المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب الأرض والسماء ذي الفضل - مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة - ط بذيل الجواهر المضية - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب الأرض والسماء ذي الفضل والطول والنعماء رفيع الدرجات في الصفات والأسماء ورافع مراتب العلماء من الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء والصلوة والسلام على سيد الأنبياء وسند الأصفياء وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء وعلى اتباعهم بحسن الإقتداء فى الملة الحنفية السمحاء

أما بعد

فيقول الواثق بكرم ربه الباري علي بن سلطان محمد القاري إني لما وفقني الله سبحانه بلطفه الخفي وتوفيقه الوفي على كتابة مسند الإمام وشرح مسند الإمام أحببت أن أذكر بعض مناقبه وأشهر نبذة من مراتبه تنبيها للجاهلين بمقامه والغافلين عن دقائق مرامه وأذيله بذكر أصحابه العلية المشاهر من طبقات الحنفية وما لهم من اللطائف الخفية والعوارف الجلية والمعارف السنية رجاء أن أتخلق بفرائد أخلاقهم وأترزق من موائد أرزاقهم فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة وببركاتهم تحصل النعمة وتزول النقمة وقد قيل للجنيد سيد الطائفة هل لذكر المشائخ من منفعة فقال نعم فقيل له هل على ذلك دلالة من الكتاب أو السنة فقال نعم قال تعالى {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} ثم من المعلوم أن الأولياء هم العلماء العاملون والفضلاء الكاملون وقد ثبت عن الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي أنهما قالا لو لم يكن العلماء أولياء فليس لله أولياء وروى ما اتخذا الله وليا جاهلا ولو اتخذه لعلمه ومما يشاهد من الآيات قوله تعالى {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} حيث اندرج فيهم الأولياء وقوله سبحانه {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}

ص: 450

وقوله عز وجل {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وقد قيل لعبد الله بن المبارك كيف لا تستوحش وحدك في المقام فقال كيف يستوحش من يجالس النبي عليه السلام والصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين يعني الكتب لان فيها الأخبار والآثار رواه الحاكم فى تاريخه عن نعيم ابن حماد

الإمام الأعظم والهمام الأقدم تاج الأئمة وسراج الأمة أبو حنيفة نعمان ابن ثابت الكوفي رحمة الله عليه

وهو ابن زوطا بفتح الزاي والطاء المهملة ابن ماه الكوفي هكذا رفع نسبه رضي الدين الصغاني الحنفي فى العباب ذكره مجد الدين الفيروز أبادي في طبقات الحنفية وقال النووي في تهذيب الأسماء والصفات ابن زوطا بضم الزاي وفتح الطاء وذكر صاحب الكافي أنه نعمان بن ثابت بن طاوس ابن هرمز بن ملك بن شيبان وذكر الإمام أبو مطيع البلخي أنه من العرب من قبيلة الأنصار وذكر نصر بن محمد بن نصر المروزي ان ثابتا كان من قرية نسا من خراسان وذكر حارث بن إدريس أنه كان من مدينة الرجال ثرمذ ورفع نسبه أبو إسحاق الصريفني إلى هود ابن النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن آزر وعدد من جملة آبائه الملك إسفنديار وكيقباد وقيل أنه من أبناء أفريدون من نسل ملوك العجم وبعضهم رفعه إلى هود النبي من أولاد سام بن نوح منتهيا إلى شيث بن آدم عليهم السلام لكن في تفسير البغوي في قوله تعالى {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله} يعني من كان بعد نوح وعاد وثمود وروى عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ هذه الآية ثم قال كذب النسابون وعن عبد الله بن عباس قال بين إبراهيم وبين عدنان ثلاثون قرنا

ص: 451

لا يعلمهم إلا الله وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نسبه أبا أبا إلى آدم وكذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم أولئك الأباء أحد إلا الله هذا وقيل كان جده زوطا من أهل كابل أو بابل مملوكا لبني تيم الله ابن ثعلبة فاعتق فولد أبوه ثابت على الإسلام وإلا صح أنه من الأحرار ما وقع عليه الرق قط في جميع الأعصار كما هو منقول عن إسمعيل بن حماد ابن الإمام والله اعلم بحقيقة المرام

ثم اعلم أن التوفيق بين الروايات المذكورة في نسب الإمام ممكن لجواز أن يكون مولده ببلدة وتوطنه بأخرى ونشاؤه بغيرها وكذا بأهله بإحداها على أنه لا يلزم أن يكون كله موجودا في حق الإمام بل إذا وجد كل واحد في حق واحد من آبائه صح أن ينسب إليه فان الإمام أبا بكر الخوارزمي أمه خوارزمية وأبوه طبري وعن إسمعيل بن حماد بن أبي حنيفة أن ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار والله ما وقع علينا رق قط ولد جدي في سنة ثمانين وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفى ذريته قيل هو يمي من رهط حمزة الزيات فيكون من قبيلة الصديق وكان خزازا يبيع الخز والصحيح أن الإمام ولد سنة ثمانين وقيل إحدى وستين وقيل ثلاث وستين وأجمعوا على إنه مات سنة مائة وخمسين ببغداد في رجب أو شعبان وقيل في شوال وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ترفع زينة الدنيا سنة خمسين ومائة وقد قيل مات في السجن ليلى القضاء فلم يفعل وقيل توفى في اليوم الذي ولد فيه الشافعي وقد ثبت رويته لبعض الصحابة واختلف في روايته عنهم والمعتمد ثبوتها كما بينته في = مسند الإمام حال إسناده إلى بعض الأصحاب الكرام فهو من التابعين

ص: 452

الأعلام كما صرح به العلماء الأعيان داخل تحت قوله تعالى {والذين اتبعوهم بإحسان} في عموم قوله عليه السلام خير القرون قرني ثم الذين يلونهم رواه الشيخان وغيرهما وفي خصوص حديثه لو كان العلم في الثريا لنا له رجال من فارس على ما في الصحيحين وكثرة مناقبه تدل على رفعة مراتبه فلا يحتاج إلى الإستدال بأحاديث ذكرها العلامة الكردري وغيره بأسانيد في حقه ومنها أبو حنيفة سراج أمتي ونحوه مما قال المحققون من أهل الحديث أنه لا أصل له

ثم علم أن جمهور العلماء من أهل الحديث على أن الرجل بمجرد اللقي للصحابي يصير تابعيا ولا يشترط أن يصحبه مدة ولا ان ينقل عنه رواية بخلاف الصحابي فان بعض الفقهاء شرطوا فيه طول الصحبة أو المرافقة في الغزوة أو الموافقة في الرواية قال البخاري من صحبة أو رآه صلى الله عليه وسلم من المسلمين فهو صحابي ويدل عليه ما ذكر ابن الصلاح عن أبي زرعة أنه سئل عن عدة من روى عنه صلى الله عليه وسلم قال ومن يضبط هذا شهد معه فى حجة الوداع أربعون ألفا وفى تبوك سبعون ألفا ونقل عنه أيضاً قبض صلى الله عليه وسلم عن مائة وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى وفي رواية ممن رآه وسمع منه فقيل هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا قال أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما من الأعراب فهذا الذي نقله ابن الصلاح نص منه لا يشترط الصحبة الطويلة واستدل أيضا على بطلانه بما روى شعبة عن موسى السبلاني وأثنى عليه خيرا قال أتيت أنس بن مالك فقلت هل بقى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد غيرك قال بقى ناس من الأعراب رأوه فإما من صحبه فلا إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة فأطلق اسم الأصحاب على كل من رآه وقد حققنا هذه المسئلة فى شرح شرح النخبة وقيل يطلق اسم التابعي

ص: 453

على من اسلم من الصحابة بعد الحديبية كخالد ابن الوليد وعمرو بن العاص وأمثالها من مسلمة الفتح لما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف شكا إليه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقال عليه السلام دعو إلى أصحابي فوالذي نفسي بيده لو انفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدا أحدهم ولا نصيفه أطلق اسم الصحابة على من تقدم صحبته قبل الحديبية في مقام المقابلة وقد ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب تراجم بعض الأصحاب والواقدي خص مقاما التابعين رضي الله عنهم أجميعن وبعض مشايخ إمامنا وهم أربعة آلاف

منهم من ذكرنا مناقب بعضم في مسند الإمام وذكر الكردري أنه أدرك الإمام محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضى الله عنهم ويسمى الباقر لأنه بقر العلم أي شقه بجودة ذهنه وحدة فهمه وكذا أدرك جعفر بن محمد ابن علي وهو الصادق وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولد سنة الثمانين في السنة التي ولد فيها الإمام ومات سنة ثمان وأربعين ومائة ومنهم ربيعة الرأي تابعي مشهور من فقهاء المدينة من شيوخ الإمام مالك وزيد بن اسلم مولى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومنهم شعبة بن الحجاج الذي يقال له أمير المؤمنين في الحديث ومنهم أبو محمد عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب من سادات بني هاشم وأمه فاطمة ابنة الحسين بن علي مات في حبس المنصور بالكوفة ومنهم الأوزاعي إمام أهل الشام ومنهم عطاء بن أبي رباح المكي كان جعد الشعر اسود افطس امثل اعور ثم عمي بعد ذلك قال أبو حنيفة ما رأيت افقه من حماد ولا اجمع من عطاء ومنهم أبو بكر عاصم بن أبي النجود بفتح النون وضم الجيم الإمام فى القرأة تابعي جليل القدر ومنهم عامر بن شراحيل بن عبد الله

ص: 454

الشعبي قال أدركت خمس مائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان يعجبه هذا البيت شعر

ليست الأحلام في حين النهي

إنما الأحلام في حال الغضب

قلت قد ورد الصبر عند الصدمة الأولى وذكر بعضهم أنه أدرك بهلول بن حمزة الصوفي المجنون فان كان هذا بهلول الذي لقي الرشيد فلا يبعد لجوازان يكون طويل العمر وقصته أن الرشيد حج سنة ثمان وثمانين ومائة وكان بهلول حج في تلك السنة فلما لقيه قال يا أمير المؤمنين حدثني عمرو بن عبد الله العامري وقال رأيته صلى الله عليه وسلم حج على جمل وتحته رحل رث ولم يكن بين يديه ضرب ولا طرد ولا إليك ثم أنشا يقول شعر

هب انك قد ملكت الأرض طرا

ودان لك العباد فكان ماذا

أليس غداً مصيرك جوف قبر

ويحثوك التراب هذا ثم هذا

قال أحديث يا بهلول هل غير هذا قال نعم من رزقه الله مالا وجمالا فعف فى جماله وواسى فى ماله كتب في ديوان الأبرار فظن الرشيد أنه يستجدي فأمر له بمال وقال تقضي به دينك فقال لا يقضي دين بدين أن الذي أعطاك لا ينساني ثم قال توكلت على الحي الذي لا يموت وما أرجو سوى الله وما الرزق من الناس بل من الله وقد نظم بعضهم شعر غدا مذهب النعمان خير المذاهب

كذا القمر الوضاح خير الكواكب

تفقه في خير القرون مع الثقة

فمذهبه لا شك خير المذاهب

ص: 455

ثلاثة آلاف وألف شيوخه

وأصحابه مثل النجوم الثواقب

وذكر الإمام النسفي صاحب = المنظومة عن عبد العزيز بن أبي رزمة أن توبة ابن سعد كان جالسه وأخذ صفو علمه وكان لا يجاوز فى القضاء أقوال أبي حنيفة ويقول حسبي هو بيني وبين ربي وقيل يوخذ بقول أبي يوسف في مسائل القضاء لأنه ابتلي بهذا البلاء والمذكور في = الفتاوي أنه إذا كان مع صاحبيه في طرف نأخذ به وان كان وحده في طرف متميز وقال ابن المبارك نأخذ بقوله لا غير

وذكر الإمام الإسفرايني بإسناده إلى علي بن المديني وهو من أساتذة البخاري وهو الذي طعن في حديث القلتين سمعت عبد الرزاق يقول قال معمر ما أعرف أحد بعد الحسن يتكلم في الفقه احسن معرفة منه وناهيك به أن الشافعي قال في حقه الخلق كلهم عيال أبي حنيفة فى الفقه وفى رواية من أراد أن يتبحر فى الفقه فهو عيال على أبي حنيفة وقال الشافعي قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة قال نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته وهذا من كمال إنصاف مالك مع علو مقامه هنالك وغاية مبالغة في بلاغة الإمام وبيان المرام في جميع المقام وقال ابن المبارك رأيت أورع الناس فضيل بن عياض وأعلم الناس الثوري وأفقه الناس أبا حنيفة وقال أعلم الناس أي بالأحاديث والآثار وأفقه الناس أي أعلمهم بمعانيها والعلم بمعانيها يستلزم العلم بمبانيها وذكر الإمام الغزنوي أن الإمام الأديب أبا يوسف يعقوب بن أحمد بن محمد أنشد لنفسه

شعر

حسبي من الخيرات ما أعددته

يوم القيامة في رضى الرحمن

دين النبي محمد خير الورى

ثم إعتقادي مذهب النعمان

ص: 456

ومما يدل على فضيلة المتقدمين قوله تعالى أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها وفسر أنه يموت علمائها وقرائها وحديث أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا مات العلماء اتخذ الناس رؤسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ومن هنا لما كان الإمام في القرن المشهور اكتفى بظاهر عدالة الشهود إلا في باب الحدود وصاحباه لما كانا فى عصر غلبة الهوى فاشترطا تزكية أرباب الهدى وقد جاء فى الآثار والإخبار أن أولي الأمر هم العلماء الأخيار وقوله عليه السلام في صحيح مسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية معناه لم يعرف من يجب عليه الاقتداء والاهتداء به في أوانه

وقد قال بعضهم في تعريف المجتهد هو الذي يكون صوابه أكثر من خطائه أو العكس فإن المجتهد يخطئ ويصيب وثبوت لا ادري لا ينافي كونه مجتهدا فان مالكا سئل عن أربعين حديثا فقال في ست وثلاثين لا ادري وسئل على رضي الله عنه عن مسئلة فقال سلوا مولاي الحسن وذكر الكردري أن الإمام حين فر من بني أمية جاور بالحرمين مدة كثيرة وإنما لزم الإمام من بين مشايخه الكرام حماد ابن أبي سليمان الكوفي الأشعري الفقيه لأنه كان افقه من غيره كما صرح الإمام بنفسه وذكر الإمام النيسابوري أن حمادا كان يفطر عنده في كل ليلة من ليالي رمضان خمسون إنسانا فإذا كان ليلة الفطر كساهم وأعطاهم كل واحد مائةٍ مائة وذكر أيضاً أن رجلا كلم حمادا أن يحول ابنه من معلم إلى معلم آخر لان المعلم الأول يقال ما يجري عليه كل شهر فقال كما يجري عليه كل شهر قال ثلاثون فقال دع الولد عنده فإنا نجري عليه في كل شهر من عندنا مائة وذكر أيضاً أنه جاء أبو الزناد جابيا للخراج إلى الكوفة

ص: 457

فقال رجل لحماد أشفع لي إليه في جباية ألف درهم فقال أنا أعطي لك من مالي خمسة آلاف درهم ولا ابذل وجهي له في ألف فدعا له الرجل بالخير

وذكر الحافظ أبو الحسن السجستاني أن الإمام الشافعي كان يقول ما زلت احب حمادا مذ بلغني عنه أنه كان راكبا فانقطع زره فمر على خياط فأراد أن ينزل ليسويه فمنعه عن النزول وقام وسواه فأخرج صرة فأعطاه وحلف أنه لا يملك غيرها قال الكردري ومثله سمعت عن والدي رحمه الله يحكي عن أستاذه الأمير مولانا همام الدين الخطيبي الخوارزمي أنه مر راكبا فسقط عن كمه صرة فيها خمسون دينارا فأخذها رجل وناوله فلم يأخذها وقال إن هذا رزق ساقه الله إليك وفضائله جمة وفيه كفاية وذكر الإمام أبو المعالي الأسفرايني عن نجيم بن إبراهيم عن ابن كدام قال قال رجل أخطأ أبو حنيفة قال كيف تقول هذا وعنده مثل أبي يوسف وزفر في قياسهما ومثل يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة وحفص بن غياث وحبان ومندل ابنا علي في حفظهم الحديث والقاسم بن معن في معرفته بالفقه والعربية وداود الطائي وفضيل بن عياض في زهدهما لم يكن يخطئ ولو أخطاء ردوه إلى الحق

وعن سفيان بن عيينة قال شيئان ما كنت أرى أن قراءة حمزة ورأي الإمام يتجاوزان قنطرة الكوفة وقد بلغنا الآفاق وعن الأوزاعي يقول هو أعلم الناس بمعضلات المسائل وعن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد الأزدي المكي قال كنا مع جعفر بن محمد في الحجر فجاء الإمام فسلم وسلم عليه جعفر وعانقه وسايله حتى سأله عن الخدم فلما قام قال قائل يا ابن رسول الله هل تعرفه قال ما رأيت أحمق منك أسأله عن الخدم وتقول هل تعرفه هذا أبو حنيفة أفقه أهل بلده وعن الواقدي قال كان مالك كثيرا ما يقول بقوله

ص: 458

وإن كان لا يظهره وعن إسمعيل بن أبي فديك قال رأيت مالكا قابضا على يد الإمام وهما يمشيان فلما بلغا المسجد قدم الإمام فسمعته لما دخل المسجد قال بسم الله الرحمن الرحيم هذا موضع الأمان فأمني من عذابك ونجني من النار وعن ليث بن نضر قال لما اخرج عن القصر وطيف به حين امتنع من الولاية قال ابن شبرمة ما على هذا المسكين لو قبله قال ابن أبي ليلي هذا مسكين عندي وعندك وغدا يكون خيرا مني ومنك

وعن الحسن بن قتيبة قال مسعر ما أحسد إلا رجلين الإمام في فقهه والحسن بن صالح في زهده

وعن ابن المبارك كان مسعر إذا رآه قام له وإذا جلس جلس بين يديه وكان معظما له مائلا إليه ومثنيا عليه ومسعر من مفاخر الكوفة في زهده وحفظه وكان من شيوخه أكثر عنه الرواية في مسنده

وعن الاصمعي قلت لأبي يوسف لقد بلغ الله فيك الأماني هل وددت أكثر مما أنت فيه قال وددت أن لي زهد مسعر بن كدام وفقه الإمام وفي رواية قال وددت أن لي مجلسا من أبي حنيفة بنصف ما أملك وكان ماله أزيد من ألفي ألف قال الأصمعي ولم تتمنى هذا قال في النفس حزازات كنت أسألها عنه قلت وفيه رائحة تصف البخل وروى عن عاصم بن يوسف قال قلت لأبي يوسف اجتمع الناس على أنه لا يتقدمك في العلم أحد فقال ما علمي عند علم الإمام إلا كنهر صغير في جانب الفرات

وعن المعلي بن منصور قال أبو يوسف ما اتفق قولي وقوله إلا وجدت لها في قلبي قوة وما فارقته فى مسئلة إلا وفي قلبي أمثال الجبال من الضعف والريبة

وعن عثمان المزني قال كان الإمام افقه من حماد وإبراهيم وعلقمة والأسود

ص: 459

وعن أحمد بن بديل قال أبو معاوية يا أهل الكوفة رفعكم الله بالأعمش وبأبي حنيفة يا أهل الكوفة شرفكم الله به وبالأعمش وأبو معاوية هذا هو العزيز من أيمة الكوفة وأجلتهم وفد على الرشيد فأكرمه وجيئ بالطعام فأكله بين يديه وصب الرشيد الماء على يديه حتى غسلهما وقال أتدري من يصب الماء على يديك قال لا قال أمير المؤمنين قال أكرمك الله كما أكرمت العلم قال ما أردت إلا هذا

وعن عبد الله بن لبيد قال كنا عند يزيد بن هارون فقال المغيرة عن إبراهيم فقال رجل حدثنا عنه صلى الله عليه وسلم فقال يزيد يا أحمق هذا تفسير أحاديثه صلى الله عليه وسلم وماذا تصنع بالحديث إذا لم تعلم معناه ولكن همتكم السماع ولو كانت همتكم العلم لنظرتم في كتب الإمام وأقاويله فزبر الرجل وأخرجه عن مجلسه

وعن سويد بن نصر عن ابن المبارك أنه قال لا تقولوا رأى أبي حنيفة رحمة الله ولكن قولوا إنه تفسير الحديث

وعن محمد بن يزيد قال كنت اختلف إلى عامر فقال لي أنظرت في كتبه قلت أنى أطلب الحديث فما أصنع به قال طلبت الآثار سبعين سنة فلم أحسن الاستنجاء حتى نظرت في كتبه

وعن ابن المبارك عليكم بالأثر ولا بد للأثر فأنه يعرف تأويل الحديث ومعناه

وسئل الإمام عن افقه من في خراسان فقال الزفر بن محمد ودعي الإمام إلى مجلس فلم يجد رداء فاخذ الإمام رداء نصر بن محمد وكان شراؤه بمأتي درهم فلما رجع قال شهرتني بردائك

ص: 460

وعن عطية بن أسباط ختن ابن المبارك على أخته قال كان إذا قدم الكوفة استعار من زفر كتبه فكتبه مرارا

وسئل أمالك أفقه أم هو قال هو أفقه من ملأ الأرض مثل مالك

وعن ابن المبارك قال أن الله خلقه رحمة لهذه الأمة وعنه لولاه لكنت ممن يبيع الفلوس أو من المبتدعة

قال الكردري فان قلت ليس لأبي حنيفة كتاب مصنف قلت هذا كلام المعتزلة ودعواهم أنه ليس له في علم الكلام تصنيف وغرضهم بذلك نفي أن يكون الفقه الأكبر وكتاب العالم والمتعلم له لأنه صرح فيه بأكثر قواعد أهل السنة والجماعة ودعواهم أنه كان من المعتزلة وذلك الكتاب لأبي حنيفة البخاري وهذا غلط صريح فإني رأيت بخط العلامة مولانا شمس الملة والدين الكردري البزاتقني العمادي هذين الكتابين وكتب فيهما أنهما لأبي حنيفة وقال تواطأ على ذلك جماعة كثير من المشائخ انتهى

ومن تصانيفه وصاياه لأصحابه وقد شرحت الفقه الأكبر وضمتنه وصاياه بحمد الله ولعلي إذا ظفرت بالعلم والمتعلم اشرحه بعون الله وتوفيقه ولم يكن الإمام قدريا ولا جبريا ولا مرجيا ولا معتزليا بل سنيا حنفيا وتابعه يكون حنفيا

وعن إبراهيم بن فيروز عن أبيه قال رأيته جالسا في المسجد يفتي أهل المشرق والمغرب والفقهاء الكبار وخيار الناس كلهم حضور في مجلسه

وعن أبي حيان التوحيدي الملوك عيال عمر إذا ساسوا والفقهاء عيال أبي حنيفة إذا قاسوا والمحدثون كلهم عيال علي أحمد بن حنبل إذا أسندوا

عن مقاتل بن حيان أدركت التابعين ومن بعدهم فما رأيت أحدا مثله

ص: 461

قال العلماء أدرك مقاتل عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ونافعا وجماعة من التابعين وروي عنهم وكان جليلا وروي عنه واخذ منه وهو شريكه في السماع عن التابعين مثل نافع وعطاء ومحمد بن المنكدر وابن سيرين وغيرهم

قال مقاتل وفدت إلى عمر بن عبد العزيز فأنزلني دار الضيافة وكان أصابه جنابة فأمر بتسخين الماء فقال الغلام ليس هنا حطب قال اشتر بالنسية إذا وجدته تقضي فجاء به فقال أين سخنته قال في دار الضيافة فرده فقال هات ماء من البئر فجاء به فصبه عليه فقال هذا أهون من زمهرير جهنم

وعن أبي معاذ البلخي أنه قال ما رأيت أحد أفضل منه وهو خالد ابن سليمان حافظ الحديث أخذ الحديث عن الثوري والحديث والفقه عن الإمام وكان زاهدا صلبا في دين الله وحين حج سفيان كان أبو معاذ عديله

وعن شقيق بن إبراهيم البلخي أن ذكر مناقبه من أفضل الأعمال وهو من الزهاد والعلماء العباد حتى قيل ما أخرجت بلخ مثله وقد دخل بغداد في زي الفقراء وعليه مدرعة صوف فرآه أبو يوسف من بعيد وهو في موكبه وجلالته فقال وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون قال نعم ثم رآه من بعيد قال يا أبا إسحاق أنت في كسوتك ما غيرتها قال لا لأني ما وجدت ما طلبتها يعني الجنة وأنت وجدت ما طلبت أي الدنيا فغيرت كسوتك

وعن شداد بن حكيم لولا هو وأصحابه لم نكن ندري ما نختار ونأخذ وكان شداد من أزهد أهل زمانه من أئمة بلخ صلى بوضوء ظهر اليوم ظهر الغد ستين سنة روي عن زفر وأصحابه مات شداد سنة ثلاث عشرة ومائتين

وعن ابن المبارك ذكر الإمام عند داود الطائي فقال ذاك نجم يهتدي به الساري وعلم تقبله قلوب المؤمنين وكل علم ليس بعلمه فهو بلاء على حامله والله

ص: 462

عالم بالحلال والحرام والنجاة من النار مع ورع مستكمل وخدمة دائمة

وعن أبي يوسف أن الإمام كان يفتي في المسجد الحرام إذ وقف عليه الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر الإمام رضي الله عنهما وعن آبائهما الكرام فقطن الإمام فقام فقال يا بن رسول الله لو علمت أول ما وقفت لما قعدت وأنت قائم فقال اجلس وافت الناس على هذا أدركت آبائي فان قلت هل لشهادة هؤلاء تأثير في الترجيح قلت نعم وأي تأثير عند أرباب الفطنة وذلك ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} قالت طائفة من المفسرين أنه شهادة البعض في الدينا وأما السنة فما في صحيح مسلم عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت ثلاثا ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال وجبت ثلاثا فقال عمر رضى الله عنه فداك أبي وأمي ما وجبت قال صلى الله عليه وسلم من أثنيتم عليه خيرا أوجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في أرضه ثلاثا ولا ينافي هذا ما في البخاري وغيره أنه الشهادة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم

‌فصل في مقام علمه

ذكر الغرنوي عن زفر عن الإمام أنه قال بلغت الغاية في الكلام حتى صرت مشارا إليه للأنام وكنت اجلس بقرب حلقة حماد فسئلت عمن له زوجة أمة كيف يطلقها للسنة فلم أهتد إلى جواب المسئلة فقلت لها سلي حمادا واخبريني بالجواب فسألت حمادا فأخبرتني فقلت لا حاجة لي في علم الكلام فتحولت إلى حلقة حماد وكان إذا ذكر المسئلة أحفظ قوله فإذا كرر كنت أحفظ أنا الجواب ويخطئ أصحابه فقال لا يجلس في الحلقة قبالتي غيرك فلزمته عشر سنين ثم أردت

ص: 463

أن انفرد في حلقة فلما دخلت المسجد على ذلك العزم لم أملك الخلاف فجلست عنده فأخبر بموت حميم له بالبصرة فخرج إليه وأجلسني مكانه فوردت علي ستون مسئلة لم أحفظ جوابها فأجبت وكتبت جوابي فلما جاء بعد شهرين عرضت عليه جوابي فخالفني في عشرين فحلفت أن لا أفارقه إلى الموت فلازمته ثمانية عشر سنة أخرى

وذكر تاج الإسلام أبو سعد السمعاني عنه قال خدعتني امرأة وفقهتني امرأة وزهدتني امرأة أما الأولى كنت مجتازا فأشارت لي امرأة إلى شئ مطروح في الطريق فتوهمت أنها خرساء وان الشيئ لها فلما رفعته إليها قالت احفظه حتى تسلمه إلى صاحبه والثاني سألتني امرأة عن مسئلة في الحيض فلم أعرف فقالت قولا فتعلمت الفقه والثالث مررت ببعض الطريق فقالت امرأة هذا الذي يصلي الفجر بوضوء العشاء فتعودت ذلك حتى صار عادة

وذكر عنه أنه قال كنت أنازع الناس في علم الدين فسئلت عن فريضة فلم أعرف فقيل تكلم في الدين وهو أدق من الشعر ولا تحسن فريضته فخجلت فأتيت الشعبي فإذا مخضوب الرأس واللحية يلعب بالشطرنج مع أصحابه فسألته عن مسئلة فقال ما يقول فيه الحكم بن عتيبة وحماد وسمعته يقول لا نذر في معصية الله ولا كفارة فيه فقلت الله تعالى يقول {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} ومع ذلك أوجب فيه الكفارة فقال أقياس أنت قم فاخرج عني فدخلت على قتادة فإذا هو يتكلم فى القدر فدخلت على أبي الزبير صاحب جبر بن عبد االله فرأيته رجلا لا يحفظ لسانه فأتيت نافعا مولى ابن عمر فإذا هو يروي عن مولاه أنه كان يرخص فى اتيان النساء غير ما تاهن ويتلوا قوله {نساؤكم حرث لكم} الآية فقلت هذا أحمق الناس أو أكذب الناس فإذا كان سمع منه كان عليه أن يكتمه فلزمت حمادا فإن قلت

ص: 464

قد أنكر الإمام علي الشعبي لعبه بالشطرنج وهو مختلف بين العلماء المتأخرين فإن مالكا والشافعي جوزاه والنكير في المجتهدات ساقط قال النمرتاشي ليس لك أن تنكر على من قلد مجتهدا أو اجتهد دليلا فإن نقول لا نكير إلا أن الأفضل أخذ العلم ممن هو الأتقى إلا كمل ولذا أنكر على فعله لا على قوله فان التقوى فوق الفتوى قال تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وورد استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ومن المعلوم أن الخروج من موضع الخلاف مستحب بالإجماع وفسر بعضهم الانصباب بالنرد والشطرنج كما ذكر القرطبي وأغرب بعض الشافعية حيث بالغ في لعبه حتى بلغه إلى حد الندب وإذا عيي القراءة لعب به في المسجد وأسند إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوا بها قال ابن العربي ما مسها يد تقي قط والأصح أن مالكا معنى فى المنع وقد ثبت قوله عليه السلام ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليه كآكل لحم الخنزير فلهذا المنقول الظاهر أنكر الإمام الباهر على المخالف المجاهر والله أعلم بحقائق السرائر قال الكردري فان قلت ما وجه الإنكار على نافع فيما يرويه عن مولاه مع ان ظاهر القرآن يوافقه وهو قوله تعالى {أتاتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} وقد ثبت القول به عن نافع عن ابن عمر فان كل فرقة فسروا أنى في قوله تعالى {فأتوا حرثكم أنى شئتم} بمعنى أين وقالوا قال به سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون من المالكية وذكر ابن العربي أن سفيان ذكر في كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن جوازه عن كثير من الصحابة والتابعين وقال أيضاً بوجود اللواطة في الجنة كثير من المحققين من علماء الحنفية فدل على أنه لا إنكار على نافع قلت كان العلامة يقول لا تهو لكم أسماء الرجال عند قوة

ص: 465

الدلائل وكشف المقال فان كتاب الله تعالى حاكم ببطلان هذا القول فان قوله تعالى {فإذا تطهرن} وقوله تعالى {فأتوا حرثكم} كل دليل قاطع على حرمة محل اللوث اللازم وكذا الأحاديث الحسان الكثيرة والصحاح شهيرة ناطقة صريحة في التحريم رواها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده وأبو داود والترمذي والنسائي وقد جمعها أبو الفرج أحمد بن الجوزي في جزء ثم حرمة اللواط عقلية ولذا سماه الله فاحشة فلا وجود لها في الجنة وقيل سمعية فلها وجود فيها وقيل يخلق الله تعالى طائفة يكون نصفها الأعلى على صفة الذكور ونصفها الأسفل على صفة الإناث والصحيح الأول انتهى

ولا يخفي بعد هذا الاستدال بأمثال هذه الأقاويل المجهولة المجعولة في تجويز اللواطة هي الفاحشة في جميع الأمم المتقدمة والمتأخرة والقبيحة في العقول السليمة وأما نقلهم عن المحققين من علماء الحنفية وجودها فى دار النعم العظيمة حاشا المحققين من هذه المقالة السقيمة على أن الطائفة المنصفة لا يلزم في جماعها اللواطة وأيضاً لا يفرق بين الذكر والأنثى إلا بالنصف الثاني فعليك الكلام بالثاني إذ من المعلوم أن أهل الجنة جرد مرد على التنزل أن لمسلك الطائفة فالطابع الجنتية لا تميل إليها في الدار الكثيفة وأيضاً كيف يحكم المحققون بوجود اللواطة في الجنة مع أن العلوم الغيبية التي لا تشتبه بالأدلة القطعية وأقلها الضنية لا بالأمور الوهمية الصادرة عن العقول الردية فنسأل الله العافية من الخطاء في الأمور الدينية والآخروية وأما نقلهم عن نافع فان النسأي روى عن أبي النضر قال لنافع قد أكثر عليك القول أنك تقول به عن مولاك قال كذبوا عليّ الحديث

وذكر الدارمي في = مسنده عن سعيد بن يسار قال قلت لإبن عمر ما تقول

ص: 466

فى الجواري حين حمض بهن قال وما التحميض فذكرت له الدبر فقال هل يفعل ذلك أحد من المسلمين وقد ذكر بعض أصحابنا فيما أجاب به المعدل الذى هجا الإمام مذفران سالما روى عن ابن عمر خلافه فقال شعر

أن كنت ذا كذب على أشياخنا

متنقصا لأبي حنيفة أو زفر

فعليك إثم الشيخ أعني مالكا

في قوله وطي الحلائل في الدبر

هذا مقال قد رووا عن سالم

تكذيب ناقله وتزوير الخبر

وذكر الإمام الأندلسي وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون ذلك عنه فنفر عن ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل وقال كذبوا علي ألستم قوما عربا أو يكون الحرث إلا موضع النبت قال ثعلب شعر

إنما الأرحام أرضون محترف

فعلينا الزرع وعلى الله الإنبات

أقول ولا يبعد الجمع بين نفي القول المذكور وإثباته أن محل الثاني إذا كانت المرأة حائضا كما نقل شيخ مشايخنا السيوطي في الدر المنثور روايات كثيرة عن بعض السلف والله سبحانه أعلم

وذكر الديلمي بإسناده إلى القاسم بن عدي العجلي قيل للإمام كيف اخترت حمادا قال بتوفيق الله تعالى وتأملت في العلوم فقلت الكلام عاقبته سوء ونفعه قليل إن تبحر فيه لا يقدر على الكلام جهارا ويرمي بالهوى وعاقبة الأدب مجالسة الصبيان وعاقبة الشعر التكدي بالمدح وقول الجفاء والخناء وتمزيق الدين وعلم القراءة بعد جمع الكثير منه في العمر الطويل مجالسة الأحداث وربما يرمي بسؤ الحفظ فيلزمه ذلك وعلم الفقه أولى لمجالسة المشائخ

ص: 467

والتخلق بأخلاقهم ولا يستقيم أداء التكاليف إلا به وحصول نجح الدارين متعلق بكسبه ولو نزلت نازلة في الحي احتاجوا إليك بسببه فإن يجدوا عندك جوابا قالوا سلوا مشائخك فان أردت الدنيا نلت به وان تخليت للعبادة فلم يقدر أحد أن يقول تعبد بلا علم

وبه إلى يحيى بن شيبان قال قال الإمام كنت أعطيت جدلا في الكلام وأصحاب الأهواء في البصرة كثيرة فدخلتها نيف وعشرين مرة وربما قمت بها سنة أو أكثر ظنا أن علم الكلام أجل العلوم فلما مضى مدة عمري تفكرت وقلت السلف كانوا أعلم بالحقائق ولم ينتصبوا مجادلين بل أمسكوا عنه وخاضوا في علم الشرائع ورغبوا فيه وتعلموا وعلموا وتناظروا عليه فتركت الكلام واشتغلت بالفقه ورأيت المشتغلين بالكلام ليس سيماهم سيماء الصالحين قاسية قلوبهم غليظة أفئدتهم لا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة ولو كان خيرا لاشتغل به السلف الصالحون هذا

وحكاية روياه مشهورة أنه ينبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويولف العظام الكرام يوضع بعضها في موضع مناسب للمقام وتعبير ابن سيرين لها أن صاحبها رجل يحيي الله به سنة أميتت فيما بين الأنام

فصل في اعتقاده

ذكر الغزنوي عن يحيى بن نصر والديلمي عن نوح بن أبي مريم الجامع قالا سألناه عن السنة والجماعة قال تفضيل الشيخين ومحبة الختنين والإيمان بالقدر خيره وشره والمسح على الخفين وتحليل النبيذ للتقوى على طاعة الله لا السكر وعدم التكفير لأحد بذنب عدم التكلم فى الله بشيئ قال سعد بن معاذ جمع الإمام في هذه الأحرف

ص: 468

السبعة مذهب أهل السنة والجماعة

فاعلم أنه روى عبد الرحمن بن المثنى أن الإمام كان يفضل الشيخين ثم يقول علي وعثمان ثم من كان له سابقة وهو أنقى فهو أفضل وكان لا يقول في الصحابة إلا خيرا وكان يقول مقام أحدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ساعة أفضل من عبادتنا طول عمرنا

ثم اعلم أن بعض المتكلين قالوا نمسك عن تفضيل الصحابة بعضهم على بعض والجمهور على خلافه ولكن اختلفوا فقال أكثرهم الصديق أفضلهم وقال الخطابية الفاروق أفضلهم وقال الرواندية العباس أفضلهم وقال الرافضة علي أفضلهم واتفق أهل السنة على تقديم الشيخين ووافقهم أيضاً فيه المعتزلة ثم اختلفوا فقال أقلهم وهو رواية عن الإمام ثم علي ثم عثمان وقال أكثرهم ثم عثمان ثم علي وهو الأصح من مذهب الإمام كما يعرف من كتاب الفقه الأكبر ونصائحه ثم تمام العشرة المبشرة بالجنة ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم أصحاب بيعة الرضوان وزعم طائفة منهم ابن عبد البران من توفي من الصحابة الكرام حال حياته أفضل ممن بقي بعد مماته عليه السلام وهذا إطلاق غير مرضي عند العلماء الأعلام

ثم اختلف العلماء في التفضيل المذكور أقطعي أم ظني فذكر الأشعري أنه قطعي وذكر الباقلاني أنه ظني ثم اختلفوا أن التفضيل بحسب الظاهر فقط أم بحسب الظاهر والباطن كذا ذكره الكردري والقول بكونه قطعيا بعيد جداً اللهم إلا أن يقال في حق الصديق فإنه إلى التحقيق حقيق وأما القول بأنه بحسب الظاهر والباطن فأبعد والله ولي التوفيق

ثم في قوله ومحبة الختنين إشارة إلى أن محبتهما كافية فى كون حليهما من

ص: 469

أهل السنة لما سبق من الكلام أراد الإمام التنبيه على أن باغضهما خارجي خارج من أهل السنة والجماعة وكذا باغض عثمان وهما الشيعة سواء يقولون لا نحب الثلاثة ولا نسبهم أو يلعنونهم وفى تكفير لاعنهم خلاف مشهور وتفصيل فى محله مسطور وقد بسطة هذه المسئلة في رسالة مستقلة ثم في قوله ويؤمن بالقدر خيره وشره إخراج المعتزلة وسائر المبتدعة من القدرية والمراد بالأيمان بالقدر اعتقاد أن جميع الأمور بقضاء الله وقدره وفق ما أراد أن يظهر بكسب العباد فخرج الجبرية على أنهم أقرب إلى الحق من سائر المبتدعة

ثم في قوله والمسح على الخفين رد على طائفة من الشيعة وقد نقل ابن المبارك عن الإمام ما قلت بالمسح عليهما حتى جاءني مثل ضوء النهار يعني الأدلة الساطعة من الكتاب فان آية الوضوء مبهمة مجملة باعتبار القراءتين وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الرجلين حال كشفهما ومسحهما وقت لبسهما وكادت الآثار في المسح أن تتواتر بل قد تتواتر معنى أكثرة طرقه ورواته

ثم في قوله وتحليل النبيذ إشعار بأن من قال به لا يخرج عن كونه من أهل السنة لا أنهم اتفقوا على تحليله فإن المسئلة خلافية وهي من الفروع الفقهية التي فيها خلاف المالكية والشافعية والحنبلية فمذهبهم إن كل ما يسكر كثيره فقليله حرام وقد بينة الأدلة من الجانبين في شرح مسند الإمام وفى قوله لا للسكر إيماء إلى أن شربه إذا أنجر إلى السكر فهو حرام وكذا إذا قصد السكر به في أول قعوده

وقد ذكر علماؤنا في بحث المثلث أنه إذا قعد للسكر فالقدح الأول حرام وكذا القعود عليه حرام وسرحوا بأن السكر من البنج ولبن الرماك حرام إلا أنه لا يحد وذكر فى يتيمة الدهران حادثة أهل البنج وقعت فى زمان

ص: 470

الطحاوي من أئمتنا وخاله المزني من الشافعية فأفتيا بالحرمة ووافقهما في ذلك أئمة عصرهما والمكتوب في حاشية القنية عن العلامة مولانا سيف الدين الفقيه أن من يعتاد أكل البنج يعاقب بالقتل وهذا محمول على أنه يأكله لتحصيل السكر ويزعمه حلالا

وأما ما ذكره الأئمة الثلاثة من الآثار الحسان والأحاديث الصحاح من تعليق الحكم وهو الحرمة بالسكر قل المشروب أو كثر فقد تكلم فيه رئيس المحدثين يحيى بن معين وعلى التنزل فمأول بان المراد من السكر هو المسكر بالفعل والمنع من شرب قليله إنما هو في حق من يشرب لقصد السكر والتلهي لا للنشاط على الطاعة والتقوى أو لئلا ينجر قليله إلى كثيره كالراعي حول الحمى

وقد ذكر الطحاوي وغيره أن عند محمد كل ما يسكر كثيره فقليله حرام وأما فتوى المشائخ على رأى أبي حنيفة وأبي يوسف ومع هذا ففي فتاوي قاضي خان أنه سئل الإمام أبو حفص الكبير عن هذا فقال لا يحل شربه فقيل له خالفت الشيخين فقال لا لأنهما كانا يحلان الأسمر للتقوى والناس في زماننا يشربونه للفجور والتلهي وشربه للهو لا يحل إجماعا

ثم في قوله وعدم التكفير بها أي بكبيرة رد على الخوارج وقوله وعدم التكلم في الله بشيء يعني في صفات الله كذا ذكره الكردري وفيه بحث إذ تكلم الإمام على الصفات في الفقه الأكبر وغيره والمسئلة تنازع فيها أهل السنة والمعتزلة حيث أثبتها الأولون قائلين بأنها قديمة لا عين الذات ولا غيرها والآخرون نفوها تحرزا من تعدد القدماء فينبغي حمل كلام الإمام على نفي الكلام في كنه ذاته وصفاته أو على نفيه فيهما مطلقا بمجرد الدلالة العقلية ففيه رد على الحكماء وبعض الجهلة من المتصوفة القائلين بوحدة الوجود والإتحاد

ص: 471

والحلول وسائر مقالات أهل الفساد واليه رؤوف بالعباد

وروى الإمام أبو حامد محمد بن أبي الربيع المازني والشيخ الإمام النسفي بإسنادهما إلى أبي مقاتل السمرقندي أن الإمام قال فى = كتاب العالم والمتعلم العمل تبع للعلم والعمل القليل بالعلم خير من العمل الكثير بالجهل كما أن الزاد القليل الذى لا بد منه في المفازة مع الهداية أفضل من الزاد الكثير مع الجهالة قال الله تعالى {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقد صرح الإمام في ذلك الكتاب بأكثر قواعد أهل السنة فهو بريئ من كونه معتزليا أو مرجيا أو جبريا كما توهم بعضهم إذ أسندوا مذهبهم إليه ترويجا بما شاهدوا من الفضل لديه واعتماد أكثر المسلمين في باب الإعتقاد والأعمال عليه فله ولأصاحبه الحنفية مشاركة في الملة الحنفية حيث ادعى كل أرباب ملة أن الخليل منهم وقد نفى الله عنهم بقوله {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} والحمد لله رب العالمين

هذا وكان الإمام إذا وردت مسئلة فيها حديث صحيح تبعه ولو عن الصحابة والتابعين وإلا قاس فأحسن القياس روى أنه وضع ستين ألف مسئلة وقيل وضع خمسة مائة ألف مسئلة وذكر الخطيب الخوارزمي أنه وضع ثلاثة آلاف وثمانين ألف مسئلة منها ثمانية وثلاثون ألفا في العبادة والباقي في المعاملات لولا هذا لبقي الناس في نية الضلالة وبيداء الجهالة

وذكر أبو المعالي الحلبي عن الحسن بن زياد عنه أنه قال قولنا هذا رأى حسن وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن مما قلنا فهو أولى بالصواب منا

وذكر الديلمي عن زهير بن معاوية قال كنت عنده والأزهر بن الأغريقائه إذا صاح رجل وقال أول من قاس إبليس فقال الإمام يا هذا

ص: 472

وضعت الكلام فى غير موضعه قاس اللعين لرد أمر الله حيث قال تعالى {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا} ونحن من مسئلة إلى أخرى لنردها إلى أصل من أصول الكتاب أو السنة أو اتفاق أمة فنجتهد وندور حول الاتباع فأين هذا من ذاك فصاح الرجل وقال تبت من مقالتي إلى ربي نورت الله قلبك كما نورت قلبي

وعن علي بن هشام قال اخبرنا أبو حنيفة قال حدثنا الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري وهوعامل بالبصرة إن قس الشيئ بالشيئ واضرب الأمثال يتبين لك الحق

وعن الحسن بن زياد أنه كان يقول ليس لأحد أن يقول برأيه مع نص عن كتاب الله أو سنة عن رسول الله أو إجماع عن الأمة وإذا اختلف الصحابة على أقوال نختار منها ما هو أقرب الى الكتاب أو السنه ونحبتنب عما جاوز ذلك فالاجتهاد موسع على الفقهاء لمن عرف الاختلاف وقاس فاحسن القياس وعلى هذا كانوا

وروى عنه ما جاء عن الله ورسوله لا نتجاوز عنه وما اختلف فيه الصحابة أخترناه وما جاء عن غيرهم أخذنا وتركنا

وروى أنه كان كثيرا يقرأ هذه الآية فى خلال كلامه {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} وفيه دليل على أنه لم يبدع لفظ الاستحسان فانه موجود فى الكتاب وكذا في السنة فقد ورد ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن

وعن أبي يوسف أنه كان إذا وردت حادثة قال الإمام هل عندكم أثر فإن كان عنده أو عندنا أثر أخذ به وإن اختلف الآثار أخذ بالأكثر وإلا أخذ بالقياس

ص: 473

وإن تعسر القياس فتركه إلى الاستحسان

وعن محمد بن سماعة أن الإمام ذكر في تصانيفه نيفا وسبعين ألف حديث وانتخب الآثار من أربعين ألف حديث والمسائل التي رجع عنها من القيام إلى الأثر كثيرة لشدة اتباعه منها كان يقسم الدية على منافع الأئمة ويوجب الأرش في الإبهام أكثر مما يوجبة في سائر الأصابع فلما بلغه قول عليه السلام الأصابع كلها سواء رجع عن ذلك كالصديق كان يقول الدية في الأنف أكثر من الأذنين لأنه يستره العمامة والأنف مكشوف ففوات الزمان فيه أكثر فلما بلغه أنه عليه السلام أوجب في الأذنين الدية رجع عن ذلك

ومنها أن الإمام كان يقول اكثر الحيض خمسة عشر يوما فلما بلغه عن أنس أنه عليه السلام قال الحيض ثلاثة أيام إلى العشرة والزايد استحاضة رجع عن ذلك ومنها ما ذكره خلف الأحمر أن الإمام كان لا يصلى قبل العيد ولا بعده ثم رأيته يصلي بعد العيد فسألته عن ذلك فقال بلغني عن علي رضي الله عنه أنه كان يصلي بعده أربعا فاقتديت به انتهى ولعله كان يصلى فى بيته كما رواه ابن ماجه أنه كان عليه السلام يصلي بعده في بيته ركعتين

فان قلت تعليم الحيل مذموم حتى قالوا أن المفتي الذي يعلم الناس الحيل هو الماجن الذي يستحق الحجر في جميع المذاهب قلت الحق فيه التفصيل قال تعالى {كذلك كدنا ليوسف} الآية وقال عز وجل لأيوب {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} وكان حلف أن يجلد زوجته رحمة مائة جلدة فعلمه الله تعالى المخرج وقد صح أنه عليه السلام قال خذو عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به حين أتى يناقض الخلق وقدرني وصح أنه عليه السلام قال لعامل خيبر وكل تمر خيبر هكذا قال لا بعت منه صاعين بصاع فقال صلى الله عليه وسلم

ص: 474

أوه عن الربو هلا بعت صاعيك بدرهم ثم ابتعت به تمرا فدل أن الحيلة للتوصل إلى الحق أو للتخلص عن المضرة جائزة وإنما الحرام ما يتوصل به إلى الباطل وإبطال الحق بعد الثبوت والمفتي الماجن في القول المعتمد هو الذي يفتي بأمر باطل يؤدي إلى الخروج من الدين كما يعلم لامرأة الارتداد ليتخلص من الزوج وليس لها ذلك فأنها إن فعلت ذلك يسترقها زوجها وهذا على قولها بلا شبهة والمسئلة معروفة

وقد ذكر عبد المجيد الخوارزمي عن محمد بن مقاتل أن رجلا جاء وقال للإمام ما تقول فيمن لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ولا يخاف الله ويأكل الميتة ويصلي بلا ركوع ولا سجود ويشهد بما لم يره ويبغظ الحق ويحب الفتنة فقال أصحابه أمر هذا الرجل مشكل فقال الإمام هذا رجل يرجو الله تعالى لاالجنة ويخاف الله تعالى لا النار ولا يخاف الظلم عليه من الله في عدله ويأكل السمك والجراد ويصلي على الجنائز ويشهد بالتوحيد ويبغض الموت وهو حق ويحب المال والولد وهما فتنة فقام السائل وقبل رأسه وقال أشهد أنك وعاء للعلم

وذكر العلامة حسام الملة السغناقي أن رجلا جاء إليه وقال بواو أم بواوين فقال بواوين فقال بارك الله فيك كما بورك في لا ولا فلم يعلم الحاضرون ما قالا فقال الحاضرون ما هذا الكلام فقال سألني عن التشهد بواو أم بواوين فقلت بهما فقال بارك الله فيك كما بورك في شجرة لا شرقية ولا غربية

وذكر الديلمي عن علي بن عثام قال لما فر الإمام إلى المدينة وكان فيها حسين بن زيد العلوي واليا من جهة بني العباس فقال لغلامه خذ بلجام دابة الشيخ وقل له من خير الناس بعد النبي عليه السلام فقال العباس فسكت وكان غرض

ص: 475

العلوي أنه إذا قال الصديق آذاه وإذا قال المرتضى لامه في ترك مذهبه فلما اختار الثالث لم يتمالك أن يقول شيئا خوفا من بني العباس انتهى وكان الإمام قصد به الخيرية من الحيثية النسبية وقد ورد أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وثبت أن الحرب خدعة

وذكر الإمام الحلبي عن علي بن عاصم قال كان الإمام يأخذ من لحيته الحجام فقال له اتبع مواضع البياض فقال لا تفعل لأنه يزيد فقال اتبع مواضع السواد لعله يزيد فبلغ الحكاية إلى شريك فقال لو ترك القياس فى شيئ لتركه مع الحجام

وذكر الكرماني عن محمد بن سلمة والصيمري عن فضل بن غانم قالا مرض أبو يوسف فعاده الإمام مرارا فرآه في بعض الأيام ثقيلا فقال لقد كنت اؤملك بعدي للمسلمين ولئن أصبت ليموتن علم كثير فلما برأ أعجب بنفسه وعقد مجلس الأمالي في مسجده فلما بلغ ذلك الإمام دس إليه رجلا وقال له قل له ما تقول في قصار أنكر أن يكون الثوب لصاحبه ثم جاء به إلى المالك مقصورا وطلب الأجران قال يجب الأجر قل أخطأت وإن قال لا يجب قل أخطأت ففعل الرجل ذلك فقام أبو يوسف من ساعته وراح إلى خدمته فقال ما جاء بك إلا مسئلة القصار سبحان الله من رجل يتكلم في دين الله ويعقد مجلسا ولا يحسن مسئلة من مسائل الإجارة فقال علمني قال إن قصره قبل الجحود يجب الأجر لأنه صنعه للمالك وإن قصره بعده لا يجب لأنه صنعه لنفسه ثم قال من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبكي على نفسه

وذكر المرغيناني أن شيطان الطاق وهو شيخ للرافضة كان يتعرض للإمام كثيرا فدخل الشيطان يوما في الحمام وكان فيه الإمام وكان قريب العهد بموت

ص: 476

أستاذه حماد فقال الشيطان مات أستاذكم حماد فاسترحنا منه فقال الإمام أستاذنا مات وأستاذكم من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم فتحير الرافضي وكشف عورته فغمض الإمام بصره فقال الشيطان يا نعمان منذكم أعمى الله بصرك فقال مذهتك الله سترك فبادر الإمام إلى الخروج من الحمام وأنشأ يقول شعر

أقول وفي قولي بلاغ وحكمة

وما قلت قولا جئت فيه بمنكر

ألا يا عباد الله خافوا إلهكم

ولا تدخلوا الحمام إلا بميزر

وروى عنه أنه قال كنا لا ننصرف من عند حماد إلا بفائدة فقال لنا يوما إذا وردت عليكم مسئلة معضلة فاجعلوها سوالا على صاحبها فوعيته فبعد مدة ذهبت إلى دار المنصور فخرج إلي ربيع الحاجب وكان يعاديني فقال أن أمير المؤمنين يأمرنا بقتل رجل ولا ندري ما هو أنقتله قلت يا أبا العباس أن أمير المؤمنين يأمر بالحق أو الباطل قال بل بالحق قلت أنفذ الحق حيث كان قال وكان الربيع أراد أن يوثقني فربطته

وروى أن امرأة كانت مجنونة لها لقب إذا دعيت بذلك شتمت فدعاها رجل به فقذفت أبويه وهما حيان فرفعت إلى ابن أبي ليلى فأقام عليها حدين قائمة في المسجد في مجلس واحد فقال الإمام المجنونة لا تحد والخصم أبواه وهما فى الأحياء ولا تحد إلا بطلبهما ولا يوالي بين الحدين حتى يجف الأول ولا يقام الحدان لو قذف جماعة بكلمة ولا تقام الحدود في المساجد ولا تحد قائمة ولا تمد فى الحدود

وعن خارجة قال دعاه المنصور وعنده ابن أبي ليلى قاضي الكوفة وابن شبرمة قاضي بغداد فقال ما قولك فى الخوارج إذا صابوا من مال المسلمين

ص: 477

ودمائهم قال الإمام سل هذين فسألهما فقال أحدهما يواخذون وقال الآخر لا قال أخطئا جميعا قال لهذا دعوتك ما صوابه قال ما أصابوا بعد التجمع لا يضمنون وما أصابوا قبله ضمنوا ادعي الزهري فى هذه المسئلة إجماع الصحابة

وروى أن عاصما كان من شيوخه كان إذا أتاه ويستفتيه قال له أتيتنا صغيرا وأتيناك كبيرا

وعن بشر بن المفضل عنه أنه قال كانت لنا جارة ولها غلام أصاب منها دون الفرج فحبلت فجاءني أهلها فقالوا نخاف أن تلد وهي بكر فقلت هل لها أحد تثق به فقالوا عمتها قلت تهب الغلام منها ثم تزوجها منه فإذا أزال عذريتها ردت الغلام إليها فيبطل النكاح وهذه حيلة أيضاً ذكرها لمن يخاف أن لا يطلق المحللة بعد النكاح منه فتهب المرأة غلامها لمن تثق به أو تنكح بغلام رجل ثم تهب ذلك الغلام منها بعد الدخول بها فيفسد النكاح وإن أرادت قطع التحدث باعت الغلام من تاجر يروح به إلى أقصى المقام وينقطع التحدث

وعن يوسف بن خالد السمتى قال خرجنا معه إلى بستان إذ نحن بابن أبي ليلى راكبا على بغلته فسلم فسايرا فمرا على نسوان يغنين فلما سكتن قال الإمام أحسنتن فنظرا ابن أبي ليلى في قماطره فوجد قضية فيها شهادته فدعاه ليشهد في تلك القضية فلما شهد أسقط شهادته وقال قلت لمن كن يغنين أحسنتن قال متى قلت ذلك حين سكتن أم حين كن يغنين قال حين سكتن قال أردت بذلك أحسنتن بالسكوت فأمضى شهادته ثم قرأ الإمام {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} فخاف ابن أبي ليلى من الإمام خوفا شديدا بعد ذلك المقام وكان إذا وقع له عويصة دس إلى الإمام رجلا يسأله عما هنالك وكان الإمام يعلم به وينشد

شعر

ص: 478

وإذا تكون كريهة ادعي لها

وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

وفيه تنبيه على ان الغناء للناس كبيرة كما هو مفهوم من الهداية في قوله ولا من يغني الناس

وقد ذكر السهروردي فى العوارف عن الأئمة الأربعة الرواية على حرمته وعن ابن سلام قال ما زال الإمام يخطئ ابن أبي ليلى حتى عزله الخليفة عن القضاء

ومن غريب ما وقع له معه أن الإمام دخل عليه زائرا فلما جلس قال لحاجبه ايذن للخصوم كأنه رام أن يرى الإمام إمضاء الحكم فتقدم إليه خصمان قال أحدهما أن هذا قال لي يا ابن الزانية فخذ حقي منه فقال القاضي للمدعي عليه ما تقول قال الإمام لِمَ لم تسأل عنه إن كانت أمه حية فليس له حق الطلب وان كانت ماتت كان قولا آخر فسأله فادعى موتها فبرهن فأراد القاضي السوال عنه فقال سله هل لها وارث آخر فإن لم يكن لها وارث آخر كان قولا آخر فبرهن على أنه لا وارث لها غيره فذهب القاضي ليسأل المدعي عليه فقال سله هل كانت أمه حرة فبرهن على حريتها فلما رام القاضي السوال قال سله هل كانت مسلمة فبرهن على إسلامها وكانت من وجوه أهل الكوفة فقال الإمام سل الآن عن القاذف فأنكر فلما ذهبوا به إلى البينة قام الإمام فالتمس القاضي منه أن يقعد حتى يأتي بالبينة فأبى وراح واستراح

وعن وكيع قال رأيته وسفيان ومسعرا أو مالك بن مغول وجعفر بن زياد الأحمر والحسن بن صالح في وليمة بالكوفة وفيها الأشراف والموالي وقد زوج بنتا رجل من ابني رجل فخرج عليهم صاحب الوليمة وقال مصيبة عظيمة زفت امرأة كل إلى آخر غلطا ودخل على كل واحدة غير زوجها فقال سفيان

ص: 479

لا بأس به وقد حكم فيهما أمير المؤمنين علي رضى الله عنه حين كان وجه إليه معاوية فيه فقال علي للسائل أنت رسول معاوية أن هذا لم يكن ببلدنا أرى على الرجلين العقر بما أصابا وترجع كل واحدة إلى زوجها الأول ولا شيئ عليهما ذلك والناس يستمعون كلامه فالتفت مسعر إلى الإمام وقال قل فيها قال سفيان ما يقول غير هذا قال الإمام علي بالغلامين فأتي بهما فقال أيحب كل منكما أن تكون المصاب عنده قالا نعم قال لكل منهما طلق التى لك عند أخيك ففعل فأنكح كل واحد التى فى حبالته ثم قال للأولياء جددوا عرسكم فتعجب القوم وقام مسعر فقبل بين عينيه وقال تلومونني على حبه وسفيان ساكت

وروى أن الأعمش لم يكن يعاشر الإمام بجميل ولا يذكره بخير فوقع النزاع بين الأعمش وامرأته فحلفت أن لا تكلمه والأعمش يكلمها ولا تجيبه فقال الأعمش إن لم تكلميني الليلة فأنت طالق فندم ولم يدر المخرج فذهب ليلا إلى الإمام فقام معه الإمام وأكرمه فجعل الأعمش يعتذر فقال دع الاعتذار وتكلم بالحاجة فلما كلمه بحاجته قال الفرج قريب أن يسر الله تعالى فدعا مؤذن الأعمش وقال إذا دخل الأعمش منزله فإذن قبل انفجار الصبح وكانت العادة بالكوفة كما هو الشرع أن لا يؤذن للصلاة ما قبل دخول وقتها فلما أذن قبل الوقت ظننت أنه وقع عليه الحنث فقالت الحمد لله الذي أراحني منك يا سيئ الخلق فقال الأعمش لم نصبح حيلة وقعت ونعم الحيلة رحم الله أبا حنيفة دلنا عليها

وروي أن الأعمش لم يكن يعاشر زوجته بجميل ولا يذكرها بخير فحلف بطلاق امرأته أن أخبرته بفناء الدقيق بكلام أو إشارة وأرسلت إليه أو ذكرته له أو كتبت لأحد يذكره إليه فتحيرت المرأة وطلبت المخرج فسألت الإمام فقال الأمر سهل شدي جراب الدقيق على تكته أو ما قدرت عليه من ثوبه

ص: 480

فإذا رآه علم بفناء الدقيق بنفسه ففعلت فلما قام من الليل وجر أزراره رأى الجراب فعلم بفناء الدقيق فقال والله هذا من حيل النعمان يرينا عجزنا ويفضحنا بما شاء من نسائنا ويريهن عجزنا ورقة فهمنا

وذكر الحلبي عن أبي يوسف قال جاء إليه رجل فقال حلفت أن لا أكلم امرأتي أو تكلمني وحلفت هي أيضاً مثله فأفتى سفيان بان أيهما كلم الآخر حنث فقال الإمام كلمها ولا حنث عليك فأنكر سفيان وقال أنه يبيح الفروج فلما اجتمعا أعاد الرجل السؤال فأعاد الإمام الجواب فقال سفيان من أين هذا قال لما شافهته باليمين الثاني سقط الأول لأنها كلمته فقال سفيان فتح لك من العلم ما لم يفتح لنا

وعن عبد العزيز بن خالد عن الإمام قال أتاني رجل وقال ماتت أختي وفي بطنها ولد يتحرك فقلت اذهب وشق بطنها واخرج الولد ففعل فجاءني بعد سبع سنين ومعه غلام قال أتعرفه قلت لا قال هو الذي أفتيت بشق بطن أمه وإخراجه فأخرجته وسميته بمولى أبي حنيفة رحمة الله عليه

وعن محمد بن مقاتل قال سمعت أبا مطيع يقول رأيت عليه يوم الجمعة قميصا ورداء قومتهما بأربع مائة درهم وهذا محمول على قوله تعالى {قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده} وقوله سبحانه {وأما بنعمة ربك فحدث} وعلى ما ورد من حديث إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى عليه أثر تلك النعمة وقد روى ابن خزيمة في مسنده والبيهقي عن جابر أنه عليه السلام كان يلبس برده الأحمر فى العيدين والجمعة والمراد بالأحمران فيه خطوطا حمراء كما هو شأن برود اليمن ويؤيده ما رواه الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه عليه السلام كان يلبس برد حبرة في كل عيد إلا أن النوني ضعف الحديثين

ص: 481

وعن شريك قال كنا في جنازة رجل من سادات بني هاشم ومعنا الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة والإمام والجماعة من الأئمة فلما رفعت الجنازة وقف الناس هنالك فسأل الإمام عن سبب ذلك فقالوا حفلت أمه أن لا ترجع قبل الصلاة عليه وحلف أبوه بالطلاق أن لا تتبع الجنازة وترجع من مكانها فلم يهتد أحد إلى الجواب فناداه أبو الميت يا نعمان أغثنا فسأل الإمام عن كيفية الحلفين فلما بينوه قال ضعوا الجنازة فوضعوها فصلى الناس عليه ثم قال لها ارجعي إلى منزلك ثم رفع إلى القبر فقال ابن شبرمة عجزت النساء أن تلدن مثله

وعن عبد الله بن المبارك قال سأله رجل أن يثقب في حائطه كوة فأفتاه بالجواز فمنعه ابن أبي ليلى عن ذلك فأتاه ثانيا فقال افتح فيه بابا فمنعه ابن أبي ليلى فشكا إلى الإمام فقال كم قيمة حائطك قال ثلاثة دنانير قال على قمتها اذهب فاهدمها فلما رام الهدم خاصم خصمه إلى ابن أبي ليلى فقال كيف أحوله من هدم حائطه قال فلم منعتني عن أيسر من ذلك فقال القاضي ما أصنع تذهب إلى رجل يدلني على خطأي أفلا أرجع

وعن عبد الله بن المبارك قال سألته عن رجل له درهمان ورجل له درهم اختلطت ثم ضاع منها درهمان قال يكون الدرهم الباقي بينهما أثلاثا فلقيت ابن شبرمة وعرضت عليه الجواب فقال خطأ بل الباقي بينهما أنصافا لانا نعلم قطعا أن الواحد من الضائعين لذي الدرهمين فاستحسنت جوابه وكان عقل الإمام لو وزن بنصف عقل أهل الأرض لرجحهم فلما عرضته على الإمام قال لما اختلطا وجبت الشركة أثلاثا فالضائع والباقي على الشركة الثانية

وأدق من هذا ما روي عن علي كرم الله وجهه فيمن له خمسة أرغفة وللآخر ثلاثة أرغفة جلسا ليأكلا فجاء إليهما رجل وأكل معهما ودفع إليهما ثمانية

ص: 482

دراهم وقال اقتسما على قدر ما أكلت من أرغفتكم فأعطى صاحب الخمسة ثلاثة دراهم لصاحب الثلاثة فلم يرض إلا بالمناصفة فاختصما إلى أمير المؤمنين علي فقال خذ ما عرض عليك فقال لا أرضى إلا بالحق فقال إذن لك درهم فقال عرضت علي ثلاثة دراهم فلم أقبل فكيف كان ذلك فقال كان مصالحة أما الحق فلك درهم لأنا نفرض أنكم أكلتم بالسوية لأنا لا نعلم الأكثر أكلا أليس كل رغيف ثلاثة أثلاث فالكل أربعة وعشرين كل منكم أكل ثمانية من أربعة وعشرين فيكون لصاحبك سبعة أثلاث ولك ثلث

وذكر الإمام الحلبي عن وكيع قال كنا عنده إذ جاءته امرأة وقالت مات أخي وأعطوني من تركته دينارا قال من قسم تركتكم قالت داود الطائي قال لعله مات عن ست مائة دينار وبنتين لهما الثلثان أربع مائة دينار وأم لها السدس مائة دينار والمرأة لها الثمن خمسة وسبعون دينار أو اثنى عشر أخا وأخت وهى أنت لك أخ ديناران وأنت لك دينار واحد قالت نعم

وسئل الإمام عمن حلف ليقربن امرأته نهارا في رمضان قال يسافر بها ويقربها

وادعى رجل النبوة وطلب من الناس أن يمهلوه حتى يأتي بالعلامة على صدقة فقال الإمام من طلب منه العلامة كفر لأنه يوهم صدقه والمفتاح باب النبوة وفيه رد كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين

وتزوج الإمام على والدة حماد فهجرت الإمام وقالت لا أرضي بلا تطليق الجديدة فقال لها إذا كنت جالسا مع والدة حماد فادخلي علينا كأنك سائلة وقولي إذا تزوج الرجل على امرأته فهل للقديمة هجران زوجها ففعلت فقالت والدة حماد لا أسالمك بلا تطليق الجديدة فقال الإمام كل امرأة لي خارج الدار فهى

ص: 483

طالق فرضيت وسالمته ولم تطلق الجديدة

وجاء رجل إلى الإمام فقال لي ابن أن زوجته امرأة طلق وان اشتريت له جارية أعتق وإن لم أزوج له امرأة ولم أشتر له أمة يقع في الزنا فما اصنع قال اشتر أمة وزوجها منه فإن طلقها ردت إليك وإن أعتق لم ينفذ

قال الليث ابن سعد إمام أهل مصر كنت أتمنى لقاء الإمام فرأيته قد اجتمع عليه الأنام وسئل عن هذه المسئلة فما أعجبني صوابه كما أعجبني سرعة جوابه

وروى أنه كان عند الأعمش إذ سئل عن مسئلة وقيل ما تقول فى كذا وكذا وقال الإمام أقول كذا وكذا فقال الأعمش من أين لك هذا قال أنت حدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة وعن أبي وائل عن عبد الله عن أبي إياس عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دل على خير كان له مثل أجر عمله وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال له رجل يا رسول الله كنت أصلي في داري فدخل علي رجل فأعجبني ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لك أجران أجر السرو وأجر العلانية وحدثتنا عن الحكم عن أبي مجلز عن حذيفة عنه صلى الله عليه وسلم لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى يشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم وحدثتنا عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم ما من عبد إلا له صيت في السماء وصيت في الأرض فإذا كان في السماء حسنا وضع له القبول في الأرض وإن كان سيئا في السماء وضع له كذلك في الأرض وحدثتنا عن أبي الزبير عن جابر قال شكونا من جوع إليه عليه السلام قال لعلكم تأكلون متفرقين اجتمعوا في طعامكم يبارك الله لكم وحدثتنا عن يزيد الرقاشي عن

ص: 484

أنس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال كاد الحسد أن يغلب القدر وكاد الفقران يكون كفرا وأن الرجل ليذنب ذنبا فيحرم نصيبه من الرزق قال الأعمش حسبك ما حدثتك في مائة يوم حدثتني في ساعة ما علمت أنك تعمل بهذه الأحاديث يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة وأنت أيها الرجل أخذت بكلى الطرفين

وذكر الإمام المرغيناني أن رجلا جاء إليه وقال حلفت أن لا أغتسل من هذه الجنابة فأخذ الإمام يده وانطلق به حتى إذا مر على قنطرة نهر دفعه في الماء حتى انغمس في الماء ثم خرج فقال قد طهرت وبررت لان اليمين كان على منع نفسه عن فعل الغسل ولم يحصل منه فعل

وسئل عن امرأة صعدت السلم فقال لها زوجها إن صعدت فأنت طالق وإن نزلت أيضاً قال يرفع السلم وهي قائمة عليه ثم يوضع على الأرض أو ترفع المرأة وتوضع على الأرض ولا يحنث لأنها ما نزلت ولا طلعت

وسئل أيضاً عن رجل قال لامرأته إن لبست هذا الثوب فأنت كذا وإن لم أجامعك فيه فأنت كذا فتحير علماء الكوفة فقال يلبسه الزوج ويجامعها فيه

وولدت امرأة ولدين ظهرهما متصل فمات أحد الولدين قال علماء الكوفة يدفنان جميعا وقال الإمام يدفن الميت ويتوصل بالتراب في قطع الاتصال ففعلوا فانفصل الحي وعاش وكان يسمى بمولى أبي حنيفة رضي الله عنه

ودعاه ابن هبيرة يوما وراه فصا منقوشا مكتوب عليه عطاء بن عبد الله وقال أكره التختم به لمكان اسم غيري عليه ولا يمكن حكه فقال دور رأس الباء يكون عطاء من عند الله فتعجب من سرعة استخراجه وقال لو أكثرت الاختلاف إلينا وأفدتنا قال وما أصنع عندك إذا قربتني فسنى وإن أقصيتني

ص: 485

أحزنتني وليس عندك ما أرجوه وليس عندي ما أخافك عليه ومثل هذا جرى بينه وبين المنصور وعيسى بن موسى أمير الكوفة حين قالا له لو أكثرت الاختلافات إلينا وأفدتنا

وعن الحسن بن زياد عنه قال ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق دعاني المنصور يوما وقال الناس قد افتتنوا به فهيئ عليه من المسائل الشداد فهيأت له أربعين مسألة ثم دعاه وقال الق عليه من مسائلك فألقيت عليه واحداً واحدا فجعل يقول كذا قال أهل المدينة فيه وأنتم قلتم كذا وكذا وأنا أقول فيه كذا فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالف الكل فلما فرغ قال ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم بهذه الاختلافات

وعن أبي معاذ البلخي أن الإمام كان يقول أهل الكوفة كلهم مولاي لان الضحاك بن قيس الشيباني الحروري دخل الكوفة وأمر بقتل الرجال كلهم فخرج إليه الإمام في قميص ورداء وقال أريد أن أكلمك فقال تكمل قال لم أمرت بقتل الرجال قال لأنهم مرتدون قال أكان دينهم غير ما هم عليه فارتدوا حتى صاروا إلى ما هم عليه أم كان هذا دينهم قال أعد ما قلت فأعاد قال الضحاك أخطأنا فغمدوا سيوفهم ونجا الناس

وقال أبو الفضل الكرماني لما دخل الخوارج الكوفة ورأيهم تكفير كل من أذنب وتكفير كل من لم يكفر قيل لهم هذا شيخ هؤلاء فاخذوا الإمام وقالوا تب من الكفر فقال أنا تائب من كل كفر فقيل لهم أنه قال أنا تائب من كفركم فأخذوه فقال لهم أبعلم قلتم أم بظن قالوا بظن قال إن بعض الظن إثم والإثم ذنب فتوبوا من الكفر قالوا تب أيضاً من الكفر فقال أنا تائب من كل كفر فهذا الذي قاله الخصوم أن الإمام استتيب من الكفر

ص: 486

مرتين ولبسوا على الناس

وحكى أن رجلا أوصى إلى رجل وسلم إليه كيسا فيه ألف دينار وقال إذا كبر ولدي فادفع إليه ما تحبه فلما كبر دفع إليه الكيس وامسك المال فلم يجد الصبي مخرجا فجاء إلى الإمام وقص عليه فدعا الوصي وقال له ادفع الألف لأنك أمسكت المال والرجل إنما يمسك ما يحب ويعطي ما لا يحب

وكان الإمام إذا شكلت عليه مسئلة قال لأصحابه ما هذا إلا لذنب أحدثته وكان يستغفر وربما قام وصلى فتنكشف له المسئلة ويقول رجوت أني تيب علي فبلغ ذلك فضيل بن عياض فبكى بكاء شديدا ثم قال ذلك لقلة ذنب فأما غيره فلا يتنبه لهذا قلت ولعل الشافعي من هنا قال شعر

شكوت إلى وكيع سوء حفظي

فأوصي لي إلى ترك المعاصي

فان الحفظ فضل من اله

وفضل الله لا يعطى لعاص

ووكيع هذا كان أستاذ الإمام الشافعي وقد قال الإمام لداود والطائي أنت تتخلى للعبادة وقال لأبي يوسف إنك تميل إلى الدنيا وقال لكل واحد من تلامذته كلاما وكان كما قاله وهذا من الكرامة والفراسة وكان يقول ذو الشرف أتم عقلا من غيره قلت ولعل مأخذه قوله عليه السلام إذا فقهوا

وذكر أبو العلاء الهمداني عن أبي القاسم يوسف بن علي اليشكري صاحب الكامل في علم القراءة مرض أبو يوسف فقيل أنه قضى قال الإمام لا قيل من أين علمت قال أنه خدم العلم فلم يجتن ثماره لا يموت وكان كما قال حتى روى أنه كان له يوم مات سبع مائة ركاب ذهبية

وذكر الإمام أبو القاسم بن علي الرازي قال احتاج الإمام إلى الماء

ص: 487

فى طريق الحجاز فساوم أعرابيا قربة ماء فلم يبعه إلا بخمسة دراهم فاشتراه بها ثم قال له كيف أنت بالسويق فقال أريده فوضعه بين يديه حتى أكل ما أراد وعطش فطلب الماء فلم يعطه حتى اشترى منه شربه بخمسة دراهم

فصل في ورعه وتقواه وزهده وعلمه وكرمه رضى الله عنه

عن ابن المبارك قلت لسفيان الثوري ما أبعده عن الغيبة ما سمعت يغتاب عدو له قط قال هو أعقل من أن يسلط على حسناته من يذهب بها

وعن يزيد بن هارون رأيته يوما بفناء دار غريم له قد قام في الشمس فانكرته فقال لي على مالكها مال أخاف أن أجلس في ظلها

ومثله عن يحيى بن أبي زائدة إلا أنه قال حلفته بالله العظيم عن مانع الاستظلال فقال أخاف أن يكون قرضا جر نفعا قال وما أراه على الناس لكن على العالم أن يأخذ بعلمه أكثر مما يدعو إليه ولكن شمس الأئمة في كتاب الصرف رد هذا وقال إنه من التكلف لا من الزهد لكن ذكر في صفات الصالحين أن امرأة سألت الإمام أحمد بن حنبل أن شموع آل طاهر تعبر من محلنا ونحن نغزل فى ضوئه ونحن على السطوح طاقة أو طاقتين فهل يحل لنا ثمن ذلك الغزل فقال الإمام أحمد من أنت قالت أخت بشر الحافي قال ما زال هذا الورع الصافي يخرج من آل بشر الحافي فعلم بهذا أن دقائق الورع لا غاية لها ولا نهاية

وكان حفص بن عبد الرحمن شريك الإمام فبعثه إلى تجارة وقال فى ثوب كذا عيب فباع بلا بيانه وجاء بربح فتصدق بحصته وفاسخه الشركة قال المرغيناني وكان الربح خمسة وثلاثين ألف درهم

وكان الحسن بن عمارة يقع فيه فجمع علماء الكوفة أميرها لمسئلة فالكل

ص: 488

اخطأ إلا الحسن قال الإمام كلنا اخطأ إلا الحسن فلو شاء أن يقيم قولا لأقامه ويبطل قولي لأبطله لكنه منعه زهده وتقواه وكان الحسن بعد ذلك يمدحه وفي رواية سهل بن مزاحم وتكلم العلماء وتكلم الإمام فقال العلماء كلهم القول قوله فقال له الأمير اكتب فقال الحق ما قاله الحسن فازداد الناس اعتقادا فيه

وعن النضر بن محمد الرقي قال لقيته ببغداد وأنا أريد الكوفة فقال قل لإبني حماد قوتي في الشهر درهمان من سويق وقد حبسته عني فعجله إلي وكان في تلك الأيام حبسه المنصور للقضاء ببغداد وكان لا يأكل من طعامه بل يوتي له بالسويق من الكوفة

وعنه أن الإمام نهى عن الإفتاء وكان ابنه يسأل عنه في الخلوة شيئا فلا يجيبه فقال حماد أنت بمكان لا يراك فيه أحد فقال أخاف أن يسألني السلطان هل أفتيت فأخاف أن أقول لا

وعن الإمام أحمد أنه ذكره فقال كان زاهدا ورعا ضرب على القضاء إحدى وعشرين سوطا فأبى

وعن المبارك أراد الإمام أن يشتري جاريه فشاور عشر سنين من أي جنس يشتريها ووقعت أغنام من الغارة في الكوفة فسأل عن مدة حياة الغنم فقيل سبع سنين فما أكل اللحم سبع سنين ونعم ما قيل فيه شعر

حسبي مديح أبي حنيفة أنه

أسد العلوم وغابة الأقلام

قد كان في شأن التورع غاية

تكبو وراء بلوغها الأوهام

للزهد لم يقبل حلالا طيبا

فمتى يساق إلى حماه حرام

ص: 489

هل قد رأيتم مثله متورعا

جاءت به الأصلاب والأرحام

لما أتاه الفقه مزموما وما

باهى به باهى به الإسلام

وعن سهيل بن مزاحم بذلت له الدنيا بحذافيرها وضرب عليها بالسياط قلم يقبلها من قليلها وكثيرها

وعن أبي يوسف سمعت يقول لولا الخوف من الله ما أفتيت أحدا لكون المهنأ لهم والوزر علينا قلت فكأنه رضي الله عنه أشار إلى قوله عليه السلام أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ولهذا كان السلف الأبرار يتدافعونه عن أنفسهم فى الإعصار والأمصار وقد نظم الإمام سراج الدين الغزي أخو صاحب المحيط هذا المبني وزاد فى المغني فقال

شعر

تركت الكتب فى الفتوى وأبي

لمحتسب بهذا الترك أجرا

وما تركي لعجزي منه لكن

أكرر من أصول الشرع وقرا

وأما ما درست بغير حفظ

فيعظم ذكرها عدا وحصرا

ولي من سائر الأنواع حظ

وما قولي معاذ الله كبرا

ولكن أذكر النعماء عندي

من الرحمن إيمانا وشكرا

ولكن قد يكون الحكم طورا

خلافيا وبالإجماع طورا

فترتعد الفرائض عند كتبي

نعم أو لا لظني ذاك خيرا

وتركي قول مجتهد سوا

لظن قد يكون الظن وزرا

تدبرت الأمور وكان كتبي

لذي الأمثال صيتا لي وذكرا

فقلت هلكت إن الناس طرا

قد اتخذوك للنيران جسرا

فلا يغررك ذكر الناس واجهد

لتكسب عند ربك العرش ذكرا

ص: 490

وبادر فى قول الحق واحذر

قضاء لازما موتا وحشرا

ودع عنك العلو تكون عبدا

قنوعا صالحا سرا وجهرا

ولا تركن إلى الدنيا وشمر

لما يدعي لدي الرحمن ذخرا

فلا يغني مقال الخلق عني

هو المغني لما أرهقت عسرا

فحسبي عفو ربي عند تركي

وحسبي كتبة الباقين عذرا

وعن الحسين بن مالك عن الإمام أنه قال وقع بين المنصور وامرأته مشاجرة فاختارت الإمام ليكون حكما فدعاه المنصور وجلست امرأته وراء الستر فقال المنصور كم يحل للرجل من الحراير قال أربع قال ومن الإماء قال ما شاء بلا عدد قال هل يجوز لأحد خلاف في ذلك قال لا قال الخليفة اسمعي ما قال قالت سمعت قال الإمام يا أمير المؤمنين إنما تحل الأربع لمن عدل فمن لم يعدل أو خاف أن لا يعدل فلا تحل إلا واحدة قال الله تعالى {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} الآية فسكت الخليفة وقام أبو حنيفة فلما بلغ الإمام منزله بعثت الحرة إليه بخمسين ألف درهم وبجارية حسناء معها وبمركب شكرا لما صنع فجاء الخادم بكل ذلك إليه فلم يقبل منه شيأ وقال ما أردت بهذا الكلام تقربا إلى أحد ولا التماسا للبر من المخلوق ولم يمس منه شيئا ولم ينظر إليه حتى رفع من بين يديه

وعن العسكري أنه لما جيئ به إلى المنصور أمر له بعشرة آلاف درهم على يد حسن بن قحطبة فلما أحس أنه يؤتى بمال جعل لا يكلم أحدا فحمل إليه المال فقيل أنه ما تكلم اليوم فقال الحمالون ما نصنع بالمال فوضعوه في زاوية من البيت فلما مات كان ابنه حماد غائبا فقدم فذهب بالمال إلى ابن قحطبة وكان ذلك المال لم يحرك من مكانه فقال هذه وديعتك كانت في زاوية البيت فخذها فنظر إليه الحسن وقال

ص: 491

رحمة الله كان شحيحا على دينه وذكر صاحب = المنظومة عن الإمام أبي حفص الكبير البخاري أن الإمام لما فر من ابن هبيرة إلى مكة أقام بها إلى أن ظهرت الهاشمية فقدم الكوفة فاشخص إلى بغداد فأمر له المنصور بعشرة آلاف درهم وجارية فقال له عبد الملك بن حميد وزيره وكان جيد الرأي فيه اقبل الجائزة فإن الخليفة يطلب عليك علة فقال لا حاجة لي فيه فقال أما المال فقد كتب في الديوان أنه قبل وأما الجارية فأما أن تقبلها وأما أن تعتذر حتى أعذرك عنده قال إني ضعيف عن النساء لا حاجة في الجارية لا أصل إليها ولا أحسن أن أبيع جارية وصلت إلي من حرم أمير المؤمنين وذكر المرغيناني عن الحميدي عن أبيه قال لما أشخصه المنصور إلى بغداد شخصت معه فلما خرج من عند المنصور منتقع اللون سألته عن ذلك فقال دعاني إلى القضاء فقلت لا أصلح لذلك لأنه ليس لي قلب أحكم به عليك وعلى أولادك وقوادك فقال لِمَ لم تقبل صلتي فقلت تعطيني من بيت المال ولست من المقاتلة حتى آخذ مالهم ولا من الذرية حتى آخذ عطاياهم ولا من الفقراء حتى آخذ ما يأخذونه قال فأقم حتى تستفتيك القضاة فيما يحتاجون إليك من الأحكام

وعن الحسن بن زياد أنه لم يقبل من أحد هدية ولا جائزة

وعن سهل بن مزاحم كنا ندخل بيته ولا نرى إلا البواري

وعن عبد الرزاق كنا إذا رأيناه رأينا آثار البكار في عينيه وخديه

وسئل أبو مقاتل عنه وعن سفيان فقال ليس من ابتلي فهرب كمن ابتلي فصبر يريد أن سفيان لما دعي للقضاء هرب والإمام صبر على السياط ولم يقبل

وعن عبد العزيز بن عصام أن المنصور لما عرض عليه القضاء وامتنع ضربه ثلاثين سوطا حتى سال الدم على عقبيه قال له عمه عبد الصمد بن علي بن عبد الله

ص: 492

ابن عباس سللت على نفسك مائة ألف سيف هذا فقيه العراق وفقيه المشرق فأمر له بثلاثين ألف درهم وكان كل درهم مقدار مائة درهم اليوم لعزة الدراهم فلما وضعت بين يديه رفضها فقيل له لو تصدقت بها فقال أبو جد عندهم الحلال

وعن جعفر بن عون العمري قال أتته امرأة تطلب ثوبا بما قام عليه فأخرج ثوبا وقال قام على بأربعة دراهم قالت أتهزأ بي وأنا عجوز قال اشتريت ثوبين وبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم فهذا قام على بأربعة

وعن عبد العزيز بن خالد إمام أهل ترمذ أودعت عنده جارية حين خرجت حاجا وغبت أربعة اشهر فلما قدمت قلت له كيف رأيتها قال ما نظرت إليها وسمعت أنه لم يغتسل في تلك المدة فقيل له في ذلك فقال خفت أنها إن سمعت خشخشة الماء تحن إلى الرجال

وقد قال بعض أصحابه حرزنا ختمة في الموضع الذي فارق فيه الدنيا سوى سائر المواضع فكان سبعة آلاف ختمة وكان له في كل شهر ستون ختمة ختمة بالليل وختمة بالنهار

وعن يحيى بن معين أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة فيجوز أن يراد بالرواية الأولى هذه أيضاً فان اشتغاله بالنهار في الدرس والقضايا مشهور إلا في رمضان فإنه كان يتفرغ له ويؤيده ما روى عن عبد الله بن أسد قال إذا دخل رمضان يتفرغ لقراءة القرآن فإذا دخل العشر الأخير ما نقدر أن نتكلم معه إلا قليلا لا يقال قد ورد من قرأ القرآن في اقل من ثلاث لم يفقه فإنا نقول لعل ذلك في حق من لم تخفف له القراءة ألم تر إلى ما قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه خفف لداود عليه السلام القراءة وكان يأمر دوابه لتسرج فيقرأ الزبور حين تسرج وقد صح أن عثمان وتميما الداري وسعيد بن جبير كانوا يختمون

ص: 493

القرآن في ركعة وقد نقل عن الإمام أيضا ولنا قدوة في الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين هذا وقد يقال المراد بالحديث نفي الكمال على أنه قد يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال

وعن زفر قال بات الإمام عندي ليلة فقام الليل كله بآية واحدة وهي قوله تعالى {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}

وروى أنه قام الليل كله بآية {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم}

وروى أنه سمع رجلا يقرأ سورة إذا زلزلت الأرض في صلاة العشاء وهو خلفه فجلس بعد خروج الناس إلى أن طلع الفجر وهو آخذ بلحيته قائما يقول يا من يجزي مثقال ذرة خيرا خيرا ويا من يجزى مثقال ذرة شرا شرا أجر عبدك نعمان من النار وما يقرب إليها وأدخله في سعة رحمتك وفي رواية أخرى الليل يقرأ ألهاكم التكاثر ويرددها

وعن أسد بن عمرو عنه أنه قال ما بقى في القرآن سورة إلا وقد قرأتها في وتري ولعله أراد بالوتر التهجد كما في بعض الأحاديث وإلا فالسنة قراءة السور الثلاث في ركعات الوتر

وعن أبي مطيع قال كنت بمكة ما أدخل الطواف في ساعة من ليل أو نهارا إلا رأيته وسفيان في الطواف

وعن حفص بن عبد الرحمن كان يحيي الليل كله بقراء القرآن ثلاثين سنة في ركعة

وذكر الصيمري عن أبي يوسف كان يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة وفي رمضان مع يوم الفطر اثنتين وستين ختمة

وقد جاء في رواية أنه لما اشتغل بوضع المسائل واستخراجها قلت عبادته

ص: 494

يعني بالنسبة إلى بدء حالته وعادته

وعن عبد الله الليثي الخوارزمي قال كانت عادته في أثناء كلامه أن يقول ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار

وعن أبي الأحوص أنه لو قيل له انك ميت إلى ثلاث ما كان يمكن أن يزيد في عمله

وروي أن مسعرا جاءه وقال تبت من ذكرك بسوء فاجعلني في حل فقال الإمام من اغتابني من أولى الجهل فهو في حل ومن اغتابني من العلماء فلالان وقيعة العلماء شين إلا بد إلا أن يتوب وجعلتك في حله ولكن كيف بطلب الله إياك بما نهاك من الكتاب والسنة فكانا متواخيين بعد ذلك حتى مات

وعن الحماني كان لا يدخل في جوفه لقمة أحد

وروي أنه ما أكل من البصل والثوم منذ خمسين سنة

وعن يحيى بن آدم قال حج خمسا وخمسين حجة

وروي أنه سكن بمكة في رمضان وتمكن من مائة وعشرين عمرة لكل يوم أربع عمرات ومما قيل فيه شعر

نهارا أبي حنيفة للإفادة

وليل أبي حنيفة للعبادة

وودع نومه خمسين عاما

لطاعته وخداه الوسادة

وعن الحسن بن زياد أنه رأي على بعض جلسائه ثيابا رثة فقال ارفع هذا المصلى وخذ الألف التي تحته واصلح بها حالك قال إني موسر قال صح في الحديث إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى اثر النعمة عليه فغير ثيابك حتى لا يغتم بك صديقك

ص: 495

وروى أنه أعطى لمسلم ابنه حين علمه الفاتحة ألفا واعتذر إليه

وعن عبد الله بن مالك بن سليمان قال أرسل زيد إليه يدعوه إلى البيعة فقال لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه لأنه إمام حق ولكني أعينه بمالي فبعث إليه بعشرة آلالف درهم وقال للرسول ابسط عذري عنده وفي رواية اعتذر إليه بمرض يعتريه ولامنع من الجمع وسئل عن خروجه فقال ضاهي خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقيل له لم تخلفت قال حبسني عنه ودائع الناس عرضتها على ابن أبي ليلي فلم يقبل فخفت أن أموت مجهلا وكان كلما ذكر خروجه بكى

وعن أبي ملبح أنه قال ما ملكت أكثر من أربعة آلاف منذ أكثر من أربعين سنة إلا أخرجتها وإن أمسكتها لقول علي رضي الله عنه أربعة آلاف درهم وما دونها نفقة ولولا أني أخاف أن ألتجئ إلى هؤلاء ما أمسكت درهما واحدا

وروي عنه أنه كان يؤذن ويؤم الناس في مسجده وقال حدثني نافع عن ابن عمران من صلى الفجر ولم يتكلم إلا بذكر الله حتى تطلع الشمس كان كالمجاهد في سبيل الله

وحدثني أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحية إذنها ثلاثا فان ذهبت وإلا فاقتلها

وذكر السمعاني مسندا عن عصام بن يوسف والزرنجري مرسلا قال أتيت مجلسه ورجل يشتمه فما أجابه هو ولا أحد من أصحابه ولا قطع مجلسه حتى فرغ من كلامه فلما قام ودخل منزله جاء الرجل ونظر من شق الباب وجعل يشتم وفي رواية فلما بلغ الإمام الباب توقف وقال للشاتم أريد دخول

ص: 496

منزلي فإن كان بقي من شتمك شئ فاختمه حتى لا يبقى عندك شئ فتاب الرجل وقال اجعلني في حل فجعله في حل

وعن يزيد بن المكتف قال ناظره رجل في مسئلة فقال يا زنديق يا مبتدع فقال الإمام الله يعلم مني خلاف ذلك يعلم أني ما عدلت به أحدا منذ عرفته ولا رجوت إلا عفوه ولا خفت الا عقابه

وذكر الإمام الزاهد النسفي عن أبي الخطاب الجرجاني قال كنت عنده إذ سأله شاب عن مسئلة فأجاب فقال الشاب أخطأت ثم سأله عن أخرى فأجاب فقال الشاب اخطأت فقال لأصحابه سبحان الله ألا تعظمون الشيخ يجئ إليه شاب فيخطئه مرتين وأنتم سكوت فقال لي الإمام دعهم دعهم فإني عودتهم من نفسي ذلك

وذكر الإمام الحلبي عن يحيى بن عبد الحميد عن أبيه قال كان يخرج كل يوم من السجن فيضرب ليدخل في القضاء فيأبى فلما ضرب رأسه واثر ذلك في وجهه بكي فقيل له في ذلك فقال إذا رأته أمي بكت واغتمت وما علي اشد من غم أمي روي أنها قالت يا نعمان إن علما أوردك مثل هذا لحري أن تفر منه فقلت تعلمت لله لا للدنيا

وذكر أنه قال ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له ولوالدي ولمن تعلم مني أو تعلمت منه

وروي عنه أنه قال ما مددت رجلي نحو سكة حماد قط وكان بينهما مقدار سبع سكك

وذكر الإمام الحلبي عن عبد الرزاق إن رجلا سأله عن مسئلة فأجاب فقال الرجل إن الحسن أجاب بخلاف هذا فقال الإمام اخطأ الحسن فقال

ص: 497

الرجل يا ابن الزانية فمضى ولم يتغير وجهه بل قال أخطأ الحسن وأصاب ابن مسعود رضي الله عنه

ذكر الحلبي عن سفيان بن وكيع عن أبيه قال دخلت عليه وهو مطرق رأسه يتفكر قال من أين جئت قلت من عند شريك بن عبد الله فرفع رأسه وأنشأ يقول

شعر

إن يحسدوني فإني غير لائمهم

قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا

فدام لي ولهم ما بي وما بهم

ومات أكثرنا غيظا لما وجدوا

وقد احسن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى حيث أنشد

شعر

هم يحسدوني وشر الناس منزلة

من عاش في الناس يوما غير محسود

وعن يحيى بن معين رحمة الله تعالى قال كان إذا ذكر أحد عنده بسوء قال

شعر

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

فالقوم اعداء له وخصوم

كضرائر الحسناء قلن لزوجها

حسدا وبغيا أنها لذميم

وقيل لعبد الله بن طاهر أن الناس يقدحون فيه فقال

شعر

ما يضر البحرا مسى زاخرا

إن رمى فيه غلام بحجر

ونعم ماقال القائل

إن يحسدوني فزاد الله في حسدي

لا عاش من عاش يوما غير محسود

ما يحسد المرأ إلا من فضائله

بالعلم والبأس أو بالمجد والجود

ص: 498

ولبعضهم

فازداد لي حسدا من لست أحسد

إن الفضيلة لا تخلو عن الحسد

ولحاتم الطائي

يا كعب ما إن أرى من بيت مكرمة

إلا له من بيوت الناس حساد

وعن ابن البجلي إن الإمام مر يوما بسكران يبول قائما فقال له اجلس فقال له السكران يا مرجئ فقال هذا جزائي حين حكمت بإيمانك يجوز أن يريد بالحكم بالإيمان الحكم بعدم خروجه من الإيمان لو تكلم بكلمة الكفر أو أن يريد به عدم الخروج من الإيمان بالسكر الذي هو كبيرة وفيه خلاف المعتزلة كذا ذكره الكردري والصواب أن فيه خلاف الخوارج في المسئلة

وعن بشر بن الوليد قال قال أبو يوسف لقيني الأعمش وقال صاحبكم يخالف ابن مسعود حيث لا يجعل بيع الأمة طلاقها وابن مسعود جعل بيع الأمة طلاقها قلت أنت حدثتنا بذلك قال كيف قلت حدثتنا عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنه عليه السلام خير بريرة بعد ما اشترتها عائشة ولو كان بيع الأمة طلاقها ما كان للتخير فائدة قال أفيه ذلك قلت نعم

عن الإمام قالت سألت الشعبي عن حرة تحت عبدكم طلاقها قال قال ابن مسعود الطلاق والعدة بالنساء فأتيت حمادا فأخبرته فقال أخبرني إبراهيم عن ابن مسعود رضي الله عنه بمثله

وعن عبد الله بن عنبسة قال قال سمعت الشعبي يقول عليكم بالمساجد فإنها مجالس الأنبياء

وعن إسحاق بن دينار عن الإمام قال سمعت الشعبي يقول انما سمي الهوى هوى لأنه يهوي صاحبه إلى النار ونعم ما قيل

ص: 499

شعر

نون الهوان عن الهوى مسروقة

واأسير كل هوى أسير هوان

ولآخر

فإذا هويت فقد تعبدك الهوى

فاخضع لحبك كائنا من كانا

أن الهوى لهو الهوان بعينه

فإذا هويت لقد لقيت هوانا

ولابن المبارك رحمه الله تعالى

ومن البلاء وللبلاء علامة

أن لا يرى لك عن هواك نزوع

العبد عبد النفس في شهواته

والحر يشبع تارة ويجوع

وروي عنه أنه قال سمعت الأعمش يقول في علته أن الناس يستثقلوني وأنت زدتني عندهم ثقلا فقال الإمام لولا العلم الذي يجري على لسانك ما رأيتني أبدا لان فيك خصالا أنا لها كاره تتسحر عند طلوع الفجر الثاني وتقول هو الأول وقد صح عندي أنه الثاني وترى الماء من الماء ولا ترى الاغتسال من الأكسال ولولا ما عندك من الحديث ما كلمتك فما تسحر الأعمش بعدها إلا قبل الثاني ولا جامع إلا وقد اغتسل وقال صلاة وصيام كيف يكون باختلاف وقال والله لا أفتيت بذلك أبدا

وذكر أبو العلاء الحافظ أن الإمام قال للأعمش لولا أنه تثقل عليك زيارتنا لزرناك أكثر من هذا فقال انك تثقل علي وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني فقام الإمام وخرج ولم يقل شيئا فقيل له في ذلك ما أقول له ما صام ولا صلى في عمره

وذكر الغزنوي عن شريك بن عبد الله قال كنا عند الأعمش في مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وكان الإمام

ص: 500

أكبرهم فبدأ بالكلام وقال اتق الله فانك في أول يوم من الآخرة وقد كنت تحدث عن علي رضي الله عنه بأحاديث لو أمسكتها لكان خيرا لك فقال الأعمش اسندوني لمثلي يقال هذا حدثني أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى لي ولعلي بن أبي طالب أدخلا الجنة من أحبكما وأدخلا النار من أبغضكما وذلك قول الله تعالى {القيا في جهنم كل كفار عنيد} قال الإمام قوموا حتى لا يجئ باطل من هذا قال فوالله ما جزنا الباب حتى مات قلت وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون وقد قال تعالى {كما بدأكم تعودون}

وذكر الكردري أن للرافضة أحاديث أكاذيب ولهم أيضا تأويلات باطلة في الآيات وزيادات وتصحيفات كزيادة والعصر ونوائب الدهر وكقوله وعبد الله وجيها تتغير النون إلى الباء وكقوله تعالى إن علينا للهدى صحفوا أن عليا وهم قوم بهت يزعمون أن عثمان أسقط من القرآن خمس مائة كلمة منها قال تعالى {ولقد نصركم الله ببدر} وزادوا فيه بسيف علي وهذا وأمثاله كفر قال تعالى {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} فمن أنكر حرفا مما في صحف عثمان أو زاد فيه أو نقص فقد كفر ألا يرى أن عبيد الله بن زياد سمي فاسقا بزيادة الألف في قوله تعالى {سيقولون لله} فزاد الألف وقال الله مع أنه لا يخرج به عن الفصاحة قلت كيف يكون فاسقا هذا وهو قراءة ثابتة في السبعة وقرأ بها أبو عمرو والبصري فالمدار على الرواية المتواترة وان لم يكن مطابقا للرسم في الصورة فمن أنكر أو زاد فيها أو نقص منها فقد كفر

وعن يسار بن قيراط وكان شريك الإمام قال حججت مع الإمام والثوري فإذا نزلنا بلدة قالا الناس فقيها العراق واجتمعوا عليهما وكان

ص: 501

يقدم الإمام ويمشي خلفه وإذا سئل عن مسئلة بحضرة الإمام لم يجب حتى يجيب الإمام فسئل الإمام عن النبيذ فأراد أن يرخص فمنعه سفيان وقال إن رخصنا بالكوفة لا ننفذ بالمدينة

وعن بشر بن يحيى قلت لابن المبارك أدخلت علم أبي حنيفة وسفيان في الكتب ولم تدخل رأي مالك والأوزاعي قال لأني لم أعدهما علما والله سبحانه أعلم

فصل في وفاة الإمام رضي الله عنه ورحمه

روى أن المنصور أشخص الإمام إلى بغداد وطلب منه أن يتولى القضاء من تحت يده إلى جميع الكون واعتل بعلل فخلف المنصور أنه أن لم يقبله يحبسه فأصر على الإباء وقال الخليفة أقدر على كفارة يمينه فحبسه وكان يرسل إليه في الحبس أنه إن لم يقبل ضربه فأبى فأمر أن يخرج ويضرب كل يوم عشرة أسواط فلما تتابع عليه الضرب في تلك الأيام بكى فاكثر البكاء فلم يلبث إلا يسيرا حتى انتقل إلى جوار الملك العلام فمات في الحبس مبطونا مجهودا وقيل مسموما فأخرجت جنازته وكثر بكاء الناس على حالته ودفن في مقابر الخيزران بناء على وصيته

وروى أنه ضرب مائة وعشرة أسواط في إحدى عشر يوما فاخرج من السجن على أن يلزم الباب فاخذ منه الكفلاء وطلب منه أن يفتي فيما يرفع إليه من الأحكام وكان يرسل إليه بالمسائل وكان لا يفتي فأمر أن يعاد إلى السجن ويغلظ عليه فأعيد وضيق عليه تضييقا شديدا فكلم خواص المنصور المنصور وأخرج من السجن ومنع من الفتوى والجلوس للناس والخروج من المنزل فكانت تلك حالته إلى أن توفي ولم يدخل في العمل رضي الله عنه

وروى أنه اخرج من الحبس ودفع إليه قدح فيه سم ليشرب فأبى وقال

ص: 502

لا أشرب لأني أعلم ما فيه ولا أعين على نفسي فطرح وصب في فمه وخلى عنه فجاء إلى المنزل الذي نزل فيه ببغداد فلم يلبث إلا قليلا حتى مات

وروى أنه لما أحس بالموت سجد فخرجت روحه وهو ساجد

وذكر الإمام النسفي عن الإمام أبي حفص الكبير البخاري قال دخل الحسن ابن قحطبة أحد قواد المنصور على الإمام وقال عملي لا يخفى عليك فهل لي من توبة قال نعم إذا علم الله أنك نادم على ما فعلت ولو خيرت بين قتل مسلم وقتلك لاخترت قتلك على قتله وتجعل مع الله عهدا أن لا تعود فإن وفيت في توبتك قال الحسن أني فعلت ذلك وعاهدت الله على أن لا أعود على قتل المسلمين فكان ذلك إلى أن ظهر بالبصرة إبراهيم بن عبد الله الحسنى فأمر المنصور أن يذهب إليه فجاء إلى الإمام وقص عليه الكلام فقال جاء أو أن توبتك أن وفيت بما عاهدت فأنت تائب وإلا فأخذت بالأول والآخر فجد في توبته وتأهب وسلم نفسه إلى القتل ودخل على المنصور وقال لا أسير إلى هذا الوجه إن كان لله طاعة في سلطانك فيما فعلت فلي منه أوفر الحظ وان كان معصية فحسبي فغضب المنصور فقال حميد أخوه إنا أنكرنا عقله منذ سنة وكأنه خولط عليه أنا أسير وأنا أحق بالفضل منه فسار فقال المنصور لبعض ثقاته من يدخل عليه من هؤلاء الفقهاء فقالوا أنه يتردد إلى الإمام فدعا الإمام بعلة شئ فسقاه السم ثم سقى الحسن أيضاً بعد أيام فأما الحسن فعالج نفسه فبرأ ومات الإمام شهيدا في سنة خمسين ومائة وكان ابن سبعين ولم يكن له من الأولاد سوى حماد

وذكر العسكري عن عبد الله بن مطيع عن أبيه قال رأيت جنازة في أيام المنصور في طاقات باب خراسان وخلفها رجل يحملها أربعة أنفس قلت جنازة من هذه قالوا جنازة فقيه كوفي يدعى أبا حنيفة مات في السجن فلما أخرج

ص: 503

من باب خراسان كأنه نودي في الناس فازدحموا عليه فعبر به إلى الجانب الآخر فصلينا عليه بباب الحسن فلم نقدر على دفنه إلا بعد العصر من الزحام فجاء المنصور فصلى على قبره ومكث الناس يصلون على قبره إلى عشرين يوما فقلت كيف اختار هذا الجانب قال لان ذلك الجانب غصب وهذه الأرض كانت أطيب منه فلما بلغ المنصور وصيته قال من يعذرني منه حيا وميتا وقيل حرز من صلى عليه فكان مقدار خمسين ألفا وقد قيل فيه

شعر

عز الشريعة إذ مضى كشافها

وظهيرها النعمان نحو جنانه

عمر التقى والشرع اكثر عصره

بالأصغرين لسانه وجنانه

عجبا لقبر فيه بحر زاجر

عجبا لبحر لف في أكفانه

وذكر الإمام الأسفرايني عن الربيع بن يونس قال سمعت المنصور يخاطب الإمام على القضاء وهو يقول اتق الله تعالى ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله تعالى ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب ولو اتجه الحكم عليك ثم تهددني على أن تغرقني في الفرات أو أزيل الحكم لاخترت الغرق حاشيتك محتاجون إلى من يكرمهم لك فقال المنصور وكذبت انك تصلح قال قد حكمت لي على نفسك كيف يحل لك إن تولي القضاء من يكون كاذبا

وما ذكرنا من أفعال المنصور بالإمام فعل يزيد بن هبيرة إلي الكوفة بالإمام مثله أيضا في الزمان المروانية كما رواه العسكري وغيره عن يحيى بن أكثم عن أبي داود قال أراد ابن هبيرة أن يولي الإمام قضاء الكوفة فأبى فحلف ابن هبيرة أن يقتله بضربه بالسياط على رأسه ويحبسه فحلف الإمام على أنه لا يلي منه فقيل له أنه حلف على أن يضربك قال ضربه في الدنيا هون من معالجة مقامع

ص: 504

الحديد في العقبى والله لا أفعل ولو قتلني فقيل أنه حلف أن لا يخليك وأنه يريد بناء قصر فتول له عدد اللبن فقال لو سألني أن أعد له أبواب المسجد ما فعلت فذكر قوله للأمير فقال ابلغ من قدره إلى أن يعارضني في اليمين فدعاه فشافهه فحلف إن لم يقبل ضربه على رأسه عشرين سوطا فقال اذكر مقامك بين يدي الله تعالى فإنه أذل من مقامي هذا ولا تهددني فإني أقول لا إله إلا الله والله سبحانه وتعالى يسألك عني حيث لا يقبل منك الجواب إلا بالحق فأومى إلى الجلاد أن أمسك وبات في السجن وأصبح قد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب فقال الأمير رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول أما تخاف الله تعالى تضرب رجلا من أمتي بلا جرم وتهدده فأخرجه من السجن

وذكر أنه لما ضربه الأمير كان ابن أبي ليلى وابن شبرمة في المسجد فأخبرا بذلك فأظهر ابن أبي ليلى الشماتة فقال له ابن شبرمة لا ادري ما تقول هذا نحن نطلب الدنيا وهذا يضرب على رأسه ليأخذ الدنيا فلا يقبلها

وعن ابن المبارك أنه قال ان الرجال في الاسم سواء حتى يقع في البلوى وقد ضرب أبو حنيفة على رأسه في السجن حتى يدخل في الحكم فصبر على الذل والضرب في الحبس طلبا للسلامة في دينه

وعن أبي عبد الله بن أبي حفص الكبير البخاري أن الفتنة لما ظهرت بخراسان دعا ابن هبيرة العلماء كابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن أبي هند وولى كل واحد منهم شيئا من عمله وعرض على أبي حنيفة أن يكون الخاتم في يده لا ينفذ كتابا إلا من تحت يده فأبى فحلف الأمير أنه أن لم يفعل يضربه في كل جمعة سبعة أسواط فقال له الفقهاء إنا إخوانك نناشدك على أن لا تهلك نفسك وكلنا نكره عمله ولكن لم نجد بدا منه فقال الإمام لو أراد مني أن أعد أبواب مسجد

ص: 505

واسط لم أعد له فكيف وهو يريد مني أن يكتب في دم رجل وأختم له والله لا أدخل في ذلك فقال ابن أبي ليلي دعوه فإنه مصيب فحبسه الشرطي جمعتين وضربه أربعة عشر سوطا وفي رواية ضربه أياما متوالية ثم جاء الضارب إلى الأمير وقال أنه يموت فقال قل له يخرج من يميننا فقال لو أمرني أن أعد له أبواب المسجد لم أفعل ثم اجتمع مع الأمير فقال ألا ناصح لهذا أن يستمهلني فاستمهله وقال أشاور إخواني فخلاه فهرب إلى مكة في سنة مائة وثلاثين إلى ان صارت الخلافة للعباسية وقام بها فقدم الكوفة في زمن منصور فعظمه أمر له بجائزة عشرة آلاف درهم وجارية فلم يقبلهما وروى أنه كان يمتثل كثيرا

شعر

عطاء ذي العرش خير من عطيتكم

وفضله واسع يرجى وينتظر

أنتم يكدر ما تعطون بمنكم

والله يعطي فلا من ولا كدر

وروي أن ابن هبيرة أتى بشاهد زور وهو والي الكوفة فقال علي بالقاضي فقيل رأيت القاضي وأبا حنيفة والحجاج بن أرطاة فى المسجد فقال علي بهم فلما جاؤا قال هذا ارتكب ما ارتكب فما نصنع به فبدأ بابن أبي ليلى وقال يضرب أربع مائة سوط وقال الحجاج بحلق رأسه ولحيته فقال للإمام ما تقول أنت قال بلغنا أن شريحا كان إذا أتى بمثله سوقيا طيف به في سوقه وان كان من العرب طيف به في حية فعمل بقول الإمام وكان على رأس الإمام عمامة استرخى كور منها في وجهه فلما خرجوا قال لابن أبي ليلى ما هذه الفتيا لو ضرب أربع مائة ومات بما كنت تلقى الله في دمه قال ما أردت إلا أربعين ولكن من الخوف جرى على لساني وقال للحجاج حلق الرأس قد جاء في موضعه أما حلق اللحية إذا حلقت ولم تنبت

ص: 506

كيف حكمه قال ما أردت إلا حلق الرأس فمن الهيبة جرى على لساني فقال ابن أبي ليلى وأنت أيضاً لم تجتر على تسوية كور عمامتك من وجهك ألم يكن لك يد قال إن لم يكن لي يد أسوي بها عمامتي فلي قلب أعلم ما أقول به

وروي أن المنصور كان يريد أن يقرب الإمام فقال الإمام لا لأنك إن قربتني فتنتني وإن أبعدتني أحزنتني وليس عندك ما أرجوك له وليس عندي ما أخافك عليه وإنما يغشاك من يغشاك يستغني بك عمن سواك وإنا غني بمن أغناك فلم أغشاك فيمن يغشاك

ومثله ذكر عن الإمام محمد بن الحسن أنه قال لعيسى بن موسى والي الكوفة وزاد في آخره فأنشأ قائلا

شعر

كسرة خبز وقعب ماء

وفرد ثوب مع السلامة

خير من العيش في نعيم

يكون في آخره ندامة

‌فصل في قراءات شاذة نسبت إلى الإمام

قرأ ملك يوم الدين بلفظ الفعل ونصب يوم على أنه مفعول وبه قرأ الحسن البصري وغيره وقرأ وإذا لاقوا الذين على وزن فاعوا وهي قراءة زيد بن علي ويعقوب وغيرهما واصله لاقيوا وقرأ إن البواقر تشابه علينا بالجمع والتاء وتشديد الشين والأصل تتشابه وهذه القراءة قرأة زيد بن علي والإدغام له وللحسن والأعرج وذكر بعضهم أنه قرأ وإذ ابتلى إبراهيم بالرفع وربه بالنصب وهي رواية جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما

وروى محمد أنه قرأ ابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله بالياء وضم اللام وبه قرأ ابن عباس والضحاك وابن أبي عبلة وقرأ أولو العلم قيما بالقسط

ص: 507

بتشديد الياء وهى قراءة علقمة عن ابن مسعود وقرأ ولله ميراث السماوات بالإمالة وقرأ إن يدعوا من دونه إلا إثنا بتقديم الثاء على النون وهي قراءة ابن عباس كأنه جمع وثنا على وثان كما تقول جمل وجمال ثم جمع وثانا على وثن كما يقال مثال ومثل ثم أبدل من الواو همزة لانضمامها كما في قوله تعالى {وإذا الرسل أقتت} والأصل وقتت لأنه من الوقت فاثن جمع الجمع ويعضده قراءة ابن مسعود وثنا بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس

روى عنه أيضاً أنه قرأ وثنا بضم الواو والثاء جمع وثن أيضاً مثل أسد وآساد وقرأ فمن أبصر فلنفسه ومن أعمى فعليها وقرأ لا تنفع نفسا إيمانها بها التاء وهى قرأة ابن سيرين وتوجيهه أن كثيرا ما يؤنثون فعلا للمضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث وقيل أن الإيمان مصدر والمصدر كما يذكر في قوله تعالى فمن جاءه موعظة كذلك يؤنث كما قال الشاعر

فقد عذرتنا في صحابته العذر

بمعنى المعذرة وقرأ نفس بالرفع قيل أنه ضعيف ويمكن دفعه بأن إيمانها بدل اشتمال منها وقرأ في رواية الحسن عنه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها برفع عشر منونا ورفع لأم أمثالها وبه قريء من طريق يعقوب الحضرمي ونسب إلى الحسن وسعيد بن جبير والأعمش وتأنيث العشر لكونه عبارة عن الحسنة وأمثالها بدل

وقرأ في رواية محمد عنه فى سورة الأعراف وجعلنا لكم فيها معايش بالهمزة والمد وبه قرأ الأعمش والأعرج ونافع في رواية حارثة بن مصعب عنه فعوملت الياء الأصلية معاملة الزائدة فحملت على مدائن وصحائف ورسائل

وقرأ في آخر التوبة وليجدوا فيكم غلظة بضم الغين وهى قرأة المفضل عن

ص: 508

عاصم وهى لغة بني تميم وقرأ الأعمش بفتح الغين كالسخطة

وقرأ قوله تعالى {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} بفتح النون وتشديدها ونصب الدال وهى قرأة بلال بن أبي بردة وابن محيصن وبه قرأ يعقوب والحضرمي وفى روايته المناهل بن شاذان عنه وقرأ فاليوم ننحيك بالحاء المهملة وهى قراءة اليزيدي ورواه علقمة عن ابن مسعود والمعنى على هذه نلقيك في ناحية من البحر وقرأ بأبدانك بصيغة الجمع أي بإعطاء بدنك وبأجزاء درعك وقرأ غيره في الشواذ بندائك أي على قومك أنار بكم الأعلى وقرأ الإمام أيضاً لمن خلقك بالقاف مع فتح اللام وهي قراءة علي كرم الله وجهه وقرأ لمن خلفك بفتح اللام والفاء أي لمن ورث أرضك من بعدك وهو بنو إسرائيل وغيرهم

وقرأ مالك {لا تأمنا} بالإدغام بغير الإشمام ورواه قالون عن نافع وبه قرأ أبو جعفر من العشرة وأبو عبيد القاسم بن سلام وهو القياس وقرأ طلحة بن مصرف بنونين ظاهرتين على الأصل وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رزين والأعمش لا يتمنا وهي لغة بني تميم يقولون أنت تضرب وقرأ قد شعفها بالعين المهملة وبها قرأ جعفر بن محمد وابن محيص والحسن وأبو رجاء وقتادة والشعيبي وهي لغة في المعجمة وقرأ قالوا نفقد صواغ الملك بالغين المعجمة وهي قراءة أبي رجاء وغيره وقال كان إناء صيغ من ذهب وروى عن أبي الأشهب صواع وصواع بالفتح والكسر وقرأ في رواية محمد يوم يدعوا كل أناس بالياء وهي قراءة مجاهد والحسن البصري وعنه أنه قرأ يوم يدعا بصيغة المجهول وكل بالرفع والمراد بإمامهم نبيهم أو كتابهم الذي يعمل به أو كتاب أعمالهم ويوئده ما بعده وما قوله عليه السلام

ص: 509

فيما رواه مسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية فان أهل الجاهلية ما كان لهم شرع ولا تمسك فيه للروافض أنه لا بد من اتباع إمام فاطمي في كل وقت

وقرأ في روايته محمد عنه {طه ما أنزلنا عليك القرآن} بفتح الطاء وسكون الهاء وهي قراءة عكرمة وتوجيهه أنه أمر من وطأ يطأ والأصل طأ أبدلت الهمزة هاء كما في إياك وهياك أو حذفت الهمزة تحفيفا والحق بها هاء السكت ويؤيده ما في الشفاء عن ربيع بن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم على إحدى رجليه إذا صلى وبرفع الأخرى فنزلت الآية أي أصل طه طاها والضمير إلى الأرض ولا يبعد أن يكون الضمير في قراءة الإمام إلى مكان القيام والله أعلم بحقيقة المرام

وذكر في المناقب أنه قرأ تخيل إليه من سحرهم ولم يبين كيفية قراءته لكن في اللوامع عن أبي حنيفة نخيل بالنون قال الكردري وقرأ به غيره في الشواذ

وقرأ {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} بالنون وفتح الياء ووحيه بالنصب وبه قرأ ابن مسعود ويعقوب الحضرمي وعاصم الجحدري وقرأ زهرة الحياة الدنيا نفتح الهاء قال أبو حاتم السجستاني قرأ به طلحة وعيسى بن عمرو وهي قراءة الحضرمي

وقرأ في رواية محمد عنه ويخلد فيه مهانا بضم الياء وفتح اللام ورفع الدال وهي رواية شاذة عن أبي عمرو

وقرأ / بما آتيتهين كلهن / بالقصر وقرأ في رواية محمد ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بالرفع على بنية القطع والاستيناف أي يتوب فى كل حال

ص: 510

وبه قرأ الحسين بن علي وأنس بن مالك رضي الله عنهم فيما ذكره مجاهد وبه قرأ الحسن

وقرأ {إنما يخشى الله} بالرفع من {عباده العلماء} بالنصب وبه قرأ محمد بن عبد العزيز والمعنى إنما يعظم الله إذ الخشية يلزمها التعظيم لأنها حرف مقرون به ففيه التجريد

وقرأ / فأغشيانهم / في يس بالعين المهملة وبه قرأ بعضهم ونسب إلى ابن عباس كما رواه شهر بن حوشب وبه قرأ يزيد بن المهلب

وقرأ في سورة الجن في رواية محمد غدقا بكسر الدال

وقرأ في سورة الفيل يرميهم بالياء وهى قراءة يحيى بن يعمر وطلحة والأعرج فالضمير إلى الله أو إلى الطير باعتبار الجنس

وقرأ في سورة الفلق محمد عنه {من شر ما خلق} بتنوين شر وهو قراءة عمرو ابن خالد وموسى الإسواري فيجوز أن يكون ما بدل عن شر ويجوز أن تكون زيادة ولا يبعد أن يكون نافية على أن المعني {من شر ما خلق} إلى الآن فالإستعاذه من الشر في مستقبل الزمان والله المستعان لان الماضي قد مضى ويجب القضاء بما كان وبه يندفع ما ذكره الكردري من أنه لا يجوز أن تكون نافية لأنه يلزم تقديم ما بعد النفي على النفي في المبنى مع أنه يفسد أيضاً في المعنى لان التقدير وما خلق من شر ولأنه يخرج الكلام من الدعاء والاستعاذة إلى النفي

وقرأ مالك الناس بالألف وهي قراءة عمر بن الخطاب وقد قيل شعر

لأبي حنيفة ذي الفخار قراءة

مسموعة منحولة غراء

عرضت على القراء فى أيامه

فتعجبت من حسنها القراء

ص: 511

لله در أبي حنيفة أنه

خضعت له القراء والفقهاء

خلف الصحابة كلهم فى علمهم

فتطاولت لجلاله الخلفاء

سلطان من في الأرض من فقهائها

وهم إذا أفتوا له أصداء

إن المياه كثيرة لكنه

فضل المياه جميعها صداء

ويرغم انف حاسد به ذكره

شرقا وغربا مسكة ذفراء

فصل

وعن يوسف بن خالد ان الإمام كان ينشد هذا البيت كثيرا

كفى حزنا أن لا حياة هنيئة

ولا عملا يرضى به الله صالح

وذكر السمعاني عن أبي سعد الصغاني قال سألت الإمام عن الأخذ عن سفيان قال ثقة واكتب عنه ما خلا أحاديث جابر الجعفي وزيد بن أبي عياش فإنهما كاذبان قال الإمام الشافعي سمعت ابن عيينة يقول سمعت جابرا يقول بالرجعة ومعناه إن جماعة من قتلة عثمان رضى الله عنه كانوا يقولون أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من عيسى عليه السلام بلا نزاع وهو يرجع إلى الدنيا ويقاتل الدجال فسيدنا رسول الله أولى بهذا الكلام وتمسكوا بقوله تعالى إن الذي فرض عليك القرآن أرادك إلى معاد ورد بأن المراد في النص بالمغماد أما مكة وأما يوم العرض لا الدنيا على أن لا دلالة في الآية على العود بعد الموت وعن جعفر الأحمر سألته عن مسئلة فأجاب فيها فقلت لا يزال هذا المصر بخير ما أبقاك الله تعالى فقال

شعر

خلت الديار فسدت غير مسود

ومن الشقا تفردي بالسدود

وعن ابن عيينة قال مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه فى المسجد وقد

ص: 512

ارتفعت أصواتهم فقلت يا أبا حنيفة هذا المسجد والصوت لا ينبغي أن يرفع فيه قال دعهم فإنهم لا يتفقهون إلا به قلت وهذا محمول على أن رفع صوتهم لا يشوش على مصلي أو طائف أو قارئ فإن المتأخرين من أيمتنا صرحوا بأن رفع الصوت ولو بالذكر حرام في المسجد

وعن الهيثم بن عدي قال عدنا مع الإمام وأبو بكر النهشلي رجلا من القراء كان مريضا في خارج الكوفة منزله بعيد فقال بعضنا إذا جلستم تعرضوا بالغداء فلما جلسنا قرأ بعضهم قوله تعالى {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} فقال المريض ليس علي الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج زاد الزرنجري فأعطاهم دراهم دعوة لغداهم قلت وكان الأظهران يقول الأول آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا

وعن زفر قال إن الإمام سئل عن علي كرم الله وجهه ومعاوية رضى الله عنه وقتلى صفين فقال إذا قدمت على الله يسألني عما كلفني ولا يسألني عن أمورهم

وروي أنه حين سئل عنه قال تلك الدماء طهر الله منها شأننا أفلا نطهر منها لساننا وفي رواية تلا قوله تعالى {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}

وعن غورك الكوفي قال أهديت إليه هدايا وكافأني بأضعافه فقلت لو علمت ذلك لم أفعل فقال الفضل للسابق ألا تستمع ما حدثني به الهيثم عن أبي صالح بلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لن تجدوا ما تكافئوه فأثنوا عليه خيرا فقلت هذا الحديث أحب إلي من جميع ما أملك

وعن عمر بن إبراهيم البصري عن أبيه فقال رأيته مغموما متفكر يتنفس

ص: 513

الصعداء فقلت له يرحمك الله مالك قال مطلوب يخاف البيات وكنت يوما إلى جنبه في صلاة الفجر فقرأ الإمام {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} قال فارتعد أبو حنيفة حتى عرفت ذلك منه

وعن سهل بن مزاحم قال قال لي لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة حتى يعود إلى العلم فيتذكر ثم يتولى ثانيا

وعن عبد الله الأحفظ أنه ذهب مع الحسن بن عيسى بن زيد إليه فقام له وعظمه ثم قال له كان جدك صلى الله عليه وسلم يكره أن يقوم رجل لرجل إلا لثلاثة ذو سلطان لسلطانه وذو علم لعلمه وذو شرف لشرفه وأنت منهم

وعن أبي الحسن علي بن أحمد الفارسي قال من مناجاته أنه كان يقول إلهي إن كان صغيرا في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي إلهي كيف أنقلب بالخيبة محروما وظني بجودك أن تقلبني مرحوما إلهي إن عزب رائي عن تقويم ما يصلحني فما عزب يقيني عني فيما ينفعني إلهي أعززت نفسي بإيمانك فكيف نذلها بين أطباق نيرانك الهي إذا تلونا من كتابك شديد العقاب أشفقنا وإذا تلونا منه الغفور الرحيم اشتقنا فنحن بين أمرين لا يؤمننا الكتاب سخطك ولا يؤيسنا من رحمتك إن قصر سعينا عن استحقاق نظرك فاقض علي من كرمك انك لم تزل بي بار أيام حياتي فلا تقطع عني برك أيام مماتي إن غفرت فبفضلك وإن عذبت فبعدلك يا من لا يرجى إلا ثوابه ولا يخشى إلا عذابه ومن شواهد كرمك استمام نعمائك ومن محسان جودك استكمال آلائك إلهي إن أخطأت طريق النظر لنفسي بما فيه كرامتها فقد تبينت طريق الفزع بما فيه سلامتها

ص: 514

إلهي إن كنت غير مستأهل لما أرجو من رحمتك فأنت أهل أن تجود على المذنبين بفضلك ورأفتك إلهي أمرت بالمعروف وأنت أولى به من المأمورين وأمرت بصلة السوال وأنت خير المسؤلين إلهي سترت على ذنوبا في الدنيا وأنا إلى سترها أحوج في العقبي إلهي هب لي توبة نصوحا تذيقني من حلاوتها وتوصل إلي قلبي برد رأفتها حتى أكون في الدنيا غريبا ولك حبيبا فأصبح في الدنيا بقلب حزين وعين سخينة وبطول بكاء وكثرة دعاء اللهم من أنزل حاجته بأحد من الناس أو طلبها إليه أوثق فيها بغيرك فإني لا أنزلها إلا بك ولا أطلبها إلا إليك فاقض يا رب حاجتي فأنت منتهى الحوائج واجعلني في رحمتك مع الأبرار واعتقني من النار واغفر لي عكوفي على الدنيا بالعشي والإبكار

ومن كلامه من أراد أن ينجو من عذاب العقبى لا يبالي من عذاب الدنيا ومنه لا تجمع الذنوب والآثام لحبيبك ولا تجمع الأموال لنقيضك عني بالحبيب نفسه وبالنقيض وارثه

وذكر الإمام السمعاني عن هلال بن يحيى البصري سمعت يوسف ابن خالد السمتي قال كنت اختلف إلى عثمان البتي بالبصرة فقيه أهلها وكان يتمذهب بمذهب الحسن وابن سيرين فأخذت من مذاهبهم وناظرت عليها منهم ثم استأذنت للخروج إلى الكوفة لتلقي مشائخها والنظر في مذاهبهم والاستماع عنهم فدلوني على سليمان الأعمش لأنه أقدمهم في الحديث وكان معي مسائل في الحديث وكنت سألت عنها المحدثين فلم أجد أحدا يعرفها فذكرت ذلك في حلقة الأعمش فذكر ذلك له فقال ايتوني به فمضيت إليه فقال لعلك تقول أن أهل البصرة اعلم من أهل الكوفة كلا ورب البيت الحرام ما ذلك

ص: 515

كذلك وما أخرجت البصرة إلا قاصا أو معبرا أو نائحا والله لو لم يكن بالكوفة إلا رجل ليس من عربها ولكن من مواليها يعلم من المسائل ما لا يعلم الحسن ولا ابن سيرين ولا قتادة لا عمي ولا البتي ولا غيرهم وغضب علي غضب شديدا حتى خفت أن يضربني بعصاه ثم قال لبعض من حضره اذهب به إلى مجلس النعمان فوالله لو رأى اصغر أصحابه علم أنه لو قام أهل الموقف لأوسعهم جوابا ودخل في قلبي من الرعب ما الله تعالى به عالم فقام الرجل واتبعته فلما خرج من المسجد قال النعمان يكون في بني حرام فاسأل عنه فانه بهذه المسائل أعلم وأولى ولي شغل لا يمكن المصير إليه فخرجت اسأل عنه قبيلة بعد قبيلة حتى أتيت بني حرام فى آخر القبايل وقد دخل وقت العصر فإذا أنا بكهل قد أقبل حسن الوجه حسن الثياب وخلفه غلام أشبه الناس به فلما دنا سلم ثم صعد المأذنة فأذن أذانا حسنا فتوسمت فيه أنه الإمام ثم نزل فصلى ركعتين خفيفتين تامتين أشبه بصلاة الحسن وابن سيرين فاجتمع نفر من أصحابه وتقدم فأقام وصلى بهم أشبه الناس بصلاة أهل البصرة فلما سلم استند إلى المحراب وأقبل بوجهه إلى الناس فحياهم ثم سأل كل واحد من أصحابه عن حاله فلما انتهى إلي قال كأنك غريب من أهل البصرة وقد نهيت عن مجالستنا قلت نعم فقال ما اسمك فأخبرته باسمي ثم سأل عن كنيتي فأخبرته فقال أكنت تختلف إلى البتي قلت نعم فقال لو أدركني لترك كثيرا من قوله ثم قال هات ما معك وابدأ قبل أصحابي فإن بك وحشة الغربة وحق لمثلك من المتفقهة التقدم إذ لكل داخل دهشة ولكل قادم حاجة قال فسألته عن المسائل التي كانت مشكلة علي فأجابني فحكيت ما جرى بيني وبين الأعمش فقال حفظك الله يا أبا محمد يجب أن ينوه باسم بلده بغيره ما مثله إلا كما قال القايل

ص: 516

شعر

وإذا تكون كريهة ادعى لها

وإذا يحلس الحيس يدعى جندب

ولئن كان الحسن وابن سيرين فاضلين كان كل واحد منهما يتكلم في الآخر بما يصدق قول الأعمش كان ابن سيرين يعرض بالحسن المعتزلي ويقول يأخذ الجوائز من السلطان ويروي بالمحالات ويفتي بالهوى ويقول بالقدر كأنه إله الأرض ينفرد بالفعل دون ربه ويروي عن علي كأنه رآه وعن سمرة بن جندب كأنه شاهده ويقول بفضل عثمان كأنه من مواليه أعاذنا الله تعالى وإياكم منه فلم يزل يقول ذلك حتى قام خالد الحذاء يوما من مجلسه وقال مهلا يا ابن سيرين لم تقول في هذا الرجل قد استتيب عن القدر عام حجه وفيها أيوب السخستياني ومالك بن دينار ومحمد بن واسع فتاب ويتوب الله على من تاب وقال صلى الله عليه وسلم لا تعيروا أحدا بما كان فيه من الكفر فإن الإسلام يهدم ما كان قبله ثم قال الإمام ما أعجب ما قال خالد وهذا محمد بن واسع وقتادة وثابت البناني ومالك بن دينار وهشام بن حسان وأيوب وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم يذكرون أن الحسن لم يتب عن القدر حتى مات وهذا عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيلان بن جرير وغيرهم يدعون الناس إلى مذهب الحسن وهلم أهل البصرة جرا على هذا المذهب فارتفع قول خالد من هؤلاء وقد قيل إن خالدا تمذهب هذا المذهب أيضاً وكان الحسن يعرض بابن سيرين ويقول يتوضأ بالقربة ويغتسل بالراوية صبا صبا دلكا دلكا تعذيبا لنفسه وخلافا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يعبر الرؤيا كأنه من آل يعقوب عليه السلام فدع عنك أيها الرجل هذا وهلم فيما قصدت له وتعلم ما لا يسعك إن الأمم قبلكم ما اجتمعت ولا تجتمع أبدا والله تعالى يقول {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك}

ص: 517

ولذلك خلقهم ولولا ما جرت المقادير واختلفت الطبائع ما اختلفت ولكن كل يعمل على شاكلته فربكم اعلم بمن هو أهدى سبيلا ثم سكت

فقلت له ما تقول فيما اختلفوا فيه من القدر قال أهل البصرة والكوفة قد اختلفوا فيه على ما علمت وكبر أمره عن الطوق وهذه مسئلة قد استصعبت على الناس فأنى يطيقونها هذه مسئلة مقفلة قد ضلت مفتاحها فان وجد مفتاحها علم ما فيها ولم يفتح إلا بمخبر عن الله تعالى يأتي بما عنده ويأتي ببرهان وبينة وقد فات ذلك والذى نقول في ذلك قولا متوسطا بين القولين أينما مال ملت معه كما قال محمد بن علي رضي الله عنهما لا جبر ولا تفويض ولا تسليط والله لا يكلف العباد ما لا يطيقون ولا أراد منهم ما لا يعلمون ولا عاقبهم بما لم يعملوا لا سألهم عما لم يعلموا ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علمي والله يعلم بما نحن فيه والصواب الذي عنده ونحن مجتهدون وكل مجتهد مصيب إلا أنه لم يكلفهم الاجتهاد فيما ليس لهم به علم والله ولي كل نجوى واليه رغبة كل راغب وفقنا الله تعالى وإياكم لما يحب ويرضى

ومن أصحابه الجامع وروي عنه شعبة وابن جريج وأمثالهما ومع ذلك المقام لزم الإمام وروي عنه الكثير من الكلام وسمى به لأنه كان له أربعة مجالس مجلس لمعاني القرآن ومجلس لأقاويل الإمام من درس الفقه ومجلس للأدب كالنحو ومجلس للمناظرة وغيره ولما مات قعد ابن المبارك على بابه للتعزية ثلاثة أيام

عن الإمام أنه قال ما جازيت أحد بسوء وما لعنت أحدا ولا غششت أحدا

وعن أبي يوسف كل قول قلناه لم نقل به من عندنا إنما كان قولا قاله

ص: 518

أولا ثم تركه فقلنا به

وعن الحكم بن هشام قال قلت له هذا الذي تفتينا به صواب قال لا ادري لعله يكون خطاء وهذا نص منه أن المجتهد يخطئ ويصيب لا كما يقوله المعتزلة وإيماء إلى ما قالوا من أن المقلد ينبغي أن يعتقدان إمامه على الصواب ويحتمل الخطاء وغيره على خطاء ويحتمل الصواب وهذا في الفروع وأما في الأصول فيعتقدان المخالف مخطئ جزما

وعن بكير بن معروف قلت له الناس يتكلمون فيك ولا تتكلم أنت فيهم فقال هو فضل الله يؤتيه من يشاء

وعن حازم قال كلمت الإمام في الزهد والعبادة واليقين والتوكل ففسر لي كل باب على حدة

وعن أحمد بن مردويه قال ذكر إبراهيم بن شماس أن ابن المبارك ترك الإمام فغضب وقال قل لإبراهيم أن ثلاثا وثلاثين من كتبه تكذبك

وذكر الغزنوي عن الإمام الشافعي أنه قال إني لا أتبرك بأبي حنيفة وأجيئ إلى قبره زائر فى كل يوم فإذا عرضت لي حاجة جئت إلى قبره وصليت ركعتين وسألت الله تعالى الحاجة فقضيت

‌فصل في فضل الإمام أبي يوسف رحمة الله تعالى

عن الطحاوي أنه ولد سنة ثلاث عشرة ومائة وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة نسبه إلى أمه وهو الأنصاري البجلي وكان سعد ممن عرض عليه السلام يوم أحد فرده لصغره ودعا له وفي رواية مسح رأسه نزل الكوفة فمات بها وصلى عليه زيد بن أرقم وكبر عليه خمسا

وذكر الغزنوي أنه روى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعمرو بن محمد

ص: 519

الناقد وأحمد بن منيع وآخرون ولاه موسى الهادي ابن المهدي قضاء بغداد ثم الرشيد

وذكر مكحول النسفي أنه أوصى لأهل مكة بمائة ألف ولأهل المدينة مائة ألف ولأهل الكوفة بمائة ألف ولأهل بغداد بمائة ألف

وذكر الحلبي أنه مات في شهر ربيع الأول لخمس خلون منه سنة اثنتين وثمانين ومائة

وذكر الخوارزمي أن الرشيد مشى إمام جنازته وصلى عليه بنفسه ودفنه في مقبرة أهله وقال حين دفنه ينبغي لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضا في موته ودفن في مقابر قريش بكرخ بغداد وبقربه دفن محمد الأمين وزبيدة رحمهم الله تعالى

وروى عنه أنه قال لأعرف أن لي سبع مائة بغل وثلاث مائة فرس

عن بشر بن الوليد أنه كان أوى إلى فراشه فإذا رجل يقرع الباب قرعا شديدا فإذا هرثمة بن أعين فقال اجب الخليفة قال قلت هل إلى الدفع سبيل قال لا قلت فما السبب قال لا أدري خرج مسرور الخادم فأمرني أن أجيئ بك قال فاغتسلت وتحنطت ورحت فإذا أبا بالخادم فطلبت منه أن يدفع عني الحضور فأبى وقال ادخل الصحن ففعلت فقال الرشيد ادخل فإذا عيسى بن جعفر جالس عنده فلما سلمت ورد السلام قال دعوناك أتدري لم دعوناك قلت لا قال عنده جارية لا يبيعني ولا يهبني قلت وما قدرها حتى تمنعها من الخليفة فقال ليس من العدل سرعة العذل أني حلفت أن لا أبيعها ولا أهبها قال الرشيد هل من مخرج قلت يبيع النصف ويهب النصف فيكون لم يبع ولم يهب ففعل عيسى ذلك فأتى بالجارية وقال خذها بارك الله فيها فقال يا يعقوب بقيت واحدة وذلك أن نفسي تنازعني

ص: 520

أن أبيت معها ولا بد من استبرائها فقال أعتقها وتزوجها فان الحرة لا تستبرأ فاعتقها وتزوجها على عشرين ألف دينار فدعا بالمال ودفعه إليها ثم قال يا مسرور احمل إلى يعقوب عشرين تختا من ثياب ومأتي ألف درهم قال بشر بن الوليد فنظر إلي وقال رأيت باسا فيما فعلت قلت لا قال خذ منها حقك العشر قال فأردت أن أقوم فإذا بعجوز دخلت وقالت بنتك تقرئك السلام وتقول ما وصل إلي من الخليفة إلا المهر فوجهت إليك نصفه والباقي جعلته لاحتياجي فاخذ المال وأعطاني ألف دينار انتهى

ولا يخفى أن فى المخاطر حزازة من قوله فيكون لم يبع ولم يهب بل يكون بيعا وهبة كلاهما لأنهما كما يتعلقان بكلها يتعلقان بجزئها نفيا وإثباتا وهذا بحسب اللغة وتعليمه رضى الله عنه مبني على العرف فان بناء الإيمان عليه غالبا ومع ذلك لو وهبها للسطان أو باعها وكفر عن يمينه أو أهداها إليه بناء على الفرق بينها وبين الهبة كان أولى كما لا يخفى وبهذا تبين لك فرق بين بين حيل الإمام الأول والثاني رحمة الله عليهما فتأمل

ويروي أن الرشيد حلف بالطلاق ثلاثا أن باتت زبيدة في ملكة وندم وتحير فقيل هنا فتى من أصحاب أبي حنيفة يرجى منه المخرج فدعاه فعرض عليه وقال استعمل حق العلم قال كيف أنت على السرير وأنا على الأرض فوضع له كرسي فجلس عليه ثم قال تبيت الليلة في المسجد ولا يد لأحد على المسجد قال تعالى {وان المساجد لله} فولاه الرشيد قضاء القضاة

أقول وهذا أيضاً لا يخلو عن أشكال لان يمينه علي ملكه بالضم لا على ملكه بالكسر ولا شك أن الأوقاف والأملاك داخلة تحت ملك السلطان لغة وعرفا فالحيلة كانت أن يعزل نفسه ويولي غيره ممن يعتمد عليه فى تلك

ص: 521

الليلة ثم فى الصبح يعزل ذلك لنفسه ويوليه أو كان يطلقها واحدة ثم يتزوجها في الصباح

ويروى أن الرشيد دعاه ذات ليلة وقال سرق حلي لي واتهمت واحدة من جواري الخاصة وحلفت أن لم تصدقني لأقتلها قال أبو يوسف فهل لي إلى رويتها من سبيل قال نعم فدعاها في الخلوة وقال لها إذا سألك الخليفة عن الحلي سرقت قولي نعم وإذا قال هاتي قولي ما أخذت ولا تزيدي على هذا ولا تنقصي ففعلت فقال أبو يوسف يا أمير المؤمنين صدقت فى الإقرار والإنكار فسكن غضب الرشيد فقال يحمل إلى داره مائة ألف درهم فقيل له الخازن غائب فقال أنه اعتقنا عن القتل الليلة فلا نؤخر صلته إلى الغد أقول وفى هذا أيضاً مناقشة ظاهرة وكان الأولى بالسلطان أن لا يقتلها في تلك الليلة ويعتقها أو غيرها كفارة عن يمينه ثم قوله أن لم تصدقني يحتمل ان يكون من الصدق أو التصديق وكل منهما يحتاج إلى التدقيق والتحقيق والله ولي التوفيق

وذكر أن موسى الهادي رأى جارية فائقة في الجمال فاشتراها بمال عظيم وأراد اسقاط الاستبراء وقال الفقهاء لا بد من الاستبراء أو الإعتاق والتزوج ولم يحب الهادي التزوج فأحضر أبو يوسف فقال يزوجها الخليفة من بعض خدمه ثم يقبضها ثم يأمره بالطلاق فيطلقها بعد قبض الخليفة قبل الخلوة فلا يلزمها العدة فسر به الهادي وأجازه بعشرة آلاف درهم

ص: 522

وسئل عمن قال ماله في المساكين صدقة إن فعل كذا قال يخرج ماله إلى من يثق به ثم يفعل ذلك ثم يرجع فى ماله فقال أبو اليقظان عمار مستمليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجعلوها فباعوها وأكلوا ثمنها فقال أبو يوسف يا لكع أبين هذا من ذاك فإنهم احتالوا فيما حرم الله ونحن نحتال فى أن لا نحرم ما أحل الله تعالى

‌الفصل فيما يتعلق بكلامه وحفظه وقضائه

وذكر الغزنوي عن هلال أنه كان يحفظ التفسير والحديث وأيام العرب كان أقل علومه الفقه

عن علي بن الجعد أنه قال العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه أنت كلك وإذا أعطيته كلك كنت في إعطائه البعض لك على غرور

وعن إبراهيم أنه قال لا تطلب الحديث بكثرة الرواية فترمى بالكذب والغنى بالكيمياء فتفلس والعلم بالكلام فتحتاج إلى أن تعتذر لكل واحد

وعن يحيى بن يحيى عنه قال كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة

وعن ابن سماعة أنه كان يصلي بعدما ولي القضاء كل يوم مائة ركعة وفى رواية مأتي ركعة فلم يتركه بعد ما فلج

وعن الفضيل عنه قال قال لا يبلغ في الفقه إلا من ليس له هم الدنيا والآخرة

وعن علي بن الحسين عنه قال قال ما أتيت مجلسا أريد أن أتكبر فيه إلا افتضحت

وعن علي بن حجر عنه أنه قال اخذ في الفرائض بقول زيد وعلي رضي الله

ص: 523

عنهما فإذا اختلفا أخذت بقول علي لأنه صلى الله عليه وسلم قال أقضاكم علي قلت ويعارضه قوله عليه السلام أفرضكم زيد بن ثابت والجمع أن زيدا أعلم فى هذا الفن بخصوصه من بين الأحكام وعلي جامع لقضاء أحكام الإسلام والله أعلم بحقيقة المرام

وعن إبراهيم بن رستم قال مرض مرض الذي أصابه فيه البرسام فلما برأ قيل له هل أنكرت حفظك قال أما القرآن فعنم وأما العلم فكأني انظر فيه كما أنظر إلى طرق الكوفة انتهى ولا يخفي ما فيه فإن اللائق به أن يكون الأمر بالعكس وأين هذا من تلاوة الإمام الأعظم كل يوم ختمة وكل ليلة ختمة وقد يزيد على ذلك

وعن خزيمة بن محكمة قال كنت أجالس زفر طرفي النهار وأسأله عن المسائل فإذا كررت عليه المسئلة مرة أو مرتين وطلبت منه الدليل قال ما هذا الإبرام وكان لا يدخل في مسائل الحساب والوصايا والدور ومسائل الحيض وكنت أجالسه لعلمه وزهده فلما طال ذلك جالست أبا يوسف وكان جامعا للكل وكان يأتيني بأنواع الحجج فلزمته حتى كتبت أماليه انتهى وهذا مما يدل على كمال زفر فانه كان مشتغلا بأمور أهم مما ذكر ولذا قال الغزالي ضيعت قطعة من العمر العزيز في تصنيف البسيط والوسيط والوجيز

وذكر الحلبي عن الحسن بن زياد قال حججنا معه فاعتل في الطريق فجاءة سفيان بن عيينة في بير ميمونة عائدا فقال لنا خذوا حديثه فروى لنا أربعين حديثا من حفظه فلما قام سفيان حدثنا بالأربعين حديثا بسنده ومتنه حفظا وتعجبنا من سرعة حفظه مع علته وشغله بسفره قلت فكانه كان من رجال

ص: 524

{لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} قيل وكان يصوم رجب وشعبان وما ترك السلطان من خراج أرضه كان يتصدق به

وعن أبي إسحاق الرازي أنه خرج يوما راكبا بغلة في ركابي ذهب فقيل له أتركب في ركابي ذهب وقد نهى عنه فقال أردت أن أرى الناس عن العلم أن ابن الخياط بلغ به جلالة العلم إلى هذا القدر حتى يزدادوا حرصا قلت هذا تعليل في معرض النص وهو غير مقبول على أن فيه فتنه عظيمة للعامة

وعن أبي يوسف أنه كرر على الحسن بن زياد المسئلة ستة عشر مرة ثم قال الحسن لعلي لم أفهمها

ومن الطائفة أنه وقعت بين الرشيد وبين امرأته منازعة فقال الرشيد الخبيص أحلى من الفالوذج وعكست زبيدة فدخل هو وهم في هذا الحال فسأل عن هذا المقال فقال القضاء على الغائب لا يجوز فأتي بطبقين منهما فجعل يأخذ من هذا لقمة ومن هذا لقمة حتى كاد أن يأتي عليهما فسأله الرشيد أيهما أحلى فقال اصلح الله أمير المؤمنين كلما هممت أن أحكم لواحد آتي الآخر بشاهد فلما شبع قال الخبيص حلو قال الرشيد قويت حجج الخبيص فقال الخبيص حلو كما قلت لكن لا بمنزلة الفالوذج

وحكي عن ابن المبارك أنه قال خرجت حاجا فدخلت عليه فشكا لي ضيق الحال وقال فى جواري عني أريد أن أتوكل عنه في أموره فقلت اصبر على العلم فأنه لا يضيعك فلما قمت من عنده تعلق ذيلي بكوز وسخ فانكسر فتغير لونه فقلت ما الذي أصابك فقال إن هذا الكوز كان للشرب والوضوء لي ولوالدتي ليس لنا غيره فأخرجت دنيارا وأعطيته إياه فلما رجعت عن الحج رأيته قد جعل قاضيا للقضاة وأجرى له كل شهر مائة دينار بألف درهم ودار ذلك الغني جعل اصطبلا

ص: 525

لدوابه قيل وكانت له عند الرشيد منزلة رفيعة بحيث يبلغ دار الخلافة راكبا بغلته فيرفع له الستر فيدخل كما هو راكبا والرشيد يبدؤه السلام وكان إذا رآه ينشده جاءت به معتجرا ببرده

وذكر الخطيب في تاريخ بغداد عن القاسم بن الحكيم قال سمعته يقول يا ليتني مت على ما كنت عليه من الفقر ولم أدخل في القضاء على أني بحمد الله ما تعمدت جورا ولا حابيت خصما على خصم من سلطان ولا سوقة

ويروى أن الرشيد لما جعل الأمين ولي عهده في حياته قال أبو يوسف الحمد لله الذي جعل ولي عهد أمير المؤمنين من لم يسود صحيفته بالأوزار فبلغ ذلك زبيدة أمه فأنقذت إليه مائة ألف دينار

قيل وأصحاب الأمالي الذي رووها عن أبي يوسف لا يحصون

فصل في مناقب الإمام محمد بن الحسن رحمة الله عليه

هو أبو عبد الله الشيباني من قرية تسمى حرستي من أعمال دمشق قدم أبوه العراق فولد محمد بواسط سنة اثنتين وثلاثين ومائة ونشأ بالكوفة وسمع العلم من الإمام الأعظم والأوزاعي والإمام مالك والثوري ومسعر بن كدام وروى عنه الإمام الشافعي وغيره من العلماء الكرام والمشائخ العظام

وروى أنه محمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز ملك بني شيبان وأبو حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز اسلم على يد عمر رضى الله عنه وعن وكيع قال كنا نكره أن نمشي معه فى طلب الحديث لأنه كان غلاما جميلا

وذكر السمعاني أن أباه قدم به إلى الإمام فقال الإمام لوالده احلق رأسه وألبسه الخلقان ففعل أبوه امتثالا فزاد عند الحلق حسنا وجمالا وفيه يقول أبو نواس

ص: 526

شعر

حلقوا رأسه ليكسوه قبحا

غيرة منهم عليه وشحا

كان في وجهه صباح وليل

نزعوا ليله وأبقوه صبحا

ولاه الرشيد القضاء حين خرج معه إلى خراسان ومات بالري سنة تسع وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ومات الكسائى بعده بيومين وحكي أنهما ماتا في يوم واحد فقال الرشيد دفن الفقه واللغة في الري وتشاءم به ودفن الإمام محمد بجبل طبرك والكسائي بقرية رنبويه وبينهما أربعة فراسخ وكان معسكر الرشيد أربعة فراسخ نزل الإمام الكسائي في جانب والإمام محمد في جانب وقيل في مرثيتهما شعر

تصرمت الدنيا فليس خلود

لما قد نرى من بهجة ستبيد

ألم ترى شبابا إذا ما ابتلوا البلي

وإن الشباب الغض ليس يعود

سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت

فكن مستعدا للقاء عتيد

أسفت على قاضي القضاة محمد

وأذريت دمعي والفواد عميد

وأوجعني موت الكسائي بعده

وكادت بي الأرض الفضاء تميد

وذكر السمعاني عن هشام بن عبد الله الذي توفي الإمام محمد في بيته أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل في ذلك فقال إذا أوقفني الله تعالى بين يديه وقال يا محمد ما أقدمك على الري أمجاهدا في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي ما أقول

وعن البويطي عن الشافعي أعانني الله تعالى في العلم برجلين في الحديث بابن عيينة وفي الفقه بمحمد بن الحسن رضي الله عنهما

وعن ابن جبلة سمعت محمدا يقول لا يحل لأحد أن يروي عن كتبنا

ص: 527

إلا ما سمع أو يعلم مثل ما علمنا

وعن أحمد بن حجاج يقول لم يحمل عني هذا الكتاب أحد اصح مما احتمله البخاري اخذ عني ولم يستقص علي أحد فى السماء كاستقصائه قلت لعله أراد به أبا حفص الكبير البخاري فإن محمد بن إسمعيل البخاري ليس له رواية عن محمد فيما احفظه

قيل دخل على الإمام أول ما دخل للعلم قال استظهر القرآن فغاب سبعة أيام ثم جاء وقال حفظته

وعن الديلمي أن الشافعي قال جالسته عشر سنين وحملت من كلامه حملي جمل لو كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا كلامه لكن كان يكلمنا على قدر عقولنا

وعن الشافعي ما رأيت سمينا عاقلا قط غيره وانشدوا للشيخ سيف الدين الباخرزي البخاري

شعر

يقولون أجسام المحبين نضوة

وأنت سمين ليس غير مرائ

فقلت لان الحب خالف طبعهم

ووافقه طبعي فصار غذائ

وعن ابن سماعة قال لأهله لا تسألوني حاجة من الحوائج فان فيها شغل قلبي وخذوا ما بدا لكم من وكيلي فإنه أفرغ لقلبي

وروي أنه لما مات أبو يوسف لم يخرج محمد لجنازته فقيل له في ذلك قال لأن جواري أبي يوسف يندبنه ويقلن

شعر

اليوم يرحمنا من كان يحسدنا

اليوم نتبع من كانوا لنا تبعا

ص: 528

وروى عنه أنه ترك لي أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر والباقي على الحديث والفقه وقال أقمت على باب مالك ثلاث سنين

‌فصل في مناقب الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى

ولد سنة ثماني عشر ومائة وكانت أمه خوارزمية وأبوه تركيا قيل كان سبب توبته أنه سمع قوله تعالى {ألم يأن للذين آَمَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبِهِمْ لِذِكْرِ اللهِ وِمْا نزل من الحق} وقال بلى والله وكان هذا أول زهده قيل وكذلك هذه الآية سبب لتوبة فضيل بن عياض مات عبد الله بهيت سنة إحدى وثمانين ومائة رحمه الله

وعن الحسن بن ربيع قال لما حضرته الوفاة اشتهى سويقا فلم يوجد إلا عند رجل يعمل من أعمال السلطان فعرض عليه فلم يقبل ومات ولم يشرب

وعنه قال لما حضرته الوفاة قال قد ترى شدة الكلام علي فإذا سمعتني قلت كلمة الشهادة فلا تردها علي حتى تسمعني أخذت فى كلام آخر فإنما كانوا يحبون أن يكون آخر كلامهم كلمة الشهادة لقوله عليه السلام من كان آخر كلامه لا اله إلا الله دخل الجنة قيل لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة قال ترك الغضب قلت ولذا قال لما قال بعض الصحابة أوصني يا رسول الله قال لا تغضب

وقال أبو علي الروذباري صحبته في طريق مكة فلما دخلنا البادية قال تكون الأمير أم أكون أنا قلت بل أنت قال فعليك بالسمع والطاعة فاخذ المخلاة ووضعها على عاتقه فقلت دعني احمل فقال أنا الأمير أم أنت قلت أنت فمكثنا ذات ليلة إذا أخذ المطر فأخذ الكساء فأظلني وترك نفسه إلى الصباح فوددت إني أمت ولم اقل كن أميرا فلما أردت الافتراق قال يا أبا علي إذا صحبت إنسانا فاصحبه هكذا ولابن المبارك

ص: 529

شعر

إذا رافقت في الأسفار قوما

فكن لهم كذي الرحم الشفيق

يعيب النفس ذا بصر وسلم

عمى القلب عن عيب الرفيق

ولا تأخذ بهفوة كل قوم

ولكن قل هلم إلى الطريق

متى تأخذ بهفوتهم تمل

وتبقى في الزمان بلا صديق

ومن كلامه أن العلماء ورثة الأنبياء فإذا كانوا على طمع فبمن يقتدي والتجار أمناء الله فإذا خانوا فعلى من يؤمن والغزاة أضياف الله إذا غلوا فبمن يظفر على العدو والزهاد ملوك الأرض فإذا كانوا أذرياء فبمن يتبع والولاة رعاة الأنام فإذا كان الراعي ذئبا فبمن تحفظ الرعية وقد أشار عمران بن حطان الخارجي إلى الفقرة الأخيرة فيما قاله لعبد الملك بن مروان مخاطبا

شعر

إن أنت لم تبقى لا صوفا ولا غنما

القيتني اعظما في قرقر قاع

أخذت رزقي من ربي لتحفظني

فصرت لي سبعا أيها الراعي

وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن الحسن قال حضرنا باب سفيان بن عيينة ليلا فقيل هو عند يحيى بن خالد وقال آخر هو عند جعفر فقال رجل منا يا رب أرنا رجلا يسوي هذا العلم بين الناس فقال رجل هو ابن المبارك وقال رجل هات غيره فذكرت هذا الكلام لابن المبارك ولم أقل ذكروك فقال هو فضيل بن عياض رحمه الله تعالى

وعن الأشعث بن شعبة المصيصي قال قدم ابن المبارك علينا بالرقة وفيها هارون فانحفل الناس إليه حتى تقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد للرشيد من برج وقالت من هذا قالوا قدم من خراسان عالم يقال له ابن

ص: 530

المبارك قالت هذا هو الملك لا ملك هارون الذي لا تجتمع الناس عليه إلا بشروط وأعوان

وعن إبراهيم بن عبد الله قال كان كتبه التي حدث بها عشرين ألفا أو أحد وعشرون ألفا

وعن إسحاق قال نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم

ومن كلامه لا أعلم بعد النبوة افضل من بث العلم

وعن عمرو بن حفص الصوفي قال خرج ابن المبارك يريد المصيصة للغزاء وصحبه بعض الصوفية فقال لهم أنتم لكن أنفس تحتشمون إن نفق عليكم هات يا غلام المنديل والطست فالقي عليه المنديل ثم قال يلقي كل منكم تحت المنديل ما معه فجعل الرجل يلقي عشرة وعشرين درهما قال فانفق عليهم إلى المصيصة قال الكردري يجوز أن يكون من قبيل إخفاء الإحسان على عادة السلف قلت ويأيده أنه كان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف ويجوز أن يكون من باب الكرامات ويؤيده ما روى ابن وهب أن ابن المبارك مر بأعمى فقال ادعوا الله أن يرد الله علي بصري فدعا فرد الله عليه بصره وأنا أنظر إليه

ومن كلامه من كان فيه خلة من جهل فهو من الجاهلين قال تعالى {أني أعظك أن تكون من الجاهلين} ويشير إليه حديث المكاتب عبد ما بقي عليه درهم

ومن كلامه الرفيع من رفعه الله بطاعته والوضيع من وضعه الله بمعصيته وقال احب الصالحين ولست منهم وأبغض الطالحين وأنا منهم

ودخل عليه أبو أسامة فرأى في وجهه أثر ضر فلما خرج وجه إليه أربعة ألاف درهم ورزمة ثياب ورقعة وكتب إليه فيها

ص: 531

وفتى خلا من ماله

ومن المروة غير خال

أعطاك قبل سوا له

وكفاك مكروه السوال

وقال صاحب حلية الأولياء أن رجلا من سرخس بعث إلى ابن المبارك شيئا عليه خيط فأخذ الهدية ورد الخيط وقال كتب إلي فى الشيئ ولم يكتب إلي في الخيط رب عمل يسير يعظمه الله تعالى ورب عمل كثير يصغره الله تعالى

وروي أنه رجع من مرو إلى الشام في قلم استعاره ليرده على صاحبه وسأله رجل عن الرباط فقال رابط نفسك على الحق حتى تقيمها على الحق فذلك أفضل الرباط أي في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا}

وسأله رجل أن تعلم القرآن افضل أم تعلم العلم قال أتقرأ من القرآن ما تقيم به الصلاة قال نعم قال فعليك بالعلم تعرف به القرآن أي معناه والحاصل إن الاشتغال بمعنى القرآن المستفاد من التفسير والحديث والفقه أفضل من مجرد تلاوته وكثرة قراءته وهذا معنى قوله عليه السلام فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وقال الحبر في الثوب حلية العلماء ولبعضهم في هذا المعنى

إنما الزعفران عطر العذارى

ومداد الدواة عطر الرجال

ويؤيده حديث مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء

وذكر الهمداني عن العباس بن مصعب قال كان ابن المبارك جمع بين الفقه والحديث والعربية واللغة والغريب وأيام الناس والسخاوة والشجاعة والتجارة والمحبة عند الناس

وذكر محمد بن الحسن البخاري عن الفضل بن دكين ما رأيت قط أحسن قراءة منه كان يقرأ على الإمام

وعنه أن أول العلم النية ثم الفهم ثم العمل ثم الحفظ ثم النشر

ص: 532

وعن محمد بن إبراهيم البهراني أن ابن المبارك أملأ هذه الأبيات عليه وأنفذه إلى الفضيل ابن عياض سنة سبع وسبعين ومائة شعر

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا

لعلمت أنك في العبادة تلعب

من كان يخضب خده بدموعه

فنحور نابد مائنا تتخضب

أو كان يتعب خيله في باطل

فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

ريح العبير لكم وريح عبيرنا

وهج السنابك والغبار الأصهب

ولقد أتانا عن مقال نبينا

قول صحيح صادق لا يكذب

لا جمع بين غبار خيل الله في

أنف امرئ ودخان نار تلهب

هذا كتاب الله ينطق بيننا

ليس الشهيد كميت لا يكذب

قال فلقيت الفضيل في المسجد الحرام فلما قرأه بكي وقال صدق أبو عبد الرحمن ثم قال وأنت ممن يكتب الحديث قلت نعم يا أبا علي قال فاكتب هذا الحديث جزاء لحمل الكتاب

وقال حدثني المنصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا قال دلني على عمل أنال به ثواب المجاهد في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل تستطيع أن تصوم ولا تفطر وتصلي ولا تفتر فقال يا رسول الله إني أضعف عن ذلك فقال عليه السلام فوالذى نفسي بيده لو طوقت ذلك لما بلغت فضل المجاهد في سبيل الله أما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب لصاحبه بذلك الحسنات

ويروي أنه كان يقاتله علج فدخل وقت صلاة العلج فاستمهله فلما سجد الكافر للشمس أراد أن يضربه بالسيف فسمع صوتا من الهوى وهو يقول {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} فأمسك فلما فرغ المجوسي قال لما أمسكت

ص: 533

عن قصدك فحكى له ما سمع فقال الكافر نعم الرب رب يعاتب وليه في عدوه وأسلم وأحسن إسلامه

وعن عبيد الله بن سنان قال كنت معه ومع المعتمر بن سليمان بطرسوس فصاح الناس النفير فلما اصطف الناس خرج علج رومي يطلب البزار فخرج إليه مسلم فقتله ثم وثم حتى قتل ستة من المسلمين ثم لم يخرج إليه أحد فلما رأى ابن المبارك ذلك أوصى إلي وقال إن قتلت فافعل كذا وكذا فخرج من الصف وقتله وقتل ستة من الكافرين ثم امتنعوا عنه فغاب ثم نظرته فإذا هو بالمكان الذي كان فيه وكان يحضر القتال ويقاتل ويبلى بلاء حسنا فإذا كان وقت القسمة غاب فقيل له في ذلك فقال يعرفني الذي أقاتل له ومناقبه كثيرة ومرتبته شهيرة وفي هذا مقنع لأرباب الألباب في هذا الباب

فصل في مناقب الإمام زُفر رحمه الله تعالى

وهو ابن الهذيل بن قيس العنبري البصري الكوفي يكنى بأبي الهذيل وكان أبوه من أهل اصفهان ولد سنة عشر ومائة

عن إبراهيم بن سليمان كان إذا جالسناه لم نقدر أن نذكر الدنيا بين يديه وإذا ذكرها واحد منا قام عن مجلسه وتركه في موضعه وكنا نحدث فيما بيننا أن الخوف قتله

وقال شداد سألت أسد بن عمرو أأبو يوسف أفقه أم زفر قال زفر أورع قلت عن الفقه سألتك قال يا شداد بالورع يرتفع الرجل

وعن ابن المبارك قال سمعت زفر يقول نحن لا نأخذ بالرأي ما دام أثر وإذا جاء الأثر تركنا الرأي

ص: 534

وعن محمد بن عبد الله الأنصاري قال أكره زفر على أن يلي القضاء فأبى وهدم منزله واختفى مدة ثم خرج وأصلح منزله ثم هدم ثانيا واختفى كذلك حتى عفي عنه

وعن عكرمة قال لما قدم زفر البصرة نقل إليه جامع سفيان فقال هذا كلامنا ينسب إلى غيرنا

وعن أبي نعيم قال قال لي زفر هات أحاديثك أغربلها لك غربلة

وعن بشر بن القاسم سمعته يقول لا أخلف بعد موتي شيئا أخاف عليه الحساب فلما مات قوم ما في بيته فلم يبلغ ثلاثة دراهم

وعن وكيع وهو شيخه ما نفعني مجالسة أحد مثل ما نفعني مجالسة زفر

وعن أبي مطيع زفر حجة الله على الناس فيما بينهم يعملون بقوله وأما أبو يوسف فقد غرته الدنيا بعض الغرور

وعن عصمة أنه قال قال ما تمنيت البقاء قط وما مال قلبي إلى الدنيا أبدا

وعن يحيى بن أكثم قال رأيت وكيعا في آخر عمره يختلف إليه بالغداواة وإلى أبي يوسف بالعشيات ثم ترك أبا يوسف وجعل كل اختلافه إليه لأنه كان أفرغ وكان يقول الحمد لله الذي جعلك لنا خلفا عن الإمام ولكن لا يذهب عني حسرة الإمام

وعن الفضل بن دكين قال لما مات الإمام لزمته لأنه كان أفقه أصحابه وأورعهم فأخذت الحظ الأوفر منه

وعن الحسن بن زياد كان زفر وأبو داود الطائي متواخيين فترك داود الفقه وأقبل على العبادة وأما زفر فجمع بينهما

وعن هلال بن يحيى كان زفر وداود متواخيين وكان يتبع داود فجاء

ص: 535

داود وقعد على مزبلة ثم جاء زفر وقعد معه

وعن محمد بن وهب أنه كان من أصحاب الحديث وكان أحد العشرة الذين دونوا الكتب مات بالبصرة في أول خلافه المهدي سنة ثمان وخمسين ومائة وفي هذه السنة مات المنصور

وذكر الحافظ النيسابوري أن رجلا جاء إلى الإمام وقال لا ادري أطلقت امرأتي أم لا قال لا عليك حتى تتيقن بالطلاق ثم سأل الثوري فقال لا تضرك الرجعة فسأل شريكا فقال طلقها ثم راجعها فجاء إلى زفر فحكى له الأقاويل فقال أما الإمام فقد أفتى بالفقه والثوري بالورع وأما شريك بالحزم فاضرب لكم مثلا أن رجلا شك هل أصاب ثوبه نجس أم لا فقال الإمام لا عليك قبل العلم بالنجاسة والثوري قال لو غسلته لا عليك وأما شريك فقال بل عليه ثم اغسله

فصل في مناقب داود الطائي رحمة الله عليه

هو ابن نصر الطائي أبو سليمان الإمام الرباني كوفي واصله من خراسان

وعن عبد الله بن داود سأله إسحاق عن أصحاب الإمام فقال أبو يوسف ومحمد وزفر وداود وعافية الأودي وأسد بن عمرو وعلي بن مسهر ويحيى بن زايدة والقاسم بن معن ثم قال لو أن داود وزن بأهل الأرض لوزنهم فضلا

وعن عبد الله السابح أنه لما تعبد قال لنفسه يا نفس إن طلبت الدنيا بالقرآن أو بالحديث أو بالفقه أبو بالشعر وأيام الناس فأنت أنت وليس بعده الموت ثم جاء إلى خطة وقال ليس شيء أحل من هذه الخطة خطها الفاروق رضي الله عنه حين هزم هرمز لأجدادي فباع ثلثيها بأربع مائة درهم فعبد الله عشرين سنة يأكل منها ثم لما مات كان كفنه منها

ص: 536

قال الوليد بن عقبة كان له في كل ليلة رغيفان يفطر عليهما فأفطر ليلة على شق تمرة ومولاة له تنظر إليه ثم صلى حتى أصبح وصام يومه فلما جاء وقت فطره نظر إلى الرغيفين وقال يا نفس اشتهيت في الليلة الماضية التمر فأطعمتك ثم تشتهي الليلة ذلك لا أريتك تمرا ما عشت

وعن أبي يوسف اختلفت مع زفر فيما رويت عن الإمام فقال بيني وبينك داود فدخلنا عليه فثقل عليه دخولنا لديه لما فيه من الشغل بالعبادة فقلنا له المسئلة فقال كان الإمام يقول فيه بقول زفر فكلمناه فيه فرجع إلى قول أبي يوسف ثم سأله أبو يوسف عن مسئلة في كتاب الرهن مشكلة فلم يجبه فلما قمنا ناداه ومر فيه مسرعا كالسهم وقال لولا أنه يسبق إلى فكرك أني تركت الفكر في مثل هذا ما جئتك أبدا

وعن الحسن بن زياد قال دخلنا مع حماد ابن الإمام فقال مالي وللناس ثم اخرج حماد أربع مائة درهم وقال استعن بها على حوائجك فإنها من كسب الإمام لا من كسبي فاستعظم وقال لو كنت أقبل من أحد لقبلت منك

وعن أبي نعيم قال جلس داود مع أهل العربية حتى صار رأسا فيهم ثم مع علماء القرآن كذلك ثم مع المحدثين حتى صار إمامهم ثم جالس الإمام وتفقه حتى لم يتقدم عليه أحد ثم ترك وتخلى للعبادة حتى صار جبلا

وعن إسحاق بن منصور قال سألته عن رجل يصلي وهو محلول الجيب قال إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به

وعن اسمعيل قيل له لا تشتهي الخبز قال ما بين مضغ الخبز وشرب السويق قدر خمسين آية اقرؤها

وعن ابن السماك قال أوصاني وقال انظر أن الله تعالى لا يراك حيث نهاك

ص: 537

ولا يفقدك حيث أمرك واستحى من الله تعالى في قربه إليك وقدرته عليك

وعن أبي الربيع الأعرج وقال أوصاني قال صم الدهر وليكن إفطارك له الموت وفر من الناس فرارك من الأسد غير تارك لجماعتهم ولا مفارق لسننهم

وذكر الحلبي أطول من هذا وقال قال الأعرج أقمت على بابه ثلاثة أيام لا أصل إليه فإذا سمع النداء خرج وإذا سلم الإمام قام ودخل منزله فصليت في مسجد آخر ثم جئت فلما أراد الانصراف قلت ضيف قال إن كنت ضيفا فأدخل فدخلت عليه فمكثت ثلاثة أيام لا يكلمني فلما كان اليوم الثالث قلت جئت من واسط إليك أريد أن تزودني فقال صم الدنيا إلى الآخرة قلت زدني قال فر من الناس فرارك من الأسد قلت زدني فقام إلى محرابه وقال الله أكبر

وذكر الديلمي أنه سئل عن حديث فقال دعني فإني أبادر خروج نفسي وكان الثوري إذا ذكره قال ابصر أمره قال ابن المبارك وهل الأمر إلا ما كان عليه هو

وعن يحيى الحماني وقد سأله عن الدهر قال إنما هي أيامك فانظر بماذا تقطعها

ومن كلامه إن العلم العمل فإذا فنى العمر في الآلة متى تعمل

وروي أنه كان يحضر مجلس الإمام سنة لا يتكلم حيث أراد أن يجرب نفسه أنه يقدر على العزلة ثم تخلي للعبادة

وأتاه الفضيل بن عياض يعوده فقال له أقلل من زيارتنا فأني خليت الناس فجاءه يوما ولم يفتح له الباب فقعد فضيل يبكي في الخارج وداود في الداخل فقال له دلني على رجل اجلس إليه قال تلك ضالة لا توجد

وقال له الحارث بن إدريس عظني قال عسكر الموتى ينتظرونك

وقال صدقة الزاهد خرج معنا في جنازة بالكوفة فقعد في ناحية فجلس

ص: 538

الناس قريبا منه فتكلم وقال من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ومن طال أمله ضعف عمله وكل آت قريب ومن شغلك عمله عنك فهو شوم وكل أصحاب الدنيا من أهل القبور وإنما يفرحون بما قدموا ويندمون على ما خلفوا فما يندم عليه أصحاب القبور فأهل الدنيا فيه يتنافسون وعليه عند الحكام يختصمون

وعن محمد بن سويد الطائي رأيته يغدو ويروح إلى الإمام فلما تخلي للعبادة رأيت الإمام جاءه زائر غير مرة

وروي أنه في آخر أمره جعل ينقض سقوف الدار ويبيع حتى بلغ البواري وصار حائط داره قصيرا حتى لو أن غلاما وثب منه لسقط على الدار

وعن محمد العبدي قال له حماد ابن الإمام لقد رضيت من الدنيا باليسير قال أفلا أدلك على من رضي منها بأقل من ذلك من رضى بالدنيا عوضا عن الأخرى

وكان سبب علته أنه بات بآية فيها ذكر النار فكررها فلما أصبحوا وجدوه قد مات على لبنة

وعن الوليد بن عقبة سمعته يقول كم من مسرور بأمر فيه هلاكه وكم من كاره أمرا فيه صلاحه دنيا ودينا وليس لنا إلا الرضى والتسليم والاستكانة والخشوع

وروي أنه قدم البصرة فاجتمع إليه الناس وقالوا قال أبو حنيفة قدر الدرهم لا يمنع الصلوة فمن أين قاله قال الحمد لله لم يقل الإمام شيئا إلا ساربه فى الأمصار أراد به قدر الدرهم فكنى عنه بالدرهم

ويروى أنه مر بزقاق فيه تمر مصفوف فقال للبياع أتعطيني بدرهم رطبا نسية قال لا فرآه رجل يعرفه فقال للبياع هذا كيس فيه مائة درهم فخذه وأدركه فإن اشترى بدرهم رطبا فكله لك فلحقه وعرض عليه فأبى وسمعه

ص: 539

يقول لنفسه لما تساو من الدنيا بدرهم رطبا وأنت تريد الجنة

وعن ابن المبارك كان داود إذا قرأ القران كأنه يسمع الجواب من ربه

وذكر الحلبي عن محمد بن عبد الله بن نمير أنه مات سنة خمس وستين ومائة في خلافة المهدي

فصل في ذكر وكيع بن الجراح الكوفي رحمة الله تعالى

قيل اصله من نيسابور سمع هشام بن عروة والأعمش وابن عون وابن جريج والأوزاعي والثوري والإمام أبا حنيفة وأبا يوسف وزفر روى عنه ابن المبارك وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم ولد سنة تسع وعشرين ومائة أراد الرشيد أن يوليه القضاء فامتنع

وعن يحيى بن أكثم قال صحبته في السفر والحضر وكان يصوم الدهر ويختم القرآن فى كل ليلة

وشكى إليه الشافعي من أصحابه عن سوء الحفظ قال استعينوا على الحفظ فى ترك المعاصي وأنشده

شعر

شكوت إلى وكيع سوى حفظي

فأوصاني إلى ترك المعاصي

وذاك لان حفظ المرأ فضل

وفضل الله لا يعطى لعاصي

وكان يقول ما خطوت للدنيا منذ أربعين سنة ولا سمعت حديثا قط فنسيته

وعن أحمد بن الحواري قلت لأحمد بن حنبل أيما الرجلين أحب إليك وكيع أم عبد الرحمن بن مهدي قال أما وكيع فصديقه حفص بن غياث لما ولي القضاء ما كلمه حتى مات وأما عبد الرحمن فصديقه معاذ بن معاذ العنبري لما ولي القضاء ما زال صديقه حتى مات توفي سنة ثمان أو تسع وتسعين ومائة

ص: 540

‌فصل فى ذكر حفص بن غياث النخعي الكوفي رحمه الله

ذكر الحلبي أنه سمع الإمام أبا يوسف والثوري وروى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وغيرهم أخذ الفقه عن الإمام وولاه الرشيد قضاء بغداد فعدل في حكمه وحبس المرزبان وكيل زبيدة بدين توجه عليه لواحد من المسلمين فألحت زبيدة على الرشيد حتى عزله وولى أبا يوسف محله ثم ولاه الكوفة فمكث بها ثلاث عشر سنة

وعن أبي هشام أنه كان جالسا لفصل القضاء بين الخصوم إذ جاء رسول الخليفة يدعوه فقال لا حتى يفرغ الخصوم فلما فرغوا راح إليه

وذكر الحلبي أن حفصا مرض خمسة عشر يوما فقال لابنه خذ هذه المائة والخمسين واذهب بها إلى العامل وقل له هذا رزق خمسة عشر يوما لقعودي عن الحكم بمرضي وهذه حق المسلمين لا حظ لي فيها

وعن الحسن بن سجادة قال قال حفص والله ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة ويوم مات لم يخلف درهما وترك تسع مائة درهم دينا وكان يقال ختم القضاء به مات سنة أربع وتسعين ومائة وجعل مكانه حسن بن زياد اللؤلؤي

‌فصل في ذكر يحيى بن زكريا

يحيى بن زكريا بن أبي زائدة بن ميمون بن فيروز وميمون إسلامي وفيروز جاهلي مولى عمرو بن عبد الله الوادعي سمع اباه وهشاما والأعمش وأمثالهم وسمع الفقه من الإمام وروى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما ولاه الرشيد قضاء المدينة وقدم بغداد وحدث بها

عن علي بن المديني انتهى العلم إلى ابن عباس في زمانه ثم إلى الشعبي في زمانه ثم إلى الثوري في زمانه ثم إلى يحيى بن أبي زائدة في زمانه

ص: 541

وعن علي بن أحمد قال زكريا ثقة وابنه يحيى ثقة وهو ممن جمع الفقه والحديث

وذكر المدميني الخوارزمي عن صالح بن سهل أنه كان احفظ أهل زمانه للحديث وأفقههم مع مجالسة كثيرة مع الإمام ودين وورع

وذكر الحلبي عن عبد الرحمن بن حاتم الرازي أنه أول من صنف الكتب بالكوفة وإنما صنف وكيع على كتبه ذكر الديلمي عن زياد بن أيوب أنه كان على قضاء المداين أربعة اشهر ومات بها سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة وهو قاض لهارون الرشيد وعمره ثلاث وستون سنة وفيه يقول القائل

شعر

ألا إن يحيى علمه الشرع قد أحيى

وإن مات يحيى فالدعاء له يحيى

فقد ترك الدنيا وقد مثلت له

وقد فاز بالأخرى الذي ترك الدنيا

ونال بما أبدى من الخلق جاهه

ونال بما أخفى من الخالق البشرى

فصل في ذكر الحسن بن زياد اللؤلؤي مولى الأنصار الكوفي

روى عن الإمام وعنه ابن سماعة ومحمد بن شجاع البلخي وشعبة بن أيوب

روي أنه استفتى يوما فاخطأ ولم يظفر بالمستفتي فاكترى مناديا ينادي ألا أن الحسن استفتى يوم كذا عن مسئلة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن فليرجع إليه ومكث ثلاثة أيام لا يفتي حتى عاد إليه السائل فأعلمه بخطائه ورده إلى الحق

وعن محمد بن سماعة أنه قال سمعت ابن جريج اثني عشر ألف حديث يحتاج إليه الفقهاء

وذكر أنه كان يكسو مماليكه مما يكسي نفسه وكان لا يفتر من النظر فى العلم

ص: 542

وكان له جارية إذا اشتغل بالطعام أو الوضوء أو بغير ذلك تقرأ عليه المسائل حتى يفرغ من حاجته

وعن ابن شجاع أنه قال مكثت أربعين سنة لا أبيت إلا والسراج بين يدي

وذكر الطحاوي أن الحسن بن مالك والحسن بن زياد ماتا سنة أربع ومائتين وفي هذه السنة مات الإمام الشافعي بمصر رحمة الله عليهم

‌فصل فى ذكر بقية أصحاب الإمام

فمنهم حماد ابن الإمام وله من الولد أبو حيان وإسمعيل وعثمان ولى إسمعيل القضاء بالبصرة عن المأمون وروي عن أخيه عمر بن حماد

وروي أن حمادا كان الغالب عليه الدين والورع والفقه وكتابة الحديث

وذكر الإمام النسفي صاحب المنظومة عن عبيد بن إسحاق أن الحسن ابن قحطبة كان أودع عند الإمام أبي حنيفة ألف درهم فقيل للإمام أتقبل الودائع وفيها من الخطر قال من كان له ابن مثل حماد في الورع فانه يقبل فلما مات الإمام جاء الحسن يطلب الوديعة ففتح الخزائن وسلم إليه المال بخاتمة فقال له ارفعها ولتكن عندك فأبى فألح عليه فلم يقبل فقال له قبل أبوك وأنت لا تقبل فقال كان لأبي خلف يعتمد عليه وأما أنا ليس لي خلف أعتمد عليه

ومنهم يوسف بن خالد السمتي كان قديم الصحبة وخرج إلى البصرة وأقبل عليه الناس ثم ترك الدنيا وتخلى لعبادة المولى حتى مات رحمة الله

ومنهم عافية بن يزيد الأودي الكوفي وذكر المرغيناني عن محمد بن الحسن والحسن بن زياد أن الإمام كان يجل عافية إجلالا شديدا وكان عافية رجلا فقيها وكان الإمام معجبا به إذا تكلم فى مسئلة وعافية حاضر

ص: 543

حكم والحق بالكتاب وإن كان غائبا قال لا تعجلوا حتى يحضر عافية وكان إذا حضر ووافق رأيه كاتبوه وإلا لا

ومنهم حيان ومندل ابنا علي العنزي الكوفي ومندل أصغرهما سمع هشام ابن عروة وعاصم الأحول والأعمش وليثن وحميد الطويل وجماعة وسمع الرأي من الإمام وتفقه عليه وكان الإمام يقربهما ويتلطف بهما

وعن معاذ بن معاذ قال دخلت الكوفة فلم أر أورع من مندل مات بها سنة سبع أو ثمان وستين ومائة في خلافة المهدي رحمة الله عليه

وعن أبي هشام مرت جارية ومعها سلة من رطب على مندل بن علي وأصحاب الحديث حوله فوقفت تسمع فظن مندل أنها هدية فقال قدمي الرطب فقدمتها فأكلوا فراحت إلى مولاها فأخبرته بالأمر فقال أنت حرة لوجه الله تعالى

ومنهم علي بن مسهر الكوفي لزم الإمام وتفقه عليه وسمع منه الكثير

وعن يحيى بن نصير قال قال خرج الإمام عن الدنيا وهو علي غضبان لأني كنت أجالس الإمام بالغد وأت سفيان بالعشيات وكان سفيان يقول لي ما قال الشيخ فأخبره بمسائل وكان يقول الإمام لما تأتي رجلا يأخذ منك ولا يحمدك وفي رواية لما لا تدعه حتى يتعلم بنفسه

ومنهم القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الكوفي الفقيه صحب الإمام وتفقه عليه وروي عنه ولي قضاء الكوفة بعد شريك ولم يأخذ على القضاء أجرا كان إماما في الفقه بحرا في العربية روى عن محمد في كتبه كثيرا

ومنهم أسد بن عمرو بن عامر بن أسلم بن مغيث بن يشكر بن رهم أبو المنذر البلخي الكوفي صاحب الإمام وسمعه وغيره وروى عنه أحمد بن حنبل ومحمد

ص: 544

ابن بكار وأحمد بن منيع ولي القضاء ببغداد وواسط من الرشيد ولما أنكر من بصره شيئا اعتزل عن القضاء وكان الإمام يختلف إلى أبيه في مرضه الذي توفي غدوة وعشيا وتوفي أسد سنة ثمان أو تسع وثمانين ومائة رحمة الله عليه

‌ومن أهل مكة

ممن روى عن الإمام عمرو بن دينار وهو تابعي جليل روى عن سالم ابن عبد الله وغيره وعنه الحمادان وسفيان بن عيينه الكوفي سكن بمكة وهو من أجلاء التابعين ولد بالكوفة سنة سبع ومائة كان إماما عالما ثبتا حجة زاهدا ورعا مجمعا على صحة حديثه سمع الزهري وخلق كثيرة روى عنه الأعمش والثوري وشعبة الشافعي وأحمد مات بمكة أول يوم من رجب سنة سبع وتسعين ومائة ودفن بالحجون وكان حج سبعين حجة

ومنهم الفضيل بن عياض وهو من كبراء التابعين وزهادهم وعبادهم

ومنهم جمع آخر من المكيين لم نذكرهم لأنهم ليس من المشهورين

‌ومن أهل المدينة

الإمام جعفر بن محمد الصادق وكان يسأله ويطارحه وهو تابعي من أكابر أهل البيت روى عن أبيه محمد الباقر وغيره سمع منه الأئمة الأعلام نحو يحيى بن سعيد وابن جريج ومالك بن انس والثوري وابن عيينة وكذا أبو حنيفة كما ذكره صاحب المشكاة في أسماء رجاله فيكون من رواية الأقران ولد سنة ثمانين ومات سنة ثمان أربعين ومائة وهو ابن ثمان وستين سنة ودفن بالبقيع بقبر فيه أبوه وجده علي زين العابدين رضى الله عنهم

ومنهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي أبو عثمان المدني الفقيه المعروف بربيعة الرأي كان يناظره وهو تابعي جليل القدر أحد فقهاء المدينة

ص: 545

سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وابن المسيب وروى عنه الثوري ومالك بن انس وسليمان التيمي مات سنة ست وثلاثين ومائة

ومنهم مالك بن انس إمام دار الهجرة رضى الله عنه كان يسأله ويأخذ بقوله سرا ويسمع منه متنكرا وهو صاحب المذهب وترجمته معروفة وقيل روى أبو حنيفة عنه أيضاً فهو من رواية الأقران أو من رواية الأصاغر عن الكبار نظرا إلى أن أبا حنيفة تابعي دونه

ومنهم محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي أبو عبد الله صاحب المغازي تابعي مدني رأى أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وسمع جماعة كثيرة من التابعين حدث عنه الأئمة يحيى بن سعيد والثوري وابن عيينة وغيرهم كان عالما بالسير والمغازي وأيام الناس وأخبار المبدأ وقصص الأنبياء وعلم الحديث والقرآن والفقه قدم بغداد وحدث بها ومات بها سنة خمسين ومائة ودفن بمقبرة الخيرزان في الجانب الشرقي رحمة الله تعالى

ومنهم محمد بن زيد بن علي بن الحسين من أكابر أهل البيت رضي الله عنهم

ومنهم رافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقري إمام أهل المدينة وحاتم ابن إسمعيل الكوفي نزل المدينة وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون من كبار أئمة المدينة وغيرهم وهم كثيرون رحمة الله عليهم أجمعين

‌ومن أهل الكوفة

سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي روى عنه مصرحا ومكنيا وهو أحد الأئمة المجتهدين ومن أقطاب الإسلام وأركان الدين ومن أكابر التابعين جمع بين الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة وروى عنه معمر والأوزاعي وابن جريج ومالك وشعبة وابن عيينة وفضيل بن عياض مات

ص: 546

بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة رحمة الله عليه

ومنهم حماد بن أبي سليمان الأشعري أستاذه وكان يقول ربما اتهمت رأيي برأي أبي حنيفة وأقول بقوله وهو تابعي جليل سمع جماعة من الصحابة فيكون من رواية الأكابر عن الأصاغر كرواية أبي بكر عن عائشة رضي الله عنهما وروي عنه شعبة والثوري مات سنة عشرين ومائة رحمة الله عليه

ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة كان يفتي بقوله مع عداوته له

ومنهم ابن شبرمة الظبي وإسمعيل بن خالد التابعي كان يسأله وشريك بن عبد الله وكان يأخذ بقوله مع عداوته وكان قاضي الكوفة

ومنهم أبو عبد الرحمن عمر بن ذر من أئمة الكوفة وزهادها كان يسأله ويدعو له في مجلس وعظه وليث بن أبي سليم ومطرف بن طريف وزكريا بن أبي زائدة وابنه يحيى بن زكريا من كبار أئمة الحديث بالكوفة أخذوا عنه وذكروا مناقبه

ومنهم عاصم بن أبي النجود من مفاخر الكوفة كان يسأل منه فإذا أفتاه قال جزاك الله خيرا فنعم المفرج أنت

ومنهم حمزة بن حبيب الزيات أحد الأئمة القراء السبعة

ص: 547

ومهنم الحسن بن أبي عمارة وهو الذي غسل الإمام

ومنهم إسمعيل بن حماد بن أبي سليمان وأيوب بن نعمان الأنصاري ان عم أبي يوسف

ومنهم مجالد بن سعيد قرأ عليه الإمام وهو يروى عنه أيضاً وهذا أيضاً من رواية الأكابر عن الأصاغر

ومنهم أبو بكر محمد بن عياش الأسدي وأبو معاوية الضرير الكوفي وجعفر بن محمد بن بشير بن جرير بن عبد الله البجلي

ومنهم أبو نعيم الفضل بن دكين الكوفي الحافظ من مفاخر الكوفة في التاريخ والإنشاء وعلم الحديث

ومنهم عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني أحد حفاظ الكوفة

ومنهم علي بن حمزة الكسائي ومحمد بن أبي شيبة والد عثمان وأبي بكر إمام أهل الكوفة في الحديث وخلق كثير ذكرهم الكردري

‌ومن أهل البصرة

قتادة بن دعامة السدوسي الأعمى الحافظ إمام أهل البصرة في التفسير والحديث والفقه روى عن عبد الله بن سرجس وانس وخلق سواهما وعنه أيوب وشعبة وأبو عوانة وغيرهم مات سنة سبع ومائة

ومنهم بن حماد سلمة وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم وحكى عن عبد الملك بن أبي الشوارب أنه أشار إلى قصر عتيق بالبصرة وقال قد خرج من هذه الدار سبعون قاضيا على مذهب أبي حنيفة قال ابن خلكان في تاريخه وكان مذهب أبي حنيفة بأفريقية وهي عمدة بلاد المغرب أظهر

ص: 548

المذاهب فجعل المعز بن بادبش جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب مالك وحسم مادة الخلاف واستمر الحال إلى الآن في ذلك وكان ما ذكر في سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة

‌ومن أهل واسط

شعبة بن الحجاج وأبو عوانة الوضاح وعبد العزيز بن مسلم وغيرهم

‌ومن أهل الموصل

هارون بن عمر الأنصاري وعبد الرحمن بن حسن الزجاج وعمرو ابن ايوب وغيرهم

‌ومن أهل الجزيرة

عبد الكريم أبو أمية إمام أهل الجزيرة ومروان بن سالم وطريف ابن عيسى وغيرهم

‌ومن أهل الرقة

عثمان بن سابق وطلحة بن يزيد وكثير بن هشام وغيرهم

‌ومن أهل نصيبين

حماد بن عمرو ويوسف بن أسباط وأبو إسحاق الغزاوي وغيرهم

‌ومن أهل دمشق

الأحوص بن حكيم وسعد بن عبد العزيز وشعيب بن إسحاق وغيرهم

‌ومن أهل الرملة

يحيى بن عيسى وأيوب بن سويد وضمرة بن ربيعة وغيرهم

‌ومن أهل مصر

ص: 549

يحيى بن أيوب وليث ابن سعد وأبو عبد الله الشيباني وغيرهم

‌ومن أهل اليمن

معمر بن راشد وعبد الرزاق بن همام إمام أهل صنعاء اكثر الرواية عن الإمام وحفص بن ميسرة الصنعاني ومطرف بن مازن قاضي اليمن وغيرهم

‌ومن أهل اليمامة

محمد بن جابر الجعفي وهوذة بن خليفة وأيوب بن جابر وغيرهم

‌ومن أهل البحرين

عيسى بن يونس

‌ومن أهل بغداد

الخليفة أبو جعفر المنصور ومشمعل بن ملحان من أولاد حاتم بن عدي الطائي نزل بغداد وحماد بن الوليد ويحيى ابن سعيد الأموي وغيرهم

‌ومن أهل الأهواز

أبو همام محمد بن الزبرقان وسعيد بن همام الكوفي ولي قضاء فارس وعصمة بن الجراح الفارسي وغيرهم

وفي شونيز مقبرة تعرف بمقبرة أصحاب أبي حنيفة فيها خلق لا يحصون

‌ومن أهل كرمان

حسان ابن إبراهيم وعطاء بن جبلة ويحيى بن بكير

‌ومن أهل أصبهان

أبو هانئ نعمان بن عبد السلام الكوفي كان على قضاء إصفهان

‌ومن أهل حلوان

ص: 550

الوليد الحلواني

‌ومن استراباد

عمار بن نوح

‌ومن أهل همدان

أصرم بن حوشب والقاسم بن الحاكم قاضي همدان كوفي

‌ومن أهل نهاوند

عبد العزيز

‌ومن أهل الري

عيسى بن ماهان الرازي وجمع كثير

‌ومن أهل الدامغان

بكير بن معروف إمام قومس ومحمد بن بكير قاضي دامغان

‌ومن أهل طبرستان

حكيم بن زبيد قاضي آمل

‌ومن أهل جرجان

عبد الكريم بن محمد إمام أهل جرجان قال أبو يوسف كان إذا حضر مجلس الإمام انتفع أهل المجلس بحضوره وما قدم علينا من خراسان افقه منه وجماعة آخرون

‌ومن أهل نيسابور

سفيان بن قيراط وبشر بن الأزهر

‌ومن أهل سرخس

خارجة بن مصعب إمام أهل سرخس انفق مائة ألف درهم في طلب العلم

ص: 551

ومائة ألف على الفقراء وكان الإمام يشاوره في الاموال وعمارة قاضي سرخس رحمة الله عليهم أجمعين

‌ومن أهل نسا

أبو سفيان السنائي قاضي مرو وعامر بن الفرات قال محمد بن يزيد اختلفت إليه فقال لي يوما نظرت في كتب الإمام قلت اطلب الحديث فما انظر في كتبه قال تعلمت الآثار سبعين سنة فلم احسن الاستنجاء إلا بعد النظر في كتبه

‌ومن أهل مرو

الإمام الشهير إبراهيم الصائغ مفخر أهل خراسان وابن إسمعيل والحسن بن واقد إمام أهل مرو والنضر بن محمد قيل لابن المبارك ما الجماعة قال النضر بن محمد جماعة وحده وكان يفتخر بمجالسة الإمام ويقول حدثني الورع الفقيه الإمام

ومنهم الفضل بن عطية وابنه محمد وأبو غانم يونس من كبار الأئمة أدرك عمر بن عبد العزيز ووهب بن منبه وأبو عصمة نوح بن مريم الجامع قاضي القضاة بخراسان وهو الذي كتب له الإمام شروط القضاء

ومنهم توبة بن سعيد وسهل بن مزاحم الذي بث علم الإمام بخراسان أراده المؤمون على قضاء مرو وحبسه مدة فلم يقبل فأعفاه

ومنهم نظر بن شميل النحوي وخالد بن صبيح إمام أهل مرو وكان ورعا عادلا عابدا والنظر بن شميل قال بشر بن يحيى رأيته في مجلس ابن المبارك وكان يلقي عليه المسئلة ويقول له عبد الله يا أبا الهيثم إجب فيها وجمع كثير منهم

ص: 552

‌ومن أهل بخارى

شريك بن عبد الله النخعي ومحمد بن القاسم الأسدي بخاري الأصل إمام أهل بخاري صحب الإمام أربعين سنة ومحمد بن الفضل بن عطيه نزيل بخاري ومات بها وكان أستاذ الإمام أبي حفص الكبير ومحمد بن سلام أستاذ البخاري وجونيد بن حسان صاحب أنس والحسن البصري ومحمد بن سيرين

ومنهم مجاهد بن عمرو والقاضي بما وراء النهر العادل في قضايا تقلد بعد ما حبس وأوذي وأكره وكان ورعاً زاهدا كان أبو يوسف يفضله على أصحابه وقال أسباط ابن النسفي عن أبيه ورد علينا أيام المهدي رسول عنه وسئل مجاهد عن شئ فلم يجبه فافتري على مجاهد فضرب مجاهد إياه الحد ثمانين سوطا فاغتم أصحابه على أن الرسول ربما يموه الأمر عند المهدي فبلغ الخبر إلى المهدي على طريقه فحسن صنيعه وبعث إليه بمال وخلعة فحضر بذلك المال على باب مسجده وأصلح القناطر وفرقه على الفقراء وباع الخلعة وفرق ثمناها على المساكين وأرباب السجون

ومنهم أبو عبيد إسحاق بن بشر البخاري حمل عن الإمام الحديث والفقه وأكثر عنه الرواية وعن مقاتل بن سليمان نزل بخارى أيام المأمون بعدما أجاب عن مسائل عجز عن جوابها علماء عصره فأمر له المأمون بمائه ألف درهم ودواب وخلع

ص: 553

ومنهم عثمان بن حميد المعروف بأبي حنيفة واكثر روايات أئمة بخاري عن أصحاب الإمام مثل الإمام أبي حفص الكبير فإنه تفقه على أبي يوسف ثم على محمد حتى كتب كتبه وروي عنه خلق كثير لا يحصون

ومنهم جماعة كثيرة يطول تعدادهم كلهم بخاريون أخذوا الفقه والحديث عن أصحاب الإمام وحكي أن مقبرة القضاة السبعة قريبة من بخاري فيها أمم لا يحصون أحدهم أبو زيد الدبوسي

ومن أهل سمرقند أبو مقاتل حفص بن سهل الفزاري أدرك مشائخ الإمام كأيوب السختياني وهشام بن حيان وغيرهم رحمة الله تعالى

وروي أيضاً عن عمرو بن عبيد وسعيد بن أبي عروبة ومسعر بن كدام

ومنهم نصر بن أبي عبد الملك العتكي من مفاخر سمرقند في الحديث والفقه

ومنهم إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قاضي سمرقند رحمة الله تعالى

ومنهم جمع كثير وقد حكى أن بجاكرديز قرية من بلاد سمرقند يقال لها تربة المحمديين دفن فيها نحو من أربع مائة نفس من علماء الحنيفة كل واحد منهم يسمى محمد بن محمد صنف وأفتى واخذ عنه الجم الغفير جميعهم أهل سمرقند بهذه التربة ولما مات الإمام الجليل صاحب الهداية حملوه إلى تلك التربة وأرادوا دفنه بها فمنعوا من ذلك ودفن بالقرب منها

‌ومن أهل صغانيان

أبو سعد محمد بن المنتشر كان الإمام يجعله في الصف الأول من أصحابه ويبدأ بحاجته

‌ومن أهل ترمذ

ص: 554

عبد العزيز بن خالد بن زياد قاضي ترمذ وصغانيان

‌ومن أهل بلخ

مقاتل بن حيان والمتوكل بن عمران من زهاد خراسان كان الإمام يمدحه وأبو مطيع حكم بن عبد الله سيد أهل بلخ علما وعبادة وزهدا وأبو معاذ خالد بن سليمان أحد مفاخر بلخ والحسن بن سليمان أحد كبراء بلخ كان خلف بن أيوب يقول وجدنا عنده للإمام شيئا كثيرا وكتبا مصححة وعصام بن يوسف ومكي بن إبراهيم من مفاخر بلخ كان تاجرا فنصحه الإمام فترك التجارة ولزم الإمام حتى صار إماما وجاور بمكة اثنتي عشر سنة رحمة الله عليهم

ومنهم إبراهيم بن ادهم المعروف صحب الإمام وروى عنه ونصحه الإمام وحثه على الجمع بين العلم والعمل

ومنهم شقيق بن إبراهيم الزاهد العابد الفقيه المجتهد مفخر أهل بلخ بل الدنيا لزم الإمام ثم من بعده زفر

ومنهم مقاتل بن الفضل أحد أئمة بلخ في الفقه والحديث وكان بلخ وادي الفقه

‌ومن أهل ماتريد

أبو نصر العياضي المشهور من أصحابنا يقال أنه لما استشهد خلف بعده أربعين رجل من أصحابه كل واحد منهم من أقران أبي منصور الماتريدي

‌ومن أهل هراة

هياج بن بسطام أي إمام أهل هراة وكنانة بن جبلة وأبو رجاء عبد الله ابن واقد قال غسل الحسن بن عمارة الإمام وكنت اصب الماء عليه وغيرهم

‌ومن أهل قهستان

ص: 555

عفين الجراح رحمة الله تعالى

‌ومن أهل سجستان

عبد الله السجزي رحمة الله تعالى

‌ومن أهل الرم

أبو معروف السجستاني قاضي الرم

‌ومن أهل خوارزم

مغيرة بن موسى بصري سكن خوارزم وأبو علي قاضي خوارزم وأبو الليث الخوارزمي روى عن الإمام محمد بن الحسن

واعلم أن هذا الذي ذكرناه قد اختصرناه عن مناقب الكردري وقد قال في آخره فهؤلاء سبع مائة وثلاثون رجلا من مشائخ البلدان وأعلام ذلك الزمان أخذوا عنه العلم ووصل إلينا ببركة سعيهم واجتهادهم فجزاهم الله خير الجزاء يوم معادهم وخاصة الإمام الأعظم وكل من دعا الأمم إلى الدين الأقوم ومما قيل في حقه وأصحابه وبه نختتم ونستتم ويقول مسك ختامه

شعر

شيوخ سراج الخلق نعمان كلهم

مصابيح في أفق الهدى ورواته

وما حسن الإسلام جمعا مبجلا

إلى مفخر الأوهم سرواته

ومن يرقصوا للشرعية عامرا

فهم بروايات الثقات بناته

وما الشرع إلا كالحمى حوله الورى

وهم بأسانيد الهداة حماته

هو الحي إذ أحي شريعة ربه

فدامت له بعد الممات حياته

ص: 556