الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب الأرض والسماء ذي الفضل والطول والنعماء رفيع الدرجات في الصفات والأسماء ورافع مراتب العلماء من الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء والصلوة والسلام على سيد الأنبياء وسند الأصفياء وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء وعلى اتباعهم بحسن الإقتداء فى الملة الحنفية السمحاء
أما بعد
فيقول الواثق بكرم ربه الباري علي بن سلطان محمد القاري إني لما وفقني الله سبحانه بلطفه الخفي وتوفيقه الوفي على كتابة مسند الإمام وشرح مسند الإمام أحببت أن أذكر بعض مناقبه وأشهر نبذة من مراتبه تنبيها للجاهلين بمقامه والغافلين عن دقائق مرامه وأذيله بذكر أصحابه العلية المشاهر من طبقات الحنفية وما لهم من اللطائف الخفية والعوارف الجلية والمعارف السنية رجاء أن أتخلق بفرائد أخلاقهم وأترزق من موائد أرزاقهم فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة وببركاتهم تحصل النعمة وتزول النقمة وقد قيل للجنيد سيد الطائفة هل لذكر المشائخ من منفعة فقال نعم فقيل له هل على ذلك دلالة من الكتاب أو السنة فقال نعم قال تعالى {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} ثم من المعلوم أن الأولياء هم العلماء العاملون والفضلاء الكاملون وقد ثبت عن الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي أنهما قالا لو لم يكن العلماء أولياء فليس لله أولياء وروى ما اتخذا الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه ومما يشاهد من الآيات قوله تعالى {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} حيث اندرج فيهم الأولياء وقوله سبحانه {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}
وقوله عز وجل {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وقد قيل لعبد الله بن المبارك كيف لا تستوحش وحدك في المقام فقال كيف يستوحش من يجالس النبي عليه السلام والصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين يعني الكتب لان فيها الأخبار والآثار رواه الحاكم فى تاريخه عن نعيم ابن حماد
الإمام الأعظم والهمام الأقدم تاج الأئمة وسراج الأمة أبو حنيفة نعمان ابن ثابت الكوفي رحمة الله عليه
وهو ابن زوطا بفتح الزاي والطاء المهملة ابن ماه الكوفي هكذا رفع نسبه رضي الدين الصغاني الحنفي فى العباب ذكره مجد الدين الفيروز أبادي في طبقات الحنفية وقال النووي في تهذيب الأسماء والصفات ابن زوطا بضم الزاي وفتح الطاء وذكر صاحب الكافي أنه نعمان بن ثابت بن طاوس ابن هرمز بن ملك بن شيبان وذكر الإمام أبو مطيع البلخي أنه من العرب من قبيلة الأنصار وذكر نصر بن محمد بن نصر المروزي ان ثابتا كان من قرية نسا من خراسان وذكر حارث بن إدريس أنه كان من مدينة الرجال ثرمذ ورفع نسبه أبو إسحاق الصريفني إلى هود ابن النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن آزر وعدد من جملة آبائه الملك إسفنديار وكيقباد وقيل أنه من أبناء أفريدون من نسل ملوك العجم وبعضهم رفعه إلى هود النبي من أولاد سام بن نوح منتهيا إلى شيث بن آدم عليهم السلام لكن في تفسير البغوي في قوله تعالى {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله} يعني من كان بعد نوح وعاد وثمود وروى عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ هذه الآية ثم قال كذب النسابون وعن عبد الله بن عباس قال بين إبراهيم وبين عدنان ثلاثون قرنا
لا يعلمهم إلا الله وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نسبه أبا أبا إلى آدم وكذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم أولئك الأباء أحد إلا الله هذا وقيل كان جده زوطا من أهل كابل أو بابل مملوكا لبني تيم الله ابن ثعلبة فاعتق فولد أبوه ثابت على الإسلام وإلا صح أنه من الأحرار ما وقع عليه الرق قط في جميع الأعصار كما هو منقول عن إسمعيل بن حماد ابن الإمام والله اعلم بحقيقة المرام
ثم اعلم أن التوفيق بين الروايات المذكورة في نسب الإمام ممكن لجواز أن يكون مولده ببلدة وتوطنه بأخرى ونشاؤه بغيرها وكذا بأهله بإحداها على أنه لا يلزم أن يكون كله موجودا في حق الإمام بل إذا وجد كل واحد في حق واحد من آبائه صح أن ينسب إليه فان الإمام أبا بكر الخوارزمي أمه خوارزمية وأبوه طبري وعن إسمعيل بن حماد بن أبي حنيفة أن ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار والله ما وقع علينا رق قط ولد جدي في سنة ثمانين وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفى ذريته قيل هو يمي من رهط حمزة الزيات فيكون من قبيلة الصديق وكان خزازا يبيع الخز والصحيح أن الإمام ولد سنة ثمانين وقيل إحدى وستين وقيل ثلاث وستين وأجمعوا على إنه مات سنة مائة وخمسين ببغداد في رجب أو شعبان وقيل في شوال وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ترفع زينة الدنيا سنة خمسين ومائة وقد قيل مات في السجن ليلى القضاء فلم يفعل وقيل توفى في اليوم الذي ولد فيه الشافعي وقد ثبت رويته لبعض الصحابة واختلف في روايته عنهم والمعتمد ثبوتها كما بينته في = مسند الإمام حال إسناده إلى بعض الأصحاب الكرام فهو من التابعين
الأعلام كما صرح به العلماء الأعيان داخل تحت قوله تعالى {والذين اتبعوهم بإحسان} في عموم قوله عليه السلام خير القرون قرني ثم الذين يلونهم رواه الشيخان وغيرهما وفي خصوص حديثه لو كان العلم في الثريا لنا له رجال من فارس على ما في الصحيحين وكثرة مناقبه تدل على رفعة مراتبه فلا يحتاج إلى الإستدال بأحاديث ذكرها العلامة الكردري وغيره بأسانيد في حقه ومنها أبو حنيفة سراج أمتي ونحوه مما قال المحققون من أهل الحديث أنه لا أصل له
ثم علم أن جمهور العلماء من أهل الحديث على أن الرجل بمجرد اللقي للصحابي يصير تابعيا ولا يشترط أن يصحبه مدة ولا ان ينقل عنه رواية بخلاف الصحابي فان بعض الفقهاء شرطوا فيه طول الصحبة أو المرافقة في الغزوة أو الموافقة في الرواية قال البخاري من صحبة أو رآه صلى الله عليه وسلم من المسلمين فهو صحابي ويدل عليه ما ذكر ابن الصلاح عن أبي زرعة أنه سئل عن عدة من روى عنه صلى الله عليه وسلم قال ومن يضبط هذا شهد معه فى حجة الوداع أربعون ألفا وفى تبوك سبعون ألفا ونقل عنه أيضاً قبض صلى الله عليه وسلم عن مائة وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى وفي رواية ممن رآه وسمع منه فقيل هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا قال أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما من الأعراب فهذا الذي نقله ابن الصلاح نص منه لا يشترط الصحبة الطويلة واستدل أيضا على بطلانه بما روى شعبة عن موسى السبلاني وأثنى عليه خيرا قال أتيت أنس بن مالك فقلت هل بقى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد غيرك قال بقى ناس من الأعراب رأوه فإما من صحبه فلا إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة فأطلق اسم الأصحاب على كل من رآه وقد حققنا هذه المسئلة فى شرح شرح النخبة وقيل يطلق اسم التابعي
على من اسلم من الصحابة بعد الحديبية كخالد ابن الوليد وعمرو بن العاص وأمثالها من مسلمة الفتح لما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف شكا إليه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقال عليه السلام دعو إلى أصحابي فوالذي نفسي بيده لو انفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدا أحدهم ولا نصيفه أطلق اسم الصحابة على من تقدم صحبته قبل الحديبية في مقام المقابلة وقد ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب تراجم بعض الأصحاب والواقدي خص مقاما التابعين رضي الله عنهم أجميعن وبعض مشايخ إمامنا وهم أربعة آلاف
منهم من ذكرنا مناقب بعضم في مسند الإمام وذكر الكردري أنه أدرك الإمام محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضى الله عنهم ويسمى الباقر لأنه بقر العلم أي شقه بجودة ذهنه وحدة فهمه وكذا أدرك جعفر بن محمد ابن علي وهو الصادق وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولد سنة الثمانين في السنة التي ولد فيها الإمام ومات سنة ثمان وأربعين ومائة ومنهم ربيعة الرأي تابعي مشهور من فقهاء المدينة من شيوخ الإمام مالك وزيد بن اسلم مولى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومنهم شعبة بن الحجاج الذي يقال له أمير المؤمنين في الحديث ومنهم أبو محمد عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب من سادات بني هاشم وأمه فاطمة ابنة الحسين بن علي مات في حبس المنصور بالكوفة ومنهم الأوزاعي إمام أهل الشام ومنهم عطاء بن أبي رباح المكي كان جعد الشعر اسود افطس امثل اعور ثم عمي بعد ذلك قال أبو حنيفة ما رأيت افقه من حماد ولا اجمع من عطاء ومنهم أبو بكر عاصم بن أبي النجود بفتح النون وضم الجيم الإمام فى القرأة تابعي جليل القدر ومنهم عامر بن شراحيل بن عبد الله
الشعبي قال أدركت خمس مائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان يعجبه هذا البيت شعر
…
ليست الأحلام في حين النهي
…
إنما الأحلام في حال الغضب
…
قلت قد ورد الصبر عند الصدمة الأولى وذكر بعضهم أنه أدرك بهلول بن حمزة الصوفي المجنون فان كان هذا بهلول الذي لقي الرشيد فلا يبعد لجوازان يكون طويل العمر وقصته أن الرشيد حج سنة ثمان وثمانين ومائة وكان بهلول حج في تلك السنة فلما لقيه قال يا أمير المؤمنين حدثني عمرو بن عبد الله العامري وقال رأيته صلى الله عليه وسلم حج على جمل وتحته رحل رث ولم يكن بين يديه ضرب ولا طرد ولا إليك ثم أنشا يقول شعر
…
هب انك قد ملكت الأرض طرا
…
ودان لك العباد فكان ماذا
أليس غداً مصيرك جوف قبر
…
ويحثوك التراب هذا ثم هذا
قال أحديث يا بهلول هل غير هذا قال نعم من رزقه الله مالا وجمالا فعف فى جماله وواسى فى ماله كتب في ديوان الأبرار فظن الرشيد أنه يستجدي فأمر له بمال وقال تقضي به دينك فقال لا يقضي دين بدين أن الذي أعطاك لا ينساني ثم قال توكلت على الحي الذي لا يموت وما أرجو سوى الله وما الرزق من الناس بل من الله وقد نظم بعضهم شعر غدا مذهب النعمان خير المذاهب
…
كذا القمر الوضاح خير الكواكب
تفقه في خير القرون مع الثقة
…
فمذهبه لا شك خير المذاهب
ثلاثة آلاف وألف شيوخه
…
وأصحابه مثل النجوم الثواقب
…
وذكر الإمام النسفي صاحب = المنظومة عن عبد العزيز بن أبي رزمة أن توبة ابن سعد كان جالسه وأخذ صفو علمه وكان لا يجاوز فى القضاء أقوال أبي حنيفة ويقول حسبي هو بيني وبين ربي وقيل يوخذ بقول أبي يوسف في مسائل القضاء لأنه ابتلي بهذا البلاء والمذكور في = الفتاوي أنه إذا كان مع صاحبيه في طرف نأخذ به وان كان وحده في طرف متميز وقال ابن المبارك نأخذ بقوله لا غير
وذكر الإمام الإسفرايني بإسناده إلى علي بن المديني وهو من أساتذة البخاري وهو الذي طعن في حديث القلتين سمعت عبد الرزاق يقول قال معمر ما أعرف أحد بعد الحسن يتكلم في الفقه احسن معرفة منه وناهيك به أن الشافعي قال في حقه الخلق كلهم عيال أبي حنيفة فى الفقه وفى رواية من أراد أن يتبحر فى الفقه فهو عيال على أبي حنيفة وقال الشافعي قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة قال نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته وهذا من كمال إنصاف مالك مع علو مقامه هنالك وغاية مبالغة في بلاغة الإمام وبيان المرام في جميع المقام وقال ابن المبارك رأيت أورع الناس فضيل بن عياض وأعلم الناس الثوري وأفقه الناس أبا حنيفة وقال أعلم الناس أي بالأحاديث والآثار وأفقه الناس أي أعلمهم بمعانيها والعلم بمعانيها يستلزم العلم بمبانيها وذكر الإمام الغزنوي أن الإمام الأديب أبا يوسف يعقوب بن أحمد بن محمد أنشد لنفسه
شعر
…
حسبي من الخيرات ما أعددته
…
يوم القيامة في رضى الرحمن
دين النبي محمد خير الورى
…
ثم إعتقادي مذهب النعمان
…
ومما يدل على فضيلة المتقدمين قوله تعالى أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها وفسر أنه يموت علمائها وقرائها وحديث أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا مات العلماء اتخذ الناس رؤسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ومن هنا لما كان الإمام في القرن المشهور اكتفى بظاهر عدالة الشهود إلا في باب الحدود وصاحباه لما كانا فى عصر غلبة الهوى فاشترطا تزكية أرباب الهدى وقد جاء فى الآثار والإخبار أن أولي الأمر هم العلماء الأخيار وقوله عليه السلام في صحيح مسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية معناه لم يعرف من يجب عليه الاقتداء والاهتداء به في أوانه
وقد قال بعضهم في تعريف المجتهد هو الذي يكون صوابه أكثر من خطائه أو العكس فإن المجتهد يخطئ ويصيب وثبوت لا ادري لا ينافي كونه مجتهدا فان مالكا سئل عن أربعين حديثا فقال في ست وثلاثين لا ادري وسئل على رضي الله عنه عن مسئلة فقال سلوا مولاي الحسن وذكر الكردري أن الإمام حين فر من بني أمية جاور بالحرمين مدة كثيرة وإنما لزم الإمام من بين مشايخه الكرام حماد ابن أبي سليمان الكوفي الأشعري الفقيه لأنه كان افقه من غيره كما صرح الإمام بنفسه وذكر الإمام النيسابوري أن حمادا كان يفطر عنده في كل ليلة من ليالي رمضان خمسون إنسانا فإذا كان ليلة الفطر كساهم وأعطاهم كل واحد مائةٍ مائة وذكر أيضاً أن رجلا كلم حمادا أن يحول ابنه من معلم إلى معلم آخر لان المعلم الأول يقال ما يجري عليه كل شهر فقال كما يجري عليه كل شهر قال ثلاثون فقال دع الولد عنده فإنا نجري عليه في كل شهر من عندنا مائة وذكر أيضاً أنه جاء أبو الزناد جابيا للخراج إلى الكوفة
فقال رجل لحماد أشفع لي إليه في جباية ألف درهم فقال أنا أعطي لك من مالي خمسة آلاف درهم ولا ابذل وجهي له في ألف فدعا له الرجل بالخير
وذكر الحافظ أبو الحسن السجستاني أن الإمام الشافعي كان يقول ما زلت احب حمادا مذ بلغني عنه أنه كان راكبا فانقطع زره فمر على خياط فأراد أن ينزل ليسويه فمنعه عن النزول وقام وسواه فأخرج صرة فأعطاه وحلف أنه لا يملك غيرها قال الكردري ومثله سمعت عن والدي رحمه الله يحكي عن أستاذه الأمير مولانا همام الدين الخطيبي الخوارزمي أنه مر راكبا فسقط عن كمه صرة فيها خمسون دينارا فأخذها رجل وناوله فلم يأخذها وقال إن هذا رزق ساقه الله إليك وفضائله جمة وفيه كفاية وذكر الإمام أبو المعالي الأسفرايني عن نجيم بن إبراهيم عن ابن كدام قال قال رجل أخطأ أبو حنيفة قال كيف تقول هذا وعنده مثل أبي يوسف وزفر في قياسهما ومثل يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة وحفص بن غياث وحبان ومندل ابنا علي في حفظهم الحديث والقاسم بن معن في معرفته بالفقه والعربية وداود الطائي وفضيل بن عياض في زهدهما لم يكن يخطئ ولو أخطاء ردوه إلى الحق
وعن سفيان بن عيينة قال شيئان ما كنت أرى أن قراءة حمزة ورأي الإمام يتجاوزان قنطرة الكوفة وقد بلغنا الآفاق وعن الأوزاعي يقول هو أعلم الناس بمعضلات المسائل وعن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد الأزدي المكي قال كنا مع جعفر بن محمد في الحجر فجاء الإمام فسلم وسلم عليه جعفر وعانقه وسايله حتى سأله عن الخدم فلما قام قال قائل يا ابن رسول الله هل تعرفه قال ما رأيت أحمق منك أسأله عن الخدم وتقول هل تعرفه هذا أبو حنيفة أفقه أهل بلده وعن الواقدي قال كان مالك كثيرا ما يقول بقوله
وإن كان لا يظهره وعن إسمعيل بن أبي فديك قال رأيت مالكا قابضا على يد الإمام وهما يمشيان فلما بلغا المسجد قدم الإمام فسمعته لما دخل المسجد قال بسم الله الرحمن الرحيم هذا موضع الأمان فأمني من عذابك ونجني من النار وعن ليث بن نضر قال لما اخرج عن القصر وطيف به حين امتنع من الولاية قال ابن شبرمة ما على هذا المسكين لو قبله قال ابن أبي ليلي هذا مسكين عندي وعندك وغدا يكون خيرا مني ومنك
وعن الحسن بن قتيبة قال مسعر ما أحسد إلا رجلين الإمام في فقهه والحسن بن صالح في زهده
وعن ابن المبارك كان مسعر إذا رآه قام له وإذا جلس جلس بين يديه وكان معظما له مائلا إليه ومثنيا عليه ومسعر من مفاخر الكوفة في زهده وحفظه وكان من شيوخه أكثر عنه الرواية في مسنده
وعن الاصمعي قلت لأبي يوسف لقد بلغ الله فيك الأماني هل وددت أكثر مما أنت فيه قال وددت أن لي زهد مسعر بن كدام وفقه الإمام وفي رواية قال وددت أن لي مجلسا من أبي حنيفة بنصف ما أملك وكان ماله أزيد من ألفي ألف قال الأصمعي ولم تتمنى هذا قال في النفس حزازات كنت أسألها عنه قلت وفيه رائحة تصف البخل وروى عن عاصم بن يوسف قال قلت لأبي يوسف اجتمع الناس على أنه لا يتقدمك في العلم أحد فقال ما علمي عند علم الإمام إلا كنهر صغير في جانب الفرات
وعن المعلي بن منصور قال أبو يوسف ما اتفق قولي وقوله إلا وجدت لها في قلبي قوة وما فارقته فى مسئلة إلا وفي قلبي أمثال الجبال من الضعف والريبة
وعن عثمان المزني قال كان الإمام افقه من حماد وإبراهيم وعلقمة والأسود
وعن أحمد بن بديل قال أبو معاوية يا أهل الكوفة رفعكم الله بالأعمش وبأبي حنيفة يا أهل الكوفة شرفكم الله به وبالأعمش وأبو معاوية هذا هو العزيز من أيمة الكوفة وأجلتهم وفد على الرشيد فأكرمه وجيئ بالطعام فأكله بين يديه وصب الرشيد الماء على يديه حتى غسلهما وقال أتدري من يصب الماء على يديك قال لا قال أمير المؤمنين قال أكرمك الله كما أكرمت العلم قال ما أردت إلا هذا
وعن عبد الله بن لبيد قال كنا عند يزيد بن هارون فقال المغيرة عن إبراهيم فقال رجل حدثنا عنه صلى الله عليه وسلم فقال يزيد يا أحمق هذا تفسير أحاديثه صلى الله عليه وسلم وماذا تصنع بالحديث إذا لم تعلم معناه ولكن همتكم السماع ولو كانت همتكم العلم لنظرتم في كتب الإمام وأقاويله فزبر الرجل وأخرجه عن مجلسه
وعن سويد بن نصر عن ابن المبارك أنه قال لا تقولوا رأى أبي حنيفة رحمة الله ولكن قولوا إنه تفسير الحديث
وعن محمد بن يزيد قال كنت اختلف إلى عامر فقال لي أنظرت في كتبه قلت أنى أطلب الحديث فما أصنع به قال طلبت الآثار سبعين سنة فلم أحسن الاستنجاء حتى نظرت في كتبه
وعن ابن المبارك عليكم بالأثر ولا بد للأثر فأنه يعرف تأويل الحديث ومعناه
وسئل الإمام عن افقه من في خراسان فقال الزفر بن محمد ودعي الإمام إلى مجلس فلم يجد رداء فاخذ الإمام رداء نصر بن محمد وكان شراؤه بمأتي درهم فلما رجع قال شهرتني بردائك
وعن عطية بن أسباط ختن ابن المبارك على أخته قال كان إذا قدم الكوفة استعار من زفر كتبه فكتبه مرارا
وسئل أمالك أفقه أم هو قال هو أفقه من ملأ الأرض مثل مالك
وعن ابن المبارك قال أن الله خلقه رحمة لهذه الأمة وعنه لولاه لكنت ممن يبيع الفلوس أو من المبتدعة
قال الكردري فان قلت ليس لأبي حنيفة كتاب مصنف قلت هذا كلام المعتزلة ودعواهم أنه ليس له في علم الكلام تصنيف وغرضهم بذلك نفي أن يكون الفقه الأكبر وكتاب العالم والمتعلم له لأنه صرح فيه بأكثر قواعد أهل السنة والجماعة ودعواهم أنه كان من المعتزلة وذلك الكتاب لأبي حنيفة البخاري وهذا غلط صريح فإني رأيت بخط العلامة مولانا شمس الملة والدين الكردري البزاتقني العمادي هذين الكتابين وكتب فيهما أنهما لأبي حنيفة وقال تواطأ على ذلك جماعة كثير من المشائخ انتهى
ومن تصانيفه وصاياه لأصحابه وقد شرحت الفقه الأكبر وضمتنه وصاياه بحمد الله ولعلي إذا ظفرت بالعلم والمتعلم اشرحه بعون الله وتوفيقه ولم يكن الإمام قدريا ولا جبريا ولا مرجيا ولا معتزليا بل سنيا حنفيا وتابعه يكون حنفيا
وعن إبراهيم بن فيروز عن أبيه قال رأيته جالسا في المسجد يفتي أهل المشرق والمغرب والفقهاء الكبار وخيار الناس كلهم حضور في مجلسه
وعن أبي حيان التوحيدي الملوك عيال عمر إذا ساسوا والفقهاء عيال أبي حنيفة إذا قاسوا والمحدثون كلهم عيال علي أحمد بن حنبل إذا أسندوا
عن مقاتل بن حيان أدركت التابعين ومن بعدهم فما رأيت أحدا مثله
قال العلماء أدرك مقاتل عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ونافعا وجماعة من التابعين وروي عنهم وكان جليلا وروي عنه واخذ منه وهو شريكه في السماع عن التابعين مثل نافع وعطاء ومحمد بن المنكدر وابن سيرين وغيرهم
قال مقاتل وفدت إلى عمر بن عبد العزيز فأنزلني دار الضيافة وكان أصابه جنابة فأمر بتسخين الماء فقال الغلام ليس هنا حطب قال اشتر بالنسية إذا وجدته تقضي فجاء به فقال أين سخنته قال في دار الضيافة فرده فقال هات ماء من البئر فجاء به فصبه عليه فقال هذا أهون من زمهرير جهنم
وعن أبي معاذ البلخي أنه قال ما رأيت أحد أفضل منه وهو خالد ابن سليمان حافظ الحديث أخذ الحديث عن الثوري والحديث والفقه عن الإمام وكان زاهدا صلبا في دين الله وحين حج سفيان كان أبو معاذ عديله
وعن شقيق بن إبراهيم البلخي أن ذكر مناقبه من أفضل الأعمال وهو من الزهاد والعلماء العباد حتى قيل ما أخرجت بلخ مثله وقد دخل بغداد في زي الفقراء وعليه مدرعة صوف فرآه أبو يوسف من بعيد وهو في موكبه وجلالته فقال وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون قال نعم ثم رآه من بعيد قال يا أبا إسحاق أنت في كسوتك ما غيرتها قال لا لأني ما وجدت ما طلبتها يعني الجنة وأنت وجدت ما طلبت أي الدنيا فغيرت كسوتك
وعن شداد بن حكيم لولا هو وأصحابه لم نكن ندري ما نختار ونأخذ وكان شداد من أزهد أهل زمانه من أئمة بلخ صلى بوضوء ظهر اليوم ظهر الغد ستين سنة روي عن زفر وأصحابه مات شداد سنة ثلاث عشرة ومائتين
وعن ابن المبارك ذكر الإمام عند داود الطائي فقال ذاك نجم يهتدي به الساري وعلم تقبله قلوب المؤمنين وكل علم ليس بعلمه فهو بلاء على حامله والله
عالم بالحلال والحرام والنجاة من النار مع ورع مستكمل وخدمة دائمة
وعن أبي يوسف أن الإمام كان يفتي في المسجد الحرام إذ وقف عليه الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر الإمام رضي الله عنهما وعن آبائهما الكرام فقطن الإمام فقام فقال يا بن رسول الله لو علمت أول ما وقفت لما قعدت وأنت قائم فقال اجلس وافت الناس على هذا أدركت آبائي فان قلت هل لشهادة هؤلاء تأثير في الترجيح قلت نعم وأي تأثير عند أرباب الفطنة وذلك ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} قالت طائفة من المفسرين أنه شهادة البعض في الدينا وأما السنة فما في صحيح مسلم عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت ثلاثا ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال وجبت ثلاثا فقال عمر رضى الله عنه فداك أبي وأمي ما وجبت قال صلى الله عليه وسلم من أثنيتم عليه خيرا أوجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في أرضه ثلاثا ولا ينافي هذا ما في البخاري وغيره أنه الشهادة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم
فصل في مقام علمه
ذكر الغرنوي عن زفر عن الإمام أنه قال بلغت الغاية في الكلام حتى صرت مشارا إليه للأنام وكنت اجلس بقرب حلقة حماد فسئلت عمن له زوجة أمة كيف يطلقها للسنة فلم أهتد إلى جواب المسئلة فقلت لها سلي حمادا واخبريني بالجواب فسألت حمادا فأخبرتني فقلت لا حاجة لي في علم الكلام فتحولت إلى حلقة حماد وكان إذا ذكر المسئلة أحفظ قوله فإذا كرر كنت أحفظ أنا الجواب ويخطئ أصحابه فقال لا يجلس في الحلقة قبالتي غيرك فلزمته عشر سنين ثم أردت
أن انفرد في حلقة فلما دخلت المسجد على ذلك العزم لم أملك الخلاف فجلست عنده فأخبر بموت حميم له بالبصرة فخرج إليه وأجلسني مكانه فوردت علي ستون مسئلة لم أحفظ جوابها فأجبت وكتبت جوابي فلما جاء بعد شهرين عرضت عليه جوابي فخالفني في عشرين فحلفت أن لا أفارقه إلى الموت فلازمته ثمانية عشر سنة أخرى
وذكر تاج الإسلام أبو سعد السمعاني عنه قال خدعتني امرأة وفقهتني امرأة وزهدتني امرأة أما الأولى كنت مجتازا فأشارت لي امرأة إلى شئ مطروح في الطريق فتوهمت أنها خرساء وان الشيئ لها فلما رفعته إليها قالت احفظه حتى تسلمه إلى صاحبه والثاني سألتني امرأة عن مسئلة في الحيض فلم أعرف فقالت قولا فتعلمت الفقه والثالث مررت ببعض الطريق فقالت امرأة هذا الذي يصلي الفجر بوضوء العشاء فتعودت ذلك حتى صار عادة
وذكر عنه أنه قال كنت أنازع الناس في علم الدين فسئلت عن فريضة فلم أعرف فقيل تكلم في الدين وهو أدق من الشعر ولا تحسن فريضته فخجلت فأتيت الشعبي فإذا مخضوب الرأس واللحية يلعب بالشطرنج مع أصحابه فسألته عن مسئلة فقال ما يقول فيه الحكم بن عتيبة وحماد وسمعته يقول لا نذر في معصية الله ولا كفارة فيه فقلت الله تعالى يقول {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} ومع ذلك أوجب فيه الكفارة فقال أقياس أنت قم فاخرج عني فدخلت على قتادة فإذا هو يتكلم فى القدر فدخلت على أبي الزبير صاحب جبر بن عبد االله فرأيته رجلا لا يحفظ لسانه فأتيت نافعا مولى ابن عمر فإذا هو يروي عن مولاه أنه كان يرخص فى اتيان النساء غير ما تاهن ويتلوا قوله {نساؤكم حرث لكم} الآية فقلت هذا أحمق الناس أو أكذب الناس فإذا كان سمع منه كان عليه أن يكتمه فلزمت حمادا فإن قلت
قد أنكر الإمام علي الشعبي لعبه بالشطرنج وهو مختلف بين العلماء المتأخرين فإن مالكا والشافعي جوزاه والنكير في المجتهدات ساقط قال النمرتاشي ليس لك أن تنكر على من قلد مجتهدا أو اجتهد دليلا فإن نقول لا نكير إلا أن الأفضل أخذ العلم ممن هو الأتقى إلا كمل ولذا أنكر على فعله لا على قوله فان التقوى فوق الفتوى قال تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وورد استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ومن المعلوم أن الخروج من موضع الخلاف مستحب بالإجماع وفسر بعضهم الانصباب بالنرد والشطرنج كما ذكر القرطبي وأغرب بعض الشافعية حيث بالغ في لعبه حتى بلغه إلى حد الندب وإذا عيي القراءة لعب به في المسجد وأسند إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوا بها قال ابن العربي ما مسها يد تقي قط والأصح أن مالكا معنى فى المنع وقد ثبت قوله عليه السلام ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليه كآكل لحم الخنزير فلهذا المنقول الظاهر أنكر الإمام الباهر على المخالف المجاهر والله أعلم بحقائق السرائر قال الكردري فان قلت ما وجه الإنكار على نافع فيما يرويه عن مولاه مع ان ظاهر القرآن يوافقه وهو قوله تعالى {أتاتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} وقد ثبت القول به عن نافع عن ابن عمر فان كل فرقة فسروا أنى في قوله تعالى {فأتوا حرثكم أنى شئتم} بمعنى أين وقالوا قال به سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون من المالكية وذكر ابن العربي أن سفيان ذكر في كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن جوازه عن كثير من الصحابة والتابعين وقال أيضاً بوجود اللواطة في الجنة كثير من المحققين من علماء الحنفية فدل على أنه لا إنكار على نافع قلت كان العلامة يقول لا تهو لكم أسماء الرجال عند قوة
الدلائل وكشف المقال فان كتاب الله تعالى حاكم ببطلان هذا القول فان قوله تعالى {فإذا تطهرن} وقوله تعالى {فأتوا حرثكم} كل دليل قاطع على حرمة محل اللوث اللازم وكذا الأحاديث الحسان الكثيرة والصحاح شهيرة ناطقة صريحة في التحريم رواها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده وأبو داود والترمذي والنسائي وقد جمعها أبو الفرج أحمد بن الجوزي في جزء ثم حرمة اللواط عقلية ولذا سماه الله فاحشة فلا وجود لها في الجنة وقيل سمعية فلها وجود فيها وقيل يخلق الله تعالى طائفة يكون نصفها الأعلى على صفة الذكور ونصفها الأسفل على صفة الإناث والصحيح الأول انتهى
ولا يخفي بعد هذا الاستدال بأمثال هذه الأقاويل المجهولة المجعولة في تجويز اللواطة هي الفاحشة في جميع الأمم المتقدمة والمتأخرة والقبيحة في العقول السليمة وأما نقلهم عن المحققين من علماء الحنفية وجودها فى دار النعم العظيمة حاشا المحققين من هذه المقالة السقيمة على أن الطائفة المنصفة لا يلزم في جماعها اللواطة وأيضاً لا يفرق بين الذكر والأنثى إلا بالنصف الثاني فعليك الكلام بالثاني إذ من المعلوم أن أهل الجنة جرد مرد على التنزل أن لمسلك الطائفة فالطابع الجنتية لا تميل إليها في الدار الكثيفة وأيضاً كيف يحكم المحققون بوجود اللواطة في الجنة مع أن العلوم الغيبية التي لا تشتبه بالأدلة القطعية وأقلها الضنية لا بالأمور الوهمية الصادرة عن العقول الردية فنسأل الله العافية من الخطاء في الأمور الدينية والآخروية وأما نقلهم عن نافع فان النسأي روى عن أبي النضر قال لنافع قد أكثر عليك القول أنك تقول به عن مولاك قال كذبوا عليّ الحديث
وذكر الدارمي في = مسنده عن سعيد بن يسار قال قلت لإبن عمر ما تقول
فى الجواري حين حمض بهن قال وما التحميض فذكرت له الدبر فقال هل يفعل ذلك أحد من المسلمين وقد ذكر بعض أصحابنا فيما أجاب به المعدل الذى هجا الإمام مذفران سالما روى عن ابن عمر خلافه فقال شعر
…
أن كنت ذا كذب على أشياخنا
…
متنقصا لأبي حنيفة أو زفر
فعليك إثم الشيخ أعني مالكا
…
في قوله وطي الحلائل في الدبر
هذا مقال قد رووا عن سالم
…
تكذيب ناقله وتزوير الخبر
…
وذكر الإمام الأندلسي وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون ذلك عنه فنفر عن ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل وقال كذبوا علي ألستم قوما عربا أو يكون الحرث إلا موضع النبت قال ثعلب شعر
…
إنما الأرحام أرضون محترف
…
فعلينا الزرع وعلى الله الإنبات
…
أقول ولا يبعد الجمع بين نفي القول المذكور وإثباته أن محل الثاني إذا كانت المرأة حائضا كما نقل شيخ مشايخنا السيوطي في الدر المنثور روايات كثيرة عن بعض السلف والله سبحانه أعلم
وذكر الديلمي بإسناده إلى القاسم بن عدي العجلي قيل للإمام كيف اخترت حمادا قال بتوفيق الله تعالى وتأملت في العلوم فقلت الكلام عاقبته سوء ونفعه قليل إن تبحر فيه لا يقدر على الكلام جهارا ويرمي بالهوى وعاقبة الأدب مجالسة الصبيان وعاقبة الشعر التكدي بالمدح وقول الجفاء والخناء وتمزيق الدين وعلم القراءة بعد جمع الكثير منه في العمر الطويل مجالسة الأحداث وربما يرمي بسؤ الحفظ فيلزمه ذلك وعلم الفقه أولى لمجالسة المشائخ
والتخلق بأخلاقهم ولا يستقيم أداء التكاليف إلا به وحصول نجح الدارين متعلق بكسبه ولو نزلت نازلة في الحي احتاجوا إليك بسببه فإن يجدوا عندك جوابا قالوا سلوا مشائخك فان أردت الدنيا نلت به وان تخليت للعبادة فلم يقدر أحد أن يقول تعبد بلا علم
وبه إلى يحيى بن شيبان قال قال الإمام كنت أعطيت جدلا في الكلام وأصحاب الأهواء في البصرة كثيرة فدخلتها نيف وعشرين مرة وربما قمت بها سنة أو أكثر ظنا أن علم الكلام أجل العلوم فلما مضى مدة عمري تفكرت وقلت السلف كانوا أعلم بالحقائق ولم ينتصبوا مجادلين بل أمسكوا عنه وخاضوا في علم الشرائع ورغبوا فيه وتعلموا وعلموا وتناظروا عليه فتركت الكلام واشتغلت بالفقه ورأيت المشتغلين بالكلام ليس سيماهم سيماء الصالحين قاسية قلوبهم غليظة أفئدتهم لا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة ولو كان خيرا لاشتغل به السلف الصالحون هذا
وحكاية روياه مشهورة أنه ينبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويولف العظام الكرام يوضع بعضها في موضع مناسب للمقام وتعبير ابن سيرين لها أن صاحبها رجل يحيي الله به سنة أميتت فيما بين الأنام
فصل في اعتقاده
ذكر الغزنوي عن يحيى بن نصر والديلمي عن نوح بن أبي مريم الجامع قالا سألناه عن السنة والجماعة قال تفضيل الشيخين ومحبة الختنين والإيمان بالقدر خيره وشره والمسح على الخفين وتحليل النبيذ للتقوى على طاعة الله لا السكر وعدم التكفير لأحد بذنب عدم التكلم فى الله بشيئ قال سعد بن معاذ جمع الإمام في هذه الأحرف
السبعة مذهب أهل السنة والجماعة
فاعلم أنه روى عبد الرحمن بن المثنى أن الإمام كان يفضل الشيخين ثم يقول علي وعثمان ثم من كان له سابقة وهو أنقى فهو أفضل وكان لا يقول في الصحابة إلا خيرا وكان يقول مقام أحدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ساعة أفضل من عبادتنا طول عمرنا
ثم اعلم أن بعض المتكلين قالوا نمسك عن تفضيل الصحابة بعضهم على بعض والجمهور على خلافه ولكن اختلفوا فقال أكثرهم الصديق أفضلهم وقال الخطابية الفاروق أفضلهم وقال الرواندية العباس أفضلهم وقال الرافضة علي أفضلهم واتفق أهل السنة على تقديم الشيخين ووافقهم أيضاً فيه المعتزلة ثم اختلفوا فقال أقلهم وهو رواية عن الإمام ثم علي ثم عثمان وقال أكثرهم ثم عثمان ثم علي وهو الأصح من مذهب الإمام كما يعرف من كتاب الفقه الأكبر ونصائحه ثم تمام العشرة المبشرة بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم أصحاب بيعة الرضوان وزعم طائفة منهم ابن عبد البران من توفي من الصحابة الكرام حال حياته أفضل ممن بقي بعد مماته عليه السلام وهذا إطلاق غير مرضي عند العلماء الأعلام
ثم اختلف العلماء في التفضيل المذكور أقطعي أم ظني فذكر الأشعري أنه قطعي وذكر الباقلاني أنه ظني ثم اختلفوا أن التفضيل بحسب الظاهر فقط أم بحسب الظاهر والباطن كذا ذكره الكردري والقول بكونه قطعيا بعيد جداً اللهم إلا أن يقال في حق الصديق فإنه إلى التحقيق حقيق وأما القول بأنه بحسب الظاهر والباطن فأبعد والله ولي التوفيق
ثم في قوله ومحبة الختنين إشارة إلى أن محبتهما كافية فى كون حليهما من
أهل السنة لما سبق من الكلام أراد الإمام التنبيه على أن باغضهما خارجي خارج من أهل السنة والجماعة وكذا باغض عثمان وهما الشيعة سواء يقولون لا نحب الثلاثة ولا نسبهم أو يلعنونهم وفى تكفير لاعنهم خلاف مشهور وتفصيل فى محله مسطور وقد بسطة هذه المسئلة في رسالة مستقلة ثم في قوله ويؤمن بالقدر خيره وشره إخراج المعتزلة وسائر المبتدعة من القدرية والمراد بالأيمان بالقدر اعتقاد أن جميع الأمور بقضاء الله وقدره وفق ما أراد أن يظهر بكسب العباد فخرج الجبرية على أنهم أقرب إلى الحق من سائر المبتدعة
ثم في قوله والمسح على الخفين رد على طائفة من الشيعة وقد نقل ابن المبارك عن الإمام ما قلت بالمسح عليهما حتى جاءني مثل ضوء النهار يعني الأدلة الساطعة من الكتاب فان آية الوضوء مبهمة مجملة باعتبار القراءتين وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الرجلين حال كشفهما ومسحهما وقت لبسهما وكادت الآثار في المسح أن تتواتر بل قد تتواتر معنى أكثرة طرقه ورواته
ثم في قوله وتحليل النبيذ إشعار بأن من قال به لا يخرج عن كونه من أهل السنة لا أنهم اتفقوا على تحليله فإن المسئلة خلافية وهي من الفروع الفقهية التي فيها خلاف المالكية والشافعية والحنبلية فمذهبهم إن كل ما يسكر كثيره فقليله حرام وقد بينة الأدلة من الجانبين في شرح مسند الإمام وفى قوله لا للسكر إيماء إلى أن شربه إذا أنجر إلى السكر فهو حرام وكذا إذا قصد السكر به في أول قعوده
وقد ذكر علماؤنا في بحث المثلث أنه إذا قعد للسكر فالقدح الأول حرام وكذا القعود عليه حرام وسرحوا بأن السكر من البنج ولبن الرماك حرام إلا أنه لا يحد وذكر فى يتيمة الدهران حادثة أهل البنج وقعت فى زمان
الطحاوي من أئمتنا وخاله المزني من الشافعية فأفتيا بالحرمة ووافقهما في ذلك أئمة عصرهما والمكتوب في حاشية القنية عن العلامة مولانا سيف الدين الفقيه أن من يعتاد أكل البنج يعاقب بالقتل وهذا محمول على أنه يأكله لتحصيل السكر ويزعمه حلالا
وأما ما ذكره الأئمة الثلاثة من الآثار الحسان والأحاديث الصحاح من تعليق الحكم وهو الحرمة بالسكر قل المشروب أو كثر فقد تكلم فيه رئيس المحدثين يحيى بن معين وعلى التنزل فمأول بان المراد من السكر هو المسكر بالفعل والمنع من شرب قليله إنما هو في حق من يشرب لقصد السكر والتلهي لا للنشاط على الطاعة والتقوى أو لئلا ينجر قليله إلى كثيره كالراعي حول الحمى
وقد ذكر الطحاوي وغيره أن عند محمد كل ما يسكر كثيره فقليله حرام وأما فتوى المشائخ على رأى أبي حنيفة وأبي يوسف ومع هذا ففي فتاوي قاضي خان أنه سئل الإمام أبو حفص الكبير عن هذا فقال لا يحل شربه فقيل له خالفت الشيخين فقال لا لأنهما كانا يحلان الأسمر للتقوى والناس في زماننا يشربونه للفجور والتلهي وشربه للهو لا يحل إجماعا
ثم في قوله وعدم التكفير بها أي بكبيرة رد على الخوارج وقوله وعدم التكلم في الله بشيء يعني في صفات الله كذا ذكره الكردري وفيه بحث إذ تكلم الإمام على الصفات في الفقه الأكبر وغيره والمسئلة تنازع فيها أهل السنة والمعتزلة حيث أثبتها الأولون قائلين بأنها قديمة لا عين الذات ولا غيرها والآخرون نفوها تحرزا من تعدد القدماء فينبغي حمل كلام الإمام على نفي الكلام في كنه ذاته وصفاته أو على نفيه فيهما مطلقا بمجرد الدلالة العقلية ففيه رد على الحكماء وبعض الجهلة من المتصوفة القائلين بوحدة الوجود والإتحاد
والحلول وسائر مقالات أهل الفساد واليه رؤوف بالعباد
وروى الإمام أبو حامد محمد بن أبي الربيع المازني والشيخ الإمام النسفي بإسنادهما إلى أبي مقاتل السمرقندي أن الإمام قال فى = كتاب العالم والمتعلم العمل تبع للعلم والعمل القليل بالعلم خير من العمل الكثير بالجهل كما أن الزاد القليل الذى لا بد منه في المفازة مع الهداية أفضل من الزاد الكثير مع الجهالة قال الله تعالى {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقد صرح الإمام في ذلك الكتاب بأكثر قواعد أهل السنة فهو بريئ من كونه معتزليا أو مرجيا أو جبريا كما توهم بعضهم إذ أسندوا مذهبهم إليه ترويجا بما شاهدوا من الفضل لديه واعتماد أكثر المسلمين في باب الإعتقاد والأعمال عليه فله ولأصاحبه الحنفية مشاركة في الملة الحنفية حيث ادعى كل أرباب ملة أن الخليل منهم وقد نفى الله عنهم بقوله {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} والحمد لله رب العالمين
هذا وكان الإمام إذا وردت مسئلة فيها حديث صحيح تبعه ولو عن الصحابة والتابعين وإلا قاس فأحسن القياس روى أنه وضع ستين ألف مسئلة وقيل وضع خمسة مائة ألف مسئلة وذكر الخطيب الخوارزمي أنه وضع ثلاثة آلاف وثمانين ألف مسئلة منها ثمانية وثلاثون ألفا في العبادة والباقي في المعاملات لولا هذا لبقي الناس في نية الضلالة وبيداء الجهالة
وذكر أبو المعالي الحلبي عن الحسن بن زياد عنه أنه قال قولنا هذا رأى حسن وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن مما قلنا فهو أولى بالصواب منا
وذكر الديلمي عن زهير بن معاوية قال كنت عنده والأزهر بن الأغريقائه إذا صاح رجل وقال أول من قاس إبليس فقال الإمام يا هذا
وضعت الكلام فى غير موضعه قاس اللعين لرد أمر الله حيث قال تعالى {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا} ونحن من مسئلة إلى أخرى لنردها إلى أصل من أصول الكتاب أو السنة أو اتفاق أمة فنجتهد وندور حول الاتباع فأين هذا من ذاك فصاح الرجل وقال تبت من مقالتي إلى ربي نورت الله قلبك كما نورت قلبي
وعن علي بن هشام قال اخبرنا أبو حنيفة قال حدثنا الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري وهوعامل بالبصرة إن قس الشيئ بالشيئ واضرب الأمثال يتبين لك الحق
وعن الحسن بن زياد أنه كان يقول ليس لأحد أن يقول برأيه مع نص عن كتاب الله أو سنة عن رسول الله أو إجماع عن الأمة وإذا اختلف الصحابة على أقوال نختار منها ما هو أقرب الى الكتاب أو السنه ونحبتنب عما جاوز ذلك فالاجتهاد موسع على الفقهاء لمن عرف الاختلاف وقاس فاحسن القياس وعلى هذا كانوا
وروى عنه ما جاء عن الله ورسوله لا نتجاوز عنه وما اختلف فيه الصحابة أخترناه وما جاء عن غيرهم أخذنا وتركنا
وروى أنه كان كثيرا يقرأ هذه الآية فى خلال كلامه {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} وفيه دليل على أنه لم يبدع لفظ الاستحسان فانه موجود فى الكتاب وكذا في السنة فقد ورد ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن
وعن أبي يوسف أنه كان إذا وردت حادثة قال الإمام هل عندكم أثر فإن كان عنده أو عندنا أثر أخذ به وإن اختلف الآثار أخذ بالأكثر وإلا أخذ بالقياس
وإن تعسر القياس فتركه إلى الاستحسان
وعن محمد بن سماعة أن الإمام ذكر في تصانيفه نيفا وسبعين ألف حديث وانتخب الآثار من أربعين ألف حديث والمسائل التي رجع عنها من القيام إلى الأثر كثيرة لشدة اتباعه منها كان يقسم الدية على منافع الأئمة ويوجب الأرش في الإبهام أكثر مما يوجبة في سائر الأصابع فلما بلغه قول عليه السلام الأصابع كلها سواء رجع عن ذلك كالصديق كان يقول الدية في الأنف أكثر من الأذنين لأنه يستره العمامة والأنف مكشوف ففوات الزمان فيه أكثر فلما بلغه أنه عليه السلام أوجب في الأذنين الدية رجع عن ذلك
ومنها أن الإمام كان يقول اكثر الحيض خمسة عشر يوما فلما بلغه عن أنس أنه عليه السلام قال الحيض ثلاثة أيام إلى العشرة والزايد استحاضة رجع عن ذلك ومنها ما ذكره خلف الأحمر أن الإمام كان لا يصلى قبل العيد ولا بعده ثم رأيته يصلي بعد العيد فسألته عن ذلك فقال بلغني عن علي رضي الله عنه أنه كان يصلي بعده أربعا فاقتديت به انتهى ولعله كان يصلى فى بيته كما رواه ابن ماجه أنه كان عليه السلام يصلي بعده في بيته ركعتين
فان قلت تعليم الحيل مذموم حتى قالوا أن المفتي الذي يعلم الناس الحيل هو الماجن الذي يستحق الحجر في جميع المذاهب قلت الحق فيه التفصيل قال تعالى {كذلك كدنا ليوسف} الآية وقال عز وجل لأيوب {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} وكان حلف أن يجلد زوجته رحمة مائة جلدة فعلمه الله تعالى المخرج وقد صح أنه عليه السلام قال خذو عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به حين أتى يناقض الخلق وقدرني وصح أنه عليه السلام قال لعامل خيبر وكل تمر خيبر هكذا قال لا بعت منه صاعين بصاع فقال صلى الله عليه وسلم
أوه عن الربو هلا بعت صاعيك بدرهم ثم ابتعت به تمرا فدل أن الحيلة للتوصل إلى الحق أو للتخلص عن المضرة جائزة وإنما الحرام ما يتوصل به إلى الباطل وإبطال الحق بعد الثبوت والمفتي الماجن في القول المعتمد هو الذي يفتي بأمر باطل يؤدي إلى الخروج من الدين كما يعلم لامرأة الارتداد ليتخلص من الزوج وليس لها ذلك فأنها إن فعلت ذلك يسترقها زوجها وهذا على قولها بلا شبهة والمسئلة معروفة
وقد ذكر عبد المجيد الخوارزمي عن محمد بن مقاتل أن رجلا جاء وقال للإمام ما تقول فيمن لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ولا يخاف الله ويأكل الميتة ويصلي بلا ركوع ولا سجود ويشهد بما لم يره ويبغظ الحق ويحب الفتنة فقال أصحابه أمر هذا الرجل مشكل فقال الإمام هذا رجل يرجو الله تعالى لاالجنة ويخاف الله تعالى لا النار ولا يخاف الظلم عليه من الله في عدله ويأكل السمك والجراد ويصلي على الجنائز ويشهد بالتوحيد ويبغض الموت وهو حق ويحب المال والولد وهما فتنة فقام السائل وقبل رأسه وقال أشهد أنك وعاء للعلم
وذكر العلامة حسام الملة السغناقي أن رجلا جاء إليه وقال بواو أم بواوين فقال بواوين فقال بارك الله فيك كما بورك في لا ولا فلم يعلم الحاضرون ما قالا فقال الحاضرون ما هذا الكلام فقال سألني عن التشهد بواو أم بواوين فقلت بهما فقال بارك الله فيك كما بورك في شجرة لا شرقية ولا غربية
وذكر الديلمي عن علي بن عثام قال لما فر الإمام إلى المدينة وكان فيها حسين بن زيد العلوي واليا من جهة بني العباس فقال لغلامه خذ بلجام دابة الشيخ وقل له من خير الناس بعد النبي عليه السلام فقال العباس فسكت وكان غرض
العلوي أنه إذا قال الصديق آذاه وإذا قال المرتضى لامه في ترك مذهبه فلما اختار الثالث لم يتمالك أن يقول شيئا خوفا من بني العباس انتهى وكان الإمام قصد به الخيرية من الحيثية النسبية وقد ورد أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وثبت أن الحرب خدعة
وذكر الإمام الحلبي عن علي بن عاصم قال كان الإمام يأخذ من لحيته الحجام فقال له اتبع مواضع البياض فقال لا تفعل لأنه يزيد فقال اتبع مواضع السواد لعله يزيد فبلغ الحكاية إلى شريك فقال لو ترك القياس فى شيئ لتركه مع الحجام
وذكر الكرماني عن محمد بن سلمة والصيمري عن فضل بن غانم قالا مرض أبو يوسف فعاده الإمام مرارا فرآه في بعض الأيام ثقيلا فقال لقد كنت اؤملك بعدي للمسلمين ولئن أصبت ليموتن علم كثير فلما برأ أعجب بنفسه وعقد مجلس الأمالي في مسجده فلما بلغ ذلك الإمام دس إليه رجلا وقال له قل له ما تقول في قصار أنكر أن يكون الثوب لصاحبه ثم جاء به إلى المالك مقصورا وطلب الأجران قال يجب الأجر قل أخطأت وإن قال لا يجب قل أخطأت ففعل الرجل ذلك فقام أبو يوسف من ساعته وراح إلى خدمته فقال ما جاء بك إلا مسئلة القصار سبحان الله من رجل يتكلم في دين الله ويعقد مجلسا ولا يحسن مسئلة من مسائل الإجارة فقال علمني قال إن قصره قبل الجحود يجب الأجر لأنه صنعه للمالك وإن قصره بعده لا يجب لأنه صنعه لنفسه ثم قال من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبكي على نفسه
وذكر المرغيناني أن شيطان الطاق وهو شيخ للرافضة كان يتعرض للإمام كثيرا فدخل الشيطان يوما في الحمام وكان فيه الإمام وكان قريب العهد بموت
أستاذه حماد فقال الشيطان مات أستاذكم حماد فاسترحنا منه فقال الإمام أستاذنا مات وأستاذكم من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم فتحير الرافضي وكشف عورته فغمض الإمام بصره فقال الشيطان يا نعمان منذكم أعمى الله بصرك فقال مذهتك الله سترك فبادر الإمام إلى الخروج من الحمام وأنشأ يقول شعر
…
أقول وفي قولي بلاغ وحكمة
…
وما قلت قولا جئت فيه بمنكر
ألا يا عباد الله خافوا إلهكم
…
ولا تدخلوا الحمام إلا بميزر
…
وروى عنه أنه قال كنا لا ننصرف من عند حماد إلا بفائدة فقال لنا يوما إذا وردت عليكم مسئلة معضلة فاجعلوها سوالا على صاحبها فوعيته فبعد مدة ذهبت إلى دار المنصور فخرج إلي ربيع الحاجب وكان يعاديني فقال أن أمير المؤمنين يأمرنا بقتل رجل ولا ندري ما هو أنقتله قلت يا أبا العباس أن أمير المؤمنين يأمر بالحق أو الباطل قال بل بالحق قلت أنفذ الحق حيث كان قال وكان الربيع أراد أن يوثقني فربطته
وروى أن امرأة كانت مجنونة لها لقب إذا دعيت بذلك شتمت فدعاها رجل به فقذفت أبويه وهما حيان فرفعت إلى ابن أبي ليلى فأقام عليها حدين قائمة في المسجد في مجلس واحد فقال الإمام المجنونة لا تحد والخصم أبواه وهما فى الأحياء ولا تحد إلا بطلبهما ولا يوالي بين الحدين حتى يجف الأول ولا يقام الحدان لو قذف جماعة بكلمة ولا تقام الحدود في المساجد ولا تحد قائمة ولا تمد فى الحدود
وعن خارجة قال دعاه المنصور وعنده ابن أبي ليلى قاضي الكوفة وابن شبرمة قاضي بغداد فقال ما قولك فى الخوارج إذا صابوا من مال المسلمين
ودمائهم قال الإمام سل هذين فسألهما فقال أحدهما يواخذون وقال الآخر لا قال أخطئا جميعا قال لهذا دعوتك ما صوابه قال ما أصابوا بعد التجمع لا يضمنون وما أصابوا قبله ضمنوا ادعي الزهري فى هذه المسئلة إجماع الصحابة
وروى أن عاصما كان من شيوخه كان إذا أتاه ويستفتيه قال له أتيتنا صغيرا وأتيناك كبيرا
وعن بشر بن المفضل عنه أنه قال كانت لنا جارة ولها غلام أصاب منها دون الفرج فحبلت فجاءني أهلها فقالوا نخاف أن تلد وهي بكر فقلت هل لها أحد تثق به فقالوا عمتها قلت تهب الغلام منها ثم تزوجها منه فإذا أزال عذريتها ردت الغلام إليها فيبطل النكاح وهذه حيلة أيضاً ذكرها لمن يخاف أن لا يطلق المحللة بعد النكاح منه فتهب المرأة غلامها لمن تثق به أو تنكح بغلام رجل ثم تهب ذلك الغلام منها بعد الدخول بها فيفسد النكاح وإن أرادت قطع التحدث باعت الغلام من تاجر يروح به إلى أقصى المقام وينقطع التحدث
وعن يوسف بن خالد السمتى قال خرجنا معه إلى بستان إذ نحن بابن أبي ليلى راكبا على بغلته فسلم فسايرا فمرا على نسوان يغنين فلما سكتن قال الإمام أحسنتن فنظرا ابن أبي ليلى في قماطره فوجد قضية فيها شهادته فدعاه ليشهد في تلك القضية فلما شهد أسقط شهادته وقال قلت لمن كن يغنين أحسنتن قال متى قلت ذلك حين سكتن أم حين كن يغنين قال حين سكتن قال أردت بذلك أحسنتن بالسكوت فأمضى شهادته ثم قرأ الإمام {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} فخاف ابن أبي ليلى من الإمام خوفا شديدا بعد ذلك المقام وكان إذا وقع له عويصة دس إلى الإمام رجلا يسأله عما هنالك وكان الإمام يعلم به وينشد
شعر
وإذا تكون كريهة ادعي لها
…
وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
…
وفيه تنبيه على ان الغناء للناس كبيرة كما هو مفهوم من الهداية في قوله ولا من يغني الناس
وقد ذكر السهروردي فى العوارف عن الأئمة الأربعة الرواية على حرمته وعن ابن سلام قال ما زال الإمام يخطئ ابن أبي ليلى حتى عزله الخليفة عن القضاء
ومن غريب ما وقع له معه أن الإمام دخل عليه زائرا فلما جلس قال لحاجبه ايذن للخصوم كأنه رام أن يرى الإمام إمضاء الحكم فتقدم إليه خصمان قال أحدهما أن هذا قال لي يا ابن الزانية فخذ حقي منه فقال القاضي للمدعي عليه ما تقول قال الإمام لِمَ لم تسأل عنه إن كانت أمه حية فليس له حق الطلب وان كانت ماتت كان قولا آخر فسأله فادعى موتها فبرهن فأراد القاضي السوال عنه فقال سله هل لها وارث آخر فإن لم يكن لها وارث آخر كان قولا آخر فبرهن على أنه لا وارث لها غيره فذهب القاضي ليسأل المدعي عليه فقال سله هل كانت أمه حرة فبرهن على حريتها فلما رام القاضي السوال قال سله هل كانت مسلمة فبرهن على إسلامها وكانت من وجوه أهل الكوفة فقال الإمام سل الآن عن القاذف فأنكر فلما ذهبوا به إلى البينة قام الإمام فالتمس القاضي منه أن يقعد حتى يأتي بالبينة فأبى وراح واستراح
وعن وكيع قال رأيته وسفيان ومسعرا أو مالك بن مغول وجعفر بن زياد الأحمر والحسن بن صالح في وليمة بالكوفة وفيها الأشراف والموالي وقد زوج بنتا رجل من ابني رجل فخرج عليهم صاحب الوليمة وقال مصيبة عظيمة زفت امرأة كل إلى آخر غلطا ودخل على كل واحدة غير زوجها فقال سفيان
لا بأس به وقد حكم فيهما أمير المؤمنين علي رضى الله عنه حين كان وجه إليه معاوية فيه فقال علي للسائل أنت رسول معاوية أن هذا لم يكن ببلدنا أرى على الرجلين العقر بما أصابا وترجع كل واحدة إلى زوجها الأول ولا شيئ عليهما ذلك والناس يستمعون كلامه فالتفت مسعر إلى الإمام وقال قل فيها قال سفيان ما يقول غير هذا قال الإمام علي بالغلامين فأتي بهما فقال أيحب كل منكما أن تكون المصاب عنده قالا نعم قال لكل منهما طلق التى لك عند أخيك ففعل فأنكح كل واحد التى فى حبالته ثم قال للأولياء جددوا عرسكم فتعجب القوم وقام مسعر فقبل بين عينيه وقال تلومونني على حبه وسفيان ساكت
وروى أن الأعمش لم يكن يعاشر الإمام بجميل ولا يذكره بخير فوقع النزاع بين الأعمش وامرأته فحلفت أن لا تكلمه والأعمش يكلمها ولا تجيبه فقال الأعمش إن لم تكلميني الليلة فأنت طالق فندم ولم يدر المخرج فذهب ليلا إلى الإمام فقام معه الإمام وأكرمه فجعل الأعمش يعتذر فقال دع الاعتذار وتكلم بالحاجة فلما كلمه بحاجته قال الفرج قريب أن يسر الله تعالى فدعا مؤذن الأعمش وقال إذا دخل الأعمش منزله فإذن قبل انفجار الصبح وكانت العادة بالكوفة كما هو الشرع أن لا يؤذن للصلاة ما قبل دخول وقتها فلما أذن قبل الوقت ظننت أنه وقع عليه الحنث فقالت الحمد لله الذي أراحني منك يا سيئ الخلق فقال الأعمش لم نصبح حيلة وقعت ونعم الحيلة رحم الله أبا حنيفة دلنا عليها
وروي أن الأعمش لم يكن يعاشر زوجته بجميل ولا يذكرها بخير فحلف بطلاق امرأته أن أخبرته بفناء الدقيق بكلام أو إشارة وأرسلت إليه أو ذكرته له أو كتبت لأحد يذكره إليه فتحيرت المرأة وطلبت المخرج فسألت الإمام فقال الأمر سهل شدي جراب الدقيق على تكته أو ما قدرت عليه من ثوبه
فإذا رآه علم بفناء الدقيق بنفسه ففعلت فلما قام من الليل وجر أزراره رأى الجراب فعلم بفناء الدقيق فقال والله هذا من حيل النعمان يرينا عجزنا ويفضحنا بما شاء من نسائنا ويريهن عجزنا ورقة فهمنا
وذكر الحلبي عن أبي يوسف قال جاء إليه رجل فقال حلفت أن لا أكلم امرأتي أو تكلمني وحلفت هي أيضاً مثله فأفتى سفيان بان أيهما كلم الآخر حنث فقال الإمام كلمها ولا حنث عليك فأنكر سفيان وقال أنه يبيح الفروج فلما اجتمعا أعاد الرجل السؤال فأعاد الإمام الجواب فقال سفيان من أين هذا قال لما شافهته باليمين الثاني سقط الأول لأنها كلمته فقال سفيان فتح لك من العلم ما لم يفتح لنا
وعن عبد العزيز بن خالد عن الإمام قال أتاني رجل وقال ماتت أختي وفي بطنها ولد يتحرك فقلت اذهب وشق بطنها واخرج الولد ففعل فجاءني بعد سبع سنين ومعه غلام قال أتعرفه قلت لا قال هو الذي أفتيت بشق بطن أمه وإخراجه فأخرجته وسميته بمولى أبي حنيفة رحمة الله عليه
وعن محمد بن مقاتل قال سمعت أبا مطيع يقول رأيت عليه يوم الجمعة قميصا ورداء قومتهما بأربع مائة درهم وهذا محمول على قوله تعالى {قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده} وقوله سبحانه {وأما بنعمة ربك فحدث} وعلى ما ورد من حديث إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى عليه أثر تلك النعمة وقد روى ابن خزيمة في مسنده والبيهقي عن جابر أنه عليه السلام كان يلبس برده الأحمر فى العيدين والجمعة والمراد بالأحمران فيه خطوطا حمراء كما هو شأن برود اليمن ويؤيده ما رواه الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه عليه السلام كان يلبس برد حبرة في كل عيد إلا أن النوني ضعف الحديثين
وعن شريك قال كنا في جنازة رجل من سادات بني هاشم ومعنا الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة والإمام والجماعة من الأئمة فلما رفعت الجنازة وقف الناس هنالك فسأل الإمام عن سبب ذلك فقالوا حفلت أمه أن لا ترجع قبل الصلاة عليه وحلف أبوه بالطلاق أن لا تتبع الجنازة وترجع من مكانها فلم يهتد أحد إلى الجواب فناداه أبو الميت يا نعمان أغثنا فسأل الإمام عن كيفية الحلفين فلما بينوه قال ضعوا الجنازة فوضعوها فصلى الناس عليه ثم قال لها ارجعي إلى منزلك ثم رفع إلى القبر فقال ابن شبرمة عجزت النساء أن تلدن مثله
وعن عبد الله بن المبارك قال سأله رجل أن يثقب في حائطه كوة فأفتاه بالجواز فمنعه ابن أبي ليلى عن ذلك فأتاه ثانيا فقال افتح فيه بابا فمنعه ابن أبي ليلى فشكا إلى الإمام فقال كم قيمة حائطك قال ثلاثة دنانير قال على قمتها اذهب فاهدمها فلما رام الهدم خاصم خصمه إلى ابن أبي ليلى فقال كيف أحوله من هدم حائطه قال فلم منعتني عن أيسر من ذلك فقال القاضي ما أصنع تذهب إلى رجل يدلني على خطأي أفلا أرجع
وعن عبد الله بن المبارك قال سألته عن رجل له درهمان ورجل له درهم اختلطت ثم ضاع منها درهمان قال يكون الدرهم الباقي بينهما أثلاثا فلقيت ابن شبرمة وعرضت عليه الجواب فقال خطأ بل الباقي بينهما أنصافا لانا نعلم قطعا أن الواحد من الضائعين لذي الدرهمين فاستحسنت جوابه وكان عقل الإمام لو وزن بنصف عقل أهل الأرض لرجحهم فلما عرضته على الإمام قال لما اختلطا وجبت الشركة أثلاثا فالضائع والباقي على الشركة الثانية
وأدق من هذا ما روي عن علي كرم الله وجهه فيمن له خمسة أرغفة وللآخر ثلاثة أرغفة جلسا ليأكلا فجاء إليهما رجل وأكل معهما ودفع إليهما ثمانية
دراهم وقال اقتسما على قدر ما أكلت من أرغفتكم فأعطى صاحب الخمسة ثلاثة دراهم لصاحب الثلاثة فلم يرض إلا بالمناصفة فاختصما إلى أمير المؤمنين علي فقال خذ ما عرض عليك فقال لا أرضى إلا بالحق فقال إذن لك درهم فقال عرضت علي ثلاثة دراهم فلم أقبل فكيف كان ذلك فقال كان مصالحة أما الحق فلك درهم لأنا نفرض أنكم أكلتم بالسوية لأنا لا نعلم الأكثر أكلا أليس كل رغيف ثلاثة أثلاث فالكل أربعة وعشرين كل منكم أكل ثمانية من أربعة وعشرين فيكون لصاحبك سبعة أثلاث ولك ثلث
وذكر الإمام الحلبي عن وكيع قال كنا عنده إذ جاءته امرأة وقالت مات أخي وأعطوني من تركته دينارا قال من قسم تركتكم قالت داود الطائي قال لعله مات عن ست مائة دينار وبنتين لهما الثلثان أربع مائة دينار وأم لها السدس مائة دينار والمرأة لها الثمن خمسة وسبعون دينار أو اثنى عشر أخا وأخت وهى أنت لك أخ ديناران وأنت لك دينار واحد قالت نعم
وسئل الإمام عمن حلف ليقربن امرأته نهارا في رمضان قال يسافر بها ويقربها
وادعى رجل النبوة وطلب من الناس أن يمهلوه حتى يأتي بالعلامة على صدقة فقال الإمام من طلب منه العلامة كفر لأنه يوهم صدقه والمفتاح باب النبوة وفيه رد كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين
وتزوج الإمام على والدة حماد فهجرت الإمام وقالت لا أرضي بلا تطليق الجديدة فقال لها إذا كنت جالسا مع والدة حماد فادخلي علينا كأنك سائلة وقولي إذا تزوج الرجل على امرأته فهل للقديمة هجران زوجها ففعلت فقالت والدة حماد لا أسالمك بلا تطليق الجديدة فقال الإمام كل امرأة لي خارج الدار فهى
طالق فرضيت وسالمته ولم تطلق الجديدة
وجاء رجل إلى الإمام فقال لي ابن أن زوجته امرأة طلق وان اشتريت له جارية أعتق وإن لم أزوج له امرأة ولم أشتر له أمة يقع في الزنا فما اصنع قال اشتر أمة وزوجها منه فإن طلقها ردت إليك وإن أعتق لم ينفذ
قال الليث ابن سعد إمام أهل مصر كنت أتمنى لقاء الإمام فرأيته قد اجتمع عليه الأنام وسئل عن هذه المسئلة فما أعجبني صوابه كما أعجبني سرعة جوابه
وروى أنه كان عند الأعمش إذ سئل عن مسئلة وقيل ما تقول فى كذا وكذا وقال الإمام أقول كذا وكذا فقال الأعمش من أين لك هذا قال أنت حدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة وعن أبي وائل عن عبد الله عن أبي إياس عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دل على خير كان له مثل أجر عمله وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال له رجل يا رسول الله كنت أصلي في داري فدخل علي رجل فأعجبني ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لك أجران أجر السرو وأجر العلانية وحدثتنا عن الحكم عن أبي مجلز عن حذيفة عنه صلى الله عليه وسلم لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى يشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم ما من عبد إلا له صيت في السماء وصيت في الأرض فإذا كان في السماء حسنا وضع له القبول في الأرض وإن كان سيئا في السماء وضع له كذلك في الأرض وحدثتنا عن أبي الزبير عن جابر قال شكونا من جوع إليه عليه السلام قال لعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا في طعامكم يبارك الله لكم وحدثتنا عن يزيد الرقاشي عن
أنس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال كاد الحسد أن يغلب القدر وكاد الفقران يكون كفرا وأن الرجل ليذنب ذنبا فيحرم نصيبه من الرزق قال الأعمش حسبك ما حدثتك في مائة يوم حدثتني في ساعة ما علمت أنك تعمل بهذه الأحاديث يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة وأنت أيها الرجل أخذت بكلى الطرفين
وذكر الإمام المرغيناني أن رجلا جاء إليه وقال حلفت أن لا أغتسل من هذه الجنابة فأخذ الإمام يده وانطلق به حتى إذا مر على قنطرة نهر دفعه في الماء حتى انغمس في الماء ثم خرج فقال قد طهرت وبررت لان اليمين كان على منع نفسه عن فعل الغسل ولم يحصل منه فعل
وسئل عن امرأة صعدت السلم فقال لها زوجها إن صعدت فأنت طالق وإن نزلت أيضاً قال يرفع السلم وهي قائمة عليه ثم يوضع على الأرض أو ترفع المرأة وتوضع على الأرض ولا يحنث لأنها ما نزلت ولا طلعت
وسئل أيضاً عن رجل قال لامرأته إن لبست هذا الثوب فأنت كذا وإن لم أجامعك فيه فأنت كذا فتحير علماء الكوفة فقال يلبسه الزوج ويجامعها فيه
وولدت امرأة ولدين ظهرهما متصل فمات أحد الولدين قال علماء الكوفة يدفنان جميعا وقال الإمام يدفن الميت ويتوصل بالتراب في قطع الاتصال ففعلوا فانفصل الحي وعاش وكان يسمى بمولى أبي حنيفة رضي الله عنه
ودعاه ابن هبيرة يوما وراه فصا منقوشا مكتوب عليه عطاء بن عبد الله وقال أكره التختم به لمكان اسم غيري عليه ولا يمكن حكه فقال دور رأس الباء يكون عطاء من عند الله فتعجب من سرعة استخراجه وقال لو أكثرت الاختلاف إلينا وأفدتنا قال وما أصنع عندك إذا قربتني فسنى وإن أقصيتني
أحزنتني وليس عندك ما أرجوه وليس عندي ما أخافك عليه ومثل هذا جرى بينه وبين المنصور وعيسى بن موسى أمير الكوفة حين قالا له لو أكثرت الاختلافات إلينا وأفدتنا
وعن الحسن بن زياد عنه قال ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق دعاني المنصور يوما وقال الناس قد افتتنوا به فهيئ عليه من المسائل الشداد فهيأت له أربعين مسألة ثم دعاه وقال الق عليه من مسائلك فألقيت عليه واحداً واحدا فجعل يقول كذا قال أهل المدينة فيه وأنتم قلتم كذا وكذا وأنا أقول فيه كذا فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالف الكل فلما فرغ قال ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم بهذه الاختلافات
وعن أبي معاذ البلخي أن الإمام كان يقول أهل الكوفة كلهم مولاي لان الضحاك بن قيس الشيباني الحروري دخل الكوفة وأمر بقتل الرجال كلهم فخرج إليه الإمام في قميص ورداء وقال أريد أن أكلمك فقال تكمل قال لم أمرت بقتل الرجال قال لأنهم مرتدون قال أكان دينهم غير ما هم عليه فارتدوا حتى صاروا إلى ما هم عليه أم كان هذا دينهم قال أعد ما قلت فأعاد قال الضحاك أخطأنا فغمدوا سيوفهم ونجا الناس
وقال أبو الفضل الكرماني لما دخل الخوارج الكوفة ورأيهم تكفير كل من أذنب وتكفير كل من لم يكفر قيل لهم هذا شيخ هؤلاء فاخذوا الإمام وقالوا تب من الكفر فقال أنا تائب من كل كفر فقيل لهم أنه قال أنا تائب من كفركم فأخذوه فقال لهم أبعلم قلتم أم بظن قالوا بظن قال إن بعض الظن إثم والإثم ذنب فتوبوا من الكفر قالوا تب أيضاً من الكفر فقال أنا تائب من كل كفر فهذا الذي قاله الخصوم أن الإمام استتيب من الكفر
مرتين ولبسوا على الناس
وحكى أن رجلا أوصى إلى رجل وسلم إليه كيسا فيه ألف دينار وقال إذا كبر ولدي فادفع إليه ما تحبه فلما كبر دفع إليه الكيس وامسك المال فلم يجد الصبي مخرجا فجاء إلى الإمام وقص عليه فدعا الوصي وقال له ادفع الألف لأنك أمسكت المال والرجل إنما يمسك ما يحب ويعطي ما لا يحب
وكان الإمام إذا شكلت عليه مسئلة قال لأصحابه ما هذا إلا لذنب أحدثته وكان يستغفر وربما قام وصلى فتنكشف له المسئلة ويقول رجوت أني تيب علي فبلغ ذلك فضيل بن عياض فبكى بكاء شديدا ثم قال ذلك لقلة ذنب فأما غيره فلا يتنبه لهذا قلت ولعل الشافعي من هنا قال شعر
…
شكوت إلى وكيع سوء حفظي
…
فأوصي لي إلى ترك المعاصي
فان الحفظ فضل من اله
…
وفضل الله لا يعطى لعاص
…
ووكيع هذا كان أستاذ الإمام الشافعي وقد قال الإمام لداود والطائي أنت تتخلى للعبادة وقال لأبي يوسف إنك تميل إلى الدنيا وقال لكل واحد من تلامذته كلاما وكان كما قاله وهذا من الكرامة والفراسة وكان يقول ذو الشرف أتم عقلا من غيره قلت ولعل مأخذه قوله عليه السلام إذا فقهوا
وذكر أبو العلاء الهمداني عن أبي القاسم يوسف بن علي اليشكري صاحب الكامل في علم القراءة مرض أبو يوسف فقيل أنه قضى قال الإمام لا قيل من أين علمت قال أنه خدم العلم فلم يجتن ثماره لا يموت وكان كما قال حتى روى أنه كان له يوم مات سبع مائة ركاب ذهبية
وذكر الإمام أبو القاسم بن علي الرازي قال احتاج الإمام إلى الماء
فى طريق الحجاز فساوم أعرابيا قربة ماء فلم يبعه إلا بخمسة دراهم فاشتراه بها ثم قال له كيف أنت بالسويق فقال أريده فوضعه بين يديه حتى أكل ما أراد وعطش فطلب الماء فلم يعطه حتى اشترى منه شربه بخمسة دراهم
فصل في ورعه وتقواه وزهده وعلمه وكرمه رضى الله عنه
عن ابن المبارك قلت لسفيان الثوري ما أبعده عن الغيبة ما سمعت يغتاب عدو له قط قال هو أعقل من أن يسلط على حسناته من يذهب بها
وعن يزيد بن هارون رأيته يوما بفناء دار غريم له قد قام في الشمس فانكرته فقال لي على مالكها مال أخاف أن أجلس في ظلها
ومثله عن يحيى بن أبي زائدة إلا أنه قال حلفته بالله العظيم عن مانع الاستظلال فقال أخاف أن يكون قرضا جر نفعا قال وما أراه على الناس لكن على العالم أن يأخذ بعلمه أكثر مما يدعو إليه ولكن شمس الأئمة في كتاب الصرف رد هذا وقال إنه من التكلف لا من الزهد لكن ذكر في صفات الصالحين أن امرأة سألت الإمام أحمد بن حنبل أن شموع آل طاهر تعبر من محلنا ونحن نغزل فى ضوئه ونحن على السطوح طاقة أو طاقتين فهل يحل لنا ثمن ذلك الغزل فقال الإمام أحمد من أنت قالت أخت بشر الحافي قال ما زال هذا الورع الصافي يخرج من آل بشر الحافي فعلم بهذا أن دقائق الورع لا غاية لها ولا نهاية
وكان حفص بن عبد الرحمن شريك الإمام فبعثه إلى تجارة وقال فى ثوب كذا عيب فباع بلا بيانه وجاء بربح فتصدق بحصته وفاسخه الشركة قال المرغيناني وكان الربح خمسة وثلاثين ألف درهم
وكان الحسن بن عمارة يقع فيه فجمع علماء الكوفة أميرها لمسئلة فالكل
اخطأ إلا الحسن قال الإمام كلنا اخطأ إلا الحسن فلو شاء أن يقيم قولا لأقامه ويبطل قولي لأبطله لكنه منعه زهده وتقواه وكان الحسن بعد ذلك يمدحه وفي رواية سهل بن مزاحم وتكلم العلماء وتكلم الإمام فقال العلماء كلهم القول قوله فقال له الأمير اكتب فقال الحق ما قاله الحسن فازداد الناس اعتقادا فيه
وعن النضر بن محمد الرقي قال لقيته ببغداد وأنا أريد الكوفة فقال قل لإبني حماد قوتي في الشهر درهمان من سويق وقد حبسته عني فعجله إلي وكان في تلك الأيام حبسه المنصور للقضاء ببغداد وكان لا يأكل من طعامه بل يوتي له بالسويق من الكوفة
وعنه أن الإمام نهى عن الإفتاء وكان ابنه يسأل عنه في الخلوة شيئا فلا يجيبه فقال حماد أنت بمكان لا يراك فيه أحد فقال أخاف أن يسألني السلطان هل أفتيت فأخاف أن أقول لا
وعن الإمام أحمد أنه ذكره فقال كان زاهدا ورعا ضرب على القضاء إحدى وعشرين سوطا فأبى
وعن المبارك أراد الإمام أن يشتري جاريه فشاور عشر سنين من أي جنس يشتريها ووقعت أغنام من الغارة في الكوفة فسأل عن مدة حياة الغنم فقيل سبع سنين فما أكل اللحم سبع سنين ونعم ما قيل فيه شعر
…
حسبي مديح أبي حنيفة أنه
…
أسد العلوم وغابة الأقلام
قد كان في شأن التورع غاية
…
تكبو وراء بلوغها الأوهام
للزهد لم يقبل حلالا طيبا
…
فمتى يساق إلى حماه حرام
…
هل قد رأيتم مثله متورعا
…
جاءت به الأصلاب والأرحام
لما أتاه الفقه مزموما وما
…
باهى به باهى به الإسلام
…
وعن سهيل بن مزاحم بذلت له الدنيا بحذافيرها وضرب عليها بالسياط قلم يقبلها من قليلها وكثيرها
وعن أبي يوسف سمعت يقول لولا الخوف من الله ما أفتيت أحدا لكون المهنأ لهم والوزر علينا قلت فكأنه رضي الله عنه أشار إلى قوله عليه السلام أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ولهذا كان السلف الأبرار يتدافعونه عن أنفسهم فى الإعصار والأمصار وقد نظم الإمام سراج الدين الغزي أخو صاحب المحيط هذا المبني وزاد فى المغني فقال
شعر
…
تركت الكتب فى الفتوى وأبي
…
لمحتسب بهذا الترك أجرا
وما تركي لعجزي منه لكن
…
أكرر من أصول الشرع وقرا
وأما ما درست بغير حفظ
…
فيعظم ذكرها عدا وحصرا
ولي من سائر الأنواع حظ
…
وما قولي معاذ الله كبرا
ولكن أذكر النعماء عندي
…
من الرحمن إيمانا وشكرا
ولكن قد يكون الحكم طورا
…
خلافيا وبالإجماع طورا
فترتعد الفرائض عند كتبي
…
نعم أو لا لظني ذاك خيرا
وتركي قول مجتهد سوا
…
لظن قد يكون الظن وزرا
تدبرت الأمور وكان كتبي
…
لذي الأمثال صيتا لي وذكرا
فقلت هلكت إن الناس طرا
…
قد اتخذوك للنيران جسرا
فلا يغررك ذكر الناس واجهد
…
لتكسب عند ربك العرش ذكرا
…
وبادر فى قول الحق واحذر
…
قضاء لازما موتا وحشرا
ودع عنك العلو تكون عبدا
…
قنوعا صالحا سرا وجهرا
ولا تركن إلى الدنيا وشمر
…
لما يدعي لدي الرحمن ذخرا
فلا يغني مقال الخلق عني
…
هو المغني لما أرهقت عسرا
فحسبي عفو ربي عند تركي
…
وحسبي كتبة الباقين عذرا
…
وعن الحسين بن مالك عن الإمام أنه قال وقع بين المنصور وامرأته مشاجرة فاختارت الإمام ليكون حكما فدعاه المنصور وجلست امرأته وراء الستر فقال المنصور كم يحل للرجل من الحراير قال أربع قال ومن الإماء قال ما شاء بلا عدد قال هل يجوز لأحد خلاف في ذلك قال لا قال الخليفة اسمعي ما قال قالت سمعت قال الإمام يا أمير المؤمنين إنما تحل الأربع لمن عدل فمن لم يعدل أو خاف أن لا يعدل فلا تحل إلا واحدة قال الله تعالى {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} الآية فسكت الخليفة وقام أبو حنيفة فلما بلغ الإمام منزله بعثت الحرة إليه بخمسين ألف درهم وبجارية حسناء معها وبمركب شكرا لما صنع فجاء الخادم بكل ذلك إليه فلم يقبل منه شيأ وقال ما أردت بهذا الكلام تقربا إلى أحد ولا التماسا للبر من المخلوق ولم يمس منه شيئا ولم ينظر إليه حتى رفع من بين يديه
وعن العسكري أنه لما جيئ به إلى المنصور أمر له بعشرة آلاف درهم على يد حسن بن قحطبة فلما أحس أنه يؤتى بمال جعل لا يكلم أحدا فحمل إليه المال فقيل أنه ما تكلم اليوم فقال الحمالون ما نصنع بالمال فوضعوه في زاوية من البيت فلما مات كان ابنه حماد غائبا فقدم فذهب بالمال إلى ابن قحطبة وكان ذلك المال لم يحرك من مكانه فقال هذه وديعتك كانت في زاوية البيت فخذها فنظر إليه الحسن وقال
رحمة الله كان شحيحا على دينه وذكر صاحب = المنظومة عن الإمام أبي حفص الكبير البخاري أن الإمام لما فر من ابن هبيرة إلى مكة أقام بها إلى أن ظهرت الهاشمية فقدم الكوفة فاشخص إلى بغداد فأمر له المنصور بعشرة آلاف درهم وجارية فقال له عبد الملك بن حميد وزيره وكان جيد الرأي فيه اقبل الجائزة فإن الخليفة يطلب عليك علة فقال لا حاجة لي فيه فقال أما المال فقد كتب في الديوان أنه قبل وأما الجارية فأما أن تقبلها وأما أن تعتذر حتى أعذرك عنده قال إني ضعيف عن النساء لا حاجة في الجارية لا أصل إليها ولا أحسن أن أبيع جارية وصلت إلي من حرم أمير المؤمنين وذكر المرغيناني عن الحميدي عن أبيه قال لما أشخصه المنصور إلى بغداد شخصت معه فلما خرج من عند المنصور منتقع اللون سألته عن ذلك فقال دعاني إلى القضاء فقلت لا أصلح لذلك لأنه ليس لي قلب أحكم به عليك وعلى أولادك وقوادك فقال لِمَ لم تقبل صلتي فقلت تعطيني من بيت المال ولست من المقاتلة حتى آخذ مالهم ولا من الذرية حتى آخذ عطاياهم ولا من الفقراء حتى آخذ ما يأخذونه قال فأقم حتى تستفتيك القضاة فيما يحتاجون إليك من الأحكام
وعن الحسن بن زياد أنه لم يقبل من أحد هدية ولا جائزة
وعن سهل بن مزاحم كنا ندخل بيته ولا نرى إلا البواري
وعن عبد الرزاق كنا إذا رأيناه رأينا آثار البكار في عينيه وخديه
وسئل أبو مقاتل عنه وعن سفيان فقال ليس من ابتلي فهرب كمن ابتلي فصبر يريد أن سفيان لما دعي للقضاء هرب والإمام صبر على السياط ولم يقبل
وعن عبد العزيز بن عصام أن المنصور لما عرض عليه القضاء وامتنع ضربه ثلاثين سوطا حتى سال الدم على عقبيه قال له عمه عبد الصمد بن علي بن عبد الله
ابن عباس سللت على نفسك مائة ألف سيف هذا فقيه العراق وفقيه المشرق فأمر له بثلاثين ألف درهم وكان كل درهم مقدار مائة درهم اليوم لعزة الدراهم فلما وضعت بين يديه رفضها فقيل له لو تصدقت بها فقال أبو جد عندهم الحلال
وعن جعفر بن عون العمري قال أتته امرأة تطلب ثوبا بما قام عليه فأخرج ثوبا وقال قام على بأربعة دراهم قالت أتهزأ بي وأنا عجوز قال اشتريت ثوبين وبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم فهذا قام على بأربعة
وعن عبد العزيز بن خالد إمام أهل ترمذ أودعت عنده جارية حين خرجت حاجا وغبت أربعة اشهر فلما قدمت قلت له كيف رأيتها قال ما نظرت إليها وسمعت أنه لم يغتسل في تلك المدة فقيل له في ذلك فقال خفت أنها إن سمعت خشخشة الماء تحن إلى الرجال
وقد قال بعض أصحابه حرزنا ختمة في الموضع الذي فارق فيه الدنيا سوى سائر المواضع فكان سبعة آلاف ختمة وكان له في كل شهر ستون ختمة ختمة بالليل وختمة بالنهار
وعن يحيى بن معين أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة فيجوز أن يراد بالرواية الأولى هذه أيضاً فان اشتغاله بالنهار في الدرس والقضايا مشهور إلا في رمضان فإنه كان يتفرغ له ويؤيده ما روى عن عبد الله بن أسد قال إذا دخل رمضان يتفرغ لقراءة القرآن فإذا دخل العشر الأخير ما نقدر أن نتكلم معه إلا قليلا لا يقال قد ورد من قرأ القرآن في اقل من ثلاث لم يفقه فإنا نقول لعل ذلك في حق من لم تخفف له القراءة ألم تر إلى ما قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه خفف لداود عليه السلام القراءة وكان يأمر دوابه لتسرج فيقرأ الزبور حين تسرج وقد صح أن عثمان وتميما الداري وسعيد بن جبير كانوا يختمون
القرآن في ركعة وقد نقل عن الإمام أيضا ولنا قدوة في الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين هذا وقد يقال المراد بالحديث نفي الكمال على أنه قد يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال
وعن زفر قال بات الإمام عندي ليلة فقام الليل كله بآية واحدة وهي قوله تعالى {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}
وروى أنه قام الليل كله بآية {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم}
وروى أنه سمع رجلا يقرأ سورة إذا زلزلت الأرض في صلاة العشاء وهو خلفه فجلس بعد خروج الناس إلى أن طلع الفجر وهو آخذ بلحيته قائما يقول يا من يجزي مثقال ذرة خيرا خيرا ويا من يجزى مثقال ذرة شرا شرا أجر عبدك نعمان من النار وما يقرب إليها وأدخله في سعة رحمتك وفي رواية أخرى الليل يقرأ ألهاكم التكاثر ويرددها
وعن أسد بن عمرو عنه أنه قال ما بقى في القرآن سورة إلا وقد قرأتها في وتري ولعله أراد بالوتر التهجد كما في بعض الأحاديث وإلا فالسنة قراءة السور الثلاث في ركعات الوتر
وعن أبي مطيع قال كنت بمكة ما أدخل الطواف في ساعة من ليل أو نهارا إلا رأيته وسفيان في الطواف
وعن حفص بن عبد الرحمن كان يحيي الليل كله بقراء القرآن ثلاثين سنة في ركعة
وذكر الصيمري عن أبي يوسف كان يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة وفي رمضان مع يوم الفطر اثنتين وستين ختمة
وقد جاء في رواية أنه لما اشتغل بوضع المسائل واستخراجها قلت عبادته
يعني بالنسبة إلى بدء حالته وعادته
وعن عبد الله الليثي الخوارزمي قال كانت عادته في أثناء كلامه أن يقول ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار
وعن أبي الأحوص أنه لو قيل له انك ميت إلى ثلاث ما كان يمكن أن يزيد في عمله
وروي أن مسعرا جاءه وقال تبت من ذكرك بسوء فاجعلني في حل فقال الإمام من اغتابني من أولى الجهل فهو في حل ومن اغتابني من العلماء فلالان وقيعة العلماء شين إلا بد إلا أن يتوب وجعلتك في حله ولكن كيف بطلب الله إياك بما نهاك من الكتاب والسنة فكانا متواخيين بعد ذلك حتى مات
وعن الحماني كان لا يدخل في جوفه لقمة أحد
وروي أنه ما أكل من البصل والثوم منذ خمسين سنة
وعن يحيى بن آدم قال حج خمسا وخمسين حجة
وروي أنه سكن بمكة في رمضان وتمكن من مائة وعشرين عمرة لكل يوم أربع عمرات ومما قيل فيه شعر
…
نهارا أبي حنيفة للإفادة
…
وليل أبي حنيفة للعبادة
وودع نومه خمسين عاما
…
لطاعته وخداه الوسادة
…
وعن الحسن بن زياد أنه رأي على بعض جلسائه ثيابا رثة فقال ارفع هذا المصلى وخذ الألف التي تحته واصلح بها حالك قال إني موسر قال صح في الحديث إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى اثر النعمة عليه فغير ثيابك حتى لا يغتم بك صديقك
وروى أنه أعطى لمسلم ابنه حين علمه الفاتحة ألفا واعتذر إليه
وعن عبد الله بن مالك بن سليمان قال أرسل زيد إليه يدعوه إلى البيعة فقال لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه لأنه إمام حق ولكني أعينه بمالي فبعث إليه بعشرة آلالف درهم وقال للرسول ابسط عذري عنده وفي رواية اعتذر إليه بمرض يعتريه ولامنع من الجمع وسئل عن خروجه فقال ضاهي خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقيل له لم تخلفت قال حبسني عنه ودائع الناس عرضتها على ابن أبي ليلي فلم يقبل فخفت أن أموت مجهلا وكان كلما ذكر خروجه بكى
وعن أبي ملبح أنه قال ما ملكت أكثر من أربعة آلاف منذ أكثر من أربعين سنة إلا أخرجتها وإن أمسكتها لقول علي رضي الله عنه أربعة آلاف درهم وما دونها نفقة ولولا أني أخاف أن ألتجئ إلى هؤلاء ما أمسكت درهما واحدا
وروي عنه أنه كان يؤذن ويؤم الناس في مسجده وقال حدثني نافع عن ابن عمران من صلى الفجر ولم يتكلم إلا بذكر الله حتى تطلع الشمس كان كالمجاهد في سبيل الله
وحدثني أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحية إذنها ثلاثا فان ذهبت وإلا فاقتلها
وذكر السمعاني مسندا عن عصام بن يوسف والزرنجري مرسلا قال أتيت مجلسه ورجل يشتمه فما أجابه هو ولا أحد من أصحابه ولا قطع مجلسه حتى فرغ من كلامه فلما قام ودخل منزله جاء الرجل ونظر من شق الباب وجعل يشتم وفي رواية فلما بلغ الإمام الباب توقف وقال للشاتم أريد دخول
منزلي فإن كان بقي من شتمك شئ فاختمه حتى لا يبقى عندك شئ فتاب الرجل وقال اجعلني في حل فجعله في حل
وعن يزيد بن المكتف قال ناظره رجل في مسئلة فقال يا زنديق يا مبتدع فقال الإمام الله يعلم مني خلاف ذلك يعلم أني ما عدلت به أحدا منذ عرفته ولا رجوت إلا عفوه ولا خفت الا عقابه
وذكر الإمام الزاهد النسفي عن أبي الخطاب الجرجاني قال كنت عنده إذ سأله شاب عن مسئلة فأجاب فقال الشاب أخطأت ثم سأله عن أخرى فأجاب فقال الشاب اخطأت فقال لأصحابه سبحان الله ألا تعظمون الشيخ يجئ إليه شاب فيخطئه مرتين وأنتم سكوت فقال لي الإمام دعهم دعهم فإني عودتهم من نفسي ذلك
وذكر الإمام الحلبي عن يحيى بن عبد الحميد عن أبيه قال كان يخرج كل يوم من السجن فيضرب ليدخل في القضاء فيأبى فلما ضرب رأسه واثر ذلك في وجهه بكي فقيل له في ذلك فقال إذا رأته أمي بكت واغتمت وما علي اشد من غم أمي روي أنها قالت يا نعمان إن علما أوردك مثل هذا لحري أن تفر منه فقلت تعلمت لله لا للدنيا
وذكر أنه قال ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له ولوالدي ولمن تعلم مني أو تعلمت منه
وروي عنه أنه قال ما مددت رجلي نحو سكة حماد قط وكان بينهما مقدار سبع سكك
وذكر الإمام الحلبي عن عبد الرزاق إن رجلا سأله عن مسئلة فأجاب فقال الرجل إن الحسن أجاب بخلاف هذا فقال الإمام اخطأ الحسن فقال
الرجل يا ابن الزانية فمضى ولم يتغير وجهه بل قال أخطأ الحسن وأصاب ابن مسعود رضي الله عنه
ذكر الحلبي عن سفيان بن وكيع عن أبيه قال دخلت عليه وهو مطرق رأسه يتفكر قال من أين جئت قلت من عند شريك بن عبد الله فرفع رأسه وأنشأ يقول
شعر
…
إن يحسدوني فإني غير لائمهم
…
قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم
…
ومات أكثرنا غيظا لما وجدوا
…
وقد احسن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى حيث أنشد
شعر
…
هم يحسدوني وشر الناس منزلة
…
من عاش في الناس يوما غير محسود
…
وعن يحيى بن معين رحمة الله تعالى قال كان إذا ذكر أحد عنده بسوء قال
شعر
…
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
…
فالقوم اعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لزوجها
…
حسدا وبغيا أنها لذميم
…
وقيل لعبد الله بن طاهر أن الناس يقدحون فيه فقال
شعر
…
ما يضر البحرا مسى زاخرا
…
إن رمى فيه غلام بحجر
…
ونعم ماقال القائل
…
إن يحسدوني فزاد الله في حسدي
…
لا عاش من عاش يوما غير محسود
ما يحسد المرأ إلا من فضائله
…
بالعلم والبأس أو بالمجد والجود
…
ولبعضهم
…
فازداد لي حسدا من لست أحسد
…
إن الفضيلة لا تخلو عن الحسد
…
ولحاتم الطائي
…
يا كعب ما إن أرى من بيت مكرمة
…
إلا له من بيوت الناس حساد
…
وعن ابن البجلي إن الإمام مر يوما بسكران يبول قائما فقال له اجلس فقال له السكران يا مرجئ فقال هذا جزائي حين حكمت بإيمانك يجوز أن يريد بالحكم بالإيمان الحكم بعدم خروجه من الإيمان لو تكلم بكلمة الكفر أو أن يريد به عدم الخروج من الإيمان بالسكر الذي هو كبيرة وفيه خلاف المعتزلة كذا ذكره الكردري والصواب أن فيه خلاف الخوارج في المسئلة
وعن بشر بن الوليد قال قال أبو يوسف لقيني الأعمش وقال صاحبكم يخالف ابن مسعود حيث لا يجعل بيع الأمة طلاقها وابن مسعود جعل بيع الأمة طلاقها قلت أنت حدثتنا بذلك قال كيف قلت حدثتنا عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنه عليه السلام خير بريرة بعد ما اشترتها عائشة ولو كان بيع الأمة طلاقها ما كان للتخير فائدة قال أفيه ذلك قلت نعم
عن الإمام قالت سألت الشعبي عن حرة تحت عبدكم طلاقها قال قال ابن مسعود الطلاق والعدة بالنساء فأتيت حمادا فأخبرته فقال أخبرني إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه بمثله
وعن عبد الله بن عنبسة قال قال سمعت الشعبي يقول عليكم بالمساجد فإنها مجالس الأنبياء
وعن إسحاق بن دينار عن الإمام قال سمعت الشعبي يقول انما سمي الهوى هوى لأنه يهوي صاحبه إلى النار ونعم ما قيل
شعر
…
نون الهوان عن الهوى مسروقة
…
واأسير كل هوى أسير هوان
…
ولآخر
…
فإذا هويت فقد تعبدك الهوى
…
فاخضع لحبك كائنا من كانا
أن الهوى لهو الهوان بعينه
…
فإذا هويت لقد لقيت هوانا
…
ولابن المبارك رحمه الله تعالى
…
ومن البلاء وللبلاء علامة
…
أن لا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواته
…
والحر يشبع تارة ويجوع
…
وروي عنه أنه قال سمعت الأعمش يقول في علته أن الناس يستثقلوني وأنت زدتني عندهم ثقلا فقال الإمام لولا العلم الذي يجري على لسانك ما رأيتني أبدا لان فيك خصالا أنا لها كاره تتسحر عند طلوع الفجر الثاني وتقول هو الأول وقد صح عندي أنه الثاني وترى الماء من الماء ولا ترى الاغتسال من الأكسال ولولا ما عندك من الحديث ما كلمتك فما تسحر الأعمش بعدها إلا قبل الثاني ولا جامع إلا وقد اغتسل وقال صلاة وصيام كيف يكون باختلاف وقال والله لا أفتيت بذلك أبدا
وذكر أبو العلاء الحافظ أن الإمام قال للأعمش لولا أنه تثقل عليك زيارتنا لزرناك أكثر من هذا فقال انك تثقل علي وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني فقام الإمام وخرج ولم يقل شيئا فقيل له في ذلك ما أقول له ما صام ولا صلى في عمره
وذكر الغزنوي عن شريك بن عبد الله قال كنا عند الأعمش في مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وكان الإمام
أكبرهم فبدأ بالكلام وقال اتق الله فانك في أول يوم من الآخرة وقد كنت تحدث عن علي رضي الله عنه بأحاديث لو أمسكتها لكان خيرا لك فقال الأعمش اسندوني لمثلي يقال هذا حدثني أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى لي ولعلي بن أبي طالب أدخلا الجنة من أحبكما وأدخلا النار من أبغضكما وذلك قول الله تعالى {القيا في جهنم كل كفار عنيد} قال الإمام قوموا حتى لا يجئ باطل من هذا قال فوالله ما جزنا الباب حتى مات قلت وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون وقد قال تعالى {كما بدأكم تعودون}
وذكر الكردري أن للرافضة أحاديث أكاذيب ولهم أيضا تأويلات باطلة في الآيات وزيادات وتصحيفات كزيادة والعصر ونوائب الدهر وكقوله وعبد الله وجيها تتغير النون إلى الباء وكقوله تعالى إن علينا للهدى صحفوا أن عليا وهم قوم بهت يزعمون أن عثمان أسقط من القرآن خمس مائة كلمة منها قال تعالى {ولقد نصركم الله ببدر} وزادوا فيه بسيف علي وهذا وأمثاله كفر قال تعالى {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} فمن أنكر حرفا مما في صحف عثمان أو زاد فيه أو نقص فقد كفر ألا يرى أن عبيد الله بن زياد سمي فاسقا بزيادة الألف في قوله تعالى {سيقولون لله} فزاد الألف وقال الله مع أنه لا يخرج به عن الفصاحة قلت كيف يكون فاسقا هذا وهو قراءة ثابتة في السبعة وقرأ بها أبو عمرو والبصري فالمدار على الرواية المتواترة وان لم يكن مطابقا للرسم في الصورة فمن أنكر أو زاد فيها أو نقص منها فقد كفر
وعن يسار بن قيراط وكان شريك الإمام قال حججت مع الإمام والثوري فإذا نزلنا بلدة قالا الناس فقيها العراق واجتمعوا عليهما وكان
يقدم الإمام ويمشي خلفه وإذا سئل عن مسئلة بحضرة الإمام لم يجب حتى يجيب الإمام فسئل الإمام عن النبيذ فأراد أن يرخص فمنعه سفيان وقال إن رخصنا بالكوفة لا ننفذ بالمدينة
وعن بشر بن يحيى قلت لابن المبارك أدخلت علم أبي حنيفة وسفيان في الكتب ولم تدخل رأي مالك والأوزاعي قال لأني لم أعدهما علما والله سبحانه أعلم
فصل في وفاة الإمام رضي الله عنه ورحمه
روى أن المنصور أشخص الإمام إلى بغداد وطلب منه أن يتولى القضاء من تحت يده إلى جميع الكون واعتل بعلل فخلف المنصور أنه أن لم يقبله يحبسه فأصر على الإباء وقال الخليفة أقدر على كفارة يمينه فحبسه وكان يرسل إليه في الحبس أنه إن لم يقبل ضربه فأبى فأمر أن يخرج ويضرب كل يوم عشرة أسواط فلما تتابع عليه الضرب في تلك الأيام بكى فاكثر البكاء فلم يلبث إلا يسيرا حتى انتقل إلى جوار الملك العلام فمات في الحبس مبطونا مجهودا وقيل مسموما فأخرجت جنازته وكثر بكاء الناس على حالته ودفن في مقابر الخيزران بناء على وصيته
وروى أنه ضرب مائة وعشرة أسواط في إحدى عشر يوما فاخرج من السجن على أن يلزم الباب فاخذ منه الكفلاء وطلب منه أن يفتي فيما يرفع إليه من الأحكام وكان يرسل إليه بالمسائل وكان لا يفتي فأمر أن يعاد إلى السجن ويغلظ عليه فأعيد وضيق عليه تضييقا شديدا فكلم خواص المنصور المنصور وأخرج من السجن ومنع من الفتوى والجلوس للناس والخروج من المنزل فكانت تلك حالته إلى أن توفي ولم يدخل في العمل رضي الله عنه
وروى أنه اخرج من الحبس ودفع إليه قدح فيه سم ليشرب فأبى وقال
لا أشرب لأني أعلم ما فيه ولا أعين على نفسي فطرح وصب في فمه وخلى عنه فجاء إلى المنزل الذي نزل فيه ببغداد فلم يلبث إلا قليلا حتى مات
وروى أنه لما أحس بالموت سجد فخرجت روحه وهو ساجد
وذكر الإمام النسفي عن الإمام أبي حفص الكبير البخاري قال دخل الحسن ابن قحطبة أحد قواد المنصور على الإمام وقال عملي لا يخفى عليك فهل لي من توبة قال نعم إذا علم الله أنك نادم على ما فعلت ولو خيرت بين قتل مسلم وقتلك لاخترت قتلك على قتله وتجعل مع الله عهدا أن لا تعود فإن وفيت في توبتك قال الحسن أني فعلت ذلك وعاهدت الله على أن لا أعود على قتل المسلمين فكان ذلك إلى أن ظهر بالبصرة إبراهيم بن عبد الله الحسنى فأمر المنصور أن يذهب إليه فجاء إلى الإمام وقص عليه الكلام فقال جاء أو أن توبتك أن وفيت بما عاهدت فأنت تائب وإلا فأخذت بالأول والآخر فجد في توبته وتأهب وسلم نفسه إلى القتل ودخل على المنصور وقال لا أسير إلى هذا الوجه إن كان لله طاعة في سلطانك فيما فعلت فلي منه أوفر الحظ وان كان معصية فحسبي فغضب المنصور فقال حميد أخوه إنا أنكرنا عقله منذ سنة وكأنه خولط عليه أنا أسير وأنا أحق بالفضل منه فسار فقال المنصور لبعض ثقاته من يدخل عليه من هؤلاء الفقهاء فقالوا أنه يتردد إلى الإمام فدعا الإمام بعلة شئ فسقاه السم ثم سقى الحسن أيضاً بعد أيام فأما الحسن فعالج نفسه فبرأ ومات الإمام شهيدا في سنة خمسين ومائة وكان ابن سبعين ولم يكن له من الأولاد سوى حماد
وذكر العسكري عن عبد الله بن مطيع عن أبيه قال رأيت جنازة في أيام المنصور في طاقات باب خراسان وخلفها رجل يحملها أربعة أنفس قلت جنازة من هذه قالوا جنازة فقيه كوفي يدعى أبا حنيفة مات في السجن فلما أخرج
من باب خراسان كأنه نودي في الناس فازدحموا عليه فعبر به إلى الجانب الآخر فصلينا عليه بباب الحسن فلم نقدر على دفنه إلا بعد العصر من الزحام فجاء المنصور فصلى على قبره ومكث الناس يصلون على قبره إلى عشرين يوما فقلت كيف اختار هذا الجانب قال لان ذلك الجانب غصب وهذه الأرض كانت أطيب منه فلما بلغ المنصور وصيته قال من يعذرني منه حيا وميتا وقيل حرز من صلى عليه فكان مقدار خمسين ألفا وقد قيل فيه
شعر
عز الشريعة إذ مضى كشافها
…
وظهيرها النعمان نحو جنانه
عمر التقى والشرع اكثر عصره
…
بالأصغرين لسانه وجنانه
عجبا لقبر فيه بحر زاجر
…
عجبا لبحر لف في أكفانه
وذكر الإمام الأسفرايني عن الربيع بن يونس قال سمعت المنصور يخاطب الإمام على القضاء وهو يقول اتق الله تعالى ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله تعالى ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب ولو اتجه الحكم عليك ثم تهددني على أن تغرقني في الفرات أو أزيل الحكم لاخترت الغرق حاشيتك محتاجون إلى من يكرمهم لك فقال المنصور وكذبت انك تصلح قال قد حكمت لي على نفسك كيف يحل لك إن تولي القضاء من يكون كاذبا
وما ذكرنا من أفعال المنصور بالإمام فعل يزيد بن هبيرة إلي الكوفة بالإمام مثله أيضا في الزمان المروانية كما رواه العسكري وغيره عن يحيى بن أكثم عن أبي داود قال أراد ابن هبيرة أن يولي الإمام قضاء الكوفة فأبى فحلف ابن هبيرة أن يقتله بضربه بالسياط على رأسه ويحبسه فحلف الإمام على أنه لا يلي منه فقيل له أنه حلف على أن يضربك قال ضربه في الدنيا هون من معالجة مقامع
الحديد في العقبى والله لا أفعل ولو قتلني فقيل أنه حلف أن لا يخليك وأنه يريد بناء قصر فتول له عدد اللبن فقال لو سألني أن أعد له أبواب المسجد ما فعلت فذكر قوله للأمير فقال ابلغ من قدره إلى أن يعارضني في اليمين فدعاه فشافهه فحلف إن لم يقبل ضربه على رأسه عشرين سوطا فقال اذكر مقامك بين يدي الله تعالى فإنه أذل من مقامي هذا ولا تهددني فإني أقول لا إله إلا الله والله سبحانه وتعالى يسألك عني حيث لا يقبل منك الجواب إلا بالحق فأومى إلى الجلاد أن أمسك وبات في السجن وأصبح قد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب فقال الأمير رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول أما تخاف الله تعالى تضرب رجلا من أمتي بلا جرم وتهدده فأخرجه من السجن
وذكر أنه لما ضربه الأمير كان ابن أبي ليلى وابن شبرمة في المسجد فأخبرا بذلك فأظهر ابن أبي ليلى الشماتة فقال له ابن شبرمة لا ادري ما تقول هذا نحن نطلب الدنيا وهذا يضرب على رأسه ليأخذ الدنيا فلا يقبلها
وعن ابن المبارك أنه قال ان الرجال في الاسم سواء حتى يقع في البلوى وقد ضرب أبو حنيفة على رأسه في السجن حتى يدخل في الحكم فصبر على الذل والضرب في الحبس طلبا للسلامة في دينه
وعن أبي عبد الله بن أبي حفص الكبير البخاري أن الفتنة لما ظهرت بخراسان دعا ابن هبيرة العلماء كابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن أبي هند وولى كل واحد منهم شيئا من عمله وعرض على أبي حنيفة أن يكون الخاتم في يده لا ينفذ كتابا إلا من تحت يده فأبى فحلف الأمير أنه أن لم يفعل يضربه في كل جمعة سبعة أسواط فقال له الفقهاء إنا إخوانك نناشدك على أن لا تهلك نفسك وكلنا نكره عمله ولكن لم نجد بدا منه فقال الإمام لو أراد مني أن أعد أبواب مسجد
واسط لم أعد له فكيف وهو يريد مني أن يكتب في دم رجل وأختم له والله لا أدخل في ذلك فقال ابن أبي ليلي دعوه فإنه مصيب فحبسه الشرطي جمعتين وضربه أربعة عشر سوطا وفي رواية ضربه أياما متوالية ثم جاء الضارب إلى الأمير وقال أنه يموت فقال قل له يخرج من يميننا فقال لو أمرني أن أعد له أبواب المسجد لم أفعل ثم اجتمع مع الأمير فقال ألا ناصح لهذا أن يستمهلني فاستمهله وقال أشاور إخواني فخلاه فهرب إلى مكة في سنة مائة وثلاثين إلى ان صارت الخلافة للعباسية وقام بها فقدم الكوفة في زمن منصور فعظمه أمر له بجائزة عشرة آلاف درهم وجارية فلم يقبلهما وروى أنه كان يمتثل كثيرا
شعر
عطاء ذي العرش خير من عطيتكم
…
وفضله واسع يرجى وينتظر
أنتم يكدر ما تعطون بمنكم
…
والله يعطي فلا من ولا كدر
وروي أن ابن هبيرة أتى بشاهد زور وهو والي الكوفة فقال علي بالقاضي فقيل رأيت القاضي وأبا حنيفة والحجاج بن أرطاة فى المسجد فقال علي بهم فلما جاؤا قال هذا ارتكب ما ارتكب فما نصنع به فبدأ بابن أبي ليلى وقال يضرب أربع مائة سوط وقال الحجاج بحلق رأسه ولحيته فقال للإمام ما تقول أنت قال بلغنا أن شريحا كان إذا أتى بمثله سوقيا طيف به في سوقه وان كان من العرب طيف به في حية فعمل بقول الإمام وكان على رأس الإمام عمامة استرخى كور منها في وجهه فلما خرجوا قال لابن أبي ليلى ما هذه الفتيا لو ضرب أربع مائة ومات بما كنت تلقى الله في دمه قال ما أردت إلا أربعين ولكن من الخوف جرى على لساني وقال للحجاج حلق الرأس قد جاء في موضعه أما حلق اللحية إذا حلقت ولم تنبت
كيف حكمه قال ما أردت إلا حلق الرأس فمن الهيبة جرى على لساني فقال ابن أبي ليلى وأنت أيضاً لم تجتر على تسوية كور عمامتك من وجهك ألم يكن لك يد قال إن لم يكن لي يد أسوي بها عمامتي فلي قلب أعلم ما أقول به
وروي أن المنصور كان يريد أن يقرب الإمام فقال الإمام لا لأنك إن قربتني فتنتني وإن أبعدتني أحزنتني وليس عندك ما أرجوك له وليس عندي ما أخافك عليه وإنما يغشاك من يغشاك يستغني بك عمن سواك وإنا غني بمن أغناك فلم أغشاك فيمن يغشاك
ومثله ذكر عن الإمام محمد بن الحسن أنه قال لعيسى بن موسى والي الكوفة وزاد في آخره فأنشأ قائلا
شعر
كسرة خبز وقعب ماء
…
وفرد ثوب مع السلامة
خير من العيش في نعيم
…
يكون في آخره ندامة
فصل في قراءات شاذة نسبت إلى الإمام
قرأ ملك يوم الدين بلفظ الفعل ونصب يوم على أنه مفعول وبه قرأ الحسن البصري وغيره وقرأ وإذا لاقوا الذين على وزن فاعوا وهي قراءة زيد بن علي ويعقوب وغيرهما واصله لاقيوا وقرأ إن البواقر تشابه علينا بالجمع والتاء وتشديد الشين والأصل تتشابه وهذه القراءة قرأة زيد بن علي والإدغام له وللحسن والأعرج وذكر بعضهم أنه قرأ وإذ ابتلى إبراهيم بالرفع وربه بالنصب وهي رواية جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما
وروى محمد أنه قرأ ابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله بالياء وضم اللام وبه قرأ ابن عباس والضحاك وابن أبي عبلة وقرأ أولو العلم قيما بالقسط
بتشديد الياء وهى قراءة علقمة عن ابن مسعود وقرأ ولله ميراث السماوات بالإمالة وقرأ إن يدعوا من دونه إلا إثنا بتقديم الثاء على النون وهي قراءة ابن عباس كأنه جمع وثنا على وثان كما تقول جمل وجمال ثم جمع وثانا على وثن كما يقال مثال ومثل ثم أبدل من الواو همزة لانضمامها كما في قوله تعالى {وإذا الرسل أقتت} والأصل وقتت لأنه من الوقت فاثن جمع الجمع ويعضده قراءة ابن مسعود وثنا بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس
روى عنه أيضاً أنه قرأ وثنا بضم الواو والثاء جمع وثن أيضاً مثل أسد وآساد وقرأ فمن أبصر فلنفسه ومن أعمى فعليها وقرأ لا تنفع نفسا إيمانها بها التاء وهى قرأة ابن سيرين وتوجيهه أن كثيرا ما يؤنثون فعلا للمضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث وقيل أن الإيمان مصدر والمصدر كما يذكر في قوله تعالى فمن جاءه موعظة كذلك يؤنث كما قال الشاعر
…
فقد عذرتنا في صحابته العذر
…
بمعنى المعذرة وقرأ نفس بالرفع قيل أنه ضعيف ويمكن دفعه بأن إيمانها بدل اشتمال منها وقرأ في رواية الحسن عنه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها برفع عشر منونا ورفع لأم أمثالها وبه قريء من طريق يعقوب الحضرمي ونسب إلى الحسن وسعيد بن جبير والأعمش وتأنيث العشر لكونه عبارة عن الحسنة وأمثالها بدل
وقرأ في رواية محمد عنه فى سورة الأعراف وجعلنا لكم فيها معايش بالهمزة والمد وبه قرأ الأعمش والأعرج ونافع في رواية حارثة بن مصعب عنه فعوملت الياء الأصلية معاملة الزائدة فحملت على مدائن وصحائف ورسائل
وقرأ في آخر التوبة وليجدوا فيكم غلظة بضم الغين وهى قرأة المفضل عن
عاصم وهى لغة بني تميم وقرأ الأعمش بفتح الغين كالسخطة
وقرأ قوله تعالى {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} بفتح النون وتشديدها ونصب الدال وهى قرأة بلال بن أبي بردة وابن محيصن وبه قرأ يعقوب والحضرمي وفى روايته المناهل بن شاذان عنه وقرأ فاليوم ننحيك بالحاء المهملة وهى قراءة اليزيدي ورواه علقمة عن ابن مسعود والمعنى على هذه نلقيك في ناحية من البحر وقرأ بأبدانك بصيغة الجمع أي بإعطاء بدنك وبأجزاء درعك وقرأ غيره في الشواذ بندائك أي على قومك أنار بكم الأعلى وقرأ الإمام أيضاً لمن خلقك بالقاف مع فتح اللام وهي قراءة علي كرم الله وجهه وقرأ لمن خلفك بفتح اللام والفاء أي لمن ورث أرضك من بعدك وهو بنو إسرائيل وغيرهم
وقرأ مالك {لا تأمنا} بالإدغام بغير الإشمام ورواه قالون عن نافع وبه قرأ أبو جعفر من العشرة وأبو عبيد القاسم بن سلام وهو القياس وقرأ طلحة بن مصرف بنونين ظاهرتين على الأصل وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رزين والأعمش لا يتمنا وهي لغة بني تميم يقولون أنت تضرب وقرأ قد شعفها بالعين المهملة وبها قرأ جعفر بن محمد وابن محيص والحسن وأبو رجاء وقتادة والشعيبي وهي لغة في المعجمة وقرأ قالوا نفقد صواغ الملك بالغين المعجمة وهي قراءة أبي رجاء وغيره وقال كان إناء صيغ من ذهب وروى عن أبي الأشهب صواع وصواع بالفتح والكسر وقرأ في رواية محمد يوم يدعوا كل أناس بالياء وهي قراءة مجاهد والحسن البصري وعنه أنه قرأ يوم يدعا بصيغة المجهول وكل بالرفع والمراد بإمامهم نبيهم أو كتابهم الذي يعمل به أو كتاب أعمالهم ويوئده ما بعده وما قوله عليه السلام
فيما رواه مسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية فان أهل الجاهلية ما كان لهم شرع ولا تمسك فيه للروافض أنه لا بد من اتباع إمام فاطمي في كل وقت
وقرأ في روايته محمد عنه {طه ما أنزلنا عليك القرآن} بفتح الطاء وسكون الهاء وهي قراءة عكرمة وتوجيهه أنه أمر من وطأ يطأ والأصل طأ أبدلت الهمزة هاء كما في إياك وهياك أو حذفت الهمزة تحفيفا والحق بها هاء السكت ويؤيده ما في الشفاء عن ربيع بن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم على إحدى رجليه إذا صلى وبرفع الأخرى فنزلت الآية أي أصل طه طاها والضمير إلى الأرض ولا يبعد أن يكون الضمير في قراءة الإمام إلى مكان القيام والله أعلم بحقيقة المرام
وذكر في المناقب أنه قرأ تخيل إليه من سحرهم ولم يبين كيفية قراءته لكن في اللوامع عن أبي حنيفة نخيل بالنون قال الكردري وقرأ به غيره في الشواذ
وقرأ {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} بالنون وفتح الياء ووحيه بالنصب وبه قرأ ابن مسعود ويعقوب الحضرمي وعاصم الجحدري وقرأ زهرة الحياة الدنيا نفتح الهاء قال أبو حاتم السجستاني قرأ به طلحة وعيسى بن عمرو وهي قراءة الحضرمي
وقرأ في رواية محمد عنه ويخلد فيه مهانا بضم الياء وفتح اللام ورفع الدال وهي رواية شاذة عن أبي عمرو
وقرأ / بما آتيتهين كلهن / بالقصر وقرأ في رواية محمد ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بالرفع على بنية القطع والاستيناف أي يتوب فى كل حال
وبه قرأ الحسين بن علي وأنس بن مالك رضي الله عنهم فيما ذكره مجاهد وبه قرأ الحسن
وقرأ {إنما يخشى الله} بالرفع من {عباده العلماء} بالنصب وبه قرأ محمد بن عبد العزيز والمعنى إنما يعظم الله إذ الخشية يلزمها التعظيم لأنها حرف مقرون به ففيه التجريد
وقرأ / فأغشيانهم / في يس بالعين المهملة وبه قرأ بعضهم ونسب إلى ابن عباس كما رواه شهر بن حوشب وبه قرأ يزيد بن المهلب
وقرأ في سورة الجن في رواية محمد غدقا بكسر الدال
وقرأ في سورة الفيل يرميهم بالياء وهى قراءة يحيى بن يعمر وطلحة والأعرج فالضمير إلى الله أو إلى الطير باعتبار الجنس
وقرأ في سورة الفلق محمد عنه {من شر ما خلق} بتنوين شر وهو قراءة عمرو ابن خالد وموسى الإسواري فيجوز أن يكون ما بدل عن شر ويجوز أن تكون زيادة ولا يبعد أن يكون نافية على أن المعني {من شر ما خلق} إلى الآن فالإستعاذه من الشر في مستقبل الزمان والله المستعان لان الماضي قد مضى ويجب القضاء بما كان وبه يندفع ما ذكره الكردري من أنه لا يجوز أن تكون نافية لأنه يلزم تقديم ما بعد النفي على النفي في المبنى مع أنه يفسد أيضاً في المعنى لان التقدير وما خلق من شر ولأنه يخرج الكلام من الدعاء والاستعاذة إلى النفي
وقرأ مالك الناس بالألف وهي قراءة عمر بن الخطاب وقد قيل شعر
…
لأبي حنيفة ذي الفخار قراءة
…
مسموعة منحولة غراء
عرضت على القراء فى أيامه
…
فتعجبت من حسنها القراء
…
لله در أبي حنيفة أنه
…
خضعت له القراء والفقهاء
خلف الصحابة كلهم فى علمهم
…
فتطاولت لجلاله الخلفاء
سلطان من في الأرض من فقهائها
…
وهم إذا أفتوا له أصداء
إن المياه كثيرة لكنه
…
فضل المياه جميعها صداء
ويرغم انف حاسد به ذكره
…
شرقا وغربا مسكة ذفراء
…
فصل
وعن يوسف بن خالد ان الإمام كان ينشد هذا البيت كثيرا
…
كفى حزنا أن لا حياة هنيئة
…
ولا عملا يرضى به الله صالح
…
وذكر السمعاني عن أبي سعد الصغاني قال سألت الإمام عن الأخذ عن سفيان قال ثقة واكتب عنه ما خلا أحاديث جابر الجعفي وزيد بن أبي عياش فإنهما كاذبان قال الإمام الشافعي سمعت ابن عيينة يقول سمعت جابرا يقول بالرجعة ومعناه إن جماعة من قتلة عثمان رضى الله عنه كانوا يقولون أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من عيسى عليه السلام بلا نزاع وهو يرجع إلى الدنيا ويقاتل الدجال فسيدنا رسول الله أولى بهذا الكلام وتمسكوا بقوله تعالى إن الذي فرض عليك القرآن أرادك إلى معاد ورد بأن المراد في النص بالمغماد أما مكة وأما يوم العرض لا الدنيا على أن لا دلالة في الآية على العود بعد الموت وعن جعفر الأحمر سألته عن مسئلة فأجاب فيها فقلت لا يزال هذا المصر بخير ما أبقاك الله تعالى فقال
شعر
…
خلت الديار فسدت غير مسود
…
ومن الشقا تفردي بالسدود
…
وعن ابن عيينة قال مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه فى المسجد وقد
ارتفعت أصواتهم فقلت يا أبا حنيفة هذا المسجد والصوت لا ينبغي أن يرفع فيه قال دعهم فإنهم لا يتفقهون إلا به قلت وهذا محمول على أن رفع صوتهم لا يشوش على مصلي أو طائف أو قارئ فإن المتأخرين من أيمتنا صرحوا بأن رفع الصوت ولو بالذكر حرام في المسجد
وعن الهيثم بن عدي قال عدنا مع الإمام وأبو بكر النهشلي رجلا من القراء كان مريضا في خارج الكوفة منزله بعيد فقال بعضنا إذا جلستم تعرضوا بالغداء فلما جلسنا قرأ بعضهم قوله تعالى {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} فقال المريض ليس علي الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج زاد الزرنجري فأعطاهم دراهم دعوة لغداهم قلت وكان الأظهران يقول الأول آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا
وعن زفر قال إن الإمام سئل عن علي كرم الله وجهه ومعاوية رضى الله عنه وقتلى صفين فقال إذا قدمت على الله يسألني عما كلفني ولا يسألني عن أمورهم
وروي أنه حين سئل عنه قال تلك الدماء طهر الله منها شأننا أفلا نطهر منها لساننا وفي رواية تلا قوله تعالى {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}
وعن غورك الكوفي قال أهديت إليه هدايا وكافأني بأضعافه فقلت لو علمت ذلك لم أفعل فقال الفضل للسابق ألا تستمع ما حدثني به الهيثم عن أبي صالح بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لن تجدوا ما تكافئوه فأثنوا عليه خيرا فقلت هذا الحديث أحب إلي من جميع ما أملك
وعن عمر بن إبراهيم البصري عن أبيه فقال رأيته مغموما متفكر يتنفس
الصعداء فقلت له يرحمك الله مالك قال مطلوب يخاف البيات وكنت يوما إلى جنبه في صلاة الفجر فقرأ الإمام {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} قال فارتعد أبو حنيفة حتى عرفت ذلك منه
وعن سهل بن مزاحم قال قال لي لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة حتى يعود إلى العلم فيتذكر ثم يتولى ثانيا
وعن عبد الله الأحفظ أنه ذهب مع الحسن بن عيسى بن زيد إليه فقام له وعظمه ثم قال له كان جدك صلى الله عليه وسلم يكره أن يقوم رجل لرجل إلا لثلاثة ذو سلطان لسلطانه وذو علم لعلمه وذو شرف لشرفه وأنت منهم
وعن أبي الحسن علي بن أحمد الفارسي قال من مناجاته أنه كان يقول إلهي إن كان صغيرا في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي إلهي كيف أنقلب بالخيبة محروما وظني بجودك أن تقلبني مرحوما إلهي إن عزب رائي عن تقويم ما يصلحني فما عزب يقيني عني فيما ينفعني إلهي أعززت نفسي بإيمانك فكيف نذلها بين أطباق نيرانك الهي إذا تلونا من كتابك شديد العقاب أشفقنا وإذا تلونا منه الغفور الرحيم اشتقنا فنحن بين أمرين لا يؤمننا الكتاب سخطك ولا يؤيسنا من رحمتك إن قصر سعينا عن استحقاق نظرك فاقض علي من كرمك انك لم تزل بي بار أيام حياتي فلا تقطع عني برك أيام مماتي إن غفرت فبفضلك وإن عذبت فبعدلك يا من لا يرجى إلا ثوابه ولا يخشى إلا عذابه ومن شواهد كرمك استمام نعمائك ومن محسان جودك استكمال آلائك إلهي إن أخطأت طريق النظر لنفسي بما فيه كرامتها فقد تبينت طريق الفزع بما فيه سلامتها
إلهي إن كنت غير مستأهل لما أرجو من رحمتك فأنت أهل أن تجود على المذنبين بفضلك ورأفتك إلهي أمرت بالمعروف وأنت أولى به من المأمورين وأمرت بصلة السوال وأنت خير المسؤلين إلهي سترت على ذنوبا في الدنيا وأنا إلى سترها أحوج في العقبي إلهي هب لي توبة نصوحا تذيقني من حلاوتها وتوصل إلي قلبي برد رأفتها حتى أكون في الدنيا غريبا ولك حبيبا فأصبح في الدنيا بقلب حزين وعين سخينة وبطول بكاء وكثرة دعاء اللهم من أنزل حاجته بأحد من الناس أو طلبها إليه أوثق فيها بغيرك فإني لا أنزلها إلا بك ولا أطلبها إلا إليك فاقض يا رب حاجتي فأنت منتهى الحوائج واجعلني في رحمتك مع الأبرار واعتقني من النار واغفر لي عكوفي على الدنيا بالعشي والإبكار
ومن كلامه من أراد أن ينجو من عذاب العقبى لا يبالي من عذاب الدنيا ومنه لا تجمع الذنوب والآثام لحبيبك ولا تجمع الأموال لنقيضك عني بالحبيب نفسه وبالنقيض وارثه
وذكر الإمام السمعاني عن هلال بن يحيى البصري سمعت يوسف ابن خالد السمتي قال كنت اختلف إلى عثمان البتي بالبصرة فقيه أهلها وكان يتمذهب بمذهب الحسن وابن سيرين فأخذت من مذاهبهم وناظرت عليها منهم ثم استأذنت للخروج إلى الكوفة لتلقي مشائخها والنظر في مذاهبهم والاستماع عنهم فدلوني على سليمان الأعمش لأنه أقدمهم في الحديث وكان معي مسائل في الحديث وكنت سألت عنها المحدثين فلم أجد أحدا يعرفها فذكرت ذلك في حلقة الأعمش فذكر ذلك له فقال ايتوني به فمضيت إليه فقال لعلك تقول أن أهل البصرة اعلم من أهل الكوفة كلا ورب البيت الحرام ما ذلك
كذلك وما أخرجت البصرة إلا قاصا أو معبرا أو نائحا والله لو لم يكن بالكوفة إلا رجل ليس من عربها ولكن من مواليها يعلم من المسائل ما لا يعلم الحسن ولا ابن سيرين ولا قتادة لا عمي ولا البتي ولا غيرهم وغضب علي غضب شديدا حتى خفت أن يضربني بعصاه ثم قال لبعض من حضره اذهب به إلى مجلس النعمان فوالله لو رأى اصغر أصحابه علم أنه لو قام أهل الموقف لأوسعهم جوابا ودخل في قلبي من الرعب ما الله تعالى به عالم فقام الرجل واتبعته فلما خرج من المسجد قال النعمان يكون في بني حرام فاسأل عنه فانه بهذه المسائل أعلم وأولى ولي شغل لا يمكن المصير إليه فخرجت اسأل عنه قبيلة بعد قبيلة حتى أتيت بني حرام فى آخر القبايل وقد دخل وقت العصر فإذا أنا بكهل قد أقبل حسن الوجه حسن الثياب وخلفه غلام أشبه الناس به فلما دنا سلم ثم صعد المأذنة فأذن أذانا حسنا فتوسمت فيه أنه الإمام ثم نزل فصلى ركعتين خفيفتين تامتين أشبه بصلاة الحسن وابن سيرين فاجتمع نفر من أصحابه وتقدم فأقام وصلى بهم أشبه الناس بصلاة أهل البصرة فلما سلم استند إلى المحراب وأقبل بوجهه إلى الناس فحياهم ثم سأل كل واحد من أصحابه عن حاله فلما انتهى إلي قال كأنك غريب من أهل البصرة وقد نهيت عن مجالستنا قلت نعم فقال ما اسمك فأخبرته باسمي ثم سأل عن كنيتي فأخبرته فقال أكنت تختلف إلى البتي قلت نعم فقال لو أدركني لترك كثيرا من قوله ثم قال هات ما معك وابدأ قبل أصحابي فإن بك وحشة الغربة وحق لمثلك من المتفقهة التقدم إذ لكل داخل دهشة ولكل قادم حاجة قال فسألته عن المسائل التي كانت مشكلة علي فأجابني فحكيت ما جرى بيني وبين الأعمش فقال حفظك الله يا أبا محمد يجب أن ينوه باسم بلده بغيره ما مثله إلا كما قال القايل
شعر
…
وإذا تكون كريهة ادعى لها
…
وإذا يحلس الحيس يدعى جندب
…
ولئن كان الحسن وابن سيرين فاضلين كان كل واحد منهما يتكلم في الآخر بما يصدق قول الأعمش كان ابن سيرين يعرض بالحسن المعتزلي ويقول يأخذ الجوائز من السلطان ويروي بالمحالات ويفتي بالهوى ويقول بالقدر كأنه إله الأرض ينفرد بالفعل دون ربه ويروي عن علي كأنه رآه وعن سمرة بن جندب كأنه شاهده ويقول بفضل عثمان كأنه من مواليه أعاذنا الله تعالى وإياكم منه فلم يزل يقول ذلك حتى قام خالد الحذاء يوما من مجلسه وقال مهلا يا ابن سيرين لم تقول في هذا الرجل قد استتيب عن القدر عام حجه وفيها أيوب السخستياني ومالك بن دينار ومحمد بن واسع فتاب ويتوب الله على من تاب وقال صلى الله عليه وسلم لا تعيروا أحدا بما كان فيه من الكفر فإن الإسلام يهدم ما كان قبله ثم قال الإمام ما أعجب ما قال خالد وهذا محمد بن واسع وقتادة وثابت البناني ومالك بن دينار وهشام بن حسان وأيوب وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم يذكرون أن الحسن لم يتب عن القدر حتى مات وهذا عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيلان بن جرير وغيرهم يدعون الناس إلى مذهب الحسن وهلم أهل البصرة جرا على هذا المذهب فارتفع قول خالد من هؤلاء وقد قيل إن خالدا تمذهب هذا المذهب أيضاً وكان الحسن يعرض بابن سيرين ويقول يتوضأ بالقربة ويغتسل بالراوية صبا صبا دلكا دلكا تعذيبا لنفسه وخلافا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يعبر الرؤيا كأنه من آل يعقوب عليه السلام فدع عنك أيها الرجل هذا وهلم فيما قصدت له وتعلم ما لا يسعك إن الأمم قبلكم ما اجتمعت ولا تجتمع أبدا والله تعالى يقول {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك}
ولذلك خلقهم ولولا ما جرت المقادير واختلفت الطبائع ما اختلفت ولكن كل يعمل على شاكلته فربكم اعلم بمن هو أهدى سبيلا ثم سكت
فقلت له ما تقول فيما اختلفوا فيه من القدر قال أهل البصرة والكوفة قد اختلفوا فيه على ما علمت وكبر أمره عن الطوق وهذه مسئلة قد استصعبت على الناس فأنى يطيقونها هذه مسئلة مقفلة قد ضلت مفتاحها فان وجد مفتاحها علم ما فيها ولم يفتح إلا بمخبر عن الله تعالى يأتي بما عنده ويأتي ببرهان وبينة وقد فات ذلك والذى نقول في ذلك قولا متوسطا بين القولين أينما مال ملت معه كما قال محمد بن علي رضي الله عنهما لا جبر ولا تفويض ولا تسليط والله لا يكلف العباد ما لا يطيقون ولا أراد منهم ما لا يعلمون ولا عاقبهم بما لم يعملوا لا سألهم عما لم يعلموا ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علمي والله يعلم بما نحن فيه والصواب الذي عنده ونحن مجتهدون وكل مجتهد مصيب إلا أنه لم يكلفهم الاجتهاد فيما ليس لهم به علم والله ولي كل نجوى واليه رغبة كل راغب وفقنا الله تعالى وإياكم لما يحب ويرضى
ومن أصحابه الجامع وروي عنه شعبة وابن جريج وأمثالهما ومع ذلك المقام لزم الإمام وروي عنه الكثير من الكلام وسمى به لأنه كان له أربعة مجالس مجلس لمعاني القرآن ومجلس لأقاويل الإمام من درس الفقه ومجلس للأدب كالنحو ومجلس للمناظرة وغيره ولما مات قعد ابن المبارك على بابه للتعزية ثلاثة أيام
عن الإمام أنه قال ما جازيت أحد بسوء وما لعنت أحدا ولا غششت أحدا
وعن أبي يوسف كل قول قلناه لم نقل به من عندنا إنما كان قولا قاله
أولا ثم تركه فقلنا به
وعن الحكم بن هشام قال قلت له هذا الذي تفتينا به صواب قال لا ادري لعله يكون خطاء وهذا نص منه أن المجتهد يخطئ ويصيب لا كما يقوله المعتزلة وإيماء إلى ما قالوا من أن المقلد ينبغي أن يعتقدان إمامه على الصواب ويحتمل الخطاء وغيره على خطاء ويحتمل الصواب وهذا في الفروع وأما في الأصول فيعتقدان المخالف مخطئ جزما
وعن بكير بن معروف قلت له الناس يتكلمون فيك ولا تتكلم أنت فيهم فقال هو فضل الله يؤتيه من يشاء
وعن حازم قال كلمت الإمام في الزهد والعبادة واليقين والتوكل ففسر لي كل باب على حدة
وعن أحمد بن مردويه قال ذكر إبراهيم بن شماس أن ابن المبارك ترك الإمام فغضب وقال قل لإبراهيم أن ثلاثا وثلاثين من كتبه تكذبك
وذكر الغزنوي عن الإمام الشافعي أنه قال إني لا أتبرك بأبي حنيفة وأجيئ إلى قبره زائر فى كل يوم فإذا عرضت لي حاجة جئت إلى قبره وصليت ركعتين وسألت الله تعالى الحاجة فقضيت
فصل في فضل الإمام أبي يوسف رحمة الله تعالى
عن الطحاوي أنه ولد سنة ثلاث عشرة ومائة وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة نسبه إلى أمه وهو الأنصاري البجلي وكان سعد ممن عرض عليه السلام يوم أحد فرده لصغره ودعا له وفي رواية مسح رأسه نزل الكوفة فمات بها وصلى عليه زيد بن أرقم وكبر عليه خمسا
وذكر الغزنوي أنه روى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعمرو بن محمد
الناقد وأحمد بن منيع وآخرون ولاه موسى الهادي ابن المهدي قضاء بغداد ثم الرشيد
وذكر مكحول النسفي أنه أوصى لأهل مكة بمائة ألف ولأهل المدينة مائة ألف ولأهل الكوفة بمائة ألف ولأهل بغداد بمائة ألف
وذكر الحلبي أنه مات في شهر ربيع الأول لخمس خلون منه سنة اثنتين وثمانين ومائة
وذكر الخوارزمي أن الرشيد مشى إمام جنازته وصلى عليه بنفسه ودفنه في مقبرة أهله وقال حين دفنه ينبغي لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضا في موته ودفن في مقابر قريش بكرخ بغداد وبقربه دفن محمد الأمين وزبيدة رحمهم الله تعالى
وروى عنه أنه قال لأعرف أن لي سبع مائة بغل وثلاث مائة فرس
عن بشر بن الوليد أنه كان أوى إلى فراشه فإذا رجل يقرع الباب قرعا شديدا فإذا هرثمة بن أعين فقال اجب الخليفة قال قلت هل إلى الدفع سبيل قال لا قلت فما السبب قال لا أدري خرج مسرور الخادم فأمرني أن أجيئ بك قال فاغتسلت وتحنطت ورحت فإذا أبا بالخادم فطلبت منه أن يدفع عني الحضور فأبى وقال ادخل الصحن ففعلت فقال الرشيد ادخل فإذا عيسى بن جعفر جالس عنده فلما سلمت ورد السلام قال دعوناك أتدري لم دعوناك قلت لا قال عنده جارية لا يبيعني ولا يهبني قلت وما قدرها حتى تمنعها من الخليفة فقال ليس من العدل سرعة العذل أني حلفت أن لا أبيعها ولا أهبها قال الرشيد هل من مخرج قلت يبيع النصف ويهب النصف فيكون لم يبع ولم يهب ففعل عيسى ذلك فأتى بالجارية وقال خذها بارك الله فيها فقال يا يعقوب بقيت واحدة وذلك أن نفسي تنازعني
أن أبيت معها ولا بد من استبرائها فقال أعتقها وتزوجها فان الحرة لا تستبرأ فاعتقها وتزوجها على عشرين ألف دينار فدعا بالمال ودفعه إليها ثم قال يا مسرور احمل إلى يعقوب عشرين تختا من ثياب ومأتي ألف درهم قال بشر بن الوليد فنظر إلي وقال رأيت باسا فيما فعلت قلت لا قال خذ منها حقك العشر قال فأردت أن أقوم فإذا بعجوز دخلت وقالت بنتك تقرئك السلام وتقول ما وصل إلي من الخليفة إلا المهر فوجهت إليك نصفه والباقي جعلته لاحتياجي فاخذ المال وأعطاني ألف دينار انتهى
ولا يخفى أن فى المخاطر حزازة من قوله فيكون لم يبع ولم يهب بل يكون بيعا وهبة كلاهما لأنهما كما يتعلقان بكلها يتعلقان بجزئها نفيا وإثباتا وهذا بحسب اللغة وتعليمه رضى الله عنه مبني على العرف فان بناء الإيمان عليه غالبا ومع ذلك لو وهبها للسطان أو باعها وكفر عن يمينه أو أهداها إليه بناء على الفرق بينها وبين الهبة كان أولى كما لا يخفى وبهذا تبين لك فرق بين بين حيل الإمام الأول والثاني رحمة الله عليهما فتأمل
ويروي أن الرشيد حلف بالطلاق ثلاثا أن باتت زبيدة في ملكة وندم وتحير فقيل هنا فتى من أصحاب أبي حنيفة يرجى منه المخرج فدعاه فعرض عليه وقال استعمل حق العلم قال كيف أنت على السرير وأنا على الأرض فوضع له كرسي فجلس عليه ثم قال تبيت الليلة في المسجد ولا يد لأحد على المسجد قال تعالى {وان المساجد لله} فولاه الرشيد قضاء القضاة
أقول وهذا أيضاً لا يخلو عن أشكال لان يمينه علي ملكه بالضم لا على ملكه بالكسر ولا شك أن الأوقاف والأملاك داخلة تحت ملك السلطان لغة وعرفا فالحيلة كانت أن يعزل نفسه ويولي غيره ممن يعتمد عليه فى تلك
الليلة ثم فى الصبح يعزل ذلك لنفسه ويوليه أو كان يطلقها واحدة ثم يتزوجها في الصباح
ويروى أن الرشيد دعاه ذات ليلة وقال سرق حلي لي واتهمت واحدة من جواري الخاصة وحلفت أن لم تصدقني لأقتلها قال أبو يوسف فهل لي إلى رويتها من سبيل قال نعم فدعاها في الخلوة وقال لها إذا سألك الخليفة عن الحلي سرقت قولي نعم وإذا قال هاتي قولي ما أخذت ولا تزيدي على هذا ولا تنقصي ففعلت فقال أبو يوسف يا أمير المؤمنين صدقت فى الإقرار والإنكار فسكن غضب الرشيد فقال يحمل إلى داره مائة ألف درهم فقيل له الخازن غائب فقال أنه اعتقنا عن القتل الليلة فلا نؤخر صلته إلى الغد أقول وفى هذا أيضاً مناقشة ظاهرة وكان الأولى بالسلطان أن لا يقتلها في تلك الليلة ويعتقها أو غيرها كفارة عن يمينه ثم قوله أن لم تصدقني يحتمل ان يكون من الصدق أو التصديق وكل منهما يحتاج إلى التدقيق والتحقيق والله ولي التوفيق
وذكر أن موسى الهادي رأى جارية فائقة في الجمال فاشتراها بمال عظيم وأراد اسقاط الاستبراء وقال الفقهاء لا بد من الاستبراء أو الإعتاق والتزوج ولم يحب الهادي التزوج فأحضر أبو يوسف فقال يزوجها الخليفة من بعض خدمه ثم يقبضها ثم يأمره بالطلاق فيطلقها بعد قبض الخليفة قبل الخلوة فلا يلزمها العدة فسر به الهادي وأجازه بعشرة آلاف درهم
وسئل عمن قال ماله في المساكين صدقة إن فعل كذا قال يخرج ماله إلى من يثق به ثم يفعل ذلك ثم يرجع فى ماله فقال أبو اليقظان عمار مستمليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجعلوها فباعوها وأكلوا ثمنها فقال أبو يوسف يا لكع أبين هذا من ذاك فإنهم احتالوا فيما حرم الله ونحن نحتال فى أن لا نحرم ما أحل الله تعالى
الفصل فيما يتعلق بكلامه وحفظه وقضائه
وذكر الغزنوي عن هلال أنه كان يحفظ التفسير والحديث وأيام العرب كان أقل علومه الفقه
عن علي بن الجعد أنه قال العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه أنت كلك وإذا أعطيته كلك كنت في إعطائه البعض لك على غرور
وعن إبراهيم أنه قال لا تطلب الحديث بكثرة الرواية فترمى بالكذب والغنى بالكيمياء فتفلس والعلم بالكلام فتحتاج إلى أن تعتذر لكل واحد
وعن يحيى بن يحيى عنه قال كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة
وعن ابن سماعة أنه كان يصلي بعدما ولي القضاء كل يوم مائة ركعة وفى رواية مأتي ركعة فلم يتركه بعد ما فلج
وعن الفضيل عنه قال قال لا يبلغ في الفقه إلا من ليس له هم الدنيا والآخرة
وعن علي بن الحسين عنه قال قال ما أتيت مجلسا أريد أن أتكبر فيه إلا افتضحت
وعن علي بن حجر عنه أنه قال اخذ في الفرائض بقول زيد وعلي رضي الله
عنهما فإذا اختلفا أخذت بقول علي لأنه صلى الله عليه وسلم قال أقضاكم علي قلت ويعارضه قوله عليه السلام أفرضكم زيد بن ثابت والجمع أن زيدا أعلم فى هذا الفن بخصوصه من بين الأحكام وعلي جامع لقضاء أحكام الإسلام والله أعلم بحقيقة المرام
وعن إبراهيم بن رستم قال مرض مرض الذي أصابه فيه البرسام فلما برأ قيل له هل أنكرت حفظك قال أما القرآن فعنم وأما العلم فكأني انظر فيه كما أنظر إلى طرق الكوفة انتهى ولا يخفي ما فيه فإن اللائق به أن يكون الأمر بالعكس وأين هذا من تلاوة الإمام الأعظم كل يوم ختمة وكل ليلة ختمة وقد يزيد على ذلك
وعن خزيمة بن محكمة قال كنت أجالس زفر طرفي النهار وأسأله عن المسائل فإذا كررت عليه المسئلة مرة أو مرتين وطلبت منه الدليل قال ما هذا الإبرام وكان لا يدخل في مسائل الحساب والوصايا والدور ومسائل الحيض وكنت أجالسه لعلمه وزهده فلما طال ذلك جالست أبا يوسف وكان جامعا للكل وكان يأتيني بأنواع الحجج فلزمته حتى كتبت أماليه انتهى وهذا مما يدل على كمال زفر فانه كان مشتغلا بأمور أهم مما ذكر ولذا قال الغزالي ضيعت قطعة من العمر العزيز في تصنيف البسيط والوسيط والوجيز
وذكر الحلبي عن الحسن بن زياد قال حججنا معه فاعتل في الطريق فجاءة سفيان بن عيينة في بير ميمونة عائدا فقال لنا خذوا حديثه فروى لنا أربعين حديثا من حفظه فلما قام سفيان حدثنا بالأربعين حديثا بسنده ومتنه حفظا وتعجبنا من سرعة حفظه مع علته وشغله بسفره قلت فكانه كان من رجال
{لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} قيل وكان يصوم رجب وشعبان وما ترك السلطان من خراج أرضه كان يتصدق به
وعن أبي إسحاق الرازي أنه خرج يوما راكبا بغلة في ركابي ذهب فقيل له أتركب في ركابي ذهب وقد نهى عنه فقال أردت أن أرى الناس عن العلم أن ابن الخياط بلغ به جلالة العلم إلى هذا القدر حتى يزدادوا حرصا قلت هذا تعليل في معرض النص وهو غير مقبول على أن فيه فتنه عظيمة للعامة
وعن أبي يوسف أنه كرر على الحسن بن زياد المسئلة ستة عشر مرة ثم قال الحسن لعلي لم أفهمها
ومن الطائفة أنه وقعت بين الرشيد وبين امرأته منازعة فقال الرشيد الخبيص أحلى من الفالوذج وعكست زبيدة فدخل هو وهم في هذا الحال فسأل عن هذا المقال فقال القضاء على الغائب لا يجوز فأتي بطبقين منهما فجعل يأخذ من هذا لقمة ومن هذا لقمة حتى كاد أن يأتي عليهما فسأله الرشيد أيهما أحلى فقال اصلح الله أمير المؤمنين كلما هممت أن أحكم لواحد آتي الآخر بشاهد فلما شبع قال الخبيص حلو قال الرشيد قويت حجج الخبيص فقال الخبيص حلو كما قلت لكن لا بمنزلة الفالوذج
وحكي عن ابن المبارك أنه قال خرجت حاجا فدخلت عليه فشكا لي ضيق الحال وقال فى جواري عني أريد أن أتوكل عنه في أموره فقلت اصبر على العلم فأنه لا يضيعك فلما قمت من عنده تعلق ذيلي بكوز وسخ فانكسر فتغير لونه فقلت ما الذي أصابك فقال إن هذا الكوز كان للشرب والوضوء لي ولوالدتي ليس لنا غيره فأخرجت دنيارا وأعطيته إياه فلما رجعت عن الحج رأيته قد جعل قاضيا للقضاة وأجرى له كل شهر مائة دينار بألف درهم ودار ذلك الغني جعل اصطبلا
لدوابه قيل وكانت له عند الرشيد منزلة رفيعة بحيث يبلغ دار الخلافة راكبا بغلته فيرفع له الستر فيدخل كما هو راكبا والرشيد يبدؤه السلام وكان إذا رآه ينشده جاءت به معتجرا ببرده
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد عن القاسم بن الحكيم قال سمعته يقول يا ليتني مت على ما كنت عليه من الفقر ولم أدخل في القضاء على أني بحمد الله ما تعمدت جورا ولا حابيت خصما على خصم من سلطان ولا سوقة
ويروى أن الرشيد لما جعل الأمين ولي عهده في حياته قال أبو يوسف الحمد لله الذي جعل ولي عهد أمير المؤمنين من لم يسود صحيفته بالأوزار فبلغ ذلك زبيدة أمه فأنقذت إليه مائة ألف دينار
قيل وأصحاب الأمالي الذي رووها عن أبي يوسف لا يحصون
فصل في مناقب الإمام محمد بن الحسن رحمة الله عليه
هو أبو عبد الله الشيباني من قرية تسمى حرستي من أعمال دمشق قدم أبوه العراق فولد محمد بواسط سنة اثنتين وثلاثين ومائة ونشأ بالكوفة وسمع العلم من الإمام الأعظم والأوزاعي والإمام مالك والثوري ومسعر بن كدام وروى عنه الإمام الشافعي وغيره من العلماء الكرام والمشائخ العظام
وروى أنه محمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز ملك بني شيبان وأبو حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز اسلم على يد عمر رضى الله عنه وعن وكيع قال كنا نكره أن نمشي معه فى طلب الحديث لأنه كان غلاما جميلا
وذكر السمعاني أن أباه قدم به إلى الإمام فقال الإمام لوالده احلق رأسه وألبسه الخلقان ففعل أبوه امتثالا فزاد عند الحلق حسنا وجمالا وفيه يقول أبو نواس
شعر
…
حلقوا رأسه ليكسوه قبحا
…
غيرة منهم عليه وشحا
كان في وجهه صباح وليل
…
نزعوا ليله وأبقوه صبحا
…
ولاه الرشيد القضاء حين خرج معه إلى خراسان ومات بالري سنة تسع وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ومات الكسائى بعده بيومين وحكي أنهما ماتا في يوم واحد فقال الرشيد دفن الفقه واللغة في الري وتشاءم به ودفن الإمام محمد بجبل طبرك والكسائي بقرية رنبويه وبينهما أربعة فراسخ وكان معسكر الرشيد أربعة فراسخ نزل الإمام الكسائي في جانب والإمام محمد في جانب وقيل في مرثيتهما شعر
…
تصرمت الدنيا فليس خلود
…
لما قد نرى من بهجة ستبيد
ألم ترى شبابا إذا ما ابتلوا البلي
…
وإن الشباب الغض ليس يعود
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت
…
فكن مستعدا للقاء عتيد
أسفت على قاضي القضاة محمد
…
وأذريت دمعي والفواد عميد
وأوجعني موت الكسائي بعده
…
وكادت بي الأرض الفضاء تميد
…
وذكر السمعاني عن هشام بن عبد الله الذي توفي الإمام محمد في بيته أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل في ذلك فقال إذا أوقفني الله تعالى بين يديه وقال يا محمد ما أقدمك على الري أمجاهدا في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي ما أقول
وعن البويطي عن الشافعي أعانني الله تعالى في العلم برجلين في الحديث بابن عيينة وفي الفقه بمحمد بن الحسن رضي الله عنهما
وعن ابن جبلة سمعت محمدا يقول لا يحل لأحد أن يروي عن كتبنا
إلا ما سمع أو يعلم مثل ما علمنا
وعن أحمد بن حجاج يقول لم يحمل عني هذا الكتاب أحد اصح مما احتمله البخاري اخذ عني ولم يستقص علي أحد فى السماء كاستقصائه قلت لعله أراد به أبا حفص الكبير البخاري فإن محمد بن إسمعيل البخاري ليس له رواية عن محمد فيما احفظه
قيل دخل على الإمام أول ما دخل للعلم قال استظهر القرآن فغاب سبعة أيام ثم جاء وقال حفظته
وعن الديلمي أن الشافعي قال جالسته عشر سنين وحملت من كلامه حملي جمل لو كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا كلامه لكن كان يكلمنا على قدر عقولنا
وعن الشافعي ما رأيت سمينا عاقلا قط غيره وانشدوا للشيخ سيف الدين الباخرزي البخاري
شعر
…
يقولون أجسام المحبين نضوة
…
وأنت سمين ليس غير مرائ
فقلت لان الحب خالف طبعهم
…
ووافقه طبعي فصار غذائ
…
وعن ابن سماعة قال لأهله لا تسألوني حاجة من الحوائج فان فيها شغل قلبي وخذوا ما بدا لكم من وكيلي فإنه أفرغ لقلبي
وروي أنه لما مات أبو يوسف لم يخرج محمد لجنازته فقيل له في ذلك قال لأن جواري أبي يوسف يندبنه ويقلن
شعر
…
اليوم يرحمنا من كان يحسدنا
…
اليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
…
وروى عنه أنه ترك لي أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر والباقي على الحديث والفقه وقال أقمت على باب مالك ثلاث سنين
فصل في مناقب الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى
ولد سنة ثماني عشر ومائة وكانت أمه خوارزمية وأبوه تركيا قيل كان سبب توبته أنه سمع قوله تعالى {ألم يأن للذين آَمَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبِهِمْ لِذِكْرِ اللهِ وِمْا نزل من الحق} وقال بلى والله وكان هذا أول زهده قيل وكذلك هذه الآية سبب لتوبة فضيل بن عياض مات عبد الله بهيت سنة إحدى وثمانين ومائة رحمه الله
وعن الحسن بن ربيع قال لما حضرته الوفاة اشتهى سويقا فلم يوجد إلا عند رجل يعمل من أعمال السلطان فعرض عليه فلم يقبل ومات ولم يشرب
وعنه قال لما حضرته الوفاة قال قد ترى شدة الكلام علي فإذا سمعتني قلت كلمة الشهادة فلا تردها علي حتى تسمعني أخذت فى كلام آخر فإنما كانوا يحبون أن يكون آخر كلامهم كلمة الشهادة لقوله عليه السلام من كان آخر كلامه لا اله إلا الله دخل الجنة قيل لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة قال ترك الغضب قلت ولذا قال لما قال بعض الصحابة أوصني يا رسول الله قال لا تغضب
وقال أبو علي الروذباري صحبته في طريق مكة فلما دخلنا البادية قال تكون الأمير أم أكون أنا قلت بل أنت قال فعليك بالسمع والطاعة فاخذ المخلاة ووضعها على عاتقه فقلت دعني احمل فقال أنا الأمير أم أنت قلت أنت فمكثنا ذات ليلة إذا أخذ المطر فأخذ الكساء فأظلني وترك نفسه إلى الصباح فوددت إني أمت ولم اقل كن أميرا فلما أردت الافتراق قال يا أبا علي إذا صحبت إنسانا فاصحبه هكذا ولابن المبارك
شعر
…
إذا رافقت في الأسفار قوما
…
فكن لهم كذي الرحم الشفيق
يعيب النفس ذا بصر وسلم
…
عمى القلب عن عيب الرفيق
ولا تأخذ بهفوة كل قوم
…
ولكن قل هلم إلى الطريق
متى تأخذ بهفوتهم تمل
…
وتبقى في الزمان بلا صديق
…
ومن كلامه أن العلماء ورثة الأنبياء فإذا كانوا على طمع فبمن يقتدي والتجار أمناء الله فإذا خانوا فعلى من يؤمن والغزاة أضياف الله إذا غلوا فبمن يظفر على العدو والزهاد ملوك الأرض فإذا كانوا أذرياء فبمن يتبع والولاة رعاة الأنام فإذا كان الراعي ذئبا فبمن تحفظ الرعية وقد أشار عمران بن حطان الخارجي إلى الفقرة الأخيرة فيما قاله لعبد الملك بن مروان مخاطبا
شعر
…
إن أنت لم تبقى لا صوفا ولا غنما
…
القيتني اعظما في قرقر قاع
أخذت رزقي من ربي لتحفظني
…
فصرت لي سبعا أيها الراعي
…
وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن الحسن قال حضرنا باب سفيان بن عيينة ليلا فقيل هو عند يحيى بن خالد وقال آخر هو عند جعفر فقال رجل منا يا رب أرنا رجلا يسوي هذا العلم بين الناس فقال رجل هو ابن المبارك وقال رجل هات غيره فذكرت هذا الكلام لابن المبارك ولم أقل ذكروك فقال هو فضيل بن عياض رحمه الله تعالى
وعن الأشعث بن شعبة المصيصي قال قدم ابن المبارك علينا بالرقة وفيها هارون فانحفل الناس إليه حتى تقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد للرشيد من برج وقالت من هذا قالوا قدم من خراسان عالم يقال له ابن
المبارك قالت هذا هو الملك لا ملك هارون الذي لا تجتمع الناس عليه إلا بشروط وأعوان
وعن إبراهيم بن عبد الله قال كان كتبه التي حدث بها عشرين ألفا أو أحد وعشرون ألفا
وعن إسحاق قال نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم
ومن كلامه لا أعلم بعد النبوة افضل من بث العلم
وعن عمرو بن حفص الصوفي قال خرج ابن المبارك يريد المصيصة للغزاء وصحبه بعض الصوفية فقال لهم أنتم لكن أنفس تحتشمون إن نفق عليكم هات يا غلام المنديل والطست فالقي عليه المنديل ثم قال يلقي كل منكم تحت المنديل ما معه فجعل الرجل يلقي عشرة وعشرين درهما قال فانفق عليهم إلى المصيصة قال الكردري يجوز أن يكون من قبيل إخفاء الإحسان على عادة السلف قلت ويأيده أنه كان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف ويجوز أن يكون من باب الكرامات ويؤيده ما روى ابن وهب أن ابن المبارك مر بأعمى فقال ادعوا الله أن يرد الله علي بصري فدعا فرد الله عليه بصره وأنا أنظر إليه
ومن كلامه من كان فيه خلة من جهل فهو من الجاهلين قال تعالى {أني أعظك أن تكون من الجاهلين} ويشير إليه حديث المكاتب عبد ما بقي عليه درهم
ومن كلامه الرفيع من رفعه الله بطاعته والوضيع من وضعه الله بمعصيته وقال احب الصالحين ولست منهم وأبغض الطالحين وأنا منهم
ودخل عليه أبو أسامة فرأى في وجهه أثر ضر فلما خرج وجه إليه أربعة ألاف درهم ورزمة ثياب ورقعة وكتب إليه فيها
وفتى خلا من ماله
…
ومن المروة غير خال
أعطاك قبل سوا له
…
وكفاك مكروه السوال
…
وقال صاحب حلية الأولياء أن رجلا من سرخس بعث إلى ابن المبارك شيئا عليه خيط فأخذ الهدية ورد الخيط وقال كتب إلي فى الشيئ ولم يكتب إلي في الخيط رب عمل يسير يعظمه الله تعالى ورب عمل كثير يصغره الله تعالى
وروي أنه رجع من مرو إلى الشام في قلم استعاره ليرده على صاحبه وسأله رجل عن الرباط فقال رابط نفسك على الحق حتى تقيمها على الحق فذلك أفضل الرباط أي في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا}
وسأله رجل أن تعلم القرآن افضل أم تعلم العلم قال أتقرأ من القرآن ما تقيم به الصلاة قال نعم قال فعليك بالعلم تعرف به القرآن أي معناه والحاصل إن الاشتغال بمعنى القرآن المستفاد من التفسير والحديث والفقه أفضل من مجرد تلاوته وكثرة قراءته وهذا معنى قوله عليه السلام فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وقال الحبر في الثوب حلية العلماء ولبعضهم في هذا المعنى
…
إنما الزعفران عطر العذارى
…
ومداد الدواة عطر الرجال
…
ويؤيده حديث مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء
وذكر الهمداني عن العباس بن مصعب قال كان ابن المبارك جمع بين الفقه والحديث والعربية واللغة والغريب وأيام الناس والسخاوة والشجاعة والتجارة والمحبة عند الناس
وذكر محمد بن الحسن البخاري عن الفضل بن دكين ما رأيت قط أحسن قراءة منه كان يقرأ على الإمام
وعنه أن أول العلم النية ثم الفهم ثم العمل ثم الحفظ ثم النشر
وعن محمد بن إبراهيم البهراني أن ابن المبارك أملأ هذه الأبيات عليه وأنفذه إلى الفضيل ابن عياض سنة سبع وسبعين ومائة شعر
…
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
…
لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه
…
فنحور نابد مائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل
…
فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم وريح عبيرنا
…
وهج السنابك والغبار الأصهب
ولقد أتانا عن مقال نبينا
…
قول صحيح صادق لا يكذب
لا جمع بين غبار خيل الله في
…
أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا
…
ليس الشهيد كميت لا يكذب
…
قال فلقيت الفضيل في المسجد الحرام فلما قرأه بكي وقال صدق أبو عبد الرحمن ثم قال وأنت ممن يكتب الحديث قلت نعم يا أبا علي قال فاكتب هذا الحديث جزاء لحمل الكتاب
وقال حدثني المنصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا قال دلني على عمل أنال به ثواب المجاهد في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل تستطيع أن تصوم ولا تفطر وتصلي ولا تفتر فقال يا رسول الله إني أضعف عن ذلك فقال عليه السلام فوالذى نفسي بيده لو طوقت ذلك لما بلغت فضل المجاهد في سبيل الله أما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب لصاحبه بذلك الحسنات
ويروي أنه كان يقاتله علج فدخل وقت صلاة العلج فاستمهله فلما سجد الكافر للشمس أراد أن يضربه بالسيف فسمع صوتا من الهوى وهو يقول {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} فأمسك فلما فرغ المجوسي قال لما أمسكت
عن قصدك فحكى له ما سمع فقال الكافر نعم الرب رب يعاتب وليه في عدوه وأسلم وأحسن إسلامه
وعن عبيد الله بن سنان قال كنت معه ومع المعتمر بن سليمان بطرسوس فصاح الناس النفير فلما اصطف الناس خرج علج رومي يطلب البزار فخرج إليه مسلم فقتله ثم وثم حتى قتل ستة من المسلمين ثم لم يخرج إليه أحد فلما رأى ابن المبارك ذلك أوصى إلي وقال إن قتلت فافعل كذا وكذا فخرج من الصف وقتله وقتل ستة من الكافرين ثم امتنعوا عنه فغاب ثم نظرته فإذا هو بالمكان الذي كان فيه وكان يحضر القتال ويقاتل ويبلى بلاء حسنا فإذا كان وقت القسمة غاب فقيل له في ذلك فقال يعرفني الذي أقاتل له ومناقبه كثيرة ومرتبته شهيرة وفي هذا مقنع لأرباب الألباب في هذا الباب
فصل في مناقب الإمام زُفر رحمه الله تعالى
وهو ابن الهذيل بن قيس العنبري البصري الكوفي يكنى بأبي الهذيل وكان أبوه من أهل اصفهان ولد سنة عشر ومائة
عن إبراهيم بن سليمان كان إذا جالسناه لم نقدر أن نذكر الدنيا بين يديه وإذا ذكرها واحد منا قام عن مجلسه وتركه في موضعه وكنا نحدث فيما بيننا أن الخوف قتله
وقال شداد سألت أسد بن عمرو أأبو يوسف أفقه أم زفر قال زفر أورع قلت عن الفقه سألتك قال يا شداد بالورع يرتفع الرجل
وعن ابن المبارك قال سمعت زفر يقول نحن لا نأخذ بالرأي ما دام أثر وإذا جاء الأثر تركنا الرأي
وعن محمد بن عبد الله الأنصاري قال أكره زفر على أن يلي القضاء فأبى وهدم منزله واختفى مدة ثم خرج وأصلح منزله ثم هدم ثانيا واختفى كذلك حتى عفي عنه
وعن عكرمة قال لما قدم زفر البصرة نقل إليه جامع سفيان فقال هذا كلامنا ينسب إلى غيرنا
وعن أبي نعيم قال قال لي زفر هات أحاديثك أغربلها لك غربلة
وعن بشر بن القاسم سمعته يقول لا أخلف بعد موتي شيئا أخاف عليه الحساب فلما مات قوم ما في بيته فلم يبلغ ثلاثة دراهم
وعن وكيع وهو شيخه ما نفعني مجالسة أحد مثل ما نفعني مجالسة زفر
وعن أبي مطيع زفر حجة الله على الناس فيما بينهم يعملون بقوله وأما أبو يوسف فقد غرته الدنيا بعض الغرور
وعن عصمة أنه قال قال ما تمنيت البقاء قط وما مال قلبي إلى الدنيا أبدا
وعن يحيى بن أكثم قال رأيت وكيعا في آخر عمره يختلف إليه بالغداواة وإلى أبي يوسف بالعشيات ثم ترك أبا يوسف وجعل كل اختلافه إليه لأنه كان أفرغ وكان يقول الحمد لله الذي جعلك لنا خلفا عن الإمام ولكن لا يذهب عني حسرة الإمام
وعن الفضل بن دكين قال لما مات الإمام لزمته لأنه كان أفقه أصحابه وأورعهم فأخذت الحظ الأوفر منه
وعن الحسن بن زياد كان زفر وأبو داود الطائي متواخيين فترك داود الفقه وأقبل على العبادة وأما زفر فجمع بينهما
وعن هلال بن يحيى كان زفر وداود متواخيين وكان يتبع داود فجاء
داود وقعد على مزبلة ثم جاء زفر وقعد معه
وعن محمد بن وهب أنه كان من أصحاب الحديث وكان أحد العشرة الذين دونوا الكتب مات بالبصرة في أول خلافه المهدي سنة ثمان وخمسين ومائة وفي هذه السنة مات المنصور
وذكر الحافظ النيسابوري أن رجلا جاء إلى الإمام وقال لا ادري أطلقت امرأتي أم لا قال لا عليك حتى تتيقن بالطلاق ثم سأل الثوري فقال لا تضرك الرجعة فسأل شريكا فقال طلقها ثم راجعها فجاء إلى زفر فحكى له الأقاويل فقال أما الإمام فقد أفتى بالفقه والثوري بالورع وأما شريك بالحزم فاضرب لكم مثلا أن رجلا شك هل أصاب ثوبه نجس أم لا فقال الإمام لا عليك قبل العلم بالنجاسة والثوري قال لو غسلته لا عليك وأما شريك فقال بل عليه ثم اغسله
فصل في مناقب داود الطائي رحمة الله عليه
هو ابن نصر الطائي أبو سليمان الإمام الرباني كوفي واصله من خراسان
وعن عبد الله بن داود سأله إسحاق عن أصحاب الإمام فقال أبو يوسف ومحمد وزفر وداود وعافية الأودي وأسد بن عمرو وعلي بن مسهر ويحيى بن زايدة والقاسم بن معن ثم قال لو أن داود وزن بأهل الأرض لوزنهم فضلا
وعن عبد الله السابح أنه لما تعبد قال لنفسه يا نفس إن طلبت الدنيا بالقرآن أو بالحديث أو بالفقه أبو بالشعر وأيام الناس فأنت أنت وليس بعده الموت ثم جاء إلى خطة وقال ليس شيء أحل من هذه الخطة خطها الفاروق رضي الله عنه حين هزم هرمز لأجدادي فباع ثلثيها بأربع مائة درهم فعبد الله عشرين سنة يأكل منها ثم لما مات كان كفنه منها
قال الوليد بن عقبة كان له في كل ليلة رغيفان يفطر عليهما فأفطر ليلة على شق تمرة ومولاة له تنظر إليه ثم صلى حتى أصبح وصام يومه فلما جاء وقت فطره نظر إلى الرغيفين وقال يا نفس اشتهيت في الليلة الماضية التمر فأطعمتك ثم تشتهي الليلة ذلك لا أريتك تمرا ما عشت
وعن أبي يوسف اختلفت مع زفر فيما رويت عن الإمام فقال بيني وبينك داود فدخلنا عليه فثقل عليه دخولنا لديه لما فيه من الشغل بالعبادة فقلنا له المسئلة فقال كان الإمام يقول فيه بقول زفر فكلمناه فيه فرجع إلى قول أبي يوسف ثم سأله أبو يوسف عن مسئلة في كتاب الرهن مشكلة فلم يجبه فلما قمنا ناداه ومر فيه مسرعا كالسهم وقال لولا أنه يسبق إلى فكرك أني تركت الفكر في مثل هذا ما جئتك أبدا
وعن الحسن بن زياد قال دخلنا مع حماد ابن الإمام فقال مالي وللناس ثم اخرج حماد أربع مائة درهم وقال استعن بها على حوائجك فإنها من كسب الإمام لا من كسبي فاستعظم وقال لو كنت أقبل من أحد لقبلت منك
وعن أبي نعيم قال جلس داود مع أهل العربية حتى صار رأسا فيهم ثم مع علماء القرآن كذلك ثم مع المحدثين حتى صار إمامهم ثم جالس الإمام وتفقه حتى لم يتقدم عليه أحد ثم ترك وتخلى للعبادة حتى صار جبلا
وعن إسحاق بن منصور قال سألته عن رجل يصلي وهو محلول الجيب قال إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به
وعن اسمعيل قيل له لا تشتهي الخبز قال ما بين مضغ الخبز وشرب السويق قدر خمسين آية اقرؤها
وعن ابن السماك قال أوصاني وقال انظر أن الله تعالى لا يراك حيث نهاك
ولا يفقدك حيث أمرك واستحى من الله تعالى في قربه إليك وقدرته عليك
وعن أبي الربيع الأعرج وقال أوصاني قال صم الدهر وليكن إفطارك له الموت وفر من الناس فرارك من الأسد غير تارك لجماعتهم ولا مفارق لسننهم
وذكر الحلبي أطول من هذا وقال قال الأعرج أقمت على بابه ثلاثة أيام لا أصل إليه فإذا سمع النداء خرج وإذا سلم الإمام قام ودخل منزله فصليت في مسجد آخر ثم جئت فلما أراد الانصراف قلت ضيف قال إن كنت ضيفا فأدخل فدخلت عليه فمكثت ثلاثة أيام لا يكلمني فلما كان اليوم الثالث قلت جئت من واسط إليك أريد أن تزودني فقال صم الدنيا إلى الآخرة قلت زدني قال فر من الناس فرارك من الأسد قلت زدني فقام إلى محرابه وقال الله أكبر
وذكر الديلمي أنه سئل عن حديث فقال دعني فإني أبادر خروج نفسي وكان الثوري إذا ذكره قال ابصر أمره قال ابن المبارك وهل الأمر إلا ما كان عليه هو
وعن يحيى الحماني وقد سأله عن الدهر قال إنما هي أيامك فانظر بماذا تقطعها
ومن كلامه إن العلم العمل فإذا فنى العمر في الآلة متى تعمل
وروي أنه كان يحضر مجلس الإمام سنة لا يتكلم حيث أراد أن يجرب نفسه أنه يقدر على العزلة ثم تخلي للعبادة
وأتاه الفضيل بن عياض يعوده فقال له أقلل من زيارتنا فأني خليت الناس فجاءه يوما ولم يفتح له الباب فقعد فضيل يبكي في الخارج وداود في الداخل فقال له دلني على رجل اجلس إليه قال تلك ضالة لا توجد
وقال له الحارث بن إدريس عظني قال عسكر الموتى ينتظرونك
وقال صدقة الزاهد خرج معنا في جنازة بالكوفة فقعد في ناحية فجلس
الناس قريبا منه فتكلم وقال من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ومن طال أمله ضعف عمله وكل آت قريب ومن شغلك عمله عنك فهو شوم وكل أصحاب الدنيا من أهل القبور وإنما يفرحون بما قدموا ويندمون على ما خلفوا فما يندم عليه أصحاب القبور فأهل الدنيا فيه يتنافسون وعليه عند الحكام يختصمون
وعن محمد بن سويد الطائي رأيته يغدو ويروح إلى الإمام فلما تخلي للعبادة رأيت الإمام جاءه زائر غير مرة
وروي أنه في آخر أمره جعل ينقض سقوف الدار ويبيع حتى بلغ البواري وصار حائط داره قصيرا حتى لو أن غلاما وثب منه لسقط على الدار
وعن محمد العبدي قال له حماد ابن الإمام لقد رضيت من الدنيا باليسير قال أفلا أدلك على من رضي منها بأقل من ذلك من رضى بالدنيا عوضا عن الأخرى
وكان سبب علته أنه بات بآية فيها ذكر النار فكررها فلما أصبحوا وجدوه قد مات على لبنة
وعن الوليد بن عقبة سمعته يقول كم من مسرور بأمر فيه هلاكه وكم من كاره أمرا فيه صلاحه دنيا ودينا وليس لنا إلا الرضى والتسليم والاستكانة والخشوع
وروي أنه قدم البصرة فاجتمع إليه الناس وقالوا قال أبو حنيفة قدر الدرهم لا يمنع الصلوة فمن أين قاله قال الحمد لله لم يقل الإمام شيئا إلا ساربه فى الأمصار أراد به قدر الدرهم فكنى عنه بالدرهم
ويروى أنه مر بزقاق فيه تمر مصفوف فقال للبياع أتعطيني بدرهم رطبا نسية قال لا فرآه رجل يعرفه فقال للبياع هذا كيس فيه مائة درهم فخذه وأدركه فإن اشترى بدرهم رطبا فكله لك فلحقه وعرض عليه فأبى وسمعه
يقول لنفسه لما تساو من الدنيا بدرهم رطبا وأنت تريد الجنة
وعن ابن المبارك كان داود إذا قرأ القران كأنه يسمع الجواب من ربه
وذكر الحلبي عن محمد بن عبد الله بن نمير أنه مات سنة خمس وستين ومائة في خلافة المهدي
فصل في ذكر وكيع بن الجراح الكوفي رحمة الله تعالى
قيل اصله من نيسابور سمع هشام بن عروة والأعمش وابن عون وابن جريج والأوزاعي والثوري والإمام أبا حنيفة وأبا يوسف وزفر روى عنه ابن المبارك وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم ولد سنة تسع وعشرين ومائة أراد الرشيد أن يوليه القضاء فامتنع
وعن يحيى بن أكثم قال صحبته في السفر والحضر وكان يصوم الدهر ويختم القرآن فى كل ليلة
وشكى إليه الشافعي من أصحابه عن سوء الحفظ قال استعينوا على الحفظ فى ترك المعاصي وأنشده
شعر
…
شكوت إلى وكيع سوى حفظي
…
فأوصاني إلى ترك المعاصي
وذاك لان حفظ المرأ فضل
…
وفضل الله لا يعطى لعاصي
…
وكان يقول ما خطوت للدنيا منذ أربعين سنة ولا سمعت حديثا قط فنسيته
وعن أحمد بن الحواري قلت لأحمد بن حنبل أيما الرجلين أحب إليك وكيع أم عبد الرحمن بن مهدي قال أما وكيع فصديقه حفص بن غياث لما ولي القضاء ما كلمه حتى مات وأما عبد الرحمن فصديقه معاذ بن معاذ العنبري لما ولي القضاء ما زال صديقه حتى مات توفي سنة ثمان أو تسع وتسعين ومائة
فصل فى ذكر حفص بن غياث النخعي الكوفي رحمه الله
ذكر الحلبي أنه سمع الإمام أبا يوسف والثوري وروى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وغيرهم أخذ الفقه عن الإمام وولاه الرشيد قضاء بغداد فعدل في حكمه وحبس المرزبان وكيل زبيدة بدين توجه عليه لواحد من المسلمين فألحت زبيدة على الرشيد حتى عزله وولى أبا يوسف محله ثم ولاه الكوفة فمكث بها ثلاث عشر سنة
وعن أبي هشام أنه كان جالسا لفصل القضاء بين الخصوم إذ جاء رسول الخليفة يدعوه فقال لا حتى يفرغ الخصوم فلما فرغوا راح إليه
وذكر الحلبي أن حفصا مرض خمسة عشر يوما فقال لابنه خذ هذه المائة والخمسين واذهب بها إلى العامل وقل له هذا رزق خمسة عشر يوما لقعودي عن الحكم بمرضي وهذه حق المسلمين لا حظ لي فيها
وعن الحسن بن سجادة قال قال حفص والله ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة ويوم مات لم يخلف درهما وترك تسع مائة درهم دينا وكان يقال ختم القضاء به مات سنة أربع وتسعين ومائة وجعل مكانه حسن بن زياد اللؤلؤي
فصل في ذكر يحيى بن زكريا
يحيى بن زكريا بن أبي زائدة بن ميمون بن فيروز وميمون إسلامي وفيروز جاهلي مولى عمرو بن عبد الله الوادعي سمع اباه وهشاما والأعمش وأمثالهم وسمع الفقه من الإمام وروى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما ولاه الرشيد قضاء المدينة وقدم بغداد وحدث بها
عن علي بن المديني انتهى العلم إلى ابن عباس في زمانه ثم إلى الشعبي في زمانه ثم إلى الثوري في زمانه ثم إلى يحيى بن أبي زائدة في زمانه
وعن علي بن أحمد قال زكريا ثقة وابنه يحيى ثقة وهو ممن جمع الفقه والحديث
وذكر المدميني الخوارزمي عن صالح بن سهل أنه كان احفظ أهل زمانه للحديث وأفقههم مع مجالسة كثيرة مع الإمام ودين وورع
وذكر الحلبي عن عبد الرحمن بن حاتم الرازي أنه أول من صنف الكتب بالكوفة وإنما صنف وكيع على كتبه ذكر الديلمي عن زياد بن أيوب أنه كان على قضاء المداين أربعة اشهر ومات بها سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة وهو قاض لهارون الرشيد وعمره ثلاث وستون سنة وفيه يقول القائل
شعر
…
ألا إن يحيى علمه الشرع قد أحيى
…
وإن مات يحيى فالدعاء له يحيى
فقد ترك الدنيا وقد مثلت له
…
وقد فاز بالأخرى الذي ترك الدنيا
ونال بما أبدى من الخلق جاهه
…
ونال بما أخفى من الخالق البشرى
…
فصل في ذكر الحسن بن زياد اللؤلؤي مولى الأنصار الكوفي
روى عن الإمام وعنه ابن سماعة ومحمد بن شجاع البلخي وشعبة بن أيوب
روي أنه استفتى يوما فاخطأ ولم يظفر بالمستفتي فاكترى مناديا ينادي ألا أن الحسن استفتى يوم كذا عن مسئلة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن فليرجع إليه ومكث ثلاثة أيام لا يفتي حتى عاد إليه السائل فأعلمه بخطائه ورده إلى الحق
وعن محمد بن سماعة أنه قال سمعت ابن جريج اثني عشر ألف حديث يحتاج إليه الفقهاء
وذكر أنه كان يكسو مماليكه مما يكسي نفسه وكان لا يفتر من النظر فى العلم
وكان له جارية إذا اشتغل بالطعام أو الوضوء أو بغير ذلك تقرأ عليه المسائل حتى يفرغ من حاجته
وعن ابن شجاع أنه قال مكثت أربعين سنة لا أبيت إلا والسراج بين يدي
وذكر الطحاوي أن الحسن بن مالك والحسن بن زياد ماتا سنة أربع ومائتين وفي هذه السنة مات الإمام الشافعي بمصر رحمة الله عليهم
فصل فى ذكر بقية أصحاب الإمام
فمنهم حماد ابن الإمام وله من الولد أبو حيان وإسمعيل وعثمان ولى إسمعيل القضاء بالبصرة عن المأمون وروي عن أخيه عمر بن حماد
وروي أن حمادا كان الغالب عليه الدين والورع والفقه وكتابة الحديث
وذكر الإمام النسفي صاحب المنظومة عن عبيد بن إسحاق أن الحسن ابن قحطبة كان أودع عند الإمام أبي حنيفة ألف درهم فقيل للإمام أتقبل الودائع وفيها من الخطر قال من كان له ابن مثل حماد في الورع فانه يقبل فلما مات الإمام جاء الحسن يطلب الوديعة ففتح الخزائن وسلم إليه المال بخاتمة فقال له ارفعها ولتكن عندك فأبى فألح عليه فلم يقبل فقال له قبل أبوك وأنت لا تقبل فقال كان لأبي خلف يعتمد عليه وأما أنا ليس لي خلف أعتمد عليه
ومنهم يوسف بن خالد السمتي كان قديم الصحبة وخرج إلى البصرة وأقبل عليه الناس ثم ترك الدنيا وتخلى لعبادة المولى حتى مات رحمة الله
ومنهم عافية بن يزيد الأودي الكوفي وذكر المرغيناني عن محمد بن الحسن والحسن بن زياد أن الإمام كان يجل عافية إجلالا شديدا وكان عافية رجلا فقيها وكان الإمام معجبا به إذا تكلم فى مسئلة وعافية حاضر
حكم والحق بالكتاب وإن كان غائبا قال لا تعجلوا حتى يحضر عافية وكان إذا حضر ووافق رأيه كاتبوه وإلا لا
ومنهم حيان ومندل ابنا علي العنزي الكوفي ومندل أصغرهما سمع هشام ابن عروة وعاصم الأحول والأعمش وليثن وحميد الطويل وجماعة وسمع الرأي من الإمام وتفقه عليه وكان الإمام يقربهما ويتلطف بهما
وعن معاذ بن معاذ قال دخلت الكوفة فلم أر أورع من مندل مات بها سنة سبع أو ثمان وستين ومائة في خلافة المهدي رحمة الله عليه
وعن أبي هشام مرت جارية ومعها سلة من رطب على مندل بن علي وأصحاب الحديث حوله فوقفت تسمع فظن مندل أنها هدية فقال قدمي الرطب فقدمتها فأكلوا فراحت إلى مولاها فأخبرته بالأمر فقال أنت حرة لوجه الله تعالى
ومنهم علي بن مسهر الكوفي لزم الإمام وتفقه عليه وسمع منه الكثير
وعن يحيى بن نصير قال قال خرج الإمام عن الدنيا وهو علي غضبان لأني كنت أجالس الإمام بالغد وأت سفيان بالعشيات وكان سفيان يقول لي ما قال الشيخ فأخبره بمسائل وكان يقول الإمام لما تأتي رجلا يأخذ منك ولا يحمدك وفي رواية لما لا تدعه حتى يتعلم بنفسه
ومنهم القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الكوفي الفقيه صحب الإمام وتفقه عليه وروي عنه ولي قضاء الكوفة بعد شريك ولم يأخذ على القضاء أجرا كان إماما في الفقه بحرا في العربية روى عن محمد في كتبه كثيرا
ومنهم أسد بن عمرو بن عامر بن أسلم بن مغيث بن يشكر بن رهم أبو المنذر البلخي الكوفي صاحب الإمام وسمعه وغيره وروى عنه أحمد بن حنبل ومحمد
ابن بكار وأحمد بن منيع ولي القضاء ببغداد وواسط من الرشيد ولما أنكر من بصره شيئا اعتزل عن القضاء وكان الإمام يختلف إلى أبيه في مرضه الذي توفي غدوة وعشيا وتوفي أسد سنة ثمان أو تسع وثمانين ومائة رحمة الله عليه
ومن أهل مكة
ممن روى عن الإمام عمرو بن دينار وهو تابعي جليل روى عن سالم ابن عبد الله وغيره وعنه الحمادان وسفيان بن عيينه الكوفي سكن بمكة وهو من أجلاء التابعين ولد بالكوفة سنة سبع ومائة كان إماما عالما ثبتا حجة زاهدا ورعا مجمعا على صحة حديثه سمع الزهري وخلق كثيرة روى عنه الأعمش والثوري وشعبة الشافعي وأحمد مات بمكة أول يوم من رجب سنة سبع وتسعين ومائة ودفن بالحجون وكان حج سبعين حجة
ومنهم الفضيل بن عياض وهو من كبراء التابعين وزهادهم وعبادهم
ومنهم جمع آخر من المكيين لم نذكرهم لأنهم ليس من المشهورين
ومن أهل المدينة
الإمام جعفر بن محمد الصادق وكان يسأله ويطارحه وهو تابعي من أكابر أهل البيت روى عن أبيه محمد الباقر وغيره سمع منه الأئمة الأعلام نحو يحيى بن سعيد وابن جريج ومالك بن انس والثوري وابن عيينة وكذا أبو حنيفة كما ذكره صاحب المشكاة في أسماء رجاله فيكون من رواية الأقران ولد سنة ثمانين ومات سنة ثمان أربعين ومائة وهو ابن ثمان وستين سنة ودفن بالبقيع بقبر فيه أبوه وجده علي زين العابدين رضى الله عنهم
ومنهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي أبو عثمان المدني الفقيه المعروف بربيعة الرأي كان يناظره وهو تابعي جليل القدر أحد فقهاء المدينة
سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وابن المسيب وروى عنه الثوري ومالك بن انس وسليمان التيمي مات سنة ست وثلاثين ومائة
ومنهم مالك بن انس إمام دار الهجرة رضى الله عنه كان يسأله ويأخذ بقوله سرا ويسمع منه متنكرا وهو صاحب المذهب وترجمته معروفة وقيل روى أبو حنيفة عنه أيضاً فهو من رواية الأقران أو من رواية الأصاغر عن الكبار نظرا إلى أن أبا حنيفة تابعي دونه
ومنهم محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي أبو عبد الله صاحب المغازي تابعي مدني رأى أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وسمع جماعة كثيرة من التابعين حدث عنه الأئمة يحيى بن سعيد والثوري وابن عيينة وغيرهم كان عالما بالسير والمغازي وأيام الناس وأخبار المبدأ وقصص الأنبياء وعلم الحديث والقرآن والفقه قدم بغداد وحدث بها ومات بها سنة خمسين ومائة ودفن بمقبرة الخيرزان في الجانب الشرقي رحمة الله تعالى
ومنهم محمد بن زيد بن علي بن الحسين من أكابر أهل البيت رضي الله عنهم
ومنهم رافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقري إمام أهل المدينة وحاتم ابن إسمعيل الكوفي نزل المدينة وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون من كبار أئمة المدينة وغيرهم وهم كثيرون رحمة الله عليهم أجمعين
ومن أهل الكوفة
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي روى عنه مصرحا ومكنيا وهو أحد الأئمة المجتهدين ومن أقطاب الإسلام وأركان الدين ومن أكابر التابعين جمع بين الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة وروى عنه معمر والأوزاعي وابن جريج ومالك وشعبة وابن عيينة وفضيل بن عياض مات
بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة رحمة الله عليه
ومنهم حماد بن أبي سليمان الأشعري أستاذه وكان يقول ربما اتهمت رأيي برأي أبي حنيفة وأقول بقوله وهو تابعي جليل سمع جماعة من الصحابة فيكون من رواية الأكابر عن الأصاغر كرواية أبي بكر عن عائشة رضي الله عنهما وروي عنه شعبة والثوري مات سنة عشرين ومائة رحمة الله عليه
ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة كان يفتي بقوله مع عداوته له
ومنهم ابن شبرمة الظبي وإسمعيل بن خالد التابعي كان يسأله وشريك بن عبد الله وكان يأخذ بقوله مع عداوته وكان قاضي الكوفة
ومنهم أبو عبد الرحمن عمر بن ذر من أئمة الكوفة وزهادها كان يسأله ويدعو له في مجلس وعظه وليث بن أبي سليم ومطرف بن طريف وزكريا بن أبي زائدة وابنه يحيى بن زكريا من كبار أئمة الحديث بالكوفة أخذوا عنه وذكروا مناقبه
ومنهم عاصم بن أبي النجود من مفاخر الكوفة كان يسأل منه فإذا أفتاه قال جزاك الله خيرا فنعم المفرج أنت
ومنهم حمزة بن حبيب الزيات أحد الأئمة القراء السبعة
ومهنم الحسن بن أبي عمارة وهو الذي غسل الإمام
ومنهم إسمعيل بن حماد بن أبي سليمان وأيوب بن نعمان الأنصاري ان عم أبي يوسف
ومنهم مجالد بن سعيد قرأ عليه الإمام وهو يروى عنه أيضاً وهذا أيضاً من رواية الأكابر عن الأصاغر
ومنهم أبو بكر محمد بن عياش الأسدي وأبو معاوية الضرير الكوفي وجعفر بن محمد بن بشير بن جرير بن عبد الله البجلي
ومنهم أبو نعيم الفضل بن دكين الكوفي الحافظ من مفاخر الكوفة في التاريخ والإنشاء وعلم الحديث
ومنهم عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني أحد حفاظ الكوفة
ومنهم علي بن حمزة الكسائي ومحمد بن أبي شيبة والد عثمان وأبي بكر إمام أهل الكوفة في الحديث وخلق كثير ذكرهم الكردري
ومن أهل البصرة
قتادة بن دعامة السدوسي الأعمى الحافظ إمام أهل البصرة في التفسير والحديث والفقه روى عن عبد الله بن سرجس وانس وخلق سواهما وعنه أيوب وشعبة وأبو عوانة وغيرهم مات سنة سبع ومائة
ومنهم بن حماد سلمة وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم وحكى عن عبد الملك بن أبي الشوارب أنه أشار إلى قصر عتيق بالبصرة وقال قد خرج من هذه الدار سبعون قاضيا على مذهب أبي حنيفة قال ابن خلكان في تاريخه وكان مذهب أبي حنيفة بأفريقية وهي عمدة بلاد المغرب أظهر
المذاهب فجعل المعز بن بادبش جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب مالك وحسم مادة الخلاف واستمر الحال إلى الآن في ذلك وكان ما ذكر في سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة
ومن أهل واسط
شعبة بن الحجاج وأبو عوانة الوضاح وعبد العزيز بن مسلم وغيرهم
ومن أهل الموصل
هارون بن عمر الأنصاري وعبد الرحمن بن حسن الزجاج وعمرو ابن ايوب وغيرهم
ومن أهل الجزيرة
عبد الكريم أبو أمية إمام أهل الجزيرة ومروان بن سالم وطريف ابن عيسى وغيرهم
ومن أهل الرقة
عثمان بن سابق وطلحة بن يزيد وكثير بن هشام وغيرهم
ومن أهل نصيبين
حماد بن عمرو ويوسف بن أسباط وأبو إسحاق الغزاوي وغيرهم
ومن أهل دمشق
الأحوص بن حكيم وسعد بن عبد العزيز وشعيب بن إسحاق وغيرهم
ومن أهل الرملة
يحيى بن عيسى وأيوب بن سويد وضمرة بن ربيعة وغيرهم
ومن أهل مصر
يحيى بن أيوب وليث ابن سعد وأبو عبد الله الشيباني وغيرهم
ومن أهل اليمن
معمر بن راشد وعبد الرزاق بن همام إمام أهل صنعاء اكثر الرواية عن الإمام وحفص بن ميسرة الصنعاني ومطرف بن مازن قاضي اليمن وغيرهم
ومن أهل اليمامة
محمد بن جابر الجعفي وهوذة بن خليفة وأيوب بن جابر وغيرهم
ومن أهل البحرين
عيسى بن يونس
ومن أهل بغداد
الخليفة أبو جعفر المنصور ومشمعل بن ملحان من أولاد حاتم بن عدي الطائي نزل بغداد وحماد بن الوليد ويحيى ابن سعيد الأموي وغيرهم
ومن أهل الأهواز
أبو همام محمد بن الزبرقان وسعيد بن همام الكوفي ولي قضاء فارس وعصمة بن الجراح الفارسي وغيرهم
وفي شونيز مقبرة تعرف بمقبرة أصحاب أبي حنيفة فيها خلق لا يحصون
ومن أهل كرمان
حسان ابن إبراهيم وعطاء بن جبلة ويحيى بن بكير
ومن أهل أصبهان
أبو هانئ نعمان بن عبد السلام الكوفي كان على قضاء إصفهان
ومن أهل حلوان
الوليد الحلواني
ومن استراباد
عمار بن نوح
ومن أهل همدان
أصرم بن حوشب والقاسم بن الحاكم قاضي همدان كوفي
ومن أهل نهاوند
عبد العزيز
ومن أهل الري
عيسى بن ماهان الرازي وجمع كثير
ومن أهل الدامغان
بكير بن معروف إمام قومس ومحمد بن بكير قاضي دامغان
ومن أهل طبرستان
حكيم بن زبيد قاضي آمل
ومن أهل جرجان
عبد الكريم بن محمد إمام أهل جرجان قال أبو يوسف كان إذا حضر مجلس الإمام انتفع أهل المجلس بحضوره وما قدم علينا من خراسان افقه منه وجماعة آخرون
ومن أهل نيسابور
سفيان بن قيراط وبشر بن الأزهر
ومن أهل سرخس
خارجة بن مصعب إمام أهل سرخس انفق مائة ألف درهم في طلب العلم
ومائة ألف على الفقراء وكان الإمام يشاوره في الاموال وعمارة قاضي سرخس رحمة الله عليهم أجمعين
ومن أهل نسا
أبو سفيان السنائي قاضي مرو وعامر بن الفرات قال محمد بن يزيد اختلفت إليه فقال لي يوما نظرت في كتب الإمام قلت اطلب الحديث فما انظر في كتبه قال تعلمت الآثار سبعين سنة فلم احسن الاستنجاء إلا بعد النظر في كتبه
ومن أهل مرو
الإمام الشهير إبراهيم الصائغ مفخر أهل خراسان وابن إسمعيل والحسن بن واقد إمام أهل مرو والنضر بن محمد قيل لابن المبارك ما الجماعة قال النضر بن محمد جماعة وحده وكان يفتخر بمجالسة الإمام ويقول حدثني الورع الفقيه الإمام
ومنهم الفضل بن عطية وابنه محمد وأبو غانم يونس من كبار الأئمة أدرك عمر بن عبد العزيز ووهب بن منبه وأبو عصمة نوح بن مريم الجامع قاضي القضاة بخراسان وهو الذي كتب له الإمام شروط القضاء
ومنهم توبة بن سعيد وسهل بن مزاحم الذي بث علم الإمام بخراسان أراده المؤمون على قضاء مرو وحبسه مدة فلم يقبل فأعفاه
ومنهم نظر بن شميل النحوي وخالد بن صبيح إمام أهل مرو وكان ورعا عادلا عابدا والنظر بن شميل قال بشر بن يحيى رأيته في مجلس ابن المبارك وكان يلقي عليه المسئلة ويقول له عبد الله يا أبا الهيثم إجب فيها وجمع كثير منهم
ومن أهل بخارى
شريك بن عبد الله النخعي ومحمد بن القاسم الأسدي بخاري الأصل إمام أهل بخاري صحب الإمام أربعين سنة ومحمد بن الفضل بن عطيه نزيل بخاري ومات بها وكان أستاذ الإمام أبي حفص الكبير ومحمد بن سلام أستاذ البخاري وجونيد بن حسان صاحب أنس والحسن البصري ومحمد بن سيرين
ومنهم مجاهد بن عمرو والقاضي بما وراء النهر العادل في قضايا تقلد بعد ما حبس وأوذي وأكره وكان ورعاً زاهدا كان أبو يوسف يفضله على أصحابه وقال أسباط ابن النسفي عن أبيه ورد علينا أيام المهدي رسول عنه وسئل مجاهد عن شئ فلم يجبه فافتري على مجاهد فضرب مجاهد إياه الحد ثمانين سوطا فاغتم أصحابه على أن الرسول ربما يموه الأمر عند المهدي فبلغ الخبر إلى المهدي على طريقه فحسن صنيعه وبعث إليه بمال وخلعة فحضر بذلك المال على باب مسجده وأصلح القناطر وفرقه على الفقراء وباع الخلعة وفرق ثمناها على المساكين وأرباب السجون
ومنهم أبو عبيد إسحاق بن بشر البخاري حمل عن الإمام الحديث والفقه وأكثر عنه الرواية وعن مقاتل بن سليمان نزل بخارى أيام المأمون بعدما أجاب عن مسائل عجز عن جوابها علماء عصره فأمر له المأمون بمائه ألف درهم ودواب وخلع
ومنهم عثمان بن حميد المعروف بأبي حنيفة واكثر روايات أئمة بخاري عن أصحاب الإمام مثل الإمام أبي حفص الكبير فإنه تفقه على أبي يوسف ثم على محمد حتى كتب كتبه وروي عنه خلق كثير لا يحصون
ومنهم جماعة كثيرة يطول تعدادهم كلهم بخاريون أخذوا الفقه والحديث عن أصحاب الإمام وحكي أن مقبرة القضاة السبعة قريبة من بخاري فيها أمم لا يحصون أحدهم أبو زيد الدبوسي
ومن أهل سمرقند أبو مقاتل حفص بن سهل الفزاري أدرك مشائخ الإمام كأيوب السختياني وهشام بن حيان وغيرهم رحمة الله تعالى
وروي أيضاً عن عمرو بن عبيد وسعيد بن أبي عروبة ومسعر بن كدام
ومنهم نصر بن أبي عبد الملك العتكي من مفاخر سمرقند في الحديث والفقه
ومنهم إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قاضي سمرقند رحمة الله تعالى
ومنهم جمع كثير وقد حكى أن بجاكرديز قرية من بلاد سمرقند يقال لها تربة المحمديين دفن فيها نحو من أربع مائة نفس من علماء الحنيفة كل واحد منهم يسمى محمد بن محمد صنف وأفتى واخذ عنه الجم الغفير جميعهم أهل سمرقند بهذه التربة ولما مات الإمام الجليل صاحب الهداية حملوه إلى تلك التربة وأرادوا دفنه بها فمنعوا من ذلك ودفن بالقرب منها
ومن أهل صغانيان
أبو سعد محمد بن المنتشر كان الإمام يجعله في الصف الأول من أصحابه ويبدأ بحاجته
ومن أهل ترمذ
عبد العزيز بن خالد بن زياد قاضي ترمذ وصغانيان
ومن أهل بلخ
مقاتل بن حيان والمتوكل بن عمران من زهاد خراسان كان الإمام يمدحه وأبو مطيع حكم بن عبد الله سيد أهل بلخ علما وعبادة وزهدا وأبو معاذ خالد بن سليمان أحد مفاخر بلخ والحسن بن سليمان أحد كبراء بلخ كان خلف بن أيوب يقول وجدنا عنده للإمام شيئا كثيرا وكتبا مصححة وعصام بن يوسف ومكي بن إبراهيم من مفاخر بلخ كان تاجرا فنصحه الإمام فترك التجارة ولزم الإمام حتى صار إماما وجاور بمكة اثنتي عشر سنة رحمة الله عليهم
ومنهم إبراهيم بن ادهم المعروف صحب الإمام وروى عنه ونصحه الإمام وحثه على الجمع بين العلم والعمل
ومنهم شقيق بن إبراهيم الزاهد العابد الفقيه المجتهد مفخر أهل بلخ بل الدنيا لزم الإمام ثم من بعده زفر
ومنهم مقاتل بن الفضل أحد أئمة بلخ في الفقه والحديث وكان بلخ وادي الفقه
ومن أهل ماتريد
أبو نصر العياضي المشهور من أصحابنا يقال أنه لما استشهد خلف بعده أربعين رجل من أصحابه كل واحد منهم من أقران أبي منصور الماتريدي
ومن أهل هراة
هياج بن بسطام أي إمام أهل هراة وكنانة بن جبلة وأبو رجاء عبد الله ابن واقد قال غسل الحسن بن عمارة الإمام وكنت اصب الماء عليه وغيرهم
ومن أهل قهستان
عفين الجراح رحمة الله تعالى
ومن أهل سجستان
عبد الله السجزي رحمة الله تعالى
ومن أهل الرم
أبو معروف السجستاني قاضي الرم
ومن أهل خوارزم
مغيرة بن موسى بصري سكن خوارزم وأبو علي قاضي خوارزم وأبو الليث الخوارزمي روى عن الإمام محمد بن الحسن
واعلم أن هذا الذي ذكرناه قد اختصرناه عن مناقب الكردري وقد قال في آخره فهؤلاء سبع مائة وثلاثون رجلا من مشائخ البلدان وأعلام ذلك الزمان أخذوا عنه العلم ووصل إلينا ببركة سعيهم واجتهادهم فجزاهم الله خير الجزاء يوم معادهم وخاصة الإمام الأعظم وكل من دعا الأمم إلى الدين الأقوم ومما قيل في حقه وأصحابه وبه نختتم ونستتم ويقول مسك ختامه
شعر
شيوخ سراج الخلق نعمان كلهم
…
مصابيح في أفق الهدى ورواته
وما حسن الإسلام جمعا مبجلا
…
إلى مفخر الأوهم سرواته
ومن يرقصوا للشرعية عامرا
…
فهم بروايات الثقات بناته
وما الشرع إلا كالحمى حوله الورى
…
وهم بأسانيد الهداة حماته
هو الحي إذ أحي شريعة ربه
…
فدامت له بعد الممات حياته