المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

سلسلة الرسائل العلمية (12)   معالم التوحيد في فاتحة الكتاب دراسة تحليلية موضوعية   تأليف الدكتور: عرفة بن - معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

[عرفة بن طنطاوي]

فهرس الكتاب

سلسلة الرسائل العلمية (12)

معالم التوحيد

في

فاتحة الكتاب

دراسة تحليلية موضوعية

تأليف الدكتور:

عرفة بن طنطاوي

أستاذ التفسير وعلوم القرآن للدراسات العليا

بالجامعة الإسلامية والمعهد العالي للأئمة والخطباء بمنيسوتا

ص: 1

بحوث ورسائل علمية جامعية (1)

الموسوعة البحثية التأصلية في

الدراسات القرآنية

معالم التوحيد

في

فاتحة الكتاب

(رسالة دكتوراه)

دراسة تحليلية موضوعية

تأليف الدكتور/ عرفة بن طنطاوي

أستاذ التفسير وعلوم القرآن للدراسات العليا

بالجامعة الإسلامية والمعهد العالي للأئمة والخطباء بمنيسوتا

دار المأثور

دار الأمل

ص: 3

أصل الكتاب

رسالة نال بها الباحث درجة

العالِمية (الدكتوراه)

في التفسير وعلوم القرآن

بدرجة

امتياز مع مرتبة الشرف الأولى

ص: 4

تنبيه

هذا كتاب مفيد قد حوى دُررَا

فيه معالم عن توحيد الله خُذ خبرَا

يا مَن يوحد الله فاحظ به

حتى تكون بِذَا القرآن مُدَّكِرَا

ص: 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

ص: 6

‌ديباجة الكتاب

إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)} [آل عمران].

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء].

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70 - 71].

أما بعد

(1)

:

فإنَّ شرف العلم من شرف المعلوم، وشرف كل علم بشرف متعلقه، وعلم التفسيرِ متعلق بأشرف كتاب ألا وهو كتاب الله تعالى، ولذا يُعَدُّ علمُ التفسيرِ من أجلّ العلوم بل ومن أشرفها وأبركها وأعلاها قدرًا وأزكاها، وأعظمها أثرًا ونفعًا، والبشرية عمومًا والأمة خصوصًا أكثر احتياجًا له على مرِّ العصور والأزمان؛ وذلك لمسيس الحاجة

(1)

هذه هي خطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها أصحابه رضي الله عنهم، وهي في الابتداء عامة، في خطبة النكاح، وغيرها، وهي مروية عن: ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وغيرهم رضي الله عنهم.

أخرجها: أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم. ولقد اخترت رواية عن ابن مسعود عند أحمد (3720 و 4115)، وأبو داود (2118)، والنسائي في المجتبى (3277)، والطيالسي في المسند (336)، وأبو يعلى في المسند (5233)، والحاكم في المستدرك (2744).

وتنظر مخرَّجة، تخريجًا علميًّا متقنًا، في جزء حديثي، باسم:«خطبة الحاجة» لفضيلة محدث الأمة: محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله.

ص: 7

لفهم معاني آي التنزيل، وإيضاح غريب ومبهم القرآن، وبيان مقاصده وأحكامه، وبيان دلائل هداياته، والجواب عن تساؤلاته، وبيان مجمل معاني آياته.

وأهل العلم بتفسير القرآن نالوا شرفًا مرومًا، وعلوَّ قدرٍ وشأنٍ، ورفعةَ مكانةٍ، وسموَّ رتبةٍ.

إذْ جعلَهم اللهُ مرجعًا للعباد في الدلالة على إيضاح المراد من كلامه سبحانه وتعالى، وأيُّ شرف يعدل هذا الشرف؟

ولا شك أن هذا من أعظم الدوافع وأعظم المطالب الداعية للتنافس في بذل العمر النفيس والوقت الغالي العزيز لنيل أعظم المراتب وأشرف الأماني، وهذا مما يعين على البذل والتضحية في التنقيب والبحث في علم التفسير بعلو همة وإقبالِ نفسٍ لتحقيق تلك الرتب العالية، والفوز بالمكانة الرفيعة السامية، ونيل تلك المآرب الشريفة الغالية.

هذا مع ما يمنُّ الله به على مَن اشتغل بهذا العلم الشريف من التعلق بكتاب ربه وعمارة وقته وحياته به، وينزل الله عليه من السكينة والطمأنينة وشآبيب الرحمة، مع ما يورثه من انشراحٍ لصدره وطمأنينة لنفسه وتزكية لفؤاده وصلاح في معاشه، مع ما أعده له من جزيل عطائه وثوابه في معاده، هذا مع ما يعود نفعه لعباده ببيان وإيضاح معاني تأويل كتابه والكشف عن أسرار تنزيله وبيان معاني آياته.

قال سبحانه في شأن كتابه:

{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)} [المائدة: 15 - 16].

تلك هي الدوافع الداعية لخوض البحث والتنقيب عن معاني القرآن العظيم عمومًا، وبيان فضائل فاتحته خصوصًا، وإيضاح معانيها وتعلقها بأشرف وأعظم وأجل قضية ينبغي أن تبذل من أجلها الهمم العوالي والمهج الغوالي، ألا وهي قضية التوحيد

ص: 8

الذي هو حق الله على العبيد، فهي أعظم سورة في كتاب الله، وهي أم القرآن وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها.

وقد قال الله تعالى في شأنها:

{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)} [الحجر].

وقَالَ رَسُولُه اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عنها: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ»

(1)

.

‌خطوات البحث:

‌أولًا-أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

1 -

بيان مكانة القرآن الكريم وعلو قدره عمومًا، وبيان مكانة وفضل وقدر أفضل سورة فيه، ألا وهي سورة الفاتحة خصوصًا.

2 -

بيان عظمة ما اشتملت عليه السورة الكريمة من تقرير أعظم وأجل قضية ألا وهي قضية التوحيد.

3 -

بيان المقاصد العامة للسورة الكريمة وشموليتها، وإيضاح ما قررته من قضايا كلية (عقدية وتعبدية وسلوكية).

‌ثانيًا-أهداف البحث:

1 -

بيان أن المحور الرئيس في السورة الكريمة هو تقرير عبودية الخلق للخالق جل في علاه.

2 -

إن من أهم أهداف البحث بيان عظم قدر التوحيد وعلو شأنه.

(1)

البخاري (4704) مختصرًا، والترمذي في السنن (2875) واللفظ له.

ص: 9

3 -

إيضاح وإبراز العلاقة الوطيدة بين السورة الكريمة وبين التوحيد بأنواعه الثلاثة.

4 -

ومن أهم أهداف البحث إبراز الجوانب العظيمة التي حوتها السورة الكريمة.

5 -

ومن الأهداف الجليلة للبحث لفت انتباه أنظار المسلمين عمومًا والباحثين والدارسين خصوصًا لعظم شأن السورة وما حوته وتضمنته من قضايا ومباحث، وأن مجال البحث في شأن فاتحة الكتاب ما يزال بابه مفتوحًا لم يوصد، وذلك لعظم شأن كتاب الله ولعظم قدر فاتحته وما حوته وتضمنته من قضايا، ماتزال تحتاج لبحث وتنقيب وإبراز لتلك الجوانب العظيمة التي تدل على عظمة الله، وعظمة كلامه الذي لا منتهى لفضله ولا حصر لقدره وعلو شأنه.

‌ثالثًا-الدراسات السابقة:

لعظم شأن فاتحة الكتاب في صدور أهل الإيمان كثُر التصنيفُ والتأليفُ فيما يخص السورة الكريمة، سواء من عموم المصنفين والمؤلفين، أو من عموم الباحثين والدارسين كذلك، ومما قُدِّم من أطروحات وبحوث ودراسات علمية، كلٌّ يتناولها من جانب من الجوانب، فباحث يتناولها من جانب التفسير الموضوعي، وباحث يتناولها من الجانب اللغوي، وباحث يتناولها من جانب الإعجاز البلاغي، وباحث يتناولها من جانب الترابط النصي والوحدة الموضوعية إلى غير ذلك من الموضوعات، ومن ذلك:

1.

موضوعات قرآنية في ضوء سورة الفاتحة دراسة موضوعية لعماد يعقوب حمتو.

2.

دلالات سورة الفاتحة التربوية في ضوء التفسير القيم د. حمدان عبد الله الصوفي الجامعة الإسلامية بغزة كلية التربية - قسم أصول التربية.

3.

سورة الفاتحة في ضوء عبادة الدعاء تفسير موضوعي - كريم امصنصف - مدينة مكناس، شمال شرق المملكة المغربية.

ص: 10

4.

التفسير التحليلي للقرآن الكريم: تفسير سورة الفاتحة نموذجاً (350) صفحة لـ ناصر الكسواني عن: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع (2011).

والحقيقة أن ما كُتِب في السورة الكريمة وصُنِّف يصعُب إحصاؤه، إلا أنه في حدود البحث الضيق لم تقف الدراسة على بحث دراسي أو أُطرُوحة علمية تعالج موضوع بحثنا بدراسة تحليلية موضوعية مستقلة بتناول قضية التوحيد وعلاقتها بفاتحة الكتاب.

ولعظم وقدر أفضل سورة في كتاب الله، ولمكانة أجل قضية تعالجها السورة الكريمة ويدور عليها محورها الرئيس، ألا وهو موضوع (قضية التوحيد)، كان هذا البحث الموسوم بـ (معالم التوحيد في ضوء فاتحة الكتاب).

‌رابعًا- منهج البحث:

1 -

يعتمد منهج البحث على الجمع بين جانبين ونوعين عظيمين جليلين من جوانب التفسير ألا وهما جانبا التفسير التحليلي الموضوعي.

2 -

تقديم فصل تمهيدي مهم بين يدي البحث يتعلق ببيان عظم مكانة التوحيد:

(مفهومه ومعناه -حقائقه وفضائله- دلائله ونواقضه)؛ لأنه الموضوع الرئيس الذي تتعلق به السورة الكريمة.

3 -

الحديث عن السورة الكريمة وبيان ما يتعلق بها وما تدعو الحاجة لبيانه، وذكر أهم ما ثبت لها من أسماء، وبيان عدد آياتها وكلماتها وحروفها.

4 -

بيان أبرز موضوعات السورة الكريمة ثم بيان معناها الإجمالي.

5 -

بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها، ثم بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها.

6 -

بيان أهم المناسبات في السورة الكريمة.

7 -

بيان معالم التوحيد كما وردت في السورة الكريمة ودراستها دراسة موضوعية تحليلية.

ص: 11

8 -

الاستشهاد بالآيات القرآنية، مع عزو كل ما استُدِلَّ به من آيات إلى اسم السورة ورقم الآية.

9 -

الاستدلال بما ثبت من الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بموضوع البحث، لأن السنة المطهرة مفسرة للقرآن، مبينة لمجمله، ومقيدة لمطلقه، ومخصصة لعمومه، ومفصلة لأحكامه، وموضحة لمشكله.

10 -

الاستدلال بكلام أئمة التفسير مع تقديمه على كلام غيرهم من أهل العلم، وذلك لتعلق البحث بالتفسير، مع تقديم التفسير بالمأثور على غيره، إلا ما دعت إليه الحاجة.

11 -

إظهار شخصية الباحث بإبداء الرأي فيما ينقل من نصوص والتعليق عليها والترجيح إن اُحْتِيجَ لذلك.

12 -

العناية التامة بتخريج الأحاديث النبوية الشريفة وعزوها إلى مصادرها الأصلية من غير تطويل ممل ولا تقصير مخل، مع الالتزام بقواعد التخريج والحكم عليها والاكتفاء بالثابت منها ومجانبة الضعيف والموضوع حسب القدرة والطاقة والمستطاع، عدا ما ثبت في الصحيحين، فإنه لا يُحكم عليه، لتلقي الأمة لهما بالقبول.

13 -

العناية بآثار الصحابة رضي الله عنهم وأقوال أهل العلم حسب القدرة والطاقة والإمكان وعزوها لمصادرها.

14 -

العناية بتراجم الأعلام غير المشاهير، والبلدان غير المعروفة.

15 -

إعداد مجموعة الفهارس العلمية على ما هو متبع في البحوث والدراسات على النحو التالي:

أولًا- فهرس الآيات القرآنية بحسب ترتيبها في المصحف الشريف.

ثانيًا- فهرس الأحاديث النبوية الشريفة، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي)

ص: 12

ثالثًا- فهرس الأعلام المترجم لهم، معتمدًا على ما اشتهر به العلم من اسم، أو لقب، أو كنية، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي).

رابعًا- تراجم البلدان غير المشهورة إن وجد، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي)

خامسًا- ثبت لأهم المصادر والمراجع، مرتبة ترتيبًا هجائيًّا (ألف بائي).

سادسًا- فهرس الموضوعات.

وختامًا:

نسأل الله صدقًا في النية، وصلاحًا في الطوية، وإخلاصًا يُراد به رب البرية، والحمد لله رب العالمين.

ما دعوة أنفع يا صاحبي

من دعوة الغائب للغائب

ناشدتك الرحمن يا ناظرًا

أن تسأل الغفران للكاتب

أبو عبد الرحمن

عرفة بن طنطاوي

[email protected]

ص: 13

‌مخلص البحث

سيقسم هذا البحث بإذن الله تعالى إلى مقدمة، وأربعة فصول، ويندرج تحت كل فصل عدة مباحث، وخاتمة، ومجموعة من الفهارس.

أما المقدمة فتشمل ما يلي:

1 -

أهمية الموضوع وأسباب اختياره.

2 -

أهداف البحث.

3 -

منهج البحث.

4 -

الدراسات السابقة.

تليها خطة البحث:

وتشتمل على أربعة فصول، ويندرج تحت كل فصل عدة مباحث ثم الخاتمة وفيها:

1 -

أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة.

2 -

بيان لأهم توصيات الدراسة.

3 -

ويليها مجموعة الفهارس العلمية.

ص: 14

‌خطة البحث

المقدمة وتشمل على:

- خطوات خطة البحث.

- مُلَخص البحث.

الفصل الأول: بين يدي موضوع السورة الرئيس وفيه مباحث:

المبحث الأول: مفهوم التوحيد.

المبحث الثاني: بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها.

المبحث الثالث: بيان حقيقة التوحيد.

المبحث الرابع: بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد.

المبحث الخامس: بيان ما يناقض التوحيد.

الفصل الثاني: وفيه مباحث:

المبحث الأول: الاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام.

المبحث الثاني: أسماء السورة الكريمة.

المبحث الثالث: عدد آياتها وكلماتها وحروفها.

المبحث الرابع: أبرز موضوعات السورة الكريمة.

المبحث الخامس: بيان المعنى الإجمالي للسورة.

المبحث السادس: بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها.

المبحث السابع: بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها.

الفصل الثالث: المناسبات في السورة الكريمة، وفيه مباحث:

المبحث الأول: مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسور الفاتحة.

ص: 15

المبحث الثاني: مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها.

المبحث الثالث: مناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض.

المبحث الرابع: علاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله.

الفصل الرابع: معالم التوحيد كما وردت في السورة الكريمة، وفيه مباحث:

المبحث الأول: المحور الرئيس في السورة الكريمة (تقرير العبودية لله تعالى).

المبحث الثاني: التوحيد وعلاقته بمحور السورة الكريمة.

المبحث الثالث: تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة.

المبحث الرابع: أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة ودلالتها على قضية التوحيد.

خاتمة البحث:

أولًا: أبرز النتائج.

الختام.

مجموعة الفهارس العلمية:

أولًا- فهرس: أهم المصادر والمراجع.

ثانيًا- فهرس الآيات.

ثالثًا- فهرس الأحاديث والآثار.

رابعًا- فهرس الأعلام المترجم لهم.

خامسًا- فهرس الموضوعات.

ص: 16

‌الفصل الأول

(فصل تمهيدي-مختصر)

بين يدي موضوع السورة الرئيس- (التوحيد)

(مفهومه ومعناه-حقائقه وفضائله- دلائله ونواقضه)

ويشتمل على خمسة مباحث:

المبحث الأول: مفهوم التوحيد.

المبحث الثاني: بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها.

المبحث الثالث: بيان حقيقة التوحيد.

المبحث الرابع: بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد.

المبحث الخامس: بيان ما يناقض التوحيد.

ص: 17

‌المبحث الأول

مفهوم التوحيد

ص: 19

المبحث الأول:

مفهوم التوحيد

‌1 - التوحيد لغة:

«التوحيد أصل مادته (وحد) وتدور هذه المادة على الانفراد والاختصاص»

(1)

.

ويقول ابن فارس

(2)

: «الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد»

(3)

.

‌2 - التوحيد اصطلاحًا:

قال السفاريني رحمه الله: التوحيد هو: «إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتٍ وأفعالًا»

(4)

.

وعرفه العلَّامة الفقيه شيخنا ابن عثيمين

(5)

رحمه الله بقوله: «التوحيد هو إفراد الله

(1)

تهذيب اللغة للأزهري (4/ 3844 - 3848)، والصحاح للجوهري (2/ 547)، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، (414)، و معجم مقاييس اللغة، (ص: 1084).

(2)

ابن فارس وهو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي (329 - 395 هـ/ 940 - 1004 م)(إمام لغة وأدب. أصله من قزوين، وأقام مدة في همذان، ثم انتقل إلى الري فتوفي فيها وإليها نسبته. من مؤلفاته معجم اللغة، وينظر (ص: 13) من: سير أعلام النبلاء.

(3)

معجم مقاييس اللغة (ص: 1084).

(4)

لوامع الأنوار البهية (1/ 57)

(5)

العلَّامة شيخنا محمد بن صالح العثيمين التميمي (1347 هـ- 1421 هـ) قال عنه شيخ الإسلام الألباني: «خلت الأرض من عالم، وأصبحت لا أعرف منهم إلا أفرادًا قليلين، أخص بالذكر منهم: العلَّامة عبد العزيز بن باز، و العلَّامة محمد بن صالح بن عثيمين. تأثر بابن تيمية، محمد بن عبد الوهاب، ابن سعدي، ابن باز. وينطر، كتاب شرح ثلاثة الأصول لفضيلة الشيخ العلَّامة محمد بن صالح العثيمين إعداد فهد بن ناصر بن ابراهيم السليمان، ومجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين -المجلد الثاني- باب الكفر ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين -المجلد الثاني- باب الكفر والتكفير- والموسوعة الحرة.

ص: 21

بالعبادة» أي: أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئًا، لا تشرك به نبيًّا مرسلًا، ولا ملكًا مقربًا ولا رئيسًا ولا ملكًا ولا أحدًا من الخلق، بل تفرده وحده بالعبادة محبة وتعظيمًا، ورغبة ورهبة، وهناك تعريف أعم للتوحيد وهو:«إفراد الله سبحانه وتعالى بما يختص به»

(1)

.

وعرفه العلَّامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي

(2)

رحمه الله بقوله: «التوحيد يطلق شرعًا على تفرد الله بالربوبية والإلهية، وكمال الأسماء والصفات»

(3)

.

قال محمد طاهر الفَتَّنِي

(4)

رحمه الله: «توحيد الله تعالى: الإقرار بوحدانيته، واتصافه بالمحامد، وتنزيهه عن النقائص، وطرد الإشراك به عبادة واستعانة وذبحًا ونذرًا

(1)

شرح ثلاثة الأصول (1/ 39).

(2)

عبد الرزاق عفيفي: عبد الرزاق بن عفيفي بن عطية بن عبد البر العفيفي الربيعي من قبيلة بني ربيعة إحدى القبائل المعروفة في نجد، ولد في سنشور، وهي قرية تابعة لمحافظة المنوفية في مصر، سنة (1325 هـ (، تلقى تعليمه العالي في الجامع الأزهر، وتخرج فيه (سنة 1351 هـ)، حاصلًا على الشهادة العالمية، ثم درس في شعبة الفقه وأصوله طلبًا للتخصص.

قال فيه العلَّامة الألباني: «التقيته غير مرة في مواسم الحج، وكنت أستمع -أحيانًا- إلى إجاباته العلمية على استفتاءات الحجاج المتنوعة، محكمة، تدل على فقه دقيق، واتباع ظاهر لمنهج السلف «.

كانت وفاته صبيحة يوم الخميس لخمسة أيام بقين من ربيع الأول سنة خمس عشرة وأربعمائة وألف من الهجرة، ودفن في الرياض بعد صلاة الجمعة. ينطر: الشيخ العلَّامة عبد الرزاق عفيفي: حياته العلمية وجهوده الدعوية وآثاره الحميدة.

(3)

مذكرة التوحيد (1/ 3 (.

(4)

الفَتَّنِي-جمال الدين، محمد طاهر بن علي الصديقي الهندي الفَتَّنِي الكجراتي (910 - 986 هـ) عالم بالحديث ورجاله. كان يلقب بملك المحدثين. نسبته إلى فَتَّن (من بلاد كجرات بالهند) ومولده ووفاته فيها. دعا إلى مناوأة البواهير (طائفة تتسمى بالإسلام ودخلتها بدع القرامطة). وكانوا قومه، أنكر عليهم بدعتهم، فانفردوا به فقتلوه. من كتبه (مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار)، و (تذكرة الموضوعات) و (المغني في أسماء رجال).

ص: 22

وحلفًا»

(1)

.

قال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله معرفًا التوحيد: «نقول في توحيد الله -معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره»

(2)

.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ

إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء]: «يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم إلا نوحي إليه أنه لا معبود في السماوات والأرض، تصلح العبادة له سواي {فَاعْبُدُونِ} يقول: فأخلصوا لي العبادة، وأفردوا لي الألوهية»

(3)

.

قال ابن كثير رحمه الله: «قال تعالى مخبرًا أنه الأحد الصمد، الذي لا إله غيره، فقال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ

إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13)} [التغابن].

فالأول خَبَرٌ عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه»

(4)

.

وقال ابن كثير -أيضًا- في قوله تعالى: {مَا كَانَ

لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ} [يوسف: 38]:

«هذا التوحيد - وهو: الإقرار بأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له»

(5)

.

(1)

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، (ص: 87 - 92).

(2)

متن الطحاوية بتعليق الألباني (ص: 34).

(3)

جامع البيان للطبري (18/ 427).

(4)

تفسير القرآن العظيم (8/ 138).

(5)

المرجع السابق (4/ 389).

ص: 23

‌المبحث الثاني

بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها

ص: 25

المبحث الثاني:

بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها

أما‌

‌ كلمة التوحيد فهي

قول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .

ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وهي متضمنة لنفيٍ وإثباتٍ.

فأما النفي ففي شقها الأول وهو قول: «لَا إِلَهَ» ، فهي تنفي بذلك جميع ما يعبد من دون الله.

وأما الإثبات ففي شقها الثاني وهو قول: «إِلَّا اللَّهُ» فهي تثبت بذلك العبودية بأنواعها كلها -الظاهرة منها والباطنة- لله وحده لا شريك له، لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه وربوبيته، وبذلك تتحقق البراءة من كل ما يعبد من دون الله من الأنداد. كما قال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)} [الحج].

وكَلِمَةَ التَّوْحِيدِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، هِيَ كَلِمَاتٌ لَا تَتِمُّ النِّسْبَةُ الْمَقْصُودَةُ فِيهَا مِنْ حَصْرِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الله إِلَّا بِمَجْمُوعِهَا»

(1)

.

وكلمة التوحيد أعظم شهادة، من أعظم شاهد وهو الله تعالى وأعظم مشهودٍ وهو القسط به ومشهود عليه وهو كلمة التوحيد؛ كما قال تعالى:

{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)} [آل عمران].

(1)

ينظر: البحر المحيط في التفسير (3/ 194).

ص: 27

قال ابن سعدي

(1)

رحمه الله: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» تَأكيدٌ لتفرُّدِه بالألوهيَّةِ، وتقريرٌ لتوحيدِه، وأنَّه لا يستحقُّ العبادةَ غيرُه»

(2)

.

‌شروط كلمة التوحيد:

لقد اجتمع لكلمة التوحيد من الثمار العديدة والفضائل والخصائص ما يعجز المقام عن حصره، إلا أنَّ قائلها لا تنفعه تلك الفضائل بمجرد النطق باللسان، ولا ينتفع بها إلا من عمل بمقتضاها وحقق شروطها وأتى بلوازمها، وعلم مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا لا يعتريه ريب أو شك، وقرن مع الاعتقاد الجازم بها، العمل بمقتضاها.

فأما مَن قالها وعمل بها ظاهرًا من غير اعتقاد جازم نابعًا من القلب، فذاك المنافق، وأما من تلفظ بها وعمل بنقيضها ولم يحقق لوازمها من الإشراك بالله في عبادته، فذاك المشرك الكافر، كالذي يتلفظ بها وهو يصرف شيئًا من أنواع العبادات الظاهرة أو الباطنة ويتوجه به لغير الله تعالى المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ كالذبح لأرباب القبور أو الجن أو غيرها من المخلوقين والنذر لغيره سبحانه، ودعاء الأموات والاستغاثة بهم وطالب قضاء الحوائج منهم والتوكل عليهم والإنابة والفزع إليهم ودعائهم من دون الله، ورجائهم وخوفهم ومحبتهم من دون الله ونحو ذلك من العبادات التي لا تصرف إلا لله تعالى، فمن صرف شيئًا من تلك العبادة أو غيرها مما

(1)

هو الشيخ العلَّامة أبوعبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي، ولد في القصيم في (1307 هـ)، اشتغل بالعلم على يد علماء بلده، ولما بلغ من العمر ثلاثًا وعشرين سنة جلس للتدريس، توفي سنة (1376 هـ) في القصيم، بالمملكة العربية السعودية، وللاستزادة، ينظر: مصادر هذه الترجمة في:

1 -

مشاهير علماء نجد وغيرهم للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ (ص 256).

2 -

ابن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة، رسالة ماجستير إعداد د/ عبد الرزاق بن

عبد المحسن العباد (من ص 13 إلى 61).

(2)

ابن سعدي) 128).

ص: 28

لا يصلح صرفه إلا له سبحانه، فهو مشرك كافر بالله تعالى، ولا ينفعه التلفظ بكلمة التوحيد حتى يصرف العبادات كلها لله ويعمل بلوازمها ومقتضياتها ويخلص الدين كله لله.

ولقد نبه الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في كتابه الماتع معارج القبول على ذلك فقال رحمه الله: «ليس المراد من ذلك عدَّ ألفاظها وحفظها فكم من عاميٍّ اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له اعُددها لم يحسن ذلك، وكم حافظٍ لألفاظها يجري فيها كالسهم وتراه يقع كثيرًا فيما يناقضها، والتوفيق بيد الله»

(1)

ا. هـ.

وقيل للحسن البصري

(2)

رحمه الله: «إن ناسًا يقولون: من قال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دخل الجنة؛ فقال: «من قال لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فأدَّى حقها وفرضها دخل الجنة»

(3)

وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟

قال: «بلى؛ ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، إن أتيت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يُفتح لك» .

يشير بالأسنان إلى شروط لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

(4)

.

وحيث إن الانتفاع بهذه الكلمة العظيمة الطيبة لا يتم لمخلوق إلا إذا تحققت فيه شروط سبعة، وهذه الشروط أخذها العلماء المحققون بالتتبع والاستقراء للأدلة من الكتاب والسنة، فوجدوا أن تلك الكلمة قُيِدت في الكتاب والسنة بقيود عظيمة الشأن جليلة القدر، وأن هذه الكلمة لا تنفع قائلها إلا إذا استوفى تلك الشروط مجتمعة

(1)

معارج القبول (1/ 377).

(2)

الحسن البصري (21 - 110 هـ)، هو: الحسن بن يسار البصري، تابعي، ولد بالمدينة، رأى بعض الصحابة، وسمع من قليل منهم، شهد له أنس بن مالك وغيره. وكان إمام أهل البصرة، نقل عنه أنه قال بقول القدرية، وينقل أنه رجع عن ذلك، [تهذيب التهذيب (2/ 242 - 271)؛ والأعلام للزركلي (2/ 242)؛ و (الحسن البصري) لإحسان عباس].

(3)

حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني (8/ 95).

(4)

التاريخ الكبير للبخاري (1/ 59)، والحلية لأبي نعيم الأصبهاني (4/ 66).

ص: 29

وهذه الشروط هي: العلم، اليقين، القبول، الانقياد، الصدق، الإخلاص، المحبة.

وقد جمعها العلَّامة حافظ حكمي رحمه الله فقال:

وبشروط سبعة قد قيدت

وفي نصوص الوحي حقًّا وردت

فإنه لم ينتفع قائلها

بالنطق إلا حيث يستكملها

العلم واليقين والقبول

والانقياد فادر ما أقول

والصدق والإخلاص والمحبة

وفقك الله لما أحبه

(1)

الشرط الأول: العلم بمعناها المراد منها-نفيًا وإثباتًا-ويكون ذلك نطقًا باللسان وعملًا بما تقتضيه تلك الكلمة العظيمة بالجوارح والأركان.

ولا يتحقق ذلك إلا بنفي جميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة عن كل من سوى الله وإثباتها لله وحده لا شريك له تعالى في فاتحة كتابه المجيد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} .

فكلمة {إِيَّاكَ} في الجملتين مفعول به حقه التأخير، لكنها تقدمت فعلي {نَعْبُدُ} و {نَسْتَعِينُ} لتفيد الحصر والاختصاص، وتقديم المعمول في اللغة كما هو معلوم يفيد الحصر والاختصاص، فتحصر العبادة لله ولا يختص به سواه سبحانه، وكذلك الاستعانة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.

ومثل هذا قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)} [البقرة].

ومثله أيضًا قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)} [البقرة].

وقال الله تبارك وتعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)} [محمد].

قال الطبري رحمه الله: «يقول-تعالى ذكره- لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاعلم يا محمد، أنه لا

(1)

معارج القبول (1/ 32).

ص: 30

معبود تنبغي أو تصلح له الألوهة، ويجوز لك وللخلق عبادته؛ إلا الله الذي هو خالق الخلق، ومالك كل شيء، يدين له بالربوبية كل ما دونه»

(1)

.

وكما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)} [الزخرف].

وقال الطبري أيضًا في قوله {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ} [الزخرف: 86] قال: «كلمة الإخلاص»

(2)

.

وعَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ»

(3)

.

قال القرطبي رحمه الله في قوله صلى الله عليه وسلم: «وَهُوَ يَعْلَمُ» : «حقيقة العلم هي وضوح أمرٍ ما وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح»

(4)

.

الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك.

ودليل ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)} [الحجرات].

قال الطبري: «يقول -تعالى ذكره- للأعراب الذين قالوا آمنا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم: إنما المؤمنون أيها القوم الذين صدقوا الله ورسوله، {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا}، يقول: ثم لم يشكوا في وحدانية الله، ولا في نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم»

(5)

.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بها عبدٌ غير شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة»

(6)

.

(1)

التفسير (22/ 174).

(2)

التفسير (21/ 654).

(3)

أخرجه مسلم (26) واللفظ له.

(4)

ينظر: المفهم، باب من لقي الله تعالى عالمًا به دخل الجنة، حديث) 21).

(5)

التفسير (22/ 318).

(6)

أخرجه مسلم (27).

ص: 31

الشرط الثالث: القبول لما تقتضيه كلمة التوحيد بقلبه ولسانه، غير مستكبر عنها.

قال تعالى في وصف حال المجرمين إذا دُعوا إلى هذه الكلمة الطيبة: {إِنَّهُمْ كَانُوا

إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)} [الصافات: 35].

قال الطبري رحمه الله: «يقول -تعالى ذكره-: وإن هؤلاء المشركين بالله الذين وصف صفتهم في هذه الآيات كانوا في الدنيا إذا قيل لهم: قولوا: {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}. يقول: يتعظمون عن قيل ذلك ويتكبرون، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل»

(1)

.

قال البغوي رحمه الله في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)} : «يتكبرون عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها»

(2)

.

والأمر كما ذكر الطبري شيخ المفسرين وكما بين البغوي، في تعاظم المشركين وتكبرهم وامتناعهم عن قولها والنطق بها، هو عدم القبول لهذه الكلمة كما تبين معنا في الشرط الثالث المذكور آنفًا.

الشرط الرابع: الانقياد والاستسلام المنافي للترك لما دلت عليه كلمة التوحيد ويكون ذلك ظاهرًا وباطنًا.

فينقاد لما دلت عليه، ويعبد الله وحده لا شريك له، ويؤمن بشريعته ويعمل بها ويعتقد أنها الحق، ولعل الفرق بينه وبين القبول: أن الانقياد هو الاتباع بالأفعال والقبول إظهار صحة معنى ذلك بالقول ويلزم منهما جميعًا الاتباع ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان وعدم الترك لشيء

(3)

من شروط لا إله إلا الله.

قال الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ

(1)

الطبري (21/ 34).

(2)

البغوي (7/ 39).

(3)

ينظر: (الشهادتان معناهما وما تستلزمه كل منهما) للعلامة الدكتور عبد الله بن جبرين، (ص 81)، وتحفة الإخوان للإمام العلَّامة ابن باز، (ص 26). (بتصرف).

ص: 32

الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22)} [لقمان].

قال القرطبي رحمه الله: «قوله تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ}. أي: يخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى»

(1)

.

قال البغوي رحمه الله: «قوله تعالى: {اللَّهِ} يعني: لله، أي: يخلص دينه لله، ويفوض أمره إلى الله»

(2)

.

وكلام القرطبي والبغوي إنما عنيا به وقصدا الانقياد والاستسلام.

وقال أبو جعفر النحَّاس رحمه الله: «قوله جل وعز: {إِنَّهُمْ كَانُوا

إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)} [الصافات] أي: عن توحيد الله عز وجل»

(3)

.

الشرط الخامس: الصدق المنافي للكذب المانع من النفاق فمن نطقها بلسانه وأنكر حقيقتها ومدلولها بجنانه فإنها لا تنفعه ولا تنجيه، بل هو في جملة وتعداد المنافقين، الذين ذكرهم الله في كتابه فقال سبحانه في وصفهم:{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1].

فرد الله دعواهم تلك وأبطل زعمهم الكاذب بقوله سبحانه: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)} [المنافقون].

قال الطبري رحمه الله: «{وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}، إنما كذب ضميرهم لأنهم أضمروا النفاق، فكما لم يقبل إيمانهم، وقد أظهروه، فكذلك جعلهم كاذبين، لأنهم أضمروا غير ما أظهروا»

(4)

.

وقال سبحانه أيضًا في وصفهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ

(1)

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي): 14/ 70).

(2)

البغوي (6/ 182).

(3)

معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس (6 ص 23).

(4)

التفسير (9/ 390).

ص: 33

بِمُؤْمِنِينَ (8)} [البقرة].

وقال جل في علاه في وصفهم أيضًا: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)} [البقرة].

ومن الحجج والبينات الصريحة على اشتراط التصديق بالجنان مع الإقرار باللسان ومن اشتراط الصدق في الشهادة ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه؛ إلا حرمه على النار»

(1)

.

هذا جزاء من قالها صدقًا من قلبه، وبمفهوم المخالفة أن من قالها كاذبًا غير صادقٍ في قوله، لا يدخل الجنة، بل هو من أهل النار.

الشرط السادس: الإخلاص المنافي للشرك، وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك والنفاق والرياء والسمعة.

فيخلص العبد لربه جميع عباداته القولية والفعلية، وإذا صرف شيئًا منها لغير الله، لأي مخلوق كائنًا من كان، لملك مقرب أو لنبي مرسل، أو لولي من الأولياء، أو لجني، أو لوثن، أو لأي أحد من دون الله تعالى فقد أشرك بالله تعالى وانتفى عنه الاخلاص.

كما قال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: الآيتان: 2 - 3].

وقال سبحانه: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 3].

وقال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].

ومن السنة ما ثبت في الصحيحين وفي مسند أحمد من حديث مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ

(2)

(1)

أخرجه البخاري (128)، ومسلم (32).

(2)

محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وعقل منه مجة مجها في وجهه من بئر في دارهم، وهو يومئذ ابن أربع سنين. وحدث عن: أبي أيوب الأنصاري، وعتبان بن=

ص: 34

عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ في قصة مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ رضي الله عنهم قال: قال صلى الله عليه وسلم: «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»

(1)

.

وفي لفظ: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله إلا حرم الله عليه النار»

(2)

.

وفي لفظ: «ألا تقولوه

(3)

: يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؟ قال: بلى، قال: فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلا حرم الله عليه النار»

(4)

.

وثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»

(5)

.

الشرط السابع: المحبة لكلمة التوحيد ولما اقتضته ودلّت عليه، محبة منافية للبغضاء والكره.

فمن شروط صحة تحقيق كلمة التوحيد، محبتها ومحبة لوازمها ومحبة ما اقتضته وأوجبته ومحبة أهلها، وبغض أعدائها وبغض ما ينافيها من الشرك بالله تعالى بكل صوره؛ ومن لوازم محبة كلمة التوحيد أيضًا، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله.

قال ابن القيم رحمه الله: «فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته،

=مالك، وعبادة بن الصامت، وغيرهم، وروى عنه من الصحابة أنس بن مالك. وقال يحيى بن معين:«له صحبة» . سير أعلام النبلاء (3/ 520).

(1)

البخاري (5086)، ومسلم (33).

(2)

البخاري (6059)، ومسلم (33).

(3)

كذا في رواية الكشميهني، وفي رواية المستملي والسرخسي:«لا تقولوه» بصيغة النهي. البخاري (6539).

(4)

البخاري (6059)، ومسلم (33).

(5)

البخاري (99). وللاستزادة، ينظر: مقال (أدلة شروط لا إله إلا الله من كلام أئمة الإسلام) -موقع ملتقى أهل الحديث.

ص: 35

مع الخضوع له والانقياد لأمره»

(1)

.

وأن تكون محبته لله محبة ذاتية منفردة لا يشرك في محبته سواه جل في علاه، لأنه لا يُحبُ لذاته إلا الله تعالى، ويحب ما أحب اللهُ ورسولهُ، ويبغض ما أبغض اللهُ ورسولهُ، وأما كل ما سوى الله من المخلوقين فمحبته لما فيه من خير، ولا يُحِب مع الله أحدًا وإنما يُحب في الله ولله؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:«مَنْ أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان»

(2)

.

قال العلَّامة حافظ الحكمي رحمه الله: «وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم واقتفاء أثره وقبول هداه»

(3)

.

كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165].

قال الشوكاني

(4)

رحمه الله: «هؤلاء الكفار لم يقتصروا على مجرد عبادة الأنداد، بل أحبوها حبًّا عظيمًا وأفرطوا في ذلك إفراطا بالغًا، حتى صار حبهم لهذه الأوثان ونحوها متمكنًا في صدورهم كتمكن حب المؤمنين لله سبحانه»

(5)

.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن

(1)

مدارج السالكين (1/ 99).

(2)

أخرجه أبو داود (4681) من حديث أبي أمامة صُدَيّ بن عجلان. وصححه الألباني في صحيح وضعيف السنن (4681).

(3)

معارج القبول (2/ 420).

(4)

محمد بن علي بن محمد الشوكاني، الملقب ببدر الدين الشوكاني، أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة وفقهائها، ومن كبار علماء اليمن ولد في اليمن (1173 هـ) ونشأ بصنعاء، وولي قضائها ومات حاكمًا بها (سنة 1250 هـ).

(5)

فتح القدير (1/ 108).

ص: 36

أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار»

(1)

.

وزاد بعض أهل العلم شرطًا ثامنًا وهو: (الكفر بالطاغوت).

‌بيان معنى الطاغوت:

‌1 - الطاغوت لغة:

قال ابن منظور رحمه الله: «الطاغوتُ: ما عُبِدَ من دون الله عز وجل، وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ»

(2)

.

‌2 - الطاغوت اصطلاحًا:

قال الإمام ابن القيم

(3)

رحمه الله: «والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع»

(4)

.

وقال شيخنا العلَّامة الفقيه ابن عثيمين رحمه الله: «وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت: هو ما ذكره ابن القيم رحمه الله بأنه: «ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع»

(5)

(6)

.

والكفر بالطاغوت هو: الكفر بكل ما يعبد من دون الله، وهي زيادة تفصيلية، وذلك لأنها تدخل ضمنًا في الشروط السبعة السالفة الذكر والبيان.

(1)

البخاري (16)، ومسلم (43).

(2)

لسان العرب (8/ 444).

(3)

ابن القيم (691 - 751 هـ)، هو: محمد بن أبي بكر بن سعد الزرعي. شمس الدين من أهل دمشق. من كبار الفقهاء. تتلمذ على ابن تيمية وانتصر له ولم يخرج عن شيء من أقواله، وقد سجن معه بدمشق. من تصانيفه (الطرق الحكمية)؛ و (مفتاح دار السعادة)؛ و (الفروسية)؛ و (مدارج السالكين)، [الأعلام 6/ 281؛ والدار الكامنة (3/ 400)؛ وجلاء العينين (ص 20)].

(4)

إعلام الموقعين (1/ 50).

(5)

القول المفيد (1/ 10).

(6)

وينظر: معالم تربية الولدان في ضوء وصايا سورة لقمان، (ص: 491) وما بعدها، رسالة ماجستير تحت الطبع، الجامعة الإسلامية العالمية -القاهرة- للباحث: عرفة بن طنطاوي.

ص: 37

وأمَّا من جعل الكُفر بالطاغوت شرطًا ثامنًا، فقد نظم فيها أيضًا (في هذه الشروط الثمانية) بيتان وهما:

عِلْمٌ يَقِينٌ وَإِخْلَاصٌ وَصِدْقُكَ مَعَ

مَحَبَّةٍ وَاِنْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لَهَا

وَزِيدَ ثَمِنُهَا الكُفِرَانُ مِنْكَ بِمَا

سِوَى الإِلَهِ مِنَ الأَوْثَانِ قَدْ أُلِهَ

(1)

وقد ثبت في صحيح مسلم عن طارق بن أشيم الأشجعي رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله»

(2)

.

وفي لفظ آخر عند أحمد في المسند: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه»

(3)

.

فلابد مع النطق بكلمة التوحيد الإتيان بجميع لوازمها، ومن أهم لوازمها الكفر بالطاغوت (وهو الكفر بكل ما عُبِدَ من دون الله).

كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256].

ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:

شرط المحبة أن توافق من

تحب على محبته بلا عصيان

فإذا ادعيت له المحبة مع خلا

فك ما يحب فأنت ذو بهتان

أتحب أعداء الحبيب وتدعي

حبًّا له ما ذاك في إمكان

وكذا تعادي جاهدًا أحبابه

أين المحبة يا أخا الشيطان

(1)

بعد بحث مضنٍ لم يقف الباحث على ناظم البيتين، إلا أن البعض ينسبهما للشيخ سليمان بن سحمان، ولم يقف الباحث على شيء يثبت ذلك.

(2)

أخرجه مسلم (23).

(3)

أخرجه أحمد (15875)، و ابن حبان (171).

ص: 38

ليس العبادة غير توحيد المحبة

مع خضوع القلب والأركان

والحب نفس وفاقه فيما يحبه

وبغض ما لا يرتضي بجنان

(1)

(1)

القصيدة النونية لابن القيم مع شرح محمد خليل الهراس (2/ 134).

ص: 39

‌المبحث الثالث

بيان حقيقة التوحيد

وفضائله وعظيم مكانته

ص: 41

المبحث الثالث:

بيان حقيقة التوحيد وفضائله وعظيم مكانته

‌1 - حقيقة التوحيد:

إنَّ التَّوحيد هو لب دعوة المرُّسلين، وبه أُرسلت جميعُ الرسلِ، وأُنزلت به جميعُ الكتب، وشُرعت كلُ الشرائعِ، وهو خلاصة الرِّسالات السماوية كلها، وعليه أُسِّست الملَّة الحنيفية، ومن أجله نصبت القبلة، ومن أجله سُلت سيوفٌ في سبيل الله فأهرقت دماءٌ وقطعت أشلاء وأزهقت أنفس ورملت نساء وثكلت أمهات ويتم أطفال، ومن أجله قامت سوق الآخرة ففريق في الجنة وفريق في السعير.

وإن حقيقة التوحيد هي عبادة الله عز وجل وترك عبادة ما سواه سبحانه، ولهذا خلق الله تعالى الخلق، وأمرهم بذلك، تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].

وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات]، ومعنى يعبدون أي: يوحدون.

قال الطبري رحمه الله: «حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} إلا ليقروا بالعبودة طوعًا وكرهًا»

(1)

.

وقال ابن سعدي رحمه الله في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} : «هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك متوقف على معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة

(1)

التفسير (22/ 445).

ص: 43

بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة بربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم «

(1)

.

فحقيقة التوحيد إذًا:

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، فَلَا يُدْعَى إلاَّ هُوَ، وَلَا يُخْشَى إِلاَّ هُوَ، وَلَا يُتَّقَى إِلاَّ هُوَ، وَلَا يُتَوَكَّلَ إِلاَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونَ الدِّينُ إِلاَّ لَهُ لَا لأَحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَأَلاَّ نَتَّخِذَ المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، فَكَيْفَ بِالأَئِمَّةِ وَالشُّيُوخِ وَالعُلَمَاءِ وَالمُلُوكِ وَغَيْرِهِم؟!»

(2)

.

والتوحيد: هو أصل دعوة النبيين والمرسلين أجمعين.

قال الله تعالى في حقهم: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

قال الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كل أمة سلفت قبلكم رسولًا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة»

(3)

.

وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ

إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء].

‌2 - فضل التوحيد:

وكلمة التوحيد: «هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، وَفَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَعَلَيْهَا أُسِّسَتِ الْمِلَّةُ وَنُصِبَتِ الْقِبْلَةُ، وَجُرِّدَتْ سُيُوفُ الْجِهَادِ، وَهِيَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْعَاصِمَةُ لِلدَّمِ وَالْمَالِ وَالذُّرِّيَّةِ

(1)

تيسير كلام الرحمن في تفسير كلام المنان (8/ 1718).

(2)

منهاج السّنّة النّبويّة (3/ 490).

(3)

التفسير) 9/ 656).

ص: 44

فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَالْمُنْجِيَةُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَهِيَ الْمَنْشُورُ الَّذِي لَا يُدْخَلُ الْجَنَّةُ إِلَّا بِهِ، وَالْحَبْلُ الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِسَبَبِهِ، وَهِيَ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ، وَمِفْتَاحُ دَارِ السَّلَامِ، وَبِهَا انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، وَمَقْبُولٍ وَطَرِيدٍ، وَبِهَا انْفَصَلَتْ دَارُ الْكُفْرِ مِنْ دَارِ الْإِيمَانِ، وَتَمَيَّزَتْ دَارُ النَّعِيمِ مِنْ دَارِ الشَّقَاءِ وَالْهَوَانِ، وَهِيَ الْعَمُودُ الْحَامِلُ لِلْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، وَ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ.

وَرُوحُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَسِرُّهَا: إِفْرَادُ الرَّبِّ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ، وَتَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ- بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ: مِنَ التَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، فَلَا يُحَبُّ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا كَانَ يُحَبُّ غَيْرَهُ فَإِنَّمَا يُحَبُّ تَبَعًا لِمَحَبَّتِهِ، وَكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى زِيَادَةِ مَحَبَّتِهِ، وَلَا يُخَافُ سِوَاهُ، وَلَا يُرْجَى سِوَاهُ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يُرْغَبُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُرْهَبُ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يُحْلَفُ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُتَابُ إِلَّا إِلَيْه، وَلَا يُطَاعُ إِلَّا أَمْرُهُ، وَلَا يُتَحَسَّبُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُسْتَغَاثُ فِي الشَّدَائِدِ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُلْتَجَأُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُسْجَدُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُذْبَحُ إِلَّا لَهُ وَبِاسْمِهِ، وَيَجْتَمِعُ ذَلِكَ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا إِيَّاهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ»

(1)

.

‌3 - مكانة وعظم قدر التوحيد:

‌أ- التوحيد سبب عزة المؤمن:

«والتوحيد الخالص هو الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلِّصُها من رقِّ الأغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين كما يسمون، وشيوخ الطرق الباطلة والدجل، والضلال والتعلقات بالأحياء والأموات»

(2)

.

ولمكانة التوحيد وعِظم قدره ولترسيخ تلك العزة فإن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت يودع الدنيا يوصي أمته بصيانة بالتوحيد وحماية جنابه بالتحذير من التشبه

(1)

ابن القيم: الداء والدواء (ص 456 - 458).

(2)

مجموع الفتاوى (14/ 13).

ص: 45

باليهود والنصارى باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد فيقول صلى الله عليه وسلم: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . تقول عائشة رضي الله عنها: «يُحَذِّرُ مثل الذي صنعوا»

(1)

.

‌ب- التوحيد سبب الفلاح:

فعند أحمد المسند، من طريق شيبان عن أشعث بن أبي الشعثاء، قال: حدثني شيخ من بني مالك ابن كنانة، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز

(2)

يتخللها يقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا»

(3)

.

فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الفلاح على قول لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ولا يتحقق ذلك بمجرد النطق بها باللسان، إذ لابد من العمل بلوازمها وما دلت عليه من نفي العبادة عن كل معبود سوى الله تعالى وإثباتها وصرفها لله سبحانه وحده لا شريك له.

«وقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه أوَّل ما دعا الخلق إلى أن يقولوا: لا إله إلاَّ الله»

(4)

.

وَعنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ الله دَخَلَ الْجَنَّةَ»

(5)

.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث طويل، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه بنعليه فقال:«مَن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة»

(6)

.

فاشترط في دخول الجنة لمن قالها أن يكون قلبه مستيقنًا بها غير شاك فيها، فإذا

(1)

أخرجه البخاري (1390)، ومسلم (529)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2)

ذو المجاز: هو أحد أسواق العرب الأدبية في الجاهلية. و هو من أهم الاسواق التي كان يلتقي فيها قوافل التجار. ويقع في شرق مكة المكرمة ويبعد عنها مسافة 21 كم. وللاستزادة ينظر: الموسوعة الحرة.

(3)

سنده صحيح: أخرجه أحمد (16603)، وينظر: إرواء الغليل (834).

(4)

مجموع الفتاوى (17/ 354).

(5)

أخرجه مسلم (26).

(6)

أخرجه مسلم (31).

ص: 46

انتفى هذا الشرط وهو: كونه (مستيقنًا بها قلبه) انتفى ذاك المشروط وهو: (فبشره بالجنة).

‌ج-التوحيد سبب انشراح الصدر:

«فأعظم أسباب شرح الصدر: التوحيد، وعلى حسب كماله، وقوته، وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه.

قال الله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22].

و قال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125].

فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضّلال من أعظم أسباب ضيق الصّدر وانحراجِه» انتهى

(1)

.

«وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله -تعالى-، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله، وهي ملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام»

(2)

.

‌د-وتحقيق التوحيد سبب دفع العقوبات:

فمن حقق التوحيد دُفِعَت عنه العقوبات وسلم في الدارين من الشرور والآفات، أما في الدنيا فيُعْصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وأما في الآخرة ينجو من النار دار البوار، ويسكن الجنة دار الأبرار جزاء من وحد الله:(في الدنيا).

ثبت في الصحيح عن طارق بن أشيم الأشجعي رضي الله عنه عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاّ الله، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ. وَحِسَابُهُ عَلَى الله عز وجل»

(3)

.

(1)

زاد المعاد (2/ 41).

(2)

مجموع الفتاوى (28 - 32).

(3)

أخرجه مسلم (23).

ص: 47

وجزاء من وحد الله: (عند الموت).

فمن حقق التوحيد وعاش عليه ختم له بخاتمة السعادة.

«فالتَّوحيد مفتاحُ دعوة الرُّسل، وهو أوَّل ما يُدْخَلُ به في الإسلام، وآخر ما يُخْرَجُ به من الدُّنيا، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»

(1)

.

فهو أوَّل واجبٍ وآخرُ واجبٍ، فالتَّوحيد أوَّل الأمرِ وآخرُه».

وجزاء من وحد الله في الآخرة: «النجاة من النار دار البوار» .

ثبت في الصحيحين من حديث عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فإن اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ»

(2)

.

ومما يدلل على ذلك أيضًا ما ثبت عند البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له:«أَسْلِم» ، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أَطِعْ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم؛ فأسلمَ.

فخرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ»

(3)

.

وكذلك جزاء مَن وحَّدَ الله في الآخرة: الفوز بالجنة.

عن أبي موسى الأشعريّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَبْشِرُوا وَبَشِّرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ، أَنَّهُ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»

(4)

.

وختامًا فإن التوحيد سبب النجاة من الخلود في النار، فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الموحدين يخرجون من النار خلافًا للخوارج والمعتزلة.

(1)

مدارج السَّالكين (3/ 443)(بتصرف)، والحديث أخرجه أبو داود (3116) من حديث مُعَاذِ ابْنِ جَبَلٍ، وصحَّحه الألباني رحمه الله إرواء الغليل (3/ 149).

(2)

أخرجه البخاري (77)، ومسلم (33).

(3)

البخاري (1290).

(4)

أحمد (19597) وقال محققه: حديث صحيح.

ص: 48

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أنه يخرج أقوام من النار بعد ما دخلوها وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أقوام دخلوا النار، وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين: «الوعيدية» الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى «المرجئة» الواقفة الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا؟»

(1)

ا. هـ.

(1)

مجموع الفتاوى (7/ 486).

ص: 49

‌المبحث الرابع

بعض الدلائل على أن

القرآن الكريم كله في التوحيد

ص: 51

المبحث الرابع:

بعض الدلائل على أن القرآن الكريم كله في التوحيد

فإن من رحمته سبحانه وتعالى أنه كلما عظُمت حاجة خلقه لأمر ما، تعددت وجوه الحصول عليه والسبل المؤدية إليه، ولنتأمل حاجة البشرية لغذائها، يسر الله حصوله بأشكال وسبل شتى، ولنتأمل حاجة الخلق للماء أشد من حاجتهم إلى الغذاء كانت طرق الوصول إليه والحصول عليه أسهل وأيسر مما يدل على سعة رحمة الخالق بخلقه، ولنمعن التأمل في حاجة البشرية عما لا غنى لهم عنه للحظة أو للحظات ألا وهو الهواء، كان سبيل الوصول إليه لا يحتاج لبذل مال أو جهد أو علم أو طاقة بل هو ميسور لكل كائن حي بلا كلفة ولا نفقة ولا مشقة، ولاريب أن حاجة البشرية لمعرفة حقيقة التوحيد وهدايتهم إليه أعظم من حاجتهم لطعام وغذاء لقوام بدن، أو لماء لارتوائه، أو حتى لهواء يتنفسه وبه حياته، أو لأي أمر به قوام حياة أبدانهم وأجسامهم، لم لا وحياتهم الحقيقية وسعادتهم الأبدية ونجاتهم من مقت الله وسخطه وغضبه وأليم عقابه، والنجاة من عذابه وناره والفوز برضوانه وجنته، كل ذلك منوط بتحقيق التوحيد الذي هو حق الله على جميع العبيد، تحقيق التوحيد الذي به مادة الحياة الحقيقية -حياة القلوب وحياة الأرواح-، وعليه مدار السعادة والنجاة في الدنيا والأخرة.

ولما كانت حاجة البشرية إلى دلالة معرفة الله بتوحيد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته أعظمَ وأجل، كان إنزاله لخاتم كتبه على خاتم رسله كله في التوحيد، وكان تسهيل فهمه وتقريب معانيه والإعانة على تحقيقه ميسور لكل مهتد غير معاند ولا صاد عن سبيل الله وسبيل هدايته، وحول تلك المفاهيم.

ص: 53

يوضح الإمام ابن القيم رحمه الله الأمر فيقول: «كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه، فإن القرآن إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، و إمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، و إمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، و إمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم»

(1)

.

قال الإمام ابن أبي العز الحنفي

(2)

رحمه الله في شرحه للعقيدة الطحاوية: «وهذا مما يبرهن على أن القرآن كله في التوحيد وفيما يترتب عليه من جزاء ونعيم لأهله، ومثله أيضًا في نقيضه ألا وهو الشرك»

(3)

.

وما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله من أن: «كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه» .

يدلل على شمولية القرآن للتوحيد من جهة، ويدلل على عظم شأن التوحيد من جهة أخرى، وعلى عظم حاجة البشرية للاهتداء بالتوحيد والاعتصام به والاستمساك بعروته الوثقى التي لا انفصام لها، وما ذاك إلا لأهميته ومسيس حاجة البشرية لتحقيقه، ولتسعد به في أولاها وأخراها.

(1)

مدارج السالكين (3/ 450).

(2)

ابن أبي العز (731 - 792 هـ (صَدرُ الدين أبو الحسن عليُّ بن علاءِ الدين الدمشقي الصالحيَّ الحنفي. ولد ونشأ في دمشق في كنف أسرة معظمهم قد تولى القضاء في الشام. توفي ودفن في دمشق. الموسوعة الحرة، وللاستزادة: ينظر: الأعلام للزركلي.

(3)

شرح الطحاوية لابن أبي العز (1/ 85).

ص: 54

يقول ابن سعدي رحمه الله: «ومن كليات القرآن أنه يدعو إلى توحيد الله ومعرفته، بذكر أسماء الله، وأوصافه، وأفعاله الدالة على تفرُّده بالوحدانية، وأوصاف الكمال، وإلى أنه الحقُّ، وعبادته هي الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، ويبين نقص كل ما عُبِد من دون الله من جميع الوجوه»

(1)

.

وما ذكره ابن أبي العز الحنفي وابن سعدي رحمهما الله تعالى يوافق كلام الإمام ابن القيم رحمه الله، مما يؤكد لدينا أن القرآن كله مشتمل على التوحيد.

قال الشيخ العلَّامة بكر بن عبد الله أبو زيد

(2)

رحمه الله: فالقرآن العظيم، كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك، وأهله، وجزائهم.

ويُنظر إلى أول سورة في كتاب الله تعالى: سورة الفاتحة): فـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ) توحيد في الألوهية، و {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ) توحيد في الربوبية)، و {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} (توحيد في الأسماء والصفات)، و {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} توحيد في الملك؛ لأنه من شأن الرب المعبود، الذي هذه صفته؛ أن يكون مالكًا ليوم الدين وهو يوم الجزاء والحساب.

و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} توحيد في الثناء والقصد، وهذا التوحيد يدفع مرض الرياء، و {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} توحيد في المسألة والطلب، وهذا التوحيد يدفع مرض العجب والكبرياء، وعلى هذه الآية مدار دعوة جميع الرسل والأنبياء.

و {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} توحيد في الطريق الموصل إلى الله وهو الذي شرعه سبحانه ونصبه لعباده، وهو طريق أهل التوحيد، وهم المذكورون في قوله بعده:

(1)

تيسير الكريم الرحمن (5/ 491).

(2)

بكر بن عبد الله بن محمد بن أبوزيد، أحد كبار العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية. تولى عضوية المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وعضوية مجلس القضاء السعودي، وعضوية هيئة كبار العلماء السعودية واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. ولد عام 1365) هـ) في مدينة الدوادمي- توفي سنة (1429 هـ (بمدينة الرياض. الموسوعة الحرة.

ص: 55

{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فلا يكون رفيقك في الطريق إلا موحد، وهذا التوحيد في الطريق يدفع أمراض الجهل والضلال والأهواء.

وقوله سبحانه: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} تحذير من طريق الذين فارقوا التوحيد.

ويُنظر في آخر سورة من كتاب الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)} [الناس](توحيد) و {مَلِكِ النَّاسِ (2)} [الناس](توحيد){إِلَهِ النَّاسِ (3)} [الناس](توحيد).

وهذا إشعار بأن ما بين اللوحتين من آيات القرآن، وسوره، كله لغاية واحدة:) توحيد العبد لله لا غير) بما شرع الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا مقتضى الشهادتين في الإسلام: ألَّا يُعبد إلا الله، وألَّا يعبد الله إلا بما شرع، وعليها تدور رحى التشريع

)

(1)

انتهى.

وختامًا:

فإن من تأمل كتاب الله من فاتحته إلى خاتمه اتضح له ذلك عيانًا بأن القرآن كله في التوحيد.

ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

(1)

تصحيح الدعاء (ص: 230، 231).

ص: 56

‌المبحث الخامس

بيان ما يناقض التوحيد وهو:

(الشرك)

وما يترتب عليه من أحكام

ص: 57

المبحث الخامس

بيان ما يناقض التوحيد وهو: (الشرك) وما يترتب عليه من أحكام

من الأهمية بمكان فهم مصطلح التعريف بالشرك، وذلك لفهم ما يترتب عليه من مسائل وأحكام وفهم ما يتفرع عن ذلك، ولا شك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذه قاعدة فقهية مشهورة وأولوا العلم على العمل بمقتضاها، وهي قاعدة فقهية مقررة عند الفقهاء وغيرهم من العلماء.

ومفهوم هذه القاعدة أنه قبل الحكم على أمر ما، لا بدَّ من معرفته المعرفة التامة والإحاطة به الإحاطة التامة، وتصوره تصورًا دقيقًا تامًا كذلك، حتى يكون الحكمُ على ذلك الشيء مطابقًا لواقعه.

قال شيخنا العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله: «ومن القواعد المعروفة المقررة عند أهل العلم: الحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوره؛ فلا تحكمْ على شيءٍ إلا بعد أن تتصوره تصوُّرًا تامًّا؛ حتى يكون الحكمُ مطابقًا للواقع، وإلا حصل خللٌ كبيرٌ جدًّا»

(1)

.

و‌

‌مما يستدل به على هذه القاعدة من كتاب الله:

قول الله تعالى: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)} [الكهف].

قال ابن سعدي رحمه الله فيما يستنبط من فوائد هذه الآية الكريمة: «ومنها: الأمر بالتأنِّي والتثبُّت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يعرفَ ما يُراد منه، وما هو المقصود»

(2)

.

(1)

رح الأصول من علم الأصول (ص: 604).

(2)

تيسير الكريم الرحمن لابن سعدي (ص: 484).

ص: 59

وفي نحو ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

(1)

: «ومعرفة حدود الأسماء واجبة لأنه بها تقوم مصلحة بني آدم في النطق الذي جعله الله رحمة لهم لاسيما حدود ما أنزل الله في كتبه من الأسماء كالخمر والربا، فهذه الحدود هي الفاصلة المميزة بين ما يدخل في المسمى ويتناوله ذلك الاسم وما دل عليه من الصفات، وبين ما ليس كذلك»

(2)

ا. هـ.

‌مفهوم الشرك في اللغة والاصطلاح:

‌1 - مفهوم الشرك لغة:

قال ابن فارس: «الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدلّ على مقارنة وخلافِ انفرادٍ، والآخر يدلّ على امتداد واستقامة.

فالأول: الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، يقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكَه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك»

(3)

.

وقال الجوهري: «الشريك يجمع على شركاء وأشراك، وشاركت فلانًا صرت شريكه، واشتركنا وتشاركنا في كذا، وشركته في البيع والميراث أشركه شركة، والاسم: الشرك»

(4)

.

وقال أيضًا: «والشرك أيضًا الكفر، وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركيّ»

(5)

.

(1)

ابن تيمِيَّة: (661 - 728 هـ)، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي. شيخ الإسلام في زمانه وأبرز علمائه. ولد بحرَّان بتركيا، ورحل إلى دمشق مع أسرته هربًا من غزو التتار. وتلقى العلم على والده وعلى مشايخ دمشق، آلت إليه الإمامة في العلم والعمل سنة (720 هـ). ينظر: تذكرة الحفاظ، الإمام الذهبي (4/ 1496 - 1498). ذيل العبر، الإمام الذهبي، (ص 84).

(2)

مجموع الفتاوى (9/ 59).

(3)

مقاييس اللغة:) 3/ 265).

(4)

الصحاح (4/ 1593 - 1594).

(5)

الصحاح (4/ 1593 - 1594).

ص: 60

وقال الفيروز آبادي: «الشِّرك والِشُّركة بكسرهما وضم الثاني بمعنى، وقد اشتركا وتشاركا وشارك أحدهما الآخر، والشِّرك بالكسر وكأمير: المشارك، والجمع أشراك وشركاء»

(1)

.

‌2 - مفهوم الشرك في الاصطلاح:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل بالله أحد من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك»

(2)

.

ويقول ابن سعدي رحمه الله: «حقيقة الشرك أن يُعْبَد المخلوقُ كما يُعْبَد اللهُ، أو يعظَّم كما يعظَّم اللهُ، أو يصرَف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية»

(3)

.

‌3 - الفرق بين الشرك والكفر:

1 -

أما من جهة اللغة فإن الشرك يكون بمعنى المقارنة، أي: أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما عن الآخر. أما الكفر فهو بمعنى الستر والتغطية، فيكون الكفر بمعنى جحد الحق وستره.

قال ابن فارس: «الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية» ، إلى أن قال:«والكفر ضد الإيمان، سُمّي لأنه تغطية الحق، وكذلك كفران النعمة جحودها وسترها»

(4)

.

وأما من حيث الاستعمال الشرعي فقد يطلقان ويكونا بمعنى واحد، كما في قوله تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ

(1)

القاموس المحيط) 2/ 1251).

(2)

الاستقامة (1/ 344).

(3)

تيسيرالكريم الرحمن لابن سعدي (499/ 2).

(4)

مقاييس اللغة لابن فارس (5/ 191).

ص: 61

بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)} [الكهف].

وإذا أطلق أحدهما دخل الآخر في معناه.

كما قال تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)} [المؤمنون].

وقد يفرق بينهما، قال النووي

(1)

رحمه الله: «الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبادة الأوثان وغيرها من

(1)

النووي: (631 - 676 هـ): هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن، النووي (أو النواوي) أبو زكريا، محيي الدين. من أهل نوى من قرى حوران جنوبي دمشق. علَّامة في الفقه الشافعي والحديث واللغة. من تصانيفه (المجموع شرح المهذب) و (روضة الطالبين)؛ و (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج)[طبقات الشافعية للسبكي (5/ 165)؛ والأعلام للزركلي (99/ 185)؛ والنجوم الزاهرة (7/ 278)].

عقيدته ومنهجه: النووي رحمه الله: (له أغلاط في الصفات سلك فيها مسلك المؤولين وأخطأ في ذلك فلا يقتدى به في ذلك؛ بل الواجب التمسك بقول أهل السنة وهو إثبات الأسماء والصفات الواردة في الكتاب العزيز .... ) اللجنة الدائمة فتوى برقم (4264)(3/ 221) عن النووي رحمه الله: النووي ليس أشعريًّا صرفًا على أصولهم كلها؛ بل قد خالفهم في أصول كثيرة؛ منها:

1 -

دفاعه عن عقيدة السلف في أفعال العباد.

2 -

إثبات رؤية الله يوم القيامة.

3 -

دفاعه عن عقيدة السلف في حقيقة الإيمان وزيادته ونقصانه.

4 -

كلامه عن حكم مرتكب الكبيرة.

5 -

وكلامه في النبوات.

6 -

أول واجب على المكلف رد فيه على الأشاعرة (المجموع 1/ 24 - 25) ينظر: ترجمة الحافظ ابن حجر أيضًا فيها زيادة بيان وإيضاح (الباحث).

ص: 62

المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش، فيكون الكفر أعم من الشرك»

(1)

(2)

.

‌4 - أنواع الشرك:

والشرك نوعان:

الأول: شرك أكبر.

الثاني: شرك أصغر.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «أما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو أن يتخذ من دون الله نِدًّا يحبه كما يحب الله»

(3)

.

‌تعريف الشرك الأصغر:

قال ابن سعدي رحمه الله: «هو جميع الأقوال والأفعال التي يُتوسلُ بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك»

(4)

.

وقال الشيخ عبد العزيز السلمان

(5)

رحمه الله: «هو كلّ وسيلة وذريعة يتطرّق بها إلى الشرك الأكبر»

(6)

.

(1)

شرح صحيح مسلم (2/ 71)، وينظر: حاشية ابن قاسم على كتاب التوحيد (302).

(2)

وكل كفرٍ شرك، وكل شرك كفر، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم. أفاده القاسمي في محاسن التأويل، وانتصر له الألباني واحتجَّ بقصة أصحاب الجنتين في سورة الكهف في بحث نفيس في عشرة شرائط له (تسجيلية)

(3)

مدارج السالكين (1/ 368).

(4)

القول السديد (15).

(5)

الشيخ العلَّامة عبد العزيز بن محمد السلمان -هو العالم العلَّامة المفسر الأصولي الفقيه الفرضي الورع الزاهد الشيخ عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد المحسن بن سلمان ولد في القصيم -بالمملكة عام (1337 هـ)، توفي عام (1422 هـ). نقلًا عن الموسوعة الحرة- بتصرف يسير.

(6)

الكواشف الجلية (321).

ص: 63

‌الشرك الخفي:

أما الشرك الخفي فلا يعد قسمًا ثالثًا مستقلًا وفي هذا الصدد يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز

(1)

رحمه الله: «وهناك شرك يقال له: الشرك الخفي

».

والصواب: أن هذا ليس قسمًا ثالثًا، بل هو من الشرك الأصغر، وهو قد يكون خفيًّا لأنه يقوم بالقلوب كما في هذا الحديث، وكالذي يقرأ ويرائي، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يرائي، أو يجاهد يرائي أو نحو ذلك

وقد يكون خفيًّا وهو من الشرك الأكبر كاعتقاد المنافقين فإنهم يراؤون بأعمالهم الظاهرة وكفرهم خفي لم يظهروه

وبما ذكرنا يعلم أن الشرك الخفي لا يخرج عن النوعين السابقين: شرك أكبر وشرك أصغر»

(2)

.

‌تعريف الشرك الخفي:

وتعريفه: هو الوارد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال عندي؟» .

قال: قلنا: بلى، قال:«الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل»

(3)

. يعني: الرياء.

(1)

ابن باز: (1330 - 1420 هـ)، هو أبو عبد الله، عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد آل باز. عالم وفقيه الأمة، والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد منذ عام (1395 هـ)، ثم أصبح مفتيًا عامًا للمملكة العربية السعودية. وُلد بالرياض، ومن مؤلفاته المطبوعة: نقد القومية العربية؛ رسالة في نكاح الشِّغار؛ الجواب المفيد في حكم التصوير؛ رسالة في التبرُّج والحجاب؛ الشيخ محمد بن عبد الوهاب (دعوته وسيرته)؛ ثلاث رسائل في الصلاة. حاز جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام (1402 هـ). نقلا عن: الموسوعة العربية العالمية.

(2)

مجموع فتاوى العلَّامة عبد العزيز بن باز رحمه الله (1/ 46).

(3)

أخرجه أحمد (3/ 30)، وابن ماجه (4204)، والبيهقي في الشعب (5/ 334)، وصححه الحاكم (4/ 329)، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (30).

ص: 64

‌بيان مفهوم حقيقة الشرك الأكبر:

أما الشرك الأكبر: هو أن يجعل الإنسان للّه ندًّا في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته.

وقد جمع هذه الأنواع الثلاثة كلها حديث من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك» ، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» ، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك»

(1)

.

وكما قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)} [الإسراء].

يقول السمعاني

(2)

رحمه الله: «الإشراك هو الجمع بين الشيئين في معنى فالإشراك بالله تعالى هو أن يجمع مع الله غير الله فيما لا يجوز إلا لله»

(3)

.

قال الله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} [الرعد: 33].

يقول القرطبي رحمه الله: «أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك لله تعالى في إلهيته، وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية»

(4)

.

يعرف المقريزي الشرك الأكبر بنحو من تعريف القرطبي فيقول: «فمن أحب غير الله تعالى وخافه ورجاه وذل له كما يحب الله ويخافه ويرجوه فهذا هو الشرك الذي لا

(1)

أخرجه البخاري (4477)، ومسلم (86).

(2)

السمعاني: الإمام الحافظ الكبير الأوحد الثقة، مُحدِّث خراسان، أبو سعد عبد الكريم بن الإمام الحافظ الناقد أبي بكر محمد بن العلَّامة مفتي خراسان أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار، التميمي السمعاني الخراساني المروزي، صاحب المصنفات الكثيرة. ولد بمرو سنة ست وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (256/ 20)

(3)

تفسير السمعاني (121/ 2).

(4)

المفهم (6/ 615).

ص: 65

يغفره الله»

(1)

ا. هـ.

فالخوف والرجاء والذل والحب والخوف كلها من أعمال العباد، وتوحيد الألوهية إنما هو: توحيد الله بأفعال العباد.

ويؤكد ابن كثير تعريفه للشرك بنفس المعنى بعبارة مختصرة فيقول: «الشرك الأعظم [أن]

(2)

يُعبَد مع الله غيره»

(3)

.

كما قال تعالى: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا

لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)} [الشعراء: 96 - 98].

ويقول سبحانه: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)} [الأنعام].

يتبين مما سبق من تعريف أهل العلم للشرك، أن الشرك في عبادة الله هو الشرك الأكبر والأعظم الذي لا يغفره الله أبدًا لمن مات مشركًا.

وإذا أردنا أن نتأمل حقيقة الخطب الجلل المترتب على الشرك الأكبر، فلنتدبر دعاء خليل الرحمن عليه السلام وتضرعه وإلحاحه على ربه أن يباعده ويجافيه عن الشرك هو وبنيه، ولقد بوَّب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه «التوحيد» ما يدل على ذلك فقال في الباب الرابع: باب الخوف من الشرك، وذكر هذه الآية:

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)} [إبراهيم].

وإبراهيم عليه السلام خليل الرحمن ومن هو في قدره ومكانته ودرجته ورتبته، إنه كان أمة، وكان قدوة، اختصه الله تعالى بهذا الوصف، كما قال تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)} [النحل].

(1)

تجريد التوحيد (ص: 10).

(2)

أضاف الباحث (أن) بين المعكوفين حتى يستقيم الكلام.

(3)

تفسير ابن كثير (2/ 512).

ص: 66

وكما قال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)} [النحل].

خامسًا: بيان عواقب الشرك الأكبر وما يترتب عليه من أحكام.

لما كان الشرك الأكبر أظلم الظلم ويترتب على المتلبس به أحكام شرعية عظيمة الخطب، وذلك حفظًا لضرورة الدين، وصيانة لجناب التوحيد، وتحذيرًا للعباد من عواقبه الوخيمة وما يترتب عليه من شر محض في الدنيا، وخلود أبدى سرمدي في النار يوم التناد، كان بيان أهم تلك الأحكام واجب البيان، ومن أهمها وأبينها وأجلها ما يلي:

1 -

الشرك محبط لجميع الأعمال بالكلية قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)} [الزمر].

وقال سبحانه: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)} [الأنعام].

وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)} [المائدة].

وقال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)} [البقرة].

وقال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)} [التوبة].

وقال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105)} [الكهف: 103 - 105].

والآيات في هذا الشأن أكثر من أن تحصى ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

2 -

والكافر متى لقي ربه مشركًا كافرًا فليس له مطمع ولا أمل في أن تناله المغفرة أبدًا، وهذا مما يدل على خطورة الشرك وخطورة الوقوع فيه والتلبس به.

ص: 67

فمن مات على الشرك فلا يدخل تحت الوعد بالمغفرة المترتب على مشيئة أرحم الراحمين والتي يدخل تحتها أصحاب سائر الكبائر والموبقات والذين ماتوا دون توبة، جل في علاه:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)} [النساء].

وسبحانه: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 48].

وبمفهوم المخالفة إن لم ينتهوا عن الكفر فلن يغفر لهم ما قد سلف.

وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169)} [النساء: 168 - 169].

3 -

أن صاحبه محرم عليه الجنة وهو مخلد في النار.

فالشرك الأكبر يوجب لصاحبه الخلود في النار، خلودًا دائمًا أي: على وجه التأبيد، ويحرم عليه الجنة ابتداءً وانتهاءً والعياذ بالله، ودلائل التنزيل في الكتاب العزيز والسنة المطهرة على ذلك كثيرة معلومة ومتوافرة، بل هي من الأحكام القطعية الدلالة المعلومة من دين الإسلام بالضرورة، ومن ذلك:

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)} [البينة].

وقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)} [المائدة].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار»

(1)

.

4 -

والشرك يبيح دم المشرك وماله.

(1)

أخرجه البخاري (1238)، ومسلم (92)، واللفظ لمسلم.

ص: 68

وهذا حكم من أحكام الشريعة الثابتة بدلالة الكتاب والسنة مع مراعاة ضوابطه ولوازمه الشرعية، في ضوء أحكام الشريعة الغراء.

يُقال ذلك حتى لا يغتر أحد من السفهاء حدثاء الأسنان سفهاء العقول والأحلام ويتجرأ على إراقة الدماء وسفكها واستحلالها بنفسه بسوء فهمٍ للنصوص أو محاولة لي عنقها تبعًا للهوى واتباعًا للشيطان وحزبه، فإن مما عُلِمَ من دين الله بالضرورة: أن إقامة الحدود أمر منوط بالسلطان.

قال تعالي: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)} [التوبة].

وقال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلَّا بحق الإسلام وحسابهم على الله»

(1)

.

ولقد اتفق أهل العلم على أن إقامة الحد أمر مختص بالسلطان أو نائبه.

وما عليه أهل السنة: أن إقامة الحدود حق للإمام لا غير، ولا يجوز لأحد كائنًا من كان أن ينازعه فيه.

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «وقسْمة الفيء، وإقامة الحدود؛ إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم» . اهـ

(2)

.

يقول القرطبي رحمه الله: «لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر الذين فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص

(1)

أخرجه البخاري (25)، ومسلم (20).

(2)

من أصول السنة لأحمد بن حنبل رواية عبدوس بن مالك العطار (30) وينظر: عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 160).

ص: 69

فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود

(1)

.

ويقول ابن رشدالحفيد

(2)

رحمه الله: وأما من يقيم هذا الحد-أي: جلد شارب الخمر- فاتفقوا على أن الإمام يقيمه وكذلك الأمر في سائر الحدود

(3)

.

ومن حجج هؤلاء عدم وجود محاكم شرعية تقيم الحدود.

وفي ذلك يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله: جوابًا عن سؤال فيمن يُجافي المستأمنين، فذكر أنهم يحالون للمحكمة الشرعية، فسئل عما لو لم تكن هناك محاكم شرعية؟

فقال رحمه الله: «إذا لم توجد محاكم شرعية؛ فالنصيحة فقط، النصيحة لولاة الأمور، وتوجيههم للخير، والتعاون معهم، حتى يُحَكِّموا شرع الله، أما أن الآمر والناهي يمد يده، أو يقتل أو يضرب؛ فلا يجوز، لكن يتعاون مع ولاة الأمور بالتي هي أحسن، حتى يحكموا شرع الله في عباد الله، وإلا فواجبه النصح، وواجبه التوجيه إلى الخير، وواجبه إنكار المنكر بالتي هي أحسن، هذا هو واجبه، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. ولأن إنكاره باليد بالقتل أو الضرب؛ يترتب عليه شر أكثر، وفساد أعظم بلا شك ولا ريب، لكل من سَبَرَ هذه الأمور وعرفها»

(4)

. اهـ.

(1)

القرطبي (2/ 245، 264).

(2)

ابن رشد الحفيد: (ت 595 هـ). محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، ويلقب بالحفيد تميزًا له عن جده أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الذي يميز بالجد، فقيه مالكي، فيلسوف، طبيب من قرطبة. ولد سة (520 هـ). عني بكلام أرسطو وترجمته إلى العربية وزاد عليه زيادات كثيرة، اتهم بالزندقة والإلحاد فنفي إلى مراكش وأحرقت بعض كتبه، ومات بمراكش سنة (595 هـ) ودفن بقرطبة. من تصانيفه: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، وتهافت التهافت، في الرد على كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي وبداية المجتهد ونهاية المقتصد. ينظر: ترجمته في (تاريخ قضاة الأندلس (1/ 111)؛ الديباج المذهب (1/ 284 (.

(3)

بداية المجتهد (2/ 233).

(4)

نقلًا عن (فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة)(ص 67 - 68) لمحمد بن حسين بن سعيد.

ص: 70

والواقع الأليم الذي تعيشه الأمة الآن خير شاهد على ذلك، فإن فئة من الشباب، حدثاء أسنانُهم سفهاء عقُولُهم، نصبوا أنفسهم ولاة أمر على العباد، ومنحوا أنفسهم صلاحية ومهام السلطان أو صلاحية الإمامة العظمى في المسلمين، فكل جماعة لها قوة وشكيمة في بقعة من الأرض تعطي لنفسها تلك الصلاحيات، وتقيم الحدود على أن لها الولاية الشرعية والإمامة العظمى، وأنها مخولة بإقامة الحدود والتعزيرات، فحصل من جراء ذلك مفاسد عظيمة مشهودة للعيان.

5 -

والمشرك تحرم مناكحته.

يقول تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} الآية: [البقرة: 221].

ويقول تعالى: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10].

قال ابن كثير رحمه الله: «تحريم من الله عز وجل على عباده المؤمنين نكاح المشركات، والاستمرار معهن»

(1)

. ا. هـ

6 -

والمشرك يحرم أكل ذبيحته.

يقول تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الآية [الأنعام: 121]. ويستثنى من ذلك أهل الكتاب، فحرائر نسائهم إن كن عفيفات طاهرات غير محاربات، وذبائحهم، حلال لأهل ملتنا.

يقول سبحانه: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} الآية [المائدة: 5].

7 -

من مات مشركًا فإنه لا يرث ولا يورث بل إن ماله يفيء إلى بيت مال المسلمين، لحديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»

(2)

.

(1)

ابن كثير (8/ 94).

(2)

أخرجه البخاري (6764)، ومسلم (1614).

ص: 71

8 -

من مات مشركًا فلا يغسَّل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يستغفر له، ولا يترحم عليه، ولا يقبر في مقابر المسلمين، قال سبحانه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا

عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ

فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)} [التوبة: 113 - 114]، وقال سبحانه:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)} [التوبة].

9 -

المشرك يُحرم نعمتي الأمن والاهتداء، ويقرر هذه الحقيقة قول الله تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)} [الأنعام].

والظلم هنا هو الشرك كما مر معنا في آية لقمان، وبمفهوم المخالفة فالذين خالطوا إيمانهم بشرك ليس لهم الأمن وليسوا بمهتدين.

وقوله سبحانه: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} [آل عمران: 151].

قال ابن القيم رحمه الله: «والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح وأنكر المنكرات كان أبغض الأشياء إلى الله وأكرهها له وأشدها مقتًا لديه، ورتّب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حَرَمِه، وحرّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعداءً له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيدًا، وهذا لأن الشرك هضم لحقّ الربوبية، وتنقيص لعظمة الألوهية»

(1)

.

1 -

والمشرك المتلبّس بالشرك ظن بربّه ظن السوء كما قال تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ

(1)

إغاثة اللهفان (1/ 99).

ص: 72

اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6)} [الفتح].

قال ابن القيم رحمه الله: «فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنّوا به ظنّ السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظنّ لوحّدوه حقّ توحيده»

(1)

.

وقال أيضًا: «فالشرك ملزوم لتنقّص الربّ سبحانه، والتنقّص لازم له ضرورة، شاء المشرِك أم أبى، ولهذا اقتضى حمدُه سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره، وأن يخلّدَ صاحبَه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركًا إلا وهو متنقّص لله سبحانه»

(2)

.

11 -

والشرك يفسد العقول، فالمشركون من أفسد الناس عقولًا، وقد قال الله فيهم: {وَقَالُوا لَوْ

كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ

نَعْقِلُ مَا كُنَّا

فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ

(10)} [الملك].

تأَمّل في نبات الأَرض وانظر

إلى آثار ما صَنع المليكُ

عيونٌ من لُجَينٍ فاتراتٌ

على أَحداقها ذهبٌ سَبِيك

على قُضُب الزَّبَرْجَدِ شاهدات

بأَنَّ الله ليس له شريكُ»

(3)

،

(4)

ا. هـ.

وبذلك ينتهي الفصل الأول- والحمد لله رب العالمين.

(1)

المرجع السابق (1/ 99).

(2)

إغاثة اللهفان (1/ 101).

(3)

الأبيات لأبي نواس، وينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (1/ 943).

(4)

وينظر: عرفة بن طنطاوي، عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان، (ص: 531) وما بعدها، رسالة ماجستير تحت الطبع، الجامعة الإسلامية العالمية -القاهرة-.

ص: 73

‌الفصل الثاني

بين يدي السورة الكريمة

ويشتمل على سبعة مباحث:

المبحث الأول: الاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام.

المبحث الثاني: أسماء السورة الكريمة.

المبحث الثالث: عدد آياتها وكلماتها وحروفها.

المبحث الرابع: أبرز موضوعات السورة الكريمة.

المبحث الخامس: بيان المعنى الإجمالي للسورة.

المبحث السادس: بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها.

المبحث السابع: بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها.

ص: 75

‌المبحث الأول

الاستعاذة والبسملة والتأمين

وما يتعلق بها من أحكام

ص: 77

المبحث الأول:

الاستعاذة والبسملة والتأمين وما يتعلق بها من أحكام

ويشتمل على ما يلي:

‌1 - مفهوم ومعنى الاستعاذة

الاستعاذة هي قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} [النحل].

‌معنى الاستعاذة لغة:

قال القرطبي رحمه الله: «الاستعاذة في كلام العرب: الاستجارة والتحيز إلى الشيء على معنى الامتناع به من المكروه، يقال عذت بفلان واستعذت به؛ أي: لجأت إليه، وهي عياذي، أي: ملجئي»

(1)

.

فمعناها إذًا: «الالتجاء والاعتصام والتحصُّن» .

‌معنى الاستعاذة اصطلاحًا:

ولفظ يحصل به الالتجاء إلى الله تعالى، والاعتصام والتحصن به من الشيطان الرجيم، وهي ليست من القرآن بالإجماع، ولفظها لفظ الخبر، ومعناه الإنشاء، أي: اللهم أعذني من الشيطان الرجيم

(2)

.

وقال ملَّا علي القاري رحمه الله

(3)

: «يعني: اللهم احفظني من وسوسته وإغوائه

(1)

الجامع لأحكام القرآن (4/ 1).

(2)

الإضاءة في أصول القراءة للشيخ علي محمد الضباع، (ص 6).

(3)

هو العلَّامة علي بن سلطان محمد الهروي المكي الحنفي، المشهور بالقاري. وُلد في هراه=

ص: 79

وخطواته وخطراته وتسويله وإضلاله، فإنه السبب في الضلالة والباعث على الغواية والجهالة»

(1)

ا. هـ.

الاستعاذة لا تكون إلَّا بالله تعالى. قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «الاستعاذة لا تكون إلا بالله في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم «أعوذ بوجهك»

(2)

و «أعوذ بكلمات الله التامات»

(3)

و «أعوذ برضاك من سخطك»

(4)

ونحو ذلك وهذا أمر متقرر عند العلماء»

(5)

ا. هـ.

معنى الشيطان لغة: الشيطان مشتق من (شَطَنَ)؛ بمعنى: بَعُد عن الحقِّ، فهو من: شَطَنَه يَشْطُنُه شَطْنًا: إذا خالفه عن وجهته ونيَّته، وشَطَّت الدار: بَعُدَت، والشاطن: الخبيث، وتشيطن الرجل: إذا صار كالشيطان وفعل فعله، ومنه الشيطنة: التي هي مرتبة كلية عامَّة لمظاهر الاسم المضل، وعلى هذا الاشتقاق تكون كلمة شيطان على وزن (فيعال)، والنون فيه أصلية

(6)

.

قال ابن كثير رحمه الله: «والشيطان معناه في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير»

(7)

.

=سنة (930 هـ)، وبدأ بطلب العلم فيها، ثم رحل إلى مكة، واستكمل فيها وأخذ عن عددٍ من علمائها كابنِ حجر الهتمي (ت: 973 هـ)، يوسف الأماسي (ت: 1000 هـ)، تُوفي رحمه الله سنة (1014 هـ). ينظر: عقود الجوهر (1/ 264 - 266)، والإمام علي القاري (ص 96 - 114). هدية العارفين (1/ 751 - 753). عقود الجوهر (1/ 266 - 273).

(1)

مرقاة المفاتيح (2/ 448) وينظر: عون المعبود (2/ 131).

(2)

أخرجه البخاري (4628).

(3)

أخرجه مسلم (2708).

(4)

أخرجه مسلم (486).

(5)

مجموع الفتاوى (35/ 273)، أبو داود (879)، أحمد) 6/ 58).

(6)

ينظر قاموس: العين -الفراهيدي (6/ 236)، وأساس البلاغة، (ص 329)، القاموس المحيط (1/ 870).

(7)

تفسير ابن كثير (115/ 1).

ص: 80

والشيطان هو إبليس: وإبليس مشتقٌّ من أَبلَس الرجل: إذا انقطع ولم تكن له حجَّة، وأَبلَس الرجل: قُطِع به، وأبلس أيضًا: سكَتَ، وأبلس مِن رحمة الله: يئس، والإبلاس: الحزن المعترض من شدَّة البأس، وقد استخدم العربُ هذه المعاني فقالوا: ناقة مِبلاس: إذا كانت لا تَرغو من الخوف، وفلان أبلس: إذا سكَت من شدَّة الخوف

(1)

.

‌الشيطان اصطلاحًا:

يُطلق الشيطان من ناحية الاصطلاح على: كلِّ متمرِّد من الجنِّ والإنس والدواب

(2)

.

أمَّا إبليس: فهو علَمٌ على مَخلوق خلَقه الله عز وجل من النَّار، وجعله في عداد الملائكة، وقام بعمله ما شاء الله أن يقوم، ثمَّ نازع ربَّه الكبرياء والعظمة، فاستكبر عن طاعته، وعصى ربَّه، فطرده من رحمته ومن وظيفته، فهبط إلى الأرض، وأصبحت الشيطنة صفة له

(3)

.

فاسم إبليس: هو علَمٌ على هذا المخلوق المتمرِّد العاتي المتجبر الفاسق عن أمر ربه، الذي خلقه الله من نار، والشيطان وصفٌ له ولمن تمرد وعتا وتجبر وفسق من ذريته.

قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)} [الكهف].

وهو علم مفرد، ويجمع على أباليس وأبالسة، وهو للجن كآدم للإنس.

(1)

ينظر: مقاييس اللغة (1/ 299، 300)، والمفردات -الراغب الأصفهاني، (ص 60)، وينظر: التبيان في تفسير غريب القرآن (1/ 76).

(2)

ينظر: المفردات، الأصفهاني، (ص 261)، روح المعاني -الألوسي (1/ 157)، وقد نسب الألوسي هذا التعريف لابن عباس رضي الله عنهما.

(3)

ينظر: جامع البيان -الطبري (1/ 226)، والمفردات -الأصفهاني، (ص 60).

ص: 81

وهو العدو اللدود الذي حذر الله عباده من عداوته، وأمرهم باتخاذه عدوًّا سبحانه:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)} [فاطر].

‌من ثمار الاستعاذة:

1 -

ومن ثمار الاستعاذة: التبرؤ من الحول والقوة فيه معنى من معاني تحقيق العبودية، فحينما يستعيذ العبد بالله من الشيطان الرجيم فهو بذلك يعلن فقره وذله لخالقه، ويبرأ من حوله وقوته ويلجأ إلى من بيده ملكوت كل شيء، سائلًا ربه أن يعيذه من شر عدوه.

وفي نحو ذلك يقول البجيرمي رحمه الله

(1)

: «ومن لطائف الاستعاذة أن قوله: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم إقرار من العبد بالعجز والضعف، واعتراف من العبد بقدرة الباري عز وجل وأنه الغني القادر على رفع جميع المضرات والآفات، واعتراف العبد أيضًا بأن الشيطان عدوّ مبين. ففي الاستعاذة التجاء إلى الله تعالى القادر على دفع وسوسة الشيطان الغويّ الفاجر وأنه لا يقدر على دفعه عن العبد إلا الله تعالى»

(2)

ا. هـ.

2 -

ومن ثمار الاستعاذة: حضور القلب وخشوع الجوارح وحصول أثر القرآن والانتفاع بمواعظه وزواجره ونواهيه لأن عدوه قد خنس بسبب الاستعاذة منه، فالاستعاذة منه من أعظم أسباب زجره ودحره.

3 -

ومن ثمار الاستعاذة: حضور الملائكة لاستماع القرآن، فإذا اندحر الشيطان بالاستعاذة حضرت الملائكة لتستمع لآي القرآن، وهي تحب الاستماع للقرآن؛ لأنها

(1)

سليمان البُجَيْرَمِيّ (1131 - 1221 هـ) سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي، فقيه مصري. ولد في بجيرم (من قرى الغربية بمصر) وتوفي بالقرب منها تعلم في الأزهر، ودرس، وكف بصره. له:(التجريد -ط)، وهو حاشية على شرح المنهج في فقه الشافعية، و (تحفة الحبيب -ط) حاشية على شرح الخطيب، المسمى بالإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع. نقلًا عن: الأعلام للزركلي.

(2)

تحفة الحبيب (1/ 893) إعانة الطالبين (1/ 20).

ص: 82

ما أعطيت خاصية التلاوة، فلذلك تحب الاستماع إليه؛ ولأن الملائكة والشياطين لا يجتمعان. مثال لما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه:«وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ»

(1)

.

كما قال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ

مَشْهُودًا (78)} [الإسراء].

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: «يقول: إن ما تقرأ به في صلاة الفجر من القرآن كان مشهودًا، يشهده فيما ذكر ملائكة الليل وملائكة النهار، وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»

(2)

.

وقال القرطبي رحمه الله: «وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور»

(3)

ا. هـ.

4 -

ومن ثمار الاستعاذة: تعظيم قدر القرآن في نفس المؤمن التالي له، فالاستعاذة فيها معنى تطهير المحل التالي لكلامه سبحانه، ولذا استحب التسوك عند التلاوة.

وحول هذا المعنى يقول ابن كثير رحمه الله: «وَمِنْ لَطَائِفِ الِاسْتِعَاذَةِ: أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِلْفَمِ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَتَطْيِيبٌ لَهُ وَتَهَيُّؤٌ لِتِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ وَهِيَ اسْتِعَانَةٌ بِاللَّهِ وَاعْتِرَافٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ وَلِلْعَبْدِ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُبِينِ الْبَاطِنِيِّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ وَدَفْعِهِ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ، وَلَا يَقْبَلُ مُصَانَعَةً، وَلَا يُدَارَى بِالْإِحْسَانِ، بِخِلَافِ الْعَدُوِّ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ»

(4)

.

ولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.

(1)

أخرجه البخاري (477)، ومسلم (649) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.

(2)

انتهى من جامع البيان (17/ 520).

(3)

الجامع لأحكام القرآن (0/ 304).

(4)

تفسير ابن كثير (1/ 29).

ص: 83

‌2 - بيان ومفهوم معنى البسملة

البسملة: اسم.

ولفظة (بسملة): مصدرها بسمل.

وبسملَ فِعل: أي: يبسمل، بَسْمَلَةً، فهو مُبسمِل، فالبسملة اسم بُنيَ من فعل، وهو من بسمل الشخص إذا قال: بسم الله، كقولهم: حوقل إِذا قال: لا حول ولا قوَّة إِلا بالله، وحمدل إِذا قال: الحمد لله

(1)

.

وهي من الكلام المنحوت المجموع من كلمتين

(2)

.

والعرب تفعل هذا إِذا كثر استعمالهم للكلمتين ضموا بعض حروف إِحداهما إِلى بعض حروف الأُخرى منه

(3)

.

والبسملة هي قول: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

والاسم: كلمة يستدل بها على مُسَمًّى بذاته وعينه، يعرف به، ويتميّز به عن غيره.

ولفظ الجلالة: {اللَّهِ} اسم علم على الذات الإلهية لربّ العزة والجلال تبارك وتعالى وهو غني عن تعريف خلقه جل في علاه.

والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وتحبه وتخضع له، وتعبده خوفًا وطمعًا، وتدعوه رغبًا ورهبًا، وتعظمه تذللًا وتزلفًا، وتتوكل عليه وتنطرح بين يديه افتقارًا واضطرارًا إليه سبحانه وتعالى.

{بِسْمِ اللَّهِ} أي: أبدأ وأستهل بسم الله تعالى، وهي بركة واستعانة.

(1)

ينظر: لسان العرب لابن منظور (2/ 402).

(2)

ينظر: تاج العروس للزبيدي مادة (عبد).

(3)

لسان العرب لابن منظور (11/ 701).

ص: 84

والجار والمجرور -على التعظيم والإجلال- في {بِسْمِ} متعلق بفعل مقدر، تقديره:«أبدأ» .

ومعناها: {بِسْمِ اللَّهِ} وحده أقرأ كلامه وأتلوه متبركًا.

أي: أبتدأ قراءتي حال كوني متبركًا ومستعينًا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

وهي مشروعة ومستحبة في أحوال شتى منها على سبيل البيان لا الحصر:

عند الوضوء، وعند المأكل والمشرب، وعند الوقاع، وعند الخروج من البيت والولوج فيه، وعند غلق الأبواب، وعند النوم، وعند التخلي، وعند الصيد، وعند الذبح، وعند التألم والتوجع يرقي بها نفسه، وفي أذكار طرفي النهار، وعند السفر وعند ركوب الدابة وعند تعثرها، وعند ركوب البحر، وعند قتال العدو، وعند المكاتبات كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عند مكاتبة الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وعند لحد المسلم في قبره، وفي غيرها من المواضع التي لا يسع المجال لذكرها بل ولا لحصرها.

قال الجصاص

(1)

رحمه الله: «وَالأَحْكَامُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا قَوْلُهُ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} الأَمْرُ بِاسْتِفْتَاحِ الأُمُورِ لِلتَّبَرُّكِ بِذَلِكَ، وَالتَّعْظِيمُ لِلَّهِ عز وجل بِهِ، وَذِكْرُهَا عَلَى الذَّبِيحَةِ شِعَارٌ وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ الدِّينِ وَطَرْدِ الشَّيْطَانِ؛ وَفِيهِ إظْهَارُ مُخَالَفَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَفْتَتِحُونَ أُمُورَهُمْ بِذِكْرِ الأَصْنَامِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَهُوَ مَفْزَعٌ لِلْخَائِفِ، وَدَلالَةٌ مِنْ قَائِلِهِ عَلَى انْقِطَاعِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلُجُوئِهِ إلَيْه، وَأُنْسٌ لِلسَّامِعِ، وَإِقْرَارٌ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَاعْتِرَافٌ بِالنِّعْمَةِ، وَاسْتِعَانَةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَعِيَاذَةٌ بِهِ، وَفِيهِ اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَخْصُوصَةِ بِهِ لا يُسَمَّى بِهِمَا غَيْرُهُ، وَهُمَا اللَّهُ وَالرَّحْمَنُ»

(2)

.

(1)

أبو بكر الجصاص، (305 - 370 هـ): الجصاص الحنفي هو: أبو بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص، ولد في مدينة الري، ثم رحل إلى بغداد، كان إمام الحنفية في وقته، واستقر التدريس له ببغداد، وانتهت الرحلة إليه، وله تصانيف كثيرة. ينظر ترجمته في: مقدمة كتابه (أحكام القرآن)(ص 4، 5)، والفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي (ص 27، 28).

(2)

بتصرف يسير أحكام القرآن للجصاص (1/ 19).

ص: 85

و {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اسمان كريمان عظيمان من أسماء الله تعالى الحسنى، يدلان على اتصاف الله تعالى بالرحمة الواسعة، و {الرَّحْمَنِ} دال على صفة ذاتية، و

{الرَّحِيمِ} دال على صفة فعلية.

و {الرَّحْمَنِ} وصفٌ بالرحمة، و {الرَّحِيمِ} هو الذي يرحم بتلك الرحمة، سبحانه: {

كَتَبَ

رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54]، كما قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ

وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا

هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)} [البقرة]، والرحمن من الأسماء الخاصة به جل في علاه والتي لا يجوز ولا يصح أن يوصف بها سواه سبحانه وتعالى، تعالى:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110].

و {الرَّحْمَنِ} على وزن فعلان، وهو يدل على الشمول والسعة والامتلاء، وهو اسم من أسماء الله تعالى الحسنى مشتق من الرحمة، وهي رحمة عامة لجميع الخلق.

ومما يدل على ذلك ذكر الله للاستواء باسم {الرَّحْمَنِ} ليعم الرحمن جميع خلقه برحمته الواسعة الشاملة، فكما أن عرشه يعم جميع خلقه فكذلك رحمته.

كما قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5].

{الرَّحْمَنِ} على وزن فعيل، اسم من أسماء الله الحسنى، الواصلة لخلقه، وقد تكون أخص بالمؤمنين في الآخرة.

قال ابن القيم رحمه الله: «الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذ ا أردت فهم هذا فتأمل قوله {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)} [الأحزاب] وقوله {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)} [التوبة] ولم يجئ قط (رحمن بهم) فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته»

(1)

ا. هـ.

(1)

بدائع الفوائد (1/ 24).

ص: 86

وكلام ابن القيم رحمه الله وكلام غيره من أهل العلم يؤكد أن {الرَّحِيمِ} رحمة خاصة يرحم الله بها من شاء من عباده المؤمنين وهذا ما دلت عليه الآية: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)} [الأحزاب]. وقد تكون أخص بالمؤمنين في الآخرة كما مرَّ معنا آنفًا، ويؤيد ذلك أيضًا القرطبي

(1)

.

(1)

تفسير القرطبي (1/ 105).

ص: 87

‌3 - هل البسملة آية من الفاتحة

لقد أجمع المسلمون على أن القرآن الكريم محفوظ من التحريف والتبديل ومن الزيادة أو النقصان، كما أجمعوا على أن كل من زعم أن كتاب الله تعالى زيد فيه ما ليس منه، أو أنقص منه ما أنزل الله فيه فقد كفر.

يقول الله عز وجل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحِجر].

وزيادة للإيضاح نسوق أقوال أئمة التفسير في معنى الآية الكريمة من سورة الحجر.

يقول الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} وهو القرآن، {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} قال: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما، ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل»

(1)

.

ويقول البغوي رحمه الله: «{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} ، يعني: القرآن، {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي: نحفظ القرآن من الشياطين يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه، أو يبدلوا.

قال الله تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42] والباطل: هو إبليس، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه»

(2)

.

ويقول القرطبي رحمه الله: «{وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} من أن يزاد فيه أو ينقص منه»

(3)

.

ويقول الشنقيطي

(4)

رحمه الله: «بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي نزَّل القرآن

(1)

تفسير الطبري (17/ 69).

(2)

تفسير البغوي (4/ 370).

(3)

تفسير القرطبي (10/ 7).

(4)

الشيخ المحقق الأصولي المفسر- محمد الأمين الشنقيطي، (1325 - 1393 هـ)، هو محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي المدني، ولد بموريتانيا، اجتهد في طلب العلم فأصبح من علماء موريتانيا، وتولى القضاء في بلده. وكان من أوائل المدرسين في=

ص: 88

العظيم، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص أو يتغير منه شيء أو يبدل»

(1)

.

ويقول القاضي عياض رحمه الله

(2)

: «وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} [الفاتحة] إلى آخر {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)} [الناس] أنه كلام الله، ووحيه المنزَّل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدَّله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأُجمع على أنه ليس من القرآن، عامدًا لكل هذا: أنه كافر» انتهى

(3)

.

وأما اختلاف أهل العلم حول قرآنية البسملة فلا يشمله هذا الحكم، لأن أئمة القراءات لم يختلفوا في قراءتها في أوائل السور، والصحابة الكرام رضي الله عنهم مجمعون على إثبات البسملة في أوائل السور عدا براءة، وذلك في المصاحف العثمانية الذي كتبها الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وبعث به إلى الأمصار

ويقول الشوكاني في ذلك: «واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها، ولا من نفاها؛ لاختلاف العلماء فيها، بخلاف ما لو نفى حرفًا مُجمعًا عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد: فإنه يكفر بالإجماع.

ولا خلاف أنها آية في أثناء سورة «النمل» ، ولا خلاف في إثباتها خطًّا في أوائل

=الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عين عضواً في مجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي، وعضوًا في هيئة كبار العلماء بالسعودية. توفي ودفن بمكة. ينظر الموسوعة الحرة، وعلماء نجد للبسام (6/ 174).

(1)

أضواء البيان للشنقيطي (9/ 41).

(2)

الإمام العلَّامة الحافظ الأوحد، شيخ الإسلام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض المالكي، ينظر: سير أعلام النبلاء (ص: 213) وما بعدها.

(3)

الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 304، 305).

ص: 89

السور في المصحف، إلا في أول سورة التوبة»

(1)

.

ولقد أجمع المسلمون على أن البسملة جزء آية من سورة النمل وذلك في قول الله سبحانه: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)} [النمل 30]، وأجمعوا أيضًا على أنه لا خلاف بأنها ليست آيةً بين سورتي الأنفال والتوبة، لأن براءة نزلت بالسيف ولا يتناسب معها البسملة، والبسملة مشتملة على معنى الرحمة، واختلفوا فيما دون ذلك على مذاهب مختلفة وأقوال متباينة.

‌أولًا: مذهب الحنفية:

المختار عند علماء الحنفية أنها آية تامة مستقلة أنزلت للفصل بين السور، فهي من القرآن وليست من الفاتحة ولا من غيرها

(2)

.

وسئل محمد بن الحسن عنها فقال: «ما بين الدفتين كلام الله تعالى»

(3)

.

‌ثانيًا: مذهب المالكية:

البسملة ليست من القرآن في غير سورة النمل

(4)

.

‌ثالثًا مذهب الشافعية

(5)

:

البسملة آية كاملة في أول الفاتحة بلا خلاف في المذهب الشافعي، أما في باقي السور عدا براءة ففي المذهب ثلاثة أقوال:

الأول: أنها آية كاملة في أول كل سورة.

الثاني: أنها بعض آية في أول كل سورة.

(1)

نيل الأوطار (2/ 215 (.

(2)

أحكام القرآن للجصاص (1/ 17)، حاشية الشهاب (1/ 29).

(3)

حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (1/ 29).

(4)

مواهب الجليل (544/ 1)، أحكام القرآن لابن العربي (1/ 6)، الجامع لأحكام القرآن (1/ 93).

(5)

المجموع- للنووي (3/ 289).

ص: 90

الثالث: أنها ليست بقرآن في أوائل السور عدا الفاتحة.

وقد ذكر النووي أن الراجح في المذهب هو الأول

(1)

.

‌رابعًا: مذهب الحنابلة:

قال ابن قدامة: «واختلفت الرواية عن أحمد هل هي آية من الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة أو لا؟ فعنه أنها من الفاتحة وذهب إليه أبو عبد الله ابن بطة وأبو حفص، وروي عن أحمد أنها ليست من الفاتحة ولا آية من غيرها، ولا يجب قراءتها في الصلاة، وهي المنصورة عند أصحابه» .

قال ابن قدامة: «واختلف عن أحمد فيها -أي: في هذه الرواية- فقيل عنه: هي آية مفردة كانت تنزل بين سورتين فصلًا بين السور.

وعنه: هي آية من سورة النمل

(2)

. أي: النمل فقط وليست آية من غيرها».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على هذه الرواية عن أحمد: «ويحكى هذا رواية عن أحمد ولا يصح عنه وإن كان قولًا في مذهبه»

(3)

.

ولقد انتصر شيخ الإسلام رحمه الله للقول بقرآنية البسملة، حيث إنها أثبتت في أول كل سورة وهي ليست من السورة، ثم قال -رحمه الله تعالى-:«وهذا أعدل الأقوال»

(4)

.

وفي تفصيل ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والصواب أن البسملة آية من كتاب الله، حيث كتبها الصحابة في المصحف، إذ لم يكتبوا فيه إلا القرآن، وجردوه عما ليس منه، كالتخميس والتعشير وأسماء السور؛ ولكن مع ذلك لا يقال هي من السورة التي بعدها، كما أنها ليست من السورة التي قبلها، بل هي كما كتبت آية، أنزلها

(1)

المرجع السابق (3/ 289).

(2)

المغني (1/ 285).

(3)

الفتاوى الكبرى (2/ 182).

(4)

المرجع السابق (2/ 182) بتصرف يسير.

ص: 91

الله في أول كل سورة، وهذا أعدل الأقوال الثلاثة في هذه المسألة.

وسواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات، فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافي ولا للمثبت، بل قد يقال ما قاله طائفة من العلماء: إن كل واحد من القولين حق، وأنها آية من القرآن في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين، وليست آية في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يصلون ولا يفصلون بها بين السورتين»

(1)

.

ولقد جعل بعض أهل العلماء الاختلاف في قرآنية البسملة، كاختلاف أئمة القراءات في بعض الكلمات والحروف، فقد يَثبُتُ بعضُها في قراءة أو رواية، وقد لا يَثبُتُ في غيرها.

وفي نحو ذلك أيضًا يقول رشيد رضا: «وأقول الآن: أجمع المسلمون على أن البسملة من القرآن وأنها جزء آية من سورة النمل. واختلفوا في مكانها من سائر السور، فذهب إلى أنها آية من كل سورة؛ علماء السلف من أهل مكة- فقهائهم وقرائهم- ومنهم ابن كثير، وأهل الكوفة ومنهم عاصم والكسائي من القراء، وبعض الصحابة والتابعين من أهل المدينة، والشافعي في الجديد وأتباعه، والثوري وأحمد في أحد قوليه، ومن المروي عنهم ذلك من علماء الصحابة: علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، ومن علماء التابعين سعيد بن جبير، وعطاء، والزهري، وابن المبارك، وأقوى حججهم في ذلك إجماع الصحابة ومن بعدهم على إثباتها في المصحف أول كل سورة سوى سورة براءة (التوبة) مع الأمر بتجريد القرآن عن كل ما ليس منه، ولذلك لم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة، وأحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أنزلت علي آنفًا سورة» فقرأ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ

(1)

انتهى بتصرف يسير جدًّا وللتوسع ينظر: مجموع الفتاوى): 13/ 389).

ص: 92

وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} [الكوثر]

(1)

وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة

(2)

-وفي رواية انقضاء السورة- حتى ينزل عليه {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} »

(3)

(4)

.

ويقول العلَّامة الشنقيطي رحمه الله: «اختلف العلماء في البسملة، هل هي آية من أول كل سورة؟ أو من الفاتحة فقط؟ أو ليست آية مطلقًا؟ أما قوله في سورة النمل:{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)} : فهي آية من القرآن إجماعًا.

وأما سورة «براءة» : فليست البسملة آية منها اجماعًا، واختُلف فيما سوى هذا، فذكر بعض أهل الأصول أن البسملة ليست من القرآن، وقال قوم: هي منه في الفاتحة فقط، وقيل: هي آية من أول كل سورة، وهو مذهب الشافعي رحمه الله.

ومِن أحسن ما قيل في ذلك -الجمع بين الأقوال-: بأن البسملة في بعض القراءات -كقراءة ابن كثير- آية من القرآن، وفي بعض القراءات: ليست آية، ولا غرابة في هذا.

فقوله في سورة «الحديد» {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)} [الحديد] لفظة (هُوَ) من القرآن في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وليست من القرآن في قراءة نافع، وابن عامر؛ لأنهما قرءا (فإن الله الغني الحميد)، وبعض المصاحف فيه لفظة (هُوَ)، وبعضها ليست فيه.

وقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)} [البقرة]، {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة: 116] الآية، فالواو من قوله:{وَقَالُوا} في هذه الآية من القرآن على

(1)

أخرجه البخاري (4964)، ومسلم (400).

(2)

أخرجه الحاكم (845) بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم السورة حتى تنزل {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

قلت: رواته ثقات سوى سلم بن الفضل فمحله الصدق الذهبي في السير (16: 27).

(3)

أخرجه عبد الرزاق (2617) بإسناد صحيح ظاهر الإرسال.

(4)

تفسير المنار (1/ 34).

ص: 93

قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن لأنه قرأ {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} بغير واو، وهي محذوفة في مصحف أهل الشام، وقس على هذا.

وبه تعرف أنه لا إشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء»

(1)

انتهى.

و‌

‌ختامًا:

فلم يتعرض الباحث لبسط أدلة الفريقين، أي: القائلين بقرآنية البسملة، والقائلين بعدم قرآنيتها (أعني: في الفاتحة على وجه الخصوص)؛ لأنها معروفة ومبسوطة في مواضعها، ولعل ما ذُكِرَ آنفًا فيه الغنية والكفاية ولاسيما في قولي شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ رشيد رضا، وما خُتِمَ به البحثُ من قول العلَّامة الفقيه الأصولي المفسر محمد الأمين الشنقيطي.

‌ويلخص الباحث ما توصل إليه فيما يلي:

1 -

الخلاف في قرآنية البسملة في الفاتحة خلاف له قدره من حيث قوة أدلة الفريقين.

2 -

لم يرتفع الخلاف -لدى الباحث- في قرآنية البسملة في الفاتحة خاصة-نفيًا أو إثباتًا- وذلك لاعتبار أدلة الفريقين.

3 -

أن القول بأن الصحابة رضي الله عنهم أثبتوا البسملة في المصحف في أوائل السور عدا «براءة» ، مع إجماعهم على تجريده المصحف عن كل ما ليس بقرآن، فيه دلالة قوية إن لم تكن قاطعة على قرآنية البسملة، وأنها آية مستقلة، قول قوي جدًّا له وجهته وصوابه، وقد قال به جمع من العلماء، كما مرَّ معنا.

4 -

لا يكفر من أثبت البسملة ولا من نفاها، وسواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات، فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافي

(1)

مذكرة في أصول الفقه (ص 66، 67).

ص: 94

ولا للمثبت لاختلاف العلماء في ذلك اختلافًا كبيرًا وواسعًا، وهو اختيار شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم، وقد حكى الشوكاني إجماع الأمة على أنه لا يكفر. بخلاف ما لو نفى حرفًا مُجمعًا عليه.

5 -

ومن الأقوال التي لها وجاهتها وقوتها جمعًا بين الأقوال: إن البسملة في بعض القراءات -كقراءة ابن كثير- آية من القرآن، وفي بعض القراءات: ليست آية، ولا غرابة في هذا، وهو اختيار العلَّامة الشنقيطي، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى قول طائفة من العلماء بهذا القول.

‌الجهر بالبسملة:

أما عدم الجهر بقراءة البسملة فهو السنة، -يعني: في الصلاة-وهو القول والاختيار الموافق للأحاديث الثابتة الصحيحة، فالحق والصواب هو الإسرار وعدم الجهر بها؛ تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم وعملًا بفعله وفعل خلفائه الثلاثة من بعده رضي الله عنهم، وذلك لِمَ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يجهر بالبسملة، وقد ثبت في ذلك أحاديث كُثر صحيحة منها: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

ففي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين»

(1)

، وفي صحيح مسلم من حديث عن أنس رضي الله عنه أيضًا- قال:«صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}»

(2)

.

وكذلك هو قول أهل العلم قديمًا وحديثًا

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله

(3)

: «وكان إبراهيم النخعي رحمه الله ....................

(1)

رواه البخاري (710).

(2)

رواه مسلم (399).

(3)

الإمام العلَّامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد=

ص: 95

يقول

(1)

: «الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} بدعة»

(2)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يروِ أهل السنن المشهورة كأبي داود والترمذي والنسائي شيئًا من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، بل يحتجون بمثل حديث الحميراء»

(3)

(4)

.

وقال رحمه الله أيضًا: «والموضوعات في كتب التفسير كثيرة مثل الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة»

(5)

.

وقال الألباني رحمه الله

(6)

: «والحق أنه ليس في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح،

=البر بن عاصم النمري الأندلسي، القرطبي، المالكي، صاحب التصانيف الفائقة. [سير أعلام النبلاء (154) وما بعدها.

(1)

الحافظ، فقيه العراق، أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن [النخع] النخعي (47 هـ -96 هـ) تابعي وفقيه وقارئ كوفي، وأحد رواة الحديث النبوي، وهو ابن أخي علقمة بن قيس النخعي، وأمه هي مليكة بنت يزيد النخعية أخت الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد النخعي وهم من كبار تابعي أهل الكوفة. وقد أدرك عددًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. سير أعلام النبلاء (213).

(2)

الاستذكار (1/ 458)

(3)

مجموع الفتاوى (22/ 415)، والفتاوى الكبرى (2/ 166).

(4)

قال ابن القيم رحمه الله: «وكل حديث فيه «يا حميراء» أو ذكر الحميراء فهو كذب مختلق مثل: يا حميراء، لا تأكلي الطين فإنه يورث كذا وكذا، وحديث: خذوا شطر دينكم عن الحميراء» ا. هـ المنار المنيف (ص: 61) ونقله العجلوني في كشف الخفاء (1/ 450).

قال الذهبي رحمه الله: «وقد قيل: إن كل حديث فيه يا حميراء لم يصح» ا. هـ سير أعلام النبلاء (2/ 167). وينظر آثارًا أخرى في: السنن الصغرى للبيهقي (1/ 157) والسنن الكبرى (1/ 7) مصباح الزجاجة (3/ 81) الكامل (2/ 59) المجروحين (2/ 29).

(5)

مجموع فتاوى ابن تيمية (2/ 303).

(6)

محدِّث العَصر الإمام العلَّامة: محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الأشقودري الألباني=

ص: 96

بل صح عنه صلى الله عليه وسلم الإسرار بها من حديث أنس، وقد وقفت له على عشرة طرق ذكرتها في تخريج كتابي صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم»

(1)

.

وسُئل الإمام العلَّامة الشيخ ابن باز رحمه الله: ما حكم الجهر بالبسملة في الصلاة عند قراءة الفاتحة، وغيرها من السور؟

فأجاب: «اختلف العلماء في ذلك، فبعضهم استحب الجهر بها، وبعضهم كره ذلك وأحب الإسرار بها، وهذا هو الأرجح والأفضل لما ثبت في الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال: «صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر وعمر؛ وكانوا لا يجهرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)}»

(2)

.

وجاء في معناه عدة أحاديث، وورد في بعض الأحاديث ما يدل على استحباب الجهر بها؛ ولكنها أحاديث ضعيفة، ولا نعلم في الجهر بالبسملة حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على ذلك

(3)

.

ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.

=الساعاتي، أبو عبد الرحمن. (1333 هـ 1420 هـ). من علماء الحديث البارزين المتفردين في علم الجرح والتعديل، والشيخ الألباني حجة في مصطلح الحديث وقال عنه العلماء المحدثون: إنه أعاد عصر ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن كثير، وغيرهم من علماء الجرح والتعديل.

مولده ونشأته: ولد في مدينة أشقودرة عاصمة دولة ألبانيا، وهاجر بصحبة والده إلى دمشق الشام للإقامة الدائمة فيها ينظر:

1 -

حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه؛ محمد بن إبراهيم الشيباني.

2 -

محمد ناصر الدين الألباني: محدِّث العصر، وناصر السنَّة؛ إبراهيم محمد العلي.

(1)

تمام المنة للألباني (169)

(2)

البخاري (710)، ومسلم (399).

(3)

مجموع فتاوى ابن باز (11/ 119).

ص: 97

‌4 - التأمين بعد الفاتحة

‌مفهوم التأمين:

‌التأمين لغة

(1)

:

مصدر أمَّن بالتشديد يؤمّن، والمراد به قول: آمين.

ويُشرعُ ذلك عند ختم قراءة فاتحة الكتاب للقارئ والمستمع جميعًا على حدٍّ سواء، سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها، أما في الصلاة فيُسنّ ذلك للإمام والمأموم والمنفرد جميعًا.

‌معنى التأمين:

و «آمين» : كلمة دعاء بمعنى «اللهمّ استجب» ، وليست من القرآن بإجماع أهل العلم، ولذلك لم يكتبها الصحابة رضي الله عنهم في المصاحف.

وقد ذكر العلماء لمعنى كلمة (آمين) معان عدة، أشهرها وأقواها وأصوبها:«اللهمّ استجب» ، وهو ما عليه جمهور أهل العلم.

قال الحافظ رحمه الله في الفتح: «معناه: الله استجب عند الجمهور. وقيل: غير ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى»

(2)

.

وعامة أهل العلم على ذلك القرطبي: «معنى آمين عند أكثر أهل العلم: اللهم استجب لنا. وُضِع موضع الدعاء»

(3)

.

وقد نقل الحافظ ابن عبد البر الإجماع على ذلك فقال رحمه الله: «ومعنى آمين عند

(1)

ينظر لمعنى كلمة آمين: لسان العرب (13/ 26، 27)، الجامع لأحكام القرآن (1/ 128)، المغني (2/ 163)، المجموع (3/ 370).

(2)

فتح الباري (2/ 262).

(3)

الجامع لأحكام القرآن (1/ 128).

ص: 98

العلماء: اللهم استجب لنا دعاءنا». وهو خارج عن قول القارئ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} إلى قوله: {وَلَا الضَّالِّينَ (7)} فهذا هو الدعاء الذي يقع عليه التأمين)

(1)

.

وقد ورد في التأمين عدة أحاديث صحاح ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وآثار عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم أجمعين.

ومن فضائل التأمين: أنه سبب لمغفرة الذنوب، إذا وافق تأمين العبد تأمين الملائكة لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} فقولوا: آمين. فإنه من وافق قولُهُ قولَ الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه»

(2)

.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمَّن الإمام، فأمِّنوا. فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه» قال ابن شهاب: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين

(3)

.

قال القرطبي رحمه الله: «قال علماؤنا - رحمة الله عليهم-: فترتبت المغفرة للذنب على مقدمات أربع تضمنها هذا الحديث:

الأولى: تأمين الإمام.

الثانية: تأمين مَن خلفه.

الثالثة: تأمين الملائكة.

الرابعة: موافقة التأمين»

(4)

.

(1)

التمهيد (7/ 9).

(2)

أخرجه البخاري (113)، ومع فتح الباري (782)، ومسلم نحوه (4/ 129، و 4/ 128) وليس فيه موضع الشاهد.

(3)

أخرجه البخاري (111)، ومسلم (4/ 128).

(4)

الجامع لأحكام القرآن 1/ 127. وينظرأحكام القرآن للجصاص (1/ 6).

ص: 99

التأمين من خصائص هذه الأمة ولذلك حسدتها يهود على ذلك فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء، ما حسدتم على السلام، والتأمين»

(1)

.

وعنها رضي الله عنها أيضًا أن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم: «إنهم ـ أي: اليهود ـ لا يحسدوننا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة، التي هدانا الله لها وضلّوا عنها. وعلى القِبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها. وعلى قولنا خلف الإمام: آمين»

(2)

.

قال القرطبي رحمه الله: «قال علماؤنا -رحمة الله عليهم- إنما حسدنا أهل الكتاب، لأن أوّلها، حمد لله وثناء عليه، ثم خضوع له واستكانة، ثم دعاء لنا بالهداية إلى الصراط المستقيم، ثم الدعاء عليهم، مع قولنا: آمين»

(3)

.

‌المراد بموافقة الملائكة في التأمين

اختلف العلماء وإلى هذا القول ذُهِبَ: في المراد بموافقة الملائكة في التأمين.

‌على أقوال عدّة:

1 -

فقيل: الموافقة في الإجابة.

2 -

وقيل: الموافقة في الزمن.

3 -

وقيل: الموافقة في الصفة، من إخلاص الدعاء.

4 -

وقيل: الحث على الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الصلاة.

وحكى الأقوال الثلاثة الأُول، القرطبي

(4)

.

(1)

أخرجه ابن ماجه (856)، وابن خزيمة (1585)، والبيهقي (2/ 56). وأورده الألباني في صحيح الترغيب (515) ورمز له بالصحة.

(2)

أحمد (6/ 134، 135). وأصل الحديث في الصحيحين، إلا موضع الشاهد منه. البخاري (2935)، ومسلم في السلام، وفي البر والصلة.

(3)

الجامع لأحكام القرآن (1/ 131).

(4)

الجامع لأحكام القرآن (1/ 127).

ص: 100

‌الرأي المختار:

الذي يظهر -والله أعلم-: أن المراد بالموافقة هنا: الموافقة في الزمان. بأن يكون تأمين كُلٍّ من: الإمام، والمأموم، والملائكة في وقت واحد.

‌وهذا ما اختاره جمع من المحققين، منهم:

1 -

النووي رحمه الله، وأقرّه الشوكاني رحمه الله إذ قال:«والمراد بالموافقة: الموافقة في وقت التأمين، فيؤمّن مع تأمينهم. قاله النووي. قال ابن المنير: الحكمة في إثبات الموافقة في القول والزمان: أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها»

(1)

.

2 -

وابن دقيق العيد رحمه الله

(2)

إذ قال: «وموافقة الإمام لتأمين الملائكة، ظاهره الموافقة في الزمان. ويقويه، الحديث الآخر: «إذا قال أحدكم: آمين. وقالت الملائكة في السماء: آمين فوافقت إحداهما الأخرى» . . . الحديث

(3)

.

وقد يحتمل أن تكون الموافقة راجعة إلى صفة التأمين. أي: يكون تأمين المصلي، كصفة تأمين الملائكة في الإخلاص، أو غيره من الصفات الممدوحة. والأول، أظهر»

(4)

.

3 -

وابن حجر رحمه الله

(5)

إذ ذهب إلى أن المراد بذلك الموافقة في القول، وفي الزمان.

(1)

نيل الأوطار (2/ 245).

(2)

محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري القوصي، أبو الفتح تقي الدين، ابن دقيق العيد (625 هـ، ت 702 هـ) محدِّث وفقيه مصري، لُقِّب بمجدد المائة السابعة. نقلًا عن المعرفة.

(3)

أخرجه البخاري (749)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

شرح عمدة الأحكام (1/ 208).

(5)

ابن حجر العسقلاني (773 - 852 هـ)، هو: أحمد بن علي بن محمد، شهاب الدين، أبو الفضل الكناني العسقلاني، المصري المولد والمنشأ والوفاة، الشهير بابن حجر -نسبة إلى (آل حجر) قوم يسكنون بلاد الجريد وأرضهم قابس في تونس- من كبار الشافعية، كان محدثًا فقيهًا مؤرخًا، انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم، ومعرفة العالي والنازل، وعلل الأحاديث=

ص: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

=وغير ذلك. تفقه بالبلقيني والبرماوي والعز بن جماعة.، ارتحل إلى بلاد الشام وغيرها، درَّس في عدة أماكن وولي مشيخة البيبرسية ونظرها والإفتاء بدار العدل، والخطابة بجامع الأزهر، وتولى القضاء، زادت تصانيفه على مائة وخمسين مصنفًا، من تصانيفه: فتح الباري شرح صحيح البخاري والدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية، و تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. وينظر: الضوء اللامع (2/ 36)؛ والبدر الطالع (1/ 87)؛ وشذرات الذهب (7/ 270)؛ ومعجم المؤلفين (2/ 20).

يقول الباحث: وابن حجر رحمه الله مع جلالة قدره في علم الحديث إلا أنه كثيرًا ما يتأول -ولا سيما في فتح الباري- صفات الرب جل في علاه مقررًا عقيدة الأشاعرة متجنبًا لمنهج السلف في إثبات الأسماء والصفات على حقيقتها على وجه يليق بذاته سبحانه بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل.

موقف علمائنا من الحافظين، ابن حجر، والنووي، رحمهما الله.

أهل السنَّة والجماعة منصفون في الحكم على الآخرين، لا يرفعون الناس فوق ما يستحقون، ولا ينقصون قدرهم، ومن الإنصاف بيان خطأ المخطئ من أهل العلم والفضل، والتأول له، والترحم عليه، كما أن من الإنصاف التحذير من خطئه؛ لئلا يغتر أحد بمكانته فيقلده فيما أخطأ فيه، وقد علَّق علماؤنا على أخطائهم، وبخاصة في باب صفات الله تعالى، وبينوها، وردوا عليهما، مع الترحم عليهما، والثناء بما يستحقانه، والدعاء لهما، والوصية بالاستفادة من كتبهما.

1 -

فلما سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية: ما هو موقفنا من العلماء الذين أوَّلوا الصفات، مثل: ابن حجر، والنووي، وابن الجوزي، وغيرهم؟

فأجابوا: «إنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم، فرحمهم الله رحمة واسعة، وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة رضي الله عنهم وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخير، وأنهم أخطأوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة رحمهم الله» . فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 241).

2 -

ولما سئل شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله قال: «هناك علماء مشهودٌ لهم بالخير، لا ينتسبون إلى طائفة معينة مِن أهل البدع، لكن في كلامهم شيءٌ من كلام أهل البدع؛ مثل: ابن حجر العسقلاني، والنووي رحمهما الله، فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدًا قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثل ما قدَّماه، غفر الله للنووي ولابن حجر العسقلاني، ولمن=

ص: 102

واستدل لذلك بما جاء في رواية يونس، عن ابن شهاب عند مسلم، وابن عيينة عن ابن شهاب عند البخاري في الدعوات:«فإن الملائكة تؤمّن» قبل قوله: «فمن وافق» خلافًا لمن قال: المراد الموافقة في الإخلاص

(1)

،

(2)

.

ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

= كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين». لقاءات الباب المفتوح (43/ السؤال رقم 9).

3 -

ولما سئل معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء -حفظه الله-:

قال: «من كان عنده أخطاء اجتهادية تأوَّل فيها غيره، كابن حجر، والنووي، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات: لا يُحكم عليه بأنه مبتدع، ولكن يُقال: هذا الذي حصل منهما خطأ، ويرجى لهما المغفرة بما قدماه من خدمة عظيمة لسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهما إمامان جليلان، موثوقان عند أهل العلم» انتهى. المنتقى من فتاوى الفوزان (2/ 211، 212).

4 -

وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني محدث العصر، رحمه الله:«مثل النووي، وابن حجر العسقلاني، وأمثالهما، من الظلم أن يقال عنهم: إنهم من أهل البدع، أنا أعرف أنهما من «الأشاعرة» ، لكنهما ما قصدا مخالفة الكتاب والسنَّة». انتهى من (شريط رقم 666)«من هو الكافر ومن هو المبتدع» .

وينظر: عرفة بن طنطاوي-عناية الإسلام بتربية الأبناء بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان-رسالة ماجستير تحت الطبع-الجامعة الإسلامية العالمية- القاهرة.

(1)

فتح الباري (2/ 265).

(2)

ينظر: التأمين عقب الفاتحة في الصلاة (حكمه وصفته). د/ عبد الله بن إبراهيم الزاحم، بحث من مجلة الجامعة الإسلامية: العدد (125).

ص: 103

‌المبحث الثاني

أسماء السورة الكريمة

ص: 105

المبحث الثاني:

أسماء السورة الكريمة

‌1 - اسمها: سورة الفاتحة

.

جرى تسمية السور بما يناسب أهم مواضيعها، أو باسم أبرز ما ذكر فيها، كالفاتحة لأنها فاتحة القرآن، وإن كان أصل التسمية لا يعلل، ولكن قضى الله بحكمته الكمال والتمام لكلامه سبحانه من كل وجه.

يقول أبو الفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ ابْنُ الجَوْزِيِّ رحمه الله: «فمن أسمائها: الفاتحة؛ لأنه يستفتح الكتاب بها تلاوة وكتابة»

(1)

.

ويقول ابن كثير رحمه الله: «يقال لها: الفاتحة، أي: فاتحة الكتاب خطًّا، وبها تفتح القراءة في الصلاة، ويقال لها أيضًا: أم الكتاب عند الجمهور»

(2)

.

‌2 - معنى الفاتحة:

يقول الشوكاني رحمه الله: «معنى الفاتحة في الأصل أول ما من شأنه أن يفتتح به، ثم أطلقت على أول كل شيء كالكلام، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية، فسميت هذه السورة فاتحة الكتاب لكونه افتتح بها، إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز، وإن لم تكن أول ما نزل من القرآن.

وقد اشتهرت هذه السورة الشريفة بهذا الاسم في أيام النبوة»

(3)

.

‌3 - أسماء السورة الكريمة:

قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سَمَّى بعض سور القرآن الكريم، كالفاتحة، والبقرة، وآل

(1)

زاد المسير (1/ 10).

(2)

ابن كثير:) 1/ 101).

(3)

فتح القدير (1/ 13).

ص: 107

عمران، والكهف.

واختلف أهل العلم، هل أسماء سور القرآن الكريم كلها ثابت بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، أم أن بعضها ثبت باجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم؟

فذهب أكثر أهل العلم إلى أن أسماء سور القرآن كلها ثابتة بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: «لِسوَر القرآن أسماءٌ سمّاها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم»

(1)

. انتهى.

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن بعض أسماء سور القرآن الكريم كان بتسمية النبي صلى الله عليه وسلم لها، وبعضها كان باجتهاد من الصحابة أنفسهم رضي الله عنهم، وهذا هو القول الصحيح المتلائم مع عموم الأدلة.

يقول الطاهر بن عاشور رحمه الله

(2)

: «إنه لم يثبت في السنة الصحيحة والمأثورة من أسمائها إلا فاتحة الكتاب، أو أم القرآن، أو أم الكتاب»

(3)

.

(1)

جامع البيان (1/ 100).

(2)

محمد الطَّاهر بن محمد بن محمد الطَّاهر بن عاشور، ولد في مدينة تونس سنة (1296) هـ، أحد أهم العلماء الذين عرفتهم تونس في القرن العشرين. وقد توفي في (1393 هـ).

أما عقيدته: فالطاهر ابن عاشور كان في مسائل الاعتقاد وعلم الكلام على مذهب الأشاعرة من حيث الأصل، ويظهر اعتقاد العلَّامة ابن عاشور واضحًا في موقفه من نصوص الصفات، فهو إما أن يؤولها، وإما أن يفوضها، وينظر: في ذلك تفسيره للإتيان (2/ 284) والاستواء (16/ 187)، واليدين (23/ 302).

ينظر:

* كتاب: شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر بن عاشور تأليف: بلقاسم الغالي.

* كتاب: محمد الطاهر بن عاشور علَّامة الفقه وأصوله، والتفسير وعلومه. تأليف: خالد الطباع.

* مقدمة كتاب: مقاصد الشريعة لابن عاشور تحقيق: محمد الطاهر الميساوي.

* كتاب: التقريب لتفسير التحرير والتنوير تأليف: محمد بن إبراهيم الحمد.

(3)

التحرير والتنوير (1/ 132).

ص: 108

وقد ورد في أجوبة «فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء» بالمملكة العربية السعودية جوابًا عن هذا السؤال، ونصه: لا نعلم نصًّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على تسمية السور جميعها، ولكن ورد في بعض الأحاديث الصحيحة تسمية بعضها من النبي صلى الله عليه وسلم، كالبقرة، وآل عمران، أما بقية السور فالأظهر أن تسميتها وقعت من الصحابة رضي الله عنهم» انتهى

(1)

.

وفي نحو ذلك يقول الزركشي رحمه الله: «ينبغي البحث عن تعداد الأسامي: هل هو توقيفي، أو بما يظهر من المناسبات؟

فإن كان الثاني فلن يعدم الفَطِنُ أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق أسمائها، وهو بعيد»

(2)

انتهى.

وهذا تصريح من صاحب البرهان بعدم توقيف أسماء السورة قاطبة، وأن اشتقاق أسماء السور يمكن استخراجه من معانيها، وكذلك بأبرز ما ورد فيها.

يقول ابن كثير: لهذه السورة عِدَّةُ أسماء تدلُّ على فضلِها وشرفِها، واشتمالها على المقاصدِ الأصليَّة والأصول المُهِمَّة، فهي: الفاتحةُ لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام

(3)

.

قالَ الحُسَيْنُ بنُ مَسْعُودٍ البَغَوِيُّ: «سمّيت فاتحة الكتاب؛ لأنّ اللّه بها افتتح القرآن.

وسمّيت أمّ القرآن وأمّ الكتاب؛ لأنّها أصل القرآن منها بدئ القرآن وأمّ الشّيء: أصله، ويقال لمكّة: أمّ القرى؛ لأنّها أصل البلاد دحيت الأرض من تحتها، وقيل: لأنّها مقدّمةٌ وإمامٌ لما يتلوها من السّور يبدأ بكتابتها في المصحف وبقراءتها في

(1)

فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (4/ 16).

(2)

البرهان في علوم القرآن (1/ 270).

(3)

تفسير ابن كثير (1/ 102).

ص: 109

الصّلاة، والسّبع المثاني؛ لأنّها سبع آياتٍ باتّفاق العلماء.

وسمّيت مثاني لأنّها تثنّى في الصّلاة، فتقرأ في كلّ ركعةٍ، وقال مجاهدٌ: سمّيت مثاني لأنّ اللّه تعالى استثناها لهذه الأمّة فذخرها لهم»

(1)

.

يقول الفخر الرازي رحمه الله: «اعلم أن هذه السورة لها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى:

فالأول: «فاتحة الكتاب» سميت بذلك الاسم لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم، والقراءة في الصلاة، وقيل سميت بذلك لأن الحمد فاتحة كل كلام على ما سيأتي تقريره، وقيل: لأنها أول سورة نزلت من السماء.

والثاني: «سورة الحمد» والسبب فيه أن أولها لفظ الحمد.

والثالث: «أم القرآن» »

(2)

.

وفي نحو قول الرازي يقول ابن عاشور: «لم يثبت في السنة الصحيحة من أسمائها إلا فاتحة الكتاب، أو السبع المثاني، أو أم القرآن، أو أم الكتاب»

(3)

.

ونسوق‌

‌ بعض الأدلة الصحيحة والصريحة في بعض أسماء السورة الكريمة

.

‌1 - تسميتها بالسبع المثاني والقرآن العظيم

.

عن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: كنتُ أصلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أُجِبْه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال:«ألم يقل الله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]» ، ثم قال لي:«لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد» ، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت

(1)

معالم التنزيل (1/ 49).

(2)

التفسير الكبير: الفخر الرازي (1/ 145).

(3)

التحرير والتنوير (1/ 132).

ص: 110

له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال:«الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه»

(1)

.

ويقول في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «قال الله -تعالى- في أمِّ القرآن والسبع المثاني والقرآن العظيم: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}، وهذه السورة هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي الشافية، وهي الواجبة في الصلوات، لا صلاة إلا بها، وهي الكافية تكفي من غيرها، ولا يكفي غيرها عنها»

(2)

.

‌2 - أمّ القرآن

.

ثبت في صحيح البخاري عن عطاء أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: «في كل صلاة يُقرأ؛ فما أسمعنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أمِّ القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير»

(3)

.

فسماها أمَّ القرآن.

‌3 - فاتحة الكتاب

.

روى البخاري بسنده وغيره عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»

(4)

.

(1)

أخرجه البخاري (4474).

(2)

ينظر: مجموع الفتاوى (14/ 5، 6).

(3)

أخرجه البخاري (738).

(4)

أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394) عن الزهري به.

وفي بعض الطرق زيادة: «فصاعدًا» :

أخرج تلك الزيادة مسلم (349)، وأبو داود (822)، والنسائي في الكبرى (911)، وفي المجتبى (985)، من طريق معمر وحده عن الزهري.

قال البخاري: وقال معمر، عن الزهري:«لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب فصاعدًا» وعامة=

ص: 111

وهناك مسميات كثيرة لفاتحة الكتاب هي للأوصاف أقرب منها للأسماء.

ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

=الثقات لم يتابع معمرًا في قوله: «فصاعدًا» ، مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب وقوله:«فصاعدًا» غير معروف ما أردته حرفًا أو أكثر من ذلك؟ إلا أن يكون كقوله: «لا تقطع اليد إلا في ربع دينارفصاعدًا» فقد تقطع اليد في دينار وفي أكثر من دينار. ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وأن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا. القراءة خلف الإمام للبخاري (ص: 3).

وقال ابن حبان: وقوله: «فصاعدًا» تفرد به معمر عن الزهري دون أصحاب الصحيح (5/ 87).

قلت: فهي ضعيفة، والله أعلم.

ص: 112

‌المبحث الثالث

عدد آياتها وكلماتها وحروفها

ص: 113

المبحث الثالث:

عدد آياتها وكلماتها وحروفها

‌1 - عدد آياتها:

فاتحة الكتاب تعداد آياتها سبع آيات، وذلك بإجماع القرَّاء والمفسّرين وأهل العدد، وقد دلَّ على ذلك‌

‌ دلالة الكتاب

والسنة والإجماع.

فأما دلالة الكتاب:

فقول الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)} [الحجر: 87].

يقول ابن جرير الطبري رحمه الله بعد سياقه لأقوال أهل التأويل في الآية الكريمة-: «وقال آخرون: عنى بذلك: سبع آيات، وقالوا: هن آيات فاتحة الكتاب؛ لأنهن سبع آيات، وهم أيضًا مختلفون في معنى المثاني، فقال بعضهم: إنما سمين مثاني لأنهن يثنين في كل ركعة من الصلاة»

(1)

.

ولاريب أن أصحاب هذا القول قد أصابوا، لأن قولهم قد ثبت تأويله وتفسيره في الحديث الثابت الصحيح، والسنة مبينة ومفسرة لمجمل القرآن كما سيأتي في بيان دلالة السنة.

ويقول ابن كثير رحمه الله بعد أن ساق القول الأول في الآية الكريمة:

«والقول الثاني: أنها الفاتحة، وهي سبع آيات. روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.

قال ابن عباس رضي الله عنه: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها. وبه

(1)

جامع البيان (17/ 133).

ص: 115

قال النخعي، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وابن أبي مليكة، وشهر بن حوشب

(1)

، والحسن البصري، ومجاهد.

وقال قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب، وأنهن يثنين في كل قراءة. وفي رواية: في كل ركعة مكتوبة أو تطوع.

واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة «الفاتحة» في أول التفسير، ولله الحمد»

(2)

.

وعن علي أبي طالب رضي الله عنه قال: «السبع المثاني: فاتحة الكتاب»

(3)

.

وحسبك باختيار حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وكذلك باختيار على بن طالب رضي الله عنهم.

ولاريب أن أصحاب هذا القول قد أصابوا، لأن قولهم قد ثبت تأويله وتفسيره في الحديث الثابت الصحيح، والسنة مبينة ومفسرة لمجمل القرآن كما سيأتي في بيان‌

‌ دلالة السنة

.

وأما دلالة السنة:

فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسرها بسورة الفاتحة؛ وذلك لما ثبت وصح عند البخاري من حديث سعيد بن المعلَّى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها له بقوله: «الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه»

(4)

. فيكون بذلك العدد المذكور في الآية مُنصَرَفه إلى عدد آيات السورة الكريمة.

(1)

شهر بن حوشب أبو سعيد الأشعري الشامي. كان من كبار علماء التابعين، حدَّث عن مولاته أسماء، وعن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس. وشهر تُكلِّم فيه كثيرًا.

قال الألباني رحمه الله: «وشهر ضعيف» ، وقال عنه:«يهم» . [أحكام الجنائز 1 - 225].

وقال رحمه الله: «وهو سيء الحفظ لا سيما وقد خالف جميع الثقات فيه

» (الإرواء 4 - 143).

(2)

تفسير ابن كثير (4/ 547).

(3)

جامع البيان للطبري (17/ 133).

(4)

أخرجه البخاري وقد سبق تخريجه قبل قليل.

ص: 116

وأمَّا‌

‌ الإجماع:

فقد حكاه خلق كثير من العلماء لا حصر لهم.

وننقل بعض أقوال من حكى الإجماع.

قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ رحمه الله

(1)

: «وهي سبع آيات في جميع العدد»

(2)

.

قالَ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ رحمه الله: «وهي سبع آيات بالاتفاق»

(3)

.

قالَ أبو الفَرَجِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَلِيٍّ ابنُ الجَوْزِيِّ رحمه الله: «فاتحة الكتاب: سبع آيات بلا خلاف في جملتها»

(4)

.

قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليِّ بنِ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ رحمه الله: «فاتحة الكتاب: هي سبع باتفاق»

(5)

.

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ رحمه الله: «وأجمع الناس على أنّ عدد آي سورة الحمد سبع آيات، (و) ما ورد من خلاف ضعيف في ذلك»

(6)

.

قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ جُزَيٍّ الكَلْبِيُّ رحمه الله

(7)

: «ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات،

(1)

أبو عمرو الداني (المتوفي في شوال 444 هـ) المعروف في زمانه بـ ابن الصيرفي عالم قراءات ومُحدّث ومُفسّر أندلسي. وله عدد من المؤلفات منها: جامع البيان في السبع، والتيسير في القراءات السبع، والاقتصاد في السبع، وإيجاز البيان في قراءة ورش، والتلخيص في قراءة ورش، والمقنع، والمحتوى في القراءات الشواذ، وطبقات القراء، والأرجوزة في أصول الديانة، والاهتدا في الوقف والابتداء، والعدد، والتمهيد في حرف نافع، واللامات، والراءات لورش، والفتن الكائنة، والهمزتين، والياءات، والإمالة لابن العلاء. نقلًا عن الموسوعة الحرة، وينظر: سير أعلام النبلاء: الطبقة الرابعة والعشرون-أبو عمرو الداني.

(2)

البيان (139).

(3)

الكشاف (1/ 99).

(4)

فنون الأفنان (278 - 327).

(5)

جمال القراء (1/ 190).

(6)

المحرر الوجيز (1/ 95).

(7)

ابن جزيٍّ الكلبي (693 - 741 هـ) محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزيٍّ الكلبي، أبو=

ص: 117

إلّا أنّ الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها ويعدّ {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آية»

(1)

.

قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ رحمه الله: «وعدد آياتها سبع متفقة الإجمال»

(2)

.

قالَ مُحَمَّد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ رحمه الله: «وهي سبع آياتٍ باتّفاق القرّاء والمفسّرين»

(3)

،

(4)

.

‌إجماع أهل العدد:

قال البقاعي رحمه الله

(5)

: «وأما عدد آي الفاتحة: فهي سبع عند جميع أهل العدد، وهم خمسة: مدني، ومكي، وكوفي، وبصري، وشامي»

(6)

.

‌نظائر سورة الفاتحة في عدد آياتها:

ونظيرتها في عدد آيها في المكي والشامي سورة الناس وفي الكوفي والبصري سورة أرأيت ولا نظير لها في المدنيين

(7)

.

=القاسم، فقيه من العلماء بالأصول واللغة. من أهل غرناطة. من كتبه: القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية -ط، تقريب الوصول إلى علم الأصول، الفوائد العامة في لحن العامة، التسهيل لعلوم التنزيل-ط تفسير، الأنوار السنية في الألفاظ السنية -ط، وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم، البارع في قراءة نافع، نقلًا عن: الأعلام للزركلي.

(1)

التسهيل (1/ 63).

(2)

القول الوجيز (161).

(3)

التحرير والتنوير (1/ 136).

(4)

وللاستزادة: ينظر: موقع جمهرة العلوم.

(5)

البقاعي، برهان الدين (809 - 885 هـ) أبو الحسن، برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّبَاط بن علي بن أبي بكر البقاعي، مؤرخ أديب. أصله من البقاع في سورية، وسكن دمشق ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة، وتوفي بدمشق له:(عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران -خ)، و (عنوان العنوان -خ) مختصر عنوان الزمان، و (أسواق الأشواق -خ) وغيرها، نقلًا عن الأعلام للزركلي.

(6)

مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور-للبقاعي (1/ 169).

(7)

البيان (139)، القول الوجيز (161).

ص: 118

‌رؤوس الآي في السورة الكريمة:

قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ رحمه الله: «ورؤوس الآي: {الْعَالَمِينَ}، {الرَّحِيمِ}، {الدِّينِ}، {نَسْتَعِينُ}، {الْمُسْتَقِيمَ}، {عَلَيْهِمْ}، {الضَّالِّينَ}»

(1)

.

قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ رحمه الله: «وأجمع الناس على أنّ عدد آي سورة الحمد سبع آيات: {الْعَالَمِينَ} آية، {الرَّحِيمِ} آية، {الدِّينِ} آية، {نَسْتَعِينُ} آية، {الْمُسْتَقِيمَ} آية، {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آية، {وَلَا الضَّالِّينَ} آية.

وقد ذكرنا في تفسير {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ما ورد من خلاف ضعيف في ذلك»

(2)

.

وكذلك هو اختيار سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- حيث يقول سماحته: «إنها -أي: البسملة- ليست من الفاتحة، وإنما أول الفاتحة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هذه الآية الأولى، الثانية {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الثالثة، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الرابعة، {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} هي الخامسة، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} هذه هي السادسة، {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} هي السابعة»

(3)

.

وبذكر أبي عمرو الداني عثمان بن سعيد لرؤوس الآي في السورة الكريمة بدءًا بـ {الْعَالَمِينَ} ، وكذلك ذكر ابن عطية الأندلسي عد آيات السورة السبع بدءًا بـ {الْعَالَمِينَ} ، وكذلك أيضًا قول الإمام ابن باز رحمه الله يتضح عدم إثباتهم للبسملة، فلم يعدوها آية في الفاتحة، وبهذا تتوافق تلك الأقوال مع اختيار شيخ الإسلام:«أنها آية مستقلة» ، وهو أقرب الأقوال.

‌قاعدة رؤوس الآي (الفواصل):

قَالَ رِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ رحمه الله: «وقاعدة فواصلها (نم (نحو:

(1)

البيان (139).

(2)

المحرر الوجيز (1/ 95).

(3)

ينظر: الموقع الرسمي لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

ص: 119

{الْعَالَمِينَ} ، و {الرَّحِيمِ} »

(1)

.

ومعنى قوله: (نم) إشارة إلى أن آخر حرف في نهاية كل فاصلة في السورة الكريمة محصور في هذين الحرفين (ن، م) ولا يخرج عنهما أبدًا، وذكر لذلك مثالين هما:{الْعَالَمِينَ} ، و {الرَّحِيمِ} .

‌2 - عدد كلماتها:

وفي عدد كلمات السورة الكريمة خلاف مشهور، وسبب الخلاف الأظهر أنه بسبب كون البسملة آية في الفاتحة، لمن أثبتها، وكونها ليست آية لمن نفاها.

القول الأول: عدد كلماتها خمس وعشرون كلمة.

واختاره جمع من أهل العلم منهم: أبو عمرو الدَّانِيُّ

(2)

، والنيسابوريُّ

(3)

، والإمام ابْنِ كَثِيرٍ في تفسيره.

(4)

، ورِضْوانُ بنُ مُحَمَّدٍ المُخَلِّلاتِيُّ

(5)

.

القول الثاني: عدد كلماتها سبع وعشرون كلمة.

وممن اختار هذا القول: عليُّ بنُ محمدٍ الخازنُ، صاحب التفسير

(6)

.

القول الثالث: عدد كلماتها تسع وعشرون كلمة.

وممن اختار هذا القول: عمرُ بنُ عليِّ بنِ عادلٍ الدمشقيُّ الحنبليُّ.

(7)

، ومحمدُ بنُ عمرَ الجاويُّ

(8)

.

(1)

القول الوجيز (161).

(2)

البيان (139).

(3)

غرائب القرآن (1/ 59).

(4)

تفسير القرآن العظيم (1/ 102 (.

(5)

القول الوجيز (161).

(6)

لباب التأويل (1/ 15).

(7)

اللباب (1/ 159 (.

(8)

مراح لبيد (1/ 7 (.

ص: 120

وإن قولي ابن عادل الدمشقي والجاوي، الأظهر: أنه مع إثبات البسملة آية في الفاتحة.

وأما القول الأول الأظهر: أنهم يعدون البسملة، تمشيًا مع القول بأن البسملة آية مستقلة في كتاب الله وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما مرَّ معنا آنفًا.

والقول الثالث هو المشهور، لكن الترجيح في عدد كلماتها متعلق بالترجيح بكون البسملة آية في الفاتحة نفيًا أو إثباتًا.

‌نظيرتها في عدد الكلمات:

قَالَ عُثْمَانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ: «وكلمها خمس وعشرون كلمة ككلم أرأيت»

(1)

(2)

.

‌3 - عدد حروفها:

وقد اختلف في عدد حروفها اختلافًا واسعًا على ستة أقوالٍ، وكل قول قال به أقوام

(3)

، ولم يعرج الباحث على الخوض في التفصيل في عدد حروفها، إذا المعول عليه عدد الآيات والكلمات؛ لأنه متعلق بموضوع قرآنية البسملة، ولاسيما في كونها آية في الفاتحة نفيًا كان ذلك أو إثباتًا.

ولعل في ذلك من الكفاية والمعتبر مايكفي لوضوح الحق لأهل البحث والنظر.

والحمد لله رب العالمين.

(1)

يعني بـ (أرأيت): سورة الماعون.

(2)

(البيان: 139).

(3)

وللاستزادة ينظر: موقع جمهرة العلوم.

ص: 121

‌المبحث الرابع

أبرز موضوعات السورة الكريمة

ص: 123

المبحث الرابع:

أبرز موضوعات السورة الكريمة

سميت السورة بسورة الفاتحة لافتتاح القرآن بها فهي أول سورة فيه، وهي مشتملة على جميع معاني القرآن الكريم ومقاصده، فهي كالمقدمة للقرآن كله، فقد احتوت مواضيعها الدين كله.

‌محور مواضيع السورة:

يَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَالعَقِيدَةِ، وَالعِبَادَةِ، وَالتَّشْرِيعِ، وَالاعْتِقَادِ باليَوْمِ الآخِرِ، وَالإِيمَانِ بِصِفَاتِ الَّلهِ الحُسْنَى، وَإِفْرَادِهِ بالعِبَادَةِ وَالاسْتِعَانَةِ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا بطَلَبِ الهداية إلى الدِّينِ الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ بالثْبِاتِ عَلَى الإِيمَانِ وَنَهْجِ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ، وَتَجَنُّبِ طَرِيقِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَالإِخْبَارِ عَنْ قِصَصِ الأُمَمِ السَّابِقِة، وَالاطِّلَاعِ عَلَى مَعَارِجِ السُّعَدَاءِ وَمَنَازِلِ الأَشْقِيَاءِ، وَالتَّعَبُّدِ بأَمْرِ الَّلهِ سُبْحَانَهُ وَنَهْيِهِ

(1)

.

‌أولًا: موضوع أسس قضايا العقيدة والتوحيد:

فقد حوت السورة بين ثنايا آياتها قضايا العقيدة، العقيدة في الله تعالى، وفي أسمائه وصفاته، وفي اليوم الآخر، والتعريف بالمعبودِ المستحق للعبادة وحده دون سواه تبارك وتعالى.

فقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} فيه بيان استحقاق المولى عز وجل

(1)

مقال لـ: عبد الأثري: موقع صيد الفوائد، مع تصرف يسير. وبعد بحث مضنٍ لم يقف الباحث له على عزوٍ ولم يجد له مصدرًا، ولكن يُستشعر أن فيه نَفَس ابن القيم وأسلوبه في الكتابة ولا سيما في نهايته، والله أعلم.

ص: 125

الحمد والثناء والتمجيد الذي هو أهله جل في علاه، مع التذكير بوجوب شكره وحمده على نعمه وآلائه، والإقرار له بالربوبية، وفي الإقرار بذلك كله تنزيه لله عن كل نقص، فكما أنه سبحانه اتصف بالكمال المطلق، فالنقائص كلها في حقه محاله.

وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)} ، فيه الثناء على الله بوصفه جل في علاه بالرحمة العامة {الرَّحْمَنِ} ، والرحمة الخاصة {الرَّحِيمِ} .

والسورة الكريمة كلها في التوحيد من أولها وحتى آخر، وكل آية فيها تدل على التوحيد، ولقد ورد في السورة التوحيد بأنواعه الثلاثة الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، فقوله تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ} متضمن لتوحيد الألوهية، وكذلك قوله تعالى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} وكذلك قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} . ففي كل ذلك دلالة على توحيد الألوهية.

وتوحيد الألوهية هو: توحيد الله بأفعال العباد، والتي منها: الحمد والعبادة والدعاء والاستعانة.

«وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؛ الظاهرة، والباطنة، قولًا، وعملًا، ونفي العبادة عن كل من سوى الله تعالى كائنًا من كان»

(1)

.

وقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} متضمن لتوحيد الربوبية.

وتوحيد الربوبية: هو توحيد الله تعالى بأفعاله سبحانه وتعالى:

وهو: «الإقرار بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو ربّ كل شيءٍ ومليكه، وأنّ الله تبارك وتعالى هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، والنافع، والضار

(2)

، والمتفرّد

(1)

معارج القبول شرح سلم الأصول (1/ 31).

(2)

لم يثبت بدليل صحيح أن الضار من أسماء الله تعالى وإنما ورد ذلك في الحديث المشهور الذي فيه تعداد الأسماء الحسنى، وهو حديث ضعيف، رواه الترمذي وغيره. والمقرر عند أهل العلم أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، أي: لا يثبت منها شيء إلا بالدليل. فإذا لم يثبت=

ص: 126

بإجابة دعاء المضطرين، والإقرار أيضًا بأنّ الأمر كلّه لله، وأنّه بيده الخير كلّه، وأنّ الله هو القادر على ما يشاء، وليس له في ذلك أي شريك، أو نظير»

(1)

(2)

.

وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)} متضمن لتوحيد الأسماء والصفات.

وتوحيد الأسماء والصفات هو: إثبات جميع صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها الله تعالى لنفسه في محكم كتابه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم في صحيح سنته، على الحقيقة، على وجه يليق بذات الله تبارك وتعالى. من غير تحريف ولا تأويل ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه تمثيل.

وهذه عقيدة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات.

قال ابن عبد البر رحمه الله: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة»

(3)

.

وبذلك يتبين أن محور السورة الأساسي وموضوعها الرئيس: هو التوحيد.

=الاسم، وكان معناه صحيحًا فإنه يجوز الإخبار به عن الله تعالى، فيقال: الله هو الضار النافع، لأن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات، لكن لا يعبّد بهذا الاسم، فلا يقال: عبد الضار، أو عبد النافع؛ لأنه لم يثبت اسمًا لله تعالى. وللاستزادة: ينظر: موقع الإسلام سؤال وجواب.

(1)

تيسير العزيز الحميد (ص 33).

(2)

سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (1200 هـ-1233 هـ) من آل الشيخ، فقيه سلفي من أهل نجد من حفدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. كان بارعًا في التفسير والحديث والفقه، وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا بن محمد علي بعد دخوله الدرعية واستيلائه عليها فأحضره إبراهيم، وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر إغاظة له، ثم أخرجه إلى المقبرة وأمر العساكر أن يطلقوا عليه الرصاص جميعًا فمزقوا جسمه رحمه الله.

(3)

التمهيد (7/ 145).

ص: 127

‌ثانيًا: إثبات الوعد والوعيد:

وأما الوعد والوعيد: ففي قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} ، والذي يلزم منه الإقرار بيوم البعث والحساب والجزاء والعقاب، وفيه أيضًا معنى تمجيد الله وتعظيمه.

‌ثالثًا: حصر استحقاق العبادة لله وحده، وحصر الاستعانة به دون سواه

.

فقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، إقرار بألوهيته سبحانه وتعالى واستحقاقه العبادة دون سواه، والعبادة ثمرة التوحيد، والتوحيد لا يُسمَّى توحيدًا إلا مع العبادة، ولا تتحقق العبادة لله تعالى إلا بالبراءة من الشرك وأهله، فيشمل قوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} معنى البراءة من الشرك وأهله ضمنًا.

والعبادة الصحيحة من شأنها أن ترسخ العقيدة في القلوب وتثبتها في النفوس.

وقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} إقرار لله تعالى بالافتقار والخضوع والذل، وذلك مشهد عظيم من مشاهد العبودية لله الواحد الأحد، مع ما فيه من بيان العجز والتبرؤ من الحول والطول والقوة وتخصيص الله تعالى بالاستعانة والعون والمدد دون سواه، وقوله:(نعبد، نستعين) فيه إفراد لله عز وجل بالعبادة والدعاء والاستعانة.

وما سبق ذكره كان كمقدمة أولى: عن بيان عظمة من نسأله -وهو الرب-جل في علاه- والتقرب إليه بصنوف العبودية المشتملة على حمده والثناء عليه وتمجيده جل في علاه.

‌رابعًا: سؤال الله تعالى الهدايتين، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وسؤال الثبات على الدين القويم:

وذلك في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} والتذلل إلى الله تعالى بطلب الهداية إلى الطريق المستقيم وبيان ضعف العبد السائل وذله لربه وإظهار افتقاره إليه كان كمقدمة ثانية.

‌خامسًا: ومن أبرز مواضيعها طلب الثبات على الصراط المستقيم والنهج الصالح

ص: 128

القويم مع الذين أنعم الله عليهم بالثبات عليه، وذلك في قوله سبحانه:{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، والمنعم عليهم هم الذين قال الله تعالى عنهم:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)} [النساء].

وفي قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بيان شرف الصحبة الصالحة ومكانتها وفضلها.

‌سادسًا: ذكر طرفٍ من قصص الأمم الغابرة وأخبارها وذكر مصيرها:

وذلك في قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} ، وفيه بيان انقسام الخليقة لأقسام ثلاثة، منعم عليهم وهم أهل السعادة، ومغضوب عليهم، وضالون، وهما أهلا الشقاء والغواية.

وفيه التحذير من مسالك أهل الغواية والضلال لئلا يحشروا مع سالكي سبلهم.

وكانت الخاتمة: في بيان الطريق المستقيم المؤدي إلى سعادة الدارين لمن سلكه وثبت عليه، وفي تقسيم الخليقة إلى ثلاثة أقسام، بحسب العلم والعمل كما مرَّ معنا آنفًا.

ومن هنا يتضح: أن آيات الفاتحة قد أجملت الأصول التي جاءت مفصلة في القرآن كله، ويتضح من ذلك الحكمة في تنزيلها في أول ما نزل من القرآن، وهي أول سور القرآن ترتيبًا لا تنزيلًا.

ومن هنا أيضًا: يجدر بنا أن نفهم لماذا تسمى الفاتحة بـ «أم الكتاب» وبـ «أم القرآن» .

وفي نحو ذلك يقول البقاعي رحمه الله: «إن سورة الفاتحة جامعة لجميع ما في القرآن، فالآيات الثلاث الأُول شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى، فكل ما في القرآن من ذلك فهو مفصل من جوامعها، والآيات الثلاث الأُخر من قوله:{اهْدِنَا} شاملة لكل ما يحيط بأمر الخلق في الوصول إلى الله، والتحيز إلى رحمته،

ص: 129

والانقطاع دون ذلك، فكل ما في القرآن فمن تفصيل جوامع هذه، وكل ما يكون وصلة بين ما ظاهره من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل من آية {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} ».

وذكر ابن القيم رحمه الله: «أن السورة اشتملت على الرد على جميع طوائف أهل البدع والضلال، كما بينت منازل السائرين، ومقامات العارفين، وبيان أنه لا يقوم غير هذه السورة مقامها، ولا يسد مسدها، ولذلك لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل مثلها» .

وقال ابن سعدي رحمه الله: «وهذه السورة على إيجازها احتوت على ما لم تحتوِ عليه سورة من سور القرآن، فقد تضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، يؤخذ من قوله:{رَبِّ الْعَالَمِينَ} . وتوحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ (الجلالة): اللَّه، ومن قوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} .

وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تعطيل، ولا تمثيل، ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ الحمد. وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} ، وأن الجزاء يكون بالعدل، وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، عبادة واستعانة في قوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} . وتضمنت إثبات النبوة في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} ؛ لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة. وتضمنت إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة. وتضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} »

(1)

.

وأيضًا وصف الله بالرحمة العامة والرحمة الخاصة في اسمي الرحمن، الرحيم دلالة على إثبات توحيد الأسماء والصفات كما هو معلوم وظاهر لا يخفى.

وبهذا يتبين أن السور الكريمة قد حوت أهم مقاصد القرآن الكريم إجمالًا، ثم جاء ذلك مفصلًا في سائر سور القرآن الكريم كلها.

(1)

مقاصد سورة الفاتحة، موقع إسلام ويب، موقع المقالات/ بتاريخ (20/ 11/ 2012 م).

ص: 130

فقد اشتملت الفاتحة على أصول الدين وفروعه، عقيدة وعبادة وافتقارًا إلى الله بطلب الهداية والدلالة إلى الصراط المستقيم، والثبات عليه، وفيه معنى طلب الهدايتين، ولا يتم ذلك إلا بشرع ودين، ولا يتم شرع ودين إلا بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وفيها أخبار وقصص الأمم الغابرة، وبينت طريق السعداء وطريق الأشقياء.

ولقد وصف الله تعالى سورة الفاتحة بأنها: «سبعًا من المثاني» ، والمثاني هي التي تكرر فيها المواعظ والعبر، وموضوعاتها متكرر في القرآن كله.

ولقد وصفها سبحانه بأنها: «القرآن العظيم» لعظم ما حوته في طيات آياتها من موضوعات، والقرآن العظيم معطوف على السبع المثاني من عطف العام على الخاص.

وسميت بـ «أم القرآن» لاشتمالها على معاني القرآن كله، من حمد لله تعالى وثناء عليه بما سمى ووصف به ذاته المقدسة من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبيان أوامره ونواهيه وثوابه وعقاب المترتب على وعده ووعيده، ذلك لأن موضوعات القرآن كله مرجعها ومردها إلى موضوعاتها، لأن محتوياتها مشتملة على أنواع مقاصد القرآن الكريم كله.

والفاتحة سورة محكمة، وكذلك آياتها وموضوعاتها محكمة، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7].

وأما عموم سور القرآن فمنها المحكم ومنها المتشابه، فإذا رُدَّ المحكم للمتشابه صار القرآن كله محكمًا، ونعني بذلك فاتحة الكتاب التي حوت كل معاني القرآن.

ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

ص: 131

‌المبحث الخامس

بيان المعنى الإجمالي للسورة الكريمة

ص: 133

المبحث الخامس:

بيان المعنى الإجمالي للسورة الكريمة

لقد «اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات، على حمد اللّه وتمجيده والثّناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدّين، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتّضرّع إليه، والتّبرّؤ من حولهم وقوّتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهيّة تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريكٌ أو نظيرٌ أو مماثلٌ، وإلى سؤالهم إيّاه الهداية إلى الصّراط المستقيم، وهو الدّين القويم، وتثبيتهم عليه حتّى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصّراط الحسّيّ يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنّات النّعيم في جوار النّبيّين، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين.

واشتملت على التّرغيب في الأعمال الصّالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتّحذير من مسالك الباطل؛ لئلّا يُحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضّالّون

(1)

.

ولقد افتتح الرب جل في علاه الله هذه السورة، التي افتتح بها كتابه-بحمده سبحانه- فقال سبحانه:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} .

حمد الله نفسه العلية قبل أن يحمده حامد، فهو سبحانه المستحق للمحامد كلها.

و {الْحَمْدُ} : مبتدأ مرفوع.

وقوله: {لِلَّهِ} جار ومجرور [على التعظيم والإجلال والتبجيل لرب العزة والجلال]

(2)

.

(1)

تفسير ابن كثير (1/ 143 - 144).

(2)

ما بين المعكوفين من إضافة الباحث تأدبًا مع الرب العظيم وذاته العلية سبحانه وتعالى.

ص: 135

والجار والمجرور متعلق بمحذوف، خبر المبتدأ، تقديره: ثابت أو واجب

(1)

(2)

.

ويفهم من هذا وجوب لزوم الحمد دائمًا لله تعالى.

و‌

‌اللام في لفظ الجلالة لها معنيان:

المعنى الأول: الاختصاص، فيكون المعنى على ذلك أن الله تعالى مختص بجميع المحامد وحده سبحانه وتعالى.

والمعنى الثاني: الاستحقاق، فيكون المعنى: أن الله تعالى مستحق لجميع المحامد التي تليق بروبيته للعالمين، وتربيته لخلقه بنعمه وإحسانه وإنعامه وإفضاله.

وقد أشار لمثله هذا المعنى أو قريب منه بعض أهل التفسير، منهم العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره للفاتحة.

و «{الْحَمْدُ} وصفُ المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم؛ الكمال الذاتي والوصفي والفعلي؛ فهو كامل في ذاته وصفاته وأفعاله؛ ولا بد من قَيْد، وهو «المحبة والتعظيم» ؛ قال أهل العلم: «لأن مجرَّد وصفه بالكمال بدون محبة ولا تعظيم، لا يُسمَّى حمدًا؛ وإنما يُسمَّى مدحًا»

(3)

اهـ.

و {الْحَمْدُ} يكون بالثناء على رب العزة بجميع صفات الجلال والكمال، والثناء عليه سبحانه وتعالى بأفعاله الكريمة والتي مدارها بين فضله سبحانه وتعالى وعدله، فالله سبحانه وتعالى له الحمد الكامل التام من جميع الوجوه.

«والحمد ضد الذَّمِّ، والحمد خبر بمحاسن المحمود مقرون بمحبته، والذَّمُّ خبر بمساوئ المذموم مقرون ببغضه، فلا يكون حمد لمحمود إلا مع محبته، ولا يكون

(1)

الجدول في إعراب القرآن (1/ 23).

(2)

محمود بن عبد الرحيم صافي- (1376 م). من أعلام مدينة (حمص) السورية، وهو مؤلف أول كتاب كامل مفصّل في إعراب القرآن وصرفه وبيانه؛ ويُعرف باسم (الجدول في إعراب القرآن، وصرفه، وبيانه، وكانت وفاته سنة (1985 م).

(3)

ينظر: تفسير العلَّامة محمد بن صالح العثيمين (2/ 50).

ص: 136

ذم لمذموم إلا مع بُغضه، وهو -سبحانه- له الحمد في الأولى والآخرة.

وأول ما نطق به آدم: الحمد لله رب العالمين، وأول ما سمع من ربه: يرحمك ربك، وآخر دعوى أهل الجنة: أن الحمد لله رب العالمين، وأول مَن يدعى إلى الجنة الحمَّادون، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم صاحب لواء الحمد، آدم فمن دونه تحت لوائه، وهو صاحب المقام المحمود الذي يَغبِطه به الأولون والآخرون؛ فلا تكون عبادة إلا بحب المعبود، ولا يكون حمد إلا بحب المحمود، وهو -سبحانه- المعبود المحمود»

(1)

؛ اهـ.

والألف واللام في {الْحَمْدُ} للاستغراق، ليعم جميع المحامد، ولتكون كلها لله وحده لا شريك له، وفي ذلك إيذانًا لعباده أن يحمدوه على إنعامه وإفضاله ويشكروه على جزيل نعمه وآلائه، فيكون حمد العباد لخالقهم باللِّسان والجنان والأركان، فيكون نطقًا وإقرارًا وثناءً على الله المنعم المتفضل باللسان، وتصديقًا واعترافًا بالنعم بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وفيه حثّ لهم على تعبيد نعمه له سبحانه واستعمالها فيما يقربه لديه ويرضيه، فلا يستعينوا بنعمه على معصيته، فيكون ذلك منهم جحودًا لها ونكرانًا وكفرانًا.

«فيجب على كلِّ مكلَّف أن يَعتقد أنَّ الحمد على الإطلاق إنَّما هو لله، وأنَّ الألف واللام للاستغراق لا للعَهد، فهو الذي يستحقُّ جميعَ المحامد بأسرِها، فنحمده على كلِّ نعمة وعلى كلِّ حالٍ بمحامده كلِّها، ما عُلِم منها وما لم يُعلم

، ثمَّ يجب عليه أن يسعى في خصال الحمد؛ وهي التخلُّق بالأخلاق الحميدة والأفعالِ الجميلة». اهـ

(2)

.

والرب العظيم الغني عن خلقه أجمعين، يحب من عباده أن يحمدوه، فلما حمد الله ذاته العلية فإنه تعالى يحب ذلك أيضًا من عباده، ويدل على ذلك ما ثبت صريحًا من حديث الأسود بن سريعٍ

(3)

رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسُول الله، ألا أنشدُك محامِد

(1)

منهاج السنة النبوية (5/ 405).

(2)

الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (1/ 190)

(3)

الأسود بن سريع التميمي، صحابي وفارس وشاعر، عاش في البصرة، وشهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم في أربع من غزواته. أسد الغابة (1/ 229) -أًسد الغابة في معرفة الصحابة.

ص: 137

حمدتُ بها ربِّي تبارك وتعالى، قال:«أما إن ربك عز وجل يحب أن يُحمد» . زاد في رواية: «ولم يستزده على ذلك»

(1)

.

يقول ابن المبرد الحنبلي

(2)

:

احمد لربِّك في أُمُورك كُلِّها

وافزع إليه في الصعاب يحُلُّها

واقرع بكفِّ الذُّلِّ بابَ عطائه

مَن في الوُجُود سوى الإله يبُلُّها

وقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} ، العالمين جمع عالم، والعالم جمعٌ لا مفرد له من لفظه، وكل ما سوى الرب سبحانه وتعالى عالم، وكل منا واحدٌ من هذا العالم.

و (الرَّبُّ) هو المالك والصاحب والمتصرف في ملكه، المدبر لشؤون خلقه من الخلق والرزق وتدبير جميع أمورهم وإصلاح شأنهم ورعايتهم، فلفظ الربّ يطلق على تلك المعاني جميعًا.

وكلمة الرب: إذا أطلقت فإنها تكون علمًا على الذات الإلهية، ولا يجوز ولا يصلح إطلاقها أبدًا إلا على الرب العظيم جل في علاه، ولكن يجوز إطلاقها على غيره سبحانه من خلقه بشرط أن تكون مقيدة بالإضافة تقول: رب الدابة، ورب البيت، ونحو ذلك، ومنه قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم في خبره مع أبرهة

(1)

أخرجه النسائي في السنن الكبرى (7745)، وأحمد (3/ 430)، والطبراني في الكبير (820)، والحاكم (3/ 614) والزيادة له وقال: صحيح الإسناد! ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (3179).

(2)

ابن المِبْرَد (يوسف بن حسن)، (840 - 909 هـ) يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عبد الهادي الصالحي، جمال الدين، ابن المبرد، علَّامة متفنن، من فقهاء الحنابلة، من أهل الصالحية، بدمشق ينظر ترجمته في: شذرات الذهب (8/ 42)، والضوء اللامع. والمبرد هذا يعرف أيضا: بابن عبد الهادي وهو غير ابن عبد الهادي الجماعيلي الصالحي، وهو غير المبرد (النحوي، اللغوي)(ت 286 هـ)، محمد بن يزيد بن عبد الأكبرأبو العباس، ولد سنة (210 هـ)، شيخ أهل النحو وحافظ علم العربية. ينظر ترجمته في: تاريخ بغداد (3/ 380)، تاريخ دمشق (56/ 246)، سير أعلام النبلاء) 13/ 576).

ص: 138

الحبشي لما ساق الإبل وأراد هدم الكعبة المشرفة: «أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه»

(1)

(2)

.

‌وربوبية الله تعالى لخلقه على ضربين:

الضرب الأول: الربوبية العامة بخلقه أجمعين، فهو الذي خلقهم ورزقهم ودبر شؤونهم، وأنعم عليهم بكل النعم وملك أمرهم، ودبر لهم شؤون معاشهم، وهذه ربوبية عامة تشمل كل خلقه مؤمنهم وكافرهم برّهم وفاجرهم.

والضرب الثاني: ربوبية خاصة لعباده المتقين، يربيهم ربهم بالإنعام عليهم بهدايتهم سبل السلام، ويوفقهم لذلك، ويدفع ويمنع عنهم ما يصرفهم عن الهداية،

(1)

السيوطي: الدرر المنتثرة (122)، والأسرار المرفوعة ملَّا علي قاري (297).

(2)

السيوطي هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي، جلال الدين: إمام حافظ مؤرخ أديب. (849 - 911 هـ) له نحو (600) مصنف، من أشهرها: الإتقان في علوم القرآن، لباب النقول في أسباب النزول، تفسير الجلالين وغيرهم، ينظر: الزركلي، الأعلام، (3/ 302). بيان موجز لعقيدة السيوطي: جاء في فتاوى اللجنة الدائمة): 12/ 98 («والعلماء الكبار- مثل السيوطي وغيره- ينبه على أخطائهم، ويستفاد من علمهم، ولهم فضائل تغطي على ما عندهم من أخطاء، لكن الخطأ لا يقبل منهم ولا من غيرهم» .

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في نقده لقول السيوطي في الإتقان: (إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ وجاء به إلى محمد: («هذه المقالة اغترَّ بها الكثير من الجهلة وراجت عليهم، والسيوطي رحمه الله مع طول باعه وسعة اطلاعه وكثرة مؤلفاته؛ ليس ممن يعتمد عليه في مثل هذه الأصول العظيمة، وهذه (المقالة) مبنّية على أصل فاسد وهو القول بخلق القرآن، وهذه هي مقالة الجهمية والمعتزلة ومن نحى نحوهم، ويلزم هذه المقالة من الكفر والإلحاد الزندقة وإنكار الرسالة ووصف الله بالخرس وتشبيهه بآلهة المشركين الأصنام التي لا تنطق و غير ذلك من المحاذير الكفرية ما يعرفه أهل العلم»] مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله (1: 214 - 239).

وقد تطرقت بعض الدراسات المعاصرة إلى عقيدته منها رسالة للدكتور سعيد إبراهيم مرعي خليفة، وهي بعنوان: جلال الدين السيوطي وآراؤه الاعتقادية عرض نقد على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذلك رسالة للباحث طلعت جبر المجدلاوي وهي بعنوان: مواقف الإمام السيوطي من الإلهيات والنبوات دراسة ونقدًا.

ص: 139

ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعصمهم من الضلالة والغواية بعد الرشاد والهداية.

ويربيهم بصلاح شأنهم كله ورعايتهم وتسديدهم ونصرتهم وتوفيقهم في كل شؤونهم.

وربوبية الله تعالى تشمل المعنيين جميعًا.

و {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} هو الخالق لجميع العوالم، ما علمنا منها وما لم نعلم، وهو ربّها الذي يدبَّر جميع أمرها قاطبة، فيسوق إليها أرزاقها وأقواتها، وهو المالك لجميع أمرها، المتصرف وحده في جميع شؤونها، فلا يملك أحد من تلك العوالم لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وكل تلك العوالم كلها لا غنى لها عن فضله ورحمته طرفة عين ولا أدنى من ذلك، فكلهم فقراء إليه وإلى فضله ورحمته فقرًا دائمًا، فكل ما هم فيه من نعم وفضل، فمن واسع جوده وكريم عطائه وواسع رحمته وإحسانه، وكل ما صرف عنهم من البلاء والشقاء والضنك فهومن تصريفه لشؤون خلقه بتدبيره ورحمته، ففقر جميع تلك العوالم لرب العالمين فقر دائم لا ينقطع، وهو مع ذلك سبحانه القيوم على شؤون تلك العالمين غني عنهم أجمعين، قائم بنفسه لا حاجة له لأحد من خلقه، كل ذلك يدعو المؤمن في إعمال فكره وقلبه وعقله في ربوبية رب العالمين وعظمته، ويقدره حق قدره بأن يعبده سبحانه حق عبادته، وألا يصرف شيئًا من تلك العبادة لأحد سواه، لا لنبي مرسل ولا لملك مقرب، وألا يجعل معه ألهًا آخر، ربنا مخاطبًا جميع الناس في أول نداء في القرآن:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} [البقرة].

فأمرهم ربهم جميعًا بعبادته، ممتنًّا عليهم بربوبيته بقوله سبحانه:{الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .

وقوله سبحانه: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} هما اسمان عظيمان لله تعالى وصف بهما ذاته العلية.

ص: 140

واسم {الرَّحْمَنِ} : يدل على صفة ذاتية لله تعالى، وهو سبحانه رحمن موصوف بتلك الصفة العظيمة الخاصة به سبحانه دون سواه من خلقه.

واسم {الرَّحِيمِ} : يدل على صفة فعلية للرب جل في علاه، وهي صفة فعلية مبناها على خصوص رحمته التي يرحم بها من يشاء من خلقه، وهي أخص بعباده المؤمنين تعالى:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)} [الأحزاب].

وهما اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمن اسم ووصف لا يُسمَّى ولا يوصف بهما غير الله تعالى أبدًا، واسم الرحمن فيه مبالغة أشد من اسم الرحيم؛ لأن الرحمن متعلق برحمته سبحانه العامة التي تشمل عموم خلقه مؤمنهم وكافرهم برّهم وفاجرهم، كما قال:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه] فذكر صفة استوائه على العرش مقرونة باسمه الرحمن ليعم بتلك الرحمة العامة عموم خلقه من مؤمن وكافر وبرّ وفاجر، فكما أنهم عمهم عرشه، فتعمهم كذلك رحمته.

أما الرحيم، فهذه رحمة خاصة بالمؤمنين قال ربنا:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)} [الأحزاب] وقد نص على ذلك جمع من أهل التفسير، وهو كذلك مأثور عن بعض السلف، وذكر الاسمين الكريمين {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} بعد قوله:{رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} ، فيه تنبيه أن تلك الربوبية مبناها على الرحمة.

ومما سبق يتبين أن اسما: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اسمان ثابتان لله على الحقيقة لا المجاز، وقد دل عليهما النقل والعقل والحس، فلا يُلتفت لمن أنكر تلك الصفة العظيمة وأولها إلى الإفضال والإحسان والإنعام وإرادة الله تعالى ذلك بخلقه، فالحمد لله على نعمة الهداية للحق، ونعوذ بالله من الغواية بعد الهداية.

وقوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} .

والمراد بيوم الدين هنا يوم الحساب والجزاء على الأعمال، ففيه معنى الإقرار

ص: 141

بإثبات المعَاد، وإثبات الجزاء والثواب والعقاب على الأعمال.

وإنما سُمِّي بيوم الدين: لأن الخلائق يحاسبون ويدانون بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌ، قال ربنا:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة].

والمالك مَن له كمال الملك وتمامه، فهو سبحانه مَلِكٌ مالكٌ، أي: مَلِكٌ له مُلْكٌ، و (مالك) و (ملك)، قراءتان متواترتان

(1)

.

ومن كان كذلك فإن له الأمر والنهى والثواب والعقاب، وهو سبحانه المتفرِّد بالحُكْم والفصْل والقضاء بين العباد في هذا اليوم العظيم، وفي يوم الدين يظهر ذلك عيانًا للخلائق أجمعين، فكل مُلك للمخلوقين قد زال، واستوى المالك والمملوك، أما مالك الملك الأعظم، فلا يبقى سواه.

قال تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)} [غافر]، ومَن ملك يوم الدين ذلك الملك الأكبر الباقي الدائم، فلا شك أنه يملك ما دونه، فهو سبحانه مالك الدنيا والآخرة، والإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة كما هو معلوم من دين الله بالضرورة.

«وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين وذلك عام في الدنيا وفي الآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يَدَّعِي أحد هناك شيئًا ولا يتكلم أحد إلَّا بإذنه، قال تعالى:{لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)} [النبأ].

وقال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [هود: 105]

(2)

.

(1)

(مالك): قرأها عاصم والكسائي من السبعة، وكذا يعقوب وخلف العاشر من العشرة.

(ملك): هي قراءة: نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة من السبعة، وأبو جعفر من العشرة.

(2)

تفسير ابن كثير (1/ 134).

ص: 142

وقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، وتقديم المعمول في {إِيَّاكَ} على فعلي (نعبد ونستعين)، يفيد الحصر والاختصاص، كما هو معلوم في اللغة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، وتكررت كلمة إياك لتفيد الاهتمام والتعظيم للرب جل في علاه. ومثله قول الله تعالى: كقوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)} الآية [البقرة]، وقوله سبحاته:{وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)} الآية [البقرة].

وإياك نعبد تنفي الشرك بأنواعه، وإياك نستعين تنفي الاغترار بالحول والقوة، وتثبت الافتقار الكامل التام لله والمذلة.

والآية متضمنة لتوحيد العبادة بأنواعها كلها، وأمثلة ذلك في كتاب الله كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، وقوله سبحانه:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة].

«والعبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة»

(1)

.

والعبادة لها عمودان وركيزتان لا تقوم إلا بهما وهما: كمال الذل وكمال المحبة.

و «العبادة المأمور بها تتضمّن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له

ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله»

(2)

.

و «لفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون: قلب متيَّم إذا

(1)

العبودية (ص 33 - 35).

(2)

المرجع السابق (ص 33 - 35).

ص: 143

كان متعبدًا للمحبوب والمتيم المتعبد، وتيَّم الله عبده»

(1)

.

قال ابن القيم رحمه الله:

وعبادة الرحمن غاية حبّه

مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائر

ما دار حتى قامت القطبان

ومداره بالأمر أمر رسوله

لا بالهوى والنفس والشيطان

(2)

«والناس في هذا على درجات متفاوتةٍ، لا يحصي طرقها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم أتمهم عبودية لله من هذا الوجه»

(3)

.

ولقوله سبحانه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} شبيهان في السنة المطهرة من كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.

الأول: في قوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الحاجة: «إنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره»

(4)

.

والثاني: في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنه المشهور: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»

(5)

.

ولا سعادة للبشرية ولا طمأنينة ولا راحة ولا نجاة لها من الآفات والمهلكات إلا بتحقيق العبودية الكاملة التامة لرب البرية.

وإنما قدم العبادة وأخر الاستعانة مع دخولها في العبادة ضمنًا، لتأكيد أمر الاستعانة، ولبيان مكانتها وقدرها ولضرورة حاجة العبادة إليها، وأنه لا توفيق ولا

(1)

العبودية (ص 152).

(2)

الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (ص 32).

(3)

العبودية (ص 133 - 134).

(4)

سبق تخريجها في المقدمة.

(5)

أخرجه الترمذي (2516)، وأحمد (2802)، وأبو يعلى (2556)، و الطبراني (12820)(12989)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (419)، والبيهقي في شعب الإيمان (1074).

ص: 144

هداية للعبد إلا بعون الله وتوفيقه تسديده.

«وقدَّم العبادة على الاستعانة، من باب تقديم العام على الخاص، واهتمامًا بتقديم حقه تعالى على حق عبده»

(1)

.

يقول ابن القيم رحمه الله: «ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد، وهما الرياء، والكبر، فدواء الرياء بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ودواء الكبر بـ {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه

(2)

.

يقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تدفع الرياء، و {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تدفع الكبرياء.

فإذا عوفي من مرض الرياء بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ومن مرض الكبرياء والعجب بـ {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} ومن مرض الضلال والجهل بـ {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه والضالين وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه.

(1)

تفسير ابن سعدي (1/ 31).

(2)

فائدة: حول معنى: «قدس الله روحه» ، أي: طهرها، وهو بمعنى طلب المغفرة، هذا الدعاء مُستقى من اسم الله (القدوس) ومعناه أي: المبارك الطاهر الذي تعالى عن كل دنس، وقيل: تقدسه الملائكة الكرام وهو سبحانه الممدوح بالفضائل والمحاسن.

وفي ذلك يقول ابن القيم في نونيته:

هذا ومن أوصافه القدوس ذو الـ ـتنزيه بالتعظيم للرحمن

وهو ها هنا بمعنى الدعاء، والمعنى المقصود هنا: هو الدعاء بالتطهير من الذنوب والخطايا. وينظر: اللسان، والنهاية، مادة (قدس) .. ففيها ذِكرُ هذا المعنى .. وعلى هذا فمعنى عبارة: قدس الله روحه: هو الدعاء كما تبين المعنى آنفًا. فلا يُمنع الدعاء بذلك.

وختامًا: فإنه لا شك أبدًا في أن الدعاء الذي ليس في محظور شرعي لا يمنع بتاتًا، وإن كان الدعاء للميت بعموم الثابت من الأدعية أفضل وأكمل وأسلم.

ص: 145

وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يُسْتشْفَى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى، فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله وكلامه، وفهمت عنه فهما خاصًّا، اختصها به من معنى هذه السورة

(1)

.

وقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} .

‌الصراط في المفهوم اللغوي:

هو الطريق السهل

(2)

. والسبيل الواضح

(3)

.

والصراط هنا: هو الإسلام، والهداية إليه هي التمسك والاعتصام به، فما أوضحه وما أسهله.

والهداية إلى الصراط: هي معرفة دين الإسلام. وتعلمه والعمل به، وجحد كل دين سواه.

ومما يؤكد أن الصراط هو الإسلام ما ثبت في مسند أحمد من حديث النَّواس بن سمعان مرفوعًا في وَصف الصراط بأنه هو الإسلام، قوله صلى الله عليه وسلم مفسرًا له:«والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّوران: حُدُودُ الله، والأبوابُ المُفتَّحةُ: محارمُ الله، وذلك الدَّاعي على رأس الصِّراط: كتابُ الله، والدَّاعي من فوق الصِّراط: واعظُ الله في قلب كُلِّ مُسلمٍ»

(4)

.

ولقد «أجمعَت الأمَّةُ من أهل التأويل جميعًا على أنَّ الصراطَ المستقيمَ هو: الطريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك ذلك في لغة جميع العرب»

(5)

.

(1)

مدارج السالكين (1/ 78)، بتصرف يسير.

(2)

والطريق عمومًا لا يقتضي السهولة؛ ينظر: الفروق اللغوية للعسكري (1/ 298).

وقال في القاموس المحيط (ص 675): «الصِّراطُ -بالكسر-: الطريقُ، وجِسْرٌ مَمْدُودٌ على متْنِ جَهَنَّمَ» .

(3)

لسان العرب (/ 313).

(4)

أخرجه الحاكم (245)، والنسائي في الكبرى (11169)، والترمذي (2859) وأحمد (17909) وهو في صحيح الجامع (3887).

(5)

تفسير الطبري (1/ 170).

ص: 146

إذًا فـ «[الصراط]

(1)

المستقيم الذي ليس فيه عوج، قال الله -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 52 - 53]؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله ليهديَ إلى صراط مستقيم، وهكذا الرسل جميعًا، كلهم بعثوا ليهدوا إلى الصراط المستقيم يعني: يدعون الناس إلى الصراط المستقيم وهو توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذا صراط الله المستقيم»

(2)

.

«والذي هو أَولى بتأويل هذه الآية عندي - أعني: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} -: أنْ يكونَ معنيًّا به: وَفِّقنا للثَّبات على ما ارتضيتَه [كما]

(3)

وَفَّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراط المستقيم؛ لأن من وُفِّقَ لِما وُفِّقَ له مَن أَنعم اللهُ عليه من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء، فقد وُفِّقَ للإسلام وتصديقِ الرسلِ والتمسُّكِ بالكتاب والعملِ بما أمر الله به، والانزجارِ عمَّا زَجره عنه، واتِّباعِ منهج النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومنهاجِ أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ، وكلُّ ذلك من الصراط المستقيم، وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن في المعنيِّ بالصراط المستقيم، يشمل معانيَ جميعِهم في ذلك ما اخترنا مِنَ التأويل فيه

(4)

.

«وذكر الصراط المستقيم مُفردًا مُعرَّفًا تعريفين:

تعريفًا باللام، وتعريفًا بالإضافة، وذلك يُفيد تعيُّنَه واختصاصه، وأنه صراطٌ واحدٌ، وأمَّا طُرُقُ أهلِ الغضب والضلال، فإنه سبحانه يجمعها ويُفردها، كقوله:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، فوَحَّدَ لفظَ الصراط وسبيله، وجمع السُّبُلَ المخالفة له

(5)

.

(1)

أضاف الباحث كلمة (الصراط) لاستقامة المعنى.

(2)

مجموع فتاوى العلَّامة عبد العزيز بن باز رحمه الله (24/ 168).

(3)

زاد الباحث كلمة (كما) ليستقيم الكلام.

(4)

(ينظر: تفسير الطبري (1/ 171).

(5)

مدارج السالكين (1/ 37).

ص: 147

‌وإنما الهداية: هدايتان مستقلتان، ولا تتم سعادة البشرية إلا بتحقيق الهدايتين جميعًا:

أما الهداية الأولى: فهي هداية دلالة وإرشاد إلى الصراط المستقيم، ولا تكون هذه الهداية إلا بمعرفة الحق وطريق الرشاد، ولا يتم ذلك إلا بالعلم، ولا يتم العلم إلا بالوحي المتضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب.

أما الهداية الثانية: فهي هداية التوفيق والرشاد واتباع الحق والتمسك والاعتصام به، وتلك الهداية لا يملكها إلا الله، لا يملكها ملك مقرب ولا نبي مرسل.

فبالهداية الأولى: وهي هداية الدلالة والإرشاد يُعرف الحقُ من الباطل، والتوحيدُ من الشرك، والسنةُ من البدعة، والخيرُ من الشر، والهدى من الضلالة والعمى والغواية.

وبالهداية الثانية: وهي هداية التوفيق والإلهام والرشاد يُتبع الدينُ الحق الذي أُرسلت به الرسلُ وأُنزلت به الكتبُ ويُتمسك به، ويُنبذ ويُجحد ويُترك كلُ دين سواه.

ومما ينبغي أن يُعلم أن الهدايتين متلازمتين لا تنفك واحدة عن الأخرى، ولضرورة حاجةِ العبدِ للهدايتين أُمِرَ العبدُ أن يقف بين يدي ربه في صلاته ضارعًا خاشعًا متذللًا مستكينًا سائلًا لأعظم مطلوب وأجل مرغوب، ألا وهو هداية علام الغيوب فيدعوه قائلًا:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} ، وهو في ذلك يسأل ربه سؤال اضطرار إلى هدايته التي لا غنى له عنها طرفة عين أو أقل من ذلك أبدًا، ويسأل ربه سؤال مذلة، ويسأله سؤال حاجة وفاقة، ويسأله الهدايتين جميعًا، ويسأله سلوك الصراط والسير والثبات عليه حتى الممات.

ولا شك أن مطلب الهداية أعز مطلب فهو مبنى على رحمة الله وتوفيقه وفضله وإحسانه.

ومن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته فإنه يصف لهم حال السائرين على الصراط، تحذيرًا لهم، فيقول صلى الله عليه وسلم: «وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فتقومانِ جَنَبتَي الصِّراطِ يمينًا وشمالًا، فيمرُّ

ص: 148

أوَّلُكُم كالبرقِ»، قال: قُلتُ: بأبي أنتَ وأمِّي، أيُّ شيءٍ كمرِّ البرقِ؟ قالَ:«ألم تَروا إلى البرقِ كيفَ يمرُّ ويرجعُ في طَرفةِ عينٍ؟ ثمَّ كمرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمرِّ الطَّيرِ، وشدِّ الرِّجالِ، تَجري بِهِم أعمالُهُم، ونبيُّكم قائمٌ على الصِّراطِ، يقولُ: ربِّ سلِّم سلِّم، حتَّى تَعجِزَ أعمالُ العبادِ، حتَّى يجيءَ الرَّجلُ فلا يَستَطيعُ السَّيرَ إلا زَحفًا» ، قالَ:«وفي حافتيِ الصِّراطِ كَلاليبُ مُعلَّقةٌ مَأمورةٌ بأخذِ من أُمِرَتْ بِهِ؛ فمَخدوشٌ ناجٍ، ومَكْدوسٌ في النَّارِ»

(1)

.

فـ «تفكَّر الآن فيما يحل بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقَّتَه، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرَع سمعَك شهيق النار وتغيُّظُها، وقد كُلِّفت أن تمشي على الصراط، مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض، فضلًا عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدَّته، واضطررت إلى أن ترفع قدمك الثانية، والخلائق بين يديك يزِلُّون ويتعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكَلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون إلى جهة النار رؤوسهم وتعلو أرجلهم، فيا له من منظر ما أفظعَه، ومرتقًى ما أصعبَه، ومجال ما أضيقَه فاللهم سلِّم سلم

(2)

.

وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} «يتضمَّن بيان أن العبد لا سبيلَ له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له، كما أنه لا سبيل له إلى عبادته إلا بمعونته، ولا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته»

(3)

.

و «على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار،

(1)

أخرجه البخاري (3340)، ومسلم (194).

(2)

التذكرة للقرطبي (755).

(3)

ينظر: الفوائد؛ لابن قيم الجوزية (ص: 19) بتصرف يسير.

ص: 149

يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطيف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلَّم، ومنهم المكردس

(1)

.

فعلى العبد الناصح لنفسه، المكرم لها، الحريص على فكاك رقبته من النار، أنْ يجد في طلب الهدايتين جميعًا، هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وعليه أن يبذل عمره كله في هذا المطلب العظيم، وأن يبذل دونه الهمم العوالي والمهج الغوالي، ذلك لأنه أعز مطلوب، وأجَل مرغوب، وأن يلح على الله في سؤال الهداية، وقد أمر الله عباده بذلك.

كما ثبت ذلك في أشرف حديث لأهل الشام عند مسلم من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي ذرٍّ مرفوعًا، وهو حديثُ قدسيُّ:«يا عِبَادِي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هَديتُه، فاسْتَهدُوني أَهدِكُم»

(2)

.

- والسورة قد «جمعت بين التوسل إلى الله تعالى بالحمد والثناء على الله تعالى وتمجيده، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده، ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيق بالإجابة»

(3)

.

وقوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} .

فقَوْلُهُ: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .

«أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عليهم السلام، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ

(1)

مدارج السالكين (1/ 16).

(2)

رواه مسلم (2577) من حديث أبي ذر الغفاري.

(3)

مدارج السالكين (1/ 24).

ص: 150

النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} [النِّسَاءِ: 69]»

(1)

.

فالمنعم عليهم إذًا: هم الذين قال الله تعالى عنهم في سورة النساء: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)} [النساء].

«وفيه الإشارةُ إلى الاقتداء بالسلف الصالح»

(2)

(3)

.

وقوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} . «أي: غير الذين غَضِبت عليهم، وهم اليهود. {وَلَا الضَّالِّينَ (7)}؛ أي: ولا الذين ضلُّوا، وهم النصارى، فكأن المسلمين سألوا الله -تعالى- أن يهديَهم طريق الذين أنعم عليهم، ولم يغضب عليهم كما غضب على اليهود، ولم يضلوا عن الحق كما ضلَّت النصارى»

(4)

.

وقال الضحاك، وابن جريج، عن ابن عباس {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}: هم اليهود، ولا {الضَّالِّينَ (7)} هم النصارى، وكذلك قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.

وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، قوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة:{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)} [البقرة]، وقال في المائدة: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ

(1)

تفسير البغوي (1/ 54).

(2)

فتح البيان في مقاصد القرآن:) 1/ 52) أبو الطيب محمد صديق خان.

(3)

وهو الشيخ محمد صديق بن حسن بن علي بن لطف الله القِنَّوجِي البخاري الحسيني ولد عام 1248 هـ ببلدة (بانس بريلي). نقلًا عن الموسوعة الحرة.

(4)

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي (2/ 1).

ص: 151

مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)} [المائدة]، وقال تعالى:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} [المائدة]

(1)

.

وفي المسند وسنن الترمذي من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون»

(2)

.

‌والحاصل من جراء ذلك كله أن السبل المذكورة ثلاثة سبل:

الأول: سبيل المنعم عليهم.

الثاني: سبيل المغضوب عليهم.

الثالث: سبيل الضالين.

ويتبين من ذلك أيضًا:

أن أهل السبيل الأول هم الذين قال الله فيه: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أي: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويدخل ضمنًا معهم المؤمنون المهتدون الذين أنعم الله تعالى عليهم بطاعته وعبادته.

وأن أهل السبيل الثاني هم: {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وهم اليهود، وكل من سلك سبيلهم ممن عرف الحق ولم يتبعه ولم يعمل به.

وأن أهل السبيل الثالث هم: {الضَّالِّينَ (7)} وهم النصارى، ومن سلك سبيلهم ممن عبد الله على جهالة وضلالة، لذا فكل من عرف الحق من علمائنا ولم يعمل به ففيه شبه من اليهود، وكل من عبد الله على ضلالة من عبادنا ففيه شبه من النصارى.

ولما كان اليهود أمة عناد خُصوا بما يناسبهم ألا وهو الغضب، ولما كانت النصارى أمة جهل خُصوا أيضًا بما يناسبهم ألا وهو الضلال.

(1)

تفسير ابن كثير (1/ 143).

(2)

أخرجه البخاري (1413)، ومسلم (1016).

ص: 152

ولذلكـ «فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من لم يعلم.

والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود: الغضب، قال الله فيهم:{مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة: 60] وأخص أوصاف النصارى: الضلال، قال سبحانه فيهم:{قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} [المائدة: 77]، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار. وذلك واضح بين»

(1)

.

وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: «كَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْيَهُودِ، وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ النَّصَارَى. وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُ: احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ.

فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَشْبَهَ الْيَهُودَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)} [البقرة: 44].

وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَلْ بِالْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ أَشْبَهَ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} [المائدة] فَالْأَوَّلُ مِنْ الْغَاوِينَ وَالثَّانِي مِنْ الضَّالِّينَ

(2)

.

‌الكلام حول قول آمين بعد انتهاء السورة:

و «يستحبّ لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها: آمين (مثل: يس)، ويقال: أمين.

(1)

تفسير ابن كثير (1/ 141 (.

(2)

مجموع الفتاوى (1/ 198).

ص: 153

بالقصر أيضًا (مثل: يمين)، ومعناه: اللّهمّ استجب»

(1)

.

و (آمين): اسم فعل أمر بمعنى: اللّهمّ استجب. فمن قالها بعد الدعاء فكأنه دعا بما أمَّن عليه، فإن كان هو الداعي فيكون قد دعا مرتين.

و «التَّأْمِينُ قَائِمٌ مَقَامَ التَّلْخِيصِ بَعْدَ الْبَسْطِ، فَالدَّاعِي فَصَّلَ الْمَقَاصِدَ بِقَوْلِهِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} إِلَى آخِرِهِ، وَالْمُؤَمِّنُ أَتَى بِكَلِمَةٍ تَشْمَلُ الْجَمِيعَ، فَإِنْ قَالَهَا الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُ دَعَا مَرَّتَيْنِ: مُفَصِّلًا ثُمَّ مُجْمِلًا»

(2)

.

و «اتفق العلماء على أنه يسن للمنفرد والمأموم أن يقول: آمين، فالمنفرد يؤمِّن بعد قراءته للفاتحة، والمأموم يؤمن بعد قراءة الإمام»

(3)

.

والإمام كذلك يجهر بالتأمين لما دلت عليه السنة الثابتة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «آمِينَ»

(4)

(5)

.

ومن البدع الظاهرة التي سرت في كثير من بلدان المسلمين، وانتشرت يبن العامة انتشار النار في الهشيم: قراءة الفاتحة في مواطن شتى، مثل أن تُقرأ عند عقد صفقات تجارية من بيع أو شراء، أو عند عقود الأنكحة، أو عند التعزية في وفاة ميت، وفي غير ذلك من المواطن، معتقدين حدوث البركة في تلك المواطن بسبب تلك القراءة، ولا شك أن القرآن كتاب مبارك حيثما تُلي وحيثما قُرِئ، ولا يُشكُّ في ذلك أبدًا، لكن هذه المواطن وأمثالها لم يرد فيها قراءة للفاتحة أبدًا، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه

(1)

تفسير ابن كثير (1/ 144 - 147).

(2)

فتح الباري (2/ 307).

(3)

ينظر: الموسوعة الفقهية) 1/ 11 - 12).

(4)

البخاري (738)، ومسلم) 618).

(5)

وقد بُسط البحثُ في التأمين بعد الفاتحة في ثنايا المبحث الأول من الفصل الثاني، ولذا ذُكِرَ هنا مقتضبًا.

ص: 154

الأربعة، ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، ولا عن أحد من الأئمة الأربعة، ولا عن أيّ أحد من القرون الثلاثة المفضلة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.

و «أهل السنة والجماعة يقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها»

(1)

انتهى.

ولو كان هذا الأمر مشروعًا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وهو مأمور بالبلاغ عن الله عز وجل تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} [المائدة: 67].

وهنا «يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وقام به أتم القيام»

(2)

.

يقول فضيلة شيخنا العلَّامة صالح الفوزان

(3)

: «والعبادات التي تمارس الآن ولا دليل عليها كثيرة جدًّا، منها: طلب قراءة الفاتحة في المناسبات وبعد الدعاء وللأموات

»

(4)

انتهى.

(1)

تفسير ابن كثير (7/ 278، 279)

(2)

تفسير ابن كثير (3/ 151)

(3)

هو فضيلة الشيخ الدكتور العلَّامة: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان. ولد (1354 هـ (، وعضو هيئة كبار العلماء، وعضو المجمع الفقهي بمكة المكرمة التابع للرابطة، وعضو لجنة الإشراف على الدعاة في الحج، إلى جانب عمله عضوًا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وإمام وخطيب ومدرس في جامع الأمير متعب بن عبد العزيز آل سعود في الملز. ينظر: الموسوعة الحرة.

(4)

البدعة أنواعها وأحكامها (15/ 14) من مجموعة مؤلفات الفوزان.

ص: 155

و «قراءة الفاتحة عند التعزية بدعة، فما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعزي بقراءة الفاتحة أبدًا، ولا غيرها من القرآن»

(1)

.

فينبغي للمسلم أن يحرص على اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه واجتناب البدع عملًا بعموم قول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

(1)

مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (13/ 1283).

ص: 156

‌المبحث السادس

بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها

ص: 157

المبحث السادس:

بيان بعض ما ورد في زمن وسبب نزولها

‌أولًا: أقوال العلماء في زمن نزولها

(1)

:

أكثر العلماء على أنها سورة مكية

(2)

.

وقيل: إنها سورة مدنية

(3)

.

وقيل: إن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر بالمدينة

(4)

.

وقيل: إنها نزلت مرتين: مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حُوِّلت القبلة فصارت مكية مدنية

(5)

(6)

.

‌والحاصل من هذا أن في زمن نزولها أربعة أقوال:

الأول: أنها مكية.

(1)

ينظر: أسباب النزول للواحدي (1/ 12)

(2)

معالم التنزيل للبغوي (1/ 49)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 101)، التحرير والتنوير لابن عاشور (1/ 135 - 136).

(3)

تفرد بهذا القول مجاهد بن جبر، ونُسب للزهري ولا يصح (ذكره الحافظ في الفتح (8/ 159)، وعلى ذلك أكثر أهل التفسير. ينظر: مصنف ابن أبي شيبة (10/ 522 (، البيان لأبي عمرو الداني: 132 - 133)، الدر المنثور للسيوطي (1/ 7).

(4)

وهو غريب جدًّا، نقله القرطبيّ عن أبي الليث السّمرقنديّ، وقد نُقِدَ بذلك فيما أعلم، ينظر: تفسير القرآن العظيم (1/ 101).

(5)

ينظر: معالم التنزيل للبغوي (1/ 49)، الكشاف للزمخشري (1/ 99) والبرهان في علوم القرآن للزركشي (1/ 27).

(6)

قال الفيروز آبادي رحمه الله بعد ما ذكر القرآن المكي والمدني-: فهذه جملة ما نزل بالمدينة. ولم نذكر الفاتحة لأَنَّه مختلَف فيها: قيل: أُنزلت بمكة، وقيل: بالمدينة؛ وقيل: بكلٍّ مرة. بصائر ذوي التمييز (1/ 99).

ص: 159

الثاني: أنها مدنية.

الثالث: أنه نزل نصفها بمكة، ونزل نصفها الآخر بالمدنية.

الرابع: أنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة.

ولا شك في صحة القول الأول، بأنها مكية، وهذا ما عليه الأكثرون، ومما يدلل على ذلك: أنه «قد صح أنها مكية لقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87]، وهو مكي بالنص»

(1)

. وقد سبق بيان ذلك في ثنايا البحث.

و «سورة الحجر مكية بلا اختلاف، ولم يكن الله ليمتن على رسوله صلى الله عليه وسلم بإيتائه فاتحة الكتاب وهو بمكة ثم ينزلها بالمدينة، ولا يسعنا القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بمكة بضع عشرة سنة يصلي بلا فاتحة الكتاب هذا مما لا تقبله العقول»

(2)

.

وقد وافق قولُ الواحدي قولَ البيضاوي في الاستدلال على مكية السورة بآية الحجر، وزاد عليه استدلالًا واستنباطًا مقنعًا؛ ألا وهو استحالة أن تفرض الصلاة بمكة وتقام دون أن يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وقد حقق بعض العلماء هذا القول بذلك الطاهر بن عاشور كما سياتي معنا بعد قليل عند الكلام على ترتيب نزولها.

و «تنبيهٌ يُستنبطُ من تفسير السّبع المثاني بالفاتحة، أنّ الفاتحة مكّيّةٌ، وهو قول الجمهور خلافًا لمجاهدٍ، ووجه الدّلالة أنّه سبحانه امتنّ على رسوله بها وسورة الحجر مكّيّةٌ اتّفاقًا، فيدلّ على تقديم نزول الفاتحة عليها، قال الحسين بن الفضل: هذه هفوةٌ من مجاهدٍ؛ لأنّ العلماء على خلاف قوله، وأغرب بعض المتأخّرين فنسب القول بذلك لأبي هريرة والزّهريّ وعطاء بن يسارٍ»

(3)

.

ومما نُظم وقيل في ذلك: قولُ أبي الحسن بن الحصار في كتابه الناسخ والمنسوخ:

«المدني باتفاق عشرون سورة والمختلف فيها اثنتا عشر سورة وما عدا ذلك مكي باتفاق» .

(1)

أنوار التنزيل للبيضاوي (/ 251).

(2)

أسباب النزول للواحدي (17 - 17).

(3)

فتح الباري للحافظ ابن حجر (8/ 159).

ص: 160

ثم نَظَمَ قائلًا:

يا سائلي عن كتاب الله مجتهدًا

وعن ترتب ما يُتلى من السور

وكيف جاء بها المختار من مضر

صلى الإله على المختار من مضر

وما تقدم منها قبل هجرته

وما تأخر في بدوٍ وفي حضر

ليعلم النسخ والتخصيص مجتهد

يؤيد الحكم بالتاريخ والنظر

تعارض النقل في أمِّ الكتاب وقد

تُؤُوِلت الحجر تنبيها لمعتبر

أم القرآن وفي أم القرى نزلت

ما كان للخمس قبل الحمد من أثر

(1)

والشاهد منها من قول الناظم: «تعارض النقل»

أي: تعارضت الأقوال: يعني: أقوال أهل العلم في الفاتحة، أي: في كونها مكية أو مدنية، ومما يدل على مكيتها ما جاء في سورة الحجر من قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)} [الحجر].

ومن المعلوم أن سورة الحجر مكية باتفاق، وقد امتنّ الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها بقوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ} الآية، فدل على تقدم نزول الفاتحة على سورة الحجر، إذ كيف يحصل الامتنان عليه من الله بما لم ينزل بعد، وبقريب من هذا المعنى أشار غير واحد من أهل التفسير

(2)

.

وأخيرًا فإن «الحجر مكية بإجماع. ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة. وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} يدل على هذا قوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»

(3)

وهذا خبر عن الحكم، لا عن الابتداء، والله أعلم»

(4)

.

(1)

وللاستزادة ينظر: الإتقان للسيوطي (1/ 44).

(2)

الإتقان (1/ 62).

(3)

أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394).

(4)

تفسير القرطبي (1/ 154).

ص: 161

‌ثانيًا: ترتيب نزولها:

قال ابن عباس رضي الله عنه: «نزلت بمكة بعد {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

(1)} [المدثر]»

(1)

، «ونزلت بعدها {تَبَّتْ يَدَا} [المسد: 1]»

(2)

.

وقال ابن كثير: إنّها أوّل سورةٍ نزلت، والصّحيح أنّه نزل قبلها {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] وسورة المدّثّر ثمّ الفاتحة

(3)

.

وقيل: نزل قبلها أيضًا {ن وَالْقَلَمِ} [القلم: 1]، وسورة المزّمّل، وقال بعضهم: هي أوّل سورةٍ نزلت كاملةً أي: غير منجّمةٍ، بخلاف سورة القلم، وقد حقّق بعض العلماء أنّها نزلت عند فرض الصّلاة فقرأ المسلمون بها في الصّلاة عند فرضها، وقد عدّت في روايةٍ عن جابر بن زيدٍ السّورة الخامسة في ترتيب نزول السّور

(4)

.

ويتأكد مما سلف نزولها بمكة جملة واحدة غير منجمة، وأنها نزلت في جملة أوائل ما نزل من القرآن بعد المدثر وهو اختيار الحبر ابن عباس رضي الله عنه.

ومما نُظم وقيل في ذلك

(5)

:

قول جعيجع:

نظمتُ ترتيبَ تنزيلِ القُرَانِ كما

عند الحَبَنَّكةِ الميدانِ قدْ سُطرا

(6)

اقرأ بنونٍ ولا تزَّمل الدُّثُرا

والحمد لله تبَّ الشرْك وانكَدرا

فهو يرتب نزول سور القرآن كما رتبها الميداني، فبدأ بـ (اقرأ، ثم نون والقلم، ثم المزمل، ثم المدثر، ثم الحمد وهي الفاتحة، ثم تبت يدا)، وهذا ما عليه الأكثرون.

(1)

جمال القراء للسخاوي (1/ 11).

(2)

القول الوجيز للمخللاتي (161).

(3)

التفسير (14/ 176).

(4)

التحرير والتنوير لابن عاشور (1/ 135 - 136).

(5)

ينظر: منظومة نظم الدرر في ترتيب نزول السور، ليزيد عبد الرحمن جعيجع، موقع الألوكة، وهي منظومة طويلة بيَّن فيها ترتيب سور القرآن.

(6)

يعني بذلك: ترتيب عبد الرحمن حبنكة الميداني لنزول سور القرآن، وهو ترتيب قويّ، بلغنا أن الأزهر أقره واعتمده.

ص: 162

‌ثالثًا: ظروف نزولها:

«في بداية نزول الوحي حيث لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قد تلقَّى كثيرًا من القرآن جاءه جبريل عليه السلام بفاتحة الكتاب، في جوٍ بدأ فيه المشركون يتوجسون خيفة من هذا الجديد الذي لم يألفوه، جاءه بالسورة الكريمة لتكون النبراس الأوفى والمنهج الأكمل رغم إيجازها وقصرها، حيث طالت كافة مجالات القرآن العظيم، واشتملت على شتى مقاصده، فتناولت أصول الدين وفروعه، ولزوم الإِيمان بأسماء الله تعالى وصفاته، وبشرت بالتوحيد الذي لا يكون إلا بإفراده جل شأنه بالعبادة من دعاء واستعانة وتوكل، والتوجه إِليه جلَّ وعلا بطلب الهداية إِلى الدين القويم، وانتهاج المنهج الكريم الذي سار عليه ركب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، إضافة إلى لزوم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وقضائه وقدره والاعتقاد باليوم الآخر، وقد أنارت السورة الكريمة سبيل النجاة بالتضرع إِليه سبحانه بالتثبيت على الإِيمان ونهج صراط الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وبذلك احتوت قصص الأمم السابقة، وتضمنت الأخبار اللاحقة؛ فنوهت بمدارج السعداء، وحذرت من مدارك الأشقياء، وحصرت مصدر التعبد والتشريع في رب السماوات والأرض وحده سبحانه، فكانت إيذانًا من الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام بإقامة منهج التوحيد حياة وسلوكًا ودعوة»

(1)

.

‌رابعًا: سبب نزولها:

لا شك أنَّ معرفة أسباب النزول مما يعين على فهم مراد الله من الآية أو السورة، وبعض السور أو الآيات لا يمكن التوصل لحقيقة معناها وما سيقت من أجله إلا بعد معرفة سبب نزولها والواقعة التي سيقت وأنزلت من أجلها أو بسببها، وكذلك فإن معرفة سبب النزول مما يعين على معرفة وفهم وبيان حكم التشريع الإلهي أيضًا.

وليس كل آية أو سورة في كتاب الله لها سبب نزول، بل إن منها ما يكون له سبب،

(1)

هدايات سورة الفاتحة- د. أحمد ولد محمد ذو النورين -مجلة البيان- (12/ 9/ 2010 م)، بتصرفٍ يسيرٍ جدًّا.

ص: 163

ومنها ما يكون ليس له سبب؛ لأن نزول القرآن إما ابتدائي ليس له سبب، وإما سببيّ.

وغالب سور القرآن وعمومها ابتدائي ليس له سبب معروف ومذكور، فمنها ما ينزل هداية ابتداءً دون سبب؛ لأنه كتاب هداية للبشرية جمعاء، ومنها ما ينزل للتشريع وبيان الأحكام أو للاعتبار والاتعاظ ككثير من القصص، أو لبيان الناسخ والمنسوخ، أو لذكر الوعد والوعيد، أو قد يرد السؤال فتنزل الآيات بالجواب الشافي الكافي، أو لحادثة قد تقع فتحتاج إلى تفصيل وبيان وإيضاح، أوقد يقع فعل يحتاج إلى بيان معرفة حكمه الشرعي.

وسورة الفاتحة لم يقف الباحث على سبب نزول لها، إلا ما أورده بعض أئمة التفسير بسند منقطع فـ «من طريق أبي ميسرة (أحد كبار التابعين) أن: رسول الله كان إذا برز سمع مناديًا ينادي: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هاربًا فقال له: ورقة بن نوفل إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، فلما برز سمع النداء فقال:«لبيك، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله» ، ثم قل:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)}

حتى فرغ من فاتحة الكتاب.

قلت: وهو مرسل ورجاله ثقات؛ فإن ثبت حُمِل على أن ذلك كان بعد قصة غار حراء، ولعله كان بعد فترة الوحي والعلم عند الله تعالى»

(1)

(2)

.

ولم يقف الباحث على سبب صحيح ثابت يحسن الاستدلال به في سبب نزول السورة الكريمة.

وقد يقف الباحث على الحكمة من عدم وجود سبب لنزول سورة من السور، وقد لا يقف.

ومنها سورة الفاتحة، فلم يقف الباحث خلال بحثه القاصر على الحكمة من عدم وجود سبب ظاهر لنزولها.

ولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.

(1)

العجاب في بيان الأسباب للحافظ ابن حجر (1/ 223). والحديث مرسل ورجاله ثقات.

(2)

وينظر أيضًا: الكشف والبيان للثعلبي، أسباب النزول للواحدي (17).

ص: 164

‌المبحث السابع

بيان بعض ما ورد في

فضائلها وخصائصها

ص: 165

المبحث السابع:

بيان بعض ما ورد في فضائلها وخصائصها

لقد صنف أئمة الإسلام في فضائل القرآن مؤلفات ومصنفات كُثُر، وكان السبق في التصنيف في هذا الميدان للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي رحمه الله، حيث صنف كتابًا أسماه:(فضائل القرآن ومعالمه وآدابه)، وجُلّ المصنفاتِ في هذا الباب من بعده تستقي من معين كتابه وتنهل من بحر علمه الزاخر، فهو بمثابة الكتاب الأم في بابه، ولقد اعتنى فيه مصنفه برواية الأحاديث والآثار بسنده، ولكن الكتاب جمع الصحيح وغير الصحيح، ولأهمية الكتاب من الناحية العلمية والتصنيف فقد لاقى قبولًا واسعًا فمؤلفه إمام وعلم من أعلام الأمة، وكذلك لقي الكتاب العناية بالتحقيق والتدقيق من بعض الباحثين المعاصرين

(1)

.

وممن صنف في هذا الباب أيضًا محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم الغافقي الأندلسي رحمه الله (ت-619 هـ)، فقد صنف كتابه (لمحات الأنوار ونفحات الأزهار وري الظمآن لمعرفة ما ورد من الآثار في ثواب قارئ القرآن)، ومصنفه هذا من أفضل وأنفع وأجمع ما صنف في بابه، ولقد اعتنى به مصنفه فجمعه من سبعين كتابًا كما بين ذلك في مقدمته، ولمكانة الكتاب وأهميته فقد لاقى عناية من بعض الباحثين فقام بتحقيقه

(2)

.

(1)

كتحقيق مروان العطية وزملائه ونشرته دار ابن كثير بدمشق، وتحقيق أحمد بن عبدالواحد الخياطي في رسالته للماجستير ونشرته وزارة الأوقاف المغربية في جزأين. وهذا الكتاب لا يستغنى عنه بغيره لإمامة مؤلفه.

(2)

حققه الدكتور رفعت فوزي عبدالمطلب بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ونشرته دار البشائر الإسلامية في ثلاثة مجلدات.

ص: 167

وهذا الباب لاقى عناية فائقة فكتب فيه الأولون والآخرون مصنفات عدة، منها ما هو محفوظ ومنها ما هو مفقود، ومما حفظ فيما كُتِبَ في ذلك ما كتبه ابن أبي شيبة صاحب المصنف، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، وأبو الفضل

عبد الرحمن بن أحمد الرازي المقرئ، والإمام الآجري صاحب كتاب الشريعة، وابن الضريس، والنووي، ومن المتأخرين خلق كثير منهم محمد بن رزق بن طرهوني، كذلك الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ومما حُفِظَ أيضًا ويُفاد منه في هذا الباب الموسوعات الحاسوبية (الإلكترونية) كموسوعة علوم القرآن، فقد حوت قرابة ثمان وعشرين مصنفًا من مصنفات أمهات كتب علوم القرآن.

ولفاتحة الكتاب المكانة العظمى فيما كُتب وصنف في هذا الباب، فقد اعتنى الأئمة ببيان فضائل السورة الكريمة وذكر ما ورد فيها من أحاديث وآثار، ومن البديهي أن يرد فيها ما هو صحيح ثابت وما هو دون ذلك كما مرَّ معنا ذكر ذلك آنفًا، فكان من الباحث الاكتفاء بذكر ما ثبت وصح من الأحاديث والآثار الثابتة والواردة في فضل سورة الفاتحة، وهي كثيرة مما يدل على عظيم قدر السورة وجليل شأنها وعلو منزلتها، ونسوق بعض ما ورد وثبت في فضلها وخصائصها على النحو التالي:

‌أولًا: الفاتحة هي أعظم سور القرآن

.

لا شك أن القرآن كله هو كلام الله سبحانه وتعالى، والله تعالى له الحكمة البالغة في اصطفاء وتفضيل بعض آياته وسوره على بعض لما حوته من الفضائل والحكم، وسورة الفاتحة حازت السبق الأكبر في هذا التفضيل بين سور القرآن حتى أضحت أعظم سورة في كتاب الله.

فقد ثبت عند البخاري وغيره من حديث أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:

ص: 168

24]؟»، ثُمَّ قَالَ لِي:«لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ» ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»

(1)

.

«فهذا الحديث نص في أن الفاتحة هي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي المقصودة في قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)} [الحجر]

(2)

.

‌ثانيًا: الفاتحة أفضل القرآن

.

لما ثبت من حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم في مسيرٍ، فنزل، فمشى رجلُ من أصحابه إلى جانبه، فالتفت إليه، فقال: «ألا أخبركَ بأفضلِ القرآنِ؟» قال: فتلا عليه الحمد لله رب العالمين»

(3)

.

‌ثالثًا: الفاتحة لها خصائص ليست لغيرها

.

ومما يجلي ويوضح ما خُصت به الفاتحةُ وفُضِلَت به على سور القرآن الكريم ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنْ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلا أُعْطِيتَهُ»

(4)

.

ومن هذا الحديث يتجلى ويتضح عظم شأنها.

(1)

أخرجه البخاري (4474).

(2)

مدراج السالكين (1/ 52).

(3)

أخرجه ابن حبان (774)، والضياء المقدسي في المختارة (1718)، والحاكم (2063) وصححه، والنسائي في الكبرى (7957)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح الموارد (1431).

(4)

أخرجه مسلم (806).

ص: 169

‌ومن عظم شأنها أنها:

1 -

يُفتح لنزولها بابٌ من السماء لم يُفتح من قبل.

2 -

وينزل ملكٌ خصيصًا ولأول مرة ليبشر النبيَ صلى الله عليه وسلم بها، وما أعظمها من بشارة «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا» ، حتى يبشر بها أمته.

3 -

فَضَّلَ اللهُ بها نبيهَ محمدًا صلى الله عليه وسلم دون سائر المرسلين، وإنما أمته تابعة له، «لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ» .

4 -

كما فُتِحَ الحديثُ عنها بالبشرى خُتِمَ كذلك بالبشرى بقوله: «لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلا أُعْطِيتَهُ» .

وقد اختلف العلماء في معنى قوله: «إِلا أُعْطِيتَهُ» ـ فحمله بعضهم على أن المراد ما ورد فيها من الدعاء، وحمله آخرون على الثواب، ولا يمنع من اجتماع الفضلين جميعًا.

قال السندي في حاشيته على سنن النسائي: «أي: مما فيه من الدعاء إلا أعطيته، أي: أعطيت مقتضاه» . اهـ.

وقال المُلَّا علي القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: «أي: أعطيت ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة كقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} وكقوله: - {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} [البقرة: 285]- ونظائر ذلك، وفي غير المسألة فيما هو حمد وثناء أعطيت ثوابه» . اهـ.

وقال ابن عَلَّان الصديقيّ الأشعريّ المكيّ

(1)

في كتابه دليل الفالحين شرح رياض

(1)

ابن عَلَّان (996 - 1057 هـ) هو محمد علي بن محمد عَلَّان بن إبراهيم البكريّ الصديقيّ الشافعيّ، من أهل مكة، وهو مُفسِّر ومحدِّث، وله مصنفات ورسائل كثيرة، ولعل أشهر آثاره: ضياء السبيل في التفسير، و دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين في الحديث، وقد شرح فيه كتاب رياض الصالحين، وينظر: الأعلام للزركلي خير الدين.

وهو أشعري جلد، وهناك دراسة تحت مسمى «المسائل العقدية في كتاب دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لمؤلفه ابن عَلَّان الصديقيّ (ت 1057 هـ) -عرض ونقد- سامي عوض الذيابي-رسالة ماجستير- جامعة الملك سعود- (1438 هـ).

ص: 170

الصالحين: «والمراد ثوابه الأعظم من ثواب نظيره في غير هذين، أو المراد بالحرف معناه اللغوي وهو الطرف، وكنَّى به كل جملة مستقلة بنفسها: أي: أعطيت ما تضمنته إن كانت دعائية -كـ {اهْدِنَا} - و {غُفْرَانَكَ} -الآيتين، وثوابهما إن لم يتضمن ذلك كالمشتملة على الثناء والتمجيد»

(1)

. اهـ.

وقول مُلَّا علي القاري رحمه الله هو أجمع الأقوال، وقريب منه قول ابن عَلَّان، ومما يُرجح ذلك الحديث القدسي المشهور:«قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وختم الحديث بقوله: «قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»

(2)

.

والسورة «جمعت بين التوسل إلى الله تعالى بالحمد والثناء على الله تعالى وتمجيده، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده، ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيق بالإجابة»

(3)

.

‌رابعًا: ومن دلالات هذا الحديث على خصائص فاتحة الكتاب

.

أن الصلاة لا تصح بدونها، لقول أبي هريرة رضي الله عنه في صدر الحديث: مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ثَلاثًا غَيْرُ تَمَامٍ

(4)

، فَقِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ، فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، ثم ذكر الحديث بتمامه.

إذ من المعلوم أن قراءة الفاتحة ركن من الصلاة، لا تصح بدونها، لما ثبت أيضًا في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»

(5)

.2).

(1)

ينظر: موقع إسلام ويب، بتاريخ:(19 ذو الحجة 1431 هـ).

(2)

أخرجه مسلم (395).

(3)

مدارج السالكين (1/ 24).

(4)

أخرجه مسلم (395).

(5)

أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394).

ص: 171

ومن خصائصها كذلك أنها: «قد تضمنت جميع معاني الكتب المنزلة»

(1)

.

ومن خصائصها كذلك أنها: متضمنة لأنفع الدعاء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «تأملت أنفع الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}»

(2)

انتهى.

«ومَن ساعده التوفيق وأُعِينَ بنور البصيرة حتى وقف على أسرار هذه السورة وما اشتملت عليه من التوحيد، ومعرفة الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثبات الشرع والقدر والمعاد، وتجريد توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى مَن له الأمر كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصل سعادة الدارين، وعلم ارتباط معانيها بجلب مصالحهما ودفع مفاسدهما، وأن العاقبة المطلقة التامة والنعمة الكاملة منوطة بها موقوفة على التحقق بها؛ أغنته عن كثير من الأدوية والرقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابه»

(3)

انتهى.

وفضائل وخصائص السورة الكريمة أكثر من أن تُحصى، وما ذُكِر غيضٌ من فيضٍ، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

وما ثبت من فضائل عظيمة وخصائص جليلة لفاتحة الكتاب مما يدفع المؤمن ويرغبه ويحثه على العناية بالقرآن الكريم وتدبره ومدارسته عمومًا، وبسورة الفاتحة خصوصًا.

ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.

(1)

مدارج السالكين (1/ 74).

(2)

مدارج السالكين (1/ 78).

(3)

زاد المعاد (4/ 318).

ص: 172

‌الفصل الثالث

المناسبات

في السورة الكريمة

ويشتمل على أربعة مباحث:

المبحث الأول: مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسور الفاتحة.

المبحث الثاني: مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها.

المبحث الثالث: مناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض.

المبحث الرابع: علاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله.

ص: 173

‌المبحث الأول

مناسبة افتتاح القرآن الكريم

بسورة الفاتحة

ص: 175

المبحث الأول:

مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسورة الفاتحة

‌توطئة:

القرآن الكريم: «هو كلام الله تعالى المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف المنقول إلينا نقلًا متواترًا المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة منه»

(1)

.

والقرآن: «كلام الله منه بدا، بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله -تعالى- بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر»

(2)

.

وهو: المعجز بلفظه، فآياته فاقت الغاية دقة وإحكامًا، وتجلت عيانًا وضوحًا وبيانًا، سبحانه:{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)} [هود]، فهي:«محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى»

(3)

.

فآياته كلها محكمة في سردها، دقيقة في سبكها، متينة في أسلوبها، مترابطة في ارتباط واتصال معانيها، فهي ككلمة واحدة متسعة في معانيها، منتظمة في مبانيها، وهي متماسكة مترابطة آخذ بعضها برقاب بعض، كأنها سبيكة واحدة، وعقد فريد متماسك متناظم على أكمل وأتم الوجوه، يسير إعجازها سريان الماء المتدفق في نهر جار.

وهي مع ذلك كله: فهي «محكمة متقنة لا نقص فيها ولا نقض لها كالبناء المحكم»

(4)

.

(1)

تاريخ القرآن الكريم-رابطة العالم الإسلامي-سلسلة دعوة الحق-السنة الثانية- (1402 هـ).

(2)

الطحاوية (1/ 172).

(3)

ابن كثير (4/ 303).

(4)

فتح القدير (1/ 647).

ص: 177

والقرآن قد «جعلت آياته محكمة النظم والتأليف، واضحة المعاني بليغة الدلالة والتأثير، فهي كالحصن المنيع، والقصر المشيد الرفيع، في إحكام البناء، وما يقصد به من الحفظ والإيواء مع حسن الرواء، فهي لظهور دلالتها على معانيها ووضوحها لا تقبل شكًّا ولا تأويلًا، ولا تحتمل تغييرًا ولا تبديلًا»

(1)

.

أحكمت آياته: فـ «نظمت نظمًا رصينًا محكمًا، لا يقع في نقض ولا خلل، كالبناء المحكم المرصف»

(2)

، ربنا تبارك وتعالى:{قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28].

فـ «لا اختلال فيه بوجه من الوجوه»

(3)

.

فقد أحكمها أحكم الحاكمين، وفصَّلها العليم الخبير.

ولمَّا نزل القرآنُ أعجزَ أربابَ الفصاحةِ وملوكَ البلاغة والبيان من صناديد قريش، فأذعنوا لسلطانه وأبهرهم بيانه، وشهدوا لإعجازه وفصاحته وبلاغته، والحق ما شهدت به الأعداء، ومن عاند منهم وجحد لم يستطع أن يطعن فيه ولو بكلمة واحدة، ولكن رموا مَن بلَّغه عن الملك الوهاب صلى الله عليه وسلم بالبهتان والسباب وقالوا: {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ

(4)} [ص].

بل تخطى حاجز الإقرار بالإعجاز وحسن البيان من الإنس إلى الجان، فلما سمعوه قالوا:{إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1)} [الجن].

كانت هذه التوطئة كمقدمة لبيان عظمة القرآن في إعجازه وبلاغته، وعلم المناسبات لا شك مما يدل على إعجاز القرآن الكريم من كل الوجوه.

و «علم المناسبات علم عظيم أُودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه، وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول.

(1)

تفسير المنار لرشيد رضا (12/ 4).

(2)

الكشاف للزمخشري (3/ 181).

(3)

تفسير الألوسي (23/ 262).

ص: 178

وهو: علم شريف تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول»

(1)

.

«ومَن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضًا بسبب ترتيبه ونظم آياته»

(2)

.

ومما سبق إيضاحه وبيانه يتبين أن نظم آيات القرآن يعجز الخلق أجمعين عن الإتيان بمثله، فدل ذلك على أن ترتيب آيات القرآن أمر توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.

‌ومن الأهمية بمكان بيان مفهوم علم المناسبات في اللغة والاصطلاح

.

أولًا:‌

‌ المناسبة في اللغة: المقاربة والمشاكلة

(3)

.

- واصطلاحًا: هي علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن

(4)

.

وبمعرفة علم المناسبات يتضح ويتبين إعجاز القرآن واتساق آياته وتناسقها على وجه من الكمال والجمال والجلال، وهذا مما يظهر إعجازه وبلاغته على صفة تشهد أنه كلام الله المعجز بلفظه المتحدى به، فلو كان كلام بشر لاختلت معانيه ولاضطربت مبانيه، ولوجدوا فيه من الاختلاف ما يمكنهم معه من الطعن فيه.

وفي نحو ذلك يقول الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [النساء].

‌ومن فوائد وثمار معرفة علم المناسبات أنه:

1 -

يعين على إبراز أوجه الصلة والتناسب بين السور والآيات ومعرفة علاقة الآية أو السورة بسابقتها ولاحقتها، وهذا مما يقرب فهم معاني القرآن وبيان مقاصده ووضوح مراميه، لمفسره أولًا، ومِن ثَمَّ لقارئه ومتدبره وتاليه.

2 -

ويعين أيضًا على إدراك الحكمة من التشريع والترابط بين أحكام الشريعة في

(1)

البرهان (ص: 35).

(2)

والكلام للقاضي أبي بكر بن العربي المالكي في حديثه عن سورة البقرة: وينظر: (نظم الدرر: 1/ 9، والإتقان (2/ 138).

(3)

الإتقان للسيوطي (2/ 139).

(4)

نظم الدرر للبقاعي (1/ 6).

ص: 179

الأمر والنهى والتحليل والتحريم والثواب والعقاب وغير ذلك من الأحكام.

3 -

ومن فوائده:

أنه لما كان ترتيب بلاغة القرآن وحسن نظم أسلوبه وروعة خطابه وحسن نظامه ما أعجز الإنس والجان أن يأتوا بمثله، والعرب مهما أوتوا من بلاغة وروعة بيان وإحكام في فصاحة ومهما أوتوا من ذكاء وفطنة، فإن إعجاز بيان القرآن فوق ما حباهم الله من الفصاحة والبيان، فدل ذلك على أن هذا ليس بكلام البشر، ودل على إثبات نبوة ورسالة من بلغه للبشر عن رب البشر صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} [النساء].

وفي نحو ماسبق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَتَدَبَّرَ مَا قَبْلَ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا وَعَرَفَ مَقْصُودَ الْقُرْآنِ تَبَيَّنَ لَهُ الْمُرَادُ وَعَرَفَ الْهُدَى وَالرِّسَالَةَ وَعَرَفَ السَّدَادَ مِنْ الِانْحِرَافِ وَالِاعْوِجَاجِ»

(1)

.

‌ومن المناسبة بمكان ذكر بيان موجز لأهم المصنفات في علم المناسبات:

‌فمن أبرزها وأشهرها ما يلي:

1 -

«البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن» لأبي جعفر بن الزبير الأندلسي (ت 807 هـ).

2 -

«نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» لبرهان الدين البقاعي وهو أوسع كتاب في بابه وبلغ كتابه اثنين وعشرين مجلدًا.

3 -

«تناسق الدرر في تناسب السور» لجلال الدين السيوطي (ت: 911 هـ)، وله أيضًا:«مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع» .

4 -

«جواهر البيان في تناسب سور القرآن» لعبد الله الغُمَاري وهناك مؤلفات كُثُر ضمن مصنفوها علمَ المناسبات كتبَهم دون أن يفردوها بتصنيف مستقل، وهناك أيضًا كتابات لبعض المتأخرين لكنهم عيال على المتقدمين فيما كتبوا.

(1)

مجموع الفتاوى (94/ 15)

ص: 180

وعلم المناسبات منهم مَن مدحه مدحًا مطلقًا، ومنهم مَن ذمَّ وعاب من دخل فيه متكلفًا.

‌ومن العلماء المادحين المؤيدين:

أبو بكر النيسابوري رحمه الله، وهو من أبرز من اعتنى بعلم المناسبات، وبرهان الدين البقاعي، والفخر الرازي، والزركشي صاحب البرهان، والسيوطي صاحب الإتقان، وفي صدد ذلك يقول الفخر الرازي:«أكثر لطائف القرآن مودعه في الترتيبات، والروابط»

(1)

، ويقول أيضًا:«علم المناسبات علم عظيم أُودِعَت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه»

(2)

.

ويقول بدر الدين الزركشي: «من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض، لئلا يكون منقطعًا، وهو مبني على أن ترتيب السور توفيقي، وإذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة؛ لما خُتمت به السورُ قبلها، ثم هو قد يخفى تارة، ويظهر أخرى»

(3)

.

وفي صدد ذلك يقول الغُماري الحسني:

علمُ التناسب للسور

علمٌ جليلٌ ذو خطر

قد قلّ فيه الكاتبون

كما قدْ عزَّ المُستطر

(4)

عرض آراء العلماء المعارضين لعلم المناسبات ومناقشتها:

والمعارضون له وإن كانوا قلة إلا أن رأيهم محل أخذ ورد ونظر لمن أعمل فكره واعتبر وادَّكر.

فقد ذكر الزركشي رحمه الله في: (البرهان) تحفُّظ عز الدين عبد السلام على القول

(1)

السيوطي: الإتقان (2/ 108)، الزركشي: البرهان (1/ 36، 2/ 523).

(2)

الزركشي: البرهان (1/ 35).

(3)

نفس المرجع السابق (1/ 35) وبعدها.

(4)

الغماري: جواهر البيان (2 (.

ص: 181

بالمناسبات في القرآن فقال: «وقال عز الدين بن عبد السلام رحمه الله: المناسبة علم حسن، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر، ومن ربط فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلًا عن أحسنه؛ فإن القرآن نزل في نَيِّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يأتي ربط بعضه ببعض»

(1)

.

والعز بن عبد السلام إنما أنكر التزام ذلك في كل موضع.

كما نُقل عن أبي حيان الأندلسي صاحب البحر المحيط كلامٌ شبيه بكلام عز الدين عبد السلام»

(2)

.

ومنهم أيضًا أبو الحسن الحرالي المغربي (637 هـ)، والغزنوي، والشوكاني وهو أكثرهم رفضًا ومنعًا للتكلف والتزام المناسبة في كل موضع؛ فعند تفسيره لقوله -تعالى-:{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)} [البقرة].

قال: «اعلم أن كثيرًا من المفسرين جاؤوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف جاؤوا بتكليفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلًا عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره»

(3)

.

(1)

الزركشي: البرهان 1/ 37، السيوطي: الإتقان (2/ 108 و 138)، السيوطي: أسرار ترتيب القرآن 30.

(2)

الدكتور مصطفى مسلم: مباحث في التفسير الموضوعي (62). 10 معدد الأجزاء.

(3)

فتح القدير (1/ 72 - 73).

ص: 182

والشوكاني نفسه قد ترجم للبقاعي في كتابه (البدر الطالع).

فقال عنه: «إنه من الأئمة المتقنين المتبحرين في جميع المعارف» ، ومدحه ووصفه بأنه «من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علميّ المعقول والمنقول.

ومدح مُؤلفه الموسوم بـ (نظم الدرر) بقوله: «ومن أمعن النظر في كتاب له في التفسير الذي جعله في المناسبة بين الآي والسور علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علميّ المعقول والمنقول، وكثيرًا ما يشكل عليّ شيء في الكتاب العزيز وأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي غليلي، وأرجع إلى هذا الكتاب فأجد ما يفيد»

(1)

.

«ولما كان هذا العلم دقيق المسالك خفي المدارك احتاج الباحث فيه إلى استفراغ الجهد بغية الاستقصاء اللغوي لدلالات الكلمات القرآنية، والإحاطة بأسباب النزول والقراءات، والتوسع في أفانين علوم النحو والمعاني والبيان والبديع مع حسٍّ مرهف، ونفس شفافة، والتقاط سريع، وألمعية وافرة، ولَمَّاحية عالية وسلامة في القصد؛ ليدرك سر اللُّحمة بين لطائف الآيات القرآنية ومراد الله -تعالى- من ترتيب كلامه على هذه الصفة، فتبدو له أوجه المناسبات في النَّظْم الحكيم»

(2)

.

«وهكذا تتجلى أهمية المناسبات القرآنية في أنه علم مُعِين على جعل أجزاء الكلام وقد أخذ بعضها بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط بينها، ويصير تآلفها كحال البناء المحكم، المتلائم الأجزاء»

(3)

.

‌القول الراجح في المسألة:

ومن الإنصاف الأخذ برأي أهل الإنصاف، فرأيهم فيه التوسط وعدم الإجحاف

(1)

الشوكاني: البدر الطالع (1/ 20 - 22. 2).

(2)

د. مصطفى مسلم: مباحث في تفسير الموضوعي، (65 ـ 66) بتصرف.

(3)

الزركشي: البرهان، (1/ 36)، السيوطي: الإتقان (2/ 108).

ص: 183

والانجراف والانعطاف، وهم الأكثرون، وكثير من القائلين بالمنع إنما منعوا التعسف والتكلف في كل موضوع، والقائلون بالمنع مطلقًا قلّة قليلة جدًّا، ولله الحمد.

والأخذ بعلم المناسبة كلما ظهرت أماراتها لمن كان أهلًا لذلك وتوافرت فيه شروط الأهلية هو القول الوسط العدل، ذلك أن علم المناسبات علم له ضوابطه وأصوله وقواعده، فليس لكل أحد أن يخوض فيه بغير علم ولا ضوابط فلابد أن يكون عالمًا بالتفسير وعلومه، مُطلعًا على علم أسباب النزول، وملمًا بأقوال أهل التأويل، عالمًا بالقراءة المتواترة وتوجيهها، وعالمًا كذلك بعلوم لغة التنزيل نحوها وتصريف أفعالها، عالمًا ببلاغتها -بيانًا وبديعًا ومعانيَ-، ولديه دراية بدلالة الألفاظ اللغوية والبيانية، ولديه عناية ودراية بعلوم الآلة كلها، وأن يكون معتدلًا في الفهم والإدراك لئلا يتعسف ويتكلف في إيجاد المناسبات بلا مناسبات، وذلك ليكون أهلًا للنظر في كلام رب البشر.

‌ولعل في هذا الإيجاز المختصر ما يغني بالإشارة عن العبارة لأهل البحث والنظر

.

مناسبة افتتاح القرآن الكريم بسورة الفاتحة.

لفاتحة الكتاب مكانتها المميزة في القرآن الكريم، فلذا افتتح الله بها كتابه، فهي (أمّ القرآن) وهي (أمّ الكتاب) وهي (السبع المثاني)، ولها غير ذلك من الأسماء التي سُمِّيت بها، التي تدلل على بيان قدرها ومكانتها بين سور القرآن الكريم، ولقد حوت آياتها السبع مقاصد القرآن الكريم وكلياته، فلمكانتها وقدرها وما اشتملت عليه ناسب افتتاح القرآن الكريم بها.

«وافتتح الله سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنَّها جمَعتْ مقاصد القرآن، ولأنَّ فيها إجمالَ ما يحويه القرآن مفصلًا؛ فجميع القرآن تفصيل لِمَا أجملتْه، وفي ذلك براعة استهلال؛ لأنَّها تنزل من سور القرآن منزلَ دِيباجة الخطبة أو الكتاب»

(1)

.

(1)

وينظر: تناسق الدرر في تناسب السور للسيوطي (ص: 51: 49)، البرهان في تناسب سور القرآن لابن الزبير الغرناطي (ص: 187) تفسير ابن عاشور (ص: 1/ 135).

ص: 184

لذا فهي كالمقدمة بين يدي سور القرآن الكريم لاشتمالها على جميع مقاصده وأغراضه ومواضيعه، فهي أجملت ما فُصِّلَ فيه، فناسب أن تتقدم سورَهَ جميعًا، وناسب أن يأتي بعدها سور القرآن متتابعة لتفصل ما أُجمِلَ في فاتحته.

«قال العلماء: إنما افتتح سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن فناسب الافتتاح بها، لأنها تصير كبراعة الاستهلال وهي الإتيان أول الكلام بما يدل على المقصود على وجه الإجمال. وكالعنوان، والمراد بالعنوان نوع من أنواع البديع يسمى بذلك.

قال ابن أبي الأصبع في بدائع القرآن: «العنوان أن يأخذ المتكلم في غرض فيأتي لقصد تكميله وتأكيده بأمثلة في ألفاظ تكون عنوانًا لأخبار متقدمة وقصص سالفة، ومنه نوع عظيم جدًّا وهو عنوان العلوم بأن يذكر في الكلام ألفاظ تكون مفاتيح العلوم ومداخل لها.

والفاتحة لكونها جامعة لجميع مقاصد القرآن، وفيها الإشارة إلى جميع الأخبار المتقدمة من بدء الخلق والأمم السالفة من اليهود والنصارى وغيرهم، وفيها الإشارة إلى مفاتيح العلوم ومداخلها.

فلما جمعت الفاتحة هذه كانت جديرة بأن تكون عنوان القرآن بالتقرير الذي ذكره ابن أبي الأصبع»

(1)

.

ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

(1)

الحاوي للفتاوي للسيوطي (ص: 351 - 352). بتصرف غير يسير من الباحث.

ص: 185

‌المبحث الثاني

مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها

ص: 187

المبحث الثاني:

مناسبة سورة الفاتحة مع تاليتها

‌أوجه المناسبة بين السورتين

.

‌أولًا: المناسبة بينهما في مطلع السورتين

.

1 -

لما قال سبحانه في مطلع سورة الفاتحة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} وهو وصفٌ لله تعالى بأنه مالك ليوم الجزاء، وهو الذي يملك الحكم والفصل والقضاء بين عباده في هذا اليوم، لا ينازعه فيه أحد من خلقه لأن مُلكَ ملوكِ الدنيا وأملاكهم كله قد زال ولم يبق إلا مُلك {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، وفي هذا تقرير للميعاد والجزاء والحساب.

فناسب أن يقول في مطلع سورة البقرة: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)} ، وكأنه وصفٌ لاستجابتهم له سبحانه أنهم بالآخرة مؤمنون وموقنون ومصدقون، وفي هذا إقرار للميعاد والجزاء والحساب، فلما كان في الفاتحة تقرير، ناسب أن يكون في البقرة إقرار.

«وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)} [النبأ]، وكما قال تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108)} [طه]، وقال: {يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)} [هود]»

(1)

.

وكلمة: {مَالِكِ} فيها قراءتان متواترتان.

(1)

تفسير ابن كثير (1/ 134).

ص: 189

أما القراءة الأولى: {مَالِكِ} فقد «قُرئت: بإثبات الألف بعد الميم {مَالِكِ} ، وهي قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف العاشر.

أما القراءة الثانية: {مَالِكِ} فقد-قُرئت: بحذف الألف {مُلْكِ} ، وهي قراءة الباقين من العشرة؛ وهم: أبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة»

(1)

.

‌أما توجيه القراءة الأولى:

فكلمة: {مَالِكِ} ، بالألف اسم فاعل من ملك ملكًا بكسر الميم؛ أي: مالك مجيء يوم الدين، والمالك: هو المتصرف في الأعيان المملوكة كيف شاء، وقد أجمع القراء على إثبات الألف في قوله تعالى:{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} [آل عمران: 26]، وكلمة {مَالِكِ} فيها محذوفة الألف رسمًا كما في الفاتحة.

و {مَالِكِ} -بالألف- أمدح من {مَالِكِ} وأعم

(2)

؛ حيث تقول: هو مالك الجن والإنس والطير والدواب، ولا تضيف (مَلِكًا) إلى هذه الأصناف.

كما أن زيادة المبنى -كما في {مَالِكِ} بالألف- تدل على زيادة المعنى.

‌وأما توجيه القراءة الثانية:

فكلمة {مَالِكِ} على وزن فَقِه صفة مشبهة؛ أي: قاضي يوم الدين

(3)

والْمَلِكُ هو

(1)

ينظر: النشر (1/ 271)، والإتحاف (1/ 363).

(2)

وأسماء الله وصفاته كلها حسنى وهي صفات كمال وجمال وجلال كلها، قال ربنا:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، و قال ربنا:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [لقمان: 110].

(3)

هذا من باب الإخبار عن الله عز وجل، وباب الإخبار عن الله تعالى أوسع من باب الأسماء.

وقد قال ابن القيم رحمه الله: الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أَطلق الله على نفسه أفعالًا لم يتسمَّ منها بأسماء الفاعل، كأراد وشاء وأحدث، ولم يُسمَّ بـ «المريد» و «الشائي» و «المُحدث» كما لم يسمِّ نفسه بـ «الصانع» و «الفاعل» و «المتقن» وغير ذلك من الأسماء التي أطلق على نفسه، =

ص: 190

المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين من المُلك بضم الميم.

و {مَالِكِ} -بالألف- أبلغ من {مَالِكِ} ؛ لأن كلّ مَلِك مالك، وليس العكس، كما أن القراء أجمعوا على حذف الألف منه في مواضع، نحو:{الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} [الحشر: 23]، {الْمَلِكُ الْحَقُّ} [المؤمنون: 116]، {مَلِكِ النَّاسِ (2)} [الناس]»

(1)

.

ويتبين ويتضح من قراءة {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} بالقصر: أن (ملك) لفظة مشتقة من الملك، والملك بمعنى أنه: ذو سلطان وذو قوة وذو حكم وغلبة وتدبير وقهر.

وأما قراءة: {مَالِكِ} بالمد، والتي هي مشتقة من الملك، تدل على: ملك الأعيان كلها كما تدل على القدرة في التصرف في تلك الأعيان.

ويتبين ويتضح من معنى القراءتين مجموعتين كما مرَّ معنا آنفًا، أن الله تعالى مالك لهذا اليوم ملكًا تامًّا له كمال ملكه، وله التصرف فيه، لا ينازعه في ذلك أحد من خلقه، وهو بمعنى إخلاص المُلك له سبحانه وحده يوم الدين.

ومع أن الله تعالى لا يوجد من ينازعه ملكه يومئذ فضلًا عن أن يكون هناك مدعٍ لذلك، وذلك لأنه قد زال ملكُ كلِ ملكٍ في الدنيا، أما الملك في الدنيا، فقد كان يطلق على بعض البشر مجازًا، لأنه ملك محدود وموقوت وزائل لا محال، وإنما كان هذا الملك في الدنيا لبعض الخلق ابتلاء من الله تعالى لهم.

2 -

ولما قال تعالى في الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} ، ناسب في البقرة أن

=فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء.

وقد أخطأ خطأً كبيرًا من اشتق له من كل فعل اسمًا وبلغ بأسمائه زيادة على الألف فسمَّاه «الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد» ونحو ذلك.

وكذلك باب الإخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به فإنَّه يُخبر عنه بأنه «شيء، وموجود، ومذكور، ومعلوم، ومراد، ولا يسمَّى بذلك» انتهى من مدارج السالكين) 3/ 415).

(1)

ينظر: صفحات في علوم القراءات د. أبو طاهر عبد القيوم السندي (1/ 311 - 314). بتصرف يسير جدًّا.

ص: 191

يأتي بأول الأوامر فيها فقال سبحانه: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21]، وهو تفصيل لما أُجمِلَ في الفاتحة وتأكيد له.

وقد وردت الأحكام التعبدية مفصلة في ثنايا سورة البقرة، فما أُجمِلَ في الفاتحة منها فُصِلَ في البقرة.

فالبقرة قد ورد فيها تفاصيل المسائل التشريعية من العبادات والمعاملات والحدود وما يتعلق بالأسرة من أحكام النكاح والطلاق والمواريث وسائر العلاقات الأسرية والاجتماعية وغيرها من أصول وضروب العبادات التفصيلية ودقائق المعاملات التأصيلية، فالفاتحة كالأصول والبقرة كتفريع الفروع على الأصول، فناسب أن تأتي الفروع موضحة ومفصلة ومبينة لما أُجمِل في الأصول.

3 -

ولما أرشد الله تعالى عباده في سورة الفاتحة إلى أن يسألوه أعظم المطالب وأعز الرغائب ألا وهو مطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، بقوله:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} [الفاتحة] استجاب لهم ربهم فقال في مطلع سورة البقرة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} [البقرة]، وهو إبانة لهم عن الصراط المستقيم، فكأنهم لما طلبوا الهداية إلى الصراط المستقيم جاءهم الجواب ذلك الصراط الذي سألتم وطلبتم الهداية إليه هو ذلك الكتاب الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت].

وفي أحد أوجه التفسير أن الصراط المستقيم هو القرآن الكريم، وقد قيل: إنه مروي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: «{الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)}: هو القرآن» .

وقيل: إنه مروي عن علي رضي الله عنه مرفوعًا: «الصراط المستقيم كتاب الله»

(1)

.

(1)

الدر المنثور للسيوطي (1/ 39)، وعزاه السيوطي لوكيع وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن الأنباري، والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. قال الحاكم بعده: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. =

ص: 192

ولا شك أن القرآن الكريم موضح لمعالم الصراط ومبين لمناراته، وموجه لحدوده، ومرشد لسبل السعادة والفلاح المؤدية للفوز والنجاح في الدارين، ولما كانت حاجة العباد إلى الهداية إلى الصراط المستقيم حاجة من أشد الحاجات، وضرورتُهم إلى معرفته والدلالة عليه والعلم والعمل والتحقق به ضرورة من أشدّ الضرورات وأعظمها مطلبًا وأرجاها نفعًا وأعظمها مثوبة وأجرًا وأحمدها عاقبة؛ ناسب أن يرد الترغيب في الإلحاح في طلبه في مطلع فاتحة الكتاب مجملًا، ثم ناسب أن يرد جواب العباد لما فيه الدلالة على هذا الصراط في أطول سور القرآن- مفصلًا وموضحًا ومبينًا، ولا شك أن هذا إن دل على شيء، فإنما يدل على كمال ربوبية الله تعالى، وأن ربوبيته سبحانه وتعالى مبناها على رحمته ورأفته بعباده وإرادة الخير لهم ودلالتهم عليه وإيصاله إليهم، ولا خير أعظم من الهداية والدلالة عليها والإرشاد إليها، ومن ثَمَّ التوفيق والإلهام لها.

4 -

و «أوائل هذه السورة مناسبة لأواخر سورة البقرة، لأن الله تعالى لما ذكر أن الحامدين طلبوا الهدى، قال: قد أعطيتكم ما طلبتم: هذا الكتاب هدى لكم فاتبعوه، وقد اهتديتم إلى الصراط المستقيم المطلوب المسؤول، ثم إنه ذكر في أوائل هذه السورة الطوائف الثلاث الذين ذكرهم في الفاتحة: فذكر الذين على هدى من ربهم، وهم المنعم عليهم، والذين اشتروا الضلالة بالهدى، وهم الضالون، والذين باؤوا بغضب من الله، وهم المغضوب عليهم»

(1)

.

لذا لما كانت الفاتحة مشتملة على مطلب الهداية لصراط المنعم عليهم، ذكر الله بعدها صراطين آخرين وهما صراط المغضوب عليهم وهم اليهود ومَن شابههم،

= وقد جاء مرفوعًا عن على بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصراط المستقيم كتاب الله» تفسير ابن أبي حاتم (1/ 30) رقم (32).

قال ابن كثير: «وقد رُوي عن عليٍّ وهو أشبه، والله أعلم» : تفسير ابن كثير (1/ 42). ولعل كونه موقوفًا أصح.

(1)

أسرار ترتيب القرآن للسيوطي (1/ 2).

ص: 193

وصراط الضالين وهم النصارى ومَن شابههم فقال ربنا: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} ، ناسب أن تُفتتح سورةُ البقرة بما يدل على طريق الهداية لصراط المنعم عليهم ألا وهو:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} [البقرة] والمتقون وصفٌ من أوصاف المنعم عليهم أهل الصراط المستقيم، وهو كما وصفه الله تعالى بقوله:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، ففيه دلالة واضحة وتأكيد على أنهم لما طلبوا الهداية دُلُّوا على هذا الكتاب المجيد الذي يهدي لأقوم طريق، وأوضح سبيل، ألا وهو الصراط المستقيم.

ثم تلا سبيل المنعم عليهم في سورة البقرة سبيل المغضوب عليهم وهم اليهود، وسبيل الضالين وهم النصارى كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا

سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} [البقرة] والآية شملت أهل الصراطين من المغضوب عليهم والضالين، ذلك لأن أهل الصراطين المغضوب عليهم والضالين يشملهم وصف الكفر.

ومن هنا يتبين أوجه المناسبة بين خاتمة سورة الفاتحة مع مفتتح سورة البقرة.

‌ثانيًا: التناسب العام بين محتوى السورتين الكريمتين

.

1 -

إن من أوجه التناسب بين السورة وتاليتها علاقته الإجمال والتفصيل، فما أُجمل في الأولى يرد مفصلًا في تاليتها، وقد سبق آنفًا الإشارة لشيء من البيان الموجز بشأن هذا الجانب وصدده.

هذا ولقد «افتَتح الله سبحانه كتابه بهذه السورة؛ لأنَّها جمَعتْ مقاصد القرآن، ولأنَّ فيها إجمالَ ما يحويه القرآن مفصلًا؛ فجميع القرآن تفصيل لِمَا أجملتْه، وفي ذلك براعة استهلال؛ لأنَّها تنزل من سور القرآن منزلَ دِيباجة الخطبة أوالكتاب»

(1)

.

2 -

هذا وعلى العموم، فإن سورة الفاتحة قد حوت معاني القرآن العظيم كله،

(1)

ينظر: البرهان في تناسب سور القرآن للبقاعي (ص: 187)، تناسق الدرر في تناسب السور للسيوطي (ص: 49 - 510).

ص: 194

واشتملت على مقاصده الأساسية، فقد أُجمِلَ فيها الدينُ كله أصوله وفروعه، عقيدة وعبادة، وشريعة ومنهاجًا، كما أنها حوت قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر مجملة، والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ووجوب إفراده الله تعالى بالعبودية والاستعانة إجمالًا، وإفراده تعالى-كذلك- بالسؤال والدعاء والتوجه إليه سبحانه بطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وسؤاله الثبات عليه، وسلوك سبيل المنعم عليهم واتباع نهجهم، وتجنب سبيل المغضوب عليهم وسبيل الضالين، وفيها الإخبار عن قصص الأمم الغابرة، والاطلاع على معارج ومنازل أهل السعادة، ومنازل ومدارك أهل الشقاء، وفيها التعبد لله بالاستجابة له سبحانه في فعل المأمور وترك المحظور، وغير ذلك مما حوته السورة من مقاصد وأهداف مجملةً.

أما سورة البقرة فهي أطول سور القرآن قاطبة، وهي من السور المدنية التي تعنى بجانب التشريع وتفاصيله، شأنها في ذلك شأن السور المدنية، التي تفصل الأحكام التشريعية وتبينها، عقائد كانت أم عبادات، معاملات كانت أم أخلاق وسلوكيات.

فهي تبين وتفصل الأحكام التشريعية والأحكام العملية في العبادات والمعاملات كأحكام الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وكذلك تبين الحدود والفرائض والأحكام التي تنظّم حياة الفرد والجماعة، وهذا ما أُجمِلَ في الفاتحة وفُصِل ها هنا في البقرة.

3 -

قد ورد في الفاتحة التحذير من سلوك سبيل المغضوب عليهم وسلوك سبيل الضالين إجمالًا، فناسب ذلك أن يرد في البقرة ذكر ذلك تفصيلًا.

فجاء في البقرة بيان كفر وشرك وضلال أهل الكتاب وفضحهم وبيان صريح كفرهم، فاليهود والنصارى نسبوا لله تعالى الولد صراحة، وقال بعضهم عن المسيح عليه السلام: إنه نفسه هو الله، وقال البعض منهم: هو ابن الله، وقال البعض الآخر منهم:{إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} . قال ربنا تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73]. تعالى الله عما يقولوا الظالمون علوّا كبيرًا.

ص: 195

4 -

وكذلك لما أُجمِلَ في الفاتحة التحذيرُ من سلوك صرط المغضوب عليهم وهم اليهود وكل من عرف الحق ولم يعمل به، ولا شك في أن المنافقين يشملهم هذا الوصف.

فقد ناسب أن يأت هنا في البقرة مفصلًا ذكر المنافقين وبيان أحوالهم وكشف عوارهم وفسادهم وإفسادهم في المجتمع المسلم، وبيان ضلالهم وإظهار فضائحهم والكشف عن خبثهم وكشف خبيئة نفوسهم الدنيئة وإظهار سوء طباعهم وخوارهم وجبنهم وأنهم لا ولاء لهم للدين أبدًا، وأنهم لاهم لهم إلا الكيد للإسلام وأهله وقد ضموا لذلك حبهم للعرض الزائل والمتاع الفاني من الحياة الدنيا.

ولعل في ذلك الاختصار إيضاح، يغني عن التطويل وزيادة الإفصاح.

ص: 196

‌المبحث الثالث

مناسبة آيات سورة الفاتحة

مع بعضها البعض

ص: 197

المبحث الثالث:

مناسبة آيات سورة الفاتحة مع بعضها البعض

‌أولًا: المناسبة في مطلع السورة

.

«لمَّا أثبت بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات أشار

(1)

إلى أنه يستحقه أيضًا من حيث كونه ربًّا مالكًا منعمًا فقال: {رَبِّ} ، وأشار بقوله:{الْعَالَمِينَ (2)} إلى ابتداء الخلق تنبيهًا على الاستدلالات بالمصنوع على الصانع

(2)

وبالبداءة على الإعادة كما ابتدأ التوراة بذلك»

(3)

.

فلما كان حمده تبارك وتعالى مستغرقًا جميع النعم ناسب أن يأتي بعد حمده وصفه بالربوبية العامة التي عمّ بها جميع خلقه بنعمه الظاهرة والباطنة، مبينًا سبحانه استحقاقه جل في علاه وصف {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} .

‌ومما يؤيد ما ذكره الباحث آنفًا قول الطاهر بن عاشور:

«وهو وصف لاسم الجلالة

(4)

، فإنه بعد أن أسند الحمد إلى اسم ذاته -تعالى-

(1)

وعبارة: (أشار) تدخل في باب الأفعال، وباب الأفعال أوسع من باب الأسماء.

(2)

و (الصانع) ليس من أسماء الله تعالى ولا من صفاته، وإنما هذا من باب الإخبار، وهذا الباب أوسع من باب الأسماء والصفات وهذا قول عموم أهل العلم، فأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى توقيفية، فلا يُسمَّ الربُ تعالى ولا يُوصفُ إلا بما ثبت لذاته العلية من الأسماء والصفات في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة.

(3)

نظم الدرر للبقاعي (1/ 17).

(4)

وقول ابن عاشور: «وهو وصف لاسم الجلالة» ، يعني بذلك: وصف الرب جل في علاه أنه: (رب العالمين).

ص: 199

تنبيهًا على الاستحقاق الذي عقب بالوصف وهو الرب ليكون الوصف متعلقًا به أيضًا؛ لأن وصف المتعلق متعلق أيضًا»

(1)

.

‌ثانيًا: مناسبة قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} بالآية السابقة لها

وهي قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} .

«ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة أتبع ذلك بصفتي {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ترغيبًا في لزوم حمده، وهي تتضمن تثنية تفصيل ما شمله الحمد أصلًا»

(2)

.

والبقاعي يعني بذلك: أن ربوبيته تبارك وتعالى مبنية على الرحمة، فلذلك جاءت صفتي {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} بعد وصفه سبحانه ذاته العلية بأنه:{رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} ، ليتبين ويتأكد أن تلك الربوبية مبناها على الرحمة التي هي من أخص صفات الرب الكريم سبحانه وتعالى.

‌ثالثًا: مناسبة قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} بالآية السابقة

وهي قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

«ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكًا وكانت الربوبية لا تتم إلا بالمِلك المفيد للعزة المقرون بالهيبة المثمرة للبطش والقهر المنتج لنفوذ الأمر أتبع ذلك بقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} ترهيبًا من سطوات مجده»

(3)

.

فدل كونه سبحانه وتعالى {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} على كمال وتمام ربوبيته جل في علاه، فلا تتم الربوبية إلا بكمال الملك وتمامه، فجاءت مناسبتها تأكيًدا على عموم وشمولية وكمال ربوبيته جل في علاه.

(1)

التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور (ص: 166).

(2)

نظم الدرر للبقاعي (1/ 17).

(3)

المرجع السابق (1/ 29).

ص: 200

ومن ذلك يتبين أنه سبحانه وتعالى {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} فإذا تحقق ملكه سبحانه ليوم الدين وهو اليوم الأعظم الذي يجمع الله فيه الأوليين والآخرين ليجازيهم بأعمالهم، فلا شك في ثبوت ملكه لما هو دونه من ملك الدنيا وما فيها وما عليها، ومن كمال ملكه لهما وتمامه أنه مدبر الأمر وله التصرف الكامل فيهما لا ينازعه فيهما أحد من خلقه، وبقوله سبحانه:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} يتضح أن كل مُلكٍ في الدنيا ينسب لأحد من خلقه إنما هو ملك زائل لا محالة، قال ربنا:{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)} [غافر].

«و {يَوْمِ الدِّينِ (4)} في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة حيث تسقط دعوى المدعين، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد»

(1)

.

«فهو تعالى بمقتضى ذلك كله ملِك يوم الدين ومالكه مطلقًا في الدنيا والآخرة، وإلى الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي لأن به رجع الأمر عودًا على بدء بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر عليهم من الأفعال كما قال تعالى:{سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} [الأنعام: 139] و {جَزَاءً بِمَا كَانُوا

يَعْمَلُونَ (17)} [السجدة: 17]، و [الأحقاف: 14]، و [الواقعة: 24] وبه تم انتهاء الشرف العلي وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى: «مجدني عبدي»

(2)

»

(3)

.

«ولما لم يكن فرق هنا في الدلالة على الملك بين قراءة «مَلِك» وقراءة «مالك» جاءت الرواية بهما، وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفاد اختصاصه بجميع ما فيه من جوهرة وعرض، فلا يكون لأحد معه أمر ولا معنى للمَلِك سوى هذا»

(4)

.

‌رابعًا: مناسبة قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} بالآية السابقة

وهي قوله: {مَالِكِ

(1)

المرجع السابق (1/ 30).

(2)

أخرجه مسلم (395).

(3)

نظم الدرر للبقاعي (1/ 31).

(4)

المرجع السابق (1/ 32).

ص: 201

يَوْمِ الدِّينِ (4)}.

لما تحقق وتبين أنه سبحانه وحده (مالك الدين) ناسب ألا يُعبد إلا إياه ولا يستعان إلا به، وفي هذا بيان لاستحقاقه سبحانه الإفراد بالعبودية والاستعانة.

وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب بكلمة (إياك).

«وقدمت العبادة على الاستعانة لأن الاستعانة ثمرتها، وإعادة (إياك) مع الفعل الثاني تفيد أنَّ كلًّا من العبادة والاستعانة مقصود بالذات»

(1)

.

وكلمة (إيَّاكَ) في الجملتين مفعول به حقه التأخير، لكنها تقدمت فعلي (نعبد) و (نستعين) لتفيد الحصر والاختصاص، وتقديم المعمول في اللغة كما هو معلوم يفيد الحصر والاختصاص، فتحصر العبادة لله ولا يختص به سواه سبحانه، وكذلك الاستعانة، فيكون المعنى: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك.

ومثل هذا قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)} الآية [البقرة].

ومثله أيضًا قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)} الآية [البقرة].

وقد سبق ذكر ذلك سابقًا في ثنايا البحث

(2)

.

«فلما استجمع الأمر استحقاقًا وتحبيبًا وترغيبًا وترهيبًا كان من شأن كل ذي لبّ الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلًا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا، مقدمًا للوسيلة على طلب الحاجة، لأنه أجدر بالإجابة (إياك) أي: يا من هذه الصفات صفاته! (نعبد) إرشادًا لهم إلى ذلك؛ ومعنى (نعبد) كما قال الحرالي

(3)

:

(1)

إعراب القرآن الكريم (ص: 31).

(2)

في المبحث الثاني: بيان معنى كلمة التوحيد وشروطها (ص: 44).

(3)

الحَرَالِّيُّ (000 - 638 هـ) هو العلَّامة المتفنن أبو الحسن علي بن أحمد بن حسن التجيبي الأندلسي. ولد بمراكش، وأخذ النحو عن ابن خروف، ولقي العلماء، وجال في البلاد، ولهج بالعقليات، وسكن حماة، وعمل تفسيرًا عجيبًا ملأه باحتمالات لا يحتمله الخطاب العربي أصلًا، وتكلم في علم الحروف والأعداد، وزعم أنه استخرج منه وقت خروج الدجال ووقت=

ص: 202

«تبلغ الغاية في أنحاء التذلل، وأعقبه بقوله مكررًا للضمير حثًّا على المبالغة في طلب العون {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك الهداية بيده: فانظر كيف ابتدأ سبحانه بالذات، ثم دل عليه بالأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول والآخر المحيط، فلما حصل الوصول إلى شعبة من علم الفعال والصفات علم الاستحقاق للإفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة»

(1)

.

ولا شك في أن كلام البقاعي آنفًا كلامٌ بديعٌ يتبين من ثناياه عظم مكانة مناسبات الآية مع تاليتها وسابقتها، وجمال الترابط النصي في كتاب الله وما يظهر ويتجلى من معاني عظيمة تزيد المعنى وضوحًا وتجلى عيانًا عظم كلام الله تبارك وتعالى لأولي الألباب.

قال الحرالي: «وهذه الآيات أي: هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جاريًا على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق على اختلاف. . . ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وُسع خلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلًا لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهرًا منهم لطفًا بهم وإتمامًا للنعمة عليهم، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه

=طلوع الشمس من مغربها، وصنف في المنطق، وفي شرح الأسماء الحسنى، فمن شاء فلينظر: في تآليفه فإن فيها العظائم. سير أعلام النبلاء (23/ 47). ينظر: التكملة (2/ 687) سبك المقال لفك العقال (ص: 29) خ. م. م. رقم (105)، و عنوان الدراية (ص: 144 وما بعدها) وجمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص: 404).

(1)

نظم الدرر للبقاعي (1/ 31 - 33).

ص: 203

النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده، فإذًا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو بغير فهم»

(1)

.

‌خامسًا: مناسبة قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} .

بالآية السابقة

وهي قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} .

لمَّا أفرد العبادُ ربّهم بالعبودية وأذعنوا له، ولجأوا إليه وأفردوه سبحانه-كذلك-بالاستعانة احتاجوا إلى سبيل واضح وطريق قويم يهتدوا إليه ويسيروا عليه في تحقيق هذه العبودية وتلك الاستعانة، فناسب أن يدلهم ربُهم على طلب وسؤال الهداية والدلالة على هذا الطريق ليلهمهم التوفيق إليه ويعينهم على الثبات عليه فناسب أن يقول:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} وبذلك تتحقق لهم الهدايتين جميعًا: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والإلهام. ولا شك في أن سؤال الله الهدايتين جميعًا هو استعانة به سبحانه لتحقيق عبودية الاستقامة على الصراط، ومن هنا يتبين المناسبة بين الآيتين.

وفي نحو ذلك قال ابن القيم رحمه الله: «لما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب، علَّم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء»

(2)

.

وكلام ابن القيم رحمه الله آنفًا إنما يقصد به أوجه التناسب في سورة الفاتحة.

«وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته،

(1)

المرجع السابق (134 - 35).

(2)

مدارج السالكين (1/ 48).

ص: 204

فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} تلقينًا لأهل لطفه وتنبيهًا على محل السلوك الذي لا وصول بدونه»

(1)

.

‌سادسًا: مناسبة قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} بالآية السابقة

وهي قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} .

«ولما طلب أشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعاذ من أولئك الذين شاهدهم في التيه سائرين وعن القصد عائرين جائرين أو حائرين فقال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)}»

(2)

.

وهو يعني بالجائرين كل من عرف الحق ولم يعمل به كاليهود؛ لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به فهم جائرون على أنفسهم ظالمون لها بعدم اتباعهم للحق والعمل به بعد أن علموه، وعنى بالحائرين كل من عبد الله على جهالة وضلالة كالنصارى الذين عبد الله على جهالة وضلالة فهم حائرون في وصفهم لعيسى المسيح عليه السلام وأمه الصديقة تائهون عن عبودية الله وتوحيده، قال تعالى:{قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [الْمَائِدَةِ: 77].

يقول أبو زهرة

(3)

: «وإنَّه لينطبق عليهم بلا ريب وصف الضّالين؛ لأنَّهم عند تخلِّيهم عن مبادئ المسيح أضلَّهم بولس وأشباهه، فضلّوا، ثمَّ أضلّوا غيرهم من

(1)

نظم الدرر للبقاعي (1/ 37).

(2)

المرجع السابق (1/ 45).

(3)

زهرة التفاسير لمحمد أبي زهرة، تفسير قوله تعالى:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)} [الأعراف].

• محمد أحمد مصطفى أحمد المعروف بأبي زهرة (1315 هـ، 1394 هـ) عالم ومفكر وباحث وكاتب مصري من كبار علماء الشريعة الإسلامية والقانون في القرن العشرين (، ينظر: الأعلام، للزِّركليّ (6/ 25).

ص: 205

بعدهم، وكفروا بما جاء به المسيح، وضلّوا ضلالًا بعيدًا، وكفروا، ولا يزالون يتيهون في أوهامهم، كما توهَّموا وأوهموا فيما سمّوه رؤية العذراء، وكذبوا وافتروا، وحاولوا الإضلال كثيرًا. ومع انطباق الضَّلال والتَّضليل عليهم، أولى بهم ثمَّ أولى أن يكونوا ممَّن غضب اللهُ تعالى عليهم، فغضب الله تعالى يحيط بهم من كل جانب؛ ولذلك نرى أن يدخلوا فيمن غضب الله تعالى عليه، ويصح أن نقول: إن فيهم الأمرين»

(1)

.

ولعل فيما مضى بيان كافٍ لانقص فيه ولا إجحاف.

والحمد لله لرب العالمين.

(1)

زهرة التفاسير. (1/ 70 - 71).

ص: 206

‌المبحث الرابع

علاقة السورة الكريمة بالسور

المفتتحة بالحمد لله

ص: 207

المبحث الرابع:

علاقة السورة الكريمة بالسور المفتتحة بالحمد لله

‌أولًا: ترتيب السور المفتتحة بالحمد لله على ضوء ترتيبها في المصحف الشريف على النحو التالي:

1 -

سورة الفاتحة.

2 -

سورة الأنعام.

3 -

سورة الكهف.

4 -

سورة فاطر.

5 -

سورة سبأ.

وهي متباعدة غير متجاورة في ترتيبها في المصحف وهي سور كلها مكية النزول.

وقد «فُصِلَ بين سورة (أمّ الكتاب) وسورة (الأنعام) بأربع سور، وبين سورة (الأنعام) وسورة (الكهف) بإحدى عشرة سورة، وبين سورة (الكهف) وسورة (سبأ) بخمسَ عشرة سورة، ولم يكن بين سورة (سبأ) وسورة (فاطر) فاصل، فليس لنا إلًّا أن نعمد إلى السعي إلى تدبر واستبصار شيء»

(1)

.

يعني: [من التناسب بينها وبين بعضها البعض عامة وبينها وبين فاتحة الكتاب خاصة]

(2)

وأسلافنا الأماجد كان منهم سعْيٌ إلى ذلك.

(1)

العزفُ على أنوار الذِّكر-معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآنيّ في سياق السورة- محمود توفيق محمد سعد (1/ 57). (غير مطبوع)

مع الاعتراض على مسمى الكتاب بلفظة: (العزف) حتى وإن كان المؤلف لا يقصد ذلك إلا إنه لا يعذر بوصف كلام الرحمن ووسمه بما يُوصف ويُوسم به غناءُ الشيطان.

(2)

ما بين المعكوفين إضافة من الباحث ليستقيم المعنى.

ص: 209

‌ثانيًا: بيان بعض أوجه المناسبة بين السور المفتتحة بالحمد

.

‌أبرز أوجه التناسب بين السور المفتتحة بالحمد كلِّها:

إن المتأمل في السورة المفتتحةٌ بالحمدِ يتضح ويتبين له عيانًا اقتران ذكر حمد الله تعالى في مطالع تلك السور الخمس بذكر نعمه تبارك وتعالى المستوجبة لحمده سبحانه، سواء كانت تلك النعم ظاهرة أم باطنة، عاجلة أم آجله، نِعَم الحياة الدنيا وما يتعلق بها من مقومات وأسس متمثلة في نعم الله على عباد التي بها صلاح معاشهم ولا غنى لهم عنها البتة، وَنِعَمَهُ العظيمة المتمثلة في بَعث الرسلِ والدلالة على ما بُعِثوا به بإنزال الكتبِ والهداية لشرعته التي شرعها على ألسنتهم، ثم نِعَم ذكر البعثِ والجزاءِ على الأعمال وبيان ما يترتب عليها من الثواب والعقاب، فيطمئن بذلك أهل الإيمان إلى موعود ربهم بالجنة والنعيم المقيم لديه سبحانه فيزدادوا طاعة لربهم وإقبالًا وثباتًا، وينزجر بذلك أهل الكفر والظلم والطغيان والعصيان فينزجروا ويرتدعوا ويعودوا إلى ربهم تائبين منيبين إليه ومستغفرين.

يقول السعد التفتازاني في مفتتح شرحه التلويح في أصول الفقه:

(1)

«الحمد يكون على النعمة وغيرها، فالله تعالى يستحق الحمد،

أولًا: بكمال ذاته وعظمة صفاته.

وثانيًا: بجميل نعمائه وجزيل آلائه.

ونعمة الله سبحانه وتعالى على كثرتها ترجع إلى إيجاد وإبقاء أولًا، وإيجاد وإبقاء ثانيًا ....

(1)

سعد الدين التفتازاني (722 هـ -792 هـ)، عالم وفقيه متكلم، وأصولي نحوي.

هو سعد أبو سعيد مسعود بن عمر بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن الغازي التفتازاني السمرقندي الحنفي. ولد بقرية تفتازان من مدينة نسا في خراسان في أسرة عريقة في العلم حيث كان أبوه عالمًا وقاضيًا، وكذا كان جده ووالد جده من العلماء. و ينظر: الدرر الكامنة (4/ 350)، عجائب المقدور (467)، الدليل الشافي على المنهل الصافي (2/ 734).

ص: 210

(وقد) أشير في الفاتحة إلى جميع النعم، وفي (الأنعام) إلى الإيجاد وفى (الكهف) إلى الإبقاء أولاً، وفى (سبأ) إلى الإيجاد وفى (الملائكة)

(1)

إلى الإبقاء ثانيًا، وهذا الذي قاله السعد فيه إجمال»

(2)

.

والتفتازاني بقوله آنفًا يُجمل ويشيرُ إلى أن ما يُحمد عليه اللهُ يكون بسبب النعم وبسبب غيرها.

مُشِيرًا ومفصلًا القول في أن استحقاق اللهِ للحمد يكون لسببين

الأول: لكمال ذاته وصفاته سبحانه وتعالى.

فهو سبحانه تعالى مستحق للحمد لكمال ذاته العلية، ولما اتصف به من صفات الجلال والكمال التي وصف بها نفسه تبارك وتعالى.

والثاني: لما أولاه لعباده من النعم ثانيًا.

وأن إحسان الله لعباده وإنعامه عليهم بسوابغ النعم الظاهرة والباطنة كل ذلك موُجبٌ لحمده تبارك وتعالى.

ثم أشار إلى أن نعم الله مع كثرتها فإن مرجعها كلها إلى إيجاد وإبقاء أولًا، وإيجاد وإبقاء ثانيًا، وقد بين أن ذلك الإيجاد والإبقاء بأقسامهما كلها قد أشير إليه في السور المفتتحة بالحمد، ولا شك أن ذلك من أوثق أوجه التناسب بينها جميًعا.

وكان: «القرطبيّ

(3)

قد سبق «السعد» بإشارة عجلى إلى ذلك: قال في مفتتح تأويل سورة (الأنعام): «

فإن قيل: فقد افتتح غيرها بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن سائره»، فيقال: لأنّ لكلّ واحدة منه معنى في موضعه لا يؤدي عنه غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة، وأيضًا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم

(1)

يعني بها: سورة فاطر، وإنما سماها سورة الملائكة لذكر الملائكة في مطلعها.

(2)

السعد التفتازاني: التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه لصدر الشريعة الحنفي (1/ 4).

(3)

أبو عبد الله محمد بن أحمد الخزرجي الأندلسي القرطبيّ المصري المتوفي بصعيد مصر سنة (671 هـ).

ص: 211

بربهم يعدلون»، فانظر في قوله:(من أجل عقده بالنعم المختلفة) فإنه هادٍ بإشارته إلى ما جاء «السعد» فمنحه بعضًا من البيان»

(1)

.

وقول القرطبيّ آنفًا يشير إلى أنه إن كانت السور الخمس كلها مفتتحة بالحمد، فكان مفتتح سورة واحدة يُغني عن الافتتاح في بقيتها بالحمد، فأشار أن لكل حمد في مفتتح كل سورة من تلك السور معنى خاص لا يقوم مقامه غيره لأن الحمد في مطلع كل سورة من تلك السور إنما أنزل ووُضِعَ وعُقِدَ لأجل نعمة مختلفة عن باقي المواضع في السور الآخرى، وإن كان كله يسمى حمدًا.

‌ثالثًا: العلاقة الخاصة بين الفاتحة وبين كل سورة من تلك السور المفتتحة بالحمد

.

‌1 - سورة الأنعام:

يعمد البقاعي في (نظم الدرر) إلى تفصيله مبينًا احتواء سورة (أمّ الكتاب) على مقتضيات الحمد على كمال الذات وعلى جميع نعم الإيجاد والإبقاء.

فالحمد على كمال الذات قوله سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الأنعام: 1] أي: (أنه المستحق لجميع المحامد لا لشيء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات) أما الإيجاد الأول في قوله سبحانه وتعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)} [الأنعام] فإنَّ الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية.

وأما الإبقاء الأول في قوله سبحانه وتعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)} أي: المنعم بجلائل النعم ودقائقها التي بها البقاء.

وأما الإيجاد الثاني في قوله سبحانه وتعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} وهو ظاهر (أي: لا يكون مالكًا لهذا اليوم إلا إذا أوْجَدَ الخلق مرة ثانية كمثل ما أوجدهم في الأول).

(1)

العزفُ على أنوار الذِّكر (1/ 58).

ص: 212

وأما الإبقاء الثاني في قوله سبحانه وتعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} إلى آخرها، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة.

وأما سورة الأنعام فالحمد فيها على نعمة الإيجاد الأول: ولذلك ذكر فعل الخلق في مطلعها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)} [الأنعام].

ثم انتشر الحديث عن الخلق والإيجاد فى آياتها:

في الآيات التالية: (14 - 38 - 73 - 79 - 94 - 95 - 97 - 98 - 99 - 100 - 101 - 102 - 136 - 141 - 164 - 101)

(1)

(2)

وكلام البقاعي هنا موافق لكلام التفتازاني من جهة أسباب استحقاق الرب جل في علاه للمحامد كلها.

و «سورة الأنعام المكية عنيت بحمد الله سبحانه وتعالى على نعمة الإيجاد الأول الناظر إلى قوله سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} ، وقد نظرت في مواقع كلمة ربّ في السياق القرآني، فرأيت أنه يَعظم وقوعها في الآيات المكية، وقد جاءت في سورة (الأنعام) أكثر من خمسين مرة ..

ولو أنَّا جمعنا معجم كلمات سورة (الأنعام) وتبصرنا المفردات المتعلقة بالخلق والإيجاد الأول لتبين لنا غلبة معنى الإيجاد الأول على هذه السورة المكية المقررة معنى التوحيد الذي هو أساس الدين الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده.

وفى خاتمة السورة -أيضًا- تناغٍ وتآخٍ

(3)

مع مطلَعِها المُعْلِنَ حمد الله على نعمة

(1)

العزف على أنوار الذكر (1/ 159)، وينظر: مصاعد النظر للبقاعي (2/ 119).

(2)

تم الإشارة للآيات بذكر أرقامها اختصارًا وليسهل للقارئ الكريم الرجوع إليها.

(3)

ومعنى تناغ: «تَنَاغِي العَاشِقَيْنِ» : تَنَاجِيهِمَا، مُلاطَفَةُ أحَدِهِما الآخَرَ. المعجم الغني (تَنَاغٍ) عبد الغني أبو العزم. ولعله يقصد الترابط والتآخي بين خاتمة السورة ومطلعها.

ص: 213

الإيجاد الأول: كما قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ

شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)} [الأنعام].

وكما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ

فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)} [الأنعام].

فقد ختم السورة بما به ابتدأها فإن قوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ

فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)} [الأنعام] هو من مَعْدِنِ قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)} [الأنعام].

وقوله جل جلاله: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)} [الأنعام].

وقوله عز وجل: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ

فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)} [الأنعام].

هما من معنى قوله سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ

وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)} [الأنعام].

فدلَّ هذا كُلُّه على أن سورة (الأنعام) تتكفل بتفصيل

(1)

نعمة الإيجاد الأول لجميع العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيها من آدمي وغيره المشار إليه في (الفاتحة) برب العالمين، كما تقدم.

فالتحميد في الأنعام فرد من أفراد تحميد (الفاتحة) تحقيقًا لكونها أمًّا»

(2)

.

وبهذا يتبين العلاقة والتناسب بين السورتين.

«ومنزل سورة الأنعام من السور المكية منزل سورة (البقرة) من السور المدنية.

(1)

الأولى أن يُقال: متضمنة تفصيلًا لنعمة الإيجاد، وذلك تحاشيًا عن التوسع في وصف سور القرآن بأوصاف قد لا تتوافق مع كون القرآن كلام الله تعالى، الذي هو منزل غير مخلوق.

(2)

العزف على أنوار الذكر (161 - 164). وينظر: نظم الدرر للبقاعي (2/ 579 - 580).

ص: 214

(فـ) سورة الأنعام نزلت مبيّنَةً لقواعد العقائد وأصول الدين

فغيرها من السور المكية المتأخر عنها نزولا مبنيٌّ عليها، وسورة البقرة قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الإنعام، فغير سورة (البقرة) من السور المدنية مبنيٌ عليها»

(1)

.

‌2 - سورة الكهف

(وأما سورة الكهف) فإنَّ الحمد فيها كان على كمال ذاته {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وعلى نعمة الإبقاء الأول: أي: الإبقاء في الأرض بنعمة الهداية وذلك الإبقاء إنَّما يكون بالكتاب المنزل وبالنبيّ المرسل صلى الله عليه وسلم، ولذلك استفتح السورة بهذين قائلًا:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)} [الكهف: 1 - 5].

فنصَّ على إنزال الكتاب على عبده مقدمًا قوله: {عَلَى عَبْدِهِ} تشريفًا للرسول -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا- وتباينًا لمنزلته، وأنّه أنزل عليه الكتاب هداية للناس إلى الحق استبقاء لهم في الأرض دون إهلاك، ولم يجعل لكتابه عوجًا، فهو المستقيم الذي لا عيب فيه مما يجعل أسباب البقاء متينة، فهو الهادي إلى كلِّ حقٍّ وخير، وهو الكتاب القيم المهيمن على غيره والمقيم له ولكل من استمسك به. وغير خفِيّ أن نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبيّ والكتاب»

(2)

. وقد نصّ عليهما في مفتتح السورة.

وقد كثر الحديث عن أسباب البقاء الأول في الحياة الدنيا، فذكر قصة أهل الكهف الذين كتب الله سبحانه وتعالى لهم البقاء والعصمة من الهلاك بالفتنة في دينهم كما انتظم بهم أمر من اطلع عليه من أهل زمانهم الذين كانوا على غير هُدى من الله

(1)

ينظر: الموافقات للشاطبي (3/ 406 - 407).

(2)

المرجع السابق (4/ 442).

ص: 215

-عز وجل فأسلموا لما عرفوا من أمرهم: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)} [الكهف].

وجاء الأمر بتلاوة ما أوحى فيه الهدى والحفظ: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27)} [الكهف].

مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجه والأمر بالصبر {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)} [الكهف].

ففي ذلك تعاون على البر والتقوى الذين هما من أسباب البقاء الأول وذكر قصة صاحب الجنتين وصاحبه وما أحاط بصاحب الجنتين من فنائهما لعدم إيمانه واستمساكه بالهدى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)} [الكهف].

وذكر من قصة العبد الصالح (الخضر) مع موسى عليهما السلام أحوال من حفظوا من الفناء والهلاك كحال أصحاب السفينة وحال الأبوين الصالحين بقتل غلامهما الطاغي الكافر استبقاء لهم على الإيمان والصلاح، وحال الغلامين اليتيمين ابني الرجل الصالح، وبناء الجدار استبقاء لكنزهما.

وهذه الحلقة من قصة «موسى عليه السلام» لم تذكر في غير سورة الكهف على الرغم من ذكر قصته في مواطن كثيرة من سور القرآن الكريم

(1)

.

إذا ما تأملت الأحداث الثلاثة التي كانت من العبد الصالح (الخضر)، وما كان من شأن موسى عليهما السلام في الاستفهام عمَّا كان من العبد الصالح (الخضر) عليه السلام، وتأملت حال موسى عليه السلام من قبل؛ لرأيت أنه قد كان موسى عليه السلام حال، وهو رضيع، كمثل

(1)

ينظر: تفسير ابن كثير: أول سورة الكهف، وأسباب النزول للواحدي (ص: 197) (1388).

ص: 216

حال خرق السفينة، ألا ترى أنّ أمه رضي الله عنها قد ألقت به في اليم لينجو؟ أتكون بمنطق العقل البشري نجاة في إلقاء وليد في اليم؟ أتلحظ شيئًا من الإشارة إلى معنى {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16)} [الكهف].

وكان منه قتل القبطيّ كمثل ما كان من العبد الصالح (الخضر) قتل الغلام الكافر.

وكان من موسى عليه السلام سقي الغنم للفتاتين دون أجر، وهو الذي كان في افتقار إلى ذلك، وهذا كمثل ما كان من العبد الصالح (الخضر) من بناء الجدار في قرية استطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما.

وهي قد نسقت في السورة كمثل ما نسقت نظائرها وقوعًا في حياة «موسى عليه السلام» : الأول فالأول.

تأمل هذا التقارب، وما فيه من لطائف الإشارات، ووجه البيان عنه في سورة الحمد على نعمة الإبقاء الأول، ومنزلة الفقه عن الله عز وجل وأثره في تحقيق كمال البقاء الأول».

وذكر من قصَّة ذي القرنين ما انتظم به من حال جميع أهل الأرض بما أقامه من الردم الحاجز بينهم وبين يأجوج ومأجوج فحفظ لهم البقاء الأول

ويشير الباحث: «إلى أن هذا فيه من التناسب الشيء البين الواضح الذي لا تكلف فيه ولا تعسف ولا إعمال للنص وتوجيهه على غير وجهته، والحمد لله» .

{

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)} الآية [الكهف].

هذا القصص مشير إلى أسباب البقاء الأول، ولم يذكر في غير هذه السورة وهو لم يذكر معها قصة (الروح) وجعلها في سورة (الإسراء){وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء]، على الرغم من أنَّ سؤال الكافرين كان عن الثلاثة: أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فجاء حديثه عن الروح في (الإسراء) لأنَّه به أليق وأنسب، وذكر قصة الكهف وذي القرنين هنا لما فيهما من دلالة على نعمة الإبقاء الأول بالهداية إلى الحق والصراط المستقيم.

ص: 217

وقد ختم السُّورة بما هو دالٌّ على ذلك -أيضًا- فكان متناغمًا متآخيًا مع ما استفتحت به إذ يقول سبحانه وتعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)} [الكهف]

(1)

.

‌3 - سورة سبأ

(وأما سورة سبأ) فإنَّ الحمد فيها كان على كمال ذاته جل جلاله (الحمد لله) وعلى نعمة الإيجاد الثاني بالبعث من القبور ويوم القيامة {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1)} [سبأ]، فقد جاء قوله:{وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ} دون ذكر الأول، بينما جاء في سورة «القصص»:{وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)} [القصص].

ولم يرد ما جاء في سورة «سبأ» من اختصاص الآخرة بالذكر في أي سورة أخرى.

وذكر علمه بما يلج في الأرض وما يخرج وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهذا العلم الدقيق المحيط يستلزم القدرة على البعث وقد ذكر في السورة ما يدل على التبديل والبعث في مواطن عديدة {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5)} [سبأ] ويبين سبحانه وتعالى التعجيب من حال الذين كفروا في انكارهم الإيجاد الثاني {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ

(1)

وفيما يتعلق بأوجه المناسبة في سورة الكهف فينظر: العزف على أوتار الذكر (1/ 64) وما بعدها- بتصرفٍ يسيرٍ جدًّا.

ص: 218

السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9)} [سبأ].

فمقصود السورة تقرير أمر الآخرة البعث والإيجاد الثاني للحساب «ولقصّة «سبَأٍ» التي سميت بها السورة مناسبة كبيرة لهذا المقصد لما فيها من الآيات الشهودية المشهودة لاسيما عند العرب على قدرته سبحانه وتعالى على الإيجاد والإعدام للذات والصفات، والتحويل لما يريد من الأحوال، والتصرّف بالحكمةِ في الإعطاءِ والمنعِ ابتداءً وجزاءً لمن شكر أو كفر

(1)

.

فآيات السورة كما ترى يشيع فيها الحديث عن البعث والإيجاد الثاني وما فيه من حشر وحساب وعقاب فظهر أنَّ سياق الكلام إلى إثبات الحشر والرد على منكري الساعة ولا سيما في الآيات التالية: (16 - 21 - 30 - 31 - 5 - 28 - 40 - 42 - 46)

(2)

.

وقد ازداد جلاء بما ختمها به من قوله جل جلاله {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)} [سبأ]

(3)

.

‌4 - سورة فاطر

(وأما سورة فاطر) فإنَّ تسْتَهِلُّها بقوله سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} [فاطر] دالٌ دَلالة بيّنة على نعمة الإبقاء الثاني يوم القيامة فقوله: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} يتجلى ظهوره لنا أعظم ما يتجلى في الجنة؛ لأنَّه لا شيء يعدل ما في الجنة من تجدد الخلق، فإنَّه لا يُأكل منها شيءٌ إلا عاد كما كان في الحال، ولا يراد شيء إلا وجد في أسرع وقت، فهي دار الإبداع والاختراع بالحقيقة، وكذا النار {كُلَّمَا نَضِجَتْ

(1)

مصاعد النظر للبقاعي (2/ 377).

(2)

تم الإشارة للآيات بذكر أرقامها اختصارًا وليسهل للقارئ الكريم الرجوع إليها.

(3)

العزف على أنوار الذكر (1/ 171: 169). بتصرف يسير.

ص: 219

جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56]».

فكانت جديرة باسم (فاطر) الدّال على كمال تحققه في الدّار الآخرة دار البقاء الثاني.

ومن أعظم ما يتجلى فيه معنى قوله سبحانه وتعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ

الْحَكِيمُ (2)} [فاطر](هو: أي: المعنى)(أن) الدار الآخرة: دار البقاء الأخير

(1)

،

(2)

.

وقد توالت في السورة الآيات الدَّالة على ذلك الإبقاء الثاني، كما هو في الآيات:(7 - 12 - 10 - 21 - 29 - 32)

(3)

ثم ختمَ السورةَ بما هو جِدُّ جليٌّ في نعمة الإبقاء الثاني بإثابة الطائع ومعاقبة العاصي: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)} [فاطر].

يعلم الطائع، فيُثيبُه بطاعته ثوابًا لا ينقطع أبدًا، ويعلم العاصي، فيجازيه بعصيانه ما يستحق.

بهذا تبين لنا كيف أنَّ كلَّ سورة منها قد اختصت بغير ما اختصت به الأخرى من مقتضِيات الحَمْدِ، وكيف أنّها رتبت ترتيبًا مُحْكَمًا، فكانت (أمُّ الكتاب) جامعة للمحامد وكانت الأنعام.

للإيجاد الأول الذي يسبق الإبقاء الأوَّل الذي كانت له (الكهف) وكان الإيجاد الثاني بسورة (سبأ) وكانت آخر السور الخمس (فاطر) للنعمة العظمى والأخيرة (الإبقاء الثاني).

وبهذا يتبين لك عظيم دلالة الاستهلال على المقاصد المتصاعدة في السياق

(1)

نظم الدرر لبقاعي (6/ 199).

(2)

وضمير الغائب المذكور (هو) يعود على: المعنى لا على الدار الآخرة، لئلا يُتوهم ذلك.

(3)

تم الإشارة للآيات بذكر أرقامها اختصارًا وليسهل للقارئ الكريم الرجوع إليها.

ص: 220

القرآنيّ، فلا يكون بِمَلْكِ أحد من العالمين أن يقدم سورة على أخرى {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)} [النساء]

(1)

.

ويُختمُ المبحثُ ببيان أبين أوجه التناسب بين السور المفتتحة بالحمد بأوجز عبارة وأسهل إشارة كما ذكر ذلك السيوطي في الاتقان:

نقلًا من عن تَفْسِيرِ الْخُوَيِّيِّ

(2)

.

يقول: «ابْتُدِئَتِ الْفَاتِحَةُ بِقَوْلِهِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} فَوَصَفَ بِأَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ .. وَفِي الْأَنْعَامِ وَالْكَهْفِ وَسَبَأٍ وَفَاطِرٍ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ؛ بَلْ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ صِفَاتِهِ، وَهُوَ خلق السموات وَالْأَرْضِ وَالظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فِي الْأَنْعَامِ، وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ فِي الْكَهْفِ، وَمِلْكِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ فِي سَبَأٍ، وَخَلْقِهِمَا فِي فَاطِرٍ .. لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَمَطْلَعُهُ فَنَاسَبَ الْإِتْيَانَ فِيهَا بِأَبْلَغِ الصِّفَاتِ وَأَعَمِّهَا وَأَشْمَلِهَا» .

(3)

.

ولعل في هذا كفاية لطالب سلوك طريق معرفة الحق ومريد الدلالة على سبل الهداية.

(1)

العزف على أوتار الذكر (1/ 171). وما بعدها.

(2)

الخُوَيِّي (583 - 637 هـ) - شمس الدين أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر الخويي الشافعي.

قرأ العقليات على فخر الدين الرازي، والجدل على الطاوسي، وسمع من المؤيد الطوسي، وكان من أذكياء المتكلمين، وأعيان الحكماء والأطباء، ذا دينٍ وتعبد، وله مصنف في النحو، وآخر في الأصول، وآخر فيه رموز فلسفية من إقليم أذربيجان. وولي قضاء دمشق فحمد.

سير أعلام النبلاء للذهبي (23/ 64 - 65).

1 -

البخاري (6205، 6206).

2 -

ومسلم (2143)، والترمذي (2837)، وأبو داود (4961)، وأحمد (2/ 244، 2/ 315).

(3)

الإتقان في علوم القرآن (2/ 231).

ص: 221

‌الفصل الرابع

معالم التوحيد

كما وردت في السورة الكريمة

ويشتمل على أربعة مباحث:

المبحث الأول: المحور الرئيس في السورة الكريمة (تقرير العبودية لله تعالى).

المبحث الثاني: التوحيد وعلاقته بمحور السورة الكريمة.

المبحث الثالث: تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة.

المبحث الرابع: أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة.

ص: 223

‌المبحث الأول

المحور الرئيس في السورة الكريمة

(تقرير العبودية لله تعالى)

ص: 225

المبحث الأول:

المحور الرئيس في السورة الكريمة (تقرير العبودية لله تعالى)

‌أولًا: مفهوم العبودية:

‌أ-العبودية في اللغة:

العبودية: مصدر عبد يعبد عبادةً ومعبدًا ومعبدةً، فهو عبدٌ، أي: ذلّ وخضع.

قال الخليل: «أما عَبد يعبد عبادة، فلا يقال إلا لمن يعبد الله تعالى، يقال منه: عبد يعبد عبادة وعبودة وعبودية ومعبدًا، وتعبد يتعبد تعبدًا، فالمتعبد: المنفرد بالعبادة»

(1)

.

ويجلي ابن منظور مفهوم العبودية في اللغة فيقول: «أصل العبودية الخضوع والتذلل

وعَبَدَ اللهَ تألّه له

والتعبّد التنسك، والعبادة: الطاعة»

(2)

.

وقال الفراء: «معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق معبد إذا كان مذللًا بكثرة الوطء»

(3)

.

وقيل: «عبادة الله: طاعته بفعل المأمور وترك المحذور»

(4)

.

وقال ابن الأنباري

(5)

: «فلان عابد وهو الخاضع لربه المستسلم المنقاد لأمره»

(6)

.

(1)

العين (2/ 48).

(2)

لسان العرب (5/ 2776)، مادة:(ع ب د).

(3)

لسان العرب (5/ 2778)، مادة:(ع ب د).

(4)

ابن تيمية العبودية (5).

(5)

هو الإمام الحافظ اللغوي ذو الفنون محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان ابن سماعة بن فروة بن قطة بن دعامة أبو بكر الأنباري. (271 هـ - 328 هـ) المقرئ النحوي. نقلًا عن: الموسوعة الحرة.

(6)

لسان العرب (5/ 2778)، مادة:(ع ب د).

ص: 227

وقال الزبيدي: «أصل العبودية الذل والخضوع، وقال آخرون: العبودية الرضا بما يفعل الرب، والعبادة فعل ما يرضى به الرب»

(1)

.

‌ب-مفهوم العبودية في الشرع:

والعبودية مشتقة من العبادة، وقد عرّفها ابن تيمية بقوله:«هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة»

(2)

، وقيل:«وَهِيَ اسْمٌ يَجْمَعُ كَمَالَ الْحُبِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ وَكَمَالَ الذُّلِّ لِلَّهِ وَنِهَايَتَهُ»

(3)

.

ولا شك أن تعريف ابن تيمية رحمه الله تعريف جامع مانع، وهو أفضل مَن عرف معنى العبودية وكتابه:(العبودية) شاهد عيان على ذلك، وقد عرض فيها حقيقة العبودية في الإسلام بشموليتها وكمالها وتمامها، وهو من أنفع وأمتع ما كُتِبَ في بابه تحقيقًا وتدقيقًا وسبكًا وحبكًا للأسلوب وعرضًا للمادة العلمية، لم لا وهو إمام جهبذ وعالم نحرير ما جادت لنا بمثله الأرحام من ذاك الزمان.

وقال ابن القيم رحمه الله: «العبودية اسم جامع لمراتب أربع: من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح.

فقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته على لسان رسله عليهم السلام.

وقول اللسان الإخبار عن قول القلب بما فيه من الاعتقاد والدعوة إليه والذّب عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة والقيام بذكره وتبليغ أوامره.

وعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والمعاداة فيه والخضوع والذل له وغير ذلك من أعمال القلب.

(1)

تاج العروس (2/ 409).

(2)

العبودية لابن تيمية (ص: 44).

(3)

مجموع الفتاوى (10/ 19).

ص: 228

وأعمال الجوارح كالصلاة والحج والجهاد وغيرها»

(1)

.

ويُعرِّفها المناوي رحمه الله بقوله: «العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربه. وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل»

(2)

.

‌ثانيًا: بيان أقسام العبودية

‌العبودية: عبوديتان:

الأولى: عبودية غلبة وقهر وملك:

وهي عبودية كل من في السماوات والأرض مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، قال تعالى:{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)} [مريم: 93 - 95]، كما تسمى أيضًا بالعبودية العامة.

يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري رحمه الله: «ما جميع من في السماوات من الملائكة، وفي الأرض من البشر والإنس، يقول: إلا يأتي ربه يوم القيامة عبدًا له، ذليلًا خاضعًا، مُقِرًّا له بالعبودية، لا نسب بينه وبينه

(3)

.

ويقول الإمام البغوي رحمه الله: {إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ} أي: إلا آتيه يوم القيامة (عبدًا) ذليلًا خاضًعا يعني: أن الخلق كلهم عبيده

(4)

.

ويقرر أبو السعود ما قرراه، أعني: شيخَ المفسرين، والإمامَ البغوي بقوله: «أي: ما

(1)

مدارج السالكين (1/ 100).

(2)

التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (234).

(3)

تفسير الطبري: القول في تأويل قوله تعالى: {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)} [مريم](18/ 261).

(4)

تفسيرالبغوي: تفسير: قوله تعالى {أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)} [مريم](5/ 527).

ص: 229

منهم أحد من الملائكة والثقلين {إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} إلا وهو مملوك له، وهو مملوك له، يأوي إليه بالعبودية والانقياد»

(1)

.

وفي صدد ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «المخلوقون كلُّهم عبادُ الله: الأبرار منهم والفجَّار، والمؤمنون والكفَّار، وأهل الجنَّة وأهل النار؛ إذ هو ربُّهم كلهم ومليكُهم، لا يخرجون عن مشيئتِه وقدرته

فهو سبحانه ربُّ العالمين وخالقُهم ورازقُهم، ومُحييهم ومميتُهم

سواء اعترَفوا بذلك أو أنْكروه، وسواء علِموا ذلك أو جهلوه.

لكنَّ أهلَ الإيمان منهم عرَفوا ذلك وآمَنوا به؛ بخلافِ مَن كان جاهلًا بذلك؛ أو جاحدًا له مستكبرًا على ربِّه

»

(2)

.

وفي صدد بيان هذه العبودية أيضًا يقول سبحانه: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)} [آل عمران].

ويقول سبحانه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)} [البقرة].

قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في تفسير قول الله تعالى: «وأولى معاني القنوت في قوله: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} الطاعة والإقرار لله عز وجل بالعبودية بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة، والدلالة على وحدانية الله عز وجل، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها، وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولدًا بقوله:{بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 116] ملكًا وخلقًا، ثم أخبر عن جميع ما في السماوات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها، وأن الله تعالى بارئها وصانعها، وإن

(1)

تفسير أبي السعود: تفسير قوله تعالى {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)} [مريم]، (5/ 283).

(2)

العبودية لابن تيمية: ينظر (ص: 50 - 51)، و ينظر: أيضًا (ص: 104).

ص: 230

جحد ذلك بعضهم فألسنتهم مذعنة له بالطاعة بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك، وأن المسيح أحدهم، فأنَّى يكون لله ولدًا وهذه صفته؟!»

(1)

.

ويقول الله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83]

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فذكر إسلام الكائنات طوعًا وكرهًا؛ لأن المخلوقات جميعها متعبّدةٌ له التعبد العام، سواءٌ أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مُدبّرون، فهم مسلمون له طوعًا وكرهًا، ليس لأحد من المخلوقات خروجٌ عما شاءه وقدّره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم، يُصرّفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلّهم، وبارئهم ومُصورهم، كل ما سواه فهو مربوب مصنوعٌ مفطورٌ، فقيرٌ محتاجٌ معبَّد مقهورٌ، وهو سبحانه الواحد القهار الخالق البارئ المصوّر»

(2)

.

ويقرر ابن القيم رحمه الله أن: «العبودية نوعان: عامة وخاصة» .

ثم يقول رحمه الله: «وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، كما قال تعالى:{يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68)} [الزخرف]، وكما قال تعالى:{فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18، 17]، وقال:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)} [الفرقان].

فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته هم عبيد ألوهيته»

(3)

.

وأهل هذه العبودية: أقبلوا على ربهم وخالقهم ورازقهم طائعين منقادين لعبوديته سبحانه، مطيعين لأوامره بمحض إرادتهم واختيارهم، فهي عبودية محبة وانقياد وطاعة وذل وخضوع، وقد نسبهم الله إليه نسب تكريم وتشريف فقال في حقهم:

(1)

جامع البيان (1/ 507 - 508).

(2)

العبودية (ص 145).

(3)

مدارج السالكين (1/ 105).

ص: 231

{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63]، وهذه العبودية خاصة بالمؤمنين الذين يطيعون الله تعالى باختيارهم وإرادتهم لا يشاركهم فيها أحد من الكفار الذين خرجوا عن شرعه وتمردوا على أوامره ونواهيه. فنالوا بذلك عز الدنيا وشرفها وكرامة الآخرة وفضلها وأجرها.

والخلق في هذه العبودية ترى بينهم بونًا شاسعًا، وهم متفاوتون فيها تفاوتًا كبيرًا وعظيمًا؛ فكلما كان العبد محبًّا لربه متبعًا لأوامره، منتهيًا عن نواهيه، منقادًا لشرعه، خاضعًا لسلطانه، كان تحقيقه لعبودية ربه أجل وأعظم وأكمل.

وأعظم الناس تحقيقًا لمقام العبودية هم صفوة خلقه وأمنائه على وحيه وسفرائه بينه وبين عباده من النبين والمرسلين، وأعبدهم لله أجمعين هو سيدهم وإمامهم وأفضلهم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذا خُص بالذكر بوصف العبودية مجردة في كتاب الله في أشرف المقامات وأعلاها وأزكاها، سبحانه:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)} [الكهف] وهذا في مقام الوحي وهو من أشرف المقامات وأعظمها وأجلها، وفي مقام الدعوة إلى الله قال سبحانه: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا

يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)} [الجن: 19].

وفي مقام الإسراء قال سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] ولا شك أن مقام الإسراء مقام تشريف كذلك.

فالشرف المروم لمن استكمل تحقيق العبودية، ولا يكون تحقيقها إلا مع كمال الذل والخضوع

والافتقار لله الواحد القهار، والعبودية المتعلقة بربوبية الله هي العبودية العامة التي تشمل جميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم.

فإذا علم العبد أن له ربًّا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا لكل شؤونه، وأنه فقير إليه -عرف تلك العبودية العامة المتعلقة بربوبيته سبحانه، وَقد يعبده مَعَ ذَلِك وَقد يعبد غيره من الأصنام والأوثان، وإن لم يقرّ بها فهو داخل تحتها شاء أم أبى، لأنها شاملة له قهرًا وغلبة.

ص: 232

والعبودية العامة التي هي عبودية القهر والغلبة، لا تكفي للدخول في الإسلام، فقد أقر بها كفار قريش ومع ذلك قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم واستحل دماءهم وأموالهم وسبى ذريتهم ونساءهم، ذلك لأنهم لم يقروا بالعبودية الخاصة، وهي عبودية الألوهية التي توجب تحقيق التوحيد وصرف العبادة كلها لله، ربنا في ذلك:{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)} [الأنعام: 1632 - 163].

فهم قد أقروا بربوبيته سبحانه وأقروا أنه تعالى هو الخالق قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لُقْمَان: 25]، فهذا إقرار صريح بربوبيتهم لربهم، ومع ذلك لم ينفعهم إقرارهم بالربوبية لعدم تحقيق توحيد الألوهية، قال الله تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} [يوسف]. لأنهم مع ذلك يعْبدُونَ الاصنام والأوثان، ولم يصرفوا العبادة للإله الواحد الملك الديان.

أما العبودية المتعلقة بألوهيته سبحانه فهي العبودية الخاصة المتعلقة بعبادته سبحانه وتأليهه وتوحيده وإخلاص الوجه له وقصده وحده بالعبادة دون ما سواه، خوفُا وطمعًا، رغبًا ورهبًا.

والخلاصة: أنَّ جميعَ المخلوقات عبيدٌ مقهورون لربوبيته تبارك تعالى، أما أهل طاعته وأهل كرامته فهم عبيد ألوهيته تعالى، الخاضعون المتذللون لربهم، خضوع تذللٍ، وعبوديةَ اختيارٍ، لا عبودية قهرٍ وغلبة، وتلك هي العبودية الخاصة.

‌ثالثًا: بيان حقيقة العبودية:

أما حقيقة العبودية: فهي الغاية العظمى التي خلق الله من أجلها الخلق كما بين ذلك في محكم كتابه، فقال سبحانه:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات].

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: «اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} فقال بعضهم: معنى ذلك: وما خلقت السعداء من الجن

ص: 233

والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي.

أي: خلقهم لأجل أن يعبدونه سبحانه فمن عبده أكرمه، ومن ترك عبادته أهانه»

(1)

.

وحَصَرَ سبحانه وتعالى الحِكمة من خلقهم في قوله: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ليتبين ويتأكد لهم أن الحِكمة من خلقهم هي: عبادته سبحانه وتعالى، وخلق كل شيء لرعايتهم ورعاية مصالحهم ومصالح معاشهم، وسَخَّر لهم كل ما في السموات والأرض ليستعينوا بها على عبادته وطاعته سبحانه وتعالى.

ومعنى {لِيَعْبُدُونِ} ؛ أي: يوحدونني، فيفردونني بالعبادة، ولا يعبدوا سواي، والعبادة لا تُسمَّى عبادة إلا مع التوحيد ولا تصح ولا تقبل إلا به، فهو قوامها وأسها وأساسها المتين الذي لا قوام لها ولا ووجود إلا به، فهو كالطهارة للصلاة لا تصح ولا تقبل إلا بها فهي شرط صحة، كما أن التوحيد شرط صحة في صحة العبادة وقبولها.

وتحقيق العبودية لرب البرية هي المهمة العظيمة التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وقام سوق الآخرة ففريق في الجنة، وفريق في السعير، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ

إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء]، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم:{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر]، واليقين هنا هو: الموت.

وقال ابن القيم رحمه الله: «والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها، فإنها غاية الحب بغاية الذل، ولا يصلح ذلك إلا له سبحانه، والإشراك به في هذا هو الشرك الذي لا يغفره الله ولا يقبل لصاحبه عملًا»

(2)

.

(1)

تفسير الطبري (22/ 445).

(2)

الفوائد (ص: 183).

ص: 234

وقال ابن القيم في نونيته:

وعبادة الرحمن غاية حبه

مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائر

ما دار حتى قامت القطبان

(1)

وأخيرًا: فإن العبودية الحقة لا تتحقق إلا بتحقيق أصلين عظيمين:

الأصل الأول: إفراده الله تعالى بالعبادة ونبذ عبادة كل ما سواه، وهذا هو مقتضى شهادة ألا إله إلا الله.

الأصل الثاني: ألا يُعبد اللهُ إلا بما شرع، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله.

فمن حقق هذين الأصلين العظيمين بكمالهما وتمامهما، فقد حقق العبودية الحقة التي ينال به العبدُ سعادةَ الدارين.

‌رابعًا: تقرير عبودية لله تعالى في السورة الكريمة:

إن المتأمل في السورة الكريمة يتجلى له محور السورة الرئيس ألا وهو قضية التوحيد وتقرير العبودية التي خلق الله من أجلها الجن والإنس، فلم يخلقهم عبثًا ولم يتركهم سدى، قال تعالى:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)} [المؤمنون].

وفي قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} يتجلى بوضوح تقرير العبودية في السورة الكريمة، ومن هنا يتبين أن بيان تقرير العبودية لله هو المحور الرئيس في السورة الكريمة.

وفي نحو ذلك يقرر الفخر الرازي رحمه الله فيقول: «والمقصود من كل القرآن تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى، فقوله:{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} يدل على الإلهيات، وقوله:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} يدل على المعاد، وقول:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} يدل على نفي الجبر والقدر، وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره، وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ

(1)

الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (ص: 32).

ص: 235

عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} يدل أيضًا على إثبات قضاء الله وقدره وعلى النبوات، فلما كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة، وكانت هذه السورة مشتملة عليها - لقبت بأم القرآن»

(1)

.

وفيما ذكره الفخر الرازي وقرره إنما هو تقرير لكل أنواع العبودية في السورة الكريمة، فاشتمال السورة على حمده تعالى وتمجيده بأسمائه وصفاته والثناء عليه والإقرار باليوم الآخر وإثبات البعث والجزاء، وتنزيه الله عن كل نقص ووصفه تعالى بكل كمال يليق بذاته المقدسة، وحصر العبادة والاستعانة فيه وحده، وطلب الهداية إلى صراطه المستقيم، والإلحاح عليه بالثبات على هذا الصراط، صراط المنعم عليهم، وطلب البعد عن طريق أهل الغواية والزيغ ممن غضب عليه وأضلهم، كل ذلك يؤكد ويبرهن ويوضح تقرير السورة الكريمة للعبودية بمعناها الشامل والكامل، وآيات السورة مقررة لأنواع التوحيد الثلاثة كما مر معنا في ثنايا البحث، وكما سيأتي تفصيل ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.

ومما يبرهن ويؤكد تقرير الفاتحة للعبودية حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} قَالَ اللَّهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)} قَالَ اللَّهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»

(2)

.

ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.

(1)

التفسير الكبير للفخر الرازي (ص: 145).

(2)

مسلم (395).

ص: 236

‌المبحث الثاني

التوحيد وعلاقته بمحور

السورة الكريمة

ص: 237

المبحث الثاني:

التوحيد وعلاقته بمحور السورة الكريمة

أولًا: قد مرَّ معنا تكرارًا ومرارًا في ثنايا البحث أن التوحيد هو محور السورة الرئيس، ومن هنا يتبين: أن العلاقة بين التوحيد ومحور السورة الكريمة هي علاقة تلازم كتلازم الروح للجسد، فالتوحيد هوالمحور الرئيس في السورة الكريمة؛ يتمثل في كل آيات من آياتها.

ثانيًا: افتتاح السورة بقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} ، فيه تعظيم وإجلال وإقرار لله بالربوبية في قوله:{رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، والله سبحانه وتعالى يحب الحمد ويحب أن يحمده عباده، وقد مرَّ معنا في ثنايا البحث حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه قال: كنت شاعرًا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني مدحت ربي بمحامد، قال:«أما إن ربك يحب الحمد»

(1)

، وحمد العبد ربه إقرار منه لله بالألوهية التي هي توحيد الله بأفعال العباد، وهذا هو عين التوحيد.

ثالثًا: قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)} يتضمن الثناء على الله تعالى بأسمائه الحسنى وفي ذلك تلازم بين توحيد الأسماء والصفات ومحور السورة الرئيس.

رابعًا: قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} فيه التمجيد لله تعالى، المقترن بالإيمان باليوم الآخر، المتضمن للبعث بعد الموت والحساب والجزاء على الأعمال.

خامسًا: قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} فيه إذعان لله واستسلام وانقياد له سبحانه بالتوحيد، وصرف العبادة كلها لله، فحصر العبادة في الله تعالى فيه إقرار بالعبودية له سبحانه وحده ونبذ عبادة كل ما سواه، وكذلك حصر الاستعانة بالله

(1)

أحمد) 15624)، وصححه أحمد شاكر في مقدمته لعمدة التفسير (1/ 62).

ص: 239

وحده فيه معنى الذل والخضوع والافتقار الكامل والتام لمالك يوم الدين، وقد علمنا أن تقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، وقد أفاد هنا حصر واختصاص العبادة والاستعانة فيمن ينبغي ألا تصرف العبادة كلها: عبادة، ولا استعانة إلا له وحده لا شريك له، مع ما فيه من تعظيم الله بتقديم حقه في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وتأخير حظ نفسه في:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} ، وهذا كله هو عين توحيد الألوهية.

سادسًا: قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} متضمن لافتقار العبد لربه في جلب المنافع والتي من أعظمها معرفة الصراط المستقيم المتضمن لهداية الدلالة والإرشاد، وهذه الهداية لابد لها من دلالة وواسطة في البيان والبلاغ عن الله، فكانت نعمة إرسال الرسل، والرسل مبلغين عن الله وهم أمناء الله على وحيه، فلابد للرسل من رسالة، فكانت الرسالة متضمنة لنعمة إنزال الكتب، وطلب الهداية لهذا الصراط كما هو متضمن لهداية الدلالة والإرشاد، فهو كذلك متضمن لهداية التوفيق والإلهام والرشاد، وبذلك تتم نعمة الهدايتين جميعًا وهذا هو عين التوحيد الملازم لمحور السورة الكريمة.

سابعًا: قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، بعد أن علم الله العبد طلب الهداية إلى صراطه المستقيم وطريقه القويم، ناسب أن يدله على هذا الصراط ليسلكه، ثم ناسب أن يبين له عظم وقدر السالكين لهذا الصراط لينال شرف الصحبة وعلو القدر والمكانة، والمنعم عليهم هم الذين قال الله فيهم:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)} [النساء]، وقوله:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} ، لمَّا أطاعوا الله والرسول صلى الله عليه وسلم كانوا من أهل الصراط، ولمَّا كانوا من أهل الصراط استحقوا نيل شرف الصحبة {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} .

ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه: «صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ وذلك نظير ما قال ربنا

ص: 240

تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} الآية [النساء: 69]»

(1)

.

والنبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته يسلي نفسه ويعزيها بشرف تلك الصحبة التي هو منها، وهو أعلاهم شرفًا ومكانة ورتبة وقدرًا.

فقد روى البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبي يمرض إلا خيّر بين الدنيا والآخرة» . وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بُحّة شديدة فسمعته يقول: {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69]، فعلمت أنه خُيّر»

(2)

.

«{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره»

(3)

.

ثامنًا: قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} فيه بيان أن صراط المنعم عليهم «غير صراط المغضوب عليهم، [وهم] الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ «لا» ليدل على أنَّ ثّمَّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى»

(4)

.

وبهذا كله يتبين العلاقة الوطيدة بين التوحيد وبين محور السورة الكريمة.

ولعل في هذا كفاية، والحمد لله رب العالمين.

(1)

تفسير ابن كثير (1/ 140).

(2)

أخرجه البخاري (4586).

(3)

تفسير ابن كثير (1/ 140).

(4)

ابن كثير: المرجع السابق.

ص: 241

‌المبحث الثالث

تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة

كما ورد في السورة الكريمة

ص: 243

المبحث الثالث:

تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة

ومن الأهمية بمكان بيان تلك الأقسام الثلاثة بشيء من البيان لتتبين العلاقة بين أنواع التوحيد وبين السورة من جهة، وليتضح تقرير التوحيد بأنواعه في ثنايا آيات السورة الكريمة كلها من جهة أخرى.

‌أولًا بيان أقسام التوحيد:

ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: وهي:

1 -

توحيد الربوبية.

2 -

توحيد الألوهية.

3 -

توحيد الأسماء والصفات.

إن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام وإن لم يكن منصوصًا عليه بذلك، إلا أن نصوصه في الكتاب والسنة لا تخرج عن هذه الأقسام الثلاثة، وأولوا العلم إنما علموا ذلك وفهموه بالتتبع والاستقراء والنظر في نصوص الوحيين.

«وقد جاء هذا التقسيم في عبارات المتقدمين من أئمة الحديث والأثر، فجاء عند أبي جعفر الطبري في تفسيره وفي غيره من كتبه، وفي كلام ابن بطة، وفي كلام ابن منده، وفي كلام ابن عبد البر، وغيرهم من أهل العلم من أهل الحديث والأثر، خلافًا لمن زعم من المبتدعة أنَّ هذا التقسيم أحدثه ابن تيمية، فهذا التقسيم قديم يعرفه من طالع كتب أهل العلم التي ذكرنا»

(1)

.

(1)

شرح العقيدة الطحاوية: الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.

ص: 245

وإليك نبذة من أقوال أهل العلم: في بيان تقسيمهم التوحيد، إلى ثلاثة أقسام:

1 -

قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: «والله يُدعى من الأعلى لا من الأسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء»

(1)

.

فقوله: «يدعى من الأعلى لا من الأسفل» فيه إثبات صفة العلو، وهو من توحيد الأسماء والصفات

وقوله: «من وصف الربوبية» فيه إثبات توحيد الربوبية.

وقوله: «والألوهية» فيه إثبات توحيد الألوهية

(2)

.

2 -

قال الطحاوي الحنفي رحمه الله: «نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله، إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره»

(3)

. فقوله: «إن الله واحد لا شريك له» شامل لأقسام التوحيد الثلاثة.

وقوله: «ولا شيء مثله» توحيد الأسماء والصفات.

وقوله: «ولا شيء يعجزه» هذا من توحيد الربوبية.

وقوله: «ولا إله غيره» إشارة إلى توحيد الألوهية والعبادة»

(4)

.

3 -

قال ابن بطة العُكْبُري

(5)

رحمه الله: «أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:

أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته

(6)

، ليكون بذلك مباينًا من أهل التعطيل الذين لا

(1)

الشرح الميسر على الفقهين الأبسط والأكبر لمحمد الخميس (ص 135)(متن فقه الأبسط).

(2)

القول السديد للبدر (ص: 42)، وأصول الدين عند الإمام أبي حنيفة للخميس (ص: 208).

(3)

العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (1/ 21) وبعدها.

(4)

القول السديد للبدر (42 - 43)، وأصول الدين عند الإمام أبي حنيفة لمحمد الخميس (ص: 208).

(5)

هو أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان ابن بطة العُكْبري شيخ العراق، فقيه، محدث، ولد سنة (304 هـ) وتوفي سنة (387 هـ) من مؤلفاته: الإبانة في أصول الديانة. سير أعلام النبلاء للذهبي (16/ 529)(389)، وشذرات الذهب لابن العماد (4/ 463) حوادث سنة (387 (.

(6)

في النسخة المطبوعة (آنيته) وقد نقل شيخنا الأستاذ الدكتور عبد الرزاق البدر من النسخة الخطية (ربانيته)؛ فالتصحيح من كتاب القول السديد لعبد الرزاق البدر (ص: 32).

ص: 246

يثبتون صانعًا.

والثاني: أن يعتقد وحدانيته؛ ليكون مباينًا بذلك من أهل الشرك الذين أقروا بالصانع، وأشركوا معه في العبادة غيره.

والثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم، والقدرة، والحكمة، وسائر ما وصف به نفسه في كتابه»

(1)

.

4 -

قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: «التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:

أحدها: الكلام في الصفات.

الثاني توحيد الربوبية: وهو بيان أن الله خالق كل شيء.

الثالث توحيد الإلهية: وهو استحقاق أن يُعبد وحده لا يُشرك له»

(2)

.

5 -

قال الجرجاني الحنفي رحمه الله: التوحيد ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة»

(3)

.

فهذه جملة من أقوال العلماء حيث قسموا التوحيد إلى ثلاثة أنواع، وذلك باعتبار تعلقه بالرب عز وجل، وذلك بالاستقراء في أدلة الشرع»

(4)

، ولذا كان هذا البيان ردًا على من زعم أن هذا التقسيم تقسيم محدث لم يكن عليه عمل المسلمين من قبل.

‌القسم الأول: توحيد الربوبية

.

وهو توحيد الله بأفعاله سبحانه وتعالى، ومعناه: إفراد الله تعالى بأفعاله من الخلق والملك والتدبير والرزق والإحياء والإماتة وجلب النفع ودفع الضر وغير ذلك، فيعتقد المؤمن أن الله تعالى لا شريك له في ربوبيته.

وهذا يعني الإقرار بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو ربّ كل شيءٍ وخالقه ومليكه، وأنّه

(1)

الإبانة لابن بطة (2/ 172 - 173).

(2)

شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (1/ 23).

(3)

التعريفات للجرجاني (ص: 99).

(4)

ينظر: منتدى السعادتين- منيب المدني. بتاريخ (19/ 12/ 2013 هـ).

ص: 247

سبحانه وتعالى هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت، وأنّه سبحانه له الخلق والأمر، وأن أمر عباده كلّه له تبارك اسمه، وأنّ الخير كلّه بيديه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ليس له في ربوبيته ندّ ولا شريك ولا شبيه ولا نظير.

‌أنواع ربوبية الله على خلقه:

ربوبية الله على خلقه على نوعين:

«الربوبية العامة: وهي لجميع الناس؛ بَرِّهم وفاجرِهم مؤمنِهم وكافرِهم؛ وهي خلقه للمخلوقين، ورزقُهم، وهدايتهم، لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.

الربوبية الخاصة: وهي تربيته لأوليائه المؤمنين، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكملهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه، ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب؛ فإن مطالبهم كلَّها داخلةٌ تحت ربوبيته الخاصة»

(1)

.

‌من دلائل ومشاهد الربوبية:

‌1 - دلالة الفطرة:

فإن الله جبل المخلوق على الإقرار بخالقه وفاطره، والاعتراف بربوبيته بدافع الفطرة، ذلك بأن الله تحبب إلى خلقه بنعمه، فهو خالقهم وموجدتهم من العدم وممتعهم بالنعم ودافع عنهم البلاء والنقم، والنفس جبلت على حبّ من أحسن إليها، ومن هنا كان الإقرار بالربوبية جبلي فطري إلا عند من انطمست فطرهم كالدهرين والملحدين من الشيوعيين والبوذيين وسائر المعاندين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ولما كان الإقرار بالصانع فطريًّا كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة»

(2)

؛ فإن الفطرة تتضمن الإقرار بالله، والإنابة إليه، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يُعْرَفُ ويُعْبَدُ»

(3)

.

(1)

ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ ابن سعدي (1/ 288).

(2)

البخاري (1358)، ومسلم (2658).

(3)

مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/ 6).

ص: 248

‌2 - دلالة التفكر في الأنفس:

إن من أعظم وأجل الدلالات على ربوبية الله تعالى: تلك النفس المخلوقة التي بين حنبي الإنسان، وصاحب الفطرة السوية والعقل السليم حينما يعملهما في التأمل في خلقته وإيجاده من عدم، ويتأمل مراحل خلقه وتكوينه يستدل بهما على ربوبية الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى، قال ربنا:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)} [المؤمنون: 12 - 14].

يقول الطاهر ابن عاشور رحمه الله: «وهذا شروع في الاستدلال على انفراد الله تعالى بالخلق وبعظيم القدرة التي لا يشاركه فيها غيره، وعلى أن الإنسان مربوب لله تعالى وحده، والاعتبار بما في خلق الإنسان وغيره من دلائل القدرة ومن عظيم النعمة.

فالمقصود منه إبطال الشرك، لأن ذلك الأصل الأصيل في ضلال المعرضين عن الدعوة المحمدية»

(1)

.

ويقول العلَّامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: «بيَّن -جل وعلا -في هذه الآية الكريمة، أطوار خلقه الإنسان ونقله له، من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا»

(2)

.

وقال سبحانه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)} [الشمس] أي: «عدل خلقها وسوى أعضاءها»

(3)

.

و «أنشأها وأبدعها مستعدة لكمالها؛ وذلك بتعديل أعضائها وقواها الظاهرة والباطنة»

(4)

.

(1)

التحرير والتنوير (19/ 22).

(2)

أضواء البيان (5/ 322).

(3)

البغوي (8/ 438).

(4)

روح المعاني للألوسي (30/ 143).

ص: 249

‌3 - دلالة التأمل والتفكر في الآفاق والمخلوقات:

قال سبحانه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)} [فصلت].

«والله جل وعلا قد بين من غرائب صنعه وعجائبه في نواحي سماواته وأرضه»

(1)

.

«فلو تأمل الإنسان الآفاق وما أودع الله فيها من الغرائب والعجائب لأدرك أن هناك خالقًا لهذه الأكوان، وأنه عليم حكيم»

(2)

.

ومن جملة معاني قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فصلت: 53].

«الآيات التي في السماء وفي الأرض، وما يحدثه الله تعالى من الحوادث العظيمة، الدالة للمستبصر على الحق، {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} [فصلت: 53] مما اشتملت عليه أبدانهم، من بديع آيات الله وعجائب صنعته، وباهر قدرته، وفي حلول العقوبات والمثلات في المكذبين، ونصر المؤمنين، حتى يتبين لهم من تلك الآيات بيانًا لا يقبل الشك أنه الحق وما اشتمل عليه حق.

وقد فعل تعالى، فإنه أرى عباده من الآيات، ما به تبين لهم أنه الحق، ولكن الله هو الموفق للإيمان من شاء، والخاذل لمن يشاء»

(3)

.

ومن جملة دلائل خلقه سبحان في الأفاق ما يراه الإنسان بصفة مستديمة ومستمرة كتلك الآيات الباهرة والمخلوقات العظيمة الدالة على ربوبية الله تعالى، ومنها آياته في الخلق بعض مخلوقاته، قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)} [الروم]، وكما في قوله سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ

(1)

أضواء البيان (6/ 376).

(2)

ينظر: الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في توضيح العقيدة (71 - 72) للشيخ

عبد الرزاق العباد، والإيمان بالله للكاتب (ص 14 - 59/ ط 1).

(3)

ابن سعدي (7/ 1581).

ص: 250

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)} [الروم]، وذلك «لما بيّن دلائل الأنفس، ذكر دلائل الآفاق، وأظهرها خلق السماوات والأرض»

(1)

ومنها أيضًا: الآيات الكونية الباهرة والمعجزات الخارقة للعادة في بعض مخلوقات الله المخلوقة على غير عموم خلقه سبحانه، والدالة على ربوبية الله وقدرته وعظمته وتفرده بالخلق، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، قال تعالى:{كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} [آل عمران].

ومنها: خلق زوجه حواء من ضلعه الأيسر قال تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6].

ثم تكاثر هذه البشرية من نسلهما، وبثّ منهما البشرية جمعاء، سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا

وَنِسَاءً} [النساء: 1].

قال ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومُنَبّهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم، عليه السلام {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وهي حواء عليها السلام، خلقت من ضِلعه الأيسر من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه، وروى ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس قال: خُلقَت المرأة من الرجل»

(2)

. انتهى.

ودلالة ذلك من السنة ما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي

ص: 251

الضِّلعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ»

(1)

.

وهذا من كمال قدرته وعظمته سبحانه ومطلق مشيئته؛ ليعلم الإنسان أصل خلقته، ومبدأ منشئه، فيعلم عظمة ربه وقدرته على خلقه، وأيضًا ليعلم فقره التام لربه مع غناه عنه سبحانه ويعلم ضعفه وانعدام حيلته، فيستسلم لعظمته ويخضع لجبروته وسلطانه وينقاد لأمره ولا يتمرد على خالقه وسيده ومولاه.

وقال ابن القيم رحمه الله: «

ليرى عباده أنه خالق أصناف الحيوان كلها كما يشاء وفي أي لون شاء، فمنها المتشابه الخلقة المتناسب الأعضاء، ومنها المختلف التركيب والشكل والصورة، كما يرى عباده قدرته التامة في خلقه لنوع الإنسان على الأقسام الأربعة الدالة على أنه مخلوق بقدرته ومشيئته، تابع لها، فمنه ما خلق من غير أب ولا أم، وهو أبو النوع الإنساني، ومنه ما خلق من ذكر بلا أنثى، وهي أمهم التي خلقت من ضلع آدم، ومنه ما خلق من أنثى بلا ذكر، وهو المسيح ابن مريم، ومنه ما خلق من ذكر وأنثى وهو سائر النوع الإنساني، فيرى عباده آياته ويتعرف إليهم بآلائه وقدرته وأنه إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون»

(2)

.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «خلق سائر الخلق من ذكر وأنثى، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ فإنَّ حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء»

(3)

انتهى.

وقد قال الله تعالى في خبر عيسى وأمه قولًا مختصرًا فصلًا: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)} [المؤمنون].

(1)

البخاري (3331) ومسلم (1468).

(2)

مفتاح دار السعادة (1/ 242).

(3)

الجواب الصحيح (4/ 54).

ص: 252

وقال العلَّامة الفقيه محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: «مِن حكم خلقه عيسى من امرأة بغير زوج ليجعل ذلك آية للناس، أي: علامة دالة على كمال قدرته وأنه يخلق ما يشاء كيف يشاء، إن شاء خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى، وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل بحواء، كما نص على ذلك بقوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]، أي: خلق من تلك النفس التي هي آدم زوجها حواء، وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى معًا كما فعل بآدم، وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى، كما فعل بسائربني آدم»

(1)

انتهى.

ومن تلك الدلائل العظيمة أيضًا الدالة على ربوبيته سبحانه: خبر العزير وموته مائة عام ثم بعثه، قال تعالى:{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)} [البقرة].

وخبر بقرة بني إسرائيل وإحياء القاتل بضربه ببعضها، وقصة أصحاب الكهف ومكثهم ولبثهم في الكهف نائمين ثلاثة مائة سنين وازدادوا تسعًا، لم يتغيروا ولم تتآكل أجسادهم، ومثل هذا في القرآن كثير، ولعل في الإشارة ما يغني عن العبارة.

‌ومن دلائل ومشاهد ربوبية الله تعالى في القرآن:

1 -

أن له الخلق والأمر: قال سبحانه: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)} [الزمر] فهذه «الأشياء كلها موكولة إليه، فهو القائم بحفظها»

(2)

وقال سبحانه: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف].

2 -

ومن تلك الدلائل أيضًا: أنه سبحانه المتفرد بالخلق والرزق والملك وتدبير

(1)

أضواء البيان (4/ 259).

(2)

البغوي (7/ 131).

ص: 253

وتصريف شؤون الخلق، ولا شريك له في شيء من ذلك أبدًا، فهو الذي تفرّد في ربوبيته خلقًا، وإيجادًا، ورزقًا وتصريفًا وتدبيرًا، وهذه الأفعال كلها من لوازم ربوبيته جل في علاه، قال سبحانه في شأن الخلق:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، وقال سبحانه:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25)} [لقمان]، وقوله تعالى:{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف]، والله هو الخالق لهذه المخلوقات العظيمة فهو:«يخبر تعالى بأنه خلق هذا العالم: سماواته وأرضه، وما بين ذلك في ستة أيام»

(1)

وهو «سيدكم ومصلح أموركم، أيها الناس، وهو المعبود الذي له العبادة من كل شيء»

(2)

وهو: «المنفرد بقدرة الإيجاد، فهو الذي يجب أن يعبد»

(3)

فالله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهو الذي خلق الشمس والقمر والنجوم، وكل هذه المخلوقات مسخرات بأمره سبحانه، وهو خالقها وباريها، فالآية الكريمة تدل على أفعال الله تعالى، حيث خلق السماوات والأرض، وله وحده الخلق والأمر، وهذه الصفات كلها تدل على الربوبية، وهذه الأفعال أيضًا من لوازم ربوبية الله على خلقه.

ويقول تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)} [يونس] وكل هذه الأفعال دالة على تفرده سبحانه بالربوبية، وتفرده بتدبير وتصريف شؤون خلقه جميعًا.

ودلائل الربوبية وشواهدها أكثر من أن تحصى في كتاب الله تعالى.

(1)

ابن كثير (3/ 427).

(2)

الطبري (12/ 483)، بتصرف يسير ليستقيم الكلام مع النص.

(3)

القرطبي (7/ 198).

ص: 254

و «توحيد الربوبية حق، وأمره عظيم، ولا يصح إيمان العبد إذا لم يؤمن به، ولكن هذا النوع من أنواع التوحيد ليس هو الغايةَ التي جاءت بها الرسل، وأنزلت من أجلها الكتب، وليس الغايةَ التي من جاء بها فقد جاء بالتوحيد وكماله؛ ذلك أن الله أمر بعبادته التي هي كمال النفوس وصلاحها وغايتها، ولم يقتصد على مجرد الإقرار به كما هو غاية الطريقة الكلامية»

(1)

.

ولقد أقر الكفار بربوبية الله تعالى على زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومع إقرارهم هذا قاتلهم صلى الله عليه وسلم واستحل دماءهم وأموالهم وسبى ذريتهم ونساءهم، ولم يدخلهم في الإسلام، وهذا الإقرار أيضًا لن ينجيهم من عذاب الله في الآخرة، لأنهم صرفوا العبادة لغيره سبحانه ولم يقروا بألوهيته جل في علاه، فمن أقر بالربوبية دون تحقيق توحيد الألوهية لم يكن مسلمًا موحدًا، ولا يَحْرم دمه ولا ماله حتى يقرَّ لله بالألوهية، ويصرف له العبادة وحده دون سواه.

إذًا فلابد مع الإقرار بالربوبية تحقيق التوحيد الكامل بالإقرار بالألوهية، قال تعالى:{قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)} [المؤمنون: 84 - 89].

وفي ذكر الله تعالى لإقرار الكفار بربوبيته سبحانه حكم عظيمة من أجلها وأعظمها إقامة الحجة ووضوح المحجة على نصب ربوبيته، وأنه سبحانه خالقهم ورازقهم، فلا يستحق العبادة سواه جل في علاه، إذًا كيف يقرون له بالربوبية، ولا يقرون له بالألوهية والعبودية؟ فإن الخالق المدبر لهذا الكون المتصرف في كل شؤون خلقه وملكوته ألا يستحق العبادة؟، فكيف يقرون لله بالربوبية، ثم يعبدون سواه؟!.

(1)

ينظر: مجموع الفتاوى (2/ 12).

ص: 255

‌ويتلخص مما سلف ذكره في توحيد الربوبية ما يلي:

1 -

توحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله سبحانه.

2 -

توحيد الربوبية توحيد فطري مجبول في النفوس ومركوز فيها بدافع الخلقة والفطرة والجبلة.

3 -

أكثر الخلق مقرون لله بالربوبية.

4 -

الإقرار لله بالربوبية لا يكفي للدخول في الإسلام، فقد أقر به إبليس، وأقر به المشركون فلم ينفعهم لأنهم لم يقروا بتوحيد العبادة للهِ وحده لا شريك له.

5 -

الخصومة بين الرسل وأممهم كانت في الألوهية.

6 -

للربوبية دلائل في خلق الله شاهدة على عظمته في خلقه يُستدل بها على ربوبيته لا يُنكرها إلا كل مكابر معاند جاحد.

‌وأهم ما يثمره تحقيق توحيد الربوبية ما يلي:

1 -

الاستدلال بالمخلوقات على خالقها يبعث في النفس اليقين بوجود خالق للكون، بخلاف منكر الربوبية فهو في حيرة وشك وتردد دائمًا، هل للكون إله خالق أم لا؟

2 -

الإيمان بالربوبية يبعث في النفس اطمئنانًا وسكينة.

3 -

الإيمان بالربوبية يبعث الثقة في خالق الكون ومدبر شؤونه، وهذه الثقة تثبت عجز المخلوق وافتقاره التام لخالقه سبحانه.

4 -

الإيمان بالربوبية يؤدي إلى تعظيم الخالق جل في علاه.

5 -

الإيمان بالربوبية يؤدي إلى الإقرار بالألوهية.

وختامًا فإنَّ «للإيمان بالربوبية آثارًا عظيمة، وثمرات كثيرة، فإذا أيقن العبد أن له ربًّا خالقًا هو الله تبارك وتعالى وأن هذا الرب هو رب كلِّ شيءٍ ومليكه، مصرف الأمور، وأنه هو القاهر فوق عباده، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات

ص: 256

والأرض-أَنِسَت رُوحُه بالله، واطمأنت نفسه بذكره، ولم تزلزله الأعاصير والفتن، وتوجه إلى ربه بالدعاء، والالتجاء، والاستعاذة، وكان دائمًا خائفًا من تقصيره، وذنبه؛ لأنه يعلم قدرة ربه عليه، ووقوعه تحت قهره وسلطانه، فتحصل له بذلك التقوى، والتقوى رأس الأمر، بل هي غاية الوجود الإنساني»

(1)

.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا»

(2)

.

‌القسم الثاني: توحيد الألوهية

.

‌تعريفه:

يقول حافظ الحكمي رحمه الله: «هو: إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؛ الظاهرة، والباطنة، قولًا، وعملًا، ونفي العبادة عن كل مَن سوى الله تعالى كائنًا من كان» .

ويقول في سلَّم الوصول أيضًا:

هذا وثاني نوعي التوحيد

إفرادُ ربِّ العرش عن نَدِيدٍ

أن تعبد الله إلهًا واحدًا

معترفًا بحقه لا جاحد

(3)

ويتضح من ذلك: أن توحيد الألوهية يعني: إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة التي شرعها لعباده وأمرهم بها، من صلاة وزكاة وصيام وحج ودعاء ونذر ونحر ورغبة ورهبة وخوف ورجاء وخشية وتذلل وخشوع وخضوع واستعانة واستغاثة وتوكل، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، وهو توحيد الله تعالى بأفعال عباده التي أمرهم بها، فتصرف جميع أنواع تلك العبادة وغيرها لله وحده لا شريك له.

ولقد أرسل الله جميع الرسل لتحقيقه، وهو أكثر ما يعالجونه مع أقوامهم، قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وهذا النوع من أنواع التوحيد هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأممهم لإنكارهم

(1)

ينظر: منهج جديد لدراسة التوحيد للشيخ عبد الرحمن عبدالخالق (ص 82).

(2)

مسلم (34).

(3)

معارج القبول شرح سلّم الأصول (1/ 31).

ص: 257

له، كما بيّن الله ذلك في كتابه فقال سبحانه وتعالى:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص].

فتوحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بالعبادة كلها فلا يعبد غيره، ولا يُدعى ولا يُسأل سواه، ولا يُستغاث ولا يُستعان إلا به سبحانه، ولا يُنذر ولا يُذبح ولا يُنحر إلا له، ولا يُتوكل إلا عليه ولا يُخشى إلا إياه، ولا يُصرف أيّ شيء من أنواع العبادة إلا له، قال ربنا:{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)} [الأنعام: 162 - 163] وقال سبحانه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)} [الكوثر] وإنما يقع الشرك في الألوهية بأن يُتخذ مع الله إله آخر يُعبد من دونه ويُتقرب إليه بالعبادة كما يُعبد اللهُ تعالى ويُتقرب إليه كذلك بالعبادة.

‌ويُستفاد مما سبق بيانه عن توحيد الألوهية ما يلي:

1 -

أنه الغاية الكبرى التي خلق الله من أجلها الخلق.

2 -

أنه النعمة العظمى والمنة الكبرى التي امتن الله بهداية عباده إليها.

3 -

أنه الغاية العظمى من إرسال الرسل وإنزال الكتب.

4 -

أن من أجل حماية جنابه؛ شرع الجهاد في سبيل الله تعالى.

5 -

أنَّ تحقيقه سبب حصول كمال الاهتداء وتمام الأمن في الدارين، قال ربنا:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)} [الأنعام].

6 -

أن تحقيقه من أعظم أسباب دفع النقم والعقوبات، ومن أسباب تفريج الكروبات، وحلول الخيرات، وسبب رغد العيش وحلول البركات وتنزل الرحمات.

7 -

تحقيق التوحيد سبب حصول العزة والكرامة للمؤمن، فمن حقق كمال التوحيد تولاه الله وفرغ قلبه لمحبته ولسانه لذكره وشغله بما خُلق له وكفاه شر التزلف للخلق والتعلق بهم ورزقه حقيقة التوكل عليه والإنابة إليه.

8 -

أن تحقيقه سبب الفوز برحمة الله وحلول رضوانه على العبد، وسبب نيل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.

ص: 258

9 -

أنَّ تحقيق التوحيد من أعظم أسباب الاستخلاف في الأرض والتمكين للدين وتحقيق النصر على الأعداء.

10 -

أنَّ تحقيق كمال التوحيد في قلب المؤمن من أعظم أسباب نجاته من النار وعدم دخولها أصلًا، لما ثبت الصحيحين من حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»

(1)

.

11 -

أنه سبب خروج عصاة الموحدين من النار وعدم خلودهم فيها؛ لأنهم مع ذنوبهم معهم أصل التوحيد، وإنما الخلود في النار لأهل الكفر والشرك الأكبر.

وكل ما سبق ذكره له شواهد متعددة من الكتاب والسنة، فمن حقق التوحيد حصلت له هذه الفضائل والمكرمات والمنح والأعطيات والهبات الإلهية كلها، والعكس بالعكس لمن فرط في تحقيق التوحيد.

‌القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات

.

‌أولًا: تعريفه:

يقول ابن سعدي رحمه الله: «توحيد الأسماء والصفات: وهو اعتقاد انفراد الرب جل جلاله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة، والجلال، والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه.

وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من جميع الأسماء، والصفات، ومعانيها، وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله، من غير نفي لشيء منها، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل. ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله من النقائص والعيوب ومن كل ما ينافي كماله.»

(2)

وهو: «الإيمان بما وصف الله به نفسَه في كتابه، أو وَصَفَه به رسوله من الأسماء

(1)

البخاري (77)، ومسلم (33).

(2)

القول السديد في مقاصد التوحيد (3/ 10).

ص: 259

الحسنى والصفات العلى، وإمرارها كما جاءت على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى»

(1)

.

‌ثانيًا: منهج أهل السنة والجماعة وطريقتهم في الأسماء والصفات

.

من الأهمية بمكان التعريف بأهل السنة والجماعة:

‌1 - التعريف بأهل السنة والجماعة:

أهل السنة هم الذين اتبعوا سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهديه- في كل ما جاء به وأمر، وصدقوه في كل ما أخبر، واجتنبوا ما عنه نهى وزجر، وعبدوا الله بما شرع، كل ذلك، سواء كان في أمور العقائد، أو أمور الشرائع، أو في العبادات والمعاملات والأخلاق وغيرها.

وهم سلف هذه الأمة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم وتابعيهم بإحسان، وهؤلاء هم الذين استقاموا على الاتباع وجانبوا الابتداع، وكل من سلك سبيلهم واتبع طريقهم بإيمان وإحسان إلى يوم الدين في أيّ مكان وزمان، وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، هم أهل السنة والجماعة، وهم الذين اجتمعوا على الدين الحق الصحيح، والدليل الواضح الصريح من كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

(2)

يقول شيخنا العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله: «أهل السنة والجماعة هم الذين تمسكوا بالسنة، واجتمعوا عليها، ولم يلتفتوا إلى سواها، لا في الأمور العلمية العقدية، ولا في الأمور العملية الحُكمية؛ ولهذا سموا أهل السنة؛ لأنهم متمسكون بها، وسموا أهل الجماعة؛ لأنهم مجتمعون عليها.

وإذا تأملت أحوال أهل البدعة وجدتهم مختلفين فيما هم عليه من المنهاج

(1)

ينظر: أعلام السنة المنشورة لحافظ الحكمي. (ص 56 - 12).

(2)

نقلًا عن: أهل السنة والجماعة-خصائص -وفضائل -وأحكام- عرفة بن طنطاوي-تحت الطبع.

ص: 260

العقدي أو العملي، مما يدل على أنهم بعيدون عن السنة بقدر ما أحدثوا من البدعة»

(1)

.

‌2 - أهل السنة والجماعة وسبب تسميتهم بذلك

.

سُمُّوا بذلك لانتسابهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم واجتماعهم على الأخذ بها ظاهرًا وباطنًا، في القول والعمل والاعتقاد، فهم اجتمعوا على الحق الثابت بالكتاب والسنة، ولم يتفرقوا في الدين، واتبعوا ما أجمع عليه سلف الأمة

(2)

.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وكون التسمية بأهل السنة والجماعة حادثة، لا يعني أن مذهب أهل السنة والجماعة حادث، بل مذهب أهل السنة هو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده»

(3)

.

وقال العلَّامة يحيى العمراني اليماني رحمه الله

(4)

: «قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]، أما الذين ابيضت وجوههم قال: أهل السنة والجماعة، وأما الذين اسودت وجوههم قال: هم أهل البدع والضلالة»

(5)

.

(1)

مجموع فتاوى ورسائل شيخنا محمد صالح العثيمين المجلد الاول -باب أهل السنة والجماعة.

(2)

ينظر: شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح الفوزان (ص: 10)، وفتح رب البرية بتلخيص الحموية للشيخنا محمد بن صالح العثيمين (ص: 10).

(3)

منهاج السنة (2/ 482). نقلًا عن: أهل السنة والجماعة-خصائص وفضائل وأحكام-عرفة ابن طنطاوي-تحت الطبع.

(4)

يَحْيَى، أَبُوْ الخَيْرِ العِمْرَانِيُّ اليَمَانِيُّ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ بِبِلَادِ اليَمَنِ، (489 - 558 هـ)، إمام في الفقه وفروعه وأصوله، ومشارك في غيره من الفنون أصولًا وفروعاً، ربما ما عُرف إلا بعد أن طُبع كتابه البيان، وقد كان إمامًا في السنة على منهج السلف الصالح، وقد ألف في الرد على المعتزلة، كتاب الانتصار في الرد على القدرية الأشرار. ينظر: الأعلام للزركلي -طبقات الشافعية.

(5)

يعني: يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، تفسير ابن كثير (2/ 92).

ص: 261

‌3 - منهج أهل السنة والجماعة وطريقتهم في الأسماء والصفات:

يعتمد هذا النوع من أنواع التوحيد عند أهل السنة والجماعة على أربعة قواعد لا يتحقق كماله وتمامه إلا بها.

القاعدة الأول: تعظيم وتنزيه الخالق عن مشابهة المخلوق، وعن جميع النقائص كلها.

ونفي تلك النقائص التي نفاها الله عن نفسه في كتابه، ونفاها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت من سنته الصحيحة، مع إثبات كمال ضد هذه النقائص تنزيهًا وتعظيمًا وإجلالًا لله تعالى.

القاعدة الثانية: الإيمان بكل ما ورد وثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وإثباتها لله تعالى على الحقيقة على وجه يليق بذات الله تعالى، بلا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، قال ربنا:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى].

وهذا نفي، متضمن إثباتَ الكمالات كلها لله تعالى، فأهل السنة والجماعة ينفون مماثلة الخالق للمخلوق، مع إثبات الكمال المطلق لله تعالى.

القاعدة الثالثة: قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الرب جل في علاه.

القاعدة الرابعة: التوقف فيما لم يرد فيه إثبات أو نفي:

فمنهج أهل السنة والجماعة فيه: «التوقف: وذلك فيما لم يرد إثباته أو نفيه مما تنازع الناس فيه كالجسم -مثلًا-، والحيّز، والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه فلا يثبتونه ولا ينفونه، لعدم ورود النص بذلك.

أما معناه فيستفصلون عنه، فإن أُريد به معنى باطل يُنَزَّهُ الله عنه رَدَّوه، وإن أُريد به معنىً حقٌّ لا يمتنع على الله قبلوه، مثل الجهة: إن كانوا يقصدون بها أن اللهَ في السماء، فهذا صحيح، وإن كانوا يقصدون أن الله تحويه السماءُ، فهذا باطلٌ»

(1)

.

(1)

رسائل الحمد في العقيدة (4/ 7).

ص: 262

وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36].

وتلك القواعد: هي التي تبيّن وتبرز وتميِّز عقيدةَ أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، عن عقيدة أهل التأويل والتعطيل والتشبية والتمثيل والتكيف وعن سائر عقائد كل الفرق المبتدعة التي ضلت وزلت في هذا الباب العظيم، ألا وهو توحيد أسماء وصفات الرب جل في علاه.

وإن في سلوك منهج أهل السنة والجماعة واعتقاد طريقتهم والإيمان بها في باب الأسماء والصفات السلامة من الوعيد، الوارد في قوله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)} [الأعراف].

يقول الطبري رحمه الله: «وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدلوا بها عما هي عليه، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فسموا بعضها «اللات» اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو «الله» ، وسموا بعضها «العزى» اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو العزيز»

(1)

.

وقال البغوي رحمه الله: «هم المشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من «الله» والعزى من «العزيز» ، ومناة من «المنان» ، هذا قول ابن عباس ومجاهد.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنه: يلحدون في أسمائه أي يكذبون، وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تسميته بما لم يسم به، ولم ينطق به كتاب الله

(2)

ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم»

(3)

.

(1)

تفسير الطبري (13/ 282)

(2)

الأولى والأصوب العدول عن مثل هذه العبارة (ينطق به القرآن) ونحوها؛ لأنها من صفات المخلوق، والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق.

(3)

تفسير البغوي (03/ 306)

ص: 263

‌بيان معنى الإلحاد:

و «الإلحاد: الميل وترك القصد، يقال: لحد الرجل في الدين وألحد: إذا مال، ومنه اللحد في القبر؛ لأنه في ناحية، وقرئ «يلحدون» وهما لغتان، والإلحاد في أسمائه -سبحانه يكون على ثلاثة أوجه: إما بالتغيير كما فعله المشركون فإنهم أخذوا اسم اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، أو بالزيادة عليها بأن يخترعوا أسماء من عندهم لم يأذن الله بها، أو بالنقصان منها بأن يدعوه ببعضها دون بعض ومعنى»

(1)

.

‌الأدلة على صحة مذهب السلف

(2)

:

طريقة السلف الصالح أهل السنة والجماعة هي الطريقة الواجبة في أسماء الله وصفاته، وهي الأسلم والأعلم والأحكم، وليس هناك طريقة أخرى صحيحة في هذا الباب، باب الأسماء والصفات إلا طريقتهم في إثباتها وإمرارها كما جاءت، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة منها:

‌1 - أن طريقة السلف دل عليها الكتاب والسنة:

فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)} [الأعراف]، وقوله:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى]، وقوله:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36].

فالآية الأولى: دلت على وجوب الإثبات من غير تحريف، ولا تعطيل؛ لأنهما من الإلحاد في أسمائه عز وجل.

والآية الثانية: دلت على وجوب نفي التمثيل، والآية الثالثة: دلت على وجوب نفي الكيفية، وعلى وجوب التوقف فيما لم يرد إثباته ولا نفيه.

(1)

فتح القدير، للشوكاني (1/ 515).

(2)

ينظر: منهاج السنة (2/ 561)، وفتح ربِّ البرية، (ص 19 - 24)، والأسماء والصفات في معتقد أهل السنة والجماعة (ص 213 - 221)، ودعوة التوحيد للشيخ محمد خليل هراس (ص 19 - 24).

ص: 264

أما من السنة فالأدلة كثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء»

(1)

.

‌2 - العقل:

فالعقل يدل على صحة مذهب السلف، ووجه دلالته: أن تفصيل القول فيما يجب، ويجوز، ويمتنع على الله لا يُدْرَك إلا بالسمع -الكتاب والسنة -فوجب اتباع السمع في ذلك، وذلك بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، والسكوت عما سكت عنه.

‌3 - الفطرة:

أما دلالة الفطرة على صحة مذهب السلف فلأنَّ النفوس السليمة مجبولة ومفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص؟

‌4 - مطابقتها للكتاب والسنة:

فمن تتبع طريقة السلف بعلم وعدل وجدها مطابقة لما في الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا؛ ذلك لأن الله أنزل الكتاب ليدّبر الناس آياته، ويعملوا بها إن كانت أحكامًا، ويصدقوا بها إن كانت أخبارًا.

‌5 - أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين هم ورثة الأنبياء والمرسلين:

فقد تلقوا علومهم من ينبوع الرسالة الإلهية؛ فالقرآن نزل بلغة الصحابة رضي الله عنهم، وفي عصرهم، وهم أقرب الناس إلى معين النبوة الصافي، وهم أصفاهم قريحةً، وأقلهم تكلفًا، كيف وقد زكاهم الله في محكم تنزيله، وأثنى عليهم، وعلى التابعين لهم بإحسان قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)} [التوبة].

وقد تهدد رب العزة الذين يتبعون غير سبيلهم بالعذاب الأليم فقال عز وجل: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء].

(1)

مسلم (2713).

ص: 265

ولا ريب أن سبيل المؤمنين هو سبيل الصحابة من المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان.

فإذا كان الأمر كذلك فمن المحال أن يكون خير الناس، وأفضل القرون قد قصروا في هذا الباب بزيادة أو نقصان.

‌6 - أن صفوة أولياء الله تعالى الذين لهم لسان صدق من سلف الأمة وخلفها

هم على مذهب أهل السنة والجماعة، أهل الإثبات للأسماء والصفات، وهم أبعد الناس عن مذاهب أهل الإلحاد.

(1)

‌7 - تناقض علماء الكلام وحيرتهم واضطرابهم:

فهذا مما يدل على صحة مذهب السلف؛ فلو كان مذهب الخلف حقًّا لما تناقضوا، ولما اضطربوا، ولما تحيروا وحيروا.

‌8 - رجوع كثير من أئمة الكلام إلى الحق وإلى مذهب السلف:

فهناك من أرباب علم الكلام الذين بلغوا الغاية فيه رجعوا إلى مذهب السلف، وتبرؤا من علم الكلام، وأعلنوا توبتهم منه، فهذا الرازي أحد أئمة أكابر علم الكلام ينوح على نفسه، ويبكي عليها، ويقول:

نهايةُ إقدامِ العقولِ عقالُ

وأكثر سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا

وغاية دنيانا أذًى ووبال

ولم نَسْتَفِدْ من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعنا فيه قيل وقالُوا

وكم قد رأينا من رجال ودولة

فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا

وكم من جبال قد علا شرفاتِها

رجالٌ فزالوا والجبال جبال

وقال ابن الصلاح: «أخبرني القطب الطوغائي مرتين أنه سمع فخر الدين الرازي يقول: يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، وبكى» .

(1)

ينظر: درء تعارض العقل لابن تيمية (5/ 7).

ص: 266

وقد اعترف أكثر المتكلمين بالوقوع بالحيرة، والأمور المشكلة المتعارضة فقال ابن أبي الحديد وهو من كبراء المعتزلة بعد عظيم توغله في علم الكلام:

فإذا الذي استكثرت منه هو الـ. . .

. . . . . ـجاني على عظائم المحن

فظللت في تيه بلا عَلَم

وغرقت في بحر بلا سفن

ومن الذين خاضوا في علم الكلام ورجعوا إلى منهج السلف أبو المعالي الجويني، والخسرو شاهي، وأبو حامد الغزالي

(1)

(2)

.

(1)

ينظر: مجموع الفتاوى (4/ 72 - 75)، و (5/ 10 - 11)، ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 159 - 162)، وكتاب الصفدية لابن تيمية (1/ 292 - 295)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص 208 - 210)، والتحف في مذاهب السلف للشوكاني (ص 34 - 44).

(2)

الغزالي (450 - 505 هـ)، هو: محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الغزَّاليّ بتشديد الزاي. نسبته إلى الغزَّال (بالتشديد) وكان أبوه غزالًا، أو هو بتخفيف الزاي نسبة إلى (غزالة) قرية من قرى طوس. فقيه شافعي أصولي، متكلم، متصوف. رحل إلى بغداد، فالحجاز، فالشام، فمصر وعاد إلى طوس. من مصنفاته (البسيط)؛ و (الوسيط)؛ و (الوجيز)؛ و (الخلاصة) وكلها في الفقه؛ و (تهافت الفلاسفة)؛ و (إحياء علوم الدين). [طبقات الشافعية (4/ 101 - 180)؛ والأعلام للزركلي (7/ 247)؛ والوافي بالوفيات (1/ 277)]

منهجه وعقيدته:

أ. قال الذهبي رحمه الله: «وأدخله سَيَلانُ ذهنهِ في مضايقِ الكلام، ومزالِّق الأقدام» ا. هــ. سير أعلام النبلاء (19/ 323).

ب. وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله: «شيخُنا أبو حامد: بَلَعَ الفلاسفةَ، وأراد أن يتقيَّأهم فما استطاع» ا. هــ. السير (19/ 327).

ج. وقال الذهبي أيضًا: «وقد ألّف الرجل في ذمِّ الفلاسفةِ كتابَ «التهافت» ، وكَشَفَ عوارَهم، ووافقهم في مواضعَ ظنًّا منه أن ذلك حقٌّ أو موافقٌ للملَّةِ، ولم يكن له علمٌ بالآثار، ولا خبرةٌ بالسنَّةِ النبويَّةِ القاضيةِ على العقلِ، وحُبِّبَ إليه إدمانُ النظرِ في كتابِ (رسائل إخوان الصفا)، وهو داءٌ عضالٌ، وجَربٌ مردٍ، وسمٌّ قتَّال، ولولا أنَّ أبا حامد مِن كبار الأذكياء، وخيار المخلصين لتلِف

» ا. هـ. السير (19/ 328). وللاستزادة، ينظر: سير أعلام النبلاء (19/ 323)، مجموع الفتاوى (10/ 551 - 552)، الكشف عن حقيقة الصوفية (ص 850)، =

ص: 267

ومن المتأخرين الذين خاضوا في علم الكلام ولم يرجعوا منه بفائدة، بل وقعوا في الحيرة الإمام الشوكاني فإنه حدَّث عن نفسه فقال: «ها أنا أخبرك عن نفسي، وأوضح لك ما وقعت فيه أمس؛ فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سمّوه تارة علم الكلام، وتارة علم التوحيد، وتارة علم أصول الدين، وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم، ورُمْت الرجوع بفائدة، والعود بعائدة، فلم أظفر بغير الخيبة والحيرة، وكان ذلك من الأسباب التي حبّبت إليَّ مذهب السلف على أني كنت قبل ذلك عليه، ولكن أردت أن أزداد منه بصيرة وبه شغفًا، وقلت عند ذلك في تلك المذاهب:

وغاية ما حصّلته من مباحثي

ومن نظري من بعد طول التأمل

هو الوقف ما بين الطريقين

حيرة فما علم من لم يلق غير التحير

على أنني قد خضت منه غماره

وما قنعت نفسي بغير التبحر

(1)

وبهذا يتبين لنا صحة مذهب السلف في باب الأسماء والصفات.

ثمرات الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات:

(2)

=إحياء علوم الدين في ميزان العلماء والمؤرخين لعلي الحلبي.

قلت: ويقولون: إنَّه خُتم له بخيرٍ، فترك التصوفَ والفلسفةَ، ومات و «صحيح البخاري» على صدره ! فكان ماذا؟ وهل كان هذا الإمامُ غافلًا عن البخاري، لكنَّ فضلَ اللهِ على خلقه عظيمٌ، ورحمتُه وسعتْ كلَّ شيءٍ، فنسأل الله له الرحمة، لكن هذا لا يلزم منه مدحه، والثناء عليه، وتلقيبه بـ «حجة الإسلام» !! ويجب ترك ما في كتبه مِن انحرافٍ وضلالٍ.

(1)

التحف في مذاهب السلف (ص 37 - 38). ينظر: رسائل الشيح الحمد في العقيدة (4/ 1).

(2)

ينظر: كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد لابن منده، (2/ 18 - 19)، والتفسير القيم لابن القيم (ص 24 - 37)، ومفتاح دار السعادة لابن القيم 2/ 9091، والصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة لابن القيم، (1/ 59 - 62)، وطريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم (ص 82 - 85)، والأسماء والصفات في معتقد أهل السنة والجماعة، د. عمر الأشقر (ص 18 - 39)، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في=

ص: 268

العلم بأسماء الله وصفاته، وتدبرها، وفهمها على مراد الله أهم العلوم وأشرفها،

كما مرَّ؛ لما يثمره من الثمرات العظيمة النافعة المفيدة.

ولقد اعتنى علماء الإسلام قديمًا وحديثًا في‌

‌ بيان أسماء الله وصفاته

، وشرحها، وإيضاحها، وبيان ثمرات الإيمان بها، فمن الثمرات التي تحصل من جراء الإيمان بها ما يلي:

‌1 - العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله

.

فالله خلق الخلق ليعرفوه، ويعبدوه، وهذه هي الغاية المطلوبة منهم؛ فالاشتغال بذلك خُلق له العبد، وإهماله وتركه وتضيعه والتفريط فيه يترتب عليه من الخسارة بقدر تفريطه وإهماله وتضيعه لتك الأمانة العظيمة، وقبيح بعبد لم تزل نِعَمُ الله عليه متواترة أن يكون جاهلًا بربه، معرضًا عن معرفته.

وإذا شاء العباد أن يعرفوا ربهم فليس لهم سبيل إلى ذلك إلا التعرف عليه من خلال النصوص الواصفةِ له، المصرِّحةِ بأفعاله وأسمائه، كما في آية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الصمد، وغيرها.

‌2 - أن معرفة الله تدعو إلى محبته وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له:

وهذا هو عين سعادة العبد، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته والتفقه بمعانيها، وأحكامها، ومقتضياتها.

‌3 - تزكية النفوس وإقامتها على منهج العبودية للواحد الأحد:

وهذه الثمرة من أجل الثمرات التي تحصل بمعرفة أسماء الله وصفاته، فالشريعة المنزلة من عند الله تهدف إلى إصلاح الإنسان، وطريقُ الصلاح هو إقامة العباد على منهج العبودية لله وحده لا شريك له، والعلمُ بأسماء الله وصفاته، يعصم بإذن الله من الزلل، ويفتح للعباد أبواب الأمل، ويثبت الإيمان، ويعين على الصبر، فإذا عرف العبد ربه بأسمائه

=توضيح العقيدة للشيخ عبد الرزاق العباد (ص 100 - 101)، والنهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى للشيخ محمد الحمود، وينظر: كذلك: رسائل الشيخ الحمد في العقيدة (4/ 3 - وما بعدها).

ص: 269

وصفاته، واستحضر معانيها أثّر ذلك فيه أيما تأثير، وامتلأ قلبه بأجل المعارف والألطاف.

‌4 - الانزجار عن المعاصي:

ذلك أن النفوس قد تهفو إلى مقارفة المعاصي، فتذكر أن الله يبصرها، فتستحضر هذا المقام وتذكر وقوفها بين يديه، فتنزجر وترعوي، وتجانب المعصية.

‌5 - أن النفوس طُلعَة، تتطلع وتتشوق إلى ما في أيدي الآخرين

، وربما وقع فيها شيء من الاعتراض أو الحسد، فعندما تتذكر أن الله من أسمائه-الحكيم-، والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه عندئذٍ تكف عن حسدها، وتنقدع عن شهواتها، وتنفطم عن غيّها.

‌6 - أن العبد يقع في المعصية، فتضيق عليه الأرض بما رَحُبت

، ويأتيه الشيطان؛ ليجعله يسيء ظنه بربه، فيتذكر أن من أسماء الله-الرحيم-، والتواب، والغفور، فلا يتمادى في خطيئته، بل ينزع عنها، ويتوب إلى ربه، ويستغفره فيجده غفورًا توابًا رحيمًا

‌7 - ومنها أن العبد تتناوشه المصائب، والمكاره

، فيلجأ إلى الله، فيذهب عنه الجزع والهلع، وتنفتح له أبواب الأمل.

‌8 - ويقارع الأشرار، وأعداء دين الله من الكفار والفجار

، فيجدُّون في عداوته، وأذيته، ومنع الرزق عنه، وقصم عمره، فيعلم أن الأرزاق والأعمار بيد الله وحده، وذلك يُثمر له الشجاعة، وعبودية التوكل على الله ظاهرًا وباطنًا.

‌9 - وتصيبه الأمراض، وربما استعصت وعزَّ علاجها

، وربما استبد به الألم، ودب اليأس إلى قلبه، وذهب به كل مذهب، حينئذٍ يتذكر أن الله هو الشافي، فيرفع يديه إليه ويسأله الشفاء، فتنفتح له أبواب الأمل، وربما شفاه الله من مرضه، أو صرف عنه ما هو أعظم، أو عوضه عن ذلك صبرًا وثباتًا ويقينًا هو عند العبد أفضل من الشفاء.

‌10 - أن العلم به تعالى أصل الأشياء كلها:

حتى إن العارف به حقيقة المعرفة

ص: 270

يستدل بما علم من صفاته وأفعاله على ما يفعله ويشرعه من الأحكام؛ لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته؛ فأفعاله دائرة بين العدل، والفضل، والرحمة، والحكمة.

‌11 - أن من انفتح له هذا الباب باب الأسماء والصفات انفتح له باب التوحيد الخالص

، الذي لا يحصل إلا للكُمّل من الموحدين.

‌12 - زيادة الإيمان:

فالعلم بأسماء الله وصفاته من أعظم أسباب زيادة الإيمان، وذلك لما يورثه في قلوب العابدين من المحبة، والإنابة، والإخبات، والتقديس، والتعظيم للباري جل وعلا {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)} [محمد].

‌13 - أنَّ مَن أحصى تسعة وتسعين اسمًا من أسماء الله دخل الجنة

، قال صلى الله عليه وسلم:«إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة»

(1)

.

كان هذا البيان لأقسام التوحيد من الأهمية بمكان لكون البحث متعلق بتك القضية الأم-قضية التوحيد-، وليكون البحث كامل الأركان تام البنيان، وكذلك زُيِلت آياتهُ بأقول أئمة التفسير لكون البحث متعلق بسورة من سورة القرآن الكريم، فلا يخرج عن كونه بحثًا في التفسير.

ولعل في هذا كفاية والحمد لله رب العالمين.

‌ثالثًا: تقرير التوحيد بأنواعه الثلاثة كما ورد في السورة الكريمة

.

‌1 - تقرير التوحيد في السورة جملة

.

إن المتأمل في ثنايا آيات السورة الكريمة يتضح له عيانًا موضوعها الرئيس ألا وهو تقرير التوحيد بأنواعه وأقسامه الثلاثة، وهو الهدف من سياق تلك السورة الكريمة، التي يتبين فيها استحقاق الله تعالى للمحامد كلها، ووصفه تعالى بصفات الجلال والكمال التي تقرر توحيد الأسماء والصفات، والإقرار له بعموم الربوبية، والاعتراف بعظمته وسعة ملكه، إقرار ذل وخضوع واعتراف له سبحانه بالملك التام، بملكه

(1)

البخاري (2736)، ومسلم (2677).

ص: 271

الأعظم ليوم الدين -يوم الجزاء والحساب-، ثم تقرير العبودية-عبادة واستعانة-وحصرها وقصرها على مستحقها وحده دون ما سواه وهو الله جل في علاه، ثم بيان افتقار آخر ألا وهو طلب الهداية للصراط، هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وإلهام ورشاد، ثم طلب مرافقة وصحبة المنعم عليهم ممن امتن الله عليهم بكمال الهداية للصراط، وتجنب طريق كل من تنكب الصراط ممن عرف الحق ولم يتبعه ولم يعمل به كاليهود ومن شابههم، وممن عبد الله على جهالة وضلالة كالنصارى ومن شابههم، وهذا كله إقرار لله تعالى بالألوهية.

وتحقيق التوحيد ولزوم العبودية هي المهمة التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، «أي: بأن اعبدوا الله ووحدوه {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ، أي: اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم، وكل من دعا إلى الضلال»

(1)

.

وتحقيق التوحيد ولزوم العبودية هي الغاية العظمى من خلق الخلق، قال ربنا:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات: 56 - 58]، أي:«وما خلقت الجن والإنس إلا ليذعنوا لي بالعبودة، ومع ذلك فهو سبحانه في غنى تام عنهم، {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ}، أي: ما أريد ممن خلقت من الجن والإنس من رزق يرزقونه خلقي، {وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)}، أي: وما أريد منهم من قوت أن يقوتوهم، ومن طعام أن يطعموهم»

(2)

.

يقول ابن سعدي رحمه الله في تفسيره: «فهذه السورة على ايجازها قد تضمنت ما لم تحتوِ عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} ، وتوحيد الإلهية: وهو إفراد الله بالعبادة يؤخذ

(1)

تفسير القرطبي (10/ 94).

(2)

تفسير الطبري (12/ 445).

ص: 272

من لفظ: {اللَّهُ} ، ومن قوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وتوحيد الأسماء والصفات وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ:{الْحَمْدُ} كما تقدم»

(1)

.

ويقرر ذلك الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله فيقول: «وهذه السورة -سورة الفاتحة- هي من جملة السور الّتي أفردت للتوحيد، والسور الّتي أفردت للتوحيد أربعة في القرآن الكريم، سورة الفاتحة، وسورة الكافرون، وسورة قل هو الله أحد، وسورة الفلق

(2)

، كلّ واحدة منها انتظمت التوحيد الّذي يخصّها، مثلًا سورة الفاتحة انتظمت التوحيد كلّه، وسورة الكافرون اشتملت على توحيد الألوهيّة أي: العبادة، وسورة قل هو الله أحد اشتملت على توحيد الأسماء والصفات، وسورة الفلق اشتملت على توحيد الربوبيّة.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أهمّيّة التوحيد، لأنّ الله عز وجل أنزل في هذا التوحيد في كلّ نوع منه سورة كاملة، وهذا لم يكن في الأحكام أبدًا ولا في الفروع الله عز وجل {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات] قوله: ليعبدون: هو التوحيد، وأوّل أمر في كتاب الله هو الأمر بالعبادة كما في سورة البقرة {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21]، ومن ثمّ عرفنا أنّ إنزال اللهِ عز وجل لنا سورًا أربعة كلّ واحدة اشتملت على التوحيد، هذا فيه إشارة إلى أهمّيّة التوحيد، وأنّه السرّ في خلق الجنّ والإنس.

وجاءت في مقدّمة هذه السور -سورة الفاتحة- الّتي افتتح بها القرآن العظيم لماذا؟

(1)

تفسير ابن سعدي (1/ 34).

(2)

والحقيقة أن سورة الناس كذلك كلها في أنواع التوحيد الثلاثة، وهذا ظاهر عيانًا في كل آياتها، فقوله:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)} [الناس] هذا توحيد الربوبية. {مَلِكِ النَّاسِ (2)} [الناس] هذا توحيد الأسماء والصفات. {إِلَهِ النَّاسِ (3)} [الناس] هذا توحيد الألوهية.

وقد وضح قصده أن المعني من قوله أنّ الله عز وجل أنزل في هذا التوحيد في كلّ نوع منه سورة كاملة، أي: خاصة بنوع واحد من أنواع التوحيد.

ص: 273

لأنّ هذه السورة اشتملت على القرآن كلّه، لا توجد آية في القرآن إلّا ومضمونها موجود في هذه السورة، عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، وذلك لأنّ هذه السورة اشتملت على ثلاثة أشياء هي القرآن كلّه:

الأوّل: التوحيد الّذي هو الأساس.

الثاني: الترغيب أو الوعد.

والثالث: الترهيب أو الوعيد اللذان هما فرع من الأساس.

تضمّنت هذه الأمور الثلاثة مع ما سيذكر بعد من تصنيف الناس بحسب هذه الأمور.

وجرت سنّة الله عز وجل في كتابه الحكيم الجمع بين الترغيب والترهيب بعدما يشرح لنا هذا التوحيد.

ولمّا ذكر الله عز وجل أقسام التوحيد بجميع أنواعها أتبع ذلك بالترغيب في هذا التوحيد والترهيب من مخالفة هذا التوحيد، ثمّ صنّف الناس بحسب عملهم، أو بحسب اتّصالهم بهذا التوحيد.

هذه الأمور الثلاثة إذا قرأنا القرآن من سورة البقرة إلى آخر سورة الناس لا نجد آية واحدة خرجت عنها»

(1)

(2)

.

‌2 - تقرير التوحيد في السورة تفصيلًا

.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: «وقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} ، يتضمن الأصل الأول، وهو معرفة الرب تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.

(1)

تفسير سورة الفاتحة وبيان ما تضمّنته من أنواع التوحيد (ص 18 - 19)، ضمن سلسلة (الرسائل الأنصاريّة رسائل في العقيدة) لحمّاد الأنصاريّ.

(2)

هو: الشيخ حماد بن محمد الأنصاري الخزرجي السعدي -نسبة إلى سعد بن عبادة الصحابي الجليل-، بأفريقيا. -ولد سنة (1343 هـ) - ببلدة يقال لها:(تاد مكة) في مالي وقد توفي (1418 هـ)، وصُلّيَ عليه في المسجد النبوي الشريف.

ص: 274

والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى، وهي اسم الله والرب والرحمن.

فاسم الله متضمن لصفات الألوهية، واسم الرب متضمن الربوبية، واسم الرحمن متضمن لصفات الإحسان والجود والبر، ومعاني أسمائه تدور على هذا.

وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} ، يتضمن معرفة الطريق الموصلة إليه، وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه واستعانته على عبادته.

وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} ، يتضمن بيان أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له، كما لا سبيل له إلى عبادته بمعونته، فلا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته.

وقوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} ، يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وأن الانحراف إلى أحد الطرفين انحراف إلى الضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطرف الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل.

فأول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة.

وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة، فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته.

والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته، فـ (الرب) لا يكون إلا رحيمًا منعمًا، وذلك من موجبات إلهيته فهو الإله الحق، وإن جحده الجاحدون، وعدل به المشركون.

فمن تحقق بمعاني الفاتحة علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا فقد فاز من كماله بأوفر نصيب، وصارت عبوديته عبودية الخاصة الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين. والله المستعان .. »

(1)

.

وفي ضوء بيان ابن القيم -رحمه الله تعالى- لأقسام التوحيد في كتاب الفوائد يتضح ذلك

(1)

الفوائد لابن القيم (ص/ 29 - 31).

ص: 275

الترابط بين أقسام التوحيد وبين آيات السورة الكريمة المتضمنة لتك الأقسام الثلاثة جميعًا، ومن هنا يتبين أن الفاتحة أمّ الكتاب هي عين التوحيد.

فقوله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} مشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فإقرار العبد باستحقاق الله تعالى للمحامد كلها عبادة يتقرب العبد بها لربه جل في علاه، وهذا الإقرار متضمن للألوهية، وقوله:{رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فاسم الـ {رَبِّ} فيه إقرار لله بالربوبية.

«والعالَمون جمع عالَم، والعالم: جمع لا واحد له من لفظه»

(1)

، وهو كل مخلوق سوى الله تعالى، ونحن عالم:(أي: خلق) من تلك العوالم، وكل واحد منا مخلوق من تلك المخلوقات، والمخلوقات لابد لها من خالق، فدل ذلك ضمنًا على الإقرار بتفرده تعالى بالخلق ووصفه سبحانه بالخالق، والإقرار له سبحانه باسم الخالق جل في علاه متضمن لتوحيد الأسماء والصفات، لأن الأسماء تشتق منها الصفات.

وهذا كله يدل على «أنّ جميع المحامد لله بألوهيّته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كِفاء لها في الدين والدنيا، والعاجل والآجل»

(2)

.

وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} فيه وصف لله تعالى بالرحمة العامة والرحمة الخاصة، وهما اسمان دالان على أن الله تعالى موصوف بالرحمة العامة الواسعة التي شملت كل مخلوق، وعمت كل حي، وخص منها أولياءه المتقين وعباده المؤمنين، فعموم الخلق تشمله رحمته العامة سبحانه، وخواص الخلق تشمله رحمته الخاصة.

والآية فيها اثبات اسمي: الرحمن، والرحيم، لله تبارك وتعالى، وهما متضمنان لتوحيد الأسماء والصفات ودالان عليه.

وقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} ، أي: مالك يوم البعث والجزاء وتقريره أنه لا بد من

(1)

تفسير الطبري (1/ 143).

(2)

المرجع السابق (1/ 135).

ص: 276

الفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، والموافق والمخالف، وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء»

(1)

، فهو:«مالك أمور العالمين كلها في يوم الدين»

(2)

، وهو سبحانه «دانهم كما دانوا»

(3)

، وهذا إقرار لله بالملك التام يوم الدين، و {يَوْمِ الدِّينِ (4)} «من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد»

(4)

، وهو اليوم الذي:«يدين الله العباد بأعمالهم»

(5)

، ومن تلك المعاني السابقة لمعنى قوله:{يَوْمِ الدِّينِ (4)} يتضح ويتبين إقرار العبادة بالإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة كما هو معلوم من دين الله بالضرورة، وهذا الإقرار متضمن لتوحيد الألوهية. وقوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} ، «قدم المفعول وهو إياك، وكرر؛ للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين»

(6)

.

و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، «إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك»

(7)

، أي: «نوحدك ونطيعك خاضعين. والعبادة: الطاعة مع التذلل والخضوع، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده، يقال: طريق معبد، أي: مذلل.

{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} ، نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا»

(8)

.

والعبادة: هي التي تجمع معنى الطاعة والخضوع والتذلل والخوف، والاستعانة

(1)

التفسير الكبير للفخر الرازي، الفصل الرابع (129).

(2)

تفسير القاسمي (2/ 9).

(3)

التفسير الكبير المسمى بالبحر المحيط لابن حيان الأندلسي، (1/ 21).

(4)

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لبرهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي (1/ 31).

(5)

الدر المنثور، لجلال الدين السيوطي، (1/ 72).

(6)

تفسير ابن كثير (1/ 135).

(7)

جامع البيان للطبري (1/ 161).

(8)

تفسير البغوي (1/ 54).

ص: 277

المطلقة: هي التي تجمع معاني الافتقار والتبرؤ من الحول والقوة وإظهار الضعف، وحصر ذلك كله في ذات الله تعالى بتقديم المعمول المفيد للحصر والقصر كما تقدم، وهما أي:(العبادة والاستعانة) من أفعال العباد، الذي هو الإقرار لله تعالى بالألوهية.

يقول الشنقيطي رحمه الله: والمعنى أن: «لا نطلب العون إلا منك وحدك، لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة.

وإتيانه بقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} بعد قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة لأن غيره ليس بيده الأمر»

(1)

، وكلام الشنقيطي يؤكد أيضًا تقرير الألوهية.

ويقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله

(2)

: «وهذه الكلمة قد قيل: إنها تجمع سر الكتب المنزلة من السماء كلها؛ لأن الخلق إنما خلقوا ليؤمروا بالعبادة، كما قال:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات] وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب لذلك، فالعبادة حق الله على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم، فلذلك كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده، لأن العبادة حق الله على عبده.

والإعانة من الله فضل من الله على عبده»

(3)

.

وقال الشوكاني رحمه الله: «والمعنى: نخصُّك بالعبادة، ونخصك بالاستعانة، لا نعبد

(1)

أضواء البيان للشنقيطي (1/ 8).

(2)

ابن رجب (736 - 895 هـ)، هو: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، أبو الفرج، ولد ببغداد، وتوفي بدمشق من علماء الحنابلة؛ كان محدثًا حافظًا فقيهًا أصوليًّا ومؤرخًا، أتقن فن الحديث وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق. من تصانيفه:(تقرير القواعد وتحرير الفوائد) المشهور بقواعد ابن رجب في الفقه، و (جامع العلوم والحكم) وهو شرح الأربعين النووية، و (شرح سنن الترمذي) ومعه (شرح العلل) آخر أبوابه، و (ذيل طبقات الحنابلة).

[الدرر الكامنة 2/ 221؛ وشذرات الذهب (3/ 339)؛ ومعجم المؤلفين (5/ 118)].

(3)

تفسير ابن رجب الحنبلي (1/ 170).

ص: 278

غيرك، ولا نستعينه، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل.

ثم قال: وقدِّمت العبادة على الاستعانة؛ لكون الأُولَى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق الاستعانة لقصد التعميم»

(1)

.

«فالأول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تبرؤ من الشرك، والثاني: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل»

(2)

، وهذا هو عينه توحيد الألوهية.

وختامًا:

فإن «هذه السورة على ايجازها قد تضمنت ما لم تحتوِ عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)}، وتوحيد الالهية وهو إفراد الله بالعبادة يؤخذ من لفظ: «الله» ، ومن قوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وتوحيد الأسماء والصفات وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ {الْحَمْدُ} ، كما تقدم»

(3)

.

وبهذا يتبين ويتأكد ويتضح تقرير السورة الكريمة لتوحيد الألوهية.

وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} ، و {اهْدِنَا} فعل أمر جاء في صيغت الطلب والدعاء، ويقع هكذا إذا كان من الأدنى إلى الأعلى.

و {اهْدِنَا} ، «رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغة الأمر كلها، فإذا كانت من الأعلى فهي أمر»

(4)

ومعنى {اهْدِنَا} أي: دُلَّنا وأرشدنا إليه، ويكون بمعنى عرفنا»

(5)

.

(1)

تفسير فتح القدير لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني (1/ 10).

(2)

تفسير ابن كثير (1/ 135).

(3)

تفسير ابن سعدي (1/ 34).

(4)

الوجيز: لابنِ عَطِيَّةَ -عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: 546) هـ، (1/ 84 - 88).

(5)

معاني القرآن: للأَخْفَشُ-الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215 هـ)، (1/ 11).

ص: 279

ويكون أيضًا بمعنى: «ثبّتنا على الهدى»

(1)

.

وببيان معنى {اهْدِنَا} يتبين أن المقصود هنا سؤال الهدايتين جميعًا كما مرَّ بنا في بداية هذا المبحث، هداية العلم النافع، وهي هداية الدلالة والإرشاد، وهداية العمل الصالح، وهي هداية التوفيق والإلهام، ولا تتم الهداية إلى الصراط المستقيم إلا بتحقيق الهدايتين جميعًا، فمن لمن لم يعرف الصراط ولم يستدل عليه فكيف يهتدي إليه، وهذا يقتضي الجمع بين الهدايتين، ليجمع السالك لهذا الصراط بين العلم النافع والعمل الصالح، وبذلك يتحقق له كمال الهدايتين جميعًا.

ولقد جاءت هذه الآية الكريمة بعد تقديم حمد الله تعالى والثناء عليه وتمجيده سبحانه، وهي متضمنة لمعنى الدعاء والمسألة والتوسّل إليه بتوحيده -عبادة واستعانة-وحصرهما لله وحده، وهذا الحصر يفيد نبذ عبادة كل ما سواه سبحانه وإخلاص العبادة له والاستعانة به جل في علاه، وتلك الاستعانة متضمنة لإظهار الذل والافتقار لله والبراءة من حول العبد وقوته.

وكان ذلك كله مقدمة بين يدي أعظم المطالب وأجل الرواغب ألا وهو: مطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وقد ثبت عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} ، قَالَ اللَّهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} ، قَالَ اللَّهُ تعالى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} ، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:

(1)

معاني القرآن: للزَّجَّاجُ-إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311 هـ)، (1/ 49).

ص: 280

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} ، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»

(1)

، ومن هذا كله أيضًا يتضح اشتمال مطلب الهداية على تقرير ألوهيته تبارك وتعالى.

و {الصِّرَاطَ} هو: «الطريق، المنهاج الواضح»

(2)

،

(3)

، «وقال بعض المفسرين: هو كتاب الله عز وجل. وقال آخرون: هو الإسلام»

(4)

.

والصراط المستقيم، قيل: هو «كتاب الله»

(5)

.

قال ابن عطية الأندلسي رحمه الله: «والمستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف، والمراد أنه استقام على الحق وإلى غاية الفلاح، ودخول الجنة»

(6)

.

قال سماحة شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله: «والمستقيم الذي ليس فيه عوج، قال الله -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: 52، 53]؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله ليهديَ إلى صراط مستقيم، وهكذا الرسل جميعًا، كلهم بعثوا ليهدوا إلى الصراط المستقيم يعني: يدعون الناس إلى الصراط المستقيم وهو توحيد الله وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، هذا صراط الله المستقيم»

(7)

، وما ذكره الإمام ابن باز فيه بيان شاف كاف في تأكيد تقرير الألوهية كذلك.

ويؤكد كذلك ابن سعدي ما سبق بيانه من تقرير الألوهية ببيان معنى الهداية وسعة ودلالة مفهومها فيقول رحمه الله تعالى: «أي: دُلَّنا وأرشدنا، ووفِّقنا للصراط

(1)

مسلم (395).

(2)

مجاز القرآن، (1/ 24 - 25).

(3)

معاني القرآن (1/ 49).

(4)

غريب القرآن وتفسيره (ص: 61).

(5)

معاني القرآن للنحاس (1/ 66 - 68).

(6)

المحرر الوجيز (1/ 84 - 88).

(7)

مجموع فتاوى العلَّامة عبد العزيز بن باز رحمه الله مصدر الكتاب: موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء (24/ 168).

ص: 281

المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله، وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط، واهدنا في الصراط؛ فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا؛ فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد؛ ولهذا وجب على الإنسان أن يدعوَ الله به في كل ركعة من صلاته؛ لضرورته إلى ذلك»

(1)

، وبيان ابن سعدي مع ما حواه من تقرير الآية للألوهية، ففيه مع ذلك بيان جامع لأقوال المفسرين في المعاني الواردة في تفسير معنى الصراط.

والاستقامة: «كلمة آخذة بمجامع الدين كله، وهي بالعهد، وهي تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات»

(2)

.

‌ما هو الصراط المستقيم

؟

الصراط المستقيم هو: دين الله، هو توحيد الله والإخلاص له، وطاعة أوامره وترك نواهيه، هذا هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الله، وهو الإسلام والإيمان والهدى، وهو الصراط المستقيم، وهو العبادة التي أنت مخلوق لها {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات]، هذه العبادة هي الصراط المستقيم إن الدين عند الله الإسلام.

والإسلام هو الصراط المستقيم، وهو الإيمان بالله ورسوله، وتوحيد الله، وطاعته وترك معصيته، هذا هو الصراط المستقيم: أن تعبد الله وحده دون كل ما سواه، قال الله تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام: 153]

(3)

وطلب الهداية هنا بقوله: {اهْدِنَا} ، من الدعاء، والدعاء إما دعاء عبادة، وإما دعاء مسألة، ومطلب الهداية هنا من دعاء المسألة، التي هي من أعمال العباد المستلزم توحيد الألوهية، ومن هنا يتبين ويتضح تقرير الآية الكريمة لتوحيد الألوهية.

(1)

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبدالرحمن بن ناصر السعدي (ص/ 39).

(2)

الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى (1/ 108).

(3)

مقال بعنون: (ما هو الصراط المستقيم؟)، عن الموقع الرسمي: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

ص: 282

وقوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} .

قال ابن كثير رحمه الله: «{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، هم المذكورون في سورة النساء؛ حيث قال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)} [النساء]»

(1)

.

ويختصر مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ القول في بيان المنعم عليهم فيقول

(2)

: المنعم عليهم هم: «النبيون ومن أسلم معهم»

(3)

، ولا شك أن هذا قول جامع أُخِذَ مفهومهُ وفحواه من آيات سورة النساء:[69، 70] و {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، أي:«طريق من أنعمت عليهم»

(4)

.

وقوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} .

«و {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}: اليهود، والضالون النصارى»

(5)

، وعليه جمهور المفسرين.

وقد أخرج الترمذي في سننه وروى بسنده قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَبُنْدَارٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضُلَّالٌ» فَذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ

(6)

.

(1)

تفسير القرآن العظيم (1/ 140)

(2)

العلَّامة المقرئ، أبو محمد، مكي بن أبي طالب حموش بن محمد بن مختار، القيسي القيرواني، ثم القرطبي، صاحب التصانيف، ولد بالقيروان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وكان من أوعية العلم مع الدين والسكينة والفهم، ينظر: سيير أعلام النبلاء (17/ 519).

(3)

العمدة في غريب القرآن (ص: 68).

(4)

تفسير ابن كثير (1/ 31)، قاله به عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: وهو مروي عن ابن أبي حاتم

عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرّازيّ (ت: 327 هـ).

(5)

غريب القرآن وتفسيره (ص: 62).

(6)

سنن الترمذي (2954)، وقد حكم الشيخ الألباني على: قول عدي بن حاتم: أتيت

=

ص: 283

وأقوال أئمة السلف متضافرة على: أنَّ سبب غضب الله على اليهود أنَّهم لم يعملوا بعلمهم، ذلك لأنهم خير من عرف الحق وخالفه وكتمه وأنكره وجحده، وكذلك لأنهم قوم بهتان ووزر وكذب وغدر وخيانة وكبر وحقد وحسد وشقاق وعناد ونفاق، وهم قتلة الأنبياء وأهل معادات الأولياء، وهم أسباب إثارة الفتن والقلاقل والحروب بين الشعوب، وهم أكلة الربا وأكلة أمْوال النَّاس بالباطل؛ وأنَّهم لا يتناهَون عن منكر فعلوه، وهم أهل الحيل والمكر والخديعة والغش، وهم نقضة العُهُود والمواثيق؛ وهم خير من يحرف الكلم عن مواضعه، وهم قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد منزوعو الرحمة، وهم أجبن الخلق وأخسهم وأرذلهم وأحرصهم على حياة، والمتأمل في واقع البشرية الآن يرى أن كل شر وفساد وبلية وراءها اليهود، من بث الشر ونشر الفساد بكل صوره؛ ومخططاتهم العالمية في تفشي المنكرات ونشر الإباحية وإشاعة الفاحشة وتجارة الرَّذيلة، ومحاربة الشعوب بالمخدرات والمسكرات لا تخفى، ولذا يسيطرون على وسائل الإعلام المختلفة لنشر الفساد بكل صوره وأشكاله، ولحبهم الدنيا ولحبهم البقاء فيها يسيطرون على منابع المال ومصادره ومصارفه ويتحكمون في الاقتصاد العالمي، وكذلك رسالتهم العالمية في نشر الكفر والإلحاد وتحريف الأديان كما حرفوا دينهم، ومحاولاتهم البائسة اليائسة تشويه الصورة الناصعة للإسلام والمسلِمين ومجدهم التليد وتاريخهم المجيد لا تخفى، ونشر الشبهات حول دينهم ليفسدوا عقائدهم، وتشكيكهم في ثوابت دينهم وأصوله، والطعن في الدين بكل خديعة ودسيسة يستطيعونها فهم أهل للإفساد في الأرْض كما وصفهم ربنا في محكم كتابه بقوله سبحانه:{وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)} [المائدة] فلذلك استحقوا الغضب والوصف به.

وأما النصارى: فقد أضلهم الله لأنّهم عبدوا الله على جهالة، واتبعوا أهواءهم

=الحديث) حسن، وقول عدي بن حاتم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضلال» فذكر الحديث بطوله. صحيح. تخريج الطحاوية (811).

ص: 284

وتركوا شرع ربهم وابتدعوا في دينهم، وأضاعوا العلم الذي آتاهم الله ولم يرفعوا به رأسًا، ونصبوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا وآلهة من دون الله يتبعونهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، وذلك هو اتّخاذهم إياهم أربابًا من دون الله؛ وقد غلوا بذلك في دينهم غلوًّا عظيمًا، وضلّوا بذلك ضلالًا مبينًا، ونسبوا لله سبحانه وتعالى الولد، وقالوا بالتثليث، وحرفوا ما أنزل الله إليهم، ولذلك وغيره استحقوا الوصف بالضلال، والجزاء لليهود والنصارى من جنس العمل، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)} [الكهف].

وخلاصة «القول في ذلك أن أفاعيل اليهود من اعتدائهم، وتعنتهم، وكفرهم مع رؤيتهم الآيات، وقتلهم الأنبياء، أمور توجب الغضب في عرفنا، فسمى تعالى ما أحل بهم غضبًا، والنصارى لم يقع لهم شيء من ذلك، إنما ضلوا من أول كفرهم دون أن يقع منهم ما يوجب غضبًا خاصًا بأفاعيلهم، بل هو الذي يعم كلَ كافرٍ وإن اجتهد، فلهذا تقررت العبارة عن الطائفتين بما ذكر»

(1)

.

وختامًا فهذه درة من درر ابن القيم، تُساقُ ليُختم بها هذا المبحثُ الهام لتكون كالطابع عليه، يقول رحمه الله:«على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط؛ فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطيف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلَّم، ومنهم المكردس في النار»

(2)

.

وإن دعاء العبد بالهداية لطريق وسبيل المنعم عليهم يتضمن محبتهم ومحبة الطريق الذي سلكوه، وهذه المحبة مبنية على موالاتهم، وإن دعاءه ربه أن يجنبه طريق المغضوب عليهم والضالين يتضمن بغضهم وكراهيتهم وبغض وكراهية سبيلهم، وهذا البغض وتلك الكراهية مبنيان على البراءة منهم ومن سبيلهم، والولاء والبراء أوثق

(1)

المحرر الوجيز (1: 88 - 90).

(2)

مدارج السالكين (16: 1).

ص: 285

عرى الإيمان وهي أعمال قلبية تظهر مقتضياتها على جوارح العبد وعلى أعماله الظاهرة، والولاء والبراء من لوازم التوحيد ومقتضياته، ولا يتم للعبد توحيد وإيمان إلا بتحقيقه، لذا يجب وجوبًا حتميًّا لازمًا على كل مسلم أن يتعلمه ويعمل به لينال حقيقة الإيمان ويتحقق له التوحيد الكامل التام الخالص الذي ينجو به من سخط الله وغضبه وأليم عقابه، وهو من أعظم وأهم الواجبات الدينية واللوازم الشرعية، وهو من أعظم وأجل مطالب التوحيد ومقتضياته ولوازمه التي لا تنفك عنه بحال من الأحوال.

وفي موالاة المنعم عليهم يقول ربنا تبارك وتعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)} [المائدة: 55 - 56].

ويقول سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)} [التوبة] وفي النهي عن موالاة المغضوب عليه والضالين ووجوب البراءة منهم يقول ربنا تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، وأما في السنة المطهرة فقد جُمِعَ الولاءُ والبراءُ جميعًا في حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه عند أحمد في المسند عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:«إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ»

(1)

. والولاء والبراء من أعمال العبد المتضمنة لتوحيد الألوهية، وبذلك يظهر جليًّا تقرير الآية الخاتمة لسورة الفاتحة للتوحيد.

وبذكر كل ما سلف يتضح ويتبين مدى التلازم بين آيات السورة الكريمة وبين التوحيد، وأن السورة كلها في التوحيد، وأن آياتها الكريمة سيقت للدلالة على تقرير التوحيد بأقسامه الثلاثة: ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات.

ولعل فيما مضى كفاية ومعتبر لأهل البحث والنظر.

والحمد لله رب العالمين.

(1)

مسند أحمد (18524) وحسنه الألباني في: صحيح الترغيب والترهيب (3030).

ص: 286

‌المبحث الرابع

أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة ودلالتها على قضية التوحيد

ص: 287

المبحث الرابع:

أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة ودلالتها على قضية التوحيد

ويشتمل على:

‌1 - الحمد

مفهومه ومكانته ودلالته على التوحيد

‌أولًا: مفهوم الحمد:

أ- الحمد في اللغة: الثناء، يقال: حمد الشيء، إذا أثنى عليه.

ب- الحمد في الاصطلاح: هو الثناء باللسان والقلب على الجميل الاختياري

(1)

(2)

.

والجميل الاختياري: هو الثناء على المُنعم، بسبب كونه مُنعِمًا على الحامد أو غيره.

والحمد لله: هو الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل. فله الحمد الكامل بجميع الوجوه

(3)

.

قال الطبري رحمه الله: «ومعنى {الْحَمْدُ لِلَّهِ}: الشكر خالصًا لله جل ثناؤه، دون سائر ما يُعبد من دونه .... »

(4)

.

(1)

والحمد الاختياري أي: الذي يحصل بقصد العبد وإرادته، والأصل في معنى الحمد أنه وصفٌ للمحمود بجميع صفات الكمال والجمال والجلال مقرونًا بالمحبة والتعظيم والتبجيل والإجلال.

(2)

ينظر: البدائع (1/ 19)، فتح القدير (1/ 19).

(3)

ينظر: تفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (1/ 27).

(4)

تفسير الطبري (1/ 138).

ص: 289

يقول الشيخ خليل هراس

(1)

نقلًا عن ابن القيم: «إن الحمد إخبار عن محاسن المحمود، مع محبته وتعظيمه، فلابد فيه من اقتران الإرادة بالخير، بخلاف المدح، فإنه إخبار مجرد عن المحبة والتعظيم ولذلك يكون المدح أوسع تناولًا؛ لأنه يكون للحى والميت وللجمادات أيضا» ا. هـ.

(2)

ويقول ابن سعدي رحمه الله: «{الْحَمْدُ لِلَّهِ} هو: الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} الرب: هو المربي جميع العالمين -وهم مَن سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم النعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى»

(3)

.

قال القرطبيُّ رحمه الله: «فيجب على كلِّ مكلَّف أن يَعتقد أنَّ الحمد على الإطلاق إنَّما هو لله، وأنَّ الألف واللام للاستغراق لا للعَهد، فهو الذي يستحقُّ جميعَ المحامد بأسرِها، فنحمده على كلِّ نعمة وعلى كلِّ حالٍ بمحامده كلِّها، ما عُلِم منها وما لم يُعلم

، ثمَّ يجب عليه أن يسعى في خصال الحمد؛ وهي التخلُّق بالأخلاق الحميدة والأفعالِ الجميلة»

(4)

. اهـ.

وجملة القول:

أن الحمد يعني: الثناء ظاهرًا وباطنًا، ظاهرًا باللسان وباطنًا بالقلب، وحمد الله

(1)

هو العالم الأزهري الدكتور محمد خليل حسن هراس. ولد بقرية الشين التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية في مصر سنة (1334 هـ، 1916 م).

أحد أبرز دعاة وعلماء الأزهر، وجمعية أنصار السنة المحمدية من أشد الناس في التصدي للصوفية ومنكري السنة، توفي في شهر سبتمبر سنة 1975 م عن عمر يناهز الستين. نقلًا عن: الموسوعة الحرة، (ويكيبيديا).

(2)

شرح العقيدة الواسطية لهراس (صـ 16) ط دار بن رجب وينظر: بدائع الفوائد لابن القيم.

(3)

ابن سعدي (1/ 32).

(4)

الأسنى في شرح الأسماء الحسنى (م 1 ص 190).

ص: 290

تعالى هو: الثناء عليه سبحانه بجميع أوصاف الكمال والجمال والجلال، وحمده على جميع نعمه الظاهرة والباطنة، فهو سبحانه المستحق للمحامد كلها فهو المتفضل بالنعم كلها، فله الحمد على ربوبيته إذ خلقنا ورزقنا وكفانا وأوانا وأطعمنا وسقانا، وله الحمد على ألوهيته هدانا فرضينا به ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا، فلولا هدايته لنا سبحانه ما اهتدينا ولا صلينا ولا زكينا، قال ربنا: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ

صَادِقِينَ (17)} [الحجرات] والمعنى: «بل الله يمن عليكم أيها القوم، أن وفقكم للإيمان به وبرسوله إن كنتم صادقين في قولكم، فإن الله هو الذي منَّ عليكم بأن هداكم له، فلا تمنوا على بإسلامكم»

(1)

. وهو سبحانه الذي أنزل علينا خير كتبه وأرسل إلينا خير رسله، وهدانا لخير الملل وجعلنا من خير الأمم، وما من نعمة حلت بنا إلا من خيره وفضله، وما من بلاء دُفِعَ عنا إلا برحمته، وهو الذي فتح أبواب رحمته لعباده ليسألوه فيجيبهم ويعطيهم، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ظاهرًا وباطنًا، حمدَا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما قال تعالى:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)} [النحل].

‌ثانيًا: مكانته ودلالته على التوحيد

.

1 -

لعظم شأن الحمد افتتح الله كتابه بأفضل سورة فيه، وسماها بسورة الحمد، وافتتحها أيضًا بالحمد، فقال سبحانه:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} ، والحمد يدلل على توحيد الله، والسورة الكريمة كلها في التوحيد وقد مرَّ بيان ذلك في كل ثنايا البحث.

2 -

ولعظم شأن الحمد ودلالته على التوحيد كذلك، فقد حمد الله نفسه العلية في غير ما موضع من كتابه ليحمده عباده، فقد جاءَت كلمة الحمد مقترنة بلفظ الجلالة في مُفتتح خمس سور من القرآن الكريم، وهي سور: الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر، كما وردت {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} في مواضع ستة في ثنايا سور القرآن

(1)

تفسير الطبري (22/ 320)، بتصرف يسير.

ص: 291

الكريم وآياته على النحو التالي:

1 -

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} [الفاتحة].

2 -

{وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)} [الأنعام].

3 -

{أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)} [يونس].

4 -

{وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)} [الصافات].

5 -

{وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)} [الزمر].

كما وردت كلمة الحمد مقرونة بلفظ الجلالة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} في مواضع شتى من كتاب الله أكثر من أن تحصى.

3 -

ولعظم مكانة الحمد ودلالته على التوحيد أيضًا فإن الله يحب من عباده أن يحمدوه.

فقد ثبت عند النسائي، وأحمد وغيرهما من حديث الأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أُنْشِدُكَ مَحَامِدَ حَمِدْتُ بِهَا رَبِّي تبارك وتعالى، قَالَ:«أَمَا إِنَّ رَبَّكَ عز وجل يُحِبُّ الْحَمْدَ»

(1)

.

4 -

ولعظم ذلك أيضًا افتتح الله خلقه بالحمد، فقال الله تعالى في سورة الأنعام: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ

وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)} [الأنعام].

5 -

ولعظم شأنه كذلك ألهمه أبا البشر أول ما خلقه.

فقد ثبت عند الترمذي وغيره وحسنه الألباني من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّه، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا آدَمُ، اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلائِكَةِ، إِلَى مَلإٍ مِنْهُمْ

(1)

الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (1447)، والحاكم في مستدركه (6638) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. خرجه الألباني في الصحيحة (3179).

ص: 292

جُلُوسٍ، فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، قَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ»

(1)

، الحديث.

6 -

ولعظمه كذلك أيضًا ألهمه صفوته من خلقه وأكرمهم عليه وتعبدهم به وهم رسله وأنبياءه.

فهذا أول رسل الله إلى خلقه نوح عليه السلام بعد أن أتم الله عليه نعمة صناعة الفلك لينجو فيها هو ومن آمن معه من قومه، أمره الله بحمده فقال له:{فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)} [المؤمنون].

وهذا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام بعد أن أتم الله عليه نعمه يلهمه الله حَمدَهُ فيقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)} [إبراهيم].

وها هو نبي الله داود وولده سليمان عليهما السلام يخبر الله عن حمدهما له على آلائه ونعمه فيقول: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)} [النمل].

وها هو أكرم خلق الله وأحبهم إليه يأمره ربه بحمده والثناء عليه فيقول له: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)} [الإسراء]، والحمد هنا في آية الإسراء مقترن بالتوحيد، والأنبياء هم أعبد الخلق للخالق وأعظمهم تحقيقًا للتوحيد.

وألهمه كذلك ملائكته الكرام وتعبدهم به فقال سبحانه: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)} [غافر].

(1)

النسائي في الكبرى (9975)، والترمذي (3076)، وابن حبان (6164)، والحاكم (214) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (3368)، والوادعي، في الصحيح المسند (1425) وقال: صحيح على شرط مسلم.

ص: 293

ومعنى {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} : أي: «يصلّون لربّهم بحمده وشكره»

(1)

.

وألهمه كذلك سمواته وأرضه وكل مخلوقاته كما قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)} [الإسراء] فقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} أي: «وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله، {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أي: لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم وهذا عام في الحيوانات والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل»

(2)

،

(3)

وألهمه كذلك الرعد فكما قال تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13].

أي: «ملتبسًا بحمده، وليس هذا بمستبعد، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك»

(4)

.

وافتتح يوم القيامة بالحمد وختمه به كذلك، قال تعالى:{يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52)} [الإسراء]{فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} أي: «باستحقاقه الحمد على الإحياء»

(5)

.

«فيقومون يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، فيوم القيامة يوم يبدأ بالحمد ويختم به»

(6)

.

(1)

جامع البيان (20/ 283).

(2)

البخاري (3368).

(3)

تفسير ابن كثير (5/ 80).

(4)

فتح القدير للشوكاني (1/ 725).

(5)

تفسر القرطبي (10/ 376).

(6)

تفسر القرطبي (10/ 248).

ص: 294

ذلك: لأنه سبحانه المحمود على كل حال، ولأنه -سُبحانه- هو المُستحق للمحامد كلها والثناء الكامل والمدح التام، لما يتصِّف به من صفات الكمال والجمال والجلال، فألهم ملائكته كذلك تسبيحه وحمده وهم حول العرش، وكذلك ألهمه خلقه أجمعين لما فصل في القضاء بينهم يم القيامة، كما قال تعالى:{وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)} [الزمر].

وقوله: {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أي: «يصلون حول عرش الله شكرًا له»

(1)

، وهذا في حق الملائكة.

«وخُتمت خاتمةُ القضاء بينهم بالشكر للذي ابتدأ خلقهم الذي له الألوهية، وملك جميع ما في السماوات والأرض من الخلق، من ملك وجن وإنس، وغير ذلك من أصناف الخلق»

(2)

.

وذكر الإمام ابن كثير كلامًا بديعًا جمع فيه القول الفصل في تأويل آية الزمر، حيث يقول رحمه الله: «لما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار، وأنه نزل كلًّا في المحل الذي يليق به ويصلح له وهو العادل في ذلك الذي لا يجور - أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول عرشه المجيد، يسبحون بحمد ربهم، ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل القضية، وقضى الأمر، وحكم بالعدل؛ ولهذا قال:{وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [الزمر] أي: بين الخلائق {بِالْحَقِّ} .

ثم قال: {وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)} [الزمر] أي: ونطق الكون أجمعه -ناطقه وبهيمه- لله رب العالمين، بالحمد في حكمه وعدله؛ ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد.

(1)

تفسير الطبري (21/ 344).

(2)

المرجع السابق (21/ 345).

ص: 295

قال قتادة: «افتتح الخلق بالحمد في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 1] واختتم بالحمد في قوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)}»

(1)

.

وفي ضوء بيان أئمة التفسير رحمهم الله أجمعين يتبين تقرير مكانة حمد الله تعالى ودلالته على توحيد الخلائق قاطبة لبارئها جل في علاه.

قال ابن المبرد الحنبلي رحمه الله: «كلُّ أمرٍ لا يُبدأ فيه باسم الله ويُختمُ بحمد الله، فهو فاسدُ الوضع، رديءُ الصُّنع، لا خير فيه ولا فائدة، ولا بركة فيه ولا عائدة، فمن تأمَّل الأحاديثَ النبويَّة والكتاب والسُّنَّة، وجد ذلك في كلِّ أمر من الأُمور الدنيويَّة؛ من الأكل والشُّرب والوطء واللُّبس وغير ذلك، وكذلك الأمور الأُخرويَّة، قال الله عز وجل:{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)} [يونس]، وقال عز وجل:{وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)} [الزمر]، وقال:{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} [الزمر: 74]، فأهلُ الجنَّة طُبعُوا على ذِكر الله في ابتداء كُلِّ فعلٍ في الجنَّة، وحَمْدِ الله على تمامه، وقلتُ:

احمد لربِّك في أُمُورك كُلِّها

وافزع إليه في الصِّعاب يحُلُّها

واقرع بكفِّ الذُّلِّ بابَ عطائه

مَن في الوُجُود سوى الإله يبُلُّها

وإذا الشَّدائدُ أقبلَت فانزل بِهِ

واعلم يقينًا ما سواه يفُلُّها». اهـ

(2)

أما ما ورد في السنة المطهرة عن مكانة حمد الله تعالى وفضائله ودلالته على توحيد الله تعالى، فيعجز المقام عن حصره وذكره، ولأن البحث متعلق بالتفسير فيُكتفى بالإشارة دون العبارة عن بعض فضائله، لئلا يطول المقام، وكذلك لأن البحث موضوعي، تم الإشارة لبعض فضائله فحسب في السنة المطهرة.

(1)

تفسير ابن كثير (8/ 125).

(2)

ينظر: رسالته: النجاة بحمد الله، وهي فيما يُظنُ ما تزال مخطوطة.

ص: 296

1 -

فالحمد لله أحب الكلام إلى الله تعالى

(1)

.

2 -

والحمد لله خير مما طلعت عليه الشمس أي: خير من الدنيا وما فيها

(2)

.

3 -

وحمد الله خفيف على اللسان ثقيل في الميزان حبيب إلى الرحمن

(3)

.

4 -

وكلمة الحمد لله لعظم شأنها تملأ الميزان، وتملأ ما بين السماء والأرض

(4)

.

5 -

والحمد من أسباب مغفرة الذنوب

(5)

.

6 -

والملائكة يبتدرون رفع كلمة الحمد لله إلى الرحمن لعظم شأنها وجليل قدرها.

(6)

7 -

والحمادون من عباد الله يباهي بهم ربهم ملائكته في الملأ الأعلى

(7)

.

ويُختمُ الكلامُ بنفيسة للإمام ابن القيم رحمه الله حيث يقول: «فالعبد لو استنفدَ أنفاسَه كلَّها في حمد ربِّه على نِعمةٍ من نِعَمه، كان ما يجب عليه من الحمد عليها فوق ذلك وأضعافَ أضعافِه» .

ويقول رحمه الله أيضًا: «وبالجملة، فكلُّ صفة عليا واسم حسَن وثناء جميل، وكلُّ حمد ومدح، وتسبيح وتنزيه، وتقديس وجلال وإكرام -فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمِّها وأدومها، وجميع ما يُوصف به ويُذكر به ويُخبَر عنه به فهو حمدٌ له وثَناء وتسبيح وتَقديس، فسبحانه وبحمده لا يُحصِي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه؛ بل هو

(1)

وينظر: إلى ما رواه مسلم (3985)، والترمذي (2763)، وأبو داود (3447)، وابن ماجه (3720).

(2)

ينظر: إلى ما رواه مسلم (4861)، والترمذي (3531).

(3)

و ينظر: إلى ما رواه البخاري (6406)، ومسلم (4857) وقد ختم الإمام البخاريُّ رحمه الله صحيحَه بحديث:«كَلمتان خفيفتان على اللِّسان» الحديث.

(4)

و ينظر إلى: ما رواه مسلم (328)، والترمذي (3439)، وابن ماجه (276).

(5)

وينظر إلى: ما رواه أحمد (6191)، والترمذي (3382) وحسنه، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.

(6)

وينظر إلى: ما رواه مسلم (943)، والنسائي (891)، وأبو داود (650)، وأحمد (12519).

(7)

وينظر إلى: ما رواه مسلم (4869)، والنسائي (5331)، والترمذي (3301).

ص: 297

كما أَثنى على نفسه، وفوق ما يُثني به عليه خَلقُه، فله الحمد أولًا وآخرًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يَنبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله، ورفيعِ مجده وعلوّ جدّه» اهـ

(1)

.

وختامًا:

فقوله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} فيه إقرار لله بالألوهية، وإقرار العبد استحقاق الرب للحمد، إقرار عبودية وتأله، ونسبة الحمد {لِلَّهِ} كذلك أيضًا.

وقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} متضمن لإقرار العبد بتوحيد الربوبية؛ ربنا: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف].

ولأن الآية تضمنت إثبات ربوبية الله لجميع العالمين-وهم كل ما سوى الله، كما مرّ معنا في طيات البحث مرارًا.

«والرب: السيد والمالك والثابت والمعبود والمصلح، وزاد بعضهم بمعنى الصاحب»

(2)

.

قال ابن عباس رضي الله عنه: «الحمد لله: «هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك. .»

(3)

.

وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} «روي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذي لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين»

(4)

.

و {رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} «إله الخلق كله: السماوات كلهن ومن فيهن: والأرضون كلهن ومَن فيهن ومَن بينهن مما يُعلم ومما لا يُعلم»

(5)

.

«فدل قوله رب العالمين على انفراده بالخلق والتدبير، والنعم، وكمال غناه،

(1)

مدارج السالكين (1/ 35)، وطريق الهجرتين (ص 131).

(2)

التفسير الكبير (1/ 19)

(3)

تفسير الطبري (1/ 135).

(4)

بحر العلوم للسمرقندي (1/ 16)

(5)

فتح القدير للشوكاني (1/ 17).

ص: 298

وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار»

(1)

.

و «الرب يكون بمعنى المالك، فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم ولا يقال للمخلوق هو الرب معرفًا، إنما يقال: رب كذا مضافًا؛ لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل»

(2)

.

فدل ذلك كله على الإقرار بالربوبية لخالق الخلق أجمعين، وهو المحمود على كل حال، فله الحمد على ربوبيته وتدبيره لشؤون خلقه، فكل أوقات العبد تستوجب لله حمدًا منذ انتباهه من نومه وحتى منامه، وهو متقلب بين ذلك كله في نعم ربه وآلائه التي لا تُعد ولا تُحصى، أمده ربُهُ بمطعمه ومشربه ومأواه، وأعانه على شؤون حياته كلها من الحركة والنشاط والسعي في مصالح معاشه، وهذه النعم يشترك فيها خلق الله أجمعين، وكذلك هداه لدينه ويسر له عبادته وأعانه على ذكره وشكره وحسن عبادته، وهذه النعمة الكبرى والمنة العظمى نعمة التربية الربانية الخاصة بعباد الله المؤمنين.

وفيما مضى بيان شاف كاف لمكانة حمد الله تعالى ودلالته على التوحيد.

ولعل في ذلك كفاية والحمد لله رب العالمين.

(1)

تفسير ابن سعدي (1/ 31).

(2)

تفسير البغوي (1/ 53).

ص: 299

‌2 - صفات الله تعالى كما وردت في السورة الكريمة

(الرحمن-الرحيم-رب العالمين-مالك يوم الدين)

ودلالتها على التوحيد

الرحمن والرحيم اسمان من أسماء الله تعالى، دالان على اتصافه سبحانه بالرحمة، واسم الرحمن يدل على سعة رحمته تبارك وتعالى الواصلة لعموم خلقه-مؤمنهم وكافرهم -برِّهم وفاجرهم-، واسم الرحيم يدل على رحمته الخاصة بعباده المؤمنين وعلى هذا جماهير من أهل العلم.

وفي هذه الدلالة يقول ابن القيم: الرحمن «فإن رحمته تمنعُ إهمالَ عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غايةَ كمالِهم؛ فمن أعطى اسم «الرحمن» حقه عَرَف أنه متضمِّن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظمَ من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحَبّ؛ فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظَّ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمرًا وراء ذلك»

(1)

.

هذا ومع كونهما متعلقان بتوحيد الأسماء والصفات إلا أنهما متضمنان لربوبية الله وإيصال رحمته العامة لعموم خلقه ورحمته الخاصة لعباده المؤمنين، وعلى هذا ففيهما الدلالة الكاملة التامة لتوحيدي الأسماء والصفات والربوبية جميعًا، ومن هذه الدلالة كان تقسم بعض أهل العلم ومنهم ابن القيم رحمه الله إلى تقسيم التوحيد إلى قسمين اثنين فقط، وجعلوا توحيد الربوبية والأسماء والصفات قسمًا واحدًا، لدلالة الأسماء والصفات على ربوبية الله تعالى.

(1)

ينظر: تفسير القرآن الكريم. لابن القيم (ص: 12)، وهذا التفسير ليس مَن جمع ابن القيم نفسه رحمه الله؛ وإنما أُخِذَ من مجموع مؤلفاته.

ص: 300

وفي هذه الدلالة أيضًا يقول ابن سعدي: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} «اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حيّ، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله.

فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومَن عداهم لهم نصيب منها»

(1)

.

ويؤكد الشنقيطي رحمه الله هذه الدلالة أيضًا فيقول: «هما وصفان لله تعالى واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشدُّ مبالغة من الرحيم؛ لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة، وعلى هذا أكثر العلماء» ؛ اهـ

(2)

.

واسم {الرَّحْمَنِ} علم على الذات الإلهية لا يُتسمَّى به غيره سبحانه، وهو «اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تَسمَّى به تبارك وتعالى»

(3)

.

وكذلك اسم الـ (رب) فإنه دال على الربوبية العامة لعموم الخلق، والربوبية الخاصة لعباد الله المؤمنين يربيهم ربهم بالإيمان والعمل الصالح، وفي هذا أيضًا الدلالة على توحيد الربوبية كما لا يخفى، هذا مع كون اسم الرب علم على الذات الإلهية وهو اسم من أسمائه الحسنى.

وكذلك {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} فإنه دال على وصف الله بالملك التام يوم القيامة الذي يعنى أنه ملكَ الحكمَ وفصلَ القضاءِ بين الخلائق يوم الحساب، متفرِّدًا بذلك سبحانه وتعالى.

ومما يدلل على ذلك كله جملة: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} قَالَ اللَّهُ تعالى: «حَمِدَنِي عَبْدِي» وَإِذَا

(1)

تفسير ابن سعدي (1/ 32).

(2)

أضواء البيان للشنقيطي (1/ 6).

(3)

تفسير ابن أبي حاتم (1/ 25).

ص: 301

‌3 - مفهوم الإيمان باليوم الآخر

(يوم الدين) ودلالته على التوحيد

‌أولًا: التعريف باليوم الآخر:

«اليوم الآخر: هو يوم القيامة وسُمِّي ذلك اليوم باليوم الآخر لأنه اليوم الذي لا يوم بعده»

(1)

«والقيامة: أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دفعة واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيهًا على وقوعها دفعة. وقيل: أصله مصدر قام الخلق من قبورهم قيامة»

(2)

.

ومما قيل في تعريفه بصورة إجمالية: «هو الإيمان بكل ما أخبر به الله سبحانه وتعالى -في كتابه، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه، والبعث والحشر والصحف والحساب والميزان، والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار، وما أعد الله تعالى لأهلهما جميعًا»

(3)

.

وسُمِّي يوم القيامة باليوم الآخر؛ لأنه لا يوم بعده، وكذلك لأنه متأخر عن دار الدنيا؛ وكذلك لأنه آخر الأزمنة الموقوتة؛ فلا يوم بعده ولا زمان.

ولا يتحقَّق الإيمان باليوم الآخر إلا بالتصديق الجازم والاعتقاد الصادق بوقوعه ومَجِيئه والعمل بما يقتضيه الإيمان به جملة وتفصيلًا.

‌ثانيًا: مفهوم الإيمان باليوم الآخر ومعناه وأدلة وجوبه

.

الإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان الستة، والتي لا يكمل إيمان العبد ولا يصح إلا به، وقد ورد الإيمانُ باليوم الآخر مقترنًا بالإيمان بالله تعالى في مواضع شتى

(1)

ينظر: جامع البيان للطبري (1/ 117).

(2)

ينظر: لسان العرب لابن منظور (11/ 362)، مادة:(ق و م)، والكليات للكفوي (5/ 119)، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب (691)، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (596).

(3)

الإيمان، د. نعيم محمد ياسين (ص: 19).

ص: 303

من كتاب الله تعالى، لأنه مَن لا يؤمن باليوم الأخر إيمانًا جازمًا لا يكون مؤمنًا بالله تعالى؛ لأن من مقتضيات الإيمان بالله الانقياد والتصديق والإذعان والتسليم له سبحانه في جميع ما أمر به سبحانه وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم وأخبر به عن ربه تبارك وتعالى.

وقد تواردت النصوص الخاصة بذكره بكثرة في الوحيين -في آي التنزيل وفي سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، تعظيمًا لشأنه وتهويلًا لأمره كما قال تعالى:{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177]، وقال سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [البقرة].

ومن الدلائل الواضحات أيضًا على وجوب الإيمان باليوم الآخر وأنه من أركان الإيمان وكفر من جحده: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)} [النساء].

وكذلك ورد الإيمان باليوم الآخر مقترنًا بالإيمان بالله تعالى في السنة المطهرة في مواضع شتى منها على سبيل المثال لا الحصر ما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ:«الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ»

(1)

، وكذلك ما ثبت عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»

(2)

.

وإن الكفار المنكرين للبعث بعد الموت الجاحدين لثبوته كيف يعملون لهذا اليوم

(1)

البخاري (50)، ومسلم (9).

(2)

البخاري (5185)، ومسلم (47).

ص: 304

وهم جاحدون منكرون لثبوته أصلًا؟!، فلا يعمل لهذا اليوم ويعدّ له عدته إلا مَن آمن به واستقر في قلبه ثبوته ووقوعه.

وفي مثل هذا ورد قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)} [الجاثية].

والمعنى: «وقال هؤلاء المشركون الذين تقدم خبره عنهم: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها لا حياة سواها تكذيبًا منهم بالبعث بعد الممات»

(1)

.

و «هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء»

(2)

.

كما قال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)} [الأنعام].

وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن اليوم الآخر وأقام الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على وقوعه، ورد على المعاندين والجاحدين والمنكرين له في عموم سور القرآن الكريم ولا سميا في السور المكية التي تقرر عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر.

وانكار الآخرة والبعث بعد الموت كفر بواح محبط للعمل مخرج من الملة موجب للخلود في النار أبد الآبدين.

لأنه أمر قد عُلِمَ من دين الله بالضرورة، وقد أجمعت الأمة على أن من جحده وأنكره كفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا

بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)} [الأعراف]، ومعنى {وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ} [المؤمنون: 33] أي: «كذبوا بالبعث وما يعقبه، وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نلهو ونلعب، وما نحن بمبعوثين، وحسبوا أن الإنسان يترك سدى، ونزلوا به عن مكانته التي خلقه الله تعالى عليها»

(3)

.

(1)

الطبري (22/ 78).

(2)

القرطبي (16/ 160)، تفسير الماوردي (15/ 266).

(3)

زهرة التفسير-محمد أبو زهر، تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا

بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا

يَعْمَلُونَ (147)} [الأعراف].

ص: 305

والآخرة: «هي الكَرة الثانية، سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا،) حبطت أعمالهم) أي: بطلت، فلم تعقب نفعًا، والمراد جزاء أعمالهم»

(1)

، وقد سَألت عائشةُ رضي الله عنها النبيَ صلى الله عليه وسلم، قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ:«لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»

(2)

.

وكما قال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)} [الأنعام].

يبين ابن كثير رحمه الله معنى الآية فيقول: «يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ خَسَارَةِ مَنْ كَذَّبَ بِلِقَاءِ اللَّهِ وَعَنْ خَيْبَتِهِ إِذَا جَاءَتْهُ السَّاعَةُ بَغْتَةً، وَعَنْ نَدَامَتِهِ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنَ الْعَمَلِ، وَمَا أَسْلَفَ مِنْ قَبِيحِ»

(3)

.

ويضيف القرطبي رحمه الله موضحًا معنى الآية {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} فيقول: «قيل: بالبعث بعد الموت وبالجزاء»

(4)

.

‌ثالثًا: ومما يُستدل به أيضًا على وجوب الإيمان باليوم الآخر إضافة لما سبق ذكره

.

1 -

أنه تقرر ثبوت وقوع يوم القيامة بعموم أدلة الكتاب والسنة ولا شك في ذلك أبدًا، وقد مرّ معنا آنفًا سياق بعض الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الإيمان باليوم الآخر وأنه أحد أركان الإيمان الستة وتبين حكم منكره وجاحده والعياذ بالله.

وإن العقل السوي لا يتصور انتهاء الحياة الدنيا بموت الخلائق دون إثابة للطائعين ومحاسبة ومعاقبة المتمردين العاتين عن أمر رب العالمين، ودون القصاص فيما وقع بين العباد من مظالم في دار الفناء ورد المظالم لأهلها، وإلا لكان خلق

(1)

تفسير القاسمي (7/ 2856).

(2)

مسلم (214).

(3)

تفسير ابن كثير (3/ 250).

(4)

تفسير القرطبي (6/ 321).

ص: 306

الخلق عبثًا وحاشا لله ذلك وتعالى ربنا العلي العظيم عما يقول ويعتقد الظالمون علوًّا كبيرًا.

كما قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)} [المؤمنون: 115 - 116].

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ} «أي: بغير حكمة، حتى أنكرتم البعث، {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)} أي: للجزاء: {فَتَعَالَى اللَّهُ} أي: تعاظم عما تصفون؛ لأنه: {اللَّهُ الْمَلِكُ} أي: المتصرف وحده، الذي قصد بالخلق معرفته وعبادته، والذي لا يترك الجزاء بل يحق الحق»

(1)

ويبطل الباطل، قال سبحانه:{لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)} [الأنفال].

ولقد أقسم الله على وقوعه ردًّا على المعاندين المنكرين لوقوعه والجاحدين لثبوته، قال تعالى:{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)} [التغابن].

2 -

ومن حكمته البالغة سبحانه وتعالى أن جعل دار الدنيا دار عمل لا دار جزاء، وجعل الآخرة دار حساب ومجازاة على الأعمال، يحاسب فيها الخلائق، فيجازي كل مخلوق بما قدمت يداه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

قال تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51)} [إبراهيم]، أي:«ليجزي الله كل نفس مجرمة، ما كسبت، أو كل نفس من مجرمة ومطيعة، لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم عُلِمَ أنه يثيب المطيعين لطاعتهم»

(2)

.

وقال سبحانه: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31)} [النجم].

(1)

تفسير القاسمي (12/ 4422).

(2)

تفسير الزمخشري (3/ 394).

ص: 307

أي: «ليجزي الذين عصوه من خلقه، فأساؤوا بمعصيتهم إياه، فيثيبهم بها النار، {بِالْحُسْنَى} يقول: وليجزي الذين أطاعوه فأحسنوا بطاعتهم إياه في الدنيا بالحسنى وهي الجنة فيثيبهم بها»

(1)

.

3 -

وقد ثبت عيانًا للخلق قاطبة قدرة الله العظيم على خلقهم جميعًا من نفس واحدة، ثم مراحل وأطوار، كما قال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)} [الحج]، فالذي خلق أول مرة ليس بعاجز عن إعادته كما أنشأه أول مرة على غير مثال سابق، بل الإعادة أهون عليه، وهو سبحانه لا يعجزه شيء، قال تعالى {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)} [يس] والمعنى:«يا أيها الناس، إن كنتم في شك من قدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم استعظامًا منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم صلى الله عليه وسلم من تراب ثم إنشائنا لكم من نطفة آدم، ثم تصريفنا أحوالًا حالًا بعد حال من نطفة إلى علقة، ثم من علقة إلى مضغة، لكم معتبرًا ومتعظًا تعتبرون به، فتعلمون أن من قدر على ذلك فغير متعذر عليه إعادتكم بعد فنائكم كما كنتم أحياء قبل الفناء»

(2)

.

وهذا «كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان إنكارهم البعث بعد ما شاهدوا في أنفسهم ما يوجب التصديق به»

(3)

.

(1)

تفسير الطبري (22/ 532).

(2)

الطبري (18/ 568).

(3)

روح المعاني للألوسي (23/ 54).

ص: 308

«وجملة: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ} مستأنفة مسوقة لبيان إقامة الحجة على من أنكر البعث وللتعجيب من جهله، فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم على هذه الصفة من البداية إلى النهاية مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم على ما هو دون ذلك من بعث الأجسام وردها كما كانت»

(1)

.

4 -

وقد دلل على الإقرار والإيمان بالله واليوم الآخر العقل السليم والفطر السوية، وقد أودع الله في تلك الفطرة السوية القدرة على الإيمان بالغيب الذي أخبر به سبحانه في كتابه وأخبره به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة الثابتة عنه.

كما صرحت به جميع الكتب السماوية المنزلة، وأخبر به جميع النبيين والمرسلين.

وخلاصة الأمر:

أن الإيمان باليوم الآخر هو اعتقاد انتهاء هذه الدار -دار الدنيا-، وانتهاء ما فيها، ويدخل في ذلك ضمنًا: الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها الصغرى والكبرى التي تكون قبل وقوعها، والتصديق بالموت وما بعده من نعيم القبر وعذابه، والإيمان بالبعث والنشور بعد الموت، والحساب والصراط والميزان، وأخذ صحائف الأعمال، والحوض والشفاعة، والثواب والعقاب وما في موقف القيامة من الأهوال والشدائد والأفزاع العظيمة والجنة والنار، وبكل ما تضمنه الإيمان باليوم الآخر ووُصِفَ لنا جملة وتفصيلًا.

والتصديق الجازم بأن الله سبحانه يبعث الخلائق يوم القيامة من قبورهم، لمحاسبتهم ومجازتهم على أعمالهم، إلى أن يدخل المؤمنون الأبرار الجنة ويستقرون في منازلهم ودرجاتهم التي أعد الله تكريمًا لهم، ويدخل الفجار أهل النار دار البوار ويستقرون في دركاتها التي أعدها الله لهم جزاءً على أعمالهم.

والإيمان باليوم الآخر، إيمان بالغيب؛ لأنه غيب لم يره أحد، وإنما عُلِمَ بالوحي، فسبيله التصديق الجازم بكل ما ورد في الكتاب والسنة عن اليوم الآخر جملة وتفصيلًا.

(1)

فتح القدير للشوكاني (1/ 1234).

ص: 309

كما قال تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)} [البقرة].

ولقد أخفى الله علم وُقُوعِها عن الخلق، فلا يعلم أحد من الخلق وقت وقوعها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، قال تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)} [الأعراف].

وختامًا:

فإن دلالة الكتاب والسنة على وجوب الإيمان باليوم الآخر وما ورد فيه جملة وتفصيلًا أكثر من تحصى لكثرة ما ورد في تقرير وجوب الإيمان به، وقد كثُرت نصوص الوحيين في ذكر اليوم الآخر وأطواره ومراحله، كما تضافرت تلك الأدلة في الرد على منكري البعث ووقوع الجزاء والحساب بأدلة قامعة لكل معاند، رادعة لكل جاحد، زاجرة لكل مكابر، كما بيّنت أدلة الوحيين زيف وافتراء حججهم الواهية وردتها بأدلة لا تدع مجالًا للشك أبدًا، كما مرّ بيانه تكرارًا ومرارًا.

«والفطرة السليمة تدل عليه وتهدي إليه، ولا صحة لما يزعمه الضالون من أن العقول تنفي وقوع البعث والنشور، فإن العقول لا تمنع وقوعه، والأنبياء لا يأتون بما تحيل العقول وقوعه، وإن جاؤوا بما يحير العقول، ولذلك قال علماؤنا: الشرائع تأتي بمحارات العقول، لا بمحالات العقول»

(1)

.

‌رابعًا-بعض أسماء يوم القيامة:

إن الأسماء إذا كثرت وتعددت فإنما يدل ذلك على شرف المُسمَّى، ولليوم الآخر أسماء كثيرة جدًّا.

ولقد «سمى الله ذلك اليوم الذي يحل فيه الدمار بهذا العالم، ثم يعقبه فيه البعث والنشور للجزاء والحساب بأسماء كثيرة، وقد اعتنى جمع من أهل العلم بذكر هذه

(1)

القيامة الكبرى. د. عمر الأشقر (ص: 73).

ص: 310

الأسماء، وقد عدها الغزالي والقرطبي فبلغت خمسين اسمًا كما يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني»

(1)

.

وقد أورد القرطبي أسماء القيامة في (التذكرة) واستقى بيان معانيها من ابن العربي المالكي من كتاب له أسماه (سراج المريدين)، والقرطبي أضاف إليها بعض البيان والتوضيح والتفسير.

«وقد عدَّها بعضهم من غير تفسير، منهم ابن نجاح في كتابه (سبيل الخيرات)، وأبو حامد الغزالي في (الإحياء)، وابن قتيبة في (عيون الأخبار)»

(2)

.

‌وفيما يلي أشهر تلك الأسماء مع تعريف مختصر بكل اسم:

‌1 - الطَّامَّةُ:

كما قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)} [النازعات].

قال الطبري رحمه الله: «وقوله {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)} [النازعات]، يقول تعالى ذكره: فإذا جاءت التي تطم على كلّ هائلة من الأمور، فتغمر ما سواها بعظيم هولها، وقيل: إنها اسم من أسماء يوم القيامة»

(3)

.

قال البغوي رحمه الله: «وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ طَامَّةً لِأَنَّهَا تَطُمُّ عَلَى كُلِّ هَائِلَةٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَتَعْلُو فَوْقَهَا وَتَغْمُرُ مَا سِوَاهَا، وَ «الطَّامَّةُ» عِنْدَ الْعَرَبِ: الدَّاهِيَةُ الَّتِي لَا تُسْتَطَاعُ»

(4)

.

وقال الشوكاني رحمه الله: «أي: الداهية العظمى التي تطمّ على سائر الطامات»

(5)

.

‌2 - الساعة:

قال الله تعالى: {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)} [الحجر]، وقال سبحانه:{إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه].

قال القرطبي رحمه الله: «والساعة كلمة يعبّر بها في العربية عن جزء من الزمان غير

(1)

فتح الباري (11/ 396).

(2)

التذكرة للقرطبي (233).

(3)

تفسير الطبري (22/ 211).

(4)

تفسير البغوي (9/ 330).

(5)

فتح القدير للشوكاني (1/ 1584).

ص: 311

محدود، وفي العُرْف على جزء من أربعة وعشرين جزءًا من يوم وليلة اللذَيْن هما أصل الأزمنة وحقيقة الإطلاق فيها أن الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المُسمَّى بالآن، وسُمّيت به يوم القيامة إما لقربها فإن كل آتٍ قريب، وإما أن تكون سُمّيت بها تنبيهًا على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود، وقيل: إنما سُمّيت بالساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة»

(1)

.

‌3 - يوم البعث:

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} [الحج: 5]، وقال سبحانه:{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} [الروم: 56].

قال ابن منظور رحمه الله: «البعث: الإحياء من الله تعالى للموتى، وبعث الموتى نشرهم ليوم البعث»

(2)

.

والمعنى المقصود: «إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث الذي أنكرتموه «

(3)

‌4 - يوم الدين:

كما قال تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} ، ويوم الدين هو يوم القيامة، {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين] يقومون للجزاء والحساب ليدانوا بأعمالهم.

‌5 - القارعة:

قال الله تعالى: {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)} [القارعة: 1 - 3]، وكما قال تعالى:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)} [الحاقة].

قال القرطبي رحمه الله: «سُمّيت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها، يقال: قد أصابتهم قوارع الدهر، أي: أهواله وشدائده»

(4)

.

‌6 - يوم الخروج:

كما قال تعالى: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)}

(1)

التذكرة (1/ 330).

(2)

لسان العرب (1/ 230).

(3)

تفسير النسفي (2/ 708).

(4)

التذكرة (1/ 332).

ص: 312

[ق]، وكما قال تعالى:{يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43)} [المعارج].

«سُمِّي بذلك لأن العباد يخرجون فيه من قبورهم عندما ينفخ في الصور»

(1)

.

‌7 - يوم الفصل:

كما قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38)} [المرسلات]، وكما قال تعالى:{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)} [النبأ].

«سُمِّي بذلك لأن الله يفصل فيه بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون وفيما كانوا فيه يختصمون، كما قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25)} [السجدة]»

(2)

.

‌8 - الصاخة:

كما قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33)} [عبس].

قال القرطبي رحمه الله: «قال عكرمة: الصاخة: النفخة الأولى، والطامة الثانية؛ قال الطبري: أحسبه من صخّ فلانٌ فلانًا إذا أصمه، قال ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم وإنها المسمعة، وهذا من بديع الفصاحة»

(3)

.

‌خامسًا: دلالة الإيمان باليوم الآخر على التوحيد

.

إن دلالات الإيمان باليوم الآخر على التوحيد كثيرة ومتعددة الجوانب، ذلك لأنه منبثق من العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص لله تعالى.

ومن أهم تلك الدلالات ما يلي:

1 -

أن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح ولا يكمل الإيمان إلا بها مجتمعة.

2 -

وأنه قرين الإيمان بالله تعالى، وقد مرّ معنا في طيات البحث نصوص الوحيين الدالة على اقترانهما.

(1)

تفسير القرآن العظيم (4/ 231)

(2)

تفسير القرآن العظيم (4/ 146).

(3)

التذكرة للقرطبي (1/ 347) ينظر: اليوم الآخر للأشقر (87).

ص: 313

3 -

ومن أوضح تلك الدلالات أيضًا: أن من جحده وأنكره فقد كفر وخرج من الملة، والكفر والخروج من الملة نقيض التوحيد والإيمان.

4 -

ومنها أن الإيمان باليوم الآخر قرين العمل الصالح والدافع إليه والمرغب فيه، كما ثبت ذلك في النصوص الكثيرة، والعمل الصالح هو توحيد الله بأفعال العباد، وهذه الدلالة هي من أهم وأوثق الدلالات على التوحيد.

ومن جملة ما ورد في ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 18]. أي: «المصدق بوحدانية الله، المخلص له العبادة، الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياء من قبورهم يوم القيامة»

(1)

.

وآية براءة شبيهة الدلالة على التوحيد بقوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} [البقرة]، فقُرِنَ هنا بين العمل الصالح الذي هو عمارة البيت الحرام ورفع قواعده، وبين الإسلام الذي هو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك.

ومنها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)} [الأنعام: 92]، والأمثلة على ذلك في كتاب الله تعالى أكثر من أن تحصى ومُثيلاتُها في السنة المطهرة كذلك، ومنها على سبيل المثال لا الحصر وقد مرّ معنا آنفًا ما ثبت عند مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»

(2)

، فالخصال الحميدة والأعمال الصالحة التي ورد الحث عليها والترغيب فيها في الحديث، إنما جاء الترغيب فيها مقترنًا بالإيمان باليوم الآخر لأنه قرين العمل الصالح والدافع إليه والمرغب فيه كما أسلفنا.

(1)

تفسير الطبري (14/ 168).

(2)

مسلم (6847).

ص: 314

وإنما تتحقق الرغبة والطمع في فعل تلك الخصال الحميدة وغيرها من الطاعات إذا تحقق الإيمان باليوم الآخر، ليصبح هو الدافع والمحرك على الإقبال على تلك الطاعات، كما يكون الدافع أيضًا على عدم اقتراف الذنوب والسيئات الخوف والرهبة من فعل المحرمات والموبقات، هو الوعيد المترتب على من فعلها من عذاب ونكال وجحيم في الدار الآخرة، قال ربنا في سورة السجدة:{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)} [السجدة].

فيورث ذلك كله صلاح قلوب العباد وصلاح أحوالهم والفوز بسعادة الدارين، ولما في الغفلة ونسيان ذلك اليوم العظيم ونسيان ثوابه وعقابه والغفلة عما أعده الله من كرامات للطائعين، وما أعده من عقوبات جزاءً للعصاة وسائر المتمردين عن طاعة رب العالمين.

فالعاقل الناصح لنفسه الحريص على فكاك رقبته من النار لا يغفل عن هذا المشهد والموقف العظيم بين يدي جبار السماوات والأرض، فإنه من أشد ما يمنعه من المعاصي ويجافي بينه وبينها، ويباعد بينه وبينها كما يباعد بين المشرق والمغرب،

فمن أعظم ما يمنعه من ذلك كله خوفه من ربه عز وجل، وخوفه من وقوفه بين يديه، وتيقنه بوقوع ذلك اليوم وأنه كائن لا محال {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ} [المعارج: 4].

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنه: «هذا يوم القيامة، جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة»

(1)

.

ويجلي هذا الأمر الإمام ابن القيم رحمه الله فيقول: «فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدًا إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة، أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت ساهيًا غافلًا! ولا يتذكر موقفه بين يدي الملك، ولا يستعد له، ولايأخذ له أهبته؟!»

(2)

.

(1)

تفسير الطبري (23/ 602).

(2)

الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء (ص: 91).

ص: 315

5 -

ومن تلك الدلالات أيضًا: تصديق العبد باليوم الآخر وما يقع فيه من أهوال عظام وجزاء على الأعمال دليل على تصديقه بالوعد والوعيد وتصديق الرسل وما أخبروا به عن ربهم من وقوع اليوم الآخر، والإيمان بالرسالات السماوية كلها، وإثبات صفات الرب جل في علاه، وكل هذا من دلالات الإيمان باليوم الآخر على التوحيد.

ولعل في ذلك كفاية، والحمد لله رب العالمين.

ص: 316

‌4 - أصل الدين مبني على أصلين عظيمين

(العبودية-والاستعانة)

قد سبق في المبحث الأول من هذا الفصل-أعني: (الفصلَ الرابع) بيان: -

1 -

التعريف بالعبودية ومفهومها في اللغة والاصطلاح.

2 -

ثم بيان قسميها بشيء من الإيجاز.

3 -

ثم التعريج على بيان حقيقتها.

4 -

ثم بيان تقرير العبودية لله في السورة الكريمة.

والمقصود من بيانه في هذا المبحث أن أصل الدين مبنى على (العبودية-والاستعانة).

‌أولًا: العبودية

، في قوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وبيان أن تحقيق العبودية هي الغاية من خلق القلق.

والله تعالى قد خلق المكلفين من الثقلين لمهمة عظيمة وغاية جليلة، ألا وهي عبادته جل في علاه، خلقهم ليعبدوا وهو غني عنهم غنى تام، وهم فقراء إليه سبحانه فقرًا تامًّا.

كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات] «أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه:{إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} «أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا» ، وهذا اختيار ابن جرير.

وقال ابن جُرَيْج: «إلا ليعرفون» .

وقال الربيع بن أنس: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي: «إلا للعبادة»

(1)

.

(1)

تفسير ابن كثير (7/ 425)

ص: 317

وقال القرطبي رحمه الله: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي»

(1)

.

«قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي: إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، يؤيده قوله عز وجل:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} [التوبة: 31].

وقال مجاهد: «إلا ليعرفوني» .

وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرفوا وجوده وتوحيده، و «قيل: معناه إلا ليخضعوا إليّ ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه.

وقيل: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله عز وجل:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت: 65]

(2)

.

قال القرطبي: «أي: ليذلوا ويخضعوا لي»

(3)

.

قال النووي: «وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور»

(4)

.

وأهل العبودية الحقة موقنون بذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له»

(5)

.

(1)

الجامع لأحكام القرآن (17/ 56).

(2)

تفسير البغوي (7/ 381).

(3)

الجامع لأحكام القرآن: (17/ 56).

(4)

رياض الصالحين للنووي بتخريج الألباني (ص: 37).

(5)

العبودية (ص 80).

ص: 318

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وبنى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع. كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات]» .

(1)

و‌

‌في ضوء بيان أهل العلم وأئمة التفسير رحمهم الله حول آية الذاريات يتبين:

1 -

أن الحكمة والغاية المحمودة التي خلق الله تعالى الخلق من أجلها هي العبادة.

قال ابن سعدي رحمه الله: «هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته ومحبته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عما سواه، وكلما ازداد العبد معرفة بربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله تعالى المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم»

(2)

.

2 -

وأن الله خلقهم وهو غني عنهم مع فقرهم إلى خالقهم.

كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ

الْحَمِيدُ (15)} [فاطر].

يقول الفخر الرازي رحمه الله: «فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم، وإنما هو لإشفاقه عليكم»

(3)

.

3 -

وأن العبادة هي: الخضوع والذل والانقياد.

4 -

وأن عبودية القهر والغلبة تشمل كل الخلق مؤمنهم وكافر.

قال القرطبي رحمه الله: «قوله تعالى: {اعْبُدُوا} [المائدة: 72] أمر بالعبادة له، والعبادة هنا

(1)

مدارج السالكين (1/ 100).

(2)

تفسير الكريم الرحمن (7/ 181).

(3)

(التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب-للفخر الرازي-تفسير سورة فاطر قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ

الْحَمِيدُ (15)} [فاطر](ص: 23).

ص: 319

عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه، وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبّدة إذا كانت موطوءة بالأقدام

والعبادة الطاعة، والتعبد التنسّك»

(1)

.

5 -

وأن العبادة التي هي التوحيد، هي عبودية الاختيار، التي لا يُوفق لها إلا من اصطفاه الله تعالى من عباده المؤمنين.

6 -

وأن التكليف بالعبودية لا ينفك عن العبد أبدًا حتى الممات.

وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر]، واليقين هو الموت.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر]، وقال أهل النار: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)} [المدثر]، وفي الصحيح في قصة عثمان بن مظعون رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه»

(2)

أي: الموت وما فيه، فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله ورسوله، وإنما وصل لمقام الكفر بالله والانسلاخ من دينه، بل كلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، والواجب عليه منها أكبر وأكثر من الواجب على من دونه، ولهذا كان الواجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولي العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته»

(3)

.

وكلام ابن القيم حول معنى اليقين يبين حقيقة العبودية التي لا تنفك عن العبد أبدًا، ومن يسموا أنفسهم بأهل الوجد من المتصوفة ونحوهم، يدّعي رؤوسهم أنهم من شدة عبادتهم قد رُفِعَ عنهم التكليفُ.

(1)

الجامع لأحكام القرآن (1/ 225 - 226).

(2)

وأصل الحديث رواه البخاري (1243).

(3)

مدارج السالكين (1/ 103 - 104).

ص: 320

ثم عرج رحمه الله على مقام العبودية وأن العبد كلما تمكن في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم، وكلما ارتفع قدر العبد علمًا ومنزلة ومكانة، كانت عبوديته أعظم وآكد، كعبودية المرسلين وعبودية أولي العزم منهم، وعبودية ورثة الأنبياء من العلماء الربانيين.

7 -

وأن المؤمن يعبد الله في الشدة والرخاء، وأما الكافر فلا يعبد الله إلا في الشدائد، قال الله تعالى:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65)} [العنكبوت].

8 -

أن العبودية مع كون مضمونها الذل والخضوع والافتقار فهي متضمنة لأعلى مقامات العبد، فهي المنزلة الرفيعة السامية العالية التي ارتضاها الله لأشرف خلقه صلى الله عليه وسلم، وارتضاها هو صلى الله عليه وسلم لنفسه حيث يقول:«لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله»

(1)

.

‌ثانيًا: عبودية البشر

.

‌أ-عبودية الأنبياء والمرسلين:

وأعظمها وأجلها وأعلاها قدرًا عبودية النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «حقق الله له نعت العبودية في أرفع مقاماته حيث قال {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1]، وكما قال تعالى:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)} [النجم]، وكما قال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا

يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)} [الجن]، ولهذا يشرع في التشهد وفى سائر الخطب المشروعة كخطب الجمع والأعياد وخطب الحاجات عند النكاح وغيره أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»

(2)

.

هذا ولقد وُصِفَ النبيُ صلى الله عليه وسلم في كتاب الله بالعبودية في أشرف المقامات وأعلاها

(1)

البخاري (3445) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(2)

مجموع الفتاوى (1/ 66).

ص: 321

وأزكاها، كما مرّ آنفًا بيان شيخ الإسلام لبعضها، ونعيد بيان تلك المقامات بشيء من الإيضاح، قال سبحانه في مقام الوحي:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)} [النجم]، وقال سبحانه:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)} [الكهف]، وقال أيضًا:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)} [الفرقان: 1]، والوحي من أعلى المقامات وأشرفها.

وقال في مقام الدعوة إلى الله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا

يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)} [الجن] والدعوة التي هي إبلاغ الحق للخلق بأمر الخالق، شرف لا يدانيه شرف.

وقال في مقام ولايته وكفايته له أيضًا: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36].

قال ابن سعدي رحمه الله: «أي: أليس من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه، خصوصًا أكمل الخلق عبودية لربه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء»

(1)

.

وقال تعالى في مقام التحدي: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23].

وقال سبحانه في مقام الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء]، وهو مقام تشريفي خُص به أشرفُ الخلق صلى الله عليه وسلم من بين العالمين.

قال القرطبي رحمه الله: «قال العلماء: لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية.

قال القشيري رحمه الله: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأمة»

(2)

.

ويؤكد الشنقيطي بيان ما ذكره القرطبي حول آية الإسراء فيقول رحمه الله: «والتعبير

(1)

تفسير ابن سعدي (ص: 725).

(2)

الجامع لأحكام القرآن (10/ 205).

ص: 322

بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على أن مقام العبودية هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها إذ لو كان هناك وصف أعظم منه لعبر به في هذا المقام العظيم الذي اخترق العبد فيه السبع الطباق ورأى من آيات ربه الكبرى»

(1)

.

‌ب-عبودية أولي العزم من الرسل عليهم السلام بأعيانهم:

قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35]

(2)

.

وقال الله في حق أول رسله لأهل الأرض وهو نوح عليه السلام: {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9)} [القمر]، فشرفه بعبوديته له سبحانه.

(1)

أضواء البيان (3/ 8).

(2)

أولو العزم أي: أصحاب القوة في الدين والثبات عليه، والعزم في تبليغ دين الله لعباده والصبر عل ذلك، ولا نعلم نصًّا صريحًا بتسميتهم بأولي العزم إلا ما دلل عليه بعض المفسرين حول الآيات التي ذُكِرُوا فيها، والله أعلم.

وقد ورد أثر عن أبي العالية الرياحي قال: {فَاصْبِرْ كَمَا

صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] نوح وهود وإبراهيم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبر هؤلاء فكانوا ثلاثة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم رابعهم. أخرجه البيقي في سننه (17733)، وشعب الإيمان له (9256)، والسيوطي في الدر المنثور (7/ 454). والأثر ضعيف فيه، أبو جعفر الرازي، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وهما ضعيفان.

والمشهور عند أهل التفسير أنهم خمسة وهم: الذين ذكرهم الله في سورة الأحزاب في قوله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7)} [الأحزاب] وذكرهم أيضًا في الشورى في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ} [الشورى: 13] وبعض المفسرين يرى أن الرسل كلهم أولو عزم وأن (مِن) في قوله تعالى: {مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] بيانية وليست تبعيضية، ومنهم من يرى غير ذلك.

ص: 323

وقال في وصف عبوديته وإيمانه: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)} [الصافات]، وقال في وصف عبوديته وشكره:{إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)} [الإسراء]، وقال في حقه وحق لوط واصفًا عبوديتهما وصلاحهما عليهما السلام:

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)} [التحريم].

وفي وصف أبي الأنبياء وخليل الرحمن كما قال تعالى: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)} [الصافات: 81]، وقال في وصفه أيضًا ووصف بعض النبيين من ذريته:{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48)} [ص].

وقال في وصف كليمه موسى بن عمران ووصف أخيه هارون: {إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)} [الصافات].

وقال في وصف بيان أول ما نطق به عيسى ابن مريم عليه السلام في المهد أنه: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم: 30]، وقال عنه أيضًا:{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} [النساء: 172].

وقال في حقه أيضًا: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59)} [الزخرف].

«فجعل غايته العبودية لا الإلهية كما يقول أعداؤه النصارى»

(1)

.

‌ج-عبودية عموم المرسلين:

والعبودية كذلك هي أعظم وأجل وصف لخيرة الله من خلقه الذين اصطفاهم الله لرسالاته وليكونوا سفراءه بينه وبين خلقه، وهم رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام.

قال عز وجل: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا

لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)} [الصافات]، فنسب عبوديتهم له

(1)

مدارج السالكين (1/ 102 - 103).

ص: 324

سبحانه وهذا نسب تشريف وتكريم لهم عليهم السلام أجمعين.

وقال تعالى في وصفهم أيضًا: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59]، وقال سبحانه عنهم أيضًا:{يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 2]، وقال سبحانه مزكيًا عبادتهم له سبحانه أيضًا:{وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)} [الأنبياء].

ومما ورد في ذكر عبودية بعض الأنبياء عليهم السلام أجمعين بأعيانهم:

قال تعالى في وصف عبده داود: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)} [ص].

وقال في وصف عبده سليمان: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)} [ص].

وقال في وصف عبده أيوب: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ} [ص: 41].

فهذا أجل وصف يُوصف به النبيون والمرسلون عليهم السلام جمعين.

‌د- عبودية عموم البشر:

تقدم معنا بيان أعلى الخلق رتبة في العبودية وهي رتبة النبيين والمرسلين، وأن أعلاهم رتبة أولي العزم منهم، ثم تلي هذه الرتبة رتبة أنصار النبيين والمرسلين على دينهم الذين يأخذون بهديهم ويزودون عن دين ربهم، وأفضل هؤلاء قاطبة أصحاب خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فهم رضي الله عنهم خير أصحاب لخير نبي.

يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إنَّ اللهَ نظرَ في قلوبِ العبادِ فوجدَ قلبَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم خيرَ قلوبِ العبادِ فاصطفاهُ لنفسِهِ فابتعثهُ برسالتِهِ.

ثم نظرَ في قلوبِ العبادِ بعدَ قلبِ محمدٍ فوجدَ أصحابه خيرَ قلوبِ العبادِ فجعلهم وُزَرَاءَ نبيِّهِ يُقاتلونَ على دِينِهِ فما رأى المسلمونَ حسنًا فهوَ عندَ اللهِ حَسَنٌ، وما رَأَوا سيِّئًا فهو عندَ اللهِ سيِّئٌ»

(1)

.

والتفاضل بين الصحابة رضي الله عنهم معلوم لا يخفى ولقد استقرّ قول أهل السنة

(1)

أحمد (3670)، والطيالسي (243) قال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وهو موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه.

ص: 325

والجماعة في التفضيل بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، على أنهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة: فأفضلهم: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، ومما يدل على ذلك، ما ثبت عند البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال:«كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنُخيَّر أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان - رضي الله عنهم»

(1)

، ثم يأتي بعدهم باقي العشرة المبشرين بالجنة، ثم يليهم في الفضل عموم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم أهل بدر، فأهل بيعة الرضوان، ثم عموم الصحابة رضي الله عنهم جميعًا.

ثم تليهم في رتبة العبودية لرب البرية، رتبة حواريي الأنبياء وأصحابهم، ثم تليهم رتبةَ، رتبةُ المنعمِ عليهم المذكور شأنُهم في سورة النساء بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أجمعين في قوله تعالى:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)} [النساء: 69]، وإن كان من سبق ذكرهم يدخل في جملة تعداد المنعم عليهم، وهذا محض فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ثم يليهم رتبة في العبودية، رتبة عموم الخلق كل بحسب تحقيق عبوديته لخالقه ظاهرًا وباطنًا.

‌هـ-عبودية الملائكة:

‌التعريف بالملائكة:

عالم الملائكة عالم كريم، وهو غير عالم الإنس وغير عالم الجن، وهو عالم كله طهر وصفاء ونقاء، لأنهم لم تغرس فيهم الشهوة الحيوانية ولم تركب فيهم المعصية الآدمية، وهم كرام على ربهم، وهم يعبدون الله كما أمرهم وجبلهم، وهم كما

(1)

البخاري (3655) وهذا الحديث وإن كان من كلام ابن عمر رضي الله عنهما لكنه في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حكاية لما كانوا يقولون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم دون إنكار من النبي صلى الله عليه وسلم عليهم.

وقد جاء التصريح بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، وأنه كان يبلغه هذا التفضيل فلا ينكره، كما في السنة لابن أبي عاصم (1227)، والسنة للخلال (577 (. وكذلك جاء التصريح بإقرار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك في حياته صلى الله عليه وسلم، كما في مسند الإمام أحمد (4626).

ص: 326

وصفهم الله: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)} [التحريم].

‌الملائكة لغة:

«والملك أصله: أَلكَ، والمألكة، والمألكُ: الرسالة. ومنه اشتق الملائك؛ لأنهم رسل الله.

وقيل: اشتق من (لَ أك) والملأكة: الرسالة، وألكني إلى فلان؛ أي: بلغه عني، والملأك: الملك؛ لأنه يبلغ عن الله تعالى.

وقيل: الملك من الملك. قال: والمتولي من الملائكة شيئًا من السياسات يقال له: مَلَك، ومن البشر مَلِك»

(1)

.

‌الملائكة اصطلاحًا:

«خلق من خلق الله تعالى، خلقهم الله عز وجل من نور، مربوبون مسخرون، عباد مكرمون، {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)} [التحريم]، لا يوصوفون بالذكورة ولا بالأنوثة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يعلم عددهم إلا الله»

(2)

.

وقد نقل السيوطي عن الفخر الرازي: «أن العلماء اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون»

(3)

.

وعلاقتهم بالله سبحانه وتعالى، هي علاقة عبودية وخضوع وذل وطاعة مطلقة غير مشوبة بمعصية أبدًا.

والإيمان بالملائكة هو أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بها.

(1)

ينظر: بصائر ذوي التمييز، للفيروز آبادي (4/ 524 (.

(2)

لوامع الأنوار البهية (1/ 447)، أعلام السنة المنشورة (ص: 78)، الإيمان -محمد نعيم ياسين (ص: 32)، عالم الملائكة الأبرار- عمر سليمان الأشقر (ص: 13).

(3)

الحبائك في أخبار الملائك (ص: 264).

ص: 327

فيؤمن العبد بوجودهم، ويعتقد ذلك اعتقاد جازمًا وأنهم قد خُلِقوا من نور، وأنهم قائمون بمهامهم التي أمرهم ربهم وتعبدهم بها، ويؤمن بما ثبت لهم من صفات وخصال وأعمال في الكتاب والسنة كذلك، بغير زيادة ولا نقصان ولا تحريف ولا تبديل، والعبد غير مكلف بالتنقيب والبحث عما لم يؤمر به ولم يُحِط به علمًا عن عالم غيبي أُمِرَ بالإيمان به جملة، وأمر بالإيمان بهم وبأسمائهم وبوصفهم وأعمالهم وبكل ما ورد عنهم عن طريق الوحي المبين تفصيلًا-وكفى- فلا دخل للعبد فيما استأثر الله سبحانه بعلمه عنهم ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه.

كما قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ:«الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ»

(1)

.

وفي حديث جبريل المشهور عند مسلم: قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ:«أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ، قَالَ: صَدَقْتَ

الحديث

(2)

.

ومن لم يؤمن بوجودهم ولم يقرّ ويعترف بهم فهو كافر بالله تعالى بإجماع المسلمين، كما قال سبحانه في محكم كتابه:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)} [النساء].

وقال سبحانه أيضًا: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)} [البقرة].

(1)

البخاري (50)، ومسلم (9).

(2)

مسلم (8).

ص: 328

مكانتهم وخلقتهم:

وهم ليسوا على مقدار واحد في المقام والمكانة والشرف والقدر عند ربهم تعالى عنهم: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164)} [الصافات].

وسيأتي معنا بيان ذلك بإذن الله.

وهم متفاوتون كذلك في الخلقة أيضًا، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة قال تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} [فاطر].

ومنهم من هو فوق ذلك كما ثبت أن لجبريل ستمائة جناح، كما سيأتي بإذن الله.

‌أعداد الملائكة:

وأعدادهم لا يحصيها خلق أبدًا، فهم جم غفير لا يحصيهم إلا خالقهم قال سبحانه وتعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا

هُوَ} [المدثر: 31]، وفي صحيح مسلم عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها»

(1)

.

فيكون بذلك مجموع من يجرون جهنم من الملائكة يوم القيامة هو حاصل ضرب سبعين ألف في سبعين ألف، أي: أربعة مليارات وتسعمائة مليون ملك من الملائكة الكرام.

ويكفي في ذلك دخول سبعين ألف ملك للبيت المعمور كل يوم يصلون فيه ولا يعودون، كما سيأتي بيان ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.

‌مهام ووظائف الملائكة:

والملائكة مع كمال عبوديتهم لله، فإنهم مكلفون أيضًا بتدبير شؤون الخلق بأمر من الله تعالى وتنفيذ ما قدره الله تعالى بعدله وحكمته وإرادته جل في علاه.

ومن أعمالهم أيضًا الدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم وإعانتهم على طاعة الله

(1)

مسلم (2842).

ص: 329

وحثهم على الخير ودفع الأذى والشر عنهم ونصرتهم وتأييدهم وتثبيتهم.

وقد ورد في الكتاب والسنة الكثير من أعمالهم ومهامهم التي وكلها الله إليهم.

ومن التكاليف والمهام الأعمال التي تقوم بها الملائكة ما يختص بعالم الغيب، مما أخبرنا الله عنه ومن ذلك:

‌1 - حملة العرش ومَن حوله ولهم مهام عظيمة:

قال تعالى مبينًا مهمتهم: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17)} [الحاقة].

وكما قال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ} [غافر: 7].

ومما ورد في عِظَمِ خلقتهم:

ما ثبت عند أبي داود وصححه الألباني رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُذن لي أن أُحدِّث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام»

(1)

.

ومما ورد في عظم خلقتهم أيضًا وعبوديتهم لله تعالى ما ثبت عند الطبراني في معجمه الأوسط وصححه الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع الصغير من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت»

(2)

.

‌2 - ومنهم جبريل عليه السلام

-:

وهو من أشرف الملائكة الكرام، ذلك لأنه وُكِلَ بأشرف المهام وأعظمها وأجلها، ألا وهي النزول بالوحي من عند الله على رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام أجمعين، والوحي به حياة القلوب.

قال ربنا: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ

(1)

أبو داود (4727)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود (9353).

(2)

المعجم الأوسط (6503)، وهو في صحيح الجامع الصغير للألباني (853).

ص: 330

(194)

بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 192 - 195] والروح الأمين هو جبريل عليه السلام.

وهو كذلك من أقرب المقربين من رب العزة جل في علاه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)} [التكوير: 19 - 21].

وهو مع وصفه بالأمين فهو القوي كذلك، كما وصفه الله بقوله سبحانه:{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6)} [النجم: 5 - 6] ولقد رأى النبيُّ صلى الله عليه وسلم جبريلَ على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها مرتين، أما الرؤية الأولى: فقد وقعت في الأرض في بداية نزول الوحي، وتتابع الوحي بعدها فنزلت بعدها سورة المدثر.

ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهم ا قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ -أي: انقطاع- الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ -إلى- وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 1 - 5]»

(1)

.

وهذه الرؤية هي التي ذكرها الله سبحانه وتعالى بقوله: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23)} [التكوير].

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ الذي يأتيه بالرسالة عن الله عز وجل على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، {بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء (موضع بمكة)، وهي المذكورة في قوله:{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)} [النجم: 5 - 10]، كما تقدم تفسيرُ ذلك وتقريره، والدليلُ أن المرادَ بذلك جبريل عليه السلام. والظاهر-والله أعلم- أن هذه السورة -يعني: سورة التكوير- نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية،

(1)

البخاري (4)، ومسلم (161).

ص: 331

وهي الأولى.

وأما الثانية: وهي المذكورة في قوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16)} [النجم: 13 - 16]، فتلك إنما ذكرت في سورة «النجم» ، وقد نزلت بعد سورة الإسراء»

(1)

انتهى.

قال ابن مسعود رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: «رأى جبريلَ له ستمائة جناح»

(2)

.

وهذا ما قرره العلماء.

و «الذي تقرره الأدلة الصريحة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي خلقه الله عليها مرتين اثنتين فقط، وقد عد السيوطي رحمه الله هذا الأمر من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم»

(3)

.

قال النووي رحمه الله: «وهكذا قاله أيضا أكثر العلماء، قال الواحدي: قال أكثر العلماء: المراد رأى جبريل في صورته التي خلقه الله تعالى عليها» انتهى.

(4)

.

‌ميكائيل عليه السلام

-:

ميكائيل: وهو الملك الموكل بالقطر وإنزال الأمطار التي بها خِصْبُ الأرض وحياتها وبها ينبت النبات وتحيا المخلوقات، إنسها وبهيمها.

وقد وكل الله لميكائيل أعوانًا من الملائكة يقومون بتصريف الرياح وتوجيه السحب وصرفها حيث يشاء الله تعالى. وهو ثاني ملك بعد جبريل جرى في الفضل والمكانة، ولذا نُصَ على اسمه صراحة في كتاب الله تعالى؛ (هو وجبريل) عليهما السلام.

وهو في تعداد أشراف الملائكة المقربين، وقد تعددت رؤيةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لميكائيلَ.

(1)

تفسر ابن كثير (8/ 339).

(2)

البخاري (3232)، ومسلم (174).

(3)

الخصائص الكبرى (1/ 197).

(4)

شرح النووي على مسلم (3/ 7).

ص: 332

وذلك لما رُوِي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: ما لي لم أر ميكائيل ضاحكًا قط؟ قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار»

(1)

.

‌إسرافيل عليه السلام

-:

وإسرافيل عليه السلام هو: الملك الموكل بالنفخ في الصُّوُرِ، والصور هو (القَرْن)، وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عند أبي داوود والترمذي وأحمد وصححه الألباني، قال: سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصُّور؟ فقال: «قرنٌ ينفخ فيه»

(2)

.

وهو في تعداد أشراف الملائكة المقربين، ولم يرد اسمه بنصٍّ صريح في القرآن الكريم بل ورد اسمه على لسان المعصوم صلى الله عليه وسلم.

أما حجم خلق إسرافيل عليه السلام وعدد أجنحته فلا يعلم الباحثُ نصًّا صحيحًا صريحًا في هذا الصدد ولكن عندما يُتصورُ حجمُ الصُّورِ (البوق)، يُعلم تخيل حجمه عليه السلام وعظيم خلقته، وهذه أمور كلها غيبية لادخل في تصور العقل لها وما يملك المؤمن إلا الإيمان بها كسائر الغيبات.

وإسرافيل عليه السلام لشرفه ومكانته عند ربه قد شهد بدرًا مع جبريل وميكائيل، عن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولأبي بكرٍ يومَ بدرٍ: «مع أحدِكُما جبريلُ، ومع الآخر ميكائيلُ؛ وإسرافيلُ ملكٌ عظيمٌ يشهدُ القتال، أو قال: يشهدُ الصفَّ» قاله: لعليٍّ، ولأبي بكر

(3)

.

(1)

ينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (4454) والحديث: أخرجه أحمد (3/ 224) عن إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية الأنصاري: أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى يقول: سمعت ثابتًا البناني يحدث عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لجبريل عليه السلام:«ما لي لم أر ميكائيل ضاحكًا قط؟» قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فيه علتان: الأولى: جهالة حميد هذا؛ قال في التعجيل: لا يُدرى من هو؟.

ثم وجد له الشيخ رحمه الله طريقا أخرى وشاهدًا، فخرجه في الصحيحة (2511 (.

(2)

أبو داود (4742)، والترمذي (2430)، والنسائي في الكبرى (11250)، وابن حبان (7312) ووصححه الألباني في الصحيحة (3/ 154).

(3)

ابن أبي شيبة في المصنف (12/ 16/ 12002)، وأحمد (1/ 147)، وأبو يعلى (1/ 283 - =

ص: 333

وأشراف الملائكة هم من شهدوا غزوة بدر، ففي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري الخزرجي

(1)

: أن جبريل جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، -أو كلمة نحوها-، قال: وكذلك مَن شهد بدرًا من الملائكة»

(2)

.

وقد بلغ من ذله وعبوديته لربه وتعظيمه لأمره أنه منذ أن وِكِلَت إليه هذه المهمة العظيمة الجليلة لم يفتأ ينظر إلى عرش ربه ينتظر متى يؤمر بالنفخ في الصور حال صدور أمر ربه جل في علاه، فقد ثبت عند الحاكم وصححه الألباني -رحمه الله تعالى- من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن طَرْفَ صاحبِ الصُّور مُذْ وكِّل به مستعدٌّ ينظرُ نحو العرش مخافةَ أن يُؤمَر قبل أن يرتدَّ إليه طَرْفُه، كأن عينيه كوكبانِ دُرِّيَّانِ»

(3)

.

وقد وقع خلاف بين العلماء في النفخ في الصور، هل هو نفختان، أم ثلاث نفخات؟ والراجح أنهما نفختان اثنتان، أما النفخة الأولى فهي نفخة (الصَعْق)، وأما النفخة الثانية فهي نفخة (البعث).

كما دل على ذلك قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ

=283)، وابن أبي عاصم في السنة (2/ 574 - 575)، والحاكم (3/ 68) وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وأقره الحافظ في الفتح (7/ 313). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 85):«رجاله رجال الصحيح» ، وقال أحمد شاكر في المسند:«إسناده صحيح» ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (3241).

(1)

رفاعة بن رافع بن مالك (ت: 41 هـ (، صحابي من بني زريق من الخزرج، شهد بيعة العقبة الثانية، والمشاهد كلها مع النبي محمد. كما شهد وقعتي الجمل وصفين مع علي بن أبي طالب، وتوفي في أول خلافة معاوية بن أبي سفيان. وينظر: الإصابة في تمييز الصحابة -رفاعة بن رافع، عن موقع الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).

(2)

البخاري (3992).

(3)

النسائي في الكبرى (11016)، والحاكم (8773). قال الحافظ في الفتح (11/ 368): سنده حسن، وصححه الألباني في الصحيحة (1078).

ص: 334

إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68)} [الزمر].

ويقول شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله: «الصور قرن عظيم، ينفخ فيه إسرافيل النفخة الأولى للموت والفزع، والنفخة الثانية للبعث والنشور. هاتان النفختان جاء بهما القرآن الكريم. إحداهما يقال لها: نفخة الصعق، ويقال لها: نفخة الفزع، وبها يموت الناس، والثانية نفخة البعث، وقال جماعة من العلماء: إنها ثلاث: نفخة الفزع، وقد يفزع الناس فقط، ثم تأتي بعدها نفخة الموت، ثم نفخة البعث والنشور. والمحفوظ نفختان فقط، كما دل عليهما كتاب الله العظيم»

(1)

انتهى.

‌ملك الموت عليه السلام

-:

كما قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)} [السجدة].

قال ابن كثير رحمه الله: «الظَّاهِر مِنْ هَذِهِ الْآيَة أَنَّ مَلَك الْمَوْت شَخْص مُعَيَّن مِنْ الْمَلَائِكَة كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَر»

(2)

.

وهو الذي «يتوفى أرواح جميع الخلائق»

(3)

.

وملك الموت له أعوان من الملائكة تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)} [الأنعام].

ومن مشاهد العبودية هنا قوله تعالى: {وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} أي: لا يقصرون في قبض روح أحدكم طاعة لله وإنفاذًا لأمره جل في علاه.

قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري: «إنْ قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت، فكيف قيل: (توفته رسلنا)، و «الرسل» جملة، وهو واحد؟

قيل: جائز أن يكون الله تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون

(1)

فتاوى نور على الدرب (4/ 327).

(2)

تفسير ابن كثير (6/ 360 - 361).

(3)

القرطبي (14/ 87).

ص: 335

ذلك بأمر ملك الموت فيكون «التوفي» مضافًا إلى ملك الموت، كما يضاف قتلُ من قتله أعوانُ السلطان، وجلدُ من جلدوه بأمر السلطان، إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده»

(1)

.

وقال القرطبي رحمه الله: «والتوفي تارة يُضاف إلى ملك الموت، كما قال: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} وتارة إلى الملائكة لأنهم يتولون ذلك، كما في قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)} [الأنعام]، وتارة إلى الله وهو المتوفي على الحقيقة، كما قال: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42]»

(2)

، وكما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97]، وكما قال تعالى:{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النحل: 28].

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: «فتحصل أن إسناد التوفي إلى ملك الموت في قوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)} [السجدة]، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح. وأن إسناده للملائكة في قوله:{فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ} [محمد: 27]، ونحوها من الآيات لأن لملك الموت أعوانا يعملون بأمره.

وأن إسناده إلى الله في قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42]، لأن كل شيء كائنا ما كان لا يكون إلا بقضاء الله وقدره والعلم عند الله»

(3)

.

ولم يثبت في ذلك حديث صحيح تسميته ملك الموت عليه السلام بـ «عزرائيل» كما هو مشهور عند الكثير من عموم الخلق قديمًا وحديثًا.

قال ابن كثير رحمه الله: «وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل»

(4)

.

(1)

تفسير الطبري (11/ 410).

(2)

تفسير القرطبي (7/ 7).

(3)

أضواء البيان للشنقيطي (6/ 504).

(4)

البداية والنهاية لابن كثير (1/ 42).

ص: 336

وقال المناوي رحمه الله: بعد أن ذكر أن ملك الموت اشتهر أن اسمه عزرائيل، قال:«ولم أقف على تسميته بذلك في الخبر»

(1)

.

وقال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: «عزرائيل: خلاصة كلام أهل العلم في هذا: أنه لا يصح في تسمية ملك الموت بعزرائيل -ولا غيره- حديث، والله أعلم»

(2)

.

والمشهور عند أهل التحقيق أن شيوع هذا الاسم من الإسرائيليات، والآثار الواردة في هذا الصدد لم يقف الباحث لها على شيء ثابت يصلح الاحتجاج به.

ومن الملائكة الكرام أيضًا رضوان خازن الجنة وأعونه، ومالك خازن النار وأعوانه، وزبانية جهنم وهم تسعة عشر ملكًا، وهناك الحفظة، والكرام الكاتبون، ومنهم الموكلون بسؤال القبر وفتنته، وهما منكر ونكير، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم القرين الذي يحث المؤمن على الخير ويدعوه إليه ويؤزه عليه أزًا، ومنهم من يشهدون جنائز المتقين من عباد الله كما شيع سبعون ألف ملك جنازة سعد بن معاذ رضي الله عنه، ومنهم ملائكة سيارة يلتمسون حلق الذِّكر ومجالس العلم، ومنهم من يتعاقبون على العباد في أوقات الصلوات وغيرها، ومنهم من يكتب أسماء المصلين يوم الجمعة في المساجد، ومنهم من لهم أعمال غير ذلك، وغيرهم كثير مما لا يحصيهم غير خالقهم سبحانه وتعالى.

وبعد هذا البيان الوارد في شأن الملائكة الكرام من وصفٍ لخلقتهم ومكانتهم وشرفهم وقدرهم عن ربهم وما وِكِلَ إليهم من مهام عظام وأعمال كبيرة جسام، فهم مع ذلك كله مربوبون مسخرون لخالقهم مطيعون غير خارجين عن أمره وعن طاعته وعبادته، فهم مفطورون على العبادة، ومجبولون عليها، والعبودية وصفٌ لازم لهم، وهم من أشرف الخلق وأكرمهم على ربهم سبحانه وتعالى، وقد وُصِفُوا في كتاب الله

(1)

فيض القدير (3/ 32).

(2)

معجم المناهي اللفظية (ص: 390).

ص: 337

بأشرف وصف سبحانه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)} [الأنبياء].

وقال الله تعالى في وصف طاعتهم المطلقة له سبحانه بأنهم: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)} [التحريم: 6].

وقال في وصف عبادتهم وذكرهم له سبحانه: {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)} [الأنبياء].

وقال سبحانه: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الشورى: 5].

ووُصِفُوا بأنهم يخافونه سبحانه من فوقهم؛ ربنا: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)} [النحل]، وَوُصِفَت خشيتُهم له سبحانه في قوله تعالى:{وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)} [الأنبياء] ووُصِفَ ذُلُهم وخُضُوعُهم وصنوفُ عباداتهم لله في قوله سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ

(206)} [الأعراف]، وقد ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير»

(1)

.

ومن مشاهدة عبوديتهم وصلاتهم يوميًّا في الملأ الأعلى ودخولهم البيت المعمورة للصلاة فيه ما ثبت في الصحيحين مِنْ حديث مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رضي الله عنهما، في حديث المعراج الطويل أن الملائكة كل يومٍ تدخلُ البيتَ المعمور في السماوات العلا تُصلِّي لله تعالى فيه، وفيه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَرُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: هَذَا البَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ»

(2)

.

(1)

البخاري): 4800).

(2)

البخاري (349)، ومسلم (162).

ص: 338

ومن مشاهدة عبوديتهم كذلك: مَن حاله منهم القيام الدائم لله، ومَن حاله منهم السجود الدائم لله تبارك وتعالى، يبين ذلك ما ثبت عندي الطبراني في الكبير وصححه الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة من حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَصْحَابِهِ إِذْ قَالَ لَهُمْ: «تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟» قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ.

قَالَ: «إِنِّي لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ، وَمَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ»

(1)

.

وما ثبت كذلك عند الحاكم والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وحسنه الألباني -رحمه الله تعالى- في صحيح الجامع منْ حديث أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ»

(2)

. فسبحان من سجدت له الأملاك كلها.

‌و-عبودية الجن

.

الجن عالم مستقل غير عالم الإنس وعالم الملائكة، وبينهم وبين الإنس قدر مشترك عقلًا وإدراكًا وحسًّا وتكليفًا وتمييزًا بين الحق والباطل وبين الخير والشر، وإن كانوا يخالفون الإنس في بعض الأمور.

وسموا جنًّا لاجتنانهم، أي: استتارهم عن العيون.

‌الجن لغة:

قال ابن عقيل: «إنما سمّي الجن جنًّا لاجتنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، وسمّي المجنّ مجنًّا لستره للمقاتل في الحرب»

(3)

.

(1)

البزار (3208) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 506).

(2)

الحاكم (3905)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1/ 481).

قال ابن الأثير: الأَطِيط صَوْتُ الْأَقْتَابِ. وأَطِيطُ الْإِبِلِ: أصْوَاتُها وحَنِينُها. أَيْ: أَنَّ كَثْرَةَ ما فيها من الملائكة قد أثقلها حَتَّى أَطَّتْ. النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 54).

(3)

آكام المرجان في أحكام الجان (ص 7).

ص: 339

«وأصل الجن: ستر الشيء، تقول جنه الليل، وجن عليه فجنه ستره، يقول تعالى:{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} [الأنعام: 77]، أي: ستر عليه وأظلم، والجنان: القلب لكونه مستورًا.

والجنين: الولد ما دام في بطن أمه، فهي تفيد معنى الاستتار والاختفاء»

(1)

.

و‌

‌الجن اصطلاحًا:

«إن الجن عالم من العوالم الغيبية التي نصدق بوجودها ونؤمن بأن هذا العالم يستحيل علينا تعريفه بعيدًا عن الوحي، وأي محاولة لتعريف هذا العالم خارج دائرة الوحي تعتبر ضربًا من العبث لا دليل تقوم عليه، وقد حاول بعض الباحثين والمفسرين تعريف عالم الجن بالاستعانة بالوحي، منهم: محمد فريد وجدي يقول:

«الجن نوع من الأرواح العاقلة المريدة على نحو ما عليه روح الإنسان ولكنهم مجردون من المادة، ليس لنا علم بهذا النوع من الأرواح إلا ما هدانا إليه القرآن العظيم من أنهم عالم قائم بذاته وأنهم قبائل وأن منهم المسلم ومنهم الكافر»

(2)

.

ويقول محمود حجازي: «الجن عالم غير عالمنا مستتر لا يُرى، الله أعلم بحقيقته ولا نعرف عنه إلا ما أخبرنا به الحق أو رسوله صلى الله عليه وسلم في خبره الصحيح فهو مخلوق من نار {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27)} [الحجر].

وقد يبعَث لهم الرسل كما نص القرآن الكريم: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: 130]. وهم كالبشر سواء بسواء يثاب مؤمنهم ويعاقب كافرهم»

(3)

.

ويقول الألوسي: «واحده جنّيّ، كروم ورومي، وهم أجسام عاقلة تغلب عليها النارية كما يشهد له قوله تعالى:{وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15)} [الرحمن].

(1)

ينظر: مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني (ص 203 - 204).

(2)

دائرة معارف القرن العشرين (3/ 185).

(3)

التفسير الواضح (3/ 29، 110).

ص: 340

وقيل الهوائية، قابلة جميعها أو صنف منها للتشكل بالأشكال المختلفة، من شأنها الخفاء وقد ترى بصور غير صورها الأصلية، بل وبصورها الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة عليهم السلام، وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ومن شاء الله تعالى من خواص عباده عز وجل، ولها قوة على الأعمال الشاقة ولا مانع عقلًا أن تكون بعض الأجسام اللطيفة النارية مخالفة لسائر أنواع الجسم اللطيف في الماهية ولها قبول لإفاضة الحياة والقدرة على أفعال عجيبة»

(1)

.

وقد خلقهم الله من نار السموم قال تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27)} [الحجر]، {وَالْجَانَّ} «هو إبليس خُلِقَ قبل آدم و {نَارِ السَّمُومِ} «الحارَّة التي تقتل «

(2)

.

وقال سبحانه في سورة الرحمن: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15)} [الرحمن].

و {الْجَانَّ} أبو الجن. وقيل: هو إبليس. والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل: المختلط بسواد النار، من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط»

(3)

.

و «الشيطان أصل الجن، كما أنّ آدم أصل الإنس»

(4)

.

ومما يدلل على أصل خلقتهم من السنة ما ثبت عند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلقتْ الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»

(5)

.

وإذا أردنا الخروج بتعريف جامعٍ مانعٍ فلابد من تتبع واستقراء تام لنصوص الوحيين لمعرفة ماهية عالم الجن وطبائع هذا العالم الغيبي، ومعرفة صفاتهم الخِلقِة والخُلقية، وقدراتهم الخارقة لعادات البشر وطبيعة تكوينهم من نار وحقيقة أجسامهم

(1)

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (29/ 102).

(2)

الطبري (17/ 100).

(3)

الكشاف للزمخشري (6/ 8).

(4)

مجموع الفتاوى (4/ 235، 346).

(5)

مسلم (2996).

ص: 341

وتشكلهم وما أبيح لهم من طعام وشراب، وتناكحهم وتناسلهم وتكليفهم، وحياتهم وموتهم وحشرهم ونشرهم، وإثابتهم وعقوبتهم، وعلاقتهم بالبشر، الجائز منها والممنوع، والممكن منها والمحال. ونصوص الوحيين ولاسيما السنة فيها تفصل لكثير من الحقائق والأخبار والقصص والوقائع والأحكام المتعلقة بالجن، فلعل الله أن يقيض لها باحثًا لبيبًا يتتبع نصوص الوحيين فيخرج منها ما ذكرنا آنفًا من كل ما يتعلق بالجن فيخرج لنا تعريفًا اصطلاحيًا جامعًا مانعًا شاملًا لكل وصف لهم.

ولقد دلت نصوص الوحيين على وجودهم حقيقة، وأنهم خُلِقوا لعبادة الله وحده لا شريك له كالإنس تمامًا، وعلى أنهم مكلفون بالإيمان بالله تعالى وبشرائعه، كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات].

وأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعِثَ إليهم كما بُعِثَ إلى الإنس، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا

رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

(107)} [الأنبياء].

وكما قال تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ

يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} [الأنعام: 130].

«{أَلَمْ يَأْتِكُمْ} أي: في الدنيا، {رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} أي: بالأمر والنهي {وَيُنْذِرُونَكُمْ} يخوفونكم: {لِقَاءَ

يَوْمِكُمْ هَذَا} وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال {قَالُوا} : يعني الجن والإنس: {شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} أي: أقررنا بإتيان الرسل وإنذارهم، وبتكذيب دعوتهم»

(1)

ولا شك أن إقرار المؤمنين منهم هو عين العبودية.

لأنه إقرار بأن رسل الله قد أبلغت رسالات ربها وأوضحت السبيل وأنذرت، وأما إقرار الكفار-فهو إقرار اعتراف بعد إقامة الحجة عليهم، فهو إقرار عبودية قهر وغلبة-، لا إقرار عبودية انقياد وخضوع وذل وإذعان.

(1)

تفسير القاسمي (6/ 130).

ص: 342

وأن منهم المؤمن والكافر والبر والفاجر قال الله عز وجل عنهم: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)} [الجنّ: 14 - 15].

«وَ {الْمُسْلِمُونَ} الذين قد خضعوا لله بالطاعة، وَ {الْقَاسِطُونَ} الجائرون عن الإسلام وقصد السبيل»

(1)

.

وقد ثبت عند مسلم منْ حديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»

(2)

.

وهم مع إسلامهم متفاوتون في صلاحهم، قال تعالى في السورة نفسها:{وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11)} [الجن].

و {الصَّالِحُونَ} هم: «الموصوفون بصلاح الحال في شأن أنفسهم وفي معاملتهم مع غيرهم المائلون إلى الخير والصلاح، حسبما تقتضيه الفطرة السليمة لا إلى الشر والفساد كما هو مقتضى النفوس الشريرة. {وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} أي: قوم دون ذلك وهم المقتصدون»

(3)

.

و {طَرَائِقَ قِدَدًا} أي: «فرقًا مختلفة أهواؤنا.

وقال أبو عبيدة: واحد الطرائق: طريقة، وواحد القدد: قدة، أي: ضروبًا وأجناسًا ومللًا. وقال الحسن، والسدي: الجن مثلكم، فمنهم قدرية، ومرجئة، ورافضة»

(4)

.

وكذلك منهم اليهودي والنصراني وغيرها من الملل والنحل فهم طرائق قددًا كما ذُكِرَ لنا.

(1)

تفسير ابن جرير الطبري (23/ 661).

(2)

مسلم (2236). ينظر: (الأربعين المدنية).

(3)

تفسير أبي السعود (9/ 54)، بتصرف واختصار يسير جدًّا.

(4)

زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (8/ 367).

ص: 343

وقد سُئِلَ شيْخُ الإسلام ابن تيميةـ رحمه الله: عن الجانِّ المؤمنين: هل هم مخاطبون بفروع الإسلام كالصوم والصلاة، وغير ذلك من العبادات، أوهم مخاطبون بنفس التصديق لا غير؟

فأجَاب رحمه الله بقوله: «لا ريب أنهم مأمورون بأعمال زائدة على التصديق، ومنهيون عن أعمال غير التكذيب، فهم مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلي الإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنسَ في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم. وهذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين»

(1)

.

وقد جاء في خبر إسلام أوائلهم في صدر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ما ثبت عند البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلا شَيْءٌ حَدَثَ فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ»

(2)

.

وهم محاسبون يوم القيامة ومكلفون، ومخاطبون بما جاء في القرآن الكريم، ومن

(1)

مجموع الفتاوى (4/ 233).

(2)

البخاري (731).

ص: 344

أطاع الله منهم دخل الجنة، ومن عصاه سبحانه دخل النار، عز وجل:{وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158)} [الصافات].

قال مجاهد: «أنها ستحضر للحساب»

(1)

.

أي: «ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه»

(2)

.

ويقول ابن سعدي رحمه الله: «أي: جعل هؤلاء المشركون بين اللّه وبين الجنة نسبًا، حيث زعموا أن الملائكة بنات اللّه، وأن أمهاتهم سروات الجن، والحال أن الجِنَّة قد علمت أنهم محضرون بين يدي اللّه، ليجازيهم عبادًا أذلاء، فلو كان بينهم وبينه نسب لم يكونوا كذلك»

(3)

.

وقد عقد الإمام البخاري رحمه الله في كتاب بدء الخلق من صحيحه الجامع بابًا أسماه: «باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم» .

وأن مصير مؤمنيهم وموحديهم الجنة، وأن مثوى كافريهم وعصاتهم النار.

والدليل على أن مؤمني الجن يدخلون الجنة: قول الله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47)} [الرحمن].

فالخطاب في صدر سورة الرحمن للثقلين جميعًا، وما يزال الخطاب هنا متصلًا بهما أيضًا؛ والدليل على أن كفارهم وعصاتهم يدخلون النار قوله تعالى:{قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ} [الأعراف: 38].

وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الأعراف: 179].

وقوله سبحانه في خطاب إبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)} [ص].

وفي هذا دلالة على أنهم مكلفون ومحاسبون، لأن التكليف يترتب عليه ثواب

(1)

جامع البيان للطبري (21/ 122).

(2)

تفسير ابن عطية (7: 315).

(3)

تفسير ابن سعدي (ص/ 708).

ص: 345

وعقاب، والثواب والعقاب مترتبان على الاستجابة لله وعدمها، فمن استجاب أُثِيبَ ومن لم يستجب عُوقِبَ.

وقد عقد الشبلي بابًا قال فيه: «باب في أن الجن مكلفون بإجماع أهل النظر» .

نقل فيه عن أبي عمر بن عبد البر: أن الجن عند الجماعة مكلفون مخاطبون لقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)} [الرحمن]. وقال الرازي في تفسيره: «أطبق الكل على أن الجن كلهم مكلفون»

(1)

.

ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجنّ والإنس.

يقول ابن تيمية رحمه الله: «وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة، وغيرهم.

يدل على ذلك تحدي القرآن الجن والإنس {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)} [الإسراء]. وقد سارع فريق من الجن إلى الإيمان عندما استمعوا القرآن: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)} [الجن: 1 - 2]»

(2)

.

«يقول تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له»

(3)

.

فـ «فيه إثبات سماع الجن للقرآن وإعجابهم به، وهدايتهم بهديه، وإيمانهم بالله»

(4)

.

وفي استماع الجن للقرآن وإيمانه به ووصفه بأحسن الأوصاف إقرار منهم بالعبودية لله تعالى.

(1)

غرائب وعجائب الجن للشبلي (ص 49).

(2)

مجموع الفتاوى (19/ 9).

(3)

ابن كثير (8/ 238).

(4)

أضواء البيان للشنقيطي (3/ 817).

ص: 346

{قُرْآنًا عَجَبًا} أي: «بديعًا؛ مباينًا لسائر الكتب في حسن نظمه»

(1)

.

وفي هذا كله دلالة على فصاحته وبلاغته وحسن مواعظه، وهذا مما لا شك كان له أبلغ الأثر في هداية الجن وسماعهم وإصغائهم لكلام ربهم جل في علاه.

«وهؤلاء الذين استمعوا القرآن وآمنوا هم المذكورون في سورة الأحقاف:

في قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} [الأحقاف: 29 - 31].

هم: «من أهل نصيبين، فلما حضروا القرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ، قال بعضهم لبعض: أنصتوا لنستمع القرآن، وجعلهم رسلًا إلى قومهم»

(2)

.

«ووفود الجن تلقوا العلم من النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك كانت بداية معرفة الجنّ برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، استمعوا لقراءَة القرآن بدون علم الرسول صلى الله عليه وسلم، فآمن فريق منهم، وانطلقوا دعاة هداة.

ثمّ جاءَت وفود الجنّ بعد ذلك تتلقى العلم من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم من وقته، وعلمهم مما علمه الله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم خبر السماء .... وكان ذلك في مكة قبل الهجرة.

روى مسلم في صحيحه عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلتُ: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنّا كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناهُ، فالتمسناهُ في الأودية والشعابِ، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشرِّ ليلةٍ بات بها قومٌ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول

(1)

تفسير النسفي (3/ 548).

(2)

الطبري (22/ 135 - 140).

ص: 347

الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرِّ ليلةٍ بات بها قومٌ. فقال:«أتاني داعي الجنّ، فذهبتُ معه، فقرأتُ عليهم القرآن» . قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال:«لكم كلُّ عظمٍ ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم؛ أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرةٍ علفٌ لدوابّكم» .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعامُ إخوانكم»

(1)

.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير سورة الرحمن: «هذه السورة و «الأحقاف» و «قل أوحي» دليل على أن الجن مخاطَبون مكلَّفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك»

(2)

.

قال ابن القيم رحمه الله: «وبالجملة: فهذا أمر معلوم باضطرار من دين الإسلام، وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع، ووجوب اتباعهم لهم، فأما شريعتنا: فأجمع المسلمون على أن محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الجن والإنس، وأنه يجب على الجن طاعته كما يجب على الإنس»

(3)

.

وقال رحمه الله أيضًا: «الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام: أنهم مأمورون منهيون مكلفون بالشريعة الإسلامية، وأدلة القرآن والسنَّة على ذلك أكثر من أن تُحصر»

(4)

.

وقال نجم الدين الطوفي رحمه الله: «والدليل على تكليف الجن بالفروع: الإجماع على أن النبي صلى الله عليه وسلم أُرسِلَ بالقرآن الكريم إلى الجن والإنس، فجميع أوامره ونواهيه متوجهة إلى الجنسين، وهي مشتملة على الأصول والفروع، نحو {آمِنُوا بِاللَّهِ}

(1)

مسلم (450).

(2)

تفسير القرطبي (17/ 169).

(3)

طريق الهجرتين (ص 616، 617).

(4)

طريق الهجرتين (ص: 619).

ص: 348

[الحديد: 7]، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43]، وقد تضمن هذا الدليل على أن كفار الإنس مخاطبون بها، وكذلك كفار الجن؛ لتوجه القرآن بجميع ما فيه إلى مؤمني الجنسين وكفارهم»

(1)

.

ومما يدل على أنَّ الجنّ كانوا مؤمنين ببعثة الرسل السابقين أيضًا، قوله سبحانه:{إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)} [الأحقاف: 30].

وهذا كله مما يدلل على عبوديتهم لله سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين.

‌ز-عبودية الكائنات:

إنَّ الله تبارك وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ومن أسمائه الحسنى {الْغَنِيُّ} فهو غنيٌّ غنًى تامًّا عن جميع خلقه، وهم فقراء إليه سبحانه فقرًا تامًّا، قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)} [فاطر].

«بيّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه غني عن خلقه، وأن خلقه مفتقرون إليه، أي: فهو يأمرهم وينهاهم لا لينتفع بطاعتهم، ولا ليدفع الضرّ بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، وهو جل وعلا الغني لذاته الغنى المطلق»

(2)

.

والكون كله خاضع لعبودية الله الواحد القهار لا ينفك أحدُ من خلقه عن عبوديته قهرًا وغلبة.

والكون بأسره خاشع خاضع لكبريائه وعظمته، إذ هو مشغولٌ بخضوعه وذله لربِّه، ولذا ترى الكون كله معظمًا له ساجدًا خاشعًا مسبحًا منزهًا لربه جل في علاه.

ومع ذلك كله ترى جحود الإنسان هذا المخلوق الضعيف، بل هو من أضعفُ المخلوقات وأفقرها إلى ربها، تراه معرضًا عمن لا غنى له عن فضله ورحمته طرفة

(1)

شرح مختصر الروضة للصرصري (1/ 218، 219 (.

(2)

أضواء البيان (6/ 276).

ص: 349

عين ولا أصغر من ذلك، معرضًا بذلك نفسه الضعيفة لسخط جبار السماوات والأرض ومقته وغضبه وعذابه وأليم عقابه.

ومن شواهد غنى الرب عن خلقه وفقرهم التام إليه جل في علاه قوله سبحانه في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ؛ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»

(1)

.

ومع فقر الإنسان ترى الكون من حوله كله قد دانَ لله تسبيحًا وتعظيمًا وإجلالًا، أرضه وسمائه، وحشه وطيره، كل الكائنات تُصلِّي لله وتخضع، وله تسجُد ولعظمته تذل وتخشع قال سبحانه:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)} [الحج: 18].

«أي: يخضع خضوعًا مطلقًا كل من في السماوات والأرض؛ طوعًا أو كرهًا.

والسجود طوعًا هو بإرادة العبادة من العقلاء المختارين؛ والسجود كرهًا؛ أي: بحكم الخضوع المطلق لإرادة المنشئ للكون الواحد القهار»

(2)

.

«وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جميعها لله تعالى وخضوعها»

(3)

.

يوضح شيخ الإسلام مفهوم سجود الكائنات فيقول رحمه الله: «وَالسُّجُودُ مَقْصُودُهُ الْخُضُوعُ، وَسُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ سُجُودًا يُنَاسِبُهَا وَيَتَضَمَّنُ الْخُضُوعَ لِلرَّبِّ»

(4)

.

(1)

مسلم (2577).

(2)

زهرة التفسير (9/ 4960).

(3)

تفسير ابن عطية (6/ 226).

(4)

مجموع الفتاوى (1/ 45).

ص: 350

ويقول رحمه الله: «ومعلوم أن سجود كل شيء بحسبه، ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض»

(1)

.

والسجود من أعظم مشاهد كمال خضوع وذل هذه المخلوقات وانقيادها لخالقها وبارئها سبحانه وذلها لربوبيته وعظيم سلطانه.

ويوضح البقاعي معنى السجود أيضًا فيقول رحمه الله: «يسجد له أي: يخضع منقادًا لأمره مسخرًا لما يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها»

(2)

.

والحقيقة الثابتة كما قرر أئمة التفسير كابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهما من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أن الكائنات تسجد سجودًا حقيقيًّا علمها ربها إياه وهو يعلمه منها على وجه يليق بها ويناسبها، والبقاعي أول السجود هنا إلى الخضوع نافيًا سجودها مؤولًا له ببعض معانيه وهو الخضوع، والبقاعي مع جلالة قدره له تأويلات لصفات الرب جل في علاه نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر نفيه للحرف والصوت في كلام الرب جل في علاه وقد أجمع السلف على أن الله تعالى تكلم بحرف وصوت.

فقال في نظم الدرر: «والذي سمعه موسى عليه السلام عند أهل السنة من الأشاعرة هو الصفة الأزلية من غير صوت ولا حرف، ولا بعد في ذلك كما لا بعد في رؤية ذاته سبحانه وهي ليست بجسم ولا عرض لا جوهر، و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]»

(3)

.

(1)

المرجع السابق (21/ 284).

(2)

نظم الدرر للبقاعي (13: 26).

(3)

نظم الدرر للبقاعي (8/ 77). وكثير من المتكلمين يعدون أهل السنة هم: الأشاعرة والماتريدية، ولذا يقول البقاعي:(والذي سمعه موسى عليه السلام عند أهل السنة من الأشاعرة). وأهل السنة يقولون: إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ويعتقدون أن القرآن كلام الله، وأن الله تعالى تكلم به بحرف وصوت وسمعه جبريل، وأما الأشاعرة فقولهم في القرآن: إن ما بين الدفتين مخلوق؛ لأنه عندهم عبارة عن كلام الله تعالى؛ لأن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت، فينفوا الحرف والصوت، وقد خالفوا أهل السنة في أمور شتى مبسوطة في مظانها فلتراجع.

ص: 351

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «وهو سجود الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه تعالى»

(1)

.

وسجود الكائنات كلها سجود ذل وخضوع وخوف من خالقها وبارئها سبحانه، قال تعالى:{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)} [النحل: 49 - 50].

حتى الشمس تسجد تحت العرش خاضعة لسلطان خالقها، قال سبحانه: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ

الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)} [يس: 38 - 40].

ثبت عند البخاري من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ رضي الله عنه قال: كنتُ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في المسجدِ عِندَ غُروبِ الشمسِ، فقال:«يا أبا ذَرٍّ، أتَدري أينَ تغرُبُ الشمسُ» ، قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: «فإنها تَذهَبُ حتى تَسجُدَ تحتَ العرشِ، فذلك قولُه تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ

الْعَلِيمِ (38)

(2)

.

وثبت في الصحيحين من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ رضي الله عنه أيضًا قَالَ: سأَلتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن قولِه: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [يس: 38]، قال:«مُستقَرُّها تحت العرش»

(3)

.

«وَقد أنكر قومٌ سُجُود الشَّمْس وَهُوَ صَحِيح مُمكن. وَلَا مَانع من قدرَة الله تَعَالَى أَن يمكَّن كل شَيْء من الْحَيَوَان والجمادات أَنْ يسْجد لَهُ»

(4)

.

فالله تعالى قد أثبت سجود الكائنات وبين سبحانه صفة سجود بعضها وهو بفيء

(1)

مدارج السالكين (1/ 107).

(2)

البخاري (3199)، ومسلم (159).

(3)

ينظر التخريج السابق.

(4)

عمدة القاري (15/ 119).

ص: 352

ظلالها ذات اليمين والشمال ولا يتبادر للذهن إلى أنه يلزم أن يكون سجودها مثل سجود البشر على سبعة أعظم، وإذا كان الله قد أثبت لها السجود وجب الأخذ به وعدم الحيد عنه وتأويله عن ظاهره، إذا أن الكائنات لها السجود اللائق بها على الوجه الذي جبلها الله عليه وأراده منها.

‌تسبيح الكائنات:

قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41)} [النور].

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: «يخبر الله تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها؛ جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال أي: بكرًة وعشيًّا فإنه ساجد لله تعالى.

قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله عز وجل»

(1)

.

والكون كله يوحد الله ويسبحه ويمجده قال سبحانه وتعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)} [الإسراء]، «وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتِ وَالْجَمَادِ»

(2)

.

وتسبيحها تسبيح حقيقي فطرها وجبلها عليها خالقها لا يعلمُ كيفيته وصفته إلا هو سبحانه، عز وجل:{وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)} [الإسراء].

ومما ورد في هذا الصدد ما أخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة وغيره وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال رسول صلى الله عليه وسلم: «ما تَسْتَقِلُّ الشمسُ فيبقَى شيئٌ من خلق الله إِلَّا سَبَّح الله بحمدِه، إلَّا مَا كان من الشياطين،

(1)

تفسير ابن كثير (4/ 575).

(2)

تفسير ابن كثير (5/ 79).

ص: 353

وأغبياء بني آدم»

(1)

.

ومما يُروى أن ما يصيب بعض المخلوقات من العجماوات والأشجار وغيرها بسبب ما ضيعت من تسبيح الله وتقديسه وتنزيهه وذكره جل في علاه، وفي ذلك إشارة إلى أن الله قد جعل لها إدراكًا خاصًّا علمها إياه بارؤها سبحانه وتعالى.

فعن ميمون بن مهران رحمه الله قال: «أُتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحه ويقول: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح»

(2)

.

و «لقد تضاءلت لعظمته المخلوقات العظيمة وصغرت لدى كبريائه السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن، وافتقر إليه العالم العلوي والسفلي فقرًا ذاتيًّا لا ينفك عن أحد منهم في وقت من الأوقات»

(3)

.

‌تسبيح الرعد:

والرعد يُسبِّح بحمده سبحانه، قال تعالى:{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13].

أي: «ويعظم الله الرعد ويمجد، فيثني عليه بصفاته، وينزهه مما أضاف إليه أهل الشرك به ومما وصفوه به من اتخاذ الصاحبة والولد، تعالى ربنا وتقدس»

(4)

.

(1)

ابن السني في عمل اليوم والليلة (146) وعنه الديلمي (4/ 46 (وأبو نعيم في الحلية (6/ 111) وحسنه الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة (2224).

(2)

ذكره إسحاق بن راهويه في تفسيره. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (34441)، وأحمد في الزهد (567)، وأبو الشيخ في العظمة (5/ 1737) بسند ليس بذاك عن ميمون بن مهران، وميمون بن مهران من الوسطى من التابعين وهو ثقة يرسل، ولم يدرك أبا بكر.

وروي مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وحكم عليه الألباني بالوضع في ضعيف الجامع (5089).

(3)

تفسير ابن سعدي (1/ 458)، بتصرف.

(4)

الطبري (16/ 391).

ص: 354

‌عبودية وتسبيح بعض الكائنات:

والنباتُ يُسبِّح الله ويوحده جلَّ في علاه، قال تعالى:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6)} [الرحمن].

فالنجم مَا لا سَاق له من النَّبَات، وَالشَّجر مَا كان له سَاق، وَكلهَا سَاجِدَة لله مسبحة بِحَمْدِهِ على وجه يليق بها، وهي خاضعة لأمره سبحانه وتعالى.

وكذلك كل ما في السماوات والأرض: كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ} [الحج: 18].

يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجن وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدواب في الأرض، وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس، وحين تزول، إذا تحول ظل كل شيء فهو سجوده»

(1)

.

وكما قال تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19)} [ص: 18 - 19].

يقول الشنقيطي: «وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ تَسْبِيحَ الْجِبَالِ وَالطَّيْرِ مَعَ دَاوُدَ الْمَذْكُورَ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ -جَلَّ وَعَلَا- يَجْعَلُ لَهَا إِدْرَاكَاتٍ تُسَبِّحُ بِهَا، يَعْلَمُهَا هُوَ -جَلَّ وَعَلَا -وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهَا.

وَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ نُصُوصَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُتَبَادِرِ مِنْهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.

وَالتَّسْبِيحُ فِي اللُّغَةِ: الْإِبْعَادُ عَنِ السُّوءِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ»

(2)

.

(1)

الطبري (18/ 586).

(2)

أضواء البيان (4/ 232)، بتصرف.

ص: 355

‌من مشاهد عبودية الطير في القرآن:

ومن مشاهد عبودية الطير لله وتنزيهه عن الند والشريك ما ذُكِرَ الله لنا من خبر هدهد سليمان من تعظيمه لله وتهويله لأمر الشرك في الألوهية من ملكة سبأ وقومها وإنكاره ونفوره وأنفته من عبادتهم وسجودهم للشمس من دون الله تعالى.

وفي ذلك يقول تعالى: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)} [النمل: 22 - 26].

ولا ريب أن هذا شرك واضح بين، ولذا ساء الهدهد وهاله ما رأى من سجودهم للشمس فأنف بفطرته وجبلته من عبادتهم تلك، فتمعر وجهه في ذات الله، وقد تسبب بذلك في هداية أمة بأسرها للإسلام ونجاتهم من الشرك الموجب الخلود في النيران.

‌مشاهد من عبودية وتسبيح النمل:

النمل أمة من الأمم الخاضعة لسلطان بارئها الخاضعة لكبريائه وعظمته المسبحة بحمده المنزهة والمقدسة لذاته، ومن مشاهد عبوديتها وتسبيحها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، فقد ثبت عند البخاري من حديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ، فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ»

(1)

.

وفي لفظ مسلم منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أيضًا، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال:«أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتيْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ؟»

(2)

.

(1)

البخاري (3019)، ومسلم (2241).

(2)

مسلم (2241).

ص: 356

‌والنمل أمة معظمة للعلم داعية لأهله:

ومن دلائل عبودية النمل لله تعالى الدعاء لمعلم الناس الخير الذي يدل المخلوق على الخالق جل في علاه.

فقد ثبت عند الطبراني والترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ»

(1)

.

أي: «يستغفرون لهم، وذكر النَّملة والحوت بعد ذكر الثَّقلين والملائكة تتميمٌ لجميع أنواع الحيوان على طريقة الرَّحمان الرَّحيم، وخصَّ النَّملة والحوت بالذِّكر للدلالة على إنزال المطر وحصول الخير والخصب ببركتهم، كما قال: بهم تنصرون وبهم ترزقون، حتَّى أن الحوت الَّذي لا يفتقر إلى العلماء اِفْتقار غيره لكونه في جوف الماء يعيش أبدًا ببركتهم، وأمَّا إلهام الحيوانات الاسْتغفار له، فقيل: لأنَّها خُلقت لمصالح العباد ومنافعهم، والعُلماء هم المبيِّنون ما يحلُّ منها وما يحرم، ويُوصون بالإحسان إليها، ودفع الضُّر عنها، حتَّى بإحسان القِتلة، والنَّهي عَنِ المُثلة، فاسْتغفارهم لهُ شكرٌ لذلك النّعمة

(2)

، وذلك في حقِّ البشر آكد لأنَّ اِحتياجهم إلى العلم أشدٌّ وعود فوائده عليهم أتمٌّ.»

(3)

اهـ.

‌ومن مشاهد عبودية الجمادات كذلك، عبودية الحجارة والجبال:

والحجارة تهبِطُ من علوِّها خشيةً لله وتعظيمًا، خضوعًا له وإجلالًا، مقترنًا ذلك كله بالتسبيح والتقديس لخالقها مع ذل وانكسار لله يعتريها قال عز وجل: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا

(1)

الترمذي (2685). وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (1/ 18): قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وفى نسخة غَرِيب، وقال الألباني: صحيح في صحيح الجامع. (1838).

(2)

الأصل أن يُقال: لتلك النعمة لكونها (مؤنث) وحتى ينتظم الكلام. ولعله تصحيف من الكتبة أو النسّاخين.

(3)

فيض القدير للمناوي (4/ 432 - 433)، بتصرف.

ص: 357

يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74].

«ومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى علمًا في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية، قال جلَّ ذكره: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] وقال: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41] وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [الحج: 18] الآية، فيجب على المؤمن الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى»

(1)

.

تصدع الجبال إجلالًا لكلام الله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21].

يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله: «يقول -جل ثناؤه-: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ} -وهو حجر- لرأيته يا محمد خاشعًا يقول: متذللًا متصدعًا من خشية الله على قساوته، حذرًا من ألا يؤدي حق الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخف، وعنه عما فيه من العبر والذكر معرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا» .

ثم يقول رحمه الله: أي: «لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر الله عز وجل الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع.

يعذر الله الجبل الأصم، ولم يعذر شقي ابن آدم، هل رأيتم أحدًا قط تصدعت جوانحه من خشية الله»

(2)

.

«فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعا من خشية الله أي: لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق»

(3)

.

(1)

تفسير البغوي (1/ 112).

(2)

الطبري (233/ 301).

(3)

تفسير ابن سعدي (1/ 854).

ص: 358

والشركُ بالله ظلم عظيم وجرم كبير، فهذه المخلوقات الكبار وتلك الكائنات العظام تكاد تتشقق وتنفطر وتخر هدًا لعظم الشرك وهوله وفظاعته وجرمه، إجلالًا لله وغيرة على توحيده وألوهيته جل في علاه، قال سبحانه:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)} [مريم].

أي: «من أجل هذه الدعوى القبيحة تكاد هذه المخلوقات أن يكون منها ما ذكر»

(1)

.

«وذلك لغيرتها على المقام الرباني الأحدي أن ينسب له ما ينزه عنه ويشعر بحاجته ووجود كفء له وفنائه. وذلك لأن الولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو سبحانه تنزه عن ذلك»

(2)

.

و «يَكَادُ يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ سَمَاعِهِنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ فَجَرَةِ بَنِي آدَمَ، إِعْظَامًا لِلرَّبِّ وَإِجْلَالًا؛ لِأَنَّهُنَّ مَخْلُوقَاتٌ وَمُؤَسَّسَاتٌ عَلَى تَوْحِيدِهِ»

(3)

.

وكما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ

حَلِيمًا غَفُورًا (41)} [فاطر].

«فإن قيل: فما معنى ذكر الحلم ها هنا؟ قيل: لأن السماوات والأرض همّت بما همّت به من عقوبة الكفار فأمسكهما الله تعالى عن الزوال بحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقوبة»

(4)

.

فـ «في الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد فيمسكها بحلمه ومغفرته»

(5)

.

(1)

المرجع السابق (5/ 1016).

(2)

تفسير القاسمي (11/ 4165).

(3)

ابن كثير (5/ 226).

(4)

تفسير البغوي (6/ 427).

(5)

عدة الصابرين (ص: 278).

ص: 359

فرحمته جل في علاه سبقت غضبه، وهذا من كمال حكمته ولطفه بخلقه، قال ربنا جل في علاه:{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61)} [النحل].

فـ «لَوْلَا أَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَمَغْفِرَتَهُ سَبَقَتْ عُقُوبَتَهُ، لَزُلْزِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ مَعَاصِي الْعِبَادِ»

(1)

.

وقال جل شأنه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ

ظَلُومًا جَهُولًا (72)} [الأحزاب].

«قال بعض أهل العلم: ركب الله عز وجل فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة عليهن حتى عقلن الخطاب»

(2)

.

والسماءُ والأرضُ امتثلتا أمر الله وخضعتا لسلطانه وانقادتا واستجابتا له سبحانه، قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا

قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)} [فصلت].

«أَيِ: اسْتَجِيبَا لِأَمْرِي، وَانْفَعِلَا لِفِعْلِي طَائِعَتَيْنِ أَوْ مُكْرَهَتَيْنِ.

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلسَّمَوَاتِ: أَطْلِعِي شَمْسِي وَقَمَرِي وَنُجُومِي. وَقَالَ لِلْأَرْضِ: شَقِّقِي أَنْهَارَكِ، وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ.

فَقَالَتَا: {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ رحمه الله.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَوْ أَبَيَا عَلَيْهِ أَمْرَهُ، لَعَذَّبَهُمَا عَذَابًا يَجِدَانِ أَلَمَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ»

(3)

.

(1)

الداء والدواء (ص: 88).

(2)

تفسير البغوي (6/ 381).

(3)

ابن كثير (7/ 167).

ص: 360

«أي: انقادا لأمري، طائعتين أو مكرهتين، فلا بد من نفوذه، {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ليس لنا إرادة تخالف إرادتك»

(1)

.

ومن مشاهد عبودية الحجر والشجر أيضًا ذكر الله تعالى، فالحجر والشجر يذكران الله تعالى ويجيبان دعوته بالتلبية مع مَن يلبي من عباد الله حاجًّا كان أو معتمرًا ويدل على ذلك ما ثبت عند الترمذي وصححه الألباني منْ حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا»

(2)

.

ومن مشاهد عبودية الحجر والشجر كذلك موالاة المجاهدين من عباد الله المؤمنين وحثهم على قتل اليهود.

ويدل على ذلك ما ثبت عند الإمام مسلم في صحيحه منْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ»

(3)

.

‌ومن مشاهد عبودية الطعام وتسبيحه:

الطعام يقدس الله تعالى ويسبحه، فقد ثبت عند البخاري منْ حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ:«اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ» . فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ:«حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ المُبَارَكِ، وَالبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ» ، فَلَقَدْ

(1)

ابن سعدي (745).

(2)

الترمذي (828) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1005).

(3)

مسلم (2922).

ص: 361

رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ»

(1)

.

وبعد هذا البيان يتضح للمتأمل عبودية المخلوقات كلها لربها جل في علاه، العوالم كلها علويها وسفليها، الجن والإنس والملائكة، والسموات العلا وما فيها وما حوته من كواكب وأجرام وشمس وقمر ونجوم وأفلاك وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، والأرض وما فيها من جبال وأنهار وبحار وقفار وجنات ونبات وحيوان ووحش وطير ودواب وهوام وجمادات وغيرها من مخلوقات الله ما علمنا منها وما لم نعلم، الكل أقر بعبوديته لله وسبح بحمده وأقر بربوبيته وألوهيته فوحده وقدسه وخضع لكبريائه وعظمته وسجد له وخشع وعبده سبحانه خوفًا وطمعًا رغبًا ورهبًا.

وحقيقٌ ببني آدم أن يكونوا في طليعة هذه الكائنات التي خضعت لعبودية الله، فالإنسان من أفقر المخلوقات لبارئها وهو مع ذلك من أكثرها تمردًا وعصيانًا وجحودًا وإنكارًا لربه ولنعمه، قال تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)} [العاديات].

«أَيْ: طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: {لَكَنُودٌ} : لَكَفُورٌ جَحُودٍ لِنِعَمِ اللَّهِ.

وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَن، وَقَالَ: يَذْكُرُ الْمَصَائِبَ وَيَنْسَى النِّعَمَ»

(2)

.

فـ «مَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ، فَلْيَلْزَمْ عَتَبَةَ الْعُبُودِيَّةِ. فَأَسْعَدُ الْخَلْقِ: أَعْظَمُهُمْ عُبُودِيَّةً لِلَّهِ»

(3)

.

‌ثالثا [*]: عبودية الاستعانة

، في قوله:{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} .

لايزال الحديث متصلًا عن أبرز الموضوعات التي تناولتها السورة الكريمة، والكلام لا يزال متصلًا عن الموضع الرابع ألا وهو: أن أصل الدين مبنيٌّ على أصلين

(1)

البخاري (3579).

(2)

تفسير القرطبي (20/ 143).

(3)

مجموع الفتاوى (1/ 39).

[*] تعليق الشاملة: بالمطبوع «ثانيا»

ص: 362

عظيمين ألا وهما: (العبودية-والاستعانة)، وقد انتهى الكلام عن العبودية بالتفصيل، والآن يُشَرعُ الكلامُ عن الاستعانة وبيان مفهومها وحقيقتها وأقسامها وأقسام الناس فيها، وبيان منزلتها من الدين، وبيان ثمرتها بشيء من التفصيل كذلك.

‌أولًا: بيان مفهوم الاستعانة في اللغة والاصطلاح:

‌1 - الاستعانة لغة:

مصدر استعان وهو من العون بمعنى المعاونة والمظاهرة على الشّيء، يقال: فلان عوني أي: معيني وقد أعنته، والاستعانة طلب العون، كما قال تعالى:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، والعون الظّهير على الأمر، الواحد والاثنان والجمع والمؤنّث فيه سواء، وقد حكي في تكسيره أعوان، والعرب تقول: إذا جاءت السّنةُ جاء معها أعوانُها، يعنون بالسّنة: الجدب، وبالأعوان: الجراد والذّئاب والأمراض.

وتقول: أعنته إعانة واستعنته واستعنت به فأعانني وتعاونوا عليّ واعتونوا: أعان بعضهم بعضًا، وتعاونًّا: أعان بعضنا بعضًا، والمعونة: الإعانة، ورجل معوان حسن المعونة، وكثير المعونة للنّاس وكلّ شيء أعانك فهو عون لك كالصّوم عون على العبادة»

(1)

.

‌2 - واصطلاحًا:

قال ابن تيميّة رحمه الله: «الاستعانة: طلب العون من اللّه، ويطلب من المخلوق ما يقدر عليه من الأمور»

(2)

.

ويقول ابن سعدي رحمه الله: «والاستعانة هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك»

(3)

.

(1)

لسان العرب لابن منظور (5/ 3179 - 3180)، وينظر: الصحاح للجوهري) 6/ 2168 - 2169 (.

(2)

مجموع الفتاوى (1/ 103).

(3)

تفسير ابن سعدي (ص: 39).

ص: 363

وهي: «عِبَادَةٌ، بَلْ أَجَلُّ الْعِبَادَاتِ، وَهِي تَجْمَعُ أَصْلَيْنِ: الثِّقَةَ بِاللهِ. وَالاعْتِمَادَ عَلَيهِ»

(1)

.

‌ثانيًا: بيان أقسام الاستعانة

والاستعانة على ضربين.

استعانة إيمانية واستعانة شركية.

قال ابن تيميّة رحمه الله: «إنّ العبد مجبول على أن يقصد شيئًا ويريده ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده، وهذا المستعان به على قسمين وهما:

القسم الأوّل: ما يستعان به لنفسه فيكون هو الغاية الّذي يعتمد عليه العبد ويتوكّل عليه، ويعتضد به، ليس عنده فوقه غاية في الاستعانة.

والقسم الثاّني: ما يكون تبعًا لغيره بمنزلة الأعضاء مع القلب، والمال مع المالك، والآلات مع الصّانع.

والنّاظر في أحوال الخلق يجد أنّ النّفس لا بدّ لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها هو مستعانها سواء أكان ذلك هو اللّه أم غيره وإذا كان المستعان غير اللّه فقد يكون عامًّا، وهو الكفر كمن عبد غير اللّه مطلقًا، أو سأل غير اللّه مطلقًا.

وقد يكون خاصًّا في المسلمين ممّن غلب عليهم حبّ المال أو حبّ شخص أو حبّ الرّياسة أو غير ذلك بحيث يعتمد عليها ويستعين بها، وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة، وصلاح العبد في عبادة اللّه واستعانته به، ومضرّته وهلاكه وفساده في عبادة غير اللّه والاستعانة بما سِواه، وتوحيد اللّه وإخلاص الدّين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًّا؛ بل هو قلب الإيمان، وأوّل الإسلام وآخره، وهذا هو دين الإسلام العامّ الّذي بُعِثَ به جميعُ الرّسلِ، فلا يصرف لغير اللّه شيءٌ من أنواع العبادة والاستعانة، إذ إنّ أنواع العبادة متعلّقة كلّها بألوهيّته، والاستعانة متعلّقة بربوبيّته، واللّه ربّ العالمين لا إله إلّا هو، ولا ربّ لنا غيره، لا ملك ولا نبيّ ولا غيره»

(2)

.

(1)

مدارج السالكين (1/ 161).

(2)

مجموع الفتاوى (1/ 7434) بتصرف يسير، وتفسير الطبري (1/ 298).

ص: 364

‌ثالثًا: بيان سبب تقديم العبادة على الاستعانة

.

لماذا قدم العبادة على الاستعانة؟

بعض أسرار تقديم العبادة على الاستعانة في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} .

قال ابن القيم رحمه الله: «وَتَقْدِيمُ (الْعِبَادَةِ) عَلَى (الِاسْتِعَانَةِ) فِي الْفَاتِحَةِ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْغَايَاتِ عَلَى الْوَسَائِلِ، إِذِ الْعِبَادَةُ غَايَةُ الْعِبَادِ الَّتِي خُلِقُوا لَهَا، وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، وَلِأَنَّ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} . مُتَعَلِّقٌ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَاسْمِهِ اللَّهِ.

{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} . مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَاسْمِهِ الرَّبِّ، فَقَدَّمَ:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} عَلَى: (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) كَمَا قَدَّمَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى الرَّبِّ فِي أَوَّلِ الْسُورَةِ، وَلِأَنَّ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} قَسْمُ الرَّبِّ فَكَانَ مِنَ الشَّطْرِ الْأَوَّلِ، الَّذِي هُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِكَوْنِهِ أَوْلَى بِهِ، وَ (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قَسْمُ الْعَبْدِ، فَكَانَ مِنَ الشَّطْرِ الَّذِي لَهُ، وَهُوَ:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.

وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُطْلَقَةَ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعَانَةُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، فَكُلُّ عَابِدٍ لِلَّهِ عُبُودِيَّةً تَامَّةً مُسْتَعِينٌ بِهِ وَلَا يَنْعَكِسُ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَغْرَاضِ وَالشَّهَوَاتِ قَدْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى شَهَوَاتِهِ، فَكَانَتِ الْعِبَادَةُ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ، وَلِهَذَا كَانَتْ قَسْمَ الرَّبِّ.

وَلِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ جُزْءٌ مِنِ الْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرٍ عَكْسٍ، وَلِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ طَلَبٌ مِنْهُ، وَ الْعِبَادَةَ طَلَبٌ لَهُ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُخْلِصٍ، وَ الِاسْتِعَانَةَ تَكُونُ مِنْ مُخْلِصٍ وَمِنْ غَيْرِ مُخْلِص، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ حَقُّهُ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَيْكَ، وَالِاسْتِعَانَةُ طَلَبُ الْعَوْنِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَهُوَ بَيَانُ صَدَقَتِهِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْكَ، وَأَدَاءُ حَقِّهِ أَهَمُّ مِنَ التَّعَرُّضِ لِصَدَقَتِهِ.

وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ شُكْرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، وَاللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَشْكُرَ، وَالْإِعَانَةُ فِعْلُهُ بِكَ وَتَوْفِيقُهُ لَكَ، فَإِذَا الْتَزَمْتَ عُبُودِيَّتَهُ، وَدَخَلْتَ تَحْتَ رِقِّهَا أَعَانَكَ عَلَيْهَا، فَكَانَ الْتِزَامُهَا وَالدُّخُولُ

ص: 365

تَحْتَ رِقِّهَا سَبَبًا لِنَيْلِ الْإِعَانَةِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَتَمَّ عُبُودِيَّةً كَانَتِ الْإِعَانَةُ مِنَ اللَّهِ لَهُ أَعْظَمَ»

(1)

.

«وقُدِّمت العبادةُ على الاستعانة؛ لكون الأُولَى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق الاستعانة لقصد التعميم»

(2)

.

والعبودية حق الرب جل في علاه، والاستعانة حظ العبد الفقير إلى خالقه وسيده ومولاه، وحق السيد مقدم على حظوظ عبيده.

‌رابعًا: بيان أقسام الناس في العبادة والاستعانة:

إن الخلق في هذا الباب متفاوتون ومتباينون، والمتأمل في ذلك يرى بينهم بونًا شاسعًا.

القسم الأول:

فأعلاهم منزلة وأعظمهم عبودية واستعانة أهل التقوى والإيمان، الذين قد جمع لهم الله خيري تحقيق العبودية وكمال الذل والافتقار إليه والبراءة من الحول والقوة بلزوم الاستعانة به سبحانه، وهؤلاء هم المقسطون الذين وحدوا الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وهم المُنعَمُ عليهم من عباد الله الموصوفون في سورة النساء في قوله سيحانه:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)} [النساء].

والقسم الثاني:

وأدناهم وأخسهم وأحطهم منزلة خلق لا عبودية لهم ولا استعانة، وهؤلاء إنما كانوا كذلك لأنهم قد فات عليهم تحقيق جانبي العبودية والاستعانة وهما أصلا الشرع وقوام الدين، فقد استغنوا عن خالقهم بأنفسهم، وقد تُلجؤهم الشدائدُ لسؤال

(1)

مدارج السالكين (1/ 162).

(2)

فتح القدير للشوكاني (1/ 10).

ص: 366

خالِقِهم ودعائه مخلصين له الدين في ذلك الله عنهم: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65)} [العنكبوت].

قال الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 22]، يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيدَ، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم ولكن بالله الذي خلقهم. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ} [العنكبوت: 65]، يقول: فلما خلّصهم مما كانوا فيه وسلّمهم فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكًا في عبادتهم، ويدعون الآلهة والأوثان معه أربابًا»

(1)

.

القسم الثالث:

وخلق لهم عبودية ولكنهم نقص حظهم وقسطهم ونصيبهم من الاستعانة، وفات عليهم تحقيق كمال الإيمان بالقدر فضعف لديهم جانب الاستعانة والصبر على الأوامر والنواهي على الأقدار كونًا وشرعًا، فلم يسعفهم ضعفُ الاستعانةِ على كمال الاستجابة لله ولشرعه، وقد تكون لهم معافاة وقوة بقدر تحقيقهم الصبر على الطاعة وعلى لزوم السنة ومجانبة الهوى.

القسم الرابع:

وخلق لهم حظ من العبودية والاستعانة، ولكن منشأ ذلك حظوظ النفس ومشتهياتها، وهم كمن يعبد الله على حرف تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)} [الحج].

قال ابن سعدي رحمه الله: «أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفًا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند

(1)

تفسير الطبري (10/ 159).

ص: 367

المحن، {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} أي: إن استمر رزقه رغدًا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه».

فهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} من حصول مكروه، أو زوال محبوب انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ أي: ارتد عن دينه، {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} أما في الدنيا، فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسًا لماله، وعوضًا عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما الآخرة، فظاهر، حُرِمَ الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار، {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)} [الحج] أي: الواضح البين»

(1)

.

وللإمام ابن القيم في مدارج السالكين تقسيمٌ بديعٌ للناس في العبادة والاستعانة، نتعرض له بشيء من الإشارة والإيجاز والتصرف اليسير، حيث يبين رحمه الله:

أن الناس في هذين الأصلين وهما العبادة والاستعانة أربعة أقسام -أيضًا-:

القسم الأول: خلق لهم عبادة واستعانة:

وسيأتي بيانه بإذن الله لأن موضوع البحث العبادة والاستعانة.

القسم الثاني: خلق لا عبادة لهم ولا استعانة:

وهم المعرضون عن عبادته والاستعانة به، فلا عبادة لهم ولا استعانة، بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته، لا على مرضاة ربه وحقوقه.

القسم الثالث: خلق لهم عبادة بلا استعانة، وهؤلاء نوعان:

أحدهما: القدرية القائلون بأنه قد فُعِلَ بالعبد جميع مقدوره من الألطاف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل.

وثانيهما: من لهم عبادات وأوراد، ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة، لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر.

(1)

تفسير ابن سعدي (5/ 1093).

ص: 368

القسم الرابع: خلقٌ لهم استعانة بلا عبادة.

كمن شهد تفرد الله بالنفع والضر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه، فتوكل عليه، واستعان به على حظوظه وشهواته وأغراضه.

والمعني معنا هنا في بحثنا هو القسم الأول، لذا سيُذكرُ بشيء من التفصيل اليسير عن الإمام الهمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- كما أسلفنا، وكما هو في المدارج.

القسم الأول: خلق لهم عبادة واستعانة

أجلها وأفضلها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مرادهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها، ويوفقهم للقيام بها، ولهذا كان من أفضل ما يسأل الرب تبارك وتعالى الإعانة على مرضاته، وهو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لحبه معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقال:«يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»

(1)

.

فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأملها.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: «تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}»

(2)

.

و «الدِّينُ كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى هاذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَسِرُّ الْخَلْقِ وَالْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ وَالثَّوابِ وَالْعقابِ يَرْجِعُ إِلَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَعَلَيهِمَا مَدَارَ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ»

(3)

.

‌خامسًا: بيان منزلة الاستعانة من الدين:

قال ابن القيم رحمه الله: «الاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن

(1)

أبو داود (1522) وصححه الألباني.

(2)

مدارج السالكين (ص: 101 - وما بعدها)، بتصرف.

(3)

المرجع السابق (1/ 159).

ص: 369

العبد قد يثق بالواحد من الناس وهو مع ذلك لا يعتمد عليه لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه -مع عدم ثقته به- لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه فيحتاج إلى اعتماده عليه، مع أنه غير واثق به، ومثل الاستعانة التوكل إذ هو أيضًا يلتئم من هذين الأصلين (الثقة والاعتماد) وهذان الأصلان وهما: التوكل (الاستعانة) من ناحية والعبادة من ناحية أخرى قد اقترنا في القرآن الكريم في مواضع عديدة منها:

1 -

قوله سبحانه في الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} .

2 -

وقوله سبحانه: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ

فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123].

3 -

وقول الله تعالى عن شعيب: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)} [هود].

4 -

وقوله سبحانه: {قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)} [الرعد].

5 -

وقوله -عز من قائل- في وصف دعاء المؤمنين {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)} [الممتحنة].

6 -

وقول الله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)} [المزمل: 8 - 9].

فهذه ستة مواضع جمع فيها القرآن الكريم بين الأصلين وهما:

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} أي: بين العبادة والاستعانة أو ما في معناها وهو التوكل»

(1)

.

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله تعالى-: «وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله، فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول:(لا حول ولا قوة إلا بالله) فإن المعنى لا تحول

(1)

مدارج السالكين (1/ 97).

ص: 370

للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.

وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز»

(1)

.

«ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولًا.

كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله، فيكلك الله إليه.

ومن كلام بعض السلف: يا رب، عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك؟! وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك؟!»

(2)

.

ويُستفاد من كلام ابن رجب رحمه الله: أن افتقار العبد وذله لربه واستعانته به استعانة مضطر، إذ لا غنى للعبد عن ربه في جلب النفع ودفع الضر، وهذا الافتقار والذل والاضطرار هو عين العبودية وأسها المتين وهو توحيد الله الذي لا يقبل من خلقه دينًا سواه.

ومما يُعين على تحقيق الاستعانة بالله تعالى أن يعلم العبد مكانة الاستعانة من الدين فهي بمثابة نصف الدين، فنصفه عبودية ونصفه الآخر استعانة، وهذا مصداق قوله سبحانه:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} ، وأمثلة هذا كثير في كتاب الله كما ساق ابن القيم رحمه الله ستة مواضع من القرآن الكريم.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: التَّوَكُّلُ نِصْفُ الدِّينِ، وَالنِّصْفُ الثَّانِي الْإِنَابَةُ، فَإِنَّ

(1)

مسلم (2664) من حديث أبي هريرة.

(2)

جامع العلوم والحكم (1/ 482).

ص: 371

الدِّينَ اسْتِعَانَةٌ وَعِبَادَةٌ، فَالتَّوَكُّلُ هُوَ الِاسْتِعَانَةُ، وَالْإِنَابَةُ هِيَ الْعِبَادَةُ.

ومنزلته: أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين، لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العاملين، وعموم التوكل، ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم، فأهل السماوات والأرض -المكلفون وغيرهم- في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم.

فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في حصول ما عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابه، وتنفيذ أوامره.

ودون هؤلاء مَن يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغًا عن الناس.

ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق، أو عافية، أو نصر على عدو، أو زوجة، أو ولد ونحو ذلك.

ودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش؛ فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبًا إلا باستعانتهم بالله، وتوكلهم عليه، بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات، ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم، ويظفرهم بمطالبهم.

فأفضل التوكل: التوكل في الواجب؛ أعني: واجب الحق، وواجب الخلق، وواجب النفس.

وأوسعه وأنفعه: التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية، أو في دفع مفسدة دينية، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم.

ثم الناس بعدُ في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم؛ فمن متوكل على الله في حصول الْمُلك، ومن متوكل في حصول رغيف.

ومن صَدَقَ توكلُهُ على الله في حصول شيء ناله، فإن كان محبوبًا له مرضيًّا كانت

ص: 372

له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطًا مبغوضًا كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه، وإن كان مباحًا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستعن به على طاعاته، والله أعلم.

وكثير من المتوكلين يكون مغبونًا في توكله، وقد توكل حقيقة التوكل، وهو مغبون؛ كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، ويُمكنه نيلها بأيسر شيء، وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خيرًا، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة، كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان، ومصالح المسلمين، والله أعلم»

(1)

.

‌سادسًا: ثمرات الاستعانة بالله:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فإذا حصل الاستعانة بالله واستهداؤه ودعاؤه والافتقار إليه أو سلوك الطريق الذي أمر بسلوكها هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)} [النور]»

(2)

.

وبتحقيق الاستعانة يحصل كمال الاهتداء

كما بين ذلك شيخ الإسلام في قوله: «وحقيقة الأمر أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى، فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ويدلّه كما قال: «يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم»

(3)

.

وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات

(1)

مدارج السالكين (1/ 521).

(2)

الصفدية (1/ 205 (.

(3)

مسلم (2577) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

ص: 373

والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»

(1)

(2)

.

وقال ابن القيم رحمه الله: «وإذا عظم المطلوب وأعوزك الرفيق الناصح العليم فارحل بهمتك من بين الأموات وعليك بمعلِّم إبراهيم»

(3)

.

وبقدر تحقيق العبودية والاستعانة يتحقق للعبد السلامة من الآفات المهلكات.

قال ابن القيم رحمه الله: «كثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تدفع الرياء {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} تدفع الكبر»

(4)

.

«فلا نجاة من مصايد الشيطان ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله، والتعرض لأسباب مرضاته»

(5)

.

وقد «رُوِيَ عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ماذا تصنع إذا سول لك الشيطان الخطايا؟ قال أجاهده، قال هذا يطول، أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها، ومنعك من العبور ماذا تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي قال: هذا يطول عليك، لكن استعن بصاحب الغنم يكفه عنك، إذا أردت التخلص من الشيطان ووسوسته، فاستعن بخالقه يكفه عنك ويحميك»

(6)

.

هذا مثل ضربه ابن الجوزي لتقريب المعنى وتصويره في الذهن، والله تعالى له الْكَمَال الْمُطْلَق الكامل التام مِنْ كُلّ الوَجْوه، قال سبحانه:{وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)} [النحل].

وعلى قدر استعانة العبد بربه وصدقه في توكله عليه واضطراره والانقياد لأمره

(1)

مسلم (770).

(2)

مجموع الفتاوى (4/ 39).

(3)

مفتاح دار السعادة (1/ 32).

(4)

مدارج السالكين (1/ 54).

(5)

إغاثة اللهفان - لابن القيم (1/ 5).

(6)

تلبيس إبليس (48).

ص: 374

والرضا بمقدوره يتحقق له المطلوب، وينال من ربه كل محبوب ومرغوب.

ولقد تم البسط في مبحث العبودية والاستعانة لأسباب من أهمها وأبينها ما يلي:

أولًا: لعظم ومكانة وقدر العبودية والاستعانة من الدين.

ثانيًا: لأن مدار البحث حول التوحيد ومعالمه في السورة الكريمة، فهو بمثابة المبحث الأم والرئيس الذي تدور في فلكه مباحث تلك الرسالة جمعاء.

ثالثًا: كون العبودية والاستعانة هما أصلا التوحيد وعماده وأساسه المتين، فكان لابد في ذلك من بيان شاف كاف يحسن للناظر فيه أن يقف على معنى تامٍّ شافٍ يقضي فيه وطره الصالح، وقد ارتوى من معينه وارتشف من رحيقه المختوم وكان ختامه مسكًا، ليتحقق له بعد ذلك التنافس الذي ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون في تحقيق العبودية الكاملة التامة، عبادة واستعانة، ذلًّا وافتقارًا، خضوعًا وإنابة وانكسارًا.

رابعًا: كَثُرَ النقلُ في هذا المبحث الهام عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الهمام ابن القيم الإمام -رحمهما الله تعالى-، لكونهما طبيبي هذا الباب، وقد عنيا بقضية التوحيد وأولاها الاهتمام الأكبر والحظ الأوفر فيما صنفاه وكتباه وورثاه الأمةَ، فجاءت كلماتهما كالبلسم الشافي والعلاج الناجع للأدواء المستعصية والأمراض المزمنة، وقد حوى كلامهما بيانًا لكل جوابٍ كافٍ لأي مسترشد عن دواء شاف، فقد بينا عضال الداء وأرشدا لصالح الدواء، فمن تعاطى الدواء عُوفي من الداء، وسلك درب المتقين وارتقى في مدارج السالكين وحقق العبودية والإيمان وتقلب في نعيم منازل إياك نعبد وإياك نستعين.

هذا ولعل المتأمل فيما مضى أن يبصر القولَ الواضحَ المبين، الداعي إلى سلوك السبيل المستبين، ليحط بعده رحاله في مدارج السالكين، ويرتقي في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.

والحمد لله رب العالمين.

ص: 375

‌5 - اشتمال السورة على أعظم المطالب.

(طلب الهداية للصراط المستقيم ودلاته على التوحيد)

كما قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} .

‌أولًا: مفهوم الهداية

.

‌1 - الهداية لغة:

قال الراغب رحمه الله في المفردات: «الهداية: دلالة بلطف»

(1)

.

فإن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة بلطف وقد قال تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23)} [الصافات]؟ قيل: استعمال اللّفظ في ذلك على سبيل التّهكّم مبالغة في المعنى كما في قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)} [التوبة: 34].

وقال الجوهريّ رحمه الله: الهدى: الرّشاد والدّلالة؛ يؤنّث ويذكّر، يقال: هداه اللّه للدّين هدًى، والهدى في قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} [السجدة: 26] أي: لم يبيّن لهم، والهداء مصدر قولك: هديت المرأة إلى زوجها هداء وقد هديت إليه، ويقال: هدى هدي فلان أي: سار سيرته، وفي الحديث:«وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ»

(2)

، أي: سيروا سيرته.

والتّهادي أن يهدي بعضهم إلى بعض، وفي الحديث:«تهادوا تحابّوا»

(3)

.

وقال ابن منظور رحمه الله: «هو من هداه يهديه هدًى وهديًا وهداية وهدية. والهدى: ضدّ

(1)

المفردات في غريب القرآن: مادة: هدى (ص: 538).

(2)

ابن حبان (6902)، وهوفي السلسلة الصحيحة (1233) للألباني، والحديث مروي عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم منهم: عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر.

(3)

الترمذي (2130)، و البخاري في الأدب المفرد (594)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3004).

ص: 376

الضّلال وهو الرّشاد والبيان، لازم ومتعدّ، يقال: هداه اللّه الطّريق وهي لغة الحجاز. ولغة غيرهم يتعدّى بالحرف فيقال: هداه إلى الطّريق وللطّريق أي: بيّنه له وعرّفه به.

وهداه اللّه إلى الإيمان وللإيمان أي: أرشده إليه.

وهُدِيَ هَدْيَ فلانٍ سار سيرته، وهدى فلانًا تقدّمه. وهدى الشّيء تهدية وهو لا يهدّي إلّا أن يُهدى: أي: لا يقدر أن ينتقل عن مكانه إلّا أن ينقلوه.

ومعنى لا يهدّي: لا يهتدي. والهدى: مؤنّث ويذكّر، يقال: هو على الهدى، وسل اللّه الهدى: أي: الدّلالة على الرّشاد. والهدى: النّهار أيضًا»

(1)

.

وقال الجرجانيّ: «الهداية الدّلالة على ما يوصّل إلى المطلوب»

(2)

.

وقيل: «هي سلوك طريق يوصّل إلى المطلوب. والملاحظ هنا أنّه أضاف قيد «التّوصيل إلى المطلوب» وحذف قيد «كونها بلطف» وقد جمع المناويّ بين كلّ من الرّاغب والجرجانيّ فقال: الهداية: دلالة بلطف إلى ما يوصّل إلى المطلوب».

(3)

ولا شك أن في شمولية تعريف المناوي لتعريفي الراغب والجرجاني جميعًا أوضح في دلالة معنى الهداية لغة وأبين في الوصف، و «الدلالة بلطف» تدل على هداية الدلالة والإرشاد، و «الوصول إلى المطلوب» فيها إشارة إلى الهدف المنشود من معرفة الصراط، وهذا متضمن لهداية الإرشاد أيضًا، ومن ثم السير عليه والثبات عليه، وهو متضمن لدلالة التوفيق والإلهام.

‌2 - الهداية اصطلاحًا:

قال أبو البقاء الكفويّ رحمه الله: «الهداية هي الدّلالة على طريق من شأنه الإيصال (إلى المطلوب) سواء حصل الوصول بالفعل في وقت الاهتداء أو لم يحصل»

(4)

.

(1)

مقاييس اللغة لابن فارس (6/ 24 - 43)، والمفردات للراغب (ص: 540).

(2)

التعريفات للجرجاني (277).

(3)

التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (ص: 343).

(4)

معجم الكليات للكفوي (ص: 952).

ص: 377

وتعريف أبي البقاء الكفوي، هو للتعريف اللغوي أقرب منه للتعريف الاصطلاحي، وقد يشملهما جميعًا.

وقال البغويّ رحمه الله: «اهدنا: أرشدنا، وقال عليّ وأبيّ بن كعب رضي الله عنهما: ثبّتنا»

(1)

.

وتعريف البغوي شمل الهدايتين جميعًا.

وقال ابن كثير رحمه الله: «الهداية: الإرشاد والتّوفيق، وقد تعدّى الهداية بنفسها كما في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)}، فتضمّن معنى ألهمنا أو وفّقنا أو ارزقنا أو أعطنا. و {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)} [البلد] أي: بيّنّا له الخير والشّرّ. وقد تعدّى بـ (إلى) كما في قوله تعالى: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)} [النحل]، وذلك بمعنى الإرشاد والدّلالة. وقد تعدّى باللّام كقول أهل الجنّة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43] أي: وفّقنا وجعلنا له أهلًا»

(2)

.

وقال ابن القيّم رحمه الله: «الهداية: هي البيان والدّلالة، ثمّ التّوفيق والإلهام، وهو بعد البيان والدّلالة.

ولا سبيل إلى البيان والدّلالة إلّا من جهة الرّسل، فإذا حصل البيان والدّلالة والتّعريف، ترتّب عليه هداية التّوفيق»

(3)

.

وتعريف كلٍّ من ابن كثير، وابن القيم -رحمهما الله تعالى- قد بينا فيه نوعي الهداية، هداية الدّلالة والإرشاد، وهداية التّوفيق والإلهام، وقد تم بيان الهدايتين ومعنيهما في أكثر من موضوع في ثنايا البحث، وكذلك سبق التعريف بالصراط: لغة وشرعًا

(4)

.

(1)

معالم التنزيل للبغوي (1/ 41).

(2)

تفسير ابن كثير (1/ 29). وينظر: عمدة التفسير (ص: 80).

(3)

بدائع التفسير (1/ 116).

(4)

منها: ما جاء في المبحث الخامس من الفصل الثاني الموسوم: بـ (المعنى الإجمالي للسورة الكريمة، عند معنى قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)}.

ص: 378

‌ثانيًا: بيان أنواع الهداية

.

ولا بأس هنا بذكر بعض معاني الهداية وتقسيمها بمعنى أشمل وأوسع وأكمل وأدل كما ذكر ذلك صاحب بصائر ذوي التميز.

يقول الفيروز آبادي رحمه الله: «وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أضرب.

الأوّل: الهداية الّتي عمّ بها كلّ مكلّف من العقل والفطنة والمعارف الضّروريّة، بل عمّ بها كلّ شيء حسب احتماله، قال تعالى:{رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)} [طه].

الثّاني: الهداية الّتي جعلت للنّاس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73].

الثّالث: التّوفيق الّذي يختصّ به من اهتدى، وهو المعنيّ بقوله:{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17]، وقوله:{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11].

الرّابع: الهداية في الآخرة إلى الجنّة، وهو المعنيّ بقوله:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43].

وهذه الهدايات الأربع مترتّبة. فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثّانية، بل لا يصحّ تكليفه. ومن لم تحصل له الثّانية لا تحصل له الثّالثة والرّابعة.

والإنسان لا يقدر أن يهدي أحدًا إلّا بالدّعاء وتعريف الطّرق دون سائر الهدايات، وإلى الأوّل أشار بقوله:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى]، وبقوله:{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)} [الرعد] أي: راع، وإلى سائر الهدايات أشار بقوله:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56]. وكلّ هداية ذكر الله تعالى أنّه منع الكافرين والظّالمين فهي الهداية الثّالثة، الّتي هي التّوفيق الّذي يختصّ به المهتدون.

والرّابعة الّتي هي الثّواب في الآخرة، وإدخال الجنّة المشار إليها بقوله تعالى:{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [آل عمران: 86] إلى قوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ

ص: 379

الظَّالِمِينَ (5)} [الجمعة]»

(1)

.

وبهذا التعريف الشامل لضروب الهداية وأقسامها ومعانيها للفيروزآبادي، يُختم مبحثُ التعريف بالهداية بمعنييها اللغوي والاصطلاحي.

‌ثالثًا: بيان أن مطلب الهداية هو أعظم وأجل المطالب:

والدعاء في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} هو أعظم وأجل وأعز المطالب، وقد قدم العبد بين يديه حمدًا لربه وثناءً عليه وتمجيًدا وتعظيمًا وذلًّا وخضوعًا، مقرًا له بالربوبية والألوهية مثنيًا عليه سبحانه بأسمائه وصفاته.

وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله: «وَلَمَّا كَانَ سُؤَالُ اللَّهِ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَجَلَّ الْمَطَالِبِ، وَنَيْلُهُ أَشْرَفَ الْمَوَاهِبِ: عَلَّمَ اللَّهُ عِبَادَهُ كَيْفِيَّةَ سُؤَالِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حَمْدَهُ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَتَمْجِيدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ عُبُودِيَّتَهُمْ وَتَوْحِيدَهُمْ، فَهَاتَانِ وَسِيلَتَانِ إِلَى مَطْلُوبِهِمْ، تَوَسُّلٌ إِلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَتَوَسُّلٌ إِلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَهَاتَانِ الْوَسِيلَتَانِ لَا يَكَادُ يُرَدُّ مَعَهُمَا الدُّعَاءُ»

(2)

.

ثم يقول رحمه الله: «وَقَدْ جَمَعَتِ الْفَاتِحَةُ الْوَسِيلَتَيْنِ، وَهُمَا التَّوَسُّلُ بِالْحَمْدِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدِهِ، وَالتَّوَسُّلُ إِلَيْهِ بِعُبُودِيَّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، ثُمَّ جَاءَ سُؤَالُ أَهَمِّ الْمَطَالِبِ، وَأَنْجَحِ الرَّغَائِبِ وَهُوَ الْهِدَايَةُ بَعْدَ الْوَسِيلَتَيْنِ، فَالدَّاعِي بِهِ حَقِيقٌ بِالْإِجَابَةِ»

(3)

.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: و «أَنْفَعُ الدُّعَاءِ وَأَعْظَمُهُ وَأَحْكَمُهُ: دُعَاءَ الْفَاتِحَةِ {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} فَإِنَّهُ إذَا هَدَاهُ هَذَا الصِّرَاطَ: أَعَانَهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ. فَلَمْ يُصِبْهُ شَرٌّ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ»

(4)

.

(1)

بصائر ذوي التمييز (5/ 313 - 413). وينظر: نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (9/ 567).

(2)

مدارج السالكين (1/ 47).

(3)

المرجع السابق (1/ 48).

(4)

مجموع الفتاوي (: 320/ 14).

ص: 380

وهو: «دُعَاءٌ وَرَغْبَةٌ مِنَ الْمَرْبُوبِ إِلَى الرَّبِّ، وَالْمَعْنَى: دُلَّنَا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَأَرْشِدْنَا إِلَيْهِ، وَأَرِنَا طَرِيقَ هِدَايَتِكَ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى أُنْسِكَ وَقُرْبِكَ»

(1)

.

«وَذَكَرَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ مُفْرَدًا مُعَرَّفًا تَعْرِيفَيْنِ: تَعْرِيفًا بِاللَّامِ، وَتَعْرِيفًا بِالْإِضَافَةِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ تَعَيُّنَهُ وَاخْتِصَاصَهُ، وَأَنَّهُ صِرَاطٌ وَاحِدٌ، وَأَمَّا طُرُقُ أَهْلِ الْغَضَبِ وَالضَّلَالِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْمَعُهَا وَيُفْرِدُهَا، كَقَوْلِهِ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] فَوَحَّدَ لَفْظَ الصِّرَاطِ وَسَبِيلِهِ، وَجَمَعَ السُّبُلَ الْمُخَالِفَةَ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطًّا، وَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَقَالَ:«هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ» ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} [الأنعام].

(2)

وَهَذَا لِأَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوَّصِلَ إِلَى اللَّهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، لَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ أَتَى النَّاسُ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ، وَاسْتَفْتَحُوا مِنْ كُلِّ بَابٍ، فَالطُّرُقُ عَلَيْهِمْ مَسْدُودَةٌ، وَالْأَبْوَابُ عَلَيْهِمْ مُغَلَّقَةٌ إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِاللَّهِ، مُوَصِّلٌ إِلَى اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تعالى:{هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41)} [الحجر]، قَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ صِرَاطٌ إِلَيَّ مُسْتَقِيمٌ»

(3)

.

و «المقصود أنَّ طريق الحقِّ واحدٌ: إذْ مردَّه إلى الله الملك الحقِّ، وطُرق الباطل مُتشعِّبة مُتعدِّدة، فإنَّها لا ترجع إلى شيءٍ موجود، ولا غاية لها يوصَّل إليها، بل هي

(1)

تفسير القرطبي (1/ 147)

(2)

الترمذي (2454)، والحاكم (2/ 318)، وابن حبان (6)، والبزار (5/ 251).

وصححه الألباني تخريج مشكاة المصابيح (165)، وقال الوادعي في الصحيح المسند (848): حسن.

(3)

مدارج السالكين (1/ 37).

ص: 381

بمنزلة بُنيَّات الطَّريق، وطريقُ الحقِّ بمنزلة الطَّريق الموصَّل إلى المقصود، فهي وإنْ تنوَّعت فأصلها طريقٌ واحدٌ»

(1)

.

«فَبِهَذَا الطَّرِيقِ الْمُجْمَلِ-الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم- يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا خَالَفَهُ فَبَاطِلٌ، وَهُوَ

مِنْ صِرَاطِ الْأُمَّتَيْنِ: الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، وَأُمَّةِ أَهْلِ الضَّلَالِ، أي: اليهود والنصارى»

(2)

.

ومن فوائد الآية: «بَيَان أَن العَبْد لَا سَبِيل لَهُ إِلَى سعادته إِلَّا باستقامته على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَأَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الاسْتقَامَة إِلَّا بهداية ربه لَهُ كَمَا لَا سَبِيل لَهُ إِلَى عِبَادَته بمعونته فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى الاسْتقَامَة على الصِّرَاط إِلَّا بهدايته.

فأول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة .. وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة»

(3)

.

والعباد مفتقرون مضطرون لهداية ربهم لهم، وقد امتن عليهم خالُقُهم وأكرمهم بالوقوف بين يديه لأداء الصلوات المفروضة.

في أعظم مشهد من مشاهد العبودية بعد أن تطهروا باطنًا وظاهرًا وقصدوا أطهر البقاع وهي المساجد، واستقبلوا أشرف وجهة وهي القبلة، قاصدين بقلوبهم ووجوههم وأبدانهم أشرف مكان وهو البيت العتيق في مكة المكرمة وهي خير البقاع، واقفين في مشهد الذل والخضوع والخشوع والاخبات، مفتتحين صلاتهم بالتكبير والتعظيم والإجلال لربهم، مستهلين فاتحة كتابه المجيد بالحمد والثناء والتمجيد، مقرين لخالقهم بالعبودية والتوحيد، كل ذلك تقدُمَة وزلفى ليسألوا ربهم أعظم مسألة وأجل مطلوب {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} ، وحق لهم ذلك، فبتحقيق مطلبهم تُنال السعادةُ الأبديةُ التي تهوى إليها نفوس أهل الإيمان، وتشتاق وتطلع إليها قلوب أهل العرفان لينالوا من ربهم الرحمة والرضوان، يقول ربنا الكريم المنان: {رضي الله عنهم

(1)

بدائع الفوائد (1/ 127).

(2)

المرجع السابق (1/ 81).

(3)

الفوائد لابن القيم (ص: 19).

ص: 382

وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)} [البينة]، ولينالوا العتق من النيران ويفوزوا بسكنى الجنان، كما قال ربنا الرحمن:{فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185].

وفي نحو ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْته، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ»

(1)

.

ولهذا الحديث منزلة عظيمة:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «هذا الحديث شريف القدر، عظيم المنزلة؛ ولهذا كان الإمام أحمد يقول: هو أشرف حديث لأهل الشام، وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدَّث به جثا على ركبتيه»

(2)

.

قال الفشني رحمه الله: «هو حديث عظيم ربانيّ، مشتمل على فوائد عظيمة في أصول الدين وفروعه، وآدابه، ولطائف القلوب»

(3)

والـ «ضال» هو التائه عن السبيل السوي والطريق المستقيم، والضلالة تكون في العلم، وتكون في العمل، وتكون فيهما معًا «إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ» أي: للعلم النافع والعمل الصالح، ومنعت عنه أسباب الضلالة والغواية كلها، (فاستهدوني)؛ أي: اطلبوا مني لا من غيري، وألحوا عليَّ في طلب الهداية، (أهدِكم) أي: أدلكم على سبل السلام وطرق الرشاد والنجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

و (أهدِكم) هو جواب الأمر السابق، وهو مشابه لقوله تعالى:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، فقوله:{ادْعُونِي} الأمر، وجوابه قوله:{أَسْتَجِبْ لَكُمْ} .

يقول ابن رجب رحمه الله في تعليقه على حديث أبي ذر رضي الله عنه: «وهذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله -تعالى- في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئًا من ذلك كله، وأن من لم يتفضل الله عليه

(1)

مُسْلِمٌ (2577)، من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

(2)

مجموع الفتاوى (18/ 156).

(3)

المجالس السنية (152)، والأذكار للنووي (517).

ص: 383

بالهدى والرزق، فإنّه يحرمهما في الدنيا، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه، أوبقته خطاياه في الآخرة»

(1)

.

‌رابعًا: بيان أسباب الهداية ودلالتها على التوحيد

.

ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد أن فتح الله لعباده أبواب الهداية وهيأ لهم أسبابها، فما كان منها من الله فهو من دلائل ربوبيته، وما كان منها من العبد من تحقيق أسباب الهداية من الإيمان والأعمال الصالحة فهو من دلائل ألوهيته.

وللهداية والثبات عليها أسباب كثيرة، من أهمها وأبينها ما يلي:

1 -

تحقيق التوحيد المنافي للشرك بالله تعالى، قال ربنا:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)} [الأنعام].

فهذا وعدٌ من الله تعالى بالهداية لأهل التوحيد، وأهل التوحيد هم «الذين صدقوا الله وأخلصوا له العبادة، ولم يخلطوا عبادتهم إياه وتصديقهم له بظلم يعني: بشرك ولم يشركوا في عبادته شيئًا، ثم جعلوا عبادتهم لله خالصة»

(2)

.

وعَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ {لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} بِشِرْكٍ، أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: {وَإِذْ قَالَ

لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)[لقمان]

(3)

.

وقال سبحانه مبينًا أن الإقرار له بالتوحيد هو سبب الهداية إلى الصراط المستقيم: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ

مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)} [الأنعام: 161 - 163].

(1)

جامع العلوم والحكم (2/ 37 - 38).

(2)

الطبري (11/ 493).

(3)

البخاري (32)، ومسلم (124).

ص: 384

وقال الله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)} [يس 60 - 61]، وقوله:{هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)} [آل عمران] أي: «عبادة الله وتوحيده»

(1)

.

2 -

تحقيق الإيمان عقيدة وقولًا وعملًا: كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9)} [يونس].

«هذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ما أمروا به، فعملوا الصالحات، بأنه سيهديهم بإيمانه، ويحتمل أن تكون «الباء» هاهنا سببية فتقديره: بسبب إيمانهم»

(2)

.

3 -

تحقيق المتابعة للسنة المنافي للبدعة، ويتمثل ذلك في الاهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

قال الإمام أحمد رحمه الله: «إذا لم نقرّ بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم رددنا على الله أمره، قال الله عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}»

(3)

.

وقال سبحانه: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54]، أي:«فيما يأمركم وينهاكم -ترشدوا وتصيبوا الحق في أموركم»

(4)

.

4 -

إجلال الله تعالى بتعظيم أوامره وامتثالها، وترك نواهيه واجتنابها.

كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)} [النساء 66 - 68].

(1)

فتح القدير للشوكاني (1/ 1230).

(2)

ابن كثير (4/ 250).

(3)

الإبانة لابن بطة (3/ 59).

(4)

الطبري (19/ 207).

ص: 385

أي: «ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما يُنهون عنه لكان خيرًا لهم أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي، {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}: أي: «وأشد تصديقًا»

(1)

، {وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا} أي: من عندنا، {أَجْرًا عَظِيمًا}: يعني: الجنة، ولهديناهم صراطًا مستقيمًا أي: في الدنيا والآخرة»

(2)

.

5 -

لزوم طاعة الله وأداء فرائضه.

قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)} [التوبة] وعسى تفيد الرجاء، وهي من الله الكريم المنان واجبة الوقوع.

‌خامسًا: بيان طريق الهداية

والهداية إنما تكون للإسلام والسنة:

وحقيقة الهداية إنما تكون هداية للإسلام، هداية للاعتصام بالكتاب والسنة والتمسك بهما وفهمهما بفهم السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعي التابعين، عقيدة ومنهاجًا وشريعة وأخلاقًا، علمًا وفهمًا وعملًا، وهو طريق الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة.

والهداية لهذا السبيل، هي الهداية لسبيل النجاة والتي لا يوفق لها إلا من أحبه الله واصطفاه واجتباه من عباده الأخيار الأطهار.

قال قتادة: «ما أدري أيُّ النعمتين عليّ أعظم إذ أخرجني من الشرك إلى الإسلام، أو عصمني في الإسلام أن يكون لي فيه هوًى؟!»

(3)

.

وعن مجاهد قال: «ما أدري أيُّ النعمتين عليّ أعظم، أن هداني للإسلام، أو عافاني

(1)

قاله السدي.

(2)

ابن كثير (2/ 355).

(3)

الطبقات لابن سعد (7/ 113)، شرح أصول الاعتقاد (ص: 330).

ص: 386

الله من الأهواء؟!»

(1)

.

ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «شعار أهل البدع ترك انتحال اتباع السلف»

(2)

.

والعبد مفتقر إلى الهداية في كل حين وآن مهما علا شأن عبوديته واستقامته.

وفي هذا الصدد يقول ابن القيم: «ولذلك اشتدت حاجة العبد، بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوج إلى شيء منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها. فإن الصراط المستقيم يتضمن علومًا وإرادات وأعمالًا وتروكًا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه، وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه، وهو من الصراط المستقيم وإن عجز عنه .. وما يقدر عليه قد لا تريده (أي: نفسه) كسلًا وتهاونًا، أو لقيام مانع وغير ذلك .. وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله .. وما يفعله قد يقوم بشروط الإخلاص وقد لا يقوم .. وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم .. وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه .. وهذا كله واقع سارٍ في الخلق، فمستقلٌ ومستكثر»

(3)

.

و «الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر والرزق، بل لا نسبة بينهما؛ لأنه إذا هُدِيَ كان من المتقين {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3]، وكان ممن ينصر الله ورسوله، ومن نصر الله نصره الله، وكان من جند الله، وهم الغالبون؛ ولهذا كان هذا الدعاء هو المفروض»

(4)

.

«وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار،

(1)

مقدمة سنن الدارمي (1/ 92)، وأصول السنة لابن أبي زمنين (ص: 236).

(2)

مجموع الفتاوى (4/ 155).

(3)

الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (2/ 145 - 146).

(4)

الجامع لكلام ابن تيمية في التفسير جمع وتحقيق (إياد القيسي)(1/ 116).

ص: 387

يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالطّرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشدّ الركاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلّم، ومنهم المكردس في النار

(1)

.

فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا، حذو القذّة بالقذة جزاء وفاقًا {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)} » [النمل]»

(2)

.

‌سادسًا: طلب الهداية للصراط المستقيم ودلالته على التوحيد:

كما قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} .

فـ «الصراط المستقيم، هو الطريق الذي نصبه الله لعباده على ألسنة رسله وجعله موصلًا لعباده إليه ولا طريق لهم سواه وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسله بالطاعة وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله

وهذا هو الهدى ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل به وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به»

(3)

.

ولقد دلت الآية الكريمة على دعاء شأنه كبير وجليل، والدعاء عمومًا شأنه عند الله عظيم، وأجره كبير، وثواب جزيل، وإن من أجل مقاصده إظهار الافتقار والتبرؤ من الحول والقوة والحيلة، وإظهار ضعف العبد وذلته لربه واستكانته، وبيان اضطراره في سؤاله وحاجته، قال ربنا:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)} [النمل].

(1)

يشير رحمه الله إلى أحاديث المرور على الصراط، ومنها: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أخرجه البخاري (22)، ومسلم (183).

(2)

بدائع التفسير (1/ 35).

(3)

بدائع الفوائد لابن القيم (2/ 40).

ص: 388

أي: «من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه»

(1)

. ومنزلة ومقام الدعاء من أعلى مقامات ومنازل العبودية، ومن أجلِّ وأزكى العبادات؛ لما فيه من إظهار أعظم معاني العبودية والذلة لله تعالى والرغبة في كرمه وواسع جوده وفضله، والطمع في رحمته والابتهال إليه بالعبودية والاستعانة والتضرع إليه بالسؤال، وهو مع ذلك كله عبادة من أجل وأعظم العبادات وطاعة من أفضل الطاعات وقربى من أزكى القربات.

كما قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة].

ومن مقاصده الجليلة أيضًا: وجوب تقديم الحمد لله تعالى بكل أنواع المحامد، والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وتمجيده بكل مجد وتعظيم ووصف حسن وثناء جميل بين يدي الدعاء، وهذا أيضًا مقصد من مقاصد العبودية ومن مقاصد توحيد الله بأسمائه وصفاته ودلالته عليه، يقول ربنا: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا

يَعْمَلُونَ (180)} [الأعراف].

والأسماء الحسنى: هي الأسماء التي بلغت في غاية في الحسن، ومعنى {فَادْعُوهُ بِهَا}: أي: فاسألوه بها وتوسلوا بها إليه، وسواء كان ذلك دعاء عبادة أو دعاء مسألة، ووجه ذلك أن يتوسل العبد إلى الله بأسمائه وصفاته بما يقتضي المقام، فيقول مثلًا: يا رحمن ارحمني، ويا رزاق ارزقني، ويا كريم أكرمني، ويا تواب تب علي، ونحو ذلك.

وفي الآية: «أمر بإخلاص العبادة لله، ومجانبة المشركين والملحدين.

قال مقاتل وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من المسلمين، كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم، فقال رجل من مشركي مكة أليس يزعم محمدٌ وأصحابهُ

(1)

تفسير ابن كثير (6/ 204).

ص: 389

أنهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فأنزل الله سبحانه:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ} »

(1)

.

وكذلك فإن من أعظم الدلائل على التوحيد الدعاء، ففيه أعظم مظاهر الذل والافتقار إلى الله تعالى، وبه تتحقق عبودية العبد لربه ويتحقق له نفي الشرك والاستكبار، يقول ربنا:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر].

أي: «اعْبُدُونِي وَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَةَ دُونَ مَنْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أُجِبْ دُعَاءَكُمْ فَأَعْفُو عَنْكُمْ وَأَرْحَمُكُمْ»

(2)

.

ومن هنا يتبين أن دعاءَ العبدِ ربه وسؤاله والتوجه إليه سبحانه وترك سؤال غيره من المخلوقين؛ يدل على توحيد العبد ربه وإفراده بالألوهية وقد دل على ذلك أيضًا حديث النُّعمان بن بَشِير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدعاء هو العبادة» ، ثم قرأ:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر]»

(3)

.

ومما سبق يتبين دلالة الدعاء على التوحيد ومنه طلب الهداية إلى الصراط المستقيم:

1 -

وإن طلب الهداية للصراط من أعظم دلائل التوحيد التي يجب أن يُفرِدَ العبدُ بها ربَهُ ويُلح عليه في سؤاله ودعائه، فهو يجلي ضعف العبد وصدق لجوئه إلى خالقه وتعلّقه بربه واضطراره إلى هداه، إذ ليس له من يجيبه ويهديه سواه، وهذا من أعظم الدلائل على تعلق طلب الهداية بالتوحيد.

(1)

تفسير القرطبي (7/ 291).

(2)

تفسير الطبري (21/ 407).

(3)

أبو داود (1479)، والترمذي (2969)، والنسائي في الكبرى (11400)، وابن حبان (890). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1329).

ص: 390

2 -

ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد كذلك.

سؤال العبد ربه الهداية في كل صلاة فرضًا كانت أم نفلًا، وذلك في كل ركعة من ركعات الصلاة، بل وفي غير الصلاة أيضًا، كل ذلك لا يدل على التوحيد فحسب، بل يدل على كماله وتمامه وتقلب العبد في تلك المنازل العالية آناء الليل وأطراف النهار، وفي كل أحواله وأطواره.

3 -

ومن دلالة طلب الهداية على التوحيد استجابة العبد لأمر ربه في طلبها ليل نهار بل في الثبات عليها وعدم الحيد عنها وعن طريقها وسبيلها تعالى في وصف دعاء المؤمنين الراسخين: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)} [آل عمران].

أي: «لا تَمِلها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ»

(1)

.

4 -

ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد.

أن العبد مفتقر إلى ربه في كل أحواله فهو لا حول ولا قوة له إلا بمعونة ربه وتوفيقه، فلا يملك هذا العبد الفقير الضعيف لنفسه نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فأمره ربهُ تعالى أن يسأله في كل وقت وحين أن يهديه صراطه المستقيم ويثبته عليه ويبصره به ويستديمه على الثبات عليه ويزيده ثباتًا وهداية ويزيده من ذلك كله وألا يزيغه عنه أبدًا.

5 -

ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد.

أن الاستمرار في طلب الهداية إشارة إلى فقر العبد الدائم الذي لا ينفك عنه بحال من الأحوال ما دام في دار التكليف، قال ربنا:{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر].

وهذه الآية الكريمة إنما وردت في ختام سورة الحجر، خاتمة لجمع من وصايا

(1)

تفسير البغوي (2/ 12).

ص: 391

كريمة أوصى الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الوصايا أن يعبد ربه حتى يأتيه اليقين.

«واليقين هو الموت: وهو مروي عن جمع من السلف منهم: سالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم»

(1)

.

وفيها الأمر بالإقامة على العِبادة إلى الممات

وقال الحسن البصري رحمه الله: «يا قوم، المداومةَ المداومةَ، فإن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت»

(2)

.

فلم يجعل الله في الآية الكريمة منتهى للعبودية دون الموت، لم يجعل لها حدًّا محدودًا ولا زمنًا موقوتًا، ولم يحدها كذلك بمكان ولا بكم محدود من العمل، والواجب في حق العبد القيام بحق العبودية ما دام حيًّا، قال الله في حق عيسى بن مريم:{وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)} [مريم]. أي: مدة دوامي حيًّا.

فليس للعبد حد في العبادة إذا وصل إليها توقف عنها واكتفى بها، وإنما جعلت العبادة والتكليف بها واجبة عليه حتى الموت، إذ ليس لعمل المؤمن منتهى دون الموت.

ولقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر ربه وعبده حتى أتاه اليقين، وداوم على عبوديته في كل أحواله وكان إذا عمل عملًا أثبته ودوام عليه، كما وصفت عائشة رضي الله عنها عمله صلى الله عليه وسلم فقالت:«كان عمله ديمة»

(3)

.

والديمة في كلام العرب تطلق على المطر إذا استمر نزوله فترة طويلة»

(4)

.

ووفي رواية عند مسلم -أيضًا- من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ،

(1)

تفسير أضواء البيان للشنقيطي (2/ 324).

(2)

المحجة في سير الدلجة (ص 71).

(3)

البخاري (1987)، ومسلم (783).

(4)

فتح الباري (11/ 305).

ص: 392

وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ» . وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ»

(1)

.

6 -

ومن دلائل طلب الهداية على التوحيد.

أنَّ الهدايةَ إليه متعلقةٌ بمشيئة الله تعالى، وهذا مما يفيد وجوب توحيد العبد ربه وتعلُّقَه به وحده، ورجاءه وسؤالَه الهداية إلى صراطه المستقيم، وعدم الالتفات لأحد من خلقه، لأن الهداية بيده تعالى لا بيد أحد سواه، فتوكل العبد على ربه رجاء هدايته من أعظم الدلائل على تعلق طلب الهداية بالتوحيد.

كما قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)} [البقرة].

فمشيئة الهداية مردها ومرجعها إلى الله وحده الذي يُوجِبُ على العبد تعلقه في طلبها بربه ولا يتعلق بأحد سواه، تعالى في عموم مشيئته:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)} [التكوير]؛ أي: فمشيئته في خلقه نافذةٌ، لا مرد لها ولا يمكن أنْ تُعارَض من مخلوق، أو تُمانَع من عبد.

ولعل في هذا البيان كفاية لمن أراد الهداية وتحقيق تلك الغاية.

والحمد لله رب العالمين.

(1)

البخاري (730)، ومسلم (738).

ص: 393

‌6 - أبرز صفات الطوائف الثلاث المذكورة في السورة الكريمة

(المنعم عليهم-المغضوب عليهم- الضالين)

كما قال تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} .

ورد في الآية الكريمة ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: المنعم عليهم.

الطائفة الثانية: المغضوب عليهم.

الطائفة الثالثة: الضالون.

‌أولًا: التعريف بالطوائف الثلاث إجمالًا

.

يعرف الفخر الرازي الطوائف الثلاث فيقول: «دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ ثَلَاثُ فِرَقٍ: أَهْلُ الطَّاعَةِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، وَأَهْلُ الْمَعْصِيَةِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِه: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، وَأَهْلُ الْجَهْلِ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْكُفْرِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: {وَلَا الضَّالِّينَ}»

(1)

.

ويُجَلي شيخ الإسلام ابن تيمية أوصافهم فيقول رحمه الله: «وَالْمُسْلِمُونَ جَمَعُوا بَيْنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، بَيْنَ الزَّكَا وَالذَّكَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، فَالْهُدَى يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ النَّافِعَ، وَدِينُ الْحَقِّ يَتَضَمَّنُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَالظُّهُورُ يَكُونُ بِالْعِلْمِ وَاللِّسَانِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ حَقٌّ وَهُدًى، وَيَكُونُ بِالْيَدِ وَالسِّلَاحِ لِيَكُونَ مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا، وَاللَّهُ أَظْهَرُهُ هَذَا الظُّهُورَ فَهُمْ أَهْلُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ

(1)

فخر الدين الرازي (ت 606 هـ): مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (ص 223).

ص: 394

أُولَئِكَ رَفِيقًا، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ، كَالْيَهُودِ، وَلَا الضَّالِّينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ وَيَعْبُدُونَ وَيَزْهَدُونَ بِلَا عِلْمٍ كَالنَّصَارَى»

(1)

.

ويقول ابن القيم رحمه الله: لقد «انْقَسَمَ النَّاسُ بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ إِلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحَقِّ، وَإِمَّا جَاهِلًا بِهِ، وَالْعَالِمُ بِالْحَقِّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامِلًا بِمُوجَبِهِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ، فَهَذِهِ أَقْسَامُ الْمُكَلَّفِينَ لَا يَخْرُجُونَ عَنْهَا الْبَتَّةَ، فَالْعَالِمُ بِالْحَقِّ الْعَامِلُ بِهِ هُوَ الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي زَكَّى نَفْسَهُ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَهُوَ الْمُفْلِحُ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)} [الشمس] وَالْعَالِمُ بِهِ الْمُتَّبِعُ هَوَاهُ هُوَ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِ، وَالْجَاهِلُ بِالْحَقِّ هُوَ الضَّالُّ، وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِ ضَالٌّ عَنْ هِدَايَةِ الْعَمَلِ، وَالضَّالُّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ لِضَلَالِهِ عَنِ الْعِلْمِ الْمُوجِبِ لِلْعَمَلِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَالٌّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ تَارِكَ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ أَوْلَى بِوَصْفِ الْغَضَبِ وَأَحَقُّ بِهِ»

(2)

.

ويعرف ابن سعدي رحمه الله الطوائف الثلاث فيقول: «{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .

{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بالنِّعمة التّامَّة المُتَّصِلة بالسَّعادة الأبدية، وهُم الأنبياء والصِّديقون والشُّهداء والصّالحون، {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وهُم الذين عرفوا الحق وتركوه، كاليهود ونحوهم، {وَلَا الضَّالِّينَ (7)} الذين ضلّوا عن الحق، كالنَّصارى ونحوهم»

(3)

.

ويوضح ابن عاشور رحمه الله المراد بكل طائفة من الطوائف الثلاث فيقول: «{الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ليس مرادًا به فريق معين، و {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}: جنس للْفِرَق الَّتِي تَعَمّدت ذَلِك، واستخفت بالدِّيانة عَن عَمْد أَو تَأْوِيل بعيد جدًّا، و {الضَّالِّينَ (7)}: جنس للْفِرَق الَّتِي أَخْطَأت الدَّين عَن سوء فهم وَقلة إصغاء، وكلا الْفَرِيقَيْنِ مَذْمُوم، لأنَّنا مأمورون

(1)

الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح (ص 102 - 103).

(2)

مدارج السالكين (1/ 31 - 37).

(3)

تفسير ابن سعدي (ص 12).

ص: 395

بِاتِّبَاع سَبِيل الْحق وَصرف الْجهد إِلَى إِصَابَته، وَالْيَهُود من الْفَرِيق الأول، وَالنَّصَارَى من الْفَرِيق الثَّانِي، وَمَا ورد فِي الْأَثر مِمَّا ظَاهره تَفْسِير {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} باليهود، و {الضَّالِّينَ (7)} بالنصارى، فَهُوَ إِشَارَة إِلَى أَنَّ فِي الْآيَة تعريضًا بِهَذَيْن الْفَرِيقَيْنِ اللَّذين حق عَلَيْهِمَا هَذَانِ الوصفان، لِأَنَّ كلا مِنْهُمَا صَار عَلَمًا فِيمَا أُرِيد التَّعْرِيض بِهِ فِيهِ»

(1)

.

ويقول: دروزة

(2)

: «يتبادر لنا -والله أعلم- أنَّ جملة {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} في أولى سور القرآن، قد تضمَّنت التَّنبيه على أنَّ صُنُوف النّاس عند الله ثلاثة، صنف أنعم الله عليه فاهتدى وسار على طريقه المستقيم. وصنف انحرف عن هذا الطريق عن عِلْم ومَكْرٍ واستكبار، فاستحق غضب الله. وصِنْف انحرف عن هذا الطريق ضلالًا بغير علم وبيِّنة، ثمَّ ظلَّ مُنحرفًا دون أن يهتدي بما أنزل الله على رُسُله، فلزمته صِفة الضلالة والتصنيف رائع جليل شامل» .

وبالتأمل في تعريف كلام أهل التفسير للطوائف الثلاث فيما سبق يتبين ما يلي:

1 -

عرف الفخر الرازي الطوائف الثلاث بالتعريف الضمني لهم وهم كل من

(1)

التحرير والتنوير (ص: 748).

(2)

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة (1887 - 1984 م) مفكر وكاتب ومناضل قومي عربي ولد في نابلس وتوفي في دمشق، وإضافة إلى نضاله السياسي، كان أديبًا ومؤرخًا وصحفيًّا ومترجمًا ومفسرًا للقرآن. وهوأحد مؤسسي الفكر القومي العربي. وتفسيره الموسوم بـ (التفسير الحديث)، رتب فيه سور القرآن الكريم على ترتيب النزول لا على ترتيب سورة القرآن في المصحف. وللاطلاع على دراسات متوسعة في تفسيره ينظر:

1 -

جهود محمد عزة دروزة في تفسيره المسمى (التفسير الحديث). لمحسن عبد الرحمن أحمد. (رسالة القرآن، العدد الثامن/ 208).

2 -

محمد عزة دروزة وتفسير القرآن الكريم، دكتور فريد مصطفى سليمان.

3 -

التفسير الحديث للأستاذ محمد عزة دروزة. عبد الحكيم محمد أنيس. (الصفار، الجامع للرسائل (ص 27)(14).

ص: 396

شملهم الوصف المذكور لكل طائفة، ولم يمثل لكل طائفة بمثال.

2 -

وجاء تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية أشمل وأوضح وأدق حيث بين صفات كل طائفة وأعقب ذلك ببيان مثال لكل وصف، ومثل لهم بطائفة يشملها هذا الوصف، فذكر أن أهل الصراط المستقيم هم المُنعم عليهم وهم المذكورون في آية سورة النساء، ثم ضرب مثلًا للمغضوب عليهم باليهود، ثم مثالًا للضالين بالنصارى.

3 -

وابن القيم فحوى تقسيمه وبيانه لم يخرج عن كلام شيخه، وكأنه خرج من مشكاة واحدة.

4 -

أما تعريف ابن سعدي فهو مستقى من تعريف شيخ الإسلام إلا أنه أورده مقتضبًا.

5 -

وأما تعريف الطاهر بن عاشور فجاء بنحو تعريف شيخ الإسلام ومن تابعه، غير أنه عمم وصف الطائفة الأولى وبين أنه لم يُرد به أحدٌ بعينه.

6 -

وأما تعريف دروزة فقرر فيه أن الطوائف ثلاث وبين بعض أوصافهم ولم يحدد مثالًا لأي طائفة منها مكتفيًا بالتعريف العام.

وفي ضوء ما سبق يتبين أن تعريف شيخ الإسلام ومن تابعه كتلميذه القيم- ابن القيم- هو أجمع تعريف وأشمله وأوضحه وأدقه لأنه وإن كان هناك أدلة واضحة على تحديد أهل كل وصف، فإن ما أُجمِل وصفهُ في الفاتحة، فُصِلَ في غيرها، ومثال ذلك المنعم عليهم، أُجمِلَ وصفهُم في الفاتحة، وفُصِلَ في آية سورة النساء، وما أُجمِلَ في وصف المغضوب عليهم ووصف الضالين، وُضِح وفُصِلَ في الحديث الثابت الصحيح بأنهم اليهود والنصارى، وهذا الوصف للطائفتين، وأما الضالون فهم النصارى، وهذا وصف لهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وبلوغهم رسالة الإسلام الخالدة فقد قامت عليهم الحجة الدامغة وأصابتهم لعنة الله تعالى كاليهود تمامًا، فغضب الله عليهم ولعنهم، وبنحو هذا أشار ابن القيم بقوله:

«وَلَكِنَّ تَارِكَ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ أَوْلَى بِوَصْفِ الْغَضَبِ وَأَحَقُّ بِهِ» . يعني

ص: 397

بذلك: النصارى، وقد مرَّ معنا قولُهُ آنفًا.

فالنصارى عبدوا الله على جهالة، فلما طلعت عليهم شمس الرسالة وسطع ضوؤها وأشرقت الأرض بنور البعثة بعد ظلام جاهليتها، وقامت الحجة، ووضحت المحجة، وبلغهم نور العلم، استحقوا بعد ذلك صفة الغضب كاليهود إضافة إلى وصف الضلالة، قال من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم:«لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» تقول عائشة: «يُحذِّر مثل الذي صنعوا»

(1)

.

واليهود مغضوب عليه وضالون، والنصارى ضالون ومغضوب عليهم، وهذا الوصف يشمل كل من اتصف بصفاتهم كما سيأتي في وصف كل طائفة في مبحث مستقل، وتبقى القاعدة:(العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) كما هو معلوم، ولذا جاء تعريف شيخ الإسلام ومن تبعه هو التعريف الشامل الكامل الذي أحاط بكل وصف يشمل الطوائف الثلاث، والله أعلم.

‌ثانيًا: التعريف بالطوائف الثلاث تفصيلًا:

‌الطائفة الأولى: المنعم عليهم

.

‌أولًا: التعريف بهم

.

كما قال تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، أي: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا الوصف يشمل ضمنًا كل من علم الحق وعمل به من عباد الله المؤمنين المهتدين الذين أنعم الله تعالى عليهم بطاعته وأكرمهم بعبادته

(2)

.

«والمنعم عليهم هم المذكورون في سورة النساء؛ حيث قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)} [النساء]» .

(1)

البخاري (435)، ومسلم (529).

(2)

سبق التعريف بالطوائف الثلاث في المبحث الخامس من الفصل الثاني الموسوم بـ (المعنى الإجمالي للسورة الكريمة).

ص: 398

وعلى هذا أكثر أهل التفسير

(1)

.

وهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم فأكرمهم واصطفاهم واجتباهم، فذاقوا النعيم مرتين؛ نعيم الدارين، أما نعيم الدنيا: فهم منعمون فيها بهدايته وعبادته وطاعته، وأما نعيم الآخرة: فهم منعمون في البرزخ وفي دار القرار بالنجاة من النيران، وسكنى الجنان، وجوار الكريم المنان، قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ

لَفِي جَحِيمٍ (14)} [الانفطار 13 - 14].

«ولا تحسب أن قوله تعالى: «في هذه الآيةمقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دورهم الثلاثة كذلك -أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار- فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأيُّ عذاب أشد من الخوف والهم والحزن، وضيق الصدر، وإعراضه عن الله والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكل وادٍ منه شعبة؟ وكل شيء تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب»

(2)

.

‌ثانيًا: أخص صفاتهم إجمالًا

.

يقول في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أهل الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، الَّذين عرفُوا الْحق واتَّبعوه، فَلم يَكُونُوا من المغضوب عَلَيْهِم، وَلَا الضَّالّين، فأخلصوا دينهم لله، وَأَسْلمُوا وُجُوههم لله، وأنابوا إِلَى رَبهم، وأحبّوه، ورجوه، وخافوه، وسألوه، وَرَغبُوا إِلَيْهِ، وفوَّضوا أُمُورهم إِلَيْهِ، وتوكَّلوا عَلَيْهِ، وأطاعوا رُسُله، وعزَّروهم، ووقَّروهم، وأحبّوهم، ووالوهم، واتَّبعوهم، واقتفوا آثَارهم، واهتدوا بمنارهم. وَذَلِكَ هُوَ دين الْإِسْلَام الَّذِي بعث اللهُ بِهِ الْأَوَّلين والآخرين من الرُّسُل، وَهُوَ الدَّين الَّذِي لَا يقبل اللهُ من أحدٍ دينًا إِلَّا إِيَّاه، وَهُوَ حَقِيقَة الْعِبَادَة لرب الْعَالمين»

(3)

.

(1)

تفسير القرآن العظيم) 1/ 140 (.

(2)

الداء والدواء لابن القيم (1/ 77).

(3)

العبودية (ص: 149، 151).

ص: 399

فنسأل الله الْعَظِيم، أن يُكمِّله لنا ويتمه علينا، وأَن يُثبِّتنا عَلَيْهِ ويُميتنا عَلَيْهِ، وَسَائِر إِخْوَاننَا الْمُسلمين.

‌ثالثًا: أخص صفاتهم تفصيلًا

.

‌1 - العلم

.

ودلالة ذلك: أنهم منعم عليهم بالعلم الذي عرفوا به الصراط، واستدلوا بعلمهم عليه، وهذه هي دلالة الإرشاد.

وهي التي قال الله فيها: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} [الشورى].

قال قتادة والسدي ومقاتل: «وإنك لتدعو إلى الإسلام، فهو الصراط المستقيم»

(1)

.

والدعوة إلى الإسلام هي الدلالة عليه والإرشاد إلى سلوكه واتباعه والتمسك به والسير عليه، شرعة ومنهاجًا، عقيدة وسلوكًا وأخلاقًا.

‌2 - العمل

.

فهم بعد أن عرفوا الصراط المستقيم بالعلم، سلكوه وصاروا عليه بالعمل وانقادوا اليه، فهم أهل علم، وأهل عمل بالحق، وهذه هي هداية التوفيق والإلهام.

كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)} [المائدة]، وكما قال تعالى:{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)} [الكهف].

‌3 - الهداية والاستقامة

.

وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} وتحديد هذا الصراط بأنه: صراط الذين أنعم الله عليهم، فيه دلالة على أنهم مهتدون مستقيمون بإنعام الله عليهم بذلك، ويدلل على

(1)

تفسير فتح القدير للشوكاني (1/ 1333).

ص: 400

ذلك أيضًا ذكر المغضوب عليهم والضالين بعدهم، فجاء ذكر المنعم عليهم مقابل ذكر المغضوب عليهم والضالين، فدل ذلك على أن هؤلاء غير هؤلاء وهؤلاء، وأن صراط هؤلاء غير صراط هؤلاء وهؤلاء، وقد أمر الله عباده أن يدعوه ويسألوه الهداية لصراط المهتدين الذين أنعم الله عليهم بالهداية، ليكون مهتدين مثلهم.

‌4 - الثبات على الدين

.

فما مدح الله سبيلهم إلا لثباتهم على الصراط، إذ لو أنهم تنكبوه، لما مدح الله سبيلهم، ولما أمر الله عباده أن يسلكوه ويتبعوا طريقهم.

قال البغوي: «وقوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عليهم السلام، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} [النِّسَاءِ: 69]»

(1)

. وقال تعالى مخاطبًا نبيهَ محمدًا صلى الله عليه وسلم: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)} [هود].

يقول الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فاستقم أنت، يا محمد، على أمر ربك، والدين الذي ابتعثك به، والدعاء إليه، كما أمرك ربك، ومن رجع معك إلى طاعة الله والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره، ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه، إن ربكم بما تعملون من الأعمال كلِّها -طاعتها ومعصيتها- ذو علم بها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو لجميعها مبصرٌ، فاتقوا الله، أيها الناس، أن يطَّلع عليكم

ربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره، فإنه ذو علم بما تعلمون، وهو لكم بالمرصاد»

(2)

.

ويقول ابن كثير رحمه الله: «يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على

(1)

معالم التنزيل للبغوي (1/ 23).

(2)

تفسير الطبري (15/ 499).

ص: 401

الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد ونهى عن الطغيان: وهو البغي، فإنه مَصرَعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلمَ تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء»

(1)

.

فالله تعالى قد «أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين، أن يستقيموا كما أُمِرُوا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة، ويدوموا على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة»

(2)

.

وفي حديث أبي عمرو، وقيل: أبي عمرة سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. وفي حديث أبي أسامة: غيرك. قال: «قل: آمنتُ بالله، فاستقم»

(3)

.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ»

(4)

،

وفي رواية لمسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ»

(5)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «هذا الحديث حديث ثابت متواتر من جهة استفاضة ثبوته عند الأئمة، ومخرج في الصحيحين من غير وجه وفي غيرهما.

وهذا الحديث فيه تقرير لكون الأمة سيدخلها افتراق واختلاف في مسائل أصول الدين، ولهذا وصف عليه الصلاة والسلام هذه الطائفة بأنها الفرقة الناجية المنصورة

(1)

تفسير ابن كثير (4/ 354).

(2)

تفسير ابن سعدي (ص: 390).

(3)

مسلم (38).

(4)

البخاري (3640)، ومسلم (1921).

(5)

الصحيح (1921).

ص: 402

إلى قيام الساعة، وأنهم على أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم»

(1)

.

وهذا الحديث من الأحاديث التي قد اشتهرت واستفاضت شهرتُها، فقد رُوِيَ عن جمع غفير من الصحابة رضي الله عنهم، قيل: رواه ما يقارب من نيف وعشرين صحابيًّا رضي الله عنهم أجمعين، والحديث فيه بشارة عظيمة لهذه الأمة المباركة ببقائها ببقاء تلك الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، وهي باقية على الحق وثابتة عليه لا تغير ولا تبدل إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم فهم ثابتون على الحق ثبوت الجبال الراسيات.

قال النووي رحمه الله: «وأما هذه الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم» .

وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم» .

وقال القاضي عياض رحمه الله: «إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث» .

وقال أيضًا: «ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض

»

(2)

.

وإنما كَثُرَ سياقُ كلامِ أئمةِ التفسيرِ وغيرهم في بيان معنى الاستقامة الوارد في آية سورة (هود) هنا، لعظم شأن الثبات على الدين من جهة، ولعظم شأن التأسي والاقتداء بمن ثبتوا على الصراط ولم يتنكبوا سبيله من جهة أخرى.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «من كان منكم مستنًّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم

(1)

من شرح حديث الافتراق لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 31).

(2)

ينظر: شرح النووي على مسلم (13/ 67).

ص: 403

حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم».

فأخبر عنهم بكمال برِّ القلوب، مع كمال عمق العلم، وهذا قليل في المتأخرين»

(1)

.

‌5 - فوزهم بمحبة الله واصطفائه ورضاه

.

فلولا محبته سبحانه واصطفائه لهم ورضاه عنهم، ما أنعم عليهم بالهداية إلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)} [التوبة].

«ومعنى الكلام: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه صلى الله عليه وسلم»

(2)

.

ولا شك في أن المذكورين في الآية الكريمة هم من المنعم عليهم.

‌6 - القدوة

.

إن صراط المنعم عليهم واضح بين لمن أنار الله بصيرته، وسالكوا هذا الصراط

(1)

عزاه شيخ الاسلام في مجموع الفتاوى لابن مسعود رضي الله عنه (4/ 138).

وعزاه أبو نُعَيم في الحلية لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما بدلًا عن ابن مسعود، ولا يمنع هذا ولا ذاك لكون الصحابة رضي الله عنهم تلقوا من مشكاة واحدة، وهي مشكاة النبوة.

وكذا أخرجه الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (قاله الشيخ شعيب في تحقيق شرح الطحاوية)(ص: 546)، وكذا عزاه أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات (4/ 78) لابن مسعود.

وعمومًا هو مروي بسند منقطع من طريق قتادة بن دعامة السدوسي، وحكم عليه الألباني بالانقطاع في تخريج مشكاة المصابيح (191).

وذكره هنا: إنما هو من باب أنه صحيح المعنى ولا يعارض نصًّا من نصوص الشريعة فيما يعلم الباحث، وكذلك كثرة رواياته مع الضعف والانقطاع توحي أن للأثر أصل، والله أعلى وأعلم.

(2)

تفسير الطبري (14/ 439).

ص: 404

من الخلق في حاجة لقدوات يتأسون بهم ويهتدون بهديهم، والمنعم عليهم إذ لو لم يكونوا قدوة يُؤتسى ويُقتدى بهم لما أمر الله عباده أن يدعوه ويسألوه الهداية لهذا الصراط الذي سلكوه -صراط الذين أنعم الله عليهم-.

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)} [السجدة] أي: «قَادَةً فِي الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِمْ»

(1)

.

يقول ابن القيم رحمه الله: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: بالصبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين. ثم تلا قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)}»

(2)

.

‌7 - أنهم قلة في الناس

.

ووجه الدلالة على ذلك أنهم طائفة واحدة مهتدية مقابلة طائفتين، طائفة مغضوب عليها وطائفة ضالة، والله تعالى في كتابه يقول:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)} [الأنعام].

أي: «فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن دين الله»

(3)

.

وذلك «لأن الأكثر في غالب الأمر يتبعون هواهم»

(4)

.

وفي حديث الافتراق سالف الذكر يقول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ»

(5)

، فقوله:«طَائِفَةٌ» فيه دلالة على قلتهم، والوصف في الحديث وإن كان خاصًّا بطائفة من الأمة وهم أهل السنة والجماعة، فلا شك أنهم المنعم عليهم في زمانهم، وهذا وصف عام لأهل الحق في كل زمان ومكان.

(1)

تفسير البغوي (6/ 310).

(2)

مدارج السالكين (2/ 242).

(3)

الطبري (12/ 64).

(4)

الكشاف (2/ 165).

(5)

البخاري (7311) ومسلم (156).

ص: 405

‌الطائفة الثانية: المغضوب عليهم

.

‌أولًا: من هم المغضوب عليهم

؟

«الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ، لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ فِيهِمْ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146]، يَعْنِي: الْيَهُودَ»

(1)

.

ومعنى {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} : «أَيْ: غير الذين غضبتَ عليهم، وهم اليهود»

(2)

.

و «قَالَ جَمَاهِيرُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِير: {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} الْيَهُودُ»

(3)

.

بل «وقد أجمع المفسرون أنه أراد به اليهود»

(4)

.

ذلك لأن «المغضوب عليهم كاليهود، عرفوا الحق فلم يتبعوه»

(5)

.

و {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} «اليهود، ومن اقتدى بهم من هذه الأُمَّة، ممن علم ولم يعمل بعلمه»

(6)

.

فالمعنى أنهم: «العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم»

(7)

.

و «هم-الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه»

(8)

.

(1)

الاعتصام. للشاطبي (ص: 242، 17)

(2)

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (ص: 89).

(3)

أضواء البيان (1/ 9).

(4)

بحر العلوم (ص: 19)، بتصرفٍ يسيرٍ جدًّا.

(5)

تقريب التَّدمرية (ص 137، 138 (.

(6)

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (صـ 287).

(7)

تفسير آيات من القرآن الكريم لمحمد بن عبد الوهاب، جمعه الإمام محمد بن سعود (ص 18).

(8)

ابن كثير (1/ 141).

ص: 406

وقد ثبت عند الترمذي وغيره من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون»

(1)

.

يتبين مما سبق بيانه أن المغضوب عليهم اليهود وكل من شابههم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كان السلف، سفيان بن عيينة وغيره، يقولون:«من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى»

(2)

.

‌ثانيًا: التعريف باليهود واليهودية

.

‌1 - اليهود لغة:

يقول ابن منظور في لسان العرب مادة [هـ و د]: «الهود: التَّوْبَةُ، هادَ يَهُودُ هوْدًا وتَهَوَّد: تابَ: ورجع إِلى الحق، فهو هائدٌ.

وقومٌ هُودٌ: مِثْلُ حائِكٍ وحُوكٍ وبازِلٍ وبُزْلٍ؛ قال أَعرابي: إِنِّي امرُؤٌ مِنْ مَدْحِهِ هائِد، وفي التنزيل العزيز:{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156].؛ أَي: تُبْنا إِليك، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وإِبراهيم النخعي.

قال ابن سيده: عدّاه بإِلى لأَن فيه معنى رجعنا، وقيل: معناه تبنا إِليك ورجعنا وقَرُبْنا من المغفرة؛ وكذلك قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54]؛ وكما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} [البقرة: 62]؛

قال: المُتَهَوِّد المُتَقَرِّبُ.

قال شمر: المُتَهَوِّدُ المُتَوَصِّلُ بِهَوادةٍ إِليه؛ قاله ابن الأَعرابي.

والتَّهَوُّدُ: التوبةُ والعمل الصالح.

والهَوادَةُ: الحُرْمَةُ والسبب.

(1)

البخاري (1413)، ومسلم (1016).

(2)

مجموع الفتاوى (13/ 312)، الاقتضاء): 1/ 67 (.

ص: 407

ابن الأعرابي: هادَ: إِذا رجَع من خير إِلى شرّ أَو من شرّ إِلى خير، وهادَ إِذا عقل.

ويَهُودُ: اسم للقبيلة؛ قال: أُولئِكَ أَوْلى مِنْ يَهُودَ بِمِدْحةٍ، إِذا أَنتَ يَوْمًا قُلْتَها لم تُؤنَّب، وقيل: إِنما اسم هذه القبيلة يَهُوذ فعرب بقلب الذال دالًا؛ قال ابن سيده: وليس هذا بقويّ.

وقالوا اليهود فأَدخلوا الأَلف واللام فيها على إِرادة النسب يريدون اليهوديين.

وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146]؛ معناه دخلوا في اليهودية»

(1)

.

‌2 - اليهود اصطلاحًا:

مأحوذ من اليهودية، واليهودية: هي ديانة العبرانيين المنحدرين من إبراهيم عليه السلام والمعروفين بالأسباط من بني إسرائيل الذين أرسل الله إليهم موسى عليه السلام مؤيدًا بالتوراة؛ ليكون لهم نبيًّا.

«أما تسمية اليهودية بهذا الاسم «نسبة إلى اليهود وهم أتباعها وسموا يهودًا، نسبة إلى (يهوذا) ابن يعقوب الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل الذين بعث فيهم موسى عليه السلام فقلبت العرب الذال دالًا.

وقيل: نسبة إلى الهَودْ وهو التوبة والرجوع، وذلك نسبة إلى قول موسى عليه السلام لربه:{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أي: تبنا ورجعنا إليك يا ربنا.

وكان اليهود أيام موسى عليه السلام، إنما يعرفون بـ (بني إسرائيل) ثم أطلق عليهم (يهود) فيما بعد.

ونلحظ في القرآن الكريم أنه أحيانًا يسموا بـ (بني إسرائيل)، وإسرائيل هو لقب

يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وبنو إسرائيل هم ذريته»

(2)

.

(1)

لسان العرب لابن منظور. مادة: (هـ. و. د).

(2)

الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة، ناصر القفاري، وناصر بن عبد الكريم العقل (ص 18 - 19). بتصرف يسير.

ص: 408

«واليهودية ديانة يبدو أنها منسوبة إلى يهود الشعب، وهذه بدورها قد اختلف في أصلها، وقد تكون نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب، وعممت على الشعب على سبيل التغليب»

(1)

.

واليهودية: مصطلح حادث يطلق على الديانة الباطلة المحرفة عن الدين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام.

ولعل هذا هو التعريف الصحيح لليهودية، ومن خلاله يتبين الخلل في بعض التعريفات التي تقول: إنها الدين الذي جاء به موسى عليه السلام. أو: إنها دين موسى عليه السلام.

وهذا خطأ؛ إذ موسى عليه السلام لم يجئ باليهودية، وإنما جاء بالإسلام -بمفهومه العام- الذي يعني الاستسلام لله وحده؛ فهو دين جميع الأنبياء من لدن نوح إلى محمد عليهم السلام.

قال الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام: {مَا كَانَ

إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ

حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)} [آل عمران].

وقال تبارك وتعالى عن موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ

مُسْلِمِينَ (84)} [يونس].

وقال عن عيسى عليه السلام: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)} [آل عمران].

فهذا هو الإسلام العام الذي جاء به جميع الأنبياء.

أما الإسلام الخاص فهو: شريعة القرآن التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم

(2)

.

وهذا الإسلام الخاص يشترك مع كافة الشرائع بالتوحيد والأصول، ويختلف في تفصيل بعض الشرائع.

ومن خلال ما مضى يتبين أن اليهودية ديانة باطلة محرفة عن الدين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام

(3)

.

(1)

الموسوعة الميسرة للندوة العالمية للشباب الإسلامي.

(2)

التدمرية لابن تيمية (175 - 196).

(3)

رسالة في الأديان والفرق والمذاهب لمحمد الحمد (62/ 63).

ص: 409

‌ثالثًا: أخص صفاتهم

.

اليهود هم شرُّ الخلق، وهم شرُّ من أقلتهم الغبراء وأظلتهم الزرقاء، فهم شرُّ من مشى على الأرض وهم شرُّ مَن سار تحت أديم السماء.

فهم أهل الغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق، وهم مع شدة جبنهم فهم قتلة الأنبياء، وهم أكلة الربا والسحت والرشوة وكل مال حرام، وهم أهل الفساد والإفساد في الأرض، وهم أهل الغل والحقد والغدر والخيانة، والحسد والبغضاء والضغينة وكل الصفات الدنيئة والرذيلة، وهم أهل القتل والنهب والسلب والتشريد والإجرام كله، وهم أهل الرذائل والفواحش كلها، وأهل تسعيرها ونشرها وبثها وإشاعتها بين الخلق في كل زمان ومكان وبكل وسيلة ممكنة.

وإن المتأمل في حال اليهود وفساد دينهم وسوء أخلاقهم ودناءة طباعهم عبر تاريخهم الأسود يدرك تمام الإدراك لماذا غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت الله في بعض وصفهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا

يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا

يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)} [المائدة].

{وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ} «أي: من اليهود {يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} أي: يحرصون، ويبادرون المعاصي المتعلقة في حق الخالق والعدوان على المخلوقين»

(1)

.

ولكثرة غدرهم وخسة طباعهم ودناءة أخلاقهم وفحش وسوء فعالهم ولسواد تاريخهم فإنه من الصعب حصر صفاتهم في مقال أو بحث ولعل في ذكر أخص وأخس صفاتهم وأبرز فعالهم يكون فيه غنية، فلعل أن يكون في الإشارة ما يغني عن العبارة.

(1)

تفسير ابن سعدي (2/ 432).

ص: 410

‌1 - أول صفاتهم: الكفر بالله مع الإباء

.

كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعنة الله على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»

(1)

.

وقد سخطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين حتى يدعوا دينهم مرتدين عنه ويدخلوا في دينهم، وهذا الوصف متعلق باليهود في كل زمان ومكان.

كما قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

يعني: تتبع دينهم يا محمد وتصلِّي إلى قبلتهم التي يصلون إليها وهي بيت المقدس، وقد نزلت الآية كما هو معلوم في تحويل القبلة.

والمعنى الظاهر للآية الكريمة: أنهم -أي: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى- لن يرضوا عنكم حتى ترتدوا عن دينكم وتتبعوهم على دينهم وملتهم العوجاء وتتركوا الحنيفية السمحاء.

يعني و «ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك

»

(2)

.

ذلك: «لأنهم يريدون أن يكونوا متبوعين على الإطلاق.

وفيه مبالغة في الإقناط من إسلامهم، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منه-عليه الصلاة والسلام»

(3)

.

وقال تعالى عنهم: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] وقال سبحانه: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89].

(1)

البخاري (435)، ومسلم (529).

(2)

تفسير القرطبي (2/ 345).

(3)

تفسير القاسمي (2/ 241).

ص: 411

وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)} [آل عمران].

قال ابن كثير رحمه الله: «وقوله: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل. قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)}، وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}»

(1)

.

‌2 - تطاولهم على ذات الله تعالى جلَّ في علاه

.

فقد سبُّوا الرب العظيم سبحانه وتعالى بأقبح السبِّ.

‌أ-قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء

.

فنسبوا الفقر للغني الحميد ونسبوا الغنى لأنفسهم وقتلوا أنبياءه.

كما قال تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)} [آل عمران].

‌ب-وقالوا: يد الله مغلولة

.

كما قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)} [المائدة].

(1)

تفسير ابن كثير) 1/ 531).

ص: 412

‌ج- ونسبوا الولد له سبحانه وتعالى

.

قال الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، ودلالة الآية على كفرهم الصريح ظاهرة واضحة.

قال تعالى معظمًا ومقدسًا ومنزهًا ذاته العلية عن كل نقص وعيب: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43)} [الإسراء].

فـ «هذا تنزيه من الله -تعالى ذكره- نفسه عما وصفه به المشركون»

(1)

.

‌3 - طلبوا تعنتًا كتابًا من السماء، وطلبوا رؤية الله جهرة

.

فقد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، كما سألوا قبل ذلك موسى أن يريهم اللهَ جهرة عيانًا بيانًا، كفرًا وإلحادًا، عنادًا وتحديًا.

كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154)} [النساء: 153 - 154].

قال محمد بن كعب القرظي، والسدي، وقتادة: «سأل اليهودُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء كما نزلت التوراةُ على موسى مكتوبة.

وقال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفًا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان، بتصديقه فيما جاءهم به.

وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد»

(2)

.

‌4 - تحريفهم لكلام الله

.

ومن أبرز صفاتهم تحريف كلام الله تعالى وتغيره وتبديله كما وصفهم الله مخاطبًا عباده المؤمنين بقوله سبحانه: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)} [البقرة].

(1)

تفسير الطبري (17/ 455).

(2)

تفسير ابن كثير (2/ 447).

ص: 413

فصناعة الكذب والبهتان وقول الزور وامتهان الإرجاف والتزييف والتبديل والتغير والتحريف شغلهم ودأبهم، فهم أهل الأباطيل كلها والكذب وقول الزور والبهتان والسماع له، وهم أئمة التزييف والتحريف للحقائق والثوابت، وحتى وحي الله لم يسلم من زورهم وبهتانهم وافترائهم وتحريفهم وتزييفهم وتغيرهم وتبديلهم، وتحريفهم للتوراة التي هي من كلام الله أكبر شاهد عيان على ذلك.

وكلام الله هنا هو: التوراة التي أنزلها الله على نبيه موسى عليه السلام.

كما ذكر ذلك أهل التفسير ولا يُعلم في ذلك مخالف، ونُقِلَ ذلك عن غير واحد، منهم السدي قال:«هي التوراة، حرفوها»

(1)

.

«فالذين يحرفونه والذين يكتمونه، هم العلماء منهم»

(2)

.

وقال سبحانه: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46].

«(والكلم) «جماع كلمة» ، و {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} أي: «يبدلون معناها ويغيرونها عن تأويله.

وكان مجاهد يقول: عنى بالكلم «التوراة»

(3)

.

وكما قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)} [البقرة].

قيل سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في خلق أفعال العباد عن ابن عباس رضي الله عنه {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} قال: نزلت في أهل الكتاب»

(4)

.

(1)

المرجع السابق (2/ 246).

(2)

تفسير الطبري (2/ 346).

(3)

المرجع السابق (8/ 432).

(4)

خلق أفعال العباد (ص: 54)، قال العلَّامة أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند من أسباب النزول ص (17) الحديث رجاله رجال الصحيح إلا عبد الرحمن ابن علقمة وقد وثقه النسائي وابن حبان والعجلي، وقال ابن شاهين: قال ابن مهدي: كان من الأثبات الثقات ا. هـ. تهذيب التهذيب.

ص: 414

‌5 - واليهود أشد الخلق عداوة لأهل الحق

.

قال الله تبارك وتعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)} [المائدة].

أي: «لتجدن يا محمد، أشدَّ الناس عداوةً للذين صدَّقوك واتبعوك وصدّقوا بما جئتهم به من أهل الإسلام؛ اليهودَ والذين أشركوا»

(1)

.

و «ما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود، ومباهتة للحق، وغَمْط للناس، وتَنَقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء، حتى هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة، وسحروه، وألَّبوا عليه أشباههم من المشركين -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-»

(2)

.

‌6 - واليهود أمة عناد وتعنت

.

ومما يُذكر في ذلك على سبيل المثال لا الحصر.

‌أ-قصة تعنتهم مع موسى في قصة بقرة بني إسرائيل وهي معروفة مشهورة

، وقد قال الله تعالى في خبرهم مع موسى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)} [البقرة]، وقد واصلوا العناد والتعنت إلى أن خُتِمَ ووُصِفَ هذا التعنتُ والعنادُ بقول ربنا:{فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)} [البقرة].

«أي: قاربوا أن يدَعُوا ذبحها، ويتركوا فرض الله عليهم في ذلك.

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} ، يقول: كادوا لا يفعلون، ولم يكن الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها: وكل شيء في القرآن «كاد» أو «كادوا» أو «لو» ، فإنه لا يكون. وهو مثل قوله:{أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: 20]»

(3)

.

(1)

تفسير الطبري (10/ 498).

(2)

تفسير ابن كثير (3/ 166).

(3)

تفسير الطبري (2/ 219).

ص: 415

وكاد من أفعال المقاربة، والمعنى أنهم أوشكوا على ألا يذبحوها تعنتًا وصدًّا عن سبيل الله واستعلاءً على أمره جل في علاه.

‌ب-تعنتهم وتضجرهم وتسخطهم على نعم الله

.

كما أخبر الله تبارك وتعالى بذلك فقال سبحانه: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)} [البقرة].

قال الشوكاني رحمه الله: «قوله: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} تضجر منهم بما صاروا فيه من النعمة والرزق الطيب والعيش المستلذ، ونزوع إلى ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش» .

وقال الحسن البصري رضي الله عنه: إنهم كانوا أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم، أي: أصلهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا:{لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} والمراد بالطعام الواحد هو المنّ والسلوى، وهما وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر جعلوهما طعامًا واحدًا»

(1)

.

‌7 - ومن أجلى صفاتهم: الجبن عند اللقاء والهلع المصحوب بحب الدنيا وطول البقاء فيها

.

اليهود أجبن الخلق قاطبة، وحقيقة جبنهم معروفة عبر تاريخهم الأسود قديمًا وحديثًا، فقد كانوا يتحصنون في الحصون والقلاعة المنيعة العالية وقت القتال والمعارك جبنًا وخوفًا وهلعًا من المواجهة مع المسلمين، والمتأمل في العصر الحاضر يجدهم كذلك، فقد أنشأوا ما يسمى بالمستوطنات والقرى العسكرية

(1)

تفسير فتح القدير (1/ 62).

ص: 416

المحصنة والجدار الفاصل العازل، وقد بنوا الحصون المنيعة

(1)

كحصون أجدادهم في خيبر، مثل حصن جدهم كعب بن الأشرف زعيم يهود بني النضير بالمدينة، والذي كان يحرض على قتال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وينشد في ذلك أشعاره، ويندب من قُتِلَ من المشركين يوم بدر، فلما عاد إلى المدينة، جعل يشبب بنساء المسلمين، ويهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام بأشعاره، والذي قتله وتشرف بقتله هو: محمد ابن مسلمة في مفرزة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حصن مرحب اليهودي الذي قتله على بن أبي طالب رضي الله عنه، وكحصن سلام بن مشكم، وغيرها من الحصون والقلاع المنيعة في خيبر وغيرها، والتي إن دلت على كثرتها وتمنعها فإنما تدل على جبنهم وخوارهم وهلعهم وحرصهم الشديد على طول البقاء، وهذا مشاهد الآن كيف يفرون من الحجارة وبين أيديهم أعتى وأقوى الأسلحة المدمرة والفتاكة، وصدق من قال:«السلاح بضاربه، لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود؛ حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير»

(2)

.

وقد قال الله تعالى في ذلك: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)} [الحشر].

«{لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا} يعني: اليهود، {إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ} أي: بالحيطان والدور يظنون أنها تمنعهم منكم، {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} أي: من خلف حيطان يستترون بها لجبنهم ورهبتهم»

(3)

.

(1)

كحصن (خط برليف). ولقد عكف اليهود منذ احتلالهم سيناء بعد حرب (67)؛ على بناء سلسلة من التحصينات الدفاعية على طول الساحل الشرقي لقناة السويس، لتأمين الضفة الشرقية للقناة ومنع عبور أيّ قوات مصرية إليها. وعُرِفَت تلك السلسلة الدفاعية باسم خط بارليف.

(2)

الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (1/ 26).

(3)

تفسير القرطبي (18/ 33).

ص: 417

وقال الله تعالى مبينًا جبنهم وخوارهم عن اللقاء: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)} [المائدة]، إلى أن قال الله عنهم:{قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)} [المائدة].

وهذا استهزاء مشين وقول غاية في القبح.

وفي وصف حبهم الدنيا وطول البقاء فيها يقول تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)} [البقرة].

{وَلَتَجِدَنَّهُمْ} (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) بإجماع أهل التفسير الضمير يعود على اليهود.

«والمعنى: ولتجدن اليهود في حال دعائهم إلى تمني الموت أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا»

(1)

.

‌8 - ومن أخص وأخس صفاتهم نقض العهود والمواثيق والغدر والخيانة وقسوة القلوب

.

كما قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 13].

«{فَبِمَا نَقْضِهِمْ} أي: فبنقضهم، و «ما» صلة، {مِيثَاقَهُمْ} .

قال قتادة رحمه الله: نقضوه من وجوه لأنهم كذبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى وقتلوا أنبياء الله ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه {لَعَنَّاهُمْ} .

قال عطاء رحمه الله: أبعدناهم من رحمتنا.

وقال الحسن ومقاتل: عذبناهم بالمسخ، {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} قرأ حمزة والكسائي قَسِيَّةً بتشديد الياء من غير ألف، وهما لغتان مثل الذاكية والذكية.

(1)

زاد المسير في علم التفسير: (1/ 117).

ص: 418

وقال ابن عباس رضي الله عنه: قاسية أي: يابسة. وقيل: غليظة لا تلين، وقيل معناه: إن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق، ومنه الدراهم القاسية وهي الردية المغشوشة»

(1)

.

والتاريخ الأسود أكبر شاهد عيان على نقضهم العهود والمواثيق عبر الدهور والأزمان؛ فقد نقضوا العهد مع خير الخلق صلى الله عليه وسلم وحاوَلوا قتْلَه مرّات، وفي ختام تلك المحاولات وضعهم السُّمَّ في شَّاة وتقديمها له ليأكلها.

ولقد سأل رسول صلى الله عليه وسلم اليهود: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» فقالوا: «نعم» . فقال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟» فقالوا: «أردنا إن كنتَ كذابًا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك»

(2)

.

ولما سأل النبيُ المرأةَ اليهوديةَ قالت: «أردتُ لأقتلك» . قال: «ما كان الله ليسلطك على ذاك»

(3)

.

قال النووي في شرح مسلم: «وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما كان الله ليسلطك على ذاك» أو قال: «عليَّ» ، فيه بيان عصمته صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم، قال الله:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]. وهي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سلامته من السمِّ المهلك لغيره»

(4)

.

فأكل منها فداه أبي أمّي، فلم يضرّه شيء منها، ولقد أخبر صلى الله عليه وسلم تلك المرأة التي وضعت له السم أن الله حفظه وسلمه من القتل. وهكذا ردّ الله كيد يهود وحفظ وعصم نبيّه محمدًا صلى الله عليه وسلم ورد كيدهم في نحورهم لم ينالوا من نبيه صلى الله عليه وسلم شرًّا ولا أذى، كما قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} [المائدة].

(1)

تفسير البغوي (3/ 32).

(2)

البخاري (3169) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

البخاري (2617)، ومسلم (2190).

(4)

شرح النووي على مسلم (14/ 179).

ص: 419

قال ابن كثير رحمه الله: «ومِن عصمة الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: حفْظُه له من أهل مكة، وصناديدها، وحسَّادها، ومُعَانديها، ومترفيها، مع شدة العداوة، والبِغْضة، ونصب المحاربة له ليلًا، ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شرعيَّة، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه، واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله عز وجل له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم -وهي المدينة-، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء: كاده الله، ورد كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر: حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر: أعلمه الله به، وحماه الله منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذِكْرها»

(1)

.

وقال شيخنا ابن باز رحمه الله: «أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء: فإنه لم يُعصم منه عليه الصلاة والسلام، بل أصابه شيء من ذلك، فقد جُرح يوم أحد، وكُسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك، وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقًا شديدًا، فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه، ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته، ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله، ولا منعه من تبليغ الرسالة، ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة صلى الله عليه وسلم»

(2)

.

و «ليس في الآية ما ينافي الحراسة، كما أن إعلام الله نصر دينه وإظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد»

(3)

.

(1)

تفسير ابن كثير) 3/ 154).

(2)

فتاوى الشيخ ابن باز (150: 8).

(3)

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/ 280).

ص: 420

«وعلى هذا فالمراد: العصمة من الفتنة، والإِضلال أو إزهاق الروح، والله أعلم»

(1)

.

ومن الأدلة والبراهين والشواهد الواضحات الجليات على عصمة الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وحفظه من أن يقتل حتى يبلغ رسالة ربه سبحانه ما رواه الشيخان عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَال: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ» ، ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(2)

.

«ففيه بيان توكل النبي صلى الله عليه وسلم على الله، وعصمة الله تعالى له من الناس، قال الله تعالى:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}

(3)

.

‌9 - قتلهم الأنبياء

.

لم يقتل أنبياء الله إلا اليهود فهم الذين قتلوا زكريا ويحيى عليهما السلام.

قال تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61]، وقال سبحانه:{لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)} [المائدة].

‌10 - وقتلهم كذلك للمصلحين والدعاة إلى الله

.

قال تعالى: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 21].

‌11 - اتباعهم السحر واستعانتهم بالشياطين

.

(1)

فتح الباري (6/ 82).

(2)

البخاري (2910)، ومسلم (843).

(3)

شرح النووي على مسلم) 15/ 44).

ص: 421

قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ

} [البقرة: 102].

قال الطبري: «يعني بقوله: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} الفريق من أحبار اليهود وعلمائها، الذين وصفهم الله -جل ثناؤه- بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى، وراء ظهورهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالمون، كأنهم لا يعلمون.

فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلمون أنه منزل من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيه، وآثروا السحر الذي تلته الشياطين في ملك سليمان بن داود فاتبعوه، وذلك هو الخسار والضلال المبين»

(1)

.

‌12 - إيقادهم للحروب وإفسادهم في الأرض

.

قال تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 64].

«أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله، «و» لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغض خلقه إليه»

(2)

.

فهم «يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله، ويسعون لإثارة الفتن بين المسلمين»

(3)

.

‌13 - أكلهم أموال الناس سحتًا وباطلًا مع تعاطيهم الربا وهم سادة البشر في ذلك

.

كما قال تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)} [المائدة].

ومن ذلك قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ

(1)

تفسير الطبري (2/ 405).

(2)

المرجع السابق (10/ 461).

(3)

صفوة التفاسير (1 ص 353).

ص: 422

لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)} [التوبة].

وقوله سبحانه: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)} [النساء].

‌14 - إفسادهم في الأرض

.

قال تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)} [الإسراء].

‌15 - استخدامهم الحيل والمخادعة مع الله

.

وفي قصة أصحاب السبت يقول تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا

يَفْسُقُونَ (163)} [الأعراف].

ومن صور ذلك التحايل صيدهم للحيتان يوم السبت وهو محرم عليهم العمل فيه، فقد احتالوا على ذلك بأن نصبوا شباكهم لها قبل يوم السبت ليجمعوها في اليوم الذي يليه.

وكما قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)} [البقرة]«أي: تعمدوا العدوان «منكم في السبت» بأن استحلوه وتحيلوا على اصطياد الحيتان فيه»

(1)

.

ومن مشاهد حيلهم وتلاعبهم واستهانتهم بأوامر الله جل في علاه، وصف النبي صلى الله عليه وسلم لبعض حيلهم بقوله:«لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها»

(2)

.

(1)

تفسير القاسمي (2/ 151).

(2)

البخاري (2223)، ومسلم (1582).

ص: 423

‌16 - نزعتهم العنصرية المصحوبة بالأنانية واحتقار الخلق

.

فهم شعب الله المختار كما يظنون، كما قال تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18].

‌17 - نقضهم العهود

.

قال سبحانه: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)} [البقرة] فإنهم «ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدًا»

(1)

.

‌18 - مخالفتهم بين القول والعمل

.

كما قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)} [البقرة].

«يعني: تتلون التوراة، وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل»

(2)

.

‌19 - تكذيبهم المرسلين

.

كما قال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)} [آل عمران].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو آمن بي عشرة من اليهود ما بقي على ظهرها يهودي إلا أسلم»

(3)

.

‌20 - سلوكهم سبل الغواية

.

كما قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا

(1)

تفسير ابن أبي حاتم (1/ 100).

(2)

تفسير القاسمي (2/ 118).

(3)

البخاري (3941)، ومسلم (2793).

ص: 424

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)} [الأعراف].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة»

(1)

(2)

.

وعند أحمد في المسند عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أيضًا-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ، عَلَيْهِمْ السيجان

(3)

»

(4)

.

ففيه دلالة على غوايتهم وسلوكهم سبلها.

يقول ابن كثير رحمه الله: «يكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة يقال لها: اليهودية»

(5)

(6)

.

‌21 - عتوهم وعنادهم واستكبارهم

.

(1)

مسلم (2944) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

(2)

والطيالسة: جمع طيلسان كساء غليظ مخطط.

(3)

(السيجان): جمع ساج. قال الجوهري: «(الساج): الطيلسان الأخضر، والجمع سيجان» . وقال ابن منظور في لسان العرب: «(الساج): الطيلسان الضخم الغليظ، وقيل: هو الطيلسان المقور، ينسج كذلك، وقيل: هو طيلسان أخضر» . وقال ابن الأعرابي: «(السيجان): الطيالسة السود، واحدها ساج» . انتهى. (2/ 303)

(4)

رواه أحمد (21/ 55) وحسنه محققو المسند، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (6/ 317 رقم: 3639)؛ وكذا الطبراني في الأوسط (4930)، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 338): رواه أحمد وأبو يعلى من رواية محمّد بن مصعب القرقساني عن الأوزاعي، وروايته عنه جيّدة، وقد وثّقه أحمد وغيره، وضعّفه جماعة، وبقية رجالهما رجال الصحيح، ورواه الطبراني في الأوسط كذلك. كذا قال، وقال صالح جزرة: عامة أحاديثه عن الأوزاعي مقلوبة، ولخص الحافظ القول فيه، فقال في التقريب: صدوق كثير الغلط. وينظر: الميزان (6/ 338) التهذيب.

(5)

البداية والنهاية لابن كثير (ص: 59).

(6)

واليهود الآن لهم تواجد كبير في إيران وأعدادهم وأموالهم في تزايد، وصور العلاقة الحميمة بين اليهود والرافضة ولاسيما الإيرانيين منهم معروفة ومشهودة، وحجم التبادل الكامل دبلوماسيًّا وتجاريًا وصناعيًّا بينهما وصل إلى ذروته، فنسأل الله العلي القدير أن يهيئ لليهود وحميرهم الرافضة يدًا حاصدة مستأصلة لشأفتهم، والله غالب على أمره.

ص: 425

كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ

وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)} [البقرة].

«ينعت، تبارك وتعالى، بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب وهو التوراة فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها.

وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته»

(1)

.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأةُ فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» .

فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريدُ هذا الرجل أن يدعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه»

(2)

.

ومن هذا العتو والعناد والاستكبار يرون أنهم فوق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم.

وفي الختام:

فهذا غيض من فيض عن جانب من جوانب أخلاق اليهود وبيان لبعض أوصافهم في كتاب ربنا وفي سنة نبينًا صلى الله عليه وسلم، والملاحظ أن كثيرًا من الآيات التي بين الله تعالى فيها وصف أخلاقهم وسيء فعالهم وخسة طباعهم إنما وردت بصيغة المضارع غالبًا، والمضارع يفيد الاستمرار كما هو معلوم، وذلك والله أعلم يفيد أن تلك الأخلاق الدنية مستمرة معهم عبر الأجيال تلو الأجيال، والواقع المرير الذي تعيشه الأمة المسلمة في صراعها الدائم مع اليهود يشهد لذلك، والله تعالى أعلم.

(1)

تفسير ابن كثير (2/ 322).

(2)

مسلم (302).

ص: 426

‌الطائفة الثالثة: الضالون

.

‌أولًا: من هم الضالون

؟

الضَّالُّونَ «هُمُ النَّصَارَى، لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا فِي الْحُجَّةِ فِي عِيسَى عليه السلام، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم»

(1)

.

«وقد أجمع المفسرون أن الضالين أراد به النصارى»

(2)

.

و «قَالَ جَمَاهِيرُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ: و {الضَّالُّونَ (90)} [آل عمران] النَّصَارَى»

(3)

.

«قال الضحاك، وابن جريج، عن ابن عباس رضي الله عنه:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} اليهود {وَلَا الضَّالِّينَ (7)} هم النصارى.

وكذلك قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.

وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، للحديث المتقدم

(4)

.

وقوله تعالى عن بني إسرائيل في سورة البقرة: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)} [البقرة: 90]، وقال في المائدة:{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)} [المائدة]، وقال تعالى في المائدة-أيضًا-: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا

(1)

الاعْتِصَام للشاطبي (ص 242).

(2)

بحر العلوم للسمرقندي (ص 19).

(3)

أضواء البيان (1/ 9).

(4)

تقدم الكلام عليه.

ص: 427

يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} [المائدة: 78 - 79]»

(1)

.

والضالون «هم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق»

(2)

.

و {الضَّالُّونَ (90)} [آل عمران]«كالنَّصارى، عبدوا الله بغير علم»

(3)

.

و {الضَّالُّونَ (90)} [آل عمران]«هم: النَّصارى الذين يعبدون الله على غير عِلْم، بل بالبدع والمحدثات والخرافات من النصارى وكل من اقتدى بهم»

(4)

.

ويُختم التعريفُ بالضالين بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان سبب ضلالهم حيث يقول: «أضلّ الشَّيْطَان النَّصَارَى وأشباههم، فأشركوا بِاللَّه وعصوا الرَّسُول، فـ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] فَجعلُوا يرغبون إِلَيْهِم، ويتوكَّلون عَلَيْهِم، يَسْأَلُونَهُمْ مَعَ معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسنَّتهم»

(5)

.

ولا شك في أن كل من عبد الله على ضلالة من عُبَّادِنا ومن غيرهم ممن تشبه بالنصارى في هذا الوصف؛ يدخل ضمنًا في طائفة الضالين.

‌ثانيًا: التعريف بالنصرانية والنصارى:

‌1 - النصرانية لغة:

«قيل: إنها نسبة إلى الناصرة، وهي قرية المسيح عليه السلام، وتسمى هذه القرية ناصرة ونصورية، والنسبة إلى الديانة نصرانية، وجمعه نصارى «

(6)

.

(1)

تفسير ابن كثير (1/ 143).

(2)

المرجع السابق (1/ 141).

(3)

تقريب التَّدمرية، (ص: 137، 138).

(4)

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الجزء الأول (ص: 287).

(5)

العبودية (ص: 149 - 151).

(6)

ينظر: النصرانية، نشأتها التاريخية وأصول عقائدها، لعرفان فتاح (ص: 14) ودراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، لسعود الخلف (ص: 163).

ص: 428

‌2 - واصطلاحًا:

«هي دين النصارى، الذين يزعمون أنهم يتبعون المسيح عيسى عليه السلام، وكتابهم الإنجيل.

أما النصارى: فقد أطلق على أتباع الديانة النصرانية في القرآن الكريم، نصارى، وأهل الكتاب، وأهل الإنجيل، وهم يسمون أنفسهم بالمسيحيين نسبة إلى المسيح عليه السلام، ويسمون ديانتهم المسيحية.

وأما المسيحية: فلم ترد التسمية بالمسيحية في القرآن الكريم ولافي السنة النبوية، كما أن المسيح حسب الإنجيل لم يسم أصحابه وأتباعه بالمسيحيين وهي تسمية لا توافق واقع النصارى لتحريفهم دين المسيح عليه السلام.

فالحق والصواب أن يطلق عليهم نصارى، أو أهل الكتاب؛ لأن في نسبتهم للمسيح عليه السلام خطأ ظاهر، إذ يلزم من ذلك عزو ذلك الكفر والانحراف إلى المسيح عليه السلام، وهو منه برئ «

(1)

.

‌ثالثًا: أصل النصرانية

.

وأما أصل النصرانية فهو امتداد لليهودية لأن بني إسرائيل حرفوا دينهم وكتابهم -التوراة- الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، فبدلوه وحرفوه وغيروه فأرسل الله إليهم عيسى ابن مريم عليه السلام ليردهم إلى التوحيد الخالص ويعيدهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ عبادة الأحبار وترك عبادة الأنداد، وليحل لهم بعض الطيبات التي حرمت عليهم بصدهم عن سبيل الله كثيرًا، ويبشرهم بنبوة خاتم النبيين والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].

وقد وقع التحريف والتبديل والتغير في النصرانية وتعددت الأناجيل وتحول النصارى من جراء هذا التحريف عن التوحيد إلى الشرك في عبادة الله تعالى المتمثل في عقيدة التثليث، وقد نُسخت شريعةُ النصرانيةُ بعد التحريف والتبديل والتغير،

(1)

ينظر: هداية الحيارى. لابن القيم ص (67).

ص: 429

نُسِخَت برسالة خاتمة، وشريعة باقية هي: شريعة الإسلام، وختمت الكتبُ السماويةُ بالكتاب الخالد الباقي المحفوظ بحفظ الله وهو -القرآن الكريم-، قال ربنا:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر] والمعنى: «وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما، ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه»

(1)

.

وهذا الكتاب-القرآن الكريم-كتاب شاهد على الكتب السابقة التي أنزلها الله تعالى، وأمينًا وحاكمًا ومؤتمنًا ومصدقًا عليها، أي: على ما كان قبله من الكتب التي أنزلها الله على رسله الكرام عليه الصلاة والسلام أجمعين.

كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ

فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)} [المائدة].

«وأما قوله: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} أي: على جنس الكتاب الإلهي، فمعناه أنه رقيب عليها وشهيد، بما بينه من حقيقة حالها في أصل إنزالها، وما كان مِنْ شأن مَنْ خُوطِبُوا بها، من نسيان حظ عظيم منها وإضاعته، وتحريف كثير مما بقي منها وتأويله، والإعراض عن الحكم والعمل بها، فهو يحكم عليها؛ لأنه جاء بعدها»

(2)

.

وخُتِمَ النبيون بخير الخلق وحبيب الحق محمد صلى الله عليه وسلم، قال ربنا: {مَا كَانَ

مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)} [الأحزاب]، {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} «وذلك لأن النبي الذي يكون بعده نبي إن ترك شيئًا من النصيحة والبيان يستدركه من يأتي بعده، وأما من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم

(1)

تفسير الطبري (7/ 69).

(2)

تفسير المنار (6/ 339).

ص: 430

وأجدى، إذ هو كوالد لولده الذي ليس له غيره من أحد»

(1)

.

فأصبحت شريعة النصارى المحرفة المبدلة باطلة لا تقبل عند الله، ورسالة الإسلام وشريعته الباقية هي الدين الذي لا يقبل الله دينًا سواه، قال تعالى:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)} [آل عمران].

‌رابعًا: أخص صفات النصارى

.

‌1 - الكفر بالله تعالى

كما قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17].

«هذا حكم من الله تعالى بتكفير فرق النصارى من الملكية، واليعقوبية، والنسطورية، ممن قال منهم: بأن المسيح هو الله -تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس-»

(2)

.

وكلام ابن كثير رحمه الله بتحديد بعض فرق النصارى لا يعني حصر الكفر فيهم دون غيرهم من الفرق، بل الحكم بتكفيرهم حكم عام يشمل كل من نسب الألوهية للمسيح عليه السلام، فهو وصف عام يشمل كل نصراني قال بألوهية المسيح عليه السلام، كما شمل هذا الحكم أيضًا كل من قال ببنوة المسيح وجعله ابنًا لله تعالى.

ومن دلائل كفرهم الصريح-أيضًا- مما ورد في كتاب الله، قوله تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)} [المائدة].

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «والصحيح: أنها أنزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد وغير واحد.

(1)

التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب (12/ 357).

(2)

تفسير ابن كثير (2/ 111).

ص: 431

ثم اختلفوا في ذلك فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.

وقال السُّدِّي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ} [المائدة: 116]»

(1)

.

‌2 - الضلال من أخص صفاتهم

.

وقد صف الله تعالى النصارى بالضلال فقال سبحانه: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} [المائدة].

وأما عن سبب ذلك: فقد قال الطبري في تفسيره:

«وكل حائد عن قصد السبيل وسالك غير المنهج القويم فضَالٌ عند العرب لإضلاله وجه الطريق، فلذلك سمى الله جل ذكره النصارى ضلالًا لخطئهم في الحق منهج السبيل، وأخذهم من الدين في غير الطريق المستقيم، فإن قال قائل: أوليس ذلك أيضًا من صفة اليهود؟ قيل: بلى، فإن قال: كيف خص النصارى بهذه الصفة، وخص اليهود بما وصفهم به من أنهم مغضوب عليهم؟ قيل: إن كلا الفريقين ضلال مغضوب عليهم، غير أن الله جل ثناؤه وسم كل فريق منهم من صفته لعباده بما يعرفونه به إذا ذكره لهم، أو أخبرهم عنه، ولم يسم واحدًا من الفريقين إلا بما هو له صفة على حقيقته، وإن كان له من صفات الذم زيادات عليه»

(2)

.

‌3 - الغلو والجهل بالحق

.

إن الجاهل بالحق: هو أحق الخلق بوصف الضلال، ومن هنا وُصِفَت النصارى

(1)

تفسير ابن كثير (3/ 158).

(2)

تفسير الطبري (1/ 195).

ص: 432

بالضلال، كما قال أحكم الحاكمين سبحانه وتعالى:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)} [المائدة].

«وقوله سبحانه: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} يعني: رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى، والخطاب للذين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم {وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} يعني: من اتبعهم على أهوائهم {وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} عن قصد الطريق، أي: بالإضلال، فالضلال الأول من الضلالة، والثاني بإضلال من اتبعهم»

(1)

.

‌4 - الكبر والغرور

.

كما قال تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: 135].

وقال: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111]

ومعنى ذلك: «أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا مَن كان يهوديًّا ولا دين إلا دين اليهودية.

وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا ولا دين إلا دين النصرانية»

(2)

.

‌5 - هم أشقاء اليهود في الاستخفاف بالرُّسل عليهم السلام

-.

فالاستخفاف برُسل الله الكرام عليهم السلام وبما أُرسلوا به وعدم مراعاة حرمتهم وحرمة ما أُرسِلُوا بها من شرائع وأحكام من عند الله تعالى هو شأنهم كأشقائهم اليهود، فإذا لم يوافقهم ولم يُلائم أهواءهم ما جاءت به رسلهم، فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون.

كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ

(1)

تفسير البغوي (3/ 84).

(2)

تفسير البغوي (1/ 137).

ص: 433

وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)} [البقرة]. ومعنى قوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ} أي: «بما لا يوافق ما تهوونه استكبرتم عن إجابته، احتقارًا للرسل واستبعادًا للرسالة»

(1)

.

فإذا كانت هذه أخلاقهم مع رسلهم الذين أُرسِلوا إليهم وهم منهم ومن عشيرتهم، فأخلاقهم مع رسل الله الذين ليسوا من عشيرتهم ومن بني جلدتهم لا شك أنها ستكون أسوأ حالًا وأضل سبيلًا.

فهذا النبي الذي بُعِثَ في الأُمِّيِّين صلى الله عليه وسلم كادوا له ولدينه ورسالته ودعوته أشد الكيد وأغلظه وأغيظه.

فلا يُسْتَغْرَب من مثلهم عدم مراعاة حُرُمات الله ولزوم حدوده مع غيرهم من المسلمين، ولا يُتَعجب من عدم تعظيمهم لما أَوْجَبَ الله تعظيمه وحفظه وعدم تعدي حدوده من حقوق المسلمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ومقدساتهم. بل إن الاستخفاف بها حاصل وقائم، وإن تعمُّدَ إهانتها وانتهاك حُرمَتها هو شغلهم الشاغل، بل إن من أجل مساعيهم في الكيد للإسلام وأهله السعي بكل وسيلة ممكنة لتشكيك المسلمين في دينهم وعقيدتهم الراسخة! ومن مكائدهم في ذلك تعمد إلقاء الشُّبَه على المسلمين والطعن في الإسلام والطعن في القرآن وفي النبي صلى الله عليه وسلم لمحاولة زعزعتهم عن دينهم وارتدادهم عنه، ومن محاولاتهم البائسة في ذلك ادعاء البعض منهم الإسلام وادعاء الدخول فيه، ثم الردة عنه بعد ذلك؛ يرتدُّون عن الإسلام الذي دخلوه ظاهرًا، مدعين بذلك أنهم لم يجدوا أن هذا الدين هو الدين الحق الذي يجب أن يدين الخلق به لربهم، فوجب على أهله التراجع عنه وخلعه من ربقتهم.

كما قال تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)} [آل عمران].

والآية وإن قيل: إنها نزلت في بعض اليهود؛ إلا أن العبرة بعموم اللفظ وهو هنا

(1)

تفسير فتح القدير للشوكاني (1/ 75).

ص: 434

{أَهْلِ الْكِتَابِ} ، لا بخصوص السبب كما هو معلوم، وأيضًا قد عمم ذلك بعض أهل التفسير، وواقعهم في كل زمان ومكان يشهد لذلك.

قال الفخر الرازي رحمه الله: «إن اليهود والنصارى استخرجوا حيلة في تشكيك ضعفة المسلمين في صحة الإسلام، وهو أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الشرائع في بعض الأوقات، ثم يظهروا بعد ذلك تكذيبه، فإن الناس متى شاهدوا هذا التكذيب، قالوا: هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد، وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإذا لم يكن هذا التكذيب لأجل الحسد والعناد وجب أن يكون ذلك لأجل أنهم أهل الكتاب، وقد تفكروا في أمره واستقصوا في البحث عن دلائل نبوته فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الوافي أنه كذاب، فيصير هذا الطريق شبهة لضعفة المسلمين في صحة نبوته، وقيل: تواطأ اثنا عشر رجلًا من أحبار يهود خيبر على هذا الطريق»

(1)

.

وهذا القول هو أحد قولي الفخر الرازي في الآية الكريمة.

‌6 - ومن خصائهم تقديس الصليب واتخاذه شعارًا لدينهم المحرف

.

فقلما تجد نصرانيًّا في العالم إلا وهو مُعَلِّق للصليب في رقبته أو موسومًا به في جسده كما تُوسم البهائمُ، أوليس الصليب عندهم وفي اعتقادهم هو أداة التعذيب التي صُلِبَ وعُذّبَ ومات عليها المسيح عليه؟ فلماذا يُقدس النصارى الصليبَ ويتخذونه شعارًا لهم؟ فهل يُعقل أن يُخلِد عاقلٌ أداةً صُلِبَ وعُذِبَ وقُتِل عليها أعز عزيز لديه؟ ولا يوجد لدى النصارى دليل على حمل الصليب فضلًا عن تقديسه وتعظيمه وإجلاله وإكباره

(2)

.

(1)

تفسير الفخر الرازي (4/ 254).

(2)

والصليب، في المسيحية (النصرانية)، هو المكان الذي تقابلت فيه محبة الله مع عدله.

ويسوع المسيح هو حمل الله الذي ينزع خطية العالم (يوحنا 1: 29). هكذا يعتقدون كما هو في إنجيل يوحنا. وتهتم الكنيسة المسيحية (النصرانية)، بالصليب اهتماما عظيمًا، فالصليب=

ص: 435

ولا يُصلب عندهم إلا من أذنب ذنبًا عظيمًا ولا مفرّ ولا مهرب من إعدامه وقتله لأن هذا الذنب لا يستحق بسببه الحياة، والكثير من النصارى الذين شرح الله صدورهم للإسلام وقذف في قلوبهم الإيمان وأنار بصائرهم بالتوحيد الخالص، لا تملك الكنيسة إلا أن تُغريه بالمال وتحقق مطالبه فإن أصر فلا مصير له إلا الصلب، لأن الصلب عقوبة من ارتكب ذنبًا لا يُغتَفر، وكان المصلوب قديمًا يعدونه عندهم ملعونًا، فهو ملعون عند الله وملعون عند البشر.

كما أنه لا يُعلم لدى الباحث تحديدًا مؤكدًا -متى صار الصليب شعارًا مقدسًا لهم-، حيث لا يُعلم لدى المتقدمين من النصارى ذكرٌ لذلك، ولا من الذي دعا إلى حمله على التحقيق، وإنما هو أمر استحسنوه ودرجوا عليه في زمن متأخر حتى صار من شعائرهم الظاهرة المميزة والخاصة بهم

(1)

.

ولا شك في أن أصل النصارى الذين بُعِث فيهم عيسى ابن مريم عليه السلام هم من بني إسرائيل، فهم امتدادٌ لليهود.

وقد عَرَفَ اليهودُ عقوبةَ إعدامِ المذنبِ قديمًا عندهم، فيقوموا بتعليقه على خشبة (وهو الصلب بعينه)، وقد ذُكِرَ ذلك في العهد القديم

(2)

.

‌خامسًا: كثرة ورود لفظ النصارى في القرآن الكريم

.

=هو موضع الحب الإلهي للبشرية جمعاء برأي الكنيسة، حيث أظهر الله قمة محبته للناس فبذل ابنه الوحيد لكيلا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16). تفسير القس أنطونيوس فكري.

(1)

وقد قيل: إن ذلك وقع في القرن الرابع، حينما اعتنق الامبراطور الوثني قسطنطين النصرانية الزائفة التي كان قد تفشّى بها الارتداد، وروّج الصليب رمزًا لها.

(2)

ولقد سجل لنا العهد القديم ذلك وذكر هذا الفكر قائلًا: «وَإِذَا كَانَ عَلى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا المَوْتُ فَقُتِل وَعَلقْتَهُ عَلى خَشَبَةٍ فَلا تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلى الخَشَبَةِ بَل تَدْفِنُهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لأَنَّ المُعَلقَ مَلعُونٌ مِنَ اللهِ» . تفسير سفر التثنية (21: 22 - 23) -شرح الكتاب المقدس- القس أنطونيوس فكري: العهد القديم.

ص: 436

وذلك لفضحهم وللتحذير من كفرهم وشرهم وسيء فعالهم.

هذا مع كثرة مخاطبتهم بالخطاب العام: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 64]، و {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 40] وإنما كثر ذكرهم في القرآن؛ لبيان كفرهم وشركهم وتكذيبهم، وبيان ضلالهم وجهلهم وغرورهم وكبرههم، وقولهم في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، وحنقهم وحقدهم على الإسلام وأهله، وعلى نبي الهدى صلى الله عليه وسلم، ولقد كثر ذكرهم-أيضًا- إظهارًا لفسادهم وتحذيرًا من شرهم وغلوهم، وتحذيرًا على ما هم عليه من سوء المعتقد وفساد الدين والعقل والأخلاق.

وقد ورود لفظ النصارى في كتاب الله تعالى مُعَرّفًا ومُنَكّرًا قرابة خمس عشرة مرة، وردت كلها في سورة البقرة والمائدة، عدا واحدة وردت في سورة آل عمران، وأخرى وردت في سورة التوبة، وأُخرى في سورة الحج، وفي جملة هذه الآيات المباركات ورد ذكر النصارى مقترنًا بذكر اليهود، وقد ورد هذا الاقتران إما على سبيل الإخبار عنهما، وأما على سبيل الذم وأما على سبيل المدح لبعضهم لما اتبعوا الحق، أما الآية التي وردت في مدح بعض النصارى الذين عرفوا الحق وشهدوا به، فهي قول الله تعالى في سورة المائدة:{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)} [المائدة].

«قيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفرٍ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحاب له أسلموا معه»

(1)

.

وأما عن بعض ما ورد في القرآن من الاقتران بين الطائفتين-اليهود والنصارى- فمنه قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 20]، وقوله

(1)

تفسير الطبري (10/ 499).

ص: 437

سبحانه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} [المائدة: 18]، وقوله سبحانه:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ} [التوبة: 30].

وفي هذا الاقتران دلالة واضحة على القاسم المشترك بينهما، ألا وهو الشرك والكفر بالله تعالى.

‌سادسًا: أبرز الصفات المشتركة بين اليهود والنصارى

.

ومما سبق يُستَدَلُ على وجود صفات كثيرة مشتركة بينهما ومن أهمها وأبزها ما يلي.

‌1 - اشتراكهما في نسبة الولد لله

.

يقول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [المائدة: 30].

فهم مستويان في شركهما وكفرهما في نسبة الولد لله تعالى، وهذا من أعظم الظلم والكفرعياذًا بالله تعالى.

‌2 - إشتراكهما في جحد كون القرآن كلام الله المنزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم

-.

‌3 - إشتراكهما في جحد وإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

-.

أما اليهود فيجحدون نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأما النصارى فيجحدون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

‌4 - إشتراكهما في تحريف كتبهم المنزلة

.

‌5 - إشتراكهما في الغرور والكبر

.

كما قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} [المائدة: 18].

ص: 438

‌6 - إشتراكهما في الحقد الدفين على هداية عباد الله المؤمنين

.

كما قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89].

وكما قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 20].

وكما قال تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: 135].

وفي العموم وإن كان الكفر كله ملة واحدة إلا أن بعض الكفر والشر أشد من بعضه.

فاليهود أشد كفرًا وعنادًا وأعظم خبثًا وضلالًا وفسادًا من النصارى، وذلك لأن مصائبهم وجرائمهم وفضائحهم العظيمة أكثر مما عند النصارى، وإن كانوا في أصل الكفر والشرك سواء بسواء، ومما خُصَ به اليهودُ واستحقوا به وصف الغضب كونهم قد فسدوا وانحرفوا عن علم فوصفوا ونعتوا بالمغضوب عليهم، والنصارى فسدوا وانحرفوا عن جهالة فوصفوا بالضالين.

وقد قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82]، والنصارى مع كفرهم وشركهم وضلالهم فإنهم لا شك دون ذلك.

ولا تكاد سورة من سور القرآن الطوال تخلو من بيان كفر وشرك اليهود والنصارى، ومن التحذير من شرهم وسيء فعالهم وذكر مساويهم وفساد عقائدهم ودناءة أخلاقهم.

‌سابعًا: تنبيه وتحذير المنعم عليهم من سلوك سبيل اليهود والنصارى

.

فـ «قد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ولهذا كان النصارى أخص بالضلال لأنهم أمة جهل، واليهود أخص بالغضب لأنهم أمة عناد، وهذه الأمة هم المنعم عليهم، ولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، لأنَّ النصارى عبدوا بغير علم واليهود عرفوا

ص: 439

الحق وعدلوا عنه»

(1)

.

«فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام، من المعتزلة ونحوهم -فيه شبه من اليهود، حتى أن علماء اليهود يقرءون كتب شيوخ المعتزلة، ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ويرجحونهم على النصارى.

وأكثر المنحرفين من العباد، من المتصوفة ونحوهم -فيهم شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ذلك. وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله، وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء»

(2)

.

وعن سفيان رحمه الله قال: «لا تجد مبتدعًا إلا وجدته ذليلًا، ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الأعراف: 152]»

(3)

.

‌ثامنًا: نداء عام لليهود والنصارى:

قال الله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)} [المائدة].

قال ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى: قل يا محمد: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ} أي: من الدين {حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الإيمان بمحمد، والأمر باتباعه صلى الله عليه وسلم، والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته»

(4)

.

(1)

إغاثة اللهفان (1/ 24).

(2)

شرح العقيدة الطحاوية (2/ 801).

(3)

الدر المنثور (6/ 695).

(4)

تفسير القرآن العظيم (2/ 128).

ص: 440

وكما قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} [آل عمران].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار»

(1)

.

وهذا الحديث يدلل على أن جميع الرسالات السابقة لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد نُسِخَت برسالته، فوجب على كل من بلغته رسالتُه، الإيمانَ والتصديقَ بها واتباعها، يهوديًّا بلغته كان أو نصرانيًّا أو غيرهما من أهل ملل الشرك والكفر قاطبة.

قال النووي رحمه الله: «وأما الحديث ففيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم» .

وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ» أي: ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما؛ وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى»

(2)

.

ومما يدلل عليه الحديث أيضًا: أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم رسالة عامة لجميع الناس إلى قيام الساعة، وهذا من خصائص دعوته ورسالته صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه:{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]، و يقول سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا

رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

(107)} [الأنبياء: 107]، والأدلة على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم في نصوص الكتاب والسنة كثيرة ومعلومة.

ولعل فيما مضى كفاية والحمد لله بداية ونهاية.

(1)

مسلم (153).

(2)

شرح النووي على صحيح مسلم (1/ 279).

ص: 441

‌الخاتمة

وفيها ما يلي:

أولاً: أبرز النتائج

ثانيًا: بيان لأهم توصيات الدراسة

فبعد هذا التطواف بين ثنايا كلمات وسطور ومباحث وفصول هذا البحث ومن خلال تلك الدراسة المتواضعة جدًّا توصلت تلك الدراسة بحمد الله وإعانته وامتنانه وتوفيقه وفضله لنتائج وتوصيات جمَّة مما أفاء اللهُ تعالى وامتنَّ به على جامعها، ومن أجلها، وأميزها، وأبينها.

ص: 443

‌أولاً: أبرز النتائج:

‌أبرز النتائج من خلال الفصل الأول

بيانُ عظمِ مكانةِ وقدرِ التوحيدِ

تبين من خلال الدراسة في هذا الفصل:

أ-أن التوحيد هو أول وأعظم وآكد واجب لله تعالى على جميع العبيد، ومقصده من أعظم المقاصد وغاية تحقيقه من أجلّ وأعظم وأنبل وأرفع وأسمى الغايات، والإقرار له سبحانه بالوحدانية وإفراده تعالى بالعبودية في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته والاستسلام له سبحانه بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك بكل صوره وأشكاله صغيره وكبيره، دقيقه وجليله، قليله وكثيره، والبراءة منه ومن أهله لهو من أوجب الواجبات المتحتمات على جميع المكلفين من البريات إنسهم وجنهم على حدٍّ سواء، وتحقيق التوحيد وإفراد الله بالعبادة هي الغاية الكبرى والمهمة العظمى التي خلق الله تعالى من أجلها الثقلين وأوجدهم لها كما بين سبحانه في محكم آياته بقوله:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات]، وهي الغاية العظمي التي كذلك من أجلها أرسل سبحانه وتعالى الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع.

قال سبحانه: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، و قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ

إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء].

ب-كما تبين أن مكانة التوحيد من الدين كمكانة الروح من الجسد، فالروح إذا فارقت الجسد فلا حياة فيه ولا مكان له إلا التراب، وكذلك التوحيد إذا لم يحققه

ص: 445

العبد ولم يوحد خالقه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وقع في الشرك وتلبس به وخلع ربقة الإسلام من عنقه وأصبح لا قيمة له ولا مكان له إلا النار خالدًا فيها أبدًا والعياذ بالله.

‌فبتحقيق التوحيد

1 -

يحيا المؤمن الحياة الحقيقية الطيبة، حياة الأمن والاطمئنان، قال الله تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)} [الأنعام] فهم لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: بشرك، فتوحيدهم خالص لم تشوبه أيّ شائبة شرك، لا صغيرة ولا كبيرة، لا دقيقة ولا جليلة، فأهل التوحيد لهم الأمن الكامل والتام في الدنيا والآخرة، وقال ربنا جل في علاه -أيضًا-:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل].

2 -

وبتحقيق التوحيد-كذلك-يحيا المؤمن الحياة الحقيقية مستضيئًا بنور الإيمان قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ

مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ

مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ

زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا

يَعْمَلُونَ (122)} [الأنعام]، و قال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].

3 -

وبتحقيق التوحيد-كذلك-ينجز اللهُ لعباده المؤمنين الوعدَ بالعزة والنصر والتمكين، يقول ربنا العظيم:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55].

4 -

وتحقيق التوحيد سبب لمغفرة الذنوب كما هو عليه أهل السنة والجماعة، ومن قال بقولهم من أهل الفرق فإنما هو تابع لهم في ذلك، ذلك لأن أهل السنة يقولون بأن التوحيد -يعني: الخالص- يكفر ما معه من الذنوب، وقد تُكفر الذنوبُ كذلك بتوبةٍ مقبولةٍ، أو بحسناتٍ ماحيةٍ، أو بابتلاءٍ من همٍّ أو غمٍّ أو فقرٍ أو مرضٍ أو نحو ذلك من الابتلاءات، وقد تُكفر بسكراتِ الموتِ وأهوالِ القبرِ وشدتهِ وأهوالِ

ص: 446

القيامةِ والفزعِ الأكبرِ ومن شدائِدِها وكروبِها، أو بشفاعةِ الشافعين، أو غيرها من أسبابِ المغفرةِ والتي من أوسعها وأفضلها وأجلها وأعظمها وأرجاها رحمة أرحم الراحمين، هذا مع ما معه من أصل تحقيق التوحيد، خلافًا لما عليه الخوارج والمعتزلة الذين يرون أن الذنوب لا تغفر إلا بتوبة

(1)

.

5 -

وتحقيق التوحيد سبب لثبات المؤمن، قال ربنا:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27]، وإن كانت الآية نزلت في عذاب القبر إلا أنها تعم كل المواطن، عند الموت وفي القبر وفي عرصات القيامة، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

6 -

وبتحقيق التوحيد يفوز المؤمن الموحد بالجنة وينجو من الخلود في النار مهما بلغت ذنوبه، أي: ما دامت ذنوبه دون الشرك لعموم الأدلة الواردة في ذلك.

7 -

والشرك في الإسلام كالحدث إذا طرأ على الطهارة أفسدها ونقضها، فكذلك الشرك إذا طرأ على العمل ودخل عليه أحبطه ونقض الدين بالكلية وأبطله.

8 -

وجوب الحذر من الشرك بكل صوره وأشكاله لعظم جرمه وخطره وما يترتب عليه من عظائم ومخاطر وطوام كبرى من أعظمها وأفظعها وأشدها:

أ- الردة عن الإسلام لمن تلبس بشرك أكبر عياذًا بالله تعالى من ذلك.

ب- حبوط العمل بالكلية عياذًا بالله تعالى من ذلك أيضًا.

ج- وعدم دخوله تحت مشيئة الله في الوعد بالمغفرة الموعود بها لأهل الكبائر وذلك لمن مات على الشرك الأكبر دون توبةٍ عياذًا بالله تعالى من ذلك أيضًا.

د- الخلود في نار جهنم أبد الآبدين لمن مات على ذلك والعياذ بالله تعالى من ذلك أيضًا.

(1)

أوجب جميع المعتزلة والخوارج عقاب صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة، ولم يجوزوا أن يعفو الله عنه، لوجهين: الأول: أنه تعالى أوعد بالعقاب على الكبائر وأخبر به، أي: بالعقاب عليها، فلو لم يعاقب على الكبيرة وعفا لزم الخلف في وعيده والكذب في خبره، وإنه محال. المواقف للشريف الجرجاني (8/ 303)، وينظر: مقالات الاِسلاميين للأشعري (1/ 270).

ص: 447

هـ- وجوب تعلم التوحيد وجوبًا عينيًا وما يتعلق به من مفاهيم وفضائل وأحكام وأقسام، وكذلك تعلم ما ينقضه ويبطله وهو الشرك وما يتعلق به من أحكام دنيوية وأخروية، وذلك للحذر منه وتجنبه والتجافي عنه.

ص: 448

‌أبرز النتائج من خلال الفصل الثاني

من أبرز نتائج هذا الفصل ما يلي:

1 -

أن الفاتحة أم الكتاب هي أفضل سورة في القرآن.

ولذا فإنه على إيجازها لا يقوم مقامها غيرها ولا يسد مسدها سواها؛ لأنها قد احتوت على ما لم تحتوِ عليه أيٍّ من سور القرآن؛ وهي وإن كانت قليلة المباني فإنها عظيمة المعاني، ولذلك لم ينزل في الكتب السابقة مثلها، وأن لها أسماء كثيرة وذلك لشرفها وفضلها وعلو قدرها، وقد أوردت الدراسة أبرز ما ثبت لها من أسماء وفضائل ومقاصد.

2 -

أن الاستعاذة تُشْرَعُ عند التلاوة وهي ليست آية من القرآن إجماعًا.

3 -

أن البسملة آية في أول كل سورة لأن كل ما بين دفتي المصحف قرآنٌ، وذلك بإجماع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، وهم جميعًا على إثباتها في المصحف أول كل سورة عدا سورة براءة، لأنها نزلت بالسيف ولا يتناسب معها البسملة، مع الأمر بتجريد القرآن من كل ما ليس منه، ومن ثم لم يكتبوا (آمين) في آخر الفاتحة، كما أنها جزء آية مستقلة من سورة النمل.

4 -

لم يرتفع الخلاف لدى الباحث في قرآنية البسملة في الفاتحة خاصة-نفيًّا أو إثباتًا-من خلال تلك الدراسة، وذلك لأنه خلافٌ معتبرٌ له قدره من حيث قوة أدلة الفريقين.

5 -

عدم تكفير أو تفسيق من نفى قرآنية البسملة في الفاتحة خاصة لكون الخلاف في إثباتها معتبرًا، بخلاف ما لو أنكر شيئًا من القرآن مجمعًا عليه ولو حرفًا واحدًا أو أثبت فيه ما ليس منه ولم يقل به أحدٌ، فقد كفر إجماعًا.

ص: 449

6 -

جعل بعض أهل العلماء الاختلاف في قرآنية البسملة، كاختلاف أئمة القراءات في بعض الكلمات والحروف، فقد يَثبُتُ بعضُها في قراءة أو رواية، وقد لا يَثبُتُ في غيره، وهذا قول معتبرٌ له قوته وتوجهه.

7 -

أن البسملة يُسَرُّ بها في الصلاة.

8 -

وأن التأمين يُجهرُ به ويُشرعُ ذلك عند ختم قراءة الفاتحة وهو ليس بآية منها.

9 -

أن عدد آيات الفاتحة سبع آيات وذلك إجماعًا، وإنما وقع الخلاف في الآية التي تكون بها سبعًا.

10 -

أن في عدد كلمات الفاتحة خلافٌ مشهور.

11 -

أن أبرز موضوعات السورة هي: العقيدة وبيان التوحيد بأقسامه الثلاثة، وبيان مكانة العبادة والاستعانة والهداية، وإثبات النبوة والرسالة والبعث بعد الموت والجزاء، وأحوال وأخبار الأمم السابقة وبيان منازل السعداء والأشقياء.

12 -

أنه في ضوء بحث «المعنى الإجمالي للسورة الكريمة» تبين أن ما فُصِّلَ في القرآن أُجْمِلَ فيها لذا سميت «أم القرآن» ، وأن فضائلها أكثر من أن تحصى.

13 -

أن تلك الدراسة لم تقف على سبب نزول للسورة ثابت صحيح، وأما ورد في سبب نزولها فسنده منقطع، ويتضح من جراء ذلك أنها نزلت للهداية ابتداءً كالكثير من سور القرآن الكريم، وأنها نزلت بمكة جملة واحدة، وأنها سورة محكمة لا ناسخ فيها ولا منسوخ.

ص: 450

‌أبرز النتائج من خلال الفصل الثالث

1 -

أن علم المناسبات علمٌ معتبرٌ شرعًا له أسسه وقواعده، ومتى ظهرت المناسبة والموضوع واُلتُزِمَت فيه الشروطُ والضوابطُ المعتبرةُ بلا إفراطٍ ولا تفريطٍ فلا مانع من القول والأخذ به.

2 -

وأنه علم يعين على إبراز أوجه الصلة والتناسب بين السور والآيات ويقرب فهم معاني القرآن وبيان مقاصده ومراميه، لمفسره وقارئه ومتدبره وتاليه.

3 -

ويعين أيضًا-على إدراك الحكمة من التشريع والترابط بين أحكام الشريعة في كل جوانبها.

4 -

أن سورة الفاتحة لمَّا حوت آياتُها السبع مقاصدَ القرآنِ الكريم وكلياته مع ما اشتملت عليه ومع مالها من المكانة والقدر ناسب افتتاح القرآن الكريم بها.

5 -

تبين من خلال تلك الدراسة أن هناك أوجه من التناسب بين سورة الفاتحة وتاليتها وهي سورة البقرة.

6 -

ومن خلال تلك الدراسة-أيضًا-تبين الترابط النصي بين آيات السورة الكريمة وكأنها منظومة واحدة في الوحدة الموضوعية ولاسيما في عرض قضية التوحيد وعلاقتها بمحور السورة الكريمة.

7 -

ومن خلال تلك الدراسة-أيضًا- تبين العلاقة الوطيدة بين سورة الفاتحة وهي من السور المفتتحة بالحمد وبين مثيلاته من السور المفتتحة بالحمد كذلك.

ص: 451

‌أبرز النتائج من خلال الفصل الرابع

هذا الفصل هو المبحث الرئيس في السورة الكريمة وقد تناول التفسيرَ الموضوعي للسورة وتناول-كذلك- بيان مواضيعها الرئيسية ثم عرج عليها بشيء من التحليل والبيان للقضايا الفرعية وعلاقتها بالمحور الرئيس للسورة الكريمة ألا وهو تقرير العبودية بشموليتها وكمالها لله تعالى.

ومن أبرز النتائج في هذا الفصل مايلي:

أ- أن تقرير العبودية هو الموضوع الرئيس الذي يتمحور حوله موضوع السورة الكريمة، وقد تقرر التوحيد في السورة بأنواعه الثلاثة وبيان استحقاق إفراد الرب جل في علاه بالتوحيد.

ب- وتقرر من الدراسة أن المواضيع التي تناولتها السورة الكريمة هي:

1 -

(الحمد) وقد تبين معناه ودلالته على التوحيد واستحقاق الرب جل في علاه له.

2 -

وصفات الله تعالى الواردة في ثنايا آياتها وهي: (الرحمن-الرحيم-رب العالمين-مالك يوم الدين) ودلالتها كذلك على التوحيد.

3 -

وتبين من خلا الدراسة مفهوم الإيمان باليوم الآخر (يوم الدين) وبيان مكانته من الدين وحقيقته وبعض أوصافه وخطره، ودلالته-كذلك-على التوحيد.

4 -

(العبودية-والاستعانة) وهما قطبا الدين ولبا دعوة المرسلين وبيان مكانتيهما من الدين.

5 -

طلب الهداية للصراط المستقيم، وتبين من خلال تلك الدراسة نوعي الهداية وأنهما من أعظم وأجل المطالب وأعزها، ثم دللت الدراسة على علاقة ذلك المطلب بموضوع السورة الرئيس ألا وهو التوحيد.

ص: 452

6 -

أبرز صفات الطوائف الثلاث المذكورة في السورة الكريمة (المنعم عليهم-المغضوب عليهم-الضالين).

وقد خُتمت تلك الدراسةُ ببيان هذا المبحث الهام الذي تبين منه ثمرة موضوع هذا البحث وثمرة مُتَعَلَّقِهِ

(1)

ألا وهو التوحيد، وبينت مآل طائفة مَنْ أنعم الله عليهم بتحقيق التوحيد ولزوم الصراط من موحدي ومؤمني كل أمة، وبيان مصير الطائفتين اللتين تنكبتا الصراط وهما: الْأُمَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، وَأُمَّةِ أَهْلِ الضَّلَالِ، أي: اليهود والنصارى ومَن سار على نهجهم واقتفى آثارهم واعتقد اعتقادهم وعمل بعملهم إلى يوم الدين.

والحمد لله رب العالمين.

(1)

باسم المفعول.

ص: 453

‌ثانيًا: بيان لأهم توصيات الدراسة

1 -

توصى تلك الدراسة بالعناية بكتاب الله تعالى تعلمًا وتعليمًا، وتدبرًا ومدارسة ولاسيما فيما يتعلق بتفسيره وتأويله، كما توصي كذلك بتحكيمه والتحاكم إليه، والتداوي به من كل العلل حسيها ومعنويها، واتخاذه شرعةً ومنهاجًا لكل جوانب الحياة لتسعد به البشرية كما سعد به الرعيل الأول من صدر هذه الأمة.

2 -

كما توصي الدراسة بالعناية بمدارسة فاتحة الكتاب خصوصًا، لأن ما فُصِّلَ في القرآن أُجْمِلَ فيها، كما توصي-كذلك- باستخراج ما بها من علوم والاستفادة من مقاصدها ومراميها وما اشتملت عليه وحوته من موضوعات.

والتي من أجلها وأجمعها وأبينها ما يلي:

أ- التوحيد ووجوب تحقيقه ولزومه مع تجنب كل نواقضه المفضية إلى الشرك بالله تعالى، وبذلك يتحقق للعبد كمال العبودية وينال سعادة الدارين.

ب- حمد الله تعالى وتمجيده وإجلاله وتعظيمه بالثناء عليه سبحانه بما هو أهله وبما له من أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العلى.

جـ- تذكر المعاد، وهو يوم الدين، وإعداد العدة لهذا اليوم العظيم الذي يُدان فيه الأولون والآخرون بما قدمت أيديهم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

د- إخلاص الدين لله تعالى وحسن القصد في إفراده تعالى بالألوهية (عبادة، واستعانة) تضرعًا إليه سبحانه وافتقارًا، وذلًا له سبحانه ولكبريائه وعظمته وخضوعًا، وتبرؤًا من كل حولٍ وقوةٍ، وتنزيهًا لله سبحانه وتعالى عن الشريك والشبيه والند والنظير والمثيل.

هـ - الإلحاح على الله في طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو دين الله القويم المتضمن للعلم النافع والعمل الصالح، وسؤاله سبحانه الثبات عليه حتى يفضي بهم

ص: 454

ذلك إلى جواز الصراط الحسي المنصوب على متن جهنم يوم القيامة، المؤدي إلى موعود الله والمفضي بهم إلى النعيم المقيم في جنات النعيم بجوار الرب الكريم.

و- الحرص على الأعمال الصالحة والوصية والترغيب في الإكثار من الباقيات الصالحات والحرص على صحبة الصالحين ليكون العبد بذلك يوم القيامة في صحبة المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

ز- التحذير من مسالك سبل أهل الغواية ممن غضب الله عليهم كاليهود، وممن أضلهم كالنصارى، وكل من سار على نهجهم واقتفى آثارهم واتبع سبيلهم، لئلا يُحْشَر في زمرتهم.

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ص: 455

‌وختامًا

فإن الباحث في ختام بحثه يحمد ربَه الكريمَ الرحمن ذا الجود والإفضال والإكرام والإنعام على ما أنعم به وأولى على عبده الضعيف الفقير، ويسر له من جمعٍ لكلام أولى العلم من أئمة التفسير وسادات التأويل والتحبير، فجمع من نفائس استنباطهم وتأويلهم وعلمهم الغزير، وكأنه يَسمع صريرَ أقلامهم كما يُسمعُ خريرُ الماءِ العذبِ النمير في يوم مطير، ولكأنه يشم من مدادهم أقلامهم أطيب مسك وأحسن عنبر وأزكى رحيق وعبير، ولكأنه يلمس من ثنايا تأويلهم وفسرهم ملمسًا لينًا طيبًا كملمس الناعم من الحرير، وقد أفاد من تأويلهم وفسرهم كما يُفادُ من ثمر النخل بعد التأبير، بداية من شيخ المفسرين الإمام ابن جرير، ومرورًا بالحافظ ابن كثير، وحتى الشوكاني صاحب فتح القدير، وغيرهم من أهل العلم وأئمة التأويل والتفسير، وختامًا بالشنقيطي صاحب أضواء البيان ذاك العالم النحرير، فرحم الله علماءَ الأمةِ قاطبةً وكلَ أئمةِ التفسير ويُخصُ منهم كلُ عالمٍ عَلَمٍ حَبرٍ وإمامٍ نحرير سار على السنة والجماعة وأثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم البشير النذير من الأسماء الحسنى والصفات العلى بلا تأويل، ولا تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل ولا تكييف، ولا تبديل ولا تغيير، قال ربنا الحكيم الخبير: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ

شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى].

وكان بحث الفاتحة خاص بالتوحيد الذي هو حق الله في رقاب جميع العبيد، والذي به حبل النجاة لمن حققه وعمل واستمسك به في يوم الوعيد، فصاحبه يَنال الأمن في الدنيا والآخرة فقولُهُ سليمٌ سديد، وعَمَلُهُ كذلك صالحٌ رشيد، والذي يطمع أن ينجو به من النار والعذاب الشديد، ويسلك به أعالي الجنان وقد حُرِمَ منها كُلُّ جبار كَفَّارٍ عنيد، يوم يأمر الجبار سبحانه زبانية جهنم فيقول لهم: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ

ص: 456

كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24)} [ق] وقد وعد سبحانه بملئها فيقول لها: {هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)} [ق].

والباحث قد بذل ما يملك من الجهد والأوقات لإتمام بحثه على وجه يرجو به رضا رب البريات، وينال به رحمته في الدنيا ويوم الحسرة والفوات، فلم يبخل ببذل اللحظات والساعات في تحرير بحثه ولَمِّ شمل كلماته وجمعها بعد شتات، والبحث في القرآن عمومًا وفي الفاتحة خصوصًا يحتاج لبذل جهود وأعمار وأوقات، ومع ذلك لا يمكن لأحدٍ أن ينال كل وطره ومأربه ومطلبه منها لعظم مقاصد ومرامي آياتها وما شملته من العلوم وما حوته من العبر والعظات، ولما حوت بين ثنايا آياتها من التناسق النصي والوحدة الموضوعية المتضمنة لتوحيد وعبودية رب البريات.

والنقص وصف بشري يعتري عموم الخلق قاطبة وإن ادعوا الكمالات، إلا رسل الله وأنبيائه، وأكملهم من ختمت به النبوات وببعثته الرسل وجميع الكتب والرسالات، عليهم من الله جميعًا أفضل الصلوات وأطيب التسليمات والتبريكات، والبحث ما يزال يحتاج لجهود وعقول وقلوب أصحاب الهمم العالية والنفوس الزاكية الراغبة فيما عند رب الأرض والسماوات من الفضل والرفعة والمكانة وعلو الدرجات.

وأخيرًا فهذه دعوة لجميع الباحثين والباحثات للتنافس في قربى لله من أعز وأنفس القربات لتقديم البحوث العلمية والأطروحات في بيان معاني ومرامي ومقاصد فاتحة الكتاب طمعًا في الفوز غدًا بأعالي المنازل في غرفات الجنات.

ولقد صَدَقَ القاضي الفاضل عبد الرَّحيم بن عليّ البيسانيّ لما قال:

«إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتُبُ إنسانٌ كتابًا في يومِه؛ إلاَّ قالَ في غَدِهِ: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسنَ، ولو زِيدَ كذا لكان يُستَحسَنُ، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُرِكَ هذا لكان أجملَ. هذا مِنْ أعظَمِ العِبَرِ، وهو دليلٌ علَى استيلاءِ النَّقصِ علَى جُملةِ البَشَرِ»

(1)

.

(1)

كان الأُستاذ أحمد فريد الرِّفاعي (ت 1376 هـ) هو الَّذي شهَّر هذه الكلمةَ؛ حيث وضعها أوَّلَ كلِّ جزء من أجزاء مُعجم الأدباء لياقوت الحمويّ، وغيره من الكُتب، وتداولَها النَّاس عنه منسوبةً إلى العماد الأصفهانيّ!! والصَّواب نسبتُها للقاضي الفاضل، بعثَ بها إلى العماد؛ كما في=

ص: 457

ومسك الختام مع كلمات معبرات وحروف مؤثرات انطلقت من قلب وعقل إمام عالم علم، وحبر همام ناصح للبريات، ما يزال قدوة للأنام، على مرّ الأيام والسنوات، ألا وهو ابن القيم رحمه الله تعالى حيث يقول ويسطر هذه الكلمات:

«فيا أيها الناظر فيه، لك غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، ولك صفوه، وعليه كدره، وهذه بضاعته المزجاة تعرض عليك، وبنات أفكاره تُزفّ إليك، فإن صادفت كفئًا كريمًا، لم تعدم منه إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان، وإن كان غيره، فالله المستعان، وعليه التكلان، وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولًا وإحسانًا، وبرد جميل إن كان حظها احتقارًا، واستهجانًا، والمنصف يهب خطأ المخطئ لإصابته، وسيئاته لحسناته؛ فهذه سنة الله في عباده جزاءً وثوابًا، ومن ذا الذى يكون قوله كله سديدًا وعمله كله صوابًا؟ وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ونطقه وحي يوحى؟.

فما صح عنه فهو نقل مُصَدَّقٌ عن قائل معصوم، وما جاء عن غيره فثبوت الأمرين فيه معدوم، فإن صح النقل لم يكن القائل معصومًا، وإن لم يصح لم يكن وصوله إليه معلومًا»

(1)

.

هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله الذي وحده علا: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ

وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)} [طه: 5 - 8]، وصلى الله وسلم وبارك على النبي المصطفى والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه أولي العلم والحلم والنُّهى، أولي البرِّ والإحسان والصبر والتُّقى، وسلم اللهم تسليمًا كثيرًا كثيرًا ليس له عدد ولا منتهى.

الباحث الدكتور/ عرفة بن طنطاوي

[email protected]

= أوَّل شرح الإحياء للزَّبيديّ (1/ 3)، والإعلام بأعلام بيت الله الحرام لقطب الدِّين محمد بن أحمد النهر والي الحنفيّ (ت 988 هـ) نقلًا عن كتاب إعلام العابد في حكم تكرار الجماعة في المسجد الواحد، للشيخ/ مشهور بن حسن بن سلمان:(ص 7)، دار المنار-الخرج، (ط 2).

(1)

تضمين من آخر مقدمة ابن القيم لكتابه روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 28).

ص: 458

‌الفهارس

مرتبة ترتيبًا أبجديًّا

الفهارس العامة

وتشتمل على الفهارس الآتية:

أولًا: فهرس: أهم المصادر والمراجع.

ثانيًا: فهرس الآيات.

ثالثًا: فهرس الأحاديث والآثار.

رابعًا: فهرس الأعلام المترجم لهم.

خامسًا: فهرس الموضوعات.

ص: 459

‌أولًا-فهرس: أهم المصادر والمراجع

ترتيب (ألف بائي)

-القرآن الكريم -طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف- المدينة النبوية.

(أ)

1 -

أحكام القرآن، المالكي: ابن العربي، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ -2003 م، عدد الأجزاء: أربعة أجزاء.

2 -

أحكام القرآن، الجصاص: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي، تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية بيروت -لبنان، الطبعة: الأولى، 1415 هـ-1994 م، عدد الأجزاء:3.

3 -

إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي ثم الدمشقي، دار الجيل، بيروت، 1973 هـ، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد.

4 -

إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الألباني: محمد ناصر الدين، إشراف: زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية 1405 هـ -1985 م، عدد الأجزاء: 9 (8 ومجلد للفهارس).

5 -

الاستقامة، ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، تحقيق: محمد رشاد سالم، مكتبة السنة، الطبعة: الثانية، 1409 هـ.

6 -

من مصايد الشيطان، ابن القيم: الإمام محمد بن أبي بكر، تحقيق: محمد حامد

ص: 461

الفقي -دار المعرفة-الطبعة الثانية، 1395 هـ.

7 -

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشنقيطي: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني، دار الفكر، سنة النشر: 1415 هـ/ 1995 م، عدد الأجزاء: تسعة أجزاء.

8 -

أسد الغابة في معرفة الصحابة -المؤلف: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد ابن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد، المعروف بابن الاثير (المتوفى: 630 هـ) المحقق: علي محمد معوض -عادل أحمد عبد الموجود الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى سنة النشر: 1415 هـ -1994 م عدد الأجزاء: 8 (7 ومجلد فهارس).

9 -

أسرار ترتيب القرآن السيوطي، جلال الدين-عبد الرحمن بن أبي بكر، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، 1422 هـ 2002 م، عدد الأجزاء 1.

10 -

أسباب النزول، الواحدي: علي بن أحمد الواحدي النيسابوري أبو الحسن، ط-العلمية، تحقيق: كمال بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، 1411 هـ -1991 م، ط 1، عدد الأجزاء:1.

11 -

أهل السنة والجماعة-خصائص -وفضائل -وأحكام-عرفة بن طنطاوي-تحت الطبع.

12 -

أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة؛ المؤلف: عمر سليمان الأشقر؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: دار النفائس -عمان؛ سنة النشر: 1414 هـ-1994 م.

13 -

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة (الكتاب نشر -أيضًا-بعنوان: (200 سؤال وجواب في العقيدة الاسلامية) المؤلف: حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: (1377 هـ) تحقيق: حازم القاضي الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد -المملكة العربية

ص: 462

السعودية الطبعة: الثانية، 1422 هـ.

14 -

آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان؛ المؤلف: محمد بن

عبد الله الشبلي بدر الدين أبو عبد الله؛ المحقق: أحمد عبد السلام؛ الناشر: دار الكتب العلمية؛ عدد المجلدات: 1؛ عدد الصفحات: 234.

15 -

الأذكار المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت -لبنان طبعة جديدة منقحة، 1414 هـ -1994 م.

16 -

الإبانة لابن بطة -فضائل الصحابة-المؤلف: ابن بطة: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية. المؤلف: أبوعبدالله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي-المتوفى: 387 هـ-تحقيق: حمد بن عبد المحسن التويجري-الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع: سنة النشر: 2005 هـ-عدد الأجزاء: 2.

17 -

أصول السنة، ومعه رياض الجنة بتخريج أصول السنة المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي) المتوفى: 399 هـ) تحقيق وتخريج وتعليق: عبد الله بن محمد عبد الرحيم بن حسين البخاري الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية -المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، 1415 هـ-عدد الأجزاء:1.

18 -

الاعتصام، الشاطبي: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، المتوفى: 790 هـ) تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، الناشر: دار ابن عفان، السعودية الطبعة: الأولى، 1412 هـ -1992 م، عدد الأجزاء:2.

صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان: 19 - إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، الجزء الأول.

20 -

إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان -محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي بن قيم الجوزية أبو عبد الله الناشر: دار المعرفة -بيروت (-الطبعة الثانية، (1395 هـ

ص: 463

-1975 م-تحقيق: محمد حامد الفقي عدد الأجزاء: 2.

21 -

الإضاءة في بيان أصول القراءة تأليف: علي محمد الضباع الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث الطبعة الأولى 1420 هـ. المصدر: موقع (التيسير) للقراءات القرآنية والمتون العلمية.

22 -

الاستذكار المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463 هـ) تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت الطبعة: الأولى، 1421 هـ 2000 م-عدد الأجزاء:9.

23 -

الإتقان في علوم القرآن، السيوطي-جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، -دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط 3، 1415 هـ

24 -

الأعلام-الزركلي خير الدين - (2002 م) ج 6 (الطبعة الخامسة عشر). بيروت: دار العلم للملايين.

25 -

والأسماء والصفات د. عمر الأشقر (ص 210 - 222). أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة؛ المؤلف: عمر سليمان الأشقر، الناشر: دار النفائس -عمان؛ سنة النشر: 1414 هـ-1994 م.

(ب)

26 -

البحر المحيط في التفسير، أبو حيان: محمد بن يوسف بن علي بن يوسف ابن حيان أثير الدين الأندلسي، تحقيق: صدقي محمد جميل الناشر: دار الفكر - بيروت -الطبعة 1420 هـ.

27 -

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروز آبادي: محمد بن يعقوب، تحقيق محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية -لجنة إحياء التراث الإسلامي-القاهرة، 1416 هـ، ط 3.

28 -

بدائع الفوائد المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن

ص: 464

قيم الجوزية (المتوفى: 751 هـ) الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان-عدد الأجزاء:4.

29 -

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع-المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250 هـ) الناشر: دار المعرفة -بيروت-عدد الأجزاء: 2.

30 -

البرهان فى تناسب سور القرآن المؤلف: أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر (المتوفى: 708 هـ) تحقيق: محمد شعباني-دار النشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ـ المغرب-عام النشر: 1410 هـ -1990 م-عدد الأجزاء: 1.

31 -

بحر العلوم-السمرقندي-أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي الفقيه الحنفي-دار الفكر-بيروت تحقيق: د. محمود مطرجي: عدد الأجزاء: 3

32 -

البداية والنهاية: أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدمشقي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة 1407 هـ.

33 -

بداية المجتهد ونهاية المقتصد-المؤلف: أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (المتوفى: 595 هـ) الناشر: دار الحديث -القاهرة الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر: 1425 هـ -2004 م عدد الأجزاء: 4.

34 -

البرهان في علوم القرآن، الزركشي: أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله ابن بهادر، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، 1376 هـ -1957 م، دار إحياء الكتب العربية-عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، ثم صوَّرته دار المعرفة، بيروت، لبنان -وبنفس ترقيم الصفحات، عدد الأجزاء:4.

ص: 465

(ت)

35 -

تفسير الطبري-جامع البيان عن تأويل آي القرآن الطبري، محمد بن جرير، دار الهجرة، ط 1.

36 -

تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير بن زرع القرشي، طبعة: دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ط 5، 1417 هـ.

37 -

تفسير القرطبي-الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد القرطبي، دار الفكر، بيروت-لبنان 1998 م، تحقيق ومراجعة صدقي جميل، وعرفات العشا.

38 -

تفسير السعدي-تيسير كلام الرحمن في تفسير كلام المنان، السعدي:

عبد الرحمن بن ناصر، تحقيق، سعد بن ناصر الصميل، دار ابن الجوزي، 1422 هـ، ط 1، عدد الأجزاء:4.

39 -

تفسير أبي السعود-إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم-المؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: 982 هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت.

40 -

التفسير القيم للإمام ابن القيم (ت: الفقي)؛ المؤلف: ابن القيم؛ المحقق: محمد حامد الفقي؛ عدد المجلدات: 1.

41 -

تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) المؤلف: أبو البركات

عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (المتوفى: 710 هـ) حققه وخرج أحاديثه: يوسف علي بديوي راجعه وقدم له: محيي الدين ديب مستو الناشر: دار الكلم الطيب، بيروت الطبعة: الأولى، 1419 هـ -1998 م عدد الأجزاء:3.

42 -

تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية-الجامع لكلام الإمام ابن تيمية في التفسير

ص: 466

تأليف: شيخ الإسلام بن تيمية جمع وتحقيق وتعليق إياد بن عبد اللطيف القيسي الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام سنة الطبع ط 1 - 1432 هـ عدد الأجزاء: 7.

الإمام-محمد بن عبد الوهاب النجدي (ت 1206 هـ) 43 - تفسير آيات من القرآن الكريم، جامعة: الإمام محمد بن سعود بالرياض.

44 -

تفسير البحر المحيط- (أبو حيان) محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، تحقيق: صدقي محمد جميل، الناشر: دار الفكر، بيروت، الطبعة: 1420 هـ.

45 -

تفسير البغوي-معالم التنزيل: البغوي: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن الفراء، تحقيق وتخريج: محمد عبد الله النمر -عثمان جمعة ضميرية -سليمان مسلم الحرش. الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع الطبعة: الرابعة، 1417 هـ.

46 -

تفسير السمعاني-تفسير القرآن المؤلف: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489 هـ) المحقق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم الناشر: دار الوطن، الرياض -السعودية الطبعة: الأولى، 1418 هـ-1997 م.

47 -

تفسيرأضواء البيان للشنقيطي: -أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشنقيطي: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني، دار الفكر، سنة النشر: 1415 هـ/ 1995 م، عدد الأجزاء: تسعة أجزاء.

48 -

تفسير ابن الجوزي-زاد المسير في علم التفسير المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597 هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار الكتاب العربي -بيروت الطبعة: الأولى -1422 هـ.

ص: 467

49 -

تفسير ابن عاشور-التحرير والتنوير (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد) المؤلف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393 هـ) الناشر: الدار التونسية للنشر-تونس سنة النشر: 1984 هـ عدد الأجزاء: 30) والجزء رقم 8 في قسمين (.

50 -

تفسير ابن عطية-المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542 هـ) المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت الطبعة: الأولى -1422 هـ.

51 -

تفسير الواحدي-الوجيز في تفسير الكتاب العزيز المؤلف: أبو الحسن علي ابن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: 468 هـ) تحقيق: صفوان عدنان داوودي دار النشر: دار القلم، الدار الشامية -دمشق، بيروت الطبعة: الأولى، 1415 هـ عدد الأجزاء:1.

52 -

تفسير الزمخشري-الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل المؤلف: أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538 هـ) الناشر: دار الكتاب العربي -بيروت الطبعة: الثالثة -1407 هـ عدد الأجزاء: 4.

53 -

تفسير البيضاوي-أنوار التنزيل وأسرار التأويل المؤلف: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (المتوفى: 685 هـ) المحقق: محمد عبد الرحمن المرعشلي الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت الطبعة: الأولى -1418 هـ.

54 -

تفسير الألوسي-روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: 1270 هـ) المحقق: علي عبد الباري عطية الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت الطبعة: الأولى، 1415 هـ عدد الأجزاء: 16 (15 ومجلد فهارس).

ص: 468

55 -

تفسير السيوطي-الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1403 هـ -1983 م.

56 -

تفسير السمرقندي-المسمى بحر العلوم-أبو الليث نصر بن محمد ابن إبراهيم السمرقندي الفقيه الحنفي-دار الفكر-بيروت تحقيق: د. محمود مطرجي: عدد الأجزاء: 3.

57 -

التفسير الواضح: ط: الرابعة 1968 م.

58 -

صفوة التفاسير، الصابوني-محمد علي -، دار الصابوني للطباعة والنشر-القاهرة، الطبعة: الأولى، 1417 هـ -1997 م، عدد الأجزاء:1.

59 -

تفسير القاسمي-محاسن التأويل المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: 1332 هـ) المحقق: محمد باسل عيون السود الناشر: دار الكتب العلميه -بيروت الطبعة: الأولى -1418 هـ عدد المجلدات: 17؛ رقم الطبعة: 1.

60 -

تفسير: إصحاح 3 من إنجيل يوحنا للقس أنطونيوس فكري: (يو 3: 16).

61 -

تفسير سفر التثنية-شرح الكتاب المقدس -العهد القديم -القس أنطونيوس فكري: التثنية 21 - تفسير سفر التثنية-العهد القديم: (تثنية 21: 22 - 23).

62 -

التأمين عقب الفاتحة في الصلاة (حكمه وصفته) 0 د/ عبد الله بن إبراهيم الزاحم، بحث من مجلة الجامعة الإسلامية: العدد (125).

63 -

تاريخ القرآن الكريم-رابطة العالم الإسلامي-سلسلة دعوة الحق-السنة الثانية-1402 هـ.

64 -

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه لصدر الشريعة الحنفي: ط: محمد على صبيح: القاهرة-السعد التفتازاني- (د. ت)

65 -

التبيان في تفسير غريب القرآن -شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم

ص: 469

المصري -دار الصحابة للطباعة ط 1، 1992 م.

66 -

التعريفات-المؤلف: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: 816 هـ) المحقق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر: دار الكتب العلمية بيروت -لبنان-الطبعة: الأولى 1403 هـ -1983 م-عدد الأجزاء: 1.

67 -

التحف في مذاهب السلف محمد بن علي الشوكاني، قدم لها وضبط نصها وعلق عليها سليم بن عيد الهلالي وعلي بن حسن الحلبي، دار ابن الجوزي، السعودية، ط 2، 1418 هـ/ 1997 م، 78 صفحة.

68 -

التوحيد ومعرفة أسماء الله عز وجل وصفاته على الإتفاق والتفرد (ت: الفقيهي)؛ المؤلف: محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده أبو عبد الله، الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة -مكتبة العلوم والحكم؛ سنة النشر: 1409 هـ-1989 م، عدد المجلدات: 3؛ رقم الطبعة: 1.

69 -

تمام المنة في التعليق على فقه السنة المؤلف: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420 هـ) الناشر: دار الراية الطبعة: الخامسة عدد الأجزاء: 1.

70 -

التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ط. المنهاج)؛ المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي؛ المحقق: الصادق بن محمد بن إبراهيم؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: دار المنهاج؛ سنة النشر: 1425؛ عدد المجلدات: 3؛ رقم الطبعة: 1؛ عدد الصفحات: 1539.

71 -

تلبيس إبليس المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597 هـ) الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان الطبعة: الطبعة الأولى، 1421 هـ/ 2001 م عدد الأجزاء:1.

ص: 470

72 -

تقريب التَّدمرية، دار ابن الجوزي بالسعودية، الطبعة الأولى - محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ).

73 -

تهذيب اللغة المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى 370 هـ) المحقق: محمد عوض مرعب-الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت الطبعة: الأولى، 2001 م عدد الأجزاء 8.

74 -

التاريخ الكبير المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: 256 هـ) الطبعة: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد -الدكن-طبع تحت مراقبة: محمد عبد المعيد خان عدد الأجزاء: 8.

75 -

تاج العروس من جواهر القاموس المؤلف: محمّد بن محمّد بن

عبد الرزّاق الحسيني، الملقّب بمرتضى الزَّبيدي (المتوفى: 1205 هـ) عدد الأجزاء: 20 الناشر: دار الفكر -بيروت الطبعة: الأولى/ 1414 هـ.

76 -

تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين القلموني الحسيني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990 م، عدد الأجزاء: 12 جزءًا.

77 -

تيسير العزيز الحميد (الطبعة السابعة)، بيروت: المكتب الإسلامي. -سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (1408 هـ-1988 م).

78 -

تناسق الدرر في تناسب السور الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد سابق الدين خضر الخضيري الأسيوطي، المشهور باسم جلال الدين السيوطي، (القاهرة 849 هـ/ 1445 م-القاهرة 911 هـ/ 1505 م) -مخطوط-المكتبة الأزهرية.

(ج)

79 -

جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية، المؤلف: أبو عبد الله شمس الدين بن محمد بن أشرف بن قيصر الأفغاني (المتوفى: 1420 هـ)، الناشر: دار

ص: 471

الصميعي، الطبعة: الأولى -1416 هـ -1996 م.

80 -

الجواب الكافي، ابن قيم الجوزية: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي زيد الدين الزُّرعي ثم الدمشقي، مكتبة الرياض الحديثة، ط: 1401 هـ.

81 -

الجامع الصحيح - (سنن الترمذي)، الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، (د. ت).

82 -

الحاوي للفتاوي: جلال الدين السيوطي: واسمه عبد الرحمن بن الكمال بن محمد الخضيري السيوطي دار الفكر للطباعة والنشر، سنة النشر:(1424 هـ -2004 م) -عدد الأجزاء: جزءان.

83 -

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728 هـ) تحقيق: علي بن حسن -عبد العزيز بن إبراهيم -حمدان بن محمد الناشر: دار العاصمة، السعودية الطبعة: الثانية، 1419 هـ/ 1999 م عدد الأجزاء:6.

84 -

جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، ابن رجب: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد، المعروف بـ (ابن رجب) الحنبلي، تحقيق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، 1424 هـ -2004 م، عدد المجلدات: 3 (في ترقيم مسلسل واحد).

85 -

الجدول في إعراب القرآن وصرفه وبيانه مع فوائد نحوية هامة-دار الرشيد ومؤسسة الإيمان-المؤلف: محمود صافي الناشر: دار الرشيد - مؤسسة الإيمان رقم الطبعة: 3 - 1416 هـ 1995 م-طبعة مزيدة بإشراف اللجنة العامة بدار الرشيد عدد المجلدات: 16

ص: 472

86 -

جمال القراء وكمال الإقراء، السخاوي: علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري الشافعي أبو الحسن علم الدين، دراسة وتحقيق: عبد الحق عبد الدايم سيف القاضي، أصل الكتاب رسالة دكتوراه بإشراف: د/ محمد سالم المحيسن، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1419 هـ -1999 م، عدد الأجزاء:2.

(ح)

87 -

الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى المؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني أصل الكتاب: رسالة ماجستير، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد -المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، 1423 هـ عدد الصفحات: 613 عدد الأجزاء: 1.

88 -

الحبائك في أخبار الملائك المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 هـ) تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان الطبعة: الأولى، 1405 هـ -1985 م عدد الأجزاء:1.

89 -

حلية الأولياء، الأصبهاني: الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، سنة 1407 هـ.

90 -

حَاشِيةُ الشِّهَابِ عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوِي، الْمُسَمَّاة: عِنَايةُ القاضي وكِفَايةُ الرَّاضِى عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوي-المؤلف: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي المصري الحنفي (المتوفى: 1069 هـ) دار النشر: دار صادر -بيروت عدد الأجزاء: 8.

(خ)

91 -

الخصائص الكبرى أو كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب؛ المؤلف:

ص: 473

عبد الرحمن أبي بكر السيوطي جلال الدين؛ المحقق: محمد خليل هراس؛ حالة الفهرسة: غير مفهرس؛ الناشر: دار الكتب الحديثة؛ عدد المجلدات: 3.

92 -

خلق أفعال العباد، البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار المعارف السعودية-الرياض، عدد الأجزاء:1.

(د)

93 -

الداء والدواء-المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية) 691 - 751 هـ) حققه: محمد أجمل الإصلاحي-خرج أحاديثه: زائد بن أحمد النشيري-الناشر: دار عالم الفوائد -مكة المكرمة الطبعة: الأولى، 1429 هـ-عدد الأجزاء:1.

94 -

درء تعارض العقل والنقل المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن

عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728 هـ) تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية الطبعة: الثانية، 1411 هـ -1991 م عدد الأجزاء:10.

95 -

دائرة معارف القرن العشرين؛ المؤلف: محمد فريد وجدي-الناشر: تصوير دار المعرفة؛ سنة النشر: 1971؛ عدد المجلدات: 10.

96 -

دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية؛ المؤلف: سعود بن عبد العزيز الخلف-الناشر: أضواء السلف؛ سنة النشر: 1418 - 1997؛ عدد المجلدات: 1.

97 -

الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911 هـ) تحقيق: الدكتور محمد بن لطفي الصباغ الناشر: عمادة شؤون المكتبات -جامعة الملك سعود، الرياض عدد الأجزاء:1.

ص: 474

(ر)

99 -

روائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن رجب الحنبلي؛ المؤلف: ابن رجب الحنبلي -طارق عوض الله بن محمد أبو معاذ-الناشر: دار العاصمة؛ سنة النشر: 1422 هـ 2001 م، عدد المجلدات: 2؛ رقم الطبعة: 1؛ عدد الصفحات: 1570.

100 -

رياض الصالحين للنووي، طبعة المكتب الإسلامي-الطبعة الأولى-1412 هـ-بتخريج الألباني.

(ز)

101 -

زاد المعاد في هدي خير العباد-المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751 هـ) الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت-مكتبة المنار الإسلامية، الكويت الطبعة: السابعة والعشرون، 1415 هـ/ 1994 م-عدد الأجزاء:5.

99 -

زهرة التفسير-محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة (المتوفى: 1394 هـ) -دار النشر: دار الفكر العربي-عدد الأجزاء: 10.

(س)

102 -

سنن أبي داود (مطبوع مع عون المعبود)، سليمان بن الأشعث السيجستاني، دار الكتب العلمية، ط 1، (د. ت).

103 -

سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي، ط، 1 سنة 1418 هـ -1997 م -دار.

104 -

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع-الرياض، الطبعة الأولى، سنة النشر: 1415 هـ، عدد الأجزاء: 6 عام النشر: جـ 1 - 4: 1415 هـ -1995 م جـ 6: 1416 هـ - 1996 م جـ 7: 1422 هـ - 2002 م.

ص: 475

105 -

رسائل في العقيدة؛ المؤلف: حماد بن محمد الأنصاري أبو عبد اللطيف؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: مكتبة الفرقان؛ عدد المجلدات: 1؛ عدد الصفحات: 257.

106 ـ سير أعلام النبلاء: الذهبي: شمس الدين محمد بن أحمد (ت 748 هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة 1409 هـ.

107 -

سنن ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية.

108 -

السنن الكبرى، النسائي: أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه، شعيب الأرناؤوط، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة - بيروت-الطبعة: الأولى، 1421 هـ -2001 م.

109 سنن البيهقي (السنن الكبرى)، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دار الفكر، (د. ت).

(ش)

110 -

شرح ثلاثة الأصول، المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ)، الناشر: دار الثريا للنشر الطبعة: الطبعة الرابعة 1424 هـ -2004 م، الجزء: 1 الصفحة: 39.

111 -

الشيخ العلَّامة عبد الرزاق عفيفي: حياته العلمية وجهوده الدعوية وآثاره الحميدة. محمد أحمد سيد أحمد، طبع الرياض -السعودية، 1418 هـ، منشورات المكتب الإسلامي.

112 -

شرح القصيدة النونية المسماة «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية -الناظم: شمس الدين ابن قيم الجوزية - (المتوفى: 751 هـ) -تأليف-الدكتور محمد خليل هراس- (المتوفى: 1395 هـ) -عدد المجلدات:

ص: 476

2 -

الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت-ط 2 - 1415 هـ.

113 -

شرح مختصر الروضة المؤلف: سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: 716 هـ) المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، 1407 هـ/ 1987 م عدد الأجزاء:3.

114 -

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة؛ المؤلف: هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي أبو القاسم؛ المحقق: نشأت بن كمال المصري؛ حالة الفهرسة: غير مفهرس؛ سنة النشر: 1422 هـ 2001 م-عدد المجلدات: 2؛ عدد الصفحات.

115 -

شرح النووي على مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1392 هـ.

116 -

الشفا بتعريف حقوق المصطفى -مذيلًا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء المؤلف: أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي (المتوفى: 544 هـ) الحاشية: أحمد بن محمد بن محمد الشمني (المتوفى: 873 هـ) الناشر: دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع عام النشر: 1409 هـ -1988 م عدد الأجزاء: 2

117 -

شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، ابن دقيق العيد: تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، مؤسسة الريان، الطبعة: السادسة 1424 هـ -2003 م، عدد الأجزاء:1.

(ص)

118 -

صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ضبطه ورقمه مصطفى ديب البغا-ط 3 - دار ابن كثير-دمشق-بيروت-1407 هـ

119 -

صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد بن

ص: 477

حبان التميمي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة -بيروت

الطبعة: الثانية، 1414 هـ - 1993 م، عدد الأجزاء:18.

120 -

صحيح ابن خزيمة، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأول ى 1393 هـ.

121 -

صفحات في علوم القراءات. المؤلف: د. أبو طاهر عبد القيوم عبد الغفور السندي الناشر: المكتبة الأمدادية الطبعة: الأولى-1415 هـ عدد الأجزاء: 1.

122 -

الصفدية المؤلف: تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن

عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728 هـ) المحقق: محمد رشاد سالم الناشر: مكتبة ابن تيمية، مصر الطبعة: الثانية، 1406 هـ عدد الأجزاء: 2 في مجلد واحد.

123 -

الصحيح المسند من أسباب النزول، مقبل بن هادي الوادعي دار ابن حزم، الطبعة: الثانية، 1415 هـ.

124 -

الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية-المؤلف: أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 393 هـ) تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار-الناشر: دار العلم للملايين - بيروت الطبعة: الرابعة 1407 هـ -1987 م-عدد الأجزاء 6.

125 -

صحيح سنن ابن ماجه، محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي لدول الخليج الطبعة الثالثة، 1408 هـ، توزيع المكتب الإسلامي.

126 -

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ط. العاصمة)؛ المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية أبو عبد الله؛ المحقق: علي بن محمد الدخيل الله؛ لناشر: دار العاصمة؛ سنة النشر: 1408؛ عدد المجلدات: 4؛ رقم الطبعة: 1؛ عدد الصفحات: 1721.

127 -

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، مقبل بن هادي الوادعي-

ص: 478

الناشر: مكتبة دار القدس - صنعاء - الطبعة: الأولى - سنة الطبع: 1411 هـ

128 -

صحيح سنن أبي داود، محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1409 هـ، ط 1، توزيع المكتب الإسلامي.

129 -

صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، محمد ناصر الدين الألباني، دار الصديق، الطبعة الأولى، 1414 هـ.

130 -

صحيح الترغيب والترهيب للمنذري، محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى 1421 هـ.

131 -

صحيح سنن الترمذي محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي-بيروت، الطبعة الأولى 1408 هـ.

132 -

صحيح الجامع الصغير وزياداته، الألباني: أبوعبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري، الناشر: المكتب الإسلامي، عدد الأجزاء:2.

(ط)

133 -

الطحاوية-شرح العقيدة الطحاوية المؤلف: صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد بن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى: 792 هـ) تحقيق: جماعة من العلماء، تخريج: ناصر الدين) الطبعة: الطبعة المصرية الأولى، 1426 هـ -2005 م-عدد الأجزاء:1. وهو مذيل بحواشي وتعليقات الشيخ الألباني رحمه الله.

134 -

طريق الهجرتين وباب السعادتين (ط. مجمع الفقه)؛ المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية أبو عبد الله؛ المحقق: محمد أجمل الإصلاحي -زائد بن أحمد النشيري؛ الناشر: مجمع الفقه الإسلامي بجدة؛ سنة النشر: 1429 هـ؛ عدد المجلدات: 2؛ رقم الطبعة: 1؛ عدد الصفحات: 1208.

ص: 479

135 -

(الطبقات الكبرى)(طبقات ابن سعد)(ط. الخانجي)؛ المؤلف: محمد بن سعد بن منيع الزهري؛ المحقق: علي محمد عمر؛ حالة الفهرسة: مفهرس على العناوين الرئيسية؛ الناشر: مكتبة الخانجي؛ سنة النشر: 1421 هـ-2001 م. عدد المجلدات: 11؛ رقم الطبعة: 1.

(ع)

136 -

عناية الإسلام بتربية الأبناء كما بينتها سورة لقمان، عرفة بن طنطاوي، رسالة ماجستير تحت الطبع، الجامعة الإسلامية العالمية-القاهرة-

137 العبودية، ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، تحقيق: محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي -بيروت، ط 7، 1426 هـ -2005 م.

138 -

-العجاب في بيان الأسباب- المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد ابن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852 هـ) المحقق: عبد الحكيم محمد الأنيس-الناشر: دار ابن الجوزي-عدد الأجزاء: 2

139 -

العزفُ على أنوار الذِّكر-معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآنيّ في سياق السورة-محمود توفيق محمد سعد: أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر-شبين الكوم-1424 هـ. (1/ 57). - (غير مطبوع).

140 -

العمدة في غريب القرآن لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 745 هـ -1046 م، حققه د/ يوسف عبد الرحمن مرعشلي -ط مؤسسة الرسالة بيروت 1404 هـ -1984 م.

141 -

الملائكة الأبرار المؤلف: عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر العتيبي الناشر: مكتبة الفلاح، الكويت الطبعة: الثالثة، 1403 هـ -1983 م عدد الأجزاء:1.

ص: 480

142 -

عمدة القاري شرح صحيح البخاري المؤلف: أبو محمد محمود بن أحمد ابن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العيني (المتوفى: 855 هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي -بيروت عدد الأجزاء: 25.

143 -

عون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، طبعة، دار الحديث، القاهرة، 1415 هـ-1995 م، ط 1.

(غ)

144 -

غريب القرآن وتفسيره، اليزيدي، أبو عبد الرحمن عبد الله بن يحيى بن المبارك، تحقيق: محمد سليم الحاج، الطبعة الأولى، (بيروت: عالم الكتب 1985 م).

145 -

غريب القرآن المؤلف: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276 هـ) المحقق: أحمد صقر الناشر: دار الكتب العلمية (لعلها مصورة عن الطبعة المصرية) السنة: 1398 هـ -1978 م.

(ف)

146 -

فتح القدير: الجامع بين فني الرواية والدراية، الشوكاني: محمد بن علي ابن محمد الشوكاني، دار المعرفة، سنة النشر: 1423 هـ -2004 م، عدد الأجزاء: جزء واحد.

147 -

فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -راجعه: قصي محب الدين الخطيب -دار الريان، القاهرة -الطبعة الأولى، 1407 هـ.

148 -

الفوائد، ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي ثم الدمشقي، بيروت، دار الكتب العلمية-1393 هـ، ط 2.

149 -

فتحُ البيان في مقاصد القرآن المؤلف-أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: 1307 هـ)

ص: 481

عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري-الناشر-المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر، صَيدَا بَيروت-عام النشر: 1412 هـ-عدد الأجزاء: 15 - .

150 -

فتح رب البرية بتلخيص الحموية المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض عدد الأجزاء:1.

151 -

فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة، وتبرئة دعوة وأتباع محمد بن عبد الوهاب من تهمة التطرف والإرهاب المؤلف: محمد بن حسين بن سعيد ابن هادي بن عبد الرحمن بن محمد بن حسن بن سفران القحطاني الناشر: دار الأوفياء للطبع والنشر -الرياض عدد الأجزاء: 1.

152 -

فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء-بالمملكة العربية السعودية، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش، دار المؤيد للنشر والتوزيع-الرياض، 1424 هـ، ط 2، عدد المجلدات:23.

153 -

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، الطبعة: السابعة، 1377 هـ-1957 م.

(ق)

154 -

القاموس المحيط، الفيروز آبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1417 هـ/ 1997 م، ط 1.

155 -

القصيدة النونية لابن القيم مع شرح محمد خليل الهراس، 2/ 134 شرح القصيدة النونية المسماة «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية -الناظم: شمس الدين ابن قيم الجوزية - (المتوفى: 751 هـ) -تأليف-الدكتور محمد خليل هراس.

ص: 482

- (المتوفى: 1395 هـ) -عدد المجلدات: 2 - الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت-ط 2 - 1415 هـ.

156 -

القول السديد شرح كتاب التوحيد-المؤلف: أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى: 1376 هـ) الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد -المملكة العربية السعودية-الطبعة: الثانية، 1421 هـ-عدد الصفحات: 223 عدد الأجزاء: 1.

157 -

القيامة الكبرى؛ المؤلف: عمر سليمان الأشقر؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: دار النفائس؛ سنة النشر: 1415 هـ-1995 م-عدد المجلدات: 1؛ رقم الطبعة: 6؛ عدد الصفحات: 288.

158 -

القول الوجيز في فواصل الكتاب العزيز على ناظمة الزهر للإمام الشاطبي، شرح العلَّامة المخللاتي على ناظمة الزهر، رضوان بن محمد بن سليمان أبو عيد المخللاتي، تحقيق: عبد الرزاق بن علي بن إبراهيم موسى، مطابع الرشيد، 1412 هـ-1992 م.

(ك)

159 -

الكواشف الجلية عن معاني الواسطية؛ المؤلف: عبد العزيز المحمد السلمان؛ حالة الفهرسة: غير مفهرس؛ الناشر: رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد؛ سنة النشر: 1402 هـ-1982 م، عدد المجلدات: 1؛ رقم الطبعة: 11؛ عدد الصفحات: 8091.

(ل)

160 -

الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية المؤلف: أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (المتوفى: 1094 هـ) المحقق: عدنان درويش -محمد المصري الناشر: مؤسسة الرسالة -بيروت

ص: 483

سنة النشر: عدد الأجزاء: 1.

161 -

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية المؤلف: شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: 1188 هـ) الناشر: مؤسسة الخافقين ومكتبتها -دمشق الطبعة: الثانية -1402 هـ -1982 م عدد الأجزاء: 2.

162 -

لسان العرب المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (المتوفى: 711 هـ) الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة -1414 هـ-عدد الأجزاء.

163 -

اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل: أبو حفص سراج الدين عمر بن عليِّ بن عادل الحنبليُّ الدمشقيُّ النعمانيُّ، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية -بيروت -لبنان، الطبعة: الأولى، 1419 هـ -1998 م، عدد الأجزاء:20.

(م)

164 -

معجم مقاييس اللغة، ابن فارس: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1399 هـ -1979 م، عدد الأجزاء:6.

165 -

متن الطحاوية بتعليق الألباني: نقلًا عن موسوعة العقيدة-شرح العقيدة الطحاوية-المؤلف: صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد بن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى: 792 هـ) تحقيق: جماعة من العلماء، تخريج: ناصر الدين الألباني-الناشر: دار السلام للطباعة والنشر التوزيع والترجمة (عن مطبوعة المكتب الإسلامي) الطبعة: الطبعة المصرية الأولى، 1426 هـ -2005 م-عدد الأجزاء: 1 - ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي وتعليقات الشيخ الألباني رحمه الله.

ص: 484

166 -

معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول-المؤلف: حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: 1377 هـ) المحقق: عمر بن محمود أبو عمر-الناشر: دار ابن القيم - الدمام-الطبعة: الأولى، 1410 هـ -1990 م-عدد الأجزاء 3.

167 -

المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج-المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت-الطبعة: الثانية، 1392 عدد الأجزاء): 18 (في 9 مجلدات.

168 -

معاني القرآن-المؤلف: أبو جعفر النحاس أحمد بن محمد (المتوفى: 338 هـ) المحقق: محمد علي الصابوني-الناشر: جامعة أم القرى -مكة المكرمة-الطبعة: الأولى، 1409.

169 -

مدارج السالكين: الإمام ابن قيم الجوزية -تحقيق: محمد حامد الفقي -دار المعرفة، بيروت -الطبعة الثانية، 1359 هـ.

170 -

منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة: الأولى، 1406 هـ -1986 م.

171 -

مجموع الفتاوى، ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، دار الوفاء، 1426 هـ، ط 3.

172 -

مجموع فتاوى العلَّامة عبد العزيز عبد باز رحمه الله المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420 هـ) أشرف على جمعه وطبعه: محمد بن سعد الشويعر-عدد الأجزاء ثلاثون جزءًا.

173 -

المجموع شرح المهذب، النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف محيي الدين، تحقيق: محمد نجيب المطيعي، طبع ونشر مكتبة الإرشاد، (د. ت) عدد

ص: 485

المجلدات: 23.

174 -

مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان-الناشر: دار الوطن -دار الثري-الطبعة الأخيرة -1413 هـ-عدد الأجزاء: 26.

175 -

مباحث في التفسير الموضوعي-المؤلف: مصطفى مسلم-الناشر: دار القلم-الطبعة: الرابعة 1426 هـ -2005 معدد الأجزاء: 1.

176 مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (ط. مجمع الفقه)؛ المؤلف: ابن قيم الجوزية؛ المحقق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: مجمع الفقه الإسلامي -جدة؛ سنة النشر: 1432؛ عدد المجلدات: 3؛ رقم الطبعة: 1.

177 -

مذكرة التوحيد المؤلف: عبد الرزاق عفيفي (المتوفى: 1415 هـ) الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد -المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، 1420 هـ الجزء: 1 الصفحة: 3.

178 -

معاني القرآن للأخفش، الأخفش: أبو الحسن المجاشعي بالولاء، البلخي ثم البصري، المعروف بالأخفش الأوسط، تحقيق: د-هدى محمود قراعة

مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1411 هـ -1990 م، عدد الأجزاء: 2 - .

179 -

معاني القرآن وإعرابه، الزجاج: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق، تحقيق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب-بيروت، الطبعة: الأولى 1408 هـ -1988 م، عدد الأجزاء:5.

180 -

مجاز القرآن المؤلف: أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري (المتوفى: 209 هـ) المحقق: محمد فؤاد سزگين الناشر: مكتبة الخانجى -القاهرة

ص: 486

الطبعة: 1381 هـ.

181 -

معجم المناهي اللفظية وفوائد في الألفاظ؛ المؤلف: بكر أبو زيد؛ حالة الفهرسة: غير مفهرس؛ الناشر: دار العاصمة؛ سنة النشر: 1417 - 1996؛ عدد المجلدات: 1؛ رقم الطبعة: 3؛ عدد الصفحات: 780.

182 -

المجالس السنية في الكلام عن الاربعين النوويه-هامشه: السبعيات في مواعظ البريات اسم المؤلف: احمد ابن حجازي الفشني-هامشه: أبو نصر محمد بن عبد الرحمن الهمذاني التصنيف: طبعه مصر سنه 1869 م.

183 -

المحجة في سير الدلجة: (ص 71)، ابن رجب، دار البشائر الاسلامية ط 3 - 1409 هـ.

184 -

المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم؛ المؤلف: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي؛ المحقق: محي الدين ديب مستو -أحمد محمد السيد -يوسف علي بديوي -محمود إبراهيم بزال؛ حالة الفهرسة: مفهرس على العناوين الرئيسية؛ سنة النشر: 1417 هـ-1996 م-عدد المجلدات: 7؛ رقم الطبعة: 1.

185 -

معجم مقاييس اللغة المؤلف: أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395 هـ) المحقق: عبد السلام محمد هارون الناشر: دار الفكر عام النشر: 1399 هـ -1979 م. عدد الأجزاء 6.

186 -

المسند، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق شعيب الأرناؤوط--عادل مرشد، وآخرين إشراف: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ -2001 م.

187 -

المستدرك على الصحيحين المؤلف: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفى: 405 هـ) تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا

ص: 487

الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت الطبعة: الأولى، 1411 هـ 1990 م-عدد الأجزاء:4.

188 -

المصنف المؤلف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفى: 211 هـ) المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي الناشر: المجلس العلمي-الهند يطلب من: المكتب الإسلامي -بيروت الطبعة: الثانية، 1403 عدد الأجزاء:11.

189 -

مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور؛ المؤلف: إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي برهان الدين أبو الحسن؛ المحقق: عبد السميع محمد أحمد حسنين؛ حالة الفهرسة: غير مفهرس؛ الناشر: مكتبة المعارف؛ سنة النشر: 1408 هـ م-عدد المجلدات: 3؛ رقم الطبعة: 1.

190 -

الموسوعة الفقهية الكويتية صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية -الكويت عدد الأجزاء: 45 جزءًا الطبعة: (من 1404 - 1427 هـ).

191 -

منار الهدى في بيان الوقف والإبتدا، ومعه المقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء (ط الحلبي)؛ المؤلف: أحمد بن محمد

عبد الكريم الأشموني -زكريا الأنصاري أبو يحي-الناشر: مصطفى البابي الحلبي؛ سنة النشر: 1393 هـ 1973 م-عدد المجلدات: 1.

192 -

الموافقات المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: 790 هـ) المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان الناشر: دار ابن عفان الطبعة: الطبعة الأولى 1417 هـ/ 1997 م عدد الأجزاء: 7.

193 -

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد، الجاوي: محمد بن عمر نووي، تحقيق محمد أمين الصناوي، دار الكتب العلمية -بيروت، الطبعة: الأولى -1417 هـ عدد الأجزاء: 4.

ص: 488

194 -

ميزان الاعتدال: الإمام الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن عثمان بن قَايْماز، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأُولى، سنة 1382 هـ.

195 -

المحيط في اللّغة، الصّاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد، حققه: الشيخ محمد حسن آل ياسين، بيروت، 1414 هـ/ 1994 م.

196 -

المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، ـ تحقيق: صفوان عدنان الداودي، ط 1، دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت- 1412 هـ.

197 -

موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، إعداد مجموعة من المتخصصين، صالح بن عبد الله بن حميد، وعبد الرحمن بن محمد بن ملوح، وآخرين، دار الوسيلة، جدة، 1418 هـ.

198 -

المعجم الأوسط، الطبراني: أبو القاسم: سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين - القاهرة، عدد الأجزاء:10.

199 -

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، المُلَّا علي القاري: علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين المُلَّا الهروي، دار الفكر، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، 1422 هـ -2002 م، عدد الأجزاء:9.

(ل)

200 -

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية المؤلف: شمس الدين، أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (المتوفى: 1188 هـ) الناشر: مؤسسة الخافقين ومكتبتها - دمشق الطبعة: الثانية -1402 هـ -1982 م-عدد الأجزاء.

201 -

لسان العرب المؤلف: محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (المتوفى: 711 هـ) الناشر: دار صادر

ص: 489

- بيروت-لطبعة: الثالثة -1414 هـ.

(ن)

202 -

نيل الأوطار المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250 هـ) تحقيق: عصام الدين الصبابطي-الناشر: دار الحديث، مصر الطبعة: الأولى، 1413 هـ -1993 م-عدد الأجزاء:8.

203 -

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: البقاعي، برهان الدين: أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، دار الكتاب الإسلامي-القاهرة، ط 1403 هـ-1992 م، عدد المجلدات (22) مجلدًا.

(هـ)

204 -

هدايات سورة الفاتحة-الكاتب: د. أحمد ولد محمد ذو النورين -مجلة البيان -التاريخ (12/ 9/ 2010 م).

205 -

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى (ط. مجمع الفقه)؛ المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية أبو عبد الله؛ المحقق: عثمان جمعة ضميرية؛ حالة الفهرسة: مفهرس فهرسة كاملة؛ الناشر: مجمع الفقه الإسلامي بجدة؛ سنة النشر: 1429؛ عدد المجلدات: 1؛ رقم الطبعة: 1.

ص: 490