الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث: إعلال الأحاديث بما يخل باتصال أسانيدها
الفصل الأول: ما يثبت به الاتصال
تمهيد
الاتصال في اللغة مصدر اتّصل الشيءُ بالشيء بمعنى لم ينقطع
(1)
وأما في الاصطلاح فقال الخطيب: "واتصال الإسناد في الحديث أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهي إلى آخره، وإن لم يبين السماع بل اقتصر على العنعنة"
(2)
، ويقال للحديث الموصوف به: متصلاً وكذا مؤتصلاً وموتصلاً كما عزاه السخاوي للشافعي
(3)
، وهذا الأخير لغة لقريش "حيث لا تدغم مثل هذه الواو وأشباهها في التاء، فتقول: موتصل، موتفق، وموتعد ونحو ذلك، وغيرهم يُدغم فيقول: متّصل، متّفق، متّعد"
(4)
.
قال ابن عبد البر: وإنما سمي متصلاً لأن بعضهم صحت مجالسته ولقاؤه لمن بعده في الإسناد وصح سماعه منه
(5)
.
والاتصال من أخص خصائص الإسناد الذي هو خاصية هذه الأمة، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه ابن عباس:"تسمعون ويُسمعُ منكم ويُسمع ممن يَسمع منكم"
(6)
. فهذا الحديث وإن كان
(1)
لسان العرب، مادة:"وصل" 1/ 726.
(2)
الكفاية ص 58.
(3)
فتح المغيث 1/ 122.
(4)
انظر: لسان العرب 11/ 727.
(5)
التمهيد 1/ 24.
(6)
أخرجه أبو داود السنن 4/ 68 ح 3659، وأحمد المسند 5/ 104 ح 2945، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 1/ 263 ح 62، وابن أبي حاتم الجرح والتعديل 2/ 8، والحاكم المستدرك 1/ 95، والبيهقي السنن الكبرى 10/ 250، والرامهرمزي في
ظاهره خبراً متضمناً معنى الأمر بطلب العلم وتبليغه فقد تضمنّ أيضاً إخباراً من النبي صلى الله عليه وسلم ظاهره خبراً معنى الأمر بطلب العلم وتبليغه فقد تضمن أيضاً إخباراً من النبي صلى الله عليه وسلم بما سيقع في أمته من اتباعهم لهذا الطريق في نقل العلم، وهو الرواية بالإسناد المتصل.
والعلة في الإعلال بعدم الاتصال هو الجهل بعدالة الراوي الساقط من الإسناد لجواز أن لا يكون عدلاً
(1)
.
المحدث الفاصل ص 207، وابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ح 203، ح 1932 وغيرهم من طرق عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وعبد الله بن عبد الله وثقه يعقوب بن شيبة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، العجلي، وقال
ابن حبان: ثقة كوفي. وكذلك قال الذهبي: وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن حجر: صدوق تهذيب الكمال 15/ 184 - 185، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، الموضع السابق، الكاشف 2809، تقريب التهذيب 3440. ولم يصرح الأعمش بالخبر، ورواه
ابن مهدي عن سفيان، عن الأعمش عن ابن عباس ولم يرفعه الجرح والتعديل 2/ 8، والذين رووه عن الأعمش أكثر عدداً. ويشهد للحديث المرفوع حديث ثابت بن قيس بن شماس عند البزار كشف الأستار 146، والطبراني في المعجم الكبير 2/ 1321/71، وابن أبي حاتم الجرح والتعديل 2/ 8، والرامهرمزي المحدث الفاصل ص 206، وابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ح 1931، والخطيب شرف أصحاب الحديث ص 37 - 38 من طرق عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى موصوف بسوء الحفظ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من ثابت من قيس ـ قاله البزار ـ.
وقد صحح الحاكم حديث ابن عباس على شرط الشيخين وقال: ليس له علة، ووافقه الذهبي. وحسنه العلائي جامع التحصيل ص 52، وهو أقرب.
(1)
جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص 36.
المبحث الأول: اشتراط ثبوت السماع بين الرواة عند الإمام أحمد لثبوت الاتصال في الإسناد المعنعن
.
لا خلاف أن ألفاظ الأداء الدالة على السماع في الأسانيد صريحاً أو ظاهراً قوياً يقرب من الصريح تدل على الاتصال، لكونها صريحة في إفادة تحمل الراوي من المروي عنه بلا واسطة، ومن أمثلة هذه الألفاظ: سمعت، وحدثنا، وأخبرنا، وقال لنا، وذكر لنا، وحضرت فلانا يقول كذا، وسألت فلانا عن كذا وما أشبه ذلك. وأرفعها كما قال الخطيب: سمعت فلاناً يقول كذا، لأنها لا تقبل التدليس، ولا تكاد تستعمل فيما كان بالإجازة أو المكاتبة، بخلاف أخبرنا وحدثنا فإن بعض أهل العلم جوزوا إطلاقها فيما كان بالإجازة
(1)
.
وأما الأسانيد المعنعنة، وهي التي يقال فيها:"فلان عن فلان" من غير بيان للتحديث أو الإخبار أو السماع
(2)
، فجمهور أهل العلم على ثبوت الاتصال بها لكن بشروط وقع بينهم فيها خلاف.
أما الإمام أحمد فمقتضى كلامه كما قال ابن رجب يدل على اشتراط ثبوت السماع بين الراويين للحكم بالاتصال
(3)
. وهناك شرط آخر يفهم من كلام الإمام أحمد، ألا وهو سلامة الراوي صاحب العنعنة من التدليس. يدل عليه ما رواه الأثرم قال: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ذَكر معاوية بن عبد الكريم فقال: ثقة، ما أثبتَ حديثَه، ما أصحَّ حديثَه، قيل له: بعض ما روى عن عطاء لم يسمعه،
(1)
الكفاية في علم الرواية ص 413.
(2)
فتح المغيث 1/ 189.
(3)
شرح علل الترمذي 2/ 590، 592.
فأنكره وقال: هو يروي بعضَها عن قيس، وبعضها يقول: سمعتُ عطاء ـ أي فلا يُدلِّس ـ وهو أحب إليه من إسماعيل بن مسلم"
(1)
لما ذكر الإمام أحمد صحة حديث معاوية اعترضوا عليه بعدم سماعه لبعض ما يروي عن عطاء، ومقتضى ذلك ألا يصحح ما رواه عن عطاء بدون ذكر الإخبار، فأجاب الإمام أحمد بما حاصله أنه ليس ممن يدلس، فلا يتوقف في قبول ما رواه بغير سماع ـ أي بالعنعنة. فمفهوم هذا أنه لو كان ممن يدلس لم تقبل عنعنته، فعدم تدليس الراوي إذاً شرط لقبول عنعنته، والعلم عند الله.
(1)
الجرح والتعديل 8/ 381 - 382.
المطلب الأول: الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم باتصال الإسناد المعنعن
.
من خلال تتبع النصوص المروية عن الإمام أحمد يظهر أنه يشترط ثبوت السماع في الحكم بالاتصال ولا يكتفي بإمكان اللقاء ولا حتى بحصوله، وفيما يلي أدلة ذلك:
1.
نفيه للسماع بين الراويين مع وجود اللقاء بينهما:
مما يدل على أن ثبوت السماع عند الإمام أحمد شرط للحكم بالاتصال أنه لم يحكم بالسماع بين راويين ثبت بينهما اللقاء بمجرد حصول اللقاء، فدل على أن هناك أمراً زائداً يشترطه فوق ثبوت اللقاء للحكم بالسماع، وهذه النصوص عنه توضح ذلك:
أ- قوله في عبد الله بن عون وعدم سماعه من أنس:
قال المروذي: "قلت: سمع ابن عون من أنس شيئاً؟ فقال: قد رآه، وأما سماع فلا أعلم، ثم قال: أيوب قد رآه، ولم يسمع، قلت: ويونس؟ قال: لا أدري"
(1)
. فلم يحكم له بالسماع بمجرد الرؤية، وهي أبلغ من إمكان اللقاء، واستدل لذلك بأن أيوب السختياني قد رآى أنس بن مالك ولم يسمع منه، فكأنه يستدل بأن الرؤية لا تستلزم السماع.
ب- قوله في سماع يحي بن أبي كثير من أنس بن مالك رضي الله عنه:
قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: يحيى بن أبي كثير سمع من أنس؟ قال: قد رآه، قال: رأيت أنساً، ولا أدري سمع منه أم لا؟ "
(2)
. ونفى أبو حاتم سماعه
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 41 رقم 7.
(2)
المراسيل 894.
من أنس، وقال: روى عنه مرسلاً، وقد رآه رؤية يصلي في المسجد الحرام
(1)
. وحديثه عنه في سنن النسائي
(2)
.
ج- عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر:
قال حرب بن إسماعيل الكرماني: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: "عطاء ـ يعني ابن أبي رباح ـ قد رأى ابن عمر ولم يسمع منه"
(3)
. وكذلك قال ابن معين: لم يسمع من ابن عمر رآه رؤية
(4)
. وحديثه عنه في السنن الأربعة
(5)
.
د- عطاء بن أبي مسلم الخراساني عن ابن عمر:
قال أبو طالب أحمد بن حميد: قال أحمد بن حنبل: "عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس شيئاً، وقد رأى عطاء ابنَ عمر ولم يسمع منه شيئاً"
(6)
. فأثبت له الرؤية لابن عمر ونفى سماعه منه.
هـ- ابن شهاب الزهري عن أبان بن عثمان بن عفان:
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: "الزهري سمع من أبان ابن عثمان؟ قال: ما أُراه سمع منه، وما أدري ـ أو نحو هذا ـ إلا أنه قد أدخل بينه وبينه: عبد الله بن أبي بكر"
(7)
، لم يجزم له بالسماع منه مع أنه قد أدركه، بل
(1)
الجرح والتعديل 9/ 141.
(2)
السنن الكبرى 4/ 202 ح 6901، 6/ 81 ح 10128، 10129، حديث إذا أفطر عند أهل بيت قال: "أفطر عندكم الصائمون
…
" الحديث. وقال النسائي: يحيى بن أبي كثير لم يسمعه من أنس، ثم ساق بإسناده عنه قال: حُدّثته عن أنس ح 10130.
(3)
المراسيل لابن أبي حاتم 565.
(4)
تاريخ ابن معين ـ برواية الدوري 2/ 403.
(5)
تهذيب الكمال 20/ 71.
(6)
المراسيل 575.
(7)
المراسيل 695.
الزهري قد أدرك من هو أكبر من أبان بن عثمان: قال أبو حاتم: "الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئاً، لا أنه لم يُدركه، قد أدركه، وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه"
(1)
.
و- حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير:
قال أحمد: "لم يسمع من عروة"
(2)
وحبيب قد أدرك من هو أكبر من عروة، أدرك ابن عمر، وابن عباس وسمع منهما
(3)
. قال أبو حاتم: "حبيب ابن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة"
(4)
.
فكل هذه النصوص تدل على أن الإدراك لا يستلزم معه السماع بين المتداركيْن فإذا روى أحدهما عن الآخر فالظاهر أن تلك الرواية حصلت بواسطة آخرَ بينهما، وهذا هو واقع الإرسال. ونظير هذا من ثبتت له الصحبة بالرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم دون السماع منه، مثل عبد الرحمن بن غنم، قال عنه الإمام أحمد: قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه
(5)
، وكذلك طارق بن شهاب البجلي، فرواية مثلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة، وإنما لم يضرَّ الإرسال في هذه الصورة لأن الواسطة في الغالب صحابي، والجهل به لا يضر لعدالة الصحابة، بخلافه في الصورة الأولى. فإذا ثبت هذا فلا بد للحكم بالاتصال من ثبوت السماع، ولا
(1)
المصدر نفسه 703.
(2)
المصدر نفسه 81.
(3)
انظر: العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 220 رقم 4957، 4958.
(4)
المراسيل 703.
(5)
المصدر نفسه 443.
يُكتَفى بمجرد اللقاء فضلاً عن إمكانه.
ولهذا الاعتبار حكم الإمام أحمد بالإرسال على رواية سعيد بن السيب عن عمر، مع أنه أثبت أن سعيداً قد رأى عمر وسمع منه لكنه ما سمع منه إلا شيئاً يسيراً، فرواياته عنه زيادة على ذلك مرسلة
(1)
؛ وكذلك جعل رواية مكحول عن واثلة بن الأسقع مرسلة مع أنه أثبت دخوله عليه ورؤيته له، لكن أنكر سماعه له
(2)
، وقال: لم يصح له منه سماع
(3)
.
وقد يعترض على المثال الأول، وهو ابن المسيب عن عمر بما رواه أبو طالب أحمد بن حميد أنه قال لأحمد:"سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ "
(4)
، ويمكن أن يجاب عنه بأن اعتبار رواياته حجة لا يخرجها عن كونها مرسلة، لأن مراسيل ابن المسيب عند أحمد صحاح، وكان لا يرى أصح من مرسلاته
(5)
، وخاصة ما أرسله عن عمر، فإنه كان يسمى راويته لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته
(6)
، وهذا مما لا يخفى على الإمام أحمد.
وهناك وجه آخر لعدم الحكم بالسماع والاتصال بمجرد اللقاء، وهو أنه قد يحصل اللقاء بين راوييْن مع الرواية لكن تكون الرواية من كتاب بلا سماع
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 590.
(2)
وقد روى أبو داود عن أحمد أنه سمع مكحول من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أنس، وواثلة، وأبي هند. ا. هـ. مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 453. وكذلك أثبته ابن معين والترمذي وصالح الجزرة انظر: تاريخ دمشق 60/ 208 - 210.
(3)
شرح علل الترمذي 2/ 590 - 591.
(4)
الجرح والتعديل 4/ 61.
(5)
تهذيب الكمال 11/ 73 برواية الميموني وحنبل عنه. وانظر: سير أعلام النبلاء 4/ 222، وشرح علل الترمذي 1/ 555.
(6)
تهذيب الكمال 11/ 74.
ولا عرض، بل ولا مناولة ولا إجازة، فإذا جاز أن يقع هذا فلا يصح أن يحكم بالاتصال بدون ثبوت السماع إذ يلزمه ذلك الحكم بالاتصال على الرواية بالوجادة، وهو خلاف الواقع. يوضح هذا ما رواه عبد الله قال: "سمعت أبي ذكر جميل بن زيد
(1)
، قال: قال أبو بكر بن عياش قلتُ لجميل بن زيد: هذه الأحاديث أحاديث ابن عمر؟ قال: أَمَا ما سمعتُ من ابن عمر، إنما قالوا لي: إذا قدِمتَ المدينة فاكتُب أحاديث ابن عمر. قال: فقدمتُ فكتبتُها"
(2)
، فقال هذا مع أنه جاء ما يدل على رؤيته لابن عمر كما في سنن سعيد بن منصور
(3)
.
ومثال آخر هو خِلاس بن عمرو وروايته عن علي بن أبي طالب، قال أبو داود:"قلت لأحمد: خِلاس سمع من علي؟ قال: قد سمع من عمارٍ وكان في الشرط مع علي، فلا يكون سمع من عمار إلا وقد أدرك علياً"
(4)
. فظاهر هذه الرواية أنه ليس هناك ما يمنع سماعه من علي لإدراكه له. لكن روى العقيلي عن الإمام أحمد أنه قال: "خِلاس عن علي كتاب"
(5)
. وذكر عبد الله عن أحمد: "كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن قتادة عن خلاس عن علي شيئاً، وكان يحدث عن قتادة، عن خلاس، عن غير علي، كأنه يتوقى حديث خلاس عن علي وحده
(1)
جميل بن زيد الطائي الكوفي، روى عن ابن عمر، وروى عنه الثوري وأبو بكر بن عياش وغيرهما. ضعيف. وروى سعيد بن منصور ما يدل على رؤيته لابن عمر تهذيب التهذيب 2/ 114.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 484 رقم 1111، 2/ 68 رقم 1576. وانظر: التاريخ الكبير 2/ 215.
(3)
انظر: تغليق التعليق 3/ 75.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 426 رقم 1972. وانظر: مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه صالح 1/ 330 رقم 279، والعلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 430 رقم 954.
(5)
ضعفاء العقيلي 2/ 377.
ـ يعني يقول: ليس هي صحاح، أو لم يسمع منه"
(1)
. واعتمد الإمام أحمد نفسه مثل هذا الذي رواه عن شيخه يحيى القطان، فقال المروذي: سألته ـ أي أبا عبد الله ـ عن خلاس فقال: "ما روى عن غير علي فلم ير به بأساً، وأما ما روى عن علي فليس هي عندي"
(2)
. فضعفه عن علي لأنه لم يثبت له السماع منه مع إدراكه له وروايته عنه، لأنه أخذ الرواية من كتاب، وقد كان خلاس يوصف بأنه صحفي
(3)
. وقال أبو حاتم: وقعت عنده صحف عن علي
(4)
.
والجدير بالذكر أن معنى نفي السماع عدم وقوف الناقد على تصريح بالسماع يصح أن يحتج به لإثبات السماع، ومن أجل هذا ورد عن النقاد التفتيش والبحث عن السماع في الأسانيد، والعناية بمرويات الذين يعتنون بذكر الإخبار وغيره من ألفاظ الأداء في الأسانيد. قال أحمد في الموازنة بين شعبة وأبي معاوية في الأعمش:"أبو معاوية في الكثرة والعلم ـ يعني علمه بالأعمش ـ شعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والأخبار، أبو معاوية: عن عن"
(5)
. أي شعبة يعتني بذكر ألفاظ الأداء، بينما أبو معاوية يذكر الأسانيد بالعنعنة، وهذا ما سيأتي في الدليل الثاني من أدلة اشتراط ثبوت السماع للحكم بالاتصال.
2.
البحث عن التصريح بالسماع بين الرواة:
الدليل الثاني من أدلة اشتراط ثبوت السماع بين الرواة للحكم على عنعنتهم بالاتصال عند الإمام أحمد هو بحثه عما يُثبت سماع الرواة بعضهم من
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 531 رقم 1249.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 59 رقم 49.
(3)
وصفه بذلك أيوب السختياني العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 364 رقم 695.
(4)
الجرح والتعديل 3/ 402.
(5)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 377.
بعض وعدم اكتفائه بالمعاصرة أو اللقاء بينهم، ولو لم يكن ذلك من أجل إثبات الاتصال لعدّ البحث عنه عبثاً أو عملاً لا طائل تحته. وفيما يلي أمثلة توضيحية:
أ- قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ: أبان بن عثمان سمع من أبيه؟ قال: لا، من أين سمع منه! "
(1)
. قال ابن رجب: مراده: من أين صحت الرواية بسماعه منه؟ وإلا فإن إمكان ذلك واحتماله غير مستبعد. ا. هـ
(2)
. ومعنى هذا: أنه حيث لم تأت رواية صحيحة فيها التصريح بسماعه من أبيه فلا يثبت له السماع. وقد ورد تصريحه بالسماع من عثمان في مسند أحمد في حديث: "أيكحل عينيه وهو محرم؟ أو بأي شيء يكحلها وهو محرم؟ فقال أبان: يضمدها بالصبر، فإني سمعت عثمان بن عفان يحدث ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "
(3)
، وفي حديث:"لا يَنكِح المحرم ولا يُنكَحُ ولا يَخطب" عند مسلم
(4)
، وهو عند أحمد أيضاً بالتصريح بالسماع
(5)
. ولذلك أثبت البخاري له السماع من أبيه
(6)
. فنفيُ الإمام أحمد هنا يُحمل على ذهول منه رحمه الله.
ب- قال أبو داود: "قلت لأحمد: أَسمِع أبو إسحاق السبيعي من
أبي موسى الأشعري؟ فقال: من أين سمع منه؟ ـ أو كلمة نحوها، فذكرت له حديث أُنيس، عن أبي إسحاق: بعثني أبي إلى أبي موسى الأشعري فسقاني نبيذاً، فأنكر الحديث جداًّ"
(7)
.
(1)
المراسيل 48.
(2)
شرح علل الترمذي 2/ 591.
(3)
المسند 1/ 481 ح 422.
(4)
صحيح مسلم 2/ 1030 ح 1409.
(5)
المسند 1/ 549 - 550 ح 535.
(6)
التاريخ الكبير 1/ 450.
(7)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 400 رقم 1892.
أبو إسحاق السبيعي ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ورأى علي بن أبي طالب يخطب
(1)
، فسماعه من أبي موسى الأشعري ت (42) هـ ممكن، لكن الإمام أحمد أنكره لأنه لم تأت رواية صحيحة مصرِّحة بذلك، ولما ذكر له حديث أنيس أنكره. وسؤاله:"من أين سمع منه؟ " يدل على بحثه عن التصريح بالسماع. ولم أقف على الأثر الذي ذكره أبو داود.
ج- قال عبد الله: "سئل عمّا روى سعيد بن جبير عن عائشة على السماع؟ قال: لا أُراه سمع منها، عن الثقة عن عائشة"
(2)
. قوله: عن الثقة عن عائشة يشير إلى ما رواه مالك عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن جبير، عن رجل عنده رضى أخبره أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما مِن امرئٍ تكونُ له صلاةٌ بليل فغلبه عليها نومٌ إلا كتب الله له أجرُ صلاتِه، وكان نومُه صدقةً عليه"
(3)
، مما يدل على أن روايته عنها بواسطة، فلم يحكم له بالسماع منه إذ لم تأت رواية مصرِّحة بذلك.
د- قال أبو طالب أحمد بن حميد: "سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن علي، سمع من أم سلمة شيئاً؟ قال: لا يصح أنه سمع. قلت: فسمع من عائشة؟ فقال: لا! ماتت عائشة قبل أم سلمة"
(4)
. فقوله: لا يصح أنه سمع، إشارة إلى عدم وجود رواية صحيحة فيها ثبوت سماعه منها.
هـ- قال حرب بن إسماعيل: "قال أحمد بن حنبل: ابن سيرين لم يجيء عنه
(1)
سير أعلام النبلاء 5/ 393.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 284 رقم 5261، وانظر: المراسيل 262.
(3)
أخرجه مالك في الموطأ 1/ 117، ومن طريقه أحمد 42/ 292 ح 25464، وأبو داود السنن 2/ 76 ح 1314، والنسائي السنن 3/ 257 ح 1783.
(4)
المراسيل 672.
سماع من ابن عباس"
(1)
. فهذا نفي منه لوجود الرواية بالسماع بينهما.
و- قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل: الزهري سمع من عبد الرحمن بن أزهر؟ قال: ما أُراه سمع من عبد الرحمن بن أزهر، ثم قال: إنما يقول الزهري: كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث
(2)
، كذا يقول معمر وأسامة: سمعت عبد الرحمن بن أزهر، ولم يصنعا عندي شيئاً، ما أُراه حفظ، وقد أدخل بينه وبينه طلحة بن عبد الله بن عوف"
(3)
. وأظن أن العبارة الصحيحة كالتالي: "إنما يقول الزهري كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث، كذا يقول معمر، وأسامة: سمعت عبد الرحمن بن أزهر، ولم يصنع عندي شيئاً، ما أُراه حفظ" لأن معمراً يروي عن الزهري: كان عبد الرحمن ابن أزهر يحدث، بينما الذي يقول عن الزهري: أخبرنا عبد الرحمن بن أزهر هو أسامة بن زيد وحده
(4)
، وهو الذي عناه الإمام أحمد بقوله: ما أُراه حفظ. والشاهد أنه نفى وجود رواية صحيحة تصرح بسماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر، وجاءت رواية تفيد أنه يحدث عنه
(1)
المصدر نفسه 681.
(2)
يشير إلى رواية صالح بن كيسان، عن الزهري أن عبد الرحمن بن أزهر كان يحدث أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يحثي في وجهوههم التراب المسند 31/ 432 ح 19082، والسنن الكبرى للنسائي 3/ 251 ح 5282. وكذلك رواية معمر عن الزهري كما رواها أحمد في المسند 27/ 366 ح 16811، وهي عند عبد الرزاق في المصنف 5/ 380، ومن طريقه ابن حبان الإحسان 15/ 564 ح 7090، ورواها أيضاً البخاري في التاريخ الكبير 5/ 240.
(3)
المصدر نفسه 700.
(4)
حديث أسامة بن زيد رواه أحمد المسند 27/ 364 ح 16809، والبزار مسند البزار 8/ 375 ح 3454 عن الزهري قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أزهر رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين يتخلل الناس يسأل خالد بن الوليد فأتى بسكران فأمر رسول الله من كان عنده أن يضربوه بما كان في أيديهم وحثا عليه رسول الله التراب
…
الحديث. وقد رواه عقيل عن الزهري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه عبد الرحمن بن أزهر به. وأخرجه أبو داود ح 4488، والنسائي السنن الكبرى 5283.
بواسطة فدل على عدم سماعه منه.
فكل هذه النصوص تدل على اهتمام الإمام أحمد بالوقوف على ما يثبت سماع الرواة بعضهم من بعض، والغرض من ذلك التوصل إلى الحكم على مروياتهم بالاتصال، مما يدل على أن ثبوت السماع هو المعتبر عنده للحكم بالاتصال في الأسانيد المعنعنة.
3.
الاحتجاج بثبوت السماع لإثبات صحة الإسناد وعدم الاكتفاء بإمكان اللقاء:
من الأدلة على اشتراط الإمام أحمد ثبوت السماع للحكم بالاتصال أن من يُعلّ الأسانيد بعدم السماع لا يحتج عليه بإمكان اللقاء أو حتى بإمكان السماع، بل يُحاجّه بما فيه التصريح بثبوت السماع، فمن ذلك:
قال الخلال: أخبرنا المروذي قال: "قرئ على أبي عبد الله: عفان: ثنا عبد الصمد ابن كيسان، ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيتُ ربيِّ". قلت: إنهم يقولون إن قتادة لم يسمع من عكرمة. قال: هذا لا يدري الذي قال! وغضِب، وأخرج إليّ كتابَه فيه أحاديث مما سمع قتادةُ من عكرمةَ، فإذا هي ستة أحاديث: "سمعت عكرمة"، وقال
أبو عبد الله: قد ذهب من يُحسن هذا، وعجِب من قوم يتكلمون بغير علمٍ، وعجِب من قول من قال: لم يسمع! وقال: سبحان الله! فهو قدِم إلى البصرة فاجتَمع عليه الخلقُ. وقال يزيد بن حازم: هذا رواه حماد بن زيد: إن عكرمة سأل عن شيء من التفسير فأجابه قتادة"
(1)
.
(1)
المنتخب من العلل للخلال ص 283 رقم 182.
وحديث ابن عباس أخرجه أحمد بالإسناد المذكور هنا المسند 4/ 386 ح 2634 ومن طريق الأسود بن عامر عن حماد بن سلمة به المسند 4/ 350 ح 2580. وأخرجه ابن عاصم في =
فردّ الإمامُ أحمد على من أعلّ حديث قتادة هذا بعلة عدم سماعه من عكرمة، رد عليه بتصريح قتادة بالسماع في عدة أحاديث غير هذا، وما ذكره من قدوم عكرمة البصرة واجتماع الخلق عليه، وكذا سؤاله قتادة عن شيء من التفسير إنما هي قرائن تؤيّد ما ذكره من ثبوت السماع، ولم يحتج أحمد بإمكان اللقاء، ولو كان يرى إمكان اللقاء كافياً لإثبات الاتصال لاحتج به عليه.
4.
إعلاله الأحاديث بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم:
ومن الأدلة على أن الإمام أحمد يشترط ثبوت السماع للحكم على الأسانيد المعنعنة بالاتصال أنه يعتبر عدم سماع الرواة ممن رووا عنهم علة تُعَلّ بها أحاديث أولئك الرواة، فهذا يدل على أن نقيضه ـ وهو وجود السماع بين الرواة ـ شرط من شروط صحة الأسانيد عنده، ولما كان هذا الشرط ليس له علاقة بثقة الرواة أو تجريحهم تعين أن يعود إلى اتصال الإسناد. ولم يأت عنه الإعلال بعدم المعاصرة، وحتى ولو أعل بعدم الإدراك فمراده الاستدلال بعدم الإدراك على
السنة 1/ 188 ح 433 من طريق عفان، ومن طريق الأسود بن عامر 1/ 191 ح 440 وكذلك ابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال 2/ 677. ورواه الخطيب من طريق آخر عن عفان تاريخ بغداد 11/ 214 بزيادة:[في صورة شاب أمرد]. وفيه: قال عفان: فسمعت
حماد بن سلمة سئل عن هذا الحديث فقال: دعوه حدثني به قتادة وما في البيت غيري وغير آخر. ا. هـ. والراوي عن عفان في هذا الإسناد هو عمر بن موسى بن فيروز التوري، ولم أقف له على توثيق، وقد تفرد بهذه الزيادة عن عفان، وخالف عدداً من الحفاظ.
وسئل الإمام أحمد: هل أحدث بهذا الحديث: قال حدّث به فقد حدّث به العلماء المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد 2/ 195.
وصححه الألباني في تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم وقال: هو مختصر من حديث الرؤيا، وأنها رؤيا منامية السنة 1/ 188 - 189. ومال شعيب الأرنؤوط إلى تصحيح وقف الحديث للاختلاف الواقع في رفع الحديث ووقفه، وما اشتهر به عن ابن عباس أنه كان يقول: رأى محمد ربه انظر: تحقيقه لمسند الإمام أحمد 4/ 351 - 353.
عدم السماع
(1)
.
فمن أمثلة ما أعلّه بعدم السماع:
أ- قال عبد الله: سمعت أبي يقول حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور ـ يعني ابن زاذان
(2)
ـ عن نافع أن امرأةً صحِبتْ قوماً في سفرٍ. سمعت أبي يقول: لم يسمع منصور من نافع شيئا
(3)
.
لم أقف على هذا الأثر، والشاهد فيه أن الإمام أحمد أعله بعدم سماع منصور بن زاذان من نافع مولى ابن عمر.
ب- قال عبد الله: قلت لأبي: إن سفيان بن عيينة حدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر"، فأنكره وقال: من حدّث به؟ قلت: يحيى بن معين حدثنا عن سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. قال يحيى: فقال رجل لسفيان: من ذكره؟ قال وائل. قال أبي: نرى وائل لم يسمع من الزهري، إنما روى وائل عن ابنه. وأنكره أبي أشدَّ الإنكار وقال: هذا خطأ، ثم قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث
(4)
.
(1)
انظر: شرح علل الترمذي 2/ 599.
(2)
منصور بن زاذان الواسطي، ثقة ثبت عابد كبير الشأن ت 128 هـ وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال 28/ 523، الكاشف 5639، تقريب التهذيب 6946.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 247 رقم 2138.
(4)
المصدر نفسه 2/ 345 رقم 2532.
وحديث عائشة أخرجه عبد الله في زوائده على فضائل الصحابة 67 ح 28، وابن عساكر تاريخ دمشق 30/ 58 من طريق يحيى بن معين، وفي آخره: قال رجل: يا أبا محمد سمعته من الزهري؟ فقال: حدثني وائل. ا. هـ. وأخرجه الحميدي مسند الحميدي 1/ 121 ح 250، وأبو يعلى مسند أبي يعلى 4/ 437 ح 4884، وابن أبي عاصم السنة 2/ 563 ح 1230 كلهم من طريق ابن عيينة به.
حديث عائشة هذا ظاهره الصحة، لكن تبينت علته لما كشف ابن عيينة عن تدليسه عن الزهري، وأنه ما رواه إلا عن وائل
(1)
، عن الزهري. فأعلّ الإمام أحمد رواية وائل عن الزهري بعدم سماع وائل من الزهري، وأن روايته عنه بواسطة ابنه بكر بن وائل، فلعدم السماع وقعت النكارة في هذه الرواية وجاءت مخالفة للمحفوظ عن الزهري، والمحفوظ هي الرواية التي ذكرها أحمد: معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب مرسلاً. وقد تابع معمراً إسحاقُ ابن راشد
(2)
كما سبقت الإشارة إليه.
= وخالف سفيانَ معمرُ وإسحاقُ بن راشد، فروياه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكراه مرسلاً. وذكر الإمام أحمد طريق معمر هذه، وأخرجها ابن عساكر تاريخ دمشق 30/ 59 من طريق أحمد بن منصور عن عبد الرزاق عن معمر. وأما طريق إسحاق بن راشد فأخرجها عبد الله في زوائده على فضائل الصحابة 72 ح 36.
وأنكر الإمام أحمد حديث ابن عيينة لمخالفته لرواية معمر المرسلة، وحكم على رواية ابن عيننة بالخطأ.
قال الخطيب: وحديث معمر هذا أصح من حديث ابن عيننة، وقد تابع معمراً على روايته إسحاق بن راشد، وهو المحفوظ عن الزهري وإن كان مرسلاً تاريخ دمشق 30/ 59.
وقد روى ابن عساكر رواية بكر بن وائل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به تاريخ دمشق 30/ 59. وبكر بن وائل قال عنه أبو حاتم صالح، وقال النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال 4/ 231.
فعادت الموازنة بين معمر وإسحاق بن راشد من جهة، وبكر بن وائل من جهة أخرى، ولا شك في ترجيح رواية معمر على رواية بكر بن وائل وإن انفرد، كيف وقد توبع!
وقد قيل لسفيان في مخالفة معمر له فقال: ما سمعنا من الزهري إلا عن عروة عن عائشة. ا. هـ مسند الحميدي 1/ 121، فلم يقبل أنه أخطأ ولم يرجع عن روايته.
ومتن الحديث مروي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، وهو عند أحمد المسند 12/ 414 ح 7446 وغيره.
(1)
هو وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي. قال أحمد: وائل ثقة، سمع من إبراهيم وهو يحدث عن ابنه عن الزهري وقال أيضاً: وائل ثقة، ثقة. ثم نقل عن سفيان بن عيينة أنه قال: لم يجالس وائل الزهري، وجالس ابنُه الزهريَّ العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 150 رقم 51.
(2)
هو ثقة، لكن في حديثه عن الزهري بعض الوهم تقريب التهذيب 353، وقد أخرج له البخاري من حديثه عن الزهري تهذيب الكمال 2/ 419، هدي الساري ص 389.
فاتضح من هذا المثال أن عدم ثبوت السماع علة في الإسناد، فثبوته إذاً شرط من شروط صحته.
ج- قال عبد الله: قال أبي: كنا عند سليمان بن حَرب فذكرْنا المسحَ على الخفّيْن، فذكرْنا أحاديثَ، فجعل سليمان بن حرب يقول: ذا لا يُحتمل، وذا ما أدري، قلنا: أيشٍ عندك؟ قال: خالد، عن أبي عثمان، عن عمر قال: يمسح حتى يأوي إلى فراشه
(1)
. قلنا: خالد لم يسمع من أبي عثمان شيئاً، يقول ذلك بعض الناس، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُوقِّت
(2)
، ويقول: خالد عن أبي عثمان! كأنه لم يرض منه بذلك
(3)
.
في هذه المسئلة طعَن الإمامُ أحمد ومَن معه على الأثر الذي احتجّ به شيخُهم سليمانُ بن حرب في عدم التوقيت في المسح على الخفين، طعنوا فيه بعدم سماع خالد ـ وهو ابن مهران الحذاء ـ من أبي عثمان النهدي، فدل على أن عدم السماع
(1)
أثر عمر رواه ابن المنذر من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي عوانة، عن خالد الحذاء، عن
أبي عثمان النهدي، عن عمر أنه قال في المسح على الخفين:"يمسح إلى الساعة التي توضأ فيها". الأوسط 1/ 443 ث 469. وتابعه عاصم بن سليمان الأحول عن أبي عثمان: أخرجه عبد الرزاق المصنف 1/ 209 ح 808، والبيهقي السنن الكبرى 1/ 276 بلفظ: "يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته".
وهذان اللفظان يختلفان عن اللفظ الذي ذكره سليمان بن حرب في روايته، ولعل ذلك راجع إلى تصرف سليمان في اللفظ، فإنه كان كثير الرواية بالمعنى. قال الخطيب: كان سليمان يروي الحديث على المعنى فتتغير ألفاظه في روايته تاريخ بغداد 9/ 36، وانظر: تهذيب الكمال 11/ 391.
(2)
من هذه الأحاديث حديث عوف بن مالك الأشجعي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم. أخرجه أحمد المسند 39/ 422 ح 23995. قال الإمام أحمد: هذا أجود حديث في المسح على الخفين لأنه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها تنقيح التحقيق بحاشية التحقيق 1/ 187.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 541 رقم 3565.
علة تجعل الأثر غيرَ صالح للاحتجاج به، وهو الشاهد في إيراد المسئلة.
وقد روى الشيخان لخالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي
(1)
. ولم أقف على تصريحه بالسماع من أبي عثمان إلا في حديث واحد عند الحاكم وحده
(2)
.
ولخالد الحذاء رواية عن أبي عثمان بواسطة عاصم الأحول
(3)
. وقال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: خالد ما أُرى سمع من أبي عثمان كبير شيء، إنما هي أحاديث عاصم"
(4)
فكأنه يشير في هذه الرواية إلى أنه مدلس
(5)
، سمع من أبي عثمان شيئاً يسيراً، ثم روى الأحاديث التي سمعها من عاصم عنه بإسقاط عاصم، وهذا هو التدليس.
والشاهد أن الإمام أحمد أعلّ الحديث بعدم سماع خالد الحذاء له من أبي عثمان، فدل على أن عدم السماع علة، فثبوت السماع إذاً شرط في الصحة.
(1)
تهذيب الكمال 8/ 179. انظر على سبيل المثال صحيح البخاري 6/ 189 ح 3078، 7/ 18 ح 3662 - مع فتح الباري، صحيح مسلم 4/ 2077 ح 2704.
(2)
المستدرك 2/ 39. وهو حديث: "يرفع للرجل صحيفة يوم القيامة حتى يرى أنه ناج، فما تزال مظالم بني آدم تتبعه حتى ما تبقى له حسنة
…
". وقال الحاكم: حديث صحيح غريب كما في إتحاف المهرة 5/ 557. وقد أخرج الحديث من طريق الحاكم البيهقي في البعث والنشور 25/ 256.
وقد روى بشار بن موسى الخفاف حديث عمرو بن العاص مرفوعاً: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة
…
" الحديث، عن خالد الطحان، عن خالد الحذاء تاريخ دمشق 3/ 199، وفيه تصريح خالد الحذاء بالسماع من أبي عثمان. وهو مخالف لما رواه غير واحد عن خالد الطحان، وهو عند البخاري وغيره 8/ 74 ح 4358 - مع فتح الباري. وبشار الخفاف ضعيف كثير الغلط. قاله ابن حجر تقريب التهذيب 680.
(3)
انظر: علل الدارقطني 4/ 395 - 396.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 447 رقم 2034.
(5)
ذكره ابن حجر في المرتبة الأولى من المدلسين تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ص 35.
د- قال عبد الله: سئل ـ أي أحمد ـ عن حديث الفريابي، عن سفيان، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن عمر صلّى بهم ـ يعني بالناس ـ وهو جُنب
(1)
. فقال أبي: سفيان لم يسمع من القاسم بن عبد الرحمن، إنما روى عن أشعث ـ يعني ابن سوّار ـ عنه
(2)
.
ذكر الإمام أحمد هذا الحديث ضمن الأحاديث التي رواها الفريابي عن الثوري وأخطأ فيها
(3)
، فبيّن وجه الخطأ بأنه عدم سماع الثوري من القاسم ابن عبد الرحمن المسعودي، وأن روايته عنه بواسطة أشعث بن سواّر، وأما روايته لهذا الأثر فبواسطة جابر الجعفي كما رواه عبد الرزاق عنه. فهذا أيضاً يدل
(1)
رواه عبد الرزاق عن الثوري، عن جابر، عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب أمّهم وهو جنب، أو علي غير وضوء، فأعاد الصلاة ولم يُعِدْ مَنْ وراءَه مصنف عبد الرزاق 2/ 348 ح 3649. وجابر هو الجعفي. والقاسم بن عبد الرحمن هو المسعودي حفيد عبد الله بن مسعود، ثقة عابد تقريب التهذيب 5504.
ورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر أنه صلى بالناس وهو جنب فأعاد وأمرهم أن يعيدوا مصنف ابن أبي شيبة 1/ 398 ح 4570. وهذا منقطع بين إبراهيم ـ وهو النخعي وعمر ـ. قال أبو زرعة وأبو حاتم: إبراهيم النخعي عن عمر مرسل المراسيل 23، 24.
ورواه مالك في الموطأ 1/ 49، من طريق سليمان بن يسار "أن عمر صلى بالناس الصبح ثم غدا إلى أرضه بالجُرف فوجد في ثوبه احتلاماً فقال: إنا لما أصبنا الودَك لانَت العروق، فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه وعاد لصلاته". وسليمان بن يسار عن عمر مرسل أيضاً، قاله أبو زرعة المراسيل 295.
وروى البيهقي نحوه من طريق عيسى بن طلحة عن مطيع بن الأسود عن عمر وزاد في آخره: ولم يأمر أحداً بإعادة الصلاة السنن الكبرى 2/ 399. ومطيع بن الأسود له صحبة وهو
ابن عم عمر تهذيب الكمال 28/ 91.
ورواه كذلك من طريق ابن المنكدر، عن الشريد بن سويد الثقفي، عن عمر السنن الكبرى 2/ 399 - 400. والشريد أيضاً صحابي ومات في خلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الطبقات الكبرى 5/ 513.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 57 رقم 4152.
(3)
وهي بضعة عشر حديثاً ذكرها عبد الله في العلل ومعرفة الرجال 3/ 56 - 59.
على أن عدم ثبوت السماع علة يعل به الحديث.
هـ- قال محمد بن يحيى الذهلي: سمعت أحمد بن حنبل ـ وذكر أحاديث سالم بن أبي الجعد عن ثوْبان ـ فقال: لم يسمع سالم من ثوبان، ولم يلقه، وبينهما معدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح
(1)
.
نفى الإمام أحمد الصحة عن أحاديث سالم بن أبي الجعد عن ثوبان، وجعل العلة في ذلك عدم السماع بينهما، والشاهد عنده على عدم السماع هو عدم اللقاء، وأن سماعه منه كان بواسطة معدان بن أبي طلحة، وسالم وإن كان كوفياً إلا أنه ذهب إلى الشام وحدث عن معدان
(2)
، وعن أم الدرداء الصغرى
(3)
. وأما ثوبان وإن كان نزل الشام
(4)
إلا أن رواية سالم عن ثوبان بواسطة معدان بن أبي طلحة قرينة على عدم سماعه منه.
فهذه النصوص أمثلة على إعلال الإمام أحمد للأسانيد بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم، فدل على أنه يشترط ثبوت السماع لصحة الأسانيد.
(1)
الجرح والتعديل 4/ 181.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 165 رقم 1885.
(3)
تهذيب الكمال 10/ 131.
(4)
ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطبقات الكبرى 7/ 424. نزل الرملة ثم انتقل إلى الشام وبها مات تهذيب الكمال 4/ 414.
المطلب الثاني: ما يدل على اكتفاء الإمام أحمد بالمعاصرة وإمكان السماع والجواب عنه
.
بعد تقرير أن الإمام أحمد يذهب إلى اشتراط ثبوت السماع للحكم بالاتصال قد يعترض ببعض النصوص ظواهرها تدل على اكتفائه بالمعاصرة وإمكان اللقاء، فينتقض ما سبق تقريرُه، سأُورد ما وقفت عليه من تلك النصوص مع الجواب عليها إن شاء الله.
1.
قال الأثرم: "سألت أحمد قلت: محمد بن سُوقة سمع من سعيد بن جُبير؟ قال: نعم، قد سمع من الأسود غير شيء"
(1)
وهذا ظاهره استدلال بسماعه من الأسود بن يزيد على سماعه من سعيد ابن جبير، فإن الأسود أقدم من سعيد، مات سنة (74) هـ، وقد أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان لم يره
(2)
، بينما مات سعيد بن جبير سنة (95) هـ. فلا يكون محمد بن سوقة سمع من الأسود إلا وقد سمع من سعيد، لأن كلهم من أهل الكوفة. فهذا في الظاهر استدلال بإمكان السماع من غير الوقوف على التصريح به. لكن أجاب ابن رجب عن هذا الظاهر فقال:"كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح لسماعه منه، وما ذكره من قِدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير، فإنه كثيراً ما يرِدُ التصريح بالسماع ويكون خطأ"
(3)
، وهذا تعليل واضح وصحيح، فإن التصريح بالسماع كثيراً ما يكون خطأ، ومن الأمور التي تكشف خطأه عدم إمكان السماع، ومن أمثلة ذلك إنكار
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 589.
(2)
تحفة التحصيل ص 30.
(3)
شرح علل الترمذي الموضع نفسه.
الإمام أحمد لسماع قتادة من خلاد الجهني الذي رواه هدبة بن خالد، عن حماد، عن قتادة فقال أحمد:"هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلاداً"
(1)
.
ويؤيد ما ذكره ابن رجب أن محمد بن سُوقة قد ثبت لقاؤه بسعيد بن جبير كما في الأثر الذي رواه ابن أبي شيبة
(2)
أنه قال: "رأى عليّ سعيد بن جُبير طيلساناً كان فيه أزرار ديباج نزعتها، فقال: لمَ نزعتَها؟ قلت له: قال لي أصحابي: أتلبس هذا وأنت محرِمٌ؟ قال: وما يضرّك! "، بل ثبت تصريحه بالسماع منه أيضاً، وذلك فيما رواه عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن محمد بن سُوقة قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: [من أمّ هذا البيت يريد دُنيا أو آخرة أُعطيتْهُ]
(3)
. وكذلك فيما رواه
ابن عبد البر من طريق روح بن عُبادة، حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة قال: سمعت سعيد بن جبير سئل: "ما تمام عمرة؟ فقال: أن تحرم بها من أهلك"
(4)
. فما ذكره الإمام أحمد من سماعه من الأسود بن يزيد ذكره قرينة يستدل بها على صحة ما ورد من تصريحه بالسماع، لا أنه اعتمد ذلك في إثبات السماع.
2.
قال ابن هانئ: "قلت: ابن إسحاق سمع من عطاء؟ قال: نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق وقد سمع من عطاء بن أبي رباح"
(5)
.
وهذا المثال على عكس الذي قبله، ففيه استدلال بسماع الصغير على سماع الأكبر منه من باب أولى وأحرى، وظاهره أيضاً اعتماد إمكان السماع لا التصريح به. والجواب عنه كالجواب عن الذي قبله، وهو أنه ذكره قرينةً للاستدلال به على
(1)
المصدر نفسه 2/ 593.
(2)
مصنف ابن أبي شيبة 3/ 329 ح 14671.
(3)
مصنف عبد الرزاق 5/ 18 ح 8834.
(4)
التمهيد 5/ 145.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 239 رقم 2326.
صحة ما رود من تصريح ابن إسحاق بالسماع من عطاء، فقد ورد تصريحه بالسماع من عطاء عند الإمام أحمد في حديث يعلى وسلمة ابني أمية في الرجل الذي عضّ آخر فاجتبذ يده من فيه فطرح ثنيّته وأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ديته
(1)
.
3.
قال عبد الله: "قلت لأبي: قتادة سمع من عبد الله بن سرجس؟ قال: ما أشبهه، قد روى عنه عاصم الأحول"
(2)
.
وهذا أيضاً استدلال بإمكان السماع، وذلك أن عاصم بن سليمان الأحول أصغر من قتادة
(3)
، فإذا كان قد سمع من عبد الله بن سرجس فلأن يسمع قتادة من عبد الله بن سرجس من باب أولى وأحرى، فإن الثلاثة كلهم من أهل البصرة
(4)
.
وقد روى عبد الله هذه المسئلة في موضع آخر فقال: "قيل: سمع قتادة من عبد الله بن سرجِس؟ قال: نعم، قد حدّث عنه هشام، يعني عن قتادة، عن
(1)
المسند 29/ 473 ح 17953 من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق. ورواه الحاكم أيضاً من طريق يونس بن بكير وفيه التصريح بالسماع المستدرك 4/ 424. وهو عند النسائي السنن 8/ 30 ح 4779، وابن ماجه السنن 2/ 886 ح 2656 بالعنعنة بين ابن إسحاق وعطاء.
ورواه رشدين عن يونس بن يزيد، عن ابن إسحاق، عن خالد بن كثير، عن عطاء بن أبي رباح به، فزاد في الإسناد خالد بن كثير. أخرجه الطبراني المعجم الكبير 22/ 251 ح 652. ورشدين هو ابن سعد المصري، وهو ضعيف تقريب التهذيب 1953.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 86 رقم 4300.
(3)
ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل البصرة من التابعين، بينما ذكر قتادة في رأس الطبقة الثالثة. ومات عاصم الأحول بعد سنة 140، وقتادة سنة 118 انظر: الطبقات الكبرى 7/ 229، 231، 256.
وقد ورد تصريح عاصم الأحول بالسماع من ابن سرجس في الأثر الذي رواه ابن سرجس: "رأيت الأصيلع عمر بن الخطاب أتى الحجر الأسود فقبله ثم قال: إني أعلم أنك حجر
…
". وهو عند الحميدي مسند الحميدي 1/ 7 ح 9، والطيالسي مسند الطيالسي 1/ 17 ح 50.
(4)
ذكر ابن سعد عبد الله بن سرجس فيمن نزل البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطبقات الكبرى 7/ 58.
عبدالله بن سرجِس حديثاً واحداً، وقد حدّث عنه عاصم الأحول"
(1)
، فدل على أن الإمام أحمد احتج بسماع عاصم من ابن سرجس لإثبات أن ما رواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس
(2)
محمول على السماع. وهذا استدلال بقرينة ثبوت سماع الأصغر على سماع الأكبر منه، إذا لم يكن هناك ما يدفعه كبعد البلدان، أو وجود رواية بالواسطة أو غير ذلك من الأسباب، ومع ذلك يبدو أن اعتماده على هذه القرينة هنا ليس بقويّ، لأننا رأينا فيما تقدم أنه كان يستأنس بمثل هذه القرينة في إثبات صحة ما ورد من التصريح بالسماع، وأما في رواية قتادة عن ابن سرجس فليس ثَمّ رواية فيها هذا التصريح فيما أعلم، ولعلّ من أجل ذلك نفى الإمام أحمد سماعه منه في رواية حرب بن إسماعيل فإنه قال: قيل لأحمد في سماع قتادة من ابن سرجِس فكأنه لم يره سماعاً
(3)
، والله أعلم.
وقد أثبت علي بن المديني سماع قتادة من ابن سرجس
(4)
. ولم يخرج الشيخان حديث قتادة عن عبد الله بن سرجس
(5)
.
4.
قال عبد الله: "سئل: هل سمع عمرو بن دينار من سليمان اليشكري؟ قال قُتل سليمانُ في فتنة ابن الزبير، وعمرو رجل قديم، قد حدّث عنه شعبة، عن
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 284 رقم 5264.
(2)
روى عنه حديث: "لا يبولنّ أحدكم في الجُحر، وإذا نمتم فأطفئوا السِّراج، فإن الفأرة تأخذ الفتيلة فتحرق أهل البيت، وأوكوا الأسقية، وخمِّروا الشراب، وغلّقوا الأبواب بالليل". أخرجه أحمد المسند 34/ 372 ح 20775، وهو عند أبي داود 1/ 30 ح 29، والنسائي 1/ 33 - 34 ح 34 وغيرهما. وذكر ابن أبي حاتم أن الحديث ما يروى إلا من هذا الطريق المراسيل 619 ب.
والحديث في جميع طرقه مروي بالعنعنة بين قتادة وابن سرجس، حسب ما وقفت عليه من الطرق.
(3)
المراسيل 619.
(4)
ذكره ابن الملقن في تحفة المحتاج 1/ 162، وابن حجر في تلخيص الحبير 1/ 106.
(5)
تهذيب الكمال 15/ 13.
عمرو، عن سليمان، وأُراه قد سمع منه"
(1)
.
احتج الإمام أحمد لسماع عمرو بن دينار من سليمان بن قيس اليشكري
(2)
بإمكان السماع لأن عمرو بن دينار قديم، فقد أدرك من الصحابة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله وسمع منهم
(3)
، وكلهم أكبر من عبد الله ابن الزبير، وقد حدث عنه
(4)
، وكان يقول: ما رأيت مصلياً قط أحسن صلاة من عبد الله بن الزبير
(5)
. فهذا يدل على أنه أدركه.
ثم إن فتنة ابن الزبير وقعت سنة (73) هـ
(6)
، وأما عمرو بن دينار فمات سنة (126) هـ وهو ابن ثمانين سنة
(7)
، فيكون عمره زمن الفتنة (27) عاماً، وكان مكياً، فإذا كان سليمان اليشكري قتل في الفتنة فسماع عمرو بن دينار منه شبه أمر ثابت، فقد ثبت رؤيته له، يدل على ذلك ما رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به عن ابن عيننة، عن عمرو: رأيت سليمان
(8)
.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 284 رقم 5263.
(2)
سليمان بن قيس اليشكري البصري، وثقه أبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: جالس جابراً وسمع منه وكتب عنه صحيفة وتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته، وروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر وأكثره من الصحيفة وكذلك قتادة. ا. هـ تهذيب الكمال 12/ 55 - 56.
(3)
انظر: تهذيب الكمال 22/ 11، تحفة التحصيل ص 242.
(4)
تهذيب الكمال 22/ 6.
(5)
سير أعلام النبلاء 3/ 367، لكن في إسناده مسلم بن خالد الزنجي. مختلف فيه، وتكلم في حفظه. وقال الذهبي: صدوق يهم، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وجماعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث. قال ابن حجر: صدوق فقيه له أوهام. تهذيب الكمال 27/ 511 - 513، المغني في الضعفاء 2/ 655، تقريب التهذيب 6669.
(6)
سير أعلام النبلاء 3/ 379.
(7)
تهذيب الكمال 22/ 12.
(8)
التاريخ الكبير 4/ 31.
فهذه القرائن ليست صريحة في إثبات السماع، ولم يحتج بها الإمام أحمد لإثباته، إنما ذكرها للاستدلال بها على إثبات صحة ما ورد من التصريح بالسماع في رواية شعبة عن عمرو، عن سليمان التي ذكرها الإمام أحمد
(1)
، فقد ورد التصريح بالسماع فيما رواه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم عن شعبة
(2)
.
5.
قال أبو داود: "قيل لأحمد: سمع الحسن من عمران؟ قال: ما أُنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه"
(3)
.
فهذا مثل ما تقدم ذكره في بعض الأمثلة أنه استدلال بسماع الأصغر على إمكان سماع الأكبر، وليس فيه اعتماده لإثبات السماع، لكنه هنا احتج به لعدم إنكار السماع، وإن لم يثبته.
وسئل أحمد عما يدل على لقاء الحسن بعمران بن حصين، فلم ينكره ولم يثبته:
قال أبو داود: "سمعت أحمد قال: خثيمة بن أبي خيثمة
(4)
كان من أهل البصرة، سكن الكوفة وحدّث عنه الأعمش ومنصور. قلت لأحمد كيف حديثه؟
(1)
روى عنه أثر أبي سعيد كما عند أحمد 17/ 447 ح 11349، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 435 عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن سليمان اليشكري، عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال في الوهم: يتحرى. قال: قلت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم. ووقعت الرواية عندهما بالعنعنة.
(2)
التاريخ الكبير 4/ 32.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 448 رقم 2042.
(4)
خيثمة بن أبي خيثمة البصري، روى عن أنس بن مالك، والحسن البصري. قال عنه ابن معين: ليس بشيء الجرح والتعديل 3/ 394.
وقال ابن المديني عن حديثه الذي رواه: إسناده ضعيف، وهو حديث منكر، وإنما أوتي من طريق خيثمة عن الحسن علل ابن المديني ص 58.
وذكره ابن حبان في الثقات 4/ 214، ثم ذكره في المجروحين 1/ 287 وقال: منكر الحديث.
وقد أثنى عليه أحمد كما في هذه الرواية من طريق أبي داود. والذين ضعفوه أكثر عدداً ومعهم زيادة علم.
قال: ما أعلم إلا خيراً. قلت: يقول عن الحسن: كنت أمشي مع عمران بن الحصين؟ قال: شريك كذا يقول
(1)
. قلت: وجرير قال هكذا؟
(2)
قال: نعم"
(3)
.
لكن قد جاء عن الإمام أحمد إنكار ذكر سماع الحسن من عمران بن الحصين. قال صالح بن أحمد بن حنبل قال: "قال أبي: الحسن قال بعضهم: "حدثني" عمران بن الحصين! يعني إنكاراً عليه أنه لم يسمع من عمران بن حصين"
(4)
.
كأن الإمام أحمد يشير إلى رواية مبارك بن فضالة حيث قال فيها عن الحسن: أخبرني عمران بن حُصين
(5)
، فإنه أنكره عليه.
ويؤيد ذلك أن رواية الحسن عن عمران بن حصين تأتي أحياناً بواسطة
(1)
وروى أحمد حديث شريك عن منصور، عن خيثمة، عن الحسن قال: كنت أمشي مع عمران
ابن حُصين فمررنا بسائل يقرأ القرآن فاحتبسني عمران، وقال: قف نستمع القرآن. فلما فرغ سأل، فقال عمران: انطلق بنا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"اقرؤوا القرآن واسألوا الله به، فإن من بعدكم قوماً يقرؤون القرآن يسألون الناس به". المسند 33/ 146 ح 19917.
ورواه الثوري عن الأعمش، عن خيثمة، عن الحسن عن عمران بن حصين، ولم يقل: كنت أمشي مع عمران بن حصين المسند 33/ 167 ح 19944.
(2)
رواه سعيد بن منصور في سننه عن جرير بن عبد الحميد الضبي عن منصور عن خيثمة بن أبي خيثمة الأنصاري البصري قال: كان رجل يطوف وهو يقرأ سورة يوسف ويجتمع الناس عليه فإذا فرغ سأل، فقال الحسن: كنت مع عمران بن الحصين فمر بهذا السائل فقام فاستمع لقراءته، فلما فرغ سأل فقال عمران: إنا لله وإنا إليه راجعون اذهب بنا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأ القرآن
…
" فذكر الحديث سنن سعيد بن منصور 1/ 187 ح 45.
(3)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص 289 رقم 335.
(4)
المراسيل 120. وكذلك قال علي بن المديني: قيل له: كان الحسن يقول: سمعت عمران
ابن حصين؟ فقال: أما عن ثقة فلا المراسيل 119. ومثله عن يحيى بن سعيد القطان الجرح والتعديل 1/ 243.
وقال أبو حاتم: ليس يصح ذلك من وجه يثبت، يدخل قتادة عن الحسن: هياج بن عمران البرجمي، عن عمران بن حصين تحفة التحصيل ص 71.
(5)
الضعفاء للعقيلي 4/ 1369.
هياج بن عمران البرجمي
(1)
كما روى بعضها الإمام أحمد
(2)
، وذكر أبو داود عن أحمد أنه قال: وقتادة يدخل بينهما ـ يعني الحسن وعمران ـ هياج. ا. هـ
(3)
.
فالذي يتضح بعد جمع هذه النصوص عن الإمام أحمد أنه لا ينكر سماع الحسن من عمران إذا جاء التصريح به من وجه صحيح، ويكون ما ذكره من سماع ابن سيرين من عمران شاهداً له ودليلاً لقبوله، وأما حيث لم يأت ذكر السماع من وجه صحيح فلم يثبته، وأنكر على من ذكره. فليس في هذه المسئلة إذاً احتجاج الإمام أحمد بإمكان السماع كدليل على إثباته، والله أعلم.
6.
قال مهنّا: "قلت لأحمد ويحيى: فسمع زيد بن وهب من حذيفة؟ فقالا: نعم، زيد بن وهب قديم"
(4)
. فهذا ظاهره استدلال بإمكان اللقاء على إثبات السماع، فإنهما قالا: زيد بن وهب قديم، فيمكن سماعه من حذيفة.
وزيد بن وهب هو أبو سليمان الجهني الكوفي رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقُبض وهو في الطريق
(5)
، فلقاء مثله بحذيفة بن اليمان ممكن جداً. لكن ما ذكره أحمد ويحيى ليس من باب الاحتجاج بإمكان اللقاء على ثبوت السماع بل هو من جنس ما قبله، ذكراه قرينة لقبول ما ورد من التصريح بسماعه من حذيفة، فقد ورد ذلك في بعض حديثه عن حذيفة
(6)
، كما ورد تصريحه بلقائه فيما رواه البخاري
(7)
: كنا عند حذيفة فقال: "ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة
…
"،
(1)
قال عنه ابن المديني: مجهول. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث تهذيب الكمال 30/ 360 - 361.
(2)
المسند 33/ 78 ح 19844.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 449.
(4)
المنتخب من العلل للخلال ص 171.
(5)
تهذيب الكمال 10/ 111.
(6)
في حديث رفع الأمانة في صحيح البخاري 11/ 333 ح 6497 - مع فتح الباري.
(7)
صحيح البخاري 8/ 322 ح 4658 - مع فتح الباري.
وفيما رواه مسلم
(1)
: "كنت جالساً مع حذيفة وأبي موسى
…
".
7.
وذكر مغلطاي عن محمد بن موسى بن مشيش أنه قال للإمام أحمد: "أبو ريحانة سمع من سفينة؟ فقال: ينبغي، وهو قديم، سمع من ابن عمر"
(2)
.
وأبو ريحانة هو عبد الله بن مطر البصري، صحب عبد الله بن عمر
(3)
، واستدل الإمام أحمد بسماعه من ابن عمر على إمكان سماعه من سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس في كلامه إثبات السماع، قال ابن رجب:"وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا"
(4)
.
وقد ورد تصريحه بالسماع في الحديث الذي رواه سفينة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع" عند أحمد
(5)
، وابن المنذر
(6)
، وابن عدي
(7)
، وهو عند مسلم وغيره بالعنعنة
(8)
. وأثبت كلٌ من البخاري ومسلم سماعه منه
(9)
.
فاتضح أن الإمام أحمد إنما استدل بسماع أبي ريحانة من ابن عمر على صحة قول من روى التصريح بالسماع، كأنه يقول: الواقع لا يدفع صحة سماعه من سفينة.
فهذه هي النصوص التي يمكن أن يستدل بظاهرها على أن الإمام أحمد يذهب إلى الاكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء لإثبات الاتصال، وقد احتج بعض
(1)
صحيح مسلم 4/ 1912.
(2)
الإعلام بسنته عليه السلام لمغلطاي ق 1/أ.
(3)
تهذيب الكمال 16/ 147. قال عنه ابن حجر: صدوق تغير بآخره تقريب التهذيب 3648.
(4)
شرح علل الترمذي 2/ 599.
(5)
المسند 36/ 260 ح 21930.
(6)
الأوسط 1/ 359 ح 327.
(7)
الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 1567.
(8)
صحيح مسلم 1/ 258 ح 326.
(9)
انظر: التاريخ الكبير 5/ 198، الكنى والأسماء 1/ 325.
الباحثين
(1)
ببعضها لتقرير هذه الدعوى وبالتالي إثبات أن ما ذكره الإمام مسلم من أنها إجماع صحيح. وقد ذكرت الجواب عنها بالتفصيل، والأمر المشترك فيها كلها هو ما ذكره ابن رجب في قضية سماع محمد بن سوقة من سعيد بن جبير، وأعيد كلامه، قال:"كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح لسماعه منه، وما ذكره من قدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير، فإنه كثيراً ما يرِدُ التصريح بالسماع ويكون خطأ"، فلله درّ الحافظ ابن رجب! ما أتم استقرائه لكلام أحمد! وما أعرفه بمنهجه!
وممن ذهب إلى اشتراط ثبوت السماع الإمام الشافعي، فقد ذكر في الرسالة: "لم يعرف التدليس ببلدنا فيمن مضى، ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثاً، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيراً له. وكان قول الرجل: سمعت فلاناً يقول: سمعت فلاناً وقوله: حدثني فلان عن فلان سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع، فمن عرفناه بهذه الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان، ومن عرفناه دلّس مرة فقد أبان لنا عورتَه في روايته
…
فقلنا: لا نقبل من مدلّسٍ حديثاً حتى يقول فيه: حدثني أو سمعت"
(2)
. وكذلك أضاف الحافظ ابن رجب هذا القول إلى أبي حاتم وأبي زرعة
(3)
.
وهذا المذهب أشد من مذهب البخاري وعلي بن المديني، وهو اشتراط إمكان السماع، وذلك بأحد أمرين: السماع أو اللقاء
(4)
.
(1)
وهو الشريف حاتم بن عارف العوني في كتابه "إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين".
(2)
الرسالة ص 378 - 380، وانظر: شرح علل الترمذي 2/ 585 - 586.
(3)
شرح علل الترمذي 2/ 590.
(4)
المصدر نفسه 2/ 592.
والمذهب الثالث لدى المتقدمين هو مذهب الإمام مسلم الذي انتصر له وانبرى لرد ما خالفه، وهو الاكتفاء بالمعاصرة وإمكان اللقاء. قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه:"القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والرويات قديماً وحديثاً أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤُه والسماعُ منه لكونهما جميعاً كانا في عصرِ واحدِ، وإن لم يأتِ في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتةٌ، والحُجّة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينةٌ أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئاً"
(1)
.
(1)
مقدمة صحيح مسلم ص 29 - 30.
المبحث الثاني: وسيلة إثبات السماع وذكر شروطها وموانعها
. المطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند.
والمقصود بوسيلة إثبات السماع الأمر الذي يحتج به الناقد لإثبات سماع الراوي ممن روى عنه، ولما كان مذهب الإمام أحمد اشتراط ثبوت السماع فلا يُعتبر شيءٌ لإثبات السماع عنده دون التصريح به في السند، وذلك أيضاً يتقيد ببعض الشروط وانتفاء بعض الموانع.
المطلب الأول: طريق إثبات السماع بالتصريح به في السند
.
وذلك أن يرد في إسناد صالح للاحتجاج أن فلاناً قال: سمعت فلاناً، أو حدثني، أو قال لي، أو أخبرني، أو سألته عن كذا وما إلى ذلك، فكل هذه تدل على ثبوت السماع بين الراوي ومن روى عنه، ويحتج الإمام أحمد بذلك لحمل ما ورد بالعنعنة بين الراويين على الاتصال. فمن ذلك:
1.
قال صالح: "قلت: ابن أبي ذئب سمع من الزهري؟ قال: نعم، سمع منه"، وقال صالح:"حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب قال: حدثني الزهري. وغير يحيى يقول: سألت الزهري، وهذا يحيى بن سعيد يقول: حدثني"
(1)
. فاحتج الإمام أحمد بتصريح ابن أبي ذئب بقوله في الإسناد: حدثني الزهري، وبقوله: سألت الزهري. فإن كلتا العبارتين صريح في إثبات السماع.
2.
قال ابن هانئ: "سألت أبا عبد الله: قلت: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه؟ قال: نعم، في حديث إسرائيل يقول: سمعت أبي عبد الله"
(2)
.
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه صالح 2/ 367 - 368 رقم 1018، 1019.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 214 رقم 2170.
ومثله في رواية محمد بن علي بن شعيب: "سمعت أحمد بن حنبل وقيل له: هل سمع عبد الرحمن بن عبد الله من أبيه؟ فقال: أما سفيان الثوري وشريك فإنهما لا يقولان سمع، وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت"
(1)
. فأثبت الإمام أحمد سماعه اعتماداً على تصريح إسرائيل بذكر سماعه من أبيه في إسناد حديث الضب، وإن خالفه الثوري وشريك في عدم ذكر السماع.
3.
وقال عبد الله: "سمعت أبي يقول: محمد بن سُوقة قد سمع من نافع بن جُبير، حدثناه ابن عيينة"
(2)
. أي ورد التصريح بسماعه من نافع بن جبير فيما حدثهم ابن عيينة
(3)
.
ويبدو أن الإمام أحمد أخذ هذا المنهج عن شيخه يحيى بن سعيد القطان، فقد روى صالح ابنُه، عن علي بن المديني قال: قلت ليحيى: سمع زرارة بن أوفى من ابن عباس؟ قال: ليس فيها شيء: "سمعت"
(4)
فمفهومه عدم إثبات السماع إذا لم يرد التصريح به في إسناد ما.
(1)
تهذيب الكمال 17/ 240.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 136 رقم 4594.
(3)
وذلك في حديث أم سلمة في الجيش الذي يخسف بهم أنهم يبعثون على نياتهم. ورد عند ابن ماجه وغيره من طريق ابن عيينة عن محمد بن سوقة، سمع نافع بن جبير يخبر عن أم سلمة فذكره سنن ابن ماجه 2/ 746 ح 4065.
(4)
المراسيل 220.
المطلب الثاني: شروط قبول التصريح بالسماع في السند
.
ليس كل ما ورد من تصريح بسماع راوٍ من شيخه في السند يكون مقبولاً، بل يتقيد ذلك ببعض الشروط.
الشرط الأول: صحة السند
.
مما يدل على أن الإمام أحمد يشترط صحة الإسناد لقبول ما ورد فيه من تصريح بالسماع أنه يردّ ما ورد من ذلك بأسانيد غير صحيحة عنده. فمن ذلك:
1.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:
"سئل أبي: هل سمع الحسن من سُراقة؟ قال: لا، هذا علي بن زيد يعني يرويه، كأنه لم يقنع به"
(1)
، فلم يقبله الإمام أحمد ولم يقنع به لأن الذي يرويه علي بن زيد بن جُدعان، وهو ممن لا تقوم الحجة بخبر مثله، فقد قال عنه الإمام أحمد: ليس بشيء
(2)
. وقد وافق الإمام أحمد على رد هذا الإسناد علي بن المديني قال: "وروى الحسن بن أبي الحسن أن سراقة حدّثهم في رواية علي بن زيد بن جُدعان، وهو إسناد ينبو عنه القلب أن يكون الحسن سمع من سراقة، إلا أن يكون معنى حدثهم حدث الناس، فهذا أشبه"
(3)
.
2.
قال ابن هانئ:
"سمعت أبا عبد الله يُسأل: لقِي الضحاكُ ابنَ عباس؟ فقال: ما علمت. فقيل: فممن سمع التفسير؟ قال: يقولون سمعه من سعيد بن جبير. قيل له: فلقِي ابنَ عمر؟ قال: أبو سنان يروي شيئاً، ما يصح عندي. قلت: فأبو نعيم كان يقول في حكيم بن الدّيلَم عن الضحاك: سمعت ابن عمر. فقال
(1)
المصدر نفسه 2/ 48 رقم 1511.
(2)
الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 1841.
(3)
علل ابن المديني ص 54.
أبو عبد الله: ليس بشيء"
(1)
.
وهذا النص أيضاً صريح في أن الإسناد الذي تضمن ذكر التصريح بالسماع لا يقبل إلا إذا كان صحيحاً، فلم يقبل الإمام أحمد سماع الضحاك بن مُزاحِم من ابن عمر لأن ذلك لا يصح عنده، مع أن الذي يرويه هو أبو سنان ضرار بن مرّة الشيباني، قال عنه: ثقة ثقة
(2)
. وكذلك قال في رواية حكيم بن الديلم التي صرح فيها بسماع الضحاك من ابن عمر: ليس بشيء، أي لا يعتد بها لعدم صحتها، مع أنه قال في حكيم بن الديلم: شيخ صدق
(3)
. وقد قال البخاري في إسناد حكيم ابن الديلم: لا أعلم أحداً قال: سمعت ابن عمر إلا أبو نعيم
(4)
.
3.
قال أبو داود:
سمعت أبا عبد الله قال: "قال عبد الرحمن بن مهدي: قال وُهيب لعطاء بن السائب: سمعتَ من عَبيدة؟ قال: نعم، أراد بذلك أن عطاء لقيه وُهيبٌ وقد تغيّر، لأن عطاء لا يُعرف له سماعٌ من عَبيدة ولا لقاءٌ"
(5)
، فلم يقبل تصريح عطاء بالسماع لكون كلامه هذا صدر منه بعد تغيّره فلا يحكم بصحته، ولذلك لم يُقبل.
الشرط الثاني: عدم معارضته بمعارض راجح
.
إن التصريح بالسماع في الإسناد يعتبر زيادة من الذي ذكره بالنسبة للذي روى الإسناد بدونها، فيخضع قبولها لشروط قبول زيادات الرواة ـ وهو ألا يعارض ذلك رواية من هو أولى منه، فإن عارضه فالزيادة تعتبر شاذة أو منكرة.
(1)
المراسيل 343.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 503 رقم 3318.
(3)
المعرفة والتاريخ 2/ 639.
(4)
تهذيب الكمال 13/ 294.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 383 رقم 1853.
ومن أمثلة ما جاء عن الإمام أحمد من مراعاة هذا الشرط:
1.
ما تقدم من عدم قبوله لسماع الزهري من عبد الرحمن بن أزهر، وقد رواه أسامة بن زيد الليثي، لكن عارضه صالح بن كيسان وكذلك معمر، فلم يذكرا السماع، فقال الإمام أحمد عن رواية أسامة: ما أُراه حفظه، وذلك لمخالفته لمن هو أوثق منه
(1)
.
2.
قال أبو داود: "سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: قال حماد بن خالد: أخرج إليّ مخرمةُ كتبَ أبيه فقال هذه كتب أبي ولم أسمع منها شيئاً. قلت لأحمد: فقول ابن أبي أُويس؟ قال: ليس ذاك بشيء ـ يعني ما حدثنا أحمد بن صالح، عن ابن أبي أويس أنه قرأ في كتاب مالك: قلت لمخرمة: إن الناس يزعمون أنك لم تسمع من أبيك؟ فقال: ورب هذه البنية لقد سمعتها من أبي"
(2)
.
لم يصحح الإمام أحمد سماع مخرمة من أبيه مع ورود ما يفيد ذلك في رواية ابن أبي أويس لمعارضتها لرواية حماد بن خالد، وهو أوثق عنده من ابن أبي أويس
(3)
.
الشرط الثالث: ألا يكون مَن ذكر السماع ممن لا يرجع إلى التحقيق في ذكره
، أو يكون له اصطلاح خاص في إطلاق التحديث في غير السماع، فإذا ورد التصريح بالسماع عن طريق مَن هذا وصفُه، وإن صح الإسناد إليه، فإنه يتوقف في قبوله. فمثال ذلك:
قال أبو داود: "سمعت أحمد عدّ من سمع منه الحسنُ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
انظر: ص 613.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 452 رقم 2053.
(3)
قال أحمد في حماد بن خالد: كان حافظاً تاريخ بغداد 8/ 150. وقال في ابن أبي أويس: لا بأس به الجرح والتعديل 2/ 181.
وعدّ منهم: أحمر. قيل لأحمد: عمرُو بن تغلِب؟ فجعل يجبُن أن يعدَّه فيمن سمع منه الحسن، وقال: ليس يقوله غيرُ جرير بن حازم ـ يعني ابن حازم عن الحسن قال: حدثني عمرو بن تغلب"
(1)
.
لم يعدّ الإمام أحمد عمرو بن تغلب فيمن سمع منه الحسن البصري لأن جرير بن حازم تفرد بذكره، وجرير له سجية في ذكر السماع من غير تحقيق.
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: كان سجيةً في جرير بن حازم يقول: حدثنا الحسن، قال حدثنا: عمرو بن تغلب، وأبو الأشهب يقول: عن الحسن قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن تغلب"
(2)
.
قال ابن رجب: "يريد أن قول جرير بن حازم: نا الحسن، نا عمرو بن تغلب كانت عادة له لا يرجع فيها إلى تحقيق"
(3)
.
ولم أقف على رواية أبي الأشهب ـ وهو جعفر بن حيان ـ التي أشار إليها الإمام أحمد.
وقد جاء عن الإمام أحمد من طريق ابنه صالح أن الحسن سمع من عمرو بن تغلب أحاديث
(4)
.
وهذا محمول على تردده لتفرد جرير بن حازم بذكر السماع.
وممن ذكره الإمام أحمد أنه كان يتساهل في إطلاق السماع مبارك بن فضالة.
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 448 رقم 2042.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 267 رقم 398.
(3)
فتح الباري لابن رجب الموضع نفسه.
(4)
المراسيل 146، وانظر: فتح الباري لابن رجب 5/ 479. وقد أثبته أيضاً البخاري، وأبو حاتم. ونفاه ابن المديني، وابن معين ـ واعتمد على تفرد جرير بن حازم بذكر السماع، وقال: ليس هو بشيء انظر: فتح الباري الموضع نفسه.
قال أحمد: "مبارك بن فضالة يرفع حديثاً كثيراً ويقول في غير حديث عن الحسن قال: نا عمران، قال: نا ابن مغفل، وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك"
(1)
.
وقد ذكر ابن رجب أن من الروة الذين يصرحون بالتحديث من غير حصول السماع: أصحاب بقية بن الوليد كما ذكره أبو حاتم عنهم، وكذلك فطر بن خليفة فيما ذكر القطان عنه. وكان القطان يهتم بهذا ولعله منه أخذ الإمام أحمد. فقد روى يحيى بن معين أنه قال ليحيى بن سعيد القطان في فطر بن خليفة:"فتعمد على قوله: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان موصول؟ قال: لا، قلت: كانت منه سجية؟ قال: نعم"
(2)
.
وذكر ابن رجب عن الإسماعيلي أن أهل الشام ومصر يتسامحون في قولهم: ثنا من غير صحة السماع
(3)
. ويلحق بهم من كان يطلق لفظ السماع على ضرب من التأويل كقول الحسن البصري أن سراقة حدثهم، أي حدث الناس
(4)
.
(1)
الجرح والتعديل 8/ 338.
(2)
الضعفاء للعقيلي 3/ 1151.
(3)
انظر: فتح الباري لابن رجب 5/ 479 - 480. شرح علل الترمذي 2/ 594.
(4)
ذكره علي بن المديني علل ابن الديني ص 54. وقد ذكر الشيخ طارق بن عوض الله أمثلة على ذلك. انظر: الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ص 415 - 416.
المطلب الثالث: قرائن تمنع من الحكم بثبوت السماع
.
قد يرد ذكر سماع راوٍ من آخر في سند إلا أنه قد تكون هناك بعض القرائن تمنع الناقد من الحكم بثبوت السماع بينهما، وتصرف الإمام أحمد في هذا الباب يدل على مراعاة ما يلي من القرائن:
1.
تصريح الراوي بأنه لم يسمع ممن روى عنه:
تقدم أن الإمام أحمد روى أن جميل بن زيد الطائي قال: ما سمعتُ من ابن عمر، إنما قالوا لي: إذا قدِمتَ المدينة فاكتُب أحاديث ابن عمر. قال: فقدمتُ فكتبتُها
(1)
، مع أنه قد روى عن ابن عمر مصرّحاً بالتحديث
(2)
.
وقد تقدم قول مخرمة بن بكير أنه لم يسمع من أبيه شيئاً، واعتمده الإمام أحمد في نفي سماعه من أبيه.
2.
الرواية بصيغة تدل على عدم السماع:
وذلك كأن يقول: نُبئت، أو حُدّثتُ ـ بالبناء للمجهول ـ أو بلغني، فإن ذلك يدل على أنه لم يسمع ما رواه ممن روى عنه.
ومثال ذلك ما رواه صالح بن أحمد بن حنبل قال: "قال أبي: محمد بن سيرين سمع من أبي هريرة، وابن عمر، وأنس، ولم يسمع من ابن عباس شيئاً، كلها يقول: نُبَّئت عن ابن عباس، وقد سمع من عمران بن حُصين"
(3)
. ونقل عبد الله عنه مثل ذلك
(4)
.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 484 رقم 1111، 2/ 68 رقم 1576. وانظر: التاريخ الكبير 2/ 215.
(2)
التاريخ الأوسط 2/ 67.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه صالح 2/ 296 رقم 912.
(4)
المراسيل 679.
وقال حرب بن إسماعيل: قال أحمد بن حنبل: "ابن سيرين لم يجيء عنه سماع من ابن عباس"
(1)
.
وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: "مكحول لم يسمع من زيد شيئاً، إنما هو بلغه"
(2)
ـ يعني زيد بن ثابت.
وهذا قريب من تصريح الراوي بنفيه للسماع ممن روى عنه.
وإنما يحكم بعدم السماع جملة بين الراويين في مثل هذه الحالة إذا كان لم يرد تصريح بالسماع بينهما، فإن ورد ذلك في بعض الحالات يحمل ما قال من البلاغ على أنه لم يسمع تلك الأحاديث بعينها منه، ولا يحكم بعدم سماعه منه جملة. ولذلك لما حكم الإمام أحمد على عدم سماع ابن سيرين من ابن عباس قال:"كلها يقول: نُبئت"، فمفهومه لو قال في بعضها: سمعتُ أو حدّثنا، يقصر عدم السماع على ما قال فيه: نُبئت، ولا يحكم عليه بعدم السماع جملة من ذلك الشيخ.
3.
ذكر الوسائط بين راويين لم يثبت التقاؤهما:
قال ابن رجب: "فإن كان الثقة يروي عمّن عاصره أحياناً ولم يثبت لقيه له، ثم يُدخل أحيانا بينه وبينه واسطة فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع منه"
(3)
، والنصوص الواردة عن الإمام أحمد في هذا كثيرة جداً، منها:
أ. قال الأثرم: "قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: عبد الله بن البَهِيّ
(4)
سمع
(1)
المصدر نفسه 681.
(2)
المصدر نفسه 788.
(3)
شرح علل الترمذي 2/ 593. ذكره أيضاً ابن القطان الفاسي ضمن طرق معرفة عدم سماع الراوي عمن روى عنه، وذكر أربعة أمور اعتمدها الباحث خالد منصور عبد الله الديرس في رسالته: "موقف الإمامين البخاري ومسلم في اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين" ص 346.
(4)
عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير. قال ابن سعد: كان ثقة معروفاً قليل الحديث الطبقات الكبرى 6/ 299. وذكره ابن حبان في الثقات 5/ 33. وقال أبو حاتم: لا يحتج به هو مضطرب الحديث علل ابن أبي حاتم 1/ 77. روى خبراً منكراً جداً انظر: سير أعلام النبلاء 9/ 160.
عائشة! ما أرى في هذا شيئاً، إنما يروي عن عروة. وقال في حديث زائدة، عن السدي، عن البهي قال: حدثتني عائشة في حديث الخمرة
(1)
، وكان عبد الرحمن قد سمعه من زائدة، فكان يدع فيه: حدثتني عائشة، وينكره"
(2)
، فلم يُثبت للبَهيّ السماع من عائشة لأنه يروي عنها بواسطة، وذكر أن شيخه عبد الرحمن ابن مهدي الذي روى تصريحه بالسماع كان ينكر ذلك.
وقال أبو داود لأحمد: "سمع البهي من عائشة؟ قال: لا، وقد قال قوم ذاك، وما أدري فيه شيء، البهي إنما يحدّث عن عروة"
(3)
.
وقد أثبت البخاري التقاؤهما
(4)
، وصحح له حديثاً تفرد به
(5)
. ومن أجل ذلك نص على سماعه من عائشة
(6)
.
وأما أبو حاتم فضعف حديث البهي هذا وقال: "البهي يدخل بينه وبين عائشة عروة، وربما قال: حدثتني عائشة، ونفس البهي لا يحتج بحديثه وهو
(1)
رواه أحمد المسند 41/ 269 ح 24747 من طريق أبي سعيد، وابن حبان الإحسان 4/ 190 ح 1356 من طريق أبي الوليد الطيالسي كلاهما عن زائدة به بالتصريح بالتحديث، ولفظه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للجارية: "ناوليني الخمرة" ـ أراد أن يبسطها فيصلي عليها ـ فقلت إنها حائض، فقال:"إن حيضتها ليست في يدها".
ورواية عبد الرحمن التي أشار إليها الإمام أحمد بدون ذكر السماع، رواه عنه في المسند 42/ 290 ح 25460.
(2)
المراسيل 420.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود 454 رقم 2067.
(4)
روى البخاري من طريق عبد الأعلى ثنا أبو عوانة، عن السدي، عن عبد الله البهي: رأيت عائشة تأكل الجراد، وقال: تابعه عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي التاريخ الكبير 2/ 135.
(5)
علل الترمذي الكبير 2/ 905. والحديث نفسه قد ضعفه أبو زرعة لتفرد البهي به انظر: علل ابن أبي حاتم 1/ 51.
(6)
المصدر السابق 5/ 56، علل الترمذي الكبير 2/ 965.
مضطرب الحديث"
(1)
. وفيه إشارة إلى رده لقوله: حدثتني عائشة. ولهذا الدليل نفسه يقوى القول برد ما ورد مما يدل على لقيه بعائشة.
ب. قال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله وذكر حديث خالد بن الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حولوا مقعدي إلى القبلة"، فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة رضي الله عنها! فأنكره، وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ. قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء. فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه سمعت، وقال غير واحد أيضاً: عن حماد بن سلمة، ليس فيه "سمعت""
(2)
.
وعراك بن مالك قد عاصر عائشة فقد سمع من أبي هريرة
(3)
، وكان بالمدينة حتى نفاه عنها يزيد بن عبد الملك المرواني بعد استخلافه في سنة إحدى ومئة
(4)
، وذلك بعد موت عائشة قطعاً، فلا يبعد التقاؤه بها وإن لم يرد شيءٌ يُثبته، ولكن الإمام أحمد نفى سماعه منها لأن المألوف عنه أنه يروي عنها بواسطة عروة.
وقد أخرج له مسلم عن عائشة
(5)
، وذلك على قاعدته في حمل إمكان
(1)
علل ابن أبي حاتم 1/ 77.
(2)
المراسيل 606. والحديث كما قال الإمام أحمد رواه غير واحد عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت، منهم: وكيع المسند 41/ 510 ح 25063، وبهز بن أسد المسند ح 25837، وأبو كامل المسند ح 25899، ويزيد بن هارون المسند ح 26027، وأسد بن موسى شرح معاني الآثار 4/ 234، ويحيى بن إسحاق سنن الدارقطني 1/ 60، وأبو داود الطيالسي مسنده ص 217 ح 1541، وحجاج بن منهال الأوسط 1/ 326 ح 261.
والذي رواه عن حماد بن سلمة بذكر السماع هو موسى بن إسماعيل التاريخ الكبير 3/ 156. وتابعه علي بن عاصم عن خالد الحذاء، وهو عند الدارقطني في السنن 1/ 60.
(3)
انظر: صحيح مسلم 1/ 80 ح 62، التاريخ الأوسط 1/ 91.
(4)
انظر: تهذيب الكمال 19/ 548 - 549.
(5)
انظر: صحيح مسلم 4/ 2027 ح 2630، ولكن ليس ذلك في الأصول، فإنه ذكره متابعاً لعروة. ومعظم ما أخرج له كان بواسطة عروة عن عائشة.
وانتقد مسلماً ابنُ عمار الشهيد في روايته لهذا الحديث وأعله بالإرسال معتمداً على هذه الرواية عن الإمام أحمد وكذلك قول موسى بن هارون الحافظ: وعراك بن مالك لا نعلم له سماعاً من عائشة علل الأحاديث في كتاب صحيح مسلم ص 125 - 127.
اللقاء على الاتصال.
ج. قال أبو داود: "سئل أحمد: سمع قتادة من أبي رافع
(1)
؟ قال: لا يشبه، لأنه يدخل ببينهما رجلين: الحسن وخلاس"
(2)
.
وجاءت هذه الرواية عند عبد الله، قال:"سمعت أبي يقول: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئاً. قال أبي: أدخل بينه وبين أبي رافع خلاساً والحسن. قال أبي: وقد سمع قتادة من خلاس، قال شعبة عن قتادة: سمعت خِلاساً، وقال أبان عن قتادة: حدثنا خِلاس، وهمام عن قتادة قال: حدثني خِلاس"
(3)
.
فذكر أحمد أن رواية قتادة عن أبي رافع بواسطة تدل على صحة ما ذكره شعبة من أن قتادة لم يسمع من أبي رافع، بل روى الميموني عن أحمد أن شعبة قال: لم يلق قتادة أبا رافع، إنما كتب عن خِلاس عنه
(4)
. وما ورد من تصريحه بالسماع
(5)
محمول على عدم صحته عند الإمام أحمد لهذا المانع الذي ذكر هنا.
(1)
هو نفيع بن رافع الصائغ أبو رافع المدني، نزيل البصرة، أدرك الجاهلية ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة تهذيب الكمال 30/ 14، طبقات ابن سعد 7/ 122.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 452 رقم 2059.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 528 رقم 1241.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 197 رقم 350. وكان شعبة يروي حديث أبي رافع من طريق قتادة عن خلاس عن أبي رافع، أو عن قتادة عن الحسن، عن أبي رافع نظر: سنن أبي داود ح 216، السنن الكبرى للنسائي ح 197، صحيح ابن خزيمة ح 1555، مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم ح 976، السنن الكبرى للبيهقي 1/ 163 ولم أقف على رواية له عن قتادة عن أبي رافع مباشرة.
(5)
جاء ذلك عند البخاري صحيح البخاري 13/ 522 ح 7554 مع فتح الباري من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، عن معتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، حدثنا قتادة أن أبا رافع حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق أن رحمتي سبقت غضبي
…
" الحديث. واعتمده الذهبي في رد ما قال أبو داود: إن قتادة لم يسمع من أبي رافع سير أعلام النبلاء 5/ 282.
وقد اختلف على معتمر بن سليمان في ذكر سماع قتادة من أبي رافع وعدمه، فالذين لم يذكروه: خليفة بن خياط عند البخاري ح 7553، وعلي بن بحر عند أحمد المسند 14/ 519 ح 8958، وعاصم بن النضر عند الطبراني في الأوسط 3/ 189 ح 2889، ويحيى بن خلف عند ابن أبي عاصم في السنة 1/ 270 ح 608.
ولم أر من تابع ابن أبي سمينة على ذكر السماع.
د. قال ابن هانئ: "قلت لأحمد: فأبو البختري سمع من على؟ قال: لا بينهما عَبيدة"
(1)
.
فنفى سماعه من علي لوجود رواية عنه بالواسطة.
وأبو البَختَري هو سعيد بن فيروز الطائي
(2)
، وذكر شعبة أنه لم يدرك علياً ولم يره
(3)
. روى أحمد حديثه من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأنا حديث السنّ
…
"
(4)
، فرواه شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت أبا البختري الطائي قال: أخبرني من سمع علياً فذكره
(5)
.
هـ. وسُئل الإمام أحمد عن سماع حُميد بن هِلال
(6)
من هشام بن عامر
(7)
فقال:
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 217 رقم 2188 - 2189.
(2)
وثقه الأئمة: ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يرسل حديثه ويروي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمع من كبير أحد، فما كان من حديثه سماعاً فهو حسن، وما كان عن فهو ضعيف تهذيب الكمال 11/ 33، الطبقات الكبرى 6/ 293.
(3)
المراسيل 270.
(4)
المسند 2/ 68 ح 636.
(5)
المصدر نفسه 2/ 356 ح 1145، وانظر: السنن الكبرى للنسائي 5/ 116، والسنن الكبرى للبيهقي 10/ 86.
(6)
البصري. وثقه غير واحد، وذكره ابن سعد في الطبقات الثانية من أهالبصرة، مع قتادة تهذيب الكمال 7/ 405، الطبقات الكبرى 7/ 231.
(7)
ذكره ابن سعد ممن نزل البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقات الكبرى 7/ 26.
"ما أُراه سمع منه، وذاك أنه يُدخَل بينهما رجلٌ، وبعضهم يقول: أبو الدّهماء
(1)
"
(2)
.
روى ابن سعد من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن حُميد بن هلال أن هشام بن عامر قال:"إنكم تجاوزوني إلى رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا بألزم لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني ولا أحفظ مني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما بين خلق آدم والقيامة فتنة أعظم من الدجّال"
(3)
.
فرواه الإمام مسلم
(4)
من طريق عبد العزيز بن المختار، حدثنا أيوب، عن حميد بن هلال، عن رهط منهم أبو الدهماء، وأبو قتادة قالوا: كنا نمرّ على
هشام بن عامر نأتي عمرانَ بنَ حُصين فقال ذاتَ يوم: إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني ولا أعلم بحديثه مني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال". وفي رواية: "أمرٌ أكبر من الدجال".
واستدل الإمام أحمد بروايته عن هشام بالواسطة على عدم سماعه منه.
والرويات عن الإمام أحمد في هذا المعنى كثيرة.
وقد جاء عن الإمام أحمد التوقف في سماع قتادة من يحيى بن يعمر، فقال لما سئل عن سماعه منه:"لا أدري، قد روى عنه، وقد روى عن رجل عنه"
(5)
. ومقتضى ما ذكر من الدليل هنا أن ينفي الإمام أحمد سماعه منه، لوجود الواسطة
(1)
اسمه قرفة بن بهيس العدوي البصري، وثقه ابن معين، وابن سعد، وذكره في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة تهذيب الكمال 23/ 567، الطبقات الكبرى 7/ 130.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 452 رقم 2056.
(3)
الطبقات الكبرى 7/ 26.
(4)
صحيح مسلم 4/ 2266 ح 2946 - 126، 127.
(5)
المراسيل 626.
في الرواية بينهما، وقد روى الفضل بن زياد عن أحمد عدم سماعه منه
(1)
، ويؤيد ذلك أن قتادة يدلس
(2)
، فروايته بواسطة عمن يروي عنه أحياناً بدون واسطة تدل على احتمال إرساله عنه احتمالاً قوياً. وأما توقفه عن نفي السماع، فقد يرجع إلى قوة احتمال اللقاء بينهما، الأمر الذي يُقوي احتمالَ السماع، وذلك أن يحيى بن يعمر بصري وإنما خرج منها لما نفاه الحجاج بن يوسف إلى خراسان
(3)
، وأغلب الظن أن يكون ذلك بعد سنة (78) هـ وهي السنة التي أضاف عبد الملك بن مروان إمرة خراسان إلى الحجاج
(4)
، فأقل ما يكون عمر قتادة إذ ذاك (18) سنة
(5)
، فاحتمال لقائه بيحيى بن يعمر قبل خروجه إلى خراسان قوي.
والشاهد من هذا النص أن العمل بهذه القرينة قد يضعف إذا ثبت اللقاء بين الراويين أو قوي احتمال وقوعه.
(1)
قال عن أحمد: لم يسمع قتادة من يحيى بن يعمر شيئاً المعرفة والتاريخ 2/ 141.
(2)
أو بعبارة أدق يرسل، فلم أقف على نسبة قتادة إلى التدليس من كلام الإمام أحمد، لكن اشتهر عنه عدم إسناده لحديثه، فروى شعبة: كنت أعرف حديث قتادة ما سمع مما لم يسمع، فإذا جاء ما سمع قال: حدثنا أنس بن مالك، وحدثنا الحسن، وحدثنا سعيد، وحدثنا مطرف، وإذا جاء ما لم يسمع كان يقول: قال سعيد بن جُبير، وقال أبو قلابة الطبقات الكبرى 7/ 229. وروى أحمد عن وكيع عن شعبة قال: كان قتادة يغضب إذا وقفته على الإسناد، قال: حدثته يوماً بحديث فأعجبه فقال: من حدثك؟ فقلت: فلان عن فلان، قال: فكان بعد ـ يعني يسند المعرفة والتاريخ 2/ 280. وانظر كلام الشيخ ناصر بن محمد الفهد في "منهج المتقدمين في التدليس" ص 74 - 83.
(3)
سير أعلام النبلاء 4/ 442، وانظر: البداية والنهاية 12/ 529.
(4)
انظر: البداية والنهاية 12/ 280 - 281.
(5)
قال الذهبي: مولده سنة ستين سير أعلام النبلاء 5/ 270.
وقد أثبت البخاري سماع قتادة من يحيى بن يعمر التاريخ الكبير 8/ 311، لكن لم يخرج من حديثه عنه في صحيحه ولا في جزء القراءة أو غيره من كتبه التي ألفها للاحتجاج انظر: تهذيب الكمال 32/ 54.
ومثله توقفه في أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب حيث قال: "ما أدري كيف هي؟ قد أدخل بينه وبين سعيد نحواً من عشرة رجال لا يُعرفون"
(1)
، ولقاء قتادة بسعيد بن المسيب ثابت عند الإمام أحمد
(2)
، فلم يجزم بالحكم على هذه الروايات عن قتادة عن سعيد بالإرسال بمقتضى قرينة وجود الواسطة بينهما، والعلم عند الله.
4.
عدم إمكان اللقاء بين الراويين:
إذا ثبت أن الراوي لا يمكن أن يدرك شيخه الذي روى عنه ـ كأن يكون الشيخ مات قبل ولادته، أو كان الراوي صغير السن عند وفاة الشيخ ـ فإن ذلك دليل واضح على عدم سماعه منه. وقد استخدم الإمام أحمد هذا الدليل لنفي سماع بعض الرواة عمن رووا عنهم، فمن أمثلة ذلك مما يرجع إلى قدم طبقة الشيخ:
أ- قال أحمد في رواية هدبة، عن حماد، عن قتادة ثنا خلاد الجهني: هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلاداً
(3)
.
(1)
تحفة التحصيل ص 265. وقد ذكر الإمام أحمد تلك الأحاديث التي رواها قتادة عن
ابن المسيب بالواسطة في العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 322 رقم 5436 إلى 3/ 335 رقم 5483.
(2)
روى الإمام أحمد من طريق شعبة، عن قتادة قال: سمعت جري بن كليب يحدث عن علي قال: "نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عضب الأُذن والقرن". قال ـ أي قتادة ـ فسألت سعيد بن المسيب: ما العضب؟ فقال: النصف فما فوق ذلك المسند 2/ 318 - 319 ح 1066.
(3)
شرح علل الترمذي 2/ 593.
وهذا الإسناد روي به حديث الاستنجاء بثلاثة أحجار. رواه ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني 5/ 53 ح 2589، والطبراني المعجم الكبير 7/ 141 ح 6623، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال 2/ 662، وابن عبد البر التمهيد 22/ 312 من طريق هدبة بن خالد ثنا
حماد بن الجعد ثنا قتادة حدثني خلاد الجهني عن أبيه السائب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أحدكم الخلاء فليتمسح بثلاثة أحجار".
رواه البخاري التاريخ الكبير 4/ 151 تعليقاً قال لي هدبة: نا حماد بن الجعد، عن قتادة عن خلاد بن السائب الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم الاستنجاء بثلاثة أحجار، وليس فيه تصريح قتادة بالسماع من خلاد.
وحماد بن الجعد في الإسناد ضعفه ابن معين ضعفاً شديداً، وضعفه النسائي أيضاً. وقال ابن عدي: هو حسن الحديث، ومع ضعفه يكتب حديثه الكامل في ضعفاء الرجال 2/ 661 - 663. وقال البخاري عن هذا الحديث: لم أر أحداً رواه عن قتادة غير حماد بن الجعد، وعبد الرحمن بن مهدي كان يتلكم في حماد بن الجعد علل الترمذي الكبير 1/ 98.
وقد ذكر ابن حجر أن النسائي رواه في شيوخ الزهري، وابن مندة في معرفة الصحابة، والطبراني من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن ابن شهاب أخبرني خلاد بن السائب، عن أبيه فذكره تلخيص الحبير 1/ 110. وتفرد ابن أخي الزهري عن عمه أمارة على ضعفه.
أنكر الإمام أحمد ذكر سماع قتادة من خلاد، ودليله أن خلاداً قديم، أي فلا يمكن لقتادة إدراكه، ولا يعارض هذا التعليل بأن الزهري قد روى عن خلاد
(1)
وقتادة والزهري قرينان، لأن الزهري وخلاد الجهني كلاهما مدني فلا يستبعد لقاؤه بخلاد بخلاف قتادة، والله أعلم.
ب- قال أبو بكر الأثرم: قال أحمد بن حنبل: "قتادة لم يسمع من عبد الله
ابن الحارث الهاشمي شيئاً، لأنه قديم، سمع منه عوف"
(2)
.
نفى الإمام أحمد سماع قتادة من عبد الله بن الحارث الهاشمي الملقب: بَبّة، وعلل ذلك بأنه قديم، فلا يمكن له لقاؤه، وذلك أن عبد الله بن الحارث ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم تحول إلى البصرة، ولما خرج عنها عبيد الله بن زياد بايعه أهلها، وذلك في سنة أربع وستين، وأقره عبد الله بن الزبير عليها، ثم عزله بعد سنة، وذلك في سنة خمس وستين، فخرج إلى عمان فمات بها
(3)
، ومولد قتادة كان في
(1)
انظر: التاريخ الكبير 3/ 186، وانظر: الرواية التي ذكرها الحافظ ابن حجر في الحاشية التي مضت.
(2)
المراسيل 626.
(3)
انظر: الطبقات الكبرى 5/ 25 - 27، 7/ 100 - 101، البداية والنهاية 11/ 664، 717. وانظر: تاريخ دمشق 27/ 320.
سنة ستين كما تقدم، فلا يمكن له إدراكه. وفي رواية أخرى لابن سعد أخرجها ابن عساكر في تاريخ دمشق
(1)
: خرج عبد الله بن الحارث إلى عمان هارباً من الحجاج ومات بها سنة (84) هـ
(2)
عند انقضاء فتنة عبد الرحمن بن الأشعث. والرواية الأولى هي التي ذكرها ابن سعد في النسخة المطبوعة بأيدينا. وعلى الرواية الثانية يمكن لقتادة إدراك عبد الله بن الحارث والسماع منه، وذلك أن إمرة البصرة أضيفت إلى الحجاج سنة (78) هـ تقريباً كما تقدم
(3)
، فأقدم ما يكون خروج عبد الله بن الحارث في تلك السنة، وكان عمر قتادة إذ ذاك (18) سنة.
وقد ذكر أحمد أن قتادة يروي عن ابنه إسحاق بن عبد الله بن الحارث
(4)
، وكذلك كان قرينه الزهري، لم يسمع منه، وإنما سمع من بنيه
(5)
.
وذكر أحمد أيضاً أن عوفاً الأعرابي قد سمع من عبد الله بن الحارث، أما ابن معين فقال سمع من عبد الله بن عبد الله بن الحارث ـ أي ابنه
(6)
، وقد يكون هذا أقرب، فإن عوف الأعرابي قرين قتادة، ولد سنة تسع وخمسين
(7)
، وكلاهما بصري فإذا كان قتادة لم يسمع من عبد الله بن الحارث لأن عبد الله قديم، فكذلك عوف الأعرابي، فلعله تصحف عبد بن عبد الله بن الحارث إلى عبد الله بن الحارث
(1)
تاريخ دمشق 27/ 318.
(2)
وذكر ابن كثير أنه كان من رؤساء أصحاب ابن الأشعث الذين قتلهم الحجاج البداية والنهاية 12/ 351.
(3)
ص 647.
(4)
المراسيل الموضع نفسه.
(5)
قاله أبو داود. انظر: تهذيب الكمال 14/ 399.
(6)
تاريخ دمشق 27/ 318.
(7)
الثقات لابن حبان 7/ 296.
عند أحمد، والله أعلم.
ومما يدل على عدم سماع قتادة من عبد الله بن الحارث غير ما ذكر هنا روايته عنه بواسطة، فإن بعض حديثه عنه بواسطة صالح أبي الخليل
(1)
، ونص ابن معبن على أن روايته عنه بواسطة أبي الخليل
(2)
.
د- قال أبو طالب: قلت لأحمد بن حنبل: "ميمون بن مهران عن حكيم ابن حِزام؟ قال: لا، من أين لقيَه؟ لم يرو إلا عن ابن عباس وابن عمر"
(3)
.
نفى الإمام أحمد سماع ميمون بن مهران من حكيم بن حزام لعدم إمكان اللقاء بينهما، فحكيم بن حزام توفي سنة (54) هـ بالمدينة
(4)
، وميمون بن مهران ولد سنة أربعين
(5)
، ونشأته بالكوفة ثم نزل الرقة بالجزيرة
(6)
، فلا يمكن له إدراك حيكم بن حزام، ثم هو معروف بالرواية عمن تأخرت وفاتهم عن حكيم بنحو عشرين سنة نحو ابن عباس وابن عمر
(7)
.
هـ- قال أبو الحسن الميموني: "سمعت أبا عبد الله يُسأل: رأى خلف
ابن خليفة عمرو بن حُريث؟ قال: لا، لكنه عندي شُبّه عليه حين قال: رأيت عمرو بن حُريث. قال أبو عبد الله: هذا ابن عيينة، وشعبة، والحجاج لم يروا عمرو بن حُريث، يراه خلف؟ ما هو عندي إلا شُبِّه عليه. وقال في موضع آخر: رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة سبع وثمانين ومئة قد حُمل، وكان لا
(1)
المسند 24/ 43 ح 15327، السنن الكبرى للنسائي 4/ 7 ح 6056.
(2)
تاريخ دمشق 27/ 321.
(3)
المراسيل 768.
(4)
تهذيب الكمال 7/ 192.
(5)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/ 248 رقم 300.
(6)
تهذيب الكمال 29/ 211.
(7)
توفي ابن عباس سنة 68، وابن عمر سنة 73 انظر: تقريب التهذيب 3431، 3514.
يفهم، فمن كتب عنه قديماً فسماعه صحيح"
(1)
.
وكان خلف بن خليفة يقول: رأيت عمرو بن حريث وأنا يومئذ ابن ست سنين
(2)
. ومولد خلف بن خليفة على أبعد الاحتمالات سنة (91) هـ، لأنه يقول فرض له عمر بن عبد العزيز وهو ابن ثمان سنين وعمر بن عبد العزيز ولي الأمر سنة (99) هـ
(3)
. ووفاة عمرو بن حريث سنة (85) هـ
(4)
. فلا يمكن على هذا أن يكون قد رآه، لأنه مات قبل ولادته.
وأما استدلال الإمام أحمد في نفي رؤيته له فهو مبني على أن قرناءه ـ وهم ابن عيينة
(5)
، وشعبة
(6)
، والحجاج
(7)
ـ لم يروه، فكيف يراه هو؟
وقد روى الإمام أحمد إنكار رؤية خلف بن خليفة لعمرو بن حريث عن سفيان بن عيينة، قال عبد الله:"سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان: يا أبا محمد عندنا رجلٌ يُقال له خلف بن خليفة يزعم أنه رأى عمرَو بنَ حُريث فقال: كذَب، لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث"
(8)
. فهذا وجه كون الأمر شُبه عليه، أي رأي جعفر بن عمرو بن حريث فظنه عمرَو بن حريث، لا سيما وقد كان خلف ابن خليفة قد اختلط كما دلّت على ذلك آخر الرواية التي ذكرها الإمام أحمد.
(1)
تهذيب الكمال 8/ 287.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 376 رقم 5651. وعن الخطيب: ابن سبع سنين، وعنه ابن خمس سنين تاريخ بغداد 8/ 319.
(3)
انظر: تعليق بشار عواد في تحقيقه لكتاب تهذيب الكمال 8/ 285.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 71 رقم 4221.
(5)
مولده سنة 107 هـ بالكوفة، وطلب العلم وهو غلام سير أعلام النبلاء 8/ 456.
(6)
مولده سنة 80 هـ، وقيل 82 هـ وهو بصري سير أعلام النبلاء 7/ 203.
(7)
هو ابن أرطأة. ولد في حياة أنس بن مالك، أي قبل سنة 92 هـ، وهو كوفي وأفتى وهو حدث سير أعلام النبلاء 7/ 68، تهذيب الكمال 5/ 426.
(8)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 475 رقم 6032.
ومما يرجع إلى استصغار طبقة الراوي بالنسبة للشيخ:
قال أحمد: "العوام بن حوشب لم يلق ابن أبي أوفى، أكبر من لقيه سعيد ابن جبير إن كان لقيه، وهو يروي عنه وعن طاوس"
(1)
.
نفى الإمام أحمد لقاء العوام بن حوشب
(2)
بعبد الله بن أبي أوفى، لأن من هو في طبقته لا يمكنه لقاء أحد من الصحابة، وذكر أن أكبر من لقيه من كان في الطبقة الثانية من التابعين، وهم دون كبار التابعين، مثل سعيد بن جبير على خلاف في لقائه به.
وقد يكون عدم إمكان اللقاء ليس من أجل كبر سن الشيخ بالنسبة للراوي عنه، بل يكون ذلك راجعاً إلى وقائع تاريخية تستوجب عدم لقائهما، مثال ذلك:
أ. قال حرب بن إسماعيل: قال أحمد: "لم يسمع الحسن من ابن عباس، إنما كان ابن عباس بالبصرة والياً أيام علي رضي الله عنه"
(3)
وكان الحسن بالمدينة أيام علي
(4)
، وكان ابن عباس بالبصرة والياً لعلي رضي الله عنه، فلم يلتقيا. فالحسن قد سمع ممن هو أكبر من ابن عباس مثل عبد الله بن عمر، لكن المانع من اللقاء هنا ليس السنّ، بل هو هذه الواقعة التاريخية حيث كان بالمدينة أيام ما كان ابن عباس
(1)
تحفة التحصيل 250. وقد ذُكر للإمام أحمد حديثه الذي رواه حجاج بن فروخ، عنه، عن
ابن أبي أوفى قال: "كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة نهض النبي صلى الله عليه وسلم" فأنكره، وقال: العوام لم يلق ابن أبي أوفى فتح الباري لابن رجب 3/ 590. والحديث أخرجه بحشل تارخ واسط ص 43، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال 2/ 650 وزاد: فكبر. وحجاج بن فروخ قال عنه ابن معين: ليس بشي الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
(2)
أبو عيسي الواسطي. قال عنه أحمد: ثقة ثقة. توفي سنة 148 هـ تهذيب الكمال 22/ 427 - 430.
(3)
المراسيل 98.
(4)
قاله علي بن المديني، ومن أجل ذلك نفى سماع الحسن من الأسود بن سريع، لأنه خرج من البصرة أيام علي رضي الله عنه انظر: المراسيل 127.
بالبصرة. قال علي بن المديني: الحسن لم يسمع من ابن عباس، ما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة
(1)
.
وأحياناً تكون قرينة عدم إمكان اللقاء راجعة إلى اختلاف البلدان بين الراوي ومن روى عنه. قال ابن رجب: "ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع والاتصال أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه. نقل مهنّا عن أحمد قال: لم يسمع زُرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام وزُرارة بصري"
(2)
.
وتميم الداري كان بالمدينة وتحول إلى الشام بعد قتل عثمان
(3)
، ولم يُعلم أن زرارة دخل الشام
(4)
، وهو بصري وحديثه عند أهل البصرة، ولم يذكر المزي من الرواة عنه من أهل المدينة أو الشام أو الكوفة أحداً
(5)
.
وذكر البخاري إسناد الحديث الذي رواه زرارة عن تميم الداري
(6)
بسماعه منه
(7)
. وأما الإمام أحمد فيرى عدم ثبوت ما ورد من التصريح بالسماع لهذا القرينة التي ذكرها.
(1)
المصدر نفسه 97، وانظر: العلل لعلي بن المديني ص 51. وأما قول الحسن: خطبنا
ابن عباس فهو على المجاز أي خطب أهل البصرة، قاله أبو حاتم تحفة التحصيل ص 69.
(2)
شرح علل الترمذي 2/ 592.
(3)
الطبقات الكبرى 7/ 408.
(4)
لم يذكره ابن عساكر فيمن دخل الشام من الأعلام.
(5)
تهذيب الكمال 9/ 340.
(6)
وهو حديث: "أول ما يُحاسب به العبدُ يوم القيامة الصلاة"، المسند 28/ 16951، 16954. وليس له في المسند غيره.
(7)
التاريخ الكبير 3/ 439.
المبحث الثالث: صيغ الأداء وعلاقتها بإثبات الاتصال
.
تقدم أن الألفاظ الصريحة في الدلالة على السماع مثل سمعت وحدثنا نص في الاتصال والدلالة على رواية الراوي عن شيخه بلا واسطة، ويستثنى من ذلك إطلاقها ممن عرف منه عدم التحقيق في إطلاقها في غير السماع وكان ذلك سجية له، أو له اصطلاح خاص في إطلاقها في غير السماع كالإجازة مثلاً، وقد تقدم ذلك في شروط قبول التصريح بالسماع في السند.
ومن ألفاظ الأداء أيضاً "عن"، وهي ظاهرة في الدلالة على الاتصال حتى يثبت الانقطاع، ولذلك عاب الإمام أحمد على الوليد بن مسلم قوله:"عن" في إسناد منقطع ليُدخله في الاتصال. حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن حديث المغيرة بن شعبة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله" فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: عن ابن المبارك أنه قال عن ثور: حُدِّثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة. قال أحمد: أما الوليد فزاد فيه: عن المغيرة، وجعله ثور عن رجاء، ولم يسمعه ثور من رجاء، لأن ابن المبارك قال فيه: عن ثور: حُدِّثت عن رجاء. ا. هـ
(1)
.
وقد تقدم الكلام فيما يُشترط لدلالتها على الاتصال وأنه وقع الخلاف بين الأئمة في تلك الشروط، وتقدم ذكر مذهب الإمام أحمد في ذلك، وكذلك مذهب غيره من الأئمة بإيجاز.
وأما لفظة "أن" أو ما يسمى بالإسناد المؤَنَّن، وهو الذي يقول فيه
(1)
التمهيد 1/ 14 - 15.
الراوي: "أنّ فلاناً قال"، فالذي ورد عن الإمام أحمد يدل على أن هناك تفصيلاً في الحكم عليه بالاتصال.
قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: كان مالكٌ ـ زعمهوا ـ يرى عن فلان وأنّ فلاناً سواء، ذكر أحمد مثل حديث جابر: "أن سُليكاً جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب"، أو عن جابر، عن سُليك: "أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب" سمعت أحمد قيل له إن رجلاً قال: [عروة أنّ عائشة قالت: يا رسول الله]، وعن عروة عن عائشة سواء؟ فقال: كيف هو سواء؟ أي ليس هو بسواءٍ"
(1)
فهذه الرواية عن الإمام أحمد تدل على أن الإسناد المؤنن له صورتان، ولكل منهما حكم خاص، أوضحهما ابن رجب في شرح علل الترمذي
(2)
:
الصورة الأولى: أن يكون القول المحكي عن الراوي عن شيخه، أو الفعل المحكي عنه بالقول مما يمكن للراوي سماعه أو مشاهدته منه، فالحكم في هذه الحالة هو الاتصال إلا أن يكون الراوي معروفاً بالتدليس فلا يحكم حينئذ بالاتصال حتى يصرح بالسماع.
وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد فيما ذكره من رواية جابر لقصة سُليك، فإنه يمكن أن يكون جابر شهد ذلك وحضره، فقال: أن سليكاً جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب؛ ويمكن أن يكون رواه عن سُليك، فقال: عن سُليك أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب. وهناك وجه آخر لقوله: عن سُليك، وهو أن يكون قصد حكاية قصته والتحديث عن شأنه، ولم يقصد الرواية عنه. وقد حكى الدارقطني عن موسى بن هارون الحافظ أن المتقدمين كانوا يفعلون ذلك.
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 427 رقم 1978. وانظر: الكفاية في علم الراوية ص 575، فقد رواه عن أبي داود.
(2)
شرح علل الترمذي 2/ 601 - 605، والكلام له نقلته عنه بتصرف كثير.
وكذلك في طبقة ما بعد الصحابة، فالزهري، عن سعيد بن المسيب قال: كذا، أو الزهري أن سعيد بن المسيب قال: محمول على الاتصال دون الانقطاع، لأن سماع الزهري من ابن المسيب صحيح، وذكر ابن رجب أن مراد مالك في التسوية بين "عن" و "أنّ" لعله يعود إلى هذا الذي حكاه أحمد ولم يخالفه.
ونسب ابن عبد البر هذا القول إلى جمهور أهل العلم فقال: "جمهور أهل العلم على أن عن وأنّ سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال حتى يتبين فيه علة الانقطاع"
(1)
.
الصورة الثانية: أن يكون ذلك القول المحكي عن المروي عنه، أو الفعل مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه، فهذه الصورة التي أنكر الإمام أحمد التسوية بين:"عن عروة أنّ عائشة: " و "عن عروة عن عائشة: " وذلك أن قوله: عن عروة أن عائشة:، ظاهره مرسل لعدم إتيانه بما يبين أنه رواه عن عائشة. ومنهم من يرى أنه متصل، لأن عروة قد عُرف بالرواية عن عائشة، وهو القول الذي حكاه أبو داود للإمام أحمد.
وللحافظ ابن حجر تفصيل آخر قد يكون أقرب إلى مراد الإمام أحمد، وذلك أنه فصّل بين حكاية القول وحكاية الفعل، فذكر أن حكاية القول بـ "أنّ" إذا لم يتعد لمن لم يدركه ـ بأن يقول الراوي مثلاً أن فلاناً قال لي كذا ـ فحكمها حكم "عن" بلا خلاف. وإن كانت الحكاية عن فعل فحينئذ ينظر إن كان الراوي
(1)
التمهيد 1/ 26.
أدرك ذلك التحقت بحكم "عن"، وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها
(1)
.
فحين قال عروة: أن عائشة قالت: يا رسول الله، لم يسند ذلك عروة إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فلو قال: أن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، لكان ذلك متصلاً، لأنه أسند ذلك إليها. وأما في قول عروة: عن عائشة قالت: يا رسول الله، فهو متصل لأنه أسنده إلى عائشة
(2)
.
وصنيع الحفاظ حين يذكرون الفرق بين الرواية بـ "أنّ" و "عن" في باب الاختلاف في إرسال الحديث واتصاله محمول على هذا التفصيل.
فمن أمثلة ذلك ما رواه الأثرم قال: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ حديث سفيان، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حُذافة في أيام التشريق، أسنده سفيان، وقال مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حُذافة، فقال: نعم هو مرسل، وسليمان بن يسار لم يُدرك عبد الله بن حُذافة، وهم كانوا يتساهلون بين عن عبد الله بن حذافة وبين أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة، وهو مرسل، قلت لأبي عبد الله: وحديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه يخطب ميمونة، قاله مالك، وقال مطر: عن أبي رافع. فقال: نعم وذاك أيضا"
(3)
.
ففرّق بين رواية سفيان الثوري
(4)
، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار،
(1)
انظره في النكت على كتاب ابن الصلاح 2/ 591، وذكر أنه زيادة إيضاح لتفصيل شيخه العراقي. وانظر ما ذكره العراقي التقييد والإيضاح ص 68 - 70.
(2)
انظر: التقييد والإيضاح ص 69.
(3)
جامع التحصيل ص 91. وانظر: شرح علل الترمذي 2/ 604 - 605.
(4)
رواية الثوري عند النسائي السنن الكبرى 2/ 166 ح 2876، عن العباس بن عبد العظيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان به. ورواه أحمد المسند 25/ 10 ح 15735، وابن أبي شيبة المصنف 3/ 394 ح 15267 كلاهما عن ابن مهدي، عن الثوري، عن عبد الله بن أبي بكر وسالم أبي النضر، عن سليمان بن يسار به. وكذلك رواه ابن عبد البر من طريق محمد بن المثني عن ابن مهدي به التمهيد 21/ 231.
عن عبد الله بن حذافة، وبين رواية مالك
(1)
، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة؛ فجعل الأولى مسندة لأنه أسند القصة إلى عبد الله بن حُذافة، وجعل الثانية مرسلة لأنه لم يسندها ولم يشهدها قطعاً
(2)
.
وكذلك وافق الإمامُ أحمد الأثرمَ على اعتباره للاختلاف الذي بين رواية مالك، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع مولاه ورجلاً من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قبل أن يخرج
(3)
؛ وبين رواية مطر الوراق، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما"
(4)
أنه من هذا الجنس: حيث تكون الأولى بـ "أنّ" مرسلة،
(1)
رواية مالك في الموطأ 1/ 376 ح 135 وانظر: التمهيد 21/ 231، وفيه: قال ابن مهدي: وما أُراه إلا أثبت من حديث سفيان ـ يعني رواية مالك المرسلة أثبت من رواية الثوري المسندة.
(2)
على أن كلا الروايتين على كل حال في حكم المرسل، لأن سليمان بن يسار لم يدرك عبد الله بن حذافة. فإن عبد الله بن حُذافة السهمي توفي بمصر في خلافة عثمان بن عفان، وسليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة سبع وعشرين، فلا يمكن أن يسمع منه انظر: تهذيب الكمال 14/ 413، التمهيد 3/ 151.
(3)
رواية مالك في الموطأ 1/ 348 ح 69، وانظر: التمهيد 3/ 151. وذكر الدارقطني أن بشر بن السري خالف أصحاب مالك، فرواه عن مالك، عن ربيعة عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع.
(4)
رواية مطر أخرجها الترمذي الجامع 3/ 200 ح 841، والنسائي السنن الكبرى 2/ 288 ح 5402، وأحمد المسند 45/ 173 ح 27197، وابن أبي شيبة المصنف 3/ 152 ح 12968، والدارمي سنن الدارمي 2/ 38، وابن حبان 9/ 438 ح 4130، الدارقطني السنن 3/ 262، والبيهقي السنن الكبرى 5/ 66، وابن عبد البر التمهيد 3/ 152.
ومال الدارقطني إلى تصحيح رواية مطر لمتابعة بشر بن السري له عن مالك، ولأنهما ثقتان عنده علل الدارقطني 7/ 14.
وأما ابن عبد البر فرجح رواية مالك، وذكر أن رواية مطر منقطعة بين سليمان بن يسار وأبي رافع لأن أبا رافع مات بالمدينة بعد مقتل عثمان بيسير، وكان قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ومولد سليمان بن يسار سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة سبع وعشرين، وغير جائز ولا ممكن أن يسمع سليمان بن يسار من أبي رافع، وأما سماعه من ميمونة فممكن وصحيح، لأن ميمونة مولاته ومولاة إخوته، أعتقتهم وولاؤهم لها، وتوفيت ميمونة سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عباس فغير نكير أن يسمع منها سليمان بن يسار ويستحيل أن يخفى عليه أمرها وهو مولاها وموضعه من الفقه موضعه. ا. هـ. بتصرف "التمهيد 3/ 151".
والثانية بـ "عن" مسندة.
وذكر الإمام أحمد أن المتقدمين كانوا يتساهلون في عدم التفرين بين العبارتين، مع أنهما عنده ليستا بسواء ولا حكمهما بواحد، فكأنهم يفعلون ذلك على وجه التسامح وعدم التحرير
(1)
.
ومثل هذا الإعلال إعلال الدارقطني لما أخرجه البخاري عن عبد الله ابن يوسف، عن الليث، عن يزيد، عن عِراك، عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر
(2)
، قال الدارقطني: وهذا مرسل
(3)
.
ووجه الإرسال واضح، حيث قال عروة:"أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب عائشة"، لأنه لم يشاهد القصة ولا أسندها عن عائشة، بخلاف ما لو قال: عن عائشة
(4)
.
ومثله أيضاً ما ذكره ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول وذكر حديثا روى هشيم عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، أخبرنا سيابة السلمي "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: أنا ابن العواتك". قال أبي: حدثنا بعض أصحاب هشيم، عن هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، قال
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 604.
(2)
انظر الحديث في صحيح البخاري 9/ 123 ح 5081 - مع فتح الباري.
(3)
الإلزامات والتتبع ص 514.
(4)
أجاب الحافظ ابن حجر أن القصة سياقها الإرسال، لكن الظاهر أن عروة حمل ذلك عن خالته عائشة أو عن أمه أسماء بنت أبي بكر
…
ووقع التساهل فيها في صريح الاتصال لعدم اشتماله على حكم متأصل فتح الباري 9/ 124.
أخبرنا سيابة بن عاصم السلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبي: هذا أشبه، قال: وهذا الحديث دليل على أن سيابة ليس هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "
(1)
.
(1)
المراسيل 242.
الفصل الثاني: الإعلال بما يُخل باتصال الأسانيد
المبحث الأول: الإعلال بالإرسال
المطلب الأول: معنى الإرسال عند الإمام أحمد
.
ذُكر للإرسال في اللغة عدة إطلاقات، وكلها تصلح أصلاً لمعنى الإرسال الاصطلاحي
(1)
: فقيل إن أصله من قولهم: أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه، كما في قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ} [مريم: 83]، فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف.
الثاني: أنه من قولهم: جاء القوم أرسالاً، أي قطعاً متفرقين، فإن الرسل معناه القطيع من كل شيء، والجمع أرسال
(2)
. فكأنه تصور من هذا اللفظ الاقتطاع، فقيل للحديث الذي قطع إسناده وبقي غير متصل مرسل، أي كل طائفة منهم لم تلق الأخرى ولا لحقتها.
الثالث: أنه من الاسترسال إلى الإنسان
(3)
، وهو الاستئناس والطمأنينة إليه، ومنه حديث:"من استرسل إلى مؤمن فغبنه كان غبنه ربا"
(4)
، فكأن المرسِل للحديث اطمأنّ إلى من أرسل عنه ووثِق به لمن يوصله إليه.
الرابع: أنه من قولهم ناقة مِرسال، أي سريعة السير
(5)
، فكأن المرسِل للحديث أسرع فيه عجلاً فحذف بعض إسناده.
(1)
هذه الإطلاقات مأخوذة من جامع التحصيل ص 23 - 24.
(2)
لسان العرب، مادة:"رسل" 11/ 281.
(3)
المصدر نفسه 11/ 283.
(4)
أخرجه البيهقي السنن الكبرى 6/ 554، وأبو نعيم حلية الأولياء 5/ 187. في سنده موسى بن عمير، قال أبو حاتم: ذاهب الحديث ميزان الاعتدال 6/ 554.
(5)
الموضع السابق.
وأما في الاصطلاح فالذي ورد عن الإمام أحمد أن الإرسال هو الرواية بإسقاط الواسطة بين الراوي ومن روى عنه، ويدل على ذلك أنه قال في صنيع ابن جريج في الأحاديث التي يرويها مصرِّحاً بإسقاط الواسطة إن ذلك إرسال. قال عبد الله:"قال أبي: رأيت سنيداً عند حجاج بن محمد وهو يسمع كتاب "الجامع" ـ يعني لابن جريج ـ فكان في الكتاب: ابنُ جُريج قال: أُخبرتُ عن يحيى بن سعيد، وأُخبرتُ عن الزهري، وأُخبرتُ عن صفوان بن سُليم. فجعل سُنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج، عن الزهري، وابن جُريج، عن يحيى بن سعيد، وابن جُريج، عن صفوان بن سُليم، فكان يقول له: هكذا ولم يَحمَدهُ أبي فيما رآه يصنع بحجاج وذمّه على ذلك. قال أبي: وبعض هذه الأحاديث التي كان يُرسلها ابنُ جُريج أحاديث موضوعة، كان ابنُ جُريج لا يُبالي من أين يأخذه ـ يعني قوله: أُخبرت، وحُدِّثتُ عن فلان"
(1)
، فسمّى رواية ابن جُريج بقوله: أُخبرتُ، وحُدِّثتُ بأنه إرسال، والرواية بهذه الصورة صريحة في إسقاط الواسطة.
وبالتتبع للنصوص التي وقفت عليها عن الإمام أحمد وجدت له عدة إطلاقات للإرسال، وهي ترجع إلى أربع معانٍ، تندرج كلها تحت معنى واحد، وهو الرواية بإسقاط الواسطة بين الراوي ومن روى عنه.
الأول: ما رواه التابعي بإسقاط الصحابي، ومن ذلك:
1.
قال الإمام أحمد: وحدثنا عفّان، حدثنا حمّاد، عن عمّار بن أبي عمّار، مرسل ليس فيه ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة
…
فذكر عفان الحديث
(2)
.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 551 رقم 3610.
(2)
المسند 5/ 44 ح 2845. ولفظه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: "إني أرى ضوءا، وأسمع صوتاً، وإني أخشى أن يكون بي جنن" قالت: لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله
…
إلخ.
وعمار بن أبي عمار تابعي قد رأى جابر بن عبد الله
(1)
، فسمى الإمام أحمد روايته بإسقاط ابن عباس مرسلة.
2.
وقال أيضاً: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، مرسل ليس فيه ابن الزبير
(2)
، يشير إلى إسناد حديث عبد الله بن الزبير: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي حواريّ، والزبير حواري وابن عمّتي" رواه يونس، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، ورواه سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه ليس فيه ابن الزبير، فسماه مرسلاً لإسقاط الصحابي من السند.
3.
وقال عبد الله: "حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غِياث، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خمروا وجوه موتاكم، ولا تشبهوا بيهود"، فحدّثت به أبي فأنكره وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدثني عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء مرسل"
(3)
. فسمى رواية عطاء بإسقاط ابن عباس مرسلة، وفي هذا أيضاً إطلاق الرفع على الرواية الموصولة.
الثاني: رواية الراوي عمّن لم يلقه سواء عاصره أو لم يُعاصره، ومن ذلك:
1.
قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ روى يزيد ابن يزيد بن جابر عن عبد الملك بن أبي بكر، عن عمر في زكاة الدين. قال: نعم، عبد الملك بن أبي بكر، عن عمر مرسل"
(4)
عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام المخزومي لم يدرك عمر، لأن أباه أبو بكر بن عبد الرحمن
(1)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/ 644 رقم 1899.
(2)
المصدر نفسه 26/ 40 ح 16115.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 383 رقم 2709.
(4)
المراسيل 481.
ابن الحارث بن هشام ـ أحد الفقهاء السبعة ـ ولد في خلافة عمر
(1)
، وجده عبد الرحمن بن الحارث تربى في حجر عمر
(2)
، فلم يعاصر عبد الملك عمر قطعاً، فسمى الإمام أحمد حديثه عنه مرسلاً.
2.
تقدم أن الإمام أحمد قال في حديث عراك عن عائشة: إنه مرسل، وعراك أدرك عائشة لكن لم يثبت لقاؤه بها ولا سماعه منها، فقال في روايته عنها: مرسل.
ورواية الراوي عمن لم يعاصره من الانقطاع الجلي، وروايته عمّن لم يلقه من الانقطاع الخفي، وهو صورة الإرسال الخفي عند ابن القطان
(3)
، والحافظ ابن حجر
(4)
، فإن الإرسال الخفي يظهر بعدم اللقاء وكذا بعدم السماع
(5)
، وهو عند غيرهما إحدى صورتي التدليس
(6)
.
الثالث: رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه:
ذكر الخلال في العلل عن حنبل: "ذكرت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد ـ حديث الأعمش عن أنس فقال: لم يسمع الأعمش من أنس، لكن رآه، زعموا
(1)
قاله الواقدي الطبقات الكبرى 5/ 207.
(2)
الطبقات الكبرى 5/ 5.
(3)
بيان الوهم والإيهام 5/ 493.
(4)
نزهة النظر ص 43. وهو الذي يميل إليه رأي ابن عبد البر التمهيد 1/ 15 - 16، وانتصر له العلائي جامع التحصيل ص 97، وحمل كلامهما الشريف العوني على خلاف ظاهره المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس ص.
وقد قال الخطيب: لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه
…
. ا. هـ الكفاية في علم الرواية ص 546.
(5)
فتح المغيث 4/ 71.
(6)
انظر: معرفة علوم الحديث ص 109، مقدمة علوم الحديث ص 78. وانظر: المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس ص 44 - 143.
أن غياثاً حدث الأعمش بهذا
(1)
عن أنس"
(2)
وقال الخلال: حدثنا مهنّا قال: "سألت أحمد: لم كرهتَ مراسيل الأعمش؟ قال: كان لا يبالي عمّن حدّث. قلت له: كان رجلٌ ضعيف سوى يزيد الرقاشي، وإسماعيل بن مسلم؟ قال: نعم، كان يحدّث عن غياث بن إبراهيم، عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة أبعد]. سألته عن غياث بن إبراهيم فقال: كان كذوباً"
(3)
.
فسمى رواية الأعمش عن أنس مرسلة، مع رؤيته لأنس بن مالك، وأن العلة في ردها أنه يروي عنه بواسطة رواة ضعفاء ومتروكين مثل غياث بن إبراهيم، ويزيد الرقاشي، وإسماعيل بن مسلم.
وهذه هي الصورة الثانية للإرسال الخفي.
الرابع: رواية الراوي عن شيخ لقيه وسمع منه ما لم يسمع منه:
قال عبد الله: "قال أبي: ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث الواحد ـ يعني حديث الوضوء مما مسّت النارٌ ـ والباقي يرسلها عنه"
(4)
.
وهذه صورة التدليس، فأطلق الإمام أحمد الإرسال على التدليس لما تضمن كلٌ منهما من إسقاط الواسطة. وقد جاء ذلك صريحاً في رواية الفضل بن زياد، عن أحمد قال: "كان مبارك ـ أي ابن فضالة ـ يُرسل عن الحسن. قيل: يُدلِّس؟ قال: نعم. قال: وحدّث يوماً عن الحسن بحديث فوُقف عليه فقال: حدثنيه
(1)
يعني حديث التكشف عند الحاجة.
(2)
تهذيب سنن أبي داود لابن القيم 1/ 21.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 386 رقم 5696.
بعض أصحاب الحديث عن أبي حرب، عن يونس"
(1)
وإنما أطلق الإرسال على التدليس لأن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، فكل تدليس إرسال ولا ينعكس.
وقد ذكر الخطيب أنه لا خلاف بين أهل العلم أن رواية الحديث بالصور الثلاث التي تقدم ذكرها بإدراج الصورة الثالثة في الصورة الثانية أنه إرسال
(2)
.
(1)
المعرفة والتاريخ 2/ 633.
(2)
الكفاية في علم الرواية ص 546 - 547.
المطلب الثاني: الإعلال بإسقاط الصحابي
.
الإعلال بهذا من الإعلال بالإرسال الجلي، وتحته مسائل:
المسألة الأولى: الصحبة وما تثبت به عند الإمام أحمد
.
ذكر الحافظ ابن حجر أن التعريف المبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما هو أن الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الإسلام
(1)
.
وذكر عبدوس
(2)
في مسائله عن أحمد: "كل من صحِبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعةً أو رآه فهو من أصحابه، له من الصُّحبة على قدر ما صحِبه
…
ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعةً أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير"
(3)
. قال المجد أبو البركات ابن تيمية: وإليه ذهب أصحابنا
(4)
.
ومما يدل على اعتباره الرؤية مقتضية للصحبة ما رواه ابن هاني قال: "سئل ـ يعني أبا عبد الله أحمد بن حنبل ـ هل سمع يحيى بن أبي كثير من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، قد سمع من السائب بن يزيد، والسائب قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم "
(5)
فاستدل لصحبة السائب بن يزيد برؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم.
(1)
الإصابة في تمييز الصحابة 1/ 7. ونسب أصحاب أحمد مثل هذا التعريف إلى الإمام أحمد انظر: الكواكب النيرات 2/ 465.
(2)
هو عبدوس بن مالك أبو محمد العطار. قال القاضي أبو يعلى: ذكره الخلال وقال: كانت له عند أبي عبد الله منزلة في هدايا وغير ذلك وله به أنس شديد
…
وقد روى عن أبي عبد الله مسائل لم يروها غيره ولم تقع إلينا كلها. ا. هـ. طبقات الحنابلة 1/ 241.
(3)
طبقات الحنابلة 1/ 243 - 244.
(4)
المسودة ص 263.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 199 رقم 2077.
وعبر باللقاء ليشمل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يعز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى
(1)
ولمعرفة الصحبة ـ في حق ما عدا من ثبتت صحبتُه بالتواتر أو الشهرة أو الاستفاضة ـ طرق ترجع إلى ثلاثة أمور:
الأول: مجيء ما يدل على لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يدل عليه تصرف أئمة الحديث بما فيهم الإمام أحمد في تخريج أحاديث هذا الضرب في مسانيدهم على أنهم صحابة.
فمن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد إفراده لدُكين بن سعيد الخَثعَمي بمسند في كتابه المسند، وأورد حديثه الذي فيه دلالة على لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم من طريق وكيع، ومحمد ويعلى ابني عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن دُكين بن سعيد الخَثْعَمي قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعون وأربع مئة نسأله الطعام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:"قُمْ فأعطهم"
(2)
.
وكذلك صدّر مسند معن بن يزيد السلمي بحديث يدل على لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حدثنا مصعب بن المِقدَام، ومحمد بن سابق قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي الجويرية أن معن بن يزيد حدّثه قال: [بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبي وجدي، وخطب عليّ فأنكحني
…
] الحديث
(3)
.
(1)
الإصابة الموضع نفسه.
(2)
المسند 29/ 117 ح 17576 - 17580. ورواه البخاري في التاريخ الكبير 3/ 255 من طريق سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد سمع قيساً سمع دكين المزني فذكره. فصرح إسماعيل بالسماع من قيس، وهو من دكين.
(3)
المسند 25/ 191 ح 15860.
وكذلك أفرد لنُمير الخزاعي مسنداً وذكر له حديثاً واحداً يدل على رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم، رواه عن وكيع: حدثنا عصامُ بن قُدامة البجلي، عن مالك بن نُمير الخُزاعي، عن أبيه قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً يده اليُمنى على فخِذِهِ اليُمنى في الصلاة يشير بأصبعه"
(1)
.
ولما ذُكر له حديث عَرْفجة
(2)
بن شُريح الأشجعي ذكر اختلاف الرواة في اسم أبيه، ثم ذكر رواية شعبة التي تدل على سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وأوردها في مسنده، وليس له غير تلك الرواية
(3)
.
والحديث ذكره الخلال
(4)
قال: "جعفر الصائغ، حدثنا حسين بن محمد المروذي، ثنا شيبان، عن زِياد بن عِلاقة، عن عرْفجة بن شريح الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستكون بعدي هَناتٌ
(5)
وهَناتٌ ـ ممدودة ـ فمن رأيتموه يُفرِّق أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي جميع فاقتلوه كائناً من كان من الناس"
(6)
. قال الأثرم: ذُكر هذا الحديث عند أبي عبد الله فقال: كان أبو نُعيم يرويه عن شيبان يقول:
(1)
المسند 25/ 201 - 202 ح 15867.
(2)
هو بالفاء الإكمال لابن ماكولا 6/ 196.
(3)
المسند 30/ 227 ح 18295.
(4)
المنتخب من العلل للخلال ص 171 رقم 92.
(5)
أي شروو وفساد، يقال: في فلان هنات، أي خصال شر، واحدها هَنْتٌ، وقيل: هَنَةٌ تأنيث هن، وهو كناية عن كل اسم جنس النهاية 5/ 279.
(6)
أخرجه مسلم من طريق شيبان، ومن طريق شعبة، وإسرائيل، وعبد الله بن المختار وغيره كلهم عن زياد بن علاقة به. وفي حديث شعبة ـ وهو الذي صدر الإمام مسلم الباب به تصريح عرفجة بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك اقتصر الإمام أحمد على إيراد طريق شعبة صحيح مسلم 3/ 1479 ح 1852، مسند أحمد، الموضع نفسه.
وكذلك اعتمد البخاري طريق شعبة هذه في جزمه بأن عرفجة سمع النبي صلى الله عليه وسلم. التاريخ الكبير 7/ 64.
ابن صُريح، وقال بعضهم: شُرَيح، وقال بعضهم: شُرْيح، وأما شعبة فلم ينسبه وقال فيه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ".
وذكر عبد الله أنه وجد في كتاب أبيه
(1)
: من روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء، فذكرهن على حسب أنسابهن وبلدانهن، واعتمد في إثبات صحبة بعضهن بما ورد في أحاديثهن مما يدل على لقائهن بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله: وامرأة من الأنصار قالت: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا آكل بشمالي"؛
(2)
وجدة عبدالرحمن بن أبي عمرو ـ ويقال لها: كُبيشة، ويقال: كبشة ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها قِربة معلقة
(3)
؛ وأم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزورها كل جمعة
(4)
.
وأما من نفى عنه الصحبة ولم يرد ما يدل على لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان له رواية فإنه لا يذكر له مسنداً
(5)
، وذلك مثل دَغْفَل بن حَنْظَلَة، فإنه قد روى حرب بن إسماعيل أنه قال لأحمد بن حنبل:"دغفَل بن حنظَلة له صُحبة؟ قال: ما أعرفُهُ" قال ابن أبي حاتم: يعني ما يعرف له صحبة أم لا
(6)
.
وقال الأثرم عن أحمد بن حنبل: "قد سمعتُ منه ـ يعني معاذ بن هِشام ـ حديث دَغفَل بن حنظَلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قُبِض وهو ابنُ خمسٍ وستين. قلت
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 406 رقم 5784.
(2)
المصدر نفسه 3/ 408.
(3)
المصدر نفسه 3/ 409.
(4)
المصدر نفسه 3/ 410.
(5)
وأما من كان له رواية وتوقف في ثبوت صحبته لعدم وجود ما يثبتها أو ينفيها فإنه يورده في المسند، كأن ذلك على احتمال صحبته. مثال ذلك عامر بن مسعود القرشي. أورده في المسند 31/ 290 ح 18959، وذكر حديثه، وقد سأله عنه أبو داود: هل له صحبة؟ فقال: لا أدري، قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص 79 رقم 183.
(6)
الجرح والتعديل 3/ 441.
لأبي عبد الله: دغفَل بن حنظَلة له صُحبة؟ فقال: لا، ومن أين له صُحبة، هذا كان صاحب نسب. قيل لأبي عبد الله: رُوي عنه غير هذا الحديث؟ فقال: نعم، حديث آخر يرويه أبان العطار:"كان على النصارى صوم" قال أبو عبد الله: لا أعلمه رُوي عنه غيرُهما"
(1)
.
وليس في الحديثين اللذين رواهما ما يدل على لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يذكره الإمام أحمد في مسنده.
ومثله أيضاً مطر بن عُكامِس، نقل إسحاق بن منصور عنه أنه قال: لا صحبة له
(2)
. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه: هل له صحبة؟ فقال: لا يُعرف. قلت: فله رواية؟ قال: لا أدري
(3)
. ولم يخرج الإمام أحمد له في المسند، وأخرج عبد الله حديثه في زياداته على المسند
(4)
، وليس فيه ما يدل على لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وأما من نفى عنه الصحبة ثم ذكر حديثه في مسنده، فهو ممن قد ورد عنه ما يدل على رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم، ونفيه لصحبته محمول على الصحبة الخاصة بالسماع والرواية. مثال ذلك مسلمة بن مخلَّد، فقد روى أبو طالب عنه أنه قال: ليست له صحبة. وروى حديثه في المسند، وجاء في روايته ما يدل على أن له لقيًّا، وهو ما قرأه عبد الله على أبيه: حدثنا عباد بن عباد، وابن أبي عدي، عن ابن عون، عن مكحول أن عقبة أتى مسلمة بن مُخلَّد، وكان بينه وبين البَّواب شيء، فسمع صوته فأذن له فقال: إني لم آتك زائراً، ولكني جئتك لحاجة، أتذكر يوم قال
(1)
تهذيب الكمال 8/ 487، وانظر: المراسيل 198.
(2)
المراسيل 732، نقله عنه وعن يحيى بن معين.
(3)
ذكره ابن حجر في الإصابة 3/ 423 - 424.
(4)
وهو حديث: "إذا قضى الله ميتة عبدٍ بأرض جعل له إليها حاجة" المسند 36/ 308 ح 21983، 21984.
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من علم من أخيه سيئة فسترها ستره الله عز وجل يوم القيامة؟ " فقال: نعم. قال: لهذا جئت. قال ابن أبي عدي في حديثه: ركب عقبة بن عامر إلى مسلمة بن مُخلَّد وهو أمير على مصر"
(1)
.
وهناك حديث آخر يدل على أن له رؤية، رواه ابن أبي عاصم
(2)
، والطبراني
(3)
من طريق وكيع عن موسى بن علي عن أبيه عن مسلمة بن مخلَّد رضي الله عنه قال: "وُلِدتُ حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم ومات وأنا ابن عشر" وخالفه عبد الرحمن ابن مهدي عن موسى بن علي بالإسناد نفسه وقال في لفظه: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأنا
(1)
المسند 28/ 160 ح 16960. وهذا الإسناد فيه انقطاع: مكحول لم يلق عقبة بن عامر تهذيب الكمال 20/ 203.
ورواه الإمام أحمد في مسند عقبة بن عامر عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج: سمعت
أبا سعيد يحدث عطاء قال: رحل أبو أيوب إلى عقبة بن عامر فأتى مسلمة بن مخلَّد وفيه: حدثنا ما سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحدٌ سمعه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره المسند 28/ 613 ح 17391. وأبو سعيد هو المكي الأعمى، مجهول تقريب التهذيب 8181.
وخالفه الحميدي فرواه عن سفيان قال: ثنا ابن جريج قال: سمعت أبا سعد الأعمى يحدث عطاء بن أبي رباح يقول: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة. فلما قدم مسلمةَ بن مخلد الأنصاري ـ وهو أمير مصر ـ فأُخبر به فعجّل فخرج إليه فعانقه ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغير عقبة
…
مسند الحميدي 1/ 189 ح 384. وتابعه محمد بن المثنى عند الروياني مسند الروياني 1/ 149 ح 159. فعلى هذه الرواية لم يسمع مسلمة هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما سمعه عقبة بن عامر، والذي ارتحل إليه هو أبو أيوب الأنصاري.
ويؤيده ما رواه أحمد المسند 28/ 656 ح 17454 عن البرساني عن ابن جريج: ركب
أبو أيوب إلى عقبة بن عامر إلى مصر فقال: إني سائلك عن أمر لم يبق ممن حضره من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنا وأنت
…
فذكره، وليس لمسلمة بن مخلد فيه ذكر. وهذا معضل بين ابن جريج وأبي أيوب، لكنه يدل على أن الرواية الأولى معلولة.
والحديث قد حكم عليه أبو حاتم بالاضطراب علل ابن أبي حاتم 2/ 164 ح 1984. وهو جدير به.
(2)
الآحاد والمثاني 5/ 324 ح 2865.
(3)
المعجم الكبير 19/ 437 ح 1060.
ابن أربع ومات وأنا ابن أربع عشرة" رواه أحمد
(1)
، والطبراني
(2)
. قال الطبراني: وحديث عبد الرحمن بن مهدي عندي الصواب والله أعلم.
فنفيُ الإمام أحمد لصحبته مع روايته لهذا الحديث الذي يدل على أن له رؤية هو الذي جعل الحافظ ابن حجر يُؤوِّل النفي بأن المنفي هو الصحبة الخاصة
(3)
، وليس أصل الصحبة.
وقد ينفي عن الرجل سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم ثم يورده في مسنده ويذكر له أحاديث لمِا له من إدراك للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك مثل عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أفرده الإمام أحمد بالذكر في مسنده
(4)
وذكر له أحاديث ليس في واحد منها تصريحه بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم أو ما يدل على لقائه به، وقد نص على عدم سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ذكر أنه أدركه. قال حرب بن إسماعيل:"سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: عبد الرحمن بن غنم قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع منه"
(5)
.
ومثال آخر هو طارق بن شهاب، أدخله في مسنده وأورد له عدة أحاديث منها ما يدل على أن له اللقيا، وهو حديث شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: [رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت في خلافة أبي بكر
(1)
أخرجه الخطيب من طريقه في الكفاية في علم الرواية ص 108.
(2)
المعجم الكبير 19/ 438 ح 1061.
(3)
الإصابة 3/ 418.
(4)
المسند 29/ 512 - 521. وقال الذهبي: روى له أحمد بن حنبل في مسنده أحاديث لكنها مرسلة، ويحتمل أن تكون له صحبة فقد ذكر يحيى بن بكير عن الليث وابن لهيعة أن عبد الرحمن صحابي وقال الترمذي له رؤية سير أعلام النبلاء 4/ 45.
وذكره ابن حجر في القسم الأول، وهم من ثبتت صحبتهم، ثم أعاد ذكره في القسم الثالث، وهم المحضرمون ـ من أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم الإصابة 2/ 417، 3/ 97.
(5)
المراسيل 443.
وعمر بضعاً وأربعين أو بضعاً وثلاثين من بين غزوة وسرية"
(1)
. وقد ذكر غير واحد عدم سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
، والأحاديث التي رواها عنه الإمام أحمد في مسنده ليس في واحد منها التصريح بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: من طرق إثبات الصحبة تصريح أحد الصحابة أو أحد التابعين أن فلاناً له صحبة، وهذا كما قال ابن حجر بناء على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح. ومن أمثلة ذلك سنان ين سِنّة، ذكره الإمام أحمد في مسنده، وروى حديثه حكيم بن أبي حرة
(3)
فقال: عن سنان بن سنّة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر"
(4)
.
ومن ذلك أيضاً شرحبيل بن أوس
(5)
، أفرد له مسنداً، وذلك أن نمران ابن مخمر
(6)
روى عنه وقال في حديثه: عن شرحبيل بن أوس وكان من
(1)
المسند 31/ 125 ح 18829.
(2)
منهم أبو داود: قال: طارق بن شهاب قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع منه شيئاً سنن أبي داود 1/ 644.
وقال أبو حاتم: طارق بن شهاب له رؤية، وليست له صحبة، والحديث الذي رواه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: "كلمة حق عند سلطان جائر"، قال هذا حديث مرسل. فقيل: له قد أدخلته في مسند الوحدان؟ فقال: إنما أدخلته في الوحدان لما يحكى من رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم. المراسيل 351.
قال ابن حجر: إذا ثبت أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحابي على الراجح، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح الإصابة 2/ 220.
(3)
روى عن عبد الله بن عمر، والحديث في صحيح البخاري تهذيب الكمال 7/ 169. ذكره
ابن حبان في الثقات 4/ 161. وقال عنه ابن حجر: صدوق التقريب 1477.
(4)
المسند 31/ 354 ح 19014.
(5)
ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة الطبقات الكبرى 7/ 431. وذكر ابن حجر عن البخاري وأبي حاتم أن له صحبة، وأن أبا زرعة ذكره في مسند الشاميين الإصابة 2/ 143.
(6)
وقيل: ابن مخبر، ذكره البخاري في التاريخ الكبير 8/ 120، وذكره ابن حبان في الثقات 7/ 545. روى عنه حريز بن عثمان، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات تعجيل المنفعة ص 278.
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
.
وكذلك أفرد لحابس بن سعد الطائي
(2)
مسنداً، وروى من طريق عبد الله ابن غابر الألهاني
(3)
قال: "دخل حابس بن سعد الطائي من السحر ـ وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ".
ولم يورد له رواية
(4)
.
ومما يدل على اعتبار الإمام أحمد هذا الطريق من طرق إثبات الصحبة احجاجه بقول رجل من التابعين: "حدثني رجل من الصحابة" قال الأثرم: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث صحيح؟ قال نعم"
(5)
فإذا صحح قوله مع عدم تعيين وتعريف بالصحابي، فلأن يصححه معهما من باب أولى وأحرى، والله أعلم.
الثالث: إخبار الرجل عن نفسه بأنه صحابي. ومن أمثلة ذلك عبد الله ابن عمرو بن أم حرام
(6)
، ذكره الإمام أحمد في مسنده
(7)
، وجاء في حديثه الذي
(1)
المسند 29/ 591.
(2)
وهو حابس اليماني. ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطبقات الكبرى 7/ 431. وذكر البخاري وابن أبي حاتم أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم التاريخ الكبير 3/ 108، الجرح والتعديل 3/ 292. وأما يعقوب الفسوي فذكره في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام المعرفة التاريخ 2/ 308. وذكر له حديثاً رواه عن أبي بكر الصديق، ولعل ذلك هو قرينته لاعتباره من التابعين وانظر: تهذيب التهذيب 2/ 127.
(3)
عبد الله بن غابر ـ بمعجمة ثم موحدة ـ. وثقه ابن حجر تقريب التهذيب 3549.
(4)
المسند 28/ 176 ح 16972.
(5)
الكفاية في علم الراوي ص 585.
(6)
اسمه عبد الله بن عمرو بن قيس الأنصاري الخزرجي ابن امرأة عبادة بن الصامت، ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطبقات الكبرى 7/ 402.
(7)
المسند 29/ 585.
ذكره في مسنده قال: إبراهيم بن أبي عبلة
(1)
: [رأيت أبا أُبيّ الأنصاري ـ وهو ابن أبي حرام الأنصاري ـ فأخبرني أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلتين جميعاً، وعليه كساءٌ خزٍّ أغبر]. فإخباره عن نفسه بأنه صلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على صحبته، فاعتمد ذلك الإمام أحمد فذكره في مسنده فدل على أنه يعتبره صحابياً، ولم يذكر له حديثاً مسنداً غير هذا الذي يدل على صحبته.
المسألة الثانية: ما يقدح في ثبوت الصحبة
.
قد يرِد ما يدل على ثبوت الصحبة للراوي، ومع ذلك يأتي عن الإمام أحمد التصريح بعدم ثبوت صحبته، مما يدل على أن هناك ما يقدح في ذلك الدليل. ومن الأمور التي يمكن أن تعتبر من القوادح لدى الإمام أحمد فيما يُثبت الصحبة ما يأتي:
القادح الأول: ورود ما يُثبت الصحبة بطريق معلول.
مثال ذلك ما رواه أبو داود قال:
قلت لأحمدَ: كُديرٌ الضَّبي له صُحبة؟ فقال: لا، قلت: زُهير يقول: إنه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو إن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعني في حديث زُهير، عن أبي إسحاق، عن كُدير الضَّبي؟ فقال: زُهير سمِع من أبي إسحاق بآخرَة
(2)
.
الحديث الذي يدل على صحبة كُدير الضبي هو ما رواه زهير بن معاوية الجعفي
(3)
، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن كُدير أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه أعرابي
(1)
وثقه الجم الغفير: منهم ابن معين، وعلي بن المديني، ودحيم، والفسوي، والنسائي، والدارقطني. وأخرج له البخاري عن عكرمة، ومسلم عن عمر بن عبد العزيز تهذيب الكمال 2/ 143.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 410 رقم 1925. وقد تقدم في مطلب الإعلال بالاختلاط ص 337.
(3)
قال الإمام أحمد: زهير فيما روى عن المشايخ ثبت، بخٍ بخٍ، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين الجرح والتعديل 3/ 588، وانظر: مسائل صالح 2/ 457 رقم 1158.
وقال أبو زرعة: ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط الجرح والتعديل 5/ 589.
فقال: يا رسول الله! دُلَّني على عملٍ يُدخلني الجنة. قال: "تقول العدلَ، وتُعطي الفضْلَ". قال: يا رسول الله! فإن لم أستطع؟ قال: "فهل لك من إبِل"؟ قال: نعم. قال: "فاعهَدْ إلى بعير من إبلك وسِقاء فانظر إلى أهل بيتٍ لا يَشربون الماء إلا غِباًّ فإنه لا يَعطُب بعيرُك ولا يَنحَر سِقاؤك حتى تجب لك الجنة"
(1)
.
ومع ذلك لم يُثبت الإمام أحمد صحبة كدير الضَّبي لوجود قادح يقدح في صحة هذه الرواية، وهذا القادح هو سماع زهير من أبي إسحاق بآخرة، وكان أبو إسحاق قد تغير. قال الميموني:"قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أحد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري. قال: وشعبة أقدم سماعاً من سفيان. قلت: وكان أبو إسحاق قد تأخر؟ قال: إي والله! هؤلاء الصغار، زهير وإسماعيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام"
(2)
.
ويشهد لصحة هذه العلة أن شعبة والأعمش قد رويا الحديث عن أبي إسحاق، عن كُدير الضبي: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال
…
فذكراه
(3)
وتابعهما فطر بن خليفة
(4)
، ومعمر
(5)
، وإسرائيل بن يونس
(1)
أخرجه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة 5/ 164، وعنه ابن قانع معجم الصحابة 2/ 784 من طريق الحسن بن موسى الأشيب، عن زهير به. وتابعه النفيلي عبد الله بن محمد ابن نفيل عند ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني 5/ 200.
(2)
شرح علل الحديث لابن رجب 2/ 710.
(3)
حديث شعبة رواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص 194 رقم 361، ومن طريقه ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني 5/ 200، وأبو نعيم في معرفة الصحابة 5/ 2412. ورواه ابن أبي عاصم من طريق غندر عن شعبة الآحاد والمثاني 5/ 199.
وحديث الأعمش رواه ابن خزيمة في صحيحه 4/ 125 ح 2503. قال ابن خزيمة: ولست أقف على سماع أبي إسحاق هذا الخبر من كُدير. ا. هـ وقد ورد التصريح بذلك في حديث شعبة.
(4)
حديثه عند هناد بن السري في الزهد 1/ 249، 2/ 515.
(5)
كما في جامعه ص 456، ومن طريقه رواه الطبراني في المعجم الكبير 19/ 487، والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 186.
ابن أبي إسحاق
(1)
، وزيد بن أبي أنيسة
(2)
، وسفيان الثوري
(3)
. ففي حديثهم أن الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم هو رجل آخر، وليس كُدير الضبي، فالصحبة لذالك الرجل وليست لكُدير.
وقد يُعترض على هذه العلة بأن الشيخين رويا لزُهير بن معاوية من روايته عن أبي إسحاق
(4)
، فلما ذا لا تُعتمد روايته هذه؟ فالجواب أن روايته جاءت مخالفة لرواية من ذُكر عن أبي إسحاق، ومنهم من كان سماعهم منه قبل الاختلاط كشعبة، وسفيان، وإخراج الشيخين له من روايته عن أبي إسحاق مما توبع عليها كلها
(5)
.
وممن يعتبر هذا القادح من القوادح في ثبوت الصحبة الإمام أبو حاتم الرازي. روى عنه ابنه أنه قال: سلامة بن قيصر الحضرمي الشامي ليس حديثه من وجه يصح ذكر صحبته. قال ابن أبي حاتم: قلت: وذلك أنه روى ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن لهيعة بن عُقبة، عن عمرو بن ربيعة، عن سلامة بن قيصر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من صام يوماً ابتغاء وجه الله
…
"
(6)
، فلم يثبت هذا الحديث لأنه من رواية ابن لهيعة، وبالتالي لم تثبت صحبته، لأن الطريق الذي يفيد ذلك معلول.
القادح الثاني: وجود قرينة خارجية مرجحة لنفي الصحبة، وذلك حيث وقع الاختلاف في الدليل الموجب للصحبة بما يقتضي إثباتها أو نفيها. مثال ذلك
(1)
حديثه عند البيهقي في شعب الإيمان 3/ 219 ح 3374.
(2)
حديثه في تاريخ بغداد 13/ 456.
(3)
ذكره مغلطاي في الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة 2/ 185، وابن حجر في الإصابة 3/ 289.
(4)
انظر: الكواكب النيرات ص 351.
(5)
تتبعتها كلها وتوصلت إلى هذه النتيجة.
(6)
المراسيل 233.
صحبة الحكم بن سفيان الثقفي، قال الإمام أحمد:
حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي الحَكَم أو الحَكَم بن سفيان الثقفي قال:"رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالَ ثم توضأ ونضح فرجه".
حدثنا أسود بن عامر، قال: قال شرِيك: سألت أهل الحَكَم بن سفيان، فذكروا أنه لم يُدرِكِ النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
.
هذا الحديث هو الذي استدل به من أثبت صحبة الحكم بن سفيان، ولكنه اختلف فيه، وأشار عبد الله بن أحمد بن حنبل إلى هذا الاختلاف في المسند حيث قال: ورواه شعبةُ ووُهيب، عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال غيرهما: عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم بن سفيان قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم .. ا. هـ
(2)
. فوقع اختلاف هل الصحبة له أو لأبيه؟ فمن أثبت صحبته رجح رواية الحكم بن سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم
(3)
.
(1)
المسند 24/ 104 - 106، ح 15384، 15385. وأورده عبد الله في العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 248 رقم 5096، 5097.
(2)
المسند 29/ 157.
(3)
رواه عدد كثير عن منصور، وكلهم لم يذكروا: عن أبيه، وهم:
1.
سفيان الثوري، وحديثه عند أبي داود السنن 1/ 117 ح 166، والنسائي السنن 1/ 93 ح 135، والبخاري التاريخ الكبير 2/ 329 - 330، وعبد الرزاق المصنف 1/ 152 ح 587، وأحمد 29/ 157 ح 17620، 29/ 397 ح 17854، 38/ 455 ح 23469، 23470، 23472، 23473، والحاكم المستدرك 1/ 171، وأبو نعيم معجم الصحابة 2/ 718 ح 1919، رواه عنه عدد، ولم يختلف عليه في عدم ذكر أبيه إلا ما رواه مؤمل بن إسماعيل عنه وذكر فيه: عن أبيه. ذكره المزي في تحفة الأشراف 3/ 71. ومؤمل بن إسماعيل ثقة كثير الغلط كما قال غير واحد، حتى إن البخاري وصفه بأنه منكر الحديث. وقال محمد بن نصر المروزي: إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف ويتثبت فيه لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط تهذيب الكمال 28/ 178، تهذيب التهذيب 10/ 381 وقد تفرد برواية هذا الوجه وخالف جميع من رواه عن الثوري بما فيهم أثبت الناس فيه: يحيى القطان، وابن مهدي، ووكيع، وأبو نعيم. =
ومن نفى صحبته رجح رواية الحكم بن سفيان، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
.
= 2. جرير بن عبد الحميد الضبي ـ وهو والثوري، وشعبة أثبت أصحاب منصور كما قال الدارقطني شرح علل الترمذي 2/ 721 ـ وحديثه عند أحمد المسند 24/ 104 ح 15384، والبخاري التاريخ الكبير 2/ 329، والبغوي معجم الصحابة 2/ 105 ح 481، والطبراني المعجم الكبير 3/ 216 ح 3179.
3.
أبو عوانة وضاح اليشكري، وحديثه عند البخاري التاريخ الكبير 2/ 329، وابن قانع معجم الصحابة 1/ 205، والطبراني المعجم الكبير 3/ 216 ح 3184.
4.
زكريا بن أبي زائدة، وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف 1/ 155 ح 1781 ومن طريقه ابن ماجه السنن 1/ 157 ح 461، والطبراني المعجم الكبير 3/ 217 ح 3180، 3181.
5.
عبِيدة بن حُميد، وحديثه عند البخاري التاريخ الكبير 2/ 329.
6.
قيس بن الربيع، وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير 3/ 217 ح 3183.
7.
سلاّم بن أبي مُطِيع، وحديثه عند البخاري في التاريخ الكبير الموضع نفسه، وابن قانع في معجم الصحابة 1/ 206، والطبراني المعجم الكبير 3/ 216 ح 3175.
8.
عمّار بن رُزيق سنن النسائي 1/ 93 ح 135.
9.
مفضل بن مهلهل، وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير 3/ 217 ح 3181.
10.
معمر بن راشد، وحديثه عند عبد الرزاق المصنف 1/ 152، وعبد بن حميد في مسنده 176 ح 486.
11.
زائدة بن قُدامة، برواية عبد الرحمن بن مهدي وهي في مسند الإمام أحمد 29/ 157 ح 17620، وأبي الوليد الطيالسي وهي عند ابن قانع في معجم الصحابة 1/ 206، ويحيى
ابن أبي بُكير عند أبي نعيم في معرفة الصحابة 2/ 717 ح 1918 كلهم عنه بدون ذكر أبيه.
(1)
رواه عن منصور:
1.
شعبة برواية عدد كثير من أصحابه عنه، وحديثه عند النسائي السنن 1/ 93 ح 134، والسنن الكبرى 1/ 93 ح 135، والطيالسي في مسنده 1/ 179، والبخاري التاريخ الكبير 1/ 330، والطبراني المعجم الكبير 3/ 216 ح 3176، 3177، وابن قانع معجم الصحابة 1/ 205، والبيهقي السنن الكبرى 1/ 161. وخالفهم علي بن الجعد، فرواه عن شعبة بدون ذكر: عن أبيه. أخرج حديثه في مسنده مسند ابن الجعد 1/ 464 ح 845، وعنه البغوي في معجم الصحابة 2/ 105 ح 480. وعلي بن الجعد =
وأشار الإمام أحمد إلى قرينة خارجية ترجح نفي الصحبة، وذلك فيما ذكره عن شريك القاضي عن أهل الحكم أنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم. ولم أقف عن أحمد على التصريح بنفي الصحبة عن الحكم، وإن كان الحافظ ابن حجر نسب إليه ذلك القول
(1)
، وصنيعه بذكر تلك القرينة مؤيدة لما ذكره الحافظ. والإمام البخاري أيضاً
قال عنه ابن معين: إنه أثبت البغداديين عن شعبة تهذيب الكمال 20/ 349، لكن ذكره ابن المديني ضمن من تُرك حديثُه عن شعبة وقال: رأيت ألفاظه عن شعبة تختلف الضعفاء للعقيلي 3/ 954.
2.
وُهيب بن خالد، وحديثه عند البخاري التاريخ الكبير 2/ 329، والطبراني المعجم الكبير 3/ 216 ح 3178.
3.
زائدة بن قُدامة، وذلك برواية معاوية بن عمرو عنه - وهو أحد الثقات وروى عن زائدة كتبَه ومصنفه الطبقات الكبرى 7/ 341، تهذيب التهذيب 10/ 216 ـ وحديثه عند أبي داود في السنن 1/ 118 ح 168.
وروى علي بن المديني عن ابن عيينة الوجهين، ورُوجع في ذلك فقيل له: منصور أيضاً عن أبيه؟ قال: نعم كلاهما عن أبيه التاريخ الكبير 2/ 330. وذكر متابعة لمنصور في ذكر أبيه، وهو عبدالله بن أبي نجيح: رواه عن مجاهد، عن رجل من ثقيف، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم الموضع نفسه. وهي ترجح رواية شعبة ووهيب القاضية بعدم صحبة الحكم بن سفيان.
والذي يترجح في رواية هذا الحديث أنه عند منصور على الوجهين، وذلك لأمرين:
1.
رواية ابن عيينة عن منصور على الوجهين وتأكيده أن الحديث رواه منصور على الوجهين، وكذلك رواية الوجهين عن زائدة بن قدامة.
2.
التردد في الترجيح بين الوجهين، وذلك أن في رواية كل وجه عدداً من الحفاظ المتقنين ـ وإن كانوا في رواية الوجه الأول أكثر عدداً. وقد قال ابن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو يخطئ، ليس هم، منهم منصور بن المعتمر الجرح والتعديل 8/ 177.
فهذا مما يقوي أن هذا التلون في الرواية لم يكن اختلافاً على منصور، بل إنه حدّث بالوجهين.
وقد حكم الحافظ الذهبي وابن حجر على هذا الحديث بالاضطراب ميزات الاعتدال 2/ 93، تهذيب التهذيب 2/ 426، وكذلك ابن عبد البر قبلهما، لكن ستأتي الإشارة إلى ما يوحي برجوعه عن ذلك وأنه رجح رواية الثوري بعدم ذكر أبيه.
ولعل من أجل هذا الاضطراب رجع الإمام أحمد إلى قرينة خارجية لنفي الصحبة عن الحكم.
(1)
انظر: الإصابة 1/ 345.
استدل بالقرينة نفسها لنفي الصحبة عن الحكم بن سفيان
(1)
. وكذلك نقل الحافظ ابن حجر عن الخلال عن ابن عيينة أن الحكم ليست له صحبة
(2)
. وقال أبو حاتم الرازي: الصحيح مجاهد عن الحكم بن سفيان، عن أبيه، ولأبيه صحبة
(3)
.
وأثبت صحبته أبو زرعة الرازي وقال: الصحيح: مجاهد، عن الحكم ابن سفيان وله صحبة
(4)
. وكذلك إبراهيم الحربي
(5)
، وابن حبان
(6)
، وابن عبد البر
(7)
.
القادح الثالث: أن يكون الراوي معروفاً بالرواية عن الصحابة.
الأصل في رواية الصحابي أن تكون عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواية التابعي عن الصحابة، فمن عرف بالرواية عن الصحابة قوي الظن بأنه من التابعين، فيعتبر ذلك قرينة لنفي الصحبة عمن عُرف ذلك منه. وقد استعمل الإمام أحمد هذه القرينة لنفي الصحبة عن بعض الأعلام، فمن ذلك ما رواه أبو داود:
قال أبو داود: قلت لأحمد: عمرو بن الحارث خَتْنُ النبي صلى الله عليه وسلم له صحبة؟ قال: لا، هو ابن المصطلق، يروي عن ابن مسعود
(8)
.
في هذه الرواية ينفي الإمام أحمد صحبة عمرو بن الحارث، وعلل ذلك بأنه معروفٌ بالرواية عن ابن مسعود. وعمرو بن الحارث هو ابن أبي ضرار أخو
(1)
التاريخ الكبير 2/ 330، علل الترمذي الكبير 1/ 125 - 126.
(2)
تهذيب التهذيب 2/ 426.
(3)
علل الحديث لابن أبي حاتم 1/ 46.
(4)
المصدر نفسه.
(5)
نسبه إليه الحافظ ابن حجر الإصابة 1/ 345.
(6)
مشاهير علماء الأمصار 1/ 58، الثقات 3/ 85.
(7)
الاستيعاب 1/ 361، بالرغم أنه حكم على الحديث بأنه مضطرب الإسناد. ولعله رجع عن ذلك لأنه بنى ثبوت صحبته على ترجيح رواية الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(8)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 451 رقم 2050.
أم المؤمنين جُويرية بنت الحارث. ذكره الإمام أحمد في مسنده
(1)
، وأورد له حديثين ليس في واحد منهما ما يدل على لقائه بالنبي صلى الله عليه وسلم. وله رواية عن ابن مسعود، وعن زينب امرأة ابن مسعود، وهذه القرينة التي اعتمدها الإمام أحمد لنفي صحبته. ويحتمل أن تكون الصحبة المنفية هي الصحبة المقترنة بالسماع، لكن لا يمكن الجزم بذلك، حيث لم أقف على ما يدل على أن له الإدراك.
وقد ذكر ابن سعد عمرو بن الحارث في الطبقة الأولى من أهل الكوفة بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن له رواية عن عبد الله بن مسعود
(2)
. وأثبت الإمام البخاري صحبته
(3)
، ولما سئل أبو حاتم: هل له صحبة؟ قال: يدخل في المسند
(4)
. وهذه العبارة يستعملها أبو حاتم أيضاً فيمن ثبتت له الرؤية دون السماع.
وممن ورد عنه اعتبار هذه القرينة من الأئمة للقدح في ثبوت الصحبة أبو حاتم الرازي. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: حجاج بن حجاج ليست له صحبة، ومما يدل على ذلك أنه يروي عن أبي هريرة، وعن أبيه"
(5)
.
وقال أيضاً: "سألت أبي عن خالد بن كثير، يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ليست له صحبة. قلت: إن أحمد بن سنان أدخله في "مسنده"! فقال أبي: خالد بن كثير يروي عن الضحاك، وعن أبي إسحاق الهمداني"
(6)
.
(1)
المسند 30/ 400 ح 18457، 18458.
(2)
الطبقات الكبرى 6/ 196.
(3)
التاريخ الكبير 6/ 308 وأخرج حديثه في صحيحه 5/ 356 ح 2739.
(4)
الجرح والتعديل 6/ 225.
(5)
المراسيل 159.
(6)
المصدر نفسه 189.
المسألة الثالثة: التفريق بين الصحبة المقترنة بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم والمجردة منه
.
تقدم عن الإمام أحمد أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي عنده ثبوت صحبة الرائي، لكن ورد عنه نفيه للصحبة عن بعض من ثبتت لهم الرؤية، فأوجب ذلك طلب التوفيق بين الأمرين. ومن أمثلة من ورد عنه أنه أثبت صحبته ثم نفى سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم:
1.
عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي
(1)
.
روى أبو داود قال: سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: كان عبد الله بن يزيد ـ يعني الخَطْمي والي الكوفة ـ فقيل لأحمد: سمع من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: رؤية يقولون
(2)
.
وقال الأثرم: "قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ليست لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ فقال: أما الصحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياّش، عن أبي حَصِين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم. وضعفه أبو عبد الله وقال: ما أرى ذاك بشيء"
(3)
.
دل سؤال أبي داود للإمام أحمد على أنه كان يثبت لعبد الله بن يزيد الإدراك للنبي صلى الله عليه وسلم دون السماع منه. ومما ورد عنه من تنصيص على أن له الإدراك ما رواه ابنه عبد الله
(4)
عنه قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أيضا: حدثنا
(1)
بفتح المعجمة وسكون المهملة تقريب التهذيب ص 552.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 451 رقم 2049.
(3)
المراسيل 366.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 440 رقم 5871.
أبو كامل والحسن بن موسى، قالا: حدثنا زُهير، قال: حدثنا أبو إسحاق أن عبدالله بن يزيد الأنصاري قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
. وهذان الإسنادان صحيحان.
وهذا يدل على أن مجرد الإدراك للنبي صلى الله عليه وسلم عند الإمام أحمد لا يقتضي ثبوت السماع منه وخاصة إذا وجدت قرائن تدل على أن ذلك الإدراك لا يمكن أن يكون معه سماع صحيح كالإدراك حال الصغر.
ولعل القرينة في عبد الله بن يزيد الخطمي هي ما ذكره مصعب الزبيري أن عبدالله بن يزيد هو الذي قتل الأعمى أمَّه وهي التي كانت تسبُّ النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الطفل الذي سقط بين رجليها
(2)
.
وخالفه الواقدي، فذكر أن الأعمى هو عُمير بن عدي، وأنه قتل عصماء بنت مروان، وكانت تحت يزيد بن حِصن، وهو والد عبد الله بن يزيد الخطمي وكانت تحض على المسلمين وتؤذيهم فجعل عُمير بن عدي نذراً أنه لئن رد الله رسولَه صلى الله عليه وسلم سالماً من بدر ليقتلنّها، ثم ذكر قصة قتله ابنها
(3)
، وأنه كان لها من
(1)
المصدر نفسه 3/ 440 رقم 5873.
(2)
سؤالات أبي عبيد الآجري ابا داود السجستاني في الجرح والتعديل 1/ 333 - 334 رقم 571.
وهذه القصة رواها أبو داود السنن ح 4361، والنسائي السنن 7/ 107 ح 4081 عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلم تنتهي ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فأخذ المِعْوَل فوضعه في بطنها واتّكأ عليها فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم. فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول لله صلى الله عليه وسلم فجمع الناس فقال:"أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام". فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلتْ تشتمك وتقع فيك فأخذت المِعول فوضعتُه في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتُها فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا اشهدوا أن دمها هدر".
ولم أقف على مستند مصعب الزبيري في تعيينه للأعمى وولده.
(3)
انظر: مسند الشهاب 2/ 48، والطبقات الكبرى 2/ 27 - 28.
ولدها من ترضعه فنحى الصبي عنها ثم قتلها. وقد اعتمد هذا ابن بشكوال
(1)
، فإن ثبت أن عبد الله بن يزيد هو الذي وقعت لأمه هذه القصة فلا شك من كونه صغيراً حين مات النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح سماعه منه.
وأما النص الثاني الذي فيه سؤال الأثرم عن الإسناد الذي ورد فيه تصريح عبد الله بن يزيد بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يدل على أن الإمام أحمد لا يعتمد التصريح بالسماع فيمن ليس له إدراك بيّن يمكن معه السماع وإن ورد ذلك في إسناد إلا إذا كان الإسناد صحيحاً سالماً من العلة. وهذا الإسناد الذي سأل عنه الأثرم رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل
(2)
، والبخاري
(3)
، والبغوي
(4)
، والحاكم
(5)
من طرق عن أبي بكر بن عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي بُردة قال: كنتُ جالساً عند عبيد الله بن زِياد فأُتي برؤوس الخوارج فقلت: إلى النار. فقال عبد الله بن يزيد الأنصاري: أولا تعلم يابن أخي أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن عذاب هذه الأمة جُعل في دُنياها؟ ".
وهذا الإسناد رجاله ثقات حفاظ أعلام، إلا أن أبا حصين عثمان بن عاصم الكوفي ربما دلس كما ذكر الحافظ ابن حجر
(6)
، ومن أجل هذا دخلت العلة في هذا الإسناد، فقد اختلف فيه على أبي بُردة اختلافاً كثيراً، ذكره البخاري في التاريخ
(7)
، ومن أوجه هذا الاختلاف ما رواه محمد بن فُضيل بن غزوان، حدثنا صدقة بن المثنى، عن رياح بن الحارث، عن أبي بردة قال: بينا أنا واقف في
(1)
غوامض الأسماء المبهمة 2/ 520 - 521.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 440 رقم 5873.
(3)
التاريخ الكبير 1/ 38.
(4)
معجم الصحابة 4/ 85.
(5)
المستدرك 1/ 49، 4/ 254.
(6)
تقريب التهذيب 4516.
(7)
التاريخ الكبير 1/ 38 - 40.
السوق في إمارة زياد إذ ضربت بإحدى يدي على الأخرى، فقال رجل من الأنصار وقد كانت لوالده صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: فإني سمعت والدي أخبرني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أمتي أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذاب، إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن"
(1)
.
وروي عن بُريد، عن أبي بُردة، عن رجل من الأنصار، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا
(2)
.
وعن محمد بن إسحاق بن طلحة التيمي، سمع أبا بُردة يحدث عمن سمع أباه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن أمتي أمة مرحومة جُعل عذابُها بأيديها في الدنيا"
(3)
.
وعن علي بن مدرك، عن أبي بردة قال: حدثني رجل من الأنصار عن بعض أهله يرفعه: هذه أمة مرحومة
(4)
.
وقال غيرهم: عن أبي بُردة، عن أبيه ـ وهو أبو موسى الأشعري ـ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم
(5)
.
وقال حرملة بن قيس، عن أبي بردة مرسلاً. ذكره ابن معين وقال: من لم يُسنده أكيس ممن أسنده
(6)
.
فالخلاصة أن الطريق الذي فيه تصريح عبد الله بن يزيد بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم لم تسلم من علة، فلم يثبت له الإمام أحمد السماع، وظهر أن معنى الصحبة الصحيحة عنده هي الصحبة المقترنة بالسماع والرواية الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم،
(1)
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير تعليقاً 1/ 39، والحاكم في المستدرك 4/ 253 - 254.
(2)
التاريخ الكبير 1/ 39.
(3)
المصدر نفسه 1/ 38.
(4)
المصدر نفسه 1/ 39 - 40.
(5)
تهذيب التهذيب 6/ 79.
(6)
التاريخ ـ برواية عباس الدوري 3/ 538 رقم 2633.
وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل مرسل الصحابي. ولا يقتضي هذا حكمه على روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإرسال، فقد ذكر لعبد الله بن يزيد حديثين في المسند
(1)
، رواهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن حديثه من قبيل المسند عنده غير مرسل. فيستفاد من هذا أن مرسل الصحابي من قبيل المسند عند الإمام أحمد.
2.
محمود بن لبيد الأنصاري الأوسي الأشهلي:
قال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: محمودُ بن لَبيد قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: "ما أُرى من هذا شيء، محمودٌ يحدث عن رافع"
(2)
.
نسب أبو نعيم إلى الإمام أحمد القول بأنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم
(3)
، وفي هذا السؤال ينكر الإمام أحمد قول محمود بن لبيد: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: محمود يحدث عن رافع ـ وهو ابن خَدِيج، أي هو معروف بالرواية عنه لا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكره في مسنده وأورد له عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
(4)
.
ولم أر في شيء من حديثه ما يدل على سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم إلا في ثلاثة أحاديث يمكن أن يعود إليها إنكار الإمام أحمد الوارد في هذا السؤال:
الأول منها:
ما رواه البخاري في التاريخ
(5)
قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا ابن غسيل
(1)
المسند 31/ 37 - 39.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 451 رقم 2048، وانظر: ص 323 من الكتاب نفسه طبعة المنار عام 1353 هـ. وهناك تكملة للعبارة، ومعناها غير واضح فتركت ذكرها.
(3)
معرفة الصحابة 1/ 2524. وكذلك قال البغوي عن ابن أبي خيثمة معجم الصحابة 5/ 427. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة ممن ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الطبقات الكبرى 5/ 77. وقال الترمذي: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورآه وهو صغير، وجعل روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة الجامع 4/ 334 ح 2036.
(4)
المسند 39/ 31 - 44.
(5)
التاريخ الكبير 6/ 402، والتاريخ الصغير 1/ 99. والظاهر من صنيع الإمام البخاري حيث أورد هذا الحديث في ترجمته أنه يرى صحبته. قال ابن أبي حاتم: وكان البخاري قد كتب أن له صحبة فخط عليه أبي رحمه الله المراسيل 738. وذكر الشيخ المعلمي في تحقيقه لكتاب الجرح والتعديل 8/ 289 - 290 أن البخاري لم يصرح بأن له صحبة. وقد نسب ابن عبد البر إلى البخاري القول بذلك وأيده، مما يزيد الوثوق بثبوت ذلك عنه الاستيعاب 3/ 424.
ـ وهو عبد الرحمن ـ عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد قال:"لما أُصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل حولوه عند امرأة يُقال لها رُفَيدة، حتى كانت الليلة التي نقله قومُه إلى بني عبد الأشهل دخل النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد انطلقوا به، وخرجنا معه فأسرع المشي حتى تقطعت شسوع نعالنا وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، قالوا: يا رسول الله ما حملنا ميتاً أخفَّ من سعد. فقال: "ما يمنعكم وقد هبط الملائكة كذا وكذا عدة كثيرة حملوه معكم"
(1)
.
وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات إلا ابن الغسيل، هو عبد الرحمن بن سليمان ابن عبد الله بن حنظلة الأنصاري. وثقه ابن معين في رواية الدوري، وأبو زرعة، والدارقطني، والنسائي
(2)
. وعن أحمد: صالح
(3)
. وقال ابن معين في رواية الدارمي: صويلح، وقال النسائي في رواية أخرى: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: هو ممن يعتبر بحديثه ويكتب
(4)
. وقال الذهبي: صدوق
(5)
. وقال ابن حجر: صدوق فيه لين
(6)
.
(1)
وأخرجه ابن سعد في الطبقات 3/ 427 عن أبي نعيم به.
(2)
التاريخ ـ رواية الدوري 2/ 349، الجرح والتعديل 5/ 239، تهذيب الكمال 17/ 156، تهذيب التهذيب 6/ 190.
(3)
نقله ابن حبان في المجروحين 2/ 57.
(4)
الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 1594.
(5)
الكاشف 1/ 630.
(6)
تقريب التهذيب 3912.
الحديث الثاني:
ما رواه ابن عبد البر
(1)
عن ابن أبي شيبة أنه قال: حدثنا يونس بن محمد، نا عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لَبِيد الأنصاري قال:"كُسِفت الشمسُ لموت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم فخرج وخرجنا معه حتى أمّنا في المسجد فأطال القيام" وذكر الحديث.
وقد رواه ابن أبي شيبة وابن سعد كلاهما عن أبي نعيم، عن عبد الرحمن ابن الغسيل به، وليس فيه: وخرجنا معه
(2)
ورواه الإمام أحمد
(3)
عن يحيى بن آدم عن ابن الغسيل وليس فيه قوله: "فخرج وخرجنا معه" أيضا.
ومدار الحديثين الأول والثاني على ابن الغسيل، وقد تقدم أن الإمام أحمد لينه، والظاهر أنه تفرد به، فلم أقف على متابع له، ثم إنه اختلف عليه في الحديث الثاني في ذكر موضع الشاهد وهو قوله:"فخرج وخرجنا معه" حيث ذكره يونس بن محمد المؤدب، ولم يذكره أبو نعيم ولا يحيى بن آدم، وهؤلاء الثلاثة كلهم ثقات أثبات، فاختلافهم على الراوي الذي لينه الأئمة يدل على أنه يضطرب في رواية الحديث.
الحديث الثالث:
ما أخرجه الإمام أحمد
(4)
عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لَبِيد أخي بني عبد الأشهل قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما
(1)
الاستيعاب 3/ 423 بحاشية الإصابة في تمييز الصحابة.
(2)
مصنف ابن أبي شيبة 7/ 19 ح 3397، الطبقات الكبرى 1/ 142.
(3)
المسند 39/ 38 ح 23629.
(4)
المسند 39/ 35 ح 23624.
سلّم منها قال: "اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم، للسُّبحة بعد المغرب".
فهذا يدل في الظاهر على أنه شهد القصة وسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في إسناد ابن ماجه
(1)
، والطبراني
(2)
من طريق إسماعيل بن عيّاش، عن ابن إسحاق، عن عاصم ابن عمر، عن محمود، عن رافع بن خدِيج فذكره. وفي هذا الإسناد إسماعيل بن عياش، يروي عن محمد بن إسحاق، وروايته عن الحجازيين فيها تخليط كما تقدم
(3)
.
فهذه الرواية إن كان إسماعيل بن عياش حفظها تدل على أن محمود بن لبيد أرسل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل" على أن معناه أتى قومَه بني عبد الأشهل، وكذلك قوله:"فصلى بنا المغرب"، أي صلى بقومنا المغرب
(4)
. على أن الإمام أحمد قد روى الحديث من طريق ابن أبي عدي، عن ابن إسحاق وفيه:"أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد الأشهل فصلى بهم المغرب"
(5)
، ورواه بمثل هذا اللفظ ابن أبي شيبة من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن ابن إسحاق به
(6)
.
وهذه هي الأحاديث التي يمكن أن يستدل بها على سماع محمود بن لبيد من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ظهر أنها لا تنتهض للاستدلال بها، فثبت ما ذهب إليه الإمام أحمد من إنكاره لقول محمود:[كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم]. وقد أيّد ذلك الإمام
(1)
سنن ابن ماجه 1/ 368.
(2)
المعجم الكبير 4/ 251 ح 4295.
(3)
ص 360. وانظر: تهذيب الكمال 3/ 174.
(4)
وبمثل هذا التأويل أجاب الحافظ ابن حجر عن الحديثين السابقين ـ الأول والثاني ـ فقال: يحتمل أنه أراد بقوله: نعالنا نعال من حضر ذلك من قومه بني عبد الأشهل الإصابة 3/ 387.
(5)
المسند 39/ 38 ح 23628.
(6)
مصنف ابن أبي شيبة 2/ 53 ح 6373.
أحمد بقرينة أخرى سبقت الإشارة إلى مثلها في قوادح ثبوت الصحبة، وهي قوله: محمود يحدث عن رافع، أي أن المعروف عن محمود بن لَبِيد أنه يروي عن رافع بن خدِيج، فمن كان معروفاً بالراوية عن الصحابة قوي الظن بكونه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
.
(1)
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن جل رواية محمود بن لَبِيد عن الصحابة التقريب 6561. وبتتبع أحاديثه في المسند تبين أن جل الأحاديث التي يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم قد رويت من أوجه أخرى عن بعض الصحابة مما يدل على أنه كان يرسلها. وبيان ذلك:
الحديث الأول ح 23619: فيه قصة أول لقاء أهل المدينة برسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وهذه قصة لا شك أنه أرسلها، وقد روى جزئها ابنُ سعد عن محمد بن مسلمة، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأبي الهيثم بن التيهان الطبقات الكبرى 3/ 438.
الحديث الثاني ح 23622: حديث "إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب تخافون عليه". وقد رواه الترمذي من طريق محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان الجامع 4/ 334 ح 2036، والبخاري في التاريخ الكبير 7/ 185، وأشار الترمذي إلى أنه قد روي عن محمود بن لبيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلاً. ورواه الحاكم المستدرك 4/ 208 من مسند أبي سعيد الخدري وقتادة بن النعمان.
الحديث الثالث ح 23623: "إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع" لم أجده عن محمود بن لَبِيد إلا من هذا الوجه. وقد روي معناه عن أنس بن مالك الترمذي ح 2396، البيهقي في شعب الإيمان 7/ 145، فتح الباري 10/ 108.
الحديث الرابع ح 23624: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا المغرب
…
" تقدم أن ابن ماجه والطبراني روياه عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج.
الحديث الخامس ح 23625: "اثنان يكرههما ابن آدم: الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب" لم أجده إلا من هذا الوجه.
الحديث السادس ح 23629: "كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
" وقد تقدم ذكر ما فيه في المتن.
الحديث السابع ح 23630: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر
…
" رواه الطبراني من طريق محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج المعجم الكبير 4/ 253 ح 4301.
الحديث الثامن ح 23635: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" رواه الدارمي في سننه 1/ 277، وأحمد في مسنده 25/ 132 ح 15819، والطحاوي في شرح معاني الآثار =
فقد أثبت الإمام أحمد الإدراك لمحمود بن لبيد دون السماع، وأورد أحاديثه في مسنده، وهي مرسلة في الحقيقة لكنها مسندة عنده بدليل إيراده لها في المسند، وهذا أيضاً يدل على أن مرسل الصحابي عند الإمام أحمد من قبيل المسند. ومما يدل على ذلك أيضاً أنه أقر احتجاج من احتج بحديث من أحاديث محمود بن لبيد الذي أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم، والاحتجاج فرع التصحيح، فذكر عبد الله بن أحمد
(1)
قال: قلت لأبي: إن رجلاً قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تُجزه إلا أن يصليهما في بيته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"هذه صلوات البيوت". قال: من قال هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمن. قال: ما أحسن ما قال، أو ما أحسن ما انتزع. ا. هـ.
وقد تقدم أنه نفى عن عبد الرحمن بن غنم السماع من النبي صلى الله عليه وسلم مع إثبات الإدراك له، وهو شاهد آخر على التفريق بين الصحبة المقترنة بالرواية والمجردة عنها.
فهذه بعض الأمثلة التي توضح أن الإمام أحمد يفرق بين الصحبة المقترنة بالرواية والمجردة منها، فقد ينفي الصحبة وإنما يعني بذلك نفي الصحبة المقترنة
= 1/ 178 عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبِيد، عن رافع بن خدئج. ورواه أحمد من وجه آخر من طريق زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المسند 28/ 518 ح 17286 وذكره ضمن أحاديث رافع بن خديج.
الحديث التاسع ح 23639: "اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة
…
". وهذه أيضاً ظاهرة في الإرسال إذ يبعد أن يشهد أُحداً ثم يقع فيه هذا الاختلاف في سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى الواقدي القصة عن رافع بن خديج الدراية في تخريج أحاديث الهداية 2/ 267.
الحديث العاشر ح 23640: لما نزلت {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} فقرأها حتى بلغ: {لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} الحديث اختلف على محمد بن عمرو بن علقمة فيه على أوجه ذكرها محقق المسند.
فظهر أن جل أحاديثه كان يرسلها بإسقاط من حدثه من الصحابة.
(1)
المسند 39/ 38.
بالسماع كما فعل في عبد الله بن يزيد الخطمي. ولم أقف على أن لهذه التفرقة أثراً في حديث من لم يَثبت له السماعُ، فحديثه وإن كان من قبيل مرسل الصحابي فإن الظاهر أن الإمام أحمد يرى أنه من قبيل المسند، ولم أقف على ما يدل على إعلاله لمثل هذا الحديث بالإرسال. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أحاديث صغار الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغوا أن يسمعوا منه مراسيل، وأنها من قبيل مراسيل كبار التابعين، وليست من قبيل مراسيل الصحابة، وذكر أن هذا مما يلغز به فيقال: صحابي حديثه مرسل لا يقبله من يقبل مراسيل الصحابة
(1)
.
وممن كان يفرق بين أصل الصحبة والصحبة المقترنة بالرواية أبو حاتم الرازي، فقد قال في طارق بن شهاب: له رؤية وليست له صحبة، وحكم على الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإرسال، وأنه ما أدخله في المسند إلا لما يحكى عنه من رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم
(2)
. وكذلك قال في عبد الله بن عُكيم
(3)
: ليس له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم إنما كُتب إليه وقال: من شاء أدخله في مسنده على المجاز. ا. هـ
(4)
. وقال في يوسف بن عبد الله ابن سلام: له رؤية ولا صحبة له
(5)
. فالصحبة المنفية عنده هي المقترنة بثبوت السماع من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد يرد نفيُ الصُّحبة ولا يكون المقصود بالنفي الصُّحبة بمعنى ثبوت السماع والرواية، ولكن الصحبة الخاصة العرفية مثل ما روى الإمام أحمد عن عاصم الأحول أنه قال: "عبد الله بن سَرجِس قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن له
(1)
انظر: فتح الباري 7/ 4. وانظر: فتح المغيث 4/ 79.
(2)
انطر: المراسيل 351.
(3)
عبد الله بن عُكيم الجهني. قال البخاري: أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له سماع صحيح التاريخ الكبير 5/ 39.
(4)
المراسيل 370.
(5)
المصدر نفسه 872.
صحبة"
(1)
مع كونه قد روى عنه عدة أحاديث من جملتها قوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له، وأنه أكل معه وكلّمه
(2)
. وقد تقدم مثل ذلك عن الإمام أحمد أنه نفى الصحبة عن مسلمة بن مخلّد
(3)
، وقد روى أحمد من وجه آخر أن مسلمة هذا قدِم على النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمره عند موت النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة وذكر له أحاديث في المسند، فمن كان في مثل سنّه لا يستبعد سماعُه من النبي صلى الله عليه وسلم، فالصحبة المنفية عنه ليست الصحبة المقترنة بالسماع بل هي صحبة خاصة عرفية، وهو تفسير الحافظ ابن حجر لكلام الإمام أحمد
(4)
.
المسألة الرابعة: ما أعله بعدم ثبوت صحبة راويه عن النبي صلى الله عليه وسلم
.
مما أعله الإمام أحمد من الحديث بسبب عدم ثبوت صحبة راويه حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب
(5)
الذي رواه الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تضربوا إماء الله" فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئِرْنَ النساء على أزواجهن، فرخّص في ضربهن فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءٌ كثيرٌ يَشكون أزواجَهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لقد طاف بآل محمد نساءٌ كثيرٌ يَشكون أزواجَهن، ليس أولئك بخياركم"
(6)
.
(1)
المسند 34/ 372.
(2)
انظر: المسند 34/ 375 ح 20778، 34/ 369 ح 20770، وانظر: فتح الباري 7/ 4.
(3)
انظر: ص 675.
(4)
انظر: الإصابة 3/ 481.
(5)
إِياس بن عبد الله بن أبي ذُباب الدَّوسي، سكن مكة. قال البخاري: لا يُعرف لإياس صحبة. وقال ابن حبان: يقال: له صحبة وليس عندي يصح صحبتُه، وعنه أيضاً أن له صحبة. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: له صحبة التاريخ الكبير 1/ 440، الجرح والتعديل 2/ 280، الثقات 3/ 34، مشاهير علماء الأمصار ص 34، 82، تهذيب الكمال 3/ 406.
(6)
رواه أبو داود السنن 2/ 608 ح 2146، والنسائي السنن الكبرى 5/ 371 ح 9167، وابن ماجه السنن 1/ 638 ح 1985، وعبد الرزاق المصنف 9/ 442 ح 17945، والحميدي مسند الحميدي 2/ 386 ح 876، والدارمي السنن 2/ 198، وابن حبان 9/ 499 ح 4189، والحاكم المستدرك 2/ 191 وصححه، والبيهقي السنن الكبرى 7/ 304 كلهم من طرق عن الزهري به.
قال العلائي
(1)
: ذكر الأثرم عن أحمد بن حنبل أن الحديث مرسل، وأن إياس بن عبد الله ليست له صحبة.
وعبارة الأثرم كما رواها ابن أبي حاتم
(2)
قال: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل: إِياس بن عبد الله هو إِياس بن عبد الله بن أبي ذُباب؟ قال: لا، وليست له صحبة، روى عنه أهل المدينة، وكذلك روى عنه أهل مكة".
وقد استدل الحافظ ابن حجر بعدم إخراج الإمام أحمد لحديثه في المسند على عدم ثبوت صحبته
(3)
، وهذا يدل على أن الحديث مرسل عند الإمام أحمد فمن أجل ذلك لم يخرجه في المسند.
(1)
جامع التحصيل ص 147.
(2)
المراسيل 25.
(3)
تهذيب التهذيب 1/ 389.
المطلب الثالث: الإرسال الخفي والإعلال به عند الإمام أحمد
.
تقدم أن من صور الإرسال عند الإمام أحمد رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، وكذلك روايته عمن لقيه ولم يسمع منه، واستقر تسمية كلتا الصورتين بالإرسال الخفي، ووجه تسميتهما بذلك أن الانقطاع فيهما ليس بجلي، لأنه لا ينجلي بمعرفة التاريخ، وإنما يدركه الأئمة الحذاق المطَّلِعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد.
وقد تقدم إيراد بعض الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم في معرض الاحتجاج لمسألة اشتراط الإمام أحمد ثبوت السماع لثبوت الاتصال.
وفيما يلي أمثلة أخرى لما أعله الإمام أحمد بالإرسال الخفي بكلا صورتيه:
1.
قال الخلال: أخبرني عصمة، ثنا حنبل: حدثني أبو عبد الله: نا قراد
(1)
: ثنا شعبة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استقِيموا لقُريْشٍ ما استقاموا لكم فإن لم يَستقيموا لكم فاحمِلو سُيُوفَكم على عواتِقِكم فأبِيدوا خَضَراءَهُم، فإن لم تفعَلوا فكونوا زرَّاعين أشقياءَ وكُلُوا من كَدِّ أيديكُم". قال مهنّا: سألت أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: ليس بصحيح، سالمُ بن أبي الجعد لم يلقَ ثَوْبانَ
(2)
.
هذا الحديث أخرجه الخلال في السنة
(3)
بالإسناد نفسه، وأخرجه الطبراني
(1)
وقع في نسخة المحقق: مردال، فكتب بياضاً مكانه، والتصويب من كتاب السنة للخلال، فقد أخرجه بالإسناد نفسه كما سيأتي. وقُرَاد لقب لعبد الرحمن غزوان أبو نوح الضبي، ثقة له أفراد تقريب التهذيب 4003.
(2)
المنتخب من العلل للخلال ص 162 - 163 رقم 82. وانظر أيضاً: السنة للخلال 1/ 127.
(3)
السنة للخلال 1/ 125 ح 80.
في الصغير
(1)
، وفي الأوسط
(2)
، وابن عدي
(3)
، والخطيب
(4)
. وأخرجه أحمد
(5)
مختصراً مقتصراً على الجملة الأولى من الحديث، والروياني
(6)
، وابن عدي
(7)
.
وإسناد هذا الحديث رجاله ثقات، وقال الإمام أحمد: ليس بصحيح، وعلته عدم لقاء سالم بن أبي الجعد لثوبان مع معاصرته له
(8)
، وقد تقدم توضيح ذلك
(9)
. وهذا أحد صورتي الإرسال الخفي: رواية الراوي عمن لم يلقه مع معاصرته له، فدل على أن ذلك من وجوه الإعلال عند الإمام أحمد
(10)
.
وذكر الخلال في مسائله
(11)
عن حنبل قال: "سمعت أبا عبد الله قال: الأحاديث خلاف هذا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسمَع وأطِع، ولو لعبد مجدَّع"
(12)
،
(1)
المعجم الصغير 1/ 132 ح 201 من طريق أبي داود، عن شعبة.
(2)
المعجم الأوسط 8/ 15 ح 7815 من طريق ابن سالم بن أبي الجعد عن أبيه.
(3)
الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 1337 من طريق شريك عن الأعمش.
(4)
تاريخ بغداد 12/ 146 - 147 من طريق عباد بن عباد المهلبي عن شعبة، ومن طريق سليمان بن قرم عن الأعمش تاريخ بغداد 3/ 366 - 367.
(5)
المسند 37/ 71 ح 22388 من طريق وكيع عن الأعمش.
(6)
مسند الروياني 1/ 408 ح 624 من طريق علي بن مسهر عن الأعمش.
(7)
الكامل في ضعفاء الرجال 2/ 517 من طريق تليد بن سليمان عن الأعمش وأبي الجحاف كلاهما عن سالم.
(8)
سالم بن أبي الجعد توفي سنة 101، وقيل 97 تهذيب الكمال 10/ 133، وثوبان توفي سنة 54 تهذيب الكمال 4/ 415.
(9)
انظر: ص 621. وممن نص على عدم سماع سالم من ثوبان الإمام البخاري التاريخ الأوسط 1/ 255 وبذلك أعل حديثاً آخر رواه الأعمش، عن سالم، عن ثوبان. وكذلك نص يعقوب الفسوي على عدم سماع سالم من ثوبان، وقال: إنما هو تدليس المعرفة والتاريخ 3/ 236.
(10)
وقد ضعف الحديث الحافظ ابن حجر، قال: رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً، لأن راويه
سالم بن أبي الجعد لم سمع من ثوبان فتح الباري 13/ 116. وضعفه الشيخ الألباني أيضاً سلسلة الأحاديث الضعيفة ح 1643.
(11)
نقل ذلك الشيخ الألباني سلسلة الأحاديث الضعيفة 1643.
(12)
أخرجه البخاري ح 696 من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر
…
وقال: "السمع والطاعة في عُسرك ويُسرك وأَثَرةٍ عليك"
(1)
، فالذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث خلاف حديث ثوبان، وما أدري ما وجهه؟ ".
ومن هذا الاعتبار قال في حديث أم هانئ، ولفظه مثل لفظ حديث ثوبان، هو منكر
(2)
، أي لمخالفته الأحاديث الصحيحة.
ففي هذا الحديث، الإرسال هو سبب النكارة، بمعنى أنه يحتمل أن الواسطة بين سالم بن أبي الجعد وثوبان منكر الحديث، وهو الذي روى هذا الحديث الذي أنكر لفظه، وإلا فالإرسال في ذاته ليس بعلة موجبة للحكم على الحديث بالنكارة.
2.
قال الخلال: أخبرنا الميموني: ثنا ابن حنبل: ثنا أنس بن عِياض: أخبرني عمر بن عبد الله مولى غُفرَة، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن لكل أمّةٍ مَجوساً، وإن مجوس أمتي الذين يقولون: لا قَدَر، فإن مرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تَشْهَدُوهم". قال أبو عبد الله: ما أُرى عمرَ بنَ عبد الله لقِي عبد الله بن عمر
(3)
.
هذا الحديث أخرجه أحمد في المسند
(4)
من هذا الطريق ومن طريقه ابنُه عبد الله
(5)
، وابن الجوزي
(6)
. ورواه ابن أبي عاصم
(7)
، وابن عدي
(8)
كلاهما من طريق أنس بن عياض به.
(1)
أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة 3/ 1467 ح 1836، والبخاري ح 7055، ومسلم 3/ 1470 ح 1709، وأحمد 37/ 403 ح 22735 حديث عبادة بن الصامت.
(2)
المنتخب من العلل للخلال رقم 83.
(3)
المنتخب من العلل للخلال ص 241 رقم 155.
(4)
المسند 9/ 415 ح 5584.
(5)
السنة 2/ 418 ح 915.
(6)
العلل المتناهية 1/ 152 ح 227.
(7)
السنة 1/ 150 ح 339.
(8)
الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 1694.
ووجه إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث هو عدم لقاء عمر مولى غُفرَة لعبد الله ابن عمر. ويدل على ذلك أن الإمام أحمد قد روى هذا الحديث من وجه آخر عن عمر مولى غُفرة عن نافع عن ابن عمر
(1)
. فذكره بواسطة، وهذا كما تقدم من القرائن التي تدل على عدم السماع، لأن الظاهر أنه لو كان عنده عن ابن عمر لم يدخل الواسطة إذ لا فائدة في ذلك، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس، وإلا فمدلسة خصوصاً إذا كان الراوي مكثراً عن الشيخ الذي روى عنه بالواسطة
(2)
.
وعمر بن عبد الله مولى غفرة قال عنه الإمام أحمد: ليس به بأس، ولكن حديثه مراسيل
(3)
. وضعفه يحيى بن معين وقال: لم يسمع من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
(4)
. وقال عيسى بن يونس: قلت لعمر مولى غُفرة: سمعت من ابن عباس؟ فقال: أدركت زمانه. ا. هـ
(5)
وهذا يدل على أنه قد عاصر ابن عمر لكنه لم يلقه، فروايته عنه من قبيل المرسل الخفي
(6)
.
3.
قال أبو داود: قلت لأحمد: محمد بن خالد، عن أنس في تخليل اللحية، أعني عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما أُرى سمع من أنس شيئاً. قلت: هو الذي يحدث
(1)
المسند 10/ 252 ح 6077.
(2)
انظر: ما ذكره العلائي في جامع التحصيل ص 131 - 132.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 107 رقم 4424.
(4)
التاريخ ـ برواية الدوري 2/ 431.
(5)
تهذيب الكمال 21/ 422.
(6)
ومتن الحديث روي من طرق كثيرة، وقد حسنه الألباني في تحقيقه على كتاب السنة لابن أبي عاصم 1/ 150 ح 338، 339. وقال العقيلي: الرواية في هذا الباب فيها لين الضعفاء 3/ 98. وقال ابن الجوزي: هذا لا يصح العلل المتناهية 1/ 151.
وقد روي من وجه آخر عن أبي حازم، عن نافع، عن ابن عمر، فأنكره الإمام أحمد من حديث أبي حازم عن نافع مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 401 رقم 1895.
عنه أبو معاوية؟ قال: يشبه، يحدث عن عطاء
(1)
.
حديث أنس رواه البيهقي
(2)
من طريق أبي حمزة السكري، عن إبراهيم الصائغ، عن أبي خالد، عن أنس بن مالك قال:"وضّأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلل لحيته وعنفقته بالأصابع وقال هكذا أمرني ربي عز وجل". أبو خالد هو محمد بن خالد الضبي الكوفي
(3)
، يقال له: سؤر الأسد. وثقه ابن معين وقال: لم يسمع من أنس
(4)
. وقال عنه أبو حاتم: ليس بحديثه بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه الذهبي وابن حجر: صدوق
(5)
.
وأعل الإمام أحمد هذا بعدم سماع محمد بن خالد من أنس، وهذا من الإرسال الخفي إن كان أدرك زمن أنس
(6)
، ونقل العلائي لعبارة الإمام أحمد تُوهم عدم إدراكه، فإنه نقل عن أحمد أنه قال: من أين أدرك محمد بن خالد أنساً أو رآه
(7)
، وهي مخالفة لما رواه أبو داود عنه.
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 447 رقم 2035.
(2)
السنن الكبرى 1/ 54. وحديث تخليل اللحية قد روي من أوجه أخرى عن أنس، وعن عثمان، وعمار، وابن عمر، وأبي أمامة وغيرهم. قال عبد الله عن أحمد: ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في التخليل شيء. وقال الخلال في كتاب العلل أخبرنا أبو داود قال قلت لأحمد: تخليل اللحية؟ قال: قد روي فيه أحاديث ليس يثبت منها حديث، وأحسن شيء فيها حديث شقيق عن عثمان. وعن أحمد أيضاً: ليس في التخليل أصح من أثر ابن عمر موقوفاً فذكره نقلها ابن القيم في تهذيب السنن 1/ 170.
(3)
انظر: المعجم الأوسط 6/ 316.
(4)
جامع التحصيل ص 263.
(5)
الجرح والتعديل 7/ 241، الثقات 7/ 370، تهذيب الكمال 25/ 153 - 154، الكاشف 4826، تقريب التهذيب 5888.
(6)
ويحتمل أن يدركه لأنه يروي عن إبراهيم النخعي، ووفاته بعد وفاة أنس بثلاث سنوات مات أنس سنة 93، ومات إبراهيم سنة 96 - تقريب التهذيب 271، 570.
(7)
جامع التحصيل الموضع نفسه.
4.
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: عبدُ الله بن سعيد بن أبي هندٍ، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"من جُعل قاضياً فقد ذُبِح بغير سكّين". قال أحمد: ما أُرى سمعه من سعيد، هذا حديث عثمان الأخنَسي. حدثنا به محمد ابن عمر المقدّمي، عن صفوانَ، عن عبد الله بن سعيد، عن محمد بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو عثمان بن محمد الأخنَسي، وهِم فيه صفوان. وكان عند أبي عبد الله عن صفوان، عن عبد الله بن سعيد، عن المقبري، عن أبي هريرة؛ وهو حدثنا به
(1)
.
رواية عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري أخرجها الإمام أحمد في المسند
(2)
، من طريق صفوان بن عيسى، وهي التي أشار إليها أبو داود في آخر السؤال، وكذلك أخرجها السُّهمي
(3)
عن خارجة بن مصعب، عن عبد الله ابن سعيد به.
وأعل الإمام أحمد هذه الرواية بأن عبد الله بن سعيد بن أبي هند لم يسمع الحديث من سعيد، وعلّل ذلك بأمرين:
الأمر الأول: وجود الواسطة بينه وبين سعيد المقبري، وذلك فيما رواه محمد بن عمر المقدّمي
(4)
، ومحمد بن أبي بكر المقدمي
(5)
، وأحمد بن إبراهيم الدورقي
(6)
، كلهم عن صفوان بن عيسى، عن عثمان بن محمد الأخنسي
(7)
، عن
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 449 - 450 رقم 2045.
(2)
المسند 12/ 52 ح 7145.
(3)
تاريخ جرجان ص 101 ح 81.
(4)
هي الرواية التي ذكرها الإمام أحمد في سؤال أبي داود.
(5)
حديثه عند وكيع ـ محمد بن خلف ـ في أخبار القضاة 1/ 9.
(6)
وحديثه عند أبي يعلى في المسند 11/ 491 ح 6613.
(7)
وقد نبه أحمد على أن صفوان كان يهم فيه ويقول: محمد بن عثمان الأخنسي، ورواه محمد بن أبي بكر المقدمي على الصواب عند وكيع في أخبار القضاة الموضع السابق. وقد نبه الدارقطني أيضاً على هذا الوهم من صفوان علل الدارقطني 10/ 400.
سعيد المقبري، عن أبي هريرة. فروايته للحديث بواسطة الأخنسي قرينة على عدم سماعه من المقبري. وسماع عبد الله بن سعيد من المقبري ممكن، فإن كلاً منهما مديني، وقد روى عبد الله عن أقران المقبري مثل نافع مولى ابن عمر، وأبيه سعيد بن أبي هند
(1)
، وكانت وفاته سنة ست أو سبع وأربعين ومئة
(2)
، ووفاة سعيد المقبري سنة ثلاث وعشرين ومائة
(3)
، فلقاؤه به ممكن جداً وكذلك السماع، ولم أر من ذكر عبد الله بن سعيد بالتدليس، ولو ذُكر به لكان هذا من التدليس إن ثبت أنه سمع منه في الجملة، أو كان معروفاً بكثرة الرواية عنه، والظاهر أن كلا الأمرين منتفيان هنا في رواية عبد الله بن سعيد عن المقبري، حتى إن المزي لم يذكر عبد الله بن سعيد فيمن روى عن المقبري، وإن كان ذكر المقبري في شيوخ عبد الله بن سعيد في ترجمته
(4)
.
الأمر الثاني: أن هذا الحديث معروف بعثمان بن محمد الأخنسي، رواه عنه ابن أبي ذئب
(5)
، وعبد العزيز الدراوردي
(6)
، وكذلك عبد الله بن جعفر
(1)
حديثه عنهما عند البخاري في الصحيح تهذيب الكمال 15/ 38، وهما في طبقة واحدة مع سعيد المقبري عند الحافظ ابن حجر تقريب التهذيب 2334، 2422، 7136.
(2)
الطبقات الكبرى القسم المتمم ص 362.
(3)
المصدر نفسه ص 147.
(4)
انظر: تهذيب الكمال 10/ 468 - 469، 10/ 38.
(5)
أخرج حديثه النسائي السنن الكبرى 3/ 466 ح 5924، والحاكم المستدرك 4/ 91، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي السنن الكبرى 10/ 96. وقال النسائي: عثمان بن محمد ليس بذاك القوي، وإنما ذكرناه لئلا يخرج عثمان من الوسط، وليس ابن أبي ذئب، عن سعيد. ا. هـ. أي لئلا يدلَّس فيسقط عثمان تهذيب السنن لابن القيم 9/ 352. وذلك أن
ابن أبي ذئب معروف بالرواية عن سعيد المقبري بل هو من الأثبات فيه شرح علل الترمذي 2/ 670، فلو رواه بإسقاط عثمان لعد ذلك تدليساً.
(6)
وحديثه عند الدارقطني في السنن 3/ 203، ووكيع في أخبار القضاة 1/ 8 - 9.
المخرمي
(1)
لكن قرن هذا الأخير الأعرج بسعيد المقبري في الإسناد.
5.
قال أبو داود: قلت لأحمد: رجلٌ يقال له: صَبيح روى عن عبد العزيز ابن عبد الصَّمد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة وفاة النبي عليه السلام؟ فأنكره أحمد أن يكون عبد العزيز سمع من هشام شيئاً
(2)
.
حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم رواه مسلم وحده
(3)
من بين أصحاب الكتب الستة
(4)
من طريق عباد بن عباد المهلّبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:[كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحدٌ من أهله نفث عليه بالمُعوِّذات، فلما مرض مرضَه الذي مات فيه جعلتُ أنفُثُ عليه وأمسحُهُ بيد نفسه لأنها كانت أعظمَ بركةً من يدي]. ولم أقف على رواية عبد العزيز بن عبد الصمد
(5)
عن هشام التي أنكرها الإمام أحمد. والذي روى هذه الرواية عن عبد العزيز هو صَبيح بن عبد الله الفرغاني، ذكره الخطيب في التلخيص
(6)
، وذكر أنه روى عن عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّيّ. وقال عنه أبو حاتم: صدوق
(7)
، وذكره ابن حبان في الثقات
(8)
، وقال الخطيب: صاحب المناكير.
(1)
وحديثه عند أبي داود في السنن ح 3572، والنسائي في الكبرى ح 5925، وابن ماجه في السنن ح 2308، وأحمد في المسند 14/ 384 ح 8777. وليس في إسناد ابن ماجه ذكر الأعرج. وعبد الله بن جعفر المخرمي وثقه أحمد، وابن المديني، والبخاري وغيرهم. وقال عنه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ليس به بأس تهذيب التهذيب 5/ 172 - 173.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 411 رقم 1932. وانظر: المنتخب من العلل للخلال ص 180 رقم 98 ووقع فيه: في صفة النبي صلى الله عليه وسلم مكان وفاة النبي عليه السلام.
(3)
صحيح مسلم 4/ 1723 ح 2192.
(4)
انظر: تحفة الأشراف 12/ 160.
(5)
عبد العزيز بن عبد الصمد العمّي البصري من شيوخ الإمام أحمد، ووثقه في رواية الأثرم، وكذا وثقه أبو زرعة وأبو داود والنسائي تهذيب الكمال 18/ 167.
(6)
انظر: لسان الميزان 3/ 181.
(7)
الجرح والتعديل 4/ 451.
(8)
الثقات 6/ 475.
وإنكار الإمام أحمد للحديث مبني على عدم سماع عبد العزيز بن عبد الصمد من هشام شيئاً، وقد أدرك من هو في طبقته مثل داود بن أبي هند، ومنصور بن المعتمر، وحُصين بن عبد الرحمن السُّلمي، وكلهم وإن كانوا من أهل العراق إلا أن هشاماً في آخر عمره انتقل إلى العراق ومات ببغداد، فإدراكه له ممكن، لكنّ ذلك لم يثبت عند الإمام أحمد إلا من طريق صَبيح فلم يقبله، وأعلّ الحديث بالإرسال، وهو من النوع الخفي لأنه رواية الراوي عمن عاصره لكنه لم يسمع منه.
المطلب الرابع: المزيد في متصل الأسانيد والإعلال به عند الإمام أحمد
.
تقدم أن الراوي إذا روى عن شيخه، ثم جاءت رواية أخرى عنه بواسطة بينهما فإن ذلك من الأدلة للحكم على الرواية الأولى بالإرسال، لأنه لو كان سمعه منه لما رواه عنه بواسطة بينهما. لكن لا بد أن يكون موضع الإرسال قد جاء فيه الراوي بلفظ "عن" ونحوها مما ليس نصاً صريحاً في إفادة الاتصال، فأما متى كان بلفظ التحديث، أو الإخبار، أو السماع أو غير ذلك مما يقتضي الاتصال، ثم جاء الحديث في رواية أخرى عنه بزيادة واسطة بينهما فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد، ويكون الحكم للأول، ويحكم على الزيادة بالوهم، لكن بشرط أن يكون راوي السند الناقص أتقن ممن زاد
(1)
.
فالحكم على الإسناد بأنه من المزيد في متصل الأسانيد إذاً ينبنى على:
وقوع التصريح بالسماع بين الراوي وشيخه في الإسناد الناقص.
كون رواة الإسناد الناقص أكثر عدداً أو أحفظ من رواة الزيادة.
وجود قرينة تقوي الرواية الناقصة.
وفيما يلي أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
1.
ما حكم فيه بأنه من المزيد بدليل وقوع التصريح بالسماع في الإسناد الناقص وراويها أحفظ من الذي زاد الواسطة.
قال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن حديث ابن عجلان، عن محمد بن كَعب، عن معاوية، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"من يُرد اللهُ به خيراً يُفقّهه في الدِّين"؟ فقال: كان يحيى ـ يعني ابن سعيد يقول فيه: ابن عجلان، قال ابن عجلان: حدثني محمد بن كعب؛
(1)
جامع التحصيل ص 125 - 126، فتح المغيث 4/ 73.
قال أحمد: وبعضهم يُدخِل بين ابن عجلان ومحمد بن كعب ييدَ بنَ زيادٍ
(1)
.
هذا الحديث أخرجه أحمد
(2)
، والطبراني
(3)
، وابن عبد البر
(4)
كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان قال: حدثني محمد بن كعب يعني القَرَظي، قال سمعت معاوية يخطب على هذا المنبر فذكره.
وأما الطريق الذي ذكره الإمام أحمد المشتمل على زيادة يزيد بن زِياد بين ابن عجلان ومحمد بن كعب، فلم أقف عليه، وتصريح ابن عجلان بالسماع من محمد بن كعب في رواية يحيى القطان يقضي على تلك الرواية بالوهم وأن الإسناد الذي وردت فيه من المزيد في متصل الأسانيد.
2.
ما حكم فيه بأنه من المزيد لوجود قرينة ترجح الرواية الناقصة.
قال أبو داود: قلت لأحمد: حديثُ بُسر بن عبيد الله: سمعت واثِلة ـ أعني حديثه عن أبي مَرثَد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَصُفُّوا على القبور ولا تُصلوا إليها"؟ قال: ليس واثلة بذاك القديم، ينبغي أن يكون هذا من ابن جابر، يعني رواية ابن المبارك، عن ابن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن واثِلَة ـ يعني إدخال أبي إدريس بين واثِلَة وبُسر
(5)
.
هذا الحديث روي بإسنادين، أحدهما: بُسر بن عبيد الله، عن واثلة، عن أبي مرثد؛ والثاني: بُسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن واثلة ـ أي بزيادة أبي إدريس بين واثلة وبُسر، وحكم الإمام أحمد على الرواية الزائدة بأنها من
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 447 رقم 2038.
(2)
المسند 28/ 104 ح 16894.
(3)
المعجم الكبير 19/ 339 ح 784.
(4)
التمهيد 23/ 79، وجامع بيان العلم وفضله 1/ 95 ح 83.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 438 رقم 2012.
المزيد في متصل الأسانيد، وأن الصواب عدم ذكر الزيادة، وعلل ذلك بقرينة: وهي كون واثلة بن الأسقع
(1)
ليس بذاك القديم
(2)
، فمعنى ذلك أنه لا يُستبعد سماعُ بُسر بن عبيد الله
(3)
منه، فلا معنى إذا لذكر الواسطة. وأما جهة الوهم فذكر أنه من شيخ ابن المبارك، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.
وقد خُولف الإمام أحمد في تعليله للوهم وفي تعيين الواهم بعد الاتفاق على الحكم بأن الزيادة وهم.
أما التعليل فقد عُلّل الوهم في ذكر الزيادة بأن بُسر بن عبيد الله قد سمع من واثلة بن الأسقع في الجملة، بل قد صرّح بسماع هذا الحديث بعنيه منه، وذلك في رواية الوليد بن مسلم
(4)
، وبِشر بن بكر
(5)
، وصَدَقَة بن خالد
(6)
، وعيسى بن يونس
(7)
. فالتعليل بهذا التصريح أولى من التعليل بقرينة إمكان اللقاء
(1)
واثلة بن الأسقع الليثي، كان من أهل الصُّفّة وأسلم قبل تبوك وشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل الشام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تهذيب الكمال 30/ 394 - 395.
(2)
مات سنة 83 وقيل بعدها، وكان آخر الصحابة موتاً بدمشق تهذيب الكمال 30/ 395.
(3)
بسر بن عبيد الله الحضرمي الشامي، قال أبو مسهر: هو أحفظ أصحاب أبي إدريس عنه تهذيب الكمال 4/ 76.
(4)
قال ذلك عنه: الإمام أحمد نفسه المسند 28/ 450 ح 17215، ومحمد بن علي عند ابن المنذر الأوسط 1/ 186 ح 765، والحسين بن حريث عند ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 2/ 7 ح 792، وأبو خيثمة عند أبي نعيم في المستخرج على صحيح مسلم 3/ 51 ح 2180، وداود بن مخراق الفريابي عند البيهقي في السنن الكبرى 4/ 79. رواه مسلم صحيح مسلم 2/ 668 ح 972، والترمذي الجامع 3/ 368 ح 1051، والنسائي السنن الكبرى 1/ 273 ح 836 كلهم من طريق علي ابن حجر بالعنعنة بين بسر وواثلة.
(5)
وحديثه عند الحاكم في المستدرك 3/ 221.
(6)
قال ذلك أبو مسهر عند الحاكم الموضع نفسه، وهشام بن عمار عند الطبراني في مسند الشاميين 1/ 329 ح 580 كلاهما عن صدقة.
(7)
وحديثه عند أبي داود 3/ 554 ح 3229.
التي استدل بها الإمام أحمد، والعجيب أن الإمام أحمد قد روى رواية التصريح بالسماع في المسند، فكأنه لم يستحضرها حين الإجابة عن سؤال أبي داود.
أما الواهم في ذكر الزيادة فقد ذكر غير واحد أنه عبد الله بن المبارك وليس شيخه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر كما ذهب إليه الإمام أحمد. قال ذلك البخاري
(1)
، وأبو حاتم
(2)
، وابن خزيمة
(3)
، والدارقطني
(4)
، والحاكم
(5)
. وذلك أنه تفرد بذكر أبي إدريس الخولاني بين بسر بن عبيد الله وواثلة بن الأسقع، وخالف جمعاً من أهل الشام الذين هم أعرف الناس بحديث أهل بلدهم.
ومما يدل على أن الغلط كان من ابن المبارك أنه قد رواه غير واحد
(6)
عنه بذكر سماع بسر بن عبيد الله من أبي إدريس، وهو من واثلة، ولو كان ذلك محفوظاً لقيل بصحة ذكر الزيادة وعدمها، فيكون بُسر سمع الحديث من واثلة بواسطة أبي إدريس ثم سمعه منه مباشرة، ولم أر أحداً من الحفاظ يقول بذلك، مما يدل على ضعف هذا الجمع، وبالتالي يقوي أن الوهم من ابن المبارك لا كما ذكره الإمام أحمد أنه من ابن جابر.
(1)
جامع الترمذي 3/ 369.
(2)
علل ابن أبي حاتم 1/ 80.
(3)
صحيح ابن خزيمة 2/ 8.
(4)
علل الدارقطني 7/ 44.
(5)
المستدرك 3/ 221.
(6)
قال ذلك عبد الرحمن بن مهدي عند ابن خزيمة في صحيحه 2/ 8 ح 794، والحاكم في المستدرك 3/ 221، والبيهقي في السنن الكبرى 2/ 435، وعبدان عند الحاكم في المستدرك 3/ 220 - 221، وحبان بن موسى عند ابن حبان في صحيحه 6/ 90 ح 2320 الإسحان، وابن عائشة عند أبي نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم 3/ 51 ح 2179، وعتاب بن زياد، وعلي بن إسحاق كلاهما عند أحمد المسند 28/ 451 ح 17216. ولم يذكر السماع حسن بن الربيع عند مسلم 2/ 668 ح 973، وهناد بن السري عند الترمذي في الجامع 3/ 367 ح 1050، وزكرياء بن عدي عند عبد بن حميد 172 ح 473.
وقد ذكر أبو حاتم كيف دخل الوهم على ابن المبارك، قال:"بُسر قد سمع من واثلة وكثيراً ما يُحدّث بُسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك فظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة وقد سمع هذا الحديث بسر من واثلة نفسه لأن أهل الشام أعرف بحديثهم"
(1)
.
وقد ترِدُ الزِّياد ويظهر كونُ الحديث بالوجهين، أي سمعه من شيخه الأدني، وشيخ شيخه أيضاً، وكيفما رواه كان متصلاً، وقد ذكر العلائي عدة أمثلة لذلك
(2)
.
وذكر عبد الله عن الإمام أحمد حديث بسرة بنت صفوان مرفوعاً: "من مسّ ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة"، ذكره من وجهين كأنه يشير إلى صحة الوجهين، فيمكن أن يكون مثالاً لهذا الأمر عند الإمام أحمد. قال عبد الله: قرأت على أبي: عبد الله بن الوليد قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن مروان، عن بُسرة بنت صفوان قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مسّ ذكرَه فليتوضأ وضوءه للصلاة". وقال قرأت على أبي وسمعته منه قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، قال: أخبرني أبي أن بُسرة بنت صفوان أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مسّ ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ". وقال: قرأت على أبي وسمعته منه قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: قال شعبة: لم يسمع هشام حديث أبيه في مسّ الذّكر، قال يحيى: فسألت هشاماً فقال: أخبرني أبي
(3)
. ا. هـ.
وإنما لم يُحكم بخطأ من ذكر الزيادة ـ وهو مروان بن الحكم ـ مع تصريح عروة بالسماع من بسرة، لأن في رواية هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بُسرة،
(1)
علل ابن أبي حاتم 1/ 80.
(2)
انظر: جامع التحصيل ص 134 - 136.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 579 رقم 3743 - 3745.
قال عروة في آخره: سألت بُسرة فصدّقتْه
(1)
. فدل على صحة الوجهين.
وقد يقتضي الموقف التوقف لكون كل واحد من الأمرين محتملاً
(2)
.
وقد يكون المحفوظ ذكر الزيادة والخطأ في عدم ذكرها، حتى إنه ليوهم أن في الإسناد إرسالاً. ومثال ذلك عند الإمام أحمد:
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: ابن أبي زائدة ينقص من هذا الحديث ـ يعني حديث ابن أبي عرُوبَة، عن قتادة، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُسلم في الركعتين من الوِتْر من الثلاث". قال أبي: فترك منه زُرارة"
(3)
.
حديث عائشة رواه عدد من الرواة عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن سعد بن هِشام، أن عائشة حدثته:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يُسلِّم في ركعتبي الوتر".
رواه بشر بن المفضل
(4)
، ويزيد بن زُريع
(5)
، وعبد الوهاب بن عطاء
(6)
، وأبو بدر شجاع بن الوليد بن قيس
(7)
، وعيسى بن يونس
(8)
والمطعِم بن المِقدَام
(9)
كلهم
(1)
المنتقى لابن الجارود 1/ 18 ح 18، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 3/ 396 - 398 ح 1113، 1114.
(2)
انظر: أمثلة ذلك عند العلائي ص 136 - 137.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 202 رقم 4869.
(4)
حديثه عند النسائي المجتبى 3/ 235 ح 1697، والسنن الكبرى 1/ 400 ح 1400.
(5)
وحديثه عند المروزي انظر: مختصر قيام الليل ص 291، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 280، والخطيب في تاريخ بغداد 14/ 284.
(6)
وحديثه عند البيهقي في السنن الكبرى 3/ 31.
(7)
وحديثه عند الطحاوي شرح معاني الآثار 1/ 280، والدراقطني السنن 2/ 32.
(8)
وحديثه عند الحاكم في المستدرك 1/ 304.
(9)
هو الشامي، قال عنه ابن حجر: صدوق تقريب التهذيب 6753. وحديثه عند الطبراني في مسند الشاميين 2/ 59 ح 917.
عن سعيد بن أبي عروبة بذكر زُرارة بين قتادة وسعد بن هشام. وذكر الإمام أحمد أن ذكر زرارة هو المحفوظ، وأن زكريا بن أبي زائدة
(1)
نقص من الإسناد فأخطأ حين رواه بدون ذكره، وظاهر الإسنادين يوهم أن الإسناد الذي فيه الزيادة من المزيد في متصل الأسانيد، لكن بيان الإمام أحمد أوضح أنه ليس منه، بل الإسناد الناقص معلول، حيث أوهم وقوع الإرسال في إسناد متصل.
والحديث في الأصل مختصر من حديث سعد بن هشام الطويل في قدومه على عائشة وسؤاله إياها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل
(2)
، اختصره سعيد ابن أبي عروبة، قال ذلك المروزي
(3)
، وابن حجر
(4)
. وقد ذكر ابن عبد الهادي أن الإمام أحمد ضعف إسناد هذا الحديث المختصر
(5)
. واختصره أبان، عن قتادة بلفظ آخر، ونقل ابن رجب عن أحمد أنه قال: هذه الرواية خطأ
(6)
.
(1)
لم أقف على هذه الرواية مسندة.
(2)
أخرجه مسلم في الصحيح 2/ 512 ح 139 وغيره.
(3)
مختصر قيام الليل ص 292.
(4)
إتحاف المهرة 16/ 2 ص 1086.
(5)
تنقيح التحقيق 2/ 514.
(6)
فتح الباري لابن رجب 5/ 196.
المبحث الثاني: التدليس والإعلال به عند الإمام أحمد
.
المطلب الأول: التعريف بالتدليس والمدلِّسين عند الإمام أحمد
.
التدليس لغة مأخوذ من الدَّلَس، بالتحريك، وهو الظلمة، ومنه أخذ: دلّس في البيع وفي كل شيء، إذا لم يبين عيبه. وقال الأزهري: من هذا أخذ التدليس في الإسناد
(1)
.
وأما في الاصطلاح فلم يرد عن الإمام أحمد حد التدليس، لكن بتتبع إطلاقه لهذا اللفظ يظهر أنه يطلق التدليس على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، ووجه كونه سبباً لعدم صحة الحديث أنه ينافي شرط الاتصال، فإنه إذا روى عن شيخه ما لم يسمعه منه دل ذلك على أنه سمعه من غيره، وهذا الغير ساقط من الإسناد فصار الإسناد منقطعاً.
وهذا أكثر ما وجد عن الإمام من إطلاقه للتدليس، وفيما يلي ما وقفت عليه من ذلك:
أ ـ قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: هذان الحديثان سمعهما هُشيم من جابر الجُعفي، وكل شيء حدّث عن جابر مدلَّس إلا هذين
…
"، فذكر الحديثين
(2)
. فسمّى رواية هُشيم عن جابر بغير ذينك الحديثين مدلَّسة. فهذا صريح في تسميته رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه تدليساً.
ب ـ قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا سفيان، قال حدثنا عمرو
(1)
لسان العرب، مادة:"د ل س" 6/ 86.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 250 رقم 2149 - 2150.
ابن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المازني، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد [أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ]، قال سفيان: حدثناه يحيى بن سعيد عن عمرو بن يحيى منذ أربع وسبعين سنة، فسألت بعد ذلك بقليل، فكان يحيى أكبر منه، قال أبي: قال سفيان: سمعت منه ثلاثة أحاديث. قال أبي: وسمعت أنا هذا الحديث من سفيان ثلاثَ مِرارٍ قال أبي: قال سفيان: لم أسمع منه حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحمام والمقبرة. قال أبي: قد حدثنا به سفيان، دلسه". وهنا أيضاً سمى رواية سفيان بن عيينة، لحديث عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة"
(1)
تدليساً، وعمرو بن يحيى ممن قد سمع منه سفيان بعض الأحاديث.
ج ـ وصَف مبارك بن فضالة بالتدليس عن الحسن البصري، وهو من شيوخه، جالسه عشر سنين، وكان الإمام أحمد يرى الاحتجاج بحديثه عن الحسن. قال المروذي:"سألته عن مبارك بن فَضَالة قال: ما روى عن الحسن يُحتج به"
(2)
. قال عبد الله: "سُئل أبي عن مُبارك والربيع بن صَبِيح فقال: ما أقربهما، مبارك وهِشام
(3)
جالسا الحسن جميعاً عشرَ سنين، وكان المبارك يُدلِّس"
(4)
. وصرح بأنه كان يُدلِّس عن الحسن. قال في رواية أبي داود: "مبارك كان يُدلِّس عن الحسن"
(5)
، وقد تقدمت رواية الفضل بن زِياد عن أحمد قال: "كان مبارك ـ أي ابن فضالة ـ يُرسل عن الحسن. قيل: يُدلِّس؟ قال: نعم. قال: وحدّث يوماً عن الحسن بحديث فوُقف عليه فقال: حدثنيه بعض أصحاب
(1)
رواه الشافعي عن سفيان من هذا الوجه الأم 1/ 92، ومسند الشافعي ص 20.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 111 رقم 182.
(3)
هو ابن حسان القردوسي.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 38 رقم 1480.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 328 رقم 464.
الحديث عن أبي حرب، عن يونس"
(1)
، فجعل بينه وبين الحسن واسطتين.
د ـ قال أبو داود: "قال أحمد: أبو الأشهب
(2)
كانوا يرون أنه يُدلِّس عن الحسن، قلت لأحمد وذكر أبا الأشهب فقال: زعموا كان يأخذ عن أصحاب الحسن ـ يعني عن الحسن"
(3)
. وأبو الأشهب قد سمع من الحسن
(4)
. والإمام أحمد يشير إلى ما رواه شيخه عبد الرحمن بن مهدي قال: "كنا إذا وقَّفنا أبا الأشهب نقول له: قل: سمعتُ الحسن، يقول: سمعت الحسن أو غيره"
(5)
. فأسند إلى شيوخه القول بأن رواية الراوي عمن سمعه ما لم يسمعه منه تدليس.
هـ ـ قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: هشيم عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي: ليس على من خلْف الإمام استعادةٌ. قال: دلّسه هشيم"
(6)
، وقد أدرك هُشيم ابنَ أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسمع منه
(7)
، فأطلق التدليس على روايته عن ابن أبي ليلى بما لم يسمعه منه، وهو من شيوخه الذين قد سمع منهم.
و ـ قال المروذي: "قال أحمد: كان أبو حُرّة
(8)
صاحب تدليس عن
(1)
المعرفة والتاريخ 2/ 633. ووقع في المعرفة: يرسل إلى الحسن، قيل: تدلس؟.
(2)
هو جعفر بن حيان السعدي العطاردي. قال عنه أحمد: لا يختلف فيه أنه ثقة العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 72 رقم 80.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 328.
(4)
انظر: التاريخ الكبير للبخاري 2/ 189.
(5)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 266 رقم 396.
(6)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 448 رقم 2040.
(7)
صرح بالخبر في بعض حديثه عنه انظر: سنن سعيد بن منصور 1/ 55 ح 12، 1/ 58 ح 23، مصنف ابن أبي شيبة 6/ 90 ح 29714.
(8)
بضم الحاء المهملة، هو واصل بن عبد الرحمن البصري. وثقه أحمد، وقال ابن معين: صالح الجرح والتعديل 9/ 31، وانظر: الإكمال لابن ماكولا 2/ 434.
الحسن، إلا أن يحيى روى عنه ثلاثة أحاديث يقول في بعضها: حدثنا الحسن، منها حديث سعد بن هشام حديث عائشة في الركعتين"
(1)
، فسمى روايته عن الحسن بما لم يسمعه منه تدليساً، وكان قد سمع منه في الجملة، بدليل أنه يقول في بعض حديثه عن الحسن: حدثنا.
ز ـ قال عبد الله: "سمعت أبي يقول في حديث حفص عن الشيباني، عن عبد الله بن عُتبة: سئل عن امرأة تزوّجت ولها ولد رضِيع، قال: لا ترضَعه وإن مات. قال أبي: هذا مما لم يسمعه حفص من الشيباني، كان يدلسه، ليس فيه شكّ، والحديث حدثني به أبي، سمعه من حفص"
(2)
، وأبو إسحاق الشيباني من شيوخ حفص بن غياث، وفي قول الإمام أحمد: لم يسمعه، نفي لسماعه ذلك الحديث منه، وليس فيه نفي للسماع في الجملة.
ي ـ قال المروذي أيضاً: "قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلِّس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يُبين إذا كان سماعاً قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن أبي الزناد كلها"
(3)
. وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "عامة حديث ابن إسحاق عن أبي الزناد حديث الأعرج لم يسمعها، قال: هي في كتب يعقوب: ذكر أبو الزناد، ذكر أبو الزناد"
(4)
. فذكر أن في رواية ابن إسحاق بدون ذكر السماع تدليساً، وأما إذا كانت الرواية بذكر السماع فلا يكون فيها تدليس، وهذا لا يتأتى إلا في روايته عن شيخ لقيه وسمع منه ثم روى عنه ما لم يسمعه منه،
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 38.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 184 رقم 1941.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 454 رقم 2069.
وذلك مثل أبي الزناد عبد الله بن ذكوان.
وأما رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه ـ وهي صورة الإرسال الخفي على ما اصطلح عليه بعض الأئمة المتأخرين كابن حجر ـ فالذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال عليها كما سلف
(1)
، وقد ورد عنه إطلاق التدليس على هذه الصورة، لكنه ليس كثيراً كما في الصورة المتقدمة، ولا هو بصريح كما في الصورة المتقدمة، ومن ذلك ما يلي:
1 ـ ما رواه عبد الله قال: "حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال: زعم مجالد، عن الشعبي قال: كان زِياد يَشتُو بالبصرة، ويحمل شُريحاً معه يَصيف بالكوفة، قال أبي: كان هُشيم أُرى هُشيماً تلقّه ـ يعني دلَّسه ـ من هيثم بن عدي"
(2)
. وقد روى عبد الله عن أحمد أن هشيماً لم يسمع من مُجالد
(3)
، فظاهر هذا أن الإمام أحمد أطلق التدليس على رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، لكنّ سماع هُشيم من مجالد ثابت في مسند أحمد في عدة مواضع
(4)
، فليست هذه إذا من رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، بل هي مثال من الأمثلة المتقدمة ـ أعني رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه.
(1)
أو يقول: لم يسمع من فلان وقد حدّث عنه.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 347 رقم 644. ومثله أيضاً ما رواه عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم عن مُجالِد، عن الشعبي أن عمر بن الخطاب أوصى في عمّاله ألا يُعزلوا سنة، قال: وأقرّوا الأشعري أربع سنين. سمعت أبي يقول: أُراه سمعه هُشيم من هيثم بن عدي 2/ 255 رقم 2169.
(3)
المصدر نفسه 2/ 274 رقم 2230. وعبارة بشار حين نقلها: لم يسمع هشيم من مجالد شيئاً.
(4)
انظر: المسند 23/ 349 ح 15156، 32/ 114 ح 19371، 32/ 127 ح 19383، 36/ 161 ح 21840، 45/ 330 ح 27342، والعلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 130 رقم 4.
2 ـ قال صالح: "سمعته ـ يعني أباه أحمد بن حنبل ـ يقول: لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من الحكم بن عتيبة، ولا من حماد، ولا من عمرو بن دينار، ولا من هشام بن عروة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي بشر، ولا من زيد بن أسلم، ولا من أبي الزناد. قال أبي: وحدث سعيد عن هؤلاء كلهم ولم يسمع منهم، وربما قال رجل عنهم. وقال: قد سمع سعيد من عاصم بن أبي النجود"
(1)
. روى الذهبي هذه الحكاية عن الإمام أحمد فتصرف في العبارة فقال: "وقد حدّث عن هؤلاء على التدليس، ولم يسمع منهم"
(2)
، وقد اعتمد بعضُ الباحثين هذا النقل عن الذهبي فاستدل به على أن من صور التدليس عند الإمام أحمد رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه
(3)
، ووفيات هؤلاء الشيوخ تدل على إمكان لقاء سعيد بهم. وهذا الاستدلال لا يستقيم إلا على فهم الذهبي لعبارة الإمام أحمد، أما صريح عبارته فليس فيها ما يدل على ذلك. ثم هو أيضاً مبني على لقاء سعيد بن أبي عروبة بهم، وهو ظاهر من تواريخ وفاياتهم.
3 ـ قال عبد الله: "قلتُ لأبي: حدّث هُشيم عن سفيان الثوري؟ فقال: دلّس عنه، ثم قال: قال هُشيم: جئنا إلى إسماعيل بن أبي خالد فلما رآه سفيان قام فخرج. قال أبي: كره أن يسمع مسائل هُشيم"
(4)
. فلقاء هُشيم بالثوري ثابت
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه صالح 2/ 431 رقم 1106. وقد روى هذا عبد الله أيضاً عن أبيه العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 331 رقم 2465 وقال: ولم يسمع منهم شيئاً، وذكره ابن أبي حاتم عن عبد الله في المراسيل 280.
(2)
سير أعلام النبلاء 6/ 415 - 416.
(3)
انظر: المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس ص 45، ومنهج المتقدمين في التدليس ص 60، لكن نبه مؤلف الكتاب الأخير وهو السيخ ناصر بن حمد الفهد على أن قوله: حدث عنهم على التدليس، من قول الذهبي، وأنها ليست في المصادر الأصلية التي نقلت العبارة عن الإمام أحمد، لكنه ذكر أن الاستدلال بها قائم على فهم الذهبي لتلك النصوص وعبارات السلف.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 210 رقم 4906.
بهذه القصة، وكان الثوري أكبر منه
(1)
، أما السماع فلم أقف عليه، ولم يذكر المزي أن لهشيم رواية عن الثوري
(2)
، وفي هذا السؤال ينفي الإمام أحمد سماعه منه إلا على وجه التدليس، فتضمن جوابه إطلاق التدليس على رواية الراوي عمّن لقيه ولم يسمع منه.
4 ـ قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان". فقالا جميعاً: ليس بصحيح، وليس يُعرف هذا الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي روّاد من عبيد الله شيئاً، ينبغي أن يكون عبد المجيد دلّسه، سمعه من إنسان فحدّث به
(3)
، وعبد المجيد بن أبي روّاد مكي توفي سنة ست ومئتين
(4)
، وقد سمع من مالك
(5)
، وابن جريج ومعمر
(6)
، وأما عبيد الله العمري فتوفي سنة سبع وأربعين ومئة
(7)
، ونص أحمد ويحيى على عدم سماع عبد المجيد من العمري، وقد أدركه، لأنه أدرك ابن جريج وبين وفاته ووفاة العمري نحو خمس سنين، وأما اللقاء فلم أقف على ما يدل عليه، إلا أنه ممكن لأنه لقي مالكاً وسمع منه.
وهذا والذي قبله أقرب ما يستدل به على إطلاق الإمام أحمد للتدليس على رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن أدركه ولم يسمع منه، ويمكن توجيهه
(1)
تهذيب الكمال 30/ 276.
(2)
انظر: تهذيب الكمال 30/ 273 - 275.
(3)
المنتخب من العلل للخلال ص 227 رقم 135.
(4)
تهذيب الكمال 18/ 275.
(5)
الإرشاد 1/ 233.
(6)
تهذيب الكمال 18/ 271.
(7)
المصدر نفسه 19/ 129.
بأن إطلاقه مبني على ما عرفُ به هشيم واشتهر به من التدليس عمن سمع منه ومن لم يسمع منه. قال المروذي: "وذكر ـ يعني أحمد بن حنبل ـ هُشيماً فقال: كان يدلِّس تدليساً وحشاً، وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه فيذكره في حديث آخر إذا انقطع الكلام يوصله"
(1)
.
وأما في عبد المجيد فقد اعتمد العلائي هذا النقل لجعله عبد المجيد بن أبي روّاد في المدلسين
(2)
، وتبعه عليه ابن حجر
(3)
. وهذا من أظهر ما يستدل به على إطلاق التدليس على ما صورته الإرسال الخفي عند الإمام أحمد.
وقد جاء عن بعض المتقدمين غير الإمام أحمد إطلاق التدليس على هذه الصورة، من ذلك ما رواه الدُّوري عن ابن معين أنه قال:"دلّس هشيم عن زاذان ولم يسمع منه"
(4)
.
وقال البخاري: "لا أعلم لسعيد بن أبي عروبة سماعاً من الأعمش، وهو يدلس ويروي عنه"
(5)
.
وقال الفسوي: "قد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيد الله بن عمر، وعن هشام بن عروة، وعن أبي بشر ولم يسمع منهم، إنما دلس عنهم، ولعمري إن ما روى عنهم مناكير"
(6)
.
وقال الفسوي أيضاً: "ولم يسمع سالم من ثوبان، إنما هو تدليس"
(7)
.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 51 رقم 31.
(2)
جامع التحصيل ص 107.
(3)
تعريف أهل التقديس ص 94.
(4)
التاريخ ـ برواية الدوري 4/ 380. وانظر أمثلة أخرى في كتاب الشريف العوني "المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس" ص 45.
(5)
علل الترمذي الكبير 2/ 877.
(6)
المعرفة والتاريخ 2/ 123.
(7)
المصدر نفسه 3/ 236.
وقال ابن عدي: "كان سعيد بن أبي عروبة ثبتاً عن كل من روى عنه إلا من دلّس عنهم، وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم"
(1)
.
ويلاحظ أن إطلاق هؤلاء الأئمة للتدليس على رواية الراوي عمن لم يسمع منه شيئاً كان في حق رواة عرفوا بالتدليس كما تقدم نحوه عن الإمام أحمد.
وأما رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، فلم أقف على إطلاق التدليس عليها لدى الإمام أحمد، وإن كان ذلك اشتهر لدى بعض المحدثين أنه من التدليس
(2)
، وقد يدل عليه ما رواه الدُّوري عن ابن معين قال:"لم يلق يحيى ابن أبي كثير زيد بن سلاّم، وقدِم معاويةُ بن سلاّم عليهم فلم يسمع يحيى بن أبي كثير، أخذ كتابه عن أخيه ولم يسمعه فدلسه عنه"
(3)
على أن أبا حاتم قد أثبت سماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلاّم
(4)
، وعليه يكون من نوع ما تقدم ذكره، لكن الاستدلال قائم على ما عند ابن معين، وهو أن يحيى بن أبي كثير لم يلق زيد بن سلام عنده وروى عنه فسمى روايته عنه تدليساً.
والحاصل أن الانقطاع يكون بواحد من أمور أربعة: عدم المعاصرة، أو
(1)
الكامل في ضعفاء الرجال 3/ 1233. والعبارة في الأصل مصحفة والتصحيح من حاشية الدكتور بشار عواد على تهذيب الكمال 11/ 11.
(2)
قال الحاكم: والجنس السادس من التدليس قوم رووا عن شيوخ لهم لم يروهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عالٍ ولا نازل معرفة علوم الحديث ص 109.
وقال الخطيب: والمدلَّس رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه فيتوهم أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه ما لم يسمعه منه الكفاية في علم الراوية ص 59.
وقال ابن الصلاح: تدليس الإسناد هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهماً أنه قد لقيه وسمعه منه علوم الحديث ص 78.
(3)
التاريخ ـ برواية الدوري 4/ 207.
(4)
المراسيل 896.
عدم اللقاء، أو عدم السماع، أو عدم سماع خبر بعينه. أما الصورة الأخيرة ـ وهي عدم سماع خبر بعينه ـ فهي التي كان أكثر إطلاق التدليس عليها لدى الإمام أحمد، ولا خلاف بين الأئمة المتقدمين منهم والمتأخرين أن هذه صورة للتدليس، لأن فيها إيهام السماع مع انتفائه في الواقع. وقد قصر بعض المحدثين التدليس على هذه الصورة منهم الإمام الشافعي
(1)
، والبزار
(2)
، وابن عبد البر
(3)
، وأبي الحسن بن القطان
(4)
، وابن حجر
(5)
، خلافاً لما ذكره ابن الصلاح ونسبه العراقي إلى أنه المشهور عن أهل الحديث
(6)
.
أما الصورة الثالثة ـ وهي الرواية عمن لقيه ولم يسمع منه في الجملة ما لم يسمعه منه، وهي الأولى من صورتي الإرسال الخفي ـ فالذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال عليها وعدم السماع، وما ورد عنه من إطلاق التدليس عليها كان بالنسبة لراوٍ عُرِف واشتهر بالتدليس
(7)
، وهو شيخه هُشيم بن بشير،
(1)
قال في الرسالة في تعريف المدلس: أن يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه ص 371. وعبّر باللقاء عن السماع، وهذا من تصرف المحدثين انظر: فتح المغيث 1/ 208.
(2)
نقله عنه العراقي في التقييد والإيضاح ص 80 وقال إنه في جزء له في معرفة من يترك حديثه أو يقبل، وحدَّه بأنه رواية الراوي عمن قد سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه.
(3)
قال في التمهيد 1/ 15: التدليس هو أن يحدث الرجل عن الرجل قد لقيه وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه، وإنما سمعه من غيره عنه ممن ترضى حاله أو لا ترضى
…
(4)
قال في أواخر بيان الوهم الإيهام 5/ 493: ونعني به أن يروي المحدث عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه. ا. هـ.
(5)
حيث أقر تعريف ابن القطان وقال: إن التدليس يختص بالرواية عمن له عنه سماع النكت على كتاب ابن الصلاح 2/ 615.
(6)
وهو أن التدليس أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهماً أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه علوم الحديث ص 78، التقييد والإيضاح ص 80.
(7)
ومثله أيضاً حفص بن غياث الذي تقدم عن الإمام أحمد وصفه بالتدليس عن شيخه أبي إسحاق الشيباني ص 591، فقد روى أبو داود قال: قلت لأحمد: حفص أعني ابن غِياث لم يسمع من أشعث بن عبد الملك؟ قال: نعم، وأشعث بن سوّار، وربما لم يُبين سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص 164 رقم 11. ففي هذا أيضاً إطلاق التدليس فيما لم يكن فيه سماع في الجملة مع وجود اللقاء، إلا أن ذلك الإطلاق وقع في حق راوي معروف بالتدليس.
وعند سائر من ذكر من الأئمة أيضاً يمكن توجيه ما ورد من إطلاقهم التدليس على ما صورته إرسال خفي بمثل ما ذكر عن الإمام أحمد: فابن معين قال ذلك في هشيم، والبخاري، والفسوي، وابن عدي قالوا ذلك في سعيد بن أبي عروبة، وكلاهما معروفان بالتدليس.
أما ما عدا أمثال هشيم ممن روى عمن لقيه ما لم يسمع منه فلم يقل في روايته إنها تدليس أو وصفه بأنه مدلِّس، وذلك مثل أيوب وروايته عن أنس، وكذا ابن عون عن أنس، وعطاء بن أبي رباح عن ابن عمر
(1)
، وأبان بن عثمان عن أبيه
(2)
وغيرهم كثير ممن أرسلوا عمن رووا عنهم وقد ثبت لقاؤهم بهم دون السماع.
وأما ما ذكره في عبد المجيد بن أبي رواد أنه دلّس فيما صورته الإرسال الخفي فمحمول على التجوز في التسمية لما في صورة الإرسال الخفي من الإيهام لمن لم يكن له اطلاع على عدم لقاء الراوي لشيخه أو سماعه منه. وهذا الذي يجمع بين إطلاقه للتدليس في هذه الصورة أحياناً وعدم إطلاقه له في حين آخر.
وأما الصورة الثانية ـ وهي رواية من له إدراك والمعاصرة دون اللقاء، وهي الصورة الأخرى للإرسال الخفي ـ فلم أقف على إطلاق التدليس عليها عند الإمام أحمد، وقد جاء ذلك عن ابن معين، فإنه قال في رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلاّم ـ وليس بينهما لقاء عند ابن معين ـ إنها مدلسة. والذي ورد عن الإمام أحمد هو إطلاق الإرسال على هذه الصورة كما قال في رواية عراك بن مالك عن عائشة، وكان قد أدركها لكنه لم يلقها
(3)
. وقد صرّح الخطيب بأن هذه
(1)
انظر: ص 605 - 606.
(2)
المراسيل 48.
(3)
انظر ما تقدم: ص 643.
الصورة من الإرسال الذي ليس بتدليس
(1)
، وكذلك أنكر ابن عبد البر على من اعتبر هذا تدليساً
(2)
. واحتج ابن حجر لكون هذه الصورة إرسالاً لا تدليساً بأن رواية المخضرمين مثل قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل المرسل لا من قبيل المدلَّس. ا. هـ
(3)
. ولو كانت هذه صورة التدليس لعُدّ كل من عُرِف عنه الرواية عمّن أدركه ولم يلقه مدلِّساً مثل محمد ابن سيرين وروايته عن ابن عباس
(4)
، وسعيد بن جبير عن عائشة
(5)
، والضحاك بن مُزاحم وروايته للتفسير عن ابن عباس
(6)
.
وأما الصورة الأولى ـ وهي الرواية عمن لم يدركه ـ فهي مطلق الإرسال
(7)
، ولا قائل بأنها من التدليس في شيء.
فالخلاصة أن إطلاق التدليس عند الإمام أحمد يكاد يكون مقصوراً على حالة وجود السماع، أي على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أما روايته عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه فإنما يطلق الإمام أحمد الإرسال عليهما، وهذا يكاد يكون مطّرداً عنده، وبهذا يظهر الفرق بين التدليس والإرسال الخفي، وبين الرواة الذين عُرفوا بالتدليس ومن وُصف منهم بالإرسال. وممن فرق بينهما أبو الحسن ابن القطان، قال: "والفرق بين التدليس وبين الإرسال هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه، ولما كان في هذا ـ أي
(1)
الكفاية في علم الرواية ص 546.
(2)
التمهيد 1/ 15.
(3)
النكت على كتاب ابن الصلاح 2/ 623.
(4)
انظر: المراسيل 679 - 681.
(5)
المصدر نفسه 262.
(6)
جامع التحصيل 199 - 200.
(7)
انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح 2/ 623.
التدليس ـ قد سمع منه جاءت روايته عنه بما لم يسمعه منه كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء، فلذلك سمِّي تدليساً"
(1)
، و فرق بينهما أيضاً الحافظ ابن حجر
(2)
، وهو ظاهر كلام الخطيب حيث قال:"لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه"
(3)
فذكر الإرسال بنوعيه الجلي والخفي، وأنه يغاير التدليس.
وأما ما ورد عن الإمام أحمد من إطلاق التدليس على رواية هشيم عن الثوري مع أنه لم يرد ما يدل على سماعه منه مع لقيّه إياه، فقد تقدم توجيه ذلك وأن الذي سوّغ ذلك الإطلاق كون هُشيم معروفاً بالتدليس، فيستنتج منه أن الراوي المعروف بالتدليس إذا روى عمن لقيه ولم يسمع منه ساغ تسمية ذلك بالتدليس، وأما إذا لم يكن معروفاً بالتدليس فهو إرسال، ولا يقال له تدليس إلا على سبيل التجوز لأنه ليس في روايته تلك إيهام بالسماع في الحقيقة، وإن كان فيها إيهام لمن ليس له معرفة باللقاء بينه وبين شيخه، وبهذا يتم توجيه ما ورد عن الإمام أحمد من إطلاق التدليس على رواية عبد المجيد بن أبي رواد عن عبيد الله العمري.
وقد تقدم أيضاً أن الإمام أحمد يطلق الإرسال على ما صورته التدليس، وذلك فيما رواه عبد الله:"قال أبي: ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث الواحد ـ يعني حديث الوضوء مما مسّت النارٌ ـ والباقي يرسلها عنه"
(4)
، ولا يقتضي ذلك الترادف بين اللفظين، وإنما ساغ ذلك الإطلاق لأن بين التدليس والإرسال قدراً مشتركاً وهو إسقاط الواسطة، كما أن بينهما عموم
(1)
بيان الوهم والإيهام 5/ 493.
(2)
انظر: نزهة النظر ص 43.
(3)
الكفاية في علم الرواية ص 546.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 386 رقم 5696.
وخصوص مطلق كما تقدم، فكل تدليس إرسال، وليس كل إرسال تدليساً، فساغ إطلاق الإرسال على التدليس دون العكس. قال الخطيب:"التدليس متضمن للإرسال لا محالة من حيث كان المدلِّس ممسكاً عن ذكر مَن بينه وبين من دلَّس عنه، وإنما يفارق حاله حال المرسَل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط، وهو المُوهن لأمره، فوجب كون هذا التدليس متضمناً للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يَذمّ العلماء من أرسل الحديث، وذمُّوا من دلَّسه"
(1)
.
وكل ما مضى من الكلام في التدليس هو في النوع الذي اصطُلح عليه بتدليس الإسناد
(2)
، ومنه أيضاً:
تدليس العطف:
وقد ورد عن الإمام أحمد الإشارة إليه ووصفه بأنه تدليس وحش. قال المروذي: "وذكر ـ يعني أحمد بن حنبل ـ هُشيماً فقال: كان يدلِّس تدليساً وحشاً، وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه فيذكره في حديث آخر إذا انقطع الكلام يوصله"
(3)
، فهذا النوع من التدليس اصطُلح عليه بتدليس العطف، وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدِهما دون الآخر، فيصرِّح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيُوهِم أنه حدّث عنه بالسماع أيضاً، وإنما حدث بالسماع عن الأول ثم نوى القطع فقال: وفلان أي حدث فلان
(4)
.
(1)
الكفاية في علم الرواية ص 510.
(2)
النكت على كتاب ابن الصلاح 2/ 616.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 51 رقم 31.
(4)
انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح 2/ 617.
ومثاله ما رواه عبد الله قال: "حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهماً. حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. سمعت أبي يقول: لم يسمعه هُشيم من عبيد الله"
(1)
، فذكر الإمام أحمد أن هُشيماً لم يسمعه من شيخه الثاني، وهو عبيد الله بن عمر، ولم يصرح بعدم السماع بل قطع الكلام ثم وصله في حديث آخر يُوهم أنه قد سمعه منه، وإنما عنى بذلك العطف: وحدّث عبيد الله بن عمر.
الحكم على رواية المدلِّس:
الذي ورد عن الإمام أحمد في الحكم على رواية من عرف بالتدليس إذا جاءت عنه بدون تصريح بالسماع هو التوقف. قال أبو داود: "سمعت أحمد سُئل عن الرجل يُعرف بالتدليس، يحتجّ فيما لم يَقُلْ فيه: سمعتُ؟ قال: لا أدري، فقلت: الأعمش متى تُصاد له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا، أي أنك تحتجّ به"
(2)
. واعتلّ لذلك بأن الأعمش ـ وهو ممن عُرف بالتدليس ـ يحتج بحديثه مع عدم الوقوف على تصريحه بألفاظ السماع، وأنه لو اشتُرط هذا لكان فيه تضييق.
وهذا التعليل إن أُخذ على ظاهره فإنه يدل على الاحتجاج بما رواه المدلس بالعنعنة، لكن الإمام أحمد لم يقل بذلك، وإنما توقف في المسألة، والذي أوجب ذلك التوقف أن بعض المدلسين إذا لم يصرحوا بالسماع في مروياتهم جاءوا بالمناكير. قال الأثرم عن أحمد بن حنبل: "إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأُخبرتُ، جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 261 رقم 2191 - 2192.
(2)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص 199 رقم 138.
فحسبك". وقال الميموني عن أحمد بن حنبل: "إذا قال ابن جُريج: قال فاحذره، وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء"
(1)
. وقال أبو داود: "إذا قال ابن جريج: أخبرني في كل شيء فهو صحيح"
(2)
.
فهذا يدل على أن ما رواه المدلس بغير لفظ السماع يتوقف فيه، فإن مفهوم قوله:"وإذا قال: سمعت أو سألت جاء بشيء ليس في النفس منه شيء" أن ما لم يقل فيه ذلك ففي النفس منه شيء، لأنه مظان وجود المناكير.
والأمر الآخر الذي يُوجب التوقف هو أن الرواة قد يتصرفون في ألفاظ الأداء عن شيوخهم، فيذكرون العنعنة مكان السماع، وقد تقدم أن في كتاب إبراهيم بن سعد بيان الألفاظ عن ابن إسحاق، بينما في كتاب يزيد بن هارون كلها بالعنعنة. قال المروذي أيضاً:"قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلِّس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يُبين إذا كان سماعاً قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال. ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن أبي الزناد كلها"
(3)
.
وقال عبد الله: "قال أبي: كنت أسأل يحيى بن سعيد عن أحاديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن شُريح وغيره، فكان في كتاب إسماعيل: قال: حدثنا عامر، عن شُريح؛ وحدثنا عامر عن شُريح، فجعل يحيى يقول: إسماعيل عن عامر. قلت: إن في كتابي: حدثنا عامر، حدثنا عامر! فقال يحيى: هي صِحاح، إذا كان شيء أخبرتُك ـ يعني مما لم يسمعه إسماعيل عن عامر"
(4)
.
(1)
تهذيب الكمال 18/ 348.
(2)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص 231 رقم 220.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 542 رقم 3567.
فإذا كان الأمر كذلك فلا يرتبط الحكم على رواية المدلس بمجرد عنعنته لأن صدورها قد لا يكون منه بل ممِن دونه. ولعل هذا ما عناه أبو داود عند ما سمع توقف الإمام أحمد في المسألة فقال كالمعلِّل له: "الأعمش متى تُصاد له الألفاظُ؟ ".
وأما غير الإمام أحمد من الأئمة فجمهورهم على الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرّح فيه بالسماع دون ما رواه بلفظ محتمل
(1)
، وطائفة منهم يفرق بين أن يُدلس عن الثقات فيُقبلُ حديثُه وإنْ عنعنَهُ، وبين أن يُدلس عن غير الثقات فلا يُقبل حديثُه حتى يصرِّحَ بالسَّماع، وعليه طائفة من فقهاء أصحاب الإمام أحمد كما قال ابن رجب
(2)
.
وأما التدليس من ناحية الحكم عليه في نفسه كفعل يمارسه بعض الرواة فالذي ورد عن الإمام أحمد هو القول بكراهته، ولما قيل له: قال شعبة: هو كذب، قال أحمد: لا، قد دلّس قوم ونحن نروي عنهم. ا. هـ
(3)
. وقال ابن هانئ: "سُئل ـ يعني الإمام أحمد ـ عن داود بن الزِّبِرقان؟ قال: إنما كتبت عنه حديثاً، وقال: ما أُراه يكذب، ولكن كان يدلِّس"
(4)
.
(1)
جامع التصحيل ص 98.
(2)
شرح علل الترمذي 2/ 583.
(3)
شرح علل الترمذي 2/ 584.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 230 رقم 2265.
المطلب الثاني: وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد
.
تقدمت الإشارة إلى أن التدليس علة قادحة في صحة الحديث لأنه سبب من أسباب وقوع الانقطاع المنافي للاتصال المشروط لصحة الحديث. وهناك جملة من الأحاديث انتقدها الإمام أحمد بسبب تدليس بعض رواتها المعروفين بالتدليس، وهذه الأحاديث المنتقدة تكشف لنا وجوه الإعلال بالتدليس عند الإمام أحمد، وهي كالتالي:
الوجه الأول: عدم تصريح المدلّس بالسماع في السند
.
وذلك بأن يروي المدلّس حديثه بالعنعنة ولا يصرّح بالسماع، وهو أمر يرجح وقوع التدليس في روايته تلك، فيدل ذلك على وقوع التدليس في الإسناد فيعلّه الإمام أحمد لهذا السبب، ومن أمثلة ذلك:
1.
قال أبو داود: "ذكرت لأحمد حديثَ بقية عن الزَّبِيدي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي عليه السلام كان يُسلِّم تسليمتيْن. قال: يقول فيه: حدثنا ـ يعني بقية؟ قلت: لا يُنكرون أن يكون سمعه! قال: هذا أبطل باطل"
(1)
.
هذا الحديث رواه الطحاوي
(2)
، والطبراني
(3)
كلاهما من طريق حيوة ابن شريح، عن بقية عن الزَّبِيدي، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُسلم في الصلاة تسليمتيْن، عن يمينه وعن شماله.
وأعله الإمام أحمد لعدم تصريح بقية بالتحديث من شيخه، وأنكر على من يحمله على السماع المحتمل. فهذا صريح في أن رواية بقية بالعنعنة دالة على وقوع
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود رقم 2005.
(2)
شرح معاني الآثار 1/ 268.
(3)
المعجم الأوسط 4/ 44 ح 3569.
التدليس منه، وبالتالي على عدم قبول الإمام أحمد لحديثه إذا لم يصرح بالسماع من شيخه. وبقية من الرواة المعروفين بالتدليس والمشهورين به.
وممن أنكر هذا الحديث أبو حاتم الرازي لكنه لم يذكر وجه الإنكار
(1)
، وأنكره الهيثمي بسبب عنعنة بقية بن الوليد
(2)
.
2.
قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: هشيم لم يسمع حديث أبي صالح: [الإمام ضامِنٌ] من الأعمش، وذاك أنه قيل لأحمد إن هشيماً قال فيه: عن الأعمش، قال: حدثنا أبو صالح. وسمعت أحمد مرة أخرى سئل عن هذا الحديث، فقال: حدث به سُهيل، عن الأعمش، ورواه ابن فُضيل، عن الأعمش، عن رجل. ما أُرى لهذا الحديث أصل. حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا ابن نُمير، عن الأعمش قال: نُبئت عن أبي صالح، ولا أُراني إلا قد سمعتُه منه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشُدِ الأئمة واغفر للمؤذنين". حدثنا محمد بن مسلمة المصري، قال: حدثنا ابن وهب، عن جده، عن نافع بن سليمان أن محمد بن أبي صالح أخبره، عن أبيه أنه سمع عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثله"
(3)
.
هذا الحديث فيه إعلال بالتدليس من وجهين:
الأول: إنكار الإمام أحمد رواية هُشيم عن الأعمش قوله: حدثنا أبو صالح
(4)
، لأن هشيماً رواه بالعنعنة وهو مدلس، فلم تصح روايته ولم يعتمد الإمام أحمد صحة
(1)
علل ابن أبي حاتم 1/ 181 ح 518.
(2)
مجمع الزوائد 2/ 146.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 389 رقم 1871.
(4)
أخرج رواية هشيم الطحاوي في شرح مشكل الآثار 5/ 432 ح 2187، وذكره الدارقطني تعليقاً علل الدارقطني 10/ 195.
تصريح الأعمش بالتحديث. وهذا هو الشاهد من إيراد المثال تحت هذا الوجه.
الثاني: تدليس الأعمش حيث لم يقل في رواية الحديث: أنا أبو صالح، ووُجدت قرينة تدل على أن سماعه منه بواسطة، كما أفاد ذلك الرواية التي ذكرها الإمام أحمد عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن رجل عن أبي صالح
(1)
، فدل على أن الأعمش كان يدلِّسه حيث يرويه عن أبي صالح. ففي هذا إثبات التدليس لقرينة وجود الواسطة بين المدلس وشيخه، بالإضافة إلى روايته بالعنعنة.
وذكر ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: ليس لهذا الحديث أصل، ليس يقول فيه أحد عن الأعمش أنه قال: أنا أبو صالح
(2)
.
وقد ذكر أبو داود أن ابنُ نُمير تابع ابنَ فُضيل على ذكر الواسطة بين الأعمش وأبي صالح، حيث رواه عن الأعمش قال: نُبئتُ عن أبي صالح، لكن ذكر أن الأعمش كان يقول: ولا أُراني إلا قد سمعته من أبي صالح. وهذه الرواية أيضاً عند الإمام أحمد
(3)
، لكن يبدو أنه لم يلتفت إلى هذا الاحتمال للسماع الذي ذكره الأعمش، بل اعتمد عدم السماع، ومن أجل ذلك حكم على الحديث بأنه لا أصل له.
وممن تابع ابن فضيل على ذكر الواسطة بين الأعمش وأبي صالح أبو بدر شُجاع بن الوليد؛ رواه عن الأعمش فقال: حُدِّثتُ عن أبي صالح
(4)
، وكذلك قال أسباط بن محمد
(5)
.
(1)
أخرج هذه الرواية الإمام أحمد المسند 12/ 89 ح 7169، ومن طريقه أبو داود السنن ح 517، ومن طريقه البيهقي السنن الكبرى 1/ 430.
(2)
العلل المتناهية 1/ 433.
(3)
المسند 14/ 526 ح 8970.
(4)
أخرجه الترمذي في العلل الكبير 1/ 209.
(5)
ذكره الترمذي تعليقاً الجامع 1/ 403.
وجمهور الرواة عن الأعمش رووه عنه عن أبي صالح، عن أبي هريرة
(1)
. وذكر علي بن المديني، عن القطان، عن الثوري قال: ما أُراه سمعه من أبي صالح
(2)
، وكان الثوري ممن رواه عن الأعمش، عن أبي صالح
(3)
.
وكذلك قال ابن معين عن الثوري: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح
(4)
.
وقال ابن المديني: لم يسمع الأعمش بيقين، لأنه يقول فيه نُبِّئتُ عن أبي صالح، نقله البيهقي عنه
(5)
.
وممن ضعف هذا الحديث من المتقدمين لهذه العلة: علي بن المديني، قال: لا يصح حديث عائشة، ولا حديث أبي هريرة
(6)
.
وأما ابن حبان فاعتمد قول الأعمش: ولا أُراني إلا سمعته منه، فحكم بصحة الوجهين عن الأعمش: سمعه عن رجل عن أبي صالح، ثم سمعه منه مباشرة، فصحح الحديث
(7)
، وهو أيضاً مسلك الشيخ الألباني
(8)
.
وأما الإمام البخاري فقال: حديث أبي صالح عن عائشة أصح من
(1)
ذكرهم الدارقطني في العلل 10/ 192 - 193،
(2)
الجرح والتعديل 1/ 81.
(3)
رواه أحمد عن عبد الرزاق، عن الثوري ومعمر، عن الأعمش به المسند 13/ 222 ح 7818، ورواه البيهقي من طريق القطان، عن الثوري، عن الأعمش به السنن الكبر 3/ 127.
(4)
التاريخ ـ برواية الدوري 3/ 497 رقم 2430.
(5)
معرفة السنن والآثار 1/ 451، وانظر: تلخيص الحبير 1/ 207.
(6)
علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.
(7)
وحكم كذلك بصحة رواية الحديث عن أبي صالح عن عائشة، وعن أبي صالح عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة موقوفاً وعنه مرفوعاً انظر: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 4/ 559.
(8)
إرواء الغليل 1/ 231 - 235.
حديث أبي صالح عن أبي هريرة
(1)
وهذا الذي رجحه المعلمي أيضاً
(2)
.
ورجح أبو زرعة، وأبو حاتم
(3)
رواية حديث أبي هريرة
(4)
.
وأما الدارقطني فحكم على الحديث بالاضطراب عن أبي صالح
(5)
، وكذلك أشار البزّار إلى أن أصحاب الأعمش اضطرابوا فيه
(6)
.
وفي إعلال الإمام أحمد لهذا الحديث بتدليس الأعمش عن أبي صالح دلالة على أن ما ذكره الحافظ الذهبي أن رواية الأعمش بالعنعنة عن شيوخه الذين أكثر عنهم كالنخعي، وأبي وائل، وأبي صالح السمان محمولة على الاتصال
(7)
، ليس ذلك على إطلاقه، وإنما يكون من حيث الغالب فقط، وإلا فقد يدلس عن هؤلاء كما اتضح في هذا المثال، وفيما سيأتي في روايته عن
أبي وائل، والله أعلم.
3.
قال أبو داود: "قلت لأحمد: هُشيم كان يقول في حديث المؤثر بن عفارة: حدثنا؟ قال: نعم، كان يقول أيضاً: حدثنا جبلة، حدثنا مؤثر بن عفارة، حدثنا عبد الله، وكان يرفعه ـ يعني حديث الشفاعة"
(8)
.
(1)
علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.
(2)
انظر تعليقه على موضح أوهام الجمع والتفريق 1/ 270 - 271.
(3)
رجحه أبو حاتم بناء على الموازنة بين الأعمش ونافع بن سليمان الذي روى حديث أبي صالح عن عائشة، وقد تعقب ذلك المعلمي بأن الصحيح في الموازنة هو بين الراوي المجهول الذي روى الأعمش الحديث عنه عن أبي صالح، وبين نافع بن سليمان الذي رواه عن أبي صالح عن عائشة انظر: تعليقه على موضح أوهام الجمع والتفريق 1/ 271.
(4)
علل الترمذي الكبير الموضع نفسه، علل ابن أبي حاتم 1/ 81.
(5)
علل الدارقطني 10/ 198.
(6)
كشف الأستار 1/ 181.
(7)
ميزان الاعتدال 2/ 415.
(8)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 430 رقم 1991.
لم أقف على ذكر الشفاعة في الحديث الذي رواه هُشيم بهذا الإسناد، وقد رواه الإمام أحمد
(1)
قال حدثنا هُشيم، أخبرنا العوام، عن جَبَلَة بن سُحَيم، عن مُؤثِّر بن عَفازَة، عن ابن مسعود، وليس فيه ذكر الشفاعة، والظاهر أنه هو الحديث المقصود في السؤال. ورواه ابن جرير
(2)
أيضاً من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا هُشيم بن بشير: قال: أخبرنا العوام، عن جَبلَة بن سُحَيْم عن مُؤثِّر وهو ابن عفارة العبدي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقيتُ ليلةَ الإسراء إبراهيم، وموسى، وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة وردّوا الأمر إلى إبراهيم، فقال إبراهيم: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى فقال موسى: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى قال عيسى: أما قيام الساعة لا يعلمه إلا الله، ولكنّ ربي قد عهِد إليّ بما هو كائنٌ دون وقتِها، عهِد إليّ أن الدَّجَّالَ خارجٌ، وأنه مُهبِطيَّ إليه، فذكر أن معه قصبتين فإذا رآني أَهلَكَهُ اللهُ قال: فيَذُوبُ كما يَذوب الرَّصاصُ حتى إن الحجر والشجر ليقول: يا مسلم، هذا كافرٌ فاقْتُلْه، فيُهلِكُهُمُ اللهُ ويَرجِع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فيستقبلُهُم يَأْجُوج ومَأْجُوج من كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلون، لا يأتون على شيءٍ إلا أكلوه، ولا يَمُرُّونَ على ماءٍ إلا شرِبوه، فيرجع الناسُ إليَّ فيَشكونَهم فأَدعوا اللهَ عليهم، فيُمِيتُهم حتى تجوَى الأرضُ من نَتْنِ رِيحِهِم فينْزِل المَطرُ فيجرُّ أجسادَهم فيُلقِيهم في البحر، ثم يَنسِف الجبالَ حتى تكونُ الأرضُ كالأدِيمِ، فعهِد إليّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعةَ منهم كالحامل المتمّ التي لا يَدري أهلُها متى تَفجؤُهم بوِلادِها ليلاً أو نهاراً"
(3)
، وفي كلا الطريقين تصريح
(1)
المسند 6/ 19 ح 3556.
(2)
جامع البيان 16/ 27 - 28.
(3)
وقد رواه ابن ماجه سنن ابن ماجه 2/ 1365 ح 4081، والحاكم المستدرك 2/ 384 وغيرهما عن يزيد بن هارون، عن العوام به، لكن ذكره موقوفاً على ابن مسعود. وقد ذكر الإمام أحمد أن هشيماً كان يرفع الحديث. وتابع هشيماً على رفعه أصبغ بن زيد عند الطبري في التفسير 17/ 91.
وفي الإسناد مؤثر بن عفارة لم يوثقه إلا العجلي معرفة الثقات 2/ 303، وابن حبان الثقات 5/ 463. وقال الحاكم: ليس بمجهول، روى عنه جماعة. ا. هـ. ولم أر له راوياً غير جبلة.
وقال عنه الذهبي: وُثّق الكاشف 2/ 300. وقال الحافظ ابن حجر: مقبول تقريب التهذيب 6988.
وصحح الحديث الحاكم، ووافقه الذهبي المستدرك، الموضع نفسه، والبوصيري مصباح الزجاجة 4/ 202. وضعفه شعيب الأرنؤوط بجهالة مؤثر انظر: تحقيقه على المسند 6/ 20.
هُشيم بالخبر من شيخه العوام بن حوشب. ويفهم من البحث عن التصريح بالسماع التحقق من نفي التدليس، فدل على أن الرواية بالعنعنة من المدلِّس من الأمور الدالة على وقوع التدليس، والله أعلم.
4.
قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: حديث ابن شُبرُمة: قال رجلٌ للشعبي: نذرت أن أطلّق امرأتي، لم يقل فيه هشيمٌ: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا"
(1)
.
وفي هذا الأثر توقف الإمام أحمد عن قبول ما رواه هُشيم بالعنعنة، وتوقف أيضاً عن الحكم بوقوع التدليس أو عدمه. وهذا موافق لما تقدم عنه أنه توقف عن الحكم بالاحتجاج برواية من عُرف بالتدليس إذا لم يقل: حدثني أو سمعت
(2)
.
ولكن يستفاد من هذا أن العنعنة ممن عرف بالتدليس علةٌ تُعلّ بها مروياتهم لا سيما إذا وجدت النكارة فيها، فيرجع سبب النكارة إلى العنعنة التي تقوي من احتمال وقوع التدليس في السند.
الوجه الثاني: رواية الحديث عن الراوي المدلِّس من وجه آخر بالتصريح بواسطة بينه وبين شيخه
.
من الأوجه التي ينكشف بها التدليس فيقع بسببها إعلال الحديث بالتدليس أن يروي الراوي المدلِّس حديثاً عن شيخه، ثم يروي الحديث من وجه
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 448 رقم 2039.
(2)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص 199 رقم 138.
آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ، فيدل على أنه لما رواه بدون واسطة فإنما رواه مدلَّساً، ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
1.
قال الإمام أحمد: "حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردَّ ابنته إلى أبي العاص بمهرٍ جديدٍ. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي في حديث حجاج: [ردّ زينب ابنته] قال: هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، ولم يسمعه الحجاجُ من عمرو بن شعيب، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي لا يُساوي حديثه شيئاً، والحديث الصحيح الذي رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّهما على النكاح الأول
(1)
"
(2)
.
وقد روى عبد الله مثل هذا في العلل
(3)
: قال أبي: "روى حجاج عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها بنكاح جديد ـ يعني زينب ابنته صلى الله عليه وسلم على أبي العاص بن الربيع. وسمعته يقول: قرأت في بعض الكتب عن حجاج قال: حدثني محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبي: ومحمد بن عبيد الله ترك الناس حديثه".
فقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث بتدليس حجاج بن أرطأة، وكان من الرواة الذين ذكرهم الإمام أحمد بالتدليس. قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن حجاج بن أرطأة فقال: "كان يُدلس، كان إذا قيل له: من حدثك، من
(1)
رواه أحمد المسند 1/ 369 ح 1876 من طريق ابن إسحاق، عن داود بن حُصين، عن عكرمة عن ابن عباس قال:"ردّ رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب ابنته على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يُحدث شيئاً". ورواه البيهقي في السنن الكبرى 7/ 187 من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني داود بن حصين به.
وقال الدراقطني أيضاً: حديث حجاج لا يثبت والصواب حديث ابن عباس السنن 3/ 253.
(2)
المسند 11/ 529 - 530.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 313 رقم 538 - 539.
أخبرك؟ قال: لا تقولوا: من أخبرك، من حدثك؟ قولوا: من ذكره؟ "
(1)
. وانكشف التدليس بروايته للحديث من وجه آخر عن شيخه عمرو بن شعيب بواسطة العرزمي، وهو متروك، فدل على أنه لما رواه بدون واسطة فقد دلّسه. ثم هو معارض بما هو أصح منه إسناداً وهو حديث ابن عباس الذي ذكره الإمام أحمد.
2.
قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: أفسدوا علينا حديث الزهري ـ يعني حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين". قالوا: عن سليمان بن أرقم، يعني قالوا: عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. فقيل لأحمد: فيصح عندك إفساد الحديث، وإنما رواه ـ يعني ابنُ أبي أُويس؟ قال: أحمد: أيوب ـ أعني
ابن سليمان كان أمثل منه. قال أبو داود: قد رواه أيوب بن سليمان بن بلال"
(2)
.
حديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" رواه يعقوب الفسوي
(3)
، والبخاري
(4)
، والبيهقي
(5)
كلهم من طريق يونس بن يزيد الأيلي. وأعله الإمام أحمد بالتدليس، وكشف التدليس بدليل رواية من روى الحديث بذكر الواسطة بين الزهري وأبي سلمة. ولما قيل له إن تلك الرواية جاءت من طريق إسماعيل بن أبي أويس
(6)
، فهل تعتمد روايته في
(1)
الكامل في ضعفاء الرجال 2/ 643.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 401 - 402 رقم 1897.
(3)
المعرفة والتاريخ 3/ 3.
(4)
التاريخ الأوسط 2/ 144.
(5)
السنن الكبرى 10/ 69.
(6)
رواية ابن أبي أويس أخرجها الفسوي المعرفة والتاريخ 3/ 4، والبخاري التاريخ الكبير 4/ 2، والتاريخ الأوسط 2/ 144 تعليقاً، والطبراني المعجم الأوسط 5/ 36 ح 4604، والبيهقي السنن الكبرى 10/ 69 كلهم من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر ابن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، كلاهما عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة، وذكره.
إعلال رواية من روى الحديث بدون ذكر الواسطة؟ فذكر رواية أيوب بن سليمان ابن بلال
(1)
، وأنه كان أحسن حالاً من ابن أبي أويس. وكلاهما رويا الحديث بواسطة سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة. فذكر أن هذه الرواية الكاشفة للتدليس قد أفسدت الحديث أي حيث أبانت علته.
ومما يؤيد ذلك أن عبد الله بن عثمان قد روى الحديث أنه من أصل يونس بن يزيد، عن ابن المبارك قال: أخبرني يونس، عن الزهري، وبلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت فذكره
(2)
، ومثلها رواية عنبسة بن خالد عن يونس عن ابن شهاب قال: حدث أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت
…
(3)
.
وممن قال إن الزهري لم يسمع هذا الحديث من ابن أبي كثير الإمام الترمذي فيما نقله عنه العلائي
(4)
.
3.
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: كنا لا نتوضأ من المَوطي. سمعت أبي يقول: هذا لم يسمعه هُشيم من الأعمش، ولا الأعمش سمعه من أبي وائل"
(5)
.
أعله الإمام بالتدليس في موضعين، الأول: هشيم عن الأعمش، والثاني:
(1)
أخرج روايته ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال 3/ 1103، والبيهقي السنن الكبرى الموضع نفسه، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال بمثل رواية ابن أبي أويس.
(2)
المعرفة والتاريخ 3/ 3.
(3)
السنن الكبرى 10/ 69. رواه من طريق يعقوب الفسوي. ووقع في المعرفة والتاريخ 3/ 4، مكان: حدث أبو سلمة: حدثني أبو سلمة، وهو تحريف شنيع محرف للمعنى.
(4)
انظر: جامع التحصيل ص 270.
(5)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 252 ح 2155.
الأعمش عن أبي وائل. أما في الموضع الأول فلم أقف على طريقة الإمام أحمد في كشف التدليس، إلا أن يحمل على مجرد عنعنة هُشيم. وأما في الموضع الثاني فقد نقل العلائي عن الإمام أحمد أنه قال:"كان الأعمش يدلس هذا الحديث، لم يسمعه من أبي وائل. قال مهنا: قلت له: وعمن هو؟ قال: كان الأعمش يرويه عن الحسن بن عمرو الفقيمي، وجعله عن أبي وائل، ولم يسمعه منه"
(1)
.
وقد أشار الدارقطني إلى القول بأن الأعمش أخذ هذا الحديث عن الحسن بن عمر الفقيمي عن أبي وائل، كما قال الإمام أحمد
(2)
.
ويؤيد ما ذكره الإمام أحمد أن ابن خزيمة قال: هذا الخبر له علة، لم يسمعه الأعمش عن شقيق، لم أكن فهمته في الوقت، ثم ذكر بإسناده رواية زياد بن أيوب ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، حدثني شقيق أو حدِّثتُ عنه عن عبد الله بنحوه"
(3)
.
والحديث أخرجه أبو داود
(4)
، وابن ماجه
(5)
، وابن خزيمة
(6)
، وغيرهم
(7)
، ولفظه:"كنا لا نتوضأ من موْطئ، ولا نكف شعراً ولا ثوباً".
وقد يقتصر الإمام أحمد على التنصيص بالواسطة من غير إسناد الرواية التي وردت بذكرها، ومثال ذلك:
4.
قال عبد الله: "قلت لأبي: علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد طلقها زوجها! قال: لا
(1)
جامع التحصيل ص 189 - 190.
(2)
علل الدارقطني 5/ 111.
(3)
صحيح ابن خزيمة 1/ 26.
(4)
سنن أبي داود 1/ 141 ح 204.
(5)
سنن ابن ماجه 1/ 331 ح 1041.
(6)
صحيح ابن خزبمة 1/ 25 ح 37.
(7)
وانظر: علل الدارقطني 5/ 110 - 111.
أُرى يحيى سمعه إلا من هلال بن أسامة، عن أبي ميمونة. قلت له: فأبو ميمونة هو الذي روى عنه قتادة؟ قال: أُراه"
(1)
.
حديث يحيى بن أبي كثير هذا رواه الإمام أحمد
(2)
، وابن أبي شيبة
(3)
، والطحاوي
(4)
، والبيهقي
(5)
كلهم من طريق وكيع بن الجراح، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة: [جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد طلقها زوجُها فأرادت أن تأخذ ولدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَهِما فيه". فقال الرجل: من يحول بيني وبين ابني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للابن: "اختر أيَّهما شِئت". فاختار أمَّه فذهبت به".
ونص الإمام أحمد على أن يحيى بن أبي كثير لم يسمعه من أبي ميمونة، ويرى أنه سمعه من هلال بن أُسامة، عن أبي ميمونة، ولم يسند رواية تصرح بذلك. والحديث معروف من رواية هلال بن أسامة عن أبي ميمونة من وجه آخر. أخرجه ابن جريج
(6)
، وابن عيننة
(7)
كلاهما عن زِياد بن سعد، عن هلال بن أسامة، عن أبي ميمونة به وفيه قصة.
وقد يكون مستند الإمام أحمد رواية معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير،
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 340 رقم 624.
(2)
المسند 15/ 480 ح 9881.
(3)
المصنف 4/ 180 ح 19121.
(4)
شرح مشكل الآثار ح 3088.
(5)
السنن الكبرى 8/ 3.
(6)
روى حديثه أبو داود السنن 2/ 708 ح 2277، والنسائي السنن الكبرى 3/ 381 ح 5690، وعبد الرزاق المصنف 7/ 157 ح 12611، والحاكم المستدرك 4/ 97، والبيهقي السنن الكبرى 8/ 3.
(7)
روى حديثه الترمذي الجامع 3/ 638 ح 1357، وابن ماجه السنن 2/ 787 ح 2351، وأحمد المسند 12/ 308 ح 7352، والحميدي 2/ 464 ح 1083. وانظر: إتحاف المهرة 16/ 1 ص 273.
عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، أخرج هذه الرواية الطحاوي
(1)
. وهلال بن أسامة هو هلال بن علي بن أسامة، وهو هلال بن أبي ميمونة، ومن قال هلال بن أسامة فإنما نسبه إلى جده، ومن قال ابن أبي ميمونة فإنما ذكر كنية أبيه، وقد روى عنه يحيى بن أبي كثير
(2)
، لكن معاوية بن سلام ذكر الحديث منقطعاً بين هلال وأبي هريرة.
وقد يكون ذكر الواسطة لا دلالة فيها على وقوع التدليس كما يقع مثله في الإرسال الخفي، وذلك إذا ورد التصريح بالسماع في الطريق الناقصة، فيقوى احتمال صحة الوجهين: وهو أنه رواه بواسطة عن شيخه، ورواه أيضاً مباشرة عنه. وقوة الاحتمال بحسب قوة الرواية التي فيها التصريح. والأمثلة الآتية وإن كان الظاهر أن الإمام أحمد أشار بوقوع التدليس فيها إلا أن في التحقيق احتمال صحة الوجهين فيها قائم.
5.
قال ابن هاني: سألته عن حديث جابر بن عبد الله: أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم خبزاً ولحماً فقال أبو عبد الله: محمد بن المنكدر لم يسمعه من جابر، إنما هو حديث محمد بن عقيل، عن جابر، رواه ابن المنكدر، عن ابن عقيل، عن جابر
(3)
.
هذه المسألة روى مثلها أبو داود عن الإمام أحمد، قال:"سمعت أحمد قال: قال سفيان ـ يعني ابن عيينة: سمعت ابنَ المنكدر يقول غير مرة: عن جابر قال: وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابراً فظننت أنه سمعه من ابن عقيل حديث جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل ثم صلى ولم يتوضأ"
(4)
.
(1)
شرح مشكل الآثار ح 3087.
(2)
انظر: تهذيب الكمال 30/ 343. وانظر: موضح أوهام الجمع والتفريق 2/ 520.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 219 رقم 2195.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 449 رقم 2043.
روى عدد كثير من الرواة هذا الحديث عن محمد بن المنكدر، عن جابر ابن عبد الله بالعنعنة
(1)
، واعتمد الإمام أحمد ما ذكره ابن عيينة عن ابن المنكدر أنه قال مرة: أخبرني من سمع جابراً كما ذكر ذلك في رواية أبي داود، وكذلك رواية من روى الحديث عنه بواسطة عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر، ولم أقف على من رواه من هذا الوجه. وقد روى ابن عقيل هذا الحديث عن جابر، رواه عنه ابن عيينة
(2)
، وزائدة بن قدامة
(3)
، وعبيد الله بن عمرو الرقي
(4)
، ومحمد بن إسحاق
(5)
. فحمل ابن عيينة قول ابن المنكدر: أخبرني من سمع جابراً على أنه ابن عقيل، إذ الحديث كان معروفاً به من وجه آخر، والظاهر أن الإمام أحمد تبعه على ذلك، وهو أيضاً موقف الشافعي من هذه الرواية فقد روى البيهقي من طريق حرملة عنه أنه قال:"لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر"
(6)
.
وذكر البيهقي أن ما قاله الشافعي محتمل، لأن صاحبي الصحيح لم يخرجا هذا الحديث من جهة ابن المنكدر عن جابر في الصحيح، مع كون إسناده على شرطهما، وذكر أنه قد روى حجاج بن محمد المصيصي، وعبد الرزاق، ومحمد بن بكر البرساني عن ابن جريج، عن ابن المنكدر قال: سمعت جابر
(1)
انظر: شرح معاني الآثار 1/ 65، صحيح ابن حبان الإحسان 3/ 418 - 420، السنن الكبرى 1/ 155.
(2)
سنن ابن ماجه 1/ 164 ح 489، مسند الحميدي 2/ 533 ح 1266، ومسند أبي يعلى 4/ 14 ح 2017.
(3)
شرح معاني الآثار 1/ 65.
(4)
الموضع نفسه.
(5)
المسند 23/ 264 ح 15020.
(6)
معرفة السنن والآثار 1/ 250.
ابن عبد الله فذكروا الحديث
(1)
، ورواه أيضاً عبد الرزاق، عن ابن جريج، ومعمر قالا: أخبرنا محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله
(2)
. قال البيهقي: فإن لم يكن ذكر السماع فيه وهماً من ابن جريج فالحديث صحيح على شرط صاحبي الصحيح. ا. هـ
(3)
. وعليه يصح رواية الوجهين ولا يكون فيه تدليس، ولم أقف على من نسب ابن المنكدر إلى تدليس.
6.
قال أبو بكر الأثرم: "سمعت أبا عبد الله ذكر حديث هُشيم عن ابن شُبرُمَة، عن الشعبي في الذي يصوم في كفارة ثم يُوسِر، فقال: ما أُراه سمعه من ابن شُبرُمة. قيل لأبي عبد الله عن أبي جعفر محمد بن عيسى إنه يقول فيه: قال أخبرنا ابن شُبرُمة، فكأنه تعجّب، ثم قال: هذا قال لي إنسان إنه لم يسمعه، وإنه عن رجل عن ابن شُبرُمة. قلت لأبي عبد الله: إنهم يغلطون عليه ويقولون في كثير من حديثه، إلا أن أبا جعفر عالم بهذا؟ فقال: نعم، أبو جعفر كيس فهم
(4)
.
لم أقف على هذا الأثر عن الشعبي.
وأشار الإمام أحمد إلى عدم سماع هُشيم هذا الأثر من شيخه عبد الله بن شُبرُمة الكوفي، مما يدل على أنه مدلَّس، واعتمد في إثبات ذلك على إخبار إنسان له بأن هشيماً رواه عن رجل عن ابن شُبرُمة، بالإضافة إلى عدم تصريح هُشيم بالسماع في سند الأثر، ولما أُخبر أن محمد بن عيسى بن الطباع رواه عن هُشيم بتصريحه بالخبر قبِل ذلك منه لثقته ومعرفته بحديث هُشيم، فقد كان يرجع إليه الحفاظ عند
(1)
الموضع نفسه. وانظر الرويات: سنن أبي داود 1/ 133 ح 191، المسند 22/ 345 ح 14453.
(2)
مصنف عبد الرزاق 1/ 165 ح 639. وقد خالف عبد الله بن المبارك عبد الرزاق عن معمر فرواه بالعنعنة كرواية أكثر الرواة عن ابن المنكدر الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 4/ 415 ح 1132.
(3)
الموضع السابق.
(4)
تهذيب الكمال 26/ 261 - 262، وانظر: تاريخ بغداد 2/ 395.
اختلافهم في حديث هُشيم. قال أبو حاتم: سمعت محمد بن عيسى يقول: اختلف عبد الرحمن بن مهدي وأبو داود في حديث لهُشيم فقال أحدهما: كان يُدلِّسه، وقال الآخر: بل هو سماع، فتراضيا بي فأخبرتهما بما عندي فاقتصرا عليه
(1)
.
7.
قال عبد الله: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال سهل بن سعد الأنصاري ـ وكان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه وذكر أنه ابن خمس عشرة سنة يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: حدثني أُبيّ بن كعب أن الفُتيا التي يفتون بها أن الماء من الماء رُخصة كان النبي صلى الله عليه وسلم رخّص فيها أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال. حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن غيْلان، قال: حدثنا رشدين بن سعد، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، قال: حدثني بعض من أرضى، عن سهل بن سعد الساعدي، أن أُبيّ بن كعب حدثه [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلها رُخصة للمؤمنين لقلة ثيابهم، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ـ يعني قوله:"الماء من الماء"
(2)
.
بين الإمام أحمد أن الحديث لم يسمعه الزهري من سهل بن سعد، لأنه لم يذكر الخبر، ورواية رشدين بن سعد
(3)
عن عمرو بن الحارث كشفت أن الحديث عند الزهري بواسطة رجل رِضى عنده عن سهل بن سعد، وقد تابع ابنُ وهب رشدين ابن سعد على هذه الرواية
(4)
. وقد سمع الزهري من سهل بن سعد جملة،
(1)
تهذيب الكمال 26/ 262.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 404 - 405 رقم 5778 - 5780. وانظر الحديث بالإسنادين في المسند 35/ 31 ح 21104، 35/ 32 ح 21105.
(3)
رشدين بن سعد المصري، قال عنه أحمد: أرجو أنه صالح الحديث، وضعفه في رواية حرب ابن إسماعيل، وقدم ابن لهيعة عليه. وكذلك لينه ابن معين، وضعفه جمع من الأئمة تهذيب الكمال 9/ 193 - 195، تهذيب التهذيب 3/ 278 - 279.
(4)
رواه أبو داود السنن 1/ 246 ح 214، ومن طريقه البيهقي السنن الكبرى 1/ 165، ورواه الطحاوي شرح معاني الآثار 1/ 57، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 1/ 113 تعليقاً.
وروايته للحديث عن سهل بن سعد بواسطة تدل على أن الرواية الأولى مدلَّسة، والزهري، وإن لم يرد عن الإمام التصريح بأنه كان يدلس، إلا أن صنيعه هذا يدل على أنه تدليس.
وقد وافق الإمام أحمد على عدم سماع الزهري لهذا الحديث من سهل بن سعد موسى بن هارون الحافظ قال: "كان الزهري إنما يقول في هذا الحديث: قال سهل ابن سعد، ولم يسمع الزهري هذا الحديث من سهل بن سعد، وقد سمع من سهل أحاديث إلا أنه لم يسمع هذا منه، رواه ابن وهب، عن عمرو بن الحرث، عن الزهري قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد أخبره، قال موسى: ولعمري إن كان الزهري سمعه من أبي حازم، فإن أبا حازم رِضَى، فقد روى أبو حازم هذا الحديث عن سهل بن سعد"
(1)
، وزاد على الإمام أحمد تعيين الواسطة
(2)
، وكذلك جزم الدارقطني بعدم سماع الزهري للحديث من سهل
ابن سعد
(3)
.
لكن ذكر الحافظ ابن حجر أن في رواية معمر عن الزهري قال: أخبرني سهل بن سعد، فيدفع القول بعدم سماع الزهري من سهل. أخرج هذه الرواية ابن خزيمة
(4)
من طريق محمد بن جعفر غندر عن معمر. وقال ابن خزيمة: في
(1)
التمهيد 23/ 107.
(2)
وهذا الحديث الذي ذكره موسى بن هارون الذي فيه تعيين الواسطة قد رواه أبو داود 1/ 217 ح 215، وابن خزيمة 1/ 113 تعليقاً، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان والبيهقي 1/ 166 كلهم من طريق أبي غسان محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال حدثني أبي، فذكره وانظر: كلام ابن حبان في الإحسان 3/ 447.
والحديث أعله أبو حاتم وذكر أنه دخل على راويه حديث في حديث علل ابن أبي حاتم 1/ 41.
(3)
انظر: تلخيص الحبير 1/ 135.
(4)
صحيح ابن خزيمة 1/ 113.
القلب من هذه اللفظة التي ذكرها محمد بن جعفر ـ أعني قوله: أخبرني سهل ابن سعد ـ وأهاب أن يكون هذا وهماً من محمد بن جعفر أو ممن دونه
(1)
. ا. هـ. ويؤيده أن عبد الرزاق رواه عن معمر عن الزهري بالعنعنة، وليس فيه التصريح بالخبر
(2)
، وكذلك رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى
(3)
، وعبد الواحد بن زياد
(4)
كلاهما عن معمر.
ومما قد يدل على سماع الزهري من سهل رواية ابن المبارك، عن يونس ابن يزيد، عن الزهري قال: حدثني سهل بن سعد. قال ذلك عن ابن المبارك معلى بن منصور
(5)
، وأبو كريب محمد بن العلاء
(6)
. وخالفهما علي بن إسحاق
(7)
، وأحمد بن منيع
(8)
، وحبان بن موسى
(9)
، ويحيى الحماني
(10)
، والحسن ابن عرفة
(11)
، كلهم رووه عن ابن المبارك بالعنعنة. والثلاثة الأولون كلهم ثقات
(12)
، وهم أكثر عدداً من اللذين رويا التصريح.
(1)
وقد كان رواية أهل البصرة عن معمر أوهام كما تقدم ص 468.
(2)
مصنف عبد الرزاق 1/ 248 ح 951.
(3)
مصنف ابن أبي شيبة 1/ 86 ح 952.
(4)
المعجم الكبير 6/ 121 ح 5696.
(5)
رواه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه 1/ 42 ح 18، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق 1/ 464.
(6)
رواه بقي بن مخلد على ما ذكره ابن حجر تلخيص الحبير 1/ 135، إتحاف المهرة 1/ 208.
(7)
وحديثه عند أحمد المسند 35/ 29 ح 21101.
(8)
حديثه عند الترمذي 1/ 184 ح 111، وابن خزيمة 1/ 113
(9)
صحيح ابن حبان 1/ 447 ح 1173 الإحسان.
(10)
شرح معاني الآثار 1/ 57.
(11)
عند الخطيب في تاريخ بغداد 1/ 352.
(12)
انظر: تقريب التهذيب 115، 1085، 4721.
الوجه الثالث: أن يذكر الراوي المدلِّس أنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي رواه عنه
.
ومما يكشف التدليس تصريح الراوي المدلِّس بأنه لم يسمع الحديث من شيخه الذي رواه عنه، سواء قال ذلك لما أُوقف عنده أو قاله من تلقاء نفسه.
ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
1.
قال أبو داود: "ثنا أحمد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، قال: كان ابنُ جُريج أخبرنا عنه ـ يعني عن كثير، قال: ثنا كثير، عن أبيه حديث الطواف والصَّلاة فسألته فقال: ليس من أبي سمعته ولكن من بعض أهلي، عن جدي".
حديث ابن جريج رواه النسائي
(1)
، وابن ماجه
(2)
، وأحمد
(3)
وغيرهم من طرق عن ابن جريج قال: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه، عن المطلب بن أبي وَداعة قال:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ من أسبوعه أتى حاشية الطواف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطُّوَّاف أحد". فسأل سفيان بن عيينة كثير ابن كثير عن الحديث فذكر الواسطة وانكشف تدليسه. ورواية ابن عيينة هذه في مسند الإمام أحمد
(4)
أيضاً
(5)
.
(1)
سنن النسائي 2/ 67 ح 757.
(2)
سنن ابن ماجه 2/ 986 ح 2958.
(3)
المسند 45/ 219 ح 27244.
(4)
المسند 45/ 218 ح 27243.
(5)
وأما ما ورد عن الإمام أحمد من الاحتجاج برواية كثير بن كثير هذه كما ذكر ذلك ابن قدامة عن الأثرم أنه قال: قلت لأحمد: الرجل يصلي بمكة ولا يستتر بشيء؟ فقال قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى وليس بينه وبين الطوَّاف سترة. قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها، كأن مكة مخصوصة. وذلك لما روى كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده المطلب قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيال الحجر والناس يمرون بين يديه رواه الخلال بإسناده. ا. هـ المغني 3/ 89، فهو محمول على ما عرف عنه من الاحتجاج بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب غيره انظر: المسودة ص 246 - 247.
2.
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: "قال يزيد لم يسمع سليمان التيمي حديث سجود النبي صلى الله عليه وسلم في الظهر من أبي مِجلِز"
(1)
.
وقال في موضع آخر: "سمعت أحمد سئل عن الإمام يقرأ في الظهر السجدة؟ قال: لا، فذُكر له حديثُ ابن عمر؟ فقال: لم يسمعه سليمان التيمي من أبي مِجلِز، بعضهم لا يقول فيه: عن ابن عمر"
(2)
.
وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده
(3)
، عن يزيد بن هارون أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابُه أنه قد قرأ:"تنزيل السجدة". قال: ـ القائل سليمان التيمي ـ لم أسمعه من أبي مِجلِز. ا. هـ. قال ذلك سليمان من غير أن يوقفه أحد. فاحتج الإمام أحمد بذلك على وقوع التدليس في السند وأعلّ الحديث بذلك، حتى إنه روي عنه في موضع آخر أنه قال في الحديث: ليس له إسناد
(4)
.
وقد رواه معتمر بن سليمان، عن أبيه فذكر الواسطة. رواه أبو داود
(5)
، والبيهقي
(6)
من طريق معتمر، عن أبيه، عن أمية، عن أبي مجلز، عن ابن عمر. وذكر ابن حجر أن أبا داود ذكر في رواية الرملي عنه أن أمية هذا لا يعرف، ولم يذكره إلا المعتمر
(7)
، وذكر الدارقطني أنه روي عن سليمان، عن أبي أمية، عن أبي مجلز،
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 447 رقم 2037.
(2)
المصدر نفسه ص 57 رقم 267.
(3)
المسند 9/ 390 ح 5556، وكذلك رواه ابن أبي شيبة بالإسناد نفسه مصنف ابن أبي شيبة 1/ 381 ح 4386.
(4)
فتح الباري لابن رجب 4/ 444.
(5)
السنن 1/ 507 ح 807.
(6)
السنن الكبرى 2/ 322.
(7)
تهذيب التهذيب 1/ 373.
قال: ويشبه أن يكون عبد الكريم أبو أمية، وقال ابن رجب: كذا قاله إبراهيم ابن عرعرة
(1)
. وذكر ابن حجر عن الدارقطني أنه قال: إن كان ذكر الواسطة محفوظاً فالمراد به عبد الكريم بن أبي المخارق، فإنه يكنى أبا أمية، وهو بصري
(2)
.
وأما قول الإمام أحمد أن بعضهم لا يقول فيه: عن ابن عمر، فإشارة إلى رواية معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: بلغني عن أبي مجلز أن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. أخرجه ابن أبي شيبة
(3)
.
الوجه الرابع: تنصيص الإمام على عدم سماع الراوي لحديث معينٍ من شيخه
.
وهو وجه يكشف تدليس الراوي المدلس ويتم به إعلال حديثه بالتدليس، وذلك بأن يذكر الإمام حديثاً من حديث الراوي المدلس فينص على أنه لم يسمعه من شيخه. ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
1.
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: حدثنا هُشيم، عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه أن رجلاً قال: يا رسول الله، وقد قال هُشيم: قلت: يا رسول الله، مُرني بأمر الإسلام أمراً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال أبي: لم يسمعه هشيم من يعلى بن عطاء"
(4)
.
وهذا الحديث أخرجه أحمد
(5)
من طريق هشيم، وكذلك البيهقي
(6)
من طريق النفيلي، والخطيب
(7)
من طريق محمد بن أبي الدنيا، وعبيد الله بن عمر
(1)
فتح الباري لابن رجب الموضع نفسه.
(2)
تهذيب التهذيب 1/ 374.
(3)
مصنف ابن أبي شيبة 1/ 381 ح 4385.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 256 رقم 2171.
(5)
المسند 32/ 170 ح 19431.
(6)
شعب الإيمان 4/ 238 ح 4924.
(7)
تاريخ بغداد 2/ 370.
الجشمي، كلهم عن هشيم عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي عن أبيه سفيان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي "أن رجلاً قال: يا رسول الله ـ وقد قال هشيم: قلت: يا رسول الله ـ مرني في الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحداً بعدك قال: "قل آمنتُ بالله ثم استقِم". قال: قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه. وهذا لفظ أحمد، وكلهم رووه عن هشيم بالعنعنة عن يعلى بن عطاء. فنص الإمام أحمد على أن هُشيماً لم يسمعه من شيخه يعلى، وقد سمع منه أحاديث. قال عبد الله: قال أبي: قال هشيم: فارقنا يعلى بن عطاء سنة عشرين ومائة
(1)
. وقال يحيى بن معين: قد سمع هشيم من يعلى بن عطاء، وكان صغيراً جداً
(2)
.
والحديث ثابت عن يعلى بن عطاء، حدث به شعبة عنه
(3)
فتدليس هشيم هنا لا يضر، ولعله أخذه عن ثقة عن يعلى بن عطاء.
2.
قال عبد الله: سمعت أبي يقول في حديث هُشيم عن أبي بِشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذراري المشركين. قال أبي: لم يسمعه هُشيم من أبي بشر
(4)
.
حديث هُشيم عند أحمد
(5)
، والنسائي
(6)
، وأبي يعلى
(7)
، ولم يصرح هشيم بالتحديث. وأبو بِشر جعفر بن إياس بن أبي وحْشية من شيوخ هشيم، وأخرج
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 114 رقم 4469.
(2)
التاريخ عن ابن معين ـ برواية الدوري 4/ 386 رقم 4914.
(3)
رواه من طريق شعبة النسائي السنن الكبرى 6/ 458 ح 11490، وأحمد المسند 24/ 142 ح 15417، والبخاري في "التاريخ الكبير" 5/ 100.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 270 رقم 2219.
(5)
المسند 3/ 343 ح 1845
(6)
سنن النسائي 4/ 59 ح 1951.
(7)
مسند أبي يعلى 4/ 362 ح 2479.
الجماعة حديثه عنه
(1)
، وتنصيص الإمام أحمد على عدم سماع هُشيم لهذا الحديث منه يدل على أن هشيماً قد دلّسه، ولم أقف على الواسطة بينهما.
والحديث ثابت من طرق أخرى عن أبي بشر؛ رواه عنه شعبة
(2)
، وأبو عوانة
(3)
.
3.
وقال أبو داود: وسمعت أحمد ذكر حديث هُشيم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل يوم خيْبر للفرس سهمين وللرجل سهماً. قال لم يسمعه يعني هشيم"
(4)
.
وتقدم أن الإمام أحمد أشار إلى أن هُشيماً دلّسه تدليس العطف عن عبيد الله ابن عمر العمري
(5)
، وقد سمعه من الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ولما روى الإمام أحمد الحديث في المسند قرن هُشيماً في الإسناد بأبي معاوية عن عبيد الله العمري من أجل التدليس في رواية هشيم
(6)
.
والأمثلة في هذا النوع كثيرة جداً في الأحاديث والآثار، وقد ذكر عبد الله ابن أحمد بن حنبل عن أحمد جملة من روايات هشيم عن بعض شيوخه هي من هذا القبيل
(7)
.
وقد يكون نفي السماع خفياً جداً، وذلك بأن يكون الراوي المدلس قد سمع الحديث جملة من شيخه إلا جزءاً منه، فينص الإمام أحمد وينبه على الجزء الذي لم يسمعه المدلس. مثال ذلك:
(1)
تهذيب الكمال 6/ 7.
(2)
المسند 5/ 251 ح 3165، 5/ 364 ح 3367.
(3)
سنن أبي داود ح 4711، والمسند 5/ 161 ح 3034.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 425 رقم 1970.
(5)
انظر: ص 601.
(6)
المسند 8/ 11 ح 4448.
(7)
انظر: العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 245 - 284.
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: لم يسمع هشيم هذه الكلمة من يعلى ابن عطاء في حديث جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه [أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الغداة فانحرف]
(1)
.
روى حديث يزيد بن الأسود عدد من الرواة عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: [صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر بمنى فانحرف فرأى رجلين من وراء الناس، فدعا بهما فجيء بهما تُرعد فرائصُهما فقال:"ما منعكما أن تُصلِّيا مع الناس؟ " فقالا: قد كنا صلينا في الرحال، قال:"فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام فليصلها معه، فإنها له نافلة"، ومن هؤلاء الرواة غير هشيم، شعبة
(2)
، والثوري
(3)
، وشريك
(4)
، وهشام بن حسان
(5)
، وأبي عوانة
(6)
، وحماد بن سلمة
(7)
وغيرهم.
ورواه الإمام أحمد من حديث هشيم، فلم يذكر قوله: فانحرف، وذكر في هذا السؤال أن قوله في الحديث: فانحرف، لم يسمعه هشيم من يعلى. قال أحمد في المسند
(8)
بعد أن أورد الحديث: "وربما قيل لهشيم: فلما قضى صلاته يحرف، فيقول: يحرف
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 268 رقم 2213.
(2)
وحديثه عند أبي داود ح 575، وأحمد المسند 29/ 23 ح 17478، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 3/ 67 ح 1638، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 4/ 434 ح 1565، والطحاوي شر معاني الآثار 1/ 363.
(3)
وحديثه عند عبد الرزاق المصنف 2/ 421 ح 3934، وأحمد المسند ح 17475، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة الموضع نفسه.
(4)
وحديثه عند ابن خزيمة الموضع نفسه.
(5)
وحديثه عند عبد الرزاق الموضع نفسه، وابن خزيمة الموضع نفسه، والطبراني المعجم الكبير 22/ 232 ح 609.
(6)
وحديثه عند أحمد 29/ 21 ح 17476.
(7)
وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير 22/ 233 ح 612.
(8)
المسند 29/ 18 ح 17474.
عن مكانه" وهذا اللفظ رواه الثوري في حديثه، وكذلك أبو عوانة، ووقع أيضاً عند بعض من رواه عن هشيم منهم أحمد بن منيع
(1)
، وأبو الربيع
(2)
، وأبو بكر ابن أبي شيبة
(3)
. ولم يذكر ذلك الإمام أحمد كما تقدم، وكذلك زياد بن أيوب
(4)
، ومحمد الدولابي
(5)
كلهم عن هشيم. فنصّ الإمام أحمد على أن هذه الكلمة لم يسمعها هشيم من يعلى، ومن القرائن المؤيدة لذلك كون بعض من روى الحديث عن هشيم لم يذكرها، وكأنه أخذها عن الحاضرين الذين ذكرهم الإمام أحمد أنهم ربما قالوا له:[فلما قضى صلاته يحرف]، وهذا من دقائق العلل نبه عليه الإمام أحمد رحمه الله.
الوجه الخامس: تنصيص الإمام على عدم سماع المدلِّس من شيخه إلا أحاديث معينة
.
وذلك بأن ينص الإمام على أن أحاديث معينة هي المسموعة للراوي المدلِّس من شيخه، فيحكم على ما زاد عنها بأنها مدلَّسة. ومن ذلك:
1.
أحاديث هشيم عن الزهري: قال أبو طالب: "قال أبو عبد الله: ما صحّ من سماع هشيم عن الزهري أربعة أحاديث يقول: حدثنا الزهري، الحديث الطويل حديث الرجم
(6)
، وحديث صفية، وحديث المجادلة
(7)
، وحديث ابن عمر:[ما استيسر من الهدي]
(8)
، وما كان غير ذلك يقول: لا أدري من سفيان بن حسين
(1)
حديثه عند الترمذي 1/ 425 ح 219.
(2)
حديثه عند البيهقي السنن الكبرى 2/ 301.
(3)
مصنف ابن أبي شيبة 2/ 75 ح 6642.
(4)
وحديثه عند النسائي السنن 2/ 112 ح 857، وابن خزيمة الموضع نفسه.
(5)
وحديثه عند ابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 4/ 434 ح 1565.
(6)
انظره في: المسند 1/ 327 ح 197، وفيه تصريح هشيم بالخبر من الزهري.
(7)
لم أقف عليهما.
(8)
انظره في تفسير الطبري 2/ 218، وهو تفسير قوله تعالى:{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196].
سمعته أو الزهري. قلت: يقولون إن شعبة رضي بكتابه؟ قال: لا، ليس هذا بشيء إنما سمع بالموسم فنسي"
(1)
.
فحكم الإمام أحمد على جملة من الأحاديث رواها هشيم عن الزهري بأنه لم يسمعها منه، وهذه الرواية تدل على أن الواسطة ببينه وبين الزهري هو سفيان ابن حُسين. قال عنه أحمد: ليس بذاك، في حديثه عن الزهري شيء
(2)
. وقال ابن معين: حديثه عن الزهري قط ليس بذاك، إنما سمع من الزهري بالموسم
(3)
. ومن تلك الأحاديث:
أ. قال ابن هاني: سألته عن حديث هشيم، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". قال لي أبو عبد الله: لم يسمعه هُشيم من الزهري، وكتبته"
(4)
.
ورواه عبد الله قال: "سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من الزهري حديث علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتوارث أهل ملتين شتَّى"، قال أبي: وقد حدثنا به هُشيم"
(5)
.
هذا الحديث أخرجه الترمذي
(6)
، والنسائي
(7)
وغيرهما. وقد روى الحديث سفيان بن عيينة، عن الزهري
(8)
، وتابع ابنَ عيينة غيرُ واحدٍ من
(1)
المعرفة والتاريخ 2/ 201. وانظر: شرح علل الترمذي 2/ 675.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 50 رقم 28.
(3)
الجرح والتعديل 4/ 228.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 209 رقم 2140.
(5)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 265 رقم 2202.
(6)
الجامع 4/ 423 ح 2107.
(7)
السنن الكبرى 4/ 82 ح 6382.
(8)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 6/ 283 ح 31437، والدارمي السنن 2/ 467 ح 3001.
أصحاب الزهري
(1)
، ولذلك حكم عليه الترمذي بأنه: حسن صحيح.
لكن أشار ابن عبد البر إلى أن هشيماً تفرد برواية الحديث بلفظ: لا يتوارث أهل ملتين شتّى، وقال: هشيم ليس في ابن شهاب بحجة
(2)
.
ب. قال عبد الله: سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من الزهري حديث سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان يرفع يديه إذا كبّر".
أخرج هذا الحديث ابن أبي شيبة
(3)
، ولفظه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح وإذا ركع وإذا رفع رأسه ولا يجاوز بهما أذنيه". والحديث مشهور للزهري، لكن قوله: ولا يجاوز بهما أذنيه لم أره لأحد من أصحاب الزهري، وإنما قالوا: يرفعهما حذوَ منكبيه
(4)
. وقد رواه هُشيم، عن الفضل بن عطية، عن سالم، عن أبيه به
(5)
، ولم أر لفضل بن عطية رواية عن الزهري، وقد يكون هشيم حمل حديث الزهري على حديث الفضل بن عطية لعدم ضبطه لحديث الزهري، والعلم عند الله.
2.
أحاديث هُشيم عن جابر الجُعفي: قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: هذان الحديثان سمعهما هُشيم من جابر الجُعفي، وكل شيء حدّث عن جابر
(1)
ذكرهم ابن عبد البر 9/ 162.
(2)
التمهيد 9/ 171.
والذين رووا هذا الحديث عن هشيم بهذا اللفظ: هم أسد بن موسى عند الطحاوي شرح معاني الآثار 3/ 266، ويحيى الحماني عند الطبراني المعجم الكبير 1/ 163 ح 391، ومسعود بن الجويرية، وعلي بن حجر كلاهما عند النسائي السنن الكبرى 4/ 82 ح 6381، 6382، والحسين بن سوار عند ابن عبد البر الموضع نفسه.
(3)
مصنف ابن أبي شيبة 1/ 212 ح 2428.
(4)
انظر: صحيح البخاري 2/ 218 - مع فتح الباري مثلاً.
(5)
المعجم الكبير 12/ 323 ح 13243.
مدلّس إلا هذين:
حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم، قال: أخبرنا جابر الجعفي، عن أبي جعفر، عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقِدرٍ يغلي فأخذ منها عرقاً أو كتفاً فأكله ثم صلى ولم يتوضأ".
حدثني أبي، قال: حدثنا هُشيم، عن جابر ـ قال: أبي وهو مما سمعه منه ـ عن الحسن بن مسافر، عن أبي سبرة النخعي قال:"لما قدم عمر الشَّام أُتي بطعام فلما فرغ أُتي بثوب كتّان أو قال: سابري، فقالوا: امسح به يدك، فقال: إن كان ذلك ليكفي رجلاً من المسلمين، وأبى أن يمسح به يده، قال: فلما حضرت الصلاةُ صلى ولم يتوضأ"
(1)
.
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قيل له: "هُشيم سمع من جابر الجعفي؟ قال: سمع منه حديثيْن فقط، ولكن كان يحدّث عنه مراسيل، أحد الحديثين حديث ابن عباس في الكتف"
(2)
.
وقال الخطيب: قد دلّس هُشيم عن جابر الجُعفي وعن غيره من شيوخه أحاديث كثيرة
(3)
.
3.
أحاديث هُشيم عن أيوب السختياني: قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: لم يسمع هُشيم من أيوب إلا حديثاً واحداً"
(4)
. وأما ابن معين فقال: قد سمع منه حديثاً أو حديثين
(5)
.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 250 رقم 2149 - 2150.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 452 رقم 2057.
(3)
تاريخ بغداد 14/ 86 - 87.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 210 رقم 4907.
(5)
التاريخ عن ابن معين ـ برواية الدوري 4/ 410 رقم 5109.
4.
الحكم بن عُتيبة عن مِقسم: تقدم أن الإمام أحمد قال: لم يصحّ سماعُ الحكم من مِقسم إلا في أربعة أحاديث. قال عبد الله: "سمعت أبي يقول الذي يصحح الحكم عن مقسم أربعة أحاديث: حديث الوتر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُوتر، وحديث عزيمة الطلاق عن مقسم عن ابن عباس في عزيمة الطلاق، والفي الجماع
(1)
، وعن مقسم عن ابن عباس أن عمر قنت في الفجر، هو حديث القنوت، وأيضا عن مقسم رأيه في محرم أصاب صيداً قال: عليه جزاؤه، فإن لم يكن عنده قُوِّم الجزاء دراهم ثم تُقوَّم الدراهمُ طعاماً. قلت: فما روي غير هذا؟ قال: الله أعلم يقولون هي كتاب، أرى حجاجاً روي عنه عن مِقسم عن ابن عباس نحوا من خمسين حديثاً، وابن أبي ليلى يغلط في أحاديث من أحاديث الحكم، وسمعت أبي مرة يقول: قال شعبة هذه الأربعة التي يصححها الحكم سماع من مقسم"
(2)
. وقد روي عن أحمد زيادة حديث آخر، وهو حديث الحجامة في الصيام
(3)
.
فهذا قد عدّه بعض المحدثين نوعا من أنواع التدليس، وهو أن يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه سماعاً وإنما أخذها من صحيفة وجادة، فقد اعتبر ابن حبان رواية الحكم بن عتيبة، وليث بن أبي سليم، وابن أبي نجيح، وابن جريج، وابن عيينة تفسير مجاهد عنه تدليساً، لأنهم لم يسمعوه وإنما نسخوه من كتاب القاسم بن أبي وبرة الذي سمعه من مجاهد
(4)
.
(1)
كذا في الأصل وفي الطبعة التي حققها محمد حسام بيضون. ولعل الصواب: الفيء في الجماع، إشارة إلى كفارة من أتى الحائض، فهو من الأحاديث الأربعة كما ذكرها القطان عن شعبة، وعنه أخذها الإمام أحمد انظر: المعرفة والتاريخ 2/ 584، جامع التحصيل ص 167.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 536 رقم 1269.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 93 رقم 4333، مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 446 رقم 2030، وتقدم، انظر: ص 508.
(4)
مشاهير علماء الأمصار 1/ 164، وانظر: منهج المتقدمين في التدليس ص 64.
وقد نُسب الحكم بن عتيبة إلى التدليس
(1)
، ولم أقف عن الإمام أحمد على التصريح بشيء من ذلك في الحَكم، إلا ما ذكره هنا مما هو عند التحقيق صورة من صور التدليس.
الوجه السادس: الإعلال بالنكارة وسببها التدليس
.
إذا وقعت النكارة في الحديث الذي ظاهر سنده الصحة فإن عادة النقاد أن يُرجعوا علة النكارة إلى علة قادحة إن وجدت، وإلا ذكروا علة محتملة لأن تكون قادحة وإن لم يكن وجودها محققاً، وقد سبق كلام المعلمي في هذا في الكلام حول الإعلال بكذب الراوي
(2)
. وهذا المسلك قد سلكه الأئمة في إعلال حديث المدلس حيث يروي الحديث بدون تصريح بالإخبار من شيخه في السند ووقعت النكارة في الحديث إما بالغرابة المستنكرة أو المخالفة أو غير ذلك فيعللون الحديث بالتدليس المحتمل من المدلس، ويرونه منشأ علة النكارة. ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
1.
قال مهنا: قلت لأحمد ويحيى: حدثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة معاوية بن أبي سفيان". فقالا جميعاً: ليس بصحيح، وليس يُعرف هذا الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي روّاد من عبيدالله شيئاً، ينبغي أن يكون عبد المجيد دلّسه، سمعه من إنسان فحدّث به
(3)
.
(1)
انظر: جامع الحصيل ص 106، وتعريف أهل التقديس ص 58.
(2)
قال المعلمي: إذا استنكر الأئمة المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا له علة قادحة مطلقاً حيث وقعت أعلوه بعلة ليست قادحة مطلقاً، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر
…
انظر: مقدمته على كتاب "الفوائد المجموعة" ص 11 - 12.
(3)
المنتخب من العلل للخلال ص 227 رقم 135.
ذكره ابن الجوزي
(1)
، ونقل رواية مهنا هذه. ووجه النكارة كما ذكره أحمد وابن معين كون الحديث ليس معروفاً من أحاديث عبيد الله العمري، وهو حافظ مكثر قد جمع حديثه وعُرف، فيستغرب أن لا يرويه إلا عبد المجيد بن أبي رواد، والإسناد ظاهره الصحة وعبد المجيد لما كان ثقة عندهما
(2)
، لم يُلزقا النكارة به، بل ألزقاها بالرجل المجهول الذي هو الواسطة بينه وبين عبيد الله العمري.
فالشاهد أنهما جعلا علة الحديث التدليس المحتمل من عبد المجيد لأنه لم يسمع من عبيد الله، فالمحتمل أن يكون سمعه من إنسان غير ثقة عن عبيد الله فدلّسه عنه. ولا شك أن عبد المجيد قد عاصر عبيد الله العمري، فقد روى عن أقرانه مثل ابن جريج، ومعمر
(3)
، لكن نص أحمد وابن معين على أنه لم يسمع من عبيد الله العمري شيئاً، فروايته عنه مرسلة، وأطلقا عليها اسم التدليس.
وقد اعتمد العلائي هذه الرواية عن أحمد في عدّ عبد المجيد من المدلسين
(4)
، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
ونكارة متن الحديث واضحة من وجه آخر، فإن المعروف في رواية هذا المتن:"لكل أمة فرعون، وفرعون هذه الأمة أبو جهل". هكذا رواه الشاشي
(5)
من طريق الطيالسي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود به مرفوعاً. وأبو عبيدة وإن كان لم يسمع من أبيه لكن رواياته عنه صحيحة كما قال ابن رجب
(6)
.
(1)
العلل المتناهية 1/ 280.
(2)
وثقه كل من أحمد ويحيى بن معين تهذيب الكمال 18/ 273.
(3)
انظر: تهذيب الكمال الموضع نفسه.
(4)
انظر: جامع التحصيل ص 107.
(5)
مسند الشاشي 2/ 331.
(6)
فتح الباري لابن رجب 5/ 60.
2.
قال عبد الله: حَدّثتُ أبي بحديث المُحاربي عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن التَّشبيه في الصَّلاة، فقال:"لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً". فأنكره أبي واستعظمه، ثم قال أبي: المحاربي، عن معمر؟ قلت: نعم، فأنكره جداً. والحديث حدثني به أبو الشعثاء، وأبو كريب قالا: حدثنا المحاربي. قال أبو عبد الرحمن عبد لله بن أحمد: ولم نعلم أن المُحاربي سمع من معمر شيئاً، وبلغنا أن المحاربي كان يدلّس
(1)
.
هذا الحديث الذي ذكره عبد الله للإمام أحمد رواه ابن ماجة
(2)
عن أبي كُريب، عن المُحاربي به. وهذا الإسناد ظاهره الصحة. قال ابن حجر:"رواته ثقات لكن سُئل أحمد عنه فقال: إنه منكر"
(3)
. ووجه النكارة أنه جعله من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، والمعروف أن هذا الحديث يرويه الزهري عن ابن المسيب مرسلاً، وعن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد مسنداً، هكذا رواه الجماعة
(4)
إلا الترمذي من طرق عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به.
وأرجع الإمام أحمد العلة إلى رواية المُحاربي عن معمر، وأوضح ذلك عبد الله بأن المحاربي لا يُعلم سماعُه من معمر، وكان يدلس، أي فربما أخذه عن إنسان غير ثقة فدلسه عن معمر. ويؤيد هذا التوجيه أن معمراً يروي الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هِلال، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شبَّه على أحدكم الشيطانُ وهو في صلاته فقال: أحْدثتَ، فليقل في نفسه: كَذَبتَ، حتى يسمعَ صوتاً بأذنيْه أو يجد ريحاً بأنفه، وإذا صلى
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 363 رقم 5597.
(2)
سنن ابن ماجة 1/ 171 ح 514.
(3)
فتح الباري 1/ 237.
(4)
صحيح البخاري 1/ 237 ح 137 - مع فتح الباري، صحيح مسلم 1/ 276 ح 361، سنن أبي داود 1/ 122 ح 176، سنن النسائي 1/ 98 ح 160، سنن ابن ماجه 1/ 171 ح 513.
أحدكم فلم يَدرِ أزاد أم نقص فليسجد سجدتيْن وهو جالس"
(1)
، فلعل هذا الذي حدّث المحاربي بالحديث لم يضبط حديث معمر فجعله عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي سعيد، فأخذه عنه المحاربي ورواه عن معمر بإسقاط الواسطة.
فالشاهد أن النكارة في هذا الإسناد راجعة إلى تدليس محتمل من المحاربي في روايته عن معمر.
3.
قال عبد الله: ذكَر أبي حديثَ المُحاربي، عن عاصم، عن أبي عثمان حديث جَرِير: تُبْنى مدينةٌ بين دِجْلَة ودُجَيْل، فقال: كان المُحاربي جليساً لسيف بن محمد ابن أخت سفيان، وكان سيف كذّاباً، فأظن المحاربي سمع منه. قيل له: إن عبد العزيز بن أبان رواه عن سفيان، فقال: كل من حدّث به فهو كذاب ـ يعني عن سفيان. قلت له: إن لوَيْنا حدثناه عن محمد بن جابر، فقال: كان محمد ربما أَلحَق في كتابه، أو يُلحِق في كتابه ـ يعني الحديث. وقال هذا حديث ليس بصحيح أو قال كذب"
(2)
.
هذه المسألة تقدم ذكرها في الكلام عن الإعلال بكذب الراوي، والشاهد منه هنا أن هذا الحديث الذي حكم عليه الإمام أحمد بأنه كذب ظاهر إسناده الصحة، وأرجع سبب نكارة المتن إلى احتمال تدليس المحاربي في روايته للحديث عن عاصم، وأنه يحتمل أن يكون سمع الحديث من سيف بن محمد ـ وكان كذاباً ـ فدلسه عن عاصم وأسقط سيف بن محمد.
4.
قال ابن رجب في حديث رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي: حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يُسيء
(1)
أخرجه عبد الرزاق المصنف 1/ 140 ح 533، وعنه أحمد المسند 17/ 423 ح 11320، وابن حبان الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 6/ 389 ح 2666.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 370 رقم 2644.
في صلاته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحسن صلاتَك"، وأمره أن يرفع يديه عند تكبيرة الاستفتاح للصلاة، وبالقراءة، وبرفع يديه إذا كبّر للركوع، وبرفع يديه عند تكبيرة السجدة التي بعد الركوع" قال: خرجه ابن جوصا في "مسند الأوزاعي"، وهو مرسل. قال ابن رجب: والوليد مدلس عن غير الثقات، وقد استنكر الإمام أحمد حديثه هذا. ا. هـ
(1)
.
وهذا الإسناد الذي ذكره ابن رجب ظاهره الصحة، وإنما استنكره الإمام لما فيه من الأمر برفع اليدين في المواضع الثلاثة، وقد روي الحديث عن الأوزاعي، عن إسحاق، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعفل ذلك في صلاته، وقال ابن رجب هو أصح، أي من الحديث الذي فيه الأمر. ولا ترجع العلة إلا إلى تدليس الوليد بن مسلم، فقد رواه عن الأوزاعي بالعنعنة وهو مشهور بالتدليس عن غير الثقات، فأصبح احتمالُ التدليس هو علة وقوع النكارة في المتن.
(1)
فتح الباري لابن رجب 4/ 298.
المطلب الثالث: تدليس الشيوخ والإعلال به عند الإمام أحمد
.
وتدليس الشيوخ هو القسم الآخر من قسمي التدليس، وهو أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثاً، فغيّر اسمه، أو كنيته، أو حاله المشهورة من أمره لئلا يُعرف
(1)
. والإعلال بهذا النوع من التدليس ليس من باب الإعلال بالانقطاع، فإن السماع هنا ثابت، وإنما هو من باب تغطية الراوي المجروح، إذ وصف الراوي بما لم يعرف به يجعله في حيز المجهول المعدوم العدالة وقد تكون حالته أسوأ من حالة المجهول.
وقد أشار الإمام أحمد إلى أن عطية بن سعد العوفي كان مشهوراً بهذا النوع من التدليس. روى الخطيب عن أحمد بن حنبل أنه قال: "بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير فكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، وكان هُشيم يضعّف حديث عطية"
(2)
وكنية الكلبي أبو النضر، فغير عطية كنيته ليوهم الناس أنه يروي عن أبي سعيد الخدري التفسير الذي كان يأخذه عنه.
ومن الأمثلة على ما كشفه الإمام أحمد من هذا النوع من التدليس في الأسماء الواقع في بعض الأسانيد:
1.
قال أبو داود قال: قلت لأحمد: "من الفزاري الذي يحدِّث عنه محمد ابن سلمة حديث البراء: "من كذب علي"؟ قال: هو محمد بن عبيد الله العَرزَمي، كان يقول في عرزم ـ وكان فزارياً ـ فكان يقول ـ يعني محمد بن سلمة ـ الفزاري"
(3)
.
(1)
الكفاية في علم الرواية ص 520.
(2)
المصدر نفسه ص 521.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 402 رقم 1900.
هذا الحديث رواه أبو نعيم
(1)
، والحاكم
(2)
، والخطيب
(3)
من طرق عن محمد ابن سلمة، عن الفزاري محمد بن عبيد الله، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن ابن عوسجة، عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليّ متعمداً ليضل به الناس فليتبوأ مقعدَه من النار".
فمحمد بن سلمة وهو الحراني
(4)
، دلّس اسم شيخه محمد بن عبيد الله العرزمي فسماه الفزاري لكي لا يُعرف حتى إن ذلك خفي على أبي داود، والعرزمي متروك الحديث عند أئمة الحديث، لا يختلفون فيه كما قال الحاكم
(5)
. وهذا الفعل يجعل الإسناد أحسن حالاً منه لو أنه صرّح باسمه، فإن غايته أن يكون شيخ محمد بن سلمة مجهولاً، وحديث المجهول أحسن حالاً من حديث الراوي الموصوف بأنه متروك الحديث.
وفي الحديث لفظة منكرة، وهي قوله:"ليُضلّ الناس بغير علم"، وقد أشار الحاكم إلى نكارتها.
2.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "حدثني أبي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، شيخ كان في بجيلة، عن إبراهيم قال: [لا يصلي المتيمّم إلا صلاة واحدة]. قال أبي زعموا أنه الحسن بن عمارة، قال أبي: كان الحسن بن عمارة ينزل في بجيلة، أرى أن أبا معاوية غيّر اسمه"
(6)
.
(1)
مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم 1/ 48 ح 34.
(2)
المدخل على الصحيح ص 197.
(3)
تالي تلخيص المتشابه 1/ 155.
(4)
قال عنه أحمد: لم يكن من أصحاب الحديث، ولم يكن به بأس، أُراه رجلاً صالحاً وأثنى عليه خيراً. العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 77 رقم 4255.
وكذلك وثقه ابن سعد، والنسائي تهذيب الكمال 25/ 291.
(5)
الموضع نفسه.
(6)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 532 رقم 3516.
وهذه الرواية رواها العقيلي
(1)
أيضاً والخطيب
(2)
. قال الخطيب في الحسن بن عمارة: وهو عبد الله بن عبد الرحمن الذي روى عنه أبو معاوية الضرير
(3)
. وإنما كشف ذلك الإمام أحمد. والحسن بن عمارة البَجَلي متروك
(4)
، فدلّس أبو معاوية اسمه لكي لا يعرف.
(1)
كتاب الضعفاء 1/ 256.
(2)
موضح أوهام الجمع والتفريق 2/ 26.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
تقريب التهذيب 1274.
الباب الرابع: إعلال الأحاديث بالشذوذ وبالعلل الخفية
وفيه فصلان
الفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة
الفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية
الفصل الأول: الإعلال بالتفرد والمخالفة
المبحث الأول: التفرد والإعلال به عند الإمام أحمد
.
المطلب الأول: معنى التفرد والغرابة عند الإمام أحمد
.
التفرد لغة مأخوذ من الفرد. قال ابن فارس: "الفاء والراء والدال أصل صحيح يدل على وُحدة، ومن ذلك الفرْد وهو الوَتْر، والفارِد والفَرْد الثَّوْر المنفرِد، وظَبية فارِد انقطعت عن القَطِيع، وكذلك السِّدرة الفاردة انفردت عن سائر السِّدر"
(1)
.
وعرفّه الذهبي في الاصطلاح فقال: "والتفرد يكون لما انفرد به الراوي إسناداً ومتناً، ويكون لما تفرد به عن شيخ معين"
(2)
.
فذكر نوعين للتفرد: الأول منهما ـ وهو ما اصطُلِح عليه بالفرد المطلق ـ هو تفرد الراوي برواية الحديث إسناداً ومتناً، أي لم يُرو الحديث بإسناده ومتنه إلا من طريقه. والثاني ـ وهو ما اصطُلِح عليه بالفرد النسبي ويكثر إطلاق الغريب عليه ـ هو التفرد عن شيخ معين ولو كان أصلُ الحديث معروفاً من وجه آخر
(3)
.
ولم أقف على استعمال الإمام أحمد للفظ التفرد، لكن ذكر أبو داود أنه سأله فقال:"إسرائيل إذا انفرد بحديث يُحتج به؟ قال إسرائيل ثبت الحديث"
(4)
، وليس في هذا السؤال تمييز لنوع التفرد هل هو من قبيل المطلق أو النسبي. وقد يكون الاستعمال هنا على المعنى اللغوي، وهو قريب من المعنى الاصطلاحي في
(1)
معجم مقاييس اللغة 4/ 500.
(2)
الموقظة ص 43.
(3)
انظر: نزهة النظر ص 28 وفتح المغيث 1/ 253.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 311 رقم 405.
كلا حالتيه، لأن الذي يروي حديثاً لا يرويه غيرُه قد انقطع عن سائر الرواة وانفرد عنهم، وكذلك الذي يروي حديثاً عن شيخه لا يرويه عنه غيرُه.
والذي ورد عن الإمام أحمد هو استعمال لفظ الغرابة ومشتقاتها، وذكر الحافظ ابن حجر أنها والتفرد مترادفان لغة واصطلاحاً
(1)
. ويرجع استعمال هذا اللفظ عند الإمام أحمد إلى معنين:
الأول: التفرد المطلق
.
قال الميموني: ذكر أبو عبد الله أن معمراً لقي هماماً ـ يعني ابن منبه ـ شيخاً كبيراً في أيام السودان، فقرأ على معمر، ثم ضعُف الشيخُ فقرأ معمر الباقي عليه، وهي أربعون ومئة حديث فيها غرائب، منها:"كان داود يأمر بدابته فتسرج فيقرأ القرآن"
(2)
.
وقال الميموني في موضع آخر: قال لي أحمد بن حنبل: "همَّام بن منبِّه روى عنه أخوه وهب بن منبِّه، وكان رجلاً يغزو، وكان يشتري الكتب لأخيه وهب، فجالس أبا هريرة بالمدينة، فسمع أحاديث ـ وكان قد أدرك المسوِّدة
(3)
وسقط حاجباه على عينيه ـ وهي نحو أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، ولكنها مقطَّعة في الكتب، وفيها أشياء ليست في الأحاديث"
(4)
.
فقد فسّرت الروايةُ الثانية الغرائب بأنها أشياء ليست في الأحاديث، أي لا تروى إلا من ذلك الوجه، وهذا النوع من الأحاديث هو الفرد المطلق. والمثال
(1)
نزهة النظر الموضع نفسه.
(2)
المنتخب من العلل للخلال ص 118 رقم 51.
(3)
المقصود بهم العباسيين لأن السواد كان شعارهم. ذكره الأرنؤوط في تحقيقه على سير أعلام النبلاء 5/ 312.
(4)
تهذيب الكمال 30/ 299 - 300.
الذي ذكره الإمام أحمد ظاهره من ذلك، فقد رواه في مسنده
(1)
، وكذلك البخاري
(2)
وغيرهما عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خُفّف على داود عليه السلام القراءة، فكان يأمر بدابته تسرج، فكان يقرأ القرآن
(3)
من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه". فإن ظاهر هذه الرواية أنها من مفردات همام بن منبه من بين أصحاب أبي هريرة، ولعل من أجل هذا تجنب الإمام مسلم إخراجه، مع إخراجه عدداً من الأحاديث هي في صحيفة همام بن منبه. وكأن الإمام البخاري لاحظ هذا الظاهر فذكر ما يدفعه، فقال ـ بعد سياقه للحديث: رواه موسى بن عقبة، عن صفوان، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم
(4)
.
الثاني: إطلاق هذه اللظفة على الفرد النسبي
، ومن ذلك:
قال عبد الله: "حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن هشام
ابن أبي عبد الله، عن عامر الأحول، عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرّة. قال أبي: حديث سفيان، عن هشام بن أبي عبد الله غريب، إنما رواه عمرو بن عبيد، وهو غريب من حديث عامر الأحول. قال أبي: وحدثناه الفزاري ـ يعني مروان ـ عن هشام ابن أبي عبد الله"
(5)
.
(1)
المسند 13/ 497 ح 8160
(2)
صحيح البخاري 6/ 453 ح 3417 - مع فتح الباري.
(3)
قال ابن القيم: والمراد بالقرآن ههنا الزبور كما أريد بالزبور القرآن في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} . تهذيب السنن 12/ 279.
(4)
صحيح البخاري الموضع السابق. وذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري وصل هذا التعليق في "خلق أفعال العباد"، وكذا الإسماعيلي في "مستخرجه"، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وساق الحافظ إسناد الإسماعيلي، من طريق أحمد بن حفص، عن أبيه حفص بن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة تغليق التعليق 4/ 29 - 30.
(5)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 91 رقم 4326.
أطلق الإمام أحمد الغرابة على رواية هذا الحديث من طريق عامر الأحول، عن الحسن البصري، فقال: غريب من حديث عامر الأحول، فالمقصود بالغرابة هنا التفرد النسبي، وليس التفرد المطلق، لأن الحديث روي من وجه آخر عن رجل، عن الحسن، وبينت رواية ابن عيينة أن الرجل المبهم هو عمرو بن عبيد
(1)
، وإنما يستغرب من رواية عامر الأحول، عن الحسن
(2)
حيث لم يرد ذلك إلا في رواية هشام الدستوائي.
وقال عبد الله أيضاً: "حدثني أبي، قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا يحيى ابن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جوار فقال لها: "ما هذا يا عائشة؟ " فقالت: هذه خيل سليمان، قال: فجعل يضحك من قولها. سمعت أبي يقول: غريب، لم نسمعه من غير هُشيم، عن يحيى بن سعيد"
(3)
.
(1)
رواه عبد الرزاق، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن مصنف عبد الرزاق 7/ 268 ح 13101.
(2)
رواه غير واحد فلم يذكر عامر الأحول، منهم:
أبو داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن رجل، عن الحسن. رواه ابن أبي شيبة 3/ 467 ح 16071.
وإسماعيل بن علية قال: حدثني من سمع الحسن يقول فذكره. رواه سعيد بن منصور 1/ 229 ح 741.
وابن جريح، رواه عن رجل عن الحسن أيضاً. رواه عبد الرزاق عنه مصنف عبد الرزاق 7/ 267 ح 13099.
وجزم الحافظ ابن حجر بأن الرجل المبهم هو عمرو بن عبيد تلخيص الحبير 3/ 171.
لكن يشكل عليه أن ابن أبي شيبة رواه عن إسماعيل بن علية، عن يونس عن الحسن، فإن كان حفظ فقد يكون هو الرجل المبهم، لا عمرو بن عبيد كما قال الإمام أحمد، وكذلك الحافظ ابن حجر، لأن ابن علية أدرى بحديث أهل البصرة من ابن عيينة، إلا أن يكون غير ابن عيينة تابعه على ذكر عمرو بن عبيد، ولم أقف على من تابعه، والله أعلم.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 277 ح 2242.
هذا الحديث استغربه الإمام أحمد من حديث يحيى بن سعيد، عن محمد ابن إبراهيم التيمي، لأنه لم يسمعه من هذا الوجه إلا من هُشيم، فسماه غريباً، فهو من التفرد النسبي.
والحديث يرويه سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن عمارة ابن غزية، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن عائشة به
(1)
، وهو في الصحيح من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بدون ذكر خيل سليمان
(2)
.
وقال الأثرم: "حدثنا أحمد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، وإذا أدركهم جلوساً صلى أربعاً. قال أبو عبد الله: ما أغربه ـ يعني أن هذا الحديث غريب عن ابن عمر"
(3)
.
وهذا التفسير يحتمل أنه من ابن عبد البر، وهو مشكل، فإن الرواية بهذا الأثر قد جاءت من طرق أخرى عن ابن عمر؛ رواه الثوري، عن الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر
(4)
، وتابعه عبد الله بن عمر العمري، عن نافع
(5)
. ورواه أيضاً هشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع عن ابن عمر
(6)
. فلا وجه لاستغرابه من حديث ابن عمر.
والذي يظهر لي أن الإمام أحمد استغرب الحديث من رواية أيوب، عن
(1)
أخرجه أبو داود السنن 5/ 227 ح 4932، والنسائي السنن الكبرى 5/ 306 ح 8950.
(2)
صحيح البخاري 10/ 526 ح 6130، وصحيح مسلم 4/ 1890 ح 2440.
(3)
التمهيد 7/ 70. والأثر رواه عبد الراق في مصنفه 3/ 234 ح 5471 عن معمر به.
(4)
أخرجه عبد الرزاق المصدر نفسه 3/ 234 ح 5473.
(5)
أخرجه عبد الرزاق أيضاً الموضع نفسه ح 5472.
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة 1/ 461 ح 5334.
نافع، عن ابن عمر، فقد رواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن نافع قوله
(1)
، فالمقصود بالغرابة كونه من رواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، والله أعلم.
وقد كان من منهج السلف ذم الأحاديث الغريبة. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة، فإذا عُرف، وإلا فدعه
(2)
.
وقال أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء
(3)
.
والأصل في ذم الغرائب ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه
(4)
من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون في آخر الزمان دجَّالون كذَّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم". وهذا وصف للأحاديث الغريبة.
وليس كل حديث غريب منكراً، فقد روى الخلال عن المرُّوذي قال:"ذكرتُ لأبي عبد الله حديث محمد بن سلمة الحراني، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد بن أبي أُنيسة، عن المِنهال، عن أبي عُبيدة، عن مسروق: ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] من العرش إلى الكُرسيّ". قال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه"
(5)
.
(1)
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 462 ح 5346 عنه به.
(2)
رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص 29 - 30.
(3)
شرح علل الترمذي 2/ 623.
(4)
صحيح مسلم 1/ 12.
(5)
المنتخب من العلل للخلال ص 263 رقم 166.
وعن أبي طالب أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث، وجعل يقرأه عليه فقال: ما أحسنه، إنما سمعناه عن أبي عوانة، عن الأعمش مرسلاً. ا. هـ
(1)
.
فوصف الحديث بالغرابة ثم استحسنه، فدل على أن لا تلازم بين الأمرين.
(1)
الموضع نفسه.
المطلب الثاني: حد المنكر عند الإمام أحمد
.
إن أكثر الألفاظ استعمالاً لدى الإمام أحمد في إعلال الأحاديث هو لفظ "المنكر"، وكذلك ما رواه تلاميذه عنه من الإعلال كان أغلبه بألفاظ ترجع إلى أصل هذا اللفظ مثل:"أنكره"، "وأنكره أشد الإنكار" ولما كانت المصطلحات لدى الأئمة المتقدمين قلَّما يرِد عنهم وضع لحدودها تعين على الباحث تتبع المعاني التي أطلق الإمام أحمد هذا اللفظ عليها للوصول إلى الصورة المقرِّبة لحد هذا المصطلح عند هذا الإمام. وقد تقدم ذكر مصطلح المنكر عند الإمام أحمد تحت الألفاظ التي يستعملها الإمام أحمد لأحاديث الكذّابين وإحالة بقية الكلام إلى هذا المطلب.
والكلام فيه يحتوي على مسائل:
المسألة الأولى: حد المنكر لغة
.
قال ابن فارس: "النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب، ونكِر الشيء وأَنكَره: لم يقبله قلبُه، ولم يعترف به لسانُهُ، والباب كله راجع إلى هذا
…
والإنكار خلاف الاعتراف"
(1)
.
وقال ابن المنظور: "المُنكَر من الأمر خلاف المعروف، وقد تكرّر في الحديث الإنكار والمُنكَر، وهو ضد المعروف
…
والجمع مناكير"
(2)
.
المسألة الثانية: إطلاق المنكر لدى الإمام أحمد
.
قد ورد عن الإمام أحمد في إطلاق لفظ "المنكر" عند إعلال الأحاديث عدة معاني يمكن إجمالها في الآتي:
(1)
معجم مقاييس اللغة 5/ 476.
(2)
لسان العرب، مادة:"ن ك ر" 5/ 223.
1.
إطلاق المنكر بمعنى خلاف المعروف
، من ذلك:
روى المرّوذي قال: "وذكرتُ له حديث زُهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان نصف شعبان فلا صوم"، فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه فلم يحدّثني به وكان يتوقّاه. ثم قال أبو عبد الله: هذا خلاف الأحاديث التي رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم "
(1)
.
فهذا الحديث أنكره الإمام أحمد، وذكر أن السبب في ذلك مخالفته للأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الأحاديث حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيح:[لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهراً أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله]
(2)
وفي رواية أخرى لها: [لم أره صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً]
(3)
، وكذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها في السنن:[أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصِله برمضان]
(4)
، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يتقدمنّ أحدُكم رمضانَ بصوم يومٍ أو يومين إلا أن يكون رجلٌ كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم"
(5)
.
فلما كان هذا الحديث مخالفاً للمعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه الإمام أحمد بالنكارة، مع أن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الخُرقي ثقة عند الإمام أحمد
(6)
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 159 رقم 278.
(2)
صحيح البخاري 4/ 213 ح 1970، صحيح مسلم 2/ 811 ح 782.
(3)
صحيح مسلم 2/ 811 (176).
(4)
رواه أبو داود، وهذا لفظه سنن أبي داود 2/ 750 ح 2336، والترمذي الجامع 3/ 113 ح 736، والنسائي السنن 4/ 15 ح 2174، وابن ماجه السنن 1/ 528 ح 1648. وإسناده صحيح، صححه الترمذي في الشمائل ح 255.
(5)
صحيح البخاري 4/ 127 ح 1914، صحيح مسلم 2/ 762 ح 1082.
(6)
ذكر ذلك في رواية عبد الله العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله رقم 3171، وفي رواية أبي داود سؤالات أبي دواد للإمام أحمد 187.
فدل على أن من المعاني التي يطلق الإمام أحمد النكارة عليها ما كان مخالفاً للمعروف وإن كان راويه ثقة، وهذا المعنى جاري مع معنى اللفظ في اللغة
(1)
.
ومثال آخر:
قال الميموني: "سمعت أحمد بن حنبل وسُئل عن حديث أبي قيس الأودي، مما روى عن المغيرة بن شُعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على النعلين والجوربين، فقال لي: المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على الخفَّين، ليس هذا إلا من أبي قيس، إن له أشياء مناكير"
(2)
.
وذكر عبد الله مثله أيضاً:
قال عبد الله: "حدّثتُ أبي بحديث الأشجعي ووكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هُزيل، عن المغيرة بن شعبة قال: [مسح النبي صلى الله عليه وسلم على الجوربين والنعلين]. قال أبي: ليس يُروى هذا إلا من حديث أبي قيس، قال أبي أبى عبد الرحمن ابن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر ـ يعني حديث المغيرة هذا لا يرويه إلا من حديث أبي قيس"
(3)
.
ذكر الإمام أحمد هذا الحديث من مناكير أبي قيس، وهو عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي. قال عنه أحمد: هو كذا وكذا، روى عنه الأعمش، وشعبة، وسفيان، وهو يخالف في أحاديث
(4)
، وهذا كناية على تليينه، وبين وجه نكارته
(1)
وهناك وجه آخر لرد هذا الحديث، لكن لم يذكره الإمام أحمد وإن كان جارياً على منهجه، وهذ الوجه هو ما ذكره ابن القيم قال: ردوا هذا الحديث لهم مأخذان، أحدهما: أنه لم يتابع العلاء عليه أحد، بل انفرد به عن الناس، وكيف لا يكون هذا معروفا عند أصحاب أبي هريرة مع أنه أمر تعمّ به البلوى ويتصل به العمل؟ تهذيب السنن 6/ 329 - 330.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 219 رقم 417.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 366 رقم 5612.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 412 رقم 870.
ووثقه ابن معين، والعجلي. وقال عنه النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال 17/ 21.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، هو قليل الحديث، وليس بالحافظ الجرح والتعديل 5/ 218.
بأنه مخالف للمعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه كان يمسح على الخفين. قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين
(1)
.
وهكذا رواه غير واحد عن المغيرة بن شبعة
(2)
. قال علي بن المديني: "حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة؛ ورواه هُزيل بن شرحبيل عن المغيرة، إلا أنه قال: ومسح على الجوربين عدا الناس"
(3)
.
(1)
سنن أبي داود 1/ 113. وقد روى حديث أبي قيس، عن هزيل، ورواه أيضاً الترمذي الجامع 1/ 167 ح 99 وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي السنن الكبرى 1/ 92 ح 130، وابن ماجه السنن 1/ 185 ح 559، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 1/ 99 ح 198.
(2)
انظر: صحيح البخاري 1/ 306 ح 203، وصحيح مسلم 1/ 228 - 231.
(3)
السنن الكبرى للبيهقي 1/ 284. وممن أنكر الحديث سفيان الثوري راويه عن أبي قيس. وكذلك الإمام مسلم، قال: أبو قيس الأودي وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هذا مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل. ا. هـ. الموضع نفسه.
وذكر البخاري أن يحيى بن معين أيضاً كان ينكر على أبي قيس هذا الحديث التاريخ الكبير 3/ 137. وفي رواية المفضل بن غسان عن يحيى قال: الناس كلهم يروونه: على الخفين، غير أبي قيس. ا. هـ. الإمام في معرفة أحاديث الأحكام 2/ 203.
وقال الدارقطني: ولم يروه غير أبي قيس، وهو مما يُغمَز عليه به، لأن المحفوظ عن المغيرة: المسح على الخفين علل الدراقطني 7/ 112.
وصحح الحديث الترمذي، وابن خزيمة كما تقدم. قال ابن دقيق العيد: من صححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس على كونه ليس مخالفاً لرواية الجمهور عن المغيرة مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه، ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل، عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها. ا. هـ. الإمام في معرفة أحاديث الأحكام 2/ 203. واعتمده الشيخ الألباني فصحح الحديث إرواء الغليل ح 101.
وهذا لا يستقيم على طريقة المحدثين، فالمعارضة هنا في كونه تفرد بما لا يحتمل تفرده، ولم يتابعه أحد عليه، وهذه علة قادحة عند المحدثين كما أبانها من تقدم ذكرهم من الأئمة. وأما تصحيح الترمذي فقد يكون من أجل رواية الحديث من وجه آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث أبي موسى الأشعري، حيث أشار إليه بأنه من أحاديث الباب.
ومثال آخر:
قال ابن هاني: "سمعت أبا عبد الله يقول: حديث وكيع، عن شَريك، عن الحر بن صَيَّاح: رأيت ابن عمر يصوم عاشوراء، ورأيت ابن عمر يصوم العشر بمكة؛ حديث الحر بن صيَّاح حديث منكر، نافع أعلم بحديث ابن عمر منه"
(1)
.
فسمى حديث الحر بن صياح
(2)
منكراً لمخالفته رواية نافع الذي كان أعلم بحديث ابن عمر منه، فقد روى عن ابن عمر أنه كان لا يصوم عاشوراء إلا أن يوافق صيامه
(3)
، فهذا أيضاً من إطلاق المنكر في مقابل المعروف.
ومثال آخر:
ذكر الأثرم أن أحمد سُئل عن حديث حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر رفعه:[لا إحداد فوق ثلاث]، فقال: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر رأيه. ا. هـ. نقله ابن حجر عنه
(4)
.
فأطلق المنكر في مقابل المعروف.
مثال آخر:
قال مهنا بن يحيى: "سألت أبا عبد الله عن ابن أبي الصفيراء فقال: منكر الحديث. قلت: أي شيء من منكره؟ قال: يروي عن عطاء: [الشربة التي تسكر
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 1/ 136 رقم 670.
(2)
وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم تهذيب الكمال 5/ 515.
(3)
رواه مسلم صحيح مسلم 2/ 793 ح 1126 (119).
(4)
فتح الباري 9/ 487. ولم أقف عليه لا مرفوعاً ولا موقوفاً.
حرام]. قلت: وهذا منكر؟ قال: نعم، عن عطاء خلاف هذا"
(1)
.
ففسر معنى المنكر بأنه ما روي مخالفاً للمعروف عن الراوي.
2.
المنكر بمعنى الحديث الفرد الذي ليس له متابع
، ومن ذلك:
قال عبد الله: "سألت أبي رحمه الله ما الذي يعتمد عليه في مواقيت الصلاة من الأحاديث التي جاءت؟ وأي حديث عندك أقوى؟ والحديث الذي روى ابن المبارك، عن الحسين بن علي، عن وهب بن كيسان، عن جابر، ما ترى فيه، وكيف حال الحسين؟ فقال أبي: أما الحسين فهو أخو أبي جعفر محمد بن علي، وحديثه الذي روى في المواقيت حديث ليس بمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه"
(2)
.
حديث جابر الذي أشار إليه في المواقيت رواه النسائي
(3)
، والترمذي
(4)
، وأحمد
(5)
، وابن حبان
(6)
كلهم من طريق عبد الله بن المبارك بهذا الإسناد: "أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمسُ
…
" وراويه الحسين بن علي هو ابن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي
(7)
.
والشاهد فيه أن الإمام أحمد قال: حديثه هذا ليس بمنكر لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره
(8)
، ومفهوم هذا أن الحديث الذي لم يتابع عليه مثلُ هذا
(1)
تهذيب التهذيب 1/ 317. وابن أبي الصفيراء هو إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء، وهو صدوق كثير الوهم تقريب التهذيب 469.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية عبد الله 1/ 174 رقم 221.
(3)
سنن النسائي 1/ 263 ح 525.
(4)
الجامع 1/ 281 ح 150.
(5)
المسند 22/ 408 ح 14538.
(6)
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 4/ 335 ح 1472.
(7)
ويقال له: حسين الأصغر. وثقه النسائي، وقال ابن حجر: صدوق مقل، توفي سنة ستين تقريباً ـ أي بعد المئة تهذيب الكمال 6/ 396، تقريب التهذيب 1342.
(8)
وافقه عليه: عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير المكي كلهم عن جابر بن عبد الله نحو حديث وهب بن كيسان عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قاله الترمذي "الجامع، الموضع نفسه".
الراوي منكر، فهذا من إطلاق المنكر على الحديث الفرد.
ومثال آخر:
قال المروذي: "قلت لأبي عبد الله: فعبد الرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه فقد حدّث عن الزهري بأحاديث كأنه أراد تفرد بها، ثم ذكر حديث محمد بن جُبير في الحِلف ـ حِلف المطيِّبين ـ فأنكره أبو عبد الله وقال: ما رواه غيره"
(1)
.
هذا الحديث مما تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، فأنكره الإمام أحمد لأنه كما قال: ما رواه غيره، وهذا من إطلاق المنكر على مفردات الرواة أمثال عبد الرحمن بن إسحاق
(2)
.
وقد جاء عن أحمد ما يدل على عدم إنكاره لهذا الحديث وذلك في مذاكرته مع أحمد بن صالح المصري، فقد قال له الإمام أحمد:"عندك عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يسرني أن لي حمرَ النَّعم وأن لي حلف المطيبين"؟ فقال أحمد بن صالح:
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 64 رقم 61.
والحديث رواه أحمد المسند 3/ 193 ح 1655، 3/ 210 ح 1676، وابن حبان الإحسان 10/ 216 ح 4373، والحاكم المستدرك 2/ 219 - 220، والمقدسي المختارة 3/ 115، 116.
(2)
ويقال له أيضاً: عباد بن إسحاق. قال عنه الإمام أحمد: ليس به بأس العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله رقم 3307، وعنه أيضاً: ليس بذاك سؤالات أبي دواد للإمام أحمد رقم 178. وقال أيضاً: رجل مقبول الكامل في ضعفاء الرجال 1/ 185.
وأما غير الإمام أحمد فعن ابن معين، ويعقوب بن شيبة، والفسوي، والنسائي أنه ليس به بأس تهذيب الكمال 16/ 523 - 524.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وهو قريب من محمد بن إسحاق، وهو حسن الحديث، وليس بثبت ولا قوي الجرح والتعديل 5/ 213.
أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟ فجعل أحمد بن حنبل يبتسم ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول أو صالح، عبد الرحمن بن إسحاق. قال: من رواه عن عبد الرحمن ابن إسحاق؟ فقال: رجلان ثقتان: إسماعيل بن علية، وبشر بن المفضل، فقال أحمد ابن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلا أمليته علي
…
"
(1)
، وإنكار الإمام أحمد للحديث هو آخر الأمرين منه، لأن المروذي لقي الإمام أحمد بعد هذه القصة فإن أحمد بن صالح المصري وافى العراق ولقي بأحمد سنة (212) هـ
(2)
.
مثال آخر:
قال عبد الله: "حدثني أبي، نا وكيع، نا أبو بكر النهشلي، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن علي أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود، قال: وكان قد شهِد صفِّين. قال أبي: ولم يره عن عاصم غيرُ أبي بكر النهشلي أعلمه، كأنه أنكره"
(3)
.
وفي هذه الرواية ينفي الإمام أحمد العلم بوجود متابع لأبي بكر النهشلي، وهذا دون مطلق النفي، ومع ذلك فهم ابنه عبد الله أنه ينكره، وهذا لمعرفته بأن من منهجه إطلاق الإنكار على الحديث الذي تفرد به راويه.
وأبو بكر النهشلي هو أبو بكر بن عبد الله بن قطاف، وقد وثقه أحمد
(4)
، والصحيح
(1)
الكامل في ضعفاء الرجال 1/ 185.
(2)
انظر: الموضع نفسه. وانطر هذا الترجيح عند الباحث عيسى بن محمد مسلمي: "الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد جمعاً ودراسة" 3/ 1147 - 1148.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية عبد الله 1/ 242 رقم 329. ورواه في العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 374 رقم 717 دون قوله: كأنه أنكره.
وهذا الأثر عن علي رواه محمد بن الحسن في "الموطأ" ص 59 ح 109 عن أبي بكر النهشلي. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 225 من طريق أبي أحمد الزبيري، وأحمد بن يونس كلاهما عن أبي بكر النهشلي به. ورواه البيهقي من طريق أحمد بن يونس السنن الكبرى 2/ 80. وذكره البخاري تعليقاً في "جزء رفع اليدين" ص 46 ح 29.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 99 رقم 4371. وكذلك وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه الجرح والتعديل 9/ 344.
أن هذا الحديث لم ينفرد بروايته عن عاصم بن كُليب، فقد تابعه محمد بن أبان
(1)
، عن عاصم بمثله، أخرجه محمد بن الحسن الشيباني
(2)
، وذكره الدارقطني تعليقاً
(3)
، ولعل من أجل هذا لم يجزم الإمام أحمد بنفي وجود المتابع له، بل نفى علمه بذلك فحسب.
وممن أنكر الحديث سفيان الثوري كما رواه ابن مهدي عنه
(4)
، وكذلك عثمان بن سعيد الدارمي، قال: وليس أبو بكر النهشلي ممن يحتج بروايته، أو تثبت به سنة لم يأت بها غيره. ا. هـ
(5)
.
وعلاقة هذا المعنى بالمعنى اللغوي من حيث أن الحديث الذي تفرد به راويه لا يُعرف إلا من طريقه لعدم تعدد مخرجه، فمن ثمّ صار خلاف المعروف.
3.
المنكر بمعنى ما ليس له أصل:
ومن ذلك:
قال المرُّوذي: "وذكر لُويْناً فقال: قد حدّث حديثاً منكراً عن ابن عيينة ماله أصل، قلت: إيش هو؟ قال: عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه قصة علي: ما أنا الذي أخرجتُكم، ولكن الله أخرجكم، فأنكره إنكاراً شديداً وقال: ما له أصل"
(6)
.
(1)
محمد بن أبان بن صالح بن عمير. قال أحمد: أما إنه لم يكن ممن يكذب، وضعفه ابن معين تضعيفاً شديداً. وقال البخاري: يتكلمون في حفظه. وقال أبو حاتم: ليس هو بقوي الحديث، يكتب حديثه على المجاز ولا يحتج به التاريخ الكبير 1/ 34، الجرح والتعديل 7/ 199، الكامل في ضعفاء الرجال 6/ 2140.
(2)
الموطأ ـ برواية محمد بن الحسن ص 58 ح 105.
(3)
علل الدارقطني 4/ 107.
(4)
ذكره البخاري في "الكنى" ص 9.
(5)
نقله البيهقي عنه السنن الكبرى 2/ 80 - 81.
(6)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 161 رقم 280. وانظر: المنتخب من العلل للخلال ص 210 رقم 122.
ولُوين هو محمد بن سليمان بن حبيب أبو جعفر المصيصي، قال عنه الإمام أحمد: لا أعرفه
(1)
. ووثقه النسائي، وقال عنه أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، قيل له: ثقة؟ قال: صالح الحديث
(2)
.
وهذا الحديث رواه النسائي في "خصايص علي"
(3)
، والبزار
(4)
، وأبو نعيم
(5)
من طريق لوين قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده قومٌ فدخل عليٌّ، فلما دخل خرجوا، فلما خرجوا تلاوموا فقال بعضهم لبعض: والله ما أخرجَنا، فارجعوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أدخلتُه وأخرجتُكم، ولكن الله عز وجل أدخله وأخرجكم".
قال الخطيب في وجه إعلال الإمام أحمد للحديث: "أظن أبا عبد الله أنكر على لُوين روايته متصلاً، فإن الحديث محفوظ عن سفيان بن عيينة، غير أنه مرسل، عن إبراهيم بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم
…
"، ثم ساقه من طريق ابن وهب، والحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، عن إبراهيم بن سعد مرسلاً
(6)
.
وقال البزار: "هكذا رواه محمد بن سليمان، عن سفيان، عن عمرو، عن محمد بن علي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه؛ وغير محمد بن سليمان إنما يرويه
(1)
المصدر نفسه ص 163 رقم 286.
(2)
تهذيب الكمال 25/ 299.
(3)
خصائص علي ص 24.
(4)
مسند البزار 4/ 34 ح 1195.
(5)
تاريخ أصبهان 2/ 147 تحت ترجمة لوين برقم 1428. وذكر هذا الحديث من مفاريده.
(6)
تاريخ بغداد 5/ 293 - 294.
عن سفيان، عن عمرو، عن محمد بن علي مرسلاً"
(1)
.
وقال الدراقطني ـ بعد ذكره لرواية لوين ـ "قاله لوين عن ابن عيينة كذلك، وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلاً، وهو المحفوظ"
(2)
.
فالشاهد أن الإمام أحمد أطلق النكارة على هذا الحديث، وقال عنه: ما له أصل، وبيان الخطيب يدل على أن معنى ما له أصل هنا أي لم يصح متصلاً، ويحتمل أن يكون معنى هذا النفي عند أحمد أن الحديث لم يصح عن ابن عيينة إطلاقاً لا متصلاً ولا مرسلاً.
وعلاقة هذا المعنى بالمعنى اللغوي للمنكر واضح، لأن ما لا أصل له غير معروف.
4.
المنكر بمعنى الخطأ:
ومن ذلك:
قال المرُّوذي: "قلت لأحمد: تعرف عن الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: متى كُتبتَ نبيًّا؟ قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأزواعي، هو كثيراً مما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب"
(3)
.
فوصف الإمام أحمد هذا الحديث بالنكارة، لأن راويه وهو الأوزاعي الإمام قد أخطأ فيه. وقد تقدم الكلام حول هذا الحديث ورواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير وكيف دخلت الأخطاء على رواياته عنه بسبب ذهاب كتبه
(4)
.
(1)
مسند البزار الموضع نفسه.
(2)
علل الدراقطني 4/ 363.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 150 رقم 268.
(4)
انظر: ص 480.
مثال آخر:
قال عبد الله: "حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غِياث، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خمِّروا
(1)
وجوه موتاكم، ولا تُشَبِّهوا بيهود" فحدثت به أبي فأنكره وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدثني عن حجاج الأعور، عن ابن جُريج، عن عطاء مرسل"
(2)
.
وفي هذا أيضاً وصفه للحديث الذي أخطأ فيه راويه بالنكارة، والراوي حفص بن غِياث أثنى عليه الإمام أحمد
(3)
، لكن قال فيه: كان مخلطاً، وضعف أمره
(4)
. وحديثه هذا رواه الطبراني
(5)
من طريق عبد الله، والدارقطني
(6)
، والبيهقي
(7)
كلهم من حديث حفص بن غياث به. وتابعه علي بن عاصم، عن ابن جريج
(8)
.
ووجه خطأ حفص في رواية هذا الحديث أنه رواه موصولاً، والواقع أنه مرسل عن عطاء؛ وهي رواية حجاج بن محمد المصيصي، عن ابن جريج، وحجاج كان ثبتاً في الحديث عند الإمام أحمد
(9)
، فإذا خالفه حفص يكون القولُ قولَ حجاج، ولا يقال إن علي بن عاصم قد تابع حفصاً، لأن علي بن عاصم كان
(1)
بفتح المعجمة وكسر الميم الثقيلة، أي غطوا شرح الزرقاني على موطأ مالك 4/ 381.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 383 رقم 2709.
(3)
المصدر نفسه 2/ 183 ح 1939.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 208 رقم 2135.
(5)
المعجم الكبير 11/ 183 ح 11436.
(6)
سنن الدارقطني 2/ 297.
(7)
السنن الكبرى 3/ 394.
(8)
أخرجه الدارقطني السنن 2/ 256.
(9)
بحر الدم ص 107 رقم 179. وقال ابن معين: كان أثبت الناس في ابن جريج شرح علل الترمذي 2/ 682.
يغلط ويخطئ، وإن كان لم يكن متهماً بالكذب
(1)
، وحجاج قد تابعه الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء مرسلاً، ورواية حجاج عن ابن جريج إذا انفرد أقوى من رواية حفص وعلي بن عاصم، فكيف وقد تابعه مثل الثوري؟
(2)
.
قال البيهقي ـ بعد حكاية عبد الله لإنكار أحمد لهذا الحديث ـ وكذلك رواه الثوري وغيره عن ابن جريج مرسلاً، وروى علي بن عاصم، عن ابن جريج كما رواه حفص، وهو وهم، والله أعلم
(3)
.
مثال آخر:
قال أبو طالب: "سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن أبي الموال، قال: عبد الرحمن لا بأس به، قال: كان محبوساً في المطبق حين هزم هؤلاء، يروي حديثاً لابن المنكدر عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستخارة، ليس يرويه أحد غيرُه، هو منكر. قلت: هو منكر؟ قال نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلطٌ يقولون: ابن المنكدر، عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت، عن أنس، يحيلون عليهما"
(4)
.
فصرح الإمام أحمد بأن هذا الحديث "منكر"، وأن مقصوده بذلك أن الحديث خطأ، يوضّح ذلك قوله: "أهل المدينة إذا كان حديث غلطٌ
…
"، فدل على أن هذا الحديث غلط عنده، والقرينة المرجحة لوقوع الخطأ هو تفرد راويه عبد الرحمن بن أبي الموال به، وقد وثقه، وإن كان لم يجعله في المرتبة الأولى من الثقة، بل قد أشار إلى أن فيه ليناً ما. فروى المرّوذي أنه قال فيه: "ما أرى بحديثه
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 156 رقم 70.
(2)
أخرجه ابن أبي شبية 3/ 304 رقم 14437.
(3)
السنن الكبرى 3/ 393.
(4)
الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 1616.
بأس، هو ممن يحتمل"
(1)
، فكأنه عند الإمام أحمد ليس له من الثقة ما يحتمل تفرده بهذا الأصل
(2)
.
ووجه مطابقة هذا المعنى للمعنى اللغوي للمنكر أن الخطأ خلاف الواقع والثابت، وذلك يتضمن مخالفته للمعروف.
وقد تقدم في مبحث الإعلال بكذب الراوي أنه أطلق "المنكر" على الحديث الموضوع، وأن وجه ذلك هو تحقق خطأ راويه وإن كان غير معروف بتعمد الكذب، مثل ما قال في بعض أحاديث عثمان بن أبي شيبة التي أنكرها عليه وقال إنها موضوعة، واعتذر له بأنه حدّث بتلك الأحاديث على سبيل التوهم والغلط
(3)
.
فهذه المعاني التي وقفت على إطلاق الإمام أحمد المنكر عليها.
وقبل استخلاص المعنى الاصطلاحي للمنكر عنده أذكر ما ورد عن بعض أهل هذا العلم من تفسير المنكر عند الإمام أحمد، وذلك في المسألة الثالثة.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 226 رقم 436.
(2)
أما الإمام البخاري وغيره من أصحاب الكتب الستة ـ ما عدا الإمام مسلم ـ فأخرجوا الحديث انظر: صحيح البخاري 11/ 183 ح 6382 مع فتح الباري. وقال ابن عدي: هو ـ أي عبد الرحمن بن أبي الموال ـ مستقيم الحديث، والذي أنكر عليه حديث الاستخارة، وقد روى حديث الاستخارة غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن أبي الموال الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 1617.
لكن أشار الحافظ ابن حجر إلى أنه ليس في شيء من تلك الأحاديث ذكر الصلاة سوى حديث جابر فتح الباري 11/ 184.
ويحتمل أن يكون إخراج البخاري للحديث لكونه لم يتضمن أصلاً في الحلال والحرام، بل هو في باب الفضائل التي يتسامح في شروط القبول فيها، والله أعلم.
(3)
انظر: ص 194 - 195.
المسألة الثالثة: تفسير بعض أهل العلم لمعنى "المنكر" عند الإمام أحمد
.
قد اعتنى العلماء العارفون بالإمام أحمد وبمنهجه بذكر معنى المنكر عند الإمام أحمد لكثرة استعماله له، ومن هؤلاء العلماء:
الأثرم:
وأول من وقفت له على تفسير مصطلح "المنكر" عند الإمام أحمد تلميذه أبو بكر أحمد بن محمد بن هاني الأثرم.
قال الأثرم: "سمعت أبا عبد الله ذكر حديث الفضل بن دَلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حُريث، عن سلمة بن المحبِّق، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلاً" فقال: هذا حديثٌ منكر، يعني خطأ"
(1)
.
ثم بيّن الأثرم وجه الخطأ، فذكر الرواية الصحيحة للحديث: عن الحسن، عن حطّان، عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما رواه قتادة، ومنصور بن زاذان
(2)
. والفضل بن دلهم وإن كان الإمام أحمد قال فيه: ليس به بأس كما في رواية الأثرم، إلا أنه خالف من هو أولى منه حفظاً وكثرة فتعين الحكم عليه بالخطأ.
فقد فهم الأثرم أن هذا الاصطلاح يستعمله الإمام أحمد في وصف الحديث الذي وقع الخطأ في روايته سواء في الإسناد أو في المتن، مما يدل على أن اللفظ كان معروف المعنى عند أصحاب الإمام أحمد.
ابن رجب:
والحافظ ابن رجب أيضاً ممن عرّف بالمنكر عند الإمام أحمد، وكان من أعلم الناس بأقوال الإمام أحمد في الرجال وعلل الحديث.
قال الحافظ ابن رجب معلقاً على قول الإمام أحمد المتقدم في حديث
(1)
تهذيب الكمال 23/ 221.
(2)
الموضع نفسه.
حسين بن علي بن الحسين في مواقيت الصلاة: "حديثه الذي روى في المواقيت ليس بالمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه"، قال ابن رجب:"وإنما قال الإمام أحمد ليس بالمنكر، لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيرُه، لأن قاعدتَه أن ما انفرد به ثقةٌ، فإنه يتوقف فيه حتى يُتابع عليه، فإن توبع عليه زالت نكارته، خصوصاً إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والاتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان وابن المديني وغيرهما"
(1)
.
وذكر أيضاً أن كلام الإمام أحمد في النكارة قريب من كلام يحيى القطان، وهو أن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر، ولا تزول النكارة إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر.
فهنا أطلق النكارة عليه بينما قيده في الموضع الأول بأن ذلك في الثقة الذي لم يشتهر بالحفظ والإتقان.
ثم ذكر ابن رجب جملة من الأحاديث وصفها الإمام أحمد بالنكارة وهي من هذا النوع منها:
حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع الولاء وهبته
(2)
. قال المرُّوذي: وسألته عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فقال لي:"ثقة إلا حديث واحد يرويه عن ابن عمر قال: الولاء لا تُباع ولا توهب، ونافع قال في قصة بريرة: "الولاء لمن أعتق"
(3)
يشير إلى أن عبد الله بن دينار لم يتابع عليه، وأن الصحيح ما روى نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الولاء
(1)
فتح الباري لابن رجب 3/ 15.
(2)
أخرجه البخاري 5/ 167 ح 2535، ومسلم 2/ 1145 ح 1506.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 229 رقم 450.
لمن أعتق"، لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته
(1)
.
والصحيح أن هذا الحديث لم ينكره الإمام أحمد لمجرد تفرد عبد الله بن دينار به، بل لأنه إضافة إلى تفرده فقد خولف، وذلك من ثلاثة أوجه:
الأول: أن نافعاً لم يذكره عن ابن عمر، ونافع وسالم أوثق الناس عن ابن عمر.
الثاني: ما أشار إليه الإمام أحمد أن نافعاً روى عن ابن عمر مرفوعاً: "الولاء لمن أعتق"، فأضاف الولاء إلى المعتِق بلام التمليك والاختصاص، وهذا المعنى معارض لقوله: الولاء لا يُباع ولا يُوهب.
الثالث: أن نافعاً قد روى عن ابن عمر النهي عن بيع الولاء وعن هبته من قوله هو غير مرفوع
(2)
.
ومما ذكره الحافظ ابن رجب من الأدلة الدالة على اعتبار الإمام أحمد تفرد الثقات منكراً أنه وصف بعض الرواة الثقات بأنهم يروون أحاديث مناكير، منهم بُريد بن عبد الله ابن أبي بُردة
(3)
، ومحمد بن إبراهيم التيمي المنفرد برواية حديث الأعمال بالنيات
(4)
، وزيد بن أبي أنيسة
(5)
، وعمرو بن الحارث
(6)
،
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 629، 653.
(2)
رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مصنف عبد الرزاق 9/ 5.
(3)
قال عنه أحمد: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بُردة، بُريد يروي أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 11 رقم 1380.
(4)
قال أحمد: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة المصدر السابق 1/ 566 رقم 1355.
(5)
قال عنه أحمد في رواية الأثرم: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، وهو على ذلك حسن الحديث الضفعاء للعقيلي 2/ 428.
وفي رواية المرُّوذي: سألته ـ يعني أبا عبد الله ـ عن زيد بن أبي أنيسة كيف هو؟ فحرّك يده وقال: صالح، وليس هو بذاك العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 85 رقم 118.
(6)
قال عنه أحمد: ليس في أهل مصر أحسن حديثاً من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه. وقال في رواية الأثرم: قد كان عمرو بن الحارث عندي، ثم رأيت له أشياء مناكير تهذيب الكمال 21/ 573.
والحسين بن واقد
(1)
، وخالد بن مخلد
(2)
. وهو مخالف لتصرف الشيخين والأكثرين، فإنهم يرون أن ما رواه الثقة عن الثقة إلى منتهاه وليس له علة فليس بمنكر، ثم ذكر عن الإمام مسلم ما حكاه عن أهل العلم أن الثقة إذا أمعن في موافقة الثقات في حديثهم، ثم تفرد عنهم بحديث قبل ما تفرد به
(3)
.
قال ابن رجب: فتلخص من هذا أن النكارة لا تزول عند يحيى القطان، والإمام أحمد، والبرديجي وغيرهم من المتقدمين إلا بالمتابعة
(4)
لكن قيد هذا الإطلاق في موضع آخر بأنه خاص بحالة من لم يشتهر بالحفظ والإتقان كما تقدم.
ابن حجر:
قال الحافظ في ابن حجر في قول الإمام أحمد في بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة: يروي أحاديث مناكير، قال ابن حجر:"أحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة"
(5)
.
وكذلك قال في الجواب عن قول الإمام أحمد في محمد بن إبراهيم أنه يروي أحاديث مناكير، قال ابن حجر: "المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على
(1)
قال عنه أحمد: لا بأس به، وأثنى عليه خيراً، وقال في رواية الميموني: له أشياء مناكير. في رواية عبد الله: ما أنكر حديث حُسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة الجرح والتعديل 3/ 66، العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 228 رقم 444، العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 301 رقم 497.
(2)
قال عنه أحمد: له أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 18 رقم 1403. وهو راوي حديث: من عادى لي ولياً
…
قال الذهبي: هذا حديث غريب جداً لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه من منكرات خالد بن مخلد ميزان الاعتدال ترجمة 2463.
(3)
انظر: شرح علل الترمذي 2/ 657 - 658.
(4)
المصدر نفسه 2/ 659.
(5)
مقدمة فتح الباري ص 392.
الحديث الذي لا متابع له"
(1)
.
وقال أحمد في يزيد بن عبد الله بن خُصيف: منكر الحديث، قال ذلك في رواية الآجري، عن أبي داود
(2)
. وقد قال عنه في رواية الأثرم: ثقة ثقة
(3)
؛ وفي رواية عبد الله: لا أعلم إلا خيراً
(4)
. فقال ابن حجر في هذا القول: "هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله"
(5)
.
وهكذا أطلق الحافظ في هذه المواضع أن الإمام أحمد يطلق "المنكر" على الحديث الفرد المطلق.
وقيد ذلك في موضع آخر: فقال "أطلق الإمام أحمد، والنسائي وغير واحد من النُّقاد لفظ "المنكر" على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده"
(6)
.
المسألة الرابعة: التعريف الاصطلاحي للمنكر عند الإمام أحمد
.
مما تقدم يترجح لدي أن التعريف المرضي للمنكر بحسب إطلاقات الإمام أحمد لهذا اللفظ هو: الحديث الذي ترجح خطأ راويه بتفرد من لا يحتمل تفرده
(1)
المصدر نفسه ص 437.
(2)
نقل ذلك المزي بصيغة الجزم تهذيب الكمال 32/ 173، ولم أقف عليها في المطبوع من سؤالات الآجري.
(3)
الجرح والتعديل 9/ 274، ومن أجل هذا وما ورد عن سائر الأئمة مثل ابن سعد، وأبي حاتم، والنسائي أنه ثقة، بل قال فيه ابن معين: ثقة حجة، استنكر د. بشار عواد ثبوت رواية الآجري عن الإمام أحمد انطر: تهذيب الكمال الموضع نفسه. ويؤيده أن ابن عدي لم يذكره في الكامل، وذكره الذهبي في الميزان ترجمة 9723، لكن لم يذكر له حديثاً منكراً، والله أعلم.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 490 رقم 3232.
(5)
مقدمة فتح الباري ص 453.
(6)
النكت على كتاب ابن الصلاح 2/ 674.
أو المخالفة للثابت المعروف.
فهذا التعريف يصدق على المنكر بمعنى خلاف المعروف، وبمعنى الفرد الذي ليس له متابع وليس لراويه من الثقة ما يحتمل تفرده، وبمعنى ما ليس له أصل، وبمعنى الحديث الذي ترجح خطأ راويه.
المطلب الثالث: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الثقة
.
الذي يدل عليه منهج الإمام أحمد في هذا الباب أن الأصل عنده قبول ما تفرد به الراوي الثقة البارز في علمه وإتقانه، ويدل على ذلك النصوص التالية:
قال الحسن بن محمد الزعفراني
(1)
: "قلت لأحمد بن حنبل: من تابع عفاناً في حديث كذا وكذا؟ قال: وعفان يحتاج إلى أن يُتابعَه أحدٌ ـ أو كما قال"
(2)
.
فهذا يدل على أن مثل عفان بن مسلم الصفار إذا روى حديثاً ولم يتابعه عليه أحدٌ فإنه مقبول، ومثله ليس ممن يتوقف في قبول ما تفرد به.
وقيل لأحمد في حديث تفرد به عبد الله بن إدريس: أحد يقول ذلك غيره؟ فقال: يكفيك بابن إدريس، وذلك فيما:
قال صالح بن أحمد بن حنبل: "حدثنا أبي: قال: حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم، عن أبان بن عثمان، عن عثمان قال: "لا شُفعة في بئر ولا فحل"
(3)
ولا الأُرَف
(4)
، إذا علم كل قوم حقهم تقطع كل شفعة. قلت له: أحد يقول: والأرف غير ابن إدريس؟ فقال: يكفيك بابن إدريس"
(5)
.
(1)
هو الحسن بن محمد بن الصباح أبو علي الزعفراني. سمع ابن عيينة، وعبيدة بن حُميد، وإسماعيل
ابن علية. وروى عن أحمد. وثقه النسائي. توفي سنة 260 هـ. روى له البخاري والأربعة طبقات الحنابلة 1/ 138، سير أعلام النبلاء 12/ 262.
(2)
تاريخ بغداد 12/ 274.
(3)
قال ابن إدريس: الفحل فحل النخل السنن الكبرى 6/ 105.
(4)
هي المعالم. فسرها ابن إدريس نفسه في رواية أبي عبيد عنه كما رواها البيهقي السنن الكبرى 6/ 105. وقال ابن الأثير: الأُرَف جمع أُرْفة، وهي الحدود والمعالم، ومنه حديث عثمان: الأُرف تقطع الشفعة النهاية في غريب الحديث 1/ 39.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه صالح 3/ 185 - 186 رقم 1612 - 1613.
هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة
(1)
، والبيهقي
(2)
.
والشاهد فيه أن صالحاً سأل عن ثبوت لفظة: والأُرَف في الأثر، فإنه لا يقولها غير عبد الله بن إدريس، فقد روى مالك الحديث عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم، عن عثمان بن عفان بلفظ:"إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شُفعة فيها، ولا شفعة في بئر ولا في فحل النخل"
(3)
، فلم يذكر الأُرَف. فأجاب أحمد بقوله: يكفيك بابن إدريس، أي تفرده مقبول لثقته ورفعته في العلم.
قال أحمد في عبد الله بن إدريس: هو نسيج وحده
(4)
. وهذه مبالغة في مدحه وثنائه
(5)
.
ومثال آخر:
قال الميموني: وقال ابن حنبل: ليس نجد أحداً يرفع غيرُ زُهير ـ يعني في المحرم إذا لم يجد نعليْه ـ وكان زهير من معادن العلم
(6)
فهذا الحديث تفرد به زهير من هذا الوجه ولفظه: "من لم يجد نعلين
(1)
المصنف 4/ 520 ح 22744 عن عبد الله بن إدريس، ومن طريقه ابن حزم المحلى 9/ 83.
(2)
السنن الكبرى 6/ 105 من طريق أبي عبيد.
(3)
الموطأ 2/ 717، ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق المصنف 9/ 80 ح 14393. وتابع ابنَ إدريس على ذكر أبان بن عثمان صفوانُ بن عيسى قاله الدارقطني في العلل 3/ 15.
ورواه محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبي طوالة، عن أبان بن عثمان، عن عثمان. أخرجه عبد الرزاق المصنف 8/ 88 ح 14428.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 436 رقم 973. قال ابن معين: هو ثقة في كل شيء. وقال أبو حاتم: هو حجة يحتج بها، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت تهذيب الكمال 14/ 297 - 299.
(5)
معنى نسيج وحده أي لا نظير له في علم أو غيره، وهو مثل قولك: فلان واحد عصره، وقريع قومه لسان العرب، مادة:"ن س ج" 2/ 376.
(6)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 243 رقم 484.
فليلبس خفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل"
(1)
.
ولفظ الحديث معروف من حديث ابن عباس. أخرجاه من رواية عمرو ابن دينار، عن جابر بن زيد عنه
(2)
.
وظاهر كلام أحمد يدل على قبوله هذا التفرد من زهير، لأنه قال:"كان زهير من معادن العلم"، وهذا مشعر بقبوله لما تفرد به. وقد قال في موضع آخر عن زهير:"حفاظ الحديث أو المتثبِّتين في الحديث أربعة: سفيان الثوري، وشعبة، وزُهير، وزَائدة"
(3)
.
وقال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله يقول: علم الناس إنما هو عن شعبة، وسفيان، وزائدة، وزُهير، هؤلاء أثبت الناس، وأعلم بالحديث من غيرهم"
(4)
.
وسئل أحمد في رواية محمد بن يحيى الذهلي عن حديث زهير، عن أبي الزبير، عن جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ السجدة وتبارك"، قال: حسبك بزُهير إذا جاء بالشيء، زهير ثقة، وإنما ذلك ليث رواه. ا. هـ
(5)
.
(1)
أخرجه مسلم صحيح مسلم 2/ 836 ح 1179، وعلي بن الجعد مسند علي بن الجعد ص 385 ح 2638، والطيالسي ص 240 ح 1735. وأحمد المسند 22/ 356 ح 14465، وابن أبي شيبة 3/ 439 ح 15777، والطحاوي شرح معاني الآثار 2/ 124، والدارقطني السنن 2/ 228، والبيهقي 5/ 51 من طرق عن زهير به.
(2)
صحيح البخاري 4/ 57 ح 1841، صحيح مسلم 2/ 835 ح 1178.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 601 رقم 3855.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 213 رقم 2163.
(5)
بحر الدم ص 160 - 161. وهذا الحديث رواه عدد من الرواة عن أبي الزبير، منهم ليث
ابن أبي سليم كما قال أحمد. رواه من طريقه الترمذي الجامع 5/ 165 ح 2892، والنسائي السنن الكبرى 6/ 178 ح 10543، وأحمد المسند 23/ 26 ح 14659، والدارمي السنن 2/ 455، وعبد بن حميد مسند عبد بن حميد 1/ 318 ح 1040.
ومنهم المغيرة بن مسلم الخراساني: أخرج حديثه النسائي أيضاً الكبرى ح 10544.
ومنهم عبد الحميد بن جعفر: أخرج حديثه الطبراني المعجم الأوسط 2/ 132 ح 1483.
فكلهم رووه عن أبي الزبير عن جابر.
ورواه زهير بن معاوية، عن أبي الزبير: أسمعت أن جابراً يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، قال أبو الزبير حدثنيه صفوان أو أبو صفوان. ا. هـ وفي رواية عند الترمذي: أو ابن صفوان. أخرجه النسائي الكبرى 6/ 178 ح 10545، وانظر: جامع الترمذي 5/ 165.
وصفوان الذي يروي عنه أبو الزبير هو صفوان بن عبد الله الأكبر بن صفوان بن أمية الجمحي المكي. قال عنه ابن حجر: ثقة تقريب التهذيب 2952. فالحديث صحيح.
فهذا يفيد أن زهير إذا جاء بالحديث فهو مقبول، وإن تفرد به. وكأن الإمام أحمد لم يقف على رواية حديث أبي الزبير هذا إلا من طريق ليث.
ومما أخذ به وهو عنده مما تفرد الثقة بروايته:
قال أبو طالب: "قال أحمد بن حنبل: لم يرو أحد: "لا يقرأ الجنب" غير شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلِمة، عن علي. قال سفيان بن عيينة: سمعت هذا الحديث من شعبة. قال سفيان: قال شعبة: لم يرو عمرو بن مرة أحسن من هذا الحديث، وقال شعبة: روى هذا الحديث عبد الله بن سلِمة بعد ما كبر"
(1)
.
هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الثلاث من طريق شعبة
(2)
، وهو عند أحمد من طرق عن شعبة
(3)
.
وقد أخذ الإمام أحمد بظاهر هذا الحديث في رواية موسى بن عيسى الجصاص
(4)
، فقال: [لا يقرأ الجنب شيئاً من القرآن، والتسبيح رُخّص فيه، أما
(1)
الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 1487.
(2)
سنن أبي داود 1/ 155 ح 229، سنن النسائي 1/ 144 ح 265، سنن ابن ماجه 1/ 195 ح 594.
(3)
المسند ح 627، 639، 840، 1011.
(4)
قال عنه الخلال: ورع زاهد، سمع يحيى القطان وابن مهدي، كان لا يحدث إلا بمسائل أبي عبد الله وشيء سمعه من أبي سليمان الداراني في الزهد والورع طبقات الحنابلة 1/ 333.
أن يتعمد الآية أو السورة، لا يُعجبني]
(1)
، مع قوله بأنه لم يروه أحد غير شعبة، فدل على أن تفرد الثقة مثل شعبة بالحديث مقبول عنده.
وقول الإمام أحمد: لم يروه أحد غير شعبة مشكل، فقد رواه في مسنده عن أبي معاوية، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرّة به
(2)
. كما روي من طريق الأعمش، وابن أبي ليلى كلاهما عن عمرو بن مرة
(3)
، ورواه ابن عيينة، عن شعبة ومِسعَر
(4)
، فالله أعلم.
وقد نُقل عن الخطابي أنه قال: إن الإمام أحمد كان يوهِّن هذا الحديث، ويضعّف أمر عبد الله بن سلِمة
(5)
، فهذا وجه آخر لإعلال الحديث لدى بعض الناس
(6)
. فإن صحت هذه الرواية فيحمل ما تقدم من أخذ الإمام أحمد بمقتضى
(1)
طبقات الحنابلة 1/ 333.
(2)
المسند 2/ 345 ح 1123.
(3)
أخرجه الترمذي الجامع 1/ 273 ح 146، والطحاوي شرح معاني الآثار 1/ 87. ورواه النسائي من حديث الأعمش وحده عن عمرو السنن 1/ 158 ح 266.
(4)
أخرجه ابن حبان الإحسان 3/ 79 ح 799، 800، والدارقطني السنن 1/ 119.
(5)
تنقيح التحقيق 1/ 137.
(6)
وبعضهم يعلّ الحديث بعبد الله بن سلمة، فإنه كان قد كبر فاختلط. قال يحيى القطان: وكان شعبة يقول في هذا الحديث: نعرف وننكر ـ يعني أن عبد الله بن سلمة كان كبر حين أدركه عمرو المنتقى لابن الجارود 1/ 98.
ومع ذلك كان شعبة يحسن هذا الحديث، قال سفيان بن عيينة: قال لي شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه سنن الدارقطني 1/ 119.
وصححه الترمذي الموضع السابق، وكذلك ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 1/ 104 ح 208، وابن حبان الإحسان 3/ 79 ح 799. ونقل الحافظ ابن حجر أن كلاً من ابن السكن وعبد الحق قد صححه تلخيص الحبير 1/ 139. وأما هو فحسن الحديث وقال: هو من قبيل الحسن يصلح للحجة فتح الباري 1/ 408.
ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: أهل الحديث لا يثبتونه. وضعفه النووي أيضاً تلخيص الحبير الموضع نفسه.
وضعفه الألباني إرواء الغليل 2/ 241 ح 485.
الحديث من باب أخذه بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب غيره.
خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب:
الأمثلة التي تقدم إيرادها تدل على الأصل الذي صدّرنا به هذا المطلب، وهو أن تفرد الراوي الثقة البارز في الحفظ والإتقان مقبول عند الإمام أحمد، وليس بمنكر. وقد جاء عن الإمام أحمد ما يدل على تركه لهذا الأصل في بعض المواضع، وذلك لاعتبارات تظهر لمن تتبع تلك المواضع بالنظر والدراسة.
فمن تلك الاعتبارات أن يكون الراوي الثبت معروفاً باتكاله على حفظه حتى سجلت له أخطاء عن شيخه الذي تفرد عنه. مثال ذلك:
روى عبد الله قال: "قال أبي في حديث وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في المسلم يقتل الذِّمِّي خطأً، قال: كفارتُهما سواء. قال أبي: ليس يرويه غيرُ وكيع، ما أُراه إلا خطأ"
(1)
.
فهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة
(2)
عن وكيع، ولم يقبله أحمد لأن راويَه وكيع قد تفرد به، ووكيع إمام حافظ، ومع ذلك لم يقبل ما تفرد به، ويبدو أن ذلك راجع إلى كون وكيع يعتمد على حفظه، فصار احتمال وقوع الأخطاء في رواياته قوياً. قال الفضل بن زياد:"قال أحمد بن حنبل: كان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! "
(3)
، ومن أجل ذلك كان عبد الرحمن أكثر إصابة عند الإمام أحمد من وكيع في حديث
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 325 رقم 573.
(2)
مصنف ابن أبي شيبة 5/ 415 ح 27540.
(3)
المعرفة والتاريخ 2/ 197.
الثوري
(1)
، لأن عبد الرحمن كان صاحب كتاب. وتوقف أحمد عن تقديم وكيع على محمد بن يوسف الفريابي فيما تفرد به، قال أبو داود:"إذا اختلف الفِريابي ووكيع، أليس يُقضى لوكيع؟ قال: مثل ماذا؟ قلت: ما لم يروه غيره. قال: ما أدري، وكيع ربما خولف أيضاً"
(2)
. فأشار إلى أن وكيعاً ربما تفرد بأشياء يخالَف فيها.
وهذه الرواية لم ينفرد وكيع بها عن الثوري كما ذكر الإمام أحمد، بل تابعه عبد الرزاق، وتابعه أيضاً معمرٌ متابعة قاصرة عن منصور
(3)
. ولعل الإمام أحمد وقف على هذه الرواية فيما بعدُ فذكر صحة نسبة هذا القول إلى إبراهيم. قال ابن قُدامة: "قال أحمد: الشعبي والنخعي قالا: دية المجوسي، واليهودي، والنصراني مثل دية المسلم، وإن قتله يُقتل به، هذا عجب، يصير المجوسي مثل المسلم، سبحان الله، ما هذا القول! واستبشعه وقال: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يُقتل مسلم بكافر" وهو يقول: يُقتل بكافر، فأي شي أشد من هذا! "
(4)
، وبهذا يجمع بين إنكاره لرواية وكيع وقبوله لمقتضاها في موضع آخر.
وهذا الاعتبار نفسه ـ أعني كون الراوي المتفرد مع حفظه قد حُفظت له أخطاء وقع فيها ـ هو الذي يعود إليه إنكار الإمام أحمد لحديثين رواهما عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وتفرد بهما عن عطاء: أحدهما حديث الشفعة بالجوار، والثاني حديث تنكح المرأة لثلاث.
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: حدثنا بحديث الشفعة، حديث
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 427 رقم 940.
(2)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص 199 رقم 139.
(3)
أخرجه عبد الرزاق المصنف 10/ 98 ح 18500، 18499 لكن بلفظ:"دية الذمي دية المسلم". ولفظ حديث معمر عن منصور، عن إبراهيم:"دية اليهودي والنصراني والمجوسي مثل دية المسلم". قال معمر: وقاله الشعبي.
(4)
المغني 11/ 466.
عبدالملك، عن عطاء، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هذا حديث منكر"
(1)
.
وقال أبو زرعة الدمشقي: "وسمعت يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل يقولان في حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر في الشُّفعة، قالا لي: قد كان هذا الحديث ينكر عليه. وسمعت أحمد ويحيى يقولان: كان عبد الملك بن أبي سليمان ثقة"
(2)
.
وحديث عبد الملك في الشفعة بالجوار أخرجه أبو داود
(3)
، والترمذي
(4)
، وابن ماجه
(5)
، وأبو داود الطيالسي
(6)
، وأحمد
(7)
، وابن أبي شيبة
(8)
، والطحاوي
(9)
، والبيهقي
(10)
. ولفظه: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً".
وقد تفرد به عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، ومن أجله تكلم فيه شعبة. وقال: لو روى حديثاً آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه، ومثله عن يحيى القطان
(11)
.
ومما يدل على أن تفرده هو علة نكارته عند شعبة أن وكيعاً روى عن شعبة
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 281 رقم 2256.
(2)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/ 460 رقم 1169.
(3)
سنن أبي داود 3/ 787 ح 3518.
(4)
الجامع 3/ 651 ح 1369.
(5)
سنن ابن ماجه 2/ 833 ح 2494.
(6)
مسند الطيالسي ص 234 ح 1677.
(7)
المسند 22/ 155 ح 14253.
(8)
المصنف 4/ 384 ح 21298، 4/ 518 ح 22721.
(9)
شرح معاني الآثار 4/ 120.
(10)
السنن الكبرى 6/ 106.
(11)
الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 1940.
أنه قال لهم: "لو كان شيئاً يُقوِّيه! "
(1)
، أي لو وجد له متابعٌ أو شاهدٌ يقويه لكان مقبولاً.
وكذلك أنكره الإمام أحمد، ويحيى بن معين على عبد الملك كما تقدم في السؤال. وقال البخاري: لا أعلم أحداً رواه عن عطاء غير عبد الملك بن أبي سليمان، وهو حديثه الذي تفرد به، ويروى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف هذا
(2)
.
وإنما أنكرا عليه هذا الحديث لتفرده به عن جابر، فلم يذكره أحد من أصحاب عطاء. قال الترمذي: إنما ترك شعبة عبد الملك لهذا الحديث، لم يجد أحداً رواه غيره
(3)
.
وعبد الملك بن أبي سليمان قد وثقه الإمام أحمد كما تقدم، بل قال في رواية عبد الله: كان من الحفاظ
(4)
. لكن قال في رواية صالح: "عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ، إلا أنه كان يُخالف ابن جريج في إسناد أحاديث، وابن جُريج أثبت منه عندنا"
(5)
. وقال في رواية أبي داود: "هو ثقة، قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من حفاظ أهل الكوفة، إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء"
(6)
. وقد ذكر الإمام أحمد حديثاً آخر لعبد الملك خالف فيه ابنَ جريج فقضى الإمام أحمد لابن جريج
(7)
.
وقال عبد الله: "قال أبي مرة أخرى، وذكر عطاء فقال: أثبت الناس في عطاء ابن جُريج، وعمرو بن دينار"
(8)
.
(1)
الموضع نفسه.
(2)
علل الترمذي الكبير 1/ 571.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 535 رقم 1264.
(5)
الجرح والتعديل 5/ 367.
(6)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 296 رقم 358.
(7)
انظر: العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 254 رقم 5123.
(8)
الموضع نفسه.
فمن سجلت عليه مخالفات لمن هو أوثق منه عن شيخ معين تأثرت به روايته عنه، فيتوقف في قبول ما تفرد به عنه. وأشار الإمام مسلم إلى هذا الضابط في مقدمة صحيحه حيث قال:"وحكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث، أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه قُبلت زيادتُه"
(1)
.
ثم حديثه هذا مخالف لما رواه أبو سلمة وأبو الزبير عن جابر، وهذا ما أشار إليه البخاري من أنه يروى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف هذا، وقد صرح به ابن عبد البر
(2)
.
(1)
صحيح مسلم 1/ 7.
(2)
التمهيد 7/ 48. قال: وليس عبد الملك هذا مما يعارض به أبو سلمة وأبو الزبير وفيما ذكرنا من روايتهما عن جابر ما يدفع رواية عبد الملك هذه.
وقد أوضح بعض الأئمة عدم التعارض بين حديث عبد الملك وما رواه غيره عن جابر. قال ابن القيم: والذين ردّوا حديثه ظنوا أنه معارض لحديث جابر الذي رواه أبو سلمة عنه: "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، وفي الحقيقة لا تعارض بينهما، فإن منطوق حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميز الحدود وتصريف الطرق واختصاص كل ذي ملك بطريق، ومنطوق حديث عبد الملك إثبات الشّفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق حديث أبي سلمة وأبي الزبير غير معارض له، وهذا بين وهو أعدل الأقوال في المسألة تهذيب السنن 9/ 309.
وكذلك قال ابن عبد الهادي، وزاد: وطعن شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا يقدح في عبد الملك، فإن عبد الملك ثقة مأمون، وشعبة لم يكن من الحذاق في الفقه ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضها، وإنما كان إماماً في الحفظ، وطعن من طعن فيه إنما هو اتباعاً لشعبة تنقيح التحقيق 3/ 58.
وهذا الكلام يستقيم لو كان ردهما لمجرد المخالفة، أما وأن ردهما ـ وبخاصة الإمام أحمد ـ من أجل تفرد عبد الملك بن أبي سليمان، ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد عن عطاء، ثم عن جابر لتأخر منزلته في الحفظ من بين أصحاب عطاء، فإعلال الأئمة لحديثه قائم، والعلم عند الله.
والحديث الثاني الذي أنكره الإمام أحمد على عبد الملك بن أبي سليمان هو:
قال أبو زرعة: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: وقد كان يُنكر من حديثه ـ أي عبد الملك بن أبي سليمان ـ عن عطاء، عن جابر: "تنكح المرأة على ثلاث"
(1)
.
وهذا الحديث رواه الترمذي
(2)
، من طريق إسحاق الأزرق، وابن أبي شيبة
(3)
من طريق عبدة بن سليمان كلاهما عن عبد الملك به، ولفظه:"إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدِّين تربت يداك". ورواه الدارمي من طريق علي بن مسهر، عن عبد الملك بلفظ: "تنكح المرأة لأربع
…
"
(4)
، فذكره بمثل لفظ حديث أبي هريرة في هذا المعنى
(5)
.
ورواه مسلم
(6)
، من طريق عبد الله بن نمير، والنسائي
(7)
من طريق خالد بن الحارث، وأحمد
(8)
، والبيهقي
(9)
، وابن عبد البر
(10)
من طريق إسحاق الأزرق، وأحمد
(11)
من طريق يحيى القطان كلهم عن عبد الملك بلفظ: تزوجتُ امرأةً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا جابر تزوجتَ؟ " قال: نعم، قال:"أبكرٌ أم ثيّبٌ"؟ قال: بل ثيّب. قال: "أفلا بكراً تلاعبها"؟ قال: يا رسول الله، إن
(1)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/ 460 رقم 1170.
(2)
الجامع 3/ 396 ح 1086.
(3)
المصنف 3/ 560 ح 17148.
(4)
سنن الدارمي 2/ 134.
(5)
أخرجه البخاري 9/ 132 ح 5090، ومسلم 2/ 1086 ح 1466.
(6)
صحيح مسلم 2/ 1087 ح 715.
(7)
السنن 6/ 65 ح 3221.
(8)
المسند 22/ 140 ح 14237.
(9)
السنن الكبرى 7/ 80.
(10)
التمهيد 19/ 167.
(11)
الموضع نفسه.
لي أخواتٌ فخشيت أن تدخل بيني وبينهن، قال فقال:"فذاك إذن، إن المرأة تُنكح في دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدين تربت يداك".
فتبين أن ما أنكره الإمام أحمد من حديث عبد الملك زيادة زادها في حديث جابر في قصة زواجه وبيعه بعيره للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم ترد هذه الزيادة إلا في حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء. وقد رواه ابن جريج عن عبد الملك ولم يذكرها
(1)
. وكذلك لم يذكرها كل من روى الحديث عن جابر، وهم عمرو ابن دينار
(2)
، ومحمد بن المنكدر
(3)
، ومحارب بن دثار
(4)
، والشعبي
(5)
، ووهب ابن كيسان
(6)
، وأبي نضرة
(7)
، وسالم بن أبي الجعد
(8)
، ونُبيح العنزي
(9)
، وأبي سفيان طلحة بن نافع
(10)
.
فإنكار الإمام أحمد لهذه الزيادة من باب إنكاره وغيره من الحفاظ للحديث الذي تفرد به في الشفعة.
ومن الاعتبارات التي يعود إليها خروجُ الإمام أحمد عن أصله في هذا
(1)
وحديثه عند البخاري 4/ 485 ح 2309، والنسائي السنن 6/ 61 ح 3220، وأبي عوانة 3/ 252 ح 4849، 3/ 253 ح 4850.
(2)
حديثه عند البخاري 9/ 513 ح 5367، 11/ 190 ح 6386، ومسلم صحيح مسلم 2/ 1087، 1088.
(3)
وحديثه عند سعيد بن منصور السنن 1/ 168 ح 510، وأحمد المسند 22/ 36 ح 14132.
(4)
وحديثه عند البخاري 9/ 121 ح 5080، ومسلم 2/ 1087 ح 55.
(5)
وحديثه عند البخاري 9/ 341 ح 5245، 5246، ومسلم 2/ 1088.
(6)
وحديثه عند البخاري 4/ 320 ح 2097، ومسلم 2/ 1089.
(7)
وحديثه عند مسلم 2/ 1089 ح 58.
(8)
وحديثه عند أبي داود ح 2048، وأحمد المسند 22/ 273 ح 14376، وابن حبان 14/ 447 ح 6517، والبيهقي 5/ 351.
(9)
وحديثه عند أحمد 23/ 147 ح 14861، وابن أبي شيبة المصنف 4/ 52.
(10)
وحديثه عند أحمد 23/ 172 ح 14896.
الباب أن يكون الراوي المتفرد مع كونه حافظاً مبرّزاً ليس في الطبقة الأولى من أصحاب شيخه الذي تفرد بالرواية عنه، إذا كان شيخه من المكثرين في الرواية وله تلاميذ كثر يعتنون بجمع أحاديثه، مثال ذلك:
قال أبو داود: "سمعت أحمد قال: عند عيسى حديث أنس، يعني عن سعيد، عن قتادة، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشُّفعة؛ قال أحمد: ليس بشيء. فقلتُ لأحمد: كلاهما عنده؟ أعني: عند عيسى، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، وعن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشُّفعة؟ فلم يَعْبأ إلى جَمعه الحديثين، وأنكر حديث أنس"
(1)
.
حديث عيسى بن يونس رواه ابن حبان
(2)
، والطحاوي
(3)
، والطبراني
(4)
، والضياء المقدسي
(5)
كلهم من طريقه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.
وقد تفرد عيسى بن يونس بهذه الرواية عن سعيد عن قتادة، عن أنس، قاله الطبراني
(6)
.
وأنكر الإمام أحمد هذه الرواية على عيسى بن يونس
(7)
، وتتابع الحفاظ من بعده على إنكاره عليه؛ فقال الإمام البخاري: "الصحيح حديث الحسن عن سمرة، وحديث قتادة، عن أنس غير محفوظ، ولم يُعرف أن أحداً رواه عن ابن أبي عروبة،
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 403 رقم 1902.
(2)
الإحسان 11/ 595 ح 5182.
(3)
شرح معاني الآثار 4/ 123.
(4)
المعجم الكبير 7/ 196 ح 6803، والمعجم الأوسط 8/ 118 ح 8146.
(5)
الأحاديث المختابرة 7/ 122 ح 2551.
(6)
المعجم الأوسط الموضع نفسه.
(7)
وفي العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله رقم 1481: سئل أبي عن حديث قتادة، عن أنس في الجوار قال: أخطأ فيه عيسى بن يونس.
عن قتادة، عن أنس غير عيسى بن يونس"
(1)
.
وقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة عن الحديث: "هذا خطأ، روى هذا الحديث همام، وحماد بن سلمة، فقال حماد بن سلمة: عن قتادة، عن الشريد، وقال همام: عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن الشريد، وقالا ـ أي أبو حاتم وأبو زرعة: نظن أن عيسى وهم فيه، فشبّه الشريد بأنس"
(2)
.
وقال الدارقطني: "رواه عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، ووهم فيه، وغيره يرويه عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وكذلك رواه شعبة وغيره عن قتادة، وهو الصواب"
(3)
.
ووجه عدم قبول الإمام أحمد لهذا التفرد من عيسى بن يونس، ومثله ممن يقبل منه تفرده على أصله في هذا الباب، هو أنه مع تثبت عيسى وثقته لكنه ليس من الطبقة الأولى من أصحاب سعيد بن أبي عروبة، فإنه بالرغم من منزلته في الثقة وصحة سماعه من ابن عروبة
(4)
، لم يكن من خاصة تلاميذه العارفين بحديثه والملازمين له من البصريين أهل بلده مثل يزيد بن زريع، وخالد بن الحارث، وابن علية، وعبد الوهاب الخفاف الذين جمعوا مع الثقة والتثبت طول الملازمة، فكيف تغيب عنهم هذه الرواية ولا يرويها إلا هو، ولم يسمع من سعيد إلا في قدمته إلى الكوفة، وروايات مختلفي الأمصار يعتريها ما يعتريها من الأوهام والأغلاط.
(1)
علل الترمذي الكبير 1/ 568 ح 228.
(2)
علل ابن أبي حاتم 1/ 477.
(3)
نقله عنه المقدسي الأحايث المختارة 7/ 124، وكذلك الزيلعي في نصب الراية 4/ 173. قال د. زهير بن ناصر الناصر: قول الدارقطني هذا لم أجده في السنن المطبوعة ولا في العلل في مسند أنس، والله أعلم.
(4)
كان سماعه منه بالكوفة في قدمته الأولى قبل اختلاطه مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 382 رقم 1745.
والرواية المحفوظة هي عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب. هكذا رواه أصحاب سعيد بن أبي عروبة، منهم إسماعيل بن عُلية
(1)
، وقد كان إليه المنتهى في التثبت بالبصرة
(2)
، وسماعه من سعيد قديم؛ أخذه عنه إملاء
(3)
مما يدل على مزيد ضبطه لحديثه؛ ومنهم عبد الوهاب بن عطاء الخفاف
(4)
، وكان من أعلم الناس بحديث سعيد
(5)
؛ وعبدة بن سليمان
(6)
، والمحاربي عبد الرحمن بن محمد
(7)
، والحسن بن صالح بن حيّ
(8)
.
وكذلك أصحاب قتادة رووه عنه عن الحسن، عن سمرة؛ هكذا رواه هشام الدستوائي
(9)
، وشعبة
(10)
، وهمام
(11)
، وحماد بن سلمة
(12)
. وهؤلاء ثقات أصحاب قتادة.
وقد روى عيسى بن يونس، عن سعيد، عن الحسن، عن سمرة، مثل رواية
(1)
حديثه عند الترمذي 3/ 650 ح 1368، وأحمد المسند 33/ 323 ح 20147.
(2)
قاله أحمد في رواية عبد الله الجرح والتعديل 2/ 154.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 296 رقم 5314.
(4)
وحديثه عند أحمد أيضاً المسند 33/ 312 ح 20128.
(5)
قاله أحمد تاريخ بغداد 11/ 22.
(6)
وقد تقدم أنه ثقة ثبت، وأن سماعه من سعيد كان بالكوفة قبل اختلاطه العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 163 رقم 86. وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف 4/ 518 ح 22720.
(7)
وحديثه عند الروياني في "مسنده" 2/ 55 ح 823.
(8)
وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير 7/ 197 ح 6804.
(9)
وحديثه عند أبي داود الطيالسي ص 122 ح 904، وأحمد المسند 33/ 363 ح 20199.
(10)
وحديثه عند أبي داود السنن 3/ 787 ح 3517، وأحمد 33/ 363 ح 20199، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال 2/ 729.
(11)
وحديثه عند أحمد المسند 33/ 279 ح 20088، والطبراني المعجم الكبير 7/ 196 ح 6802، والبيهقي السنن الكبرى 6/ 106.
(12)
وحديثه عند أحمد المسند 33/ 353 ح 20183.
الجماعة
(1)
، وذكر أبو داود هذه الرواية لأحمد كقرينة يمكن الاستدلال بها على أن جمعه للحديثين معاً يفيد كون الطريق الذي تفرد بها عن سعيد عن قتادة عن أنس محفوظاً، واعتمد هذه القرينة ابن القطان فصحح الروايتين عن عيسى بن يونس
(2)
.
وأما الإمام أحمد فلم يعبأ بهذه القرينة، ولم يقبل هذا التفرد من عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة، مع أنه من الأثبات عنده. فقد سئل عنه أحمد فقال: عيسى يُسأل عنه؟
(3)
. وسئل عن عيسى بن يونس، وأبي إسحاق الفزاري، ومروان بن معاوية أيهم أثبت؟ قال: ما فيهم إلا ثبت. قيل له: فمن تقدم؟ قال: ما فيهم إلا ثقة ثبت
…
(4)
.
وكذلك أحمد بن جناب راوي الروايتين عن عيسى بن يونس نص على أن عيسى بن يونس أخطأ في حديث أنس، فقد رواه ابن أبي خيثمة، عن أحمد بن جناب، عن عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ثم قال: قال أحمد بن جناب: أخطأ فيه عيسى بن يونس
(5)
.
(1)
أخرج هذه الرواية ابن القطان من طريق قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عيسى بن يونس به بيان الوهم والإيهام 5/ 444، نصب الراية 4/ 173، وكذلك الطحاوي من طريق علي بن بحر أحمد بن جناب عن عيسى بن يونس على ما ذكره الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة 2/ 207. والذي في شرح معاني الآثار من رواية علي بن بحر وأحمد بن جناب، عن عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن سمرة. فما أدري هل ذكر أنس في هذا الإسناد من خطأ النسخة المطبوعة أم لا؟ ولم يذكر الحافظ هذا الإسناد في مسند سمرة في الإتحاف 6/ 51. ونص أبو داود في سؤاله هذا للإمام أحمد أن عيسى بن يونس قد روى الحديث بمثل رواية الجماعة، كما نص على ذلك البزار مسند البزار، والطبراني المعجم الأوسط 8/ 118.
(2)
بيان الوهم والإيهام الموضع نفسه.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 479 رقم 3146.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 53 رقم 39.
(5)
انظر: إتحاف المهرة 2/ 207.
ومن ناحية أخرى، ما بال هذا الحديث لا يرويه أحدٌ من أصحاب قتادة عن أنس؟ وقتادة حافظ مكثر، صاحب تلاميذ معتنين بجمع حديثه وضبطه، فلماذا لم يرو الحديث أحد من هؤلاء التلاميذ، ولا يأتي إلا من طريق عيسى عن ابن أبي عروبة؟
ومن أجل هذه الاعتبارات خرج الإمام أحمد عن أصله فلم يقبل تفرد عيسى بن يونس وحكم على روايته بالخطأ.
ومن أمثلته أيضاً رد الإمام أحمد لتفرد وهب بن جرير عن شعبة، لأنه لم يكن من أهل الطبقة الأولى من تلاميذ شعبة.
قال أبو داود: "سمعت أحمد قيل له: وهب بن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل ـ يعني ابن أبي خالد ـ عن الشعبي، عن ابن عباس، صلى ـ يعني النبي صلى الله عليه وسلم على قبر؟ فأنكره وقال: ليس هذا من حديث إسماعيل"
(1)
.
هذا الحديث رواه مسلم
(2)
، وابن حبان
(3)
، والبيهقي
(4)
من طريق وهب ابن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل بن خالد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال:"أَتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر منبوذ فصلى عليه وصلينا معه".
ولم أقف على من تابعه على هذه الرواية عن شعبة أو عن غيره بذكر إسماعيل بن أبي خالد.
قال ابن عدي: ولم يقل عن شعبة، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي غير وهب بن جرير، والمعروف عن شعبة، عن الشيباني عن الشعبي
(5)
.
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 433 رقم 1997.
(2)
صحيح مسلم 2/ 658 ح 954 (68).
(3)
الإحسان 7/ 359 ح 3090.
(4)
السنن الكبرى 4/ 46.
(5)
الكامل في ضعفاء الرجال 7/ 2531.
هكذا رواه أصحاب شعبة: عن الشيباني، عن الشعبي عن ابن عباس؛ منهم غندر
(1)
، وحجاج بن المنهال
(2)
، ومعاذ بن معاذ
(3)
، وسليمان بن حرب
(4)
، ومسلم ابن إبراهيم
(5)
، وخالد بن الحارث
(6)
، وأبو داود
(7)
، وأبو الوليد الطيالسيّان
(8)
.
والحديث معروف لأبي إسحاق الشيباني، رواه عنه غير واحد
(9)
.
وقد روي أيضاً من حديث أبي حصين عن الشعبي
(10)
.
وتفرد به وهب بن جرير، عن شعبة من حديث إسماعيل بن أبي خالد، فأنكره الإمام أحمد، وقال: ليس هذا من حديث إسماعيل، فلم يعتبر بروايته لتكون أصلاً للحديث من رواية إسماعيل، بل ردها لأنه ليس ممن يقبل تفرده عن شعبة، فلم يكن من أهل الطبقة الأولى من أصحابه، بل كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: هنا قوم يحدثون عن شعبة ما رأيناهم عند شعبة، قال أحمد: قلت له: من
(1)
وحديثه عند البخاري 2/ 344 ح 857، ومسلم 2/ 658.
(2)
وحديثه عند البخاري 3/ 203 ح 1336.
(3)
وحديثه عند مسلم الموضع نفسه.
(4)
وحديثه عند البخاري 3/ 190 ح 1322.
(5)
وحديثه عند البخاري 3/ 186 ح 1319.
(6)
وحديثه عند النسائي السنن الكبرى 1/ 651 ح 2150.
(7)
وهو في مسنده ص 344 ح 2647، وأخرجه من طريقه أبو نعيم مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم 3/ 36 ح 2138.
(8)
وحديثه عند أبي نعيم الموضع نفسه.
(9)
منهم عبد الله بن إدريس عند مسلم الموضع نفسه، وعبد الواحد بن زياد عند البخاري 3/ 189 ح 1321، ومسلم الموضع نفسه، وهشيم بن بشير عند مسلم الموضع نفسه، والترمذي 3/ 355 ح 1037، وجرير بن حازم عند البخاري 3/ 207 ح 1340، ومسلم الموضع نفسه، وسفيان الثوري عند مسلم الموضع نفسه، وأبو معاوية عند البخاري 3/ 117 ح 1247، وأبو عوانة وضاح عند الدارقطني 2/ 77.
(10)
رواه إبراهيم بن طهمان ويحيى بن ضريس عنه صحيح مسلم، الموضع نفسه، السنن الكبرى للبيهقي 4/ 46.
تعني بهذا؟ قال: وهب بن جرير
(1)
قال أحمد: "ما رئي وهب عند شعبة، ولكن كان صاحب سنة، حدث ـ زعموا ـ عن شعبة نحواً من أربعة آلاف حديث. قال عفان: هذه أحاديث الرُّصاصي. قال عبد الله: قلت لأبي: ما هذا الرصاصي؟ قال: كان إنسان بالبصرة يقال له الرصاصي، وكان قد سمع من شعبة حديثاً كثيراً واسمه عبد الرحمن بن زياد، وقع إلى مصر"
(2)
.
لكن روى الإمام أحمد عن وهب ما يثبت سماعه من شعبة، قال:"قال وهب بن جرير: كتب لي أبي إلى شعبة فكنت أجئ فأسأله"
(3)
.
والحاصل أن وهب بن جرير مع توثيق بعض الأئمة له
(4)
لم يكن من تلاميذ شعبة الأثبات الملازمين له، فإذا روى حديثاً من حديث شعبة وليس عند واحد من أولئك التلاميذ، فلا يحتمل منه مثل ذلك التفرد، وإن جاء بما يخالف ما عندهم فذاك أشد، وهو الحال في هذا الحديث الذي أنكره عليه الإمام أحمد.
ومن الاعتبارات التي يمكن أن يرجع إليها خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب كون تفرد الراوي الثقة الثبت تضمّن وجهاً أو أكثر من المخالفة لرواية من هو أولى منه عن ذلك الشيخ الذي تفرد عنه، وإلى هذا الاعتبار يرجع ردّ الإمام أحمد لتفرد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته عن عبد الله بن عمر،
(1)
الكامل في ضعفاء الرجال 7/ 2531.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 313 رقم 2387.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
وثقه ابن معين، وقال أبو جاتم: صدوق صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس تهذيب الكمال 31/ 123 - 124. وقال الدورقي: إذا خرجت حديث شعبة لم أقدّم على وهب بن جرير أحداً الكامل في ضعفاء الرجال 7/ 2531، ولم أر غيره من الحفاظ قدم وهباً في أصحاب شعبة.
وقد قال أبو حاتم لما سئل عن حرمي بن عمارة: ليس هو في عِداد يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغندر، هو مع عبد الصمد بن عبد الوارث، ووهب بن جرير وأمثالهما الجرح والتعديل 3/ 307. فهو صريح في تأخر طبقة وهب عند أبي حاتم.
فإن رد الإمام أحمد على عبد الله بن دينار لم يكن لمجرد تفرده به عن ابن عمر، بل لأنه إضافة إلى تفرده قد خُولف عن ابن عمر من قبل نافع مولاه كما تقدم.
ومن أمثلته أيضاً:
قال أبو بكر الأثرم: "قلت لأبي عبد الله: حديث السهو حديث ابن عمر يرويه أحد غير أبي أسامة؟ فقال: أبو أسامة وحده، وكأنه ضعفه. قال أبو عبد الله: زعموا أن يحيى بن سعيد قال: إنما هو عبيد الله، عن نافع مرسل"
(1)
.
والمقصود بحديث ابن عمر في السهو هو ما رواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فسلم في الركعتين، فقال له ذو اليدين: أقُصرت الصلاة أم نَسيت؟ فقال: "ما قُصرت الصلاةُ وما نَسيتُ"، فقال:"أكما يقول ذو اليدين"؟ فقام فصلى ثم سجد سجدتين. أخرجه أبو داود
(2)
، وابن ماجه
(3)
، وابن أبي شيبة
(4)
، وابن خزيمة
(5)
، والطحاوي
(6)
، والبيهقي
(7)
من طرق عن أبي أسامة به.
وقد نصّ الإمام أحمد في جوابه على هذا السؤال بأن أبا أسامة تفرد بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمر، عن نافع. وأبو أسامة كان ثبتاً صحيح الكتاب عند الإمام أحمد
(8)
. وقال أيضاً: كان أبو أسامة ضابطاً للحديث كيّساً
(9)
وقال
(1)
تنقيح التحقيق 1/ 438.
(2)
سنن أبي داود 1/ 618 ح 1017.
(3)
سنن ابن ماجه 1/ 383 ح 1213.
(4)
المصنف 1/ 393 ح 4514.
(5)
صحيح ابن خزيمة 2/ 117 ح 1034.
(6)
شرح مشكل الآثار 1/ 444.
(7)
السنن الكبرى 2/ 359.
(8)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 390 رقم 772.
(9)
المصدر نفسه 3/ 464 رقم 5981.
أيضاً: كان ثبتاً، ما كان أثبته، لا يكاد يخطئ
(1)
.
فتفرد مثل أبي أسامة مقبول على أصل الإمام أحمد، وإنما مال إلى تضعيفه لما قيل أن يحيى القطان خالفه، فروى الحديث عن عبيد الله، عن نافع مرسلاً، فمن أجل هذه المخالفة ردّ تفرد الثقة الثبت أبي أسامة في روايته لهذا الحديث.
وقد تابعه عبد الله العمري، فرواه بمثل روايته مختصراً. أخرجه ابن عدي من طريق عبد الله بن وهب عنه
(2)
، والعمري وإن تكلم فيه من ناحية حفظه، فهو ممن يعتبر به، فلا يبعد أن تكون رواية أبي أسامة محفوظة، والله أعلم
(3)
.
لكن هناك قرينة أخرى جعلت الإمام أحمد ينكر رواية أبي أسامة، وهي كون رواية يحيى القطان للحديث عن عبيد الله مرسلا كانت نقلا من كتاب عبيد الله، وهذا أضبط وأتقن ما يكون في صحة الرواية.
قال المرُّوذي في حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر في مثل قصة ذي اليدين، فقال:"كان يقول ـ يعني أبا أسامة ـ عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ثم يقول: عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مثله. وقال: قال يحيى بن سعيد: إنما هو في كتاب عبيدالله مرسل، وما ينبغي إلا كما قال يحيى، وأنكره"
(4)
.
ومن صوَر خروج الإمام أحمد عن أصله في هذا الباب قبوله لتفرد من لم يبلغ منزلة المبرّز المشتهر بالحفظ، وإن كان يشمله وصف الثقة، وذلك حيث كانت هناك قرينة دلت على مزيد الثقة بصحة ما روى، كأن تكون روايته
(1)
الجرح والتعديل 3/ 133.
(2)
الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 1520.
(3)
أما البيهقي فقبل روايته بدون متابعة. قال: تفرد به أبو أسامة، وهو من الأثبات السنن الكبرى 2/ 359.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 147 - 148 رقم 262.
للحديث الذي تفرد به كانت منقولة من كتاب، مثال ذلك:
قال أبو إسماعيل الترمذي
(1)
: "حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء الثقة الرضى، وقلت له: الحديث الذي حدثتنا: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت
…
أعِده عليّ، وكان قد حدثني به قبل هذه المدة بسنتين، قال: نعم: حدثنا عِكرمة بن عمّار اليمامي، عن ضمضم بن جَوْش، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرْبَ ولا طرْدَ ولا إليك إليك". قال أبو إسماعيل: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة وقال: أكتبوه من كتاب؟ قلنا: نعم"
(2)
.
فالإمام أحمد لم ينكر هذا الحديث، وإنما وصفه بالغرابة، ووجه الغرابة أن الحديث بهذا اللفظ فيه تفرد مطلق، لا يروى إلا من حديث عبد الله بن حنظلة.
قال ابن عدي: الحديث بهذا الإسناد لم يحدث به عن عكرمة بن عمار غير الحسن بن سوار
(3)
. وقال العقيلي: ولا يُتابع الحسن بن سوار على هذا الحديث
(4)
.
وقد روى قُدامة بن عبد الله "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر، على ناقة له صهباء، لا ضرْبَ ولا طرْدَ ولا إليك
(1)
هو محمد بن إسماعيل بن يوسف، أبو إسماعيل الترمذي. قال الخلال: كان عنده عن أبي عبد الله مسائل صالحة حسان. وفيها ما أغرب به على أصحاب أبي عبد الله، وهو رجل معروف ثقة كثير العلم يتفقه. ا. هـ ووثقه النسائي، والدراقطني. وقال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه. وقال الذهبي: انبرم الحال على توثيقه وإمامته. توفي سنة 280 هـ. طبقات الحنابلة 1/ 279، سير أعلام النبلاء 13/ 243.
(2)
تاريخ بغداد 7/ 318 - 319، رواه الخطيب من طريق عثمان بن أحمد الدقاق، عن أبي إسماعيل الترمذي.
(3)
الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 1913.
(4)
الضعفاء للعقيلي 1/ 247.
إليك]
(1)
رواه أكثر من خسمة عشر نفساً عن أيمن بن نابل، عن قدامة.
هكذا رواه قُدامة بن عبد الله بذكر رمي جمرة العقبة، وليس الطواف. قال الذهبي عن حديث عبد الله بن حنظلة: المحفوظ حديث أيمن، عن قدامة
…
فذكره
(2)
.
وراوي هذا الحديث الحسن بن سوار قال فيه الإمام أحمد: ثقة ثقة، فهذا يجعله في درجة عالية من الثقة، لكن ليس بمبرَّز بالحفظ والإتقان. وقد روى حنبل بن إسحاق عن أحمد أنه قال فيه: كان شيخاً من أهل خراسان قدِم علينا ليس به بأس
(3)
. وقال صالح بن محمد: يقولون إنه صدوق، ولا أدري كيف هو
(4)
. فهذا كله يدل على أنه لم يكن مشهوراً بالحفظ، فلم تكن حالته حالة من يقبل الإمام أحمد مطلق تفرده.
ومع هذا لم يصف الإمام أحمد حديثه هذا بالنكارة، بل ذكر ما يشعر بقبوله منه، وهو سؤاله: هل كتبوه من كتاب؟ فإن فائدة هذا السؤال أن الحديث إذا كان مع غرابته مأخوذاً من كتاب إنسان ثقة فإن ذلك يدل على مزيد الثقة بما حدث به، وأن الحديث محفوظ، لأن الرجل مهما بلغ في الحفظ فالكتاب أحفظ منه، ولو لم يكن هذا الاستدلال هو المقصود لما كان لسؤاله أية فائدة.
(1)
أخرجه الترمذي الجامع 3/ 247 ح 903، والنسائي السنن 5/ 270 ح 3061، وابن ماجه السنن 2/ 1009 ح 3035، والطيالسي ص 190 ح 1338، وأحمد المسند 24/ 136 ح 15410 - 15415، والدارمي السنن 2/ 62، وابن أبي شيبة المصنف 3/ 288 ح 13745، وابن أبي عاصم 3/ 168 ح 1499، وعبد بن حميد المنتخب من مسنده ص 140 ح 357، والطبراني المعجم الكبير 19/ 38 ح 77 - 79، والحاكم المستدرك 1/ 466، 4/ 507، والبيهقي السنن الكبرى 5/ 101.
(2)
ميزان الاعتدال ترجمة 1857.
(3)
تاريخ بغداد 7/ 319.
(4)
الموضع نفسه.
وأما العقيلي فذكر رواية أبي إسماعيل الترمذي هذه من طريق محمد بن موسى النهرتيري مختصراً فقال عن أحمد: أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر
(1)
، واعتمده الذهبي فذكر أن هذا الحديث مما أُنكر على الحسن بن سوار
(2)
تبعاً للعقيلي.
ويؤيد ذلك ما ذكره الترمذي
(3)
: "سألت محمداً عن حديث الحسن بن سوار، عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس
(4)
، عن عبد الله بن حنظلة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على ناقة
(5)
، فقال محمد: رأيت أبا قدامة يعرض هذا الحديث على علي بن عبد الله فدفعه علي ـ يعني أنكره، وقال محمد: وقد كتب به الحسن بن سوار إلي، وكأن محمداً لم يعرف هذا الحديث". فذكر إنكار علي ابن المديني للحديث.
وعندي أن رواية الخطيب أصح من رواية العقيلي، لأن الخطيب روى القصة كاملة وذكر ما يشعر بعدم إنكار الإمام أحمد لرواية الحسن بن سوار، بينما اختصرها العقيلي، وحمل الغرابة المذكورة على النكارة.
وقد روى حديث عبد الله بن حنظلة بن الراهب ابن قانع
(6)
، والخطيب
(7)
.
(1)
الضعفاء للعقيلي الموضع نفسه.
(2)
ميزان الاعتدال الموضع نفسه.
هذا ولم يترجم ابن عدي للحسن بن سوار.
(3)
علل الترمذي الكبير 1/ 384 - 385.
(4)
وقع في الأصل: بن موسى، وذكر المصنف أنه ألحقه من مصادر تخريج الحديث الموضع نفسه.
(5)
هكذا وقع هنا بذكر رمي الجمرة، والصواب هو الطواف. وقد ذكر محقق العلل الكبير أن السيوطي عزاه في الجامع الكبير باللفظ المذكور إلى ابن منده، ولعل إنكار ابن المديني راجع إلى هذا اللفظ، والله أعلم.
(6)
معجم الصحابة 2/ 90.
(7)
تاريخ بغداد 4/ 140.
ورواه البزار
(1)
لكن قال: عن العلاء بن سنان، عن عكرمة بن عمار مكان أبي العلاء الحسن بن سوار، وأخاف أن يكون تصحيفاً من أبي العلاء بن سوار، والله أعلم.
والشاهد أن الإمام أحمد اعتد بتفرد الثقة الذي لم يكن مبرّزاً بالحفظ لكون روايته للحديث الذي تفرد به كانت من كتاب، والعلم عند الله.
(1)
مسند البزار 8/ 308 ح 3379، وانظر: كشف الأستار 2/ 21 ح 1109.
المطلب الرابع: موقف الإمام أحمد من زيادات الثقات
.
وهذا نوع آخر من التفرد، وهو أن يكون الحديث مشهوراً في نفسه، لكن يزيد بعض الرواة الثقات في متنه زيادة تستغرب، فهذا أيضاً حكمه مثل حكم تفرد الثقات بالحديث من أصله، فتُقبل من حافظ يعتمد على حفظه، وتُردّ إن كان ممن لا يعتمد على حفظه، ومن أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
1.
قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا طوافاً وحداً: لم يروه إلا مالك، ومالك ثقة"
(1)
.
رواية مالك تضمنت زيادة في حديث عائشة كما رواه الزهري، عن عروة، عن عائشة، وهي قولها:[فأما الذين جمعوا الحج والعمرة فطافوا طوافاً واحداً]
(2)
، لم يذكرها غيره ممن روى الحديث عن الزهري
(3)
.
وقد أشار الإمام أحمد في هذه الرواية إلى قبولها، حيث قال: ومالك ثقة، أي فيقبل منه مثل هذه الزيادة، لا سيما وهو من أثبت الناس عن شيخه الزهري
(4)
.
ومما يدل على قبول الإمام أحمد لهذه الزيادة أن ظاهر مذهبه أن القارن
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 431 رقم 1995.
(2)
أخرجه من طريق مالك البخاري صحيح البخاري ح 1491، ح 1557، ح 4134 مع فتح الباري، ومسلم صحيح مسلم 2/ 870 ح 1211. وانفرد يحيى الليثي من بين أصحاب مالك فرواه عن مالك من هذا الطريق ومن طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة الموطأ 1/ 410 ح 924، وانظر: التمهيد 19/ 263.
(3)
أشار إلى ذلك أيضاً ابن عبد البر التمهيد 8/ 231. وممن رواه عن الزهري ولم يذكرها: عقيل بن أبي خالد، ومعمر، وابن عيينة، وأحاديثهم كلهم عند مسلم 2/ 870 - 871.
(4)
شرح علل الترمذي 2/ 671.
ليس عليه إلا سعي واحد
(1)
.
2.
قال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: روى مالك، عن نافع أشياء لم يروها غيرُه: ابن عمر ألحق ولد الملاعنة بأمه، يعني حديث نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه ألحق ولد الملاعَنة بأمه"
(2)
.
وردت هذه الزيادة في رواية مالك لحديث نافع، عن ابن عمر "أن رجلاً لاعَنَ امرأتَه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها، ففرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وألحق الولد بالمرأة"
(3)
.
فذكر أحمد أن هذه الزيادة لم يروها عن نافع غيرُ مالك. وممن ذكر أن الإمام مالك تفرد بهذه الزيادة أبو داود
(4)
، والدارقطني
(5)
وقال ابن عبد البر: وقد زعم قوم أن مالكاً انفرد في حديثه هذا بقوله فيه: "وألحق الولد بالمرأة، أو ألحق الولد بأمه"
(6)
.
وتوضيح ذلك أن الحديث رواه عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال:"لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجل من الأنصار وامرأته وفرّق بينهما"
(7)
فلم يذكر الزيادة التي ذكرها مالك. وكذلك رواه جويرية عن نافع،
(1)
انظر: تهذيب السنن لابن القيم 5/ 243.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 428 رقم 1987.
(3)
الموطأ ـ برواية يحيى الليثي 2/ 567.
(4)
سنن أبي داود 2/ 694.
(5)
انظر: فتح الباري 9/ 460.
(6)
التمهيد 15/ 20.
(7)
أخرجه البخاري من حديث أنس بن عياض، عن عبيد الله صحيح البخاري 9/ 458 ح 5313 - مع فتح الباري، ومن حديث القطان عن عبيد الله ح 5314، وهذا لفظه، وأخرجه من طريقه أيضاً مسلم صحيح مسلم 2/ 1133، ومن طريق أبي أسامة، وابن نمير كلاهما عن عبيد الله الموضع نفسه.
عن ابن عمر بدون هذه الزيادة
(1)
.
وقال ابن عبد البر: "هكذا رواه كل من رواه عن نافع، ذكروا فيه اللعان والفرقة، ولم يذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق الولد بالمرأة، وقاله مالك، عن نافع كما رأيت، وحسبك بمالك حفظاً وإتقاناً
…
"
(2)
.
وليس في كلام الإمام أحمد إشارة إلى استنكار هذه الزيادة التي ذكرها مالك، ولم ينقل عنه القول بخلاف مقتضاها، بل ورد عنه ما يدل على القول بموجبها، فروى صالح
(3)
عن أحمد أنه قال: "بين كل زوجين لعان، لأنه ينفي عنه الولد إذا لاعنها نفى عنه ولدها"، فذكر أن اللعان ينفي عنه الولد، وهو مفهوم قوله في حديث مالك:"وألحق الولد بأمه".
ثم إن مالكاً لم ينفرد بها، فقد وردت مثلها في رواية القاسم بن يحيى الهلالي
(4)
، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن رجلاً رمى امرأته فانتفى من ولدها في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا كما قال الله، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرّق بين المتلاعنين"، أخرجها البخاري
(5)
. فذكر أنه قضى بالولد للمرأة، فهي متابعة قوية لمالك إن كان القاسم بن يحيى حفظه عن عبيد الله، فقد خالف أربعة من الحفاظ عن عبيد الله لم يذكروها ـ وهم يحيى القطان، وأبو أسامة، وعبد الله بن نمير، وأنس بن عِياض، وقد تقدم ذكر مواضع حديثهم.
(1)
أخرجه البخاري صحيح البخاري 9/ 444 ح 5306.
(2)
الموضع نفسه.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه صالح 3/ 58 رقم 1334.
(4)
انفرد البخاري بالرواية عنه من بين أصحاب الكتب الستة. وثقه الدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات 7/ 336 وقال: مستقيم الحديث. هكذا ذكر الحافظ وليس في نسخة الثقات التي بأيدينا تهذيب التهذيب 6/ 341. وكذلك وثقه ابن حجر 5539.
(5)
صحيح البخاري 8/ 451 ح 4748.
ووقعت هذه الزايادة أيضاً في حديث فُليح عن نافع، أخرجه الإمام أحمد
(1)
عن سريج بن يونس عن فليح به، ولفظه:"أن رجلاً لاعن امرأته في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها، ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، وألحق الولد بالمرأة". وفُليح هو ابن سليمان بن أبي المغيرة الأسلمي المدني، قال عنه ابن معين: ليس بقوي، ولا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردي والدراوردي أثبت منه. وكذلك قال أبو حاتم، والنسائي: ليس بالقوي
(2)
. وقال ابن عدي: " له أحاديث صالحة، يروي عن نافع، عن ابن عمر نسخة
…
ويروي عن سائر الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة، وقد اعتمده البخاري في صحاحه، روى عنه الكثير
…
وهو عندي لا بأس به"
(3)
.
وأما أبو داود فاحتج لصحة هذه الزيادة بورودها في حديث يونس، عن الزهري، عن سهل بن سعد في حديثه في اللعان، وفيه:"وأنكر حملها، فكان ابنها يدعى إليها"
(4)
وذكر ابن عبد البر أن مثلها وقعت في رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن سهل بن سعد فقال فيها:"فكان الولد لأمه"
(5)
.
ولم يتردد أصحاب الكتب الستة من إخراج هذا الحديث بالزيادة التي رواها مالك، مما يدل على صحتها عندهم.
3.
قال صالح بن أحمد بن حنبل: وقال أبي: الجُمحي روى حديثين عن عبيد الله بن عمر، حديث منهما في صدقة الفطر، وقد أنكر على مالك هذا
(1)
المسند 10/ 263 ح 6098.
(2)
تهذيب الكمال 23/ 320 - 321.
(3)
الكامل في ضعفاء الرجال 6/ 2056.
(4)
سنن أبي داود 2/ 694.
(5)
التمهيد 15/ 21.
الحديث، ومالك إذا انفرد بحديث فهو ثقة، وما قال أحد ممن قال بالرأي أثبت منه في الحديث"
(1)
.
أشار الإمام أحمد في هذه المسألة إلى رواية مالك لحديث نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس، صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعير، على كل حرٍّ أو عبدٍ ذكرٍ أو أُنثى من المسلمين
(2)
.
فقوله: "من المسلمين" زيادة انفرد مالك بذكرها في هذا الحديث، إذ لم يذكرها غير واحد ممن روى الحديث عن نافع، ومنهم أيوب السختياني
(3)
، وعبيد الله ابن عمر
(4)
، والليث بن سعد
(5)
، وسليمان بن موسى
(6)
، وعقيل بن أبي خالد
(7)
.
وموقف الإمام أحمد من تفرد الإمام مالك بهذه الزيادة أن مالكاً يقبل تفرده، وعلل ذلك بزيادته في التثبت على غيره.
وهناك رواية ثانية تدل على توقف الإمام أحمد في هذه الزيادة حتى توبع مالك فيها، فروى أبو داود قال: "سمعت أحمد يقول: كنتُ أتهيَّب حديث مالك ـ يعني حديث نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة رمضان على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ وذكرٍ وأنثى من المسلمين، يعني أتهيب قوله: من المسلمين، فحدثنا
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه صالح 2/ 459 رقم 1162.
(2)
الموطأ 1/ 284. وأخرجه البخاري 3/ 369 ح 1504، ومسلم 2/ 677 ح 98412.
(3)
حديثه عند البخاري 3/ 375 ح 1511 من طريق ابن علية عنه، وعند مسلم 2/ 677 ح 68414 من طريق يزيد بن زريع عنه. وأخرجه غيرهما من طرق آخرى عن أيوب.
(4)
حديثه عند البخاري 3/ 377 ح 1512 من طريق يحيى القطان عنه، وعند مسلم الموضع نفسه ح 13 من طريق أبي أسامة وعبد الله بن نمير عنه. وأخرجه غيرهما من طرق آخرى عن عبيد الله.
(5)
حديثه عند البخاري 3/ 371 ح 1507، ومسلم 2/ 678 ح 15.
(6)
وحديثه عند الدارقطني السنن 2/ 145.
(7)
وحديثه عند ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 4/ 85 ح 2404.
أبو النضر، عن سعيد الجُمحي، عن عبيد الله قال فيه: من المسلمين، والعُمري يقول: من المسلمين"
(1)
.
وقريب منها الرواية التي ذكرها ابن رجب
(2)
عن أحمد أنه قال: "كنت أتهيب حديث مالك: "من المسلمين" يعني حتى وجده من حديث العمريين، قيل له: أمحفوظ هو عندك "من المسلمين"؟ قال: نعم".
قال ابن رجب: وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحد من الثقات ولو كان مثل مالك حتى يتابع على تلك الزيادة، وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار. ا. هـ
(3)
.
وذكر أحمد اثنين ممن تابع مالكاً على ذكر هذه الزيادة، وقد وردت من طريق عدد من الرواة عن نافع، منهم: عمر بن نافع العدوي مولاهم
(4)
، وحديثه عند البخاري
(5)
، وابن حبان
(6)
؛ والضحاك بن عثمان
(7)
، وحديثه عند مسلم
(8)
، وابن خزيمة
(9)
، وابن حبان
(10)
؛ وكثير بن فرقَد
(11)
، وحديثه عند
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 431 رقم 1993.
(2)
شرح علل الترمذي 2/ 632.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
قال أحمد هو من أوثق ولد نافع. ووثقه النسائي وغيره تهذيب الكمال 21/ 513.
(5)
صحيح البخاري 3/ 367 ح 1503 - مع فتح الباري.
(6)
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 8/ 96 ح 3303.
(7)
وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به وهو صدوق. وقال ابن حجر: صدوق يهم تهذيب الكمال 13/ 273 - 274، تقريب التهذيب 2989.
(8)
صحيح مسلم 2/ 678 ح 16.
(9)
صحيح ابن خزيمة 4/ 83 ح 2398.
(10)
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 8/ 95 ح 3302.
(11)
وثقه ابن معين، وقال عنه أبو حاتم: صالح كان ثبتاً تهذيب الكمال 24/ 145.
الدارقطني
(1)
، والبيهقي
(2)
؛ وعبد الله بن عمر العمري
(3)
، وقد ذكر أحمد متابعته لمالك، وحديثه عند الدارقطني
(4)
؛ ويونس بن يزيد الأيلي، وحديثه عند الطحاوي
(5)
، وابن عبد البر
(6)
؛ والمعلى بن إسماعيل
(7)
، وحديثه عند ابن حبان
(8)
، والدارقطني
(9)
؛ ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، وحديثه عند الدارقطني
(10)
.
وقد رواها سعيد بن عبد الرحمن الجُمحي
(11)
، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به. أخرجه أحمد
(12)
، والدارقطني
(13)
، والحاكم
(14)
، والبيهقي
(15)
، وخالف بقية الرواة عن عبيد الله. وقد روى الدارقطني
(16)
من طريق الدبري، عن
(1)
سنن الدارقطني 2/ 140.
(2)
السنن الكبرى 4/ 162.
(3)
قال عنه أحمد: لين الحديث. وفي رواية: كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلاً صالحاً العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 88 رقم 124، تاريخ بغداد 10/ 20. والأكثرون على تضعيفه تهذيب الكمال 15/ 330 - 331.
(4)
سنن الدارقطني 2/ 140.
(5)
شرح معاني الآثار 2/ 44.
(6)
التمهيد 14/ 319.
(7)
ذكره ابن حبان في الثقات 7/ 493، وقال عنه أبو حاتم: ليس بحديثه بأس صالح، لم يرو عنه غير أرطأة. ا. هـ الجرح والتعديل 8/ 332.
(8)
الإحسان 8/ 96 ح 3304.
(9)
سنن الدارقطني 2/ 140.
(10)
سنن الدراقطني 2/ 139.
(11)
قال عنه أحمد: ليس به بأس، حديثه مقارب سؤالات أبي دواد للإمام أحمد رقم 232. ووثقه ابن معين وغيره. وقال يعقوب الفسوي: لين الحديث تهذيب التهذيب 4/ 56.
(12)
المسند 9/ 242 ح 5339.
(13)
سنن الدارقطني 2/ 145.
(14)
المستدرك 1/ 410 - 411.
(15)
السنن الكبرى 4/ 166.
(16)
سنن الدراقطني 2/ 139.
عبدالرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع به بذكر هذه الزيادة. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله
(1)
.
ووردت أيضاً في حديث أيوب السختياني من رواية عبد الله بن شوذب
(2)
عنه؛ أخرجه ابن خزيمة
(3)
، وخالف جمعاً من الحفاظ عن أيوب، منهم ابن علية، وحماد بن زيد، ويزيد بن زريع، وعبد الوارث بن سعيد، وسفيان بن عيينة وغيرهم. قال ابن عبد البر: المحفوظ عن أيوب فيه ليس فيه: من المسلمين
(4)
.
4.
قال ابن رجب: "قال أحمد في حديث ابن فُضيل، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمير، عن أبي عطيّة، عن عائشة في تلبية النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيها: "والملك لا شريك لك"، قال أحمد: وهِم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تُعرف هذه عن عائشة، إنما تُعرف عن ابن عمر، وذكر أبا معاوية روى الحديث عن الأعمش بدونها"
(5)
.
وحديث محمد بن فضيل أخرجه أحمد
(6)
عنه، ولفظه: [قالت عائشة: إني لأعلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُلبِّي قال: ثم سمعتها تلبِّي تقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعمة لك والمُلك لا شريك لك".
ورواه أبو معاوية
(7)
، والثوري
(8)
، وعبد الله بن نُمير
(9)
، وأبو الأحوص
(1)
فتح الباري 3/ 370.
(2)
عبد الله بن شوذب الخراساني، صدوق عابد تقريب التهذيب 3408.
(3)
صحيح ابن خزيمة 4/ 87 ح 2411.
(4)
التمهيد 14/ 313.
(5)
شرح علل الترمذي 2/ 632 - 633.
(6)
المسند 40/ 44 ح 24040.
(7)
أخرجه حديثه أحمد المسند 42/ 89 ح 25918، ومسدد في مسنده تغليق التعليق 3/ 54، والجوزقي في مستخرجه تعليق التعليق الموضع نفسه.
(8)
أخرجه حديثه البخاري فتح الباري 3/ 408 ح 1550، وأحمد المسند 49/ 209 ح 25480.
(9)
أخرج حديثه أحمد 43/ 98 ح 25935، وابن أبي شيبة المصنف 13/ 204 ح 13465، وأبو يعلى المسند 8/ 131 ح 4671.
سلاّم ابن سُليم
(1)
، وأبو خالد الأحمر
(2)
فكلهم ذكروا في حديثهم التلبية إلى قولها: "إن الحمد والنعمة لك". وكذلك رواه شعبة، عن الأعمش، لكن خالف في الإسناد، فقال: عن الأعمش، عن خيثمة، عن أبي عطية، عن عائشة
(3)
وعلقه البخاري
(4)
، وصنيعه يدل على أن الطريقين محفوظان
(5)
. ورجح أبو حاتم رواية الثوري ومن تبعه، وأن شعبة غلط في الإسناد
(6)
.
ولعل من أجل هذا الاختلاف أعرض بقية أصحاب الكتب الستة ما عدا البخاري عن إخراج حديث عائشة واكتفوا بإخراج حديث ابن عمر.
وهذه الزيادة إنما وردت في حديث عبد الله بن عمر، وهو عند البخاري
(7)
، ومسلم
(8)
.
وذكر ابن رجب عن الخلال أن أبا عبد الله لا يعبأ بمن خالف أبا معاوية في الأعمش إلا أن يكون الثوري، وذكر أن هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضاً عن الأعمش. ا. هـ
(9)
.
(1)
أخرجه حديثه الطحاوي شرح معاني الآثار 2/ 124.
(2)
أخرج حديثه ابن أبي شيبة الموضع نفسه.
(3)
أخرجه أبو داود الطيالسي ص 211 ح 1513، وأحمد من طريق غندر 41/ 221 ح 24690، ومن طريق روح 43/ 181 ح 26062، وإسحاق من طريق أبي عامر مسند إسحاق بن راهويه 3/ 906 ح 1592.
(4)
الموضع السابق.
(5)
قاله الحافظ ابن حجر فتح الباري 3/ 411.
(6)
علل ابن أبي حاتم 1/ 284 ح 843.
(7)
صحيح البخاري 3/ 408 ح 1549.
(8)
صحيح مسلم 2/ 842 ح 1184.
(9)
شرح علل الترمذي 2/ 633.
وقوله: هذه الزيادة رواها ابن نمير
…
الظاهر أن قائل ذلك هو الخلال، كأنه يشير إلى رواية ابن أبي شيبة، فقد رواه عن أبي خالد الأحمر، وابن نمير بزيادة:[والملك] فحسب
(1)
. وما زاد عن ذلك فإنما هو من تفرد محمد بن فضيل. وابن فضيل حسن الحديث عند الإمام أحمد، ووثقه ابن معين، وقال عنه أبو حاتم: شيخ. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم
(2)
. وقال الدارقطني: أرفع الرواة عن الأعمش الثوري، وأبو معاوية، ووكيع، ويحيى القطان، وابن فضيل، وقد غلط عليه في شيء. ا. هـ
(3)
. فأشار إلى أنه غلط على الأعمش بعض الشيء.
وقد حكم الإمام أحمد على هذه الزيادة بأنها وهم من ابن فضيل، حيث لم يذكرها عن الأعمش غيره، وفيهم من هو أثبت الناس في الأعمش منهم الثوري، وأبو معاوية. ثم إنه ليس له من الحفظ ما يحتمل منه تفرده بهذه الزيادة. وهناك قرينة أخرى، وهي ورود هذه اللفظة في غير حديث عائشة، مما يقوي احتمال كونه دخل عليه لفظ حديث ابن عمر في لفظ حديث عائشة.
فهنا حكم برد الزيادة لأمرين: راويها ليس له من الحفظ ما يحتمل منه تفرده برواية الزيادة، والثاني احتمال كون الراوي دخل عليه لفظ حديث آخر في حديثه.
5.
قال ابن رجب: قال أحمد في رواية الميموني: "حديث أبي هريرة في الاستسعاء
(4)
يرويه سعيد بن أبي عروبة، وأما شعبة وهمام فلم يذكراه، ولا أذهب إلى الاستسعاء"
(5)
.
(1)
مصنف ابن أبي شيبة الموضع نفسه.
(2)
الجرح والتعديل 8/ 57.
(3)
سؤالات أبي عبد الله بن بكير وغيره لأبي الحسن الدارقطني 46 - 47، وانظر: شرح علل الترمذي 2/ 720.
(4)
أي أتبع به وطُلب بالسعي في فكاك ما بقي من رقبته مشارق الأنوار، مادة:"س ع ى"ص 225.
(5)
شرح علل الترمذي 2/ 633 - 634.
وقال أحمد في رواية أخرى: ليس في الاستسعاء حديث يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة، وهشام الدستوائي فلم يذكراه، وحدّث به معمر
(1)
ولم يذكر فيه السعاية. ا. هـ
(2)
.
وقال المرُّوذي: ضعف أبو عبد الله حديث سعيد
(3)
.
وقال عبد الله: "قلت لأبي حديث قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير ابن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن كان له مال عُتق في ماله، وإن لم يكن له ما استسعي العبد غير مشقوق عليه"؟ قال أبي: هذه رواية سعيد، ولم يذكر هشام الدستوائي السعاية. قال أبي: وأذهب إلى حديث ابن عمر، وهو أقوى من هذا وأصح في المعنى"
(4)
.
وقد اعتبر الإمام أحمد ذكر الاستسعاء زيادة زادها سعيد بن أبي عروبة في حديث قتادة، ولم يذكرها شعبة، وهشام الدستوائي، والظاهر أنه تفرد بها عند أحمد، فلم يقبلها لمخالفته من هم أكثر عدداً منه، وذلك أن أصحاب قتادة عند أحمد هم هؤلاء الثلاثة، قال عبد الله:"قال أبي: هؤلاء أصحاب قتادة الذين لا يُختلف فيهم: شعبة، وهشام، وسعيد ابن أبي عروبة"
(5)
. وقال المرُّوذي: "سمعت أبا عبد الله يقول: أصحاب قتادة سعيد، وهشام، وشعبة، إلا أن شعبة لم يبلغ علم هؤلاء، وكان سعيد يكتب كل شيء"
(6)
.
(1)
كذا وقع في هذه الرواية، وقد رواه الدبري عن عبد الرزاق، عن معمر بذكر السعاية مصنف عبد الرزاق 9/ 151 ح 16717، وعلقه أبو عوانة عن معمر مستخرج أبي عوانة 3/ 227.
(2)
تهذيب السنن 10/ 319.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه عبد الله 3/ 1191 رقم 1644.
(5)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله رقم 666.
(6)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 52 رقم 35.
وهذه الرواية تفيد أن سعيداً كان أكثرهم حديثاً عن قتادة
(1)
، ومع ذلك لم يقبل الإمام أحمد زيادته لمخالفته بقية أصحاب قتادة، وفيهم هشام الدستوائي. وقد جاء عن أحمد ما يدل على تقديم هشام الدستوائي على سعيد. قال أبو زرعة الدمشقي: أخبرني أحمد بن حنبل وذكر سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي أن الاختلاف عن هشام في حديث قتادة أقل منه في حديث سعيد. قال أبو زرعة: ورأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديماً في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه. ا. هـ
(2)
.
فاجتماع هشام وشعبة على عدم ذكر الزيادة التي تفرد سعيد بذكرها قرينة قوية لردها.
ومن القرائن لعدم قبول الإمام أحمد لهذه الزيادة أن ابن عمر روى حديث عتق الشخص نصيباً له في مملوك مشترك فلم يذكر السعاية. قال عبد الله عن أحمد: "أذهب إلى حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان له مال عُتق في ماله، وإن لم يكن له فقد عتق منه ما عُتق"، رواه مالك، وعبيد الله عن نافع، إلا أن أيوب قال: قوله: "عتق منه ما عُتق" لا أدري فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أم قول نافع"
(3)
. فالظاهر أنه تفرد بذكرها مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن القرائن أيضاً أن الرواة اختلفوا على سعيد بن أبي عروبة في ذكر السعاية، حيث لم يذكر ذلك روح عن سعيد، قاله أبو عوانة عن أحمد
(4)
.
ومن الأدلة لردّ هذه الزيادة أن هماماً روى هذا الحديث عن قتادة فذكره
(1)
وعن يحيى القطان تصريح بذلك، فروى البيهقي من طريق علي بن المديني عنه قال: شعبة أعلم الناس بحديث قتادة، ما سمع منه وما لم يسمع، هشام أحفظ، وسعيد أكثر السنن الكبرى 10/ 282.
(2)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/ 451 - 452 رقم 1136، 1137.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه عبد الله 3/ 1191 رقم 1644.
(4)
الموضع نفسه. وكذلك قاله أبو داود السنن 4/ 255.
مرة بدون هذه الزيادة
(1)
، وذكره مرة بالزيادة لكن جعلها من قول قتادة لم يرفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
، فدلّ على أنها مدرجة. وهمام في قتادة مثل سعيد بن أبي عروبة كما قال ابن مهدي
(3)
. وعن ابن مهدي: أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره، لأنه كتبها إملاءً
(4)
.
ويؤيد هذا أن الاستسعاء معروف من فُتيا قتادة، رواه الأوزاعي عن قتادة
(5)
في عبد بين ثلاثة نفرٍ، كاتَب أحدُهم، ثم أعتق الآخر، وأمسك الثالثُ. قال ذكر عن قتادة أنه قال: لهذا الذي أمسك نصيبَه على المُعتِق إن كان ذا يسار عن حظه، وإن لم يكن له مال استسعى المملوك في الثلث من قيمته، والولاء بين المُعتِق والمكاتب: للمعتق الثلثان، وللمكاتب الثلث.
وقد وافق الإمام أحمد على رد هذه الزيادة شيخه سليمان بن حرب فيما نقله عنه الأثرم قال: طعن سليمان بن حرب في هذا الحديث، وضعفه
(6)
وردها الشافعي وانتصر البيهقي لقوله من عدة وجوه
(7)
.
وقال الدارقطني: "وافق شعبةَ هشامُ الستوائي فلم يذكر الاستسعاء، وشعبة وهشام أحفظ من رواه عن قتادة، ورواه همام فجعل الاستسعاء من قول
(1)
وهي رواية محمد بن كثير عنه سنن أبي داود 4/ 252 ح 3934، وعفان المسند 14/ 235 ح 8565، وكذلك أبو الوليد الطيالسي مستخرج أبي عوانة 3/ 227.
(2)
وهي رواية عبد الله بن يزيد المقرئ عنه. أخرجها الدارقطني السنن 4/ 127، والخطيب الفصل للوصل المدرج 1/ 358 - 359، والبيهقي السنن الكبرى 10/ 282.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله رقم 279.
(4)
قاله البيهقي عنه السنن الكبرى 10/ 282.
(5)
السنن الكبرى 10/ 283.
(6)
نقله عنه ابن القيم تهذيب السنن 10/ 319.
(7)
السنن الكبرى 10/ 281.
قتادة، وفصله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه ابن أبي عروبة، وجرير بن حازم، عن قتادة فجعل الاستسعاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسبهما وهِما فيه لمخالفة شعبة، وهشام، وهمّام إياهما"
(1)
.
وخالف الإمام أحمد في هذا الحكم جماعة من النقاد منهم صاحبا الصحيحين، فأخرجا هذه الزيادة، قال الترمذي:"سألت محمداً عن هذا الحديث ـ يعني حديث السعاية ـ فقلت: أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثان جميعاً صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية، إلا شعبة، وكأنه قوّى حديث سعيد بن أبي عروبة في أمره بالسعاية"
(2)
.
وحجتهم في ذلك أن سعيد بن أبي عروبة لم ينفرد بذكر السعاية في هذا الحديث، فقد ذكر الإمام البخاري أربعة تابعوه عن قتادة، وهم: جرير بن حازم
(3)
، حجاج بن حجاج
(4)
، وأبان بن يزيد العطار
(5)
، وموسى بن خلف
(6)
. وكذلك تابعه يحيى بن صبيح الخراساني
(7)
، وحجاج بن أرطأة
(8)
.
ومع كثرة عدد هؤلاء هناك قرينة أخرى أشار إليها البخاري، وهي قوله:
(1)
السنن 4/ 125 - 126.
(2)
علل الترمذي الكبير 1/ 547 - 548.
(3)
وذكر البخاري حديثه قبل حديث سعيد 5/ 156 ح 2526، وأخرجه أيضاً مسلم 2/ 1141 ح 1503 (3).
(4)
ذكر الحافظ أن ذلك في نسخته عن قتادة من رواية أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن حجاج وفيها ذكر السعاية فتح الباري 5/ 157. ولم أقف على هذه الرواية.
(5)
وحديثه عند أبي داود 4/ 254 ح 3937، والنسائي الكبرى 3/ 185 ح 4965.
(6)
وحديثه عند الخطيب في الفصل للوصل المدرج 1/ 355.
(7)
وحديثه عند الحميدي عن سفيان عنه مقرونا بسعيد بن أبي عروبة مسند الحميدي 2/ 467 ح 1093.
(8)
حديثه عند الطجاوي في شرح معاني الآثار 3/ 107، وأحال بلفظه على لفظ حديث سعيد.
اختصره شعبة
(1)
، يشير إلى أنه لا منافاة بين رواية شعبة ورواية من ذكر الزيادة لأنه اقتصر من الحديث على بعضه، وكذلك يقال في رواية هشام.
وانتصر لقول هؤلاء الأئمة ابن دقيق العيد
(2)
، وابن تيمية
(3)
، وابن القيم
(4)
، وابن حجر
(5)
، والعلم عند الله.
ومن أمثلة ما قبِله من زيادة الثقات لورودها من طريق عدد من الرواة:
قال ابن رجب في شرح حديث البخاري: "حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظُّهر في الأولييْن بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخريين بأم الكتاب، ويُسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح".
قال: "قد خرّخ البخاري هذا الحديث فيما سبق من رواية شيبان، وهشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، وليس في حديثهما: ويقرأ في الركعتين الأخريين بأم الكتاب. وخرّجه ههنا من طريق همام عن يحيى بهذه الزيادة. وخرجها مسلم في "صحيحه" من رواية همام، وأبان العطار كلاهما عن يحيى بن أبي كثير. وقد سأل الأثرم الإمام أحمد عن هذه الزيادة: أثبتٌ هي؟ قال: رواه عِدةٌ، ورواها بعضهم عن الأوزاعي. فقال له الأثرم: هشام لا يقولها؟ قال: نعم، هشام لا يقولها"
(6)
.
(1)
صحيح البخاري 3/ 156 مع فتح الباري.
(2)
ذكر ذلك ابن حجر 3/ 158.
(3)
ذكره ابن عبد الهادي عنه في تنقيح التحقيق 3/ 557.
(4)
تهذيب السنن 10/ 320.
(5)
فتح الباري الموضع نفسه.
(6)
فتح الباري لابن رجب 4/ 476.
فاحتج الإمام أحمد لثبوت الزيادة برواية عدد من الرواة لها، وذكر منهم رواية بعض تلاميذ الأوزاعي لها.
والذين ذكروا هذه الزيادة هم: همام كما تقدم في رواية البخاري، وكذلك أبان ابن يزيد العطار
(1)
، وذكرها أيضاً مخلد بن يزيد عن الأوزاعي
(2)
، ولم يذكرها بقية الرواة عن الأوزاعي منهم الوليد بن مسلم، وبشر بن بكر
(3)
، ومحمد بن يوسف
(4)
، وإسماعيل بن أبي سماعة
(5)
، وأبو المغيرة
(6)
، وأبو عاصم
(7)
.
والذين لم يذكروا الزيادة عن يحيى بن أبي كثير هم: هشام الدستوائي
(8)
كما أشار إليه الأثرم ووافقه أحمد، وهشام أثبت الناس حديثاً عن
يحيى ابن أبي كثير
(9)
؛ وشيبان النحوي
(10)
، ومعمر
(11)
، وحجاج الصواف
(12)
،
(1)
أخرجه مسلم من حديثه مقروناً بهمام صحيح مسلم 1/ 333 ح 155، وكذلك أبو داود السنن 1/ 504 ح 799، وابن خزيمة 1/ 253 ح 503. وأخرجه من حديث أبان وحده النسائي السنن 2/ 165 ح 976، وأحمد المسند 37/ 255 ح 22563.
(2)
أخرج حديثه أحمد المسند 37/ 284 ح 22595، وابن الجارود المنتقى 1/ 177 ح 187.
(3)
حديثهما عند ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 1/ 255 ح 507.
(4)
وحديثه عند البخاري صحيح البخاري 2/ 261 ح 778 - مع فتح الباري.
(5)
حديثه عند النسائي السنن 2/ 164 ح 974.
(6)
وحديثه عند الدارمي سنن الدارمي 1/ 296.
(7)
وحديثه عند أحمد المسند 37/ 285 ح 22597.
(8)
وحديثه عند البخاري 2/ 246 ح 762، 2/ 261 ح 779، والنسائي السنن 2/ 165 ح 975، وأبو داود السنن 1/ 503 ح 798، وابن ماجه السنن 1/ 271 ح 829.
(9)
انظر: شرح علل الترمذي 2/ 677.
(10)
وحديثه عند البخاري 2/ 243 ح 759.
(11)
وحديثه عند أبي داود السنن 1/ 504 ح 800، وابن خزيمة 3/ 36 ح 580.
(12)
وحديثه عند مسلم صحيح مسلم 1/ 331 ح 154، وأبي داود 1/ 503 ح 798، والنسائي السنن 2/ 166 ح 977، وابن ماجه 1/ 268 ح 819، وأحمد المسند 37/ 228 ح 22539.
وعلي ابن المبارك
(1)
، وحرب بن شدّاد
(2)
.
ومع كون الذين لم يذكروها أكثر عدداً من الذين ذكروها، وفيهم أثبت الناس عن يحيى بن أبي كثير قبلها الإمام أحمد لرواية عدد من الرواة لها، مما يدل على أنها محفوظة. ولذلك لم يتردد صاحبا الصحيح وغيرُهما من إخراج هذه الزيادة.
ما ردّه من الزيادة لقرينة تدل على أن من لم يذكرها كان أكثر ضبطاً لروايته:
قال عبد الله: "قلت لأبي: حديث عاصم بن كُليب، حديث عبد الله؟ قال: حدثناه وكيع في الجماعة قال: حدثنا سفيان عن عاصم بن كُليب، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: ألا أُصلّي بكم صلاةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة. حدثني أبي قال: حدثناه وكيع مرة أخرى بإسناده سواء فقال: قال عبد الله: أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فرفع يديه في أول. حدثني أبي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الضرير قال: كان وكيع ربما قال يعني ثم لا يعود. قال أبي: كان وكيع يقول هذا من قِبَل نفسه، يعني ثم لا يعود. قال أبي: وقال الأشجعي: فرفع يديه في أول شيء
…
قال أبي: حديث عاصم بن كليب، رواه ابن إدريس فلم يقل:"ثم لا يعود". حدثني أبي: قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: أملاه علي عبد الله بن إدريس من كتابه عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: حدثنا علقمة، عن عبد الله قال: علّمَناَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، فكبّر ورفع يديه ثم ركع، وطبّق يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ سعداً فقال: صدق أخي قد كنا نفعل ذلك ثم أُمرنا بهذا، وأخذ بركبتيه. حدثني عاصم بن كليب هكذا. قال أبي: هذا لفظ غير لفظ وكيع، وكيع يثبج
(3)
(1)
وحديثه عند أحمد المسند 37/ 228 ح 22539.
(2)
وحديثه عند أحمد المسند 37/ 311 ح 22628.
(3)
ثبج الكتابَ والكلامَ تثبيجاً لم يبينه، وقيل لم يأت به على وجهه. والثبج اضطراب الكلام وتفننه لسان العرب، مادة:"ث ب ج" 2/ 221.
الحديث، لأنه كان يحمل نفسه في حفظ الحديث"
(1)
.
أشار الإمام أحمد إلى أن بعض الرواة عن وكيع رووا حديثه في رفع اليدين حديث عبد الله بن مسعود بزيادة: "ثم لا يعود"، وهو أبو عبد الرحمن بن الضرير
(2)
، فذكر الإمام أحمد أن هذه اللفظة يقولها وكيع من قبل نفسه وليست في الحديث، واحتج لردها برواية عبد الله بن إدريس للحديث، فقد روى الحديث بغير لفظ وكيع، وأشار إلى أن روايته أضبط، لأن من رواها عنه أخذها عنه إملاء من كتاب، مما يدل على مزيد ضبط الراوي.
وقد ذكر ابن المبارك هذه الزيادة عن الثوري أيضاً
(3)
، كما ذكرها
أبو حذيفة
(4)
، فدل على أن الزيادة ليست من وكيع بل من شيخه الثوري.
والألفاظ التي جاءت عن الثوري في رواية الحديث هي خمسة: "فرفع يديه أول مرة ثم لم يعد"، "فلم يرفع يديه إلا في أول مرة"
(5)
، "فلم يرفع يديه إلا مرة"
(6)
،
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 369 - 371 رقم 709 - 714. وانظر: مسائل الإمام أحمد ـ برواية عبد الله 1/ 238 - 241.
(2)
وذكرها نعيم بن حماد الخزاعي أيضاً عن وكيع شرح معاني الآثار 1/ 224، وكذلك يحيى الحماني فيما ذكره الدارقطني في العلل 5/ 173.
(3)
أخرج هذه الرواية النسائي السنن 2/ 182 ح 1025.
(4)
ذكر ذلك الدراقطني العلل الموضع نفسه. وقد روى أبو داود حديث أبي أحمد الزبيري لكن لم يذكر لفظه سنن أبي داود 1/ 479 ح 751.
(5)
وهي رواية هناد عن وكيع، عن الثوري. أخرجها الترمذي الجامع 2/ 40 ح 257. وأشار أبو داود إلى أن بعض الثلاثة الذين رووه عن الثوري ذكروا الحديث بهذا اللفظ، والثلاثة هم: معاوية بن هشام، وخالد بن عمرو، وأبو أحمد الزبيري سنن أبي داود، الموضع السابق.
(6)
هذه رواية أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمود بن غيلان، وأبو خيثمة، ومحمد بن إسماعيل الأحمسي كلهم عن وكيع. وأحاديثهم على اللف والنشر المرتب: مسند الإمام أحمد 6/ 203 ح 3681، مصنف ابن أبي شيبة 1/ 213 ح 2441، سنن أبي داود 1/ 477 ح 748، سنن النسائي 2/ 195 ح 1057، مسند أبي يعلى 9/ 203 ح 5309، السنن الكبرى للبيهقي 2/ 78.
"فرفع يديه مرة واحدة"
(1)
، "فرفع يديه في أول"
(2)
.
وهذه الألفظ مخالفة للفظ عبد الله بن إدريس، ومعظمها عن وكيع، وقد أشار الإمام أحمد إلى هذا، وإلى أن السبب في ذلك هو أن وكيعاً كان يحدث من حفظه، وأما رواية ابن إدريس فهي من كتاب فكانت أضبط.
وهذا أيضاً مسلك البخاري في رد الحديث على الثوري. قال في "جزء رفع اليدين في الصلاة"
(3)
: "ويُروى عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن علقمة قال: قال ابن مسعود: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة". وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى ابن آدم: نظرت في كتاب عبد الله ابن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه: ثم لم يَعُد. فهذا أصح، لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم، لأن الرجل ربما حدّث بشيء ثم يرجع إلى الكتاب فيكون كما في الكتاب ـ ثم ساق حديث عبد الله بن إدريس بإسناده، ثم قال: وهذا المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود".
وقال أبو حاتم: "هذا ـ رواية فرفع يديه ثم لم يَعُد ـ خطأ، يقال: وهم فيه الثوري وروى هذا الحديث عن عاصم جماعةٌ فقالوا كلهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق وجعلها بين ركبتيه ولم يقل أحد ما رواه الثوري"
(4)
.
وقال أبو داود: "هذا حديث مختصر من حديث طويل، وليس هو بصحيح على هذا اللفظ"
(5)
.
(1)
أشار أبو داود إلى أنها رواية بعض الثلاثة الذين رووا الحديث عن الثوري، وقد تقدم ذكرهم.
(2)
هي الرواية الثانية لأحمد عن وكيع المسند 7/ 260 ح 4211، وذكرها في سؤال عبد الله، وهي أيضاً رواية الأشجعي عن الثوري كما ذكرها أحمد في سؤال عبد الله هذا.
(3)
ص 79 - 83.
(4)
علل ابن أبي حاتم 1/ 96.
(5)
سنن أبي داود 1/ 478.
المطلب الخامس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الصدوق
.
الراوي الصدوق، وهو الذي خف ضبطه عن الراوي الثقة الحافظ، إذا تفرد عن شيخ حافظ كثير الحديث والتلاميذ، فتفرده في هذه الحالة يعدُ منكراً، لأن مثله ليس له من الحفظ والتثبت ما يحتمل منه مثل هذا التفرد. ومثال ذلك ما تقدم من إنكار الإمام أحمد لحديث عبد الرحمن بن إسحاق، الذي تفرد به عن الزهري في حِلف المطيّبين
(1)
، وكذلك حديث عبد الرحمن بن أبي الموال عن
ابن المنكدر في الاستخارة
(2)
.
فكلٌ من عباد بن إسحاق، وابن أبي الموال في مرتبة الصدوق عند الإمام أحمد كما تقدم، وكل واحد منهما قد تفرد عن حافظ كثير الحديث والتلاميذ، فوصف ما تفردا به بالنكارة.
ومثال آخر لما وصفه بالنكارة وهو من تفرد الراوي الصدوق:
قال حنبل: حدثني أبو عبد الله، ثنا عبد الله بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غِياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطبوبى للغرباء". قيل من الغرباء؟ قال: "النزاع من القبائل". قال أبو عبد الله: هذا حديث منكر
(3)
.
هذا الحديث أخرجه الترمذي
(4)
، وابن ماجه
(5)
، وابن أبي شيبة
(6)
،
(1)
ص 788.
(2)
ص 794.
(3)
المنتخب من العلل للخلال ص 57 رقم 11.
(4)
الجامع 5/ 18 ح 2629.
(5)
السنن 2/ 1320 ح 3988.
(6)
مصنف ابن أبي شيبة 7/ 83 ح 34366.
وأحمد
(1)
، والدارمي
(2)
، وأبو يعلى
(3)
، والشاشي
(4)
، والبزار
(5)
، والدورقي
(6)
، والطبراني
(7)
، والبيهقي
(8)
من طرق عن حفص بن غياث به.
وهذا الحديث لا يُروى من حديث عبد الله بن مسعود إلا من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، وتفرد به حفص بن غِياث عن الأعمش، نص على ذلك البخاري
(9)
، والترمذي
(10)
. وقال البزار: رواه عن الأعمش أبو خالد الأحمر، ويوسف بن خالد وغيرهما
(11)
. ورواية أبي خالد الأحمر أخرجها الطحاوي
(12)
، وابن عدي
(13)
. قال ابن عدي: "لا يعرف هذا الحديث إلا بحفص وبه يعرف، وحكم الناسُ بأنه حديثه عن الأعمش، حتى حدثناه الخضر بن أمية وغيره، عن مخلد بن مالك
(14)
عن أبي خالد عن الأعمش، ولا أعلم يرويه عن أبي خالد غير مخلد بن مالك"
(15)
، ورواه عن
(1)
المسند 6/ 325 ح 3784.
(2)
السنن 2/ 311.
(3)
مسند أبي يعلى 8/ 388 ح 3975.
(4)
مسند الشاشي 2/ 170 ح 729.
(5)
مسند البزار 5/ 433 ح 2069.
(6)
مسند سعد ص 164 ح 93.
(7)
المعجم الكبير 10/ 99 ح 10081.
(8)
كتاب الزهد الكبير 2/ 117 ح 206.
(9)
علل الترمذي الكبير 2/ 854.
(10)
الجامع الموضع نفسه.
(11)
مسند البزار الموضع نفسه.
(12)
شرح مشكل الآثار 2/ 170 ح 688.
(13)
الكامل في ضعفاء الرجال 3/ 1130.
(14)
مخلد بن مالك القرشي. قال عنه أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات تهذيب الكمال 27/ 343.
(15)
الموضع نفسه.
أبي خالد محمد بن عبد العزيز الواسطي
(1)
عند الطحاوي
(2)
. ومقتضى كلام ابن عدي وغيره أن رواية الحديث من غير طريق حفص بن غياث غير محفوظة.
وقد وصف الإمام أحمد هذا الحديث بالنكارة لتفرد حفص بن غياث به عن الأعمش من بين سائر أصحابه، وليس هو ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد عن مثل الأعمش، فلم يكن من الثقات البارزين كما تقدم عن الإمام أحمد
(3)
، فإنه كان في حفظه شيء
(4)
، ولا كان من كبار أصحاب الأعمش كالثوري، وأبي معاوية، وشعبة.
وأما الإمام البخاري فحسن الحديث، قال:"لا أعلم أحداً روى هذا الحديث غير حفص بن غياث، وهو حديث حسن"
(5)
، وكذلك صححه الترمذي
(6)
، والبغوي
(7)
مع تنصيصهما على غرابته. فكلهم لم يروا في تفرد حفص به عن الأعمش أية علة.
ومتن الحديث ثابت من طرق آخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم
(8)
.
(1)
قال أبو زرعة: ليس بالقوي: وقال أبو حاتم: كان عنده غرائب، ولم يكن عندهم بالمحمود، هو إلى الضعف ما هو الجرح والتعديل 8/ 8. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما خالف 9/ 81.
(2)
الموضع السابق.
(3)
ص 793.
(4)
انظر: شرح علل الترمذي 2/ 719.
(5)
علل الترمذي الكبير 2/ 854.
(6)
الجامع الموضع نفسه.
(7)
شرح السنة 1/ 118.
(8)
منها حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمر كلاهما عند مسلم 1/ 130 ح 145، وسعد بن أبي وقاص عند أحمد ح 1604، وأبي يعلى ح 756، ومن حديث غيرهما، وهو حديث مشهور انظر: كشف الخفاء 1/ 333.
وقد أنكر الإمام أحمد حديثاً آخر لحفص بن غياث تفرد به:
قال الأثرم: "قلت له ـ يعني أبا عبد الله ـ الحديث الذي يرويه حفص، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "كنا نأكل ونحن نسعى، ونشرب ونحن قِيام" فقال: ما أدري ما ذاك كالمنكر له، ما سمعت هذا إلا من ابن أبي شيبة عن حفص. قال لي أبو عبد الله: ما سمعتَه من غير ابن أبي شيبة؟ قال: قلت له: ما أعلم أني سمعته من غيره، وما أدري رواه غيره أم لا؟ ثم سمعته أنا بعدُ من غير واحد عن حفص. قال أبو عبد الله: أما أنا فلم أسمعه إلا منه، ثم قال: إنما هو حديث يزيد بن عطارد"
(1)
.
هذا الحديث رواه أحمد في المسند
(2)
بالإسناد الذي ذكره هنا، ورواه أيضاً الترمذي
(3)
، وابن ماجه
(4)
، وابن حبان
(5)
كلهم من طريق سلم بن جُنادة، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه الطحاوي
(6)
من طريق يوسف بن عدي، عن حفص به.
وهذا الحديث تفرد به حفص عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وقد صرح بذلك أحمد في سؤال الأثرم المروية. وقال ابن معين: لم يحدث به أحد إلا حفص
(7)
. وقال أبو زرعة: رواه حفص وحده
(8)
. وقال الترمذي: لا يُعرف عن
(1)
تاريخ بغداد 8/ 195.
(2)
المسند 10/ 113 ح 5874.
(3)
الجامع 4/ 300 ح 1880.
(4)
السنن 2/ 1098 ح 3301.
(5)
الإحسان 12/ 141 ح 5322.
(6)
شرح معاني الآثار 4/ 273.
(7)
تاريخ بغداد 8/ 195.
(8)
تاريخ بغداد 8/ 196. وتحرفت العبارة في علل ابن أبي حاتم 2/ 10 إلى: أوله حفص وحده.
عبيد الله إلا من وجه رواية حفص
(1)
.
وأنكره الإمام أحمد على حفص بن غياث لتفرده به عن عبيد الله، فهو ممن لا يحتمل منه مثل هذا التفرد عن عبيد الله. وذكر أن الصحيح حديث يزيد بن عطارد أبي البزري، عن ابن عمر
(2)
، أي هذا المتن يعرف بالإسناد المذكور.
وقد أشار ابن معين، وابن المديني إلى أن حفصاً سمع حديث عمران ابن حُدير، عن يزيد بن عطارد فغلط وذكر الإسناد الذي ذكره للمتن المذكور
(3)
.
وكذلك ما تقدم عن الإمام أحمد أنه وصف عدداً من الرواة أُخرج لهم في الصحيح بأنهم يروون المناكير، راجع إلى أن كل واحد منهم في مرتبة الصدوق عند الإمام أحمد، لأنه لا يخلو كل واحد منهم أن يكون في حفظه ما يجعله قاصراً عن الثقة الحافظ، فما تفرد به يكون منكراً على أصل الإمام أحمد، ومن هؤلاء الرواة بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة
(4)
، ومحمد بن إبراهيم التيمي المنفرد برواية حديث الأعمال بالنيات
(5)
، وزيد بن أبي أنيسة
(6)
، وعمرو
(1)
علل الترمذي الكبير 2/ 791.
(2)
وهذا الحديث أخرجه أئمة أهل البصرة، عن عمران بن حدير، عن أبي البزري، عن ابن عمر بلفظ حديث حفص. أخرجه أحمد المسند 8/ 208 ح 4601، 8/ 385 ح 4765، 8/ 447 ح 4833، وابن أبي شيبة 5/ 101 ح 24115، والدارمي السنن 2/ 120، وابن الجارود المنتقى 2/ 157 ح 867، والطحاوي شرح معاني الآثار 4/ 274، وابن حبان 12/ 49 ح 5243، وابن شاهين ناسخ الحديث ومنسوخه 1/ 432 ح 472.
(3)
انظر: تاريخ بغداد 8/ 195، 196.
(4)
قال عنه أحمد: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بُردة، بُريد يروي أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 11 رقم 1380.
وقد قال ابن معين في بريد: ثقة، وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وكذلك قال النسائي فيه. وقال في موضع آخر: ليس بذاك القوي. وقال الفلاس: ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثان عن سفيان، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة بشيء قط الكامل في ضعفاء الرجال 2/ 495.
(5)
قال أحمد: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة المصدر السابق 1/ 566 رقم 1355.
(6)
قال عنه أحمد في رواية الأثرم: إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، وهو على ذلك حسن الحديث الضفعاء للعقيلي 2/ 428.
وفي رواية المرُّوذي: سألته ـ يعني أبا عبد الله ـ عن زيد بن أبي أنيسة كيف هو؟ فحرّك يده وقال: صالح، وليس هو بذاك العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 85 رقم 118.
ولم أقف على شيء مما أنكره الإمام أحمد عليه من حديثه.
ابن الحارث
(1)
، والحسين بن واقد
(2)
، وخالد بن مخلد
(3)
، إلا محمد بن إبراهيم التيمي، فإنه ليس في كلام الأئمة ما يشعر بقصور ضبطه، فلا يبعد أن يكون الإمام أحمد شذّ بهذا القول. قال ابن عدي:"إن كان ابن حنبل أراد به محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي مديني يحدث عن أبي سلمة، فهو عندي لا بأس به، ولا أعلم له شيئاً منكراً إذا حدث عنه ثقة"
(4)
.
(1)
قال عنه أحمد: ليس في أهل مصر أصح حديثاً من الليث، وعمرو بن الحارث يقاربه. وقال في رواية الأثرم: قد كان عمرو بن الحارث عندي، ثم رأيت له أشياء مناكير تهذيب الكمال 21/ 573. كأنه يشير إلى أحاديثه عن قتادة، فإنه قال: يروي عن قتادة أحاديث يضطرب فيها ويخطئ الموضع نفسه.
(2)
قال عنه أحمد: لا بأس به، وأثنى عليه خيراً، وقال في رواية الميموني: له أشياء مناكير. في رواية عبد الله: ما أنكر حديث حُسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة الجرح والتعديل 3/ 66، العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 228 رقم 444، العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 301 رقم 497.
وقد أنكر أحمد حديثه الذي رواه عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لوددت أن عندنا خبزة بيضاء من بر سمراء ملبقة بسمن ولبن، قال وكان ذلك عند رجل فذهب فجاء به، فقال: في أي شيء كان هذا السمن؟ قال: في عكة ضب. قال: ارفع". قال العقيلي: حدثنا أحمد بن أصرم بن خزيمة قال سمعت أحمد بن حنبل وقيل له في حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام في الملبقة فأنكره أبو عبد الله وقال: من روى هذا؟ قيل له الحسين بن واقد. فقال بيده وحرك رأسه كأنه لم يرضاه الضعفاء للعقيلي 1/ 270.
وذكر له الذهبي بعض ما أنكر عليه من الأحاديث ميزان الاعتدال ترجمة رقم 2063.
(3)
قال عنه أحمد: له أحاديث مناكير العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 18 رقم 1403. وهو راوي حديث: من عادى لي ولياً
…
قال الذهبي: هذا حديث غريب جداً لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه من منكرات خالد بن مخلد ميزان الاعتدال ترجمة 2463.
وقد ذكر له ابن عدي عدة أحاديث أنكرت عليه الكامل في ضعفاء الرجال 3/ 905 - 907.
(4)
الكامل في ضعفاء الرجال 6/ 2143.
فإذا كانت هذه حالة حديث الصدوق إذا تفرد به من غير مخالفة لرواية غيره فحيث جاء تفرده مع المخالفة فحديثه أولى بالنكارة، ومثال ذلك:
قال ابن هانئ: "عرضت على أبي عبد الله حديث لُوين محمد بن سليمان، عن محمد بن ثابت العصري، قال: ثنا نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى حاجته وكان من حديثه يومئذ أن قال: مرّ رجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد خرج من الغائط فسلّم عليه، فلم يردّ حتى كاد الرجل أن يتوارى ضرب يديه إلى الجدار، ثم مسح وجهَهُ ثم ضرب بيده على الجِدار مرة أخرى فمسح ذراعيه، ثم ردّ عليه السلام ثم قال: "إنه لم يمنعني أن أردّ عليك السلام إلا أني لم أكن طاهراً". قال لي أبو عبد الله: هذا حديث منكر، ليس هو مرفوعاً"
(1)
.
وقال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيّمم"
(2)
.
حديث محمد بن ثابت العبدي رواه أبو داود
(3)
، والطحاوي
(4)
، وابن المنذر
(5)
، والدارقطني
(6)
، والطبراني
(7)
. وتفرد بذكره من هذا الوجه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وخالف بذلك الأثبات من أصحاب نافع، منهم مالك
(8)
، وأيوب
(9)
،
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 1/ 22 رقم 110.
(2)
سنن أبي داود 1/ 234.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
شرح معاني الآثار 1/ 85.
(5)
الأوسط 2/ 49 ح 540.
(6)
سنن الدارقطني 1/ 177.
(7)
المعجم الأوسط 8/ 6 ح 7784.
(8)
وحديثه في الموطأ 1/ 56 ح 90، 91 لكن لم يذكر الضربتين وإنما ذكر التيمم إلى المرفقين.
(9)
وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف 1/ 146 ح 1673، وعبد الرزاق المصنف 1/ 212 ح 818.
وعبيد الله ابن عمر
(1)
، فكلهم رووه عن نافع عن ابن عمر موقوفاً عليه، وكذلك رواه معمر، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر
(2)
.
قال أبو داود: "لم يُتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي صلى الله عليه وسلم، رووه من فعل ابن عمر"
(3)
.
ومحمد بن ثابت لا يحتمل منه مثل هذا التفرد، أولاً لمخالفته من هو أثبت منه، وهم عدد، وثانياً لقصور منزلته في الحفظ عن الثقات الأثبات. قال أحمد في رواية أبي داود:"محمد بن ثابت العبدي ليس به بأس، لكن روى حديثاً منكراً في التيمم، لا يتابعه أحدٌ"
(4)
، وقال في رواية المهنا:"يخطئ في حديثه"
(5)
.
وأما سائر الأئمة فكلهم متفقون على تليينه
(6)
.
فوصف هذه الرواية التي تفرد به عن مثل نافع وخالف الأثبات من أصحابه بالنكارة أمرٌ واضح خصوصاً على منهج الإمام أحمد.
وقد ورد عن الإمام أحمد قبوله لبعض الأحاديث تفرد بها الصدوق الذي لم يبلغ منزلة الحافظ المبرز، من ذلك:
قال الخلال: "أخبرنا المرُّوذي: قال: ذكرتُ لأبي عبد الله حديثَ محمد ابن سلمة الحراني، عن أبي عبد الرحيم: حدثني زيد بن أبي أُنيسة، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن مسروق: ثنا عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى:
(1)
وحديثه عند ابن المنذر الأوسط 2/ 48 ح 538، والبيهقي السنن الكبرى 1/ 207.
(2)
أخرجه عبد الرزاق المصنف 1/ 211 ح 817، وابن المنذر الأوسط 2/ 48 ث 537، والدارقطني 1/ 182.
(3)
سنن أبي داود الموضع نفسه.
(4)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص 339 رقم 504.
(5)
بحر الدم رقم 873.
(6)
انظر: الكامل في ضعفاء الرجال 6/ 2145 - 2146، تهذيب الكمال 24/ 556.
{فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] من العرش إلى الكرسيّ". قال أبو عبد الله: هذا حديث غريب، لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة، واستحسنه. وقال: قد رواه الأعمش موقوفاً، ورواه أبو يزيد الدالاني مرفوعاً. قال الخلال: وأخبرني زكريا بن يحيى: ثنا أبو طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن هذا الحديث فجعلتُ أقرأهُ عليه فقال: ما أحسنَهُ، إنما سمعناه عن أبي عوانة، عن الأعمش مرسلاً"
(1)
.
هذا الحديث رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل
(2)
، ومحمد بن نصر المروزي
(3)
، والطبراني
(4)
من طريق محمد بن سلمة الحراني به مرفوعاً. ورواه المروزي
(5)
، والحاكم
(6)
من حديث أبي يزيد الدالاني، عن المنهال بن عمرو به موقوفاً على عبدالله بن مسعود. ورواه المروزي
(7)
من طريق الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس وأبي عبيدة، عن عبد الله. وهذا مرسل، بين أبي عبيدة وأبيه، وهو حديث طويل أوله: يجمع الله الناس يوم القيامة
…
وقد استحسنه الإمام أحمد مع قوله إنه غريب، وذلك أن المنهال بن عمرو قد تفرد به، وهو في مرتبة الصدوق. قال عبد الله:" سمعت أبي يقول: أبو بشر أحب إلي من المنهال بن عمرو، قلت له: أحب إليك من المنهال بن عمرو؟ قال: نعم، شديداً، أبو بشر أوثق، إلا أن المنهال أسنّ"
(8)
.
(1)
المنتخب من العلل للخلال ص 263 رقم 166.
(2)
السنة ص 206 ح 1133.
(3)
تعظيم قدر الصلاة 1/ 303 ح 280.
(4)
المعجم الكبير 9/ 357 ح 9763.
(5)
المصدر نفسه 1/ 297 ح 278.
(6)
المستدرك 4/ 589.
(7)
المصدر نفسه 1/ 303 ح 279، 1/ 305 ح 281.
(8)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 427 رقم 943.
وقال أحمد في أبي بشر، وهو جعفر بن إياس بن أبي وحشية: ليس به بأس
(1)
.
وأما غيره من الأئمة فقد وثقوه، منهم ابن معين، والنسائي، والعجلي. وقال فيه الدارقطني: صدوق
(2)
، وأخرج له البخاري
(3)
.
ولعل وجه قبول الإمام أحمد له أن الحديث تشهد لأجزائه نصوص أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن له أصلاً، والله أعلم.
ومن أمثلة ما قبله من تفرد الراوي الصدوق، ما ذكره ابن رجب أن الإمام أحمد يقول في رواية عنه: إن نجاسة المذي نجاسة مخففة، يجزئ نضحُه بالماء كبَول الغلام الذي لم يأكل الطعام، لعموم البلوى به، ومشقة الاحتراز منه، وفيه حديث سهل بن حنيف، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما أصاب الثوب من المذي؟ فقال:"تأخذ كفاً من ماء فتنضحُ به حيث ترى أنه أصابك"
(4)
. قال أحمد في رواية الأثرم: لا أعلم شيئاً يخالفه. ا. هـ
(5)
.
وكذلك ذكر الترمذي عن الإمام أحمد أنه قال: أرجو أن يجزئه النضح بالماء
(6)
.
فهذا يدل على أنه أخذ بهذا الحديث، وقد تفرد به ابن إسحاق. قال
(1)
المصدر نفسه 2/ 496 رقم 3267.
(2)
تهذيب الكمال 28/ 570 - 571.
(3)
انظر: هدي الساري ص 445 - 446.
(4)
هذا الحديث أخرجه أبو داود السنن 1/ 144 ح 210، والترمذي الجامع 1/ 197 ح 115، وابن ماجه السنن 1/ 169 ح 506، وأحمد المسند 25/ 345 ح 15973، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 1/ 147 ح 291، وابن حبان الإحسان 3/ 387 ح 1103، وعبد بن حميد المسند ص 171 ح 468، والطبراني المعجم الكبير 6/ 87 ح 5593، 5594، 5595، والبيهقي السنن الكبرى 2/ 410.
(5)
فتح الباري لابن رجب 1/ 305 - 306.
(6)
الجامع 1/ 197.
الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق. ا. هـ
(1)
.
وقال الذهبي: هذا حكم تفرد به محمد بن إسحاق
(2)
.
ومحمد بن إسحاق حسن الحديث عند الإمام أحمد
(3)
، ولم يُبلغه درجة الثقة، لأنه يخالف الناس في حديثه لقصور ضبطه. قال الأثرم:"قلت لأبي عبدالله: ما تقول في محمد بن إسحاق؟ قال: هو كثير التدليس جداً، قلت له: فإذا قال: حدثني وأخبرني فهو ثقة؟ قال: هو يقول أخبرني فيُخالِف"
(4)
.
وقبول الإمام أحمد لهذا التفرد عن ابن إسحاق لا يهدم أصله، فإن المعروف من منهجه أنه إذا لم يكن في المسألة حديث صحيح، وكان فيها حديث ضعيف، وليس في الباب شيء يرده عمل به، قال الأثرم: "رأيت أبا عبد الله إن كان الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في إسناده شيء أخذ به إذا لم يجئ خلافُه أثبتُ منه
…
وربما أخذ بالمرسل إذا لم يجئ خلافُه"
(5)
، وقال أبو طالب:"سمعت أبا عبد الله يقول: وربما كان الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في إسناده شيء فنأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، وربما أخدنا بالحديث المرسل إذا لم يجئ خلافه أثبت منه"
(6)
.
على أنه قد جاءت رواية أخرى عن أحمد في الحكم الذي ورد في حديث ابن إسحاق المتقدم، ذكرها ابن رجب أن أحمد قال:"لم يروه إلا ابنُ إسحاق، وأنا أتهيَّبه"
(7)
.
(1)
الموضع نفسه.
(2)
ميزان الاعتدال 4/ 394.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 61 رقم 55.
(4)
الضفعاء للعقيلي 4/ 1200.
(5)
المسودة ص 246.
(6)
المصدر نفسه ص 249.
(7)
فتح الباري لابن رجب 1/ 306.
وقال الإمام أحمد في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون، لا تُفرَّق إبلٌ على حسابها، من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها منه وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء"
(1)
: ما أدري ما وجهه، وسئل عن إسناده فقال: هو عندي صالح الإسناد
(2)
. فهذا الحديث تفرد به بهز بن حكيم، ولم يرد عن الإمام أحمد أنه رفعه إلى منزلة الثقة الحافظ، بل غاية ما فيه عن أحمد أن ابن حبان نقل عنه أنه كان يحتج به
(3)
. ونقل عنه ابن القيم أنه قال: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح
(4)
.
وأما ابن معين، وابن المديني، والنسائي فوثقوا بهز بن حكيم، وقال فيه أبو زرعة: صالح، ليس بالمشهور. وقال أبو حاتم: شيخ، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الحاكم: كان من الثقات، ممن يجمع حديثه، وإنما أُسقط من الصحيح روايته عن أبيه، عن جده لأنها شاذة، لا متابع له فيها. وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً
(5)
. وقال فيه ابن حجر: صدوق
(6)
.
فتفرد مثل هذا الراوي بأصل ليس له فيه متابع يعدّ منكراً على أصل الإمام أحمد في هذا الباب. لكن ذكر أن إسناد هذا الحديث صالح، وقال بموجبه في رواية
(1)
أخرجه أبو داود السنن ح 1575، والنسائي السنن 5/ 25، وأحمد المسند 33/ 220 ح 20016، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة ح 2266، والطحاوي شرح معاني الآثار 2/ 9، والحاكم المستدرك 1/ 398، والبيهقي السنن الكبرى 4/ 105.
(2)
المغني 4/ 7، تنقيح التحقيق 2/ 258.
(3)
المجروحين 1/ 185.
(4)
تهذيب السنن 4/ 319.
(5)
تهذيب الكمال 4/ 261 - 262.
(6)
تقريب التهذيب 780.
عنه
(1)
. وتوجيه ذلك عندي أن جد بهز بن حكيم، وهو معاوية بن حيدة لم يشتهر بالرواية عنه إلا ابنه حكيم بن معاوية والد بهز، وهو لم يشتهر بالرواية عنه إلا ابنه بهز، فلا يستغرب من هذا حاله أن يتفرد بأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فحاله مثل حال الوحدان من الصحابة، وهم الذين ليس لهم إلا راوٍ واحد، ومع ذلك قبلت رواياتهم التي تفردوا بها، مثل حزن بن أبي وهب المخزومي جد سعيد بن المسيب، ما روى عنه إلا ابنه المسيب، ومع ذلك أخرج حديثه في الصحيح ولم يعلّ
(2)
.
فحالة بهز بن حكيم وأمثاله تخالف حالة تلاميذ من اشتهر حديثه وتلاميذه فأمكن الوقوف على ما يستغرب من حديثه مما لا يرويه غيره من أقرانه، وأما وقد تفرد في الأصل بالرواية عن شيخه فلا يستغرب منه التفرد، لا سيما إذا لم يختلف عليه الرواة عنه كما هو حال بهز بن حكيم، فإن ذلك يدل على ضبطه لما يرويه، والعلم عند الله.
تفرد الصدوق بزيادة:
وأما الحديث الذي رواه عدد من الرواة فيشاركهم الراوي الصدوق في رواية أصل الحديث وينفرد عنهم بزيادة لم يذكرها سائر الرواة في الحديث، فهذا حكمه مثل حكم الحديث الذي تفرد به من أصله، وهو أنه لا تقبل منه هذه الزيادة لقصور حفظه عما يشترط في الراوي الذي يحتمل منه التفرد، وهو الثقة الحافظ. ومثال ذلك:
(1)
انظر: التحقيق في أحايث التعليق 2/ 257، والإنصاف 3/ 188.
(2)
والحديث هو ما أخرجه البخاري صحيح البخاري 10/ 574 ح 6190، وأحمد المسند 39/ 77 ح 23673. وذكره في العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 184 رقم 4792، ولم يتكلم عليه بالإعلال. ولفظ الحديث: عن ابن المسيب، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجده، جد سعيد:"ما اسمك"؟ قال: حُزن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"بل أنت سهل". فقال: لا أغير اسماً سمّانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت فينا حُزونة بعد.
قال أبو داود: "قلت لأحمد: أفلح بن حُميد؟ قال: هذا شيخ قد احتملوه، وجعل كأنه يستضعفه، قال: يكثر من الرأي، قلت: رأي القاسم؟ قال: نعم، قال: روى حديثاً منكراً، حديث المواقيت. قلت: وصح ذلك عندك، رواه غير المعافى؟ قال: المعافى ثقة"
(1)
.
المقصود بحديث المواقيت الذي رواه أفلح بن حُميد هو ما رواه المعافى ابن عمران، عنه، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحُليْفَة، ولأهل الشَّام ومِصر الجُحْفَة، ولأهل العِراق ذاتَ عِرْق، ولأهل اليمن يَلَمْلَم]. أخرجه أبو داود
(2)
، والنسائي
(3)
، وابن عدي
(4)
، والبيهقي
(5)
كلهم من طريق هشام بن بهرام عن المعافى. وأخرجه النسائي
(6)
، والدارقطني
(7)
من طريق أبي هاشم محمد بن علي عن المعافى.
وأخرجه الطحاوي
(8)
من طريق هشام بن بهرام وخالد ين يزيد القطربلي كلاهما عن المعافى.
وهذا الحديث قد انفرد به أفلح بن حُميد عن القاسم، قال ابن عدي: هذا الحديث ينفرد به معافى عن أفلح
(9)
. وقال الذهبي: هذا الحديث ينفرد به المعافى
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 412 رقم 1934.
(2)
سنن أبي داود 2/ 354 ح 1739.
(3)
سنن النسائي 5/ 123 ح 2653، والسنن الكبرى 2/ 328 ح 3633.
(4)
الكامل في ضعفاء الرجال 1/ 408.
(5)
السنن الكبرى 5/ 28.
(6)
السنن 5/ 125 ح 2656، والسنن الكبرى 2/ 328 ح 3636.
(7)
السنن 2/ 236.
(8)
شرح معاني الآثار 2/ 118.
(9)
الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
ابن عمران، عن أفلح عن القاسم، عن عائشة، هو صحيح غريب. ا. هـ
(1)
.
وأما الإمام أحمد فأنكره على أفلح، لأنه ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد. قال عبد الله: سألته عن أفلح؟ فقال: صالح
(2)
. وقال الميموني: سألت أبا عبد الله عن أفلح بن حُميد؟ فقال: صالح، يحتمل
(3)
. وقال عنه الذهبي: صدوق
(4)
. وقال ابن حجر: ثقة
(5)
.
وإنما أنكر قوله: "ولأهل العراق ذات عرق"، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه شيئاً، قاله ابن عدي
(6)
، ووجهه أن الباقي من متنه معروف من وجوه كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس فيه ما يُستنكر، وأما الإسناد فلا يعرف عن عائشة إلا من طريقه، فحقه على أصل الإمام أحمد أن يكون منكراً أيضاً، والله أعلم.
فهذا يدل على أن إنكار الإمام أحمد موجه إلى الزيادة التي تفرد بها أفلح ابن حُميد، ويدل على أن الزيادة من الصدوق الذي لم يبلغ ضبطه ضبط الثقة الحافظ منكرة عند الإمام أحمد غير مقبولة، مثلها مثل حديثه الذي تفرد به من أصله، والله أعلم.
(1)
ميزان الاعتدال 1/ 440.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 419 رقم 914.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 224 رقم 431.
(4)
الكاشف 462.
(5)
تقريب التهذيب 551.
(6)
الموضع نفسه.
المطلب السادس: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي الموصوف بسوء الحفظ
.
تقدم في مبحث إعلال الحديث بسوء الحفظ الملازم للراوي أن منهج الإمام أحمد في الرواة الموصوفين بسوء الحفظ أنه إذا انفرد واحد منهم بحديث ولم يتابع عليه لم يحتج به، وأن الحال في ترك الاحتجاج قد تختلف من راوٍ إلى آخر، وأشد ما يكون إذا زاد في الإسناد أو نقص أو غير الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى
(1)
.
ومن أمثلة إعلاله الأحاديث بتفرد بعض رواتها الموصوفين بسوء الحفظ ما يلي:
الحديث الأول:
قال أبو داود: "سمعت أحمد سُئل عن يحيى بن يمان، فقال: كان يغلط، ثم ذكر حديث سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى في الطواف فاُتي بنبيذ. فقال: هذا منكر".
هذا الحديث أخرجه النسائي
(2)
، وابن أبي شيبة
(3)
، والطحاوي
(4)
، والدارقطني
(5)
، والطبراني
(6)
، البيهقي
(7)
كلهم من طرق عن يحيى بن يمان، عن الثوري به. ولفظه كما ورد عند النسائي: عطش النبي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة، فاستسقى فأُتي بنبيذ من السِّقاية فشمّه فقطّب فقال:"عليّ بذَنوب من زمزم" فصب
(1)
شرح علل الترمذي 1/ 416، وانظر: ص 263.
(2)
السنن 8/ 325 ح 5719، السنن الكبرى 3/ 237 ح 5202.
(3)
المصنف 5/ 79 ح 23868، 3/ 323 ح 14629.
(4)
شرح معاني الآثار 4/ 219.
(5)
السنن 4/ 263.
(6)
المعجم الكبير 17/ 243 ح 675.
(7)
السنن الكبرى 8/ 304.
عليه ثم شرب، فقال رجلٌ: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا".
وأعله الإمام أحمد بالنكارة لتفرد يحيى بن يمان به عن الثوري، وقد قال فيه: كان يغلط، وهو قول مشعر بسوء حفظه. وقيل له: فرواه غيره؟ قال: لا، إلا من هو أضعف منه
(1)
. وقال أحمد في موضع آخر: ليس يحيى بن يمان بحجة في الحديث
(2)
وقال في رواية أبي داود: عنده تخليط
(3)
. وذكر الساجي عن أحمد أنه ضعفه، وقال: حدّث عن الثوري بعجائب، لا أدري لم يزل هكذا، أو تغير حين لقيناه، أو لم يزل الخطأ في كتبه
(4)
.
وبمثل هذا أعله النسائي، قال:"هذا خبر ضعيف، لأن يحيى بن يمان انفرد به دون أصحاب الثوري، ويحيى بن يمان لا يحتج بحديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه"
(5)
.
وقد توبع يحيى بن يمان عن الثوري: تابعه عبد العزيز بن أبان عند الدارقطني
(6)
. قال الدراقطني: عبد العزيز بن أبان متروك الحديث. وتابعه أيضاً الواقدي كما ذكر ابن عدي
(7)
، كما تابعه اليسع بن إسماعيل، عن زيد بن الحباب، عن الثوري عند الدارقطني أيضاً، وقال: لا يصح هذا عن يزيد بن الحُباب عن الثوري، ولم يره غير اليسع بن إسماعيل، وهو ضعيف، وهذا الحديث معروف بيحيى ابن يمان. ا. هـ
(8)
.
(1)
التحقيق في أحاديث الخلاف 3/ 478.
(2)
تاريخ بغداد 14/ 122.
(3)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص 368 رقم 578.
(4)
تاريخ بغداد 14/ 124.
(5)
سنن النسائي الموضع نفسه.
(6)
سنن الدراقطني 4/ 264.
(7)
الكامل في ضعفاء الرجال 3/ 900.
(8)
الموضع نفسه.
وقد قيل إن هذا الحديث انقلب إسناده على يحيى بن يمان واختلط عليه بحديث الذي رواه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب بن أبي وداعة: [طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار فاستسقى فأتي بإناء من نبيذ فلما رفعه إلى فيه قطب فتركه فقال الرجل: يا رسول الله هذا شراب أهل مكة أحرام هو؟ فسكت ثم أتاه الثانية فقطب فنحاه فقال له الرجل مثل ذلك فدعا بذنوب أو دلو من ماء فصبه عليه ثم سقى الذي يليه والذي عن يمينه ثم قال: "هكذا اصنعوا به إذا غلبكم". هكذا رواه أبو حذيفة عن الثوري
(1)
. وقال ابن عدي: وقال الأشجعي وغيره، عن سفيان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب:"أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بنبيذ"
(2)
، هكذا قال البخاري أيضاً
(3)
. فعاد الحديث إلى حديث الكلبي، وهو مشهور بأنه متروك الحديث.
وأما حديث الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود الذي انقلب على ابن يمان فلفظه أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين
(4)
، هذا ما ذهب إليه الدارقطني
(5)
، أي فانقلب على يحيى بن يمان، ودخل عليه إسناد هذا الحديث في حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب.
أما أبو جاتم فذكر أن الحديث الذي سقط على ابن يمان هو ما رواه الثوري،
(1)
أخرجه البيهقي السنن الكبرى 8/ 304.
(2)
الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
(3)
التاريخ الكبير 3/ 153.
(4)
رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن خالد بن سعد، كان أبو مسعود يمسح على جوربين له من شعر ونعليه مصنف عبد الرزاق 1/ 199 ح 774. وكذلك رواه وكيع عن الثوري عند ابن أبي شيبة المصنف 1/ 171 ح 1972. ورواه شعبة عن منصور به أيضاً السنن الكبرى للبيهقي 1/ 285.
(5)
علل الدارقطني 6/ 193.
عن منصور، عن خالد بن سعد مولى أبي مسعود [أنه كان يشرب نبيذ الجر]، يعني من فعل أبي مسعود غير مرفوع، فجعل إسناده لمتن حديث الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب
(1)
.
وقد سبق إلى التنبيه بهذه العلة عبد الله بن نمير، قال: أخطأ ابن يمان على الثوري فقال: عن منصور، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود، وإنما هو الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن المطلب قال:"عطش النبي صلى الله عليه وسلم " فذكره. وقال: ابن يمان سريع الحفظ سريع النسيان. ا. هـ
(2)
.
وقال أبو موسى: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن حديث سفيان عن منصور في النبيذ فقال: لا تحدث بهذا
(3)
.
والشاهد أن تفرد يحيى بن يمان عن الثوري هو الذي دل إلى كشف خطئه هذا، لأنه ليس ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد عن الثوري لسوء حفظه، والله أعلم.
الحديث الثاني:
قال عبد الله: "ذكرت لأبي حديث محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله في الرفع، فقال: هذا ابن جابر، إيش حديثه؟ هذا حديث منكر، أنكره جداً"
(4)
.
(1)
علل ابن أبي حاتم 2/ 26. وهذا ما أشار إليه المزي في تحفة الأشراف 7/ 328 أن يحيى ابن سعيد رواه عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود فعله، أي أنه كان يشرب نبيذ الجر. وأخرج هذه الرواية البخاري تعليقاً التاريخ الكبير 3/ 153، والتاريخ الأوسط 2/ 42 - 43. ودخول هذا الحديث على حديث الكلبي عند يحيى بن يمان أولى من القول بدخول حديث المسح على الجوربين على حديث النبيذ كما ذهب إليه الدراقطني، والله أعلم.
(2)
الكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
(3)
السنن الكبرى للبيهقي 8/ 304.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 373 رقم 716، وفي مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه عبد الله 1/ 241 رقم 327.
هذا الحديث رواه أبو يعلى
(1)
، والدارقطني
(2)
، والإسماعيلي
(3)
، والبيهقي
(4)
، والخطيب
(5)
من طريق عن محمد بن جابر، عن حماد وهو ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ولفظه:"صليتُ خلفَ النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة".
وقد أنكره الإمام أحمد لتفرد محمد بن جابر به، وقال: ابن جابر إيش حديثه؟ هذا حديث منكر.
وقد نص الدراقطني أيضاً على تفرد ابن جابر به. وقال العقيلي بعد أن ساق الحديث: لا يتابع عليه
(6)
.
ومحمد بن جابر هو اليمامي لا يحتج بما ينفرد به، وقد تقدمت ترجمته وأنه ممن جرحه الإمام أحمد لأنه ربما ألحق في كتابه
(7)
. وقال في رواية ابن هانئ: ليس بالقوي، روى عن حماد أحاديث
(8)
، وعنه أيضاً: أحاديثه عن حماد مضطربة، في كتبه لحوق
(9)
.
فحديثه الذي تفرد به خصوصاً عن حماد بن أبي سليمان يعد منكراً ولو لم يخالف، فكيف وقد خالف. فقد رواه حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان،
(1)
مسند أبي يعلى 8/ 453 ح 5039.
(2)
سنن الدارقطني 1/ 295.
(3)
معجم شيوخ الإسماعيلي 2/ 693.
(4)
السنن الكبرى 2/ 79.
(5)
تاريخ بغداد 11/ 224.
(6)
الضعفاء للعقيلي 4/ 1209.
(7)
ص 535.
(8)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 228 رقم 2255.
(9)
المصدر نفسه 2/ 230 رقم 2262.
عن إبراهيم، عن ابن مسعود من فعله غير مرفوع. ذكره الدارقطني وقال: هو الصواب
(1)
.
فخالفه حماد بن سلمة في موضعين: رواه مرسلاً بين إبراهيم النخعي وابن مسعود، بينما ذكره محمد بن جابر موصولاً بذكر علقمة بينهما. والثاني وقف الحديث على ابن مسعود، بينما رفعه ابن جابر. فهذا مما يزيد روايته نكارة.
الحديث الرابع:
قال أبو داود: "ذكرت لأحمد حديث قيس بن الرَّبيع، عن شبعة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق [أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فاته الأربع قبل الظهر صلاّها بعد الظهر]. فقال أحمد: يرويه غير واحد ليس يذكرون هذا فيه، يعني يروون حديث خالد، عن عبد الله بن شقيق: [سألت عائشة عن تطوع رسول الله صلى الله عليه وسلم]، أي فليس هذا فيه"
(2)
.
حديث قيس بن الربيع أخرجه ابن ماجه
(3)
، وابن عدي
(4)
. قال ابن ماجه: لم يروه إلا قيس عن شبعة. وقال الترمذي: ولا نعلم رواه عن شعبة غير قيس بن الربيع
(5)
.
وذكر الإمام أحمد أن غير واحد من الرواة رواه عن خالد الحذاء بغير اللفظ الذي رواه قيس. ومن هؤلاء هشيم بن بشير
(6)
، ويزيد
(1)
سنن الدارقطني الموضع نفسه.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 392 رقم 1876.
(3)
السنن 1/ 366 ح 1158.
(4)
الكامل في ضعفاء الرجال 6/ 2067 - 2068.
(5)
الجامع 2/ 291.
(6)
حديثه عند مسلم صحيح مسلم 1/ 504 ح 730، وأبي داود السنن 2/ 43 ح 1251، وأحمد المسند 40/ 18 ح 24019، وإسحاق مسند إسحاق بن راهويه 3/ 698 ح 1299، وابن خزيمة 2/ 208 ح 1192، والطحاوي شرح معاني الآثار 1/ 281، وابن الجارود المنتقى 1/ 241 ح 277.
ابن زريع
(1)
، وإسماعيل بن علية
(2)
، ويزيد بن هارون
(3)
، وخالد الطحان
(4)
، وبشر بن المفضل
(5)
، كلهم رووه بلفظ:"سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان يصلي أربعاً قبل الظهر وثنتين بعدها، وثِنتين قبل العصر وثِنتين بعد المغرب، وثِنتين بعد العشاء، ثم يصلي من الليل تسعاً. قلت: أقائماً أو قاعداً؟ قالت: يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً. قلت: كيف يصنع إذا كان قائماً، وكيف يصنع إذا كان قاعداً؟ قالت: إذا قرأ قائماً ركع قائماً، وإذا قرأ قاعداً ركع قاعداً، وركعتين قبل صلاة الصبح". وهذا لفظ حديث ابن علية.
وقد تابع قيس بن الربيع على اللفظ الذي رواه عن شعبة، عبد الوارث ابن عبيد الله، عن ابن المبارك، عن خالد الحذاء. أخرجه الترمذي
(6)
وقال: إنما نعرفه من حديث ابن المبارك من هذا الوجه. ا. هـ.
وعبد الوارث بن عبيد الله هو العتكي روى عن ابن المبارك الكثير حتى مسائل سأله وسئل عنه وهو حاضر، قاله ابن أبي حاتم
(7)
، وذكره ابن حبان في الثقات
(8)
، ووثقه الذهبي
(9)
، وقال عنه ابن حجر: صدوق
(10)
.
(1)
روى حديثه أبو داود السنن، الموضع نفسه، ومن طريق البيهقي السنن الكبرى 2/ 471.
(2)
روى حديثه أحمد المسند 43/ 19 ح 25819.
(3)
روى حديثه النسائي السنن الكبرى 1/ 146 ح 336.
(4)
روى حديثه ابن حبان الإحسان 6/ 225 ح 2474.
(5)
روى حديثه الترمذي الجامع 2/ 299 ح 436، وذكر بعض لفظ الحديث.
(6)
الجامع 2/ 291 ح 426.
(7)
الجرح والتعديل 6/ 76.
(8)
8/ 416.
(9)
الكاشف 3512.
(10)
تقريب التهذيب 4281.
ومع متابعة ابن المبارك لقيس بن الربيع عن خالد الحذاء، فلا يحتمل منه التفرد عن مثل شعبة، وهو وجه لإنكار الإمام أحمد لحديثه هذا.
زيادة الراوي السيء الحفظ في الحديث:
وأما ما يتفرد به الراوي الموصوف بسوء الحفظ من زيادة فحكمها أيضاً الرد مثل تفرده بأصل الحديث.
وقد تقدم أن الإمام أحمد رد على يحيى بن أيوب الغافقي زيادته لقراءة المعوذتين في ركعة الوتر في حديث عائشة رضي الله عنها:
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن يحي بن أيوب المصري، فقال: كان يحدث من حفظه، وكان لا بأس به، وكان كثير الوهم في حفظه، فذكرت له من حديثه عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر الحديث، فقال: ها، من يحتمل هذا"، وقال مرة: كم قد روى هذا عن عائشة من الناس ليس فيه هذا، وأنكر حديث يحيى خاصة
(1)
.
وتقدم أن الإمام أحمد أنكر زيادة المعوذتين. وقال العقيلي: أما المعوذتين فلا يصح
(2)
.
(1)
تنقيح التحقيق 1/ 516، وانظر: الضعفاء للعقيلي 4/ 1504.
(2)
الضعفاء للعقيلي الموضع نفسه.
المطلب السابع: موقف الإمام أحمد من تفرد الراوي المجهول
.
من أسباب وقوع النكارة في الأحاديث أن تكون رواتها غير معروفين عند أهل الحديث، ومن كان بهذه المثابة لا تعرف عدالته بله ضبطه. فإذا استغرب الحفاظ حديثاً في سنده رجال ثقات معروفون وينفرد من بينهم آخر مجهول التزقت التهمة في غرابة الحديث بذلك المجهول، وأنكروا الحديث من أجله. من أمثلة ذلك عند الإمام أحمد:
قال مهنّا: "حدثنا خالد بن خِداش، ثنا عبد الله بن وهب، ثنا السري بن يحيى أن شُجاعاً حدثه، عن أبي طيبة، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأ سورة الواقعة في ليلة لم تصبه فاقةٌ". قال أحمد: هذا حديث منكر. وقال: السرِّي بن يحيى ثبت ثقة ثقة، وشجاع الذي روى عنه السرِّي لا أعرفه، وأبو طيبة هذا لا أعرفه، والحديث منكر"
(1)
.
هذا الحديث أخرجه البيهقي
(2)
من طريق خالد بن خِداش. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة
(3)
، والبيهقي أيضاً
(4)
من طريق العباس بن الفضل، عن السري به. وأخرجه الإمام أحمد
(5)
، وابن عساكر
(6)
من طرق آخرى عن السري به.
والحديث مداره على السري بن يحيى، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أوجه الاختلاف عليه في اسم شيخه، هل هو شجاع، أو أبو شجاع، وكذلك في الراوي
(1)
المنتخب من العلل للخلال ص 116 رقم 49.
(2)
شعب الإيمان 2/ 491 ح 2498.
(3)
بغية الباحث 2/ 729 ح 721.
(4)
الموضع نفسه ح 2499.
(5)
فضائل الصحابة 2/ 726 ح 1247.
(6)
تاريخ دمشق 33/ 186 - 188.
عن ابن مسعود هل هو أبو طيبة، أو أبو فاطمة، وإن كان أبا طيبة هل هو بالطاء المهملة أو بالظاء المعجمة
(1)
.
وقد أنكر الإمام أحمد هذا الحديث عن ابن مسعود، لأنه لا يعرف إلا من هذا الطريق، وراويه السري بن يحيى قال فيه: ثبت ثقة ثقة، لكن شيخه وشيخ شيخه نص الإمام أحمد على أنهما مجهولان، فلا يحتمل منهما التفرد بهذا الأصل عن ابن مسعود.
وكذلك وهّن حديث أبي العُشَراء في الذكاة؛ رواه حماد بن سلمة، عن أبي العُشَراء، عن أبيه قال: قلت يا رسول الله! أما تكون الذكاة إلا في الحلق أو اللبّة؟ قال: "لو طعنت في فخذها لأجزأك"
(2)
.
قال الميموني: سألت أبا عبد الله عن حديث أبي العُشراء، قال:"هو عندي غلط، قلت: فما تقول؟ قال: أما أنا فلا يعجبني ولا أذهب إليه إلا في موضع ضرورة كيف ما أمكنتك الذكاةُ ولا تكون إلا في الحلق أو اللبّة، فينبغي للذي يذبح أن يقطع الحلق أو اللبّة"
(3)
.
وعلة الحديث عند أحمد أنه لا يروى عنه غير هذا الحديث، قاله الميموني عن أحمد
(4)
، فهو في حكم المجهول.
قال مهنّا: "سليمان بن أبي سليمان، يحدث عنه العوام بن حَوشَب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخلافة بالمدينة والملك بالشام"، قال أحمد:
(1)
انظر: لسان الميزان 7/ 60 - 61.
(2)
رواه الترمذي الجامع 4/ 75 ح 1481، وأبو داود السنن 3/ 250 ح 2825، والنسائي السنن الكبرى 3/ 63 ح 4497، والسنن 7/ 228 ح 4408، وابن ماجه السنن 2/ 1063 ح 3184، وأحمد المسند 31/ 278 ح 18947.
(3)
تهذيب الكمال 34/ 86.
(4)
المصدر نفسه 34/ 85.
أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم
(1)
.
الحديث رواه البخاري في "التاريخ الكبير"
(2)
، والحاكم
(3)
، وابن عساكر
(4)
من طرق عن هشيم بن بشير، عن العوام بن حوْشَب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وهذا الراوي لم أقف على كلام الإمام أحمد فيه. وقال فيه ابن معين في رواية مهنّا هذه: لا نعرف هذا ـ يعني سليمان بن أبي سليمان
(5)
. وقال في رواية إسحاق بن منصور: لا أعرفه
(6)
.
وأورده البخاري في "التاريخ الكبير"
(7)
، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكر له هذا الحديث.
وقال الذهبي: لا يكاد يعرف
(8)
.
وقول الإمام أحمد في هذا الحديث: أصحاب أبي هريرة المعروفون ليس هذا عندهم استنكار منه لهذه الرواية لتفرد راويها بها، وهو في حكم المجهول.
وقد تقدمت أمثلة أخرى فيما مضى في مبحث الإعلال بالجهالة.
(1)
المنتخب من العلل للخلال ص 228 رقم 137.
(2)
4/ 15.
(3)
المستدرك 3/ 72.
(4)
تاريخ دمشق 1/ 183 - 184.
(5)
المنتخب من العلل للخلال الموضع نفسه.
(6)
تهذيب الكمال 11/ 443.
(7)
الموضع نفسه.
(8)
ميزان الاعتدل ترجمة 3476.
المبحث الثاني: الإعلال بالمخالفة عند الإمام أحمد
.
من الطرق التي تكشف أخطاء الرواة في رواية الأحاديث مخالفة بعضهم لبعض، ولذلك اشتهرت مقولة أهل هذا الشأن أن الباب إذا لم يجمع طرقه لم يتبين خطؤه
(1)
، فإذا روى الراوي حديثاً وشاركه غيره في رواية ثم خالف من هو أولى منه ثقة أو كثرة حكم على روايته بالخطأ، وعلى رواية الأَوْلى بأنها المحفوظة، ووجه ذلك أن تطرق الوهم والغلط في مروي الراوي الأقل حفظاً أولى من تطرقهما إلى الأحفظ، وكذلك تطرقهما إلى عدد قليل أولى من تطرقهما إلى جماعة أكثر عدداً، وقد ذكر الإمام مسلم في مقدمة "كتاب التمييز"
(2)
أن الذي يدور عليه معرفة الخطأ في روايات نقلة الحديث راجع إلى جهتين: الأولى: ما كان واضحاً غير خفي على أهل العلم من الأخطاء في نسبة الرواة بخلاف ما عرفوا به، أو بتصحيف في المتون يعرفه السامع الفهِم، والجهة الأخرى ـ وهي موضوع هذا المطلب ـ أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن إمام من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، فيرويه آخر سواهم عن ذلك الإمام فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن، فيعلم أن الصحيح ما حدث به الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد وإن كان حافظاً. ا. هـ.
وفي هذا المبحث سأورد نماذج من أحاديث أعلها الإمام أحمد لمخالفة بعض رواتها لمن هو أولى منه، وذلك في مطلبين:
الأول: المخالفة لرواية الأحفظ.
(1)
هذه مقولة علي بن المديني، رواها عنه الخطيب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 212، وذكر كلام غيره من الأئمة مما هو في معناها في باب: كتب الطرق المختلفة من الكتاب نفسه.
(2)
كتاب التمييز 170، 172.
الثاني: المخالفة لرواية الأكثر عدداً.
ثم أتبع ذلك بدراسة موقف الإمام أحمد من حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، وبذكر نماذج من نقد الإمام أحمد لمتون الأحاديث بسبب نوع من المخالفة في مطلبين آخرين.
المطلب الأول: مخالفة الراوي لرواية الأحفظ
.
ومن أمثلة ذلك:
1.
روى يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يقطع الصلاة المرأةُ الحائضُ، والكلبُ"
(1)
.
قال الإمام أحمد: "ثناه يحيى قال: شعبة رفعه. قال: وهشام لم يرفعه. قال أحمد: كان هشام حافظاً"
(2)
.
قال ابن رجب: هذا ترجيح من أحمد لوقفه. ا. هـ.
وفي قول أحمد: كان هشام حافظاً ترجيح لرواية الأحفظ.
قال عبد الله: "سألته ـ أي أباه ـ عن هشام وهمام. قال: سبحان الله، هشام أثبت، وقال شعبة: هشام أحفظ مني عن قتادة. شعبة يستعين بهشام يقول: "قال هشام"
(3)
.
وقال أبو زرعة الدمشقي: "رأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديماً في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه"
(4)
.
(1)
أخرجه أبو داود السنن 1/ 452 ح 703، والنسائي السنن 2/ 64 ح 750، والسنن الكبرى 1/ 272 ح 827، وابن ماجه السنن 1/ 305 ح 949، وأحمد المسند 5/ 293 ح 3241، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 2/ 22 ح 832، والطحاوي شرح معاني الآثار 1/ 408، وابن حبان الإحسان 6/ 198 ح 2387، والطبراني 12/ 181 ح 12824، والبيهقي السنن الكبرى 2/ 274 كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان به، إلا النسائي رواه من طريقه عن شعبة، وهشام وقال: رفعه شعبة.
(2)
فتح الباري لابن رجب 2/ 703.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 348 ح 2542.
(4)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/ 452 رقم 1137.
2.
وقال أبو داود: "سمعت أحمد قيل له: اختلف أيوبُ أبو العلاء وهمامٌ في حديثه: [من فاتتهُ الجمعةُ فليتصدق]. قال أحمد: همام عندي أحفظ"
(1)
.
حديث همام رواه أبو داود
(2)
، والنسائي
(3)
، والطيالسي
(4)
، وأحمد
(5)
، وابن أبي شيبة
(6)
، وابن خزيمة
(7)
، وابن حبان
(8)
، والطبراني
(9)
، والحاكم
(10)
، والبيهقي
(11)
من طرق عن همام بن يحيى العوذي، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من ترك جمعة في غير عُذرٍ فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصفَ دينارٍ".
وأما حديث أيوب أبي العلاء فرواه أبو داود أيضاً
(12)
، والحاكم
(13)
، والبيهقي
(14)
من طريقه، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فاته الجمعة بغير عذر فليتصقد بدرهم أو نصف درهم، أو صاع حنطة، أو نصف صاع". قال الإمام أحمد: خالفه في الحكم وقصر في الإسناد
(15)
.
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 394 رقم 1880، ومثله في سنن أبي داود 1/ 639.
(2)
السنن 1/ 638 ح 1053
(3)
السنن 3/ 89 ح 1371، وفي الكبرى 1/ 517 ح 1661.
(4)
مسند الطيالسي ص 122 ح 901.
(5)
المسند 33/ 278 ح 20087، 33/ 330 ح 20159.
(6)
المصنف 1/ 480 ح 5535.
(7)
صحيح ابن خزيمة 3/ 177 ح 1861.
(8)
الإحسان 6/ 28 ح 2788، 2789.
(9)
المعجم الكبير 7/ 235 ح 6979.
(10)
المستدرك 1/ 280.
(11)
السنن الكبرى 3/ 248.
(12)
السنن 1/ 639 ح 1054.
(13)
المستدرك 1/ 280.
(14)
السنن الكبرى 3/ 248.
(15)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 256 رقم 367.
فقدم الإمام أحمد رواية همام لأنه أحفظ من أيوب أبي العلاء. وقد سبق قول الإمام أحمد في همام أنه ثقة، وأنه ثبت في كل المشايخ
(1)
. وأما أيوب أبي العلاء وهو أيوب بن مسكين التميمي القصاب الواسطي، فقال فيه أحمد: ليس به بأس
(2)
، وقال في موضع آخر: رجل، صالح ثقة
(3)
، وقال أيضاً: كان لا يحفظ الإسناد
(4)
.
ويشهد لصحة حكم الإمام أحمد أن خالد بن قيس رواه عن قتادة فوافق هماماً في متن الحديث، وخالفه في الإسناد. قال في الإسناد: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في متنه:"من ترك جمعة متعمداً فليتصدق بدينار فإن لم يجد فنصف دينار". رواه أبو داود
(5)
، والبيهقي
(6)
، وقال: ولا أظنه إلا واهما في إسناده لاتفاق ما مضى على خلافه، فأما المتن فإنه يشهد بصحة رواية همام.
ويشهد له أيضاً رواية سعيد بن بشير، فقد وافق هماماً في الإسناد وخالفه في المتن، فقال:[فليتصدق بدرهم أو نصف درهم، أو صاع، أو مد]. أخرج روايته أبو داود، والبيهقي
(7)
.
وقد سبق ما يتعلق بإعلال الإمام أحمد للحديث من وجه آخر، وهو جهالة قدامة بن وبرة في مباحث الجهالة
(8)
.
ومن تقديم الإمام أحمد لرواية الأحفظ اختلاف رواية سعيد بن عبيد عن
(1)
الجرح والتعديل 9/ 108.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 424 رقم 932.
(3)
المصدر نفسه 1/ 518 رقم 1213.
(4)
المصدر نفسه 2/ 35 رقم 1470.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 394.
(6)
السنن الكبرى 3/ 248.
(7)
الموضعان أنفسهما.
(8)
انظر: ص 125.
بشير بن يسار في حديث سهل بن أبي حثمة في القسامة لرواية يحيى بن سعيد الأنصاري، فقدم الإمام أحمد رواية يحيى بن سعيد.
3.
قال الأثرم: ضعف أحمد حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار، وقال: الصحيح عن بشير بن يسار ما رواه عنه يحيى بن سعيد، قال أحمد: وإليه أذهب
(1)
.
حديث سعيد بن عبيد رواه عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثْمة أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلاً، فذكر الحديث وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تأتون بالبيّنة على من قتله"؟ قالوا: ما لنا بينةٌ. قال: "فيحلفون". قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُطلَّ دمه فوداه مائة من إبل الصدقة. أخرجه البخاري
(2)
، ومسلم
(3)
وأبو داود
(4)
، والنسائي
(5)
، والطحاوي
(6)
، والدارقطني
(7)
، والطبراني
(8)
، والبيهقي
(9)
.
وأما حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، فرواه عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة فذكر قصة القتيل وقال فيه:"فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقتل عبد الله بن سهل فقال لهم: "أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم؟ " قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يميناً؟ " قالوا: وكيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده" أخرجه
(1)
التمهيد 23/ 209.
(2)
صحيح البخاري 12/ 229 ح 6898. وصدر به أحاديث القسامة.
(3)
صحيح مسلم 3/ 1294 (5).
(4)
السنن ح 4523.
(5)
السنن 8/ 11 - 12.
(6)
شرح معاني الاثار 3/ 198.
(7)
السنن 3/ 110.
(8)
المعجم الكبير 6/ 100 ح 5629.
(9)
السنن الكبرى 8/ 120.
البخاري
(1)
، ومسلم
(2)
، وأبو داود
(3)
، والنسائي
(4)
، والترمذي
(5)
، وأحمد
(6)
من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري به.
والشاهد من الاختلاف الذي من أجله أنكر الإمام أحمد رواية سعيد ابن عبيد هو أن في روايته طلب النبي صلى الله عليه وسلم البينة من أولياء المقتول ـ وهم المدّعون ـ ولما لم تكن لهم بينة طلب اليهود ـ وهم المدعى عليهم ـ أن يحلفوا، وليس في روايته طلب اليمين من أولياء المقتول، ولا ذكر للقسامة. أما في رواية يحيى بن سعيد فلم يكن هناك طلب للبينة، بل عرض اليمين على أولياء المقتول، فلما أبوا أن يحلفوا قال: تبرئكم يهود بخمسين يميناً، فذكر أصل القسامة.
قال ابن رجب: "وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عُبيد الطائي فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة، وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين. وقد ذُكر للإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث فنفض يده وقال: ذاك ليس بشيء، رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذهب إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد"
(7)
.
ومقصود الإمام أحمد بأنه رواه على ما يقول الكوفيون، هو أنهم يقولون لا يحلف إلا المدَّعَى عليه، ولا يقضى بشاهد ويمين، لأن اليمين لا تكون على المدَّعِي، ولا ترد عليه، لأنها لا تكون إلا في جانت المنكِر المدّعَى عليه حتى في القسامة.
(1)
صحيح البخاري 6/ 275 ح 3173، وانظر: 5/ 305 ح 2702.
(2)
صحيح مسلم 3/ 1291 - 1293 (1 - 4).
(3)
السنن 4/ 65 ح 4520.
(4)
السنن 8/ 5.
(5)
الجامع 4/ 202 - 203 ح 1422.
(6)
المسند 26/ 11 ح 16091.
(7)
جامع العلوم والحكم 2/ 243.
ويحيى بن سعيد الأنصاري قال فيه أحمد: أثبت الناس
(1)
. وقال أيضاً: "محدثوا الحجاز ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وابن جريج، يجيئون بالحديث على وجهه"
(2)
، وأما سعيد بن عبيد الطائي فقال في رواية عبد الله: صالح الحديث
(3)
، ووثقه في رواية أبي طالب
(4)
، ولا شك في تقديم يحيى بن سعيد الأنصاري عليه في الحفظ والضبط والعلم.
قال الإمام مسلم: "وغير مشكل على من عقل التمييز من الحفاظ من نقلة الأخبار ومن ليس كمثلهم أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأناً في طريق العلم وأسبابه، فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إياه حين اجتمعا في الرواية عن بشير بن يسار لكان الأمر واضحاً في أن أولاهما بالحفظ يحيى بن سعيد، ودافع لما خالفه
…
"
(5)
.
ومن أجل هذا لم يخرج الإمام أحمد رواية سعيد بن عبيد في مسنده، واكتفى يرواية يحيى بن سعيد الأنصاري. وقد وافق الإمام أحمد على إنكار رواية سعيد بن عبيد الإمام مسلم كما تقدم، والبيهقي
(6)
، وابن عبد البر
(7)
، وابن القيم
(8)
. وانتهج الحافظان ابن رجب، وابن حجر إلى الجمع بين الروايتين بناء على صحتهما عندهما
(9)
.
(1)
تهذيب الكمال 31/ 356.
(2)
الجرح والتعديل 9/ 148.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 494 رقم 3257.
(4)
الجرح والتعديل 4/ 46.
(5)
التمييز ص 194.
(6)
السنن الكبرى 8/ 120.
(7)
الاستذكار 25/ 301.
(8)
تهذيب السنن 6/ 321.
(9)
انظر: جامع العلوم والحكم 2/ 244، وفتح الباري 12/ 234.
وربما أشار الإمام أحمد إلى الاختلاف ولا يبين أي الروايتين أرجح، وتلك الإشارة كافية للقدح فيما ظاهره الصحة، وقد يلتمس الترجيح بقرائن أخرى. ومن أمثلة ذلك:
قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر له حديث ابن أبي العشرين الذي يرويه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في سوق الجنة فقال: حدثنا به أبو المغيرة، عن الأوزاعي مرسل"
(1)
.
هذا الحديث رواه الترمذي
(2)
، وابن ماجه
(3)
، وابن أبي عاصم
(4)
، وابن أبي حاتم
(5)
، وابن حبان
(6)
، وابن عساكر
(7)
من طرق عن هشام بن عمّار، عن عبد الحميد ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة فقال: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، فقال سعيد: أفيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم
…
وذكر الحديث بطوله.
وذكر الإمام أحمد أن ابن أبي العشرين قد خولف في رواية هذا الحديث عن الأوزاعي؛ خالفه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الشامي، فرواه عن الأوزاعي مرسل. ولم أقف على هذه الرواية، وقد بين الدارقطني وجه الإرسال فقال: رواه أبو المغيرة عن الأوزاعي قال: نُبئت أن أبا هريرة لقي سعيد بن المسيب
(8)
.
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 391 رقم 1874.
(2)
الجامع 4/ 685 ح 2549.
(3)
السنن 2/ 1450 ح 4336.
(4)
السنة 1/ 258 ح 585.
(5)
التفسير نقله عنه ابن كثير في تفسيره 4/ 100.
(6)
الإحسان 16/ 466 ح 7438.
(7)
تاريخ دمشق 34/ 49.
(8)
علل الدارقطني 7/ 276.
وأبو المغيرة قد وثقه أحمد
(1)
. وكذلك وثقه العجلي، والدارقطني. وقال أبو حاتم: كان صدوقاً. وقال النسائي: ليس به بأس
(2)
.
وأما عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، كاتب الأوزاعي فقد وثقه أحمد أيضاً في رواية عبد الله
(3)
، وكذلك وثقه أبو زرعة الرازي
(4)
، لكن تكلم فيه غير واحد: قال أبو حاتم: كان كاتب ديوان، لم يكن صاحب حديث
(5)
. وكذلك قال دحيم: إنه لم يكن صاحب حديث
(6)
. وقال البخاري: ربما يخالف في حديثه
(7)
. وقال النسائي: ليس بالقوي
(8)
. وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالمتين عندهم، وقد حدث عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بحديث منكر، وهو حديث سوق الجنة، لا أعرف له أصلاً في حديث أبي هريرة، ولا في حديث سعيد بن المسيب، ولا في حديث حسان بن عطية، ولا في حديث الأوزاعي، وقد تابعه سويد بن عبد العزيز، لكن متابعته كلا متابعة، ويحتمل أن يكون أخذه منه، والله أعلم"
(9)
.
ومتابعة سويد بن عبد العزيز التي ذكرها أبو أحمد الحاكم رواها ابن أبي عاصم
(10)
، وابن عساكر
(11)
. وقد اضطرب في هذه الرواية، فمرة رواها
(1)
في روايةصالح، ذكرها ابن عساكر 36/ 430.
(2)
تهذيب الكمال 18/ 239.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 363 رقم 2610.
(4)
الجرح والتعديل 6/ 11.
(5)
الموضع نفسه.
(6)
تهذيب الكمال 16/ 422.
(7)
التاريخ الكبير 6/ 45.
(8)
الضعفاء والمتروكين ص 212 ترجمة 398.
(9)
تاريخ دمشق 34/ 57.
(10)
السنة 1/ 260 ح 586.
(11)
تاريخ دمشق 34/ 51.
هكذا، ومرة أخرى رواها عن الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد، عن أبي هريرة
(1)
. وقال مرة أخرى: عن الأوزاعي، حدثت عن سعيد
(2)
. وقال أيضا: عن الأوزاعي، عن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة
(3)
.
وسويد بن عبد العزيز متروك الحديث، قاله أحمد
(4)
. واضطرابه شاهد على ضعف حديثه.
وروى الحديث الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي، قال: نبئت عن سعيد
(5)
وتابعه هقل بن زياد عن الأوزاعي
(6)
.
وخالف الإمام أحمد أحمدُ بن عبد الرحيم الحوطي فرواه عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. وأحمد بن عبد الرحيم الحوطي من شيوخ الطبراني
(7)
. ما وقفت له على ترجمة إلا ما ذكره ابن القطان أنه لا يعرف حاله
(8)
. وتابعه محمد بن مصعب القرفساني عن الأوزاعي. قال ابن عساكر: لم يصنعا شيئاً
(9)
.
وقول الإمام أحمد ليس صريحاً في ترجيح رواية أبي المغيرة، وإنما اقتصر على الإشارة إلى مخالفته لرواية ابن أبي العشرين فقط، ولا يقتضي ذلك ترجيحاً،
(1)
أخرج هذه الرواية ابن عساكر 34/ 54، وذكرها المزي في تحفة الأشراف 10/ 3.
(2)
المصدر نفسه 34/ 51.
(3)
ذكر هذه الرواية الدارقطني في العلل الموضع نفسه.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله رقم 3126، وانظر: تهذيب التهذيب 4/ 276 - 277 لأقوال بقية الحفاظ فيه.
(5)
تاريخ دمشق 34/ 52.
(6)
ذكر روايته الدارقطني الموضع نفسه، والمنذري الترغيب والترهيب 3/ 43.
(7)
انظر: المعجم الصغير 1/ 23 ح 2.
(8)
نقله أبو زرعة ابن العراقي عنه في ذيله على ميزان الاعتدال ص 101 ترجمة 108.
(9)
تاريخ دمشق 34/ 52.
وإن كان يتضمن إعلال ما ظاهره الصحة.
وأما الإمام الدراقطني فصرح بأن رواية أبي المغيرة أشبه الطرق عن الأوزاعي بالصواب
(1)
. وكذلك قال الخليلي: رواه أصحاب الأوزاعي: الوليد ابن مزيد وغيره مرسلاً، يقول: نبئت أن أبا هريرة، ولا يتابع ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي بالاتصال إلى النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
.
ومنه أيضاً:
قال أبو داود: "سألت أحمد عن حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة"؟ فقال: هذا حدثنا به عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، ليس فيه عمر"
(3)
.
الحديث الذي ذكره أبو داود للإمام أحمد رواه يحيى بن موسى
(4)
،
وعبد بن حميد
(5)
، والحسين بن مهدي
(6)
، ومحمد بن سهل بن عسكر
(7)
، وإسحاق
ابن إبراهيم الحنظلي
(8)
كلهم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن
(1)
الموضع نفسه.
(2)
المنتخب من الإرشاد 1/ 447.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 392 رقم 1877.
(4)
يحيى بن موسى البلخي الكوفي الأصل، وثقه أبو زرعة، والسنائي، والسراج، والدارقطني وغيرهم تهذيب الكمال 32/ 9.
وحديثه عند الترمذي الجامع 4/ 285 ح 1851.
(5)
في مسنده 1/ 33 ح 13.
(6)
قال عنه أبو حاتم: صدوق الجرح والتعديل 3/ 65. وحديثه عند ابن ماجه السنن 2/ 1103 ح 3319، والبزار 1/ 397 ح 275.
(7)
هو البخاري. وثقه النسائي، وابن عدي وغيرهما تهذيب الكمال 25/ 327. وحديثه عند البزار الموضع نفسه، والمقدسي في المختارة 1/ 172 ح 82.
(8)
وحديثه عند الحاكم المستدرك 4/ 122.
أبيه، عن عمر به مرفوعاً.
ورواه أحمد بن منصور الرمادي
(1)
فقال: أحسبه قال: عن عمر
(2)
.
وذكر الإمام أحمد أن عبد الرزاق حدثهم به عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه مرسلاً، ليس فيه عمر، وهكذا هو في "مصنف عبد الرزاق" المطبوع
(3)
، وذكر الترمذي أن سليمان بن معبد رواه كذلك
(4)
.
وهنا أيضاً لم يصرح الإمام أحمد بالترجيح، وإنما اكتفى بالإشارة إلى الاختلاف، وقد يقوى القول بالترجيح هنا لما عُلم من أن عبد الرزاق كان بآخرة يقبل التلقين، وذلك بعد ذهاب بصره، وسماع أحمد منه كان قبل ذلك وهو في الصحة، فروايته مرجحة على ما خالفها عند الاختلاف، كما هو الحال هنا.
وقد صرح بترجيح الإرسال ابن معين
(5)
، والبخاري
(6)
. وذكر أبو حاتم ما يدل على أن الرواية الموصولة كان من عبد الرزاق بآخرة، مما يدل على ترجيحه للإرسال. قال:"روى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كلوا الزيت وائتدموا به"، حدث به مرة عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا رواه دهراً، ثم قال بعد: زيد بن أسلم، عن أبيه، أحسبه عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لم يمت حتى جعله عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك"
(7)
.
(1)
تقدمت ترجمته ص 369، وأن سماعه من عبد الرزاق كان بعد ذهاب بصره.
(2)
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 5/ 100 ح 5939.
(3)
422/ 10 ح 19568.
(4)
الجامع الموضع نفسه.
(5)
التاريخ ـ برواية الدوري 3/ 142 رقم 595.
(6)
علل الترمذي الكبير 2/ 779.
(7)
علل ابن أبي حاتم 2/ 15 - 16 ح 1520. وفهم محقق كتاب علل الترمذي الكبير أن هذا يقتضى تصحيح الحديث بصحة رواية الوصل حيث رواه بلا شك، ولم ينتبه إلى أن ذلك بيان لوجه علة الرواية وإشارة إلى ثبوت اضطراب عبد الرزاق في رواية الحديث بعد ذهاب بصره.
المطلب الثاني: مخالفة الراوي لرواية الأكثر عدداً
.
والمخالفة بين الرواة تأخذ عدة أشكال، ورواية الراوي لمن هم أولى منه كثرة تأتي في صور:
منها: أن يكون الراوي ثقة حافظاً فيخالف رواية مثله في الحفظ والثقة، ويكون مع المخالف غيره من الرواة يوافقه، فحينئذ رواية الأكثر عدداً هي المرجحة وتكون رواية المنفرد خطأ، مثال ذلك:
قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر له حديث جرير، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العِدّة، ثم صوموا حتى تروا الهِلال أو تُكملوا العِدّة". قال: هذا سفيان وغيره عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يعني يرويه سفيان وغيره، عن منصور، عن ربعي، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ليس من ذا شيء، يعني: ليس قوله: "عن حذيفة"، يعني: يريد ليس حذيفة بمحفوظ بهذا الحديث"
(1)
.
هذا الحديث خالف فيه جريرُ بن عبد الحميد الضبي سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر، وكل من جرير الضبي والثوري ثقة
(2)
، فحكم الإمام أحمد بخطأ رواية جرير لمخالفته عدداً من الرواة، فقدم رواية الأكثر عدداً.
ورواية جرير الضبي أخرجها أبو داود
(3)
، والنسائي
(4)
، وابن خزيمة
(5)
،
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 391 رقم 1873.
(2)
وجعل الدارقطني الثوري، وجرير الضبي، وشعبة أثبت أصحاب منصور شرح علل الترمذي 2/ 721.
(3)
السنن 2/ 744 ح 2326.
(4)
السنن 4/ 135 ح 2125، والسنن الكبرى 2/ 71 ح 2436.
(5)
صحيح ابن خزيمة 3/ 203.
وابن حبان
(1)
، والدارقطني
(2)
، والبيهقي
(3)
.
وأخرج رواية الثوري النسائي
(4)
، وعبد الرزاق
(5)
، وأحمد
(6)
، والدارقطني
(7)
.
وتابع الثوري: زهير بن معاوية الجعفي
(8)
، وأبو الأحوص سلاّم ابن سُليم
(9)
، وعَبيدة بن حميد
(10)
.
ففي ترجيح الإمام أحمد لرواية الثوري ترجيح بكثرة العدد بين الراويين المتساوييْن في الحفظ والإتقان.
وقد لا يحكم على رواية المخالف بالخطأ، لكن يرد صلاحيتها للقدح في الرواية الأخرى، ومثال ذلك:
قال أبو زرعة الدمشقي: "سألت يحيى بن معين عن حديث أبي سلمة، عن جابر في الشفعة، قلت له: ما تقول فيه؟ قال: منكر، ورأيته يُنكر رفعه عن جابر، ويعجبه وقوفه عن سعيد، وأبي سلمة. قال أبو زرعة: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول فيه؟ قال: هو ثبت، ورفع منه، واعتد برواية معمر له، واحتج له برواية مالك وإن كانت موقوفة. قلت لأحمد: ومن أي شيء ثبت؟ قال: رواه صالح بن أبي الأخضر
(1)
الإحسان 8/ 238 ح 3458.
(2)
السنن 2/ 160.
(3)
السنن الكبرى 4/ 208.
(4)
السنن 4/ 135 ح 2126، والسنن الكبرى 2/ 71 ح 2437.
(5)
المصنف 4/ 164 ح 7337.
(6)
المسند 31/ 122 ح 18825.
(7)
السنن 2/ 161، 162.
(8)
أخرج حديثه الطحاوي شرح معاني الآثار 1/ 438.
(9)
أخرج حديثه ابن أبي شيبة المصنف 2/ 284 ح 9020.
(10)
أخرج حديثه الدارقطني السنن 2/ 161.
ـ يعني مثل رواية معمر ـ قلت: وصالح يحتج به؟ قال: يُستدل به، يعتبر به. قلت لأحمد ويحيى فقالا لي: أُخِذ عن مالك أنه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ذكرا جميعاً رفعه عن مالك، قالا ذلك لي. وقال لي أحمد: سمعه يحيى بن سعيد من مالك موقوفاً"
(1)
.
هذا الحديث اختلف فيه مالك ومعمر على الزهري، وكلاهما ثقة حافظ، وهم من أهل الطبقة الأولى من أصحاب الزهري
(2)
، وإن كان الإمام أحمد في عدة روايات عنه يقدم مالك في الزهري على معمر، مع قلة رواية مالك عنه بالنسبة لمعمر
(3)
.
فأما مالك فروى الحديث عن الزهري، عن ابن المسيب، وأبي سلمة مرسلاً
(4)
.
وأما معمر، فرواه عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر مرفوعاً
(5)
.
(1)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/ 464 رقم 1187 - 1188.
(2)
شرح علل الترمذي 2/ 613.
(3)
انظر: العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله رقم 2543، مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ رقم 2128، 2273.
(4)
هكذا رواه في الموطأ 2/ 713. وهي رواية أكثر رواة الموطأ عنه كما قال ابن عبد البر التمهيد 7/ 36.
ورواه عبد الملك الماجشون حديثه في شرح معاني الآثار 4/ 121، والسنن الكبرى 6/ 106 والتمهيد 7/ 39، وأبو عاصم النبيل وحديثه في المواضع نفسها، ويحيى بن إبراهيم بن أبي قتيلة وحديثه في المصدرين أنفسهما، والتمهيد 7/ 42، وأبو يوسف القاضي ذكره الدارقطني في العلل 9/ 338 عن مالك، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة به مرفوعاً.
ولم يشر الإمام أحمد إلى هذا الاختلاف على مالك.
(5)
أخرجه البخاري صحيح البخاري 4/ 407 ح 2213 من طريق عبد الرزاق، و 4/ 436 ح 2257 من طريق عبد الواحد بن زياد، و 5/ 133 ح 2495 من طريق هشام بن يوسف ثلاثتهم عن معمر به، وأبو داود السنن ح 3154 وابن ماجه 2/ 835 ح 2499 كلاهما من طريق عبد الرزاق عن معمر.
وخالف صفوان بن عيسى فرواه عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة مرسلاً. أخرجه النسائي السنن 7/ 320 ح 4703، والكبرى 4/ 62 ح 6303.
فاختلف الحفاظ في الترجيح، فنقل أبو زرعة الدمشقي عن ابن معين كما في السؤال أنه يقول في حديث معمر: إنه منكر، وأن الصواب رواية مالك؛ وكذلك قال البخاري
(1)
.
وأما الإمام أحمد فأثبت رواية معمر، ولم ير رواية مالك علة تعل بها روايته، واحتج في ذلك برواية صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري بمثل رواية معمر
(2)
. وصالح بن أبي الأخضر ممن لا يحتج به على الانفراد، لكن يعتبر به ويستدل به كما قال أحمد في هذا الموضع، فصنيع الإمام أحمد هذا يدل على أن رواية الحافظين المتقاربين في الحفظ إذا تعارضتا وجاءت رواية أخرى بموافقة إحدى الروايتين ـ وإن جاءت من جهة راوٍ متكلم فيه ما دام لم يبلغ حد الترك ـ حكم لها، تغليباً لجانب الكثرة، وهذا من أبرز الأمثلة على ذلك. ولم يحكم على الرواية المخالفة بأنها خطأ، إنما ردّ صلاحيتها للقدح في الرواية المحفوظة.
ومن صور المخالفة لرواية الأكثرين، مخالفة الراوي الثقة الحافظ لجمع من الرواة، وإن كان أحفظ من كل واحد منهم على الانفرد، فهنا أيضاً يرجح الإمام أحمد رواية الجماعة على الواحد، أو رواية الأكثر على الأقل، ويحكم على رواية المنفرد أو الأقلين بالخطأ. ومن أمثلة ذلك:
1.
قال عبد الله: "سألت أبي عن حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة،
(1)
قال: الصحيح فيه أنه مرسل. علل الترمذي الكبير 1/ 572.
(2)
أخرج هذه الرواية الطيالسي المسند ص 235 ح 1691، وأحمد المسند 23/ 246 ح 14999، والبيهقي السنن الكبرى 6/ 103 بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة ما لم تُقسم أو يوقف حدودُها.
عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت: أخبريني بمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوصفت له حتى بلغت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خِفة، فخرج يُهادى بين رجليْن وأبو بكر يصلّي بالنَّاس، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر قاعداً، وأبو بكر يصلي بالنَّاس وهو قائم يصلِّي فقال أبي: أخطأ عبد الرحمن في هذا الموضع، أو يكون زائدة أخطأ لعبد الرحمن. حدثني أبي قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ومعاوية بن عمرو، وخالفا عبد الرحمن، وهو الصواب: ما قال عبد الصمد، ومعاوية"
(1)
.
وفي موضع آخر قال: "فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه ألا يتأخر وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلي قائماً والنبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلُّون بصلاة أبي بكر"
(2)
.
وحديث عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أحمد عنه
(3)
، وأخرجه النسائي
(4)
عن العباس بن عبد العظيم عنه. ولفظ موضع الشاهد منه: "فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه أن لا تتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلي قائماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعداً". ولفظ رواية النسائي: "فجعل أبو بكر يصلي قائماً والناس يصلون بصلاة أبي بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعداً".
وأما رواية عبد الصمد بن عبد الوارث
(5)
، ومعاوية بن عمرو
(6)
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 304 رقم 5350.
(2)
المصدر نفسه 3/ 311 رقم 5384.
(3)
المسند 9/ 140 ح 5141، 42/ 232 ح 26136.
(4)
السنن 2/ 101 ح 833، والسنن الكبرى 1/ 293 ح 908.
(5)
عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التميمي. قال أحمد: لم يكن به بأس العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 128 رقم 225.
(6)
معاوية بن عمرو بن المهلب البغدادي، قال ابن سعد: روى عن زائدة كتبه ومصنفه. قال عنه أحمد: صدوق ثقة. ووثقه أبو حاتم الطبقات الكبرى 7/ 341، تاريخ بغداد 13/ 198، تهذيب الكمال 28/ 209.
فأخرجها أيضاً الإمام أحمد
(1)
، ولفظ هذه الرواية في موضع الشاهد:"فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تأخر وقال لهما: "أجلساني إلى جنبه"، فأجلساه إلى جنبه، قالت: فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد].
فالاختلاف بين الروايتين كما وضّحه الإمام أحمد هو أن ابن مهدي جعل النبي صلى الله عليه وسلم مأموماً يصلي بصلاة أبي بكر وهو قاعد، والقوم قيام، بينما رواية عبد الصمد ومعاوية جعلت النبي صلى الله عليه وسلم إماماً وهو يصلي قاعداً وأبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
وهكذا ذكر ابن رجب هذا الاختلاف عن الإمام أحمد قال: "ورواه زائدة، واختلف عنه، فقال الأكثرون عنه: إن أبا بكر كان يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعد، والناس يأتمون بأبي بكر. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن زائدة، وقال في حديثه: فصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر قاعداً، وأبو بكر يصلي بالناس وهو قائم يصلي. وقد رجح الإمام أحمد رواية الأكثرين عن زائدة على رواية ابن مهدي"
(2)
.
وهذا الذي ذكر عن رواية عبد الصمد ومعاوية وغيرهما
(3)
هو واضح من
(1)
المسند 43/ 234 ح 26138. وأخرج رواية معاوية بن عمرو لوحده ابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 1/ 126 ح 257، وأبو عوانة مسند أبي عوانة 1/ 440 ح 1632. وأخرج ابن سعد الطبقات الكبرى 2/ 218 روايته مقروناً برواية أبي الوليد الطيالسي.
(2)
فتح الباري لابن رجب 4/ 86.
(3)
وهم جماعة، منهم:
1.
أحمد بن عبد الله بن يونس، وحديثه عند البخاري صحيح البخاري 2/ 172 ح 687، ومسلم صحيح مسلم 1/ 311 ح 418، والدارمي سنن الدرامي 1/ 287، والبيهقي السنن الكبرى 1/ 123. =
ألفاظ روايتهم، وأما رواية ابن مهدي فليس ذلك بواضح، لأنه ليس منصوصاً فيها على حسب ما جاء في رواية الإمام أحمد في مسنده والنسائي كلاهما لحديث ابن مهدي.
ولا شك أن الخلاف واقع بين الروايتين، لكنّ غايته أن ابن مهدي لم يصرح بأن أبا بكر صلى بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما صرّح بذلك عبد الصمد ومعاوية ابن عمرو وغيرهما. وأما على ما ذكره الإمام أحمد في العلل وكذلك ابن رجب، من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بصلاة أبي بكر فلم أقف عليه في لفظ رواية ابن مهدي.
وقد عدّ الإمام أحمد مخالفة ابن مهدي لرواية عبد الصمد ومعاوية خطأ إما من ابن مهدي نفسه، أو من زائدة حينما حدثه به، وصوّب رواية عبد الصمد ومعاوية، مع أنه ليس واحد منهما بمنزلة ابن مهدي في الحفظ، لكن قدّم روايتهما
2. حسين بن علي الجعفي، وحديثه عند ابن أبي شيبة المصنف 2/ 118 ح 7163، ومن طريق ابن حبان الإحسان 5/ 480 ح 2106.
3.
يحيى بن أبي بكير، وحديثه عند أبي عوانة مسند أبي عوانة 1/ 440 ح 1632، وابن المنذر الأوسط 1/ 155 ح 49.
4.
أبو أسامة حماد بن أسامة، وحديثه عند إسحاق في مسنده 2/ 503 ح 1091، ومن طريقه ابن حبان الإحسان 14/ 567 ح 6602.
5.
عبد الله بن المبارك، وحديثه عند النسائي السنن الكبرى 4/ 254 ح 7084، وذكره مختصراً وليس فيه موضع الشاهد.
6.
الوليد بن عقبة، وحديثه عند إسحاق المسند 2/ 505 ح 1092، وأحال بلفظه على حديث أبي أسامة.
7.
خلف بن تميم، ذكر حديثه أبو عوانة مقرونا بحديث معاوية بن عمرو، وابن أبي بكير مسند أبي عوانة الموضع نفسه.
8.
أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، حديثه عند ابن سعد مقرونا بمعاوية بن عمرو الطبقات الكبرى 2/ 218.
وكل من ذُكر لفظ روايته قال: "فجعل أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد".
على روايته لاجتماعهما، فقدم رواية الأكثر عدداً على رواية الأحفظ.
ومن أمثلة مخالفة الراوي الحافظ لرواية الأكثرين، وتقديم الإمام أحمد لرواية الأكثرين:
2.
قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل عن حديث أبي سعيد في السهو، أتذهب إليه؟ قال: نعم، أذهب إليه. قلت: إنهم يختلفون في إسناده. قال: إنما قصر به مالك، وقد أسنده عدة، منهم ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة
(1)
.
حديث أبي سعيد الخدري في السهو رواه الإمام مسلم
(2)
من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فلْيطرحِ الشَّكَّ ولْيَبْنِ على ما استَيْقَن، ثم يسجد سجدتيْن قبلَ أن يُسلّم، فإن كان صلّى خمساً شفعْنَ له صلاتَه، وإن كان صلى إتماماً لأربعٍ كانتا ترغيماً للشيطان".
فهنا أجاب الإمام أحمد على الاعتراض عليه من احتجاجه برواية قد دخلها الإعلال بالإرسال، بأن عدداً من الرواة قد رووا الحديث موصولاً، فلم تكن لعلة الإرسال أي أثر، ففيه تقديم الإمام أحمد لرواية العدد على رواية الأحفظ مع قصور آحادهم في الحفظ دونه. ولم يذكر جميع من روى الحديث موصولاً بل اقتصر على ذكر اثنين منهم.
والذين رووا الحديث موصولاً: سليمان بن بلال كما تقدم في رواية مسلم، ومحمد ابن عجلان
(3)
، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون
(4)
،
(1)
التمهيد 5/ 25، وانظر: فتح الباري لابن رجب 6/ 505.
(2)
صحيح مسلم 1/ 400 ح 571.
(3)
أخرج روايته أبو داود السنن 1/ 621 ح 1024، والنسائي السنن 3/ 27 ح 1237، والسنن الكبرى 1/ 205 ح 584، والطحاوي شرح معاني الآثار 1/ 433، والدارقطني السنن 1/ 372.
(4)
أخرج حديثه النسائي السنن 3/ 27 ح 1238، والسنن الكبرى 1/ 368 ح 1162، والدارمي السنن 1/ 351، وأبو عوانة مسند أبي عوانة 1/ 509 ح 1906، والدارقطني 1/ 371، والبيهقي 2/ 331.
وفليح بن سليمان
(1)
، وأبو غسان محمد بن مطرف
(2)
، ويحيى بن محمد بن قيس
(3)
، وهشام بن سعد
(4)
.
ورواه مرسلاً مالك
(5)
، ويعقوب بن عبد الرحمن القارئ
(6)
، وحفص ابن ميسرة
(7)
، وداود بن قيس على الصحيح
(8)
، والثوري
(9)
.
ولا شك أن عدد الذين وصلوه أكثر من الذين أرسلوه.
ومن صور مخالفة الراوي الأحفظ لرواية من هم أكثر منه عدداً ويكون الحكم لرواية الأكثر:
3.
روى يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي ابن خراش، عن طارق بن عبد الله المُحاربي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا كنت في الصلاة، فلا تبزقْ عن يمنيك ولا من بين يديك، ولكن خلفَك أو تلقاءَ شمالك أو تحت قدمك اليُسرى". قال ابن رجب: وقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث، وهي
(1)
أخرج حديثه أحمد المسند 18/ 221 ح 11689، والدارقطني 1/ 375.
(2)
أخرج حديثه أحمد المسند 18/ 346 ح 11830، وأبو عوانة مسند أبي عوانة 1/ 509 ح 1905.
(3)
أخرج حديثه النسائي السنن الكبرى 1/ 205 ح 586.
(4)
أخرج حديثه البيهقي السنن الكبرى 2/ 331.
(5)
الموطأ 1/ 95، وانظر: التمهيد 5/ 18. وذكر ابن عبد البر أن الوليد بن مسلم أسنده عن مالك، وكذلك يحيى بن راشد.
(6)
أخرج حديثه أبو داود 1/ 623 ح 1027.
(7)
أخرج حديثه البيهقي 2/ 331.
(8)
هكذا رواه بحر بن نصر عن ابن وهب عنه. أخرجه البيهقي الموضع نفسه. وأخرجه مسلم الموضع نفسه عن أحمد بن أخي ابن وهب، عن عمه، عن داود بن قيس موصولاً. قال البيهقي: ورواية بحر بن نصر كأنها أصح.
(9)
ذكره ابن رجب، ولم أقف على روايته.
قوله: "خلفك"، وقال: لم يقل ذلك وكيع، ولا عبد الرزاق
(1)
حديث يحيى بن سعيد القطان أخرجه الترمذي
(2)
، والنسائي
(3)
، وأحمد
(4)
، وابن خزيمة
(5)
، والمقدسي
(6)
من طرق عنه عن سفيان به بهذا اللفظ، وبعضهم قال:"تلقاء شمالك إن كان فارغاً"، وكلهم ذكروا لفظة:"خلفك".
وأنكرها الإمام أحمد لأن وكيعاً وعبد الرزاق لم يذكراها؛ أما حديث وكيع فأخرجه ابن ماجه
(7)
، وابن أبي شيبة
(8)
أما حديث عبد الرزاق فأخرجه في "مصنفه"
(9)
، ومن طريقه الضياء المقدسي
(10)
.
وجعل الإمام أحمد اجتماعهما مرجحاً على رواية يحيى وإن كان أحفظ منهما. قال عبد الله عن أحمد: ليس من أصحاب سفيان أعلى من يحيى
(11)
، وكان يقدم يحيى وعبد الرحمن في سفيان
(12)
.
فرجح بالكثرة على رواية الأحفظ.
وممن رواه عن سفيان موافقاً لوكيع وعبد الرزاق، عبيد الله الأشجعي
(13)
،
(1)
فتح الباري لابن رجب 2/ 344.
(2)
الجامع 2/ 460 ح 571.
(3)
السنن 2/ 52 ح 725، والسنن الكبرى 1/ 265 ح 805.
(4)
المسند 45/ 197 ح 27221.
(5)
صحيح ابن خزيمة 2/ 44 ح 876.
(6)
الأحاديث المختارة 8/ 121 ح 134، 8/ 122 ح 136.
(7)
السنن 1/ 326 ح 1021.
(8)
المصنف 2/ 142 ح 7453.
(9)
1/ 432 ح 1688.
(10)
الأحاديث المختارة 8/ 123 ح 138.
(11)
المنتخب من العلل للخلال ص 320.
(12)
الموضع نفسه.
(13)
أخرج حديثه الحاكم المستدرك 1/ 256.
والحسين بن حفص
(1)
.
قال الدارقطني: هي وهم من يحيى بن سعيد، ولم يذكرها جماعة من الحفاظ من أصحاب سفيان، وكذلك رواه أصحاب منصور
(2)
عنه، لم يقل أحد منهم:[ابزق خلفك].
ومنها أيضاً:
4.
روى الخطيب من طريق محمد بن صالح البغدادي
(3)
قال: "رأيت أبا زرعة الرازي دخل على أحمد بن حنبل وحدثه، ورأيته قد مجمج
(4)
على حديث كان حدّثه عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى بين جنبيه. وقد مجمج عليه أحمد فقال له أبو زرعة: أي شيء خبر
(1)
أخرجه البيهقي السنن الكبرى 2/ 292، وكذلك الحاكم على ما ثبت في بعض نسخ الكتاب المخطوطة انظر: إتحاف المهرة 6/ 345.
(2)
وهم:
ـ جرير بن عبد الحميد الضبي، وحديثه عند ابن خزيمة 2/ 45 ح 877، والمقدسي الأحاديث المختارة 8/ 123 ح 137.
ـ شعبة، وحديثه عند الطيالسي ص 180 ح 1275، وأحمد المسند 45/ 198 ح 27222.
ـ وزائدة بن قدامة، وحديثه عند الطبراني المعجم الكبير 8/ 313 ح 8167، والمقدسي 8/ 124 ح 140.
ـ وأبو الأحوص سلام بن سليم، وحديثه عند أبي داود السنن 1/ 322 ح 478، والطبراني المعجم الكبير 8/ 313 ح 8168.
ـ وعبيدة بن حميد، وحديثه عند أحمد المسند 45/ 198 ح 27223.
ـ ومفضل بن مهلهل، وحديثه البيهقي في شعب الإيمان 7/ 516.
ـ وعيلان بن جامع المحاربي، وحديثه عند الطبراني المعجم الأوسط 3/ 329 ح 3307، والمقدسي 8/ 122 ح 135.
(3)
لم أقف على ترجمته.
(4)
المجمجمة تغيير الكتاب وإفساده عما كتب. ويقال: مجمج خطه خلّطه، وخط مجمج لسان العرب 2/ 362، أساس البلاغة ص 420، فالمعنى أي ضرب عليه.
هذا الحديث؟ فقال: أخاف أن يكون غلطاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن سفيان قد حدّث عن منصور، عن إبراهيم أنه كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال له أبو زرعة: يا أبا عبد الله الحديث صحيح، فنظر إليه، فقال أبو زرعة: حدثنا أبو عبد الله البخاري محمد بن إسماعيل، حدثنا رضوان البخاري، قال: حدثنا فضيل بن عِياض، عن منصور، عن سالم، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى بين جنبيه. وحدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني، أخبرنا معمر، عن منصور، عن سالم، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال أحمد: هات القلم إلي، فكتب: صح، صح، صح ثلاث مرات"
(1)
.
ففي هذه المذاكرة بين الإمام أحمد والإمام أبي زرعة الرازي كان الإمام أحمد ينكر حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى حتى يُرى بياضُ إبطيْه"
(2)
، لمخالفة الثوري له، حيث رواه عن منصور، عن إبراهيم فعله
(3)
. وذلك أن الثوري أحفظ من معمر في منصور، فقد قيل في معمر: كأنه ليس بالقوي في منصور
(4)
.
ثم رجع الإمام أحمد عن إنكاره لهذا الحديث لما ذكر له متابعة فُضيل بن عياض له عن منصور، وصحح الحديث، وكلٌ من معمر، وفضيل بن عياض لا يقارن بسفيان الثوري في الحفظ، لكن لما اجتمعا قدم قولهما على قول الثوري. ففي هذا
(1)
تاريخ بغداد 10/ 326.
(2)
أخرجه عبد الرزاق المصنف 2/ 168 ح 2922، ومن طريقه أحمد المسند 22/ 43 ح 14138، وابن خزيمة 1/ 326 ح 649، وابن المنذر الأوسط 3/ 171 ح 1444، والبيهقي 2/ 115. وذكر سالم أبي الجعد مثبت، مما يدل على أن سقوطه في صدر رواية الخطيب سقط من الناسخ.
(3)
أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: حُدِّثتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُرى بياض إبطه إذا سجد المصنف 2/ 170 ح 2926.
(4)
نقله ابن رجب شرح علل الترمذي 2/ 721.
تقديم لرواية الأكثر عدداً على الأحفظ.
ومن الأمثلة على هذه الصورة أيضاً:
5.
قال أبو زرعة الرازي: "سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: حديث أبي الأحوص، عن سِماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة خطأ الإسناد والكلام، فأما الإسناد فإن شريكاً، وأيوب، ومحمد ابني جابر رووه عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الناس فانتبذوا في كل وِعاء، ولا تشربوا مسكراً. قال أبو زرعة: كذا أقول، هذا خطأ، أما الصحيح حديث ابن بريدة، عن أبيه"
(1)
.
وقال النسائي: قال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث، خالفه شريك في إسناده وفي لفظه
(2)
.
حديث أبي الأحوص أخرجه النسائي
(3)
، عن هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه، عن أبي بُردة بن نيار البلوي
(4)
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشربوا في الظروف، ولا تَسكَروا". وأخرجه ابن أبي شيبة
(5)
، والطبراني
(6)
بمثل هذا اللفظ. وأخرجه أبو داود الطيالسي
(7)
بلفظ: "اشربوا، ولا تسكروا". وأخرجه الدارقطني
(8)
بلفظ:
(1)
علل ابن أبي حاتم 2/ 25.
(2)
السنن الكبرى 3/ 232.
(3)
السنن 8/ 319 ح 5693، السنن الكبرى 3/ 231 ح 5187.
(4)
وهو صحابي، وليس بأبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فذاك تابعي انظر: تهذيب الكمال 33/ 71.
(5)
المصنف 5/ 85 ح 23940.
(6)
المعجم الكبير 22/ 198 ح 522.
(7)
مسند الطيالسي 195 ح 1369، ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى 8/ 298.
(8)
السنن 4/ 259.
"اشربوا في المرفّت، ولا تسكروا" وأخرجه الطحاوي
(1)
بلفظ: "إني كنت نهيتكم عن الشرب في الأوعية، فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا". ولم يختلفوا في الإسناد.
وذكر الإمام أحمد أن أبا الأحوص سلاّم بن سُليم أخطأ في الإسناد والمتن في هذه الرواية، وخالف عدداً من الرواة عن سماك، وذكر منهم: شريك بن عبد الله القاضي، ومحمد وأيوب ابني جابر اليماميان.
أما رواية شريك فأخرجها النسائي
(2)
من طريق يزيد بن هارون، عن شريك، عن سماك بن حرب، عن ابن بريدة، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى عن الدُّبَّاء، والحَنتَم، والنَّقِير، والمُزَفَّت" ثم قال: "إني كنت نهيتكم عن الظروف فانتبذوا فيما بدا لكم، واجتنوا كل مسكر". وهكذا رواه ابن عبد البر من وجه آخر عن يزيد بن هارون
(3)
. فأسقط القاسم بن عبد الرحمن، وجعله من مسند بريدة بن الحُصيب.
ورواه إسحاق الأزرق عن شريك، فقال: عن سماك، عن القاسم بن مخيمرة، عن ابن بريدة، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا فيه واجتنبوا كل مسكر"، أخرجه ابن ماجه
(4)
.
وأما الرواية التي ذكرها الإمام أحمد عن شريك، عن سماك، عن القاسم ابن عبد الرحمن، عن ابن بُريدة، عن أبيه، فلم أقف عليها. والاختلاف في الروايتين السابقتين محمول على سوء حفظ شريك.
(1)
شرح معاني الآثار 4/ 228.
(2)
السنن 8/ 319 ح 5694، والسنن الكبرى 3/ 231 ح 5188.
(3)
التمهيد 3/ 227، وزاد في اللفظ ذكر النهي عن زيارة القبور، وعن ادخار لحوم الأضاحي فوق الثلاث.
(4)
السنن 2/ 1127 ح 3405.
وحديث محمد بن جابر رواه الطبراني
(1)
، والدارقطني
(2)
من طريقه عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كنا نهيناكم عن الشرب في الأوعية، فاشربوا في أي سِقاء شئتم ولا تشربوا مسكراً". هذه رواية أحمد بن إبراهيم القوهستاني عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن محمد بن جابر. وقال الدارقطني: هذا هو الصواب. وقال إسحاق السراج عن يحيى النيساري
(3)
، ولوين
(4)
، كلاهما عن ابن جابر:"ولا تسكروا".
وأما حديث أيوب بن جابر، فرواه أحمد
(5)
، والعقيلي
(6)
من طريقه، عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بوَدَّان قال: "مكانكم حتى آتيكم"، ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال:"إني أتيتُ قبر أم محمد فسألت ربي الشفاعة فمنعنيها، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونيهيتكم عن لُحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا وأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن هذه الأشربة في هذه الأوعية فاشربوا فيما بدا لكم". ولفظ العقيلي: "اشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا". وكأن الإمام أحمد أسقط اللفظة الأخيرة من روايته لنكارتها، فإنها هي سبب إنكاره لمتن حديث أبي الأحوص. وهي تدل على أن الخطأ في المتن كان من سماك، وليس من أبي الأحوص
(7)
.
ووجه المخالفة في الإسناد أن أبا الأحوص رواه عن سماك فجعله من حديث
(1)
المعجم الأوسط 3/ 219 ح 2966.
(2)
السنن 4/ 259.
(3)
وروايته عند الطبراني.
(4)
وروايته عند الدارقطني.
(5)
المسند 38/ 124 ح 23017.
(6)
الضعفاء 1/ 130.
(7)
وهذا ما ذهب إليه أبو داود كما في بعض نسخ مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 386.
أبي بردة بن نيار؛ ورواه من طريق القاسم بن عبد الرحمن المسعودي، عن أبيه عن أبي بردة. والباقون رووه عنه، عن القاسم، عن ابن بريدة، عن بريدة بن الحُصيب.
وأما في المتن فقال أبو الأحوص: "ولا تسكروا"، وأما الباقون ـ على اختلاف بينهم ـ فقالوا:"ولا تشربوا مسكراً"، أو "واجتنبوا كل مسكر"، وهما بمعنى. فرواية أبي الأحوص لا تدل على النهي من شرب المسكر، إنما تدل على النهي عن الإسكار، بخلاف رواية الباقين. ولذلك جاء في رواية أبي داود عن أحمد:"ومرَّ فيه، فاحتج به أصحاب الأشربة، وإنما الحديث حديث ابن بريدة"
(1)
.
فقد اعتمد الإمام أحمد رواية هؤلاء لرد وتخطئة رواية أبي الأحوص، مع أن كل واحد منهم على الانفراد دونه في الحفظ. قال الإمام أحمد في أبي الأحوص: ليس به بأس
(2)
. وقال في موضع آخر: هو وجرير الضبي متقاربان في الحديث وهما ثقتان
(3)
. وقال عبد الله: كان أبي إذا رضي عن إنسان، وكان عنده ثقة حدث عنه وهو حي، فحدثنا عن
…
وأبي الأحوص وهو حي
(4)
وقال ابن مهدي: أبو الأحوص أثبت من شريك
(5)
.
وقال في شريك القاضي: كان صدوقاً عاقلاً محدثاً عندي، فقيل له: يحتج به؟ قال: لا تسألني عن رأي في هذا
(6)
. وقال أيضاً: ليس على شريك قياس، كان يحدث الحديث بالتوهم
(7)
.
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 385 رقم 1859.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 479 رقم 3148.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 215 رقم 2175.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 238 رقم 310.
(5)
التاريخ الكبير 4/ 135.
(6)
الضعفاء للعقيلي 2/ 574.
(7)
المعرفة والتاريخ 2/ 168.
وقد تقدم قوله في محمد بن جابر وأنه ليس بالقوي، وأنه ربما ألحق في كتابه
(1)
. وأما أخوه أيوب بن جابر، فقال فيه الإمام أحمد: ليس به بأس، وقال: ضعُف أمره في آخر أمره، كان ذهب بصرُه
(2)
. وقال أيضاً: حديثه يشبه حديث أهل الصدق
(3)
.
وتابع الإمامَ أحمد على إنكار هذا الحديث الإمام أبو زرعة الرازي كما تقدم، وكذلك الإمام النسائي، قال:"هذا حديث منكر، غلط فيه أبو الأحوص سلام ابن سُليم، لا نعلم أحداً تابعه عليه من أصحاب سماك، وسماك ليس بالقوي وكان يقبل التلقين"
(4)
. وأما أبو داود فجعل الخطأ في الإسناد من أبي الأحوص، وفي المتن من سماك
(5)
.
وحديث بريدة مشهور من طرق صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً". أخرجه مسلم
(6)
وغيره.
وكذلك إذا كانت المخالفة من جماعة من الرواة لمن هم أكثر منهم عدداً، وكان كلا الجانبين موصوفاً بالحفظ، فالإمام أحمد أيضاً يقدم جانب الكثرة، ولا يعتبر مخالفة الأقلين علة في رواية الأكثرين، ومن أمثلة ذلك:
قال أبو بكر الأثرم: "قلت لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل رحمه الله الذي يصح في هذا الحديث، حديث كُريب، مرسل؟ أو عن ابن عباس؟ فقال: هو عن
(1)
انظر: ص 535.
(2)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد ص 357 رقم 556.
(3)
الجرح والتعديل 2/ 243.
(4)
السنن الكبرى 3/ 233.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 385 - 386.
(6)
صحيح مسلم 2/ 672، 3/ 1563.
ابن عباس صحيح. قيل لأبي عبد الله: إن الثوري ومالكاً يرسلانه، فقال: معمر، وابن عيينة، وغيرهما قد أسندوه"
(1)
.
والمقصود بحديث كُريب هو حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقِي ركْباً بالرَّوْحاء، فقال:"من القومُ"؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله، فرفعتْ إليه امرأةٌ صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر".
والاختلاف في وصله وإرساله وقع على إبراهيم بن عقبة راويه عن كريب.
فرواه مرسلاً: مالك
(2)
، والثوري
(3)
، وزهير ابن معاوية
(4)
، وموسى ابن عقبة
(5)
.
(1)
التمهيد 1/ 103.
(2)
قال ابن عبد البر: هذا الحديث مرسل عند أكثر الرواة للموطأ التمهيد 1/ 95.
وهو في الموطأ ـ رواية الليثي 1/ 422 ـ موصول، وكذلك رواية أبي مصعب 1/ 488 ح 1256.
قال ابن عبد البر: وقد أسنده عن مالك ابن وهب، والشافعي، ومحمد بن خالد بن أبي عثمة، وأبو مصعب، وعبد الله بن يوسف، فقالوا فيه عن مالك، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس
…
وكذلك رواه سحنون، والحارث بن مسكين، وأحمد بن عمرو ابن السرح، وسليمان بن داود التمهيد، الموضع نفسه.
(3)
أخرج روايته مسلم 2/ 974 ح 1336 من طريق ابن مهدي، وكذلك أحمد المسند 5/ 272 ح 3196. ورواه وكيع عن الثوري، عن إبراهيم بن عقبة، ومحمد بن عقبة، عن كريب مرسلاً. أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 354 ح 14872.
وذكر ابن عبد البر أن القطان رواه عن الثوري، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مرسلاً، وعن الثوري، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس مسنداً التمهيد 1/ 99 - 100، 103.
ورواه مسنداً عن الثوري، عن إبراهيم، عن كريب، عن ابن عباس أبو نعيم. أخرج حديثه النسائي السنن 5/ 121 ح 2648، والسنن الكبرى 2/ 326 ح 3628، والبيهقي السنن الكبرى 5/ 155، وأحمد مقروناً بأبي أحمد الزبيري المسند 5/ 275 ح 3202.
(4)
ذكره البخاري تعليقاً التاريخ الكبير 1/ 198.
(5)
وهي رواية ابن جريج عنه كما علقه البخاري الموضع نفسه.
ورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عنه مسنداً. أخرجه الطبراني المعجم الكبير 11/ 416 ح 12183.
ورواه مسنداً: معمر
(1)
، وابن عيينة
(2)
، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون
(3)
، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة
(4)
، وعبد الله بن المبارك
(5)
. ورواه بعض الرواة عن مالك، والثوري، وموسى بن عقبة
(6)
.
فرجح الإمام أحمد رواية الوصل لكثرة عدد رواتها حيث قال: معمر، وابن عيينة وغيرهما قد أسندوه.
قال ابن عبد البر: والحديث صحيح مسند ثابت الاتصال، لا يضره تقصير من قصر به، لأن الذين أسندوه حفاظ ثقات
(7)
.
وأما الإمام يحيى بن معين فرجح الرواية المرسلة؛ قال: إنما يرويه الناس مرسلاً عن كريب
(8)
.
وقال الإمام البخاري: "أخشى أن يكون هذا الحديث مرسلاً في الأصل، قال أبو ظبيان، وأبو السفر عن ابن عباس: "أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج"، وهذا المعروف عن ابن عباس"
(9)
، فكأنه يرى أن قول ابن عباس هذا معارض
(1)
أخرج حديثه أحمد المسند 3/ 385 ح 1899، وابن عبد البر التمهيد 1/ 101.
(2)
أخرج حديثه مسلم صحيح 2/ 974 ح 1336، وأبو داود ح 1736، والنسائي 5/ 121 ح 2648، والسنن الكبرى 2/ 326 ح 3628، والحميدي مسنده 1/ 234 ح 504، وأحمد المسند 3/ 384 ح 1898، وابن خزيمة صحيح ابن خزيمة 4/ 349 ح 3049، وابن حبان الإحسان 9/ 107 ح 3798، والطحاوي شرح معاني الآثار 2/ 256. ولم يختلف عنه.
(3)
أخرج حديثه أحمد المسند 4/ 71 ح 2187، والبيهقي السنن الكبرى 5/ 155.
(4)
أخرج حديثه الطبراني المعجم الكبير 11/ 414 ح 12177، والبيهقي السنن الكبرى 5/ 155.
(5)
علقه البخاري في التاريخ الكبير 1/ 198.
(6)
أشرت إلى من قال ذلك عنهم.
(7)
التمهيد 1/ 100.
(8)
التاريخ ـ برواية الدوري 3/ 141 ح 594.
(9)
التاريخ الكبير 1/ 199.
لحديثه الذي رواه، فلو أن الحديث عنده لما قال هذا القول، وهو قول ثابت عنه.
والذي يؤيد ما ذهب إليه الإمام أحمد أن من روى الحديث مرسلاً، قد روي عنه مسنداً أيضاً
(1)
، مما يدل على أنهم لما أرسلوه قصّروا به وهو عندهم مسند ثابت الاتصال، والعلم عند الله.
والشاهد أن الإمام أحمد رجح بالكثرة في مسألة كلا الجانبين فيها موصوف بالحفظ، ففي الجانب الأول: مالك، والثوري، وفي الجانب الثاني: معمر، وابن عيينة وغيرهما.
ومن ترجيح الإمام أحمد لرواية الجماعة على الواحد بإطلاق:
قال ابن هانئ: "وحديث سليمان بن بلال حديث أبي وجزة، عن رجل من بني مزينة، عن عمر بن أبي سلمة: دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كل مما يليك"، ليس هو عن رجل، إنما هو عن أبي وجزة، عن عمر، حدثني به ثلاثة لا يقولون فيه: عن رجل"
(2)
.
رد الإمام أحمد على رواية من قال: عن سليمان بن بلال، عن أبي وجزة، عن رجل من بني مزينة، عن عمر بن أبي سلمة، ردها بأن جماعة رووه عن سليمان بن بلال، عن أبي وجزة، عن عمر بن أبي سلمة، ليس فيه: عن رجل. وهؤلاء الثلاثة هم: أبو سعيد مولى بني هاشم
(3)
، وموسى بن داود
(4)
، ومنصور بن سلمة الخزاعي
(5)
.
(1)
إلا زهير بن معاوية، فلم أقف على روايته إلا ما ذكره البخاري عنه تعليقاً بالإرسال قولاً واحداً.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 248 رقم 2390.
(3)
حديثه عند أحمد المسند 26/ 256 ح 16338.
(4)
حديثه عند أحمد المسند 26/ 257 ح 16339، وابن عبد البر التمهيد 23/ 17.
(5)
وحديثه عند أحمد المسند 26/ 257 ح 16340/ 1.
ولم أقف على من رواه عن سليمان بن بلال بذكر رجل من مزينة.
وإنما رواه من هذا الوجه هشام بن عروة، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، روياه عن أبي وجزة يزيد بن عبيد
(1)
، عن رجل من مزينة، عن عمر بن أبي سلمة. أخرجه أحمد عن وكيع، عنهما به
(2)
. وأخرجه الطبراني من حديث كل واحد منها على حدة
(3)
. ورواه أبو معاوية عن هشام، فقال: عن أبي وجزة، عن رجل من بني سعد، عن رجل من مزينة، عن عمر بن أبي سلمة
(4)
. وأبو معاوية في أحاديثه عن هشام بن عروة اضطراب
(5)
.
وفي هذا الإعلال تقديم رواية الجماعة على الواحد.
فيكاد الأمر عند الإمام أحمد يطرد أنه لا يعتد برواية من خالف جمعاً من الرواة وإن كان حافظاً، مما يدل على أنه كان يعطي اعتباراً كبيراً لتعدد الرواة في الرواية، ووجه ذلك أن الجماعة أولى بالحفظ من واحد. وهذا أيضاً يعكس منهجه من رد أفراد الرواة حتى الثقات منهم إذا لم يكونوا من الحفاظ المتقنين، وحتى إنه في بعض الأحيان يتهيب من قبول أفراد الحفاظ المتقنين كما تقدم.
وإذا وقعت المخالفة من الراوي لجماعة من الروة، وكانوا مع تعددهم أكثر حفظاً منه، فحديثه أولى بالإنكار من غيره، خاصة إذا كان سيء الحفظ، ومثال ذلك:
قال المرُّوذي: "ونظر ـ أي الإمام أحمد ـ في حديث عِسل بن سفيان، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن"، فقال:
(1)
أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي المدني. وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به، صاحب قرآن الجرح والتعديل 9/ 279.
(2)
المسند 26/ 250 ح 16330.
(3)
المعجم الكبير 9/ 26 ح 8298، 9/ 27 ح 8301.
(4)
أخرجه أحمد المسند 26/ 251 ح 16331.
(5)
شرح علل الترمذي 2/ 680.
ليس من هذا شيء، من قال: عن عائشة فقد أخطأ، وضعف عِسل بن سفيان. وسألته عن حديث إسماعيل بن رافع قال: حدثني ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن ابن السائب، فنفض يده، وقال: ليس من هذا شيء وضعفه"
(1)
.
حديث عائشة رواه أبو يعلى
(2)
، والحاكم
(3)
، من طريق الحارث بن مرّة
(4)
، والبخاري
(5)
، وابن عدي
(6)
من طريق شعبة كلاهما عن عسل بن سفيان به.
وأما رواية إسماعيل بن رافع، فرواه ابن ماجه
(7)
، وأبو يعلى
(8)
، والشاشي
(9)
، والبيهقي
(10)
من طرق عنه، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن ابن السائب، عن سعد بن أبي وقاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن هذا القرآن نزل بحُزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا".
وقد جزم الإمام أحمد بأن الرواية بذكر عائشة خطأ، وأن عسل بن سفيان الذي قال ذلك في روايته ضعيف، ويشير رحمه الله إلى أن غيره قد رواه ولم يذكر عائشة، وأن تلك الرواية هي المرجَّحة، وهو كذلك، فقد رواه ابن جريج، وعمرو ابن دنيار عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية المروذي وغيره ص 143 - 144 رقم 256، 257.
(2)
مسند أبي يعلى 8/ 195 ح 4755.
(3)
المستدرك 1/ 570.
(4)
وثقه أبو ابن معين، وعنه: ليس به بأس، وكذلك قال أبو داود، والنسائي. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه تهذيب التهذيب 2/ 156.
(5)
التاريخ الكبير 5/ 401.
(6)
الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 2012.
(7)
السنن 1/ 424 ح 1337.
(8)
المسند 2/ 50 ح 689.
(9)
مسند الشاشي 1/ 223 ح 184.
(10)
السنن الكبرى 10/ 231.
أما رواية ابن جريج فأخرجها الحميدي
(1)
، والحاكم
(2)
؛ ورواية عمرو ابن دينار أخرجها أبو داود
(3)
، وعبد الرزاق
(4)
، والحميدي
(5)
، وأحمد
(6)
، وابن أبي شيبة
(7)
، والدارمي
(8)
، والبزار
(9)
، والحاكم
(10)
، والبيهقي
(11)
، وذكر البخاري الروايتين تعليقاً
(12)
.
وتابعهما غير واحد منهم: سعيد بن حسان المخزومي المكي
(13)
، وحسام ابن مِصَكّ
(14)
، والليث بن سعد، لكن اختلف عليه فيه: هل هو عن عبيد الله ابن أبي نهيك، أو عن عبد الله بن أبي نهيك، وهل هو عن سعيد بن أبي سعيد،
(1)
المسند 1/ 41 ح 77.
(2)
المستدرك 1/ 569.
(3)
السنن 2/ 156 ح 1470.
(4)
المصنف 2/ 483 ح 4171.
(5)
مسند الحميدي 1/ 41 ح 76.
(6)
المسند 3/ 99 ح 1512.
(7)
المصنف 2/ 157 ح 8738.
(8)
سنن الدارمي 1/ 349.
(9)
مسند البزار 4/ 68 ح 1234.
(10)
المستدرك 1/ 569.
(11)
السنن الكبرى 10/ 230.
(12)
التاريخ الكبير 5/ 401.
(13)
وثقه ابن معين، وأبو داود، والنسائي وغيرهم تهذيب التهذيب 4/ 16.
وأخرج حديثه الطيالسي ص 28 ح 201، وأحمد المسند 3/ 74 ح 1476، وابن أبي شيبة المصنف 2/ 257 ح 8739.
(14)
قال أحمد: مطروح الحديث، وضعفه غير واحد، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه. قال الحافظ ابن حجر: ضعيف، يكاد يترك الجرح والتعديل 3/ 317، تهذيب الكمال 6/ 7، تقريب التهذيب 1203.
وحديثه في مسند الشهاب 2/ 207 ح 1196.
أو عن سعد. أشار إلى هذا الاختلاف أبو داود
(1)
، والدراقطني
(2)
، والقضاعي
(3)
. وذكر الدارقطني أن رواية الغرباء عن الليث، جاءت على الصواب، أي بموافقة رواية ابن جريج، وعمرو.
فاجتماع هؤلاء على رواية الحديث على هذا الوجه عن ابن أبي مليكة، عن ابن أبي نهيك، عن سعد، يقضي بخطأ رواية عِسل بن سفيان، لما لدى رواته من مزيد الضبط والكثرة. فعِسل بن سفيان قد ذكر الإمام أحمد ضعفه. وقال في رواية عبد الله: ليس هو عندي بقوي في الحديث
(4)
، وهو متفق على ضعفه عند بقية الأئمة
(5)
. فلا يقارن بواحد من الذين خالفوه لو انفرد، فكيف وقد اجتمعوا.
ومثل هذا يقال في رواية إسماعيل بن رافع التي ضعفها الإمام أحمد أيضاً، فقد ضعفه إسماعيل بن رافع أيضاً، وقال في رواية حنبل: منكر الحديث
(6)
، وهو أيضاً متفق على ضعفه عند بقية الأئمة
(7)
.
وقد وافق الإمامَ أحمدَ الإمامُ البخاري على تخطئة الرواية التي ذكرت عائشة
(8)
، وقال رواية عمرو وابن جريج هي الأصح.
(1)
السنن 2/ 156.
(2)
علل الدارقطني 4/ 389.
(3)
مسند الشهاب 2/ 207.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 366 رقم 2626.
(5)
انظر: تهذيب الكمال 20/ 53.
(6)
تهذيب الكمال 3/ 87.
(7)
إلا ما نقله الترمذي عن البخاري أنه وثقه وقال: هو مقارب الحديث، ورده الذهبي عليه انظر: تهذيب الكمال 3/ 88، ميزان الاعتدال 1/ 227.
(8)
التاريخ الكبير 5/ 401، وهناك وجه آخر لرواية الحديث عن ابن أبي مليكة ذكره البخاري في هذا الموضع وخطأه، وهو رواية عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس به.
ومثال آخر:
قال أبو داود: "قلت لأحمد: عامر الأحول؟ قال: شيخ قد احتمله الناس، وليس حديثه بذاك، روى حديث عطاء، عن أبي هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأَ ثلاثاً ثلاثاً"، وإنما يرويه عطاء، عن عثمان"
(1)
.
حديث عامر الأحول أخرجه أحمد
(2)
، والطحاوي
(3)
، والطبراني
(4)
كلهم من طريق همام، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه ثلاثاً، ومسح برأسه ووضّأ قدميه".
فخالفه ابن جريج، وحجاج بن أرطأة، فروياه عن عطاء، عن عثمان. أخرجه أحمد
(5)
من حديث ابن جُريج عقب حديث عامر الأحول إشارة إلى أنه معلول. وأخرجه ابن أبي شيبة
(6)
، والبخاري
(7)
، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند
(8)
من حديث حجاج بن أرطأة؛ وأخرجه ابن ماجه
(9)
مقتصراً على ذكر مسح الرأس.
ورواه عبد الرزاق
(10)
، عن ابن جريج: أخبرني عطاء أنه بلغه عن عثمان
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 406 رقم 1912.
(2)
المسند 14/ 41 ح 8577.
(3)
شرح معاني الآثار 1/ 36.
(4)
المعجم الأوسط 6/ 97 ح 5912.
(5)
المسند 14/ 242 ح 8578.
(6)
المصنف 1/ 17 ح 65.
(7)
التاريخ الكبير 6/ 456.
(8)
المسند 1/ 514 ح 472، 1/ 544 ح 527.
(9)
السنن 1/ 150 ح 435.
(10)
المصنف 1/ 40 ح 124.
ابن عفان. قال أبو زرعة عن هذه الرواية، وهو الصحيح عندنا
(1)
وهو كذلك لأن عطاء عن عثمان مرسل، قاله أبو زرعة وأبو حاتم
(2)
.
فقد خالف عامر الأحول اثنين من أصحاب عطاء، فأشار الإمام أحمد إلى أنه أخطأ لمخالفة المعروف عن عطاء، وهو متكلم فيه وخالف من هم أحفظ منه وأكثر عدداً. قال الإمام أحمد عنه: ليس بالقوي، ضعيف الحديث
(3)
.
متى يحكم بصحة الوجهين المختلفين؟
وقد تأتي روايتان على وجهين مختلفين ثم يحكم الإمام أحمد بصحة الوجهين لقرينة مرجحة لذلك، كأن تأتي رواية أخرى بذكر الوجهين معاً. ومثال ذلك:
قال أبو داود: "قلت لأحمد: حديث أبي السائب مولى هشام بن زُهرة؟ قال: قد جمعهما بعضُهم، فأرجو أن يكون كلا الحديثين صحيحاً ـ يعني حديث مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما صلاة لم يُقرأْ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج"، ومن قال: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال أبو داود: رواه أبو أُويس، وسليمان بن بلال من رواية شيخ من أهل البصرة عنه، وابن ثوبان، عن ابن عجلان كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، وأبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة"
(4)
.
حديث أبي هريرة المذكور في هذا السؤال اختلف فيه على العلاء بن عبد الرحمن ابن يعقوب مولى الحرقة:
(1)
علل ابن أبي حاتم 1/ 63 ح 164.
(2)
المراسيل لابن أبي حاتم 569، 570.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 183 رقم 1937.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 429 رقم 1986.
فقال مالك
(1)
، ومحمد بن عجلان
(2)
، ومحمد بن إسحاق
(3)
، وورقاء ابن عمر
(4)
، والوليد بن كثير
(5)
، وكذلك يحيى بن سعيد الأنصاري، وعُمارة ابن غَزيّة
(6)
: كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة
(7)
، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلّى صلاةً لم يَقرأْ فيها بأُمِّ القرآن فهي خِدَاجٌ، هي خِدَاجٌ غيرُ تمام". قال: فقلت: يا أبا هريرة إني أحياناً أكون وراءَ الإِمامِ. قال: فغَمَزَ ذِراعي ثم قال: اقرأْ بها في نفسك يا فارسيّ، فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"قال الله تبارك وتعالى: قَسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدي نصفيْن فنصفُها لي ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرؤا، يقول العبد: الحمدُ لله ربِّ العالمين، يقول الله تبارك وتعالى: حَمَدني عبدي، ويقول العبد: الرَّحمنِ الرَّحيم، يقول الله: أثني عليّ عبدي. ويقول العبد: مالكِ يومِ الدِّين، يقول الله: مَجَّدني عبدي، يقول العبد: إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين، فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهدنا الصِّراطَ المستقيمَ صراطَ الَّذين أنعمتَ
(1)
وحديثه في الموطأ 1/ 84، وأخرجه من طريقه مسلم 1/ 296 (39)، وأبو داود ح 821، والنسائي السنن 2/ 135 ح 908، السنن الكبرى 1/ 316 ح 918، وعبد الرزاق المصنف 2/ 128 ح 2768، وأحمد المسند 16/ 25 ح 9932، وابن خزيمة 1/ 252 ح 502، وابن حبان 5/ 84 ح 1784، ومسند أبي عوانة 1/ 452 ح 1673، والبيهقي السنن الكبرى 2/ 38، وفي كتاب القراءة خلف الإمام ص 30 ح 52.
(2)
وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص 33 ح 56.
(3)
أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة 21 - 22 ح 73، وأحمد المسند 13/ 233 ح 7838، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص 34 ح 57، 58.
(4)
وحديثه عند أبي داود الطيالسي مسند الطيالسي ص 334 ح 2561، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص 34 ح 59.
(5)
وحديثه عند البيهقي السنن الكبرى 2/ 166، القراءة خلف الإمام ص 32 ح 54.
(6)
على ما ذكره الدارقطني في العلل 9/ 21 عن الاثنين.
(7)
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل تهذيب التهذيب 12/ 104. ووثقه الذهبي، وابن حجر أيضاً الكاشف 6636، تقريب التهذيب 8174.
عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل".
وقال سفيان بن عيينة
(1)
، وسعد بن سعيد الأنصاري
(2)
، وشعبة
(3)
، وإسماعيل بن جعفر
(4)
، وروح بن القاسم
(5)
، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي
(6)
، وعبد العزيز بن أبي حازم
(7)
، وأبو غسان محمد بن مطرف
(8)
، وإبراهيم بن طهمان
(9)
، وزهير بن محمد العنبري
(10)
، وعبد الله بن جعفر بن نجيح
(11)
، وعبد الحميد
(1)
أخرج حديثه مسلم الموضع نفسه ح 38، والنسائي السنن الكبرى 5/ 12 ح 8013، والبخاري جزء القراءة خلف الإمام 20 - 21 ح 71، وأحمد المسند 12/ 239 ح 7291، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص 35 - 36 ح 63، 64، 65.
(2)
وحديثه عند ابن حبان الإحسان 5/ 90 ح 1788 مختصراً على قوله: فهي خداج.
(3)
وحديثه جاء من طرق، وهو عند أحمد المسند 16/ 5 ح 9898، 16/ 154 ح 10198، وابن خزيمة 1/ 248 ح 490، وابن حبان 5/ 91 ح 1789، 5/ 96 ح 1794، وأبو عوانة 1/ 453 ح 1676، 1677، 1678، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص 35 ح 60، 61، 62 مختصراً أيضاً. ووقع في رواية وهب بن جرير عند ابن حبان، والبيهقي:"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، وتفرد به من بين أصحاب شعبة، قاله ابن حبان الموضع نفسه.
(4)
وحديثه عند البخاري جزء القراءة خلف الإمام 23 ح 76، أبي يعلى 11/ 402 ح 6522، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص 38 ح 69.
(5)
وحديثه عند البخاي جزء القراءة خلف الإمام 7 - 8 ح 11، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص 37 ح 68.
(6)
وحديثه عند الترمذي الجامع 5/ 201 ح 2953، وابن حبان 5/ 96 ح 1795، وعند الحميدي 2/ 430 ح 974، والبخاري جزء القراءة خلف الإمام 23 ح 78، 79 مقروناً بابن عيينة، والبيهقي القراءة خلف الإمام 38 ح 71.
(7)
وحديثه عند البخاري جزء القراءة 22 ح 77، أبي عوانة مسند أبي عوانة 1/ 453 ح 1680.
(8)
وحديثه عند الطحاوي شرح معاني الآثار 1/ 216، وعند البيهقي القراءة خلف الإمام 38 ح 70 مقروناً بالدراوردي.
(9)
وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص 37 ح 66، 67.
(10)
وحديثه عند البيهقي السنن الكبرى 4/ 74، القراءة خلف الإمام ص 40 ح 74.
(11)
وحديثه عند سعيد بن منصور 2/ 505 ح 169.
ابن جعفر
(1)
، وجهضم بن عبد الله
(2)
، ومحمد بن يزيد البصري
(3)
، وآخرون سواهم
(4)
، كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة به، وبعضهم ذكره مختصراً، وبعضهم مطولاً.
واختلف عن ابن جريج؛ فروي عنه بمثل رواية مالك، قال ذلك:
عبد الرزاق
(5)
، ومحمد بن بكر البرساني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري
(6)
، وهي رواية الإمام أحمد
(7)
، وأبي بكر بن أبي شيبة
(8)
، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي
(9)
، والترجماني
(10)
كلهم عن ابن علية، عنه.
وقال سريج بن يونس، عن ابن علية، عن ابن جريج بمثل رواية سفيان ابن عيننة
(11)
.
وموقف الإمام أحمد من الروايتين المختلفين في الإسناد هو تصحيح كلا الوجهين، وحجته في ذلك أن بعض الرواة قد جمع كلا الوجهين معاً في روايته، وذكر أبو داود ثلاثة رواة جمعوا بينهما في روايتهم، وهم: أبو أُويس عبد الله
(1)
وحديثه عند النسائي السنن الكبرى 1/ 318 ح 986، وابن خزيمة 1/ 252 ح 500.
(2)
وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص 39 ح 72.
(3)
وحديثه عند البيهقي القراءة خلف الإمام ص 40 ح 73.
(4)
ذكرهم الدارقطني علل الدارقطني 9/ 17 - 18.
(5)
وهو في مصنفه 2/ 128 ح 2767، ومن طريقه أخرجه البخاري جزء القراءة خلف الإمام ص 22 ح 75، ومسلم صحيح مسلم 1/ 297 ح 40، أحمد المسند 13/ 231 ح 7836، وأبو عوانة مسند أبي عوانة 1/ 453 ح 1675، والبيهقي القراءة خلف الإمام ص 32 ح 53.
(6)
وحديثهما عند الإمام أحمد مقرونين المسند 13/ 232 ح 7837.
(7)
المسند 16/ 214 ح 10319.
(8)
سنن ابن ماجه 1/ 273 ح 838.
(9)
صحيح ابن خزيمة 1/ 247 ح 489.
(10)
ذكره الدارقطني علل الدارقطني 9/ 19.
(11)
ذكره الدارقطني علل الدارقطني الموضع نفسه.
ابن عبد الله بن أويس
(1)
، وسليمان بن بلال من رواية شيخ من أهل البصرة عنه
(2)
، وابن ثوبان
(3)
. وممن روى الوجهين غير من ذكرهم الإمام أبو داود محمد بن عجلان برواية حاتم بن إسماعيل عنه
(4)
.
وهذا مسلك الإمام أبي زرعة أيضاً في الترجيح بين الروايتين. قال الترمذي: "سمعت أبا زرعة يقول: كلاهما صحيح، واحتج برواية إسماعيل بن أبي أُويس"
(5)
.
وأما الدارقطني فقال بعد ذكر رواية ابن عيننة ومن تابعه: وهو الصواب، وهو مشعر بترجيحه لروايتهم لأن عددهم أكثر.
والترجيح بالكثرة في مثل هذه الصورة ضعيف، لأن الرواية المرجَّحَة جاءت عن جماعة أيضاً، وفيهم أئمة كبار مثل مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وإن كان مجموع عددهم أقل من رواة الوجه الآخر، ويبعد جداً أن يجتموا كلهم على الخطأ. وغاية ما يقال في مثل هذه الصورة هو التوقف أو نسبة شيخهم الذي اختلفوا عليه إلى الاضطراب، فالترجيح بمطلق الكثرة يكون ترجيحاً بلا مرجح.
ثم وجود قرينة خارجة عن رواية كلا الطرفين أقوى من حيث الاعتماد عليها للحكم في مثل هذه الصورة، وهذه القرينة موجودة، وهي رواية من روى
(1)
أخرج حديثه مسلم 1/ 297 ح 41، والترمذي الجامع 5/ 201 ح 2953، والبيهقي السنن الكبرى 2/ 391، والقراءة خلف الإمام ص 42 ح 77، وقال في روايته: عن العلاء، سمعت من أبي ومن أبي السائب جميعاً وكان جليسي أبي هريرة قالا: فذكره.
(2)
لم أقف على رواية سليمان بن بلال إطلاقاً.
(3)
والمقصود رواية الحسن بن الحر عن العلاء، برواية أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان عنه. أخرج هذه الرواية البيهقي القراءة خلف الإمام ص 42 ح 78.
(4)
أخرج روايته البيهقي القراءة خلف الإمام ص 43 ح 79.
(5)
علل الترمذي الكبير 1/ 235.
الحديث على الوجهين.
وهناك قرينة أخرى، وهي وجود أصل لرواية أبي السائب، عن أبي هريرة من غير طريق العلاء، فيتقوى وجه رواية الأقلين؛ فقد رواه الزهري، وصفوان ابن سليم، عنه، عن أبي هريرة. أخرج روايتهما البيهقي
(1)
.
وكذلك إذا روى الراوي الحديث الذي خالف به غيره على الوجهين: مرة بموافقة من خالفه ومرة أخرى بالوجه آخر الذي تفرد به.
ومثال ذلك ما ذكره ابن رجب أن الإمام أحمد وغيره من الأئمة صحح الوجهين الواردين في رواية حديث ميمونة في الفأرة إذا وقعت في السمن
(2)
. فرواه سفيان بن عيننة
(3)
، ومالك
(4)
كلاهما عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن فماتت فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال:"ألقوها وما حولها وكُلوه"، وتابعهما الأوزاعي
(5)
، وعبد الرحمن بن إسحاق المدني
(6)
.
ورواه معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سئل
(1)
القراءة خلف الإمام ص 44 - 45 ح 80، 81، 82.
(2)
شرح علل الترمذي 2/ 839.
(3)
أخرج روايته البخاري 9/ 667 ح 5538، وأبو داود ح 3841، والترمذي 4/ 256 ح 1798، والنسائي السنن 7/ 178 ح 4257، والسنن الكبرى 3/ 87 ح 4584، وأحمد المسند 44/ 379 ح 26796، وابن حبان 4/ 234 ح 1392، وابن الجارود 872، والبيهقي 9/ 353.
(4)
وهو في الموطأ 2/ 971. وأخرجه أيضاً البخاري 1/ 343 ح 235، 236، والنسائي السنن 7/ 178 ح 4258، السنن الكبرى 3/ 87 ح 4585، وأحمد المسند 44/ 422 ح 26847، والبيهقي 9/ 352.
(5)
أخرجه أحمد المسند 44/ 387 ح 26803 وفيها أن ميمونة هي السائلة.
(6)
أخرجه ابن أبي عاصم الآحاد والمثاني 5/ 435 ح 3101.
النبي صلى الله عليه وسلم عن الفأرة تقع في السمن قال: "إذا كان جامداً فألقوه وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه"
(1)
.
فاختلف النقاد في هذا الموضع، فمنهم من حكم بغلط معمر لانفراده بهذا الحديث، ومخالفته من هم أكثر منه عدداً. قال البخاري: هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، والصحيح حديث الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة
(2)
. وقال الترمذي عن رواية معمر: غير محفوظ
(3)
. وقال أبو حاتم: الصحيح حديث الزهري عن عبيد الله
(4)
.
وأما الإمام أحمد فذكر الحافظ ابن رجب أنه صحح الوجهين
(5)
، وكذلك قال محمد بن يحيى الذهلي: الطريقان عندنا محفوظان
(6)
. وإليه يميل موقف الدارقطني
(7)
.
والذي يدل على ذلك أن معمراً روى الحديث بالإسنادين كليهما، فقال عبد الرزاق بعد أن أورد حديث معمر من طريق الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: وقد كان معمر أيضاً يذكره عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة
(8)
. وأخرجه أبو داود
(9)
، والنسائي
(10)
عن عبد الرزاق، عن
(1)
أخرجه عبد الرزاق المصنف 1/ 84 ح 278، وأحمد المسند 13/ 42 ح 7601، 12/ 100 ح 7177، وأبو داود 4/ 181 ح 3842، وابن حبان 4/ 237 ح 1393، وابن الجارود المنتقى ح 871، والبيهقي 9/ 353.
(2)
جامع الترمذي 4/ 256.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
علل ابن أبي حاتم 2/ 12.
(5)
شرح علل الترمذي 2/ 840.
(6)
انظر: التمهيد 9/ 35، وفتح الباري 1/ 344 نقلاً من كتابه "الزهريات".
(7)
علل الدارقطني 7/ 285 - 287.
(8)
مصنف عبد الرزاق 1/ 82 ح 279.
(9)
السنن 4/ 182 ح 3843.
(10)
السنن الكبرى 3/ 88 ح 4586.
عبد الرحمن بن بوذويه
(1)
، أن معمراً ذكره عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة بمثل حديث ابن المسيب، عن الزهري.
ويدل على ذلك أيضاً أن الحديث وجد له أصل عن سعيد بن المسيب، فقد رواه سعيد بن أبي هلال عن الزهري، عن ابن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً
(2)
. قال محمد بن يحيى الذهلي: فقد وجدنا ذكر سعيد بن المسيب في هذا الحديث من غير رواية معمر، فالحديثان محفوظان
(3)
وأما حيث لم تأت رواية تجمع الوجهين فالقول باحتمال أن يكون الحديث عند الراوي المختلف عليه على الوجهين، فحدث به كل مرة على أحدهما احتمال بعيد عن التحقيق، ومدار الأمر عند أئمة هذا الفن كما قال السخاوي على ما يقوى في الظن
(4)
.
(1)
عبد الرحمن بن بُوذُويه، ويقال: ابن عمر بن بوذُويه الصنعاني. قال الأثرم: ذكره أحمد بن حنبل فأني عليه خيراً تهذيب الكمال 17/ 8. وكذلك أثنى عليه الذهلي فقال: كان من متثبتيهم التمهيد 9/ 39. ووثقه الذهبي الكاشف 3156. وقال ابن حجر: مقبول 3842.
(2)
ذكره ابن عبد البر التمهيد 9/ 39 - 40.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
فتح المغيث 1/ 327.
المطلب الثالث: إعلال حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه
.
إذا روى الراوي حديثاً يخالف رأيه فقد جاء عن الإمام أحمد أنه يضعف ذلك الحديث الذي روى، ويرى أن مخالفة رأيه لروايته دليل على عدم صحتها، ووجه ذلك أن المفترض وكذلك المعهود في الراوي أن يعمل بموجب ما بلغه من العلم الذي يرويه، فإذا خالفه صح الاستدلال بتلك المخالفة على عدم صحة نسبة تلك الرواية إليه.
وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله قواعد كلية في باب العلل، ومنها: تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه، وذكر أن الإمام أحمد وأكثر الحفاظ ضعفوا أحاديث كثيرة بمثل هذا الاعتبار
(1)
، وذكر عدة أمثلة على ذلك عن الإمام أحمد وغيره من الحفاظ
(2)
.
ومن الأمثلة على ذلك عن الإمام أحمد عدا التي ذكرها ابن رجب:
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: كان شعبة يتهيّب حديث ابن عمر: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، يعني: يتهيبه للزيادة التي فيها: [والنهار]، لأنه مشهور عن ابن عمر من وجوه:[صلاة الليل]، ليس فيه:[والنهار]، وروى نافع: أن ابن عمر كان لا يرى بأساً أن يصلّي بالنهار أربعاً، وبعضهم قال: عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلّي بالنهار أربعاً، فنخاف فلو كان حفظ ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم:"صلاة النهار مثنى مثنى" لم يكن يرى أن يصلي بالنهار أربعاً، وقد رُوي عن عبد الله بن عمر قوله:"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، والله أعلم"
(3)
.
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 888.
(2)
انظرها المصدر نفسه 2/ 889 - 890.
(3)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 390 رقم 1872.
الشاهد في رواية أبي داود هذه أن الإمام أحمد أبدى وجهاً لكون زيادة ذكر النهار في حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" غير محفوظة، وهذا الوجه هو مخالفة هذه الرواية لرأي ابن عمر، فقد جاء عنه أنه كان يصلي بالنهار أربعاً. رواه عبيد الله العمري، عن نافع عنه "أنه كان يصلي بالنهار أربعاً أربعاً"
(1)
، ورواه عبد الله العمري، عن نافع، عنه "أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، وبالنهار أربعاً، ثم يسلم"
(2)
، ورواه معمر، عن أيوب؛ والثوري، عن عبيد الله، كلاهما عن نافع عن ابن عمر بمثله
(3)
. فلو كان حفظ ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، لم يكن ليصلي أربعاً بالنهار
(4)
.
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة المصنف 2/ 74 ح 6675.
(2)
أخرجه عبد الرزاق المصنف 2/ 501 ح 4226، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر الأوسط 4/ 236 ح 2773، لكن وقع عنده عبيد الله مكان عبد الله، وهو خطأ.
(3)
أخرجه عبد الرزاق الموضع نفسه ح 4227، وأخرجه الطحاوي من طريق الثوري، عن عبيد الله وحده شرح معاني الآثار 1/ 334.
(4)
وقد أبدى الإمام أحمد وجهين آخرين لرد هذه الزيادة:
الأول: ما ذكره عن شعبة، أنه كان يفرق تلك الزيادة، وذلك أن المشهور عن ابن عمر كما رواه أصحابه:"صلاة الليل مثنى مثنى"، هكذا رواه ستة عشر راوياً عن ابن عمر، وهم:
1.
نافع، وحديثه عند البخاري 1/ 561 ح 472، 1/ 562 ح 473،، ومسلم 1/ 516 ح 749145.
2.
سالم، وحديثه عند البخاري 3/ 20 ح 1137، ومسلم الموضع نفسه ح 146.
3.
وعبد الله بن دينار، وحديثه عند البخاري 2/ 477 ح 990 مقروناً بنافع، وابن حبان الإحسان 6/ 183 ح 2426.
4.
وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وحديثه عند مسلم مقرونا بسالم بن عبد الله بن عمر الموضع نفسه ح 147، والنسائي السنن الكبرى 1/ 434 ح 1381.
5.
والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وحديثه عند البخاري 2/ 477 ح 993.
6.
وطاوس بن كيسان، وحديثه عند مسلم الموضع نفسه ح 146.
7.
وعبد الله بن شقيق، وحديثه مسلم 1/ 517 ح 148.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= 8. ومحمد بن سيرين، وحديثه عند أحمد 8/ 480 ح 4878.
9.
وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وحديثه عند ابن خزيمة صحيح ابن حزيمة 2/ 139 ح 1072، وابن حبان الإحسان 6/ 350 ح 2620.
10.
وعبيد الله بن عبد الله بن عمر، وحديثه عند مسلم 1/ 518 ح 156.
11.
وأنس بن سيرين، وحديثه مسلم 1/ 519 ح 157.
12.
وعقبة بن حريث، وحديثه عند مسلم الموضع نفسه ح 159.
13.
وأبو مجلز، وحديثه عند ابن ماجه السنن 1/ 371 ح 1175.
14.
وسعد بن عبيدة، وحديثه عند الطبراني المعجم الأوسط 3/ 363 ح 3409.
15.
ومجاهد، وحديثه عند الطبراني أيضاً المعجم الأوسط 4/ 165 ح 3878.
16.
وعطية العوفي، وحديثه عند أبي أمية الطرسوسي مسند عبد الله بن عمر ص 21 ح 5.
ورواه علي بن عبد الله الأزدي البارقي، عن ابن عمر فذكر هذه الزيادة. أخرج حديثه أبو داود ح 1295 والترمذي 2/ 491 ح 597، والنسائي 3/ 227 ح 1665، وابن ماجه 1/ 419 ح 1322، وابن خزيمة 2/ 214 ح 1210، وابن حبان 6/ 231 ح 2482.
فتفرده عن هذا العدد الكبير من ثقات أصحاب ابن عمر، مما لا يحتمل على أصول الأئمة مثل شعبة، والقطان، وأحمد. وخاصة أن علي البارقي ليس له كثير حديث كما قال ابن عدي، ولذلك لم يوثقه إلا ابن حبان، والعجلي، وقال ابن عدي: هو عندي لا بأس به تهذيب الكمال 21/ 42. وقال الذهبي: ما علمت لأحد في جرحة، فهو صدوق ميزان الاعتدال 5878. وقال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ تقريب التهذيب 4796.
وذكر ابن رجب أن ابن معين أعله، لأن أصحاب ابن عمر رووه من دون ذكر النهار، فلا يقبل تفرد علي الأزدي بما يخالفهم فتح الباري لابن رجب 6/ 192.
وقال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ السنن 3/ 227.
وقال الدارقطني: ذكر النهار فيه وهم تلخيص الحبير 2/ 22.
وصححه البخاري على ما نقله البيهقي بإسناده إليه السنن الكبرى 2/ 487.
والوجه الثاني لرد هذه الزيادة، هو ما ذكره الإمام أحمد: أنه قد روي عن ابن عمر قوله: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". قال ابن حجر: فلعل الأزدي اختلط عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة من يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذا. ا. هـ. فتح الباري 2/ 479.
ومنها: قال أبو داود: "سمعت أحمد سئل عن حديث سمُرة: "من قتل عبده قتلناه"، قال: فُتيا الحسن على غيره. قال أحمد: ولكن يضرب"
(1)
.
وقال عبد الله: "سألت أبي عن الرجل يقتل عبده، يقتله الإمام أم لا؟ فقال: يروى عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل عبده قتلناه". وأخشى أن يكون هذا الحديث لا يثبت. قلت لأبي: فإيش تقول أنت؟ قال: إذا كنت أخشى أن لا يكون يثبت، لا أُثبته، ولا يُقتل حرٌّ بعبد، ولا بذمِّيّ، ويقتل بالمرأة
…
قال أبي: فكان الحسن يقول في حديث سمرة: "من قتل عبده قتلناه" يحدث به عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحدّث به قتادة عنه، ورواه خالد، عن الحسن موقوفاً. وقال قتادة: نسي الحسن هذا الحديث بعد، وكان الحسن لا يفتي به بعدُ"
(2)
.
ورواية الوقف رواها الإمام مالك الموطأ 1/ 119، بلاغاً عن ابن عمر. ووصلها البخاري التاريخ الكبير 1/ 285 تعليقاً من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، والبيهقي السنن الكبرى 2/ 487، وابن عبد البر التمهيد 14/ 247، من طريق عبد الله بن وهب كلاهما عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن ابن عمر به قوله.
وخالفهما داود بن منصور، فرواه عن الليث به مرفوعاً. أخرجه الدارقطني السنن 1/ 417. وداود بن منصور النسائي وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال العقيلي: يخالف في حديثه الضعفاء للعقيلي 2/ 385، تهذيب التهذيب 3/ 203. ولعل هذا من مخالفاته.
وكذلك روى عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر:"صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" قوله غير مرفوع. رواه الطحاوي شرح معاني الآثار 1/ 334، والخطيب تاريخ بغداد 13/ 118، وابن عبد البر 13/ 240. وتابعه مالك، عن نافع. قال ابن عبد البر: لم يروه عن مالك إلا الحنيني، وهو ضعيف كثير الوهم والغلط الموضع نفسه.
وقد جاء عن أحمد في رواية أخرى عن حديث علي البارقي أنه قال فيه: إسناده جيد، ونحن لا نتقيه فتح الباري لابن رجب 6/ 192 ..
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 307 رقم 1468.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه عبد الله 3/ 1227 - 1229 رقم 1683، 1686.
حديث الحسن عن سمرة أخرجه أصحاب السنن
(1)
من طرق عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قتل عبده قتلناه ومن جَدَعَ عبدَه جدعناه". ورواه الإمام أحمد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: ولم يسمعه منه
(2)
.
ولم يُثبت الإمام أحمد هذا الحديث لأن فُتيا الحسن على خلافه. روى
أبو داود
(3)
عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام، عن قتادة، عن الحسن قال:"لا يقاد الحر بالعبد".
ولم يعلّ الإمام أحمد الحديث بعدم سماع الحسن له من سمرة كما رواه في مسنده.
ويعكر على هذا الاستدلال من الإمام أحمد ما ذكره قتادة أن الحسن نسي هذا الحديث فكان يفتي بخلافه، لكن رد البيهقي كلام قتادة هذا فقال:"يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث، لكن رغب عنه لضعفه، وأكثر أهل العلم رغبوا عن رواية الحسن عن سمرة"
(4)
.
وقد قال أحمد أيضاً ـ كما في رواية ابن هانئ: "لا يُقتل الحر بالعبد، وقال: حديث سمرة تركه الحسن"
(5)
.
فتبين أن فتيا الحسن بخلاف ما رواه لم يكن صدور ذلك عنه عن نسيان،
(1)
أبو داود السنن 4/ 652 - 654 ح 4514، 4516، 4517، والترمذي الجامع 4/ 26 ح 1414، والنسائي السنن 8/ 20 ح 4735، السنن الكبرى 4/ 218 ح 6938، 6939، 6940، وابن ماجه السنن 2/ 888 ح 2663.
(2)
المسند 33/ 206 ح 20104.
(3)
السنن 4/ 654 ح 4518.
(4)
السنن الكبرى 8/ 35.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 87 رقم 1549.
بل من أجل ضعف الحديث، وخاصة وقد ظهر أنه لم يسمعه من سمرة.
ومنها: قال أبو زرعة الدمشقي: "حدثنا عبيد الله بن عمر، قال: حدثنا يزيد بن زُريع قال: حدثنا خالد الحذاء، عن أنس بن سيرين قال: كانت أم ولد لآل أنس بن مالك قد استُحيضت، فأمروني أن أسأل ابن عباس فسألته، فقال: "إذا رأت الدّم البحراني أمسكت عن الصلاة". قال أبو زرعة: فسمعت أحمد بن حنبل يحتج بهذه القصة ويرد بها ما رُوي عن أنس بن مالك أن الحيض عشر، كما رواه الجلد بن أيوب، وقال: لو كان هذا عن أنس بن مالك لم يؤمر أنس بن سيرين أن يسأل ابن عباس. قال أبو زرعة: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فحديث معاوية بن قرّة، عن أنس في الحيض صحيح؟ فلم يره صحيحاً، إذ ردّوا المسألة إلى ابن سيرين يسألهم ابن عباس، كذلك قال لي، ولم يدفع لقاء ابن سيرين ابن عباس ومسألته"
(1)
.
ما رُوي عن أنس أن الحيض عشر، رواه جَلد بن أيوب
(2)
، عن معاوية ابن قرّة عن أنس، ورواه الأكابر عن جلد كما قال ابن دقيق العيد
(3)
، منهم
(1)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي 2/ 684 رقم 2093 - 2095. ونقله الدارقطني عن أبي زرعة السنن 1/ 210.
(2)
قال عنه أحمد في رواية عبد الله: ليس يسوى حديثه شيئاً، قال عبد الله: ضعيف الحديث؟ قال: نعم ضعيف العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 391 رقم 775.
وقال ابن المبارك: أهل البصرة يضعفون جلد بن أيوب، ويقولون: ليس بصاحب حديث الضعفاء للعقيلي 1/ 222.
وضعفه غير واحد، وقال أبو حاتم: شيخ أعرابي ضعيف الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به الجرح والتعديل 2/ 548.
وضعفه أبو عاصم النبيل جداً وقال: تساهل أصحابنا في الرواية عنه السنن الكبرى للبيهقي 1/ 323.
(3)
الإمام 3/ 193.
الثوري بلفظ: "أجَل الحيض عشر ثم هي مستحاضة"
(1)
، وكذلك أجلة أهل البصرة: حماد بن زيد
(2)
، ويزيد بن زريع
(3)
، وإسماعيل بن إبراهيم بن علية
(4)
، وعبد السلام ابن حرب
(5)
، وهشام بن حسان، وسعيد
(6)
كلهم عن جلد، عن معاوية بن قرة، عن أنس:"الحائض تنتظر ثلاثة أيام، أو أربعة أيام، أو خمسة إلى عشرة أيام، فإذا جاوزت عشرة أيام فهي مستحاضة، تغتسل وتصلي".
واحتج الإمام أحمد لرد هذا الحديث بأنه لو كان هذا صحيحاً عن أنس لم يأمر أهلُه أنسَ بنَ سيرين أن يسأل ابن عباس عن الاستحاضة.
ومثل هذا الاستدلال سُبق إليه الإمام أحمد، فقد ذكره الشافعي عن ابن علية، قال:"أخبرني ابن علية عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك أنه قال: قرء المرأة أو قرء حيض المرأة ثلاث، أو أربع، حتى انتهى إلى عشر، فقال لي ابن علية: الجلد بن أيوب أعرابي لا يعرف الحديث، وقال لي: قد استحيضت امرأة من آل أنس فسُئِل ابن عباس عنها، فأفتى فيها وأنس حي، فكيف يكون عند أنس ما قلت من علم الحيض ويحتاجون إلى مسألة غيره فيما عنده فيه علم؟ ونحن وأنت لا نثبت حديثاً عن الجلد، ويستدل على غلط من هو أحفظ منه بأقل من هذا"
(7)
.
(1)
أخرجه عبد الرزاق المصنف 1/ 299 ح 1150، والدراقطني 1/ 209، وزاد بعضهم: أدنى الحيض ثلاث.
(2)
السنن الكبرى 1/ 322، وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال 2/ 598.
(3)
الموضعان نفسهما.
(4)
الموضعان نفسهما، وكذلك المعرفة والتاريخ 3/ 46 - 47.
(5)
سنن الدارقطني 1/ 209، والكامل في ضعفاء الرجال الموضع نفسه.
(6)
سنن الدارقطني 1/ 210.
(7)
الأم 1/ 64، ونقله البيهقي السنن الكبرى 1/ 322، وابن دقيق العيد الإمام 3/ 196.
لكن تعقب ابن دقيق العيد هذا الاستدلال بما حاصله أنه لو كان ما رواه الجلد من حديث أنس بن مالك مرفوعاً لقوي هذا الاستدلال بعض القوة، بأنه كيف يسأل غيره وقد سبق علمه بالحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولما كان ما رواه موقوفاً على أنس لا يستقيم هذا الاستدلال حتى يثبت أن أنساً قال ذلك وأفتى به قبل سؤالهم لابن عباس، فيمكن أن يقال حينئذ: كيف سأل وعنده علم؟ وأيضاً ليس هناك ما يدل على أن الذي أرسل يسأل ابن عباس هو أنس
(1)
.
وما ذكره ابن دقيق العيد وارد جداً، لكن قد تقدم من منهج الإمام أحمد وغيره من الأئمة وذكره المعلمي عنهم، حيث قال:"إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقاً حيث وقعت أعلّوه بعلة ليست بقادحة مطلقاً، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذاك المنكر"
(2)
، فكيف والإسناد هنا ليس بظاهر الصحة!
ومنها: "ما ذكره الميموني أن أحمد ذُكر له أن الحوضي روى من طريق الأسود، عن عائشة مرفوعاً: "يقطع الصلاةَ المرأةُ، والحِمارُ، والكلب الأسودُ"، فقال أحمد: غلط الشيخ عندنا، هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: عدلتمونا بالكلب والحِمار؟ "
(3)
.
ولم أقف على رواية الحوضي هذه، وأوضح الحافظ ابن رجب وجه إنكار الإمام أحمد للحديث فقال: يعني: "لو كان هذا عندها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قالت ما قالت"
(4)
.
(1)
انظر: الإمام 2/ 196 - 197.
(2)
مقدمة الفوائد المجموعة ص 11 - 12.
(3)
فتح الباري لابن رجب 2/ 705.
(4)
الموضع نفسه.
ومنها: قال الأثرم: "قلت لأحمد بن حنبل: حديث حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد قال: [سألت خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وأُبي بن كعب ـ فقالوا: "الماء من الماء"، فيه علة تدفعه بها؟ قال: نعم، بما يروى عنهم خلافه. قلت: عن عثمان، وعلي، وأبي بن كعب؟ قال: نعم. وقال أحمد بن حنبل: الذي أرى إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، قيل له: قد كنت تقول غير هذا. فقال: ما أعلمني قلت غير هذا قط. قيل له: قد بلغنا ذلك عنك، قال: الله المُستعان"
(1)
.
حديث زيد بن خالد الجهني أخرجه البخاري
(2)
. وقد ذكر الحافظ ابن حجر عن يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني أنه شاذ
(3)
. والظاهر أنه يعله بمثل العلة التي أعله بها الإمام أحمد. فقد ذكر ابن رجب عنه أنه قال: قد روي عن علي، وعثمان، وأبي بن كعب بأسانيد جياد أنهم أفتوا بخلاف ما في هذا الحديث
(4)
.
وأجاب الحافظ عن هذا الإعلال بأن الحديث ثابت من جهة اتصال إسناده وحفظ رواته، وأنه ليس بفرد، فقد رواه ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار نحو رواية أبي سلمة، وكونهم أفتوا بخلافه لا يقدح في صحته لاحتمال أنه ثبت عنده ناسخه فذهبوا إليه.
وإعلال الإمام أحمد يحمل على إطلاق العلة على النسخ، والله أعلم.
ومن الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بمثل هذا الاستدلال، وهو مما ذكره
(1)
التمهيد 23/ 111، وانظر: فتح الباري 1/ 397.
(2)
صحيح البخاري 1/ 396 ح 292 - مع فتح الباري.
(3)
فتح الباري 1/ 397.
(4)
فتح الباري لابن رجب 1/ 375.
ابن رجب: أن أحاديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين، أنكرها أحمد وقال: ابن عمر أنكر على سعد المسح على الخفين، فكيف يكون عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه رواية؟
(1)
وهذه الرواية لم أقف عليها عن أحمد، لكن تقدم في مطلب الاختلاط
(2)
أن الإمام أحمد أنكر الحديث الذي رواه سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال:"كنّا نمسح ونحن مع نبينا"، أنكره هناك لأنه من رواية شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي عروبة، وكان سماعه منه بآخرة. وفي هذه الرواية ذكر وجهاً آخر لإنكاره للرواية، وهو كونها مخالفة للمعروف عن ابن عمر أنه كان ينكر المسح على الخفين، فدل على أنه لم يكن له فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءت رواية عنه بذلك استدل بهذا على خطئها.
وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان يمسح على الخفين، ويأمر بالمسح على الخفين، ويقول:"أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك"
(3)
وهذا محمول على ما رواه ابن عمر عن عمر قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين"
(4)
، أي فهو من رواية الصحابي عن الصحابي، وذلك أن سعداً احتكم إلى عمر لما أنكر عليه ابن عمر المسح على الخفين، فأخبر عمر بالحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذلك كله.
ومنها ـ وهو مما ذكره الحافظ ابن رجب ـ أن الإمام أحمد ضعف أحاديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين، لأن أبا هريرة كان ينكر المسح على الخفين، فلا تصح له فيه رواية
(5)
.
(1)
شرح علل الترمذي 2/ 889.
(2)
ص 425.
(3)
المعجم الأوسط 7/ 65 ح 6862 من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.
(4)
أخرجه أحمد 1/ 341 ح 216.
(5)
شرح علل الترمذي 2/ 889.
ولم أقف على إنكار الإمام أحمد لهذه الأحاديث.
وقد جاء عن أبي هريرة عدة أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين
(1)
:
منها: حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: قالوا يا رسول الله، ما الطهور على الخفين؟ قال:"للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة"
(2)
. وفي سنده عمر بن عبد الله بن أبي خُثعم. قال عنه البخاري: منكر الحديث ذاهب الحديث
(3)
.
وتابعه معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر الواسطي، وزاد المسح على الخمار، ولم يذكر التوقيت. أخرجه الطبراني
(4)
. قال الدارقطني: معلى بن عبد الرحمن الواسطي كذاب
(5)
. وضعف البخاري هذا الحديث عن أبي هريرة
(6)
.
ومن حديث أبي هريرة في المسح على الخفين ما رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع قال نا جرير عن أيوب عن أبي زرعة بن عمرو قال رأيت جريرا مسح على خفيه، قال: وقال أبو زرعة: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أدخل أحدكم رجله في خفيه وهما طاهرتان فليمسح عليهما ثلاثاً للمسافر ويوماً للمقيم"
(7)
. وجرير في هذا الإسناد هو ابن أيوب البجلي. قال الدارقطني عن أبي نعيم: كان
(1)
ذكرها الدارقطني مع عللها علل الدراقطني 8/ 274 - 276.
(2)
أخرجه مسلم كتاب التمييز ص 208 ح 88، والترمذي العلل الكبير بترتيب القاضي 1/ 171 ح 61، وابن ماجه السنن 1/ 184 ح 555.
(3)
علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.
(4)
المعجم الأوسط 2/ 129 ح 1473.
(5)
علل الدارقطني 8/ 275.
(6)
علل الترمذي الكبير الموضع نفسه.
(7)
مصنف ابن أبي شيبة 1/ 164 ح 1882.
يضع الحديث. وقال الدارقطني عن هذا الحديث: باطل عن أبي هريرة.
ومن حديثه في ذلك أيضاً: ما رواه أبان بن عبد الله عن مولى لأبي هريرة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه:"توضأ ومسح على خفيه"، فقلت: يا رسول الله: رجلاك، لم تغسلهما! قال:"إني أدخلتهما وهما طاهرتان" أخرجه أحمد
(1)
، وابن أبي شيبة
(2)
، والدارمي
(3)
، وأبو يعلى
(4)
. وأبان بن عبد الله البجلي ضعفه الدارقطني
(5)
، ووثقه ابن معين، وقال أحمد: صدوق صالح الحديث
(6)
. لكن اختلف عليه في الحديث، في ذكر المسح على الخفين، وفي الإسناد؛ فرواه النسائي
(7)
من طريقه، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة؛ وراه عنه أيضاً
(8)
هو وابن ماجه
(9)
من طريقه، عن إبراهيم بن جرير، عن جرير بن عبد الله البجلي به، وليس في رواياتهم ذكر المسح على الخفين.
ومنه أيضاً: ما رواه عبد الحكم بن ميسرة عن قيس بن الربيع عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على عمامته ومسح على خفيه"
(10)
. وقيس بن الربيع صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به
(11)
، والراوي عنه عبد الحكم
(1)
المسند 14/ 319 ح 8695.
(2)
مصنف ابن أبي شيبة 1/ 167 ح 1927.
(3)
سنن الدارمي 1/ 173، ولم يذكر المسح على الخفين.
(4)
مسند أبي يعلى 10/ 520 ح 6136، ليس فيه ذكر المسح أيضاً.
(5)
علل الدراقطني 8/ 276.
(6)
تهذيب الكمال 2/ 15.
(7)
السنن 1/ 45 ح 50.
(8)
السنن 1/ 45 ح 51.
(9)
السنن 1/ 129 ح 359.
(10)
المعجم الأوسط 2/ 298 ح 2033.
(11)
تقريب التهذيب 5608.
ابن ميسرة لا يعرف بجرح ولا تعديل كما قال أبو موسى المديني
(1)
.
ومنه ما رواه إسحاق قال: قلت لأبي أسامة أحدثكم عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر عن مكحول عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "امسحوا على الخفين والخمار فإنه حق"، فأقر به أبو أسامة وقال نعم
(2)
. ومكحول لم يلق أبا هريرة، قاله أبو زرعة والدارقطني
(3)
.
وقد ذكر الدارقطني عن الإمام أحمد قال: وكلها باطلة، ولا يصح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح
(4)
.
وأما ما جاء من إنكار أبي هريرة للمسح على الخفين، فمنه ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق عبد الواحد بن زياد قال حدثنا إسماعيل بن سميع
(5)
، قال: حدثني أبو رُزين قال: قال أبو هريرة: "ما أُبالي على ظهر خفي مسحت أو على ظهر خمار"
(6)
.
ومنه ما رواه مسلم
(7)
من طريق شعبة، عن يزيد بن زاذان قال: سمعت أبا زرعة قال: سألت أبا هريرة عن المسح على الخفين قال: فدخل أبو هريرة دار مروان بن الحكم، فبال ثم دعا بماء فتوضأ وخلع خفيه وقال:"ما أَمرنا اللهُ أن نمسح على جلود البقر والغنم".
(1)
ميزان الاعتدال 4757.
(2)
مسند إسحاق بن راهويه 1/ 350 ح 349.
(3)
المراسيل لابن أبي حاتم 793، جامع التحصيل ص 285.
(4)
علل الدراقطني الموضع نفسه.
(5)
الحنفي، وهو صدوق، تكلم فيه لرأي الخوارج 456.
(6)
مصنف ابن أبي شيبة 1/ 170 ح 1952.
(7)
كتاب التمييز ص 209 ح 89.
وقد صحح الإمام مسلم هذين الإسنادين
(1)
.
وأنكر الإمام أحمد الروايات عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين، واستدل لذلك بإنكار أبي هريرة المسح على الخفين، وقد أوضح هذا الاستدلال الإمام مسلم، قال: "الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين
…
ولو كان قد حفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتديّن به، فلما أنكره
…
بان ذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّ مَن أسند ذلك عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهواً أو تعمداً".
فقد اتفق الإمامان أحمد وتلميذه مسلم على الأخذ بهذا المسلك في إعلال الحديث.
وفي هذه الأمثلة ما يكفي لإبراز منهج الإمام أحمد في هذا الموضوع
(2)
.
وسلوك هذا المسلك في إنكار الأحاديث قد لا يخلو من نظر في بعض الأحيان كما سبق وأن رأينا في تعقب ابن دقيق العيد على بعض صوره، وأيضاً قد يكون الراوي حين جاء عنه ما يخالف روايته فعَل ذلك لمعارض راجح بلغه، فترك موجِبَ روايته وعمل أو أفتى بالراجح، أو يكون لناسخٍ بلغه؛ وقد يكون نسي ما روى كما قال قتادة في فُتيا الحسن بخلاف روايته في قتل الحر بالعبد
(3)
.
(1)
الموضع نفسه.
(2)
وقد ذكر الحافظ ابن حجر حديثين آخرين أنكرهما الإمام أحمد أخذا بهذا المسلك، وهما: حديث عائشة: "دعي الصلاة أيام أقرائك"، أنكره لأن المعروف عن عائشة أنها تقول الأقراء الأطهار، لا الحيض.
والثاني: حديثها: "لا نكاح إلا بولي"، أنكره لأنها عملت بخلافه.
(3)
وإن مما يعتري هذا المسلك من الخلل أن يُعارَض الناقد في تحقيق المخالفة بين رواية الراوي =
لكن الصحيح أن هذه الاعتبارات لا تُضعّف اعتماد هذا المسلك، لأن النقاد لما اعتمدوه في نقد المتون لم يكن اعتمادهم عليه اعتماداً كلياً، بل نقدهم عندما يحتجون به لا يخلو مع ذلك من النظر في الأسانيد، بل من ذلك ينطلقون في الغالب لنقد المتون. ففي الأمثلة التي مضت في هذا المطلب، لم يخل إسناد لمتن منتقد بهذه العلة من وجود علة توجب ضعفه، من إرسال، أو سماع من مختلط بعد الاختلاط، أو تفرد ممن لا يحتمل تفرده، وهذا هو الصحيح في منهج أئمة هذا الفن: إن نقدهم للمتون في أغلب الأحيان ينطلق من نقدهم للأسانيد، وقد تقدم قول الشافعي في ذلك حيث قال: "ولا يُستدلّ على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المُخبِر وكذبِه
(1)
، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يُستدلَّ على الصدق والكذب فيه بأن يُحدِّثَ ما لا يجوز أن يكون مثلُه
(2)
، أو ما يُخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالاتٍ بالصدق منه"
(3)
. والعلم عند الله.
ورأيه، ومثال ذلك ترجيح الإمام البخاري لرواية الإرسال في حديث كُريب، عن ابن عباس في حج الصبي الذي تقدم في المطلب الذي قبل هذا، وذلك استدلالاً بالمعروف عن ابن عباس أنه يقول:"أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج"، والرواية تقول في الصبي: ألهذا؟ حج؟ قال: "نعم، ولك أجر"، فرأى أن هذا المعروف عن ابن عباس معارِض لتلك الرواية، فقوي عنده رد ذكر ابن عباس في الإسناد وترجيح الإرسال، إذ لو كانت تلك الرواية عند ابن عباس لما أوجب الحج على الصبي بعد البلوغ وقد أثبت له النبي صلى الله عليه وسلم الحج في صباه. فقد يُعترض عليه بأن المخالفة في هذه الصورة غير محقَّقة، لأن إثبات الحج للصبي قد يكون من باب إثبات الأجر له لا غير، ولا يتضمن إسقاط الوجوب، لأن أداءه للعبادة قبل توجه خطاب الوجوب إليه لا يُسقط الفرض عنه. لكن هذا النوع من الخلل لا يقدح في المسلك نفسه، وإنما الخلل في طريقة استفادة الناظر منه، والله أعلم.
(1)
وهذا إنما يتم بنقد الرجال، وهو مِن نقد الأسانيد.
(2)
وكان هنا تامة ومن أجل ذلك استُغني بمرفوعها، والمعنى: أن يقع مثلُه.
(3)
الرسالة ص 399.
المطلب الرابع: نماذج من نقد الإمام أحمد للمتون لمخالفتها للثابت المعروف
.
ومما يرده الإمام أحمد من الأحاديث ما كان مخالفاً للأحاديث الصحيحة الثابتة، أو أجمعت أئمة العلماء على القول بخلافها، وهي من جملة الأحاديث المنكرة التي يعتبرها الإمام أحمد من الشاذ المطرح
(1)
، وفيما يلي نماذج من تلك الأحاديث ووجه ردها عند الإمام أحمد.
فمنها: ما كان ردّه له بمعنى نفي الثبوت والصحة عنه بسبب مخالفته لحديثٍ أو أكثرَ أصحّ منه، ومن أمثلته:
قول الإمام أحمد في حديث أسماء بنت عُميس: "تسلَّبِي ثلاثاً، ثم اصنعي ما بدا لك"، إنه من الشاذ المطرح
(2)
.
وحديث أسماء بنت عُميس أخرجه أحمد
(3)
، وابن سعد
(4)
، وابن الجعد
(5)
، وابن حبان
(6)
، والطحاوي
(7)
، والطبراني
(8)
، والبيهقي
(9)
من طرق عن محمد ابن طلحة بن مصرِّف، عن الحكم بن عُتيبة، عن عبد الله بن شدّاد، عن أسماء بنت عُميس قالت: لما أُصيب جعفر أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "تسلَّبي
(10)
ثلاثاً ثم
(1)
انظر: شرح علل الترمذي 2/ 624.
(2)
شرح علل الترمذي 2/ 624.
(3)
المسند 45/ 459 ح 27468.
(4)
الطبقات الكبرى 4/ 41، 8/ 282.
(5)
مسند علي بن الجعد 1/ 389 ح 2714.
(6)
الإحسان 7/ 418 ح 3148.
(7)
شرح معاني الآثار 3/ 74 - 75.
(8)
المعجم الكبير 24/ 139 ح 369.
(9)
السنن الكبرى 7/ 438.
(10)
معناه البسي ثوب الحِداد، وهو السِّلاب، والجمع سُلُب. وتسلّبت المرأة إذا لبسته. وقيل هو ثوب أسود تُغطي به المُحِدّ رأسَها النهاية 2/ 387. ووقع في رواية ابن سعد، وابن حبان: تسلمي، وتكلف ابن حبان في تفسيرها، وإنما هو تصحيف نبه عليه الحافظ ابن حجر فتح الباري 9/ 488.
اصنعي ما شِئتِ".
وفي رواية لأحمد
(1)
: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال:"لا تُحدِّي بعد يومك هذا".
ورواه شعبة عن الحكم بن عُتبية، عن عبد الله بن شداد مرسلاً ليس فيه أسماء بنت عميس. أخرجه ابن حزم
(2)
، وذكره الدراقطني
(3)
.
فهذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في الإحداد، منها: حديث أم حبيبة وزينب بنت جحش، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميّت فوق ثلاث ليالٍ، إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشراً" أخرجاه
(4)
. وفي حديث زينب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر.
ومنها: حديث أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُحدّ امرأةٌ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر عشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوبَ عصْبٍ، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيباً إلا إذا طهرت، نُبذةً من قُسْطٍ أو أظفارٍ
(5)
". أخرجاه أيضاً
(6)
. وفي لفظ: "كنا ننهى أن نُحِدّ على ميت فوق ثلاث إلا على
(1)
المسند 45/ 20 ح 27083.
(2)
المحلى 10/ 280.
(3)
علل الدراقطني 5/ق 171.
(4)
صحيح البخاري 9/ 484 ح 5334، 5335، وصحيح مسلم 2/ 1123 ح 1486، 1487.
(5)
قال الإمام النووي: النُّبذة بضم النون القطعة والشيء اليسير، أما القسط فبضم القاف، ويقال فيه: كست بكاف مضمومة بدل القاف، وبتاء بدل الطاء، وهو الأظفار نوعان معروفان من البخور، وليس من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع فيه أثر الدم لا للتطيب، والله أعلم. ا. هـ شرح النووي على صحيح مسلم 10/ 118 - 119.
(6)
صحيح البخاري 9/ 491 ح 5341، صحيح مسلم 2/ 1127 ح 938 (66، 67).
زوج، أربعةَ أشهُرٍ وعشراً
…
".
ومنها: حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "لا تحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميّت فوق ثلاث إلا على زوجها" أخرجه مسلم
(1)
. ومثله عن حفصة أم المؤمنين
(2)
.
فردّ الإمام أحمد هذا الحديث بالشذوذ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه صحح إسناد الحديث
(3)
، ولم أره في شيء من الروايات التي وقفت عليها. وهذا يدل على أن العلة الإسنادية، وهي رواية شعبة للحديث مرسلاً، لم تقدح عنده في صحة الحديث. أما الدارقطني فقال: المرسل أصح.
وقول الدارقطني وجيه، فإن محمد بن طلحة بن مصرف، وإن روى الحديث عنه الأكابر، فقد قال فيه النسائي: ليس بالقوي
(4)
. وكذلك قال البيهقي
(5)
. وقال أبو داود
(6)
، وابن حبان
(7)
: يخطئ. واختلف قول ابن معين فيه: فعنه قال: صالح، وعنه: ضعيف
(8)
.
فمثل هذا إذا خالفه شعبة فالمحفوظ ما قاله شعبة.
وممن ردّ هذا الحديث من أجل المخالفة المذكورة الإمام أبو حاتم الرازي، قال لما سئل عنه: "فسّروه على معنييْن: أحدُهما أن الحديث ليس هو عن أسماء،
(1)
صحيح مسلم 2/ 1127 ح 1491.
(2)
الموضع نفسه ح 1490 (64).
(3)
فتح الباري 9/ 487.
(4)
كتاب الضعفاء والمتروكين ص 234 رقم 541.
(5)
السنن الكبرى 7/ 438.
(6)
سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود 1/ 301 رقم 485.
(7)
الثقات 7/ 388.
(8)
انظر: تهذيب الكمال 25/ 420 - 421.
وغلِط محمد بن طلحة، وانما كانت امرأة سواها، وقال آخرون: هذا قبل أن يَنْزِل العِدَد. قال ابن أبي حاتم: قال أبي: أشبه عندى ـ والله أعلم ـ أن هذه كانت امرأة سِوى أسماءَ، وكانت من جعفر بسبيل قرابة، ولم تكن امرأته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تُحِدُّ امرأةٌ على أحد فوقَ ثلاث الا على زوج"
(1)
.
فكأنه يضيف الوهم إلى راويه حيث ذكر أن الأمر بترك الإحداد موجه إلى أسماء زوج جعفر.
ومن الآثار:
قال ابن هانئ: "سألت أبا عبد الله عن رجل صلّى بقومٍ فتقدّمه بعضُهم فصلّى قُدّامه، قال: من صلّى قُدّام الإمام يعيد الصلاةَ، قلت له: إن هماماً حدّث عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك أنه صلّى بهم في سفينة، وصلّى قومٌ قداّمَه، فلم ير بذلك بأساً. قال أبو عبد الله: ليس يقول هذا غير هماّم. قال أبو عبد الله: أُخبرتُ أن هماّماً رجع عن هذا الحديث بعدُ. ورواه شعبة، عن أنس بن سيرين، والثوري، عن أيوب، عن أنس بن سيرين لم يقولا كما قال هماّم. وقال: أذهب إلى أن من صلّى هذه الصلاة يُعيدها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جُعل الإمامُ ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا"، فكيف يمكن هذا أن يسجد إذا سجد الإمام، والإمامُ خلفَه؟ ليس هذا بشيء يعيدها
(2)
.
لم أقف على رواية همام التي ذكرها الإمام أحمد ولا رواية شعبة، والثوري. وأخرج ابن حزم
(3)
معلقاً، من طريق وكيع ثنا حماد بن زيد ثنا أنس بن سيرين قال:
(1)
علل ابن أبي حاتم 1/ 438 ح 1318.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 1/ 66 رقم 326، ومثله عند عبد لله في مسائل الإمام أحمد بروايته 2/ 375 - 377.
(3)
المحلى 5/ 7.
"خرجتُ مع أنس بن مالك إلى أرضه ببذق سيرين ـ وهي على رأس خمسة فراسخ ـ فصلّى بنا العصر في سفينة، وهي تجري بنا في دجلة قاعدا على بُساطٍ ركعتيْن ثم سلم، ثم صلّى بنا ركعتين ثم سلم". وأخرج مثله ابن أبي شيبة، عن يونس، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك
(1)
. وليس في الروايتين أنهم صلوا قدّام الإمام، كما ذكر الإمام أحمد أن ذلك ليس في روايتي شعبة، والثوري.
وخطّأ الإمام أحمد رواية همام لمخالفتها للحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جُعل الإمامُ ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا" أخرجه البخاري
(2)
، ومسلم
(3)
من حديث أنس بن مالك، وأخرجاه أيضاً من حديث أبي هريرة
(4)
. فكيف يخالف أنس هذا الحديث ويدع قوماً يصلّون أمامه حيث لا يمكنهم الائتمام بالإمام؟.
ومن الآثار أيضاً:
قال ابن هانئ: "قرأت على أبي عبد الله: إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور ابن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن علقمة قال: [أتيت ابن مسعود فيما بين رمضان إلى رمضان، فما رأيته في يوم صائماً إلا يوم عاشوراء]. قال لي أبو عبد الله: وهمٌ من منصور إن شاء الله، جميع من روى عن ابن مسعود أنه لم يكن يصوم يوم عاشوراء"
(5)
.
حديث منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن علقمة رواه النسائي
(6)
.
(1)
مصنف ابن أبي شيبة 2/ 68 ح 6561.
(2)
صحيح البخاري 2/ 173 ح 689، 2/ 584 ح 1113.
(3)
صحيح مسلم 1/ 308 ح 411.
(4)
صحيح البخاري 2/ 216 ح 734، صحيح مسلم 1/ 309 ح 414.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 1/ 135 ح 668.
(6)
السنن الكبرى 2/ 159 ح 2848، ووقع تصحيف في النسخة المطبوعة، فوقع مكان:"إلا يوم عاشوراء"، فقال:"ولا يوم عاشوراء"، وهو خطأ، والصفحة نفسها مليئة بتصحيفات أخرى.
وذكر الإمام أحمد أن هذا وهمٌ من منصور بن عبد الرحمن الغدّاني
(1)
، لأن جميع من روى عن ابن مسعود يقولون إنه لم يكن يصوم يوم عاشوراء. من ذلك ما رواه الشيخان
(2)
، من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال:[دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل يوم عاشوراء فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء. فقال: قد كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تُرك، فإن كنت مفطراً فاطعم].
ولعل هذا مما أشار إليه الإمام أحمد أن منصور يخالف في أحاديث.
ومن الآثار أيضاً:
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين: "لا بأس بشرب الترياق"
(3)
. سمعت أبي يقول: هذا خطأ، كان محمد يكرهه، المعروف عن خالد، عن محمد أنه كرهه، أخطأ فيه وكيع"
(4)
.
خطّأ الإمام أحمد وكيعاً في هذه الرواية لأن المعروف عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين خلاف ما ذكره وكيع، فقد روى ابن علية عن خالد، عن ابن سيرين ـ قال: وذكرته له ـ فقال: "أوليس قد نهي عن كل ذي ناب، فهي ذات أنياب وحمة"
(5)
.
(1)
قال عنه أحمد: صالح، روى عنه شعبة. قال له عبد الله: ثقة؟ قال: حدث عنه شعبة، وإسماعيل، إلا أنه يخالف في أحاديث، وهو ثقة، ليس به بأس. ووثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به الجرح والتعديل 8/ 175.
وقال ابن حجر: صدوق يهم تقريب التهذيب 6953.
(2)
صحيح البخاري 8/ 178 ح 4503، صحيح مسلم 2/ 794 ح 1127 (124).
(3)
الترياق ما يُستعمل لدفع السم من الأدوية والمعاجين، وهو معرب النهاية 1/ 188. وفي القاموس: دواء مركب بزيادة لحوم الأفاعي فيه القاموس المحيط 1124.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 401 رقم 2792.
(5)
مصنف ابن أبي شيبة 5/ 56 ح 23660.
وعن ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال:"أمر ابن عمر بالترياق فسُقي، ولو علم فيه ما فيه ما أمر به"
(1)
.
وعن أبي أسامة، عن هشام، عن محمد "أنه كرهه يعني الترياق"
(2)
.
مخالفة الرواية للإجماع:
ومما أنكره الإمام أحمد لمخالفته للإجماع:
قال الخلال: أخبرنا الميموني أنهم ذاكروا أبا عبد الله أطفال المؤمنين فذكروا له حديث عائشة في قصة ابن الأنصاري وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه، فمسعت أبا عبد الله غير مرّة يقول: هذا حديث! وذكر فيه رجلاً ضعفه: طلحة. وسمعته يقول: وأحد يشكّ أنهم في الجنة، هو يُرجى لأبيه، كيف يُشك فيه؟ إنما اختلفوا في أطفال المشركين"
(3)
.
حديث عائشة الذي ذكر في هذا السؤال هو ما رواه طلحة بن يحيى القرشي، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن أم المؤمنين عائشة قالت: دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جَنازَة صبيٍّ من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طُوبى لهذا، عُصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوءَ ولم يُدركْه. قال:"أوَ غيرَ ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنَّار أهلاً، خلقهم لها وهُم في أصلاب آبائهم" رواه مسلم
(4)
، من حديث وكيع ـ وهذا لفظه ـ وأبو داود
(5)
، والنسائي
(6)
، واللالكائي
(7)
، ثلاثتهم من حديث الثوري،
(1)
المصدر نفسه 5/ 57 ح 23661.
(2)
الموضع نفسه ح 23662.
(3)
المنتخب من العلل للخلال ص 53 رقم 10.
(4)
صحيح مسلم 4/ 2050 ح 2662 (31).
(5)
السنن 5/ 86 ح 4713.
(6)
السنن الكبرى 1/ 633 ح 2074.
(7)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/ 602 رقم 1072.
وابن ماجه
(1)
من حديث وكيع أيضاً، وأحمد
(2)
، والحميدي
(3)
، والطحاوي
(4)
ثلاثتهم من حديث ابن عيينة؛ كلهم عن طلحة بن يحيى بمثله.
وأنكر الإمام أحمد هذا الحديث بقوله: "هذا حديث! "، ومحل الإنكار منه في الحديث ما ذُكر من قول النبي صلى الله عليه وسلم:"أوَ غيرَ ذلك يا عائشة! "، فإن فيه إستدراكاً لما قالته عائشة في الصبي الذي توفي وهو من أولاد الأنصار: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فهذا الاستدراك يقتضي أن أولاد المسلمين ليسوا جميعاً من أهل الجنة، فأنكره الإمام أحمد لمخالفته الإجماع، ويفهم الإجماع من قول الإمام أحمد:"إنما اختلفوا في أولاد المشركين"، فمفهومه أنهم لم يختلفوا في أولاد المسلمين. وقد نقل ابن قُدامة عن أحمد التصريح بذلك، قال:"سئل أبو عبد الله عن أطفال المسلمين فقال: ليس فيه اختلاف أنهم في الجنة"
(5)
.
وهذا الإجماع دلت عليه نصوص، منها ما أشار إليه أحمد: أنه يرجى لأبيه، كيف يشك فيه؟ يشير إلى حديث أبي هريرة:"لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم"
(6)
، وروي في هذا المعنى عن غيره من الصحابة. وذلك أن من كان سبباً في حجب النار عن أبويه أولى بأن يُحجب هو لأنه أصل الرحمة وسببها
(7)
.
وجاء في حديث أبي هريرة من وجه آخر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من
(1)
السنن 1/ 32 ح 82.
(2)
المسند 40/ 160 ح 24132.
(3)
مسند الحميدي 1/ 129 ح 265.
(4)
شرح معاني الآثار 1/ 507.
(5)
المغني 13/ 254.
(6)
أخرجه البخاري 11/ 541 ح 6656، ومسلم 4/ 2028 ح 2632.
(7)
قاله ابن المنير فتح الباري 3/ 244.
مسلميْن يموت لهما ثلاثة من أولادٍ لم يبلغوا الحِنث إلا أدخلهما الله وإياهم بفضل رحمته الجنة". قال: "يُقال لهم: ادخلوا الحنة، قال: فيقولون: حتى يجيء أبوانا"، قال: ثلاث مرات. فيقولون مثل ذلك. قال: فيقال لهم: "ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم". أخرجه النسائي
(1)
، وأحمد
(2)
، والبيهقي
(3)
من طرق عن عوف الأعرابي، عن محمد ابن سيرين، عن أبي هريرة به .. وروى البخاري
(4)
من حديث أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحِنث أدخله وإياهم بفضل رحمته الجنة".
وذكر الميموني في هذا السؤال أن أحمد ضعّف راوي الحديث طلحة، وهو طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي. قال عبد الله:"سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُريد بن أبي بُردة، بُريد يروى أحاديث مناكير، وطلحة يحدث بحديث: "عصفور من عصافير الجنة" "
(5)
.
قال الذهبي عن حديث طلحة هذا: هو مما ينكر من حديثه، لكن أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه
(6)
.
وإنما ينكر عليه صدر الحديث الذي تقدمت الإشارة إلى أنه محل إنكار الإمام أحمد، وهو استدراك النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في قولها، أما آخره فليس بمنكر، لأنه قد تابعه عليه غيره. فروى مسلم
(7)
من طريق جرير بن عبد الحميد الضبي، عن العلاء بن المسيب، عن فضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة
(1)
السنن 4/ 25 ح 1875.
(2)
المسند 16/ 364 ح 10622.
(3)
السنن الكبرى 4/ 68.
(4)
الأدب المفرد ح 151، وهو في صحيح الأدب المفرد برقم 113.
(5)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 11 رقم 1380.
(6)
سير أعلام النبلاء 14/ 462.
(7)
صحيح مسلم 4/ 2050 ح 2662 (30).
أم المؤمنين قالت: توفي صبيٌّ فقلت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً". وأخرجه إسحاق
(1)
، وابن حبان
(2)
من هذا الوجه.
وتابعه أيضاً يحيى بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة بمثله. أخرجه الطيالسي، عن قيس بن الربيع، عن يحيى بن إسحاق
(3)
.
فقد توبع طلحة بن يحيى على آخر الحديث دون قوله في أوله: "أو غير ذلك".
وقد أشار العقيلي إلى هذا التفصيل قال: "آخر الحديث فيه رواية من حديث الناس بأسانيد جياد، وأوله لا يحفظ إلا من هذا الوجه"
(4)
.
ولعل هذا وجه تقديم الإمام مسلم لرواية فضيل بن عمرو التي ليس فيها اللفظة المنكرة مع نزوله فيها على رواية طلحة بن يحيى، على عادته في تأخير الأحاديث المعلّة.
وممن أنكر الحديث من الوجه الذي أنكره الإمام أحمد الحافظ ابن عبد البر؛ قال: "وفي ذلك أيضاً دليل واضح على سقوط حديث طلحة بن يحيى ـ يعني هذا الحديث ـ وهذا حديث ساقط ضعيف، مردود بما ذكرناه من الآثار والإجماع، وطلحة بن يحيى ساقط ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به فلا يعرّج عليه"
(5)
.
(1)
مسند إسحاق بن راهويه 2/ 447 ح 1016.
(2)
الإحسان 1/ 348 ح 138.
(3)
مسند الطيالسي ص 220 ح 1574.
(4)
الضعفاء للعقيلي 2/ 616.
(5)
التمهيد 6/ 350 - 351.
مخالفة الراوية للواقع:
ومما أنكره لمخالفته للواقع:
قال صالح بن أحمد بن حنبل: "وسألته عن حديث رواه نصير بن حمد البرازي، صاحب ابن المبارك، عن عثمان بن زائدة، عن الزبير بن عدي، عن أنس ابن مالك رفعه، قال: [من أقرّ بالخراج وهو قادرٌ على أن لا يُقِرّ به فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً] فقال: ما سمعنا بهذا، هذا حديث منكر، وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان يَكره الدخول في الخراج، وقال: إنما كان الخراج على عهد عمر"
(1)
.
لم أجد حديث أنس هذا، وروى يحيى بن آدم، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان بن سعيد، عن الزبير بن عدي، عن رجل من جُهينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أقرّ بالخراج بعد أن أنقذه الله عز وجل منه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"
(2)
قال ابن رجب: وهذا أشبه، والجهني مجهول
(3)
رجحه لأن عثمان بن زائدة وإن كان ثقة
(4)
إلا أن الثوري أوثق منه، فقوله أشبه بالصواب.
والإمام أحمد أنكره لمخالفته للواقع، وذلك أن الخراج لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان في زمن عمر
(5)
، فكيف يأتي الوعيد على المقرّ به وهو لم يكن بعدُ؟
(1)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه صالح 1/ 280 رقم 222. ونقل ابن أبي حاتم هذا السؤال عن صالح في "علل ابن أبي حاتم" 2/ 441 ح 2830. وذكر ابن رجب عن الميموني أنه كتب إلى أحمد يسأله عن هذا الحديث فأجابه بنحو ما ذكره هنا الاستخراج لأحكام الخراج 7.
(2)
الخراج ليحيى بن آدم القرشي ص 54 ح 150.
(3)
الاستخراج لأحكام الخراج ص 8.
(4)
قال عنه ابن حجر: ثقة زاهد تقريب التهذيب 4499.
(5)
انظر: أحكام أهل الذمة 1/ 107.
وقد جاء عن الإمام أحمد استنكار لبعض الأحاديث للمخالفة والظاهر أن ذلك ليس بمعنى التضعيف لها، أو يكون بمعنى التضعيف ويكون قوله في ذلك متعقَّب.
فمثال الأول:
قال عبد الله: "حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا زرعة يحدّث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يُهلك أمتي هذا الحيُّ من قُريش"، قالوا: فما تأمرُنا يا رسول الله؟ قال: "لو أن الناس اعتزلوهم". قال عبد الله بن أحمد: وقال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني قوله: "اسمعوا وأَطيعوا واصبِروا"
(1)
.
قال المرّوذي: "وقد كنت سمعته يقول: هو حديث رديء، يحتج به المعتزلة في ترك الجمعة"
(2)
.
حديث أبي هريرة أخرجه أيضاً البخاري
(3)
، ومسلم
(4)
كلاهما من طريق شعبة به.
والذي أنكره الإمام أحمد هو قوله: "لو أن الناس اعتزلوهم"، فقد وقع السؤال في موضع آخر على هذه اللفظة كما في "كتاب الورع"
(5)
، فأجاب بما ذكره المرّوذي، وهو راوي "كتاب الورع" عن الإمام أحمد.
(1)
المسند 13/ 381 - 383 ح 8005، ونقله الخلال المنتخب من العلل للخلال ص 163 رقم 84.
(2)
المنتخب من العلل للخلال الموضع نفسه.
(3)
صحيح البخاري 6/ 612 ح 3604.
(4)
صحيح مسلم 4/ 2236 ح 2917.
(5)
كتاب الورع ص 36.
وقد رُوي الحديث عن أبي هريرة من وجوه أخرى بدون هذه الزيادة التي أنكرها الإمام أحمد، وقد ذكر أنه من غرائب حديث شعبة
(1)
.
فأخرجه البخاري من حديث عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي، عن جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: [كنت مع مروان وأبي هريرة فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: "هلاك
(2)
أمتي على يدي غِلَمةٍ من قُريش". فقال مروان: غلمة؟ قال أبو هريرة: لو شيت أن أسمِّيهم، بني فلان، وبني فلان]
(3)
.
وروي من حديث شعبة، وسفيان، وابن أبي زائدة عن سماك، عن مالك ابن ظالم، عن أبي هريرة بمثله
(4)
؛ ومن حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة
(5)
؛ ومن حديث عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة
(6)
.
لكن شعبة روى الحديثين، فذكر حديث مالك بن ظالم بدون الزيادة، وذكرها في حديث أبي التياح، عن أبي زرعة، ولذلك لم يتردد صاحبا الصحيح من إخراج روايته.
وأنكره الإمام أحمد لأن ظاهره مخالف للأحاديث التي وردت بالأمر بعدم الخروج عن طاعة ولي الأمر وإن كان ظالماً، وهي كثيرة ومن أصول أهل السنة،
(1)
فتح الباري 6/ 615.
(2)
قال الحافظ ابن حجر: والمراد أنهم يهلكون الناس بسبب طلبهم الملك والقتال لأجله فتفسد أحوال الناس ويكثر الخبط بتوالي الفتن. ا. هـ. فتح الباري 13/ 10.
(3)
صحيح البخاري 6/ 612 ح 3605.
(4)
أخرجه أحمد 19/ 255 ح 7871 من حديث سفيان، و 19/ 352 ح 7974 من حديث شعبة. وأخرجه إسحاق من حديث ابن أبي زائدة مسند إسحاق 1/ 358 ح 362. وأخرجه ابن حبان 15/ 108 ح 6713، والحاكم المستدرك 4/ 527 كلاهما من طريق شعبة.
(5)
أخرجه ابن حبان 15/ 107 ح 6712.
(6)
أخرجه الحاكم المستدرك 4/ 479.
وقد أساء فهم هذا الحديث طائفة المعتزلة فتركوا حضور الجمعة.
والأقرب أن أمر الإمام أحمد بالضرب على هذا الحديث ليس تضعيفاً له، ولكن للنهي عن التحديث به خوفاً من أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في مخالفات أشدّ. وقد ذُكر عنه أنه كان يكره التحديث بالأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان
(1)
، فالظاهر أن هذا منه، والله أعلم.
ومثال ما استنكره من أجل المخالفة وتعقّب قوله فيه:
قال أبو داود: "سمعت أحمد ذكر حديث صالح بن كيسان، عن الحارث ابن فُضيل الخطمي، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن الحكم، عن عبد الرحمن بن المِسوَر بن مخرمَة، عن أبي رافع، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يكون أمراء يقولون ما لا يفعلون، فمن جاهدهم بيده". قال أحمد: جعفر هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر، والحارث بن فُضيل ليس بمحمود الحديث، وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، ابن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصبروا حتى تلقَوني"
(2)
.
حديث ابن مسعود رواه مسلم
(3)
من طريق صالح بن كيسان بهذا الإسناد، ومتنه: "ما من نبيٍ بعثه اللهُ في أُمّة قبلي إلا كان له من أمتِهِ حَواريُّونَ وأصحابٌ يأخذون بسنّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُفُ من بعدهم خُلوفٌ، يقولون مالا يَفعلون، ويَفعلون ما لا يُؤمَرون، فمن جاهَدَهم بيده فهو مُؤمن، ومن جاهَدَهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهَدَهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراءَ
(1)
فتح الباري 1/ 235.
(2)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية أبي داود ص 418 رقم 1950. ورواه الخلال كما في "السنة" 1/ 142 ح 105 وفي "المنتخب من العلل للخلال" ص 169 - 170.
(3)
صحيح مسلم 1/ 69 ح 50.
ذلك من الإيمان حبّةُ خَردَل". قال أبو رافع فحدثت عبدَ الله بن عمر فأنكره عليّ، فقدِم ابنُ مسعود، فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبدُ الله بن عمر يعوده، فانطلقتُ معه، فلما جلسنا سألت ابنَ مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابنَ عمر. قال صالح وقد تحدث بنحو ذلك عن أبي رافع].
وقد رواه من هذا الوجه أيضاً أحمد
(1)
، وابن مندة
(2)
، والبيهقي
(3)
. ورواه من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن الحارث بن فضيل أبو عوانة
(4)
وابن حبان
(5)
، والطبراني
(6)
وأبو نعيم
(7)
. ورواه أحمد
(8)
من طريق عبد الله بن جعفر المخرمي، عن الحارث بن فضيل به.
ولم ينفرد به الحارث بن فضيل، فقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود، فروى الإمام أحمد
(9)
من طرق عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن عامر بن السِّمط، عن معاوية بن إسحاق، عن عطاء بن يسار، عن ابن مسعود فذكره مختصراً. وهكذا رواه البزار
(10)
أيضاً. ورواه بطوله ابن حبان
(11)
. وصرح عطاء بن يسار في روايته بالسماع من ابن مسعود
(12)
، وخطّأ
(1)
المسند 7/ 378 ح 4379.
(2)
الإيمان 1/ 345 ح 183.
(3)
السنن الكبرى 10/ 90.
(4)
مسند أبي عوانة 1/ 43 ح 98.
(5)
الإحسان 14/ 71 ح 6193.
(6)
المعجم الكبير 10/ 13 ح 9784.
(7)
المستخرج على صحيح مسلم 1/ 137 ح 177.
(8)
المسند 7/ 411 ح 4402.
(9)
المسند 7/ 374 ح 4363.
(10)
مسند البزار 5/ 281 ح 1896.
(11)
الإحسان 1/ 403 ح 177.
(12)
قال ذلك معاذ بن معاذ عن عاصم، وتابعه عبد الواحد بن زياد عند ابن أبي حاتم في المراسيل
ذلك أبو حاتم
(1)
. وقال البخاري: يقال سمع منه
(2)
. وذكر ابن سعد أنه سمع منه
(3)
، ونقل الذهبي مثل ذلك عن أبي داود
(4)
.
واستنكر الإمام أحمد هذا الحديث في هذه الرواية بأنه خلاف الأحاديث التي رواها ابن مسعود والتي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة، ولولا كلامه في الحارث بن فضيل راوي الحديث لقلنا في هذا مثل ما سبق في الذي قبله، أن استنكاره من باب كراهية التحديث بالأحاديث التي ظاهرها الخروج على الوُلاة. لكن لما قال في الحارث بن فُضيل إنه ليس بمحمود الحديث في معرض استنكاره للحديث الذي رواه، دلّ ذلك على طعنه في صحته. والحارث بن فضيل وثقه ابن معين، والنسائي
(5)
، وقال ابن حبان: كان من خيار أهل المدينة
(6)
، ولم يلتفت النقاد المتأخرون إلى قول الإمام أحمد في الحارث فوثقه كلٌ من الذهبي، وابن حجر
(7)
، وقال ابن الصلاح: روى عنه جماعة من الثقات، ولم نجد له ذكراً في كتب الضعفاء
(8)
. ثم أنه لم ينفرد به كما تقدم.
ص 156. وخالفهما أبي النضر هاشم بن القاسم فرواه بالعنعنة، وهي رواية أحمد الموضع نفسه.
ومما يرجح قول أبي النضر ما ذكره الدارقطني أن ابن لهيعة خالف معاوية بن إسحاق، فرواه من وجه آخر عن عطاء، عن أبي واقد، عن ابن مسعود، وقال: ذكر أبي واقد أصح علل الدارقطني 5/ 342. وابن لهيعة ليس ممن يرجح قوله على مثل معاوية بن إسحاق الذي وثقه أحمد والنسائي تهذيب الكمال 28/ 161، والله أعلم.
(1)
المراسيل 572.
(2)
التاريخ الكبير 6/ 461.
(3)
الطبقات الكبرى 5/ 173.
(4)
سير أعلام النبلاء 4/ 449.
(5)
الجرح والتعديل 3/ 86، تهذيب الكمال 5/ 271.
(6)
مشاهير علماء الأمصار 1/ 130.
(7)
الكاشف 869، تقريب التهذيب 1049.
(8)
صيانة صحيح مسلم ص 209.
وتولى ابن رجب الإجابة عن هذا الاستنكار فقال: "التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نص على ذلك أحمد أيضاً في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح
…
وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يُخشى منه أن يقتل الآمر وحده، وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين"
(1)
.
فقد عاد الأمر إلى عدم تحقيق المخالفة لأن الجمع بين ما ظاهره التعارض ممكن، والجمع بين الأحاديث بحيث يحمل كل حديث على المعنى اللائق به فلا تتضارب معانيها منهج ثابت عند الإمام أحمد
(2)
، وقد يكون ما ذكره ابن رجب من تفسيره للتغيير رجوعاً منه عن استنكار الحديث وجمعاً بين الحديثين المتعارضين في الظاهر، والله أعلم.
(1)
جامع العلوم والحكم 2/ 263.
(2)
انظر مسائل صالح 2/ 262 - 267 رقم 871.
الفصل الثاني: الإعلال بالعلل الخفية
المبحث الأول: نماذج من الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات
.
والأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات تأتي على أنواع، بعضها تقع في الإسناد وبعضهما في المتن، وبعضها فيمها معاً، وقد تقدح في صحة الحديث وقد لا تقدح. وقد اعتنى الأئمة النقاد بما فيهم الإمام أحمد بذكر هذه الأخطاء في مصنفاتهم في العلل، وسألهم تلاميذهم عنها في كتب سؤالاتهم فكشفوها، ويُلتمس من خلال ذلك الوسائل التي سلكوها للكشف عن تلك الأخطاء.
ولما كانت الأخطاء التي تقع في أحاديث الثقات مَردُّها إلى الوهم والغلط النادر الذي لا يسلم منه بشر، والأوهام والأخطاء لا حصر لأنواعها، إلا أن العلماء درجوا على تسمية بعض الأوهام والأخطاء بأسماء خاصة يندرج تحت كل جنس جملة كثيرة من الأفراد، فسلكت في هذا المبحث إيراد الأخطاء على أنواع يندرج تحت كل نوع عدد من النماذج كما وردت عن الإمام أحمد.
المطلب الأول: أخطاء الحفاظ في الأسماء
.
وهذا من أنواع الأخطاء الواقعة في الأسانيد، ولأهمية السلامة من الوقوع فيها اعتنى الأئمة النقاد بمعرفة المتشابه من الأسماء والألقاب والكنى، والتمييز بين الأسماء المتفقة لفظاً وخطاً والمفترقة في المسميات. وقد ذكر الإمام أحمد عن هشيم قال: "زعم لي بعضهم قال: كتب الحجاج أن يؤخذ إبراهيم بن يزيد إلى عامله، فلما أتاه الكتابُ قال: فكتب إليه: أن قِبَلَنا إبراهيم بن يزيد التيمي، وإبراهيم بن يزيد النخعي، فأيهما يُنفذ؟ قال: فكتب أن: خُذهما جميعاً. قال هشيم: أما إبراهيم النخعي، فلم يُوجد حتى مات، وأما إبراهيم التيمي فأُخذ
فمات في السجن"
(1)
، فلعدم التمييز بينهما لتشابههما في الأسماء وقع الخلط، فكذلك يقع في أسانيد الأحاديث، وإذا كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً فالذي يترتب على الخلط يكون أشد. مثال ذلك ما ذكره أبو طالب عن الإمام أحمد:"كل شيء روى ابنُ جُريج عن عمر بن عطاء، عن عِكرمة فهو: عمر بن عطاء بن وَزار، وكل شيء روى ابن جُريج عن عمر بن عطاء عن ابن عباس فهو عمر بن عطاء بن أبي الخُوار، كان كبيراً. قيل له: أيروي ابن أبي الخُوار عن عِكرمة؟ قال: لا، من قال: عمر ابن عطاء بن أبي الخُوار، عن عِكرمة فقد أخطأ، إنما روى عن عِكرمة عمر بن عطاء ابن وَزار، ولم يرو ابن أبي الخُوار عن عكرمة شيئاً"
(2)
، وعمر بن عطاء بن وَزار ليس بقوي في الحديث
(3)
، وعمر بن عطاء بن أبي الخوار ثقة
(4)
.
والأخطاء من هذا النوع من أشد أنواع الأخطاء في الأسماء، لأنها تؤدي إلى تصحيح ما هو ضعيف، وأو تضعيف ما صحيح.
ودونها الأخطاء في تسمية الراوي بما ليس اسمه فيؤدي إلى تجهيله، وهذا يقع كثيراً من الثقات، بل حتى من الحفاظ البارزين. وقد قال أحمد: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال
(5)
. وقال أيضاً: كان غلط شعبة في أسماء الرجال
(6)
. وقد قال أبو داود: وشعبة يخطئ فيما لا يضره ولا يُعاب عليه، يعني في الأسماء
(7)
.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 1/ 137 رقم 16.
(2)
تهذيب الكمال 21/ 464.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 317 رقم 5409.
(4)
وثقه ابن معين، وأبو زرعة تهذيب الكمال 24/ 462.
(5)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 245 - 246.
(6)
الجرح والتعديل 4/ 370.
(7)
شرح علل الترمذي 1/ 450.
ومن نماذج الأخطاء التي ذكرها الإمام أحمد لبعض الثقات من هذا النوع:
1.
قال عبد الله: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن حماد، قال: أخبرنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدس أبي مصعب العقيلي، عن عمّه أبي رزين وهو لقيط بن عامر المُنتَفِق أنه قال: يا رسول الله، إن كنا نذبح في رجب ذبائح فنأكل منها، ونطعِم من جاءنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا بأس بذلك". فقال وكيع: فلا أدعُها أبداً. حدثني أبي: قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد، وبَهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدْس، عن عمِّه أبي رُزَيْن العُقيلي قلت: يا رسول الله، كيف نرى ربَّنا، فذكر الحديث. وأظن أبي قال: في كتاب الأشجعي، عن سفيان، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدس. حدثني أبي قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدس، عن عمِّه أبي رُزيْن. حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدس، عن عمّه أبي رُزيْن. قال أبي الصواب ما قال حماد بن سلمة،
وأبو عوانة، وسُفيان قالوا: وكيع بن حُدس، وكان الخطأ عنده ما قال شعبة، وهُشيم. وأظنه قال: هُشيم كان يُتابِع شُعبة"
(1)
.
ففي هذا النص التنصيص على خطأ شعبة في اسم وكيع بن حُدس، حيث يقول فيه: وكيع بن عُدس بالعين المهملة، وإنما هو بالحاء المهملة كما قال ذلك حماد بن سلمة، وأبو عوانة، وسفيان الثوري من كتاب عبيد الله الأشجعي، والمسمى واحد. ومتابعة هشيم لشعبة ليس فيها تقوية لرواية شعبة، لأنه أخذ ذلك عن شعبة كما قال الإمام أحمد. وقال أبو داود: قال أحمد: وهم هُشيم، أخذه عن شعبة
(2)
. و أما الترمذي فرجح قول شعبة
(3)
.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 428 - 429 رقم 5824 - 5827.
(2)
تهذيب الكمال 30/ 485.
(3)
الجامع 4/ 536.
ووكيع بن حُدس لم يوثقه إلا ابن حبان
(1)
. وقال عنه الذهبي: لا يعرف، تفرد عنه يعلى بن عطاء
(2)
. فهو آفة الأحاديث التي وردت في السؤال، وقد أخرجها أحمد
(3)
.
2.
قال ابن هانئ: "سمعت أبا عبد الله يقول: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال، وذكر له حديث عبد ربه عن عمران بن أبي أنس: حديث [الصلاة مثنى مثنى، تشهّدُ في كل ركعتين وتخشعُ وتضرّعُ وتمسكَنُ] فقال هو: أنس بن أبي أنس، وإنما هو الصحيح: عِمران بن أبي أنس"
(4)
.
حديث شعبة أخرجه أبو داود
(5)
، والنسائي
(6)
، وابن ماجه
(7)
، وأحمد
(8)
، وابن خزيمة
(9)
من طرق عنه، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع بن العمياء، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصلاة مثنى مثنى، وتشَّهدُ قي كل ركعتين، وتباءسُ، وتمسكنُ، وتُقنِعُ يديك وتقول: اللهم اللهم، فمن لم يفعل ذلك فهي خِداج".
فذكر أحمد أن شعبة أخطأ في قوله: أنس بن أبي أنس، وأن الصحيح إنما هو عِمران بن أبي أنس؛ هكذا رواه الليث بن سعد، عن عبد ربه بن سعيد، عن
(1)
الثقات 5/ 496.
(2)
ميزان الاعتدال 9355.
(3)
المسند 26/ 118 ح 16202، 16204، 26/ 111 ح 16192، 26/ 116 ح 16198، 26/ 100 ح 16182، 26/ 112 ح 16193.
(4)
مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/ 245 - 246 رقم 2374.
(5)
السنن 2/ 66 ح 1296.
(6)
السنن الكبرى 1/ 212 ح 616.
(7)
السنن 1/ 419 ح 1325.
(8)
المسند 29/ 66 ح 17523 ح 17524 ح 17528 ح 17529.
(9)
صحيح ابن خزيمة 2/ 220 ح 1212.
عمران بن أبي أنس
(1)
.
وقال الفضل بن زياد: "سمعت أبا عبد الله وذكر له أبو جعفر حديث عمران بن أبي أنس، فقال أبو عبد الله: الحديث حديث الليث بن سعد، أنس بن أبي أنس من هذا؟ معروف عمران بن أبي أنس"
(2)
.
وذكر البخاري أن الليث قد توبع
(3)
.
وقال أبو حاتم: "ما يقول الليث أصح، لأنه قد تابع الليث عمرو بن الحارث، وابن لهيعة، وعمرو والليث كانا يكتبان، وشعبة صاحب حفظ"
(4)
.
وقد خولف شعبة في مواضع أخرى في روايته لهذا الحديث غير ما ذكره، لم يذكرها الإمام أحمد، وذكرها البخاري
(5)
، وأبو حاتم
(6)
. والحديث ضعفه البخاري
(7)
، وحسنه أبو حاتم
(8)
، والقول ما قال البخاري.
وفي هذا إشارة إلى ما سبق ذكره من أنه يترتب على خطأ الرواة في الأسماء تجهيل رواة معروفين، وذلك حيث قال الإمام أحمد:"أنس بن أبي أنس! من هذا؟ معروف عمران بن أبي أنس". فكأنه يشير إلى أن رواية شعبة جاءت براوٍ مجهول بينما الراوي في واقع الأمر شخص آخر معروف.
(1)
أخرجه الترمذي 2/ 225 ح 385، والنسائي السنن الكبرى 1/ 212 ح 615، وأحمد 3/ 315 ح 1799.
(2)
المعرفة والتاريخ 2/ 202.
(3)
التاريخ الكبير 3/ 283.
(4)
علل ابن أبي حاتم 1/ 132.
(5)
جامع الترمذي 2/ 226.
(6)
الموضع السابق.
(7)
قال في التاريخ الكبير 5/ 213 في عبد الله بن نافع بن العمياء: لم يصح حديثه. وقال عنه ابن المديني: مجهول تهذيب الكمال 16/ 207.
(8)
علل ابن أبي حاتم الموضع نفسه.
3.
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: كذا قال عندر، وأظن شعبة أخطأ في اسمه، في حديث شعبة، عن محمد بن إسحاق، عن عمر بن عاصم بن قتادة، عن محمود، عن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أسفِروا بالصُّبح"، قال أبي: وإنما هو عاصم ابن عمر بن قتادة"
(1)
.
روى حديث شعبة الحجاج بن المنهال
(2)
، وأبو داود الطيالسي
(3)
، وعمر ابن حفص الحوضي
(4)
، وبقية بن الوليد
(5)
كلهم عن شعبة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج على الصواب في تسمية شيخ ابن إسحاق.
وكذلك رواه غير واحد عن ابن إسحاق، منهم: عبدة بن سليمان
(6)
، ويعلى بن عبيد
(7)
، وزائدة بن قدامة
(8)
، ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد
(9)
، فكلهم قالوا في اسم شيخ محمد بن إسحاق: عاصم بن عمر بن قتادة.
ولم أقف على من تابع غندر عن شعبة في قوله: عمر بن عاصم بن قتادة، فالظاهر أن الخطأ منه لا من شعبة كما ظن الإمام أحمد، بدليل من ذكره عن شعبة على الصواب، وهم عدد.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 160 رقم 1867.
(2)
حديثه عند الدارمي 1/ 277.
(3)
وهو في مسنده 129 ح 959.
(4)
حديثه في المعجم الكبير 4/ 250 ح 4286.
(5)
وحديثه في الآحاد والمثاني 4/ 120 ح 2091.
(6)
جامع الترمذي 1/ 289 ح 154.
(7)
عند عبد بن حميد في مسنده ص 158 ح 422.
(8)
المعجم الكبير 4/ 254 ح 4288.
(9)
كلاهما عند ابن حبان الإحسان 4/ 357 ح 1490.
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، عن مالك بن أنس، عن عبيد الله بن أبي بكر الثقفي عن أنس: "غدونا مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم، فكان يُهلّ المُهِلُ ويُكبّر المُكبّر فلا يَعيب أحدُهما على صاحبِه". حدثني أبي قال: حدثنا ابن مهدي، عن مالك، عن محمد بن أبي بكر الثقفي، قال أبي: وهذا أخطأ فيه وكيع، إنما هو محمد بن أبي بكر الثقفي"
(1)
.
حديث مالك رواه عدد كثير من الرواة عنه، عن محمد بن أبي بكر الثقفي
(2)
، أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من مِنىً إلى عرفة:"كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان يُهِلّ منا المُهِلّ فلا يُنكر عليه، ويُكبّر منا المُكبّر فلا يُنكر عليه" فرواه عبد الرحمن بن مهدي كما ذكره أحمد
(3)
، ويحيى بن يحيى الليثي
(4)
، وأبو مصعب الزهري
(5)
، وأبو نعيم
(6)
، وعبد الله بن يوسف التنيسي
(7)
، ويحيى بن يحيى النيسابوري
(8)
، وأبو سلمة الخزاعي
(9)
. وتابعهم موسى بن عقبة
(10)
، وعبد العزيز الماجشون
(11)
، فروياه عن محمد بن أبي بكر الثقفي به.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 403 رقم 4803.
(2)
هو محمد بن أبي بكر بن عوف بن رباح الثقفي. وثقه النسائي، والعجلي تهذيب التهذيب 9/ 80.
(3)
وهو في مسنده 19/ 125 ح 12069.
(4)
في الموطأ بروايته 1/ 337.
(5)
وهو في الموطأ بروايته 1/ 431 ح 1049.
(6)
وهو عند البخاري 2/ 461 ح 970، والنسائي السنن 5/ 250 ح 2999.
(7)
حديثه عند البخاري 3/ 510 ح 1659.
(8)
وحديثه عند مسلم 2/ 933 ح 1285 (274)، والبيهقي السنن الكبرى 3/ 313.
(9)
وحديثه عند أحمد ح 13521.
(10)
أخرج حديثه مسلم 2/ 934 ح 275، والنسائي السنن 5/ 251 ح 3000، والحميدي المسند 2/ 509 ح 1211.
(11)
أخرج حديثه أحمد المسند 19/ 477 ح 12493، وعلي بن الجعد مسنده ص 425 ح 2907.
ورواه وكيع عن مالك فقال: عن عبيد الله بن أبي بكر الثقفي، فذكر الإمام أحمد أنه وهم في ذلك. قال عبد الله في موضع آخر
(1)
: "سمعت أبي يقول: وكيعٌ يهِم في أحاديث عن مالك بن أنس منها: حديث محمد بن أبي بكر الثقفي: غدونا مع أنس، لم يقل وكيع محمد بن أبي بكر الثقفي، قال شيئاً غير محمد، خالفه ابن مهدي".
وقال الباجي: وهو وهم من وكيع، والصواب ما قال جميع الرواة عن مالك: محمد بن أبي بكر الثقفي. ا. هـ
(2)
.
5.
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال حدثنا أبو الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص، وقال الثوري: عمرو بن عامر أبو الزعراء، أخطأ، هو عمرو بن عمرو كما قال ابن عيينة"
(3)
.
وهذا خلاف في اسم أبي الزعراء الصغير، وقد تابع ابن عيينة على قوله: عمرو بن عمرو أبو العميس عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، فقال: عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو
(4)
. وقال البخاري أيضاً: عمرو بن عمرو أصح
(5)
وعكس يحيى بن معين فرجح عمرو بن عامر
(6)
.
فالحكم على الثوري بالخطأ إنما هو على قول الإمام أحمد لثبوب الخلاف في اسم هذا الراوي.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 265 رقم 5172.
(2)
التعديل والتجريح 2/ 691.
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 145 رقم 4637.
(4)
كتاب الأسامي والكنى للإمام أحمد ص 89 رقم 255. وانظر الراوية عند ابن أبي شيبة المصنف 3/ 160 ح 13050.
(5)
التاريخ الأوسط 2/ 9.
(6)
التاريخ ـ برواية الدوري 3/ 351 رقم 1695.
وقد يترتب على الخطأ في التسمية ظن من ليس بصحابي صحابياً. مثال ذلك:
قال الإمام أحمد: "حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سُليمان ـ يعني التيمي ـ عن أبي عثمان ـ يعني النهدي ـ عن قبيصة بن مُخارق قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضْمةٍ من جبَلٍ فعلا أعلاها ثم نادى أو قال: "يا آل عبد منافاه، إني نذيرٌ، إن مَثلي ومَثَلَكم كمَثَلِ رجلٍ رأى العدُوَّ فانطلق يَرْبَأُ أهلَه يُنادي" أو قال:"يهتِف: يا صباحاه". قال عبد الله: قال أبي: قال ابن أبي عدي في هذا الحديث: عن قبيصة بن مُخارق أو وهب بن عمرو، وهو خطأ، إنما هو زهير بن عمرو، فلما أخطأ تركت وهب بن عمرو"
(1)
.
هذا الحديث رواه محمد بن أبي عدي عن قبيصة بن مخارق أو وهب بن عمرو كما قال الإمام أحمد. وأخطأ فيه، وذلك أن الحديث رواه غير واحد عن سليمان ابن طرخان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة بن مُخارق وزهير بن عمرو به. منهم يحيى القطان
(2)
، وإسماعيل بن علية
(3)
، ويزيد بن زريع
(4)
، ومعتمر ابن سليمان
(5)
، وعبيد الله بن معاذ
(6)
وغيرهم.
ورواية ابن أبي عدي هذه لو ثبتت تقتضي ثبوت الصحبة لوهب بن عمرو، فيظن من ليس بصحابي صحابياً، ولجسامة هذا الخطأ ترك الإمام أحمد ذكره في السند، فهو من باب سكوته على موضع العلة على ما عُرف منه في غير ما موضع
(7)
.
(1)
المسند 25/ 256 ح 15915.
(2)
وحديثه عند أحمد المسند 34/ 209 ح 20605، والنسائي الكبرى 6/ 244 ح 10817.
(3)
وحديثه عند أحمد المسند 34/ 210 ح 20606.
(4)
وحديثه عند مسلم 1/ 193 ح 207.
(5)
وحديثه عند مسلم الموضع نفسه، والطبري جامع البيان 19/ 120.
(6)
كتاب الإيمان لابن مندة 2/ 886 ح 995.
(7)
انظر مثل ذلك: المسند 38/ 124 ح 23017.
وهناك نوع من الخطأ في التسمية يعود في حقيقته إلىنوع من القلب، لأنه يؤدي إلى إبدال من يعرف بالرواية بغيره، فيستلزم في بعض صوره وصل ما هو مرسل أو العكس، ومثال الصورة الأولى ـ هو ما يستلزم الاتصال فيما هو مرسل في الحقيقة:
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا قُريش بن حيّان العجلي، عن أبي واصل، قال: لقيت أبا أيوب الأنصاري، ولم يقُل وكيع مرة: الأنصاري. قال أبي: أخطأ فيه وكيع، وإنما هو أبو أيوب العتكي الذي حدث عنه قتادة"
(1)
.
وذكر الإمام أحمد رواية وكيع في المسند
(2)
"قال: حدثنا وكيع، حدثنا قُريش ابن حيّان، عن أبي واصل قال: لقيت أبا أيوب الأنصاري فصافحني فرأى في أظفاري طولاً فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَسأل أحدُكم عن خبر السماء وهو يدَع أظفارَه كأظافير الطَّير يجتمع فيها الجنابة والخبثُ والتَّفَث". ولم يقل وكيع مرة: الأنصاري. قال غيره: أبو أيوب العتكي. قال أبو عبد الرحمن: قال أبي: يسبقه لسانُه ـ يعني وكيعاً ـ فقال: لقيت أبا أيوب الأنصاري، وإنما هو أبو أيوب العتكي".
رواه أبو داود الطيالسي، حدثنا قريش بن حيان، عن واصل بن سليم قال: أتيت أبا أيوب الأزدي فذكره
(3)
.
وقوله: واصل بن سليم خطأ نبه عليه أبو حاتم، قال: إنما هو سليمان بن فروخ
(4)
.
ورواه أبو الوليد الطيالسي حدثنا قريش، حدثني سليمان بن فروخ لقيت أبا أيوب
(5)
، فلم ينسبه.
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 281 ح 2259.
(2)
المسند 38/ 522 ح 23542.
(3)
مسند الطيالسي ص 81 ح 596.
(4)
علل ابن أبي حاتم 2/ 288 ح 2369.
(5)
أخرجه البخاري التاريخ الكبير 4/ 128 - 129، والبيهقي السنن الكبرى 1/ 175.
ورواه عبد الرحمن بن المبارك
(1)
فقال: أبو أيوب الأنصاري
(2)
.
وذكر الإمام أحمد أن ما قاله وكيع خطأ، سبقه لسانُه، فنسب أبا أيوب في الإسناد بالأنصاري، وإنما هو العتكي الذي حدث عنه قتادة، وأبو أيوب العَتكي هو الأزدي الذي ورد مصرحاً في رواية أبي داود الطيالسي. قال أحمد:"أبو أيوب صاحب قتادة من العَتيك، اسمه يحيى"
(3)
. وقال أيضاً: "واسم أبي أيوب صاحب قتادة: يحيى بن مالك المراغي من الأزد"
(4)
.
وهذا الخطأ جعل الحديث برواية وكيع متصلاً بينما هو مرسل، لأن أبا أيوب الأزدي تابعي، ومن أجله أدخله من أدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري منهم محمد بن سلام كما ذكره البخاري
(5)
، ويونس بن حبيب
(6)
.
وقد وافق الإمام أحمد على هذا الإمام أبو حاتم الرازي فإنه سئل عن هذا الحديث برواية أبي داود الطيالسي فقال: "هذا خطأ، ليس هو واصل بن سليم، إنما هو أبو واصل سليمان بن فروخ، عن أبي أيوب، وليس هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، هو أبو أيوب يحيى بن مالك العتكي من التابعين. قال ابن أبي حاتم: ولم يفهم يونس ابن حبيب أن أبا أيوب الأزدي هو العتكي فأدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري"
(7)
.
(1)
هو الطفاوي. وثقه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما تهذيب التهذيب 6/ 264.
(2)
أخرجه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال 3/ 1162.
(3)
كتاب الأسامي والكنى ص 76 رقم 202.
(4)
المصدر نفسه ص 83 رقم 230. وانظر ترجمته في موضح أوهام الجمع والتفريق 2/ 461، وتهذيب الكمال 33/ 60.
(5)
التاريخ الكبير 4/ 128.
(6)
في مسند أبي داود الطيالسي.
(7)
علل ابن أبي حاتم 2/ 288 ح 2369.
وكل هذه الأخطاء وما شابهها ناشئة عن الوهم الذي لا يسلم منه بشر، وغالباً ما يكون ذلك ممن يَعتمد على حفظه، ولا يرجع إلى الكتاب، وقد قال أحمد:"كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئاً قليلاً، ربما وهم في الشي"
(1)
، ولذلك قدّم القطان الثوري على شعبة عند الاختلاف. قال القطان:"سفيان أقل خطأ، لأنه يرجع إلى كتاب"
(2)
. وقال أحمد: "سفيان أحفظ للإسناد وأسماء الرجال من شعبة"
(3)
.
وقد يكون منشأ الخطأ التصحيف كما وقع لمعاذ بن معاذ:
قال عبد الله: "سمعت أبي يقول: أخطأ معاذ بن معاذ في حديث عكرمة ابن عمّار، عن ضمضم بن جَوس الهِزّاني، كذا قال معاذ، قال أبي: أخطأ معاذ، إنما هو الهِفّاني"
(4)
.
يشير الإمام أحمد إلى رواية معاذ بن معاذ العنبري قال: "حدثنا عكرمة ابن عمّار، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال: [صلّى بنا عمر صلاةَ المغرِب فلم يقرأ في الركعة الأُولى شيئاً، فلما كان في الثانية قرأ بفاتحة القرآن وسورةً، ثم عاد فقرأ بفاتحة القرآن وسورة، ثم صلى حتى فرغ ثم سجد سجدتين ثم سلم] ". أخرجه ابن سعد
(5)
. ولم يذكر نسبة ضمضم.
والخطأ في هذه النسبة ناشئ من التصحيف، فإن الهِفاني يسهل تصحيفه بالهِزّاني.
(1)
تاريخ بغداد 9/ 259.
(2)
شرح علل الترمذي 1/ 453.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 224 رقم 2081.
(5)
الطبقات الكبرى 5/ 66.
وقد يكون منشأ الخطأ الأخذ عن راوٍ ضعيف مثل ما وقع لابن جريج.
قال عبد الله: "قال أبي في حديث حمنَة بنت جحش قال ابن جريج: حُدِّثت عن ابن عقيل محمد بن عبد الله بن عقيل، وهو خطأ، وقال: إنما هو عبد الله بن محمد ابن عقيل، وقال: عن حبيبة بنت جحش، خالف الناس"
(1)
.
وقال عبد الله في موضع آخر: "قال أبي: ابن جريج يرويه ـ يعني حديث حمنة ـ يقول: حُدِّثتُ عن ابن عقيل، لم يسمعه، ويقول: عن محمد بن عبد الله بن عقيل قلَّب اسمَه قال: يقولون: وافقه النُّعمان بن راشِدٍ، قال: ابن جريج يَروي عن النُّعمان بنِ راشِدٍ وما أُراه إلا سمعه منه، والنُّعمان بن راشِدٍ ليس بقويٍّ في الحديث تَعرِف فيه الضَّعفَ"
(2)
.
فجعل الإمام سبب خطأ ابن جريج في اسم ابن عقيل احتمال كونه سمعه من النعمان بن راشد أحد الضعفاء، فإنه رواه وأخطأ في التسمية
(3)
، وكان ابن جريج يروي عنه، وكان معروفاً بالتدليس، فكأنه أخذه عنه ثم أبهمه في الإسناد، فتبعه على الخطأ.
ولم أقف على هذه الرواية التي أشار الإمام أحمد إلى أن ابن جريج أخطأ في اسم ابن عقيل في حديث ابنة جحش، بل الذي وقفت عليه أنه سماه عبد الله بن محمد بن عقيل على الصواب، وذلك في رواية عبد الرزاق
(4)
عنه، ومن طريقه ابن ماجه
(5)
،
(1)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 51 رقم 4120.
(2)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 3/ 286 رقم 5271.
(3)
ولم أقف على روايته بعد بحث طويل.
(4)
المصنف 1/ 306 ح 1174.
(5)
سنن ابن ماجه 1/ 203 ح 622، رواه عن محمد بن يحيى الذهلي عنه، وأخذه الذهلي عن عبد الرزاق إملاء من كتابه.
وابن أبي عاصم
(1)
، وابن المنذر
(2)
؛ وقد أشار الإمام البخاري
(3)
إلى أن في رواية غير عبد الرزاق يقول ابن جريج: حُدثت، فلعلها هي التي أشار إليها الإمام أحمد.
وقال سائر الرواة ممن شارك ابن جريج في رواية الحديث عن ابن عقيل؛ وهم زهير بن محمد المروزي
(4)
، وعبيد الله بن عمرو الرقي
(5)
، وشريك بن عبد الله النخعي
(6)
، وعمر بن ثابت
(7)
، وإبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي
(8)
كلهم رووا الحديث عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش قالت: [كنت أستحاض حيضة كثير شديد فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختى زينب بنت جحش
…
] فذكرت الحديث بطوله.
وإنما خالف ابن جريج حسب الراويات التي أشرت إليها في موضعين:
الأول: قال بدل عمران بن طلحة: عمر بن طلحة
(9)
.
(1)
الآحاد والمثاني 6/ 12 ح 3189.
(2)
الأوسط 2/ 222 ح 810.
(3)
التاريخ الكبير 1/ 316.
(4)
أخرج الحديث من طريقه أبو داود السنن 1/ 199 ح 287، والترمذي 1/ 221 ح 128، وأحمد المسند 45/ 467 ح 27472، وإسحاق مسنده 1/ 82، والطبراني 24/ 218 ح 553، والدارقطني 1/ 214، والحاكم المستدرك 1/ 172، والبيهقي 1/ 338.
(5)
أخرج روايته الدارقطني 1/ 215، والحاكم المستدرك 1/ 172، والبيهقي السنن الكبرى 1/ 338.
(6)
أخرج روايته أحمد المسند 45/ 121 ح 27144، 45/ 465 ح 27475، وابن أبي شيبة المصنف 1/ 120 ح 1364، والبخاري الأدب المفرد ح 797، وابن ماجه 1/ 205 ح 627، وابن أبي عاصم الآحاد والمثاني 6/ 14 ح 3190، والطبراني 24/ 218 ح 552، والدارقطني 1/ 214.
(7)
ذكر أبو داود روايته تعليقاً الموضع السابق، وأخرجها الدارقطني 1/ 215.
(8)
أخرج روايته الدارقطني من طريق الشافعي عنه 1/ 215.
(9)
في رواية عبد الرزاق تصرف المحقق فذكر عمران بن طلحة مع أنه مخالف لما في الأصل كما ذكر، وقد نص البخاري، والترمذي على أن ابن جريج يقول في هذا الحديث: عمر بن طلحة انظر: التاريخ الكبير 1/ 316، جامع الترمذي 1/ 222.
الثاني: قال بدل حمنة بنت جحش: أم حبيبة بنت جحش. وقد ذكر غير واحد أنها حمنة تكنى أم حبيبة فلا خلاف بينهما على ذلك
(1)
.
(1)
انظر: السنن الكبرى 1/ 338.
المطلب الثاني: أخطاء الثقات في الألفاظ
.
وهذا النوع من الأخطاء الواقعة في المتون، وهو أيضاً مما لا يسلم منه بشر، فقد جاء عن رواة ثقات أخطاء من هذا النوع ولكن لم يقع الحمل عليهم بسببها لقلة ورودها عنهم، بل اجتنب النقاد تلك الأخطاء ولم يزحزحوهم عن منزلتهم في العلم والثقة.
وقد ذكر الأثرم أن ابن المديني كان يحمل على عمرو بن يحيى وذكر له هذا الحديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمار"، وقال: إنما هو على بعير، فقال أحمد: هذا سهل
(1)
.
وحديث عمرو بن يحيى المازني رواه مالك وغيره، عنه، عن سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عمر أنه قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو موجّه إلى خيبر"
(2)
.
ورواه أبو بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير
(3)
.
(1)
شرح علل الترمذي 1/ 437.
(2)
أخرجه مسلم 1/ 487 ح 700، وأبو داود ح 1226، والنسائي 2/ 60 ح 749، السنن الكبرى 1/ 268 ح 819، وأحمد 8/ 114 ح 4520 من طريق مالك، وهو في الموطأ 1/ 150.
وأخرجه عبد الرزاق 2/ 575 ح 4519، وأحمد 9/ 115 ح 5099، وابن أبي شيبة 2/ 236 ح 8506 من طريق سفيان الثوري.
وأخرجه أحمد 9/ 327 ح 5451 من حديث حماد بن سلمة، ومن حديث زائدة بن قدامة 10/ 273 ح 6120، وأخرجه من هذا الطريق الطبراني أيضاً المعجم الكبير 12/ 334 ح 13274.
وأخرجه أبو يعلى المسند 10/ 35 ح 5664 من حديث وُهيب بن خالد.
(3)
أخرج مالك الموطأ 1/ 124، والبخاري 2/ 488 ح 999، ومسلم 1/ 487 ح 700.
قال النسائي: "لم يتابع عمرو بن يحيى على قوله: يصلي على حمارٍ، إنما يقولون: صلى على راحلته"
(1)
، وكذلك قال ابن عبد البر
(2)
.
فمثل هذا سهل كما قال أحمد. وقال الدارقطني: مثل هذا في الصحابة
(3)
.
ومن أخطاء الرواة الثقات في الألفاظ ما تقدم عن يحيى القطان أنه قال في حديث أنس في طلب بني سلمة التحول من ديارهم: "فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعرى المسجد"، وقال غيره:"فكره أن تُعرى المدينة"، وهو الصواب، ورواية يحيى القطان خطأ نبه عليه الإمام أحمد، وكان قد روى الحديث من طريق يحيى ثم أمر بأن يضرب عليه
(4)
.
ومنها:
قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا غُندر قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل معنا الترابَ ولقد وَارى الترابُ بياضَ بَطنِه". وقال عفان: إِبْطِه، وهو خطأ أخطأ فيه إنما هو: بياض بطنه"
(5)
.
وحديث البراء أخرجه البخاري
(6)
، ومسلم
(7)
، والنسائي
(8)
، وأحمد
(9)
،
(1)
السنن الكبرى 1/ 269.
(2)
التمهيد 20/ 132.
(3)
شرح علل الترمذي 1/ 436.
(4)
تقدم في ص 395.
(5)
العلل ومعرفة الرجال ـ برواية عبد الله 2/ 179 رقم 1929.
(6)
صحيح البخاري 6/ 46 ح 2836 من طريق حفص بن عمر الحوضي، و 7/ 399 ح 4104 من طريق مسلم بن إبراهيم، و 12/ 222 ح 7236 عن عبدان عن أبيه كلهم عن شعبة.
(7)
صحيح مسلم 3/ 1430 ح 1803 من طريق غندر ومن طريق ابن مهدي.
(8)
السنن الكبرى 5/ 269 ح 8857 من طريق أمية.
(9)
المسند 30/ 537 ح 18570 من طريق غندر.
وأبو داود الطيالسي
(1)
، وأبو عوانة
(2)
، وابن حبان
(3)
كلهم من طرق عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء به. وكلهم قالوا: وارى التراب بياض بطنه.
وحديث عفان أخرجه أحمد
(4)
، عنه، عن شعبة به، ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معنا التراب يوم الأحزاب ويقول: فذكر رجز ابن رواحة. فلم يذكر الإمام أحمد موضع ما واراه التراب من جسده صلى الله عليه وسلم. فكأنه ترك ذكره لثبوت خطئه عنده على ما هو معهود من منهجه
(5)
.
ومن هذه الأخطاء ما يرجع إلى الخطأ بسبب الرواية بالمعنى، وقد سبق بعض الأمثلة على ذلك في مطلب سوء الحفظ المقيد برواية الراوي إذا روى بالمعنى، ومنها: حديث صفوان بن سليم في نقل قول اليهودي، فقال يحيى القطان في روايته: نشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أحمد: خالف يحيى بن سعيد غيرُ واحدٍ، قالوا: نشهد أنك نبي. قال أبي: لو قالوا: نشهد أنك رسول الله كانا قد أسلما، ولكن يحيى أخطأ فيه خطأً قبيحاً
(6)
.
ومنها: قول محمد بن عبيد في حديث عمران بن حصين: "وخلق الذكر". قال أبو القاسم: هذا الحرف كان محمد بن عُبيد يخطئ فيه وينهاه أحمد بن حنبل أن يحدّث به، والصواب ما روى أبو بكر بن عياش وغيره:"وكتب الذكر" اهـ
(7)
.
(1)
مسند الطيالسي ص 97 ح 712.
(2)
مسند أبي عوانة 4/ 347 ح 6922 من طريق سعيد بن الربيع.
(3)
من طريق أبي الوليد الطيالسي الإحسان 10/ 397 ح 4535.
(4)
المسند 30/ 475 ح 18513.
(5)
وقد جاء في رواية الدارمي سنن الدارمي 2/ 221 عن أبي الوليد، وفي رواية أبي عوانة مسنده 4/ 347 ح 6921 من طريق أبي داود الطيالسي: بياض إبطيه، مثل ما ذكره الإمام أحمد عن عفان، فلعل هذا من من دون أبي الوليد وأبي داود الطيالسيان عن شعبة، فقد رواه ابن حبان من طريق أبي الوليد، وأبو داود الطيالسي كما في مسنده كلاهما بلفظ: بياض بطنه.
(6)
انظر: ص 389.
(7)
انظر: ص 394.
وقد تقدم ما ذكره أحمد من خطأ أبي الأحوص في حديث الأوعية حيث قال: "اشربوا في الأوعية ولا تسكروا"، والصواب:"ولا تشربوا مسكراً"
(1)
.
فهذه كلها روايات بالمعنى قام بها هؤلاء الرواة الثقات الأفاضل فوقعوا في الخطأ عند تصرفهم في اللفظ ونقلهم النص بالمعنى.
ومن أخطاء الثقات في اللفظ ما كان راجعاً إلى التصحيف، الكلام عليه في المطلب الآتي إن شاء الله تعالى.
(1)
انظر: ص 898.
المطلب الثالث: التصحيف
وهو تحويل الكلمة من هيئتها المتعارفة إلى غيرها
(1)
، وإنما يكون ذلك في الأسماء والألفاظ المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف. وهو من الخطأ الذي لم يسلم منه حتى الحفاظ. روي عن أحمد أنه قال:«ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف؟» .
(2)
قال السخاوي: والإكثار منه إنما يحصل غالباً للآخاذ من بطون الدفاتر والصحف، ولم يكن له شيخ يوقفه على ذلك، ومن ثم قيل لمن ينقل على هذا الوجه ويغير إنه قد صحّف، أي قد روى عن الصُّحُف، فهو مُصحِّف، ومصدره تصحيف
(3)
، وقد تقدم في مبحث ما يخل بضبط الراوي بسبب طريقة التحمل أن أغلب ما يقع من الخلل في رواية من اعتمد طريقة في التحمل غير السماع والعرض على الشيخ يرجع إلى التصحيف، لأن الكتب والصحف في الأول لم تكن منقوطة ولا مشكولة، فمن لم يكن له شيخ يوقفه على الصحيح فلا بد أن يقع في الخطأ.
قال أبو حاتم لأبي زرعة: «لا تحدث عن إبراهيم بن هشام بن يحيى فإني ذهبت إلى قريته وأخرج إليّ كتاباً زعم أنه سمعه من سعيد بن عبد العزيز، فنظرت فيه فإذا فيه أحاديث ضمْرة، عن رجاء بن أبي سلمة، وعن ابن شَوْذب، وعن يحيى بن أبي عمرو السِّيباني، فنظرت إلى حديث فاستحسنته من حديث ليث بن سعد، عن عُقيل فقلت له: اذكر هذا، فقال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ليث بن سعد،
(1)
فتح المغيث (4/ 56). قال أسطيري جمال في رسالته العلمية «التصحيف وأثره في الحديث والفقه وجهود المحدثين في مُكافحته» (ص 40): وهذا من أحسن التعاريف وأشملها لجميع ما سماه السلف من المحدثين تصحيفاً. اهـ
(2)
(5)
المصدر نفسه (4/ 57).
(3)
الموضع نفسه.
عن عقِيل - بالكسر- ورأيت في كتابه أحاديث عن سُويد بن عبد العزيز، عن مغيرة وحصين قد أقلبها على سعيد بن عبد العزيز، فقلت له: هذه أحاديث سويد بن عبد العزيز، فقال: نا سعيد بن عبد العزيز، عن سويد، أظنه لم يطلب العلم، وهو كذّاب».
(1)
فهذا وقعتْ إليه كتبٌ ولم يطلب العلم على الشيوخ فوقع في التحصيف والقلب من حيث لا يدري، فنسب إلى الكذب بسبب ذلك.
والتصحيف يقع في السند كما يقع في المتن. فمن النماذج التي ذكرها الإمام أحمد مما وقع في الأسانيد:
قال الإمام أحمد: «حدثنا وكيع، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن أبي سفيان سمعه منه، وعن مسلم بن ثَفِنَة قال: استعمل ابن علقمة أبي عِرافَةَ قومِهِ، فأمره أن يُصدقهم قال: فبعثني أبي في طائفة لآتيه بصدقتهم - فذكر الحديث وفيه: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نأخذ شافعاً - والشافع التي في بطنها ولدُها» . قال عبد الله: سمعت أبي يقول: كذا قال وكيع: مسلم بن ثَفِنة، صحّف. وقال روح: ابن شُعبة، وهو الصواب. وقال أبي: وقال بشر بن السري: لا إله إلا الله! هو ذا ولده هاهنا - يعني مسلم بن شُعبة».
(2)
ثم أخرج الحديث من طريق روح بن عُبادة
(3)
. وكذلك تابع روح على مسلم بن شعبة بشر بن السري كما ذكر أحمد، وذكر روايته البخاري
(4)
؛ وتابعه أيضاً أبو عاصم كما ذكر أبو داود
(5)
.
(1)
الجرح والتعديل (1/ 143).
(2)
المسند (24/ 153 ح 15426). وانظر الحديث عند أبي داود (2/ 238 ح 1581، 1582)، والنسائي (السنن 5/ 32 ح 2461، 2462)، وابن أبي عاصم (الآحاد والمثاني 2/ 212 ح 967)، والبيهقي (السنن الكبرى 4/ 96).
(3)
المسند (24/ 156 ح 15427).
(4)
تعليقاً كما في «التاريخ الكبير» (7/ 257).
(5)
السنن (2/ 239).
ونص غير واحد على خطأ وكيع في قوله ثفنة، منهم ابن معين
(1)
، والبخاري
(2)
، والنسائي
(3)
، واعتمد العسكري قول الإمام أحمد في ذكر هذا التصحيف عن وكيع
(4)
، وشعبة غير منقوط يسهل تصحيفها بثفنة.
ومن أمثلة التصحيف في السند أيضاً ما وقع في حديث أنس بن مالك: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر لا يقرؤون يعني لا يجهرون {بسم الله الرحمن الرحيم}» . فرواه عبد الله بن الوليد، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي نعامة الحنفي، عن أنس بن مالك به. أخرجه أحمد
(5)
، والبيهقي
(6)
. وتابعه الحسين بن حفص
(7)
، وعمر بن سعيد
(8)
، ومحمد بن يوسف الفريابي
(9)
، وعبيد الله الأشجعي
(10)
.
وخالفهم يحيى بن آدم، فرواه عن سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس
(11)
. قال الإمام أحمد: وهم فيه، إنما هو أبو نعامة.
(12)
(1)
التاريخ برواية الدوري (3/ 69 رقم 266).
(2)
التاريخ الكبير (7/ 257).
(3)
السنن الكبرى (2/ 15).
(4)
تصحيفات المحدثين (1/ 96).
(5)
المسند (20/ 459 ح 13259).
(6)
السنن الكبرى (2/ 52).
(7)
حديثه عند البيهقي 0 السنن الكبرى (2/ 52).
(8)
حديثه عند أبي يعلى (7/ 211 ح 4205).
(9)
حديثه عند البخاري (التاريخ الكبير 8/ 441).
(10)
ذكره الحافظ ابن حجر، نقلاً عن الخلال عن أحمد (النكت على كتاب ابن الصلاح 2/ 751).
(11)
أخرج روايته ابن حبان من طريق هارون بن عبد الله الحمّال، عن يحيى بن آدم به (الإحسان 5/ 105 ح 1802).
(12)
انظر: فتح الباري لابن رجب (4/ 373). ونقل الحافظ ابن حجر من علل الخلال أن مهنا بن يحيى هو الذي روى هذا عن الإمام أحمد فقال: هو وهم، حدثني يحيى بن آدم - يعني بهذا الإسناد - فقال: عن أبي نعامة قيس بن عباية، عن أنس رضي الله عنه بدل أبي قلابة اهـ (النكت على كتاب ابن الصلاح 2/ 751).
فهذا يدل على أنه يحيى بن آدم يهم أحياناً فيذكر أبا قلابة، ويحدث به على الصحيح أحياناً على ما نقله الحافظ ابن حجر من علل الخلال.
وهناك اختلاف آخر في الحديث أشار إليه الإمام البخاري (التاريخ الكبير 8/ 441)، وهو على أبي نعامة، حيث رواه الجريري، وعثمان بن غياث، وراشد الحراني عن أبي نعامة، عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه مخالفاً لرواية خالد الحذاء عن أبي نعامة. فرجح البخاري، والدارقطني هذه الرواية، وقال ابن رجب: ويدل عليه كلام الإمام أحمد أيضاً، لأنه رواه ثلاثة عن أبي نعامة، فقولهم أولى من قول خالد الحذاء وحده. وقال بعضهم: القولان عن أبي نعامة صحيحان. (انظر: التاريخ الكبير الموضع نفسه؛ فتح الباري لابن رجب 4/ 374؛ النكت على كتاب ابن الصلاح 2/ 752).
وتغيير أبي نعامة بأبي قلابة نوع من التصحيف.
ومنها أيضاً:
(1)
حديث عباد أخرجه ابن أبي شيبة
(2)
بلفظ: «كان يقعد خلفه رجلٌ يحفظ عليه صلاتَه» . فذكر أحمد أنه وقع لعباد فيه تصحيف حيث قال مكان عن: بن فجعل الراوي جهم بن دينار ابن أبي سبرة، واعتمد البخاري قول عباد فقال في ترجمة جهم بن دينار هو ابن أبي سبرة
(3)
، أما ابن أبي حاتم فذكره على الاحتمال
(4)
. وجهم بن دينار من قدماء أصحاب إبراهيم النخعي كما ذكر
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (3/ 372 رقم 5631).
(1)
المصنف (1/ 304 ح 3476).
(2)
التاريخ الكبير (2/ 231).
(3)
الجرح والتعديل (2/ 522).
أبو حاتم، وأبو سبرة النخعي هو عبد الله بن عابس، يروي عن فروة بن مسيك، وهو صحابي، وروى عنه الأعمش، والحسن بن
الحكم النخعي
(1)
، وروى عن عمر أيضاً لكن قيل هو مرسل عن عمر
(2)
. فجهم بن دينار يشبه أن يروي عن مثله، وهو يشبه أن يروي عن الزبير، والله أعلم.
ومن نماذج التصحيف في المتن:
(3)
.
وقد حكى هذه الحكاية الدوري عن ابن معين
(4)
، ورواها الخطيب من طريقه
(5)
.
وحديث داود بن أبي هند، أخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عنه، عن سعيد بن المسيب: يكفن الصبي في خرقة
(6)
.
ومنها أيضاً:
قال عبد الله: «قال أبي في حديث ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن الماء وما ينوبه من الدوابّ. وقال ابن المبارك: وما يثوبه، وصحّف فيه» .
(7)
(1)
تهذيب الكمال (33/ 340).
(2)
انظر: العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 250 رقم 2150)؛ تهذيب الكمال (الموضع نفسه.
(3)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (3/ 134 رقم 4583). ووقع في الطبعة التي حققها الدكتور وصي الله عباس: «النبي» مكان: «الضبي» ، وما أثبته من الطبعة التي حققها محمد حسام بيضون، وهو موافق لما جاء في بقية المصادر التي نقلت هذه القصة.
(4)
التاريخ برواية الدوري (3/ 536 رقم 2621).
(5)
مصنف ابن أبي شيبة (2/ 466 ح 11096).
(6)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 429 رقم 2893).
(7)
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/ 293 رقم 623).
حديث ابن عمر هذا هو حديث القلتين، وقد أخرجه أصحاب السنن
الأربعة
(1)
، وأحمد
(2)
، وابن خزيمة
(3)
، وابن حبان
(4)
وغيرهم من طرق عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عمر به.
ورواية ابن المبارك عن ابن إسحاق هي التي قال الإمام أحمد إنه صحف فيها فقال: «وما يثوبه» . وأخرج روايته ابن ماجه، لكن لم يذكر لفظها
(5)
.
(1)
أبو داود (السنن 1/ 51 - 53 ح 63 - 65)، والترمذي (الجامع 1/ 97 ح 67)، والنسائي (1/ 46 ح 52)، وابن ماجه (1/ 172 ح 517، 518)، إلا أن النسائي أخرجه من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير.
(2)
المسند (8/ 211 ح 4605).
(3)
صحيح ابن خزيمة (1/ 49 ح 92).
(4)
الإحسان (4/ 57 ح 1249).
(5)
سنن ابن ماجه (1/ 172 بعد حديث رقم 517).
المطلب الرابع: القلب
وهو من أنواع الخطأ في الحديث، ويقال للحديث الذي وقع فيه هذا النوع من الخطأ المقلوب، اسم مفعول من القلب. وعرّفه الحافظ ابن حجر بأنه إبدال من يُعرف بروايةٍ بغيره، فيدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله
(1)
. وهذا التعريف يصدق على القلب في السند، أما القلب في المتن فعرفه ابن الجزري بأنه هو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغير معناه وربما انعكس
(2)
.
وهذا النوع من الخطأ قد وقع فيه الثقات فضلاً عن الضعفاء، والفرق بين الفئتين أن الثقات إذا نبّهوا على الخطأ تنبّهوا فرجعوا إلى الصواب، وأما الضعفاء فلا يدركون الصواب من الخطأ لغفلتهم وعدم تيقظهم. قال الحميدي: «فان قال فما الغفلة التي ترد بها حديثُ الرَّجل الرِّضى الذي لا يُعرف بِكذِبٍ؟ قلتُ: هو أن يكون في كتابه غلطٌ، فيُقال له في ذلك، فيَترك ما في كتابه ويُحدِّث بما قالوا ويُغيّره بقولهم في كتابه، لا يَعرف فرقَ ما بين ذلك
…
أو يصحّف تصحيفاً فاحشاً يقلِّب المعنى لا يعقل ذلك فيُكفّ
عنه».
(3)
وأنواع الخطأ في القلب التي سوف أذكر نماذجها في هذا المطلب هي:
إبدال صحابي بآخر
إبدال راوٍ بآخر
إبدال إسناد بآخر
القلب في المتن
(1)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/ 864).
(2)
ذكره السخاوي عنه (فتح المغيث 1/ 328).
(3)
الكفاية في علم الرواية (ص 233).
النوع الأول من القلب: إبدال صحابي بأخر
وصورة هذا النوع من القلب أن يكون الحديث معروفاً من حديث صحابي معيّنٍ، فيجعله الراوي الذي وقع منه القلبُ من حديث صحابيّ آخر، وهذا في الحقيقة من نوع إبدال راوٍ بآخر، لكن خصص بالذكر لكون القلب وقع في طبقة الصحابة، لأن ذلك يؤدي إلى عدّ الحديث الواحد حديثين أو أكثر، فيظن أحدها شاهداً للآخر والواقع خلافه.
فمن أمثلة ذلك:
قال أبو داود: «سمعت أحمد سُئل عن حديث أبي مَعشَر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج» ، قال: ما أُراه إلا وهمٌ من أبي معشر، يعني: عن عثمان وهمٌ؛ إنما هو عن إبراهيم عن عقلمة، عن عبد الله أنه قال لعثمان: قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم، وعن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم).
(1)
في هذا السؤال ذكر الإمام أحمد أن أبا معشر وهو زياد بن كُليب
(2)
وهم في روايته حيث إنه روى الحديث عن إبراهيم، عن علقمة، عن عثمان
(3)
، فأبدل عبد الله بن مسعود بعثمان، وهذا نوع من القلب. ووجه ذلك أن الحديث رواه
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 436 رقم 2006).
(2)
وثقه النسائي، والعجلي، وابن حجر. وقال الذهبي: حافظ متقن. وقال أبو حاتم: صالح، من قدماء أصحاب إبراهيم، ليس بالمتين في حفظه، وهو أحب إلي من حماد بن أبي سليمان.
انظر: سنن النسائي (4/ 171)؛ تهذيب الكمال (9/ 506)، الكاشف (1705)، تقريب التهذيب (2108).
(3)
أخرجه النسائي (السنن 4/ 171 ح 2242؛ 6/ 56 ح 3206)، وأحمد (المسند 1/ 470 ح 411)، والشاشي (مسنده 1/ 399 ح 361)، وأبو يعلى (مسنده 9/ 122 ح 5110)، والبزار (مسنده 2/ 58 ح 400).
أصحاب إبراهيم النخعي، منهم الأعمش
(1)
، ومنصور
(2)
، ومغيرة
(3)
كلهم عنه، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. وذكر الدارقطني أن هذه هي رواية أبي حمزة ميمون الأعور القصاب، وحماد بن أبي سليمان، والحسن بن عبيد الله كلهم عن إبراهيم
(4)
.
وخالفهم أبو معشر فجعله من مسند عثمان بن عفان، ولم يتابع على قوله: عن عثمان.
وإنما انقلب على أبي معشر لأن الحديث وقع التحديث به في حضرة ابن مسعود وعثمان، فسهل تطرق الوهم إلى أبي معشر. قال علقمة:«كنت مع عبد الله فلقيه عثمان بمنى، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا نزوجك بكراً تذكرك ما تعهد؟ فلما رأى عبد الله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إليّ فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاءٌ» . هذا لفظ البخاري.
فحكم الحفاظ بأن المحفوظ عن ابن مسعود، وقول أبي معشر وهم.
(5)
ومنها: قال حنبل: «ثنا أبو عبد الله: ثنا يزيد: ثنا هشام، عن محمد، عن كعب بن عُجرَة، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر فتنة، قال أبو عبد الله: أخطأ فيه، إنما
(1)
وحديثه عند البخاري (9/ 106 ح 5065)، ومسلم (2/ 1018 ح 1400)، وأبو داود (ح 2046)، والنسائي (السنن الكبرى 2/ 95 ح 2548)، وابن ماجه (1/ 592 ح 1845)، وأحمد (المسند 6/ 71 ح 3592).
(2)
حديثه عند الطبراني مقروناً بالأعمش (المعجم الكبير ح 10167).
(3)
وحديثه عند الطبراني أيضاً (المعجم الكبير ح 10027).
(4)
علل الدراقطني (3/ 47).
(5)
وهو قول أبي حاتم (علل ابن أبي حاتم 1/ 422)، والدارقطني (علل الدارقطني 3/ 47؛ 5/ 133)، والبزار (2/ 59).
هو: كعب بن مُرّة».
(1)
حديث كعب بن عُجرة أخرجه أحمد
(2)
في المسند بهذا الإسناد. وأخرجه من هذا ابن ماجه
(3)
، وابن أبي شيبة
(4)
كلاهما من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كعب بن عُجرة به. ولفظه:«كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر فتنةً، فقرَّبها، فمرّ رجلٌ متقنِّعٌ، فقال: هذا يومئذٍ على الهُدى. قال فاتّبعتُه حتى أخذتُ بضبعَيْه فحولتُ وجهَهُ إليه وكشفتُ عن رأسِه فقلت هذا يا رسول الله؟ قال: نعم، فإذا هو عثمان بن عفان» .
وأخرجه أبو حاتم من طريق همام عن قتادة، عن محمد بن سيرين به
(5)
. وأخرجه أحمد
(6)
، وعبد الله بن أحمد
(7)
من طريق مطر الورّاق، عن محمد بن سيرين به أيضاً.
وهتان المتابعتان تدلان على أن ذكر كعب بن عُجرة في السند من ابن سيرين وليس ممن دونه في الإسناد.
وذكر الإمام أحمد أن إسناد الحديث إلى كعب بن عُجرة وهم، وأن الصواب كعب بن مرّة، وذلك أنه روي لفظ الحديث عنه من عدة أوجه، منها: عن أيوب، عن أبي الأشعث، عن مرة بن كعب، وهو كعب بن مرة
(8)
. أخرجه أحمد
(9)
،
(1)
المنتخب من العلل للخلال (ص 202 رقم 112).
(2)
المسند (30/ 53 ح 18129)، وأخرجه أيضاً بهذا الإسناد في فضائل الصحابة (1/ 450 ح 722).
(3)
السنن (1/ 41 ح 111).
(4)
المصنف (6/ 360 ح 32025).
(5)
علل ابن أبي حاتم (2/ 380 ح 2652).
(6)
المسند (30/ 44 ح 18118).
(7)
زوائد فضائل الصحابة (1/ 509 ح 833).
(8)
اختلفوا في اسمه، والأكثرون يقولون: كعب بن مرة (الاستيعاب 3/ 1325؛ تقريب التهذيب 5686).
(9)
المسند (29/ 609 ح 18068)؛ وفضائل الصحابة (1/ 507 ح 828) من طريق وهيب بن خالد، ومن طريق حماد بن زيد.
وابن أبي شيبة
(1)
، ونعيم بن حماد
(2)
.
وكذلك من طريق معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن جُبير بن نفير، عن كعب بن مرّة. أخرجه أحمد
(3)
، وابن أبي عاصم
(4)
، والطبراني
(5)
.
ومما يدل على أن كعب بن مرة هو المحفوظ أن رواية ابن سيرين عن كعب بن عُجرة مرسلة
(6)
، فالوهم يسهل حيث لم يكن بينهما لقاء، ومن ثم رجح أنه كعب بن مرّة فانقلب على ابن سيرين إلى كعب بن عُجرة، والله أعلم.
وقد يطلق البطلان على هذا النوع من القلب لتحقق خطأ الحديث المقلوب، ومن ذلك:
قال أبو بكر الأثرم: «قلت لأبي عبد الله: وروى شَبابَة، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بـ {سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعْلى} فقال: هذا باطل، ليس من هذا شيء، إنما رواه حجاج، عن قتادة، عن عمران عن النبي
صلى الله عليه وسلم، حدثناه عباد بن العوام، عن حجاج. وأما حديث شعبة فحدثناه كذا وكذا عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن ابن أَبْزَى، قال والحديث يصير إلى ابن أَبْزَى».
(7)
(1)
المصنف (6/ 360 ح 32026)، من طريق ابن علية عن أيوب، لكن أسقط أبا الأشعث من الإسناد. وكذلك رواه أحمد من هذا الوجه (29/ 601 ح 18060).
والذين ذكروا أبا الأشعث: حماد بن زيد، ووهيب بن خالد، وعبد الوهاب الثقفي.
(2)
الفتن (1/ 85 ح 195) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب وخالد الحذاء، عن أبي قلابة به.
(3)
المسند (29/ 608 ح 18067).
(4)
الآحاد والمثاني (3/ 66 ح 1381).
(5)
المعجم الكبير (20/ 316 ح 753).
(6)
قاله أبو حاتم (المراسيل 684).
(7)
تاريخ بغداد (9/ 297).
روى حديث شعبة عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن عبد الرحمن بن أبزى أربعة من الرواة، وهم: غندر
(1)
، وحجاج بن المنهال
(2)
، وأبو داود الطيالسي
(3)
، ويحيى القطان
(4)
.
وخالفهم شبابة فرواه عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة، عن عمران بن حصين به. أخرجه النسائي
(5)
، وابن أبي شيبة
(6)
. فأبدل ابن أبزى بعمران بن حصين. وقال أحمد عن روايته: باطل، ليس من هذا شيء، لتحقق خطئها، فقد خالف أربعة من ثقات أصحاب شعبة، وهو وإن كان ثقة في نفسه
(7)
، لكن ليس في منزلة القطان وغندر.
وممن أنكر هذا الحديث على شبابة الإمام النسائي، قال:«لا نعلم أحداً تابع شبابة على هذا الحديث، خالفه يحيى بن سعيد القطان» .
(8)
ثم ذكر رواية يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن زُرارة عن عمران بن حصين: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فقرأ بـ {سبح اسم ربك الأعلى} ، فلما صلى قال: من قرأ بـ {سبح اسم ربك
الأعلى}؟ قال رجل: أنا، قال: قد علمت أن بعضهم خالجنيها».
(9)
(1)
أخرج حديثه النسائي (السنن 3/ 247 ح 1741)، وأحمد (المسند 24/ 71 ح 15353).
(2)
أخرج حديثه أحمد (الموضع نفسه).
(3)
أخرج حديثه النسائي (المصدر نفسه ح 1740)، وأحمد (المسند 24/ 75 ح 15356).
(4)
أخرجه أحمد (المسند 24/ 81 ح 15361).
(5)
السنن (3/ 247 ح 1742).
(6)
المصنف (7/ 319 ح 36470).
(7)
شبابة بن سوّار الفزاري مولاهم، وثقه ابن معين، وابن سعد، وتكلم فيه الإمام أحمد من أجل الإرجاء، فإنه كان داعية (تهذيب الكمال 12/ 346 - 347). وقد أنكر عليه أحاديث تفرد بها عن شعبة (انظر: الكامل في ضعفاء الرجال 3/ 1365 - 1366).
(8)
السنن (3/ 247).
(9)
أخرجه النسائي (3/ 247 ح 1743). وهو عند مسلم من طريق غندر عن شعبة به (صحيح مسلم 1/ 299 ح 398 (48»، وأبو داود (1/ 519 ح 828) من طريق أبي الوليد الطيالسي، ومحمد بن كثير كلاهما عن شعبة به.
فعلى ما ذكره النسائي يكون القلب الذي وقع فيه شبابة إبدال إسناد بآخر، حيث جعل لمتن حديث ابن أبزى إسنادَ حديث عمران بن الحصين.
ومن هذا النوع من القلب ما تقدم عن عامر الأحول أنه روى حديث وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ثلاثاً من حديث عطاء، عن أبي هريرة، وإنما هو عن عطاء، عن عثمان
(1)
.
النوع الثاني من القلب: إبدال راوٍ بآخر
وصورة هذا أن يكون الحديث معروفاً من رواية راوٍ معين فيرويه بعض الرواة من رواية راوٍ آخر في طبقته، فيَظنّ من لم يفطن لوقوع القلب أن الراوي الأول قد تُوبع، ويدفع عنه التفرد بذلك.
ومن أمثلة ما ذكره الإمام أحمد من هذا النوع من القلب الذي وقع فيه بعض الرواة الثقات:
قال عبد الله: سمعت أبي يقول: «الحديث الذي رواه وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجمع بين الظهر والعصر قال أبي: إنما هو حديث داود بن قيس، ليس هو من حديث ابن أبي ذئب» .
(2)
لم أقف على رواية وكيع التي ذكرها الإمام أحمد. وقد روى الحديث المذكور عدد من الرواة عن داود بن قيس
(3)
؛ منهم يحيى القطان
(4)
،
(1)
انظر: ص (776).
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 30 رقم 1453).
(3)
داود بن قيس الفرّاء المدني، وثقه أحمد، وابن معين وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي (الجرح والتعديل 3/ 423؛ تهذيب الكمال 8/ 441).
(4)
حديثه عند أحمد (المسند 5/ 289 ح 3235)، وأبي يعلى (5/ 80 ح 2678).
والقعنبي
(1)
، وعبد الرزاق
(2)
، وأبو نعيم
(3)
، والثوري
(4)
ولفظه: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير مطر ولا سفر، قالوا: يا أبا عباس، ما أراد بذلك؟ قال: التوسع على أمته» . وفي بعض ألفاظه: من غير خوف ولا مطر.
ورواه ابن أبي شيبة
(5)
عن وكيع بمثل رواية الجماعة؛ عن داود بن قيس، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس به، فلعله رجع عن قوله: ابن أبي ذئب لما أوقف على الخطأ.
ومنها:
(6)
حديث معمر أخرجه عنه عبد الرزاق
(7)
، ومن طريقه أحمد
(8)
، ومسلم
(9)
،
(1)
حديثه عند الطحاوي (شرح معاني الآثار 1/ 160).
(2)
المصنف (2/ 555 ح 4434).
(3)
وحديثه عند عبد بن حُميد (مسنده ص 234 ح 709).
(4)
وحديثه عند الطبراني في المعجم الكبير (10/ 327 ح 10804).
(5)
مصنف ابن أبي شيبة (2/ 210 ح 8230).
(6)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (3/ 347 رقم 5532). ووقع في طبعة التي حققها د/ وصي الله: الرزاز مكان الزهري، وفي الطبعة الأخرى على الصحيح.
(7)
المصنف (4/ 248 ح 7685).
(8)
المسند (18/ 392 ح 11895).
(9)
صحيح مسلم (2/ 826 ح 1167).
وأبو داود
(1)
، وأبو عوانة
(2)
. وأخرجه أيضاً أبو داود
(3)
من طريق صفوان بن
عيسى، عن معمر به.
وانفرد عيسى بن يونس في رواية إسحاق بن إبراهيم الهروي
(4)
التي ذكرها عبد الله برواية الحديث عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد. فأبدل يحيى بن أبي كثير بالزهري، وخالف غيره ممن رواه عن معمر. والحديث لا يعرف عن الزهري، ولم يروه أحد من الرواة عنه على كثرتهم، فحكم الإمام أحمد على عيسى بن يونس
(5)
- وهو أحد الثقات - بالخطأ.
لكن رواه مؤمل بن الفضل
(6)
، عن عيسى بن يونس، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير به. أخرجه أبو داود
(7)
إلا أن أبا علي اللؤلؤي قال: هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة اهـ
(8)
. فلعله اطلع على أنه خلاف المعروف عن عيسى بن يونس، فتركه، والله أعلم.
وإن أدى القلب إلى إبدال ثقة بضعيف كان أثره أشد، مثال ذلك:
قال عبد الله: «قلتُ لأبي: تَحفظ هذا من حديث أبي عاصم، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري قال: كان
(1)
السنن (1/ 554 ح 895).
(2)
مستخرج أبي عوانة (ص 345 ح 290).
(3)
السنن (الموضع نفسه).
(4)
أثنى عليه أحمد خيراً، وقال: يكتب عنه. ووثقه ابن معين، وغمزه ابن المديني. وذكره ابن حبان في الثقات (الجرح والتعديل 2/ 210؛ تاريخ بغداد 6/ 337؛ الثقات 8/ 116).
(5)
تقدمت ترجمته. ص (687).
(6)
مؤمل بن الفضل الحراني. قال أبو حاتم: ثقة رضى. وقال أحمد: زعموا أنه لا بأس به (تهذيب الكمال 29/ 185).
(7)
السنن (1/ 560 ح 911).
(8)
سنن أبي داود (الموضع نفسه).
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أَدُّلُكم على شيءٍ يُكفِّر الخَطايا ويَزيدُ في الحسنات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء عند المكاره» . فقال أبي: هذا باطل - يعني من حديث عبد الله بن أبي بكر - قال أبي: إنما هو حديث ابن عَقِيل،
وأنكره أشدَّ الإِنكار وقال: ليس بشيء - يعني حديث عبد الله بن أبي بكر - قال: هذا حديث ابن عقيل».
(1)
حديث أبي عاصم الذي ذكره عبد الله، أخرجه ابن خزيمة
(2)
، وابن حبان
(3)
، والحاكم
(4)
. وأخرج أبو يعلى جزءً منه
(5)
.
وقد أنكره الإمام أحمد على أبي عاصم حيث أبدل عبد الله بن محمد بن عقيل، بعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فالأول قال فيه أحمد: منكر الحديث، وإن أُثر عنه أنه يحتج به
(6)
، وأما الثاني فهو ثقة ثبت
(7)
. ومن أجل ذلك اشتدّ إنكار الإمام أحمد للحديث، وقال: إنه باطل.
فقد تفرد به أبو عاصم النبيل عن الثوري، والمشهور في رواية هذا المتن هو عبد الله بن محمد بن عقيل؛ هكذا رواه زهير بن محمد المروزي
(8)
، وعبيد الله بن عمرو
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 557 ح 3633).
(2)
صحيح ابن خزيمة (1/ 90 ح 177).
(3)
الإحسان (2/ 127 ح 402).
(4)
المستدرك (1/ 191).
(5)
مسند أبي يعلى (2/ 354 ح 1102).
(6)
تهذيب الكمال (16/ 82)؛ جامع الترمذي (1/ 9).
(7)
قاله النسائي (تهذيب الكمال 14/ 351). وقال أحمد: حديثه شفاء (العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله رقم 3636).
(8)
أخرج حديثه ابن ماجه (1/ 148 ح 427)، وأحمد (المسند 17/ 21 ح 10994)، والدارمي (السنن 1/ 178)، وأبو يعلى (المسند 2/ 507 ح 1355)، والحارث بن أبي أسامة (زوائد مسند الحارث 1/ 272 ح 153)، وابن خزيمة (صحيح ابن خزيمة 1/ 90)، والبيهقي (2/ 16).
الرقّي
(1)
، وعمر بن ثابت
(2)
. وليس له أصل عن عبد الله بن أبي بكر على كثرة
حديثه؛ قال أبو حاتم: «ليس لعبد الله بن أبي بكر معنى» .
(3)
وقد سبق ذكر فائدة معرفة هذه العلة، وهو نفي ما يظن معه دفع التفرد عن الراوي المتفرد، فإذا كان الراوي مجروحاً لم تنفعه المتابعة الموهومة في الرواية المقلوبة.
النوع الثالث من القلب: إبدال إسنادٍ بآخر
وهذا النوع من القلب أشار إليه الحافظ ابن حجر كما تقدم، وصورته أن يكون متن الحديث معروفاً بإسناد معيّن، فيخطئ بعض الرواة فيرويه بإسناد آخر يُروى به متن آخر، فيُوهم أن لمتن الحديث إسناديْن، فينتج عن ذلك عند من لم يفطن له عدُّ الحديث الواحد حديثين أو أكثر، فيستشهد في باب الاعتبار بما لا يصلح أن يكون شاهداً. وغالباً ما يعبّر الأئمه عن هذا النوع من القلب بقولهم:«دخل عليه حديث في حديث» ، أو «إسناد في إسناد» .
وقد اشتهر التمثيل بما وقع لجرير بن حازم من هذا النوع من القلب في كتب المصطلح
(4)
، وقد روى الإمام أحمد القصة عن بإسناده إلى حماد بن زيد: قال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، قال: حَدّثتُ حماد بن زيد بحديث جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تقوموا حتى تروني» ، فأنكره وقال: إنما سمعه من حجاج الصواف، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في مجلس ثابت، فظنّ أنه
(1)
أخرج حديثه الدارمي (السنن 1/ 171)، وعبد بن حميد (المنتخب من مسنده ص 303 ح 984).
(2)
أخرج حديثه الذهبي (سير أعلام النبلاء 16/ 435) من طريق أبي الحسين الطيوري.
(3)
علل ابن أبي حاتم (1/ 30 ح 54).
(4)
انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص 112)، النكت على كتاب ابن الصلاح (2/ 872)، ألفية العراقي مع فتح المغيث (1/ 324 - 325).
سمعه - يعني من ثابت».
(1)
وقال أبو داود: «سمعت أحمد وقيل له: ثابت، عن أنس - يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى ترَوني» ؟ فقال أحمد: هذا زعموُا أن حمادَ بنَ زيدٍ قال: كنَّا عند ثابت، وعنده حجاجُ بن أبي عثمان، فقال حجاج: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه، فذكر الحديث، فظن جرير أنه حدث به ثابت عن
أنس، فرواه».
(2)
فالمتن الذي رواه جرير معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبي قتادة. أخرجه مسلم
(3)
، والنسائي
(4)
، وأحمد
(5)
من طرق عن حجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير به.
وأما حديث جرير فأخرجه الطيالسي
(6)
، والترمذي
(7)
، والطبراني
(8)
.
وقد تفرد جرير برواية هذا المتن من حديث ثابت عن أنس، ولا أصل له من حديث ثابت، ولا من حديث أنس، وقد تبين مما ذكره حماد بن زيد كيف دخل الوهم على جرير بن حازم فدخل عليه حديث في حديث وأبدل لحديث أبي قتادة إسناداً آخر يروى به متنٌ آخر.
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 83 رقم 1625).
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 385 رقم 1857).
(3)
صحيح مسلم (1/ 422 ح 604 (156».
(4)
السنن (2/ 81).
(5)
المسند (37/ 218 ح 22533).
(6)
مسند الطيالسي (ص 271 ح 2028).
(7)
علل الترمذي الكبير (1/ 276).
(8)
المعجم الأوسط (9/ 150 ح 9387).
فمن النماذج التي ذكرها الإمام أحمد لأخطاء الحفاظ من هذا النوع:
قال أبو داود: «سمعت أحمد ذَكر حديث عُثام بن علي، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل صلّى ركعتين، ثم استاك» ؟ فقال: الحديث حديث حُصين - يعين حصين بن عبد الرحمن، عن حبيب، عن محمد بن علي، عن ابن عباس. قلت: ممن هو - أعني: الوهم؟ قال: من الأعمش».
(1)
حديث عُثام بن علي أخرجه النسائي
(2)
، وابن ماجه
(3)
، واحمد
(4)
، وأبو يعلى
(5)
، والحاكم
(6)
من طرق عنه، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ركعتين ثم ينصرف فيستاك» .
وأعل الإمام أحمد هذا الحديث بأن الأعمش قد وهِم فيه على حبيب بن أبي ثابت، وأن الصواب ما رواه حبيب، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس، ولفظه: «أنه بات عند النبي صلى الله عليه وسلم فاستيقظ من الليل فأخذ سواكَه، فاستاك به، ثم توضأ وهو يقول:{إنَّ في خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ} [آل عمران: 190] حتى قرأ هذه الآيات، وانتهى عند آخر السورة، ثم صلّى ركعتين فأطال فيهما القيام والرُّكوع والسُّجود، ثم انصرف حتى سمعتُ نفخَ النوم، ثم استيقظ فاستاك وتوضأ، وهو يقول: حتى فعل ذلك ثلاث مراتٍ، ثم أوتر بثلاث،
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 409 رقم 1923).
(2)
السنن الكبرى (1/ 163 ح 405؛ 1/ 424 ح 1343).
(3)
السنن (1/ 106 ح 288).
(4)
المسند (3/ 372 ح 1881).
(5)
مسند أبي يعلى (4/ 367 ح 2485).
(6)
المستدرك (1/ 145).
فأتاه بلالٌ المؤِذِّن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل أمامي نوراً، وخلفي نوراً، واجعل عن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، اللهم أعظم لي نوراً». هكذا رواه حصين عنه. أخرجه مسلم
(1)
، وأبو داود
(2)
، والنسائي
(3)
، وأحمد
(4)
، وأبو عوانة
(5)
. وتابعه الثوري فرواه عن حبيب به
نحوه
(6)
وتوبع حُصين أيضاً من رواية منصور بن المعتمر
(7)
، والمنهال بن عمرو
(8)
كلاهما عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه به.
ووقع في رواية التي ذكرها أبو داود لحديث حصين أنه عن حبيب، عن محمد بن علي، عن ابن عباس، فأسقط أبيه بينهما، والصواب إثباته، وإنما رواه بإسقاط أبيه زيد بن أبي أُنيسة، عنب حبيب؛ أخرجه النسائي
(9)
.
ووجه وهم الأعمش أنه جعل إسناداً للحديث غير إسناده، وأخطأ في لفظ المتن أيضاً.
(1)
صحيح مسلم (1/ 530 ح 191).
(2)
السنن (2/ 93 ح 1353).
(3)
السنن الكبرى (1/ 162 ح 403).
(4)
المسند (5/ 473 ح 3541).
(5)
مسند أبي عوانة (2/ 320).
(6)
أخرج حديثه النسائي (السنن الكبرى 1/ 424 ح 1344)، وأحمد (المسند 5/ 313 ح 3271).
(7)
أخرج روايته أبو عوانة (مسند أبي عوانة 2/ 321).
(8)
أخرج روايته أبو يعلى (مسند أبي يعلى 4/ 419 ح 2545)، والطحاوي (شرح معاني الآثار 1/ 286).
(9)
السنن الكبرى (1/ 163 ح 404).
ومن النماذج لما وقع فيه الثقات من إبدال إسناد بآخر:
قال مهنّا: «سألت أحمد عن حديث حدّث به عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع، قال: «إن اللهَ لا يَنَامُ ولا ينبغِي لهُ أن يَنَامَ، يَخفِضُ والقِسطَ ويَرفَعُهُ، يُرفَع إليه عملُ الليلِ قبلَ النَّهار، وعملُ النهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُهُ النَّارُ لو كشفها لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيء أدركه بصرُهُ» . قال أحمد: ليس بصحيح؛ هذا غلطٌ من عُبيد الله بن موسى، لم يكن صاحب حديث. هذا حديث الثوري، عن حكيم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى: كانت اليهود تتعاطس عند النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث حديث المسعودي، عن عمرو بن مرّة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: من عن المسعودي؟ قال: غير واحدٍ.
قال الخلال: وروى عبد الله عن أبيه نحواً من هذا، إلا أنه قال: قال أبي: هذا حديث الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى».
(1)
وتكملة رواية عبد الله: «أُراه دخل لعبيد الله بن موسى إسناد حديث في إسناد حديث» .
(2)
في هذه الرواية ذكر الإمام أحمد أن عبيد الله بن موسى
(3)
غلط في حديث أبي موسى، وأنه دخل عليه إسناد حديث في إسناد حديث آخر، وذلك أنه روى حديث أبي موسى: «إن اللهَ لا يَنَامُ ولا ينبغِي لهُ أن يَنَامَ، يَخفِضُ والقِسطَ ويَرفَعُهُ، يُرفَع إليه عملُ الليلِ قبلَ النَّهار، وعملُ النهارِ قبلَ اللَّيلِ، حجابُهُ النَّارُ لو
(1)
المنتخب من العلل للخلال (ص 274 - 275 رقم 171).
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (1/ 556 رقم 1327).
(3)
عبيد الله بن موسى العبسي، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي وغيرهم، وكان يتشيع. وقال الإمام أحمد: كان صاحب تخليط، وحدث بأحاديث سوء - يقصد أحاديث الشيعة. وكان الإمام أحمد ينهى عنه لأنه بلغه عنه غلو في التشيع (تهذيب الكمال 19/ 168 - 169؛ الضعفاء للعقيلي 3/ 876).
كشفها لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيء أدركه بصرُهُ»، عن الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعري
(1)
؛ وهذا غلط، فإن حديث أبي موسى هذا إنما يروى عن عمرو بن مرّة، عن أبي عُبيدة، عن أبي موسى. هكذا حدّث به الأعمش
(2)
، والمسعودي
(3)
، وشعبة
(4)
، والعلاء بن المسيب
(5)
كلهم عن عمرو بن مرة به.
وأما الإسناد الذي ذكره عبيد الله بن موسى - أعني الثوري، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بُردة، عن أبي موسى - إنما رَوى به أصحاب الثوري حديث أبي موسى:«كانت اليهود يتعاطَسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاءَ أن يقولَ لهم: يرحمُكُم الله، فكان يقول لهم: يَهديكم الله ويُصلحُ بالَكم» . هكذا رواه القطان
(6)
، وعبد الرحمن بن مهدي
(7)
، ووكيع
(8)
،
(1)
أخرجه من هذا الوجه أبو حيان (طبقات المحدثين بأصبهان 3/ 100 ح 267)، والجرجاني (تاريخ جرجان ص 170 ح 133).
(2)
أخرج حديثه مسلم (صحيح مسلم 1/ 161 - 162 ح 179 (293، 294»، وابن ماجه (السنن 1/ 70 ح 195)، وأحمد (المسند 32/ 404 ح 19632)، والروياني (مسند الروياني 1/ 381 ح 584)، وأبو عوانة (مسند أبي عوانة 1/ 127 ح 379)، وابن مندة (الإيمان 2/ 769 ح 775، 776)، وأبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم 1/ 243 - 244 ح 448، 449).
(3)
أخرج حديثه ابن ماجه (1/ 71 ح 196)، والطيالسي (ح 491)، وأحمد (32/ 357 ح 19587)، والروياني (مسنده 381 ح 584)، وأبو يعلى (مسنده (13/ 245 ح 7262).
(4)
أخرج حديثه مسلم (1/ 162 ح 295)، وأحمد (المسند 32/ 296 ح 19530)، وابن مندة (ح 779)، وأبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم 1/ 244 ح 450).
(5)
أخرج حديثه عبد الله بن أحمد بن حنبل (السنة 2/ 462 ح 1048)، وابن حبان (الإحسان 1/ 499 ح 266)، وابن مندة (2/ 462 ح 1048).
(6)
أخرج حديثه البخاري (الأدب المفرد ح 940)، والبزار (البحر الزخار 8/ 135 ح 3145).
(7)
أخرج حديثه الترمذي (الجامع 5/ 76 ح 2739)، أحمد (32/ 356 ح 19586)، والروياني (مسنده (1/ 299 ح 443).
(8)
أخرج حديثه أبو داود (ح 5138)، وأحمد (الموضع السابق).
وأبو نعيم
(1)
، وقبيصة
(2)
، ومحمد بن يوسف الفريابي
(3)
، ومعاذ بن معاذ
(4)
. ولم يتابِع أحدٌ عبيدَ الله على رواية حديث أبي موسى الأول بهذا الإسناد، فتعين أن يكون قد غلط وانقلب عليه حديث بآخر.
ومن الأمثلة أيضاً على هذا النوع من القلب مما ذكره الإمام أحمد:
قال أبو داود: سمعت أحمد سئل ما أصح ما فيه؟ - يعني في: «من ذرعه القيء وهو صائم» ؟ قال: نافع، عن ابن عمر. قلت له: حديث هشام، عن محمد، عن أبي هريرة. قال: ليس من هذا شيء، إنما هو حديث:«من أكل ناسياً - يعني وهو صائم - فالله أطعمه وسقاه» .
(5)
حديث هشام بن حسان القردوسي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذرعه القيء، فليس عليه القضاء، ومن استقاء فليقضِ» ، رواه عنه ثقتان: أحدهما عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي؛ أخرج حديثه أبو داود
(6)
، والنسائي
(7)
، وابن ماجه
(8)
، والبخاري
(9)
، وأحمد
(10)
، والدارمي
(11)
، وابن الجارود
(12)
،
(1)
أخرج حديثه الطحاوي (شح معاني الآثار 4/ 302)، الحاكم (المستدرك 4/ 268).
(2)
أخرج حديثه الحاكم (الموضع نفسه).
(3)
أخرج حديثه البخاري (الأدب المفرد ح 940).
(4)
أخرج حديثه النسائي (السنن الكبرى 6/ 67 ح 10061).
(5)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 387 رقم 1864).
(6)
السنن (ح 2380).
(7)
السنن الكبرى (2/ 216 ح 3130).
(8)
السنن (1/ 536 ح 1676).
(9)
التاريخ الكبير (1/ 91 - 92).
(10)
/ 283 ح 10463).
(11)
السنن (2/ 14).
(12)
المنتقى (ح 385).
وابن خزيمة
(1)
، والطحاوي
(2)
، وابن حبان
(3)
، والدارقطني
(4)
، والحاكم
(5)
، والبيهقي
(6)
من طرق عنه.
والثاني: حفص بن غياث النخعي الكوفي؛ أخرج حديثه ابن ماجه
(7)
، وابن خزيمة
(8)
، والحاكم
(9)
، والبيهقي
(10)
من طرق عنه.
وقد أشار الإمام أحمد إلى أن هذا الحديث غير محفوظ، وهو معنى قوله: ليس من هذا شيء
(11)
. ووجه ذلك أن الإسناد الذي ذُكر به إنما يروى به متنٌ آخر، وهو
حديث: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمّ صومَه، فإنما أطعمه الله وسقاه» . أخرجاه
(12)
من حديث يزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.
لكن ليس في قول الإمام أحمد ما يبين صاحب الوهم الذي جعل ذلك المتن للإسناد المذكور، ولا كيف دخل عليه حديث في حديث.
والظاهر أن الواهم هو هشام بن حسان، لأن عيسى بن يونس قد توبع
(1)
صحيح ابن خزيمة (3/ 226 ح 1960).
(2)
شرح معاني الآثار (2/ 97).
(3)
الإحسان (8/ 284 ح 3518).
(4)
السنن (2/ 184).
(5)
المستدرك (1/ 426).
(6)
السنن الكبرى (4/ 219).
(7)
السنن (الموضع نفسه).
(8)
صحيح ابن خزيمة (3/ 226 ح 1961).
(9)
المستدرك (1/ 426).
(10)
السنن الكبرى (الموضع نفسه).
(11)
هكذا فسره الخطابي (نصب الراية 2/ 448).
(12)
أخرجه البخاري (4/ 155 ح 1933)، ومسلم (2/ 809 ح 1155).
من راوٍ ثقة، ولذلك لم يرد ذكره في سؤال أبي داود ولا في جواب الإمام أحمد. وقد ذكر الدارمي أن عيسى بن يونس يقول:«زعم أهل البصرة أن هشاماً أوهم فيه» .
(1)
ولعل من أجل ذلك لم يرو هذا الحديث عنه أحد من حفاظ أهل البصرة.
وقد بين الإمام البخاري وجه الوهم فقال: «إنما يروى هذا عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه» .
(2)
وعبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري منكر الحديث
(3)
، وحديثه أخرجه ابن أبي شيبة
(4)
، والدارقطني
(5)
.
فمعنى هذا أن هشاماً القردوسي وهم فركب إسناد حديثه الصحيح لهذا المتن الذي لم يصح، فأوهم أنه حديث صحيح. وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين
(6)
، وقال الدارقطني: رواته ثقات كلهم
(7)
، لكن هذا لا يستلزم تصحيحاً.
وصححه أيضاً الألباني
(8)
.
والإمام أحمد لم يصحح هذا المتن إلا من رواية نافع عن ابن عمر موقوفاً عليه.
(9)
(1)
سنن الدارمي (2/ 14)
(2)
التاريخ الكبير (1/ 92).
(3)
قاله أحمد في رواية أبي طالب (الكامل في ضعفاء الرجال 4/ 1480).
(4)
المصنف (2/ 297 ح 9189).
(5)
السنن (2/ 184 - 185).
(6)
المستدرك (1/ 426)، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: البخاري قد أعله في التاريخ (تغليق التعليق 3/ 176).
(7)
السنن (2/ 184).
(8)
إرواء الغليل (4/ 51 - 53).
(9)
وقد أخرجه مالك (الموطأ 1/ 304)، وابن أبي شيبة (المصنف 2/ 297 ح 9188) من طريق عبيد الله، كلاهما عن نافع به.
وقد يقال: إذا كان الراوي ثقة، فلم لا يجوز أن يكون للحديث إسنادان عند شيخه، فحدث بأحدهما مرة وحدث بالآخر مراراً فكثر عدد الذين رووا وجها دون آخر، وعليه فلا يلزم إنكار الإسناد الآخر؟ ويقال مثل هذا في إبدال صحابي بآخر، وكذلك في إبدال راوٍ بآخر.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الإيراد فقال: «هذا التجويز لا ننكره، لكن مبنى هذا العلم على غلبة الظن، وللحفاظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا، وإنما يُعوَّل في ذلك منهم على النقّاد المطلعين منهم، ولهذا كان كثير منهم - أي الرواة - يرجعون عن الغلط إذا نبهوا عليه» .
(1)
النوع الرابع من القلب: القلب في المتن
وقد سبق وأن ذكرنا تعريف الجزري للقلب في ألفاظ متون الأحاديث، وهو أحد أنواع الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات.
فمن أملثة ذلك مما نبّه عليه الإمام أحمد:
قال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا رَوْح، قال: حدثنا سعيد وعبد الوهاب، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الطُّفَيل قال: كان معاوية لا يأتي على رُكنٍ من أركان البيت إلا اسْتَلَمَه، فقال ابن عباس: إنما كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يَستلِم هذيْن الرُّكنيْن. قال أبي: قال عبد الوهاب في حديثه: الحَجرُ الأسودُ واليَماني. فقال معاوية: ليس من أركانه مهجور
(2)
. حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شُعبة قال: حدثني قتادة، عن أبي الطُّفَيل قال: حجّ ابن عباس ومُعاوية، فجعل ابن عبّاس يَستلم الأركانَ كلَّها فقال معاوية: إنما استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذيْن
(1)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/ 875 - 876).
(2)
وأخرجه أحمد في المسند (5/ 469 ح 3532). وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير 10/ 271 ح 10636)، والبيهقي (السنن الكبرى 5/ 76) من طريق خالد بن الحارث عن سعيد بن أبي عروبة.
الركنيْن الأَيمنيْن فقال ابن عباس: ليس من أركانه مهجور
(1)
. حدثني أبي قال: حدثنا حجاج قال: حدثني شُعبة؛ ومحمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعتُ قتادة يحدّث؛ قال حجاج قال: سمعتُ أبا الطُّفَيل قال: قدِم مُعاويةُ وابنُ عباس فطاف ابن عباس فذكر مثله. وقال حجاج: قال شعبة: الناس يخالفوني في هذا الحديث، يقولون معاوية هو الذي قال: ليس من البيت شيء مهجور، ولكنِّي حفظتُه من قتادة هكذا
(2)
. حدثني أبي قال: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا أبو خَيْثَمة - يعني زهيراً - عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن أبي الطُّفيل قال: رأيتُ مُعاويةَ يَطوفُ بِالبيتِ عن يسارِه عبدُ الله بنُ عباسٍ، وأنا أتلوهما في ظُهورِهما أَسمَعُ كلامَهما، فطَفِق معاويةُ يَستلِمُ ركنيِ الحِجر، فقال له عبد الله بن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَستلم هذين الرُّكنيْن، فقال معاويةُ: دعني منك يا ابنَ عباس، فإنه ليس منها
شيءٌ مهجورٌ، فطفق ابنُ عباس لا يَذَرُه كُلَّما وضع يدَه على شيءٍ من الرُّكنيْن قال له ذاك
(3)
.
(4)
حديث أبي الطفيل قد وقع فيه قلب، وذلك أن استلام جميع أركان البيت وقع من معاوية وأن ابن عباس أنكره عليه، ثبت ذلك في حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء عن ابن عباس. علقه البخاري بصيغة الجزم
(5)
،
(1)
أخرجه في المسند (28/ 106 ح 16897).
(2)
أخرجه في المسند (28/ 73 ح 16858).
(3)
أخرجه في المسند (4/ 87 ح 2210).
وأخرجه من طريق أبي خيثمة الطبراني (10/ 270 ح 10632)، والحاكم (3/ 542).
وأخرجه عبد الرزاق (المصنف 5/ 45 ح 8944) عن الثوري، ومعمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به، ومن طريقه أخرجه أحمد (5/ 197 ح 3074)، والترمذي (3/ 213 ح 858).
وأخرجه أحمد عن روح عن الثوري، عن ابن خثيم (المسند 5/ 470 ح 3533).
وأخرجه ابن عبد البر من طريق شريك القاضي عن ابن خثيم به (التمهيد 10/ 52).
(4)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (3/ 315 - 316).
(5)
صحيح البخاري (3/ 473 ح 1608).
قال الحافظ ابن حجر: وصله الجوزقي
(1)
. وورد أيضاً من حديث خُصيف، عن مجاهد عن ابن عباس. أخرجه أحمد
(2)
، والطحاوي
(3)
، والطبراني
(4)
.
وأما حديث أبي الطفيل فاختلف على قتادة في تمييز المستلم للأركان من المنكر، فعند سعيد بن أبي عروبة معاوية هو الذي يستلم الأركان، ويؤيد ذلك رواية عمرو بن الحارث عن قتادة، عن أبي الطفيل أنه سمع ابن عباس يقول:«لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين» . أخرجه مسلم
(5)
، والطبراني
(6)
. فناسب أن يكون ابن عباس هو المنكر لمعاوية استلام جميع أركان البيت. ويؤيده أيضاً رواية ابن خثيم، عن أبي الطفيل، وهي موافقة تماماً لرواية سعيد بن أبي عروبة؛ وكأن الإمام ذكرها ليرجح بها رواية سعيد ويبرهن بها على أن شعبة قد قلب متن الحديث. وقد صرح بذلك في رواية أخرى من طريق عبد الله على ما ذكره ابن حجر
(7)
.
وقد يكون الذي قلب المتن قتادة نفسه حين حدث شعبة بالحديث، بدليل أن شعبة ذكر أنه حفظه من قتادة كذلك، ولذلك لم يرجع عنه مع علمه بأن الناس يخالفونه في روايته.
ولم أقف على مثال آخر صريح لهذا النوع من القلب عن الإمام أحمد.
(1)
تغليق التعليق (3/ 71).
(2)
المسند (3/ 370 ح 1877).
(3)
شرح معاني الآثار (2/ 184).
(4)
المعجم الأوسط (3/ 17 ح 2323).
(5)
صحيح مسلم (2/ 925 ح 1269).
(6)
المعجم الكبير (10/ 271 ح 10635).
(7)
(فتح الباري 3/ 474). هذا إذا لم يكن نقله بالمعنى، فإن التصريح بأن شعبة هو الذي قلبه غير موجود في العلل برواية عبد الله كما سلف، إلا أن يكون الحافظ نقل ذلك من علل الخلال عن عبد الله، والله أعلم.
المطلب الخامس: رفع الموقوف ووصل المرسل
وهذا نوع آخر من الأخطاء التي تقع في روايات الثقات. قال الذهبي معلقاً على قول أبي أحمد ابن عدي في الحسن بن علي بن شبيب المعمري: «أما ما ذكر عنه أنه رفع أحاديث وزاد في المتون، فإن هذا موجود في البغداديين خاصة، وفي حديثهم وفي حديث ثقاتهم، فإنهم يرفعون الموقوف، ويوصلون المرسل، ويزيدون في الأسانيد
…
»
(1)
، قال الذهبي: «بئسَتِ الخِصالُ هذه، وبمثلها يَنحطُّ الثقة عن رتبة الاحتجاج به، فلو وقف المحدث المرفوعَ، أو أرسل المتّصِل لساغ له، كما قيل
(2)
: انقص من الحديث ولا يزِد فيه».
(3)
ومما يدل على اعتار هذا من الخطأ ما تقدم عن الإمام أحمد من تضعيفه لعطاء بن السائب وسماك بن حرب بأنهما كان يسلكان الجادة في الرفع، أما سماك فيقول: عن عكرمة، عن ابن عباس؛ وأما عطاء فيقول: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
(4)
.
وقال في محمد بن إبراهيم بن أبي عدي: «روى عن شعبة أحاديث يرفعها ننكرها عليه» .
(5)
وقال في هشام بن لاحق: «كان يُحدّث عن عاصم أحاديث، لم يكن به بأس، رفع عن عاصم أحاديث لم تُرفع، أسندها إلى سلمان» .
(6)
(1)
الكامل في ضعفاء الرجال (2/ 750).
(2)
هذه المقالة لمجاهد بن جبر كما رواها عنه الخطيب (الكفاية ص 289).
(3)
سير أعلام النبلاء (13/ 513).
(4)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (1/ 395 رقم 792).
(5)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص 353 رقم 548).
(6)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (3/ 300 رقم 5334).
(1)
وقد تقدم عنه أيضاً تضعيف حماد بن سلمة في شيخه قيس بن سعد لأن كتابه عن قيس قد ضاع، وملامح ذلك التضعيف واضحة في كثرة ما يرفعه من أحاديثه عن عطاء، عن ابن عباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
وكذلك ما تقدم في استدلاله لدخول التخليط في حديث ابن لهيعة في آخر عمره بأنه كان يرفع ما كان يوقفه لماّ كان في الصحة. فذكر عن ابن وهب أن ابن لهيعة روى هذا الحديث: «لو كان القرآن في إهاب ما مسَّتْه النَّارُ» قال ابن وهب: ما رفعه لنا ابن لهيعة قط أوَّلَ عُمُرِهِ
(3)
.
ولهذا أمثلة لدى غير الإمام أحمد من أئمة هذا الشأن.
قال الدارقطني لما سئل عن سعيد بن عبيد الله الثقفي، قال: «هذا ابن عبيد الله
بن جبير بن حية، وليس بالقوي، يُحدث بأحاديث يسندها ويوقفها غيره».
(4)
فجعل علة ضعفه رفعه للموقوفات.
وأما التفريق بين رفع الموقوف ووصل المرسل من جهة، ووقف المرفوع وإرسال المتصل من جهة أخرى، حيث أشار الحافظ الذهبي إلى أن الثاني يسوغ
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 437 رقم 2010).
(2)
انظر: ما تقدم ص (254).
(3)
العلل ومعرفة الرجال ـ رواية عبد الله (2/ 131 رقم 1784). وانظر دراسة ذلك الحديث فيما تقدم (ص 383).
(4)
سؤالات الحاكم للدارقطني (رقم 334).
دون الأول فقد أجاب عنه الخطيب فقال: «إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر» .
(1)
وهناك بعض الرواة يتوقف في الحكم بالخطأ على من خالفهم برفع ما أوقفوه، مع كونهم أوثق ممن خالفهم؛ وهؤلاء هم أئمة أهل البصرة: أيوب، ومحمد بن عون، ومحمد بن سيرين، لأن مذهبهم وقف كثير من الأحاديث المرفوعة. قال المرّوذي:«سألت أبا عبد الله عن هشام بن حسّان فقال: أيوب، وابن عون أحبّ إليّ، وحسّن أمرَ هِشام وقال: قد روى أحاديث رفعها أوقفوها، وقد كان مذهبُهم أن يَقصِروا بالحديث ويُوقفوه» .
(2)
ومن الأمثلة لما جاء عن الإمام أحمد من خطأ بعض الرواة الثقات برفع الموقوف أو وصل المرسل ما يلي:
رفع الموقوف
فمن ذلك:
قال حنبل: حدثنا أبو عبد الله، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سيُؤيِّد
هذا الدينَ برجالٍ ليس لهم عند الله خَلاقٌ». قال أبو عبد الله: ليس هذا مرفوعاً.
(3)
هذا الحديث أخرجه النسائي
(4)
، وابن حبان
(5)
، من طريق رباح،
(1)
الكفاية في علم الراوية (ص 581).
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص 71 رقم 78).
(3)
المنتخب من العلل للخلال (ص 164 رقم 86).
(4)
السنن الكبرى (5/ 279 ح 8885).
(5)
الإحسان (10/ 376 ح 4517).
والطبراني
(1)
من طريق عباد بن منصور كلاهما عن أيوب به، وقال الطبراني:«لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا عباد، ومعمر بن راشد، تفرد به عن عباد ريحان، وعن معمر رباح بن زيد» .
ورباح بن زيد ثقة جليل
(2)
قال أحمد: إني أحب رباحاً وأحب حديثه، وأحب ذكره
(3)
.
ولم أقف على رواية الوقف التي يبدو أن الإمام أحمد رجحها على هذه الرواية.
وقد رُوي من وجه آخر عن أنس مرفوعاً، أخرجه الإسماعيلي
(4)
من طريق معلى بن زياد، وأبو نعيم
(5)
من طريق مالك بن دينار كلاهما عن الحسن، عن أنس به مرفوعاً.
قال أبو داود: سمعت أحمد ذَكر حديث حماد بن زيد، عن أبان بن تغلب
(6)
، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم في التلبية. قال: هذا أُراه من حماد - يعني رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الحديث موقوف على عبد الله».
(7)
حديث حماد بن زيد أخرجه النسائي
(8)
، والشاشي
(9)
، والإسماعيلي
(10)
(1)
المعجم الأوسط (3/ 142 ح 2737).
(2)
انظر: الجرح والتعديل (3/ 490).
(3)
الثقات لابن حبان (8/ 241).
(4)
معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (1/ 406 ح 70).
(5)
جلية الأولياء (2/ 387).
(6)
التصحيح من مصادر التخريج.
(7)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 437 رقم 2009)، وانظر: ص 316 من طبعة المنار 1353 هـ.
(8)
السنن (5/ 161 ح 2750)؛ السنن الكبرى (2/ 353 ح 3772).
(9)
مسند الشاشي (2/ 21 ح 482).
(10)
معجم شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (1/ 330 ح 14).
من طرق عنه، عن أبان بن تغلب، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال:«كان من تلبية النبي صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك» .
وتابعه شعبة، فرواه عن أبي إسحاق به، ولفظه: كانت تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره، أخرجه الشافعي
(1)
.
ورواه أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، كنت مع ابن مسعود فلبى فقال رجل: من هذا الملبي في هذا اليوم؟ فالتفت إليه ابن مسعود فقال: «لبيك عدد التراب لبيك» . أخرجه ابن أبي شيبة
(2)
.
وذكر الإمام أحمد أن حماد بن زيد هو الذي رفعه، وأنه عن ابن مسعود موقوف، ولم أقف على رواية الوقف إلا ما تقدم عن أبي بكر بن عياش.
وقال ابن أبي حاتم- بعد أن ذكر حديث حماد بن زيد: «رواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كانت تلبية عبد الله بن مسعود، لم يرفعه، قال: قال أبي: حديث شعبة أصح» .
(3)
فهذا يوافق قول الإمام أحمد في الإعلال، لكن الرواية التي ذكرها تخالف رواية الشافعي، عن ابن مهدي، عن شعبة.
وصل المرسل
فمن ذلك:
قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: «كان عيسى بن يونس يُسند حديث الهدية، والناس يرسلونه» .
(4)
(1)
كتاب الأم (7/ 190).
(2)
المصنف (3/ 375 ح 15072).
(3)
علل ابن أبي حاتم (1/ 293 ح 876).
(4)
تهذيب الكمال (23/ 68).
وحديث عيسى بن يونس أخرجه البخاري
(1)
، وأبو داود
(2)
، والترمذي
(3)
، وأحمد
(4)
، وإسحاق
(5)
، والبيهقي
(6)
عنه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهديةَ ويُثيب عليها» .
وذكر الإمام أحمد أن عيسى بن يونس تفرد بوصله، والناس يرسلونه، يشير إلى أنه أخطأ بوصل ما هو مرسل.
وذكر البخاري أن وكيعاً ومحاضر بن المورّع
(7)
روياه مرسلاً، ليس فيه عائشة.
ورواية وكيع وصلها ابن أبي شيبة
(8)
، ورواية محاضر لم أقف عليها
(9)
.
ووافق الإمامَ أحمد على تخطئة رواية عيسى بن يونس الموصوله ابنُ معين
(10)
، وأبو داود
(11)
، والدارقطني
(12)
.
(1)
صحيح البخاري (5/ 210 ح 2585).
(2)
السنن (ح 3536).
(3)
الجامع (4/ 338 ح 1953).
(4)
المسند (41/ 138 ح 24591).
(5)
مسند إسحاق بن راهويه (2/ 267 ح 773).
(6)
السنن الكبرى (6/ 180).
(7)
قال عنه أحمد: كان مغفلاً لم يكن من أصحاب الحديث. وقال أبو زرعة: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين (تهذيب الكمال 27/ 260 - 261).
(8)
انظر: تغليق التعليق (3/ 358).
(9)
قال الحافظ ابن حجر: لم أقف عليه بعد (فتح الباري 5/ 210).
(10)
قال: إنما هو عن هشام، عن أبيه فقط (التاريخ برواية الدوري 3/ 243 رقم 1138).
(11)
قال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: تفرد بوصله عيسى بن يونس، وهو عند الناس مرسل (ذكره ابن حجر في فتح الباري، الموضع نفسه).
(12)
ذكره في الأحاديث التي استدركها على البخاري في التتبع (الإلزامات والتتبع ص 514). قال: وهذا مرسل.
وإخراج الإمام البخاري للحديث مصير منه إلى تصحيح وصله، قال ابن حجر: لحفظ رواتها
(1)
.
ووكيع أحفظ من عيسى بن يونس، ثم إنه قد اقترن بغيره.
ومن أمثلة ذلك ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله عن عن أبيه «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة» . وفي بعض الروايات: عن ابن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام أحمد: «هذا الحديث إنما هو عن الزهري مرسل
…
وحديث ابن عيينة وهم».
(2)
رواه مالك، ومعمر، ويونس عن الزهري مرسلاً. وسيأتي توضيح هذه الطرق في المطلب الآتي في الكلام على المدرج إن شاء الله.
فاعتبر الإمام أحمد وصل ابن عيينة للحديث الذي هو في الأصل مرسل وهماً، فدلّ على أن وصل المراسيل من جنس الأخطاء التي تعتري أحاديث الثقات.
(1)
هدي الساري (ص 361).
(2)
المعجم الكبير (12/ 286 ح 13133).
المطلب السادس: الإدراج
وهذا أيضاً من أنواع الأخطاء الواقعة في أحاديث الرواة الثقات، والإدراج مصدر أدرج، وهو إدخال الشيء في الشيء وضمّه إياه
(1)
، والحديث الذي وقع فيه الإدراج يسمى المُدرج، اسم مفعول من أدرج.
والحديث المُدرج هو ما كان فيه زيادة ليست منه في الإسناد أو المتن
(2)
. فهو نوعان: مدرج في المتن، ومدرج في الإسناد، ولكل نوع منهما أقسام.
فالمدرج في المتن هو أن يُدرج الراوي في حديث النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من كلام غيره مع
إيهام كونه من كلامه
(3)
، وقد يكون ذلك في أول المتن أو في وسطه أو في آخره وهو الأكثر.
وكما يكون الإدراج في المرفوع، فقد يكون في الموقوف على الصحابي بإلحاق التابعي فمن بعده، أو في المقطوع بإلحاق تابعي التابعي فمن بعده
(4)
.
وأما مدرج الإسناد فأغلب أقسامه
(5)
تعود إلى نوع من القلب، وهو إدخال حديث أو جزء منه في آخر. وهذا النوع من أنواع العلل الغامضة التي لا يطلع عليها إلا النقادُ الجهابذةُ العارفون بمراتب الرواة ومداخل الخطأ في الروايات، وكثيراً ما يغفل عنه من لا يستنير بكلامهم عند الحكم على الأحاديث، فيصحح ما قد أدركوا علته وكشفوها، وما ذلك إلا لقلة معرفة هؤلاء وعدم إتيانهم
(1)
انظر: تاج العروس (2/ 39 - 41) مادة درج.
(2)
انظر: الفصل للوصل المدرج (1/ 23).
(3)
النكت على كتاب ابن الصلاح (2/ 811).
(4)
فتح المغيث (1/ 282).
(5)
انظرها في «النكت على كتاب ابن الصلاح» 2/ 832 - 837، وفي مقدمة «الفصل للوصل المدرج» 1/ 25 - 27.
البيوت من أبوابها.
وسأورد في هذا المطلب نماذج مما أعله الإمام أحمد من أحاديث الرواة الثقات بالإدراج، وهي كالتالي:
(1)
وقال عبد الله: «سألت أبي عن حديث الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة» ؟ فقال: أما سفيان فكان أكثر ما يقول: عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر. قال
أبي: فقد رواه عُقيل بن خالد، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه «كان يمشي أمام الجَنازة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة» ، وما هو إلا فعل ابن عمر، والنبي صلى الله عليه وسلم مرسل عن الزهري. قال أبي: كان هذا من قول الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الحديث».
(2)
بين الإمام أحمد أن قول الزهري: «وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر يمشون أمامها» ، مدرج في الخبر وليس بمسند بل هو مرسل عن الزهري، وإنما المتصل من ذلك فعل ابن عمر أنه كان يمشي أمام الجنازة، فهذا القدر الذي رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر.
وتوضيح ذلك أن الرواة عن الزهري اختلفوا عنه في رواية هذا الحديث.
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (2/ 190 رقم 2035).
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (2/ 484 رقم 675).
فأما ابن عيينة فلم يختلف عليه أن الحديث عنده كله موصول؛ رواه أبو داود
(1)
، والترمذي
(2)
، النسائي
(3)
، وابن ماجه
(4)
، وأحمد
(5)
، والحميدي
(6)
، وابن أبي شيبة
(7)
، وابن حبان
(8)
، والبيهقي
(9)
فكلهم رووه عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة» . وفي بعض الروايات: عن ابن عمر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
قال علي بن المديني: قلت لسفيان: إن معمراً وابن جريج يخالفانك في هذا -
يعني أنهما يرسلان الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: استقر الزهري حدثنيه سمعته من فيه ويبديه: عن سالم، عن أبيه
…
(10)
وقد تابع ابن عيينة العباس بن الحسن الخِضرمي - بمعجمة مكسورة الحراني
(11)
.
وأكثر الرواة عن الزهري رووه على وجوه تحتمل الاتصال والإرسال؛
(1)
السنن (ح 3179).
(2)
الجامع (3/ 329 ح 1007).
(3)
السنن (4/ 56 ح 1943)، السنن الكبرى (1/ 632 ح 2071).
(4)
السنن (1/ 475 ح 1482).
(5)
المسند (8/ 137 ح 4539).
(6)
مسند الحميدي (2/ 276 ح 607).
(7)
مصنف ابن أبي شيبة (2/ 476 ح 11224).
(8)
الإحسان (7/ 317 ح 3045؛ 7/ 319 ح 3047؛ 7/ 318 ح 3046).
(9)
السنن الكبرى (4/ 23).
(10)
السنن الكبرى (4/ 23).
(11)
قال عنه أبو حاتم: مجهول. وقال ابن عدي: يخالف الثقات. (الكامل في ضعفاء الرجال 5/ 1666؛ ميزان الاعتدال ترجمة 4161).
وحديثه عند الطبراني (المعجم الكبير 12/ 286 ح 13134)، وابن عدي (الكامل في ضعفاء الرجال، الموضع نفسه).
ومن تلك الروايات الرواية التي ذكرها ابن هانئ في سؤاله للإمام أحمد عن حجاج المصيصي، عن ابن جريج، عن زِياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن ابن عمر «أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر، وعثمان يمشون أمامها» .
(1)
فقوله في هذه الرواية: «وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
» يحتمل الاتصال أنه من قول ابن عمر، ويحتمل الإرسال. وهكذا جاءت رواية غير زياد بن سعد من أصحاب الزهري، منهم: شعيب بن أبي حمزة
(2)
، وعقيل بن أبي خالد
(3)
، ومحمد بن عبد الله بن أبي عتيق مقروناً بموسى بن عقبة
(4)
،
ويونس بن يزيد الأيلي
(5)
،
(1)
أخرجه أحمد (المسند 9/ 9 ح 4940) بهذا الإسناد؛ وقد أخرجه الترمذي (الجامع 3/ 329 ح 1008) من طريق همام عن زياد بن سعد، وبكر الكوفي، ومنصور كلهم عن الزهري به، وذكره بمثل لفظ حديث ابن عيينة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. وكذلك أخرجه النسائي (السنن 4/ 56 ح 1944)، والطبراني (المعجم الأوسط ح 2072).
قال الترمذي: إنما هو عن سفيان روى عنه همام، أي حمل لفظ حديث سفيان على حديث زياد ومن معه. (الجامع 3/ 330).
(2)
حديثه عند ابن حبان (7/ 320 ح 3048). وزاد: قال الزهري: وكذلك السنة.
(3)
حديثه عند أحمد (10/ 369 ح 6253)، والطحاوي (شرح معاني الآثار 1/ 479). ورواه الطبراني (المعجم الأوسط 6/ 263 ح 6363) من طريق ابن لهيعة عن عقيل ويونس موصولا بمثل لفظ رواية ابن عيينة. وقال الطبراني: لم يصل هذا الحديث عن يونس إلا ابن لهيعة.
(4)
وحديثهما عند الطبراني (المعجم الأوسط 5/ 37 ح 4605)، وابن عبد البر (التمهيد 12/ 88).
(5)
اختلف عليه، فرواه ابن وهب بمثل رواية الجماعة أي على احتمال الوصل والإرسال. أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار 1/ 479). وتابعه أحمد بن شيب عن أبيه عنه عند الخطيب (الفصل للوصل المدرج 1/ 335).
ورواه محمد بن بكر الرساني عن الزهري، عن أنس (جامع الترمذي 3/ 331 ح 1011). قال الترمذي:: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ، أخطأ فيه ابن بكر، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة قال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. قال محمد: هذا أصح اهـ.
وهذه رواية معمر، ولم أقف على من رواه عن يونس على هذا الوجه الذي ذكره الإمام البخاري.
ويحيى بن سعيد الأنصاري
(1)
، وابن أخي ابن شهاب الزهري
(2)
، والنعمان بن راشد
(3)
.
ورواه الإمام مالك
(4)
، عن الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة؛ فذكره مرسلاً، وقد رواه قوم موصولا عن مالك
(5)
. قال ابن عبد البر: الصحيح فيه عن مالك الإرسال
(6)
.
وجاءت رواية معمر ففصلت بين ما هو مرسل مما هو موصول. أخرجها عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري قال:«كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، قال الزهري: وأخبرني سالم، أن أباه كان يمشي أمام الجنازة» .
(7)
قال الخطيب: ويؤيد رواية معمر عن الزهري أن مالك بن أنس روى هذا الحديث عن الزهري مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم
(8)
.
وبهذا يتبين أن قول الزهري في الحديث: «كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة» مدرج في حديث من أجمله مع فعل ابن عمر، وهم أكثر
(1)
حديثه عند ابن عبد البر (التمهيد 12/ 87 - 88).
(2)
برواية الدراوردي عنه، أخرجها ابن عبد البر (12/ 94)، وقال الدراوردي أثبت من سليمان بن داود الهاشمي، وقد رواه عن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب موصولاً بمثل رواية ابن عيينة. أخرجه أحمد (المسند 10/ 229 ح 6042)، وأبو يعلى (المسند 9/ 354 ح 5464)، وابن عبد البر (المهيد 12/ 91).
(3)
أخرج حديثه الخطيب (الفصل للوصل المدرج 1/ 334 - 335).
(4)
الموطأ (1/ 225).
(5)
ذكر ابن عبد البر رواياتهم (التمهيد 12/ 83 - 85).
(6)
التمهيد (12/ 85).
(7)
أخرجه عبد الرزاق (المصنف 3/ 444 ح 6259)، ومن طريقه الترمذي (الجامع 3/ 330 ح 1009)، وابن عبد البر (التمهيد 12/ 93).
(8)
الفصل للوصل المدرج (1/ 337).
الرواة عن الزهري، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في رواية ابن هانئ، وهو معلولٌ وصله كما وقع في حديث ابن عيينة، وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في رواية عبد الله. وقال في موضع آخر:«هذا الحديث إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم عن فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة وهم» .
(1)
وممن وافق الإمام أحمد على أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مدرج الإمام البخاري كما تقدم
(2)
، وابن المبارك
(3)
، وابن أبي السري
(4)
، والنسائي
(5)
، وقال الترمذي:«وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح»
(6)
، وكذلك الخطيب
(7)
، وابن حجر
(8)
.
وذكر ابن حجر أن ابن المنذر، وابن حزم صححا الحديث الموصول
(9)
، وكذلك
انتصر له ابن القيم
(10)
. والصواب ما نسبه الترمذي إلى أنه قول أهل الحديث كلهم.
ومن أمثلة المدرج عند الإمام أحمد:
قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد الله يقول: حديث سهيل، عن أبيه، عن
(1)
المعجم الكبير (12/ 286 ح 13133).
(2)
وانظر: جامع الترمذي (3/ 331) وعلل الترمذي الكبير (1/ 404 - 405).
(3)
قال: الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به وتركنا القول الآخر. (السنن الكبرى للنسائي 1/ 632).
(4)
ذكر هذا التفصيل الذي جاء عن معمر (المهيد 12/ 93).
(5)
قال عن حديث ابن عيينة: هذا الحديث خطأ، وهم فيه ابن عيينة، خالفه مالك، رواه عن الزهري مرسلاً (الموضع نفسه).
(6)
جامع الترمذي (3/ 330).
(7)
ذكره في الفصل للوصل المدرج (1/ 331).
(8)
تلخيص الحبير (2/ 111 - 112).
(9)
الموضع نفسه.
(10)
تهذيب السنن (8/ 323).
أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان مصلِّياً بعد الجُمُعة فليصلِّ أربعاً، فإن عجلت به حاجته فيصلي ركعتين في المسجد، وركعيتن في بيته» . قال أبو عبد الله: قال ابن إدريس: «يصلي ركعتين في بيته» هو من قول أبي صالح».
(1)
هذه الرواية التي ذكرها الإمام أحمد أنه وقع فيها إدراج هي رواية بعض الرواة عن عبد الله بن إدريس في روايته لحديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. ذكرها الإمام أحمد
(2)
، وإسحاق بن إبراهيم
(3)
، وعبد الله بن سعيد الأشج
(4)
، وعثمان بن أبي شيبة
(5)
، وأبو كريب محمد بن العلاء
(6)
، والحسين بن الفرج البغدادي
(7)
وجعفر بن محمد بن عبد السلام بن سريع الجلاب
(8)
. والقدر المرفوع من الحديث قوله: «من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً» . هكذا رواه سائر الرواة عن عبد الله بن إدريس، منهم أبو بكر بن أبي شيبة
(9)
، وسلم بن جنادة
(10)
، وهناد بن السري
(11)
.
وهكذا رواه العدد الكثير من الرواة عن سهيل بن أبي صالح، منهم:
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (2/ 209 ح 2139).
(2)
المسند (12/ 361 ح 7400).
(3)
أخرج حديثه البيهقي (2/ 239 - 240).
(4)
أخرج حديثه ابن حبان (6/ 233 ح 2485).
(5)
أخرج حديثه الخطيب في الفصل للوصل المدرج (1/ 276).
(6)
أخرج حديثه أبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم 2/ 465 ح 1979).
(7)
أخرج حديثه الخطيب في الفصل للوصل المدرج (1/ 276) وفي تاريخ بغداد (8/ 85)؛ مقتصراً على قوله: فإن عجل أحدكم حاجته فليصل ركعتين.
(8)
أخرج حديثه الخطيب في الفصل للوصل المدرج (1/ 276).
(9)
وحديثه في مصنفه (1/ 464 ح 5374)، ورواه من طريقه مسلم (صحيح مسلم 2/ 600 ح 68)، وابن ماجه (1/ 358 ح 1132).
(10)
وحديثه عند ابن ماجه مقروناً بابن أبي شيبة (الموضع نفسه).
(11)
حديثه عند البيهقي (السنن الكبرى 3/ 239 - 240).
أبو عوانة الوضاح
(1)
، وخالد بن عبد الله الطحان
(2)
، وجرير بن عبد الحميد الضبي
(3)
، وسفيان الثوري
(4)
، وسفيان بن عيينة
(5)
، وسليمان التيمي
(6)
، وإسماعيل بن زكريا
(7)
، وأبو حنيفة
(8)
، ووهيب بن خالد
(9)
، وعبد العزيز الدراوردي
(10)
؛ كلهم ذكروا الحديث مقتصرين على قوله: «من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً» .
وأما الزيادة فقد فصّلها حماد بن سلمة، وزهير بن معاوية الجعفي في روايتهما. قال حماد بن سلمة:«قال سُهيل: قال لي أبي: إن لم تُصلّ في المسجد الحرام فصلّ في المسجد ركعتين، وفي بيتك ركعتين» .
(11)
وقال زهير في حديثه: «قال
(12)
: فقال لي أبي: يا بُني فإن صليت في المسجد
ركعتين، ثم أتيتَ المنزلَ أو البيتَ فصلِّ ركعتين».
(13)
وذكر الإمام أحمد في رواية ابن هانئ هذه أن ابن إدريس فصّل هذه الزيادة،
(1)
حديثه عند الطيالسي (ص 316 ح 2406)، وابن حبان (الإحسان 6/ 228 ح 2478).
(2)
وحديثه عند مسلم (2/ 600 ح 881 (67».
(3)
وحديثه عند مسلم (الموضع نفسه ح 69)، وابن خزيمة (3/ 184 ح 1874).
(4)
وحديثه عند ومسلم (الموضع نفسه ح 69)، وابن خزيمة (الموضع نفسه ح 1874).
(5)
وحديثه عند الترمذي (2/ 399 ح 523)، والنسائي (السنن الكبرى 1/ 184 ح 496)، وابن حبان (الإحسان 6/ 230 ح 2480)، والطحاوي (شرح معاني الآثار 1/ 336).
(6)
وحديثه عند ابن حبان (الإحسان 6/ 230 ح 2481).
(7)
حديثه عند أبي داود (السنن ح 1131).
(8)
مسند أبي حنيفة (122).
(9)
وحديثه عند ابن حبان (6/ 229 ح 2479).
(10)
وحديثه عند ابن خزيمة (3/ 183 ح 1873).
(11)
أخرجه ابن حبان (الإحسان 6/ 234 ح 2486).
(12)
الظاهر أن قائل ذلك هو سهيل بن أبي صالح.
(13)
أخرجه أبو داود (السنن 1/ 673 ح 1131)، ومن طريقه البيهقي (السنن الكبرى 3/ 240).
والظاهر أنه كان يروي الحديث بالزيادة ظاناًّ منه أنها من الحديث، ثم أخذ يتردد في ذلك، ثم تبين له الصواب فيها ففصّلها من الحديث. وتوضيح ذلك أنه روى الحديث في رواية من ذكر عنه بالزيادة، وكان يقول في بعض تلك الروايات:«لا أدري، هذا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا؟» . قال ذلك عنه الإمام أحمد
(1)
، وأبو كريب
(2)
. ثم ذكر الإمام أحمد عنه أن أبا صالح يقول ذلك. وخالفه عمرو الناقد، فقال:«قال ابن إدريس: قال سهيل: فإن عجل بك شيء فصلِّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت» .
(3)
وهذا يدل على أن ابن إدريس لم يضبطه جيداً عن سهيل بن أبي صالح، والله أعلم.
ومنها:
قال صالح: قلت حديث الزُّهري، عن ابن أُكيمة، عن أبي هريرة في القراءة في الصلاة قال:«فانتهى الناس عن القِراءة» ، هو في الحديث عن أبي هريرة أو من كلام الزهري؟ قال: أما عبد الرزاق، فحكى عن معمر، عن الزهري قال: سمع ابن أُكيمة يحدّث بحديث عن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة جهر فيها بالقراءة» وذكر الحديث: «فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يجهر به من القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم). وقال ابن عيينة: فذكر الحديث. وقال معمر: عن الزهري: «فانتهى الناس في القراءة فيما يجهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم). قال سفيان: خَفيتْ عليّ هذه الكلمة. وقال إسماعيل: عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، وذكر
الحديث: «فانتهى الناس» إلى قوله:
(1)
المسند (12/ 363).
(2)
المستخرج على صحيح مسلم (1/ 466). قال: «قال ابن إدريس: لا أدري هو من النبي صلى الله عليه وسلم» فركعتين في المسجد وركعتين إذا رجع؟ إلا أني سمعته موصولاً في الحديث».
(3)
صحيح مسلم (2/ 600).
«إني أقول: ما لي أُنازَع القرآن» . فلم يزد على هذا، فالذي نرى أن قوله:«فانتهى الناس عن القراءة» أنه قول الزهري.
(1)
هذا الحديث رواه مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أُكيمة الليثي، عن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفاً؟ فقال رجل نعم يا رسول الله، فقال: إني أقول ما لي أُنازَع القرآن. فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم).
(2)
وهكذا رواه عن الزهري: معمر
(3)
، ويونس بن يزيد الأيلي
(4)
، وأبو أويس
(5)
.
وأخرجه ابن عيينة فذكر الحديث إلى قوله: «ما لي أُنازَعُ القرآن» ، ثم قال:«قال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سفيان: خَفيت عليه هذه الكلمة» . هكذا رواه أحمد
(6)
، والحميدي
(7)
،
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (2/ 280 - 282 رقم 898).
(2)
أخرجه مالك (الموطأ 1/ 86 - 87). ومن طريقه أخرجه أبو داود (1/ 516 ح 826)، والترمذي (الجامع 2/ 119 ح 312)، والنسائي (2/ 140 ح 918)، وأحمد (المسند 13/ 383 ح 8007)، وابن حبان (5/ 157 ح 1849)، والبيهقي (السنن الكبرى 2/ 157؛ القراءة خلف الإمام ح 317).
(3)
أخرج حديثه عبد الرزاق (المصنف 2/ 135 ح 2795)، وأحمد (13/ 222 ح 7819) من طريقه.
ورواه أهل البصرة عن معمر فخالفو عبد الرزاق في اللفظ. فقال يزيد بن زريع، عن معمر بمثل هذا الحديث إلى قوله: ما لي أُنازع القرآن، لم يزد على ذلك. أخرجه الخطيب (تاريخ بغداد 7/ 86). وقال عبد الأعلى عن معمر نحوه وزاد بعد:«فسكتوا بعد فيما جهر فيه الإمام» . أخرجه ابن ماجه (السنن 1/ 277 ح 849). وحديث معمر بالبصرة متكلم فيه كما تقدم.
(4)
أخرج حديثه البخاري (التاريخ الأوسط 1/ 311 رقم 611؛ والكنى ص 38) من طريق الليث عنه.
(5)
أخرج حديثه ابن عبد البر (التمهيد 11/ 26).
(6)
المسند (12/ 211 ح 7270).
(7)
مسند الحميدي (2/ 423 ح 953).
وعلي بن المديني
(1)
عن ابن عيينة. ورواه أبو داود
(2)
من طرق عن ابن عيينة، بعضها تذكر زيادة قول سفيان عن معمر، وبعضها لا تذكرها، وبعضهم يسندها إلى الزهري عن أبي هريرة
(3)
.
ورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري فانتهى حديثه إلى قوله:«ما لي أُنازَعُ القرآن» . أخرجه أحمد
(4)
.
فاستدل الإمام أحمد بهذه الرواية وبرواية ابن عيينة على أن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة» ، قول الزهري مدرج في الحديث.
وممن روى الحديث بمثل رواية عبد الرحمن بن إسحاق بدون اللفظة المدرجة الليث بن سعد
(5)
، وعبد الملك بن جريج
(6)
.
ويؤيد أن هذه اللفظة مدرجة من قول الزهري ما رواه الأوزعي ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر، فذكر الحديث إلى قوله:«ما لي أُنازَعُ القرآن» ، ثم قال:«قال الزهري: فانتهى الناس فلم يكونوا يقرؤون معه» .
(7)
، لكنه وهِم في
(1)
حديثه عند البيهقي (السنن الكبرى 2/ 157).
(2)
السنن (1/ 517 ح 827)
(3)
قال البخاري: والصحيح أنه قول الزهري، ومما استدل به على ذلك أن المعروف عن أبي هريرة أنه كان يأمر بالقراءة (انظر: الكنى للبخاري ص 38؛ التاريخ الأوسط 1/ 312).
(4)
المسند (16/ 213 ح 10318).
(5)
أخرج حديثه ابن حبان (الإحسان 5/ 151 ح 1843) من طريق يزيد بن هارون، والبيهقي (القراءة خلف الإمام ح 318، 319) من طريق أبي الوليد الطيالسي، ويحيى بن بكير.
وخالفهم يحيى بن يحيى النيسابوري فرواه عن الليث بذكر الزيادة. أخرجه الخطيب (الفصل للوصل المدرج 1/ 291).
(6)
أخرج حديثه أحمد (2/ 135 ح 2796) من طريق عبد الرزاق، وفي (13/ 230 ح 7833)، وكذلك البيهقي (القراءة خلف الإمام ح 320) من طريق البرساني.
(7)
أخرج حديثه ابن حبان (الإحسان 5/ 159 ح 1850)، والخطيب (الفصل للوصل المدرج 1/ 297 - 301)، والبيهقي (القراءة خلف الإمام ح 322).
الإسناد فذكره عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة
(1)
، ولذلك كان الوليد بن مسلم يرويه عن الأوزاعي، عن الزهري، عمن سمع أبا هريرة يقول
…
هكذا أخرجه ابن حبان
(2)
، فعلم الوليد أنه وهم فقال: عمن سمع أبا هريرة.
وذكر الخطيب هذا الحديث والذي قبله من أمثلة ما أُدرج في الأحاديث المسندة المرفوعة من ألفاظ التابعين.
ومنها:
قال صالح: قلت حديث داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله في قصة ليلة الجن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا تستنجوا بالعظام ولا بالبَعر، فإنه زاد إخوانِكم من الجنّ» هو من قول علقمة، عن عبد الله، أو من قول الشعبي؟ قال: أما إسماعيل بن إبراهيم، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فقالا جميعاً: قال الشعبي، وليس هو في حديث علقمة: سألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة فذكره
…
، الحديث. قال أبي: وبلغني أن حفص بن غياث حدث به فجعله في حديث علقمة، عن عبد الله، فنرى أنه وهم، وهذا أثبت».
(3)
حديث الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود رواه داود بن أبي هند، واختلف عليه.
فرواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن داود، عن عامر الشعبي قال: «سألت
(1)
قال الإمام البخاري: ولا يصح عن سعيد. وبين البيهقي (القراءة خلف الإمام ص 142)، وابن عبد البر (التمهيد 11/ 23) كيف دخل الوهم على الأوزاعي، وذلك أن الزهري كان يقول في هذا الحديث سمعت ابن أُكيمة يحدث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، فتوهم أنه لابن شهاب عن سعيد بن المسيب.
(2)
الإحسان (5/ 161 ح 1851).
(3)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (2/ 284 رقم 892).
علقمة: هل كان ابن مسعود شهِد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ الجِنّ؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ الجن؟ قال: لا،
ولكنّا كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا: استُطير أو اغتِيل. قال: فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ، فلما أصبحْنَا إذا هو جاء من قِبَل حِراءَ، قال: فقلنا يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبِتنا بشر ليلة بات بها قومٌ فقال: آتاني داعي الجنّ فذهبت معه فقرأتُ عليهم القرآنَ قال: فانطلق بنا فأرانا آثارَهم وآثارَ نيرانهم. وسألوه الزاد فقال: لكم كل عَظمٍ ذُكر اسمُ الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحماً، وكل بَعرَةٍ عَلَفٌ لدوابِّكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم».
(1)
وهكذا رواه علي بن عاصم
(2)
، وأبو داود الطيالسي، عن وُهيب بن خالد، ويزيد بن زريع
(3)
، وتابعه نصر بن علي عن يزيد بن زريع
(4)
، وكذلك زياد بن أيوب، وعمرو بن زرارة عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة
(5)
. فذكورا الحديث سياقة واحدة. وبعض هذا المتن ليس هو عند الشعبي عن علقمة إنما كان يرويه الشعبي
(1)
أخرجه مسلم (صحيح مسلم 1/ 332 ح 450 (150»، وابن خزيمة (1/ 44 - 45 ح 88)، وابن حبان (الإحسان 14/ 461 ح 6527)، والبيهقي (1/ 108) كلهم من طريق عبد الأعلى.
(2)
أخرجه الخطيب (الفصل للوصل المدرج 1/ 621).
(3)
مسند الطيالسي (37 ح 281).
(4)
أخرجه البزار (البحر الزخار 5/ 25 ح 1954).
(5)
أخرج رواية زياد ابن خزيمة (صحيح ابن خزيمة 1/ 44 ح 82)، لكن يحتمل أن يكون حمل ابن خزيمة لفظ ابن أبي زائدة على لفظ عبد الأعلى فإنه قرنهما في الرواية. وأخرج رواية عمرو بن زرارة ابن حبان (الإحسان 4/ 280 ح 1432). وزياد بن أيوب ثقة حافظ (تقريب التهذيب 2067)، وعمرو بن زرارة ثقة ثبت (تقريب التهذيب 5067). وخالفهما أحمد بن حنبل، وأحمد بن منيع، فذكر ابن حبنل رواية ابن أبي زائدة بالتفصيل، وذكر ابن منيع رواية بالاقتصار على الجزء الأول من الحديث كما سيأتي.
مرسلاً لا يُسنده إلى أحد، وهو من قوله: «وسألوه الزاد
…
» إلى آخر الحديث. فأدرج ذلك في رواية عبد الأعلي ومن ذكر معه. وعلى هذا وقع سؤال صالح للإمام أحمد.
فقال الإمام أحمد: إن إسماعيل بن علية ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة فصلوا كلام
الشعبي الذي أرسله وبينوه من حديث عبد الله المسند. أخرج كلا الروايتين أحمد
(1)
. وممن فصّل ذلك أيضاً بشر بن المفضل
(2)
، ويحيى بن غيلان، وإسحاق بن أبي إسرائيل كلاهما عن يزيد بن زريع
(3)
.
ومما يؤيد ذلك أن بعض الرواة عن داود رووا الحديث إلى قوله: «فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم» ، مما يدل على أنه هو القدر المسند من الحديث، وما زاد فمدرج. رواه على هذا الوجه عبد الله بن إدريس
(4)
، وأبو خيثمة عن ابن علية
(5)
.
وذكر الإمام أحمد رواية حفص بن غياث، عن علقمة، عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعِظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن» ،
(6)
(1)
المسند (7/ 214 ح 4149). وأخرج رواية ابن علية بمفردها مسلم (1/ 332)، والترمذي (5/ 382 ح 3258)، والبيهقي (1/ 109). وأخرج ابن حبان القسم المرفوع فقط (الإحسان 14/ 225 ح 6320).
وأخرج رواية ابن أبي زائدة بمفردها النسائي في الكبرى (6/ 499 ح 11623)، عن أحمد بن منيع عنه، مقتصرا على الجزء المرفوع فقط - أي إلى قوله: فأرنا آثارهم وآثار نيرانهم.
(2)
أخرج روايته الخطيب (الفصل للوصل المدرج 2/ 630).
(3)
أخرج رواية يحيى بن غيلان أبو عوانة (مسند أبي عوانة 1/ 186 ح 586)، وأخرج رواية إسحاق الخطيب (المصدر نفسه 2/ 631).
(4)
أخرجه مسلم (صحيح مسلم 1/ 333 ح 151)، و
(5)
أخرجه ابن حبان (الإحسان 14/ 225 ح 6320).
(6)
أخرج هذه الرواية الترمذي (الجامع 1/ 29 ح 18)، والنسائي (السنن الكبرى 1/ 72 ح 39)، والشاشي (مسند الشاشي ص 349 ح 316)، والطحاوي (شرح معاني الآثار 1/ 124)، والخطيب (المصدر نفسه 2/ 632).
فإنه يدل على أنها مسندة عن علقمة، عن عبد الله. فذكر أحمد أنه يرى أنه وهم من حفصٌ، وأن روايته عن الشعبي مرسلاً أثبت، وذلك لكثرة من رواه عن داود كذلك.
لكن قد تابع حفص بن غياث عبد الوهاب بن عطاء
(1)
، عن داود، إلا أن الذين خالفوهما أكثر وأثبت.
وقال الترمذي: كأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غِياث
(2)
.
وصحح الدارقطني قول من فصل الكلام المدرج، وأن الصحيح أنه من كلام الشعبي مرسلاً.
(3)
.
وذكر الخطيب هذا الحديث من أمثلة ما أُدرج فيه المرسل المقطوع بالمتصل المرفوع.
(4)
وقد يتوقف الإمام أحمد في تعيين جهة الإدراج لعدم وجود مرجح، مثاله:
قال صالح: «قلت: حديث عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله في قصة ابن النواحة قال: «فمضت السنة أن الرسل لا تُقتل» ، هو في الحديث عن عبد الله أو من كلام أبي وائل؟ قال كذا الحديث».
(5)
فهذا الحديث رواه عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود أنه قال - حيث قتل ابن النواحة - «إن هذا وابنَ أُثالٍ كانا أتيا النبي صلى الله عليه وسلم رسولين لمسيلمة
(1)
أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار 1/ 124)، والخطيب (الموضع نفسه).
(2)
الجامع (1/ 30).
(3)
علل الدراقطني (5/ 132).
(4)
الفصل للوصل المدرج (2/ 621).
(5)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (2/ 283 رقم 891).
الكذاب، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أتشهدان أني رسو الله؟» قالا: نشهد أن مُسيلمة رسول الله! فقال: «لو كنت قاتلاً رسولاً لضربت أعناقكما» . قال: فجرت السنة أن لا تقتل الرسل، فأما ابن أُثالٍ فكفاناه الله عز وجل، وأما هذا فلم يزل ذلك فيه حتى أمكن الله منه الآن».
(1)
فتوقف الإمام أحمد هل قوله: «فمضت السنة أن الرسل لا تقتل» من كلام ابن مسعود أو من كلام أبي وائل، وليس هناك ما يرجح أحد الاحتمالين، لأن هذه الزيادة إنما ذكرها المسعودي في حديثه، وليس في الحديث ما يميزها ويفصل كلام أبي وائل من كلام ابن مسعود. ولم أرهذه الزيادة في رواية الثوري، ولا في رواية سلام أبي المنذر، ولا أبي بكر بن عياش.
ومن الأملثة التي وردت عن الإمام أحمد من مدرج المتن وتوقف عن الحكم لعدم وجود مرجح:
قال صالح: «قلت: حديث الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة قال: «كن النساء يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فينصرفون متلفعاتٍ
(1)
أخرجه أبو داود الطيالسي (ص 34 ح 251)؛ وأحمد (6/ 240 ح 3708)، والشاشي (2/ 181 ح 748) كلاهما عن يزيد بن هارون؛ وأحمد (6/ 306 ح 3761) عن أبي النضر؛ والبيهقي (السنن الكبرى 9/ 212) من طريق عبد الرحمن بن مهدي كلهم - وعددهم أربعة - عن المسعودي، عن عاصم به.
وأخرجه النسائي (السنن الكبرى 5/ 206 ح 8676)، والبزار (5/ 142 ح 1733) كلاهما من طريق ابن مهدي؛ والبيهقي (السنن الكبرى 9/ 211) من طريق أبي عاصم كلاهما عن الثوري به.
وأخرجه أيو يعلى (9/ 141 ح 5097) عن سلام أبي المنذر، عن عاصم.
وخالفهما أبو بكر بن عياش فرواه عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن معيز السعدي، عن عبد الله، فزاد عليهم رجلاً في الإسناد.
قال أبو حاتم: «الثوري أحفظ من أبي بكر، وأرى أن عاصماً حكى عن أبي وائل أن رجلا يقال له ابو معيز مرّ بمسجد بنى حنيفة؛ فجعل أبو بكر عن ابن معيز، والثوري أفهم» (علل ابن أبي حاتم 1/ 303 ح 910).
بمُرُوطِهنّ، ما يُعرفن من الغَلَس». قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمكث قليلاً، وكانوا يرون أن ذلك كَيما يتقدّم النِّساء قبل الرِّجال، في الحديث عن أم سلمة أو هو من كلام الزهري؟ قال: رواه معمر، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة قالت:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلّم مكث قليلاً، وكانوا يرون أن ذلك كَيما ينفُذُ النساء قبل الرجال» . وقال إبراهيم بن سعد: قال ابن شِهاب: فنرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النِّساء قبل أن يُدركَهن من انصرف من القوم».
(1)
حديث أم سلمة رواه يونس، عن الزهري، عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة مقتصراً على الجزء المسند منه، وهو قولها: «أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا
سلمن من المكتوبة قُمن وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرِّجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام الرجال».
(2)
وهكذا رواه الزُّبَيدي
(3)
، وجعفر بن ربيعة
(4)
، وإبراهيم بن سعد في رواية بعض الروايات عنه
(5)
، ومعمر في رواية إسحاق الدبري، عن عبد الرزاق عنه
(6)
.
وأما الزيادة الواقعة في الحديث وهي: «فكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ السناء قبل الرجال» ، وهي التي وقع السؤال عنها، فرواية معمر التي ذكرها الإمام تحتمل أنها من قول أم سلمة
(7)
.
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (2/ 285 ح 893).
(2)
أخرجه البخاري (2/ 349 ح 866)، والنسائي (3/ 67 ح 1332).
(3)
ذكر البخاري روايته تعليقاً (2/ 334)، ووصلها الحافظ (تغليق التعليق 2/ 339) من طريق الطبراني في مسند الشاميين فذكر لفظه.
(4)
ذكر البخاري روايته تعليقاً أيضاً (الموضع نفسه).
(5)
أخرجها أحمد (المسند 44/ 169 ح 26541)، وابن ماجه (السنن 1/ 301 ح 932).
(6)
أخرجها الطبراني (المعجم الكبير 23/ 355 ح 831).
(7)
وأخرج تلك الرواية أيضاً عبد الرزاق (المصنف 1/ 573 ح 2181؛ 2/ 245 ح 3227)، ومن طريقه أحمد (المسند 44/ 253 ح 26644)، وأبو داود (ح 1040)، والبيهقي (السنن الكبرى 2/ 183).
ورواية إبراهيم بن سعد صريحة في أن ذلك من قول الزهري
(1)
.
فذكر الإمام أحمد الروايتين ولم يرجح شيئاً، لعدم وجود المرجح.
ففي هذا والذي قبله ليس التوقف في إثبات الإدراج، فإن ذلك ثابت ولا لبس فيه، وإنما هو في تعيين جهته، لأن الأدلة الموجودة لا تسعف الناظر.
مدرج الإسناد
وأما مدرج الإسناد فقد سبق أنه في الحقيقة نوع من القلب، حيث يقع فيه دخول متن حديث أو جزء منه في متن حديث آخر.
ومنه ما تقدم أن محمد بن فضيل روى حديث عائشة في تلبية النبي صلى الله عليه وسلم: «قالت عائشة: إني لأعلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُلبِّي قال: ثم سمعتها تلبِّي تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعمة لك والمُلك لا شريك لك» . فزاد: «والملك لا شريك لك» ، وهذه اللفظة معروفة في حديث ابن عمر، وأما حديث عائشة فإلى قولها:«إن الحمد والنعمة لك» ، هكذا رواه الثقات من أصحاب الأعمش منهم الثوري، وأبو معاوية. وقد تقدم ذلك كله
(2)
.
ومنه أيضاً:
قال حنبل: «ثنا أبو عبد الله، ثنا محمد بن مُصعب، ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مَيْتة قد ألقاها أهلُها فقال: «والذي نفسي بيده، للدُّنيا أهون على الله من هذه على أهلها» . قال أبو عبد الله: هو
(1)
أخرج هذه الرواية البخاري في مواضع (ح 837، 849، 870)، والطيالسي (ص 224 ح 1604)، وابن خزيمة (صحيح ابن خزيمة 3/ 109 ح 1719)، والبيهقي (2/ 182).
(2)
انظر: ص (706).
عندي خطأ».
(1)
هذا الحديث من المواضع التي حكم الإمام أحمد فيها بوجود العلة ولم يبين وجهها ولا الذي صدرت منه، فبقي على الناظر أن يعمل فكرَه في التماس ذلك، وهذا يقع كثيراً عند الإمام أحمد، لكونه يخاطب بكلامه أهل الاختصاص والمعرفة بهذا الفن.
ورواية محمد بن مصعب هذه أخرجها أحمد
(2)
، وابن أبي شيبة
(3)
، وأبو يعلى
(4)
، وأبو نعيم
(5)
.
والخطأ الذي أشار إليه هو أن الإسناد المذكور في هذا الحديث إنما يروى به متنٌ آخر شبيه به غير المتن المذكور معه، وأما المتن فإنما يعرف بغير هذا الإسناد، فالظاهر أن الراوي دخل عليه حديث في حديث، فلما ساق الإسناد وشرع في ذكر المتن انتقل ذهنه إلى المتن الآخر فذكره، وغفل عن المتن الحقيقي.
وتوضيح ذلك أن هذا الإسناد يرويه الزهري، وهو صاحب تلاميذ، والمتن الذي رووه به هو:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بشاةٍ مَيتةٍ أُعطيتها مولاةٌ لميمونة، فقال: هلاَّ استَمتعتُم بجلدها؟ قالوا: يا رسول الله، إنها مَيتة. قال: إنما حَرُم أكلُها» . هكذا رواه مالك
(6)
، ويونس بن يزيد الأيلي
(7)
، وصالح بن كيسان
(8)
،
(1)
المنتخب من العلل للخلال (ص 43 رقم 4).
(2)
المسند (5/ 168 ح 3047).
(3)
المصنف (7/ 86 ح 34389).
(4)
المسند (4/ 463 ح 2593).
(5)
جلية الأولياء (2/ 189).
(6)
الموطأ (2/ 498)
(7)
أخرج حديثه البخاري (4/ 355 ح 1492)، ومسلم (1/ 276 ح 363 (101».
(8)
أخرج حديثه البخاري (4/ 413 ح 2221)، ومسلم (1/ 277 ح 101)، وأحمد (4/ 197 ح 2369).
والزُّبَيدي
(1)
، ومعمر
(2)
، وعقيل ويونس
(3)
، والأوزاعي
(4)
، كلهم عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس بهذا المتن.
والعجب أن محمد بن مصعب قد شارك هؤلاء في رواية هذا المتن بالإسناد نفسه؛ أخرج تلك الرواية الإمام أحمد
(5)
، فوافق أصحاب الأوزاعي الوليد بن مسلم، وشعيب بن إسحاق اللذين رويا الحديث عن الأوزاعي. وهذا يدل على أن الوهم من محمد بن مصعب، لا من الأوزاعي.
وأما المتن الذي رواه محمد بن مصعب بهذا الإسناد، وهو:«للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها» ، فإنه يروى بأسانيد أخرى منها: حديث أبي جعفر الباقر، عن جابر بن عبد الله، وهو عند مسلم
(6)
، وأحمد
(7)
، وابن أبي شيبة
(8)
ومنها: حديث عبد الله بن ربيعة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فإذا هو
(1)
أخرج حديثه الدارمي (2/ 14).
(2)
أخرج حديثه أبو داود (ح 4121)، وعبد الرزاق (المصنف 1/ 62 ح 184)، وأحمد (5/ 415 ح 3452).
(3)
أخرج حديثهما الدارقطني (السنن 1/ 41).
(4)
أخرج حديثه أحمد (5/ 170 ح 3051)، وابن حبان (4/ 98 ح 1282)، والطبراني (23/ 428 ح 1039).
(5)
المسند (5/ 170 ح 3051).
(6)
صحيح مسلم (4/ 2272).
(7)
المسند (14972).
(8)
المصنف (ح 34391).
بشاة منبوذة فقال: أترون هذه هينة على أهلها؟ قالوا: نعم. قال الدنيا أهونُ على الله من هذاه على أهلِها».
(1)
ومنها أحاديث أخرى عن غيرهما من الصحابة.
فجعل محمد بن مصعب هذا المتن لإسناد حديث ابن عباس في شاة مولاة ميمونة، وقد كان رواه على الصواب، فدل هذا على أنه كان يضطرب في روايته، ولم يضبطه جيداً.
ومحمد بن مصعب هو القُرقُساني، سأل عبد الله الإمام أحمد عنه فقال: لا بأس به، وحدث عنه بأحاديث كثيرة
(2)
. وقال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: القرقُساني عن الأوزاعي مقارَب، وأما عن حماد بن سلمة ففيه تخليط» .
(3)
. وقال أبو زرعة:
صدوق في الحديث، ولكنه حدث بأحديث منكرة. وضعفه ابن معين، والنسائي مطلقاً، وضعفه صالح الجزرة في الأوزاعي
(4)
، وكذلك قال أبو أحمد الحاكم: روى عن الأوزاعي منكرة
(5)
.
وقد سئل أبو حاتم وأبو زرعة عن هذا الحديث فقالا: «هذا خطأ، إنما هو: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بشاة ميّتة فقال: «ما على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها» . قال ابن أبي حاتم: فقلت لهما: الوهم ممن هو؟ قالا: من القرقساني».
(6)
(1)
أخرجه النسائي (السنن 2/ 19 ح 664؛ السنن الكبرى 1/ 507 ح 1629)، وابن أبي شيبة (المصنف 7/ 86 ح 34390) من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن رُبَيِّعة. وعبد الله مختلف في صحبته (تهذيب الكمال 14/ 494). ورجال الإسناد كلهم ثقات.
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم 3840).
(3)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (رقم 328).
(4)
تهذيب الكمال (26/ 465).
(5)
تهذيب التهذيب (9/ 459 - 460).
(6)
علل ابن أبي حاتم (2/ 135 ح 1897).
وقال ابن حبان مثل ذلك
(1)
. وقال الدارقطني: وهم في متنه محمد بن مصعب
(2)
.
(1)
انظر: المجروحين (2/ 294).
(2)
تعليقات الدارقطني على المجروحين لابن حبان (ص 252).
المطلب السابع: ذكر بعض القرائن يُتوصل بها إلى معرفة أخطاء الثقات في الأحاديث كما وردت عن الإمام أحمد
إن ما تقدم من الأحاديث كلها من أحاديث الثقات وتدل ظاهر أسانيدها ببادي الرأي على أنها صحيحة، لكن أئمة هذا العلم قد أدركوا فيها عللاً خفية حالت بينها وبين رتبة الصحة والقبول، وقد غفل عن هذه العلل كثير ممن لم يسلكوا سبيلهم فحكموا على كثير منها بالصحة وجانبهم الصوابُ في ذلك.
وعندما كشف الأئمة تلك العلل، وحكموا بموجبها على الروايات بالخطأ، لم يفعلوا ذلك بمجرد الحدس من غير تحقّق، بل اعتمدوا على أدلة ثابتة بصريح المعقول توصلوا بها إلى اليقين أو الظن الراجح في أحكامهم.
ومن خلال دارستي للأحاديث التي أعلها الإمام أحمد ظهر لي بعض القرائن رأيته يعتمدها للتوصل إلى إدراك العلل الواقعة في أحاديث الثقات. وهي كالتالي:
1.
التَّفرُّد ممن لا يُحتمل تفردُه وبخاصة عن حافظٍ مُكثِرٍ ذي تلاميذَ كُثُر
وقد تقدم أمثلة كثيرة في مبحث التفرد لأحاديث الثقات التي ردّها الإمام بالتفرد، وذلك حيث لم يكن لدى الثقة من التثبت والإتقان ما يحتمل ويقبل منه أن ينفرد عن شيخه بما لا يُعرف إلا من جهته. ومن الأمثلة أيضاً:
قال أبو داود: «سمعت أحمد ذُكر له حديث ضمْرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من ملَك ذا رحِمٍ مَحرمٍ فهو حرٌّ» . فقال أحمد: ليس من ذا شيء، وهِم ضمْرة».
(1)
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 433 رقم 1999).
وقال أبو زرعة الدمشقي: فأنكره، وردّه رداًّ شديداً.
(1)
قال أحمد عن ضمْرة بن ربيعة: «من الثقات المأمونين، رجلٌ صالح، صالح الحديث، لم يكن بالشام رجلٌ يُشبهه» . وقال له عبد الله: أيما أحب إليك هو أو بقية؟
قال: «لا، ضمْرة أحب إلينا، بقية ما كان يبالي عمّن حدّث» .
(2)
وقال أبو داود: «قلت لأحمد: ضمْرة بن ربيعة؟ قال: ثقة، ثقة» .
(3)
وقال ابن قُدامة: «سئل أحمد عن ضمْرة بن رببيعة فقال: ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل» .
(4)
وهذا الحديث رواه ضمْرة عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من ملَك ذا رحِمٍ مَحرمٍ فهو حرٌّ» أخرجه النسائي
(5)
، وابن الجارود
(6)
، وابن ماجه
(7)
، والطحاوي
(8)
والحاكم
(9)
، والبيهقي
(10)
، وابن عساكر
(11)
.
وقد أنكره الإمام أحمد على ضمْرة بن ربيعة مع ثقته، ولم يصرح بوجه الإنكار، إلا أنه يؤخذ ذلك من كلام الإمام أحمد في ضمْرة كما رواه ابن قدامة،
(1)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1168، 2294).
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 366 رقم 2624).
(3)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (رقم 263).
(4)
المغني (10/ 294).
(5)
السنن الكبرى (3/ 173 ح 4897).
(6)
المنتقى (3/ 237 ح 972).
(7)
السنن (2/ 844 ح 2525).
(8)
شرح معاني الآثار (3/ 109).
(9)
المستدرك (2/ 214).
(10)
السنن الكبرى (10/ 289).
(11)
تاريخ دمشق (24/ 406).
أنه روى حديثين لا أصل لهما، فهذا أحدهما، وقد تقدم الآخر في تفسير معنى «لا أصل له» عند الإمام أحمد في مبحث الإعلال بكذب الراوي
(1)
. وهما الحديثان اللذان ذكر أبو زرعة الدمشقي إنكار الإمام أحمد لهما على ضمْرة.
فوجه الإنكار أن هذا الحديث لا يعرف من حديث الثوري، ولا من حديث عبد الله بن دينار، ولا من حديث ابن عمر.
وقد يقال: إذا كان ضمْرة ثقة مأموناً فلمَ لا يُقبل تفردُه عن الثوري، وهذه وجهة نظر من صحح الحديث كعبد الحق الإشبيلي
(2)
، وابن القطان
(3)
، وابن التركماني
(4)
، واستحسن الشيخ الألباني كلام ابن التركماني في تصحيحه للحديث ورده على تضعيف البيهقي له
(5)
. فيقال في الجواب: هذا صحيح لو كان الذي تفرد عنه لم يكن كثير الحديث والتلاميذ مثل الثوري، ولو كان شيخه أيضاً لم يكن كذلك، أما وكلٌّ من ابن عمر، وابن دينار، والثوري معروف بكثرة الرواية
(6)
والرواة، فكيف يغيب هذا الأصل عن جميع الرواة من لدن طبقة تلاميذ ابن عمر، مروراً بطبقة الرواة عن ابن دينار إلى طبقة تلاميذ الثوري، فلا يرويه إلا ضمْرة بن ربيعة الذي لم يُعرف بطول صحبته للثوري ولا بكثرة الرواية عنه، بل كان الثوري بالكوفة بينما هو بين دمشق وفلسطين، ولم يكن من الطبقة الأولى
(1)
انظر: ص (172).
(2)
الأحكام الوسطى (4/ 15).
(3)
بيان الوهم والإيهام (5/ 437).
(4)
الجوهر النقي (بهامش السنن الكبرى 10/ 290). وتبعهم أبو إسحاق الحويني في تحقيقه على منتقى ابن الجارود (الموضع نفسه).
(5)
إرواء الغليل (6/ 170).
(6)
أما ابن عمر فمعروف بأنه من المكثرين عن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن حزم (5/ 89).
وأما عبد الله بن دينار فقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث (الطبقات الكبرى - القسم المتمم ص 305).
من أصحابه أمثال القطان، وابن مهدي، ووكيع، وأبي نعيم، فما بال هذا الحديث لا يعرفه واحد من هؤلاء؟
ومن أجل هذا اعتبره الإمام أحمد من الذين لا يحتمل تفردهم عن حافظ مكثر مثل الثوري.
وقد وافق الإمام أحمد على هذا الحكم نفسه غيرُه من الأئمة.
فقال الترمذي: «لم يتابع ضمْرة بن ربيعة على هذا الحديث، وهو خطأ عند أهل الحديث»
(1)
.
وقال النسائي: «هذا حديث منكر، ولا نعلم أحداً رواه غير ضمْرة»
(2)
.
وأما البيهقي فأعلّ الحديث بأن ضمْرة انقلب عليه هذا الحديث بحديث النهي عن بيع الولاء وهبته المعروف بأنه مروي بهذا الإسناد
(3)
. لكن ضمْرة قد روى الحديثين معاً بالإسناد نفسه، فيبعد مع ذلك أن يكون انقلب عليه أحدهما بالآخر، وهذا الذي نبه عليه الحاكم
(4)
لما روى الحديثين معاً من طريق ضمْرة، فقال:«إنما ذكرت المتن الأول ليزول به الوهم عن ضمْرة»
(5)
. وأشار الحافظ ابن حجر
(6)
إلى ذلك أيضاً.
فمعرفة التفرد الكائن ممن لا يحتمل تفرده هي القرينة التي توصل بها الإمام أحمد إلى الحكم على الحديث بالخطأ، مع أن ظاهر إسناده يوهم أنه صحيح.
(1)
جامع الترمذي (3/ 646).
(2)
السنن الكبرى (3/ 173).
(3)
انظر: السنن الكبرى (10/ 289).
(4)
المستدرك (2/ 214).
(5)
والعبارة في المستدرك غير واضحة فنقلتها من إتحاف المهرة (8/ 507).
(6)
تلخيص الحبير (4/ 212).
ومثال آخر:
قال الأثرم: «قيل لأبي عبد الله: روى شبابة، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم
…
فأنكره وقال: إنما هذا حديث طارق، ما سمعت هذا من حديث قتادة ولا من حديث شعبة».
(1)
فأنكره لأنه لا يُروى من حديث شعبة، ولا من حديث قتادة، وكل منهما كان كثيرا الحديث والتلاميذ.
2.
المخالفة لرواية الأوثق أو الأكثر عدداً
وهذا أيضاً قد مرّ ذكر أمثلته عن الإمام أحمد في مطلبين
(2)
، وبمعرفته يتوصل إلى معرفة كثير من الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات التي ظاهرها الصحة، ولا يمكن الوصول إلى معرفة المخالفة إلا بجمع الطرق، ولذلك اشتهرت مقولتهم أن الباب إذا لم يجمع طرقُه لم يُعلم خطؤه.
والمخالفة ذات الوجهين قرينة قوية لكشف القلب الذي من نوع إبدال حديث بآخر. وقد تقدمت بعض أمثلة ذلك، ومنها أيضاً:
(3)
فالنهي عن الانتباذ في الدباء والمزفّت صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عن
(1)
الضعفاء للعقيلي (2/ 577).
(2)
انظرهما في ص 730، 740.
(3)
الضعفاء للعقيلي (2/ 577).
جماعة كثيرين من الصحابة، منهم أنس بن مالك
(1)
، وعلي بن أبي طالب
(2)
، وعائشة
(3)
، وأبو هريرة
(4)
، وابن عباس
(5)
، وابن عمر
(6)
، وجابر بن عبد الله
(7)
، وعبد الله بن عمرو بن العاص
(8)
، وغيرهم.
ورواية عبد الرحمن بن يعمر الديلي غريبة جداً، لا تعرف إلا بهذا الإسناد، تفرد
به شبابة، عن بكير بن عطاء عنه.
(9)
والمعروف عن شعبة بهذا الإسناد حديث: «الحج عرفة» . هكذا رواه أصحاب شعبة: غندر
(10)
، وأبو الوليد الطيالسي
(11)
، وأبو داود الطيالسي
(12)
، وروح بن عبادة
(13)
، ويزيد بن هارون
(14)
، ومعاذ بن معاذ العنبري
(15)
،
(1)
حديثه عند البخاري (10/ 41 ح 5587)، ومسلم (3/ 1577 ح 1992).
(2)
أخرج حديثه البخاري (10/ 57 ح 5594)، ومسلم (3/ 1578 ح 1994).
(3)
أخرج حديثه البخاري (10/ 58 ح 5595)، ومسلم (3/ 1578 ح 1995).
(4)
أخرج حديثه مسلم (3/ 1577 - 1578 ح 1993).
(5)
أخرج حديثه مسلم (3/ 1579 ح 17).
(6)
أخرج حديثه مع ابن عباس مسلم (3/ 1580 ح 1997 (46»، ومن حديثه وحده (3/ 1581 - 1583 ح 47 - 58)
(7)
أخرج حديثه البخاري (10/ 57 ح 5592)، وأخرج حديثه مقروناً بابن عمر مسلم (3/ 1583 ح 1998).
(8)
أخرج حديثه البخاري (10/ 57 ح 5593).
(9)
أخرجه النسائي (8/ 305 ح 5627)، وابن ماجه (2/ 1127 ح 3404)، والطحاوي (شرح معاني الآثار 4/ 227).
(10)
وحديثه عند أحمد (31/ 63 ح 18773).
(11)
حديثه عند الدارمي (1/ 386).
(12)
وحديثه في مسنده (ح 1310)، وعند البيهقي (السنن الكبرى 5/ 173).
(13)
حديثه عند أحمد (31/ 65 ح 18775).
(14)
حديثه عند الحاكم (2/ 278).
(15)
وحديثه عند مسلم في «كتاب التمييز» ص 200 ح 77.
وأبو عبيدة الحداد
(1)
، وسهل بن يوسف وحماد بن مسعدة
(2)
.
فهذا المتن هو الذي يعرف بهذا الإسناد، وأما حديث النهي عن الدباء والمزفت فلا يعرف بالإسناد الذي ذكره شبابة.
وقد أنكر هذا الحديث على شبابة طوائف من الأئمة منهم غير الإمام أحمد، منهم الإمام البخاري
(3)
. وقال أبو جاتم: هذا حديث منكر، لم يروه غير شبابة، ولا يُعرف له أصل
(4)
.
وقال الترمذي: «هذا حديث غريب من قبل إسناده لا نعلم أحدا حدث به غير شبابة، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه كثيرة أنه نهى أن يُنتبذ في الدُّبّاء والمزفَّت، وحديث شبابة إنما يُستغرب لأنه تفرد به عن شعبة، وقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا
الإسناد عن بُكير بن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعمُر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«الحج عرفة» فهذا الحديث المعروف عند أهل الحديث بهذا الإسناد».
(5)
ووجه المخالفة ذات الوجهين أن شبابة خالف كل من روى حديث النهي عن الدباء والمزفت حيث جعله من مسند عبد الرحمن بن يعمر، بينما هو معروف برواية غيره من الصحابة. وخالف أصحاب شعبة حيث روى بإسناد شبعة، عن بكير، عن عبد الرحمن بن يعمر هذا الحديث الذي يروي به أصحاب شعبة حديثاً غيره.
ويشكل على هذا الإعلال أن شبابة قد روى حديث: «الحج عرفة» عن
(1)
وحديثه عند الدارقطني (2/ 241).
(2)
وحديثهما عند النسائي (السنن الكبرى 2/ 462 ح 4180).
(3)
التاريخ الكبير (2/ 111).
(4)
علل ابن أبي حاتم (2/ 27 ح 1557).
(5)
جامع الترمدي (كتاب العلل 5/ 713 - 714).
شعبة، عن بكير، عن عبد الرحمن بن يعمر كما رواه سائر أصحاب شبعة. أخرجه الطحاوي
(1)
عن علي بن معبَد عنه. وعلي بن معبد ثقة فقيه
(2)
.
فلم يبق إلا تفرده من بين أصحاب شعبة برواية حديث النهي عن الدباء والمزفت.
ويؤيد كونه غير محفوظ أن البخاري روى عن عبد الرزاق عن الثوري بصيغة الجزم أنه قال: «كان عند بكير حديثان، سمع شعبة أحدَهما ولم يسمع الآخر» .
(3)
فالذي يجزم به أن شعبة سمع حديث: «الحج عرفة» ، فبقي سماعه للحديث الآخر - حتى ولو كان حديثنا المذكور
(4)
- منفياً على ما قاله الثوري. وهذا مستند البخاري في نفي الصحة عن حديث شبابة في النهي عن الدباء والمزفت.
وقد يقال في مثل هذا: إن المثبِت مقدّم على النافي، وهذا صحيح، إلا أن في باب تضافر الأدلة يحتج بمثل هذه القرينة.
وأما علي بن المديني فقال لما سئل عن هذا الحديث «أيَّ شيء تقدر تقول في
ذاك، - يعني أن شبابة كان شيخاً صدوقاً إلا أنه كان يقول بالإرجاء - ولا يُنكر من رجل سمع من رجل ألفاً وألفين أن يجيء بحديث غريب».
(5)
3.
مخالفة الراوي لمقتضى ما رواه
وقد تقدمت أمثلة ذلك أيضاً
(6)
، وأنها من قواعد إعلال الأحاديث عند الإمام أحمد وغيره من الحفاظ.
(1)
شرح معاني الآثار (2/ 210)
(2)
تقريب التهذيب (4835).
(3)
التاريخ الكبير (2/ 111).
(4)
والحديث الآخر على ما ذكره البخاري أنه رأى علياً أهل بهما جميعاً (الموضع نفسه).
(5)
تاريخ بغداد (9/ 297).
(6)
ص: 786.
4.
معرفة مخالفة الرواية للثابت المعروف
وهذا أيضاً قد تقدمت أمثلته في مطلب مستقل
(1)
.
5.
سلوك الجادَّة
معنى الجادَّة معظم الطريق، وهي أيضاً الطريق إلى الماء
(2)
.
والمقصود بسلوك الجادّة اتباع الطريق المعهود في الرواية، وتوضيح ذلك من كلام الشيخ المعلمي رحمه الله، قال: «وأغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف
…
وهكذا الخطأ في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة، فهشام بن عروة غالب روايته عن أبيه، عن عائشة، وقد يروي عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير، فقد يسمع رجل من هشام خبراً بالسند الثاني ثم يمضي على السامع زمان فيشتبه عليه، فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف، ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبراً واحداً، جعله أحدُهما عن هشام، عن وهب، عن عُبيد، وجعله الآخر عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فالغالب أن يُقدموا الأول، ويخطّؤوا الثاني، هذا مثال، ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا ما لا يُحصى».
(3)
فذكر أن سلوك الجادة قرينة استعملها أئمة الحديث لتقوية ظنهم بخطأ من سلكها، وذلك أن الذي جاء بما يخالف المألوف يدل على مزيد ضبطه لما رواه فتُقدم روايته على من سلك الجادة. وقد تقدم عن الإمام أحمد ما يدل على اعتباره هذه القرينة طريقة لمعرفة الخطأ. قال:«وأهل المدينة إذا كان حديثٌ غلطٌ يقولون: «ابن المنكدر، عن جابر» ، وأهل البصرة يقولون:«ثابت، عن أنس» ، يُحيلون عليهما».
(4)
(1)
ص: 801.
(2)
لسان العرب (3/ 109، 110).
(3)
بلوغ الأماني من كلام المعلمي اليماني (ص 115 - 116).
(4)
الكامل في ضعفاء الرجال (4/ 1616)، وقد تقدم في ص (668).
قال الحافظ ابن رجب في مراد الإمام أحمد من هذه العبارة: «لما اشتهرت رواية ابن المنكدر عن جابر، ورواية ثابت عن أنس، صار كل ضعيف وسيئ الحفظ إذا روى حديثاً عن ابن المنكدر يجعله عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن رواه عن ثابت، جعله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم).
(1)
ومن النماذج لاستعمال الإمام أحمد لهذه القرينة:
ما تقدم من الخلاف بين الثوري وجرير على منصور في حديث: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال
…
»، فإن جريراً رواه، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، ورواه الثوري عن منصور، عن ربعي، عن رجل من الصحابة، فقال الإمام أحمد طريق الثوري هو المحفوظ، وقال في حديث جرير ليس بشيء. فإن من القرائن التي كشفت علة رواية جرير أنه أتى به على الطريق المألوف: منصور، عن ربعي، عن حُذيفة، والثوري حفظ أنه ليس عن حذيفة على الجادة، ولكن عن رجل من الصحابة غير مسمى.
(2)
ومنها:
قال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي عن حسّان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً ثائرَ الشعر فقال: «أما وجد هذا ما يسكن به شعرَهُ» ؟ ورأى رجلاً آخر وسخ الثياب
…
فقال: ما أنكره من
حديث، ليس إنسان يرويه - يعني عن ابن المنكدر - غير حسان. قال أحمد: كان ابن المنكدر رجلاً صالحاً، وكان يُعرف بجابر مثل ثابت، عن أنس، وكان يحدث عن يزيد الرقاشي، فربما حدّث بالشيء مرسلاً فجعلوه عن جابر».
(3)
(1)
شرح علل الترمذي (2/ 693 - 694).
(2)
انظر: ص (754).
(3)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 406 - 407 رقم 1913).
هذا الحديث أخرجه أبو داود
(1)
، والنسائي
(2)
، وأحمد
(3)
، والحاكم
(4)
كلهم من طرق عن الأوزاعي به. ولفظه: «أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلاً شعِثاً قد تفرق شعرُه فقال: «أما كان يجد هذا ما يسكِّن به شعرَه؟» . ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال: «أما كان يجد ماء يغسل به ثوبَه؟» . وهذا السند ظاهره الصحة فإن حسّان بن عطية قد وثقه أحمد، وابن معين، والفسوي وغيرهم
(5)
.
وأنكر الإمام أحمد الحديث بقرينة رواية حسان له عن ابن المنكدر، عن جابر، حيث سلك الجادة المعروفة، بالإضافة إلى تفرده بذلك عن ابن المنكدر. ولربما روى ابن المنكدر الحديث مرسلاً، فيسنده من لم يضبط حديثه على الجادة، ومراسيل ابن المنكدر ترجع أصولها في بعض الأحيان إلى رجال ضعفاء مثل يزيد الرقاشي.
قال عبد الله: «حدثني أبي، حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن المنكدر، سمع سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، يخبر عن جبير بن الحُويرث: «رأيت أبا بكر واقفاً على قزح» . قال أبي: قالوا لسفيان: إن ابن المنكدر يقول: عن أبيه، عن جابر. فقال: من أين أقع على هذا: سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحُويرث:«رأيت أبا بكر» ، قال أبي: وإنما هو: عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع».
(6)
هذا الحديث رواه الشافعي
(7)
، وابن أبي شيبة
(8)
، والفاكهي
(9)
،
(1)
السنن (4/ 332 ح 4062).
(2)
السنن (8/ 183 - 184 ح 5251).
(3)
المسند (23/ 142 ح 14850).
(4)
المستدرك (4/ 186).
(5)
المعرفة والتاريخ (2/ 465)؛ تهذيب الكمال (6/ 36).
(6)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 152 رقم 1841).
(7)
الأم (2/ 213)، ومسند الشافعي (ص 369).
(8)
المصنف (3/ 246 ح 13883).
(9)
أخبار مكة (4/ 323 ح 2710).
والطبري
(1)
، والبيهقي
(2)
، عن سفيان بن عيينة، عن ابن المنكدر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جُبير بن الحويرث:«رأيت أبا بكر رضي الله عنه واقفاً على قَزَحٍ، وهو يقول: أيُّها الناس، أَصبِحُوا، أيُّها النَّاس أصبِحوا، ثم دفع فإني لأنظر إلى فخِذِهِ قد انكشفتْ مما يَحرُشُ بعيرَه بِمِحجَنِهِ» .
ولم أقف على رواية محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر.
وقد روى ابن أبي حاتم هذه القصة أيضاً عن على بن المديني قال: «سمعت سفيان وقيل له إن منكدر بن محمد بن المنكدر روى عن أبيه، عن جابر قال: رأيت أبا بكر واقفاً على قزَح، فقال: سفيان قد سمعتُ منكدرا يقوله فكرهت أن أقول له شيئاً، واستحييْت منه، ثم قال سفيان: نحن أحفظ له منه، إنما قال ابن المنكدر: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، عن جُبير بن الحويرث» .
(3)
ومنها:
(4)
(1)
جامع البيان (2/ 290).
(2)
السنن الكبرى (5/ 125).
(3)
الجرح والتعديل (1/ 40).
(4)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (1/ 463 رقم 1058).
ومنها:
(1)
ذكر النسائي الروايتين
(2)
وقال عن رواية الليث: وهذا هو الصواب، والآخر خطأ اهـ.
وصفوان بن عيسى وثقه ابن سعد
(3)
، وقال فيه أبو حاتم: صالح
(4)
. وفي ذكر الإمام أحمد لمخالفة الليث له إشارة إلى أنها أصح، وذلك لأن صفوان روى الحديث على الجادة المعروفة: سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وكون الليث يرويه عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام يدل على ضبطه، إذا كيف يقع على عبد الله بن سلام بهذا الإسناد لولا أنه حفظه وضبطه؟
6.
معرفة الملابَسات المتعلقة بمجالس التحمّل والأداء
وهذا أيضاً من القرائن التي يهتدى بها إلى معرفة الأخطاء الواقعة في أحاديث الثقات.
فمن أمثلة ذلك فيما يتعلق بمجلس التحمل ما سبق لجرير بن حازم في روايته لحديث أبي قتادة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا تقوموا
(1)
المصدر نفسه (3/ 372 رقم 5632).
(2)
السنن الكبرى (6/ 63 ح 10046، 10047). وأخرجه أيضاً الترمذي (5/ 453 ح 3368)، والبيهقي (السنن الكبرى 10/ 147).
(3)
الطبقات الكبرى (7/ 294).
(4)
الجرح والتعديل (4/ 425).
حتى تروني»، حيث قلبه فجعله من حديث ثابت عن أنس، فبين حماد بن زيد أنه سمعه من حجاج الصواف، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في مجلس ثابت، فظنّ أنه سمعه
- يعني من ثابت».
(1)
ومن أمثلة ملابسات تتعلق بمجلس الأداء:
(2)
فهذا الحديث إسناده ظاهره الصحة، وأنكره الإمام أحمد على أبي اليمان بأنه ليس له أصل من حديث الزهري، وانكشف له وجه الخطأ بما لابس مجلس أداء الراوي حين حدث بالحديث، وذلك أن أبا اليمان كان كتابه عن شعيب، عن الزهري ملصقاً بكتابه عن شعيب، عن ابن أبي حسين فقلب الورقة من حديث الزهري إلى حديث ابن أبي حسين، ولم تنقلب في ذهنه فحدث بالحديث من حديث الزهري وهو من حديث ابن أبي حسين، ولذلك أعذره الإمام أحمد ولم يحمل عليه.
أما يحيى بن معين فذكر حينما سئل عن الحديث فقال: «أنا سألت أبا اليمان فقال: الحديث حديث الزهري، فمن كتبه عنيّ فقد أصاب، ومن كتبه عنيّ من
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 83 رقم 1625). وقد تقدم في ص (850).
(2)
تهذيب الكمال (7/ 152)، وانظر: تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/ 456 رقم 1154، 1155).
حديث ابن أبي حسين فهو خطأ، إنما كُتِب في آخر حديث ابن أبي حسين فغلطتُ فحدثتُ به
من حديث ابن أبي حسين، وهو صحيح من حديث الزهري».
(1)
وروى مثله إبراهيم بن هانئ النيسابوري قال: «قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزهري، والذي حدثتكم عن ابن أبي حسين غلطت فيه بورقة قلبتها» .
(2)
قال الذهبي: تعين أن الحديث وهِم فيه أبو اليمان، وصمّم على الوهم، لأن الكبار حكموا بأن الحديث ما هو عند الزهري، والله أعلم.
(3)
وقد سئل محمد بن يحيى عنه فقال: حدثنا به أبو اليمان عن ابن أبي حسين من أصل كتابه، وذهب إلى أن من حدث به عن أبي اليمان من حديث الزهري فإنما ذلك تلقين لُقنه أبا اليمان
(4)
.
وقد أخرج الإمام أحمد الحديث من حديث أبي اليمان، عن شعيب، عن ابن أبي حسين
(5)
، وقال عند تخريجه للحديث:«يتلو أحاديث ابن أبي حسين» ، وكُتُب أبي اليمان، عن شعيب كانت عند أحمد كما تقدم
(6)
، فذكر هذا الحديث تحت أحاديث ابن أبي حسين، لا تحت أحاديث الزهري.
وأخرجه من حديث الزهري ابن أبي عاصم
(7)
، والحاكم
(8)
، وابن عبد البر
(9)
.
فمثل هذه الوقائع المتعلقة إما بمجلس التحمل أو بمجلس الأداء، أو بهما
(1)
سير أعلام النبلاء (10/ 322).
(2)
المستدرك (1/ 68). قال الحاكم: هذا كالأخذ باليد، فإن إبراهيم بن هانئ ثقة مأمون.
(3)
الموضع نفسه.
(4)
تاريخ دمشق (15/ 72).
(5)
المسند (45/ 400 ح 27411).
(6)
ص: (403).
(7)
السنة (2/ 372 ح 800) من طريق دحيم.
(8)
المستدرك (1/ 68) من طريق الصاغاني، ومحمد بن عيسى.
(9)
التمهيد (19/ 68) من طريق يحيى بن معين.
يهتدى بها لمعرفة الخطأ وجهته.
7.
معرفة ما ينفي السماع الموهوم في السند
والمقصود بذلك كشف تدليس المدلّس، أو الإرسال الخفي من صاحبه، وهذا أيضاً من القرائن التي تكشف الخطأ في أحاديث الثقات مما ظاهرها الصحة.
فمن ذلك:
قال صالح: سألت أبي عن المسح على الخفين، يمسح ظاهرهما وباطنهما؟ وهل يعمل بحديث المغيرة بن شُعبة؟ قال: أبي: المسح على الخفين إنما يُمسح أعلاهما. وقال بعض الناس: وأسفلهما، وليس هو بحديث ثبت عندنا
…
قال صالح: حدثني أبي قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء ابن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة «أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله». قال أبي: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن مهدي، فذكر عن ابن المبارك، عن ثور قال: حدّثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر فيه المغيرة، ولا أرى الحديث ثبت».
(1)
(2)
فهذا الحديث انكشف خطؤه بالوقوف على ما ينفي السماع الموهوم في سنده، وذلك أن الوليد بن مسلم قد أخفى موضع الانقطاع من السند بالتسوية،
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (2/ 124 - 126، رقم 688، 689). وانظر: تاريخ بغداد (2/ 135).
(2)
نقله عنه ابن عبد البر (التمهيد 1/ 13).
فسوى الإسناد وكأنه متصل، فقال: عن ثور ين يزيد، عن رجاء بن حيوة. فكشفت رواية ابن المبارك تسوية الوليد بن مسلم، وأن ثور بن يزيد قال فيه: حدثت عن رجاء، فدل على وجود الواسطة بينهما وأنه لم يسمعه منه.
وحديث الوليد بن مسلم رواه أبو داود
(1)
، والترمذي
(2)
، وابن ماجه
(3)
، وأحمد
(4)
، وابن الجارود
(5)
، والطبراني
(6)
، والدارقطني
(7)
، والبيهقي
(8)
، وابن عبد البر
(9)
.
وأما رواية ابن المبارك فهي مسندة في سؤال صالح عن أحمد عن ابن مهدي عنه. وبقية من ذكرها ذكرها معلقة
(10)
.
ووقع في رواية الدارقطني ما يوهم رفع هذه العلة، حيث رواه عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد حدثنا رجاء بن حيوة فذكره. فهذا ظاهره أن ثوراً سمعه من رجاء، فتزول العلة. قال الحافظ ابن حجر: لكن رواه أحمد بن عُبيد الصفار في «مسنده» عن أحمد ين يحيى الحلواني، عن داود بن رشيد، عن رجاء، ولم يقل: حدثنا رجاء، فهذا اختلاف
(1)
السنن (1/ 116 ح 165).
(2)
الجامع (1/ 162 ح 97).
(3)
السنن (1/ 183 ح 550).
(4)
المسند (30/ 134 ح 18197).
(5)
المنتقى (ح 84).
(6)
مسند الشاميين (1/ 261 ح 451).
(7)
السنن (1/ 195).
(8)
السنن الكبرى (1/ 290).
(9)
التمهيد (11/ 147 - 148).
(10)
انظر: سنن الدارقطني (1/ 195)، علل الدراقطني (7/ 110)، السنن الكبرى للبيهقي (1/ 291)، وتاريخ بغداد (2/ 135).
على داود يمنع من القول بصحة وصله مع ما تقدم من كلام الأئمة».
(1)
ثم إنه قد خالفه جمع من الرواة عن الوليد بن مسلم، كلهم ذكروه بالعنعنة. ثم حتى ولو ثبت فابن المبارك أحفظ وأجل من الوليد بن مسلم كما قال ابن القيم
(2)
.
وضعف الحديث البخاري وأبو زرعة
(3)
لمخالفة رواية ابن المبارك له. وقال الدارقطني: «وحديث رجاء بن حيوة الذي فيه ذكر أعلى الخف وأسلفه لا يثبت لأن ابن المبارك رواه عن ثور بن يزيد مرسلاً»
(4)
.
ومنه أيضاً:
قال أبو طالب أحمد بن حُميد: «سألت أحمد بن حنبل عن حديث شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت مجاهداً يحدث عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد والتحيات، فأنكره وقال: لا أعرفه. قلت: يروي نصر بن علي، عن أبيه - يعني عن شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت مجاهداً. قال: قال يحيى: كان شعبة يضعّف حديث أبي بشر عن مجاهد قال: لم يسمع منه شيئاً. وقال: إنما ابن عمر يرويه عن أبي بكر الصديق: علّمَنا التَّشهد، ليس فيه النبي صلى الله عليه وسلم).
(5)
هذا الحديث إنما أنكر الإمام أحمد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك جاء من طريق أبي بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية، عن مجاهد، عن ابن عمر، وحتى إن أبا بشر قد صرح بالسماع من مجاهد في رواية نصر بن علي
(6)
، عن أبيه علي بن نصر
(1)
تلخيص الحبير (1/ 160).
(2)
تهذيب السنن (1/ 196).
(3)
علل الترمذي الكبير (1/ 180).
(4)
علل الدارقطني (7/ 111).
(5)
الكامل في ضعفاء الرجال (2/ 574)، وانظر: تهذيب الكمال (5/ 8 - 9).
(6)
قال ابن حجر: ثقة ثبت (تقريب التهذيب 7170)، وأبوه أيضاً ثقة معروف (تقريب التهذيب 4841).
الجهضمي، عن شعبة
(1)
.
وقد خالفه غيره عن شعبة، عن أبي بشر، عن محاهد، عن ابن عمر موقوفاً عليه.
(2)
وذكر الإمام أحمد أن الصحيح أن ابن عمر كان يرويه عن أبي بكر: «علمنا التشهد» ليس فيه النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا رواه أبو الصديق الناجي عن ابن عمر
(3)
.
فهذا أيضاً انكشفت علته بالوقوف على ما ينفي السماع المصرح به في السند، وهذا الأمر هو ما ذكره شعبة أن أبا بشر لم يسمع من مجاهد شيئاً.
8.
معرفة من ضُعِّف من الثقات تضعيفاً مقيداً، إما في بعض شيوخه، أو في حديثه في بعض البلدان، أو في حديث بعض أهل البلدان عنه، أو في بعض الأوقات، أو الحالات. وقد تقدم كل ذلك مفصلاً مع نماذج كل نوع لدى الإمام أحمد
(4)
.
9.
معرفة مراتب الرواة عن الأعلام المُكثِرِينَ في الرواية وعدد التلاميذ
وبهذه المعرفة يحصل لدى الناقد تمييز من يستحق التقديم ممن حقه التأخير عند الاختلاف، ومن يحتمل ويقبل منه التفرد عن شيخه ممن يتوقف أو يرد ذلك عنه. وهذا ما سيأتي دراسته في المبحث القادم، وهو المبحث الثاني من هذا الفصل
(1)
أخرجه أبوداود (ح 971)، وأبو يعلى (المسند 1/ 250 ح 310)، والطحاوي (شرح معاني الآثار 1/ 263)، وابن عدي (الكامل في ضعفاء الرجال 2/ 574)، والدارقطني (1/ 351)، والبيهقي (السنن الكبرى 2/ 139).
(2)
منهم ابن أبي عدي عند البيهقي (السنن الكبرى 2/ 139)، ومعاذ بن معاذ العنبري عند الطحاوي (شرح معاني الآثار 1/ 264).
(3)
أخرجه الطحاوي (شرح معاني الآثار 1/ 264).
(4)
وذلك في المطلب الثاني، والثالث، والرابع من المبحث الأول في الفصل الثالث من الباب الثاني؛ وفي المبحث الثاني من الفصل نفسه؛ وفي المطلب الأول والثاني من المبحث الرابع من المفصل نفسه
إن شاء الله، أفردته بالدراسة لأهميته.
10.
الفهم الخاص بأن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان
ويلحق بذلك معرفة ما لكل راوٍ من الأحاديث.
ذكر هذا الحافظ ابن رجب ضمن القواعد في علم العلل
(1)
، وهذا الفهم اكتسبه النقادُ بكثرة ممارستهم للأحاديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، فيعلّون الروايات بناء على هذا الفهم، ولو قيل لأحدهم كيف ذلك، تقصر عبارته دون التعبير عن وجه حكمه أو الاستدلال له، لكن فهمه ومعرفته أثبتان في قريحته ما يكاد يجزم بأن
ما قاله صحيح ويأبى منه قبول نقيضه، ويظهر مصداق قولهم بالنظر والتتبع، وحالتهم في هذا كمثل حالة ناقد الدراهم.
ومن أمثلة ذلك، قال أحمد:«سعد بن سناد تركت حديثه، حديثه مضطرب، يشبه حديثه حديث الحسن، ولا يشبه أحاديث أنس» .
(2)
وقد كان هذا منهج الأئمة الذين تقدموا الإمام أحمد.
(3)
(1)
شرح علل الترمذي (2/ 861).
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 517 رقم 3409، 3410).
(3)
المصدر نفسه (2/ 454 رقم 3020).
ومنه أيضاً:
قال عبد الله: «حدثني أبو صالح الحكم بن موسى قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الملك بن أبي غنية أو غيره عن الحكم بن عتيبة عن مجاهد عن عبد الله بن عباس قال لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتلى فرأى منظراً سيئاً، ورأى حمزة قد شُقّ بطنُه واصطُلِمَ أنفُه، وجدِّعَت أُذُناه. فقال: لولا أن تجزَع النساءُ أو تكون سنةً بعدي، لتركتُه حتى يبعثه الله عز وجل من بطون السِّباع والطير، ولأُمثِّلنّ مكانَه منهم سبعين. ثم دعا ببُردة فغطّى بها وجهَه فخرجت رِجلاه، فغطّّى بها رجليْه فخرج وجهه، فغطَّى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهَه وجعل على رِجليْه شيئاً من الإِذخِر ثم قدّمه فكبَّر عليه عشراً، فذكر الحديث. فحدّثتُ به أبي فقال: هذا من حديث الحسن بن عُمارة، ليس هذا من حديث ابن أبي غنيّة، ابن أبي غنيّة أتقى لله من
أن يحدث بمثل هذ».
(1)
أخرجه الدارقطني
(2)
ومنه:
(3)
.
حديث حجاج أخرجه أحمد
(4)
، والبيهقي
(5)
.
(1)
المصدر نفسه (3/ 402 ح 5773).
(2)
السنن (4/ 118).
(3)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 108 ح 1724).
(4)
المسند (11/ 668 ح 7094).
(5)
السنن الكبرى (1/ 216).
وقد أخرج البيهقي حديث المثنى بن الصباح الذي قال الإمام أحمد هذا الحديث حديثه، رواه من طريق الحسن بن حفص، عن سفيان - يعني الثوري - عن المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: جاء أعرابى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نكون في الرَّمل، وفينا الحائضُ والجنبُ والنُّفَساءُ، فيأتي علينا أربعةُ أشهرٍ لا نجد الماء، قال:«عليك بالتراب» - يعني التيمم. قال البيهقي: «هذا حديث يعرف بالمثنى بن الصباح عن عمرو، والمثنى غير قوي. وقد رواه الحجاج بن أرطاة، عن عمرو إلا أنه خالفه في الإسناد؛ فرواه عن عمرو، عن أبيه، عن جده، واختصر المتن فجعل السُّؤال عن الرجل لا يقدر على الماء، أيُجامِع أهلَه؟ قال: نعم
…
».
(1)
فالحديث معروف لمثنى بن الصَّبَّاح، وأخذه عنه الحجاج ثم خالفه في السند وفي المتن، فلذلك أنكره الإمام أحمد من حديث الحجاج.
ومنه أيضاً:
قال عبد الله: «حدثني مجاهد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن عُبيد، قال: حدثنا مِسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: أتَتِ النبي صلى الله عليه وسلم بواكي فقال: «اللهم اسقنا غَيثاً مُغيثاً مَريئاً مريعاً نافعاً غيرَ ضارٍّ عاجلاً غير آجِلٍ» . قال: فأطبقت عليهم. فحدثت بهذا الحديث أبي فقال أبي: أعطانا محمد بن عُبيد كتابه عن مِسعر، ولم يكن هذا الحديث فيه، ليس هذا بشيء، كأنه أنكره من حديث محمد بن عُبيد. قال أبي: وحدثناه يعلى أخو محمد قال: حدثنا مِسعَر، عن يزيد الفقير مرسلاً، ولم يقل بواكي، خالفه».
(2)
(1)
الموضع نفسه.
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (3/ 347 ح 5531).
حديث محمد بن عبيد أخرجه أبو داود
(1)
، وعبد بن حميد
(2)
، وابن خزيمة
(3)
، والحاكم
(4)
، والخطيب
(5)
، والبيهقي
(6)
. وصححه الحاكم، والنووي، والألباني
(7)
.
وفيه علة خفية كشفها الإمام أحمد، وهي أن الحديث ليس من حديث محمد بن عبيد، بدليل أنه اطلع على كتاب محمد بن عبيد عن مِسعر، ولم يكن هذا الحديث فيه.
ثم ذكر أن يعلى بن عبيد حدثهم به، عن، مسعر، عن يزيد الفقير
(8)
مرسلاً،
ليس فيه جابر.
(9)
فعلى ما ذكره الإمام أحمد فالظاهر أن محمد بن عبيد روى الحديث عن أخيه، فدلسه بإسقاطه ووقع في الخطأ فرفعه وهو مرسل.
وقد يقال لا يلزم من عدم وجود الحديث في كتاب محمد بن عبيد أن لا يكون الحديث عنده عن مسعر، فقد يكون سمعه ولم يدونه وحدث به من حفظه، فالجواب أنه يحتمل أنه تحمل الحديث من أخيه ثم غلط في روايته، فرفعه وزاد في المتن ما ليس منه - وهو قوله: أتت بواكي.
(1)
السنن (1169).
(2)
المنتخب من مسنده (ص 338 ح 1125).
(3)
صحيح ابن خزيمة (2/ 335 ح 1416).
(4)
المستدرك (1/ 327)
(5)
تاريخ بغداد (1/ 335).
(6)
السنن الكبرى (3/ 355).
(7)
المستدرك (الموضع نفسه)؛ الأذكار (ح 256)، صحيح سنن أبي داود ح 1169.
(8)
هو يزيد بن صهيب الفقير الكوفي. وإنما قيل له الفقير لأنه كان يشكون فقار ظهره.
وثقه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي. وقال أبو حاتم: صدوق (الجرح والتعديل 9/ 272؛ تهذيب الكمال 32/ 165).
(9)
لم أقف على هذا الطريق، وذكره الخطيب (تاريخ بغداد 1/ 335).
وعلى القول بالتوقف في قبول ما ذكره الإمام أحمد، وإثبات أنه من حديثه، فروايته معارضة برواية أخيه يعلى بن عبيد، وكان أحمد يقول: يحيى أصح حديثاً من محمد وأحفظ
(1)
. وقال أيضاً: «يحيى صحيح الحديث، وكان في بدنه صالحاً، وكان محمد أخوه يخطئ ولا يرجع عن خطئه» .
(2)
فترجح روايته لأنه أثبت. وذكر الحافظ ابن حجر عن الدارقطني أنه قال: «رواية من قال عن يزيد الفقير من غير ذكر جابر أشبه» .
(3)
(1)
الجرح والتعديل (9/ 305).
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (رقم 2123).
(3)
تلخيص الحبير (2/ 99).
المبحث الثاني: مراتبُ الرُّواةِ عن الأَعلامِ عند الإمام أحمد ومن يُرجّح قولُه منهم عند الاختلاف
اهتمّ الأئمة النقاد بالموازنة بين رواة الأخبار توثيقاً وتضعيفاً، فكثيراً ما يرد عنهم التوثيق والتضعيف نسبييْن، فيقولون: فلان أحب إليّ من فلان، أو أحفظ، أو أثبت، أو أصح حديثاً. وأخص من هذا موازنتهم بين الرواة عن بعض الأعلام المشهورين بكثرة الرواية والتلاميذ، حتى إن بعضهم قد رتبهم على طبقات
(1)
، كل طبقة تجمع صنفاً متجانساً من التلاميذ يشتركون في صفة واحدة تخصهم وتمييزهم عن غيرهم.
وفائدة هذه الموازنة معرفة من يقدَّم قوله عند الاختلاف، وتمييز من يصلح للاحتجاج به عند التفرد من غيره، وهذه المعرفة بمنزلة تتمة الطريق لكشف علل الأخبار وتمييز الصحيح منها من السقيم، ولا فائدة لجمع الطرق إذا لم توجد هذه المعرفة لدى الناقد، فبدونها لا يتمكن من تمييز الخطأ من الصواب، وإن اجتمعت لديه الطرق وتمثلت أمامه.
وكان الإمام أحمد قد أولى هذا الجانب عناية فائقة، ففي كلامه في الرجال نصوص كثيرة في التوثيق والتضعيف النسبيين، والتمييز بين الرواة عن بعض
(1)
الطبقة في اصطلاح المحدثين عبارة عن جماعة من الناس تشترك في أمر واحد. (توضيح الأفكار 2/ 504)، وانظر: طبقات الرواة عن الزهري ممن له رواية في الكتب الستة (ص 48).
الأعلام فنص على من يقدَّم قولُه منهم عند الاختلاف، وكذلك في أثناء كلامه في إعلال الأحاديث يوجد جملاً من هذا أيضاً.
وفي هذا المبحث سأورد كلام الإمام أحمد في بيان مراتب الرواة عن بعض الأعلام الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة عليهم، ومن يرجح قوله منهم عند الاختلاف لوجود عوامل الترجيح فيه أكثر من غيره، وبيان تلك العوامل. كما أذكر بعض النماذج من اختلافهم على شيخهم وكيف رجح الإمام أحمد بينهم بناء على ترتيبهم الطبقي.
أصحاب عبد الله بن عمر
أشهر تلاميذه سالم ابنه ونافع مولاه. وقد اختلف قوله في الترجيح بينهما عند الاختلاف.
(1)
فتوقف الإمام أحمد عن الترجيح بينهما.
وكذلك قال حرب بن إسماعيل الكرماني، قال:«قيل لأحمد إذا اختلف سالم ونافع في ابن عمر من أحب إليك؟ قال: ما أتقدم عليهما» .
(2)
ومما يدل على تقديمه لسالم أنه جعل أصح الأسانيد: الزهري، عن سالم، عن أبيه
(3)
.
ومع رواية المروذي التوقف عن الإمام أحمد فقد روى عنه أنه مال إلى قول نافع في اختلافهما في حديث: «من باع عبداً له مال» .
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص 43 رقم 9).
(2)
الجرح والتعديل (8/ 452).
(3)
تهذيب الكمال (10/ 152).
قال المروذي: «وذكرت له حديث نافع عن ابن عمر عن عمر: «من باع عبداً وله مال فماله للبائع» ، فقال: خالفه سالم، هكذا رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: فأيما الثبت؟ فتبسّم، وقال: الله أعلم. قلت: ما الذي يميل إليه قلبك منهما؟ قال: أرى - والله أعلم - إلى نافع».
(1)
وذكر ابن رجب أن غير المرّوذي نقل عن أحمد أنه رجح قول نافع في وقف حديث: «فيما سقت السماء العُشر» .
(2)
واختلفا في ثلاثة أحاديث أخرى غير هذين: هما: حديث: «إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد منها راحلة» ، رواه سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله. وحديث: «تخرج نار من قبل اليمن فتحشر الناس
…
». رواه سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه نافع، عن ابن عمر، عن كعب قوله.
(3)
وحديث: رفع اليدين في الصلاة، رفعه سالم عن أبيه، ووقفه نافع على ابن عمر.
(4)
وكلام الإمام أحمد في ترجيح قول نافع على قول سالم في الحديثين المذكورين ليس منبياً على تقديمه له على سالم، بل لقرينة كون نافع لم يرو الحديث على الجادة، فدل على مزيد ضبطه له، فلا يؤخذ من ذلك تقديمه مطلقاً على سالم، وبهذا يجمع بين توقفه عن التقديم بينهما وتقديمه لرواية نافع في تلك الموضعين، والله أعلم.
ومن تلاميذه عبد الله بن دينار مولاه، وقد تقدم قول أحمد فيه لما سئل عنه عن ابن عمر فقال: ثقة، إلا في حديث واحد يرويه، ويقصد بذلك حديث النهي عن بيع والولاء وهبته حيث يرى أنه خالف نافعاً فيه
(5)
.
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص 156 رقم 274).
(2)
شرح علل الترمذي (2/ 666).
(3)
انظر: التمهيد (12/ 212؛ 13/ 283)؛ تهذيب الكمال (10/ 152 - 153؛ 29/ 305).
(4)
التمهيد (9/ 212).
(5)
تقدم ذلك في تعريف المنكر عند الإمام أحمد (ص).
وقال الساجي عن أحمد: سئل عنه فقال: «نافع أكبر منه، وهو ثبت في نفسه، ولكن نافعٌ أقوى منه» .
(1)
فهذا يدل على أن عبد الله بن دينار دون نافع في ابن عمر عند أحمد.
ومنهم مجاهد بن جبر، وكان أكبر سناًّ من نافع، وجعله الإمام أحمد دون نافع في العلم عن ابن عمر، وأنكر عليه حديثاً لمخالفته لسالم، ونافع.
قال ابن هانئ: «وسئل - يعني أبا عبد الله أحمد بن حنبل - عن حديث مجاهد: «ما رأيت ابن عمر رفع يديه إلا حين يفتتح الصلاة» ، فقال: هذا خطأ، نافع وسالم أعرف بحديث ابن عمر، وإن كان مجاهد أقدم، فنافع أعلم منه».
(2)
وحديث مجاهد هذا رواه أحمد
(3)
، وابن أبي شيبة
(4)
، والطحاوي
(5)
، عن أبي بكر بن عياش، عن حُصين، عن مجاهد عن ابن عمر. وذكره البخاري تعليقاً في «كتاب رفع اليدين في الصلاة» .
(6)
ولم يرد عن الإمام أحمد الكلام في غيرهم من تلاميذ ابن عمر مثل سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، لأن هؤلاء هم أكثر تلاميذه حديثاً عنه.
أصحاب نافع مولى ابن عمر
قال أبو داود: «قلت لأحمد: أصحاب نافع؟ قال: أعلم الناس بنافع عبيد الله
(1)
تهذيب التهذيب (5/ 202).
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (1/ 49 رقم 237).
(3)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (1/ 50).
(4)
المصنف (1/ 214 ح 2452).
(5)
شرح معاني الآثار (1/ 225).
(6)
ص 54. وهو معلول، والمحفوظ عن حصين، عن إبراهيم عن ابن مسعود أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. أخرج محمد بن الحسن (الحجة على أهل المدينة 1/ 97). وذكر البيهقي أن أبا بكر بن عياش كان يرويه هكذا قديما مرسلاً - بين إبراهيم وابن مسعود - موقوفاً، ثم اختلط عليه حين ساء حفظه، فروى ما قد خولف فيه اهـ (معرفة السنن والآثار).
وأرواهم. قلت: فبعده مالك؟ قال: أيوب أقدم. قلت: تقدم أيوب على مالك؟ قال: نعم».
(1)
فجعل عبيد الله أثبتهم، ثم أيوب، ثم مالك.
وكذلك قال في رواية ابن هانئ: «ليس أحد في نافع أثبت من عبيد الله بن عمر، ولا أصح حديثاً» .
(2)
وفي رواية المروذي: «قيل له: عبيد الله أثبت أو مالك في نافع؟ قال: ليس أحد أثبت في نافع من عبيد الله» .
(3)
(4)
فتوقف في هذه الرواية فيما إذا اختلف مالك وأيوب، وذلك لجلالة أيوب.
وذكر ابن رجب رواية أخرى لابن هانئ عن أحمد قال: أوثق أصحاب نافع عندي أيوب، ثم مالك، ثم عبيد الله.
(5)
ولم أقف عليها.
واعتبر الإمام أحمد في التقديم كثرة الأحاديث، لأنه قال في عبيد الله: هو أرواهم، فإن ذلك يدل على طول ملازمة الراوي لشيخه وبالتالي شدة معرفته
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 213 رقم 174).
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (2/ 240 رقم 2332).
(3)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص 56 رقم 43).
(4)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/ 438 رقم 1075).
(5)
شرح علل الترمذي (2/ 667).
لحديثه. وكذلك اعتبر قِدمَ السَّماع، حيث قال: أيوب أقدم، فقدّمه على مالك من أجل ذلك، وكذلك عبيد الله، قدّمه أيضاً لقدم سماعه، حيث إنه قد أدرك سالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. واعتبر التثبت أيضاً، وهو الإتقان وقلة الخطأ، حيث قال: إن مالكاً لثبت، ومقتضى هذا الوصف أن يقدمه على أيوب لكنه توقف عن ذلك لجلالة أيوب.
ويظهر أن كلام الإمام أحمد في الترتيب بين أصحاب نافع كان قاصراً على هؤلاء الرواة الثلاثة الذين هم أثبت أصحابه وأرواهم عنه، ولم يقسم معظم أصحاب نافع كما فعل ذلك ابن المديني، والنسائي بعده
(1)
مثال لما اختلف أصحاب نافع فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
ومما اختلف فيه أصحاب نافع حديث ابن عمر أنه رمل من الحَجر إلى الحَجر.
(2)
ولم أقف على رواية أيوب؛ ورواه عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر «أنه رمل من الحجر إلى الحجر، ويقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله» .
(3)
ورواه مالك عن نافع، عن ابن عمر «أنه كان يمشي من الحجر الأسود إلى
(1)
انظر: شرح علل الترمذي (615 - 619).
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 180 رقم 868).
(3)
أخرجه مسلم (2/ 921 ح 1262 (234»،، وأبو داود (ح 1891)، وابن ماجه (2/ 983 ح 2950)، والطحاوي (2/ 181)، وأبو نعيم (المستخرج على صحيح مسلم 3/ 353 ح 2914)، والبيهقي (السنن الكبرى 5/ 83).
الحجر الأسود»، ولم يذكر المرفوع
(1)
.
وفي رواية يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله:«قلت لنافع: أكان يمشي ما بين الركنين؟ قال: إنما كان يمشي لأنه أيسر لاستلامه» . أخرجه البيهقي
(2)
؛ وعند أحمد
(3)
ورواية سليم بن أخضر قريبة منها: «فذكروا لنافع أنه كان يمشي ما بين الركنين؟ فقال: ما كان يمشي إلا حين يريد أن يستلم» . أخرجها أحمد
(4)
وتابع العمري الصغير عبد الله بن عمر عبيدَ الله ومالكاً
(5)
على الرمل من الحجر إلى الحجر.
فرجح الإمام أحمد رواية عبيد الله ومالك على رواية أيوب، فدل على أنه إذا اجتمع اثنان من الثلاثة يقضى لهما على الآخر.
أصحاب ابن شهاب الزهري
نصّ الإمام أحمد في أكثر من رواية على أن أثبتهم وأصحهم حديثاً هو مالك بن أنس. وذكر بعده من ثقات أصحابه: معمر، وابن عيينة، وعقيل، وشعيب، ويونس.
قال ابن هانئ: «سألت أبا عبد الله: أيُّما أثبت عندك في حديث الزُّهري:
(1)
الموطأ (1/ 365).
(2)
السنن الكبرى (5/ 81).
(3)
المسند (8/ 234 ح 4618).
(4)
المسند (10/ 45 ح 5760). وفي هذه الزيادة من يحيى القطان وسُليم بن أخضر ما يعطي المحمل الصحيح لرواية أيوب، ويدل على أنه لم يخطئ، بل روى حالة واحدة من حالة رمل ابن عمر، والله أعلم.
(5)
أخرجه أحمد (المسند 9/ 190 ح 5238).
معمر، وابن عيينة، أو مالك، أو يونس، أو إبراهيم بن سعد، أو محمد بن الوليد الزُّبَيدي، أو عُقيل؟ قال: معمر أحبهم إليّ وأحسنهم حديثاً وأصح بعد مالك. ويونس أسند أحاديث رويت عن الزهري، لم يجاوز بها الزهري حدّث بها عن الزهري، عن سعيد بن المسيب».
(1)
فجعل بعد مالك معمراً، وقدمه على بقية أصحاب مالك الثقات ما عدا مالك. كما أخّر يونس لأخطائه على الزهري بإسناد أشياء من رأي الزهري إلى سعيد بن المسيب.
(2)
وقال أبو طالب: «قال أبو عبد الله: مالك أثبت في حديث الزهري من جميع من روى عنه في قلة ما روى، سفيان فخطئ في خمسة عشر حديثاً من حديث الزهري، ومعمر أثبت من سفيان» .
(3)
ففي هذه الرواية أيضاً قدم مالكاً على جميع من روى عن الزهري، وقدم معمراً على سفيان بن عيينة.
وقال عبد الله: «قلت له: أيما أثبت أصحاب الزهري؟ فقال: لكل واحد منهم علة، إلا أن يُونس وعقيلا يؤديان الألفاظ، وشعيب بن أبي حمزة، وليس
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (2/ 231 رقم 2273).
(2)
المصدر نفسه (2/ 207 رقم 2128 - 2129).
(3)
المعرفة والتاريخ (2/ 201).
هم مثل معمر، معمر يقاربهم في الإسناد. قلت: فمالك؟ قال: مالك أثبت في كل شيء، ولكن هؤلاء الكثرة، كم عند مالك، ثلاثمائة حديث أو نحو ذا، وابن عيينة نحو من ثلاثمائة حديث. ثم قال: هؤلاء الذين رووا عن الزهري الكثير: يونس، وعُقيل، ومعمر. قلت له: شعيب؟ قال: شعيب قليل، هؤلاء أكثر حديثاً عن الزهري. قلت: فصالح بن كيسان، روايته عن الزهري؟ قال: صالح أكبر من الزهري، قد رأى صالح ابنَ عمر. قلت: فهؤلاء أصحاب الزهري، قلت: أثبتهم مالك؟ قال نعم، مالك أثبتهم، ولكن هؤلاء الذين قد بَقَروا عِلمَ الزهري: يونس، وعقيل، ومعمر. قلت له: فبعد مالك من ترى؟ قال: ابن عيينة. قلت له: الموقري يجيء عنه العجائب. قال ليس ذاك بشيء».
(1)
فهنا قسم الأثبات من أصحاب الزهري إلى فريقين: من لم يكن كثير الحديث، وهم مالك، ابن عيينة، وشعيب. ومن كان كثير الحديث، وهم: معمر، ويونس، وعقيل. وجعل أثبتهم على الإطلاق مالك على قلة روايته عن الزهري، وبعده ابن عيينة. وهذا يخالف رواية ابن هانئ حيث جعل معمراً بعد مالك، وكان فيمن سئل عنهم ابن عيينة، ومفهوم ذلك أنه قدم معمراً عليه، ويخالف كذلك رواية أبي طالب.
وذكر جانباً لاستحسانه لحديث عقيل ويونس وشعيب عن الزهري، وهو كونهم يذكرون ألفاظ الأداء، وكان معمر يحذف ذلك لأنه كان يحدث من حفظه كما تقدم في رواية ابن هانئ.
وفي رواية أخرى لعبد الله ذكر الإمام أحمد وجه تقديم مالك على ابن عيينة، وهو قلة خطئه في حديثه عن الزهري بالمقارنة مع ابن عيينة.
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 348 - 349 رقم 2543).
(1)
وفي رواية حرب الكرماني أيضاً قدم مالكاً على ابن عيينة وقال: هو أصح حديثاً، وقدمه أيضاً على معمر، وقال: إلا أن معمراً أكثر حديثاً عن الزهري اهـ
(2)
وكذلك اعتبر عامل قلة الخطأ النسبي في تقديم عقيل، وإبراهيم بن سعد على يونس.
قال المروذي: «سئل عن عقيل ويونس؟ فقال: عقيل، وذاك أن يونس ربما رفع الشيء من رأي الزهري يصيره عن ابن المسيب، وقال قد روى يونس عن عقيل» .
(3)
وحكى ابن رجب عن أحمد أنه قال: «عقيل، وإبراهيم بن سعد عن الزهري أقل خطأ من يونس» .
(4)
وأما شعيب، وعقيل، ويونس، فقد جاء ترتيب بينهم في رواية أبي زرعة
الدمشقي.
قال أبو زرعة: «وأخبرني أحمد بن حنبل قال: رأيت كتب شعيب، فرأيت
(1)
المصدر نفسه (2/ 349 رقم 2543 ب).
(2)
الجرح والتعديل (8/ 205).
(3)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص 56 رقم 44).
(4)
شرح علل الترمذي (2/ 675).
كتباً مضبوطة مقيّدة، ورفع من ذكره. فقلت: فأين هو من يونس بن يزيد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من عُقيل بن خالد؟ قال: فوقه. قلت: فأين هو من الزُّبَيدي؟ قال: مثله».
(1)
فجعل شعيباً والزُّبَيدي
(2)
في مرتبة واحدة فوق عقيل، ويونس.
ويتلخص من هذا أن مالكاً هو أثبت أصحاب الزهري عند الإمام أحمد، ثم معمر وابن عيينة، واختلف عنه في التقديم بينهما. ثم بعدهم شُعيب، والزُّبَيدي في مرتبة واحدة، ثم عقيل، ثم إبراهيم بن سعد، ثم يونس.
وهؤلاء الذين ذكرهم الإمام أحمد هم المقدمون في أصحاب الزهري، ولم يرد عنه تقسيم جميع أو معظم تلاميذ الزهري على الطبقات كما فعل ذلك محمد بن يحيى الذهلي، والنسائي، وابن حبان، والحازمي
(3)
.
واعتبر الإمام أحمد في التقديم: الإتقان والضبط المنجليان في قلة الخطأ، وكثرة الحديث الدال على العلم بحديثه وطول الصحبة له.
من تكلم فيهم من أصحاب الزهري في حديثهم عنه
فأما الذين تكلم فيهم الإمام أحمد في حديثهم عن الزهري فهم:
فمن الثقات:
منصور بن المعتمر؛ قال صالح: قلت لأبي: قوم قالوا: منصور أثبت في الزهري من مالك؟ قال: وأي شيء روى منصور عن الزهري، هؤلاء جهال، منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب، إلى أبي إسحاق، والحكم،
(1)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي (1/ 433 رقم 1052).
(2)
كان الزُّبَيدي يقول: أقمت مع الزهري بالرصافة عشر سنين (المصدر نفسه 1/ 432 رقم 1047).
(3)
انظر: طبقات الرواة عن الزهري (ص 145 - 151).
وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل».
(1)
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب؛ سأله المروذي عنه فقال: هو ثقة، قال له: في الزهري؟ قال: كذا وكذا، حدث بأحاديث كأنه أراد خولف فيها اهـ
(2)
.
هشيم بن بشير؛ قال أبو طالب: «ما صح من سماع هشيم عن الزهري إلا أربعة أحاديث يقول: حدثنا الزهري، والحديث الطويل حديث الرجم، وحديث صفية، وحديث المجادلة، وحديث ابن عمر: «ما استيسر من الهدي» ، وما كان غير ذلك يقول: لا أدري من سفيان بن حسين سمعته أو الزهري. قلت: يقولون إن شعبة رضي بكتابه؟ قال: لا، ليس هذا بشيء إنما سمع بالموسم فنسي».
(3)
موسى بن عقبة؛ قال أحمد: «ما أُراه سمع من ابن شهاب، إنما هو كتاب نظر فيه» .
(4)
جعفر بن برقان: قال الميموني: قال أحمد بن حنبل: «جعفر بن بُرقان ثقة ضابط لحديث ميمون، وحديث يزيد بن الأصم، وهو في حديث الزهري يضطرب ويختلف فيه» .
(5)
وسأله ابن هانئ: «أيما أحب إليك: جعفر بن برقان أو شعيب بن أبي حمزة في حديث الزهري؟ قال: جعفر ليس مثل هؤلاء» .
(6)
وممن دونهم:
محمد بن أخي الزهري، ومحمد بن إسجاق. سئل الإمام أحمد عنهما في حديث الزهري أيهما أحب إليه؟ قال:«ما أدري، كأنه ضعفهما» .
(7)
.
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (3/ 152 - 153 رقم 1544)؛ الجرح والتعديل (8/ 178).
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص 63 رقم 60).
(3)
المعرفة والتاريخ (2/ 201).
(4)
شرح علل الترمذي (2/ 675). وقد تعقب فاروق بن يوسف البحريني هذا القول من الإمام أحمد في رسالته طبقات الرواة عن الزهري (ص 239 - 240). وفي كثير مما قاله نظر.
(5)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص 200 رقم 355).
(6)
بحر الدم (رقم 146).
(7)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (2/ 207 رقم 2127).
سفيان بن حسين؛ قال أحمد: «ليس هو بذاك، في حديثه عن الزهري
شيء»
(1)
.
صالح بن أبي الأخضر؛ قدم سفيان بن حسين عليه
(2)
، وتقدم أنه ذكر متابعته لمعمر فقيل له: صالح يحتج به؟ فقال: «يُستدل به يُعتبر به» .
(3)
مثال لما اختلف أصحاب الزهري فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
(4)
ذكر الإمام أحمد هنا الاختلاف بين ابن عيينة ويحيى بن سعيد الأنصاري، في شيخ الزهري في أثر عمر. فرواه ابن عيينة عن الزهري، عن عروة؛ ورواه يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن حُميد، ولم يذكر رواية غيرهما من أصحاب الزهري، ورجح رواية يحيى بن سعيد على رواية ابن عيينة.
والظاهر أن ترجيح الإمام أحمد ليس مبنياً على رواية يحيى بن سعيد بمفردها فقد تابعه مالك
(5)
، ومعمر
(6)
، ولا تخفى هذان الطريقان عليه.
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص 50 رقم 28).
(2)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص 321 رقم 437).
(3)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم 1188).
(4)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (3/ 390 رقم 5713 - 5714).
(5)
وحديثه في الموطأ (1/ 368)، ومن طريقه أخرجه الطحاوي (1/ 187)، والبيهقي (السنن الكبرى 2/ 463).
(6)
أخرج حديثه عبد الرزاق (المصنف 5/ 63 ح 9008).
وتابع ابن عيينة
(1)
صالح بن كيسان
(2)
، وأسامة بن زيد الليثي
(3)
.
واجتماع مالك ومعمر يقضي على رواية ابن عيينة بالخطأ، فمالك أثبت منه في الزهري، وكذلك معمر في رواية ابن هانئ عن أحمد، فلو انفرد كل واحد منهما لكان قوله مقدماً على قول سفيان، فكيف وقد اجتمعا.
وقد خطأ رواية ابن عيينة الشافعي
(4)
، وأبو حاتم
(5)
.
قال الخلال: أخبرني أحمد بن أصرم قال: «سألت أبا عبد الله عن حديث الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن حزين بن جابر، عن كعب قال: لما كلّم الله موسى
…
فقلت: إن معمراً يقول: حزين بن جابر، ويقول يونس: جزء بن جابر، وشيعب بن أبي حمزة: حزن بن جابر، فأيها عندك أعرف؟ قال: قول معمر».
(6)
حديث معمر ويونس كلاهما عند الطبري
(7)
، ولفظه: قال كعب: «إن الله جل ثناؤه لما كلّم موسى كلّمه بالألسنة كلها قبل كلامه، يعني كلام موسى، فجعل يقول: يا رب، لا أفهم حتى كلّمه بلسانه آخر الألسنة، فقال: يا رب هكذا كلامك؟ قال: لا، ولو سمعت كلامي - أي على وجهه - لم تك شيئا» ، وقال في
(1)
وأخرج رواية ابن عيينة الفسوي (المعرفة والتاريخ 2/ 723)، والطحاوي (شرح معاني الآثار الموضع نفسه)، والبيهقي (الموضع نفسه). وذكر يعقوب الفسوي عن الحميدي أنه قال: قيل لسفيان: فإن مالكاً ومعمراً والأوزاعي يقولونه عن حميد ليس عن عروة؟ قال سفيان: أما أنا فأحفظه عن عروة.
(2)
ذكر روايته الأثرم، فيما نقله ابن حجر، عن نوح بن يزيد، عن إبراهيم بن سعد عنه به. (فتح الباري 3/ 489).
(3)
ذكر روايته ابن أبي حاتم (علل ابن أبي حاتم 1/ 282).
(4)
السنن الكبرى للبيهقي (2/ 463)
(5)
علل ابن أبي حاتم (الموضع نفسه).
(6)
المنتخب من العلل للخلال (ص 276 رقم 172).
(7)
جامع البيان (6/ 29).
رواية معمر: أخبرني جزء بن جابر. وكذلك وقع عند عبد الله بن أحمد بن حنبل
(1)
من ثلاث طرق عن معمر.
وكذلك قال في رواية يونس.
ورواية معمر عند البخاري
(2)
: جريز بن جابر. وعند ابن أبي حاتم
(3)
: جزي بن جابر، وقال: تابعه الزُّبيدي. وأما البخاري فذكر أن رواية يونس والزبيدي وابن أخي الزهري سواء: جزؤ. وفي نسخة: جرو
(4)
.
والاختلاف في تحقيق ما ذكره كل واحد من الرواة كثير، وأغلبه راجع إلى التصحيف، إلا أن الشاهد أن الإمام أحمد قدم قول معمر على قول يونس، وشعيب. ولم يذكر قول من سواهما. والظاهر أنه مشى على أصله في الترتيب بين معمر، وشعيب، ويونس، وأيضاً قد ذكر أحمد أن شعيباً ويونس كانا أصحاب كتب، ومعمر يحفظ، والتصحيف قليل من الحافظ بالمقارنة بصاحب الكتاب كما تقدم عن الإمام أحمد.
أصحاب سعيد بن أبي سعيد المقبري
(5)
(1)
السنة (1/ 283 ح 539، 540، 541).
(2)
التاريخ الكبير (2/ 256).
(3)
الجرح والتعديل (2/ 547).
(4)
انظر تعليق المعلمي على التاريخ الكبير (الموضع نفسه).
(5)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (1/ 334 رقم 602).
فجعل الإمام أحمد الليث بن سعد أصح الناس حديثاً عن سعيد المقبري.
وقد ذكر سبب تقديمه في موضع آخر:
قال عبد الله: «سمعت أبي يقول: أصح الناس حديثاً عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري ليث بن سعد، يَفصِل ما روى عن أبي هريرة، وما روى عن أبيه، عن أبي هريرة، هو ثبت في حديثه جداًّ».
(1)
وقدم عبيد الله بن عمر في أصحاب سعيد المقبري أيضاً، لكن هل معنى هذا أنه مقدم حتى على الليث أو لا؟ فهذا محل بحث.
أما محمد بن عجلان، فذكر أنه اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبري عن أبي هريرة، وعن أبيه، عن أبي هريرة فجعلها كلها عن أبي هريرة. فهذا يدل على خفة ضبطه وتمييزه لحديث المقبري، فلذلك أخره الإمام أحمد عن طبقة الأثبات من أصحاب المقبري.
(2)
وقد قال عن ابن عجلان وابن أبي ذئب: «كلا الرجلين ثقة، ما فيهما إلا ثقة» .
(3)
فيفهم أن ابن أبي ذئب مقدم عنده على ابن عجلان في سعيد المقبري لما ذكر من اختلاط.
(1)
المصدر نفسه (1/ 350 رقم 659).
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (3/ 286 رقم 5270).
(3)
المعرفة والتاريخ (2/ 163).
وجعل الإمام أحمد أضعف أصحابه حديثا أبا معشر نجيح بن عبد الرحمن المديني، أحد الضعفاء. قال أحمد في رواية الأثرم - وقيل له: أبو معشر المديني يكتب حديثه؟ فقال: «عندي حديثه مضطرب، لا يُقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به» .
(1)
وقد تقدم ذكر مثال لحديث اختلف فيه على سعيد المقبري بين الليث بن سعد
وصفوان بن سليم، وقدّم قول الليث، وهو حديث العطاس
(2)
.
أصحاب أبي إسحاق السَّبِيعي
قال المرُّوذي: «قلت: من أصحاب أبي إسحاق المتثبِّتون؟ قال: شعبة، وسفيان» .
(3)
(4)
وقال ابن هانئ: «سألته أيما أثبت عندك في حديث أبي إسحاق؟ قال: شعبة، ثم سفيان الثوري» .
(5)
وقال الميموني: «قلت لأبي عبد الله: من أكبر في أبي إسحاق؟ قال: ما أجد في نفسي أكبر من شعبة فيه، ثم الثوري. وقال: وشعبة أقدم سماعاً من سفيان.
(1)
تاريخ بغداد (13/ 430).
(2)
ص: (899).
(3)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (صم 48 رقم 23).
(4)
المعرفة والتاريخ (2/ 203).
(5)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (2/ 220 رقم 2205).
قلت: وكان أبو إسحاق قد تأخر؟ قال: إي والله، هؤلاء الصغار زهير، وإسرائيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام».
(1)
فشعبة والثوري هما الطبقة الأولى من أصحاب أبي إسحاق، وقدم شعبة على الثوري، لكون سماعه من أبي إسحاق أقدم، لأن أبا إسحاق كان قد تغير، فكل ما كان السماع منه أقدم كان ذلك أثبت.
وقال الفضل بن زياد: «سئل أبا عبد الله عن شريك وإسرائيل عن أبي إسحاق أيهما أحب إليك؟ فقال: شريك أحب إلي، لأن شريكاً أقدم سماعاً من أبي إسحاق،
وأما المشايخ فإسرائيل».
(2)
فقدم شريكاً على إسرئيل بن يونس بن أبي إسحاق في أبي إسحاق خاصة دون سائر الشيوخ لقدم سماعه من أبي إسحاق.
وقال المروذي: «قال أحمد: شريك حسن الرواية عن أبي إسحاق» .
(3)
وقال عبد الله: «قال: شريك عن أبي إسحاق قال: كان ثبتاً فيه» .
(4)
وقال حنبل بن إسحاق: «وسئل أبو عبد الله: من أحب إليك؟ جرير بن عبد الحميد أو شريك؟ قال: جرير أقل سقطاً من شريك، شريك كان يخطئ. قيل له: فأبو الأحوص أو شريك؟ قال: شريك. قيل له: فمن في أبي إسحاق؟ قال: شريك، شريك سمع قديماً» .
(5)
فقدم شريكاً على جرير الضبي في أبي إسحاق خاصة دون غيره من المشايخ. وأما أبو الأحوص فهو دون شريك مطلقاً.
(1)
حكاه ابن رجب (شرح علل الترمذي 2/ 710).
(2)
المعرفة والتاريخ (2/ 168).
(3)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (ص 48 رقم 24).
(4)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (1/ 251 رقم 348).
(5)
تاريخ بغداد (7/ 259).
وقال صالح: «قال أبي: سمع شريك من أبي إسحاق قديماً، وشريك في أبي إسحاق أثبت من زهير، وإسرائيل، وزكريا» .
(1)
فقدم شريكاً على هؤلاء لقدم سماعه من أبي إسحاق.
فالطبقة الثانية من أصحاب أبي إسحاق هو شريك وحده، فالنصوص عن الإمام أحمد تدل على أنه ليس أعلى منه في أبي إسحاق إلا شعبة والثوري.
والطبقة الثالثة هم سائر الرواة الذين سمعوا من أبي إسحاق بأخرة وفيهم أئمة
أجلاء؛ وهم: زهير بن معاوية الجعفي، وزكريا بن أبي زائدة، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق،، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق، وأبوهما يونس بن أبي إسحاق، وأبو الأحوص سلاّم بن سُليم.
وأما الترتيب بين أهل هذه الطبقة، فقد تقدم عن أحمد في رواية أبي داود أنه يقول في الثلاثة الأولين: زهير، وزكريا، وإسرايئل: ما أقربهم في حديث أبي إسحاق.
وقال صالح: «قال أبي: إذا اختلف زكريا وإسرائيل فإن زكريا أحب إليّ في أبي إسحاق، ثم قال: ما أقربهما» .
(2)
فالظاهر أنه لم يفضّل بينهما في الآخر.
أما إسرائيل وأخوه عيسى، وأبوهما يونس فقال عبد الله: «سألت أبي: أيما أصح حديثاً عيسى أو أبوه يونس؟ قال: لا عيسى أصح حديثاً. قيل له: عيسى أو
(1)
الجرح والتعديل (4/ 366).
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (2/ 90 رقم 643).
أخوه إسرائيل؟ فقال: ما أقربهما، وفي حديث إسرائيل اختلاف على أبي إسحاق أحسب ذاك من أبي إسحاق».
(1)
(2)
وقال الأثرم: «سمعت أبا عبد الله وذكر يونس بن أبي إسحاق وضعفه حديثه عن أبيه، وقال: حديث إسرائيل أحب إليّ منه» .
(3)
فالذي يظهر من هذه النصوص أن زهير، وزكريا، وإسرائيل، وعيسى كلهم قريب من السواء في أبي إسحاق ويونس دونهم، فقد ضعف الإمام أحمد حديث يونس عن أبي إسحاق، بينما قال في حديث أولئك عنه: فيه لين، وأيضاً، صرح بتقديم إسرائيل وأخيه عيسى على يونس، فمن كان في منزلتهما فإنه يقدم عليه مثلهما. وأما أبو الأحوص فلم أقف على ما يدل على مرتبته بين هؤلاء، ولعله قريب من زهير ومن معه، وفوق عيسى بن يونس، لأنه لم يرد عن الإمام أحمد أنه ضعف حديثه عن أبي إسحاق كما قال في حديث يونس، والله أعلم.
وأما من تكلم فيهم في أبي إسحاق فقد تقدم أنه تكلم في حديث أبي بكر بن عياش عنه
(4)
، فيكون هو ويونس بن أبي إسحاق أهل الطبقة الرابعة، وهي
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (1/ 559 رقم 1335).
(2)
المعرفة والتاريخ (2/ 173 - 174).
(3)
الضعفاء للعقيلي (4/ 1559).
(4)
انظر: ص (285).
طبقة من ضعف حديثهم عن أبي إسحاق.
مثال لما اختلف أصحاب أبي إسحاق فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «سألته - أي أحمد بن حنبل - عن حديث ابن إدريس، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «قُبِض النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأنا خَتين» . قال أبي: لم نزل نسمع أن هذا حديث واهٍ. وقال عبد الله: قرأت على أبي فأقر به: أبو سعيد مولى بني هاشم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير قال:«تُوفي النبيُّ صلى الله عليه وسلم وابن عباس ابن خمس عشرة سنة» . قال عبد الله: سمعت أبي يقول: حديث شعبة كأنه يُوافق حديث الزُّهري عن عبيد الله، عن ابن عباس:«جئت على أتانٍ وقد ناهزتُ الاحتلام» . قال أبي: حدثناه عبد الرحمن، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس. قال أبي: وحدثناه يعقوب، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، قال: ناهزت الحُلُم».
(1)
فخطأ رواية إدريس بن يزيد الأودي
(2)
- وهو أحد الثقات
(3)
- وصحح رواية شعبة، والرواية التي ذكرها صورتها مرسلة، لكن جاءت مسندة في موضع آخر:
(4)
. وعند الطيالسي زيادة: «مختون» .
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (1/ 104 - 105 رقم 1712، 1714، 1715).
(2)
أخرج هذه الرواية الطبراني (المعجم الكبير 10/ 235 ح 10579)، وذكر ابن حجر أن الإسماعيلي وصلها (فتح الباري 11/ 91)، وساقه بإسناده في «تغليق التعليق» (5/ 134 - 135).
(3)
وثقه ابن معين، والنسائي (تهذيب الكمال 2/ 301).
(4)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (1/ 108 ح 1722)، وانظر: مسند الطيالسي (ص 343 ح 2640)، ومسند الإمام أحمد (5/ 475 ح 3543).
ورواه معاذ بن معاذ العنرى
(1)
، وخالد بن الحارث
(2)
كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد بلفظ: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة وقد خُتنت» .
فهذه الرواية وكذا رواية الطيالسي تدلان على صحة رواية إدريس الأودي عن أبي إسحاق، فلا يظهر وجه تضعيفها، والله أعلم.
أصحاب إبراهيم بن يزيد النخعي
قال عبد الله: «سألت أبي من أثبت الناس في إبراهيم؟ فقال: الحكم بن عتيبة، ثم منصور» .
(3)
وقال أيضاً: «قلت لأبي: أي أصحاب إبراهيم أحب إليك؟ قال: الحكم، ثم منصور، ما أقربهما» .
(4)
وقال الفضل بن زياد: «قال أحمد: لا أعلم أحداً أثبت من الحكم إلا أن يكون
منصور بن المعتمر».
(5)
وقال أبو طالب: «قال أبو عبد الله: الحكم عن إبراهيم أحب إلي من الأعمش عن إبراهيم» .
(6)
وقال الفضل أيضاً: «سمعت أبا عبد الله يقول: منصور أصح حديثاً من الأعمش لقلة حديثه» .
(7)
وقال الفضل: «سمعت أبا عبد الله وقيل له: إذا اختلف منصور والأعمش
(1)
أخرج حديثه ابن أبي عاصم (الآحاد والمثاني 1/ 284 ح 372)، المعجم الكبير (10/ 235 ح 10578).
(2)
أخرجه ابن أبي عاصم (الموضع نفسه ح 373).
(3)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (3/ 352 ح 5557).
(4)
المصدر نفسه (2/ 493 رقم 3249).
(5)
المعرفة والتاريخ (2/ 190).
(6)
المصدر نفسه (2/ 176).
(7)
المصدر نفسه (2/ 174).
عن إبراهيم فبقول من تأخذ؟ قال: بقول منصور، فإنه أقل سقطاً».
(1)
فالطبقة الأولى من أصحاب إبراهيم عند أحمد: الحكم ومنصور، ومرة قدم الحكم، ومرة جعلهما قريبين من بعض.
ويليهما الأعمش.
وقال عبد الله: «قال أبي: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم. قال: وسألته عن حماد وعاصم فقال: عاصم أحب إلينا، عاصم صاحب قرآن، وحماد صاحب فقه» .
(2)
(3)
فهذه الطبقة الثالثة من أصحاب إبراهيم، وهم: عاصم بن أبي النجود، وحماد بن أبي سليمان، وأبي معشر زياد بن كليب، وهم دون الأعمش وأهل الطبقة الأولى - الحكم ومنصور. وقدم عاصماً لأنه صاحب قرآن. وجعل حماداً وأبا معشر في درجة واحدة،، لكن بشرط صحة الطريق إلى حماد، لأن رواية القدماء - الثوري، وشعبة، وهشام الدستوائي - تقارب، وأما غيرهم فجاؤوا عنه بأعاجيب
(4)
.
(1)
المصدر نفسه (3/ 13).
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (3/ 121 رقم 4512 - 4513).
(3)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص 290).
(4)
انظر: الجرح والتعديل (3/ 147).
وأما المغيرة بن مِقسم فقال عبد الله عن أحمد: «كان صاحب سنة ذكيًّا حافظاً، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حمّاد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث العكلي، وعن عبيدة، وعن غيره، وجعل يضعِّف حديث المغيرة عن إبراهيم وحده» .
(1)
ومتقضى هذا أن يكون حديثه عن إبراهيم دون حديث أهل الطبقة الثالثة، فإنه أطلق الضعف على حديثه عن إبراهيم لأن عامتها مدلسَّة. وقد أخرج الشيخان له عن إبراهيم، ولم يخرج البخاري لحماد بن أبي سليمان في الصحيح، ولا لأبي معشر. لكن ذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري ما أخرج لمغيرة بن مِقسم عن إبراهيم إلا ما توبع عليه
(2)
.
مثال لما اختلف أصحاب إبراهيم فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
(3)
أصحاب ثابت البُناني
قال أبو داود: سمعت أحمد قال: «ليس أحد أثبت في ثابت من حماد بن سلمة هؤلاء الشيوخ يتوهمون. وقال: قال أبو داود عن حماد بن سلمة قال: قلت: هذا قام لثابت، فجعلت أقلب عليه الأحاديث فأقول: أنس، فيقول: لا، إنما حدثنا به
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (1/ 207 رقم 218).
(2)
هدي الساري (ص 445).
(3)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 427 رقم 2887).
ابن أبي ليلى، لا إنما حدثنابه أنس، يعني لما يذكره أيضا له عن غير أنس ماهو لأنس»
(1)
.
(2)
(3)
قال المروذي: «ليس أحد أثبت ولا أعرف بحديث ثابت من حماد. ثم قال:
وسليمان بن المغيرة، قلت: معمر؟ قال: معمر حسن الحديث عن ثابت».
(4)
مثال لما اختلف على ثابت البُناني فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثني محمد بن جعفر الوركاني قال: أخبرنا حمّاد الأبح، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أو آخرُه» . سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هو خطأ، إنما يروى هذا الحديث عن
(1)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (ص 342 ح 514).
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (2/ 197 رقم 2062).
(3)
المصدر نفسه (2/ 207 رقم 2130).
(4)
العلل ومعرفة الرجال - برواية المروذي وغيره (رقم 3).
الحسن حدثني أبي قال: حدثنا حسن بن موسى الأشيب قال: حدثنا حماد بن يحيى قال: حدثنا ثابت عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أو آخره. حدثني أبي قال: حدثناه حسن بن موسى قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، ويونس، عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل أمتي
…
» فذكره».
(1)
أصحاب قتادة
قال أبو زرعة: «فأخبرني أحمد بن حنبل - وذكر سعيد بن أبي عزوبة، وهشام الدستوائي - أن الاختلاف عن هشام في حديث قتادة أقل منه في حديث سعيد» . قال أبو زرعة: ورأيت أحمد بن حنبل لهشام أكثر تقديماً في قتادة لضبطه وقلة الاختلاف عنه».
(2)
مثال لما اختلف أصحاب قتادة فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
1.
قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: لا نقول بالسعاية، حديث قتادة لا يقول فيه شعبة وهشام السعاية» .
(3)
.
2.
سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: «اختلف شعبة، وسعيد، وهشام في حديث أنس: «كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تخفق رُؤُسُهم ثم يصلون ولا يتوضئون» في اللفظ، وكلهم ثقات».
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم 5400 - 5402).
(2)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم 1136 - 1137).
(3)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 293 رقم 1402).
«قال: حدثنا ابن يسار قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: «كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يقومون فيُصلون ولا يَتوضّئون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم).
«حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس شبهه ولم يذكر أمر الوضوء» .
«حدثنا عباد بن موسى قال حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس شبهه أيضاً ولم يذكر أمر الوضوء» .
(1)
وقال ابن هانئ: «حديث أنس: إنهم كانوا يضطجعون. قال: ما قال هذا شعبة قط. وقال حديث شعبة: «كانوا ينامون» . وليس فيه: «يَضطجعون» . وقال هشام: «كانوا ينعسون» . وقد اختلفوا في حديث أنس».
(2)
أصحاب يحيى بن أبي كثير
قال أبو داود: «سمعت أحمد قال: ليس أحد أثبت في يحيى بن أبي كثير من هشام الدستوائي» .
(3)
(1)
المصدر نفسه (ص 439 - 440 رقم 2014).
(2)
مسائل الإمام أحمد برواية ابن هانئ (1/ 8 رقم 42).
(3)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (رقم 489).
قال صالح: وسأل أحمد: «أكثر مَنْ في يحيى بن أبي كثير مِن أهل البصرة هشام الدُّستوائي، وحرب بن شداد، وأبان، وشيبان ثبت في كل المشايخ، وهمام. قلت: الأوزاعي؟ قال: هؤلاء أثبت من الأوزاعي» .
(1)
قال أبو بكر الأثرم: «ذكر أحمد أصحاب يحيى بن أبي كثير فقال: هشام صاحب كتاب والأوزاعي حافظ وهمام ثقة، هشام أثبت من أبان وحرب بن شداد ومعاوية بن سالم ثقتان» .
(2)
(3)
مثال لما اختلف أصحاب قتادة فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثني أبي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يَعيش بن الوليد، عن ابن معدان، عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فسألته عن ذلك، فقال: صبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه» . قال: إنما رواه يحيى، عن الأوزاعي، عن يعيش عن معدان عن أبي الدرداء».
(4)
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (3/ 42 رقم 1297، 1299).
(2)
تهذيب الكمال (5/ 525).
(3)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم 1142، 1143).
(4)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم 5535).
أصحاب ابن جريج
قال أبو زرعة: «قلت لأحمد بن حنبل: كان عبد الرزاق يحفظ حديث معمر؟ قال: نعم قيل له: فمن أثبت في ابن جريج؟ عبد الرزاق أو محمد بن بكر البرساني؟ قال: عبد الرزاق» .
(1)
مثال لما اختلف أصحاب ابن جريج فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
قال عبد الله: «حدثنا بعض الكوفيين قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم خمروا وجوه موتاكم ولا تشبهوا بيهود» . فحدثت به أبي فأنكره، وقال: هذا أخطأ فيه حفص فرفعه، وحدّثني عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء مرسل».
(2)
(3)
(4)
أصحاب حُصين
قال أبو داود: «قال أحمد: ليس أحد أصح حديثاً عن حصين من هشيم» .
(5)
(1)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم 1159).
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (2/ 383 رقم 2709).
(3)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم 5265).
(4)
مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود (ص 320).
(5)
سؤالات أبي دواد للإمام أحمد (رقم 443).
مثال لما اختلف أصحاب حُصين فيه من حديثه وترجيح الإمام أحمد
(1)
(2)
حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك ابن أخي عمرو بن حويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما مس لحيته وهو يصلي.
قال صالح: «قال أبي: قال عباد: أخطأ هشيم في حديث حصين عن عمرو بن عبد الملك بن الحويرث، وكان هشيم يقول: عبد الملك بن عمرو بن الحويرث، والخطأ في يد عباد، وأصاب هشيم. قال أبي: وكان عباد ربما قال: أنبأناه وأخبرناه وأنبأناه عاصم بن كليب. حدثنا صالح قال: حدثنا أبي قال: حدثنا هشيم قال: حصين أن عبد الملك بن عمرو بن الحويرث قال: حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة وكان ربما يمس لحيته وهو يصلي. حدثنا
(1)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (رقم 1/ 370 رقم 712).
(2)
العلل ومعرفة الرجال - برواية عبد الله (1/ 534 رقم 1257 - 1259).
صالح: قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن حصين عن عبد الملك بن أخي عمرو بن حريث أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما مس لحيته في الصلاة».
(1)
(1)
مسائل الإمام أحمد برواية ابنه صالح (2/ 441 - 442 رقم 1127 - 1129).
الخاتمة
الحمد لله أولاً وآخرًاً حمداً يليق بجلال ربّنا وكماله وكما يحبُّ ربُّنا ويرضى، فقد يسّر الله بمنه وكرمه وفضله عليّ بإتمام هذا البحث الذي عشت فيه فترة من الزمن مع إمام أهل السنة والجماعة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في ظل كلامه في علل الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواتها.
إن الإمام أحمد من الأئمة الذين خاضوا في مجال إبراز الأخطاء والأوهام التي وقع فيها رواة الأخبار، وكيف وقعوا فيها، والخطأ مما جبل عليه البشر، وأسباب طروه لا تنحصر، فكان من الصعوبة بمكان وضع قواعد جامدة لا مرونة فيها تكون هي المعوّلة في الحكم على الراوي بالخطأ في روايته، ومن أجل ذلك كان من أبرز سمات منهج الإمام أحمد العمل مع القرائن في كل حديث حديث.
ومع تلك الصعوبة فلا يستحيل على من درس منهج الإمام أحمد من الاطلاع على أهم الأصول التي بنى عليها الإمام أحمد كلامه في الإعلال، ولا يقال إنها قواعد بل هي قرائن كادت لكثرة استعمالها أن تكون قواعد في هذا العلم، ومن خلال هذه الدراسة تكاد تنحصر في عشرة أمور:
1.
التَّفرُّد ممن لا يُحتمل تفردُه وبخاصة عن حافظٍ مُكثِرٍ ذي تلاميذَ كُثُر.
2.
المخالفة لرواية الأوثق أو الأكثر عدداً.
3.
مخالفة الراوي لمقتضى ما رواه.
4.
مخالفة الرواية للثابت المعروف.
5.
سلوك الجادَّة عند بعض الرواة في حالة الرواية.
6.
معرفة الملابَسات المتعلقة بمجالس التحمّل والأداء.
7.
معرفة ما ينفي السماع الموهوم في السند.
8.
معرفة من ضُعِّف من الثقات تضعيفاً مقيداً، إما في بعض شيوخه، أو في بعض الأوقات، أو الحالات، أو في حديثه في بعض البلدان، أو في حديث بعض أهل البلدان عنه.
9.
معرفة مراتب الرواة عن الأعلام المُكثِرِينَ في الرواية وعدد التلاميذ.
10.
الفهم الخاص بأن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان.
ولا ينفرد الإمام أحمد في أغلب مسائل هذا العلم بما لا يوافقه عليه غيره من أقرانه أو شيوخه، ففي عدم اعتبار عدد محدود لرفع الجهالة حيث جعل الضابط في ذلك شهرة الراوي، فقد وافقه غيره من أقرانه. وكذلك في اعتبار ثبوت السماع للحكم بالاتصال على السند المعنعن، وفي ضابطه في الحكم بالنكارة على ما تفرد به الراوي الذي لا يحتمل منه ذلك التفرد وإن كان ثقة.
ومصطلحاته في هذا العلم أكثر شمولاً من المصطلحات الموضوعة عند المتأخرين.
وقد تكون مواقفه في بعض مسائل هذا العلم تعكس منزلته من الإمامة في هذا الدين، فلا تكون نظرته من مجرد منظار أهل الاختصاص بعلم الرواية، مثل موقفه مع المشتهرين بالبدعة والهوى الداعين إليها، وكذلك الذين أجابوا في محنة خلق القرآن، حيث ترك الرواية عنهم ونهى غيره عن ذلك، لا لعدم صحة الاحتجاج بمروياتهم لكن لواجب الديانة المقتضي هجران أصحاب الفرق المخالفين للسنة والجماعة.
والعمل في دراسة منهج الإمام لم يكن أمراً سهلاً، فدراسة المناهج أمر يحتاج إلى استقراء تام، ويزيده صعوبةً صعوبةُ الوقوف على ما يصححه من
الأحاديث والذي يمكن أن يجعل أصلاً لوضع شرطه في القبول، فمثلاً ليس كل حديث في مسنده صحيحاً عنده، كما هو الحال في الجامع الصحيح بالنسبة للإمام البخاري، وليس كل مسئلة فقهية استدل لها بحديث يستنتج منها صحة الحديث عنده، الأمر الذي يلزم على الباحث أن يستنير بما وضعه أهل الاستقراء التام لأقوال الإمام أحمد.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فهرس
المصادر والمراجع
1.
إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) تحقيق الدكتور زهير بن ناصر الناصر، الطبعة الأولى عام 1415 هـ 1994 م
2.
إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين، الشريف حاتم العوني، ط/ 1
3.
أجوبة أبي زرعة لأسئلة البرذعي ضمن كتاتب: «أبوزرعة وجهوده في السنن النبوية دراسة» دراسة وتحقيق الدكتور سعدي الهاشمي، طبعة المجلس العلمي الاسلامي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1402 هـ 1982 م
4.
الآحاد والمثاني، تأليف الحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم (ت 287 هـ)، تحقيق د. باسم فيصل جوابرة، دار الراية الرياض ط/ 1 - 1411 هـ
5.
الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما، تصنيف الإمام ضياء الدين أبي عبد الله المقدسي. ط/ 1 - 1410 هـ
6.
الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان تأليف الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى عام 1408 هـ 1988 م
7.
أحوال الرجال، لأبي إسحاق إبراهيم بن يققوب الجوزجاني (ت 259 هـ)، حققه السيد صبحي السامرائي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، عام 1405 هـ 1985 م
8.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لأبي العباس أحمد بن محمد القسطلاني دار الفكر بيروت.
9.
الإرشاد في معرفة علماء الحديث، تأليف الحافظ أبي يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي القزويني (ت 446 هـ)، تحقيق د. محمد سعيد بن عمر إدريس، ط/ 1 - 1409 هـ، مكتبة الرشد الرياض.
10.
الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات، تأليف أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، ط/ 1، 1417 هـ، مكتبة ابن تيمية.
11.
إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، تأليف محمد ناصر الدين الألباني الكتبة الاسلامي، الكبعة الثانية 1405 هـ 1985 م
12.
الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم الكبير محمد بن محمد تحقيق د/ يوسف بن محمد الدخيل مكتبة الغرباء الأثرية المدينة المنورة الطبعة الأولى 1414 هـ
13.
الإصابة في تمييز الصحابة تأليف الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني 852 هـ الطبعة الأولى عام 1328 هـ مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر
14.
الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، للحافظ علي بن هبة الله المشهور بالأمير ابن ماكولا، نشر محمد أمين دمج، بيروت
15.
الإلزامات والتتبع للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني ت 385 هـ تحقيق ودراسة الشيخ أبي عبد الرحمن مقبل بن هادى الوادعي، مطبعة المدني بمصر
16.
الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين للدكتور نور الدين عتر مؤسسة الرسالة
17.
الإمام في معرفة أحاديث الأحكام، تأليف الإمام تقي الدين أبي الفتح محمد بن علي بن وهب، المشهور بابن دقيق العيد، (ت 702 هـ)، تحقيق سعد بن عبد الله آل حميد، دار المحقق، ط/ 1، 1420 هـ.
18.
الأنساب لأبي سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني (ت 562 هـ) مكتبة المثنى بغداد 1970 هـ
19.
البداية والنهاية، للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير (ت 774 هـ)، تحقيق د. عبد الله التركي، ط/ 1، 1420 هـ، دار هجر.
20.
الأوسط في السنن والإحماع والاختلاف، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت 318 هـ)، تحقيق د. أبي حماد صغير أحمد حنيف، دار طيبة ط/ 1 - 1405 هـ
21.
بحر الدم فيمن تكلم فيهم الإمام أحمد بمدح أو ذم، تأليف يوسف بن حسن بن عبد الهادي، تحقي د. أبي أسامة وصي الله بن محمد عباس، نشر دار الراية، الرياض ط/ 1 - 1409 هـ
22.
البحر الزخار المعروف بمسند البزار، للحافظ أبي بكر أحمد بن عمر العتكي، تحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ط/ 1 - 1409 هـ
23.
بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق د. حسين أحمد صالح المباركي، مركز خدمة السنة بالتعاون مع مجمع الملك فهد، المملكة العربية السعودية، ط/ 1
24.
بلدان الخلافة الشرقية، كي لسترنج، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1405 هـ، 1985 م
25.
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، للحافظ أبي الحسن بن القطان الفاسي، دراسة وتحقيق د. الحسين آت سعيد، دار طيبة الرياض ط/ 1 - 1418 هـ
26.
التابعون الثقات الذين اختلف في سماعهم من بعض الصحابة رشالة جامعية قدمت لنيل درجة الدكتوراة تقديم د مبارك الهاجري.
27.
تاج العروس من وجوه القاموس تأليف السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي ت 1205 هـ تحقيق على هلالي دار احياء التراث العربي بيروت
28.
التاج والإكليل لمختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدي الشهير بالمواق ت 897 هـ، وهو بهامش كتاب مواهب الجليل طبعة دار الفكر، الطبعة الثانية 1398 هـ 1987 م
29.
تاريخ أبي زرعة الدمشقي، للحافظ عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري (ت 281 هـ)، تحقيق شكر الله بن نعمة الله القوجاني، دار ابن زيدون
30.
تاريخ أسماء الثقات، للحافظ أبي حفص عمر بن شاهين، تحقيق صبحي السامرائي، الدار السلفية، الصفاة الكويت، الطبعة الأولى 1404 هـ
31.
تاريخ أصبهان للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ت 430 هـ تحقيق سيد كروي حسن دار الكتب العلمية بيروت 1410 هـ 1990 م
32.
تاريخ الإسلام للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى 1415 هـ
33.
التاريخ الأوسط، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ) تحقيق محمد بن إبراهيم اللحيدان، ط/ 1، 1418 هـ دار الصميعي.
34.
تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر القاهرة 1971 م
35.
التاريخ الصغير للإمام البخاري تحقيق محمود زايد، دار المعرفة بيروت، الطبعة الأولى 1406 هـ
36.
التاريخ الكبير للإمام البخاري، تصحيح عبد الرحمن المعلمي مطبعة دار المعانى العثمانية حيدر آباد 1378 هـ.
37.
تاريخ بغداد أو مدينة السلام، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي ت 463 هـ المكتبة السلفية المدينة المنورة
38.
تاريخ جرجان للحافظ حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني ت 427 هـ بعناية د محمد عبد المعيد خان عالم الكتب الطبعة الرابعة 1407 هـ، 1987 م
39.
تاريخ دمشق لأبي القاسم علي بن الحسن (ابن عساكر) تحقيق محب الدين عمر بن غرامة العمروي دار الفكر بيروت 1415 هـ
40.
تاريخ يحي بن معين رواية الدوري، دراسة وتحقيق، د أحمد محمد نور سيف الطبعة الأولى، مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز، 1399 هـ
41.
تبصير المنتبه وتحرير المشتبه، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1386 هـ
42.
تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف، تأليف الحافظ أبي الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزي، تصحيح وتعليق عبد الصمد شرف الدين، الطبعة الأولى، دار القيمة، الهند 1965 م
43.
تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف المكتبة العلمية بالمدينة المنورة الطبعة الثانية 1392 هـ
44.
التدليس في الحديث للدكتور مسفر بن عزام الله الدميني الطبعة الأولى 1412 هـ
45.
التدوين في أخبار قزوين، لعبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987 م
46.
تذكرة الحفاظ، للحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، بتصحيح الشيخ عبد الرحمن المعلمي، دار إحياء التراث العربي، 1374 هـ.
47.
ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي تحقيق محمد بن تاويت الطبخي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المملكة المغربية الطبعة الثانية 1403 هـ
48.
الترغيب والترهيب أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني، تحقيق أمن بن صالح، دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى 1414 هـ
49.
الترغيب والترهيب للحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تحقيق محي الدين مستو وسمير العطار ويوسف علي بديوي، دار ابن كثير، دمشق الطبعة الأولى، 1414 هـ
50.
التصحيف وأثره في الحديث والفقه وجهود المحدثين في مُكافحته،
51.
التصنيف وأثره في الحديث والفقه وجهود المحدثين في مكافحته، إعداد أسطيري جمال، ط/ 1 - 1415 هـ، دار طيبة.
52.
تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني، مكتية ابن تيمية، القاهر طبعة 1386 هـ
53.
تعريف أهل التقديس لمراتب الموصوفين بالتدليس للحافظ أحمد بن علي بن حجر، 852 هـ، تحقيق د عبد الغفار البنداري، والأشتاذ محمد أحمد، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ
54.
تغليق التعليق على صحيح البخاري للحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دراسة وتحقيق سعيد عبد الرحمن موسى، الطبعة الأولى، الكتب الاسلامي، 1405 هـ.
55.
تفسير غريب ما في الصحيحين لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، تحقيق د زبيدة محمد سعيد، مكتبة السنة القاهرة، الطبعة الأولى، 1415 هـ
56.
تقريب التهذيب، تأليف الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852)، تحقيق أبي الأشبال صغير أحمد شاغف الباكستاني، ط/ 1 - 1416 هـ دار العاصمة.
57.
تقريب التهذيب للحافظ أحمد بن علي بن حجر، تحقيق محمد عوامة، دار الرشيد، حلب، الطبعة الأولى، 1406 هـ
58.
تكملة الإكمال محمد بن عبد الغني البغدادي، المعروف بابن نقطة، تحقيق عبد القيوم عبد رب النبي، مركز احياء التراث الاسلامي، بجامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى 1407 هـ
59.
التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، طبع بعناية السيد عبد الله هاشم اليماني المدني، سنة 1384 هـ.
60.
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تأليف الإمام أبي عمر يوسف عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي (ت 463 هـ)، تحقيق سعيد أحمد أعراب، تصوير مكتبة السوادي جدة.
61.
التنبيه على الأوهام الواقعة في الصحيحين من قبل الرواة «قسم البخاري» للحافظ أبي علي الحسين بن محمد بن أحمد القساني الجياني (ت 498 هـ) تحقيق محمد صادق الحامدي دار اللواء الرياض الطبعة الأولى 1407 هـ 1987 م
62.
تنقيح تحقيق أحاديث التعليق، تأليف الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد المعروف بـ "ابن عبد الهادي الحنبلي"(ت 744)، تحقيق أيمن صالح شعبان، ط/ 1 - 1419 هـ
63.
تهذيب التهذيب، تأليف الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852)، ط/ 1، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند سنة (1325 هـ). .
تهذيب سنن أبي داود، للإمام محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية، مع مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري، تحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية بيروت.
64.
تهذيب السنن والآثار، للحافظ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق د ناصر بن سعد المرشيد وعبد القيوم عبد رب النبي، مطابع الصفار، مكة المكرمة، 1402 هـ
65.
تهذيب الكمال للحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي، بتحقيق د بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الرابعة 1413 هـ
66.
تهذيب سنن أبي داود للامام محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية، مع مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري، تحقيق أحمد محمد شاكر، ومحمد حامد الفقي، دار المعرفة بيروت
67.
التوحيد للإمام بن منده، تحقيق د علي ناصر الفقيهي، مطابع الجامعة الاسلامية، بالمدينة المنورة
68.
توضيح المشتبه شمس الدين محمد بن عبد الله القيسي، المشهور بابن ناصر الدين، ت 942 هـ تحقيق محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1414 هـ
69.
التوضيح لمبهمات الجامع الصحيح، للحافظ أبي ذر أحمد بن برهان الدين سبط ابن العجمي، ت 884 هـ، مخطوط بمكتبة الجامعة الإسلامية، برقم 167 مصور
70.
الثقات للحافظ أبي حاتم محمد بن حبان البستي، ت 354 هـ، طبع بمجلس دائرة المعارف، بحيدر آباد الهند، ط، 1393 هـ
71.
جامع البيان عن تأويل القرآن، تأليف الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ت 310 هـ الطبعة الثالثة 1388 هـ 1969 م مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر
72.
جامع التحصيل في أحكام المراسيل، للحافظ صلاح الدين بن خليل العلائي، ت 761 هـ، تحقيق حمدي السلفي، مطبعة عالم الكتب ومكتبة النهضة العربية الطبعة الأولى 1398 هـ والثانية 1407 هـ
73.
جامع المسانيد والسنن، لأبي الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، دار االفكر، بيروت، 1415 هـ
74.
الجامع في العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، (ت 241 هـ)، رواية عبد الله بن أحمد ابنه، والمروزي، والميموني، أبو الفضل صالح بن أحمد ابنه رحمهم الله، فهرسه واعتنى به، محمد حسام بيضون، ط/ 1، 1410 هـ، مؤسسة الكتب الثقافية.
75.
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تأليف الحافظ الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، تحقيق د. محمود الطحان، ط/ 1403 هـ، مكتبة المعارف.
76.
الجرح والتعديل لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى 1372 هـ
77.
الجرح والتعديل، تأليف الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، (ت 327 هـ)، ط/ 1 مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الهند، سنة 1373 هـ، تصوير دار الكتب العلمية.
78.
جزء الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 85 هـ، تحقيق أم عبد الله بنت محروس العسيلي مكتبة المعلا، الكويت
79.
جزء معرفة الرجال - رواية ابن محرز
80.
حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1387 هـ
81.
الخراج للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب الامام أبي حنيفة طبعة دار المعرفة بيروت، لبنان
82.
الخراج، ليحي بن آدم القرشي ضمن موسوعة الخراج دار المعرفة بيروت
83.
خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، للحافظ صفي الدين أحمد بن عيد الله الخزرجي، المطبعة الكبرى ببولاق مصر الطبعة الأولى 1301 هـ
84.
ديوان السنن والآثار - الزكاة، د عبد الملك بن بكر قاضى، دار الحسن للنشر، عمان، الأردن الطبعة الأولى 1409 هـ
85.
ديوان الضعفاء والمتروكين للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي تحقيق الشيخ حماد بن محمد الأنصاري مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة 1387 هـ
86.
ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثوق، للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق محمد شكور الميادينى مكتبة المنار الزرقاء الأردن الطبعة الأولى 1406 هـ
87.
الذكر والدعاء والعلاج بالرقى من الكتاب والسنة، تأليف د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني، ط/ 3، 1422 هـ، توزيع مؤسسة الجريسي.
88.
ذيل ميزان الاعتدال، للحافظ أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين المعروف بالعراقي (ت 806 هـ) تحقيق د. عبد القيوم عبد رب النبي، ط/ 1، 1406 هـ، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى.
89.
رجال صحيح مسلم للحافظ أحمد بن على بن منجويه، تحقيق عبد الله الليثي، دار المعرفة، بيروت الطبعة الأولى 1407 هـ
90.
رفع اليدين في الصلاة، تأليف الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ)، وبهامشه جلاء العينين بتخريج روايات البخاري في جزء رفع اليدين، بقلم بديع الدين الراشدي، ط/ 1، 1416 هـ، دار ابن القيم.
91.
سؤالات أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275 هـ)، للإمام أحمد بن حنبل في الجرح والتعديل، تحقيق د/ زياد محمد منصور، ط/ 1 - 1414 هـ، مكتبة العلوم والحكم.
92.
سؤالات أبي عبد الله بن بكير وغيره، لأبي الحسن الدارقطني (ت 385 هـ)، تحقيق علي حسن علي عبد الحميد.
93.
سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني، تحقيق محمد علي العمري الطبعة الأولى 1403 هـ
94.
سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275 هـ)، في معرفة الرجال وجرحهم وتعديلهم، دراسة وتحقيق د. عبد العليم عبد العظيم البستوي، ط/ 1، 1418 هـ، مكتبة دار الاستقامة، ومؤسسة الريان.
95.
سؤالات الحاكم للدارقطني، تحقيق موفق بن عبد الله، مكتبة المعارف، الرياض الطبعة الأولى 1404 هـ
96.
سؤالات السجزي للحاكم، تحقيق د. موفق بن عبد الله، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 1408 هـ
97.
سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض الطبعة الثانية، 140 هـ
98.
سلسلة الأحاديث الضعيفة، للشيخ ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الثانية، 1408 هـ
99.
السنة، تأليف الحافظ أبي بكر عمرو بن أبي عاصم الشيباني (ت 287 هـ)، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة للألباني، ط/ 3، 1413 هـ، المكتب الإسلامي.
100.
السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن لأبي عبد الله محمد بن عمر بن رشيد السبتي، تحقيق د محمد الحبيب بن الخوجة الدار التونسية للنشر
101.
السنن الكبرى للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق دعبد الغفار سليمان البنداوي وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411 هـ، 1911 هـ
102.
السنن الكبرى، الإمام المحدثين الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين ابن علي البيهقي، (ت 458 هـ)، وفي ذيله الجوهر النقي، لعلاء الدين المارديني الشهير بابن التركماني (ت 745 هـ)، ط/ دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ.
103.
السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها، تأليف أبي عمرو عثمان بن سعيد المقرئ الداني، تحقيق د/ رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري، الطبعة الأولى، 1416 هـ
104.
السنن للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق عزت عبيد الدعاس، دار الحديث للطباعة بيروت، الطبعة الأولى، 1388 هـ
105.
السنن للإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي الكتبتة العلمية بيروت
106.
السنن للإمام أبي محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية بيروت
107.
السنن للإمام أحمد بن شعيب النسائي المكتبة العلمية، بيروت
108.
السنن للإمام الشافعي، محمد بن إدريس المطلبي، تحقيق د خليل ملا خاطر، دار القبلة للثقافة الإسلامية جدة، 1409 هـ، 1989 م
109.
السنن للإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الدارمي، دار إحياء السنة النبوية
110.
السنن للإمام علي بن عمر الداقطني، تحقيق عبد الله هاشم يماني، دار المحاسن للطباعة القاهرة
111.
سير أعلام النبلاء للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق شعيب الأرنؤوط مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى 1402 هـ
112.
سيرة الإمام أحمد بن حنبل، لأبي الفضل صالح بن أحمد بن حنبل، دراسة وتحقيق المستشار د/ فؤاد بن عبد المنم أحمد، دار السف الرياض الطبعة الثالثة، 1415 هـ.
113.
شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاج عبد الحي بن عماد الحنبلي، دار احياء التراث العربي، بيروت
114.
شرح الأبي على صحيح مسلم لأبي عبد الله محمد بن خلفة الأبى، دار الكتب العلمية بيروت
115.
شرح التصريح على التوضيح، للشيخ خالد بن عبد الله الأزهري، دار الفكر بيروت
116.
شرح السنة للحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، الكتب الاسلامي، الطبعة الثانية 1403 هـ
117.
شرح صحيح مسلم للإمام أبي زكريا يحي بن شرف النووي، الطبعة الأولى 1347 هـ
118.
شرح علل الترمذي للحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، تحقيق د همام عبد الرحيم، مكتبة المنار الأردن الطبعة الأولى 1407 هـ
119.
شرح مشكل الآثار للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، تحقيق شعيب الأرؤوط مؤسسة الرسالة، بيروت 1415 هـ
120.
شرح معاني الآثار لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي تحقيق محمد زهري النجار طبعة دار الكتب العلمية الطبعة الثانية 1407 هـ 1987 م
121.
شعب الإيمان للإمام أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق أبي هاجر محمد سعيد زغلول دار الكتب العملية بيروت الطبعة الأولى 1410 هـ
122.
الصحاح للجوهري تحقيق أحمد عبد الغفور دار العلم للملايين بيروت 1399 هـ
123.
صحيح ابن خزيمة تحقيق وتعليق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي طبعة المكتب الاسلامي الطبعة الثانية 1412 هـ 1992 م
124.
صحيح البخاري مع فتح الباري لابن حجر العسقلاني طبعة دار المعرفة بيروت لبنان
125.
صحيح البخاري، الطبعة السلطانية، مطابع الشعب
126.
صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت 261 هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط/ 1، دار الحديث.
127.
صحيفة همام بن منبه، تحقيق د رفعت فوزي عبد المطلب، مكتبة الخانجي القاهرة، الطبعة الأولى، 1406 هـ، 1985 م
128.
صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط لأبي عمرو بن الصلاح تحقيق موفق بن عبد الله دار الغرب الاسلامي 1404 هـ
129.
الضعفاء الصغير، تأليف الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ)، تحقيق بوران الضناوي، ط/ 1، 1404 هـ عالم الكتب.
130.
الضعفاء الصغير، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق بوران الضناوي طبعة: عالم الكتب الطبعة الأولى 1404 هـ. 1984 م
131.
الضعفاء الكبير لأبي جعفر محمد بن عمرو الغقيلي (ت 322 هـ) تحقيق د/ عبد المعطي أمين قلعجي دار الكتب العلمية بيروت 1404 هـ 1984 م
132.
الضعفاء لأبي زرعة (أبو زرعة وجهوده في السنة النبوية مع تحقيق كتابه الضعفاء) تحقيق د/ سعيد الهاشمي المجلس العلمي بالجامعة الاسلامية الطبعة الأولى 1402 هـ
133.
الضعفاء لأبي نعيم الأصفهاني المتوفي سنة 430 هـ، تحقيق الدكتور فاروق محادة طبعة دار الثقافة الدار البيضاء، المغرب الطبعة الأولى 1405 هـ 1984 م
134.
الضعفاء والمتروكون لأبي الحسن الدارقطني تحقيق موفق بن عبد الله مكتبة المعارف الرياض الطبعة الأولى 1404 هـ
135.
الضعفاء والمتروكون للنسائي تحقيق كمال يوسف الحوت وبوران الضناوي مؤسسة الكتب الثقافية بيروت الطبعة الثانية 1407 هـ
136.
الضعفاء، تأليف أبي جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، (ت 322 هـ)، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط/ 1، 1420 هـ، دار الصميعي.
137.
ضعيف الجامع الصغير للشيخ ناصر الدين الألباني الكتب الاسلامي بيروت الطبعة الثانية 1410 هـ
138.
ضوابط الجرح والتعديل عند الحافظ الذهبي - جمعاً ودراسة، تأليف أبي عبد الرحمن محمد الثاني بن عمر بن موسى، ط/ 1، 1421 هـ، سلسلة إصدارات الحكمة.
139.
ضوابط الجرح والتعديل، تأليف د. عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم العبد اللطيف، ط/ 1، 1412 هـ، طبع الجامعة الإسلامية.
140.
طبقات الحنابلة، للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى، ط/ دار المعرفة دون تاريخ.
141.
طبقات الرواة عن الزهري ممن له رواية في الكتب الستة
142.
طبقات الفقهاء الشافعين لعماد الدين أبي القداء الحافظ اسماعيل بن كثير القرشي ت 7 تحقيق د/ أحمد عمر هاشم و د/ محمد محمد عزب مكتبة الثقافة الدينية مصر 1413 هـ 1993 م
143.
الطبقات الكبرى لابن سعد دار الكتب العلمية بيروت الكبعة الأولى 1411 هـ
144.
طبقات المحدثين بإصبهان لأبي شيخ عبد الله بن محمد ابن حبان تحقيق عبد الغفور عبد الحق البلوشي مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثانية 1412 هـ
145.
الطبقات، تصنيف الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت 261 هـ)، تحقيق مشهور حسن سلمان، ط/ 1، 1411 هـ، دار الهجرة.
146.
العبر في خبر من غبر
147.
عقائد الثلاث والسبعين فرقة، تأليف أبي محمد اليمني، تحقيق د. محمد بن عبد الله زربان الغامدي، ط/ 1، مكتبة العلوم والحكم.
148.
علل الترمذي الكبير ترتيب أبي طالب القاضي تحقيق حمزة ديب مصطفى مكتبة الأقصى عمان الأردن الطبعة الأولى 1406 هـ
149.
علل الحديث للإمام أبي محمد عبد الرحمن الرازي الحافظ ابن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر داود بن مهران كبعة دار المعرفة بيروت لبنان 1405 هـ 1985 م
150.
العلل المتناهية لابن الجوزي لأبي الفرج ابن الجوزي تحقيق ارشاد الحق الأثري إدارة ترجمان السنة لاهور
151.
العلل الواردة في الأحاديث النبوية للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الدار قطني تحقيق د/ محفوظ الرحمن زين الله السلفي، الطبعة الأولى 1405 هـ 1985 م، طبعة دار طيبة الرياض
152.
العلل ومعرفة الرجال عن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، رواية المروذي وغيره، تحقيق د. وصي الله بن محمد عباس، ط/ 1، 1408 هـ، الدار السلفية الهند.
153.
العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل (ت 241 هـ)، تحقيق د. وصي الله بن محمد عباس، ط/ 1 - 1408 هـ المكتب الإسلامي، ودار الخانجي.
154.
علم زوائد الحديث للدكتور خلدون الأحدب دار القلم دمشق الطبعة الأولى 1413 هـ 1992 م
155.
غريب الحديث لأبي إسحاق ابراهيم الحربي تحقيق د/ سليمان بن ابراهيم العابد دار المدني للطباعة جدة الطعة الأولى 1405 هـ
156.
غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد، الدكن الهند 1396 هـ
157.
غنية المحتاج في ختم صحيح مسلم لأبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي تحقيق محمد الفاريابي مكتبة الكوثر الرياض الطبعة الأولى 1413 هـ
158.
الفائق في غريب الحديث لجار الله محمود الزمخشري تحقيق علي البخاوي ومحمد ابراهيم مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه
159.
فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، تأليف الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ط/ دار المعرفة بيروت.
160.
الفتح الرباني لترتيب مسند الامام أحمد للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا دار احياؤ التراث العربي بيروت الطبعة الثانية
161.
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي للإمام أبي عبد لله محمد بن عبد الرحمن السخاوي، تحقيق وتعليق الشيخ علي حسين علي الناشر دار الإمام الطبري، الطبعة الثانية 1412 هـ 1992 م
162.
فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلاّم الهروي، تحقيق مروان العطية، ومن معه، دار ابن كثير دمشق وبيروت، الطبعة الأولى 1415 هـ/ 1995)
163.
فضائل القرآن وما جاء فيه من الفضل وفي كم يقرأ والسنة في ذلك (لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي (ت 301 هـ)، تحقيق يوسف عثمان فضل الله جبريل. مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى 1409 هـ_/ 1989 م
164.
فهرسة دار الكتب المصرية
165.
فهرسة ما رواه عن شيوخه لأبي بكر محمد بن خبر الاشبيلي منشورات دار الآفاق الحديثة الطبعة الثانية 1399 هـ 1979 م
166.
فهرسة مخطوطات مكتبة كوبريلي
167.
الفوائد لأبي الفرج الثقفي: مسعود بن الحسن بن القاسم ت 562 هـ، مصورة في الجامعة الاسلامية عن الأصل المحفوظ في الظاهرية
168.
فوائد وقواعد في الجرح والتعديل وعلوم الحديث، جمع وترتيب أبي أسامة إسلام بن محمود بن محمد النجار، ط/ 1 - 1418 هـ مكتبة أضواء السلف.
169.
فيض القدير، شرح الجامع الصغير، لمحمد عبد الرؤوف المناوي، 1031 هـ الطبعة الثانية 1391 هـ 1972 م دار لمعرفة، بيروت لبنان
170.
القراءة خلف الإمام، للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت 458 هـ)، تخريج أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، ط/ 1، 1405 هـ.
171.
الكاشف للذهبي مع حاشية سبط ابن العجمي تقديم وتعليق محمد عوامة مؤسسة علوم القرآن جدة 1413 هـ
172.
الكامل في ضعفاء الرجال للإمام الحافظ أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، الطبعة الثانية 1405 هـ 1985 م، دار الفكر
173.
كتاب المجروحين، للحافظ شيخ الاسلام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذور التميمي الحنظلي الرازي ت 327 هـ طبعة دار الكتب العلمية بيروت لبنان
174.
كشف الأستار عن زوائد البزار نور الدين بن علي بن أبي بكر الهيثمي تحقيق حبيب الرحمن الاعظمي مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى 1399 هـ
175.
كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون لحاجي خليفة منشورات مكتبة المثنى بغداد
176.
الكفاية في علم الرواية لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي دار الكتب العلمية بيروت 1409 هـ
177.
الكفاية في علوم الرواية، تأليف الإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، ط/ 1410 هـ.
178.
الكنى والأسماء للإمام مسلم بن الحجاج، دراسة وتحقيق عبد الرحيم محمد أحمد القشقري، طبعة المجلس العالمي بالجامعة الإسلامية
179.
الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة لأبي البركات محمد بن أحمد المعروف بان الكبال، تحقيق ودراسة عبد القيوم عبد رب النبي طبعة دار المأمون للتراث، دمشق
180.
لب اللباب في تحرير الأنساب لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي تحقيق محمد أحمد وأشرف أحمد دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1411 هـ
181.
اللباب في تهذيب الأنساب لعز الدين ابن الأثير الجزري طبعة دار صادر بيروت 1400 هـ 1980 م
182.
لسان العرب للعلامة أبي الفضل جمال الدين محمد مكرم ابن منظور الأفريقي المصري، الطبعة الولى 1410 هـ 1990 م ط دار الفكر
183.
…
لسان الميزان، للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت 852 هـ الطبعة الثانية طبعة دار الكتب الاسلامي
184.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نور الدين علي أبي بكر الهيثمي ت 80 هـ منشورات مؤسسة المعارف بيروت لبنان 1406 هـ 1986 م
185.
مجمع بحار الأنوار في غريب التنزيل ولطائف الأخبار محمد طاهر الصديقي مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند
186.
مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ت 728 هـ)، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، وساعده ابنه محمد، طبع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية سنة 1416 هـ.
187.
المحلى، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ت 456 هـ، تحقيق لجنة احياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت
188.
مختصر المنذري لسنن أبي داود دار المعرفة بيروت تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي (ضمن شروح سنن أبي داود معالم السنن وتهذيب أبن قيم)
189.
المدونة الكبرى، للإمام مالك بن أنس الأصبحي طبعة كتببة الرياض الحديثة
190.
المراسيل، تأليف الحافظ، أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327 هـ)، بعناية شكر الله ابن نعمة الله قوجاني، ط/ 2، 1418 هـ مؤسسة الرسالة.
191.
مسائل الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ)، رواية ابنه عبد الله (ت 290 هـ)، دراسة وتحقيق د. علي سليمان المهنا، ط/ 1، 1406 هـ، مكتبة الدار بالمدينة المنورة.
192.
مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه أبي الفضل صالح (ت 266 هـ)، تحقيق د. فضل الرحمن دين محمد، ط/ 2، 1419 هـ، الدار العلمية دلهي، الهند.
193.
مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري (ت 275 هـ)، تحقيق زهير الشاويش، ط/ 1، 1400 هـ، المكتب الإسلامي بيروت.
194.
مسائل الإمام أحمد رواية، أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، ط/ 1، 1420 هـ مكتبة ابن تيمية.
195.
مستخرج أبي نعيم مخطوط من مصورة مكتبة الجامعة الاسلامية برقم (1514) فيلم
196.
مستخرج أبي نعيم مخطوط من مصورة مكتبة الجامعة الاسلامية برقم (468) مصور
197.
مستخرج أبي نعيم مخطوط من مصورة مكتبة الجامعة الاسلامية برقم 2048، 249، 205 مصورات
198.
المستدرك على الصحيحين للإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وبذيله التلخيص للحافظ الذهبي طبعة مزيدة بفهرس الأحاديث الشريفة، دار المعرفة، بيروت لبنان
199.
المسلك الواضح المأمون لشرح اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون منظومة الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، تأليف حافظ بن محمد بن عبد الله الحكمي، ط/ 1 - 1419 هـ، دار ابن عفان.
200.
مسند أبي داود الطيالسي دار المعرفة بيروت لبنان
201.
مسند أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفرائيني [ت 316] الناشر دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان
202.
مسند أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، للإمام أبي محمد بن محمد الباغندي، تخريج محمد عوامة، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، 1404 هـ، 1984 م
203.
المسند للإمام أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي [210307 هـ] تحقيق وتعليق إرشاد الحق الأثري، إدارة العلوم الأثرية فيصل آباد الطبعة الأولى 1408 هـ 1988 م
204.
المسند للإمام أحمد بن حنبل وبهامشه منتخب كمز العمال في سنن الأقوال والأفعال، دار صادر بيروت
205.
المسند للإمام الحافظ الكبير أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي [ت 219 هـ] مكتبة المتنبى القاهرة
206.
مشارق الأنوار على صحاح الآثار تأليف الإمام الشهير الحافظ الكبير القاضي أبي الفضل عياض بن موسى عياض اليحصبي السبتي المالكي [ت 544 هـ] طبع ونشر المكتبة العتيقة تونس
207.
مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة أحمد بن أبي بكر البوصري تحقيق موسى محمد علي ود/ عزت على عطية دار الكتب الحديثة عابدين
208.
المصنف لابن أبي شيبة: الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار للإمام الحافظ عبد الله بن محمد ابن أبي شيبة الكوفي العبسي [ت 235 هـ] مطبعة العلوم الشرفية الهند طبعة الأولى سنة 1390 هـ
209.
المصنف للإمام عبد الرزاق بن همام الحيري الصنعاني ت 211 هـ، بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتاب الاسلامي.
210.
المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، تأليف محمد محمد حسن شراب، دار العلم دمشق، الطبعة الأولى، 1411 هـ، 1991 م
211.
معالم السنن مع سنن أبي داود، للحافظ أبي سليمان الخطابي، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان الطبعة الأولى 1388 هـ
212.
المعجم الأوسط أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ت 360 هـ تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسين نشر دار الحرمين 1215 هـ 1995 م القاهرة
213.
معجم البلدان للإمام شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي طبعة دار صادر بيروت 1407 هـ 1977 م
214.
المعجم الصغير للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني ت 360 هـ، دار الكتب العلمية بيروت لبنان
215.
المعجم الكبير للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ت 360 هـ تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي نشر مكتبة ابن تيمية القاهرة
216.
المعجم الوسيط للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 هـ)، تحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، ط/ 1415 هـ، نشر دار الحرمين.
217.
معرف الرجال للإمام أبي زكريا يحي بن معين، رواية أحمد بن محمد بن القاسم بن مجرز
218.
معرفة علوم الحديث، تأليف الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري (ت 450 هـ)، ط/ 2، 1397 هـ، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
219.
المعرفة والتاريخ تأليف أبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي ت 277 هـ تحقيق د/ أكرم ضياء العمري مطبعة الأبرياء بغداد 1396 هـ 1976 م
220.
المغني في الضعفاء للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق وتعليق الدكتور نور الدين عتر
221.
المغني في ضبط أسماء الرجال ومعرفة كنى الرواة وألقابهم وأنسابهم، للعلامة المحدث الشيخ محمد طاهر بن علي الهندي، دار الكتب العربي بيروت لبنان
222.
المغني، تأليف موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي، (ت 620 هـ)، ط/ 3، 1417 هـ، تحقيق د. عبد الله التركي، توزيع وزارة الشؤون الإسلامية.
223.
مقدمة إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض تحقيق الحسين محمد شواط دار ابن عفان الخبر الطبعة الأولى 1414 هـ
224.
مناقب الإمام أحمد بن حنبل، للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق د. عبد الله التركي، ط/ 2، 1409 هـ دار هجر.
225.
المنتخب من العلل للخلال، للإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد الشهير بابن قدامة المقدسي (ت 620 هـ)، تحقيق أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد، ط/ 1، 1419 هـ دار الراية.
226.
المنتخب من مسند عبد بن حميد للإمام الحافظ أبي محمد عبد بن حميد، تحقيق السيد صبحي البدري السامر مرائي ومحمود محمد خليل الصعيدي طبعة مكتبة السنة، القاهرة
227.
المنفردات والوحدان، للإمام الحافظ مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق دكتور عبد الغفار سليمان البندراري، السعيد بن بيسوني زغلول، ط/ 1، دار الكتب العلمية بيروت.
228.
منهج الامام مسلم في ترتيب كتابه الصحيح، د ربيع بن هادي المدخلي مكتبة الدار بالمدينة المنورة الطبعة الأولى 1414 هـ
229.
منهج المتقدمين في التدليس، تأليف ناصر بن حمد الفهد، ط/ 2، 1422 هـ، مكتبة أضواء السلف.
230.
المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة وأقوال العلماء وآراء الفرق المختلفة، تأليف د. عبد العليم عبد العظيم البستوي، ط/ 1، 1420 هـ، دار ابن حزم، والمكتبة المكية.
231.
موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله، جمع وترتيب السيد أبو المعاطي النوري، وأحمد عبد الرزاق عيد، ومحمود محمد خليل، ط/ 1، 1417 هـ عالم الكتب.
232.
موسوعة الحديث النبوي (أحاديث الصيام) د/ عبد الملك بكر قاضى دار العاصمة الرياض الطبعة الأولى 1409 هـ
233.
الموطأ، لإمام دار الهجرة مالك بن أنس (ت 179 هـ)، رواية أبي مصعب الزهري المدني (ت 242 هـ)، ط/ 2، 1418 هـ، مؤسسة الرسالة.
234.
الموطأ رواية أبي مصعب الزهري تحقيق د/ بشار عواد ومحمود محمد خليل مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى 1412 هـ
235.
الموطأ رواية الليثي طبعة حديدة مصححة، دار الكتب العلمية بيروت لبنان
236.
الموطأ رواية محمد بن الحسن السيباني الطبعة الثانية، مكتبة دار الباز
237.
الموقظة في علم مصطلح الحديث، للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت 748 هـ) تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، ط/ 1 - 1405 هـ، دار البشائر الإسلامية بيروت.
238.
موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند والمعنعن بين المتعاصرين، تأليف خالد منصور عبد الله الدريس، ط/ 1، 1417 هـ، مكتبة الرشد الرياض.
239.
ميزان الإعتدال في نقد الرجال تأليف أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي تحقيق علي محمد البجاوي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
240.
نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار، تأليف الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، مطبعة الإرشاد، منشورات مكتبة المثنى ببغداد.
241.
نزهة الألباب في الألقاب لابن حجر العسقلاني تحقيق عبد العزيز بن محمد السديري مكتبة الرشد الرياض الطبعة الأولى 1409 هـ
242.
نزهة النظر شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، للإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، ط/ 1404 هـ، مكتبة طيبة.
243.
نزهة النظر شرح نخبة الفكر لابن حجر العسقلاني مكتبة طيبة 1404 هـ
244.
النكت الظراف مع تحفة الأشراف لابن حجر العسقلاني تحقيق عبد الصمد شرف الدين الدار القيمة الهند 1400 هـ
245.
النكت على كتاب ابن الصلاح، للحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، تحقيق د. ربيع بن هادي عمير، ط/ 1، 1404 هـ، طبع مجلس العلمي بالجامعة الإسلامية.
246.
النهاية في غريب الحديث لابن الأثير تحقيق طاهر الزاوي ومحمود الطناحي المكتبة العلمية بيروت
247.
هدي الساري للحافظ ابن حجر العسقلاني دار المعرفة بيروت
248.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد أبي بكر بن خلكان ت 681 هـ تحقيق د/ احسان عباس طبعة دار صادر بيروت.