم المنتسبون لعيسى عليه السلام، ونصارى جمعُ نصراني، وفي أصل التسميةِ خلافٌ كثيرٌ، والأقرب أنه من قول الحواريين:{نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران: 52]
(1)
.
{وَالصَّابِئِينَ} : قيل: هم قوم كانوا يعبدون الكواكبَ، وقيل: يعبدون الملائكةَ، ومنهم قومُ إبراهيم عليه السلام، وهم طوائف، ومنهم الصابئةُ الحنفاء
(2)
.
والصابئون: جمعُ صابئٍ بالهمز، أو جمعُ صابٍ بالياء، وبالهمز قرأ الجمهورُ، وقرأ نافع بالياء
(3)
. وقوله: {مَنْ آمَنَ} : مَنْ: اسمُ شرطٍ، أو اسمٌ
(1)
اختاره الزمخشري، وينظر الخلاف في:«تفسير الطبري» (2/ 33 - 34)، و «الكشاف» (1/ 277)، و «المحرر الوجيز» (1/ 236)، و «زاد المسير» (1/ 72).
(2)
الصابئ: هو المستحدث سوى دينه دينًا، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه، وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب صابئًا. والصابئة نوعان: صابئة حنفاء موحدون، وصابئة مشركون، وهذا بخلاف المجوس والمشركين فإنه ليس فيهم مؤمن، وقد ذكر في معنى الصابئين سبعة أقوال. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 34 - 37)، و «زاد المسير» (1/ 72 - 73)، و «الرد على المنطقيين» (ص 334).
(3)
ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 158)، و «النشر» (1/ 397).
موصولٌ مُضمَّنٌ معنى الشرط، وهو مبتدأ، وجملةُ {آمَنَ}: فعلُ الشرطِ أو صلةُ الموصولِ، وفي الكلام ضميرٌ مُقدَّرٌ مجرورٌ بمن يعود على الطوائف الأربع تقديره:«مَنْ آمنَ منهم بالله واليوم الآخر»
(1)
. ومعنى: {آمَنَ بِاللَّهِ} : صدَّقَ وأيقن بالله وحده ربًا وإلهًا، وباليوم الآخر؛ وهو يومُ القيامة، يومُ البعث والنشور والجزاء.
{وَعَمِلَ صَالِحًا} : معطوفٌ على {آمَنَ} ، و {صَالِحًا}: صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ تقديره: عملَ عملًا صالحًا. وقوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} : جوابُ الشرط، واقترنت جملةُ الجواب بالفاء لأنها اسمية، و {أَجْرُهُمْ}: ثوابهم. وقوله: {عِنْدَ رَبِّهِمْ} : في موضعِ نصبٍ على الحال من {أَجْرُهُمْ} . وقوله: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} : من مستقبَلٍ. {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} : على فائتٍ.
{إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} بالأنبياء من قبل {وَاَلَّذِينَ هَادُوا} هم اليهود {وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} طائفةٌ من اليهود أو النصارى {مَنْ آمَنَ} منهم {بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ} في زمن نبيِّنا {وَعَمِلَ صَالِحًا} بشريعته {فَلَهُمْ أَجْرُهمْ} أي: ثوابُ أعمالهم {عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} رُوعي في ضمير {آمَنَ} و {وَعَمِلَ} لفظُ {مَنْ} ، وفيما بعده معناها.
وقولُ المؤلِّف: (بالأنبياء من قبل): في هذا التعميم نظرٌ؛ فإنه يؤول إلى أنَّ المراد بـ {الَّذِينَ آمَنُوا} : هم مَنْ آمنَ من اليهود والنصارى، ويصير تكرارٌ مع قوله:{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}
(2)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 38)، و «المحرر الوجيز» (1/ 238).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 32)، و «المحرر الوجيز» (1/ 234).
وقولُه: (طائفةٌ من اليهود أو النصارى): هذا أحدُ الأقوال في المراد بالصابئين، وفي المراد بهم خلافٌ كثيرٌ.
وقولُه: (منهم): هذا تقديرٌ للضمير الرابط لجملة خبر «إنَّ» .
وقولُه: (في زمن نبيِّنا): هذا التقييدُ فيه نظرٌ، والصواب: أنَّ هذا الوعدَ عامٌّ لكلِّ مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وعملَ صالحًا في زمن أيِّ نبيٍّ من الأنبياء مُتبعًا له.
وقولُه: (بشريعته): يريد الشريعةَ التي هو مُكلَّفٌ بالعمل بها.
وقولُه: (ثوابُ أعمالهم): فسَّر الأجرَ بالثواب، وتسميةُ الثوابِ أجرًا كثيرٌ في القرآن؛ كقوله:{فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس: 11].
وقولُه: (رُوعي في ضمير {آمَنَ}
…
) إلى آخره: المقررُ عند النحاة أنَّ مِنْ الشرطية أو الموصولة لفظها مفردٌ مذكَّرٌ، ويختلف معناها بحسب سياقِ الكلام، ولهذا يقول المؤلِّف: إنه رُوعي في الفعلين {آمَنَ} و {وَعَمِلَ} لفظُ {مَنْ} ، وهو الإفرادُ والتذكيرُ، وفيما بعده معناها، وهو الجمع.
* * *
وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)} [البقرة: 63]:
الخطابُ في هذه الآية لبني إسرائيل الموجودين زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهي نظيرُ الآياتِ السابقة، والمقصود: تذكيرُهم بما جرى لأسلافهم، فتقدير الكلام: واذكروا حين أخذنا ميثاقَكم؛ أي: العهدَ من آباءكم، ورفعنا فوقهم الطور، وقلنا لهم:{خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} ؛ أي: اقبلوا ما جاءكم به نبيُّكم موسى عليه السلام من الكتاب؛ وهو التوراة، وما فيه من الموعظة وتفصيلِ الأحكام، وخذوه بقوة؛ أي: بجدٍّ وعزمٍ صادق، {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} بالعمل به وتبليغه للناس. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)}: أي لتتَّقوا بذلك سخطَ الله وعذابَه، فتكونوا من المتقين.
{وَ} اذكروا {إذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} عهدكم بالعمل بما في التوراة {وَ} قد {رَفَعْنَا فَوْقكُمْ الطُّورَ} الجبل اقتلعناه من أصله عليكم لما أبيتم قبولها وقلنا {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} بجد واجتهاد {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} بالعمل به {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} النار أو المعاصي.
وقولُ المؤلِّف: (اذكروا): أي بني إسرائيل، وهم اليهودُ الذين حول المدينةِ؛ كما في الآيات السابقة واللاحقة.
وقولُه: (قد) في {رَفَعْنَا} : يقتضي أنه جعلَ الواو للحال، ويحتمل أنها عاطفةٌ على {أَخَذْنَا}. وقولُه: (الجبل
…
) إلى آخره: يدُّل لِمَا ذكره قوله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} [الأعراف: 171].
وقولُه: (وقلنا): يُبيِّنُ بهذا أنَّ قوله تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} مقولُ قولٍ محذوف يدلُّ عليه سياقُ الكلام
(1)
، والخطابُ فيه لبني إسرائيل الأوَّلين، والخطابُ في أوَّلِ الآية لبني إسرائيل الآخِرين، فأوَّلُ الآية إنشاءٌ، وفي ضمنه إخبارٌ عن بعض ما جرى لبني إسرائيل من أخذِ الميثاق ورفعِ الطور، والتكليف بالعمل بالتوراة.
* * *
(1)
نسب الطبري هذا القول لبعض نحويي أهل البصرة، قال: وقال بعض نحويي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول، فلا حاجة إلى إضمار قول، ورجَّح هذا في «تفسيره» ، واختار ابن عطية والزمخشري تقدير لفظ «قلنا». ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 51)، و «الكشاف» (1/ 277)، و «المحرر الوجيز» (1/ 240).
وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)} [البقرة: 64]:
المخاطَبون في هذه الآية هم المخاطَبون في الآية التي قبلها، تذكيرًا لهم بما كان من أسلافهم من الإعراض بعد أَخْذِ الميثاقِ عليهم، ومع هذا الإعراضِ بعد الميثاقِ يذكرُ منَّته عليهم بفضله ورحمته بالعفو عنهم والتوبةِ عليهم وصرفِ العذابِ عنهم، ولولا ذلك لكانوا من الخاسرين، وهم: المستوجِبون للعذاب المحرومون من الثواب.
{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} الميثاق عن الطاعة {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} لكم بالتوبة أو تأخير العذاب {لَكُنْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ} الهالكين.
* * *
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)} [البقرة: 65]:
المخاطَبون في هذه الآية هم المخاطَبون في الآيات السابقة، وتقدَّم أنهم بنو إسرائيل الموجودون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم النازلون حول المدينةِ مِنْ طوائفِ اليهود، يُذكِّرهم اللهُ في هذه الآية ما جرى من أسلافهم من الاحتيال على ما حرَّم اللهُ من الصيد يوم السبت، وهو المرادُ بالاعتداء، وما حلَّ بهم من العقوبة بسبب ذلك؛ {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)} ، والأمرُ أمرُ تكوينٍ لا يتخلَّفُ مُقتضاه، فصاروا قِردةً فمُسخت صورهم من صورة الإنسان إلى صورة القرد، والقردةُ: جمع قرد، وهو حيوانٌ معروفٌ. وقوله:{خَاسِئِينَ} : أي ذليلين مُهانين
(1)
.
{وَلَقَدْ} لام قسمٍ {عَلِمْتُمُ} عرفتم {الَّذِينَ اعْتَدَوْا} تجاوزوا الحدَّ {مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} بصيد السمك وقد نهيناهم عنه وهم أهل أي لة {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} مُبعدين، فكانوها وهلكوا بعد ثلاثة أيام.
وقولُ المؤلِّف: (فكانوها): أي صاروا قردةً.
وقولُه: (وهلكوا بعد ثلاثة أيام): مثل هذا ممَّا يُتلقَّى عن بني إسرائيل، ولكنه لا يثبتُ إلَّا بدليلٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المشهور عند العلماء أنَّ الممسوخين لا يعيشون ولا يتوالدون
(2)
. والقردةُ: جنسٌ من الحيوان موجودٌ
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 282).
(2)
لما جاء في صحيح مسلم (2663) عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لم يجعل لمسخ نسلًا ولا عقبًا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك))، وجاء حديث آخر عند مسلم (2997) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فقدت أمة من بني إسرائيل، لا يدرى ما فعلت، ولا أراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته؟))، ولهذا اختلف العلماء في الممسوخ هل ينسل؟ على قولين، فقال قوم: يجوز أن تكون هذه القردة منهم، واختاره ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث» (ص 373)، والقاضي أبو بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» (2/ 332). وقال الجمهور بأن الممسوخ لا ينسل وأن القردة والخنازير وغيرها كانت قبل ذلك، وأجابوا عن حديث أبي هريرة بأجوبة تنظر في:«المحرر الوجيز» (1/ 243 - 244)، و «تفسير القرطبي» (1/ 440 - 443)، و «شرح معاني الآثار» (8/ 321 - 327)، و «فتح الباري» (7/ 160).
قبل وقوع المسخ في بعض الأمم، وقد زعم بعضُ ملاحدةِ اليهود وهو المسمَّى:«داروين» ، أنَّ أصلَ الإنسان قردٌ فتطوَّر حتى صار إنسانًا بصورته المعروفة، وتُعرف بنظرية «داروين»
(1)
، وهي مُناقضةٌ لِمَا أخبر اللهُ به في قصَّة خلقِ آدم عليه السلام، فهي نظريةٌ باطلةٌ، ومَن يعتقد صحَّتها فهو كافرٌ؛ لأنه مُكذِّبٌ لِمَا جاء في القرآن في شأن خلق الإنسان.
* * *
(1)
تشارلز روبرت داروين الباحث الإنجليزي، مؤلف كتاب «أصل الأنواع» ، وهو مذهب التطور، ويتلخص في أن الكائنات الحية في تطور دائم على أساس من الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، فتنشأ الأنواع بعضها من بعض، ولاسيما النوع الإنساني الذي انحدر عن أنواع حيوانية، فهو يقرر أن الحياة وجدت على الأرض بالصدفة، في ظروف معينة. وقد نقض مذهبه في التطور علماء الأحياء في عصره وبعده بأدلة علمية، كما في «صندوق داروين الأسود - التحدي البيوكيميائي للتطور» لمايكل بيهي، و «أيقونة التطور: حقيقة أم خرافة؟» لجوناثان ويلز، إصدار مركز براهين. ينظر:«المعجم الفلسفي» (ص 83)، و «كواشف زيوف» لعبد الرحمن حبنكة الميداني (ص 317 - 318).
قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)} [البقرة: 66]:
يُخبِرُ تعالى أنه جعل عقوبةَ هؤلاء المعتدين باستحلال ما حرَّم اللهُ من الصيد يوم السبت بالحيلة التي ارتكبوها، وهي نصبُ الشِّباك يوم الجمعة، وأخذُ ما فيها يومَ الأحد، زاعمين أنهم لم يفعلوا ما نُهوا عنه من الصيد يوم السبت، فمسخهم اللهُ قردةً، فقوله تعالى:{فَجَعَلْنَاهَا} : أي جعلنا هذه العقوبة {نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} ؛ يعني: ما قبلها من ذنوبهم وما بعدها ممَّا يفعل بعضُ الناس كفعلهم.
وقد ذكر ابنُ جريرٍ اختلافَ المفسرين في مرجع الضمير في قوله: {فَجَعَلْنَاهَا} ، و {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} ، ورجَّح أنه يعود على العقوبة، ورواه عن ابن عباس
(1)
، ورجح ابن كثير أنه يعود على القرية
(2)
، ويشهدُ له قوله تعالى:{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} [الأعراف: 136]، وعلى هذا فما بين يديها وما خلفها: ما حولها من القرى.
والنَّكَال: التخويفُ والعقوبة
(3)
.
وقوله: {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)} : أي تذكيرًا وتحذيرًا للمتقين الذين يخافون عذابَ الله، ويتَّقون سخطَه بفعل ما أمرهم به وتركِ ما نهاهم عنه.
{فَجَعَلْنَاهَا} أي تلك العقوبة {نَكَالًا} عبرةً مانعةً من ارتكاب مثل ما عملوا {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفهَا} أي: للأمم التي في زمانها أو بعدها
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 68)، (2/ 72 - 73).
(2)
ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 291 - 292).
(3)
ينظر: «غريب القرآن» للسجستاني (ص 458).
{وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} اللهَ، وخُصُّوا بالذِّكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم.
وقولُ المؤلِّف: (عبرةً مانعةً من ارتكاب مثل ما عملوا): يريد أنَّ من سمع بهذه العقوبة يعتبر نفسه بمَن حلَّتْ به هذه العقوبة بسبب معصيته؛ فيحذر أن يفعلَ فعلهم فيُصيبه ما أصابَهم. وقولُه: (أي: للأمم التي في زمانها أو بعدها): يُبين بهذا المراد: بما بيْن يديها وما خلفها؛ وهم الناسُ الذين كانوا موجودين وقتَ العقوبة والذين جاؤوا مِنْ بعدهم.
وقولُه: (وخُصُّوا بالذِّكر
…
) إلى آخره: يريد أنَّ هذه العقوبةَ موعظةٌ لكلِّ مَنْ سمع بها، ولكنَّ المنتفعين بذلك هم الذين يخافون اللهَ؛ فلذلك خُصُّوا بالذِّكر.
* * *
وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)} [البقرة: 67]:
لا يزال الكلامُ مُتصلًا خطابًا لبني إسرائيل الموجودين زمنَ النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا نقول في قوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى} : واذكروا حين قال موسى لقومه، وقومُه: هم بنو إسرائيل، وهذا خبرٌ من الله عن موسى أنه قال لقومه:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ، وقد بيَّن سبحانه في الآيات التالية سببَ أمرِ بني إسرائيل أن يذبحوا بقرةً، والحكمةَ من ذلك، كما في الآيتين (72 و 73).
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} : إخبارٌ من موسى عليه السلام لقومه أنَّ اللهَ يأمرهم بذبح بقرةٍ، ولَمَّا لم يعقلوا الحكمةَ من هذا الأمر ولم يكن عندهم إيمانٌ يوجُبُ التسليمَ لأمر الله أساؤوا الظنَّ بموسى عليه السلام فقالوا:{أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} ، فظنُّوا أمرَهم بذبح بقرةٍ استهزاءً من موسى بهم، ثم صاروا يتعنَّتون بالأسئلة عن البقرة، عن سِنِّها وعن لونها وعن صفتها، وفي كلِّ مرَّةٍ يدعو موسى ربه فيُجيبهم عمَّا سألوا، فكلَّما سألوا شُدِّد عليهم، ولو امتثلوا من أول الأمر لأجزأهم أيَّ بقرةٍ يذبحونها، ولكنَّهم لم يذبحوها إلَّا بعد تمنُّعٍ وتعنُّتٍ، وما كادوا يفعلون؛ كما قال تعالى:{فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)} [البقرة: 71].
وفي قصَّة البقرةِ ذِكْرُ بعضِ مساوئ بني إسرائيل؛ كجراءتهم على أنبيائهم، وعصيانِهم لأمر الله، وقسوةِ قلوبهم.
{وَ} اذكر {إذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} وقد قُتِل لهم قتيلٌ لا يُدرَى قاتلُه وسألوه أن يدعو الله أن يُبيّنه لهم فدعاه {إِنَّ اللَّه يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا
بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُؤًا} مهزوءًا بنا حيث تُجيبنا بمثل ذلك {قَالَ أَعُوذُ} أمتنع {بِاَللَّهِ} من {أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} المستهزئين.
وقولُ المؤلِّف: (اذكر): الأظهرُ تقدير: اذكروا.
وقولُه: (وقد قُتِل لهم قتيلٌ
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا سببَ الأمرِ بذبح بقرةٍ؛ وهو قصة القتيلِ كما في الآيتين.
وقولُه: (مهزوءًا بنا): يُبيِّن أنَّ هُزوًا مصدرٌ بمعنى اسم المفعول.
وقولُه: (أمتنع): هذا تفسيرٌ لـ {أَعُوذُ} ؛ فالمعنى: أمتنعُ بالله؛ لأنَّ العائذَ يطلبُ من المستعاذ به أن يَعصمَه ويمنعَه مما يضرُّه.
وقولُه: (المستهزئين): تفسيرٌ لـ {الْجَاهِلِينَ} ؛ لأنَّ في الاستهزاء بالخبر عن الله أعظمُ الجهل.
* * *
هذا أوَّل أسئلتهم التعنُّتيَّة، ومضمونُه: السؤالُ عن سنِّ البقرة كما يدلُّ عليه الجواب؛ قال موسى: {إِنَّهُ يَقُولُ} ؛ أي: إن ربي يقول: {بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ} . ومضمونُ الجواب أنها ليست مُسنَّةً ولا صغيرةً، وهو معنى {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} ، بل هي وسطٌ؛ وهو معنى {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} ، والعوانُ من البقر: هي التي ولدت بطنًا أو بطنين
(1)
.
وقوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا
…
} الآية: هذا هو السؤال الثاني عن لونها وقد أجيبوا بأنها صفراء صفرة شديدة مع حسنها، وهو: معنى: {فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)} ؛ يعني: تعجب الناظرين إليها.
وقوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} : هذا هو السؤالُ الثالث، ومضمونُه: السؤالُ عن صِفتها، وقد أُجيبوا بأنها ليست مُذلَّلة بالحرثِ والسقي، ولا ذاتَ ألوانٍ، وهو معنى قوله تعالى:{لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} ؛ أي: ليست عاملةً، وليس في جلدها لونٌ يُخالف لونَها، وهذا معنى قوله:{لَا شِيَةَ فِيهَا}
(2)
.
(1)
قاله مجاهد والثوري. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 87 - 91)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 173، رقم 695).
(2)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 54)، و «المفردات» للراغب (ص 872).
وقوله: {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} : إظهارٌ لقبولهم الأمرَ بذبح البقرة، وقد صَدَقوا وكَذَبوا؛ فصَدَقوا بقولهم لنبي الله موسى:{جِئْتَ بِالْحَقِّ} ، وكَذَبوا في تقييد ذلك؛ بقولهم:{الْآنَ} ؛ يعنون ما أُجيبوا به في سؤالهم الثالث، وقد جاء نبيُّ الله موسى بالحقِّ في كلِّ ما أخبرهم به عن ربه.
وقوله: {فَذَبَحُوهَا} : إخبارٌ من الله بأنهم بعدما أذعنوا بالقول امتثلوا بالفعل بأنْ ذبحوا البقرةَ التي انطبقت عليها تلك الصفاتُ المذكورةُ في الآيات.
وقوله: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)} : أي قبل ذبحِها لم يمكن منهم قربٌ من فعل ما أُمروا به مما يدلُّ على شدَّة إعراضِهم عن الطاعة، ولكنهم لَمَّا قامت عليهم الحجَّةُ أذعنوا، وذلك في قوله:{الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا} .
فلمَّا علموا أنه عزم {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} أي: ما سنُّها؟ {قَالَ} موسى: {إِنَّهُ} أي: الله {يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ} مُسِنَّةٌ {وَلَا بِكْرٌ} صغيرة {عَوَانٌ} نصفٌ {بَيْنَ ذَلِكَ} المذكورِ من السنين {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} به من ذَبْحها. {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} شديدُ الصُّفرة {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} إليها بحسنها؛ أي: تُعجبهم. {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} أسائمةٌ أم عاملةٌ؟ {إِنَّ الْبَقَرَ} أي: جنسَه المنعوت بما ذكر {تَشَابَهَ عَلَيْنَا} لكثرتِه فلم نهتدِ إلى المقصودة {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} إليها. وفي الحديث: ((لو لم يستثنوا لَمَا بُيِّنتْ لهم آخر الأبد))
(1)
. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ} غيرُ مذلَّلةٍ بالعمل {تُثِيرُ الْأَرْضَ} تقلبها للزراعة والجملة صفةُ «ذلول» داخلةٌ في النفي {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} الأرض المهيأة للزراعة {مُسَلَّمَةٌ}
(1)
أخرجه الطبري في تفسيره (2/ 99 - 100) عن قتادة وابن جريج مرسلًا، وبنحوه في «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 141، رقم 722) عن أبي هريرة، به. وفيه سرور بن المغيرة وعباد بن منصور، وهما ضعيفان كما في «الميزان» (3083)، (4141).
من العيوب وآثارِ العمل {لَا شِيَةَ} لون {فِيهَا} غير لونها {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} نطقتَ بالبيان التامِّ. فطلبوها فوجدوها عند الفتى البارِّ بأمِّه فاشتروها بملءِ مَسْكِها ذهبًا {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} لغلاء ثمنها. وفي الحديث: ((لو ذبحوا أيَّ بقرةٍ كانت لأجزأتهم ولكن شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد اللهُ عليهم)).
وقولُ المؤلِّف: (نصفٌ): أي وسطٌ بين الصغيرة والكبيرة.
وقولُه: (المذكور من السنين): يريد أنَّ اسمَ الإشارة راجعٌ إلى الفارض والبكر.
وقولُه: (به مِنْ ذَبْحها): الجارُ والمجرورُ الأوَّلُ متعلِّقٌ بـ {تُؤْمَرُونَ} ، والجارُ والمجرورُ الثاني بيانٌ لِمَا الموصولة في قوله:{مَا تُؤْمَرُونَ} .
وقولُه: (أسائمةٌ أم عاملةٌ؟): بيانٌ لمضمون سؤالهم الثالث كما يدلُّ عليه الجواب.
وقولُه: (لكثرته فلم نهتدِ إلى المقصودة): يريد أنهم اعتذروا في هذه المرَّةِ عن عدم الذبح الذي أُمروا به بتشابه البقر لكثرتها، فلم تتميز البقرةُ المقصودة بما ذكر من سنِّها ولونها؛ لذلك لم يهتدوا إليها، لكنَّهم طَمِعوا أن يهتدوا، وردُّوا ذلك إلى مشيئة الله فأحسنوا. والحديثُ الذي أشار إليه المؤلِّفُ لم يثبتْ مرفوعًا، وقال ابنُ كثير: إنه غريب، وأحسنُ أحواله أن يكون موقوفًا على أبي هريرة
(1)
.
وقولُه: (مُذلَّلةٌ): يريد أنَّ {ذَلُولٌ} فعولٌ بمعنى اسم المفعول.
(1)
ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 300)، ونقل ابن كثير عن الطبري (2/ 98) أثر ابن عباس، قال:«لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم» . وقال: «إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس. وكذا قال عبيدة، والسدي، ومجاهد، وعكرمة، وأبو العالية، وغير واحد» .
وقولُه: (والجملةُ صفةُ «ذلول»
…
) إلى آخره: يريد أنَّ جملةَ {تُثِيرُ} صفةُ {ذَلُولٌ} ، فهي في موضع رفعٍ.
وقولُه: (داخلةٌ في النفي): يعني أنها لا تعمل في حراثةِ الأرض، ولا سقي الحرث؛ أي: سانية
(1)
.
وقولُه: (لون {فِيهَا} غير لونها): يريد أنه ليس فيها لونٌ يُخالِفُ لونَ جلدها.
وقولُه: (نطقت بالبيان التام
…
) إلى آخره: تفسيرٌ لقوله: {جِئْتَ بِالْحَقِّ} .
وقولُه: (فوجودها
…
) إلى آخره: يشيرُ إلى قصةٍ إسرائيليةٍ في شأن البقرة
(2)
.
وقولُه: (لغلاء ثمنها): مبنيٌّ على تلك القصة، فالله أعلم.
وقولُه: (وفي الحديث
…
) إلى آخره: هذا طرفٌ من الحديث المتقدِّم الذي رجَّح ابنُ كثيرٍ وقفه على أبي هريرة.
* * *
(1)
سانية: هي الناقة التي يُستقى عليها. ينظر: «لسان العرب» (14/ 404).
(2)
أي قصة شرائهم البقرة بملءِ مَسْكِها؛ أي: جلدها ذهبًا، ذكرها بعض المفسرين. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 114)، و «تفسير البغوي» (1/ 108).
وقوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)} [البقرة: 72].
المخاطَبون في هذه الآية هم المخاطَبون في الآيات السابقة، وهم بنو إسرائيلَ الموجودون وقتَ نزولِ القرآن، والتقدير في هذه الآية كالتقدير في نظائرها؛ فالمعنى: واذكروا حين قتلتم، فالذين قتلوا وتدارؤوا وكتموا هم الأسلافُ، وأضيف إلى الخالفين لأنهم أمة واحدة، وقد سبق تقريرُ هذا المعنى مرَّات
(1)
.
وقوله: {نَفْسًا} : أي إنسانًا معصومًا.
وقوله: {فَادَّارَأْتُمْ} : أي تدافعتم بدعوى كلٍّ منكم البراءةَ من دم القتيل، ومنكم مَنْ يعلمُ ذلك ويكتمُه
(2)
.
وقوله: {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)} : أي مظهرٌ ما تكتمونه من معرفة القاتل.
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ} فيه إدغامُ التاء في الأصل في الدال؛ أي: تخاصمتم وتدافعتم {فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ} مُظهِرٌ {مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} من أمرِها، وهذا اعتراضٌ، وهو أوَّلُ القصَّة.
وقولُ المؤلِّف: (فيه إدغام التاء في الأصل في الدال
…
) إلى آخره: لأنَّ أصل الفعل تدارأتم، فقُلبت التاءُ دالًا ساكنة وأُدغمت في الدال، فوزن ادارأتم: اتفاعلتم
(3)
.
(1)
تقدم في (ص 106)، و (ص 128).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 119 - 120)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 153)، و «الكشاف» (1/ 284).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 117)، و «المحرر الوجيز» (1/ 253 - 254)، و «الدر المصون» (1/ 434).
وقولُه: (من أمرها): أي من أمرِ النَّفس؛ وهو القتيل
(1)
.
وقولُه: (وهذا اعتراض): يشيرُ إلى قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ} .
وقولُه: (وهو أوَّل القصَّة): يريد أنَّ قتل هذه النفس؛ هو سببُ أمرهم بذبح بقرةٍ، وما تَبِع ذلك من سؤال وجواب.
* * *
(1)
واختاره: الطبري، والشنقيطي، واستظهره أبو حيان. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 123 - 124)، و «البحر المحيط» (1/ 419)، و «العذب النمير» (1/ 144).
وقوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)} [البقرة: 73]:
يخبرُ تعالى أنه أمرهم بعد ذبح البقرة أنْ يضربوا القتيلَ ببعض البقرة؛ أي: ببعضٍ منها، ولم يُعيَّن هذا البعضُ، فيجزئهم الضربُ بأيِّ عضوٍ من أعضائها، أو جزءٍ من أجزائها، ولا معنى للاختلاف في تعيين البعضِ الذي يضربونه به
(1)
.
وقوله: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} : يدلُّ على أنهم لَمَّا ضربوه ببعض البقرة حَيَا، وجاء في الروايات الإسرائيلية أنه تكلَّم، وسمَّى قاتله
(2)
، وظاهرُ القرآن يشهدُ بصحِّة ذلك.
وقوله: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)} : يدلُّ على أنَّ إحياءَ هذا القتيل آيةٌ بينةٌ على قدرة الله على بعث الأموات.
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ} أي القتيلُ {بِبَعْضِهَا} فضُرب بلسانها أو عجبِ ذنبها فحيي، وقال: قتلني فلانٌ وفلانٌ، لابنَيْ عمه، ومات، فحُرِما الميراث وقُتلا. قال تعالى:{كَذَلِكَ} الإحياءُ {يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} دلائلَ قدرتِه {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تتدبرون فتعلمون أنَّ القادرَ على إحياء نفسٍ واحدةٍ قادرٌ على إحياء نفوسٍ كثيرةٍ فتؤمنون.
(1)
قال الطبري: «ولا دلالة في الآية ولا خبر تقوم به حجة على أيِّ أبعاضها التي أُمر القوم أن يضربوا القتيل به» .
وقال ابن كثير: «فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا؛ لبينه الله تعالى لنا، ولكن أبهمه، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نبهمه كما أبهمه الله» . ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 127)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 302).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 125 - 127)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 145، رقم 750، 752).
وقولُ المؤلِّف: (فضُرب بلسانها
…
) إلى آخره: هذا بعضُ ما جاء في الروايات الإسرائيلية، فمنه ما هو حقٌّ؛ وهو ما دلَّ عليه القرآنُ كإحيائه، ومنها ما لا دليلَ عليه؛ كالبعض الذي ذكر أنهم ضربوه به أو أنَّ القاتل ابنا عمِّه، ومثل هذا لا يُصدَّقُ ولا يُكذَّبُ.
وقولُه: (الإحياءُ): يريد أنَّ اسمَ الإشارة في كذلك يرجع إلى إحياء القتيل المفهوم من السياق.
وقولُه: (دلائل قدرته): أي التي منها إحياءُ هذا القتيل.
وقولُه: (تتدبرون
…
) إلى آخره: أي تتدبرون قدرةَ الله على إحياء القتيل؛ فتعلمون قدرته على إحياء الموتى على كثرتهم لقوله: {مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة} [لقمان: 28].
* * *
المخاطَبون في هذه الآية هم المخاطَبون في الآيات السابقة، وهم بنو إسرائيل الحاضرون، والذين قَسَت قلوبُهم: هم بنو إسرائيل المتقدِّمون الذين جَرَت على أيديهم قصَّةُ القتيل وقصَّةُ البقرة؛ يخبر تعالى عنهم بأنها قَسَت قلوبُهم بعدما جرى منهم التدافعُ في أمر القتيل والتعنُّت في شأن البقرة وإظهار الله ما كانوا يكتمون. ومعنى قَسَت قلوبهم: اشتدَّتْ ولم تَلِن بعدما رأوا من آيات الله، فصارت في قسوتها مثل الحجارة أو أشد، ويدلُّ على أنها أشدُّ: أنَّ من الحجارة ما يتفجَّر منها الأنهار، ومنها ما يتشقَّقُ منه الماءُ، ومنها ما يهبطُ من المكان العالي بسبب خشيته لله.
ثم يقول تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} : وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ للذين قَسَت قلوبهم فداموا على المعصية حتى قالوا: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} .
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} أيُّها اليهودُ! صَلُبت عن قبول الحقِّ {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات {فَهْيَ كَالْحِجَارَةِ} في القسوة {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} منها {وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّر مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} فيه إدغامُ التاء في الأصل في الشين {فَيَخْرُج مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} ينزلُ من علو إلى سفل {مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وقلوبكم لا تتأثرُ ولا تلينُ ولا تخشع {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وإنما يؤخِّركم لوقتكم. وفي قراءةٍ بالتحتية، وفيه التفاتٌ عن الخطاب.
وقولُ المؤلِّف: (صَلُبت عن قبول الحقِّ): تفسيرٌ للقسوة بالصلابة، والأصلُ أنَّ هذا في الحسيات، ولكنه استُعمل في المعنويات على وجه الاستعارةِ المكنيَّة؛ إذ شبَّه القلوبَ بالحجارة
(1)
.
وقولُه: (فيه إدغامُ التاء في الأصل في الشين): يريد أنَّ أصلَ {يَشَّقَّقُ} يتشقَّقُ، وسُكِّنت التاءُ ثم أُدغمت في الشين، وعلى هذا فأصلُ {يَشَّقَّقُ} يتشقَّقُ، فوزن الكلمة: يتفعَّل كما تقدَّم في «ادارأتم» .
وقولُه: (وقلوبكم لا تتأثرُ ولا تلينُ ولا تخشع): بيانٌ لحال قلوبهم، وأنها أقسى من الحجارة، فالحجارةُ تتفجَّرُ وتتشقَّقُ وتهبطُ، وقلوبُ أولئك لا تلين ولا تخشع.
وقولُه: (وإنما يؤخِّرُكم لوقتكم): بيانٌ أنَّ إمهالهم لا لغفلةِ الله عنهم؛ بل ليبلغوا آجالهم. وقولُه: (وفي قراءةٍ بالتحتية
…
) إلى آخره: يريد أنَّ للكلمة قراءتين {تَعْمَلُونَ} و {يَعْمَلُونَ}
(2)
، والتحتية: هي الياء؛ لأنها منقوطةٌ من تحت، والقراءةُ بالتاء على الخطاب، وهو المناسبُ لأوَّل الآية، والقراءةُ بالياء فيه التفاتٌ عن الخطاب إلى الغيبة كما ذكر المؤلِّفُ.
* * *
(1)
ينظر: تفسير الألوسي (1/ 294)، و «إعراب القرآن وبيانه» لدرويش (1/ 128).
(2)
قرأ ابن كثير: {عَمَّا يَعْمَلُونَ} بالغيب، وقرأ الباقون:{عَمَّا تَعْمَلُونَ} بالخطاب. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 160 - 162)، «النشر في القراءات العشر» (2/ 217).
قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)} [البقرة: 75]:
ينهى اللهُ - تعالى - المؤمنينَ عن إحسان الظنِّ باليهود والطمعِ في إيمانهم، وهم الذين فريقٌ منهم يسمعون كلامَ الله المنزَّل على موسى، وهو التوراةُ ثم يحرفونه؛ أي: يُغيّرون لفظَه أو معناه بعد ما فهموا مرادَ اللهِ منه، وهم يعلمون قُبحَ فعلِهم، فمَن هذه حالُه لا طمعَ في إيمانهم؛ لأنهم ارتكبوا الباطلَ قاصدين وعامدين، ولهذا قال:{وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)} ، وفي هذا تيئيس للمؤمنين من إيمانهم.
{أَفَتَطْمَعُونَ} أيُّها المؤمنون {أَنْ يُؤْمِنُوا} أي: اليهود {لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ} طائفةٌ {مِنْهُمْ} أحبارهم {يَسْمَعُونَ كَلَام اللَّه} في التوراة {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} يُغيرونه {مِنْ بَعْد مَا عَقَلُوهُ} فهموه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم مُفترون؟ والهمزة للإنكار؛ أي: لا تطمعوا فلهم سابقةٌ في الكفر.
وقولُ المؤلِّف: (أيُّها المؤمنون): بيانٌ للمخاطَبين في الآية.
وقولُه: (أي: اليهود): بيانٌ للمراد في الذين لا طمع في إيمانهم، ويدلُّ له أنَّ الحديثَ في الآيات السابقة عنهم.
وقولُه: (أحبارهم): بيانٌ للمراد بالفريق الموصوفين بالتحريف، وهم علماءُ اليهود، وهذا هو الصحيحُ، والصحيحُ أيضًا: أنَّ المرادَ بكلام الله التوراةُ
(1)
، ولهذا قال المؤلف:(في التوراة).
(1)
وهو قول مجاهد والسدي. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 140 - 141)، و «المحرر الوجيز» (1/ 259)، و «زاد المسير» (1/ 80).
وقولُه: (يُغيّرونه): أي يُغيّرون معانيه بما يوافق أهواءهم، ومن أجل ذلك يُغيّرون حروفَه.
وقولُه: (والهمزةُ للإنكار): يريد أنَّ همزةَ الاستفهام في أوَّل الآية للإنكار الذي معناه النهي، والأحسنُ في إعراب الفاء التي بعد همزة الاستفهام أنها عاطفةٌ على محذوف؛ فيكون التقديرُ: أتحسنون الظنَّ في هؤلاء وحالُهم ما ذُكِرَ، فتطمعون في إيمانهم
(1)
؟
* * *
(1)
ينظر: «البحر المحيط» (1/ 438)، و «الدر المصون» (1/ 440).
وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)} [البقرة: 76]:
يُخبر تعالى عن المنافقين من اليهود أنهم إذا لقوا المؤمنينَ أظهروا لهم الإيمان وقالوا: {آمَنَّا} ؛ أي: قد آمنَّا، وإذا مَضوا إلى شياطينهم، وخلا بعضُهم ببعضٍ فإنهم يحذرونهم أن يُحدِّثوا المسلمين بما أعطاهم الله من العلم في التوراة مما يكون حجَّةً للمسلمين عليهم، وأنَّ ذلك خلافُ العقل؛ لقولهم:{أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)} ، فتبيَّن أنَّ قوله:{أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)} آخرُ ما أخبر اللهُ به من قول الرؤساء المتبوعين لأتباعهم لائمينَ لهم وموبِّخين على تحديثهم المسلمين بما يكون حجَّة لهم عليهم
(1)
.
{وَإِذَا لَقُوا} أي: منافقو اليهود {الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} بأنَّ محمَّدًا نبيٌّ وهو المبشَّرُ به في كتابنا {وَإِذَا خَلَا} رجعَ {بَعْضهمْ إلَى بَعْض قَالُوا} أي: رؤساؤهم الذين لم يُنافقوا لمَن نافقَ {أَتُحَدِّثُونَهُمْ} أي: المؤمنين {بِمَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْكُمْ} أي: عرَّفكم في التوراة من نعت محمَّدٍ {لِيُحَاجُّوكُمْ} ليخاصموكم، واللام للصيرورة {بِهِ عِنْد رَبِّكُمْ} في الآخرة، ويُقيموا عليكم الحجَّةَ في ترك اتّباعه مع علمكم بصدقِه {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أنهم يُحاجُّونكم إذا حدَّثتموهم فتنتهوا؟
(1)
قيل: هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين، وقيل: هو من قول الأحبار للأتباع، واختار هذا القول: الطبري، والطاهر بن عاشور. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 151)، و «المحرر الوجيز» (1/ 261)، و «البحر المحيط» (1/ 442 - 443)، و «التحرير والتنوير» (1/ 572).
وقولُ المؤلِّف: (وهو المبشَّرُ به في كتابنا): يشير إلى معنى: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} . وقولُه: (رجع): يُشير إلى أنَّ {خَلَا} في الآية ضُمِّن معنى: «رجع» بدليل التعدية بـ «إلى»
(1)
.
وقولُه: (أي: رؤساؤهم
…
) إلى آخره: يُشيرُ إلى أنَّ الواو في {قَالُوا} تعودُ إلى بعض الثانية المخفوضة بـ «إلى» ، وهم الرؤساءُ الذين سُمُّوا في الآية السابقةِ في أوَّلِ السورة بالشياطين.
وقولُه: (أي: المؤمنين): بيانٌ لمرجع الضمير المنصوب في قوله: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ} .
وقولُه: (أي: عرفكم
…
) إلى آخره: تفسيرٌ للفتح بالمعرفة، ولا ريب أنَّ العلمَ بالحقِّ فتحٌ يفتحُه اللُه لِمَنْ يشاء؛ المعنى: أتحدثون المؤمنين بما تعلمون من صفة محمد صلى الله عليه وسلم فيحتجُّون عليكم بذلك؟
وقولُه: (واللام للصيرورة
…
) إلى آخره: يريد أنَّ اللام في قوله: {لِيُحَاجُّوكُمْ} لامُ العاقبةِ وليست للتعليل؛ فالمعنى: إذا حدَّثتموهم يؤول الأمرُ بكم وبهم إلى أنْ يُخاصموكم عند ربكم بعلمكم بصفة محمد صلى الله عليه وسلم
(2)
.
* * *
(1)
ينظر: «البحر المحيط» (1/ 441).
(2)
ينظر: «البحر المحيط» (1/ 441 - 442).
وقوله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)} [البقرة: 77]:
هذا توبيخٌ وتهديدٌ من الله للمنافقين ورؤسائهم على ما فعلوا من النفاق وتلقّيهم الوصايا من رؤسائهم، هذا مع علمهم أنَّ الله يعلم ما يُسرِّون وما يعلنون.
قال تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ} الاستفهامُ للتقرير والواو الداخلُ عليها للعطف {أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} ما يُخفون وما يُظهرون من ذلك وغيره فيرعووا عن ذلك.
وقولُ المؤلِّف: (والواو الداخلُ عليها للعطف): يريد أنَّ الواو التي بعد الهمزة عاطفةٌ للجملة التي بعدها على جملةٍ محذوفةٍ بعد الهمزة؛ فالتقدير: أيفعلون ذلك ولا يعلمون أنَّ اللهَ يعلم ما يُسرِّون وما يُعلنون؟ فأفادتِ الآية عِلمَ اللهِ بكلِّ ما يُسِرُّون وما يعلنون؛ لأنَّ «ما» من صيغ العموم.
وقولُه: (فيرعووا عن ذلك): أي يرجعوا عن نفاقهم وإفسادهم خوفًا من الله تعالى الذي يعلم ما يُسرِّون وما يُعلنون.
* * *
وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)} [البقرة: 78]:
يخبر تعالى أنَّ من اليهود فريقًا آخر هم أُمِّيُّون لا يفهمون معاني كتابهم التوراة، فلا يعلمون منها إلَّا التلاوة، وهو معنى {أَمَانِيَّ} ، فهم يعلمون ألفاظها، ولا يعلمون معانيها، إلَّا ظنٌّ يظنونه، وهؤلاء هم عوامهم، وهذا على أحد القولين في تفسير:{أَمَانِيَّ} ؛ وهو أنَّ {أَمَانِيَّ} جمع أمنية؛ أي: قراءة
(1)
، وضعَّفَ ابنُ جرير هذا القولَ
(2)
وكذا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
(3)
، وقالوا: أنَّ هذا يناقض قوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} ، والأُميُّ هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، فكيف مع ذلك يوصفون بالعلم بقراءة الكتاب؟ والاستثناء على هذا القول متصلٌ.
والقول الثاني في الأماني: أنها الأحاديثُ الباطلةُ والتَّخرُّصات والتشهِّيات التي يُمنُّون بها أنفسهم
(4)
، ومن ذلك قولهم:{لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} ، قال الله:{تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: 111].
وقولهم: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} ، قال الله:{بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)} [البقرة: 135]. وقال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]. والاستثناء على
(1)
نسب هذا القول للكسائي وأبي عبيدة، واختاره الواحدي والجرجاني والسعدي. ينظر:«التفسير البسيط» (3/ 85 - 86)، و «درج الدرر» (1/ 213)، و «تفسير السعدي» (1/ 71)، وشيخ الإسلام يرجح هذا القول في الكثير من كتبه. ينظر:«درء التعارض» (1/ 77) و «مجموع الفتاوى» (14/ 71)(16/ 12)(17/ 433).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 158).
(3)
ينظر: «أضواء البيان» (1/ 94 - 95)، و «العذب النمير» (1/ 166 - 167).
(4)
وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبي العالية، واختاره الفراء. ينظر:«معاني القرآن» للفراء (1/ 49 - 50)، و «تفسير الطبري» (2/ 156 - 157)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 152).
هذا القول منقطع؛ فالمعنى: لا يعلمون الكتابَ لكن يتمنَّون أماني لا حقيقةَ لها، ويدَّعون من عِلم الكتاب ما ليسوا منه في شيءٍ، ومع ذلك هم شاكون، ولهذا قال تعالى:{وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)} ، والظنُّ في هذا الموضع هو الشكُّ.
{وَمِنْهُمْ} أي اليهود {أُمِّيُّونَ} عوام {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} التوراةَ {إلَّا} لكن {أَمَانِيَّ} أكاذيبَ تلقَّوها من رؤسائهم فاعتمدوها {وَإِنْ} ما {هُمْ} في جحد نبوة النبي وغيره مما يختلقونه {إلَّا يَظُنُّونَ} ظنًّا، ولا عِلم لهم.
وقولُ المؤلِّف: (أكاذيب
…
) إلى آخره: هذا مضمون القول الثاني في معنى أماني.
وقولُه: (ما): هذا تفسير: لـ «إنْ» يريد أن يبين أنها نافية.
وقولُه: (في جحد
…
) إلى آخره: يُبيّن أنَّ اليهود لا مُستند لهم في أقوالهم الباطلة إلَّا الظن، والظنُّ أكذبُ الحديث.
* * *
وقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)} [البقرة: 79].
المخبَر عنهم في هذه الآية بالكذب على الله فيما يكتبونه ليتوصلوا بذلك إلى عَرَض من الدنيا من مالٍ أو رئاسةٍ، الظاهرُ أنهم الفريق الذين وصفوا بأنهم يسمعون كلامَ الله ثم يُحرِّفونه، أو هم فريقٌ منهم وقد توعَّدهم الله في هذه الآية بالويل ثلاث مرات، والويل: هو العذابُ الشديدُ.
{فَوَيْلٌ} شدة عذاب {لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ} أي مُختلقًا من عندهم {ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} من الدنيا وهم اليهود، غيروا صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وآيةَ الرجم وغيرها، وكتبوها على خلاف ما أُنزل {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} من المختلق {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} من الرُّشا.
وقولُ المؤلِّف: (شدة عذاب): هذا أحسنُ وأجمعُ ما فُسِّرَ به الويل
(1)
، وقد ذُكر في سياق الدعاء عليهم والوعيد لهم.
وقولُه: (مُختلقًا من عندهم): يُبيِّن أنَّ الذي يكتبونه ليس هو التوراة المنزلة؛ بل كذبٌ يفترونه ويزعمون أنه من التوراة.
وقولُه: (من الدنيا وهم اليهود
…
) إلى آخره: يُبيِّن أنَّ المذكورين في الآيات المذمومين هم اليهود، وأنَّ غايتهم الحظُّ العاجلُ، وهو متاعُ الدنيا،
(1)
روي عن ابن عباس بنحوه، ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 162)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 160).
ومتاعُ الدنيا قليلٌ ولو كانت كلها؛ كما يُبيّن المؤلِّفُ أنَّ ممَّا حرَّفوه أو كتموه صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)} [البقرة: 80]:
يذكر تعالى في هذه الآية بعض أقوال اليهود الباطلة؛ التي افتروها على الله، وهو قولهم:{لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} ؛ أي: قليلة، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى في آل عمران:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)} [آل عمران: 24]، وقد أكذبهم الله في الآية التالية بقوله:{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)} .
وقوله تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)} : الاستفهام للإنكار الذي يؤول إلى النفي. و {أَمْ} هي: المنقطعة المؤولة بـ «بل» وهمزة الاستفهام، فالمعنى: بل أتقولون على الله ما لا تعلمون؟
(1)
، وهذا استفهام توبيخٍ لهم على افترائهم الكذب على الله، ومَن قال على الله بغير علم فهو مفترٍ كذاب.
{وَقَالُوا} لَمَّا وعدهم النبيُّ النارَ {لَنْ تَمَسَّنَا} تُصيبنا {النَّارُ إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} قليلةً، أربعين [يومًا]
(2)
، مدَّة عبادة آبائهم العجل ثم تزول {قُلْ} لهم يا محمد {أَتَّخَذْتُمْ} حذف منه همزة الوصل استغناءً بهمزة الاستفهام {عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا} ميثاقًا منه بذلك {فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} به؟ لا {أَمْ} بل {تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
(1)
ينظر: «الكشاف» (1/ 289)، و «البحر المحيط» (1/ 448 - 449).
(2)
ما بين معكوفتين مثبتة في طبعة دار السلام وابن كثير وحاشية الصاوي، وأثبتها شيخنا وقال:«لا بد منها» .
وقولُ المؤلِّف: (أربعين يومًا
…
) إلى آخره: هذا من الإسرائيليات؛ فلا يجزم بأنه مُرادهم بالأيام المعدودة
(1)
.
وقولُه: (حذف منه همزة الوصل
…
) إلى آخره: يُبيّن أنَّ فعل «اتخذ» كان مبدوءًا بهمزة وصل مكسورة فلما اتصل الفعل بهمزة الاستفهام سقطت همزة الوصل.
وقولُه: (ميثاقًا منه بذلك): تفسيرُ العهد من الله بالميثاق فيه نظرٌ، إذ لم يرِدْ أَخذُ الميثاق من الله، والأولى تفسيرُ العهد من الله بالوعد المؤكَّدِ الذي لا يُخلَف
(2)
.
* * *
(1)
وهذا قول قتادة والسدي وعكرمة وأبي العالية، ورواه الضحاك عن ابن عباس، ثم اختلفوا في سبب تقديرهم لها بالأربعين، وقيل في الأيام المعدودة غير ذلك. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 170 - 176)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 155 - 156)، و «المحرر الوجيز» (1/ 265 - 266).
(2)
ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 313)، و «التحرير والتنوير» (1/ 580).
وقوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)} [البقرة: 81 - 82]:
يُبيِّنُ تعالى في هاتين الآيتين أنَّ مصيرَ الكافرين النار خالدين فيها، ومصيرَ المؤمنين الجنة خالدين فيها.
وقوله: {بَلَى} : ردٌّ لِمَا تزعمُه اليهود من قولهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} . والسيئة هي الكفر. ومعنى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} : أي غَلبت عليه سيئاته فلا يصلُ إليه خيرٌ من أي جانب، وبهذا استوجبوا دخول النار والخلود فيها، وأمَّا {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فمصيرُهم الجنة خالدين فيها. فهذان الفريقان - فريقُ السُّعداء وفريقُ الأشقياء - نقيضان في أحوالهما وأعمالهما ومآلهما.
{بَلَى} تمسُّكم وتَخلدون فيها {مَنْ كَسَبَ سَيِّئَة} شركًا {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَته} بالإِفراد والجمع أي: استولت عليه وأحدقت به من كلِّ جانبٍ بأن مات مشركًا {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} رُوعي فيه معنى «من» . {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
وقولُ المؤلِّف: (تمسُّكم، وتَخلدون فيها): يُبيِّنُ بهذا أن {بَلَى} تُفيد إبطالَ النفي، وإثباتَ المنفي في قولهم:{لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} .
وقولُه: (شركًا): تفسيرٌ للسيئة الموجبة للكفر والخلود في النار
(1)
.
(1)
قاله ابن عباس وأبو وائل ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 178 - 181)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 157).
وقولُه: (بالإفراد والجمع): يريد أنَّ خطيئةَ فيها قراءتان: خطيئة وخطيئات
(1)
.
وقولُه: (استولت عليه): يعني غلبت عليه، فلا يفعل خيرًا حتى مات كافرًا فاستحقَّ الخلود في النار.
وقولُه: (رُوعي فيه معنى «من»): يريد أنَّ خالدون - وهو جمع - روعي فيه معنى: «مَنْ» في قوله: {مَنْ كَسَبَ} ، فإنَّ لفظَها مفردٌ ومعناها الجمع.
* * *
(1)
قرأ أبو جعفر ونافع: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ} بالألف على الجمع، وقرأ الباقون:{خَطِيئَتُهُ} بغير ألف على واحدة. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 162)، و «النشر» (2/ 218).
في هذه الآية عودٌ إلى خطاب اليهود؛ لتذكيرهم بنعم الله على آبائهم وما جرى منهم من المخالفات، وما حلَّ بهم من العقوبات، وفي كلِّ ما تقدَّم تُضافُ هذه الأمور إلى المخاطبين لكن في هذا الموضع أُضيف أخذُ الميثاق إلى بني إسرائيل فيشمل الأولين منهم والآخرين. وفي ذكرهم بنسبهم الذي عُرفوا به تجديدٌ لِمَا افتتح به الخطاب في قوله تعالى:{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، ولينبني عليه خطابهم في الآيتين التاليتين، وقد دلَّت هذه الآية على ما تضمَّنه الميثاقُ وهو ثمانيةُ أمور:
1 -
أنهم لا يعبدون إلا الله.
2 -
الإحسان إلى الوالدين.
3 -
الإحسان إلى ذوي القربى.
4 -
الإحسان إلى اليتامى.
5 -
الإحسان إلى المساكين.
6 -
أن يقولوا للناس حسنًا؛ أي: قولًا حسنًا.
7 -
إقام الصلاة.
8 -
إيتاء الزكاة.
والخطاب في قوله: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
…
} إلى آخره، لبني إسرائيل كلهم.
وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} : أي أعرضتم عن العمل بالميثاق.
وقوله: {إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} : يدلُّ على أنهم لم يُعرضوا كلّهم بل أعرض أكثرُهم؛ فمعنى الآية: واذكروا حين أخذنا ميثاق بني إسرائيل بألا يعبدوا إلَّا الله ويحسنوا بالوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، ويقولوا للناس حسنًا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولكنه قد تولَّى عن العمل بهذا الميثاق كثيرٌ منهم أو أكثرُهم.
والخطابُ في أول الآية وآخرها لأهل الكتاب الموجودين زمنَ النبوة، خصوصًا اليهود الذين حول المدينة. والخطاب في قوله: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
…
} إلى آخره: لبني إسرائيل الذين أَخذ اللهُ منهم الميثاق.
{وَ} اذكر {إذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل} في التوراة وقلنا: {لَا تَعْبُدُونَ} بالتاء والياء {إِلَّا اللَّهَ} خبرٌ بمعنى النهي. وقُرئ {لا تعبدوا} {وَ} أحسنوا {بِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا} برًّا {وَذِي الْقُرْبَى} القرابة عطف على الوالدين {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَقُولُوا لِلنَّاسِ} قولًا {حَسَنًا} من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد، والرفق بهم، وفي قراءةٍ بضمِّ الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة {وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة} فقبلتم ذلك {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن الوفاء به، فيه التفاتٌ عن الغيبة، والمرادُ: آباؤهم {إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} عنه كآبائكم.
وقولُ المؤلِّف: (اذكر): جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولعلَّ الذي أوجب له ذلك التصريحُ بذكر بني إسرائيل بالاسم الظاهر، والأظهرُ أنه خطابٌ لبني إسرائيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
، يُذكرهم تعالى الميثاق الذي أخذ
(1)
واختاره: الطبري، وابن عطية، وابن كثير، وابن عاشور. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 187)، و «المحرر الوجيز» (1/ 268)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 316)، و «التحرير والتنوير» (1/ 582).
على آبائهم؛ كقوله تعالى في آيتين من هذه السورة: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} . وتقدَّمَ بيانُ وجه جعل الخطاب لبني إسرائيل الموجودين زمن النبي صلى الله عليه وسلم تذكيرًا لهم بنعم الله على آبائهم ليشكروها
(1)
.
وقولُه: (في التوراة
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا أنَّ الميثاق الذي أخذه اللهُ من بني إسرائيل بما تضمَّنه من الشرائع المذكورة في هذه الآية هو مما أنزله الله في التوراة.
وقولُه: (بالتاء والياء): يُبيِّنُ أنَّ في قوله: {لَا تَعْبُدُونَ} قراءتين؛ {لا تعبدون} و {لا يعبدون}
(2)
، ومعناهما: واحد، وهو طلبٌ بصيغة الخبر.
وقولُه: (أحسنوا): هذا تقديرُ الفعل المحذوف المعطوف على النهي؛ المفهوم من قوله: {لَا تَعْبُدُونَ} . {وَبِالْوَالِدَيْن} : مُتعلِّقٌ بـ «وأحسنوا» .
وقولُه: (عطف على الوالدين): فيكون المعنى: وأحسنوا بذي القربى إحسانًا واليتامى والمساكين. وقولُه: (قولًا): يُبيِّنُ أنَّ {حَسَنًا} صفةٌ لموصوفٍ محذوف تقديره: قولًا حسنًا.
وقولُه: (من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
…
) إلى آخره: بيانٌ للقول الحسن وأنه عامٌّ لكلِّ قولٍ سديد يرضاه الله تعالى.
وقولُه: (وفي قراءة
…
) إلى آخره: يُبيّنُ أنَّ في الكلمة قراءتين: {حسنًا} بفتح الحاء والسِّين، وبضمِّ الحاء وسكون السين
(3)
، وهو على هذه القراءة
(1)
ينظر (ص 106)، و (ص 128).
(2)
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ: {لا يَعْبُدُونَ} بالياء، وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر:{لا تَعْبُدُونَ} بالتاء. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 162)، و «النشر» (2/ 218).
(3)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر: {حُسْنًا} بالضم والتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي:{حَسَنًا} بالفتح والتثقيل. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 162)، و «النشر» (2/ 218).
مصدرٌ وصف به مبالغة، فإنَّ الوصفَ بالمصدر يدلُّ على كمال الصفة في الموصوف؛ كقولك: زيدٌ عدلٌ؛ أي: عادلٌ. وهذا قولٌ حُسن؛ أي: حَسَنًا.
وقولُه: (فقبلتم ذلك): يريد أنَّ كلَّ ما تقدَّم من أمرٍ أو نهيٍ داخلٌ في الميثاق، وأنَّ بني إسرائيل قبلوا ذلك؛ كما يدلُّ له قوله:{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} .
وقولُه: (أعرضتم عن الوفاء به): يُبيِّنُ أنَّ معنى {تَوَلَّيْتُمْ} : أعرضتم، فعُلم أنهم لم يَفوا بالميثاق.
وقولُه: (فيه التفاتٌ عن الغيبة، والمراد: آباؤهم): يريد أنَّ في قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} التفاتٌ؛ أي: انتقالٌ عن الخبر عن بني إسرائيل بأخذ الميثاق منهم إلى خطاب بني إسرائيل الموجودين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهم اليهود، والمرادُ: توبيخُ الموجودين، والخبر عن أسلافهم، كما قيل في نظائر ذلك في الآيات السابقة؛ كقوله:{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} [البقرة: 52]، {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: 56]، {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} [البقرة: 57].
وقولُه: (عنه كآبائكم): يريد وأنتم يا معشر يهود، مُعرِضون عن موجب الميثاق كما أعرض آباؤكم من قبل، وعلى هذا فالجملةُ مُستأنفةٌ، فكأنه قيل: وأنتم مُعرضون كما أعرض أباؤكم، فتضمَّنت الآية الخبرَ عن إعراض الآباء في قوله:{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} ، وعن إعراض الأبناء في قوله:{وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}
(1)
.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 200)، و «معاني القرآن» الزجاج (1/ 164)، و «التحرير والتنوير» (1/ 584).
الخطابُ لبني إسرائيل الموجودين زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهم اليهود حول المدينة كما تقدَّم في نظائر هذه الآية، والتقدير: واذكروا حين أخذنا ميثاقكم؛ أي: عهدكم المؤكد، وهو العهد الذي أُخِذ على آبائهم، وموجبه لازم لهم.
وقوله: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} : بيانٌ لِمَا تضمَّنه الميثاقُ من التكليف، وهو أمران:
الأول: ألَّا يسفكوا دماءهم؛ أي: لا يقتل بعضهم بعضًا.
والثاني: ألَّا يُخرجوهم من ديارهم؛ أي: بإجلائهم عنها.
وقوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)} : أي قبلتم ما تضمَّنه الميثاقُ ووافقتم عليه وأنتم تشهدون بذلك على أنفسكم، ثم أنتم يا هؤلاء المخاطَبون بهذا القرآن بعد ذلك تنقضون الميثاقَ؛ فيقتل بعضُكم بعضًا ويُخرج بعضُكم بعضًا من ديارهم.
وقوله: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} : يعني: تتعاونون على إخراجهم بالإثم والعدوان؛ أي: بغير حق.
وقوله: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} : يعني: مَنْ وقع في الأسر منهم لدى العدو تُفادوهم؛ أي: تفتكُّوهم ببذل فدائهم، وهذا مما يجب عليكم
وهو من الإيمان بالكتاب، وقتالهم هو من الكفر بالكتاب، ولهذا قال تعالى:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} .
وقوله: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} : تأكيدٌ لِمَا تضمَّنه الميثاقُ من النهي عن إخراج بعضهم من أهل مِلتهم من ديارهم.
وقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} : إنكارٌ على اليهود وتوبيخٌ لهم على نقضهم الميثاق وتناقضهم في الإيمان بالكتاب، إذ يقتل بعضُهم بعضًا، ويخرجونهم من ديارهم، وإذا أُسر أحدٌ منهم عند عدوهم فادوهم، فمُفاداةُ أسراهم هو من الواجب عليهم، وهو من إيمانهم بالكتاب، وقتل بعضهم بعضًا هو من كُفْرهم بالكتاب، وهذا معنى قوله تعالى:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} .
ويوضِّحُ المفسِّرون مضمون الآيتين بذكر ما تُشير إليه من حال اليهود بعضهم مع بعضٍ قبل مَبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فيذكرون أنَّ اليهودَ الذين كانوا حول المدينة ثلاثُ قبائل: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، وكان جيرانُهم الأوس والخزرج، وهم مشركون عُبَّاد أوثان، تكون بينهم حروب في الجاهلية، وكان بين اليهود والأوس والخزرج حِلفٌ، فيقاتل اليهود بعضهم بعضًا كل مع حلفائه، فيقتلونهم ويُخرجونهم من ديارهم
(1)
، وهذا ما نهاهم الله عنه في الميثاق بقوله:{لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} ، ثم إذا أُسر أحدٌ من اليهود عند الأوس أو الخزرج فإنَّ اليهود يُفادونهم وهو واجبٌ عليهم في التوراة، وقتلُ بعضهم بعضًا وإخراجهم من ديارهم حرامٌ عليهم في التوراة، ولهذا قال الله:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} .
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 207 - 209)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 164، رقم 860)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 319).
ثم توعَّد اللهُ اليهودَ على ذلك بالخزي في الدنيا وبأشدِّ العذاب في الآخرة فقال: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} ، ثم أخبر تعالى أنَّ علمَه محيطٌ بأعمالهم فقال:{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)} ، ثم بيَّن سبحانه أنَّ الذي حملهم على ما فعلوا من الكفر بالكتاب ونقض الميثاق هو إيثارُ الدنيا على الآخرة فقال تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} .
الإشارة إلى الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، يُخبر تعالى عنهم بأنهم آثروا الدنيا على الآخرة فاستبدلوا الدنيا بالآخرة، وجعلوا حظوظ الدنيا عوضًا عن حظِّ الآخرة؛ لذلك يصيرون في الآخرة إلى أشد العذاب ولا يُخفَّفُ عنهم العذابُ، ولا هم يُنصرون فيُنقذون من العذاب.
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ} وقلنا {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} تُريقونها بقتل بعضكم بعضًا {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ} لا يُخرجْ بعضُكم بعضًا من داره {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} قبلتم ذلك الميثاق {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} على أنفسكم. {ثُمَّ أَنْتُمْ} يا {هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسكُمْ} يقتل بعضُكم بعضًا {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارهمْ تَظَّاهَرُونَ} فيه إدغامُ التاء في الأصل في الظاء. وفي قراءةٍ بالتخفيف على حذفها: تتعاونون {عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ} بالمعصية {وَالْعُدْوَان} الظلم {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى} وفي قراءةٍ {أَسْرَى تَفْدُوهُمْ} وفي قراءة {تُفَادُوهُمْ} تُنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره، وهو مما عهد إليهم {وَهْوَ} أي الشأن {مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إخْرَاجُهمْ} متصلٌ بقوله:{وَتُخْرِجُونَ} ، والجملةُ بينهما اعتراضٌ؛ أي كما حرم ترك الفداء، وكانت قريظة حالفوا الأوس، والنضير الخزرج، وكان كلُّ فريقٍ يُقاتلُ مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم، فإذا أسروا فدوهم، وكانوا إذا سئلوا لم
تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: أمرنا بالفداء، فيقال فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن يستذل حلفاؤنا. قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَاب} وهو الفداءُ {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} وهو تركُ القتل والإخراج والمظاهرة {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلَّا خِزْيٌ} هوانٌ وذلٌّ {فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} وقد خُزوا بقتل قريظة ونفي النضير إلى الشام وضرب الجزية {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلونَ} بالياء والتاء {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} بأن آثروها عليها {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} يُمنعون منه.
وقولُ المؤلِّف: (فيه إدغامُ التاء
…
) إلى آخره: يُبيّن أنَّ قوله: {تَظَّاهَرُونَ} أصلُها تتظاهرون، وفيها قراءتان بحذف التاء الثانية وتخفيف الظاء {تَظَاهَرُونَ} ، والقراءةُ الأخرى بتسكين التاء الثانية وإدغامِها في الظاء مع التشديد {تَظَّاهَرُونَ}
(1)
، وهي القراءة الأولى التي ذكرها المؤلف. والتظاهرُ: التعاون
(2)
، وفسَّر المؤلفُ الإثم بالمعصية والعدوان بالظلم، فعَطْفُ العدوانِ على الإثم من عطفِ الخاص على العام.
وقولُه: (وفي قراءة أسرى
…
) إلى آخره: يُشير إلى القراءات في الآية، ففي {أسرى} قراءتان:{أَسْرَى} و {أُسَارَى} ، وفي كلٍّ من القراءتين قُرِئَ {تُفَادُوهُمْ} و {تَفْدُوهُمْ}
(3)
.
(1)
قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف: {تَظَاهَرُونَ} خفيفة الظاء، وقرأ الباقون:{تَظَّاهَرُونَ} مشددة الظاء. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 163)، و «الحجة للقراء السبعة» (2/ 130 - 131).
(2)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 57)، و «المفردات» للراغب (ص 540).
(3)
قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم والكسائي ويعقوب: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} بالألف جميعًا، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ابن عامر:{أُسَارَى} بالألف {تَفْدُوهُمْ} بغير ألف، وقرأ حمزة وحده:{أَسْرَى تَفْدُوهُمْ} بغير ألف فيهما. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 164)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 218).
وقولُه: (وهو مما عهد إليهم): يعني مفاداة الأسرى ممَّا فرض عليهم.
وقولُه: (الشأن): يريد أنَّ الضميرَ المنفصل هو ضميرُ الشأن، وتُفسِّرُه الجملةُ بعده.
وقولُه: (متَّصلٌ بقوله: {وَتُخْرِجُونَ}): يريد أنَّ قوله: {وَهْوَ مُحرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} مُتعلِّق بقوله: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا} ، فالمعنى: وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، والحال أنَّ ذلك الإخراجَ حرامٌ عليكم.
وقولُه: (والجملة بينهما اعتراض
…
) إلى آخره: الجملةُ المعترضةُ هي قوله: {تَظَّاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفْدُوهُمْ} .
وقولُه: (وهو الفداء)، وقولُه:(وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة): يُبيِّنُ أنهم مأمورون في التوراة بذلك كلِّه، فامتثلوا في المفاداة، وهذا هو إيمانهم ببعض الكتاب، ولم يمتثلوا في ترك القتال والإخراجِ والمظاهرةِ؛ بل قتلوا وأخرجوا، وهذا هو البعضُ الذي كفروا به من الكتاب.
وقولُه: (وقد خُزوا
…
) إلى آخره: يريد أنَّ الخزي الذي توعَّد به في الدنيا قد تحقَّقَ بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وضرب الجزية.
وقولُه: (بالياء والتاء): يريد أنَّ في {يعملون} قراءتين {تَعْمَلُونَ} و {يَعْمَلُونَ}
(1)
.
* * *
(1)
قرأ نافع وابن كثير ويعقوب وخلف وأبو بكر {يَعْمَلُونَ} بالغيب، وقرأ الباقون بالخطاب. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 160 - 161)، و «النشر» (2/ 218).
يُخبر تعالى في هذه الآية أنه آتى موسى عليه السلام الكتابَ؛ وهو التوراة، وإن كان قد تقدَّم الخبرُ بذلك في قوله تعالى:{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} ، ثم أخبر بذلك في هذه الآية تمهيدًا لِمَا سيذكره بعدُ من إرسال الرُّسل وإيتاء عيسى البيِّنات وتأييده بروح القدس، وإنكاره تعالى على بني إسرائيل استكبارَهم عن اتّباع الرُّسل الذين أُرسلوا إليهم منهم فكذبوهم وقتلوا بعضهم.
وقوله: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} : يعني: وأرسلنا من بعده رسلًا وهم أنبياء بني إسرائيل المتعبدون بشريعة التوراة، وسمَّاهم رسلًا لأنهم مأمورون بالدعوة إلى الله والحكم بين الناس بالتوراة، وخصَّ منهم عيسى بن مريم عليه السلام فقال:{وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} ، والبينات: هي الآيات التي أجراها الله على يده عليه السلام، إذ جعله يخلق من الطين كهيئة الطيرِ فينفخُ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، ويُبرئُ الأكمه والأبرص ويُحي الموتى - بإذن الله -، وروح القدس قيل: جبريل، وقيل: الوحي الذي به حياةُ القلوب والأرواح
(1)
، والقُدُسُ: هو الطُهر
(2)
، وإضافةُ الرُّوحِ إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة.
وقوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ} : الخطابُ لليهود الذين كانوا زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والاستفهامُ توبيخٌ لليهود المخاطبين على استكبار آبائهم على مَنْ أُرسل إليهم، ففريقًا من الرسل كذَّبوه وفريقًا قتلوه، وإنما استحقَّ اليهودُ الذمَّ والتوبيخَ لأنهم مشوا على طريق أسلافهم في تكذيب الرسل وعداوتهم.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 221 - 223)، و «المحرر الوجيز» (1/ 278).
(2)
قاله ابن عباس. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 223).
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} التوراة {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} أي: أتبعناهم رسولًا في أثر رسول {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} المعجزات؛ كإحياء الموتى وإبراءِ الأكمه والأبرص {وَأَيَّدْنَاهُ} قوَّيناه {بِرُوحِ الْقُدُسِ} من إضافة الموصوف إلى الصفة؛ أي: الروح المقدسة: جبريل، لطهارته يسير معه حيث سار. فلم تستقيموا {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى} تُحبُّ {أَنْفُسُكُمْ} من الحقِّ {اسْتَكْبَرْتُمْ} تكبَّرتم عن اتِّباعه جواب «كُلَّمَا» وهو محل الاستفهام، والمراد به التوبيخ {فَفَرِيقًا} منهم {كَذَّبْتُمْ} كعيسى {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} المضارع لحكاية الحال الماضية. أي: قتلتم؛ كزَكريا ويحيى.
وقولُ المؤلِّف: (يسير معه حيث سار): بيانٌ لنوعٍ من التأييد وهو أنَّ جبريل يسير مع المسيح حيث سار.
وقولُه: (جواب «كُلَّمَا»): يُبيّن بذلك أنَّ «كلَّما» أداةُ شرطٍ، ففعل الشرط {جَاءَكُمْ} ، وجوابُ الشرط {اسْتَكْبَرْتُمْ} فكذبتم أو قتلتم.
وقولُه: (وهو محلُّ الاستفهام): يريد أنَّ جوابَ الشرط هو مُتعلِّق الاستفهام.
وقولُه: (والمرادُ به التوبيخ): يعني: المراد بالاستفهام التوبيخ.
وقولُه: (المضارع لحكاية الحال الماضية): يُبيِّنُ أنَّ المضارع ليس خبرًا عن حال حاضرة بل خبرًا عن حال ماضية؛ لأنَّ القتلَ كان في الماضي؛ فالمعنى: فريقًا كذبتم ولم تقتلوهم، وفريقًا كذَّبتموهم وقتلتموهم، وفي الآية دلالةٌ على أنَّ عِنادَ بني إسرائيل وتعنَّتهم لم يقتصر على رسولهم موسى عليه السلام؛ بل كانت حالهم مع الرسل من بعد موسى كحالهم مع موسى عليه السلام، إلى أن جاء نبيُّنا
محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، فكان اليهودُ من أشد الناس عداوةً له وتكذيبًا وحسدًا، وبهذا يتبيَّنُ أنَّ هذه الآية نظير الآيات التي خُوطب بها بنو إسرائيل الموجودون زمن النبي صلى الله عليه وسلم التي أولها:{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} .
* * *
يُخبر تعالى في هذه الآية عن اليهود الذين كانوا هم المخاطَبين في الآيات السابقة، أخبر عنهم بلفظ الغيبة، ففيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبية أنهم قالوا معتذرين عن عدم قبول دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الاستهزاء أنَّ قلوبَهم غُلْفٌ؛ أي: عليها غشاءٌّ يمنعها من الفهم، و {غُلْفٌ}: جمعُ أغْلف، وهو الذي في غلاف
(1)
، وهذا نظيرُ ما أخبر اللهُ به عن المشركين في قوله:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5].
ثم أكذبهم اللهُ في زعمهم عدمَ الفهم لِمَا جاء به الرسولُ، فبيَّن سبحانه أنَّ عدم إيمانهم بسبب أن لعنهم الله بسبب كُفْرهم أوَّل مرة، وطبع على قلوبهم كما قال تعالى:{وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155)} [النساء: 155]، وقال هنا:{بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)} ، واللعن من الله: هو الإبعاد من الرحمة.
ثم أخبر تعالى عن حال اليهود مع القرآن فقال: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ} : أي القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ومن نعته أنه مصدقٌ لِمَا معهم من كتب الله، وهي التوراة والإنجيل؛ أي: شاهدٌ لها بالصِّدق؛ كما في قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ} [آل عمران: 3 - 4]، ودالٌّ على ما دلَّت عليه من أصول الإيمان.
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 57)، و «المفردات» للراغب (ص 612).
وقوله: {لِمَا مَعَهُمْ} : أي التوراة والإنجيل.
وقوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} : جملةٌ معترضةٌ يُحتمل أن تكون حالًا، ويُحتمل أن تكون مُستأنفة لبيان أنهم على معرفةٍ بالرسول والكتاب
(1)
.
ومعنى: {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} : يستنصرون اللهَ على مَنْ يقاتلهم من العرب المشركين ببعث محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتوعَّدون الأوسَ والخزرجَ، وكانوا في الجاهلية كفارًا مشركين لا يؤمنون بكتابٍ ولا رسولٍ، وكان اليهود إذا قاتلوهم يتوعَّدونهم بأنه يخرج رسولٌ في آخر الزمان، فإذا خرج آمنوا به وقاتلوا معه، فينتصرون عليهم.
وقوله: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} ؛ وهو الكتابُ أو الرسولُ، {كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)}؛ أي: حقَّت لعنةُ الله عليهم؛ فوضع الظاهرَ موضعَ المُضمر بإثبات وَصْفِ الكفر لهم. وجملة {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} : بدلٌ من جملة {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ} ؛ لترتيب جواب الشرط، فيكون المعنى:«ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم كفروا به» .
وقوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} : تقبيحٌ لِمَا اعتاضوا به عن أنفسهم، والاشتراءُ في هذا الموضع: البيعُ في قول أكثر المفسرين
(2)
، ويشهدُ له قوله تعالى:{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 102]؛ أي: باعوا؛ فالشراء في هذه الآية بمعنى البيع بالاتفاق؛ فالمعنى: بئس الشيء باعوا به أنفسهم وأخذوه عوضًا عنها؛ وهو كفرهم بما أنزل الله في التوراة على موسى، وهو: البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر بالإيمان به واتباعه، وكذا كفرهم بما أنزل
(1)
ينظر: «الدر المصون» (5/ 505)، و «التحرير والتنوير» (1/ 602).
(2)
ينظر: «معاني القرآن» للفراء (1/ 56)، و «تفسير الطبري» (2/ 246 - 248)، و «المحرر الوجيز» (1/ 282).
الله على محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب. وفاعل «بئس» : الاسم الموصول في قوله: {بِئْسَمَا} ، والمخصوص بالذم المصدر المؤول في قوله:{أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ} ، وهو في محل رفع. و {بَغْيًا}: مفعول لأجله، والبغي: الحسدُ والظلمُ والعدوانُ؛ فالمعنى: كفروا بما أنزل اللهُ حسدًا للنبي صلى الله عليه وسلم أنْ بُعث من بني إسماعيل لا من بني إسرائيل.
{وَقَالُوا} للنبي استهزاء: {قُلُوبنَا غُلْفٌ} جمعُ «أغلف» أي مُغشاة بأغطية فلا تعي ما تقول. قال تعالى: {بَلْ} للإضراب {لَعَنَهُمْ اللَّه} أبعدهم عن رحمته وخذلهم عن القبول {بِكُفْرِهِمْ} وليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} «ما» زائدة لتأكيد القلة، أي: إيمانهم قليلٌ جدًا {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ} من التوراة وهو القرآن {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ} قبل مجيئه {يَسْتَفْتِحُونَ} يستنصرون {عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} يقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث آخر الزمان {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} من الحقِّ وهو بعثة النبي {كَفَرُوا بِهِ} حسدًا وخوفًا على الرياسة. وجواب «لَمَّا» الأولى دلَّ عليه جوابُ الثانية {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا} باعوا {بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أي: حظَّها من الثواب، و «ما» نكرة بمعنى «شيئًا» تمييزٌ لفاعل «بئس» ، والمخصوص بالذم:{أَنْ يَكْفُرُوا} أي: كفرهم {بِمَا أَنْزَلَ اللَّه} من القرآن {بَغْيًا} مفعول له، لـ {يَكْفُرُوا} ، أي: حسدًا على {أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ} بالتخفيف والتشديد {مِنْ فَضْلِهِ} الوحي {عَلَى مَنْ يُشَاءُ} للرسالة {مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا} رجعوا {بِغَضَبٍ} من الله بكفرهم بما أنزل، والتنكيرُ للتعظيم {عَلَى غَضَبٍ} استحقُّوه من قبل بتضييع التوراة والكفر بعيسى {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَاب مُهِينٌ} ذو إهانة.
وقولُ المؤلِّف: (للإضراب): يريد أنَّ «بل» تُفيد الإضراب؛ وهو الانتقالُ عن إثبات حكمٍ لشيءٍ بإثباتِه لغيره، فتبيَّن بذلك أنَّ السببَ الحقيقيَّ في عدم قَبولهم دعوةَ الرسول صلى الله عليه وسلم هو اللعنُ من الله والطبعُ على قلوبهم.
وقولُه: (وخذلهم عن القبول): أي لم يوفِّقهم لقبول الحقِّ، فالخذلانُ عدم التوفيق.
وقولُه: (وليس عدم قَبولهم لخللٍ في قلوبهم): يريد أنَّ كفرَهم أوَّلَ مرَّةٍ هو سببُ عدم قبولهم، لا لمانعٍ في قلوبهم كما زعموا بقولهم:{قُلُوبنَا غُلْفٌ} .
وقولُه: (ما زائدة لتأكيد القلة): يُريدُ أنَّ «ما» المتصلة بقليل مؤكدة لِمَا يفيده قليل، ولهذا فسَّره بقوله:(قليلٌ جدًا). و «قليلًا» : صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ مقدَّم؛ عامله: يؤمنون؛ فالتقدير: فيؤمنون إيمانًا قليلًا ما.
وقولُه: (وهو القرآن): بيانٌ للمراد بالكتاب المصدّق الذي جاء من عند الله.
وقولُه: (قبل مجيئه): بيانٌ للمُضاف إليه المحذوف في قوله: {مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: من قبل مجيء الكتاب الذي هو القرآن.
وقولُه: (يستنصرون): هذا معنى {يَسْتَفْتِحُونَ} ؛ لأنَّ الفتحَ هو النصر، والاستفتاحُ: طلبُ النصر، وكانوا يدعون اللهَ أن ينصرهم على الكفار
(1)
.
وقولُه: (يقولون
…
) إلى آخره: بيانٌ لِمَا كانوا يدعون به في استفتاحهم، وهو يدلُّ على أنهم على علمٍ بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولذا كانوا يترقَّبون مبعثه. وقولُه: (وجواب «لَمَّا» الأولى
…
) إلى آخره: لَمَّا الأولى في قوله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ} ، ولَمَّا الثانية في قوله:{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} ، وجوابها قوله:{كَفَرُوا بِهِ} ، وجواب «لَمَّا» الأولى محذوفٌ دلَّ عليه جواب «لَمَّا» الثانية؛ فالتقدير: ولَمَّا جاءهم كتاب من عند الله مصدقٌ لِمَا معهم كفروا به.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 236) وما بعدها، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 171).
وقولُه: (باعوا): هذا تفسيرُ {اشْتَرَوْا} ، وهذا من مواضع مجيء «اشترى» بمعنى باع؛ فيكون {اشْتَرَوْا} في الآية مثل قوله:{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ؛ أي: باعوا به أنفسهم، ولهذا كانت الباءُ داخلةً على المأخوذ في الآيتين.
وقولُه: (حظها من الثواب): تفسيرٌ لقوله: (باعوا أنفسهم)؛ فالمعنى: باعوا حظَّهم من الثواب في الآخرة بأعظم أسباب العذاب وهو الكفر بما أنزل الله.
وقولُه: (و «ما» نكرة بمعنى شيئًا
…
) إلى آخره: هذا أحدُ الأقوال في «ما» التي بعد «بئس» ، وقيل:«ما» اسم موصول بمعنى الذي، فتكون في موضع رفعِ فاعلٍ لـ «بئس» ، وهذا أظهر لفهم المعنى
(1)
.
وقولُه: (من القرآن): بيانٌ لِمَا في قوله: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، وقيل: ما أنزل الله في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم، والأولُ هو ما يقتضيه السياق، ولو قيل إنَّ قولَه:{بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} عامٌّ لكان له وجهٌ
(2)
.
وقولُه: (مفعول له
…
) إلى آخره: يُبيّن بذلك إعراب {بَغْيًا} ومعناها؛ فالمعنى: كفروا بما أنزل الله حسدًا على إنزال الله من فضله على من يشاء من عباده، وهو ما أنزله من الكتاب والحكمة على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقولُه: (بالتخفيف والتشديد): يُبيّن أنَّ في قوله: {أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ} قِراءتين؛ بتشديد الزاي وتخفيفها
(3)
.
(1)
ينظر: «معاني القرآن» للفراء (1/ 56 - 58)، و «تفسير الطبري» (2/ 243 - 246)، و «الكشاف» (1/ 297)، و «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 91).
(2)
ومال إليه ابن عطية. ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 282 - 283).
(3)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 164 - 165)، «النشر في القراءات العشر» (2/ 218 - 219).
وقولُه: (الوحي): تفسيرٌ للفضل المنزَّل وهو الوحيُ المتضمنُ للإنباء والإرسال.
وقولُه: (للرسالة): يُبيّن أنَّ {يَشَاءُ} مضمَّنٌ معنى يختار؛ فالمعنى: على مَنْ يختاره للرسالة.
وقولُه: (رجعوا): فيه أنَّ معنى: «باء» رجع، فهي مثل «آب» في المعنى، مع أنها عكسها في ترتيب الحروف
(1)
.
وقولُه: (من الله بكفرهم
…
) إلى آخره: يريد أنَّ المعنى: رجعوا بغضبٍ عظيمٍ من اللهِ بسبب كفرهم بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقولُه: (استحقوه
…
) إلى آخره: يُبيِّن أنَّ معنى {عَلَى غَضَبٍ} : أنَّ اللهَ قد غضب عليهم بكفرهم بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، على غضبٍ استحقُّوه قبل ذلك بسبب تحريفِ التوراة وكفرهم بعيسى عليه السلام، فكفروا مرَّتين، وغضب الله عليهم مرتين
(2)
.
وقولُه: (ذو إهانة): معناه أنَّ عذابَ الكافرين فيه إهانةٌ وإذلالٌ لهم.
* * *
(1)
تقدم في (ص 145).
(2)
قال شيخ الإسلام: «وأخبر أنهم باؤوا بغضب على غضب؛ فإنهم ما زالوا يفعلون ما يغضب الله عليهم، فإما أن يراد بالتثنية تأكيد غضب الله عليهم، وإما أن يراد به مرتان، والغضب الأول: تكذيبهم المسيح والإنجيل، والغضب الثاني: لمحمد والقرآن» . «الجواب الصحيح» (1/ 398). وينظر: «تفسير الطبري» (2/ 250 - 253)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 174)، و «زاد المسير» (1/ 87 - 88).
يُخبر تعالى في هذه الآية عن قول اليهود إذا دُعوا إلى الإيمان بالقرآن رَدُّوا بأنهم لا يؤمنوا إلَّا بما أُنزل عليهم ولا يؤمنون بغيره، هذا والذي دعوا إلى الإيمان به هو الحق وهو مصدقٌ لِمَا معهم شاهدٌ له، ثم يُبيِّنُ سبحانه أنهم كاذبون فيما ادَّعوا من الإيمان بما أُنزل عليهم، بدليل قتلهم أنبياءَ الله بغيرِ حقٍّ؛ ولذا قال:{قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)} .
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} القرآن وغيره {قَالُوا نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} أي: التوراة قال تعالى: {وَيَكْفُرُونَ} الواو للحال {بِمَا وَرَاءَهُ} سواه أو بعده من القرآن {وَهْوَ الْحَقُّ} حال {مُصَدِّقًا} حال ثابتة مؤكدة {لِمَا مَعَهُمْ قُلْ} لهم: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} أي: قتلتم {أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بالتوراة، وقد نهيتم فيها عن قتلهم. والخطابُ للموجودين في زمن نبيِّنا بما فعل آباؤهم لرضاهم به.
وقولُ المؤلِّف: (القرآن وغيره): بيانٌ للمُراد بالموصول في قوله: {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، والمراد: بغير القرآن: الحكمة؛ وهي السنَّة، وعلى هذا فالمراد {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}: ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة.
وقولُه: (أي: التوراة): بيانٌ لِمَا يدعي اليهودُ الإيمانَ به، وهو ما أَنزلَ الله على موسى عليه السلام؛ وهو التوراة، وهي أعظمُ كتابٍ أنزله اللهُ غير القرآن.
وقولُه: (الواو للحال): أي: وهم يكفرون بما وراءه، ويحتمل أنَّ الواو للاستئناف، لبيان ما يتضمَّنه قولهم:{نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} من نفي الإيمان بما سواه
(1)
.
وقولُه: (سواه أو بعده من القرآن): يريد أنَّ «وراء» بمعنى سِوى أو عدى
(2)
؛ فالمعنى: يكفرون بما سوى ما أنزل عليهم.
وقولُه: (حال): يريد أنَّ جملةَ {وَهْوَ الْحَقُّ} حالٌ في موضع نصب، وهي حالٌ من الموصول في قوله:{بِمَا وَرَاءَهُ} .
وقولُه: (لهم): يريد مَنْ وجّه الخطاب إليهم، وهم: اليهود.
وقولُه: (أي قتلتم): يريد أنَّ قوله: {تَقْتُلُونَ} ليس حكايةَ حالٍ حاضرةٍ بل حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ لأنَّ القتل لم يكن من المخاطَبين بل من أسلافهم
(3)
.
وقولُه: (بالتوراة
…
) إلى آخره: يريد أنَّ المعنى: إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} ؟ وقد كان القتلُ من أسلافهم والخطابُ والعتابُ لليهود الموجودين الذين إذا قيل لهم: {آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} ، واستحقُّوا اللوم على ما فعله آباؤهم لرضاهم به.
* * *
(1)
ينظر: «الكشاف» (1/ 297)، و «البحر المحيط» (1/ 492)، و «الدر المصون» (1/ 513).
(2)
ينظر: «معاني القرآن» للفراء (1/ 60)، و «تفسير الطبري» (2/ 255)، و «المحرر الوجيز» (1/ 284).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 257 - 260)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 175)، و «المحرر الوجيز» (1/ 284 - 285).
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)} [البقرة: 92]:
يُخبر تعالى خبرًا مؤكدًا بـ «قد» والقسم بأنَّ موسى جاء بني إسرائيل بالبينات؛ وهي الآيات الواضحاتُ، وهي التسع الآيات المذكورة في قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ} [الإسراء: 101]، ثم إنَّ بني إسرائيل من بعد مجيء موسى بالبينات وبعد ذهابه لميقات ربه أضلَّهم السَّامريُّ فأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار، فقالوا:{هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88)} [طه: 88]، فاتخذوه إلهًا وعكفوا عليه وعصوا نبيَّ الله هارون لَمَّا نهاهم، وقالوا:{لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91)} [ط: 91]، فكانوا بذلك ظالمين أعظمَ الظلم، وهو الشرك، فهذا معنى قوله تعالى:{ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92)} .
ونظيرُ هذه الآية قولُه تعالى في سورة النساء في عرض قبائح اليهود: {ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153)} [النساء: 153].
ونظيرهما قوله تعالى في الآيات السابقة في خطاب بني إسرائيل: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)} [البقرة: 51 - 52].
ثم أُعيد الخبرُ عن هذا المعنى في هذه الآية توبيخًا لليهود الذين إذا قيل لهم: {آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} ؛ أي: ولا نؤمنُ بغيره، والخطابُ في هذه الآية والتي بعدها لليهود الموجودين زمنَ النبي صلى الله عليه وسلم المخاطبين في الآيات السابقة من قوله:{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ، وما في هذه الآية عَودٌ على خطابهم بعد الخبر عنهم بلفظ الغيبة من قوله:{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} ، وقوله تعالى:{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ} هو
من مقول القول الذي أُمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولَه لهم في قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)} ، وفيه توبيخٌ وتكذيبٌ لهم في قولهم:{نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} .
{وَلَقَدْ جاءَكُم مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ} بالمعجزات؛ كالعصا واليدِ وفَلْقِ البحر {ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ} إلهًا {مِنْ بَعْدِهِ} أي: بعد ذهابه إلى الميقات {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} باتخاذه.
وقولُ المؤلِّف: (بالمعجزات
…
) إلى آخره: التعبيرُ عن حُججِ الرسل بالمعجزات هو من اصطلاح المتكلِّمين، واسمها في الكتاب والسنَّة: آيات، وبينات، وبراهين
(1)
.
وقولُه: (إلهًا): تقديرٌ للمفعول الثاني: {اتَّخَذْتُمْ} ، فإنَّ «اتخذ» ينصب مفعولين.
وقولُه: (أي: بعد ذهابه إلى الميقات): فيه بيانُ أنَّ اتخاذ بني إسرائيل العجلَ في مدة ذهاب موسى لميقات ربه، ويشهدُ لذلك الآيات من سورة «طه»؛ كقوله تعالى لموسى:{قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [طه: 85 - 86].
وقولُه: (باتخاذه): يُبيِّن أنَّ سبب وصفهم بالظلم اتخاذُهم العجل إلهًا، ومعلومٌ أنَّ اتخاذهم العجلَ إلهًا هو أظلم الظلم؛ لأنَّ ذلك من الشرك الأكبر.
* * *
(1)
ينظر: «النبوات» (1/ 215 - 216)، و (2/ 782)، (2/ 785)، و «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (5/ 412 - 419).
يُذكِّرُ تعالى في هذه الآية بني إسرائيل الموجودين زمن النبي صلى الله عليه وسلم بما جرى لإسلافهم من أَخْذِ الميثاق ورفعِ الطور فوقهم؛ ليوفوا بعهد الله فيعملوا بما جاءهم به موسى بالألواح، ثم إنهم أصروا على العصيان، فلمَّا قيل لهم اسمعوا؛ قالوا:{سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} ، فهذه ثلاثةُ أمورٍ تُكذِّبُهم وتُبطل زعمَهم الإيمان بما أُنزل عليهم:
فأول الأمور الثلاثة: قتلهم أنبياء الله.
الثاني: اتخاذهم العجل من بعد ما جاءهم موسى بالبينات.
الثالث: قولهم لَمَّا أُمروا بالأخذ بما في التوراة قالوا: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} .
وهذه الأمور وإن كانت من فِعل أسلافهم فاليهود الموجودون ماضون على طريقهم راضون بأفعالهم؛ فلذا توجَّه الخطابُ لهم بالتكذيب والتوبيخ.
وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} المعنى: واذكروا حين أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطورَ، وقلنا لكم:{خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} ، المعنى: اقبلوا ما جاءكم به موسى من التوراة في الألواح واعملوا به، واسمعوا سماعَ استجابة وطاعة.
وقوله تعالى: {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} ، أي: سمعنا بآذاننا.
وقولهم: {وَعَصَيْنَا} ، قيل: أنهم قالوا ذلك بلسان المقال، وقيل قالوا ذلك: بلسان الحال
(1)
، وكلٌّ من الأمرين واقعٌ منهم، كما يدل لذلك قوله
(1)
ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 285 - 286)، و «البحر المحيط» (1/ 494)، و «التحرير والتنوير» (1/ 610).
تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 59]، وقوله تعالى:{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)} [المائدة: 24].
وقوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} : أي حُبب إليهم العجلُ الذي اتخذوه إلهًا، وتخلَّلَ حبُّه في قلوبهم حتى كأنَّ العجل حلَّ في قلوبهم، وهذا الوصف يختصُّ بالذين أصرُّوا على عبادة العجل ولم يتوبوا، فعوقبوا بأن أُشرب حبُّه في قلوبهم.
وقوله تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)} : هذا أمرٌ من الله لنبيِّه أن يقول لليهود الذين قالوا نؤمن بما أنزل علينا، واتبعوا أسلافَهم الذين قتلوا أنبياءَ الله واتخذوا العجل إلهًا من دون الله، أن يقول لهم:{بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} قتلَ الأنبياءِ واتخاذَ العجل، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)} كما تزعمون.
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} على العمل بما في التوراة {وَ} قد {رَفَعْنَا فَوْقكُمْ الطُّورَ} الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم وقلنا: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} بجدٍّ واجتهادٍ {وَاسْمَعُوا} ما تؤمرون به سماعَ قبولٍ {قَالُوا سَمِعْنَا} قولك {وَعَصَيْنَا} أمرَك {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمِ الْعِجْلَ} أي: خالط حبُّه قلوبَهم كما يُخالط الشراب {بِكُفْرِهِمْ قُلْ} لهم: {بِئْسَمَا} شيئًا {يَأْمُرُكُم بِهِ إيمَانكُمْ} بالتوراة: عبادة العجل {إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بها كما زعمتم. المعنى: لستم بمؤمنين لأنَّ الإيمان لا يأمر بعبادة العجل، والمراد آباؤهم؛ أي: فكذلك أنتم لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذبتم محمدًا، والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.
وقولُ المؤلِّف: (على العمل بما في التوراة): يدلُّ له {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} .
وقولُه: (قد): تقديره: قد بعد الواو، يُبيِّنُ به أنَّ الواوَ واوُ الحال.
وقولُه: (الجبل
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ رفعَ الجبل فوقهم تهديدٌ لهم ليعملوا بما في التوراة.
وقولُه: (وقلنا
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ قولَه: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ} مقولُ قولٍ محذوف تقديره: وقلنا لكم.
وقولُه: (بجدٍّ واجتهادٍ): تفسيرٌ لقوله: {بِقُوَّةٍ} ، المعنى: اعملوا بما في التوراة بعزمٍ وصدقِ رغبةٍ لا مع فتورٍ وكسلٍ.
وقولُه: (شيئًا): يُبيِّنُ بذلك أنَّ «ما» المتصلة بـ «بئس» : نكرةٌ في محلِّ نصبٍ على التمييز
(1)
.
وقولُه: (عبادة العجل): هذا هو المخصوصُ بالذمِّ بـ «بئس» ، والإيمانُ الذي يأمرُ بذلك ليس بالإيمان الذي يرضاه الله.
وقولُه: (بها كما زعمتم
…
) إلى آخره: يريد أنَّ المعنى: إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون بقولكم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} ، فبئس ما يأمرُكم به إيمانُكم من عبادة العجل، ونسبةُ الأمر إلى الإيمان تهكُّمٌ بهم، ودِلالةٌ على أنَّ الإيمان الحقَّ لا يأمر بعبادة غير الله، فالإيمانُ الذي زعموا باطلٌ
(2)
.
والخطاب من قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} إلى قوله: {بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمَانكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، لليهود الموجودين، تذكيرًا لهم بقبائح أسلافهم، وتحذيرًا لهم من السير على طريقهم.
* * *
(1)
تقدم في (ص 194).
(2)
ينظر: «الكشاف» (1/ 298)، و «تفسير الرازي» (3/ 605)، و «البحر المحيط» (1/ 496).
يأمر اللهُ نبيَّه أن يُظهِرَ كذبَ اليهود في زعمهم أنَّ الدار الآخرة - وهي الجنة - لهم دون غيرِهم، ويُباهلهم بالدعاء بالموت على الكاذب منهم أو من المسلمين، وذلك في قوله:{فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)} . وهذه الآية نظير قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6)} [الجمعة: 6].
ثم أخبر تعالى أنهم لن يتمنوا الموت بسبب ما يعلمون من أنفسهم من قبيح ما قدَّمته أيديهم من الكفر والتكذيب والعصيان مما يستوجبون به عذابَ الله؛ فقال تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)} ، وقال في الآية الأخرى مثل ذلك.
ودلَّ قولُه تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)} أنَّ دعواهم أنَّ الدارَ الآخرةَ لهم ظلمٌ منهم.
وتفسيرُ الآية بالمباهلة مرويٌّ عن ابن عباس بأسانيدَ صحيحة، قاله ابنُ كثيرٍ ورجَّحه
(1)
، وضعَّفَ القولَ بأنَّ مقصودَ الآية مُطالبتهم بتمني الموت لأنفسهم إن كانوا صادقين في زعمهم، ولا ريب أنَّ القول الأول أظهرُ
(2)
.
(1)
ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 331 - 332).
(2)
واختاره ابن القيم والسعدي. ينظر: «مدارج السالكين» (2/ 638 - 639)، و «تفسير السعدي» (1/ 78).
ثم أكَّد تعالى امتناعَ تمنِّيهم للموت لشدَّة حِرصهم على الحياة؛ فقال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} ، وهم أحرصُ على الحياة من المشركين، ومِن حِرصهم على الحياة: أنَّ أحدَهم يودُّ لو يُعمَّرُ ألفَ سنةٍ، ثم أخبر تعالى أنَّ ذلك لا يُنجيهم من عذاب الله؛ فقال تعالى:{وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)} ، المعنى: أنَّ اللهَ عليمٌ بأعمالهم وسيجزيهم عليها بعدلٍ وحكمةٍ.
{قُلْ} لهم: {إنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الْآخِرَةُ} أي: الجنة {عِنْد اللَّه خَالِصَة} خاصة {مِنْ دُون النَّاس} كما زعمتم {فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تعلَّق بتمنِّيه الشرطان على أنَّ الأولَ قيدٌ في الثاني؛ أي: إن صدقتم في زعمكم أنها لكم ومن كانت له يؤثرها والموصل إليها الموت فتمنوه. {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهمْ} مِنْ كُفْرِهم بالنبيِّ المستلزم لكذبهم {وَاَللَّه عَلِيم بِالظَّالِمِينَ} الكافرين فيجازيهم. {وَلَتَجِدَنَّهُمْ} لام قسم {أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة وَ} أحرص {من الَّذِينَ أَشْرَكُوا} المنكرين للبعث عليها؛ لِعِلْمهم بأنَّ مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم له {يَوَدُّ} يتمنى {أَحَدهمْ لَو يُعَمَّر أَلْف سَنَة} «لو» مصدرية بمعنى «أن» وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول «يود» {وَمَا هُوَ} أي: أحدهم {بِمُزَحْزِحِهِ} مُبعده {مِنْ الْعَذَاب} النار {أَنْ يُعَمَّر} فاعل «مزحزحه» أي تعميره {وَاَللَّه بَصِير بِمَا يَعْمَلُونَ} بالياء والتاء فيجازيهم.
وقولُ المؤلِّف: (تعلَّق بتمنِّيه): يُريد أنَّ جوابَ الشرط {إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} محذوفٌ دلَّ عليه {فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ} ، وهو جوابُ الشرط الأول، ووجهُ ترتيب الجواب على الشرط أنَّ الموتَ هو الطريقُ لدخول الجنة لمن كان من أهلها،
ومَن قطع لنفسه بالجنة حُقَّ له أن يتمنى الموتَ، ولعلم اليهود بكذبهم بما زعموا لأنفسهم لم يتمنوا الموت مع شدَّة حرصهم على الحياة.
وقولُه: (الشرطان
…
) إلى آخره: يريد بالشرط الأول قوله: {إنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّار الْآخِرَةُ} ، ويريد بالشرط الثاني:{إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
وقولُه: (الكافرين): فسَّرَ الظلمَ بالكفر الذي هو أظلم الظلم؛ كما قال تعالى: {والكافرون هم الظَّالمون} .
وقولُه: (لام قسم): يريد اللامَ المتصل بها «تجدنَّ» ، والدليلُ على أنها لام القسم؛ تأكيدُ الفعل بالنون الثقيلة.
وقولُه: (أحرص): يريد أنَّ المعنى: وأحرص من الذين أشركوا، وهذا من عطف الخاصِّ على العام
(1)
.
وقولُه: (المنكرين للبعث
…
) إلى آخره: تفسيرٌ للمشركين عُبَّادِ الأوثان
(2)
؛ لأنهم يُنكرون البعثَ بخلاف أهل الكتاب.
وقولُه: (عليها): أي على حياة؛ فالمعنى: احرص من المشركين على حياة.
وقولُه: (لعلمهم
…
) إلى آخره: تعليلٌ لكون اليهود أحرص من المشركين على الحياة؛ لأنهم يعلمون أنَّ مصيرهم النار، بخلاف المشركين فإنهم لا يؤمنون بالبعث فلا يؤمنون بجنة ولا نار. وقولُه: (لو مصدرية
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ مفعول «يود» هو المصدر المؤول من «لو» وصلتها
(3)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 276)، و «الكشاف» (1/ 300)، و «البحر المحيط» (1/ 502 - 503).
(2)
وفي الذين أشركوا قولان: أحدهما: أنهم: المجوس، قاله ابن عباس وابن قتيبة والزجاج. والثاني: مشركو العرب الذين ينكرون البعث، قاله ابن عباس في رواية ومقاتل. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 276 - 277)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 178)، و «زاد المسير» (1/ 89).
(3)
ينظر: «الكشاف» (1/ 300)، و «البحر المحيط» (1/ 504)، و «الدر المصون» (2/ 13 - 14).
وقولُه: (أي: أحدهم): تفسيرٌ للضمير المنفصل «وما هو» .
وقولُه: (بالياء والتاء): إشارةٌ إلى أنَّ في الآية قراءتين {يعملون} بالياء، {وتعملون} بالتاء
(1)
.
* * *
(1)
قرأ يعقوب وحده بالتاء مثل قراءة الحسن وقتادة وسلام وغيرهم، وقرأ الباقون بالياء. ينظر:«جامع البيان في القراءات السبع» (2/ 877 - 878)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 219).
وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)} [البقرة: 97]:
أمر اللهُ نبيَّه في هذه الآية أن يقول ردًّا على اليهود في قولهم: إنَّ جبريل الذي يأتي محمدًا بالوحي هو عدو يهود، وذلك أنهم سألوا الرسول مَنْ يأتيه بالوحي؛ فقال:((جبريل))، فقالوا ما قالوا
(1)
، فأخبر تعالى أنَّ جبريل هو الموكل بالوحي فهو المنزل للقرآن على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم بإذن الله، فهو المَلَك الذي اصطفاه الله للنزول بالقرآن على قلب خاتم النبيين كما قال تعالى:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)} [الشعراء: 192 - 194]، ومَن هذا شأنُه لا يُعاديه إلَّا مُلحدٌ كفور، وقد وصف الله تعالى هذا القرآن الذي نزل به جبريل بثلاث صفات، وموقعها في الكلام أحوال منصوبة، وذلك في قوله:{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)} ، وما بين يديه: ما قبلَه من كتب الله كالتوراة والإنجيل، وخصَّ المؤمنين بما في القرآن من الهدى والبشرى؛ لأنهم المنتفعون بما في القرآن من ذلك، وجبريلُ هو الملك الذي ينزل بالوحي على الأنبياء، وهو الذي نزل بالقرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم كما في هذه الآية وآية الشعراء، وهو الروحُ الأمينُ وروحُ القُدُس، قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
…
} الآية [النحل: 102]، وهو {شَدِيدُ الْقُوَى (5)} المذكور في سورة النجم، وهو الرسولُ الكريمُ المذكور في سورة التكوير. وجبريلُ على وزن قطمير، وهي لغة أهل الحجاز
(1)
قيل: نزلت في عبد الله بن صوريا، وقيل: في مناظرة عمر مع أحد اليهود، وقيل: في عبد الله بن سلام. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 283 - 292)، و «أسباب النزول» (ص 29 - 31)، و «العجاب» (1/ 296 - 300).
في هذا الاسم، وبها قرأ الجمهور
(1)
، وفيه لغات وقراءات أخرى ذكرها المفسرون
(2)
؛ ومعنى جبريل: عبد الله
(3)
.
والخلاصةُ في تفسير الآية: أنها نزلت للردِّ على اليهود في قولهم: إنَّ جبريلَ عدوهم، فهم أعداء له، هذا وجبريل ولي الله ومصفاه من الملائكة، وهو الذي نزّل القرآن بأمر الله، ومَن يكن عدوًّا له فهو عدوٌّ لله، ومن يكن عدوًّا لله فاللهُ عدوُّه كما في الآية التالية، فقد باء اليهودُ بقولهم في جبريل بعداوة الله، ويشهدُ لمعنى الآية من السنَّة قولُه صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي؛ قال الله تعالى:((مَنْ عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب))
(4)
، وفي لفظ:((فقد بارزني بالمحاربة))
(5)
. والآية وإن نزلت في اليهود فهي عامَّةٌ كما يفيد العموم لفظ «من» الشرطية؛ فحكمُها لا يختصُّ باليهود.
وسأل ابنُ صوريا النبيَّ أو عمرَ عمَّن يأتي بالوحي من الملائكة فقال: ((جبريل))، فقال:«هو عدونا يأتي بالعذاب، ولو كان ميكائيل لآمنا لأنه يأتي بالخصب والسلم» ، فنزل:
(1)
ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 166 - 167)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 219).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 294 - 295)، و «المحرر الوجيز» (1/ 292)، و «الدر المصون» (2/ 18 - 20).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 296 - 298).
(4)
أخرجه البخاري (6502) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(5)
أخرجه الطبراني في الأوسط (609)، من حديث أنس، به. وتفرد به عمر بن سعيد أبو حفص الدمشقي، وهو متروك. ينظر:«الضعفاء» للعقيلي (رقم 1157)، و «الكامل في الضعفاء» (رقم 1231). وأخرجه ابن ماجه (3989)، من حديث عمر بن عمر بن الخطاب، وفي إسناده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، وعيسى بن عبد الرحمن - وهو ابن فروة الزرقي - متروك الحديث، كما في «الميزان» (رقم 6583).
وله طريق عند أبي نعيم في الحلية (8/ 318) وهو ضعيف. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (1775)، وينظر طرق حديث الولي وألفاظه في «السلسلة الصحيحة» (1640).
{قُلْ} لهم {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيل} فليمت غيظًا {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ} أي القرآن {عَلَى قَلْبك بِإِذْنِ} بأمر {اللَّه مُصَدِّقًا لِمَا بَيْن يَدَيْهِ} قَبْله من الكتب {وَهُدًى} من الضلالة {وَبُشْرَى} بالجنة {لِلْمُؤْمِنِينَ} .
وقولُ المؤلِّف: (وسأل ابنُ صوريا النبيَّ
…
) إلى آخره: يُشير بذلك إلى سبب نزول الآية
(1)
. وقولُه: (فليمت غيظًا): مُستنبطٌ من قوله تعالى: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} ، وهذا يتضمن أنه أشرفُ الملائكة، فمَن يُعاديه لم يضرَّ إلا نفسه.
وقولُه: (أي: القرآن): تفسيرٌ للضمير المنصوب بالفعل نزله.
وقولُه: (بأمر): تفسير للإذن في قوله: {بِإِذْنِ اللَّهِ} ، وهو يحتمل الإذن الكوني أو الشرعي أو هو شاملٌ لهما.
وقولُه: (بالجنة): لأنها الأجرُ الكبيرُ الذي يُبشِّر به القرآنُ المؤمنين؛ كما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9].
* * *
(1)
تقدم في (ص 210).
وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)} [البقرة: 98]:
يُخبر تعالى أنَّ مَنْ عاداه أو عادى أولياءه من الملائكة أو الرُّسلِ أو جبريلَ وميكالَ؛ فهو كافرٌ، والله عدوٌّ للكافرين. ومَن في قوله:{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ} شرطية، وجوابُ الشرط قوله:{فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)} ، وفعل الشرط: كان وما بعدها.
والواو في قوله: {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ} بمعنى «أو» ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ عادى واحدًا من المذكورين فهو كافرٌ، والله عدوه
(1)
.
وقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} : قال المفسرون في هذه الجملة: وُضِعَ الظاهرُ مَوضعَ المضمر في موضعين:
الأول: قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ} : وُضعَ موضع «فإنه» ، وذلك لمنع اللبس على السامع؛ قاله ابن جرير
(2)
.
والثاني: قوله: {عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)} : مَوضع «عدو لهم» ، وذلك لإفادة عموم الحكم، وهو عداوةُ الله لكلِّ كافرٍ، ولإثبات وصف الكفر لمن يكون عدوًّا لله، أو لأحدٍ من أوليائه
(3)
.
وعَطْفُ جبريل وميكال على الملائكة مِنْ عطف الخاص على العام؛ لأنهما داخلان في اسم الملائكة
(4)
. وفي ميكال لغاتٌ وقراءات ذكرها
(1)
ينظر: «البحر المحيط» (1/ 515)، و «الدر المصون» (2/ 22).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 303 - 304).
(3)
ينظر: «التفسير البسيط» (3/ 176)، و «الكشاف» (1/ 303)، و «التحرير والتنوير» (1/ 624).
(4)
ينظر: «البحر المحيط» (1/ 516)، و «الدر المصون» (2/ 23)، و «اللباب» (2/ 315)، و «تفسير الفاتحة والبقرة» لابن عثيمين (1/ 315).
المفسرون وأهلُ القراءات، وميكال بلا همز ولا ياء؛ لغةُ أهل الحجاز، وبها قرأ حفص
(1)
عن عاصم
(2)
(3)
.
{مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ} بكسر الجيم وفتحها بلا همز وبه بياء ودونها {وَمِيكَال} عطفٌ على الملائكة، مِنْ عَطْفِ الخاصِّ على العام. وفي قراءة:{مِيكَائِيل} بهمزة وياء، وفي أخرى بلا ياء {فَإِنَّ اللَّه عَدُوّ لِلْكَافِرِينَ} أوقعه موقع «لَهُمْ» بيانًا لحالهم.
وقولُ المؤلِّف: (بكسر الجيم وفتحها
…
) إلى آخره: ذكر فيها أربع لغات، وذكر في:(مِيكَال) ثلاث لغات وثلاث قراءات.
وقولُه: (أوقعه موقع «لهم»): يريد وضعَ الظاهر مَوضع المضمر.
وقولُه: (بيانًا لحالهم): وهي الكفر.
* * *
(1)
حفص بن سليمان أبو عمر الدوري مولاهم الغاضري الكوفي، المقرئ الإمام، صاحب عاصم وكان ربيبه ابن زوجته، كان ثقة ضابطًا في القراءة، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ بها على عاصم، أقرأ الناسَ دهرًا، وكانت القراءة التي أخذها عن عاصم ترتفع إلى علي رضي الله عنه، توفي سنة (180 هـ). ينظر:«معرفة القراء الكبار» للذهبي (1/ 140، رقم 52)، و «غاية النهاية» لابن الجزري (1/ 254، رقم 1158).
(2)
عاصم بن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي القارئ الإمام، أبو بكر، أحد السبعة، واسم أمه بهدلة على الصحيح، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السلمي، جمع بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن، توفي آخر سنة (127 هـ)، وقيل غير ذلك. ينظر:«معرفة القراء الكبار» (1/ 88، رقم 35)، و «غاية النهاية» (1/ 346، رقم 1496).
(3)
ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 166 - 167)، و «تفسير الطبري» (2/ 294 - 295)، و «المحرر الوجيز» (1/ 294 - 295)، و «البحر المحيط» (1/ 510).
يُخبر تعالى مُمتنًا على نبيِّه بما أنزل عليه من الآيات البينات؛ وهي القرآن، وأنه مع ظهور دلالتها وقوة حجيتها لا يكفر بها إلَّا الفاسقون الخارجون عن طاعة الله، وفي هذا تعريضٌ باليهود الذين كفروا بالكتاب، فكفروا بما فيه من الآيات، ومِن فِسقهم أنهم كلَّما عاهدوا عهدًا نبذه فريقٌ منهم فلم يوفوا به، هذا وأكثرهم لا يؤمنون بما جاءهم من الآيات البينات.
ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56)} [الأنفال: 56]، والاستفهام في قوله:{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا} للإنكار والتوبيخ
(1)
. وقوله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} أي: شاهدٌ بصدق ما معهم من كتب الله من التوراة والإنجيل، مُقِرٌّ به.
(1)
ينظر: «درج الدرر» (1/ 242)، و «البحر المحيط» (1/ 518)، و «التحرير والتنوير» (1/ 625).
{نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : أي طرح فريقٌ من الذين أُوتوا الكتاب - وهم اليهود - كتابَ الله وراء ظهورهم، وهو التوراة الناطقة بالخبر عن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وبصفته فلم يعملوا بما توجبه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، بل أعرضوا عنها إعراضًا تامًا؛ كإعراض من يجعل الشيءَ خلف ظهرِه لا يبالي به ولا يلتفتُ إليه، ولم يقف كفرُهم وضلالُهم عند حدِّ الإعراض عن هدى الله الذي بعث به رسولَه، بل تعوضوا عن ذلك باتباع ما تتلوا الشياطين من السحر زاعمين أنه الذي قام عليه مُلك سليمان عليه السلام، وقد كَذَبوا، فلم يكن نبيُّ اللهِ سليمان ساحرًا، ولكن الشياطين هم الذين يُعلِّمون الناسَ السحر، فعُلم بذلك أنَّ اليهود تعوَّضوا عن اتباع كتب الله ورسله باتِّباع الشياطين وتَعلُّمِ السحر منهم، وهذا ما تضمنه قوله تعالى:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} .
وقوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} : الأظهرُ أنَّ «ما» اسم موصول معطوف على السحر؛ أي: يعلمون السحر ويُعلِّمونهم ما أنزل على الْمَلكين الذين بابل
(1)
؛ وهو موضعٌ معروفٌ بالعراق
(2)
، وسموا الملكين هاروت وماروت، والذي أُنزل عليهما نوعٌ من السحر، ولذا تتعلَّمُه الشياطين وتُعلِّمُه الناس، وإنزاله على الْمَلكين إنزالٌ كونيٌ بإلهامٍ أو غيره ليكون فتنة؛ أي: ابتلاء للناس.
وأَذِن اللهُ لهما بتعليمه لمن يطلب ذلك منهم، مع تحذيره وبيان أنَّ تعلُّمَه كفرٌ وأنَّ اللهَ جعلهما فتنةً فلا يغترُّ بتعليمهما من يطلبُ عِلمَ السحر
(1)
ينظر: «الكتاب الفريد» (1/ 346)، و «الدر المصون» (2/ 31)، و «التحرير والتنوير» (1/ 639).
(2)
ينظر: «معجم البلدان» (1/ 309 - 311).
منهما، ولهذا قال تعالى:{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} ، و «ما» في قوله:{وَمَا يُعَلِّمَانِ} نافيةٌ.
ثم بيَّن تعالى أنَّ ما يتعلَّمُه الناسُ من هاروت وماروت يتوصَّلون به إلى التفريق بين المرء وزوجه، بتبغيض كلٍّ منهما إلى الآخر، ثم بيَّن تعالى أنَّ الذين تعلَّموا عِلم السِّحر لن يضرُّوا به أحدًا إلَّا بإذن الله؛ الإذن الكوني، وهو مشيئته، فقال تعالى:{وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} . ثم أخبر أنَّ الذين يتعلَّمون السحر يتعلَّمون {مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} ؛ لأنه يُفضي بهم إلى الكفر بالله والظلم لعباد الله.
ثم أخبر تعالى خبرًا مؤكدًا بأَّن الذين يتعلمون السحر ويستبدلونه بالعلم الذي جاءت به الرسلُ أخبر تعالى أنهم يعلمون أنَّ مَنْ فعل ذلك {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} ؛ يعني: من نصيبٍ
(1)
.
ثم ذمَّهم سبحانه وتعالى على إيثار ما يضرُّ على ما ينفع؛ فقال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)} ، و {شَرَوْا} بمعنى: باعوا؛ فالمعنى: باعوا أنفسهم بما فيه هلاكُهم وشقاؤهم، والمعنيون بذلك هم اليهودُ الذين أخبر الله عنهم في أول الآية بأنهم نبذوا كتابَ الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين من السحر، ثم أخبر تعالى بأنهم لو آمنوا بالله وكتبه ورسوله واتقوا ربَّهم بفعل الواجبات وترك المحرمات؛ لكان لهم من ثواب الله ما هو خيرٌ لهم مما اختاروه وآثروه وتعلَّموه؛ فقال تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ} .
وقوله تعالى: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)} المعنى: لو كانوا يعلمون العلمَ النافعَ لَمَا آثروا ما يضرُّ على ما ينفع، ولكنهم لا يعلمون.
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 297).
{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إلَيْك} يا محمد {آيَات بَيِّنَات} واضحات. ردٌّ لقول بن صوريا للنبي ما جئتنا بشيء. {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الفَاسِقُون} كفروا بها {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا} اللَّه {عَهْدًا} على الإيمان بالنبي إن خرج أو النبي ألا يعاونوا عليه المشركين {نَبَذَهُ} طرحه {فَرِيق مِنْهُمْ} بنقضه؟ جواب «كلما» وهو محل الاستفهام الإنكاري {بَلْ} للانتقال {أكثرهم لا يؤمنون} {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه} محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّه} أي: التوراة {وَرَاء ظُهُورهمْ} أي: لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره {كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ما فيها من أنه نبيٌّ حق أو أنها كتاب الله {وَاتَّبَعُوا} عطف على «نبذ» {مَا تَتْلُو} أي: تلت {الشَّيَاطِينُ عَلَى} عهد {مُلْكِ سُلَيْمَان} من السِّحر، وكانت دفنته تحت كرسيه لما نُزِع ملكه، أو كانت تسترقُ السمعَ وتضمُّ إليه أكاذيب وتُلْقِيه إلى الكهنة فيدونونه، وفشا ذلك وشاع أنَّ الجنَّ تعلمُ الغيب، فجمع سليمانُ الكتب ودفنها، فلما مات دلَّت الشياطينُ عليها الناس فاستخرجوها فوجدوا فيها السحر، فقالوا: إنما مَلَكَكُم بهذا فتعلَّموه ورفضوا كتب أنبيائهم. قال تعالى تبرئةً لسليمان وردًّا على اليهود في قولهم: انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرًا: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} أي: لم يعمل السِّحر لأنه كُفْرٌ {وَلَكِنَّ} بالتشديد والتخفيف {الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْرَ} الجملة حال من ضمير كفروا {و} يُعلِّمونهم {مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} أي: ألهماه من السحر، وقُرئ بكسر اللام الكائنين {بِبَابِل} بلدٌ في سواد العراق {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} بدل أو عطف بيانٍ للملكين. قال ابن عباس: هما ساحران كانا يعلمان السحر. وقيل ملكان أُنزلا لتعليمه ابتلاءً من الله للناس {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ}
زائدة {أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا} له نصحًا {إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة} بلية من الله للناس ليمتحنهم بتعليمه، فمَن تعلَّمه كفرَ ومَن تركه فهو مؤمنٌ {فَلَا تَكْفُر} بتعلُّمه، فإن أبى إلَّا التعليم علماه {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} بأن يُبَغَّضَ كُلٌّ إلى الآخر {وَمَا هُمْ} أي السحرة {بِضَارِّينَ بِهِ} بالسحر {مِنْ} زائدة {أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّه} بإرادته {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ} في الآخرة {وَلَا يَنْفَعهُمْ} وهو السحر {وَلَقَدْ} لام قسم {عَلِمُوا} أي اليهود {لَمَنْ} لام ابتداء معلقة لما قبلها و «مَنْ» موصولة {اشْتَرَاهُ} اختاره أو استبدله بكتاب الله {مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق} نصيب في الجنة {وَلَبِئْسَ مَا} شيئًا {شَرَوْا} باعوا {بِهِ أَنْفُسهمْ} أي: الشارين؛ أي: حظَّها من الآخرة أن تعلموه حيث أوجب لهم النار {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} حقيقةَ ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلَّموه {وَلَوْ أَنَّهُمْ} أي اليهود {آمَنُوا} بالنبي، والقرآن {وَاتَّقَوْا} عقاب الله بترك معاصيه كالسحر، وجواب «لو» محذوف؛ أي: لأُثيبوا، دلَّ عليه:{لَمَثُوبَة} ثواب، وهو مبتدأ، واللام فيه للقسم {مِنْ عِنْد اللَّه خَيْر} خبره مما شروا به أنفسهم {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أنه خيرٌ لَمَا آثروه عليه.
وقولُ المؤلِّف: (ردٌّ لقول ابن صوريا): هذا إشارةٌ إلى سبب نزول الآية
(1)
.
وقولُه: (كفروا بها): هذا تقديرٌ لمدخول همزة الاستفهام المعطوف عليه ما بعده بالواو، والتقدير: أكفروا بها وكلَّما عاهدوا اللهَ عهدًا نبذه فريقٌ منهم.
وقولُه: (على الإيمان بالنبي
…
) إلى آخره: بيانٌ لمضمون العهد.
(1)
تقدم ذكر الخلاف في (ص 210).
وقولُه: (وهو محلُّ الاستفهام الإنكاري): يريد أنَّ مُتعلّق الاستفهام في قوله: {أَوَكُلَّمَا} هو قوله: {نَبَذَهُ فَرِيقٌ} ، فالمنكر هو نبذهم للعهد بنقضِه وتركِ الوفاء به.
وقولُه: (للانتقال): يريد أنَّ «بل» تُفيد الانتقال من وصف فريقٍ منهم بنبذ العهد إلى وصفِ أكثرهم بعدم الإيمان.
وقولُه: (ما فيها
…
) إلى آخره: بيانٌ لِمُتعلق العلم المنفي عنهم؛ فالتقدير: كأنَّ الذين نبذوا الكتابَ وراء ظهورهم - وهو التوراة - لا يعلمون ما فيها من الخبر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو كأنهم لا يعلمون أنَّ التوراةَ حقٌّ، وهم يعلمون ولكنهم معاندون
(1)
.
وقولُه: (عطف على «نبذ»): يريد أنَّ فعل {اتبعوا} - وهو مُسندٌ إلى واو الجماعة - معطوفٌ على فعل «نبذ» - المسند إلى فريق -، فأفاد العطفُ بالواو أنهم جمعوا بين نبذِ الكتاب واتباعِ ما تتلوا الشياطين، فتركوا الحقَّ وأخذوا الباطل.
وقولُه: (أي: تلت): يُبيِّن بهذا أنَّ الفعلَ المضارع «تتلوا» حكايةُ حالٍ ماضية، وهذا محتملٌ، ويُحتملُ أنه خبرٌ عن الحال الحاضرة؛ لأنَّ الشياطين يتلون علمَ السحر في الماضي والحاضر والمستقبل
(2)
.
وقولُه: (عهد): يُبيِّن بذلك معنى {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} وهو أنَّ المراد: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} أي: في زمن سليمان عليه السلام.
وقولُه: (من السحر
…
) إلى آخره: بيانٌ لِمَا تتلوا الشياطين.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 312 - 313)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 182)، و «الكشاف» (1/ 302).
(2)
ينظر: «درج الدرر» (1/ 251)، و «المحرر الوجيز» (1/ 298)، و «البحر المحيط» (1/ 522).
وما ذَكَره من دفن السحر تحت كرسي سليمان، وما دوَّنته الكهنةُ من الأكاذيب في كتب، وأنَّ سليمان عليه السلام أخذ هذه الكتب ودَفَنها، إلى آخر ما ذكره: هو من أخبار بني إسرائيل التي يجب عرضُها على الشرع، فما دلَّ على صدقه وجب تصديقُه، وما دلَّ على كذبه وجب تكذيبه، وما لا وجب التوقف فيه.
وقولُه: (قال تعالى تبرئةً لسليمان وردًّا على اليهود
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا أنَّ في قوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} تبرئة لنبي الله سليمان من الكفر بعلم السحر والعمل به، وفيه تكذيبٌ لليهود فيما زعمته أنَّ سليمان كان ساحرًا ولم يكن نبيًّا.
وقولُه: (الجملة حال
…
) إلى آخره: يريد: أنَّ جملة {يُعلِّمون} حال من واو الجماعة
(1)
في قوله: {كفروا} ، فالشياطين كفروا حال تعليمِهم السحر للناس.
وقولُه: (يعلمونهم): يُبيِّنُ بهذا أنَّ الاسمَ الموصول في قوله: {وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} معطوفٌ على السحر؛ فالمعنى: يُعلِّمون الناسَ السحر ويُعلمونهم ما أُنزل على الملكين.
وقولُه: (بكسر اللام): تثنية ملِك واحد الملوك، وردَّ ابنُ جريرٍ هذه القراءةَ واعتبرها شاذَّة
(2)
. وقولُه: (الكائنين): هذا مُتعلق الجار والمجرور ببابل، فالباء ظرفية بمعنى في.
وقولُه: (بلد في سواد العراق): هذا هو المشهورُ عن المفسرين
(3)
.
(1)
ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 299)، و «البحر المحيط» (1/ 524).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 349 - 350).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 350)، و «المحرر الوجيز» (1/ 300)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 362).
وقولُه: (بدل أو عطف بيان للملكين): هذا صحيحٌ فهما في موضع جر بالفتحة لأنهما ممنوعان من الصرف.
وقولُه: (قال ابن عباس
…
) إلى آخره: الصوابُ أنهما ملكان كما هو ظاهر القرآن
(1)
.
وقولُه: (زائدة): أي زائدة لتأكيد العموم.
وقولُه: (له نصحًا): يُبيِّنُ أنَّ قول الملكين لمن يريد أن يتعلَّم منهما السحر هو نصحٌ منهما له ليترك تعلُّمه، فدلَّ ذلك على أنهما مَلَكان لا ساحران.
وقولُه: (بلية من الله للناس
…
) إلى آخره: فيه تفسيرُ الفتنة بالبلية
(2)
؛ فمعنى قول الملكين {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} : أي ابتلاءٌ من الله للعباد، ليتبيَّنَ مَنْ يؤثِرُ تعلُّمَ السحرِ والكفرِ على الإيمان فيكفر بذلك، ومَن يؤثِرُ الإيمان على السحر فيترك تعلُّمَه فيكون مؤمنًا.
وقولُه: (فإنْ أبى إلا التعليم علَّماه): يدلُّ له قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} وقوله: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ} .
وقولُه: (أي: السحرة): وهم الذين تعلَّموا السِّحر من الملكين.
وقولُه: (زائدة): أي لتأكيد العموم.
وقولُه: (بإرادته): تفسيرٌ للإذن، وهو الإذنُ الكوني والإرادة الكونية التي بمعنى المشيئة؛ فالمعنى: إلَّا بمشيئته تعالى.
وقولُه: (في الآخرة): لأنَّ الضررَ في الآخرة أعظمُ من الضرر في الدنيا، والسحرُ ضررٌ على صاحبه في الدنيا والآخرة.
(1)
أثر ابن عباس لم نجده مسندًا، وذكره بعض المفسرين منسوبًا له. ينظر:«تفسير الثعلبي» (3/ 480)، و «البحر المحيط» (1/ 527).
(2)
ينظر: «الوجوه والنظائر» لمقاتل (ص 63 - 64)، و «نزهة الأعين النواظر» لابن الجوزي (ص 478 - 479).
وقولُه: (لام قسم): يريد اللام التي قبل «قد» ، فقوله:{وَلَقَدْ عَلِمُوا} خبرٌ مؤكَّدٌ بالقسم عن علم اليهود بضررِ السحر.
وقولُه: (أي: اليهود): يريد أنَّ الواو في قوله: {عَلِمُوا} تعودُ إلى اليهود لأنهم المذكورون في أول الآية في قوله: {يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} .
وقولُه: (لام ابتداء): يريد أنَّ اللام في قوله: {لَمَنْ} لامُ الابتداء.
وقولُه: (مُعلقة لما قبلها): يُبيِّنُ أنَّ لام الابتداء لما وقعت في صدر الجملة بعد «علموا» صار الفعل معلقًا عن العمل بنصب مفعولين، وهذا هو معنى التعليق، فجملة {لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق} في موضع نصب بـ {عَلِمُوا} ، و «من»: اسم موصول مبتدأ، وجملة {مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ}: في موضع رفع خبر.
وقولُه: (بكتاب الله): يريد أنَّ اليهود اشتروا السحر فأخذوه وتركوا كتابَ الله؛ لأنَّ الباء تدخل على المتروك.
وقولُه: (نصيب في الجنة): تفسيرٌ للخلاق، وهو الحظُّ الذي ينال به الفلاح، ولا يكون إلا في الجنة
(1)
.
وقولُه: (شيئًا): يريد أنَّ «ما» المتصلة ببئس في موضع نصب على التمييز.
وقولُه: (باعوا): تفسيرٌ لـ {شَرَوْا} ، وهذا هو معنى «شرى» في اللغة وفي القرآن
(2)
.
وقولُه: (أن تعلموه): هو المخصوص بالذم؛ فالمعنى: باعوا أنفسهم بتعلم السحر المفضي بهم إلى الشقاء الدائم.
(1)
تقدم في (ص 217).
(2)
تقدم (ص 194).
وقولُه: (حقيقة ما يصيرون إليه
…
) إلى آخره: هذا تقديرٌ لمفعول «يعلمون» في قوله تعالى: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ، فيكون المعنى: لو كانوا يعلمون حقيقةَ ما يصيرون إليه من عذاب الله ما تعلَّموا السحر.
وقولُه: (أي: اليهود): يُفيد أنَّ الآية من تمام الكلام عن اليهود في الآيات السابقة، وفيها ترغبيهم في الإيمان والتقوى ببيان عاقبة ذلك، والمثوبة مصدرٌ ميمي بمعنى الثواب، وهو الثوابُ من عند الله، وذلك خيرٌ لهم مما باعوا به أنفسهم، وجواب «لو» الأولى جملة {لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، وجواب «لو» الثانية محذوفٌ تقديره: لو كانوا يعلمون العلمَ الصحيح لَمَا آثروا الكفرَ والسحرَ على الإيمان والتقوى.
وبعد: فقد دلَّت هذه الآية، وهي الثانية بعد المئة على تحريم السحر، وتحريمِ تعلُّمه وتعليمه والعمل به، وذلك من وجوه:
الأول: ذم اليهود باتباعهم له.
الثاني: أنه من علم الشياطين؛ تتلوه، وتعلمه.
الثالث: أنه كفرٌ؛ لقوله: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} ، وقوله:{فَلَا تَكْفُرْ} .
الرابع: أنه وسيلةٌ للتفريق بين الزوجين وإفسادِ ما بينهما من المودة.
الخامس: أنه يضرُّ ولا ينفع.
السادس: أنَّ مَنْ اشترى علمَ السحر {مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق} .
السابع: قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}
(1)
.
ومما ينبغي أن يُعلَم أنَّ السحر نوعان:
(1)
ينظر: «تيسير العزيز الحميد» (2/ 676).
سحرٌ حقيقي، وله آثار حقيقيةٌ على المسحور، وهو المذكور في هذه الآية، ولكن لا يصل به الساحر إلى قلب الأعيان
(1)
، ولا ليقول للشيء: كن فيكون؛ فذلك لله وحده.
والثاني: سحرٌ تخيلي، يخيلُ به الساحر على الأبصار، ومنه سحرُ سحرةِ فرعون؛ كما قال تعالى:{سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} [الأعراف: 116]، وقال تعالى:{يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]
(2)
.
* * *
(1)
ينظر: «الصفدية» (1/ 138)، و «مجموع الفتاوى» (29/ 368 - 369)، و (29/ 390 - 391).
(2)
ينظر أنواع السحر وتقسيماته في: «تفسير الرازي» (3/ 619 - 625)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 367 - 371)، و «شرح نواقض الإسلام» لشيخنا (ص 33 - 34).
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)} [البقرة: 104]:
ينهى اللهُ المؤمنين في هذه الآية أن يقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم: {رَاعِنَا} ؛ لأنه لفظٌ يحتملُ حقًّا وباطلًا؛ لأنه إمَّا من المراعاة: وهي الرِّفقُ والتيسيرُ في المعاملة، أو الرعونة: وهي الحمقُ والصَّلفُ في القول
(1)
؛ لذلك كان اليهودُ يُخاطبون بها النبيَّ صلى الله عليه وسلم ويريدون المعنى القبيح، فنهى الله المؤمنين عن أن يقولوا ذلك في خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يتذرَّع اليهودُ بذلك إلى مقصودهم إذا سمعوا المؤمنين يقولونها، فنهى المؤمنون عن ذلك سدًّا للذريعة، ولذا عُدَّت هذه الآية من أدلة قاعدةِ سدِّ الذرائع
(2)
.
وأمر اللهُ المؤمنين أن يقولوا: {انْظُرْنَا} ؛ يعني: انظر إلينا، فحُذِف حرف الجر، واتصل الضميرُ بالفعل، فهو من الحذف والإيصال. وقوله تعالى:{وَاسْمَعُوا} : أي سماعَ قبولٍ واستجابةٍ وطاعةٍ لكلِّ ما أمركم اللهُ به ورسولُه، وفي هذا تأكيدٌ لِمَا سبقَ في الآية من النهي والأمر.
وقوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)} : وعيدٌ لجميع الكافرين، وهو أخصُّ باليهود، والأليم: المؤلم الموجع.
{يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا} للنبي {رَاعِنَا} أمر من «المراعاة» ، وكانوا يقولون له ذلك، وهي بلغة اليهود سبٌّ من «الرعونة» ، فسُرُّوا بذلك وخاطبوا بها النبيَّ، فنهي المؤمنون عنها {وَقُولُوا} بدلها:{انْظُرْنَا} أي: انظر إلينا {وَاسْمَعُوا} ما تؤمرون به سماعَ قبول {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم هو النار.
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 60)، و «المفردات» للراغب (ص 375 - 358).
(2)
ينظر: «إعلام الموقعين» (5/ 6)، و «الموافقات» للشاطبي (3/ 76).
وقولُ المؤلِّف: (للنبي): بيانٌ لمتعلق الحكم.
وقولُه: (أمر من المراعاة
…
) إلى آخره: فيه بيانُ سبب نزول الآية
(1)
.
وقولُه: (بدلها): أي قوله» {انْظُرْنَا} بدل عن قولهم: {رَاعِنَا} ، فما أمروا به بدلوا عمَّا نهوا عنه.
* * *
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 33 - 34)، و «العجاب» لابن حجر (1/ 343 - 347).
وقوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)} [البقرة: 105]:
يُخبر تعالى عن كفَّار أهلِ الكتاب وعن المشركين أنهم لا يُحبون أن يُنزل اللهُ على نبيِّه والمؤمنين شيئًا من الخير من عِلمٍ أو نصرٍ أو رزقٍ، بل يُبغضون ذلك ويحسدون المؤمنين على ذلك، يدلُّ لذلك قوله تعالى:{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [البقرة: 90]، وهم بذلك يُعارضون حكمةَ الله وتدبيره، ولهذا قال تعالى:{وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} من النبوة وغيرها، وهو تعالى {ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}؛ أي: العطاء والإحسان البالغ غاية العظمة كثرةً وكمالًا.
{مَا يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَلَا الْمُشْرِكِينَ} من العرب، عطف على أهل الكتاب، و «مِنْ» للبيان {أَنْ يُنْزَل عَلَيْكُم مِنْ} زائدة {خَيْرٍ} وحي {مِنْ رَبّكُمْ} حسدًا لكم {وَاَللَّه يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ} بنبوَّته {مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} .
وقولُ المؤلِّف: (عطف على أهل الكتاب): يريد أنَّ المشركين معطوفٌ على المجرور بـ «من» ولا الذين كفروا من المشركين، وأهل الكتاب منهم كفار ومنهم مؤمنون وأمَّا المشركون فكلُّهم كفارٌ.
وقولُه: (من للبيان): يريد «من» في قوله: {مِنْ أَهْل الْكِتَابِ} ، فمِن: بيانٌ للمراد بالموصول في قوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا} .
وقولُه: (زائدة): يريد من في قوله: {مِنْ خَيْرٍ} زائدة؛ لتأكيد العموم
(1)
.
وقولُه: (وحي): تفسيرٌ للخير، والخيرُ في الآية أعمُّ من ذلك.
وقولُه: (حسدًا لكم): بيانٌ للحامل لهم على عدم المودَّةِ لنزول الخير.
* * *
(1)
ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 308)، و «البحر المحيط» (1/ 545).
وقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)} [البقرة: 106 - 107]:
يُخبر تعالى نبيَّه والمؤمنين خبرًا فيه بشرى لهم، أنه لا ينسخُ آيةً من آيات الكتاب التي أنزلها على نبيِّه إمَّا برفع حُكمِها أو إنساء لفظها إلَّا أتى بخيرٍ منها؛ أي: بأيسر منها لفظًا أو أخفِّ حُكمًا أو أنفع لهم، وإن كان حكمُ الثانية أشقَّ، أو يأتي بآيةٍ مثلها لا أخفَّ ولا أثقلَ
(1)
، ومَردُّ ذلك إلى حِكمته - تعالى - وعِلمه وقدرته، وعموم ملكه، ولهذا قال تعالى:{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، وما في هذه الآيةِ مِنْ ذِكر النسخِ وحِكمته جاء في سياق الردِّ على اليهود؛ لأنهم زعموا أنَّ النسخ يمتنع على الله؛ لأنه يتضمَّنُ البداء من الله؛ وهو أن يعلم من الأمر ما لم يكن عالمًا به
(2)
، ليتوصَّلوا بذلك إلى نفي نسخِ شريعةِ التوراة بشريعة القرآنِ، وإلى الطعنِ في نبوة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وإلى الطعنِ في شريعة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بنسخ استقبالِ بيت المقدس بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة كما سيأتي في الآيات من اثنتين وأربعين إلى خمسين بعد المئة
(3)
، وجاء ذِكرُ النسخِ وحِكمتِه في هذه الآية تمهيدًا لِمَا سيأتي من أمر تحويلِ القبلة.
ومعنى النسخ في اللغة: الإزالة، تقول: نسختِ الشمسُ الظلَّ، ويُطلَقُ على نقل الكتاب، تقول: نسختُ الكتابَ؛ أي: نقلتُ المكتوب بكتابة مثله في مكان آخر
(4)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 399 - 402)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 378).
(2)
ينظر: «التعريفات» للجرجاني (ص 43).
(3)
ينظر: (ص 301).
(4)
ينظر: «لسان العرب» (3/ 61).
وفي اصطلاح أهلِ الأصولِ: رفعُ حُكمٍ ثبتَ بدليلٍ متقدِّمٍ بدليلٍ مُتأخِّرٍ
(1)
.
و {مَا} : اسمُ شرطٍ في محل نصب مفعول به «للنّسخ» ، وفعلُ الشرط وجوابُه مجزومان بها، و {نُنْسِهَا} معطوفٌ على ننسخ مجزومٌ بحذف الياء.
وقوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ} : الاستفهامُ للتقرير، والمعنى: قد علمت أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير، فيدخل في قدرته شرعُ الأحكام ونسخ ما شاء منها.
وقوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : أي قد علمتَ أنَّ اللهَ له مُلك السماوات والأرض، ومما يدخل في ملكه التصرُّفُ بالأحكام بالإثبات والنسخ.
وقوله: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)} : تهديدٌ لليهود الطاعنين في حِكمته وأحكامِه، وفي الكلام التفاتٌ مِنْ خطاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطاب جماعةِ المؤمنين؛ لتحذير المؤمنين من الانخداع بشُبهات الكافرين التي يحملون بها المؤمنين على الأسئلة التي لا تليقُ بمقام النبي صلى الله عليه وسلم ولا تليقُ بحال المؤمنين الموقنين، ولهذا قال تعالى:{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} ، فالمعنى: ليس لكم وليٌّ من دون الله يتولاكم بما ينفعكم، ولا نصيرٌ ينصركم على مَنْ يُريدكم بسوءٍ، أو يُنقذكم من عذابٍ يَحِلُّ بكم.
ولَمَّا طعنَ الكفارُ في النسخ وقالوا إنَّ محمَّدًا يأمر أصحابَه اليوم بأمرٍ وينهى عنه غدًا أنزل الله: {مَا} شرطية {نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} أي نزلَ حُكمها إمَّا مع لفظها أو لا. وفي قراءةٍ بضمِّ النون، من أنسخ؛ أي: نأمرك أو جبريل
(1)
عرف بتعاريف كثيرة، والتعريف الذي ذكره شيخنا قريب من تعريف الغزالي وابن قدامة. ينظر:«المستصفى» للغزالي (2/ 35 - 36)، و «روضة الناظر» لابن قدامة (1/ 283 - 284).
بنسخها {أو نَنْسَأْهَا} نُؤَخِّرْها فلا نُزِل حكمها ونرفع تلاوتها أو نؤخرها في اللوح المحفوظ. وفي قراءة بلا همز من النسيان؛ أي: نُنسِكْها؛ أي: نمحُها من قلبك، وجواب الشرط {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر {أَوْ مِثْلهَا} في التكليف والثواب {أَلَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِير} ومنه النسخُ والتبديلُ، والاستفهام للتقرير. {أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض} يفعل فيهما ما يشاء {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي: غيره {مِنْ} زائدة {وَلِيّ} يحفظكم {وَلَا نَصِيرٍ} يمنع عذابَه عنكم إن أتاكم.
وقولُ المؤلِّف: (ولَمَّا طعن الكفارُ
…
) إلى آخره: يُشير بذلك إلى سببِ نزول هذه الآية في شأن النسخ
(1)
.
وقولُه: (نُزِل حكمها
…
) إلى آخره: تضمن الإشارة إلى أصل معنى النسخ في اللغة، وهو الإزالة، وأنَّ نسخَ الآية تارةً يكون بحُكمِها ولفظِها، وتارةً يكون للحُكم مع بقاء اللفظ.
وقولُه: (وفي قراءةٍ بضمِّ النون
…
) إلى آخره: يُشير إلى قراءةٍ مرجوحةٍ ردَّها ابنُ جرير، قال إنها خلافُ الحُجَّةِ من القَرَأَة؛ أي: جمهور القراء
(2)
.
وقولُه: (أو نَنْسَأْهَا
…
) إلى آخره: مشى المؤلِّفُ في هذا الحرف على إحدى القراءات، وهي: بفتح النون والهمز
(3)
، من النسأ؛ وهو: التأخيرُ كالبيع نسيئة؛ أي: إلى أجل
(4)
، وفسَّرَ المؤلِّفُ هذه القراءةَ بتأخير النزول، فتضمَّنت
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 34)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 347 - 348).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 396 - 397).
(3)
وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون بضم النون الأولى وترك الهمز. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 168)، و «النشر» (2/ 220).
(4)
ينظر: «لسان العرب» (1/ 166).
الآيةُ على هذا نوعين من الآيات؛ آيةٌ نزلت ثم نُسخ حُكمها، وآيةٌ أُخِّر نزولها، وفي كلٍّ من النوعين وعدَ اللهُ أن يأتي بخيرٍ منها أو مثلها.
وقولُه: (وفي قراءة بلا همزة من النسيان
…
) إلى آخره: يذكر القراءة الأخرى، وهي التي بضمِّ النون بلا همزٍ، وجزمِ الفعل بحذف حرف العلة، وهي من النسيان الذي هو ذهابُ الشيءِ من القلب، ولهذا قال المؤلف - مُفسِّرًا هذه القراءة -:(أي: نمحُها من قلبك)؛ لأنَّ الخطابَ فيها للنبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله بعدها: {أَلَمْ تَعْلَمْ} .
وقولُه: (وجواب الشرط): أي: المفهوم من «ما» الشرطية؛ جوابه هو قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ} .
وقولُه: (في السهولة أو كثرة الأجر): يُبيِّنُ بهذا أنَّ الخيرَ الموعود هو ما ينفع العباد في العاجل إذا كان النسخُ إلى الأخفِّ والأسهلِ، أو الآجلِ بكثرة الأجرِ إذا كان النسخُ إلى أثقلَ من الأول.
وقولُه: (في التكليف والثواب): يُبيِّنُ أنَّ الآيةَ الثانية تكون مِثل الأولى في التكليف من حيث السهولة والمشقة، وفي الثواب؛ أي: من حيث مقدار الأجر.
وقولُه: (يفعل فيهما ما يشاء): يُشير إلى أنَّ من مُقتضى مُلكه التصرفُ في الأحكام بالنسخ والتبديل والتقديم والتأخير.
وقولُه: (أي: غيره): تفسيرٌ لقوله: (من دونه).
وقولُه: («من» زائدة): يريد: «من» في قوله: {مِنْ وَلِيٍّ} ، يقول: زائدة؛ أي: لتأكيد العموم. وقولُه: (يحفظكم)، وقولُه:(يمنع عذابه): بيانٌ للفرق بين الوليِّ والنصيرِ، فالوليُّ: هو الجالبُ للمنافع، والنصيرُ: هو الدافعُ للمضار، والله تعالى هو الوليُّ والنصيرُ، وما للعباد من دونه وليٌّ ولا نصيرٌ؛ لأنه لا يأتي بالحسنات ولا يدفع السيئات غيره.
فعُلمَ ممَّا تقدَّم أمورٌ:
1 -
سببُ نزول الآية؛ وهو إنكارُ اليهود النسخَ وطعنهم على النبي والمؤمنين بتحويل القبلة.
2 -
أنَّ في {ننسخ} قراءتين؛ بفتح النون والسين، وهي: أصحُّ القراءتين، وبضم النون وكسر السين، وهي: التي ردَّها ابنُ جرير.
3 -
أنَّ في {نُنْسِهَا} ثلاثُ قراءات: بضمِّ النونِ وحذفِ الياءِ للجزم، وبفتحِ النون والهمزة الساكنة من «النَّسْأ» بمعنى: التأخير، وبفتحِ النونِ وحذفِ الألف من النسيان؛ بمعنى: الترك.
4 -
الاستفهامُ في الآيتين للتقرير، والخطابُ في اللفظ للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: عام للمؤمنين.
5 -
الإشارةُ إلى الدليل العقلي على جواز النسخ بذكر عموم قدرة الله وعموم ملكه.
* * *
وقوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)} [البقرة: 108]:
يُنكر تعالى على مَنْ يسأل الرسولَ صلى الله عليه وسلم من المؤمنين سؤالَ تعنُّتٍ واعتراضٍ على شرعه، وإنما يكون هذا من المنافقين الذين يُظهرون الإيمان وهم بخلاف ما يظهرون، وقد ذُكروا في أوِّل السورة، وأنهم بذلك يُشبهون بني إسرائيل في تعنُّتهم على موسى عليه السلام كما في قصة البقرة، وذِكْرُ ذلك في الآية يُشعر بوقوعه؛ وأنه سببُ نزول الآية
(1)
.
ثم يُبيِّنُ تعالى أنَّ هذا المسلكَ قد يُفضي بصاحبه إلى الكفر أو هو كفر، ولهذا قال تعالى:{وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)} ؛ أي: مَنْ يشتري الكفرَ بالإيمان فيتعوَّضُ عن الإيمان بالكفر فقد ضلَّ سواءَ السبيل؛ أي: أخطأ سبيلَ الله، وذهب عنه إلى سُبل الغي والفساد، و {أَمْ} في قوله:{أَمْ تُرِيدُونَ} : هي المنقطعةُ، فهي بمعنى بل
(2)
، وهمزة الاستفهام الإنكاري.
والخطابُ في قوله: {تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ} للمؤمنين، فهو متصلٌ بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} ، والمراد؛ بقوله:{رَسُولَكُمْ} : محمد صلى الله عليه وسلم، والرسولُ يُضافُ إلى مُرسلِه، وإلى مَنْ أُرسِل إليه.
ونزل لَمَّا سأله أهلُ مكة أن يوسِّعها ويجعل الصفا ذهبًا: {أم} بل {أتُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى} أي: سأله قومه {مِنْ قَبْل} من قولهم: {أَرِنَا اللَّه جَهْرَةً} وغير ذلك {وَمَنْ يَتَبَدَّل الْكُفْر بِالْإِيمَانِ} أي
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 409 - 411)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 202 - 203)، و «زاد المسير» (1/ 99).
(2)
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 198)، و «إعراب القرآن» للنحاس (1/ 73).
يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل} أخطأ الطريقَ الحقَّ، والسواءُ في الأصل: الوسطُ
(1)
.
وقولُ المؤلِّف: (ونزل
…
) إلى آخره: يُشيرُ إلى أنَّ سببَ نزول هذه الآية هو سؤالُ أهل مكة، وفي هذا نظرٌ، فإنَّ سورةَ البقرة مدنيةٌ، والأظهرُ أنَّ السببَ سؤالُ بعض المؤمنين كما تقدَّم.
وقولُه: (من قولهم: {أَرِنَا اللَّه جَهْرَةً}): هذا بعض أسئلة بني إسرائيل التعنتية وهي كثيرةٌ. وقولُه: (أخطأ الطريقَ الحقَّ): فسَّر الضلالَ بالخطأ؛ لأنَّ ضلَّ في الآية متعدٍّ بنفسه، و {سواء}: مفعولٌ به، ويتعدَّى بـ «عن»؛ فيُقال: ضلَّ سواءَ السبيل، وضلَّ عن سواءِ السبيل.
* * *
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 61)، و «مقاييس اللغة» (3/ 112).
يُخبر تعالى عن كثيرٍ من أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - بأنهم يودُّون أن يُطيعهم المؤمنون في التحوُّل عن الإيمان إلى الكفر، والحاملُ لهم على ذلك الحسدُ، وأخصُّ الطائفتين بذلك اليهودُ كما وصفَهم اللهُ بذلك؛ في قوله:{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 54]، ولم يكن ذلك منهم لجهلٍ أو شبهةٍ، وهذا معنى قوله تعالى:{مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} . ثم أمرَ سبحانَه بالعفو والصفح عنهم، وذلك بالصبر على أذاهم حتى يأتيَ اللهُ بأمره؛ وهو النصرُ عليهم بإجلائهم أو قتلهم، وقد وقع ذلك في طوائفِ اليهود حولَ المدينة كما في سورة الحشر والأحزاب، وفي هذا بشارةٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكافرين، وتأكيدًا لهذا الوعد والوعيد أخبرَ تعالى أنه {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)} .
والعفو: هو تركُ المؤاخذة على الذنب بترك العقوبة. والصفح: هو الإعراضُ وتركُ التثريبِ والعتابِ، فهو أبلغُ من العفو
(1)
.
{وَدَّ كَثِير مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب لَوْ} مصدرية {يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْد إيمَانكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا} مفعول له، كائنًا {مِنْ عِنْد أَنْفُسهمْ} أي: حملتهم عليه أنفسُهم الخبيثةُ {مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ} في التوراة {الْحَقّ} في شأن النبي صلى الله عليه وسلم {فَاعْفُوا} عنهم؛ أي: اتركوهم {وَاصْفَحُوا} أعرضوا فلا
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 486)، و «التحرير والتنوير» (1/ 671).
تجازوهم {حَتَّى يَأْتِي اللَّه بِأَمْرِهِ} فيهم من القتال {نَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
وقولُ المؤلِّف: (مصدرية): يريد أنها من الحروف التي تُؤوَّل مع الفعل بعدها بمصدر، وتقدير ذلك هنا: ودَّ كثيرون من أهل الكتاب ردَّكم.
وقولُه: (مفعول له): يُبيِّنُ إعراب {حسدًا} بأنه مفعولٌ لأجله، فنصبه على المفعولية، فعلم بذلك أنَّ الحسدَ هو الحاملُ لهم على هذه المودَّة، وهذا الحسدُ متمكِّنٌ في نفوسهم وقلوبهم، وهذا هو معنى {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسهمْ} .
وقولُه: (كائنًا): صفةٌ لحسد، والجار والمجرور {مِنْ عِنْدِ} مُتعلقٌّ بـ «كائنًا» .
وقولُه: (في شأن النبي صلى الله عليه وسلم: يعني تبيَّن لهم الاعتقادُ الحقُّ في شأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتبيَّن لهم ذلك بدلائلَ كثيرةٍ.
* * *
وقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)} [البقرة: 110]:
يأمر اللهُ - تعالى - عبادَه المؤمنين بإقام الصلاة؛ وهي الصلوات الخمس التي كتبها اللهُ على عباده في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وبإيتاء الزكاة؛ وهي الحقُّ الذي فرضَه الله على الأغنياء في أموالهم، ويُبشرهم تعالى أنَّ ما قدَّموه لأنفسهم من خيرٍ - أي: عمل صالح - فإنهم يجدون ثوابَه موفورًا مُضاعفًا عند ربهم، ثم أخبر سبحانه أنه بصيرٌ بأعمال عباده حسناتهم وسيئاتهم، وهو بصيرٌ بأحوالهم ونيَّاتهم فيها، فيجزيهم بالحسنات بحسب تفاضلهم فيها، ويُضاعِف لهم الثوابَ، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبع مئةِ ضِعفٍ إلى ما شاء الله، {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)} [الأنعام: 160].
والبصيرُ: من البصر بالشيء، وهو كمالُ العلم به، فهي من معنى: أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وليست من البصر بمعنى الإبصار الذي هو بمعنى الرؤية؛ فالبصيرُ من المعنى الأول يأتي مقرونًا بالخبير، ومن المعنى الثاني يأتي مقرونًا بالسميع
(1)
، وقد عُلِمَ مما تقدَّم أنَّ الخطاب في هذه الآيات للمؤمنين من قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} [البقرة: 104]، إلى قوله:{إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)} [البقرة: 110].
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ} طاعةٍ؛ كصِلةٍ وصدقةٍ {تَجِدُوهُ} أي: ثوابه {عِنْد اللَّه إنَّ اللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} فيجازيكم به.
* * *
(1)
ينظر: «اشتقاق الأسماء» للزجاجي (ص 65 - 71)، و «شأن الدعاء» للخطابي (ص 61)، و «النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى» لمحمد الحمود النجدي (1/ 235).
وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)} [البقرة: 111 - 112]:
يُخبر تعالى عن اليهود والنصارى أنهم قالوا: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} ، ومعنى ذلك أنَّ الجنةَ مختصَّةٌ بهم، وخالصةٌ لهم من دون الناس، وهذا ما سبق الإشارةُ إليه في قوله تعالى:{إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ} [البقرة: 94]
(1)
، و {أَوْ} للتقسيم والتنويع بعد الإجمال؛ فالمعنى: وقالت اليهود: لن يدخلَ الجنةَ إلا من كان هودًا، وقالت النصارى: لن يدخلَ الجنةَ إلا من كانوا نصارى
(2)
.
ثم بيَّنَ تعالى أنه لا حقيقةَ لقولهم، بل هو محضُ أماني، وأنهم لا برهان لهم على ما قالوا؛ فقال تعالى:{تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)} ، وهذا أمرُ تعجيزٍ، ثم بيَّنَ سبحانه وتعالى أنَّ المستحقَّ لدخول الجنة وله الأجر عند الله هو مَنْ أسلم وجهَه لله بعبادته وحده لا شريك له، وهو محسنٌ باتباع الرسولِ، فذلك الذي له الأجرُ عند الله {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)} . وفي هذه الآية عَودٌ إلى الإخبار عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وذِكرُ أقوالهم الباطلة بعد ما مرَّ في الآيات السابقة من خطاب للمؤمنين أمرًا ونهيًا وتحذيرًا وإرشادًا، لكنَّ المعني في الآيات التي قبل ذلك من «40» إلى «103» هم اليهود، والمعني: في هذه الآية «111» وما بعدها الطوائفُ الثلاثُ؛ اليهود والنصارى والمشركون.
(1)
ينظر: (ص 206).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 428)، و «المحرر الوجيز» (1/ 322 - 323)، و «التحرير والتنوير» (1/ 672 - 673).
وفي قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ} ردٌّ لنفي في قولهم: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} ، فالمعنى: بل يدخلُها {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} ، و {مَنْ} شرطيةٌ، وجوابُ الشرط قوله:{فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} .
{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} جمعُ هائدٍ {أَوْ نَصَارَى} قال ذلك يهودُ المدينة ونصارى نجران لَمَّا تناظروا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي قال اليهود: لن يدخلَها إلَّا اليهود. وقال النصارى: لن يدخلَها إلَّا النصارى {تِلْكَ} القولة {أَمَانِيُّهمْ} شهواتهم الباطلة {قُلْ} لهم {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} حجَّتَكم على ذلك {إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فيه. {بَلَى} يدخلُ الجنةَ غيرهم {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ} أي انقاد لأمره، وخُصَّ الوجهُ لأنه أشرفُ الأعضاء فغيره أولى {وَهْوَ مُحْسِن} موحِّدٌ {فَلَهُ أَجْرُه عِنْد رَبّه} أي: ثواب عمله الجنة {وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} في الآخرة.
وقولُ المؤلِّف: (جمعُ هائدٍ): يُبيِّنُ بهذا أنَّ هودًا جمعُ هائدٍ لا مفرد، ونظيرُه: عُوذ جمع عائذ
(1)
.
وقولُه: (قال ذلك يهودُ المدينة
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ الآية نزلت على سبب، وهو ما ذكره من القصة
(2)
.
(1)
ينظر: «معاني القرآن» للفراء (1/ 73)، و «تفسير الطبري» (2/ 428).
(2)
أخرج القصة الطبري (2/ 434 - 435) لكن في سبب نزول آية: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} ]، وأوردها في سبب نزول هذه الآية: السمعاني في تفسيره (1/ 127)، وابن الجوزي في «زاد المسير» (1/ 102)، وأبو حيان في «البحر المحيط» (1/ 561).
وقولُه: (القولة): يريد أنَّ اسمَ الإشارة في قوله: {تلك} راجعٌ إلى الفعلة من القول.
وقولُه: (شهواتهم الباطلة): أي التي يتمنَّونها ويطمعون في حصولها، ومنها: دخولهم الجنة دون غيرهم.
وقولُه: (حجَّتكم على ذلك): فسَّر البرهانَ بالحجة، وهو الحجةُ القاطعةُ المفيدة لمدلولها؛ فالبرهانُ أخصُّ من الحجة.
وقولُه: (فيه): أي فيما تدعونه من اختصاصكم بدخول الجنة.
وقولُه: (يدخل الجنة غيرهم): يُبيِّنُ أنَّ {بلى} إبطالٌ للنفي في قولهم: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ} ، فكلُّ {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ وَهْوَ مُحْسِن} فإنه يدخل الجنة.
وقولُه: (انقاد لأمره): فسَّرَ الإسلامَ بالانقياد؛ لأنَّ الإسلام استسلامٌ وتسليمٌ.
وقولُه: (خص الوجه
…
) إلى آخره: فالمعنى: مَنْ أسلم وجهَه فقد أسلمَ بكليَّته لربه وخضع له
(1)
، وهذا يتضمَّنُ إخلاصَ الدِّين لله وعبادته وحده لا شريك له.
وقولُه: (موحدٌ): فسَّر الإحسان بالتوحيد، وفي هذا التفسير نظرٌ؛ فإنَّ التوحيد هو معنى إسلام الوجه لله، فلا بدَّ أن يكون الإحسانُ معنى آخر، وهو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم
(2)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 432 - 433)، و «المحرر الوجيز» (1/ 323 - 324).
(2)
ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 385).
وقرر هذا المعنى شيخ الإسلام في غير موضع من كتبه. ينظر: «منهاج السنة» (5/ 252 - 253)، و «جامع المسائل» (6/ 26)، و «مجموع الفتاوى» (10/ 234) -وهي من رسالة العبودية (ص 148) -، و (28/ 175).
وقولُه: (أي ثواب عمله الجنة): تفسيرٌ للأجر عند الله، وبذلك يظهر الردُّ على اليهود والنصارى في نفي دخول غيرهم الجنة.
وقولُه: (في الآخرة): يُبيِّنُ أنَّ الوعد بعدم الخوف والحزن يكون في الآخرة، وهذا هو الأهمُّ؛ لأنَّ الخوفَ والحزن في الدنيا مآلهما إلى الزوال، وقد جاء التصريحُ بالوعد بالأمن وذهاب الحزن؛ لقوله تعالى:{وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل: 89]، وقوله عن أهل الجنة:{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34].
* * *
يُخبر تعالى عن اختلاف اليهود والنصارى، وأنَّ كلًّا من الطائفتين تذمُّ الأخرى وأنها ليست على شيءٍ من الحق، مع أنهم يقرؤون كتبَ الله - التوراة والإنجيل -.
كذلك يُخبر تعالى عن الذين لا يعلمون - وهم المشركون الذين لا عِلم عندهم لأنهم لا كتاب لهم - أنهم قالوا في كلِّ مَنْ خالفهم من اليهود والنصارى وغيرهم: ليسوا على شيءٍ، مثل قول اليهود والنصارى بعضهم لبعض.
ثم أخبر تعالى أنه يحكم بين جميع المختلفين يوم القيامة فيُبيِّنُ المحقَّ منهم من المُبطل؛ كما قال تعالى في حكمة البعث: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39)} [النحل: 39].
{وَقَالَتْ الْيَهُود لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْء} مُعْتَدٍّ به وكفرت بعيسى {وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُود عَلَى شَيْء} مُعْتَدٍّ به وكفرت بموسى {وَهُمْ} أي: الفريقان {يَتْلُونَ الْكِتَاب} المنزلَ عليهم، وفي كتاب اليهود تصديقُ عيسى، وفي كتاب النصارى تصديقُ موسى، والجملةُ حال {كَذَلِكَ} كما قال هؤلاء {قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} أي المشركون من العرب وغيرهم {مِثْل قَوْلهمْ} بيانٌ لمعنى ذلك. أي: قالوا لكلِّ ذي دينٍ: ليسوا على شيءٍ {فَاَللَّه يَحْكُم بَيْنهمْ يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمرِ الدِّين، فيدخل المحقُّ الجنةَ، والمبطلُ النارَ.
وقولُ المؤلِّف: (مُعْتَدٍّ به
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ مرادَ اليهود بهذا القول نفيُ أن يكون مع النصارى شيءٌ من الحقِّ يُعتدُّ به لهم، ولا إيمان مَنْ آمن منهم بعيسى، فتضمَّن قولُ اليهود كفرهم بعيسى عليه السلام.
وقولُه: (معتد به
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ قول النصارى في اليهود من جنس قولِ اليهود في النصارى، كلٌّ منهما يتضمَّنُ جحد ما عند الطائفة الأخرى من الحقِّ والكفرَ بنبيِّها.
وقولُه: (المنزل عليهم): معناه أنَّ المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وفي كلِّ كتابٍ دلالةٌ على الحقِّ الذي عند الطائفة الأخرى، فكانوا بهذا التَّجاحُدِ كافرين بالكتاب الذي نزل عليهم؛ لأنَّ كتابهم يُكذبهم فيما قالوه في الطائفة الأخرى.
وقولُه: (وفي كتاب اليهود
…
) إلى آخره: هو معنى ما تقدَّم أنَّ كلًّا من الكتابين يدلُّ على الحقِّ الذي مع الطائفة الأخرى.
وقولُه: (والجملة حال): يعني قوله تعالى: {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} ، فالمعنى: قالوا ما قالوا وهم يتلون الكتاب الذي يُكذِّبُهم؛ لأنه يدلُّ على نقيض قولهم، وبعد: فقولُ اليهود في النصارى هو لازمٌ لقولهم: «لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا» ، ومضمونُ قول النصارى في اليهود هو لازمُ قول النصارى:«لن يدخلَ الجنةَ إلا من كانوا نصارى» ، فمضمون كلٍّ من الآيتين رقم:«111» و «113» لازمٌ لمضمون الآية الأخرى.
وقولُه: (كما قال هؤلاء): أي مثل قول اليهود في النصارى وقول النصارى في اليهود قال الذين لا يعلمون؛ فالمعنى: قال الذين لا يعلمون وهم المشركون في اليهود والنصارى ليسوا على شيءٍ.
وقولُه: (أي المشركون من العرب وغيرهم): هذا أصحُّ ما قيل في بيان المراد بالذين لا يعلمون
(1)
، وأخطأ خطأً بيِّنًا مَنْ قال: المرادُ بهم اليهود أو النصارى، ويؤيد أنَّ المرادَ بهم المشركون قوله تعالى فيما سيأتي:{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 118]، والراجحُ في هذه الآية أنَّ المرادَ بالذين لا يعلمون كفارُ العرب، كما ذكره ابنُ كثير ورجَّحه
(2)
، وهو قول الجمهور؛ قاله ابن عطية
(3)
والقرطبي
(4)
.
وقولُه: (بيان لمعنى ذلك
…
) إلى آخره: يريدُ أنَّ قوله تعالى: {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} : بيانٌ لمعنى اسم الإشارة في قوله: {كَذَلِكَ} ، فالمعنى أنَّ الذين لا يعلمون قالوا لكلِّ مَنْ خالفهم في الدينِ: ليسوا على شيء؛ كقول اليهود للنصارى، وقول النصارى لليهود.
وقولُه: (فيدخل المحقُّ الجنةَ والمبطلُ النارَ): هذا تفسيرٌ للحكم في الآية بالحكم الجزائي الفعلي، والآية تشمل هذا، وتشمل الحكمَ البياني القولي المذكور في قوله تعالى:{لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} [النحل: 39]، فإنه تعالى يُبيِّنُ لهم المحقَّ من المبطل، ثم يدخل المحقُّ الجنةَ والمبطلُ النارَ كما قال تعالى:{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} إلى قوله: {مُحْضَرُونَ} [الروم: 14 - 16].
* * *
(1)
وهو قول السدي ومقاتل، واختاره الجمهور. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 439)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 209، رقم 1107)، و «زاد المسير» (1/ 102).
(2)
ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 399).
(3)
«المحرر الوجيز» (1/ 325).
(4)
«تفسير القرطبي» (2/ 76).
وقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)} [البقرة: 114]:
يُخبر تعالى عن حال مَنْ يمنع مساجد الله التي أفضلُها المسجدُ الحرام، يمنعها من أنْ يُذكَر فيها اسمُ الله، ويصدُّ مَنْ يقصدها بذكر اسم الله فيها، وفعلِ ما شرع اللهُ فيها من العبادات، وهذا الصدُّ أعظم سعي في خرابها، فإنَّ عمارتَها بذكر اسم الله فيها وإقامِ الصلاة فيها؛ وأعظمُ الصدِّ عن ذلك الصدُّ عن المسجد الحرام، فأخبر تعالى أنَّ مَنْ هذه حالُه فلا أحد أظلم منه.
{وَمَنْ} في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ} : اسمُ استفهامٍ إنكاري، وهو بمعنى النفي، فالتقدير: لا أحدَ أظلم. ثم أخبر تعالى أنَّ أولئك الظالمين لا يحقُّ لهم دخول مساجد الله، ولا يليقُ بهم إلَّا أن يدخلوها خائفين ذليلين مقهورين، ثم أخبر تعالى عن سوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة؛ فقال:{لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} ؛ وهو الفضيحةُ والعارُ، {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)} ؛ وهو عذاب النار.
{وَمَنْ أَظْلَم} أي: لا أحدَ أظلم {مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمه} بالصلاة والتسبيح {وَسَعَى فِي خَرَابهَا} بالهدم أو التعطيل، نزلت إخبارًا عن الروم الذين خرَّبوا بيت المقدس، أو في المشركين لَمَّا صدُّوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عامَ الحديبية عن البيت {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلَّا خَائِفِينَ} خبر بمعنى الأمر؛ أي: أخيفوهم بالجهاد فلا يدخلها أحدٌ آمنًا. {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} هوانٌ، بالقتل والسبي والجزية {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم} هو النار.
وقولُ المؤلِّف: (نزلت إخبارًا عن الروم
…
) إلى آخره: يُبيِّن بذلك أنَّ المعنيَّ بالذمِّ والوعيد المذكور في الآية هم النصارى الذي خرَّبوا بيتَ المقدس، أو المراد: المشركون الذين صدُّوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه عن المسجد الحرام، وما ذكرَه حقٌّ ولكنَّ الآية عامَّةٌ في جميع المساجد
(1)
، ويدخل فيها المسجد الحرام والمسجد الأقصى دخولًا أوليًّا، وكذا ما في الآية من ذمٍّ ووعيدٍ عامٌّ لجميع المانعين مساجدَ الله أن يُذكَر فيها اسمُه، وجميعِ الساعين في خرابها، ويدخلُ النصارى والمشركون في الذمِّ والوعيدِ دخولًا أوليًّا، وسياقُ الآيات السابقةِ واللاحقةِ يشهد للقولين، ففيها ذكرُ المشركين والنصارى، ومن ذلك آياتُ تحويل القبلة الآتية.
وقولُه: (خبر بمعنى الأمر
…
) إلى آخره: يعني قوله تعالى: {مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ} ، ويُبيِّنُ أنَّ هذا الخبرَ مُتضمِّنٌ أمر المؤمنين بإخافة الكفار، فلا يدخلوا المساجد إلا خائفين من سلطان المسلمين. ولا يَرِدُ على هذا دخولُ نصارى نجران مسجدِه
(2)
؛ فإنهم غير مُطمئنين ولا يقدرون على أن يفعلوا فيه ما شاؤوا؛ لأنَّ الولاية فيه والحكم للرسول صلى الله عليه وسلم.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 442 - 444)، و «المحرر الوجيز» (1/ 325 - 326)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 387 - 388).
(2)
دخول وفد نجران لمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم جاء في حديث رواه ابن إسحاق، قال حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، يعني: وفد نجران، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، الحديث. وإسناده منقطع. ينظر:«سيرة ابن هشام» (1/ 574)، و «فتح الباري» لابن رجب (3/ 244)، و «التعليق على فقه السيرة» للألباني (ص 424). وجاء دخول وفد ثقيف للمسجد كما عند أبي داود (3026) من طريق الحسن، عن عثمان بن أبي العاص. وأصح ما جاء في هذا الباب: هو ربط ثمامة بن أثال في المسجد لما أتي به إليه أسيراً، كما في البخاري (469)، ومسلم (1764).
وقولُه: (هوان
…
) إلى آخره: الهوانُ: الذلةُ والصَّغارُ
(1)
، فقد أخزاهم اللهُ بما ألزمهم من الذِّلة والصَّغارِ؛ بالقتل والأسْرِ والسَّبي وأخذِ الجزية.
* * *
(1)
ينظر: «لسان العرب» (13/ 438).
وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)} [البقرة: 115]:
بعدما ذكر اللهُ ما يدلُّ على فضل المساجد فقد أضافها إلى نفسه تعالى وذمَّ وتوعَّدَ المانعين لها أن يُذكَر فيها اسمُه، والمساجدُ مواضعُ الصلاة، أخبر تعالى في هذه الآية بسعة ملكه، فله المشرقُ والمغربُ، فإلى أيِّ جهةٍ وجَّه المصلي فهناك جهةُ القبلة إذا كان قد أمر الله بها، وهذا معنى قوله تعالى:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ؛ أي: قبلة الله، وعلى هذا فليست الآية من آيات الصفات؛ لأنَّ المراد بالوجه:«الجهة»
(1)
.
وقيل: المرادُ بالوجه: {وَجْهُ اللَّهِ} الذي هو صفته الموصوف بالجلال والإكرام، ويدل لهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم:((إن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله تبارك وتعالى قبل وجهه، فلا يبصقنَّ قبل وجهه))
(2)
، وعلى هذا فالآية من آيات الصفات؛ لأنها دالةٌ على إثبات الوجه لله تعالى
(3)
، والآية تحتمل القولين، والقولُ الأوَّلُ هو قولُ جمهور المفسرين
(4)
، وهو الذي يدلُّ عليه
(1)
وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام. ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (6/ 71) وما بعدها، و «جامع المسائل» (8/ 193 - 194)، و «مجموع الفتاوى» (2/ 428 - 429)، (3/ 193)، (6/ 15 - 17).
(2)
أخرجه مسلم (3008) عن جابر بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري (406)، (753) ومسلم (547) عن ابن عمر بنحوه.
(3)
عامة أهل الإثبات جعلوا هذه الآية من آيات الصفات وذكروها مع نصوص الوجه، وحكاه الطبري عن بعض أهل التفسير. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 359)، و «النقض على المريسي» (1/ 216 - 217)، (2/ 704)(2/ 705)، (2/ 751)، و «التوحيد» لابن خزيمة (1/ 25)، و «الإبانة» لابن بطة (7/ 319)، و «الحجة في بيان المحجة» (1/ 113)، و «مختصر الصواعق» (3/ 1010 - 1024)، و «تفسير السعدي» (1/ 87)، و «تفسير الفاتحة والبقرة» للعثيمين (2/ 13 - 14).
(4)
قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وعكرمة والشافعي. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 459)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 391) و «الأسماء والصفات» للبيهقي (2/ 106 - 107).
السياق، ويشهدُ لهذا قولُه تعالى في شأن تحويل القبلة:{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)} [البقرة: 142]. وينبغي أن يعلم أن اختلاف المفسرين من أهل السنة في تفسير الوجه في الآية لا يستلزم اختلافهم في إثبات الوجه صفة لله تعالى؛ فإن أهل السنة مجمعون على إثبات وجه الله تعالى؛ للأدلة على إثباته من الكتاب والسنة، وإن اختلفوا في عد هذه الآية من جملة تلك الأدلة.
ونزل لَمَّا طعن اليهودُ في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجَّهت: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} أي: الأرضُ كلُّها؛ لأنهما ناحيتاها {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} وجوهكم في الصلاة بأمره {فَثَمَّ} هناك {وَجْه اللَّه} قبلته التي رضيها {إنَّ اللَّه وَاسِعٌ} يسع فضلُه كلَّ شيءٍ {عَلِيمٌ} بتدبير خلقه.
وقولُ المؤلِّف: (ونزل لَمَّا طعن اليهود
…
) إلى آخره: يُشير بذلك إلى سبب نزول الآية
(1)
. وقولُه: (وجوهكم في الصلاة بأمره): فيه بيانُ مفعول {تُوَلُّوا} ، والحال التي يتعلَّقُ بها هذا الأمر، وهي: الصلاة، وأنَّ تعيين القبلة بأمر الله.
وقولُه: (هناك): بيانٌ لمعنى «ثَمَّ» ، وأنه اسم إشارة للبعيد؛ فـ «ثَمَّ» و «هناك» معناهما واحدٌ، والمشار إليه هو الناحية من المشرق أو المغرب أو غيرهما التي وجه المصلي إليها وجهه.
(1)
جاء هذا عن ابن عباس في رواية علي بن طلحة عنه. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 450)، و «أسباب النزول» (ص 39)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 365).
وقولُه: (قبلته التي رضيها): هذا قولُ جمهور السَّلف، ويفرحُ به أهل التأويل من نفاة الصفات؛ لاعتقادهم أنَّ الوجه في الآية كالوجه في قوله:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]. وهم لا يُثبتونَ الوجهَ لله تعالى، فظنوا أنَّ تفسيرَ الوجه في الآية بالقبلة من التأويل، وليس الأمرُ كما يظنون، فالوجهُ في الآية عند مَنْ فسَّرهُ بالقبلة بمعنى الجهة؛ وهذا صحيحُ في اللغة، وعلى هذا فلا تكون الآيةُ من آيات الصفات، وقال بعضُ المفسرين: هي من آيات الصفات، فتكون كقوله:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} ، والراجحُ: القولُ الأوَّلُ.
وقولُه: (يسع فضلُه كلَّ شيءٍ): فسَّر الواسعَ من أسماء الله بسعةِ الفضل؛ وهو الجود والعطاء، واسم الله «الواسع»: معناه أوسعُ من ذلك، فيدخل فيه سعةُ الفضلِ والرحمةُ والعلمُ والقدرةُ والملكُ
(1)
.
وقولُه: (بتدبير خلقه): هذا حقٌّ؛ لكن لو قال: بكلِّ شيءٍ كان أولى؛ كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75].
* * *
(1)
ينظر: «اشتقاق الأسماء» للزجاجي (ص 72)، و «شأن الدعاء» للخطابي (ص 72)، و «المقصد الأسنى» للغزالي (ص 119).
وقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)} [البقرة: 116 - 117]:
يُخبر تعالى في هذه الآيات عن اليهود والنصارى والمشركين أنهم قالوا: {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} ، فاليهود قالوا: عُزيرٌ ابنُ الله، والنصارى قالوا: المسيحُ ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكةُ بناتُ الله؛ كما ذكر الله ذلك عنهم، ثم سبَّح نفسَه عن قول المفترين من اليهود والنصارى والمشركين، ثم ذكر تعالى البرهانَ العقلي على امتناع أن يكون له سبحانه ولدٌ؛ فأخبر عن مُلكه للسموات والأرض وقنوت العوالم له، وأنه المبدعُ للسماوات والأرض؛ يعني المُبتدِئ لخلقهما على غيرِ مثالٍ سَبَق، وأنه تعالى إذا أراد أمرًا فما هو إلا أن يقول له كن فيكون كما أراد، وهذه الأمور الأربعة تدلُّ على كمال غِناه سبحانه، وأنَّ كلَّ ما سواه مخلوقٌ ومُفتقرٌ إليه، فعُلم أن لو كان له ولدٌ لكان مخلوقًا، ولم يكن ولدًا إلا بالاصطفاء كما قال تعالى:{لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [الزمر: 4]، ونظيرُ هذه الآية قولُه تعالى في سورة يونس:{قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [يونس: 68].
{وَقَالُوا} بواو ودونها أي: اليهود والنصارى ومَن زعم أنَّ الملائكة بنات الله: {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} قال تعالى: {سُبْحَانَهُ} تنزيهًا له عنه {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض} ملكًا وخلقًا وعبيدًا، والمُلكيَّةُ تنافي الولادة. وعبر بـ «ما» تغليبًا لِمَا لا يعقل {كُلّ لَهُ قَانِتُونَ} مطيعون، كلٌّ بما يُرادُ منه، وفيه تغليبُ العاقل. {بَدِيعُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض} موجدهما لا على مثالٍ
سَبَقَ {وَإِذَا قَضَى} أراد {أَمْرًا} أي: إيجاده {فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون} أي: فهو يكون، وفي قراءةٍ بالنصب جوابًا للأمر.
وقولُ المؤلِّف: (بواو ودونها): يُشير إلى قراءتين بإثباتِ واوِ العطف وحذفِها
(1)
.
وقولُه: (أي: اليهود
…
) إلى آخره: يريد أنَّ واوَ الجمع في {قَالُوا} راجعةٌ إلى الطوائف الثلاث.
وقولُه: (تنزيهًا
…
) إلى آخره: يريد أنَّ معنى {سُبْحَانَهُ} : تنزيهٌ لله عن الولد.
وقولُه: (والملكية تنافي الولادة): يُبيِّنُ وجهَ أنَّ ملكَه تعالى للسماوات والأرض دليلٌ على امتناع أن يكون لله ولدٌ.
وقولُه: (وعبر بـ (ما)
…
) إلى آخره: يريد أنَّ الله أخبر عن أهل السماوات والأرض بما التي هي في اللغة لغيرِ العاقل على وجه التغليب
(2)
.
وقولُه: (مطيعون): تفسيرٌ لقوله: {قَانِتُونَ} ، معناه: جميعُ أهل السماوات والأرض مطيعون لله؛ أي: مُنقادون لحكم الله ومُقِرُّون بالعبودية له طوعًا أو كرهًا كما قال تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83]، وهذا دليلٌ على امتناع أن يكون لله ولدٌ؛ إذ من الممتنع أن يكون العبدُ ولدًا لسيِّده، ولذا فإنَّ كلَّ مَنْ قيل أنه ولدُ الله فهو عبدٌ لله، وشواهد هذا في القرآن كثيرةٌ؛ كما في سورة النساء ومريم والأنبياء.
(1)
قرأ ابن عامر وحده: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} بغير واو، وقرأ الباقون بالواو. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 168)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 220).
(2)
ينظر: «الدر المصون» (2/ 83)، و «التحرير والتنوير» (1/ 685).
وقولُه: (كلٌّ بما يُرادُ منه): يريد أنَّ كلَّ أحدٍ من أهل السماوات والأرض قانتٌ؛ أي: مطيعٌ بما يُراد منه.
وقولُه: (وفيه تغليبُ العاقل): يريد أنَّ جمعَ المذكر السالم في قوله: {قَانِتُونُ} والأصلُ أنه يختصُّ بالعاقل، وقد وصف به أهل السماء والأرض؛ لذلك قال المؤلِّف:(وفيه تغليبُ العاقل). وقولُه: (إيجاده): يُشير إلى أنَّ قوله: {أَمْرًا} على تقدير حذف مُضاف؛ المعنى: إذا أراد إيجادَ أمرٍ؛ أي: شيءٍ.
وقولُه: (فهو يكون
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ في {يَكُون} قراءتين: الرفعُ والنصبُ
(1)
، فعلى قراءة الرفعِ الفعل خبرُ مبتدأ محذوف؛ قدَّره المؤلِّف:(فهو يكون)، وعلى قراءة النصبِ فالفعلُ جوابُ الأمر في قوله: كن، والفعلُ منصوبٌ بـ «أن» بعد الفاء.
* * *
(1)
ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 168)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 220).
وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)} [البقرة: 118]:
يُخبر تعالى عن الذين لا يعلمون؛ وهم المشركون الذين لا كتاب لهم ككفار قريش؛ أنهم قالوا على وجه التعنُّتِ والعناد للرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: {لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} فنسمع كلامَه {أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ} خارقةٌ تدلُّ على أنك رسولٌ كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90)} إلى قوله: {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} [الإسراء: 90 - 93]، قال الله:{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} ، وكذلك قول بني إسرائيل لموسى:{لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55]، قال الله تعالى:{تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} ؛ أي: في عدم الإيمانِ والانقيادِ، فتشابهت أقوالُهم، ثم قال تعالى:{قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ} : أي أوضحنا وفصَّلنا الآيات المبينة للحقِّ بينها {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)} ، وهم الذين يستمعون لها ويتدبَّرونها فيؤمنون ويوقنون بما دلَّت عليه، وهؤلاء هم المنتفعون بآيات الله ولذا خُصُّوا بالذِّكر.
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} أي: كفارُ مكة للنبي {لَوْلَا} هلَّا {يُكَلِّمنَا اللَّه} أنك رسوله {أَوْ تَأْتِينَا آيَة} مما اقترحناه على صِدقك {كَذَلِكَ} كما قال هؤلاء {قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ} من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم {مِثْل قَوْلهمْ} من التعنُّتِ وطلبِ الآيات {تَشَابَهَتْ قُلُوبهمْ} في الكفر والعناد، فيه تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يعلمون أنها آيات فيؤمنون، فاقتراح آيةٍ معها تعنُّتٌ.
وقولُ المؤلِّف: (هلَّا): تفسيرٌ لقولهم: {لولا} ؛ فـ «لولا» و «هلا» معناهما التحضيضُ على حصول المطلوب
(1)
.
* * *
(1)
ينظر: «حروف المعاني» للزجاجي (ص 3 - 5)، و «الجنى الداني» (ص 605)(ص 613).
وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)} [البقرة: 119]:
يُخبر تعالى نبيَّه مُسلِّيًا له بأنه مُرسَلٌ بالحق؛ أي: بالصدق والعدل، بالهدى ودينِ الحقِّ؛ أي: العلم النافع والعمل الصالح، وأنَّ اللهَ أرسله بشيرًا لِمَنْ آمن به بثواب الله ونذيرًا لمن كفر به من عذاب الله، ويُخبر اللهُ نبيَّه أنه غيرُ مسؤول عن الكافرين أصحاب الجحيم بعد تبليغهم رسالاتِ الله، فما على الرسول إلَّا البلاغُ المبين.
{إنَّا أَرْسَلْنَاك} يا محمد {بِالْحَقِّ} بالهدى {بَشِيرًا} مَنْ أجاب إليه بالجنة {وَنَذِيرًا} مَنْ لم يُجِب إليه بالنار {وَلَا تُسْأَل عَنْ أَصْحَاب الْجَحِيم} النار؛ أي: الكفارُ ما لهم لم يؤمنوا إنما عليك البلاغ، وفي قراءة بجزم {تسأل} نهيًا.
وقولُ المؤلِّف: (وفي قراءة
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ في قوله: {وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} قراءتين؛ إحداهما: بضمِّ التاء بالبناء للمفعول ولا نافية، والفعلُ المضارع مرفوعٌ، والمعنى: لا يسألك اللهُ عن إيمان مَنْ كفر بك فليس عليك هداهم، ولكنَّ اللهَ يهدي مَنْ يشاء، وهذه قراءةُ الجمهور، والجملةُ على هذه القراءة خبرية، والقراءةُ الثانية بفتح التاء، وجزمِ الفعل المضارع، ولا ناهية فتكون؛ كقوله تعالى:{وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} [هود: 37]، والجملةُ على هذه القراءة طلبيةٌ
(1)
، وضعَّفَ ابنُ جرير هذه القراءة لفظًا ومعنى
(2)
.
* * *
(1)
قرأ نافع ويعقوب {وَلَا تَسْأَلْ} [119] بالجزم على النهي. وقرأ الباقون {وَلَا تُسْأَلُ} بضم التاء ورفع اللام على الخبر. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 169)، و «المبسوط» (ص 135)، و «النشر» (2/ 221).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 481).
وقوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)} [البقرة: 120]:
هذا خبرٌ من الله لنبيه على إصرار اليهود والنصارى على تكذبيهم بنبوته، وحرصهم على إضلاله وأنه لا يُرضيه منهم إلا أن يتَّبعهم على مِلَّتهم بناءً على زعمهم أنهم هم الذين على الهدى كما تقدَّم في قوله تعالى:{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111]، وسيأتي قوله تعالى:{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: 135].
ثم أمر اللهُ نبيَّه أن يقول: {إِنَّ هُدَى اللَّهِ} الذي أنزله في كتبه وأرسلَ به رُسلَه {هُوَ الْهُدَى} ؛ أي: الدِّين الحق، لا ما خالفه من الأديان الباطلة والشرائع المُحدثة، ثم حذَّر اللهُ نبيَّه من اتباع أهوائهم بطاعتهم فيما يدعون إليه، وأخبر تعالى خبرًا مؤكدًا أنه إن فعل ذلك بعد الذي جاءه من العلم، ومنه العلم بكفرهم وضلالهم وبطلان الدِّين الذي هم عليه كما تقدَّم في الآيات السابقة إن فعل ذلك؛ فما له من الله من وليٍّ ولا نصيرٍ يمنعه من الله إنْ أراد أن يُحلَّ به عقابَه على اتباع أهواءِ اليهود والنصارى.
{وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِع مِلَّتهمْ} دينهم {قُلْ إنَّ هُدَى اللَّه} الإسلام {هُوَ الْهُدَى} وما عداه ضلالٌ {وَلَئِنْ} لام قسم {اتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ} التي يدعونك إليها فرضًا {بَعْد الَّذِي جَاءَك مِنْ الْعِلْم} الوحي من الله {مَا لَك مِنْ اللَّه من ولي} يحفظك {ولا نصير} يمنعك منه.
وقولُ المؤلِّف: (وما عداه ضلالٌ): أي ما عدا الإسلام من الأديان ضلالٌ، وهذا المعنى مُستفادٌ من الحصر كما يدلُّ عليه تعريفُ الطرفين في قوله:{هُوَ الْهُدَى}
(1)
.
وقولُه: (فرضًا): يُريد أنَّ قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} ذُكر على سبيل الفرضِ والتقدير؛ لأنه صلى الله عليه وسلم معصومٌ، فاتباعه لِمِلَّتهم ممتنعٌ لعصمته.
وقولُه: (الوحي من الله): يُريد عِلمَ النبوةِ الشامل لمعرفة الحقِّ من الباطل من العلوم والأعمال. وقولُه: (يحفظك
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا الفرقَ بين الولي والنصير، فالوليُّ هو الذي يقوم بمصالح مَنْ وَليه، والنصيرُ هو الذي يدفعُ عنه المضار، ويمنعه ممَّن يريده بسوء، فبين الوليِّ والنصيرِ عمومٌ وخصوصٌ من وجه، لكنَّ الوليَّ أخصُّ بجلب المنافعِ وحفظِ المصالح، والنصيرَ أخصُّ بدفع المضارِّ
(2)
؛ فالمعنى: فمتى فعلت ما نُهيتَ عنه حقَّ عليك عقابُ الله، وما لك من الله من وليٍّ يحفظك ولا نصيرٍ ينصرك ويمنعك من عذاب الله، وهذه الآيةُ نظيرُ قوله تعالى:{وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} إلى قوله: {إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 73 - 75].
* * *
(1)
ينظر: «البحر المحيط» (1/ 590)، و «التحرير والتنوير» (1/ 694).
(2)
ذكر هذا الفرق: السعدي، والعثيمين. ينظر:«تفسير السعدي» -سورة الأحزاب- (5/ 1402)، و «تفسير سورة الفاتحة والبقرة» لابن عثيمين (2/ 31). وقال ابن فورك في تفسيره (1/ 385):«الولي الذي يدفع المكروه عن الإنسان، والنصير الذي يأمر بدفعه عنه» ، وقال البيضاوي (1/ 100):«والفرق بين الولي والنصير: أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبيًا عن المنصور؛ فيكون بينهما عموم من وجه» .
وقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)} [البقرة: 121]:
هذا خبرٌ من الله - تعالى - عن طائفةٍ من أهل الكتاب - وهو التوراة - بأنهم يقرؤونه ويتَّبعونه بالعمل بما فيه من الأحكام، وهؤلاء هم المؤمنون به حقًا، وهذا من العام الذي أُريد به الخصوصُ؛ لأنَّ الذين هذه صفتُهم بعضُ أهل الكتاب، ثم أخبر تعالى عن الذين يكفرون بالكتاب لأنهم الخاسرون، فعُلم بذلك أنَّ الذين يتلونه حقَّ تلاوته هم الرَّابحون.
{الذين آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب} مبتدأ {يَتْلُونَهُ حَقّ تِلَاوَته} يقرؤونه كما أنزل - والجملة حال و «حق» نصبٌ على المصدر - والخبر: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} نزلت في جماعةٍ قدِموا من الحبشة وأسلموا {وَمَنْ يَكْفُر بِهِ} أي: بالكتاب المُؤْتَى بأن يُحرِّفه {فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ} لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.
وقولُ المؤلِّف: (يقرؤونه كما أنزل): هذا أحدُ التفسيرين للتلاوة في هذه الآية
(1)
، والثاني:{يَتْلُونَهُ حَقّ تِلَاوَته} : يتَّبعونه حقَّ اتباعه
(2)
.
(1)
نقله الطبري عن بعض أهل التفسير، وروي بنحوه عن عمر بن الخطاب وزيد بن أسلم. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 492)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 218)، (1/ 219).
(2)
وهو قول ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد، وجمهور المفسرين. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 487 - 493)، و «تفسير الماوردي» (1/ 182)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 403).
وقولُه: (والجملة حال): هذا أحدُ الوجهين في إعرابها، وعليه فجملة:{أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} ؛ خبرُ المبتدأ كما ذكره المؤلف، والثاني: أنَّ جملة: {يَتْلُونَهُ} خبرُ المبتدأ، وعليه فجملة:{أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} ؛ مستأنفة
(1)
.
وقولُه: (نصبٌ على المصدر): لأنه مُضافٌ إلى مصدر؛ وهو التلاوة حقَّ تلاوته، وهو مِنْ إضافةِ الصفة إلى الموصوف؛ لأن المعنى: يتلونه تلاوةً حقًّا.
وقولُه: (أي: بالكتاب المؤتى بأن يحرِّفه): تفسيرٌ للضمير المجرور في قوله: {وَمَنْ يَكْفُر بِهِ} ؛ وهو التوراة على ما اختاره ابن جرير
(2)
.
وقولُه: (لمصيرهم
…
) إلى آخره: لا ريب أنَّ المصيرَ إلى النار أعظمُ خزيٍ وأعظمُ خَسارٍ.
* * *
(1)
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 203)، و «إعراب القرآن» للنحاس (1/ 76)، و «البحر المحيط» (1/ 591 - 592).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 486)، وهو قول عبد الرحمن بن زيد.
وقوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)} [البقرة: 122 - 123]:
تقدَّم نظيرُ هاتين الآيتين «47» و «48» ؛ أمَّا الآيةُ الأولى فتقدَّم مثلها بلفظها ومعناها، وأمَّا الآيةُ الثانيةُ فتقدَّمت بقريبٍ من لفظها ومعناها، ومن الفرق بينهما أنَّ النفسَ المنفيَّ عنها قبول الشفاعة وأخذ العدل في الآية الأولى هي النفسُ الجازية، والنفسَ المنفيَّ عنها قبول العدل ونفي نفع الشفاعة في الآيةِ الأخيرة هي النفسُ المجزي عنها، ويظهر ذلك بعود الضمائر، وما سوى ذلك قد تقدَّم عند ذكر الآيتين «47» و «48» ، ويُلاحظ أنَّ هاتين الآيتين «122» ، «123» خُتم بهما خطابُ بني إسرائيل والخبرُ عنهم، فخُتمت الآياتُ في ذلك بمثل ما بُدئت به من قوله تعالى:{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} .
{يَا بَنِي إسْرَائِيل اُذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} تقدَّم مثله {واتقوا} خافوا {يوما لا تجزي} تغني {نَفْس عَنْ نَفْس} فيه {شَيْئًا وَلَا يقبل منها عدل} فداء {ولا تنفعها شَفَاعَة وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} يمنعون من عذاب الله.
* * *
يُذكِّرُ اللهُ نبيَّه والمؤمنين ويُخبرهم أنه ابتلى خليلَه إبراهيمَ بكلماتٍ تتضمَّنُ أوامر ونواهي، فأتمهنَّ إبراهيمُ بالعمل بها، فجزاه اللهُ بأن جعله للناس إمامًا يُتَّبَع ويُقتدى به في طاعته لله وشكره لنعمه.
وقد اختلف المفسرون في تعيين المرادِ بالكلمات التي ابتُلي بها إبراهيمُ اختلافًا كثيرًا حكاه ابنُ جرير، ومما قيل في ذلك: أنها المناسكُ، أو أنها خِصالُ الفطرة، واختار ابنُ جرير أنه لا يجوز الجزمُ بأنَّ المرادَ جميعُ ما ذُكر من الأقوال، ولا الجزمُ بتعيين بعضها، فكلُّ ذلك مُحتملٌ، واللهُ أعلم بما أراد
(1)
.
فسأل إبراهيمُ عليه السلام ربَّه أن يجعل من ذرِّيته أئمةً فوعده اللهُ ذلك، ولكنْ هذا الوعدُ الذي سمَّاه اللهُ عهدًا لا يَنالُ الظالمين من ذرية إبراهيم، فلا يكون من ذرِّيته إمامًا إلَّا من الصالحين المحسنين، وقد أخبر تعالى أنه صَدَقَ وعْدَه لخليله فجعل من ذرِّيته أئمةً؛ فقال تعالى:{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 72 - 73]، وقال تعالى:{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: 27]، وقال تعالى في بني إسرائيل:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)} [السجدة: 24].
ثم يُذكِّرُ تعالى بنعمةٍ أخرى على خليله إبراهيم عليه السلام وعلى أتباعه، وهو هذا البيت الذي جعله اللهُ مَثابةً للناس يتردَّدون إليه حُجَّاجًا وعُمَّارًا، وجعله سببًا لأمنِ كلِّ ما حوله من الحرم، وذلك بسبب دعاء إبراهيم عليه السلام.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 498 - 507).
ثم أمر سبحانه المرتادين لهذا البيت أن يتَّخذوا من مقام إبراهيم مُصلًّى؛ أي: يُصلُّوا عنده، وهو الحَجَرُ الذي كان يقوم عليه عند بنائه للبيت؛ فقال تعالى:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، ولَمَّا فرغ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من طواف القدوم في حجته أتى المقامَ فصلَّى عنده وتلا قوله تعالى:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}
(1)
.
ثم أخبر سبحانه أنه أمرَ إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من الأقذار والأنجاس الحسِّيَّةِ والمعنويةِ ليكون مهيئًا للطائفين به والعاكفين والمصلِّين عنده؛ فقال تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)} ، ومعنى:{وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} : أمرناهما، وعدي الفعل بـ «إلى»؛ لأنه مُضمَّنٌ معنى: أوحينا؛ فالمعنى: أوحينا إليهما الأمر بتطهير البيت، و «أنَّ» في قوله:{أَنْ طَهِّرَا} : تفسيرية، وهي التي تأتي بعد القول أو ما في معناه.
{وَ} اذكر {إذْ ابْتَلَى} اختبرَ {إبْرَاهِيمَ} وفي قراءةٍ إبراهام {رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} بأوامرَ ونواهٍ كلَّفه بها؛ قيل: هي مناسكُ الحجِّ، وقيل: المضمضةُ والاستنشاقُ والسِّواكُ وقصُّ الشاربِ وفرقُ الرأسِ وقلمُ الأظفارِ ونتفُ الإبطِ وحلقُ العانةِ والختانُ والاستنجاءُ {فَأَتَمّهنَّ} أدَّاهُنَّ تامَّات {قَالَ} تعالى له: {إنِّي جَاعِلك لِلنَّاسِ إمَامًا} قدوةً في الدين {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} أولادي اجعلْ أئمة {قَالَ لَا يَنَال عَهْدِيَ} بالإمامة {الظَّالِمِينَ} الكافرين منهم، دلَّ على أنه ينالُ غير الظالم. {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ} الكعبةَ {مَثَابَةً لِلنَّاسِ} مرجعًا يثوبون إليه من كلِّ جانبٍ {وَأَمْنًا} مأمنًا لهم من الظلم والإغارات الواقعة في غيره، كان الرجلُ يَلقى قاتلَ أبيه فيه فلا يُهيجه {واتَّخِذُوا}
(1)
أخرجه مسلم (1218) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
أيها الناس {مِنْ مَقَام إبْرَاهِيم} هو الحَجَرُ الذي قام عليه عند بناء البيت {مُصَلًّى} مكانَ صلاةٍ بأن تصلُّوا خلفه ركعتي الطواف، وفي قراءةٍ: بفتح الخاء خبر {وَعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل} أمرناهما {أَنْ} أي: بأن {طَهِّرَا بَيْتِي} من الأوثان {لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ} المقيمين فيه {وَالرُّكَّع السُّجُود} جمعُ راكع وساجد: المصلِّين.
وقولُ المؤلِّف: (اذكر): هذا تقديرٌ لمتعلق الظرف، وقد تقدَّمت الآياتُ نظيرَ هذا كثيرًا، وأول ذلك قوله تعالى:{إذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 30].
وقولُه: (اختبرَ): تفسيرٌ للابتلاء بالاختبار، وهو كثيرٌ في القرآن، وأكثر ما يَرِدُ من تصاريف الفعل الثلاثي:{وَبَلَوْنَاهُمْ} [الأعراف: 168]، {وَنَبْلُوكُمْ} [الأنبياء: 35]، {لَهُوَ الْبَلَاءُ} [الصافات: 106].
وقولُه: (قدوة في الدين): المعنى يقتدي به مَنْ بعده من النبيين والصالحين في التوحيد وطاعةِ الله والبراءةِ من المشركين حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع ملَّته قال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123]، وقد أخبر تعالى بتحقُّقِ هذه الإمامة في إبراهيم في قوله تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} [النحل: 120]، فمعنى {أُمَّة}: أي إمامًا وقدوة
(1)
.
وقولُه: (أولادي
…
) إلى آخره: معناه أنَّ إبراهيم دعا ربَّه كما جعله إمامًا أن يجعل من ذرِّيته أئمةً فيدومَ الخيرُ ويعمُّ.
وقولُه: (بالإمامة) معناه: أنَّ عهد الله بالإمامة - وهو جعله مَنْ يشاء إمامًا - لا يصلُ لظالمٍ من ذرية إبراهيم، وإنما يجعل الإمامةَ في الصالحين من ذريته.
(1)
ينظر: «الوجوه والنظائر» لمقاتل بن سليمان (ص 48)، و «نزهة الأعين النواظر» (ص 144).
وقولُه: (الكافرين منهم): تفسيرٌ للظلم بالكفر، وهذا هو الأكثرُ في القرآن؛ كما قال تعالى:{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون} [البقرة: 254]، وقوله تعالى:{فَإِنْ فَعَلْتَ} - أي: دعوت غير الله - {فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106].
وقولُه: (دلَّ على أنه ينال غير الظالم): هذا من الاستدلال بمفهومِ الصفةِ
(1)
، وهو الصحيحُ. وقولُه:(الكعبة): فسَّرَ البيتَ بالكعبة، والبيتُ والكعبةُ والمسجدُ الحرام يختلُف معناها في المواضع التي وردت في القرآن؛ فتارةً يُراد بالبيت الكعبة نفسها؛ كقوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]، وتارةً يُرادُ به الكعبة وما حولها من المسجد؛ كقوله تعالى:{أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} ، وتارةً يُراد بالكعبة جميع الحرم؛ كقوله تعالى:{هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ} [المائدة: 95]، وتارةً يُرادُ بالبيت الكعبة وما حولها من المسجد وجميع الحرم؛ كقوله تعالى:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} إلى قوله: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 96 - 97]، وتارةً يُراد بالمسجد: المصلَّى حول الكعبة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُشَدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام
…
)) الحديث
(2)
، وقيل: جميع الحرم، والأول أظهر
(3)
، وقد يُراد بالمسجد الحرام جميع الحرم؛ كقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]، وقد يُرادُ المصلَّى حول الكعبة وجميع الحرم؛ كقوله تعالى:{وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة: 191].
(1)
وهو دلالة النص الذي قيد فيه الحكم بصفةٍ على انتفاء الحكم عما انتفت عنه هذه الصفة، وأثبته الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وأهل العربية، ونفاه أبو حنيفة وأصحابه وابن سريج والقفال والشاشي. ينظر:«الإحكام» للآمدي (3/ 72)، و «روضة الناظر» (2/ 793 - 795)، و «البحر المحيط في أصول الفقه» (5/ 155)، و «إرشاد الفحول» (2/ 772).
(2)
أخرجه البخاري (1189)، ومسلم (1397)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
ينظر: «فتح الباري» (3/ 64).
وقولُه: (مرجعًا يثوبون إليه من كلِّ جانب): مثابٌ ومثابةٌ: مصدرٌ ميميٌّ من ثاب؛ بمعنى: رجع، وسُمِّيَ البيت مثابةً؛ لأنَّ الناسَ كلَّما سافروا عنه رجعوا إليه حاجين أو معتمرين
(1)
؛ فالمعنى: واذكروا حين جعلنا البيتَ مثابةً للناس.
وقولُه: (مأمنًا): أي مكانًا آمنًا، وهو من التسمية بالمصدر.
وقولُه: (أيها الناس): يُبيِّنُ أنَّ الخطابَ عامٌّ للناس، ويدلُّ له قوله تعالى قبل ذلك:{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ} ؛ أي: المؤمنين.
وقولُه: (بفتح الخاء خبر
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ في: {اتَّخذُوا} قراءتين بفتح الخاء، وكسر الخاء
(2)
، وبفتحها يكون الفعل ماضيًا، والجملة خبرية، وبكسر الخاءِ يكون أمرًا والجملةُ طلبية؛ لأنَّ الفعل يكون ماضيًا، وبكسر الخاء يكون أمرًا.
وقولُه: (أي: بأن): هذا يقتضي أن تكون {أَنْ} مصدرية، والأظهر أنها تفسيريةٌ فلا يحتاج إلى تقدير حرف.
* * *
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 63)، و «المفردات» للراغب (ص 180).
(2)
قرأ نافع وابن عامر: {وَاتَّخَذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ} بفتح الخاء، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي:{وَاتَّخِذُوا} بكسر الخاء على الأمر. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 170)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 222).
يُذكِّرُ تعالى نبيَّه والمؤمنين مخبرًا لهم بدعاء خليله إبراهيم للبلد الحرام بأن يجعله آمنًا ويرزق أهله المؤمنين بالله واليوم الآخر من كلِّ الثمرات، فأجاب اللهُ دعاءَه، وأخبر تعالى أنَّ رِزقَه لا يختصُّ بمَن آمن بالله واليوم الآخر من أهل الحرم؛ بل يرزق مَنْ كفر منهم متاعًا قليلًا ثم يصير بكفره إلى النار وبئس المصير؛ فمعنى الآية: واذكروا حين قال إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا} أي: هذا البلد كما في سورة إبراهيم «35» ، فاسم الإشارة هو المفعول الأول لـ {اجْعَلْ} ، و {بَلَدًا} هو المفعول الثاني، و {آمِنًا} صفة؛ أي: يأمنُ مَنْ يحلُّ فيه مما يحصل لمن حولَه من نهبٍ وقتلٍ؛ كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67].
وقوله: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} : أي التي تُجلَبُ إليهم من البلدان ذات العيون والبساتين؛ لأنَّ مكة ليست ذات زرع وأشجار وثمار، وخصَّ عليه السلام بهذا الدعاء مَنْ آمنَ بالله واليوم الآخر؛ لأنهم الذين يستعينون بنِعَمِه ورزقه على طاعته، ولكنه تعالى أخبر أنه يمتعُ برزقه مَنْ كفر متاعًا قليلًا ثم يجزيه على كفره بعذاب النار، فبيَّنَ سبحانه أنَّ رِزقه في الدنيا يشمل البرَّ والفاجرَ والمؤمنَ والكافرَ.
{وَإِذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا} المكان {بَلَدًا آمِنًا} ذا أمنٍ، وقد أجاب اللهُ دُعاءَه فجعله حَرَمًا لا يُسفكُ فيه دمُ إنسانٍ، ولا يُظلَمُ فيه أحدٌ، ولا يُصادُ صيدُه، ولا يُختلى خلاه {وَارْزُقْ أَهْله مِنْ الثَّمَرَات} وقد فعل، بنقل الطائف من الشام إليه، وكان أقفر لا زرع به ولا ماء {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ
وَالْيَوْم الْآخِر} بدل من «أهله» وخصَّهم بالدعاء لهم موافقة لقوله: «لَا يَنَال عَهْدِي الظَّالِمِينَ» {قَالَ} تعالى: {وَ} أرزقُ {مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعهُ} بالتشديد والتخفيف، في الدنيا بالرزق {قَلِيلًا} مدَّةَ حياته {ثُمَّ أَضْطَرّهُ} ألجئه في الآخرة {إلَى عَذَاب النَّار} فلا يجد عنها محيصًا {وَبِئْسَ الْمَصِير} المرجع هي.
وقولُ المؤلِّف: (المكان): يُبيِّنُ أنَّ المشار إليه المكان، ولو قال: البلاد؛ لكان أولى؛ لأنه المذكور في سورة إبراهيم.
وقولُه: (ذا أمنٍ
…
) إلى آخره: معناه: فيه أَمنٌ بسبب حُرمته؛ فلا يُسفَكَ فيه دمٌ، ولا يُنفَّر صيدٌ، ولا يُعضَدُ شجرُه، ولا يُختلى خَلاه؛ كما جاء في الصحيحين عن ابن عباس وأبي شريح
(1)
. وقال تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 96 - 97].
وقولُه: (وقد فعل
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ الله أجاب دعاء إبراهيم عليه السلام.
وأمَّا قولُه: (بنقل الطائف من الشام إليه): يبدو أنَّ هذه خرافة
(2)
، والصواب: أنَّ اللهَ أجاب دعاءَه بأن جعل الثمار تُجبَى إليه من كلِّ مكان؛ كما قال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 57].
وقولُه: (بدل من أهله): أي بدلُ بعضٍ من كل، وهو اسم موصول في موضع نصب.
(1)
أخرجه البخاري (1587)، (1832) ومسلم (1353)، (1354).
(2)
ذُكر عن هشام بن عبيد الله، عن محمد بن مسلم الطائفي قال: بلغني أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما دعا للحرم: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} نقل الله الطائف من فلسطين. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 544)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 230، رقم 1222).
وقولُه: (وخصَّهم بالدعاء لهم
…
) إلى آخره: يعني أنَّ إبراهيمَ خصَّ مَنْ آمن بالله واليوم الآخر بالدعاء لهم بالرزق من الثمرات.
وقولُه: (تعالى
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ معنى الجملة: قال اللهُ تعالى: وأَرزقُ مَنْ كفرَ كما أَرزقُ مَنْ آمنَ، لكن مَنْ كفرَ أُمتِّعُه قليلًا في الدنيا ثم أضطره إلى النار يوم القيامة.
وقولُه: (بالتشديد والتخفيف): يُشير إلى أنَّ في التاء من {أمتعه} قراءتين؛ بالتشديد: {أمتّعه} ، والتخفيف:{أمتِعه}
(1)
.
وقولُه: (مدَّة حياته): تفسيرٌ للقليل، ومتاعُ الدنيا قليلٌ مهما طالت مدَّتُه؛ كما قال تعالى:{فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة: 38].
وقولُه: (أُلجِئُه في الآخرة): معناه: أنَّ اللهَ يُدخلُ الكافرَ النارَ بدفعٍ، بقوةٍ؛ كما قال تعالى:{يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور: 13].
وقولُه: (المرجع هي): بيانٌ لمعنى المصير، وبيانٌ للمخصوص؛ فالمصير فاعل «بئس» ، والمخصوص بالذم قولُه:(هي).
* * *
(1)
قرأ ابن عامر وحده {فَأُمْتِعُهُ} خفيفة من أَمْتَعْتُ، وقرأ الباقون {فَأُمَتِّعُهُ} مشددة التاء من مَتَّعْتُ. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 170)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 222).
يُذكِّر اللهُ - تعالى - نبيَّه والمؤمنين مخبرًا لهم ببناء إبراهيمَ وإسماعيلَ البيت داعيين ربَّهما؛ أن يتقبَّل منهما، وأن يجعلهما مسلمين له، ويجعل من ذرِّيتهما أمَّةً مسلمةً له، وأن يُريهما مناسكهما التي يتعبَّدان لله بها؛ وهي: مناسك الحج، وأن يتوبَ عليهما، ويبعثَ في ذرِّيتهما رسولًا منهم يتلو عليهم آياتِ الله ويُعلمهم الكتابَ والحكمةَ ويزكِّيهم، وقد أجاب اللهُ دعاءهما لأنفسهما وذرِّيتهما، وأعظمُ ذلك بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وقد كان صلى الله عليه وسلم بالصفة التي دعا بها إبراهيُم وإسماعيل، وامتنَّ اللهُ بذلك على المؤمنين؛ كما قال تعالى:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164]، فهدى اللهُ به إلى الإسلام كثيرًا من ذرية إسماعيل، فكان ذلك من إجابة الله لذلك الدعاء.
{وَ} اذكر {إذْ يَرْفَع إبْرَاهِيم الْقَوَاعِد} الأُسُسَ أو الجدرَ {مِنْ الْبَيْت} يبنيه - مُتعلِّقٌ بـ «يرفع» - {وَإِسْمَاعِيل} عطف على إبراهيم يقولان: {رَبّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} بناءنا {إنَّك أَنْت السَّمِيع} للقول {الْعَلِيم} بالفعل. {ربَّنَا وَاجَعَلْنا مُسْلِمَيْن} مُنقادين {لَكَ وَ} اجعل {مِنْ ذُرِّيتِنَا} أولادنا {أُمَّةً} جماعةً {مُسْلِمَةً لَك} ومن للتبعيض وأتى به لتقدم قوله له: {لَا يَنَال عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ} ، {وَأَرِنَا} عَلِّمْنا {مَنَاسِكنَا} شرائعَ
عبادتِنا أو حجِّنا {وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّك أَنْت التَّوَّاب الرَّحِيم} سألاه التوبة مع عِصمتهما تواضعًا وتعليمًا لذريتهما. {رَبّنَا وَابَعْث فِيهِمْ} أي: أهل البيت {رَسُولًا مِنْهُمْ} من أنفسهم، وقد أجاب الله دعاءَه بمحمد صلى الله عليه وسلم {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتك} القرآن {وَيُعَلِّمهُمْ الْكِتَاب} القرآن {وَالْحِكْمَة} ما فيه من الأحكام {وَيُزَكِّيهِمْ} يُطهِّرُهم من الشِّرك {إنَّك أَنْت الْعَزِيز} الغالبُ {الْحَكِيمُ} في صُنعِه.
وقولُ المؤلِّف: (اذكر): تقديرٌ لمتعلِّقِ الظَّرف؛ أي: «اذكر» أو «اذكروا» حين رفعَ إبراهيمُ وابنُه إسماعيلَ قواعدَ البيت الذي هو الكعبة، وعبَّر بالمضارع عن الماضي خلافَ ما مرَّ في الآيات؛ لاستحضار الحالِ الماضية
(1)
، ويُعبِّرُ عن ذلك النُّحاة بحكاية حالٍ ماضية.
وقولُه: (الأُسسَ أو الجُدُر): يُشيرُ بذلك إلى اختلاف المفسرين في المراد بالقواعد؛ فقال بعضهم: المراد الأُسس؛ وهي ما يلي الأرضَ مما يعتمدُ عليه البناء
(2)
، وقيل: الجُدُرُ جمعُ جِدار
(3)
، ورفع الأسُس بإبرازها ورفع الجُدُر بتطويلها، وقد ذكر كثيرٌ من المفسرين عند هذه الآية في شأن بناءِ البيت رواياتٍ كثيرةٍ جُلُّها من الإسرائيليات إلَّا ما رواه البخاريُّ عن ابن عباس
(4)
.
(1)
ينظر: «الكشاف» (1/ 331)، و «تفسير الرازي» (4/ 50)، و «تفسير البيضاوي» (1/ 105).
(2)
قاله ابن عباس، واختاره: الفراء، وأبو عبيدة بن المثنى، والطبري، والزجاج، وغيرهم. ينظر:«معاني القرآن» للفراء (1/ 78)، و «مجاز القرآن» لأبي عبيدة (1/ 54)، و «تفسير الطبري» (2/ 548)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 208).
(3)
قاله الكسائي. ينظر: «معاني القرآن» للكسائي (ص 78)، و «تفسير البغوي» (1/ 150)، و «تفسير القرطبي» (2/ 120).
(4)
حديث رقم (3364)، وفيه: أن إبراهيم قال لإسماعيل عليهما السلام: «فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127]، قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127]» .
وقولُه: (يبنيه): الجملةُ حاليةٌ؛ فالتقدير: يرفعُ القواعدَ حالَ بنائه للبيت.
وقولُه: (مُتعلِّق بـ «يرفع»): يريد أنَّ الجار والمجرور من البيت مُتعلِّقٌ بفعل {يَرْفَعُ} .
وقولُه: (عطف على إبراهيم): يُبيِّنُ أنَّ {إِسْمَاعِيلُ} مرفوعٌ بالعطف على {إِبْرَاهِيمُ} ، وأنه فاعلٌ، فهو يرفع القواعدَ مع أبيه.
وقولُه: (يقولان): يُبيِّنُ أنَّ قولَ إبراهيم وإسماعيل {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا
…
} إلى آخره: مقولُ قولٍ محذوفٍ في موضع نصبٍ على الحال من إبراهيم وإسماعيل.
وقولُه: (بناءنا): تقديرٌ لمفعول {تَقَبَّلْ} ؛ المعنى: تقبَّل عملنا في بناء البيت.
وقولُه: (للقول)، وقولُه:(بالفعل): يريد أنَّ يُفرِّقَ بذلك بين مُتعلّق السمعِ ومُتعلّق العلم، فيُناسب ما تقدَّم ذِكره عن إبراهيم وإسماعيل من قولٍ وفعلٍ، ولو قال: السميع الدعاء، العليم بما في الأنفس؛ لكان أولى
(1)
.
وقولُه: (مُنقادين): تفسيرٌ للإسلام بالمعنى اللغوي وهو الاستسلام والانقياد، وأمَّا معناه في الشرع: فهو الاستسلامُ لله وحدَه بعبادته وحده لا شريك له وبطاعته في أمره ونهيه.
وقولُه: (اجعل): تقديرٌ للفعل المحذوف المعطوف على {اجعلنا مسلمين لك} .
وقولُه: (أولادنا): تفسيرٌ للذرية بالأولاد ليشمل البنين والبنات.
(1)
وهو كذلك عند الطبري والبغوي وابن عطية. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 564 - 565)، و «تفسير البغوي» (1/ 150)، و «المحرر الوجيز» (1/ 350).
وقولُه: (جماعة): هذا أحدُ معاني الأمَّة
(1)
، وهو المناسبُ هنا.
وقولُه: (ومن للتبعيض): يُريد «من» التي في {مِنْ ذِرِّيتِنا} .
وقولُه: (وأتى به
…
) إلى آخره: أي أتى بـ «من» التي للتبعيض؛ يقول: أتى بالتبعيض موافقة لقوله تعالى: {لَا يَنَالُ عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124].
وقولُه: (عَلِّمنا): تفسيرٌ للرؤية بالعلم؛ فجَعلَ {أَرِنَا} من الرؤية العلمية لا البصرية، وهذا هو المناسب إذا أُريد بالمناسك الأعمال.
وقولُه: (شرائعَ عبادتِنا أو حجِّنا): يُشير إلى أنَّ المناسك قد يُراد بها جميع العبادات أو أعمال الحج خاصَّة، وهذا الثاني أظهر
(2)
.
وقولُه: (سألاه التوبة
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ سؤال إبراهيم وإسماعيل التوبةَ ليس لذنوبٍ وقعت منهما؛ لأنهما معصومان من الذنوب، فسؤالهما التوبة تواضعٌ منهما لله، واعترافٌ منهما بالتقصير في حقِّه تعالى، وليُقتدى بهما في ذلك
(3)
.
وقولُه: (أي: أهل البيت): هذا تفسيرٌ للضمير المجرور في قوله: {فيهم} ولو قال: (أي: في ذريتنا)؛ لأنهم المذكورون في قوله: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً} ، وهم: أهل البيت؛ لكان أولى؛ لأنَّ تغييرَ العبارة يُوهِم أنهم شيءٌ آخر.
وقولُه: (من أنفسهم
…
) إلى آخره: أي من جنسهم ومن نسبهم وبِلغتهم، وقد أجاب اللهُ دعاءَ خليلِه إبراهيمَ فبعث اللهُ محمَّدًا خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، بعثه اللهُ من بني هاشم من قريش من كنانة من بني إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام؛
(1)
ينظر: «الوجوه والنظائر» للدمغاني (ص 100)، «نزهة الأعين النواظر» (ص 143).
(2)
ومال إليه الطبري. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 570)، و «المحرر الوجيز» (1/ 351).
(3)
تنظر أوجه أخرى في: «تفسير الطبري» (2/ 572)، و «تفسير الرازي» (4/ 56)، و «تفسير الخازن» (1/ 81 - 82).
كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله اصطفى كِنانةَ من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كِنانة، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم))
(1)
.
وقولُه: (القرآن): بيانٌ للمراد بالآيات؛ فالمعنى: يقرأُ عليهم القرآنَ ويُعلِّمهم إيَّاه ويُبيِّنُ لهم ما فيه من الأحكام بقوله، وهذا البيانُ هو السنَّةُ، وهي الحكمةُ، فهو صلى الله عليه وسلم {يُعَلِّمُهُمُ الكَتَابَ وَالحِكْمةَ}؛ أي: القرآنَ والحديثَ
(2)
.
وقولُه: (يُطهِّرهم من الشرك): هذا أحدُ معنيي يزكيهم، والثاني: يُربيهم بأحسن الأخلاق
(3)
التي أفضلها: إخلاصُ الدِّين لله، كما يُطهِّرُهم من رذائل الأخلاق التي أقبحها الشركُ بالله.
وقولُه: (الغالب): هذا أحد معاني العزيز، فيكون بمعنى القاهر، ومن معاني العزيز: القويُّ الذي لا يُعجِزُه شيءٌ
(4)
.
وقولُه: (فِي صنعه) معناه: ذو حكمةٍ في خلقه للمخلوقات، وهو ذو حكمةٍ في أمره، فهو حكيمٌ في شرعِه وقَدَرِه.
* * *
(1)
أخرجه مسلم (2276) من حديث واثلة بن الأسقع.
(2)
وهو قول قتادة والحسن وغيرهما. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 575 - 576)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 237، رقم 1262).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 577)، و «تفسير الماوردي» (1/ 192)، و «زاد المسير» (1/ 113).
(4)
ينظر: «اشتقاق أسماء الله» للزجاجي (ص 237)، و «شأن الدعاء» (ص 47)، و «نونية ابن القيم» (4/ 711، رقم الأبيات 3262 - 3264).
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)} [البقرة: 130]:
يُخبرُ تعالى أنه لا أحدَ يرغب عن مِلَّة إبراهيم؛ أي: يُعرض عنها زاهدًا فيها فيتركها مُؤثِرًا لغيرها عليها، لا أحدَ يفعل ذلك {مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}؛ أي: سفهت نفسه فآثرت الأدنى على الأعلى، والشرَّ على الخير، والضارَّ على النافع.
{وَمَنْ} : اسمُ استفهام؛ معناه: النفي.
و {مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} : هي إخلاصُ الدِّين لله بعبادته وحده لا شريك له، وهي دينُ الإسلام الذي هو خيرُ الأديان، ولا يقبلُ اللهُ من أحدٍ دينًا سواه.
و {نَفْسَهُ} : منصوبٌ على التمييز، وهو محول عن فاعل. ثم أخبر تعالى أنه اصطفى إبراهيمَ في الدنيا بأن جعله نبيًّا ورسولًا واتخذه خليلًا، وجعله إمامًا للناس، وأنه في الآخرة من عباد الله الصالحين.
{وَمَنْ} أي: لا {يَرْغَب عَنْ مِلَّة إبْرَاهِيم} فيتركها {إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه} جهلَ أنها مخلوقة لله يجب عليها عبادته أو استخف بها وامتهنهَا {وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ} اخترناه {فِي الدُّنْيَا} بالرسالة والخُلَّةِ {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَة لَمِنْ الصَّالِحِينَ} الذين لهم الدرجات العُلى.
وقولُ المؤلِّف: (أي: لا): يُبيِّنُ أنَّ الاستفهام إنكاريٌّ معناه النفي؛ فالتقدير: لا يرغبُ أو لا أحدَ يرغب.
وقولُه: (فيتركها): لأنَّ مَنْ رَغِب عن شيءٍ تركه.
وقولُه: (جهل أنها مخلوقة لله
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ {سَفِهَ} يجوز أن يكون متعديًا ويجوز أن يكون لازمًا، وتقدَّم أنَّ الأصل: سفهت نفسه، فـ {نَفْسَهُ} في الآية منصوبٌ على التمييز محول عن فاعل.
وقولُه: (اخترناه): لأنَّ معنى الاصطفاء الاختيار، وهو افتعالٌ من الصفو، قُلبت فيه التاءُ طاءً لتقارُب مخرجيهما.
وقولُه: (بالرسالة والخلة): وأيضًا الإمامة.
* * *
يُخبرُ تعالى عن وقت اصطفائه لإبراهيم، وهو حين {قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ}؛ أي: استسلم بكمال الطاعةِ وإخلاصِ العبادةِ، فأجاب إبراهيمُ ربَّه لِمَا دعاه إليه وأمره به؛ {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وهذه هي الربوبية العامَّةُ؛ وهي تقتضي الاستسلام لله من كلِّ أحدٍ، وبسبب هذا الاستسلام من إبراهيم عليه السلام اصطفاهُ ربُّه وابتلاه ليرقِّيه في درج الكمال من العلم النافع والعمل الصالح كما قال تعالى:{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)} [الأنعام: 83].
ثم أخبر تعالى أنَّ إبراهيم عليه السلام وصَّى بكلمة الإسلام؛ وهي: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)} ؛ وهي كلمةُ التوحيد؛ لا إله إلا الله، وصَّى بها إبراهيمُ بَنِيه ووصَّى بها يعقوبُ بَنِيه قائلين:{يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} ؛ وهو دين الإسلام، {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)}؛ أي: اثبتوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت وأنتم عليه.
وقوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ
…
} الآية: خطابٌ من الله لليهود والنصارى بصيغة الاستفهام الإنكاري الذي معناه النفي؛ فإنَّ {أَمْ} هي: المنقطعةُ التي تُفَسَّر بـ «بل» والاستفهام؛ أي: لم تكونوا شهداء؛ أي: حاضرين عند يعقوبَ حين حضرَه الموتُ، وحين أكَّد وصيَّته لبنيه بلزوم الدين الذي اصطفاه الله لهم؛ أكَّد ذلك بسؤال بَنِيه عمَّا يعبدون من بعده؛ ليَعلم لزومَهم لوصيَّته ويطمئنَّ قلبُه على ثباتهم واستقامتهم على التوحيد، وأجابوه بما يُثلِجُ
صدرَه ويُقِرُّ عَينَه؛ {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)} ، وبهذا المشهد الذي كان فيه يعقوب وبنوه وما قال لهم وما قالوه له أبلغُ ردٍّ على ما يزعمه اليهودُ والنصارى من أنَّ يعقوب بل وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق على اليهودية أو النصرانية، كما يدلُّ على ذلك قولُه تعالى:{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: 140]، فأكذبهم اللهُ بما تضمَّنته هذه الآياتُ من قوله:{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} ، إلى قوله:{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)} ، وبقوله تعالى:{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)} [آل عمران: 67].
وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)} : قيل: الجملةُ معطوفةٌ على جملة {نَعْبُدُ إِلَهَكَ} ، وقيل: إنها حالٌ من فاعل {نَعْبُدُ}
(1)
.
اذكر {إذْ قَالَ لَهُ رَبّه أَسْلِمْ} انقَدْ لله وأخلص له دينك {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . {وَوَصَّى} وفي قراءةٍ أوصى {بِهَا} بالملة {إبْرَاهِيم بَنِيهِ وَيَعْقُوب} بنيه قال: {يَا بَنِيّ إنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمْ الدِّين} دين الإسلام {فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} نهى عن ترك الإسلام وأمرَ بالثبات عليه إلى مصادفة الموت. ولَمَّا قال اليهودُ للنبي: ألست تعلم أنَّ يعقوبَ يومَ مات أوصى بَنيه باليهودية؟ نزل: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاء} حضورًا {إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} إذْ بدل من «إذ» قبله {قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي} بعد موتي {قَالُوا نَعْبُد إلَهك وَإِلَه آبَائِك إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق} عَدُّ إسماعيل من الآباء تغليبٌ، ولأنَّ العمَّ بمنزلة الأب {إلَهًا وَاحِدًا} بدل من «إلهك»
(1)
واستحسن الطبري أنه حال، وقيل غير ذلك. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 587)، و «الكشاف» (1/ 333)، و «البحر المحيط» (1/ 642 - 643).
{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} و «أم» بمعنى همزة الإنكار، أي: لم تحضروه وقت موتِه، فكيف تنسبون إليه ما لا يليق به!
وقولُ المؤلِّف: (اذكر): تقديرٌ لمتعلّق الظرف {إِذْ قَالَ} ؛ فالمعنى: اذكر حين قال له ربُّه أسلم، وقيل: إنَّ الظرفَ مُتعلّق بـ {اصْطَفَى} كما تقدَّم، وهو أظهر.
وقولُه: (انقد لله
…
) إلى آخره: بيانٌ لمعنى {أَسْلِمْ} و {أَسْلَمْتُ} ، والإسلامُ لله هو الانقيادُ بكمال الطاعة وإخلاص العبادة.
وقولُه: (وفي قراءة أوصى): معنى القراءتين واحد، ومعناهما: العهدُ بالشيءِ والأمرُ به، إلَّا أَّن قراءة التشديد تدلُّ على التكرير؛ وهي الأكثرُ في القرآن وبها قرأ أكثر القرأة
(1)
.
وقولُه: (بالملة): هذا بيانٌ لمرجع الضمير في قوله: {وَوَصَّى بِهَا} ، وقد تقدَّم ذكرُها في قوله:{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}
(2)
، وقيل: الضميرُ يعود على الكلمة
(3)
، وهي قول إبراهيم:{أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، والمعنى واحد
(4)
.
وقولُه: (بنيه): يريد أنَّ المعنى: ووصَّى يعقوبُ بنيه.
(1)
قرأ نافع وابن عامر: {وَأَوْصَى} على أفعل، وقرأ الباقون:{وَوَصَّى} بغير ألف على فعّل. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 171)، و «النشر» (2/ 222).
(2)
قاله عكرمة، واختاره الزجاج. ينظر:«معاني القرآن» للزجاج (1/ 211)، و «زاد المسير» (1/ 115).
(3)
وهو قول الكلبي ومقاتل، واختاره الطبري والزمخشري وابن عطية والقرطبي. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 582)، و «الكشاف» (1/ 329)، و «المحرر الوجيز» (1/ 355)، و «تفسير القرطبي» (2/ 135).
(4)
ينظر: «تفسير الراغب» (1/ 319).
وقولُه: (قال): يُبيِّنُ أنَّ جملةَ {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} مقولُ قولٍ محذوف، وهو بيانٌ لنصِّ الوصية.
وقولُه: (دين الإسلام): بيانٌ للدين المصطفى كما يدلُّ له قوله: {إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ، ودينُ الإسلام هو دينُ الله الذي بعث به رُسُلَه وأنزل به كتبه.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} نظيرُ قوله تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
وقولُه: (نهى عن ترك الإسلام
…
) إلى آخره: هذا تفسيرٌ لقوله: {فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ؛ المعنى: اثبتوا على الإسلام مدى الحياةِ، فيأتيكم الموتُ وأنتم عليه، وتُشبه هذه الآية قولَه تعالى:{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
وقولُه: (ولما قال اليهود للنبي ألست تعلم أن يعقوب
…
) إلى آخره: تضمَّنَ ذِكر سبب نزول هذه الآية، وهذا مشهورٌ في سبب نزول هذه الآية
(1)
، ويُصدِّقُ معناه قوله تعالى:{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 140]، وقد أكذبهم اللهُ بما ذكر من وصيَّة إبراهيم ويعقوب.
وقولُه: (حضورًا): أي لم تكونوا حضورًا عند موتِ يعقوب فتسمعوا وصيَّته لليهودية أو النصرانية كما تزعمون، وهو لم يوصِ إلَّا بالإسلام.
وقولُه: (بدل من إذ قبله): يريد أنَّ {إذ} في قوله: {إذ قال} بدلٌ من {إذ} في قوله: {إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} ، وعلى هذا فوقت قول يعقوب لبنيه هو وقتُ حضور الموت.
وقولُه: (عد إسماعيل من الآباء
…
) إلى آخره: الذي عدَّ إسماعيلَ من الآباء هم أبناءُ يعقوب؛ {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ} ، ثم ذكروا إبراهيمَ
(1)
ينظر: «أسباب النزول» للواحدي (ص 41)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 397).
وإسماعيل وإسحاق، وهذا جارٍ على لغةِ العرب، يجعلون العمَّ بمنزلة الأب فيعدُّونه من جملة الآباء
(1)
، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((أمَا شعرت أنَّ عمَّ الرجلِ صِنو
(2)
أبيه؟))
(3)
.
وقولُه: (بدل من إلهك): فيؤول المعنى: نعبدُ إلهًا واحدًا وهو إلهك وإله آبائك، وقيل:{إِلَهًا وَاحِدًا} منصوبٌ على الحال من {إِلَهِكَ} ؛ وهي: حالٌ لازمة؛ بمعنى: أنه تعالى لم يزل ولا يزال إلهًا واحد
(4)
.
وقولُه: (وأم بمعنى همزة الإنكار
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ {أم} المنقطعة المتضمنة للاستفهام، وهو الاستفهامُ الإنكاري الذي يدلُّ على النفي، ولهذا قال المؤلِّف:({أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ}؛ أي لم تحضروه).
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 587).
(2)
الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد؛ يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد، وهو مثل أبي أو مثلي. «النهاية» (3/ 57).
(3)
أخرجه مسلم (983) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 212)، و «مشكل إعراب القرآن» لمكي (1/ 112)، و «الدر المصون» (2/ 131 - 132).
وقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)} [البقرة: 134]:
الإشارةُ إلى أمة إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه، يُخبر تعالى عنهم بأنهم أمَّة قد خَلَت؛ أي: مَضَت، فقَدِموا على ما قَدَّموا من أعمالهم الصالحة، فلهم ما كسبوا من ثواب أعمالهم الصالحة مختصٌّ بهم لا يَعدوهم إلى غيرهم، فيبطل الاتِّكال في النجاة على أعمالهم بسبب الانتساب إليهم، ولكم أيها اليهود والنصارى ما كسبتم من جزاء أعمالكم مختصٌّ بكم، وكلٌّ مسؤولٌ عن عمله، لا أنتم مسؤولون عنهم ولا هم مسئولون عنكم، كما قال تعالى:{مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 52]، وقوله تعالى:{أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41)} [يونس: 41].
{تِلْكَ} مبتدأ، والإشارةُ إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما، وأُنِّثَ لتأنيث خبره {أُمَّة قَدْ خَلَتْ} سَلَفت {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من العمل؛ أي: جزاؤه، استئناف {وَلَكُمْ} الخطابُ لليهود {مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} كما لا يسألون عن عملكم، والجملةُ تأكيدٌ لِمَا قبلها.
وقولُ المؤلِّف: (مبتدأ): يُبيِّنُ أنَّ اسمَ الإشارة مبتدأٌ، وخبره {أمة} ، قال: وأُنِّث لتأنيث الخبر. قال: والمشارُ إليهم إبراهيم ويعقوب وبنوهما.
وقولُه: (سَلَفت): هذا تفسيرٌ لِـ {خَلَتْ} ، وفي معناه: مضت.
وقولُه: (استئناف): يُريدُ أنَّ جملةَ {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} مُستأنفة.
وقولُه: (الخطاب لليهود): لو قال: والنصارى؛ كان أولى، كيف وقد قال تعالى بعد هذه الآية:{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} .
وقولُه: (كما لا يسألون عن عملكم): معناه أنَّ الحكمَ واحدٌ، فكما أنَّ لكلٍّ عملُه، فكلٌّ لا يُسأَلُ عن عمل غيره.
وقولُه: (والجملةُ تأكيدٌ لِمَا قبلها): يريد قوله تعالى: {وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ؛ فإنها تأكيدٌ لقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} .
* * *
وقوله تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)} [البقرة: 135]:
يُخبرُ تعالى في هذه الآية عن قولٍ باطلٍ من أقوال اليهود والنصارى، ومضمونه الدعوةُ إلى اليهودية أو النصرانية؛ لأنها الهدى بزعمهم، فمَن تهوَّدَ أو تنصَّرَ اهتدى بزعمهم، ومفهومه: أنَّ ما لم يكن يهوديًا أو نصرانيًا فليس على هدى، فنفوا بذلك الهدى عن مِلَّة إبراهيم، فلذلك دعوا إلى الدخول في اليهودية أو النصرانية. ثم أمر اللهُ سبحانه نبيَّه بإكذابهم وبيانِ أنَّ الهُدى في مِلَّة إبراهيم النبيِّ الحنيفِ المائلِ عن الشرك إلى التوحيد، البريء من الشرك والمشركين، وهذا القولُ الباطلُ هو لازم قولهم فيما سبق {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111].
{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} «أو» : للتفصيل، وقائلُ الأول يهودُ المدينة، والثاني نصارى نجران {قُلْ} لهم:{بَلْ} نتَّبع {مِلَّة إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} حالٌ من «إبراهيم» ، مائلًا عن الأديان كلِّها إلى الدِّين القيِّم {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكَينَ} .
وقولُ المؤلِّف: (أو للتفصيل): يعني بعد الإجمال في قوله: {وَقَالُوا} أي: اليهود والنصارى؛ فيكون المعنى: وقالت اليهودُ: كونوا يهودًا تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا
(1)
. وقولُه: (وقائل الأول
…
) إلى آخره: إشارةٌ إلى سبب النزول.
وقولُه: (لهم): أي قل يا محمَّد لليهود والنصارى.
(1)
تقدم في (ص 244).
وقولُه: (نتبع): أي قل يا محمَّد: لا أتَّبع اليهودية ولا النصرانية؛ بل أتَّبع {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكَينَ} .
وقولُه: (مائلًا عن الأديان كلها إلى الدين القيم): تفسيرٌ لقوله: {حَنِيفاً} ، وفيه بيانُ أنَّ الدِّينَ الحقَّ ملَّةُ إبراهيم؛ وهي دينُ الإسلام، وكلُّ دينٍ سواه باطلٌ.
* * *
يأمر اللهُ المؤمنين بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: آمنا بالله وبكلِّ ما أنزلَ الله من كتابٍ وبكلِّ نبيٍّ أرسله اللهٌ، وهذا معنى قوله تعالى:{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} ؛ أي: ربًّا وإلهًا، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} ؛ وهو القرآنُ، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} من الوحي بالشرائع، والأسباط هم: أولاد يعقوب.
وقوله: {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} يعني: من التوراة والإنجيل.
وقوله: {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ} أي: من الكتب والشرائع؛ المعنى: وقولوا: آمنَّا بما أُوتي موسى وعيسى وما أُوتي النبيونَ من ربهم.
وقوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} ؛ أي: نؤمن بهم جميعًا ولا نفرِّقُ بينهم في الإيمان.
وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)} : أي مُستسلمون مُنقادون لأمر ربِّنا، والجملةُ مُستأنفة أو حالٌ، وقد تضمَّنت هذه الآية ثلاثةً من أصول الإيمان: الإيمانُ بالله، وكتبه، ورسله.
وهذا يستلزم ملَّة إبراهيم التي أمر الله نبيه باتباعها في قوله: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} .
وفي الآيتين إبطالٌ لدعوة اليهود والنصارى إلى ملَّتهم.
{قُولُوا} خطابٌ للمؤمنين: {آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا} من القرآن {وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيم} من الصُّحف العشر {وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط} أولاده {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى} من التوراة {وَعِيسَى}
من الإنجيل {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبّهمْ} من الكتب والآيات {لَا نُفَرِّق بَيْن أَحَد مِنْهُمْ} فنؤمن ببعضٍ ونكفر ببعضٍ كاليهود والنصارى {ونحن له مسلمون} .
وقولُ المؤلِّف: (من الصحف العشر): يُبيِّنُ أنَّ المرادَ بما أنزل على إبراهيم هي صُحفُ إبراهيم، وقد ذُكرت في سورة النجم والأعلى:{إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 18 - 19]، ولكن لم يذكر في الآيتين عددها، والله أعلم.
وقولُه: (أولاده): أي أولاد إبراهيم.
وقولُه: (فنؤمن ببعض
…
): إلى آخره: بيانٌ لمعنى التفريق بين الأنبياء.
* * *
وقوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)} [البقرة: 137]:
لَمَّا أمر اللهُ المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بما يحصل به الإيمانُ الحقُّ ويحصل به الاهتداءُ؛ أخبر أنَّ مَنْ آمن مثل إيمانهم مِنْ أيِّ أمَّةٍ فقد اهتدى، ومَن أعرض عن هذا الإيمان فقد شاقَّ اللهَ ورسولَه، وسيكفي اللهُ نبيَّه والمؤمنين شرَّهم. والمقصودون: بهذا الخبر أولًا: اليهودُ والنصارى؛ لأنَّ سياقَ الآيات فيهم.
وقوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137} : أي السميعُ لأقوالكم، يسمع ما تقولون، وما يقال لكم، والعليم بما في صدوركم، ويعلم ما تُسِرُّون وما تُعلنون، وهذا من كفايته لنبيِّه والمؤمنين، فهي نظيرُ قوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام:{إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)} [طه: 46].
{فَإِنْ آمَنُوا} أي: اليهود والنصارى {بِمِثْلِ} مثل زائد {مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا} عن الإيمان به {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاق} خلاف معكم {فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّه} يا محمَّد شقاقَهم {وَهْوَ السَّمِيع} لأقوالهم {الْعَلِيم} بأحوالهم، وقد كفاه إيَّاهم بقتل قُريظة، ونفي النضير، وضربِ الجزية عليهم.
وقولُ المؤلِّف: (أي: اليهود والنصارى): لفظُ الآية عامٌّ لكنَّ اليهود والنصارى أخصُّ بهذا الحكم؛ لأنَّ سياقَ الآيات فيهم والكلام معهم.
وقولُه: (مثل زائد): فيكون المعنى: فإن آمنوا بما آمَنتُم به، وزيادةُ «مثل» للتأكيد. وقيل:«مثل» ليست زائدة، فيكون المعنى:{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ} ؛
أي: لو كان له مثل فآمنوا به. وقيل: الباء زائدة للتأكيد
(1)
، والمعنى المرادُ لا يختلفُ على كلِّ تقديرٍ وهو: فإن آمنوا بما آمنتم به أو آمنوا إيمانًا مثل إيمانكم.
وقولُه: (عن الإيمان به): أي عن الإيمان بما آمنتم به كما ذكر في الآية السابقة.
وقولُه: (خلاف معكم): فَسَّر الشِّقاق بالخلاف، وليس الشِّقاقُ مجرَّدَ الخلاف؛ بل خلافٌ مع عداوةٍ وكيدٍ وحربٍ، والأظهرُ أنَّ الشِّقاقَ من المشقَّة
(2)
.
وقولُه: (يا محمد
…
) إلى آخره: بيانٌ للمخاطَب الذي تدلُّ عليه «الكاف» في «يكفيك» ، وهو المفعول الأول، وأنَّ المفعولَ الثاني وهو ضميرُ الجمع على تقدير مُضاف قدَّرَه المؤلف بقوله:(شقاقهم).
وقولُه: (وقد كفاه إياهم
…
) إلى آخره: بيانٌ أنَّ وعدَ الله لنبيِّه أنْ يكفيَه إيَّاهم قد تحقَّقَ.
* * *
(1)
ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 361)، و «البحر المحيط» (1/ 652 - 653)، و «الدر المصون» (2/ 140 - 141).
(2)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 64)، و «تفسير الطبري» (2/ 602).
وقوله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)} [البقرة: 138]:
هذه الآية متصلةٌ - لفظها ومعناها - بقوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
…
} الآية، فهي داخلةٌ في مقول القول.
وقوله: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ
…
} الآية: معترض. والصِّبغةُ: اسمُ هيئةٍ من الصَّبغ بالفتح، وهو تلوينُ الشيء ببعض الألوان، والصِّبغُ بالكسر: ما يصبغ به
(1)
، وصِبغةُ الله: دينُ الله، وقيل: فطرةُ الله
(2)
، وأصلها التوحيد، وتدخل فيها خصالُ الفطرة، والقولان معناهما واحدٌ؛ فصبغةُ الله: دينُ الإسلام، ودينُ الله هو دينُ الإسلام بما فيه من الاعتقادات والأخلاق والعبادات، وسُمِّي الدينُ صِبغة؛ لأنَّ المسلم بتخلُّقه بأخلاقه وعمله بشرائعه وآدابه يكون الدِّينُ له هيئةً ظاهرةً كالشيء المصبوغ
(3)
، وأُضيفت الصِّبغةُ إلى الله تشريفًا كما أُضيفَ الدِّينُ إلى الله؛ كما في قوله:{وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2)} [النصر: 2]، وقوله:{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} .
وقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} : إقرارٌ من المؤمنين بأنه لا أحدَ أحسن من الله دينًا؛ أي: دينه الذي شرعه لعباده أحسنُ دينٍ، ونظيرها قوله تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125].
وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)} : كقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)} ؛ أي: عابدون له وحده لا نشرك به شيئًا، كما يفيدُه القصرُ المفهوم من تقديم الجار
(1)
ينظر: «لسان العرب» (8/ 437).
(2)
قال ابن عباس وقتادة والحسن وجماعة: دين الله، وقال مجاهد ومقاتل: الفطرة. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 604 - 606)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 245، رقم 1313)، و «التفسير البسيط» (3/ 359 - 362).
(3)
ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 392)، و «تفسير البيضاوي» (1/ 109)، و «البحر المحيط» (1/ 566)، و «تفسير الألوسي» (1/ 395).
والمجرور في قوله: {لَهُ} ، وقد قيل سُمِّي الدِّينُ صبغةً في هذا الموضع في مقابل الصبغة عند النصارى الذي يُسمونه التعميد، وهو غمسُ الطفل في الماء المقدَّس عندهم، - وهو: المعمودية - حتى يكون نصرانيًا، وهكذا من يدخل في النصرانية يُعَمِّدونه؛ أي: يأمرونه بالاغتسال من ذلك الماء لتصحَّ نصرانيته
(1)
، وذكروا عن اليهود ما يشبه هذا وهو أنَّ مَنْ يتوبُ منهم يجب عليه الغُسل لتصحَّ توبتُه
(2)
، وهذا له وجهٌ؛ لأنَّ سياق الآيات مع اليهود والنصارى، وعلى هذا فتسميةُ دِين الإسلام {صِبْغَةً} هو من باب المشاكلة
(3)
.
{صِبْغَة اللَّه} مصدرٌ مؤكد لـ "آمنا"، ونصبه بفعلٍ مُقدَّر، أي: صبغنا الله، والمراد بها دينه الذي فطرَ الناسَ عليه، لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب {وَمَنْ} أي: لا أحد {أَحْسَن مِنْ اللَّه صِبْغَة} تمييز {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} .
وقولُ المؤلِّف: (مصدرٌ مؤكد لآمنا): معناه: أنَّ {صبغةَ الله} مفعولٌ مُطلَقٌ مؤكدٌ لمعنى جملة {آمنا بالله} إلى آخره؛ فإنَّ مضمون الجملة الإيمانُ والإسلام، وهذا جِماعُ الدين، وصبغةُ الله: دينُ الله، فظهر بذلك أنَّ صبغةَ الله مصدرٌ مؤكد لمعنى الجملة.
(1)
قال ابن عباس: إن النصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، فأتى على سبعة أيام غمسوه في ماء لهم، يقال له: المعمودي، وصبغوه به؛ ليطهروه بذلك مكان الختان. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 603)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 215).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 603).
(3)
ينظر: «الكشاف» (1/ 335)، و «البحر المحيط» (1/ 656)، و «التحرير والتنوير» (1/ 742).
وقولُه: (ونصبه بفعل مقدر
…
) إلى آخره: هذا يقتضي أنَّ {صبغةَ} مصدرٌ مؤكَّدٌ لذلك الفعل المقدر، والأظهرُ: القولُ الأولُ؛ أنه مفعولٌ مُطلَقٌ مؤكدٌ بمعنى الجملة
(1)
.
وقولُه: (والمراد بها): أي المراد بالصبغة.
وقولُه: (دينه الذي فطرَ الناسَ عليه): هذا قولُ جمهور المفسرين.
وقولُه: (لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب): يُبيِّنُ بهذا سببَ تسمية الدِّين صبغة؛ يقول: سُمِّي الدِّينُ صبغةً؛ لظهور أثره على المسلم كما تقدم.
وقولُه: (أي: لا أحد): لأنَّ الاستفهامَ إنكاريٌّ، فهو بمعنى النفي.
وقولُه: (تمييز): يريد أنَّ صبغةَ منصوبٌ على التمييز بـ «أفعل» التفضيل.
* * *
(1)
قيل: هو بدل، وقيل: منصوب على الإغراء، وقيل: هو مصدر، وهذا الأخير حكاه الزمخشري عن سيبويه، ورجحه الزمخشري وابن حيان، وضعّفا القولين الأولين. ينظر «الكشاف» (1/ 335 - 336)، و «البحر المحيط» (1/ 656)، و «التحرير والتنوير» (1/ 742).
وقوله تعالى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)} [البقرة: 139]:
يأمر اللهُ نبيَّه بالإنكار على أهل الكتاب اليهود والنصارى جدالهم في الله؛ أي: في توحيده وإخلاص العبادة له، والحال أنه سبحانه {رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} ؛ لأنه خالقنا ومالكنا ومُدبِّر أمرنا، فليس أحدٌ منَّا أولى به من الآخَر إلا بحسب كمال الإيمان وكمال الإخلاص وتحقيق التوحيد، وكلٌّ منَّا له عمله لا يُسأَلُ عنه غيرُه، فكلٌّ بريءٌ من عمل غيرِه كما قال تعالى:{وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41)} [يونس: 41].
وقد رُوي في سبب نزول هذه الآية أنَّ أهلَ الكتاب قالوا للمسلمين: نحن أولى بالله منكم وديننا خير من دينكم؛ لأنَّ نبيَّنا قبل نبيِّكم وكتابَنا قبل كتابكم
(1)
، فأمر اللهُ نبيَّه والمؤمنين أن يُنكروا عليهم ذلك الجدال وهذه الدعوة، فليس الفضلُ بتقدُّمِ الزمان، ويدلُّ على أنَّ هذا الإرشاد من الله للنبي والمؤمنين أنه أفردَ ضميرَ الخطاب ثم جمعه؛ فقال سبحانه:{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} ، فكان المعنى: قل يا محمد ويا أيها المؤمنون لليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أولى بالله منكم ودينهم خيرٌ من دينكم، ولذا قالوا:{كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: 135]، قولوا لهم:{أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ} ؛ أي: تخاصموننا وهو ربنا جميعًا، وكلٌّ له عمله، {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)} العبادةَ، لا نشركُ به شيئًا، وأنتم به مشركون بعبادتكم العجل واتخاذِ المسيح وأمِّه إلهين من دون الله، واتخاذ الأحبارِ والرهبان أربابًا من دون الله، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} [التوبة: 31].
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 607)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 384 - 385).
قال اليهود للمسلمين: نحن أهل الكتاب الأول، وقِبلتُنا أقدمُ، ولم تكن الأنبياءُ من العرب، ولو كان محمدٌ نبيًّا لكان منا، فنزل:{قُلْ} لهم {أَتُحَاجُّونَنَا} تخاصموننا {فِي اللَّهِ} أن اصطفى نبيًّا من العرب {وَهْوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} فله أن يصطفي مَنْ يشاء {وَلَنَا أَعْمَالُنَا} نجازى بها {وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ} تجازون بها، فلا يبعد أن يكون في أعمالنا ما نستحقُّ الإكرامَ به {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} الدِّين والعمل دونكم، فنحن أولى بالاصطفاء، والهمزةُ للإنكار، والجمل الثلاث أحوال.
وقولُ المؤلِّف: (قال اليهود للمسلمين
…
) إلى آخره: يُشير بذلك إلى سبب النزول كما تقدَّم.
وقولُه (لهم): يُبيِّنُ أنَّ المعنى: قل لهم - أي: لليهود والنصارى - {أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ
…
} الآية. وقولُه: (فله أن يصطفي مَنْ يشاء): أي إنَّ هذا مُقتضى ربوبيته - تعالى -، فلا حَجْرَ عليه من أحدٍ في تدبيره.
وقولُه: (والهمزة للإنكار
…
) إلى آخره: يريد همزةَ الاستفهام في قوله: {أَتُحَاجُّونَنَا} ، والجمل الثلاث:{وَهْوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} ، {وَلَنَا أَعْمَالُنَا} ، {وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ} .
* * *
مضمون هذه الآية هو من جملة ما أمر اللهُ به نبيَّه والمؤمنين بإنكاره على اليهود والنصارى، و {أَمْ} هي: المنقطعةُ التي بمعنى بل وهمزة الاستفهام فأفادت الانتقال من إنكارٍ إلى إنكار، وهي عاطفةٌ لـ «تقولون» على «تحاجون» ، والاستفهامُ في الجملتين للإنكار والتوبيخ، فهي والمعطوف بها داخلان في مقول {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} .
وقول اليهود والنصارى: {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} ؛ محضُ افتراء سببُه كتمان الشهادة التي تلقَّوها عن الله، وأنَّ هؤلاء الأنبياء مسلمون لا يهود ولا نصارى، ثم أمر اللهُ نبيَّه أن يوبخهم وينكرَ عليهم جهلهم وتطاولهم ولا علم عندهم فقال:{قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} ، وأنهم بهذا الافتراء والكتمان ظالمون، فلا أحدَ أظلم منهم بكتمانهم الشهادة التي عندهم من الله، وأنَّ الله ليس بغافلٍ عمَّا يفعلون، ويُحتمل أنَّ قولَه: {وَمَنْ أَظْلَمُ
…
} إلى آخر الآية؛ كلامٌ مُستأنفٌ من كلام الله - تعالى - ليس داخلًا فيما أُمر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقوله، ثم أمر اللهُ نبيَّه أن يُنكرَ عليهم دعواهم، وأنه لا علمَ عندهم بما قالوا، وإنما العلمُ عند الله، وقد أخبرنا أنَّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ كانوا مسلمين كما تقدَّم في قوله تعالى:{قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} إلى قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)} [البقرة: 131 - 133].
{أَمْ} بل أ {يَقُولُونَ} بالياء والتاء {إنَّ إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ} لهم: {أَأَنْتُمْ أَعْلَم أَمْ اللَّه} أي: الله أعلم. وقد برأ منهما إبراهيم بقوله: {مَا كَانَ إبْرَاهِيم يَهُودِيًّا وَلَا
نَصْرَانِيًّا} والمذكورون معه تَبَعٌ له {وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ كَتَمَ} أخفى عن الناس {شَهَادَة عِنْده} كائنةً {مِنْ اللَّه} أي: لا أحد أظلم منه، وهم اليهود كتموا شهادةَ اللهِ في التوراة لإبراهيم بالحنيفية {وَمَا اللَّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تهديدٌ لهم.
وقولُ المؤلِّف: (بل): يُبيِّنُ بذلك أنَّ {أَمْ} هي المنقطعة التي تُفسر بـ «بل» ، وهمزة الاستفهام فتفيد الانتقال والتوبيخ.
وقولُه: (بالياء والتاء): يُبيِّنُ أنَّ في الآية قراءتين، {تَقُولُونَ} ، و {يَقُولُونَ}
(1)
، وضعَّفَ ابنُ جريرٍ القراءةَ بالياء، وصوَّبَ القراءة بالتاء
(2)
؛ لأنَّ الجملة معطوفة على {تُحَاجُّونَنَا} ، والجملتان خطابٌ لأهل الكتاب، والقراءةُ بالياء تؤدِّي إلى أن يكون في الكلام التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة. وقولُه:(لهم): أي مخاطبًا اليهود والنصارى.
وقولُه: (أي: الله أعلم): يشيرُ بذلك إلى أنَّ الجوابَ بدهيٌّ.
وقولُه: (وقد برأ منهما إبراهيم
…
) إلى آخره: يُشير إلى قوله تعالى: {مَا كَانَ إبْرَاهِيم يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} .
وقولُه: (والمذكورون معه تبعٌ له): المذكورون معه: أبناؤه.
وقولُه: (تبعٌ له): يعني: في البراءة من اليهودية والنصرانية.
وقولُه: (كائنة): بيانٌ لِمُتعلق الظرف، وهو: عنده؛ أي: شهادة كائنة عنده.
(1)
قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو، وعاصم برواية أبي بكر، ويعقوب:{أَمْ يَقُولُونَ} بالياء. وقرأ ابن عامر، وعاصم برواية حفص، وحمزة والكسائي وخلف:{أَمْ تَقُولُونَ} بالتاء. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 171)، و «النشر» (2/ 223).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 609).
وقولُه: (وهم اليهود
…
) إلى آخره: الظاهرُ أنَّ الآيةَ تعمُّ اليهودَ والنصارى
(1)
.
وقولُه: (تهديدٌ لهم): يريد قوله: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ؛ أي: الذين افتروا على إبراهيمَ وبنيه وكتموا الشهادة التي عندهم من الله.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 610 - 613).
وقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)} [البقرة: 141]:
تقدَّم مثلُ هذه الآية لفظًا ومعنى: [134]، وتقدَّم الكلامُ عليها
(1)
، وهذه الآيةُ تأكيدٌ لمضمون الآية السابقة، وجاءت هذه الآيةُ بمناسبةِ ذكر إبراهيم وبنيه، واسمُ الإشارة في هذه الآية راجعٌ إليهم، كما قيل مثل ذلك في الآية السابقة، وهذه الآيةُ خاتمةٌ للحديث عن إبراهيم وبنيه والرد على اليهود والنصارى فيما قالته فيهم.
{تِلْكَ أُمَّة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يعملون} تقدَّم مثله.
* * *
(1)
ينظر: (ص 284).
وقوله تعالى: {* سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (142)} [البقرة: 142]:
يُخبر تعالى عن السفهاء -وهم اليهود والمنافقون- أنهم سيقولون طاعنين على المسلمين في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة الآتي ذِكرُه في الآيات؛ فيقول هؤلاء السفهاء عن المسلمين: {مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ، فردَّ اللهُ عليهم بقوله:{لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ؛ أي: جميع الجهات ملكه، يوجِّه عبادَه إلى استقبال ما شاء منها، وما أمرهم تعالى باستقباله هو الهدى، ولهذا قال:{يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (142)} .
وقوله تعالى: {السُّفَهَاء} يعني: المنافقين؛ مُطابِقٌ لقوله فيما تقدَّم أول السورة: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} ، وحقيقة السَّفَه: الجهلُ والغباءُ وضعفُ العقل
(1)
، وكلُّ مَنْ طعن في شرع الله وحكمته فهو من أسفه السفهاء، والله أعلم.
{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} الجُهَّال {مِنَ النَّاسِ} اليهود والمشركين: {مَا وَلَّاهُمْ} أيُّ شيءٍ صرفَ النبيَّ والمؤمنين {عَنْ قِبْلَتِهِمِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} على استقبالها في الصلاة، وهي: بيت المقدس، والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب} أي: الجهات كلها، فيأمُر بالتوجه إلى أيِّ جهةٍ شاء، لا اعتراض عليه {يَهْدِي مَنْ يَشَاء} هدايته {إلَى صِرَاطٍ} طريقٍ {مُسْتَقِيم} دين الإسلام، أي: ومنهم أنتم.
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 414).
وقولُ المؤلِّف: (الجهال): بيانٌ لأصل معنى السفهاء، والمرادُ بهم في الآية: اليهودُ والمشركون
(1)
، وذكرُهم بوصف السَّفه ذمٌّ لهم وتحقيرٌ وهو وصفٌ لجميعهم، و {مِنْ} للتبعيض، والسفهاءُ بعض الناس.
وقولُه: (أيّ شيء
…
) إلى آخره: يُبيِّن أنَّ «ما» للاستفهام التعجبي، و {وَلَّاهُمْ}؛ أي: صرفهم. وقولُه: (على استقبالها): أي مُقيمين على استقبالها.
وقولُه: (الإتيان بالسين
…
) إلى آخره: يريد: السين التي في {سيقول} ؛ وهي تدلُّ على أنَّ هذا القول من السفهاء يكون في المستقبل، فالإخبارُ به إخبارٌ عن المستقبل، والمستقبلُ من الغيب، ولهذا قال المؤلف: إنَّ هذا من الإخبار بالغيب.
وقولُه: (أي: الجهات كلها): يُبيِّنُ أنَّ ذِكر المشرق والمغرب ليس لتقييد؛ بل عبَّر بالمشرق والمغرب عن جميع الجهات.
وقولُه: (هدايته): هذا تقديرٌ لمفعول {يشاء} .
وقولُه: (دين الإسلام): تفسيرٌ للصراط بالإسلام، ومنه استقبالُ بيت المقدس قبل النسخ، ومنه استقبالُ المسجد الحرام بعد نسخ القبلة الأولى، وكلُّ مَنْ أطاع الله فهو على صراطٍ مستقيمٍ، وقد هدى اللهُ نبيَّه والمؤمنين بتحويل القبلة {إلى صراط مستقيم} .
* * *
(1)
قيل: هم اليهود، وهو قول ابن عباس ومجاهد والبراء بن عازب والحسن. وقيل: المنافقون وهو قول السدي. وقيل: هم كفار قريش كما في رواية عن ابن عباس وحكاه الزجاج عن غيره، واختار الطبري أنهم اليهود وأهل النفاق، وقال البغوي:«نزلت في اليهود ومشركي مكة» . ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 615 - 617)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 218)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 247)، و «تفسير البغوي» (1/ 158)، و «زاد المسير» (1/ 118).
يمتنُّ اللهُ -تعالى- على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلهم أمَّةً وسطًا؛ يعني: خيارًا عدولًا، والحكمةُ من ذلك أن يكونوا شهداء على الناس؛ لأنَّ رسلهم قد بلَّغوهم، ويكون الرسول محمد صلى الله عليه وسلم شهيدًا على أمته؛ كما قال تعالى:{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (41)} [النساء: 41].
ثم يُبيِّنُ تعالى حكمته من تحويل القبلة، وهي: الابتلاءُ، فيظهرُ ويتميَّزُ مَنْ يتبعُ الرسولَ فيستقبل القبلة الثانية كما استقبل القبلة الأولى طاعةً لله ورسوله، ومَن يُنكر تحويلَ القبلة {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} ، ويعلمُ اللهُ الفريقين وجودين متمايزين، فهذا مؤمنٌ متَّبعٌ للرسول، وهذا مكذِّبٌ معارضٌ لِمَا جاء به الرسولُ.
ثم أخبر تعالى عن قضية تحويلِ القبلة بأنها عظيمةٌ شاقَّةٌ إلا على مَنْ هداه الله لمعرفة الحقِّ واتباعه؛ لأنهم يؤمنون بأنَّ ذلك حكم من عند الله وله فيه حكمةٌ بالغةٌ، وأنَّ استقبالَ المسجد الحرام أحبُّ إلى الله وأفضلُ من بيت المقدس.
ثم ردَّ تعالى على مَنْ سأل عن صلواتِ مَنْ مات وهو يستقبل بيت المقدس؛ فقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: صلاتكم إلى بيت المقدس
(1)
؛ لأنهم محسنون، والله لا يضيعُ عمل المحسنين، وكلُّ ما بيَّنه
(1)
أخرجه البخاري (40) عن البراء بن عازب رضي الله عنه، ونقل القرطبي (2/ 157) اتفاق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس. ينظر أيضًا:«أسباب النزول» (ص 42 - 43)، و «العجاب» (1/ 392 - 395).
اللهُ في هذه الآية؛ هو من رأفته ورحمته تعالى بعباده، ولهذا قال:{إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم (143)} .
دل على هذا: {وَكَذَلِكَ} كما هديناكم إليه {جَعَلْنَاكُمْ} يا أمة محمد! {أُمَّةً وَسَطًا} خيارًا عدولًا {لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس} يوم القيامة: أن رسلهم بلغتهم {وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} أنه بلغكم {وَمَا جَعَلْنَا} صيّرنا {الْقِبْلَة} لك الآن، الجهة {الَّتِي كُنْت عَلَيْهَا} أولًا، وهي الكعبة وكان صلى الله عليه وسلم يُصلِّي إليها، فلمَّا هاجر أُمِرَ باستقبال بيت المقدس تألُّفًا لليهود، فصلَّى إليه ستةَ أو سبعةَ عشر شهرًا، ثم حوَّل {إلَّا لِنَعْلَم} عِلمَ ظهورٍ {مَنْ يَتَّبِع الرَّسُول} فيُصدِّقُه {مِمَّنْ يَنْقَلِب عَلَى عَقِبَيْهِ} أي: يرجع إلى الكفر، شكًّا في الدين وظنًّا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم في حِيرةٍ من أمره، وقد ارتدَّ لذلك جماعةٌ {وَإِنْ} مخففة من الثقيلة واسمها محذوفٌ؛ أي: وإنها {كَانَتْ} أي: التولية إليها {لَكَبِيرَة} شاقَّةٌ على الناس {إلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّه} منهم {وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إيمَانكُمْ} أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، بل يثيبكم عليه؛ لأنَّ سببَ نزولها: السؤالُ عمَّن مات قبل التحويل {إن الله بالناس} المؤمنين {لرؤوف رَحِيم} في عدم إضاعة أعمالهم، والرأفةُ: شدَّةُ الرحمة، وقدَّم الأبلغَ للفاصلة.
وقولُ المؤلِّف: (دل على هذا) اسم الإشارة راجع إلى قوله: (ومنهم أنتم) أي: ممن هداه الله إلى صراط مستقيم؛ يريد: أنه دل على هدايتهم إلى صراط مستقيم قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا
…
الآية}.
وقولُه: (كما هديناكم إليه): يُبيِّنُ أنَّ اسم الإشارة في قوله: {وكذلك} راجعٌ إلى هداية المؤمنين إلى الصراط المستقيم؛ فالمعنى: كما هديناكم إلى الصراط جعلناكم أمةً وسطًا.
وقولُه: (صيَّرنا): فسَّرَ الجعلَ في الآية بالتصيير؛ فلهذا قال: {جعلنا} صيَّرنا، وصيَّرَ يقتضي مفعولين، وليس في الآية لفظٌ يصلح مفعولًا ثانيًا، والأظهرُ أنَّ المعنى: وما شرعنا
(1)
استقبالَ القبلة التي كنت عليها، -وهي: بيت المقدس- ثم صرفناك عنها إلى الكعبة إلَّا ليتبيَّن مَنْ يتَّبعك ممن لا يتَّبعك.
وقولُه: (وهي الكعبة): بيانٌ للمراد بالقبلة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم يوم كان بمكة، وهذا أحدُ القولين
(2)
، والقولُ المشهور، وهو قول الجمهور، أنَّ المرادَ بالقبلة التي كان عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم هي بيتُ المقدس
(3)
؛ إذ كان يستقبلها بعد الهجرة ستة عشر شهرًا
(4)
، فكان عليها هذه المدةَ ثم صُرف عنها إلى استقبال الكعبة في المسجد الحرام، وهذا التحويلُ هو الذي صار فتنةً، فبيَّن به {مَنْ يتَّبعُ الرسول ممن ينقلبُ على عقبيه} .
(1)
وهو قول الرازي وابن عاشور. ينظر: «تفسير الرازي» (4/ 89)، و «التحرير والتنوير» (2/ 22).
(2)
ينظر: «تفسير البغوي» (1/ 161)، و «الكشاف» (1/ 339 - 340)، و «تفسير القرطبي» (2/ 156)، و «البحر المحيط» (2/ 15).
(3)
وهو قول قتادة وعطاء والسدي وعطية، واختاره الطبري وجمهور المفسرين. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 638 - 639)، و «المحرر الوجيز» (1/ 369)، و «زاد المسير» (1/ 120).
(4)
قيل: ستة عشر شهرًا، وقيل: سبعة عشر شهرًا، وقيل غير ذلك، ورواية البخاري (40)(4486)، ومسلم (525) عن البراء بن عازب:«وأنه صلَّى صلى الله عليه وسلم قبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا» ، على الشك، وجزم مسلم في رواية أنها ستة عشر شهرًا، وقال في الفتح (1/ 96):«والجمع بين الروايتين سهل، بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معًا، ومن شك تردد في ذلك» . تنظر الروايات في: «تفسير الطبري» (2/ 618 - 622).
وقولُه: (علم ظهور): المراد: علمَ الأشياء ظاهرةً موجودةً، وهو تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه موجودةً أو معدومةً.
وقولُه: (وقد ارتد لذلك جماعة): يريد أنَّ تحويلَ القبلة صار سببًا لردَّةِ جماعةٍ من المنتسبين إلى الإسلام، فالغالبُ أنهم ممَّن لم يدخل الإيمان إلى قلوبهم
(1)
.
وقولُه: (واسمها محذوف
…
) إلى آخره: قلت: وخبرُها جملة {كانت} .
وقولُه: (التولية إليها): هذا تقدير اسم كان، وخبرها «كبيرة» .
وقولُه: (منهم): أي: من الناس.
وقولُه: (في عدم إضاعة أعمالهم): يريد أنَّ من رأفتِه ورحمتِه عدمُ إضاعة أعمال الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؛ بل يُثيبهم على صلواتهم؛ لأنهم مطيعون لله.
وقولُه: (والرأفةُ: شدة الرحمة): بيانٌ للفرق بين الرأفة والرحمة، وهو أنَّ الرأفةَ كمالُ الرحمة
(2)
. وقولُه: (وقدم الأبلغ للفاصلة): يريد: لتناسبِ رؤوسِ الآي ولو مع آيةٍ واحدةٍ فخُتمت هذه الآيةُ باسمه تعالى الرحيم، كما خُتمت الآيةُ قبلها بالصراط المستقيم.
* * *
(1)
قاله ابن زيد ومقاتل، وقال ابن جريج:«بلغني أنَّ ناسًا ممن أسلم رجعوا فقالوا: مرة هاهنا، ومرة هاهنا» . ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 641)(2/ 646)، و «المحرر الوجيز» (1/ 371)، و «زاد المسير» (1/ 120)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 457).
(2)
ينظر: «الفروق اللغوية» (1/ 196)، و «الكليات» (ص 471).
يُخبر الله -تعالى- نبيَّه بأنه يرى تقلُّبَ وجهه في السماء ناظرًا ومُنتظرًا أن يأتيه الوحي بتوجيهه إلى الكعبة بدلًا عن استقبال بيت المقدس، ثم يَعدُ اللهُ نبيَّه أن سَيوليه قبلةً يرضاها، فوفَّى اللهُ بوعده فأمر نبيَّه والمؤمنين أن يُولُّوا وُجوهَهم شطرَ المسجد الحرام؛ فقال تعالى:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} ، ثم أخبر تعالى أنَّ الذين أُوتوا الكتابَ يعلمون أنَّ تحويلَ القبلة هو الحقُّ من ربهم، ثم أخبر تعالى أنه ليس غافلًا عما يعمل العباد من المؤمنين وأهل الكتاب وغيرهم، فقال:{وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون (144)} .
{قَدْ} للتحقيق {نَرَى تَقَلُّب} تصرف {وَجْهك فِي} جهة {السَّمَاء} مُتطلِّعًا إلى الوحي ومُتشوِّفًا للأمر باستقبال الكعبة، وكان يودُّ ذلك لأنها قبلة إبراهيم، ولأنه أدعى إلى إسلام العرب {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} نُحَوِّلَنَّكَ {قِبْلَة تَرْضَاهَا} تُحبها {فَوَلِّ وَجْهك} استقبل في الصلاة {شَطْر} نحو {الْمَسْجِد الْحَرَام} أي: الكعبة {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} خطابٌ للأمة {فَوَلُّوا وُجُوهكُمْ} في الصلاة {شَطْره وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} أي: التولي إلى الكعبة {الْحَقّ} الثابت {مِنْ رَبّهمْ} لِمَا في كتبهم في نعت النبيِّ من أنه يتحوَّلُ إليها {وَمَا اللَّه بِغَافِلٍ عما تعملون} بالتاء، أيها المؤمنون من امتثال أمره، وبالياء؛ أي: اليهود من إنكار أمر القبلة.
وقولُ المؤلِّف: (تصرف): تفسيرٌ لتَقلُّب الوجه، ولو قال تكريرُ نظرك للسماء مرَّةً بعد مرة لكان أظهر لفهم المعنى.
وقولُه: (جهة): يُبيِّنُ أنَّ {في السماء} على تقدير مضاف؛ المعنى: في جهة السماء.
وقولُه: (متطلعًا إلى الوحي
…
) إلى آخره: بيانٌ لمقصود الرسول في نظره إلى السماء، وتقلُّب وجهه.
وقولُه: (نُحَوِّلَنَّكَ): هذا من التفسير باللازم؛ فإنه يلزم من توليته جهة الكعبة تحويل القبلة. وقولُه: (نحو): أي جهة.
وقولُه: (الكعبة): فسَّرَ {المسجد} بالكعبة، والمراد: وما حولها من البناء المعَدِّ للصلاة والطواف فيه.
وقولُه: (في الصلاة): يُبيِّنُ أنَّ استقبال القبلة إنما يجب في الصلاة لا في كلِّ حال.
وقولُه: (التولي إلى الكعبة): تفسيرٌ للضمير في قوله: {أَنَّهُ الْحَقُّ} ، المعنى: أنَّ أهلَ الكتاب يعلمون أنَّ تحويلَ القبلة إلى الكعبة هو الحقُّ، ولعلَّ ذلك لأنه مذكور في كتبهم كما ذكر المؤلف.
وقولُه: (بالتاء
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ في الآية قراءتين بالتاء على الخطاب للمؤمنين، وبالياء خبرًا عن أهل الكتاب، واللهُ -تعالى- ليس بغافلٍ عمَّا يعمل العبادُ مؤمنينَ أو كافرين.
* * *
يُخبر -تعالى- نبيَّه في هذه الآية خبرًا مؤكدًا بأنه لو جاءهم بكلِّ آيةٍ ما تَبِعوا قِبلتَه؛ أي: ما استقبلوا قبلتَه، وأنه صلى الله عليه وسلم لن يتَّبعَ قِبلتهم، وأنه لن يتَّبعَ اليهودُ قِبلةَ النصارى ولا النصارى قبلةَ اليهود، ثم يُحذِّر الله نبيَّه عن اتباع أهواء الكفار من اليهود والنصارى، وذلك في قوله:{وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَمِنَ الظَّالِمِين (145)} ؛ أي: الكافرين.
{وَلَئِنْ} لام قَسَم {أَتَيْت الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب بِكُلِّ آيَة} على صِدقك في أمر القبلة {مَا تَبِعُوا} أي: لا يتبعون
(1)
{قِبْلَتك} عنادًا {وَمَا أَنْت بِتَابِعٍ قِبْلَتهمْ} قطعٌ لطمعه في إسلامهم وطمعهم في عوده إليها {وَمَا بَعْضُهمْ بِتَابِعٍ قِبْلَة بَعْض} أي: اليهود قبلة النصارى وبالعكس {وَلَئِنْ اتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ} التي يدعونك إليها {مِنْ بَعْد مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ} الوحي {إنَّك إذًا} إن اتبعتهم فرَضًا {لَمِنَ الظَّالِمِينَ} .
وقولُ المؤلِّف: (لامُ قَسَم): يُريد اللام التي قبل «إن» ، فتفيدُ تأكيدَ الخبر بالقَسَم.
وقولُه: (على صدقك
…
) إلى آخره: بيانٌ لمتعلّق الآيات؛ فالمعنى: لو أَتيتَ الذين أُوتوا الكتابَ -اليهود- بكلِّ آيةٍ تدلُّ على صِدقك في تحويل القبلة ما صدَّقوك ولا اتبعوا قبلتك.
(1)
رجح شيخنا أن الصواب: (لا يتبعون)، خلافًا لِمَا في نسخة قباوة (يتبعون)، ووافق ترجيح شيخنا النسخ الأخرى كما في طبعة ابن كثير وغيرها.
وقولُه: (عنادًا): يُبيِّنُ أنَّ عدمَ اتباعهم لقبلة النبي صلى الله عليه وسلم كان عنادًا لا جهلًا؛ لأنهم يعلمون أنه الحق.
وقولُه: (قطع لطمعه في إسلامهم
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ الآية تدلُّ على أنَّ الطاعنين في تحويل القبلة من أهل الكتاب لن يُسلموا فيستقبلوا قبلة النبي صلى الله عليه وسلم، وتدلُّ على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى استقبال بيت المقدس، فلا طمع في إسلامهم ولا طمع لهم في عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم.
وقولُه: (فرضًا): يُريدُ أنَّ قوله تعالى: {وَلَئِنْ اتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ} : على سبيل الفرض والتقدير، لا أنَّ ذلك مُتوقَّعٌ أو ممكن بل ممتنعٌ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم معصومٌ من اتباع أهواءِ الكافرين.
* * *
وقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُون (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين (147)} [البقرة: 146 - 147]:
يُخبرُ -تعالى- عن أهل الكتاب أنهم يَعرفون الرسولَ صلى الله عليه وسلم وصِدقَه فيما جاء به من القرآن وتحويلِ القبلة معرفةً تامَّةً كما يعرفون أبناءَهم، ولكنَّ فريقًا منهم يكتمون الحقَّ الذي يعلمونه. والضميرُ المنصوب في قوله:{يَعْرِفُونَهُ} قيل: يعودُ إلى الرسول، وقيل: إلى تحويل القِبلة إلى الكعبة
(1)
، والقولُ الأول يتضمَّنُ الثاني، وهذه المعرفةُ مما يجدونه في كتبِهم من ذِكْرِ النبي صلى الله عليه وسلم وصفاتِه وما يجيءُ به من الشرع، ومنه تحويلُ القبلة إلى المسجد الحرام.
ثم يؤكِّدُ سبحانه وتعالى أنَّ ما أمرَ به من استقبال المسجد الحرام هو الحقُّ الذي لا يجوز أن يكون فيه شكٌّ، فلهذا نهى اللهُ نبيَّه أن يكون من المُمْترينَ فيه في قوله:{فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين (147)} أي: الشاكين
(2)
، وهو صلى الله عليه وسلم معصومٌ من ذلك.
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب يَعْرِفُونَهُ} أي: محمدًا {كَمَا يعرفون أبناءَهم} بِنَعْتِهِ في كتبِهم. قال ابنُ سلَّام: لقد عرفتُه حين رأيتُه كما أعرفُ ابني، ومعرفتي لمحمدٍ أشدّ
(3)
(1)
القول الأول قال به مجاهد وخصيف بن عبد الرحمن، ورواية عن قتادة، وظاهر قول الزجاج، واختاره البغوي، ورجحه الرازي من وجوه. والقول الثاني قاله ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وابن زيد وابن جريج، ولم يذكر الطبري غيره في تفسيره. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 669 - 671)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 225)، و «تفسير البغوي» (1/ 164)، و «المحرر الوجيز» (1/ 378)، و «تفسير الرازي» (1/ 110 - 112).
(2)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 466).
(3)
أخرجه الثعلبي (4/ 192 - 193)، من طريق صالح بن محمد، عن محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال عمر =
= بن الخطاب رضي الله عنه لعبد الله بن سلام: قد أنزل الله عز وجل على نبيه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} فكيف يا عبد الله هذِه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: وذكره بنحوه. وهذا إسناد واهٍ مظلم؛ فصالح بن محمد وهو الترمذي متهم ساقط، وقال ابن حبان:«لا يحل كتب حديثه» . ينظر: المجروحين (9/ 470، رقم 487)، و «الميزان» (2/ 300، رقم 3825). ومحمد بن مروان السدي الكوفي، وهو السدّي الصغير، تركوه واتهمه بعضهم بالكذب. ينظر:«الكامل» لابن عدي (7/ 512، رقم 1742)، و «الميزان» (4/ 32، رقم 8154). والكلبي هو محمد بن السائب، متروك الحديث. ينظر:«الكامل» (7/ 274، رقم 1626)، و «الميزان» (3/ 556، رقم 1626).
{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} هذا الذي أنت عليه {الْحَقّ} كائنًا {مِنْ رَبّك فَلَا تَكُونَن مِنْ الْمُمْتَرِينَ} الشاكِّين فيه؛ أي: من هذا النوع، فهو أبلغُ من:(لَا تَمْتَرِ).
* * *
وقوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (148)} [البقرة: 148]:
يخبر -تعالى- أن لكلِّ أمةٍ جهة؛ أي: قِبلة يتوجَّهُ إليها ويستقبلُها؛ فالمعنى: لكلٍ قبلة
(1)
، فتشبه هذه الآية قوله تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]
(2)
.
ثم يأمر -تعالى- بالتسابق إلى الخيرات وهي الأعمال الصالحة المُفضية إلى الجنَّات، ثم يخبر -تعالى- عن كمال قدرته وأنه سيَجمعُ العبادَ ليومِ المعاد فيأتي بهم من أيِّ مكانٍ كانوا فيه؛ فقال تعالى:{أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (148)} .
{وَلِكُلٍّ} من الأمم {وِجْهَة} قبلة {هُوَ مُوَلِّيهَا} وجهَه في صلاته. وفي قراءة: {مُوَلَّاهَا}
(3)
. {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات} بادروا إلى الطاعات وقبولِها {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّه جَمِيعًا} يجمعكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلُّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
* * *
(1)
وهو قول ابن عباس، ومجاهد في أحد قوليه، وأبي العالية وجماعة، واختاره الطبري والبغوي والقرطبي في آخرين. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 674 - 677)، و «تفسير البغوي» (1/ 164)، و «المحرر الوجيز» (1/ 379 - 380)، و «تفسير القرطبي» (2/ 164)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 462).
(2)
قاله الواحدي في «التفسير البسيط» (3/ 405)، والجرجاني في «درج الدرر» (1/ 318)، وابن كثير في تفسيره (1/ 463).
(3)
قرأ ابن عامر وحده: {هُوَ مُوَلَّاهَا} بفتح اللام. وقرأ الباقون {هُوَ مُوَلِّيهَا} بكسر اللام. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 178)، و «النشر» (2/ 223).
يؤكد -تعالى- في هاتين الآيتين أمرَه نبيَّه والمؤمنين باستقبال المسجد الحرام حيث كانوا من الأرض، ومِن أي مكانٍ خرجوا، ويؤكد -سبحانه- الخبرَ بأن استقبال المسجد الحرام هو الحقُّ، فقد أمر بذلك في الآيات السابقة، وأخبر بأنه الحقُّ؛ أي: حكمٌ شرعَه اللهُ وفرضَه؛ ثم أخبر عن حكمتِه فيما شرعَ من استقبال البيت الحرام، وذلك قوله:{لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} ، ومعنى ذلك: أنهم لو لم يستقبلوا المسجد الحرام لاحتجَّ عليهم أهل الكتاب بما هو موجودٌ في كتبِهم من أنه صلى الله عليه وسلم يستقبل قبلة إبراهيم، واحتج عليهم المشركون كذلك، وقالوا: إنه ترك قبلةَ إبراهيم الذي يزعم أنه مأمورٌ باتِّباع مِلَّتِه. وقوله: {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} وهم اليهود والمنافقون الذين طعنوا في تحويل القِبلة، وهم الذين قال الله فيهم:{سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} .
ثم أمر الله المؤمنين بخشيتِه ونهاهم عن خشيةِ الظالمين من الكفار والمنافقين، وبيَّنَ -تعالى- أنَّ من حكمتِه في تحويل القبلة: إتمامُ النعمة على المؤمنين وليكونوا مهتدين، فإنَّ التوجُّه في الصلاة جهةَ المسجد الحرام من الهدى الذي شرَعَهُ الله لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم ولأُمته؛ كما قال تعالى:{قُلْ لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (142)} .
وما ذكرتُه هو معنى ما ذكره الشيخُ عبد الرحمن السعدي رحمه الله
(1)
وهو من أحسن ما قيل في تفسير قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
…
} الآية، وللطاهر ابن عاشور كلامٌ حسنٌ في الربط بين الآيات المتعلِّقةِ بتحويل القبلة من أربعةٍ وأربعين إلى خمسين بعد المائة
(2)
.
{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْت} لسفرٍ {فَوَلِّ وَجْهك شَطْر الْمَسْجِد الْحَرَام وَإِنَّهُ لَلْحَقّ مِنْ رَبّك وَمَا اللَّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} بالتاء والياء تقدَّم مثلُه، وكرَّره؛ لبيان تساوي حكمِ السفر وغيره. {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْت فَوَلِّ وَجْهك شَطْر الْمَسْجِد الحرام وحيث ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهكُمْ شَطْره} كرَّره للتأكيد {لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ} اليهود أو المشركين {عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} أي: مجادلةٌ في التولّي إلى غيرِه لتنتفي مجادلتهم لكم، من قول اليهود: يجحدُ دينَنا ويتبعُ قِبلتَنا، وقول المشركين: يدَّعي ملَّة إبراهيمَ ويخالفُ قبلتَه {إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} بالعناد فإنهم يقولون: ما تحوَّلَ إليها إلَّا ميلًا إلى دين آبائه، والاستثناءُ متَّصلٌ، والمعنى: لا يكون لأحدٍ عليكم كلامٌ إلَّا كلام هؤلاء {فَلَا تَخْشَوْهُمْ} تخافوا جدالَهم في التولي إليها {وَاخْشَوْنِي} بامتثال أمري {وَلِأُتِمّ} عطفٌ على «لِئَلَّا يَكُون» {نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} بالهداية إلى معالم دينِكم {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى الحق.
وقولُ المؤلِّف: (بالتاء والياء): إشارةٌ إلى القراءتين في قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ، وقراءة الجمهور بالتاء على الخطابِ للمؤمنين، وبالياء على الإخبار عن أهل الكتاب.
(1)
ينظر: «تفسير السعدي» (1/ 108).
(2)
ينظر: «التحرير والتنوير» (2/ 5).
وقولُه: (وكرَّره
…
) إلى آخره: أي: كرَّرَ الأمرَ لاستقبال البيت، وما ذكره المؤلِّفُ من حكمةِ التكرار توجيهٌ حسنٌ
(1)
.
وقولُه: (اليهود أو المشركين): الظاهرُ هو العموم؛ فالمراد: بالناس اليهود والمشركون.
وقولُه: (مجادلة في التولي
…
) إلى آخره: أي: مخاصمةٌ، وهذا معنى ما ذكره ابنُ جرير
(2)
.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الراغب» (1/ 341)، و «تفسير القرطبي» (2/ 168)، و «ملاك التأويل» لابن الزبير الغرناطي (1/ 54)، و «البحر المحيط» (2/ 38 - 39).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 690).
وقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُون (152)} [البقرة: 151 - 152]:
هذه الآية متصلةٌ في المعنى بقوله تعالى: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} ، ومن تمامِها تحويلُ القبلة إلى البيت الحرام، والكاف للتشبيه، فالمعنى: كما أنعَمْنا عليكم بإرسال رسولٍ منكم {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا
…
} الآية، والخطاب للمؤمنين؛ فتضمَّنت الآيةُ الأولى الامتنانَ من الله للمؤمنين بإرسال خاتَمِ النبيين، وبما جاء به من الكتاب والحكمة، وأخبر -تعالى- أنه يتلو على المؤمنين الآياتِ ويُعلِّمهم الكتابَ والحكمةَ مما كانوا لا يعلمون، فهذه الآيةُ نظير قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
…
} الآية من سورة آل عمران [آل عمران: 164].
ثم أَمر في الآية الثانية بذكرِه وشكرِه، ونهى عن الكفر به، وذِكرُه من شكرِه، فعطفُ الشكرِ على الذِّكرِ مِنْ عطفِ العام على الخاصِّ، وأَخبر -تعالى- أنَّ مِنْ جزاء الذاكرين والشاكرين أَنْ يَذكرهم ويَشكرهم، وفي هذا أبلغُ ترغيبٍ في ذِكره -تعالى- وشكره.
{كما أَرْسَلْنَا} متعلِّق بـ «أتم» ، أي: إتمامًا كإتمامِها بإرسالِنا {فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} محمدًا صلى الله عليه وسلم {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتنَا} القرآن {وَيُزَكِّيكُمْ} يُطهِّركم من الشرك {وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَاب} القرآنَ {وَالْحِكْمَة} ما فيه من الأحكام {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي} بالصلاة والتسبيح ونحوه {أَذْكُرْكُمْ} قيل: معناه أُجَازِكُم، وفي الحديث عن الله: ((مَنْ ذكرني
في نفسِه ذكرتُه في نفسي، ومَن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ مِنْ مَلئِه))
(1)
{وَاشْكُرُوا لِي} نعمتي بالطاعة {وَلَا تَكْفُرُونِ} بالمعصية.
وقولُ المؤلِّف: (متعلِّق بـ: «أُتم»
…
) إلى آخره: يُوضِّحُ بهذا المشبَّه والمشبَّه به؛ فالمشبَّه: إتمام النعمة بتحويل القبلة، والمشبَّهُ به: إتمام النعمة بإرسال رسولٍ بهذه الصفة يتلو ويُزكِّي ويُعلِّم. وقولُه: (يُطهِّرُكم من الشرك): تفسيرٌ للزكاة بالطهارة من الشرك، ولا ريبَ أنَّ هذا أعظم تطهيرٍ، ولكن زكاة النفسِ أعمُّ من ذلك
(2)
، والمُزكِّي حقيقةً هو الله، وإضافةُ الزكاة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مِنْ إضافة الشيء إلى سببِهِ.
وقولُه: (ما فيه مِنْ الأحكام): هذا أحدُ معاني الحكمة، وقيل: الحكمة هي السُّنة، وهذا أظهرُ وأشهرُ
(3)
.
وقولُه: (بالصلاةِ والتسبيح ونحوه): بيانُ أنَّ ذِكْرَنا لله يعمُّ أنواع العبادات القولية والعملية. وقولُه: (قيل: معناه أُجَازِكُم
…
) إلى آخره: تفسيرُ ذِكْرِ الله للمؤمنين بالمجازاة؛ أي: بالثواب تأويلٌ
(4)
، والصواب: تفسيرُ الآية بالحديث
(1)
أخرجه البخاري (7405)، ومسلم (2675) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
واختاره الطبري وابن عطية وابن كثير والسعدي. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 694)، و «المحرر الوجيز» (1/ 383) و «تفسير ابن كثير» (1/ 464)، و «تفسير السعدي» (1/ 111).
(3)
تقدم في (ص 276) وأن تفسير الحكمة بالسنة هو قول قتادة والحسن وغيرهما.
(4)
قال شيخنا: «تأويل ذكر الله لعبده بالرحمة والثواب، أو الإنعام صرف للكلام عن ظاهره بلا حجة، وكأن الذي قال ذلك يذهب إلى أن الله تعالى لا يتكلم بكلام حقيقي يُسمِعه إذا شاء لمن شاء من عباده، وهذا موجب مذهب الأشاعرة في كلام الله سبحانه، وهو أن معنى كلام الله: معنى نفسي، ليس بحرف ولا صوت فلا يتصور سماعه منه، وهو ظاهر الفساد» . التعليقات على المخالفات العقدية في «فتح الباري» (ص 159، رقم 113).
القدسيِّ الذي ذكرَه المؤلف، وقد دلَّت الآيةُ والحديثُ على أنَّ هذا الذِّكر مِنْ الله لعبدِه جزاءٌ على ذِكْرِ العبد لربِّه، فهو مِنْ قَبيل:«الجزاء مِنْ جنس العمل»
(1)
.
وقولُه: (نعمتي بالطاعة
…
) إلى آخره: يُبيِّن أنَّ شُكرَ الله على نعمِه يكون بطاعتِه، وكُفرَ نعمِه يكون بمعصيتِه.
* * *
(1)
ينظر: «مدارج السالكين» (3/ 223).
وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين (153)} [البقرة: 153]:
هذا أمرٌ من الله لعباده المؤمنين بأن يستعينوا بالصبر وبالصلاة على جميع ما أَهمَّهُم مِنْ أمر دينهم ودنياهم، والصبرُ يشمل أنواعَ الصبر الثلاثة: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على أقدار الله
(1)
.
والصلاةُ تشمل الصلواتِ المفروضة وصلاةِ التطوع؛ أي: الفرائض والنوافل، ثم يُرَغِّبُ سبحانه وتعالى فيما أمر به من الصبر بمعيَّتِه للصابرين؛ فقال تعالى:{إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين (153)} ، وما أمرَ الله به المؤمنين في هذه الآية قد أمرَ به بني إسرائيل في أولِ السورة في قوله:{وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين (45)} [البقرة: 45]، والخطابُ في الآيات المتقدِّمة للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد صُرِّحَ بوصف الإيمان في هذه الآية، ومناسبةُ هذه الآية لِمَا قبلَها مِنْ وجهين:
أولًا: مِنْ جهة أنَّ الأمرَ باستقبال المسجد الحرام مطلوبٌ في الصلاة، بل شرطٌ لصحَّتِها.
وثانيًا: مِنْ جهة ما تقدَّم مِنْ أذى اليهود والمنافقين بالاحتجاجِ على المؤمنين، والاحتجاج عليهم في تحويل القِبلة، ولذا نهى اللهُ عن خشيتِهم وأمرَ بالصبر على أذاهم، وأمَّا مناسبةُ الآية لِمَا بعدها مِنْ الآيات فظاهرةٌ، والآية كالمقدِّمة للآيات بعدها إلى قوله:{الْمُهْتَدُون (157)} .
(1)
ينظر: «مجموع الفتاوى» (10/ 574 - 577)، و «عدة الصابرين» (ص 48) وما بعدها، و «مدارج السالكين» (2/ 451) وما بعدها.
{يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا} على الآخرةِ {بِالصَّبْرِ} على الطاعةِ والبلاءِ {وَالصَّلَاةِ} خَصَّها بالذِّكرِ لِتَكرُّرِها وعِظَمِها {إنَّ اللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ} بالعون.
* * *
وقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون (154)} [البقرة: 154]:
هذا نهيٌ من الله لعباده المؤمنين؛ أن يقولوا لِمَنْ يُقتل في سبيل الله أنهم أمواتٌ كسائر الأموات، فإنهم وإن فارقوا الحياةَ الدنيا بالقتلِ فإنهم أحياءٌ عند الله حياةً برزخيةً ليست كحياتهم في الدنيا، ولكنَّ المؤمنين لا يشعرون بهذه الحياة؛ لأنها مِنْ أحوال الغيب. وقوله تعالى:{وَلَا تَقُولُوا} : معطوفٌ على قوله: {اسْتَعِينُواْ} . و {أَمْوَاتٌ} : خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ؛ أي: هم أموات.
{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه} : هم {أَمْوَات بَلْ} هم {أَحْيَاءٌ} أرواحُهم في حواصلِ طيورٍ خُضْرٍ، تسرحُ في الجنة حيث شاءتْ لحديثٍ بذلك، {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} تعلمون ما هم فيه.
وقولُ المؤلِّف: (أرواحهم
…
) إلى آخره: الحديثُ الذي أشار إليه هو في «مسلم» مُطوَّلًا في باب: بيان أنَّ أرواح الشهداء في الجنة
(1)
.
* * *
(1)
رواه مسلم (1887) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
يُخبِر -تعالى- في هذه الآيات خبرًا مؤكدًا بأنه -تعالى- سيَبتلي عبادَه المؤمنين بأنواعٍ من البلاءِ في الأموال والأنفس، بشيءٍ من الخوف والجوع ونَقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات؛ ليُظهر صبرَهم، ولذا أمر الله نبيَّه أن يُبَشِّرَ الصابرين لما لهم عند الله، ووصفَهم بأنهم الذين إذا أصابتْهُم مصبيةٌ؛ قالوا:{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون} ؛ أي: نحن ملكُه وعبيدُه وصائرونَ إليه، ثم أخبر بجزائِهم وأثنى عليهم؛ فقال:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون (157)} : والصلاة مِنْ الله على عبادِه الصابرين: ذكرُه لهم وثناؤُه عليهم، والرحمةُ معنىً يقوم بالربِّ، وهو ضدُّ الغضب والعذاب، فيقتضي الرّضا عن المرحوم وصرفَ العذاب، يدلُّ لذلك قوله تعالى:{إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} [الإسراء: 54]، وقوله -تعالى- في الكتاب الذي عنده فوق العرش:((إنَّ رحمتِي تغلبُ غضبِي))
(1)
، والمهتدون العالِمون بالحقِّ العاملون به، ومِن هُداهم: الصبرُ لله والتسليمُ لحكمه والرضا بقضائه.
{وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ} للعدو {وَالْجُوعِ} القَحْط {وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ} بالهلاك {وَالْأَنْفُس} بالقتلِ والموتِ والأمراضِ {وَالثَّمَرَات} بالجوائحِ؛ أي: لِنَخْتَبِرَنَّكُمْ فننظرُ أتصبرون أم لا؟ {وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ} على البلاء بالجنةِ. هم {الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} بلاءٌ {قَالُوا إنَّا لِلَّهِ} ملكًا وعبيدًا يفعلُ بنا ما يشاء {وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ} في
(1)
أخرجه البخاري (7404)، ومسلم (2751) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
الآخرة فيُجازينا، في الحديث:((مَنْ استرجعَ عند المصيبة آجَرَه اللَّه فيها وأَخلفَ عليه خيرًا))
(1)
. وفِيه: أَنَّ مصباح النَّبيّ صلى الله عليه وسلم طفِئَ، فاسترجعَ، فقالت عائشة: إنَّمَا هذا مِصباحٌ، فقال:((كلُّ ما ساءَ المؤمن فهو مُصيبةٌ)) رواه أبو داود في مراسيلِهِ
(2)
. {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ} مغفرةٌ {مِنْ رَبّهمْ وَرَحْمَةٌ} نعمةٌ {وأولئك هُمْ الْمُهْتَدُونَ} إلى الصواب.
وقولُ المؤلِّف: (للعدو، القحطِ، بالقتلِ، بالجوائحِ): نبَّهَ بذلك على أهم أسباب الخوف والجوع والنقص.
وقولُه: (بالجنة): لأنها مِنْ أعظم ما يُبشَّرُ به المؤمن، ويدخل في البشارة: الصلواتُ والرحمةُ من الله كما في الآية.
(1)
أخرجه بنحوه الطبري في تفسيره (2/ 707)، وابن أبي حاتم في تفسيره (1421)، والطبراني في «الكبير» (13027)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (9240)، من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:{الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وذكره بنحوه. وهذا إسناد ضعيف؛ وله علتان، الأولى: الانقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عباس؛ فإنه لم يسمع منه، وروى عنه مرسلًا.
والأخرى: الضعف في ابن أبي طلحة نفسه؛ فقد تكلم فيه بعض الأئمة، قال أحمد بن حنبل: له أشياء منكرات. ينظر: «الميزان» (5870)، والتهذيب (7/ 339، رقم 567)، وضعفه الألباني في الضعيفة (5001).
وجاء معنى الحديث في صحيح مسلم (918) عن أم سلمة مرفوعًا: ((ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: {إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها)).
(2)
«مراسيل أبي داود» (412) عن عمران القصير.
وقولُه: (هم): يريد أن الاسم الموصول خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ؛ تقديره: هم، والجملةُ مُستأنَفة، والأظهرُ أنَّ الاسمَ الموصولَ صفةٌ للصابرين
(1)
.
وقولُه: (مغفرةٌ)(نعمةٌ): تفسيرٌ قاصرٌ.
وقولُه: (إلى الصواب): يُريدُ في الأقوال والأعمال.
* * *
(1)
قال أبو حيان: «هو ظاهر الإعراب» ، وقال السمين الحلبي:«هو الأصح» . ينظر: «البحر المحيط» (2/ 56)، و «الدر المصون» (2/ 186)، و «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 129).
وقوله تعالى: {* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيم (158)} [البقرة: 158]:
الصفا والمروةَ جبلانِ صغيرانٍ أحدُهما في الجنوب الشرقيّ من البيت عند جبلِ أبي قُبَيسٍ
(1)
، والمروة في الشمال الشرقي عند جبل قُعَيْقِعَان
(2)
، وقد أخبر -سبحانه- في هذه الآية أنهما من شعائرِ الله؛ أي: من معالم دينِه، فلذا شُرِعَ الطواف بهما بالتردُّدِ بينهما بدءًا بالصفا وذهابًا إلى المروة سبعَ مراتٍ، ذهابُه مرة ورجوعُه مرة، فينتهي بالمروة، ويسعى في بطن الوادي وهو ما بين العلمَين.
وقد شرع الله الطوافَ بهما في كلِّ حجٍّ وعمرةٍ، لقوله:{فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بهما في كل حجٍّ وعمرةٍ، وقال:((خُذُوا عَنِّي مناسِكَكُم))
(3)
؛ فعُلم أنه لا يشرعُ الطواف بينهما إلا للحاجِّ والمعتمر.
وقد اختلف العلماءُ في حكم الطوافِ بينهما؛ فقيل: سُنَّة، وقيل: واجب، وقيل: ركن، والأقرب أنه واجب
(4)
.
(1)
أَبو قُبَيْسٍ: بلفظ التصغير، كأنه تصغير قبس النار: وهو اسم الجبل المشرف على مكة، وجهه إلى قعيقعان ومكة بينهما، أبو قبيس من شرقيّها، وقعيقعان من غربيّها، قيل سمّي باسم رجل من مذحج كان يكنّى أبا قبيس، لأنه أول من بنى فيه قبّة. ينظر:«معجم البلدان» (1/ 80).
(2)
قُعَيْقِعَانُ: بالضم ثم الفتح، بلفظ تصغير: وهو اسم جبل بمكة، قيل: إنما سمي بذلك لأن قطوراء وجرهم لما تحاربوا قعقعت الأسلحة فيه. ينظر: «معجم البلدان» (4/ 379).
(3)
أخرجه مسلم (1297) من حديث جابر، وهو بهذا اللفظ عند البيهقي في «السنن الكبرى» (9600).
(4)
وهو مذهب الحسن البصري، وأبي حنيفة، والثوري، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها من أصحابه القاضي، ورجحها ابن قدامة في «المغني» ، ونسب ابن تيمية هذا القول إلى جمهور الأصحاب، والمذهب عند المتأخرين أنه ركن كما في «شرح المنتهى» (2/ 174)، =
= و «كشاف القناع» (6/ 358). ينظر: «المغني» (5/ 238 - 239)، و «شرح العمدة» لابن تيمية (5/ 358) وما بعدها.
وقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} أي: فلا حرجَ ولا إثمَ على مَنْ طاف بهما؛ أي: سعى بينهما.
وقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} : هو حجةُ مَنْ قال أنَّ الطوافَ في الصفا والمروة سنَّةٌ.
وقوله: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيم (158)} : ترغيبٌ في كلِّ ما هو طاعة، وكلُّ طاعة لله خيرٌ، والله لا يُضيع أجرَ المحسنين؛ لأنه شاكرٌ عليمٌ، والظاهرُ أنَّ هذه الآيةَ مُرتبطةٌ بآيات القبلة؛ لِمَا بين الصفا والمروة والبيتِ الذي هو القِبلة من الارتباط المكانيّ والحكميّ.
{إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَة} جبلانِ بمكة {مِنْ شَعَائِر اللَّهِ} أعلام دينِه، جمعُ شَعيرة {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ} أي: تلبَّسَ بالحج أو العمرة، وأصلُهما القصدُ والزيارةُ {فَلَا جُنَاحَ} إثمَ {عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ} فيه إدغامُ التاء في الأصل في الطاء {بِهِمَا} بأنْ يسعى بينهما سبعًا. نزلت لَمَّا كره المسلمون ذلك؛ لأنَّ أهلَ الجاهلية كانوا يطوفون بهما وعليهما صَنَمانِ يمسحونهما
(1)
. وعن ابن عباس أنَّ السعي غيرُ فرض؛ لِما أفادَه رفعُ الإثم من التخيير
(2)
؛ وقال الشافعي وغيرُه: ركنٌ
(3)
. وبيَّنَ صلى الله عليه وسلم فريضتَه بقوله:
(1)
أخرجه البخاري (1648)، ومسلم (1278) عن أنس بن مالك رضي الله عنه. ينظر أيضًا:«أسباب النزول» (ص 44 - 47)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 406 - 411).
(2)
روي عن أنس وابن الزبير وعطاء وابن سيرين ومجاهد، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي. ينظر:«تفسير الطبري» (2/ 722 - 724)، و «تفسير القرطبي» (2/ 182)، و «المغني» (5/ 238) وما بعدها.
(3)
ينظر: «الأم» (3/ 544)، و «المجموع شرح المهذب» (8/ 103).
((إنَّ اللهَ كتبَ عليكُمُ السعيَ)) رواه البيهقي وغيره
(1)
. وقال: ((أَبدأُ بما بدأَ اللهُ به)) يعني: الصفا، رواه مسلم
(2)
، {وَمَنْ تَطَوَّعَ} وفي قراءةٍ بالتحتيةِ وتشديدِ الطاء مجزومًا، وفيه إدغامُ التاء فيها، {خَيْرًا} أي: بخيرٍ، أي: فعملَ ما لم يجبْ عليه من طوافٍ وغيره {فَإِنَّ اللَّه شَاكِرٌ} لعملِهِ بالإثابة عليه {عَلِيمٌ} به.
وقولُ المؤلِّف: (جبلانِ بمكة): أي: جبلان معروفان بمكة.
وقولُه: (أعلام دينِه): أي: مِنْ أَعلام الدين الظاهرةِ التي يحبُّ اللهُ تعظيمَها، وتعظيمُ الصفا والمروة بالطواف بهما وهو السعيُ بينهما كما بيَّنَهُ الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقولُه: (أي: تلبَّسَ بالحجِّ أو العمرة): أي: مَنْ دخل في أحدهما بأنْ أحرمَ بحجٍّ أو عمرةٍ. وقولُه: (وأصلُهما القصد والزيارة): يريد أصل معنى الحج والعمرة في اللغة؛ فبيَّنَ أنَّ معنى الحج في اللغة: القصد
(3)
، ومعنى العمرة: الزيارة
(4)
، وخص بعض المحققين الحج بالقصد إلى معظم
(5)
.
(1)
أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (3454)، والطبراني في «الكبير» (529)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (9441) من طريق مهران بن أبي عمر، عن الثوري، عن المثنى بن الصباح، عن المغيرة بن حكيم، عن صفية بنت شيبة، عن تملك قالت:«نظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في غرفة لي بين الصفا والمروة وهو يقول:» وذكرته.
والحديث تفرد به مهران بن أبي عمر، وفي حديثه اضطراب كما قال البخاري. «الكامل» لابن عدي (1942)، و «الميزان» (8828). وأيضًا: المثنى بن الصباح ضعيف. «الكامل» (1902)، «الميزان» (7061).
(2)
أخرجه مسلم (1218) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(3)
ينظر: «لسان العرب» (2/ 226).
(4)
ينظر: «لسان العرب» (4/ 604).
(5)
وهو قول الخليل والمناوي. ينظر: «العين» (3/ 9)، و «التوقيف على مهمات التعاريف» (ص 136)، و «العدة في فوائد العمدة» لشيخنا (ص 332).
وقولُه: (فيه إدغامُ التاء في الأصل في الطاء): يُبيِّنُ أن أصل {يَطَّوَّفَ} «يَتطوَّفَ» فسُكنت التاء وقُلبت طاء وأُدغمت في الطاء.
وقولُه: (بأنْ يسعى بينهما): بيانٌ لمعنى الطواف بالصفا والمروة أنه السعي بينهما سبعًا، يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة.
وقولُه: (نزلت
…
) إلى آخره: تضمَّن الإشارةَ إلى سبب النزول، وبيان حكم السعي، وما يبدأُ به وهو الصفا، للحديث الذي ذكره، والله -تعالى- قد بدأ بالذِّكر بالصفا؛ لذا قال صلى الله عليه وسلم:((أبدأُ بما بدأَ اللهُ به)).
وقولُه: (وفي قراءةٍ .. ) إلى آخره: يُريد أنَّ «تتطوَّع» في الآية قُرئ {يَطَّوَّعْ} بصيغة الفعل المضارع
(1)
، وأصله:«يَتطوَّع» فسُكِّنت التاءُ وقُلبت طاءً، وأُدغمت في الطاء.
* * *
(1)
قرأ حمزة والكسائي في الموضعين بالياء وتشديد الطاء وجزم العين، والباقون بالتاء وفتح العين. ينظر:«السبعة» (ص 172)، و «النشر» (2/ 223).
يذمُّ -تعالى- في هذه الآية ويتوعَّدُ الذين يكتمون ما أنزل الله مِنْ الآيات البيِّنات وما فيها من الهدى فأخبر أنه -تعالى- يَلعنُهُم، ويلعنُهم اللَّاعنون، واللَّعْنُ هو: الإبعاد عن رحمة الله
(1)
، واللَّعنُ مِنْ الله يكون قولًا وفعلًا، ومن العباد دعاءً.
وقوله: {اللاَّعِنُون} : يشمل: الملائكة والناس، وفي ذلك تعريضٌ باليهود في كِتمانهم لصفة النبي صلى الله عليه وسلم، أو هم المَعنيُّون بالآية، وعلى ذلك ففيها عَوْدٌ إلى ذِكر مذامِّ اليهود ومساويهم، وقد استثنى سبحانه وتعالى من هذا الوعيد الذين تابوا من كِتمان آياتِ الله وأصلحوا أعمالَهم وبيَّنوا ما قد كتموا، فقال تعالى:{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُوا} ، ثم أكَّد سبحانه وتعالى هذا الاستثناء بالوعد المؤكّد لأنه يتوبُ عليهم، فقال:{فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} يعني: يقبل توبتَهم، وأكَّد هذا الوعدَ بأنه -تعالى- {التَّوَّابُ الرَّحِيم (160)} ، فتوبتُه على التائبين هو مِنْ مقتضى هذين الاسمين: التواب الرحيم.
ونزلَ في اليهود {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} الناس {مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} كآية الرجم ونعت محمد {مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ} التوراة {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} يبعدهم من رحمته {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} الملائكة والمؤمنون، أو كل شيء: بالدعاء عليهم باللعنة. {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا}
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 26).
رجعوا عن ذلك {وَأَصْلَحُوا} عملهم {وَبَيَّنُوا} ما كتموا {فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} أقبل توبتهم {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} بالمؤمنين.
وقولُ المؤلِّف: (ونزلَ في اليهود): إشارةٌ إلى أنَّ هذه الآية نزلتْ في اليهود.
وقولُه: (الناس): يريد أنَّ الاسمَ الموصولَ صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، والتقدير: إنَّ الناس الذين يكتمون.
وقولُه: (كآيةِ الرجم
…
) إلى آخره: بيانٌ لبعض ما كتمَهُ اليهود من آيات التوراة.
* * *
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُون (162)} [البقرة: 161 - 162]:
هذا وعيدٌ شديدٌ من الله تعالى للذين كفروا بالله ورسولِه وكتابِه من أهل الكتاب والمشركين وماتوا على ذلك، توعَّدهم اللهُ بأنْ حقَّت {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين (161)} ، فباؤوا بسخطِ الله وعذابه خالدين في لعنةِ الله مُبعدين عن رحمته، وعذابُهم شديدٌ دائمٌ فلا يُخفَّفُ عنهم، ولا ينظرون؛ أي: لا يُمهلون إذا وردوا النار.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} حالٌ {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي: هم مُستحقُّون ذلك في الدنيا والآخرة. والناسُ قيل: عامٌّ، وقيل: المؤمنون. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي: اللعنةُ، أو النار المدلولُ بها عليها {لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} طرفةَ عين {وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ} يُمْهلون لتوبةٍ أو معذرةٍ.
وقولُ المؤلِّف: (حال): يريد جملة {وَهُمْ كُفَّارٌ} ؛ فالمعنى: ماتوا في حالِ كفرِهم.
وقولُه: (أي: هم مستحقّون ذلك
…
) إلى آخره: يُبين أنَّ اللَّعنةَ حلَّتْ عليهم بسبب كفرِهم فاستحقُّوا اللعنةَ من الله والملائكة والناس أجمعين.
وقولُه: (والناسُ قيل: عامٌّ، وقيل: المؤمنون): أقول: الأولُ هو الصواب؛ لاقتران كلمةِ «الناس» بـ «أل» التي للاستغراق، ولتأكيده بأجمعين
(1)
.
(1)
وهو قول أبي العالية واختاره الطبري. ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 742 - 743)، و «المحرر الوجيز» (1/ 396).
وقولُه: (اللعنة أو النار): يُبيِّنُ مَرجعَ الضمير المجرور في قوله: {فيها} ، والخلودُ في اللعنة يستلزم الخلودَ في النار
(1)
.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 744)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 440)، و «المحرر الوجيز» (1/ 396).
وقوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (163)} [البقرة: 163]:
يُخبِرُ -تعالى- أنَّ المعبودَ الحقَّ معبودٌ واحدٌ ولا معبود بحقٍّ سواه، وهو الله تعالى، وهذا خبرٌ متضمِّنٌ للأمر بمقتضاه، وهو الإيمانُ بمضمون هذا الخبر، وذلك باعتقادِ أنَّ الإلهَ الحقَّ واحدٌ وهو اللهُ الرحمنُ الرحيمُ، مع اعتقادِ أنَّ كلَّ معبودٍ سواه باطلٌ، فتضمَّن هذا الخبرُ: الأمرَ بالإيمان بالله، وإفرادَه بالعبادة وتركَ عبادة ما سواه، والبراءةَ منه، وذلك هو الكفرُ بالطاغوت، فدلَّت الآيةُ على معنى: لا إله إلا الله، وهي: العروةُ الوثقى التي لا تنفصمُ، فمَنِ استمسكَ بها نجا؛ فأَشبهتْ هذه الآية قوله تعالى:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقرة: 256]، وأشبهتِ البسملةَ من حيث اشتمالِها على الأسماء الثلاثة: الله، الرحمن، الرحيم، وتقدَّمَ الكلامُ في هذه الأسماء في الكلام على الآيتين الأولى والثانية من سورة الفاتحة
(1)
.
ونزل لَمَّا قالوا: صِفْ لنا ربَّك: {وَإِلَهُكُمْ} المستحقُّ للعبادة منكم {إِلَهٌ وَاحِدٌ} لا نظيرَ له في ذاتِه ولا في صفاتِه {لا إِلَهَ إِلا هُوَ} هو {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} .
وقولُ المؤلِّف: (لا نظيرَ له): تفسيرٌ لمعنى الواحد، وهذا أحدُ معاني الواحد، وقد ذكره ابنُ جرير، وقدَّمهُ وهو معنى صحيح
(2)
، وأظهرُ منه أنَّ معنى {إِلَهٌ وَاحِدٌ}: أي: لا اثنان؛ كما قال تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل: 51].
(1)
ينظر: (ص 19).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (2/ 745).
وقولُه: (هو): يُبيِّنُ أنَّ {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديرُه هو، وجملة {لا إِلَهَ إِلا هُوَ}: تأكيدٌ لمعنى {إِلَهٌ وَاحِدٌ} .
* * *
يُنبِّهُ -تعالى- في هذه الآية عبادَه على أدلة إلهيتِه وربوبيتِه، وهي: آياتُه الكونية، وهذه الآيات قد اشتمل عليها ما ذكرَهُ اللهُ من المخلوقات؛ خلقِ السمواتِ والأرضِ واختلافِ الليلِ والنهارِ والفلكِ التي تجري في البحر، وما أنزلَ الله من السماء مِنْ ماءٍ، وما بثَّ في الأرض من الدوابِّ، والرياح التي يُصرِّفُها الله، والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض، في كلِّ ذلك آياتٌ دالةٌ على وجودِ الله وربوبيتِه وإلهيتِه وكمال قدرتِه وحكمتِه ورحمتِه.
وإنما ينتفع بهذه الآيات مَنْ يتفكَّرُ في هذه المخلوقات، ويهتدي بها إلى ما يجبُ عليه من الإيمان به -تعالى- وتوحيدِه واتِّباعِ رسلِه كما قال تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الألْبَاب (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار (191)} [آل عمران: 190 - 191]، وأولُوا الألباب: هم أهلُ العقول النَّيِّرة الزكية، ولذا قال في سورة البقرة:{لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون (164)} ، فمَن لم يتفكَّرْ في هذه المخلوقات ويُسبِّحْ بحمد خالقِها ولم يتدبَّر الآيات فهو مِنْ الغافلين.
وطلبوا آية على ذلك، فنزل:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وما فيهما من العجائب {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان {وَالْفُلْكِ} السفن {الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} ولا ترسب، موقرة {بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} من التجارات والحمل {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ
مَاءٍ} مطر {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ} بالنبات {بَعْدَ مَوْتِهَا} يبسها {وَبَثَّ} فرق ونشر به {فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} لأنهم ينمون بالخصب الكائن عنه {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} تقليبها جنوبًا وشمالًا، حارة وباردة {وَالسَّحَابِ} الغيم {الْمُسَخَّرِ} المذلل بأمر الله يسير إلى حيث شاء الله {بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} بلا علاقة {لَآيَاتٍ} دلالات على وحدانيته تعالى {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يتدبرون.
وقولُ المؤلِّف: (وطلبوا
…
) إلى آخره: يُبيّن بذلك سببَ نزول هذه الآية وهو أنَّ المشركين طلبوا دليلًا على أنَّ الإله واحدٌ فنزلت
(1)
.
وقولُه: (وما فيهما مِنْ العجائب): يريد ما في السماء والأرض مِنْ الآيات العجيبة كالشمسِ والقمر والنجوم في السماء، والجبال والأنهار والبحار في الأرض.
وقولُه: (بالذهابِ والمجيء
…
) إلى آخره: فُسِّرَ اختلافُ الليل والنهار بتعاقبِهما والزيادة والنقص فيهما.
وقولُه: (ولا ترسب): يُبيِّنُ أنَّ السفنَ تجري على ظهرِ البحر، وهي: موقرة؛ أي: مُحمَّلة
(2)
، ولا ترسب؛ أي: لا تغوص في الماء فتغرق بِمَنْ فيها.
وقولُه: (من التجارات والحمل): مِنْ منافع السفن: حملُ الأثقال، ونقلُ الأموال، والانتقالُ بين البلدان.
وقولُه: (ونشر به
…
) إلى آخره: أي: نشرَ بالماء النازلِ، فإذا نزلَ الغيث كثرتْ الدوابُّ وانتشرتْ.
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 47 - 48)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 414).
(2)
ينظر: «لسان العرب» (5/ 289).
وقولُه: (تقليبها
…
) إلى آخره: يُبيّن أنَّ معنى تصريفُ الرياح: تغييرُ جهاتها شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا وبين ذلك، وتغييرُ أحوالها بالحرِّ والبرد وبالشدَّة واللِّين.
وقولُه: (بلا علاقة): يريد أنَّ السحابَ بين السماء والأرض ليس مُعلَّقًا في شيءٍ.
* * *
يُخبر -تعالى- في هذه الآيات عن صنفٍ من الناس ذامًّا لهم ومتوعِّدًا، وهم: المشركون الذين اتخذوا من دون الله آلهةً جعلوهم أندادًا لله؛ أي: نظراء وأشباهًا فهم يعبدونَهم ويُحبِّونهم كحُبِّهم لله؛ فسوَّوهم بالله في العبادة والمحبّة، ولكن المؤمنين الموحدين على الضدِّ من ذلك، فإنهم يحبّون الله أشدّ مِنْ حبِّ المشركين له ولم يجعلوا لله ندًّا في المحبة؛ لذلك لا يعبدون إلا الله، ولهذا قال تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} .
ثم أخبر -تعالى- عن حالِ الظالمين أنفسهم بالشرك بالله حين يرون العذابَ يومَ القيامة، فإنهم في ذلك اليوم يعلمون أنَّ القوة كلّها لله؛ فلا يطمعون في نصيرٍ يُنقذهم من عذاب الله، ويعلمون أنَّ عذابَ الله شديدٌ، وفي ذلك اليوم يتبرأُ المتبوعون من الذين اتَّبعوهم في الكفر والشرك، ثم يرى الجميعُ النار فيتمنَّى الأتباعُ لو رُدُّوا إلى الدنيا ليَتبرؤوا من أئمَّتِهم في الكفر والضلال؛ مجازاةً لهم على تبرُّئهم منهم.
وقوله: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ} في موضع مفعولَيْ «يرى» في قوله: {وَلَوْ يَرَى} ، {وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَاب}: معطوفٌ على جملة: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ} .
وقوله: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ} وهم الرؤساء والكبراء؛ تبرَّؤوا مِنْ الذين اتَّبعوهم؛ أي: جحدُوا عبادتَهم لهم وجحدوا أنهم أضلُّوهم، ورأى الجميعُ عذابَ الله فتقطَّعتْ المُوادَّة التي كانت بينَهم، ثم قال الأتباعُ: {لَوْ أَنَّ لَنَا
كَرَّةً}؛ أي: عودةً إلى الدنيا {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} ؛ أي: مِنْ الرؤساء المستكبرين {كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا} ، فالأتباعُ يتمنَّون الردَّ إلى الدنيا ليتبرَّؤوا من الذين تبرَّؤوا منهم، وهذا معنى:{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا} ، وفي ذلك اليوم يريهم اللهُ أعمالَهم القبيحة التي يتحسَّرون منها ندمًا على تفريطِهم كما قال تعالى:{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [يونس: 54]، ولكن لا ينفعُ الندمُ لذلك اليوم ولا يُخلِّصُهم من عذاب الله، ولهذا قال تعالى:{كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} المعنى: أنَّ الله يُرِي التابعينَ والمتبوعينَ أعمالَهم فتكون حسراتٍ عليهم فيُدخلهم بها النار دخولًا لا خروجَ بعده، ولهذا قال تعالى:{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار (167)} ، والظرفُ في قوله:{إِذْ تَبَرَّأَ} بدلٌ من الظرف في قوله: {إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} .
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي غيره {أَنْدَادًا} أصنامًا {يُحِبُّونَهُمْ} بالتعظيمِ والخضوعِ {كَحُبِّ اللَّهِ} أي كحُبِّهم له {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} مِنْ حُبِّهم للأنداد؛ لأنهم لا يعدلون عنه بحالٍ ما، والكفار يعدلون في الشدَّة إلى الله {وَلَوْ تَرَى} تُبِصِرْ يا محمد {الَّذِينَ ظَلَمُوا} باتخاذ الأنداد {إِذْ يَرَوْنَ} بالبناء للفاعل والمفعول يُبصِرون {الْعَذَابَ} لرأيت أمرًا عظيمًا، وإذ بمعنى إذا {أَنَّ} أي: لأنَّ {الْقُوَّةَ} القدرة والغلبة {لِلَّهِ جَمِيعًا} حال {وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} وفي قراءة: {يَرَى} بالتحتية. والفاعل؛ قيل: ضمير السامع، وقيل {الَّذِينَ ظَلَمُوا} فهي بمعنى: يعلم، و «أَنَّ» وما بعدها سدتْ مسدَّ المفعولين، وجواب لو محذوف. والمعنى: لو علموا في الدنيا شدةَ عذابِ الله وأنَّ القدرةَ لله وحده وقت معاينتهم له وهو يوم القيامة؛ لَمَا اتخذوا من دونه أندادًا. {إِذْ} بدل من إذ قبله {تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا} أي: الرؤساء {مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا}
أي: أنكروا إضلالهم {وَ} قد {رَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ} عطفٌ على تبَّرأَ {بِهِمِ} عنهم {الْأَسْبَابُ} الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من الأرحام والمودة. {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} رجعةً إلى الدنيا {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} أي: المتبوعين {كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} اليومَ، ولو: للتمنِّي، ونتبرأ جوابُه {كَذَلِكَ} كما أراهم شدةَ عذابِه وتبرأ بعضهم من بعض {يُرِيهِمِ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ} السيئةَ {حَسَرَاتٍ} حال، نداماتٍ {عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} بعد دخولها.
وقولُ المؤلِّف: (أصنامًا): فسَّرَ الأنداد بالأصنام، والأصنامُ من الأنداد، والأنداد؛ هم: النُّظَراء والأشباهُ فيَعمُّ كلَّ ما اتخذه المشركون إلهًا مع الله صنمًا أو غيره
(1)
.
وقولُه: (بالتعظيم والخضوع): هذا من تفسير الشيءِ بأثرِه فإن التعظيمَ والخضوعَ أثرُ المحبة. وقولُه: (كحبِّهم له): يُبيِّن أن المشركين يُحبُّون أندادَهم كحبِّهم لله فلَزِمَ من ذلك التسوية بين الله والأنداد في المحبَّة.
وقولُه: (مِنْ حبِّهم للأنداد
…
) إلى آخره: يُبيِّن بذلك أن حبَّ المؤمنين لله أشدُّ من حبِّ المشركين لأندادِهم، ثم يُوضِّح هذا التفاوت في شدَّة المحبة بين حبِّ المؤمنين لله وحبِّ المشركين لأندادِهم بأن المؤمنين يدعون ربَّهم في الشدَّة والرخاء، ولا يعدلون عنه لغيره، وأما المشركون فينسون أندادَهم في الشدَّة، ويُخلصون الدعاء لله.
وقوله: ({وَلَوْ تَرَى
…
}
…
) إلى آخره: مشى على قراءة نافعٍ وابنِ عامر «بالتاء» المنقوطة من فوق على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو كلِّ مَنْ يصلح
(1)
تقدم في (ص 65).
له؛ ولهذا قال: {وَلَوْ تَرَى} ؛ أي: تُبْصِرُ، وقرأ الجمهورُ بالياء المُثناة التحتية
(1)
على الخبرِ عن الظالمين، وجوابُ «لو» محذوفٌ كما هو الغالب؛ فالمعنى على قراءة الجمهور:{وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: يعلموا حين يرون العذاب أن جميعَ القوةِ لله فليس لغيره قوةٌ يدفع بها عن نفسِه أو غيره، ويعلموا أن اللهَ شديدُ العقاب، لرأوا أمرًا عظيمًا هائلًا وعلمُوا ضعفَهم وعَجْزَهم وعَجْزَ آلهتِهم؛ فالرؤيةُ في الفعل الأول؛ بمعنى: العلم، وفي الفعل الثاني؛ بمعنى: الإبصار؛ فالأولى: علميّة، والثانية: بصريّة، وعلى قراءة نافع وابن عامر: الرؤية بصريّة في الموضعين، كما فسَّرها المؤلِّف
(2)
.
وقولُه: (باتِّخاذِ الأنداد): تفسيرٌ للظلم بالشرك، وهو تفسيرٌ صحيحٌ يدلُّ له أول الآية:{وَمِنَ النَّاسِ} .
وقولُه: (بالبناء للفاعل والمفعول): يُشيرُ إلى أنَّ {يَرَوْنَ الْعَذَابَ} قُرِئَ بفتح ياءِ المضارع على البناء للفاعل، وبضمِّها على البناء للمفعول؛ {يَرون} و {يُرون}
(3)
.
وقولُه: (لرأيت أمرًا عظيمًا): هذا تقديرٌ لجواب «لو» على قراءة {وَلَوْ تَرَى} بالتاء على الخطاب.
وقولُه: (وإذ بمعنى: إذا): يُبيِّن بذلك أنَّ «إذ» التي هي ظرفٌ للزمن الماضي؛ بمعنى: إذا لما تعلَّقت بأمرٍ مستقبلٍ صارت بمعنى: «إذا» التي
(1)
قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي: {وَلَوْ يَرَى} بالياء، وقرأ نافع وابن عامر:{وَلَوْ تَرَى} بالتاء.
ينظر: السبعة (ص 173 - 174)، و «النشر» (2/ 224).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 19 - 23)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 238)، و «المحرر الوجيز» (1/ 402 - 403)، و «البحر المحيط» (2/ 88 - 89).
(3)
قرأ ابن عامر وحده: {إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} بضم الياء، وقرأ الباقون {يَرَوْنَ} بفتح الياء. ينظر:«السبعة» (ص 174)، و «النشر» (2/ 224).
للمستقبل، وصار وضعُ «إذ» مكانَ «إذا» من نوعِ الخبرِ بالماضي عن المستقبل كقوله:{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1]{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} [الكهف: 99].
وقولُه: (أي: لأنَّ): يريد أنَّ جملة {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ} تعليلٌ لجواب «لو» فالمعنى: لرأيت أمرًا عظيمًا لأنَّ القوة لله جميعًا، وذلك على قراءة:{وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، وهي التي مشى عليها المؤلِّفُ كما تقدَّم.
وقولُه: (القدرة والغلبة): هذا تفسيرُ القوة في قوله: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ} وهو تفسيرٌ صحيحٌ. وقولُه: (حال): يريد أنَّ {جَمِيعًا} في الآية حالٌ من الضمير المستتر في الجار والمجرور {لِلَّهِ} العائد على قوة.
وقولُه: (وفي قراءة
…
) إلى آخره: رجع كلامُه إلى قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} .
وقولُه: (بالتَّحتيَّة): يعني المنقوطة مِنْ تحت، فيكونُ الكلامُ خبرًا عن الذين ظلموا.
وقولُه: (والفاعل
…
) إلى آخره: يريد: فاعل {يَرَى} وذكر فيه قولين؛ قيل: ضميرُ السَّامع فتكون الرؤية بصريَّة، وقيل: الفاعلُ الاسم الموصول {الَّذِينَ ظَلَمُوا} وهو الصواب، وعلى هذا فالرؤية علميَّة
(1)
.
وجملة {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ} سدَّتْ مَسَدَّ مفعولَي {يَرَى} في قوله: {وَلَوْ يَرَى} كما ذكر المؤلِّف. وقولُه: (والمعنى .... ) إلى آخره: تعبيرٌ صحيحٌ مناسبٌ لِما تقدَّم من كلام المؤلِّف.
وقولُه: (أنكروا إضلالَهم): هذا تفسيرٌ لتبرّي الرؤساءُ المتبوعين مِنْ التابعين المستضعفين؛ أي قالوا: لم نُضِلَّهم بل هم الذين ضلُّوا.
(1)
ينظر: «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 135)، و «الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد» (1/ 425 - 426)، و «إعراب القرآن وبيانه» (1/ 130).
وقولُه: (قد): يُبيّنُ أنَّ جملةَ {وَرَأَوُا الْعَذَابَ} حال، وأنَّ التقدير؛ وقد رأوا.
وقولُه: (عنهم): يشيرُ إلى أنَّ الباءَ بمعنى: «عن» ؛ في قوله: {بِهِمِ} ، وهذا يقتضي أنَّ {تقطَّعَتْ} ضُمن معنى ذهبتْ أو زالتْ، وقيل: الباء للملابسة، وهذا يقتضي تشبيهَ الأتباعِ والمتبوعين بقومٍ متمسِّكين بحبال ليَنجوا فانقطعتْ بهم فهلكوا، ذكره ابنُ عاشور ورجَّحه
(1)
.
وقولُه: (الوُصَل
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ الأسبابَ التي تقطَّعتْ بهم في ذلك اليوم هي الأسبابُ التي كان يتواصلون بها في الدنيا من المُوادَّةِ والقرابةِ وغيرها من الصِّلات التي تكون بين الناس.
وقولُه: (ولو للتَّمنِّي): يعني أنها ليست شرطيَّةً فلا تحتاج إلى جواب.
وقولُه: (ونتبرأُ جوابه): في هذا نظر؛ فقوله: (فنتبرأ) من جملة المُتمنَّى لا جواب لِـ «لو» .
وقولُه: (كما أراهُم
…
) إلى آخره: يُبيِّن بما ذكر معنى: كذلك، وهو أَّن الكاف للتشبيه، وأنَّ اسمَ الإشارة يعودُ إلى أنَّ الله أراهُم النار؛ فالمعنى: كما أراهم الله النارَ يُريهم أعمالَهم، وتكون عليهم حسرات، والحسرةُ: شدَّةُ الندمِ والحزنِ، وأشدُّ ما تكون حسرتُهم إذا ذُبِحَ الموت، وقيل لهم:((يا أهل النار خلودٌ ولا موت))
(2)
، ولهذا قال تعالى:{وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} .
* * *
(1)
ينظر: «التحرير والتنوير» (2/ 98).
(2)
أخرجه البخاري (4730)، ومسلم (2849) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُون (169)} [البقرة: 168 - 169]:
هذا خطابٌ من الله لجميعِ الناس مُمتنًّا عليهم بما خلق لهم في الأرض من أنواعِ المآكلِ الطيبةِ من الحبوب والثمار والحيوان، وأَمرهم بالأكل مما خلقَهُ لهم وأباحَهُ لهم ونهاهم عن اتباعِ خطوات الشيطان، وهي: كلُّ ما يأمر به، وذلك إمَّا بمجاوزة الحلالِ إلى الحرامِ، وإمَّا بتحريم الحلال كما فعل المشركون؛ وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآية لقوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ} [البقرة: 165].
وقد أخبر -تعالى- عن المشركين أنهم جمعُوا إلى الشركِ تحريمَ ما لم يُحرِّمْه اللهُ، وفصَّلَ ذلك في آياتٍ من سورة الأنعام ثم قال تعالى:{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148] إلى قوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا} إلى قوله: {وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون (150)} [الأنعام: 150].
ثم حذَّرَ مِنْ اتباع خطوات الشيطانِ ببيانِ أنه عدوٌّ بيَّنُ العداوةِ للناس، وأنه لا يأمرُ إلَّا بالسوء والفحشاء والقولِ على الله بغير علمٍ، والسوءُ: كلُّ معصية، والفاحشةُ: كلُّ ما اشتدَّ قُبحُهُ
(1)
، والقولُ على الله بغير علمٍ هو مِنْ افتراء الكذبِ على الله، وهذا شاملٌ لكلِّ ما لا طريقَ إلى معرفتِه إلَّا الوحي من أسماء الله وصفاتِهِ وشرائع دينِهِ.
ونزل فيمَن حرَّم السوائبَ ونحوَها {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالًا} حالٌ {طَيِّبًا} صفةٌ مؤكدةٌ أو مُستلَذًّا {وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ} طُرُقَ
(1)
ينظر: «المفردات» (ص 626).
{الشَّيْطَانِ} أي: تزيينه {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} بيِّنُ العداوة {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ} الإثم {وَالْفَحْشَاءِ} القبيح شرعًا {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} من تحريم ما لم يحرمْ، وغيره.
وقولُ المؤلِّف: (ونزلَ
…
) إلى آخره: إشارةٌ إلى سببِ نزول هذه الآيات
(1)
.
وقولُه: (صفة مؤكدة أو مُستلَذًّا): فسَّرَ الطَّيّبَ بالحلالِ أو المُستلذِّ، والراجحُ هو الثاني
(2)
؛ لأنه يتضمَّنُ زيادةَ معنى.
وقولُه: (أي: تزيينه): هذا تفسيرٌ لخطوات الشيطان؛ فخطواتُ الشيطانِ: كلُّ ما يُزيِّنُه للإنسان من أنواع المعاصي.
وقولُه: (بيِّن العداوة): فسَّرَ المبين بالبيِّن فهو مِنْ «أبان» ؛ بمعنى: «بانَ» ؛ لا مِنْ «أبانَ الشيء» ؛ أي: «بيَّنه» ، وهذا التفسير هو المناسب للسِّياق.
وقولُه: (الإثم): فسَّرَ السوءَ بالإثم، وهذا يعمُّ الذنوب كلَّها.
وقولُه: (القبيح شرعًا): هذا تفسيرٌ للفحشاء ولا يتضحُ به الفرقُ بين السوء والفحشاء، فإنَّ كلَّ إثمٍ قبيحٌ شرعًا.
وقولُه: (من تحريم ما لم يحرم): يُبيِّنُ أنَّ تحريمَ ما لم يُحرِّمْهُ اللهُ كفعل المشركين هو مِنْ القول على الله بغير علمٍ.
* * *
(1)
قال الكلبي عن أبي صالح: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. ينظر:«أسباب النزول» (ص 48)، و «العجاب» (1/ 416).
(2)
وهو قول الشافعي. ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 37)، و «المحرر الوجيز» (1/ 406)، و «تفسير الرازي» (5/ 185)، و «تفسير القرطبي» (2/ 207)، و «البحر المحيط» (2/ 100).
يُخبرُ تعالى عن المشركين أنهم إذا دُعوا إلى اتِّباع ما أَنزل اللهُ على رسوله؛ قالوا: لا نتَّبعه، بل نتَّبعُ ما أَلفينا عليه آباءنا؛ أي: ما وجدنا، وهذا دأْبُ المشركين من الأُمم، يردُّون على الرُّسل ويحتجُّون باقتدائهم بآبائهم كما في قوله تعالى:{وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُون (23)} [الزخرف: 23].
قال الله تعالى رادًّا عليهم: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170)} ، المعنى: أَيتَّبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون؛ فالاستفهام للإنكار والتوبيخ، وفي هذه الآية التفات من الخطاب إلى الغيبة.
ثم ضرب سبحانه وتعالى لهؤلاء الكافرين في جهلهم وعدمِ عقلِهم مَثَلًا بالماشية التي لا تعقل مما تسمع إلا دعاءَ ونداءَ الراعي، ثم وصفهم تعالى بأنهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} ؛ لأنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس، فلهم آذانٌ لا يسمعون بها خيرًا، وأَعينٌ لا يُبصرون بها الآيات، وأَلسنٌ لا يتكلَّمون بها في حقٍّ، ولهذا قال تعالى:{فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)} ، فلا يتفكَّرون ولا يتذكَّرون؛ لأنهم بإِعراضِهم سدُّوا على أنفسهم أبوابَ الهداية.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أَي: الكفار {اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه} من التوحيد وتحليل الطيبات {قَالُوا} لا {بَلْ نَتَّبِع مَا أَلْفَيْنَا} وجدنا {عَلَيْهِ آبَاءَنَا} من عبادة الأصنام وتحريم السوائب والبحائر
(1)
؛ قال تعالى: {أَ} يتبعونهم
(1)
السوائب جمع السَّائِبَةُ: وهي البعير يُسَيَّب بِنَذْر يكون على الرجل إن سلّمه الله من مرض، أو بلغ منزله أن يفعل ذلك. والبحائر جمع البحيرة؛ وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن والخامس ذكر؛ نَحَرُوه فأكلَه الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بَحروا أذنها؛ أي: شَقُّوها، وكانت حرامًا على النساء لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلّت للنساء. ينظر:«غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 147)، و «غريب القرآن» للسجستاني (ص 119 - 120).
{ولو كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا} من أَمْرِ الدِّين {وَلَا يَهْتَدُون} إلى الحقِّ، والهمزة للإنكار. {وَمَثَلُ} صفةُ {الَّذِينَ كَفَرُوا} ومَن يدعوهم إلى الهدى {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} يُصوِّتُ {بِمَا لَا يَسْمَع إلَّا دُعَاء وَنِدَاء} أي: صوتًا ولا يُفهم معناه؛ أي: هم في سماع الموعظةِ وعدمِ تدبُّرها كالبهائم تسمعُ صوتَ راعيها ولا تفهمه، هم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} الموعظةَ.
وقولُ المؤلِّف: (من أَمْرِ الدِّين): يُبيِّنُ أنَّ قوله: {لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا} ليس عامًّا لأَمر الدنيا والدِّين؛ لأنَّ لهم عقولًا يعقلون بها أمورَ دُنياهم، لكن لا يعقلون شيئًا من أَمْرِ الدِّين؛ لأَنهم مُعرضون مُستكبرون.
* * *
هذا خطابٌ من الله للمؤمنين يأمرهم فيه ممتنًا عليهم ومبيحًا لهم الأكل من طيبات ما رزقَهم، ويأمرهم بشكره تعالى على ما أَولاهم من الرزق، ويُبيِّنُ تعالى أنَّ طاعتَه وشكرَه هو مُقتضَى عبادتهم له وحده لا شريك له، والشكرُ: هو الطاعةُ والتعظيم والثناء في مقابل النعمة
(1)
، ولهذا قال تعالى:{وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون (172)} .
ثم أخبر تعالى عبادَه بما حرَّمه من المطاعم الخبيثةِ، وهي: الميتةُ والدمُ والخنزيرُ وما ذُبِحَ لغير الله، وقد ذكر اللهُ تحريمَ هذه الأربعة في سورة المائدة والأنعام والنحل، وهذه أَخبثُ المطاعم التي كان أهلُ الجاهلية يأكلونها من العرب وغيرهم.
و {إِنَّمَا} : أداةُ حصرٍ؛ فالمعنى: ما حرَّم اللهُ إلَّا الميتةَ والدمَ إلى آخر الآية، وذلك قبل تحريم الخمر وكلِّ ذي نابٍ من السِّباع وكلِّ ذي مخلبٍ من الطير وتحريمِ الحُمُر الأهلية، ولهذا لم يرد الحصرُ في سورة المائدة.
والميتةُ: كلُّ ما مات حَتْفَ أَنفِه مما لا يحلُّ إلَّا بالذكاة، والمرادُ بالدم: الدم المسفوح كما في سورة الأنعام، وهو الذي يسيلُ بخلاف الدم الذي خلقه اللهُ جامدًا كالكبد والطحال، والخنزيرُ: هو الحيوانُ الخبيثُ المعروف الذي هو من أشهى أَطعمة النصارى.
(1)
ينظر مباحث نافعة عن تعريف الشكر، وأركانه، والفرق بينه وبين الحمد في:«مدارج السالكين» (2/ 586 - 610).
{وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ} : هو ما ذُبِحَ للتقرُّب به لغير الله؛ من صنمٍ أو قبرٍ أو مَلِكٍ أو جنِّيٍّ، والإهلالُ: رفعُ الصوتِ باسم مَنْ قصد التقرُّبَ له
(1)
.
ولَمَّا بيَّنَ تعالى هذه المحرمات رخَّصَ للمضطر بالأكل منها؛ فقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (173)} ، وحدُّ الضرورة أن يخافَ على نفسه الموتَ إن لم يأكل.
وقوله: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} : حالٌ مؤكدةٌ، والباغي: هو الطالبُ لِمَا حرَّم اللهُ عليه، المائلُ إليه بشهوته، والعادي: هو المتعدي المتجاوزُ في أكله، فلا يأكل إلَّا ما يدفع الضرورةَ فلا يشبع، لكن يتزوَّد احتياطًا خشيةَ أن يضطر ولا يجدَ شيئًا.
وقوله تعالى: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} : جوابُ الشرط في قوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ} ، وهو نصُّ الدليل على الرخصة.
وقوله: {إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (173)} : تعليلٌ للرخصة في الأكل من هذه المحرمات عند الاضطرار؛ فالمعنى: غَفر للمضطر ورحمه بإباحة الأكل؛ لأنه تعالى غفورٌ رحيمٌ.
{يأيها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ} حلالاتِ {مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} على ما أَحلَّ لكم {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} . {إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ} أَي: أَكلَها، إذ الكلامُ فيه وكذا ما بعدها، وهي ما لم يُذَكَّ شرعًا، وأُلحق بها بالسنَّة ما أبين من حي وخص منها السمك والجراد {وَالدَّمَ} أي: المسفوح كما في الأنعام {وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} خُصَّ اللحمُ؛ لأَنَّه مُعظَمُ المقصود، وغيرُه تَبَعٌ له {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه} أي: ذُبِحَ على اسم غيره، والإهلالُ: رفعُ الصوت، وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم {فَمَنْ اُضْطُرَّ}
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 843).
أي: ألجأته الضرورةُ إلى أكل شيءٍ ممَّا ذُكر فأَكله {غَيْرَ بَاغٍ} خارجٍ على المسلمين {وَلَا عَادٍ} مُتعدٍّ عليهم بقطع الطريق {فَلَا إثْم عَلَيْهِ} في أَكله {إنَّ اللَّه غَفُورٌ} لأوليائه {رَحِيمٌ} بأهل طاعته، حيثُ وسَّع لهم في ذلك، وخرج الباغي والعادي، ويُلحَقُ بهما كلُّ عاصٍ بسفره؛ كالآبقِ والمكَّاسِ، فلا يحلُّ لهم أَكلُ شيءٍ من ذلك ما لم يتوبوا، وعليه الشافعي.
وقولُ المؤلِّف: (حلالات): تفسيرٌ للطيِّبِ بالحلال، والصوابُ: أنَّ الطيبَ هو المستطابُ المستلذُّ
(1)
، فليس كلُّ حلالٍ طيب؛ المعنى: كلوا من طيبات ما أَحللنا لكم، كما يدلُّ عليه الامتنانُ في قوله:{مَا رَزَقْنَاكُمْ} .
وقولُه: (ما أُبين من حي): يُشيرُ إلى حديث: ((ما قُطِعَ من البهيمة وهي حيةٌ؛ فهو ميتٌ))
(2)
.
(1)
تقدم في (ص 346).
(2)
أخرجه أحمد (21903)، وأبو داود (2858)، والترمذي (1480) وغيرهم، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي قال:«قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال عليه السلام:» فذكره.
قال الترمذي: «حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن أسلم، والعمل على هذا عند أهل العلم» .
قال ابن القطان الفاسي: «وإنما لم يصححه الترمذي؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وهو يُضعَّف، وإن كان البخاري قد أخرج له» . «بيان الوهم والإيهام» (3/ 583).
قلنا: وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار أخرج له البخاري في المتابعات، وقد ضعفه غير واحد من قبل حفظه؛ قال السلمي عن الدارقطني:«خالف فيه البخاري الناس وليس بمتروك» ، وضعفه أبو حاتم وابن معين وابن عدي وغيرهم، ولخص حاله الحافظ في «التقريب» (3913) بقوله:«صدوق يخطئ» . ينظر: «ميزان الاعتدال» (2/ 572)، و «تهذيب التهذيب» (6/ 206). =
= وقد تابعه: عبد الله بن جعفر، والد علي بن المديني: عند الحاكم (7150)، وعبد الله بن جعفر ضعيف!
وقد اختلف فيه على زيد بن أسلم اختلافًا كثيرًا، وروي عنه موصولًا ومرسلًا. ينظر:«علل ابن أبي حاتم» (4/ 353 - 354)، و «علل الدارقطني» (6/ 297)، و «نصب الراية» (4/ 317)، و «التلخيص الحبير» (1/ 57 رقم 18)، و «البدر المنير» (1/ 460).
وقولُه: (وخص منها
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنه يُستثنى من عموم الميتة ميتةُ الجراد وميتةُ الحوت؛ لحديث: ((أُحِلَّت لنا ميتتان))
(1)
.
وقولُه: (خص اللحم
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الخنزيرَ محرَّمٌ كلّه لحمه وشحمه وغيرهما، وإنما نصَّ على اللحم؛ لأنَّه أهمُّ المقصود منه
(2)
.
وقولُه: (أي: ذُبح على اسم غيره): يُبيِّنُ أنَّ المراد بـ {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه} : ما ذُكِرَ عليه اسمُ غير الله عند الذبح، أو قُصد به التقربُ لغير الله.
وقولُه: (ألجأته الضرورة
…
) إلى آخره: كشدَّةِ الجوعِ -وهو المخمصة كما في سورة المائدة- أو التهديدِ بالقتلِ من ظالمٍ إن لم يأكل.
(1)
أخرجه أحمد (5723) وابن ماجه (3218)، والدارقطني (4732)، والبيهقي (19028، 19729)، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا.
وأخرجه البيهقي (1196) من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر موقوفًا.
قال الدارقطني: «والموقوف عن ابن عمر أصح» ، وكذا صحح الموقوف: أبو زرعة، وأبو حاتم.
ينظر: «علل الدارقطني» (3038)، و «التلخيص الحبير» (1/ 51 رقم 15)، و «الصحيحة» (1118).
(2)
ينظر: «تفسير الرازي» (5/ 192)، و «تفسير البيضاوي» (1/ 119)، و «البحر المحيط» (2/ 113).
وقولُه: (خارج على المسلمين
…
) إلى آخره: هذا التفسيرُ مشهورٌ عن مجاهد
(1)
، وليس بظاهر، فإنَّ الباغي والعادي ذُكِرَ في سورتين من السور المكية قبل البقرة والمائدة، ولم يكن هناك باغٍ ولا عادٍ من المسلمين، ولا إمام يُخرج عليه.
وقولُه: (وخرج الباغي والعادي
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ قولَه تعالى: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} لا يشملُ الباغي والعادي، ولا ما قِيس عليهما من أصحاب الذنوب؛ كالآبق: وهو المملوكُ الهاربُ من سيِّده، والمكَّاس: هو الذي يظلمُ الناسَ في أموالهم بفرض ضرائبَ تُؤخَذ من أصحاب الأموال.
وقولُ المؤلِّف: (وعليه الشافعي): يُبيِّنُ أنَّ الشافعيَّ لا يرى للمضطر العاصي في سفره الرخصةَ في الأكل، ولو أدَّى ذلك إلى موته
(2)
.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 59)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 283، رقم 1522، 1023).
(2)
ينظر: «الأم» (2/ 277)، و «المجموع» (4/ 345)، و (9/ 50).
هذا وعيدٌ من الله للذي يكتمون ما أَنزل اللهُ من الكتاب، ويستبدلون بالكتاب ثمنًا قليلًا؛ أي: يأخذون عِوضًا عن بيان الكتاب الذي أَنزله الله والعمل به من مالٍ أو رئاسةٍ أو جاهٍ، وكلُّ ذلك من مَتاع الدنيا، وهو قليلٌ؛ لأنه زائلٌ ولو كان كثيرًا.
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ} : هذه الجملةُ وما عُطف عليها خبرُ {إِنَّ} ؛ فتضمَّنَ هذا الوعيدُ أربعةَ أمور:
الأول: أنَّ ما يأكلونه بسبب المال والرئاسة والجاه هو نارٌ في بطونهم؛ لأنَّه سيكون نارًا يصلونها يوم القيامة.
الثاني: أنَّ الله لا يُكلِّمهم يومَ القيامة كلامًا يسرُّهم، لكنه يُكلِّمهم كلامَ توبيخ، كما قال تعالى:{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون (62)} [القصص: 62، 74]، وقوله لأهل النار:{قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُون (108)} [المؤمنون: 108]
(1)
.
الثالث: أنَّه تعالى لا يُزكِّيهم؛ أي: لا يُثني عليهم، بل يذمُّهم ويُخزيهم.
الرابع: أنَّ لهم عذابًا أليمًا، وهو عذابُ النار -نعوذ بالله منها-.
(1)
واختاره الطبري وغيره، وعزاه الثعلبي لأهل التفسير دون أهل المعاني، وقال شيخنا في «التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل» (ص 39): «فسَّر نفيَ الكلامِ بأحد وجهَيْن:
- بالغضَبِ اللازمِ مِنْ تركِ الكلامِ؛ وهو مِنْ التفسيرِ باللازم.
- أو بتركِ كلامٍ مخصوصٍ، وهو ما يُحِبُّونَهُ ويَسُرُّهم.
والثاني هو المناسِبُ؛ لظاهِرِ اللفظ، والله أعلم». ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 67)، و «تفسير الثعلبي» (4/ 319)، و «التفسير الوسيط» للواحدي (1/ 260)، و «البحر المحيط» (2/ 122).
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} : أي: استبدلوا الضلالة، وهو كتمانُ العلم وإيثارُ الدنيا على الآخرة؛ استبدلوا هذا بالهدى؛ وهو: بيانُ الكتاب، وتبليغُه للناس، وإيثارُ ما عند الله من الثواب للمؤمنين والعاملين بالكتاب، والآية نزلت في أهل الكتاب، والمراد بهم: اليهود
(1)
، وهذه الآية نظير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا
…
} الآية [البقرة: 159 - 160]
(2)
.
وقوله: {وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} : يعني: اشتروا العذابَ بالمغفرة؛ لأنهم اشتروا الضلالة -وهي سبب العذاب- بالهدى، وهو: سبب المغفرة.
وقوله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار (175)} : تعجُّبٌ من صبرهم على عذاب الله، وهو الذي لا يُعذِّبَ مثل عذابه أحدٌ، ولا يدل هذا على أنهم يصبرون، لكن إيثارهم العذاب يُشعِر بأنَّ لهم صبرًا عليه مع أنهم صبروا أو لم يصبروا سواء عليهم
(3)
.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} : اسمُ الإشارة راجعٌ لِمَا تقدَّم من الذم والوعيد للكاتمين ما أَنزل اللهُ المحرِّفين لكلام الله، يقول تعالى: ذلك بسبب أنَّ اللهَ نزَّل الكتابَ بالحقِّ؛ فكتموه وحرَّفوه ولم يتَّبعوه، والكتاب هو: القرآنُ أو التوراة أو كلَّ كتاب أنزله الله، والحق الذي في الكتاب: ما فيه من
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 48 - 49)، و «العجاب» (1/ 419).
(2)
ينظر: (ص 330).
(3)
والقول بأن (ما) للتعجب هو قول مجاهد والحسن وقتادة، وهو اختيار الطبري وجمهور المفسرين. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 70)، و «الكشاف» (1/ 368)، و «المحرر الوجيز» (1/ 417)، و «البحر المحيط» (2/ 124).
الأخبار والشرائع، ومنها الخبرُ بصفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والأمر بالإيمان به واتباعه، فكتَمَه هؤلاء وآمنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ مع أنه كله حق؛ ولهذا قال تعالى:{وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد (176)} ؛ أي: مشاقة لله ورسوله، وهي العداوةُ والمحاربة، وفي هذه الآيات عودٌ إلى ذكر مساوئ أهل الكتاب الذين لا يُحرِّمون ما حرَّمَ اللهُ ورسولُه، ومن ذلك الخنزير، وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآيات للآيتين قبلها.
{إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْكِتَابِ} المشتملِ على نعتِ محمَّدٍ، وهم اليهود {وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} من الدنيا يأخذونه بدله من سَفَلتهم فلا يُظهرونه خوفَ فوتِه عليهم {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونهمْ إلَّا النَّار} لأنها مآله {وَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة} غضبًا عليهم {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} يُطهرهم من دَنَس الذنوب {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلمٌ، هو النار. {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} أخذوها بدله في الدنيا {وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} المُعدّةِ لهم في الآخرة لو لم يكتموا {فَمَا أَصْبَرهمْ عَلَى النَّار} أي: ما أشدَّ صبرَهم، وهو تعجيبٌ للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة، وإلَّا فأيُّ صبرٍ لهم؟ {ذَلِكَ} الذي ذُكِر من أكلهم النار وما بعده {بِأَنَّ} بسبب أنَّ {اللَّه نَزَّلَ الْكِتَاب بِالْحَقِّ} مُتعلق بـ «نزل» فاختلفوا فيه حيث آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه بكتمِه {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَاب} بذلك، وهم اليهود، وقيل: المشركون، في القرآن حيث قال بعضُهم: شِعرٌ، وبعضُهم: سِحرٌ، وبعضُهم: كهانةٌ {لَفِي شِقَاقٍ} خِلافٍ {بَعِيد} عن الحقِّ.
وقولُ المؤلفِ: (وهم اليهود): يُشيرُ إلى أنَّ الآية نزلت في اليهود، ولكنْ العبرةُ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فما في الآية من ذمٍّ ووعيدٍ يَعمُّ كلَّ مَنْ كتم شيئًا مما أنزله الله من أهل الكتاب أو من هذه الأمة.
وقولُه: (وهم اليهود
…
) إلى آخره: الصوابُ أنَّ الآيةَ عامَّةٌ في اليهود والنصارى والمشركين، يشهدُ لذلك قولُه تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ
…
} إلى آخر الآية [البقرة: 113]، وكلُّ هؤلاء المختلفين مُبطلون، ولهذا قال تعالى:{وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} .
وقولُه: (خلافٍ): فسَّرَ الشِّقاقَ بالخلاف، وهذا ضعيفٌ، فليس كلُّ خِلافٍ شِقاق؛ فإنَّ الشِّقاقَ: خِلافٌ مُتضمِّنٌ للعداوةِ والمنابذةِ والتباعدِ بين المختلفين
(1)
.
* * *
(1)
ينظر: «الوجوه والنظائر» للعسكري (ص 267).
هذه الآيةُ متصلةٌ في المعنى بالآيات المتقدمة في شأن القبلة؛ كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، وقوله ردًّا على الطاعنين في تحويل القبلة من اليهود وغيرهم:{قُلْ لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (142)} [البقرة: 142]، وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآية للآيات التي قبلها من قوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ} [البقرة: 174]، وقد سَبقَ أنها نزلت في اليهود وأشباههم، وقد رجَّح ابنُ جرير ما رواه عن قتادة؛ أنَّ هذه الآيةَ نزلت في اليهود والنصارى؛ لأنَّ النصارى يستقبلون المشرق، واليهود يستقبلون المغرب
(1)
، وكلٌّ يرى أنَّ البرَّ في قبلته، فأَكذبهم اللهُ بقوله:{لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} ، وقد أَيَّدَ ابنُ جرير اختياره ذلك بأنَّ سِياقَ هذه الآية متصلٌ بالآيات قبلها النازلة في أهل الكتاب.
وقد بيَّنَ سبحانه وتعالى في هذه الآية حقيقةَ البر، وهو كلُّ ما يُحبُّه الله من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة، ونفى سبحانه أن يكون من البرِّ مجرَّد تولية الوجه جِهةَ المشرق أو المغرب، وإنما يكون ذلك من البر إذا أَمرَ اللهُ به؛ فقال تعالى:{لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} ، والبر: خبر «ليس» مقدم منصوب، واسمها: المصدر المؤول من أن، والفعل {أَنْ تُوَلُّوا} ، التقدير: ليس البر توليتكم وجوهكم، ولبيانِ حقيقةِ البر قال سبحانه:
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 75 - 76)، وأثر قتادة أخرجه أيضًا عبد الرزاق في تفسيره (رقم 160).
{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
…
} إلى آخر الآية، فتضمَّنت الآيةُ أنَّ من البر الإيمانُ بالأصول الخمسة؛ وهي: الإيمانُ بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب -أي: الكتب- والنبيين، وهذه أُصولُ الاعتقاد.
ثم ذكر ما يَدخل في البرِّ من العبادات المالية والبدنية من فرضٍ وتطوع؛ فقال تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} ، ومن البرِّ الوفاءُ بالعهود والصبرُ على المصائب وفي الجهاد، وهذا ما تضمَّنه قوله تعالى:{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ} ، ثم خُتمت الآيةُ بنَعْتِ مَنْ تقدَّمَ ذِكرُهم في الصدق والتقوى؛ فقال تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون (177)} .
وقوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ} : على حذف مُضافٍ تقديرُه: ولكنَّ البرَّ إيمانُ وعملُ مَنْ آمنَ بالله
…
إلى آخره
(1)
، ومع ما تقدَّمَ فقد تضمَّنت الآيةُ بيانَ مواضعِ الإنفاقِ المستحبِّ في قوله تعالى:{ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} ، مع النصِّ على أَوجب الواجبات العملية؛ وهي: الصلاة، والمالية؛ وهي: الزكاة، وذو القربى: هم القرابة من جهة الأبوين، فيدخل فيهم الأخوةُ والأخواتُ وأولادُهم، والأعمامُ والعمَّاتُ وأولادهم، والأخوالُ والخالاتُ وأولادهم، والأجدادُ والجدَّاتُ، ويدخل في ذوي القُربى الذريةُ من بنينَ وبنات. وأمَّا اليتامى: فواحدُهم يتيم؛ وهو مَنْ مات أبوه قبل أن يَبلُغَ، والغالبُ أن يكون فقيرًا. والمساكينُ: جمعُ مسكين، وهو مَنْ لا يملكُ كِفايتَه من مَطعمٍ ومَشربٍ ومَلبسٍ ومَسكنٍ.
وابنُ السبيل: هو المنقطعُ به في سفره.
(1)
وهو اختيار الفراء والزجاج وقطرب، وتخريجُ سيبويه واختياره. ينظر:«معاني القرآن» للفراء (1/ 62)، (1/ 104)، و «تفسير الطبري» (3/ 77)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 246 - 247)، و «الكشاف» (1/ 362)، و «المحرر الوجيز» (1/ 420)، و «الدر المصون» (2/ 245).
وقوله: {وَالسَّائِلِينَ} : جمعُ سائلٍ؛ وهو الذي يسألُ الناسَ لأنه لا يجد كِفايته. {وَفِي الرِّقَابِ} : أي: الإنفاقُ في الرقاب بالعِتقِ وفكِّ الأسير المسلم.
وقوله: {وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} : عُطفا على {وَآتَى الْمَالَ} ، وكأنهما شرطٌ في قَبول إيتاء المال على حبه، والصلاةُ هي: الصلواتُ الخمسُ المكتوبة على العباد في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وإقامتُها: أداؤها بشروطها وواجباتِها وأركانها وأوقاتها. والزكاةُ هي: زكاةُ المالِ المفروضة التي هي قرينةُ الصلاة في الكتاب والسنَّة.
وقوله: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} : عطفٌ على محل {مَنْ} وهو الرفع الواقعة خبر «لكنَّ» ، وهو ثناءٌ من الله على مَنْ آمن بالله واليوم الآخر بأنهم يوفون بالعهود التي بينهم وبين الله؛ كالنذر، أو بينهم وبين العباد؛ ومنها عقود المعاملات. وقوله:{وَالصَّابِرِينَ} : نُصِب على الاختصاص.
{فِي الْبَأْسَاء} : يعني الفقر. {والضَّرَّاء} : المرضُ. والبأس: القتالُ
(1)
.
ثم أثنى عليهم بكمال الصدق والتقوى؛ فقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون (177)} ، وعُلِم من ذلك أنَّ جميعَ خِصال البرِّ داخلةٌ في اسم التقوى، وهي عنوانُ الصدق في الإيمان؛ فعُلم مما تقدَّم أنَّ اسمَ البر شاملٌ لجميع مسائلِ الدِّين الاعتقاديةِ والعمليةِ المتعلقة بحقوق الله وحقوق عباده
(2)
، وعُلِمَ أيضًا أنَّ هذه الآيةَ أَجمعُ آيةٍ لأصول الدِّين وفروعِه إجمالًا في المنهيَّات وتفصيلًا في المأمورات.
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 70).
(2)
ينظر: «الإيمان الكبير» لشيخ الإسلام (ص 133 - 143)، و «الجواب الصحيح» (3/ 117 - 118).
{لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} في الصلاة {قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} نزل ردًّا على اليهود والنصارى حيث زعموا ذلك {وَلَكِنَّ الْبِرَّ} أَي: ذا البر، وقُرئَ البار {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ} أي الكتب {وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى} مع {حُبِّهِ} له {ذَوِي الْقُرْبَى} القرابة {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} المسافر {وَالسَّائِلِينَ} الطالبين {وَفِي} فكِّ {الرِّقَابِ} المكاتبين والأَسرى {وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} المفروضةَ وما قبله في التطوع {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} اللهَ أو الناسَ {وَالصَّابِرِينَ} نصب على المدح {فِي الْبَأْسَاءِ} شدَّة الفقر {وَالضَّرَّاءِ} المرض {وَحِينَ الْبَأْسِ} وقت شدَّة القتال في سبيل الله {أُولَئِكَ} الموصوفون بما ذكر {الَّذِينَ صَدَقُوا} في إيمانهم أو ادعاء البر {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} الله.
وقولُ المؤلِّف: (وقُرئ البار): هذه قراءةٌ غيرُ معروفة
(1)
.
وقولُه: (أي: الكتب): يُبيِّنُ أنَّ الكتاب اسمُ جنسٍ، فيشمل كلَّ كُتب الله.
وقولُه: (مع حبه): أي: يُنفقون المال، وهم: يحبونه، وبهذا ينال البر؛ كما قال تعالى:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].
(1)
لم نجد هذه القراءة لا في المتواتر ولا في الشواذ، وأول من ذكرها -فيما نحسب- الزمخشري؛ فقال:«وقرئ: ولكن البارّ» ، «الكشاف» (1/ 363)، ثم تتابع المفسرون؛ فأوردها البيضاوي (1/ 121)، والنسفي (1/ 153)، والسمين الحلبي في «الدر المصون» (2/ 247). ومما يؤيد أن هذه القراءة غير موجودة ما قاله المبرد:«لو كنت ممن أقرأ القرآن لقرأت: ولكن البر من آمن بالله، بفتح الباء» ، نقله عنه الثعلبي في تفسيره (4/ 330)، والزمخشري (1/ 363)، والرازي (5/ 214)، فلو كانت تلك القراءة موجودة لما قال المبرد هذا الكلام، والله أعلم.
وقولُه: (له): الضميرُ يعودُ إلى المال لأنه المحبوب، والضمير في قوله:{حُبِّهِ} يعود إلى المؤتي للمال؛ أي: المنفق، وعليه فالمصدرُ مضافٌ إلى فاعله، وهو المحب.
وقولُه: (الطالبين): أي: الطالبين للعطاء.
وقولُه: (فك): أي: يُنفقون المالَ في فك الرقاب؛ أي: العتق.
وقولُه: (المكاتبين والأسرى): يُبيِّنُ أنه يدخل في فكِّ الرقابِ مُكاتبةُ المملوك وتخليصُ الأسير المسلم عند الكفار.
وقولُه: (الله أو الناس): يُبيِّنُ أنَّ العهد الذي يوفي به المؤمنون بالله واليوم الآخر شاملٌ للعهد الذي بينهم وبين الله، أو بينهم وبين الناس.
وقولُه: (نُصِب على المدح): إذا قُطِعَ الوصفُ عمَّا قبله فإنه يُنصَب؛ فيقال: منصوبٌ على المدح، أو منصوبٌ على الاختصاص؛ أي: إنه منصوبٌ بفعل محذوف: أمدح، أو أخص.
وقولُه: (في إيمانهم
…
) إلى آخره: الصوابُ: أنهم صدقوا في إيمانهم وفي أعمالهم، وهذا يتضمَّنُ كمالَ إخلاصهم واجتهادهم.
* * *
هذا خطابٌ من الله لعباده المؤمنين؛ لإعلامهم بحُكمٍ كتبه اللهُ عليهم وهو القصاص في القتلى، ومعنى الآية عند جمهور العلماء من المفسرين وغيرهم: هو وجوبُ القصاص على القاتل عمدًا عدوانًا
(1)
، وأنَّ ذلك حقٌّ لأولياء المقتول، فمَن شاء أَخذ به ومَن شاء عفا عن القصاص إلى الدِّية أو مجانًا؛ فقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} : خطابٌ لكلِّ مَنْ وجبَ عليه القصاصُ، ولولاة الأمر في تنفيذه.
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ} : أَي كتب اللهُ عليكم؛ أي: أَوجب، و {الْقِصَاصُ} في اللغة: مأخوذٌ من قَصِّ الأَثرِ، وهو تتبُّعه
(2)
، وفي الشرع: قتلُ القاتل، وأَن يُفعَل به نظير ما فعله بالمقتول.
وقوله: {فِي الْقَتْلَى} : جمعُ قتيلٍ، والمعنى: في شأن القتلى، وهذا الحكمُ مجمَلٌ فصَّله بقوله:{الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى} ، ومعنى الآية: أَنَّ الحرَّ القاتل يُقتَلُ بالحر، ومفهومه: أنه لا يُقتَل بالعبد، وأَنَّ العبدَ القاتلَ يُقتَلُ بالعبد، ومن باب أولى أَنْ يُقتَلَ بالحرِّ، وأَنَّ المرأة القاتلة تُقتَلُ بالمرأة، ومن
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 94)(3/ 95)، وابن أبي حاتم (1/ 293)، و «أسباب النزول» (ص 49)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 423).
(2)
ينظر: «لسان العرب» (7/ 76).
باب أولى أَنْ تُقتَلَ بالرجل، وقد دلَّت السنَّةُ على أَنَّ الرجلَ يُقتَل بالمرأة
(1)
، كما دلَّت السنَّةُ على أَنَّ المسلمَ لا يُقتَلُ بالكافر
(2)
.
ثم بيَّنَ سبحانه حُكمَ ما إذا عُفي للقاتل شيءٌ من دم أخيه المقتول، بأَنْ عفا أولياءُ الدم أو بعضُهم عن القصاص إلى الدِّية، ووجبت الدِّيةُ في مال القاتل؛ فعلى العافي اتباعُ القاتل في طلب الدِّية بالمعروف؛ أي: بلا تعنُّتٍ ولا إشقاقٍ، وعلى القاتل أَداءُ الدِّيةِ إلى العافي بإحسانٍ؛ بلا مَطلٍ ولا بَخسٍ من الواجب عليه.
و «من» في قوله: {فَمَنْ عُفِيَ} : اسمُ شرطٍ أو اسمُ موصول مُضمَّنٌ معنى الشرط، وهو عبارةٌ عن القاتل.
وقوله: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} : جوابُ الشرط، وهو مبتدأ، وخبرُه محذوفٌ تقديره:(فعليه)؛ أي: العافي وهو ولي الدم.
و {عُفِيَ} : فعلٌ مَبنيٌّ للمفعول، ونائبُ الفاعل {شَيْءٌ} ، والضميرُ في قوله:{لَهُ} ، وفي قوله:{أَخِيهِ} يعود إلى «مَنْ» ، وهو القاتل، والجار والمجرور في قوله:{بِالْمَعْرُوفِ} : صفةٌ لاتِّباع. وجملة: {وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} : معطوفةٌ على: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} .
{وَأَدَاءٌ} : مبتدأ، وخبره محذوفٌ تقديره: وعلى القاتل أداءُ ما وجب عليه بإحسان. والضمير في قوله: {إِلَيْهِ} : عائدٌ إلى ولي الدم؛ وبعد: فتقديرُ الكلام في معنى الجملة: القاتلُ الذي عفا له وليُّ الدم شيئًا من دم أخيه المقتول،
(1)
لما أخرجه البخاري (6885)، ومسلم (1672) عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم «قتل يهوديًا بجارية قتلها على أوضاح لها» ، ولما رواه النسائي (4853) والبيهقي (16/ 174، رقم 16004) وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم: «أن الرجل يقتل بالمرأة» .
(2)
لما أخرجه البخاري (6915) من حديث علي: «وأن لا يقتل مسلم بكافر» .
ووجبت عليه الدِّيةُ؛ فعلى العافي إذن طلبُ الدِّية بالمعروف، وعلى القاتل أداؤها إلى الولي بإحسان.
وقوله: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} : اسمُ الإشارة راجعٌ إلى حكم التخيير بين القصاص والعفو إلى الدية، فإنه تخفيفٌ من الله في هذه الشريعة بعد أَنْ كان القصاص حتمًا في شريعة التوراة
(1)
، وهذا من رحمة اللهِ التي قامت عليها رسالةُ محمد صلى الله عليه وسلم؛ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين (107)} [الأنبياء: 107]، وفي ذكر هذا التخفيف والرحمة امتنانٌ من الله على هذه الأُمَّةِ بهذه النعمة.
وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم (178)} : تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ لمَن اعتدى بعد العفو وأَخذَ الدِّيةَ، و «مَنْ»: اسمُ شرطٍ أو اسمُ موصولٍ مُتضمِّنٌ لمعنى الشرط.
وقوله: {فَلَهُ} : جوابُ الشرط، وهو وعيدٌ شديدٌ للمعتدي بعد العفو وأَخْذِ الدِّية، والمراد بالعذاب؛ قيل: تحتمُ القتل على المعتدي، وقيل: المرادُ به عذابُ الآخرة، وهو أظهرُ
(2)
.
وقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (179)} : خبرٌ من الله عن حكمة فرضِ القصاص، وهو أنَّ للناس في القصاص حياة بسبب سلامتِهم من فُشُوِّ القتل فيهم؛ لأنَّ في القصاص رادعًا يمنع من الإقدام
(1)
أخرج البخاري (4498) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية» . فقال الله تعالى لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ، وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى، فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} .
(2)
القول الأول الذي ذكره شيخنا روي عن قتادة، والقول الثاني هو المشهور، وهو قول مالك ونسبه ابن عاشور لجمهور المفسرين، واختاره الزمخشري والرازي، واستظهره أبو حيان. ينظر:«الكشاف» (1/ 372)، و «المحرر الوجيز» (1/ 427)، و «تفسير الرازي» (5/ 228)، و «البحر المحيط» (2/ 153)، و «التحرير والتنوير» (2/ 144).
على القتل، وخصَّ الخطاب بأولي الألباب -وهي العقول الزكية-؛ لأنهم يُدركون ما في الشرائع من الحكم التي يعود نفعُها إلى الناس.
وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (179)} : أي: لتتقوا اللهَ بفعل ما فرض عليكم.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ} فُرِضَ {عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} المماثلةُ {فِي الْقَتْلَى} وصفًا وفعلًا {الْحُرُّ} يُقتَلُ {بِالْحُرِّ} ولا يُقتَلُ بالعبد {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى} وبيَّنت السنَّةُ أَنَّ الذَّكرَ يُقتَلُ بها، وأنه تُعتبَرُ المماثلةُ في الدِّين؛ فلا يُقتَلُ مسلمٌ ولو عبدًا بكافرٍ ولو حرًّا {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ} من القاتلين {مِنْ} دمِ {أَخِيهِ} المقتول {شَيْءٌ} بأَنْ تركَ القصاص منه، وتنكيرُ «شيء» يُفيدُ سقوطَ القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة، وفي ذكر «أخيه» تعطُّفٌ داعٍ إلى العفو وإيذانٌ بأنَّ القتلَ لا يقطع أُخوَّةَ الإيمان. ومَن: مبتدأ، شرطية أو موصولة، والخبر:{فَاتِّبَاعٌ} أي: فعلى العافي اتباع للقاتل {بِالْمَعْرُوفِ} بأَنْ يُطالبه بالدِّية بلا عُنفٍ. وترتيب «الاتّباع» على «العفو» يُفيدُ أَنَّ الواجبَ أحدُهما، وهو أحدُ قولي الشافعي، والثاني: الواجبُ القصاص والدِّيةُ بدلٌ عنه، فلو عفا ولم يُسمِّها فلا شيء، ورُجِّح {وَ} على القاتل {أَدَاءٌ} للدِّية {إِلَيْهِ} أي: العافي؛ وهو الوارث {بِإِحْسَانٍ} بلا مطلٍ ولا بخسٍ {ذَلِكَ} الحكمُ المذكورُ من جواز القصاص والعفو عنه على الدِّية {تَخْفِيفٌ} تسهيلٌ {مِنْ رَبِّكُمْ} عليكم {وَرَحْمَةٌ} بكم، حيث وسَّعَ في ذلك ولم يُحتِّمْ واحدًا منهما كما حتَّمَ على اليهود القصاص وعلى النصارى الدِّية {فَمَنِ اعْتَدَى} ظلمَ القاتل بأَنْ قتله {بَعْدَ ذَلِكَ} أي: العفو {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلمٌ في الآخرة بالنار، أو في الدنيا بالقتل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} أي بقاءٌ عظيمٌ {يَا أُولِي
الألْبَابِ} ذوي العقول؛ لأَنَّ القاتلَ إذا عَلِمَ أنه يُقتَلُ ارتدعَ؛ فأحيا نفسَه ومَن أراد قَتْلَه، فشَرَعَ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} القتلَ مخافةَ القَوَدِ.
وقولُ المؤلِّف: (المماثلة): يُريد المماثلةَ في صفة قتلِ القاتل؛ بأنْ تكون مثل ما فعلَه القاتلُ بالمقتول.
وقولُه: (وصفًا وفعلًا): يريد أَنَّ القصاص -وهو المماثلة- يُراعَى في الوصف؛ كالحرية والعبودية والذكورية والأنوثة، وفي الفعل؛ وهي صفة القتل، ونوع الآلة.
وقولُه: (يُقتَلُ): تقديرٌ لمتعلقٍ بالحرِّ، ومثله العبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى.
وقولُه: (ولا يُقتَلُ بالعبد): يُشير إلى مفهوم القيد بقوله: {بِالْحُرِّ} .
وقولُه: (من القاتلين): بيانٌ للمراد بـ {مَنْ} .
وقولُه: (دمِ): يُبيِّنُ أَنَّ {مِنْ أَخِيهِ} على تقدير مضاف؛ أي: شيءٌ من دم أخيه.
وقولُه: (المقتول): يُبيِّنُ أَنَّ المراد بالأخ المضافِ إلى الضمير هو المقتولُ، والضميرُ يعود للقاتل، فأثبت أُخوَّةَ الدِّين بين القاتل والمقتول.
وقولُه: (بأن ترك القصاص منه): أَي بالعفو.
وقولُه: (يفيد
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ القصاصَ يسقطُ ولو بالعفو عن شيءٍ من دم المقتول؛ كعفوِ بعضِ الورثة.
وقولُه: (وفي ذكر أخيه
…
) إلى آخره: يُشير إلى أَنَّ إثباتَ الأخوة بين القاتل والمقتول باعثٌ للأَولياء إلى العفو ودالٌّ على بقاء أُخُوَّة الإيمان.
وقولُه: (فعلى العافي
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ {اتِّبَاعٌ} مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ فالمعنى: الواجبُ على العافي أَنْ يُطالِبَ القاتلَ بالدِّية برفقٍ وتسامحٍ.
وقولُه: (وترتيب الاتّباع على العفو
…
) إلى آخره: تضمَّنَ كلامُه أمورًا:
أحدها: أَنَّ ترتيبَ الاتّباع -وهو مُطالبة القاتلِ بالدِّية على العفو- يُفيدُ أَنَّ الواجبَ القصاص أو الدية، وأَنَّ وليَّ الدمِ مُخيَّرٌ بين القصاص أو العفو إلى الدية.
الثاني: أَنَّ للإمام الشافعي في هذا المقام قولين، هذا أحدهما، والقول الثاني: أَنَّ الواجبَ هو القصاصُ، والدِّيةُ بدلٌ عنه، وهو الراجحُ في مذهب الشافعي
(1)
.
الأَمرُ الثالثُ: بيَّنَ المؤلفُ ما يترتَّبُ على القول الثاني؛ وهو أَنَّ الوليَّ إذا عفا ولم يذكر الدِّيةَ سقطَ القصاص، ولم تجب له الدِّيةُ، والراجح في الدليلُ هو القولُ الأوَّلُ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:((مَنْ قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إمَّا أَنْ يفدى، وإمَّا أن يقتل))
(2)
.
وقولُه: (على القاتل): يُبيِّنُ أَنَّ أداءَ مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ؛ أي: وعلى القاتل أداءُ الدِّية بإحسانٍ، والضميرُ في قوله:{إِلَيْهِ} يعود إلى الولي الذي عفا.
وقولُه: (للدية): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بالأداء أداءُ القاتل للدية لولي الدم العافي.
وقولُه: (بلا مطلٍ ولا بخسٍ): يُبيِّنُ بذلك المرادَ بالإحسان في أداء الدية.
وقولُه: (الحكم المذكور
…
) إلى آخره: هو الحكمُ المذكورُ في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ
…
}، إلى قوله:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ، فأفادت الآيةُ التخييرَ بين القصاص والعفو إلى الدية.
وقولُه: (حيث وسَّع في ذلك
…
) إلى آخره: بيَّنَ بذلك وجهَ التخفيف في هذه الشريعة.
وقولُه: (ظلم القاتل بأن قتله): بيَّنَ أَنَّ المرادَ بالاعتداء في الآية؛ هو أَنْ يقتلَ وليُّ الدمِ القاتلَ بعد عفوه عنه، فإنه بعد العفو صار معصومًا.
(1)
ينظر: «نهاية المطلب» (16/ 137)، و «تكملة المطيعي على المجموع» (18/ 472).
(2)
أخرجه البخاري (6880)، ومسلم (1355) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقولُه: (مؤلمٌ في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل): جعل المرادَ بالعذاب شاملًا لعذاب الآخرة وللعذاب في الدنيا بالقتل، والأظهرُ أَنَّ المرادَ به عذابُ الآخرة.
وقولُه: (بقاءٌ عظيمٌ): البقاءُ بسبب الانكفاف عن العدوان بقتل النفوس بسبب القصاص. وقال المؤلِّف: (عظيم)؛ لتنكير حياة، ومن دلالات التنكيرِ التعظيمُ.
وقولُه: (لأَنَّ القاتلَ
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ في شريعة القصاص حياة لمن يُريدُ القتلَ ومَن يُرادَ قتلُه.
وقولُه: (القتل): هذا تقديرٌ لمفعول {تَتَّقُونَ} ، ومعناه: الكف عن القتل مخافةَ القتل، والأولى أَنَّ معنى {تَتَّقُونَ}: أي تتقون الله
(1)
، ومَن اتقى اللهَ كفَّ عن حُرماته.
* * *
(1)
واختاره: الزمخشري والرازي وابن كثير وابن عاشور. ينظر: «الكشاف» (1/ 376)، و «تفسير الرازي» (5/ 230)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 492)، و «التحرير والتنوير» (2/ 145).
هذا خبرٌ من الله بأنه كتب؛ أي: فرض على مَنْ حضرَه الموتُ؛ كالذي وجبَ عليه القصاصُ، وبهذا تظهرُ مناسبةُ الآيةِ لِمَا قبلها.
وقوله: {كُتِبَ} : على تقدير واو العطف؛ أي: وكُتب.
{إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} : أي: مالًا، أن يوصي لوالديه وأَقربائه بالمعروف؛ أي: بالقَدْر المعروف الذي لا إفراطَ فيه ولا تفريط.
{حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين (180)} : أي: واجبًا على المتقين الذين يرجون لقاءَ الله ويخافونه، فحقًا: مصدرٌ مؤكَّدٌ لمضمون الجملة السابقة؛ فالمعنى: أَحقَّ اللهُ ذلك الحكم حقًا.
وقد دلَّت الآيةُ على وجوب الوصية للوالدين والأقربين، وذهب جمهورُ العلماء إلى أنها منسوخة بآية المواريث مع قوله صلى الله عليه وسلم:((إنَّ اللَّهَ قد أَعطى كلَّ ذي حقٍّ حَقَّه، فلا وصيَّةَ لوارثٍ))
(1)
، وذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أَنَّ الآيةَ محكمةٌ؛ أي: ليست منسوخةً، قالوا: إنَّ آيات المواريث والحديث مخصِّصةٌ لهذه الآية؛ فتجبُ الوصيةُ للوالدين والأقربين غير الوارثين، ومن
(1)
أخرجه أبو داود (2870)، والترمذي (2120)، وابن ماجه (2713) من طريق إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، قال: سمعت أبا أمامة: فذكره. قال الترمذي: «هذا حديث حسن» . ورجاله ثقات؛ على لينٍ في شرحبيل -وهو الخولاني الشامي-، فهو صدوق فيه لين كما في «التقريب» (2771)، وله شواهد تربو على العشرة. ينظر:«التلخيص الحبير» (4/ 2065 رقم 1770)، و «الإرواء» (رقم 1655).
وقوله: ((لا وصية لوارث))، متواتر كما جنح إليه الشافعي وغيره. ينظر:«الأم» للشافعي (4/ 114)، والرسالة (ص 139)، ونظم المتناثر (189).
المقرر في الأصول: أنه إذا أَمكن الجمعُ فلا يُصار إلى النسخ، وهذا أقرب، والله أعلم
(1)
.
وقوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} : أي: بدَّل كلامَ الموصي بالزيادة أو النقص أو التحريف، {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} من الموصي؛ فإثم ذلك التبديل على المُبدِّل.
وقوله: {إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (181)} : إخبارٌ من الله بإحاطة سمعِه بأقوال العباد، وإحاطةِ علمِه بأحوالهم ونياتهم، وفي ذلك تهديدٌ لمن يُبدِّلُ كلامَ الموصي، ومَن يُضارُّ في وصيته ويتعدَّى؛ بإعلامه أنَّ اللهَ سامعٌ لأقواله وعالمٌ بحاله فيجبُ الحذرُ من نقمته.
وقوله: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُّوصٍ جَنَفًا
…
} الآية: هذا خبرٌ من الله بأنَّ مَنْ حضر عند الموصي، وخاف أَنْ يميلَ في وصيته عن الحق؛ كأن يوصي لوارثٍ، أو يوصي بأكثر من الثلث، أو خاف أن يرتكب الموصي إثمًا؛ أي: معصية؛ كأَنْ يوصي لمَن يستعين بالوصية على معصية، فمَن عَلم من الموصي شيئًا من ذلك فصرفه عنه وأَصلح بينه وبين ورثته؛ فلا إثم عليه.
وقوله: {إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (182)} : وعدٌ من الله بالمغفرة لمن تاب أو كانت معصيتُه خطأً، كما يدلُّ اسمُه الرَّحيم على أَنَّ هذه الأَحكام من آثار رحمته بعباده.
{كُتِبَ} فُرض {عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} أي: أَسبابُه {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} مالًا {الْوَصِيَّةُ} مرفوعٌ بكُتب، ومُتعلقُ «إذا» إن كانت ظرفية، ودالٌّ على جوابها إن كانت شرطيةً، وجواب «إن» محذوفٌ؛ أي: فليوصِ
(1)
قال الضحاك وطاوس والحسن: هي محكمة غير منسوخة، واختار هذا القول الطبري، ينظر ذكر الخلاف في:«نواسخ القرآن» لابن الجوزي (ص 51 - 57)، و «تفسير الطبري» (3/ 124) وما بعدها، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 299 - 300)، و «المحرر الوجيز» (1/ 431 - 432)، و «تفسير القرطبي» (2/ 262 - 263).
{لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} بالعدل؛ بألَّا يزيد على الثلث، ولا يُفضِّلَ الغنيَّ {حَقًّا} مصدرٌ مؤكَّدٌ لمضمون الجملة قبله {عَلَى الْمُتَّقِينَ} اللهَ، وهذا منسوخٌ بآية الميراث وبحديث:((لا وصيَّةَ لوارثٍ)) رواه الترمذي {فَمَنْ بَدَّلَهُ} أي: الإيصاءُ، مِنْ شاهدٍ ووصيٍّ {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} عَلِمَه {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} أي: الإيصاءُ المبدَّلُ {عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} فيه إقامةُ الظاهر مُقامَ المضمَر {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لقول الموصي {عَلِيمٌ} بفعل الوصي، فمُجازٍ عليه {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ} مخففًا ومثقلًا {جَنَفًا} ميلًا عن الحقِّ خطأً {أَوْ إِثْمًا} بأَنْ تعمَّدَ ذلك بالزيادة على الثلث أو تخصيص غني مثلًا {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} بين الموصي والموصَى له بالأمر بالعدل {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} في ذلك {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .
وقولُ المؤلِّف: (أي: أسبابه): يُبيِّنُ أنَّ المرادَ بحضور الموت: حضورُ أسبابِه؛ لأنه لا يُعرَفُ إلا بوجود أسبابه وأماراته.
وقولُه: (مالًا): فسَّرَ الخيرَ بالمال؛ لأَنَّ الخيرَ من أسماء المال
(1)
، وقيل المراد به هنا: المالُ الكثير
(2)
.
وقولُه: (مرفوعٌ بكُتب
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الوصيةَ نائبُ فاعلِ «كُتب» ؛ لأنَّ الفعلَ مبنيٌّ للمفعول.
(1)
ينظر: «نزهة الأعين النواظر» (ص 286).
(2)
روي ذلك عن علي وعائشة وابن عباس وغيرهم مع اختلاف في حد الكثير. ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 134 - 138)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 299)، و «المحرر الوجيز» (1/ 430).
وقولُه: (بالعدل): هذا تفسيرُ المعروف، ثم بيَّن أَنَّ العدلَ ما وافق الشرعَ، وضدَّه ما خالفه. وقولُه: (وهذا منسوخٌ
…
) إلى آخره: تقدَّم في التفسير ذِكرُ الخلاف في نسخ الآية.
وقولُه: (عَلِمَه): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بالسماع: العلمُ؛ سواء حصلَ بالسماع أو بطريقٍ أخرى.
وقولُه: (الإيصاءُ المبَدَّلُ): هذا يقتضي أَنَّ الضمائرَ الثلاثةَ كلها تعودُ إلى الإيصاء، والأظهرُ أَنَّ الضميرَ الثالث في قوله:{فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} يعود على التبديل المفهوم من قوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ}
(1)
.
وقولُه: (فيه إقامة الظاهر مقام المضمر): يُريد بالظاهر: الاسمَ الموصول {الذين} ، فإنَّ التركيب يقتضي: فإنما إثمه عليهم.
وقولُه: (لقول الموصي، وبفعل الوصي): الصواب: عدمُ التقييد، فاللهُ سميعٌ لقول الموصي والوصي والمبدل وغيرهم، عليمٌ بأحوالهم وأفعالهم.
وقولُه: (مخففًا ومثقلًا): يريد: الصاد من «موصي» ؛ لأَنَّ فيها قراءتين؛ التخفيفُ من أوصى، والتشديدُ من وصَّى
(2)
.
وقولُه: (ميلًا عن الحق خطأً): إمَّا بالزيادة على الثلث، أو بالوصية لوارث، بدليل مقابلته بالإثم.
(1)
واختاره الطبري وابن عطية والقرطبي والرازي. ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 139)، و «المحرر الوجيز» (1/ 432 - 433)، و «تفسير الرازي» (5/ 235 - 236)، و «تفسير القرطبي» (2/ 268)، و «البحر المحيط» (2/ 166).
(2)
قرأ يعقوب وحمزة والكسائي وخلف وأبو بكر بفتح الواو وتشديد الصاد: {مُوَصٍّ} ، وقرأ الباقون بالتخفيف مع إسكان الواو:{مُوْصٍ} . ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 176)، و «النشر» (2/ 226).
وقولُه: (بأن تعمد
…
) إلى آخره: هذا يؤكِّدُ أَنَّ الجنفَ: هو المخالفةُ لحكمِ الشرع خطأً، والإثمُ: هو المخالفة عمدًا
(1)
.
وقولُه: (بين الموصي والموصى له
…
) إلى آخره: وكذا بين الموصي وورثته، وذلك بصرف الموصي عمَّا يُخالِفُ أَحكامَ الوصية في الشريعة، وإقناع الورثة والموصَى له بقبول الوصيةِ الجارية على وِفق الشريعةِ، أو ترغيبهم في إجازة ما تتوقَّفُ صحَّتُه على إجازتهم.
وقولُه: (في ذلك): أي: الإصلاح؛ لأَنَّ المصلحَ بينهم محسنٌ وما على المحسنين من سبيلٍ.
* * *
(1)
وهو قول ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وجماعة. ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 149 - 152)، و «الكشاف» (1/ 378)، و «المحرر الوجيز» (1/ 433)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 495).
يُخبر تعالى عبادَه المؤمنين بأنه كتبَ عليهم الصيامَ كما كتبه على الذين من قبلهم من أَتباع الأنبياء؛ كموسى وعيسى. والصيامُ في اللغة: الإمساك
(1)
، وفي الشرع: إمساكٌ عن أشياءَ مخصوصةٍ مبيَّنةٍ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس
(2)
.
و {كُتِبَ} معناه: فُرض كما تقدَّم. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (183)} : بيانٌ للحكمة من فرض الصيام؛ أي: لتتقوا اللهَ بفعل ما فَرض عليكم من الصيام وغيره، ولأنَّ الصومَ مما يُعين على التقوى. وقوله:{أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} : ظرفٌ، فالمعنى: كُتب عليكم الصيامُ في أيامٍ معدوداتٍ، ووصْفُ الأيامِ بمعدوداتٍ يدلُّ على القِلَّة، وهو من وجوه التيسير في هذه الفريضة، وسيأتي تعيينُ هذه الأيام في قوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ} .
وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ} : معناه: مَنْ كان مريضًا وقتَ الصيامِ، أو كان مسافرًا فأفطرا لأنه يُباح لهما ذلك؛ فعلى مَنْ أَفطر عِدَّةٌ {مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}؛ أي: فعليه عدَّةُ الأيام التي أفطر فيها من أَيامٍ أُخر، ومعناه: وجوبُ قضاءِ الأيامِ التي أَفطر فيها المريضُ أو المسافرُ.
وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} : أَي: وعلى الذين يُطيقون الصيامَ فِديةٌ؛ أي: بدلٌ عن الصيام طعامُ مسكينٍ عن كلِّ يومٍ.
(1)
ينظر: «تهذيب اللغة» (12/ 182).
(2)
ينظر: «تحرير التنبيه» للنووي (ص 123)، و «المطلع على ألفاظ المقنع» للبعلي (ص 182).
{فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} : بإطعام أكثر من مسكينٍ فهو خيرٌ له.
وقوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} : أَي: من الفدية، ومعنى هذا: أنَّ الذي يُطيقُ الصيامَ يُخيَّرُ بين الصيامِ والفديةِ، والصومٌ خيرٌ له، وهذا حكمٌ منسوخٌ بقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، فصار الصومُ حتمًا، ونُسِخَ التخييرُ، ولكن بقي حكمُ الفدية للشيخ والشيخة يَشقُّ عليهما الصيامُ؛ فيُباحُ لهما الفطرُ، ويُطعمان عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ} فُرِضَ {عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} من الأمم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} المعاصي، فإنه يكسرُ الشهوةَ التي هي مبدؤها {أَيَّامًا} نُصبَ بالصيام، أو بصوموا مقدَّرًا {مَعْدُودَاتٍ} أي: قلائل، أو مؤقتات بعددٍ معلومٍ وهي رمضان كما سيأتي، وقلَّله تسهيلًا على المكلَّفين {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ} حين شهودِه {مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} أي مسافرًا سفرَ القصر وأَجهدَه الصومُ في الحالين فأَفطرَ {فَعِدَّةٌ} فعليه عددُ ما أَفطر {مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} يصومها بدلَه {وَعَلَى الَّذِينَ} لا {يُطِيقُونَهُ} لِكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجَى بُرؤه {فِدْيَةٌ} هي {طَعَامُ مِسْكِينٍ} أي: قَدْرَ ما يأكلُه في يومه، وهو مُدٌّ من غالب قوتِ البلد، لكلِّ يومٍ، وفي قراءةٍ بإضافةِ «فِدية» ؛ وهي للبيان، وقيل:«لا» غير مُقدَّرة، وكانوا مُخيَّرين في صدر الإسلام بين الصوم والفِدية ثم نُسخ بتعيين الصوم بقوله:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، قال ابن عباس: إلَّا الحاملُ والمرضعُ إذا أفطرتا خوفًا على الولد؛ فإنها باقيةٌ بلا نسخٍ في حقِّهما
(1)
{فمن تطوع خيرًا} بالزيادة
(1)
أخرجه أبو داود (2317)، وأبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (رقم 110)، والطبري في التفسير (3/ 170)، وابن أبي حاتم في التفسير (1/ 307)، والدارقطني في السنن (2385)، وابن الجارود في «المنتقى» (381)، وصححه: الدارقطني، وابن الجارود، والألباني. ينظر:«الإرواء» (4/ 19، رقم 912).
على القدر المذكورِ في الفِدية {فَهْوَ} أَي: التطوعُ {خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا} مبتدأٌ، خبرُه {خَيْرٌ لَكُمْ} من الإِفطار والفديةِ {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه خيرٌ لكم، فافعلوه.
وقولُ المؤلِّف: (نصب بالصيام
…
) إلى آخره: يُفيد أَنَّ أيامًا: ظرفٌ منصوبٌ، والعاملُ فيه إمَّا الصيامُ في قوله:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ؛ فالتقدير: كُتبَ عليكم الصيامُ في أَيامٍ معدوداتٍ، أَوْ العاملُ فيه الأَمرُ المفهومُ من {كُتب} ، وتقديره: صوموا في أيامٍ معدوداتٍ.
وقولُه: (قلائل
…
) إلى آخره: هذا التفسيرُ مأخوذٌ من لفظِ {معدودات} ، فإنه يُشعرِ بقلةِ الأيام التي فُرض فيها الصيامُ، وفيه إشارةٌ إلى التيسير في هذه الفريضة.
وقولُه: (حين شهوده): أي: وقتَ وجوبِه.
وقولُه: (أي: مسافرًا سفر القصر): احترازٌ من السفر الذي لا يُباحُ فيه القصرُ؛ كسفرِ المعصية عند الجمهور
(1)
.
وقولُه: (وأجهده الصوم
…
) إلى آخره: هذا تقييدٌ يُخالفُ ظاهرَ القرآن؛ وهو إباحةُ الفطر للمريض والمسافر مُطلقًا.
وقولُه: (فعليه عدد ما أفطر): يُبيِّنُ أَنَّ «عدة» مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ قدَّره بقوله:(فعليه).
وقولُه: (يصومها بدلَه): المعنى: فعليه صيامُ عدَّةِ الأيامِ التي أَفطرها من أَيامٍ أُخر قضاءً عن تلك الأيام.
(1)
ينظر: «المجموع شرح المهذب» (4/ 223)(6/ 264)، و «المغني» (3/ 115)، (4/ 345).
وقولُه: (لا): هذا أَحدُ الأقوالِ في الآية، وأَنَّ قوله تعالى:{يُطِيقُونَهُ} على تقدير: لا يُطيقونه، وهذا القولُ ضعيفٌ
(1)
؛ لأنه صرفٌ للآية عن ظاهرها؛ فظاهرها تخييرُ الذين يُطيقون الصيام بين الفدية والصيام؛ لقوله: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ، وكان هذا في أَول الأمر ثم نسخ؛ لقوله تعالى:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، فتعيَّنَ الصيامُ ونُسخَ التخييرُ
(2)
.
وقولُه: (لِكِبَرٍ
…
) إلى آخره: هذا مبنيٌّ على أَنَّ الآية في حكم ما لا يُطيقُ الصيام كما تقدَّم. وقولُه: (هي): يريد أَنَّ الطعامَ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديره «هي» ؛ أي: الفديةُ طعامُ مسكينٍ عن كلِّ يومٍ، والأظهرُ أَنَّ {طَعَامُ} عطفُ بيانٍ لـ «فِدية»
(3)
.
وقولُه: (أي: قدر ما يأكله في يومه
…
): إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ القدرَ الواجبَ من الإطعام كفايةُ المسكين يومه من غالب قوت البلد.
وقولُه: (وفي قراءة
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنه قُرِئَ بإضافة {فدية} إلى طعام
(4)
، والإضافةُ بيانية، فهي على تقدير «من»؛ فالمعنى: فديةٌ من طعام.
(1)
قال الماوردي في تفسيره (1/ 238): «وهي قراءة شاذة رويت عن ابن عباس ومجاهد» . وضعَّف غير واحد من أهل العلم أن «لا» محذوفة قبل {يطيقونه} ، وأن التقدير:«لا يطيقونه» . ينظر: «البحر المحيط» (2/ 189)، و «الدر المصون» (2/ 273 - 274)، و «التنبيه على مشكلات الهداية» لابن أبي العز الحنفي (2/ 934).
(2)
وهذا قول معاذ وابن عمر وسلمة بن الأكوع وعكرمة والشعبي والزهري وعلقمة والضحاك، واختاره الطبري والزجاج، وهو قول أكثر المفسرين. ينظر:«الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد (1/ 42 - 45)، و «نواسخ القرآن» لابن الجوزي (ص 61 - 65). وقارن مع:«تفسير الطبري» (3/ 161 - 166)، (3/ 178)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 253)، و «المحرر الوجيز» (1/ 439 - 440)، و «تفسير القرطبي» (2/ 287 - 288).
(3)
«إعراب القرآن» للنحاس (1/ 95)، و «الكتاب الفريد» (1/ 451).
(4)
وهي قراءة أبي جعفر ونافع وابن عامر. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 176)، و «النشر» (2/ 226).
وقولُه: (وقيل: «لا» غير مقدرة): يُشيرُ إلى القول الصحيح في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} ، وهو أَنَّ الآيةَ على ظاهرها، وهو بيانُ حكمِ الذين يُطيقون الصيام؛ أي: يستطيعونه، وحُكمهم: التخييرُ بين الفِطر مع الفدية، وبين الصيام، وهو حكمٌ منسوخٌ كما ذكر المؤلف في آخر كلامه، والأَثرُ الذي ذكره عن ابن عباس يدلُّ على نسخ التخيير إلَّا في حقِّ الحاملِ والمرضعِ.
وقولُه: (بالزيادة
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ التطوعَ المذكورَ في الآية يكون بالزيادة على طعام مسكين.
وقولُه: (أي: التطوع): يُبيِّنُ مرجع الضمير في قوله تعالى: {فَهُوَ خَيْرٌ لَه} ؛ فالمعنى: فالتطوعُ بالزيادة على إطعام مسكينٍ واحدٍ خيرٌ؛ أي: أَكثرُ أجرًا.
وقولُه: (مبتدأ): يُبيِّنُ أَنَّ المصدرَ المؤوَّلَ من «أن والفعل» مبتدأٌ، وخيرٌ خبرُه، والتقدير: وصومُكم خيرٌ لكم. وهذا ترغيبٌ في الصيام، وترجيحٌ له على الإفطار مع الفدية.
وقولُه: (أنه خيرٌ لكم فافعلوه): يُبيِّنُ بهذا مفعول {تَعْلَمُونَ} ، وجوابُ الشرط {إِنْ كُنْتُمْ} ، وأَنَّ جوابَ الشرط محذوفٌ، وتقديره: فافعلوا.
* * *
يُبيِّنُ تعالى في هذه الآية وقتَ الصيام الذي فرضه على عباده، وهو شهرُ رمضان، و {شَهْرُ} قُرِئ بالرفع والنصب
(1)
:
فعلى الرفع: يحتمل أنه خبرُ مبتدأ محذوف تقديره: هن؛ أي: الأيام المعدودات شهرُ رمضان، أو بدل من الصيام في قوله:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ، على حذف مضافٍ أُقيمَ المضافُ إليه مقامه؛ أي: كُتبَ عليكم صيامُ شهر رمضان.
وعلى النصب: مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ؛ أي: صوموا شهرَ رمضان، وإضافةُ شهر إلى رمضان من إضافة الشيء إلى اسمه؛ كيوم الخميس. وقوله تعالى:{الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} : صفةٌ لشهر، ومعنى: إنزال القرآن فيه: ابتداءُ نزوله في ليلة القدر، وهي: ليلة من ليالي رمضان؛ لقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر (1)} [القدر: 1]، وقوله:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} [الدخان: 3].
وقوله: {هُدًى لِلنَّاسِ} : أي: هاديًا للناس، فهو مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل نصب على الحال، أو مفعول لأجله؛ بمعنى: لهداية الناس.
(1)
عزيت للحسن، ومجاهد، وشهر بن حوشب، وهارون الأعور عن أبي عمرو، وأبي عمارة عن حفص عن عاصم. ينظر:«مختصر في شواذ القرآن» لابن خالويه (ص 19)، و «معاني القرآن» للفراء (1/ 112)، و «إعراب القرآن» للنحاس (1/ 95)، و «المحرر الوجيز» (1/ 442)، و «البحر المحيط» (2/ 193)، وهذه القراءة دون نسبة لأحد في كثير من المصادر.
وقوله: {وَبَيِّنَاتٍ} : معطوف على هدى؛ منصوب على الحال، وهو صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ أي: وآياتٍ بيناتٍ؛ أي: واضحاتٍ، ومُبيِّناتٍ للحقِّ والباطل وسبيل الرشد وسبيل الغي، وفي ذلك الهدى العاصم من الضلال، والفرقان العاصم من اللبس والالتباس.
وقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} : هذا أمرٌ من الله لمن كان عند دخول الشهر صحيحًا مقيمًا أن يصومَ الشهر، وقد ذهب جمعٌ من السلف من الصحابة وغيرهم إلى أنه يجب على مَنْ هذه حاله أَنْ يصومَ الشهرَ كلَّه، ولو سافر فلا يُباح الفطرُ في السفر إلَّا لمن دخل عليه الشهرُ وهو مسافرٌ
(1)
، وذهب جمهورُ العلماء أَنه يُباح الفطرُ للمسافر ولو قد صام أَوَّل الشهرِ في الحضر
(2)
؛ لِمَا ثبت في السنَّةِ الصحيحة من أنه صلى الله عليه وسلم سافر هو وأصحابه عامَ الفتح في رمضان، وكانوا صيامًا حتى بلغوا الكديد
(3)
فأفطر صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بالفطر
(4)
، وعلى هذا فقوله:{فَلْيَصُمْهُ} أي: فليَصُم ما كان حاضرًا فيه من الشهر من أَوَّله أو آخره.
وقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} معناه: أَنَّ مَنْ كان مريضًا أو مسافرًا فأَفطَر؛ فعليه صيامُ عِدَّةِ الأيام التي أفطرها من أَيامٍ أُخَر قضاءً، وجاء ذكر هذه الرخصة للمريض والمسافر بعد الأمر بصيام الشهر مَنْ كان حاضرًا صحيحًا مُقيمًا، كما ذُكِرت الرخصةُ بالفطر للمريض والمسافر بعد
(1)
روي عن عائشة، وابن عمر، وابن عباس، وسويد بن غفلة، وسعيد بن جبير، في آخرين من السلف. ينظر:«مصنف عبد الرزاق» (4/ 269، رقم 7759، 7761)، و «مصنف ابن أبي شيبة» (رقم 9246 - 9249)، و «تفسير الطبري» (3/ 192 - 196)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 311 - 312، رقم 1656).
(2)
ينظر: «المجموع شرح المهذب» (6/ 268)، و «المغني» (4/ 345 - 346).
(3)
الكَديد: مكان ما بين عسفان وقديد على اثنين وأربعين ميلًا من مكة. ينظر: «معجم البلدان» (4/ 442)، و «مراصد الاطلاع» للقطيعي (3/ 1152).
(4)
أخرجه البخاري (2953)، ومسلم (1113) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
الإخبار بفرض الصوم في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
…
}، إلى قوله:{أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} ، ولعلَّ ذِكرَ الرُّخصةِ مرةً ثانيةً حتى لا يُظن نسخها بقوله:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}
(1)
.
وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} : خبرٌ من الله -تعالى- عن حكمته في شرعه، ورحمته بعباده، فمبنى شريعته على اليُسر، وهو السهلُ المستطاعُ الذي لا مشقَّةَ فيه، ومن ذلك ما شرعه في أَمر الصيام، {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}: وهو ضدُّ اليُسر، ونصَّ على نفيه توكيدًا، وهذه الإرادةُ هي الإرادةُ الشرعيةُ المتضمنة للمحبة؛ فالمعنى: يُحبُّ الله لكم اليُسرَ ولا يُحبُّ لكم العُسرَ، فالجملتان تعليلٌ لِمَا سبقَ من الأحكام المشتملة على التيسير.
وقوله: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (185)} : الواو عاطفةٌ على مُقدَّرٍ يُفهَم من قوله: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} ؛ فالمعنى: يسَّرَ اللهُ عليكم لتصوموا ما كتب عليكم من صيام شهر رمضان.
{وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ} : إن كان فطر لعذر، {وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ} أي: ولتعظِّموا اللهَ بالتكبير {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} ؛ أي: لهدايته إياكم بما شرع لكم من صيام شهر رمضان وتوفيقكم لصيامه، واللام في الجملتين للتعليل، وقال بعضُهم: إنها اللام المشبهةُ للام التعليل التي تتعلق بالفعلين «أراد، وأمر» ، ويُنصَبُ الفعلُ بعدها بأَن مضمرة أو ظاهرة، وعلى هذا فالعطفُ على جملة:{يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} ؛ فيكون المعنى: ويُريد لتكملوا العدَّةَ
(2)
.
(1)
ينظر: «تفسير البيضاوي» (1/ 125)، و «تفسير أبي السعود» (1/ 200)، و «روح المعاني» للألوسي (1/ 458).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 220)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 254)، و «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 153)، و «الكتاب الفريد» (1/ 456 - 457).
وقوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون (185)} : لعل: للتعليل؛ أي: لتشكروا اللهَ على ما أَنعم به من النِّعم العظيمةِ والشرائعِ القويمةِ، والشكرُ يكون بالقلب اعترافًا وتعظيمًا وحبًا وانقيادًا، وباللسان إقرارًا وثناءً، وبالجوارح فِعلًا للمأمورات وتركًا للمنهيات ومسارعة في الخيرات.
وقد تضمَّنتْ هذه الجملُ ثلاثَ حِكَمٍ فيما كتبه اللهُ على عباده من صيام شهر رمضان مع التيسير والتخفيف، والحِكَم هي: إكمالُ عدَّةِ ما فَرض اللهُ من الصيام، وتكبيرُه تعالى عند التمام بالقلب واللسان على هدايته وتوفيقه، والثالثةُ من الحكم: شكرُ المؤمنين لربهم على ما شَرعَ ويَسَّرَ من الأحكام، وكلُّ هذه الحِكمِ مُرادَةٌ لله وواجبةٌ على العباد، ومن هذه الآية أَخذ العلماءُ مشروعيةَ التكبير ليلةَ عيد الفطر وصبحَه
(1)
.
تلك الأيام {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر منه {هُدًى} حال هاديًا من الضلالة {لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ} آياتٍ واضحاتٍ {مِنَ الْهُدَى} مما يهدي إلى الحقِّ من الأحكام {وَ} مِنْ {الْفُرْقَانِ} مما يفرقُ بين الحقِّ والباطل {فَمَنْ شَهِدَ} حَضَرَ {مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} تقدَّم مثله، وكُرِّرَ لِئلَّا يُتوهَّمُ نسخُه بتعميم مَنْ شهد.
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ولذا أباح لكم الفطرَ في المرض والسفر، ولكون ذلك في معنى العلة أيضًا للأمر بالصوم عُطِفَ عليه {وَلِتُكْمِلُوا} بالتخفيف والتشديد {الْعِدَّةَ} أَي: عدةَ صومِ رمضان
(1)
جاء عن ابن عباس وزيد بن أسلم وسفيان، وهو قول جمهور المفسرين. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 221 - 222)، و «تفسير القرطبي» (2/ 306)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 505).
{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} عند إكمالها {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أرشدكم لمعالمِ دِينه {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} اللهَ على ذلك.
وقولُ المؤلِّف: (تلك الأيام): يُبيِّنُ بهذا أَنَّ {شَهْرُ} خبرٌ لمبتدأ تقديره: تلك الأَيام المعدودات هي شهرُ رمضان.
وقولُه: (من اللوح المحفوظ
…
) إلى آخره: يُشيرُ بهذا إلى ما جاء عن ابن عباس أَنَّ القرآنَ أُنزلَ جملةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا؛ رواه ابن جرير وغيره
(1)
.
وقولُه: (منه): أي: من شهر رمضان؛ لأَنَّ ليلةَ القدر من رمضان.
وقولُه: (حال
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ {هُدًى} في قوله: {هُدًى لِلنَّاسِ} مصدر بمعنى: اسم الفاعل، وهو منصوبٌ على الحال من القرآن.
وقولُه: (آياتٍ واضحاتٍ): يريد أَنَّ {بَيِّنَاتٍ} صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره: آياتٍ بيناتٍ؛ أي: واضحاتٍ.
وقولُه: (مما يهدي
…
) إلى آخره: يريد أَنَّ الآيات البينات من الهدى؛ أي: الهادي، فالآياتُ البيناتُ مما يهدي إلى الحق.
وقولُه: (من): يريد أَنَّ البينات من الهدى ومن الفرقان.
وقولُه: (مما يفرقُ بين الحقِّ والباطل): معناه: أَنَّ الآيات البينات يكون بها الهدى إلى الحقِّ، ويكون بها الفرقانُ بين الحقِّ والباطلِ.
وقولُه: (حضر): تفسيرٌ لشهد الشهر؛ والمعنى: حضرَ أيامَ الشهر، وهو: مقيمٌ.
(1)
أخرجه الطبري في التفسير (3/ 188 - 189)، وابن أبي حاتم في تفسيره (1/ 310، رقم 1650)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (16/ 469 رقم 32192)، والنسائي في «الكبرى» (7937)، والطبراني في «الكبير» (12381)، والحاكم في «المستدرك» (2881).
وقولُه: (تقدَّم مثله): يريد أَنَّ الرخصةَ في الفطر للمريض والمسافر قد تقدَّمَ ذِكرها.
وقولُه: (وكرر
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ السببَ في إعادة ذكر الرخصة في الفطر للمريض والمسافر، وهو أنه قد يُتوهَّم أَنَّ قولَه:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} عامٌّ يشملُ المريضَ والمسافرَ، فيلزم من ذلك نسخ الرخصة التي تقدَّم ذِكرُها.
وقولُه: (ولذا أَباح لكم الفطر
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ إرادته تعالى بعباده اليسرَ دون العُسر هو عِلَّةُ الرخصةِ للمريض والمسافر في الفطر.
وقولُه: (ولكون ذلك
…
) إلى آخره: يريد قولَه تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، هو في معنى العلة للأمر بالصوم في قوله:{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ، فتضمَّن كلامُ المؤلف أَنَّ قولَه تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} هو عِلةُ إباحةِ الفطر في المرض والسفر، وهو أيضًا في معنى العلة للأمر بالصوم في عدَّةِ أيامٍ أُخر.
وقولُه: (عطف عليه): يريد أَنَّه لما كان قولُه تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} في معنى العلة للأمر بصوم القضاء؛ عطف عليه قوله: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} وما بعده.
وقولُه: (بالتخفيف والتشديد): يُشير إلى أَنَّ فيها قراءتين: تخفيفُ الميم وتشديدُها، من «أَكمل، وكمَّل»
(1)
.
* * *
(1)
قرأ يعقوب وعاصم في رواية أبي بكر بتشديد الميم: {وَلِتُكَمِّلُوا الْعِدَّةَ} ، وقرأ الباقون بالتخفيف. ينظر:«السبعة» لابن مجاهد (ص 176 - 177)، و «النشر» (2/ 226).
وقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون (186)} [البقرة: 186]:
يأمرُ اللهُ نبيَّه إذا سأله أَحدٌ من العباد عن ربه، بعيدٌ هو أو قريبٌ ممن دعاه؛ أَنْ يُخبرَه بأنه قريبٌ، وأنه يُجيبُ دعاه ويُعطيه سُؤْله، ثم أَمرَ العبادَ أَنْ يستجيبوا له سبحانه فيما دعاهم إليه من أنواع العبادات؛ من الصلاة والصيام والجهاد والصدقات، وأَن يؤمنوا به ربًّا وإلهًا وموصوفًا بكلِّ كمالٍ؛ ليرْشُدوا في أَمرهم كلِّه.
وسأل جماعةٌ النبيَّ «أقريبٌ ربُّنا فنناجيه أم بعيدٌ فنناديه؟» فنزل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} منهم بعلمي، فأَخبرهم بذلك {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} بإنالته ما سأل {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} دعائي بالطاعة {وَلْيُؤْمِنُوا} يُديموا على الإيمان {بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} يهتدون.
وقولُ المؤلِّف: (وسأل جماعة النبي
…
) إلى آخره: يُشيرُ بذلك إلى سبب نزول الآية
(1)
.
وقولُه: (منهم بعلمي): يُريد أَنَّ معنى قربِه -تعالى- من العباد: قربُه بعلمه، وهذا يقتضي أَنَّ القربَ في الآية قربٌ عامٌّ من جميع العباد؛ لأَنَّ علمَه -تعالى- لا يختصُّ بالداعين والعابدين، والأشاعرةُ ونحوهم لا يُثبتون إلَّا القربَ العامَّ، فعندهم أنه -تعالى- لا يَقربُ من شيءٍ، ولا يقربُ منه شيءٌ، بناءً على أنه -تعالى- في كلِّ مكانٍ، وأَمَّا أهلُ السنَّةِ فلهم في القُرب قولان:
(1)
ينظر: «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 433 - 434)، و «تفسير الطبري» (3/ 222 - 223)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 314، رقم 1667)، والحديث رواه الصلب بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال:«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم» فذكره. وزاد الدارقطني بين الصلب وأبيه رجل من الأنصار. وإسناده ضعيف، الصلب أو الصلت بن حكيم مجهول، وقد اختلف في إسناده. ينظر:«لسان الميزان» (871)، و «المؤتلف والمختلف» للدارقطني (3/ 1435).
منهم مَنْ يقول: القرب نوعان: عامٌّ وخاصٌّ، كالمعية
(1)
.
ومنهم مَنْ يقول: لم يَرِدْ إلَّا خاصًّا، وهو قربُه من الداعين والعابدين، وهو المذكور في هذه الآية، وفي قوله:{إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود: 61]، وهذا القول أظهر
(2)
، وأما قوله تعالى:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ} [الواقعة: 85]، وقوله:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، فالمراد: قربُه تعالى بملائكته كما جاء عن السَّلف في تفسير الآيتين
(3)
.
وقولُه: (فأخبِرهم بذلك): هذا تقديرٌ لجواب الشرط في قوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ} .
وقولُه: (بالطاعة): يُبيِّنُ أَنَّ الاستجابةَ لله تكون بطاعته في أمره ونهيه.
وقولُه: (يُديموا على الإيمان): لأَنَّ الكلامَ في العباد المؤمنين، فيناسبُ أَنْ يكون المعنى: فليَدوموا على الإيمان.
وقولُه: (يهتدون): فسَّرَ الرشدَ بالاهتداء، والرشدُ يجمع العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ، وهذه حقيقةُ الاهتداء.
* * *
(1)
نسبه شيخ الإسلام لطائفة من أهل السنة. ينظر: «شرح حديث النزول» (ص 365)، واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي. ينظر:«الحق الواضح المبين» (ص 70)، و «أصول وكليات من أصول التفسير» طبعت مع التفسير (1/ 29).
(2)
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (6/ 30 - 31)، و «شرح حديث النزول» (ص 354 - 356)، و «مجموع الفتاوى» (5/ 236)، (5/ 240)(6/ 22 - 23)، و «مختصر الصواعق» (3/ 1251)، و «التعليق على القواعد المثلى» لشيخنا (ص 159).
(3)
نسبه ابن الجوزي لابن عباس من رواية أبي صالح، ونسبه شيخ الإسلام إلى جمع من السلف، ورجحه ابن القيم في بعض كتبه، وأورد هذا القول غير واحد من أهل العلم. ينظر:«تفسير البغوي» (8/ 25)، و «المحرر الوجيز» (8/ 213)، و «زاد المسير» (4/ 159)(4/ 230)، و «تفسير ابن كثير» (7/ 548)، (7/ 398)، و «بيان تلبيس الجهمية» (5/ 315)(6/ 25 - 40)، و «شرح حديث النزول» (ص 355)، (ص 367)، و «الروح» (ص 188 - 190)، و «مختصر الصواعق» (3/ 1249) وما بعدها.
يُخبر تعالى عن حُكْمٍ يتعلَّقُ بصيام رمضان، وهو حِلُّ إِتيان النساء في ليالي صيامِ رمضان، فقوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ} ؛ أي: أَحلَّ اللهُ لكم، كما قال:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ؛ أي: كَتبَ اللهُ عليكم الصيام.
و {الرَّفَثُ} هو: الجماع
(1)
، وضُمِّنَ معنى:(الإفضاء) فعدي بـ «إلى»
(2)
، والإفضاء: تلاقي الأبدان دون حائلٍ
(3)
، وذلك يكون من الرجل والمرأة كما قال تعالى:{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21]، وقال في هذه الآية:{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} ، فمع الإفضاء يكون كلٌّ من الرجل والمرأة كاللباس للآخر.
ثم بيَّن سبحانه وتعالى سببَ هذا الإحلال، وهو ما يعلمه اللهُ منهم من خيانةِ أنفسهم بفعل ما حرَّمَ اللهُ عليهم من إتيان نسائهم، وكان الحكمُ في أول فَرضِ الصيام أَنَّ مَنْ نام في الليل وجب عليه الصيامُ حتى يُفطر من الغد، فوقع من عددٍ من المسلمين مخالفةٌ، وترتَّبَ على ذلك حَرجٌ ومشقَّةٌ؛ فنَسخَ الله ذلك بهذه الآية؛ فأحلَّ اللهُ لعباده ما كان حرامًا، وتاب على مَنْ وقع منه فعلٌ لِمَا يحرمُ عليه، فوفَّقه للتوبة وعفا عنه
(4)
.
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 359 - 360).
(2)
ينظر: «معاني القرآن» للأخفش (1/ 139 - 140)، و «الكشاف» (1/ 388)، و «البحر المحيط» (2/ 212).
(3)
ينظر: «لسان العرب» (15/ 157).
(4)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 49 - 52)، و «العجاب» (1/ 436 - 447).
ثم أكَّد سبحانه وتعالى الإحلالَ بالإذن الصريح بمباشرة النساء وبالأكل وبالشرب إلى طلوع الفجر؛ فقال سبحانه: {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} ، قيل: من الولد أو من ليلة القدر، {وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}؛ أي: يتميز عندكم بياضُ النهار من سوادِ الليل؛ فعُلم بذلك وجوبُ الإمساكِ عند ذلك، ولهذا قال تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} ؛ فعُلم بذلك وقت الصيام ابتداءً وانتهاءً.
وقوله: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} : نهيٌ من الله لمن كان معتكفًا في المسجد أَنْ يُباشرَ امرأته؛ أي: يُجامعها، ولو كان ذلك في البيت، فعُلم تحريمُ ذلك على المعتكف.
وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ} : الإشارةُ إلى ما تقدَّمَ ذِكرُه من المنهيَّات من مُفسدات الصوم والاعتكاف، فالحدودُ في هذه الآية هي المحرمات، ولهذا قال:{فَلَا تَقْرَبُوهَا} ، وأَصلُ الحدِّ: المنع
(1)
، فسُمِّيت المحرماتُ حدودًا لأنها ممنوعة، وتُطلقُ الحدود على ما لا يجوز تعدِّيه من المباحات والواجبات والمستحبات؛ كقوله تعالى:{تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (229)} [البقرة: 229].
وقوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أي: مثل البيان المتقدِّم يُبيِّنُ آياته للناس؛ أي: يوضِّحها ويُفصِّلها. وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون (187)} : أي: ليتقوا اللهَ بترك ما حرَّم عليهم، و «لعلَّ»: للتعليل.
{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} بمعنى الإفضاء {إِلَى نِسَائِكُمْ} بالجماع، نزل نسخًا لِمَا كان في صدر الإسلام من تحريمه وتحريمِ الأَكلِ والشربِ بعد العشاء {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} كنايةٌ عن تعانقهما
(1)
ينظر: «لسان العرب» (3/ 140).
أو احتياجِ كلٍّ منهما إلى صاحبه {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ} تخونون {أَنْفُسَكُمْ} بالجماع ليلةَ الصيام، وقعَ ذلك لعمرَ وغيره، واعتذروا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} قَبِلَ توبتَكم {وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ} إذ أَحلَّ لكم {بَاشِرُوهُنَّ} جامعوهنَّ {وَابْتَغُوا} اطلبوا {مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي: أَباحَه من الجماع، أو قدَّرَه من الولد {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} الليلَ كلَّه {حَتَّى يَتَبَيَّنَ} يظهرَ {لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} أَي: الصادقِ، بيانٌ للخيط الأبيضِ، وبيانُ الأسود محذوفٌ؛ أي: من الليل شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ} من الفجر {إِلَى اللَّيْلِ} أَي: إلى دخوله بغروب الشمس {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ} أَي: نساءكم {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ} مُقيمون بنيَّةِ الاعتكافِ {فِي الْمَسَاجِدِ} مُتعلقٌ بـ «عاكفون» ، نهيٌ لمن كان يخرج وهو معتكفٌ فيُجامعُ امرأتَه ويعود {تِلْكَ} الأحكامُ المذكورةُ {حُدُودُ اللَّهِ} حدَّها لعباده ليَقِفوا عندها {فَلَا تَقْرَبُوهَا} أَبلغ من «لا تعتدوها» المعبر به في آيةٍ أُخرى {كَذَلِكَ} كما بيَّن لكم ما ذكر {يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} محارمَه.
وقولُ المؤلِّف: (بمعنى الإفضاء
…
) إلى آخره: فسَّرَ الرفثَ بالإفضاء، والرفثُ والإفضاءُ كلٌّ منهما كنايةٌ عن الجماع، لكن فسَّرَه بالإفضاء لتعديته بـ «إلى» ، ثم ذكر حقيقةَ المرادِ في آخر الجملة.
وقولُه: (نزل نسخًا
…
) إلى آخره: يُشيرُ بهذا إلى سبب نزول الآية، وفيه نسخُ السنَّةِ بالقرآن؛ لأَنَّ الحكمَ الأول إنما ثبت بالسنَّة.
وقولُه: (كناية
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ وجهَ إطلاق اسم اللباس على المرأة والرجل، وذلك من جهتين: من جهة التصاقِهما، ومن جهة حاجةِ كلٍّ منهما للآخر، وكلٌّ من المعنيين موجودٌ في اللباس.
وقولُه: (تخونون): فسَّرَ {تَخْتَانُونَ} بتخونون، وليس هذا بالتفسير المطابقِ، فـ «تختانون» فيه معنى الخداعِ والاحتيالِ على فعلِ ما نُهي عنه
(1)
.
وقولُه: (قَبِلَ توبتكم): التوبةُ من الله: توفيقٌ من الله لعبده للتوبة ثم قَبولها منه، والمؤلف فسَّرَها بالقبول؛ لقوله تعالى:{وَعَفَا عَنْكُمْ} .
وقولُه: (أي: أباحه
…
) إلى آخره: ذَكر في قوله: {مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} قولين:
ما أَباح اللهُ لكم من الجماع.
والثاني: ما قدَّره لكم من الولد
(2)
.
والقولُ الأولُ ضعيفٌ؛ لأنه قد تقدَّمَ الأمرُ به في قوله: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} .
وقولُه: (الليل كله): يدلُّ له أَنَّ اللهَ جعل للإذن بالأكل والشرب والجماع غاية؛ وهي: تبينُ طلوع الفجر، وذلك في قوله:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} . وقولُه: (يظهر): يعني: يتميَّزَ الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود، وقد فسَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الخيطين بأنهما بياضُ النهار وسوادُ الليل
(3)
، وإنما يتحقَّقُ ذلك بطلوع الفجر.
وقولُه: (أي: الصادق): يعني: الفجر الثاني؛ وهو الذي يَحرمُ فيه الطعامُ، وتَحلُّ فيه صلاةُ الفجر كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((الفَجرُ فَجْران:
(1)
ينظر: «تفسير الراغب» (1/ 399).
(2)
وهذا قول جمهور المفسرين. ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 244 - 247)، و «المحرر الوجيز» (1/ 451 - 452)، و «زاد المسير» (1/ 148 - 149)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 512).
(3)
أخرجه البخاري (1916)، (1917)، ومسلم (1091) من حديث عدي بن حاتم، وسهل بن سعد رضي الله عنهما.
فَجرٌ يَحِلُّ فيه الطَّعامُ وتَحرمُ فيه الصَّلاةُ -وهو الفجر الأول-، وفَجرٌ تَحِلُّ فيه الصَّلاةُ ويَحرمُ فيه الطَّعامُ))
(1)
، وهو الفجر الثاني، وهو: الصادق. وقولُه: (أبلغ من «لا تعتدوها»
…
) إلى آخره: هذا يقتضي عدمَ التفريق بين الحدود في الآيتين، والصوابُ: أنَّ الحدودَ المنهيَّ عن قُربانها هي المحرمات، والمنهيَّ عن تعدِّيها هي المأموراتُ
(2)
؛ فالحلالُ لا يجوز تعدِّيه، والحرامُ لا يجوز قُربانه.
وقولُه: (محارمه): أي: محارمَ الله؛ وهي كلُّ ما حرَّمَ اللهُ؛ وهي المعاصي، واتقاءُ المعاصي هو اجتنابُها.
* * *
(1)
أخرجه ابن خزيمة (356)(1927)، وعنه الحاكم (687)، والدارقطني (2185)، والبيهقي (1789)، من طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه.
والحديث أعله النقاد بالوقف؛ فلم يرفعه غير الزبيري، وخالفه أصحاب الثوري فرووه موقوفًا، وكذلك وقفه أصحاب ابن جريج. قال ابن خزيمة:«لم يرفعه في الدنيا غير أبي أحمد الزبيري» ، وقال الدارقطني:«لم يرفعه غير أبي أحمد الزبيري عن الثوري، ووقفه الفريابي وغيره عن الثوري، ووقفه أصحاب ابن جريج عنه أيضًا» ، وقال البيهقي:«الموقوف أصح» .
وللمرفوع شواهد يحتمل تقوية الحديث به. ينظر: «البدر المنير» (3/ 195 - 199)، و «التلخيص الحبير» (2/ 491، رقم 286).
(2)
ينظر: «الكشاف» (1/ 391)، و «تفسير الرازي» (5/ 277)، و «القواعد الحسان» (ص 74 - 75)، و «مجموع الفتاوى» (14/ 109)، (28/ 348)، و «مدارج السالكين» (2/ 245).
وقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (188)} [البقرة: 188]:
هذا نهيٌ من الله لعباده المؤمنين أَنْ يأكلوا أموالَهم بينهم بالباطل، وذلك بأخذ مالِ الغير بغير حقٍّ، بل بطريقٍ من الطرق المحرمة؛ من غصبٍ أو سرقةٍ أو غشٍّ أو عقدٍ محرَّمٍ؛ كعقود الربا والبيوع المحرمة، ومن أقبح ذلك التوصُّل إلى أكل مالِ الغير بطريق رشوةِ الحاكم، وهو معنى قوله تعالى:{وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (188)} أي: تعلمون أَنَّ ما حكم به ليس مستحقًا لكم، فهو حرامٌ عليكم وإن حكم به الحاكم خطأ أو عمدًا؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:((إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أَنْ يكون أَلحنَ بحجَّته من بعضٍ، فأقضي له على نحو ما أَسمع، فمَن قَضيتُ له من حقِّ أَخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قُطعةً من النار))
(1)
.
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} أي: [لا]
(2)
يأكل بعضُكم مالَ بعضٍ {بِالْبَاطِلِ} الحرامِ شرعًا؛ كالسرقة والغَصْب {وَ} لا {تُدْلُوا} تُلقوا {بها} أي: بحكومتها أو بالأموال رشوة {إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا} بالتحاكم {فَرِيقًا} طائفةً {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ} ملتبسين {بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم مُبطلون.
وقوله المؤلف: (أي: لا يأكل بعضُكم مالَ بعضٍ): يُبيِّنُ أَنَّ المراد النهيُ عن أَكل مال الغير، بدليل قوله:{بَيْنَكُمْ} ، وإضافةُ الأموال إلى المخاطبين لا
(1)
أخرجه البخاري (2680)، ومسلم (1713) عن أم سلمة رضي الله عنها.
(2)
زيادة من طبعة دار السلام، ورجح شيخنا إثباتها، وقال:«هي الصواب» .
باعتبار المِلك بل باعتبار أنها تتعلق بها مصالحُ الأمة، فلا يجوز التصرُّفُ فيها بما يفسدها.
وقولُه: (لا): يُبيِّنُ أَنَّ الواو عاطفةٌ على {لَا تَأْكُلُوا} ، فيكون المعنى: ولا تدلوا بها، فيصير النهي عن كلِّ واحدٍ منهما، وبدون تقدير:«لا» يصير النهي عن الجمع بينهما؛ كقوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} {وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (42)} [البقرة: 42].
وقولُه: (تُلقوا): يُبيِّنُ أَنَّ {تدلوا} مُضمَّنٌ معنى «تلقوا» ، بدليل تعدية الفعل بـ «إلى» .
وقولُه: (بحكومتها): أي: بالمحاكمة فيها لدى الحكام للتسلُّطِ عليها بذلك.
وقولُه: (أو بالأموال رشوة): وهذا أشهرُ في تفسير الآية
(1)
.
وقولُه: (بالتحاكم): أي: لتأكلوا مقدارًا من مال من تدعون عليه كذبًا.
وقولُه: (ملتبسين): أي: مخالطين للإثم، فالجارُ والمجرور حال.
وقولُه: (أنكم مُبطلون): المعنى: وأنتم تعلمون أَنَّ دعواكم باطلةٌ.
* * *
(1)
ينظر: «الكشاف» (1/ 392 - 393)، و «المحرر الوجيز» (1/ 458)، و «البحر المحيط» (2/ 225)، و «التحرير والتنوير» (2/ 190 - 191).
جاء في سبب نزول هذه الآيةِ أَنَّ بعضَ الناسِ سأل عن حِكمة أَنَّ الهلال يبدو صغيرًا ثم يكبرُ شيئًا فشيئًا، أو سألوا عن سبب ذلك
(1)
، والأولُ أَظهرُ بدليل الجواب
(2)
، فأمر اللهُ نبيَّه أَنْ يُبيِّنَ لهم المنفعةَ المترتبة على ذلك، وهي: معرفةُ المواقيت، وذلك بمعرفة الأشهر التي عِدَّتها اثنا عشر شهرًا، وهي: عدَّةُ السنة.
وقوله: {وَالْحَجِّ} : أي: وميقاتُ الحج، فعطفه على المواقيت من عطف الخاص على العام
(3)
، أمَّا قوله:{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} فهو إبطالٌ لِمَا كان يفعله الأوسُ والخزرجُ إذا رجعوا من الحج، لا يدخلون بيوتهم من الأبواب بل من ظهورها، فنهاهم اللهُ عن ذلك، وأَمرَهم بإتيان البيوتِ من أبوابها
(4)
، وما كانوا يفعلونه لا معنى له، ولا أَصلَ له في شرعٍ ولا عقلٍ.
ثم أَمرهم تعالى بتقواه، وذلك بفعل ما أَمرَهم به واجتناب ما نهاهم عنه.
وقوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (189)} : أي: لتفلحوا، والفلاحُ هو الفوزُ والظَفَرُ بالمطلوب المحبوب، والنجاةُ من المرهوب، وذلك لا يكون إلَّا بدخول الجنة والنجاة من النار، {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185].
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 53 - 54)، و «العجاب» (1/ 453 - 455).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 280 - 283)، و «البحر المحيط» (2/ 235)، و «التحرير والتنوير» (2/ 194).
(3)
ينظر: «البحر المحيط» (2/ 236)، و «التحرير والتنوير» (2/ 196).
(4)
أخرجه البخاري (1803)، ومسلم (3026) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.
{يَسْأَلُونَكَ} يا محمد {عَنِ الأهِلَّةِ} جمعُ هلالٍ، لِمَ تبدو دقيقةً ثم تزيدُ حتى تمتلئَ نورًا ثم تعودُ كما بَدَت، ولا تكون على حالةٍ واحدةٍ كالشمس {قُلْ} لهم {هِيَ مَوَاقِيتُ} جمعُ مِيقاتٍ {لِلنَّاسِ} يعلمون بها أوقاتَ زرعِهم ومتاجرهم، وعِدَدَ نِسائِهم، وصيامهم وإفطارهم {وَالْحَجِّ} عطفٌ على الناس؛ أي: يعلم بها وقته، فلو استمرَّت على حالةٍ لم يعرف ذلك {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَ} في الإحرام، بأَنْ تنقبوا فيها نقبًا تدخلون منه وتخرجون وتتركوا الباب، وكانوا يفعلون ذلك ويزعمونه بِرًّا {وَلَكِنَّ الْبِرَّ} أي: ذا البر {مَنِ اتَّقَى} اللهَ بترك مخالفته {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} في الإحرام كغيره {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفوزون.
وقولُ المؤلِّف: (يا محمد): تفسيرٌ للضمير المنصوب؛ لأنه المخاطَبُ بهذا الخبر، ولو قال المؤلف:«أيها النبي» ، بدل «يا محمد» كان أولى؛ لأن الله لم يخاطبه باسمه بل بصفةِ النبوة والرسالة.
وقولُه: (جمعُ هلال
…
) إلى آخره: كأَسنَّة جمع سنان، والهلالُ: اسمُ القمر أول الشهر، وبيَّن بقوله: (لِمَ تبدو
…
) إلى آخره: أي: الأهلة صفة سؤالهم.
وقولُه: (لهم): أي: للذين سألوا عن الأهلة.
وقولُه: (يعلمون بها
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ الأمورَ المؤقتة الدينية والدنيوية التي يحتاج الناس فيها إلى ما يعرفون به مواقيتهم، وقد جعل اللهُ لذلك الأهلة.
وقولُه: (عطف على الناس): فيكون في المعنى من عطف الخاص على العام؛ أي: ومواقيت للحج.
وقولُه: (فلو استمرت
…
) إلى آخره: بيانٌ لوجه دلالةِ الأهلة على المواقيت، وهو تغيُّرُ أحوالها، فلو كانت على حالةٍ واحدةٍ لم يُعرف بها الوقت؛ كالشمس لا تعرف بها الشهور.
وقولُه: (في الإحرام
…
) إلى آخره: بيانٌ لصفة إتيانهم البيوت من ظهورها، وذلك إذا كانوا محرمين، ويزعمون أَنَّ ذلك من البِرِّ فأبطل اللهُ ذلك، ونهاهم.
وقولُه: (ذا البر): قدَّر مضافًا ليُطابق اسمُ «لكنَّ» خبرَها، والأَولى تقديرُ مضافٍ قبل «مَنْ» ، فيكون التقدير:«ولكن البر حقًا تقوى مَنْ اتقى» ، أو «فعل من اتقى»
(1)
.
وقولُه: (في الإحرام كغيره): يُبيِّنُ أَنَّ الأمر بإتيان البيوت من أبوابها مُتعلق بالحال التي ابتدؤوا فيها إِتيان البيوت من ظهورها، فصار الأمرُ بإتيان البيوت من أبوابها مؤكدٌ للنهي عن إتيان البيوت من ظهورها.
* * *
(1)
تقدم في (ص 359) في آية: {وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ} .
يأمر تعالى رسولَه والمؤمنين بقتال مَنْ يُقاتلهم من الكافرين، واختُلفَ في المراد بالموصول {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}؛ فقيل: هم المحاربون من الكفار الذين لا عهد لهم، وقيل: هم مَنْ كان من أهل القتال، فخرج عنهم النساءُ والصبيانُ ومَن في حكمهم كالشيخ الفاني
(1)
.
وقوله: {فِي سَبِيلِ اللّهِ} : تنبيهٌ على الإخلاص، بأن يكون القصدُ من القتال إعلاءَ كلمةِ الله، وهذا الأمرُ بالقتال بعد الإذن للمهاجرين بقتال الذين أَخرجوهم من ديارهم وأموالهم بعد أن كانوا مأمورين بكفِّ أيديهم، فأُذِنَ لهم بالقتال، ثم أُمروا بقتال مَنْ قاتلهم، وهو معنى هذه الآية، ثم نُسِخ ذلك بالأمر بقتال المشركين حتى يسلموا وأهل الكتاب حتى يعطوا الجزية؛ كما في قوله تعالى:{فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} إلى قوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]، وقال في
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 289 - 292)، و «المحرر الوجيز» (1/ 462 - 463)، و «أضواء البيان» (1/ 145).
أهل الكتاب: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِر} إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون (29)} [التوبة: 29]
(1)
.
وقوله: {وَلَا تَعْتَدُواْ} : نهيٌ عن الاعتداء بجميع أنواعه، فيشمل قتالَ المعاهدين، وقَتْلَ ما لا يحلُّ قتلُه كالنساء والصبيان، ومما يُعَدُّ اعتداءً: التمثيلُ بأبدان القتلى من الكفار لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك
(2)
، والاعتداءُ في القرآن يأتي على وجهين:
أحدهما: مجاوزةُ حدودِ الله إلى ما حرم، ومنه قوله تعالى:{تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون (229)} [البقرة: 229]، وقوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (87)} [المائدة: 87].
الثاني: الاعتداءُ على الناس بظلمهم بقتلٍ أو غصبٍ ونحو ذلك، ومنه قوله تعالى -في آية القصاص-:{فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم (178)} [البقرة: 178]، وقوله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ} [البقرة: 194]
(3)
، وسُمِّيَ الجزاء على الاعتداءُ اعتداءً مشاكلة لفظية
(4)
؛ كقوله تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40]. وقوله في هذه الآية: {وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين (190)} تحتمل الوجهين.
(1)
هذا مبني على ما تقدم من الخلاف في المراد بالموصول {الذين يقاتلونكم} ، ينظر ما تقدم، و «الناسخ والمنسوخ» للنحاس (ص 107)، و «نواسخ القرآن» لابن الجوزي (ص 65)، و «قلائد المرجان» (ص 64).
(2)
أحاديث النهي عن المثلة جاءت عن جمع من الصحابة كعبد الله بن يزيد الأنصاري، وبريدة في البخاري (2474)، ومسلم (1731)، وورد النهي أيضًا في حديث أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، ويعلى بن مرة. ينظر:«إرواء الغليل» (2230).
(3)
ينظر: «الوجوه والنظائر» لمقاتل (ص 66)، و «التصاريف» ليحيى بن سلام (ص 187).
(4)
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 265)، و «الكشاف» (1/ 397)، و «التحرير والتنوير» (2/ 209)، و (2/ 211).
وقوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} : أَمر بقتل المشركين المحاربين حيث وجدوا.
وقوله: {حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أي: حيث وجدتموهم
(1)
.
وقوله: {وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} : أمر بإخراجهم من الأرض التي أخرجوا المؤمنين منها، وقوله تعالى:{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} : الفتنةُ في هذه الآية ونحوها: الشرك
(2)
، وما في حُكمه من أنواع الكفر، وما ينشأُ عن ذلك من الصدِّ عن سبيل الله، فإنه أَشدُّ وأَعظمُ عند الله من القتل والقتال في الشهر الحرام أو في البلد الحرام كما سيأتي في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ
…
} الآية [البقرة: 217].
وقوله: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} : نهيٌ عن قتال المشركين عند المسجد الحرام، وهو الحَرَمُ كلُّه، والمسجدُ الحرامُ: هو المصلَّى الذي حولَ الكعبة، والذي عنده جميع الحرم.
وقوله: {حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} : تقييدٌ للنهي عن قتالهم، فعُلِمَ أَنَّ النهي عن بدئهم بالقتال، فإن كفُّوا وجبَ الكفُّ عنهم، وإن بدؤوا بالقتال جاز قتالُهم وقَتْلُهم {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} -أي: عند المسجد الحرام- {فَاقْتُلُوهُمْ} ، وهذه الآية أعني:{وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} مخصِّصةٌ لقوله: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} ، وقوله:{فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]، والصحيحُ: أَنَّ هذه الآيةَ مُحكمةٌ، فلا يحلُّ في الحرم إِلا قتالُ مَنْ قاتلَ فيه
(3)
، ويؤيد أَنَّ الآيةَ مُحكمةٌ قولُه
(1)
«المفردات» (ص 173).
(2)
«نزهة الأعين النواظر» (ص 478).
(3)
وهو قول مجاهد، وذهب إليه جمهور المفسرين. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 296)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (1/ 151 - 153)، و «نواسخ القرآن» لابن الجوزي (ص 67)، و «تفسير القرطبي» (2/ 351 - 353)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 525). وفي نسخ هذه الآية خلاف قوي؛ حتى قال عنها النحاس:«من أصعب ما في الناسخ والمنسوخ» ، «الناسخ والمنسوخ» (ص 109).
صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ هذا البلدَ حرَّمَه اللهُ يومَ خلق السماوات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة))
(1)
. وقال صلى الله عليه وسلم: ((فإن أحدٌ ترخّص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا له: إنّ الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنّما أذن لي فيها ساعةً من نهارٍ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلّغ الشّاهد الغائب))
(2)
، رواهما البخاري ومسلم.
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِين (191)} أي: مثل هذا الجزاء بالقتل والقتال جزاءُ كلِّ كافرٍ يُقاتل المسلمين. وقوله: {فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (192)} أي: فإن انتهوا عن كفرهم بالله وعن قتالكم؛ فإنَّ اللهَ يغفر لهم ما سلف ويرحمهم لأنه غفورٌ رحيمٌ.
وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} : أَمرٌ بقتال الكفار مطلقًا. {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: شركٌ أو صدٌّ عن سبيل الله، و {حَتَّى}: حرف تعليل؛ أي: لِئلَّا تكون فتنة، أو حرف غاية؛ أي: إلى ألَّا تكون فتنة
(3)
، و {تَكُونَ} تامة، ومعناها: توجد، و {فِتْنَةٌ}: فاعل.
وقوله تعالى: {فَإِنِ انتَهَواْ} : عن كفرهم وقتالهم، {فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِين (193)}: نفي؛ معناه: النهي؛ أي: فلا تعتدوا أيها المؤمنون إلا على الظالمين بالكفر أو الاعتداء عليكم. وقوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} : ذهب جمهورُ المفسرين إلى أَنَّ المرادَ بالشهر الحرام: ذو القعدة، فهو أَحدُ الأشهر الحرم، وأَنَّ المعنى: الشهرُ الحرامُ الذي دخل المسلمون فيه مكةَ، وأَقاموا فيها ثلاثةَ أيام، وذلك في عُمرة القضية في السنة السابعة، هو بدل عن الشهر الحرام
(1)
أخرجه البخاري (1834)، ومسلم (1353) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)
أخرجه البخاري (1832)، ومسلم (1354) عن أبي شُريح العدوي رضي الله عنه.
(3)
ينظر: «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 158)، و «البحر المحيط» (2/ 246)، و «التحرير والتنوير» (2/ 207).
الذي صدَّ فيه المشركون النبيَّ صلى الله عليه وسلم عامَ الحديبية في السنة السادسة، وذلك من نوع القصاص
(1)
، ولهذا قال:{وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ، وذلك شاملٌ لجميع الحُرُمات؛ حرمةِ الزمانِ والمكانِ والإحرامِ، وحرمةِ المؤمنِ، وحرمةِ العهدِ، فمَن انتهك حُرمةً اقتُصَّ منه على الوجه المأذون فيه شرعًا.
وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أي: مَنْ اعتدى عليكم بقتالٍ أَوْ قتلٍ أَوْ أَيِّ نوع من أَنواع العدوان؛ فاعتدوا عليه قصاصًا وجزاءً بمثل اعتدائه عليكم، وسمَّى جزاءَ الاعتداء اعتداءً مُشاكلةً لفظيةً؛ كقوله:{وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40]، وفي هذا بيانٌ لصفة القصاص في قوله:{وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} .
ثم أَمر سبحانه عبادَه أن يتقوه، وذلك بفعل ما أَمرهم به وتركِ ما نهاهم عنه، فذلك يَقيهم عذابَ اللهِ وبأسَه، ورغَّبهم في التقوى فقال:{وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين (194)} ، وأَكَّد معيَّته تعالى للمتقين بقوله:{وَاعْلَمُواْ} ، وهذه الآيةُ كقوله تعالى:{إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُون (128)} [النحل: 128].
وقولُه: {وَاتَّقُواْ اللّهَ} : تأكيدٌ لكل ما تقدَّم من الأوامر والنواهي.
ثم قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ} : أَمر بإنفاق الأموال في سبيل الله؛ أي: لوجه الله، وفي كلِّ طريقٍ يحبُّ اللهُ الإنفاقَ فيه، ومن أعظم ذلك الجهادُ في سبيل الله بقتال أعداء الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
وقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} : نهيٌ للمؤمنين عن أَنْ يُعرِّضوا أنفسهم للهلكة، وهي: التهلكة، وليس من ذلك الانغماسُ في العدو، بل من الإلقاء باليد إلى التهلكة: القعودُ عن الجهاد، وقد كان سببُ نزول هذه الآية أَنَّ
(1)
وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس ومجاهد والسدي والضحاك وغيرهم، وهو قول جمهور المفسرين. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 304 - 309)، و «المحرر الوجيز» (1/ 465 - 466)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 527).
الأنصارَ لَمَّا ظهرَ الإسلامُ وعزَّ هموا أَنْ يقعدوا عن الجهاد ويُقبلوا على إصلاح حروثهم وبساتينهم، فنزلت هذه الآيةُ، رواه أبو داود والترمذي
(1)
.
وقوله تعالى: {{وَأَحْسِنُوَاْ} : أَمر بإحسان العمل والإحسان إلى العباد بأنواع الإحسان. وقوله: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين (195)}: ترغيبٌ في الإحسان، وهو تعالى محسنٌ ويُحبُّ الإحسانَ والمحسنين.
ولَمَّا صُدَّ صلى الله عليه وسلم عن البيت عامَ الحديبية، وصالحَ الكفارَ على أَنْ يعود العامَ القابل، ويُخلوا له مكةَ ثلاثة أيامٍ، وتجهَّزَ لعمرة القضاء، وخافوا أَلا تفي قريش ويُقاتلوهم، وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام والشهر الحرام؛ نزل:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: لإعلاءِ دينه {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} من الكفار {وَلَا تَعْتَدُوا} عليهم؛ بالابتداء بالقتال {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} المتجاوزين ما حدَّ لهم، وهذا منسوخٌ بآية براءة، أو بقوله:{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} وجدتموهم {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أي: من مكة، وقد فعل بهم ذلك عام الفتح {وَالْفِتْنَةُ} الشركُ منهم {أَشَدُّ} أَعظمُ {مِنَ الْقَتْلِ} لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي: في الحرم {حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ} فيه {فَاقْتُلُوهُمْ} فيه. وفي قراءةٍ بلا ألف في الأفعال الثلاثة
(2)
{كَذَلِكَ} القتلُ والإخراجُ {جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا}
(1)
أخرجه أبو داود (2512)، والترمذي (2972)، والحاكم (2434) من طريق حيوة بن شُرَيْحٍ وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، عن أبي أيوب الأنصاري، فذكره بسياق أطول وفيه قصة.
وهذا إسناد رجاله رجال مسلم؛ غير أسلم أبي عمران يزيد التُّجِيبي، وهو ثقة كما في «التقريب» (404)، ووهم الحاكم، فصححه على شرط الشيخين.
(2)
قرأ حمزة والكسائي: {ولَا تَقْتُلُوهم} ، {حتَّى يَقْتُلُوكُم} ، {فَإِنْ قَتَلُوكم فَاقْتُلُوهم} بغير ألف من القتل، والباقون بالألف من القتال. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 179 - 180)، و «النشر» (2/ 226 - 227).
عن الكفر وأَسلموا {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لهم {رَحِيمٌ} بهم {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ} توجد {فِتْنَةٌ} شركٌ {وَيَكُونَ الدِّينُ} العبادةُ {لِلَّهِ} وحده، ولا يُعبد سواه {فَإِنِ انْتَهَوْا} عن الشرك، فلا تعتدوا عليهم، دلَّ على هذا {فَلَا عُدْوَانَ} اعتداء بقتل أو غيره {إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} ومَن انتهى فليس بظالمٍ؛ فلا عدوان عليه {الشَّهْرُ الْحَرَامُ} المحرم مقابل {بِالشَّهْرِ الْحَرَام} فكما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله، رد لاستعظام المسلمين ذلك {وَالْحُرُمَاتُ} جمعُ حُرمة: ما يجب احترامه {قِصَاصٌ} أي: يقتصُّ بمثلها إذا انتهكت {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} بالقتال في الحرم أو الإحرام أو الشهر الحرام {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} سمَّى مقابلته اعتداءً لشبهها بالمقابل به في الصورة {وَاتَّقُوا اللَّهَ} في الانتصار وترك الاعتداء {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} بالعون والنصر {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} طاعته، الجهاد وغيره {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} أي: أنفسكم، والباء زائدة {إِلَى التَّهْلُكَةِ} الهلاكِ، بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه؛ لأنه يقوِّي العدوَّ عليكم {وَأَحْسِنُوا} بالنفقةِ وغيرها {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} أي: يُثيبهم.
وقولُ المؤلِّف: (لإعلاء دينه): يُبيِّنُ أَنَّ الجهادَ الذي في سبيل الله ما كان لإعلاء دينِ الله كما يدلُّ له قولُه صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قاتلَ لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله))، متفق عليه
(1)
.
وقولُه: (بالابتداء بالقتال): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بالاعتداء المنهي عنه هو: ابتداءُ الكفار بالقتال، وهو مبنيٌّ على أَنَّ المراد بالذين يقاتلونكم؛ هم المحاربون لا الكافرون.
(1)
البخاري (123)، ومسلم (1904) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
وقولُه: (المتجاوزين
…
) إلى آخره: هذا أَحدُ معنيي الاعتداء، ومنه:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229].
وقولُه: (وهذا منسوخٌ بآية براءة
…
) إلى آخره: يُريد: أَنَّ النهيَ عن ابتداء الكفار بالقتال منسوخٌ بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]، وهذا هو الصحيحُ.
وقولُه: (وقد فعل بهم ذلك
…
) إلى آخره: في هذا نظرٌ، فإنَّ المعروفَ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يُجْلِ أحدًا، بل أَمَّنهم وعفى عنهم وخرج مَنْ خرج معه إلى حنين
(1)
.
وقولُه: (الشرك منهم)، وقولُه: ({القتل} لهم
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ شركَ المشركين في مكة أكبرُ من قتل المسلمين لهم في الحرم، وفي ذلك تسليةٌ للمسلمين.
وقولُه: (أي: في الحرم): يُبيِّنُ بهذا أَنَّ المراد بالذي عند المسجد الحرام: هو جميعُ الحرم؛ لأنَّ المسجدَ الحرام هو المصلى حولَ الكعبة، فالمنهي عنه هو القتالُ أو القتلُ في الحرم، فالقتلُ أو القتالُ في المسجد نفسِه أَشدُّ تحريمًا.
وقولُه: (توجد): يُبيِّنُ أَنْ تكون تامة.
وقولُه: (العبادة
…
) إلى آخره: تفسيرٌ للدِّين، وإذا كانت العبادةُ لله وحده لم يوجد الشرك؛ فمضمونُ الجملةِ الثانيةِ لازمٌ لمضمون الجملةِ الأولى؛ لأَنَّ نفيَ وجود الشرك يستلزمُ وجودَ التوحيد، فعلى هذا تكون الجملةُ الثانيةُ مؤكدةً للجملة الأولى.
وقولُه: (عن الشرك
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنهم إذا انتهوا عن الشرك ثبتت لهم حرمةُ الإسلام، فلا يجوز الاعتداءُ عليهم بقتلٍ ولا قتالٍ أو غيرهما؛ لقوله تعالى:{فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} ؛ فإنه نفيٌ بمعنى النهي.
(1)
وكانوا يسمون الطلقاء. ينظر: صحيح البخاري (4333)، ومسلم (1059)، (1809).
وقولُه: (المحرم مقابل
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ معنى حرام: محرم، والشهرُ الحرامُ أَحدُ الأشهر الحُرمِ، والمراد: إمَّا جنسُ الأشهر الحُرم الأربعةِ، وإمَّا واحدٌ معيَّنٌ منها؛ كذو القعدة الذي جرت فيه مقاصة المشركين بدخول مكة في السنة السابعة في مقابل صدِّهم المسلمين في السنة السادسة؛ فالمعنى: مَنْ قاتلكم في الشهر الحرام؛ فقاتلوه فيه أو في شهرٍ مثله، وهذا من القصاص في حرمة الزمان؛ كالقصاص في حرمة المكان المذكور في قوله تعالى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
…
} الآية.
وقولُه: (رد لاستعظام المسلمين ذلك): يريد أَنَّ إباحةَ القتالِ في الشهر الحرام وفي الحرم قصاصًا دفعٌ لتحرُّجِ المسلمين من ذلك.
وقولُه: (سمَّى مقابلته
…
) إلى آخره: يريد: قوله: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} ، وهو في الحقيقة ليس اعتداء؛ بل مجازاةً وقصاصًا؛ يقول المؤلف: سماه اعتداء؛ لأنه يُشبه اعتداء المشركين في الصورة؛ لأَنَّ كلًا منهما قتلٌ وقتالٌ، وقال بعضهم: إنه من قبيل المشاكلةِ اللفظيةِ
(1)
، وقال بعضهم: إنه مجازٌ مرسَلٌ علاقته السببية؛ لأنه من التعبير بالسبب عن المسبب
(2)
.
وقولُه: (في الانتصار
…
) إلى آخره: خصَّ الأمرَ بالتقوى بما ذكر وإن كان عامًّا؛ ليناسب ما قبله.
وقولُه: (بالعون والنصر): هذا يُبيِّنُ أَنَّ المعيةَ هي المعيةُ الخاصة.
وقولُه: (طاعته
…
) إلى آخره: هذا بيانٌ للمراد بسبيل الله، وأَنَّ كلَّ طاعةٍ هي من سبيل الله، وقد غلبَ على هذا الوصف -أعني: في سبيل الله- أَنَّ المرادَ به الجهادُ بقتال الكفار، وكلُّ جهادٍ أو نفقةٍ في طاعة الله فهو في سبيل الله.
(1)
تقدم (ص 50).
(2)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (76)، و «المفردات» (ص 173).
وقولُه: (أنفسكم): بيانٌ لمفعول {تَلْقُوا} ؛ لأَنَّ التهلكةَ مصدرٌ سماعي بمعنى: الهلاك، والهلاكُ إنما يتعلَّق بالنفس، فصح أَنَّ المعنى: ولا تلقوا أَنفسَكم إلى التهلكة، ومن أَحسن ما عُبِّرَ به عن قوله:{بَأَيْدِيكُمْ} : أي: باختياركم، وعليه فالباءُ ليست زائدة
(1)
.
وقولُه: (بالإمساك عن النفقة
…
) إلى آخره: بيانٌ للسبب الذي يكون به الهلاك، وهو المنهيُّ عنه.
وقولُه: (بالنفقةِ وغيرها) تفسير الإحسان بالنفقة هو المناسب لسياق الآية فلما نهى عن الإمساك؛ بقوله: {وَلَا تَلْقُوا بَأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} أمر بالإنفاق بقوله: {وَأَحْسِنُوا} فكان الأمر بالإنفاق تأكيدًا للنهي عن الإمساك.
وقولُه: (أي: يثيبهم) فسر محبة الله بالإثابة، وهذا تأويل وصرف للكلام عن ظاهره وهذه طريقة من ينفي عن الله حقيقة المحبة، ويفسرها بالثواب أو إرادة الثواب، وهذه طريقة المؤلف -عفا الله عنه- كما سيأتي في نظائر هذه الآية.
* * *
(1)
ينظر: «التحرير والتنوير» (2/ 213 - 214). وأوجه أخرى في: «تفسير الطبري» (3/ 325 - 326)، و «الكشاف» (1/ 397)، و «المحرر الوجيز» (1/ 468)، و «البحر المحيط» (2/ 251 - 252).
يأمر اللهُ نبيَّه والمؤمنين بإتمام الحج والعمرة له تعالى، وفي المراد بالإتمام وجوهٌ من التفسير: فقيل: المرادُ: المضيُّ فيهما إلى تمامهما بعدمِ القطعِ لهما لأن الأمر بالإتمام إنما يتوجه لمن شرعَ فيهما، وقيل: إتمامُهما: فِعلُ جميعِ مناسكهما، وقيل: المرادُ: الإخلاصُ فيهما لله تعالى، وقيل: إتمامُهما: أَداؤهما؛ ولهذا قيل: إِنَّ هذه الآيةَ هي الدليلُ على وجوب الحجِّ والعمرة، ولهذا قال مَنْ قال: إِنَّ الحجَّ فُرِضَ في السنة السادسة من الهجرة
(1)
، وأَقربُ هذه الوجوه في المراد «بالإتمام»: الأول والثاني
(2)
، والصواب: أَنَّ الحجَّ إنما فُرِضَ في السَّنة التاسعة؛ لقوله تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] وهذه الآية إنما نزلت في السنة التاسعة
(3)
.
والحجُّ في اللغة: القصد إلى مُعَظَّمٍ، وفي الشرع: القصدُ إلى البيت الحرام والمشاعرِ العظامِ بقصد القُربةِ لله. والعمرةُ في اللغة: الزيارة، وفي الشرع: زيارةُ البيت للطواف به والسعي بين الصفا والمروة.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 327 - 342)، و «المحرر الوجيز» (1/ 470 - 471)، و «تفسير القرطبي» (2/ 365 - 366).
(2)
وتفسير الإتمام بالمضي هو قول ابن عباس في رواية علي ابن أبي طلحة عنه، واختاره الطبري والبغوي، واستظهره ابن كثير، وقال أبو حيان: إن القولين قريبان. ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 328)(3/ 331 - 332)، و (3/ 341)، و «تفسير البغوي» (1/ 218) و «البحر المحيط» (2/ 254)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 735).
(3)
ينظر: «زاد المعاد» (2/ 110).
وقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أي: صُددتم عن المسجد الحرام
(1)
.
وقوله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي: مَنْ أُحصرَ فعليه ما استيسر من الهدي، وهو: شاةٌ أو سُبْعُ بَدنةٍ أو سُبْعُ بقرةٍ، يذبحه في المكان الذي أُحصرَ فيه ويتحلَّل، وهذا يؤيد الوجهَ الأولَ في المراد بإتمام الحج والعمرة. وقوله:{وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ} : نهيٌ من الله عن حلق المحرِمِ رأَسَه.
وقوله: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} : هذا غايةٌ للنهي عن حلق المحرِمِ رأَسَه، ومحلُّ الهدي في العمرة وقت الفراغ منها، ومحلُّه المكاني: الحرمُ كله، والهديُ في الحج محلُّه الزماني يوم النحر، ومحلُّه المكاني منى.
وقوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} : هذه الآيةُ تضمَّنت الرخصةَ للمحرم بحلق رأسه إذا كان مريضًا أو به أذى من رأسه كالقمل، فمَن ترخَّصَ وحلقَ فعليه فدية، وهي أَحدُ ثلاثة أشياء: صيامُ ثلاثةِ أيامٍ، أو إطعامُ ستةِ مساكين لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، أو نُسك وهو شاةٌ أو سُبْعُ بقرةٍ أو سُبْعُ بدنة، وقد أُجملت خصالُ الفطرة الثلاثة في القرآن، وفصَّلتها السنَّةُ كما في حديث كعب بن عجرة
(2)
.
وقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} . قوله: {فَإِذَا أَمِنتُمْ} أي: لم تخافوا أَنْ يصدَّكم عدو عن البيت، وحينئذٍ فمَن تمتَّع بالعمرة إلى الحج؛ أي: أَنشأَ عمرةً في أشهر الحج ليتمتع بها إلى أَنْ يأتي وقتُ الإحرام بالحج، فمَن فعل ذلك وحلَّ من العمرة ثم أحرم بالحج مِنْ عامِه؛ فذلك هو المتمتعُ، وعليه ما استيسرَ من الهدي؛ وهو شاةٌ أو سُبْعُ بَدنةٍ أو سُبْعُ بقرةٍ كما تقدَّم، فمَن لم
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 239).
(2)
أخرجه البخاري (1814)، ومسلم (1201).
يجد فعليه صيامُ ثلاثةِ أيام في الحج، اختُلفَ في وقتها، وأظهرُ الأقوال أنه بعد الإحرام بالعمرة
(1)
، وسبعةٍ إذا رجعَ إلى أهله.
وقوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} : تأكيدٌ لوجوب ما ذكر من صيام الثلاثة والسبعة، وأنها لا تجزئ عن الهدي إلا كاملة، فمَن ترك منها يومًا لغير عذرٍ كان كمَن لم يصمْ منها شيئًا.
وقوله: {ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : اسمُ الإشارة قيل: راجعٌ إلى التمتع وما يتعلَّقُ به من الأحكام؛ فالمعنى: أَنَّ التمتُّعَ مشروعٌ لمن ليس من حاضري المسجد الحرام، وليس مشروعًا لحاضري المسجد الحرام، وقيل: اسمُ الإشارةِ راجعٌ إلى وجوب الهدي في قوله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ، وعلى هذا فلا يجب الهديُ إلا على مَنْ تمتَّعَ من غير حاضري المسجد الحرام، وعليه فمَن تمتَّعَ منهم فلا هدي عليه، والصوابُ الأولُ، فإنَّ اسمَ الإشارة ليس كالضمير يعود إلى أقرب مذكور؛ بل يعودُ إلى كلِّ ما تقدَّم في الجملة
(2)
.
واختُلف في المراد بـ {حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : فقال بعضهم: هم أهلُ الحرَمِ خاصة، وقيل: هم أهلُ الحرَمِ ومَن بينهم وبينه دون مسافةِ القصر، والصحيح: الأول؛ وهو أنهم سكانُ الحرَمِ؛ لأنه ظاهرُ القرآن
(3)
.
(1)
وهو قول أبي حنيفة واختاره السعدي. ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 430)، (3/ 431)، و «أحكام القرآن» للجصاص (1/ 366)، و «المحرر الوجيز» (1/ 478)، و «تفسير القرطبي» (2/ 399)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 538)، و «تفسير السعدي» (1/ 146).
(2)
وهو قول ابن عباس الربيع والسدي، واختاره الطبري، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 437)، (3/ 439)، و «أحكام القرآن» للجصاص (1/ 348)، و «المحرر الوجيز» (1/ 480)، و «زاد المسير» (1/ 163)، و «البحر المحيط» (2/ 270)، و «التحرير والتنوير» (2/ 229 - 230).
(3)
وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 438 - 439)، و «المحرر الوجيز» (1/ 480)، و «تفسير القرطبي» (2/ 404)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 540).
وقوله: {وَاتَّقُواْ اللّهَ} : وصيةٌ من الله لعباده بالتقوى، وهي: فعلُ المأمورات وتركُ المنهيات، وأولى ما يدخل فيها ما تقدَّم من الأوامر والنواهي. وقوله تعالى:{وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (196)} : أَمر بالعلم بأنه تعالى شديدُ العقاب، وفي ضمنه تعليمٌ للعباد بما يوجب الخوفَ منه تعالى والمبادرةَ إلى طاعته بفعل ما أَمر به واجتناب ما نهى عنه.
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} أَدُّوهما بحقوقهما {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} مُنعتم عن إتمامهما بعدو {فَمَا اسْتَيْسَرَ} تيسَّر {مِنَ الْهَدْيِ} عليكم وهو شاةٌ {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ} أي لا تتحلَّلوا {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْي} المذكورُ {مَحِلَّهُ} حيث يحلُّ ذبحُه، وهو مكانُ الإحصار عند الشافعي، فيذبح فيه بنيَّةِ التحلُّل، ويُفرق على مساكينه ويحلق، وبه يحصلُ التحلُّلُ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ} كقملٍ وصُداعٍ، فحَلَق في الإحرام {فَفِدْيَةٌ} عليه {مِنْ صِيَامٍ} لثلاثةِ أيامٍ {أَوْ صَدَقَةٍ} بثلاثة آصع من غالب قوتِ البلد على ستة مساكين {أَوْ نُسُكٍ} أي: ذبح شاة، و «أو» للتخيير.
وأُلحقَ به مَنْ حَلَقَ لغير عذرٍ؛ لأنه أولى بالكفارة، وكذا مَنْ استمتع بغير الحَلْق؛ كالطِيب واللبس والدُّهن لعذر أو غيره {فَإِذَا أَمِنتُمْ} العدوَّ، بأَنْ ذهب أو لم يكن {فَمَنْ تَمَتَّعَ} استمتع {بِالْعُمْرَةِ} أي: بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام {إِلَى الْحَجِّ} أي: الإحرام به، بأن يكون أَحرم بها في أشهره {فَمَا اسْتَيْسَرَ} تيسَّرَ {مِنَ الْهَدْيِ} عليه، وهو شاةٌ يذبحها بعد الإحرام به، والأفضلُ يوم النحر {فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ} الهديَ لفَقْدِه أو فَقْدِ ثمنه {فَصِيَامُ} أي: فعليه صيامُ {ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} أي: في حال الإحرام به، فيجب حينئذٍ أَنْ يُحرم قبل السابع من ذي الحجةِ، والأفضلُ قبلَ السادس؛ لكراهة صومِ يوم عرفة، ولا يجوز صومها أيامَ التشريق على أصحِّ قولي الشافعي {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إلى وطنكم، مكة أو غيرها، وقيل: إذا
فرغتم من أعمال الحج، وفيه التفاتٌ عن الغيبة {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} جملةُ تأكيدٍ لِمَا قبلها {ذَلِكَ} الحكمُ المذكورُ من وجوب الهدي أو الصيام على مَنْ تمتَّع {لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي، فإن كان فلا دمَ عليه ولا صيامَ وإن تمتع. وفي ذكر الأهل إشعارٌ باشتراطِ الاستيطان، فلو أَقام قبل أشهرِ الحج، ولم يستوطن وتمتع؛ فعليه ذلك، وهو أَحدُ وجهين عندنا، والثاني: لا، والأهلُ كنايةٌ عن النفس، وأُلحقَ بالمتمتِّعِ فيما ذُكِرَ بالسنَّة القارنُ؛ وهو مَنْ يُحرم بالعمرة والحج معًا، أو يُدخِل الحجَّ عليها قبل الطواف {وَاتَّقُوا اللَّهَ} فيما يأمركم به وينهاكم عنه {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن خالفَه.
وقولُ المؤلِّف: (أَدُّوهما بحقوقهما): أي: افعلوهما بجميع مناسكهما، وهذا يقتضي أَنَّ المؤلفَ يذهب إلى أَنَّ الآيةَ دليلٌ على وجوب الحج والعمرة، وهو يقتضي أَنَّ الحجَّ فُرِضَ في السنة السادسة، والصوابُ خلافه.
وقولُه: (عن إتمامهما
…
) إلى آخره: فسَّرَ الإحصارَ بالمنع من إتمامهما، وخصَّ الإحصارَ بحصر العدو، وهذا هو الذي وقع في السنة السادسة حين منع المشركون الرسولَ وأصحابَه من دخول مكة، وسمَّاه اللهُ صدًّا عن المسجد الحرام، واتفق العلماءُ على أَنَّ حَصْرَ العدو إحصارٌ يجب به الهدي، ويُباحُ به التحلل من الإحرام، وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أَنَّ الإحصارَ لا يختصُّ بحصر العدو، بل يعمُّ كلَّ مانعٍ من إتمام النُّسك من مرضٍ وغيره
(1)
.
(1)
وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة عنه، وابن مسعود، ومجاهد، والحسن وجماعة، وهو مذهب أبي حنيفة، واختاره الطبري. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 342 - 345)، (3/ 347 - 348)، و «المحرر الوجيز» (1/ 471 - 473)، و «زاد المسير» (1/ 159)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 533).
وقولُه: (عليكم): هذا تقديرٌ لخبر المبتدأ، وهو الموصول في قوله:{مَا اسْتَيْسَرَ} ، والتقدير: فإنْ أُحصرتم فعليكم ما استيسرَ من الهدي؛ أي: تيسر.
وقولُه: (وهو شاة): مثالٌ لِمَا استيسر، وبمنزلة الشاةِ سُبْعُ البَدنة أو البقرة
(1)
.
وقولُه: (أي: لا تتحلّلوا): فسَّرَ النهيَ عن الحلق بالنهي عن التحلل من الإحرام؛ لأنَّ الحلقَ مما يكون به التحلُّلُ، كما يدلُّ له قولُه صلى الله عليه وسلم للمعتمر:((وليُقصِّر وليتحلل))
(2)
؛ أي: بعد الطواف والسعي، أو أنه لا يُباحُ إلا بعد التحلل، كما يدلُّ له قولُه تعالى:{حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم:((فلا أحل حتى أنحر))
(3)
.
وقولُه: (حيث يحل ذبحه
…
) إلى آخره: فسَّرَ الهديَ بهدي الإحصار، والمحل بالمحل المكاني، وعليه فمحلُّ هدي الإحصارِ مكانُ الإحصار كما قال الشافعي
(4)
، فينحرُ المحصرُ هديه ثم يحلقُ رأسه، وبذا يحلُّ من إحرامه، وأَمَّا مَنْ أَحرمَ وساق الهدي معه، فإن كان معتمرًا؛ فإنه ينحرُ هديه بعد فراغه من العمرة ويحلق رأسه، وأَمَّا إن كان متمتعًا أو قارنًا؛ فإنه لا يحلُّ حتى ينحر هديه يومَ النحر بمنى.
وقولُه: (كقمل وصداع فحلق في الإحرام): هذا تمثيلٌ للمرض والأذى في الرأس.
وقولُه: (عليه): هذا تقديرٌ لخبر المبتدأ؛ وهو «فدية» .
(1)
لما أخرجه مسلم (1318) عن جابر بن عبد الله، قال:«نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة» .
(2)
أخرجه البخاري (1691)، ومسلم (1227) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه البخاري (1566)، ومسلم (1229) من حديث حفصة رضي الله عنها.
(4)
ينظر: «الأم» (3/ 399 - 401).
وقولُه: (لثلاثة أيام) وقولُه: (بثلاثة آصع
…
) إلى آخره: هذا مضمونُ ما دلَّت عليه السنَّةُ في قصة كعب بن عجرة، وهو بيانٌ لِمَا أُجمل في الآية.
وقولُه: (و «أو» للتخيير): يفيدُ أَنَّ مَنْ وجبت عليه الفديةُ يُجزئه واحدٌ من الثلاثة؛ كخصال كفارة اليمين.
وقولُه: (وألحق به
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ مَنْ حَلَقَ لغير عذرٍ تجب عليه الفديةُ؛ كمن حلق لعذر.
وقولُه: (في حال الإحرام به): يريد: أَنَّ صيامَ الأَيام الثلاثةِ يكون بعد إحرام المتمتعِ بالحجِّ، فيُحرم بالحج في اليوم السادس أو السابع من ذي الحجة، وقيل: يجوز صيامُها بعد الإحرام بالعمرة أو بعد التحلل منها؛ وهذا أصح.
وقولُه: (ولا يجوز صومها
…
) إلى آخره: أي: صوم الأيام الثلاثة، والصحيحُ أنه يجوز صوم أيام التشريق كما في حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم قالا:«لم يُرخَّصْ في أَيام التشريق أَنْ يُصَمنَ إِلَّا لمن لم يجد الهدي»
(1)
.
وقولُه: (وقيل: إذا فرغتم من أعمال الحج): الصوابُ: القولُ الأولُ، فوقتُ صيام الأَيام السبعة إذا رجع الحاج إلى أهله
(2)
.
وقولُه: (وفيه التفاتٌ عن الغيبة): يريد أَنَّ قوله: {إِذَا رَجَعْتُمْ} فيه التفاتٌ عن الغيبة إلى الخطاب؛ لأنَّ كلَّ ما قبله من قبيل الكلام عن غائب.
وقولُه: (جملةُ تأكيدٍ لِمَا قبلها): لأنَّ عشرةَ جمعُ ثلاثة وسبعة، فعلى هذا القول لم تُفد الجملةُ معنى جديدًا؛ لأنَّ ذكرها لمحضِ التأكيد، ومن أحسن ما قيل في وجه ذكر هذه الجملة: دفعُ توهُّم التخيير بين الثلاثة والسبعة؛ لأنَّ
(1)
أخرجه البخاري (1997).
(2)
وهو قول ابن عمر، وروي عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وجماعة. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 433)، (3/ 435 - 436)، و «المحرر الوجيز» (1/ 478 - 479)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 539).
الواو قد تكون في بعض المواضع بمعنى «أو» ، وقد استظهرتُ وجهًا لذكر هذه الجملة {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ، وهو الدلالة على أنه لا يجزئ صوم بعضها، فلا بد إذًا من صيام عشرة أيام كاملة
(1)
.
وقولُه: (الحكمُ المذكورُ
…
) إلى آخره: جعل اسمَ الإشارة {ذَلِكَ} راجعًا إلى قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
…
} وما بعده، وقيل: اسمُ الإشارة راجع إلى قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ} ، وهو أظهر، وعليه: فالمتعةُ مخصوصةٌ بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ولا متعةَ لمن كان من سكان الحرم، وقد اختلف العلماءُ في المراد بحاضري المسجد الحرام، وأقربها أنه مَنْ كان نازلًا في الحرم.
وقولُه: (فإن كان فلا دم عليه ولا صيام، وإن تمتع): هذا مبنيٌّ على ما سبق؛ أَنَّ اسمَ الإشارة راجعٌ إلى قوله تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ، وعلى ما نقله المؤلفُ عن الشافعي من أَنَّ حاضرَ المسجد الحرام مَنْ كان دون مرحلتين من الحرم
(2)
، فإنه يصحُّ منه التمتع ولا دم ولا صيام عليه، والمرحلة؛ يريد بها الفقهاء المسافة التي تقطع في يوم وليلة ولهذا عبر بعضهم بمن كان دون ليلتين من الحرم.
وقولُه: (وفي ذكر «الأهل» إشعار باشتراط الاستيطان
…
) إلى آخره: هذا استنباطٌ صحيحٌ، ولكن فيما فُرِّع عليه نظرٌ.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 436)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 268 - 269)، و «تفسير القرطبي» (2/ 402 - 403)، و «البحر المحيط» (2/ 268 - 270)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 539).
(2)
ينظر: «مختصر المزني» (8/ 161)، و «أحكام القرآن» جمع البيهقي (1/ 115)، و «تفسير الشافعي» جمع الفران (1/ 314 - 315).
وقولُه: (والثاني: لا): يريد: الوجهَ الثاني في مذهب الشافعي؛ مَنْ تمتَّعَ وهو دون مرحلتين من الحرم فلا دم عليه ولا صيام، وإن أقام بمكة قبل الحج
(1)
.
وقولُه: (والأهل كناية عن النفس): هذا غريبٌ ولا يظهر له وجه.
وقولُه: (وأُلحق بالمتمتع
…
) إلى آخره: معناه أَنَّ القارنَ بين الحج والعمرة ملحقٌ بالمتمتع في وجوب ما استيسر من الهدي، ووجوبِ صيامِ ثلاثةِ أيامٍ وسبعة لمن لم يجد.
* * *
(1)
ينظر الخلاف في شروط إيجاب دم التمتع عند الشافعية في: «المجموع شرح المهذب» (7/ 171) وما بعدها.
يُخبر تعالى في هذه الآية بأنَّ وقتَ الإحرام بالحج وأعمال الحج أَشهرٌ معلومة من أشهر السَّنة، وقد ذهب جمهورُ العلماء إلى أَنَّ أشهرَ الحجِّ: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة كما صح ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما وغيره
(1)
، وهذا وقتُ الإحرام بالحج، فلا ينعقدُ بعده بالإجماع، ولا يصح الإحرام قبل أشهره، وقيل: أَشهرُ الحجِّ: شوال وذو القعدة وذو الحجة كله
(2)
، كما يدل لذلك لفظ الجمع، وقد بيَّنت السنَّةُ تفصيلَ ذلك ببيان أيام المناسك، وهي ستةُ أيامٍ أولها يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة، وآخرُها آخرُ أيامِ التشريق وهو الثالث عشر من ذي الحجة، ومَن قال أَشهر الحج: شوال وذو القعدة
(1)
أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (2/ 141) باب قول الله تعالى: {الحج أشهر معلومات} إلى قوله: {في الحج} .
ووصله الطبري في تفسيره (3/ 446)، والدارقطني في «السنن» (2456) عن ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مثله، وصحح إسناده ابن كثير في تفسيره (1/ 542).
وأخرجه الطبري (3/ 446)، والحاكم (3092) ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (8782)، عن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مثله. وقال الحاكم:«إسناده على شرطهما ولم يخرجاه» .
وقال الحافظ في «الفتح» (3/ 420): «والإسنادان صحيحان» .
(2)
القول الأول: جاء عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير في جماعة من السلف، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، والشافعي، ومالك في رواية ابن حبيب، ورجحه الطبري والزجاج.
والقول الثاني: مروي عن ابن عمر أيضًا، وجابر بن عبد الله في جماعة من السلف، ومالك بن أنس في رواية ابن المنذر. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 443 - 451)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 269)، و «زاد المسير» (1/ 163)، و «تفسير القرطبي» (2/ 405)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 541 - 542).
وذو الحجة؛ قال: لا يجوز تأخيرُ شيءٍ من أعمال الحج عن شهر ذي الحجة، ومُتعلّقُ هذا الخلاف طوافُ الإفاضة
(1)
.
وقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} أي: أَوجبَ على نفسه الحجَّ بالشروع فيه؛ فإنه يجبُ بمجرد الإحرام به وإن كان تطوعًا، ويجبُ إتمامه؛ لقوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} [البقرة: 196]، والإحرام به يبدأُ وقتُه من أول ليلة من شوال، ولا يصحُّ قبل ذلك على الصحيح، وهو مذهب الشافعي
(2)
، وآخرُ وقتِه: آخرُ ليلةِ النحر إذا بقي مقدار ما يمكن فيه إدراكُ الوقوف بعرفة قبل طلوعِ الفجر، وهو إجماعٌ كما تقدَّم.
وقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} : النفيُ في هذه الجمل بمعنى النهي؛ أي: فلا يرفثْ ولا يَفسُقْ ولا يُجادلْ، والرفثُ: الجماعُ ودواعيه والكلامُ فيه بحضرة النساء، والفسوقُ: جميعُ المعاصي، ومنه محظورات الإحرام، والجدالُ في الحج: هو الجدالُ حالَ الإحرام في أي أمرٍ يختلف فيه، ومنه الجدالُ في أحكام الحج ومناسكه، فعُلم بذلك أَنَّ مَنْ بِرِّ الحج تركُ هذه المنهيات، فالحجُّ المبرورُ: ما جمع بين فعلِ المأمورات وتركِ المنهيات.
وقوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ} : ترغيبٌ في فعل الخير من أنواع الطاعات القولية والعملية البدنية والمالية، وذكر العلمِ في قوله:{يَعْلَمْهُ اللّهُ} يتضمَّنُ الوعدَ بالثواب.
وقوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا} : أَمرٌ بأَخذ الزاد؛ وهو النفقةُ في سفر الحج، ولَمَّا أَمرَ تعالى بأخذ الزاد في سفر الدنيا نبَّه على ما هو أهمُّ منه وأعظم، نبَّه على زاد سفرِ الآخرة وهو التقوى؛ فقال تعالى:{فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ؛
(1)
ينظر: «تفسير ابن جزي» (1/ 115)، و «تفسير الفاتحة والبقرة» للعثيمين (2/ 416).
(2)
وعزاه الماوردي لعمر، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، في جماعة من السلف. ينظر:«الأم» (3/ 387)، و «الحاوي الكبير» (4/ 28 - 29)، و «المجموع شرح المهذب» (7/ 131).
وهي: فِعلُ المأموراتِ وتَركُ المنهيات، فذلك هو الذي يقي العبدَ من سخط الله وعذابه، ثم أكد ذلك تعالى بقوله:{وَاتَّقُونِ يَاأُوْلِي الأَلْبَاب (197)} ، فأمر بخير زادٍ، وخصَّ بالخطاب أولي الألباب؛ وهم أهلُ العقول النيرة الزكية التي تُميِّزُ بين الحقِّ والباطلِ، والنافع والضار، وتؤثرُ الهدى والرُّشدَ على الضلالة والغي.
{الْحَجُّ} وقته {أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} شوالُ وذو القعدة وعشرُ ليالٍ من ذي الحجة، وقيل: كلُّه {فَمَنْ فَرَضَ} على نفسه {فِيهِنَّ الْحَجَّ} بالإحرام به {فَلَا رَفَثٌ} جماعَ فيه {وَلَا فُسُوقٌ} معاصٍ {وَلَا جِدَالَ} خصامَ {فِي الْحَجِّ} وفي قراءة: بفتح الأولين
(1)
، والمراد في الثلاثة: النهي {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} كصدقةٍ {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} فيُجازيكم به، ونزل في أهل اليمن، وكانوا يحجُّونَ بلا زادٍ، فيكونون كَلًّا على الناس {وَتَزَوَّدُوا} ما يُبلِّغكُم لسفركم {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ما يتقى به سؤال الناس وغيره {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} ذوي العقول.
وقولُ المؤلِّف: (وقته): يريد أَنَّ {أَشْهُرٌ} خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والتقدير: الحجُّ وقتُه أَشهرٌ، وبعضُهم يُقدِّر مضافًا محذوفًا هو مبتدأ، وخبرُه: أَشهر، وعلى هذا فالتقدير: وقتُ الحجِّ أشهرٌ
(2)
.
(1)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: {فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ} بالضم فيهما والتنوين -كما هي في قراءة المؤلف-، وقرأ الباقون:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} بالنصب بغير تنوين، ولم يختلفوا في نصب اللام في جدال من قوله:{وَلَا جِدَالَ فِي الْحَج} في نفس الآية. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 180)، و «النشر» (2/ 212).
(2)
وذكروا أوجهًا أخرى. ينظر: «معاني القرآن» للفراء (1/ 119)، و «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 160 - 161)، و «الكشاف» (1/ 405)، و «البحر المحيط» (2/ 272)، و «الدر المصون» (2/ 322).
وقولُه: (شوال
…
) إلى آخره: بيانٌ للمراد بالأشهر، وأَشار إلى القولين في ذلك كما تقدَّم.
وقولُه: (على نفسه): يُبيِّنُ أَنَّ معنى {فَرَضَ} : أَوجبَ على نفسه الحج بالإحرام به كما ذكر المؤلف بعد، وهكذا حُكم العمرةِ تجب بالشروع فيها.
وقولُه: (ونزل في أهل اليمن
…
) إلى آخره: يُشيرُ إلى سبب نزول قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا}
(1)
. وقولُه: (ما يُبلِّغكُم لسفركم): أي: خذوا من النفقة ما يكفيكم في سفر الحجِّ مع التوكل على الله.
وقولُه: (ما يُتَّقى به سؤال الناس
…
) إلى آخره: جعل هذا تفسيرًا للتقوى، وفي هذا التفسيرِ نظرٌ، والأصلُ أَنَّ التقوى تقوى الله بفعل ما أَمرَ به واجتناب ما نهى عنه، ولهذا أَكَّدَ الثناءَ على التقوى للأمر بها في قوله:{وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} .
* * *
(1)
أخرجه البخاري (1523) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
يُبيِّنُ تعالى في هذه الآيات أنه ليس على الحاج جُناحٌ -أي: إثمٌ- في طلب فضل الله؛ أي: رِزقه بالتجارة في سفر الحج وفي مكة والمشاعر، وقد نزلت هذه الآيةُ لمَّا تحرَّج بعضُ المسلمين من الاتجار في الحج
(1)
، وإذا كان الحجُّ هو المقصودُ الأولُ في السفر لم يقدحِ الاتجارُ في النية، ولم ينقص به الثواب؛ لأنه -أي: الاتجار- حينئذٍ مقصودٌ بالتَّبع، أَمَّا إذا كان المقصودُ في السفر هو التجارة في موسم الحج، والحجُّ تابعٌ؛ فالاتجارُ لا يقدح في صحة الحج، ولكنه لا يبلغ منزلةَ من أنشأ السفرَ للحج، وأَخلص النيةَ لذلك
(2)
.
وقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} : أي: إذا دفعتم مُنصرفين من عرفة إلى مزدلفة بعد غروب الشمس؛ فاذكروا اللهَ عند المشعر الحرام، وهو جبلٌ صغيرٌ معروفٌ بالمزدلفة، وقف عنده النبيُّ صلى الله عليه وسلم
(3)
، ويُطلَقُ هذا الاسمُ على كل مزدلفة، فيقال لها: المشعرُ، وجَمْعٌ، ومزدلفة
(4)
، ويقال لتلك الليلة: ليلة عرفة؛ لأنها وقتُ الوقوف بعرفة، وليلة جَمْعٍ لنزول الحاجِّ فيها تلك الليلة. والوقوف بعرفة هو ركنُ الحج الأعظم، والوقوف بمزدلفة أحدُ مناسك الحج الواجبة؛ لقوله
(1)
أخرجه البخاري (1770)، (4519) عن ابن عباس، وينظر:«أسباب النزول» (ص 62 - 63)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 499 - 504).
(2)
ينظر: «جامع العلوم والحكم» (1/ 81 - 82).
(3)
أخرجه مسلم (1218) عن جابر رضي الله عنه.
(4)
ينظر: «معجم البلدان» (2/ 163)، (5/ 120 - 121)، و (5/ 133 - 134).
تعالى: {فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} ، ويدخل في الذكر صلاةُ المغرب والعشاء فيها وصلاة الفجر.
وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} : تأكيدٌ للأمر بالذكر عند المشعر الحرام؛ أي: اذكروا الله شكرًا على نعمته بهدايته إياكم لدين الإسلام وشرائعه، ومناسك الحج التي هي من ملة إبراهيم عليه السلام.
وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين (198)} : أي: وإنكم كنتم قبل هدى الله إياكم من الضالين عن طريق الحق.
وقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} : قيل: المراد «الإفاضة» من عرفة، وهو قول جمهور المفسرين، وحكى ابن جرير الإجماع عليه، وقيل: المراد «الإفاضة من مزدلفة» صبح يوم النحر، وهذا هو ظاهر القرآن لولا أنه خلاف قول الجمهور من المفسرين
(1)
.
والمراد بالناس: جمهور الناس؛ وهم من عدا قريش، فقد كان جمهورُ الناس يقفون بعرفة، وقريشٌ تقف باليوم التاسع بالمزدلفة، ويقولون: نحن أهلُ الحرم لا نخرج منه، وهذا من بدعهم في الحج، فإنهم خالفوا سنَّةَ إبراهيم عليه السلام فقد كان يقف بعرفة، ولذا قال بعض المفسرين: المراد بالناس إبراهيمُ عليه السلام
(2)
، وعلى هذا يكون من العام الذي أُريد به الخصوص؛ كقوله تعالى:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173].
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 525 - 532)، و «المحرر الوجيز» (1/ 489 - 490)، و «البحر المحيط» (2/ 300 - 302)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 555 - 556)، و «أضواء البيان» (1/ 166 - 167).
(2)
وهو قول الضحاك، ومال إليه ابن جرير الطبري، فبعد أن حكى أقوالًا للسلف أن الناس هم قريش والإفاضة من عرفات؛ قال:«ولولا إجماع من وصفت إجماعه على أن ذلك تأويله لقلت: أولى التأويلين بتأويل الآية ما قاله الضحاك» . «تفسير الطبري» (3/ 530 - 531)، وهذا مبني على ما سبق. ينظر المصادر السابقة.
وقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ} : أَمرٌ من الله لحجاج بيتِه بعد الإفاضتين من عرفة ومزدلفة بالاستغفار؛ وهو: طلب المغفرة من الله لذنوبهم، ورغبهم في ذلك بإخبارهم أنه تعالى غفورٌ؛ أي: كثيرُ المغفرةِ لذنوب عباده، والندبُ للاستغفار في هذا الموضع من قَبيل ختمِ العمل بالاستغفار؛ كالاستغفار بعد التهجد، وفي أَدبار الصلوات المكتوبة. {رَّحِيم (199)}: أي: ذو رحمةٍ واسعةٍ، فأمر تعالى في هذه الآية بذكره وبالاستغفار، وكثيرًا ما يقرن تعالى بين الأمرين؛ كقوله تعالى:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3]، وقوله:{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار (55)} [غافر: 55].
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} في {أَنْ تَبْتَغُوا} تطلبوا {فَضْلًا} رزقًا {مِنْ رَبِّكُمْ} بالتجارة في الحج، نزل ردًّا لكراهتهم ذلك {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} دفعتم {مِنْ عَرَفَاتٍ} بعد الوقوف بها {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} بعد المبيتِ بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء {عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} هو جبلٌ في آخر المزدلفة يقال له: قزح، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وقفَ به يذكر اللهَ ويدعو حتى أَسفر جدًا رواه مسلم
(1)
{وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} لمعالم دينه ومناسكِ حجِّه، والكاف للتعليل {وَإِنْ} مخفَّفةٌ {كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ} قبل هداه {لَمِنَ الضَّالِّينَ} {ثُم أَفِيضُوا} يا قريش {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} أي: من عرفة؛ بأن تقفوا بها معهم، وكانوا يقفون بالمزدلفة ترفُّعًا عن الوقوف معهم، و «ثم» للترتيب في الذكر {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} من ذنوبكم {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} للمؤمنين {رَحِيمٌ} بهم.
(1)
أخرجه مسلم (1218) عن جابر رضي الله عنه.
وقولُ المؤلِّف: (في): يُبيِّنُ أَنَّ المصدرَ المؤول {أَنْ تَبْتَغُوا} منصوبٌ بنزع الخافض.
وقولُه: (نزل ردًّا
…
) إلى آخره: إشارةٌ إلى سبب النزولِ.
وقولُه: (بعد المبيت بمزدلفة
…
) إلى آخره: أي: وبعد صلاة الفجر يُسَنُّ الدعاءُ والذكرُ عند المشعر، أو أيِّ مكانٍ من المزدلفة؛ لفعله صلى الله عليه وسلم وقولُه:((وجمع كلها موقف))
(1)
.
وقولُه: (وفي الحديث
…
) إلى آخره: هذا طرفٌ من حديث جابر في صفة حجته صلى الله عليه وسلم
(2)
.
وقولُه: (لمعالم دينه
…
) إلى آخره: بيانٌ لمتعلّقِ الهداية؛ فمعنى {هَدَاكُمْ} : «عرَّفكم» .
وقولُه: (معالم دينه): يعني: شعائرَ الإسلام، ومناسك الحج: أعمال الحج.
وقولُه: (الكاف للتعليل): يعني: أنها بمعنى: اللام؛ فالمعنى: اذكروه من أجل هدايته إياكم، وذكره تعالى من أجل إنعامه هو ذكرٌ وشكرٌ؛ لأَنَّ الثناء على المنعم هو من الشكر بالقول.
وقولُه: (قبل هداه): بيانٌ لمرجع الضمير في قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِهِ} أي: من قبل هدايته إياكم. وقولُه: (يا قريش): تخصيصٌ للخطاب بقريش؛ لأنهم الذين لا يقفون بعرفة كما يقف سائر الناس، والآيةُ عامَّةٌ لقريش وغيرهم، والأمرُ بالإفاضة من عرفة أمرٌ بالوقوف بها.
وقولُه: (و «ثم»): يريد {ثُمَّ} في قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا} .
(1)
أخرجه مسلم (1218)، من حديث جابر رضي الله عنه.
(2)
أخرجه مسلم (1218).
وقولُه: (للترتيب في الذكر): أي: لا في الحكم لأَنَّ الأمر بالإفاضة من عرفة جاء بعد الأمر بالذكر عند المشعر الحرام
(1)
.
وقولُه: (للمؤمنين): تقييدٌ لا داعي إليه، فاللهُ غفورٌ للمؤمنين وللكافرين إذا تابوا إليه.
* * *
(1)
وهذا هو توجيه الجمهور الذين فسروا قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا} بالإفاضة من عرفة؛ وهو أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، تقديره: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ثم أفيضوا من حيث أفاض النَّاس، فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام. «تفسير الطبري» (3/ 530)، و «الهداية» لمكي (1/ 668)، و «تفسير البغوي» (1/ 230)، و «الدر المصون» (2/ 334 - 335).
يأمرُ اللهُ -تعالى- عبادَه إذا فرغوا من أداء مناسك حجِّهم أَنْ يذكروه بالثناء عليه؛ بذكرِ أسمائه الحسنى وصفاتِه العُلَى، وذِكر نِعمه التي لا تُحصَى، ذِكرًا مثلَ ذِكرِ آبائهم أو أشد، وكان أهلُ الجاهلية إذا فرغوا من حجِّهم أَقبلوا يتفاخرون بعضهم على بعض ويُعدِّدون مفاخرَ آبائهم.
ثم يذكر سبحانه وتعالى أَنَّ الناسَ صنفان؛ صنفٌ لا يريد إلَّا حظَّ الدنيا والثوابَ العاجل، فهو لا يسألُ ربَّه إلَّا ذلك، وهؤلاء ليس لهم في الآخرة نصيبٌ؛ فقال تعالى في هذا الصنف:{فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (200)} أي: نصيب، وأَمَّا الصنفُ الآخرُ: فهم الذين يطلبون الخيرَ والسعادةَ في الدنيا والآخرة، ويسألون ربهم ذلك، وقد أخبر الله عنهم بقوله:{وِمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (201)} ، فتضمَّن هذا الدعاءُ سؤالَ الله ثوابَ الدنيا والآخرة، والوقايةَ من عذاب النار، وحسنةُ الدنيا: يدخل فيها كلُّ عملٍ صالحٍ، وكلُّ ما يُعينُ على ذلك من مالٍ وزوجةٍ وولدٍ، وحسنةُ الآخرةِ: هي الجنةُ
(1)
، فكان هذا الدعاءُ من الجوامع؛ ولهذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُكثر من الدعاء به، {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} كما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه
(2)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 544 - 547)، و «المحرر الوجيز» (1/ 492 - 493)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 558).
(2)
أخرجه البخاري (6389)، ومسلم (2690).
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} اسمُ الإشارة: راجعٌ إلى الصنف الثاني من الناس، وهم السعداءُ الراغبون والطالبون لخير الدنيا والآخرة، وأُشيرَ إليهم بإشارة البعيد لعلوِّ منزلتهم وارتفاعِ قدرهم
(1)
، يُخبرُ تعالى أَنَّ لهم نصيبًا من الثواب في الآخرة بسبب كسبهم؛ أي: عملهم، وهذا مُقابلٌ لقوله في الصِّنفِ الأَوَّلِ الذين لا يريدون إلَّا الدنيا:{وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (200)} . وقوله تعالى: {وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب (202)} : يعني: أَنَّه يُحاسبُ عبادَه حسابًا سريعًا، وقد أَحصى على العباد أعمالهم، فيصير كلُّ فريقٍ من الناس إلى الدار التي هو من أهلها، الجنة أو النار؛ {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير (7)} [الشورى: 7].
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ} أَدَّيتم {مَنَاسِكَكُمْ} عباداتِ حجِّكم، بأَن رَميتم جمرةَ العقبةِ وطُفتم واستقررتم بمنى {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} بالتكبيرِ والثناءِ {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} كما كنتم تذكرونهم عند فراغِ حجِّكم بالمفاخرة {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} مِنْ ذكركم إيَّاهم، ونصب «أشد» على الحال من «ذكرًا» المنصوب بـ «اذكروا» ، إذ لو تأخَّر عنه لكان صفةً له {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا} نصيبنا {فِي الدُّنْيَا} فيؤتاه فيها {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} نصيبٍ {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} نعمةً {وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} هي: الجنةُ {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} بعدم دخولها، وهذا بيانٌ لِمَا كان عليه المشركون ولحالِ المؤمنين، والقصدُ به: الحثُّ على طلب خيري الدارين كما وعد بالثواب عليه بقوله {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ} ثوابٌ {مـ} ن أَجل {ما كَسَبُوا} عملوا من الحجِّ والدعاءِ {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} يُحاسِبُ الخلقَ كلَّهم في قدر نصفِ نهارٍ من أيام الدنيا؛ لحديث بذلك.
(1)
ينظر: «تفسير القاسمي» (2/ 97).
وقولُ المؤلِّف: (بأن رَميتم جمرةَ العقبة
…
) إلى آخره: هذا يقتضي أَنَّ المرادَ بقضاء المناسكِ: قضاءُ مُعظمها لا كلها، فإنه يبقى بعد رمي جمرةِ العقبة والطواف رميُ الجمار في الأيام الثلاثة والوداع.
وقولُه: (ونصب «أشد» على الحال): في هذا الإعراب نظرٌ، والصواب: أَنَّه نائبٌ عن المفعول المطلق
(1)
.
وقولُه: (من أَجل): يُفيدُ أَنَّ مِنْ للتعليل.
وقولُه: (في قدر نصفِ نهارٍ من أيام الدنيا لحديث بذلك): يُشيرُ إلى ما رواه الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء» ، ثم قرأ:{إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: 68]
(2)
.
* * *
(1)
ينظر: «البحر المحيط» (2/ 307 - 309)، و «الدر المصون» (2/ 338)، و «التحرير والتنوير» (2/ 245).
(2)
أخرجه الحاكم (3516)، وابن المبارك في «الزهد» (1313)، وابن أبي حاتم (15079) من طرق، عن سفيان الثوري، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:«لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء» ، ثم قرأ:{إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: 68]».
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ، وليس كذلك، فالمنهال بن عمرو ليس من رجال مسلم، وميسرة ليس من رجال الشيخين، وإنما خرج له البخاري في «الأدب المفرد» ، وهما صدوقان. ينظر:«التهذيب» (10/ 319، رقم 555)، و (10/ 386، رقم 691)، وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود، كما قال غير واحد من النقاد، ينظر:«المراسيل» لابن أبي حاتم (رقم 476).
وأخرجه الطبري (19/ 556) من طريق أسباط، عن السدي، في قوله:{إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} [الصافات: 68] قال: في قراءة عبد الله: «ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم» وكان عبد الله يقول: «والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار» ، ثم قال:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24]. والسدي وهو الكبير، وأسباط بن نصر، صدوقان كثيرا الخطأ.
وروي بنحوه عن جماعة من السلف: عن إبراهيم النخعي عند ابن المبارك في «الزهد» (1314)، والطبري في التفسير (17/ 484)، وعن ابن جريج عند الطبري أيضًا، وعن سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم (15081).
وقوله تعالى: {* وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون (203)} [البقرة: 203]:
يأمر اللهُ الحجاجَ وغيرهم بذكره {فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} ؛ وهي: أيام منى؛ الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، ويُقال لها: أيامُ التشريق، ومن ذكره تعالى التكبيرُ المطلق والمقيد، وعند رمي الجمار، وعند ذبح القرابين من هدي وأضحية.
وقوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} : أي: تعجَّل بالرجوع إلى أهله في يومين من الأيام الثلاثة، وذلك يكون في اليوم الثاني من أيام منى، وهو الثاني عشر من ذي الحجة، وُيسمَّى يوم النفر الأول.
وقوله تعالى: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} : أي: فلا إثم عليه ولا حرج في تعجُّلِه.
وقوله: {وَمَنْ تَأَخَّرَ} : أي: في الرجوع إلى أهله إلى اليوم الثالث من أيام منى، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، ويقال له: يومُ النفر الثاني.
وقوله: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} : أي: لا حرج عليه في تأخُّرِه، وعلى هذا فالحاجُّ مخيَّرٌ في النفر بين التعجل والتأخُّر، وضعَّفَ ابنُ جرير هذا القول، واختار أَنَّ معنى قوله تعالى:{فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} في الجملتين؛ أي: قد غفر اللهُ له ذنوبه إذا اتقى الله في حجِّهِ فلم يفعل ما نهي عنه من الرفث والفسوق، واستشهد لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:((من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه))
(1)
، وتأوَّل بهذا المعنى الذي اختاره؛ قولَه تعالى:{لِمَنِ اتَّقَى} أي: هذا الوعد بنفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لمن اتقى اللهَ في حجِّه، فكلُّ حاجٍّ اتقى اللهَ يغفر اللهُ ذنوبه فيرجع كما ولدته أمه، فعُلم بذلك أَنَّه لا فرق
(1)
أخرجه البخاري (1820)، ومسلم (1350) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.
بين مَنْ تعجَّل ومَن تأَخَّر من حيث مغفرة الذنوب، وهذا يتضمَّنُ التخييرَ بين التعجُّل والتأَخُّر
(1)
.
وقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ} : وصيَّةٌ من الله بالتقوى بعد بيان أنها سبب لمغفرة الذنوب.
وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون (203)} : أمر بالعلم وإعلام بما تضمَّنه قوله تعالى: {أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُون (203)} ؛ أي: تجمعون يوم القيامة للحساب والجزاء، وذكر الحشر بعد الأمر بالتقوى؛ لأَنه من أعظم البواعث عليها استعدادًا له.
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ} بالتكبير عند رمي الجمرات {فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} أي: أيامِ التشريقِ الثلاثة {فَمَنْ تَعَجَّلَ} أي: استعجلَ بالنفر من منى {فِي يَوْمَيْنِ} أي: في ثاني أيام التشريق بعد رمي جِماره {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} بالتعجيل {وَمَنْ تَأَخَّرَ} بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جِمارَه {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} بذلك؛ أي: هم مُخيَّرون في ذلك، ونفي الإثم {لِمَنِ اتَّقَى} الله في حَجِّه؛ لأنه الحاجُّ على الحقيقة {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} في الآخرة، فيُجازيكم بأعمالكم.
وقولُ المؤلِّف: (بالنفر من منى): هذا باعتبار الغالب، وإلا فقد يكون الحاجُّ قد بات خارج منى فيتعجَّل بالخروج من منزله.
وقولُه: (أي: في ثاني أيام
…
) إلى آخره: يُنبِّه على أَنَّ النفرَ لا يكون إلَّا بعد رمي الجمار الثلاث.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 565 - 570).
وقولُه: (بالتعجيل): هذا مبنيٌّ على أَنَّ المرادَ: التخييرُ ونفيُ الحرج، وقد ضعَّفَ ابنُ جرير هذا القولَ، وبيَّنَ الصوابَ في ذلك، وهو أَنَّ المرادَ الإخبارُ بمغفرة الذنوب للحاجِّ تعجَّلَ أو تأخَّرَ إذا اتقى الله.
وقولُه: (حتى بات ليلة الثالث
…
) إلى آخره: هذا بيانٌ لصفة التأخر.
وقولُه: (هم مُخيَّرون): هذا مبنيٌّ على أَنَّ المقصود بنفي الإثم في الجملتين التخيير، وهذا قولٌ مرجوحٌ كما تقدَّم.
وقولُه: (ونفي الإثم {لِمَنِ اتَّقَى} اللهَ في حجِّه
…
) إلى آخره: فيه التفاتةٌ للقول الآخر الذي رجَّحه ابنُ جرير
(1)
.
* * *
(1)
وهو قول عبد الله بن مسعود وابن عمر وجماعة، وروي عن علي بن أبي طالب بإسناد منقطع. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 560 - 563)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 361، رقم 1898)، و «المحرر الوجيز» (1/ 495)، و «تفسير القرطبي» (3/ 13).
يُخبر تعالى في هذه الآيات عن صنفين من الناس؛ أحدهما: يُخالفُ ظاهرُه باطنَه، وفعلُه قولَه، فقولُه يُعجبُ سامعَه لحُسن بيانِه ولِمَا يُظهره من دعوى الإيمان، حتى يُشهدَ اللهَ على ما في قلبه قائلًا: إنَّ اللهَ شاهدٌ على ما في قلبي من الإيمان، أو: يعلمُ اللهُ أني صادقٌ، وهو كاذبٌ في قوله، وهذا عينُ النفاق، وهو دَيدنه في حياته، يُعجبُ سامعَه كلامُه، ولكنه شديدُ اللددِ في المخاصمة، بكثرة الجدال والعناد، وعدمِ الانقياد مع الكذب والفجور والدعاوى الباطلة، وهو معنى قوله:{وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام (204)} ، وهذا الصنفُ هو المنافقُ المذكورُ في أَوَّلِ السورة في قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين (8)} [البقرة: 8]، وقوله:{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: 14].
ولَمَّا ذكر اللهُ سوءَ أَقوالِه ذكرَ سُوءَ أفعالِه؛ فقال: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا} ؛ أي: إذا ذهب وغاب عن الناس سعى في الأرض بالفساد؛ أي: بالمعاصي فيتسبَّبُ بذلك في إهلاك الأموال من الحروث والحيوانات، وتقبيحًا له ولفعله قال تعالى:{وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَاد (205)} ، إذًا: فلا يحبُّ المفسدين، وما أخبر تعالى أنه لا يُحبُّه فهو يُبغضه، ثم أَخبر تعالى عن تكبُّرِ هذا المفسد عن الحق؛ فقال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} يعني: إذا أمر بطاعة الله وترك المعاصي أَنف من ذلك، وحمله كِبرُه وعزَّتُه على ارتكاب الإثم معاندةً للحق، وهذا معنى:{أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} ، ثم توعَّده اللهُ بجهنم وأنها تكفيه نَكالًا، وله منها مهادٌ وبئس المهاد.
وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد (207)} : هذا هو الصنفُ الثاني من الناس، وهو الذي يَشري نفسَه؛ أي: يبيعها في سبيل مرضاة الله؛ أي: يجود بنفسه ليرضي اللهَ، فرِضا الله هو أعلى مَطالبه، ولو أَدَّى ذلك إلى تلف نفسه كما يفعل المجاهدُ في سبيل الله، وهذا أَدلُّ دليلٍ على صِدق إيمانِه واستقامته في أقواله وأفعاله، وبهذا يظهرُ التقابلُ بين هذين الصنفين من الناس، فالأول هو المنافق، والثاني هو المؤمن الصادق.
وقوله تعالى: {وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد (207)} : أي: عظيم الرحمة بعبادة المؤمنين، ومن رأفته ألَّا يُكلفهم ما لا يطيقون.
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ولا يُعجبك في الآخرة؛ لمخالفته لاعتقاده {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} أنه موافقٌ لقوله {وَهْوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} شديدُ الخصومةِ لك ولأتباعك؛ لعداوته لك، وهو الأخنس بن شريق، كان منافقًا حلوَ الكلام للنبي، يحلفُ أنه مؤمنٌ به ومُحبٌّ له، فيُدني مجلسَه، فأكذبه اللهُ في ذلك، ومرَّ بزرعٍ وحُمُر لبعض المسلمين فأحرقَه وعقرها ليلًا كما قال تعالى:{وَإِذَا تَوَلَّى} انصرف عنك {سَعَى} مشى {فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} من جملة الفساد {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} أي: لا يرضى به {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} في فعلك {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ} حملته الأنفةُ والحميةُ على العمل {بِالْإِثْمِ} الذي أُمر باتقائه {فَحَسْبُهُ} كافيه {جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} الفراشُ هي {ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي} يبيعُ {نَفْسَهُ} أَي: يبذلها في طاعة الله {ابْتِغَاءَ} طلبَ {مَرْضَاتِ اللَّهِ} رضاه. وهو صهيبٌ، لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة وترك لهم مالَه {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} حيث أرشدهم لِمَا فيه رضاه.
وقولُ المؤلِّف: (ولا يعجبك في الآخرة
…
) إلى آخره: هذا يقتضي أَنَّ الجارَ والمجرور {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} مُتعلِّقٌ بقول، وذلك لحذقه في أمر الدنيا دون الآخرة.
وقولُه: (أنه موافقٌ لقوله): يريد: أَنَّ هذا المنافقَ الذي ظاهره يُخالفُ باطنَه يُبالغ في الكذب، يدَّعي أَنَّ اللَه يشهد أَنَّ باطنَه موافقٌ لظاهره.
وقولُه: (شديدُ الخصومةِ لك): هذا تفسيرٌ لقوله: {أَلَدُّ الخِصَام} ، وشدَّةُ الخصومة تكون بالكذب وكثرةِ الجدال وعدمِ الانقياد للحجة والمراوغة في الكلام.
وقولُه: (وهو الأخنس
…
) إلى آخره: فيه إشارةٌ إلى سبب النزول
(1)
، وتفسيرٌ لقوله: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا
…
} الآية.
وقولُه: (مشى): هذا تفسيرٌ قاصرٌ، والسعيُ: يُطلَقُ على معاني، والمناسبُ هنا: السعيُ بمعنى: العمل المقصود؛ للتوصل به إلى أَمرٍ من الأمور
(2)
، ومقصودُ هذا الساعي هو الإفسادُ في الأرض.
وقولُه: (من جملة الفساد): يُبيِّنُ أَنَّ عطفَ «يهلك» على «يفسد» من عطف الخاص على العام.
وقولُه: (أي: لا يرضى به): فسَّرَ المحبةَ بالرضا، والمحبةُ والرضا متغايران لكن متلازمان إثباتًا ونفيًا، والأشاعرةُ لا يُثبتون المحبةَ ولا الرضا، ولذا يُفسرونهما بالإرادة
(3)
.
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 65)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 519 - 524).
(2)
السعي في كلام العرب: العمل، يقال: فلان يسعى على أهله، يعني به يعمل فيما يعود عليهم نفعه. ينظر:«لسان العرب» (14/ 385)، وبنحوه قال مجاهد. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 581)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 366، رقم 1926).
(3)
ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (1/ 521)، و «شرح الأصبهانية» (ص 39)، و «شرح العقيدة الطحاوية» لشيخنا (ص 198 - 199)، (ص 353).
وقولُه: (حملته
…
) إلى آخره: هذا معنى: {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ} .
وقولُه: (على العمل): أي: على العمل بالإثم.
وقولُه: (الذي أُمِرَ باتقائه): يريد: أَنَّ معنى: {اتَّقِ اللَّهَ} اتَّقِ معاصيَ الله باجتنابها، والإثم: اسمٌ لكلِّ معصية
(1)
.
وقولُه: (هي): بيانٌ للمخصوص بالذم؛ فالمعنى: بئس المهاد جهنم.
وقولُه: (رضاه): يُفيدُ أَنَّ مرضاة مصدرٌ ميمي؛ بمعنى: الرضا؛ فالمعنى: يطلبُ ببيعه نفسه رضا الله.
وقولُه: (وهو صهيبٌ
…
) إلى آخره: بيانٌ لسبب نزول الآية، وأَنَّ المراد بقوله تعالى:{ومِنَ النَّاسِ} صهيب الرومي
(2)
.
وقولُه: (حيث أرشدهم لما فيه رضاه): يريد: أَنَّ ذلك من رأفته بعباده، ولذا خُتمت الآيةُ بهذا الاسمِ الشريفِ.
* * *
(1)
ينظر: «لسان العرب» (12/ 5).
(2)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 65 - 66)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 524 - 527).
في هذه الآيات أَمرٌ من الله لعباده المؤمنين أَنْ يدخلوا في السِّلم كافَّة؛ أي: في الإسلام، في كلِّ شرائعه، بالإيمان بها والعمل بها، ثم عقبه بالنهي عن اتباع خطوات الشيطان؛ وهي: طرائِقُه وكل ما يأمر به من الفحشاء والمنكر، وبيَّنَ لهم سبحانه شدَّةَ عداوته للمؤمنين؛ فقال تعالى:{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (208)} ، أي: بيِّن العداوة.
وقوله تعالى: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (209)} : فيه تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ لمن زلَّ عن الصراط باتباعِ خطوات الشيطان، بعد مجيءِ الآياتِ البيِّناتِ المبيِّنةِ للهدى من الضلال والحق من الباطل، فقامت بذلك الحُجَّةُ ووضحَ السبيل.
وفي قوله: {فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (209)} : تهديدٌ ووعيدٌ، وهذا التهديدُ مُستفادٌ من ذكر اسمه العزيز الحكيم، فإنَّ العزيزَ هو القويُّ الغالبُ، والحكيم هو ذو الحكمة؛ وهي: وضعُ الأشياء في مواضعها، فبعزَّته ينتقم ممن عصاه، وبحكمته يضع الثوابَ والعقابَ مواضعه، والله أعلم.
وقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ
…
} الآية: انتقالٌ من خطاب المؤمنين إلى تهديد المكذِّبين، والاستفهامُ إنكاريٌّ معناه: النفي، و {يَنْظُرُونَ} بمعنى: ينتظرون، فمعنى الآية: ما ينتظر هؤلاء
المكذِّبون من الكفار والمنافقين إلَّا أَنْ يجيئهم اللهُ يوم القيامة في ظُللٍ من الغمام؛ أي: مع ظُللٍ، والظُّللُ: جمعُ ظُلَّةٍ، وهي: ما يستظلُّ به، ولذا قُرئ:{فِي ظِلَالٍ مِنَ الْغَمَامِ}
(1)
. والغَمامُ: هو السَّحابُ الرقيقُ
(2)
، يأتيهم اللهُ للفصل والجزاء، وتجيءُ الملائكة كما قال تعالى:{وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)} [الفجر: 22]، فهنالك يحكمُ اللهُ بين العباد، ويصيرُ كلٌّ من المؤمنين والكفار إلى الجزاء الذي حكم اللهُ به من ثواب وعقاب، وقوله تعالى:{وَقُضِيَ الأَمْرُ} أي: فرغ من أمر العباد والحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وفي مظالمهم، وصار كلُّ فريقٍ إلى الدار التي أُعدَّت له، وإلى الله ترجع الأُمور كلها، وهو يفعل ما يشاء، وكلُّ شيءٍ ينتهي إليه، قال تعالى:{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى (42)} [النجم: 42]، ثم أمر اللهُ نبيَّه أَنْ يسأل بني إسرائيل -وهم اليهود الذين كانوا حول المدينة- سؤالَ توبيخٍ، كم آتاهم الله من الآيات البينات على أيدي رسله؟! وتلك نعمةٌ عُظمى عليهم، وواجبٌ عليهم الإيمانُ بها واتباعُ رُسلِ الله، فمَن فعل ذلك نجا، ومَن بدَّل نعمة الله كفرًا استحقَّ العقابَ، كما فعل اليهودُ بتكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وسلم مع علمهم بصدقه، ولذا قال تعالى:{وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (211)} .
ثم أخبر تعالى بإعجاب الكفارِ بالحياة الدنيا واغترارهم بزينتها، وزينها الشيطان في أعينهم حتى آثروها على الآخرة، ومن شدَّةِ غرورهم وفَرْطِ جَهلهم يسخرون من المؤمنين؛ فقال تعالى:{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ} ، ولمَّا كانت سُخريَّتهم من المؤمنين تدلُّ على احتقارهم بسبب أنهم فوقهم في حظوظ الدنيا؛ أخبر تعالى أَنَّ حالهم تنعكس يوم القيامة حين
(1)
هذه قراءة قتادة، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع، وأبان بن ثعلب عن عَاصِم بْن مِقْسَمٍ، وهي قراءة شاذة. ينظر:«المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات» لابن جني (1/ 122)، و «الكامل في القراءات» لأبي القاسم الهذلي (ص 502).
(2)
تقدم في (ص 132).
يصير المؤمنون في عِلِّيين والكفارُ أَسفلَ سافلين، فقال:{وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .
وقوله تعالى: {وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاء} : وعدٌ للمؤمنين بالرزق الكثير، وهو الثوابُ العظيمُ والأجرُ الكريم.
وقوله: {بِغَيْرِ حِسَاب (212)} : أي: بغير تقديرٍ، فعُلم أنه كثيرٌ كثير.
ونزل في عبد الله بن سلام وأصحابِه لمَّا عظَّموا السبتَ وكرهوا الإبل بعد الإسلام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السّلْمِ} بفتح السِّين وكسرِها: الإسلام {كَافَّةً} حالٌّ من السلم؛ أي: في جميع شرائعه {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ} طُرُقَ {الشَّيْطَانِ} أي: تزيينه بالتفريق {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} بَيِّنُ العداوةِ {فَإِنْ زَلَلْتُمْ} مِلتمْ عن الدخول في جميعه {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} الحججُ الظاهرةُ على أنه حقٌّ {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} لا يُعجزه شيءٌ عن انتقامه منكم {حَكِيمٌ} في صنعه {هَلْ} ما {يَنْظُرُونَ} ينتظر التاركون الدخول فيه {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} أي: أَمرُه؛ كقوله: «أو يأتي أَمرُ ربك» أي: عذابُه {فِي ظُلَلٍ} جمعُ ظُلَّةٍ {مِنَ الْغَمَامِ} السَّحابِ {وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} تمَّ أَمرُ هلاكهم {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} بالبناء للمفعول والفاعل في الآخرة فيجازي {سَلْ} يا محمد {بَنِي إِسْرَائِيلَ} تبكيتًا {كَمْ آتَيْنَاهُمْ} «كم» : استفهاميةٌ مُعلِّقة «سل» عن المفعول الثاني، وهي ثاني مفعولي «آتينا» ومميزها {مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} ظاهرةٍ؛ كَفَلْقِ البحرِ وإنزالِ المنِّ والسلوى، فبدَّلوها كفرًا {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ} أي: ما أنعم به عليه من الآيات، لأنها سبب الهداية {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ} كفرًا {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} له {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} من أهل مكة {الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} بالتمويه فأحبوها {وَ} هم {يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} لفقرهم؛ كعمار وبلال وصُهيب؛ أي: يستهزئون بهم ويتعالون عليهم بالمال {وَالَّذِينَ
اتَّقَوْا} الشركَ، وهم هؤلاء {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: رزقًا واسعًا في الآخرة أو الدنيا، بأن يملك المسخورِ منهم أموالَ الساخرين ورِقابَهم.
وقولُ المؤلِّف: (ونزل في عبد الله بن سلام
…
) إلى آخره: يُشيرُ بذلك إلى سبب نزول الآية
(1)
. وقولُه: (بفتحِ السِّينِ وكسرِها: الإسلام): يُشيرُ بهذا إلى القراءتين
(2)
، وتفسيرُ {السِّلْم} بالإسلام هو قولُ جمهورِ المفسرين من السلف
(3)
.
وقولُه: (حال من «السِّلم»
…
) إلى آخره: بيانٌ لإعراب {كافة} ومعناها؛ أمَّا الإعراب: فهي حالٌ منصوبةٌ من السِّلم، ومعناها: جميع؛ أي: ادخلوا في جميع شرائعه إيمانًا وعملًا.
وقولُه: (أي: تزيينه بالتفريق): معناه: أَنَّ طرائقَ الشيطان هي ما يُزينه ويُحسنه من كلِّ ما يأمرُ به، ومن ذلك التفريقُ بين الأَحكام بالإيمان والعمل ببعضِها دون بعضٍ، ومثَّل لهذا بما ذُكر عن بعض مَنْ دخل في الإسلام من أهل الكتاب؛ لأنهم حرَّموا لحمَ الإبل وألبانها تمسُّكًا بالتوراة، وكذا تمسَّكوا بتعظيم السبت، فأُمروا بالدخول في الإسلام كله.
وقولُه: (لا يُعجزه شيءٌ
…
) إلى آخره: بيانٌ لِمَا يتضمنه اسمه تعالى العزيز من القوة مع مناسبة ذكره في هذا السياق.
وقولُه: (في صنعه): لو قال: وفي شرعه؛ لكان أولى، فإنه تعالى حكيمٌ في شرعه وقدره وفي خلقه وأمره.
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 67)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 529 - 532).
(2)
قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير والكسائي: {ادخُلُوا فِي السَّلْمِ} بفتح السين، وقرأ الباقون بالكسر. ينظر:«السبع في القراءات» (ص 180)، و «النشر» (2/ 227).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 595 - 596)(3/ 597)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 279)، و «زاد المسير» (1/ 174)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 565).
وقولُه: (ما): بيانُ أَنَّ الاستفهام معناه: النفي.
وقولُه: (أي: أمره
…
) إلى آخره: يريد أَنَّ الذي يأتي أمرُ الله؛ وهو عقابه، وهذا تأويلٌ وصرفٌ للكلام عن ظاهره، ومقصوده: أَنَّ الله لا يأتي، وهذا راجعٌ إلى أَنَّ اللهَ لا تقوم به الأفعالُ الاختيارية، وهو مذهب الأشاعرة، وهو مذهبٌ باطلٌ؛ لأنه خلافُ ما دلَّتْ عليه نصوصُ الكتاب والسنَّة من أنه تعالى فعَّالٌ لِمَا يريد، ومذهبُ السَّلفِ إثباتُ الأفعالِ الاختيارية؛ كالاستواء والنزول والمجيء
(1)
، فالصوابُ: إجراءُ الآيةِ على ظاهرها؛ وهو أَنَّ اللهَ نفسه يأتي
(2)
، ونظيرُ هذه الآية؛ قوله تعالى:{وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22]، وقال فيها المؤلِّفُ
(3)
نظيرَ قولِه في هذه الآية
(4)
.
وقولُه: (تم أَمرُ هلاكهم؟): لو قال: تمَّ أَمرُ إدخالهم النار لكان أَولى؛ لأَنَّ سِياقَ الآيات في يوم القيامة.
وقولُه: (بالبناء للمفعول والفاعل
…
) إلى آخره: يشير إلى القراءتين في: {تُرْجَعُ} الأولى بضم التاء وفتح الجيم، والثانية بفتح التاء وكسر الجيم
(5)
، و {الأُمُورُ} على القراءة الأولى: نائب فاعل، وعلى الثانية: هي الفاعل.
(1)
ينظر تأصيل مسألة الأفعال الاختيارية في: «جامع الرسائل والمسائل» (2/ 3 - 70)، و «مجموع الفتاوى» (6/ 68) وما بعدها، (6/ 144) وما بعدها، و (12/ 367) وما بعدها، و «درء التعارض» (2/ 18 - 20)، (9/ 268)، و «شرح الطحاوية» لشيخنا (ص 56 - 57)، و «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (3/ 1199).
(2)
وقد أبطل ابن القيم من حرف صفة المجيء وفسرها بمجيء أمره؛ من عشرة أوجه. ينظر: «مختصر الصواعق المرسلة» (3/ 856 - 860).
(3)
والمراد به المؤلِّف الآخر جلال الدين المحلي.
(4)
ينظر: «تفسير الجلالين» (ص 593/ قباوة).
(5)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} بضم التاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي:{تَرْجِعُ الْأُمُورُ} بفتح التاء. ينظر: «السبع في القراءات» (ص 181)، و «النشر» (2/ 208 - 209).
وقولُه: (تبكيتًا): بيانٌ لمقصود الأَمر بسؤال بني إسرائيل، وهو التوبيخُ والتقريعُ، وهو معنى قول المؤلِّف:(تبكيتًا)
(1)
.
وقولُه: («كم» استفهامية): يريد: أنها ليست خبرية الدالة على الكثرة؛ كقوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ} [الأعراف: 4]، فالمعنى: سل بني إسرائيل قائلًا لهم: كم آتيناهم من آيةٍ.
وقولُه: (معلِّقةُ «سَلْ»): يوضِّحُ مقصوده أَنَّ {سَلْ} أَمرٌ مِنْ سَأَلَ، وسأَلَ ينصبُ مفعولين، فإذا جاء بعد المفعول الأول جملةٌ استفهاميةٌ صار الفعلُ مُعلَّقًا عن المفعول الثاني. ثم يقول المؤلِّف: وهي المفعولُ الثاني لـ «آتينا» ؛ لأَنَّ «آتى» ينصب مفعولين، والمفعولُ الأولُ: الضميرُ المنصوبُ {آتَيْنَاهُمْ} ، والمفعولُ الثاني:«كم» ، وتميزها قوله:{مِنْ آيَةٍ} .
وقولُه: (كفرًا): هذا تقديرُ المفعول الثاني لـ {يُبَدِّلْ} ، ويشهدُ لهذا التقدير قولُه تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} [إبراهيم: 28].
وقولُه: (له): الضميرُ يعود إلى {مَنْ} ، وهو المُبدِّل نعمة الله.
وقولُه: (من أهل مكة): لا وجهَ لتخصيصِ الحكمِ بأهل مكة، كيف والسورةُ مدنية! بل الآيةُ عامَّةٌ في الكفار.
* * *
(1)
ينظر: «لسان العرب» (2/ 11).
لَمَّا ذكر اللهُ في الآية السابقة فريقي المؤمنين والكفار -وهما من الناس-؛ أَخبر في هذه الآية أَنَّ الناس كانوا أمةً واحدةً لا اختلاف بينهم، ثم اختلفوا، كانوا على التوحيد عشرة قرون من آدم إلى نوح عليهما السلام كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما
(1)
، فلما حدثَ الشركُ في قوم نوحٍ، فأرسل الله إليهم نوحًا، فصاروا فريقين مؤمنين وكفارًا، فأهلك الكفارَ بالغرق، وقد قُرئَ:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ}
(2)
.
ثم أخبر تعالى أنه بعث النبيين {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} ؛ يُبشِّرون مَنْ آمن بهم واتَّبعهم بما أَعدَّ اللهُ لهم من الكرامة، ومُنذرين مَنْ كفر بهم وعصاهم عقوبةَ الله وأخذه، وأَنزل على الرسل كتبًا مُشتملةً على الحق في الأخبار والأحكام، أرسل سبحانه تعالى الرسلَ وأَنزلَ الكتبَ ليَحكُم بين الناسِ فيما اختلفوا فيه، فيتبين المحقُّ من المبطلِ، ثم أخبر تعالى أَنَّ المختلفين لم يختلفوا إلا {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} وقامت عليهم الحجة، وكان اختلافُهم من بغي بعضهم على بعض، وكانت هذه حالُ أَهل الكتاب قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبرسالته هدىَ اللهُ الذين آمنوا به لِمَا اختلفَ فيه من قبلهم من الحق.
(1)
أخرجه الطبري (3/ 621)، والحاكم (4009) من طريق محمد بن بشار، قال:«ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، عن قتادة عن، عكرمة، عن ابن عباس» ، به. قال الحاكم:«هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» ، وأبو داود هو الطيالسي، وهمام هو همام بن يحيى البصري.
(2)
وهي قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب. ينظر: «شواذ القراءات» للكرماني (ص 89)، و «تفسير الطبري» (3/ 221)، و (3/ 624)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 376، رقم 1984)، و «المحرر الوجيز» (1/ 513).
{وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (213)} : وهو دين الإسلام الذي هو الدِّينُ عند الله، ولا يُقبَلَ من أَحدٍ دينٌ سِواه، وهذا الدينُ هو الذي أَرسل الله به رُسلَه من أَوَّلهم إلى آخرهم، فدين الرسل كلِّهم هو الإسلامُ، وأعظمُ كتابٍ وأعظمُ شريعةٍ: ما أَنزله الله على خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، وبعد بعثته صلى الله عليه وسلم انحصر الحقُّ فيما جاء به، فليس على الإسلام بعد بعثته ولا على الصراط المستقيم حتى تقومَ الساعة إلَّا مَنْ آمن به واتَّبعه، فهم المعنيون بقوله:{فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (213)} .
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} على الإيمان، فاختلفوا بأَنْ آمنَ بعضٌ وكفرَ بعضٌ {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} إليهم {مُبَشِّرِينَ} مَنْ آمن بالجنة {وَمُنْذِرِينَ} مَنْ كفر بالنار {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} بمعنى الكتب {بِالْحَقِّ} مُتعلِّقٌ بـ «أنزل» {لِيَحْكُمَ} به {بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} من الدِّين {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} أَي: الدِّين {إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} أي: الكتاب، فآمن بعضٌ وكفرَ بعضٌ {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} الحججُ الظاهرةُ على التوحيد، و «من» متعلقة بـ «اختلف» ، وهي وما بعدها مُقدَّم على الاستثناء في المعنى {بَغْيًا} من الكافرين {بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ} للبيان {الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} بإرادته {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} هدايته {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} طريقِ الحق.
وقولُ المؤلِّف: (مُتعلِّقٌ بـ «أنزل»): يُبيِّنُ أَنَّ الجارَ والمجرور في قوله: {بِالْحَقِّ} مُتعلِّقٌ بفعل أنزل الكتاب، والباءُ للملابسة، والجارُ والمجرورُ في موضع نصبٍ على الحال؛ فالمعنى: أَنزل الكتاب مشتملًا على الحق.
وقولُه: (به): الضميرُ راجعٌ إلى الكتاب؛ فالمعنى: ليحكُم اللهُ بالكتاب بين الناس.
وقولُه: (و «مِنْ» متعلقة بـ «اختلف»
…
) إلى آخره: يُريد قولَه تعالى: {مِنْ بَعْدِ} ، ويرى المؤلِّفُ أَنَّ جملةَ {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} من جهة المعنى مؤخرةٌ من تقديم، فمحلُّها قبل الاستثناء، وعليه؛ فالتقدير: وما اختلف فيه من بعد ما جاءتهم البينات إلا الذين أوتوه؛ أي: الكتاب.
وقولُه: (للبيان): يريد أَنَّ {مِنْ} في قوله: {مِنَ الْحَقِّ} بيانية.
وقولُه: (هدايته): مفعول {يَشَاءُ} ، وفاعلُ {يَشَاءُ} ضميرٌ يعود إلى الله؛ فالتقدير: مَنْ يشاء اللهُ هدايته.
* * *
في هذه الآية انتقالٌ من الكلام في الاختلاف الذي بين الناس والحكم الشرعي بينهم إلى الحكم الجزائي في الآخرة، والحكم الكوني في الدنيا، ولهذا افتتحت بـ «أم» المؤولة بـ «بل» وهمزة الاستفهام، فتضمَّنت إضرابًا انتقاليًّا واستفهامًا إنكاريًا؛ فالمعنى: أَحسبتم أَنْ تدخلوا الجنةَ؟ وهذا الاستفهامُ معناه: النهيُ عن هذا الحسبان؛ أي: لا تحسبوا أنكم تدخلون الجنة، وأنتم إلى الآن لم تُبتلوا كما ابتُلي مَنْ قبلكم بالبأساء وهي الفقر، والضراء وهي المرضُ، والزلزلة في القلوب حتى يبلغَ بهم الأمرُ إلى استبطاء النصر، {يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ} ، ويجئ الرد {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيب (214)} .
والمرادُ بالجنة: الدرجاتُ العلى في الجنة، وهي جناتُ عدنٍ المعدَّةُ لأولياءِ الله المتقين، فهذه الجنةُ لا يدخلها إلَّا مَنْ ابتُلي فاتقى اللهَ وصبر، وإنما خصصنا هذه الجنة بأولئك؛ لأَنَّ كثيرًا من عوام المؤمنين يدخلون الجنة ولم يبتلوا، بل لبعضهم ذنوبٌ مُحِّصوا منها، والخطابُ في الآية لأَصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقد ذُكر أنها نزلت في وقعة الأحزاب، ويشهد له قولُه تعالى في سورة الأحزاب:{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا (11)} [الأحزاب: 11].
ونزل في جهدٍ أصاب المسلمين {أَمْ} بل أ {حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا} لم {يَأْتِكُمْ مَثَلُ} شبهُ ما أَتى {الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} من المؤمنين من المحنِ فتصبروا كما صبروا؟ {مَسَّتْهُمُ} جملةٌ مُستأنفةٌ مُبيِّنةٌ ما قبلها {الْبَأْسَاءُ} شدةُ الفقر {وَالضَّرَّاءُ} المرضُ {وَزُلْزِلُوا} أُزعجوا بأنواع البلاء {حَتَّى يَقُولَ} بالنصب والرفع، أي: قال {الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
آمَنُوا مَعَهُ} استبطاءً للنصر لتناهي الشدَّةِ عليهم {مَتَى} يأتي {نَصْرُ اللَّهِ} الذي وعدناه؟ فأُجيبوا من قِبَلِ الله: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} إتيانه.
وقولُ المؤلِّف: (ونزل في جهدٍ
…
) إلى آخره: يُشير إلى سبب النزول، وذلك يوم الأَحزاب
(1)
، والجَهْدُ -بالفتح-: المشقَّةُ.
وقولُه: (بل أ): يُبيِّنُ أَنَّ «أم» هي المنقطعةُ التي تُفسر ببل وهمزة الاستفهام.
وقولُه: (لم): تفسيرٌ «للما» ، وهذا على قول مَنْ يجعل «ما» زائدة.
وقولُه: (شبهُ ما أَتى): فسَّرَ المَثَل بشبه؛ فالمعنى: ولم يأتكم شبهُ ما أَتى من قبلكم، وبعضُهم يُفسِّرُ المَثَل بالصفة
(2)
.
وقولُه: (من المؤمنين
…
) إلى آخره: بيانٌ للمراد من الموصول في قوله: {الَّذِينَ خَلَوْا} .
وقولُه: (مُبيِّنةٌ ما قبلها): يريد قولَه تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} .
وقولُه: (أي: قال): فسَّرَ المضارعَ بفعل ماضي، وهو معنى قولهم: حكايةُ حالٍ ماضيةٍ.
وقولُه: (يأتي): بيان أَنْ الاستفهامَ عن زمن مجيءِ النصر.
وقولُه: (فأُجيبوا من قِبَلِ اللهِ): يُبيِّنُ أَنَّ قولَه تعالى: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} جوابٌ من الله لقولِ الرسولِ والمؤمنين: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} .
* * *
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 67)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 532 - 533).
(2)
فسر المثل بالشبه: الطبري والبغوي وابن عطية وأبو حيان، وفسره بالصفة: النضر بن شميل والزجاج والسمعاني. ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 637 - 638)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 285)، و «تفسير السمعاني» (1/ 215)، و «تفسير البغوي» (1/ 245)، و «المحرر الوجيز» (1/ 516)، و «البحر المحيط» (2/ 373).
وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم (215)} [البقرة: 215]:
واضحٌ من لفظ الآية وفاتحتها أنها نزلت جوابًا لسؤالٍ سأَلَه بعضُ المسلمين النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ونصُّ سؤالهم؛ {مَاذَا يُنْفِقُونَ} ؟ وهو مجملٌ يحتمل أنهم سألوا عن نوع ما يُنفقون، أو قدر ما يُنفقون، أو على مَنْ يُنفقون، فجاء الجواب متضمِّنًا بيانَ أَصنافِ مَنْ هو الأولى بالإنفاق عليه، وهم خمسة، وذلك في قوله تعالى:{فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} ، وجمهورُ المفسرين على أَنَّ المرادَ بالنفقة في هذه الآية نفقةُ التطوع
(1)
، فهي صدقةٌ وصِلةٌ في الأول والثاني -الوالدين والأقربين-، وصدقةٌ في الثلاثة الباقية -اليتامى والمساكين وابن السبيل-، ثم رغَّبَ تعالى في فعل الخير من أَيِّ نوعٍ كان من أنواع الطاعات المالية والبدنية، فقال تعالى:{وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم (215)} ، وذكر العلمِ يتضمَّنُ الوعدَ بالثواب العاجل والآجل؛ كقوله تعالى:{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)} [آل عمران: 92].
{يَسْأَلُونَكَ} يا محمد {مَاذَا} أي الذي {يُنْفِقُونَـ} هـ؟ والسائلُ عمرو بن الجموح، وكان شيخًا ذا مالٍ، فسأل النبيَّ عمَّا يُنْفِقُ وعلى مَنْ يُنفق {قُلْ} لهم {مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} بيان لـ «ما» شامل للقليل والكثير وفيه بيان المنفق الذي هو أحد شقي السؤال وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله: {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 641 - 642)، و «تفسير الماوردي» (1/ 272)، و «تفسير البغوي» (1/ 245).
السَّبِيلِ} أي: هم أولى به {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} إنفاق وغيره {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فمجازٍ عليه.
وقولُ المؤلِّف: (السائلُ عمرو بن الجموح
…
) إلى آخره: بيانٌ لسبب نزولِ الآية
(1)
.
وقولُه: (لهم): أي: للسائلين.
وقولُه: (شاملٌ للقليل والكثير): بيانٌ لعموم قوله تعالى: {مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} .
وقولُه: (وفيه بيانُ المنفق
…
) إلى آخره: يُبينُ أَنَّ الآيةَ تضمَّنت الجوابَ عن سؤال عمرو بن الجموح بشقَّيه؛ ماذا يُنفِقُ؟ وعلى مَنْ يُنفِقُ؟
وقولُه: (أي: هم أولى به): يُبيِّنُ أَنَّ المصارفَ المذكورةَ هم أَولى بالإنفاق من غيرهم، وليس مقصورًا عليهم.
وقولُه: (فمُجازٍ عليه): يُبيِّنُ أَنَّ في ذكر العلم تنبيهًا على الجزاء.
* * *
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 67 - 68)، و «العجاب» (1/ 533 - 535).
وقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (216)} [البقرة: 216]:
يُخبر تعالى في هذه الآية عبادَه المؤمنين بأنه كَتبَ عليهم القتالَ؛ أي: فَرضَ عليهم قتالَ الكفار، وهذا هو الجهادُ في سبيل الله، وذكر تعالى أَنَّه كَتبَ القتال مع أنه مكروهٌ لهم بمقتضى الطبع؛ لأَنَّه يُؤدِّي إلى الموت، والحياةُ محبوبةٌ بالطبع، ثم سلَّاهم تعالى بأَنَّ ما يكرهونه مما شرع اللهُ فيه خيرٌ لهم، وما يُحبُّونه من ترك الجهاد حرصًا على الحياة فيه شرٌّ لهم، ثم ردَّ ذلك كلَّه إلى كمال علمِه وقصورِ علمِ العباد؛ فقال:{وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (216)} ، وهذه الآيةُ والآيتان بعدها فيها رجوعٌ إلى أَمر القتال.
{كُتِبَ} فرض {عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ} للكفار {وَهْوَ كُرْهٌ} مكروه {لَكُمْ} طبعًا لمشقته {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهْوَ شَرٌّ لَكُمْ} لميل النفس إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورها عن التكليفات الموجبة لسعادتها. فلعل لكم في القتال وإن كرهتموه خيرًا؛ لأن فيه إما الظفر والغنيمة، أو الشهادة والأجر، وفي تركه وإن أحببتموه شرًّا؛ لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر {وَاَللَّهُ يَعْلَمُ} ما هو خير لكم {وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به.
وقولُ المؤلِّف: (طبعًا لمشقته): يبين أن هذه الكراهة في قوله: {وَهْوَ كُرْهٌ لَكُمْ} راجعةٌ إلى أمر طبيعي، وهو كراهة القتل وغيره مما يحصل في الجهاد بل الجهاد والشهادة في سبيل الله من أحب ما يتمناه المسلم.
وقولُه: (لميلِ النفسِ إلى الشهوات
…
) إلى آخر الكلام: بيانٌ لِمَا في حبِّ الشهوات من الشرِّ العاجلِ والآجلِ، وما في المكروهات المأمورِ بها من الخير العاجل والآجل، وهو كلامٌ حسنٌّ موضِّحٌ لجملتي:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا} {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا} .
وقولُه: (ما هو خيرٌ لكم): يُبيِّنُ بذلك وجهَ ختمِ الآية؛ بقوله: {وَاَللَّهُ يَعْلَمُ} فإذا كان المعنى: «واللهُ يعلم ما هو خير لكم» ؛ فما أَمَركم به من قتالِ الكفَّارِ هو الخيرُ لكم.
* * *
يذكر تعالى أَنَّ المسلمين سألوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن القتال في الشهر الحرام، وذلك بسبب ما جرى من القتال والقتل في شهر رجبٍ من سَرِيَّةِ عبدِ الله بن جحش الذين بعثهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَينًا على المشركين من أهل مكة، ولم يأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقتالٍ، فصادفوا قافلةً بتجارةٍ لقريش فقتلوا أَحدَهم، وهو: عمرو بن الحضرمي، وأَسروا اثنين منهم، وغَنِموا ما معهم، فرجعوا بما معهم إلى المدينة، ففادى المشركون الأَسيرين، ثم إِنَّ المشركين عَيَّروا المسلمين بالقتال في رجب، وهو من الأَشهر الحُرم، فشقَّ ذلك على أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقصةُ السَّريةِ مبسوطةٌ في السيرة
(1)
، وذكرها ابنُ جرير في تفسيره
(2)
، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ ردًّا على المشركين وتسليةً لنبيِّه والمؤمنين، فأَكَّدَ اللهُ تعالى تحريمَ القتال في الشهر الحرام؛ فقال لنبيِّه:{قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} ، ولكن عند المستنكرين للقتال الذي حصل، الذي اتخذوا منه مَطعنًا على المسلمين من قبائح الأقوال والأفعال ما كل واحدٍ منها أكبرُ من القتل والقتال، وهي خمسةُ أمور: صدٌّ عن سبيل الله، وهو: دينه، وكفرٌ به، وصدٌّ عن المسجد الحرام، وإخراجُ أَهله منه، وكلُّ هذه أَكبرُ عند الله من القتال في الشهر الحرام. والفتنةُ -وهي الشركُ أو فتنةُ المؤمنين عن دينهم- أَكبرُ من
(1)
ينظر: «سيرة ابن هشام» (1/ 601 - 604)، و «السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية» لمهدي رزق الله (ص 333 - 335).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 650).
القتل، فينطبقُ على هؤلاء الطاعنين قولُ القائل:(يرى القذاةَ في عينِ صاحبه، ولا يرى الجذع في عينه)
(1)
.
ثم أخبر تعالى أَنَّ الكفارَ لا يزالون يُقاتلون المسلمين ليَرجعوا عن دينهم، وأَنهم لا يتركون القتالَ حتى يتركَ المسلمون دينَهم، فذلك الذي يُرضيهم كما قال تعالى:{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].
وقوله تعالى: {إِنِ اسْتَطَاعُوا} : يدلُّ على أنهم لا يدَّخرون شيئًا من قدرتهم في سبيل غايتهم، وأَنهم لن يبلغوا كلَّ ما يردونه في المسلمين من صدِّهم عن دينهم، ثم أخبرَ تعالى بحكم مَنْ ارتدَّ عن دينه؛ فقال تعالى: {وَمَنْ
(1)
هذا مثل من أمثال العرب السائرة المتداولة، وروي عنهم بألفاظ مختلفة. ينظر:«مجمع الأمثال» للميداني (2/ 155، رقم 3095)، و «المستقصى من أمثال العرب» للزمخشري (2/ 236). وروي مرفوعًا وموقوفًا:
أخرجه مرفوعًا: ابن المبارك في «الزهد» -زوائده- (212)، وابن حبان في صحيحه (5761)، وأبو نعيم في «الحلية» (4/ 99)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (610) من طرق، عن محمد بن حمير قال:«حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:» وذكر نحوه.
قال أبو نعيم: «غريب من حديث يزيد، تفرد به محمد بن حمير، عن جعفر» .
وخالف محمَّدَ بن حمير: مسكينُ بن بكير، فرواه عن جعفر، به موقوفًا: أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (592) عن محمد بن عبيد بن ميمون قال: «حدثنا مسكين بن بكير الحذاء الحراني» ، وذكره.
وكلاهما - محمد بن حمير، ومسكين بن بكير - ليسا من الحُفَّاظ المتقنين، وهما صدوقان لا بأس بهما فيما لم يخالفا أو ينفردا، ومسكين أحسن حالًا من ابن حمير، وكلاهما انتقى لهما البخاري في صحيحه. ينظر:«التقريب» (5837)، (6615). وصحح الألباني الروايتين -المرفوعة والموقوفة- في «الصحيحة» (33).
وقد روي من كلام الحسن: أخرجه الحسين المروزي في زوائده على «الزهد» لابن المبارك (211) وأحمد في «الزهد» (1648)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (9/ 558 رقم 38025)، بإسناد صحيح.
يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهْوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، وقيَّد حبوطَ أعمالِهم والخلودَ في النار بالموت على الكفر، فعُلم من ذلك أَنَّ مَنْ تاب من رِدَّته قبل الموت سَلِمَ له ما عَمِلَه قبل الردَّةِ، وكان من الناجين من الخلود في النار.
وأَرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَوَّل سراياه وعليها عبدُ الله بن جحشٍ، فقاتلوا المشركين وقتلوا ابنَ الحضرمي آخر يومٍ من جمادى الآخرة، والتبس عليهم برجب، فعيَّرهم الكفارُ باستحلاله فنزل:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} المحرَّم {قِتَالٍ فِيهِ} بدلُ اشتمال {قُلْ} لهم {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} عظيمٌ وزرًا، مبتدأٌ وخبرٌ {وَصَدٌّ} مبتدأٌ: منعٌ للناس {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} دينِه {وَكُفْرٌ بِهِ} بالله {وَصدٌّ عن الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أي: مكة {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} وهم النبيُّ والمؤمنون، وخبرُ المبتدأ {أَكْبَرُ} أَعظمُ وزرًا {عِنْدَ اللَّهِ} من القتال فيه {وَالْفِتْنَةُ} الشركُ منكم {أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} لكم فيه {وَلَا يَزَالُونَ} أي: الكفار {يُقَاتِلُونَكُمْ} أَيُّها المؤمنون {حَتَّى} كي {يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} إلى الكفر {إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ} بَطَلَتْ {أَعْمَالُهُمْ} الصالحةُ {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} فلا اعتدادَ بها ولا ثواب عليها، والتقييد بالموت عليه يُفيدُ أَنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطلْ عملُه، فيُثاب عليه ولا يعيده؛ كالحجِّ مثلًا، وعليه الشافعي
(1)
{وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
وقولُ المؤلِّف: (وأَرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَوَّل سراياه
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ بذلك سببَ نزول هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} .
(1)
ينظر: «نهاية المطلب» (4/ 143)، و «المجموع شرح المهذب» (3/ 6 - 7)، و (7/ 14).
وقولُه: (بدل اشتمال): يريدُ: أَنَّ قتالَ بدلٌ من الشهر؛ فالتقدير: يسألونك عن الشهر الحرام عن قِتال فيه.
وقولُه: (منعٌ للناس): يُبيِّنُ أَنَّ الصدَّ من الفعل المتعدي «صده، يصده» ؛ فالمعنى: أَي وصدُّهم الناس عن سبيل الله؛ أي: عن دينه. وقولُه: ({وَ} صدٌّ عن): يُبيِّنُ أَنَّ المسجدَ معطوفٌ على سبيل؛ فالمعنى: وصدٌّ عن المسجد الحرام. وقولُه: (وخبر المبتدأ): يريد بالمبتدأ: {وَصَدٌّ} وما عطف عليه، فخبرُ ذلك المبتدأ قوله:{أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} .
وقولُه: (أعظم وزرًا): أي: أعظم إثمًا.
وقولُه: (من القتال فيه): يعني: هذه المذكورات -الصد وما بعده- أَعظمُ إثمًا من القتال في الشهر الحرام.
وقولُه: (فلا اعتداد بها
…
) إلى آخره: يريد: أَنَّ أَعمالَ المرتد الصالحة باطلةٌ في الدنيا والآخرة، فلا تصحُّ، ولا يقبلُها اللهُ منه، ولا يُثابُ عليها إِلَّا أَنْ يتوب من رِدَّته توبةً نصوحًا قبل الموت.
وأَهمُّ ما دلَّتْ عليه الآيتان من الأحكام مسألتان:
الأولى: حكمُ الجهادِ في سبيل الله، وقد دلَّت الآيةُ الأولى على فرضه، وذلك في قوله:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} ، وقتال الكفار يكون على وجهين
(1)
:
أحدهما: ما يكون ابتداء من المسلمين، وهو ما يسميه بعضهم بجهاد الطلب، وقد دلت على ذلك آيات من القرآن؛ كقوله تعالى:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36]، وقوله تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبة: 123]، وقوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
(1)
ينظر: «حاشية ابن عابدين» (4/ 122 - 123)، و «الشرح الصغير بحاشية الصاوي» (1/ 267 - 274)، و «المغني» (13/ 6 - 8)، و «الإنجاد في أبواب الجهاد» لابن المناصف القرطبي (ص 7 - 50)، و «الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لابن تيمية» (ص 446 - 447)، و «الفروسية» (1/ 123 - 124).
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} إلى قوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} ، وقوله تعالى:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، وقوله:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} ، ويخرج عن ذلك كلُّ مَنْ له عهدُ أَمانٍ أو صُلحٍ أو ذمةٍ، والغايةُ من هذا القتالِ هي أَنْ تكون كلمةُ الله هي العليا، وذلك إمَّا بالدخول في الإسلام، أو الخضوعِ لسلطان المسلمين بأداء الجزية.
الوجه الثاني: من قتال الكفارِ ما يكون دفعًا لعدوانهم، فإذا غزا العدوُّ بلادًا من بلدان المسلمين صار القتالُ فرضَ عينٍ على أَهلِ تلك البلد، ثم مَنْ يَليهم؛ الأَدنى فالأَدنى.
وأَمَّا جهادُ الابتداءِ؛ فإنه فرضُ كفايةٍ، فيجب على الإمام أَنْ يُرتِّبَ جيوشًا ويزوِّدهم بأنواع القوة؛ إرهابًا للكافرين وحمايةً لبلادِ المسلمين من عدوانهم، وعلى الإمام أَنْ يُرتِّبَ حملاتِ الجهاد في سبيل الله لغزو الكفار الحربيين، وبهذا يُعزُّ الإسلامُ والمسلمون، وبتعطيله والتهاونِ فيه يجترئُ الكفارُ على المسلمين، ويصير المسلمون ذليلين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، واللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين وأذِلَّ أعداء الدين من الكفار والمنافقين.
المسألة الثانية: حكمُ القتالِ في الشهر الحرام، وقد دلَّ قولُه تعالى:{قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} أي: إثمٌ عظيمٌ، وذنبٌ كبيرٌ، إذن: فالقتال في الأَشهر الحُرم حرامٌ، وإن كان قتالًا للكفار، وقد ذهب جمهورُ أهلِ العلم إلى أَنَّ تحريمَ القتالِ في الأشهر الحُرم منسوخٌ بعموم أدلة الأَمرِ بالقتال، كما في الآيات السابقة، وهي مُطلقةٌ في الزمان، فتشملُ الأَشهرَ الحُرم، وأَيَّدوا ذلك بأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم غزا أَهلَ الطائفِ في ذي القعدة، وأَنَّ المسلمين في غزواتهم لم يكونوا يتوقفون إذا دخل عليهم شهرٌ حرام، وذهب جماعةٌ من العلماء إلى
أَنَّ القتالَ في الأشهر الحرم غيرُ منسوخٍ
(1)
؛ لأَنَّه لا دليلَ على النسخ، وأَدلَّة الأَمرِ بالقتال عامَّةٌ مخصوصةٌ بأَدَّلة تحريمِ القتال في الأشهر الحرم، وأجابوا عن قتال النبي صلى الله عليه وسلم أَهلَ الطائفِ؛ بأَنَّه لم يبدأ قتالَهم في ذي القعدة بل في شوال
(2)
، واستدام حصارهم في شهر ذي القعدة حتى رأى المصلحةَ في الرجوع عنهم، وكذلك غزواتُ الصحابةِ؛ لا يُعلَم أنهم ابتدؤوا القتالَ في الشهر الحرام، فالواقعُ منهم هو استدامةُ القتالِ لا ابتداؤه.
* * *
(1)
وإلى النسخ ذهب: ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وقتادة، والزهري، وجماعة من السلف، وهو قول جمهور المفسرين، وذهب عطاء ابن أبي رباح إلى أن الآية محكمة فلا يحل القتال لأحد في الأشهر الحرم. ينظر:«الناسخ والمنسوخ» للقاسم بن سلام (ص 205 - 207)، و «نواسخ القرآن» لابن الجوزي (1/ 73 - 76)، و «تفسير الطبري» (3/ 662 - 665)، و «التفسير البسيط» (4/ 142 - 143)، و «المحرر الوجيز» (1/ 522).
(2)
ينظر: «جوامع السيرة» لابن حزم (ص 242)، و «السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية» (ص 593) وما بعدها.
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (218)} [البقرة: 218]:
يُخبُر تعالى بأَنَّ الذين آمنوا بالله ورسله، وهذا يصدقُ على المهاجرين والأنصار، ثم خصَّ المهاجرين بقوله:{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} بقتال الكافرين أعداءِ الله، فعلى هذا يكون عطفُ الموصول من عطف الخاصِّ على العام، وبهذا تظهرُ مناسبةُ هذه الآية للآية قبلها النازلة في شأن سريةِ عبد الله بن جحش، وقد ذكر أَنهم كلَّهم من المهاجرين فلذلك خُصُّوا بوصف الهجرة والجهاد، وعلى هذا فسببُ نزول الآيتين واحدٌ
(1)
، وقيل: إِنَّ عطفَ الموصول في قوله: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} من عطف الصفات؛ كقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى: 1 - 3]
(2)
.
وقوله تعالى: {أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ} : اسمُ الإشارةِ راجعٌ إلى مَنْ تقدَّم ذِكرُهم، وهم {الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} ، يُخبرُ تعالى أنهم هم الذين {يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ} على الحقيقة؛ لأنهم الذين قاموا بأَسبابها؛ من الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله.
ثم أخبر تعالى أنه غفورٌ رحيمٌ، وهو يتضمَّنُ وعْدَ أولئك الرَّاجين لرحمةِ الله بالمغفرة والرحمة؛ فقال تعالى:{وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (218)} ، والآيةُ وإن كانت نازلةً على سببٍ؛ فمعناها وحكمُها عامٌّ؛ لأَنَّ العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص السببِ.
ولَمَّا ظنَّ السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصلُ لهم أَجرٌ نزل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} فارقوا أوطانهم {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ} لإعلاءِ دينِه {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} ثوابَه {وَاللَّهُ غَفُورٌ} للمؤمنين {رَحِيمٌ} بهم.
وقولُ المؤلِّف: (ولَمَّا ظنَّ السرية
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ بذلك سببَ نزول الآية.
وقولُه: (فارقوا أَوطانَهم): بيان لمعنى: {هَاجَرُوا} ، وأصلُ الهجرِ: الترك، والمرادُ: تركوا أَوطانهم فرارًا بدينهم وبراءةً من المشركين وتركًا لمساكنتهم، وهذه الهجرةُ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ يُقيمُ بين أَظْهُرِ المشركين، وهو لا يستطيع إظهارَ دينه.
وقولُه: (لإعلاءِ دينِه): هذا مأخوذٌ من قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قاتلَ لتكون كلمةُ اللهِ هي العليا فهو في سبيل الله))
(1)
.
وقولُه: (ثوابَه): فسَّرَ رحمةَ اللهِ بالثواب، وهو رحمةٌ مخلوقةٌ، ويحتمل أَنَّ رحمةَ اللهِ هي الصفةُ؛ فيكون المعنى: يرجون أَنْ يرحمهم اللهِ، والأمران متلازمان، فمَن أَثابه اللهُ فقد رحمه، ومَن رحمه أثابه.
وقولُه: (للمؤمنين): هذا القيدُ صحيحٌ، ومفهومُه أنه ليس غفورًا للكافرين، وهذا في حقِّ مَنْ لم يَتُبْ، أَمَّا مَنْ تاب فاللهُ يغفر له وإن كان كافرًا؛ كقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ
…
} الآية [طه: 82]، أَمَّا مَنْ مات على الكفر فاللهُ لا يغفرُ له؛ كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [محمد: 34].
* * *
(1)
أخرجه البخاري (123)، ومسلم (1904)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
يذكر تعالى في هاتين الآيتين أَنَّ المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثَ مسائل: الأولى: سألوا عن الخمر والميسر؛ عن حكمهما؟ فأَمرَ اللهُ نبيَّه أَنْ يُجيبهم: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا} ، وليس في هذا الجواب تصريحٌ بالتحريم، بل فيه التنفيرُ عنهما لرجحان مفسدتهما، ففيهما إثمٌ كبيرٌ من العداوة والبغضاء، وذهابِ العقل، والصدِّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ومع ذلك فيهما منافعُ للناس من اكتساب الأموال والنشوة والسرور، وعلى هذا: فتحريمُ الخمرِ والميسرِ مُستفادٌ من آية المائدة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُون (91)} [المائدة: 90 - 91]، وهذا هو المشهور وقول الجمهور، وادَّعى بعضُهم أَنَّ التحريمَ مُستفادٌ من آية البقرة؛ لقوله تعالى:{فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ}
(1)
.
والمرادُ بالخمر: كلُّ مُسكرٍ يُغطِّي العقلَ من مأكولٍ أو مشروبٍ، من أَيِّ شيءٍ كان، من عصيرِ العنب أو غيره. والميسر: مَفْعِل من اليُسر، والمرادُ به: القمارُ، والقمارُ: كلُّ مُغالبةٍ على عِوضٍ، بأيِّ طريقةٍ كان، ومنها النردُ والشطرنجُ. والقمارُ مصدرٌ؛ يقال: قامره يُقامره قِمارًا، ويقال: قامره فقمره؛ أي: غلبه في
(1)
والأول هو قول جمهور المفسرين، والثاني نُسب للحسن وعطاء وإلى قوم من أهل النظر: ينظر: «الناسخ والمنسوخ» للقاسم بن سلام (ص 248 - 251)، و «نواسخ القرآن» لابن الجوزي (ص 76)، و «تفسير الطبري» (3/ 679 - 686)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 292)، و «التفسير البسيط» (4/ 152)، و «المحرر الوجيز» (1/ 534).
اللعبة، ويدخل في حكم القمارِ كلُّ ما فيه مخاطرةٌ من البيوع؛ كبيع المجهول والمعجوز عن تسليمه، ومن ذلك جميعُ بيوع الغرر؛ كبيع الحصاةِ والملامسة والمنابذة وحبل الحبلة.
الثانية: سألوا: {مَاذَا يُنْفِقُونَ} ؟ فأُجيبوا {قُلِ الْعَفْوَ} ؛ أي: أَنفقوا العفوَ، وهو ما فضلَ عن الحاجة عند جمهور المفسرين من السَّلف
(1)
، وإن اختلفت عباراتُهم، وقال بعضهم: المرادُ بالآية الزكاة، وقال بعضُهم: إنها منسوخةٌ بفرض الزكاة، والقولان ضعيفان، والصواب: أَنَّ الآيةَ في صدقة التطوع وأنها مُحكمةٌ
(2)
، وقُرِئ {العفوُ} بالرفع، وبالنصب وهي قراءة أَكثر القراء
(3)
.
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} : أي: مثل هذا البيان يُبيِّنُ لكم الآيات.
وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون (219) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} : أي: لتتفكَّروا وتنظروا في حال الدنيا والآخرة، فالدنيا فانيةٌ وطيباتها مُنَغَّصةٌ، وهي دارُ ابتلاءٍ وعملٍ، والآخرةُ باقيةٌ، وهي دارُ الجزاء، والجنة فيها للمتقين هم فيها خالدون {أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّار (35)} [الرعد: 35]، وقد أوضح اللهُ لنا حقيقةَ الدارين، ودعانا إلى التفكُّر فيهما، وحذَّرنا من إيثار الدنيا على الآخرة.
(1)
جاء ذلك عن ابن عباس في رواية مقسم، وقتادة وعطاء والسدي وابن زيد والحسن، واختاره الطبري. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 686 - 687)، و (3/ 690 - 692)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 393)، و «المحرر الوجيز» (1/ 534)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 579 - 580).
(2)
ينظر: «الناسخ والمنسوخ» للنحاس (ص 188 - 193)، و «نواسخ القرآن» لابن الجوزي (ص 76 - 77).
(3)
قرأ أبو عمرو وحده: {قُلِ الْعَفْوُ} بالرفع. وقرأ الباقون: {قُلِ الْعَفْوَ} بالنصب. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 172)، و «النشر» (2/ 227).
المسألة الثالثة: سألوا عن اليتامى، عن حُكم مخالطتهم في الطعام والشراب، أو خلط أموالهم بأموالهم في النفقة أو التجارة، خشيةَ أَنْ يؤدي ذلك إلى أَكل شيءٍ من أموالهم؟ فأُجيبوا بقوله تعالى:{قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} ، فتضمَّن الجوابُ أَنَّ إصلاحَ أَموالهم بأنواع الإصلاح خيرٌ لهم ولأوليائهم، وأَنَّ مُخالطتهم في الطعام والشراب أو غير ذلك لا حرج على الأولياء فيها، فهم إخوانهم.
ثم قال تعالى: {وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} ؛ أي: يعلمُ المفسدَ؛ وهو الذي يريدُ بالمخالطةِ الاحتيالَ على أَكل مالِ اليتيم، ويعلمُ المصلحَ؛ الذي لا يريد بمخالطة اليتيم إلَّا مصلحته.
ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ} ؛ أي: لشقَّ عليكم بتحريم مخالطتهم.
وقوله: {إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (220)} : أي: ذو عِزَّةٍ وحكمةٍ، فيحكمُ ولا رادَّ له ولا مُعقِّب، وكلُّ ما يحكمُ به جارٍ على وِفقِ الحكمةِ.
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} القمارِ، ما حُكمهما؟ {قُلْ} لهم {فِيهِمَا} أَي: في تعاطيهما {إِثْمٌ كَبِيرٌ} عظيمٌ، وفي قراءةٍ بالمثلثة؛ لِمَا يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقولِ الفُحشِ {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} باللذة والفرح في الخمر، وإِصابة المالِ بلا كدٍّ في الميسر {وَإِثْمُهُمَا} أَي: ما ينشأُ عنهما من المفاسد {أَكْبَرُ} أَعظمُ {مِنْ نَفْعِهِمَا} ولَمَّا نزلت شربها قومٌ وامتنع آخرون، إلى أَنَّ حرَّمتها آيةُ «المائدة» .
{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} أَي: ما قدره؟ {قُلِ} أَنفقوا {الْعَفْوَ} أَي: الفاضل عن الحاجة، ولا تُنفقوا ما تحتاجون إليه وتُضيعوا أَنفسكم،
وقراءة الرفع بتقدير: هو {كَذَلِكَ} كما بيَّنَ لكم ما ذكر {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون} .
{فِي} أَمْرِ {الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} فتأخذون بالأصلح لكم فيهما {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} وما يَلقونه من الحرج في شأنهم، فإن واكلوهم يأثموا، وإن عزلوا ما لهم من أموالهم وصنعوا لهم طعامًا وحدهم فحرجٌ {قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ} في أَموالهم بتنميتها ومداخلتكم {خَيْرٌ} من ترك ذلك {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} أَي: تخلطوا نفقتَهم بنفقتكم {فَإِخْوَانُكُمْ} أَي: فهم إخوانكم في الدِّين، ومن شأَن الأَخِ أن يُخالط أَخاه؛ أَي: فلكم ذلك {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ} لأموالهم بمخالطته {مِنَ الْمُصْلِحِ} بها، فيُجازي كلًّا منهما {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} لضيَّقَ عليكم بتحريم المخالطة {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} غالبٌ على أَمره {حَكِيمٌ} في صنعه.
وقولُ المؤلِّف: (ما حُكمهما؟): بيان لمتعلق السؤال ومقصوده؛ أي: أهما حلال أم حرام؟ فأجيبوا بما ينفر عنهما، ولا يوجب القطع بتحريمهما، وقد بين حكمهما بيانًا شافيًا في سورة المائدة، وقد دل على تحريمهما الكتاب والسنة والإجماع.
وقولُه: (لهم): أي: للسائلين مخبرًا بأن فيهما إثمًا كبيرًا ومنافع للناس.
وقولُه: (أَي: في تعاطيهما): بيان لموضع الإثم أو متعلق الإثم، وهو شرب الخمر وعمل الميسر.
وقولُه: (وفي قراءةٍ بالمثلثة): المراد بالمثلثة الثاء؛ يريد: أنه قُرِئ في الآية {كَثِيرٌ} بدل {كَبِيرٌ}
(1)
.
(1)
قرأ حمزة والكسائي: {إِثْمٌ كَثِيرٌ} بالثاء. وقرأ الباقون: {إِثْمٌ كَبِيرٌ} بالباء. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 172)، و «النشر» (2/ 227).
وقولُه: (لِمَا يحصل
…
) إلى آخره: بيان لنوع الإثم الذي يحصل بسبب الخمر والميسر.
وقولُه: (باللذة
…
) إلى آخره: بيان لأنواع المنافع التي تحصل لأصحاب الخمر والميسر.
وقولُه: (أَي: ما ينشأُ
…
) إلى آخره: معناه: أن أضرارهما أكثر من منافعهما.
وقولُه: (ما قدره؟): بيان للمسؤول عنه، وهو مقدار ما يُستحبُّ التصدق به.
وقولُه: (أَنفقوا): تقدير للفعل الناصب لـ {الْعَفْوَ} .
وقولُه: (أَي: الفاضل
…
) إلى آخره: تفسير للعفو المأمور بإنفاقه، وهو: ما زاد على نفقة الإنسان على نفسه وأهله
(1)
، ومفهومه: ترك إنفاق ما يحتاجه الإنسان للنفقة على نفسه وأهله؛ لأن ذلك تضييع للنفس والأهل، وفي الحديث:((كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع من يقوت))
(2)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 686 - 687)، (3/ 690)، و «المحرر الوجيز» (1/ 534)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 579 - 580).
(2)
أخرجه أحمد (6495) وأبو داود (1692)، والنسائي في «الكبرى» (9132)، والحاكم (1515)«عن سفيان الثوري، حدثنا أبو إسحاق، عن وهب بن جابر الخيواني، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» وذكره. وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير وهب بن جابر الخيواني، قال ابن المديني:«مجهول» .
وقال الذهبي: «لا يكاد يُعرَف، تفرد عنه أبو إسحاق» . «الميزان» (9423).
وله شاهد عند الطبراني في «الكبير» (13414) من طريق إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا به. ورجاله ثقات كلهم، وابن عياش الحمصي صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، كما في «التقريب» (473)، فكان يخشى من سوء حفظه كروايته هنا عن المدنيين؛ لكنه صالح للاستشهاد به، وحسنه بشاهده الألباني في «الإرواء» (894).
وأخرجه بنحوه مسلم (996) من عبد الله بن عمرو مرفوعًا ولفظه: ((كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته)).
وقولُه: (وقراءة الرفع بتقدير: هو): يبين أن {الْعَفْوُ} على قراءة الرفع
(1)
خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو العفو؛ المعنى: المأمور بإنفاقه هو العفو.
وقولُه: (كما بيَّنَ لكم ما ذكر): يبين مرجع اسم الإشارة؛ وهو ما سبق من البيان في الآيات قبل هذه الآية.
وقولُه: (أَمْرِ) أي: في شأن الدنيا والأخرة.
وقولُه: (فتأخذون
…
) إلى آخره: بيانٌ للمقصود من التفكر في الدنيا والآخرة.
وقولُه: (وما يَلقونه من الحرج
…
إلى آخره): بيان لسبب السؤال، وسبب نزول الآية
(2)
.
وقولُه: (في أَموالهم
…
) إلى آخره: بيانٌ لما يكون به الإصلاح، فالإصلاح في أموالهم بتنميتها، والإصلاح في معاشرتهم؛ بمخالطتهم وترك اعتزالهم ومجانبتهم، وهذا معنى قول المؤلِّف:(ومداخلتكم) أي: مخالطتكم لهم.
وقولُه: (من ترك ذلك): المعنى: الإصلاح في أموالهم ومعاشرتهم خير لكم ولهم من ترك ذلك؛ أي: ترك الإصلاح.
وقولُه: (أَي: تخلطوا نفقتَهم بنفقتكم): بيانٌ لبعض معنى مخالطتهم، وهو مخالطتهم في أموالهم، ومنه خلط نفقتهم بنفقتكم.
وقولُه: (أَي: فهم إخوانكم
…
) إلى آخره: بيانٌ لإعراب الجملة ومقصودها، فـ «إخوان» خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فهم إخوانكم، والجملة جواب الشرط، ومقصودها الإذن بالمخالطة؛ لأنها مقتضى الأُخوَّة.
(1)
قرأ أبو عمرو وحده: {قُلِ الْعَفْوُ} رفعًا وقرأ الباقون: {قُلِ الْعَفْوَ} نصبا. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 182)، و «النشر» (2/ 227).
(2)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 71 - 72)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 547 - 550).
وقولُه: (لأموالهم
…
) إلى آخره: بيانٌ لمتعلق الإفساد والإصلاح، وهو أموال اليتامى، وذِكْرُ العلم بالمفسد والمصلح تنبيهٌ على الجزاء؛ فهو وعد ووعيد.
وقولُه: (لضيَّقَ عليكم
…
) إلى آخره: تضمن معنى العنت، وهو المشقة والضيق
(1)
، وأن الله لو شاء لأعنتهم؛ أي: شق عليهم بتحريم المخالطة.
وقولُه: (غالبٌ على أَمره
…
) إلى آخره: بيانٌ لمعنى الاسمين الشريفين، فمن معنى العزيز: الغالب، ومن معنى الحكيم: حكمة الله في صنعه، ولو قال في شرعه كان أولى؛ لأن الآية في سياق الأحكام الشرعية.
* * *
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 83).
النكاحُ في اللغة هو: الضمُّ والجمعُ
(1)
، ويُطلَقُ على العَقدِ والوطءِ؛ فقيل: إنه حقيقةٌ فيهما، فهو من المشترك اللفظي، وقيل: حقيقةٌ في الوطء مجازٌ في العَقد، وقيل: بالعكس، وهو قول الأكثر، والأولى أن يقال: إنه حقيقة فيهما، ولكن استعماله في العقد أكثر
(2)
.
وفي هذه الآيةِ ينهى اللهُ عبادَه المؤمنين عن نكاح المشركات اللاتي يَعبُدنَ مع الله غيرَه من الأَصنام والأَوثان، ينهى عن نِكاحهنَّ إلى أَنْ يُؤمِنَّ بالله ورسولِه، ويُخلصنَ العبادةَ لله، وينهى عن إنكاح المشركينَ عُبَّادِ الأَوثان، وهو تزويجهم المؤمنات، ويُبيِّنُ تعالى أَنَّ الأَمَةَ المؤمنةَ خيرٌ من الحُرَّةِ المشركةِ ولو كانت ذاتَ حَسَبٍ ونَسَبٍ وجمالٍ، وذلك في قوله تعالى:{وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} ، والأَمَةُ يُرادُ بها: المملوكة، وغلطَ مَنْ قال: المرادُ بها المرأةُ مُطلقًا حرَّةً كانت أو مملوكةً، وهذا لا يُعرف في اللغة العربية إلَّا إذا أُضيفت الأَمَةُ إلى الله؛ فيقال:«يا أمة الله» لأَيِّ امرأةٍ
(3)
، وكذا «العبد» المرادُ به هنا: المملوك، والعبدُ المؤمن خيرٌ من الحرِّ المُشرك، ولو كان ذا مالٍ وجاهٍ وحَسَبٍ ونَسَبٍ، وذلك في قوله تعالى:{وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} .
(1)
ينظر: «المصباح المنير» (2/ 624).
(2)
ينظر: «لسان العرب» (2/ 662)، و «تحرير ألفاظ التنبيه» (ص 250)، و «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص 386).
(3)
ينظر: «لسان العرب» (14/ 44).
ثم يُبيِّنُ تعالى حكمةَ النهي عن نكاح المشركات وإنكاحِ المشركين، وذلك أَنَّ المشركين والمشركات يدعون إلى النار؛ أَي: إلى سبب دخولِ النارِ، وهو الشركُ بالله، والله تعالى يدعو إلى سبب دخولِ الجنةِ، وحصولِ المغفرةِ، وهو عبادتُه تعالى وحدَه لا شريك له، وطاعتُه وطاعةُ رُسله، والمؤمنون والمؤمنات يدعون إلى ما يدعو اللهُ إليه، وإذا كان المرادُ بالمشركين في الآية عبَّادَ الأَوثان؛ فالآيةُ على عمومها في المشركين والمشركات ولا تخصيصَ فيها، وإذا كان المرادُ بالمشركين كلَّ مَنْ عبدَ مع الله غيرَه من أهل الكتاب وغيرِهم، فهي مخصوصةٌ بقوله تعالى في سورة المائدة:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} إلى قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5]؛ أَي: حِلٌّ لكم
(1)
.
وقوله تعالى: {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون (221)} : أي: يوضِّحُ آياتِه المتلوَّةِ؛ وهي آياتُ القرآن، ويُبيِّنُ آياته الكونية المشهودة؛ أي: يُظهرُ دِلالاتها ليتذكَّرَ الناسُ ربوبيَّتَه تعالى وإلهيَّتَه، فيعرفوه ويعبدوه، ويتذكروا ما هم قادمون عليه من موقفِ القيامةِ، وما هم صائرون إليه من الجنة أَوْ النار فيُعدُّوا لذلك اليوم عدَّتَه.
{وَلَا تَنْكِحُوا} تتزوَّجوا أَيُّها المسلمون {الْمُشْرِكَاتِ} أَي: الكافراتِ {حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ} حُرَّةٍ؛ لأَنَّ سببَ نزولها العيبُ على مَنْ تزوَّجَ أَمَةً وترغيبه في نكاح حُرَّةٍ مُشركةٍ {وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} لجمالها ومالها، وهذا مخصوصٌ بغير الكتابيات بآية «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (5)} [المائدة: 5]، {وَلَا تُنْكِحُوا} تُزوِّجوا {الْمُشْرِكِينَ} أَي: الكفارَ،
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 711 - 716)، و «المحرر الوجيز» (1/ 538 - 540)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 582 - 584).
المؤمنات {حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} لِمالِه وجمالِه {أُولَئِكَ} أَي: أهل الشرك {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} بدُعائهم إلى العمل الموجبِ لها، فلا تليقُ مناكحتهم {وَاللَّهُ يَدْعُو} على لسان رُسلِه {إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ} أَي: العملِ الموجبِ لهما {بِإِذْنِهِ} بإرادته، فتجب إجابتُه بتزويج أَوليائه {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يتَّعظون.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: الكافراتِ): يقتضي أَنَّ الآيةَ عامَّةٌ في الكفار من أهل الكتاب وغيرهم. وقولُه: (حُرَّةٍ): بدليل مقابلتها بالأَمَة.
وقولُه: (لأَنَّ سبب نزولها
…
) إلى آخره: يُشير إلى قصةٍ حصلت لعبد الله بن رواحة، كانت له أَمَةٌ فأَعتقها فتزوَّجها، فعاب عليه بعضُ الناس ورغَّبَه في الزواج من حُرَّةٍ ولو مشركةٍ، فنزلت هذه الآيةُ:{وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ} ، كذا قيل، والله أعلم
(1)
.
وقولُه: (وهذا مخصوصٌ بغير الكتابيات
…
) إلى آخره: هذا يقتضي أَنَّ المؤلِّفَ يرى أَنَّ الآيةَ عامَّةٌ في المشركين من أَهل الأوثان وأَهلِ الكتاب، ويُخَصُّ من عمومها المحصناتُ من أهل الكتاب كما في سورة المائدة.
وقولُه: (بإرادته): أَي: الإرادةِ الشرعية.
* * *
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 73)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 551).
يذكرُ تعالى في هذه الآية أَنَّ بعضَ المسلمين سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن حكم إتيان النساء في حال الحيض، منهم أبو الدحداح وأُسيدُ بن الحضير وعَبَّادُ بن بشر رضي الله عنهم
(1)
، فأُجيبوا بقوله تعالى:{قُلْ هُوَ أَذًى} ؛ أَي: دمُ الحيضِ أذى؛ لأَنَّه نجسٌ قذرٌ، ثم رتَّبَ تعالى على ذلك الأَمر باعتزال النساء بتركِ وَطئهنَّ في المحيض وهو زمنُ الحيضِ، وقيل: مكانُ الحيض، وهو الفرجُ، فعُلمَ بذلك تحريمُ وطءِ الحائضِ في الفرج، وهذا مُجمَعٌ عليه
(2)
، ثم اختُلف فيما يَحِلُّ الاستمتاعُ به من سائر بدنها؛ فقيل: لا يحرمُ منها إلا الوطءُ في الفرج خلا الدُّبرَ، فإنه لا يَحِلُّ بحالٍ من الأحوال، وقيل: لا يَحِلُّ إلَّا ما فوق السرَّة ودون الركبة
(3)
، والصوابُ الذي دلَّت عليه السنَّةُ: أَنه لا يحرمُ إلَّا الوطءُ في الفرج؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((اصنعوا كلَّ شيءٍ إلَّا النكاح))، لما قيل له: إِنَّ اليهودَ إذا حاضت المرأةُ فيهم لم يؤاكلوها ولم يُساكنوها في البيوت. رواه مسلم
(4)
، ولكن ينبغي اجتناب ما بين السرَّةِ والرُّكبةِ، وكان صلى الله عليه وسلم يأمر المرأةَ من نسائه فتتَّزِرُ فيباشرها، وهي: حائض كما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «كان رسول الله يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض»
(5)
، فعُلم
(1)
أخرجه مسلم (302)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2110). وينظر أيضًا:«أسباب النزول» (ص 74)، و «العجاب» (1/ 553).
(2)
ينظر: «مراتب الإجماع» (ص 45 - 46)، و «الإقناع في مسائل الإجماع» لابن القطان الفاسي (1/ 103).
(3)
ينظر الخلاف في: «حاشية ابن عابدين» (1/ 292 - 293)، و «مواهب الجليل» (1/ 570)، و «المجموع شرح المهذب» (2/ 392 - 394)، و «المغني» (1/ 414 - 416).
(4)
صحيح مسلم (302)، من حديث أنس رضي الله عنه.
(5)
أخرجه البخاري (300).
مما تقدَّم أَنَّ اعتزالَ النساء الذي أَمر اللهُ به وأَكَّده بالنهي عن قربانهنَّ حتى يطهرنَ: هو تركُ وَطئها في الفرج حتى تطهرَ بانقطاع الدم ثم تغتسل؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} ، وفي هذا الحرف قراءتان؛ فقرأ بعضُهم:{يَطْهُرْنَ} بصيغة الفعل المضارع من الثلاثي، وهو بسكون الطاء وضم الهاء، وقرأَ بعضُهم بتشديد الطاء والهاء
(1)
، ورجَّح هذه القراءة ابنُ جرير
(2)
، ومعناها:«يغتسلن» ، ومعلومٌ أَنَّ الاغتسالَ لا يكون إلَّا بعد انقطاع الدم، ومما يُرجِّحُ هذه القراءةَ -أعني: قراءةَ التشديد- أَنه فُرِّعَ عليها الجملةُ الشرطية، وهي: قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} ، فعلَّق إباحةَ إتيانهنَّ على ما إذا تطهَّرنَ؛ أي: اغتسلن، والاغتسالُ: هو التطهُّرُ من الحدث الأَكبر كما قال تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة: 6]، وقوله:{وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ} [النساء: 43]. وقوله: {فَأْتُوهُنَّ} : هذا أَمرُ إِباحةٍ بعد النهي؛ كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2].
وقوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} ذكر فيه ابنُ جرير عدة أقوال، منها: فأتوهنَّ من حيثُ أَمركم اللهُ باعتزالهنَّ فيه، وهو الفرجُ، ورواه عن جمعٍ من السَّلف
(3)
، ورجَّح أَنَّ المعنى:{مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} أَي: الطُّهر؛ فالمعنى: فأتوهنَّ طاهرات لا حيَّض
(4)
.
(1)
قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي، وخلف:{حَتَّى يَطَّهَّرْنَ} مشددة الطاء؛ والهاء مفتوحة، وقرأ الباقون {حَتَّى يَطْهُرْنَ} خفيفة والهاء مضمومة. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 182)، و «النشر» (2/ 227).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 732).
(3)
رواه عن ابن عباس في رواية ابن أبي طلحة وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم من السلف. ينظر:«تفسير الطبري» (3/ 735 - 738).
(4)
ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 740 - 742).
وقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين (222)} : ثناءٌ ووعدٌ للتائبين إلى الله من الذنوب، والمتطهِّرينَ المتنزِّهين عن الأَقذار والأنجاس.
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} أَي: الحيضِ، أو مكانِه، ماذا يفعل بالنساء فيه؟ {قُلْ هُوَ أَذًى} قذرٌ أو محلُّه {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ} اتركوا وطأهنَّ {فِي الْمَحِيضِ} أَي: وقتِه، أو مكانِه {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} بالجماع {حَتَّى يَطْهُرْنَ} بسكون الطاءِ وتشديدِها والهاء، وفيه إدغامُ التاء في الأصل في الطاء؛ أَي: يغتسلن بعد انقطاعه {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} للجماع {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} بتجنُّبه في الحيض، وهو القُبُل، ولا تعدوه إلى غيره {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ} يُثيبُ ويُكرمُ {التَّوَّابِينَ} من الذنوب {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} من الأَقذار.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: الحيضِ
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ المحيضَ يحتمل أن يكون مصدرًا ميميًّا فيكون بمعنى: الحيض، ويُحتملُ أَنْ يكون اسمَ مكانٍ؛ أَي: مكانَ الحيض وهو الفرج، والمقصودُ: السؤالُ عن حكم معاملةِ النساءِ حالَ الحيضِ؛ ما يحلُّ للرجل منهنَّ وما يحرم.
وقولُه: (قذرٌ أو محلُّه): هذا مَبنيٌّ على القولين في المراد بالمحيض.
وقولُه: (اتركوا وطْأهنّ): فسَّرَ الاعتزالَ بترك جماع الحائض.
وقولُه: (وقتِه أَوْ مكانِه): يُبيِّنُ أَنَّ المحيضَ في قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} يُحتمَلُ أَنه اسمُ زمان؛ وهو وقتُ الحيضِ، أَوْ اسمُ مكانٍ؛ وهو الفرج.
وقولُه: (بالجماع): يُبيِّنُ أَنَّ قولَه: (لا تقربوا) من القُربان؛ وهو مباشرةُ الفعل، لا من القربِ بمعنى: الدنو من الشيء.
وقولُه: (بسكون الطاء وتشديدها
…
) إلى آخره: يُشيرُ إلى القراءتين، إحداهُما بسكون الطاء وضمِّ الهاء، من طهر الثلاثي، والأُخرَى بتشديد الطاءِ
والهاءِ، والأَصلُ «يَتْطَهرن» فسُكِّنت التاءُ وقُلبت طاءً وأُدغمت الطاءُ في الطاء، ومعنى: يطهرن؛ يغتسلن.
وقولُه: (للجماع): تفسيرٌ للإتيان في قوله: {فَأْتُوهُنَّ} .
وقولُه: (بتجنُّبه في الحيض
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الأَمر المشار إليه في قوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} هو الأَمرُ باعتزالهنَّ في قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} .
وقولُه: (يُثيبُ ويُكرِمُ): هذا تأويلٌ بل تحريفٌ؛ لأنَّه تفسيرٌ للمحبَّةِ بلازمِها، فإنَّ من لازمِ محبَّةِ اللهِ للعبدِ الإثابةُ والإكرامُ، وهذا التأويلُ يتضمَّنُ نفيَ حقيقةِ المحبَّةِ عن الله؛ فهو تأويلٌ مبنيٌّ على التعطيلِ، وهذا سبيلُ المعتزلةِ ومن تبعَهم كالأشاعرةِ
(1)
، وأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يُثبتون لله حقيقةَ المحبَّةِ ويجرونَ النصوصَ على ظاهرِها مؤمنينَ بها مثبتين لما تدلُّ عليه من صفاتٍ للهِ من غيرِ تعطيلٍ ولا تحريفٍ ولا تمثيل ولا تكييفٍ، وهذا معنى قولُ من قالَ من السلفِ في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها:«أمرّوها كما جاءَت بلا كيفٍ»
(2)
.
* * *
(1)
ينظر: «شرح الأصبهانية» (ص 39)، و «مجموع الفتاوى» (6/ 225 - 226)(10/ 697)، و «مدارج السالكين» (3/ 383 - 384)، و «بدائع الفوائد» (3/ 846)، و «التعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري» (ص 106، رقم 68)، (ص 116، رقم 76)، (ص 143، رقم 101).
(2)
روي بألفاظ متقاربة عن مكحول والزهري، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك والثوري والليث والأوزاعي. ينظر:«التاريخ الكبير» لابن أبي خيثمة (رقم 3283 و 4688)، و «السنة» للخلال (1/ 259، رقم 313)، و «الشريعة» (3/ 1146، رقم 720)، و «الصفات» للدارقطني (رقم 67)، و «الإبانة» لابن بطة (رقم 183)، و «أصول أهل السنة» (3/ 478، رقم 735)، و «جامع بيان العلم» (2/ 943 - 944، رقم 1801)، و «التمهيد» (7/ 149)، و «ذم التأويل» لابن قدامة (رقم 21، 24)، و «الأسماء والصفات» للبيهقي (2/ 377، رقم 955).
وقوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين (223)} [البقرة: 223]:
يُخبر تعالى عبادَه المؤمنين أَنَّ نساءَهم -وهن زوجاتهم- مزدرعٌ لهم وموضع حرثٍ لهم، بوضع النُّطف في أَرحامهنَّ، فينشأُ عن ذلك الولدُ؛ كوضع الحبِّ في المزدرع من الأرض، وينشأُ عن ذلك الزرعُ والشجرُ والحبُّ والثمرُ.
وقوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} : أي: جامعوا نساءكم من أَيِّ وجهٍ شئتم، من قُبلها ومن دُبرها في موضع الحرثِ وهو القُبُل، لكن دلَّ الكتابُ والسنَّةُ على تحريم أَمرين: إتيان النساءِ في أَدبارهنَّ، وفي مكان الحيضِ.
وقد ثبت في سبب نزولِ هذه الآية كما في الصحيحين: أَنَّ اليهودَ كانوا يقولون للمسلمين: إذا أتى الرجلُ امرأته من دُبرها في قُبلها كان الولدُ أَحولَ، فأَنزل اللهُ هذه الآية ردًّا عليهم
(1)
، فعُلم مما تقدَّمَ الفرقُ بين إِتيان المرأة من دُبرها في قُبلها، وإتيانها في دبرها، فالأَولُ: حلالٌ بالاتفاق؛ لقوله تعالى: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} . والثاني: حرامٌ لِمَا استفاضَ من الأَحاديث والآثار الدالةِ على تحريم ذلك
(2)
، وأَمَّا ما رُوي من الآثار المخالفة لذلك؛ فهي بين أَمرين: إِمَّا أنها لم تصحَّ، أو تكون محمولة على المعنى المجمع على إباحته، وهو إتيان المرأة من دُبرها في قُبلها، كما حقَّقَ ذلك العلامةُ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (4528)، ومسلم (1335) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(2)
النهي عن وطء النساء في أدبارهن رواه غير واحد من الصحابة؛ كخزيمة بن ثابت، وأبي هريرة، وابن عباس، وعلي بن طلق، وعبد الله بن عمرو، وأنس، وأُبي بن كعب، وابن مسعود، وعقبة بن عامر، وعمر، وجابر بن عبد الله، وغيرهم، وإن كان في بعضها مقال لكن مجموعها يعطي قوة للخبر؛ خاصة مع ثبوت ما ورد عن الصحابة في تحريم هذا الفعل. ينظر:«شرح معاني الآثار» للطحاوي (3/ 43 - 46)، و «نظم المتناثر» (ص 149، رقم 159).
(3)
«أضواء البيان» (1/ 169 - 173)، و «العذب النمير» (3/ 555 - 557). وانظر:«زاد المعاد» (4/ 257 - 264).
وقوله تعالى: {وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ} : أَي: قدِّموا لأَنفسكم من الأَعمال الصالحة ما تجدونه عند الله موفورَ الأَجر مشكورًا، ولا يشغلنكم عن ذلك التمتع بلذَّات الدنيا، وبذا تظهرُ مناسبةُ قولِه تعالى:{وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ} لِمَا قبله.
وقوله: {وَاتَّقُواْ اللّهَ} : أي: اتقوا سخطَه وعذابَه باجتناب محارمه.
وقوله: {وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُّلَاقُوهُ} : أَي: يومَ القيامة، فمُجازيكم بأعمالكم حَسنِها وسَيِّئِها، وفي هذا تأكيدٌ لقوله:{وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ} .
وقوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين (223)} : أَمرٌ من الله لنبيِّه أَنْ يُبشِّرَ المؤمنين لِمَا أَعدَّ اللهُ لهم من الأَجرِ الكبير والفوزِ العظيمِ.
{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} أَي: محلُّ زرعكم الولدَ {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} أَي: محلَّه؛ وهو القُبُل {أَنَّى} كيف {شِئْتُمْ} من قيامٍ وقعودٍ واضطجاعٍ وإِقبالٍ وإِدبارٍ؟ نزل ردًّا لقول اليهود: مَنْ أَتى امرأته في قُبلها من جهة دُبرها جاء الولدُ أَحول {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} العملَ الصالحَ؛ كالتسمية عند الجماع {وَاتَّقُوا اللَّهَ} في أَمره ونهيه {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} بالبعث، فيُجازيكم بأعمالكم {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} الذين اتقوه بالجنة.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: محلَّ زرعكم الولدَ): في هذا تشبيه المرأةِ أَوْ رحمِ المرأةِ بالأرض التي يُوضعُ فيها البذرُ، وتشبيهُ النطفةِ بالبذر والولدِ بالزرع كما جاء في الحديث:((لا يحلُّ لمن يؤمنُ بالله واليوم الآخر أَنْ يسقيَ ماءَه زرعَ غيره))
(1)
، المعنى: لا يحلُّ للمؤمن أَنْ يطأَ الحاملَ من غيره.
(1)
أخرجه أحمد (16997) وأبو داود (2158)، والطبراني في «الكبير» (4482) من طرق، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق التجيبي، عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري، به.
وهذا إسناد لا بأس به، رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي مرزوق مولى تجيب -وهو ربيعة بن سليم أو ابن أبي سليم- فهو مجهول، وقال عنه الحافظ في «التقريب» (1905)«مقبول» ، وقال في موضع آخر:«ثقة» ، وسماه حبيب بن شديد. «التقريب» (8352).
وأخرجه الترمذي (1131) من طريق يحيى بن أيوب، عن أبي مرزوق التجيبي، به. وقال الترمذي «هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت» .
وقد توبع أبو مرزوق؛ تابعه الحارث بن يزيد: أخرجه أحمد (16992) من طريق يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن حنش الصنعاني، به.
والحارث بن يزيد -وهو الحضرمي المصري- ثقة، «التقريب» (1057)، لكن ابن لهيعة ضعيف وخلط بعد احتراق كتبه، «التقريب» (3563)، ويحيى بن إسحاق -وهو السيلحيني- من قدماء أصحابه كما ذكر الحافظ في «التهذيب» في ترجمة حفص بن هاشم بن عتبة (2/ 420، رقم 729).
فالحديث نرجو أنه حسن بطريقيه، وقد صححه ابن حبان (4850)، وحسنه الترمذي (1131)، والبزار (2314)، والألباني في «الإرواء» (2137)، و «صحيح أبي داود» (1874).
وقولُه: (أَي: محله
…
) إلى آخره: يقتضي أَنَّ إطلاقَ الحرثِ على المرأة مجازٌ مرسلٌ علاقته الحالية، ومحلُّ الحرثِ من المرأة هو القُبُلُ.
وقولُه: (كيف): تفسيرٌ لقوله: {أَنَّى شِئْتُمْ} ، وهذا إذنٌ بإتيان المرأة في أَيِّ حالٍ تكون عليها المرأةُ، وفي أَيِّ مكانٍ، وفي أَيِّ زمانٍ يشاؤه الرجلُ، إلَّا ما خصَّه الدليلُ؛ كإتيانها في الحيض أَوْ في الدبر، فهذان حرامٌ كما تقدَّم.
وقولُه: (من قيامٍ وقعودٍ
…
) إلى آخره: تفصيلٌ لأَحوالِ المرأَةِ المأذون بإتيانها فيها.
وقولُه: (نزل ردًّا
…
) إلى آخره: إشارةٌ إلى سبب النزول.
وقولُه: (العملَ الصالحَ
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الآيةَ شاملةٌ للقولين في المأمور بتقديمه؛ الأول: قدِّموا الخيرَ وهو العملُ الصالح، والثاني: ذكرُ الله قبل الجماعِ بالتسمية والدعاء، كما جاء في الحديث قال صلى الله عليه وسلم: ((لو
أَنَّ أَحدكم إذا أَراد أن يأتي أَهلَه قال: باسم الله، اللهمَّ جنِّبنا الشيطانَ وجنِّب الشيطانَ ما رزقتنا
…
)) الحديث
(1)
.
* * *
(1)
أخرجه البخاري (141)، ومسلم (1434)، من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
وقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (224) لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيم (225)} [البقرة: 224 - 225]:
ينهى اللهُ -تعالى- عبادَه المؤمنين عن الحلف به سبحانه على ترك البر أو التقوى، أو ترك الإصلاح بين الناس، فقوله:{أَنْ تَبَرُّوا} ؛ أَي: أَلَّا تبرُّوا ولا تتَّقوا ولا تُصلحوا.
وقوله: {وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ} ؛ أَي: لا تجعلوا اللهَ مُعَرّضًا للحلف به على أَلَّا تبرُّوا ولا تتَّقوا ولا تُصلحوا، وقيل: لا تجعلوا أَيمانكم بالله عُرضةً؛ أَي: مانعًا لكم عن البر والتقوى والإصلاح
(1)
، ونظيرُ هذه الآية في النهي عن الحلف على ترك البر والصلة قولُه تعالى:{وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (22)} [النور: 22]، نزلت في أَبي بكر لَمَّا حلف أَلَّا ينفقَ على مِسْطحٍ؛ لخوضه في شأن عائشة رضي الله عنهم
(2)
، وبناءً على ما سبق من حلف ألا يفعل برًّا أو معروفًا، فالمشروعُ في حقِّه أَنْ يفعلَ ما حلف على تركه ويُكفِّرَ عن يمنيه، قال صلى الله عليه وسلم:((والله لا أَحلفُ على يمينٍ فأَرى غيرها خيرًا منها إلَّا أَتيتُ الذي هو خيرٌ، وكفَّرتُ عن يميني))
(3)
.
وقوله: {وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (224)} : أَي: سميعٌ لأَقوالكم عليمٌ بما في قلوبكم، وسيجزيكم على أَقوالكم وأَعمالكم.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 5 - 12)، و «الكشاف» (1/ 436 - 437)، و «زاد المسير» (1/ 194)، و «البحر المحيط» (2/ 439).
(2)
كما في حادثة الإفك التي أخرجها البخاري (2661)، ومسلم (2770) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3)
أخرجه بنحوه البخاري (6623)، ومسلم (1649)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
وقوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ} : أي: لا يُؤثِّمكم ولا يُعاقبكم، فلا تجبُ عليكم الكفارةُ بالحنث فيه. وقوله:{بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ} : المراد باللغو: ما لا يترتَّبُ عليه شيءٌ من الأَحكام، ولغو اليمين؛ قيل: المرادُ به ما يجري على اللسان من غير عقد القلب؛ كقول الرجل: «لا والله، وبلى والله» ، وقيل لغو اليمين: هو حلفُ الإنسان على ما يظنُّ صِدقَه فيه
(1)
.
وقوله: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} : أَي: ولكنَّ الإثمَ وجوبُ الكفارة بالحِنث في الأَيمان التي انعقد عليها القلبُ، فصارت من عمل القلب وكسبه قصدًا ونيَّةً وعزمًا؛ كما قال تعالى:{وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89].
وقوله: {وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيم (225)} : أَي: كثيرُ المغفرةِ لذنوب عبادِه، حليمٌ لا يُعاجِلُ بالعقوبة.
{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ} أَي: الحلف به {عُرْضَةً} علَّةً مانعةً {لِأَيْمَانِكُمْ} أَي: لِمَا حلفتم عليه -سُمِّيَ باليمين لملابستِه له- أَنْ تفعلوه لـ {أَنْ} لا {تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} فتُكرَه اليمينُ على ذلك، ويُسَنُّ فيه الحنثُ ويُكفَّرُ بخلافها على فعل البرِّ ونحوِه فهي طاعة. المعنى: لا تمتنعوا من فعل ما ذُكر من البرِّ ونحوِه إذا حلفتم عليه؛ بل ائتوه وكفِّروا؛ لأَنَّ سببَ نزولها الامتناعُ من ذلك {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لأَقوالكم {عَلِيمٌ} بأَحوالكم. {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ} الكائنِ {فِي أَيْمَانِكُمْ} وهو ما يَسبقُ إليه اللسانُ من غير قصدِ الحلفِ؛ نحو: لا والله وبلى والله؛ فلا إِثم فيه ولا كفَّارة {وَلَكِنْ
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 14 - 26)، و «المحرر الوجيز» (1/ 550)، و «تفسير القرطبي» (3/ 99 - 100).
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أَي: قَصَدتْه من الأَيمان إذا حَنثتم {وَاللَّهُ غَفُورٌ} لِمَا كان من اللغو {حَلِيمٌ} بتأخيرِ العقوبةِ عن مُستحِّقها.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: الحلف به): تأَوّل الكلام على حذف مُضاف؛ فمعنى: لا تجعلوا الله: لا تجعلوا الحلفَ بالله.
وقولُه: (علَّةً مانعةً): تفسير للعرضة؛ أي: لا تجعلوا القَسَمَ بالله على ترك البرِّ والتقوى والإصلاح سببًا مانعًا من فعل البرِّ والتقوى والإصلاح.
وقولُه: (لِمَا حلفتم عليه
…
) إلى آخره: هذا تفسيرٌ لقوله تعالى: {لِأَيْمَانِكُمْ} ، فاليمينُ تُطلَقُ على لفظ القَسَم؛ كقولك:«والله» ، وتُطلَقُ على المقسَم عليه؛ كقولك:«لا أَحج» ، ففي الآيةِ النهيُ عن أَنْ يكون القَسَمُ:«والله» مانعًا من فعل الحجِّ المُقسَمِ على تركه، وهذا على تفسيرِ العُرضةِ بالعلَّةِ المانعةِ، وهذا ما مشى عليه المؤلِّف، ولهذا قال في تفسير:{أَنْ تَبَرُّوا} : «أَنْ لا تبرُّوا» .
وقولُه: («أن» لا): هذا تفسيرٌ لليمين التي نهي عن جعلها مانعًا من فعل البر والتقوى والإصلاح. وقولُه: (فتُكرَه اليمينُ على ذلك): يريد: أَنَّ الحلفَ على ترك العمل المشروع مكروهٌ، هذا إذا كان مُستحبًّا، ولهذا قال:(ويُسَنُّ فيه الحنثُ)، أَمَّا إذا كان واجبًا؛ فالحلفُ على تركه حرامٌ؛ كمَن حلفَ على ترك فريضةٍ من الفرائض، فيجب الحنثُ وتجبُ الكفَّارةُ.
وقولُه: (بخلافها على فعل البرِّ): يريد: أَنَّ الحلفَ على فعل البر؛ كقوله: والله لأَحُجنَّ، لا على وجه النذر؛ لا يكره.
وقولُه: (المعنى: لا تمتنعوا
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ بذلك المعنى المقصود من النهي في الآية، ويشيرُ إلى سبب نزول الآية، وهو أَنَّ بعضَ الناس يمتنع من فعل الطاعة؛ لأَنَّه حلفَ على تركها، فنُهوا عن الامتناع من فعل الخير من أجل اليمين، وأُمروا بالحنث والكفارة.
وقولُه: (الكائنِ): هذا تقديرُ مُتعلق الجار والمجرور في أيمانكم، فالمعنى: اللغو الواقع في أَيمانكم. وقولُه: (وهو ما يَسبقُ
…
) إلى آخره: هذا تفسيرُ اللغو في الأَيمان.
وقولُه: (أَي: قَصَدتْه
…
) إلى آخره: هذا تفسيرٌ لكسب القلوب، فقصدُ القلب للقول والفعل هو كسبُه وعملُه، وهو معنى قولِه تعالى في الآية الأخرى:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89].
* * *
وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (227)} [البقرة: 226 - 227]:
هذا بيانٌ من الله لحكم من «آلى» من امرأته؛ أَي: حلف على أَلَّا يطأها أَكثرَ من أَربعة أَشهرٍ؛ كسنةٍ، و «آلى» ، و «ائتلى»: حلف، فيؤلون: أَي: يحلفون، ويقال: لمن وقع منه ذلك مُؤْلٍ، وليمينه: الإيلاءُ. ومعنى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} : يُباحُ لهم الانتظارُ مُمتنعين عن وطءِ نسائهم مدةَ أَربعة أَشهرٍ، فالتربُّصُ بمعنى: الانتظار، ومفهومُ التقييد بأَربعةِ أَشهرٍ أنه ليس لهم الامتناعُ من الوطءِ فوق الأَشهر الأَربعة.
وقوله تعالى: {فَإِنْ فَاؤُوا} : أَي: رجعوا إلى ما حلفوا على تركه؛ فكان منهم الوطءُ عند تمام المدةِ أَوْ قبلها، وجوابُ الشرط: قولُه تعالى: {فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (226)} : أَي: غفورٌ للمؤولين خطأَهم رحيمٌ بهم بما شرعَ لهم من التربُّص وكفَّارةِ اليمين.
وقوله: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (227)} : أَي: فإن لم يفيئوا فقد وجبَ عليهم الطلاقُ، فإن طلَّقوا وإِلَّا أَجبرهم الحاكمُ على الطلاق، فإن فعلوا وإِلَّا طلَّقَ عليهم، وجوابُ الشرط قولُه تعالى:{فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (227)} : أَي: سميعٌ لأقوال المؤلين، عليمٌ بنيَّاتهم.
فعُلم مما تقدَّمَ أَنَّ المؤلي الذي يؤمرُ بالفيئة ويُجبرُ على الطلاق إذا امتنع هو الذي آلى أَكثر من أربعة أَشهر على وجه المضارَّةِ للمرأة، أَمَّا إذا كان برضا المرأةِ رعايةً لأَيِّ مصلحةٍ؛ فليس له حُكمُ المُؤلي؛ لأَنَّ الحقَّ لها، أَمَّا مَنْ آلى أَربعةَ أَشهرٍ فأقل؛ فلا يدخل في حكم الآيةِ، لكن يحرم قصدُ الإضرارِ بكلِّ حالٍ، فإِن أَتمَّ المدةَ التي عيَّنها فلا شيءَ عليه، وإن فاءَ في المدة فعليه كفَّارةُ اليمين، وكذا إذا فاءَ في مدَّةِ التربُّص أَوْ بعدها، فإنَّ عليه الكفارةُ، وإن طلَّقَ فلا كفَّارةَ عليه.
{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} أَي: يحلفون أَلَّا يُجامعوهنَّ {تَرَبُّصُ} انتظارُ {أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا} رجعوا فيها أو بعدها عن اليمين إلى الوطءِ {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لهم ما أَتوه من ضرر المرأةِ بالحلف {رَحِيمٌ} بهم. {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} أَي: عليه، بأَنْ لم يفيئوا؛ فليُوقعوه {فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لقولهم {عَلِيمٌ} بعزمهم، المعنى: ليس لهم بعد تربُّصِ ما ذُكر إلَّا الفيئةُ أو الطلاقُ.
وقولُ المؤلِّف: (ما أَتوه من ضرر المرأةِ بالحلف): معناه: أَنَّ اللهَ يغفر للمؤلي إذا فاءَ ما ترتَّب على الإيلاء من ضرر المرأةِ، وهذا مشروطٌ بالتوبة واستحلال المرأة، وأَمَّا ما ترتَّب على الفيئة من الحنث في اليمين فإنه يُغفر بالكفارة.
وقولُه: (عليه): يُبيِّنُ: أَنَّ عزمَ يتعدَّى بـ «على» ، فـ {عَزَمُوا الطَّلَاقَ}؛ بمعنى: عزموا على الطلاق، فحُذفَ حرفُ الجرِّ واتَّصل الفعلُ بالمجرور فنُصبَ به، وهذا ما يعرف بالحذف والإيصال، فجعل العزمَ على الطلاق مُقابلًا للفيء، فدلَّ ذلك على وجوبه، فإن طلَّقَ وإِلَّا طلَّق عليه الحاكمُ، فالمعنى: إن لم يفئ عند تمام المدةِ فقد عزم على الطلاق، ولهذا قال بعضُ أهل العلم:«إذا تمَّت المدَّةُ ولم يفئ بانت منه ولو لم يُطلِّق»
(1)
، والصواب: أَنه إذا تمت المدةُ فإنه يُوقَفُ فيُؤمرُ بالفيئة أَوْ الطلاق، فإِن أَبى الأَمرين طلَّقَ الحاكمُ
(2)
، وفي حكم هذه الآية اختلافاتٌ وتفريعاتٌ كثيرةٌ.
(1)
وهو قول الحنفية. ينظر: «حاشية ابن عابدين» (3/ 424).
(2)
وهو قول الجمهور مع اختلاف في إلزام الحاكم الطلاق إن أبى المؤلي. ينظر: «مواهب الجليل» (4/ 496 - 497)، وتكملة «المجموع شرح المهذب» (19/ 44) وما بعدها، و «المغني» (11/ 46)، و «المحلى» (9/ 184 - 185).
وقولُه: (المعنى: ليس لهم
…
) إلى آخره: يريد: أَنَّ معنى الآيتين: أَنَّ المؤلي بعد تربُّصِ أَربعةِ أَشهر لا بدَّ له من أَحد الأَمرين؛ إِمَّا أَنْ يفئَ أو يُطلِّقَ.
* * *
يُبيِّنُ تعالى حكمَ المطلقات طلقةً أو طلقتين؛ لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} ، وقوله تعالى:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، فحُكمُ هؤلاء المطلقات التربُّصُ مدَّةَ ثلاثةِ قروء؛ أَي: الانتظارُ والامتناعُ عن النكاح في هذه المدَّة، والقروءُ: جمعُ قَرءٍ بالفتح، قيل: وبالضم، والمرادُ: بالقروء؛ قيل: الأَطهار، وقيل: الحِيَضُ
(1)
، كما يُبيِّنُ تعالى أَنه لا يحلُّ لهنَّ في هذه المدة كتمانُ ما خلق الله في أَرحامهنَّ مِنْ حملٍ أَوْ حيضٍ وأَنَّ ذلك الكتمان لا يكون ممن تؤمن بالله واليوم الآخر؛ لِمَا يترتَّب على كتمان الحيض أَوْ الحمل من المفاسد المتعلقةِ بحقِّ الأَزواج؛ كتطويل العدةِ أَوْ تقصيرها وغير ذلك مما بيَّنه العلماءُ، ثم بيَّنَ تعالى أَنَّ أَزواجهنَّ {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} في مدَّة التربُّصِ إلى ما كُنَّ عليه قبل الطلاقِ، وهذا ما يُسمَّى بالرجعة، وشرطُ ذلك أَنْ يُريدوا بهذا الردِّ الإصلاحَ لا الإِضرار، وهذا معنى قوله:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} .
ثم بيَّنَ تعالى أَنَّ للنساء على أزواجهنَّ مثل الذي لهم عليهنَّ من أَداء كلٍّ منهم ما عليه من الحقوق الواجبةِ شرعًا والجاريةِ عرفًا، وقد فضَّل اللهُ الرجالَ على النساء درجةً فقال تعالى:{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} وهي ما بينه تعالى بقوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، فدخل في ذلك كلُّ ما فُضِّل به الرجالُ وخُصُّوا به من
(1)
ينظر: «لسان العرب» (1/ 130)، و «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 86 - 87).
الأَحكام مما ذكره المفسرون في تفسير الدرجة، ومن ذلك: قواميةُ الرجال على نسائهم وإمرتُهم عليهنَّ ووجوبُ طاعتهنَّ لهم بالمعروف.
وقوله: {وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيم (228)} : أَي: قويٌّ غالبٌ، وفي ذلك تهديدٌ لمن يُخالف أَمر اللهِ أَوْ يرتكبُ ما نهى عنه من الرجال والنساء، وهو تعالى حكيمٌ؛ أَي: ذو حكمةٍ، ومن ذلك: حكمتُه فيما شرع لعباده من أَحكام المطلَّقات وغير ذلك.
وبعد: فأَهمُّ مسألةٍ تتعلقُ بهذه الآية: مسأَلةُ المرادِ بالقرء، فقد اختلف في ذلك العلماءُ من الصحابة والتابعين والأَئمة المتبوعين، فذهب كثيرون إلى أَنَّ القروءَ الأَطهارُ، وذهب آخرون كثيرون إلى أَنَّ القروءَ الحِيَضُ، فعلى القولِ الأَوَّل تنقضي عدَّةُ المطلقة الرجعية بشروعها في الحيضة الثالثة بعد الطلاق، وعلى القول الآخر -وهو أَنَّ الأَقراءَ الحِيَضُ- تنتهي عدَّتُها بطُهرها من الحيضة الثالثةِ، ولكلٍّ من الفريقين وجوهٌ من الاستدلال من الكتاب والسنَّة، وقد استوفى ذكرَها الإمامُ ابنُ القيم في زاد المعاد، وذكر أَنَّ من القائلين إنَّ الأَقراءَ الحِيَضُ: الخلفاءَ الأَربعةَ الراشدين؛ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمان وعليًّا، واختار رحمه الله هذا القولَ ورجَّحه، والله أَعلم
(1)
.
وقد دلَّت الآيةُ على أَنَّ كلَّ مُطلقةٍ عدَّتُها ثلاثةُ قروءٍ، وقد خرج من هذا العموم عددٌ من المطلَّقات:
الأولى: غيرُ المدخول بها، فإنه لا عدَّةَ عليها؛ لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49].
الثانية: المطلقةُ الحاملُ؛ فإنَّ عدَّتَها تنقضي بوضع الحمل؛ لقوله تعالى: {وَأُوْلَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].
(1)
ينظر: «زاد المعاد» (5/ 600) وما بعدها.
الثالثة والرابعة: الآيسةُ من المحيض والتي لم تحضْ؛ لقوله تعالى: {وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} ، إلى قوله:{فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4].
الخامسة: المطلقةُ البائنُ بينونةً كبرى؛ وهي التي طلَّقها زوجُها آخرَ ثلاث تطليقات، وقد ذهب جمهورُ العلماءِ إلى دخولها في الآية، وقالوا: إنها تتربصُ ثلاثةَ قروءٍ لعموم الآية، وذهب بعضُ العلماءِ إلى أَنها غيرُ داخلةٍ في المطلقات اللاتي يتربصنَ ثلاثةَ قروءٍ؛ لقوله تعالى في آخر الآية:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} ، والمطلقةُ ثلاثًا ليس بعلها أَحق بردِّها؛ لأنها لا تحلُّ له حتى تنكحَ زوجًا غيره، وعليه فيختصُّ قولُه تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} بالرجعيات
(1)
.
{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} أَي: ينتظرنَ {بِأَنْفُسِهِنَّ} عن النكاح {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} تمضي من حين الطلاقِ، جمعُ قَرءٍ بفتح القاف؛ وهو الطُّهرُ أَوْ الحيضُ، قولان. وهذا في المدخول بهنَّ، أَمَّا غيرهنَّ فلا عدَّةَ عليهن، بقوله:{فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} وفي غير الآيسة والصغيرة فعدتهنَّ ثلاثةُ أَشهرٍ، والحوامل فعدتهنَّ أَنْ يضعنَ حملهنَّ كما في سورة الطلاقِ، والإماءُ فعدتهنَّ قَرآنِ بالسنَّةِ.
(1)
والقول الأول هو قول الجمهور، بل قال ابن القيم:«بل الذي لا يَعرفُ الناسُ سواه» ، والقول الثاني -أي: أن عدتها حيضة واحدة- هو اختيار أبي الحُسين بن اللَّبَّان، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في مواضع من كتبهما، وفي مواضع علَّقا القول به على ألا يكون الإجماع على خلافه. ينظر:«مجموع الفتاوى» (32/ 342)، و «الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية» (ص 423)، و «اختيارات شيخ الإسلام» للبرهان ابن القيم (ص 124)، و «زاد المعاد» (5/ 673 - 674)، و «إعلام الموقعين» (3/ 300 - 301)، و «أحكام أهل الذمة» (2/ 747).
{وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} من الولد أَوْ الحيض {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ} أَزواجُهنَّ {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} أَي: بمُراجعتهنَّ ولو أَبين {فِي ذَلِكَ} أَي: زمن التربُّصِ {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} بينهما، لا إِضرار المرأة، وهو تحريضٌ على قصده لا شرطٌ لجواز الرجعةِ، وهذا في الطلاق الرجعي، وأَحق لا تفضيل فيه، إذ لا حقَّ لغيرهم في نكاحهنَّ في العدَّةِ {وَلَهُنَّ} على الأزواج {مِثْلُ الَّذِي} لهم {عَلَيْهِنَّ} من الحقوق {بِالْمَعْرُوفِ} شرعًا، من حُسن العشرةِ وتركِ الضِّرار ونحو ذلك {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} فضيلةٌ في الحقِّ من وجوب طاعتهنَّ لهم؛ لِمَا ساقوه من المهر والإنفاق. {وَاللَّهُ عَزِيزٌ} في ملكه {حَكِيمٌ} فيما دبَّرَه لخلقِه.
وقولُ المؤلِّف: (ينتظرنَ): يريد: أَنَّ {يتربَّصنَ} لفظُه خبرٌ، ومعناه: أَمرٌ؛ فمعنى {يتربَّصنَ} : ليتربَّصنَ. وقولُه: (عن النكاح): يُبيِّنُ أَنَّ المقصودَ من التربُّص منعُ أَنفسهنَّ عن النكاح.
وقولُه: (تمضي من حين الطلاق): يُبيِّنُ أَنَّ مدَّةَ التربُّصِ من حين الطلاق إلى أَنْ تمضيَ ثلاثةُ قُروء.
وقولُه: (وهو الطُّهرُ أَوْ الحيضُ
…
) إلى آخره: تضمَّن كلامُه ذِكرَ الاختلاف في المراد بالقَرء، وأَنَّ حُكمَ هذه الآية مختصٌّ بذوات الأَقراء، وأَنه خرجَ من عمومها الآيسةُ من المحيض، والتي لم تحضْ، والحاملُ؛ فقد بيَّنَ حُكمَهنَّ في سورة الطلاق. كما خرج من عموم الآية غيرُ المدخول بها؛ فإنَّه لا عدَّةَ عليها كما في آية الأحزاب {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} .
وقولُه: (من الولد أَوْ الحيض): تفسيرٌ لِـ {مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} وحرَّمَ عليهنَّ كتمانه.
وقولُه: (بمراجعتهن
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الرجعةَ حقٌّ للزوج، وأنه لا يُعتبرُ فيها رضا المطلقة. وقولُه:(زمنَ التربُّصِ): بيانٌ لمرجع اسم الإشارة.
وقولُه: (بينهما
…
) إلى آخره: تضمَّن كلامُه أَنَّ قولَه تعالى: {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} ترغيبٌ في حُسن القصدِ في الرجعة، وذلك بقصد الإصلاحِ لا الإضرار بالمرأة، ويُبيِّنُ المؤلِّفُ أَنَّ قصدَ الإصلاحِ ليس شرطًا في صحَّة الرجعةِ، فتصحُّ الرجعةُ ولو لم يردِ الإصلاحُ، هذا قولُ الجمهور؛ لأَنَّ حُسنَ النيةِ أَمرٌ باطنٌ لا يُطلَعُ عليه في الغالب، فيشقُّ اعتبارُه في الرجعة
(1)
، ولكن يجب التذكيرُ به، والتحذيرُ من خلافه، كما بيَّن المؤلِّفُ أَنَّ «أحق» أَفعل تفضيل على غير بابه؛ فالمعنى: بُعولتهنَّ مُستحقُّون لردِّهنَّ في زمن التربص.
وقولُه: (على الأزواج
…
) إلى آخره: فيه بيان المحذوفِ من الشطر الأَول من الجملة؛ وهو قوله: (على الأَزواج)، وبيان المحذوفِ من الشطر الثاني من الجملة؛ وهو قوله:(ولهم)، ويُسمَّى هذا احتباكًا
(2)
مع بيان مُتعلق هذا الوجوب والاستحقاق، وهو قوله:(من الحقوق من حسن العشرة وترك الضِّرار ونحو ذلك)، وهذا هو المعروفُ شرعًا وعُرفًا.
وقولُه: (فضيلة
…
) إلى آخره: تفسيرٌ للدرجة التي فُضِّل بها الرجال، وهي: وجوبُ طاعتهم عليهنَّ بسبب ما أَنفقوا من أَموالهم من الصَّداق وغيرِه.
(1)
ينظر: «أحكام القرآن» للجصاص (2/ 67)، و «المحرر الوجيز» (1/ 559)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (1/ 256)، و «فتح القدير» (1/ 271 - 272)، و «أضواء البيان» (1/ 185).
(2)
الاحتباك: هو أن يحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، ومن الثاني ما ثبت نظيره في الأول، ومبنى هذه التسمية من الحبك وهو الشد والإحكام، وسماه الزركشي «الحذف التقابلي» ، ومن أمثلته: قوله تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} ، والتقدير:«تدخل غير بيضاء وأخرجها تخرج بيضاء» ، فحذف من الأول: تدخل غير بيضاء، ومن الثاني: وأخرجها. ينظر: «البرهان» للزركشي (3/ 129)، و «الإتقان» للسيوطي (5/ 1622 - 1624).
يُبيِّنُ تعالى في هاتين الآيتين ما يملكه الرجلُ من الطلاق، وهو ثلاثُ تطليقاتٍ تَبينُ المرأةُ بعدها، وفي ذلك إبطالٌ لِمَا كان عليه أَهلُ الجاهليةِ من طلاق المرأة ومراجعتها بلا حدٍّ ينتهي إليه، وكلما طلَّقها وأَوشكتْ أَنْ تنقضي عدَّتُها راجعها ثم طلَّقها ثم تركها، ويفعل ذلك إضرارًا بها، فقصرهم تعالى على ثلاث، فلا تحلُّ بعد الثالثة لمُطلِّقها حتى تنكحَ زوجًا غيرَه، ويطؤها ثم يُطلِّقُها وهذا من أَعظم موانع الإقدام على الطلاق، وفي هذا البيان من الله أَنه يُخيَّر بعد الطلقةِ الأُولى وبعد الثانية بين إِمساكها -وهو: ردُّها؛ أَي: المراجعة، ما دامت في العدَّة بنيَّة الإصلاح- أو تسريحها مع الإحسان إليها بتركها حتى تنقضي عدَّتُها، فتَبينُ منه بينونةً صغرى، فتكون أَملك لنفسها، فلا يملك مُطلِّقُها رجعتها إلَّا برضاها وبعقدٍ جديدٍ، فإن طلَّقها الثالثةَ بانت منه بينونةً كبرى؛ فلا تحلُّ له حتى تنكحَ زوجًا غيرَه زواجًا حقيقيًا لا بنيَّةِ التحليل، ويطؤها كما دلَّت على ذلك السنَّةُ الصحيحةُ في قصة امرأة رِفَاعة
(1)
، فإن نكحت على هذا الوجه ثم طلَّقها الزوجُ الثاني؛ حلَّت لزوجها الأَول بشرط أَنْ تظنَّ المرأةُ وزوجُها الأَولُ أَنهما سيقيمان أَحكام الله فيما بينهما، وهي: حدودُ الله التي حدَّها لكلٍّ من الزوجين، وقد بيَّن اللهُ سبحانه ذلك كله في قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ
(1)
سيأتي تخريجه في موضعه (ص 493).
مِنْ بَعْدُ حَتَّىَ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ}، ثم قال تعالى:{وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون (230)} .
وبمناسبة ذِكر الطلاقِ وأَنَّ الرجلَ قد يَعضِلُ المرأةَ التي يريد طلاقها؛ بيَّنَ سبحانه أَنَّه لا يحلُّ للزوج أَنْ يفعلَ ذلك ليأخذ شيئًا مما آتاها كما قال تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [النساء: 19]، ثم استثنى سبحانه من ذلك ما إذا خاف الزوجان أو أَهلهما أَوْ ولاةُ الأَمر أَلا تستقيمَ حياتهما الزوجيةُ بأَن لا يُقيما حدودَ الله فيما بينهما، فلا جُناح عليهما حينئذٍ فيما افتدت به المرأةُ من مالها من مهرٍ وغيرِه ليُسرِّحها الزوجُ.
{الطَّلَاقُ} أَي: التطليقُ الذي يُراجع بعده {مَرَّتَانِ} أَي: اثنتان {فَإِمْسَاكٌ} أَي: فعليكم إِمساكهنَّ بعده بأَن تُراجعوهنَّ {بِمَعْرُوفٍ} من غير ضِرارٍ {أَوْ تَسْرِيحٌ} أَي: إِرسالٌ لهنَّ {بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ} أَيُّها الأَزواجُ {أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ} من المهور {شَيْئًا} إذا طلقتموهنَّ {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} أَي: الزوجان {أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} أَي: لا يأتيا بما حدَّه لهما من الحقوق، وفي قراءة «يُخافا» بالبناء للمفعول. فـ «ألَّا يُقيما»: بدلُ اشتمال من الضمير فيه، وقُرئ بالفوقية في الفعلين {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} نفسها من المال ليُطلِّقها، أَي: لا حرج على الزوج في أَخذه ولا الزوجة في بذله. {تِلْكَ} الأَحكامُ المذكورةُ {حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
{فَإِنْ طَلَّقَهَا} الزوجُ بعد الثنتين {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} أَي: بعد الطلقة الثالثة {حَتَّى تَنْكِحَ} تتزوجَ {زَوْجًا غَيْرَهُ} ويطأها كما في الحديث رواه الشيخان {فَإِنْ طَلَّقَهَا} الزوجُ الثاني {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أَي: الزوجةُ
والزوجُ الأَوَّلُ {أَنْ يَتَرَاجَعَا} إلى النكاح بعد انقضاء العِدَّةِ {إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ} المذكورات {حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يتدبَّرون.
وقولُ المؤلِّف: (التطليقُ الذي يُراجع بعده): عبَّرَ عن الطلاق بالتطليق؛ لبيان أَنَّ الطلاقَ اسمُ مصدر بمعنى التطليق، ثم يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بالطلاق هو الطلقةُ الأُولى والطلقةُ الثانية؛ لأَنَّه الطلاقُ الذي تجوز بعده الرَّجعةُ ما دامت المطلقةُ في العدَّة.
وقولُه: (اثنتان): أَي: طلقتان، وعبَّرَ عن الطلقة بالمرَّة؛ للدلالة على استقلال كلٍّ منهما، لئلَّا تكون بلفظٍ واحدٍ فتكون الطلقةُ الثانيةُ بعد الأُولى لفظًا وزمنًا.
وقولُه: (فعليكم إمساكهنَّ
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ «إِمساكٌ» مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ تقديرُه: فعليكم إِمساكهنَّ، وذلك لمراجعتهن.
وقولُه: (أَي: إِرسالٌ لهنَّ): يريد: أَنَّ المرادَ بالتسريح تركهنَّ حتى تنقضيَ عِدتهنَّ فَيَبِنَّ منهم، وعبَّرَ عن ذلك بالإِرسال، وهذا هو الصوابُ في المراد بالتسريح في هذا الموضع، خلافًا لمن قال أَنَّ المرادَ بالتسريح أَنْ يُطلِّقَها طلقةً ثالثةً
(1)
.
(1)
وهو قول السدي والضحاك، واختاره الجصاص والواحدي وألكيا الهراسي والقاضي أبو يعلى والرازي وابن كثير، وردوا القول الأول من أوجه أوصلها الرازي لأربعة، وضعفوا الحديث الوارد في تفسير الآية؛ لإرساله. ينظر:«تفسير الطبري» (4/ 131 - 134)، و «أحكام القرآن» للجصاص (2/ 87 - 88)، و «التفسير البسيط» (4/ 223)، و «أحكام القرآن» لألكيا الهراسي (1/ 173)، و «تفسير الرازي» (6/ 443 - 444)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 611).
وقولُه: (أَيها الأَزواج): يُبيِّنُ أَنَّ الخطابَ في قوله: {لَا يَحِلُّ لَكُمْ} للأزواج.
وقولُه: (من المهور): بيانٌ للمراد بالموصول في قوله: {مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ} . وقولُه: (إذا طلقتموهنَّ): يُبيِّنُ أَنَّ تحريمَ الأَخذ من مهور النساء في هذه الآية في حال تطليقهنَّ؛ لأَنَّه مظنةٌ للأَخذ. وقولُه: (أَي: لا يأتيا بما حدَّه لهما من الحقوق): تفسيرٌ لقوله: {أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} ، وقد تضمَّن كلامُه بيانَ المرادِ بحدود الله؛ بأنها الحقوقُ التي فرضها اللهُ وحدَّها على كلٍّ من الزوجين للآخَر، وأَنَّ إقامتَها إيتاؤها وأَداؤها.
وقولُه: (وفي قراءة
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ فعل «يخاف» قُرئَ بضمِّ الياء
(1)
، فالفعلُ مبنيٌّ للمفعول، ونائبُ الفاعل هو الألفُ؛ لأَنَّه ضميرُ الاثنين، وعلى قراءة الجمهور: الأَلفُ فاعلٌ؛ لأَنَّ الفعل مبنيٌّ للمعلوم.
وقولُه: (وقُرئ بالفوقية في الفعلين): يُريد: أَنَّ فعلي: «يخافا، ويقيما» قُرِئا بالفوقية، وهي: التاء، فتكون القراءة {إِلَّا أَنْ تَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا} ، وهي مفتوحةٌ في الأَول ومضمومةٌ في الثاني
(2)
.
وقولُه: (نفسها): تقدير لمفعول {افْتَدَتْ} ، فالمعنى: لا جُناح على الزوج فيما أَخذ ولا على المرأة فيما أَعطتْ؛ كما قاله المؤلِّفُ في العبارة التالية.
وقولُه: (بعد الثنتين): أَي: طلَّقها طلقةً ثالثة.
وقولُه: (تتزوج): تفسيرٌ لـ {تَنْكِحَ} ، وهو تفسيرٌ للنكاح بالعقد، وهو تفسيرٌ صحيحٌ، وأَمَّا اشتراطُ الوطءِ فلا تدلُّ عليه الآيةُ، لكن عُلم بالسنَّة كما ذكره المؤلِّفُ في قوله: (ويطأها
…
) إلى آخره.
(1)
قرأ أبو جعفر وحمزة ويعقوب: {يُخَافَا} بضم الياء، وقرأ الباقون {يَخَافَا} بفتح الياء. ينظر:«السبعة» (ص 182)، و «النشر» (2/ 227).
(2)
لم نجدها في كتب القراءات المتواترة ولا الشاذة؛ وهي قراءة شاذة ذكرها البيضاوي (1/ 142)، وأبو السعود (1/ 226)، والألوسي (1/ 543).
وقولُه: (كما في الحديث): يُشير إلى قصة امرأة رفاعة التي طلَّقها ثلاثًا، فنكحتْ بعده ابنَ الزَّبير، فأرادتْ أَنْ ترجعَ إلى رفاعة، فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم:((حتى تذوقي عُسيلتَه ويذوقَ عُسيلتك))
(1)
.
وقولُه: (إلى النكاح بعد انقضاء العِدَّةِ): أَي: يتراجعا إلى النكاح بعقدٍ جديدٍ بعد انقضاءِ العِدَّةِ من الزوج الثاني.
وقولُه: (المذكورات): يعني: الأَحكام المتقدِّمة.
وقولُه: (يتدبَّرون): فسَّرَ العلمَ بالتدبُّر؛ لأَنَّ التدبُّرَ طريقُ العلمِ بما دلَّت عليه الآياتُ من الحِكَمَ والأَحكام.
وبعد: فقد اشتملت الآيتان على ضمائر جمعِ المخاطبين، والمراد بهم: الأزواج؛ إلَّا قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا} فالخطابُ للحكَّام، وهو نوعُ التفات، وكلُّ ما في الآيتين من ضمير التثنية فالمرادُ به الزوجان، وكلُّ ما اتصل منها في فعلٍ فهو في موضعِ رفعِ فاعل؛ إلَّا في قوله تعالى:{إِلَّا أَنْ يَخَافَا} بضمِّ الياء على البناء للمفعول، فأَلفُ الاثنين في موضع رفعِ نائب فاعل، والمصدرُ المؤول {أَلَّا يُقِيمَا} على هذه القراءة بدلُ اشتمالٍ من نائب الفاعل، وقد ذكرَه المؤلِّفُ، وعلى القراءة المشهورةِ المصدرُ المؤولُ في موضع نصبِ مفعول به.
* * *
(1)
أخرجه البخاري (2639)، ومسلم (1433)، عن عائشة رضي الله عنها.
يأمر اللهُ في هذه الآية الأزواجَ إذا طلَّقوا زوجاتهم طلاقًا رجعيًا -وهو: الطلقة الأولى والثانيةـ، المذكور في قوله تعالى:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} - يأمرهم تعالى إذا طلَّقوا نساءهم {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} ؛ أي: قاربن نهايةَ العدةِ؛ أَنْ يُمسكوهنَّ بمراجعتهن إن شاؤوا، أَوْ يُسرحوهنَّ بتركهن حتى تنقضي عدتهنَّ، ولا بدَّ أَنْ يكون الإمساكُ أَوْ التسريح بالمعروف؛ أي: على الوجه الذي لا ضرر فيه ولا مخالفة شرعية.
ثم نهى تعالى عن إِمساكهنَّ لأَجلِ المضارة لهنَّ، فإنَّ ذلك اعتداء لحدود اللهِ، وبيَّن تعالى أَنَّ مَنْ فعل ذلك فقد ظلم نفسَه بمعصية الله. ثم نهى تعالى عن اتخاذ آياتِ اللهِ هزوًا، وهي: أحكامه التي بينها؛ باتخاذها وسيلة إلى ما حرم.
ثم أَمر بذكر نِعمه التي أَنعم بها على عباده، وأَعظمُ ذلك ما أَنزله {مِنَ الْكِتَابِ}: القرآن، {وَالْحِكْمَةِ}: السنَّة، {يَعِظُكُمْ بِهِ}: أَي: يعظكم بما أَنزل من الأَوامر والنواهي والوعد والوعيد ترغيبًا وترهيبًا. ثم أَمر بتقوى اللهِ، وتلك هي الوصيةُ الشاملةُ لكلِّ ما تقدَّم.
ثم أَخبر تعالى أَنَّه {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (231)} ؛ ترغيبًا لمن امتثلَ أَوامر اللهِ، وترهيبًا لمن خالفَ ذلك، فالمعنى: إِنَّ اللهَ بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وسيجزيكم بأَعمالِكم.
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} قاربنَ انقضاءَ عِدَّتهنَّ {فَأَمْسِكُوهُنَّ} بأَنْ تُراجعوهنَّ {بِمَعْرُوفٍ} من غير ضرارٍ {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} اتركوهنَّ حتى تنقضي عِدَّتهنَّ {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ} بالرجعة
{ضِرَارًا} مفعولٌ لأَجله {لِتَعْتَدُوا} عليهنَّ بالإلجاء إلى الافتداء أَوْ التطليق وتطويل الحبسِ {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} بتعريضها إلى عذاب الله {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُؤًا} مَهزوءًا بها بمخالفتها {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بالإسلام {وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ} القرآن {وَالْحِكْمَةِ} ما فيه من الأَحكام {يَعِظُكُمْ بِهِ} بأَن تشكروها بالعمل به {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لا يخفى عليه شيءٌ.
وقولُ المؤلِّف: (قاربنَ انقضاءَ عِدَّتهنَّ): فسَّرَ بلوغَ الأَجلِ بالمقاربة، وهو قولُ الجمهور
(1)
؛ لأَنه بعد انقضاء العدَّةِ لا تخيير؛ لأَنَّ التخييرَ بين الإمساك والتسريح، في وقت تَربُّصِ المطلَّقات، وهي: العِدَّةُ.
وقولُه: (بأَن تُراجعوهنَّ) إلى قوله: (اتركوهنَّ حتى تنقضي عِدَّتهنَّ): فيه تفسيرُ الإمساكِ بالمراجعة في العِدَّةِ، والتسريحِ بترك المراجعة حتى تنقضي العِدَّةُ، والمعروفُ يتضمَّنُ تركَ الضِّرار وفعلَ الإِحسانِ، وهو مطلوبٌ في حال الإمساك والتسريحِ.
وقولُه: (مفعولٌ لأَجله): فالمعنى: لا تُراجعوهنَّ لأَجل مُضارتهنَّ، بل لقصد الإصلاح؛ كما في قوله تعالى:{إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228].
وقولُه: (عليهنَّ بالإلجاء
…
) إلى آخره: فيه بيانُ أَنَّ قصدَ الإضرار في الإمساك اعتداءٌ على المطلقات وظلمٌ لهنَّ.
وقولُه: (بتعريضها إلى عذاب الله): بيانٌ لوجه أَنَّ ظلمَ الإنسان لغيره فيه ظلمٌ لنفسه بتعريضها لعذاب الله.
وقولُه: (مهزوءًا بها): بيانُ أَنَّ هُزوًا مصدرٌ؛ بمعنى: اسم المفعول.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 178 - 183)، و «التفسير البسيط» (4/ 235)، و «المحرر الوجيز» (1/ 568)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 629).
ينهى اللهُ أَولياءَ النساءِ إذا طلقهنَّ أَزواجُهنَّ طلاقًا رجعيًا فانقضت العدَّةُ فَرَغِبَ أَزواجهنَّ في نكاحهنَّ نكاحًا جديدًا ورضيت المرأةُ بنكاح زوجها؛ ينهى تعالى الأَولياءَ عن عَضلِهنَّ؛ أَي: منعهنَّ من نكاح أَزواجهنَّ بعد الطلاق والبينونة إذا تراضى الأزواجُ والزوجاتُ على النكاح على الوجه المشروع، فالخطابُ في أَوَّل الآية للأزواج، وفي قوله:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} للأولياء، وفي قوله:{ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} للجميع، وقيل: الخطابُ من أَوَّل الآية لجميع المؤمنين، وتختصُّ كلُّ طائفةٍ منهم من هذا الخطاب بما يُناسبهم، فالطلاقُ من الأَزواج؛ فهم المخاطبون في قوله:{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ} ، والعضلُ يكون من أَولياء النساء؛ فهم المخاطبون بقوله:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ}
(1)
.
وقد ذكر كثيرٌ من المفسرين أَنَّ هذه الآيةَ نزلت في مَعقلِ بنِ يسار وأُخته، حين منعها من مراجعة زوجها الذي طلَّقها فبانت منه، ثم رَغِبَ في نكاحها ورغبت أُختُ مَعقلٍ بنكاح زوجها، فلمَّا نزلت الآيةُ ترك مَعقل أُختَه؛ فنكحت زوجَها نكاحًا جديدًا
(2)
.
(1)
ينظر: «الكشاف» (1/ 454)، و «المحرر الوجيز» (1/ 569)، و «البحر المحيط» (2/ 492 - 493)، وهناك قول ثالث: وهو أن الخطاب كله للأزواج حتى العضل، ذكره البغوي (1/ 276)، والرازي (6/ 454).
(2)
أصل الحديث أخرجه البخاري (4529)(5130)(5131)، وله روايات تنظر: في «أسباب النزول» (ص 80 - 82)، و «العجاب» (1/ 590 - 593). وغالب المفسرين ذكروا هذا القول دون غيره، وصححه ابن كثير، وقد صرح بأن سبب النزول كان في معقل بن يسار: الحسن البصري، وقتادة، ومجاهد، وعكرمة، وغيرهم. ينظر:«تفسير الطبري» (4/ 187 - 191)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 310 - 311)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 631 - 632).
وقوله: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ} : الإشارةُ إلى ما تقدَّمَ بيانُه من الأَحكام موعظةٌ من الله لأَهل القلوب الحيَّةِ.
وقوله: {مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} : يدلُّ على أَنَّ المؤمنين بالله واليوم الآخر هم المنتفعون بالموعظة.
وقوله: {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} : أَي: العملُ بهذه الأَحكامِ أَزكى لنفوسكم وأَصلحُ لأَعمالكم وأَطهرُ لكم مما يدنِّسُ نفوسَكم ويُفسدُ أَعمالكم.
وقوله: {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (232)} : أَي: يعلمُ ما فيه الخير لكم فيهديكم إليه، وما فيه شرٌّ عليكم فينهاكم عنه، وأَنتم لا تعلمون شيئًا من ذلك، إلَّا ما علَّمكم ربُّكم، فافعلوا ما أَمركم به، واجتنبوا ما نهاكم عنه.
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} انقضت عِدَّتهنَّ {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} خطابٌ للأَولياء؛ أَي: تمنعوهنَّ من {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} المطلِّقين لهنَّ؛ لأَنَّ سببَ نزولها أَنَّ أُختَ مَعقِلِ بن يسار طلَّقها زوجُها، فأَراد أَنْ يُراجعها فمنعها مَعقل، كما رواه الحاكم
(1)
{إِذَا تَرَاضَوْا} أَي: الأَزواجُ والنساءُ {بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} شرعًا {ذَلِكَ} النهيُ عن العضل {يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} لأَنَّه المنتفعُ به {ذَلِكُمْ} أَي: تركُ العَضلِ {أَزْكَى} خيرٌ {لَكُمْ وَأَطْهَرُ} لكم ولهنَّ؛ لِمَا يُخشى على الزوجين من الرِّيبة بسبب العلاقة بينهما {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} ما فيه المصلحةُ {وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ذلك؛ فاتَّبِعوا أَمرَه.
(1)
«المستدرك» (2719)، (3107)، وأصل الحديث في البخاري (4529)، (5130)، (5131)، كما تقدم.
وقولُ المؤلِّف: (انقضت عِدَّتهنَّ): تفسيرٌ لبلوغ المطلقات أَجلهنَّ، ففرق بين بلوغ الأَجل في هذه الآية وفي الآية التي قبلها، فبلوغُ الأَجل في الآية الأُولى مُقاربةُ انقضاءِ العِدَّةِ؛ لقوله تعالى:{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ} [البقرة: 231]، والمرادُ بالإمساك: الرجعةُ، وهذا لا يكون إلَّا قبل انقضاءِ العدَّةِ. وبلوغُ الأَجلِ في الآية الثانية؛ المراد به: انقضاءُ العِدَّةِ؛ لقوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ} ، وعضلُ النساءِ أَنْ ينكحنَ أَزواجهنَّ لا يكون إِلَّا بعد انقضاءِ العِدَّةِ
(1)
.
وقولُه: (شرعًا): أَي: التراضي على وجهٍ مأذونٍ فيه شرعًا.
وقولُه: (النهيُ عن العضل): خصَّ اسم الإشارة بالنهي عن العضل؛ لأَنه أَقربُ الأَحكامِ المذكورة، والظاهرُ أَنَّ اسمَ الإشارة راجعٌ لكلِّ ما تقدَّم من الأَحكام.
وقولُه: (لأَنَّه المنتفعُ به): بيانٌ لعلَّةِ تخصيصِ الوعظ بمَن {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} .
وقولُه: (تركُ العَضلِ): خصَّ اسم الإِشارة بترك العضلِ، والظاهرُ أَنَّه راجعٌ إلى العمل بكلِّ ما تقدَّم من الأَوامر والنواهي.
وقولُه: (لِمَا يُخشى على الزوجين
…
) إلى آخره: بيانٌ لسبب الترغيب في العمل بالأَحكام، وهو قولُه تعالى:{ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} .
وقولُه: (فاتبعوا أَمرَه): أَي: إذا كان اللهُ {يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ؛ فالواجبُ اتباعُ ما يأَمرُ اللهُ به، وتركُ اتباعِ الهوى.
* * *
(1)
ينظر: «تفسير الشافعي» جمع أحمد الفران (1/ 378)، و «التفسير البسيط» (4/ 238)، و «المحرر الوجيز» (1/ 570)، و «تفسير القرطبي» (3/ 159).
يأمرُ تعالى الوالداتِ المطلَّقات بإرضاع أَولادهنَّ حولين كاملين، فإنَّ قوله:{يُرْضِعْنَ} خبرٌ بمعنى الأَمر؛ كقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} ، وليس المرادُ وجوبَ الإرضاع على الأَمَّ؛ بل المرادُ بيانُ مدَّةِ الإِرضاع، وأنها عامان
(1)
، والعام يُقال له حولٌ.
وقوله: {كَامِلَيْنِ} : يدلُّ على اعتبار إِتمام الحولين، وجاء هذا الوصفُ لأَنَّ العربَ قد تُعبِّرُ بالحولين عن حولٍ وبعضِ الآخر، وباليومين عن يومٍ وبعضِ الآخر؛ كقوله:{فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ}
(2)
.
وقوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} : أَي: هذا الحكمُ -وهو: الإِرضاعُ إلى تمام الحولين- راجعٌ إلى إِرادة الأَبوين ذلك إذا اتفقَ الوالدان على إتمام الرضاعة، فإنَّ المدَّةَ المعتبرةَ لرضاع الطفل حولان، ولذا دلَّتِ السنَّةُ على أَنَّ الرضاعَ المحرِّمَ ما كان في الحولين، دون الرضاع بعدهما
(3)
، فعُلم أَنَّه لا يجوز
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 199)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 311 - 312)، و «المحرر الوجيز» (1/ 571).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 200 - 201)، و «الكشاف» (1/ 455)، و «البحر المحيط» (2/ 497)، و «التحرير والتنوير» (2/ 431).
(3)
لما أخرجه ابن عدي في «الكامل» (8/ 399)، والدارقطني (4364)، والبيهقي (15765) من طريق الهيثم بن جميل، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لا رضاع إلا ما كان في الحولين)).
قال ابن عدي: «وهذا يعرف بالهيثم بن جميل، عن ابن عيينة مسندًا، وغير الهيثم يوقفه على ابن عباس» ، وبنحوه قال الدارقطني. والهيثم هذا قال عنه ابن عدي: «ليس بالحافظ ويغلط =
= الكثير على الثقات»، وقد خولف؛ فرواه عبد الرزاق في «المصنف» (13903)، وسعيد بن منصور في «السنن» (980)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (17930) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس موقوفًا، والموقوف أصح.
وله طرق أخرى موقوفة؛ فقد أخرجه بنحوه مالك في «الموطأ» (2236) عن ثور بن زيد، عن ابن عباس موقوفًا.
وأخرجه ابن أبي شيبة (17927 - 17928)، (17929) موقوفًا على ابن مسعود، وعلي بن أبي طالب.
وأخرجه الدارقطني (4365) موقوفًا على عمر.
وصحح وقفه: البيهقي (15764)، وابن عبد الهادي في «التنقيح» (4/ 453 - 454).
قال الترمذي (1152): «والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا» .
الفطامُ قبل تمام الحولين إلَّا باتفاق الأَبوين عن تراضٍ وتشاورٍ؛ لقوله تعالى في آخر الآية: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً} أَي: فطامًا، {عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} .
ثم بيَّن تعالى ما يجب للوالدات المرضعات على الآباء من النفقة؛ وهي: الرزقُ والكسوةُ، وذلك قوله:{وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ؛ أَي: على المولود له -وهو الأبُ- {رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} ؛ أَي: رزقُ الأُمهات المرضعات، وهذه النفقةُ أُجرةُ إِرضاعهنَّ، وهي المذكورة في قوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 6]؛ أَي: المعروف شرعًا وعُرفًا، وهذا مما يدلُّ على أَنَّ المرادَ بالوالدات في الآية: المطلقاتُ
(1)
، فإِنَّ التي في عصمةِ الزوج تجب نفقتُها وإن لم يكن لها طفلٌ تُرضعه، وبيَّنَ سبحانه أَنَّ ما يجب على الأَب من النفقة للأَم أَجرةً هو بحسب الوسع؛ فقال
(1)
قاله مجاهد والزهري في جماعة آخرين من السلف، وهو ما جزم به الطبري في فاتحة كلامه على هذه الآية، واختاره: البغوي، وابن عطية، والطاهر بن عاشور. ينظر:«تفسير الطبري» (4/ 199)، (4/ 206)، و «تفسير البغوي» (1/ 277)، و «المحرر الوجيز» (1/ 571)، و «التحرير والتنوير» (2/ 429).
تعالى: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} ؛ أَي: طاقتَها، وهو ما يدخل تحت القدرة وتتَّسعُ له؛ كما قال في سورة الطلاق:{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)} [الطلاق: 7].
ثم نهى تعالى أَنَّ تُضارَّ والدةٌ بولدها؛ كامتناعها عن إِرضاعه أَوْ حضانته مُضارَّةً لوالده، أَوْ يُضارَّ المولود له -وهو الأَب- بولده؛ كمنعِ والدتِه من إِرضاعه مُضارَّةً لها، أَوْ انتزاعِه منها.
و {تُضَارَّ} : فعلٌ مُضعَّفٌ، يحتمل أَنْ يكون مسندًا للفاعل أو نائب فاعل، وعند فكِّ الإدغام؛ إذا كُسرت العينُ فالفعلُ مُسند للفاعل؛ فالتقدير: لا تضارِر والدةٌ بولدها، وإن فُتحت العينُ كان مُسندًا لنائب الفاعل، والتقدير: لا تضارَر.
وقوله: {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} : أَي: ولا يُضارَّ مولودٌ له بولده، ونهيُ الوالدةِ والمولودِ له عن المضارَّة يدلُّ أَيضًا على أَنَّ المرادَ بالوالدات: المطلَّقات؛ لأَنَّ المضارَّةَ أَكثرُ ما تنشأُ مع الفُرقة، فلِذا جاء النصُّ بالنهي عنها، وثَمَّ دليلٌ ثالثٌ؛ وهو أَنَّ هذه الآيةَ جاءت في سياق أَحكامِ المطلقاتِ، كما جاء قولُه تعالى في سورة الطلاق:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ} أَي: المطلقات، {فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
…
} الآية [الطلاق: 6]، ذكر هذه الوجوهَ الطاهرُ ابنُ عاشور
(1)
، وهو ما جزم به الإمامُ ابنُ جرير في فاتحة كلامه على هذه الآية؛ إذ قال: «يعني تعالى ذكره بذلك: والنساء اللواتي بِنَّ من أَزواجهنَّ ولهنَّ أَولادٌ قد ولدنهم من أَزواجهنَّ قبل بينونتهنَّ منهم بطلاقٍ، أَوْ ولدنهم منهم بعد فراقهم إِيَّاهنَّ
…
» إلى آخره، كما اختار رحمه الله أَنَّ قوله تعالى:{يُرْضِعْنَ} ليس أَمرًا يدلُّ على وجوب إِرضاعهم؛ بل لبيان أَنَّ الوالداتِ أَحقُّ بإِرضاع الأَولاد من غيرهنَّ،
(1)
ينظر: «التحرير والتنوير» (2/ 429 - 430).
قال رحمه الله في الآية: «يعني بذلك: أَنهنَّ أَحقُّ برضاعهم من غيرهنَّ، وليس ذلك بإيجابٍ من الله تعالى ذِكره عليهنَّ رضاعهم
…
» إلى آخر كلامه»
(1)
.
وقوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} : عطفٌ على قوله: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، وجملة {لَا تُكَلَّفُ} و {لَا تُضَارَّ} معترضتان، وقد كَثُرت أَقوالُ المفسِّرين في المراد بـ {الْوَارِثِ} في هذه الآية، وقد استوفاها ابنُ جريرٍ ورواها بأَسانيده
(2)
، ولخَّصها ابنُ الجوزي فقال:«قوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ} فيه أَربعةُ أَقوال: أَحدُها: أَنَّه وارثُ المولود» ، وذكر مَنْ قال به، ثم قال:«واختلف أَربابُ هذا القول، فقال بعضُهم: هو وارثُ المولودِ من عصبته، كائنًا مَنْ كان» ، وذكر مَنْ قال به من السَّلف، ثم قال:«وقال بعضُهم: هو وارثُ المولود على الإطلاق من الرجال والنساء:، قال: «وقال آخرون: هو مَنْ كان ذا رحمٍ محرمٍ من ورثة المولود» . ثم ذَكَر القولَ الثاني، وهو أَنَّ المرادَ بالوارث هاهنا: وارثُ الوالد، قال: والثالث: أَنَّ المرادَ بالوارث: الباقي من والدي الولد بعد وفاةِ الآخر، قال:«والرابع: أَنَّه أُريدَ بالوارث: الصبيُّ نفسُه، فالنفقةُ عليه، فإن لم يملك شيئًا، فعلى عَصَبته»
(3)
.
قلت: والراجحُ من هذه الأَقوالِ القولان الأَوَّلان؛ أَحدهما: العَصَبةُ من ورثةِ المولود، والثاني: أَنَّ المرادَ: ورثةُ المولود مُطلقًا من الرجال والنساء؛ لعموم الوارث في الآية، وأَمَّا تخصيصُ العَصَبةِ فلأَنَّهم هم الذين يعقلون عنه
(4)
، وهذه الآيةُ أَصلٌ في وجوب نفقةِ القريب على قريبه
(5)
.
(1)
ينظر: «جامع البيان» للطبري (4/ 199).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 221 - 227).
(3)
«زاد المسير» (1/ 207 - 208).
(4)
يعقلون: من العقل وهي الدية، وعقل عنه: أدى جنايته، وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه. ينظر:«لسان العرب» (11/ 460).
(5)
ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 635)، و «تفسير السعدي» (1/ 175)، وهو قولٌ للأحناف والحنابلة. للاستزادة ينظر:«البحر الرائق» لابن نجيم (4/ 228)، و «كشاف القناع» (13/ 153) وما بعدها، و «المغني» (11/ 374) وما بعدها.
وقوله تعالى: {مِثْلُ ذَلِكَ} : فيه ثلاثةُ أَقوال:
أَحدُها: أَنَّ على الوارثِ مثل ما على الأَب من أُجرة الإرضاع.
الثاني: أَنَّ على الوارث مثل ما على المولود له من تحريم الضرار.
الثالث: أَنَّه شاملٌ للأمرين.
والذي يدلُّ عليه سياقُ الآية: القولُ الأَوَّلُ
(1)
.
وقوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} : المعنى: إِنْ أَراد -أَي: الأب والأم- فِصالَ الطفلِ -أَي: فِطامَه- عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فيما فيه مصلحةُ الطفل؛ {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أَي: لا حرجَ ولا إِثمَ عليهما في فِطام الطفلِ قبل تَمام الحولين، فدلَّ أَوَّلُ الآيةِ وآخرُها أَنَّ مَردَّ إِتمام الرضاعة بإرضاع الطفلِ مدَّةَ حولين كاملين، أَوْ فِطامه قبل ذلك راجعٌ إلى تراضي الأَبوين واتفاقهما.
وقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ} : الخطابُ للآباء؛ أي: وإن أَردتم أَنْ تطلبوا مراضعَ لأَولادكم إن تعذَّرَ أَنْ تُرضعه الأَمُّ لمرضٍ أَوْ امتناعٍ من الإرضاع أَوْ طلبِها أَكثر من أُجرةِ المثلِ؛ فلا جُناحَ عليكم في ذلك إذا سلَّمتم للمرضع أَجرَها الذي آتيتم عند عقد الإجارةِ، ومعنى {آتَيْتُم}: أَعطيتُم والتزمتُم به عند عقد الإجارة، ونظير هذه الآية قوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} أي: الأُمَّهاتُ المطلَّقاتُ {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ} ؛ أَي: دون مطلٍ ولا نقصٍ، {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6)} [الطلاق: 6]؛ أَي: مُرضِعٌ غير أَمِّ الطفل.
(1)
وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وجماعة، واختاره ابن قتيبة، ونسبه ابن كثير للجمهور. ينظر:«غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 89)، و «تفسير الطبري» (4/ 227 - 235)، و «زاد المسير» (1/ 208)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 635).
وقوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ} : أَي: خافوا اللهَ وراقبوه في رعاية هذه الأَحكام وأَداءِ حقوقِ الله وحقوقِ العباد.
وقوله: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ} : تأكيدٌ للأَمر بالتقوى، فإِنَّ عِلْمَ العبادِ بعلم الله بأعمالهم: من أَعظم البواعث على تقوى الله. وقوله: {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (233)} : أَي: عليمٌ.
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} أَي: لِيُرضعنَ {أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ} عامين {كَامِلَيْنِ} صفةٌ مؤكدةٌ، ذلك {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ولا زيادةَ عليه {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} أَي: الأَب {رِزْقُهُنَّ} إِطعامُ الوالدات {وَكِسْوَتُهُنَّ} على الإرضاع إذا كُنَّ مُطلَّقات {بِالْمَعْرُوفِ} بقدر طاقته {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} طاقتَها {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} بسببه؛ بأَنْ تُكرَه على إِرضاعه إذا امتنعت {وَلَا} يُضارَّ {مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} أَي: بسببه؛ بأَنْ يُكلَّفَ فوقَ طاقتِه. وإضافةُ الولد إلى كلٍّ منهما في الموضعين للاستعطاف {وَعَلَى الْوَارِثِ} أَي: وارثِ الأَب؛ وهو الصبيُّ، أَي: على وليِّه في ماله {مِثْلُ ذَلِكَ} الذي على الأَب للوالدة من الرزق والكسوة. {فَإِنْ أَرَادَا} أَي: الوالدان {فِصَالًا} فِطامًا له قبل الحولين، صادرًا {عَنْ تَرَاضٍ} اتفاقٍ {مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} بينهما؛ لتظهرَ مصلحةُ الصبيِّ فيه {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} في ذلك {وَإِنْ أَرَدْتُمْ} خطابٌ للآباء {أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ} مراضعَ غير الوالدات {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فيه {إِذَا سَلَّمْتُمْ} إِليهنَّ {مَا آتَيْتُمْ} أَي: أَردتم إيتاءَه لهنَّ من الأُجرة {بِالْمَعْرُوفِ} بالجميل، كطِيب النَّفس {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عليه شيءٌ منه.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: لِيُرضعنَ): يُريد: أَنَّ جملةَ {يُرضعنَ} خبرٌ بمعنى الأَمر.
وقولُه: (ولا زيادةَ عليه): يُبيِّنُ أَنَّ الحولين هي غاية مُدَّةِ الإرضاع، ولا يُزادُ عليها إِلَّا لضرورة الطفل.
وقولُه: (على الإِرضاع): يُبيِّنُ أَنَّ ما ذُكر من الرزق والكسوة أُجرةٌ على الإرضاع، وهذا إنما يُناسبُ في المطلقات.
وقولُه: (بقدر طاقته): لقوله تعالى: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} .
وقولُه: (بأَن تُكرَه على إِرضاعه إذا امتنعتْ): يقتضي أَنَّ الوالدةَ هي المضارَرة -بفتح الراء الأُولى- فهي في الجملة نائبُ فاعلٍ.
وقولُه: (للاستعطاف): أَي: لاستجلاب عطفِ الوالدين على الولد.
وقولُه: (أَي: وارثِ الأَب؛ وهو الصبيُّ): هذا أَحدُ الأَقوالِ في المراد بالوارث، وقولُ الجمهور: أَنَّ المرادَ به: وارثُ الصبيِّ من قراباته.
وقولُه: (أَي: على وَليّه في ماله): يعني: ولي الصبيِّ في ماله؛ أَي: مال الصبي إذا كان له مالٌ. وقولُه: (الذي على الأَب للوالدة من الرزق والكسوة): أَي: على الوارث مثلُ ما على الأَب من الرزق والكسوة.
وقولُه: (صادرًا): تقدير مُتعلّق الجار والمجرور {عن تراضٍ} .
وقولُه: (اتفاقٍ): يعني: عن اتفاقٍ على فِطام الطفلِ بعد التَّشاور.
وقولُه: (لتظهرَ مصلحةُ الصبيِّ فيه): بيانٌ لمقصود التشاور، وهو مصلحةُ الصبيِّ.
وقولُه: (في ذلك): أَي: في الفصال.
وقولُه: (إِليهنَّ): أَي: إلى المراضع المستأجرات؛ يعني: أَدَّيتم إِليهنَّ الأُجرة.
وقولُه: (أَي: أَردتم إِيتاءَه لهنَّ من الأُجرة): فسَّر {آتَيْتُمْ} بـ «أَردتم» ، وأَمَّا الإِيتاءُ بالفعل؛ فهو ما دلَّ عليه قولُه:{إِذَا سَلَّمْتُمْ} .
وقولُه: (كطيب النَّفس): يُريد: أَنَّ تسليمَ الحقِّ بطيب نفسٍ من المعروف الذي أَمر اللهُ به. وقولُه: (شيءٌ منه): أَي: مِنْ عملكم.
* * *
يأمرُ تعالى أَزواجَ الذين يتوفون بالتربُّص -أَي: الانتظار- بترك النكاح أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا من وفاة الزوجِ، وهذا حكمٌ عامٌّ في المتوفَّى عنهَّن، سواء كانت مدخولًا بها أو غيرَ مدخولٍ بها، أَوْ ذاتَ أَقراءٍ أَوْ صغيرةً أَوْ آيسةً، فهذه عِدَّةُ كلِّ مُتوفىً عنها، إِلَّا الحاملُ: فعدَّتُها بوضع الحمل على الصحيح؛ لقوله تعالى: {وَأُوْلَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، فهذه الآيةُ من سورة الطلاقِ مُخصِّصةٌ لآية البقرة، وذهب جمعٌ من العلماء من الصحابة ومن بعدهم أَنَّ الحاملَ المتوفَّى عنها تَعتدُّ بأَبعد الأَجلين
(1)
، وعلى هذا القول فإِنْ وضعتْ قبل تمامِ أَرِبعةِ أَشهرٍ وعشرٍ؛ لم تنقضِ عِدَّتُها، ووجب عليها التربُّصُ حتى تُتمَّ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا من وفاة زوجِها، وإِن تمَّ لها أَربعةُ أَشهرٍ وعشرًا قبل أَنْ تَضعَ؛ لم تنقضِ عِدَّتُها حتَّى تضعَ حملَها، وهذا بِإجماع الأُمة
(2)
.
ويُبيِّنُ سبحانَه أَنَّ المتوفَّى عنهنَّ إذا بلغنَ أَجلهنَّ بمضي أَربعةِ أَشهرٍ وعشرٍ؛ أَنه لا جُناحَ على أَولياء المتوفَّى عنها فيما تفعله بنفسها من فعلٍ وتركٍ مما تجبُ عليها مراعاتُه في مُدَّةِ العدَّةِ من الأحكام، وشرطُ ذلك أَنْ يكون بالمعروف؛ وهو الموافق للشرع والعادةِ المرضية، وقد دلَّ الكتابُ والسنَّةُ على أَنَّه يَحرمُ على المعتدة من وفاة زوجها النكاحُ، ودلَّتِ السنَّةُ الصحيحة على
(1)
القول الأول هو قول الجمهور من السلف والخلف وحكي فيه الإجماع، أما القول الثاني فحكي عن علي -من وجه منقطع- وابن عباس وروي عنه أنه رجع عن ذلك، وقال به من العلماء سحنون من المالكية. ينظر:«التمهيد» (20/ 33 - 34)، و «إكمال المعلم» (5/ 64)، و «مواهب الجليل» (4/ 543)، وتكملة المطيعي للمجموع (19/ 397)، (19/ 431 - 432)، و «المغني» (11/ 227) وما بعدها.
(2)
ينظر: «الإجماع» لابن المنذر (ص 442)، و «مراتب الإجماع» (ص 134).
وجوب الإِحدادِ عليها مدَّةَ العدَّةِ، وهو اجتنابُ الزينةِ بأَنواعها والطيب، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم:((لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أَنْ تُحدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاثِ ليالٍ، إِلَّا على زوجٍ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا))
(1)
.
ومن أَحكام عدَّةِ الوفاة: أَنْ تبقى المعتدَّةُ في المسكن الذي أَتاها خبرُ وفاةِ زوجها، وهي تسكنُ فيه حتى تنقضيَ عِدَّتُها
(2)
، وقد أَبطل اللهُ ورسولُه بهذه الأَحكام عادةَ أَهل الجاهلية في شأن المتوفَّى عنها، وهي: الإحدادُ مدَّةَ سنةٍ والإقامةُ في حفش؛ وهو مكانٌ ضيِّقٌ
(3)
، مع ترك التنظُّفِ من الأَوساخ والأقذار، حتى تمضي عليها سنةٌ، كما جاء في الصحيحين عن زينب بنت أَبي سلمة، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم
(4)
.
ثم أَخبر تعالى في ختام هذه الآية أَنَّه خبيرٌ بأَعمال العباد، فعليهم أَنْ يتَّقوه ويُطيعوه، فإِنَّه مُجازيهم على أَعمالهم.
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} يموتون {مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ} يتركون {أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ} أَي: ليتربصنَ {بِأَنْفُسِهِنَّ} بعدهم عن النكاح {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} من الليالي، وهذا في غير الحوامل، وأَمَّا الحواملُ فعِدتهنَّ أَنْ يضعنَ حملهنَّ بآية «الطلاق» ، والأَمَةُ على النصف من ذلك بالسنَّةِ {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} انقضتْ مدَّةُ تربُّصِهنَّ {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أَيُّها الأَولياءُ
(1)
أخرجه البخاري (1280)، (1282)، ومسلم (1486)، (1491) عن أم حبيبة وزينب بنت جحش رضي الله عنهما.
(2)
ينظر: «المغني» (11/ 290).
(3)
الحفش: البيت الصغير الذليل القريب السُمك، سمي به لضيقه. «النهاية» (1/ 407).
(4)
أخرجه البخاري (5336 - 5337)، ومسلم (1488 - 1489)، وفيه:((إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول)). ينظر بعض فوائده -مع حديثين آخرين في الباب-: في «العدة في فوائد أحاديث العمدة» لشيخنا (ص 492 - 495).
{فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} من التزيُّنِ والتعرُّضِ للخُطَّاب {بِالْمَعْرُوفِ} شرعًا {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} عالمٌ بباطنه كظاهرِه.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: ليتربصنَ): يريد أَنَّ لفظَ الجملةِ لفظُ الخبر ومعناها الأَمر.
وقولُه: (بعدهم): تقديرٌ لرابط جملةِ خبر المبتدأ؛ فالمبتدأُ هو الموصولُ أَوَّل الجملة، والخبرُ: جملةُ {يتربَّصنَ} .
وقولُه: (عن النكاح): تقديرٌ لمعمول {يتربَّصنَ} ؛ المعنى: يتربَّصنَ عن النكاح؛ أَي: ينتظرنَ حتى تنقضي عِدَّتهنَّ.
وقولُه: (من الليالي): يُبيِّنُ أَنَّ المعدودَ بـ «عشرٍ» مؤنَّث، وهي الليالي؛ لأَنَّ العددَ مُذكَّرٌ، والعربُ تُعبِّرُ بالليالي عن الأَيام، وبالأَيام عن الليالي، والأَوَّلُ أَكثر
(1)
.
وقولُه: (وهذا في غير الحوامل): يُريد أَنَّ المدَّةَ المذكورةَ هي عدَّةُ المتوفَّى عنهنَّ غير الحوامل. وقولُه: (وأَمَّا الحوامل
…
) إلى آخره: بيانٌ لِمَا تنقضي به عِدَّةُ الحوامل، وهو وَضْعُ الحملِ، والدليلُ عليه قولُه تعالى في سورة الطلاق:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، فهي مخصصةٌ لآية البقرة.
وقولُه: (والأَمَةُ
…
) إلى آخره: بيانٌ لعدَّةِ الزوجةِ التي هي أَمَةُ المتوفَّى عنها، وأَنها مخصوصةٌ من عموم الآية، فإِنَّ عِدَّتَها شهران وخمسةُ أَيَّام، فهي على النصف من عدَّةِ الحرائر
(2)
، والأَصلُ في ذلك ما جاء من الآثار، من أَنَّ
(1)
ينظر: «شرح الكتاب» (4/ 299)، و «شرح التسهيل» (2/ 410).
(2)
ينظر: «المغني» (11/ 224).
الرقيقَ في أَحكام النكاحِ والحدودِ على النصف من الأَحرار، وفي تفاصيل ذلك اختلافات.
وقولُه: (انقضتْ مدَّةُ تربُّصِهنَّ): تفسيرٌ لقوله: {بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} ، وأَنَّه على ظاهره، وهو بلوغُ نهايةِ أَربعة أَشهرٍ وعشرًا، فهو بلوغٌ لأَجَل العِدَّةِ حقيقةً.
وقولُه: (أَيُّها الأَولياءُ): بيانٌ للمخاطب بقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} .
وقولُه: (من التزيُّنِ
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ فيما فعلن بعد انقضاء العدَّةِ في أَنفسهنَّ مما كان محرمًا عليهنَّ وقتَ العِدَّةِ من التزيُّن وغيره.
وقولُه: (شرعًا): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بما يفعلهن في أنفسهن هو المأذونُ فيه شرعًا.
وقولُه: (عالمٌ بباطنه كظاهره): بيانٌ لمعنى الخبير، وهو العالمُ بظواهر الأُمور وبواطنها.
* * *
لَمَّا أَمر اللهُ الأَزواجَ المتوفَّى عنهنَّ بالتربُّصِ عن النكاح ودواعيه مدَّةَ العدَّةِ، وأَباحَ لهنَّ إذا بلغنَ أَجلهنَّ ما شِئنَ من ذلك؛ بيَّنَ تعالى حُكمَ خِطبتهنَّ في العدَّةِ؛ فقال تعالى:{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء} ، والتعريضُ ضدَّ التصريحِ، فالتعريضُ هو الكلامُ مع المعتدَّةِ، مما يدلُّ على الرغبة في النكاح؛ مثل: أَني أَرغب في نكاح زوجةٍ ثانيةٍ، أَوْ: ليت لي زوجة مثلك. وقوله تعالى: {أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ} : أَي: أَضمرتم خِطبتهنَّ بعد انقضاء عِدَّتهنَّ، فنفى سبحانه وتعالى الجُناحَ -وهو الإثمُ- عن التعريض بالخطبة، أَوْ: نيِّةِ الخطبةِ التي تكون في القلب، ثم بَيَّنَ تعالى سببَ هذه الرخصة، وهو عِلمُه تعالى برغبة الرجال في نكاح المتوفَّى عنهنَّ؛ فقال تعالى:{عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} .
ثم بَيَّنَ تعالى ما لا يحلُّ؛ وهو التصريحُ في الخطبة بمواعدتهنَّ النكاحَ بعد انقضاء العدَّةِ، وهو قوله تعالى:{وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} ؛ أَي: لا تُسِرُّونَ إِليهنَّ بخطبتهنَّ وعزمِكم على نكاحهنَّ بعد انقضاء عِدَّتِهِنَّ.
وقوله: {إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفًا} : وهذا استثناءٌ منقطعٌ، والقولُ المعروفُ: ما أَباحهُ اللهُ من التعريض بخطبتهنَّ. وقوله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} : نهيٌ من الله -تعالى- عن عقد النكاحِ على المعتدَّةِ من الوفاة حتى يبلُغَ الكتابُ أَجلَه؛ وهو حُكمُ اللهِ المبينِ في الآية السابقةِ، وذلك بأَن تمضي أَربعةُ أَشهرٍ وعشرٌ.
ثم أَخبر تعالى أَنَّه عالمٌ بما في نفوس العباد؛ أي: مُطَّلعٌ على ما يُسرُّونه مما يُخالفُ أَمرَه، فعليهم أَنْ يحذروا عقابَه؛ ولهذا قال:{فَاحْذَرُوهُ} . ثم أَعلمهم أَنَّه {غَفُورٌ} لذنوبهم {حَلِيم} لا يُعاجلهم بعقوبته، فجمعت الآيةُ بين الأَمر والنهي والوعد والوعيد.
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ} لوَّحتم {بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} المتوفَّى عنهنَّ أَزواجُهنَّ في العدَّةِ؛ كقول الإنسان مثلًا: إنك لجميلةٌ، ومَن يجدُ مثلك؟ ورُبَّ راغبٍ فيك {أَوْ أَكْنَنْتُمْ} أَضمرتم {فِي أَنْفُسِكُمْ} من قصد نِكاحهنَّ {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} بالخطبة، ولا تصبرون عنهنَّ، فأَباح لكم التعريضَ {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} أَي: نكاحًا {إِلَّا} لكن {أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} أَي: ما عُرف شرعًا من التعريض؛ فلكم ذلك {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} أَي: على عَقده {حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ} أَي: المكتوبُ من العدَّةِ {أَجَلَهُ} بأَن ينتهيَ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} من العزم وغيرِه {فَاحْذَرُوهُ} أَنْ يُعاقبَكم إذا عزمتم {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لمن يَحذره {حَلِيمٌ} بتأخير العقوبةِ عن مُستحقِّها.
وقولُ المؤلِّف: (لوَّحتم): فسَّرَ التعريضَ بالتلويح، ومعناهما مُتقاربٌ، وكلاهما ضدَّ التصريحِ، فالتصريحُ نصٌّ في مُراد المتكلِّمِ به، والتعريضُ يُشعِرُ بمراد المتكلِّمِ به
(1)
.
وقولُه: (المتوفَّى عنهنَّ
…
) إلى آخره: بيانٌ للمراد بالنساء في قوله: {مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} .
وقولُه: (في العدَّة): مُتعلِّقٌ بقوله: {خِطْبَةِ النِّسَاءِ} .
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 89).
وقولُه: (أَضمرتم): تفسيرٌ لقوله: {أَكْنَنْتُمْ} ، ومعناه: أَخفيتم، وما أَضمره الإنسانُ: ما أَخفاه في ضميره ولم يتكلَّم به
(1)
.
وقولُه: (من قصد نِكاحهنَّ): أَي: ما أَضمرتم من نية نكاحهنَّ.
وقولُه: (بالخِطبة
…
) إلى آخره: تفسيرٌ لقوله: {سَتَذْكُرُونَهُنَّ} ؛ أَي: ستخطبونهنَّ ولا تصبرون عن ذلك؛ لذلك أَباح لكم التعريضَ في خِطبتهنَّ.
وقولُه: (أَي: نكاحًا): هذا هو التصريحُ في الخِطبة، المعنى: لا تُسرُّوا إِليهنَّ التصريحَ في خطبتهنَّ بمواعدتهنَّ النكاحَ عند انقضاء عدتهنَّ.
وقولُه: (لكنْ): يُبيِّنُ بذلك أَنَّ الاستثناءَ مُنقطعٌ.
وقولُه: (ما عُرف شرعًا): يعني: ما أُذنَ فيه، ونُفِيَ الإثمُ عن فاعله، وهو: التعريضُ.
وقولُه: (على عَقده): عقدِ النكاحِ، هو دليلُ العزم على عقدة النكاح، فلا يجوزُ إِلَّا بعد انقضاءِ العدَّةِ.
وقولُه: (بأَن ينتهي): معناه: أَنَّ أَجلَ العدَّةِ انقضاؤها.
وقولُه: (من العزم وغيرِه): يُبيِّنُ أَنَّ الاسمَ الموصولَ عامٌّ لكلِّ ما يكون في النفس.
وقولُه: (أن يُعاقبَكم إذا عزمتم): يريد أَنَّ المعنى: احذروا عقابَ الله إذا خالفتم أَمرَه أَوْ نهيه. وقولُه: (لمن يحذره).
وقولُه: (بتأخير العقوبة عن مُستحقِّها): بيانٌ لمعنى الغفورِ والحليمِ، فهو تعالى غفورٌ: كثيرُ المغفرةِ لمَن خافَه، وحليمٌ: لا يُعاجِلُ العاصي بالعقوبة.
* * *
(1)
ينظر: «المفردات» (ص 727).
في هاتين الآيتين رجوعٌ إلى أَحكام المطلقات، فبيَّن تعالى في الآية الأُولى أَنَّه لا جُناح -أَي: لا إِثمَ- على مَنْ طلَّقَ قبل المسيس، بل وقَبْل فَرضِ صَداقٍ، ثم أَمرَ تعالى مَنْ طلَّقَ في هذه الحال بتمتيع المطلَّقةِ بإعطائها ما تنتفعُ به من مالٍ جبرًا لكسرها بالطلاق، وأَنَّ ذلك حقٌّ على ذوي الإحسان، وأَنَّ قدرَ هذا المتاع بحسب حال المطلِّقِ يسارًا وإعسارًا، ولذا قال تعالى:{عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} ؛ أَي: المعروفِ شرعًا وعُرفًا.
وقولُه: {حَقًّا} : صفةٌ لمتاع؛ أَي: متاع حقًّا، وقيل: مصدرٌ مؤكَّدٌ لمضمون الجملة؛ أَي: أَحقَّ اللهُ ذلك حقًّا
(1)
.
ثم ذكر تعالى في الآية الثانية حُكمَ المطلَّقةِ قبل المسيس، وقد فُرض لها صداقٌ، وأَنَّ للمطلقة نصفَ ما فُرِضَ لها، والنصفُ الآخر للزوج.
وقولُه: {إَلاَّ أَنْ يَعْفُونَ} : الضميُر يعود إلى النساء المطلَّقات، فإن عفونا رددنا على الأَزواج كلَّ الصَّداق، وقال تعالى:{أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} : قيل: المرادُ بالذي بيده عُقدةُ النكاحِ: الزوجُ، فإن عفا تركَ لزوجته المطلقةِ كلَّ الصَّداق، وقيل:{الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} هو: الوليُّ الذي يتولَّى عقدَ نكاح موليته، فإن عفا عن نصف الصَّداق رُدَّ إلى الزوج، والصوابُ:
(1)
ينظر: «الكتاب الفريد» (1/ 537)، و «تفسير الطبري» (4/ 308)، و «الكشاف» (1/ 463)، و «البحر المحيط» (2/ 534).
القولُ الأَوَّل
(1)
، وقد حكى ابنُ جريرٍ القولين، ورجَّحَ هذا القول؛ أَي: أَنَّ المرادَ بـ {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} الزوجُ، وضعَّفَ قولَ مَنْ يقول: إِنَّه الولي من وجوهٍ، وذكر أَنَّ معنى {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}؛ أَي: نكاح نفسَه، وهذا هو الزوجُ قبل الطلاق وبعده
(2)
.
ثم رغَّبَ سبحانه وتعالى في العفو عن الحقوق التي بين الأَزواج والمطلقات قبل المسيس، وهو المذكور في قوله تعالى:{إَلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} ، والخطابُ للأزواج والمطلقات. وقوله:{وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} : أَي: لا تغفلوا فتتركوا الإحسانَ والمسامحةَ فيما بينكم، وهذا تأكيد لقوله:{وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} .
وقوله: {إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (237)} : أَي: عليمٌ بأَعمالكم كلِّها فمجازيكم عليها، وفي هذا وعدٌ للمحسنين ووعيدٌ للمسيئين.
{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} وفي قراءةٍ (تُمَاسُّوهُنَّ)
(3)
؛ أَي: تُجامعوهنَّ {أَوْ} لم {تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} مهرًا، و «ما»: مصدريةٌ ظرفيةٌ؛ أَي: لا تَبعةَ عليكم في الطلاق زمنَ عدمِ المسيس
(1)
ومن الذين اختاروا أن المراد به هو الزوج: علي، وابن عباس -في رواية مجاهد وعمار ابن أبي عمار- وجبير بن مطعم، في آخرين من السلف، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي في الجديد، وهو ظاهر مذهب أحمد، واختاره: الفراء، والطبري، والواحدي ونسبه لعامة الفقهاء. ينظر:«معاني القرآن» للفراء (1/ 155)، و «تفسير الطبري» (4/ 324 - 333)، و «التفسير البسيط» (4/ 287 - 288)، و «زاد المسير» (1/ 213)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 644).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 317 - 333).
(3)
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: {تَمَسُّوهُنَّ} بغير ألف وفتح التاء. وقرأ حمزة والكسائيّ: {تُمَاسُّوهُنَّ} بألف وضم التاء. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 183 - 184)، و «النشر» (2/ 228).
والفرضِ بإثمٍ ولا مهرٍ؛ فطلقوهنَّ {وَمَتِّعُوهُنَّ} أَعطوهنَّ ما يتمتَّعنَ به {عَلَى الْمُوسِعِ} الغنيِّ منكم {قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ} الضيِّقِ الرِّزق {قَدَرُهُ} يُفيد أَنَّه لا نظر إلى قدر الزوجة {مَتَاعًا} تمتيعًا {بِالْمَعْرُوفِ} شرعًا، صفة «متاعًا» {حَقًّا} صفةٌ ثانيةٌ، أَوْ مصدرٌ مؤكِّدٌ {عَلَى الْمُحْسِنِينَ} المطيعين {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} يجب لهنَّ، ويرجع لكم النصف {إِلَّا} لكن {أَنْ يَعْفُونَ} أَي: الزوجات فيتركْنَه {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} وهو الزوجُ، فيتركُ لها الكلَّ، وعن ابن عباس: الوليُّ إذا كانت محجورةً فلا حرج في ذلك {وَأَنْ تَعْفُوا} مبتدأٌ، خبرُه {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}؛ أَي: أَنْ يتفضَّلَ بعضُكم على بعضٍ {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيُجازيكم به.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: تُجامعوهنَّ): تفسيرُ المسيس بالجماع، وهذا من باب الكنايةِ عمَّا لا يَحسُنُ التصريحُ به، وهو كثيرٌ في كلام الله، فكنَّى عن الجماع بالمسيس واللمس والمباشرة والدخول. وقولُه:(لم): أَي: لم تفرضوا؛ لأَنَّه معطوفٌ على {لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} ؛ فالمعنى: لم تمسوهنَّ ولم تفرضوا لهن.
وقولُه: (مهرًا): بيانٌ لمعنى الفريضة؛ أي: لم تُسمُّوا لهنَّ صَداقًا.
وقولُه: («وما»: مصدرية ظرفية): يريد {مَا} في قوله: {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} ، فيكون التقديرُ: لا جُناح عليكم إن طلقتموهنَّ في مدَّةِ عدمِ المسيس، وعبَّر المؤلِّفُ عن معنى الآية بقوله:(أَي: لا تَبِعَةَ عليكم في الطلاق زمنَ عدمِ المسيس).
وقولُه: (بإثمٍ ولا مهرٍ): يريد: أَنَّ فرضَ الصَّداقِ يكون بتسميته أَوْ بذلِ عينه.
وقولُه: (فطلقوهنّ): أَي: إن شئتم، فالأَمر للإباحة.
وقولُه: (يُفيدُ أَنَّه لا نظرَ إلى قدر الزوجة): يريد: أَنَّ المعتبرَ في قدر المتاعِ هو حالُ الزوجِ يسارًا وإِعسارًا، لا حالُ الزوجة، فلو كانت المطلقةُ موسرةً والمطلِّقُ غيرَ موسرٍ؛ فإنَّه يُمتِّعها متاعَ المعسر. وقولُه:(تمتيعًا): يُبيِّنُ أَنَّ {مَتَاعًا} اسمُ مصدر، لا الشيء الممتعِ به.
وقولُه: (شرعًا، صفة «متاعًا»): يُبيِّنُ أَنَّه يُعتبَرُ في متاع المطلقةِ الشرعُ والعرفُ، وهذا معنى قوله:{بِالْمَعْرُوفِ} .
وقولُه: (صفةٌ ثانيةٌ، أَوْ مصدرٌ مؤكِّدٌ): يُبيِّنُ أَنَّ في إِعراب حقًّا وجهين:
صفةٌ لمتاع؛ أي: متاعٌ بالمعروف حقًّا.
أَوْ: مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلٍ محذوفٍ مفهومٍ من مضمون الجملة؛ أَي: أَحقَّ اللهُ ذلك حقًّا.
وقولُه: (المطيعين): تفسيرٌ لـ {الْمُحْسِنِينَ} ، وهذا يشملُ إِحسانَ العمل بالإخلاص والاتباع، والإحسانَ إلى الناس.
وقولُه: (يجب لهنَّ
…
) إلى آخره: يُقدر إعرابَ {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} ، فإمَّا أَنْ يكون فاعلًا لفعلٍ محذوفٍ تقديره: يجبُ النصفُ لهنَّ، أَوْ: مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديره: فلهنَّ
(1)
.
وقولُه: (لكن): يُبيِّنُ أَنَّ الاستثناءَ مُنقطعٌ.
وقولُه: (أَي: الزوجات): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ في قوله: {يَعْفُونَ} : الزوجاتُ المطلَّقاتُ، وذلك أَنْ يُسقطنَ ما وجبَ لهنَّ، وهو: نصفُ الصَّداق، فيتركْنَه للأزواج.
وقولُه: (وهو الزوج
…
) إلى آخره: تضمَّنَ كلامُه ذِكرَ القولين في المراد بـ {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} ؛ فقيل: الزوجُ، وقيل: الوليُّ، والصواب: أَنَّه الزوجُ، وعفوه أَنْ يتركَ للمطلَّقةِ الصَّداقَ كلَّه، وأَمَّا الوليُّ فلا يملكُ العفوَ عن
(1)
ينظر: «التبيان للعكبري» (1/ 189 - 190)، و «الكتاب الفريد» (1/ 538).
شيءٍ من حقوق مُوليته، وإن كانت محجورًا عليها؛ بل عليه أَنْ يستوفيَ ما لها من حقٍّ على زوجٍ أو غيره، فكيف إذا لم تكن محجورًا عليها.
وقولُه: (أَنْ يتفضَّلَ بعضُكم على بعضٍ): تفسيرٌ للفضل الذي ندب اللهُ إلى رعايته ونهى عن نسيانه؛ أَي: تركه.
وقولُه: (فيُجازيكم به): يُبيِّنُ أَنَّ قولَه: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} مُتضمِّنٌ للوعد والوعيد، ففيه الترغيبُ في الطاعة والتحذيرُ من المعصية.
* * *
وقوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (238) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون (239)} [البقرة: 238 - 239]:
يأمرُ اللهُ -تعالى- المؤمنين بالمحافظة على الصَّلوات الخمس والصَّلاةِ الوسطى؛ وهي: صلاةُ العصرِ على الصحيح من أقوال المفسرين
(1)
؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في المشركين: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأَ اللهُ أَجوافهم وقبورهم نارًا))
(2)
. وعطفُها على الصلوات من عَطف الخاصِّ على العام، وهذا يقتضي الأَمر بالمحافظة عليها مرَّتين، وسُمِّيت وسطى؛ قيل: من الوسط؛ بمعنى: الخيار، فيكون معنى الوسطى: الفُضلى، وقيل: لتوسُّطها بين صلاة النهار وصلاة الليل
(3)
.
والمحافظةُ على الصلوات هي المداومةُ عليها في أوقاتها وبشروطها كما صلَّاها النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وقولُه: {وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (238)} : أَي: أَدُّوا الصلاةَ قيامًا طاعةً لله قانتين؛ أي: خاضعين خاشعين ساكتين لا تتكلمون بشيءٍ من كلام الناس، ومن القنوت في الصلاة: تركُ الكلامِ، وفي الصحيح عن زيد بن أَرقم رضي الله عنه قال:«كنَّا نتكلَّمُ في الصلاة، يُكلِّمُ الرجلُ صاحبَه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت {وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (238)}، فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام»
(4)
.
(1)
وهو قول الجمهور. ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 342 - 359)، (4/ 372 - 375)، و «تفسير البغوي» (1/ 288)، و «المحرر الوجيز» (1/ 599 - 600)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 645).
(2)
أخرجه البخاري (2931)(4533)، ومسلم (627) عن علي رضي الله عنه، وأخرجه مسلم (628) عن عبد الله بن مسعود، واللفظ له.
(3)
وهذا مبني على الخلاف السابق في تعيينها. ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 375)، و «الكشاف» (1/ 465)، و «المحرر الوجيز» (1/ 598 - 600)، و «زاد المسير» (1/ 215 - 216)، و «التحرير والتنوير» (2/ 467).
(4)
أخرجه البخاري (1200)، و (4534)، ومسلم (539) واللفظ له.
وقولُه تعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ} ؛ أَي: كنتم في حال خوفٍ من عدو أَوْ غيره؛ {فَرِجَالاً} ؛ أَي: فصلُّوا رجالًا، {أَوْ رُكْبَانًا}؛ أَي: مشاةً أَوْ راكبين.
وقولُه: {فَإِذَا أَمِنتُمْ} : أَي: كنتم في حال أَمنٍ {فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون (239)} ؛ أَي: صلُّوا صلاةَ الأَمن كما أَمركم اللهُ، وكما علَّمكم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وذلك أَنْ تُصلُّوا قيامًا مع القدرة لا ماشين ولا راكبين.
والكاف في قوله: {كَمَا عَلَّمَكُمْ} : للتشبيه أَوْ التعليم؛ فالمعنى: مثلَ ما علَّمكم، أَوْ لأَجل أَنْ علَّمكم اللهُ ما لم تكونوا تعلمون قبل ذلك، فذكره تعالى كما أَمر شكرًا على ما أَنعم به من العلم.
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} الخمسِ، بأَدائها في أَوقاتها {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} هي: العصرُ أَوْ الصبحُ، أَوْ الظهرُ، أو غيرها، أَقوالٌ. وأَفردَها بالذِّكر لفضلِها {وَقُومُوا لِلَّهِ} في الصَّلاة {قَانِتِينَ} قيل: مُطيعين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ قنوتٍ في القرآن فهو طاعةٌ)) رواه أَحمدُ وغيرُه
(1)
، وقيل: ساكتين؛ لحديث زيدِ بن أَرقم: «كنا نتكلَّم في الصلاة حتى نزلت فأُمرنا
(1)
أخرجه أحمد (11711)، والطبري في التفسير (35/ 400) من طريق ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:((كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت؛ فهو الطاعة)).
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (1128)، وابن حبان في صحيحه (309)، والطبراني في «الأوسط» (5181)، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 325) من طريق عمرو بن الحارث، عن دراج، به.
قال الطبراني: «لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد» .
وقال ابن كثير في تفسيره (1/ 397 - 398): «هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، والله أعلم» ، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (4105).
قلنا: ابن لهيعة ضعيف لسوء حفظه واحتراق كتبه. ينظر: «المجروحين» لابن حبان (10/ 504، رقم 532)، وراية درَّاج أبي السمح عن أبي الهيثم فيها ضعف. «التقريب» (1824).
بالسكوت ونُهينا عن الكلام» رواه الشيخان {فَإِنْ خِفْتُمْ} من عدوٍّ أَوْ سيلٍ أَوْ سبعٍ {فَرِجَالًا} جمعُ راجلٍ؛ أَي: مُشاةً صلُّوا {أَوْ رُكْبَانًا} جمعُ راكبٍ؛ أَي: كيف أَمكن مُستقبلي القبلة أَوْ غيرها، ويُومَأُ بالركوع والسُّجود {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} من الخوف {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} أَي: صلُّوا {كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها. والكاف: بمعنى مثل. و «ما» : موصولةٌ أَوْ مصدريةٌ.
وقولُ المؤلِّف: (هي العصر
…
) إلى آخره: ذكرَ ثلاثةَ أَقوالٍ في المراد بالصَّلاة الوسطى
(1)
، والصوابُ: أَنها العصر، كما صحَّ بذلك الحديث.
وقولُه: (وأَفردَها بالذِّكر لفضلِها): معناه: خصَّها بالأَمر بالمحافظة عليها من أَجل فضلها على غيرها من الصلوات، ولهذا وصَفَها بالوسطى؛ أَي: الفُضلى، وجاء في السنَّة الوعيدُ الشديدُ على تركها، وهو قولُه صلى الله عليه وسلم:((مَنْ ترك صلاةَ العصرِ حَبطَ عملُه))
(2)
.
وقولُه: (في الصَّلاة): بيانٌ لمحلِّ القيام المأمورِ به.
وقولُه: (قيل: مُطيعين
…
) إلى آخره: تضمَّنَ تفسيرَ القنوت بالطاعة وبالسكوت، وكلٌّ من المعنيين صحيحٌ، ويدلُّ لهما ما ذُكرَ من الحديثين.
وقولُه: (من عدوٍّ
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ سببَ الخوف عامٌّ لكلِّ مَخوفٍ.
(1)
جمع الدمياطي في ذلك جزءًا عن الصلاة الوسطى؛ فبلغ تسعة عشر قولًا، نقلها الحافظ في «الفتح» (8/ 196 - 198)، وقال الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير» (2/ 467):«أنهيت الأقوال فيه -أي الخلاف- إلى نيف وعشرين» .
(2)
أخرجه البخاري (553) و (594)، من حديث بريدة رضي الله عنه.
وقولُه: (جمعُ راجلٍ
…
) إلى آخره، وقولُه: (جمعُ راكبٍ
…
) إلى آخره: بيانٌ للرُّخصة للخائفِ أَنْ يُصلِّي ماشيًا وراكبًا كما يتيسَّرُ له.
وقولُه: (أُي: صلُّوا): فسَّر الذِّكر بالصلاة ليُناسبَ المقامَ.
وقولُه: (قبل تعليمه): بيانٌ أَنَّ المسلمينَ قبل تعليمِ اللهِ لهم صفةَ الصلاة لم يكونوا عالمين بها.
* * *
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (240)} [البقرة: 240]:
ذكر كثيرٌ من المفسرين أَنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ، بل حكى كثيرٌ إِجماعَ العلماء على ذلك
(1)
، وذهب بعضُ العلماء إلى أَنها ليست منسوخةً، وفي ذلك عن مجاهدٍ
(2)
روايتان؛ رواهما عنه ابنُ جرير
(3)
؛ فالذين قالوا بعدم النسخ؛ قالوا: الآيةُ الأُولى في وجوب التربُّصِ عليهنَّ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا؛ وهي: عِدَّةُ الوفاة، فلا يحلُّ لهنَّ أَنْ يتزوجنَ في هذه المدَّةِ، وفي الآية الثانية وصيةٌ من الله لأَزواج المتوفَّى عنهنَّ بأَن يمتعنَ سنةً، وذلك بالسُّكنى في بيت المتوفَّى، فإِن شاءت أَقامت إلى تمام الحولِ، وإن شاءت خرجت، والمخاطَبُ بهذه الوصيةِ ورثةُ الميتِ، فعليهم متاعها بالسُّكنى؛ لقوله:{مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} ، فليس لهم إِخراجُها إذا اختارتِ البقاءَ، وإن اختارت الخروجَ فلا جناحَ عليهم، وليس في الآية تعرُّضٌ للنفقة عليها مدَّةَ الحولِ، ولا لحكم نكاحهنَّ، كما أنه
(1)
حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم؛ منهم: الشافعي، والجصاص، والماوردي، وابن عبد البر، وابن رشد، وابن عطية، وابن حجر، وغيرهم. ينظر:«الأم» (6/ 566)، و «أحكام القرآن» للجصاص (2/ 119)، و «الحاوي» (11/ 232)، و «التمهيد» (4/ 277)، و «المقدمات» (1/ 513 - 514)، و «المحرر الوجيز» (1/ 607)، و «فتح الباري» (9/ 493).
(2)
مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج، تابعي جليل، مقرئ مفسر، حافظ ثقة، ولد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب فسمع من عدد من الصحابة، ولازم ابن عباس وقرأ عليه القرآن، وتلقى عنه التفسير، قال قتادة:«أعلم من بقي بالتفسير مجاهد» ، توفي ساجدًا سنة (103 هـ)، وقيل غير ذلك. ينظر:«السير» (4/ 449)، و «طبقات المفسرين» للداودي (2/ 305).
(3)
«تفسير الطبري» (4/ 402، 405).
ليس في الآية الأُخرى تعرُّضٌ لسُكنى ولا نفقةٍ، إنما هو التربُّصُ بترك النكاح، فالآيتان في حكمين مختلفين، فلا تعارضَ بينهما.
وإذن: فلا ناسخ ولا منسوخ، وأَمَّا الذين قالوا: إِنَّ الآيةَ منسوخةٌ بالآية الأُخرى، فعندهم معناها: أَمرُ اللهِ الذين يُتوفَّونَ ولهم أَزواجٌ إذا حضرهم الموتُ أَنْ يُوصوا لأَزواجهم بالمتاع سنةً، فتُسكَن المتوفَّى عنها في بيت زوجِها، ويُنفق عليها من ماله، وعلى هذا فتعتدُّ المتوفَّى عنها سنةً، ولها السُّكنى والنفقة، ثم نُسخَ اعتدادُها سنةً بآية {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ، ونُسخت السُّكنى والنفقةُ بآية الميراث، وعلى هذا القول؛ فالوصيةُ من الأزواج الذين يُتوفَّون لأَزواجهم أَمرهم اللهُ إذا حضرهم الموتُ أَنْ يُوصوا لأَزواجهم بالمتاع سنةً؛ فالموصي هم: الأَزواجُ المتوفَّين، والموصَى إليهم هم: ورثةُ الميت، والموصَى له هنَّ: الزوجات، ويُشكِلُ على هذا أَنَّ المذكورين في الآية هم الذين ماتوا وتركوا أَزواجهم، فكيف يأمر مَنْ مات بأَن يُوصي؟! ولهذا احتاجَ أَهلُ هذا القول أَنْ يتأوَّلوا {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} بمَن حضرهم الموتُ، ومن الفرق بين الآيتين: أَنَّ المخاطَب في الآية الأُولى الزوجات، أُمِرنَ بالتربُّصِ بترك النكاح، والخطابُ في قوله:{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} لأوليائهنَّ، والمخاطَبُ في الآية الثانية في قوله:{فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} ورثةُ الميت، فنُسخت آيةُ الاعتدادِ سنةً بالاعتداد أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا، وقد أَشكل ترتيبُ الآيتين؛ فالآيةُ الناسخةُ ترتيبها في المصحف قبل الآية المنسوخة، وقد استشكل ذلك عبدُ الله بن الزبير رضي الله عنه فسأَل عثمانَ رضي الله عنه عن ذلك؟ فقال:«يا ابنَ أَخي، لا أُغيِّرُ شيئًا منه من مكانه»
(1)
.
وقد رأيتُ أَنْ أُلخِّص ما ذكره ابنُ جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية لأَهميته وعِظم فائدتِه مع بعض التصرُّفِ؛ قال رحمه الله بعد ذكر الآية: «يعني تعالى ذِكرُه بذلك: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ} أَيُّها الرجال {وَيَذَرُونَ
(1)
أخرجه البخاري (4530).
أَزْوَاجًا}؛ يعني: زوجات كنَّ له نساءً في حياته، بنكاحٍ لا مِلكَ يَمين»، قال:«ثم صرفَ الخبرَ عن ذكر مَنْ ابتدأ الخبرُ بذكره إلى الخبر بذكر أَزواجهم» ، قال:«ثم قال تعالى ذِكرُه: {وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم}، فاختلفت القُّراءُ في قراءة ذلك، فقرأَ بعضُهم: {وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم} بنصب الوصيةِ؛ بمعنى: فليُوصوا وصيةً لأَزواجهم، أَوْ عليهم أَنْ يوصوا وصيةً لأَزواجهم، وقرأ آخرون: {وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ} برفع الوصية»
(1)
(2)
، قال:«فتأويلُ الكلامِ على ما قاله هذا القائل: والذين يُتوفَّون منكم ويذرون أزواجًا كتبت عليهم وصية لأَزواجهم، ثم ترك ذكر «كتبت» ورفعت الوصية بذلك المعنى وإن كان متروكًا ذكره».
قلت: فمعنى هذا الكلام أَنَّ وصيةً مرفوعةٌ بفعلٍ محذوفٍ؛ تقديرُه: كتبت عليهم وصية.
قال: «وقال آخرون منهم: بل الوصيةُ مرفوعةٌ بقوله: {لِّأَزْوَاجِهِم}، فتأول: لأَزواجهم وصية» . قلت: وحاصلُ الوجهين في رفع وصية أَنها نائبُ فاعل للفعل المحذوف «كتبت» ، أَوْ أَنها مبتدأٌ وخبرُه {لِّأَزْوَاجِهِم} على التقديم والتأخير، وهو معنى قوله:«فتأول: لأزواجهم وصية» ؛ لأَنَّ النكرةَ لا يُبتدأُ بها.
قال: «والقولُ الأَوَّلُ أَولى بالصواب في ذلك، وهو أَنْ تكون الوصيةُ إذا رُفعت مرفوعة بمعنى: كتبتُ عليهم وصيةً لأَزواجهم» ، قال: «وأَولى القراءتين
(1)
قرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر وحفص عن عاصم: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} نصبًا، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي:{وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ} بالرفع. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 174)، و «النشر» (2/ 228).
(2)
عزاها لابن مسعود غير واحد بألفاظ مختلفة، وهي قراءة شاذة. ينظر:«مختصر في شواذ القرآن» لابن خالويه (ص 22)، و «معاني القرآن» للفراء (1/ 156)، و «الكشاف» (1/ 469)، و «البحر المحيط» (2/ 553).
بالصواب في ذلك عندنا قراءةُ مَنْ قرأَ: {وَصِيَّةٌ} بالرفع، بدليل أَنَّ مقامَ المتوفَّى عنها زوجُها في بيت زوجها المتوفَّى حولًا كاملًا، كان حقًّا لها قبل نزول آية يتربصنَ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا، وقبل نزول آية الميراث، أَوصى لهنَّ أَزواجهن بذلك قبل وفاتهم أَوْ لم يُوصوا لهنَّ به».
ثم قدَّر رحمه الله سائلًا، قال: ما الدليلُ على أَنَّ قعود المتوفَّى عنها في بيت زوجها كان حقًّا لها قبل آيةِ العدَّةِ وآيةِ الميراث؟ فأجاب رحمه الله بما حاصله: أَنَّ اللهَ أَخبر عن الرجال المتوفَّين ولهم أَزواجٌ، والمتوفَّى لا يُؤمر بالوصية وإنما يؤمر بالوصية مَنْ حضره الموتُ كما قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، عُلم أَنَّ اللهَ جعل لامرأة المتوفَّى أَنْ تقعدَ في بيته حولًا بعد وفاته؛ قال:«ولو كان المعنى: فليوصوا وصيةً؛ لوجبَ أَنْ يكون لفظُ الآية: (والذين يحضرهم الموت)» ، وأيضًا فلو كان قعودُ المتوفَّى عنها في بيت زوجها حولًا واجبًا بوصيةٍ من زوجها قبل وفاتِه لَمَا كان ذلك حقًّا لها إذا لم يوصِ ولا جاز لورثته إخراجها، وقد قال تعالى:{غَيْرَ إِخْرَاجٍ} .
إذن: فليس معنى الآية أَمر الأَزواجِ بالوصية لزوجاتهم قبل وفاتهم كما تقتضيه قراءة من قرأ {وَصِيَّةً} بالنصب على معنى: فليوصوا وصيةً، أَوْ عليهم أَنْ يوصوا وصيةً، ولَمَّا نفى رحمه الله أن يكون معنى الآية أَمر الأَزواج بالوصية لزوجاتهم؛ قال:«وإنما معنى الآية: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} كتب اللهُ لأزواجهم عليكم وصيةً منه لهنَّ أَيها المؤمنون، أَنْ لا تُخرجوهنَّ من منازل أَزواجهنَّ حولًا، كما قال تعالى ذكره في سورة النساء: {غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ} [النساء: 12]» .
قلت: فعُلم مما تقدَّم من كلام ابن جرير أَنَّ في المراد بالوصية في الآية قولان:
الأَول: أَنَّ المرادَ الوصية من الأزواج المتوفين لزوجاتهم أَمرهم الله بها.
والثاني: أَنها وصيةٌ من الله لورثة الميت.
فعلى القول الأَول: المخاطَبُ بالوصية هم الأَزواجُ المتوفين، ولهذا جاء في تقدير الكلام؛ فليوصوا وصيةً، أَوْ عليهم أَنْ يوصوا وصيةً، كلُّ هذا على قراءة نصبِ وصية.
وعلى القول الثاني: الخطابُ لورثة الميت كما يُفيده التقدير في عبارة ابن جرير إذ قال: «{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} كتب اللهُ لأَزواجهم عليكم وصية منه لهنَّ أَيها المؤمنون؛ أَنْ لا تُخرجوهنَّ من منازل أَزواجهنَّ حولًا، كما قال تعالى ذكره في سورة النساء: {غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ}» .
ثم ذَكر مَنْ قال من السَّلف: إِنَّ حُكمَ هذه الآية وصيةٌ من الله لزوجات المتوفَّين بالسُّكنى والنفقة حولًا، وأَنَّ ذلك نُسِخَ بآية الميراث وآية العدة {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ، وهو القولُ الذي رجَّحه ابنُ جرير كما تقدَّم، فروى ذلك بإسناده عن قتادة
(1)
والربيع
(2)
وابن عباس والضحاك
(3)
وعطاء
(4)
(1)
قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السّدوسيّ، أبو الخطاب البصري، الضرير الأكمه المفسّر، قال معمر: سمعت قتادة يقول: «ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئًا» . قال الإمام أحمد بن حنبل: قتادة عالم بالتفسير وباختلاف العلماء، ووصفه بالفقه والحفظ، وأطنب في ذكره. مات بواسط في الطاعون سنة (117 هـ)، وقيل بعدها. ينظر:«السير» (5/ 269)، و «طبقات المفسرين» للداودي (2/ 47 - 48).
(2)
الربيع بن أنس بن زياد البكري الخراساني، لقي ابن عمر وأنس بن مالك وجابر، وهرب إلى مرو في زمن الحجاج فكان عالم مرو في زمانه، وكانت وفاته سنة (136 هـ)، وقيل (139 هـ). ينظر:«السير» (6/ 169)، و «طبقات المفسرين» للأدنه وي (ص 16).
(3)
الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو محمد، وقيل: أبو القاسم، كان من أوعية العلم، وله باع في التفسير وبه اشتهر، توفي سنة (102 هـ)، وقيل غير ذلك. ينظر:«السير» (4/ 598)، و «طبقات المفسرين» للداودي (1/ 222).
(4)
عطاء بن أبي مسلم، أبو عثمان الخراساني، واسم أبيه ميسرة، وقيل: عبد الله، له كتاب «تنزيل القرآن» ، و «تفسيره» ، عرف بالعبادة والفتوى والتفسير، وكان صاحب رحلة. توفي سنة (135 هـ). ينظر:«السير» (6/ 140)، و «طبقات المفسرين» للداودي (1/ 385).
ومجاهد وابن زيد
(1)
، ثم ذكر مَنْ قال من المفسرين بأَنَّ معنى هذه الآية أَمرُ اللهِ الأَزواجَ إذا حضرَهم الموتُ بأَن يوصوا لزوجاتهم بالسُّكنى والنفقة حولًا، وقد سبقَ تضعيف ابنِ جرير لهذا القول، ثم رواه بإسناده عن قتادة وعن السدي
(2)
، ثم ذكر عن إبراهيم النخعي
(3)
أَنَّ أَمر الأزواج بالوصية لهنَّ نُسخ بما كان لهنَّ من المتاع؛ قال ابن جرير: «من غير تبيينه
(4)
على أَيِّ وجهٍ كان ذلك لهنَّ»، ثم ذكر عن الحسن
(5)
وعكرمة
(6)
وابن عباس أَنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ، ولَمَّا ذكر القائلين بأَنَّ الآية منسوخةٌ على اختلافهم في تأويل الآية، وهل الوصيةُ في الآية من الله لأَزواج المتوفين كتبها على ورثة الميت، أَوْ من المتوفين أَمرهم الله بأَن يوصوا كما تقدَّم لَمَّا ذكر ابنُ جرير ذلك كُلَّه؛ قال: «وقال آخرون:
(1)
ابن زيد: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كان صاحب قرآن وتفسير، جمع تفسيرًا في مجلد، وكتابًا في الناسخ والمنسوخ، توفي سنة (182 هـ) ينظر:«السير» (8/ 349)، و «طبقات المفسرين» للداودي (1/ 271).
(2)
السدي: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة أبو محمد الحجازي، ثم الكوفي، الأعور، وهو السدي الكبير، قال إسماعيل بن أبي خالد:«كان السدي أعلم بالقرآن من الشعبي رحمهما الله» ، وقال الخليلي:«إن أمثل التفاسير تفسير السدي» ، توفي سنة (127 هـ). ينظر:«السير» (5/ 264)، و «طبقات المفسرين» للداودي (1/ 111).
(3)
إبراهيم النخعي: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، كان إمامًا حافظًا، فقيها من أكابر التابعين، توفي سنة (96 هـ). ينظر:«الطبقات» لابن سعد (6/ 270)، و «السير» (4/ 520).
(4)
في أصل طبعة هجر: (تنبيه)، وأشاروا إلى خمس نسخ كتبت (بينة)، والسادسة غير منقوطة، والمثبت (تبيينه) من طبعة شاكر، وقال:«في المطبوعة: (من غير بينة)، والصواب ما في المخطوطة» ، وهو الذي رجحه شيخنا.
(5)
الحسن بن أبي الحسن، واسم أبيه يسار، أبو سعيد البصريّ، كان من سادات التابعين وأفتى في زمن الصحابة، بالغ الفصاحة وبليغ المواعظ، كثير العلم بالقرآن ومعانيه، وله تفسير رواه عنه جماعة، توفي سنة (110 هـ). ينظر:«السير» (4/ 365)، و «طبقات المفسرين» للداودي (1/ 150).
(6)
عكرمة مولى ابن عباس، العلامة الحافظ المفسر، أبو عبد الله القرشي مولاهم، المدني، البربري الأصل، قال قتادة وسلام بن مسكين بأنه أعلم الناس بالتفسير، توفي سنة (104 هـ)، وقيل: بعد ذلك. ينظر: «السير» (5/ 12)، و «طبقات المفسرين» للداودي (1/ 386).
هذه الآيةُ ثابتةُ الحكمِ، لم يُنسخْ منها شيءٌ»، وروى ذلك بإسناده عن مجاهد أنه قال في قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ
…
} الآية: كانت هذه للمعتدة تعتدُّ عند أَهل زوجها واجبًا ذلك عليها، فأنزل الله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم
…
} الآية، قال: جعل اللهُ لهنَّ تمام السنة سبعةَ أَشهرٍ وعشرين ليلةٍ وصيَّة، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت»، فتضمَّن قولُ مجاهد أَنَّ حكمَ الآية الأُولى واجبٌ على المرأة؛ وهو الاعتدادُ بأَربعة أَشهر وعشرٍ، وأَمَّا حُكمُ الآيةِ الثانية وهو الاعتدادُ تمامَ الحولِ فالمرأةُ فيه مخيَّرةٌ؛ لقوله:{فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} ، فجعل مجاهدٌ الآيةَ الثانيةَ هي الأخيرةُ نزولًا، وحُكمها باقٍ لم يُنسخ، وهذا خلافُ قولِ الجمهور؛ وهو أَنَّ الآيةَ الأُولى هي الناسخةُ لحكم الآية الثانية، كما تقدَّم حكايةُ ابن جرير لأَقوالهم، ثم روى بإسناده إلى عطاء
(1)
عن ابن عباس؛ قال: «نَسَختْ هذه الآيةُ ـ قلت: يريد الآية الثانية ـ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِه ـ يريد: حُكمَ الآيةِ الأُولى ـ تعتدُّ حيث شاءت ـ يريد: حكمَ الآية الثانية وهو قولُ اللَّهِ: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}» ، ثم روى عن عطاء قريبًا من معنى قول ابن عباس ثم رجَّح قولَ الجمهور؛ وهو أَنَّ الآيةَ الثانيةَ منسوخةٌ بالآية الأولى وبآية الميراث؛ قال رحمه الله: «وأَولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب أَنْ يُقال: إِنَّ اللهَ -تعالى ذكره- كان جعل لأَزواج مَنْ مات من الرجال بعدَ مَوتهم سُكنى حولٍ في منزله، ونفقتها في مال زوجها الميت إلى انقضاء السَّنة، ووجبَ على ورثة الميت أَنْ لا يُخرجوهنَّ قبل تمام الحولِ من المسكن الذي يسكنه، وإن هنَّ تركنَ حقهنَّ من ذلك وخرجنَ؛ لم تكن ورثةُ الميت من خروجهنَّ في حرجٍ، ثم إِنَّ اللهَ -تعالى ذكره- نسخَ النفقةَ
(1)
عطاء بن أبي رباح أسلم المكي، أبو محمد، كان ثقة فقيهًا عالمًا بالقرآن ومعانيه، توفي سنة (114 هـ)، وقيل: بعد ذلك. «السير» (5/ 78)، و «طبقات المفسرين» للأدنه وي (ص 14).
بآية الميراث، وأَبطل مما كان جُعل لهنَّ من سُكنى حولٍ سبعةَ أَشهرٍ وعشرين ليلة، وردهنَّ إلى أَربعة أشهرٍ وعشرٍ على لسان رسولِ الله صلى الله عليه وسلم».
قلت: يُشير إلى حديثِ فُريعةَ
(1)
الذي سيذكره، ثم ذكر بإسناده حديثَ فُريعة التي قُتل زوجُها فاستفتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تنتقل من بيت زوجِها، فأَمرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تمكثَ حتى يبلغَ الكتابُ أَجله؛ وهو تمامُ أَربعةِ أَشهرٍ وعشرٍ
(2)
، وحاصلُ كلامه رحمه الله أَنَّ ما كان حقًّا للمتوفَّى عنها من السُّكنى والنَّفقة حولًا نسخ النفقة الميراث ربع أَوْ ثمن ونسخ تمام الحول؛ وهو سبعةُ أَشهرٍ وعشرون يومًا بآية التربُّص -أربعة أشهر وعشرًا- وبحديث فُريعة.
(1)
فُريعة: بضم الفاء بالتصغير في أكثر الروايات وفي طبعة شاكر، ووقع اسمها في طبعة هجر:«الفارعة» ، وكذا في رواية النسائي (3528)، و «شرح مشكل الآثار» (3650) ووقع اسمها «الفرعة» في «شرح مشكل الآثار» (3649).
وهي الفريعة بنت مالك، ويقال لها أيضًا: الفارعة والفرعة، أنصارية خُدرية، وهي أخت أبي سعيد الخدري. ينظر:«الإصابة» (11720)، (11754)، (11764).
(2)
أخرجه مالك (2193/ 526)، وأحمد (27087)، وأبو داود (2300)، والترمذي (1204)، والنسائي (3528)، وابن ماجه (2031)، والحاكم (2833) بعضهم مطولًا، وبعضهم مختصرًا، كلهم من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، أن الفريعة بنت مالك بن سنان أخبرتها، أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرته.
ورجاله ثقات غير زينب بنت كعب، ذكرها ابن حبان في «الثقات» (4/ 271، رقم 2873)، وقال:«لها صحبة» ، وكذا قال الذهبي في «التجريد» (2/ 274، رقم 3289)، أما في «الميزان» (4/ 607) فقد ذكرها ضمن النساء المجهولات، ونقل عن ابن حزم بأنها مجهولة، ما روى عنها غير سعيد. وينظر: تعقيب الحافظ عليه في «الإصابة» (11383)، وقال الحافظ في «التقريب» (رقم 8596):«مقبولة من الثانية، ويقال لها صحبة» .
وقال ابن القيم: «فهذه امرأة تابعية كانت تحت صحابي، وروى عنها الثقات ولم يطعن فيها بحرف، واحتج الأئمة بحديثها وصححوه» . «زاد المعاد» (6/ 681).
وصحَّحه جمع من الحفاظ؛ مثل محمد بن يحيى الذهلي كما في «المستدرك» (2833)، وابن عبد البر في «التمهيد» (21/ 31)، والترمذي (1204)، وابن الجارود (759)، وابن حبان (4292)، والحاكم (2833)، والذهبي، وابن القطان في «بيان الوهم» (5/ 393 - 595)، وابن القيم في «إعلام الموقعين» (6/ 473)، و «زاد المعاد» (6/ 679 - 681)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» ، وابن ماجه، وغيرها.
وبعد القول في معنى الآيةِ وحُكمِها؛ ذَكر وجهَ النَّصب في قوله: {مَّتَاعًا} ، وقولِه:{غَيْرَ إِخْرَاجٍ} ، بأَنَّ {مَّتَاعًا} نُصب بمضمون الجملة قبله، فهو مصدرٌ مؤكدٌ، و {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} نُصب على أَنه صفة لـ «متاع»؛ قال رحمه الله:«وأَمَّا قولُه: {مَّتَاعًا} فإِنَّ معناه: جعل ذلك لهنَّ متاعًا؛ أَي: الوصية التي كتبها اللهُ لهنَّ. وإنما نصب «المتاع» ؛ لأَنَّ في قوله: {وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم} معنى متعهنَّ اللهُ، فقيل:{مَّتَاعًا} مصدرٌ من معناه، لا من لفظه.
وقوله: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} : فإِنَّ معناه أَنَّ اللهَ -تعالى ذكره- جعل ما جعل لهنَّ من الوصية متاعًا منه لهنَّ إلى الحول، لا إِخراجًا من مسكن زوجِها؛ يعني: لا إِخراجَ فيه منه حتى ينقضي الحول، فنصب {غَيْرَ} على النعت للمتاع»، ثم ذكر معنى آخر الآية من قوله:{فَإِنْ خَرَجْنَ} ، فذكر ما يدلُّ عليه قوله:{فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} ، وهو أَنَّ اعتدادهنَّ في بيوت أَزواجهنَّ وإِحدادهنَّ حولًا ليس فرضًا عليهنَّ، فإِن خرجنَ فلا جُناحَ عليهنَّ، ولا على ورثة الميت، {فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَّعْرُوفٍ} من النكاح وترك الإحداد، وذكر ما يدلُّ عليه قوله:{وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (240)} ، وهو تهديدُ مَنْ خالف من الرجال والنساء أَحكامَ الله المتقدمة في الآيات بترك ما فَرضَ اللهُ من الأَحكام، وأَداء الحقوق وترك المحافظةِ على الصلوات، وأَنَّ اللهَ حكيمٌ في جميع أَحكامه وأَقضيته بين عباده، وكلامُه رحمه الله في مدلول هذين الاسمين «العزيز، الحكيم» كلامٌ نفيسٌ جديرٌ بتدبُّره وفهمِ معناه
(1)
.
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} فليُوصوا {وَصِيَّةً} وفي قراءة بالرفع؛ أَي: عليهم {لِأَزْوَاجِهِمْ} ويُعطوهنَّ {مَتَاعًا} ما يتمتعنَّ به من النفقة والكسوة {إِلَى} تمام {الْحَوْلِ} من موتهم الواجب عليهنَّ
(1)
ينظر النقل كاملًا في: «تفسير الطبري» (4/ 396 - 409).
تربُّصه، {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} حال؛ أَي: غيرَ مُخرجات من مسكنهنَّ {فَإِنْ خَرَجْنَ} بأَنفسهنَّ {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يا أَولياءَ الميت {فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} شرعًا؛ كالتزيُّنِ وتركِ الإِحداد وقطعِ النفقة عنها {وَاللَّهُ عَزِيزٌ} في مُلكه {حَكِيمٌ} في صنعه. والوصيةُ المذكورةُ منسوخةٌ بآية الميراث، وتربُّص الحولِ بآية (أَربعة أشهرٍ وعشرًا) السابقةِ المتأَخِّرةِ في النزول، والسُّكنى ثابتةٌ لها عند الشافعي
(1)
.
وقولُ المؤلِّف: (فليوصوا): يقتضي أَنَّ معنى الآية عنده: أَمرُ المتوفَّين بالوصية لأَزواجهم.
وقولُه: (وفي قراءةٍ بالرفع؛ أي: عليهم): يُبينُ أَنَّ كلمةَ {وَصِيَّةً} في الآية فيها قراءتان؛ بالنصب وبالرفع، وعلى قراءة الرفع فـ {وَصِيَّةٌ}: مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، وتقديره: عليهم.
وقولُه: (ويعطوهنَّ): يريد أَنَّ {مَتَاعًا} منصوبٌ بفعل محذوفٍ؛ تقديره: ويُعطوهنَّ متاعًا.
وقولُه: (ما يتمتعنَّ به
…
) إلى آخره: تفسيرٌ للمتاع بالنفقة والكسوة.
وقولُه: (تمام): يُبيِّنُ أَنَّ المتاعَ يدومُ حقًّا للمرأة إلى نهاية الحول.
وقولُه: (من موتهم
…
) إلى آخره: بيانٌ لبداية الحولِ، وأَنَّ الواجبَ عليها التربُّصُ هذه المدَّة. وقولُه:(حال): يريد أَنَّ {غيرَ} منصوبٌ على الحال من الأَزواج، ولذا قدره: غير مخرجات، وعلى هذا يكون قولُه تعالى: {غَيْرَ
(1)
في سكنى المعتدة عن وفاة قولان للشافعية، أحدهما: أنها لا تستحقها؛ وهذا ما اختاره المزني، وصححه منصور التميمي والغزالي، والثاني: أنها تستحقها، وهو الأصح عند العراقيين، وتابعهم الروياني وغيره. ينظر:«الشرح الكبير» للرافعي (9/ 497 - 498)، و «تكملة المجموع» (20/ 14 - 16)، و «كفاية النبيه» لابن رفعة (15/ 218).
إِخْرَاجٍ} حالًا مؤكدةً لقوله: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} ، واختار ابنُ جريرٍ أَنَّ {غَيْرَ} منصوبٌ على النعت لمتاع.
وقولُه: (بأنفسهنَّ): يريد: باختيارهنَّ لا بإخراج من ورثة الميت.
وقولُه: (يا أَولياءَ الميت): بيانٌ للمخاطبين بقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} .
وقولُه: (شرعًا
…
) إلى آخره: فسَّرَ المعروفَ بما يُباحُ للمرأة شرعًا من الزينة بأنواعها.
وقولُه: (وقطع النفقة عنها): يريد أَنَّه داخلٌ في نفي الجناح عن ورثة الميت، فلا جناح على أَولياء الميت في قطع النَّفقة عنها إذا خرجت.
وقولُه: (في ملكه)، وقولُه:(في صنعه): يريد أَنَّه تعالى ذو عزَّةٍ وحكمةٍ، يدلُّ لذلك قوله تعالى:{وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
وقولُه: (والوصية المذكورة
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الوصيةَ بالنفقة والسُّكنى حولًا المذكورة في الآية منسوخةٌ بآية الميراث، وبآية التربُّصِ أَربعة أَشهرٍ وعشرًا، فعنده أَنَّ آيةَ الوصيةِ منسوخةٌ بآية:{أَربعةَ أَشهرٍ وعشرًا} ، وإن كانت متقدِّمةً عليها في ترتيب الآيات في المصحف، لكنها مُتأَخِّرةٌ عنها في النزول، وهذا قول الجمهور، وقال جماعةٌ: لا نسخَ، والآياتُ على ترتيبها.
* * *
وقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (242)} [البقرة: 241 - 242]:
هاتان الآيتان آخر الآياتِ المتعلقةِ بأَحكام الطلاق والعِدَد، وقد تضمَّنت الآيةُ الأُولى الحكمَ بالمتاع لكلِّ مطلَّقةٍ على أَزواجهنَّ، وأَنَّه حقٌّ أَحقَّه اللهُ على المتقين، وظاهرُ الآية وجوبُ المتاعِ لكلِّ مُطلَّقةٍ، وذهب الجمهورُ إلى أَنَّ المتاعَ الواجبَ للمطلقة قبل المسيس ولم يفرض لها صَداق، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى:{لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)} [البقرة: 236]، وفي الآية الأَمرُ بالمتاع، وأَمَّا المطلقةُ قبل المسيس التي فُرض لها صداقٌ، فمتاعُها النصفُ الذي تستحقُّه مما فرض لها، وأَمَّا المطلقةُ المدخولُ بها فمتاعُها مستحبٌّ، فقد ذهب بعضُ أَهل العلم إلى القول بظاهر الآية؛ وهو وجوبُ المتاع لكلِّ مطلَّقةٍ
(1)
، ويؤيدُه قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} إلى قوله: {فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (49)} [الأحزاب: 49]، فأمر بمتاع المطلقةِ قبل المسيس فُرض لها صداق أو لم يفرض، ويؤيده أيضًا قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (28)} [الأحزاب: 28]، فأَمر اللهُ نبيَّه أَنْ يَعِد أَزواجه بالمتاع إذا اخترن الطلاقَ، فهذه خمسُ آياتٍ ثلاثٌ منها في البقرة:
الأُولى: في المطلقة قبل المسيس ولم يفرض لها، فوجوبُ المتاعِ لها ظاهرٌ.
(1)
وإلى وجوب المتاعِ لكلِّ مُطلَّقةٍ: ذهب سعيد بن جبير، وأبو العالية، والحسن البصري، ورجحه الطبري، واختاره من الفقهاء: أبو ثور، والشافعي في أحد قوليه. ينظر:«تفسير الطبري» (4/ 409 - 412)، و «المحرر الوجيز» (1/ 607 - 608)، و «تفسير القرطبي» (3/ 228 - 229)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 641 - 642)، (1/ 660). وينظر أيضًا:«تكملة المجموع شرح المهذب» (1/ 70)، و «المغني» (10/ 137) وما بعدها.
والثانية: في المطلقة قبل المسيس وقد فرض لها؛ فإذا قيل أَنَّ متاعها النصفُ الذي تستحقُّه فهو وجهٌ قويٌّ؛ لأَنَّ مقصودَ المتاع حاصلٌ بما ثبت لها من نصف الصداق، كيف ومن المستحبِّ أَنْ تعفوَ عنه للزوج؟ وعلى هذا تكون المطلقةُ قبل المسيس وقد فرض لها مخصوصة من عموم:{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} ، ومن عموم آية الأَحزاب:{فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (49)} [الأحزاب: 49].
والثالثة: قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} .
واثنتان في الأَحزاب:
الأولى: في الدخول بها التي سُمِّيَ لها صداق، وهي قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِّأَزْوَاجِكَ} ، وقد ذكر فيها المتاع.
والثانية قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 49]، وهي في المطلقة قبل المسيس، وقد تقدَّم ذكرُ حكم متاعها.
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} : المعنى: مثل ذلك البيان الذي تقدَّمَ في آيات الأَحكام، من قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} [البقرة: 220] إلى قوله: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} ؛ أَي: مثل هذا البيان يُبيِّنُ اللهُ لكم آياته في أَحكام شرعِه {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (242)} ؛ أَي: لأَجْل أَنْ تعقلوا عن الله ما شرع لكم.
{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} يُعطَينه
(1)
{بِالْمَعْرُوفِ} بقدر الإِمكان {حَقًّا} نُصِبَ بفعله المقدَّر {عَلَى الْمُتَّقِينَ} اللهَ. كرَّره ليعمَّ الممسوسةَ أيضًا، إذ
(1)
هذا ما رجحه شيخنا، وأشار قباوة لنسخة كما أثبتناه، وقال:«فيما عدا الأصل و (ع)، (خ) والفتوحات: (يعطونه)، وأثبت (يعطونه)» .
الآيةُ السابقةُ في غيرها {كَذَلِكَ} كما بيَّن لكم ما ذُكِرَ {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تتدبرون.
وقولُ المؤلِّف: (يُعطَينه): أَي: يُعطي الأَزواجُ المطلِّقين المتاعَ للمطلقات.
وقولُه: (بقدر الإِمكان): يعني: بحسب حالِ الزوج يُسرًا وإعسارًا.
وقولُه: (بفعله المقدَّر): أَي: الفعل الذي هو مضمون {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} ، والتقديرُ: أَحقَّ اللهُ المتاعَ حقًا.
وقولُه: (اللهَ): بيانٌ لمن هو أَهلٌ أَنْ يُتَّقى، والمتقون يتقونه سبحانه.
وقولُه: (كرَّره
…
) إلى آخره: يريد: كرَّرَ الأَمر بالمتاع للمطلقة ليعمَّ الممسوسةَ؛ أَي: المدخول بها؛ لأَنَّ الذي تقدَّم الأَمرُ بمتاع المطلقةِ قبل المسيس.
* * *
وقوله تعالى: {* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُون (243)} [البقرة: 243]:
هذه الآيةُ والآياتُ التي تتلوها في هذا الرُّبع عَودٌ إلى موضوع القتال، ولَمَّا كان القتالُ مكروهًا بالطبع لِمَا يُفضي إليه من الموت؛ بدأت هذه الآياتُ بذكر قصةِ أُولئك القومِ الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت بسبب وباءٍ نزل بديارهم، أَوْ بسبب خوفٍ من عدوٍّ فخرجوا من ديارِهم؛ فرارًا منه وجُبنًا عن قتالهم
(1)
.
وقوله: {أَلَمْ تَرَ} : الخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم أَوْ لكلِّ مَنْ يَصلُحُ للخطاب، والاستفهامُ للتقرير، فقولُه:{أَلَمْ تَرَ} أَي: أَلم تعلم، وضُمَّنَ الفعلَ معنى: ينتهي، ولذا عُدِّي بـ «إلى» ، وتقديرُه: أَلم ينتهِ علمُك إلى أُولئك القومِ الذين خرجوا من ديارهم
(2)
، والحالُ أَنهم كثيرٌ يبلغون الأُلوفَ، خرجوا فرارًا من الموت، فأَماتهم اللهُ بقوله:{مُوتُوا} ، ولم يُغنِ عنهم الفرارُ شيئًا. وقولُه:{وَهُمْ أُلُوفٌ} : يرجحُ أَنهم فرُّوا خوفًا من عدوٍّ، فكان فرارُهم جُبنًا، فلم يُغنِ عنهم ذلك الفرارُ شيئًا، وقال لهم اللهُ:{مُوتُوا} فماتوا، ثم أَحياهم سبحانه وتعالى ليدلَّ على قُدرته تعالى على البعث، ثم نوَّه تعالى بفضله العظيم على الناس الذي يستحقُّ الشكرَ عليه، ثم أَخبر أَنَّ {أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُون} ، والشكرُ: تعظيمُ المنعمِ بالقول والفعل، بالقلب واللسان والجوارح
(3)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 414 وما بعدها)، (4/ 424)، و «المحرر الوجيز» (1/ 609).
(2)
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (18/ 322)، و «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 193)، و «الدر المصون» (2/ 505).
(3)
ينظر: «مجموع الفتاوى» (11/ 134)، (11/ 135) ما بعدها، (14/ 308)، «مدارج السالكين» (2/ 593 - 594).
{أَلَمْ تَرَ} استفهامُ تعجيبٍ وتشويقٍ إلى استماع ما بعده؛ أَي: ينته علمُك {إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ} أَربعةٌ أَوْ ثمانيةٌ أَوْ عشرةٌ أَوْ ثلاثون أَوْ أَربعون أَوْ سبعون أَلفًا {حَذَرَ الْمَوْتِ} مفعولٌ له، وهم قومٌ من بني إسرائيل، وقع الطاعونُ ببلادهم ففرُّوا {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} فماتوا {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} بعد ثمانيةِ أَيامٍ أَوْ أَكثر بدعاء نبيِّهم حِزْقِيل، بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي، فعاشوا دهرًا عليهم أَثرُ الموت، لا يلبسون ثوبًا إِلا عاد كالكفن، واستمرَّت في أَسباطهم {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} ومنه إِحياءُ هؤلاء {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ} هم: الكفَّار {لَا يَشْكُرُونَ} والقصدُ مِنْ ذِكر خبرِ هؤلاء تشجيعُ المؤمنين على القتال، ولذا عطف عليه.
وقولُ المؤلِّف: (استفهامُ تعجيبٍ
…
) إلى آخره: بيانٌ للمقصود من الاستفهام، وهو أَنْ يعجبَ المخاطبُ مما سيذكر له ويشتاق إلى سماعه.
وقولُه: (ينتهِ علمُك): يُبيِّنُ أَنَّ فعل ترى بمعنى: تعلم مضمَّنٌ معنى: ينتهي؛ أَي: يبلغ أو يصل. وقولُه: (أَربعةٌ أَوْ ثمانيةٌ
…
) إلى آخره: يشير إلى الأَقوال في عدد الأُلوف، والمعنى: قيل وقيل وقيل.
وقولُه: (وهم قومٌ
…
) إلى آخره: هذا أَحدُ القولين في أُولئك القوم، أَنهم من بني إسرائيل، وأَنهم فرُّوا من الطاعون، وقيل: أَنهم قومٌ من غيرهم، وأَنهم فرُّوا من عدوٍّ غزاهم، والآيةُ مجملةٌ، والله أعلم.
وقولُه: (بعد ثمانيةِ أَيام
…
) إلى آخره: هذا كلُّه من جنس الإسرائيليات التي لا تُصدَّق ولا تُكذَّب
(1)
.
وقولُه: (ومنه إِحياءُ هؤلاء) يعني: من فضل اللهِ على الناس فضلُه على هؤلاء القومِ بإِحيائهم ليتوبوا ويعلموا أَنه لا يُنجي حذرٌ من قَدَر.
وقولُه: (هم الكفَّار): لأنَّ الكفَّارَ هم أَكثرُ الناس، وهم لا يشكرون اللهَ، ولا يؤمنون به، ولا يعلمون حقَّه عليهم، ولهذا قال تعالى:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود: 17]، وقال:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187].
وقولُه: (والقصدُ من ذِكر خبرِ هؤلاء
…
) إلى آخره: بيانٌ لمناسبة ذِكر هذه القصة، وهو تشجيعُ المؤمنين على القتال، وتحذيرُهم من الفرار أَنه لا يُنجي من الموت، ولذا اتصلَ بالقصة الأَمرُ بالقتال في سبيل الله
(2)
.
* * *
(1)
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 425)، و «الكشاف» (1/ 470)، و «المحرر الوجيز» (1/ 610)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 661).
وقوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون (245)} [البقرة: 244 - 245]:
هذا أَمرٌ من الله لعباده المؤمنين بقتال الكفار والمشركين في سبيل الله؛ أَي: إِعلاءً لكلمة الله، ويُعلمهم تعالى أَنه سميعٌ لأَقوالهم ودعائهم، عليمٌ بإسرارهم وإعلانهم، ثم يدعوهم إلى الإِنفاق في سبيله بقوله:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا} ، والاستفهامُ للترغيب والتشويق، وسمَّى اللهُ ما يُنفَقُ في سبيله قرضًا؛ لأَنَّه مردودٌ عليهم أَضعافًا مضاعفة، ولهذا قال تعالى:{فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} ، ويُفسِّرُ هذا التضعيفَ وهذه الكثرة قولُه تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء} ؛ أي: أكثر من ذلك {وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (261)} [البقرة: 261]، والقرضُ الحسنُ ما كان لله وعن طِيبِ نفسٍ.
وفي قوله: {يضاعف} قراءات: بالأَلف بعد الضاد وكسر العين مع فتح فاءِ الفعلِ وضمِّها، وقرأَ بتشديد العين مع فتح الفاءِ وضمِّها؛ فهذه أربع قراءات
(1)
، والفاءُ إِمَّا سببيةٌ فيُنصَبُ الفعلُ بعدها، وإمَّا عاطفةٌ فيُرفَعُ الفعلُ بعدها.
وقوله تعالى: {وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} : أَي: إِنَّ اللهَ بحكمته البالغة يقبض عمَّن يشاء فيقدر عليه {وَيَبْسُطُ} ؛ أَي: يوسِّع على مَنْ يشاء، ثم إليه يرجعُ العبادُ فيجزيهم بما عملوا من القتال والإنفاق في سبيله.
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَي: لإِعلاء دينِه {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لأَقوالِكم {عَلِيمٌ} بأَحوالِكم، فمُجازيكم {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ}
(1)
ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 184)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 228).
بإِنفاق مالِه في سبيل الله {قَرْضًا حَسَنًا} بأَن يُنفقَه لله عن طِيب قلبٍ {فَيُضَاعِفُهُ} وفي قراءة: «فيُضَعِّفُهُ» بالتشديد {لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} من عشرٍ إلى أَكثر من سبعمائة كما سيأتي {وَاللَّهُ يَقْبِضُ} يُمسكُ الرزقَ عمَّن يشاء ابتلاءً {وَيَبْسُطُ} يوسعه لمن يشاء امتحانًا {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} في الآخرة بالبعث فيُجازيكم بأعمالكم.
وقولُ المؤلِّف: (لإعلاء دينِه): بيانٌ لمعنى: في سبيل الله.
وقولُه: (فمُجازيكم): بيانٌ للحكمة من ذكر الاسمين «السميع العليم» ، وهو التذكيرُ بالجزاء ترغيبًا وترهيبًا.
وقولُه: (لله عن طِيب قلبٍ): هذا بيانٌ لمعنى القرض الحسن.
وقولُه: (كما سيأتي): يُشيرُ إلى قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
…
} الآية {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (261)} [البقرة: 261].
وقولُه: (يُمسكُ الرزقَ
…
) إلى آخره: بيانٌ لمعنى القبض والبسط، وأَنَّ ذلك كلَّه لحكمة الابتلاءِ، والابتلاءُ والامتحانُ معناهما واحدٌ وذكرهما لتنويع اللفظ.
وقولُه: (بالبعث
…
) إلى آخره: بيانٌ لمعنى الرجوع إلى الله وحكمتِه؛ لأَنَّ الناسَ إذا بُعثوا لقوا ربَّهم فجازاهم على أَعمالهم.
* * *
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} : القولُ في هذه الجملة كالقول في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا} [البقرة: 243]، فالاستفهامُ للتقرير، و {تَرَ}: تعلم، ضُمِّنَ معنى «ينتهي علمك» ولذا عُدِّي بـ «إلى» ، و {الْمَلإِ}: الأشراف.
وقوله: {إِذْ قَالُوا} : أَي: حين قالوا {لِنَبِيٍّ لَهُمُ} ، لم يُسمَّ هذا النبيُّ، إِلا أَنه من أَنبياء بني إسرائيل الذين من بعد موسى، وقد ذكر ابنُ جرير اختلافَ المفسرين في اسمه ونسبه، وأَطال في ذلك
(1)
، وليس في شيءٍ مما ذكره ما يمكن الجزم به؛ لأَنَّ الروايات في ذلك من الإسرائيليات التي لا يعتمد عليها في العلم، ومما ذكروا أَنَّ اسمَه شمويل أَوْ شمعون، وقيل: إنه يوشع بن نون، وقد ضعَّف ذلك ابنُ كثير
(2)
؛ فاللهُ أعلم، واللهُ قد أَبهم هذا النبيَّ ولم يُسمِّه؛ فلنسكُت عمَّا سكت اللهُ عنه، وقولُ الملأ لنبيِّهم:{ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} يعنون: عيِّنْ أَميرًا وقائدًا نقاتل معه في سبيل الله.
وقوله: {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ} المعنى: قال لهم نبيُّهم: هل تتوقعون إن كُتب عليكم القتالُ أَلَّا تُقاتلوا؟ فالاستفهامُ على ظاهره، و «عسى» من أَفعال الرجاء، ومعناها هنا التوقع؛ فمعنى الكلام: هل تتوقعون من أَنفسكم إن كُتب عليكم القتالُ أَلَّا تُقاتلوا؟ واسمُ «عسى» :
ضميرُ المخاطب، وخبرُها: المصدرُ المؤول أَلَّا تقاتلوا، وجملة:{إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} : جملةٌ شرطيةٌ مُعترضة بين اسم عسى وخبرها، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ دلَّ عليه قوله:{هَلْ عَسَيْتُمْ} ، فالتقديرُ:«إن كتب عليكم القتال فهل عسيتم» ؛ أَي: فلعلَّكم لا تقاتلون.
وقوله: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} : المعنى: أَيُّ مانعٍ يمنعنا من القتال والحالُ أنَّا أُخرجنا من ديارنا وأَبنائنا، فهذا الإخراجُ من أَعظم الدواعي لقتال العدو، فليس لنا عذرٌ في التأخُّر عن القتال.
وقوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} : يُخبر تعالى أَنَّ أُولئك الملأُ من بني إِسرائيل لَمَّا أُمروا بالقتال تولَّى أَكثرُهم؛ أَي: أَعرضوا فلم يستجيبوا لله لَمَّا دعاهم لقتال عدوِّهم، لكن استجاب قليلٌ منهم. وقوله:{وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين (246)} : يعني: الناكلين عن القتال، وفي هذا تهديدٌ لهم بعقوبة الله في الدنيا أَوْ في الآخرة.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ} الجماعة {مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ} موتِ {مُوسَى} أَي: إلى قصتهم وخبرهم {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ} هو: شمويل {ابْعَثْ} أَقِمْ {لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ} معه {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} تنتظمُ به كلمتُنا ونرجعُ إليه {قَالَ} النبيُّ لهم {هَلْ عَسَيْتُمْ} بالفتح والكسر {إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} خبرُ عسى، والاستفهامُ لتقرير التوقُّع بها {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} بسبيهم وقتلهم، وقد فعل بهم ذلك قومُ جالوت. أَي: لا مانع لنا منه مع وجود مُقتضيه. قال تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمِ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا} عنه وجَبنوا {إِلَّا
قَلِيلًا مِنْهُمْ} وهم الذين عبروا النهرَ مع طالوت كما سيأتي. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فمُجازيهم.
وقولُ المؤلِّف: (الجماعة): فسَّر الملأَ بالجماعة، وهذا أَحدُ القولين، وقيل: الملأُ: الأَشرافُ والرؤساءُ، وهذا هو المشهور في معنى الملأ
(1)
.
وقولُه: (موتِ): يُبيِّنُ أَنَّ {مِنْ بَعْدِ مُوسَى} على حذفِ مضافٍ تقديرُه: من بعد موتِ موسى، فعُلم بذلك أَنَّ قصةَ الملأ لم تكن في حياة موسى بل بعد موته.
وقولُه: (أي: إلى قصتهم وخبرهم): يُبيِّنُ أَنَّ معنى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ} : أَلم تر إلى قصة الملأ.
وقولُه: (شمويل): هذا أَحدُ الأقوال في اسم هذا النبي، ولم يثبت بخبرٍ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إذن: فلا يُجزم به.
وقولُه: (أَقِمْ): أَي: عيِّنْ وانصب ملكًا.
وقولُه: (معه): بيانٌ لمرادهم في بعث الملك، وكذلك قولُه:(تنتظمُ به كلمتُنا ونرجعُ إليه). وقولُه: (بالفتح والكسر): أَي: فتح السين وكسرها قراءتان، والفتح قراءة الجمهور
(2)
.
(1)
اختار القول الأول: الراغب الأصبهاني، وابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، وابن عاشور. والمشهور أن الملأ هم الأشراف، واختاره: ابن قتيبة، والطبري، والزجاج، والبغوي، والرازي، وأبو حيان. ينظر:«غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 92)، و «المفردات» للراغب (ص 776)، و «تفسير الطبري» (4/ 435)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 325)، و «تفسير البغوي» (1/ 295)، و «المحرر الوجيز» (1/ 614)، و «تفسير الرازي» (1/ 601)، و «تفسير القرطبي» (3/ 243)، و «تفسير البيضاوي» (1/ 149)، و «البحر المحيط» (2/ 559)، و «التحرير والتنوير» (2/ 484).
(2)
قرأ نافع وحده {عَسِيْتُمْ} بكسر السين؛ وقرأ الباقون {عَسَيْتُمْ} بفتحها. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 186)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 230).
وقولُه: (خبرُ عسى): يريد: أَلَّا تقاتلوا.
وقولُه: (والاستفهامُ
…
) إلى آخره: يريد: الاستفهام بهل في قوله: {هَلْ عَسَيْتُمْ} .
وقولُه: (بسبيهم وقتلهم): بيانٌ لمعنى إخراجهم من أبنائهم.
وقولُه: (وقد فعل بهم
…
) إلى آخره: بيانٌ للعدو الذي أَخرجهم من ديارهم وأَبنائهم، ويدلُّ له قولُه تعالى:{وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} .
وقولُه: (لا مانعَ لنا منه): تفسيرٌ لقولهم: {وَمَا لَنَا} .
وقولُه: (مع وجود مُقتضيه) وهو الإِخراجُ من الديار والأبناء.
وقولُه: (عنه): يعني: تولوا عن القتال؛ أَي: أعرضوا وجبنوا.
وقولُه: (وهم الذين
…
) إلى آخره: فسَّر القليلَ في هذه الآية بالقليل في قوله: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة: 249]، ولهذا قال:(كما سيأتي).
وقولُه: (فمُجازيهم): بيانٌ للمراد من ذكر العلم، وهو الوعيدُ بالمجازة على الظلم.
* * *
يُخبر تعالى أَنَّ نبيَّ بني إسرائيل الذي طلبوا منه أَنْ يُعيِّنَ لهم ملكًا يقاتلون معه عدوَّهم الذي أَخرجهم من ديارهم وأَبنائهم، وهو جالوتُ وجنودُه، أَنَّ نبيَّهم قال لهم:{إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} : فيحتمل أَنَّ بعثَ طالوت كان بوحي من الله على النبيِّ، ولعلَّ النبيَّ قد دعا ربَّه أَنْ يبعثَ له ملكًا منهم، فبعث اللهُ طالوتَ، ويحتملُ أَنَّ النبيَّ اختارَ طالوتَ لما رأى فيه من الصفات الحسيةِ والمعنويةِ التي تُأَهِّلُه لقيادة الجيش، ولكن بني إسرائيل كعادتهم لم يستجيبوا لنبيهم في اختيار طالوت، ولهذا قالوا:{أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا} ؛ يعني: كيف يكون ملكٌ علينا {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} ، ولعلَّ طالوتَ لم يكن من أَشرافهم
(1)
.
قالوا: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} فيُقدَّمُ علينا بسببه، فردَّ عليهم النبيُّ بقوله:{إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} ؛ يعني: اختاره وفضَّله ببسطةٍ في العلم: من سعةِ العلم ووفرةِ العقل، وببسطةٍ في الجسم: طولًا وقوةً.
وقولُه: {وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (247)} : يحتملُ أَنْ يكون من تمام كلامِ النبي، ويحتملُ أَنْ يكون كلامًا مُستأنفًا للدلالة على أَنَّ مردَّ الاصطفاء والتفضيل إلى مشيئة الله، وأَنَّ اللهَ واسعُ الفضل والعطاء، عليمٌ بمَن يستحقُّ ذلك ومن لا يستحق
(2)
.
(1)
قال المفسرون: إنما أنكروا أن يكون ملكًا عليهم؛ لأنه لم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط المملكة، بل كان فقيرًا من أخمل سبط في بني إسرائيل. ينظر:«تفسير الطبري» (4/ 448 - 454)، و «المحرر الوجيز» (2/ 5 - 6).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 456)، و «المحرر الوجيز» (2/ 7)، و «البحر المحيط» (2/ 576)، و «التحرير والتنوير» (2/ 492).
وسأل النبيُّ ربَّه إِرسالَ ملكٍ، فأَجابَه إلى إِرسال طالوت {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى} كيف {يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ} لأَنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة، وكان دبَّاغًا أَوْ راعيًا {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} يستعينُ بها على إِقامة المُلك {قَالَ} النبيُّ لهم {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ} اختاره للمُلك {عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً} سعةً {فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} وكان أَعلمَ بني إسرائيلَ يومئذٍ وأَجملَهم وأَتمَّهم خَلقًا {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} إِيتاءه، لا اعتراضَ عليه {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} فضلُه {عَلِيمٌ} بمَن هو أَهلٌ له.
وقولُ المؤلِّف: (وسأل النبيُّ
…
) إلى آخره: ذكر المفسرون أَنَّ هذا النبيَّ لَمَّا طلب منه بنو إسرائيل أَنْ يبعث ملكًا دعا ربَّه فبعث اللهُ طالوت، وذكر المفسرون أنه كان فقيرًا، وليس من بيت المُلك فيهم، ولذلك قالوا: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا
…
} إلى آخر كلامهم.
وقولُه: (كيف): تفسيرٌ لقوله في الآية: {أَنَّى يَكُونُ} ، وهو استفهامٌ يُفيد التعجُّب أو الاستنكار.
وقولُه: (لأنه ليس من سبط المملكة
…
) إلى آخره: هذا مأخوذٌ من الروايات الإسرائيلية التي لا يُجزم بها.
وقولُه: (يستعينُ بها على إِقامة المُلك): هذا توجيهٌ لاعتبار سعة المال مسوغٍ لاصطفائه ملكًا. وقولُه: (اختاره للمُلك): تفسيرٌ لقوله: {اصْطَفَاهُ} ، والاصطفاءُ: افتعالٌ من الصفو، قُلبت فيه التاءُ طاءً لاتصالها بالصاد وتقارب مخرجيهما، فأصلُ الكلمة «اصْتَفَاه»
(1)
.
(1)
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 328)، و «تفسير الفاتحة والبقرة» لابن عثيمين (3/ 213).
وقولُه: (سعةً): تفسيرُ بسطة، والكلمةُ مأخوذةٌ من البسط؛ وهو التوسعةُ؛ كما قال تعالى:{يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ} [الرعد: 26]
(1)
.
وقولُه: (وكان أعلمَ بني إسرائيل
…
) إلى آخره: بيانٌ لحاله في العلم والجسم.
وقولُه: (إيتاءه): تقديرٌ لمفعول {يَشَاءُ} .
وقولُه: (لا اعتراض عليه): لأَنَّ تدبيره لحكمةٍ بالغة وبمشيئةٍ نافذةٍ.
وقولُه: (فضلُه)، وقولُه:(بمن هو أَهل له): هذا بعضُ ما دلَّ عليه الاسمان الشريفان من أسماء الله، ومعناهما أَوسعُ مما ذكر المؤلِّفُ.
* * *
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 92)، و «المفردات» للراغب (ص 123).
وقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (248)} [البقرة: 248]:
يُخبرُ تعالى عن نبيِّ بني إسرائيل أَنه قال لهم: {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ} ؛ أَي: علامةَ أَهليةِ طالوت للملك، وأَنَّ اللهَ بعثه لكم ملكًا؛ إِنَّ آيةَ ذلك:{أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} ؛ وهو صندوقٌ له شأَنٌ عند بني إسرائيل، روى فيه ابنُ جريرٍ عن وهب بن منبه
(1)
وغيرِه روايات إسرائيلية عجيبةٍ لا يتوقف عليها ما أُريد منَّا فهمُه من القرآن
(2)
.
قال النبيُّ: {فِيهِ} : أَي: في التابوت {سَكِينَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ} ، واختلف المفسرون في المراد بالسكينة؛ قيل: هي طمأنينةٌ تحصل لهم عند وجود التابوت، فتقوى عزائمُهم وشجاعتُهم، وعلى هذا فالسكينةُ أَمرٌ معنويٌّ، وقيل: إنها شيءٌ معيَّنٌ موضوعٌ في التابوت، واختلفت عباراتُ أَصحابِ هذا القول عن المراد بالسكينةِ، والقولُ الأَوَّلُ أَظهرُ
(3)
، وروى ابنُ جريرٍ أَقوالَ المفسرين في السكينة عن جماعةٍ من السَّلف عن عليٍّ وابنِ عباس ومجاهدٍ والسُّدي ووهبِ بن منبه
(4)
، وكلُّها من نوع الإسرائيليات، ومنها ما هو قريبٌ
(1)
وهب بن منبه، أبو عبد الله، اليماني، صاحب الأخبار والقصص، وكانت له معرفة بأخبار الأوائل وقيام الدنيا وأحوال الأنبياء، وسير الملوك، ولد في زمن عثمان سنة (34 هـ)، ورحل وحج، وثقه أبو زرعة والنسائي وجماعة، وروايته للمسند قليلة، وإنما غزارة علمه في الإسرائيليات، ومن صحائف أهل الكتاب، توفي سنة (110 هـ) وقيل: بعد ذلك. ينظر: «الطبقات» لابن سعد (5/ 543)، و «السير» (4/ 544).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 459 - 463).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 467 - 471)، و «المحرر الوجيز» (2/ 9)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 666 - 667).
(4)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 467 - 470).
ومنها ما هو غريبٌ، وروى عن ابن جريجٍ
(1)
عن عطاء: أَنَّ السكينةَ هي الآيات التي تسكنُ إليها النفسُ
(2)
، واختار ذلك ابنُ جرير، وأَنَّ ذلك يعمُّ كلَّ ما قيل في المراد بالسكينة، قال رحمه الله:«وأَولى هذه الأَقوال بالحقِّ في معنى السكينة، ما قاله عطاءُ بن أَبي رباح، من الشيءِ تسكنُ إليه النفوسُ من الآيات التي تعرفونها» ، ثم قال:«وإذا كان معنى السكينة ما وصفت، فجائزٌ أَنْ يكون ذلك على ما قاله عليٌّ ومجاهدٌ ووهبُ بن منبه والسُّديُّ»
(3)
.
وقولُه: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} : قيل: إنها بعضُ الأَلواحِ التي كتب اللهُ فيها التوراةَ لموسى، وذكر ابنُ جريرٍ في المراد بالبقيَّة أَقوالًا كثيرةً واختارَ أَنَّها كلَّها جائزةٌ، فلا يُجزَمُ بتضعيف شيءِ وتصويب شيءِ
(4)
، وكلُّها من نوع الإسرائيليات، وما ذهب إليه ابنُ جرير هو معنى الحديث:((إذا حدثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم))
(5)
.
وقوله: {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} : أَي: تأتي به الملائكةُ تحمله في الهواء؛ أي: وأنتم تشاهدون ذلك، وتعريف التابوت بـ «أل» يدلُّ على أَنَّه تابوتٌ معروفٌ لهم؛ قاله ابنُ جريرٍ ورجَّحه
(6)
.
وجملةُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ} : يُحتملُ أَنَّ تكون من تمام كلام نبيِّ بني إسرائيل، ويَحتملُ أَنْ تكون مُستأنفةً؛ خطابٌ للمؤمنين أَصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى الاحتمالِ الأَوَّلِ: اسمُ الإشارةِ يرجعُ إلى إِتيان التابوت
(1)
ابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الروميّ الأموي، أبو خالد، وقيل: أبو الوليد، كان إمامًا حافظًا فقيهًا، له مصنفات؛ منها «التفسير» وغيره، توفي سنة (150 هـ). ينظر:«السير» (6/ 325)، و «طبقات المفسرين» للداودي (1/ 358).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 471).
(3)
«تفسير الطبري» (4/ 472).
(4)
«تفسير الطبري» (4/ 472 - 477).
(5)
أخرجه البخاري (4485) من حديث أبي هريرة بنحوه.
(6)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 466).
تحمله الملائكة، وعلى الاحتمال الثاني: اسمُ الإِشارة يرجعُ إِلى قصة الملأِ من بني إسرائيل مع نبيهم
(1)
، وجوابُ الشرط {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (248)} محذوفٌ دلَّ عليه ما قبله.
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ} لَمَّا طلبوا منه آيةً على مُلكه {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} الصندوقُ، كان فيه صورُ الأَنبياء، أَنزله اللهُ على آدم واستمرَّ إليهم فغلبتهم العمالقةُ عليه وأَخذوه، وكانوا يستفتحون به على عدوِّهم ويُقدمونه في القتال ويسكنون إليه كما قال تعالى:{فِيهِ سَكِينَةٌ} طُمأنينةٌ لقلوبكم {مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} أَي: تركاه هما ـ وهو نعلا موسى وعصاه، وعمامةُ هارون وقَفِيزٌ من المنِّ الذي كان ينزل عليهم، ورضاضٌ من الألواح ـ {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} حالٌ من فاعل «يأتيَكُم» . {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ} على مُلكِه {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، فحملته الملائكةُ بين السماء والأرض، وهم ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت، فأقرُّوا بمُلكه وتسارعوا إلى الجهاد، فاختار من شُبَّانهم سبعينَ أَلفًا.
وقولُ المؤلِّف: (لَمَّا طلبوا): معنى هذا: أَنَّ بني إسرائيل لم يُصدقوا نبيَّهم أَنَّ اللهَ بعث طالوت ملكًا عليهم حتى يأتيهم بآيةٍ تدلُّ على صِدقه، وهذا ما ذكره المفسِّرون، وليس هذا بمستبعدٍ من بني إسرائيل؛ لِمَا عُرف من تعنُّتهم على أَنبيائهم، ولكن ليس في القرآن تصريحٌ بذلك، وقولُ نبيِّهم:{إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ} : يحتمل أَنْ يكون جوابًا لطلبهم آية، ويحتمل أَنْ يكون ذلك تأكيدًا لخبره؛ لأَنَّ اللهَ بعث لهم طالوت ملكًا.
(1)
ينظر: «تفسير البيضاوي» (1/ 151).
وقولُه: (الصندوق
…
) إلى آخره: ما ذكرَهُ من شأنِ التابوتِ وما فيه هو من الأخبارِ الإسرائيليَّةِ، والَّذي يجبُ الإيمانُ به هو ما تضمَّنَه قولُه تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ
…
} إلى قوله: {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} ، واللهُ أعلمُ.
وقولُه: (طُمأنينةٌ لقلوبكم): بيانٌ للمراد بالسكينة، وهو أَجود ما قيل في تفسيرها.
وقولُه: (تركاه هما
…
) إلى آخره: جمعَ في هذه العبارة أَكثر أَقوال المفسرين في المراد بالبقيَّة، وكلُّها أَقوالٌ إِسرائيليةٌ لا يمكن الجزمُ منها بشيءٍ.
وقولُه: (حالٌ
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ جملةَ {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} في محلِّ نصبٍ على الحال من {التَّابُوتُ} ، وهو فاعلُ «يأتي» .
وقولُه: (فحملته الملائكةُ
…
) إلى آخره: هذا بعضُ ما جاء في الروايات الإسرائيلية، فاللهُ أعلم.
* * *
يُخبر تعالى عن طالوت أَنه بعدما صار ملكًا على الجنود من بني إسرائيل حين رأَوا الآيةَ التي ذكرها نبيُّهم آيةً لملك طالوت فصدَّقوا نبيَّهم وأَقرُّوا بمُلك طالوت عليهم واستعدُّوا للقتال والخروج مع طالوت فخرجَ بهم، فلمَّا فصل من البلد؛ أَي: فارقَ البلدَ وسار بهم، يخبر تعالى أَنَّه قال لجنوده:{إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم} : أَي: سيبتليكم؛ أَي: يختبركم {بِنَهَرٍ} سنأتي عليه في طريقنا، فلا تشربوا منه، {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي}: أَي: ليس من أَصحابي ولا يتَّبعني، {وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ}: أَي: لم يَذقْه {فَإِنَّهُ مِنِّي} : أَي: من أَصحابي وجندي.
وقولُه: {إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} : أَي: فلا حرج عليه ولا يمنعه ذلك من صحبتي، والاستثناء من قوله:{فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} ، ومن قوله:{وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} ، فإِنَّ مَنْ اغترفَ غُرفةً فقد شرب قدرًا من الماء، وطَعِم الماءَ؛ أَي: ذاقه.
ثم أَخبر تعالى أَنَّ أَكثرَ الجنود شربوا من النهر، وقليلٌ منهم لم يشرب، وهؤلاء القليل منهم من لم يَطعَم الماء، ومنهم مَنْ اغترف غُرفةً بيده، فصار جنودُ طالوت ثلاثَ طوائف:
طائفةٌ شربوا: قيل معناه: كرعوا
(1)
يشربون من النهر بأَفواههم، وهؤلاء هم الأكثرون، قيل: كان الجنودُ ثمانينَ ألفًا، فشرب منهم ستةٌ وسبعون ألفًا
(2)
.
والطائفةُ الثانيةُ: هم الذين لم يَطعموا ماءَ النهر.
والثالثةُ: هم الذين اغترفوا غرفةً واحدةً، وقُرئَ بفتح الغين من {غَرْفَةً} ، وبضمِّها
(3)
، واختار ابنُ جرير قراءةَ ضم الغين وقال: هي اسمٌ للماء المغترَف بالكف، وبالفتح هي: المرَّةُ من الغرف؛ بمعنى: الاغتراف
(4)
.
وأَخبر تعالى أَنَّ طالوتَ ومَن ثبتَ معه -وهم: الطائفةُ الثانيةُ والثالثةُ- لَمَّا جاوزوا النهرَ ضَعُفَ أَكثرُهم وخافوا من العدو، وقالوا:{لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} ، فثبَّتهم إخوانُهم الموقنون بوعد الله، الذين يظنُّون أَنهم مُلاقو الله؛ فقالوا لهم:{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين (249)} ، وذلك قولُه تعالى:{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ} ؛ أَي: جاوز طالوتُ النهرَ، والذين معه؛ أَي: جاوزوا النهرَ، فعُلم بذلك أَنَّ الذين شربوا من النهر ردَّهم طالوتُ وبقي معه الذين لم يشربوا، لكنَّ أكثرَهم هابوا القتال فنَصحَهم إِخوانُهم فثبتوا وبرزوا لقتال جالوت وجنوده؛ أَي: صاروا في
(1)
الكرع: أن يشرب الرجل بفيه من النهر غير أن يشرب بكفيه أو بإناء. «تهذيب اللغة» (1/ 201).
(2)
قاله السدي. ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 487 - 488).
(3)
قرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو: {غَرْفَةً} بفتح الغين. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف: {غُرْفَةً} بضمها. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 186 - 187)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 230).
(4)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 486).
البراز، وهو المكانُ المتسعُ من الأَرض
(1)
، فلمَّا برزوا لقتال العدو دعوا ربَّهم واستنصروه فقالوا:{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} ؛ أي: أَنزل علينا، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} فلا نَفِر، {وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (250)}؛ وهم: جالوتُ وجنودهُ، فصبَّرهم اللهُ وثبَّتهم ونصرَهم على جالوت وجنودِه، {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّهِ} ، وكان في جند طالوت نبيُّ الله داود، فقتل داودُ جالوتَ، ولعلَّ ذلك قبل أَنْ يكون نبيًا.
وقد روى ابنُ جرير رواياتٍ إسرائيليةٍ في شأن طالوت وجنوده والنهر، وصفةِ قتلِ داودَ لجالوت
(2)
، وكلّها مما لا يُصدَّقُ ولا يُكذَّبُ، أَمَّا ما دلَّ عليه القرآنُ فيجب الإيمانُ به والقطعُ بصحَّته مثل: أَنَّ الملأ من بني إسرائيل سألوا نبيَّهم أَنْ يبعث لهم ملكًا يُقاتلون معه، وأَنَّ اللهَ بعث لهم طالوتَ ملكًا، وجعل له آيةً تدلُّ على أَنَّ اَللهَ بعثه ملكًا عليهم، وهي: أَنْ يأتيهم التابوتُ تحملُه الملائكةُ، وأَنَّ طالوتَ سار بجنوده، وأَنهم ابتُلوا بنهرٍ ونهاهم طالوتُ عن الشرب منه، وأَنهم صاروا في الشرب من النهر طوائف، وأَنهم برزوا لقتال جالوت وجنودِه، وأَنهم هزموهم وقتلَ داودُ جالوتَ، كلُّ هذا يجبُ القطعُ به لدلالة القرآن عليه، وما سوى ذلك مما ذُكر في الروايات الإسرائيليةِ فمشكوكٌ فيه لا يُصدَّقُ ولا يُكذَّبُ.
وقولُه تعالى: {وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} : أَي: آتى اللهُ داودَ الملكَ على بني إسرائيل، والحكمة: وهي النبوة
(3)
، {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء}: من العلوم الدينية والسياسية والصناعية. وقولُه تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} : كدفع الكافرين بجهاد المؤمنين؛ {لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} بنشر
(1)
ينظر: «المفردات» (ص 118).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 498 - 513).
(3)
ينظر: «الوجوه والنظائر» لمقاتل (ص 73)، و «نزهة الأعين النواظر» (ص 262).
الكفر والشرك والمعاصي وهدم بيوت العبادة. {وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ} : أَي: إِحسانٍ {عَلَى الْعَالَمِين (251)} ، بإِقامة الدِّين ونصرِ المؤمنين على الكافرين.
وقولُه تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} : الإشارةُ لِمَا تقدَّم من الآيات وغيرها من آيات القرآن، يتلوها جبريلُ على النبي صلى الله عليه وسلم بالحق؛ أي: مشتملةً على الحقِّ صدقًا في الأَخبار وعدلًا في الأحكام، ليتلوها النبيُّ صلى الله عليه وسلم على الناس؛ كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: 2].
وقولُه تعالى: {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين (252)} : خبرٌ من الله وبشارةٌ بأَنَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم من رُسل اللهِ الذين اصطفاهم وأَرسلهم بالبينات، وأَنزل عليهم الكتابَ والحكمةَ، وجعلهم حجَّةً على عباده، وأَخرج بهم مَنْ شاء من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى الصِّراط المستقيم.
{فَلَمَّا فَصَلَ} خرجَ {طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} من بيت المقدس، وكان حرًّا شديدًا، وطلبوا منه الماءَ {قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ} مُختبركم {بِنَهَرٍ} ليظهر المطيع منكم والعاصي. وهو بين الأُردن وفلسطين {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ} أَي: من مائه {فَلَيْسَ مِنِّي} أَي: من أَتباعي {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْه} يذقْهُ {فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً} بالفتحِ والضَّمِّ {بِيَدِهِ} فاكتفى بها ولم يزد عليها؛ فإنَّه منِّي. {فَشَرِبُوا مِنْهُ} لَمَّا وافوه بكثرةٍ {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} فاقتصروا على الغُرفة. روي أنها كفتهم لشربهم ودوابهم، وكانوا ثلاثمائة وبضعةَ عشر
(1)
.
(1)
أخرجه البخاري (3957) عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أنه قال: حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرًا: «أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر، بضعة عشر وثلاث مائة» ، قال البراء:«لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن» .
{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} وهم الذين اقتصروا على الغُرفة {قَالُوا} أَي: الذين شربوا {لَا طَاقَةَ} قوَّةَ {لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} أَي: بقتالهم. وجبنوا ولم يُجاوزوه. {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ} يوقنون {أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} بالبعث، وهم الذين جاوزوه {كَمْ} خبرية بمعنى: كثيرٍ {مِنْ فِئَةٍ} جماعةٍ {قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} بإِرادته {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} بالعون والنَّصرِ.
{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} أَي: ظهروا لقتالهم وتصافُّوا {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ} اصبُبْ {عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} بتقوية قلوبنا على الجهاد {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} {فَهَزَمُوهُمْ} كسروهم {بِإِذْنِ اللَّهِ} بإِرادته {وَقَتَلَ دَاوُودُ} وكان في عسكر طالوت {جَالُوتَ وَآتَاهُ} أَي: داود {اللَّهُ الْمُلْكَ} في بني إِسرائيل {وَالْحِكْمَةَ} النبوَّةَ بعد موت شمويل وطالوت، ولم يجتمعا لأَحدٍ قبله {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} كصنعة الدُّروع ومَنطقِ الطير. {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ} بدل بعض من «الناس» {بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} بغلبةِ المشركين وقتلِ المسلمين وتخريبِ المساجد {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} فدفع بعضَهم ببعضٍ.
{تِلْكَ} هذه الآيات {آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا} نقصُّها {عَلَيْكَ} يا محمَّد {بِالْحَقِّ} بالصِّدق {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} . التأكيد بـ «إن» وغيرها ردٌّ لقول الكفَّار له: «لَستَ مُرسَلًا» .
وقولُ المؤلِّف: (خرج): أَي: فارقَ البلد.
وقولُه: (من بيت المقدس
…
) إلى آخره: هذا مما ذُكر في المرويات عن بني إسرائيل.
وقولُه: (وهو بين الأُردن وفلسطين): هذا يقتضي أَنَّه نهرٌ معيَّنٌ، والنهرُ في الآية مُنكَّرٌ، واللهُ أَعلم.
وقولُه: (أَي: من مائه): هذا بدهيٌّ لا يحتاج إلى تفسير.
وقولُه: (من أَتباعي): أَي: من جند الذين يُقاتلون معي.
وقولُه: (يذقْهُ): يُقال: طعمَ الماءَ والشرابَ: ذاقَه، بوضع شيءٍ منه في فمه.
وقولُه: (بالفتحِ والضَّمِّ): يُشير إلى القراءتين؛ يعني: قُرِئَ بفتح الغين وضمِّها.
وقولُه: (ولم يزد عليها) يعني: غرفَ بيده غرفةً واحدةً.
وقولُه: (لَمَّا وافوه): أَي: النهر، وافوه: أَي: وصلوا إليه.
وقولُه: (فاقتصروا على الغرفة
…
) إلى آخره: هذا مما ذُكر في الروايات الإسرائيليةِ.
وقولُه: (هم الذين اقتصروا على الغرفة): وأَولى منهم مَنْ لم يطعمِ الماءَ؛ لقول طالوت: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} .
وقولُه: (الذين شربوا): هذا غلطٌ من المؤلِّف؛ فإن الذين شربوا لم يجاوزوا النهر؛ لقوله عن طالوت: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} .
وقولُه: (وجبنوا ولم يجاوزوه): يريد: الذين شربوا لم يُجاوزوا النهر، وهم: الذين قالوا: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ} ، كما صرَّح به قبل، وظاهرُ القرآن أَنَّ الذين قالوا:{لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوت وجنوده} ؛ هم كثيرٌ ممن جاوزَ النهر مع طالوت
(1)
.
(1)
وهو قول عن البراء، والحسن، وقتادة، والربيع، وابن زيد: أنه ما تجاوز النهر إلا مؤمن. ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 489 - 496)، و «المحرر الوجيز» (2/ 14)، و «زاد المسير» (1/ 226).
وقولُه: (يوقنون): فسَّرَ الظنَّ باليقين، وهذا أَحدُ معاني الظنِّ، وهو المناسبُ للسياق في هذه الآية.
وقولُه: (وهم الذين جاوزوه): ظاهرُه أَنَّ {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} ، وقالوا:{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ} ؛ هم كلُّ الذين جاوزوا النهرَ مع طالوت، وظاهرُ القرآن أَنهم طائفةٌ منهم.
وقولُه: (ظهروا لقتالهم): تفسيرٌ لقوله: {بَرَزُوا} ، والمعنى: ظهروا في براز من الأرض؛ أي: مُتَّسع.
وقولُه: (ولم يجتمعا لأَحدٍ قبلَه): أَي: النبوةُ والملكُ.
* * *
يُخبر تعالى أَنَّ الرسلَ الذين سبق ذكرُهم في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)} قد فضَّل بعضَهم على بعضٍ، وخصَّ مَنْ شاء منهم بما شاء من التفضيل؛ فمنهم مَنْ كلَّمه اللهُ؛ كموسى ومحمد -صلى الله عليهما وسلم-، ومنهم مَنْ رَفعه الله درجاتٍ؛ كإبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-، وذلك قوله تعالى:{مِّنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} ، وقوله:{فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، لا يُعارضه قولُه صلى الله عليه وسلم:((لا تفضلوا بين أنبياء الله))
(1)
، وقولُه:((لا تخيروني على موسى))
(2)
، أي: لا تفضلوني، وأَحسن ما قيل في الجمع: أَنَّ النهيَ عن التفضيل ما يكون على وجه التعصُّب للمفضَّل، أو على وجه الازدراء للمُفضَّل عليه، وذُكر في الجمع وجوهٌ أُخرى
(3)
.
وقولُه تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} : أَي: الحججِ الواضحاتِ، ويدخل فيها إِيتاءَ الإنجيل وما ذكر من خَلْقِ الطيرِ وإِبراءِ الأَكمه والأَبرصِ وإِخراجِ الموتى، وكلُّ ذلك بعلم الله.
وقولُه: (أَيَّده): أَي: قوَّاه، {بِرُوحِ الْقُدُسِ}: جبريل، وقيل: هو العلمُ الذي أَوحاه اللهُ إلى عيسى؛ كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]، والقولُ الأَولُ أَشهرُ
(4)
، وأخبر أنه آتى عيسى ابن مريم البينات
(1)
أخرجه البخاري (3414)، ومسلم (2373)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري (2411)، ومسلم (2373)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
وهناك أجوبة أخرى بلغت خمسة أوجه. ينظر: «شرح مشكل الآثار» (3/ 56 - 57) وما بعدها، و «كشف المشكل من حديث الصحيحين» لابن الجوزي (3/ 143 - 144)، و «شرح مسلم» للنووي (15/ 37 - 38)، و «فتح الباري» (6/ 444).
(4)
تقدم في (ص 190) في الآية 87.
وأَيَّده بروح القدس؛ وهو جبريل عليه السلام؛ فقال تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} ، وفضَّل سبحانه عيسى بن مريم بما آتاه من البينات، وأَيَّده بروح القدس؛ وهو جبريل عليه السلام.
وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} : يعني تعالى: أَنَّ الذين اقتتلوا من بعد ما جاءتهم الرسلُ بالبينات أَنَّ اقتتالهم بمشيئة الله وتقديره، ولو شاء اللهُ ما اقتتلوا، وسببُ ذلك أنهم اختلفوا، فمنهم مَنْ آمن ومنهم مَنْ كفر، وهو ما بيَّنه تعالى بقوله:{وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ} ، ثم أَكَّد تعالى أَنَّ الاقتتالَ بين المؤمنين والكفار كان بإرادته؛ أَي: الإرادة الكونية، ولو شاء اللهُ أَنْ لا يقتتلوا ما اقتتلوا، {وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد (253)} ، فلا رادَّ لقضائه، ولا مُعقِّبَ لحكمه، وله الحكمةُ البالغةُ فيما يفعل ويريد.
{تِلْكَ} مبتدأٌ {الرُّسُلُ} صفةٌ، والخبرُ {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} بتخصيصه بمنقَبةٍ ليست لغيره {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} كموسى {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ} أَي: محمدًا {دَرَجَاتٍ} على غيره؛ بعمومِ الدَّعوة، وختمِ النبوَّة به، وتفضيل أُمَّته على سائر الأُمم، والمعجزاتِ المتكاثرةِ، والخصائص العديدة {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ} قوَّيناه {بِرُوحِ الْقُدُسِ} جبريل، يسير معه حيث سار.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} هُدى الناسِ جميعًا {مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} بعد الرُّسل؛ أي: أُممهم {مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} لاختلافهم وتضليلِ بعضِهم بعضًا {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا} لمشيئته ذلك {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ} ثبت على إيمانه {وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} كالنصارى بعد المسيح {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ
مَا اقْتَتَلُوا} تأكيد {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} من توفيق مَنْ شاء وخذلان مَنْ شاء.
وقولُ المؤلِّف: (بتخصيصه
…
) إلى آخره: يعني: أَنَّ التفضيلَ لبعضهم يكون بإِعطاء فضيلةٍ لم يُعطَ غيرُه مثلها؛ كتكليم اللهِ لموسى، وخلقِ آدم بيديه.
وقولُه: (أَي: محمدًا): رفع الدرجات لا يختصُّ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فقد جاء في القرآن ذِكرُ رفعِ الدَّرجات لإبراهيمَ ويوسفَ وإدريسَ عليهم السلام، لكنَّ محمدًا أَرفعُهم درجات.
وقولُه: (على غيره
…
) إلى آخره: يريد: أَنَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم فُضِّل على غيره من الأنبياء والرُّسلِ بفضائلَ كثيرةٍ، منها ما ذكره المؤلِّفُ.
وقولُه: (يسير معه حيث سار): هذا تفسيرٌ للتأييد، وهذا التفسيرُ يحتاج إلى دليلٍ، فيكفي قولُه:(قوَّيناه).
وقولُه: (أَي: أُممهم): تفسيرٌ للاسم الموصول في قوله: {الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} .
وقولُه: (لاختلافهم
…
) إلى آخره: بيانٌ لسبب الاقتتال، وهو معنى قوله تعالى:{وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا} .
وقولُه: (لمشيئته ذلك): بيانُ أَنَّ سببَ الاقتتالِ -وهو: الاختلاف- واقعٌ بمشيئته تعالى. وقولُه: (كالنصارى): تخصيصُ المؤلِّف النصارى بالذكر بمناسبة ذكر عيسى ابن مريم عليه السلام في أَوَّل الآية.
وقولُه: (من توفيق مَنْ شاء
…
) إلى آخره: بيانُ أَنَّ التوفيقَ والخذلان من أفعاله تعالى، وأَنَّ ذلك بإرادته التي بمعنى المشيئة؛ كقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18].
* * *
وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون (254)} [البقرة: 254]:
هذا أَمرٌ من الله لعباده المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم من المال ما داموا في هذه الحياةِ التي جُعلت ميدانًا للتسابق في الخيرات، وأَن يُبادروا قبل أَنْ يأتيَ اليومُ الذي لا يخلصُ مِنْ شرِّه بيعٌ؛ وهو ما يكون بالافتداء، ولا فيه خُلَّةٌ يدفع بها الخليلُ عن خليله، وليس فيه شفاعةٌ تُقبَل من الشافع وتنفعُ المشفوع له، وهذا الأمر بالإنفاق مُتصلٌ بما تقدَّم من الأمر بالقتال في سبيل الله [آية: 244]، ومؤكِّدٌ للترغيب في إقراض الله قرضًا حسنًا} [آية: 245].
وقولُه تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون (254)} : بيانٌ لأَخسر الناس في ذلك اليوم، فلا يُنجيهم من عذاب الله فديةٌ ولا شفاعةٌ ولا مودَّةٌ، كما قال تعالى:{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاع (18)} [غافر: 18].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} زكاتَه {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعَ} فداءٌ {فِيهِ وَلَا خُلَّةَ} صداقةٌ تنفع {وَلَا شَفَاعَةَ} بغير إذنه، وهو يومُ القيامة. وفي قراءةٍ: برفع الثلاثة. {وَالْكَافِرُونَ} بالله، أَوْ بما فرضَ عليهم {هُمُ الظَّالِمُونَ} لوضعهم أَمرَ الله في غير محلِّه.
وقولُ المؤلِّف: (زكاتَه): هذا يقتضي قصرَ مقصود الآية على الزكاة، وليس بظاهرٍ؛ فإِنَّ الآيةَ عامَّةٌ ومُطلقَةٌ، فيدخل فيها جميعُ النفقات الواجبة والمستحبة.
وقولُه: (فداءٌ): فسَّر البيعَ المنفيَّ بالفداء؛ لأَنَّ المتوعَّد بالعقاب يريد أَنْ يشتري نفسَه بمالٍ يدفعه؛ اسمه: الفداءُ أَوْ الفديةُ.
وقولُه: (صداقةٌ تنفع): فسَّر الخُلَّةَ بالصداقة، والصداقةُ تتضمَّن المحبةَ، وإذا كَمُلت صارت خُلَّةً، وقيَّدها بالتي تنفعُ؛ لأَنَّ المقصودَ في ذلك اليوم هو النفع؛ وهو: التخليصُ من العذاب.
وقولُه: (بغير إذنه): بيانٌ للشفاعة المنفيَّة؛ لأَنَّ الشفاعةَ المثبتةَ هي التي تكون بإذن الله ورضاه. وقولُه: (وفي قراءةٍ
…
) إلى آخره: بيانُ أَنَّ في الكلمات الثلاث: {بيعٌ} ، و {خُلَّةٌ} ، و {شفاعةٌ} ؛ قراءتين، إِحداهما بنصب الثلاث؛ وهي: التي مشى عليها المؤلِّف، والثانيةُ: برفع الكلماتِ الثلاث؛ وهي قراءةُ الجمهور
(1)
.
وقولُه: (أو بما فرض عليهم): أَي: بما فرض عليهم الإيمان به؛ كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل.
وقولُه: (لوضعهم أَمرَ الله
…
) إلى آخره: هذا راجعٌ إلى أَصل معنى الظلم؛ وهو وضعُ الشيءِ في غير موضعه، فالكفارُ المشركون عبدوا مع الله غيرَه، فوضعوا العبادةَ في غير موضعِها.
* * *
(1)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: {لا بَيْعَ فِيهِ وَلا خُلَّةَ وَلا شَفاعَةَ} بالنصب في كل ذلك بلا تنوين، وقرأ الجمهور كلّ ذلك بالرّفع والتنوين. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 187)، و «النشر» (2/ 211).
هذه الآيةُ أَعظمُ آيةٍ في كتاب الله، وتُسمَّى: آيةَ الكرسي؛ لذكرِ كرسيِّ الربِّ فيها، وقد افتُتحت بكلمة التوحيد:{اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} ، وبذكرِ اسمين جامعين من أَسماء اللهِ الحسنى؛ وهما: الحيُّ القيوم؛ فاسمُه الحيُّ يرجع إليه جميعُ الصفات الذاتية، واسمُه القيُّومُ ترجعُ إليه جميعُ الصفات الفعلية
(1)
.
وقولُه تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} : تنزيهٌ لله عن السِنَةِ والنوم، وفيه تأكيدٌ لكمال حياتِه وقيُّوميَّته، والسِّنَةُ: مبدأُ النوم
(2)
، والنومُ أَخو الموت، واللهُ حيٌّ لا يموت.
وقوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} : اللام: للملك؛ فالمعنى: أنه مالكُ السماوات والأرض ومدبِّرُهما.
وقولُه: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} : {مَنْ} : اسمُ استفهامٍ إنكاري، يدلُّ على النفي؛ فالمعنى: لا أَحد يشفع عنده إِلَّا بإذنه، وهذا يدلُّ على كمال مُلكِه، والإذنُ: كونيٌّ شرعيٌّ؛ فيكون المعنى: إِلَّا بمشيئته ورضاه.
وقولُه تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} : إِخبارٌ لكمال علمه سبحانه، وإحاطته بما تقدَّم وما تأَخَّر. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: ما قبله. {وَمَا خَلْفَهُمْ} : ما بعده.
وقولُه: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} : إِخبارٌ عن قصور علمِ العبادِ، وأَنهم لا يعلمون إِلَّا ما علَّمهم.
(1)
ينظر: «الصواعق المرسلة» (3/ 911 - 912)، و «مدارج السالكين» (4/ 176)، و «شرح الطحاوية» لشيخنا (ص 90).
(2)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 93).
وقولُه: {بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} : أَي: بشيءٍ مما يعلمه سبحانه، فيكون العلمُ بمعنى: المعلوم، والمصدرُ مُضافٌ إلى فاعله، وقيل: بشيءٍ من علم ذاتِه وأَسمائه وصفاتِه
(1)
، والضميرُ المجرورُ على التقديرين راجعٌ إلى الله، وهذا النفيُ يتضمَّنُ إِثباتَ كمال عظمته. وقولُه:{إِلاَّ بِمَا شَاء} : أَي: إِلَّا بالذي شاءَه من المعلومات، أَوْ إِلَّا بمشيئته، فـ «ما» على الأَول موصولةٌ، وعلى الثاني مصدريةٌ.
وقولُه تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} : معناه: أَنَّ كرسيه تعالى أَوسعُ من السماوات والأرض، وقد وسعها، وقد جاء في الأثر:((ما السماواتُ السَّبعُ في الكرسي إلَّا كدراهمَ سبعةٍ أُلقيت في ترس))
(2)
.
وقد اختلف العلماءُ في المراد بالكرسي؛ فقيل: {كُرْسِيُّهُ} : علمُه، روي عن ابن عباس
(3)
، وفي ثبوته عنه نظرٌ، ولعلَّه لا يصحُّ، وذلك لأمرين:
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 536 - 537)، و «المحرر الوجيز» (2/ 26)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 676 - 677)، و «التحرير والتنوير» (3/ 22).
(2)
أخرجه أبو الشيخ في العظمة (2/ 587)، من طريق أصبغ بن الفرج، والطبري في التفسير (4/ 539) من طريق ابن وهب، كلاهما عن عبد الرحمن بن زيد، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وذكره. وهذا مرسل؛ لأن زيد بن أسلم تابعي، وعبد الرحمن بن زيد ضعيف جدًا كما في «الضعفاء الصغير» للبخاري (214)، و «الميزان» (4868).
(3)
روي عن ابن عباس ولا يصح عنه: أخرجه الطبري (4/ 537)، وابن أبي حاتم (2/ 490، برقم 2599)، واللالكائي في «السنة» (3/ 449)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (رقم 233) من طريق مطرف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255]، قال:«علمه» .
وخالف مطرفَ: سفيانُ الثوري؛ فرواه في «تفسيره» -كما في «فتح الباري» (8/ 199) - عن جعفر، عن سعيد بن جبير من قوله، وأخرجه عنه ابن حجر في «تغليق التعليق» (4/ 185)، وعلّقه البخاري في «صحيحه» (6/ 31)، والعهدة في هذا الاختلاف على جعفر بن أبي المغيرة، وخالفه مسلم البطين فرواه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس كما سبق، وهو المحفوظ.
= قال ابن منده: «ولم يُتابع عليه جعفر، وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير» ، وأقره الذهبي في «الميزان» (2/ 148)، ثم قال:«قد روى عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدر قدره» . فكأنه يشير إلى أن هذه الرواية هي المحفوظة.
وقال الأزهري في «تهذيب اللغة» (10/ 33): «والصحيح عن ابن عباس في الكرسي ما رواه الثوري وغيره عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: الكرسي: موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يقدر قدره، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها، والذي روي عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم، فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار» .
الأول: أَنه لا يُعرف في اللغة إطلاقُ اسمِ الكرسي على العلم
(1)
.
الثاني: أَنه خلافُ ما صحَّ؛ من أَنَّ المرادَ بالكرسي موضعُ القدمين
(2)
،
(1)
ينظر: «تهذيب اللغة» (10/ 33)، و «بيان تلبيس الجهمية» (8/ 363 - 365)، و «فتح الباري» (8/ 199). وما جاء في بعض المراجع أن العلماء يقال لهم كراسي؛ فلجمعهم العلم، فإن مادة (كرس) الكاف والراء والسين أصل صحيح يدل على تلبد شيء فوق شيء وتجمعه. ينظر:«مقاييس اللغة» (5/ 169)، و «لسان العرب» (3/ 194).
(2)
أخرجه محمد بن أبي شيبة في «كتاب العرش» (رقم 61)، والدارمي في «الرد على المريسي» (1/ 399)، وعبد الله بن الإمام أحمد في «السنة» (رقم 586) و (1020)، وعبد الرزاق في تفسيره (رقم 3030)، وابن أبي حاتم في تفسيره (رقم 2601)، وابن خزيمة في «التوحيد» (1/ 248 - 249)، والطبراني في «الكبير» (12/ 39، رقم 12404) -ومن طريقه الضياء في «المختارة» (رقم 331) و (332) ـ، والحاكم في «المستدرك» (3116)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (رقم 758) من طرق، عن سفيان الثوري، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، موقوفًا.
ورواية الطبراني: عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، بإسقاط مسلم البطين، وهو منقطع؛ لأن عمار الدهني لم يسمع من سعيد بن جبير، كما قال أبوبكر بن عياش. «تهذيب التهذيب» (4/ 255).
وأخرجه أبو الشيخ في «العظمة» (2/ 552) و (2/ 582) من وجهين آخرين عن عمار الدهني، به.
وهذا الأثر عن ابن عباس: قال عنه الدارمي: «صحيح مشهور» ، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وتعقبه الشيخ مقبل الوادعي في نسخته من «المستدرك» (2/ رقم: 3175): بأنه على شرط مسلم فقط؛ لأن البخاري لم يخرج لعمار الدهني، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 323) وقال:«رجاله رجال الصحيح» ، وذكره الذهبي في «العلو» (ص 76) =
= وقال: «رواته ثقات» . وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص 102): «هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وتابعه يوسف بن أبي إسحاق، عن عمار الدهني» .
وقد روي عن ابن عباس مرفوعًا: رفعه شجاع بن مخلد والضحاك، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين به. أخرجه الدارقطني في «الصفات» (30)، وابن منده في «الرد على الجهمية» (ص 21) وغيرهما، ولا يصح؛ كما قال العقيلي، والبيهقي، وابن كثير، وغيرهم.
وأورده الطبري في تفسيره (4/ 538) عن أبي موسى، والسدي، والضحاك، ومسلم البطين.
وهو القولُ المعتمدُ عند جمهور أهلِ السنَّةِ
(1)
.
وقيل: الكرسيُّ: العرش.
وقيل: إنه غيره، وهو موضعُ قدمي الربِّ تعالى، وروي هذا عن ابن عباسٍ أَيضًا كما تقدَّم، وله شواهدُ، وهو المشهورُ عند أهل السنَّةِ
(2)
.
وقولُه تعالى: {وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} : الأَوَدُ: المشقةُ
(3)
؛ فالمعنى: لا يشقُّ عليه حفظهما، ولا يُثقله، ونفي الأَوَدِ عنه يدلُّ على كمال قوَّته سبحانه وتعالى.
وقوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (255)} : خُتمت هذه الآيةُ بذكر هذين الاسمين؛ وهما: العليُّ العظيمُ، كما افتتُحت بذكر اسمين من أَسماء الله الحسنى؛ وهما: الحي القيوم، فتضمَّنت الآيةُ أَربعةً من أَسماء الله الحسنى عدا الاسم الجامع الله.
وفيها إِثباتُ كمال ملكه؛ لقوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} ، ومن كمال مُلكِه أَلَّا يشفع أَحدٌ إِلَّا بإذنه.
(1)
قال الذهبي في «العرش» (1/ 352): «وهذا القول في الكرسي نقل عن كثير من الصحابة والتابعين، منهم: ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، ومجاهد، وغيرهم» . وينظر: «أصول السنة» لابن أبي زمنين (ص 54)، و «بيان تلبيس الجهمية» (8/ 363 - 365)، و «شرح العقيدة الطحاوية» (2/ 368 - 371).
(2)
تقدم، وينظر أيضًا الخلاف في:«تفسير الطبري» (4/ 537 - 542)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 490 - 492)، و «تفسير البغوي» (1/ 321 - 313)، و «المحرر الوجيز» (2/ 26 - 28)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 680 - 681).
(3)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 97 - 98).
وفيها: إثباتُ إِحاطةِ علمه بكلِّ ما تقدَّم وكلِّ ما تأَخَّر، وأَنَّ العبادَ {لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} ، فلا يعلمون إِلَّا ما علَّمَه.
وفيها: إِثباتُ عُلوِّه وعظمتِه وكمالِ قوَّتِه وسعةِ مُلكِه.
ولِمَا اشتملت عليه من أَسماء الله الحسنى وصفاته العلى كانت أَعظمَ آيةٍ في كتاب الله.
{اللَّهُ لَا إِلَهَ} أَي: لا معبودَ بحقٍّ في الوجود {إِلَّا هُوَ الْحَيُّ} الدائمُ البقاء {الْقَيُّومُ} المبالغُ في القيام بتدبير خلقه {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} نعاسٌ {وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض} مُلكًا وخلقًا وعبيدًا {مَنْ ذَا الَّذِي} أَي: لا أحد {يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} له فيها {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أَي: الخلق {وَمَا خَلْفَهُمْ} أَي: من أَمر الدنيا والآخرة {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} لا يعلمون شيئًا من معلوماته {إِلَّا بِمَا شَاءَ} أَنْ يُعلمهم به منها بإِخبار الرُّسلِ {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} قيل: أَحاط علمُه بهما. وقيل: مُلكه. وقيل: الكرسيُّ بعينه مُشتملٌ عليهما لعظمته، لحديث ((ما السماواتُ السبعُ في الكرسي إِلَّا كدراهمَ سبعةٍ أُلقيت في ترس)).
{وَلَا يَئُودُهُ} يُثقلُه {حِفْظُهُمَا} أَي: السماوات والأرض {وَهْوَ الْعَلِيُّ} فوقَ خلقِه بالقهر {الْعَظِيمُ} الكبيرُ.
وقولُ المؤلِّف: (الدائمُ البقاء): تفسيرٌ للحياة بلازمها؛ لأَنه الحيُّ الذي لا يموت، والحياةُ من لوازم ذاته أزلًا وأبدًا.
وقولُه: (المبالغ
…
) إلى آخره: لأَنَّ «قيوم» و «قيام» صيغةُ مبالغةٍ تدلُّ على كمال قيامِه بنفسه تعالى، وكمالِ قيامه على خلقه بالتدبير.
وقولُه: (ملكًا
…
) إلى آخره: يُبينُ أَنَّ اللام للملك، فتدلُّ الجملةُ على أَنَّ ما في السماوات وما في الأرض من العوالم ملكُه وعبيدُه؛ لأَنَّه خالقهم ومدبِّرهم.
وقولُه: (أَي: لا أَحد): يُبينُ أَنَّ الاستفهامَ للإنكار، وهو يدلُّ على النفي.
وقولُه: (له فيها): المعنى: إِلَّا بإذنه للشافع في الشفاعة.
وقولُه: (من أَمر الدنيا والآخرة): يقتضي أَنَّه فسَّر ما بين أَيديهم من أمر الدنيا، وما خلفهم من أَمر الآخرة.
وقولُه: (لا يعلمون
…
) إلى آخره: المعنى: لا يعلمون شيئًا مما يعلمه تعالى في الماضي والحاضر والمستقبل.
وقولُه: (أن يُعلمهم
…
) إلى آخره: يقتضي أَنَّه جعل «ما» بمعنى الذي.
وقولُه: (قيل: أَحاط علمُه بهما
…
) إلى آخره: فالمرادُ بالكرسيِّ ثلاثةُ أقوالٍ:
قيلَ: علمُهُ تعالى.
وقيلَ: هو العرشُ.
وقيلَ: أنَّه مخلوقٌ عظيمٌ غيرُ العرشِ وهو موضعُ القدمَين، على ما جاءَ عن ابنِ عبَّاس.
وقد أشارَ المصنِّفُ إلى القولِ الأوَّلِ والثالثِ، والراجحُ هو القولُ الثالثُ. واللهُ أعلمُ.
وقولُه (بالقهر): هذا التقييدُ لا وجهَ له، بل هو تعالى العليُّ على كلِّ شيءٍ ذاتًا وقدرًا وقهرًا، فله العلوُّ بكلِّ أنواعِه سبحانه وتعالى، والذين يُقيِّدونَ علوَّه تعالى بالقدر أو القهر يفرُّون من إثباتِ علوِّ الذات؛ لأنَّ مذهبَهم نفيُ علوِّه تعالى بذاتِه فوقَ خلقِه، وهو مذهبٌ باطلٌ من أقوال المعطِّلةِ من الجهميَّة والمعتزلة ومَن
تَبعَهم. ومذهبُ سلفِ الأمَّةِ وأَئمتِها: أنَّه تعالى بذاتِه فوق سماواتِه على عرشه، كما دلَّت على ذلك النصوصُ من الكتاب والسُّنَّة
(1)
.
والمؤلِّفُ -عفا اللهُ عنه- مشى على مذهبِ النفاةِ فلا يُغتَرُّ بهِ، واللهُ أعلمُ.
وقولُه: (الكبيرُ): تفسيرٌ للعظيم بالكبير، وهو تفسيرٌ صحيحٌ، ويؤيدُه أَنَّ اللهَ قَرن بين العليِّ والكبيرِ في آياتٍ، كما قَرن بين العليِّ والعظيمِ.
* * *
(1)
قال شيخ الإسلام: «وفي القرآن والسنة ما يقارب ألف دليل على ذلك، وفي كلام الأنبياء المتقدمين ما لا يحصى» . «الجواب الصحيح» (4/ 318)، و «مجموع الفتاوى» (5/ 226)، وبنحوه قال ابن القيم في «الصواعق» (1/ 368)، وفي نهاية كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية» (2/ 331). وينظر أنواع أدلة العلو النقلية في:«الصواعق المرسلة» (4/ 1280 - 1340)، و «إعلام الموقعين» (4/ 67)، و «توضيح مقاصد الواسطية» (ص 109)، وللاستزادة ينظر:«العلو» للذهبي، و «اجتماع الجيوش الإسلامية» لابن القيم، و «الكلمات الحسان في بيان عُلُوِّ الرحمن» لعبد الهادي وهبي.
وقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (256)} [البقرة: 256]:
هذا نفيٌ معناه: النهيُ عن الإكراه على الدخول في الإسلام؛ فالمعنى: لا تُكرهوا أَحدًا من أَجل أَنْ يُسلِمَ، ويحتملُ أَنْ يكون على ظاهره، فالجملةُ خبريةٌ، وعليه؛ فالمعنى: ليس في الدِّين إكراهٌ؛ أي: ليس الإكراه على الدخول في الإسلام مشروعًا، وهذا حقٌ، ولا يُرَدُّ على هذا الأَمر بقتال الكفار؛ فإِنَّ القتالَ له أسبابٌ متعددةٌ وغاياتٌ مختلفةٌ؛ فالسببُ الأَول هو: الكفرُ، والسببُ الثاني: العدوانُ الواقعُ، أو العدوانُ المتوقَّعُ، ومَن أَظهر الإسلامَ وجب الكفُّ عنه، ومَن جنح إلى المصالحة وأُمِنَت خيانتُه وَجبت إِجابتُه إِلَّا أَنْ يَظهر ما يدلُّ على قصد الخديعة والخيانة، وقتالُ الكفارِ ليس فيه حقيقةُ الإِكراه، فإِنَّ حقيقةَ الإكراهِ أَنْ يوقف الشخص فيُقال له: أَسلم وإِلَّا قتلناك، وهذا لم يفعله أَحدٌ من المسلمين في شيءٍ من غزواتهم، إِلَّا المرتد؛ فإنَّه يُجبرُ على التوبة؛ فيُقال له: تُبْ وإِلَّا قتلناك، فإِنَّ عقوبةَ المرتدِّ القتلُ، والمسلمون إذا فتحوا البلادَ صُلحًا فإنهم يُقرُّون أَهلها فيها ولا يُكرهون أَحدًا منهم على الإسلام، لكنهم يدعونهم إلى الإسلام، وإذا فتحوا البلادَ عَنوةً؛ كانت أَرضُهم وديارُهم غنيمةً للمسلمين، والنساءُ والذريةُ يكونون رقيقًا عند المسلمين، ولا يُكرَهُ أَحدٌ منهم على الإسلام، والرِّجالُ المقاتلة أَسرى، يُخيَّرُ الإمامُ فيهم بين الاسترقاقِ والقتلِ والمنِّ والمفاداةِ، ومَن أَسلم منهم وَجب إِطلاقُه وعُصِمَ دمُه ومالُه، ويشهد لما دلَّت عليه هذه الآيةُ من نفي الإكراه في الدِّين والنهي عنه قولُه تعالى:{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين (99)} [يونس: 99]، فعُلم من الآيتين أَنَّ الإكراهَ على الدخول في الإسلام ليس مشروعًا لا في أَوِّل الإسلامِ ولا في آخره، إِلَّا مَنْ ثبتت رِدَّتُه بأَن
كفر بعد الإيمان؛ فإنَّه يُستتابُ، فإن تاب وإِلَّا قُتل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:((مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلوه))
(1)
.
فعُلم مما تقدَّم أَنَّ الآيةَ محكمةٌ عامَّةٌ وإن نزلت على سببٍ، فإِنَّ العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأَكثرُ العلماء من المفسرين وغيرهم يرون أَنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بآية السيف
(2)
؛ وهي آياتُ الأَمر بقتال الكفار من أَهل الكتاب والمشركين، وهذا يقتضي أنهم يَعدُّون القتالَ إِكراهًا، وهذا لا يستقيمُ في قتال أهل الكتاب، وهم يُخيَّرون بين الإسلام وإِعطاءِ الجزيةِ وهذا بالإجماع
(3)
، وكذا قتالُ غيرِهم؛ لا يُعَدُّ إِكراهًا -على القول بأَخذ الجزية من غير أَهل الكتاب- فإنَّه لا يجتمعُ الإِكراهُ مع التخيير.
وقولُه تعالى: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} : أَي: قد تميَّزَ سبيلُ الرُّشد عن سبيل الغيِّ، والرُّشدُ: هو العلمُ بالحقِّ واتباعِه، والغيُّ ضِدُّه؛ وهو: الجهلُ بالحقِّ واتباعُ الباطل، فتميَّز الحقُّ من الباطل والهدى من الضَّلال، وهذا التميز إنما حصل بتبيين الله وتبيين رسوله بالآيات الكونية والآيات القرآنية وبالأحاديث النبوية، قال تعالى:{وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُون (126)} [الأنعام: 126]، وقال تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (52)} [الشورى: 52]، وقال تعالى:{وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 4].
وقولُه تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ} : أَي: يجحدُ عبادةَ كلِّ ما يُعبَدُ من دون الله، ويؤمنُ بالله ربًّا وإلهًا، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله، فما فيها من النفي هو معنى:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} ، وما فيها من الإثبات هو معنى:{وَيُؤْمِن بِاللّهِ} ؛ ولهذا قال: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} ؛ وهي: لا
(1)
أخرجه البخاري (3017) و (6922)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)
ينظر: «الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد (ص 281 - 282)، و «الناسخ والمنسوخ» للنحاس (ص 258 - 260)، و «نواسخ القرآن» لابن الجوزي (ص 53 - 55).
(3)
ينظر: «مراتب الإجماع» (ص 196)، و «الإقناع في مسائل الإجماع» (1/ 352)، و «موسوعة الإجماع» (6/ 277 - 280).
إله إلا الله، وسمَّاها عروةً؛ للتنبيه على التمسُّك بها، و {اسْتَمْسَكَ} بمعنى: تمسَّك، والسينُ والتاءُ للدلالة على قوَّة التمسُّك
(1)
، وفي الجملة تشبيهٌ تمثيليٌّ، شبَّه المقيمَ على الدِّين والتوحيد بالمتمسِّك بأقوى حلقةٍ من الحبل.
و «وثقى» : صيغةُ تفضيلٍ مؤنَّث، أَوثقُ من وثق بالشيءِ إذا سكن إليه واعتمد عليه.
وقوله: {لَا انفِصَامَ لَهَا} : هذا وعدٌ من الله بأَنَّ كلمةَ التوحيد لا تنفصمُ؛ أي: لا تنقطعُ من مكانها، فدلَّ على وجوب التمسُّك بـ «لا إله إلا الله» ، فمَن تمسَّك بها نجا، ومَن تركها هوى وهلك، والجملة قيل: حالية، وقيل: مُستأنفة لتأكيد ما دلَّ عليه معنى الوثقى
(2)
.
وقولُه: {وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (256)} : أَي: سميعٌ لأَقوال العباد، عليمٌ بأَحوالهم وأَعمالهم الظاهرةِ والباطنة، وفي ذكر هذين الاسمين وعدٌ ووعيدٌ؛ وعدٌ لمن كفرَ بالطاغوت وآمن بالله فكان من أَولياء الله، ووعيدٌ لمن كفرَ بالله وعَبَدَ الطاغوت.
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} على الدخول فيه {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} أَي: ظهر بالآيات البينات أَنَّ الإيمانَ رُشدٌ والكفرَ غَيٌّ.
نزلت فيمَن كان له من الأنصار أَولادٌ أراد أَنْ يُكرههم على الإسلام {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} الشيطانِ أَوْ الأَصنام، وهو يُطلَقُ على المفرد والجمع {وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ} تمسَّك {بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} بالعقدِ المحكم {لَا انْفِصَامَ} انقطاعَ {لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لِمَا يُقال {عَلِيمٌ} بما يُفعَل.
(1)
ينظر: «تفسير أبي السعود» (1/ 250)، و «تفسير الألوسي» (2/ 15).
(2)
ينظر: «البحر المحيط» (2/ 618)، و «الدر المصون» (2/ 539).
وقولُ المؤلِّف: (على الدخول فيه): يُفيد أَنَّ المرادَ بالآية: أَنَّ الكافرَ الأَصليَّ لا يُكرَه على الدخول في الإسلام.
وقولُه: (ظهر بالآيات البينات
…
) إلى آخره: يُفيد أَنَّ تميزَ الرُّشدِ من الغيِّ كان بالآيات البينات، وأَنَّ الرُّشدَ في الإيمان بالله، وأَنَّ الغيَّ ضِدُّه.
وقولُه: (نزلت
…
) إلى آخره: إِشارةٌ إلى سبب نزول الآية
(1)
.
وقولُه: (الشيطان
…
) إلى آخره: تفسيرٌ للطاغوت بأمرين: الشيطانُ والأَصنامُ
(2)
، يشهد للأول قولُه تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} [النساء: 76]، ويشهد للثاني قوله تعالى:{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
وقولُه: (بالعقدِ المحكمِ): يريد بالعقدِ المحكمِ: الاعتقاد الحق.
* * *
(1)
ينظر: «أسباب النزول» للواحدي (ص 83 - 85)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 609 - 615).
(2)
هذا من التفسير بالمثال، والحد الجامع للطاغوت هو:«كُل ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مُطَاعٍ» . ينظر: «إعلام الموقعين» (2/ 92).
وقوله تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (257)} [البقرة: 257]:
يُخبر تعالى أَنه وليُّ الذين آمنوا بالله ورسله، وعبدوه وحدَه، وكفروا بالطاغوت، فهو سبحانه يتولَّاهم بالنصر والتأييد والهداية، ومِن ولايته لهم: أَنه يُخرجُهم من الظلمات؛ ظلماتِ الجهلِ والغفلةِ والكفرِ والشركِ، ويوصلُهم إلى نور العلمِ والإيمانِ، ويُخبر تعالى أَنَّ الذين كفروا بالله ورسله أَولياؤهم الطواغيت؛ وهم شياطينُ الإنسِ والجنِّ، ومَن يتولونَه يُضلونَه ويهدونَه إلى عذاب السعير؛ لأنهم يخرجون أَولياءهم من نور العلم والإيمان، ويوصلونهم إلى ظلمات الجهل والكفر والغفلة، فصارت عاقبتهم الخلودُ في النار كما دلَّ عليه قولُه تعالى:{أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (257)} .
وعُلم من الآية: أَنَّ الناسَ فريقان؛ مؤمنون هم أَولياءُ الله، واللهُ وليهم، لا وليَّ لهم غيره؛ لأنه إلههُم ومَعبودهُم وحده لا يُشركون به شيئًا، وفريقٌ كافرون؛ وهم أَحزابٌ، كلُّ حزبٍ له وليٌّ يتَّبعونه، ومعبودٌ يعبدونه من دون الله، قال تعالى: {
…
وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِين (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)} [الروم: 31 - 32]، فإِن قيل: لم يذكر اللهُ عاقبةَ الذين آمنوا كما ذكر عاقبة الذين كفروا؟ قيل: عاقبتُهم معلومةٌ من ابتداء الكلام، من أَوِّل جملةٍ، وهي قولُه تعالى:{اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ} ، ففي هذه الولاية كلُّ خيرٍ وفلاحٍ وسعادةٍ في الدنيا والآخرة.
{اللَّهُ وَلِيُّ} ناصرُ {الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ} الكفرِ {إِلَى النُّورِ} الإِيمانِ {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ
إِلَى الظُّلُمَاتِ} ذكر الإخراج إِمَّا في مقابلة قوله: «يخرجهم من الظلمات» ، أَوْ فيمَن آمن بالنبي قبل بعثه من اليهود ثم كفر به {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
وقولُ المؤلِّف: (ناصرُ): تفسيرًا للولي فيه قصورٌ؛ فإِنَّ الوليَّ أَعمُّ من الناصر والنصير؛ فإِنَّ الوليَّ يجلبُ لمتولِّيه ما ينفعُه، ويدفع عنه ما يضرُّه، وأَمَّا النصيرُ: فهو أَخصُّ بالدفع؛ كالنصر على العدو، فكلُّ ولي نصيرٌ، وليس كلُّ نصيرٍ وليًا
(1)
، واللهُ وليُّ المؤمنين وناصرُهم، نِعمَ المولى ونِعمَ النصير.
وقولُه: (الكفرِ): تفسيرُ الظلمات بالكفر فيه قصورٌ أيضًا؛ فإِنَّ الظلمات أنواعٌ؛ أَعظمُها الكفر، ومنها ظُلمةُ الجهلِ وظلمةُ الغفلةِ وغير ذلك.
وقولُه: (الإيمانِ): تفسيرُ النور بالإيمان حقٌّ، ولكنَّ النورَ يدخل فيه نورُ العلمِ ونورُ الطاعةِ، والنورُ واحدٌ، ولهذا أُفردَ وجُمعِت الظُّلمات
(2)
.
وقولُه: (ذكر الإخراج
…
) إلى آخره: يُجيب بذلك عن إِشكالٍ؛ وهو: هل كان الكفارُ في نور؟ وقد أَجاب المؤلِّفُ بأَنَّ ذكرَ الإخراجِ من الظلمات إلى النور جاء في مُقابل إِخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور، وعلى هذا فلا إخراج أصلًا. أَوْ المرادُ: مَنْ كان على شريعة موسى وعيسى قبل مَبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بُعث كفروا به، فأَخرجهم الشيطانُ من نور العلمِ والإيمانِ بأنبيائهم وكتبهم إلى ظُلماتِ الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهناك وجه ثالث، وهو أن المراد إخراجهم من نور الفطرة التي ولدوا عليها إلى ظلمات الكفر
(1)
تقدم في (ص 260).
(2)
ذكر العلماء هذه الفائدة في غير موضع من آي القرآن. ينظر: «كشف المعاني» لابن جماعة (ص 154)، و «نظم الدرر» للبقاعي (4/ 46)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 685)، و «بدائع الفوائد» (1/ 208).
التي فيها الأبوان، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:((فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه))
(1)
(2)
.
* * *
(1)
أخرجه البخاري (1358)، ومسلم (2658) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه واللفظ للبخاري.
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 565 - 566)، و «التفسير البسيط» (4/ 370 - 371)، و «المحرر الوجيز» (2/ 33 - 34)، و «زاد المسير» (1/ 232).
قوله: {أَلَمْ تَرَ} : الاستفهامُ للتقرير والتعجيب؛ المعنى: ألم ينتهِ علمُك إلى خبر الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه؛ أَي: الكافرُ الذي كفر بربِّ إبراهيم وصار يُجادله فيه بسبب غروره حين آتاه اللهُ الملكَ، وبلغ من غروره أَنْ ادَّعى الربوبيةَ وصار يجادلُ نبيَّ اللهِ إبراهيمَ في ربِّه، وكأَنَّه يقول لإبراهيم: ماذا فعل ربُّك؟ فاحتجَّ إبراهيمُ على الكافر بأنه الذي يُحيي ويُميت، وذكر المفسرون بأَنَّ الكافرَ قال في بيان حُجَّته: آتي باثنين قد استحقَّا القتلَ؛ فأقتلُ أَحدَهما وأُبقي الآخرَ
(1)
، فانتقل إبراهيمُ عليه السلام إلى حُجَّةٍ لا يستطيع الكافرُ أَنْ يموِّه بدعوى مثلها؛ قال إبراهيم عليه السلام:{فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ، فبُهتَ الكافرُ ولم يجد جوابًا، وانقطعت حُجَّته، فبذلك حجَّ إبراهيمُ عليه السلام الكافرَ وغلبَه بالحجَّة. وقولُه:{وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين (258)} : أَي: لا يُوفِّق للإيمان القومَ الظالمين؛ عقوبةً على ظلمهم.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ} جادلَ {إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} لـ {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} أَي: حمله بطرُه بنعمة الله على ذلك وهو نمروذ {إِذْ} بدل من «حاج» {قَالَ إِبْرَاهِيمُ} لَمَّا قال له: «مَنْ ربُّك الذي تدعونا إليه» ؟ {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} أَي: يخلق الحياةَ والموتَ في الأَجساد. {قَالَ} هو
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 571 - 572، 574، 576)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 341)، و «التفسير البسيط» (4/ 376)، و «تفسير البغوي» (1/ 316)، و «البحر المحيط» (2/ 226).
{أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} بالقتل والعفو عنه. ودعا برجلين فقتل أَحدَهما وترك الآخر. فلما رآه غبيًّا {قَالَ إِبْرَاهِيمُ} منتقلًا إلى حجَّةٍ أَوضحَ منها {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا} أنت {مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} تحيَّر ودهشَ {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} بالكفر إلى محجة الاحتجاج.
وقولُ المؤلِّف: (لـ {أَنْ
…
}) إلى آخره: يُبيّنُ أَنَّ {إِذْ} للتعليل، ليست ظرفًا؛ فالمعنى: أَنَّ هذا الكافرَ الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه حمله على كفره وجِداله إبراهيم في ربِّه ما آتاه اللهُ من الملك؛ فكفرَ واستكبرَ حتى ادَّعى الربوبية، وسمَّاه المؤلِّفُ:(النمروذ) بالذال، ويُروى بالمهملة، ويقال: النمرود، والنمروذ
(1)
.
وقولُه: (بدل من حاج): قال بعضُ الشارحين: إنه بدلُ اشتمال
(2)
، والصوابُ: أنه لا يظهر وجهُ البدلية
(3)
.
(1)
النمروذ أو النمرود: هو اسم جنس لكل ملك الكنعانيين، والمراد به هنا هو نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، وقيل: إنه نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وهو أوّل من تجبّر وقهر وغصب وسنّ سنن السّوء، وأوّل من لبس التاج، ووضع أمر النجوم ونظر فيه وعمل به. وأهلكه الله ببعوضة دخلت في خياشيمه، فعذب بها أربعين سنة ثم مات. ينظر:«المعارف» لابن قتيبة (1/ 31)، و «تفسير الطبري» (4/ 568 - 570).
(2)
ينظر: «حاشية الجمل» (1/ 223)، وأجازه الزمخشري بناء منه على أن {أَنْ} واقعة موقع الظرف. ينظر:«الكشاف» (1/ 489).
(3)
قال العكبري: «و {إِذْ}: يجوز أن تكون ظرفًا لحاج، وأن تكون لآتاه. وذكر بعضهم أنه بدل من {أَنْ آتَاهُ} وليس بشيء؛ لأن الظرف غير المصدر، فلو كان بدلًا لكان غلطًا، إلا أن تجعل {إِذْ} بمعنى أن المصدرية، وقد جاء ذلك» . «التبيان» (1/ 206 - 207)، وضعفه أيضا: أبو حيان، والسمين الحلبي، وغيرهما. ينظر:«البحر المحيط» (2/ 626)، و «الدر المصون» (2/ 551 - 552)، و «الكتاب الفريد» (1/ 563)، و «إعراب القرآن وبيانه» (1/ 392).
وقولُه: (لَمَّا قال له
…
) إلى آخره: يُبينُ أَنَّ قولَ إبراهيم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} ، جاء جوابًا لقول الكافر لإبراهيم:(مَنْ ربك؟).
وقولُه: (أَي: يخلق الحياةَ والموتَ في الأجساد): تفسيرٌ صحيحٌ يدلُّ له قولُه تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ} [الملك: 2].
وقولُه: (هو): يريد: أَنَّ القائلَ: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} هو الكافرُ الذي حاجَّ إِبراهيم.
وقولُه: (بالقتل والعفو عنه
…
) إلى آخره: هذا تفسيرُ قول الكافر: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} ، وهذا ما ذكره جمهورُ المفسرين، وهو من نوع الإسرائيليات.
وقولُه: (فلما رآه غبيًّا): يريد: أَنَّ إبراهيم لَمَّا رأى المخاصمَ غبيًّا؛ أي: جاهلًا لا يفقه؛ قال له إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} .
وقولُه: (منتقلًا إلى حجَّةٍ أَوضح منها): لأَنَّ الكافرَ قد موَّه بحجة إبراهيم الأُولى، ولكنَّه لا يستطيع في حجة إِبراهيم الثانية أَنْ يموِّه، فلهذا انقطعت حجَّتُه.
وقولُه: (أنت): الخطابُ من إبراهيم للذي حاجَّه، والضميرُ المنفصلُ «أنت» تأكيدٌ للضمير المتصل المستتر في قوله:{فَأْتِ بِهَا} .
وقولُه: (تحيَّر ودهشَ): تفسيرٌ لـ {بُهِتَ} ، وهو يدلُّ على انقطاع حجَّته وعجزِه عن الجواب
(1)
. وقولُه: (بالكفر إلى محجة الاحتجاج): يتضمَّن تفسيرَ الظلمِ بالكفر، وهو صحيحٌ؛ كما قال تعالى:{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]، ونفيُ الهداية إلى الحجة الصحيحة، وأَنَّ المراد بنفي الهداية؛ أي: إلى الحجة الصحيحةِ في مقام الاحتجاج.
* * *
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب الأصفهاني (ص 148).
قولُه: {أَوْ كَالَّذِي} : {أَوْ} : حرفُ عطفٍ يدلُّ على التنويع؛ المعنى: ألم ترَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ، أَوْ إلى الذي مرَّ على قريةٍ.
والكاف: قيل: إنها زائدة للتأكيد، وعلى هذا فالمعطوفُ هو الموصول، وقيل: إنها بمعنى: مثل، وعلى هذا فهي المعطوف؛ فالتقدير: ألم ترَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ، أو إلى مثل الذي مرَّ على قريةٍ، وهذا أَصحُّ؛ لأَنَّ الأصلَ في الكاف أنها بمعنى: مثل، فعلى الأَول هي حرفٌ، وعلى الثاني هي اسمٌ
(1)
.
وقولُه: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ} : الجملةُ حالٌ، ومعنى خاوية: خاليةٌ من سكانها، وقيل: متهدِّمةٌ
(2)
. و {عَلَى عُرُوشِهَا} : سُقُفِهَا
(3)
؛ المعنى: قد سقطت حيطانُها على سُقُفِهَا، فقد هلك السكانُ وخَرُبَ البنيانُ.
وقوله: {أَنَّىَ} : قي: أَنه اسمُ استفهام بمعنى «كيف» وهو للاستبعاد؛ المعنى: كيف يُحيي اللهُ هذه القرية التي هلك أَهلُها وتهدَّمت، وهذا من جهله أَوْ غفلته عن قدرة الله.
(1)
واختاره الطبري، وأبو حيان، والسمين الحلبي، وغيرهم. ينظر:«تفسير الطبري» (4/ 577 - 578) و «البحر المحيط» (2/ 630 - 631)، و «الدر المصون» (2/ 556 - 557)، و «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 208)، و «إعراب القرآن وبيانه» (1/ 394).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 584 - 586)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 342)، و «تفسير الماوردي» (1/ 331).
(3)
ينظر: «المفردات» للراغب الأصفهاني (ص 558).
وهذا المارُّ قيل: هو عُزيرٌ، قاله الجمهور
(1)
، وهو الذي قال اليهود: إِنَّه ابنُ الله، وهو من علماء بني إسرائيل وصالحيهم، وجاء في بعض الروايات الإسرائيلية أَنَّه حفظَ التوراةَ كلَّها عن ظهر قلب.
وقولُه: {فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ} : أَي: صيَّره ميتًا وأَبقاه ميتًا مئة عامٍ.
{ثُمَّ بَعَثَهُ} ؛ أَي: أحياه.
وقولُه: {فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} : أَي: لم يتغيَّر، وقد مضت عليه مئة عامٍ منذ مات. و {يَتَسَنَّهْ}: فعلٌ مضارع من تسَنَى.
{قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} : القائلُ هو الله، أَوْ ملك بأمر الله، والأَولُ أَظهر
(2)
، ودلَّ السياقُ على أَنَّه كان على حمارٍ، فأَماته اللهُ وأَمات الحمارَ حتى عريت عظامُه من اللحم وتفرَّقت، فردَّ اللهُ عظامَه وكساها لحمًا، ولهذا قيل له:{وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} ، ودليلًا على قدرته تعالى على إحياء الموتى.
وقوله: {وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} : أَي: نرفع بعضَها فوق بعضٍ، حتى تعودَ كما كانت، وقُرئ:{كَيْفَ نُنْشِرُهَا} بالراء؛ أي: نُحييها
(3)
.
وقولُه: {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} : أَي: نُغطِّي العظامَ باللحم لتعودَ كما كانت، ويعودَ الحمارُ كما كان صالحًا للركوب والحمل.
فهذه ثلاثُ آياتٍ:
الأُولى: إِحياءُ الرجل بعد أَنْ كان ميتًا مئة سنة.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 578 - 579)، و «المحرر الوجيز» (2/ 39)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 687 - 688).
(2)
وهو قول الطبري والرازي، واستظهره القرطبي وأبو حيان. ينظر:«تفسير الطبري» (4/ 596)، و «تفسير الرازي» (7/ 30)، و «تفسير القرطبي» (3/ 291)، و «البحر المحيط» (2/ 633).
(3)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 95).
الثانيةُ: بقاءُ طعامِه وشرابِه على حالهما هذه المدَّة الطويلة.
الثالثةُ: إِحياءُ الحمار وإِعادتُه إلى ما كان عليه قبل موته.
وقولُه: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} : قدرةُ الله على إِحياء الموتى. {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (259)} }: أَي: أُقِرُّ بكمال قدرةِ الله، وهذا على قراءة مَنْ قرأه فعلًا مضارعًا مبدوءًا بهمزة القطع، وقُرئَ بهمزة الوصل على أَنَّه فعل أَمر، {قَالَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
(1)
، فأَراه اللهُ في نفسه وفي حماره ما دلَّه على قدرته تعالى في كلِّ شيءٍ، وفي ذلك إِبطالٌ لاستبعادِه إِحياء القريةِ التي قال فيها:{أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} .
{أَوْ} رأيت {كَالَّذِي} الكافُ زائدةٌ {مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} هي بيتُ المقدس، راكبًا على حمار، ومعه سلَّةُ تينٍ وقدحُ عصيرٍ، وهو عزيرٌ {وَهْيَ خَاوِيَةٌ} ساقطةٌ {عَلَى عُرُوشِهَا} سقوفِها لَمَّا خرَّبها بُختنصَّر {قَالَ أَنَّى} كيف {يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} استعظامًا لقدرته تعالى {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ} وأَلبثه {مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} أَحياه ليُريه كيفيةَ ذلك {قَالَ} تعالى له {كَمْ لَبِثْتَ} مكثت هنا؟ {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} لأَنه نامَ أَوَّلَ النهارِ، فقُبضَ وأُحيي عند الغروب، فظنَّ أنه يوم النوم.
{قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ} التين {وَشَرَابِكَ} العصير {لَمْ يَتَسَنَّهْ} لم يتغيَّر مع طول الزمان، والهاءُ قيل: أَصلٌ من «سانهتُ» ، وقيل: للسكت من «سانيتُ» .
وفي قراءةٍ بحذفها {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} كيف هو؟ فرآه ميتًا، وعظامُه بيضٌ تلوحُ، فعلنا ذلك لتعلم {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً} على البعث {لِلنَّاسِ وَانْظُرْ
(1)
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: {أَعْلَمُ} بقطع الألف وضم الميم، وقرأ حمزة والكسائي:{اعْلَمْ} موصولة الألف ساكنة الميم. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 189)، و «النشر» (2/ 231 - 232).
إِلَى الْعِظَامِ} من حمارك {كَيْفَ نُنْشِرُهَا} نُحييها، بضمِّ النون وفتحها، من «أنشر ونشر» لغتان، وفي قراءةٍ بضمِّها، والزاي: نُحرِّكُها ونرفعُها {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} فنظر إليها، وقد تركَّبت وكُسيت لحمًا ونُفخ فيه الروحُ ونهقَ {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} ذلك بالمشاهدة {قَالَ أَعْلَمُ} عِلم مشاهدةٍ {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وفي قراءةٍ:(اعلمْ)؛ أَمرٌ من الله له.
وقولُ المؤلِّف: (رأيت): المناسبُ في التقدير في مثل هذا السياق أَنْ يُقدَّر المعطوفُ مثل المعطوف عليه، وعلى هذا فالتقديرُ المناسبُ: أَوْ ألم ترَ كالذي مرَّ على قرية، وهذا على أَنَّ الكاف بمعنى: مثل، وعلى القول بأنها «زائدة» فالتقديرُ: أَوْ أَلم ترَ إلى الذي مرَّ على قريةٍ، فيكون الموصولُ في {الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} معطوفًا على الموصول في {الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ} ، واللهُ أَعلم.
وقولُه: (زائدة): هذا خلافُ الأَصل في كاف التشبيه؛ فالأَصلُ أنها بمعنى: مثل، وهو القول الآخر.
وقولُه: (هي بيت المقدس
…
) إلى آخره: القريةُ في الآية مُبهمةٌ، وتعيين أَنها بيت المقدس قولُ جمهورِ المفسرين
(1)
، والمعوَّلُ في هذا على بعض الروايات الإسرائيلية، ومن هذا القبيل تعيينُ جنسِ الطعام والشراب الذي معه، فاللهُ أعلم. وأَمَّا أنه كان راكبًا حمارًا فهذا ظاهرُ القرآن.
وقولُه: (لَمَّا خرَّبها بُختنصَّر): بُختنصَّر؛ هو: ملكُ الفُرسِ الذي سُلِّطَ على بني إسرائيل، وقتلَ منهم وسبى وخرَّب الديار، وقصَّتُه مشهورةٌ عند المفسرين والمؤرخين
(2)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 582 - 583)، و «المحرر الوجيز» (2/ 39 - 40)، و «زاد المسير» (1/ 233)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 688).
(2)
ينظر: «الكامل في التاريخ» (1/ 228)، و «تفسير الطبري» (4/ 587 - 593)، و «المحرر الوجيز» (2/ 41 - 42).
وقولُه: (استعظامًا لقدرته تعالى): هذا يقتضي أَنه جعل الاستفهامَ للتعجُّب للاستبعاد، كما قال زكريا عليه السلام:{أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} [مريم: 8]. وقولُه: (وألبثه): أَي: أَبقاه ميتًا مئةَ عامٍ ثم أَحياه.
وقولُه: (ليُريه كيفيةَ ذلك): في هذا التعليلِ نظرٌ، والمناسبُ لسياق الآية: بعثه؛ ليُعرِّفَه كمالَ قدرتِه.
وقولُه: (تعالى له): يقتضي أَنَّه أَعاد الضميرَ في قال إلى الله، وهذا هو الصوابُ؛ لأَنَّه تعالى هو الذي أَماته وبعثه وقال له:{كَمْ لَبِثْتَ} .
وقولُه: (هنا): فالمعنى: كم لبثتَ في هذا المكان الذي أَنت فيه.
وقولُه: (لأَنَّه نام أَوَّل النهار
…
) إلى آخره: هذا التقديرُ مبنيٌّ على ظنٍّ أَوْ بعضِ الرواياتِ الإسرائيليةِ، واللهُ أَعلمُ بحقيقة الحال.
وقولُه: (التين
…
) إلى آخره: تعيينُ جنسِ الطعام والشراب من المرويَّات الإسرائيليةِ التي لا يُجزَمُ بما دلَّت عليه.
وقولُه: (والهاء
…
) إلى آخره: ذُكر فيها قولين: الأَول: أَنها أصلٌ؛ أي: أنها من حروف الفعلِ الأصليةِ، فهي لامُ الفعل، والسكونُ علامةُ الجزم لدخول حرفِ الجزم على الفعل المضارع. والقولُ الثاني: أَنها هاء السكت؛ فتكون زائدةً ليست من حروف الفعل، فعلى القولِ الأَول:«تسنه» من سنه، وعلى الثاني «تسنه»: من سنا، وكلاهما يدلُّ على التغير
(1)
.
وقولُه: (وفي قراءةٍ بحذفها): هذه القراءةُ جارية على أَنَّ الهاءَ للسكت
(2)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 599 - 606)، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 343)، و «المحرر الوجيز» (2/ 43 - 45)، و «البحر المحيط» (2/ 623)، و «التحرير والتنوير» (3/ 37).
(2)
قرأ حمزة والكسائي: {لَمْ يَتَسنَّ} بحذف الهاء في الوصل خاصة، والباقون بإثباتها في الحالين. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 188 - 189)، و «النشر» (2/ 142).
وقولُه: (كيف هو
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ المعنى: انظر إِلى حماركَ لتعلمَ حالَه، وأَنه قد مات وعَرِيت عظامُه عن اللحم.
وقولُه: (على البعث): المعنى: لتكون إذ أَحياك اللهُ بعد أَنْ أَماتك مئةَ عامٍ آيةً؛ أي: دليلًا على قدرته تعالى على بعث الأَموات من قبورهم، ولا ريب أَنَّ هذا من أَعظم الأدلةِ على إمكان البعث، ولقد تكرَّرَ هذا النوعُ من أَدلة البعث في سورة البقرة:
وأَول ذلك ما ذُكر في قصة القتيل الذي ضُرب ببعض البقرة فأَحياه اللهُ؛ {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا
…
} الآية {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (73)} [البقرة: 73].
والثانية: قصةُ بني إسرائيل الذين ماتوا بالصاعقة لَمَّا قالوا لموسى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} ؛ فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون، قال اللهُ:{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 55 - 56].
والثالثة: قصةُ الألوف الذين خرجوا من ديارهم حذرًا من الموت، فأَماتهم اللهُ ثم أَحياهم.
والرابعة: قصةُ الذي مرَّ على قريةٍ.
وستأتي قصةُ الطيرِ التي ذبحها إبراهيمُ بأمرِ اللهِ ثم أحياها اللهُ، وذلك قولُه تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى
…
} إلى آخر الآية
(1)
.
وقولُه: (من حمارك): يدلُّ له قولُه: {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} .
وقولُه: (نُحييها
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ معنى: نشر، وأَنشر؛ نشرَ الميتَ وأَنشرَه أَحياه؛ فقولُه في الآية:{نُنْشِزُهَا} بضم النون وفتحها؛ يقول: لغتان، وكأَنه يُشيرُ إلى قراءتين في الآية على اللغتين.
(1)
ينظر: (ص 589).
وقولُه: (وفي قراءةٍ بضمِّها
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنه قُرئَ بضمِّ النون، والزايُ بدلُ الراء من أنشز
(1)
؛ أي: رفع؛ فالمعنى: {نُنْشِزُهَا} ؛ أَي: نرفع بعضَها على بعض.
وقولُه: (فنظر إليها
…
) إلى آخره: لعلَّ هذا مأخوذٌ من قوله {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} .
وقولُه: (عِلم مشاهدةٍ): يدلُّ لذلك قولُه: {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} .
وقولُه: (أَمرٌ من الله له): هذا على القراءة بصيغة الأَمرِ وهمزةِ الوَّصل، وأَمَّا على القراءة بصيغةِ المضارع وهمزةِ القطع؛ فهو إِقرارٌ من صاحب الحمارِ لكمالِ قدرةِ الله.
* * *
(1)
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: {نُنْشِرُهَا} بضم النون الأولى وبالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي:{نُنْشِزُهَا} بالزاي، وقد روى أبان عن عاصم {نَنْشُرُهَا} بفتح النون الأولى وضم الشين والراء، وروى أيضًا عبد الوهاب عن أبان عن عاصم:{نَنْشُزُهَا} بفتح النون وضم الشين مثل قراءة الحسن وأبي حيوة، والزَّعْفَرَانِيّ، والمفضل. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 189)، و «مختصر في شواذ القرآن» لابن خالويه (ص 23)، و «معاني القراءات» للأزهري (1/ 222)، و «الكامل في القراءات» للهذلي (ص 509).
يقول تعالى: واذكُرْ يا محمَّدُ حين قال إبراهيمُ داعيًا ربَّه: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} المعنى: أَرِنِي آيةً مُشاهَدةً أعلمُ بها كيف تُحْيِي الْمَوْتَى؛ قال اللهُ لإبراهيمَ -ردًّا على طلبِه أن يُريَهُ كيف يُحْيي الموتى-: {أَوَلَمْ تُؤْمِن} أَوَ ليسَ قد آمنتَ بأنِّي أُحيي الموتى وأَنّي على إحيائِهِم قادرٌ؛ قالَ إبراهيمُ مجيبًا لربِّهِ: بلى قد آمنتُ، ولكن طلبتُ ما طلبتُ؛ لأزدادَ إيمانًا فَيَطْمَئِنَّ قلبي، فأجابَهُ اللهُ إلى طلبِهِ؛ فقال له:{فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ} ؛ أي: أربعةً مِنْ أنواعِ الطير، أو مِنْ بعض أنواعِ الطير، {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي: أَمِلْهُنَّ إليك وضُمَّهُنَّ إليك
(1)
، {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} وهذا يقتضي أنه يَذبَحُهُنَّ ويُقَطِّعُهُنَّ ثم يجعل عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مما حولَهُ مِنْ الأجبال
(2)
جزءًا منهن، وقوله تعالى:{ثُمَّ ادْعُهُنَّ} يعني: ادعُ الطيرَ الأربعةَ التي على الجبال بالتصويتِ لَهُنَّ بالطريقة المعتادةِ في دعاءِ الطير. وقولُه: {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} المعنى: إذا دعوتهُنَّ أتينكَ سعيًا؛ أي: مسرعاتٍ طيارًا أو مَشيًا على أرجلُهِنَّ.
وقولُه: {وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم (260)} : يحتملُ أن يكون خطابًا لإبراهيمَ، أو خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم
(3)
، و {عَزِيزٌ}: أي: قويٌّ غالبٌ لا يُعجزُهُ
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 498).
(2)
جمع جبل، فهو يجمع على أجْبُل وجبال وأجبال، وشاهد الأخير قول الشاعر -وهو ابن الأعرابي-:
يَا رُبَّ ماءٍ لَكَ بالأَجْبَالِ أجْبَالِ سَلْمَى الشُّمَّخِ الطِّوَالِ
ينظر: «لسان العرب» (11/ 96)، و «تاج العروس» (28/ 174).
(3)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 649 - 650).
شيءٌ. {حَكِيمٌ} : أي: ذو حكمةٍ في تدبيرِهِ وتقديرِهِ وفي كلِّ أقوالِهِ وأفعالِهِ سبحانه وتعالى، ويجب أن يُعلَم أَنَّ هذا الطلبَ من إبراهيمَ من ربه أن يُريَه كيف يُحيي الموتى لا عن شكٍّ في قدرتِهِ تعالى، ولهذا قالَ الله له:{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى} ، ولكن لفظُ السؤالِ {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} ؟ قد يقولُ مثلَه مَنْ عنده شَكٌّ، ولكن إبراهيم عليه السلام بريءٌ مِنْ ذلك؛ كيف وهو الذي قال الله فيه:{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِين (75)} [الأنعام: 75]، وأَمَّا قولُه صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحِ:((نحن أَحقُّ بالشكِّ من إبراهيم))
(1)
، فلا يدلُّ على إثباتِ وقوع الشكِّ من إبراهيم؛ لأنه إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالشك ولم يشك؛ فإبراهيم أولى ألا يشك
(2)
، وقصةُ الطيور التي أحياها اللهُ لإبراهيمَ هي القصةُ الخامسةُ مما قصَّهُ الله في هذه السورةِ من إحياء الموتى، وكلُّها حُجَجٌ على قدرته -تعالى- على بَعْث الأموات من القبور؛ ففيها ردٌّ على الكافرينَ بالبعث المستبعدينَ لقدرةِ الله عليه.
{وَ} اذكرْ {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ} تعالى له {أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ} بقدرتي على الإحياء؟ سأَله مع علمه بإيمانه بذلك ليُجيبه بما سأل فيعلم السامعون غرضَه.
{قَالَ بَلَى} آمنت {وَلَكِنْ} سألتك {لِيَطْمَئِنَّ} يسكن {قَلْبِي} بالمعاينة المضمومةِ إلى الاستدلال.
{قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ} بكسرِ الصَّادِ وضمِّها، أَمِلهُنَّ إليك وقطِّعهنَّ واخلُط لحمهنَّ وريشهنَّ {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ} من جبال أَرضك {مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ} إليك {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} سريعًا
(1)
أخرجه البخاري (3372) و (4537)، ومسلم (151)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
ينظر: «شرح مسلم» للنووي (2/ 183)، و «فتح الباري» (6/ 412 - 413).
{وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} لا يُعجزه شيءٌ {حَكِيمٌ} في صنعه. فأخذ طاووسًا ونسرًا وغرابًا وديكًا، وفعل بهنَّ ما ذكر، وأَمسكَ رؤوسهنَّ عنده ودعاهنَّ، فتطايرت الأجزاءُ إلى بعضها حتى تكاملت، ثم أَقبلت إلى رؤوسها.
وقولُ المؤلِّف: (اذكرْ): هذا تقديرُ العاملِ في الظَّرفِ {إِذْ} ، وعلى هذا فالظرفُ مفعولٌ به. وقولُه:(تعالى له): يُبيِّن أنَّ القائلَ لإبراهيمَ: {أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ} هو اللهُ تعالى.
وقولُه: (بقدرتي على الإحياء
…
) إلى آخره: هذا تقديرُ المعمولِ لـ {تُؤْمِنْ} .
وقولُه: (سأَله مع علمه): بيانٌ لحكمةِ سؤالِ اللهِ إبراهيمَ عن إيمانه.
وقولُه: (فيعْلم السامعون غرضَه): المراد: فيعْلم السامعون دعاءَ إبراهيمَ؛ غرضَه من دعائه، وذلك قوله:{وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} .
وقولُه: (آمنتُ): جوابٌ لقوله تعالى: {أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ} . وقولُه: (سألتك): هذا تقديرُ مُتعلّقِ الجارِ والمجرورِ {لِيَطْمَئِنَّ} .
وقولُه: (يسكن
…
) إلى آخره: سكونُ القلبِ: زيادةُ الإيمانِ، وهو يحصلُ بتضافر الأدلَّةِ، ولهذا طلبَ إبراهيمُ دليلَ المعاينةِ لِيَنضمَّ إلى دليل النظرِ بالعقل، وهذا معنى قول المؤلِّف:(بالمعاينة المضمومةِ إلى الاستدلال)، وبذلك يرتقي من علم اليقينِ إلى عين اليقينِ. وقولُه: (بكسرِ الصَّادِ وضمِّها
…
) إلى آخره: يشيرُ إلى القراءتَينِ في قوله: {صُرْهُنَّ إلَيْك} ، فبضمّ الصَّادِ مِنْ «صَارَهُ يَصْرُوهُ» ، وبكسرها من:«صَارَهُ يصيِروه»
(1)
، ومعناهما:«أمالَهُ» ، ولهذا قالَ المؤلِّف:«{فَصِرْهُنَّ}: أَمِلْهُنَّ إلَيْك» .
(1)
قرأ أبو جعفر وحمزة وخلف، ويعقوب برواية رويس:{فَصِرْهُنَّ إِلَيْكَ} بكسر الصاد. وقرأ الباقون: {فَصُرْهُنَّ} بضم الصاد. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 189 - 190)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 232).
وقولُه: (وقطِّعهنَّ
…
) إلى آخره: هذا مفهومٌ من السياق من قوله: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} .
وقولُه: (من جبال أَرضك): لأنَّ من المعلوم أنه ليس المرادُ جميعُ جبالِ الدنيا.
وقولُه: (إليك): أي: لِيَأْتِينَ إليك.
وقولُه: (سريعًا): أي: يأتينَ مُسرعاتٍ.
وقولُه: (لا يُعجزه شيءٌ): يُبيِّنُ أن العِزَّةَ تتضمَّنُ كمالَ القدرةِ.
وقولُه: (في صنعه): أي: ذو حكمةٍ في خلقهِ لا يخلقُ شيئًا عَبَثًا.
وقولُه: (فأخذ طاووسًا
…
) إلى آخرِهِ: تعيينُ الطيورِ وكيفيةُ ما فعلَهُ إبراهيمُ -كما ذكرَ المؤلِّف- هو مِنْ الرواياتِ الإسرائيليَّة، وتعيينُ أنواعِ الطيورِ لا مصلحةَ فيه؛ فلذلك لم يُعيِّنها اللهُ -تعالى- ولم يُسَمِّها واللهُ عزيز حكيمٌ.
* * *
هذه الآيةُ وما بعدَها إلى الآية «274» متصلةٌ بآياتِ الأمرِ بالإنفاقِ والجهادِ في سبيلِ الله، ففي هذه الآياتِ عَوْدٌ إلى موضوعِ الجهاد في سبيلِ الله والإنفاقِ فيه، وفي هذه الآيةِ ترغيبٌ في الإنفاقِ في سبيلِ الله مِنْ جهادٍ وغيرِهِ بمُضاعَفةِ النفقةِ إلى سبعمئةِ ضِعْفٍ، وتشبيهُ ذلك بالحبَّةِ مِنْ الزرعِ تُزرَعُ في الأرضِ فيَنبتُ منها سبعُ سنابلَ في كلِّ سُنبلةٍ مئةُ حَبَّةٍ، ولا ينتهي التضعيفُ عندَ هذا القَدْرِ بلِ اللهُ يضاعِفُ لِمَنْ يشاءُ أضعافًا كثيرةً بلا حَدٍّ ولا عَدٍّ.
وقولُه: {مَثَلُ الَّذِينَ} أي: صفةُ الذين، والموصولُ على تقديرِ مضافٍ محذوفٍ؛ تقديره: مثلُ نفقةِ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
…
} الآية، فالمشبَّهُ هو: المالُ المنفَقُ المضاعَفُ إلى سبعمئةِ ضِعفٍ، والمشبَّهُ بِهِ؛ هي: الحَبَّةُ التي {أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} ، ومعلومٌ: أن هذا رِبحٌ عظيمٌ، وهذا التشبيهُ عند علماءِ البيانِ مِنْ التشبيهِ التمثيليّ الذي يكونُ فيه المشبَّهُ والمشبَّهُ به مجموعُ هيئةٍ بهيئةٍ، ويمكن اعتبارُه من تشبيه الأفرادِ بالأفراد؛ كأنْ يُقال: المنفِقُ كالزارعِ، والمالُ كالحبَّةِ، والأضعافُ المضاعَفةُ كحبَّاتِ السنابلِ السَّبْعِ
(1)
. وقولُه: {فِي سَبِيلِ اللّهِ} : أي: الطريقُ الذي شرعَه، وهذا شاملٌ للإنفاق في كلِّ ما يُحِبُّه اللهُ من الجهاد وغيرِه من وجوه البِرِّ وأنواعِ القُرَبِ
(2)
.
(1)
ينظر: «الكشاف» (1/ 494)، و «الدر المصون» (2/ 578 - 579)، و «التحرير والتنوير» (3/ 41).
(2)
وهو قول سعيد بن جبير والشعبي، واختاره ابن عطية وأبو حيان وابن القيم. ينظر:«تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 514، رقم 2723)، و «المحرر الوجيز» (2/ 57)، و «زاد المسير» (1/ 238)، و «البحر المحيط» (3/ 653)، و «إعلام الموقعين» (2/ 315).
وقولُه تعالى: {وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاء} : يدلُّ على أنَّ مضاعفةَ الحسناتِ يكون بمشيئتِه -تعالى- تَفضُّلًا منه، ويدلُّ على أنَّ مضاعفةَ الحسناتِ لا ينتهي بسبعمئةٍ، بل يضاعِفُ اللهُ لِمَنْ يشاء أكثرَ من ذلك أضعافًا كثيرةً.
{وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (261)} : واسعُ العطاءِ والعلمِ والرحمةِ والقدرةِ، عليمٌ: بكلِّ شيءٍ ومن ذلك عِلمُه بأحوال العاملين ونيَّاتِهم وما يستحقونَه من الثواب، وهو حكيمٌ يضعُ الأشياءَ في مواضعِها.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} : الاسمُ الموصولُ في موضع جرِّ بدلٍ من الموصولِ في قوله: {مَثَلُ الَّذِينَ} ، وعلى هذا تكونُ هذه الجملةُ متصلةً بالتي قبلها في المعنى، ويحتملُ أن تكون مُستأنفةً والموصولُ مبتدأٌ، وخبرُه:{لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (262)}
(1)
.
وقولُه: {ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلَا أَذًى} : معطوفةٌ على صلة الموصولِ فلا محلَّ لهما من الإعراب؛ المعنى: لا يَمُنُّونَ على مَنْ تصدَّقوا أو أنفقُوا عليه بدعوى التفضُّلِ عليه، ولا يؤذونَه بقولٍ ولا فعلٍ؛ فإنَّ ذلك مما يُبطِلُ ثوابَ النفقة؛ لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى} [البقرة: 264].
وقوله تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} : يخبرُ -تعالى- أنَّ القولَ السديدَ المعروفَ في الشرع وفي الفطرة السَّليمةِ -وهو القولُ الحسنُ الخالي عن الفُحشِ والبذاءِ والعفوُ عن الإساءة- أفضلُ من الصدقة التي يتبعُها أذىً، مع أَنَّ القولَ المعروفَ والعفوَ عن الإساءةِ ليس فيها بذلُ مالٍ، وفي هذا ترغيبٌ في القولِ المعروفِ والمغفرةِ للمُسيءِ، وذمٌّ للمَنِّ والأذى في الصدقة.
(1)
ينظر: «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 213)، و «الدر المصون» (2/ 282 - 283).
وقولُه: {وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيم (263)} : ثناءٌ من الله على نفسه بالغنى عن العبادِ وعن أعمالِهِم فلا تنفعُهُ طاعاتُهم ولا تضرُّهُ معاصيهِم، وهو حليمٌ -تعالى- لا يُعاجِلُ بالعقوبةِ مَنْ عصاهُ، وفي ذكر هذا الاسمِ في هذا المقامِ تحذيرٌ لِمَنْ يُتْبِعُ صدقتُهُ بالمَنِّ والأذى، فلولا حِلمُه -تعالى- لعاجَله بالعقوبةِ؛ لأنه مُستحِقٌّ لها.
{مَثَلُ} صفةُ نفقات {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: طاعته {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} فكذلك نفقاتُهم تُضاعَفُ لسبعمائة ضِعْفٍ {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ} أَكثرَ من ذلك {لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ} فضلُه {عَلِيمٌ} بمَن يستحقُّ المضاعفة.
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا} على المنفق عليه بقولهم مثلًا: «قد أَحسنتُ إليه وجبرتُ حالَه» {وَلَا أَذًى} له بذكر ذلك لمن لا يحبُّ وقوفه عليه ونحوه {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} ثوابُ إِنفاقهم {عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} في الآخرة.
{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ} كلامٌ حَسنٌ وردٌّ على السائل جميلٌ {وَمَغْفِرَةٌ} له في إِلحاحه {خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} بالمنِّ وتعييرٍ له بالسؤال {وَاللَّهُ غَنِيٌّ} عن صدقة العباد {حَلِيمٌ} بتأخير العقوبةِ عن المانِّ والمؤذي.
وقولُ المؤلِّف: (صفةُ نفقات): تفسيرٌ للمَثَلِ بالصفةِ، والصفةُ تكونُ بطرقٍ من الكلامِ، والصفةُ في هذه الآية بطريقِ التشبيهِ التمثيليِّ.
وقولُه: (نفقات): بيانٌ للمُشبِّه.
وقولُه: (أي: طاعتِهِ): تفسيرٌ لسبيل اللهِ، وهو تفسيرٌ صحيحٌ؛ فكلُّ طاعةٍ لله هي من سبيل الله تُقرِّبُ إلى الله.
وقولُه: (فكذلك
…
) إلى آخره: بيانٌ لوجه الشبهِ، وهو الاتفاقُ في العددِ بين تضعيفِ النفقةِ وحباتِ السنابل.
وقولُه: (أَكثرَ من ذلك): لأنَّ هذا هو فائدةُ الجملةِ المُستأنَفَةِ.
وقولُه: (فضلُه): خصَّ السعةَ بالفضل؛ مراعاةً لمقامِ الإنفاقِ وتضعيفِ الأجرِ، وإلا فاللهُ واسعُ الفضلِ والرحمةِ والعلمِ كما قال تعالى:{وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7]. وقولُه: (بمَن يستحقُّ المضاعفة): هذا التخصيصُ فيه مراعاةُ المقامِ أيضًا، وإلَّا فاللهُ بكلِّ شيءٍ عليمٌ.
وقولُه: (على المُنفَقِ عليه
…
) إلى آخره: بيانٌ لحقيقةِ المَنِّ وأنه يكون من المُنفِق على المُنفَقِ عليه، ومن المَنِّ قولُ المنفِقِ:«قد أَحسنتُ إلى فلانٍ وأَعطيتُهُ ونفعتُهُ» ؛ على وجهِ التطاولِ عليه وأنَّ له فضلًا عليه.
وقولُه: (له بذكر ذلك
…
) إلى آخره: تفسيرٌ للإيذاء ببعض أنواعِه، وهو ذِكر المُنْفِق مَنْ أنفقَ عليه عند مَنْ يكرهُ المُنْفَق عليه اطِّلاعَه عليه، والأذى عامٌّ لكلِّ ما يكرهُ المتسلّطُ عليه من قولٍ أو فعلٍ.
وقولُه: (كلامٌ حَسنٌ
…
) إلى آخره: فسَّرَ القولَ المعروفَ بالكلام الحَسنِ، والحَسنُ ضِدُّ القبيحِ، فالقولُ المعروفُ هو المستحبُّ شرعًا المقبولُ عقلًا وفطرةً، ومن القول المعروفِ رَدُّ السائلِ بالكلمةِ الطيبةِ كما قال صلى الله عليه وسلم:((فاتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ فمَن لم يجد فبكلمةٍ طيبةٍ))
(1)
؛ كأنْ يُقالَ للسائل: «أَبْشِرْ» ، وإذا أُعْطِيَ قيلَ له:«هذا ما تيسَّرَ، وما يأتي أكثر، وسامِحْ عن التقصيرِ» وما أشبهَ ذلك مِنْ القولِ الحسَنِ المعروفِ، فكلُّ ذلك {خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} ، فمِن أَشدِّ الأذى للمُعطَى: المَنُّ عليه، والصدقةُ المتبوعةُ بالمَنِّ والأذى لا أجرَ فيها؛ لأنَّها باطلةٌ.
(1)
أخرجه البخاري (1413)، ومسلم (1016)، من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
وقولُه: (لهُ في إلحاحِه): يريد: أَنَّ المغفرةَ المرغَّبَ فيها في الآية يرادُ بها: المغفرةُ للسائلِ إذا أساءَ كإلحاحِه في السؤالِ، وهو الإلحافُ المذكورُ في قوله تعالى:{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]
(1)
.
وقولُه: (بالمَنِّ
…
) إلى آخره: فسَّرَ الأذى بنوعَينِ وهما: المنُّ، والتعييرُ للمسكينِ المتصدَّقِ عليه سائلًا أو غيرَ سائلٍ، والأذى: اسمٌ عامٌّ يَعُمُّ كلَّ ما يُؤذي المتصدَّقَ عليه مِنْ قولٍ أو فعلٍ.
وقولُه: (عن صدقةِ العبادِ): اللهُ غنيٌّ عن جميعِ أعمالِ العباد، وخصَّ المؤلِّفُ الصدقةَ؛ مراعاةً لسياقِ الآيات.
وقولُه: (بتأخيرِ العقوبةِ
…
) إلى آخره: بيانٌ لوجه ذِكر اسمِ الله «الحليم» ، وأنَّ فيه تهديدًا وتحذيرًا للمَانِّ والمُؤذِي.
* * *
(1)
سيأتي في (ص 630).
ينهى الله عباده المؤمنين عن التسبُّب في إبطال صدقاتِهم، ومن أَعظم أَسباب بُطلان الصدقة المنُّ والأذى والرياءُ، وهذا معنى قوله:{بِالْمَنِّ وَالأذَى} ؛ أي: بسببِ المَنِّ بالصدقة على المتصدَّقِ عليه أو الأذى له بقولٍ أو فعلٍ، فإنَّ ذلك مُبطِلٌ لصدقتِكُمْ كما يُبطِلُ الرياءُ أجرَ ما يُنفقُهُ المرائي، والذي {يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ} إنما يحملُهُ على ذلك أنه لا يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ؛ لذلك لا يبتغي أجرًا عندَ الله ولا يخشى عقابَه، ثم يُشبِّهُ اللهُ عملَ هذا المرائي في ذهابِ أجرِه بالصَّفوان؛ وهو الحجرُ الأملسُ
(1)
إذا كان {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} ؛ أي: مطرٌ قويٌ
(2)
، فإنه يُزيلُ ما عليه من الترابِ فيبقى الصفوانُ أملسَ لا شيءَ عليه مِنْ ذلك التراب، وهذا معنى: الصَّلْد، ولهذا قال:{فَتَرَكَهُ صَلْدًا} ، وهذا تشبيهٌ تمثيليٌّ؛ شبَّهَ عملَ المرائي -الذي يقتضي في أصلِهِ أجرًا ولكن بريائِهِ أَذْهبَ أجرَهُ- بالصفوانِ الذي عليه ترابٌ فأزالَ المطرُ كلَّ ما عليه مِنْ ذلك فصارَ صَلدًا؛ أي: أملسَ لا شيءَ عليه من ترابٍ ولا نباتٍ
(3)
. وقوله تعالى: {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} أي: لا يقدِرُ المراؤونَ بنفقاتِهم على شيءٍ ينفعُهم جزاءً على أعمالهم؛ لأنهم أبطلوها بفساد نِيَّاتِهم فلم يُنفقُوا ما أنفقوا ابتغاءَ وجهِ الله، بل أنفقوهُ رئاءَ الناس؛ أي: ليَرَاهُمُ الناسُ فيحمدوهم على
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 487 - 488).
(2)
«المفردات» للراغب (ص 852).
(3)
«المفردات» للراغب (ص 490).
إنفاقهم في وجوه الخير، وليس لهؤلاء المرائينَ مِنْ أعمالهم إلا ما نَوَوا لقولِهِ صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمالُ بالنيَّات وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى
…
))
(1)
الحديث.
وقوله تعالى: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ} : تشبيهٌ لِمَنْ يُتْبعُ صدقتَهُ بالمَنِّ والأذى بالذي يُنْفِقُ رئاءَ الناسِ، ووجهُ الشبهِ بينهما: إبطالُ الصدقة والنفقة، وكذلك يُشبِّهُ الذي يُتبِعُ صدقتَهُ بالمَنِّ والأذى بمَن شَبَّه به الذي يُنْفِقُ مالَهُ رئاءَ الناس؛ أي: بالصَّفوان الذي عليه ترابٌ فأَصابَه وابلٌ فتركهُ صَلْدًا، فدلَّ هذا التمثيلُ على أَنَّ هذه المُبطلاتِ للصدقة لا تُبقِي للعامل من أجرِها شيئًا. وقولُه:{وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين (264)} : وعيدٌ للكافرين باللهِ، ومنهمُ المنافقونَ الذين يُنفقونَ أموالَهم رئاءَ الناسِ ولا يؤمنونَ بالله ولا باليوم الآخرِ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ} أَي: أُجورها {بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} إبطالًا {كَالَّذِي} أي: كإبطال نفقة الذي {يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} مرائيًا لهم {وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} وهو المنافقُ {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} حجر أَملس {عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} مطرٌ شديدٌ {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} صلبًا أَملس لا شيءَ عليه {لَا يَقْدِرُونَ} استئناف؛ لبيان مثل المنافقِ المنفق رياءً. وجمعَ الضميرَ باعتبار معنى «الذي» {عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} عملوا، أي: لا يجدون له ثوابًا في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيءٌ من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} .
وقولُ المؤلِّف: (أي: أُجورها): هذا من التفسيرِ بالَّلازمِ؛ فإنَّ العملَ إذا بطلَ في حكم الشرع لم يترتَّب عليهِ أجرٌ.
(1)
أخرجه البخاري (1)، ومسلم (1907)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.
وقولُه: (إبطالًا): هذا مصدرٌ مُبيِّنٌ للنوعِ، قَدَّرهُ المؤلِّفُ ليكون هو المشبّه، والكافُ صفةٌ له؛ فالمعنى: لَا تُبْطِلُوا صدقاتكم إبطالًا مثلَ إبطالِ نفقةِ الذي يُنفقُ مالَه رِئاءَ النَّاسِ. وقولُه: (مرائيًا لهم): جعلَ المصدرَ في موضع الحال، ويُحتمَلُ أنه مفعولٌ لأجله
(1)
.
وقولُه: (وهو المنافقُ): لأَنَّ هذا الوصفَ لا ينطبقُ إلا على المنافقِ دونَ مَنْ يُرائي وهو من المؤمنين.
وقولُه: (حجر أَملس): هذا بيانٌ لمعنى: الصَّفوان.
وقولُه: (مطرٌ شديدٌ): بيانٌ لمعنى الوابلِ، ومعنى شديد؛ أي: شديدُ الوَقْعِ على الأرض وغزيرٌ يجري في الأرض الصَّلبةِ.
وقولُه: (صَلبًا
…
) إلى آخره: تفسيرٌ للصَّلد بثلاثةِ أمورٍ؛ بالصَّلابةِ، والمُلوسةِ، وخُلُوِّه عمَّا يُغطِّيه من نباتٍ أو ترابٍ
(2)
.
وقولُه: (استئنافٌ): إِمَّا أنَّ الجملةَ مُستَأنفةٌ فهو ظاهرٌ، وأما قولُه:(لبيان مثل المنافقِ المنفق رياءً) فليس بظاهرٍ؛ فإن مَثل المنافقِ قد تقدَّمَ قبل الجملةِ المستَأنَفةِ، ولو قال: لبيانِ عاقبةِ المنافقِ الذي ينفقُ رياءً لكانَ أَسَدَّ وأنسبَ.
وقولُه: (وجُمِعَ الضميرُ
…
) إلى آخره: يريد: الواو في قوله: {لَا يَقْدِرُونَ} . وقولُه: (باعتبارِ معنى: «الذي»): يريد: الموصولَ في قوله: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ} ؛ فإنَّ لفظَهُ مفردٌ ومعناهُ جمعٌ؛ لأنَّ المرادَ به الجنس، وهذا معنى قوله:(باعتبار معنى: «الذي»).
وقولُه: (عملوا
…
) إلى آخره: بيانٌ لوجهِ الشبه بين عملِ المُنْفِق رياءً والصفوانِ، وكلامُ المؤلِّف واضحٌ.
* * *
(1)
ينظر: «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 214)، و «البحر المحيط» (2/ 663).
(2)
ينظر: «لسان العرب» (3/ 257).
هذا مَثلٌ آخر ضربَهُ اللهُ لنفقةِ مَنْ يُنفقُ في سبيل اللهِ، والمثلُ الأول في قوله تعالى:{كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} ، ومعنى المثَل هو: الصِّفةُ؛ المعنى: وصفةُ نفقةِ {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ} ؛ أي: طلبًا لرضاهُ وتسليةً من أنفسِهم؛ أي: تصديقًا ويقينًا، وقيل: تثبتًا، وضَعَّفَ ذلك ابنُ جريرٍ ورجَّحَ الأولَ
(1)
.
وقولُه: {كَمَثَلِ} : أي: كصفةِ {جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} ؛ أي: في مُرتَفعٍ من الأرض
(2)
.
{أَصَابَهَا وَابِلٌ} : أي: نزلَ عليها مطرٌ غزيرٌ سقاهَا فَأَرْوَاها.
{فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} : أي: فأثمرتْ ثمرَها ضِعفين؛ أي: مثلَ ثمرِها في العادة مرَّتين، أو مثلَ ثمرِ أمثالِهَا من الجنَّاتِ مرتينِ.
وقولُه: {فَإِنْ لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} : أي: إنْ لم يُصبها مطرٌ شديدٌ أصابَها طَلٌّ، وهو المطرُ الخفيفُ
(3)
؛ المعنى: أنها لا تَعدمُ ما يَسقيها، فإمَّا وابلٌ وإمَّا طَلٌّ، وهذا التفاوتُ في المشبَّه به راجعٌ إلى التفاوت في المشبَّه؛ وهي: نفقةُ المنفقين في سبيلِ الله، فمنهم مَنْ يكونُ أكملَ إخلاصًا وسخاءً وأكثرَ بذلًا وأعظمَ تصديقًا ويقينًا فتُضاعفُ صدقتُه بحسبِ ذلكَ، ومنهم مَنْ يكون دون ذلك فيما تقدَّم فيَنزلُ عن درجته، ولهذا قال ابنُ القيِّم رحمه الله: إنَّ المنفقينَ على درجتين: سابقين مُقرَّبينَ، وأبرارٌ أصحابُ يمينٍ
(4)
، وبنى على ذلك التفاوتَ في سقي الجنةِ التي بربوةٍ، وهي: المشبَّهُ به، وهذا التشبيهُ في هذه الآيةِ مثل ما
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 670 - 671).
(2)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 97).
(3)
ينظر: «المفردات» (ص 522).
(4)
ينظر: «طريق الهجرتين» (ص 804 - 805).
سبقَهُ في المثلَين السابقينِ كلّها من قَبيلِ التشبيهِ التمثيليِّ الذي يُراعَى فيه تشبيهُ جملةٍ بجملةٍ أو هيئةٍ بهيئةٍ كما تقدَّم.
وقوله تعالى: {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (265)} : أي: بما تعملون عليمٌ علمًا تامًّا بجميعِ أعمالِهِ وأسبابِهَا، وغاياتِها محمودةً أو مذمومةً، وآثارِها حسنةً أو سيئةً، نافعةً أو ضارَّةً، فعلمُ اللهِ محيطٌ بذلك كلِّه، ثم يجزي كُلًّا بعملِه إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًا فَشَرٌّ، {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)} [النجم: 31]، ففي قوله:{وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (265)} وعدٌ ووعيدٌ، وعدٌ للمنفقينَ المخلصينَ الصادقينَ، ووعيدٌ للمُرائينَ والمُتْبِعينَ صدقاتهم المَنَّ والأذى.
{وَمَثَلُ} نفقاتِ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ} طَلبَ {مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: تحقيقًا للثواب عليه، بخلاف المنافقين الذين لا يرجونه لإنكارهم له، و «من»: ابتدائية {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} بستانٍ {بِرُبْوَةٍ} بضمِّ الراءِ وفتحِها: مكانٍ مرتفعٍ مستوٍ {أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ} أَعطت {أُكُلَهَا} بضمِّ الكاف وسكونِها: ثمرَها {ضِعْفَيْنِ} مِثلَي ما يُثمرُ غيرها {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} مطرٌ خفيفٌ يُصيبُها ويكفيها لارتفاعها. المعنى: تُثمرُ وتزكو كَثُرَ المطرُ أم قلَّ، فكذلك نفقات مَنْ ذكر، تزكو عند الله كثُرت أم قلَّت {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيُجازيكم به.
وقولُ المؤلِّف: (نفقاتِ): بيانٌ للمُشبَّهِ على أحد القولينِ، وقيل: المشبَّهُ هو الموصولُ {الَّذِينَ} ، ومَن يقولُ ذلك يُقدِّرُ في المشبَّهِ به:«كَمَثَلِ صاحبِ جَنَّةٍ»
(1)
.
(1)
تقدم في (ص 593).
وقولُه: (طلبَ): يقتضي أنَّ {ابْتِغَاءَ} مفعولٌ لأجلِه.
وقولُه: (أي: تحقيقًا للثوابِ
…
) إلى آخره: يريد: احتسابًا للثوابِ الذي وعدَ اللهُ به المنفقينَ ابتغاءَ مرضاتِ الله.
وقولُه: (و «مِنْ»: ابتدائيةٌ): يُبيِّنُ أنَّ تثبيتَهم -وهو تصديقُهم ويقينُهم عند الإنفاقِ- حاصلٌ بمجاهدةٍ من أنفسِهم.
وقولُه: (بستانٍ): بيانٌ لمعنى الجنةِ، ولكن اسم «الجنةِ» يدلُّ على أنها البستانُ كثيرُ الأشجارِ بحيث يسترُ مَنْ فيه، فالجنةُ أخصُّ من البستان، فكلُّ جنةٍ بستانٌ وليسَ كلُّ بستانٍ جَنَّةٌ. وقولُه:(بضمِّ الراءِ وفتحِها): يشيرُ إلى أنَّ فيها لغتينِ وقراءتينِ
(1)
.
وقولُه: (مكانٍ مرتفعٍ مستوٍ): تفسيرٌ للرَّبوةِ، والجنةُ في الربوةِ أطيبُ ما تكونُ ثمرًا وأكثرُهُ؛ لِبُروزها للشمسِ والرياحِ.
وقولُه: (أعطَتْ): هو معنى: «آتَتْ» ، والإيتاءُ والإعطاءُ يُضافُ إلى الجنة وإلى الشجرة، فقوله تعالى:{تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 25] معناه: تُخرِجُ ثمرَها، وذلك بإذنِ الله ومشيئتِهِ.
وقولُه: (بضمِّ الكافِ وسكونِها): يشيرُ إلى اللغتين في «أُكُل» وقد قُرِئ باللُّغتَين
(2)
.
(1)
قرأ عاصم وابن عامر: {بِرَبْوَةٍ} بفتح الراء، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي:{بِرُبْوَةٍ} بضم الراء، أما لغة فجاءت مثلثة الراء مع رَباوَةٌ، وبغير ما تقدم -من الفتح والضم- جاءت روايات شاذة عن: ابن عباس، والأشهب العقيلي، والحسن، والأعمش، وابن أبي إسحاق. ينظر:«النشر» (2/ 232)، و «مختصر شواذ القرآن» (ص 23)، و «الكامل في القراءات» (ص 509)، و «الصحاح» للجوهري (6/ 2350).
(2)
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {أُكْلَهَا} بسكون الكاف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي:{أُكُلَهَا} بضمها. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 190)، و «التيسير في القراءات السبع» (ص 299 - 300).
وقولُه: (ثمرَها): تفسيرُ {أُكُلَهَا} ، وهو كلُّ ثمرٍ مأكولٍ كالتمرِ والعنبِ وغيرهما.
وقولُه: (مِثلَي ما يُثمرُ غيرُها): ضعفُ الشيءِ: مثلُهُ، وضعفاهُ: مِثْلاه؛ فمعنى: {آتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} أي: أثمرتْ مثل ثمرِ غيرها مرَّتين، وهذا في صفة المشبَّهِ به، فيقتضي أنَّ المُشبَّهَ وهو نفقةُ المُخلِص يثابُ عليها مثلَ ما يُثابُ غيرُه مرتين، وبذلك يظهرُ وجهُ الشَّبهِ.
وقولُه: (مطرٌ خفيفٌ
…
) إلى آخره: تضمَّنَ تفسيرَ الطَّلِّ بأنه المطرُ الخفيفُ، وبيان أنَّ هذه الجنة يزكو ثمرُها إنْ أصابَها وابلٌ أو طَلٌّ. ثم يُبيِّنُ وجهَ الشبهِ بين المشبَّهِ والمشبَّهِ به بقوله:(فكذلك نفقات مَنْ ذكر، تزكو عند الله كثُرت أم قلَّت).
وقولُه: (مَنْ ذُكر): أي: مَنْ ذُكر في أول الآية، وهم {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أموالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} .
وقولُه: (فيُجازيكم به): يُنبِّه على أنَّ قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيه الإشارةُ إلى الجزاء وعدًا ووعيدًا.
* * *
الخطابُ في هذه الآيةِ للمؤمنينَ؛ فإنَّ معناها مُتَّصلٌ بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى} ، والاستفهامُ إنكاريٌّ معناه: النفيُ، ومُتضمِّنٌ للتقريرِ؛ فالمعنى: لا يحبُّ أحدٌ منكم أنْ تكون لهُ هذه الجنة مع ما ذُكِر من مصيرها، وما ذُكر من ضعفِ صاحبِها وضعفِ ذريتِه، وهذه الجنةُ مثلٌ ضربَه اللهُ لِمَنْ عملَ عملًا صالحًا يستحقُّ عليه الثوابَ، ثم أبطله بقولٍ أو فعلٍ مما يبطلُ الأعمالَ كالمَنِّ والأذى في الصدقةِ، وبهذا يظهرُ اتصالُ هذه الآيةِ بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم
…
} الآيةَ.
وأعظمُ ما ينطبقُ عليه هذا المثلُ مَنْ أمضى عمرَهُ في طاعة الله وعند الموتِ ارتدَّ عن الإسلام فأبطلَ كلَّ ما مضى منه من أعمالٍ صالحةٍ، وهذا معنى ما جاء عن ابن عباس، وعن عمرَ رضي الله عنهم في تفسير الآية
(1)
.
وقولُه: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ} : أي: من تحت أشجارِها. وقولُه: {لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} : أي: من أنواع الثمارِ، وهو يدلُّ على أنَّ في هذه الجنةِ أنواعَ الأشجارِ ذاتِ الثمرِ، وخصَّ النخلَ والعنبَ بالذكر؛ إما: لكثرتِهِما فيها، وإما لفضلِهما على سائر الشجرِ لكثرةِ منافعِهما
(2)
.
وقولُه: {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} : الواو واو الحال؛ أي: وقد أصابَه الكِبرُ فهو عاجزٌ عن الكسب. {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء} : هم عاجزون كذلك، و {ضُعَفَاء}:
(1)
ينظر: صحيح البخاري (4538)، و «تفسير الطبري» (4/ 682 - 684)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 522)، و «الدر المنثور» (2/ 47 - 49).
(2)
ينظر: «الكشاف» (1/ 491)، و «المحرر الوجيز» (2/ 70)، و «تفسير القرطبي» (3/ 319).
جمعُ ضعيفٍ، ويُجمَعُ على ضِعَافٍ، والإعصارُ: هي الريحُ الشديدةُ الباردةُ، وقيل: ريحٌ شديدةٌ فيها سمومٌ
(1)
، وهو ما يدلُّ عليه قوله:{فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} ؛ أي: احترقَتْ أشجارُ الجنةِ وثمارُها فلم يبقَ فيها نفعٌ لصاحبِها مع ما هو عليه من عجزِه وعجزِ ذريتِهِ فذهب عملُهُ فيها وما أنفقَه في غرسها وإصلاحها باطلًا وخسرَ خسرانًا مُبينًا.
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} : أي: مثلُ هذا البيانِ والتفصيلِ للآياتِ السابقةِ يُبيِّنُ سائرَ الآياتِ من كتابه.
وقولُه: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون (266)} : «لعلَّ» : للتعليل؛ فالمعنى: بيَّنَ لكم الآياتِ لِتتفكَّروا فيها وتتدبَّروها فتَفهموها وتهتدوا بها.
{أَيَوَدُّ} أَيحبُّ {أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} بستانٌ {مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا} ثمرٌ {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَ} قد {أَصَابَهُ الْكِبَرُ} فضعفَ من الكبر عن الكسب {وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} أولادٌ صغارٌ لا يقدرون عليه {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} ريحٌ شديدةٌ {فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} ففقدها أَحوج ما كان إليها، وبقي هو وأولادُه عجزةً مُتحيِّرين لا حيلةَ لهم. وهذا تمثيلٌ لنفقة المرائي والمانِّ في ذهابها وعدمِ نفعها أَحوج ما يكون إليها في الآخرة. والاستفهامُ بمعنى النفي. وعن ابن عباس: هو لرجلٍ عملَ بالطاعات ثم بعثَ له الشيطانُ فعمل بالمعاصي حتى أَحرقَ أَعمالَه {كَذَلِكَ} كما بين ما ذُكِر {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} فتعتبرون.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 690 - 693)، و «المحرر الوجيز» (2/ 70)، و «تفسير القرطبي» (3/ 319 - 320).
وقولُ المؤلِّف: (أَيحبُّ): قيل: المودّةُ: خالصُ المحبةٍ
(1)
، وقيل: الودُّ: محبةُ الشيءِ مع تَمنِّيه
(2)
. وقولُه: (بستانٌ): أي: بستانٌ كثيرُ الأشجارِ.
وقولُه: (ثمرٌ): هو تقديرٌ للمبتدأِ، وخبرُه: الجارُّ والمجرورُ {لَهُ} .
وقولُه: {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} : صفةٌ للمبتدأِ المقدَّرِ.
وقولُه: (قد): يريدُ «وقد أصابَه الكِبَرُ» ، فالجملةُ حالٌ.
وقولُه: (فضعفَ
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الكِبر: حالةُ ضعفٍ يعجزُ معها الإنسانُ عن الكسبِ الذي يُغنيهِ عن الحاجة إلى الغير.
وقولُه: (أولادٌ صغارٌ
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ بالذرية الصِّغارِ لقوله: {ضُعَفَاءُ} ؛ لأنَّ الصِّغر حالةُ ضعفٍ لا يتهيأُ معه الكسبُ.
وقولُه: (ريحٌ شديدةٌ): قيل: باردةٌ شديدةُ البردِ، وقيل: سمومٌ، ويؤيدُ هذا قوله:{فِيهِ نَارٌ} . وقولُه: (ففقدَها
…
) إلى آخره: بيانٌ لعِظَم المصيبةِ بما أصابَ الجنةَ مع ما عليه صاحبُها من ضعفه وضعفِ ذريتِه، فلم يبقَ لهُ مع هذه الحال نفعٌ من جنَّته، ويُبيِّنُ المؤلِّفُ وجهَ الشبهِ بين مَنْ أبطلَ صدقتَه وعملَه الصالح فلم يجدْ له ثوابًا في الآخرة وصاحبِ هذه الجنةِ. وقولُه:(والاستفهامُ بمعنى: النَّفي): يريد: الاستفهام في أول الآيةِ.
وقولُه: (وعن ابنِ عباسٍ
…
) إلى آخره: هذا الأثرُ رواهُ البخاريُّ
(3)
، وهو من أحسنِ ما تُفسَّر به هذه الآيةُ، وقد أحسنَ المؤلِّفُ بنقله.
وقولُه: (ما ذُكِر): بيانٌ لمرجع الإشارةِ في قوله: {كَذَلِكَ} .
وقولُه: (فتعتبرون): بيانٌ للغاية من التفكُّرِ.
* * *
(1)
ينظر: «روضة المحبين» (ص 74).
(2)
ينظر: «لسان العرب» (3/ 453 - 454).
(3)
«صحيح البخاري» (4538).
لَمَّا رغَّب تعالى في الآيات السابقة في الإنفاق في سبيله وحذَّر من كلِّ ما يُبطل الصدقات من المنِّ والأذى والرياء وضربَ الأمثال لذلك؛ أَمرَ تعالى عبادَه المؤمنين في هذه الآية بالإنفاق من الطيبات مما اكتسبوه بالتجارة وغيرِها، ومما أَخرجَ لهم من الأرض من الحبوب والثِّمار، ونهاهم تعالى عن قصد الخبيثِ من المال -وهو: الرديءُـ عند قصْدِ الإنفاق، فبيَّن تعالى ما ينبغي الإنفاق منه وهو الطيِّب؛ أي: الجيد من أنواع المال، وما لا ينبغي قصْدُه في الإنفاق وهو الخبيث، وأَكَّد تعالى هذا النهيَ بأنَّ اختيارَ الرديءِ فيما تنفقونه لله لا يليقُ بكم، وأنتم لا تختارونَه لأَنفسكم؛ بل لا تقبلونه لو أُهديَ إليكم إلَّا على إغماض؛ أي: إلَّا على كراهةٍ وحياءٍ ممن أَعطاكُموه؛ وهو ما يُعبَّرُ عنه بالمجاملة، وهذا معنى قوله تعالى:{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ} .
ثم أَعلمَ تعالى عبادَه بأنه غنيٌّ عن نفقاتهم، فلم يأمرْ بالإنفاق في سبيله من الطِّيبات لحاجتِه إلى ذلك؛ بل ليُظهر ما في قلوب المؤمنين من تقوى اللهِ والتصديق بوعده كما قال تعالى:{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج: 37].
وهو الحميد؛ أي: المحمودُ على جميع أفعالِه وتدبيرِه في شرعه وقَدَره؛ وذلك لكمال حكمته، فله الحمدُ كلُّه، ولهذا جمعَ تعالى في تعليمه لعباده بين هذين الاسمين «الغني الحميد»؛ فقال:{وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيد (267)} ، ويُحتمل أَنَّ «حميد» بمعنى: حامد، وهذا معنى صحيحٌ؛ لأَنَّه تعالى يُثني على عباده المؤمنين وعلى المنفقين ويُضاعفُ لهم الأُجور؛ فيكون معنى {حَمِيد}
قريبًا من معنى {شَكُور} ؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُور (30)} [فاطر: 29 - 30].
واختلف المفسرون في الإنفاق المأمور به في الآية؛ فقيل: هو الزكاةُ، وقيل: صدقةُ التطوع، وظاهرُ الآية العمومُ؛ كقوله:{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون (3)} [البقرة: 3]، يشمل النفقةَ الواجبةَ والمستحبةَ
(1)
.
وقد استُدلَّ بالآية على وجوب الزكاةِ في عروض التجارة؛ لقوله: {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} ، وعلى وجوب الزكاةِ في الخارج من الأرض من قوله:{وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} ، فأَمَّا عروضُ التجارةِ فذهب جمهورُ العلماءِ على وجوب الزكاةِ فيها
(2)
، وهي: كلُّ ما أُعِدَّ للبيع وطُلِبَ به الرِّبحُ، وذهبت الظاهريةُ إلى عدم وجوب الزكاةِ في العروض
(3)
.
وأَمَّا الخارجُ من الأرض؛ ففي وجوبِ الزكاةِ فيه مذاهب
(4)
؛ فقيل: تجبُ الزكاةُ في كلِّ خارجٍ من الأرض؛ من الحبوب والثمارِ والفواكهِ والخضرواتِ؛ لعموم الآية.
وقيل: يختصُّ وجوبُ الزكاة بما يُوسَقُ من الحبوب والثمار؛ كالتمر والعنب والبر والشعير؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس فيما دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ من حب أو ثمر صدقةٌ))
(5)
.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 709 - 710)، و «المحرر الوجيز» (2/ 71 - 72).
(2)
ينظر: «المجموع شرح المهذب» (6/ 3 - 5)، و «المغني» (4/ 248 - 249).
(3)
ينظر: «المحلى» (4/ 39).
(4)
ينظر: «المجموع شرح المهذب» (5/ 430 وما بعدها)، (5/ 468 - 471)، و «المغني» (4/ 154 ما بعدها).
(5)
أخرجه البخاري (1459)، ومسلم (979)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وقيل: لا تجبُ الزكاةُ إلَّا في أربعة التمر والزبيب والبر والشعير؛ لحديث أبي موسى ومعاذ وفيه أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تأخذوا الصدقةَ إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر))
(1)
، وأَدخل بعضُ المفسِّرين في عموم:{وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ} المعدنَ والرِّكازَ؛ فأَوجب فيهما الزكاةَ من هذه الآية، ويدلُّ لوجوب الزكاةِ في الرِّكازِ قولُه صلى الله عليه وسلم:((وفي الرِّكازِ الخُمسُ))
(2)
.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا} أَي: زكُّوا {مِنْ طَيِّبَاتِ} جِياد {مَا كَسَبْتُمْ} من المال {وَمِـ} ن طيبات {مَا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} من
(1)
أخرجه الدارقطني (1921)، والحاكم (1459)، والبيهقي (1459) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي، عن سفيان الثوري، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى ومعاذ بن جبل حين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم:((لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: .. )) وذكره.
وأبو حذيفة فيه ضعف من قبل حفظه، وأخرج له البخاري في المتابعات. «التقريب» (7010)، وقال الذهبي في «الميزان» (8923):«صدوق إن شاء الله، يهم، تكلم فيه أحمد، وضعفه الترمذي، وقال ابن خزيمة: لا يحتج به» .
وطلحة بن يحيى التيمي مختلف فيه، وثقه يحيى بن معين وغيره، وقال يحيى القطان:«لم يكن بالقوي» ، وقال البخاري:«منكر الحديث» ، وذكره ابن حبان في «الثقات» ، وقال:«كان يخطئ» . ينظر: «الميزان» (2/ 343).
وتابع أبا حذيفة في روايته عن سفيان: عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي. أخرجه البيهقي (7452) من طريق يحيى بن آدم، ولفظه غير صريح في الرفع.
وأخرجه أحمد (21989)، والدارقطني (1914)، والحاكم (1457) من طريق موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه إنما أخذ الصدقة
…
)) وذكره. وموسى بن طلحة لم يدرك معاذًا، لكنها وجادة صحيحة.
وللحديث شواهد ومراسيل يشد بعضها بعضًا كما قال البيهقي. ينظر: «نصب الراية» (2/ 386)، و «البدر المنير» (5/ 511)، و «التلخيص الحبير» (3/ 1335، رقم 1039)، و «إرواء الغليل» (3/ 276، رقم 801).
(2)
أخرجه البخاري (1499)، ومسلم (1710)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الحبوب والثمار {وَلَا تَيَمَّمُوا} تقصدوا {الْخَبِيثَ} الرديءَ {مِنْهُ} أَي: من المذكور {تُنْفِقُونـ} هـ في الزكاة: حالٌ من ضمير «تيمَّموا» {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} أَي: الخبيثَ لو أُعطيتموه في حقوقكم {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} بالتساهلِ وغضِّ البصرِ. فكيف تؤدُّون منه حقَّ اللهِ؟ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ} عن نفقاتكم {حَمِيدٌ} محمودٌ على كلِّ حالٍ.
وقولُ المؤلِّف: (أي: زكوا): هذا أَحدُ الأقوال في معنى الأمر في هذه الآية؛ وهو أَنَّ المرادَ إِخراجُ الزكاةِ المفروضة. وقيل: المرادُ بالأمر صدقةُ التطوع. وقيل: إِنَّ الأمرَ يَعمُّهما، وهذا أَظهرُ؛ لإطلاقِ الأمرِ بالإنفاق؛ قال ابنُ جرير في تأويل قولِه تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا} : «زكُّوا وتصدَّقوا»
(1)
.
وقولُه: (جِياد): جمعُ جيِّد، وذكره بلفظ الجمعِ مراعاةً للفظ الطيباتِ، والجيدُ والطيِّبُ: هو المستحسنُ المرضيُّ، خلافَ الرديء.
وقولُه: (من المال): يُبيِّنُ أَنَّ المرادَ الإنفاقُ من الطيِّب من أنواع المال.
وقولُه: ({وَمِـ} ن طيبات): يُبيِّنُ أَنَّ قولَه: {مَا أَخْرَجْنَا} معطوفٌ على قولِه: {مَا كَسَبْتُمْ} ؛ إذن: فهو على تقدير: ومن طيباتِ ما أَخرجنا كما قدَّره المؤلِّف.
وقولُه: (من الحبوب والثمار): بيانٌ للمُراد بالمخرج من الأرض والحبوب والثمار هي أَكثرُ وأَشهرُ ما يمتنُّ اللهُ على عباده بإِخراجه كما في سورة الأنعام والنحل وغيرهما، ومن ذلك قولُه تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا} [فاطر: 27]، وقوله:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} [ق: 9 - 10].
(1)
«تفسير الطبري» (4/ 694).
وقولُه: (تقصدوا): تفسيرٌ لـ {تَيَمَّمُوا} ، وأَصلُه تتيمموا، حُذفت منه إحدى التاءين، ويُقال في الماضي: يمَّم كذا، وتيمَّم؛ أي: قصدَ ومنه قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]؛ أي: اقصدوا.
وقولُه: (الرديء): تفسيرٌ للخبيث، وهذا في مقابل الطيبات، فأَمرَ بالإنفاق من الطيبات ونهى عن قصد الإِنفاقِ من الخبيث.
وذُكر بسبب نزولِ هذه الآيةِ أَنَّ بعضَ الصحابةِ لَمَّا أَمر اللهُ بالإنفاق علَّقوا قنوان في المسجد للفقراء، فعلَّقَ بعضُهم قنو حشف
(1)
فأَنزل الله هذه الآية
(2)
، وقيل: الخبيثُ هو الحرامُ
(3)
، والطيِّبُ هو الحلالُ، وهذا معنىً صحيحٌ، ولكنْ تفسيرُ الطيِّبِ والخبيثِ في الآية بذلك لا يُناسبُ السِّياقَ
(4)
إذا عُلم أَنَّ الأصلَ في مال المسلمِ أَنَّه من الحلال.
وسببُ نزولِ الآية يُرجِّحُ القولَ الأَوَّل وهو قولُ الجمهور.
وقولُه: (من المذكور): يُبيِّنُ أَنَّ الضميرَ في {مِنْهُ} يعود على الخبيث المذكور قبل. وقولُه: (حالٌ من ضمير «تيمموا»): معناه: أَنَّ جملةَ {تُنْفِقُونَ} في موضع نصبٍ على الحال من الواو في قوله: {وَلَا تَيَمَّمُوا} ؛ فالتقدير: ولا تيمَّموا الخبيثَ مُنفقين منه؛ أي: قاصدين الإنفاقَ منه؛ أَي: من الخبيث خاصَّة كما يدلُّ عليه تقديمُ الجار والمجرور.
(1)
القنو: العذق بما فيه من الرطب، وجمعه: أقناء. والحشف: اليابس الفاسد من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له كالشيص. ينظر: «النهاية» (4/ 114)، و (1/ 391).
(2)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 88)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 623).
(3)
في الآية قولان؛ أحدهما: أنهم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة. وهو قول عليٍّ، والبراء بن عازب، وجمهور المفسرين، ونقل الطبري اتفاق أهل التأويل عليه. والثاني: أن الخبيث هو الحرام، وضعّف ابن عطية هذا القول من جهة نسق الآية ومعناه. ينظر:«تفسير الطبري» (4/ 698 - 703)، و «المحرر الوجيز» (2/ 72)، و «زاد المسير» (1/ 241)، و «تفسير ابن كثير» (1/ 697).
(4)
ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 72).
وقولُه: (أَي: الخبيث
…
) إلى آخره: بيانٌ لمرجع الضمير المجرور في قوله: {آخِذِيهِ} ؛ المعنى: لا تقبلون الخبيثَ لو أُعطيتم حُقوقَكم منه، أَوْ أُهديَ إليكم منه.
وقولُه: (بالتساهل
…
) إلى آخره: بيانٌ لمعنى الإغماضِ؛ وهو التساهلُ والمجاملةُ في أَخْذ الحقِّ مع ما فيه من العيب لهم بأَنْ رَضوا للهِ ما لا يرضون به لأنفسهم.
وقولُه: (عن نفقاتكم): خصَّ النفقات بالذكر مراعاةً لسياق الآياتِ، وإِلَّا فاللُه غنيٌّ عن جميع طاعات العبادِ.
وقولُه: (محمودٌ على كلِّ حال): هذا أَحدُ الوجهين في معنى «الحميد» ، وقيل بمعنى: حامد، والأَوَّلُ أَظهرُ وأَشهرُ.
* * *
وقوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (268)} [البقرة: 268]:
لَمَّا أَمر اللهُ بالإنفاق في سبيله ورغَّب في ذلك وأَمرَ بالإنفاق من طَيِّبِ المالِ؛ حذَّرَ سبحانه من العدوِّ الذي يأمرُ بضدِّ ما أَمر اللهُ به، ويعدُ بضدِّ ما يعدُ اللهُ به؛ وهو الشيطانُ إبليس وذريته وأَتباعه؛ فقال تعالى:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} يعني: يُخوِّفكم الفقرَ إذا أَنفقتم أَموالَكم. {وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء} ؛ قيل: هي البخلُ، وقيل: المعاصي عامَّة
(1)
.
{وَاللّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} : مغفرةً لذنوبكم مما يحصل من التفريط بما أَوجب عليكم، ويَعدكم فضلًا؛ أي: ثوابًا وزيادةً في أموالكم بما يُخلفه لكم كما قال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِين (39)} [سبأ: 39]، وفي هذا تحذيرٌ من طاعة الشيطانِ فيما يأمرُ به، وترغيبٌ في الإِنفاق مع حُسْنِ الظنِّ بالله وتصديقِ وعدِه.
{وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (268)} : لا حدَّ لعطائه، ولا ينفذُ ما عنده. {عَلِيم (268)}: بكلِّ شيءٍ، وبأَعمال العبادِ، وبما في قلوبهم من النيَّات، وقد ذكر ابنُ كثيرٍ في تفسيره عند هذه الآية
(2)
حديثًا رُويَ عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا وموقوفًا، أَخرجه ابنُ أبي حاتمٍ والترمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ حبان؛ قال فيه الترمذي بعد روايته:«حَسنٌ غريبٌ، وهو حديثُ أبي الأحوص -يعني سلام بن سليم- لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديثه»
(3)
، ولفظُه عند ابنِ أَبي حاتم كما ذكر ابنُ كثير عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ للشيطان لمَّة بابن آدم، وللملك لمَّة، فأَمَّا لمَّةُ الشيطانِ فإيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأَمَّا لمَّةُ المَلَكِ فإيعادٌ
(1)
ينظر: «زاد المسير» (1/ 242)، و «تفسير البيضاوي» (1/ 160)، و «البحر المحيط» (2/ 681).
(2)
«تفسير ابن كثير» (1/ 699 - 700).
(3)
ينظر: «جامع الترمذي» (2988).
بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وَجَدَ ذلك فليعْلَم أَنَّه من الله، فليحمد اللهَ، ومَن وَجدَ الأُخرى فليتعوَّذ من الشيطان))، ثم قرأ:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً} الآية
(1)
.
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} يُخوفكم به إِنْ تصدَّقتم فتُمسكوا {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} البخلِ ومنعِ الزكاةِ {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ} على الإِنفاق {مَغْفِرَةً مِنْهُ} لذنوبكم {وَفَضْلًا} رزقًا خَلفًا منه. {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} فضلُه {عَلِيمٌ} بالمنفق.
(1)
أخرجه الترمذي (2988)، والنسائي في «الكبرى» (10985)، والطبري (5/ 6)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (2810)، وابن حبان (997)، كلهم من طريق أبي الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وذكره.
وعطاء بن السائب مشهور بالاختلاط، وقد اضطرب في هذا الحديث لاختلاطه. ينظر:«التهذيب» (386).
وأخرجه موقوفًا:
حسين المروزي في زوائده على «الزهد» لابن المبارك (1435)، عن فطر، عن المسيب بن رافع، عن عامر بن عبدة، عن عبد الله بن مسعود، به.
وعبد الرزاق (348) عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود، به.
وأخرجه الطبري (5/ 6) عن عمرو، عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن عبد الله به. وقال عمرو: وسمعنا في هذا الحديث أنه كان يقال: إذا أحس أحدكم من لمة الملك شيئًا فليحمد الله، وليسأله من فضله، وإذا أحس من لمة الشيطان شيئًا، فليستغفر الله وليتعوذ من الشيطان.
وأخرجه الطبري (5/ 7 - 8) عن حماد وعن جرير، كلاهما عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني أن ابن مسعود، وذكره موقوفا أيضًا.
والموقوف هو الصحيح، وقد صحح وقفه: أبو زرعة وأبو حاتم. ينظر: «العلل» (2224)، كما صحح وقفه أحمد شاكر في تحقيقه لـ «تفسير الطبري» (5/ 572)، والألباني في «النصيحة» -في الرد على ابن عبد المنان- (ص 108).
وقولُ المؤلِّف: (يُخوفكم
…
) إلى آخره: تفسيرٌ لوعد الشيطانِ المنفقين بتخويفهم الفقرَ إن هم تصدَّقوا يقول: «يذهب مالُكم وتصيرون فقراءَ بعد أَنْ كنتم أَغنياء» .
وقولُه: (البُخل
…
) إلى آخره: تفسيرُ الفاحشةِ بالبخل هو أَحدُ القولين لتفسير الفاحشةِ في الآية، وقيل: الفاحشةُ: كلُّ ما فَحُشَ من المعاصي. ومن الفواحش منعُ الزكاةِ، وهو أَفحشُ البخل.
وقولُه: (على الإنفاق): يُبيِّنُ أَنَّ المغفرةَ والفضلَ جزاءٌ على الإنفاق.
وقولُه: (لذنوبكم): يُبيِّنُ أَنَّ من وعد الله للمنفقين مغفرةَ ذنوبهم، فيدلُّ على أَنَّ الإنفاقَ من أَسباب المغفرةِ، وهذا مضادٌ لِمَا يأمرُ به الشيطان من الفواحش، فالشيطانُ يأمر بالذنوب واللهُ يعدُ بمغفرة الذنوب.
وقولُه: (رزقًا خَلفًا منه): هذا تفسيرٌ للفضل الموعود به ببعض مدلولِه، فإِنَّ الفضلَ الذي وعد اللهُ به المنفقينَ يعمُّ الثوابَ العاجلَ والآجلَ.
وقولُه: (فضلُه): خصَّه بالفضل مراعاةً للمقام وسياقِ الكلام، وكذا قولُه:(بالمنفق)؛ لأَنَّه تعالى عليمٌ بكلِّ شيءٍ، وكذا اسمه تعالى «الواسعُ» يشمل سعةَ العلمِ والرحمةِ والعطاءِ؛ كما قال تعالى:{وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7].
* * *
وقوله تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاء وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَاب (269)} [البقرة: 269]:
يُخبر تعالى أَنَّه يَمنُّ على مَنْ يشاء فيؤتيه من فضله العظيم، وهو أَنْ يؤتيه الحكمةَ، والحكمةُ: إصابةُ الحقِّ في العلم والعمل، فتشملُ كلَّ علمٍ صحيحٍ وعملٍ صالحٍ، ويجمعُ ذلك الفقهُ في الدِّين، ولهذا فُسِّرت الحكمةُ في هذه الآية بالفقه في كتاب اللهِ وسنَّةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم، وأَعلى مراتبِ الحكمة هي النبوةُ، وتُفسَّرُ بها في بعض المواضع من آي القرآن؛ كقوله تعالى في داود:{وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 251]
(1)
.
وقوله: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} : وهذا امتنانٌ من الله على مَنْ آتاه الحكمةَ بأنه قد أُوتيَ حظًّا عظيمًا، ومعلومٌ أَنَّ مَنْ آتاه اللهُ العلمَ الصحيحَ النافعَ والعملَ الصالحَ فقد نال أَعظمَ سببٍ للسعادة والفوزِ العظيمِ.
وقوله: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَاب (269)} : أَي: لا يتذكَّرُ بالتذكير ولا ينتفعُ بالذكرى إِلَّا أُولوا الألباب؛ أَي: العقولِ الزكيةِ والفِطَرِ السويَّةِ والقلوبِ التقيَّةِ.
{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} أَي: العلمَ النافعَ المؤدِّي إلى العمل {مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} لمصيرِه إلى السعادة الأبدية. {وَمَا يَذَّكَّرُ} فيه إِدغامُ التاءِ في الأصل في الذال: يتَّعظُ {إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} أَصحابُ العقولِ.
وقولُ المؤلِّف: (العلمَ
…
) إلى آخره: فسَّرَ الحكمةَ بالعلم؛ أَي: العلم الشرعي، وهو يشمل العلمَ بالقرآن والسنَّةِ، وقيَّده بالعلم المؤدِّي إلى العمل،
(1)
تقدم (ص 555).
فشملت الحكمةُ العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ، ولا يتحقَّقُ ذلك إِلَّا بالفقه في الدِّين في دلائله ومسائله.
وقولُه: (لمصيرِه
…
) إلى آخره: لأَنَّ العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ هما سببُ هذا المصير.
وقولُه: (فيه إِدغامُ التاءِ
…
) إلى آخره: معناه: أَنَّ أَصلَ {يَذَّكَّرُ} : يتْذَكَّرُ، فقُلبت التاءُ ذالًا وأُدغمتْ في الذال، ثم فسَّر {يَذَّكَّرُ} بـ «يتَّعظ» .
وقولُه: (أَصحابُ العقولِ): معناه: أَنَّ أَصحابَ العقولِ المتفكرةِ هم الذين إذا ذُكِّروا تذكَّروا؛ أَي: اتَّعظوا وانتفعوا.
* * *
يُخبر تعالى عن علمه بما يُنفقُ العبادُ من نفقةٍ صغيرةٍ أو كبيرةٍ، وما ينذرون من نذرٍ قليلًا كان أو كثيرًا، ويعلم تعالى نيَّاتهم في نفقاتهم ونُذورهم، والنذرُ: هو أَنْ يوجب الإنسانُ على نفسه ما لم يجب عليه في أَصل الشرعِ
(1)
، وقرن اللهُ بين النفقةِ والنذرِ؛ لأَنَّ النذرَ كثيرًا ما يكون في الصدقة من المال، فيكون عبادةً باعتبار المآل، وأَمَّا عقدُ النذر فإنه منهيٌّ عنه في السنَّةِ الصحيحةِ؛ من ذلك قولُه صلى الله عليه وسلم:((النذرُ لا يأتي بخيرٍ، وإنما يُستخرجُ به من البخيل))
(2)
، لكنْ مَنْ نذرَ طاعةً وَجبَ عليه الوفاءُ بنذره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:((مَنْ نذرَ أَنْ يُطيعَ الله فليُطعه))
(3)
، وقولِه تعالى مُثنيًا على عباده:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7].
وقولُه تعالى: {فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ} : جوابُ الشرط في قوله: {وَمَا أَنفَقْتُم} ، فمعنى الآية: أَيُّ نفقةٍ أَنفقتموها وأَيُّ نذرٍ نذرتموه فاللهُ عالمٌ به وسيجزيكم به ثوابًا حسبَ ما يعلمه من نياتكم.
وقولُه: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار (270)} : تهديدٌ للظالمين؛ كمانعي الزكاة ومتبعي صدقاتِهم المنَّ والأَذى، والمنفقين رياءً؛ المعنى: ليس للظالمين مَنْ ينصرُهم فيدفعُ عنهم عذابَ اللهِ.
ثم أَخبر تعالى بحُكمِ إبداءِ الصدقات وإخفائها فقال تعالى: {إِنْ تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ} ، وإبداءُ الصدقات: إظهارُها وإعلانُها، وإخفاؤها: الإسرارُ بها.
(1)
ينظر: «التعريفات» (ص 240)، و «المطلع على ألفاظ المقنع» (ص 477).
(2)
أخرجه البخاري (6608)، ومسلم (1639) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه البخاري (6696) من حديث عائشة رضي الله عنها.
وقولُه: {فَنِعِمَّا هِيَ} : مدحٌ للصدقة الظاهرةِ؛ لأَنها عملٌ صالحٌ، فهي شَرفٌ لصاحبها، وإبداؤها؛ كالإنفاقِ في مشهدٍ من الناس، ولا يضرُّ ذلك المنفقَ إذا صحَّت نيَّتُه وخَلُصَ قصدُه؛ كمَن يُظهِرُ صدقته ليُقتدَى به.
وقولُه: {فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ} : تفضيلٌ لصدقة السرِّ إذا وُضعت في موضعها. وقولُه: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} : ترغيبٌ في الصدقات سِرِّها وعَلنِها؛ لبيانِ أَنَّ اللهَ يُكفِّرُ بها السيئات كما قال صلى الله عليه وسلم: ((الصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النارَ))
(1)
، وفي الحديث الآخر:((صدقةُ السرِّ تُطفئُ غضبَ الربِّ))
(2)
.
(1)
أخرجه أحمد (22133)، والطبراني في «الكبير» (20، رقم 200) من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، به. وعاصم بن أبي النجود فيه لين، وشهر بن حوشب مختلف في توثيقه وتضعيفه، ولم يدرك معاذًا.
وأخرجه عبد الرزاق (20303) -ومن طريقه أحمد (22016) -، والترمذي (2616)، وابن ماجه (3973)، والنسائي في «الكبرى» (11330) من طريق معمر، عن عاصم، عن أبي وائل، عن معاذ، به. وأبو وائل لم يسمع معاذًا؛ كما حققه ابن رجب في «جامع العلوم» (2/ 135). ثم إن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه، وقال الدارقطني:«وهو أشبه بالصواب» .
وأخرجه البزار (27 - «كشف الأستار»)، وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» (3528)، وابن حبان (214) من طريق علي بن الجعد، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن معاذ، به. وعبد الرحمن بن ثابت ضعيف، ومكحول لم يسمع من معاذ. وله طرق أخرى عن معاذ، قال ابن رجب: كلها ضعيفة. ينظر: «جامع العلوم والحكم» (2/ 135).
وللحديث شاهد عن جابر، وصحح بعض المتأخرين الحديث بمجموع طرقه. ينظر:«الصحيحة» (3284)، و «إرواء الغليل» (413).
(2)
أخرجه الطبراني في «الأوسط» (3450) من طريق عمرو بن أبي سلمة التنيسي، عن صدقة بن عبد الله، عن الأصبغ يعني ابن زيد الوراق، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده -معاوية بن حيدة- به.
قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن بهز بن حكيم إلا الأصبغ بن زيد الوراق، ولا عن الأصبغ إلا صدقة، تفرد به عمرو بن أبي سلمة» . وصدقة بن عبد الله وهو أبو معاوية السمين، ضعيف كما في «التقريب» (2913)، والأصبغ صدوق يغرب وقد وثقه جماعة، =
=قال الدارقطني: «تكلموا فيه وهو عندي ثقة» . ينظر: «التقريب» (535)، و «تهذيب التهذيب» (656). وعمرو بن أبي سلمة التنيسي صدوق له أوهام، كما في «التقريب» (5043).
وروي من حديث عبد الله بن جعفر، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأم سلمة، وأبي أمامة، وأنس بن مالك، وقواه الألباني بمجموع طرقه وشواهده. ينظر:«الصحيحة» (1908)، و «إرواء الغليل» (885).
وقوله: {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (271)} : تأكيدٌ للترغيب في الإنفاق في وجوه البرِّ، ومعناه: أَنَّ اللهَ تعالى ذو خبرةٍ؛ أَي: علمٍ تامٍّ بما يعمل العبادُ، ومن ذلك نفقاتُهم وصدقاتُهم، وإِخبارُه تعالى بذلك يقتضي مُجازاتهم عليه بأَنواع الثوابِ في الدنيا والآخرة، واللهُ أَعلم.
{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ} أَدَّيتم من زكاةٍ أَوْ صدقةٍ {أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ} فوفَّيتم به {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} فيُجازيكم عليه {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} بمنع الزكاةِ والنذرِ أَوْ بوضعِ الإنفاقِ في غير محلِّهِ من معاصي الله {مِنْ أَنْصَارٍ} مانعين لهم من عذابه.
{إِنْ تُبْدُوا} تُظهروا {الصَّدَقَاتِ} أَي: النوافلَ {فَنِعِمَّا هِيَ} أَي: نِعم شيئًا إبداؤها! {وَإِنْ تُخْفُوهَا} تُسرُّوها {وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ} من إِبدائها وإِيتائها الأغنياء، أَمَّا صدقةُ الفرضِ فالأفضلُ إِظهارُها؛ ليُقتدى به ولئلَّا يُتَّهم، وإيتاؤها الفقراءَ مُتعيِّنٌ {وَيُكَفِّرُ} بالياء وبالنون مجزومًا بالعطف على محل «فهو» ، ومرفوعًا على الاستئناف {عَنْكُمْ مِنْ} بعض {سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} عالمٌ بباطنه كظاهرِه لا يخفى عليه شيءٌ منه.
وقولُ المؤلِّف: (من زكاة أو صدقة): يُبيِّنُ أَنَّ الآيةَ عامَّةٌ في الزكاة وصدقةِ التطوع، وهو يقتضي أَنَّ {مِنْ} بيانية.
وقولُه: (فوفَّيتم به): يُبيِّنُ أَنَّ الغايةَ المحمودةَ لنذرِ الطاعةِ هي الوفاءُ به.
وقولُه: (فيُجازيكم عليه): يُبيِّنُ أَنَّ المقصودَ من ذكر العلمِ التنبيهُ على الجزاء.
وقولُه: (بمنع الزكاة والنذر
…
) إلى آخره: بيانٌ لأنواع الظلمِ في باب الإنفاق.
وقولُه: (مانعين لهم من عذابه): يُبيِّنُ أَنَّ نفعَ الأنصارِ بالدفع.
وقولُه: (أَي: النوافلَ): يُشيرُ إلى الفرق بين الزكاةِ وصدقةِ التطوع في الإبداء والإخفاء، وأَنَّ الأَفضلَ في التطوع الإخفاءُ وفي الزكاة الإظهارُ، والصوابُ: أَنَّ الإخفاءَ في الجميع أَفضلُ؛ لعموم الآيةِ، إِلَّا أَنْ يخشى التهمةَ بمنع الزكاةِ
(1)
.
وقولُه: (أَي: نِعْمَ شيئًا إبداؤها): يُبيِّنُ بهذا أَنَّ «ما» الثانية نكرةٌ وقعت تميزًا؛ ولهذا عبَّرَ عنها بشيءٍ وقدر المخصوص بالمدح بقوله: (إبداؤها)، والأَظهرُ أَنَّ المخصوصَ بالمدح «هي» كما في لفظ الآية؛ فالتقدير المناسب: نِعِمَّا شيئًا هي؛ أي: الصدقات.
وقولُه: (تُسرُّوها): أي: تُعطوها الفقراءَ سرًّا فيما بينكم وبينه لا بمشهدٍ من الناس، وهذا مطلوبٌ في الزكاة وصدقةِ التطوعِ خلافًا لِمَا ذكرَ المؤلِّفُ كما تقدَّم.
وقولُه: (من إِبدائها
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ أَفعل التفضيل يتعلَّقُ بالإخفاء؛ أي: فإخفاؤها خيرٌ من إِبدائها، وإعطاؤها الفقراءَ خيرٌ من إِعطائها الأَغنياءَ.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 14 - 17)، و «المحرر الوجيز» (2/ 80 - 81)، و «زاد المسير» (1/ 243).
وقولُه: (وإيتاؤها الفقراءَ مُتعيِّنٌ): أَي: واجبٌ وجوبًا عينيًّا، فلا يجوزُ صرفُ الزكاةِ في الأغنياء؛ بل في الفقراء، كما قال صلى الله عليه وسلم:((تؤخذُ من أَغنيائهم فتُردُّ في فقرائهم))
(1)
.
وقولُه: (بالياء وبالنون
…
) إلى آخره: يُشير إلى القراءتين في {يُكَفِّرُ} ، وهي: بالياء مسندًا إلى الله بضميرِ الإفرادِ، وقُرئَ بالنون مسندًا إلى الله بضمير الجمعِ.
وقولُه: (مجزومًا): يُشيرُ إلى القراءتين في فعل {يُكَفِّرْ} ؛ إحداهما: بجزم الفعلِ، والفعلُ معطوفٌ على محلِّ جوابِ الشرط {فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ}؛ لأَنَّ الجملَة في محلِّ جزم جوابِ الشرط. والثانية: برفعِ الفعلِ، وتكونُ جملةُ {وَيُكَفِّرُ} مستأنفةً
(2)
.
وقولُه: (بعض): يُبيِّنُ أَنَّ {مِنْ} في قوله: {مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} تبعيضيةٌ؛ فالمعنى: ويُكفرُ عنكم بعضَ سيئاتكم.
وقولُه: (عالمٌ بباطنه
…
) إلى آخره: بيانٌ لمعنى {خَبِيرٌ} ، فالخبرةُ علمٌ خاصٌّ، وهو العلمُ بالخفيَّات
(3)
.
وقولُه: (بباطنه): أَي: بباطن عملِكم كما يعلمُ ظاهرَه، فالسِّرُّ والإعلانُ عنده سواءٌ سبحانه وتعالى؛ كقوله تعالى:{سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} [الرعد: 10].
* * *
(1)
أخرجه البخاري (1395) ومسلم (19)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)
قرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي وخلف: {وَنُكَفِّرْ} بالنون والجزم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم برواية أبي بكر ويعقوب:{وَنُكَفِّرُ} بالنون والرفع. وقرأ ابن عامر وعاصم برواية حفص {وَيُكَفِّرُ} بالياء والرفع. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 191)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 236).
(3)
تقدم في (ص 621).
يُخبرُ تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم مُسليًّا له بأَنَّ ليس عليه أَنْ يهديَ الناسَ؛ بل أَمْرُ الهدى إلى الله فإنه القادرُ عليه؛ لأَنَّ المراد بالهدى في هذه الآية هو الهدى الخاص؛ وهو التوفيقُ لقبولِ الحقِّ وشرحُ الصَّدرِ، وذلك لا يقدرُ عليه إلا اللهُ، لا الرسولُ ولا غيرُه، أَمَّا الهدى العامُّ؛ وهو البيانُ والإرشادُ والدلالةُ على الخير؛ فذلك مقدورٌ للرسول صلى الله عليه وسلم وكلِّ مَنْ دعا إلى الله من أَتباعه كما قال تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (52)} [الشورى: 52]، وقوله:{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُون (181)} [الأعراف: 181]. وفي هذا الخبرِ تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم لأَنَّه صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على هدى الناس كما قال تعالى في شأن الرسول: {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (128)} [التوبة: 128]؛ أَي: حريصٌ على هدايتكم، وقوله:{إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: 37].
وجاء ذِكرُ الهدايةِ واختصاصها بالله بين آياتِ الإِنفاقِ؛ للدلالةِ على أَنَّ هدايةَ قلوب المؤمنين لشرح صدورهم للإنفاق في سبيل الله هو كذلك إلى الله، ليس على الرسول ولا إليه، وقد ذكر المفسرون أَنَّ سببَ نزول هذه الآية أَنَّ الأَنصارَ كانوا لا يتصدَّقون على أَقاربهم من أهل الكتاب، ورُوي أَنَّ النبيَّ
صلى الله عليه وسلم أَمر أَلَّا يُتصدَّقَ إِلَّا على مَنْ كان مسلمًا؛ فأَنزل اللهُ هذه الآيةَ
(1)
، وفيها الندبُ إلى الإنفاقِ على أهل الكتابِ وغيرهم من أهل الأديان، وبهذا يظهر وجهُ ورودها بين آيات الإنفاقِ.
ثم ذكر تعالى في هذه الآيةَ ثلاثَ جُملٍ تضمَّنت كلُّ واحدةٍ معنىً من المعاني المتعلِّقةِ بالإنفاق، أَفادت الأُولى: أَنَّ نفعَ الإنفاقِ وثوابَه عائدٌ إلى أَنفُسِ المنفقين، على حدِّ قوله تعالى:{إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ} [الإسراء: 7]، وقوله:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)} [فصلت: 46].
وأَفادتِ الجملةُ الثانيةُ: أَنَّ المؤمنين إذا أَنفقوا لا يُنفقون إِلَّا لوجه الله، لا يريدون ممن أَحسنوا إليه جزاءً ولا شكورًا.
وأَفادت الجملةُ الثالثةُ: أَنَّ ما يُنفقه المنفقون ابتغاءَ وجهِ الله يُوفَّى إليهم؛ أي: يُجزون به فيُعطونَ أُجوره كاملةً غير منقوصةٍ وذلك قولُه: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُون (272)} .
ثم أَخبر تعالى بأَهمِّ مصارفِ الصدقات؛ وهم الفقراءُ المتعففونَ، فلا يسألون الناسَ، وإن سألوا لم يُلحفوا، لكن يعرفهم أَهلُ الفراسةِ بسيماهم؛ كرثاثةِ ثيابِهم ونحولِ أَبدانهم، قيل: هم فقراءُ المهاجرين، ومنهم أَهلُ الصُّفَّةِ
(2)
، ومن تعفُّفهم يحسبهم الجاهلُ أَغنياءَ من التعفُّفِ، وقد أَحصرهم الفقرُ والجهادُ في سبيل الله عن التكسُّب، فلا يستطيعون ضربًا في الأرض ابتغاءَ فضلِ الله. ثم رغَّب في الإنفاق فقال:{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم (273)} ؛ فإنه إذا استحضر المؤمنُ أَنَّ اللهَ يعلم ما يُنفقه ابتغاءَ وجه الله كان ذلك من أَعظمِ الحوافز له إلى الإنفاق؛ ولهذا رغَّبَ تعالى في كثرةِ الإنفاقِ، فأثنى على المنفقين
(1)
ينظر: «أسباب النزول» (ص 89)، و «العجاب» (1/ 628).
(2)
ينظر: «تفسير البغوي» (1/ 337)، و «زاد المسير» (1/ 245)، و «التحرير والتنوير» (3/ 74).
أَموالَهم بالليل والنهار سرًّا وعلانيةً، ورتَّب لهم على ذلك الأَجرَ، ونفى الخوفَ والحزنَ عنهم.
ولَمَّا مَنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من التصدِّق على المشركين ليُسلموا نزل: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} أَي: الناس إلى الدخول في الإسلام، إنما عليك البلاغُ {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} هدايتَه إلى الدخول فيه {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} مالٍ {فَلِأَنْفُسِكُمْ} لأَنَّ ثوابَه لها {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} أَي: ثوابَه لا غيره من أَعراض الدنيا، خبرٌ بمعنى النهي {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} جزاؤُهُ {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} تُنقَصونَ منه شيئًا. والجملتان تأكيدٌ للأولى.
{لِلْفُقَرَاءِ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: الصدقاتُ لهم {الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي: حَبسوا أَنفسَهم على الجهاد، نزلت في أَهل الصُّفةِ، وهم أَربعمائةٍ من المهاجرين أُرصِدوا لتعلُّمِ القرآنِ والخروجِ مع السرايا
(1)
{لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا} سفرًا {فِي الْأَرْضِ} للتجارة والمعاشِ؛ لشُغلهم عنه بالجهاد {يَحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ} بحالهم {أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} أي: لتعفُّفهم عن السؤال وتركِه {تَعْرِفُهُمْ} يا مخاطَبًا {بِسِيمَاهُمْ} علامتِهم من التواضع وأَثرِ الجهد {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ} شيئًا فيُلحفون {إِلْحَافًا} أي: لا سؤالَ لهم أصلًا، فلا يقع منهم إلحافٌ؛ وهو الإلحاحُ {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فمُجازٍ عليه.
وقولُ المؤلِّف: (ولَمَّا مَنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
…
) إلى آخره: يُشير إلى سبب نزولِ هذه الآيةِ، وهو نهيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن التصدُّقِ على غير
(1)
ينظر: «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 633).
المسلمين من أَهل الكتاب والمشركين؛ من أَجل أَنْ يَحملهم مَنعهم من الصدقة على الإسلام، فأَخبر اللهُ نبيَّه أَنْ ليس عليه هدايتهم، فلا ينهى عن التصدُّق عليهم من أَجل ذلك، وأَنَّ أَمْرَ هدايتهم إلى اللهِ تعالى، فهو الذي يهدي مَنْ يشاء.
وقولُه: (أَي: الناس
…
) إلى آخره: بيانٌ لمعنى الآيةِ المتعلقِ بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ وهو أَنَّه ليس عليه صلى الله عليه وسلم أَنْ يهديَ الناسَ فيَجعلهم مُهتدين، وإنما الواجبُ عليه البلاغُ كما قال تعالى:{إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48]، {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [النور: 54].
وقولُه: (هدايتَه
…
) إلى آخره: فيه تقديرُ مفعولِ {يشاء} ، والمرادُ بهذه الهدايةِ هدايةُ التوفيق المستلزمة للدخول في الإسلام، وهي هدايةٌ خاصةٌ لا يقدر عليها إِلَّا اللهُ؛ بخلاف هدايةِ البيان؛ فإنها عامَّةٌ ومقدورةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم ولكلِّ داع إلى الله.
وقولُه: (مالٍ): هذا أَحدُ التفسيرين للخير في الآية، ولفظُ الخيرِ في القرآن يُراد به المال كثيرًا؛ كقوله تعالى في الإنسان:{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، وقوله في هذه السورة:{إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180]، ويُراد به العملُ الصالحُ؛ كقوله تعالى:{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 197]،
(1)
والخيرُ في هذه الآيةِ يحتملُ الوجهين، وأَكثرُ المفسرين يُفسِّرونه بالمالِ كما فعلَ المؤلِّف
(2)
.
(1)
أوصلها بعض العلماء إلى أكثر من عشرين وجهًا. ينظر: «الوجوه والنظائر» لمقاتل (ص 57 - 58)، و «التصاريف ليحيى بن سلام» (ص 174 - 175)، و «نزهة الأعين النواظر» لابن الجوزي (ص 285 - 289).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 22)، و «الكشاف» (1/ 502)، و «المحرر الوجيز» (2/ 87)، و «تفسير القرطبي» (3/ 339).
وقولُه: (لأَنَّ ثوابَه لها): بيانٌ لِمَا يعود إلى نفس المنفق من إنفاقه؛ وهو ثوابُ ما أَنفقه؛ فصار حظُّ المنفقِ مما أَنفقه أَعظمُ من حظِّ المنفقِ عليه.
وقولُه: (أَي: ثوابَه لا غيره من أَعراض الدنيا): هذا صريحٌ في تفسيرِ الوجهِ بالثوابِ، وهو تأويلٌ بل تحريفٌ؛ لأنَّه صرفٌ للكلامِ عن ظاهرِه بغيرِ دليلٍ، وإنَّما يفعلُ هذا من لا يثبتُ حقيقةَ الوجهِ للهِ كما هي طريقةُ المعطِّلةِ من الجهميَّةِ ومَن تبعَهم
(1)
.
وأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يثبتون الوجهَ للهِ ولا يكيِّفونَ ولا يمثِّلونَ ولا يحرِّفونَ النصوصَ عن ظاهرِها.
والمؤلِّفُ رحمه الله مشى على طريقةِ المعطِّلةِ فلذا أوَّلَ الآيةَ وصرفَها عن ظاهرها حيثُ فسَّرَ الوجهَ بالثوابِ، فتنَبَّهْ أيُّها القارئُ، واسلكْ طريقَ أهلِ السُّنَّةِ.
وقولُه: (خبرٌ بمعنى النهي): يريدُ جملةَ {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} ؛ فالجملةُ خبريَّةٌ، ومعناهُ: لا تنفقوا إلَّا ابتغاءَ وجهِ اللهِ وهذا على أَنَّ الخطابَ عامٌّ، وقيل: أَنَّ الخطابَ خاصٌّ؛ وهم الصحابة، وعليه: فالنفيُ على بابه، ويكون الخبرُ ثناءً على الصحابة بالإخلاص، وهذا وجهٌ حسنٌ
(2)
.
وقولُه: (جزاؤه): هذا تقديرُ مفعول {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} .
وقولُه: (تُنقَصونَ منه شيئًا): فسَّرَ الظلمَ بالنقص، وأَصلُ معنى الظلمِ: وضعُ الشيءِ في غير موضعه، ويأتي بمعنى النقصِ؛ كما قال تعالى في الجنتين:{وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33]
(3)
.
(1)
ينظر: «النقض على المريسي» (2/ 703 - 724)، و «مختصر الصواعق» (3/ 992) وما بعدها، و «توضيح مقاصد العقيدة الواسطية» لشيخنا (ص 81)، (ص 82 - 83)، و «التعليقات على المخالفات العقدية في الفتح» (ص 78، رقم 49)، (ص 160، رقم 114)، (ص 178، رقم 127).
(2)
ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 355)، و «الكشاف» (1/ 502)، و «المحرر الوجيز» (1/ 86)، و «البحر المحيط» (2/ 695).
(3)
ينظر: أوجه أخرى في: «الوجوه والنظائر» لمقاتل (ص 81 - 82)، و «نزهة الأعين النواظر» لابن الجوزي (ص 426 - 428).
وقولُه: (والجملتان تأكيدٌ للأولى): يريد بالجملتين {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} ، والجملة الأولى:{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} .
وقولُه: (خبرُ مبتدأ محذوف
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ مُتعلقِ الجار والمجرور {للفقراء} وأَنه مُتعلقٌ بمحذوفٍ هو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ قدَّره المؤلِّف: الصدقاتُ للفقراء؛ أَي: حقٌ للفقراء.
وقولُه: (أَي: حَبسوا أَنفسَهم
…
) إلى آخره: تفسيرٌ لقوله تعالى: {أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، وأَنَّ معنى {أُحْصِرُوا}: حَصروا؛ أي: حبسوا أَنفسَهم عن الجهاد فمنعَهم ذلك من التكسُّبِ والضربِ في الأرض للتجارة.
وقولُه: (سفرًا): فسَّرَ الضربَ في الأرض بالسفر، وهو صحيحٌ، كما يشهد له قولُه تعالى:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101]. وقولُه: (للتجارة
…
) إلى آخره: بيانٌ للغرض من الضَّربِ في الأرض.
وقولُه: (لشُغلهم عنه بالجهاد): تعليلٌ لعدم استطاعتهم الضربَ في الأرض.
وقولُه: (عنه): أَي: عن الضرب في الأرض.
وقولُه: (بحالهم): خَصَّ الجهلَ في الآية بالجهل بحالِ أُولئك الفقراءِ؛ لدلالةِ السياقِ على ذلك. وقولُه: (لتعفُّفهم عن السؤال وتركِه): تعليلٌ لحسبان الجاهلِ أَنهم أغنياء، وهذا التعليلُ مُستفادٌ من {مِنَ} في قوله:{مِنَ التَّعَفُّفِ} ؛ فإنها للتعليل.
وقولُه: (يا مخاطَبًا): يريدُ أنَّ قولَه تعالى: {تَعْرِفُهُمْ} خطابٌ عامٌّ لكلِّ من يصلحُ له الخطابُ، النبيُّ أو غيره.
وقولُه: (علامتهم): تفسيرٌ لـ «سِيماهم» ؛ لأَنَّ السِّيما في اللغة: العلامةُ
(1)
، وأَوضحَ المؤلِّفُ هذه العلامةَ بقوله:(من التواضع وأَثر الجَهد): لأَنَّ الفقرَ يُورثُ ضعفًا وجهدًا.
وقولُه: (شيئًا فيُلحفون): يريد أَنَّ نفيَ السؤال عنهم ثناءٌ عليهم بترك السؤال مُطلقًا، وأَنَّ السؤالَ يُفضي إلى الإِلحاف وهو الإِلحاحُ في المسألة، وليس المرادُ نفيَ السؤالِ بإلحافٍ؛ فإِنَّ تركَ السؤالِ مُطلقًا أَفضلُ وأَكملُ في التعفُّف.
وقولُه: (لا سؤالَ لهم أصلًا
…
) إلى آخره: يؤكدُ ما سبق؛ أَنَّ المرادَ نفيُ السؤالِ عنهم مُطلقًا، وإذا لم يسألوا مُطلقًا؛ لم يكن منهم إِلحافٌ؛ لأَنَّه إذا انتفى المعنى العامُّ انتفى الخاصُّ فَلَزِم أَلَّا يقعَ منهم سؤالٌ بإِلحافٍ.
وقولُه: (فمُجازٍ عليه): يريدُ أنَّ قولَه تعالى: {فَإِنَّ اللَّه به عليمٌ} يتضمَّنُ الإخبارَ بالجزاء، فإنَّ إخبارَه تعالى بعلمِه بأعمالِ العبادِ يتضمَّنُ الوعدَ أو الوعيدَ بحسبِ المقامِ.
* * *
(1)
ينظر: «لسان العرب» (12/ 312).
لَمَّا أَمر اللهُ في الآيات السابقة بالإنفاق والصدقات وأثنى على المنفقين في سبيله ووعدَهم الأَجرَ العظيم عنده ونفى عنهم الخوفَ والحزنَ وذمَّ المُتْبعين صدقاتِهم المنَّ والأذى والمرائين فيها؛ ذَكَر تعالى في هذه الآيات ضدَّ المحسنين إلى الناس بأَنواع النفقات فرضِها ونفلِها، بالليل والنهار، سرًّا وعلانيةً، وضدُّ المحسنين هم الظالمون للناس؛ وهم أَكلةُ الربا أَضعافًا مضاعفةً، فأَخبر تعالى عن سوء حالِهم يومَ القيامة إذا قاموا من قبورهم، وأَنهم يقومون بهيئة المجانين، وهذا معنى قوله تعالى:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} ، وذلك بسبب استحلالهم الربا حتى قالوا:{إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} ، فردَّ اللهُ عليهم قولَهم فقال سبحانه:{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} .
ثم أَخبر تعالى أَنَّ مَنْ انتهى عن أَكل الربا بعدما جاءته موعظةٌ من ربِّه بالنهي عن الربا؛ فإنه يحلُّ له ما كسبه في الجاهلية؛ لأَنَّه معذورٌ بجهله، وأَمرُه إلى الله، يحكمُ فيه بحكمه العدلِ ويعفو عنه، وأَنَّ مَنْ عاد لأكل الربا بعد إسلامه وبعد نزول الآيات في تحريم الربا فذلك هو الظالمُ المستوجبُ لوعيد الله، ولهذا قال تعالى:{وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (275)} . فدلَّت الآيةُ على أَنَّ أَكل الربا من كبائر الذنوب، فمَن كان مُستحلًّا لأَكل الربا فهو كافرٌ مخلَّدٌ في النار كسائر الكفرة، ومَن لم يكن مستحلًّا فالوعيدُ بالخلود مخصوصٌ بمَن لم يتبْ، وبمَن لم يَقمْ به مانعٌ؛ وهو التوحيدُ، فإنَّه لا يخلدُ في
النار أَحدٌ من أَهل التوحيد كما استفاضت بذلك السنَّةُ في حديث الشفاعة
(1)
وغيره، وأَجمع على ذلك أَهلُ السنَّة.
وأَصلُ الربا في اللغة: الزيادة
(2)
، وهو في الشرع نوعان: ربا فَضْلٍ، وربا نسيئةٍ
(3)
، وفي كلٍّ منهما معنى: الزيادة؛ فربا الفضل: هو الزيادةُ في أَحد العوضين اللذين هما من جنسٍ واحدٍ من الأجناس الربويةِ الستَّة المذكورة في حديث عبادة، وهي: الذهبُ، والفضةُ، والبُرُّ، والشعيرُ، والتمرُ، والملحُ
(4)
، وجمهورُ أَهلِ العلم يقيسون عليها ما أَشبهها، حَسب ما يُعلِّلون به تحريمَ الربا في هذه الأجناس
(5)
.
وربا النسيئة: هي الزيادةُ في الدَّين في مُقابل الزيادةِ في الأَجل، ويُقال له: ربا الجاهلية؛ يقول: الدائنُ للمَدين إذا حلَّ الدَّين: إِمَّا أَنْ تقضي أو تُربي.
ثم توعَّد تعالى أَكلةَ الربا بمحقِ ما كسبوه من الربا، وذلك بإتلافه أو حرمانهم الانتفاعَ به، {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}؛ أَي: يُنميها ويُكثرها بمضاعفة أَجرها كما في الحديث الصحيح: ((مَنْ تصدَّقَ بعدلِ تمرةٍ من كَسْبٍ طيِّبٍ ولا يقبلُ اللهُ إِلَّا الطيبَ، وإِنَّ اللهَ يتقبلها بيمينه ثم يُربيها لصاحبها كما يُربي أَحدكم فلوَّه؛ حتى تكون مثل الجبل))
(6)
.
(1)
تواترت الأحاديث بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي أهل القبلة عن جمع من الصحابة في الصحيحين والسنن والمسانيد مما يصعب عده. ينظر: البخاري (6304 - 6305)(7440)(7474)(7509 - 7510)، ومسلم (184)(193)(198 - 200)، و «السنة» لابن أبي عاصم (797 - 803)، و «الشريعة» للآجري (778 - 797)، و «السنة» للالكائي (6/ 1161 - 1183)، و «نظم المتناثر» (304).
(2)
ينظر: «لسان العرب» (14/ 304).
(3)
ينظر: «المغني» (6/ 52).
(4)
أخرجه مسلم (1587).
(5)
ينظر: «حاشية ابن عابدين» (5/ 171)، و «التاج والإكليل في شرح مختصر خليل» (6/ 197)، و «الحاوي الكبير» (1/ 81)، و «المغني» (6/ 53).
(6)
أخرجه البخاري (1410)، ومسلم (1014) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.
وقولُه تعالى: {وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم (276)} : أَي: يُبغضه، ومَن أَبغضه اللهُ فاته كلُّ خيرٍ وباءَ بالشقوة فكان من الخاسرين، والكفَّارُ: المبالغُ بالكفر، والأَثيم: المقترف للآثام، وهي: المعاصي.
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} أي: يأخذونه، وهو الزيادةُ في المعاملة بالنقود والمطعومات في القَدْر أو الأَجَل {لَا يَقُومُونَ} مِنْ قبورهم {إِلَّا} قيامًا {كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ} يصرعُه {الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} الجنونِ بهم متعلقٌ بـ «يقومون» . {ذَلِكَ} الذي نزل بهم {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} في الجواز. وهذا من عكس التشبيه مبالغةٌ.
فقال تعالى ردًّا عليهم: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ} بَلغَه {مَوْعِظَةٌ} وعظٌ {مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى} عن أكله {فَلَهُ مَا سَلَفَ} قبل النهي؛ أي: لا يستردّ منه {وَأَمْرُهُ} في العفو عنه {إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ} إلى أَكله مُشبِّهًا له بالبيع في الحلِّ {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} يُنقصُه ويُذهبُ بركتَه {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} يزيدها وينميها ويُضاعفُ ثوابَها {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ} بتحليلِ الرِّبا {أَثِيمٍ} فاجرٍ بأَكله؛ أَي: يُعاقبُه.
وقولُ المؤلِّف: (أَي: يأخذونه
…
) إلى آخره: تفسيرٌ للأكل بالأَخذ، وهو من التعبير بالشيء عن سببه، وفسَّر الربا بالزيادة؛ لأَنَّه من ربا يربو: إذا زاد، وأَشار إلى أَنَّ الربا في الشرع نوعان: ربا فضل، وربا نَسَأ؛ بقوله:(وهو الزيادةُ في المعاملة بالنقود والمطعومات في القدر أو الأجل)؛ فقولُه: (في القَدْر): يريد: ربا الفضلِ، وقولُه:(الأَجَل): يُشير إلى ربا النسأ.
وقولُه: (من قبورهم): هذا معنى ما جاء عن ابن عباس
(1)
.
وقولُه: (قيامًا): يُبيِّنُ أَنَّ قولَه تعالى: {كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَان} صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ فالمعنى: إِلَّا قيامًا كقيام الذي يتخبَّطُه.
وقولُه: (يصرعُه): هذا تفسيرُ {يَتَخَبَّطُهُ} .
وقولُه: (الجنون بهم): بيانٌ لمعنى من المسِّ؛ أي: من الجنون الذي بهم.
وقولُه: (متعلِّقٌ بـ «يقومون»): الصوابُ: أَنَّ الجارَ والمجرور {مِنَ المَسِّ} متعلِّقٌ بـ {يَقُومُ} ؛ لأنَّ المعنى لا يقوم أَكَلَةُ الرِّبا من قبورِهم إلا مثل ما يقومُ المجنونُ الذي يصرعُه الشيطان من المسِّ؛ أي: الجنونِ الذي به
(2)
.
وقولُه: (الذي نزل بهم): يُبيِّنُ أَنَّ المشارَ إليه في قوله: {ذَلِكَ} : هو ما يحصل لهم عند قيامهم من قبورهم كالمجانين.
وقولُه: (بسبب أَنهم): يُبين أَنَّ الباءَ بقوله: {بِأَنَّهُمْ} سببيةٌ.
وقولُه: (في الجواز): بيانٌ لوجه الشَّبَه بين البيع والربا.
وقولُه: (وهذا من عكس التشبيه مبالغةً): لأَنَّ الأصلَ المناسب لهم أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع؛ فعكسوا التشبيهَ مُبالغةً في حلِّ الربا.
وقولُه: (ردًّا عليهم): يُبيِّنُ أَنَّ جملةَ {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} من كلام اللهِ لا من الكلام المحكي عن آكلي الربا.
وقولُه: (بَلغَه): يُبيِّنُ أَنَّ مجيءَ الحجَّةِ هو بلوغُها للمكلَّف.
وقولُه: (وعظٌ): يُبيِّنُ أَنَّ {مَوْعِظَةٌ} مصدرٌ ميميٌّ من وعظ، والمصدر: الوعظُ.
وقولُه: (قبل النهي
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ معنى الآية: أَنَّ ما مضى من العقود الربوية ما نتج عنها من المكاسب هو حلالٌ له لا يجب ردُّه.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 39).
(2)
ينظر: «الكتاب الفريد» (1/ 593)، و «الكشاف» (1/ 506)، و «الدر المصون» (2/ 631).
وقولُه: (في العفو عنه): يُبيِّنُ أَنَّ أَمرَ العفو بعد التوبة مُفوَّضٌ إلى الله؛ إن شاء عفا، وإن شاء لم يعفُ.
وقولُه: (إلى أَكله
…
) إلى آخره: يريد: إلى أَكلِ الربا مُستحلًّا له؛ لأَنَّه شبَّهه بالبيع، وهذا هو المستحقُّ للوعيد الذي في الآية.
وقولُه: (يُنقصُه ويُذهبُ بركتَه): هذا بعضُ معنى المحقِ، وليس في المال المستفادِ من عقود الربا بركةٌ أَصلًا.
وقولُه: (يزيدها
…
) إلى آخره: كلُّ هذه العباراتِ متقاربةُ المعنى، ويشهد لمعنى الآية قولُه صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ تصدَّقَ بعدلِ تمرةٍ من كسبٍ طيِّبٍ
…
)) الحديث، وفيه أَنَّ اللهَ يُربيها كما يُربي أَحدكم فُلوَّهُ
(1)
حتى تكونَ مثلَ الجبلِ.
وقولُه: (بتحليلِ الرِّبا): يُبيِّنُ أَنَّ استحلالَ الربا كفرٌ.
وقولُه: (فاجرٍ): تفسيرٌ لـ {أثيمٍ} ، ولعلَّه أَخذه من اقترانه بـ {كَفَّارٍ} كما في قوله تعالى:{وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 27].
وقولُه: (أي: يعاقبُه): هذا تفسيرٌ لقولِه: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ} ، وهو يقتضي تفسيرَ نفي المحبَّةِ بالعقوبةِ، وهذا جارٍ على مذهبِ مَنْ لا يُثبتُ للهِ صفةَ محبَّةِ؛ لذلك يؤوِّلون المحبَّةَ بالثوابِ وعدمَ المحبَّة بالعقاب، فيجمعون بين التعطيلِ والتأويلِ الذي هو في الحقيقة تحريفٌ
(2)
. والصوابُ: أنَّ اللهَ يحبُّ المؤمنينَ والمتقينَ ولا يحبُّ الكافرينَ بل يمقتُهم كما قالَ تعالى: {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [غافر: 10].
* * *
(1)
الفلو: المهر الصغير، وقيل: هو الفطيم من أولاد ذوات الحافر. «النهاية» (3/ 474).
(2)
تقدم (ص 407).
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (277)} [البقرة: 277]:
هذه الآيةُ اعتراضٌ بين آيات الربا، وفيها عَودٌ إلى الثناء على المؤمنين المتصدِّقين، وفيها مقابلةُ الذمِّ بالمدح، وتعريضٌ
(1)
؛ لأَنَّ أَكلة الربا على ضدِّ هذه الصفات، ومعنى الآية: خبرٌ من الله بعاقبة الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدَّقوا إيمانَهم بعملِ الأعمالِ الصالحات، وهي: كلُّ ما يُحِبُّه اللهُ ويرضاه من الفرائض والتطوُّعات أَقوالًا وأَفعالًا ظاهرةً وباطنةً، وأَجلُّ ذلك إقامُ الصلاةِ وإيتاءُ الزكاة؛ ولذلك عُطِفَا على الأَعمال الصالحة من عَطفِ الخاصِّ على العام تعظيمًا لشأنهما وتنبيهًا على فضلهما.
وقولُه: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (277)} : بيانٌ لعاقبة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فوعدهم اللهُ بالأجر العظيمِ عنده؛ وهو: ثوابُ ما عملوا، وآمنهم مما يكرهون من الخوف والحزن؛ فقال:{وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (277)} ، فلا يخافون من فوت مطلوبٍ ولا يحزنون على ذهاب محبوبٍ، ولم يتعرض المؤلِّف لهذه الآية بتفسير لظهور معناها، وكثرة ذكر كلماتها، وقد تقدم في أول السورة نظائرها.
* * *
(1)
ينظر: «التحرير والتنوير» (3/ 93).
يأمرُ اللهُ عبادَه المؤمنين بتقواه؛ وهي: فعلُ ما أَمر اللهُ به ورسولُه، وتركُ ما نهى اللهُ عنه ورسولُه؛ خوفًا من عذاب اللهِ، وطمعًا في ثوابه، وتلك وصيةُ اللهِ للأَوَّلينَ والآخرينَ والناسِ أَجمعين.
ثم أَمر تعالى المؤمنين أَنْ يتركوا ما بقي لهم من دَين الرِّبا عند المدينين؛ فقال تعالى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)} ، فإِنَّ الإيمانَ يقتضي ترك ما حرَّم اللهُ والتوبة منه، ثم حذَّرهم من الإصرار على أَخذ ما بقيَ من الربا وأَنَّ ذلك مؤذنٌ بحربٍ من الله ورسولِه؛ فقال تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ؛ أَي: إن لم تتوبوا وتتركوا ما بقيَ من الربا؛ فاعلموا أَنَّ اللهَ ورسولَه حربٌ عليكم، ومَن كان اللهُ حربًا عليه أَخزاه وأَهلكَه، فباءَ بالخُسران المبين، ثم بيَّن حكمَهم إذا تابوا فقال تعالى:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} ؛ أَي: وإن تُبتم إلى الله من تعاطي الرِّبا؛ فإنكم تستحقُّون رؤوسَ أَموالكم التي عند مَنْ عاملتموه بالربا دون زيادةٍ عليها، لا تظلمون بأَخذ الرِّبا ولا تُظلمون بالنقصِ من رؤوس أموالِكم.
ثم أَرشد تعالى مَنْ له الدَّيْنَ بإنظارِ مَنْ أَعسر فلم يقدر على وفاء الدَّينِ الذي وجبَ عليه أَداؤُه أَوْ التصدُّق عليه بإبرائه وهو خير؛ فقال تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} ؛ أَي: وإن وجد ذو عسرة؛ أَي: إِعسارٍ، فكان: تامَّة. و «ذو عُسْرَةٍ» : فاعلٌ، و «نَظرةٌ»: مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ، والتقديرُ: فعليه نَظرةٌ؛ أَي: على صاحب الدَّينِ إِنذارُ المعسر، وبعد: فقد ذكر ابنُ كثيرٍ سببَ نزولِ هذه الآيات ونقلَه عن جمعٍ من السَّلف؛ قالوا: إنَّ هذه الآيات نزلت
في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلامُ ودخلوا فيه، طلبت ثقيفُ أَنْ تأخذَه منهم، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام .. فنزلت الآية
(1)
.
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} : أي: اتقوا شرَّ ذلك اليوم وهو يومُ القيامةِ، اتقوه بالأعمال الصالحةِ وتركِ المحرَّمات لتنجوا من عذاب اللهِ.
وقولُه: {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} : أَي: تُرَدُّون في ذلك اليوم إلى الله فيُجازيكم على أَعمالكم، ومَن اتقى اللهَ وخاف ذلك اليوم وقاهُ اللهُ شرَّ ذلك اليوم وأَناله الفوزَ والكرامةَ.
وقولُه: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} : أَي: كلُّ أَحدٍ يُجزى بعمله خيرِه وشرِّه، فمَن يعمل مثقالَ ذرَّةٍ خيرًا يره، ومَن يعمل مثقالَ ذرَّةٍ شرًّا يره. {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)}: أَي: لا يُنْقَصُ أَحدٌ من ثواب حسناتِه، ولا يُزاد في سيئاته، فحُكمه تعالى الجزائي دائرٌ بين الفضل والعدلِ كما قال تعالى:{إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)} [النساء: 40]، هذا وقد ذكر ابنُ كثيرٍ عن ابن عباس وغيرِه أَنَّ هذه الآيةَ آخرُ ما نزل من القرآن، وأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عاش بعد نزولها تسعَ ليالٍ
(2)
.
وفي تعقيب آياتِ الربا بهذه الآية تأكيدٌ لِمَا تقدَّم في الآيات من النهي والوعيدِ، وترهيبٌ شديدٌ من ذلك اليوم الذي يقدمُ العبادُ فيه على الله فيجدون
(1)
«تفسير ابن كثير» (1/ 716). وينظر: «أسباب النزول» (ص 93)، و «العجاب في بيان الأسباب» (1/ 638 - 640).
(2)
«تفسير ابن كثير» (1/ 720). والأثر: أخرجه الطبري (5/ 68)، وابن أبي حاتم (2944) بهذا اللفظ، وفي البخاري (4544) باب:{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} ، ذكر بإسناده أثر ابن عباس رضي الله عنهما، قال:«آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا» . وفي المسألة أقوال تنظر في: «البرهان» للزركشي (1/ 209 - 210)، و «الإتقان» للسيوطي (1/ 176) وما بعدها.
أَعمالَهم مُحصاةً عليهم، فيُجزون بها جزاءً لا ظُلمَ فيه لمحسنٍ ولا مسيءٍ، ولهذا قال تعالى:{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)} ، كما قال تعالى:{فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (54)} [يس: 54].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا} اتركوا {مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} صادقين في إِيمانكم، فإِنَّ من شأنِ المؤمنِ امتثالَ أَمرِ اللهِ. نزلت لَمَّا طالب بعضُ الصحابةِ بعد النهي بربًا كان له قبل {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} ما أُمرتم به {فَأْذَنُوا} اعلموا {بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} لكم، فيه تهديدٌ شديدٌ لهم. ولَمَّا نزلت قالوا:[لا يَدَانِ]
(1)
لنا بحربه {وَإِنْ تُبْتُمْ} رجعتم عنه {فَلَكُمْ رُءُوسُ} أُصولُ {أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ} بزيادةٍ {وَلَا تُظْلَمُونَ} بنقصٍ.
{وَإِنْ كَانَ} وقع غريم {ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ} له؛ أَي: عليكم تأخيره {إِلَى مَيْسَرَةٍ} بفتح السِّين وضمِّها؛ أَي: وقتَ يُسره {وَأَنْ تَصَّدَّقُوا} بالتشديدِ على إدغامِ التاءِ في الأصل في الصاد، وبالتخفيفِ على حذفِها؛ أَي: تتصدَّقوا على المعسرِ بالإبراءِ {خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَنه خيرٌ فافعلوه.
في الحديث: ((مَنْ أَنظرَ مُعسرًا أَوْ وضعَ عنه؛ أَظلَّه اللهُ في ظِلِّه يومَ لا ظلَّ إِلَّا ظلُّهُ)) رواه مسلم
(2)
. {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ} بالبناء للمفعول، تُرَدُّون، وللفاعل: تصيرون {فِيهِ إِلَى اللَّهِ} هو يومُ القيامةِ {ثُمَّ تُوَفَّى} فيه
(1)
هذا ما رجحه شيخنا ـ سدده الله ـ وخطّأ لفظ (لا يَدَي) المثبت في طبعة قباوة، وجاء في حاشية الجمل، وطبعة دار ابن كثير، وطبعة دار السلام:(لا يد لنا).
(2)
أخرجه مسلم (3006) عن أبي اليسر كعب بن عمرو رضي الله عنه دون زيادة: ((يوم لا ظل إلا ظله))، وهي عند أحمد (15521) من هذا الوجه، وأخرجها الترمذي (1306) عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به. وقال:«وفي الباب: عن أبي اليسر، وأبي قتادة، وحذيفة، وابن مسعود، وعبادة، وجابر. وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه» .
{كُلُّ نَفْسٍ} جزاءَ {مَا كَسَبَتْ} عملت من خيرٍ وشرٍّ {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} بنقصِ حسنةٍ أَوْ زيادةِ سيئةٍ.
وقولُ المؤلِّف: (صادقين في إيمانكم): بيانٌ أَنَّ المرادَ بالإيمان في جملة الشرطِ هو الإيمانُ الصادقُ؛ لأَنَّه هو الذي يمنع من مقارفة الذنوبِ، وبهذا يزول الإشكالُ عن التقييد بالإيمان مع أَنَّ الخطابَ في الآية للمؤمنين.
وقولُه: (فإِنَّ من شأنِ المؤمنِ امتثالَ أَمرِ اللهِ): بيانٌ لوجه تقييدِ تركِ الربا بالإيمان؛ فالمعنى: أَنَّ المؤمنَ هو الذي يترك ما حرَّمَ اللهُ بوازع الإيمان.
وقولُه: (نزلت
…
): إلى آخره: يُشير إلى سبب نزول هذه الآياتِ، وقد سبق بيانُه فيما نقله ابنُ كثير.
وقولُه: (ما أُمرتم به): يريد: ما أُمرتم به من ترك ما بقي من الربا في قوله تعالى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} .
وقولُه: (اعلموا): الأذنُ بالشيء: العلمُ به بعد الإعلام، والإذانُ والأذانُ: هو الإعلام كما قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3]
(1)
.
وقولُه: (لكم
…
) إلى آخره: يريد: أَنَّ الخطابَ للذين لم يفعلوا ما أُمروا به، وأَنَّ قولَه:{بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} تهديدٌ للذين أَصرُّوا على أَخذ الربا.
وقولُه: (لا [يدان]
(2)
لنا بحربه): أَي: لا قدرةَ لنا بحربِ اللهِ ورسولِه، فمَن كان اللهُ ورسولُه حربًا له فله الهلاكُ والخسرانُ والعقابُ الشديدُ.
وقولُه: (رجعتم عنه): أي: رجعتم عن المطالبة بما بقي من الربا عند المدينين.
(1)
ينظر: «المفردات» للراغب (ص 70).
(2)
هذا ترجيح شيخنا كما سبق.
وقولُه: (أُصولُ): يُراد بالأصول في الديون ما عدا الربح، فالمعاملُ بالرِّبا إذا تاب يستحقُّ رأسَ مالِه الذي أَعطاه المدينَ دون الربح الذي هو الربا، فله المطالبةُ به دون الفوائدِ؛ فإنها هي الربا الذي لا تجوز المطالبةُ به.
وقولُه: (بزيادةٍ): أي: لا تظلمون بمطالبة المدينِ بالزيادة على رأس المالِ؛ فإنَّ الزيادةَ هي الرِّبا.
وقولُه: (بنقصِ): أَي: بنقص رأسِ المالِ، فالمطالبةُ بالزيادة ظلمٌ للمدين، والنقصُ من رأس المالِ ظلمٌ للدائن.
وقولُه: (وقع غريم): هذا تفسيرٌ لِكان التامة في قوله: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} ، فمعنى (وقع غريم)؛ أي: وإن وجد مدينٌ ذو عسرة؛ أَي: مُعسِر.
وقولُه: (عليكم تأخيره): يُبيِّنُ أَنَّ على الدائنينَ إنظار المعسرَ؛ أَي: تأخير المطالبةِ برأس المال توسعةً على المعسر، والإنظارُ واجبٌ؛ لأَنَّ المعنى: فعليه نظرة؛ أَي: إنظار.
وقولُه: (بفتح السِّين وضمِّها): يُشير إلى قراءتين في {مَيْسَرَةٍ} ، فقُرئَ بفتح السينِ وضَمِّها
(1)
.
وقولُه: (أي: وقتَ يُسره): بيانٌ لغاية الإنظار، وهو وقتُ اليُسرِ.
وقولُه: (بالتشديدِ
…
) إلى آخره: يُشير إلى أَنَّ في الآية قراءتين، بتشديد الصادِ وتخفيفها
(2)
، وأَصلُ قراءةِ التشديدِ بتاءين فسُكِّنت الثانيةُ وقُلبت صادًا، وأُدغمت الصادُ في الصاد، والتقدير: وأَن تتصدقوا، والمصدرُ المؤول من أَنْ والفعل مبتدأ، وخبرُه {خَيْرٌ}؛ فالتقديرُ: وتصدُّقكم على المعسر بإبرائه خيرٌ
(1)
قرأ نافع: {مَيْسُرَةٍ} بضم السين، وقرأ الباقون:{مَيْسَرَةٍ} بفتحها. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 192)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 236).
(2)
قرأ عاصم وحده: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا} بتخفيف الصاد، وقرأ الباقون:{وَأَنْ تَصَّدَّقُوا} بتشديد الصاد والدال. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 192)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 236).
من إنظاره. وقولُه: (أَنه خيرٌ
…
) إلى آخره: تضمَّن تقدير مفعول {تَعْلَمُونَ} ، وتقدير جوابِ الشرطِ المحذوف؛ وهو قولُه:(فافعلوه).
وقولُه: (بالبناء للمفعول
…
) إلى آخره: يُبيِّنُ أَنَّ الفعلَ المضارعَ مبنيٌّ للمفعول، فهو بضمِّ التاء وفتح الجيم، وقُرئَ بكسر الجيم وفتح التاء
(1)
، وفاعلُ {تُرْجَعَونَ} هو اللهُ أَوْ الملائكةُ.
وقولُه: (فيه): أَي: في يوم القيامة.
وقولُه: (جزاءَ): يريد: جزاءَ عملِه، وهو تقدير المفعول الثاني لـ {تُوَفَّى} ، و «جزاء» مُضاف، والاسمُ الموصولُ مضافٌ إليه.
وقولُه: (عملت من خيرٍ وشرٍّ): يُبيِّنُ أَنَّ المعنى: {كَسَبَتْ} عملت، وأَنه عامٌّ للخير والشر، كما يفيده الاسمُ الموصولُ؛ لأَنَّه من ألفاظ العموم.
وقولُه: (بنقصِ حسنةٍ أَوْ زيادةِ سيئةٍ): يُبيِّنُ أَنَّ الظلمَ في الجزاء يكون بالزيادة على السيئات أَوْ بالنقص من الحسنات، واللهُ -تعالى- منزَّهٌ عن الظلم؛ قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40]، وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} [يونس: 44].
* * *
(1)
قرأ أبو عمرو ويعقوب: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تَرْجِعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} بفتح التاء وكسر الجيم. وقرأ الباقون: {تُرْجَعُونَ} بضم التاء وفتح الجيم. ينظر: «السبعة» لابن مجاهد (ص 193)، و «الحجة للقراء السبعة» للفارسي (2/ 417).
لَمَّا ذكر اللهُ أَهلَ الفضلِ؛ وهم المنفقون، وأَهلَ الظلمِ؛ وهم أَكلةُ الربا؛ ذكر أَهلَ العدلِ؛ وهم الذين يكسبون المالَ للتجارة المشروعة، ومنها: البيعُ إلى أَجلٍ؛ فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ
…
} الآية: يأمر اللهُ المؤمنين إذا تداينوا بأَن باعوا سلعةً بثمنٍ إلى أَجلٍ مُسمَّى، أو باعوا سلعةً بثمنٍ حاضرٍ وتسليمها مؤجلًا وهو بيعُ السَّلَم، وقد جاء عن ابن عباسٍ أَنَّ هذه الآيةَ نزلت فيه
(1)
، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قدِم المدينةَ وهم يُسلمون في الثمار السنةَ والسنتين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَسلف في شيءٍ فليُسلفْ في كيلٍ
(1)
قال ابن عباس في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} ، قال: نزلت في السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم. ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 70 - 71)، و «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 554).
معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أَجلٍ معلومٍ))
(1)
، فالدَّينُ تارةً يكون الثمنَ وتارةً يكون المثمَّنَ؛ أي: المبيع، ولَمَّا كان الدَّينُ المؤجَّلُ عرضةً للاختلاف فيه؛ في مِقداره أو نوعِه أو أَجلِه؛ أَمرَ اللهُ المؤمنين في هذه الآية بالكتابة والإشهاد؛ فقال تعالى:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} ، بحفظ الحقوقِ وقطعِ النزاع، وأَمر تعالى الكاتبَ بالكتابة بالعدل، ونهاهُ عن الامتناع عن الكتابة، وهو قولُه تعالى:{وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} ؛ أَي: وليكتب بين الدَّائن والمدينِ بالعدل في كتابه، فلا يُظلَمُ الدائنُ بالنقص من الحقِّ الذي له، ولا يُظلَمُ المدينُ بالزيادة على الحقِّ الذي عليه، وعلى مَنْ علَّمه اللهُ الكتابةَ أَلَّا يمتنعَ إذا دعاه المتداينان إلى الكتابة بينهما؛ شكرًا لله على ما أَنعم به من تعليمه الكتابةَ، وهذا معنى قولِه:{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ} ، ثم أَكَّد سبحانه أَمرَ الكاتبِ أَنْ يكتب، وأَمر أَنْ يُملي على الكاتب مَنْ عليه الحق وهو المدين؛ فقال تعالى:{فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} .
ثم قال تعالى: {وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} : وهذا الخطابُ للمملي الذي عليه الحقُّ أمرًا له بتقوى الله ونهيًا عن أَنْ يبخسَ من الحقِّ شيئًا فيما يُمليه؛ أَي: ينقص من الحقِّ شيئًا. وقولُه تعالى: {فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا} : أَي: لا يُحسن التصرفَ؛ فقد يُقِرُّ بما لا يَلزمُه، أو ضعيفًا؛ كصبيٍّ، أو لا يستطيع أَنْ يُملَّ هو نفسه؛ لخرسٍ أَوْ غيره؛ {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}؛ أَي: فليكن الإملاءُ على الكاتب من ولي المدين، وعلى الولي أَنْ يكون إِملاؤه بالعدل، لا يزيدُ في الدَّين ولا ينقصُ منه.
وقولُه تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ} : يعني: اطلبوا شهيدين من رجالكم أَيها المؤمنون يشهدان على إقرار مَنْ عليه الحقُّ عند كتابة العقدِ، وهذا هو الطريقُ الثاني لإثبات الحقِّ وحفظِه وقطعِ النزاعِ؛ وهو استشهادُ شاهدين.
(1)
أخرجه البخاري (2240)، ومسلم (1604)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
ثم قال تعالى: {فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} : أَي: فإن لم يكن الشهودُ رجلين، {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} أَي: فيشهد أَوْ يكفي رجلٌ وامرأتان.
وقولُه: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء: أَي: الرجلُ والمرأتان من الشهود المرضيّين عندكم لعدالِتهم وأَمانتِهم.
وقولُه: {أَنْ تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} : تعليلٌ لاعتبار العدد في المرأتين. وقولُه: {تَضِلَّ} : أَي: تنسى فتُذكِّرَها الأُخرى ما نسيت من الشهادة، وأَبهمَ تعالى كلًّا من التي ضلَّت والتي ذَكَّرت، فصار كلٌّ منهما مُذَكِّرةً ومذكَّرةً؛ لاحتمال وقوعِ النسيان من كلِّ واحدةٍ منهما، مما يجعلها محتاجةً إلى التذكير بما نسيت.
وقولُه تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ} : نهيٌ من الله للشهود عن الامتناع عن تحمُّلِ الشهادةِ أَوْ أَدائها إذا دُعوا إلى ذلك، والإجابةُ لتحمُّلِ الشهادةِ مُستحبَّةٌ، وقيل: فرضُ كفايةٍ، وقيل: مُتعيِّنةٌ على مَنْ دُعي
(1)
، والإجابةُ لأَدائها واجبةٌ؛ لأَنَّ الشهادةَ أَمانةٌ، ولتوقُّفِ ثبوتِ الحقِّ وأَدائه عليها. ثم نهى تعالى المتداينَيْن عن السآمة من كتابة الدَّينِ صغيرًا أو كبيرًا؛ أي: قليلًا كان الدينُ أو كثيرًا، فقال تعالى:{وَلَا تَسْأَمُوْاْ أَنْ تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} .
وقولُه تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ} : اسمُ الإشارةِ راجعٌ إلى ما تقدَّم من الأَمر بالكتابة والإشهاد. {أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ} : أَي: أَعدلُ؛ لأَنه من القِسط الذي أَمر اللهُ به. والقولُ الثاني: أَي: أَحرى أَنْ يقومَ الشهداءُ بالشهادة على وجهها. {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ} : أَي: أَقرب إلى عدم وقوعِ الرَّيبِ في قلوبكم في شأن الدَّين في نوعِه أَوْ قدرِه أَوْ أَجلِه.
(1)
ينظر: «أحكام القرآن» للجصاص (2/ 255)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (1/ 338)، و «أحكام القرآن» لإلكيا الهراسي (1/ 258 - 259)، و «المغني» لابن قدامة (14/ 124 - 125).
وقولُه تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} : استثناءٌ من الأَمر بالكتابة في قوله: {فَاكْتُبُوهُ} .
وقولُه: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً} : أَي: إِلَّا أَنْ تكون المعاملةُ تجارةً حاضرةً بحضور العوضين؛ لاستغنائهما عن الأَجل. {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} : بتبادل الثمنِ والمثمَّنِ في وقت العقدِ.
وقولُه: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} : أي: فلا إِثمَ عليكم في ترك كتابةِ المبايعةِ لبعد أَسباب النزاع. ثم قال تعالى: {وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} : فأَذن بترك الكتابةِ في التجارة الحاضرةِ وأَمرَ بالإِشهادِ، وقد اختلف العلماءُ في حُكمه؛ فذهب الجمهورُ إلى أنه يُستحَبُّ، واستدلوا على صرف الأَمر عن الوجوب بأَنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم اشترى من أَعرابي فرسًا ولم يُشهد
(1)
، وباع
(1)
أخرجه أحمد (21883)، وأبو داود (3607)، والنسائي (4647)، والحاكم (2187) من طريق الزهري، عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه، وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي؛ فقال:(أو ليس قد ابتعته منك؟) فقال الأعرابي: لا، والله ما بعتكه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((بلى قد ابتعته منك))، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال:((بم تشهد؟))؛ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ورجاله باتفاق الشيخين ثقات ولم يخرجاه، وعمارة بن خزيمة سمع هذا الحديث من أبيه أيضًا» .
وقال ابن كثير في «تحفة الطالب» (184): «إسناده صحيح، حجة» ، وصححه: ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (5/ 78)، والألباني في «الإرواء» (1286).
عبدًا ولم يُشهد
(1)
، وذهب جماعةٌ من السَّلف والخلف إلى وجوب الإشهادِ
(2)
،
(1)
أخرجه الترمذي (1216)، وابن ماجه (2251) من طريق عباد بن ليث -صاحب الكرابيسي-، عن عبد المجيد بن وهب، قال: قال لي العداء بن خالد بن هوذة: ألا نقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت: بلى، فأخرج لي كتابًا، فإذا فيه:«هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشترى منه عبدًا -أو أمة- لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم» .
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عباد بن ليث، وقد روى عنه هذا الحديث غير واحد من أهل الحديث» .
وعباد بن ليث صدوقٌ يُخطئُ، كما في «التقريب» (3141)، لكنه توبع، تابعه المنهال بن بحر: أخرجه ابن أبي حاتم كما في «تغليق التعليق» (3/ 219)، وابن حجر (3/ 218 - 219) من طريق المنهال بن بحر، عن عبد المجيد بن أبي يزيد، عن العداء، به. قال الحافظ:«والمنهال بن بحر المذكور في روايتنا وثقه أبو حاتم وابن حبان، وأما عباد فمختلف فيه، وعبد المجيد وثق، والحديث حسن في الجملة» .
قلنا: المنهال بن بحر؛ هو أبو سلمة العقيلي، وثقه أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (1638)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (15998)، وقال العقيلي في «الضعفاء» (1832):«في حديثه نظر» .
وتابع عباد بن ليث أيضًا: أبو رجاء العطاردي كما في «المعجم الكبير» (15)، -ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (5578) ـ، و «السنن الكبرى» للبيهقي (10886)، و «الاستيعاب» لابن عبد البر (2024) من طريق الأصمعي، عن عثمان الشحام، عن أبي رجاء العطاردي، عن العداء بن خالد بنحوه.
تنبيه: هذا الحديث أورده البخاري معلقًا في باب: إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا (3/ 58)، لكن بلفظ:«ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العداء بن خالد» .
قال الحافظ في «التغليق» (3/ 220 - 221): «وقد تتبعت طرق هذا الحديث من الكتب التي عزوتها إليها؛ فاتفقت كلها على أن العداء هو المشتري، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو البائع، وهو بخلاف ما علقه المصنف فليتأمل.
وقد تؤول، قال القاضي عياض: ما وقع في البخاري من ذلك بأن البخاري ذكره بالمعنى على لغة من يطلق اشترى مكان باع، وباع مكان اشترى، وهو تأويل متكلف، والله الموفق».
(2)
وممن قال بالوجوب: أبو موسى الأشعري، والضحاك، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، ومجاهد، وأشدهم عطاء، وإبراهيم ولو بأقل من ثلث درهم! وكان ابن عمر يفعله في قليل الأشياء وكثيرها، واختار وجوب الإشهاد: الطبري، وداود الظاهري، وابنه أبو بكر. ينظر:«تفسير الطبري» (5/ 109 - 111)، و «المحرر الوجيز» (2/ 122)، و «زاد المسير» (1/ 252)، و «تفسير القرطبي» (3/ 402 - 405).
وهو قويٌّ؛ لظاهر الأَمرِ، إِلَّا في المحقِّرات؛ كالصُّرَّة من البقل وعودِ السواك، ونحوهما.
وقولُه تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} : نهيٌ عن مُضارَّة المتداينين للكاتب والشهيدِ، وعلى هذا: الكاتبُ والشهيدُ نائبُ فاعلٍ، ونهيٌ للكاتب والشهيدِ عن مُضارَّةِ المتداينين، وعلى هذا: فالكاتبُ والشهيدُ فاعلٌ، واللفظُ يحتمل الصورتين؛ لأَنَّ الفعلَ المضعَّفَ يُضار لا تظهر عليه الحركةُ إِلَّا مع فكِّ الإدغامِ، والتقديرُ في الصورة الأولى:«ولا يضارَر» ، بفتح الراءِ الأول وسكونِ الثانية، مبنيٌّ للمفعول، والتقديرُ في الصورة الثانية:«ولا يضارِر» ، بكسر الراءِ الأولى وسكونِ الثانية، مبنيًّا للمعلوم
(1)
.
وقولُه تعالى: {وَإِنْ تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} : يعني: إن تفعلوا المضارة فإِنَّ فعلَكم ذلك فسوقٌ بكم. وقولُه: {وَاتَّقُواْ اللّهَ} : ختمٌ للأحكام السابقةِ بالوصية الجامعةِ، وتأكيدٌ لامتثالِ ما في الآية من الأوامر والنواهي، فإِنَّ امتثالَها من تقوى الله.
وقولُه: {وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} : جملةٌ مُستأنفةٌ فيها امتنانٌ من الله على المؤمنين بتعليمه إِيَّاهم كلَّ ما عَلموه وما سيعلمونه، ومن ذلك ما علَّمهم في هذه الآية من أَحكام التجارةِ والمداينةِ، وقد قيل: إِنَّ بين الامتنانِ بالتعليم والوصيةِ بالتقوى تناسبًا؛ وهو أَنَّ التقوى سببٌ للتعليم؛ كقوله تعالى: {يِاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} [الأنفال: 29]، وهذا ظاهرٌ في آية الأنفال دون آيةِ البقرةِ
(2)
.
(1)
ينظر: «مشكل إعراب القرآن» (1/ 145)، و «البحر المحيط» (2/ 740)، و «الدر المصون» (2/ 675 - 676).
(2)
ينظر: «البرهان» للزركشي (4/ 143)، و «تيسير اللطيف الرحمن» (ص 190)، و «التحرير والتنوير» (3/ 118).
{وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (282)} : إخبارٌ من الله بإحاطة علمِه بكلِّ شيءٍ، فتدلُّ الآيةُ أَنَّ كلَّ ما يعلمُه العبادُ من العلوم الكونيةِ والشرعيةِ فهو من علمه بتعليمهم.
وقولُه تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} : هذا مُتعلِّقٌ بقوله تعالى في الآية السابقة: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} ، وبقولُه:{وَلَا تَسْأَمُوْاْ أَنْ تَكْتُبُوْهُ} : يُبيِّنُ تعالى ما يحفظُ به الحقُّ إذا لم يوجد كاتبٌ؛ وهو الرَّهنُ، وجَمعُ الرَّهنِ: رِهانٌ ورُهونٌ؛ ولهذا قال تعالى: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} ، وخصَّ هذا الحكم بالسفر؛ لأَنَّه مَظنَّةٌ لعدم الكاتبِ. وقيَّدَ الرَّهنَ بالقبض؛ لأَنَّ التوثقة لا تتمُّ إِلَّا به، وذلك إذا لم توجد الثقةُ بين المتداينين، فإِن تحقَّقت الثقةُ بينهما لم يجب على المدين أَنْ يوثِّقَ الدَّينَ برهنٍ، لكن يجب عليه أَنْ يؤدِّي الحقَّ الذي عليه فلا جحدَ ولا مطلَ، ولهذا قال تعالى:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ، والأَمانةُ: هي الحقُّ الذي على المدين، والذي اؤتمنَ: هو الذي عليه الحقُّ، أَمِنه صاحبُه الدائن.
وقولُه: {وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ} : خطابٌ للذي اؤتمن؛ وهو المدينُ الذي عليه الحقُّ، عليه أَنْ يتَّقي اللهَ في الأَمانة؛ وهي: حقُّ الدائنِ الذي لديه، فلا يجحدُه ولا شيئًا منه، ولا يمطلُ، بل يُؤدِّيه للذي ائتمنه؛ وهو الدائنُ صاحبُ الحقِّ.
وقولُه: {وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ} : نهيٌ للشهداء عن كتمان الشهادةِ، ثم عظَّم تعالى كتمانَ الشهادة فقال:{وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} ، وأَضافَ الإِثمَ إلى القلب؛ لأَنَّ الكتمانَ يتعلَّقُ بالعلم الذي في القلب
(1)
.
وقولُه: {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم (283)} : تهديدٌ لمن يكتمُ الشهادةَ بأَنَّ اللهَ به عليمٌ وسيجزيه بعملِه، وكتمانُ الشهادةِ هو من الضِّرار الذي نهي عنه في قولِه:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} ، بل هو من أَعظم الضِّرار.
(1)
ينظر: «تفسير النسفي» (1/ 231)، و «تفسير ابن جزي» (1/ 141)، و «البحر المحيط» (2/ 746).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ} تعاملتم {بِدَيْنٍ} كسَلَمٍ وقرضٍ {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} معلومٍ {فَاكْتُبُوهُ} استيثاقًا ودفعًا للنزاع {وَلْيَكْتُبْ} كتابَ الدَّينِ {بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} بالحقِّ في كتابته، لا يزيدُ في المال والأَجل ولا ينقصُ {وَلَا يَأْبَ} يمتنعَ {كَاتِبٌ} من {أَنْ يَكْتُبَ} إذا دُعي إليها {كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} أَي: فضَّله بالكتابة، فلا يبخل بها، والكافُ متعلقةٌ بـ «يأب» {فَلْيَكْتُبْ} تأكيدٌ {وَلْيُمْلِلِ} يُملَّ الكاتب {الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} الدَّينُ؛ لأَنه المشهودُ عليه، فيُقرُّ ليعلمَ ما عليه {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} في إِملائه {وَلَا يَبْخَسْ} ينقصْ {مِنْهُ} أَي: الحق {شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} مبذِّرًا {أَوْ ضَعِيفًا} عن الإِملاء؛ لصغرٍ أَوْ كِبَرٍ {أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ} لخرسٍ أَوْ جهلٍ باللغةِ أَوْ نحو ذلك {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} مُتولي أَمره من والدٍ ووصيٍّ وقيِّمٍ ومُترجِمٍ {بِالْعَدْلِ} .
{وَاسْتَشْهِدُوا} أَشهدوا على الدَّين {شَهِيدَيْنِ} شاهدين {مِنْ رِجَالِكُمْ} أي: بالغي المسلمينَ الأحرار {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا} أَي: الشاهدان {رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} يشهدون {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} لدينه وعدالته، وتعدُّدِ النساءِ لأَجْلِ {أَنْ تَضِلَّ} تنسى {إِحْدَاهُمَا} الشهادةَ لنقص عقلهنَّ وضبطهنَّ {فَتُذْكِرَ} بالتخفيفِ والتشديدِ {إِحْدَاهُمَا} الذاكرةُ {الْأُخْرَى} الناسيةَ، وجملةُ الإذكارِ محلُّ العلةِ، أَي: لتذكر أن ضلت. ودخلت على الضلال لأَنه سببه. وفي قراءةٍ بكسر «إن» شرطية ورفع «تذكر» استئناف جوابه {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا} زائدةٌ {دُعُوا} إلى تحمُّل الشهادةِ وأَدائها. {وَلَا تَسْأَمُوا} تملُّوا من {أَنْ تَكْتُبُوهُ} أَي: ما شهدتم عليه من الحقِّ؛ لكثرةِ وقوعِ ذلك {صَغِيرًا} كان {أَوْ كَبِيرًا} قليلًا أو كثيرًا {إِلَى أَجَلِهِ} وقتِ حُلولِه. حالٌ من الهاء في «تكتبوه» . {ذَلِكُمْ} أَي: الكَتْبُ {أَقْسَطُ} أَعدلُ {عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} أَي: أَعونُ على
إقامتها؛ لأَنَّه يذكرها {وَأَدْنَى} أَقربُ إلى {أَلَّا تَرْتَابُوا} تشكُّوا في قدرِ الحقِّ والأَجلِ. {إِلَّا أَنْ تَكُونَ} تقعَ {تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ} وفي قراءةٍ بالنصب، فـ «تكون» ناقصة، واسمها ضمير التجارةِ {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} أَي: تقبضونها ولا أَجلَ فيها {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} في {أَلَّا تَكْتُبُوهَا} والمرادُ بها المتجر فيه.
{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} عليه، فإِنَّه أَدفعُ للاختلاف. وهذا وما قبله أَمرُ ندبٍ {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} صاحبُ الحقِّ ومَن عليه؛ بتحريفٍ أَوْ امتناعٍ من الشهادة أَوْ الكتابةِ أَوْ لا يضرهما صاحبُ الحقِّ بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادةِ.
{وَإِنْ تَفْعَلُوا} ما نُهيتم عنه {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ} خروجٌ عن الطاعة لاحقٌ {بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ} في أَمره ونهيه {وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} مصالحَ أُموركم، حال مقدرة أَوْ مستأنف {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .
{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ} أَي: مسافرين وتداينتم {وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرُهُنٌ} وفي قراءةٍ: (فَرِهَانٌ) جمعُ رهنٍ {مَقْبُوضَةٌ} تستوثقون بها. وبيَّنتِ السنَّةُ جوازَ الرَّهنِ في الحضر ووجود الكاتب، فالتقييدُ بما ذكر؛ لأَنَّ التوثقَ فيه أَشدُّ. وأَفاد قولُه «مقبوضة» اشتراطَ القبضِ في الرَّهن والاكتفاءَ به من المرتهنِ ووكيلِه.
{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} أَي: الدائنُ المدينَ على حقِّه فلم يرتهن {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ} أَي: المدين {أَمَانَتَهُ} دَينَه {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} في أَدائه {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} إذا دُعيتم لإقامتها. {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} خصَّ بالذِّكر لأَنَّه محلُّ الشهادةِ، وأَنَّه إذا أَثمَ تَبعه غيرُه فيُعاقب عليه معاقبةَ الآثمين {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} لا يخفى عليه شيءٌ منه.
وقولُ المؤلِّف: (تعاملتم): يريد: بتجارةٍ كالمبايَعة، ولكن المعاملة أعمُّ من المداينة، فالمداينة تختصُّ بما إذا كان أحدُ العِوَضَيْنِ مُؤجَّلًا، ففسَّر المؤلِّفُ لفظَ:{تَدَايَنْتُمْ} بما هو أعمُّ منه. وقولُه: (كسَلَمٍ وقرضٍ) السَّلَمُ المؤجَّلُ فيه هو المَبيع، والقرضُ دَيْنُ إرفاقٍ لا مُعاوضة، والصحيحُ: أنه يقبلُ التأجيل.
وقولُه: (معلومٍ): أي: بتعيينِ وقتِ حلولِ الدَّين وتحديدِهِ بالسنة والشهر.
وقولُه: (استيثاقًا ودفعًا للنزاع): بيانٌ لحكمةِ الأمر بالكتابة.
وقولُه: (كتابَ الدَّينِ): بيانٌ لمفعولِ {فَلْيَكْتُبْ} . وقولُه: (بالحقِّ في كتابته
…
) إلى آخره: فسَّرَ العدلَ بالحقِّ، والحقُّ ضدُّ الباطل، والمراد؛ بالعدل: العدلُ الخالِصُ الذي ليس فيه باطلٌ، ثم بيَّنَ المؤلِّف ما يحصل به العدلُ في قوله:(لا يزيدُ في المال والأَجل ولا ينقصُ).
وقولُه: (يمتنعَ): يريد قولَه تعالى: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ} أي: لا يمتنعْ كاتبٌ من الكتابة إذا دُعِيَ إليها. وقولُه: (من): أي: من الكتابة؛ يريد: لا يمتنعْ كاتبٌ من الكتابة.
وقولُه: (إذا دُعي إليها): بيانٌ لحال النَّهي عن الامتناع؛ أي: لا يمتنعْ مِنْ الكتابة في هذه الحال. وقولُه: (أَي: فضَّله
…
) إلى آخره: يُبيِّن أن عِلْمَ الكتابةِ نعمةٌ من الله على الكاتب، فالواجبُ مقابلتُها بالشكر، والبخلُ بالكتابة ينافي شكرَ هذه النعمة.
وقولُه: (والكافُ؛ متعلقةٌ بـ «يأب»): الصوابُ أن يقالَ متعلِّقة؛ بـ «لَا يَأْبَ» ، وتكون للتعليل؛ فالمعنى: لا يأبَ كاتبٌ أن يكتبَ مِنْ أجلِ أنَّ اللهَ علَّمَهُ، فإنَّ ذلك يقتضي شكرَ اللهِ على هذه النعمة، ومِن شكرِ الله: الإجابةُ إلى الكتابةِ إذا دُعِيَ إليها
(1)
.
(1)
ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 112 - 113)، و «البحر المحيط» (2/ 724 - 725)، و «الدر المصون» (2/ 652 - 653).
وقولُه: (تأكيدٌ): يبيِّن أن الأمر بالكتابة تأكيدٌ للنهي عن الإباءِ منها.
وقولُه: (الكاتب): تقديرٌ لمفعول: {يُمْلِلْ} بتضمينِهِ يُسمِعُ؛ أي: يُسمِعُ الذي عليه الحقُّ الكاتبَ ألفاظَ إقرارِه ليكتُبَها.
وقولُه: (الدَّينُ
…
) إلى آخره: تفسيرٌ للحقِّ الذي يُقِرُّ به المدين فيعلم ويُشهِدُ عليه.
وقولُه: (فيُقرُّ): يعني: بإملائه بالدَّين الذي عليه.
وقولُه: (في إِملائه): يريد أن على المُمْلِي الذي عليه الحقُّ أن يتقيَ اللهَ ويراقبَه فلا يُحرِّفَ في كلامه، ولا يُلبّس بل يكون كلامُهُ واضحًا لا يلتبسُ على الكاتب ولا على الشهود.
وقولُه: (ينقصْ): أي: لا ينقص في إقراره من الحق شيئًا، وهذا مما يدخلُ في التقوى.
وقولُه: (أي: الحق): بيانٌ لمرجعِ الضمير المجرور في قوله: {لَا يَبْخَسْ مِنْهُ} .
وقولُه: (مبذِّرًا): أي: لا يحفظ المالَ ويُفرِّطُ في صرفِه، وهذا عنوانُ السَّفَهِ.
وقولُه: (عن الإِملاء
…
) إلى آخره: يتضمن أن الضعيفَ هو الصبي أو الكبير الذي لا يعقلُ، ومَن هذه حالُه لا يُحسنُ الإملاءَ؛ لنقصِ عقله.
وقولُه: (لخرسٍ
…
) إلى آخره: بيانٌ لأسباب العجز عن الإملاء.
وقولُه: (مُتولي أَمره
…
) إلى آخره: بيان للمراد بوليّ الذي عليه الحق.
وقولُه: (أَشهدوا على الدَّين): يبيِّن أن المراد بالاستشهاد الإشهادُ، فإذا حصل الإشهاد فهو المطلوب، والسِّينُ والتاءُ للطلب عند الحاجة.
وقولُه: (شاهدين): تفسيرٌ لـ {شَهِيدَيْنِ} ، والشاهد: مَنْ يشهدُ بما علم.
وقولُه: (بالغي
…
) إلى آخره: بيانٌ لِما يدل عليه لفظُ {رِجَالِكُمْ} وهو ثلاثة أمور: البلوغُ، والحريةُ، والإسلامُ؛ أَمَّا البلوغُ والإسلامُ فدَلالة اللفظِ عليهما ظاهرةٌ، وأَمَّا الحريةُ ففي دَعوى دَلالة لفظ «الرجال» عليها نظرٌ؛ فإِنَّ عبيدَ المسلمين مِنْ رجالهم؛ قال تعالى:{وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: 221]
(1)
.
وقولُه: (أي: الشاهدان): بيانٌ لمرجع الضمير في قوله: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا} والضمير اسم: «يكون» ، و «رَجُلَيْنِ» خبر.
وقولُه: (يشهدون): تقديرٌ لخبر المبتدأ وهو «رجلٌ» وما عُطِفَ عليه، ويمكن جعلُهُ فاعلًا؛ بتقدير: فيشهدُ رجلٌ وامرأتان.
وقولُه: (لدينه وعدالته): بيانٌ لصفة مَنْ يُرضى للشهادة، وهو المسلمُ العَدْلُ.
وقولُه: (وتعدُّدِ النساءِ لأَجْلِ): تنبيهٌ على الحكمة من استشهاد امرأتَين، وهي:{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرُها الْأُخْرَى} .
وقولُه: (تنسى): تفسيرٌ للضَّلال، وهو نسيانُ الشهادةِ أو شيءٍ منها.
وقولُه: (لنقص عقلهنَّ وضبطهنَّ): بيانٌ لسبب حصولِ النسيان من إحدى المرأتين أو من كلٍّ منهما كما قال صلى الله عليه وسلم: ((ما رأيتُ من ناقصاتِ عقلٍ ودِينٍ))، ثم فسَّر ذلك بقوله:((أليستْ شهادةُ المرأتينِ بشهادةِ رجلٍ؟))
(2)
.
وقولُه: (بالتخفيفِ والتشديدِ): يريد بتخفيف الكاف من «أَذْكَرَ» ، وتشديدِها من:«ذَكَّرَ» وهو يشير بذلك إلى قراءتين.
(1)
وبقبول شهادة العبيد: قال أنس بن مالك، وعروة، وابن سيرين، وداود، وغيرهم، وهو المعتمد في مذهب الإمام أحمد. ينظر:«المغني» (14/ 185 - 186)، و «شرح المنتهى» (6/ 670).
(2)
أخرجه البخاري (304) عن أبي سعيد الخدري، ومسلم (79) عن ابن عمر رضي الله عنهم.
وقولُه: (الذاكرةُ): بيانٌ للمراد من {إِحْدَاهُمَاْ} الثانية فـ {إِحْدَاهُمَاْ} الأولى هي الناسيةُ، فالذاكرة هي: التي تُذَكِّرُ الناسيةَ.
وقولُه: (الناسيةَ): بيانٌ للمراد بالأخرى، والمُذكِّرة للناسية هي الذاكرةُ التي لم تنس فالذاكرة تُذَكِّرُ الناسيةَ.
وقولُه: (وجملةُ الإذكارِ): يريد قوله تعالى: {فَتُذَكِّرَ} .
وقولُه: (محلُّ العلةِ): يبيِّن أن العلَّة في تعدُّدِ المرأتين هو: تذكيرُ إحداهُما للأخرى إن نسيتْ، ويؤيِّدُ ذلك أنه قُرِأ:{إنْ تَضِلَّ} بكسر الهمزة وتكونُ شرطيةً وجواب الشرطِ؛ {فتُذَكِّرْ} .
وقولُه: (ودخلت على الضلال): يريد: لامَ التعليل؛ لأن التقديرَ عند المؤلِّف: «لأن تَضِلّ» . وقولُه: (وفي قراءةٍ
…
) إلى آخره: يشير إلى أن قوله: {أَنْ تَضِلَّ} في همزة {أن} قراءتان: بفتحِ الهمزة، وهي قراءةُ الجمهور، و {أَنْ} مصدريةٌ، ولذا نصبَ الفعلَ بعدها، والقراءةُ الأخرى: بكسر الهمزة، وتكون شرطيةً، ومَن قرأ بكسرِ همزةِ {إن} قرأ {تُذَكِّرَ} بالرفع
(1)
، وعلى هذا يقول المؤلِّف: تكون جملة {تُذَكِّرَ} مُستَأْنَفةً، وهي: جوابُ الشرط.
وقولُه: (زائدةٌ): يريد: أن {ما} التي بعد {إذا} زائدةٌ في الإعراب؛ لأنه ليس لها معنى إلا التأكيد.
وقولُه: (إلى تحمُّلِ الشهادةِ وأَدائها): بيانٌ لِما يُدْعَى إليه الشهودُ وهو إما تحمُّلُ الشهادةِ عند كتابةِ العقدِ، وإما إلى أدائِها في حال الخصومة.
(1)
قرأ حمزة: {إِنْ تَضِلَّ} بكسر الألف على محض الشرط، {فَتُذَكِّرُ} بتشديد الكاف وضم الراء، والفاء جواب الشرط. وفتح الباقون الألف من {أَنْ تَضِلَّ} ، والراء من {فَتُذَكِّرَ}. وأسكن الذال من قوله:{فَتُذْكِرَ} ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب، وخفضوا الكاف، وقرأ الباقون:{فَتُذَكِّرَ} . ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 193)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 236).
وقولُه: (تملُّوا من): بيانٌ لمعنى: السَّأَمِ، وهو الملَلُ والضَّجَرُ، وقولُه:(من) بيانٌ أن المصدرَ المؤوَّل {أَنْ تَكْتُبُوهُ} في محلِّ جرّ: بـ «من» فالمعنى: لا تملُّوا من أن تكتبوا الدَّين. وقولُه: (ما شهدتم عليه من الحقِّ): يقتضي: أن الخطاب في قوله: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ} للشُّهداء أُمِرُوا أن يكتبوا ما شهدوا به، والصواب: أن قوله: {وَلَا تَسْأَمُوا} خطابٌ للمُتداينين فهو معطوفٌ على قوله: {فَاكْتُبُوهُ} ؛ تأكيدًا للأمر بالكتابة
(1)
.
وقولُه: (لكثرةِ وقوعِ ذلك): تعليلٌ لوقوع السآمة بسبب كثرة المُدايَنات.
وقولُه: (كان): بيانٌ أن «صغيرًا» و «كبيرًا» خبرٌ لكان المقدَّرة. وقولُه: (قليلًا أو كثيرًا): تفسيرٌ لـ «صغيرًا» و «كبيرًا» ؛ لأن الكم هو الذي يوصفُ بالقلَّة والكثرة، والحجمُ يوصف بالصِّغَر والكِبَر.
وقولُه: (وقتِ حُلولِه): بيانٌ لمعنى «أجل الدَّين» فأجلُ الدَّين وقتُ حلولِه وهو وقتُ وجوب القضاء.
وقولُه: (حالٌ من الهاء في «تكتبوه»): يريد: أن الجار والمجرور {إِلَى أَجَلِهِ} في موضعِ نصبٍ على الحال من الضمير المنصوب في قوله: {تَكْتُبُوهُ} .
وقولُه: (الكَتْبُ): يعني: كتابةُ الدَّين.
وقولُه: (أَعدلُ): تفسيرٌ لـ {أَقْسَطُ} أفعلُ تفضيل مِنْ القِسط وهو العدل.
وقولُه: (أَعونُ على إقامتها): أي: إقامةُ الشهادة على وجهِها؛ لأن الكتابة تُذَكِّرُ الشاهدَ. وقولُه: (أَقربُ إلى): بيانٌ لمعنى {أَدْنَى} ؛ أي: أقرب إلى {أَلَّا تَرْتَابُوا} ؛ أي: أَلا تشكُّوا. وقولُه: (في قدرِ الحقِّ والأَجلِ): بيانٌ لما يقع فيه الشكُّ.
(1)
ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 102)، و «التفسير البسيط» (4/ 504)، و «التحرير والتنوير» (3/ 144).
وقولُه: (تقعَ): تفسيرٌ لـ {تكونَ} ، وعلى هذا فـ {تَكُونَ} تامّة و {تِجَارَةٌ} بالرفع فاعلٌ على قراءة الجمهور.
وقولُه: (وفي قراءةٍ بالنصب): أي: بنصب {تِجَارَةً}
(1)
، وعلى هذا فتكون ناقصةً، واسمُها ضميرٌ يعود إلى المعاملة، و {تجارةً} خبرُ {تكون} منصوب.
وقولُه: (أَي: تقبضونها ولا أَجلَ فيها): تفسيرٌ لقوله: {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} أي: تتقابضون العِوضَيْن لحلولِ كلٍّ منهما فلا دَيْن إذًا.
وقولُه: (في): تقديرٌ لحرف الجرّ العامل في المصدر المؤوَّل؛ فالمعنى: فلا جناحَ عليكم ألا تكتبوها؛ أي: المعاملةُ وهو تأكيدٌ للأمر بكتابة الدَّين.
وقولُه: (والمرادُ بها المتجر فيه): يُبيّن أن المراد بالتجارة المُتَّجرُ فيه وهو العِوضان: الثمنُ والمُثْمَنُ، أو تقول: الثمنُ والسِّلعةُ.
وقولُه: (عليه
…
) إلى آخره: المعنى: أشهِدوا على التبايُعِ؛ فإنه أقطعُ على النزاع.
وقولُه: (وهذا وما قبله أمرُ ندبٍ): يريد: الأمرَ بالإشهاد وما قبلَه من الأمر بالكتابة للنَّدبِ، وهو قول الجمهور؛ لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسًا من أعرابيٍّ ولم يُشهِد، وباعَ عبدًا ولم يُشهِد.
وقولُه: (صاحبُ الحقِّ
…
) إلى آخره: يُبيِّن أن لفظ الآية يشمل نهيَ الكاتب والشاهد عن مُضارَّة المتداينَيْن، ونهيَ المتداينَيْن عن مُضارَّة الكاتب والشهيد أيَّ نوعٍ مِنْ المضارَّة.
وقولُه: (ما نُهيتم عنه): هذا تقديرٌ لمفعول: {تَفْعَلُوا} .
وقولُه: (خروجٌ عن الطاعة لا حق): تفسيرٌ للفسوق؛ المعنى: أنَّ فعلَكم ما نُهيتم عنه مِنْ المضارَّة وغيرها فسوق لاحقٌ بكم.
(1)
قرأ عاصم وحده: {تِجَارَةً حَاضِرَةً} نصبًا، وقرأ الباقون:{تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ} رفعًا. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 193)، و «معاني القراءات» (1/ 235).
وقولُه: (في أَمره ونهيه): تقوى الله في أمره بفعلِ ما أمر به، وتقوى الله في نهيه بترك ما نهى عنه.
وقولُه: (مصالحَ أُموركم): هذا تقديرُ مفعول {يُعَلِّمُكُمُ} ؛ أي: يُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ما تصلحُ به أمورُكم كالأحكام المتقدمة.
وقولُه: (حال مقدرة أَوْ مستأنف): بيانٌ لمحلّ جملة: {يُعَلِّمُكُمُ} ، يقول: إنها تحتمل أن تكون حاليةً أو مستأنفةً.
وقولُه: (أَي: مسافرين وتداينتم): بيانٌ لمحلّ هذا الحكم وهو الرهنُ، ومحلُّهُ التداينُ في السفر ولم يوجد كاتِبٌ.
وقولُه: (وفي قراءةٍ: (فرهان) جمعُ رهنٍ): يُبيّنُ أَنَّ في الآية قراءتان: «رُهُنٌ» ؛ ككُتبٌ، و «رِهَانٌ» كجبالٌ
(1)
، وكلاهما جمعُ رَهْنٍ؛ وهو العينُ التي يُوثَّقُ بها الدَّين.
وقولُه: (تستوثقون بها): أي: يستوثقُ بها صاحب الدَّين دينَه وهو القابضُ للرهن، ويقال له:«المُرْتَهِن» ومن عليه الحقُّ هو «الراهنُ» ، والعين المستوثَقُ بها «رَهْنٌ» .
وقولُه: (وبيَّنتِ السنَّةُ
…
) إلى آخره: يُنبِّه إلى أن السفرَ ووجود الكاتبِ ليس شرطًا في جواز الرَّهن؛ لدَلالة السنَّة على ذلك؛ فإِن النبيَّ صلى الله عليه وسلم مات ودِرعُه مرهونةٌ
(2)
. وقولُه: (فالتقييدُ
…
) إلى آخره: أي: بما ذُكِرَ من السفر وعدم وجود الكاتب من أجل أن الحاجةَ في هذه الحال إلى التوثُّق أشدّ.
(1)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: {فَرُهُنٌ} بضم الراء والهاء من غير ألف، وقرأ الباقون:{فَرِهَانٌ} بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 194)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 237).
(2)
أخرجه البخاري (2916) عن عائشة رضي الله عنها قالت: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي، بثلاثين صاعًا من شعير» .
وقولُه: (وأَفاد
…
) إلى آخره: يُبيِّن أَنَّ وصفَ الرِّهان بالقبضِ يدلُّ على اشتراط قبض المرتهِن للرهنِ؛ لأن التوثيقَ لا يتحقق إلا بذلك.
وقولُه: (أي: الدائنُ
…
) إلى آخره: بيان للمرادِ بالبعض الأول والثاني؛ فالأولُ هو: الدائن، والثاني هو: المَدينُ الذي عليه الحقّ فإذا أملئ الدائنُ المدينَ على حقِّه فلم يرهنهُ شيئًا فعلى المَدين أن يؤدِّي الحقَّ الذي عليه فلا يجحدْ ولا يماطِلْ.
وقولُه: (أَي: المدين): تفسيرٌ لـ {الَّذِي اؤْتُمِنَ} لأنه الذي ائتمنَهُ صاحبُ الدَّين.
وقولُه: (دَينَه): بيانٌ للمراد بالأمانة. وقولُه: (في أَدائه): يبيِّن أن على الذي اؤتُمنَ أن يتقيَ الله. وقولُه: (خصَّ بالذِّكر
…
) إلى آخره: يريد: خصَّ القلبَ بالذِّكرِ في قوله: {آثِمٌ قَلْبُهُ} وذكرَ لهذا التخصيصِ سببين؛ الأول: أن القلب محلُّ الشهادة. الثاني: أنه إذا أثمَ القلبُ أثمتِ الأعضاء تبعًا له؛ كما في الحديث: ((إذا صلحَ صلحَ الجسدُ كله، وإذا فسدَ فسدَ الجسدُ كله))
(1)
.
* * *
(1)
أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599)، بنحوه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
هذه الآيات الثلاث؛ هي: خواتِم سورة البقرة التي أُنزلتْ مع سورة الفاتحة، نزلَ بهِنَّ ملَكٌ من الملائكة لأول مرةٍ ينزل من بابٍ من السماء لم يُفتَحْ إلا لنزولهِ، وبشَّرَ جبريلُ عليه السلام النبيَّ صلى الله عليه وسلم بذلك كما روى مسلمٌ في صحيحه بسندِه عن ابن عباس؛ قال: بينما جبريلُ قاعدٌ عند النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسَهُ فقال: ((هذا بابٌ من السماء فُتِحَ اليوم لم يُفْتَحْ قطُّ إلا اليومَ فنزل منه مَلَكٌ فقالَ: هذا ملكٌ نزلَ إلى الأرض لم ينزلْ قطُّ إلا اليومَ فسلَّمَ)) أي: الملَكُ ((وقال: أَبشر بنورين أُوتيتهما لم يؤتهما نبيٌّ قبلك؛ فاتحةُ الكتابِ وخواتيمُ سورةِ البقرة، لن تقرأَ بحرفٍ منهما إِلا أُعطِيتَه))
(1)
، وجاء في فضلِ الآيتين الأَخيرتين أَنَّ:((مَنْ قَرأهما في ليلةٍ كَفَتاهُ)) رواه البخاري ومسلم عن أبي مسعود رضي الله عنه
(2)
.
وقد دلَّتِ الآيةُ الأولى أن {لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} فهو مالكُهما وما فيهما وله ملكُ السموات والأرض، وأخبر -تعالى- أنه مُحاسِبٌ عبادَهُ بما في نفوسِهم أبدوهُ أو أخفوهُ، ثم يغفرُ لِمَنْ يشاء ويُعذِّب مَنْ يشاء وهو على كلِّ شيء قدير. وقد ذهب جمهورُ المفسرين إلى أَنَّ هذه الآية منسوخةٌ
(1)
أخرجه مسلم (806).
(2)
أخرجه البخاري (4008)، ومسلم (807).
بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ، وقال آخرون: إنها مُحْكَمَةٌ
(1)
، ومعناها عندهم: الخبرُ من الله بأنه محاسِبٌ عبادَه بما يُبدون من أعمالهم وما يُخفون، وهي عامةٌ في المؤمنين والكفار؛ ولهذا قال:{فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاء} وهم: المؤمنون {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء} وهم: الكفار، ولا منافاةَ بين القولَين فمَن قال: إنها منسوخةٌ أراد أنه نسخَ منها ما فهمَهُ الصحابةُ وشقَّ عليهم وهو المحاسبةُ على حديث النفس مما لا يستطاعُ دفعُهُ، وليس هذا رفعًا لحكمِ الآية في كلِّ ما يُبدي العبادُ مما في نفوسِهم وما يُخفونه، وعلى هذا فيكون قولُه تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} رافعًا لحكم الآيةِ في بعض أفراد العامِّ، وهذا من قَبيل التخصيصِ، وكان المفسِّرون من السلف يُسمُّونه نسخًا، فالآية على عمومِها، وخصَّ منها ما لا يُستطاعُ التحرُّجُ منه من الخواطر والأفكار التي تَرِدُ على القلب بغيرِ إرادةِ العبد، وهو الذي خاف الصحابةُ رضي الله عنهم أنهم مُحاسَبون به، واختار ابنُ جرير أَنَّ الآيةَ محكمةٌ فلا نَسْخَ ولا تخصيصَ، وأيَّدَ ذلك بأَنَّ المحاسبةَ لا تستلزمُ عقوبةً
(2)
، وفي قوله هذا نظرٌ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:((مَنْ نُوقِشَ الحسابَ عُذِّبَ))
(3)
، وأيضًا فخوفُ الصحابة من الوعيد بالحساب يدلُّ على أنهم يرونَ الحساب قد يُؤدِّي إلى العذاب؛ قال بعد ذِكْرِ أقوالِ الناس فيها: «وأَولى الأقوالِ التي ذكرناها بتأويلِ الآية: قولُ مَنْ قال: إنها مُحْكَمَةٌ، وليست بمنسوخةٍ؛ وذلك أن النسخَ لا يكون في حكمٍ إلا ينفيهِ بآخرٍ له نافٍ من كلِّ وجوهِه، وليس في قوله جلَّ وعزَّ:{لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} نفي الحكم الذي أعلم عباده بقوله: {أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} لأن المحاسبةَ ليست بموجِبةٍ عقوبة، ولا مؤاخذة بما
(1)
ينظر: «الناسخ والمنسوخ» للنحاس (ص 273 - 277)، و «نواسخ القرآن» لابن الجوزي (ص 89 - 95).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 143 - 144).
(3)
أخرجه البخاري (6536) واللفظ له، ومسلم (2876) من حديث عائشة رضي الله عنها.
حوسب عليه العبدُ من ذنوبه»
(1)
، ولما نزلت هذه الآيةُ شقَّ ذلك على أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لِمَا يعلمون من أنَّ هواجسَ النفوسِ والخواطر التي تَرِدُ على القلب ليست بإرادةِ الإنسان ولا يستطيع دفعَها ولا التحرُّزَ منها فجاؤوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَشْكُونَ ما يَجدُون من المشقَّة في هذا التكليفِ، فروى مسلمٌ في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: «لما نزلتْ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم {لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (284)} قال: فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الرُّكَبِ فقالوا: أيْ رسولَ اللهِ، كُلِّفْنَا من الأعمالِ ما نطيقُ، الصلاةَ والصيامَ والجهادَ والصدقةَ، وَقَدِ أُنْزِلَتْ عليك هذه الآيةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أَتريدون أَنْ تقولوا كما قال أَهلُ الكتابين مِنْ قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (285)
…
)) إلى آخر الحديث
(2)
.
وقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (285)} : ثناءٌ من الله على رسولهِ والمؤمنين بإيمانِهم بالله وملائكته وكتبه وبجميع رسله، وبقولِهم:{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (285)} ، وقد تضمنَ هذا الإقرارُ السمعَ والطاعةَ لله وسؤالَ المغفرة والإقرارَ بالمصير إليه، فتضمن الإيمانَ باليوم الآخر، فشمل إيمانُهم الأصولَ الخمسة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
(1)
«تفسير الطبري» (6/ 118) ط. شاكر، و (5/ 143 - 144) ط. هجر.
(2)
صحيح مسلم (125).
وقوله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ} : مقولُ قولٍ محذوفٍ؛ يُقدّر: قالوا أو قائلين؛ المعنى: لا نُفرِّق بين رُسُلِ الله في الإيمان ببعضِهم دون بعضٍ كما فعلتِ اليهودُ والنَّصارى بل نؤمنُ بجميعِهم، وقرأ الجمهور بالنون، وقرأ بعضُ السلف بالياء:{لا يُفرِّقُ} بلفظِ المفرد ردًّا إلى لفظِ {كلّ}
(1)
، ورجَّحَ ابنُ جريرٍ قراءةَ جمهور القرَّاء، وقال: إنه لا يستجيزُ القراءة بغيرها
(2)
.
وقوله تعالى: {وَقَالُوا} : معطوفٌ على «آمنوا» ؛ المفهوم من قوله: {كُلٌّ آمَنَ} فالمعنى: كلُّهم آمنوا وقالوا، أو معطوف على «قالوا» العامل في {لَا نُفَرِّقُ} ، وتقديره: قالوا: لَا نُفَرِّقُ، وقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، ومعنى:{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ؛ أي: سَمِعْنا ما أنزلتَ على رسولكَ من الكتاب والحكمة وقَبِلْنَا واستجبْنا وأطعْنا لك فيما أمرتَنا به وما نهيتَنا عنه فامتثلنا وفعلْنا ما أمرْتَنا به واجتنبْنَا ما نهيتَنا عنه. وقولُه: {غُفْرَانَكَ} : مفعولٌ لفعلٍ مُقدَّر؛ أي: نسألكَ غفرانكَ يا ربنا. وقولُه: {وَإِلَيْكَ الْمَصِير (285)} : أي: إليك وحدكَ المرجعُ والمآب في يوم الحساب.
وقولُه تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} : يخبرُ -تعالى- عن رحمته بعباده في شرعِه بأنه لا يُكلِّفُ نفسًا إلا وسعَها؛ أي: ما تسعُهُ قدرتُها فلا يفرض على أحدٍ شيئًا من الفرائض إلا ما يستطيع ويقدرُ عليه بلا حَرَجٍ يلحقُهُ، وهذا الحكم من الله -تعالى- يرفع الحرجَ الذي خافه الصحابةُ فهمًا من قوله -تعالى- في الآية السابقة:{وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} ولهذا قيل: إن هذه الآيةَ ناسخةٌ للآية السابقة؛ لأنها دالةٌ على أن ما لا يُستطاعُ
(1)
قرأ يعقوب: {لَا يُفَرِّقُ} بالياء؛ وقرأ بقية القراء: {لَا نُفَرِّقُ} بالنون؛ فهي قراءة عشرية متواترة. ينظر: «المبسوط في القراءات العشر» (ص 156)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 237)، وهي أيضًا قراءة سعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير. ينظر:«إيضاح الوقف والابتداء» (1/ 560)، و «الكامل في القراءات» (ص 513).
(2)
ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 151).
دفعُه من الخواطر لم يُكلَّفوا دفعَه، وقد تقدَّم ذكرُ الخلاف في علاقة هذه الآية بالآية السابقة وهل هي ناسخةٌ أو مُخصصةٌ؟ والصواب: أنها رافعةٌ لحكمِ الآية عن بعض أفرادِ العامِّ فهي ناسخةٌ من حيث رفعِ الحكم ومُخصصةٌ من حيث تعلُّقِ النسخ ببعض أفراد العامّ، فهي ناسخةٌ من وجهٍ ومخصصةٌ من وجهٍ، وبهذا يعلم أنه لا منافاةَ بين القولِ بأنها ناسخةٌ، وبين القول بأنها مُخصصةٌ، وقد جاء هذا التخفيفُ بعد أن قال المؤمنون:{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير (285)} ، وذلَّتْ بها ألسنتُهم فجزاهمُ اللهُ بإيمانِهم وانقيادِهم بإنزالِ هذه الآية:{لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} .
ثم أخبر -تعالى- أن لكلِّ نفسٍ ما كسبتْ من الخير والعمل الصالح وعليها ما اكتسبتْ من الأعمال السيئة؛ كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46]. ثم علَّم اللهُ المؤمنين هذه الدَّعوات: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} إلى قوله: {فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين (286)} ، وهي سبعُ دعواتٍ، وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ اللهَ أجابَ دعاءَ المؤمنين، وأَنَّ اللهَ قال بعد كلِّ دعوة:((قدْ فعلتُ))
(1)
، فعُلِمَ بذلك العفو عن الخطأِ والنسيانِ في هذه الشريعةِ، وأنه لم يُحمِّلْ على هذه الأمة فيما شرعَ لهم إصرًا كما حملَهُ على الأمم الماضية وأنه لا يُحمِّلْهُمْ ما لا يطيقون ووعدَهم العفوَ والمغفرةَ والرحمةَ والنصرَ على الكافرين، وما أحسن ما خُتِمَتْ به هذه السورةُ من هذه الدعواتِ المجابةِ فذلك من فضل الله على أمةِ محمد صلى الله عليه وسلم فللَّه الحمدُ والمِنَّة والمُلْكُ والنعمةُ، لا نُحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.
{لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا} تُظهروا {مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} من السُّوء والعزمِ عليه {أَوْ تُخْفُوهُ} تُسرُّوه {يُحَاسِبْكُمْ}
(1)
أخرجه مسلم (126) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
يُخبركم {بِهِ اللَّهُ} يومَ القيامة {فَيَغْفِرْ لِمَنْ يَشَاءُ} المغفرةَ له {وَيُعَذِّبْ مَنْ يَشَاءُ} تعذيبَه. والفعلان بالجزم عطفًا على جواب الشرطِ، والرفعُ؛ أَي: فهو. {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومنه مُحاسبتكم وجزاؤكم.
{آمَنَ} صدَّقَ {الرَّسُولُ} محمَّدٌ {بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} من القرآن {وَالْمُؤْمِنُونَ} عطف عليه {كُلٌّ} تنوينه عوضٌ من المضاف إليه {آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} بالجمع والإِفرادِ {وَرُسُلِهِ} يقولون {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} فنؤمنُ ببعضٍ ونكفرُ ببعضٍ كما فعل اليهودُ والنصارى. {وَقَالُوا سَمِعْنَا} أَي: ما أُمرنا به، سماعَ قبولٍ {وَأَطَعْنَا} نسألُكَ {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} المرجعُ بالبعث.
ولَمَّا نزلت الآيةُ التي قبلها شكا المؤمنون من الوسوسة، وشقَّ عليهم المحاسبة بها، فنزل:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} أَي: ما تَسَعُه قدرتُها {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من الخير؛ أي: ثوابه {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} من الشرِّ؛ أَي: وِزره. ولا يؤاخذُ أَحدٌ بذنب أَحدٍ ولا بما لم يكسبْه مما وسوست به نفسُه.
قولوا: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا} بالعقاب {إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} تركنا الصوابَ لا عن عمدٍ، كما آخذت به مَنْ قبلنا، وقد رفعَ اللهُ ذلك عن هذه الأُمَّة كما ورد في الحديث. فسؤاله اعترافٌ بنعمة اللهِ {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} أَمرًا يثقل علينا حَملُه {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} أَي: بني إسرائيل؛ من قتل النَّفسِ في التوبة وإِخراجِ ربعِ المالِ في الزكاة وقرض موضعِ النجاسة {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ} قوَّةَ {لَنَا بِهِ} من التكاليف والبلاءِ {وَاعْفُ عَنَّا} امحُ ذنوبَنا {وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} في الرَّحمة زيادةٌ على المغفرة {أَنْتَ مَوْلَانَا} سيدنا ومتولي أُمورنا. {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} بإقامةِ الحجَّةِ والغَلَبةِ في قتالهم، فإِنَّ من شأَن المولى أَنْ ينصرَ
مواليه على الأَعداء، وفي الحديث: لَمَّا نزلت هذه الآيةُ فقرأها صلى الله عليه وسلم قيل له عَقِبَ كلِّ كلمةٍ: ((قد فعلت)).
وقولُ المؤلِّف: (من السُّوء والعزمِ عليه): يبيِّن ما تتعلَّق به المحاسبةُ وقد يستلزم الحسابُ العقابَ، ويدخلُ في ذلك ما يَرِدُ على القلب من الخواطر السيئة وما يُحدِّثُ به الإنسانُ نفسَه من ذلك، وهذا هو الذي أشفقَ الصحابةُ حَرَجًا من محاسبتِهم به حتى جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا:«إن هذه الآيةَ لا نُطيقها» كما تقدَّم في حديث أبي هريرة. وقولُه: (يُخبركم): تفسيرٌ للمحاسبة بالإخبار، وفي هذا التفسير قصورٌ، والمحاسبةُ قد تتضمَّنُ التقريرَ بالذنوب وقد تكون مع مناقشةٍ.
وقولُه: (يومَ القيامة): بيانٌ لوقت الحساب.
وقولُه: (المغفرةَ له): تقديرٌ لمفعولِ {يَشَاءُ} .
وقولُه: (تعذيبَه): تقديرٌ لمفعولِ: {يَشَاءُ} الثانية.
وقولُه: (والفعلان بالجزم
…
) إلى آخره: يشيرُ إلى أنه قُرِئَ الفعلان {يَغْفِرْ} ، و {يُعَذِّبْ} بالجزم عطفًا على جواب الشرط
(1)
.
وقولُه: (والرفعُ؛ أَي: فهو): يُشير إلى قراءة الفعلين بالرفع: {يَغْفِرُ} ، و {يُعَذِّبُ} وعليهِ: فالجملة مُستَأْنَفَة، والفعلان خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٌ قدَّرَهُ المؤلِّف؛ بقوله؛ «أي: فهو».
وقولُه: (ومنه مُحاسبتكم وجزاؤكم): بيانٌ لمناسبة هذه الجملة لما قبلَها.
(1)
قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} بالرفع، وقرأ الباقون بجزم الراء والباء. ينظر:«السبعة في القراءات» (ص 195)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 237).
وقولُه: (صدَّقَ): تفسيرُ الإيمان الشرعيّ بالتصديقِ فقط فيه قصورٌ؛ فإن الإيمان الشرعيَّ تصديقٌ وانقيادٌ واتباعٌ، فيدخل فيه العملُ كما يدلُّ لذلك حديثُ وفدِ عبدِ القيسِ
(1)
وغيره
(2)
.
وقولُه: (محمَّدٌ): بيانٌ للمراد بالرسول، ومحمدٌ أشهرُ أسماءِ الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد ورد في القرآن أربعَ مراتٍ، والرسولُ عَلَمٌ على نبيِّنا صلى الله عليه وسلم بالغَلَبةِ. وقولُه:(من القرآن): بيانٌ للمراد بما أَنزلَ، وأكثر ما يُضاف إليه الإنزالُ والتنزيلُ: القرآن، وقد ورد إضافةُ الإنزال إلى السُّنة في قوله تعالى:{وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113].
وقولُه: (عطف عليه): أي: عطف على الرسول، وهذا أحدُ الوجهَين في إعرابِ «المؤمنون» ، والوجهُ الثاني: أنه مبتدأٌ والجملة التي بعده خبر
(3)
.
وقولُه: (تنوينه عوضٌ من المضاف إليه): لأَنَّ المعنى كلّهم آمنَ فصار التنوينُ مكانَ الضميرِ المضافِ إليه.
وقولُه: (بالجمع والإِفرادِ): يُشير إلى أنه قُرئ: «كُتْبٌ» بلفظ الجمع، و «كتابٌ» بلفظ الإفراد
(4)
، وذكرَ القراءتين ابنُ جريرٍ ورجَّحَ القراءة بالجمع بضمِّ الكاف والتاء
(5)
.
(1)
حديث وفد عبد القيس: أخرجه البخاري (53)، ومسلم (17) عن ابن عباس، وفيه:((أتدرون ما الإيمان بالله وحده)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس)).
(2)
ينظر الآثار وأقوال أئمة السلف أن العمل من الإيمان في: «السنة» لعبد الله بن أحمد (1/ 307)، والشريعة (2/ 611)، و «الإبانة» لابن بطة (2/ 760)، و «شرح أصول أهل السنة» (4/ 911).
(3)
ينظر: «التبيان في إعراب القرآن» (1/ 233 - 234)، و «إعراب القرآن وبيانه» (1/ 448).
(4)
قرأ حمزة والكسائي وخلف: {وكِتَابِهِ} مُوَحَدًا، وقرأ الباقون:{وَكُتُبِهِ} جمعًا. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص 195)، و «النشر في القراءات العشر» (2/ 237).
(5)
ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 149).
وقولُه: (يقولون): تقديرٌ لقول المحذوف العامل في {لَا نُفَرِّقُ} .
وقولُه: (فنؤمنُ ببعضٍ ونكفرُ ببعضٍ
…
) إلى آخره: بيان لمعنى: التفريقِ بين الرسل بأنه الإيمان ببعضٍ دونَ بعضٍ كما فعل أهلُ الكتاب.
وقولُه: (أَي: ما أُمرنا به، سماعَ قبولٍ): يُبيّن أَنَّ نوع السماعِ في هذه الآية سماعُ القبولِ والاستجابةِ، وأنه ليس المراد مجرَّد سماعِ الصوت.
وقولُه: (نسألُكَ): هذا تقديرٌ للفعل الناصب لغفران.
وقولُه: (المرجعُ بالبعث): تفسيرٌ للمصير وأنَّ ذلك يكون بالبعث يوم القيامة.
وقولُه: (ولمَّا نزلت
…
) إلى آخره: بيانٌ لسببِ نزولِ هذه الآية: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. وقولُه: (ما تَسَعُه قدرتُها): معناه: ما تقدرُ عليه بلا مشقّةٍ ولا حرجٍ، فإضافةُ الوُسْعِ إلى النفسِ من إضافة الصفةِ إلى الموصوف.
وقولُه: (من الخير؛ أي: ثوابه): يُفيد أن المعنى: لها ثواب ما كسبت من الخير.
وقولُه: (من الشرِّ
…
) إلى آخره: المعنى: وعلى النفسِ عقوبةُ ما اكتسبَتْ من الشرِّ لا على غيرِها كما قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164].
وقولُه: (ولا بما لم يكسبْه مما وسوست به نفسُه): معناه: لا يُؤاخَذُ أحدٌ بما تُوسوِسُ به نفسُه من الشرّ ما لم يعملْ به في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ تجاوزَ عن أُمَّتي ما حدَّثتْ به أنفسَها ما لم تعملْ أو تتكلَّم))
(1)
.
وقولُه: (قولوا): فيه بيانٌ أن هذه الدعوات مقولُ قولٍ محذوفٍ قدَّره المؤلِّف: «قولوا» وعلى هذا فهذه الدعوات قالها المؤمنون بتعليمٍ من الله وإرشادٍ لهم.
(1)
أخرجه البخاري (5269)، ومسلم (127)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقولُه: (بالعقاب): هذا ما يقتضيه معنى: المؤاخذةِ؛ فالمؤاخذةُ؛ هي: المجازةُ على الذنبِ بما يقتضيه فعلُه.
وقولُه: (تركنا الصواب
…
) إلى آخره: يبيّن المؤلِّف أن تركَ الصواب من القولِ والعملِ يكون عمدًا ويكون نسيانًا وخطأً، والمطلوب: في هذا الدعاء عدمُ المؤاخذة بالنسيان والخطأ، وهذا الذي بشَّرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله:((إنَّ اللهَ تجاوزَ لي عن أُمَّتي الخطأَ والنسيانَ وما استُكرهوا عليه))
(1)
، وجاء في الحديث القدسيِّ أنَّ الله قال بعد كلِّ دعوةٍ:((نعم، قد فعلتُ))، فكل هذه الدعوات مستجابةٌ، وكلُّ مَنْ دَعا بها فهو موعودٌ بالاستجابة.
وقولُه: (فسؤاله اعترافٌ بنعمةِ الله) معناه: أن الدعاءَ بهذا الدعاءِ إيمانٌ بنعمة الله على هذه الأمة وهي: تركُ المؤاخذة بالخطأ والنسيان.
(1)
أخرجه ابن ماجه (2045)، والطبراني في «الأوسط» (8273)، من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، به. وهذا إسناد منقطع، عطاء لم يسمعه من ابن عباس، بينهما: عُبيد بن عمير، والوهم فيها من الوليد، فقد اختلف عليه في هذا الحديث.
وأخرجه ابن حبان (7219)، والدارقطني (4351)، والبيهقي (15094) وغيرهم، من طرق، عن الربيع بن سليمان المرادي، عن بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، به.
وأخرجه الحاكم (2801) من طريق بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن بشر بن بكر. ومن طريق الربيع بن سليمان، عن أيوب بن سويد، كلاهما عن الأوزاعي، به.
وقد رواه الوليد بن مسلم، واختلف عنه اختلافًا كثيرًا، أخرجها الطبراني في الأوسط (8276 - 8273)، وساقها ابن أبي حاتم في «العلل» (1296) وقال:«قال أبي: هذه أحاديث منكرة، كأنها موضوعة» ، وأنكرها الإمام أحمد جدًا، وقال -كما في «العلل» لابنه عبد الله (1340) ـ:«ليس يروى فيه إلا عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم» .
وأصل الحديث: أخرجه البخاري ومسلم باللفظ السابق. وينظر: «نصب الراية» (2/ 64 - 66)، و «البدر المنير» (4/ 177 - 183)، و «جامع العلوم والحكم» (2/ 361 - 365)، و «التلخيص الحبير» (2/ 811 رقم 529)، و «المقاصد الحسنة» (528)، و «إرواء الغليل» (82).
وقولُه: (أمرًا يثقُل علينا حَملُه): هذا تفسير «الإصرِ» في الآية، وأصلُ الإصرِ: الحِملُ الثقيلُ
(1)
؛ المعنى: لا تفرض علينا ما يشقّ العمل به وقد تحقق ذلك بقوله تعالى: ((قد فعلتُ)).
ومن صفات نبيِّنا في التوراة والإنجيل أنه يضعُ الإصرَ الذي كان في الشرائع السابقة.
وقولُه: (مَنْ قتل النَّفسِ في التوبة
…
) إلى آخره: هذه ثلاثة أمثلةٍ من الآصار التي كانت محمولةً على مَنْ قبلنا، وهم: بنو إسرائيل، وقتلُ النفس في التوبةِ مذكورٌ في قوله تعالى:{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، وأما إخراجُ ربعِ المال في الزكاةِ وقرضُ موضعِ النجاسةِ فلعلَّهُما مذكورانِ في التوراة
(2)
.
وقولُه: (من التكاليف والبلاءِ): يبيِّن أن ما لا قوةَ عليه ولا يُطاقُ قد يكون في بعض التكاليفِ الشرعيَّة وقد يكون في المصائبِ التي يُبتلى بها العبد.
وقولُه: (سيدنا ومتولي أُمورنا): تفسيرٌ لـ {مَوْلَانَا} والمولى؛ بمعنى: الوليّ، والله وليُّ المؤمنين، وقال يوسف عليه السلام:{أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [يوسف: 101].
وقولُه: (بإقامة الحُجة
…
) إلى آخره: فيه أن النصرَ يكون بالحجةِ واللسانِ والسيفِ والسِّنانِ، وفيه أن النصرَ على الأعداء من مقتضياتِ الولاية، ولهذا رتَّبتْ هذه الدعوة بالفاء على قوله:{أَنْتَ مَوْلَانَا} .
وقولُه: (وفي الحديث
…
) إلى آخره: يشيرُ إلى حديثِ أبي هريرة الذي رواه مسلمٌ، وقد تقدَّم.
(1)
ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص 100)، و «المفردات» (ص 78).
(2)
أورده الثعلبي والواحدي والرازي عن بعض أهل التفسير. ينظر: «تفسير الثعلبي» (7/ 592 - 593)، و «التفسير البسيط» (4/ 539 - 540)، و «تفسير الرازي» (7/ 121).
قائمة
المصادر والمراجع
(أ)
1.
الإبانة الكبرى، ابن بطة العكبري، دار الراية للنشر والتوزيع - الرياض.
2.
الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، تحقيق مركز الدراسات القرآنية - مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، سنة النشر: 1426 هـ.
3.
اجتماع الجيوش الإسلامية، ابن قيم الجوزية، تحقيق عواد عبد الله المعتق، مطابع الفرزدق التجارية - الرياض، الطبعة الأولى، 1408 هـ - 1988 م.
4.
أحكام القرآن، أحمد بن علي الجصاص الحنفي، تحقيق محمد صادق القمحاوي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
5.
أحكام القرآن، محمد بن عبد الله بن العربي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة، 1424 هـ - 2003 م.
6.
أحكام القرآن، علي بن محمد إلكيا الهراسي، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الثانية، 1405 هـ.
7.
الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، تحقيق عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي - بيروت - دمشق - لبنان.
8.
الأذكار، يحيى بن شرف النووي، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان.
9.
إرشاد الفحول، الشوكاني، تحقيق أبي حفص سامي العربي، دار الفضيلة - الرياض، الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2000 م.
10.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم = تفسير أبي السعود، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
11.
إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، 1399 هـ.
12.
أسباب نزول القرآن، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، تحقيق عصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الإصلاح - الدمام، الطبعة الثانية، 1412 هـ - 1992 م.
13.
الأسماء والصفات، أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق عبد الله الحاشدي، مكتبة السوادي - جدة - السعودية، الطبعة الأولى، 1413 هـ - 1993 م.
14.
اشتقاق أسماء الله، عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، تحقيق د. عبد الحسين المبارك، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1406 هـ - 1986 م.
15.
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة المكرمة - المملكة العربية السعودية.
16.
إعراب القرآن، أبو جعفر النَّحَّاس، تعليق عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1421 هـ.
17.
إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين بن أحمد درويش، دار الإرشاد للشئون الجامعية - حمص - سورية، دار اليمامة - دمشق - بيروت، (دار ابن كثير - دمشق - بيروت)، الطبعة الرابعة، 1415 هـ.
18.
الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشرة، 2002 م.
19.
إعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1423 هـ.
20.
آكام المرجان في أحكام الجان، محمد بن عبد الله الشبلي، تحقيق إبراهيم محمد الجمل، مكتبة القرآن - مصر - القاهرة.
21.
الانتصار لأهل الأثر، ابن تيمية، تحقيق عبد الرحمن بن حسن قائد، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة.
22.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل = تفسير البيضاوي، عبد الله بن عمر البيضاوي، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 1418 هـ.
23.
إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، إسماعيل بن محمد أمين البغدادي، دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان.
24.
إيضاح الوقف والابتداء، أبو بكر الأنباري، تحقيق محيي الدين عبد الرحمن رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، عام النشر: 1390 هـ - 1971 م.
25.
الإيمان، ابن تيمية، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، عمان - الأردن، الطبعة الخامسة، 1416 هـ - 1996 م.
26.
الإيمان الأوسط = شرح حديث جبريل، ابن تيمية، تحقيق علي بن بخيت الزهراني، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية، عام النشر: 1423 هـ.
(ب)
27.
البحر الزخار =مسند البزار، أحمد بن عمرو البزار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، وعادل بن سعد، وصبري عبد الخالق الشافعي، مكتبة العلوم والحكم - المدينة النبوية، الطبعة الأولى.
28.
البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، دار الكتبي، الطبعة الأولى، 1414 هـ - 1994 م.
29.
البحر المحيط في التفسير، أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي، تحقيق صدقي محمد جميل، دار الفكر - بيروت، طبعة 1420 هـ.
30.
بدائع الفوائد، ابن قيم الجوزية، تحقيق علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد.
31.
البرهان في علوم القرآن، بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركائه، الطبعة الأولى، 1376 هـ - 1957 م.
32.
بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية - لبنان - صيدا.
33.
البداية والنهاية، ابن كثير، تحقيق عبد الله عبد المحسن التركي، دار هجر، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997 م.
34.
البدر المنير في تخريج الشرح الكبير، ابن الملقن، تحقيق مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال، دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض، السعودية - الطبعة الأولى، 1425 هـ - 2004 م.
35.
بيان الوهم والإيهام، ابن القطان الفاسي، تحقيق د. الحسين آيت سعيد، دار طيبة - الرياض، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997 م.
36.
بيان تلبيس الجهمية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، 1426 هـ.
(ت)
37.
تاج العروس من جواهر القاموس، المرتضى الزبيدي، دار الهداية.
38.
التاج والإكليل لمختصر خليل، محمد بن يوسف المواق، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1416 هـ - 1994 م.
39.
تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، تحقيق د. بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، 1422 هـ - 2002 م.
40.
تاريخ الرسل والملوك، ابن جرير الطبري، دار التراث - بيروت، الطبعة الثانية - 1387 هـ.
41.
التبيان في إعراب القرآن، أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، تحقيق علي محمد البجاوي، عيسى البابي الحلبي وشركاه.
42.
التبيان في تفسير غريب القرآن، أحمد بن محمد ابن الهائم، تحقيق د. ضاحي عبد الباقي محمد، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى - 1423 هـ.
43.
تحرير ألفاظ التنبيه، يحيى بن شرف النووي، تحقيق عبد الغني الدقر، دار القلم - دمشق، الطبعة الأولى، 1408 هـ.
44.
التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر - تونس، 1984 م.
45.
الترغيب والترهيب، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تحقيق مصطفى محمد عمارة، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، 1388 هـ - 1968 م.
46.
التسهيل لعلوم التنزيل = تفسير ابن جزي، ابن جزي الكلبي الغرناطي، تحقيق د. عبد الله الخالدي، دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت، الطبعة الأولى، 1416 هـ.
47.
التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت أسمائه وتصرفت معانيه، يحيى بن سلام، تحقيق هند شلبي، الشركة التونسية للتوزيع، عام النشر: 1979 م.
48.
التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1403 هـ - 1983 م.
49.
التعليق على القواعد المثلى، عبد الرحمن البراك، إعداد عبد الله المزروع، دار التدمرية - الرياض، الطبعة الثانية، 1432 هـ - 2011 م.
50.
تعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري، عبد الرحمن البراك، دار التوحيد للنشر، الطبعة الأولى، 1433 هـ.
51.
التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل لابن جزي، عبد الرحمن البراك، مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، الطبعة الأولى، 1439 هـ.
52.
تفسير أسماء الله الحسنى، أبو إسحاق الزجاج، تحقيق أحمد يوسف الدقاق، دار الثقافة العربية.
53.
التفسير البسيط، علي بن أحمد الواحدي، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، 1430 هـ.
54.
تفسير الراغب الأصفهاني، تحقيق ودراسة د. محمد عبد العزيز بسيوني، كلية الآداب - جامعة طنطا، الطبعة الأولى، 1420 هـ - 1999 م.
55.
تفسير عبد الرزاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق د. محمود محمد عبده، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1419 هـ.
56.
تفسير الفاتحة والبقرة، محمد بن صالح بن محمد العثيمين، دار ابن الجوزي - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1423 هـ.
57.
تفسير القرآن العظيم، عبد الرحمن ابن أبي حاتم، تحقيق أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية، الطبعة الثالثة، 1419 هـ.
58.
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1420 هـ - 1999 م.
59.
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، مكتبة أولاد الشيخ للتراث، الطبعة الأولى، 1421 هـ.
60.
تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد عوامة، دار الرشيد - سوريا، الطبعة الأولى، 1406 هـ - 1986 م.
61.
التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد الثاني عمر بن موسى، دار أضواء السلف، الطبعة الأولى، 1428 هـ.
62.
تهذيب التهذيب، ابن حجر، مطبعة دائرة المعارف النظامية - الهند، الطبعة الأولى، 1326 هـ.
63.
تهذيب اللغة، محمد بن أحمد بن الأزهري، تحقيق محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 2001 م
64.
التوحيد وإثبات صفات الرب، ابن خزيمة، تحقيق عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، مكتبة الرشد - السعودية - الرياض، الطبعة الخامسة، 1414 هـ - 1994 م.
65.
توضيح مقاصد العقيدة الواسطية، عبد الرحمن البراك، إعداد عبد الرحمن بن صالح السديس، دار التدمرية، الطبعة الثالثة، 1432 هـ.
66.
توضيح مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية، عبد الرحمن البراك، مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، الطبعة الأولى، 1440 هـ.
67.
التوقيف على مهمات التعاريف، عبد الرؤوف المناوي، تحقيق عبد الخالق ثروت، عالم الكتب - القاهرة، الطبعة الأولى، 1410 هـ - 1990 م
68.
التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، تحقيق د. خلف حمود الشغدلي، دار الأندلس للنشر والتوزيع - حائل - السعودية، الطبعة الأولى، 1436 هـ - 2015 م.
69.
تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تحقيق أسامة بن عطايا، دار الصميعي، الطبعة الأولى، 1428 هـ.
70.
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق سعد بن فواز الصميل، دار ابن الجوزي.
71.
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار العاصمة، الطبعة الأولى، 1430 هـ.
(ث)
72.
الثقات، ابن حبان، دائرة المعارف العثمانية - بحيدر آباد - الدكن - الهند، الطبعة الأولى، 1393 هـ - 1973 م.
(ج)
73.
جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420 هـ - 2000 م.
74.
جامع البيان في تفسير القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة، الطبعة الأولى، 1422 هـ - 2001 م.
75.
جامع الشروح والحواشي، عبد الله محمد الحبشي، المجمع الثقافي، أبو ظبي، 2004 م.
76.
جامع العلوم والحكم، ابن رجب، تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة السابعة، 1422 هـ - 2001 م.
77.
جامع المسائل، ابن تيمية، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - مكة.
78.
الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي، محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، الطبعة الثانية، 1384 هـ - 1964 م.
79.
الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 1271 هـ - 1952 م.
80.
الجنى الداني في حروف المعاني، حسن بن قاسم المرادي، تحقيق د. فخر الدين قباوة ومحمد فاضل، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1413 هـ - 1992 م.
81.
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية، تحقيق علي بن حسن وعبد العزيز بن إبراهيم وحمدان بن محمد، دار العاصمة - السعودية، الطبعة الثانية، 1419 هـ - 1999 م.
82.
جواب في الإيمان ونواقضه، عبد الرحمن البراك، اعتناء، عبد الرحمن بن صالح السديس، دار التدمرية، الطبعة الأولى، 1473 هـ - 2016 م.
(ح)
83.
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ابن قيم الجوزية، تحقيق زائد بن أحمد النشيري، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة.
84.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1419 هـ - 1999 م.
85.
الحجة في بيان المحجة، إسماعيل بن محمد الأصبهاني، تحقيق محمد عبد اللطيف الجمل، دار الفاروق - مصر، الطبعة الثالثة، 1437 هـ.
86.
الحجة للقراء السبعة، أبو علي الحسن بن أحمد الفارسيّ، تحقيق بدر الدين قهوجي وبشير جويجابي، دار المأمون للتراث - دمشق - بيروت، الطبعة الثانية، 1413 هـ - 1993 م.
87.
حروف المعاني والصفات، عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، تحقيق علي توفيق الحمد، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، 1984 م.
88.
حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه - مصر، الطبعة الأولى 1387 هـ - 1967 م.
89.
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصبهاني، دار الكتب العلمية - بيروت.
(خ)
90.
خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، محمد أمين بن فضل الله المحبي، دار صادر - بيروت.
(د)
91.
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي، تحقيق د. أحمد محمد الخراط، دار القلم - دمشق.
92.
الدر المنثور، السيوطي، دار الفكر، بيروت.
93.
درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، 1411 هـ - 1991 م.
94.
درج الدرر في تفسير الآي والسور، عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، مجلة الحكمة - بريطانيا، الطبعة الأولى، 1429 هـ - 2008 م.
95.
دقائق أولي النهى لشرح المنتهى =شرح منتهى الإرادات، منصور بن يونس البهوتي، تحقيق عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة - ناشرون، الطبعة الأولى، 1421 هـ.
96.
ديوان الضعفاء والمتروكين، محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق حماد بن محمد الأنصاري، مكتبة النهضة الحديثة - مكة، الطبعة الثانية، 1387 هـ - 1967 م.
(ر)
97.
رد المحتار على الدر المختار = حاشية ابن عابدين، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثانية، 1412 هـ - 1992 م.
98.
الرد على المنطقيين، ابن تيمية، تحقيق عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، الطبعة الأولى، 1426 هـ.
99.
الرسالة، محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق أحمد شاكر، مكتبة الحلبي - مصر، الطبعة الأولى، 1358 هـ - 1940 م.
100.
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني = تفسير الألوسي، محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، تحقيق علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1415 هـ.
101.
روضة المحبين ونزهة المشتاقين، ابن قيم الجوزية، تحقيق محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد - مكة.
102.
روضة الناظر وجنة المناظر، ابن قدامة المقدسي، تحقيق عبد الكريم النملة، مكتبة الرشد، الطبعة السابعة عشرة، 1438 هـ - 2016 م.
(ز)
103.
زاد المسير في علم التفسير، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى - 1422 هـ.
104.
زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة السابعة والعشرون، 1415 هـ - 1994 م.
(س)
105.
السبعة في القراءات، أبو بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف - مصر، الطبعة الثانية، 1400 هـ.
106.
سلسلة الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، الطبعة الأولى.
107.
سلسلة الأحاديث الضعيفة، الألباني، مكتبة المعارف، المملكة العربية السعودية - الرياض، الطبعة الأولى، 1412 هـ - 1992 م.
108.
السنة، أبو بكر بن أبي عاصم، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، 1400 هـ.
109.
السنة، عبد الله بن أحمد بن حنبل، تحقيق د. محمد بن سعيد القحطاني، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الأولى، 1406 هـ - 1986 م.
110.
سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، 1430 هـ - 2009 م.
111.
سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، 1430 هـ - 2009 م.
112.
سنن الترمذي، أبو عيسى الترمذي، تحقيق د. بشار عواد، دار الغرب الإسلامي - بيروت، 1998 م.
113.
السنن الكبرى، البيهقي، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، مركز هجر للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى، 1432 هـ - 2011 م.
114.
السنن الكبرى، النسائي، تحقيق حسن عبد المنعم شلبي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2001 م.
115.
سنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة الثانية، 1406 هـ - 1986 م.
116.
سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثالثة، 1405 هـ.
117.
السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده - بمصر، الطبعة الثانية، 1375 هـ - 1955 م.
(ش)
118.
شأن الدعاء، أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق أحمد يوسف الدّقاق، دار الثقافة العربية، الطبعة الثالثة، 1412 هـ - 1992 م.
119.
شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، عبد الله بن عبد الرحمن ابن عقيل، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار التراث - القاهرة، دار مصر للطباعة - سعيد جودة السحار وشركاه، الطبعة العشرون، 1400 هـ - 1980 م.
120.
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، هبة الله بن الحسن اللالكائي، تحقيق أحمد بن سعد الغامدي، دار طيبة - السعودية، الطبعة الثامنة، 1423 هـ - 2003 م.
121.
شرح تسهيل الفوائد، محمد بن عبد الله ابن مالك، هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الأولى، 1410 هـ - 1990 م.
122.
شرح العقيدة الأصبهانية، ابن تيمية، تحقيق محمد بن عودة السعوي، مكتبة دار المنهاج - الرياض، الطبعة الأولى، 1430 هـ.
123.
شرح العقيدة التدمرية، عبد الرحمن البراك، إعداد عبد الرحمن السديس، دار التدمرية - الرياض، الطبعة الثالثة، 1434 هـ - 2013 م.
124.
شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وعبد الله بن المحسن التركي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة العاشرة، 1417 هـ - 1997 م.
125.
شرح العقيدة الطحاوية، عبد الرحمن البراك، إعداد عبد الرحمن بن صالح السديس، دار التدمرية، الطبعة الثالثة، 1434 هـ.
126.
شرح العمدة، ابن تيمية، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة.
127.
شرح مشكل الآثار، الطحاوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1415 هـ - 1994 م.
128.
الشريعة، محمد بن الحسين بن عبد الله الآجُرِّي، تحقيق عبد الله بن عمر الدميجي، دار الوطن - الرياض، الطبعة الثانية، 1420 هـ - 1999 م.
129.
شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي بن أحمد ابن العماد، تحقيق محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير - دمشق - بيروت، الطبعة الأولى، 1406 هـ - 1986 م.
130.
شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، محمد بن محمد بن عمر بن مخلوف، تعليق عبد المجيد خيالي، دار الكتب العلمية - لبنان، الطبعة الأولى، 1424 هـ - 2003 م.
131.
شواذ القراءات، محمد بن أبي نصر الكرماني، تحقيق شمران العجلي، مؤسسة البلاغ - بيروت.
(ص)
132.
الصحاح، الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين - بيروت، الطبعة الرابعة، 1407 هـ - 1987 م.
133.
صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، 1408 هـ - 1988 م.
134.
صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422 هـ.
135.
صحيح بن خزيمة، محمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1424 هـ - 2003 م.
136.
صحيح سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع - الكويت، الطبعة الأولى، 1423 هـ - 2002 م.
137.
الصفدية، ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، مكتبة ابن تيمية - مصر، الطبعة الثانية، 1406 هـ.
138.
الصواعق المرسلة، ابن قيم الجوزية، تحقيق د. علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة - الرياض، الطبعة الأولى، 1408 هـ.
(ض)
139.
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، السخاوي، منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت.
140.
الضعفاء الكبير، أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، دار المكتبة العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1404 هـ - 1984 م.
141.
الضعفاء والمتروكون، ابن الجوزي، تحقيق عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية - بيروت.
(ط)
142.
الطبقات الكبرى، ابن سعد، تحقيق إحسان عباس، دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى، 1968 م.
143.
طبقات المفسرين، محمد بن علي الداودي، دار الكتب العلمية - بيروت.
144.
طبقات المفسرين، حمد بن محمد الأدنه وي، تحقيق سليمان بن صالح الخزي، مكتبة العلوم والحكم - السعودية، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1997 م.
145.
طريق الهجرتين وباب السعادتين، ابن قيم الجوزية، دار عالم الفوائد - مكة، الطبعة الأولى، 1429 هـ.
(ع)
146.
العبودية، ابن تيمية، تحقيق محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة السابعة، 1426 هـ - 2005 م.
147.
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ابن القيم، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة.
148.
العذب النمير في مجالس الشنقيطي في التفسير، محمد الأمين الشنقيطي، تحقيق خالد بن عثمان السبت، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة، الطبعة الثانية، 1426 هـ.
149.
العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر العسقلاني، تحقيق عبد الحكيم محمد الأنيس، دار بن الجوزي.
150.
علل الحديث، ابن أبي حاتم، تحقيق فريق من الباحثين بإشراف وعناية د. سعد بن عبد الله الحميد و د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي، مطابع الحميضي، الطبعة الأولى، 1427 هـ - 2006 م.
151.
العلل الواردة في الأحاديث النبوية، الدارقطني، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله السلفي، دار طيبة - الرياض، الطبعة الأولى، 1405 هـ - 1985 م.
152.
العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.
(غ)
153.
غاية النهاية في طبقات القراء، محمد بن محمد بن يوسف ابن الجزري، مكتبة ابن تيمية.
154.
غريب القرآن، بن قتيبة الدينوري، تحقيق أحمد صقر، دار الكتب العلمية، 1398 هـ - 1978 م.
155.
غريب القرآن =نزهة القلوب، محمد بن عُزير السجستاني، تحقيق محمد أديب عبد الواحد جمران، دار قتيبة - سوريا، الطبعة الأولى، 1416 هـ - 1995 م.
156.
غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، مؤسسة قرطبة - مصر، الطبعة الثانية، 1414 هـ - 1993 م.
(ف)
157.
فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة - بيروت، 1379 هـ.
158.
فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب = حاشية الطيبي على الكشاف، الحسين بن عبد الله الطيبي، إشراف د. محمد عبد الرحيم سلطان العلماء، جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، الطبعة الأولى، 1434 هـ - 2013 م.
159.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، الشوكاني، دار ابن كثير - دار الكلم الطيب - دمشق - بيروت، الطبعة الأولى، 1414 هـ.
160.
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين بالدقائق الخفية = حاشية الجمل، سليمان بن عمر الجمل، المطبعة العامرة الشرفية - مصر الطبعة الأولى، 1302 هـ.
161.
فتيا في صيغة الحمد، ابن قيم الجوزية، تحقيق عبد الله البطاطي، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة.
162.
الفروق اللغوية، العسكري، تحقيق محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع - القاهرة - مصر.
163.
فقه السيرة، محمد الغزالي السقا، دار القلم - دمشق، تخريج الأحاديث: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، 1427 هـ.
(ك)
164.
الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (نونية ابن القيم)، دار عالم الفوائد - مكة.
165.
الكامل في التاريخ، عز الدين ابن الأثير، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1997 م.
166.
الكامل في ضعفاء الرجال، عبد الله بن عدي، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، عبد الفتاح أبو سنة، الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997 م.
167.
الكامل في القراءات والأربعين الزائدة عليها، أبو القاسم الهُذَلي اليشكري، تحقيق جمال بن السيد بن رفاعي الشايب، مؤسسة سما للتوزيع والنشر، الطبعة الأولى، 1428 هـ - 2007 م.
168.
الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد، المنتجب الهمذاني، تحقيق محمد نظام الدين الفتيح، دار الزمان - المدينة النبوية - السعودية، الطبعة الأولى، 1427 هـ - 2006 م.
169.
كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس البهوتي، طبعة وزارة العدل في المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1421 هـ.
170.
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، محمود بن عمرو بن أحمد الزمخشري، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى، 1418 هـ.
171.
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، حاجي خليفة، مكتبة المثنى - بغداد، تاريخ النشر: 1941 م.
172.
الكشف والبيان عن تفسير القرآن = تفسير الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي، دار التفسير - جدة - السعودية، الطبعة الأولى، 1436 هـ - 2015 م.
173.
كواشف زيوف، عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني، دار القلم - دمشق، الطبعة الثانية، 1412 هـ - 1991 م.
174.
الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، نجم الدين محمد بن محمد الغزي، تحقيق خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997 م.
(ل)
175.
لباب التأويل في معاني التنزيل= تفسير الخازن، علاء الدين علي بن محمد الخازن، تحقيق محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1415 هـ.
176.
اللباب في علوم الكتاب، عمر بن علي بن عادل الحنبلي، تحقيق أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1419 هـ - 1998 م.
177.
لسان العرب، ابن منظور، دار صادر - بيروت، الطبعة الثالثة، 1414 هـ.
178.
لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ابن رجب الحنبلي، تحقيق عامر ياسين، دار ابن خزيمة، الطبعة الأولى، 1428 هـ.
(م)
179.
المبسوط في القراءات العشر، أحمد بن الحسين بن مِهْران النيسابوري، تحقيق سبيع حمزة حاكمي، مجمع اللغة العربية - دمشق، عام النشر: 1981 م.
180.
مجاز القرآن، أبو عبيدة معمر بن المثنى، تحقيق محمد فواد سزكين، مكتبة الخانجي - القاهرة، طبعة 1381 هـ.
181.
المجموع شرح المهذب - مع تكملة السبكي والمطيعي - أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، مكتبة الإرشاد - جدة.
182.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب ابن قاسم، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض.
183.
محاسن التأويل، جمال الدين القاسمي، تحقيق محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى - 1418 هـ.
184.
المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، وزارة الأوقاف - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، طبعة 1420 هـ - 1999 م.
185.
المحرر الوجيز، عبد الحق بن عطية الأندلسي، تحقيق الرحالي الفاروق وغيره، مطبوعات وزارة الشؤون الإسلامية في قطر، الطبعة الثانية، 1428 هـ.
186.
المحلى بالآثار، ابن حزم الأندلسي، دار الفكر - بيروت.
187.
مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع، ابن خالويه، مكتبة المتنبي - القاهرة.
188.
مختصر الصواعق المرسلة، ابن قيم الجوزية، تحقيق د. الحسن بن عبد الرحمن العلوي، أضواء السلف - الرياض.
189.
مدارج السالكين، ابن القيم، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة.
190.
مدارك التنزيل وحقائق التأويل = تفسير النسفي، عبد الله بن أحمد النسفي، تحقيق يوسف علي بديوي، دار الكلم الطيب - بيروت، الطبعة الأولى، 1419 هـ - 1998 م.
191.
المراسيل، ابن أبي حاتم، تحقيق شكر الله نعمة الله قوجاني، مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الأولى، 1397 هـ.
192.
المراسيل، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، 1408 هـ.
193.
المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله النيسابوري الحاكم، مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1411 هـ - 1990 م.
194.
المستصفى، أبو حامد الغزالي، تحقيق حمزة بن زهير حافظ، شركة المدينة النبوية للطباعة.
195.
المسند، أحمد بن حنبل الشيباني، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2001 م.
196.
مشكل إعراب القرآن، مكي بن أبي طالب، تحقيق د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية، 1405 هـ.
197.
المصاحف، أبو بكر بن أبي داود، تحقيق محمد بن عبده، الفاروق الحديثة - مصر - القاهرة، الطبعة الأولى، 1423 هـ - 2002 م.
198.
المصنف، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية، 1403 هـ.
199.
المصنف في الأحاديث والآثار، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تحقيق كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى، 1409 هـ.
200.
المطلع على ألفاظ المقنع، شمس الدين البعلي، تحقيق محمود الأرناؤوط، وياسين محمود الخطيب، مكتبة السوادي، الطبعة الأولى، 1423 هـ - 2003 م.
201.
معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1417 هـ - 1997 م.
202.
معاني القراءات، محمد بن أحمد بن الأزهري، مركز البحوث في كلية الآداب - جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1412 هـ - 1991 م.
203.
معاني القرآن، أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، تحقيق أحمد يوسف النجاتي ومحمد علي النجار وعبد الفتاح إسماعيل الشلبي، دار المصرية للتأليف والترجمة - مصر.
204.
معاني القرآن، سعيد بن مسعدة المعروف بالأخفش الأوسط، تحقيق الدكتورة هدى محمود قراعة، مكتبة الخانجي - القاهرة.
205.
معاني القرآن وإعرابه، أبو إسحاق الزجاج، تحقيق عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الأولى 1408 هـ - 1988 م.
206.
المعجم الأوسط، الطبراني، تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين - القاهرة.
207.
معجم البلدان، ياقوت بن عبد الله الحموي، دار صادر - بيروت، الطبعة الثانية، 1995 م.
208.
المعجم الفلسفي، إعداد مجمع اللغة العربية، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية - القاهرة، 1403 هـ - 1983 م.
209.
المعجم الكبير، سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة الثانية.
210.
معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة، مكتبة المثنى - بيروت، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
211.
معجم المفسرين، عادل نويهض، مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر- بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة، 1409 هـ - 1988 م.
212.
معرفة القراء الكبار، الذهبي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1997 م.
213.
المغني، ابن قدامة المقدسي، تحقيق عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو، دار هجر.
214.
المغني في الضعفاء، محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق د. نور الدين عتر، إدارة إحياء التراث - قطر.
215.
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، بن هشام، تحقيق د. مازن المبارك، ومحمد علي حمد الله، دار الفكر - دمشق، الطبعة السادسة، 1985 م.
216.
مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، فخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، 1420 هـ.
217.
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، ابن قيم الجوزية، تحقيق عبد الرحمن بن حسن بن قائد، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1432 هـ.
218.
المفردات غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق صفوان عدنان الداودي، دار القلم، الدار الشامية دمشق - بيروت، الطبعة الأولى، 1412 هـ.
219.
المفصل في تفسير القرآن الكريم = تفسير الجلالين، جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، تحقيق د. فخر الدين قباوة، مكتبة لبنان - ناشرون، الطبعة الأولى، 2003 م.
220.
مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر 1399 هـ - 1979 م.
221.
مقدمة التفسير، ابن تيمية، تحقيق عدنان زرزور، دار القرآن الكريم، الطبعة الثانية، 1392 هـ - 1972 م.
222.
المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد الغزالي، تحقيق بسام عبد الوهاب الجابي، دار الجفان والجابي - قبرص، الطبعة الأولى، 1407 هـ - 1987 م.
223.
ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.
224.
المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية، 1392 هـ.
225.
منهاج السنة، ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، أشرفت على طباعته جامعة الإمام، الطبعة الأولى، 1406 هـ.
226.
الموافقات، إبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1997 م.
227.
مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، محمد بن محمد الحطاب، تحقيق محمد يحيى بن محمد الأمين الشنقيطي، دار الرضوان، سنة النشر: 1431 هـ - 2010 م.
228.
موطأ مالك، مالك بن أنس، محمد مصطفى الأعظمي، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان، الطبعة الأولى، 1425 هـ - 2004 م.
229.
موقف ابن تيمية من الأشاعرة، عبد الرحمن المحمود، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى، 1415 هـ - 1995 م.
230.
ميزان الاعتدال، الذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1382 هـ - 1963 م.
(ن)
231.
الناسخ والمنسوخ، أبو جعفر النَّحَّاس، تحقيق د. محمد عبد السلام محمد، مكتبة الفلاح - الكويت، الطبعة الأولى، 1408 هـ.
232.
الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن، أبو عُبيد القاسم بن سلاّم، تحقيق محمد بن صالح المديفر، مكتبة الرشد - شركة الرياض - الرياض، الطبعة الثانية، 1418 هـ - 1997 م.
233.
النبوات، ابن تيمية، تحقيق عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف - الرياض، الطبعة الأولى، 1420 هـ - 2000 م.
234.
نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، ابن حجر العسقلاني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، دار ابن كثير، الطبعة الثانية، 1429 هـ - 2008 م.
235.
نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، عبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق محمد عبد الكريم كاظم الراضي، مؤسسة الرسالة - لبنان - بيروت، الطبعة الأولى، 1404 هـ - 1984 م.
236.
النشر في القراءات العشر، محمد بن محمد بن يوسف ابن الجزري، تحقيق علي محمد الضباع، المطبعة التجارية الكبرى.
237.
نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته: بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، الزيلعي، تحقيق محمد عوامة، مؤسسة الريان للطباعة والنشر - بيروت، دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997 م.
238.
نظم المتناثر من الحديث المتواتر، محمد بن أبي الفيض الكتاني، شرف حجازي، دار الكتب السلفية - مصر، الطبعة الثانية.
239.
نقض الدارمي على المريسي، عثمان بن سعيد الدارمي، تحقيق رشيد بن حسن الألمعي، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1998 م.
240.
النكت والعيون= تفسير الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، تحقيق السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.
241.
نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه، أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق آل زهوي، شركه أبناء شريف الأنصاري - بيروت، الطبعة الأولى، 1422 هـ - 2001 م.
242.
النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، تحقيق محمود الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، المكتبة العلمية - بيروت، 1399 هـ - 1979 م.
243.
نهاية المطلب في دراية المذهب، عبد الملك بن عبد الله الجويني، تحقيق عبد العظيم محمود الدّيب، دار المنهاج، الطبعة الأولى، 1428 هـ - 2007 م.
244.
النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى، محمد الحمود النجدي، مكتبة الإمام الذهبي - الكويت.
(هـ)
245.
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن، مكي بن أبي طالب، مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة، الطبعة الأولى، 1429 هـ - 2008 م.
246.
هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، إسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي، وكالة المعارف الجليلة - إستانبول، 1951 م.
(و)
247.
الوابل الصيب، ابن قيم الجوزية، تحقيق عبد الرحمن بن حسن بن قائد، دار عالم الفوائد - مكة المكرمة.
248.
الوجوه والنظائر، أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري، تحقيق محمد عثمان، مكتبة الثقافة الدينية - القاهرة، الطبعة الأولى، 1428 هـ - 2007 م.
249.
الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز، الحسين بن محمد الدمغاني، تحقيق عربي عبد الحميد علي، دار الكتب العلمية - بيروت.
250.
الوجوه والنظائر في القرآن العظيم، مقاتل بن سليمان، تحقيق حاتم صالح الضامن، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث - دبي، الطبعة الأولى، 1427 هـ.
* * *