المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

مَواهب الجَليل من أدلة خليل تأليف الشيخ أحمد بن أحمد المختار الجكيني الشنقيطي الجزء - مواهب الجليل من أدلة خليل - جـ ٣

[أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي]

فهرس الكتاب

مَواهب الجَليل

من أدلة خليل

تأليف

الشيخ أحمد بن أحمد المختار الجكيني الشنقيطي

الجزء الثالث

عني بمراجعته خادم العلم

عَبد الله إبَراهيم الأنصَاري

من مطبوعات

إِدارة إِحياء التراث الإِسلامي بدولة قطر

1407 هـ - 1986 م

ص: 1

رقم الإِيداع بدار الكتب القطرية

443 لسنة 1986

ص: 2

بسم الله الرحمن الرحيم

‌كتابُ النِّكاحِ

(1)

‌بَابٌ

خُصَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بِوُجُوبِ الضُّحَى (2) والْأضْحَى والتَّهَجُّدِ والْوِترِ بَحَضَرٍ، والسِّوَاكِ (3) وتَخْييرِ نِسَائِهِ فِيهِ (4)، وطَلَاقِ مَرْغُوبَتِهِ (5).

(1)

قوله: كتاب النكاح، قال الحطاب: طريقة المتأخرين من المالكية أنهم يجعلون النكاح وتوابعه في الربع الثاني والبيع وتوابعه في الربع الثالث. وقد ابتدأ المصنف رحمه الله تعالى كتاب النكاح بالخصائص، تبعًا لابن شاس، وهو تبع في ذلك الشافعية. قالوا: ذلك أنه صلى الله عليه وسلم خص في باب النكاح بخصائص متعددة، لم يجتمع مثلها في باب من أبواب الفقه، وفائدة ذكر هذه الخصائص التنبيه على ذكرها وخصوصها لئلا يعتقد فيما يخصه صلى الله عليه وسلم أنه مشروع لنا، مع ما في ذلك من التنويه بعظيم فضله وشريف قدره، قال: واعتمد ابن شاس في عد هذه الخصائص كلام القاضي أبي بكر بن العربي في أحكام القرآن، وعليه اعتمد القرطبي في تفسيره وزاد عليه بعض زيادة، قال: والذي خص به صلى الله عليه وسلم خمسة أنواع:

الأول: ما وجب عليه صلى الله عليه وسلم دون غيره، تشريفًا له وتكثيرًا لثوابه. قال بعض أهل العلم: أن ثواب الواجب يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة.

الثاني: ما وجب له صلى الله عليه وسلم على غيره.

الثالث: ما حرم عليه صلى الله عليه وسلم دون غيره تشريفًا له أيضًا.

الرابع: ما حرم على غيره لأجله صلى الله عليه وسلم.

الخامس: ما أبيح له صلى الله عليه وسلم دون غيره من الناس.

قال: وهذه الخصائص منها ما ورد في القرآن، ومنها ما ورد في السنة، ومنها ما هو مختلف فيه، ومنها ما هو متفق عليه.

ص: 3

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (2) قوله: خص النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب الضحى والأضحى والتهجد والوتر، أما دليل وجوب الثلاثة دون التهجد، فهو حديث رواه البيهقي وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"ثَلَاثٌ عَليَّ فَرْضٌ وَعَلَيْكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ، وَاْلوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الضُّحَى". وفي بعض الروايات: "كُتِبَ عَلَيَّ الأُضْحِيَةُ وَصَلاةُ الضُّحَى وَالْوِتْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ". ودليل وجوب التهجد قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}

(1)

. وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}

(2)

. الآية، وقوله: بحضر؛ يحتمل رجوعه للوتر والتهجد معًا، ويستأنس لذلك بأنهم استدلوا على عدم وجوب الوتر والتهجد عليه في السفر صلى الله عليه وسلم بكونه كان - بأبي هو وأمي - يوتر على راحلته ويتهجد عليها. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته.

(3)

وقوله: والسواك: قال ابن العربي: وجب عليه صلى الله عليه وسلم السواك، فقال صلى الله عليه وسلم:"أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأمَرتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ". قال الحطاب: لم يبين المصنف ولا غيره من المالكية - فيما علمت - ما هو الذي كان فرضًا عليه صلى الله عليه وسلم من السواك، ورأيت للشافعية أنه كان فرضًا عليه لكل صلاة. والله تعالى أعلم. اهـ. منه.

(4)

وقوله: وتخيير نسائه، قال ابن العربي: خص صلى الله عليه وسلم بالتخيير لنسائه؛ فلا تصحبه امرأة تكره البقاء معه، وذلك لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}

(3)

.

قالوا في سبب نزولها أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تغايرن حتى غمه ذلك، وقيل طلبن منه الملابس ونفقات كثيرة، وكن يومئذ تسع نسوة؛ خمس منهن من قريش هن: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وسودة بنت زمعة، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وأم مسلمة هند بنت أبي أمية، وأربع من غير قريش هن: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي من بني إسرائيل، =

(1)

سورة الإسراء: 79.

(2)

سورة المزمل: 1، 2.

(3)

سورة الأحزاب: 28، 29.

ص: 4

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق، فنزلت الآية فاستدعاهن، فبدأ بعائشة فاختارت البقاء في عصمته، ثم تبعنها على ذلك، فلم يقع طلاق. وفي الحديث عن عائشة: خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، ولم يعد ذلك طلاقًا. اهـ.

(5)

وقوله: وطلاق مرغوبته، قال جواهر الإِكليل: طلاقنا الزوجة التي رغب في نكاحها نبينا صلى الله عليه وسلم لوقع ذلك، لكنه لم يقع منه صلى الله عليه وسلم أنه رغب نكاح زوجة أحد من أصحابه. وأما تزويجه صلى الله عليه وسلم زوجة غيره، بعد أن قضى منها وطرًا وطلقها، فقد وقع ذلك بأمر الله تعالى في زينب بنت جحش رضي الله عنها بقوله تعالى:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا}

(1)

الآية، وإنما أبدى رغبته لزيد في بقائها معه زوجة له، خوفًا من قول المنافقين: تزوج زوجة ابنه وقد منع الناس من ذلك؛ وذلك لتبنيه زيدًا. وكان الذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعوتب عليه بقوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}

(2)

. هو أن الله أوحى إليه بأن يتزوجها إذا طلقها زيد، فأخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك خشية تطرق ألسن المنافقين إليه بأنه تزوج زوجة ابنه، فكان لهذا الموجب يقول له، كلما استشاره في طلاقها:"أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ"، وذلك خشية وجوب تزويجها عليه إذا طلقها زيد فنزل عليه العتاب بقوله تعالى:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} . فالذي أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه؛ هو أن الله كان أوحى إليه أن يتزوج زينب بعد طلاق زيد لها، ليظهر بذلك بطلان ما كان في الجاهلية، من حرمة تزوج زوجة من تبناه الواحد منهم. قالت عائشة: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية لشدتها عليه.

(1)

و

(2)

سورة الأحزاب: 37.

ص: 5

وَإِجَابَةِ الْمُصَلِّي (1)، والمُشَاوَرَةِ (2)، وقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ (3)، وإِثْباتِ عَمَلِهِ (4)، ومُصابَرَةِ الْعَدُوِّ الكَثيرِ (5)، وتَغْييرِ الْمُنْكَرِ (6)، وحُرْمَةِ الصَّدَقَتَيْنِ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ (7)، وَأكْلِهِ كَثُومٍ، أَوْ مُتَّكِئًا (8)، وَإِمْسَاكِ كَارِهَتِهِ، وَتَبَدُّلِ أزْوَاجِهِ (9)، وَنِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ (10) والأَمَةِ، وَمَدْخُولِيَّتِهِ لِغَيْرِهِ (11)، ونَزْعِ لَأمَتِهِ حَتَّى يُقَاتِلَ (12).

(1)

وقوله: وإجابة المصلي، ومن خصائصه أنه يجب على من دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة أن يجيبه بقوله: لبيك. عمدًا، ولا تبطل صلاته. ودليله حديث أُبي عند مسلم والموطإ وفيه: لما دعا أبيًا في الصلاة ولم يجبه، فقال له عليه السلام "أَلَمْ يَقُلِ الله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} "

(1)

. قال الحطاب: ومثله في البخاري عن أبي سعيد رافع بن المعلى، قال ابن العربي: قال الشافعي: في حديث أُبي دليل على أن الفعل الفرض والقول الفرض إذا أتي به في الصلاة لا يبطلها؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بالإِجابة وإن كان في صلاة، قال: وقال القرطبي: وفيه دليل للأوزاعي في قوله: إن المصلي لو أبصر غلامًا يريد أن يسقط في بئر، فصاح به وانتهره، وانصرف إليه لم يكن بذلك بأس.

تنبيه: ذكر النووي - بنقل الحطاب - إن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن المصلي يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ولا يخاطب غيره من الناس. اهـ.

(2)

وقوله: والمشاورة، أي ووجب عليه مشاورة ذوي الأحلام تطييبًا لنفوسهم، ورفعًا لأقدارهم، وتألفًا لهم على دينهم، وإن كان الله أغناه عن رأيهم، وليقتدى به في ذلك.

قال الحطاب: ووجه خصوصيته صلى الله عليه وسلم بوجوب المشاورة - والله أعلم - أنه وجب عليه ذلك مع كمال علمه ومعرفته، وإلا فقد قال القرطبي. قال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحروب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والعمال والوزراء، فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. اهـ.

(3)

وقوله: وقضاء دين الميت المعسر، لقوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ". قال ابن =

(1)

سورة الأنفال: 24.

ص: 6

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= حجر في شرح هذا الحديث. قال ابن بطال: هذا ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين. اهـ.

ووجه خصوصيته بوجوب قضاء دين المعسر، إذا كان يقضيه من خالص ماله مما أفاء الله به عليه، أما إذا كان يقضيه من مال مصالح المسلمين، فالظاهر أنه لا خصوصية حينئذ. فقد نقل الحطاب عن أبي عمر بن عبد البر في التمهيد قال: والأحاديث الواردة في الحبس عن الحبة بالدين منسوخة، بما جعله الله من قضاء الدين على السلطان، وكان ذلك قبل أن تفتح الفتوحات. اهـ.

(4)

وقوله: وإثبات عمله، يعني به المداومة عليه؛ أي إذا عمل عملًا أثبته، أي داوم عليه. أي وخص بوجوب إثبات عمله، أي عدم تركه بالكلية لدلالة ذلك على نسخه. وليس المراد أنه يفعله في كل وقت، فلا ينافي ذلك ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها، وكذا في الصوم؛ فيصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. ا. هـ.

(5)

وقوله: ومصابرة العدو الكثير، قال ابن العربي: كلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده من الجهاد ما كلف الناس أجمعون لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}

(1)

الآية. وما حمل من تبليغ الرسالة. ولقوله تعالى. {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}

(2)

. الآية. ا. هـ.

(6)

وقوله: وتغيير المنكر، ووجه الخصوصية فيه أنه كان عليه صلى الله عليه وسلم فرض عين، ولا يشترط فيه بالنسبة إليه ما يشترط في حق غيره؛ من أمنه على نفسه وظنه تأثير ذلك، وهو في حق غيره من فروض الكفاية. قال القرطبي: كان يجب عليه صلى الله عليه وسلم إذا رأى منكرًا أن ينكره ويظهر إنكاره؛ لأن إقراره على ذلك يدل على جوازه. ا. هـ. =

(1)

سورة التوبة: 73.

(2)

سورة المائدة: 67.

ص: 7

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (7) وقوله: وحرمة الصدقتين عليه وعلى آله، قال الحطاب: لا خلاف في حرمة الصدقة المفروضة عليه صلى الله عليه وسلم وعلى بني هاشم، الذين هم آله على المشهور، وعلى مواليهم، كما صرح به القرطبي في سورة براءة.

قلت: وقد تقدم ما فيه كفاية من أدلة ذلك في هذا الكتاب المبارك في الكلام على قول المصنف: عدم بنوة لهاشم في باب الزكاة.

وأما صدقة التطوع، فإن المصنف هنا تبع في حكمها مذهب مطرف وابن الماجشون وابن نافع من أنها تحرم عليه وعلى آله صلى الله عليه وسلم وشهره ابن عبد السلام، ومذهب ابن القاسم، وابن عبد البر، أنها لا تحرم عليهم. قال الحطاب: وهو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو الصحيح عندنا. وصرح القرطبي أيضًا في سورة براءة أنه هو الصحيح. وبالله تعالى التوفيق.

(8)

وقوله: وأكله كثوم أو متكئًا، يعني وغير الثوم من الأطعمة الكريهة الرائحة؛ كالبصل والكرات والفجل، وهذا النيء فيها، وأما ما طبخ من ذلك، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم أكل طعامًا طبخ ببصل ذكره الزركشي من الشافعية. اهـ بنقل الحطاب. وقوله: أو متكئًا، فلحديث البخاري:"أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا". قال عياض: الاتكاء هو التمكن من الأرض، والتقعدد في الجلوس؛ كالتربع وشبهه. فإن الجلوس على هذه الهيئة يستدعي الاستكثار. وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ". قال عياض: وليس معنى الاتكاء في الحديث، الميل على شق عند المحققين قال: واعترضه الفاكهاني فقال: والتحقيق أنه الميل على الشق لأنه الذي يسبق إلى الذهن من لفظ الاتكاء، ولأنه غير الجلوس، وقد قال الراوي في الحديث: وقد كان متكئًا فجلس. فيلزم على ما قال عياض أن يكون معنى الكلام: وكان جالسًا فجلس. قال الحطاب: وبما فسره به عياض فسره الخطابي قبله، وأقره عيه البيهقي في سننه. ا. هـ.

(9)

وقوله: وتبدل أزواجه، لقوله تعالى:{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} . الآية. قال ابن عباس: إنه لا يحل لك أن تطلق امرأة من أزواجك =

ص: 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وتنكح غيرها. قال الحطاب: وحرم تبدل أزواجه، والتزويج عليهن، مكافأة لهن على حسن صنيعهن لما خيرهن فاخترنه. والله تعالى أعلم. ا. هـ. منه.

وقوله: وإمساك كارهته، أي وخص بحرمة إمساك الغيْرى، التي تكره البقاء معه لما ابتلاها الله به من الغيرة الجبليّة، التي لا قدرة لها على تركها لا لذاته صلى الله عليه وسلم. وذلك لحديث القائلة: أعوذ بالله منك. فقال صلى الله عليه وسلم: "لَقَدِ اسْتَعَذْتِ بِمُعَاذٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ". رواه البخاري.

(10)

وقوله: ونِكَاحِ الكتابِيَّةِ والأمة، قال الحطاب: وكذا وطؤها بملك اليمين. على ما اختاره ابن العربي: وقال الشارح: إن التسري بها حلال على الأصح.

قلت: قصته صلى الله عليه وسلم مع ريحانة شاهد لما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي. والله الموفق.

(11)

وقوله: ومدخولته لغيره، أي وخص صلى الله عليه وسلم بحرمة زوجته - التي دخل بها ومات عنها - على غيره إجماعًا، ولقوله تعالى:{وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا}

(1)

الآية. وأما مطلقته قبل البناء بها فإنها تجوز لغيره صلى الله عليه وسلم على الصحيح من الخلاف، لما روي أن الكلبية التي فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها عكرمة بن أبي جهل، وقيل: الأشعث بن قيس الكندي، وقيل: مهاجر بن أبي أمية، ولم ينكر ذلك أحد. فدل على أنه إجماع. اهـ، القرطبي.

(12)

وقوله: ونزع لأمته حتى يقاتل، صوابه أن يقول: حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. يعني أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه إن لبس آلة حربه، حرم عليه نزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، قالوا: والصواب أن يقول: ونزع لأمته حتى يقاتل، أو يحكم الله بينه وبين محاربه. ا. هـ. =

(1)

سورة الأحزاب: 53.

ص: 9

وَالْمَنَّ لِيَسْتَكْثِرَ (1)، وخَائِنَةِ الْأعْيُنِ (2)، والْحُكْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَارِبِهِ (3)، وَرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَيْهِ (4)، ونِدَائِهِ مِنْ وَرَاءِ الحُجْرَةِ (5)، وَبِاسْمِهِ (6)، وإبَاحَةِ الْوصَالِ (7)، وَدُخُولِ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ، وبِقِتَالٍ (8)، وَصَفِيِّ المَغْنَمِ، والخُمُسِ (9)، ويُزَوِّجُ مِنْ نَفْسِهِ، ومَنْ شَاءَ، وبِلَفْظِ الْهِبَةِ (10)، وزَائِدٍ عَلى أرْبَعٍ، وبِلَا مَهْرٍ وَوَلِيٍّ وشُهُودٍ، وبِإِحْرامٍ وبِلَا قَسْمٍ، وَيَحْكُمُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَيَحْمِي له، ولا يُوَرثُ (11).

(1)

وقوله: والمن ليستكثر، هو لقوله تعالى:{وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}

(1)

الآية. قال الحطاب، وفي معناه ستة أقوال. قيل: لا تعط عطية تطلب أكثر منها. وقيل: لا تعط الأغنياء فتصيب منهم أضعافها. وقيل: لا تعط عطية تنظر ثوابها. وقيل: لا تمنن بعملك على ربك. وقيل: لا تمنن على الناس بالنبوة تأخذ أجرًا منهم عليها. وقيل: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه. والله أعلم. ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: وخائنة الأعين، أي وخص بحرم إظهار خلاف ما في ضميره. قال الحطاب: أو ينخدع عما يجب. قال النووي: هي الإِيماء إلى المباح؛ من قتل أو ضرب، على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال. ودليل حرمتها عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"مَا كَانَ لِنَبيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأعْيُنِ". صححه الحاكم على شرط مسلم. قالوا: وأبيح له صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أن يوري بغيره. والله الموفق.

(3)

وقوله: والحكم بينه وبين محاربه، أي حرم على غيره أن يحكم بينه وبين من يخاصمه؛ لأن ذلك فيه افتئات على الله ورسوله. والدليل قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}

(2)

الآية. قال مجاهد في تفسير الآية: لا تفتاتوا على رسول الله حتى يقضي الله على لسان رسوله. ذكره البخاري. اهـ. من ابن العربي بنقل الحطاب.

(4)

(5) وقوله: ورفع الصوت عليه وندائه من وراء الحجرة، وباسمه، يعني إن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لأحد أن يرفع صوته عليه، ولا أن يناديه من وراء الحجرات، ولا أن يناديه باسمه فيقول: يا محمد. بل يقول: يا نبي الله. يا رسول الله. قالوا: وحرمته ميتًا كحرمته حيًا، وكلامه =

(1)

سورة المدثر: 6.

(2)

سورة الحجرات: 1.

ص: 10

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= المأثور بعد موته كالمسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته ولا يعرض عنه، وإلى ذلك الإِشارة بقوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ}

(1)

الآية. فإن كلامه من الوحي، وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا في معان مستثناة. اهـ. نقل الحطاب لكلام الأقفهسي. قال: ومثله لابن العربي والقرطبي. ودليل هذا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}

(2)

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}

(3)

.

(6)

وأما قوله: وباسمه، فإن دليل ذلك استقراء القرآن، فإنه لم يناد صلى الله عليه وسلم في القرآن باسمه، بخلاف غيره من الأنبياء؛ فما نودي إلا بِـ: يَا أَيُّها النَّبِيُّ، يَا أَيُّها الرَّسُولُ، يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ.

قالت عمتي أم الخيرات بنت أحمد في نظمها لخصائص النبي صلى الله عليه وسلم:

وإنه في الذكر لم يُخاطَبِ

إلا بِيا أيُّها الرسولُ، والنبي

أو المدثر، أو المزمل

صلى عليه الله ما النور تُلِي

تنبيه: يكره لقارئ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القيام لأحد؛ فقد نقل ابن الصلاح في النوع السابع والعشرين من علوم الحديث: روينا أو بلغنا عن محمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه أنه قال: القارئ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام لأحد فإنه يكتب عليه خطيئة. اهـ. بنقل الحطاب.

(7)

وقوله: وإباحة الوصال، قال الإِبّي: قال النووي: الوصال صوم يومين فأكثر دون فصل بينهما. وقال عياض: كرهه مالك والجمهور لعموم النهي، وأجازه جماعة قالوا: النهي رحمة وتخفيف، فمن قدر فلا حرج. واختار اللخمي جوازه إلى السحر لحديث:"مَنْ وَاصَلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ". قال الخطابي: هو من خصائصه صلى الله عليه وسلم وحرام على أمته، قال الإِبي: قال النووي: الأصح عندنا أن النهي للتحريم. انتهى بنقل الحطاب بتصرف. =

(1)

سورة الأعراف: 204.

(2)

سورة الحجرات: 2.

(3)

سورة الحجرات: 4.

ص: 11

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (8) ودخول مكة بلا إحرام وبقتال، قال ابن العربي: أباح الله تعالى له صلى الله عليه وسلم القتال في الحرم؛ فقد قتل عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. وفي الحديث: "فَقُولُوا إنَّ اللهَ أَحَلَّهَا لِنَبِيِّهِ وَلَمْ يُحِلَّهَا لَكُمْ". وفي حديث آخر: "إِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ".

قلت: وأما دخول مكة بلا إحرام فلا أرى أنها تخص به صلى الله عليه وسلم لأن الدليل إلى جانب من يشترط الإِحرام لمريد الحج أو العمرة، وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب الحج.

(9)

وقوله: وصفيّ المغنم والخمس، قال ابن العربي: من خواصه عليه السلام صفي المغنم، والاستبداد بخمس الخمس، أو الخمس. وقال المواق: نقل ابن عطية في تفسيره: خص النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة بخمس الخمس، وكان له صفي يأخذه قبل قسمة الغنيمة؛ دابة أو سيف. اهـ. وقد نقلت عن ابن العربي بواسطة نقل الحطاب. والله الموفق.

(10)

وقوله: ويزوج من نفسه، ومن شاء، وبلفظ الهبة، قال ابن العربي: ومما خص به صلى الله عليه وسلم نكاح الموهوبة، ونكاح بتزويج الله إياه، لقوله تعالى:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}

(1)

. الآية، وأنه يزوج المرأة من شاء بغير إذنها ولا إذن وليها. قال تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}

(2)

الآية. وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}

(3)

.

وقوله: وزائد على أربع، وقد تقدم أنه توفي عن تسع نسوة، تقدمت تسميتهن رضي الله عنهن. قيل: والحكمة في تعدد زوجاته هي حاجة الأمة إلى معرفة أحكام النساء، التي تختص بهن؛ كأحكام الحيض والنفاس والاستحاضة ونحو ذلك.

(11)

وقوله: وبلا قسم، أي ومن خصائصه أنه جعل أمر القسْم بين نسائه إليه، إن شاء قسم وإن شاء ترك، وذلك لقوله تعالى:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ}

(4)

، قال القاضي أبو بكر بن العربي: لكنه كان يقسم من قبل نفسه، دون أن يفرض ذلك عليه، تطييبًا لنفوسهن، وصونًا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. اهـ بنقل القرطبي في تفسيره. =

(1)

سورة الأحزاب: 37.

(2)

سورة الأحزاب: 6.

(3)

سورة الأحزاب: 36.

(4)

سورة الأحزاب: 51.

ص: 12

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقوله: ويحكم لنفسه، أي لعصمته من الجوْر.

وقوله: ويحمي له - أي لنفسه - يحمي الموات ولا ينقض حماه، وقد ثبت أنه حمى النقيع - بالنون - وقال:"لَا حِمَى إلَّا لِلّهِ وَرَسُولِهِ". قال الحطاب: ولعل القائل بالاختصاص حمله على ظاهره، وهو خلاف ما فسر به الباجي إذ قال: يريد أنه ليس لأحد أن ينفرد عن المسلمين بمنفعة تخصه، وإنما الحمى لحق الله ولرسوله، أو من يقوم مقامه من خليفة؛ وذلك إنما هو في سبيل الله، والنظر في دين نبيه. ذكره في جامع الموطإ عند قول عمر رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل في سبيل الله ما حميت عليهم في بلادهم شبرًا. ا. هـ. الحطاب.

وقوله: ولا يورث، ومن خصائصه دون أمته أنه لا يورث، وليس خاصًا بذلك دون الأنبياء. ولفظ الحديث:"إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرِّثُ. مَا تَرْكَنَاهُ صَدَقَةٌ". أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالوا: والحكمة في عدم إرث الأنبياء؛ هي خشية أن يتمنى الوارث موتهم فيكفر؛ لأن من تمنى موت النبي صلى الله عليه وسلم كفر. ا. هـ حطاب.

تنبيه: ومن خصائصه أنه يحكم وهو غضبان، بخلاف غيره، ودليل ذلك حديث البخاري أنه حكم للزبير على الأنصاري الذي أحفظه إذْ قال: أن كان ابن عمتك. وفي صحيح مسلم، عن سفيان أن نومه صلى الله عليه وسلم لا يوجب وضوءًا. ومن خصائصه أنه يباح له أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك، لقوله تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}

(1)

. ومن خصائصه أنه يجب على كل مسلم أن يقيه بنفسه. إلى غير ذلك من المعجزات الباهرات التي تخصه صلى الله عليه وسلم.

(1)

سورة الأحزاب: 6.

ص: 13

‌فَصْلٌ

نُدِبَ (1) لِمُحْتَاجٍ ذِي أهْبَةٍ نِكَاحُ بكْرٍ، ونَظَرُ وَجْهِهَا وكَفَّيْهَا فَقَطْ بِعِلْمٍ (2). وَحَلَّ لَهُمَا حَتَّى نَظَرُ الفَرْجِ كَالْمِلْكِ، وتَمَتُّعٌ بِغَيْرِ دُبُرٍ (3).

(1)

قوله: ندب لمحتاج ذي أهبة نكاح بكر، قال ابن حجر: النكاح: الضم والتداخل. قال الحطاب: ويطلق في الشرع على العقد والوطء، وأكثر استعماله في العقد. والصحيح أنه لا يطلق على الصداق. وقيل: ورد في معنى الصداق في قوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا}

(1)

الآية. ولم يرد لفظ النكاح في القرآن غير هذه إلا ويراد به العقد، إلا قوله تعالى:{فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}

(2)

. الآية. فإنها واردة في النكاح بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا، حَتَّى تَذُوقي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ". الحديث المتفق عليه. قيل: وقوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً}

(3)

الآية. المراد به الوطء أيضًا. فإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح عقد على مجرد المتعة بالتلذذ بالآدمية، بشروط سوف تعرفها فيما بعد.

وقوله: لمحتاج، هو الذي تتوق نفسه إليه، وإن عدم آلته كالخصي.

وقوله: ذي أهبة، الأهبة: العدة والمئونة. المراد بها هنا مؤن النكاح؛ من صداق وغيره. وذلك هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلطَّرْفِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ". فقوله: الباءة؛ يريد المال الموصل إلى الوطء؛ ولا يريد به الوطء؛ بدليل قوله: "فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ". واعلم أن وصف حكم النكاح بالندب - كما فعل المصنف - فيه تسامح منه رحمه الله، فالنكاح تعتريه الأحكام الخمسة: يجب النكاح على من يخاف على نفسه العنت، ولم يمكنه التسري، ويستحب في حق المحتاج ذي الأهبة؛ الذي لا يخشى العنت، أو كان لا أرب له في النساء، ويصح منه النسل، ومباح لمن كان لا أرب له في النساء، ولا يرجو نسلًا، إذا لم يقطعه عن عبادة، ولكن بشرط أن يعلم المرأء بحاله، إلا العقم فإنه لا يشرط أن يعلمها به لأنه أمر غيب. فقد يولد له منها، ومن يدري؟ ويحرم على من لم يخش عنتًا، وعلم من نفسه المضرة بالمرأة؛ من عدم قدرته =

(1)

سورة النور: 33.

(2)

سورة البقرة: 230.

(3)

سورة النور: 3.

ص: 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= على نفقتها، أو عدم مقدرته على الوطء، أو عدم مقدرته على الكسب. ويكره في حق من لا يشتهيه ويقطعه عن عبادته.

وقوله: نكاح بكر، ليست البكارة في الزوجة قيدًا في استحباب النكاح، بل هو مستحب آخر. قال الحطاب: فلو قال: ندب نكاح وبكر لكان أوضح. قال في العارضة: لو لم يكن في البكر إلا أنها كل ما فعلْته ترى أنه المقصود المحبب الذي لا ينبغي سواه، فإذا كانت ثيبًا قارنت فعلك مع ما تقدم معها من فعل غيرك وفاضلت بينكما. ويستحب نكاح البكر لما ورد في الصحيح من حديث جابر:"فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا ". ولقوله صلى الله عليه وسلم من حديث عويم بن ساعدة الأنصاري عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِالْأبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ".

لطيفة: نسب الحطاب إلى عمر رضي الله عنه قوله: بنت عشر سنين تسر الناظرين، وبنت عشرين لذة للمعانقين، وبنت ثلاثين ذات شحم ولين، وبنت أربعين ذات بنات وبنين، وبنت خمسين عجوز في الغابرين. اهـ.

تنبيه: ينبغي لمن يريد النكاح اعتبار الدين أول أساس لاختياره شريكة حياته، فإن الله تعالى يقول:{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}

(1)

. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "الدُّنْيا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ". أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ". متفق عليه. والله تعالى أسأل التوفيق.

(2)

وقوله: ونظر وجهها وكفيها فقط، بعلم، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى:{وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ}

(2)

. قال: في هذه الآية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها؛ وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا". وقال لآخر: "انْظُرْ إِلَيْهَا فَإنَّ في أَعْيُنِ الْأنْصَارِ شَيْئًا" أخرجه في الصحيح.

قال: والأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهه الإِرشاد إلى المصلحة، فلعله إذا نظر إليها، يرى منها ما يرغبه في نكاحها. ومما يدل على ذلك ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن =

(1)

سورة الفرقان: 74

(2)

سورة الأحزاب: 52.

ص: 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ". فقوله: "فَإِنِ اسْتَطَاعَ. . . فَلْيَفْعَلْ" لا يقال مثله في الواجب. وبهذا قال جمهور الفقهاء والشافعي والكوفيون وأهل الظاهر وغيرهم. وقد كره ذلك قوم لا مبالاة لقولهم للأحاديث الصحيحة ولقوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ}

(1)

. وقال سهل بن أبي حيثمة: رأيت محمد بن مسلمة يطارد ثبيتة بنت الضحاك، على إجَّار من أجاجير المدينة، فقلت له: أتفعل هذا؟ قال: نعم! قال النبي صلى الله عليه وسلم "إذَا ألْقَى اللهُ في قَلْبِ أَحَدِكُمْ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا".

وقوله: ونظر وجهها وكفيها فقط بعلم، هذا المذهب عندنا، فإن العلماء اختلفوا فيما يجوز أن ينظر إليه منها؛ فقال مالك: ينظر إلى وجهها وكفيها ولا ينظر إلا بعلمها. وقال الشافعي وأحمد: ينظر بإذنها وبغير إذنها إن كانت متسترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد، وينظر مواضع اللحم منها. وقال داود: ينظر إلى سائر جسدها تمسكًا بظاهر اللفظ. والله تعالى أعلم بالصواب في ذلك.

(3)

قوله وحل لهما حتى نظر الفرج، قال المواق: روى الشيخ: لا بأس بنظر فرجها، زاد أصبغ، ولحسه بلسانه تحقيقًا لإِباحة النظر؛ لاعتقاد العوام حرمته. وحكى ابن القاسم عن القاسم بن محمد أنه سئل عن الكلام عند الجماع، فقال: إذا خلوتم فافعلوا ما شئتم. وقال المتيطى: قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

(2)

. قال الحسن: على الرجل إذا فرغ أن ينتظرها حتى تفرغ ثم قال: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}

(3)

. وقال ابن عباس: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي.

وقوله: كالملك، أي المستقل؛ فإنه يبيح لصاحبه من مملوكته ما يحل له من زوجته، إذا لم تكن محرمة عليه بعارض كالرضاع، أو تلذذ والده بها، ونحو ذلك.

وقوله: وتمتع بغير دبر، لقوله تعالى:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}

(4)

. فقوله: حَرْثٌ لَكُمْ: أي موضع حرث. وذلك تشبيه للجماع في إبقاء النطفة وانتظار الولد، بالحرث =

(1)

سورة الأحزاب: 52.

(2)

و

(3)

سورة البقرة: 228.

(4)

سورة البقرة: 223.

ص: 16

وَخُطْبَةٌ بِخِطْبَةٍ وَعَقْدٍ وتَقْلِيلُهَا، وإعْلَانُهُ (1)، وتَهْنِئَتُهُ والدُّعَاءُ لَهُ (2)، وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ غَيْرِ الْوَلِيِّ بِعَقْدِهِ (3). وَفُسِخَ إنْ دَخَلَا بِلَاهُ، ولَا حَدَّ إنْ فَشَا، ولَوْ عَلِمَ (4).

= في إلقاء البذر وانتظار الزرع. وقوله. أَنَّى شِئْتُمْ، أي كيف شئتم من الهيئات، وليس المراد بها أين شئتم؛ لأنه يوهم جواز إتيان المرأة في دبرها. وقد بين هذا الإِجمال قوله تعالى:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}

(1)

. أي فأتوهن في القبل طلبًا للولد، كما تقدم في السورة نفسها، وهو الأمر المحال إليه بقوله:{مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} . وذلك قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}

(2)

الآية. التحقيق أنه الولد يبتغى بالجماع. قال ابن جزي الكلبي: وقد افترى من نسب جوازه - يعني جواز إتيان الرجل امرأته في دبرها - إلى مالك، وقد تبرأ هو من ذلك وقال: إنما الحرث في موضع الزرع. ا. هـ. منه.

وقد وردت أحاديث كثيرة تؤيد ما فسرنا به الآية في مسلم، وأبي داود، وأحمد، والترمذي وغيرهم. ولا معول على غير ذلك. ولا يجوز الاستمتاع بالدبر وإن روي عن أشهب وابن القاسم جوازه. وقد ذكر الحطاب أن جواز ذلك منسوب إلى مالك فيما أسماه: كتاب السر. قال: وقال ابن فرحون: وقفت عل كتاب السر، فوجدت فيه من الغض من الصحابة، والقدح في دينهم - خصوصًا عثمان رضي الله عنه ومن الحط من العلماء والقدح فيهم، ونسبتهم إلى قلة الدين، خصوصًا أشهب، ما لا أستبيح ذكره. وورع مالك ودينه ينافي ما اشتمل عليه كتاب السر. ا. هـ.

(1)

وقوله: وخطبة بخطبة وعقد، الخطبة - بالضم - واحدة الخطب. وهي مشروعة في الخطبة وفي العقد. قال مالك: ما قل منها أفضل. وندب أن تشتمل على حمد الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآية من كتاب، وحديث من السنة يتعلقان بموضوع النكاح ثم يقول: أما بعد فإن فلانًا يرغب فيكم، ونحو ذلك، ومثل ذلك عند العقد.

وقوله: وإعلانه، قال أبو عمر: من فروض النكاح عند مالك إعلانه لحفظ النسب. يستحب إعلان النكاح. =

(1)

سورة البقرة: 222.

(2)

سورة البقرة: 187.

ص: 17

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (2) وقوله: وتهنئته والدعاء له: أي وتستحب تهنئة العروس، والدعاء له. وكان مما يقال: بالرفاء والبنين، بارك الله لكل منكما في صاحبه. والرفاء: الملاءمة. يقال رفأت الثوب: إذا لاءمت بين طرفيه. قال الحطاب: وذكر النووي في الأذكار كراهة أن يقال بالرفاء والبنين. ولم أر لأحد من المالكية كراهته. ا. هـ.

فائدة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن ابتنى بزوجته، أن يأمرها أن تصلي خلفه ركعتين، ثم يأخذ بناصيتها ويدعو بالبركة.

وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوِ اشْتَرَى خَادِمًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَها عَلَيْهِ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ". ا. هـ.

(3)

وقوله: وإشهاد عدلين غير الولي بعقده، قال المواق ما نصه: قال أبو عمر: ينعقد النكاح بغير شهود، كما ينعقد البيع؛ إذا رضي الزوج والمرأة، وكانت مالكة أمرها، أو يتيمة مالكة بعضها، وكان ذلك بإذن ولي، ويشهدون فيما يستقبلون. وقال ابن عرفة: البينة على العقد. نقل الأكثر عن المذهب أنها مستحبة، وهي شرط في البناء. وشهادة الولي لغو. وقال المتيطي: يصح النكاح دون الإِشهاد. ومعنى: لا يتم إلا بالإِشهاد، إنما ذلك عند المناكرة. انظر تعليقة السيوري تطلع على بسط هذا المعنى. ا. هـ. منه بلفطه.

قال ابن مفلح الحنبلي: روت عائشة مرفوعًا: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ". رواه ابن حبان وصححه. وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا بُدَّ في النِّكَاحِ مِنْ أَرْبَعَةٍ: الْوَلِيُّ، وَالزَّوْجُ وَالشَّاهِدَانِ". رواه الدارقطني. والمعنى فيه الاحتياط للإِبضاع وصيانة الأنكحة من الجحود. فلا ينعقد إلا بشاهدين دون غيره من العقود؛ لما فيه من تعلق غير المتعاقدين؛ وهو الولد، لئلا يجحد أبوه. ا. هـ.

(4)

وقوله: وفسخ إن دخلا بلاه، ولا حد إن فشا ولو علم، قال المواق: قال مالك: لو دخل الزوج قبل أن يشهد، فرق بينهما بطلقة بائنة، وخطب إن أحبَّ بعد استبرائها بثلاث حيض. قال ابن حبيب: ولا يحد إن كان أمرهما فاشيًا. ا. هـ.

ص: 18

وَحَرُمَ خِطْبَةُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرِ فَاسِقٍ، لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ صَدَاقٌ (1)، وَفُسِخَ إن لَمْ يَبْنِ، وَصَرِيحُ خِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ، ومُوَاعَدَتُهَا كَوَلِيِّهَا كَمُسْتَبْرَأَةٍ (2) مِنْ زِنًا، وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا بِوَطْء (3)، وَإنْ بِشُبْهَةٍ، وَلَوْ بَعْدَهَا، وَبِمُقَدِّمَتِه فيها، أوْ بِمِلْكٍ كَعَكْسِهِ لَا بعَقْدٍ أوْ بِزنًا أَوْ بِمِلْكٍ عَنْ مِلْكٍ أوْ مَبتُوتَةٍ قَبْلَ زَوْجٍ كَالمَحْرَمِ، وَجَازَ تَعْريضٌ:

(1)

وقوله: وحرم خطبة راكنة، الحطاب، قال في التوضيح لقول صلى الله عليه وسلم:"لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ". قال: واشتراط الركون، لكونه صلى الله عليه وسلم أباح خطبة فاطمة بنت قيس لأسامة، وقد كانت خطبها معاوية وأبو الجهم. قال: وأيضًا فإنها لما ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن معاوية وأبا جهم خطباها لم ينكر ذلك. ومن العادة أنهما لا يخطبان دفعة واحدة، فدل ذلك على جواز الخطبة على الخطبة. ا. هـ.

وقال المواق: قال ابن عرفة: خطبة رجل على خطبة آخر قبل مراكنة المخطوب إليه جائزة.

وقوله: ولو لم يقدر صداق، يرد به قول ابن نافع: لا تحرم خطبة الراكنة قبل تقدير الصداق. قال المواق: ومقتضى قول ابن عرفة أن كلا القولين مشهور.

(2)

وقوله: وصريح خطبة معتدة ومواعدتها، أي ويحرم التصريح بخطبة المعتدة ومواعدتها، سواء كانت عدتها من طلاق أو وفاة، وصريح خطبة المعتدة حرام إجماعًا، وذلك لقوله تعالى:{وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}

(1)

. فتضمنت الآية جواز التعريض، وما يضمر في النفس، والمنع من المواعدة، والنكاح. وقد اختلف العلماء في معنى قوله:[سِرًّا]. وأشهر ما قيل في ذلك قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والشعبي، والسدي وقتادة، وسفيان: لا يأخذ ميثاقها وهي في عدتها أن لا تتزوج غيره. ا. هـ الحطاب.

وقوله: كوليها، قال الحطاب: ينبغي أن يقيد بالمجبر، وبذلك قطع ابن رشد فقال: وإن واعد وليها بغير علمها، وهي مالكة أمرها فهو وعد لا مواعدة، فلا يفسخ به النكاح، ولا يقع به تحريم إجماعًا. ثم بحث الحطاب، وتلخص من بحثه أن قال: والحاصل أن مواعدة الولي المجبر =

(1)

سورة البقرة: 235.

ص: 19

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= كمواعدة المرأة. وفي مواعدة غير المجبر ثلاثة أقوال: المنع للباجي عن ابن حبيب مع ظاهر المدونة. والجواز لأبي حفص. والكراهة لابن المواز. والله أعلم وهو الموفق.

وقوله: كمستبرأة من زنا، قال الحطاب: لو قال: وإن من زنا لكان أحسن؛ ليشمل أنواع الاستبراء. وسواء كان هو الزاني بها، أو زنى بها غيره، فإنه لا يجوز له أن يتزوجها حتى يستبرئها من الزنا، وإن تزوجها في مدة الاستبراء فسخ النكاح. قال في النكاح الأول من المدونة: ولا بأس أن ينكح الرجل امرأة كان زنى بها بعد الاستبراء. وعلى كل حال فالله تعالى أعلم.

(3)

وقوله: وتأبد تحريمها بوطء، قال المواق، قال أبو عمر: من عقد على معتدة نكاحًا في عدتها، فهو مفسوخ على كل حال؛ فسخ بلا طلاق ولا ميراث بينهما. فإن فرق بينهما قبل الدخول جاز له خطبتها بعد انقضاء العدة، وإن دخل بها في عدتها لم يحل له نكاحها أبدًا عند مالك وأصحابه، فإن عقد عليها في عدتها ولم يدخل بها إلا بعد انقضاء عدتها؛ فروي عن مالك أنه كمن وطئها في عدتها؛ لا ينكحها أبدًا، وهو تحصيل المذهب. واختاره ابن القاسم. وقوله: وإن بشبهة، يعني إن الوطء بنكاح أو بملك أو بشبهة في عدة نكاح أو شبهة يحرم.

وفي الموطإ، ومصنف عبد الرزاق والبغوي - واللفظ له - عن عمر أنه قال: أيُّما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان الذي تزوجها لم يدخل بها، فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا. قال سعيد بن المسيب - وهو الراوي عن عمر: ولها مهرها بما استحل منها. ا. هـ.

قال البغوي في قوله: ثم لم ينكحها أبدًا: هذا قول تفرد به عمر؛ أن من نكح امرأة في عدة الغير يفرق بينهما، ثم لا تحل له أبدًا. وعامة أهل العلم على أنها تحل له بعد الخروج من عدة الأول. ا. هـ منه بلفظه. شرح السنة جـ 9 ص 316.

قلت: وقد وقعت نازلة بناحيتنا في امرأة تزوجت بشاب، ثم توفى عنها بعد أن بان بها الحمل، ثم بعد وفاة الزوج نام الولد، وهي في وسط مجتمع غير ملم بالفقه، فظنت براءة رحمها واستعدت، فتزوجت بأحد بني عمومتها، فظهر حملها بمجرد الدخول، وأتت بمولود قبل ستة أشهر =

ص: 20

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= من دخول الثاني، فطالب أولياء الميت بالمولود، وأفادوا علمهم بأن ميتهم توفي عن حمل، وبعد مدة من المطالبة بالمولود - وهو أنثى - أعلن قاضي الناحية حكمه بإلحاق البنت بالميت - وهو الزوج الأول - وأن الثاني تزوج في عدة. وأن عليه لذلك فراقها، وأن أولاده منها له للشبهة، وأن المرأة حرام عليه أبدًا. لقول خليل: وتأبد تحريمها بوطء. فأذعن للفراق، وسألني عن الموضوع، وقد علمت بأخبار الناس عنه أنه يخشى العنت منها، فأجبته بأن الذي حكم به القاضي هو مذهب مالك، إن كان ملتزمًا به، فلا سبيل إلى رجوعها إليه أبدًا، وأما المذاهب الأخرى فإنه فيها أسوة الخطباء.

فكان بعض التعريض بي من أجل ذلك؛ لأني أفتيت بقول خارج المذهب. والحقيقة أن هذا الحكم - الذي هو المذهب - مبني على القاعدتين الأصوليتين اللتين: المعاملة بنقيض القصد الفاسد، التي عقدها في المنهج بقوله.

وبنقيض القصد عاملْ إن فسد

في قاتل موصٍ كذا الذي قصد

فسادًا أْو إفاتة في البيع

نهج عياضٍ ذا بدا لا الرِّبْعي.

والثانية هي قولهم: من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وقد عقدها في المنهج بقوله:

وشبه ما ذكر والَّذْ قدَّما

شيئًا قبيل وقته قد حرّما

كمتزوج بعدَّة ومَنْ

خلَّقَ في رأي وشِبْهٍ اعلمنْ

فإن كان المدار في هذا الفرع يدور على القصد الفاسد - وهو كذلك بالنسبة لكل شيء - فإنما المدار فيه على النية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". وقد علمنا بما لا مجال للشك فيه، بأن الرجل إنما تزوج بالمرأة بعد إعلان العدة، المبنية على تتابع العادة في ميعادها المعروف، وبعد انقضاء أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجها، وهي غرة جاهلة، لا قصد لها، فكيف طبق عليهما أنهما استعجلا شيئًا قبل أوانه؟ وأنهما يجب أن يعاملا بنقيض قصدهما الفاسد، والحال أنهما لا يوجد لهما قصد فاسد؟! وعلى كل حال فالقول بتأبيد التحريم هو المذهب، وخلاف ذلك للجمهور. وبالله تعالى التوفيق. وسوف يأتي مزيد كلام على هذا الموضوع بمحله في العدد بإذن الله تعالى.

ص: 21

كَفِيكِ رَاغِبٌ. والإِهْدَاءُ وتَفويضُ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ وذِكْرُ المَساوِي، وَكُرِهَ عِدَةٌ مِن أحَدِهِمَا، وَتَزَوُّجُ زانِيَةٍ (1) أوْ مُصَرَّحٍ لَهَا بَعْدَهَا، ونُدِبَ فِرَاقُهَا، وَعَرْضُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرٍ عَلَيْهِ. وَرُكْنُهُ وَلِيٍّ (2)، وَصَدَاقٌ (3)، وَمَحَلٌّ (4)، وصيغَةٌ (5) بأنْكَحْتُ، وزَوَّجْتُ، أوْ: بِصَدَاقٍ وهَبْتُ وَهَلْ كُلُّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ

(1)

وقوله: وتزوج زانية، أي وجاز تزوج امرأة معروفة بأنها معروفة بأنها زانية وعلى ذلك الجمهور. وهو منقول عن أبي بكر وعمر، وابن عباس. وبه قال الأئمة الأربعة. روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل زنى بامرأة وأراد أن يتزوج بها فقال:"أَوَّلُهَ سِفَاحٌ وَآخِرُهُ نِكَاحٌ، وَالْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ". أخرجه الطبراني والدارقطني. وفي أحكام القرآن لابن العربي جـ 3/ 1331: روي عن ابن عمر أنه قال: بينما أبو بكر الصديق في المسجد، إذ جاء رجل فلاث عليه لوثًا من كلام، وهو دهش، فقال لعمر: قم فانظر في شأنه، فإن له شأنًا. فقام إليه عمر، فقال: إن ضيفًا استضافه وزنى بابنته. فضرب عمر في صدره وقال: قبحك الله ألا سترت على ابنتك؟. فأمر بهما أبو بكر فضربا الحد، ثم زوَّج أحدهما بالآخر، وغربهما حولًا.

قالوا: وقوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً}

(1)

منسوخ بقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ}

(2)

رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب. قال ابن العربي: هذا ليس بنسخ، وإنما تخصيص عام، وبيان لمحتمل، كما تقتضيه الألفاظ وتوحيه الأصول، من فسر النكاح بالوطء أو بالعقد، وتركيب المعنى عليه. ا. هـ. والله أعلم.

(2)

وقوله: وركنه ولي، قال تعالى في سورة البقرة:{وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}

(3)

. أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك. قال القرطبي: في هذه الآية دليل بالنص على أنه لا نكاح إلا بولي. قال محمد بن علي بن الحسين: النكاح بولي في كتاب الله. ثم قرأ: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} . قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ". وقد روي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة رضي الله عنهم. وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن =

(1)

سورة النور: 3.

(2)

سورة النور: 32.

(3)

سورة البقرة: 221.

ص: 22

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= البصري، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وسفيان الثوري: وابن أبي ليلى، وابن شبرُمة، وابن المبارك، والشافعي، وعبيد الله بن الحسن وأحمد، وإسحاق وأبو عبيد. قال: وهو قول مالك، وأبي ثور، والطبري. قال أبو عمر: حجة من قال: "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ". أن هذا الحديث رواه شعبة والثوري عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله. قال: وأما من لا يقبل المراسيل فيلزمه أيضًا؛ لأن الذين وصلوه من أهل الحفظ والثقة، منهم إسرائيل، وأبو عوانة. كلاهما عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإسرائيل ومن تابعه حفاظ، والحافظ تقبل زيادته، وهذه الزيادة يعضدها أصول، مثل قوله تعالى:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}

(1)

. وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار، إذْ عضل أخته عن مراجعة زوجها. قاله البخاري قال: ولولا أن له حقًا في الإِنكاح لما نهي عن العضل. وقال تعالى في سورة النساء: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}

(2)

. وقال تعالى في سورة النور: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ}

(3)

. فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال، ولو كان إلى النساء لذكرهن. وقال تعالى حكاية عن شعيب في قصة موسى عليه السلام:{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ}

(4)

وقال تعالى في سورة النساء: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}

(5)

.

وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا".

وقال: حديث صحيح. وروى أبو داود من حديث سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَليَّ لَهُ". قال القرطبي: وهذا حديث صحيح. ولا اعتبار بقول ابن عُليَّة عن ابن جريج أنه قال: سألت عنه الزهري فلم يعرفه، ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج إلا ابن عُليَّة، فقد رواه جماعة عن الزهري ولم يذكروا ذلك. قالْ: ولو ثبت هذا من الزهري لم تكن فيه حجة، لأنه قد نقله عنه ثقات، منهم سليمان بن =

(1)

سورة البقرة: 232.

(2)

سورة النساء: 25.

(3)

سورة النور: 32.

(4)

سورة القصص: 27.

(5)

سورة النساء: 34.

ص: 23

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= موسى، وهو ثقة إمام، وجعفر بن ربيعة، فلو نسيه الزهري لا يضره ذلك؛ لأن النسيان لا يعصم منه ابن آدم، وفي الحديث:"نَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ". وكان صلى الله عليه وسلم ينسى، فمن سواه أحرى أن ينسى، ومن حفظ حجة على من نسي - هذا لو صح ما حكى ابن عُليَّةَ عن ابن جريج - فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك، ولم يعرجوا عليه؟.

قال القرطبي: وقد روى ابن حبان البستي، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْر ذلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ". قال: وإذا ثبت هذا، فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولي، فلا معنى لما خالفهما. ا. هـ. من القرطبي بتصرف. والله ولي التوفيق.

(3)

وقوله: وصداق، قال الله تعالى:{فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}

(1)

، وأراد بالأجر الصداق، وقال تعالى:{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}

(2)

.

وفي الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة. فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك. فقامت قيامًا طويلًا. فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تَصْدُقُهَا إِيَّاهُ"؟ فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إزَارَ لَكَ، فَالْتَمسْ شيئًا". فقال: ما أجد. قال: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ". فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ"؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا - لسور سمَّاها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ". ا. هـ. والغرض منه إثبات أنه لا بد من صداق، بالغ ما بلغ، وسوف يأتي الكلام على ذلك في بابه. والله الموفق.

(4)

وقوله: ومحل: أي زوج وزوجة خاليان من الموانع؛ كالإِحرام فيهما أو في أحدهما، والعدة، والاستبراء إلى غير ذلك.

(5)

وقوله: وصيغة، وهي الدليل على إيقاع الشيء، كقول الولي: زوجتك، أو أنكحتك. =

(1)

سورة النساء: 24.

(2)

سورة النساء: 4.

ص: 24

الْحَياةِ؟ كَبِعْتُ. كَذلِكَ تَرَدُّدٌ؛ وَكَقَبِلْتُ، وبزوّجْنِي فَيَفْعَلُ، ولَزِمَ وإنْ لَمْ يَرْض (1).

= وكقول الزوج: قبلت، أو رضيت ونحو ذلك. وعليه يشكل عندي عد الصيغة من أركان النكاح، لأن ركن الماهية جزؤها، ودليل الماهية خارج منها. قال ميارة في تكميلة:

الشرط عن ماهية قد خرجا

والركن جزؤها فيها قد ولجا

وصيغة دليلها فالعدُّ

لها من الأركان فيه بُعْد

وقوله: وهل كل لفظ يقتضي البقاء؟ كبعت. كذلك تردد؛ ذهب ابن القصار، وعبد الوهاب في الأشراف، والباجي، وابن العربي في أحكامه إلى أنه ينعقد بكل لفظ يقتضي التأبيد دون توقيت. وقال الباجي: أن ذلك قول مالك. قال: واستدلوا بما في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: "مَلَّكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ".

تنبيه: فإن قلت: لم اشترطوا لفظ الصداق مع نحو: وهبت، وتصدقت. ولم يشترطوا ذلك في نحو: أبحتها لك، وأحللتها، وملكتها؟ فالجواب: إن هذه الألفاظ كما لا تدل على اشتراط العوض، لا تدل على نفيه، بخلاف لفظ وهبت، وتصدقت، فإنهما يدلان ظاهرًا على نفيه، ولذلك احتيج إلى ذكر العوض معهما؛ لما يتبادر إلى الذهن من لفظيهما. انظر الحطاب. والله الموفق.

(1)

وقوله: وَلَزِمَ وَإنْ لَمْ يرض، في المدونة: إن قال لأبي البكر أو الوليِّ: فوضت إليه، زوجني. وليتك بكذا. فقال: فعلت. فقال: لا أرضى. لزمه، بخلاف البيع؛ لأن ابن المسيب قال: ثلاث هزلهن جد: النكاح والطلاق والعتق. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.

ص: 25

وَجَبَرَ مَالِكٌ أَمَةً وعَبْدًا بِلَا إضْرَارٍ (1)، لَا عَكْسُهُ (2)، وَلَا مَالِكُ بَعْضٍ وَلَهُ الْولَايَةُ والرَّدُّ، والْمُخْتَارُ ولَا أُنْثَى بِشَائِبةٍ ومُكَاتَبٍ، بخِلَافِ مُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لأَجَلٍ إنْ لَمْ يَمْرَضِ السَّيِّدُ وَيَقْرُب الْأجَلُ (3)، ثُمَّ أبٌ (4). وَجَبَرَ المجنُونَةَ والْبِكْرَ وَلَوْ عَانِسًا إلا بكَخَصيٍّ عَلَى الْأَصَحِّ، والثَّيِّبَ إِنْ صَغُرَتْ أوْ بِعَارِضٍ أوْ بِحَرَامٍ. وَهَلْ إنْ لَمْ تُكَرِّرِ الزنا؟ تَأوِيلَانِ، لَا بِفَاسِدٍ وَإِنْ سَفِيهَةً، وَبِكْرًا رُشِّدَتْ، أوْ أَقامَتْ بِبَيتِهَا سَنَةً وأنْكَرَتْ.

(1)

قوله رحمه الله: وجبر مالك أمة وعبدًا بلا إضرار، قال في جواهر الإِكليل: وجبر المالك الحر المسلم، والعبد المأذون له في التجارة - ذكرًا كان أو أنثى - أمة وعبدًا على النكاح بلا إضرار، فلا يجبرهما مع الإِضرار. .. إلى أن قال: يندب للمالك تزويجه إلا أن يخشى الزنا؛ فيجبر على تزويجه أو بيعه لخبر: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). ا. هـ.

قلت: هذا مسلم بالنسبة للأمة. قال الخرقي: وإذا زوج أمته بغير إذنها فقد لزمها النكاح. كبيرة كانت أو صغيرة. قال ابن قدامة: لا نعلم في ذلك خلافًا. لأن منافعها مملوكة له، والنكاح عقد على منفعتها. ا. هـ. منه.

وأما بالنسبة للعبد الذكر، فإن العلماء اختلفوا في جبره، فقد قال أصحابنا ومذهب أبي حنيفة؛ يجوز للمالك جبر عبده البالغ العاقل على النكاح. وهو قول للشافعي. والدليل قوله تعالى:{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ}

(1)

. قالوا: ولأنه يملك رقبته، فملك إجباره على النكاح كالأمة. ولأنه يملك إجارته. وخالف الحنابلة، قال الخرقي: ومن زوج عبده وهو كاره لم يجز الا أن يكون صغيرًا. قال ابن قدامة: لأنه مكلف يملك الطلاق، فلا يجبر على النكاح كالحر. ولأن النكاح خالص حقه، ونفعه له. وأجابوا عن الآية؛ بأن الأمر بإنكاحه مختص بحال طلبه، بدليل عطفه على الأيامى؛ وإنما يزوجن عند الطلب.

(2)

وقوله رحمه الله: لا عكسه، مراده به - والله تعالى أعلم - أن الرقيق لا يجبر مالكه على تزويجه. وقد تقدم خبر:(لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). وهو دليل على أن العبد إن تضرر بعدم التزويج =

(1)

سورة النور: 32.

ص: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= - كأن خشي الزنا - يجبر مالكه على تزويجه أو بيعه. والله أعلم.

(3)

وقوله: ولا مالك بعض، إلى قوله: إن لم يمرض السيد ويقرب الأجل؛ طريقه الاجتهاد المحض، فالله تعالى أعلم بمستنده فيه.

(4)

وقوله رحمه الله: ثم أبٌ الخ، دليله ما في الموطإ عن مالك أنه بلغه أن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله كانا ينكحان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن. قال مالك: وذلك الأمر عندنا في نكاح الأبكار.

قلت: اتفق أهل العلم على أن للأب تزويج ابنته الصغيرة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت سبع سنين، وبنى بي وأنا بنت تسعٍ؛ وكنت ألعب بالبنات، وكنَّ جواري يأتينني، فإذا رأين رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقمعن منه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُسرِّبُهُنَّ إِليَّ. هذا لفظ البغوي. وقال: هذا حديث متفق عليه.

وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب وغيره، عن عكرمة، أن عليَّ بن أبي طالب أنكح ابنته - جارية تلعب مع الجواري - عمر بن الخطاب.

غير أنه من الأجدر أن تستأذن، فذلك الأكمل، لقوله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس:"تُسْتَأْذَنُ الْبِكْرُ وَإِذْنُها صُمَاتُهَا". رواه الدارمي. وهو في صحيح مسلم، وفي سنن البيهقي. وفي رواية للبخاري:"لَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ". قيل: يا رسول الله، كيف إذنها؟. قال:"إِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا". قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن مسلم بن إبراهيم. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن هشام الدستوائي. وقوله رحمة الله عليه: والثيب إن صغرت، قد تقدم لك آنفًا الحديث المتفق عليه:"لَا تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ". وفي صحيح مسلم: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا في نَفْسِهَا. وَإذْنُهَا صُمَاتُهَا". فلم أر وجهًا لإِطلاق الجبر على الثيب الصغيرة، بدون نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصص أو يقيد ما سبق ذكره، اللهم إلا إذا كان المراد أنه إنْ أنكحها بغير إذنها ورضيت بذلك، أنَّ النكاح نافذ لا يضره عدم استثارتها عليه أو لا. والله تعالى أعلم. وأما قوله: أو بعارض. . . إلى قوله: وأنكرت؛ فالله أعلم بمستنده فيه. هو ولي التوفيق.

ص: 27

وَجَبَرَ وَصِيٌّ أَمَرَه أَبٌ بِهِ، أوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ (1)، وَإلّا فَخِلَافٌ، وَهُوَ فِي الثَّيِّبِ وَلِيٌّ، وَصَحَّ: إنْ مِتُّ فَقَدْ زَوَّجْتُ ابْنَتِي. بِمَرَضٍ (2). وَهَلْ إِنْ قَبِلَ بِقُرْبِ مَوْتِهِ، تَأوِيلَانِ. ثُمَّ لَا جَبْرَ، فَالْبَالِغُ (3) إلَّا يَتِيمَةً خِيفَ فَسَادُهَا وَبَلَغَتْ عَشْرًا وَشُووِرَ الْقَاضِي وإِلَّا صَحَّ إِنْ دَخَلَ وَطَالَ (4).

(1)

وقوله - عليه رحمة الله: وجبر وصي أمره أبٌ به أو عين له الزوج، اختلف العلماء في الوصي؛ هل يزوج بنات الموصي؛ - باسم الفاعل؟. قال أكثرهم: لا ولاية له، وإن فوض إليه.

قال الشعبي: ليس إلى الأوصياء من النكاح شيء، إنما ذاك إلى الأولياء. وقال حماد بن أبي سليمان: للوصي أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ: وحكي ذلك عن شريح، وأجازه مالك إذا فوض إليه الأب. ا. هـ. من شرح السنة للبغوي بتصرف قليل.

قلت: حديث ابن عمر عند أحمد والدارقطني دليل على أن اليتيمة لا يجبرها وصي ولا غيره. ولفظ الحديث كما في منتقى الأخبار:

وعن ابن عمر قال: توفي عثمان بن مظعون وترك ابنة له من خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون. قال عبد الله: وهما خالاي، فخطبتُ إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة، يعني إلى أمها، فأرغبها في المال فحطت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها فأبتا، حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي، أوصى بها إليَّ فزوجتها ابن عمتها، فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هِيَ يَتِيمَةٌ وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهَا". قال: فانتزعت والله مني بعد ما ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة. ا. هـ.

فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رد نكاح ابن عمر لابنة خاله عثمان بن مظعون بولاية عمها ووصي أبيها، فكيف يبقى احتمال لجبر وصي ليتيمة بعد ذلك؟!

(2)

وقول المصنف: وصح: إن مت فقد زوجت ابنتي بمرض ألخ، كيف تصور صحة هذا النكاح بالوصية؟. فإن ابنته إن كانت صغيرة، كانت بعد موته يتيمة، وقد صح الخبر بأن اليتيمة لا =

ص: 28

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= تنكح حتى تستأمر، وإن كانت كبيرة فإن والدها مأمور باستئذانها، فكيف يتصور تزويجه لها من بعد موته بدون إذنها؟!.

(3)

وقوله عليه رحمة الله: ثم لا جبر، فالبالغ؛ مراده به أنه بعد المالك والأب ووصيه لا جبر لأحد من الأولياء، فالبالغ تزوج بإذنها، ويقبل قولها في بلوغها. وسيأتي للمصنف في باب الحجر قوله: وصدق في دعوى البلوغ إن لم يُرب.

(4)

وقوله: إلا يتيمة خيف فسادها ألخ، هو استثناء من مفهوم البالغ. قال: إلا يتيمة صغيرة مات أبوها، فتزوج إذا خيف عليها الفساد؛ بفقر أو زنا، فإنها تزوج بهذه الشروط: إن بلغت عشر سنين، واستشير القاضي في زواجها ليثبت عنده يتمها وفقرها، وأن يكون الزوج كفؤًا لها في الدين والحال، وأن يصدقها مهر مثلها.

قلت: قد تقدم حديث عبد الله بن عمر أنه تزوج ابنة خاله عثمان بن مظعون، وبولاية عمها قدامة، وهو وصي أبيها عليها، وأن المسألة لما رفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت له عدم رضى اليتيمة، رد النكاح، فتزوج بها المغيرة بن شعبة الذي رضيته. وهو حديث إسناده قوي. أخرجه أحمد والدارقطني والبغوي والحاكم وصححه. ووافقه الذهبي. فهو حجة على أنه لا سبيل إلى تزويج اليتيمة إلا بإذنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لَا تُنْكِحُوا اليَتَامَى حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ، فَإِذَا سَكَتْنَ فَهُوَ إِذْنُهُنَّ". ا. هـ. بلفظ البغوي. وفي سنن الدارمي ما نصه: باب في اليتيمة تزوج نفسها. أخبرنا أبو نعيم، ثنا يونس بن أبي إسحاق، حدثني أبو بردة بن أبي موسى، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ في نَفْسِهَا فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ وَإِنْ أَبَتْ لَمْ تُكْرَهْ". وهذا الحديث أخرجه البيهقي أيضًا بهذا اللفظ عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه.

وعلى كل حال فالمسألة اختلف العلماء فيها؛ فالشافعي ومن وافقه يقول بعدم زواج اليتيمة الصغيرة حتى تبلغ، وإن وقع النكاح فهو مردود. وقال في قوله صلى الله عليه وسلم:"الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ" قال معناه لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر. قاله البغوي. وذهب الإِمام أحمد إلى أن اليتيمة إذا بلغت تسع سنين جاز تزويجها برضاها، ولا خيار لها. قال البغوي: ولعله قال ذلك لما علم أن كثيرًا من نساء العرب يدركن إذا بلغن هذه السن. قالت عائشة: وإذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. ا. هـ. =

ص: 29

وَقُدِّمَ ابْنٌ فابْنُهُ، فأبٌ، فَأخٌ فابنهُ، فَجَدٌّ، فَعَمٌّ فابنه، وقُدِّمَ الشَّقيقُ على الأصَحِّ (1) والمُخْتَارُ فَمَوْلىً. ثُمَّ هَل الأسْفَلُ وَبِهِ فُسِّرَتْ؟ أو لا؟ وَصُحِّحَ،

= ونقل ابن التركماني في الجوهر النقي - الذي ذيل به السنن الكبرى للبيهقي - نقل عن الاستذكار قال: زوج عروة بن الزبير ابنة أخيه - وهي صبية - من ابنه، والناس يومئذ متوافرون. قال: وفيه أيضًا قال أبو حنيفة ومحمد والحسن وعطاء وطاوس وعمر بن العزيز، وقتادة، وابن شبرمة والأوزاعي: يزوج اليتيمة الصغيرة وليها. قال: وفي أحكام القرآن للرازي، روي عن علي وابن مسعود، وابن عمر وزيد بن ثابت، وأم سلمة والحسن وطاوس وعطاء في آخرين، جواز تزويج غير الأب والجد الصغيرة، ولا نعلم أحدًا من السلف منع ذلك. قال: وقد ذكر البيهقي في باب: اليتيمة تكون في حجر وليها. عن عائشة سبب نزول قوله تعالى: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ}

(1)

. وعزاه للصحيحين. قال: وفيه دليل على أن للأولياء إنكاح اليتامى قبل بلوغهن، إذ لا يتم بعد الاحتلام. وأيضًا فلو كن بالغات لكان أمر الصداق إليهن، فلا وجه لنهي الأولياء أن ينكحوهن إلا أن يبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق.

وقال: وقد دل على هذا أيضًا ما أخرجه الطحاوي في مشكل الحديث بسنده، أن عليًا أتي برجل، فقالوا: وجدناه في خربة مراد، ومعه جارية مخضب قميصها بالدم. فقال له: ويحك ما هذا الذي صنعت؟. قال: أصلح الله أمير المؤمنين، كانت بنت عمي، ويتيمة في حجري، وهي غنية في المال، وأنا رجل قد كبرت وليس لي مال، فخشيت إن هي أدركت ما يدرك النساء، أن ترغب عني فتزوجتها. قال: وهي تبكي. فقال: أتزوجته؟ فقائل من القوم عنده يقول لها: قولي نعم. وقائل يقول لها: قولي: لا. فقالت: نعم، تزوجته. فقال: خذ بيد امرأتك. انتهى منه بتصرف.

يتحصل من البحث أن أصحابنا لم يشترطوا لتزويج اليتيمة هذه الشروط، الا على سبيل الاحتياط في المحافظة عليها ومراعاة يتمها؛ ولا بد من إذنها وظهور ميلها إلى الزوج، وكونه كفؤًا أمهرها مهر مثلها. والشروط العشرة معروفة. وقد نظمها بعضهم. وبالله التوفيق.

(1)

وقوله: وقدم ابن فابنه ألخ. في تفسير القرطبي في الكلام على قوله تعالى: {وَلَا تُنْكِحُوا =

(1)

سورة النساء: 127.

ص: 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا}

(1)

. في المسألة الخامسة، ما نصه: واختلف العلماء في منازل الأولياء وترتيبهم؛ فكان مالك يقول: أولهم البنون وإن سفلوا، ثم الآباء، ثم الإِخوة للأب والأم، ثم للأب، ثم بنو الإِخوة للأب والأم، ثم بنو الإِخوة للأب، ثم الأجداد للأب وإن علوْا، ثم العمومة على ترتيب الإِخوة، ثم بنوهم على ترتيب بني الإِخوة وإن سفلوا، ثم المولى، ثم السلطان أو قاضيه، إلى أن قال: وقال الشافعي: لا ولاية لأحد مع الأب، وإن مات فالجد، ثم أبُ أبِ الجد؛ لأنهم كلهم آباء والولاية بعد الجد للإِخوة، ثم الأقرب، إلى أن قال: وقال أحمد: أحقهم بالمرأة أن يزوجها أبوها. ثم الإِبن ثم الأخ ثم ابنه. ثم العم وقال إسحاق: الإِبن أولى من الأب. كما قاله مالك، واختاره ابن المنذر؛ لأن عمر بن أبي سلمة زوج أم سلمة بإذنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال القرطبي: عمر بن أبي سلمة قيل أنه كان يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن تسع سنين، ومن كان سنه هكذا لا يصلح أن يكون وليًا، ولكن ذكر أبو عمر أن لأبي سلمة من أم سلمة ابنًا آخر اسمه سلمة، وهو الذي عقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أمه أم سلمة. قلت: وهو الذي زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة حمزة بن عبد المطلب وقال له صلى الله عليه وسلم: "خُزِيتَ أوْ كُفِيتَ سَلَمَةُ". أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

قال أهل السير: يريد بذلك أنه جازاه على تزويجه إياه أمه أن زوجه ابنة عمه. والله تعالى أعلم.

أما الدليل على ولاية الأب؛ فمنه تزويج أبي بكر رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزويج خويلد أمنا خديجة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمنا سودة بنت زمعة. قال البيهقي: قالت خولة بنت حكيم: ثم انطلقت إلى سودة، وأبوها شيخ كبير قد جلس عن المواسم، فحييته بتحية أهل الجاهلية فقلت: أنعم صباحًا. قال: من أنت؟. قلت: خولة بنت حكيم. قالت: فرحب بي وقال ما شاء الله أن يقول. قالت: قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يذكر سودة بنت زمعة.

فقال: كفؤ كريم، ما تقول صاحبتك؟ قلت: نعم، تحب. قال: فقولي له فليأت. قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فملكها. وقدم عبد بن زمعة فجعل يحثو التراب على رأسه؛ أن تزوج =

(1)

سورة البقرة: 221.

ص: 31

فكافِلٌ، وَهَلْ إنْ كَفَلَ عشْرًا أوْ أرْبَعًا أوْ مَا يُشْفِقُ؟. تَرَدُّدٌ. وظَاهِرُها شَرْطُ الدَّنَاءَةِ (1)، فَحَاكِمٌ فَوِلَايَةُ عَامَّةِ مُسْلِمٍ.

= رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة ا. هـ. منه.

وأما دليل ولاية الأخ، فما جاء في صحيح البخاري أن معقل بن يسار زوج أخته رجلًا، فطلقها تطليقة فبانت منه، ثم جاء يخطبها فأبى عليه وقال: أفرشتك كريمتي ثم طلقتها، ثم جئت تخطبها! لا والله لا أزوجكها. وكانت المرأة قد هويت أن تراجعه، فأنزل الله تعالى قوله:{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}

(1)

. فلولا أن له حقًا في الإِنكاح ما نهي عن العضل.

وأما دليل ولاية ابن العم ونحو ذلك، فهو ما روي عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى:{وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ}

(2)

. قالت: هذه اليتيمة تكون عند الرجل، هو وليها، لعلها تكون شريكته في ماله وهو أولى بها، فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لمالها، فلا ينكحها غيره كراهية أن يشركه أحد في مالها. قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن يحيى، عن وكيع. وأخرجه مسلم من أوجه عن هشام.

(1)

وقوله: وظاهرها شرط الدناءة، ذكر القرطبي في تفسيره في المدرك المتقدم قال: وقد روي عن مالك أن الشريفة والدنيئة لا يزوجهما إلا وليهما أو السلطان. قال: وهذا القول اختاره ابن المنذر. قال: وأما تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر فغير جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سوى بين أحكامهن في الدماء فقال "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ". وإذا كان المسلمون في الدماء سواء، فهم في غير ذلك شيء واحد. ا. هـ. منه بتصرف قليل.

قلت: وقد يشكل اعتبار الدناءة بالسواد والفقر، فالرأي عندي أن هذين وصفان طرديان بالنسبة للدناءة وغيرها، فقد كانت أم أيمن رضي الله عنها مولاة سوداء، وما بعد أمهات المؤمنين امرأة أعلى قدرًا عند الله وعند المسلمين منها. وأما الفقر، فكيف يعتبر دناءة؟! وآل محمد صلى الله عليه وسلم كان يمر عليهم الشهر ما جعلوا قِدرًا على نار، في الوقت الذي كان فيه بالمدينة أمثال عبد الله بن أُبي، =

(1)

سورة البقرة: 232.

(2)

سورة النساء: 127.

ص: 32

وَصَحَّ بِهَا في دَنِيئَةٍ مَعَ خَاصٍّ لَمْ يُجْبِرْ (1)، كَشَرِيفَةٍ دَخَلَ وَطَالَ (2)، وَإنْ قَرُبَ فَلِلأقْرَبِ، أو الْحَاكِمِ إنْ غَابَ الرَّدُّ، وفي تَحَتّمِهِ إنْ طَالَ قَبْلَهُ تَأويلَانِ، وبأبْعَدَ مَعَ أَقْرَبَ إِنْ لم يُجْبرْ وَلَمْ يَجُزْ كَأحَدِ الْمُعْتِقَيْنِ. وَرِضَاءُ الْبِكْرِ صَمْتٌ كَتَفْويضهَا (3). وَنُدِبَ إِعْلَامُهَا بهِ، وَلَا يُقبَلُ مِنْهَا دَعْوَى جَهْلِهِ (4) في تأويلِ الْأكْثَرِ. وَإِنْ مَنَعَتْ أَوْ نَفَرَتْ لَمْ تُزَوَّجْ لَا إنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ.

= والجد بن قيس، ورفاعة بن زيد بن التابوت من الأغنياء، فهل كانت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم تعتبر دنيئة لفقر آل محمد؟! لا والله، وألف لا! فرب بنت خليفة هلكت فاقة وجهدًا، ورب نبطية لا يطمع فيها أكثر قريش؛ ليسارها وعلو حالها في الدنيا. لذلك، فإن مقياس الدناءة وغيرها، هو معاصي الله تعالى ارتكابًا واجتنابًا. والله تعالى الموفق.

(1)

وقوله: وصح بها في دنيئة مع خاص لم يجبر، الرأي كندي أنه لو قال: وصح بها مع خاص لم يجبر، كان أولى؛ لأن الولاية على المؤمنات من باب واحد، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم:"الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ". فلا وجه للتفرقة في الولاية بين الشريفة والدنيئة، فلو لم يفرق لكان قوله له حظ من الدليل لقوله تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}

(1)

. قال القرطبي نقلًا عن إسماعيل بن إسحاق: والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضًا؛ فلو أن رجلًا مات ولا وارث له، لكان ميراثه لجماعة المسلمين، ولو جنى جناية لعقل عه المسلمون، ثم تكون ولاية أقرب من ولاية، وقرابة أقرب من قرابة. ا. هـ. منه. جـ 3/ ص 76.

(2)

وقوله: كشريفة دخل وطال، هو في غاية الإِشكال عندي؛ لأن الشيء إما حق وإما باطل، ولا واسطة بين الحق والباطل:{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}

(2)

. فإن كان الأمر حقًا، فليس لأحد نقض الحق إثر عقده ولا بعد ذلك، وإن كان الأمر باطلًا فالباطل مردود أبدًا مهما يكن الأمر. قال صلى الله عليه وسلم:"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

(3)

وقوله: ورضاء البكر صمت كتفويضها، يريد به أن رضاء غير المجبرة - من الأبكار - بالزوج والصداق صمتها؛ لامتناع البكر غالبًا من الإِعراب بالقول لحيائها. وكذلك تفويض البكر غير =

(1)

سورة التوبة: 71.

(2)

سورة يونس: 32.

ص: 33

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= المجبرة العقد لوليها، كأن يقال لها: نشهد عليك أنك فوضت العقد عليك لوليك فلان. أو: هل تفوضين العقد له؟. فسكتت، فهو رضاء، سواء حضرت المجلس أو غابت عنه. وقد تقدم ذكر بعض الأدلة استطرادًا عند قول المصنف: ثم أبٌ وجبر المجنونة والبكر ولو عانسًا. وهنا نذكر حديثًا مرويًا عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا، وَإذنُهَا صُمَاتُهَا". وهو حديث متفق عليه. أخرجه مسلم في النكاح: باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت. وأخرجه البخاري في النكاح جـ 9/ ص 164، 165، باب: لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما. وأخرجه الموطأ في النكاح، باب استئذان البكر والأيم في أنفسهما.

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن قوله صلى الله عليه وسلم: "وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ". هو لاستطابة نفسها. وقالوا لذلك: إنه لو زوج الأب أو الجد ابنته البكر من غير استئذان، فأقر ذلك الجواز. يروى ذلك عن القاسم بن محمد، وسليمان بن يسارِ، وسالم بن عبد الله، وإليه ذهب مالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

قالوا: الأمر بهذا الاستئذان على الاستطابة، شأنه في ذلك شأن قوله تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}

(1)

. وذلك على استطابة نفوسهم.

تنبيه: من يجوز إجبار البكر البالغة على النكاح، يحتج بقوله صلى الله عليه وسلم:"الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا". قالوا: مفهومه يدل على أن الولي أحق بالبكر منها بنفسها، وذكر كل واحدة على الانفراد دليل على اختلافهما في الحكم. ومعنى قوله:"أَحَّقُ بِنَفْسِهَا". أراد في اختيار الزوج، لا في العقد. ا. هـ. شرح السنة.

(4)

وقوله: ولا يقبل منها دعوى جهله، يريد به أن البكر إذا استؤذنت في نفسها وسكتت، فعقد عليها فأنكرت وادعت عدم رضاها، وأنها جهلت كون صمتها رضاء، فلا يقبل منها دعوى جهله.

قلت: وهذا الفرع مبني على قاعدة خلافية؛ أي على أحد شطريها؛ وهي قولهم: هل يعذر =

(1)

سورة آل عمران: 159.

ص: 34

والثَّيِّبُ تُعْرِبُ (1) كَبِكْرٍ رُشِّدَتْ (2) أوْ عُضِلَتْ أوْ زُوِّجَتْ بِعَرْضٍ أوْ بِرِقٍّ أوْ بِعَيْبٍ أوْ يَتِيمَةٍ أوْ افْتِيتَ عَلَيْهَا، وَصَحَّ إنْ قَرُبَ رِضَاهَا بِالْبَلَدِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ حَالَ الْعَقْدِ. وإنْ أجَازَ مُجْبِرٌ فِي ابْنٍ وَأخٍ وجَدٍّ فَوَّضَ لَهُ أُمُورَهُ بِبَيِّنَةٍ جَازَ. وَهَلْ إنْ قَرُبَ تَأويلانِ، وفُسِخَ تَزْوِيجُ حَاكِمٍ أوْ غَيْرِه ابْنَتَهُ فِي كَعَشْرٍ.

= صاحب الجهل به أو لا؟ والذي دعا المصنف إلى أن يقول في تأويل الأكثر، هو أن القاضي ابن رشد قال في هذا الأصل: كل ما يتعلق به حق الغير لا يعذر الجاهل فيه بجهله، وما لا يتعلق به حق الغير، إن كان لا يسع المكلف ترك تعلمه لا يعذر بجهله وذلك كفرض العين، وإن كان مما يسع المكلف ترك تعلمه عذر فيه بالجهل. وقد عقدها في المنهج المنتخب بقوله:

. . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . هل يعذرُ

بالجهل أو لا؟ والَّذْ حَقَّقَا

قَاضٍ نَعَمْ إن لم يَكُنْ تَعَلَّقَا

حَقٌّ به لِلْغَيْرِ إنْ كَانَ وَسِعْ

تَرْكُ تَعَلُّمٍ وَهذا يَمْتَنِعْ ا. هـ.

ومعلوم أن هذه الصورة مما يتعلق حق الغير به. والله الموفق.

(1)

وقوله: والثيب تعرب، اتفق أهل العلم على أن تزويج الثيب البالغة العاقلة لا يجوز دون إذنها، فإن زوجها وليها دون إذنها فالنكاح مردود، وقد تقدم حديث ابن عباس المتفق عليه:"الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا". وفي حديث آخر أخرجه الإِمام أحمد، وابن ماجه، قال:"الثَّيِّبُ يُعْرِبُ عَنْهَا لِسَانُهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا". فقوله: يعرب، قال أبو عبيد: يروى بالتخفيف. وقال الفراء: هو يعرِّب بالتشديد. يقال: عربت عن القوم، إذا تكلمت عنهم. قال البغوي: وأكثر أهل اللغة على أنهما لغتان صحيحتان، يجوز أعربت وعرَّبت. قلت: حديث خنساء بنت خذام دليل على أن الثيب إن زوجت بغير إذنها فإن نكاحها مردود، وهو في صحيح البخاري وغيره، ولفظه عن خنساء بنت خذام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها. هذا لفظ البغوي وقال هذا حديث صحيح أخرجه محمد، يعني البخاري، عن =

ص: 35

وَزَوَّجَ الْحَاكِمُ فِي كَإِفْريقِيَّةٍ، وظُهِّرَ مِنْ مِصْرَ، وتُؤوِّلتْ أيْضًا بالإِسْتيطان كَغيْبةِ الأقْرَبِ الثَّلَاثَ وإنْ أسِرَ أوْ فُقِدَ فالأبْعَدُ كَذِي رِقٍّ وَصِغَرٍ وَعتَهٍ وَأُنُوثَةٍ لا فِسْقٍ وَسَلَبَ الْكَمَالَ، وَوَكَّلَتْ مَالِكَةٌ وَوَصِيَّةٌ (1) وَمُعْتِقَةٌ وَإنْ أجْنَبيًّا كَعَبْدٍ أُوصِيَ وَمُكاتَبٍ في أمَةٍ طَلَبَ فَضْلًا وَإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ.

= إسماعيل عن مالك. وأخرجه البيهقي بسنده إلى القاسم بن محمد، أن عبد الرحمن بن يزيد، ومجمع بن يزيد أخبراه أن رجلًا منهم يدعى خذامًا أنكح ابنته رجلًا فكرهت نكاحه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فرد عنها نكاح أبيها، فتزوجت أبا لبابة بن عبد المنذر. قال أبو بكر: أخبرنيه محمد بن الحسين، ثنا عمار بن رجاء، ثنا يزيد بن هارون مثله، وزاد فذكر يحيى أنه بلغه أنها كانت ثيبًا. رواه البخاري في الصحيح عن إسحاق، عن يزيد بن هارون. ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: كبكر رشدت ألخ. جاء في مصنف عبد الرزاق ما نصه: عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان قال: حدثني كهمس بن الحسن أن عبد الله بن بريدة حدثه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبي زوجني ابن أخ له يرفع خسيسته بي، ولم يستأمرني، فهل لي في نفسي من أمر؟. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. فقالت: ما كنت لأرد على أبي شيئًا صنعه، ولكن أحببت ان يعلم النساء ألهن في أنفسهن أمر أم لا؟

قال البغوي: وقد روي عن عكرمة أن جارية بكرًا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم. قال شعيب: أخرجه أبو داود في النكاح، وابن ماجه، وأحمد من حديث حسين بن محمد المروزي ثنا جرير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وإسناده صحيح. ا. هـ. منه.

قلت: هذه الأحاديث دليل على أن البكر البالغة العاقلة لا يجوز الافتيات عليها في التزويج، وقد تقدم ذكر القول المنسوب لأكثر العلماء، أنه إن زوجها أبوها أو جدها من غير استئذان، أن العقد جائز إن رضيت به. والله الموفق.

(1)

وقوله: ووكلت مالكة ووصية ألخ، يعني أن المرأة لا تكون وليًا في النكاح، فإن أرادت إنكاح أمتها أو عبدها أو من هي وصية عليها، أمرت أقرب الرجال إليها من عصبتها أن يأذن لها في =

ص: 36

وَمَنَعَ إحْرامٌ مِنْ أحَدِ الثَّلَاثَةِ (1)، كَكُفْرٍ لِمُسْلِمَةٍ وَعَكْسِهِ (2)، إلَّا لأمَةٍ وَمُعْتَقَةٍ (3) مِنْ غَيْرِ نِسَاءِ الْجِزْيَةِ، وَزَوَّجَ الْكَافِرُ لِمُسْلِمٍ، وَإنْ عَقَدَ مُسْلِمٌ لِكَافِرٍ تُركَ وَعَقَدَ السَّفِيهُ ذُو الرّأْيِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَصَحَّ تَوْكِيلُ زَوْجٍ الْجَمِيعَ لَا وَلِيٍّ إلَّا كَهُوَ، وَعَلَيْهِ الإجَابَةُ لِكُفْءٍ، وَكُفْؤهَا أوْلَى (4) فيأْمُرُهُ الْحَاكِمُ ثم زَوَّجَ، وَلَا يَعْضُلُ أبٌ بِكْرًا بِرَدٍّ مُتَكَرِّرٍ حَتَّى يُتَحَقَّقَ وَإنْ وَكّلَتْهُ مِمَّنْ أَحَبَّ عَيَّنَ وإلَّا فَلَهَا الإِجَازَةُ وَلَوْ بَعُدَ لَا الْعَكْسُ.

= النكاح، ويتولى العقد عنها، فإن المرأة لا تباشر النكاح.

فقد كانت عائشة رضي الله عنها تخطب إليها المرأة من أهلها فتشهدها، فإذا بقيت عقدة النكاح، قالت لبعض أهلها: زوِّجْ، فإن المرأة لا تلي عقد النكاح.

قال البغوي: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ". يؤكد ما ذكرنا من أن المرأة لا تباشر العقد بحال. إذ لو صلحت عبارتها لعقد النكاح، لأطلق لها ذلك عند اختلاف الأولياء ولم يجعله للسلطان. ا. هـ. منه.

قال ابن جزم: قول الله عز وجل: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}

(1)

. نص في أن المرأة لا تكون وليًا في إنكاح أحد أصلًا، لكن لا بد من إذنها في إنكاح عبدها أو أمتها ونحو ذلك، لقوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}

(2)

. الآية، انتهى منه بتصرف.

(1)

وقوله رحمه الله: ومنع إحرام من أحد الثلاثة، يعني بالثلاثة الزوجة ووليها والزوج، يمنع الإِحرام على الثلاثة عقد النكاح، فإن وقع فسخ قبل البناء وبعده ولو ولدت أولادًا. قالوا: ويستمر المنع إلى تمام الحج بالإِفاضة إن قدم سعيه، وإلا فلتمام سعيه كالعمرة.

ففي الموطإ عن مالك، عن نافع، عن نُبيه بن وهب، أخي بني عبد الدار، أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان يومئذ أمير الحاجِّ، وهما محرمان: إني قد أردت أن أنكح =

(1)

سورة النور: 32.

(2)

سورة النساء: 25.

ص: 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= طلحة بن عمر بنتَ شيبة بن جُبير، وأردت أن تحضر. فأنكر ذلك عليه أبانُ وقال: سمعت عثمان بن عفَّان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ". وعن مالك عن داود بن الحصين أن أبا غطفان ابن طريف المري أخبره، أن طريفًا تزوج امرأة وهو محرم فرد عمر بن الخطاب نكاحه.

وعن مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا ينكح المحرم ولا يخطب على نفسه ولا على غيره. ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: ككفر لمسلمة وعكسه، مراده أن كفر ولي المرأة يمنع عقده نكاحها، وكذلك كفر المرأة والولي مسلم؛ فإنه لا ولاية لكافر على مسلمة، سواء كان ذميًا أو حربيًا أو مرتدًا؛ وذلك لدليل قوله تعالى:{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}

(1)

. وكذلك لا ولاية لمسلم على كافرة لقوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}

(2)

. الآية.

(3)

وقوله: إلا لأمة ومعتقة ألخ، هو استثناء من ولاية المسلم للكافرة. قالوا: يستثنى من ذلك من له أمة كافرة، فلا يمنع من تزويجها لكافر مثلها، ومن كانت له معتقة أعتقها ببلد الإِسلام وهي كافرة، فله أن يزوجها من مسلم إن كانت كتابية، أو من كافر، فإن كان أعتقها وهي ببلد الجزية فلا يزوجها حتى تسلم.

(4)

وقوله: وعليه الإِجابة لكفء وكفؤها أولى، أما كونه عليه الإِجابة لكفء، فإن من أدلة ذلك حديث معقل بن يسار المتقدم قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت: زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها، ثم جئت تخطبها! لا والله لا تعود إليك أبدًا - وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه - فأنزل الله سبحانه وتعالى:{فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}

(3)

. الآية. فقلت: الآن أفعل يا رسول الله: قال: فزوجتها إياه. والحديث في صحيح البخاري في عدة مواضع.

وأما كون كفئها أولى، فلدليل قصة خنساء بنت خذام؛ فقد كانت تحت أنيس بن قتادة. فقتل =

(1)

سورة النساء 141.

(2)

سورة الأنفال: 72.

(3)

سورة البقرة: 232.

ص: 38

ولِابْنِ عَمٍّ وَنَحْوِهِ تَزْويجُهَا مِنْ نَفْسِهِ إنْ عَيَّنَ: بِتَزَوَّجْتُكِ بِكَذَا. وَتَرْضَى وَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ (1)، وَإِنْ أنْكَرَتِ الْعَقْدَ صُدِّقَ الْوَكِيلُ إنِ ادَّعَاهُ الزَّوجُ، وإنْ تَنَازَعَ الأوْلِيَاءُ المُتَسَاوُونَ فِي الْعَقِدِ أو الزَّوْجِ، نَظَرَ الْحَاكِمُ (2). وإنْ أذِنَتْ لِوَلِيِّيْنِ فَعَقَدَا فَلِلأَوَّلِ (3)، إنْ لَمْ يَتَلَذَّذْ الثّانِي بِلَا عِلْمُ (4). وَلَوْ تأخَّرَ تَفْويضُهُ إن لَمْ تَكُنْ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَلَوْ تَقَدَّمَ الْعَقْدُ على الأظْهَرِ (5) وفُسِخَ بِلَا طَلَاقٍ إنْ عَقَدَا بِزَمَنٍ أو لِبَيِّنَةٍ بِعِلْمِهِ أَنَّهُ ثَانٍ لَا إنْ أقَرَّ أوْ جُهِلَ الزَّمَنُ، وإن مَاتَتْ وجُهِلَ الأحَقُّ، فَفِي الإِرْث قَوْلَانِ،

= عنها يوم أحد، فزوجها أبوها رجلًا، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي أَنكحني رجلًا، وإن عم ولدي أحب إليَّ منه. فجعل النبي أمرها إليها. ا. هـ. مصنف عبد الرزاق. وفيه أيضًا: أخبرنا ابن جريح قال: أخبرني أبو الزبير عن رجل صالح من أهل المدينة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار، فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد، فخطبها عم ولدها ورجل إلى أبيها، فأنكح الرجل وترك عم ولدها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أنكحني أبي رجلًا لا أريده، وترك عم ولدي، فيؤخذ مني ولدي، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أباها فقال:"أنْكَحْتَ فُلَانًا فُلَانَةً"؟ قال: نعم، قال. "أَنْتَ الَّذِي لَا نكَاحَ لَكَ. اذْهَبِي فَانْكِحِي عَمَّ وَلَدِكِ". ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه البيهقي بعدة روايات قال في بعضها: رواه البخاري في الصحيح عن أبي أويس وغيره عن مالك. وكذلك رواه يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد.

(1)

وقوله: ولابن عم ونحوه تزويجها من نفسه ألخ، يريد به أن الولي إن كان ابن عم أو وصيًا أو غيره فأراد تزويج وليته من نفسه، فإن له ذلك، ويتولى طرفي العقد؛ فيعقد عليها لنفسه، ولها على نفسه. قال في المدونة: وليشهد على ذلك غيرهما.

قلت: هذا قول الحسن، وابن سيرين، وربيعة، ومالك، والثوري، وأبي حنيفة، وإسحاق، وأبي ثور، والمنذر، وإحدى الروايتين عن أحمد، واستدلوا بما روى البخاري قال: قال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم ابنة فارط. أتجعلين أمرك إليَّ؟. قالت: نعم. قال: قد تزوجتك. قالوا: ولأنه يملك الإِيجاب والقبول فجاز أن يتولاهما، كما لو زوج أمته عبده الصغير. =

ص: 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= ولأنه عقد وجد فيه الإِيجاب من ولي ثابت الولاية، والقبول من زوج هو أهل للقبول فصح، كما لو وجدا من رجلين. ا. هـ. كذا في المغني لابن قدامة جـ 6/ ص 470.

وقال الشافعي: لا يزوجها منه الا الحاكم، ولا يجوز له أن يوكل من يزوجه، ولأن هذا عقد ملكه بالإِذن فلا يتولى طرفيه كالبيع، ولا يجوز أن يزوجه من هو أبعد منه من الأولياء، لأنه لا ولاية له مع وجوده.

وقال الإِمام أحمد في إحدى الروايتين عنه: لا يجوز أن يتولى طرفي العقد، ولكن يوكل رجلًا يزوجها إياه بإذنها. واستدل بحديث رواه أبو داود بإسناده عن عبد الملك؛ أن المغيرة بن شعبة أمر رجلًا زوجه امرأة، كان المغيرة أولى بها منه. ا. هـ. المغني بتصرف جـ 6/ 471.

(2)

وقوله: وإن تنازع الأولياء المتساوون ألخ، دليله حديث ما رواه ابن شهاب عن عروة، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ - ثلاثًا - فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ". أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن. وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم. ومحل الشاهد منه هنا قوله:"فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ". لأن اشتجروا معناه: اختلفوا وتنازعوا. ومن ذلك الاستعمال قوله تعالى: {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}

(1)

. أي فيما أوقع خلافًا بينهم. قال المواق هنا: سادس الأقوال قول المدونة: إن اختلف الأولياء، وهم في قعدد واحد، نظر السلطان. ا. هـ منه.

(3)

وقوله: وإن أذنت لوليين فعقدا فللأول، قال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ لِلْأوَّلِ". واستدل في المصنف بآثار على ذلك.

قلت: وهو في السنن الكبرى للبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني ولفظه: "إِذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالأَوَّلُ أَحَقُّ". وفيه عنه بنفس اللفظ الذي في ابن أبي شيبة، لكنه قال:"لِلْأوَّلِ مِنْهُمَا". وفيه أيضًا أن امرأة زوجها أولياؤها بالجزيرة من عبيد الله بن الحر، وزوجها أهلها بعد ذلك بالكوفة، =

(1)

سورة النساء: 65.

ص: 40

وَعَلى الْإِرْثِ فالصَّدَاقُ وَإلَّا فزائدُهُ (1)، وَإنْ مَاتَ الرَّجُلَانِ فَلَا إرْثَ ولَا صَدَاقَ وَأعْدَلِيَّةُ مُتَنَاقِضتَيْنِ مُلْغَاةٌ وَلَوْ صَدَّقَتْهَا الْمَرْأَةُ، وَفُسِخَ مُوصىً وَإنْ بِكَتْمِ شُهُودٍ (2) منِ امْرَأةٍ أَوْ مَنْزِلٍ أَوْ أيَّامٍ إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَيَطُلْ وعُوقِبَا والشّهُودُ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ وجوبًا عَلى أنْ لَا تَأتِيَهُ إلَّا نَهَارًا، أوْ بِخِيارٍ لِأحَدِهِمَا أوْ غَيْرٍ، أوْ عَلى: إن لَمْ يَأتِ بالصَّدَاقِ لِكَذَا فَلَا نِكَاحَ، وَجَاءَ بِهِ (3). وَمَا فَسَدَ لِصَدَاقِهِ أوْ عَلَى شَرْطٍ يُنَاقِضُ، كَأنَ لَا يَقْسِمَ لَهَا أوْ يؤثِرَ عَلَيْهَا، وألْغِيَ وَمُطَلَقًا، كَالنِّكَاحِ لِأجَلٍ

= فرفعوا ذلك إلى علي رضي الله عنه، ففرق بينها وبين زوجها الأخير وردها لزوجها الأول، وجعل لها صداقها بما أصاب من فرجها، وأمر زوجها الأول أن لا يقربها حتى تنقضي عدتها من الأول. ا. هـ. منه.

(4)

وقوله: إن لم يتلذذ الثاني بلا علم، يريد به أن الثاني إن وضع يده وتلذذ، وهو لا يعلم بعقد الأول، كان أولى بها؛ وذلك لقول عمر: إذا أنكح الوليان فالأول أحق ما لم يدخل بها الثاني، ولأن الثاني اتصل بعقد القبض فكان أحق. ا. هـ. المغني.

هذا المذهب عند أصحابنا خلافًا لأحمد، وقتادة، والشافعي وابن المنذر، فقد قدموا رحمهم الله حديث علي المتقدم آنفًا على حديث عمر رضي الله عنهما.

(5)

وقوله: إن لم تكن في عدة وفاة ولو تقدم العقد على الأظهر، هذا شرط في تفويت دخول الثاني بها، يعني أنه إن كان عقده - هذا الذي دخل بها بموجبه - وقع بعد وفاة الأول يفسخ النكاح؛ لأنه واقع في عدة، ويتأبد تحريمها عليه في رأي مالك.

(1)

وقوله: وإن ماتت وجهل الأحق، ففي الإِرث قولان، وعلى الإِرث فالصداق والا فزائده، يريد به - والله أعلم - أنه إن ماتت ذات الوليين، وجهل الأحق بها من الزوجين، فقيل بثبوت الإِرث لهما معًا؛ فيكون لهما ميراث زوج واحد مقسومًا بينهما نصفين؛ وذلك لتحقق الزوجية، وعدم تحقق مستحقها لا يضر. قاله ابن محرز وأكثر المتأخرين. وقال التونسي: لا إرث لهما بالكلية؛ وذلك بناء على أن الشك في عين المستحق كالشك في سبب الإِرث، فإن قلنا بثبوت =

ص: 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الإِرث، فالصداق لازم كاملًا على كل واحد منهما؛ لإِقراره بوجوبه عليه، وإن قيل بعدم الإِرث، فعلى كل واحد منهما ما زاد من الصداق على ميراثه لو ورث.

قلت: وهذا كله توصل إليه بالرأي والاجتهاد. فالله تعالى أعلم بمستندهم فيه. وجزى الله العلماء خيرًا عن الإِسلام والمسلمين.

(2)

وقوله: وفسخ موصىً وإن بكتم شهود ألخ، تقريره: وفسخ نكاح موصى بكتمه من الزوج والزوجة، والولي والشهود وسائر الحاضرين عن كل أحد، بل وإن أوصى الزوج بكتم الشهود فقط، عن كل أحد أو عن امرأة الزوج، أو عن أهل منزله، سواء كان ذلك الكتمان أبدًا أو في أيام ثلاثة فقط. ومحل الفسخ إن لم يدخل الزوج بالزوجة وبطل، ومفهومه أنه إن دخل وطال فلا يفسخ.

قلت: هذه الآراء كلها لا دليل عليها من كتاب ولا سنة. والله تعالى أعلم بمستندها. فإنه لم يصح في السنة قط نهي عن نكاح السر إذا شهد عليه عدلان. قال أبو محمد بن حزم: وليس سرًا ما علمه خمسة؛ الناكح والمنكح والمنكحة والشاهدان، دليل ذلك قول الشاعر:

.. أَلا كلُّ سرٍّ جاوزَ اثنين شائع .. البيت.

وقال الآخر:

السرُّ يكتمُه الإِثنان بينَهما

وكلُّ سرٍّ عدَا الإِثنين منشرُ

قال: وقد أباح النكاح الذي يستكتم فيه الشاهدان، أبو حنيفة والشافعي وأبو سليمان وأصحابهم. ا. هـ. منه بتصرف.

نعم، ورد في بلوغ المرام قال أحمد: وأخرج الترمذي أيضًا من حديث عائشة، وقال: حسن غريب: "أَعْلِنْوا هذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ في الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ، وَلْيُولِمْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ بِشَاةٍ، فَإِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً وَقَدْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ فَلْيُعْلِمْهَا لَا يَغُرَّهَا".

قال الصنعاني: دلت أحاديث الباب على الأمر بإعلان النكاح، والإِعلان خلاف الإِسرار. ا. هـ. منه.

قلنا: هو كذلك غير أن أمرًا علمه خمسة، لم يبق من الأسرار في شيء والله تعالى أعلم. وهو الموفق. =

ص: 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (3) وقوله: وقبل الدخول وجوبًا على أن لا تأتيه إلا نهارًا، أو بخيار لأحدهما، أو غير أو على إن لم يأت بالصداق لكذا فلا نكاح وجاء به. تقريره، وفسخ النكاح وجوبًا قبل الدخول، إن عقد على شرط أن لا تأتيه الزوجة إلا نهارًا مثلًا، فإن دخل ثبت النكاح وألغي الشرط. أو عقد النكاح بشرط خيار لأحدهما مدة من الزمن، أو لهما معًا، أو بخيار لغيرهما، فيفسخ قبل البناء وجوبًا، ويثبت بعد الدخول بالمسمى إن كان، وبصداق المثل إن لم يكن مسمى. قالوا: وهذا في غير خيار المجلس، أما هو فيجوز اتفاقًا.

أو وقع عقد النكاح بصداق مؤجل كله أو بعضه، على شرط أنه، إن لم يأت الزوج بالصداق كله أو بعضه - الذي عليه النكاح لأجل كذا - فلا نكاح بين الزوجين، والحال أنه قد جاء به أثناء الأجل، أو عند انتهائه، فإنه يفسخ قبل البناء.

وفسخ قبل البناء وجوبًا ما فسد لصداقه، لكونه لا يملك شرعًا، أو لا يصح بيعه كآبق وبعير شارد، فإن دخل ثبت بصداق المثل.

أو كان وقع عقد النكاح على شرط يناقض مقتضى العقد؛ كشرطه أن لا يقسم لها في المبيت مع زوجته السابقة عليها، أو وقع العقد بشرط أن يؤثر - أي يفضل - الأولى عليها في قسمة المبيت؛ بأن يجعل لها الليلة وللأولى ليلتين، فإن العقد يفسخ قبل الدخول، فإن دخل ثبت النكاح بصداق المثل وألغي الشرط. وأما إن وقع النكاح إلى أجل، فهو نكاح المتعة، عين الأجل أو لا. فإنه يفسخ النكاح فيه قبل الدخول وبعده أبدًا، ويعاقب الزوجان، بل يحدّان.

وكذا يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده إن قال الزوج للزوجة: إن مضى شهر فأنا أتزوجك. فرضيت هي أو وليها، وقد جعلا ذلك اللفظ هو الصيغة، بحيث إنهم لا يستأنفان عقدًا فيما بعد، فيفسخ مطلقًا لأنه نكاح متعة قدم فيه الأجل.

أما الدليل لهذه الفروع، فإن الذي أرى منه ما في الموطإ عن مالك، أنه بلغه أن سعيد بن المسيب سئل عن المرأة تشترط على زوجها أنه لا يخرج بها من بلدها. قال سعيد: يخرج بها إن شاء. قال مالك: فالأمر عندنا أنه إذا اشترط الرجل للمرأة - وإن كان ذلك الشرط عند عقدة النكاح - أن لا أنكع عليك ولا أتسرى - أن ذلك ليس بشيء، إلا أن يكون في ذلك يمين بطلاق أو عتاقة، فيجب ذلك عليه ويلزمه. ا. هـ. منه. =

ص: 43

أَوْ: إِنْ مَضَى شَهْرٌ فَأَنَا أَتَزَوَّجُكِ. وَهُوَ طَلَاقٌ إنْ اخْتُلِفَ فيهِ كَمُحْرِمٍ وَشِغارٍ، والتَّحْرِيمُ بعَقْدِهِ، وَوَطْئهِ، وَفيهِ الإِرْثُ إلَّا نِكَاحَ الْمَرِيضِ، وإِنْكَاحَ الْعَبْدِ، والْمَرْأَةِ (1)

= قلت: هذا قول الزهري، وقتادة، وهشام بن عروة ومالك، والليث، والثوري والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم:"كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ". قالوا: وهذه الشروط ليست في كتاب الله، لأن الشرع لا يقتضيها. وأيضًا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا". وهذا يحرم الحلال؛ وهو التزويج والتسري والسفر.

قال الإِمام أحمد: إن شرط لها ما يعود نفعه عليها، لزمه الوفاء به، مثل أن يشترط لها أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يسافر بها، أو لا يتزوج عليها ولا يتسرى، فهذا يلزمه الوفاء لها به، فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح. قال ابن قدامة: يروى هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمرو بن العاص رضي الله عنهم. وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد وطاوس، والأوزاعي، وإسحاق.

قال ابن قدامة: ومن الشروط في العقد ما يصح العقد معه ويبطل الشرط، مثل أن يشترط أن لا مهر لها، أو أن لا ينفق عليها، أو إن أصدقها رجع عليها، أو تشترط هي أن لا يطأها، أو يعزل عنها، أو يقسم لها أقل من قسم صاحبتها أو أكثر، أو أن لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل، فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها لأنها تناقض مقتضى العقد، ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاد العقد فلم تصح؛ كما لو أسقط الشفيع شفعة قبل البيع. قال: أما العقد في نفسه فصحيح؛ لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد، لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به فلم يبطل. ا. هـ. منه.

ومن الشروط ما يبطل العقد معه من أصله، مثل أن يشترط توقيت النكاح، وهو نكاح المتعة، أو أن يجعل صداقها نكاح امرأة أخرى، وهو الشغار، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم وأحكم. وهو ولي التوفيق.

(1)

وقول المصنف: وهو طلاق إن اختلف فيه، كمحرم وشغار، والتحريم بعقده ووطئه. وفيه =

ص: 44

لَا إنْ اتُّفِقَ عَلَى فَسَادِهِ (1)، فَلَا طَلَاقَ وَلَا إرْثَ كَخَامِسَةٍ، وَحَرَّمَ وَطْؤُهُ فَقَطْ،

= الإِرث إلا نكاح المريض وإنكاح العبد والمرأة، تقريره، كما قال الدردير، أنه لما تكلم على ما يفسخ مطلقًا، وما يفسخ في حال دون حال، كان المقام مظنة أسئلة أربعة وهي: هل الفسخ بطلاق أم لا؟ وهل التحريم بعقده ووطئه أم لا؟ وهل فيه الإِرث أم لا؟ وإذا فسخ فهل للمرأة شيء من الصداق أم لا؟. قال: فأجاب عن الأول بقوله: وهو - أي الفسخ - طلاق إن اختلف فيه بين العلماء، ولو خارج المذهب، حيث كان قويًا، بأن قيل بصحته بعد العقد، وإن لم يجز ابتداء كما في الشغار، إذ لا قائل بجوازه ابتداء، ولا بد من حكم حاكم فهو بائن لا رجعي، فإن عقد عليها شخص قبل الحكم بالفسخ لم يصح لأنها زوجة.

وقوله كمحرم، أي بحج أو عمرة من أحد الثلاثة: الزوج والزوجة والولي.

وقوله وشغار، أي صريحه، وهو البضع بالبضع؛ هما مثالان للنكاح المختلف فيه. وأجاب عن السؤال الثاني بقوله: والتحريم في المختلف فيه يقع تارة بعقده وتارة بوطئه؛ فالذي يُحرِّمُ بعقده كما لو تزوج محرم مثلًا، ففسخ نكاحه قبل الدخول بها، فإن التحريم هنا ينتشر بعقده المجرد، فيحرم عليه نكاح أمها دون بنتها؛ لأن العقد على البنت يحرم مجرده الأم. وتارة يقع التحريم بوطئه أو بتلذذه بمقدماته؛ كما لو تزوج امرأة فدخل بها ففسخ، فإنه يحرم عليه نكاح ابنتها، ولو فسخ قبل البناء لم تحرم البنت.

وأجاب عن السؤال الثالث بقوله: وفيه الإِرث أي وفي النكاح المختلف فيه الإِرث؛ إذا مات أحد الزوجين قبل الفسخ، دخل بها أو لم يدخل، فإن فسخ قبل الموت فلا إرث، ولو دخل أو كانت العدة باقية؛ لأن الفسخ بحكم حاكم طلاق بائن كما تقدم. ثم استثنى من المختلف فيه نكاح المريض فلا إرث فيه، وإن كان مختلفًا في فساده، سواء مات المريض أو الصحيح؛ لأن سبب إفساده هو إدخال وارث، وإلا إنكاح العبد والمرأة، بأن تولى العبد عقد امرأة أو عقدت المرأة على نفسها، أو على غيرها فهو من المختلف فيه.

قلت: ولعله معطوف، على ما لا إرث فيه، بناء على ما حكي عن أصبغ أنه قال: لا إرث فيما عقدته المرأة والعبد، وإن فسخ بطلاق لضعف الاختلاف فيه. والله أعلم.

(1)

وقوله: لا إن اتفق على فساده، يريد به أن النكاح المتفق على فساده لا يكون فسخه =

ص: 45

وَمَا فُسِخَ بَعْدَهُ فَالْمُسَمَّى وَإلَّا فَصَداقُ المِثْلِ. وسَقَطَ بِالْفَسْخِ قَبْلَهُ إلَّا نِكَاحَ الدِّرْهَميْنِ (1) فَنِصْفُهُمَا، كَطَلَاقِهِ (2). وَتُعَاضُ المتَلَذَّذُ بِهَا.

وَلِوَلِيِّ صَغِيرٍ فَسْخُ عَقْدِهِ (3) فَلَا مَهْرَ ولَا عِدَّةَ، وَإنْ زُوِّجَ بِشُروطٍ أوْ أجِيزَتْ (4) وَبَلَغَ وَكَرِهَ فَلَهُ التَطْلِيقُ. وَفِي نِصْفِ الصَّدَاقِ قَوْلَانِ عُمِلَ بِهِمَا، والْقَوْلُ لَهَا:

= طلاقًا، ولا يحتاج فسخه لحكم حاكم، لعدم انعقاده أصلًا، ولا توارث بموجبه لو مات أحدهما قبل الفسخ. ومثل له بقوله: كخامسة أي: وكأم زوجته وعمتها وخالتها، في حالة جمع العمة والخالة معها، ثم إن مجرد عقد النكاح الفاسد اتفاقًا لا ينشر الحرمة، وإنما ينشر الحرمة به الوطء أو التلذذ بمقدمات الجماع.

وأجاب عن السؤال الرابع بقوله: وما فسخ بعده فالمسمى وإلا فصداق المثل، وسقط بالفسخ قبله، أي وما فسخ بعد البناء، سواء كان متفقًا على فساده أو مختلفًا في فساده، فالمسمى فيه واجب للمرأة إن كان حلالًا، وإلا يكن مسمى كصريح الشغار مثلًا، أو كان مسمى حرامًا كخمر مثلًا، فاللازم لها حينئذ صداق المثل، أما إذا حصل الفسخ قبل البناء، سقط الصداق بالفسخ جريًا على قاعدة كلية تقول: كل نكاح فسخ قبل الدخول فلا شيء فيه، سواء كان متفقًا على فساده أو مختلفًا فيه، كان الفساد لعقده أو لصداقه أو لهما معًا.

(1)

وقوله: إلا نكاح الدرهمين، يريد به من أصدق امرأة صداقًا ناقصًا عن الصداق الشرعي، وأبى الزوج عن إتمامه، فإنه يلزمه نصفهما بالفسخ قبل البناء.

(2)

وقوله: كطلاقه، تشبيه تام، أي إن طلق قبل البناء - في النكاح الفاسد - فلا شيء عليه، وإن كان طلق بعد البناء، فعليه دفع المسمى إن كان، وإلا فصداق المثل.

(3)

وقوله: ولولي صغير فسخ عقده ألخ، تقريره، أن الشارع جعل لولي الصغير الحق لينظر له في الأصلح، فإن رأى المصلحة في فسخه فسخه ولا شيء لها، وإن رأى المصلحة في الفسخ وعدمه مستويتين خير في الفسخ وعدمه. قالوا: وليس عليها من عدة، بخلاف ما لو مات الصغير قبل الفسخ، فإنها تعتد منه عدة وفاة ولو لم يدخل بها.

(4)

وقوله: وإن زوج بشروط أو أجيزت ألخ، تقريره أن الصغير إن زوجه وليه بشروط شرطت =

ص: 46

أنَّ الْعَقْدَ. وَهُوَ كَبِيرٌ. وَلِلْسَّيِّدِ ردُّ نِكَاحِ عَبْدِهِ بِطَلْقَةٍ فَقَطْ (1) بَائِنَةٍ إنْ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا أنْ يُرَدَّ بِهِ، أو يُعتقْهُ، ولَها رُبُعُ دينَارِ إنْ دَخَلَ، واتُّبِعَ عَبْدٌ ومُكَاتَبٌ بِمَا بَقِيَ إنْ غَرَّا، إنْ لمْ يُبْطِلْهُ سَيِّدٌ أوْ سُلْطَانٌ (2)، ولَهُ الإِجَازَةُ إنْ قَرُبَ وَلَمْ يُرِدِ الْفَسْخَ أوْ يُشَكَّ فِي قَصْدِهِ (3)، وَلِوَلِيِّ سَفِيهٍ فَسْخُ عَقْدِهِ، وَلَوْ مَاتَتْ، وتَعَيَّنَ بِموْتِهِ (4). وَلِمُكَاتَبٍ وَمَأذُونٍ تَسَرٍّ وَإنْ بِلَا إذْنٍ، ونَفَقَةُ الْعَبْدِ فِي غَيْرِ خَراجٍ وكَسْبٍ إلَّا لِعُرْفٍ كَالْمَهْرِ ولَا يَضْمَنُهُ سَيِّدٌ بإذْنِ التَّزْوِيجِ.

= لها عليه حين العقد، أو كأن زوج نفسه واشترط لها على نفسه شروطًا، والحال أن تلك الشروط تلزم إن وقعت من مكلف؛ كأن تزوج عليها، فهي أو التي يتزوجها طالق، وأجاز وليه تلك الشروط التي اشترطها الصغير على نفسه، ولما بلغ الصغير كره تلك الشروط، فإنه يكون عليه حينئذ التطليق جبرًا حين طلبت المرأة منه ذلك وامتنع. قال الدردير: فإن قيل: فله التخيير في التطليق وعدمه، كان مثل كل زوج، ولو قال المصنف: فلها التطليق. لأفاد المطلوب. قال: ومحل ذلك ما لم ترض هي بإسقاط الشروط وإلا فلا تطليق عليه. وإذا طلق قبل الدخول ففي لزوم نصف الصداق لها عليه أو على من تحمله عنه قولان، الراجح منهما اللزوم، فإن اختلفا في وقوع العقد وهو صغير، يدعيه هو، أو وقع وهو كبير وقبل الشروط في دعواها، فالقول لها أو لوليها بيمين، وتلزمه الشروط إن كانت مما يلزم، وتقدم تفصيل ذلك.

(1)

وقوله: وللسيد رد نكاح عبده بطلقة فقط ألخ، تقريره، أن السيد أي المالك - ذكرًا كان أو أنثى - له رد نكاح عبده القن، أو كانت فيه شائبة كمكاتب، إن تزوج بغير إذنه. وله إمضاء ذلك النكاح أيضًا ولو طال الزمن بعد علمه. فإن طلق عليه كانت طلقة واحدة بائنة لا يملك الرجعة فيها، ومحل جواز الرد له، إذا لم يبعه قبل الرد، فإن باعه فلا رد له إذ لم يبق له فيه تصرف، وليس للمشتري أيضًا رده، بل يقال له: إن كنت اشتريته وأنت عالم بأنه متزوج، فقد دخلت على عيبه ولا رد لك، وإن كنت لم تعلم فهو عيب، لك رد البيع به للبائع، فإن تمسكت به فليس لك رد نكاحه. ومثل البيع العتق، فإن عتقه فلا رد لنكاحه، لأنه لم يبق له فيه تصرف.

فإذا رد إليه العبد بعيب التزويج، فإن كان باعه غير عالم بتزويجه، كان له رد نكاحه، وإن =

ص: 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= كان باعه وهو عالم بذلك فلا رد.

ملحوظة: للمعترض على أن يقول: قد ذكرت في المقدمة أنك إنما تعنى بالدليل ولا عناية لك بالشرح، فما بالك تورطت فيه بهذه التقريرات؟ ..

والجواب: إني لما رأيتني وقعت في بحبوحة الآراء البحتة، رأيت من واجبي مشاركة قراء المختصر في حل بعض هذه الألفاظ باختصار، وقد تقدم مني بعض ذلك في الجزء الأول في باب السهو. والله تعالى الموفق. والمرجو أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يجعلها منا ومن جميع المسلمين خالصة لوجهه الكريم.

(2)

وقوله: ولها ربع دينار إن دخل، واتبع عبد ومكاتب بما بقي إن غرَّا، إن لم يبطله سيد أو سلطان، مراده به - والله أعلم - أن زوجة العبد الذي رد سيده نكاحه، إن كان العبد دخل بها قبل رد النكاح، لزم لها من مال العبد ربع دينار إن كان له مال، وإلا اتبعته به في ذمته؛ فإن كانت قبضت منه أكثر من ذلك، ردت الزائد على ربع دينار، سواء في ذلك أكانت حرة أو أمة، فإذا عتق الزوج فيما بعد اتبعته بما بقي من صداقها، سواء كان عبدًا أو مكاتبًا. ومحل اتباعها لهما، إن كانا غرَّاها بأن ادعيا لها أنهما حران، فإن لم يغرا فلا اتباع لهما بشيء، كما أنهما لا يتبعان إن أسقط السلطان أو السيد، بأن قال له أحدهما: أسقطت عنك ما بقي من الصداق. فلا تتبعه المرأة إذا عتق بشيء.

(3)

وقوله: وله الإِجازة إن قرب ولم يرد الفسخ ألخ، تقريره، أن السيد إن حصل منه امتناع عن إجازة نكاح عبده، الذي فعله بدون إذنه، ولم يسبق منه قول بالفسخ، ولم يسبق منه يقينًا قصد بالفسخ، كان له إجازة ذلك النكاح، إن قرب وقت الإِجازة من وقت حصول الامتناع كاليومين مثلًا، فإن كان أراد بامتناعه ذلك الفسخ، أو وقع منه شك؛ هل كان قصده بالامتناع الفسخ؟. فلا إجازة وتعين الفسخ.

(4)

وقوله: ولولي سفيه فسخ عقده ولو ماتت وتعين بموته، يريد به أن السفيه البالغ إذا زوج نفسه بغير إذن وليه، كان للولي الحق في فسخ ذلك النكاح بطلقة بائنة، هذا إذا استوى النظران في إبقائه أو فسخه، أما إذا كانت المصلحة تقضي فسخه، تعين فسخه قولًا واحدًا، كما يتعين الإِمضاء =

ص: 48

وَجَبَرَ أبٌ وَوَصِيٌّ وحَاكِمٌ مَجْنُونًا احْتَاجَ وصَغيرًا، وفي السَّفِيهِ خِلَافٌ. وَصَدَاقُهُمْ إنْ أعْدَمُوا عَلى الْأبِ، وَإنْ مَاتَ (1) أوْ أيْسَرُوا بَعْدُ، وَلَوْ شُرِطَ ضِدُّهُ، وَإلَّا فعَلَيْهِمْ إلَّا لِشَرْطٍ وَإنْ تَطَارَحَهُ رَشيدٌ وَأبٌ فُسِخَ وَلَا مَهْرَ، وَهَلْ إنْ حَلَفَا وَإلَّا لَزِمَ النَّاكِلَ؟ تَرَدُّدٌ (2)، وحَلَفَ رَشِيدٌ وأجْنَبِيٌّ وامْرأةٌ أنْكَروا الرِّضَا وَالْأمرَ حُضُورًا إنْ لَمْ يُنْكِرُوا بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِمْ (3)، وَإنْ طَالَ كثيرًا لَزِمَ؛ وَرَجَعَ لِأبٍ وَذِي قَدْرٍ زَوَّجَ غَيْرَهُ وضَامِنٍ لابْنَتِهِ النِّصْفُ بالطَّلَاقِ، وَالْجَمِيعُ بالْفَسَادِ، وَلا يَرْجِعُ أحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا أنْ يُصَرِّحَ بالْحَمالَةِ أو يَكُونَ بَعْدَ الْعَقْدِ (4)، ولهَا الامْتِنَاعُ إنْ تَعَذَّرَ أخْذُهُ حَتَّى يُقَدَّرَ وَتأخُذَ الْحَالَّ، وَلَهُ التَّرْكُ (5)، وَبَطَلَ إنْ ضَمِنَ فِي مَرَضِه عَنْ وَارِثٍ لَا زَوْجِ ابْنَتِهِ (6).

= إن تمحضت المصلحة في ذلك، فإذا فسخ النكاح قبل البناء فلا شيء لها، وإن فسخ بعده كان لها ربع دينار فقط، ولا تتبعه بالباقي ان رشد، ولا ينتقل له ما كان من التخيير للولي بعد الترشيد، ويتمادى حق ولي السفيه في رد النكاح ولو ماتت الزوجة؛ إذ قد يكون عليه من الصداق أكثر مما ينوبه من الميراث. وإن مات السفيه تعين الرد شرعًا، لأن في إمضائه ترتب الصداق والإِرث بدون فائدة تعود على ورثته. وذكر الدسوقي أن الفسخ هنا يقع بمجرد موته، وأنه لا يحتاج إلى حكم حاكم.

(1)

وقوله: وجبر أبٌ أو وصي وحاكم مجنونًا احتاج وصغيرًا، وفي السفيه خلاف، وصداقهم إن أعدَموا على الأب وان مات ألخ. تقريره: وجبر أبٌ ووصيه ولو لم يكن له جبر الأنثى وحاكم ومقدمه دون غيرهم، ذكرًا مجنونًا مطبقًا، وإلا انتظر إفاقته، بشرط خوف الضرر عليه من زنا أو هلاك، وتعين الزواج لإِنقاذه من ذلك الضرر، قالوا: ومحل جبر الحاكم إن عدم الأولان أي الأب أو وصيه، إن كان جن قبل البلوغ، فإن بلغ رشيدًا ثم جن، جبره الحاكم ولو وجد أبوه أو وصيه. وجبروا أيضًا صغيرًا لمصلحته المتمحضة؛ كتزويجه من شريفة، أو ذات مال، أو بنت عم له فيها غبطة. والخلاف هل يجبرون السفيه إذا لم يخف عليه الزنا؟. والأظهر من القولين عدم جبره؛ لأن =

ص: 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= له أن يطلق - قاله الدسوقي - وإذا وقع جبر أحد الثلاثة على التزويج، وكان وقت عقد النكاح معدمًا، فإن الصداق اللازم من ذلك العقد على الأب، ولو لم يشترط عليه، ولو كان معدمًا، ويؤخذ من ماله - أي الأب - وإن مات؛ لأنه لزم في ذمته فلا ينتقل عنها بموته. وإن أيسر هؤلاء بعد العقد عليهم، الحاصل وقت عدمهم لا ينتقل إليهم، فهو لازم للأب، ولو شرط بأن الصداق ليس عليه بل عليهم فإنه يلزمه، ولا عبرة بشرطه. فإن لم يكونوا وقت العقد عليهم معدمين، فإن عليهم من الصداق ما أيسروا به إلا لشرط: أي إلا أن يكونوا اشترطوا الصداق على الولي، فإنه يعمل بالشرط، ولو كان الولي غير الأب من وصي أو حاكم.

قلت: كون الأب أو وصيه لهما تزويج المجنون والغلام الصغير هو المذهب، فأما المجنون المطبق فإنه ليس لغير الأب أو وصيه تزويجه في قول مالك. وقال أبو عبد الله بن حامد: إن للحاكم تزويجه إذا ظهر منه شهوة النساء؛ بأن كان يتبعهن ويريدهن. وهو مذهب الشافعي.

وأما الغلام الصغير، فقد قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن للأب تزويجه. كذلك قال ابن المنذر. وممن هذا مذهبه الحسن والزهري وقتادة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لما روي أن ابن عمر زوج ابنه وهو صغير، فاختصما إلى زيد فأجازاه جميعًا. رواه الأثرم بإسناده. ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: وإن تطارحه رشيد وأبٌ فسخ ولا مهر، وهل إن حلفا وإلا لزم الناكل؟ تردد: مراده به أنه إن عقد أب لولده الرشيد بإذنه ولم يبن عنى أيهما الصداق؛ بأن قال الإِبن الرشيد. إنما قصدت أن الصداق عليك. وقال الأب: بل إنما أردت أن يكون الصداق على ابني. أو قال كل منهما: أنا شرطته عليك. يفسخ النكاح قبل الدخول ولا مهر على واحد منهما، إن لم يرض به أحدهما. وهل محل الفسخ وعدم المهر إن حلفا؟ ويبدأ بالأب لأنه هو الذي باشر العقد. وقيل: يقرع بينهما فيمن يبدأ بالحلف؛ فإن نكلا أو أحدهما ثبت النكاح ولزم المهر الناكل منهما، فإن نكلا معًا فعلى كل واحد منهما نصفه، أو هو الفسخ وعدم المهر مطلقًا حلفا أو لا؟. والقول الثاني المذهب، ومحله قبل الدخول.

(3)

وقوله: وحلف رشيد وأجنبي وامرأة أنكروا الرضا. والامر حضورًا إن لم ينكروا بمجرد =

ص: 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= علمهم، يريد به أنه إن عقد أب لابن رشيد بحضوره، وادعى إذنه أو رضاه بفعله ذلك، وأنكر الابن الإِذن والرضا، يصدق الابن بيمين، وإن كان الإِبن غائبًا فأنكر بمجرد بلوغ الخبر إليه، سقط النكاح والصداق عنه وعن الأب، وإن سكتوا بعد علمهم مدة تعد طويلة؛ بأن أنكروا بعد تهنئتهم والدعاء لهم، لزم النكاح المعقود له، وغرم نصف الصداق، ولكن لا يمكن منها الا بعقد جديد؛ لإِقراره بعدم الرضا، وأنه لذلك لا عصمة له عليها.

(4)

وقوله: ورجع لأب وذي قدر زوج غيره وضامن لابنته النصفُ بالطلاق والجميع بالفساد، ولا يرجع أحد منهم إلا أن يصرح بالحمالة أو يكون بعد العقد، مراده به، أنه إن زوج أب ابنه الرشيد البالغ، أو الصغير أو السفيه، وضمن صداقه، أو زوج ذو قدر غيره وضمن له الصداق، أوْ زوج أب ابنته وضمن لها الصداق، فطلقت الزوجة قبل الدخول، رجع لهؤلاء نصف الصداق الذي سقط عن الزوج بالطلاق قبل الدخول، ورجع لهم جميع الصداق إذا فسخ العقد بسبب فساده قبل الدخول، وليس لواحد منهم الرجوع على الزوج بقيمة النصف الذي أخذته الزوجة، إلا أن يكون صرح بالحمالة، أي بالضمان قبل العقد أو حال العقد، أو كان ضمانه له وقع بعد العقد، فإنه في هذه الحالات الثلاث يرجع على الزوج بنصف الصداق، في حالة الطلاق قبل الدخول، وبالجميع إن كان بعد الدخول، فإن صرح بالحمالة حال العقد أو بعده، فلا يرجع عليه بشيء إلا بشرط أو عرف أو قرينة بالرجوع.

(5)

وقوله: ولها الامتناع إن تعذر أخذه حتى يقرر وتأخذ الحال، وله الترك، يريد به أنه إن التزم ملتزم عن الزوج للزوجة صداقها، وتعذر أخذ الصداق من الملتزم، فإن للزوجة حينئذ الامتناع من تمكين الزوج من نفسها، حتى يقرر لها قدر الصداق في نكاح التفويض، وحتى تأخذ المسمى الحال أصالة، فإن فعلت كان للزوج الحق في ترك النكاح؛ بأن يطلقها ولا شيء عليه ولو كان مليئًا، إن كان لا يرجع عليه المتحمل، فإن كان المتحمل له الرجوع عليه، ضمن لها نصف الصداق إن طلق الدخول وجميعه إن دخل.

(6)

وقوله: وبطل إن ضمن في مرضه عن وارث لا زوج ابنته، تقريره: وبطل تحمل الصداق وصح النكاح، إن ضمن الحامل للصداق بلفظ الحمل، أثناء مرضه الذي مات فيه عن وارث يرثه، =

ص: 51

وَالْكَفَاءَةُ الدِّينَ والْحَالُ (1)، وَلهَا وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُهَا (2)، وَلَيْسَ لِوَلِيٍّ رَضِيَ فَطَلَّقَ امْتِنَاعٌ بِلَا حَادِثٍ، وللأم التَّكَلُّمُ فِي تَزْوِيجِ الْأبِ المُوسِرَةَ المرْغُوبَ فِيهَا مِنْ فَقِيرٍ (3)، وَرُوِيَتْ بِالنَّفْي: ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَّا لِضَرَرٍ بَيِّنٍ. وَهَلْ وِفَاقٌ؟ تأوِيلَانِ، وَالْمَوْلى وغيْر الشَّريفِ والْأقَلُّ جَاهًا كُفْءٌ وَفِي الْعَبْدِ تَأويلان (4).

= ابنًا كان أو غيره؛ لأن الحمالة، والحالة هذه، تكون وصية لوارث، فإذا كانت الحمالة عن غير وارث كزوج ابنته مثلًا، لزمت فيما يتحمله الثلث، أما ما يزيد عن الثلث ولم يجزه الوارث، فإن الزوج يخير بين دفعه من ماله، وبين ترك النكاح ولا شيء عليه. والله تعالى أعلم.

(1)

وقوله: والكفاءة الدين والحال، تقريره، والكفاءة المطلوبة في النكاح المعتبر فيها أمران: الدين - أي المماثلة فيه - لا يراد به كونه مسلمًا فقط، بدليل قوله فيما بعد: ولها وللولي تركها؛ لأنه ليس لهما ترك كونه مسلمًا إجماعًا. والثاني، الحال - أي المماثلة فيه - أو المقاربة في السلامة من العيوب الموجبة للخيار.

قالوا: ولا يراد بذلك الحسب والنسب، بدليل قوله فيما بعد: والمولى وغير الشريف والأقل جاهًا كفءٌ، وفي العيد تأويلان. قال الدسوقي: والحاصل أن الأوصاف التي اعتبروها في الكفاءة ستة، أشار لها بعضهم بقوله:

نسبٌ ودينٌ صنعةٌ حريةٌ

فقدُ العيوب وفي اليسار تردُّدُ

قال: فإن ساواها في الستة فلا خلاف في الكفاءة وإلا فلا. قال: واقتصر المصنف على ما ذكر لقول القاضي عبد الوهاب: إنها المماثلة في الدين والحال.

قلت: قال الشافعي في رواية البويطي عنه: إن أصل الكفاءة مستنبط من حديث بريرة؛ كان زوجها غير كفء لها فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: وفي اعتبار الكفاءة أحاديث أخر لا تقوم بأكثرها الحجة، منها ما ساقه بسنده وقال - وهو أمثلها - عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يَا عَليُّ ثَلَاثَةٌ لَا تُؤَخَّرُ: الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، والأَيِّمُ إِذَا وَجَدَتْ كُفْؤًا".

ومنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ وَأَنْكِحُوا =

ص: 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الْأكِفَّاءَ وَانْكَحُوا إِلَيْهِمْ".

وذكر البيهقي في السنن الكبرى غير هذين الحديثين، لكنه قال في بعض ذلك: لا تقوم به حجة. وأما اشتراط الكفاءة في الدين والسلامة من الفسق، فقد قال تعالى:{أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} . الآية. وفي الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ". الحديث. وهو دليل على اشتراط الكفاءة في الدين.

وأما الدليل على اشتراط الكفاءة في النسب، فمنه حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ اصْطَفَى بِني كِنَانَةَ مِنْ بِني إسْمَاعِيلَ وَاصْطفَى مِنْ بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ". رواه البيهقي في السنن الكبرى وقال: أخرجه مسلم في الصحيح من حديث الأوزاعي، وذكر حديثًا آخر ساق سنده إلى سلمان رضي الله عنه، قال: ثنتان فضلتمونا بها يا معشر العرب؛ لا ننكح نساءكم ولا نؤمكم. ا. هـ. منه.

قلت: هو في مصنف عبد الرزاق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي قال: أقبل سلمان في اثني رجلًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فحضرت الصلاة فقالوا: تقدم يا أبا عبد الله. فقال: إنا لا نؤمكم، ولا ننبهيم نساءكم. إن الله هدانا بكم. انتهى محل الغرض منه.

وأيضًا فقد روى الدارقطني، وأخرجه المجد في المنتقى، عن عائشة وعمر رضي الله عنهما قال عمر: لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلَّا من الأكفاء.

وهذا الحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: قال عمر بن الخطاب: لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء. ا. هـ.

وأما الدليل على اعتبار الصنعة في الكفاءة، فمنه ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْعَرَبُ لِلْعَرَبِ أَكْفَاءٌ وَالْمَوَالِي لِلْمَوَالِي أَكْفَاءٌ، إلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ". وذكر البيهقي هنا أحاديث تشهد له، إلا أنه قال في كلها: ضعيف. وقال ابن قدامة: قيل للإِمام أحمد: كيف تأخد بحديث: "الْعَرَبُ لِلْعَرَبِ أَكْفَاء إِلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ" =

ص: 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وَأَنْتَ تُضَعِّفُهُ؟. فقال: العمل عليه. يعني أنه ورد موافقًا للعرف. ا. هـ. منه بتصرف.

وأما اشتراط الحرية في الكفاءة، فقد قدمنا نقل رواية البويطي عن الشافعي؛ أن الكفاءة مستنبطة من حديث بريرة، فالصحيح أنها من شروط الكفاءة، فلا يكون العبد كفؤًا لحرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة رضي الله عنها حين عتقت تحت عبد، ولا يمنع كونها من شروط الكفاءة صحة النكاح لو وقع، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبريرة:"لَوْ رَاجَعْتِيهِ". قالت: يا رسول الله، أتأمرني؟. قال:"إنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ" قالت: فلا حاجة لي فيه. رواه البخاري. ومعلوم أنه لا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم في أن تنكح عبدًا إلا والنكاح صحيح.

وأما اشتراط اليسار في الكفاءة؛ فهو بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "الْحَسَبُ الْمَالُ وَالكَرَمُ التَّقْوى". رواه البيهقي من حديث سمرة رضي الله عنه.

وقال صلى الله عليه وسلم: "إِنْ أَحْسَابَ أَهْلِ الدُّنْيَا هذَا الْمَالُ". رواه البيهقي بسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه. وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها حين أخبرته أن معاوية خطبها - قال: "أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ". الحديث، رواه مسلم في الصحيح، عن يحيى بن يحيى عن مالك.

قال ابن قدامة: ولأن ذلك معدود نقصًا في عرف الناس، ويتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب وأبلغ، فكان من شروط الكفاءة كالنسب. قال نبيه بن الحجاج السهمي:

سألتاني الطلاق أن رأتاني

قلَّ مالي قد جئتماني بنكر

ويْكأنْ من له نشب يحبَّبْ

ومن يفتقر يعش عيش ضر ا. هـ. منه

وقال ابن قدامة: وأما السلامة من العيوب فليست من شروط الكفاءة؛ فإنه لا خلاف أنه لا يبطل النكاح بعدمها، ولكنها تثبت الخيار للمرأة دون الأولياء؛ لأن ضرر ذلك مختص بها. قال: ولوليها منعها من نكاح الأبرص والمجذم والمجنون، وما عدا هذا فليس بمعتبر في الكفاءة. ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: ولها وللولي تركها، تقريره أن لهما معًا تركها، أما إذا تركها الوَلي وحده فحق المرأة =

ص: 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= باق، وإن تركتها المرأة وحدها فحق الولي فيها باق أيضًا. قال الدردير: أي لهما معًا تركها وتزويجها من فاسق سكير يؤمن عليها منه، وإلا رده الإِمام - وإن رضيت - لحق الله تعالى حفظًا للنفوس. قال الدسوقي هنا: وحاصل ما في المسألة أن ظاهر ما نقله الحطاب وغيره، واستظهره الشيخ ابن رحال، منع تزويجها من الفاسق ابتداء، وإن كان يؤمن عليها منه، وأنه ليس لها ولا للولي الرضا به؛ وهو ظاهر لأن مخالطة الفاسق ممنوعة، وهجره واجب شرعًا، فكيف بخلطة النكاح؟. انتهى منه.

قلت: ولعل الضمير في قوله (تركها) عائد على الكفاءة في الحال فقط؛ من حرية ونسب ويسار إلى غير ذلك، ولا خلاف في ذلك لشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند بريرة لتراجع زوجها العبد، وقد تقدم ذكر ذلك، فلولا أن لها ذلك ما شفع رسول الله صلى الله عليه وسلم له، ولتزويج أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة - قال ابن قدامة: اسمها هند - من سالم بن معقل، الذي تبناه أبو حذيفة فصار يدعى سالمًا مولى أبي حذيفة، وإنما هو مولى ثويبة بنت يعار - امرأة من الأنصار - والحديث في البخاري، والنسائي، وأبي داود.

وأيضًا فقد ثبت أن عبد الرحمن بن عوف زوج سيدنا بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق، أخته هالة بنت عوف خالة النبي صلى الله عليه وسلم، نعم، مثل بلال وسالم وسلمان يحق لكل ولي وولية أن يسقطوا حقوقهم في الكفاءة من أجل الزواج منهم، ولكن. . . . أين مثل سالم الذي قال عمر بن الخطاب في حقه: لو كان سالم حيًا ما جعلت الأمر شورى؟. وأين مثل سابق الحبشة بلال الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بِمَاذَا سَبَقْتَنِي إلَى الْجَنَّةِ"؟. أو كما قال صلى الله عليه وسلم. بلال الذي قالوا فيه: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا. أما استدلال من لا يشترط الكفاءة في النسب بتزويج هؤلاء الأجلاء، فهو في نظري قياس مع الفارق العظيم. وبالله تعالى التوفيق.

(3)

وقوله: وللأم التكلم في تزويج الأب الموسرةَ المرغوبَ فيها من فقير، قالوا: ففي المدونة: أتت امرأة مطلقة إلى مالك فقالت: إن لي ابنة في حجري موسرة مرغوبًا فيها، فأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخ له فقير، أفترى لي في ذلك متكلمًا؟. قال: نعم، إني لأرى لك متكلمًا.

قلت: أخرج البيهقي في السنن الكبرى، بسنده عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، =

ص: 55

وَحَرُمَ أُصُولُهُ وفُضُولُهُ وَلَوْ خُلقَتْ مِن مَّائهِ، وزَوْجَتُهُمَا وَفُصُولُ أوَّلِ أُصُولِهِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ، وأُصُولُ زَوْجَتِهِ، وبِتَلَذُّذٍ وإِنْ بَعْدَ مَوْتِهَا، وإِنْ

= عن أبيه، عبد الله بن عمر خطب إلى نعيم بن عبد الله - وكان يقال له النحام، أحد بني عدي - ابنته وهي بكر، فقال له نعيم: إن في حجري يتيمًا لي لست مؤثرًا عليه أحدًا. فانطلقت أم الجارية امرأة نعيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ابن عمر خطب ابنتي، وإن نعيمًا رده وأراد أن ينكحها يتيمًا له. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى نعيم، فقال له:"أَرْضِهَا وَأَرْضِ ابْنَتَها".

وفي البيهقي أيضًا بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ". وهو في أبي داود ورواه الإِمام أحمد. وأخرجه المجد في المنتقى، وحكي عن الشافعي أن هذه المؤامرة للإِستطابة. والله أعلم. وفي مصنف عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية عن غير واحد من المدينة، أن نعيم بن عبد الله كانت له ابنة، فخطبها عبد الله بن عمر فسمى لها صداقًا كثيرًا، فأنكحها نعيم يتيمًا له من بني عدي بن كعب ليس له مال، فانطلقت أمها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت: قد كان عبد الله بن عمر ذاكرًا ابنتها، وقد سمى لها مالًا كثيرًا، فأنكحها أبوها يتيمًا له ليس له مال وترك عبد الله، وقد سمى لها مالًا كثيرًا، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له، فقال: أنكحتها يتيمي فهو أحق من رفعت يتمه ووصلته، وقال: لها من مالي مثل الذي سمى لها عبد الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "آمِرُوا النِّسَاء في بَنَاتِهِنَّ".

قلت: وهذا مبنى الخلاف، فمن يقول: لها التكلم. فلقوله صلى الله عليه وسلم "آمِرُوا النِّسَاء في بَنَاتِهِنَّ". ومن يقول: ليس لها. فلتسليم أمر نعيم في ابنته. والله الموفق.

(4)

وقوله: والمولى وغيرُ الشريف والأقل جاهًا كفء، وفي العبد تأويلان قد تقدم لك عند مبحث: والكفاءة الدِّين والحال، من ذكر الأدلة ما ترد به هذا النص. وبالله تعالى التوفيق. فمن المعلوم ضرورة أن العبد لو كان كفؤًا، ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، والموالي لو كانوا أَكفاء العرب ما جرى العمل على حديث:"الْعَرَبُ لِلْعَرَبِ أَكْفَاء وَالْمَوَالِي لِلْمَوَالِي أَكْفَاء" الحديث. ولو كان الأقل جاهًا كفؤًا ما جرى العمل بالحديث المتقدم وفيه: "إِلَّا حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ".

ص: 56

بِنَظَرٍ، فُصُولُهَا، كالْمِلْكِ (1)، وَحَرَّمَ الْعَقْدُ وَإنْ فَسَدَ إنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ (2)، وَإلَّا فَوَطْؤُهُ إِنْ دَرَأ الْحَدَّ، وَفي الزِنَا خِلَافٌ (3). وَإن حَاوَلَ تَلَذُّذًا بِزَوْجتِهِ فَتَلذَّذَ بابْنَتِهَا فَتردُّدٌ (4)، وَإنْ قَالَ أبٌ: نَكَحْتُهَا. أوْ وَطِئْتُ الأمَةَ. عِنْدَ قَصْدِ الابْنِ ذلك وأنْكَرَ، نُدِبَ التَّنَزُّه، وفِي وجُوبِهِ إِن فَشَا تأويلَانِ.

(1)

وقوله رحمه الله: وحرم أصوله وفصوله ألخ، يريد به ذكر المحرمات على التأبيد.

اعلم أن المنصوص على تحريمهن في الكتاب أربع عشرة امرأة: سبع بالنسب، واثنتان بالرضاع، وأربع بالمصاهرة، وواحدة بالجمع. فأما اللاتي بالنسب: فالأم وإن علت. أي وجدتك من أمك أو من أبيك، وجدتا أمك وجدتا أبيك، وجدات جداتك وجدات أجدادك، سواءكن وارثات أو غير وارثات، فكلهن أمهات محرمات لقوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}

(1)

.

والبنات؛ وهن كل أنثى انتسبت إليك بولادة؛ كابنة الصلب وبنات البنين والبنات إن نزلت درجتهن، سواء كن وارثات أو غير وارثات، فكلهن بنات محرمات لقوله تعالى:{وَبَنَاتُكُمْ} . والأخوات من الجهات الثلاث: من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، لقوله تعالى:{وَأَخَوَاتُكُمْ} . والعمات؛ وهن أخوات الأب من الجهات الثلاث، وعمات وأخوات الأجداد من قبل الأب ومن قبل الأم، قريبًا كان الجد أو بعيدًا، وارثًا كان أو غير وارث، لقوله تعالى:{وَعَمَّاتُكُمْ} . والخالات؛ وهن أخوات الأم من الجهات الثلاث، وأخوات الجدات وإن علون.

ولما كانت كل جدة أمًّا، كانت كل أخت لجدة خالة محرمة لقوله تعالى:{وَخَالَاتُكُمْ} . وبنات الأخ؛ وهن كل امرأة انتسبت إلى أخٍ بولادة فهي محرمة من أي جهة كان الأخ. وذلك لقوله تعالى: {وَبَنَاتُ الْأَخِ} . وبنات الأخت كذلك أيضًا محرمات لقوله تعالى: {وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} . فهؤلاء المحرمات بالنسب.

وأما المحرمات بالسبب فذلك قسمان: رضاع ومصاهرة. قأما الرضاع؛ فالمنصوص على التحريم به في الكتاب اثنتان. الأمهات المرضعات؛ وهن اللاتي أرضعنك، وأمهاتهن وجداتهن =

(1)

سورة النساء: 23.

ص: 57

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وإن علت درجتهن على حسب ما تقدم في النسب، فتلك محرمات لقوله تعالى:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} . والأخوات من الرضاعة؛ وهن كل امرأة أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد من امرأتين له؛ أرضعتك إحداهما وأرضعتها الأخرى، فهي أختك محرمة بقوله تعالى:{وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} .

وأمَّا المحرمات بالمصاهرة؛ فالمنصوص عليه منهن في الكتاب أربع: أمهات النساء؛ فكل من تزوج امرأة حرمت عليه كل أم لها من نسب أو رضاع، قريبة كانت أو بعيدة، وذلك بمجرد العقد عند أكثر أهل العلم، منهم من أصحاب المذاهب: مالك، وأحمد، والشافعي وأبو حنيفة وذلك لقوله تعالى:{وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} .

قالوا: والمعقود عليها من نسائه، فتدخل أمها في عموم الآية. قال ابن عباس: أبهموا ما أبهم القرآن. يعني عمموا حكمها على كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها. واستدلوا أيضًا بما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَن تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَبِيبَتَهُ. وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا".

وحكي عن علي رضي الله عنه أنها لا تحرم الا بالدُّخول بابنتها، كما لا تحرم ابنتها إلا بالدخول. والثانية المحرمة بالمصاهرة: بنات النساء اللاتي دخل بهن - وهن الربائب - فلا يحرمن إلا بالدخول بأمهاتهن، وهن كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع، قريبة كانت أو بعيدة، وارثة أو غير وارثة، على حسب ما تقدم ذكره في البنات، فإنها تحرم عليه إذا دخل بأمها، سواء كانت في حجره أو لم تكن، وذلك في قول عامة أهل العلم، عدا ما ذكره ابن قدامة أنه روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما رخصا فيها إذا لم تكن في حجره، وبذلك أخذ من أصحاب المذاهب داود بن علي فقط تمسكًا بمفهوم مخالفة قوله تعالى:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ}

(1)

. قال ابن المنذر: أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول. ا. هـ. منه.

فإن لم يدخل بالمرأة لم تحرم عليه بناتها في قول عامة علماء الأمصار إذا بانت منه. قال ابن المنذر: أجمع عامة علماء الأمصار أن الرجل إذا تزوج المرأة، ثم طلقها أو ماتت قبل الدخول بها، =

(1)

سورة النساء: 23.

ص: 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= جاز له أن يتزوج ابنتها. كذلك قال مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، ومن تبعهم؛ لأن الله تعالى يقول:{مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}

(1)

.

وذكر ابن قدامة قولًا عن زيد بن ثابت وقال: هو اختيار أبي بكر؛ وهو أنها إذا ماتت قبل الدخول تحرم ابنتها، قال: لأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل العدة والصداق، فيقوم مقامه في تحريم الربيبة.

قلت: لا يخفى على أحد أن هذا قياس في محل ورد فيه نص محكم هو قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} . فلا يترك لقياس مقدوح فيه بفساد الاعتبار. والله الموفق.

تنبيه: فإن دخل الرجل بامرأة، وقال: لم أطأها. وصدقته، لم يلتفت إلى ذلك، ويكون حكمها حكم المدخول بها في جميع الأمور، إلا في الرجوع إلى زوج بانت منه بثلاث، وإلا في الزنا فإنهما يجلدان ولا يرجمان. قاله ابن قدامة في المغني.

الثالثة: أزواج الأبناء وأبناء الأبناء من نسب أو رضاع، قريبًا كان الولد أو بعيدًا، فإنها محرمة بمجرد العقد لقوله تعالى:{وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ} . قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا. ا. هـ.

الرابعة: زوجات الأب، فيحرم على الرجل امرأة أبيه، قريبًا كان أو بعيدًا، وارثًا كان أو غير وارث، من نسب كان أو من رضاع، وذلك لقوله تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ}

(2)

. وروى النسائي عن البراء بن عازب قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟. قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. ا. هـ.

ويحرم على المرء موطوءة أبيه بملك اليمين أو بشبهة، كما يحرم عليه من وطئها بعقد النكاح. قال ابن المنذر: الملك في هذا والرضاع بمنزلة النسب وممن حفظنا ذلك عنه: عطاء، وطاوس، والحسن، وابن سيرين، ومكحول قتادة، والثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب =

(1)

سورة النساء: 23.

(2)

سورة النساء: 22.

ص: 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الرأي ولا نحفظ عن أحد خلافهم. ا. هـ.

وأما التي بالجمع فإن المذكور منه في الكتاب الجمع بين الأختين، سواء كانتا بنسب أو برضاع، حرتين كانتا أو أمتين، أو إحداهما حرة والأخرى أمة، من الأبوين كانتا أو من أب أو أم، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده لعموم قوله تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ}

(1)

. الآية.

(2)

وقوله: وحرم العقد وإن فسد إن لم يجمع عليه، بريد به أن مجرد العقد ينشر حرمة المصاهرة، ولو كان فاسدًا فسادًا لم يجمع عليه؛ كفساد نكاح الشغار ونكاح المحرم.

(3)

وقوله: وإلا فوطؤه، تقريره بأن مجرد العقد الفاسد فسادًا مجمعًا عليه لا ينشر حرمة المصاهرة، وإنما ينشرها إن وطئ بموجب ذلك العقد وهو غير عالم بفساده. والحاصل أن كل وطء يدرأ به الحد تنشر الحرمة بسببه ويلحق به الولد، وإن كل وطء لا يدرأ الحد لا ينشر الحرمة؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا.

وقوله: وفي الزنا خلاف؛ أي هل ينشر وطؤه الحرمة أو لا؟. المعتمد عند أصحابنا أنه لا ينشر الحرمة، لأنه معدوم شرعًا فلا أثر له؛ فيجوز لمن زنا بامرأة أن يتزوج فروعها وأصولها، ولأبيه وابنه تزوجها. والله الموفق. روي ذلك عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر، وعُروة والزهري ومالك والشافعي، وأبو ثور وابن المنذر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ". ا. هـ. المغني.

وقوله: وإن حَاولَ تلذذًا بزوجته فتلذذ بابنتها فتردد، يريد به - والله تعالى أعلم - أن الزوج إن أراد أن يتلذذ بزوجته، فتلذذ بابنتها منه أو من غيره، ظانًا أنها زوجته، فإن أصحابنا ترددوا في هذا التلذذ؛ هل ينشر الحرمة فيتأبد تحريم زوجته عليه. أو لا؟ هذا التردد أدَّى إليه الاشتباه في هذا الوطء؛ هل يعتبر وطء شبهة أو لا؟. ولا خلاف أن وطء الشبهة ينشر الحرمة ويدرأ الحد، ولكنهم عرفوا وطء الشبهة بأنه هو الوطء غلطًا فيمن تحل في المستقبل. ولذا كان وطء أخت الزوجة غلطًا محرمًا بناتها على زوج أختها الواطئ لها غلطًا؛ لأنها تحل عليه في المستقبل. ولما كان وطء البنت غلطًا وطئًا فيمن لا تحل في المستقبل، جرى تردد أصحابنا في نشره الحرمة أو لا؟. لكنهم شهروا التحريم. وبالله التوفيق.

(1)

سورة النساء: 23.

ص: 60

وَجَمْعُ خَمْسٍ ولِلْعَبْدِ الرابِعَةُ (1)، أو اثْنَتَيْنِ لو قُدِّرَتْ أيَّةٌ ذكَرًا حَرُمَ (2)، كَوَطْئِهِما بِالْمِلْكِ (3).

(1)

وقوله: وجمع خمس وللعبد الرابعة، تقريره: وحرم على الحر والعبد جمع خمس من النساء، وجاز للعبد الرابعة. والمسألة بالنسبة إلى حرمة الخامسة قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم عليها، ولا نعلم أحدًا خالفه خلافًا يعتبر، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم لغيلان بن سلمة الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة:"أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ". وقال نوفل بن معاوية: أسلمت وتحتي خمس نسوة فقال صلى الله عليه وسلم: "فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ". قال ابن قدامة: رواهما الشافعي في مسنده. وأما بالنسبة لجواز الرابعة للعبد فإنها مسألة خلاف؛ فالمذهب جواز الرابعة للعبد؛ لأن النكاح من العبادات، والحر والعبد فيها سواء، بخلاف الطلاق فإنه في معنى الحدود، فكان طلاقه نصف طلاق الحر. والقول بجواز الرابعة له قاله القاسم ابن محمد، وسالم بن عبد الله، وطاوس، ومجاهد، والزهري، وربيعة، ومالك، وأبو ثور، وداود. قالوا: وذلك لعموم قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}

(1)

الآية.

وخالف الإِمام الشافعي والإِمام أحمد وأبو حنيفة قالوا: لا يجوز للعبد أن ينكح إلا اثنتين. واستدلوا بأن هذا قول عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة. قال: روى ليث بن أبي سليم عن الحكم بن قتيبة قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين. قال ابن قدامة: وبهذا قال عطاء، والحسن، والشعبي، وقتادة، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. ا. هـ. منه.

وأخرج البغوي بسنده عن الشافعي: حدثنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة. عن عمر بن الخطاب أنه قال: ينكح العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين. وتعتد الأمة حيضتين. فإن لم تكن تحيض، فشهرين أو شهرًا ونصفًا. ا. هـ. منه.

قلت: ومن المحرمات بالجمع، لكن بنص السنة الشريفة على ذلك، المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ =

(1)

سورة النساء: 3.

ص: 61

وَفُسِخَ نِكَاحُ ثَانِيَةٍ، صَدَّقَتْ وَإلَّا حَلَفَ لِلْمَهْرِ، بِلَا طَلَاقٍ (1) كَأُمٍّ وَابْنَتِهَا بِعَقْدٍ وَتَأبَّدَ تَحْرِيمُهَا إِنْ دَخَلَ وَلَا إِرْثَ، وَإِنْ تَرَتَّبتَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ حَلَّتْ الأمُّ، وَإنْ مَاتَ وَلَمْ تُعْلَمْ السَّابِقَةُ فالإِرْثُ، وَلِكُلٍّ نِصْفُ صَدَاقِهَا، كَأَنْ لَمْ تُعْلَمْ الْخامِسَةُ (2).

= وَخَالَتِهَا". قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم عن عبد الله بن مَسلمة القعنبي، كلاهما عن مالك، ومضمون هذا الحديث هو مراد المؤلف بما يلي.

(2)

قوله: واثنتين لو قدرت أيةٌ ذكرًا حرم، ومعناه أن كل امرأتين من أهل النسب، لو قدرت إحداهما ذكرًا حرمت الأخرى عليه، يحرم الجمع بينهما بنكاح.

تنبيهٌ: يجوز الجمع بين المرأة وزوجة أبيها، وبينها وزوجة ابنها، وان كنا لو قدرنا إحداهما ذكرًا، حرمت الأخرى عليه؛ وذلك لأنه لا نسب بينهما، فقد جمع عبد الله بن جعفر بين زينب بنت علي رضي الله عنه، وامرأة علي ليلى بنت مسعود التميمي. ا. هـ. البغوي.

(3)

وقوله: كوطئهما بالملك، مراده به - والله أعلم - أن كل امرأتين لا يجوز الجمع، بينهما بنكاح، يحرم الجمع بينهما بالوطء بملك اليمين؛ فإذا اشترى أما وابنتها ووطئ إحداهما، حرمت عليه الأخرى على التأبيد، وإذا ملك أختين أو ملك جارية وعمتها، أو خالتها، فوطئ إحداهما، حرم عليه وطء الأخرى حتى يحرم الأولى على نفسه بعتق أو بيع أو تزويج أو كتابة، فإن فعل حلّت له الأخرى عند مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تحل له بالتزويج ولا بالكتابة. ا. هـ. البغوي.

وقال في جواهر الإِكليل: كوطئهما أي الثنتين اللتين لو قدرت أيتهما ذكرًا حرم وطء الأخرى بالملك، فيحرم لعموم قوله تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} . وأشعر قوله: كوطئهما، بحل جمعهما بالملك للخدمة، أو إحداهما لها والأخرى للوطء. ا. هـ. بلفظه.

(1)

وقوله: وفسخ نكاح ثانية صدقت وإلا حلف للمهر بلا طلاق، تقريره - والله أعلم - ولو جمع بين محرمتي الجمع؛ كأختين أو كامرأة وعمتها أو خالتها في نكاح، فسخ نكاح الثانية منهما بلا طلاق، لأنه مجمع على فساده؛ ومحل ذلك إن صدقت الثانية الزوج في أنها الثانية، أو علم ذلك بشهادة شهود، فإن لم تصدقه وقالت: بل أنا الأولى. أو قالت: لا علم لي. حين قال لها =

ص: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الزوج: أنت ثانية. ولم تقم بينة على دعواه، فسخ النكاح بطلاق. وحلف الزوج أنها الثانية وليست الأولى، لسقوط المهر عنه إذا كان اطلع عليه قبل الدخول بها، فإن كان دخل بها قبل أن يطلع عليه فلا يمين عليه، ولا بد من فسخ النكاح ويتقرر صداقها عليه، ويبقى على نكاح الأولى من غير تجديد عقد.

(2)

وقوله: كأم وابنتها بعقد وتأبد تحريمهما إن دخل ولا إرث، تقريره - والله أعلم - أنه تشبيه في الفسخ بلا طلاق، للإِجماع على حرمته إن تزوج أمًّا وابنتها بعقد واحد، لكنه يتأبد عليه تحريمهما معًا إن دخل بهما جاهلًا بأنهما أم وابنتها. وعليه صداق كل منهما، وعلى كل منهما الاستبراء كعدتها، ولا إرث لواحدة منهما ما ولو مات قبل الفسخ، وذلك للإِجماع على فساده.

وقوله: وإن ترتبتا، هو شرط حذف جوابه، أي وإن لم يكن عقد على الأم وابنتها بعقد واحد، بل ترتبتا في العقد بأن عقد على الأم ثم على البنت أو بالعكس، فالحكم كذلك في الفسخ بلا طلاق، وتأبيد حرمتهما إن دخل بهما، وفي لزوم الصداق وعدم الميراث، قالوا: ولا يمكن جعل قوله: وإن ترتبتا، مبالغة فيما قبله، لأنه يصير المعنى: هذا إذا عقد عليهما معًا، بل وإن ترتبتا في العقد، فتعين أنَّ إنْ هنا شرطية، وأن جواب الشرط محذوف تقديره: فكذلك، وعليه فلو قال: كأن ترتبتا. كان أحسن.

وقوله: وإن لم يدخل بواحدة حلت الأم، يريد به، - والله أعلم - وإن لم يدخل الزوج بواحدة من الأم والبنت المجموعتين في عقد واحد، فسخ النكاح فيهما بلا طلاق، وحلت الأم لأن يتزوج بها بعقد جديد، وإذا حلت الأم فالبنت أولى؛ لأن مجرد العقد على الأم لا يحرمها عليه. وإن جمعهما بعقد ودخل بواحدة منهما فسخ العقد، وتأبد تحريم من لم يدخل بها منهما، وتحل له التي دخل بها منهما بعقد جديد، بعد الاستبراء من مائه الفاسد.

وقوله: وإن مات ولم تعلم السابقة فالإِرث ولكل نصف صداقها، يريد به - والله أعلم - أنه إن عقد عليهما مترتبتين، ومات ولم يدخل بواحدة منهما، ولم تعلم السابقة منهما، فالإِرث بينهما لوجود سببه وجهل مستحقه، ولكل منهما نصف صداقها المسمى لها لأن الموت كمله، وكل منهما تدعيه والوارث يناكرها فمقسم بينهما. =

ص: 63

وَحَلَّتْ الأُخْتُ بِبَيْنُونَةِ السَّابِقَةِ أو زَوَالِ مِلْكٍ بِعِتْقٍ وإنْ لَأجَلٍ أَوْ كِتَابَة أَوْ إنْكَاحٍ يُحِلُّ المبتُوتَةَ أوْ أسْرٍ أوْ إِبَاقِ إِياسٍ أوْ بَيْعٍ دَلَّسَ فِيهِ، لَا فاسِدٍ لَمْ يَفُتْ، وَحَيْضٍ وعِدَّةِ شُبْهَةٍ، ورِدَّةٍ، وإحْرَامٍ، وظِهَارٍ، واسْتِبْراء، وخِيَارٍ، وعُهْدَةِ ثَلَاثٍ، وَإِخْدَامِ سَنَةٍ، وهِبَةٍ لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ وَإِن بِبَيْعٍ (1).

= وقوله: كأن لم تعلم الخامسة، يريد به - والله أعلم - أنه إن تزوج خمس نسوة في خمسة عقود متعاقبة، أو أربعة بعقد وواحدة بعقد، ولم تعلم الزوجة الخامسة منهن، ومات الزوج قبل الدخول أو بعده، فالإِرث لهن، ولكل منهن نصف صداقها، لكن بشرط أن يكون دخل بكل واحدة منهن، فإن لم يدخل بواحدة فلهن أربعة أصدقة يقتسمنها على قدر أصدقتهن؛ فلكل أربعة أخماس صداقها. فإن كان دخل بأربع فلكل واحدة منهن صداقها، وللتي لم يدخل بها نصف صداقها؛ لأنها تدعي أنها غير خامسة والوارث يناكرها، فيقسم الصداق بينها وبينه. والله أعلم.

(1)

وقوله: وحلت الأخت ببينونة السابقة ألخ. مراده به أن من تزوج امرأة وأراد وطء من يحرم جمعها معها بملك أو بنكاح، تحل له التي أراد نكاحها بينونة التي كانت تحته، بطلاق بائن أو بانقضاء عدة طلاق رجعي، أو بزوال ملكه عنها إن كانت موطوءة بملك اليمين، وذلك بعتق ناجز، أو بعتق لأجل، أو بكتابة، فإن عجزت عن أداء نجوم الكتابة فلا تحرم التي حلت بكتابتها، لأنه - أي العجز - عن أداء الكتابة كالرجوع بالعيب والشراء، لكنه يحرم الراجعة مادام يطأ من يحرم جمعها معها.

وقوله: أو إنكاح يحل المبتوتة، يريد به أنه إن أنكحها غيره بعقد صحيح يحل وطؤه المبتوتة، أي بحيث لو حصل فيه وطء حلت به المبتوتة؛ بأن يكون صحيحًا لازمًا أو فاسدًا يمضى بالدخول، وليس مراده الدخول بها. ا. هـ.

وقوله: أو أسر، أي للموطوءة لأنها مظنة اليأس.

وقوله: أو إباق، أي أو أبقت السابقة إباق إياس؛ أي من شأنه أن يحصل اليأس ممن وقع بها؛ ومحل ذلك أن تكون المأسورة أو الآبقة موطوءة بملك اليمين، أما إن كانت موطوءة بنكاح، فإنه لا يحل له وطء من يحرم جمعها معها، إلا إن طلق السابقة طلاقًا بائنًا. =

ص: 64

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقوله: أو بيع دل فيه، يعني أن بيع السيد لأمته المبيعة بيعًا صحيحًا، كاف في حلية من يحرم عليه اجتماعها معها، ما لم يكن اشترط في ذلك البيع مواضعة أو خيارًا أو عهدة، وإلا فلا تحل الأخت إلا إذا خرجت من المواضعة، أو من أمد الخيار والعهدة؛ لأن ضمان المبيعة في مدة المواضعة والعهدة والخيار، من البائع، وهذا ولو كان السيد البائع عالمًا بعيب وكتمه عن المشتري، ذلك لأن للمشتري الحق في التمسك بها، وأحرى إن لم يعلم البائع بذلك العيب.

وقوله: لا فاسد لم يفت، يريد به أنه لا تحل كالأخت بنكاح أو بيع فاسد للسابقة، لم يفت ذلك الفاسد بالدخول في المزوجة تزويجًا فاسدًا، أو بحوالة سوق في المبيعة بيعًا فاسدًا، فإن فات النكاح الفاسد بالدخول، أو فات البيع الفاسد بحوالة سوق مثلًا، حلت الثانية. ونقل الدسوقي هنا عن البناني أن الأولى أن يقصر قول المصنف: لا بفاسد، على خصوص البيع. قال: لأن النكاح الفاسد، إذا كان يفوت بالدخول، تحل به الأخت، ولو لم يحصل دخول بالفعل. ا. هـ. منه.

وقوله: وحيض وعدة شبهة وردة وإحرام وظهار ألخ، أي ولا تحل الثانية بحرمة وطء السابقة بحيض ونفاس وإحرام واعتكاف وعدة - أي استبراء من وطء شبهة - قال ابن عبد السلام: لأن العدة لو كانت من نكاح صحيح، لكان النكاح وحده محرمًا والعدة من توابعه. قالوا: ولا تحل الثانية بحرمة السابقة من أجل ردتها إن كانت مملوكة، فإن كانت زوجة، حرة كانت أو أمة، حلت السابقة بردتها لبينونتها منه على المشهور، كما لا تحل الثانية بحرمة وطء السابقة لأنها أحرمت بحج أو بعمرة، سواء كانت زوجة أو أمة، ولا تحل كذلك بظهاره من السابقة ولا بإيلائه منها، وذلك لقدرة رفعه لذلك التحريم بالكفارة.

وقوله: أو خيار، لأنه منحل. وقوله: بيع عهدة ثلاث، لأنه يرد فيه بكل حادث، والحوادث كثيرة وزمنها قصير، بخلاف عهدة السنة فإنها تحل بها الأخت لطول زمنها وندور أدوائها.

وقوله: وهبة لمن يعتصرها منه وإن ببيع، قال المواق: من المدونة: قيل لو وهبها لابنه الصغير أو الكبير أو عبده أو يتيمه. قال: كل ماله أن يصيبه بشراء هو الحاكم فيه، أو باعتصار أو انتزاع، وما يفسخ من بيع أو نكاح لا يثبتان عليه إن شاءا أو أحدهما، لغو. ا. هـ.

ص: 65

بِخِلَافِ صَدَقَةٍ عَلَيْهِ إنْ حِيزَتْ (1) وَإخْدَامِ سِنِينَ، وَوُقِفَ إنْ وَطِئَهُمَا لِيُحَرِّمَ (2) فَإِنْ أبْقَى الثّانِيةِ اسْتَبْرَأَهَا، وَإِنْ عَقَدَ فاشْتَرى فالأُولَى، فَإِنْ وَطِئ أوْ عَقَدَ بَعْدَ تَلَذُّذِهِ بأخْتِهَا بِمِلْكٍ فَكالْأوَّلِ (3).

(1)

وقوله: بخلاف صدقة عليه إن حيزت، قال المواق هنا ما نصه: ابن يونس: لو وهبها لابنه الكبير أو لأجنبي. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: لا تحل له أختها حتى يقبضها الموهوب له؛ لأن ربها لو أعتقها قبل قبضه، أو أحبلها، مضى عتقه وإيلاده وبطلت الهبة. قال ابن عرفة: قول الصقلي هذا مردود لأن الاعتصار من الكبير بعد الغيبة صحيح إن لم يكن وطئها. ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: ووقف إن وطئهما ليحرم، قال المواق: من المدونة، إن وطئ الأخرى قبل تحريمه الأولى، وقف عنهما حتى يحرم أيتهما شاء؛ إن حرم الثانية لم يوقف عن الأولى، وإن عكس وقف عن الثانية حتى يستبرئها لفساد مائه. ا. هـ. منه، قال الحطاب: قال القرطبي عن مذهب مالك: ولم يوكل ذلك إلى أمانته لأنه متهم. ا. هـ: منه.

(3)

وقوله: وإن عقد فاشترى فالأولى، معناه؛ وإن عقد رجل النكاح على إحدى محرمتي الجمع، فاشترى محرمة الجمع معها، فإن الأولى - التي هي الزوجة - هي التي يحل له وطؤها، وتحرم عليه التي اشتراها عليها، فإن وطئ التي اشتراها أو تلذذ بها بدون وطء، وقف عنهما ليحرم إحداهما، فإن أبقى الثانية استبرأها، وإن كان عقد النكاح على الأخت مثلًا بعد تلذذه بأختها بالملك، فحكمه كحكم الأول، من أنه يوقف عنهما حتى يحرم إحداهما، وأنه يستبرئ الثانية إن أبقاها. ا. هـ.

قال الحطاب هنا: فرعان من المدونة:

الأول: من باع أمة وطئها، ثم تزوج أختها فلم يطأها حتى اشترى المبيعة، لم يطأ إلا الزوجة. والعقد ههنا كالوطء في الملك.

الثاني: من زوج أم ولده ثم اشترى أختها فوطئها، ثم رجعت إليه أم ولده، أقام على وطء الأمة، ولو ولدت منه الأمة، ثم زوجها وأختها، ثم رجعتا إليه جميعًا، وطئ أيتهما شاء إلا أن يطأ أولاهما رجوعًا. ا. هـ. منه. والله أعلم بأدلة ذلك.

ص: 66

والْمَبْتُوتَةُ حَتَّى يُولِجَ بَالِغٌ قَدْرَ الْحَشَفَةِ بِلَا مَنْعٍ وَلَا نُكْرَةَ فِيهِ بانْتِشَارٍ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ وعِلْمِ خَلْوَةٍ وَزَوْجَةٍ فَقَطْ (1)، وَلَوْ خَصِيًّا، كَتَزْوِيجِ غَيْرِ مُشْبِهَةٍ لِيَمينٍ (2)، لَا بِفَاسِدٍ إنْ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدَهُ بِوَطْء ثَانٍ وفِي الأوَّلِ تَرَدُّدٌ كَمُحَلِّلٍ (3) وَإنْ مَعَ نِيَّةِ إِمْسَاكِهَا مَعَ الإِعْجَابِ، وَنِيَّةُ الْمُطَلِّقِ وَنِيَّتُهَا لَغْوٌ (4).

(1)

وقوله: والمبتوتة حتى يولج بالغ قدر الحشفة بلا منع ولا نكرة فيه ألخ، دليله قوله تعالى في سورة البقرة:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}

(1)

. ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني. فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزّبير بن طابا، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"أَتُرِيدينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؛ لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ". قالت: وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: يا أبا بكر ألا تسمع ما تجهر به هذه عد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ا. هـ. هذا لفظ البغوي وقال: هذا حديث صحيح متفق على صحته، أخرجه محمد عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري، وأخرجه مسلم عن عمرو الناقد، عن سفيان، عن الزهري.

قلت: البتُّ هو القطع من بت الأمر يبت - بضم الباء - ويبت - بكسرها - يقال: طلقها بتَّةً وبتاتًا، أي بتلة بائنة. كما يقال: لا أفعله ألبتة، وبتَّةً، لكل أمر لا رجعة فيه. انظر القاموس. وقال في فتح المنعم بشرح زاد المسلم ما نصه: قولها: فبت طلاقي. أي طلقني ثلاثًا، وهو محتمل للثلاث دفعة واحدة ومتفرقة، ولا فرق بين كونها قيلت متفرقة أو دفعة واحدة عند الأئمة الأربعة، وجماهير العلماء من السلف والخلف، كما صرح به النووي في شرح مسلم. ا. هـ. منه يريد أن جماهير العلماء من السلف والخلف مطبقون على أن من قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا. أنها تحرم عليه بموجب ذلك حتى تنكح زوجًا غيره؛ فيدخل بها الدخول المعتبر شرعًا.

قال: وخالف في ذلك الشيعة وبعض أهل الظاهر فقالوا: لا يقع إذا أوقعه دفعة احدة، واحتجوا بأن ذلك خلاف السنة فيرد إلى السنة. وهو قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي، =

(1)

سورة البقرة: 230.

ص: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وحجاج بن أرطاة. ا. هـ. فتح المنعم بتصرف.

وقال العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري ما نصه: ومذهب جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم، منهم الأوزاعي والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وآخرون كثيرون، على أن من طلق امرأته ثلاثًا وقعن، ولكنه يأثم. وقالوا من خالف فيه فهو شاذ مخالف لأهل السنة، وإنما تعلق به أهل البدع ومن لا يلتفت إليه لشذوذه عن الجماعة، التي لا يجوز عليهم التواطؤ على تحريف الكتاب والسنة. ا. هـ. منه بلفظه.

قال شيخنا في أضواء البيان ما نصه: اعلم أن من أدلة القائلين بلزوم الثلاث مجتمعة، حديث سهل بن سعد الساعدي، الثابت في الصحيح في قصة لعان عويمر العجلاني زوجته، فإن فيه: فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين. أخرج البخاري هذا الحديث. ووجه الاستدلال منه أنه أوقع الثلاث في كلمة واحدة ولم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فلو كان ممنوعًا لأنكره، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان. قال: واختلف العلماء في قوله: فكانت سنة المتلاعنين، هل هو مدرج من كلام الزهري فيكون مرسلًا، وبه قال جماعة من العلماء؟ أو هو من كلام سهل رضي الله عنه فيكون مرفوعًا متصلًا؟.

قال: ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري، عن ابن شهاب عن سهل قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ما صنع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة. قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السنة بعدُ في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا. قال: وهذا الحديث سكت عليه أبو داود والمنذري.

قال الشوكاني في نيل الأوطار: ورجاله رجال الصحيح. قال شيخنا: ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم أن احتجاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور، واقع موقعه، لأن المطلع على غوامض =

ص: 68

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= إشارات البخاري رحمه الله، يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي داود، مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية، ولم يخرجها لأنها ليست على شرطه. قال شيخنا: فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه الرواية الثابتة؛ بأن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ طلاق الثلاث دفعة، يبطل بإيضاح (دعوى) أنه لا عبرة بسكوته صلى الله عليه وسلم وتقريره له، بناء على أن الفرقة واقعة بنفس اللعان كما ترى. ا. هـ. منه.

قلت: ومن أدلة لزوم طلاق الثلاث دفعة واحدة، ما رواه الطبراني والبيهقي عن سويد بن غفلة، قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي رضي الله عنهما، فقال لها: قتل علي كرم الله تعالى وجهه. قالت: لتهنك الخلافة. قال: يقتل علي وتظهرين الشماتة؟. إذهبي فانت طالق ثلاثًا. قال: فتلفعت بثيابها وقعدت حتى انقضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب مفارق. فلما بلغه قولها بكى ثم قال: لولا أني سمعت جدي، أو: حدثني أبي أنه سمع جدي يقول: "أَيُّمَا رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا عِنْدَ الأَقْراء أَوْ ثَلَاثًا مُبْهَمَةً، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ" لراجعتها. ا. هـ. قالوا: ومعنى مبهمة أي ليست مفرقة عند الأقراء.

ومنها: ما أخرجه ابن ماجه عن الشعبي قال: قلت لفاطمة بنت قيس: حدثيني عن طلاقك؟. قالت: طلقني زوجي ثلاثًا، وهو خارج إلى اليمن، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. ا. هـ. وفي مسلم من رواية أبي سلمة أن فاطمة بنت قيس أخبرته، أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثًا ثم انطلق إلى اليمن الحديث. ولحديث فاطمة بنت قيس صيغ أخرى معلومة، ولا فرق بين جميع صيغه كما علم عن أهل الفن من استقراء الروايات الراجعة إلى قضية واحدة.

ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق عن عبادة بن الصامت أن أباه طلق امرأة له ألف تطليقة، فانطلق عبادة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام:"بَانَتْ بِثَلَاثٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، وَبَقِيَ تِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ عُدْوَانٌ وَظُلْمٌ. إِنْ شَاء اللهُ تَعَالَى عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاء غَفَرَ لَهُ". ا. هـ.

ومنها ما أخرجه مالك في الموطإ؛ أنه بلغه أن رجلًا جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي ثمان تطليقات. فقال ابن مسعود: فماذا قيل لك؟. =

ص: 69

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قال: قيل لي: إنها قد بانت مني. فقال ابن مسعود: صدقوا. من طلق كما أمره الله فقد بين الله له، ومن لَبَّس على نفسه لبسًا جعلنا لبسه ملصقًا به. لا تلبسوا على أنفسكم ونتحمله عنكم، هو كما يقولون. ا. هـ.

ومنها: ما أخرجه مالك أيضًا في الموطإ عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم أن عمر بن عبد العزيز قال له: البتة ما يقول الناس فيها؟. قال أبو بكر: فقلت له: كان أبان بن عثمان يجعلها واحدة. فقال عمر بن عبد العزيز: لو كان الطلاق ألفًا ما أبقت البتة منه شيئًا. من قال: البتة، فقد رمى الغاية القصوى. ا. هـ.

ومنها: ما رواه مالك في الموطإ أيضًا عن ابن شهاب؛ أن مروان بن الحكم كان يقضي في الذي يطلق امرأته البتة أنها ثلاث تطليقات. قال مالك: وهذا أحب ما سمعت في ذلك. ا. هـ. انظر فتح المنعم بشرح زاد المسلم لابن عمنا الشيخ محمد حبيب الله.

قال شيخنا في الأضواء: وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: واحتج الجمهور بقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}

(1)

. قالوا: معناه أن المطلق قد يحدث له ندم، فلا يمكنه تداركه لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيًا فلا يندم. ا. هـ. قال: ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد. قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه. فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس. إن الله قال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}

(2)

. وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. ا. هـ. قال: وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه. وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها؛ ومن يتق الله ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة، يجعل له مخرجًا بالرجعة. ومن لم يتقه في ذلك؛ بأن جمع التطليقات في لفظ واحد، لم يجعل له مخرجًا بالرجعة؛ لوقوع البينونة بها مجتمعة. هذا هو معنى كلامه الذي لا يحتمل غيره. وهو قوي جدًا في محل النزاع، لأنه مفسر به قرآنًا، وهو ترجمان القرآن، =

(1)

سورة الطلاق: 1.

(2)

سورة الطلاق: 2.

ص: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الَّلهُمَّ فَقِّهْهُ في الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ".

قال شيخنا: وعلى هذا القول جل الصحابة وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة. وحكى غير واحد عليه الإِجماع. ا. هـ. محل الغرض منه.

أما دليل المخالف فهو الاحتجاج بأربعة أحاديث هي:

1 -

حديث ركانة بن عبد يزيد؛ أنه طلق امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم:"كَيْفَ طَلَّقْتَهَا"؟ قال: ثلاثًا في مجلس واحد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَارْتَجِعْهَا إِنْ شِئْتَ". فارتجعها.

والجواب عن هذا الحديث منه؛ أنه لا دلالة فيه مطلقًا على محل النزاع - على فرض صحته - لأن لفظ المتن أنه وقعت الطلقات الثلاث منه في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه أنها بلفظ واحد، بل الدلالة من الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد؛ إذ لو كانت بلفظ واحد لبين ذلك وترك ذكر المجلس. إذًا لا داعي لترك الأخص والتعبير بالأعم بدون موجب كما ترى. وعليه، فإن هذا الدليل مقدوح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول بالقول بالموجب، وبيان ذلك أننا نقول: سلمنا أن الطلقات حصلت منه في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد؟.

هذا على فرض صحة حديث ركانة هذا، علمًا بأنه من رواية داود بن الحصين عن عكرمة، وقد قال الحافظ ابن حجر في التقريب: داود بن الحصين الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلَّا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج، فكانت رواية داود ابن الحصين له عن عكرمة تبعده عن الاحتجاج به، لو كانت فيه دلالة على محل النزاع. أضف إلى ذلك أن أبا داود رجح أن ركانه إنما طلق امرأته البتة، كما أخرجه هو - أي أبو داود - من طريق آل ركانة، وبذلك يجوز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثًا. قال ابن حجر: وبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس. يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس.

2 -

حديث ابن عمر أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثًا، فاحتسب بواحدة.

قال شيخنا. ولا يخفى سقوط الاستدلال بهذا الحديث؛ لأن الصحيح أنه إنما طلق واحدة، =

ص: 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره. وقال القرطبي في تفسيره: والمحفوظ أن ابن عمر طلق واحدة في الحيض. كذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذلك قال الزهري، عن سالم، عن أبيه، ويونس بن خبير والشعبي والحسن. ا. هـ. منه. قال شيخنا: فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور.

3 -

حديث أبي داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، وتزوج امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ما يغني عني إلَّا كما تغني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم الحمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه:"أَتَرَوْنَ فُلَانًا يُشْبهُ مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ كَذَا وَكَذَا، وَفُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا"؟. قالوا: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "طَلِّقْهَا" ففعل. فقال: "رَاجِعِ امْرَأَتَكَ أُمَّ رُكَانَةَ". فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله. قال: "قَدْ عَلِمْت. رَاجِعْهَا". وتلا: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}

(1)

.

قال شيخنا، عليه رحمة الله: والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط؛ لأن ابن جريج قال فيه: أخبرني بعض بني أبي رافع. وهي رواية عن مجهول لا يدرى من هو، فسقوطها ظاهر كما ترى.

4 -

حديث أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن رافع، واللفظ لابن رافع، قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. =

(1)

سورة الطلاق: 1.

ص: 72

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا ابن جريج حدثنا ابن رافع واللفظ له، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج. أخبرني ابن طاوس، عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟. فقال ابن عباس: نعم.

وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس؛ أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة؟. فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم، هكذا روي مسلم في صحيحه.

وقد أجاب الجمهور عن حديث ابن عباس هذا، بأجوبة كثيرة نورد فيما يلي أهمها. من ذلك: أن الثلاث المذكورة فيه - التي كانت تجعل واحدة - ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلًا ولا شرعًا أن يكون بلفظ واحد، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد، سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع.

أضف إلى ذلك أن الإِمام النسائي - على جلالة قدره، ورسوخ قدمه، وشدة فهمه - ما فهم من الحديث المذكور، إلَّا أن المراد بطلاق الثلاث فيه قوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. ولذا ترجم في سننه لرواية أبي داود لهذا الحديث، فقال: باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة. ثم قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف، حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج، عن ابن طاوس عن أبيه، أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الحديث.

وكذلك فهم ابن سريج فيما نقله عنه ابن حجر في الفتح أنه قال: يشبه أن يكون ورد في تكرار اللفظ؛ كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وكانوا أولًا على سلامة صدورهم، يقبل منهم أنهم أرادوا التوكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه، مما يمنع =

ص: 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قبول من ادعى التوكيد، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم. ا. هـ. قال ابن حجر: إن هذا الجواب ارتضاه القرطبي. وقواه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة.

قال شيخنا في الأضواء: وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور، أن الثلاث بلفظ واحد هو ادعاء خال من دليل كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ا. هـ. منه.

ومما أجابوا به عن حديث طاوس عند مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن الحديث منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطلع على النسخ إلا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد نقل البيهقي في السنن الكبرى، في باب: جعل الثلاث واحدة. عن الإِمام الشافعي ما نصه: قال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة، يعني أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس علم إن كان شيء ثم نسخ. فإن قيل: فما دليلك على ما وصفت؟. قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ثم يخالفه بشيء لم يعلمه. قال الشافعي: فإن قيل: فلعل هذا شيء عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر رضي الله عنه. قلنا: لقد علمنا أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يخالف عمر رضي الله عنه في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه خلافة؟. ا. هـ.

وقال ابن حجر في الفتح: نقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئًا نسخ ذلك. قال البيهقي - ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك. قال: والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله: باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث". ا. هـ. منه.

ودعوى النسخ لهذا الحديث لا إشكال فيها، ولا دليل أدل عليه من أنهم أجمعوا على ذلك، وإجماعهم دليل على أنهم أطلعوا على ناسخ لم يبلغهم إلا في ذلك الوقت، ولا إشكال في ذلك؛ لأن كثيرًا من الصحابة اطلع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه؛ فإن أبا بكر لم يبلغه قضاء رسول =

ص: 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الله صلى الله عليه وسلم في ميراث الجدة، حتى أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضائه صلى الله عليه وسلم في دية الجنين حتى أخبره المذكوران قبل، وأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، ولم يكن عنده علم بذلك. وهذا قليل من كثير.

ولا ينقضي العجب من المخالف في دعوى نسخ الرجعة بعد الثلاث، بدعوى أن ذلك لم يظهر إلا بعد صدر من خلافة عمر، وهو في الوقت الذي ينكر فيه ذلك، مقر بأن نكاح المتعة ورد فيه مثل ذلك.

فقد أخرج مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه: أن متعة النساء كانت تفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر. قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا.

قال شيخنا في الأضواء: وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث طبقًا - ما أشبه الليلة بالبارحة - فمن الغريب أن يسلم منصف إمكان النسخ في إحداهما ويدعي استحالته في الأخرى، مع أن كلًا منهما روى مسلم فيها عن صحابي جليل، أن ذلك الأمر كان يفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، في مسألة تتعلق بالفروج، ثم غيره عمر. قال شيخنا: فمن أجاز نسخ نكاح المتعة وأحال نسخ جعل الثلاث واحدة يقال له: مالبائك تجر وبائي لا تجر؟!. فإن قال: نكاح المتعة صح النص بنسخه. قلنا: قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث. ا. هـ. منه.

قلت: ولا أدل على نسخ الرجعة بعد الثلاث من أن عمر لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إيقاع الثلاث دفعة، مع كثرتهم في زمنه، ووفور علمهم، وغيرتهم على الدين. وشدة ورعهم، وأنهم لا يخافون في الله لومة لائم، بل قد ثبت القول بذلك عن كثير منهم، كابن عباس وعمر وابن عمر وخلق لا يحصى. قال شيخنا. والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث قال بعض العلماء: هو قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}

(1)

. كما جاء مبينًا في غير محل. ولا مانع عقلًا ولا عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى خلافة عمر، كما جهل كثير من الناس نسخ نكاح المتعة إلى خلافة عمر، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بنسخها وتحريمها إلى يوم القيامة؛ في غزوة =

(1)

سورة البقرة: 229.

ص: 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الفتح، وفي حجة الوداع، كما جاء في رواية عند مسلم. ا. هـ. منه.

ومما أجابوا به عن حديث ابن عباس هذا؛ أن رواية طاوس عنه مخالفة لما رواه عنه الحفاظ من أصحابه؛ فقد روى عنه لزوم الثلاث دفعة كل من: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رياح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاري، كما نقله البيهقي في السنن الكبرى، والقرطبي وغيرهما. وقال البيهقي: إن البخاري لم يخرج هذا الحديث لمخالفة هؤلاء لرواية طاوس عن ابن عباس. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، طلاق الثلاث واحدة، بأي شيء تدفعه؟. قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه. وكذلك نقل عنه ابن منصور. ا. هـ. من أضواء البيان نقلًا عن ابن القيم.

ومما أجابوا هن حديث ابن عباس هذا؛ أن ظاهر سياقه يقتضي أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر، فكيف، - والحالة هذه - ينفرد به واحد عن واحد؟. ومعلوم أن المقرر في الأصول؛ أن خبر الواحد إذا كانت الدواعي متوفرة إلى نقله، ولم ينقله إلَّا واحد، أن ذلك يدل على عدم صحته. قال في مراقي السعود:

. . . . . . . . .

وخبر الآحاد في السنيِّ

نرى لها لو قاله تقررا

حيث دواعي نقله تواتر ا. هـ.

وقال في جمع الجوامع، عاطفًا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: والمنقول آحادًا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله، خلافًا للرافضة. ا. هـ. منه.

ولذلك قال القرطبي في المفهم: وهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه، يعني حديث طاوس هذا عن ابن عباس، ذكر ذلك شيخنا في الأضواء، وقال: ا. هـ. منه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري عنه. =

ص: 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وخلاصة القول في هذا الحديث ما ذكره ابن حجر في فتح الباري قال: وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء؛ فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث؛ للإِجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإِجماع منابذ له. والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق. ا. هـ. منه بنقل أضواء البيان. وبالله تعالى التوفيق.

قلت: وقد أجاد بحث هذه المسألة ثلاثة من بني عمومتنا هم: العلامة شيخنا محمد الأمين بن محمد المختار في أضواء البيان عند قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}

(1)

. الآية. والشيخ محمد حبيب الله في فتح المنعم بشرح زاد المسلم عند حديث: "لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ". الحديث. ومنهما لخصت هذا البحث. والثالث هو العلامة الشيخ محمد الخضر بن مايابا؛ فقد أفردها في رسالة أسماها. لزوم طلاق الثلاث دفعة. فليرجع إلى بحوث هؤلاء من أراد زيادة في المسألة عما لخصت. والله الموفق.

(2)

وقوله: كتزويج غير مشبهة ليمين، هو تشبيهٌ في التحليل، أي كتزويج ذي قدر لدنيئة مبتوتة من شخص آخر، والحال أنها غير مشبهة نساء ذي القدر الذي تزوجها، وكان تزوجها ليبر بذلك يمينًا تقدمت: ليتزوجنَّ. فأولج فيها إيلاجًا مستكملًا لشروط التحليل المتقدمة، وطلقها أو مات عنها، فإنها تحل لباتِّها الأول، وإن كان ذو القدر لا تبر يمينه بتزويج مثلها.

(3)

وقوله: لا بفاسد إن لم يثبت بعده بوطء ثان، وفي الأول تردد، قال المواق هنا: ابن عرفة: وطؤها بالملك والعقد الفاسد قبل صحته لغو. وقال الباجي: الوطء الثاني فيما يفسخ قبل البناء لا بعده يحل ويحصن، وأما الوطء الأول فلا نص فيه. وفيه عندي احتمال. ولعل هذا الاحتمال مبني على القاعدة الخلافية التي هي: هل النزع وطء أو لا؟. فعلى أنه وطء؛ حلت المبتوتة الموطوءة وطئًا فاسدًا مختلفًا فيه بالوطء الأول؛ أي بنزعه لاعتبر وطئًا بعد الإِيلاج، وعلى القول بأن النزع ليس بوطء، فلا تحل إلا بوطء ثان. والله تعالى أعلم. =

(1)

سورة البقرة: 229.

ص: 77

وَقُبِلَ دَعْوَى طَارِئةٍ التَّزْوِيجَ؛ كَحَاضِرَةٍ أُمِنَتْ إنْ بَعُدَ، وفي غَيْرِهَا قَوْلَانِ. وَملْكُهُ أوْ لِوَلَدِهِ، وفُسِخَ وَإن طَرَأَ بِلَا طَلَاقٍ كَمَرْأَةٍ فِي زَوْجِهَا وَلَوْ بِدَفْعِ مَالٍ لِيُعْتِق عَنْهَا، لَا إِن رَدَّ سَيِّدٌ شِرَاءَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا أَوْ قَصَدَا بِالْبَيْعِ الْفَسْخَ؛ كَهِبَتِهَا لِلْعَبْدِ ليَنْتَزِعَهَا، فَأُخِذَ جَبْرُ الْعَبْدِ عَلَى الْهِبَةِ. وَمَلَكَ أَبٌ جَارِيَةَ ابْنِهِ بِتَلَذُّذِهِ بِالْقِيمَةِ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِمَا إنْ وطِئَاهَا وَعَتَقَتْ عَلَى مُولِدِهَا. ولِعَبْدٍ تَزَوُّجُ ابْنَةِ سَيِّدِهِ بِثِقَلٍ، ومِلْك غَيْرِهِ كَحُرٍّ لَا يُولَدُ لَهُ، وكأمَةِ الْجَدِّ، وَإلَّا فإنْ خَافَ زِنًا وَعَدِمَ مَا يَتَزَوَّجُ بهِ حُرَّةً غَيْرَ مُغَالِيَةٍ (1)، وَلَوْ كِتَابِيَّةً أوْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ (2)، ولِعَبْدٍ

= وقوله: كمحلل، هو تشبيه للنكاح الفاسد الذي لا يثبت بالدخول، والمحلل ذو النكاح الفاسد الذي يفسخ قبل البناء وبعده، هو الذي يتزوج امرأة بتّها زوجها بنية إحلالها له، أو بنية الإِحلال مع نية الإِمساك إن أعجبته، وذلك لانتفاء نية الإِمساك على الدوام المقصودة من النكاح.

(4)

وقوله: ونية المطلق ونيتها لغو، أي لا أثر لها، فهي غير مضرة في التحليل إذا لم يقصده المحلل؛ أي فالمعتبر في تحليلها وعدمه نية المحلل دون غيره؛ لأن الطلاق بيده. ودليل حرمة نكاح المحلل حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ". رواه الدارمي في سننه قال: أخبرنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي قيس، عن الهذيل، عن عبد الله. الحديث. وهو في النسائي، والترمذي، والبيهقي، والبغوي قال: وأراد به أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا، فنكحت زوجًا آخر حتى يصيبها فتحل للأول، ثم يفارقها، فهذا منهي عنه، فإن شرط في العقد مفارقتها، فالنكاح باطل عند الأكثرين كنكاح المتعة، وتسميته محللًا لقصده إليه، وإن كان لا يحصل التحليل به. وقيل: يصح النكاح ويفسد الشرط، ولها صداق مثلها. فأما إذا لم يكن ذلك في العقد شرطًا، وكان نية وعقيدة، فهو مكروه، غير النكاح صحيح، وإن أصابها ثم طلقها وانقضت عدتها، حلت للأول عند أكثر أهل العلم. ا. هـ. البغوي.

(1)

وقوله: وإلا فإن خاف زنًا وعدم ما يتزوج به حرة غير مغالية، تصوره: أي وإلا بأن كان حرًا يولد له، والأمة ملك لمن لا يعتق ولدها عليه، فيجوز تزويجها إن خاف على نفسه الزنا فيها =

ص: 78

بِلَا شِرْكٍ ومِكاتَبٍ وَغدينْ نَظَرُ شَعَرِ السَّيِّدَةِ، كَخَصِيٍّ وَغْدَيْنِ لِزَوْجٍ. وَرُوي جَوَازُه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا، وخُيِّرَتِ الحُرَّةُ مَعَ الْحُرِّ فِي نَفْسِهَا بطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ؛ كَتَزْوِيجِ أَمَةٍ عَلَيْهَا أَوْ ثَانِيَةٍ أوْ عِلْمِهَا بِوَاحِدَةٍ فَألْفَتْ أكْثَرَ، ولَا تُبَوَّأُ أَمَةٌ بِلَا شَرْطٍ أوْ عُرْفٍ. وَلِلسَّيِّدِ السَّفَرُ بِمَنْ لَمْ تُبَوَّأْ، وأنْ يَضَعَ مِن صَدَاقهَا إن لم يَمْنَعْهُ دَيْنُها إلّا رُبُعَ دِينَارٍ، ومَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ، وأخْذُهُ، وإنْ قَتَلَهَا أوْ بَاعَهَا بمَكَانٍ بَعِيدٍ إِلَّا لِظَالِمٍ، وَفيها يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا بِهِ، وَهَلْ خِلَافٌ. وعَلَيْهِ الأكثَرُ أوْ الأوَّلُ لَم تُبَوَّأْ أو جَهَّزهَا مِنْ عِنْدهِ تَأويلان. وسَقَطَ بِبَيْعِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ مَنْعُ تسْلِيمِهَا لِسُقُوطِ تَصَرُّفِ البَائِعِ، والوفَاءُ بالتزْوِيجِ إِذَا أَعْتَقَ عَلَيْهِ وَصَدَاقُهَا. وَهَلْ ولو

= أو في غيرها، والحال أنه عادم للطول، أي عادم لمال من نقد أو عرض يتزوج به حرة غير مغالية في مهرها، أي غير طالبة منه ما يخرج عن العادة إلى السرف، فإن لم يجدها تزوج الأمة، ولو كانت الحرة كتابية فإنه يتزوجها، ولا يجوز تزوج الأمة مع وجودها.

قلت: لعل المصنف هنا مشى على القول بأن الطول الذي عدمه الرجل جاز له نكاح الأمة هو المال، على شطر القاعدة في المنهج المنتخب بقوله:

الطوْل مال أو وجود حرَّة

وفرعه لينكحنَّ ضرَّة

والدليل على جواز نكاح الأمة المسلمة، لمن لم يجد الطول هو قوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}

(1)

. الآية. لكنه إن استطاع الصبر عن نكاحها كان خيرًا له وأفضل؛ لقوله تعالى: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} .

فإن لم يخف على نفسه الزنا، أو خافه على نفسه وكان واجدًا للطول - أي للمال - ووجد حرة يستطيعها تعفه، امتنع عليه تزوج الأمة. روي ذلك عن جابر، وابن عباس. وبه قال عطاء، وطاوس، والزهري، وعمرو بن دينار، ومكحول، ومالك، والشافعي، وإسحاق، خلافًا لمجاهد وأبي حنيفة.

(2)

وقوله: ولو كتابية، أي وإن قدر على حرة تعفه ولو كتابية، حرم عليه نكاح الأمة لقوله =

(1)

سورة النساء: 25.

ص: 79

بِبَيْعِ سُلْطان لِفَلَسٍ أوْ لَا، ولَكِنْ لا يَرْجِعُ بِهِ مِنَ الثَّمَنِ تَأْويلَانِ، وَبَعْدَه كَمَالِهَا، وبَطَلَ فِي الْأمَةِ إنْ جَمَعَهَا مَعَ حُرَّةٍ فَقَطْ (1)، بِخِلَافِ الْخَمْسِ، وَالْمَرأةِ وَمَحْرَمِهَا، ولزوْجِهَا العَزْلُ إذَا أَذِنَتْ وسَيِّدُهَا، كَالْحُرَّةِ إذَا أذِنَتْ (2)، والْكَافِرَةُ إلَّا الحُرَةَ الكِتَابِيَّةَ بِكُرْهٍ، وتَأكّدَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ولَوْ يَهُودِيَّةً تَنَصَّرَتْ وبِالْعَكْسِ، وَأَمَتُهُمْ بالْمِلْكِ وقُرِّرَ عَلَيْهَا إِنْ أَسْلَمَ.

= تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} ومن وجد كتابية تعفه غير خائف على نفسه الزنا، أضف إلى ذلك أنه قدر بوجودها على صيانة ولده من الرق.

وقوله: أو تحته حرة، تقريره: فلو خاف الزنا على نفسه، جاز له نكاح الأمة، ولو كان تحته حرة لا تعفه؛ وذلك بتوفر الشرطين وهما: خوفه الزنا على نفسه، وعدم الطول. قال الدردير: ولا يخفى ما في كلامه من الركاكة، فلو قال: إن خاف زنًا ولو تحته حرة، أو عدم ما يتزوج به حرة، لكان أبين. ا. هـ. منه بتصرف.

(1)

وقوله: وبطل في الأمة إن جمعها مع حرة فقط، تقريره: وبطل النكاح في الأمة التي يمتنع تزويجها لفقد شرط مما مر، إذا جمعها في العقد مع حرة. وقوله: فقط راجع لقوله في الأمة: أي بطل النكاح في الأمة فقط ويصح في الحرة. ولا يخالف ذلك قولهم: الصفقة إذا جمعت حلالًا وحرامًا بطلت كلها. لأن ذلك محله في الحرام على كل حال، أما الأمة فإنها يجوز نكاحها في بعض الأحوال - كما تقدم - فكانت يقبل نكاحها المعاوضة في الجملة، بخلاف الحرام المطلق، فإنه لا يقبل المعاوضة بحال من الأحوال، فافترقا. والله أعلم بدليل هذا.

(2)

وقوله: ولزوجها العزل إذا أذنت وسيدها كالحرة إذا أذنت، في المواق عن ابن عرفة، المعروف جواز العزل، وشرطه عن الحرة إذنها، وعن الأمة زوجة إذن سيدها. الباجي والجلاب: وإذنها. الكافي: وظاهر الموطإ إذنها لا يشترط. ا. هـ. منه.

قلت: والدليل على جواز العزل أصلًا ما أخرجه مسلم عن جابر. قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا، أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل؟. قال:"اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ فَإنَّهَا سَيَأْتِيهَا". فلبث الرَّجُل فقال: إن الجارية قد حَبِلَتْ. فقال: "قَدْ =

ص: 80

وأنْكِحَتُهُمْ فَاسِدَةٌ، وَعَلَى الأمَةِ والْمَجوسِيَّة إِنْ عَتَقَتْ وأسْلَمَتْ وَلَمْ يَبْعُدْ كَالشَّهْرِ وَهَلْ إنْ غُفِلَ أوْ مُطْلَقًا تَأويلَانِ وَلا نَفَقَةَ، أوْ أسْلَمَتْ ثُمَّ أسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا، وَلَوْ طَلَّقَهَا، وَلَا نَفَقَةَ عَلَى المُخْتَارِ وَالأحْسَنِ، وقَبْلَ البِنَاءِ بانَتْ مَكَانَهَا، أوْ أسْلَمَ إِلَّا المَحْرَمَ وَقَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّة وَالأجَلِ، وَتَمَادَيَا لَهُ وَلَوْ طَلَّقَهَا ثلَاثًا وَعَقَدَ إنْ أَبَانَهَا بِلَا مُحَلِّلٍ، وَفُسِخَ لإِسْلَامِ أحَدِهِمَا بِلَا طَلَاقٍ لَا ردَّتِهِ فَبَائِنَةٌ وَلَوْ لِدَيْنِ زوجتِهِ، وفِي لزُومِ الثَّلَاثِ لِذِمِّيٍّ طَلّقَهَا وتَرافَعَا إلَيْنَا، أوْ إِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي الإِسْلَامِ أَوْ بِالْفِرَاقِ مُجْمَلًا أوْ لَا تَأْويلَاتٌ. ومَضَى صَدَاقُهُمْ الْفَاسِدُ أوْ الإِسْقَاطُ إن قُبِضَ وَدَخَلَ، وإلَّا فكَالتَّفْويضِ، وَهَلْ إنْ اسْتَحَلُّوهُ تَأْويلَانِ وَاخْتارَ الْمُسْلِمُ أَرْبَعًا وَإِن أوَاخِرَ (1)، وإحْدَى أُخْتَيْنِ مُطْلَقًا، وَأمًّا وابْنَتَهَا لَمْ يَمَسَّهُمَا، وإِنْ مَسّهُمَا حَرُمَتَا، وإحْدَاهُمَا تَعَيَّنَتْ، وَلَا يَتَزَوَّجُ ابْنُهُ أوْ أبُوهُ مَن فارَقَهَا واخْتَارَ بِطَلَاقٍ أوْ ظِهَارٍ أوْ إيلَاء أوْ وَطْء والْغَيْرَ إنْ فَسَخَ

= أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا". وهذا الحديث أخرجه البغوي بهذا اللفظ، وهو في أبي داود وفي البيهقي، وفي مسند الإِمام أحمد، وفي الصحيحين أيضًا عن جابر قوله: كنا نعزل والقرآن ينزل. ولذلك قد رخص فيه كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم جابر بن عبد الله، وزيد بن ثابت، وأبو أيوب، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس. قال البغوي: وكره جماعة من الصحابة وغيرهم العزل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العزل فقال: "ذلِكَ الْوَأْدُ الخَفِيُّ". قال مالك: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا عن زوجته الأمة إلا بإذن أهلها، ويعزل عن أمته بغير إذنها، وروي عن ابن عباس: تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الجارية. قال: وبه قال أحمد. ا. هـ. منه.

(1)

قوله: واخْتَار أرْبعًا وَإن أواخر، أي واختار المسلم - الذي أسلم على أكثر من أربع - أربعًا منهن إن أسلمن معه، أو كن كتابيات أسلمن، أو بقين على دينهن؛ سواء تزوجهن في عقد واحد أو في عقود متفرقة، بنى بهن جميعًا أو ببعضهن، سواء كانت الأربع التي اختارهن أوائل أو هن الأواخر، وإن شاء اختار الأقل من ذلك، أو لم يختر شيئًا منهن. وأما الدليل على ذلك، =

ص: 81

نِكَاحَهَا أوْ ظَهَرَ أنَّهُنَّ أَخَوَاتٌ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ، ولَا شَيْءَ لِغَيْرِهِنَّ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِ كاخْتِيَارِهِ واحِدَة مِن أَرْبَع رَضيعات تَزَوَّجَهُنَّ وأرْضعَتْهُنَّ امرأةٌ وَعَلَيْهِ أرْبَعُ صَدُقَاتٍ إنْ مَاتَ وَلَمْ يَخْتَرْ ولا إرْثَ إنْ تَخَلَّفَ أرْبَعُ كِتَابِياتٍ عَنِ الإِسْلَامِ، أوْ التَبَسَتْ المُطَلَّقَةُ مِنْ مُسْلِمَةٍ وَكِتَابِيَّةٍ، لَا إنْ طَلّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَجُهِلَتْ، وَدَخَلَ بإحْدَاهُمَا وَلَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ، فَلِلْمَدْخُولِ بِهَا الصَّدَاقُ وثَلَاثَةُ أرْبَاعِ الْمِيرَاثِ وَلِغَيْرِهَا رُبُعُهُ وثَلَاثَةُ أرْبَاعِ الصَّدَاقِ وَهَلْ يَمْنَعُ مَرَضُ أحَدِهِمَا المَخُوفُ، وَإنْ أذِنَ الْوَارِثُ أوْ إنْ لَمْ يَحْتَجْ خِلَافٌ. ولِلْمَرِيضَةِ بِالدُّخُولِ المُسَمَّى، وَعَلَى المَرِيضِ مِنْ ثُلُثِهِ الأقَلُّ مِنْهُ وَمِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَعُجِّلَ بِالْفَسْخِ إلَّا أَنْ يَصحَّ المَرِيضُ مِنْهُما، ومُنِعَ نِكَاحُهُ النَّصْرانِيَّةَ وَالأمَةَ عَلى الأصَحِّ والمُخْتَارُ خِلَافُهُ.

= فهو ما تقدم ذكره عند قول المصنف: وجمع خمس وللعبد الرابعة، فقد ذكرنا هناك حديث غيلان بن سلمة الثقفي أنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أسلم على عشر نسوة، فقال صلى الله عليه وسلم:"أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ". وأما مدرك قول المصنف: وإن أواخر، فإنه لعدم استفصال النبي صلى الله عليه وسلم لغيلان؛ أكان تزوجهن بعقد واحد أو بعقود متفرقة؟ ومعلوم عند أهل الأصول أن ترك الاستفصال في مسائل الأحوال، ينزل منزلة العموم في الأقوال، فدل عدم استفصاله أنه مخير بينهن؛ سواء جمعهن بعقد واحد أو تزوجهن كلًا على حدة، وأنه مخير في إمساك أية أربع شاء منهن. وبالله تعالى التوفيق.

فروع ذكرها الحطاب هنا:

(الأول) ليس للمرأة أن تلزم زوجها العزل عنها. والله أعلم.

(الثاني) قال ابن ناجي في شرح المدونة في القسم بين الزوجات: وأما التسبب في إسقاط الماء قبل [تمام] أربعين يومًا من الوطء، فقال اللخمي: جائز. وقال ابن العربي في القبس: لا يجوز باتفاق. وحكى عياض في الإِكمال قولين في ذلك للعلماء، وظاهره أنه خارج المذهب. انتهى. =

ص: 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال البرزلي في مسائل الرضاع: وأما جعل ما يقطع الماء أو يسد الرحم، فنص ابن العربي أنه لا يجوز. وأما استخراج ما حصل من الماء في الرحم فمذهب الجمهور المنع مطلقًا. وأحفظ للخمي أنه يجوز قبل الأربعين مادام نطفة. كما أنه له العزل ابتداء.

قال: والأول أظهر؛ إذ زعم بعضهم أنه الموؤودة. انتهى كلام البرزلي.

(الثالث): قال الجزولي في شرح قول الرسالة: ونهي عن خصاء الخيل: ولا يجوز للإِنسان أن يشرب من الأدوية ما يقلل نسله. ا. هـ. منه.

قلت: وقد نقلت هذه الفروع هنا، وإن كانت ليست معضدة بأدلة من الكتاب ولا من السنة، وموضوعنا استجلاب الدليل، لأنها في مسائل كثير العمل بها اليوم. والله الموفق. وهو الهادي إلى الطريق المستقيم بفضله.

ص: 83

‌فَصْلٌ فِي خِيار الزوجين

الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَسْبقِ الْعِلْمُ، أوْ لَمْ يَرْضَ، أوْ يَتَلَذَّذْ (1)، وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ (2)، بِبَرصٍ (3) وَعَذْيَطَةٍ، وَجُذَامٍ، لا جُذامِ الْأبِ، وبخصَائهِ، وَجَبِّهِ، وعُنَّتِهِ، واعْتِرَاضِهِ (4)، وبِقَرَنِهَا، وَرَتَقِهَا، وَبَخَرِهَا، وعَفَلِهَا، وإِفْضَائها قَبْلَ الْعَقْدِ (5)، وَلَهَا فَقَطْ الرَّدُّ بِالْجُذَامِ الْبيِّنِ والْبَرَصِ المُضِرِّ الْحَادِثَيْنِ بَعْدَهُ (6)، لَا بِكَاعْتِرَاضٍ وبِجُنونِهِمَا وَإنْ مَرَّةً فِي الشَّهْرِ، قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَهُ أُجِّلَا فِيهِ وفِي بَرَصٍ وجُذَامٍ رُجِيَ بُرْؤُهُمَا سَنَةً، وبِغَيْرِهَا إنْ شَرَطَ السَّلامَةَ (7) وَلَوْ بِوَصْفٍ لِوَلِيٍّ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، وَفِي الرَّدِّ إِنْ شَرَطَ الصِّحَّةَ تَرَدُّدٌ.

(1)

قوله: الخيار إن لم يسبق العلم أو لم يرض أو يتلذذ، وحلف على نفيه، ببرص ألخ، حاصل ما أشار له بذلك أن العيوب في الرجل والمرأة ثلاثة عشر عيبًا: أربعة يشتركان فيها وهي: الجنون، والجذام، والبرص، والعذيطة. وأربعة خاصة بالرجل وهي: الجب، والخصاء، والاعتراض، والعنة. وخمسة خاصة بالمرأة وهي: الرَّتَقُ والقَرَنُ، والْعَفَلُ، والإِفضاء، والبخر، فأضاف ما يختص بالرجل لضميره، وأضاف ما يختص بالمرأة لضميرها، وما كان من ذلك مشترك بين الرجل والمرأة لم يصفه، وبدأ به نظرًا لعمومه فقال: الخيار، وهو مبتدأ، خبره ثابت محذوف أقيم المتعلق به مقامه وهو قوله: ببرص. وقوله: إن لم يسبق العلم، شرط في الخبر، أي الخيار ثابت للسليم، أو لمن وجد في صاحبه عيبًا ولو كان هو معيبًا أيضًا، إن لم يسبق علمه بعيب المعيب قبل العقد، أو لم يرض به بعدما علم به بعد العقد، أو لم يتلذذ بعد العلم به. فلو وجدت هذه الأمور الثلاثة أو بعضها انتفى الخيار، إلا ما كان من امرأة المعترض، إذا علمت باعتراضه ومكنته من نفسها، فإن لها الخيار حيث إنها كانت ترجو برأه فلم يحصل.

(2)

وقوله: وحلف على نفيه، تقريره، أنه إذا أراد أحد الزوجين أن يرد صاحبه بالعيب الذي به، فقال المعيب للسليم: أنت علمت بالعيب قبل العقد. ودخلت عليه. أو: علمت به بعد العقد ورضيت به. أو: تلذذت. والحال أنه لا بينة لذلك المدعي المعيب، وأنكر السليم ذلك، =

ص: 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فإن للمعيب الحق في تحليفه إياه على نفي ما ادعاه عليه من العلم أو الرضا أو التلذذ. وهذا محله إذا لم يكن العيب ظاهرًا، وادعت علمه به بعد البناء، ولم يطل الأمر كشهر، فإن كان العيب ظاهرًا، أو طال الأمر كشهر بعد الدخول، فلا يحلف السليم، والقول للمعيب أنه رضي بيمينه. ا. هـ. من الدسوقي.

(3)

وقوله: ببرص، هو بياض في الجلد ينبت عليه شعر أبيض، وإذا نخس بإبرة خرج منه ماء - وهو يشبه البهق، ولا خيار في البهق - والفرق بينهما أن الشعر النابت على البهق أسود، وأنه إن نخس بإبرة خرج مه الدم. قال الدردير: ومن البرص ما يكون أسود - وهو أردأ من الأبيض - وعلامته التفليس والتقشير؛ فيكون قشره مدورًا يشبه الفلوس، وهو من مقدمات الجذام. قال: والأسود مع كونه أردأ من الأبيض، فهو أكثر سلامة وأقل عدوى، وأبعد في الانتشار من الأبيض. ا. هـ. منه بتصرف قليل.

وقوله: وعذيطة، ضبطه الدردير بكسر العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، وفتح المثناة التحتية، بعدها طاء مهملة، قال: وهي التغوط عند الجماع. قال المواق: قال اللخمي: ترد بها المرأة، ويرد بها الرجل أيضًا. والحطاب: قال اللخمي: وقد نزل في زمن أحمد بن نصر - من أصحاب سحنون - وادعاه كل واحد من الزوجين على صاحبه؛ فقال أحمد: يطعم أحدهما تينًا والآخر فقوسًا فيعلم ممن هو منهما. قال: واختلف إذا وجدها تبول في الفراش؛ ها هو عيب أم لا؟. قال: وإن وجدها زعراء. قيل: عيب ترد به. قيل: ليس، بعيب. والزعرة قلة الشعر. ا. هـ. منه قال الدسوقي: ومثل الغائط عند الجماع البول عنده.

(4)

وقوله: وجذام أي محقق، ولو قلَّ أو حدت بعد العقد. وقوله: وبخصائه وجبه وعُنَّته واعتراضه؛ فالخصاء: هو قطع الذكر دون الأنثيين. قاله الدردير. والجب: هو قطع الذكر والأنثيين معًا. قال: وكذا مقطوع الأنثيين فقط إن كان لا يمني، وإلا فلا رد بموجبه. قال: والعُنَّة - بضم العين المهملة وتشديد النون - هي صغر الذكر جدًا بحيث لا يتأتى منه جماع. والاعتراض: هو عدم انتشار الذكر. هذه عيوب الرجل التي يرد بها دونها.

(5)

وقوله: وبقرنها، ورتقها، وبخرها، وعفلها، وإفضائها قبل العقد، هذه هي عيوب =

ص: 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= المرأة التي تختص بها دون الرجل. فالقرن - بفتح الراء - هو شيء يبرز في فرج المرأة يشبه قرن الشاة؛ تارة يكون من لحم فيمكن علاجه، وتارة يكون عظمًا ولا علاج له. وأما الرتق - بفتح الراء والتاء المثناة الفوقية - فهو انسداد مسلك الجماع بحيث لا يمكن معه جماع. غير أنه إذا انسد بلحم أمكن علاجه، وإذا كان انسداده بعظم استحال علاجه. والبخر: هو نتن الفرج لأنه منفر منها. وذلك ظاهر. قال الدردير: وقال الأئمة الثلاثة: لا يرد به؛ كالجرب ونتن الفم؛ والعفل - بفتح العين والفاء - هو لحم يبرز من قبل المرأة، لا يسلم غالبًا من رشح، وهو يشبه أدرة الرجل. وقيل: هو رغوة في الفرج تحدث عند الجماع. وأما إفضاؤها: فهو اختلاط مسلكي الجماع والبول، وأولى اختلاط مسلكي الجماع والغائط. قال: ومحل ثبوت الخيار بهذه العيوب هو وجودها في المرأة قبل العقد أو حينه، أما الحادثة بالمرأة بعد العقد فإنه يعد مصيبة نزلت بالرجل.

(6)

وقوله: ولها فقط الرد بالجذام البين والبرص المضر الحادثين بعده، قال الدسوقي هنا: حاصل فقه المسألة - على ما يؤخذ من كلام المصنف هنا وفيما مر - أن الجذام متى كان محققًا ثبت للمرأة الرد به ولو يسيرًا، وسواء كان قبل العقد أو حدث بعده، وأما الرجل فله الرد به إن كان قبل العقد قل أو كثر، ولا رد له به إن كان حادثًا بعد العقد مطلقًا. وأما البرص فإن كان قبل العقد رد به، إن كان كثيرًا فيهما أو يسيرًا في المرأة اتفاقًا، وفي اليسير في الرجل قولان. وأما الحادث بعد العقد فلا رد به لواحد إن كان يسيرًا باتفاق، وإن كان كثيرًا فترد به المرأة الرجل على المذهب، وليس للرجل ردها به؛ لأنه قادر على فراقها بالطلاق إن تضرر، لأن العصمة بيده، بخلاف المرأة، ولذا ثبت لها الخيار دونه. ا. هـ. منه بتصرف قليل.

قلت: ومن الأدلة على خيار الزوجين، حديث أخرجه مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أيُّما رجل تزوج امرأةً وبها جنونٌ أو جُذَامٌ، أو بَرَصٌ، فمسَّها فلها صداقُها، وذلك لزوجها غُرْمٌ على وليها. ا. هـ.

وأخرج في المنتقى عن جميل بن زيد قال: حدثني شيخ من الأنصار قال: إنه كانت له صحبة، يقال له: كعب بن زيد، أو زيد بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها فوضع ثوبه وقعد على الفراش، أبصر بكشحها بياضًا فانحاز عن الفراش ثم قال: =

ص: 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= " خُذِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ". ولم يأخذ مما آتاها شيئًا. قال المجد: رواه أحمد، ورواه سعيد في سننه، وقال: عن زيد بن كعب بن عجرة. ولم يشك.

وفي مصنف عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: بلغنا أنه لا يجوز في نكاح ولا بيع مجذومة، ولا مجنونة، ولا برصاء، ولا عفلاء. قال: قلت: فواقعها وبها بعض الأربع، وقد علم الولي ثم كتمه؟ قال: ما أراه إلا قد غرم صداقها بما أصاب منها، إلا شيئًا منه يسيرًا، قلت: فأنكحها غير الولي؟. قال: يرد إلى صداق مثلها. ا. هـ.

وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي قال: يرد من القرن، والجذام، والجنون، والبرص؛ فإن دخل بها فعليه المهر، إن شاء طلقها وإن شاء لم يطلقها، وإن شاء أمسك، وإن لم يدخل بها فرق بينهما.

وعن عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري قال تُرَدُّ في النكاح الرتقاء. قال: والرتقاء هي التي يقدر الرجل عليها. ا. هـ.

قلت: وقد اختلف العلماء في فسخ النكاح بالعيوب؛ فذهب أكثر الأمة إلى ثبوته، وإن اختلفوا في تفصيل ذلك؛ فروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما. أنه لا ترد النساء إلا من أربع: من الجنون والجذام والبرص، والداء في الفرج. وروي بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أربع لا يجزن في بيع ولا نكاح: المجنونة والمجذومة والبرصاء والعفلاء، والرجل يشارك المرأة في ذلك. وترده علاوة على ذلك بالجب والعنة، على خلاف في العنة. قال الصنعاني: واختار ابن القيم أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحل به مقصود النكاح من المودة والرحمة، يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشروطة في النكاح أولى بالوفاء من الشروط في البيع. قال: ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده، وعدله حكمته، وما اشتملت عليه من المصالح، لم يخف عليه رجحان هذا القول، وقربه من مقاصد الشريعة. ا. هـ. منه. وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا فسخ للنكاح بالعيب البتة. قال الصنعاني: وكأنه لما لم يثبت الحديث به، ولا يقولون بالقياس، لم يقولوا بالفسخ. ا. هـ. منه.

(7)

وقوله: وبغيرها إن شرط السلامة ألخ. تقريره، ويثبت الخيار بغير ما ذكر من العيوب =

ص: 87

لَا بِخُلْفِ الظَّنِّ كَالْقَرَعِ والسَّوَادِ مِنْ بيضٍ، ونَتْنِ الْفَمِ والثُّيُوبَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: عَذْرَاءُ، وفي بِكْرٍ تَرَدُّدٌ، وإلَّا تَزَوَّجَ الْحُرُّ الأمَةَ والحُرَّةُ الْعَبْدَ بِخِلَافِ الْعَبْدِ مَعَ الْأمَةِ، والمُسْلِمِ مَعَ النَّصْرانِيَّةِ إلَّا أن يَغُرَّا، وأُجِّلَ المُعْتَرضُ سَنَةً بَعْدَ الصِّحَّةِ مِنْ يوم الْحُكْمِ (1)، وَإِنْ مَرِضَ، والْعَبْدُ نِصْفَهَا والظَّاهِرُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فيهَا وَصُدِّقَ إنْ ادَّعَى فيها الْوَطْءَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَل حَلَفَتْ وإِلَّا بُقِّيَتْ وَإنْ لَمْ يَدِّعِهِ طَلَّقَهَا، وإلَّا فَهَلْ يُطَلِّقُ الحَاكِمُ أوْ يأْمُرُهَا بِهِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِهِ؟ قَوْلَانِ. وَلَهَا فِرَاقُهُ بَعْدَ الرِّضَا بِلَا أجَلٍ، والصَّدَاقُ بَعْدَها كدُخُولِ العِنِّينِ والمَجْبُوبِ وَفِي تَعْجِيلِ الطَّلاقِ إنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ فِيهَا قَوْلَانِ، وأُجلَتْ الرَّتْقَاءُ لِلدَّواءِ بالاجْتِهَادِ، وَلَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ خِلْقَةً، وَجُسَّ عَلى ثَوْبِ مُنْكِرِ الْجَبِّ ونَحْوِهِ وَصُدِّقَ فِي الاعْتِراضِ كَالْمَرْأَةِ فِي دَائِهَا، أوْ وُجُودِهِ حَالَ الْعَقْدِ أوْ بَكَارَتِهَا وَحَلَفَتْ هِيَ أوْ أبُوهَا إنْ كانَتْ سَفِيهَةً، وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ، وإنْ أتَى بامْرأتَيْنِ تَشْهَدَانِ له قُبِلَتَا، وإنْ علَم الأبُ بثُيوبتِهَا بِلَا وَطْء وَكَتَمَ فلِلزَّوْجِ الرَّدُّ عَلى الأصَحِّ.

= السابقة، مما يعد عيبًا عرفًا؛ كالقرع والسواد والاستحاضة والكبر والصغر، إن شرط أحدهما السلامة من ذلك العيب الذي اطلع عليه، أو السلامة من جميع العيب، بل ولو كان بوصف الولي للزوج المخطوبة بأنها كذا وكذا، فإذا هي بخلاف ذلك، فللزوج ردها ولا شيء عليه.

(1)

وقوله: وأجل المعترض سنة ألخ. هو لما أخرجه عبد الرزاق في المصنف: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيَّب قال: قضى عمر بن الخطاب في العنين أن يؤجل سنة. قال معمر: وبلغني أنه يؤجل سنة من يوم ترفع أمرها. ا. هـ. قال شعيب: ورجاله ثقات، قال: وكذلك رواه الدارقطني في سننه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر أنه أجل العنين سنة. ا. هـ. =

ص: 88

وَمَعَ الرَّدِّ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا صَدَاقَ، كَغُرُورٍ بِحُرِّيَّةٍ، وَبَعْدَهُ فَمَعَ عَيْبِهِ المُسَمَّى ومَعَهَا رَجَعَ بِجَمِيعِهِ لَا قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى وَلِيٍّ لَم يَغِبْ كَابْنٍ وَأخٍ وَلَا شَيْءَ

وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عبد الكريم أن عمر وابن مسعود قضيا بأنها تنتظر به سنة، ثم تعتد بعد السنة عدة المطلقة، وهو أحق بأمرها في عدتها. ا. هـ.

وعن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن الذي لا يأتي النساء قال: لها الصداق حين أغلق عليها الباب، وتنتظر هي به من يوم تخاصمه سنة، فأما قبل ذلك فهو عفو عفت عنه - وقال ذلك عمر - فإذا مضت سنة اعتدت عدة المطلقة بعد السنة وكانت تطليقة، فإن يطلقها كانت في العدة أملك بأمرها. ا. هـ.

اعلم أن الرجوع على الغارّ بعد الدخول مسألة خلاف: فذهب الشافعي إلى أنه لا يرجع بما غرم من المهر على وليها، قال: لأنه غرم بمقابلة منفعة استوفاها. وأمَّا مالك فإنه عول في ذلك على حديث عمر المقدم وفيه: وذلك لزوجها غُرم على وليها.

قالوا: وإنما يكون لزوجها الغرم على وليها، إذا كان وليها الذي أنكحها أباها أو أخاها، أو من يُرى أنه يعلم ذلك منها. قال البغوي: فإن كان وليها الذي أنكحها ابن عم أو مولى، أو مما لا يرى أنه يعلم ذلك منها، فليس عليه غرم. ا. هـ.

وحيث إن هذا الباب لا توجد فيه أحاديث، وقد تقدم لك قول أهل الظاهر فيه، لذلك فإنه على الرغم من ذلك، قد وردت فيه آثار عن بعض من أفتى فيه من السلف الصالح، نورد هنا بعض ما وقفنا عليه منها. من ذلك:

ما أخرجه عبد الرزاق، عن عبد الرحمن، عن المثنى بن الصباح أن عديَّ بن عدي - عامل عمر بن عبد العزيز - أخبره قال: انتهى إلينا رجل وامرأة قد تزوجها، فلما دخل بها وجدها مرتقة متلاقية العظمين، لا يقوى عليها الرجل، وليس لها إلا مهراق الماء، فكتبت فيها إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إلي فيها: أن استحلف الولي: ما علم، فإن حلف فأجز النكاح، فما أظن رجلًا رضي بمصاهرة قوم إلا سيرضى بأمانتهم، وإن لم يحلف فاحمل عليه الصداق.

فالظاهر أن هذا الأثر، وما تقدم من حديث عمر، صالح أن يكون دليلًا على قول المختصر: ومعها رجع بجميعه على ولي لم يغب ألخ.

ص: 89

عَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ، وَعَلَيْهَا إنْ زَوَّجَهَا بِحُضُورهَا كَاتِمَيْنِ، ثُمَّ الْوَلِيُّ عَلَيْهَا إنْ أخَذَهُ مِنْهُ لَا الْعَكْسُ، وَعَلَيْهَا فِي كابْنِ العَمِّ إلَّا رُبُعَ دِينَار، فَإِنْ عَلِمَ فَكَالْقَرِيبِ، وحَلَّفَهُ إنِ ادَّعَى عِلْمَهُ كاتِّهَامِهِ عَلَى المخْتَارِ، فَإنْ نَكَلَ حَلَفَ أنَّهُ غَرَّهُ ورَجَعَ عَلَيْهِ، فَإنْ نَكَلَ رَجَعَ عَلَى الزَّوْجَةِ على المخْتَار، وَعَلَى غَارٍّ غَيْرِ وَلِيٍّ تَوَلَّى الْعَقْدَ إِلَّا أنْ يُخْبِرَ أنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ، لَا إنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ الْحُرِّ فَقَطْ حُرٌّ، وعَلَيْهِ الأقَلُّ مِنَ المُسَمَّى وصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ دُونَ مَالِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ إلَّا لِكَجَدِّهِ وَلَا وَلَاءَ لَهُ، وعَلى الْغُرَرِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ والْمُدَبَّرَةِ، وسَقَطَتْ بِمَوْتِهِ، والأقَلُّ من قِيمَتِهِ أوْ دِيَتِهِ إنْ قُتِلَ، أوْ مِنْ غرَّتِهِ أوْ مَا نَقَصَهَا إنْ ألْقَتْهُ مَيِّتًا كجُرْحِهِ، وَلِعَدَمِهِ تُؤْخَذُ مِنَ الْإِبْنِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ وَلَدٍ مِنَ الْأوْلَادِ إلَّا قِسْطُهُ، وَوُقِفَتْ قيمَةُ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ، فَإنْ أَدَّتْ رَجَعَتْ لِلْأبِ، وقُبِلَ قَوْلُ الزَّوْج إنَّهُ غُرَّ، وَلَوْ طَلَّقَهَا أوْ مَاتَا ثُمَّ اطُّلِعَ عَلى مُوجِبِ خِيَارٍ فَكَالْعَدَمِ، ولِلْوَلِيِّ كَتْمُ الْعَمَى وَنَحْوِهِ وعَلَيْهِ كَتْمُ الخَنا

(1)

، والأصَحُّ مَنْعُ الأجْذَمِ مِنْ وَطْءِ إمَائِهِ. ولِلْعَرَبِيَّةِ رَدُّ المَوْلى المنْتَسِبِ لَا الْعَرَبيِّ، إلَّا الْقُرَشِيَّةَ تَتَزوَجُّهُ عَلى أنَّهُ قُرشِيٌّ.

(1)

وأما قول المصنف: وعليه كتم الخنا، فإنه يشهد له ما أخرجه عبد الرزاق، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب أن رجلًا خطب إليه ابنة له - وكانت قد أحدثت له - فجاء إلى عمر، فذكر ذلك له، فقال عمر: ما رأيت منها؟. قال: ما رأيت إلَّا خيرًا. قال: فزوجها ولا تخبر. ا. هـ.

وأخرج عبد الرزاق كذلك عن ابن عيينة، عن إسماعيل وأبي فروة عن الشعبي. قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إني وأدت ابنة لي في الجاهلية. فأدركتها قبل أن تموت فاستخرجتها، ثم إنها أدركت الإِسلام معنا، فحسن إسلامها، وإنها أصابت حدًا من حدود الإِسلام، فلم نفجأها إلا وقد أخذت السكين تذبح نفسها، فاستنقذتها وقد خرجت =

ص: 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= نفسها، فداويتها حتى برئ كلمها، فأقبلت إقبالًا حسنًا، وإنها خطبت إليَّ، أفأذكر ما كان منها؟. فقال عمر: هاه، لئن فعلت لأعاقبنَّك عقوبة - قال أبو فروة: يسمع بها أهل الوبر وأهل الودم. وقال إسماعيل: يتحدث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة.

تنبيه: وقول الشافعي الذي تقدم بعدم الرجوع على من غره بالصداق، لأني غرم في مقابلة منفعة استوفاها، فقد حكي في القديم عن عمر وعلي وابن عباس في المغرور يرجع بالمهر قال: ويعتضد بما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا". وقد رجع عن هذا القول، وقال في الجديد: إنما تركنا ذلك لحديث: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا". قال: فجعل لها الصداق في النكاح الباطل، وهي التي غرته، فلأن يجعل لها الصداق بلا رجوع على الغار في النكاح الصحيح، الذي الزوج فيه مخير بطريق الأولى. ا. هـ. سبل السلام.

ص: 91

‌فَصْلٌ

وَلِمَنْ كَمُلَ عِتْقُهَا فِرَاقُ الْعَبْدِ (1) فَقَطْ (2)، بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ أوْ اثْنَتَيْنِ، وسَقَطَ صَدَاقُهَا قَبْلَ البِنَاءِ، والفِرَاقُ إنْ قَبَضَهُ السَّيِّدُ وكَانَ عَدِيمًا، وبَعْدهُ لَهَا، كَما لَوْ رَضِيَتْ وَهِيَ مُفَوِّضَةٌ بِمَا فَرَضَهُ بَعْدَ عِتْقِهَا لَهَا إلَّا أنْ يأخُذَهُ السَّيِّدُ أوْ يَشْتَرطَهُ، وصُدِّقَتْ إنْ لَمْ تُمَكِّنْهُ أنَّها مَا رَضِيَتْ وَإنْ بَعْدَ سَنَةٍ إلَّا أنْ تُسْقِطَهُ إوْ تُمَكِّنَهُ، وَلَوْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ لَا الْعِتْقَ، وَلَهَا الأكْثَرُ مِن المُسَمَّى وصَدَاقِ الْمِثلِ أوْ يُبِينَهَا، لَا بِرَجْعِيٍّ أوْ عَتَقَ قَبْلَ الاخْتِيَارِ، إلَّا لتأخِيرِ لِحَيْضٍ، وَإنْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ عِلْمِهَا وَدُخُولِهَا فَاتَتْ بِدُخُولِ الثَّانِي، وَلَهَا إنْ أوْقَفَهَا تَأخِيرٌ تنْظُرُ فيه.

(1)

وقوله: لمن كمل عتقي فراق العبد، دليله حديث بلوغ المرام، عن عائشة رضي الله عنها قالت: خيرت بريرة على زوجها حين عتقت. متفق عليه. وفي الموطإ عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في الأمة تكون تحت العبد فتعتق؛ إِنَّ الأمة لا الخيار ما لم يمسها. قال مالك: وإن مسها زوجها، فزعمت أنها جهلت أن لها الخيار، فإنها تتهم ولا تصدق بما ادَّعت من الجهالة، ولا خيار لها بعد أن يمسها. ا. هـ.

وعن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أن مولاة لبني عدي يقال لها: زَبْرَاء، أخبرته أنها كانت تحت عبد وهي أمةٌ يومئِذٍ فعتقت، قالت: فأرسلت إلي حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فدعتني فقالت: إني مخبرتك، ولا أحب أن تضيعي شيئًا: إن أمرك بيدك ما لم يَمْسَسْكِ زوجُكِ، فإن مَسَّكِ فليس لك من الأمر شيء. قالت: فقلت: هو الطلاق، ثم الطلاق، ثم الطلاق. ففارقته ثلاثًا. ا. هـ.

(2)

وقوله: فقط، احتراز من أن تكون المعتقة تحت حر، فإنها لا خيار بها، خلافًا لأهل الكوفة القائلين بثبوت الخيار لمن عتقت، سواء كانت تحت عبد أو تحت حر. وتمسكوا لهذا القول بحديث الأسود بن يزيد عن عائشة؛ أن زوج بريرة كان حرًا. قال ابن حجر في فتح الباري: خالف الأسود الناس في زوج بريرة. قال: وصح عن ابن عباس وغيره أنه كان عبدًا. ورواه علماء =

ص: 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئًا وعملوا به فهو أصح شيء - إلى أن قال: وقال ابن بطال: أجمع العلماء أن الأمة إذا عتقت تحت عبد فإن لها الخيار. والمعنى فيه ظاهر لأن العبد غير مكافئ للحرة في أكثر الأحكام، فإذا عتقت ثبت لها الخيار من البقاء في عصمته أو المفارقة؛ لأنها وقت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار. قال: واحتج من قال: أن لها الخيار ولو كانت تحت حر، بأنها عند التزويج لم يكن لها رأي، لاتفاقهم على أن لمولاها أن يزوجها بغير رضاها، فإذا عتقت تجدد لها حال لم يكن قبل ذلك. وعارضهم الآخرون بأن ذلك لو كان مؤثرًا لثبت الخيار للبكر إذا زوجها أبوها ثم بلغت رشيدة، وليس كذلك، فكذلك الأمة تحت الحر فإنها لم يحدث لها بالعتق حال ترتفع به عن الحر، فكانت كالكتابية تسلم تحت المسلم. ا. هـ. باختصار.

واختلف العلماء في التي تختار الفراق هل يكون طلاقًا أو فسخًا؟. فقال مالك والأوزاعي والليث: تكون طلقة بائنة. وثبت مثله عن الحسن وابن سيرين، أخرجه ابن أبي شيبة. وقال الباقون: يكون فسخًا. واختلف العلماء أيضًا في هذا الخيار؛ هل يكون على الفور؟ وهو رأي الشافعي. أو هو يمتد أبدًا ما لم يمنعه مانع؟. وهو رأي مالك والأوزاعي، وأحمد، وأحد قولي الشافعي. وعنه قول ثالث هو أنها يمتد لها الخيار ثلاثًا. واتفق العلماء على أنها إن أمكنته من نفسها فلا خيار لها، لما جاء في بعض طرق هذا الحديث عند أبي داود، من طريق ابن إسحاق عن عائشة بأسانيد صحيحة، أن بريرة أعتقت، فذكر الحديث، وفيه في آخره: إن قربك فلا خيار لك. وروى مالك بسند صحيح عن حفصة أنها أفتت بذلك. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر مثله. قال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفًا من الصحابة. قال: وقال به جمع من التابعين؛ منهم الفقهاء السبعة. وفي رواية للدارقطني: إن وطئك فلا خيار لك.

قلت: وقد أطنب ابن حجر في فتح الباري عند هذا الحديث، وذكر فوائد جمة مستنبطة منه، وإن كان في بعضه خفاء وتكلف لا يليق بكلام النبوة؛ من ذلك التعسف والتكلف الخفي الذي لا يليق بكلام النبوة، والكمال لله وحده.

قوله: وفيه إن فرط الحب يذهب الحياء، لما ذكر من حال مغيث وغلبة الوجد عليه حتى لم يستطع كتمان حبها، وفي ترك النكير عليه بيان جواز قبول عذر من كان في مثل حاله، ممن يقع =

ص: 93

‌فَصْلٌ

الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ (1)؛ كَعَبْدٍ تَخْتَارُهُ هِيَ لَا هُوَ، وضَمَانُهُ وَتَلَفُهُ، واسْتِحْقَاقُهُ،

= منه ما لا يليق بمنصبه، إذا وقع بغير اختياره. قال - وهو المأخوذ عليه - ويستنبط من هذا معذرة أهل المحبة في الله، إذا حصل لهم الوجد من سماع ما يفهمون منه الإِشارة إلى أحوالهم، حيث يظهر منهم ما لا يصدر عن اختيار من الرقص ونحوه. ا. هـ. منه بلفظه. قال الصنعاني هنا: لا يخفى أن زوج بريرة بكى من فراق محبوبه، وأن محب الله يبكي شوقًا إلى لقائه، وخوفًا من سخطه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي عند سماع القرآن، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم، وكذلك من تبعهم بإحسان، وأما الرقص والتصفيق فشأن أهل الفسق والخلاعة، لا شأن من يحب الله ويخشاه. فأعجب لهذا المأخذ الذي أخذوه من هذا الحديث. ا. هـ. منه بتصرف قليل.

فَصْلٌ في أحكام الصداق

قال سبحانه وتعالى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}

(1)

، قال البغوي: أراد بالأجر الصداق. وقال الله عز وجل: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}

(2)

.

قال البغوي: النحلة: هي العطية بلا عرض. ومعلوم أن المهر عوض عن الاستمتاع، فلم سماه نحلة؟. فالجواب: أن النحلة يراد بها هنا التدين والفرض في الدين، كما يقال: فلان انتحل مذهب كذا، أي تدين به. وقيل: سماه نحلة لأنه بمنزلة شيء يحصل للمرأة بغير عوض؛ لأنها تشترك مع الزوج في الاستمتاع وابتغاء اللذة، بل ربما تكون شهوتها أغلب، ولذتها أكثر، فكان المهر في الحقيقة نحلة منه لها بلا عوض.

قال البغوي: وقيل: لأن المهر في شرع من قبلنا كان للأولياء دون النساء. قال شعيب: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}

(3)

. فقد اشترط العمل لنفسه لا لابنته. فلما جعل الله المهر للنساء في شرعنا، كان ذلك نحلة منه لهن. والله أعلم

(1)

قوله: الصداق كالثمن ألح. أي يجوز بكل ما جاز أن يكون مبيعًا أو ثمنًا. وذلك لقول =

(1)

سورة النساء: 24.

(2)

سورة النساء: 4.

(3)

سورة القصص: 27.

ص: 94

وَتَعْيِيبُهُ أوْ بَعْضُهُ كالْبَيْعِ، وَإِنْ وَقَعَ بِقُلَّةِ خَلٍّ فإذَا هي خَمْرٌ فَمِثْلُهُ. وجَازَ بشَوْرَةٍ أوْ عَدَدٍ مِن كَإبِلٍ أَوْ رَقيقٍ. وصَدَاقِ مِثْلٍ ولَهَا الْوَسَطُ حالًّا. وفِي شَرْطِ ذكر جِنْسِ الرقِيقِ قَوْلَانِ. والإِناثُ مِنْهُ إنْ أطْلَقَ، ولَا عُهْدَةَ، وإِلى الدُّخُول إن عُلِمَ أو المَيْسَرَةِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وعلى هِبَةِ الْعَبْدِ لِفُلَانٍ أوْ يَعْتِقَ أبَاهَا عَنْهَا أوْ عَنْ نَفْسِهِ. وَوَجَبَ تَسْلِيمُهُ إنْ تَعَيَّنَ، وإلَّا فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا (2) - وَإنْ مَعِيبَةً - مِنَ الدُّخُولِ والْوَطْءِ بَعْدَهُ. والسَّفَرِ، إلى تَسْلِيمِ مَا حَلَّ، لا بَعْدَ الوطءِ إِلَّا أَنْ يُسْتَحَقّ.

= رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "الْتمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَديدٍ". وقد استدل بهذا الحديث من يقول بأنه لا حدّ لأقل الصداق. وهو قول ربيعة، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال عمر بن الخطاب: في ثلاث قبضات من زبيب مهر. وقال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطًا جاز. والمذهب عندنا أن أقله ربع دينار. وسيأتي للمصنف: وفسد إن نقص عن ربع دينار. ووافقنا أصحاب الرأي على ذلك، إلا أنه وقع الخلاف بيننا في تحقيق مناط نصاب السرقة، لأن هذا الفرع طريقه عند أصحابنا وأصحاب الرأي الاجتهاد؛ قالوا: يستباح بضعها بأقل ما تقطع به يد السارق، قياسًا للبُضْعَ على اليد بجامع أن كلًّا منهما عضو معصوم، غير أن نصاب السرقة عند أصحاب الرأي هو عشرة دراهم، لا تقطع اليد عندهم فيما هو دون ذلك، وهو عند مالك ربع دينار، بصرف الدينار اثني عشر درهمًا. ويؤيد كون هذا القدر يصلح صداقًا. حديث أنس؛ أن عبد الرحمن بن عوف رأى عليه النبي صلى الله عليه وسلم أثر صفرة فقال:"مَا هذَا"؟. قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. الحديث رواه الجماعة. قال الشوكاني وقع في رواية للبيهقي: قومت ثلاثة دراهم وثلثًا. وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد. وقيل: ثلاثة ونصف. وقيل ثلاثة وربع. وعن بعض المالكية: النواة عد أهل المدينة ربع دينار. ووقع في رواية للطبراني: قال أنس: حزرناها ربع دينار، ا. هـ. منه. =

ص: 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قلت: ولا دليل فيها إلَّا على أنه يصح الصداق بأقل قيمة، كما يشير إليه حديث:"الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ". المتفق عليه، وأما بحيث يكون الحكم أنه إن نقص عن ذلك بطل الصداق ألبتة فلا .. لكن ذكر ابن حجر: قال عياض: تفرد بهذا مالك عن الحجازيين، لكن مستنده الالتفات إلى قوله تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}

(1)

. وإلى قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا}

(2)

قال: فإنه يدل على أن المراد ما له بال. وأقله ما استبيح به قطع عضو محترم. . هـ. منه.

وأما أكثر الصداق؛ فإنه لا حدّ لأكثره إجماعًا، لدليل قوله تعالى:{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}

(3)

. الآية. قال الشوكاني: وقد اختلف في تفسير القنطار المذكور في الآية؛ فقال أبو سعيد الخدري: هو ملء مسك ثور ذهبًا. وقال معاذ: ألف ومائتا أوقية ذهبًا. وقيل: سبعون ألف مثقال. وقيل: مائة رطل ذهبًا. ا. هـ. منه.

تنبيهٌ: ورد في الخبر عن أبي العجفاء قال: سمعت عمر يقول: لا تَغْلوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة، كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية. رواه أصحاب السنن وأحمد، وصححه الترمذي. وروى أحمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ مَئُونَةً".

ففيه دليل على أفضلية النكاح مع قلة المهر، وإن الزواج بمهر قليل مندوب إليه، لأن المهر إذا كان قليلًا لم يستصعب النكاح من يريده؛ فيكثر الزواج المرغب فيه، ويقدر عليه الفقراء، ويكثر النسل الذي هو أهم مطالب النكاح، بخلاف ما هو واقع اليوم، من التغالي في المهور، والإِسراف في الإِنفاق على حفلات الزواج، فإنه لا يتمكن منه إلا أرباب الأموال الطائلة، وبذلك =

(1)

سورة النساء: 24.

(2)

سورة النساء: 25.

(3)

سورة النساء: 20.

ص: 96

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= يصعب النكاح على الفقراء، الذين هم الأكثرية غالبًا. وإلى الله تعالى الشكوى. وهو الموفق.

(2)

وقوله: عليه رحمة الله، ووجب تسليمه إن تعين وإلا فلها منع نفسها إلخ، دليله ما أخرجه المجد في المنتقى عن ابن عباس، قال: لما تزوج عليٌّ فاطمة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِعْطِهَا شَيْئًا". قال: ما عندي شيء. قال: "أَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ"؟. رواه أبو داود والنسائي. وفي رواية: أن عليًا لما تزوج فاطمة أراد أن يدخل بها فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيها شيئًا فقال: يا رسول الله، ليس لي شيء. فقال له:"إِعْطِهَا دِرْعَكَ الْحُطَمِيَّةَ". قال الشوكاني: وقد استدل بحديث ابن عباس من قال أنه يجوز الامتناع من تسليم المرأة حتى يسلم الزوج مهرها، وكذلك للمرأة الامتناع حتى يسمي الزوج مهرها، ثم ذكر اعتراضًا على القسم الثاني. فليراجعه من شاء، والله الموفق.

تنبيه: ذكر العيني وابن حجر الإِجماع على أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وُهب له دون الرقبة بدون صداق.

قلت: وغير بعيد أن يكون مستند ذلك الإِجماع قوله تعالى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}

(1)

. الآية والله الموفق.

وقول المصنف. ووجب تسليمه إن تعين، يريد به - والله تعالى أعلم - إنه يجب على الزوج المكلف وعلى ولي الزوج الصغير تسليم المهر المعين معجلًا بلا تأخير؛ ويكون تسليمه للزوجة الرشيدة. ولولي غير الرشيدة؛ كأن يصدقها عقارًا أو حيوانًا أو عرضًا معينًا. ولا يجوز تأخير تسليم مثل ذلك، لأن تأخيره غرر، إذْ لا يدري هل يبقى ويستمر بحاله أو يتغير؟.

قالوا: وإن لم يكن الصداق معينًا وتنازعا في التبدئة؛ بأن طلب الزوج الدخول قبل حال المهر، وطلبت الزوجة المهر قبل الدخول، قُضي لها عليه بجواز منع نفسها حتى يسلمها الصداق؛ لحديث ابن عباس المتقدم في تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما.

(1)

سورة الأحزاب: 50.

ص: 97

وَلَوْ لَمْ يَغِرَّهَا عَلَى الأظْهَرِ. ومَنْ بَادَرَ أُجْبِرَ لَهُ الآخَرُ (1) إنْ بَلَغَ الزَّوْجُ وأَمْكَنَ وَطْؤُهَا. وَتُمْهَلُ سَنَةً إنْ اشْتُرِطَتْ لِتَغْرِبَةٍ أوْ صِغْرٍ وإِلَّا بَطَلَ (2)، لَا أَكْثَرَ، وَلِلْمَرَضِ وَالصِّغَرِ الْمَانِعَيْنِ مِنَ الجِمَاعِ، وَقَدْرَ مَا يُهَيِّئُ مِثْلُهَا أمْرَهَا إلَّا أنْ يَحْلِفَ: لَيَدْخُلْنَّ اللَّيْلَةَ. لَا لِحَيْضٍ. وَإنْ لَمْ يَجدْهُ أجِّلَ لإِثْبَاتِ عُسْرِهِ ثَلاثَةَ أسَابِيعَ، ثُمَّ تُلُوِّمَ بِالنَّظَرِ، وعُمِلَ بِسَنَةٍ وَشَهْرِ، وَفي التَّلَوُّمِ لمَنْ لَا يُرْجَى، وصُحِّحَ، وَعَدَمِهِ، تَأوِيلانِ، ثُمَّ طُلِّقَ عَلَيْهِ وَوَجَبَ نِصْفُهُ لا فِي عَيْبٍ (3). وتَقَرَّرَ بِوَطْء وإنْ حَرُمَ، وَمَوْتِ وَاحِدٍ (4)، وَإقَامَةِ سَنَةٍ، وصُدِّقَتْ فِي خَلْوَةِ الإِهْدَاءِ وإنْ بِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ.

(1)

وقوله: ومن بادر أجبر له الآخر، أي ومن بادر من الزوجين بتمكين صاحبه مما في جهته - صداقًا كان أو دخولًا - وطلب من الآخر تمكينه مما في جهته فامتنع، أجبر له الزوج الآخر على تمكينه مما في جهته - صداقًا كان أو دخولًا - بشرطين هما: بلوغ الزوج الحلم، لا تجبر له بمجرد إطاقته الوطء لعدم كمال لذتها به. والثاني: إمكان وطئها. قالوا: وليس لذلك سن معين؛ لاختلاف ذلك باختلاف أحوال البنات؛ من وفور الجسم ونحافته. ولا يشترط بلوغها الحلم لكمال لذة الزوج بوطئها متى أمكن وطؤها ولو لم تكن بلغت الحلم.

(2)

وقوله: وتمهل سنة إن اشترطت لتغربة أو صغر وإلا بطل، يريد به أن الزوج، وإن بادر بتسليم الصداق وطلب الدخول، والحال أنه بالغ وهي مطيقة، يجبر على إمهالها سنة - إن كان ذلك الإِمهال سنة شرط عليه في صلب عقد النكاح - وذلك في حالتين هما: إرادته السفر بها والانتقال بها من بلدها. والثاني: لصغرها صغرًا يمكن معه وطؤها، وألا تكن السنة اشترطت في أصل العقد بل ذكرت بعده، أو كانت اشترطت لغير الغرضين السابقين: بطل الشرط وبقي العقد صحيحًا.

والدليل على لزوم الشرط، حديث البخاري: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا ليث عن يزيد بن حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنَ =

ص: 98

وَفِي نَفْيِهِ وَإنْ سَفِيهَةً وَأَمَةً. والزَّائِرُ مِنْهُمَا وَإِنْ أقَرَّ بهِ فَقَطْ أخِذَ إن كانَتْ سَفِيهَةً. وَهَل إنْ أدَامَ الإِقْرَارَ الرَّشِيدُ كَذلِكَ، أوْ إِنْ كَذَّبَتْ نَفْسَهَا؟ تأويلَانِ. وَفَسَدَ إنْ نَقَصَ عَنِ رُبُع دِينارٍ، أو ثلَاثَةِ دَرَاهِمَ خَالِصَةٍ، أوْ مُقَوَّمٍ بِهِمَا. وَأتَمَّهُ إِنْ دَخَلَ، وَإِلَّا فإنْ لَمْ يُتِمَّهُ فُسِخَ، أوْ بِمَا لَا يُمْلَكُ كَخَمْرٍ، وَحُرٍّ. أوْ بإِسْقَاطِهِ، أوْ كَقِصَاصٍ، أوْ آبِقٍ، أوْ دَارِ فُلَانٍ أو سَمْسَرَتِهَا، أوْ بَعْضُهُ لِأجَلٍ مَجْهُولٍ، أوْ لَمْ يُقَيَّدِ الأجَلُ، أو زَادَ على خَمْسينَ سَنةً، أو بِمُعَيَّنٍ بَعِيدٍ كَخُراسَانَ مِنَ الأنْدَلُسِ، وَجَازَ كَمِصْرَ مِنَ المَدِينَةِ، لا بِشَرْطِ الدُّخُولِ قَبْلَهُ إلَّا القريبَ جِدًّا. وضَمِنَتْهُ بَعْدَ الْقَبْضِ إنْ فَاتَ، أوْ بِمَغْصُوبٍ عَلِمَاهُ، لَا أحَدُهُمَا، أوْ باجْتِمَاعِهِ مَعَ بَيْعٍ كَدَارٍ دَفَعَهَا هُوَ أو أبُوهَا وجَازَ منَ الأبِ فِي التَّفْويضِ.

= الشُّرُوطِ أنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ".

وأخرج البخاري تعليقًا: وقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط. قال ابن حجر: وصله سعيد بن منصور من طريق إسماعيل بن عبيد الله - وهو ابن أبي المهاجر - عن عبد الرحمن بن غنم قال: كنت عند عمر حيث تمس ركبتي ركبته، فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين، تزوجت هذه وشرطت لها دراها، وإني أجمع لأمري أو لشأني أن انتقل إلى أرض كذا وكذا. فقال: لها شرطها. فقال الرجل: هلك الرجال؛ إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت. فقال عمر: المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم. ا. هـ. منه بلفظه.

(3)

وقوله: ووجب نصفه، مراده به - والله أعلم - أن الزوج المطلق لعجزه عن المهر، وجب نصف الصداق يدفعه إن أيسر للمرأة، وذلك لقوله تعالى:{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}

(1)

الآية.

(4)

وقوله: تقرر بوطء وإن حرُم، وموت واحد، أي ويثبت كل الصداق على الزوج بوطء =

(1)

سورة البقرة: 237.

ص: 99

وَجَمْعُ امْرأَتَيْنِ سَمَّى لهُمَا أوْ لإِحْدَاهُمَا. وَهَلْ وإنْ شَرَطَ تَزَوُّجَ الأخْرَى، أوْ إنْ سَمَّى صَدَاقَ المِثْلِ؟ قَوْلَانِ. ولَا يُعْجِبُ جَمْعُهُمَا والأكْثَرُ عَلى التَّأْويلِ بِالْمَنْعِ والْفَسْخِ قَبْلَهُ وَصَدَاقِ الْمِثْلِ بَعْدُ لا الْكَرَاهَةِ، أوْ تَضَمَّنَ إثْبَاتُهُ رَفْعَهُ كَدَفْعِ الْعَبْدِ فِي صَداقِهِ، وبَعْدَ الْبِنَاءِ تَمْلِكُهُ (1)، أوْ بِدَارٍ مَضْمُونَةٍ أوْ بألْفٍ،

= من بالغ لمطيقة، ولو كان وطئها وطئًا حرامًا؛ كفي حيض، أو هي صائمة صوم الفرض، أو في دبرها، وذلك لاستيفائه سلعتها. كما تقرر الصداق كاملًا بموت أحد الزوجين أو بموتهما معًا.

قالوا: ولو كان الزوج غير بالغ وهي غير مطيقة، بل ويتقرر الصداق كله إن حصلت الخلوة بينهما. وهي مسألة خلاف. قال البغوي: فذهب جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إلى أنه إن خلا بها ولم يمسها لا يجب لها إلا نصف الصداق؛ وذلك لحديث ابن عباس عند البغوي والبيهقي، قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق؛ لأن الله تعالى يقول: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}

(1)

.

وهو قول ابن عباس، وابن مسعود وبه أخذ الشافعي. وقال قوم: يجب لها جميع المهر. يروى ذلك عن عمر قال: إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق. ومثله عن زيد بن ثابت.

وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن عن الأحنف بن قيس أن عمر وعليًا قالا: إذا أرخيت الستور، وغلقت الأبواب، فقد وجب الصداق.

قال الحسن: ولها المهر، وعليها العدة. ا. هـ.

(1)

وقوله: أو تضمن إثباته رفعه كدفع العبد في صداقه، وبعد البناء تملكه، يعني أن المرأة المتزوجة إن أصدقها زوجها بما من شأنه أنه إن ثبت ملكه لها فسخ النكاح، إن ذلك النكاح يفسخ؛ لأن من موانع النكاح الملك. ومثّل له بدفع العبد في صداقه بأن جعله سيده ملكًا لها في صداقها، فإن ذلك النكاح يفسخ؛ فإن وقع الفسخ قبل البناء فلا شيء لها، وإن كان الفسخ بعد البناء فسخ النكاح وملكت العبد بما استحل من فرجها. والنكاح مفسوخ وفساده لعقده لا =

(1)

سورة البقرة: 237.

ص: 100

وإنْ كانَتْ لَهُ زوجَةٌ فَألْفَانِ (1) بِخِلَافِ ألْفٍ وَإنْ أخْرَجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أو تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَألفَانِ. ولَا يَلْزَمُ الشَّرْطُ وَكُرِهَا، وَلَا الألْفُ الثانِيَةُ إنْ خَالِفَ؛ كإِنْ أخرجْتُكَ فَلَكِ ألْف. أوْ أسْقَطَتْ ألْفًا قَبْلَ العَقْدِ عَلى ذلِكَ، إلَّا أن تُسْقِطَ ما تَقرَّرَ بَعْدَ الْعَقْدِ بِلَا يَمينٍ مِنْهُ. أوْ كَزَوِّجْني أخْتَكَ بمَائةٍ عَلى أنْ أزَوِّجَكَ أخْتِي بِمائَةٍ، وهو وجْهُ الشِّغَارِ. وإِنْ لمْ يُسَمِّ فَصَرِيحُهُ (2). وفُسِخَ فِيهِ وإنْ فِي وَاحِدَةٍ وعَلى حُرِّيَّةِ وَلَدِ الْأمَةِ أبَدًا، وَلَهَا فِي الْوَجْهِ، وَمائةٍ وخَمْرٍ، أو مائةٍ وَمائةٍ لِمَوْتٍ أوْ فِراقٍ، الأكْثَرُ من المسمى وَصَداقُ الْمِثْلِ ولو زادَ على الجميع.

= لصداقه، إذ لو كان فساده لصداقه لم يفسخ بعد الدخول، وكان الواجب فيه صداق المثل، وإذا فسخ النكاح أمكنها أن تتزوجه فيما بعدُ إذا خرج عن ملكها بعتق أو بيع أو هبة، ففي المدونة: روى ابن وهب عن ابن أبي ذئب، عن عبد ربه بن سعيد أنه سأل طاوس اليماني عن امرأة تملك زوجها، قال: حرمت عليه ساعتئذ وإن لم تملك منه إلا قدر ذبابة. وروى يونس أنه سأل ابن شهاب عن ذلك، قال: إذا ورثت في زوجها شقصًا فرق بينه وبينها، فإنها لا تحل له من أجل أن المرأة لا يحل لها أن تنكح عبدها. وتعتد منه عدة الحرة ثلاثة قروء. قال يونس، وقال ربيعة: إذا ورثت زوجها أو بعضه فقد حرمت عليه، وإن أعتقته وأحبت أن ينكحها نكحها، ولا تستقر عنده بالنكاح الأول وإن أعتقته. وروى ابن وهب عن مخرمة، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر ونافع أنهما قالا: لا تنكح المرأة العبد ولها فيه شرك. ا. هـ. منها.

(1)

وقوله: أو بألف وإن كانت له زوجة فألفان، يريد به أن الزوج إن تزوجها بألف دينار مثلًا، على أنه لا زوجة له قبلها، وعلى أنه إن كانت له زوجة غيرها حال العقد فالصداق ألفا دينار. فإن هذا النكاح يفسخ قبل البناء للشك في قدر الصداق حال العقد، ويثبت بعد الدخول بصداق المثل لأنه نكاح بغرر. قال المواق: من المدونة: إن نكحها بألف على إن كانت له امرأة أخرى فمهرها ألفان لم يجز. كالبعير الشارد. ا. هـ. منه.

وقوله: بخلاف ألف إن أخرجها ألخ، فقد تقدم الكلام في ذلك عند قول المؤلف: وقبل الدخول وجوبًا على أن لا تأتيه إلا نهارًا الخ، فليرجع إليه من شاء. =

ص: 101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (2) وقوله: أو كزوجني أختك بمائة على أن أزوجك أختي بمائة، وهو وجه الشغار، وإن لم يسم فصريحه، في مصنف عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار. ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه مسلم من طريق حجاج عن ابن جريج.

وأخرج عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا شَغَارَ في الْإِسْلَامِ". ا. هـ. وهذا الحديث أخرجه الشيخان من طريق مالك عن نافع.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن رجلين أنكح كل واحد منهما صاحبه أخته؛ بأن يجهز كل واحد منهما بجهاز يسير، لو شاء أخذ لها أكثر من ذلك. قال: لا، نُهي عن الشغار. قلت: إنه قد أصدقا كلاهما. قال: لا، قد أرخص كل واحد منهما على صاحبه من أجل نفسه.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ينكح هذا ابنته بكرًا بصداق، وكلاهما يرخص على صاحبه من أجل نفسه، قال: إذا سميا صداقًا فلا بأس، فإن قال: أجهز وتجهز فلا، ذلك الشغار. قلت: فإن فوَّض هذا وفوَّض هذا؟. قال: لا.

وأخرج عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال: الشغار أن يُنكح هذا هذا، وهذا هذا، بغير صداق إلا ذلك. ا. هـ. منه.

تنبيهٌ: ذكر ابن رشد في المقدمات أن اسم الشغار مأخوذ من شغر الكلب، إذا رفع رجله ليبول. لأن ذلك لا يكون - كما زعموا - إلا عند مفارقة حال الصغر إلى حال يمكنه فيها طلب الوثوب على الأنثى للنسل، وهي عندهم علامة لإرادته ذلك. فقيل منه للمرأة: شغرت إذا رفعت رجليها للنكاح. فلذلك قيل: نكاح الشغار؛ لأن كل واحد من المتناكحين يشغر إذا نكح، [إلى أن قال]: وقيل: الشغار إخلاء النكاح من الطلاق. أخذ ذلك من قولهم: بلد شاغر. أي خال من الناس. وبالله التوفيق. ا. هـ. منه.

ص: 102

وَقُدِّرَ بِالتَّأجِيلِ الْمَعْلُومِ إنْ كَانَ فيه، وتُؤُوِّلَتْ أيضًا فِيمَا إذَا سَمَّى لإِحْدَاهُمَا وَدَخَلَ بالمُسَمَّى لَهَا بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَفِي مَنْعِهِ بِمَنَافِعَ وَتَعْلِيمِهَا قُرآنًا (1)، وإحْجَاجِهَا وَيَرْجِعُ بِقيمَةِ عَمَلِه لِلْفَسْخِ، وكَرَاهَتِهِ كالمُغَالَاةِ فِيهِ، والأجَلِ قَوْلَانِ. وإنْ أمره بألفٍ عَيَنَّهَا أَوَّلًا، فَزَوَّجَهُ بأَلْفَيْنِ؛ فَإنْ دَخَلَ فَعَلَى الزوج ألْفٌ وَغرِمَ الْوَكِيلُ ألْفًا، إنْ تَعَدَّى بِإقْرَارٍ أوْ بَيِّنَةٍ، وَإلَّا فَتُحَلَّفُ هِيَ إنْ حَلَفَ الزَّوْجُ، وَفِي تَحْلِيفِ الزَّوْجِ لَهُ إنْ نَكَلَ وَغَرمَ الألْفَ الثانِيَةَ قَوْلَانِ، وإنْ لم يَدْخُلْ وَرَضِيَ أحَدُهُمَا لَزِمَ الآخَرَ، لَا إنْ الْتَزَمَ الْوَكيلُ الْألْفَ.

(1)

وقوله: وفي منعه بمنافع وتعليمها قرآنًا ألخ، ففي صحيح البخاري ما نصه: باب التزويج على القرآن وبغير صداق: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، سمعت أبا حازم يقول: سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول: إني لفي القوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قامت امرأة فقالت: يا رسول الله، إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رأيك. فلم يجبها شيئًا. ثم قامت فقالت: يا رسول الله، إنها قد وهبت نفسها لك فَرَ فيها رأيك. فقام رجل فقال: يا رسول الله، أنكحنيها. قال:"هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ"؟. قال. لا. قال: "اذْهَبْ فَاطْلُبْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ". فذهب وطلب ثم جاء فقال: ما وجدت شيئًا ولا خاتمًا من حديد. قال: "هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ"؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا. قال: "فَاذْهَبْ فَقَدْ أَنْكَحْتُكهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". قال الشوكاني: المراد بالمعية هنا الحفظ عن ظهر قلبه. ووقع في رواية: "أَتَقْرَؤُهُنَّ عَلَى ظَهْرِ قَلْبِكَ". بعد قوله: معي سورة كذا ومعي سورة كذا. ووقع في رواية من حديث أبي هريرة: سورة البقرة أو التي تليها. كذا عند أبي داود والنسائي. ووقع في حديث ابن مسعود: نعم سورة البقرة وسورة من المفصل. وفي حديث ضميرة: زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا علي سورة البقرة لم يكن عنده شيء.

وفي حديث أبي أمامة: زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من أصحابه امرأة على سورة من المفصل، جعلها مهرًا وأدخلها عليه وقال: علمْها. وفي حديث أبي هريرة: "فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرأَتُكَ". وفي حديث ابن عباس: "أُزَوِّجُهَا مِنكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَهَا أَرْبَعَ أَوْ خَمْسَ سُوَرٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ". وفي حديث ابن عباس وجابر: "هَلْ تَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا"؟. قال: نعم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ =

ص: 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الْكَوْثَرَ}. قال: "أَصْدِقْهَا إِيَّاهَا".

قال ابن حجر: ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعضًا حفظ ما لم يحفظ بعض، أو أن القصة متعددة. ا. هـ.

قال الشوكاني: والحديث يدل على جواز جعل المنفعة صداقًا ولو كانت تعليم القرآن. قال المازري: وهذا يبنى على أن الباء للتعويض. كقولك: بعتك ثوبي بدينار. قال: وهذا هو الظاهر، وإلا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكرمة لكونه حاملًا للقرآن، لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم. إلى أن قال:

وقال عياض: يحتمل قوله: بما معك من القرآن وجهين، أظهرهما أن يعلمها ما معه من القرآن أو مقدارًا معينًا منه، ويكون ذلك صداقها. وقد جاء هذا التفسير عن مالك، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة:"فعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ". قال: وعين في حديث أبي هريرة مقدار ما يعلمها وهو عشرون آية. قال: ويؤيده ما أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل رجلًا من أصحابه: "يَا فُلَانُ، هَلْ تَزَوَّجتَ"؟. قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به. قال:"أَلَيْسَ مَعَكَ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ"؟. انظر نيل الأوطار.

وجواز النكاح على أن يعلمها قرآنًا هو مذهب الشافعي وإسحاق والحسن بن صالح. وقال أحمد: إن ذلك لا يجوز، ولها مهر مثلها إن وقع. وبذلك يقول أصحاب الرأي. ولأصحابنا في ذلك قولان أظهرهما الجواز لما رأيت من الدليل. قال البغوي: وفي الحديث دليل جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.

قلت: وسوف يأتي للمصنف قوله: وعلى الحذاق، وأخذها وإن لم تشترط.

قال البغوي: وفيه دليل على جواز أن يجعل منفعة الحر صداقًا. وجملته أن كل عمل جاز الاستئجار عليه، جاز أن يجعل صداقًا. قال: ولم يجوّز أصحاب الرأي ذلك.

قلت: العجب ممن يأبى عن جعل منفعة الحر صداقًا وهو يقول في نفس الوقت: إن شرع من قبلنا إذا ورد في شرعنا أنه كان شرعًا لهم، ولما يبيَّن لنا كونه شرعًا لنا ولا عدم ذلك، أنه شرع لنا، وقد ورد في القصص قول صالح مدين لموسى عليه الصلاة والسلام: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ =

ص: 104

وَلِكُلٍّ تَحْلِيفُ الآخَرِ فِيمَا يُفِيدُ إقْرارُهُ، إنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، وَلَا تُرَدُّ إِنِ اتَّهَمَهُ، وَرُجِّحَ بُدَاءَةُ حَلِفِ الزَّوْجِ: مَا أمَرَهُ إِلَّا بألْفٍ. ثُمَّ لِلْمَرأةِ الْفَسْخُ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى التَّزْوِيجِ بأَلْفَيْنِ، وَإِلَّا فكالاخْتِلَافِ فِي الصَّدَاقِ، وَإِنْ عَلِمَتْ بالتَّعَدِّي فَألْفٌ، وبِالْعَكْسِ ألْفَانِ، وإنْ عَلِمَ كُلٌّ وَعَلِمَ بعِلْمِ الآخَرِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فألْفَانِ، وَإِنْ عَلِمَ بِعِلْمِهَا فَقَطْ فألْفٌ، وبالْعَكْسِ فأَلْفَانِ. وَلَمْ يَلْزَمْ تَزْوِيجُ آذِنَةٍ غَيْرِ مُجْبرَةٍ بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ. وَعُمِلَ بِصَدَاقِ السِّر إذا أعْلَنَا غَيْرَهُ (1). وحَلَّفَتْهُ إِنِ ادَّعَتْ الرُّجُوعَ عَنْهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ أنَّ المُعْلَن لَا أَصْل لَهُ، وإن تَزَوَّجَ بثلاثينَ عَشَرَةٍ نَقْدًا وَعَشرةٍ إلى أجَلٍ وَسَكتَا عَنْ عَشَرةٍ سَقَطَتْ، ونَقدَهَا كذا مُقْتَضٍ لِقَبْضِهِ.

= إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}

(1)

. الآية. ومعلوم أن أصحاب المذاهب اختلفوا في هذه المسألة فقال الجمهور: يكون شرع من قبلنا - والحالة هذه - شرعًا لنا - محتجين بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}

(2)

الآية. وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}

(3)

الآية. وبقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا}

(4)

. الآية وخالف الشافعي فقال: لا يكون شرع من قبلنا شرعًا لنا. محتجًا بقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}

(5)

الآية. والمبحث معلوم في محله.

غير أن مثار العجب كون الإِمام أبي حنيفة والإِمام أحمد يمتنعان، والإِمام مالك يتردد في مسألة توافق أصولهم، في الوقت الذي يؤيدها الدليل من السنة البالغة القمة في الصحة، الأمر الذي جعل الشافعي يقول بها على الرغم من أنها تخالف أصوله، لو لم يرد الدليل فيها بالذات. والكمال لله سبحانه وتعالى. وهو ولي التوفيق.

(1)

وقوله: وعمل بصداق السر إذا أعلنا غيره، قال في المدونة: قلت: أرأيت إن سمى =

(1)

سورة القصص: 27.

(2)

سورة يوسف: 111.

(3)

سورة الأنعام: 90.

(4)

سورة الشورى: 13.

(5)

سورة المائدة: 48.

ص: 105

وَجَازَ نِكاحُ التَّفْويضِ والتَّحْكِيم (1) عَقدٌ بِلَا ذِكرِ مَهْرٍ بِلَا وَهَبْتُ، وفُسِخَ إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا قَبْلَهُ، وصُحِّحَ أنَّهُ زِنًا (2)، واسْتَحَقَّتْهُ بِالْوَطْءِ، لا بِمَوْتٍ أوْ طَلَاقٍ (3) إِلَّا أنْ يَفْرِضَ وتَرْضَى، ولَا تُصَدَّقُ فِيهِ بَعْدَهُمَا، وَلَهَا طَلَبُ التَّقْدِير وَلَزِمَهَا فِيهِ، وتَحْكِيمِ الرَّجُلِ إنْ فَرَضَ المِثْلَ وَلَا يَلْزَمُهُ، وَهَلْ تَحْكِيمُهُمَا وتَحْكِيمُ الْغَيْرِ كَذلِكَ أوْ إنْ فَرَضَ المِثْلَ لَزِمَهَا، وأقَلَّ لَزِمَهُ فَقَطْ وأكْثَرَ فَالْعَكْسُ، أوْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَا الزَّوْجِ والْمُحْكَّمِ وَهُوَ الْأظْهَر، تأوِيلَاتٌ، والرِّضَا بِدُونِهِ لِلْمُرْشَّدَةِ وللْأب ولَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، ولِلْوَصِيِّ قَبْلَهُ، لَا المُهْمَلَةِ، وَإِنْ فَرَضَ فِي مَرَضِهِ فَوَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَفِي الذِّمِّيَّةِ والْأمَةِ قَوْلَانِ. ورَدَّتْ زائدَ المِثْلِ إنْ وَطِئ، وَلَزِمَ إنْ صَحَّ، لَا إِنْ أبْرَأتْ قَبْلَ الْفَرْضِ، أوْ أسقَطَتْ شَرْطًا قَبْلَ وُجُوبِهِ.

= في السر مهرًا، وأعلن في العلانية مهرًا؟. قال: قال مالك: يؤخذ بالسر إن كانوا قد أشهدوا على ذلك عدولًا. ا. هـ. منه.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن هشام عن الحسن، قال: إذا تزوج الرجل المرأة وأشهد لها في السر بعشرين، وأشهد لها في العلانية بثلاثين. قال: صداقها الآخر. ا. هـ. وقال الأعظمي في التعليق عليه: وقد روى سعيد بن منصور، من طريق يونس، عن الحسن أنه كان يقول: يجوز السر ويبطل العلانية. ا. هـ.

وروى عبد الرزاق عن الثوري، عن جابر وغيره، عن الشعبي قال: إذا تزوج في السر بمهر، وفي العلانية بمهر أكثر منه، فالصداق الذي سمى في العلانية. قال سفيان: إلا أن تقوم البينة أنه كان سُمعة. ا. هـ. والله تعالى أعلم وأحكم.

(1)

وقوله: وجاز نكاح التفويض والتحكيم، ألخ. يريد به - والله أعلم - أنه يجوز بلا خلاف نكاح التفويض ونكاح التحكيم؛ فنكاح التفويض هو عقد بلا تسمية مهر. ونكاح التحكيم كذلك، فقد عرفهما المؤلف بقوله: عقد بلا ذكر مهر. فهو تعريف مشترك بينهما، ولكل من النوعين فصل =

ص: 106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= يتميز به؛ فالتفويض يتميز بأنه لم يصرف تعيين المهر فيه لحكم أحد، والتحكيم يتميز بكونه يصرف فيه تعيين المهر إلى أحد آخر؛ كأن يقول: تزوجتها على حكم فلان فيما يعينه من مهرها.

(2)

وقوله: وفسخ إن وهبت نفسها قبله وصحح كونه زنىً، أي وفسخ النكاح إن وهبت المرأة نفسها أو وهبها وليها للزوج، تريد بذلك تمليك ذاتها لزوجها، فإن النكاح فاسد يفسخ قبل الدخول، ويمضى بعده بصداق مثلها. وقال الباجي: يفسخ قبل البناء وبعده. وهو زنًا يجب الحد بموجبه، ولا يلحق به الولد، ولذلك قال المصنف: وصحح أنه زنىً. أي موجب للحد والتفريق بينهما أبدًا، ولا يلحق به الولد. وفي المدونة لابن وهب: قال: هبة المرأة نفسها للرجل لا تحل؛ لأنه خاص به صلى الله عليه وسلم، فإن أصابها فرق بينهما وعوقبا، ولها المهر بجهالتها. ا. هـ. بنقل جواهر الإِكليل.

وفي البغوي: باب من تزوج بلا مهر. وفي الموطإ عن مالك عن نافع أن ابنة عبيد الله بن عمر - وأمها بنت زيد بن الخطاب - كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات ولم يدخل بها، ولم يسمّ لها صداقًا، فابتغت أمها صداقها فقال عبد الله بن عمر: ليس لها صداق، ولو كان لها صداق لم نمسكه ولم نَظْلِمْهَا. فأبت أن تقبل ذلك، فجعلوا بينهم زيد بن ثابت، فقضى أن لا صداق لها ولها الميراث. ا. هـ. منهما.

قال البغوي: إذا رضيت المرأة البالغة بأن تزوج بلا مهر فزوجت، فلا مهر لها بالعقد، وللمرأة المطالبة بعد ذلك بالفرض، فإن فرض لها شيئًا فهو كالمسمى في العقد، وإن دخل بها قبل الفرض فلها مهر نساء عصبتها؛ من أختها وعمتها وبنات أخيها وبنات عمها، دون أمها وخالاتها، لأن نسب أمها وخالاتها لا يرجع إلى نسبها.

(3)

وقوله: واستحقه بالوطء لا يموت أو طلاق، قال في المدونة: قال مالك: إنما يجب لها صداق مثلها إذا بنى بها، فأما قبل البناء فدم يجب لها صداق مثلها؛ لأنها لو مات زوجها قبل أن يفرض لها وقبل البناء بها، لم يكن لها عليه صداق، وكذلك لو طلقها قبل البناء، أو مات، لم يكن لها عليه من الصداق قليل ولا كثير. فهذا يدُلك على أنه ليس لها صداق مثلها إلا بعد المسيس، إذا هو لم يفرض لها. ا. هـ. منه. =

ص: 107

وَمَهْرُ الْمِثْلِ مَا يَرْغَبُ بِهِ مِثْلُهُ فِيهَا؛ بِاعْتِبَارِ دينٍ وَجَمَالٍ، وَحَسَبِ وَمَالٍ وَبَلَدٍ وَأُخْتٍ شَقيقَةٍ أَوْ لأبٍ لا الأمِّ والْعَمَّةِ، وَفِي الفَاسِدِ يَوْمُ الْوَطْءِ. واتَّحَدَ المَهْرُ إِنِ اتَّحَدَتِ الشُّبْهةُ؛ كَالْغَالِطِ بِغَيْرِ عَالِمَةٍ، وإلَّا تَعَدَّدَ كالزِّنا بِهَا أَوْ بالمُكْرهَةِ، وَجَازَ شَرْطُ أن لَا يَضُرَّ بِهَا فِي عِشْرَةٍ أوْ كسْوَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَوْ شَرَطَ أن لَا يَطَأَ أمَّ وَلَدٍ أو سُرِّيَّةً لَزِمَ بِالسَّابِقَةِ مِنْهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ لَا فِي أمِّ وَلَدٍ سَابِقَةٍ فِي: لا أتَسَرَّى. وَلَها الْخِيارُ بِبَعْضِ شُرُوطِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ إنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا، وَهَلْ تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ النِّصْفَ فَزِيادَتُهُ؛ كَنِتَاجٍ وَغَلَّةٍ، ونُقْصَانُهُ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا أوْ لَا؟ خِلَافٌ. وعَلَيْهَا نِصْفُ قِيمَةِ المَوْهُوبِ والْمُعْتَق يَوْمَهُمَا، ونِصْفُ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، ولَا يُرَدُّ الْعِتْقُ إلَّا أنْ يَرُدَّهُ الزَّوجُ لِعُسْرِهَا يَوْمَ الْعِتْقِ، ثُمَّ إِنْ طَلَّقَهَا عَتَقَ النِّصْفَ بِلَا قَضَاء.

= قلت: ودليل مالك على ذلك حديث الموطإ المتقدم في ابنة عبيد الله بن عمر، التي كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر ومات عنها قبل أن يدخل بها. وبذلك قال علي بن أبي طالب، وابن عمر رضي الله عنهم، وابن عباس رضي الله عنهما، ومالك، والأوزاعي، والليث، وأحد قولي الشافعي، قالوا: ليس لها إلا الميراث فقط، ولا مهر لها ولا متعة؛ لأن المتعة لم ترد إلا للمطلقة، والمهر عوض عن الوطء ولم يقع من الزوج. وذهب جماعة إلى أن لها مهر مثلها؛ لأن الموت كالدخول في تقرير المسمى، فكذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى. وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. واحتجوا بما روي عن علقمة، عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها. لا وَكْسَ ولا شطَطَ. وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بَرْوَعَ بنت واشق - امرأةٍ منا - مثل ما قضيت. ففرح بها ابن مسعود. ا. هـ. أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي في النكاح، باب إباحة التزوج بغير ذكر الصداق. والترمذي في الرضاع، باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل =

ص: 108

وتَشَطَّرَ (1) وَمَزيدٌ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَهَدِيَّةٌ اشْتُرِطتْ لهَا أوْ لِوَلِيِّهَا قَبْلَهُ، وَلَهَا أخْذُهُ مِنْهُ بالطَّلاقِ قَبْل المَسِيسِ، وضَمَانُهُ إنْ هَلَكَ بِبَيِّنَةٍ، أوْ كَان مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا (2) وإِلَّا فَمِنَ الَّذِي فِي يَدِهِ. وتَعَيَّنَ مَا اشْتَرَتْهُ مِنَ الزَّوْجِ - وَهَلْ مُطْلَقًا؟. وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، أَوْ إنْ قَصَدَتْ التَّخْفِيفَ؟. تَأْوِيلانِ - وما اشْتَرتْهُ مِنْ جِهَازِهَا وَإِنْ مِنْ غَيْرِهِ، وسَقَطَ الْمَزيدُ فَقَطْ بِالْمَوْتِ. وَفِي تَشَطُّرِ هَدِيَّةٍ بَعْدَ العَقْدِ وَقَبْلَ البِنَاءِ، أوْ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَفُتْ إِلَّا أنْ يُفْسَخَ قَبْلَ البِنَاءِ، فَيأخُذُ الْقَائِمَ مِنْهَا، لَا إنْ فُسِخَ بَعْدَهُ رِوَايَتَانِ. وَفِي القَضَاءِ بِمَا يُهدَى عُرْفًا قَوْلَانِ، وَصُحِّحَ القَضَاءُ بِالْوَلِيمَةِ (3)، دُونَ أجْرَةِ الْمَاشِطَةِ، وَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ نَفَقَةِ الثَّمَرَةِ والْعَبْدِ. وَفِي أُجْرَةِ تَعْلِيم صَنْعَةٍ قَوْلَانِ. وعَلَى الْوَلِيِّ أَوْ الرَّشِيدَةِ مَئونَةُ الْحَمْلِ لِبَلَدِ الْبِنَاءِ المشْتَرَطِ إلَّا لِشَرْطٍ.

وَلَزِمَهَا التَّجْهِيزُ - علَى الْعَادَةِ - بِمَا قَبَضَتْهُ؛ إِنْ سَبَقَ الْبِنَاءَ (4) وقُضِيَ لَهُ إِنْ

= أن يفرض لها. وأخرجه ابن ماجه في النكاح. قال شعيب: صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. قال البغوي: وقال الشافعي: فإن كان يثبت حديث بروع بنت واشق، فلا حجة فيِ قول أحد دون النبي صلى الله عليه وسلم. فقال مرة عن معقل بن يسار، ومرة عن معقل بن سنان، ومرة عن بعض أشجع، قال الشوكاني: وروى الحاكم في المستدرك عن حرملة بن يحيى أنه قال: سمعت الشافعي يقول: إن صح حديث بروع بنت واشق قلت به. قال الحاكم: قال شيخنا أبو عبيد الله: لو حضرت الشافعي لقمت على رؤوس الناس وقلت: قد صح الحديث فقل به. ا. هـ. منه.

قلت: وقد تبين لك أن الحديث صحيح وأنه لا حجة في قول أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم والله الموفق. وهذا أعلم وأحكم.

(1)

وقوله وتشطر إلخ، هو لقوله تعالى:{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}

(1)

. فهي دليل على أنها ملكت نصف الصداق بمجرد العقد، =

(1)

سورة البقرة: 237.

ص: 109

دَعَاهَا لِقَبْضِ مَا حَلَّ، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ شَيْئًا فَيَلْزَمُ. وَلا تُنْفِقُ مِنْهُ، وَلَا تَقْضِي دَيْنًا إلا الْمُحْتَاجَةُ، وكَالدِّينَارِ. وَلَوْ طُولِبَ بصَدَاقِهَا لِمَوْتِهَا فَطَالَبَهُمْ بِإبْرَازِ جِهَازِهَا لَمْ يَلْزَمْهُمْ عَلى الْمَقُولِ. ولأبِيهَا بَيْعُ رَقِيقٍ سَاقَهُ الزَّوْجُ لَهَا للتَّجْهِيز. وَفِي بَيْعِهِ الْأصْلَ قَوْلَانِ. وَقُبِلَ دَعْوَى الْأبِ فَقَطْ فِي إعَارَتِهِ لَهَا فِي السَّنَةِ بِيَمِينٍ. وَإنْ خَالَفَتْهُ الابْنَةُ، لَا إنْ بَعُدَ وَلَمْ يُشْهِدْ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ فَفِي ثُلُثِهَا. واخْتَصَّتْ بِهِ إنْ أُورِدَ بَيْتَهَا أَوْ أَشْهَدَ لَهَا، أَوِ اشْتَراهُ الْأبُ لَهَا وَوَضَعَهُ عِنْدَ

= بدليل إن طرأ عليه أن يطلقها قبل أن يمسها وجب عليه أن يسلمها نصف ما سمى لها.

تنبيهٌ: ذكر ابن العربي في أحكامه أن دليل جواز نكاح التفويض مأخوذ من فحوى قوله تعالى: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} . قال: يؤخذ منه جواز نكاح التفويض. ا. هـ.

وقال المواق عند قوله: وتشطر ألخ، وعبارة المدونة: من تزوج بمهر مسمى، ثم زادها فيه طوعًا، فلم تقبض حتى مات أو طلق قبل الباء، لزمه نصف ما زاد في الطلاق، وسقط كله بالموت. ا. هـ.

(2)

وقوله: وضمانه إن هلك ببينة، أو كان مما يغاب عليه منهما، قال المواق: من المدونة: إن أنكحها بعرض بعينه، فضاع بيده ضمنه، إلا إن قامت بينة فيكون منها. ابن عرفة، وإن كان مما يغاب عليه. ففي المدونة واللخمي ضمانه منها، ولو كان هلك بيد الزوج قبل قبضها إياه، فله البناء بها ولا مهر عليه. ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: وصحح القضاء بالوليمة، قال المواق: ابن رشد، مذهب مالك أن الوليمة مندُوب إليها لا واجبةٌ، ولا يقضى بها. قال ابن سهل: الصواب القضاء بها. قال مالك: أرى أن يولم قبل البناء؛ لأن الوليمة لإِشهار النكاح، وإشهاره قبل البناء أفضل. ا. هـ.

(4)

وقوله: ولزمها التجهيز على العادة بما قبضته إن سبق الباء، تقرير معناه أن الزوجة يلزمها التجهيز على العادة في جهاز مثلها بما قبضته من مهرها، إن سبق القبض البناء. قال الدسوقي: وحاصل ما ذكره المصنف أن الزوجة الرشيدة إذا قبضت الحالّ من مهرها - قبل بناء الزوج بها - فإنه يلزمها أن تتجهز به على العادة؛ من حضر أو بدو، حتى لو كان العرف شراء خادم أو دار لزمها ذلك. ا. هـ. منه.

ص: 110

كأُمِّهَا. وَإنْ وَهَبَتْ لَهُ الصَّدَاقَ أوْ مَا يُصْدِقُهَا بِهِ قَبْلَ البِنَاءِ جُبِرَ عَلى دَفْعِ أقلِّهِ، وبَعْدَهُ أوْ بَعْضَهُ، فَالْمَوهُوبُ كَالْعَدَمِ عَلَى أنْ تَهَبَهُ على دَوَامِ الْعِشْرَةِ؛ كَعَطِيَّتِهِ لِذلِكَ فَفُسِخَ. وَإنْ أعْطَتْهُ سَفيهَةٌ مَا يُنْكِحُهَا بِهِ ثَبَتَ النِّكَاحُ، وَيُعْطِيهَا مِنْ مَالِهِ مِثْلَهُ. وإِنْ وَهَبَتْهُ لِأجْنَبِيٍّ وَقَبَضَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا اتَّبَعَهَا، وَلَمْ تَرْجِعْ عَلَيْهِ إلَّا أنْ تُبيِّنَ أنَّ المَوْهُوبَ صَدَاقٌ، وإنْ لَمْ يَقْبِضْهُ أُجْبِرَتْ هِيَ والمُطَلِّقُ إِنْ أيْسَرَتْ يَوْمَ الطَّلَاقِ. وَإنْ خَالَعَتْهُ عَلَى كَعَبْدٍ أَوْ عَشَرَةٍ وَلَمْ تَقُلْ: مِنْ صَدَاقِي. فَلَا نِصْفَ لَهَا، وَلَوْ قَبَضَتْهُ رَدَّتْهُ، لَا إِنْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي عَلَى عَشَرَةٍ. أوْ لَمْ تَقُلْ: مِنْ صَدَاقِي. فَنِصْفُ مَا بَقِيَ وتَقَرَّر بِالْوَطْءِ، وَيَرْجِعُ إنْ أصْدَقَهَا مَنْ يَعْلَمُ بعِتْقِهِ عَلَيْهَا. وَهَلْ إِنْ رُشِّدَتْ؟. وصُوِّبَ، أوْ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَعْلَمِ الْوَليُّ، تَأويلَانِ. وَإِنْ عَلِمَ دُونَهَا لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهَا، وَفِي عِتْقِهِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ. وإنْ جَنَى الْعَبْدُ فِي يَدِهِ فَلَا كَلَامَ لَهُ، وَإِنْ أَسْلَمَتْهُ فَلَا شَيْء لَهُ إِلَّا أنْ تُحَابِيَ؛ فَلَهُ دفْعُ نِصْفِ الأرْشِ والشِّرْكَةُ فيهِ، وَإِنْ فَدَتْهُ بِأرْشِهَا فأقَلَّ لَمْ يَأخُذْهُ إلَّا بِذلِك، وإنْ زَادَ عَلى قِيمَتِهِ وبأكْثَرَ فكالْمُحَابَاةِ، وَرَجَعَتِ الْمَرْأَةُ بِمَا أنْفَقَتْ عَلى عَبْدٍ أوْ ثَمَرَةٍ. وَجَازَ عَفْوُ أبيِ الْبِكْرِ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ؛ قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْدَ الطَّلَاقِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَبْلَهُ لِمَصْلَحَةٍ. وَهَلْ هُوَ وِفَاقٌ؟. تَأويلَانِ. وقَبَضَهُ مُجْبِرٌ وَوَصِيٌّ وصُدِّقَا وَلَوْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، وَحَلَفَا، ورجَعَ إنْ طَلَّقَهَا فِي مَالِهَا إن أيْسَرَتْ يَوْمَ الدَّفْعِ، وَإنَّمَا يُبْرِئُهُ شِرَاءُ جِهَازٍ تَشْهَدُ بَيِّنَةٌ بِدَفْعِهِ لَهَا، أوْ إِحْضَارِهِ بَيْتَ البِنَاءِ، أوْ تَوْجيهِهِ إلَيْهِ، وإلَّا فَالْمَرْأةُ - وَإِنْ قُبِضَ - اتَّبَعَتْهُ أوْ الزَّوْجَ. ولَوْ قَالَ الأبُ بَعْدَ الإِشْهَادِ بِالْقَبْضِ: لَمْ أَقْبِضْهُ. حَلَفَ الزَّوْجُ في كالْعَشْرَة الأيَّامِ.

ص: 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال المواق: ابن عرفة: المشهور وجوب تجهيز الحرة بنقدها العين، المتيطي: ويشترى منه الآكد فالآكد عرفًا؛ من فرش ووسائد وثياب وطيب وخادم إن اتسع لها. رواه محمد. قيل: وهو مذهب المدونة. ا. هـ، منه.

قلت: هذا الفرع أشكل عليَّ غاية الإِشكال، ووجه ذلك هو أنه يلزم المرأة أن تصرف من مهرها لمصلحة الزوج، ومعلوم أن الإِلزام والإِيجاب والقرض بمعنى، وقد أعطاها الله مهرها وحض على دفعه لها؛ قال تعالى:{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}

(1)

. وقد تقدم لك قول من يقول في قوله: {نِحْلَةً} أنها يراد بها هنا التدين بدفعه؛ كما يقال: فلان انتحل مذهب كذا. أي تدين به. ثم إنه تبارك وتعالى أذن للزوج فيما وهبته له زوجته من صداقها، عن طيب نفس لا على سبيل الفرض عليها واللزوم؛ قال تعالى:{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}

(2)

. الآية. ومعلوم أننا إذا ألزمناها بشراء جهاز بيتها - حسب العادة - مما قبضته، ربما اشترت به كله، بل وربما زادت من عندها، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار فتوى الدسوقي الذي يقول: وحتى لو كان العرف شراء خادم أو دار لزمها ذلك، ومعلوم أن السكنى ولوازمه على الرجل منذ خلق الله آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام؛ قال تعالى:{فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}

(3)

.

قال أبو عبد الله القرطبي: لا تقبلا منه؛ فيكون ذلك سببًا لخروجكما من الجنة فتشقى. - يعني: أنت وزوجك، لأنهما في استواء العلة واحد - ولم يقل: فتشقيان؛ لأنه لما كان الكادَّ عليها والكاسبَ لها كان بالشقاء أخص؛ ألا ترى أنه عقب بقوله: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} أي في الجنة. {وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} . قال: وإنما خصه بذكر الشقاء، ولم يقل: فتشقيان؛ يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج، قال: وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هي هذه الأربعة: الطعام والشراب والكسوة والمسكن. فهذه الأربعة لا بد لها منها؛ لأن بها إقامة المهجة. ا. هـ. =

(1)

و

(2)

سورة النساء: 4.

(3)

سورة طه: 117 - 119.

ص: 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= منه بتصرف.

ومعلوم أن هذه الأربعة أصعب ما فيها البيت وتجهيزه. وترى الدسوقي يلزمها البيت إن جرت العادة بشرائه!. فهل جريان العادة يخرج الباطل عن كينونته باطلًا؟! فإن القرآن يخاطبنا بقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا}

(1)

. الآية. وفي الوقت نفسه يقول المختصر: ولزمها التجهيز على العادة بما قبضته، ويأتي الشارح فيقول: وحتى لو كان العرف بشراء خادم أو دار، لزمها ذلك؛ أما شراء الخادم فإن له وجهة من النظر إذا جرى العرف بشرائه؛ لأن خدمة الزوج ربما كانت تلزمها شرعًا إذا لم تكن مخدومة أصلًا، وسيأتي للمصنف الكلام على ذلك في النفقات، وأما شراء الدار وتجهيز الدار، فكيف تلزم ببذل حلالها في شراء ما أوجب الله لها على زوجها؟!. نعم، إن تبرعت هي بذلك عن طيب نفس منها، وبدون إلزام لها من قبل العرف، لكان للزوج الاعتبار في قوله تعالى:{فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}

(2)

. الآية، علمًا بأنني - انطلاقًا من كامل الثقة بهؤلاء الأجلاء؛ والشارحين والمحشين له - قمت بما يمكنني من التفتيش في كتب السنة - ما تناولته يدي منها - لعلي أقف على واحدة من أمهات المؤمنين قامت بتجهيز بيتها، أو من الصحابيات رضي الله عنهن، فلم أجد من ذلك إلا أثرًا واحدًا أخرجه عبد الرزاق؛ أن امرأة لسلمان الفارسي رضي الله عنه جهزت بيتها بجهاز كبير، فامتنع سلمان من دخول البيت حتى يخرج ذلك الجهاز. ولفظه: عبد الرزاق عن ابن جريج قال: حدثت أن سلمان الفارسي تزوج امرأة، فلما دخل عليها وقف على بابها، فإذا هو بالبيت مستور فقال: ما أدري أمحموم بيتكم أم تحولت الكعبة في كندة؟. والله لا أدخله حتى تهتك أستاره. فلما هتكوها فلم يبق منها شيء دخل، فرأى متاعًا كثيرًا وجواري فقال: ما هذا المتاع؟. قالوا: متاع امرأتك وجواريها. قال: والله ما أمرني حِبِّي بهذا. أمرني أن أمسك مثل أثاث المسافر. الحديث. وذكر البيهقي طرفًا منه وقال: إنه منقطع.

أما الصداق فلم أر إلا أن القرآن ينهى الأزواج عن أخذ شيء منه إلا عن طيب نفس من المرأة؛ =

(1)

سورة البقرة: 229.

(2)

سورة النساء: 4.

ص: 113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قال تعالى في سورة البقرة: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا}

(1)

. قال القرطبي: "أنْ" في موضع رفع بـ"يَحِلُّ". والآية خطاب للأزواج نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئًا على وجه المضارة. قال: وخص بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم؛ لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صداقًا وجهازًا، فلذلك خص بالذكر. ا. هـ. منه.

وقال تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}

(2)

. ولا يخفاك أن هذا التشنيع جار على المفارق، ومع ذلك فإن القرآن يستعطفه هذا الاستعطاف، ألا ترى أن الزوج الملازم الذي لم يطلق أولى بذلك منه، وأنه أحق أن لا يأخذ مما آتاها شيئًا؟! فإن قيل: إنه لم يأخذ منها شيئًا، ولكنها هي التي اشترت به جهازًا جرت العادة بشرائه. فالجواب: إنها إنما اشترت ذلك على سبيل أنها يلزمها ذلك، وأنها إن لم تأت به طولبت به أمام المحاكم، فصار أخذه منها على هذا القبيل أخذًا عن غير طيب نفس، وإنما أباح الله من صداق المرأة ما طابت نفسها.

وحاصل هذا المبحث أني أبديت به وجه استشكالي لهذا الفرع، الذي هو قول المصنف: ولزمها التجهيز على العادة بما قبضته، فلعل هؤلاء الجهابذة اطلعوا على دليل له لم أطلع عليه، وذلك ظني بهم. والله يغفر لنا ولهم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

على أن الحافظ ابن حجر في الفتح استدل بحديث الواهبة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: وأستدل به على جواز استمتاع الرجل بشورة امرأته وما يشترى بصداقها لقوله: "إنْ لَبِسته" مع أن النصف لها، ولم يمنعه مع ذلك من الاستمتاع بنصفه الذي وجب لها بل جوز له لبسه كله. ا. هـ. منه. وهذا لا يرد على استشكالي؛ لأنه لا منازع في جواز تمتعه بشورتها، وما اشترت من صداقها طائبة نفسها بذلك وبدون إلزام لها بذلك، إنما مورد الإِشكال كونها تكلف ببذل ما استحلته ببضعها في شراء جهاز تأتي به لزوجها. والله تعالى الموفق.

(1)

سورة البقرة: 229.

(2)

سورة النساء: 20 - 21.

ص: 114

‌فَصْلٌ

إِذَا تَنَازَعَا فِي الزَّوْجِيَّةِ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ، وَلَوْ بالسَّمَاعِ بالدُّفِّ والدُّخَانِ (1)، وَإلَّا فَلَا يَمِينَ وَلَوْ أقامَ المدَّعِي شَاهِدًا وَحَلَفَتْ مَعَهُ وَوَرِثَتْ، وأُمِرَ الزَّوْجُ بِاعْتِزالِهَا لِشَاهِدٍ ثَانٍ زَعمَ قُربَهُ، فإنْ لَمْ يأتِ بِهِ فَلَا يَمِينَ عَلَى الزوجينِ. وَأُمِرَتْ بانْتِظَارِهِ لبَيِّنَةٍ قرِيبَةٍ، ثُمَّ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُه إنْ عَجَّزهُ قَاضٍ، مُدَّعِيَ حُجَّةٍ، وظَاهِرُهَا الْقَبُولُ إنْ أقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ، ولَيْسَ لِذِي ثَلَاثٍ تَزْوِيجُ خَامِسَةٍ إِلَّا بَعْدَ طَلَاقِهَا. وَلَيْسَ إنْكَارُ الزَّوْجِ طَلَاقًا، ولَوِ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ فأنْكَرَتْهُمَا -أوْ أحَدَهُمَا- وأقَامَ كُلٌّ البَيِّنَةَ فُسِخَا كَالْوَلِيَّيْن. وَفِي التَّوْرِيثِ بإقْرارِ الزَّوْجَيْنِ غَيْرِ الطَّارِئَيْنِ، والإِقْرَارِ بِوَارِثٍ وَلَيْسَ ثَمَّ وَارِثٌ ثَابِتٌ خِلَافٌ، بِخِلَافِ الطَّارِئَيْنِ، وَإِقْرَارِ أبَوَيْ غَيْرِ الْبَالِغَيْنِ، وَقوْلِهِ: تَزَوَّجْتُكِ. فَقَالَتْ: بَلَى. أوْ قَالَتْ: طَلَّقْتَنِي. أوْ: خَالَعْتَنِي. أوْ قَال: اخْتَلَعْتِ مِنِّي. أوْ: أنَا مِنْكِ مُظَاهِرٌ، أَوْ حَرَامٌ، أوْ بَائِنٌ فِي جَوابِ: طَلِّقْنِي. لَا إنْ لَمْ يُجَبْ. أوْ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. أوْ أقَرَّ فَأنْكَرَتْ ثُمَّ قَالَتْ: نَعَمْ. فأنْكَرَ. وفِي قَدْرِ الْمَهْرِ أوْ صِفَتِهِ أوْ جِنْسِهِ، حَلَفَا وفُسِخَ. والرُّجُوعُ لِلأشْبَهِ. وانْفِسَاخُ النِّكَاحِ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ. وَغَيْرُهُ كالْبَيْعِ إِلَّا بَعْدَ بِنَاءٍ أوْ طَلَاقٍ أوْ مَوْتٍ فَقَوْلُهُ بِيَمِينٍ. ولَوِ ادَّعَى تَفْويضًا عِنْدَ مُعْتَادِيهِ فِي الْقَدْر والصِّفَةِ، وَرَدَّ المِثْلَ فِي جِنْسِهِ، مَا لَمْ يَكنْ ذلك فَوْقَ قِيمَةِ مَا ادَّعتْ، أَوْ دُونَ دَعْوَاهُ، وثَبَتَ النِّكَاحُ. وَلَا كَلَامَ لِسَفِيهَةٍ. وَلَوْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً عَلَى صَدَاقَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ لَزِمَا، وقُدِّر طَلَاقٌ بَيْنَهُمَا، وكُلِّفَتْ بَيَانَ أنَّه بَعْدَ الْبِنَاءِ. وَإِنْ قَالَ. أصْدَقْتُكِ أبَاكِ. فَقَالَتْ: أمِّي. حَلفَا وعَتَقَ الأبُ، وإنْ حَلَفَتْ دُونَهُ عَتَقَا وَوَلاؤهُمَا لَهَا. وفِي قَبْضِ ما حَلَّ؛ فَقَبْلَ البِنَاءِ قَوْلُهَا، وبَعْدَه

ص: 115

قَوْلُهُ بِيَمِينٍ فيهما. عَبْدُ الوَهَّابِ: إلَّا أن يَكُونَ بكِتَابٍ. وإسْمَاعِيلُ: بأَن لا يَتأخَّرَ عَنِ البِنَاءِ عُرْفًا.

وَفِي مَتَاعِ الْبَيْتِ؛ فَلِلْمَرْأةِ المُعْتادُ لِلنِّسَاءِ فَقَطْ بِيَمينٍ، وَإِلَّا فَلَهُ بِيَمِينٍ. وَلَهَا الْغَزْلُ إِلَّا أنْ يَثْبُتَ أنَّ الكتَّانَ لَهُ فشَرِيكَانِ، وَإنْ نَسَجَتْ كُلِّفَتْ بَيَانَ أنَّ الْغَزْلَ لها. وَإنْ أقَامَ الرَّجُلُ بَيِّنَةً عَلَى شِرَاءِ مَالَهَا حَلَفَ وَقُضِيَ لَهُ بهِ كالْعَكْسِ. وفي حَلَفِهَا تأويلَانِ.

(1)

وقوله: بالدف والدخان، قال البغوي: إعلان النكاح وضرب الدف فيه مستحب، وقد روي عن القاسم بن محمد، عن عائشة بإسناد غريب، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَعْلِنُوا هذَا النِّكَاحَ، واجْعَلُوهُ في الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ" أخرجه الترمذي في النكاح. وفي إسناده عيسى بن ميمون الأنصاري وهو ضعيف، غير أنه روي من حديث الرُّبَيِّع بنت معوِّذ بن عفراء.

قالت: جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حين بُني عليَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربْن بالدُّفِّ، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر؛ إذ قالت إحداهن: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال:"دَعِي هذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ". قال البغوي: هذا حديث صحيح. قلت: وهو في البخاري باب ضرب الدف في النكاح والوليمة. وفي البخاري أيضًا عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم:"يَا عَائِشَةُ مَا كانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ". قال ابن حجر في فتح الباري: قوله: ما كان معكم لهو، في رواية شريك فقال:"فَهَلْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا جَارِيَةً تَضْرِبُ بِالدُّفِّ وَتُغَنِّي؟ ". قلت: تقول ماذا؟. قال: "تقول:

أتيناكم أتيناكم

فحيانا وحياكم

لولا الذهب الأحـ

ـمَر ما حلت بواديكم

ولولا الحنطة السمرا

ءُ ما سمنت عذاريكم"

وفي البغوي عن محمد بن حاطب الجمحي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ =

ص: 116

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الصَّوْتُ والدُّفُّ في النِّكَاحِ". قال البغوي: وقوله: الصوت، فبعض الناس يذهب به إلى السماع، وهذا خطأ، إنما معناه إعلان النكاح، واضطراب الصوت به. ا. هـ. منه.

قلت: حمل الصوت هنا على السماع أرى أنه صواب، قال في فتح الباري: وأخرج النسائي من طريق عامر بن سعد، عن قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاريين قال: إنه رخص لنا في اللهو عند العرس. الحديث. وصححه الحاكم والطبراني من حديث السائب بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقيل له: أترخص في هذا؟. قال: "نَعَمْ، إِنَّهُ نِكَاحٌ لَا سِفَاحٌ، أَشِيدُوا النِّكَاحَ". وأيضًا فإن حديث الربيّع المتقدم فيه الإِقرار على الضرب بالدف والغناء في العرس. وكذا في حديث عائشة، ولا سيما في رواية شريك له. وبالله تعالى التوفيق.

تنبيهٌ: ذكر ابن حجر أن المرأة الأنصارية التي زفتها عائشة هي الفارعة بنت أسعد بن زرارة، أوصى بها أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فزوجها من نبيط بن جابر الأنصاري. ا. هـ.

وأما الدخان، فلم أجد ذكر الدخان في شيء من السنة، إلا ما ذكره الحطاب في حاشيته عند قول خليل: الوليمة مندوبة بعد البناء يومًا، قال: يؤيدُه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر هو وأصحابه ببني زريق، فسمعوا غناء ولعبًا فقال:"مَا هذَا"؟. فقالوا: نكاح فلان يا رسول الله. فقال: "كَمَّلَ دِينَهُ، هذَا النِّكَاحُ لَا السِّفَاحُ، وَلَا نِكَاحَ حَتَّى يُسْمَعَ دُفَّ أَوْ يُرَى دُخَانٌ". وبالله التوفيق. ا. هـ. منه.

ص: 117

‌فَصْلٌ فِي الْوَلِيمَةِ

الْوَلِيمَةُ مَنْدُوبَةٌ بَعْدَ الْبِنَاءِ (1) يَوْمًا. تَجِبُ إجَابَةُ مَنْ عُيِّن (2) -وإنْ صائما (3) - إن لَمْ يَحْضُرْ مَنْ يَتَأذّى بِهِ، ومُنْكَرٌ كَفَرْشِ حَرِيرٍ وصُوَرٍ عَلى كَجِدَارٍ (4)، لا مَعَ لَعِبٍ مُبَاحٍ (5) وَلَوْ في ذِي هَيْئَةٍ عَلى الأصَحِّ. وكثْرَةُ زَحَامٍ وإغْلَاقُ بَابٍ دُونَهُ. وفي وُجُوبِ أكْلِ المُفْطِرِ تَردُّدٌ (6). وَلَا يَدْخُلُ غَيْرُ مَدْعُوٍّ إلَّا بإذْنٍ. وَكُرِهَ نَثْرُ اللَّوْز والسُّكرِ لَا الْغِرْبَالُ، ولَوْ لِرَجُلٍ. وفي الكِبَرِ والمِزْهَرِ ثالثها يَجُوزُ في الكِبَرِ. ابن كنَانَة: وتَجُوزُ الزمارةُ والبُوقُ.

فصل في الوليمة

قال ابن قدامة: الوليمة اسم لطعام العرس خاصة، ولا يقع هذا الاسم على غيره، قاله ابن عبد البر عن ثعلب وغيره من أهل اللغة. وقال بعض الفقهاء أن الوليمة يقع على كل طعام لسرور حادث، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر. قال: والعذيرة: اسم لدعوة الختان، وتسمى الإِعذار. والخرس والخرسة عند الولادة. والوكيرة دعوة البناء؛ يقال: وكَّر وخرَّس بالتشديد. والنقيعة عند قدوم الغائب. والعقيقة الذبح لأجل الولد. قال الشاعر:

كل الطعام تشتهي ربيعة

الخرسُ والأعذارُ والنَّقيعة

قال: والمأدبة هي اسم لكل دعوة -لسبب كانت أو لغير سبب- ويقال لصاحبها: الآدب.

نحن في المشتاة ندعو الجَفَلَى

فلا يرى الآدب منا ينتقر

والجفلى هي الدعوة العامة. والنَّقرى هو أن يخص قومًا دون قوم، ا. هـ. منه بتصرف.

(1)

قوله: الوليمة مندوبة بعد البناء يومًا، قال الحطاب: قال مالك: كان ربيعة يقول: إنما يستحب الطعام في الوليمة؛ لإِثبات النكاح وإظهاره ومعرفته؛ لأن الشهود يهلكون. قال ابن رشد: يريد أن هذا هو المعنى الذي من أجله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوليمة؛ وحض عليها بقوله لعبد الرحمن بن عوف: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". وبما أشبه ذلك من الآثار. قال: وقوله صحيح يؤيده ما =

ص: 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر هو وأصحابه ببني زريق فسمعوا غناء ولعبًا، فقال:"مَا هذَا"؟. فقالوا:

نكحُ فلان يا رسول الله. فقال: "كَمَّلَ دِينَهُ، هذَا النِّكَاحُ لَا السِّفَاحُ، وَلَا نِكَاحَ حَتَّى يُسْمَعَ دُفٌّ أَوْ يُرَى دُخَانٌ". ا. هـ. منه.

وقوله: بعد البناء، قال المواق: تقدم عند قوله: وصحح القضاء بالوليمة أن الندب أن تكون قبل البناء، والنص لمالك أنها بعد البناء. ا. هـ. منه.

قال الحطاب: قال في العارضة: قال ابن حبيب: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب الطعام على النكاح عند عقده وعند البناء، وليس كما زعم؛ ما أطعم قط إلا بعد البناء. ا. هـ. منه.

والدليل على مشروعية الوليمة قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف "أَوْلِمْ وَلَو بِشَاةٍ". وقال أنس: ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه ما أولم على زينب بنت جحش؛ أوْلم بشاة. رواه البخاري.

فإن أولم بشيء غير الشاة جاز ذلك؛ فقد أولم النبي صلى الله عليه وسلم على صفية بحيْس، وأولم على بعض نسائه بمدّين من شعير. رواه البخاري. ا. هـ. المغني.

قال في فتح الباري: قال ابن بطال: قوله -يعني البخاري- الوليمة حق، أي ليست بباطل بل يندب إليها، وهي سنة فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب، ثم قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها.

قال: كذا قال. وأغفل رواية في مذهبه بوجوبها نقلها القرطبي. وقال: إن مشهور المذهب أنها مندوبة. ا. هـ. منه.

ولبعض الشافعية رواية بوجوبها. وأوجبها ابن حزم. قالوا: لأنه أمر بها عبد الرحمن بن عوف، والأمر حقيقة في الوجوب.

تنبيهٌ: الذي يؤيده الدليل -على الرغم من الاختلاف في ذلك- أن وقت الوليمة المستحب هو بعد البناء. قال في فتح الباري: والمنقول من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنها بعد البناء. كأنه يشير إلى قصة زينب بنت جحش. قال: وقد ترجم عليه البيهقي في وقت الوليمة. قال: وحديث أنس في هذا الباب، صريح أنها بعد الدخول؛ لقوله فيه:"أَصْبَحَ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ فَدَعَا الْقَوْمَ". ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: تجب إجابة من عين، دليله ما ورد في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَليمَةِ فَلْيَأْتِهَا". وهو حديث =

ص: 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= متفق عليه. أخرجه الشيخان عن طريق مالك. ولمسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ".

قال البغوي: من كان له عذر، أو كان الطريق بعيدًا تلحقه المشقة، فلا بأس أن يتخلف.

واستدل لذلك بحديث رواه عبد الرزاق عن عطاء قال: دُعِيَ ابنُ عباس إلى طعام، وهو يعالج أمر السقاية، فقال للقوم: أجيبوا أخاكم، واقرؤوا عليه السلام، وأخبروه أني مشغول. ا. هـ. من البغوي بتصرف قليل.

تنبيهٌ: إنما تجب إجابة الدعوة إلى وليمة النكاح فقط، أما الدعوة إلى غير ذلك فإنما تستحب إجابتها لقوله صلى الله عليه وسلم عند البخاري:"لَوْ دُعيتُ إِلَى كُراعٍ لأَجَبْتُ".

تنبيه: إنما تجب الدعوة في اليوم الأول من أيام وليمة العرس. وإلى ذلك يرمي المصنف بقوله: يومًا؛ وذلك لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِي مَعْرُوفٌ، وَالثَّالِثُ رِيَاءٌ وسُمْعَةٌ". رواه أبو داود وابن ماجه.

(3)

وقوله: وإن صائمًا، دليله ما رواه شعبة عن أبي جعفر الفرَّاء قال: عملت طعامًا، فدعوت عبد الله بن شدَّاد بن الهاد، فجاء وهو صائم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطرًا، فَلْيُطْعِمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ". أخرجه البغوي.

وفي البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَجِيبُوا هذِهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا". قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وفي غير العرس. وهو صائم. ا. هـ. منه.

(4)

وقوله: إن لم يحضر من يتأذى به، ومنكر كفرش حرير وصور على كجدار، قال الحطاب: قال ابن العربي في العارضة: اتفق العلماء على أنه إذا رأى منكرًا، أو خاف أن يراه، أنه لا يجيب. وقال الدردير: كمن شأنهم الوقوع في أعراض الناس؛ فإن حضر من ذكر لم تجب الإِجابة. ا. هـ.

ويشترط إن لم يكن هناك منكر؛ كفرش حرير يجلس هو أو غيره عليه بحضرته، ولم تكن =

ص: 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= هناك صور على كجدار، والدليل على هذا الفرع الحديث المتفق عليه؛ وهو في الموطإ وفي البغوي ولفظه: عن عائشة أنها اشترت نمرقةً فيها تصاوير، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخُلْ، فعرفَتْ في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسول الله، فماذا أذنبت؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فَمَا بَالُ هذِهِ النِّمْرَقَةُ"؟ قالت: اشتريتها لَك تقعد عليها وتوسَّدُها. فقال: "إنَّ أَصْحَابَ هذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ". ثم قال: "إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ".

قال البغوي: فيه دليل على أن من دعي إلى وليمة فيها شيء من المناكير أو الملاهي، فإن الواجب أن لا يجيب، إلا أن يكون ممن لو حضر تترك وترفع بحضوره أو بنهيه. ا. هـ.

قال البغوي: وكذلك إذا دعاك من أكثر ماله من حرام، أو من لا تأمن أن يلحقك في إجابته ضرر في دين أو دنيا، فلا عليك الإِجابة. ا. هـ. منه.

(5)

قوله: لا مع لعب مباح، أي لا يجوز التخلف عن إجابة دعوة الوليمة مع لعب مباح خفيف؛ كدف وغناء مثل ما أقر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الربيّع المتقدم، أو في حديث إهداء عائشة رضي الله عنها للفارعة بنت أسعد بن زرارة، وقد تقدم التنبيه على كل ذلك والحمد لله الموفق.

(6)

وقوله: ولا يدخل غير مدعوّ إلا بإذن، يعني أن غير المدعو للوليمة لا يجوز له دخول محل الوليمة، سواء أكل أو لم يأكل، إلا بإذن الداعي إليها. قالوا: ما لم يكن تابع ذي هيئة يعلم عادة أنه لا يجيء وحده، فلا يحرم دخوله؛ وذلك لما روي عن أبي مسعود الأنصاري قال: كان فينا رجل نازل يقال له أبو شعيب، وكان له غلام لحَّام، فقال لغلامه: اجعل لي طعامًا لعلّي أدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم خامس خمسة، فتبعه رجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل:"إِنَّكَ دَعَوْتَنِي خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَإِنَّ هذَا تَبِعَنِي، فإِنْ أَذِنْتَ لَهُ وَإِلَّا رَجَعَ". قال: لا بل آذَن له. ا. هـ. قال البغوي هذا حديث متفق على صحته، أخرجه محمد عن محمد بن يوسف، وأخرجه مسلم عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن يوسف عن سفيان، قال: وفيه دليل على أنه لا يحل طعام الضيافة لمن لم يدع إليها. ا. هـ. منه. وبالله تعالى التوفيق.

ص: 121

‌فَصْلٌ فِي بَيَانِ القسْمِ لِلزَّوْجَاتِ

إنَّمَا يَجِبُ الْقَسْمُ للزَّوْجَاتِ (1) فِي الْمَبِيتِ، وَإنْ امْتَنَعَ الْوَطْءُ شَرْعًا أَوْ طَبْعًا؛ كَمُحْرِمَةٍ وَمُظَاهَرٍ مِنْهَا وَرَتْقَاءَ لَا فِي الْوَطْءِ، إِلَّا لإِضْرَارٍ كَكَفِّهِ لِتَتَوَفَّرَ لَذَّتُهُ لِأخْرَى. وَعَلَى وَلِيِّ المجْنُونِ إِطَافَتُهُ، وَعَلى المَرِيضِ إلَّا أن لَا يَسْتَطِيعَ فَعِنْدَ مَنْ شَاءَ، وَفَاتَ إِنْ ظَلَمَ فِيهِ؛ كَخِدْمَةِ مُعْتَقٍ بَعْضُهُ يَأْبَقُ، وَنُدِبَ الإِبْتِدَاءُ بِاللَّيْلِ (2)، وَالمَبِيتُ عِنْدَ الْوَاحِدَةِ (3). والْأمَةُ كَالحُرَّةِ (4). وَقُضِيَ لِلْبِكْرِ بِسَبْعٍ وَلِلثَّيِّب بِثَلَاثٍ (5) وَلَا قَضَاءَ وَلَا تُجَابُ لِسَبْعٍ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى ضَرَّتِهَا فِي يَوْمِهَا إلّا لِحَاجَةٍ. وَجَازَ الأثْرَةُ عَلَيْهَا بِرِضَاهَا (6) بِشَيْء أوْ لَا؛ كإعْطائِهَا عَلى إمْسَاكِهَا وَشِرَاءِ يَوْمِهَا مِنْهَا (7)، وَوَطْءُ ضَرَّتِهَا بِإذْنِهَا والسَّلَامُ بِالْبَابِ، والبَيَاتُ عِنْدَ ضَرَّتِهَا إِذَا أغْلَقَتْ بَابَهَا دُونَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ يَبِيتُ بِحُجْرَتِهَا، وبِرِضَاهُنَّ جَمْعُهُنَّ بِمَنْزِلَيْنِ منْ دَارٍ وَاسْتِدْعَاؤهُنَّ لمحَلِّهِ، والزِّيَادَةُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.

(1)

وقوله: إنما يجب القسم للزوجات في المبيت، أي بأن يبيت عند كل واحدة منهن ليلة واليوم الذي يليها، ويجوز بأكثر إن رضيا به، وحيث إن القصد من المبيت عند الزوجة الأنس وذإهاب الوحشة، كان اللازم فعله وإن امتنع الوطء شرعًا أو عقلًا. دليله الحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبِضَ عن تسع نسوة، وكان يقسم منهن لثمان. أخرجه البخاري عن ابراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف. وأخرجه مسلم عن إسحاق بن ابراهيم عن محمد بن بكر، كلاهما عن ابن جريج، وزاد مسلم: التي لا يقسم لها صفية بنت حُيي بن أخطب.

وروي عن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم وقال: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ". أخرجه أبو داود في النكاح، باب القسم بين النساء. وأخرجه الترمذي في النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر. وأخرجه ابن ماجه، والدارمي، وصححه ابن حبان.

قال البغوي: مراده بالميل، الميل بالفعل، ولا يؤاخذ بميل القلب إاذا سوى بينهن في فعل =

ص: 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= القسم. قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}

(1)

الآية، أي لا تتبعوا أَهواءكم بأفعالكم.

وروي عن أبي قلابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللّهُمَّ هذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ". أخرجه أبو داود في النكاح، باب في القسم بين النساء. وأخرجه الترمذي في النكاح وأخرجه ابن ماجه. وإسناده قوي وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي. كذا قال الأرناؤوط.

تنبية: الحديث الصحيح الذي روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة وله تسع نسوة -رواه البخاري- فيه الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجب عليه القسم بين زوجاته، وإنما كان يفعل ذلك تطييبًا لخواطرهن. وقوله تعالى في الأحزاب:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ}

(2)

. خير دليل على ذلك. وبالله التوفيق.

(2)

وقوله: وندب الابتداء بالليل، قال ابن قدامة: لا خلاف في هذا؛ لأن الليل للسكن؛ يأوي فيه الإِنسان إلى منزله وأهله، وينام في فراشه مع زوجته عادة، والنهار للمعاش والخروج والتكسب. قال الله تعالى:{وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا}

(3)

. وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا}

(4)

. وقال تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ}

(5)

. قال: والنهار يدخل في القسم تبعًا لليل، بدليل ما روي أن سودة وهبت يومها لعائشة، متفق عليه. ولما روي عن عائشة: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي -وإنما قبض صلى الله عليه وسلم نهارًا- ويتبع اليوم الليلة الماضية قبله لأن النهار تابع الليل.

(3)

وقوله: والمبيت عند الواحدة، أي ويندب -على من له زوجة واحدة- أن يبيت عندها لأن تركها تبيت وحدها فيه ضرر، وربما تعين عليه المبيت عندها لخوف لص أو سارق.

تنبيه: قال الحطاب: اختلف في أقل ما يقضى به على الرجل من الوطء؛ فقال بعضهم: ليلة من أربع. ومأخذه من أن للرجل أن يتزوج أربعًا من النساء. وقضى عمر بمرة في الطهر؛ =

(1)

سورة النساء: 129.

(2)

سورة الأحزاب: 51.

(3)

سورة الأنعام: 96.

(4)

سورة النبأ: 10، 11.

(5)

سورة القصص: 73.

ص: 123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= لأن ذلك يحلها ويحصنها. وقال ابن فرحون: يستحب أن يجامعها في كل أربع ليال مرة. لطيفةٌ: ذكر ابن قدامة عن الشعبي أن كعب بن سور كان جالسًا عند عمر بن الخطاب، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلًا قط أفضل من زوجي؛ والله إنه ليبيت ليله قائمًا ونهاره صائمًا. فاستغفر لها عمر وأثنى عليها. قال: فاستحيت المرأة وقامت راجعة، فقال كعب: يا أمير المؤمنين، هلا أعديت المرأة على زوجها؟. فجاء الرجل، فقال عمر لكعب: اقض بينهما، فإنك فهمت من أمرهما ما لم أفهم. قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن، فأقضي له بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة. فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب إليَّ من الآخر، اذهب فأنت قاضٍ على أهل البصرة. انتهى منه بتصرف قليل.

تنبيه: في حديث مسلم: "فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ وَفِرَاشٌ لِلضَّيْفِ وَفِراشٌ لِلشَّيْطَانِ". أخذ منه أنه ليس على الرجل النوم مع امرأته في فراش واحد، وإنما حقها في الوطء خاصة. ا. هـ، الخطاب.

(4)

وقوله: والأمة كالحرة، قال المواق: المذهب على التسوية بين الحرة والأمة خلافًا لابن الماجشون. قال ابن قدامة: وقال مالك في إحدى الروايتين عنه: يسوى بين الحرة والأمة في القسم، لأنهما سواء في حقوق النكاح؛ من النفقة، والسكنى، وقسم الابتداء. واستدل ابن قدامة لمذهبه عند قول الخرقي: ويقسم لزوجته الأمة ليلة وللحرة ليلتين وإن كانت كتابية، قال: وبهذا قال علي بن أبي طالب، وسعيد المسيب، ومسروق والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وذكر أنه مذهب الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي. قال: ويشهد له ما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة وللحرة ليلتين. رواه الدارقطني واحتج به أحمد.

قلت: وهذا الأثر ذكره البيهقي في السنن الكبرى؛ أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، نا سعدان بن نصر، نا سفيان بن عيينة عن ابن أبي ليلى، عن المنهال ابن عمرو، عن عياد بن عبد الله الأسدي قال: قال علي رضي الله عنه: إذا نكحت الحرة على الأمة، فلهذه الثلثان ولهذه الثلث. قال: وأخبرنا أبو محمد، أنا أبو سعيد، نا سعدان، نا سفيان عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب مثله. وقال سليمان بن يسار: من السنة أن الحرة =

ص: 124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= إذا قامت على ضرار فلها يومان وللأمة يوم، ثم ساق البيهقي سندًا بذلك إلى عبد الرحمن بن أبي الزناد قال. أخبرني أبي عن سليمان بن يسار فذكره. ا. هـ. منه. وبالله تعالى التوفيق.

(5)

وقوله: وقضى للبكر بسبع وللثيب بثلاث، العمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ منهم الشعبي، ومالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق. ودليل ما ذهبوا إليه حديث مروي عن أنس اتفق الشيخان على تخريجه، ولفظه:

عن أنس قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، واذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثُمَّ قَسَمَ. قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم. ا. هـ.

وفي صحيح مسلم وفي الموطإ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوح أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: "لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنّ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ"؟. فقالت: ثَلِّثْ. ا. هـ. قال البغوي: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك. وأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن محمد بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام، عن أبيه عن أم سلمة. ا. هـ.

قلت: والظاهر أن الصواب: عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. والله تعالى أعلم وأحكم.

وخالف جماعة منهم سعيد بن المسيب، والحسن، وخلَّاس بن عمرو، ونافع مولى ابن عمر، قالوا: للبكر ثلاث وللثيب ليلتان. وهو مذهب الأوزاعي. وقال أصحاب الرأي والحكم وحماد: لا فضل للجديدة في القسم، فإن أقام عندها شيئًا قضاه للباقيات.

قال أبو عمر بن عبد البر: الأحاديث المرفوعة في هذا الباب على ما قلناه، وليس مع من خالفنا حديث، والحجة مع من أدلى بالسنة. ا. هـ. المغني.

تنبيه: الحكمة في هذه الزيادة للجديدة هي أنها إن كانت بكرًا فإنها خفرة حيية، فاحتيج معها إلى فضل مهلة ليصل الزوج منها إلى أرَبِهِ، وأما الثيب فإنها قد جربت الرجال فلم يحتج معها ذلك، غير أنها لما استحدثت الصُحبة، أكرمت بزيادة وصلة. قاله البغوي في شرح السنة. =

ص: 125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (6) وقوله: وجاز الأثرة عليها برضاها الخ. ففي صحيح البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا زهير عن هشام عن أبيه عن عائشة. أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة. ا. هـ.

قال في فتح الباري: وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات، من رواية القاسم بن أبي بزة مرسلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق سودة، فقعدت له في طريقه فقالت: والذي بعثك بالحق مالي في الرجال حاجة، ولكن أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني لموجدة وجدتها عليَّ؟. قال:"لَا" قالت: فأنشدك لما راجعتني. قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ا. هـ. منه بلفظه.

وقال ابن قدامة: وروى ابن ماجه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على صفية بنت حيي في شيء، فقالت صفية لعائشة: هل لك أن ترضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك يومي؟. فأخذت خمارًا مصبوغًا بزعفران فرشته ليفوح ريحه، ثم اخترمت به وقعدت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إلَيْكِ يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ لَيْسَ يَوْمَكِ". قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فأخبرته بالأمر فرضي عنها. ا. هـ. منه.

تنبيه: نقل الحطاب عن الرائد فيما في حديث أم زرع من الفوائد للقاضي عياض ما نصه: وفيه إكرام الرجل بعض نسائه -بحضرة ضرائرها- بما يراه من قول أو فعل وتخصيصها بذلك، إذا لم يكن قصده الأثرة والميل، بل لسبب اقتضاه ومعنى أوجبه؛ من تأنيس وحشته منها، أو مكافأة جميل صدر عنها. وقد أجاز بعضهم تفضيل إحداهما على الأخرى في الملبس إذا وفى الأخرى حقها، وأن يتحف إحداهما ويلطفها إذا كانت شابة أو بارة به، ولمالك نحو من هذا، ولأصحابه.

قال ابن حبيب، والمساواة أولى. والمكروه من ذلك كله ما قصد به الأثرة والميل والتفضيل لا سبب سواه، ا. هـ. منه.

(7)

وقوله: وشراء يومها منها، قال المواق: مالك فيمن يعطي امرأته شيئًا في يومها، ليكون فيه عند الأخرى، قال: الناس يفعلونه، وغيره أحب إليَّ، ولا يعجبني شراء المرأة من صاحبتها يومها من زوجها، وأكرهه، وأرجو خفة شراء ليلة لا أكثر. ابن رشد: ظاهره أن شراء المرأة أشد =

ص: 126

لَا إن لَمْ يَرْضَيَا. وَدُخُولُ حَمَّامٍ بِهِمَا، وَجَمْعُهُمَا فِي فِرَاشٍ وَلَوْ بِلَا وَطْء. وفي مَنْعِ الأمَتَيْنِ وكراهَتِهِ قَوْلَانِ. وَإنْ وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا مِنْ ضَرَّةٍ فَلَهُ الْمَنْعُ لَا لَهَا، وَتَخْتَصُّ ضرَّتُها بِخِلَافٍ مِنْهُ، ولَهَا الرُّجُوعُ، وإنْ سَافَر اخْتَارَ، إلَّا فِي الغَزْوِ والحَجِّ فيُقْرِعُ، وتُؤوِّلَتْ بالاخْتِيَارِ مُطْلَقًا (1).

= كراهة من شراء الرجل؛ لأن المرأة لا تدري ما يحصل لها بما أعطت؛ فقد لا يصيبها في تلك الليلة، والرجل يدري ما يحصل له. ا. هـ. منه.

وقال الإِمام البغوي: إذا وهبت بعضهن نوبتها لضرتها، فلا يلزم في حق الزوج، فإن له أن يدخل على الواهبة ولا يرضى بغيرها عنها، فإن رضي الزوج فجائز. ا. هـ. وبالله تعالى التوفيق.

(1)

وقوله: وإن سافر اختار إلا في الغزو والحج فيقرع، وتؤولت بالاختيار مطلقًا، يريد به -والله أعلم- وإنْ سافر الزوج، أي إن أراد السفر، اختار من شاء منهن للسفر معه، إلا إذا أراد السفر إلى الحج أو إلى الغزو في سبيل الله، فتلزمه القرعة حينئذ بينهن؛ لأن المشاحة تعظم في سفر القربات. واختيار ابن القاسم من أربعة أقوال نسبت لمالك، وهي الاختيار مطلقًا، والقرعة مطلقًا، والقرعة في الحج والغزو فقط، والقرعة في الغزو فقط، هو -أي اختيار ابن القاسم- الاختيار مطلقًا قال الدسوقي هنا: واعلم أن المدونة قالت: إن أراد الزوج السفر اختار من نسائه واحدة للسفر معه. فبعضهم أبقاها على ظاهرها من الاختيار مطلقًا، وبعضهم حملها على ما إذا كان السفر لغير الحج أو الغزو، وأما لهما فيقرع فيهما وظاهر الذخيرة يدل على أن هذا هو المشهور. ا. هـ. منه. بلفظه.

قلت: الذي يؤيده الدليل ما ذهب إليه الشافعي وأحمد؛ من أنه يجب على من أراد السفر أن يقرع بين نسائه، وعلى ذلك أكثر أهل العلم. ودليله الحديث المتفق عليه عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقْرع بين نسائه، وأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. متفق عليه.

وفي البخاري أيضًا عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد السفر، أقرع بين نسائه، فصارت القرعة لعائشة وحفصة. ا. هـ.

قال ابن قدامة: ولا يلزمه القضاء للحاضرات بعد قدومه. وهذا قول أكثر أهل العلم. وحكي:

ص: 127

وَوَعَظَ مَنْ نَشَزَتْ، ثُمَّ هَجَرَهَا، ثُمَّ ضَرَبَهَا إنْ ظَنَّ إِفَادَتَهُ (1). وَبِتَعَدِّيهِ زَجَرَهُ الْحَاكِمُ. وسَكَّنَهَا بَيْنَ قَوْمٍ صَالِحينَ إِنْ لَهْا تَكُنْ بَيْنَهُمْ، وإنْ أَشْكَلَ بَعَثَ حَكَمَيْنِ -وَإنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا- مِنْ أهْلِهِمَا إن أمْكَنَ (2) ونُدِبَ كَوْنُهُمَا جَارَيْنِ، وَبَطَلَ حُكْمُ غَيْرِ الْعَدْلِ، وَسَفِيهٍ، وامْرَأةٍ، وَغَيْر فَقِيهٍ بِذلِكَ. ونَفَذَ طَلَاقُهُمَا وَإنْ لَمْ يَرْضَ الزّوْجَانِ والْحَاكِمُ (3)، ولو كانا مِن جِهَتِهِمَا، لا أكْثَرُ مِنْ واحِدَةٍ أوْقَعَا. وتَلْزَمُ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْعَدَدِ. وَلَهَا التَّطْلِيقُ بالضَّرَرِ البَيِّنِ، ولَوْ لَمْ تَشْهَدْ البَيِّنَةُ بِتَكَرُّرِهِ، وعَلَيْهِمَا الإِصْلاحُ، فإنْ تَعَذَّر، فَإنْ أسَاءَ الزَّوْجُ طَلَّقَا بِلَا خُلْعٍ، وبِالْعَكْسِ ائتَمَنَاهُ عَلَيْهَا، أوْ خَالَعَا لَهُ بِنَظَرِهِمَا، وإنْ أسَاءَا مَعًا، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ بِلَا خُلْعٍ أوْ لَهُمَا أنْ يُخَالِعَا بِالنَّظَرِ، وعَلَيْهِ الأكثَرُ؟. تَأْويلَانِ، وأتَيَا الْحَاكِمَ فأخْبَراهُ فَنَفَّذَ حُكْمَهُمَا. ولِلزَّوْجَيْنِ إقَامَةُ وَاحِدٍ عَلى الصِّفَةِ، وفِي الْوَلِيَّيْنِ والْحَاكِمِ تَرَدُّدٌ. وَلَهُمَا -إنْ أقَامَهُمَا- الإِقْلَاعُ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبَا الْكَشْفَ وَيَعْزِمَا عَلَى الْحُكْمِ. وإنْ طَلَّقَا وَاخْتَلَفَا فِي الْمَالِ؛ فَإنْ لَمْ تَلْتَزِمْهُ فَلَا طَلَاقَ.

= عن داود أنه يقضي لهن لقوله تعالى: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}

(1)

.

قال: ولنا أن عائشة لم تذكر قضاء في حديثيها. وإن هذه التي سافر بها يلحقها من التعب ومشقة السفر بإزاء ما حصل لها من السكن. قال: وإذا خرجت القرعة لإِحداهن، لم يجب عليه السفر بها، وله تركها والسفر وحده؛ لأن القرعة لا توجب وإنما تعين من تستحق التقديم، وإن أراد السفر بغيرها لم يجز لأنها تعينت بالقرعة، فلم يجز العدول عنها إلى غيرها. ا. هـ. منه. باختصار. وبالله التوفيق.

(1)

وقوله: ووعظ من نشزرت، ثم هجرها، ثم ضربها إن ظن إفادته، تقريره أن المرأة إن نشزت -أي خرجت عن طاعة زوجها- بمنعه من وطئها والاستمتاع بها، أو بخروجها من بيته بلا =

(1)

سورة النساء: 129.

ص: 128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= إذن منه، أو بترك حقوق الله؛ من غسل جنابة أو صلاة أو صيام رمضان، كان عليه أن يعظها بما يلين به قلبها، للرغبة في ثواب طاعة الله والخوف من عقاب معصيته، فإن لم يفد فيها الوعظ والإِرشاد، هجرها في مضجعها بترك النوم معها وترك الاستمتاع بها، ولا يبلغ بذلك الهجران أربعة أشهر، فإن لم يفد الهجران، ضربها ضربًا غير مبرح؛ وهو الذي لا يكسر عظمًا ولا يشين جارحة، بشرط أن يظن إفادة الضرب، فإن تحقق أو ظن أو شك عدم إفادة الضرب تركه؛ لأن الوسيلة إذا لم يترتب عليها المقصود لا تشرع، وأما الوعظ والهجران، فلا يشترط فيهما ظن الإِفادة لعدم تأثيرهما في الذات، والدليل قول الله تعالى في سورة النساء:{وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}

(1)

. قال البغوي: نشوزهن أي عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج. وقيل: النشوز كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه. يقال: نشزت المرأة تنشز فهي ناشز بغير هاء، قال الشافعي: وفي الآية دلالة على ما يمكن أن تعاقب فيه المرأة، أو تعاتب عليه؛ فإذا رأى منها دلالة على الخوف من فعل وقول، وعظها، فإن أبدت نشوزها، هجرها، فإن أقامت عليه ضربها. وقوله تعالى:{وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ}

(2)

. قال البغوي: هو أنَّ المرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح على المرأة بنفسه إذا كان غيرها أحبَّ إليه منها. قال: يقال شحَّ يشح؛ بضم الشين وبكسرها. ا. هـ. منه.

وفي الحديث: عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ". فأتاه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ذَئرَ النساء على أزواجهنَّ، فائذن في ضربهنَّ. فأطاف بآل محمد نساء كثيرٌ كلهن يشكون أزواجهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأةً كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَاجَهُنَّ وَلَا تَجِدُونَ أُولئِكَ خِيَارَكُمْ". وهذا الحديث أخرجه البغوي بهذا اللفظ. وقال: إياس بن عبد الله بن أبي ذباب لا تعرف له صحبة. قاله محمد بن إسماعيل. قال شعيب: خالفه أبو حاتم وأبو زرعة فأثبتا صحبته، كما في الجرح والتعديل، ورجح قولهما الحافظ في تهذيب التهذيب. ا. هـ.

وحديثه هذا أخرجه الشافعي وابن ماجه، والدارمي، وأبو داود، وصححه ابن حبان، =

(1)

سورة النساء: 34.

(2)

سورة النساء: 128.

ص: 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= والحاكم، ووافقه الذهبي. ا. هـ.

وقوله في الحديث: ذَئِرَ النساء، أي اجترأن ونشزن. يقال: امرأة ذَئِرٌ. والذائر النفور. قال الأصمعي: يقال امرأة ذائر بوزن فاعل، والذائر أيضًا يقال للمغتاظ على خصمه، المستعد للشر، ذكره البغوي.

قال: والحديث فيه دليل على أن ضرب النساء في منع حقوق النكاح مباح. قال: ثم وجه ترتيب السنة على الكتاب في الضرب، يحتمل أن يكون نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ضربهن قبل نزول الآية، ثم لما ذَئِرَ النساء أذن في ضربهن ونزل القرآن موافقًا له، ثم لما بالغوا في الضرب، أخبر أن الضرب، وإن كان مباحًا على شكاسة أخلاقهن، فإن التحمل والصبر على سوء أخلاقهن وترك الضرب أفضل وأجمل.

وأما إذا كان النشوز من قبل الزوج، فإن منعها حقًا من حقوقها أُجبر على أدائه لها؛ وإن لم يمنعها شيئًا من حقها، لكنه يكره صحبتها فيفارقها في المضجع، أو يريد طلاقها، فلا حيلة؛ لأن ذلك مباح له، فإن سمحت المرأة بترك بعض حقها -من قسم أو نفقة- طلبًا للصلح فحسنٌ. قال الله تعالى:{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا}

(1)

.

قالت عائشة: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري، فأنت في حل من النفقة عَليَّ، والقسمة لي. فذلك قوله تعالى:{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}

(2)

. الآية.

(2)

وقوله: وإن أشكل بعث حكمين ألخ، دليله قوله تعالى من سورة النساء:{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}

(3)

. الآية. قال البغوي: الشقاق العداوة والخلاف؛ لأن كل واحد منهما يكون في شق، أي في ناحية. قال: ومن ذلك قوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}

(4)

. الآية. =

(1)

سورة النساء: 128.

(2)

سورة النساء: 128.

(3)

سورة النساء: 35.

(4)

سورة ص: 2.

ص: 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وفي شرح السنة للبغوي من حديث ابن سيرين عن عبيدة أنه قال في هذه الآية {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} الآية. قال: جاء رجل وامرأة إلى عليٍّ، ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم عليّ فبعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟. عليكما إن رأيتما أن تجمعا، أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا، أن تفرقا. قال: قالت المرأة: رضيت بكتاب الله، بما علي فيه ولي. وقال الرجل: أمَّا الفرقة فلا. فقال: عليٌّ: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به. ا. هـ.

(3)

وقوله: ونفذ طلاقهما وإن لم يرض الزوجان والحاكم، يروى ذلك عن عليّ، وابن عباس، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وابن المنذر لقوله تعالى:{فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} . وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل.

وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس

قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: ان رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما. قال معمر: وبلغني أن الذي بعثهما عثمان. ا. هـ.

والرواية الثانية عن الإمام أحمد؛ أن الحكمين وكيلان لهما لا يملكان التفريق إلا بإذنهما. قال ابن قدامة: وهذا مذهب عطاء، وأحد قولي الشافعي، وحكي ذلك عن الحسن، وأبي حنيفة. قالوا: لأن البضع حقه، والمال حقها وهما رشيدان، فلا يجوز لغيرهما التصرف فيه الا بوكالة منهما أو ولاية عليهما. ا. هـ.

قلت: وأما رجحان الرواية الأولى فغني عن التنبيه. والله تعالى الموفق.

ص: 131

‌بَابٌ في الخُلْع

جَازَ الْخُلْعُ (1) -وَهُوَ الطَّلَاقُ- بِعِوَضٍ (2) وبلا حَاكِمٍ (3)، وبِعِوَضٍ مِنْ غَيْرِهَا إِنْ تَأهَّلَ، لَا مِن صَغيرَةٍ وسَفيهَةٍ وَذي رقٍّ. ورَدَّ الْمَالَ وَبَانَتْ. وجَازَ مِنَ الأَبِ عَنِ المجْبَرَةِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ. وفي خُلْعِ الأَبِ عَنِ السَّفِيهَةِ خِلَافٌ، وبالْغَرَرِ كَجَنِينٍ وَغَيْرِ مَوْصُوفٍ، ولَهُ الْوَسَطُ، ونَفَقَةِ حَمْلٍ -إنْ كَانَ- وبإسْقَاطِ حَضَانَتِهَا، وَمَعَ البَيْع، ورَدَّتْ لِكَإِبَاقِ الْعَبْدِ مَعَهُ نِصْفَهُ، وعُجِّلَ المؤجَّلُ بِمَجْهُولٍ، وتُؤُوِّلَتْ أيْضًا بِقِيمَتِهِ، ورُدَّتْ دَرَاهِمُ رَدِيئةٌ إِلَّا لِشَرْطٍ، وقِيمَةُ كَعَبْدٍ اسْتُحِقَّ، والْحَرَامُ كَخَمْرٍ وَمَغْصُوبٍ وإنْ بَعْضًا، ولا شَيْءَ لَهُ كَتَأْخَيرهَا دَيْنًا عَلَيْهِ، وَخُروجِهَا مِنْ مَسْكَنِهَا، وتَعْجِيلِهِ لَهَا ما لَا يَجِبُ قَبُولُهُ، وَهَلْ كَذَلِكَ إنْ وَجَبَ أو لا؟ تَأويلانِ.

(1)

قوله: جاز الخلع، قال ابن حجر في الفتح: هو بضم المعجمة وسكون اللام. وهو في اللغة فراق الزوجة على مال. مأخوذ من خلع الثوب، لأن المرأة لباس الرجل معنىً. قال: وضم مصدره فرقًا بين الحسي والمعنوي. ا. هـ. منه.

تنبيه: ذكر ابن دريد في أماليه أن أول خلع كان في الدنيا أن عامر بن الظَّرِب زوج ابنته من ابن أَخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلما دخل عليها نفرت منه، فشكا إلى أبيها فقال: لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها. قال: فزعم العلماء أن هذا كان أول خلع في العرب ا. هـ. من فتح الباري.

وأما أول خلع في الإِسلام فهو ما كان من امرأة ثابت بن قيس بن شماس؛ أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلُق ولا دين ولكنِّي أكره الكفر في الإِسلام. فقال رسول صلى الله عليه وسلم:"أَتَرُدِّين عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ".

قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً". فهو أول خلع وقع في الإِسلام. والله تعالى أعلم. =

ص: 132

. . . . . . . . . . . . . . . . .

= (2) وقوله: وهو الطلاق بعوض، كونه طلاقًا، مروي عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وقبيصة، وشريح، ومجاهد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والنخعي، والشعبي، والزهري، ومكحول، وابن أبي نجيح، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وإحدى الروايتين عن الإِمام أحمد بن حنبل، وأحد أقوال ثلاثة منسوبة للشافعي. قال ابن قدامة: وهو مروي عن عثمان، وعلي، وابن مسعود. ولكن ضعّف أحمد الحديث عنهم. ا. هـ.

والدليل من السنة ما رواه البخاري في صحيحه قال: حدثنا أزهر بن جميل، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، صت عكرمة، عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنِّي أكر الكفر في الإِسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ"؟. قالت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً". ا. هـ.

قال ابن حجر: نص الشافعي في أكثر كتبه الجديدة أن الخلع طلاق، وهو قول الجمهور، فإذا وقع بلفظ الخلع وما تصرف منه نقص العدد، وكذا إن وقع بغير لفظه مقرونًا بنيته. قال: وقد نص الشافعي -في الإِملاء- على أنه من صريح الطلاق، وحجة الجمهور أنه لفظ لا يملكه إلا الزوج فكان طلاقًا، ولو كان فسخًا لما جاز على غير الصداق كالإِقالة، لكن الجمهور على جوازه بما قل وكثر، فدل ذلك على أنه طلاق. ا. هـ. محل الغرض منه.

وقال ابن حجر أيضًا في الكلام على الحديث جـ 9/ ص 403: وفيه أن الصحابي إذا أفتى بخلاف ما روى إن المعتبر ما رواه لا ما رآه؛ لأن ابن عباس روى قصة امرأة ثابت بن قيس، الدالة على أن الخلع طلاق. وكان يفتي بأن الخلع ليس بطلاق. قال: لكن ادعى ابن عبد البر شذوذ وذلك عن ابن عباس، إذ لا يعرف له أحد نقل عنه أنه فسخ إلا طاوس. قال: وفيه نظر؛ لأن طاوسًا ثقة حافظ فلا يضره تفرده، ولا نعلم أحدًا ذكر الاختلاف في المسألة إلا وجزم أن ابن عباس كان يراه فسخًا. قال: ولكن الشأن في كون قصة ثابت بن قيس صريحة في كون الخلع طلاقًا. ا. هـ. منه بتصرف قليل.

وقوله: بعوض، قال ابن حجر: أجمع العلماء على مشروعيته، إلا بكر بن عبد الله المزني

ص: 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= التابعي المشهور، فإنه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ في مقابل فراقها شيئًا لقوله تعالى: {فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}

(1)

. فأوردوا عليه قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}

(2)

. فادعى نسخها بآية النساء. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه. قال الحافظ ابن حجر: وتعقب قول بكر بن عبد الله هذا مع شذوذه بقوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}

(3)

. وبقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا}

(4)

. وبالحديث، وكأنه لم يبلغه أو لم يثبت عنده. قال: وانعقد الإِجماع بعده على اعتباره، وعلى أن آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الأخريين. قال: وضابطه شرعًا أنه فراق الرجل زوجته ببذل قابل للعوض يحصل لجهة الزوج. ا. هـ. منه.

والتحقيق أن ذلك العوض لا حدّ له، لا في أكثره ولا في أقله، فقد أخرج البخاري تعليقًا قوله: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها. قال ابن حجر: العقاص -بكسر المهملة وتخفيف القاف، آخره صاد مهملة- جمع عقصة وهو ما يربط به شعر الرأس بعد جمعه. قال: وأثر عثمان هذا رويناه موصولًا في أمالي أبي القاسم بن بشران، من طريق شريك، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي، فأجاز ذلك عثمان. قال: وأخرجه البيهقي من طريق روح بن القاسم، عن ابن عقيل مطولًا، وقال في آخره: فدفعت إليه كل شيء حتى أجفت الباب بيني وبينه. ا. هـ. وقال: قال سعيد بن منصور: حدثنا هشام عن المغيرة عن ابراهيم: كان يقال الخلع ما دون عقاص رأسها. ا. هـ. وعن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: يأخذ من المختلعة حتى عقاصها. ا. هـ.

ومن طريق قبيصة بن ذؤيب: إذا خالعها جاز أن يأخذ أكثر مما أعطاها. ثم تلا: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}

(5)

قال: وسنده صحيح. قال: ووجدت أثر عثمان بلفظ آخر أخرجه ابن سعد في ترجمة الربيع بنت معوذ من طبقات النساء، قال: أنبأنا يحيى بن عباد، حدثنا فليح بن سليمان، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت: كان بيني وبين ابن عمي كلام -وكان زوجها- قالت: فقلت له: لك كل شيء وفارقني. قال: قد فعلت. فأخذ والله كل =

(1)

سورة النساء: 20.

(2)

سورة البقرة 229.

(3)

سورة النساء: 4.

(4)

سورة النساء: 128.

(5)

سورة البقرة: 229.

ص: 134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= شيء حتى فراشي، فجئت عثمان وهو محصور، فقال: الشرط أملك، خذ كل شيء حتى عقاص رأسها. ا. هـ. قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها. وقال مالك: لم أر أحدًا ممن يقتدى به يمنع ذلك، ولكنه ليس من مكارم الأخلاق. ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: وبلا حاكم، فقد أخرج البخاري تعليقًا: وأجاز عمر الخلع دون السلطان. قال العيني في عمدة القاري على البخاري: أي أجاز عمر بن الخطاب الخلع دون السلظان، أي بغير حضور السلطان، وأراد به الحاكم. ووصله ابن أبي شيبة عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن خيثمة قال: أتى بشر بن مروان في خلع كان بين رجل وامرأته فلم يجزه، فقال له عبد الله بن شهاب: شهدت عمر بن الخطاب أتى في خلع كان بين رجل وامرأته فأجازه. وحكاه أيضًا عن ابن سيرين، والشعبي، ومحمد بن شهاب، ويحيى بن سعيد، ا. هـ. منه. وقال ابن قدامة: ولا يفتقر الخلع إلى حاكم. نص عليه أحمد، وروى البخاري ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما. وبه قال شريح، والزهري، ومالك والشافعي، وإسحاق، وأهل الرأي. ا. هـ. منه.

وهل يجوز الخلع والحال عامرة والأخلاق ممتثلة؛ أي والحال أنها غير فارك وغير منتقمة لخلق ولا دين؟. قال ابن قدامة: يكره ذلك، فإن فعلت صح الخلع في قول أكثر أهل العلم. منهم أبو حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي، ويحتمل من كلام أحمد تحريمه؛ فإنه قال: الخلع مثل حديث سهلة، تكره الرجل فتعطيه المهر، فهذا الخلع. وبهذا قال داود وابن المنذر. قال: وروي معناه عن ابن عباس وكثير من أهل العلم؛ وذلك لأن الله تعالى قال: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}

(1)

. فدل بمفهومه على أن الجناح لاحِقٌ بهما إذا افْتَدَتْ من غير خوف، ثم غَلّظ بالوعيد فقال:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . وأيضًا فإنه روي عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ". رواه أبو داود. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْمُخْتَلعَاتُ =

(1)

سورة البقرة: 229.

ص: 135

وبانَتْ وَلَوْ بِلَا عِوَضٍ نُصَّ عَلَيْهِ أوْ عَلَى الرَّجْعَةِ كإعْطَاءِ مَالٍ فِي الْعِدَّةِ على نَفْيِهَا؛ كَبَيْعِهَا أَوْ تَزْويجِهَا. والمُخْتَارُ نَفْي اللُّزومِ فِيهِمَا. وطَلَاقٍ حُكِمَ بِهِ إِلَّا لإِيلَاء وعُسْرٍ بنفقةٍ، لَا إِنْ شُرِطَ نَفْيُ الرَّجْعَةِ بِلَا عِوَضٍ، أوْ طَلَّقَ أوْ صَالح وأَعْطى. وهَلْ مُطْلَقًا؟ أوْ إلَّا أن يقصدَ الخُلْعَ؟. تأويلان.

وَمُوجِبُهُ زَوْجٌ مُكَلَفٌ ولو سَفيهًا، أوْ وَليُّ صغير أبًا أوْ سَيِّدًا أو غَيرَهُمَا، لَا أَبُ سَفِيهٍ وسَيِّدُ بالغٍ. ونَفَذَ خُلْعُ الْمَريضِ وورثَتْهُ دُونَهَا؛ كَمُخَيَّرَةٍ ومُمَلَّكَةٍ فيه، ومُولىً مِنْهَا وَمُلَاعَنةٍ، أو أحْنَثَتْهُ فِيهِ، أوْ أسْلمَتْ، أوْ عَتَقَتْ، أَوْ تزوجَتْ غَيْرَهُ. وَوَرثَتْ أَزْواجًا وَإِنْ فِي عِصْمَةٍ. وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ بِصِحَّةِ بَيِّنَةٍ، وَلَوْ صَحَّ ثُمَ مَرِضَ فَطَلَّقَهَا ثانِيَةً لم تَرِثْ إِلَّا في عِدَّةِ الطلاقِ الأولِ. والإِقْرارُ بِهِ فِيهِ كإِنْشَائِهِ. والعِدَّةُ مِنَ الإِقْرَارِ، ولو شُهِدَ بَعْدَ مَوْتهِ بِطَلَاقِهِ فَكَالطَّلَاقِ في المرض، وإِن أشْهَدَ به في سَفَرٍ، ثم قَدِمَ وَوَطِئ وَأنْكَرَ الشَّهَادَةَ فُرِّقَ ولا حَدَّ.

= وَالْمُنْتَزعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ". رواه أبو حفص، ورواه أحمد في المسند، وذكره محتجًا به، قال: وهذا يدل على تحريم المخالعة لغير حاجة، ولأنه إضرار بها وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة، فحرم لقوله عليه الصلاة والسلام: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ". ا. هـ. منه.

وأما إن عضل زوجته، وضارها بأي نوع من أنواع الضرر، يريد بذلك أن تفدي نفسها منه ففعلت، فالخلع باطل والعوض مردود. روي ذلك عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والشعبي والنخعي، والقاسم بن محمد، وعروة وعمرو بن شعيب وحميد بن عبد الرحمن والزهري. وبه قال مالك والثوري وقتادة والشافعي وإسحاق، قالوا: لأنه عوض أكرهن على بذله بغير حق، فلم يستحق؛ كالثمن في البيع، والأجر في الإِجارة، ولأن الله تعالى يقول {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}

(1)

. ويقول سبحانه وتعالى: {لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ}

(2)

.

(1)

سورة البقرة: 229.

(2)

سورة النساء: 19.

ص: 136

وَلَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ صِحَّتِهِ فَكَالمُتَزَوِّجِ فِي الْمَرَضِ. وَلَمْ يَجُزْ خُلْعُ الْمَرِيضَةِ. وَهَلْ يُرَدُّ أَوِ المُجَاوِزُ لإِرْثِهِ يَوْمَ مَوْتِهَا وَوُقِفَ إِلَيْهِ؟. تَأْويلَانِ. وَإنْ نَقَصَ وَكِيلُهُ عَنْ مُسَمَّاهُ لَمْ يَلْزَمْ، أوْ أَطْلَقَ لَهُ أَوْ لَهَا، حَلَفَ أنَّه أرادَ خُلْعَ المِثْلِ. وَإنْ زَادَ وَكيلُهَا فَعَلَيْهِ الزِّيادَةُ ورُدَّ الْمَالُ بِشَهَادَةِ سَمَاعٍ عَلى الضَّرَرِ، وبِيَمينهَا مَعَ شَاهِدٍ أَوِ امْرأَتَيْنِ. وَلَا يَضُرُّهَا إِسْقَاطُ البَيِّنَةِ المُسْتَرْعِيَةِ علَى الْأصَحِّ، وبِكَوْنِهَا بائِنًا لا رَجْعِيَّةً، أَوْ لِكَوْنِهِ يُفْسَخُ بِلَا طَلَاقٍ أَو لِعَيْبِ خِيَارٍ بِهِ، أَو قَالَ: إِنْ خَالَعْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. لا إنْ لَمْ يَقُلْ: ثَلَاثًا، ولزمه طَلْقَتَانِ. وجَازَ شَرْطُ نَفَقَةِ وَلَدِهَا مُدَّةَ رَضَاعِهِ، فَلَا نفقَةَ لِلْحَمْلِ. وسَقَطَتْ نَفَقَةُ الزَّوْجِ أَو غَيْرهِ، وَزائدٌ شُرِطَ كَمَوْتِهِ. وَإِنْ مَاتَتْ. أَوْ انْقَطَعَ لَبَنُهَا، أَوْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَعَلَيْهَا، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الآبِقِ والشَّارِدِ إِلَّا لِشَرْطٍ، لَا نَفَقَةُ جَنِينٍ إلَّا بَعْدَ خروجِهِ. وأُجْبِرَ عَلَى جَمْعِهِ مَعَ أُمِّه. وفي نَفَقَةِ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا قَوْلَانِ. وكَفَتْ المُعَاطَاةُ وَإنْ عُلِّقَ بِالْإِقْبَاضِ أَوِ الْأدَاءِ لَمْ يَخْتَصَّ بالْمَجْلِسِ إِلَّا لقرِينَةٍ. ولَزِمَ فِي ألْفٍ الْغَالِبُ. والبَيْنُونَةُ إِنْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي ألْفًا فَارَقْتُكِ. أَوْ: أُفارِقُكِ. إنْ فُهِمَ الإِلْتِزَامُ أَوِ الْوَعْدُ إنْ وَرَّطَهَا. أَوْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بألْفٍ. فَطَلَّقَ وَاحِدَةً، وبِالْعَكْسِ. أوْ: أَبِنِّي بِأَلْفٍ. أَوْ: طَلِّقْنِي نِصْفَ طَلْقَةٍ. أوْ: فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ. فَفَعَلَ. أوْ قَالَ: بألْفٍ غَدًا. فَقَبِلَتْ فِي الْحَالِ. أوْ: بهذا الهَرَوِيِّ. فإذا هو مَرَوِيٌّ. أو بِمَا فِي يَدِهَا، وَفِيهِ مُتَمَوَّلٌ أوْ لَا على الأحْسَنِ، لَا إِنْ خَالَعَتْهُ بِمَا لا شُبْهَةَ لَهَا فِيهِ، أوْ بِتَافِهٍ في: إِنْ أَعْطَيْتِنِي مَا أُخَالِعُكِ بِهِ، أوْ: طَلَّقْتُكِ ثَلَاثًا بألْفٍ. فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً بالثُّلُثِ، وَإِنِ ادَّعَى الخُلْعَ أَو قَدْرًا أَوْ جِنْسًا، حَلَفَتْ وبَانَتْ، والْقَوْلُ قَوْلُهُ إنِ اخْتَلَفَا فِي الْعَدَدِ؛ كدَعْوَاهُ مَوْتَ عَبْدٍ أَو عَيْبَهُ قَبْلَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ بَعْدَهُ فَلَا عُهْدَةَ.

ص: 137

‌فَصُلٌ فِي طَلاق السُّنَّة

طَلَاقُ السُّنَّةِ وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ، وَإِلَّا فَبِدْعِيٌّ (1)، وَكُرِهَ فِي غَيْر الحَيْضِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلى الرَّجْعَةِ؛ كَقَبْلَ الْغُسْلِ مِنْهُ أَو التَّيمُّمِ الْجَائِز (2)، وَمُنِعَ فِيهِ وَوَقَعَ وأُجْبِرَ عَلى الرَّجْعَةِ وَلَوْ لِمُعْتَادَةِ الدَّم لِمَا يُضَافُ فِيهِ (3) لِلأَوَّلِ عَلى الْأرْجَحِ والْأحْسَنُ عَدَمُهُ لآخِر الْعِدّةِ. وَإِنْ أَبَى هُدِّدَ ثُمَّ سُجِنَ ثُمَّ ضُرِبَ بِمَجْلِسٍ وَإِلَّا ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ، وَجَازَ الْوَطْءُ بِهِ والتَّوارُثُ، والأحَبُّ أنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ (4). وَفِي مَنْعِهِ فِي الْحَيْضِ -لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا جَوازَ طَلَاقِ الْحَامِلِ وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فِيهِ (5)، أوْ لِكَوْنِهِ تَعَبُّدًا لِمَنْعِ الْخُلْعِ وَعَدَم الْجَوَازِ وَإِنْ رَضِيَتْ، وجَبْرِهِ عَلَى الرَّجْعَةِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ- خِلَافٌ. وصُدِّقَتْ أنَّهَا حَائِضٌ، ورُجِّحَ إِدْخَالْ خِرْقَةٍ وتَنْظُرُهَا النِّساءُ، إلَّا أَنْ يَتَرَافَعَا طَاهِرًا فَقَوْلُهُ، وعُجِّلَ فَسْخُ الْفَاسِدِ في الحَيضِ، والطَّلَاقُ على الْمُولِي، وأُجْبِرَ على الرَّجْعَةِ، لَا لِعَيْبٍ، ومَا لِلْوَليِّ فَسْخُهُ أوْ لِعُسْرِه بِالنَّفَقَةِ كاللِّعَانِ، ونُجِّزَ الثلاثُ في شَرِّ الطَّلَاقِ ونَحْوِهِ وفي: طَالِقٌ ثلاثًا. للسُّنَةِ إن دَخَلَ بِهَا، وَإلَّا فَوَاحِدَةٌ كَخَيْرِهِ أوْ واحِدَةً عَظيمَةً أو قَبيحةً، أوْ كالْقَصْرِ، وَثَلَاثًا لِلْبدْعَةِ أوْ بَعْضُهُنَّ لِلْبدْعَةِ وَبَعْضُهُنَّ للسُّنَّة، فثَلَاثٌ فيهما.

(1)

قوله: طلاق السنة واحدة بطهر لم يمس فيه، وإلا فبدعي، معنى طلاق السنة أي الطلاق الذي يوافق أمر الله تعالى أن تطلق المرأة:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}

(1)

الآية. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال لعمر بن الخطاب لما أخبره أَن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ ليُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاء أَمْسَكَ بَعْدُ، =

(1)

سورة الطلاق: 1.

ص: 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وَإِنْ شَاء طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ يُطَلَّقَ إلَيْهَا النِّساء". ا. هـ. هذا لفظ البغوي. وقال: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه محمد عن عبد الله بن اسماعيل، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك ا. هـ.

قال الحطاب هنا: خرج بقوله: بطهر، الصغيرة واليائسة والمستحاضة التي لم تميز، فلا طلاق بدعي فيهن. ا. هـ.

وقال المواق: قال ابن عرفة: طلاق السنة ما كان في طهر لم يمس فيه بعد غسلها أو تيممها؛ طلقة واحدة فقط، وغير هذا بدعي.

وقوله: بلا عدة أي بلا إرداف طلاق في العدة من طلاق رجعي، فإن الطلاق المردف فيها بدعي. قالوا: وبقي نوعان من البدعي لم يستثنهما وهما: كون الطلقة مجزأة؛ كأن يقول لها: عليك نصف طلقة. فهذا بدعي. وكون الطلاق واقعًا على جزء المرأة؛ كأن يقول لها: نصفك طالق. أو نحو ذلك. فهذا بدعي أيضًا. يتحصل منه أنه بقي شرطان من شروط السني وهما: كون الطلقة كاملة، وكونه واقعًا على كل الزوجة.

وقوله: وإلا فبدعي، أي وإلا تتوفر الشروط المتقدمة، بأن طلقها أكثر من واحدة، أو لم يكن في طهر، أو كان في طهر مس فيه، أو كان أردف طلاقًا في عدة الرجعية، فهو طلاق بدعي.

قالوا: وإنما كان الطلاق في الطهر الذي مس فيه بدعيًا، لكونه يلبس عليها في العدة؛ إذ لا تدري هل اشتمل رحمها على حمل فلا تعتد إلا بوضعه، أو لا؛ فتعتد بالأقراء.

(2)

وقوله: وكره في غير الحيض ولم يجبر على الرجعة؛ كقبل الغسل منه، أو التيمم الجائز، قال ابن قدامة: وإن طلقها حائضًا أو في طهر أصابها فيه أثم، ووقع طلاقه في قول عامة أهل العلم.

قال ابن المنذر وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال. وحكاه أبو نصر عن ابن علية وهشام بن الحكم والشيعة، قالوا: لا يقع طلاقه لأن الله أمر به في قبل العدة، فإذا طلق في غيره لم يقع. ا. هـ. منه.

وقال الحطاب: وذكر أن الطلاق الخالي عن أحد تلك القيود مكروه، إلا الواقع منه في الحيض =

ص: 139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فإنه يمنع. قال القاضي عبد الوهاب: حرام بالإِجماع. وظاهر كلام المصنف أن الزائد على الواحدة مكروه، وسواء كانت اثنتين أو ثلاثًا. ا. هـ. منه. بتصرف.

تنبيهٌ: الطلاق هو حل عقد النكاح، وهو مشروع بدليل الكتاب والسنة والإِجماع.

أما الكتاب فقوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}

(1)

. وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}

(2)

.

وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب في ابنه عبد الله: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيَتْركْهَا حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهْرَ. ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَك بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاء". متفق عليه. وهناك آيات وأحاديث غير هذا.

وأجمع المسلمون على جواز الطلاق، وربما اقتضته المصلحة عند فساد الحال بين الزوجين، ودوام الخصومة بينهما من غير فائدة؛ فإن المصلحة -والحالة هذه- تقتضي تشريعًا يزول به النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه بزواله، ولأجل ذلك شرع الطلاق.

تنبيهٌ: والطلاق تعتبر به هذه الأحكام: يجب، كطلاق الحكمين في الشقاق إذا رأيا ذلك، وكطلاق المولي من امرأته بعد التربص والامتناع من الفيئة.

ويستحب إذا ما فرطت المرأة في حقوق الله الواجبة عليها، ولم يتمكن من إجبارها على أداء ذلك. كما يستحب طلاقها إن كانت غير عفيفة، بل وربما كان الطلاق في هذين الموضعين واجبًا. ومن الطلاق المستحب طلاقها في حال الشقاق.

ويحرم الطلاق في الحيض، وفي طهر قد مسها فيه. قال ابن قدامة: أجمع العلماء في كل الأمصار والأعصار على تحريم طلاق المرأة في طهر جامعها فيه. ويسمى طلاق البدعة؛ لأن المطلق كذلك خالف السنة، وترك أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ. فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ".

والطلاق المكروه، هو الطلاق من غير حاجة إليه. قال صلى الله عليه وسلم: "مَا خَلَقَ اللهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلِيْهِ =

(1)

سورة البقرة: 229.

(2)

سورة الطلاق: 1.

ص: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= مِنَ الطَّلَاقِ". رواه أبو داود.

والطلاق المباح من غير كراهة، هو ما دعت إليه الحاجة لسوء خُلُقِ المرأة وسوء عشرتها، وللتضرر بها لعدم حصول الغرض منها. ا. هـ. ملخصًا من مغني ابن قدامة.

وفي مصنف عبد الرزاق عن وهب بن نافع أن عكرمة أخبره أنه سمع ابن عباس يقول: الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام. فأما الحلال فهو أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملًا مستبينًا حملها. وأما الحرام فهو أن يطلقها حائضًا، أو حين يجامعها، لا يدري أشتمل الرحم على ولد أم لا؟.

(3)

وقوله: ومنع فيه ووقع وأجبر على الرجعة الخ، أما دليل منع طلاق الحائض فهو حديث ابن عمر المتفق عليه المتقدم، وهو نفس دليل جبره على الرجعة؛ لدخول لام الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا". والمقرر في علم الأصول في باب الأمر أن من أمر بأمر لا يعد الأول آمرًا للثالث إلا في حالة دخول لام الأمر على ذلك المأمور به؛ كقوله صلى الله عليه وسلم في ابن عمر.

قال في مراقي السعود:

وليس من امرٍ بالأمر أمر

لثالث إلا كما في ابن عمر

وأما دليل وقوعه فحديث ابن عمر أيضًا، ففي البخاري ما نصه: باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة عن أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر قال: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فذكر عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"لِيُرَاجِعْهَا". قلت: تُحْسَبُ؟ قَال فَمَهْ؟.

وحدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: حسبت عليَّ بتطليقة. قال في فتح الباري هنا: قال ابن عبد البر: لا يخالف في ذلك اليوم إلا أهل البدع والضلال. قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ، وحكاه ابن العربي وغيره عن ابن علية، يعني إبراهيم بن اسماعيل بن عُلية الذي قال الشافعي فيه: إبراهيم ضالٌ؛ جلس في باب الضوالّ يضل الناس. وكان بمصر وله مسائل ينفرد بها. وكان من فقهاء المعتزلة.

وقد غلط فيه من ظن أن المنقول عنه المسائل الشاذة أبوه. وحاشاه، فإنه من كبار أهل السنة. =

ص: 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قال: وممن جرد القول بذلك وانتصر له وبالغ ابن حزم. وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة؛ بأن ابن عمر كان اجتنبها، فأمره أن يعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على معناها اللغوي، وتعقب بأن الحمل على الحقيقة الشرعية مقدم اتفاقًا على الحقيقة اللغوية. وأجاب عن قول ابن عمر -حسبت عليَّ بتطليقة- بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتعقب بأنه مثل قول الصحابي: أمرنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا. فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينئذ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن حجر: وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابي: أمرنا بكذا، فإن ذاك محله حيث يكون اطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس صريحًا، وليس كلذلك في قصة ابن عمر هذه، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، فإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة، كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيدًا جدًا، مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك. وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئًا برأيه، وهو ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم تغيظ من صنيعه؟ فكيف لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة؟.

وقد أخرج ابن وهب في مسنده، عن ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبره أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ". قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وَهِيَ وَاحِدَةٌ".

قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وأخرجه الدارقطني من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق، جميعًا عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"هِيَ وَاحِدَةٌ". وهذا نص في موضع الخلاف فيجب المصير إليه.

قال ابن حجر: وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم فأجابه بأن قوله: "هِيَ وَاحِدَةٌ" لعله ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فألزمه بأنه نقض أصله، لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال.

قال: وعند الدارقطني في رواية شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر في القصة: قال عمر: يا رسول الله، أفتحتسب بتلك التطليقة؟. قال:"نَعَمْ". ورجاله إلى شعبة ثقات. =

ص: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وعنده من طريق سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا قال: إني طلقت ألبتة وهي حائض؟. فقال: عصيت ربك، وفارقت امرأتك. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر أن يراجع امرأته. قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجع امرأته بطلاق بقي له، وأنت لم تبق ما ترتجع به امرأتك. قال ابن حجر: وفي هذا السياق رد على من حمل الرجعة في قصة ابن عمر على المعنى اللغوي. ا. هـ. من فتح الباري جـ 9/ 353 ص.

(4)

وقوله: والأحب أن يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، تقريره: والمستحب لمن راجع مطلقته في الحيض -مختارًا أو مجبورًا- وأراد أن يطلقها، إمساكها في عصمته بلا طلاق، وأن يعاشرها معاشرة الزوج حتى تطهر من الحيض الذي طلقها فيه، وهذا الإِمساك واجب، ثم إذا طهرت يستحب له أن يمسكها ما دامت في هذا الطهر حتى تحيض، فيجب إمساكها ما دامت حائضًا، ثم إن طهرت من هذه الحيضة الثانية، طلقها إن شاء قبل أن يمسها في هذا الطهر. قال في جواهر الإِكليل: فالاستحباب هنا منصب على المجموع لحديث ابن عمر رضي الله عنه.

قال البغوي في الكلام على حديث ابن عمر: وفيه دليل على أن من طلق زوجته المدخول بها في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه، وقد بقي من عدد طلاقها شيء، أنه يؤمر بمراجعتها حتى يطلقها بعدُ إن شاء في طهر لم يجامعها فيه، وهذه المراجعة استحباب.

وقال مالك: يجب عليه المراجعة، وإذا طلقها في الحيض وراجعها، جاز له أن يطلقها في الطهر الذي يعقب تلك الحيضة، قبل المسيس، كما رواه يونس بن جبير، وأنس ابن سيرين وغيرهما عن ابن عمر.

وأما ما رواه نافع عن ابن عمر: "ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُم تَطْهُرَ" فاستحباب؛ استحب تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني حتى لا تكون مراجعته إياها للطلاق، كما يكره النكاح للطلاق، بل الذي ينبغي أن يمسها في الطهر الأول لتحقق معنى المراجعة، ثم لم يكن له الطلاق بعده، لكونها في طهر جامعها فيه، فيتأخر الطلاق إلى الطهر الثاني. ا. هـ. منه بتصرف قليل.

(5)

وقوله: لأن فيها جواز طلاق الحامل وغير المدخول بها فيه، ففي شرح السنة للبغوي: وروى سالم عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم،=

ص: 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فقال: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أوْ حَامِلًا".

قال: ورواه يونس بن جبير، وأنس بن سيرين عن ابن عمر، ولم يقولا: ثم تحيض ثم تطهر. ا. هـ.

وهو في صحيح مسلم، قال البغوي: وفي قوله في رواية سالم: "ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا". دليل على أنه لا بدعة في طلاق الحامل، فإن طلقها بعد رؤية الدم أو بعد الجماع فجائز، وكذلك لو طلق غير المدخول بها في حال الحيض، أو طلق الآيسة أو الصغيرة -التي لم تحض قط- بعد ما جامعها، لا يكون بدعيًا، إنما البدعة في طلاق امرأة تلزمها العدة بالأقراء. ا. هـ. منه.

وقال ابن قدامة في المغني: قال ابن عبد البر: أجمع العلماء أن طلاق السنة إنما هو في المدخول بها، أما غير المدخول بها فليس لطلاقها سنة ولا بدعة، إلا في عدد الطلاق على اختلاف بينهم فيه؛ وذلك لأن الطلاق في حق المدخول بها -إذا كانت من ذوات الأقراء- إنما كان له سنة وبدعة؛ لأن العدة تطول عليها بالطلاق في الحيض، وترتاب بالطلاق في الطهر الذي جامعها فيه، وينتفي عنها الأمران بالطلاق في الطهر الذي لم يجامعها فيه، أما غير المدخول بها فلا عدة عليها. ا. هـ. منه.

ص: 144

‌فَصلٌ فِي أَركَان الطَلاق

وَرُكْنُهُ أَهْلٌ وَقَصْدٌ، ومَحَلٌّ ولَفْظٌ (1)، وإنَّمَا يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُسْلِمِ المُكَلَّفِ وَلَوْ سَكِرَ حَرامًا (2)، وَهَلْ إلَّا أنْ يُمَيِّزَ أوْ مُطْلَقًا؟. تَرَدُّدٌ. وطَلَاقُ الْفُضُوليِّ كَبَيْعِهِ. وَلَزِمَ وَلَوْ هَزَلَ (3)، لَا إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ فِي الْفَتْوَى، أوْ لُقِّنَ بِلَا فَهْمٍ، أوْ هَذَى لِمَرَضٍ (4)، أوْ قَالَ لِمَنْ اسْمُهَا طَالِقٌ: يا طَالِقُ. وَقُبِلَ مِنْهُ فِي طَارِقٍ الْتِفَاتُ لِسَانِهِ. أوْ قَالَ: يَا حَفْصَةُ. فأجَابَتْهُ عَمْرَةُ فَطَلَّقَهَا فَالْمَدْعُوَّةُ، وَطَلَقَتَا مَعَ الْبَيِّنَةِ. أوْ أُكْرِهَ وَلَوْ بِكتَقْوِيمِ جُزْءِ الْعَبْدِ (5)، أوْ فِي فِعْلٍ، إلَّا أنْ يَتْرُكَ التَّوْرِيَةَ مَعَ مَعْرِفَتِهَا بِخَوْفٍ مُؤْلِمٍ؛ مِنْ قَتْلٍ أوْ ضَرْبٍ أوْ سِجْنٍ أوْ قَيْدٍ أوْ صَفْعٍ لذِي مُرُوءَةٍ بِمَلَإ، أوْ قَتْلِ وَلَدِهِ أوْ لِمَالِهِ. وَهَلْ إنْ كَثُرَ؟. تَرَدُّدٌ. لا أجْنَبِيٍّ. وَأُمِرَ بالحَلِفِ لِيَسْلَمَ، وكذا العِتْقُ وَالنِّكَاح والاقْرارُ والْيَمِينُ ونَحْوُهُ.

وأَمَّا الْكفْرُ وسَبُّهُ عليه السلام وقَذْفُ المُسْلِمِ فإنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَتْلِ. كَالْمَرْأَةِ لَا تَجِدُ مَا يَسُدُّ رمَقَهَا إِلَّا لِمَنْ يَزْنِي بِهَا، وصَبْرُهُ أجْمَلُ، لَا قَتْلُ المُسْلِمِ وَقَطْعُهُ وَأنْ يَزْنِيَ، وَفِي لُزُومِ طَاعَةٍ أُكْرِهَ عَلَيْهَا قَوْلَانِ، كَإجَازَتِهِ كالطَّلَاقِ طَائِعًا وَالأحْسَنُ المُضِيُّ.

(1)

قوله: وركنه أهل وقصد ومحل ولفظ، قال الحطاب: تبع رحمه الله ابن الحاجب وابن شاس في عد هذه أركانًا للطلاق، ورده ابن عرفة بأنها خارجة عن حقيقته، وكل خارج عن حقيقة الشيء غير ركن له. وجعل ابن عرفة الأهل والمحل شرطين، والقصد مع اللفظ أو ما يقوم مقامه سببين. قال: ونصه وشرط الطلاق أهل ومحل، والقصد مع لفظ أو ما يقوم مقامه من فعل أو إشارة سبب. ا. هـ.

قلت: ولكلام ابن عرفة هذا وجه من النظر، فقد قال ميارة في تكميله: =

ص: 145

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الشرط عن ماهية قد خرجا

والركن جزؤها فيها قد ولجا

وصيغة دليلها فالعد

لها من الأركان فيه بُعْد

وهذا واضح؛ فإن ركن الماهية جزء منها؛ كالركوع والسجود والقراءة للصلاة، بخلاف الطهارة ودخول الوقت وستر العورة، فإنها خارجة عنها، وهي أسباب. والله الموفق.

(2)

وقوله: وإنما يصح طلاق المسلم المكلف ولو سكر حرامًا، أما محل عدم لزوم طلاق الكافر؛ فإن ذلك في عدم تحاكمهم إلينا، فإذا تحاكموا إلينا ألزمناه الطلاق لقوله تعالى:{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ -إلى قوله- {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ}

(1)

الآية.

وأما فاقد العقل؛ فقد قال ابن قدامة في المغني: أجمع أهل العلم على أن الزائل العقل -بغير سكر أو ما في معناه- لا يقع طلاقه. كذلك قال عثمان، وعلي، وسعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والشعبي، وأبو قلابة، وقتادة، والزهري، ويحيى الأنصاري، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي. وأجمعوا أن الرجل إذا طلق في حال نومه، لا طلاق له.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُون حَتَّى يُفِيقَ".

وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ". رواه النجاد. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من رواية عطاء بن عجلان، وهو ذاهب الحديث.

وأما طلاق السكران بالحرام فإن المذهب لزومه. وهو اختيار الخلال والقاضي من أصحاب مذهب أحمد بن حنبل من إحدى روايتيه، وهو مذهب سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وميمون ابن مهران، والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحد قولي الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وابن شبرمة، وسليمان بن حرب، قالوا: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ". ولأن الصحابة جعلوه كالصَّاحي في الحد بالقذف؛ بدليل ما روى أبو وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى =

(1)

سورة المائدة: 42.

ص: 146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عمر، فأتيته في المسجد ومعه عثمان وعلي وعبد الرحمن وطلحة والزبير، فقلت: إن خالدًا يقول أن الناس انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوية. فقال عمر: هؤلاء عندك فسلهم. فقال عليٌّ: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة. فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال. فجعلوه كالصاحي. ا. هـ. ابن قدامة.

وقوله: ولو سكر حرامًا، يرد به مذهب من يقول بعدم لزوم طلاق السكران؛ وهو رواية عن الإِمام أحمد، واختيار أبي بكر بن عبد العزيز، وهو قول عثمان رضي الله عنه، ومذهب عمر بن العزيز، والقاسم، وطاوس، وربيعة ويحيى الأنصاري، والليث، والعنبري، وإسحاق، وأبي ثور. وقال ابن المنذر: هذا ثابت عن عثمان، ولا نعلم أحدًا من الصحابة خالفه.

قال ابن قدامة: والحكم في عتقه، ونذره، وبيعه، وشرائه، وردته، وإقراره، وقتله، وقذفه، وسرقته، كالحكم في طلاقه. لأن المعنى في الجميع واحد.

قلت: وقد تقدم لابن قدامة قبل هذا بصفحة واحدة قوله بالحرف الواحد: ويدل على تكليفه أنه إن قَتَل يقتل، ويُقطع بالسرقة. وبهذا فارق المجنون. ا. هـ.

(3)

وقوله: ولزم ولو هزل، جاء في مختصر أبي داود للمنذري ما نصه: باب في الطلاق على الهزل، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدُّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ". قال: أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. وقال أبو بكر المعافري: روي: "وَالْعِتْقُ" ولم يصح شيء منه، فإن كان أراد ليس شيء منه على شرط الصحيح، فلا كلام، وإن أراد أنه ضعيف ففيه نظر، فإنه حسن كما قال الترمذي.

وقال الخطابي في معالم السنن: اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان بالغ عاقل، فإنه يؤاخذ به ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبًا، أو هازلًا، أو لم أنو به طلاقًا، أو ما أشبه ذلك من الأمور. واحتج بعض العلماء في ذلك بقوله تعالى:{وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا}

(1)

. وقال: لو أطلق الناس ذلك لتعطلت الأحكام، ولم يشأ مطلق أو ناكح أو معتق أن يقول: كنت في قولي هازلًا، إلَّا قال، فيكون في ذلك إبطال أحكام الله تعالى. فكل =

(1)

سورة البقرة: 231.

ص: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= من تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه، ولم يقبل منه أن يدعي خلافه، وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له. والله أعلم. ا. هـ. منه. بلفظه.

(4)

لا إن سبق لسانه في الفتوى، أو لقن بلا فهم، أو هذى لمرض ألخ، دليله قوله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". الحديث متفق عليه.

(5)

وقوله أو أكره ألخ، قال البغوي: اختلف أهل العلم في طلاق المكره، فذهب جماعة إلى أنه لا يقع، وكذلك لا يصح إعتاقه ولا شيء من تصرفاته بالإِكراه؛ وذلك لما روي عن صفية بنت شيبة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لَا طَلَاقَ وَلا عِتَاقَ في إِغْلَاقٍ". ومعنى الإِغلاق قيل: هو الإِكراه؛ كأنه يغلق عليه الباب ويحبس حتى يطلق. وهو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وبه قال شريح، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، والحسن، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وسالم، وإليه ذهب مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، قال: وذهب قوم إلى أن طلاق المكره واقع. وهو قول النخعي، وقتادة والزهري، وإليه ذهب أصحاب الرأي. ا. هـ. منه.

واتفق أهل العلم على أن من أكره على الرة فتلفظ بها لا يكفر؛ لقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}

(1)

. الآية.

وقال البغوي: قال شريح: القيد كره، والوعيد كره. وقال أحمد: الكره القتل أو الضرب الشديد. والتخويف بقتل الأب أو الإِبن أو الأخ ليس بإكراه. وقال بعضهم: هو إكراه في جميع الأمور. ا. هـ. منه.

واستدل ابن قدامة لعدم لزوم طلاق المكره بقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ والنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". رواه ابن ماجه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لَا طَلَاقَ في إِغْلَاقٍ". رواه أبو داود، والأثرم، وأبو عبيد والقتبي. معناه: في إكراه. وقال أبو بكر: سألت ابن دريد وأبا طاهر النحويين فقالا: يريد الإكراه؛ لأنه إذا أكره انغلق عليه =

(1)

سورة النحل: 106.

ص: 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= رأيه. ا. هـ. منه.

قلت: ومحل عدم لزوم طلاق المكره إن لم يكن الإِكراه بحق، أما إن كان الإِكراه بحق؛ نحو، إكراه الحاكم المولى على الطلاق بعد التربص، إذا لم يفئْ، ونحو إكراه الحاكم الرجلين اللذين زوجهما وليان، ولم يعلم السابق منهما، ولم يتلذذ أحدهما بلا علم، إكراهه لهما على الطلاق، إكراه بحق، فهو واقع لازم؛ لأنه قول حمل عليه بحق فصح؛ كإِسلام المرتد إذا أكره على الإِسلام قبل منه.

تنبيهٌ: والإِكراه يكون بشيء من العذاب؛ كالضرب، والخنق، والعصر، والحبس، والغط في الماء مع الوعيد، فإن ذلك إكراه بلا إشكال؛ لما روي أن المشركين أخذوا عمارًا فراودوه على الشرك، فأعطاهم، فانتهى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل بمسح الدموع من عينيه ويقول:"أَخَذَكَ الْمُشْرِكُونَ فَغَطُّوكَ في الْمَاء وَأَمَرُوكَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللْهِ فَعَلْتَ؟ فَإِنْ أَخَذُوكَ مَرَّةً أُخْرَى فَافْعَلْ ذلِكَ بِهِمْ". رواه أبو حفص بإسناده. ا. هـ. بنقل ابن قدامة.

وقول المصنف: وأما الكفر، وسبه صلى الله عليه وسلم وقذف المسلم فإنما يجوز للقتل، فيه نظر عندي لما تقدم لك من حديث عمار أنه أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في العود لما تخلص به من ألفاظ من عذابهم، ولم، يرد أنهم هددوه بالقتل فيما أعلم، وهو سبب نزول قوله تعالى في النحل:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}

(1)

. الآية. وقوله صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة ورفقائه يؤذن لهم في القول فيه صلى الله عليه وسلم.

وإذنه لعبد الله بن أُنيس في القول لعبهقة في رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أرسله إليه ليتحيل على قتله، كل ذلك عندي دليل أن المرء إن أكره على القول وقلبه مُطمئن بالإِيمان لا حرج عليه، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.

وقوله: كالمرأة لا تجد ما يسد رمقها إلا لمن يزني بها، هو عندي ليس من باب الإِكراه، وقد لبس على المصنف أنها تتناولها قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، التي أصلها ودليلها قوله تعالى:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}

(2)

. لذلك فإن هذه المسألة عندي من باب الاضطرار الذي يباح به أكل الميتة. والله الموفق.

(1)

سورة النحل: 106.

(2)

سورة الأنعام: 119.

ص: 149

وَمَحَلُّهُ مَا مُلِكَ قَبْلَهُ وَإنْ تَعْلِيقًا (1)، كَقَوْلِهِ لأجْنَبِيَّةٍ هِي طَالِقٌ عِنْدَ خِطْبَتِهَا، أوْ إنْ دَخَلْتِ، وَنَوَى بَعْدَ نِكَاحِهَا، وَتَطْلُقُ عَقِبَهُ وَعَلَيْهِ النِّصْفُ إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ عَلَى الْأصْوَبِ، وَلَوْ دَخَلَ فَالْمُسَمَّى فَقَطْ كَوَاطِئٍ بَعْدَ حِنْثِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ، كأنْ أبْقَى كَثِيرًا بِذِكْرِ جِنْسٍ أوْ بَلَدٍ أوْ زَمَانٍ يَبْلُغُهُ عُمْرُهُ ظَاهِرًا، لا فِيمَنْ تَحْتَهُ إلَّا إذَا تَزوجَهَا وَلَهُ نِكَاحُهَا ونِكَاحُ الإِمَاءِ فِي كُلِّ حُرَّةٍ، وَلَزِمَ فِي المِصْرِيَّةِ فِيمَنْ أبُوها كَذلِكَ، والطَّارِئَةِ إنْ تَخَلَّقَتْ بخُلُقِهِنَّ، وفِي مصْرٍ يلْزَمُ فِي عَمَلِها إنْ نَوَى، وإلَّا فَلِمَحَلِّ لُزُومِ الجُمُعَةِ، وله المواعَدَةُ بها.

(1)

وقوله: ومحله ما مُلك قبله وإن تعليقًا ألخ، أما دليل كون الطلاق لا يقع إلا على ما ملك قبله، فهو قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ}

(1)

. الآية، فقد أخرج ابن أبي حاتم فيما نقله عنه ابن كثير أن ابن عباس قال: جعل الله الطلاق بعد النكاح. ثم قرأ هذه الآية.

وفي مختصر أبي داود للحافظ المنذري: باب في الطلاق قبل النكاح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيِمَا تُمْلِكُ". قال وفي رواية: "وَلَا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ". قال وفي رواية: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ، وَمَنَ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ". قال: وفي رواية "وَلَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ".

قال الحافظ المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه بنحوه، وقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الترمذي: حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وقال أيضًا: سألت محمد بن إسماعيل فقلت: أي شيء أصح في الطلاق قبل النكاح؟. فقال: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقال الخطابي: أسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره، وأجراه على عمومه إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال، والحديث حسن. ا. هـ. منه بلفظه. =

(1)

سورة الأحزاب: 49.

ص: 150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال البغوي في شرح السنة: واختلف أهل العلم في تعليق الطلاق بالنكاح؛ بأن قال لامرأة أجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق. أو قال لعبد: إذا ملكتك فأنت حر. فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لغو، ولا يقع بعد حصول الملك. روي ذلك عن عليٍّ، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، وعائشة. وهو قول سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبان بن عثمان، وعلي بن حسين، وشريح، وسعيد ابن جبير، والقاسم، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وعطاء، وعامر بن سعد، وجابر بن زيد، ونافع ابن جبير، ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، وإليه ذهب الشافعي.

قال: وروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر أنهم قالوا: يقع به الطلاق إذا نكح. وبه قال ابراهيم النخعي، والزهري، وإليه ذهب أصحاب الرأي، ويروى هذا أيضًا عن سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار.

قال: وقال ربيعة، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى: إن سمَّى امرأة بعينها، أو وقّت وقتًا، أو قال: إن تزوجت من بلد كذا، أو من قبيلة كذا. فإذا نكح يقع، وإن عم فلا يقع. ويروى مثل هذا عن ابن مسعود أيضًا وإبراهيم النخعي.

قال: وقال أحمد: إن كان نكح لم يؤمر بالفراق، وإن لم ينكح فلا يفعل. وروي مثله عن ابن المبارك وإسحاق.

قلت: قوله صلى الله عليه وسلم: "لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ". معناه نفي حكم الطلاق المرسل على المرأة قبل أن تملك بعقد النكاح، وهو يقتضي نفي وقوعه على العموم، سواء كان في امرأة بعينها أو في نساء لا بأعينهن، ولله در الخطابي إذ يقول: أسعد الناس بهذا الحديث من أجراه على عمومه وقال بظاهره، إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال. والحديث حديث حسن، أي صالح للاحتجاج به، ومعلوم أنه لا اعتبار بقول أحد بعد ما تقوم الحجة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

(1)

وقد تقدم =

(1)

سورة النور: 63.

ص: 151

لَا إِنْ عَمَّ النِّساءَ أوْ أبْقَى قَلِيلًا؛ كَكُلِّ امْرَأَةٍ أتَزَوَّجُهَا. إلَّا تَفْوِيضًا. أوْ مِنْ قَرْيَةٍ صَغِيرةٍ أوْ حَتَّى أنْظُرَهَا فَعَمِيَ. أوْ الأبْكَارَ بَعْدَ كُلِّ ثَيِّبٍ أوْ بِالْعَكْسِ. أَوْ خَشِيَ فِي المؤجَّلِ الْعَنَتَ وَتَعَذَّرَ التَّسَرِّي. أوْ آخِرُ امْرَأةٍ، وصُوِّبَ وُقُوفُهُ عَنِ الأُولَى حَتَّى يَنْكِحَ ثَانِيَةً ثُمَّ كَذلِكَ وَهُوَ فِي الْمَوْقُوفَةِ كَالْمُولِي واخْتَارَهُ إلَّا الأُولَى. وإنْ قَالَ: إن لَّمْ أتَزَوَّجْ مِن المَدِينَةِ فَهِيَ طَالِقٌ. فَتَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِهَا، نُجِّزَ طَلَاَقُهَا وَتُؤُوِّلَتْ عَلى أنَّه إنَّمَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إِذَا تَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِهَا قَبْلَهَا، واعْتُبِرَ فِي وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ حَالُ النُّفُوذِ؛ فَلَوْ فَعَلَتِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَالَ بَيْنُونَتِهَا لَمْ يَلْزَمْ، وَلَوْ نَكَحَهَا فَفَعَلَتْهُ حَنِثَ إِنْ بَقِيَ مِنَ الْعِصْمَةِ الْمُعَلَّقِ فِيهَا شَيْء كالظِّهَارِ، لَا مَحْلُوفٌ لَهَا فَفِيهَا وَغَيْرِهَا. وَلَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا طُلِّقَتْ الأجْنَبِيَّةُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ أنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا. وإنِ ادَّعَى نِيَّةً لِأنَّ قَصْدَهُ أن لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا. وَهَلْ لأنَّ الْيَمِينَ عَلى نيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهَا، أوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ؟. تَأْويلَانِ. وفيمَا عاشَتْ مُدَّةَ حَيَاتِهَا إلَّا لِنِيَّةِ كَوْنِهَا تَحْتَهُ. وَلَوْ عَلَّقَ عَبْدٌ الثَّلَاثَ على الدُّخُولِ فَعَتَقَ ودخلت لَزِمَتْ. واثْنَتَيْنِ بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ؛ كما لَوْ طَلَّقَ واحِدَةً ثُمَّ عَتَقَ. وَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ زوجته الْمَمْلُوكَةِ لِأَبِيهِ على مَوْتِه لم يَنْفُذْ.

= لك قول الترمذي: سألت محمد بن اسماعيل فقلت: أي شيء أصح في الطلاق قبل النكاح؟. فقال: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأن ابن عباس سئل عن هذا فقرأ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ}

(1)

الآية، والله الموفق.

(1)

سورة الأحزاب: 49.

ص: 152

ولَفْظُهُ: طَلَّقْتُ (1). وأنَا طَالِقٌ. أوْ أنْتِ. أوْ مُطَلَّقَةٌ. أوْ الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ. لَا مُنْطَلِقَةٌ. وَتَلْزَمُ وَاحِدَةٌ إلَّا لِنَيَّةِ أَكْثَرَ؛ كَاعْتَدِّي. وَصُدِّقَ فِي نَفْيهِ إنْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلى الْعَدِّ، أوْ كَانَتْ مُوثَقَةً فَقَالَتْ: أطْلِقْنِي. وِإنْ لَمْ تَسْأَلْهُ. فَتَأْوِيلَانِ.

(1)

وقوله: ولفظه طَلَّقْتُ ألخ، اعلم أن لفظ الطلاق بنقسم إلى صريح وإلى كناية. وقد اختلف في لفظه الصريح؛ فذهب الشافعي ومن وافقه إلى أن صريح الطلاق هو الطلاق والفراق والسراح؛ وقال: هذه الألفاظ هي التي وردت في القرآن، فقد قال تعالى:{أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}

(1)

وقال تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}

(2)

. وقال تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}

(3)

. وقال تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ}

(4)

. وقال تعالى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}

(5)

. وذهب مالك وأبو حنيفة ومن وافقهما الى أن صريح اللفظ فيه هو الطلاق وما تصرف منه. قالوا: لأن الصريح في الشيء هو ما كان نصًا فيه لا يحتمل غيره إلا احتمالًا بعيدًا. وقالوا: إن لفظ الفراق والسراح وإن وردا في القرآن للفرقة بين الزوجين كما مثل به الشافعي، فقد ورد اللفظان في القرآن لغير ذلك المعنى أيضًا. قال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}

(6)

. وقال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}

(7)

. وروي عن مالك فيمن قال لامرأته: قد فارقتك أو سرحتك. إنه من صريح الطلاق كقوله: أنت طالق. وروي عنه أنه كناية يرجع فيها إلى نية قائلها. ا. هـ. منه جـ 3/ 134.

وعلى كل حال فإن لفظ الطلاق الصريح فيه لا يفتقر وقوعه به إلى نية، فمتى صدر من الزوج لفظه وقع الطلاق من غير أن يفتقر إلى نية. فعلى رأي الشافعي ومن وافقه؛ إن قال لها بلفظ الطلاق أو الفراق أو السراح وما تصرف من هذه الكلمات، وقع الطلاق من غير أن يفتقر إلى نية، وعلى رأي مالك ومن وافقه؛ إذا تلفظ الزوج بالطلاق أو بما تصرف منه وقع الطلاق من غير افتقار إلى نية لذلك. =

(1)

سورة الطلاق: 2.

(2)

سورة البقرة: 229.

(3)

سورة الطلاق: 1.

(4)

سورة النساء: 13.

(5)

سورة الأحزاب: 28.

(6)

سورة آل عمران: 103

(7)

سورة البينة: 4.

ص: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال البغوي في شرح السنة: وصرائح ألفاظ الطلاق عند الشافعي ثلاثة: لفظ الطلاق، والفراق، والسراح، يقع بها الطلاق من غير نية.

والكناية: كل لفظ ينبئ عن الفرقة مثل قوله: أنت خلية، أو برية، أو بتَّةٌ أو تبْلة، أو حرام، أو حرة. أو قال: حبلك على غاربك. أو الْحقي بأهلك، أو قال: اعتَدِّي. أو استبرِئي رحمك. أو: لا مِلْك لي عليك، أو قال قومي، أو اخرجي، أو اذهبي، أو تقنَّعي، أو تستري ونحو ذلك، قال: يقع بها الطلاق إذا نوى، وإن لم ينو فهو لغو.

قلت: هذه الألفاظ -التي ذكر أنها كنايات- يقع الطلاق بها إذا نواه، يؤخذ عليه عدُّ قوله: أنت حرام. منها، لأنه لفظ كذب صاحبه به وقال منكرًا من القول؛ لأنه خالف أمر الله في ذلك بقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا}

(1)

وقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ}

(2)

. الآية، وقوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا}

(3)

. الآية ولأن صاحب هذا القول قال زورًا أيضًا في قوله لزوجته هي حرام والله أحلها، وما أحله الله فليس لأحد أن يحرمه لقوله تعالى:{لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ}

(4)

. فإن قيل: قد أحل الله له أن يحرمها عليه بالطلاق، فالجواب: إن الطلاق هو لفظ وارد لحل العصمة؛ وحقيقته أنه إنشاء طلبي ولو ورد لفظه بصيغة الإِخبار، غير أنه لما كان هذا اللفظ ورد الكتاب ناهيًا عنه، امتنع أن يكون له أي اعتبار شرعي. وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم لما حرم مارية رضي الله عنها على نفسه، أو حرم المغافير:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}

(5)

.

والحاصل أن قوله: أنت حرام. ليس من كنايات الطلاق. وقد جئت بما فيه مقنع لطالب العلم غير المتعصب في المسألة، في باب اليمين في الجزء الثاني من هذا الكتاب المبارك، في مبحث الكلام على المحاشاة، وقوله: وتحريم الحلال في في الزوجة والأمة لغو فأغنى ذلك عن إعادته هنا والحمد لله وحده.

(1)

سورة المائدة: 87.

(2)

سورة النحل: 116.

(3)

سورة يونس: 59.

(4)

سررة المائدة: 87.

(5)

سورة التحريم: 1.

ص: 154

والثَّلاثُ في بَتَّةٍ. وَحَبْلُكِ عَلى غَاربك (1). أوْ واحِدَةٌ بائِنَةٌ. أوْ نَواهَا بَخَلَّيْتُ سَبِيلَكِ. أوِ ادْخُلِي، والثَّلَاثُ إِلَّا أنْ يَنْوِي أقَلَّ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ فِي كالمَيْتَةِ وَالدَّمِ، ووهَبْتُكِ ورَدَدْتُكِ لِأَهْلِكِ أوْ أنْتِ أوْ مَا أنْقَلِبُ إِلَيْهِ مِنْ أهْلي حَرَامٌ، أوْ خَلِيَّةٌ أوْ بَائِنَةٌ أوْ أنَا. وحَلَفَ عِنْدَ إرَادَةِ النِّكَاحِ وَدُيِّنَ فِي نَفْيِهِ إنْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلَيْهِ، وَثَلَاثٌ فِي: لا عِصْمَةَ لِي عَلَيْكِ. أوْ اشْتَرَتْهَا مِنْهُ إلَّا لِفِدَاء، وثَلَاثٌ إلَّا أنْ يَنْوِيَ أقَلَّ مُطْلَقًا فِي: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، وواحِدَةٌ في: فَارقْتُكِ، ونُوِّيَ فِيهِ وَفِي عَدَدِهِ فِي: اذْهَبِي. وانْصَرفِي، أوْ لَمْ أتَزَوَّجْكِ، أوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ ألَكَ امْرَأَةٌ؟ فقَالَ: لَا، أوْ أنْتِ حُرَّةٌ أوْ مُعْتَقَةٌ أوْ الْحَقِي بِأَهْلِكِ. أوْ لَسْتِ لِي بامْرَأَةٍ. إلَّا أنْ يُعَلِّقَ فِي الأخِيرِ، وإنْ قَالَ: لَا نِكَاحَ بَيْنِي وبَيْنَكِ. أوْ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكِ. أوْ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عِتَابًا وَإلَّا فبتَاتٌ، وَهَلْ تَحْرُمُ بوجْهِي مِنْ وجْهِكِ حَرَامٌ. أوْ

(1)

وقوله: والثلاث في بتة وحبلك على غاربك ألخ. هو شروع في الكلام على الكنايات.

وهي محل خلاف بين العلماء. قال القرطبي في تفسيره جـ 3/ 136 ما نصه: قال أبو عمر: أصل هذا الباب في كل كناية عن الطلاق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للتي تزوجها حين قالت له: أعوذ بالله منك. "قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ الْحَقِي بِأهْلِكِ". فكان ذلك طلاقًا، وقال كعب بن مالك لامرأته -حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتزالها: الْحقي بأهلك. فلم يكن ذلك طلاقًا، فدل على أن هذه اللفظة مفتقرة إلى النية، وأنها لا يقضى فيها إلا بما ينوي اللَّافظ بها، وكذلك سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره. والله أعلم. ا. هـ. منه بلفظه.

وقال الخطابي في معالم السنن في الكلام على حديث "إِنَّمَا الْأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى". معناه أن صحة الأعمال ووجوب أحكامها إنما يكون بالنية، فإن النية هي المصرفة لها إلى جهتها، ولم يرد به أعيان الأعمال، لأن أعيانها حاصلة من غير نية، ولو كان المراد به أعيانها لكان خُلْفًا من القول. وكلمة إنما مرصدة لإِثبات الشيء ونفي ما عداه. قال: وفي الحديث دليل =

ص: 155

عَلَى وَجْهِكِ. أوْ ما أعِيشُ فِيهِ حَرامٌ. أوْ لَا شَيءَ عَليْهِ كَقَوْلِهِ: لَهَا يا حَرَامُ. أو الحَلَالُ حَرامٌ علَيَّ. أوْ جمِيعُ مَا أمْلِكُ حَرَامٌ وَلَمْ يُرِدْ إدْخَالَهَا؟ قَوْلَانِ، وإنْ قَالَ: سَائبَةٌ مِنِّي. أوْ عَتيقَةٌ. أوْ لَيْسَ بَيْني وبَيْنَكِ حَلَالٌ وَلَا حَرامٌ حَلَفَ عَلى نَفْيِهِ؛ فَإنْ نَكَلَ نُوِّيَ فِي عَدَدِهِ وعُوقِبَ، ولَا يُنَوَّ فِي الْعَدَدِ إنْ أنْكَرَ قَصْدَ الطَّلَاقِ بَعْدَ قوْلِهِ: أنْتِ بَائِنٌ. أوْ بريَّةٌ أوْ خَلِيَّةٌ أوْ بَتَّةٌ، جَوَابًا لِقَوْلِهَا: أوَدُّ لَوْ فَرَّجَ اللهُ لِي مِنْ صُحْبتِكَ. وَإنْ قَصَدَهُ بكاسْقِنِي الْمَاءَ أوْ بكل كَلَامٍ لَزِمَ، لَا إنْ قَصَدَ التَّلَفُّظَ بالطَّلَاقِ فَلَفَظَ بهذا غَلَطًا، أوْ أرَادَ أدنْ يُنَجِّزَ الثَّلَاثَ فَقَالَ: أنْتِ طَالِقٌ وسَكَتَ. وسُفِّهَ قَائِلٌ: يا أمِّي ويا أخْتِي.

= على أن المطلق إذا طلق بصريح لفظ الطلاق أو ببعض المكاني التي يطلق بها، ونوى عددًا من أعداد الطلاق، كان ما نواه من العدد واقعًا؛ واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا، وإلى هذه الجملة ذهب الشافعي، وصرف الألفاظ على مصارف النيات، وقال في الرجل يقول لامرأته: أنت طالق. ونوى به ثلاثًا: إنما تطلق ثلاثًا. وكذلك قال مالك بن أنس واسحاق ابن راهويه، وأبو عبيد، وقد روي ذلك عن عروة بن الزبير.

وقال أصحاب الرأي: واحدة، وهو أحق بها. وكذلك قال سفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل: وقال أصحاب الرأي في المكاني مثل: أنت بائن. أو أنت بتة: فإنه يسأل عن نيته؛ فإن لم ينو الطلاق، لم يقع عليها الطلاق، وإن نوى الطلاق فهو ما نوى، إن أراد واحدة، فواحدة، وإن نوى ثنتين فهي واحدة بائنة، لأنها كلمة واحدة، ولا يقع على اثنتين. وإن نوى ثلاثًا فهو ثلاث، وإن نوى الطلاق ولم ينو عددًا منه، فهي واحدة بائنة. وكذلك كل كلام يشبه الفرقة مما أراد به الطلاق فهو مثل هذا، كقوله: حبلك على غاربك. أو قد خليت سبيلك. ولا ملك لي عليك، والْحقي بأهلك. واستبرئي، واعتدِّي. قال: وهذا كله عند الشافعي سواء، فإن كان لم يرد به طلاقًا فليس بطلاق، وإن أراد طلاقًا ولم ينو عددًا، فهو تطليقة واحدة يملك فيها الرجعة، وإن نوى ثنتين فهو ثنتان، وإن نوى ثلاثًا فهو ثلاث. قال: وهذا أشبه بمعنى الحديث. =

ص: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= والله أعلم. ا. هـ. منه بلفظه.

قلت: ومذهب الشافعي هنا أجرى على الدليل. وقد روي مثله عن مالك وجماعة من أصحابه -كما تقدم- وروي أيضًا عن جماعة من أهل المدينة، قالوا: ينوي في هذه الألفاظ كلها ويلزمه من الطلاق ما نوى. قال القرطبي: وروي عن ابن مسعود أنه كان لا يرى طلاقًا بائنًا إلا في خلع أو إيلاء. قال: وهو المحفوظ عنه. قاله أبو عبيد، قال: وقد ترجم البخاري. [باب إذا قال: فارقتك. أو سرحتك. أو البرية. أو الخلية. أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته] وهذا منه إشارة إلى قول الكوفيين والشافعي وإسحاق في قوله: أو ما عنى به من الطلاق. والحجة في ذلك أن كل كلمة تحتمل أن تكون طلاقًا أو غير طلاق، فلا يجوز أن يلزم بها الطلاق إلا أن يقول المتكلم أنه أراد بها الطلاق فيلزمه ذلك بإقراره، ولا يجوز إبطال النكاح؛ لأنهم قد أجمعوا على صحته بيقين. قال أبو عمر: واختلف في قول مالك في معنى قول الرجل لامرأته: اعتدِّي. أو قد خليتك. أو حبلك على غاربك. فقال مرة: لا ينوي فيها فهي ثلاث: وقال مرة: ينوي فيها كلها في المدخول بها وغير المدخول بها وبه أقول. قال القرطبي: ما ذهب إليه الجمهور، وما روي عن مالك أنه ينوي في هذه الألفاظ كلها والحكم عليه بذلك هو الصحيح لما ذكرناه من الدليل، وللحديث الصحيح الذي خرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني وغيرهم عن يزيد بن ركانة: إن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة ألبتة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال:"آللهِ مَا أَردْتَ إِلَّا وَاحِدَةً"؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطنافسيَّ يقول: ما أشرف هذا الحديث، ا. هـ. منه بلفظه. جـ 3 ص 135/ 136 وقوله رحمه الله: وسفه قائل: يا أختي ويا أمي. ففي مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري ما نصه: باب في الرجل يقول لامرأته: يا أختي. عن أبي تميمة الهجيمي، وهو طريف بن مجالد البصري، أن رجلًا قال لامرأته: يا أخَيَّة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُخْتُكَ هِيَ"؟ فكره ذلك ونهى عنه.

وعن أبي تميمة عن رجل من قومه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، سمع رجلًا يقول لامرأته: يا أخية. فنهاه. قال المنذري: وذكر أبو داود ما يدل على اضطرابه. قال الخطابي: وإنما كره ذلك لأنه =

ص: 157

وَلَزِمَ بِالإِشَارَةِ المُفْهِمَةِ، وبِمُجَرَّدِ إرْسَالِهِ بِهِ مَعَ رَسُولٍ، وبِالْكِتَابَةِ عَازِمًا أوْ لَا إن وَصَلَ لَهَا، وَفِي لُزومِهِ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ خِلَافٌ (1)، وَإنْ كرَّرَ الطَّلَاقَ بِعَطْفٍ بوَاوٍ أوْ فَاء أو ثُمَّ فثَلَاثٌ إنْ دَخَلَ، كَمَعَ طَلْقَتَيْنِ مُطْلَقًا، وبِلَا عَطْفٍ ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بهَا، كَغَيْرِهَا إنْ نَسَقَهُ، إلَّا لِنِيَّةِ تأكِيدٍ فِيهِمَا، في غَيْرِ مُعَلَّقٍ بِمُتَعَدِّدٍ. وَلَوْ طَلَّقَ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلْتَ؟. فَقَالَ: هِيَ طَالِقٌ. فَإنْ لَمْ يَنْوِ إخْبَارَهُ فَفِي لُزُومِ طَلْقَةٍ أوِ اثْنَتيْنِ قَوْلَانِ، وَنِصْفُ طَلْقَةٍ، أَوْ طَلْقَتَيْنِ أوْ نِصْفَي طَلْقَةٍ أو نِصْفِ وَثُلُثِ طَلْقَةٍ أو وَاحِدَةٍ فِي وَاحِدَةٍ، أوْ مَتَى مَا فَعَلْتُ وَكُرِّرَ، أوْ طَالِقٌ أبَدًا طَلْقَةٌ، واثْنَتَانِ فِي رُبُعِ طَلْقَةٍ وَنِصْفَ طَلْقَةٍ وَوَاحِدَةٍ فِي اثْنَتَيْنِ، والطَّلَاقَ كُلَّهُ إلَّا نِصْفَهُ، وأنْتِ طَالِقٌ إنْ تَزَوَّجْتُكَ ثُمَّ قَالَ: كُلُّ مَنْ أتَزَوَّجُهَا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ فَهِيَ طَالِقٌ، وثَلَاثٌ فِي إلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ، أو اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ، أو كُلَّمَا حِضْتِ. أوْ كُلَّمَا أو مَتَى مَا أوْ إذَا مَا طَلَّقْتُكِ أوْ وَقَعَ عَلَيْكِ طَلَاقِي فأنْتِ طَالِقٌ وَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً، أوْ إنْ طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلهُ ثَلَاثًا، وطَلْقَةٌ فِي أرْبَعٍ قَالَ لَهُنَّ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةٌ مَا لَمْ يَزِدِ الْعَدَدُ عَلى الرَّابِعَةِ،

= مظنة التحريم؛ وذلك أن من قال لامرأته: أنت كأختي. وأراد به الظهار، كان ظهارًا. كما تقول: أنت كَأمي. وهكذا في كل امرأة من ذوات المحارم. وعامة أهل العلم، أو أكثرهم متفقون على هذا، إلا أن ينوي بهذا الكلام الكرامة، فلا يلزمه الظهار، وإنما اختلفوا فيه إذا لم تكن له نية، فقال كثير منهم: لا يلزمه شيء. قال: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول، لئلا يلحقه بذلك ضرر في أهل، أو تلزمه كفارة في مال. ا. هـ منه.

(1)

وقوله: وفي لزومه بكلام النفسي خلاف، قال في مختصر سنن أبي داود: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، أَوْ تَعْمَلْ بِهِ، وَبِمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا". قال: وأخرجه البخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ا. هـ. =

ص: 158

سُحْنُونُ: وَإنْ شَرَّكَ طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَإنْ قَالَ: أنْتِ شَريكَةُ مُطَلَّقَةٍ ثَلَاثًا. ولِثَالِثَةٍ: أنْتِ شَرِيكَتُهُمَا، طُلِّقَتِ اثْنَتَيْنِ والطَّرَفانِ ثَلَاثًا، وَأدِّبَ الْمُجَزِّئ كَمُطَلِّقِ جُزْء وَإنْ كَيَدٍ، وَلَزِمَ بِشَعَرُكِ طَالِقٌ أَوْ كَلَامُكِ عَلى الأحْسَنِ، لَا بِسُعَالٍ وَبُصَاقٍ وَدَمْعٍ، وَصَحَّ اسْتِثْنَاء بإلَّا إنِ اتَّصَلَ وَلَمْ يَسْتَغْرِقْ، فَفِي ثَلَاثٍ إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً، أوْ ثَلَاثًا أوْ البتَّةَ إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً اثْنَتَانِ، ووَاحِدَةً واثْنَتَيْنِ إلَّا اثْنَتَيْنِ إنْ كَانَا مِنَ الْجَمِيعِ فَواحِدَةٌ وَإلَّا فَثَلَاثٌ، وَفِي إلْغَاءِ مَا زَادَ عَلى الثَّلَاثِ وَاعْتِبَارِهِ قَوْلَانِ.

ونُجِّزَ إنْ عُلِّقَ بِمَاضٍ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا أوْ عَادَةً أوْ شَرْعًا أوْ جَائزٍ كَلَوْ جِئْتَ قَضَيْتُكَ، أوْ مُسْتَقْبَلٍ مُحَقَّقٍ وَيُشْبِهُ بُلُوغُهُمَا عَادَةً؛ كَبَعْدَ سَنَةٍ أوْ يَوْمَ مَوْتِي أوْ إنْ لَمْ أمَسَّ السَّمَاءَ أوْ إنْ لَمْ يَكُنْ هَذا الحَجَرُ حَجَرًا، أوْ لِهَزْلِهِ كَطَالِقٌ أمْسِ، أوْ بِمَا لا صَبْرَ عَنْهُ كإنْ قُمْتِ، أوْ غَالِبٍ كإنْ حِضْتِ، أوْ مُحْتَمَلٍ وَاجِبٍ كإنْ صَلَّيْتِ، أوْ بِمَا لَا يُعْلَمُ حَالًا كإنْ كَانَ فِي بَطْنِكِ غُلَامٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ، أوْ فِي هذِهِ اللَّوْزَةِ قَلْبَانِ، أوْ فُلَانٌ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ (1)، أوْ إنْ كنْتِ

= قال الخطابي: في هذا الحديث من الفقه أن حديث النفس وما يوسوس به قلب الإِنسان لا حكم له في شيء من أمور الدين. وفيه أيضًا أنه إذا طلق امرأته بقلبه، ولم يتكلم به بلسانه، فإن الطلاق غير واقع، وإلى هذا ذهب عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وقتادة، والثوري، وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي، وأحمد وإسحاق.

وقال الزهري. إذا عزم على ذلك وقع الطلاق، لفظ به أو لم يلفظ. وإلى هذا ذهب مالك بن أنس، والحديث حجة عليه، ا. هـ. منه بلفظه.

(1)

وقوله: أو فلان من أهل الجنة؛ قال الدردير: أو من أهل النار، فينجز عليه الطلاق ما لم يقطع بذلك؛ كالعشرة الكرام وعبد الله بن سلام وكأبي جهل وفرعون، ا. هـ. منه بتصرف. =

ص: 159

حامِلًا أوْ لَمْ تَكُونِي، وحُمِلَتْ عَلى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ، واخْتَارَهُ مَعَ الْعَزْلِ، أوْ لَمْ يُمْكِنْ اطلاعُنا عَلَيْهِ كإنْ شَاءَ اللهُ أو المَلَائِكَةُ أوْ الجِنّ، أوْ صَرَفَ الْمَشِيئَةَ عَلى مُعَلَّقٍ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ إلَّا أنْ يَبْدُوَ لي فِي المُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَقَطْ أوْ كإنْ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ غدًا إلَّا أن يَعُمَّ الزَّمَنَ، أوْ يَحْلِفَ لِعَادَةٍ فَيُنْتَظَر وَهَلْ يُنْتَظَرُ فَي الْبِرِّ وَعَلَيْهِ الأكْثَرُ أوْ يُنَجَّزُ كَالْحِنْثِ، تأويلَانِ، أو بِمُحَرَّمٍ كَإن لَّمْ أزْنِ إلَّا أن يُتْحَقَّقَ قَبْلَ التَّنْجيزِ، أو بِمَا لَا يُعْلَمُ حَالًا وَمَآلًا، ودُيِّنَ إنْ أمْكَنَ حَالًا وادَّعَاهُ، فَلَوْ حَلَفَ اثْنَانِ عَلى النَّقِيضِ كإن كَانَ هَذا غُرابًا أوْ إنْ لَمْ يَكُنْ. فإن لَمْ يدَّعِيَا يَقِينًا طَلُقَتَا، وَلَا يَحْنَثُ إنْ عَلَّقَهُ بِمُسْتَقْبَلٍ مُمْتَنِعٍ كَإنْ لَمَسْتُ السَّمَاءَ أوْ إنْ شَاءَ هذا الْحَجَرُ، أوْ لَمْ تُعْلَمْ مَشيئةُ الْمُعَلَّقِ بمَشِيئَتِهِ، أوْ لَا يُشْبِهُ الْبُلُوغَ إلَيْهِ أوْ طَلَّقْتُكِ وَأنا صَبِيٌّ، أوْ إذا مِتُّ أو مُتِّي، أَوْ إنْ، إلَّا أنْ يُريدَ نَفْيَهُ، أوْ إنْ وَلَدْتِ جَاريةً أوْ إنْ حَمَلْتِ إلَّا أن يَطَأهَا مَرَّةً وإنْ قَبْلَ يَمِينِهِ، كَإنْ حَمَلْتِ وَوَضَعْتِ، أوْ مُحْتَملٌ غَيْرُ غَالِبٍ وانْتُظِرَ إنْ أثْبَتَ كَيَوْمِ قُدومِ زَيْدٍ، وتَبَيَّنَ الْوُقُوعُ أوَّلَهُ إنْ قَدِمَ فِي نِصْفِهِ، وإلَّا أنْ يَشَاءَ زَيْدٌ مِثْلُ إنْ شَاءَ بِخِلَافِ إلَّا أنْ يَبْدُوَ لِي كالنَّذْرِ والْعِتْقِ، وَإنْ نَفَى وَلَمْ يُؤجِّلْ كإنْ لَمْ يَقْدِمْ مُنِعَ مِنْهَا إلَّا كإن لم أحْبِلْهَا أوْ إنْ لَمْ أطَأْهَا، وَهَلْ يُمْنعُ مُطْلَقًا؟ أوْ إلَّا في كإنْ لَّمْ أحُجَّ فِي هذا الْعَامِ ولَيْسَ وَقْتَ سَفَرٍ؟ تَأْوِيلَانِ.

= قلت: وذلك لأن هذا المحلوف عليه مما لا سبيل إلى معرفته لا حالًا ولا مآلًا. إلا بإخبار معصوم أن فلانًا من أهل الجنة، كما هو الواقع بالنسبة للعشرة المبشرين بالجنة، ومن ورد فيه خبر مثل ما ورد فيهم. أو أن فلانًا من أهل النار كما ورد في قزمان وأبي جهل، فكيف يجوز لأحد إذًا أن يصف عبدًا من عباد الله اليوم بالولاية، وهي مزية تستلزم الجنة بدليل قوله تعالى: {أَلَا =

ص: 160

إلَّا إن لَّمْ أطَلِّقْكِ مُطْلَقًا أوْ إلى أجَلٍ، أوْ إن لَمْ أطَلِّقْكِ بِرَأْسِ الشَّهْرِ ألْبَتَّةَ فأنْتِ طَالِقٌ رَأْسَ الشَّهْرِ الْبَتَّةِ أو الآنَ، فَيُنَجَّزُ وَيَقَعُ وَلَوْ مَضَى زَمَنُهُ كَطَالِقٌ الْيَوْمَ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا غَدًا، وإنْ قَالَ: إن لَّمْ أُطَلِّقْكِ وَاحِدَةً بَعْدَ شَهْرٍ فأنْتِ طَالِقٌ الآن الْبتَّةَ، فَإنْ عَجَّلَهَا أجْزَأَتْ وإلَّا قِيلَ لَهُ: إمَّا عَجَّلْتَهَا وإلَّا بَانَتْ. وإنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ فَفِي الْبِرِّ كَنَفْسِهِ، وَهَلْ كَذلِكَ فِي الْحِنْثِ أوْ لَا يُضْرَبُ لَهُ أجَلُ الْإِيلَاءِ وَيُتَلَوَّمُ لَهُ؟ قَوْلَانِ، وَإنْ أقَرَّ بِفِعْلٍ ثُمَّ حَلَفَ مَا فَعَلْتُ صُدِّقَ بِيَمِينٍ بِخِلَافِ إقْرَارِهِ بعد الْيَمِينِ فَيُنَجَّزُ وَلَا تُمَكِّنُهُ زَوْجَتُهُ إنْ سَمِعَتْ إقْرارَهُ وبَانَتْ ولَا تَتَزَيَّنُ إلَّا كَرْهًا بتفْتَدِ مِنْهُ، وفي جَوَازِ قَتْلِهَا لَهُ عِنْدَ مُحَاوَرَتِهَا قَوْلَانِ، وامِرَ بالْفِرَاقِ فِي: إنْ كنْتِ تُحِبِّينِي أو تُبْغِضينِي. وَهَلْ مُطْلَقًا أوْ إلَّا أنْ تُجِيبَ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ فَيُنَجَّزُ؟ تَأوِيلانِ. وَفيهَا مَا يَدُلُّ لَهُمَا، وبِالأيْمَانِ المَشْكُوكِ فيهَا وَلَا يُؤمَرُ إنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أمْ لَا؟. إلَّا أن يَسْتَنِدَ وَهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ كَرُؤيَةِ شَخْصٍ دَاخِلًا شَكَّ فِي كَوْنِهِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وهَلْ يُجْبَرُ؟ تَأْويلَانِ. وإنْ شَكَّ أهِنْدٌ هِيَ أمْ غَيْرُهَا، أوْ قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ. أوْ أنْتِ طَالِقٌ بَلْ أنْتِ طَلُقَتَا، وإنْ قَالَ: أوْ أنْتِ خُيِّرَ، ولَا أنْتِ طَلُقَتْ الأُولَى إلَّا أنْ يُريدَ الْإِضْرَابَ. وإنْ شَكَّ أطَلَّقَ وَاحِدَةً أو اثْنَتَيْنِ أو ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ إلَّا بَعْدَ زوْجٍ، وصُدِّقَ إنْ ذَكَرَه (1) فِي الْعِدَّةِ، ثُمَّ إِنْ تَزوجَهَا وطَلَّقَهَا فَكَذلِكَ إلَّا أنْ يَبُتَّ. وَإنْ

= إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

(1)

الآية، وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

(2)

؟ تأمل!

(1)

وقوله: وصدق إن ذكره في العدة، فيه إحدى وقفات هذا المصنف، وتقرير المعنى: =

(1)

سورة يونس: 62.

(2)

سورة الأحقاف: 13.

ص: 161

حَلَف صَانِعُ طَعَامٍ عَلى غَيْرِهِ. لَا بُدَّ أنْ تَدْخُلَ. فحَلَفَ الآخَرُ: لَا دَخَلْتُ. حُنِّثَ الْأوَّلُ. وَإنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتِ. إنْ دَخَلْتِ. لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِهِمَا، وإن شهِدَ شَاهِدٌ بِحَرَامٍ وآخَرُ بِبَتَّةٍ أوْ بِتَعْلِيقِهِ عَلى دُخُولِ دَارٍ فِي رَمَضَانَ وَذِي الحجَّةِ أوْ بِدُخُولِهَا فِيهمَا أَوْ بِكَلَامِه فِي السُّوقِ والْمَسْجِدِ، أوْ بأنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمًا بِمِصْرَ ويَوْمًا بِمَكَّةَ لُفِّقَتْ؛ كَشَاهِدٍ بِوَاحِدَةٍ وآخَرَ بِأَزْيَدَ وحَلَفَ عَلى الزَّائِدِ وإلَّا سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ، لَا بِفِعْلَيْنِ أوْ بِفِعْلٍ وَقَوْلٍ كَوَاحِدٍ بِتَعْلِيقِهِ بالدُّخُولِ وآخَرَ بالدُّخُولِ وإنْ شَهِدَا بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ ونَسِيَاهَا لَمْ تُقْبَلْ وحَلَفَ: مَا طَلَّقَ وَاحِدَةً. وإنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِيَمينٍ ونَكَلَ فالثَّلَاث.

= وصدق إن ذكر أن الذي صدر منه من الطلاق أقل من الثلاث، وإذًا فإنه يرتجع في العدة إن ذكر قبل انقضائها، وإن لم يذكر إلا بعدها رجع إليها بعقد ولا يمين عليه فيهما. فعلى طالب العلم الوقف عند قوله: إن ذكر، ثم يقول: في العدة؛ لأن ذلك متعلق بمحذرف، وليس متعلقًا بقوله: إن ذكر، لئلا يتوهم السامع أنه إذا تذكر بعدها لا يصدق، وليس كذلك، وبذلك تعلم أنه لا يمكن أخذ هذا المختصر عن وجادة.

ص: 162

‌فَصْلٌ

إِنْ فَوَّضَهُ لَهَا تَوْكِيلًا فَلَهُ الْعَزْلُ إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ، لَا تَخْييرًا أوْ تَمْلِيكًا (1)، وَحِيلَ بَيْنَهُمَا حَتَّى تُجِيبَ، وَوُقِفَتْ، وإنْ قَالَ: إلى سَنَةٍ. مَتَى عُلِمَ فَتَقْضِي وإلَّا أسْقَطَهُ الحَاكِمُ، وَعُمِلَ بِجَوَابِهَا الصَّرِيحِ فِي الطَّلَاقِ كَطَلَاقِهِ وَرَدِّهِ، كَتَمْكِينِهَا طَائِعَةً، وَمُضِيِّ يَوْمِ تَخْييرِهَا، ورَدِّهَا بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا، وَهَلْ نَقْلُ قُمَاشِهَا وَنَحْوُهُ طَلَاقٌ أوْ لَا؟. تَرَدُّدٌ. وَقُبِلَ تَفْسِيرُ: قَبِلْتُ. أوْ قَبِلْتُ أمْرِي. أوْ مَا مَلَّكْتِنِي، بِرَدٍّ أوْ طَلَاقٍ أوْ بَقَاء، ونَاكَرَ مُخيَّرةً لَمْ تَدْخُلْ ومُمَلَّكَةً مُطْلَقًا إنْ زادَتَا عَلى الْوَاحِدَةِ وإنْ نَوَاهَا وبَادَرَ وَحَلَفَ (2) إنْ دَخَلَ وإلَّا فَعِنْدَ الارْتِجَاعِ وَلَمْ يُكَرِّرْ أمْرُهَا بِيَدِهَا إلَّا أنْ يَنْوِيَ التَّأكِيدَ كَنَسَقِهَا هِيَ وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ وفِي حَمْلِهِ عَلى الشَّرْطِ إِنْ أطْلَقَ قَوْلَانِ، وَقُبِلَ إرَادَةُ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا. وَالأصَحُّ خِلَافُهُ، وَلَا نُكْرَةَ لَهُ إنْ دَخَلَ فِي تَخْيِيرٍ مُطْلَقٍ. وإنْ قَالَتْ: طَلّقْتُ نَفْسِي. سُئِلَتْ بِالْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ فإنْ أرَادَتْ الثَّلَاثَ لَزِمَتْ فِي التَّخْيِيرِ، ونَاكَرَ فِي التَّمْلِيكِ، وإنْ قَالَتْ: وَاحِدَةً. بَطَلَتْ فِي التَّخْييرِ، وَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ أوْ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ؟. تَأْويلَانِ. والظَّاهِرُ سُؤَالُهَا إنْ قَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي أيْضًا، وفِي جَوازِ التَّخييرِ قَوْلَانِ، وحَلَفَ فِي: اخْتَارِي فِي وَاحِدَةٍ. أوْ فِي إنْ تُطَلِّقِي نَفْسَكِ طَلْقَةً وَاحِدَةً لَا اخْتَارِي طَلْقَةً، وبَطَلَ إنْ قَضَتْ بِوَاحِدَةٍ فِي اخْتَارِي تَطْلِيقَتَيْنِ أوْ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ مِنْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَلَا تَقْضِي إلَّا بِوَاحِدَةٍ، وَبَطَلَ فِي الْمُطَلَقِ إنْ قَضَتْ بِدُونِ الثَّلَاثِ كطَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلَاثًا، وَوُقِفَتْ إن اخْتَارَتْ بِدُخُولِهِ عَلى ضَرَّتِهَا، وَرَجَعَ مَالِكٌ إلى بَقَائِهَا بِيَدِهَا فِي الْمُطْلَقِ مَا لَمْ تُوقَفْ أوْ تُوطَأْ كمتَى شِئْتِ. وَأخذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بالسُّقُوطِ، =

ص: 163

وفِي جَعْلَ إنْ شِئْتِ أو إذَا كمَتَى أوْ كَالْمُطْلَق تَرَدُّدٌ، كَما إذا كَانَت غَائِبةً وَبَلَغَهَا. وإنْ عَيَّنَ أمْرًا تَعَيَّنَ، وَإنْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي وَزَوْجِي. أوْ بِالعَكْسِ فَالْحُكْمُ لِلْمُتَقَدِّمِ، وهُمَا فِي التَّنْجِيزِ لِتَعْلِيقِهِمَا بِمُنَجَّزٍ وَغَيْره كَالطَّلَاقِ وَلَوْ عَلَّقَهُمَا بِمَغِيبِهِ شَهْرًا، فَقَدِمَ وَلَمْ تَعْلَمْ وَتَزوَّجَتْ فكَالْوَليَّيْنِ، وبحُضُورِهِ وَلَمْ تَعْلَمْ فهِيَ عَلَى خِيارِهَا، واعْتُبِرَ التَّنْجِيزُ قَبْلَ بُلُوغِهَا، وهَلْ إنْ مَيَّزَتْ، أوْ مَتَى تُوطَأُ؟. قَوْلَانِ، وَلَهُ التَّفْويضُ لِغَيْرِهَا. وَهَلْ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ قَوْلَانِ. ولَهُ النَّظَرُ وصَارَ كَهِيَ إنْ حَضَرَ أوْ كَانَ غائبًا قَرِيبَةً كالْيوْمَيْنِ لَا أكثَرَ فَلَهَا إلَّا أنْ تُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهَا أوْ يَغيبَ حَاضِرٌ وَلَمْ يُشْهِدْ بِبَقَائهِ، فإنْ أشْهَدَ فَفِي بَقَائِه بِيَدِهِ أو يَنْتَقِلُ لِلزَّوْجَةِ قَوْلَانِ، وإنْ مَلَكَ رَجُلَيْنِ فَلَيْسَ لأحَدِهِمَا القَضَاءُ إلَّا انْ يَكُونَا رَسُولَيْن.

‌فصل في أحكام الاستنابة على الطلاق

وهي أربعة أقسام: توكيل وإرسال وتمليك وتخيير.

أما التخيير، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خير نساءه لما نزل قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}

(1)

.

روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها. قالت: أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه فبدأ بي فقال: "يَا عَائِشَةُ. إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعْجلِي حَتى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ". قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه. قالت: ثم قأل: "إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: يأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ" الآيتين، فقلت: أفي هذا أستامر أبويَّ؟. فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت. قال: هذا حديث حسن صحيح. ا. هـ. بنقل القرطبي، وقال: والتحقيق=

(1)

سورة الأحزاب: 28، 29.

ص: 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . .

= أن المخيرة إذا اختارت زوجها لا يلزمه طلاق؛ لقول عائشة رضي الله عنها: خيّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يعدَّه علينا طلاقًا. أخرجه الشيخان. وهذا قول عمر بن الخطاب وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين: عطاء، ومسروق، وسليمان بن يسار، وربيعة وابن شهاب.

وقال القرطبي: يؤخذ من الحديث أيضًا أن المخيرة إذا اختارت نفسها، أنها تطليقة يملك زوجها رجعتها؛ لأنه لا يجوز أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما أمره الله. وروي هذا عن عمر وابن مسعود وابن عباس، وبه قال ابن أبي ليلى والشافعي. ا. هـ. منه.

وذهب جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء، وأن القضاء ما قضت فيهما جميعًا. قال القرطبي: وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. قاد ابن شعبان: وقد اختاره كثير من أصحابنا. وهو قول جماعة من أهل المدينة. قال أبو عمر: وعلى هذا القول أكثر الفقهاء، والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما. قال: وتحصيل مذهب مالك: إن المخيرة إذا اختارت نفسها -وهي مدخول بها- فهو الطلاق كله. وإن أنكر زوجها فلا نكرة له. وإن اختارت واحدة فليس بشيء وإنما الخيار البتات؛ إمَّا أخذته وإِمَّا تركته؛ لأن معنى التخيير التسريح. قال الله تعالى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} . فمعنى التسريح البتات. قال الله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}

(1)

. والتسريح بالإِحسان هو الطلقة الثالثة.

قلت: لكنه قد تقدم لك قريبًا أخذهم من حديث عائشة أن المخيرة إذا اختارت نفسها أنها طلقة يملك زوجها رجعتها، لاستحالة أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما أمره الله به، تأمل.

قال القرطبي: واختلفت الرواية عن مالك متى يكون لها الخيار؛ فقال مرة: لها الخيار ما دامت في المجلس، قبل القيابم أو الاشتغال بما يدل على الإِعراض، فإن لم تختر ولم تقض شيئًا حتى افترتا من مجلسهما بطل ما كان من ذلك إليها. وعلى هذا أكثر الفقهاء.

قلت: ويؤيد هذا القول ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، قال: عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول ابن مسعود قال: إذا ملّكها أمرها فتفرَّقا قبل أن تقضي شيئًا فلا أمر لها. وعن:

(1)

سورة البقرة: 229.

ص: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الثوري عن أبي فجيح عن سجاهد: إذا خيّر الرجل امرأته فلم تختر في مجلسها فليس بشيء. وأخرج مثل ذلك عن الثوري من عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء. وعن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء، وعن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله. ا. هـ.

(1)

وقول خليل: لا تخييرًا وتمليكًا، يشهد له ما أخرجه عبد الرزاق عر، الثوري في رجل يملك امرأته أمرها، ثم يرتده قبل أن تقوم، قال: ليس له أن يرجع فيما خرج منه.

(2)

وقوله: ومملكة مطلقًا إن زادتا على الواحدة إن نواها وبادر وحلف: ففي الموطإ عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن رجلًا من ثقيف ملَّك امرأته أمرها فقالت: أنت الطلاق.

فسكت، ثم قالت: أنت الطلاق. فقال: بفيك الحجر. ثم قالت: أنت الطلاق. فقال: بفيك الحجر. فاختصما إلى مروان بن الحكم فاستحلفه ماملَّكها إلا واحدة وردها إليه. قال مالك: فال عبد الرحمن: فكأن القاسم يعجبه هذا اقضاء، ويراه أحسن ما سمع في ذلك. قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك وأحبه إليَّ. ا. هـ.

وعن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا ملَّك الرجل امرأته أمرها فالقضاء ما قضت به، إلا أن ينكر عليها ويقول: لم أرد إلا واحدة. فيحلف على ذلك، ويكون أملكَ بها ما دامت في عدتها. ا. هـ.

وإن إختارت المملكة زوجها لم يحسب ذلك طلاقًا؛ ففي الموطإ عن مالك عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها خطبت على عبد الرحمن قُريْبة بنت أبي أمية فزوجوه، ثم إنهم عتبوا على عبد الرحمن وقالوا: ما زوجنا إلا عائشة. فأرسلت عائشة إلى عبد الرحمن، فذكرت ذلك له، فجعل أمر قريبة بيدها، فاختارت زوجها، فلم يكن ذلك طلاقًا. ا. هـ. وعن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة زوج النبيِّ صلى الله عليه وسلم زوجت حفصةَ بنت عبد الرحمن المنذرَ بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشَّام، فلما قدم عبد الرحمن قال: ومثلي يصنع هذا به؟. ومثلي يفتات عليه؟. فكلمت عائشة المنذر بن الزبير فقال المنذر: فإن ذلك بيد عبد الرحمن. فقال عبد الرحمن: ما كنت لأردَّ أمرًا قضيته. فقرت حفصة عند المنذر ولم يكن ذلك طلاقًا. ا هـ. =

ص: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= والأثر الأول أخرجه أيضًا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يخبر عن القاسم بن محمد، فذكره، وأخرج عبد الرزاق الأثر الثاني عن ابن جريج عن عطاء، فذكر خبر حفصة بنت عبد الرحمن والمنذر بن الزبير.

ولابن رشد في المقدمات مبحث نفيس في هذا الباب، نلخص منه بإذن الله ما يلي: قال: قد اختلف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من التابعين وفقهاء المسلمين فيمن ملك امرأته أو خيّرها اختلافًا كثيرًا؛ إذ لم يرد في ذلك نص القرآن يرجع إليه، ولا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أثر في ذلك يعول عليه؛ فمنهم مق جعل قضاء إلزوجة ست واحدة أو ثلاث، ومنهم من جعله على ما نواه الزوج مع يمينه، ومنهم من قال: ليس لها من الطلاق شيء، وإن خيّرها زوجها أو ملَّكها. ومنهم من رأى الخيار فراقًا والتمليك طلاقًا؛ قبلت أو ردت. ومنهم من فرق بين التخيير والتمليك؛ فلم ير التخيير شيئًا، ورأى التمليك واحدة بائنة. قال: ولا حجة لأحد منهم على مذهبه من جهة الرأي إلا ويعارضها مثلها، إذ ليس من ذلك في الكتاب والسنة نص يجب التسليم له. ا. هـ. منه باختصار.

قلت: وحيث إن موضوع هذا الكتاب المبارك هو استجلاب الدليل من الكتاب أو من السنة أو من الإِجماع أو غير ذلك من الأدلة المقبولة، وقد علمت فيما نقله العلامة ابن رشد أنه الا يوجد دليل في المسألة، فقد اكتفي في هذا الباب بما تقدم. والله الموفق إلى صراطه المستقيم.

قوله: فصل، أي في أحكام رجعة المطلقة. والرجعة ثابتة بالكتاب والسنة والإِجماع. أما الكتاب، فقد قال تعالى:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} . قال ابن قدامة: والمراد به الرجعة عند جماعة العلماء وأهل التفسير.

وقال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} الآية، أي الرجعة، ومعناه إذا قاربن بلوغ أَجلهن أي انقضاء عدتهن.

وأما السنة فحديث ابن عمر المتفق عليه: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا". وروى أبو داود عن عمر قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها. ا. هـ.

وقال ابن قدامة: إن ابن المنذر حكى إجماع أهل أرملم أن الحر إذا اطلق الحرة دون الثلاث، أو العبد إذا طلق دون الإِثنتين، إن لهما الرجعة في العدة.

ص: 167

‌فَصْلٌ

يَرْتَجِعُ مَنْ يَنْكِحُ وَإنْ بكإحْرَامٍ وَعَدَمِ إذْنِ سَيدٍ، طَالِقًا غَيْرَ بَائِنٍ فِي عِدَّةِ صَحِيحٍ حَلَّ وَطْؤُهُ، بِقَوْلٍ مَعَ نِيَّةٍ كَرَجَعْتُ، وأمْسَكْتُهَا، أوْ نِيَّةٍ على الْأظْهَرِ، وصُحِّحَ خِلَافُهُ، أوْ بِقَوْلٍ ولَوْ هَزْلًا في الطاهِر لَا الْبَاطِنِ، لَا بِقَوْلٍ مُحْتَمِلٍ بِلَا نِيَّةٍ؛ كَأعَدْتُ الحِلَّ، وَرَفَعْتُ التَّحْرِيمَ، ولَا بِفِعْلٍ دُونَهَا كوَطْء وَلَا صَدَاقَ، وإن اسْتَمَرَّ وانْقَضَتْ لَحِقَهَا طَلَاقُهُ (1) على الْأصَحِّ، ولَا إنْ لَمْ يُعْلَمْ دُخول وَإنْ تَصَادَقَا عَلى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَلَاقِ وأُخِذَا بإقْرارِهِمَا؛ كَدَعْوَاهُ لَهَا بَعْدَهَا إنْ تَمَادَيَا عَلى التَّصْدِيقِ عَلى الأصْوَبِ. ولِلْمُصَدِّقَةِ النَّفَقَةُ ولا تُطَلِّقُ لِحَقِّهَا في الْوِطْءِ وَلَهُ جَبْرُهَا عَلى تَجْديدِ عَقْدٍ بِرُبُعِ دِينَارٍ وَلَا إن أقَرَّ بِهِ فَقَطْ

(1)

وقوله: ولا بفعل دونها كوطء ولا صداق، وإن استمر وانقضت لحقها طلاقه، هو تناقض في نظري، فكيف يصح تصور الإِثم في وطء لا يلزم صاحبه بالصداق؟. وكيف تصور عدم الرجعة بوطء يلحق بموجبه الطلاق في العدة منه؟. إعلم أن الرجعية زوجة بالإِجماع، لا يفتقر في ارتجاعها إلى ولي ولا إلى صداق ولا إلى رضى المرأة ولا إلى علمها، قال ابن قدامة: فالرجعة إمساك للزوجة واستبقاء لنكاحها، ولهذا سمى الله تعالى الرجعة إمساكًا، وسمى تركها فراقًا وسراحًا؛ قال تعالى:{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} . وقال تعالى في آية أخرى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} . قال: وإنما تشعث النكاح بالطلقة وانعقد بها سبب زواله، فالرجعة تزيل ذلك الشعث وتقطع مضي الطلاق إلى البينونة، فلم يحتج فيها إلى ما يحتاج إليه ابتداء النكاح، ا. هـ. منه بتصرف.

يتحصل منه أن الذي يظهر أنه الصواب أن الرجعة تحصل بالوطء ولو لم ينو به الرجعة كما هو مروي عن سعيد بن المسيب، والحسن وابن سيرين وعطاء وطاوس، والزهري والثوري والأوزاعي، وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي، واشترط مالك واسحاق نية الرجعة به. وإذا علمنا أن الطلاق سبب لحل العصمة مع الخيار، علمنا أن تصرف الزوج بالوطء يرفعه، تمامًا مثل وطء البائع الأمة المبيعة بالخيار.

ص: 168

فِي زِيَارَةٍ بِخِلَافِ البِنَاءِ وَفِي إبْطَالِهَا إن لَمْ تُنَجَّزْ كَغَدٍ أو الآن فَقَطْ. تَأويلَانِ، ولَا إنْ قَالَ مَنْ يَغِيبُ: إنْ دَخَلَتْ فَقَدِ ارْتَجَعْتُهَا. كاخْتِيَارِ الأمَةِ نَفْسَهَا أو زَوْجَهَا بِتَقْدِيرِ عِتْقِهَا، بِخِلَافِ ذَاتِ الشَّرْطِ تَقُولُ: إنْ فَعَلَهُ زَوْجِي فَقَدْ فَارَقْتُهُ. وصَحَّتْ رَجْعَتُهُ إنْ قامَتْ بَينَة على إقْرارِهِ أوْ تَصَرُّفِهِ ومبيتِه فيها. أو قَالَتْ: حِضْتُ ثَالِثَةً. فأقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَوْلِهَا قَبْلَهُ بِمَا يُكَذبُهَا. أوْ أشْهَدَ بِرَجْعَتِهَا فَصَمَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ كَانَتِ انْقَضَتْ أو وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ. وَرُدَّتْ بِرَجْعَتِهِ وَلَمْ تَحْرُمْ عَلى الثَّانِي، وإن لَّمْ تَعْلَمْ بِهَا حَتَى انْقَضَتْ وتَزَوْجَتْ أوْ وَطئ الأمَةَ سَيِّدُهَا فَكَالْوَلِيَّيْنِ. والرَّجْعِيَّةُ كالزَّوْجَةِ إلَّا فِي تَحْرِيمِ الاسْتِمْتَاع والدُّخُول عَلَيْهَا والْأكْلِ مَعَهَا (1)، وصُدِّقَتْ فِي انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأقْراءِ والْوَضْعِ (3) بِلَا بَمِينٍ ها أمْكَنَ وسُئِلَ النِّساءُ، ولَا يُفِيدُهَا تكْذيبُهَا نَفْسَهَا، ولا أنَّهَا رَأتْ أول الدَّم وَانْقَطَعَ، ولا رؤيَةُ النِّساءِ لَهَا، وَلَوْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ كسَنَةٍ فقَالَتْ: لَمْ أحِضْ إلَّا وَاحِدَةً. فإنْ كانَتْ غَيْرَ مُرْضِعٍ ومَريضَةٍ لَمْ تُصَدَّقْ إلَّا إنْ كَانَتْ تُظْهِرُهُ وحَلَفَتْ فِي كالسِّتَّةِ لَا كالأرْبْعَةِ وعَشْرٍ. ونُدِب الإشْهَادُ (3)، وأصَابَتْ مَنْ مَنَعَتْ لَهُ (4)، وشَهَادَةُ السَّيِّدِ كَالْعَدَمِ والْمتْعَةُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ بَعْدَ الْعِدَّةِ (5) لِلرَّجْعِيَّةِ أوْ وَرَثَتِهَا كَكُلِّ مُطَلَّقَةٍ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ لَا فِي فَسْخٍ كَلِعَانٍ ومِلكِ أحَدِ الزوجَيْنِ إلا مَنِ اخْتَلَعَتْ أو فرِضَ لَهَا وطُلَّقَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ أوْ مُخْتَارَةً لِعِتْقِهَا أوْ لِعَيْبِهِ ومُخيَّرةً ومُمَلَّكَةً.

(1)

وقوله: والرجعية كالزوجة إلا في تحريم الاستمتاع والدخول عليها والأكل معها، ففي البيهقي: باب الرجعية محرمة عليه تحريم المبتوتة حتى يراجعها، ثم ساق بسنده إلى الشافعي قال: أنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي في مسكن حفصة رضي الله عنها، وكان طريقه إلى المسجد، فكان يسلك الطريق الآخر من أدبار البيوت؛ كراهية أن يستأذن عليها حتى=

ص: 169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= راجعها. ا. هـ.

قلت: هو في الموطإ، ولكن أين الدليل منه على حرمة الاستمتاع بها والخلوة بها والدخول عليها؟. هل هناك فتوى من ابن عمر بذلك؟. أم ذلك إنما أخذ من فعله؟. فإن فعل غير المعصوم لا دليل فيه بتاتًا، وأيضًا فإن وقائع الأحوال إذا توقها الاحتمال كساها ثوب الإِجمال فسقط بها الاستدلال، فإن ابن عمر يمكن أن يكون تحاشى الاستئذان على زوجته ببيت سكناها، بسبب غضبه عليها الذي من أجله طلقها، ويحتمل غير ذلك أيضًا، علمًا بأن الأسوة في أفعال رسول الله فقط وأقواله صلى الله عليه وسلم فهو الذي يجب اتباعه في قوله وفعله.

وكيف يستطاع أن يشبه تحريم الاستمتاع بالرجعية بالاستمتاع بالمبتوتة؟. والحال إنه لا خلاف بين العلماء أن لا حذ على من وطن رجعيته، وإن ولده من ذلك الوطء لاحق به. وكيف تشبه بالمبتوتة؟. وقد أذن الشرع لها في التزين والتشوف له. إن التحقيق أنها زوجة في جميم أصررها إلا أنها انعقد لها سبب حل عصمتها أن نقضت عدتها قبل أن يرتجعها زوجها، وإلا فكيف يتصور منع الزوج من الدخول على زوجته والأكل معها والنظر إليها، بل والاستمتاع بها؟. فإن المطلق طلاقًا رجعيًا سماه الله تعالى في تنزيله بَعْلًا بقوله جل من قائل:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}

(1)

. تأمل. والتوفيق بيد الله.

(2)

وقوله: وصدقت في انقضاء عدة الأقراء ألخ، دليله قوله تعالى:{وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}

(2)

. الآية. قال أهل التفسير: هو الحيض والحمل؛ فلولا أن قولهن مقبول لم يحرجن بكتمانه، قال ابن قدامة: ولأنه أمر تختص بمعرفته، فكان القول فيه قولها؛ كالنية من الإِنسان فيما تعتبر فيه النية. ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: وندب الإِشهاد، الأمر الوارد في ذلك قوله تعالى:{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}

(3)

. الآية. ولا خلاف، بين أهل العلم أن السنة في الرجعة الإشهاد، وأن أصل الأمر للوجوب، غير أن مالكًا رحمه الله حمل الأمر هنا على الاستحباب، قال: لأن الرجعة لا تفتقر على قبول المرأة وعلى قبول وليها، فلم تفتقر على شهادة=

(1)

سورة البقرة: 228.

(2)

سورة البقرة: 228.

(3)

سورة الطلاق: 2.

ص: 170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= كسائر حقوق الزوج، ولأن ما لا يشترط فيه الولي لا يشترط فيه الإشهاد كالبيع. وهو على الاستحباب عند أبي حنيفة. وهو اختيار أبي بكر من الروايتين عن أحمد بن حنبل.

(4)

وقوله: وأصابت من منعت له، يحتاج إلى تأمل؛ فإذا تقرر أن الإِشهاد مستحب، وأن تمكين الزوجة من نفسها واجب، وأنها إن منعت تلعنها الملائكة حتى يرضى عنها زوجها، فكيف تصور إصابة من ارتكب كبيرة ليحقق مستحبًا؟. فلو قلنا بقول الشافعي بوجوب الإِشهاد

غير أن تقرير استجاب الإِشهاد لا ينسجم مع وصف المانعة من أجده بالإِصابة. والله الموفق.

(5)

وقوله: والمتعة على قدر حاله بعد تمام العدة ألخ، قال في الموطإ: عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول. لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها صداق ولم تمس فحسبها نصف ما فرض لها. وعن مالك عن ابن شهاب أنه قال: لكل مطلقة متعة. قال: وبلغني عن القاسم بن محمد مثل ذلك. قال مالك: ليس للمتعة عندنا حدٌّ معروف عندنا في قليلها وكثيرها. ا. هـ. منه.

ومعلوم أن الأصل في المتعة قوله تعالى في البقرة: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} (1). فقوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} معناه أعطوهن شيئًا يكون متاعًا لهن. وقد حمل هذا الأمر مالك بن أنس وأصحابه وأبو عبيد والقاضي شريح على الندب لقوله تعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} . قالوا: لو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين.

وقال جماعة من أهل العلم أن هذا الأمر للوجوب، واستظهر القرطبي في تفسيره هذا القول فقال: لأن عمومات الأمر بالإِمتاع في قوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ} وإضافة الإِمتاع إليهن بلام التمليك في قوله تعال: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} . أظهر في الوجوب منه في الندب. وأجاب عن قوله: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} . وقوله: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} . بأن ذلك تأكيد لإِيجابها؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في عدم الإشراك له، وعدم ارتكاب معاصيه. أنظره إن شئت هنا.

وقد اختلف العلماء أيضًا في عود الضمير من قوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ} . مَنْ المراد به من النساء؟. فقال مالك وأصحابه. المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دُخل بها، إلا التي لم يدخل لها وقد فرض لها، فحسبها نصف ما فرض لها ولا متعة لها، ولما كانت المتعة لما يصيب =

ص: 171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= المرأة من غم الطلاق، فإنهم قرروا أنه ليس للمختلعة والملاعنة متعة؛ لأنها هي التي اختارت الطلاق، وليس في النكاح المفسوخ متعة. قال ابن القاسم: وأصل ذلك قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} . فكان هذا الحكم مختصًا بالطلاق دون الفسخ. كذا في القرطبي. وقال ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن زيد، والحسن، والشافعي، وأحمد، وعطاء، وإسحاق، وأصحاب الرأي: المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض، مستحبة في حق غيرها. وذكر القرطبي في تفسيره أنه أجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيءَ لها غير المتعة.

والمذهب عند أصحابنا أنه ليس للمتعة حد معروف في قليلها ولا في كثيرها، يمتع كل بقدره؛ هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة. قال القرطبي في تفسيره: وهو مقتضى القرآن فإن الله سبحانه لم يقدرها ولم يحددها، وإنما قال جل وعز:{وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} . الآية. وبالله تعالى التوفيق.

ص: 172

‌فَصْلٌ في أحكام الإِيلاء

الْإِيلَاءُ (1) يَمِينُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ يُتَصَوَّرُ وقَاعُهُ وَإنْ مَرِيضًا، بمَنْعِ وَطْءَ زوْجَتِهِ وَإنْ تَعْلِيقًا، غَيْرِ المُرْضِعَةِ (2)، وَإنْ رَجْعِيَّةً، أكْثَرَ مِنْ أرْبْعَةِ أشهُرٍ، أوْ شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ (3)، وَلَا يَنْتَقِلُ بِعِتْقِهِ بَعْدَهُ.

فصل في أحكام الإِيلاء

(1)

قوله رحمه الله: الإِيلاء يمين مسلم الخ. الإِيلاء في اللغة الحلف، يقال: آلى يولي إيلاء وأَليةً. وجمع الألية ألايا. وأنشد الجوهري في الصحاح على ذلك قول الشاعر:

قليلُ الألايا حافظ ليمينه

وإنْ سبقَتْ منه الألية برَّتِ

وقال أبو عبد الله القرطبي في التفسير عند قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}

(1)

. الآية. يقار: آلى يؤلي إيلاء، وتألى تَألِّيًا، وائتلى ائتلاء، أي حلف. ومنه قوله تعالى:{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ}

(2)

. الآية، وقال الشاعر:

فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدةً

تكون وإياها بها مثلًا بعدي. ا. هـ

وقال ابن دريد:

ألِيَّةً باليعمَلات يرتمي

بها النَّجاءُ بَيْن أجواز الفلا ا. هـ.

والإِيلاء في الاصطلاح الشرعي هو حلف الزوج عدى ترك وطء امرأته. والأصل في ذلك قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} . الآية. قال القرطبي: وقرأ أبيٌّ وابن عباس. لِلَّذِينَ يُقْسِمُونَ. قال: ومعلوم أن "يقسمون" تفسير "يؤلون".

وقوله: يمين مسلم، ليخرج حلف غير المسلم وذلك لقوله تعالى:{فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الآية؛ لأن الغفران والرحمة بالفيئة يخصان الزوج المسلم حرًا كان أو عبدًا.

وقوله: مكلف، وصف مخرج للصبي والمجنون والمغمى عليه والنائم والسكران.

وقوله: يتصور وقاعه، وصف مخرج للمجبوب ومقطوع الذكر ونحو ذلك.=

(1)

سورة البقرة: 226.

(2)

سورة النور: 220.

ص: 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقوله: يمنع وطء زوجته، وصف مخرج لأمته أو لأجنبية منه.

وقوله. وإن تعليقًا، يرد عليه قوله تعالى:{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} . الآية، لأن الأجنبية الذي يقول في حقها: إن تزوجت فلانة فوالله لا أطؤها سنة مثلًا، ليست من نسائه، والآية إنما خصت هذا الحكم بالذين يؤلون من نسائهم.

(2)

وقوله: وإن مرضعة، قال القرطبي في تفسيره هنا: واختلفوا فيمن حلف ألَّا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا يمغل ولدها، ولم يرد إضرارًا بها، حتى ينقضي أمد الرضاع، فلم يكن لزوجته عند مالك مطالبة، لقصد إصلاح الولد. قال مالك: وقد بلغني أن عليَّ بن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء. وبه قال الشافعي في أحد قوليه، وقوله الثاني وافق فيه أبا حنيفة الذي يقول: يكون موليًا ولا اعتبار برضاع الولد. وجاء في الموطإ: قال مالك: من حلف لامرأته أن لا يطأها حتى تفطم ولدها. فإن ذلك لا يكون إيلاء، وقد بلغنيب أن عليَّ بن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء، أ. هـ. منه بلفظه.

قلت: والقول بأنه إيلاء أجرى على الدليل؛ لأن للمرضع حقًا في الوطء، فإن كانت زوجة كانت من نسائه والله تعالى يقول:{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} . وقوله: وإن رجعية، قالوا: لأنها كالزوجة يلحقها طلاقه فيصح إيلاؤه منها كغير المطلقة. وخالف اللخمي من أصحابنا في هذا الفرع محتجًا بأن المطلقة طلاقًا رجعيًا لا حق لها في الوطء، والأجل إنما يضرب لمن لها حق في الوطء. أنظر جواهر الإكليل. وقال ابن قدامة في المغني: فإن آلى من الرجعية صح إيلاؤه. وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: أكثر من أربعة أشهر أو شهرين للعبد، ففي الموطإ ما نصه: وإنما يوقف في الإيلاء من حلف على أكثر من الأربعة الأشهر، أما من حلف أن لا يطأ امرأنه أربعة أشهر أو أدنى من ذلك، فلا أرى عليه إيلاء؛ لأنه إذا دخل عليه الأجل. الذي يوقف عنده خرج من يمينه ولم يكن عليه وقف. ا. هـ. منه.

وقال الخرقي: والمولي الذي يحلف بالله عز وجل ألا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر، قال ابن قدامة: ولنا أنه لم يمنع نفسه أكثر من أربعة أشهر فلم يكن موليًا؛ كما لو حلف على ترك=

ص: 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قبلتها، والآية حجة لنا؛ لأنه جعل له التربص أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر فما دونها فلا معنى للتربص، لأن مدة الإيلاء تنقضي قبل ذلك. ا. هـ. منه.

وقوله: أو شهرين للعبد، قال في الموطإ عن مالك أنه سأل ابن شهاب عن إيلاء العبد، فقال: هو نحو إيلاء الحر، وهو عليه واجب، وإيلاء العبد شهران. ا. هـ. منه.

وفي مصنف ابن أبي شيبة: حدثنا أبو بكر قال: نا أبو عاصم عن الأوزاعي عن الزهري قال: إيلاء العبد على النصف عن إيلاء الحر. ا. هـ ..

ونقل ابن حزم عن عبد الرزاق عن ابراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل أبي طلحة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: قال عمر بن الخطاب: إيلاء العبد شهران. ا. هـ. ونقل عنه أيضًا عن ابن جريج: بلغني عن عمر: إيلاء العبد شهران. قال أبو محمد بن حزم: وصح عن عطاء أن لا إيلاء للعبد دون سيده وهو شهران. وبه يقول الأوزاعي، والليث، ومالك، وإسحاق. ا. هـ. محل الغرض منه. وقال ابن قدامة: وعن أحمد رواية أخرى أن مدة إيلاء العبد شهران، وهو اختيار أبي بكر. وقول عطاء، والزهري، ومالك، واسحاق، لأن العبد على النصف في الطلاق وعدد المنكوحات، فكذلك في مدة الإِيلاء.

ومعلوم أن مذهب الشافعي، وظاهر مذهب أحمد وابن المنذر، أنَّ مدة الإِيلاء في حق الأحرار والعبيد والمسلمين وأهل الذمة سواء. قال ابن قدامة: ولا فرق بين الحرة والأمة، المسلمة والذمية والصغيرة والكبيرة، ا. هـ. منه.

وقال أبو محمد بن حزم: وقالت طائفة: الحكم في ذلك للنساء؛ فإن كانت حرة فإيلاء زوجها الحر والعبد عنها أربعة أشهر، وإن كانت أمة فإيلاء زوجها الحر والعبد عنها شهران. وهو قول إبراهيم النخعي، وقتادة، والثوري، وأبي حنيفة، ا. هـ. منه.

ص: 175

كَو اللَّهِ لا أراجِعُكِ (1). أوْ لَا أطؤكِ حَتَّى تَسْأَلِينِي أوْ تَأتِينِىِ، أوْ لَا ألْتَقِىِ مَعَهَا أوْ لَا أغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ أوْ لَا أطُؤكِ. حَتَّى أخْرُجَ مِنَ الْبَلَدِ إذَا تكَلَّفَهُ، أوْ فِي هذِهِ الدَّار. إذَا لَمْ يَحْسُنْ خُروجُهَا لَهُ. أوْ إنْ لَمْ أطَأْكِ فأَنْتِ طَالِقٌ، أوْ إنْ وَطِئْتُكِ. وَنوَى بِبَقِيَّةِ وَطْئِهِ الرَّجْعَةَ، وَإنْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا. وَفِي تَعْجِيلِ الطَّلَاقِ إنْ حَلَفَ بالثَّلَاثِ، وَهُوَ الأحْسَنُ. أوْ ضرْبِ الْأجَل؟ قَوْلَانِ فِيهَا، وَلَا يُمْكَّنُ مِنْهُ كَالظِّهَارِ؛ لَا كَافِرٌ وَإِنْ أسْلَمَ إلَّا أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا. ولَا لَأهْجُرَنَّهَا، أَوْ لَا كَلَّمْتُهَا. أوْ لَا وَطِئْتُهَا لَيْلًا أوْ نَهَارًا. واجْتَهَدَ وطَلَّقَ فِي لَأعْزِلَنَّ أوْ: لَا أبيتَنَّ.

(1)

وقوله: كوالله لا أراجعك. أو لا أطؤك الخ. هو بيان للصيغة التي يكون موليًا بها. والمذهب عند أصحابنا أن كل يمين منعت جماعًا تكون إيلاء كالحلف بالله تعالى.

قال أبو قدامة: وبذلك قال الشعبي، والنخعي، ومالك، وأهل الحجاز، والثوري، وأبو حنيفة، وأهل العراق، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد وغيرهم، قالوا: لأنها يمين منعت جماعًا فكانت إيلاء كالحلف بالله تعالى. ا. هـ. منه.

وقال الإِمام أحمد في الرواية المشهورة عنه: لا يكون موليًا إلا إذا حلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته. قال ابن قدامة: لأن الإِيلاء المطلق إنما هو القسم، ولهذا قرأ أُبيّ ابن عباس:"يقسمون" مكان يُؤلُونَ. وروي عن ابن عباس في تفسير (يؤلون) قال: يحلفون بالله تعالى، هكذا ذكره الإِمام أحمد. قال: والتعليق بشرط ليس بقسم، ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم ولا يجاب بجوابه، ولا يذكره أهل العربية في باب القسم فلا يكون إيلاء. قال: ويدل على هذا قوله تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . وإنما يدخل الغفران في اليمين بالله. وأيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ".

وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكمْ". ا. هـ. منه. واستدل أبو محمد بن حزم على أن الإِيلاء لا يكون إلا بالحلف بالله فقال: برهان ذلك قول =

ص: 176

أوْ تَرَكَ الْوَطْءَ ضَرَرًا وَإنْ غَائِبًا أوْ سَرْمَدَ الْعِبَادَةَ بِلَا أجَل عَلى الأصَحِّ، ولَا إنْ لَمْ يَلْزَمْهُ بِيَمِينِهِ حُكْمٌ؛ كَكُلِّ مَمْلُوكٍ أمْلِكُهُ حُرٌّ. أوْ خَصَّ بَلَدًا قَبْلَ مِلْكِهِ مِنْهَا. أوْ لَا وَطِئْتُكِ فِي هذِهِ السَّنَةِ إلَّا مَرَّتَيْنِ أوْ مَرَّةً حَتَّى يَطَأَ وتَبْقَى الْمُدَّةُ. وَلَا إنْ حَلَفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، أوْ إِنْ وَطِئْتُكِ فَعَلَيَّ صَوْمُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ. نَعَمْ، إنْ وَطِئَ صَامَهُ بَقِيَّتَهَا، والْأجَلُ مِنَ الْيَمِينِ (1) إنْ كَانَتْ يمِينُهُ صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ، لَا إنِ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ، أوْ حَلَفَ عَلى حِنْثٍ فَمِنَ الرفْعِ والْحُكْمِ، وَهَلْ المُظَاهِرُ إنْ قَدَرَ عَلى التَّكْفِيرِ وامْتَنَعَ كالْأوَّلِ؟. وَعَلَيْهِ اخْتُصِرَتْ، أوْ كَالثَّانِي؟ وَهُو الأرجَحُ، أوْ مِنْ تبيُّنِ الضَّرَرِ؟ وعَلَيْهِ تُؤُوَّلَتْ، أقْوَالٌ؛ كَالْعَبْدِ لَا يُرِيدُ الْفَيْئَةَ، أوْ يُمنع الصَّوْمَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ. وانْحَلَّ الإِيلاءُ

= الله عز وجل: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . قال: فهذه الآية تقتضي ما قلنا؛ لأن الألية هي اليمين. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ". فصح أن من حلف بغير الله لم يحلف بما أمره الله عز وجل به فليس حالفًا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ". ا. هـ. منه.

(1)

والأجل من اليمن الخ، هذه المسألة طريقها الاجتهاد إذْ لا نص فيها، وحاصل ما ذكره الفقهاء من أصحابنا فيها ما ذكر الدسوقي هنا قال: والحاصل أن الإِيلاء على ثلاثة أقسام:

- قسم يكون فيه موليًا من يوم حلفه، وذلك إذا حلف على ترك الوطء صراحة أو التزامًا، وكانت يمينه صريحة في المدة المذكورة.

- وقسم لا يكون موليًا إلا من يوم الحكم؛ وذلك الذي يحلف بطلاق امرأته ليفعلن كذا، فلا يكون موليًا حتى يضرب له الأجل من يوم الرفع والحكم.

- وقسم مختلف فيه؛ وذلك إذا حلف على ترك الوطء، وكانت يمينه ليست صريحة في المدة المذكورة بل محتملة لها ولغيرها، فقيل: إن الأجل في هذه من يوم الحكم. وقيل: من يوم الحلف. قال: وهو المعتمد. وقد مشى المصنف على القول الأول تبعًا لابن الحاجب، وقد تعقبه ابن عرفة بأنه خلاف نص المدونه. ا. هـ.

ص: 177

بِزوالِ مِلْكِ من خَلَفَ بِعِتْقِهِ إلَّا أنْ يَعُودَ بِغيرِ إرثٍ كالطَّلاقِ الْقَاصِرِ عن الْغَايةِ فِي الْمَحْلُوفِ بِهَا لَا لَهَا، وبتعْجِيلِ الْحِنْثِ وبِتَكْفِيرِ مَا يُكَفّر، وإلَّا فَلَهَا ولسَيِّدِهَا إنْ لَمْ يَمْتَنعْ وَطْؤُهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ الْأجَلِ بالفَيْئَةِ؛ وهِيَ تَغْيبُ الحَشَفَةِ فِي الْقُبُل (1) وافْتِضَاضُ الْبِكْرِ إنْ حَلَّ وَلَوْ مَعَ جُنُونٍ، لَا بِوَطْء بَيْنَ فَخِذيْنِ، وحَنِثَ إلَّا أنْ يَنْوِيَ الفَرْجَ، وَطَلَّقَ إنْ قَالَ: لَا أطَأُ بِلَا تَلَوُّمٍ. وإلَّا اخْتُبِرَ مَرَّةً ومَرَّةً وصُدِّقَ إنِ ادَّعَاهُ، وإلَّا أمِرَ بِالطَّلَاقِ وإلَّا طُلِّقَ عَلَيْهِ، وفيَئَةُ المَرِيضِ والمحْبُوسِ بِمَا ينحَلّ بِهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ يَمينُهُ مِمَّا تُكَفَّرُ قَبْلَهُ؛ كَطَلَاقٍ فِيهِ رَجْعَةٌ فِيهَا أوْ فِي غَيْرِهَا، وَصَوْمِ لَمْ يَأْتِ، وعِتْقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَالْوَعْدُ، وبُعِثَ لِلْغَائِبَ وإنْ بِشَهْرَيْنِ، ولهَا العَوْدُ إنْ رَضِيَتْ وتَتِمُّ رَجْعَتُهُ إنْ انْحَلَّ وإلَّا لَغَتْ، وَإنْ أبَى الفَيْئَةَ فِي: إنْ وَطِئْتُ إحْدَاكُمَا فَالْأخْرَى طَالِقٌ. طَلَّقَ الْحَاكِمُ إحْدَاهُمَا. وَفيهَا فيمَنْ حَلَفَ لَا يَطَأُ وَاسْتَثْنَى أنَّه مُولٍ، وحُمِلَتْ عَلى مَا إذَا رُوفِعَ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ، وَأُوردَ لَوْ كَفَّرَ عَنْهَا وَلَمْ تُصَدِّقْهُ وَفُرقَ بشِدَّةِ الْمَالِ وبأنَّ الاسْتِثْنَاءِ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْحَلِّ.

(1)

وقوله: وهي تغييب الحشفة في القبل وافتضاض البكر، الضمير في قوله: وهي للفيئة، قال تعالى:{فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . قال القرطبي: {فَإِنْ فَاءُوا} معناه رجعوا، ومنه قوله تعالى:{حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} . ومنه قيل للظل بعد الزوال فيء؛ لأنه رجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق. يقال: فاء، يفيء، فيئة وفيوءًا، ويفاق: فلان سريع الفيئة. يعني الجماع. قال الشاعر:

ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له

ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا

ولا خلاف بين أهل العلم أن الفيئة في الاصطلاح الشرعي هي الجماع:

قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر =

ص: 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= له، فإن كان له عذر من مرض أو سجن أو شبه ذلك فإن ارتجاعه صحيح وهي امرأته، فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إفاقته من مرضه، أو انطلاقه عن سجنه فأبى الوطء فرِّق بينهما إن كانت المدة قد انقضت. قاله مالك في المدونة والمبسوط. انتهى عن تفسير القرطبي.

تنبيه: لا يصح إيلاء الذمي عند أصحابنا، كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه عندنا؛ وذلك أن نكاح أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح، وإنما لهم شبهة، ولأنهم لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان. ا. هـ. من القرطبي.

وقال ابن قدامة: ويصح إيلاء الذمي ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضوا إلينا. وبهذا يقول أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور، واستدلوا بعموم قوله تعالى:{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} . الآية، ا. هـ. منه بتصرف.

تنبيه: الذي عليه جمهور أهل العلم أنه، سواء كانت اليمين في غضب أو في غير غضب فهو إيلاء. قال القرطبي: هذا قول ابن مسعود، وابن سيرين، والثوري، ومالك، وأهل العراق، والشافعي وأصحابه، وأحمد، إلا أن مالكًا قال: ما لم يرد إصلاح ولد. قال ابن المنذر: وهو أصح، لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء فى حال الغضب والرضا، كان الإِيلاء كذلك، ا. هـ. منه. والله الموفق.

ص: 179

‌بَابٌ فِي الظِّهَارِ

تَشْبِيهُ الْمسْلِمِ المُكَلَّفِ مَنْ تَحِلُّ أوْ جُزْأَهَا بِظَهْرِ مَحْرمٍ أوْ جُزْئِهِ، ظِهَارٌ، وتَوَقَّفَ إنْ تَعَلَّقَ بِكَمَشيئَتِهَا وَهُوَ بيَدِهَا مَا لَمْ تُوقَفْ، وبِمُحَقَّقٍ تَنَجَّزَ، وبوَقْتٍ تَأبَّدَ، أوْ بِعَدَمِ زَواجٍ فَعِنْدَ الإِيَاسِ أوْ الْعَزِيمَةِ. ولم يَصِحَّ فىِ المُعَلَّقِ تَقْدِيمُ كَفَّارَتِهِ قَبْلَ لُزُومِهِ. وصَحَّ مِنْ رَجْعِيَّةٍ ومُدَبَّرَهَ ومُحْرِمَةٍ ومَجُوسِيٍّ أسْلَمَ ثُمَّ أسْلَمَتْ، وَرَتْقَاءَ لَا مُكَاتَبَةٍ وَلَوْ عَجَزَتْ عَلى الْأصَحِّ وَفِي صِحَّتِهِ مِنْ كَمَجْبُوب تَأويلَانِ، وَصَرِيحُهُ بِظَهْرِ مُؤبَّدٍ تَحْريمُهَا أوْ عضْوِهَا أوْ ظَهْرِ ذَكَرٍ، ولَا يَنْصَرِفُ لِلطَّلَاقِ. وهَل يُؤخَذُ بالطَّلَاقِ فعَهُ إذَا نَوَاهُ مَعَ قيام البَيِّنَةِ؛ كَأنْتِ حَرَامٌ كَظَهْرِ أمِّي. أو كَأمِّي؟. تأوِيلَانِ، وَكِنَايَتُهُ كأمِّي أوْ أنْتِ أمِّي إلَّا لِقَصْدِ الْكَرامَةِ، أَوْ كَظَهْرِ أجْنَبِيَّةٍ ونُوِّيَ فِيهَا فِي الطَّلَاقِ فَالْبَتَاتُ؛ كأنْتِ كَفُلَانَة الأَجْنَبِيَّة إلَّا أن يَنْوِيَهُ مُسْتَفْتٍ، أوْ كابْنِي، أوْ غُلَامِي، أوْ كَكُلِّ شَيْء حَرَّمَهُ الْكِتَابُ. وَلَزِمَ بأيِّ كَلَامٍ نَوَاهُ بهِ، لَا بأنْ وَطِئْتُكِ وَطِئْتُ أمِّي. أوْ لَا أعُودُ لِمَسِّكِ حَتَّى أمَسَّ أمِّي. أوْ لَا أَراجِعُكِ حَتَّى أرَاجِعَ أمِّي. فلا شَيْءَ عَلَيْهِ. وتَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ إنْ عَادَ ثُمَّ ظَاهَرَ، أوْ قَالَ لَأرْبَعٍ: مَنْ دَخَلَتْ، أوْ كُلُّ مَن دَخَلَتْ، أوْ أيَّتُكُنَّ، لَا: إنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ، أوْ كُلُّ امْرأةٍ، أوْ ظَاهَر مِن نِسَائِهِ، أوْ كرَرَّهُ أوْ عَلَّقَهُ بِمُتَّحِدٍ إلَّا أن يَنْوِيَ كَفَّاراتٍ وَتَلْزَمُهُ، ولَهُ الْمَسُّ بَعْدَ واحِدَةٍ عَلى الْأرْجَحِ، وحَرُمَ قَبْلَهَا الاسْتِمْتَاعُ وعَلَيْهَا مَنْعُهُ، وَوَجَبَ إنْ خَافَتْهُ رَفْعُهَا لِلْحَاكِمِ، وجَازَ كَوْنُهُ مَعَهَا إنْ أمِنَ، وسَقَطَ إنْ تَعَلَّقَ وَلَمْ يَتَنَجَّزْ بالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أوْ تَأَخَّرَ؛ كَانْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وأنْتِ عَلَى كَظَهْرِ أمِّي. كَقَوْلِهِ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأنتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. لَا إِنْ تَقَدَّمَ أوْ صَاحَبَ؛

ص: 180

كإنْ تَزَّوْجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وأنْتِ عَليَّ كَظَهْر أمِّي، وإنْ عُرضَ عَلَيْهِ نِكَاحُ امْرَأة فَقَالَ: هِيَ أمِّي. فَظِهَارٌ. وتَجِبُ بِالْعَودِ، وَتَتَحَتَّمُ بِالْوَطءِ وتَجِبُ بِالْعَوْدِ، وَلَا تُجْزِئُ قَبْلَهُ (1). وَهَلْ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ، أوْ مَعَ الإِمْسَاكِ؟.

تَأوِيلَانِ. وَخِلَافٌ. وسَقَطَتْ إنْ لَمْ يطأ بِطَلَاقِهَا وَمَوْتهَا، وَهَلْ تُجْزئُ إنْ أتَمَّهَا؟ تأويلَانِ. وَهِي إعْتَاقُ رَقَبَةٍ لَا جَنينٍ (2)، وعَتَقَ بَعْدَ وَضْعِهِ، ومُنْقَطِعٌ خَبَرُهُ، مؤمِنَةٍ، وَفِي الْعَجَمِيِّ تَأوِيلَانِ، وفِي الْوَقْفِ حَتَّى يُسْلِمَ قَوْلَانِ. سَلِيمَةٍ عَنْ قَطْعِ إصْبَعٍ وعَمىً وَبكَمٍ وجُنُونٍ وإن قَلَّ، ومَرضٍ مُشْرِف، وقَطْعِ أُذْنَيْنِ وصَمَمٍ وَهَرَمٍ وَعَرَجٍ شَدِيدَيْنِ، وجُذَامٍ وبَرَصٍ وفَلَجٍ بِلَا شَوْبِ عِوَضٍ، لا مُشْتَرىً لِلْعِتْقِ، ومُحَرَّرَةٍ لَهُ، لَا مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وفِي إنْ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ عَنْ ظِهَارِي. تأويلَان، والْعِتْقِ، لَا مُكَاتَبٍ ومُدَبَّرٍ ونَحْوِهِمَا، أو أعْتَقَ نِصْفًا فَكُمِّلَ عَلَيْهِ، أوْ أَعْتَقَهُ أوْ أعْتَقَ ثَلَاثًا مِنْ أرْبعٍ، ويُجْزِئُ أعْوَرُ وَمَغْصُوبٌ ومَرْهُونٌ وَجَانٍ إنْ افْتُدِيَا، ومَرَضٍ وعَرَجٍ خَفِيفَيْنِ، وأنْمُلَةٍ وجَدْعٍ فِي أُذُنٍ، وعِتْقُ الْغَيْرِ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَأذَنْ إنْ عَادَ ورَضِيَهُ، وكُرِهَ الخَصِيُّ، ونُدِبَ أنْ يُصَلِّيَ وَيَصُومَ. ثُمَّ لِمُعْسِرٍ عَنْهُ وَقْتَ الْأدَاءِ، لَا قَادِرٍ وَإنْ بِمِلْكٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِكَمَرَضٍ أوْ مَنْصِبٍ، أوْ بِمِلْكِ رَقَبَه فَقَطْ ظَاهَرَ مِنْهَا، صَومُ شَهْرَيْنِ بالْهِلَالِ مَنْويَّ التَّتَابُعِ والكَفَّارَةِ، وَتُمِّمَ الْأوَّلُ إنْ انْكَسَرَ عِن الثَّالِثِ، ولِلْسَّيِّدِ الْمَنْعُ إنْ أضَرَّ بِخِدْمَتهِ ولَمْ يُؤَدِّ خَراجَهُ، وتَعَيَّنَ لِذي الرِّقِّ، وَلِمَنْ طُولِبَ بالفَيْئَهَ، وَقَدْ الْتَزَمَ عِتْق مَنْ يَمْلِكُهُ لِعَشْرِ سِنِينَ، وإنْ أيْسَرَ فِيهِ تمَادَى إلَّا أنْ يُفْسِدَه. ونُدِبَ الْعِتْقُ فِي كالْيَوْمَيْنِ، وَلَوْ تكَلَّفَهْ المُعْسِرُ جَازَ. وانْقَطَعَ تَتَابُعُهُ بِوَطْءِ المُظَاهَرِ منْهَا أوْ واحِدَةٍ مِمَّنْ فِيهِنَّ كَفَّارَةٌ، وَإنْ لَيْلًا نَاسِيًا كَبُطْلَانِ الْإِطْعَامِ، وبِفِطْرِ

ص: 181

السَّفَرِ، أوْ بِمرَضٍ هَاجَهُ لَا إنْ لَمْ يهِجْهُ كَحَيضٍ وَنِفَاسٍ وإكْرَاهٍ وظَنِّ غُرُوبٍ، وفِيهَا ونِسْيَانٍ وبِالْعِيدِ إنْ تَعَمَّدَهُ لَا جَهِلَهُ. وَهَلْ إنْ صَامَ الْعِيدَ وأيَّامَ التَّشْرِيقِ وإلَّا اسْتَأْنَفَ؟. أوْ يُفْطِرهُنَّ ويبني؟ تأوِيلَانِ. وجَهْلُ رَمَضَانَ كَالْعِيدِ على الأرْجَح. وبِفَصْلِ الْقَضَاءِ، وشُهِّرَ أيْضًا الْقَطْعُ بالنِّسْيَانِ؛ فإنْ لَمْ يَدْرِ بَعْدَ صوْمِ أرْبَعَةٍ عَنِ ظِهَارَيْنِ مَوْضِعَ يَوْمَيْنِ صَامَهُمَا وقَضَى شَهْرَيْنِ، وإن لَمْ يَدْر اجْتِمَاعَهُمَا صامهما وقضى الأرْبَعَةَ، ثُمَّ تَمْلِيكُ سِتِّينَ مِسْكِينًا أحْرارًا مُسْلِمينَ لِكُلٍّ مُد وُثُلُثَانِ بُرًّا وَإِنِ اقْتَاتُوا تَمْرًا أو مُخْرَجًا فِي الْفِطْرِ، فَعِدْلُهُ، ولَا أحِبُّ الْغَداءَ ولَا الْعَشَاءَ، كَفِدْيَةِ الْأذَى. وهَلْ لَا يَنْتَقِلُ إلا إنْ أيسَ مِنْ قُدْرَتَهِ عَلَى الصِّيَامِ أوْ إنْ شكَّ؟ قَوْلَانِ فيها. وتؤوِّلَتْ أيْضًا عَلى أنَّ الْأوَّلَ قَدْ دَخَلَ فِي الكفَارَةِ، وَإنْ أطْعَمَ مِائةً وعِشْرِينَ فكالْيَمِينِ. ولِلْعَبْدِ إخْراجُهُ إنْ أذِنَ سَيِّدُهُ. وَفيهَا أحَبُّ إِلَيَّ إنْ يَصُومَ وَإنْ أذنَ لَهُ فِىِ الْإِطْعَامِ. وَهَلْ هُوَ وَهْمٌ لأنَّهُ الْوَاجِبُ؟. أوْ أحَبُّ لِلْوُجُوبِ؟ أوْ أحَبُّ للسَّيِّدِ عَدَمُ الْمَنْعِ؟ أوْ لِمَنْعِ السَّيِّدِ لَهُ الصَّوْمَ؟ أوْ عَلَى الْعَاجِزِ حِينَئذٍ فَقَطْ؟ تَأويلَاتٌ. وَفيهَا إنْ أذِنَ لَهُ أن يُطْعِمَ فِي الْيَمِينِ أجْزَأَهُ. وَفِي قَلْبِي شيْء. ولَا يُجْزئ تَشْرِيكُ كفَّارَتَيْنِ فِي مِسْكِينٍ، وَلَا ترْكِيبُ صِنْفَيْنِ وَلَو نَوى لِكُلٍّ عَدَدًا أوْ عَنِ الْجَمِيع كَمَّلَ وسَقَطَ حَظُّ مَنْ ماتَتْ، وَلَوْ أعْتَقَ ثَلاثًا عَنْ ثَلَاثٍ مِنْ أرْبعَ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً حَتَّى يُخْرِجَ الرَّابِعَةَ وِإنْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أوْ طُلِّقَتْ.

‌باب في الظِّهَارِ

لفظ الظهار، قال القرطبي في تَفسيره: مشتق من معنى الظهر؛ فهو كناية عن الركوب، ذلك أن الآدمية إنما يركب بطنها، ولكن لما كان ما يركب من غير الآدميات إنما يركب ظهره، كنَّوا به=

ص: 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عن ركوب البطن في الآدمية. يقال: نزل فلان عن امرأته. أي طلقها. فكأنه نزل عن مركوب. ا. هـ. منه بتصرف.

قال عبد الله القرطبي: حقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر، والمرجب للحكم من تشبيه ظهر محلل بظهر محرم، ولهذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمِّي. أنه مظاهر. وأكثر العلماء على أنه إن قال لها: أنت علي كظهر ابنتي أو أختي ونحو ذلك من ذوات المحارم على التأبيد أنه مظاهر. قال بذلك مالك، وأبو حنيفة، والحسن، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، والثوري. وهو رواية عن الشافعي.

والرواية الأخرى عن الشافعي أن القهار لا يكون إلا بالأم وحدها. روى ذلك عنه أبو ثور، وهو مذهب قتادة والشعبي.

والدليل على الظهار قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}

(1)

.

وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما أخرجه ابن ماجه في السنن عن عائشة رضي الله عنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تقول: أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكر إليك. فما برحت حتى نزل جبريل بقوله تعالى:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} . الآيات من المجادلة، ا. هـ. بنقل القرطبي.

قال: والذي في البخاري منه عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسوك الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} الآيات.

وقال أبو عبد الله: قال الثعالبي قال ابن عباس، هي خولة بنت خويلد الخزرجية، كانت تحت أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت، وكانت حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة فنظر

(1)

أثبت على حرف نافع قارئ المدينة.

ص: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عجيزتها فأعجبه أمرها، فلما انصرفت أرادها فأبت، فغضب عليها. قال عروة: وكان امرءًا به لمم، فأصابه بعض لممه فقال لها: أنت عليَّ كظهر أمِّي، وكان الإِيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها:"حَرُمْتِ عَلَيْه" فقالت: والله ما ذكر طلاقًا. ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمي، وقد نفضت له بطني. فقال:"حَرُمْتِ عَلَيْهِ" فما زالت تراجعه حتى نزلت الآيات.

قال الحسن: إنها قالت: يا رسول الله، قد نسخ الله سنن الجاهلية، وإن زوجي ظاهر مني. فقاك رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَا أُوحِيَ إِلَيَّ فِي هذَا شَيْءٌ". فقالت. يا رسول الله، أُوحِيَ إِلَيْكَ فِي كُلِّ شَيْء وَطُوِيَ عَنْكَ هذَا؟. فقال:"هُوَ مَا قُلْتُ لَكِ". فقالت: إلى الله أشكو لا إلى رسوله. فأنزل الله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} . ا. هـ. منه.

وفي مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري ما نصه: عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر البياضي قال: كنت امرءًا أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا يُتَايَعُ بي حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فم ألبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت: امشوا معي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا والله. فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقار:"أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ"؟ فقلت: أنا بذاك يا رسول الله. مرتين. وأنا صابر لأمر الله عز وجل، فاحكم فيَّ ما أراك الله، قال:"حَرِّرْ رَقَبَةً". قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها. وضربت صفحة رقبتي. قال: "فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ". قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟. قال: "فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكينًا". قلت. والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحْشيْنِ مالنا طعام. قال: "فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعَهَا إِلَيْكَ، فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا". فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسُوءَ الرأي، ووجدت عند النبي صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي، وقد أمرني، أو أمر لي بصدقتكم. أخرجه الترمذي وابن ماجه. وقال الترمذي: وهذا حديث حسن. وقال محمد -يعني- البخاري: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر. وقال البخاري أيضًا: =

ص: 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= هو مرسل. سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر. هذا آخر كلامه، وفيه محمد بن اسحاق وقد تقدم الكلام عليه.

تنبيه: فإن قال: أنت عليَّ كأمي. ولم يذكر الظهار، أو قال: أنت عليَّ مثل أمي. فإن أراد بذلك الظهار كان مظاهرًا، وإن أراد به الطلاق لزمته البتَّةُ عند مالك، وإن لم تكن له نية طلاق ولا ظهار، كان مظاهرًا، قاق القرطبي: لا ينصرف صريح الظهار بالنية إلى الطلاق، كما لا ينصرف صريح الطلاق وكنايته المعروفة له إلى الظهار. قال: وكناية الظهار خاصة تنصرف بالنية إلى الطلاق البتِّ. ا. هـ. منه.

تنبيه: والظهار لازم في كل زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها على أي حال، من زوج يجوز طلاقه. وقال مالك: من يجوز له وطؤها من إمائه، إذا ظاهر منها لزمهُ الظهار. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزم الظهار من الأمة. وذكر ابن العربي إشارة إلى تناقض قولَيْ مالك، قال: لأن مالكًا يقول: إذا قال لأمته: أنت عليَّ حرام، لا يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم ونصح كنايته؟. قال: ولكن الأمة تدخل في عموم قوله تعالى: {مِنْ نِسَائِهِمْ} لأنه أراد محللاتهم، والمعنى فيه أنه لفظ يتعلق بالبُضع دون رفع العقد فيصح في الأمة، كالحلف بالله تعالى، أنظر القرطبي. وإن قال لأجنبية منه: أنت عليَّ كظهر أمِّي، لزمه الظهار إن نكحها عند مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي ومن وافقهما: لا يلزم الظهار من الأجنبية، والدليل إلى جانب من يقول ذلك لأن الله تعالى يقول:{الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ}

(1)

والأجنبية ليست من نسائه.

تنبيه: وقوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ}

(2)

الآية، حجة على صحة ظهار العبد لأنه من جملة المسلمين، وأحكام النكاح في حقه ثابتة، وإن تعذر عليه العتق والإِطعام فإنه يستطيع الصوم.

وأما المرأة فليس عليها ظهار في قول جمهور العلماء، قالوا: لأن الحل والعقد والتحليل والتحريم في النكاح بيد الرجل، وليس بيد المرأة سنه شيء بالإِجماع، ولأن الذ تعالى يقول:{الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ}

(3)

. ولم يقل: واللائي يَظَّهَّرن منكن من أزواجهن. وقال

(1)

و

(2)

و

(3)

أثبت على روايه نافع قارئ المدينة. =

ص: 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الأوزاعي: إذا قالت المرأة لزوجها. أنت علي كظهر أمِّي فلانة فهي يمين تكفرها. وبذلك قال اسحاق. وقال الزهري. عليها كفارة الظهار، ولا يحول ذلك بينها وبين زوجها أن يصيبها. وقول المصنف: وحرم قبلها الاستمتاع الخ، يريد به أن المظاهر لا يقرب امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ منها، ودليل ذلك قوله تعالى:{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} فهو يصدق على الوطء ومقدماته.

وذهب الثوري والشافعي في أحد قوليه إلى أن المحرم قبل التكفير الوطء ففط، خلافًا للجمهور. والله أعلم. وان وطئ المظاهر قبل أن يكفر استغفر الله تعالى، ووجب عليه أن يمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة عند الجمهور. قال الترمذي. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وهو قول سفيان الثوري. ومالك، والشافعي، وأحمد، واسحاق. إنما اتيانها قبل اخراج الكفارة محرم؛ ومن أدلة ذلك ما رواه عكرمة عن ابن عباس رجلًا، أتى النبي صلى الله عليه وسلم قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال: يا رسول الله، إني ظاهرت من أمرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفّر. فقال:"ما حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ"؟. قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: "فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ". قال في منتقى الأخبار: رواه الخمسة إلا أحمد، وصححه الترمذي، وهو حجة في تحريم الوطء قبل التكفير بالإِطعام وغيره. وحكى الشوكاني على ذلك الإِجماع. وبالله التوفيق.

وفي حديث سلمة بن صخر الذي تقدم دليل على صحة الظهار الموقت، إذْ ورد فيه أنه قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمِّي حتى ينسلخ شهر رمضان. وفي الحديث أنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأنه وقع عليها في الشهر، فأمره صلى الله عليه وسلم بالكفارة. وعلى القول بصحة الظهار الموقت، فإنه إذا مضى الوقت زال الظهار وحلت المرأة بلا كفارة. وهذا قول ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والثوري، واسحاق، وأبي ثور. وهو مذهب أحمد، وأحد قولي الشافعي. وقال مالك: يسقط التوقيت ويكون ظهارًا مطلقًا؛ لأن هذا لفظ يوجب تحريم الزوجة، فإذا وقته لم يتوقت كالطلاق. ولكنه محجوج بحديث سلمة بن صخر الذي صححه ابن خزيمة وابن الجارود وحسنه الترمذي.

(1)

وقول المصنف: وتتحتم بالوطء وتجب بالعود ولا تجزئ قبله، يريد به، والله تعالى أعلم، أن الكفارة تتحتم وتتخلد بذمة المظاهر بسبب وطئه من ظاهر منها ولو ناسيًا، فلا تسقط عنه بموت ولا فراق، وإنها تجب وجوبًا موسعًا قابلًا للسقوط بعوده لها، وإنها لا تصح ولا تجزئ=

ص: 186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قبل العود. ثم قال المصنف: وهل هو العزم على الوطء أو مع الإمساك؟ تأويلان وخلاف، ومراده بذلك، والعلم عند الله تعالى، أن أهل العلم اختلفوا في تفسير العوْد؛ فقال بعضهم: العود هو إرادة الوطء، فإن أجمع عليه وجبت الكفارة لكنه ان أجمع على الوطء، ثم سقطت العصمة بموت أو طلاق، سقطت الكفارة. وقال ابن رشد: أصح الأقوال وأجراها على القياس وأتبعها لظاهر القرآن قول مالك رضي الله عنه في المدونة الذي عيه جماعة أصحابه، أن العودة هي إرادة الوطء مع استدامة العصمة؛ فمتى انفرد أحدهما دون الآخر فلا كفارة. وقد اختلف في العود؛ هل هو العزم على الوطء؟. أو هو العزم على الوطء والإِمساك معًا، أو هو الإِمساك وحده؟. أو هو الوطء نفسه؟.

واعلم أن القول بعدم وجوب الكفارة بمجرد الظهار، فلو مات أحدهما، أو حصل فراق بينهما قبل العود فلا كفارة عليه. هو قول عطاء، والنخعي، والأوزاعي، والحسن والثوري، ومالك، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وهو مذهب الإِمام أحمد. ودليله قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} الآية، فأوجب الكفارة بأمرين؛ هما ظهار وعود.

وقال طاوس، ومجاهد، والشعبي، والزهري، وقتادة: عليه الكفارة بمجرد الظهار؛ لأنه سبب للكفارة وقد وجد، ولأن الكفارة وجبت لقول المنكر والزور، وهو حاصل بمجرد الظهار.

وقال الشافعي: متى ما أمسكها بعد ظهاره زمنًا يمكنه فيه طلاقها فلم يطنقها، فعليه الكفارة.

قالوا: لأن ذلك هو العود عنده.

(2)

وقول المصنف: وهي إعتاق رقبة الخ. دليله قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} . الآية. أي فعليه إعتاق رقبة، ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة سليمة من كل عيب، مؤمنة؛ عند مالك والشافعي والإِمام أحمد، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه. قالوا: تجزى، الكافرة ومن فيها شائبة رق كالمكاتبة وغيرها.

ودليل الجمهور -في اشتراط الإِيمان في رقبة كفارة الظهار- هو حمل المطلق هنا على المقيد في كفارة القتل، وأيضًا فقد أخرج مسلم والنسائي أن معاوية بن الحكم قال: كانت لي جارية فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: عليَّ قبة أفأعتقها؟. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أنا"؟. فقالت: أنت رسول=

ص: 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الله. فقال صلى الله عليه وسلم: "اعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤمِنَة". الحديث. ووجه الاستدلال به هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستفصله عن نوع الكفارة التي يُريد العتق عنها، فدل عدم الاستفصال على أن كل كفارة لا يجزئ عنها إلا رقبة مؤمنة؛ لأن المقرر في مباحث الألفاظ أن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في الأقوال، قال الشيخ عبد الله بن الحاج ابراهيم العلوي في مراقي السعود:

ونزلن ترك الاستفصال

منزلة العموم في الأقوال

ولا يجزئ عند الجمهور إلا رقبة سالمة من جميع العيوب؛ من قطع وعور وشلل، خلافًا لأبي حنيفة القائل: يجزئ مقطوع إحدى اليدين أو الرجلين والأعور؛ لأن منفعة الجنس باقية فيه.

فإن عجز عن العتق بأن لم يجد رقبة ولا ثمنها حسًا أو معنى، فعليه صوم شهرين متتابعين، أي فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر استأنفهما، وإن أفطر لعذر من سفر أو مرض؛ قال ابن المسيب، والحسن وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعمرو بن دينار، وهو الصحيح من مذهب الشافعي: يبني على ما فات من صومه. وقال مالك بن أنس: إذا مرض أثناء كفارة الظهار بالصوم، بنى على ما فات إذا صح من مرضه.

وقال أبو حنيفة، وهو قول آخر عن الشافعي: يبتدئ الصوم على كل حال. ودليل التكفير بالصوم للعاجز عن الرقبة هو قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} . الآية، فقد أحمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد رقبة أنَ فرضه الصوم؛ وذلك لهذه الآبة ولحديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر.

ومذهب مالك، وأحمد، والثوري، وأبي عيد وأصحاب الرأي، أنه إن أصابها في ليالي الصوم، أفسد ما مضى من صومه واستأنف الصيام بدليل قوله تعالى:{فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} قالوا: فقد أمر الله بصيام الشهرين المتتابعين قبل المسيس، ولأنه تحريم للوطء فلا يختص به النهار دون الليل كالاعتكاف.

وقال الشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو رواية الأثرم عن أحمد: إن التتابع لا ينقطع بالوطء في ليالي الصوم؛ لأنه وطء لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف كوطء غيرها.

فإن دم يستطع الصوم فعليه إطعام ستين مسكينًا، سواء عجز عن الصيام لكبر سن أو لمرض =

ص: 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= يخاف بالصوم زيادته أو تأخر برئه، أو كان لا يصبر عن الجماع لشدة شبقه؛ لأن أوس بن الصامت

لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالصوم قالت امرأته: إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال صلى الله عليه وسلم: "فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ

مِسْكِينًا" الحديث، وسلمة بن صخر أمره بالصيام فقال: وهل أصبت ما أصبت إلا من الصيام؟ قال صلى الله عليه وسلم: "فَأطْعِمْ". نقله إلى الإطعام لما أخبر به من أن به من الشبق ولشهوة ما يمنعه من الصيام، والدليل على ذلك من الكتاب -أي على الانتقال إلى الإطعام لغير المستطيع للصوم- هو قوله تعالى:{فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} . الآية. أي فمن لما يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينًا لكل مسكين مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم.

قال القرطبي: فإن أطعم مدًّا بمد هشام -وهو مدان إلا ثلثًا- أو أطعم مدًا ونصفًا بمدِّ النبي صلى الله عليه وسلم أجزأه، قال أبو عمر: وأفضل ذلك مدان بمدِّ النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله لم يقل في كفارة الظهار: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} فوجب قصد الشبع؛ لأن إطلاق الإِطعام يتناول الشبع، وذلك لا يحصل عادة بمد واحد إلَّا بزيادة عليه. وروي عن أشهب أنه قال لمالك: أيختلف الشبع عندنا وعندكم؟. قال: نعم؛ الشبع عندنا مدٌّ بمدِّ النبي صلى الله عليه وسلم، والشبع عندكم أكثر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لنا بالبركة دونكم، فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل.

وقال أحمد: مد من بُرٍّ ومدان من شعير وغير ذلك.

وقاال الشافعي، وعطاء، والأوزاعي: يطعم مدًّا من أي نوع مستدلين بما روى أبو داود بإسناده عن عطاء عن أوس أخي عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه خمسة عشر صاعًا من شعير إطعام ستين مسكينًا. ولا يجزئ عند مالك والشافعي ومن وافقهما أن يطعم أقل ستين مسكينًا، وقالت أبو حنيفة وأصحابه: إن أطعم مسكينًا واحدًا كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه. وبالله تعالى التوفيق.

ص: 189

‌بَابٌ فِي اللِّعَانِ

إِنَّمَا يُلَاعِنُ زَوْجٌ وَإنْ فَسَدَ نِكَاحُهُ (1)، أوْ فَسَقَا أوْ رُقَّا، لا كَفَرَا، إِنْ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي نَكَاحِهِ وإلَّا حُدَّ، تَيَقَّنَهُ أعْمَى وَرَآهُ غيْرُهُ، وانْتَفَى بِهِ مَا وُلِدَ لستَّة أشْهُر وَإلَّا لَحِقَ بِهِ إِلَّا أنْ يدَّعِيَ الاسْتِبْراءَ. وبِنَفْيِ حَمْلٍ وَإنْ مَاتَ أوْ تَعَدَّدَ الْوَضْعُ أوْ التَّوْأَمُ، بِلِعَانٍ مُعَجَّلٍ كَالزِّنَا وَالْوَلَدِ، إنْ لَمْ يَطأْهَا بَعْدَ وَضْعٍ أوْ لِمُدَّةٍ، لا يَلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهَا لِقِلَّةٍ أوْ كَثْرَةٍ. أوْ اسْتَبْرَأها بِحَيْضَةٍ، وَلَوْ تَصَادَقَا عَلى نَفْيِهِ، إلَّا أنْ تَأْتِيَ بِهِ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ، أوْ وَهُوَ صَبِيٌّ حينَ الْحَمْلِ، أوْ مَجبُوبٌ، أوْ ادَّعَتْهُ مَغْرِبِيَّةٌ عَلى مَشْرِقِيٍّ. وفِي حَدِّهِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ أوْ لِعَانِهِ خِلَافٌ، وَإنْ لَاعَنَ لِرؤْيَةٍ وادَّعَى الْوَطْءَ قَبْلَهَا وَعَدَمَ الاسْتِبْرَاءِ؛ فَلِمَالِكٍ فِي

الكلام على اللعان

وهو مأخوذ من اللعن. قيل: سمي لعانًا لأن اللعن الطرد والإِبعاد وهو مشترك بينهما. وفيل: لأن الملاعن يقواط: "أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ"(1). واختير لفظ الرجل دون لفظ المرأة. أي اختير اللعن دون الغضب في التسمية لأنه قول الرجل، وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضًا الذي يبدأ به، وللرجل أن يرجع عنه فيسقط عن المرأة بغير عكس.

تنبيه: إنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها؛ لأن الرجل إذا كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت المرأة كاذبة كان ذنبها أعظم؛ لما فيه من تلوث الفراش، والتعرض لإِلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرمية، وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما.

وقال الحافظ ابن حجر: أجمعوا على مشروعية اللعان، وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقق، واختلف في وجوبه على الزوج، لكن لو تحقق أن الولد ليس منه قوى جانب الوجوب.

(1)

قوله رحمه الله: إنما يلاعن زوج وإن فسد نكاحه الخ، هو لقوله تعالى في سورة النور: =

ص: 190

إلْزَامِهِ بِهِ وَعَدَمِهِ وَنَفْيِهِ أقْوَالٌ، ابْنُ الْقَاسِمِ: ويُلْحَقُ إنْ ظَهَرَ يَوْمَهَا، وَلَا يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى عَزْلٍ وَلَا مُشَابَهَةٍ لِغَيْرِهِ وإنْ بِسَوَادٍ، وَلَا وَطْءٍ بَيْنَ الْفَخْذَيْنِ إِنْ أنْزَلَ، وَلَا بِغَيْرِ إنْزَالٍ إنْ أنْزَلَ قَبْلَهُ وَلَمْ يَبُلْ.

وَلَاعَنَ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ مُطْلَقًا، وَفِي الرُّؤْيَةِ فِي الْعِدَّةِ وَإنْ مِنْ بَائنٍ وَحُدَّ بَعْدَهَا، كَاسْتِلْحَاقِ الْوَلَدِ إِلَّا أنْ تَزْنِيَ بَعْدَ اللِّعَان وَتسْمِيَةِ الزَّانِي بِهَا، وأُعْلِمَ بحَدِّهِ لَا إِنْ كرَّرَ قَذْفَهَا بِهِ، وَوَرِثَ الْمُسْتَلْحِقُ الْمَيِّتَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ حُر مُسْلِمٌ أوْ لَمْ يَكُنْ وَقَلَّ الْمَالُ، وَإنْ وَطِئ أوْ أخَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوَضْعٍ أوْ حَمْلٍ بِلَا عُذْرٍ امْتَنَعَ، وَشَهِدَ باللَّهِ أرْبعًا: لَرَأيْتُهَا تَزْنِي. أوْ: مَا هذا الْحَمْلُ مِنِّي. وَوَصَلَ خَامِسَةً بِلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الْكَاذِبينَ، أوْ: إنْ كُنتُ كَذَبْتُهَا. وأشَارَ

= {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} -إلى قوله- {لَمِنَ الصَّادِقِينَ}

(1)

. فقول المصنف: إنما يلاعن زوج، لأن اللعان عند أصحابنا يكون في كل زوجين، حرين كانا أو عبدين، مؤمنين كانا أو كافرين، فاسقين كانا أو عدنين، ولا لعان بين الرجل وأمته ولا بينه وبين أم ولده، وهذا المذهب عند الشافعي، وأصح الروايتين من الإِمام أحمد، وهي التي انتصرها ابن قدامة في المغني، وإن كان لفظ الخرقي يحتمل خلاف ذلك. قال في المغني: فروي أنه يصح من كل زوجين مكلفين؛ سواء كانا مسلمين أو كافرين، أو عدلين أو فاسقين، أو محدودين في قذف، أو كان أحدهما كذلك. وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن، وربيعة، ومالك، واسحاق، إلى أن قال: وذكر القاضي في المجرد أن من لا يجب الحد بقذفها وهي الأمة والذمية والمحدودة في الزنا، لزوجها لعانها لنفي الولد خاصة، وليس له لعانها لإِسقاط القذف والتعزير لأن الحف لا يجب، واللعان إنما يشرع لإِسقاط حد أو نفي ولد، فإذا لم يكن واحد منهما لم يشرع اللعان. قال: ولنا عموا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} . الآية، ولأن اللعان يمين فلا يفتقر إلى ما شرطوه كسائر الأيمان، والدليل على أنه يمين قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لَوْلَا

(1)

سورة النور: 7.=

ص: 191

الأخْرَش أوْ كَتَبَ. وَشَهِدَتْ: مَا رآنِي أزْنِي. أوْ. مَا زَنيتُ. أوْ: لَقَدْ كَذَبَ فيهِمَا. وَفِي الخَامِسَةِ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِن الصَّادِقينَ. وَوَجَبَ أشْهَدُ واللَّعْنُ والْغَضَبُ، وبأشْرَف الْبَلَدِ، وبِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ، ونُدِبَ إِثْرَ صَلَاةٍ، وتَخْوِيفُهُمَا وَخُصُوصًا عنْدَ الْخَامِسَةِ، والْقَوْلُ بِأَنَّهَا مُوجِبةُ الْعَذَابِ (1)، وَفِي إعَادَتِهَا إِنْ بَدَأَتْ خِلَافٌ.

= الأيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ". ا. هـ. منه.

وقال أبو حنيفة: لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين، وذلك لأن اللعان عنده شهادة، وهو عند أصحابنا والشافعية يمين؛ فكل من صحت يمينه صح قذفه ولعانه.

قال القرطبي: وفي قوله -يعني قول عويمر: "وَجَدَ مَر امْرَأَتِهِ رَجُلًا" دليل على أن الملاعنة تجب على كل زوجين، لأنه لم يخص رجلًا من رجل ولا امرأة من امرأة، ونزلت آية اللعان على هذا الجواب فقال:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} . الآية. ولم يخص زوجًا من زوج. وإلى هذا ذهب مالك وأهل المدينة، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأيضًا فإن اللعان يوجب فسخ النكاح فأشبه الطلاق، فكل من يجوز طلاقه يجوز لعانه، واللعان أيمان لا شهادات، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين:{لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا}

(1)

أي أيماننا. وقال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}

(2)

. ثم قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}

(3)

وقال صلى الله عليه وسلم: "لَوْلَا الْأيْمَان لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ". ا. هـ. محل الغرض منه.

(1)

وقوله: وتخويفها وخصوصًا عند الخامسة. والقول بأنها موجبة العذاب، هو لما في مختصر أبو داود للحافظ المنذري عن عكرمة عن ابن عباس، أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سَحْمَاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"الْبَيِّنَة أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ"، ففال: يا رسول الله، إذا رأى أحدًا رجلًا على امرأته يلتمس البينة؟. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"البَيِّنة وإلا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فقال هلال: الذي بعثك بالحق إنِّي لصادق، ولينزلن الله عز وجل في أمري ما=

(1)

سورة المائدة: 107.

(2)

سورة المنافقون: 1.

(3)

سورة المجادلة: 16.

ص: 192

وَلَاعَنَتْ الذَمِيَّةُ بكَنيسَتِهَا وَلَمْ تُجْبَرْ، وَإنْ أبَتْ أُدِّبَتْ ورُدَّتْ لِمِلَّتِهَا، كَقَوْلِهِ: وَجَدْتُهَا مَعَ رَجُلٍ فِي لِحَافٍ. وتَلَاعَنَا إنْ رَمَاهَا بِغَصْبٍ أوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ وَأنْكَرَتْهُ أوْ صَدَّقَتْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ وَلَمْ يَظْهَرْ، وَتَقُولُ: مَا زنَيْتُ، ولَقَدْ غُلِبْتُ. وإلَّا الْتَعنَ فَقَطْ كَصَغِيرَةٍ تُوطَأُ، وَإنْ شَهِدَ مَعِ ثَلَاثَةٍ الْتَعَنَ ثُمَّ الْتَعَنَتْ وَحُدَّ الثَّلَاثَةُ، لَا إنْ نَكَلَتْ أوْ لَمْ يُعْلَمْ بِزَوْجِيَّتِهِ حَتَّى رُجِمَتْ، وَإنْ اشْتَرَى زوجَتَهُ ثُمَّ ولَدَتْ لِستَّةِ أشْهُرٍ فَكالأمَةِ، ولأقَلَّ فكَالزَّوْجَةِ، وحُكْمُهُ رَفْعُ الْحَدِّ أو الأدَبِ في الأمَةِ وَالذَّمِّيَّةِ، وإيجَابُهُ عَلَى الْمَرْأةِ إنْ لَمْ تُلَاعِنْ، وقَطْعُ نَسَبِهِ، وبِلعَانِهِ تَأْبيدُ حُرْمتِهَا (1)، وإنْ مُلِكَتْ أوْ انْفَشَّ حَمْلُهَا، ولَوْ عَادَ إليْهِ قُبِلَ، كَالْمَرْأةِ على الأظْهَرِ، وَإنْ اسْتَلْحَقَ أحَدَ التَّوْأمَيْنِ لَحِقَا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةٌ فبطْنَانِ، إلَّا أنَّهُ قَال: إنْ أقرَّ بالثاني وقَالَ: لَمْ أطَأْ بَعْدَ الأوَّلِ. سُئِلَ النِّسَاءُ، فَإِنْ قُلْنَ: إنَّهُ قَذ يَتَأخَّرُ هكَذَا. لَمْ يُحَدَّ.

= يبرئ به ظهري من الحد، فنزلت {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ - فقرأ حتى بلغ- مِنَ الصَّادِقِينَ} ، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما، فجاءا، فقام هلال بن أمية فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكمَا مِنْ تَائِبٍ؟ ". ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقالوا لها: إنها موجبة، قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها سترجع، فقالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت

الحديث. قال أبو داود: وهذا مما تفرد به أهل المدينة وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه.

قال المنذري أيضًا: وعن كليب -وهو ابن شهاب- عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا، حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا، أن يضع على فيه عند الخامسة، يقول: إنها موجبة. قال: وأخرجه النسائي. ا. هـ.

(1)

وقوله. وحكمه رفع الحد أو الأدب في الأمة والذمية، وإيجابه على المرأة إن لم تلاعن، =

ص: 193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقطع نسبه، وبلعانه تأبيد حرمتها، يريد به، والله تعالى أعلم، أن ثمرة اللعان وما يترتب عليه ستة أشياء: ثلاثة على لعان الزوج، منها: رفع الحد عنه لقذفه زوجته إن كانت حرة مسلمة، أو رفع أدبه إن قذف زوجة أمة أو كتابية.

ومنها: إيجاب الحد بموجبه على الزوجة الحرة المسلمة، إن لم تلاعن، أو الأدب إن كانت أمة زوجة أو نصرانية أو يهودية امتنعت عن اللعان.

ومنها: قطع نسب الزوج الملاعن عن حمل ظاهر في الحال أو سيظهر بعد اللعان. ويترتب على لعان المرأة ثلاثة أشياء أيضًا:

منها: رفع الحد عنها أو الأدب.

ومنها فسخ نكاحها.

ومنها تأبيد حرمتها على من لاعنها.

ففي الموطإ ما نصه: قال مالك: السنة عندنا أن المتلاعنين لا يتناكحان أبدًا، وإن أكذب نفسه جُلد الحدَّ وألحق به الولد ولم ترجع إليه أبدًا. وعلى هذا السنة عندنا التى لا شك فيها ولا اختلاف. ا. هـ. منه بلفظه.

وفي مختصر أبي داود للمنذري عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: "حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحدُكُمَا كَاذِبٌ. لَا سَبيلَ لَكَ عَلَيْهَا". قال: يا رسول الله، مالي؟ قال:"لَا مَالَ لَكَ؛ إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذلِكَ أَبْعَدُ لَكَ". قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي.

قال الخطابي عند هذا الحديث: قال الشيخ: قوله: "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا" فيه بيان وقوع الفرقة بينهما باللعان، خلافًا لقول عثمان البتي: إن اللعان لا يوجب الفرقة. قال: وفيه دلالة على أن الفرقة باللعان متأبدة، ولو كان له عليها سبيل إذا أكذب نفسه لاستثناه، فقال: إلا أن تكذب نفسك، فيكون لك عليها حينئذ سبيل، فلما أطلق الكلام دل على تأبيد الفرقة، ا. هـ. منه بلفظه.

قلت: وفي حديث ابن شهاب الزهري عن سهل بن سعد الساعدي، المتفق عليه: فلما فرغا =

ص: 194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها عويمر ثلاثًا قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين.

تنبيه: قد يحتج بهذا الحديث من يرى أن الفرقة لا تقع بنفس اللعان حتى يفرق بينهما الحاكم فيقول: إن الفرقة لو كانت واقعة بينهما لم يكن للتطليقات الثلاث معنى. وما فطن هذا القائل إلى أنه لو كان الأمر كما يقوله لكانت المرأة في حكم المطلقة ثلاثًا، تحل له بعد زوج، وقد أجمع العلماء -كما حكاه المنذري- على أنها ليست كالمطلقات ثلاثًا. فلا تحل له بعد زوج، فكان ذلك دليلًا على أن الفرقة واقعة قبل الطلاق، فكان الأولى أن يحمل قوله: كذبت عليها إن أمسكتها ألخ .. على أنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا". وجد من ذلك في نفسه، فقال قولته يريد بها تحقيق ما مضى من الفرقة وتوكيده. ا. هـ. مضمونه أخذًا من الخطابي على مختصر المنذري بتصرف.

وقال الصنعاني في سبل السلام: واستدلوا بما جاء في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: "ذلِكُمُ

التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُل مُتَلَاعِنَيْنِ". وقال ابن العربي: أخبر صلى الله عليه وسلم بقوله: "ذلِكُمْ" عن قوله: "لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا" قال: وكذا حكم كل متلاعنين، فإن كان الفراق لا يكون إلا بحكم فقد نفذ الحكم فيه من الحاكم الأعظم صلى الله عليه وسلم بقوله: "ذلِكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ". قالوا: وقوله: فرق بينهما. معناه إظهار ذالك وبيان حكم الشرع فيه، لا أنه أنشأ الفرقة بينهما، ا. هـ. منه بلفظه.

تتمة: أذكر فيها من حديث الموطإ في الموضوع قال: وحدثني عن مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر أن رجلًا لاعن امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وانفتل من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة، قال مالك: قال الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} . قال مالك: السنة عندنا أن المتلاعنين لا يتناكحان أبدًا، وإن أكذبَ نَفْسه جُلِدَ الحد وألحق به الولد ولم ترجع إليه أبدًا. وعلى هذا السنة عندنا التي لا شك فيها ولا اختلاف. قال مالك. وإذا فارق الرجل امرأته طلاقًا باتًا ليس له عليها=

ص: 195

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فيه رجعة، ثم أنكر حملها، لاعنها إذا كانت حاملًا وكان حملها يشبه أن يكون منه إذا ادَّعته، ما لم يأت دون ذلك من الزمان الذي يشك فيه فلا يعرف أنه منه، قال: فهذا الأمر عندنا والذي سمعت من أهل العلم. قال مالك: وإذا قذف الرجل امرأته بعد أن يطلقها ثلاثًا وهي حامل يقر بحملها، ثم يزعم أنه رآها تزني قبل أن يفارقها، جُلد الحدَّ ولم يلاعنها، وإن أنكر حملها بعد أن يطلقها ثلاثًا لاعنها. قال: هذا الذي سمعت. قال مالك: والعبد بمنزلة الحر في قذفه ولعانه، يجري مجرى الحر في ملاعنته، غير أنه ليس على من قذف مملوكةً حدٌّ. قال مالك: والأمة المسلمة والحرة النصرانية واليهودية تلاعن الحر المسلم إذا تزوج إحداهن فأصابها، ذلك أن الله تبارك وتعالى يقول:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فهن من الأزواج، وعلى هذا الأمر عندنا. ا. هـ. منه بلفظه.

ص: 196

‌بَابٌ فِي العدة

تَعْتَدَّ حُرَّةٌ (1)، وَإِنْ كِتَابِيَّةً، أَطَاقَتْ الْوَطْءَ، بخَلْوَةِ بَالِغٍ غَيْرِ مَجْبُوبٍ. أمْكَنَ شَغْلُهَا مِنْهُ، وإنْ نَفَيَاهُ، وأخِذا بإقْرارهما (2)، لا بغَيْرهَا، إلَّا أنْ تُقِرَّ به أوْ يَظْهَرَ حَمْلٌ وَلَمْ يَنْفِهِ، بِثَلَاثَةِ أقْرَاء أطْهَارٍ (3).

الكلام على العدة

قال ابن قدامة: الأصل في وجوب العدة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}

(1)

. وقوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}

(2)

. وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}

(3)

.

وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِل لِامْرأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أنْ تحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أرْبعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس:"اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". في آي وأحاديث كثيرة.

وأجمعت الأمة على وجوب العدة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها. وأجمعوا على أن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها لقول الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}

(4)

. قال: ولأن العدة تجب لبراءة الرحم وقد تيقناها ههنا. ا. هـ. منه في المغني.

تنبيه: المعتدات ثلاثة أقسام:

الأول: معتدة بالحمل؛ وهي كل امرأة حامل من زوج إذا فارقت زوجها بطلاق أو فسخ أو موته عنها، سواء كانت حرة أو أمة، مسلمة أو كافرة، فإنها تعتد بوضع حملها ولو بعد ساعة، =

(1)

سورة البقرة 228.

(2)

سورة الطلاق: 4.

(3)

سورة البقرة: 234.

(4)

سورة الأحزاب: 49.

ص: 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= لقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} .

الثاني: معتدة بالقروء، وهي كل معتدة من فرقة في الحياة، إذا كانت ذات قرء فإنها تعتد بالقروء لقول الله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} .

الثالث: معتدة بالشهور، وهي قسمان:

1 -

من تعتد بالقرء إذا لم تكن ذات قرء؛ لصغر سن أو ليأس من الحيض لكبر أو كانت بغلة -وهي الآيسة من الحيض لغير كبر- فإنها تعتد بالشهور لقول الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} . فإن ارتفع حيض ذات القرء ولا تدري سببًا لرفعه، اعتدت بتسعة أشهر للحمل وعدة الآيسة.

2 -

وكل من توفى عنها زوجها ولا حمل بها، سواء كانت الوفاة قبل الدخول أو بعده، وسواء كانت حرة أو أمة، فإنها تعتد بالشهور لقول الله عز وجل:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} .

تنبيه: قول أكثر أهل العلم أن كل فرقة بين زوجين تعتد فيها المرأة عدة الطلاق؛ سواء كانت بخلع، أو لعان، أو رضاع، أو فسخ بعيب، أو إعسار، أو إعتاق، أو اختلاف دين، أَو غير ذلك. وخالف ابن عباس في عدة الملاعنة قال: تعتد بتسعة أشهر. وأبى ذلك سائر أهل العلم فقالوا: تعتد عدة الطلاق. وقال أكثر أهل العلم: إن المختلعة تعتد عدة الطلاق. ومن هؤلاء: سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وعروة، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وقتادة، وخلاس بن عمرو، وأبو عياض، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي.

وقال قوم: إن المختلعة تعتد بحيضة. منهم: عثمان بن عفان، وابن عمر، وابن عباس، وأبان بن عثمان، وإسحاق، وابن المنذر، ورواه ابن القاسم عن أحمد. واحتج هؤلاء بما روى ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة، رواه النسائي.

وحجة الجمهور عموم الآية: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} . وبأن الحديث الذي احتجوا به مرسل. قال أبو بكر: هو ضعيف، ولأنه خالفه قول عمر وعلي رضي الله عنهما =

ص: 198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فإنهما قالا: عدتها ثلاث حيض، وقولهما أولى. وأمَّا ما ذكر عن ابن عمر فإنه يعارضه ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: عدة المختلعة عدة المطلقة. وهو أصح عنه، ا. هـ. من المغني بتصرف.

(1)

قوله رحمه الله: تعتد حرة الخ .. دليل وجوب العدة بالخلوة ما رواه الإِمام أحمد والأثرم بإسنادهما عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون أن من أرخى سترًا أو أغلق بابًا فقد وجب المهر ووجبت العدة. ورواه الأثرم أيضًا عن الأحنف عن عمر وعلي. وسعيدُ بن المسيب عن عمر، وزيد بن ثابت. قال ابن قدامة: وهذه قضايا اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعًا، وضعف أحمد ما روي خلاف ذلك، قال: ولأنه عقد على المنافع فالتمكين فيه يجري مجرى الاستيفاء في الأحكام المتعلقة كعقد الإِجارة. قال: ووجوب العدة بالخلوة هو مذهب أحمد، وروي عن الخلفاء الراشدين، وزيد، وابن عمر، وبه قال عروة، وعلي بن الحسين، وعطاء، والزهري، والثوري، والأوزاعي، واسحاق، وأصحاب الرأس، والشافعي في القديم، وقال في الجديد: لا عدة عليها؛ لأنها مطلقة قبل المسيس. ا. هـ. أنظر مغني ابن قدامة.

(2)

وقوله: وأخذا بإقرارهما، تقريره، والله أعلم، أن الزوجين إن وقعت بينهما خلوة ونفى كل منهما الوطء فيها، وجبت العدة لأنها حق لله تعالى، ولكنهما يؤاخذان بإقرارهما بنفيه فيما هو حق لهما مما يترتب على الوطء، فتؤاخذ الزوجة بعدم النفقة والكسوة مدة العدة وتؤاخذ بعدم تكميل الصداق، ويؤاخذ الزوج بعدم التمكين من مراجعتها بدون عقد، ويمنع أن يتزوج من يحرم جمعها معها في عدتها ومن تزوج رابعة، ويؤخذان معًا بأن من تأخرت حياته منهما عن صاحبه لا يرثه.

(3)

وقوله رحمه الله، بثلاثة أقراء أطهار، قال القرطبي في تفسيره: اختلف العلماء في الأقراء فقال أهل الكوفة: هي الحيض. وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبا موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسدي.

وقال أهل الحجاز: هي الأطهار. وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهري، وأبان بن عثمان، والشافعي، ا، هـ. وقد عرف من كلام العرب أن العرب تطلق القرء على هذا وعلى هذا. فمن استعمال العرب لفظ القرء في الإِطهار قول الأعشى: =

ص: 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= أفي كل عام أنت جاشم غزوة

تُسَد لأقصاها عزيم عزائكا

مورثة مالًا وفي المجد رفعة

لما ضاع فيها من قروء نسائكا

يعني لما ضاع في تلك الغزوات من أطهار نسائك، حيث إنك لم تنتفع بها لغيبتك عنها.

ومن استعمال العرب لفظ القرء في الحيض، قول الآخر:

يارُب ذي ضغن عليَّ فارضٍ

له قرء .... كقرء الحائض

يعني إنه طعنه حتى صار له دم كدم الحائض.

هذا، وللعرب مَعان أخرى تستعمل في جميعها القرء: ولكن الذي يهمنا في هذا الموضوع هو هذان المعنيان، فإذا علمت ذلك فاعلم أن الله تعالى يقول:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} . الآية.

فإن هذه الآية مفسرة في العدد مجملة في المعدود، فيجب لذلك طلب البيان للمعدود من غيرها، ودليل مذهبنا في قول المصنف: أقراء أطهارٍ؛ هو قوله تعالى في سورة الطلاق: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . الآية مع قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب في قضية ولده عبد الله حين طلق زوجته وهي حائض: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتي أَمَرَ اللَّهُ أنْ تطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ". أخرجه مسلم وغيره. وهو نص في الموضوع، فإن معنى آية الطلاق:{فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . أي فطلقوهن وقتًا تعتد به، ثم قال:{وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} . يريد وأحصوا ما تعتد به المطلقة وهو الأَطهار التي تطلق فيها.

ولا خلاف بين العلماء أن من طلق في حال ألحيض لم يطلق في العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، دانه يجب عليه لذلك مراجعتها. ونقل القرطبي عن أبي بكر بن عبد الرحمن قوله: ما أدركنا أحدًا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة في أن الأقراء هي الأطهار، فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة، ولو لحظة، ثم استقبلت طهرًا ثانيًا بعد حيضة، ثم ثالثًا بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة، فإن طلق مطلق في طهر مسها فيه لزمه الطلاق وقد أساء، واعتدت بما بقى من ذلك الطهر. ا. هـ. منه بلفظه. =

ص: 200

وَذِي الرِّقِّ قُرْءآنِ (1)، والْجَمِيعُ للْاسْتِبْراءِ، لَا الْأوَّلُ فَقَطْ (2) عَلى الأرْجَحِ وَلَوْ اعْتَادتْهُ فِي كَالسَّنَةِ، أوْ أرْضَعَتْ أوْ اسْتحِيضَتْ ومَيَّزَتْ (3)، وللزوْجِ انْتِزَاعُ وَلَدِ المُرْضِعِ فِرارًا مِنْ أنْ تَرِثَهُ أوْ لِيَتَزَوَّجَ أخْتَهَا أوْ رَابِعَةً إذَا لَمْ يَضرَّ بِالْوَلَدِ،

= وقال في بلوغ المرام: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما الأقراء الأطهار. أخرجه مالك في قصة بسند صحيح. قال الصنعاني: والقصة هي ما أفاده سياق الحديث. قال الشافعي: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قامت وجادلها في ذلك ناس وقالوا: إن الله يقول ثلاثة قروء، فقالت عائشة: صدقتم، وهل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار، قال الشافعي: أخبرنا مالك عن ابن شهاب: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا. يريد الذي قالت عائشة. ا. هـ. منه.

قلت: وهذا بعينه نص الموطإ: وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير. عن عائشة أم المؤمنن أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة. قال ابن شهاب: فذكر ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة. وقد جادلها في ذلك ناس وقالوا: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ثلاثة قروء، فقالت عائشة: صدقتم، أتدرون ما الأقراء؟. إنما الأقراء الأطهار. ا. هـ.

وفي الموطإ: وحدثني من مالك عن نافع وزيد بن أسلم عن سليمان بن يسار أن الأحوص هلك بالشام حين دخلت امرأته في الدم من الحيضة الثالثة وقد كان طلقها، فكتب معاوية بن أبي سفيان إلى زيد بن ثابت: إنَّها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها ولا ترثه ولا يرثها. وحدثني عن مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبي بكر بن عمد الرحمن، وسليمان بن يسار، وابن شهاب، أنهم كانوا يقولون: إذا دخلت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها؛ ولا ميراث بينهما، ولا رجعة له عليها. وحدثني عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها. قال مالك: وهو الأمر عندنا. ا. هـ. منه.

(1)

وقوله رحمه الله: وذي الرق قرءان، قال ابن قدامة: أكثر أهل العلم يقولون: عدة الأمة بالقرء قُرْءانِ. من هؤلاء: عمر، وعلي، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وعبد الله بن

ص: 201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عتبة، والقاسم، وسالم، وزيد بن أسلم، والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، واسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.

وعن ابن سيرين أن عدتها عدة الحرة إلا أن تكون مضت بذلك سنة. وبه قال داود بن علي لعموم قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} . الآية. والجواب: إن الآية مخصوصة بقوله صلى الله عليه وسلم: "طَلَاقُ الْأمَةِ طَلْقَتَانِ، وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ". رواه أبو داود وغيره، قال ابن قدامة: فإن قالوا: هذا يرويه مظاهر بن مسلم وهو منكر الحديث. قلنا: قد رواه عبد الله بن يسى عن عطية العوفي عن ابن عمر، كذلك أخرجه ابن ماجه في سننه، وأبو بكر الخلال في جامعه، وهو نص في عدة الأمة. قال: وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، ولم نعرف لهم مخالفًا من الصحابة فكان إجماعًا. ا. هـ. المغني بتصرف.

(2)

وقول: والجميع للاستبراء لا الأول فقط، يريد به والله تعالى أعلم، أن العدة في طلاق المدخول بها إنما شرعت للاستبراء لا للتعبد، بدليل سقوطها عن غير المدخول بها، وجعل الاستبراء على حسب حرمة المستبرأة؛ الزوجة الحرة ثلاثة أقراء، والزوجة الأمة قرءان، والأمة الموطوءة بملك اليمين حيضة واحدة، وخالف القاضي أبو بكر فقال: القرء الأول للاستبراء وما زاد فللتعبد، والله أعلم.

(3)

وقوله: ولو اعتادته في كالسنة أو أرضعت أو استحيضت وميزت، مراده به، والله تعالى أعلم، أن المطلقة تعتد بالأقراء إن اعتادت الحيض فيما دون سنة، بل وإن اعتادته في السنة مرة فإنها تنتظره، فإن رأته في السنة انتظرته لسنة أخرى، وإن لم تره في سنة اعتدت بسنة بيضاء.

قال الحطاب: وقال ابن عرفة: ابن رشد عن محمد: من حيضتها لسنة فأكثر عدتها سنة بيضاء إن لم تحض لوقتها، وإلا فأقراؤها، ولا مخالف له من أصحابنا. ا. هـ. منه.

والمرضع إن تأخر حيضها لسبب الرضاعة، فإن عليها أن تنتظر الحيض حتى تفطم ولدها، فإن لم تحض من يوم فطمته حتى مضت سنة حلت، وإن رأت في آخرها الدم اعتدت بقرء، وكذا تفعل في الثاني والثالث. وذكر الحطاب أن ابن الحاجب حكى الاتفاق على ذلك، وأن ابن عرفة نقل عن ابن يونس الإِجماع. قال: ونصه: ومتأخرته لرضاع بأقرائها الصقلي إجماعًا. ا. هـ. قال:=

ص: 202

وَإنْ لَمْ تُمَيّزْ (1)، أوْ تَأخَّر بِلَا سَبَبٍ أوْ مَرِضَتْ، ترَبصَتْ تِسْعَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةٍ كَعِدَّةِ مَنْ لَمْ تَرَ الْحَيْضَ واليَائسَةِ ولوْ برِقٍّ، وتُمِّمَ مِنَ الرابِعِ في الكَسْرِ وَلَغَا يَوْمَ الطَّلَاقِ، وَإنْ حَاضَتْ فِي السَّنَةِ انْتَظَرَتْ الثَّانِيَةَ والثالِثَةَ، ثُمَّ إنْ احْتَاجَتْ لِعِدَّةٍ فالثَّلَاثَةُ (2)، وَوَجَبَ إنْ وُطِئَتْ بِزنًا أوْ شُبْهَةٍ فَلَا يَطَأُ الزَّوْجُ ولَا يَعْقِدُ، أوْ غَابَ غَاصِبٌ أوْ سَابٍ أوْ مُشْتَرٍ، ولَا يُرْجَعُ لَهَا، قَدْرُها (3).

= وقال ابن عبد السلام: هذا إذا كانت المرضع لا ترى الدم في مدة رضاعها، وأما إن رأته فلا شك أنها تعتد بتلك الأقراء. والأمة في ذلك كالحرة. والله أعلم، ا. هـ. منه.

وقوله: أو استحيضت وميزت، يريد به، والله أعلم، أن عدة المستحاضة المميزة مذهب المدونة أنها تعتد بالأقراء. قال الحطاب: ولمالك في ذلك روايتان: اعتبار الحيض المميز. واختارها ابن القاسم. والثانية أنها كالمرتابة. تعتد بالسنة. والله تعالى أعلم.

(1)

وقوله: وإن لم تميز ألخ. يريد به، والله أعلم، أن غير المميزة، والتي تأخر الحيض عنها بلا سبب ظاهر؛ من رضاع أو استحاضة أو مرضت المرأة فتأخر حيضها بسبب قبل الطلاق أو بعده؛ تربصت أي تأخرت تسعة أشهر استبراء على المشهور لزوال الريبة، لأنها مدة الحمل غالبًا، ثم بعد التسعة الأشهر اعتدت بثلاثة أشهر، حرة كانت أو أمة، وحلت بتمام السنة. ا. هـ

(2)

وقوله: ثم إن احتاجت لعدة فالثلاثة، يريد به، والله أعلم، أن التي تربصت تسعة أشهر ثم اعتدت بثلاثة أشهر بعد التسعة وحلت بتمام السنة، إن احتاجت لعدة أخرى من طلاق آخر، فإن الأشهر الثلاثة عدة لها بدون تربص تسعة لأنها صارت آيسة. والله أعلم. ا. هـ.

(3)

وقوله: ووجب إن وطئت بزنا، إلى قوله قدرها تقريره، والله أعلم، ووجب قَدْرُ العدة بالتفصيل السابق؛ ثلاثة أقراء لذات الحيض غير المتأخر عن زمنه، واليائسة والصغيرة والبغلة ثلاثة أشهر، والمتأخر حيضها بلا سبب أو لمرض والمستحاضة غير المميزة سنة، ويجب ذلك في حالة وطء بزنا أو بشبهة أو غياب غاصب أو ساب على امرأة. ولا تصدق من نفت الوطء ممن ذكر لأنها متهمة في دفع المعرة عنها. والله أعلم.

ص: 203

وَفِي إمْضَاءِ الْوَلِيِّ وفَسْخِهِ تَرَدُّدٌ. واعْتَدَّتْ بِطُهْرِ الطَّلَاقِ وَإنْ لَحْظَةً فَتَحلُّ بأوَّلِ الْحَيْضةِ الثَّالِثَةِ أو الرَّابِعَةِ إنْ طُلِّقَتْ بِكَحَيْضٍ، وَهَلْ يَنْبَغِي أن لَّا تُعَجِّلَ بِرُؤيَتِهِ؟ تأويلَانِ. ورُجِعَ فِي قَدْرِ الْحَيْضِ هُنَا؟ هَلْ يَوْمٌ أوْ بَعْضُهُ؟ وَفِي أنَّ الْمَقْطُوعَ ذَكَرُهُ أوْ أنْثَيَاهُ يُولَدُ لَهُ، فتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ أوْ لَا؟. وَمَا تَرَاهُ الْيَائِسَةُ هَلْ هُوَ حَيْضٌ، لِلنِّسَاءِ، بِخُلَافِ الصَّغِيرَةِ إنْ أمْكَنَ حَيْضُهَا وانْتَقَلَتْ للأِقْرَاءِ، والطُّهْرُ كَالْعِبَادَةِ (1)، وإنْ أتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَهَا لِدُونِ أمَدِ الْحَمْل لَحِقَ بِهِ إلَّا أنْ لِنْفِيَهُ بِلِعَانٍ (2)، وَتَرَبَّصَتْ إِنِ ارْتَابَتْ بِهِ، وَهَلْ خَمْسًا أوْ أرْبَعًا؟ خِلَافٌ. وَفِيهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ الْخَمْسِ بأرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَوَلَدَتْ لِخَمْسَةٍ لَمْ يُلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَحُدَّتْ واسْتُشْكِلَتْ. وَعِدَّةُ الْحَامِلِ فِي طَلَاقٍ أوْ وَفَاةٍ وَضْعُ حَملِهَا كُلِّهِ (3)، وَإنْ دَمًا اجْتَمَعَ (4)، وإلَّا فكالمُطَلَّقَةِ إنْ فَسَدَ؛ كالذِّمِّيَّةِ تَحْتَ ذِمِّيٍّ، وإلَّا فَأرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، وَإنْ رَجْعِيَّةً، إنْ تَمَّتْ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضِهَا وَقَالَ النِّسَاءُ: لا رِيبةَ بِهَا. وإلَّا انْتَظَرَتْهَا إنْ دَخَلَ بِهَا.

(1)

وقوله: والطهر كالعبادة؛ مراده به، والله أعلم، أن الطهر في العدد كالطهر في العبادة؛ أقله نصف شهر، خمسة عشر يومًا.

(2)

وقوله: وإن أتت بولد بعدها لدون أمد الحمل لحق به إلا أن ينفيه بلعان، تصوره ظاهر، ولأن الأحكام في انقضاء العدة مبنية على الظن، فاحتمل أن تكون اشتملت على حمل منه، تأخر لعلة، فكان ذلك سبب لحوقه به إلا أت ينفيه بلعان سوغ تمكينه منه أنها أعلنت انقضاء عدتها منه، فاحتمل أن يكون من زنا، والله أعلم.

قوله: وهل أربعًا أو خمسًا خلاف، هو في الكلام على أقصى أمد الحمل، قال ابن قدامة في المغني: ظاهر المذهب أن أقصى أمد الحمل أربع سنين. وبه قال الشافعي. وهو المشهور عن مالك، وروي عن أحمد أن مدته سنتان. وروي ذلك عن عائشة، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة؛ لما روت جميلة بنت سعد عن عاثشة: لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل. قال:

ص: 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= ولأن التقدير إنما يعلم بتوقيت أو اتفاق، ولا توقيت هنا ولا اتفاق، إنما هو على ما ذكرنا، وقد وجد ذلك فإن الضحاك بن مزاحم، وهرم بن حيان حملت أم كل واحد منهما سنتين. وقال الليث: أقصاه ثلاث سنين؛ حملت مولاة لعمر بن عبد الله ثلاث سنين. وقال عباد بن العوام: خمس سنين، وعن الزهري قال: قد تحمل المرأة ست سنين وسبع سنين. وقال أبو عبيد: ليس لأقصاه وقت يوقت عليه. وروى الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: حديث جميلة بنت سعد عن عائشة، لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل؟ قال مالك: سبحان الله من يقول هذا؟. هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل أربع سنين قبل أن تلد. وقال الشافعي: بقي محمد بن عجلان في بطن أمه أربع سنين. وقال أحمد: نساء بني عجلان يحملن أربع سنين، وامرأة عجلان حملت ثلاث بطون كل دفعة أربع سنين، وبقي محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي في بطن أمه أربع سنين، وهكذا ابراهيم بن نجيح العقيلي، حكى ذلك أبو الخطاب، قال: ولأن عمر بن الخطاب ضرب لامرأة المفقود أربع سنين، ولم يكن ذلك إلا لأنه غاية الحمل، ا. هـ. منه.

قلت: والذي يظهر أنها إن ارتابت وأشهدت من أول يوم، فإنها تبقى مرتابة إلى أن تظهر براءة رحمها، بالغة ما بلغت. والله تعالى أعلم. وهو الموفق جلت قدرته.

(3)

وقوله: وعدة الحامل ألخ، هو لقوله تعالى:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . ولحديث سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت سعد بن خولة، وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال: مالي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح؟. إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، فأمرني بالتزويج إن بدا لي. متفق عليه.

(4)

وقوله: وإن دمًا اجتمع؛ قال المواق: أبو عمر: عدة الحامل مطلقة كانت أو مبتوتة أو متوفى عنها زوجها، أن تضع ما في بطنها، أمة كانت أو حرة، مسلمه كانت أو ذمية، لا عدة لكل حامل في الوضع. والسقط التام، والمضغة من الولد في ذلك سواء. ا. هـ. منه. =

ص: 205

وتَنَصَّفَتْ بالرِّقِّ (1)، وَإنْ لم تحِضْ فَثَلَاثَةٌ أشْهُرٍ إلا أنْ تَرْتَابَ فتِسْعَهُ، وَلِمَنْ وَضَعَتْ غُسْلُ زَوْجِهَا وَلَوْ تَزَوَّجَتْ، ولَا يَنْقُلُ الْعِتْقُ لِعِدَّةِ الْحُّرَةِ ولا مَوْتُ زَوْجِ ذِمِّيَّةٍ أسْلَمَتْ (2)، وإنْ أقَرَّ بِطَلَاقٍ مُتَقَدِّمٍ اسْتَأنَفَتْ العِدَّةَ مِن إقْرارِهِ، وَلَمْ يَرِثْهَا إنِ انْقَضَتْ عَلى دَعْوَاهُ، وورثَتْهُ فيهَا إلَّا أنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ لَهُ، ولَا يَرْجِعُ بِمَا أنفَقَتِ المُطَلَّقَةُ، ويَغْرمُ مَا تَسَلَّفَتْ، بِخِلَافِ المُتَوَفَّى عَنْهَا والْوَارِثِ، وإنْ اشُتُرِيَتْ مُعْتَدَّةً طَلَاقٍ فارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا حَلَّتْ إنْ مَضَتْ سَنَةٌ لِلطَّلَاقِ وثَلَاثَةٌ لِلشِّرَاءِ، أو مُعْتَدَّةٌ لِوَفَاةٍ فأقْصَى الأجَلَيْنِ وتَرَكَتْ -المتَوفَّى عَنْهَا فَقَطْ وَإنْ صَغُرَتْ ولو كِتَابِيَّةً ومَفْقُودًا زَوْجُهَا- التَّزَيُّنَ بِالمَصْبُوغِ (3) وَلَوْ أدْكَنَ إنْ وُجِدَ غَيْرُهُ إلّاَ الأسْوَدَ، والتَّحَلِّى والطيبَ وعَمَلَهُ والتَّجْرَ فِيهِ والتَّزَيُّنَ؛ فَلَا تَمْتَشِطُ بِحِنَّاء أوْ كَتَمٍ بِخلافِ نَحْوِ الزَّيْتِ والسِّدْرِ واسْتِحْدَادِهَا، وَلَا تَدْخُل الحَمَّامَ، وَلَا تَطْلِي جَسَدَهَا، ولَا تَكْتَحِلُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وإنْ بِطِيبٍ وتَمْسَحُهُ نَهَارًا.

= وقال ابن قدامة: قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ان عدة المرأة تنقضي بالسقط إذا علم أنه ولد. ومصت نحفظ عنه ذلك الحسن، وابن سيرين، وشريح، والشعبي، والنخعي، والزهري، والثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، واسحاق.

ونقل ابن قدامة عن أحمد فقال: أما إذا كان علقة فليس بشيء؛ إنما هي دم لا تنقضي به عدة، ولا تعتق به أمة، ولا نعلم مخالفًا في هذا إلا الحسن فإنه قال: إذا علم أنها حمل انقضت به العدة وفيه الغرة، والأول أصح وعليه الجمهور. ا. هـ. منه.

(1)

وقوله: وتنصفت بالرِّق، قال ابن قدامة في المغني: وأما الأمة المتوفى عنها زوجها فعدتها شهران وخمسة أيام في قول عامة أهل العلم، منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، وسليمان بن يسار، والزهري، وقتادة، ومالك، والثوري، والافعي، واسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم، إلا ابن سيرين فإنه قال ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة، إلا أن تكون قد مضت في ذلك سنة، فإن السنة أحق أن تتبع. وأخذ بظاهر النص وعمومه. ولنا اتفاق الصحابة رضي الله =

ص: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عنهم على أن عدة الأمة المطلقة على النصف من عدة الحرة، فكذلك عدة الوفاة. ا. هـ. منه.

وفي تفسير القرطبي: وعدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران وخمس ليال. قال ابن العربي: نصف عدة الحرة إجماعًا، إلا ما يحكى عن الأصم فإنه سوّى فيها بين الحرة والأمة، وقد سبقه الإِجماع لكن لصممه لم يسمع. قال الباجي: ولا نعلم في ذلك خلافًا إلا ما يروى عن ابن سيرين وليس بالثابت عنه، أنه قال: عدتها عدة الحرة. ا. هـ. منه جـ 3/ ص 183.

(2)

وقوله: ولا ينقل العتق لعدة الحرة ولا موت زوج ذمية أسلمت؛ قال في الموطإ ما نصه: قال مالك: الأمر عندنا في طلاق العبد الأمة إذا طلقها وهي أمة ثم عتقت بعدُ، فعدتها عدة الأمة، لا يغير عدتها عتقها، كانت له عليها رجعة أو لم تكن له عليها رجعة لا تنتقل عدتها. ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: وتركت المتوفى عنها فقط -وإن صغرت، ولو كتابية، ومفقودًا- زوجها التزين بالمصبوغ؛ ففي حديث متفق عليه عن أم عطية رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لَا تُحِدُّ الْمَرْأَةُ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أظْفَارٍ". والقُسط: عود يحمل من الهند يجعل في الأدوية. والأظفار: شيء طيب أسود يجعل في الدخنة لا واحد لها. كذا قال البغوي في شرح السنة.

وعن زينب بنت أبي سلمة قالت: وسمعت أمِّي أمَّ سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إنَّ ابنتي تُوفي عنها زوجها وقد اشْتكت عينُها، أفنكحلها؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لَا، إنَّمَا هي أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْر، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ حَوْلٍ". قال البغوى: هذا حديث متفق على صحته أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك.

قال البغوي: الإِحداد: الامتناع عن الزينة. يقال: أحدت المرأة على زوجها تُحِدُّ فهي مُحِدٌّ، وحدَّتْ أيضًا، وحدود الله ما يجب الامتناع دونها.

قال في شرح السنة: والإِحداد واجب على المعتدة مدة عدة الوفاة، عند عامة أهل العلم؛ وهو أن تمتح من الزينة والطيب، ولا يجوز لها تدهين رأسها بأي دهن كان، سواء كان فيه طيب أو لم يكن، لما فيه من الزينة، ولها تدهين جسدها بدهن لا طيب فيه، ولا يجوز لها أن تكتحل=

ص: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= بكحل فيه طيب ولا فيه زينة كالكحل الأسود، قال: فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة، رخص لها فيه كثير من أهل العلم. منهم سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وعطا، والنخعي، وإليه ذهب مالك وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: تكتحل به ليلًا وتمسحه بالنهار، لما روي عن أم سلمة قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت عليَّ صبرًا، فقال:"مَا هذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ"؟. فقالت: إنما هو صبر فيه طيب. قال: "إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا باللَّيْلِ وَتَنْزعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خِضَابٌ". قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟. قال: "بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ". أخرجه في شرح السنة. وهو في أبي داود والنسائي، وحسنه ابن حجر في بلوغ المرام، وأعله في التلخيص، كذا قال شعيب. وقال سفيان وأصحاب الرأي: لا تلبس المعتدة عدة وفاة؛ الثوب المصبوغ. وقال مالك: لا تلبس المصبوغ إلا بالسواد.

أما المعتدة من طلاق؛ فإنها إن كانت رجعية، ليس عليها إحداد اتفاقًا، بل إن لها أن تصنع ما يميل قاب زوجها إليها ليراجعها، وإن كانت المعتدة بائنة بخلع أو بانطلقات، فإن سعيد بن المسيب قال بوجوب الإِحداد عليها. وبذلك يأخذ أبو حنيفة. وقال عطاء: ليس عليها إحداد. وبه يقول مالك.

تنبيه: المعتدة إذا تزوجها رجل ودخل بها في العدة؛ فيروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما امرأة نكحت في عدتها؛ فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها. فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ولا ينكحها أبدًا. وبهذا أخذ مالك بن أنس. قالوا: لأنه استعجل شيئًا قبل وقته فحرمه؛ كالوارث إذا قتل موروثه، ولأنه يفسد النسب فيوقع التحريم المؤبد كاللعان.

وقال الخرقي: له أن ينكحها بعد انقضاء العدتين. وقال الشافعي -في الجديد: له أن ينكحها بعد انقضاء عدتها من الأول: ولا يمنع من نكاحها في عدتها منه. قال: ولأنه وطء يلحق به النسب فلا يمنع من نكاحها في عدتها منه؛ كالوطء في النكاح، ولأن العدة إنما شرعت حفظًا للنسب وصيانة للماء، والنسب لاحق هنا؛ فأشبه ما لو خالعها ثم نكحها في عدتها. وهذا حسن موافق للنظر.=

ص: 208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قال ابن قدامة: ولنا على اباحتها أنه لا يخلو أن يكون تحريمها بالعقد أو بالوطء في النكاح الفاسد أو بهما معًا، وجميع ذلك لا يقتضي التحريم، بدليل ما لو نكحها بلا ولي ووطئها، ولأنه لو زنى بها لم تحرم عليه على التأبيد، فهذا أولى، ولأن آيات الإباحة عامة كقوله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} . وقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ} . فلا يجوز تخصيصها بغير دليل، وما روي عن عمر في تحريمها، فقد خالفه فيه علي؛ فإنه قال: إذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب. فقال عمر: ردوا الجهالات إلى السنة. ورجع إلى قول علي. ا. هـ. مغني ابن قدامة.

قلت: ذكر ابن عطية- في صفحة 312 من المجلد الثاني، طبعة مؤسسة دار العلوم بدولة قطر ما نصه: وحكى ابن الحلَّاب رواية في المذهب أن التحريم لا يتأبد مع الدخول في العدة. ذكرها في العالم بالتحريم المجترئ لأنه زان، وأما الجاهل فلا أعرف فيه خلافًا في المذهب. حدثني أبو علي الحسين بن محمد الغساني مناولة، قال: نا أبو عمر بن عبد البر، نا الوارث بن سفيان، نا قاسم بن أصبغ عن محمد بن اسماعيل، عن نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة من قريق تزوجها رجل من ثقيف في عدتها، فأرسل إليهما ففرق ببنهما، وعاقبهما وقال: لا تنكحها أبدًا. وجعل صداقها في بيت المال، وفشا ذلك في الناس حتى بلغ عليًا فقال: يرحم الله أمير المؤمنين، ما بال الصداق وبيت المال؟ إنما جهلا، فينبغي للإِمام أن يردهما إلى السنة. قيل: فما تقول أنت فيها؟ قال: لها الصداق بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، ولا جلد عليهما، وتكمل عدتها من الأول ثم تعتد من الثاني عدة كاملة؛ ثلاثة أقراء، ثم يخطبها إن شاء. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فخطب الناس فقال: أيها الناس رُدُّوا الجهالات إلى السنة. ا. هـ. محل الغرض منه.

قلت: وبهذا السند يتبين أن عمر رضي الله عنه رجع عن فتواه التي هي معتمد مذهب مالك في هذه النازلة، ولعل افيِ مام رحمه الله لم يبلغه رجوع عمر هذا، وإلا فإنه حريص على الحق رجّاع إليه.

هذا، وقد سبق الكلام على هذد المسألة عند قوق المصنف: وتأبد تحريمها بوطء. وبالله تعالى التوفيق.

ص: 209

‌فَصْلٌ

وَلِزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ الرَّفع لِلْقَاضِي والْوَالِي وَوَالِي الْمَاءِ، وإلَّا فلجَماعَةِ الْمُسْلِمينَ، فيؤجَّلُ الحُرُّ أرْبَعَ سِنِينَ؛ إِنْ دَامَتْ نَفَقَتُهَا، والْعَبْدُ نِصْفَهَا، مِنَ الْعَجْزِ عَنْ خبَرِهِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ كالْوَفَاهَ وسَقَطَتْ بِهَا النَّفَقَةُ، ولا تَحْتَاجُ فيها لإِذْنٍ، وَلَيْسَ لَهَا البقَاءُ بَعْدَهَا، وقُدِّرَ طَلَاقٌ يِتَحَقَّقُ بِدُخُولِ الثَّانِي.

‌الكلام على زوجة المفقود

قوله رحمه الله: ولزوجة المفقود الرفع للقاضي والوالي ووالي الماء الخ. أخرج ابن حجر في بلوغ المرام عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في امرأة المفقود؛ تتربص أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا. قال: أخرجه مالك والشافعي، وله طرق أخرى. قال الصنعاني: وفيه قصة أخرجها عبد الرزاق بسنده في الفقيد الذي فقد قال: دخلت الشعب فاستهوتني الجن، فمكثت أربع سنين، فأتت امرأتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمرها أن تتربص أربع سنين من حين رفعت أمرها إليه، ثم دعا ولي الفقيد فطلقها، ثم أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ثم جئت بعدما تزوجَتْ، فخيرني عمر بينها وبين الصداق الذي أصدقتها. قال: ورواه ابن أبي شيبة عن عمر، ورواه البيهقي. قال الصنعاني: وقد ذهب إلى هذا مالك وأحمد، واسحاق، وهو أحد قولي الشافعي، وجماعة من الصحابة، بدليل فعل عمر. ا. هـ. منه.

وذكر ابن قدامة في المغني عن أحمد أنه قال: أخذ بهذا عمر وعثمان، وعلي وابن عباس وابن الزبير خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبه قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهري، وقتادة، والليث، وعلي بن المديني، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وبه يقول مالك والشافعي في القديم، إلا أن مالكًا قال: ليس في انتظار من يفقد في القتال وقت. وقال سعيد ابن المسيب في امرأة المفقود بين الصفين: تتربص سنة؛ لأن غلبة هلاكه ههنا أكثر لوجود سببه.

قال: وقال أبو قلابة، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد: لا تتزوج امرأة المفقود حتى يتبين موته أو فراقه؛ لما روي عن المغيرة أن =

ص: 210

فَتَحلُّ للأَوَّلِ إنْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ، فإنْ جَاءَ، أو تَبَيَّنَ أنَّهُ حَيٌّ، أوْ مَاتَ. فَكَالْوَلِيَّيْنِ، وَوَرِثَتْ الأَوَّلَ إنْ قُضِيَ لَهُ بِهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا الثَّانِي فِي عِدَّةِ وفَاةٍ فَكَغَيْرِهِ، وأمَّا إنْ نُعِيَ لَهَا، أوْ قَالَ: عَمْرَةُ طَالِق. مُدَّعِيًا غائِبَةً، فَطُلِّقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أثْبَتَهُ، وذُو ثَلَاثٍ، وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ. والمُطَلَّقَةُ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ ثُمَّ ظَهَرَ إِسْقَاطُهَا، وَذَاتُ المَفْقُودِ تَتَزوَّجُ في عِدَّتِهَا فَيُفْسَخُ، أوْ تَزَوَّجَتْ فِي دَعْوَاهَا المَوْتَ، أوْ بِشَهَادَةِ غَيْرِ عَدْلَيْنِ فيُفْسَخُ، ثُمَّ يَظْهَرُ أنَّهُ كَانَ عَلى الصِّحَّةِ، فَلَا تَفُوتُ بدُخُولٍ. والضَّرْبُ لواحِدَةٍ ضَرْبٌ لبقِيتِهِنَّ، وإنْ أبَيْنَ وَبقِيَتْ أُمُّ وَلَدِهِ، وماله، وزوجَةُ الأسِيرِ ومَفْقُودِ أرْضِ الشّرْكِ لِلتّعْمِير (1)، وَهُوَ سَبْعُونَ. واخْتَارَ الشيْخَانِ ثمانِينَ، وحُكِمَ بِخَمْسٍ وسَبْعِينَ.

= النبي صلى الله عليه وسلم قال: "امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِي زَوْجُهَا". وروى الحاكم وحماد عن علي: لا تتزوج امرأة المفقود حتى يأتي موته أو طلاقه؛ لأنه شك في زوال الزوجية فلم تثبت به الفرقة كما لو كان ظاهر غيبته السلامة.

قال ابن قدامة: ولنا ما روى الأثرم والجوزجاني عن عبيد بن عمير، ثم ساق حديث الذي فقد في زمن عمر بن الخطاب، وقال: قال أحمد: يروى عن عمر من ثلاثة وجوه، ولم يعرف في الصحابة له مخالف. ا. هـ. منه. باختصار وتصرف.

(1)

وقوله: وزوجة الأسير ومفقود أرض الشرك للتعمير؛ في البخاري ما نصه: وقال الزهري في الأسير يعلم مكانه: لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله، فإن انقطع خبره فسنته سنة المفقود. قال ابن حجر في فتح الباري: وصله ابن أبي شيبة من طريق الأوزاعي قال: سألت الزهري عن الأسير في أرض العدو، متى تزوج امرأته؟. فقال: لا تتزوج ما علمت أنه حي. وأما قوله: فسنته سنة المفقود؛ فإن مذهب الزهري في امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين. وقد أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن عمر. ا. هـ. منه. بتصرف. =

ص: 211

وَإنْ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِي سِنِّهِ فَالْأقَلُّ، وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُم عَلى التَقْدِيرِ. وَحَلَفَ الْوَارِثُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ تَنَصَّرَ أسِيرٌ فعَلَى الطّوْعِ، واعتَدَّتْ فِي مَفْقُودِ المُعْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بعْدَ انْفِصَالِ الصَّفَّيْنِ، وهَلْ يُتَلَوَّمُ ويُجْتَهَدُ؟. تَفْسِيرَانِ. وَوُرِثَ مَالُهُ حِينَئِذٍ كالمنْتَجِعِ لِبَلَدِ الطَّاعُونِ أوْ فِي زَمَنِهِ، وفِي الفَقْدِ بَيْنَ المُسْلِمينَ والكُفَّارِ بَعْدَ سَنَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ. ولِلْمُعْتَدَّةِ المُطَلَّقَةِ أوْ المحْبُوسَةِ بِسَبَبِهِ فِي حَيَاتِهِ السُّكْنَى (1)، وللمُتَوَفَّى عَنْهَا إن دَخَل بِهَا والْمَسْكَنْ لَهُ أوْ نَقَدَ

(1)

وقوله: وللمعتدة المطلقة أو المحبوسة بسببه في حياته السكنى، لقوله تعالى:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . وقول تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} . وفي الحديث عن مالك عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار أنه سمعهما يذكران أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق بنت عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن بن الحكم، فأرسلت عائشة إلى مروان بن الحكم -وهو أمير المدينة- فقالت: اتق الله يا مروان واردد المرأة إلى بيتها. فقال مروان في حديث سليمان بن يسار: إن عبد الرحمن غلبني. وقال في حديث القاسم: أما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟. فقالت عائشة: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة. فقال مروان: إن كان بك شر فحسبك ما بين هذين من الشر. قال البغوي: هذا الحديث صحيح أخرجه محمد، عن اسماعيل، عن مالك، وأخرجه مسلم من طرق عن القاسم بن محمد. ا. هـ.

= ولم يختلف أهل العلم أن المطلقة الرجعية تستحق النفقة والسكنى، واختلفوا في المبتوتة: قال مالك: لها السكنى بكل حال، ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا. وحكي ذلك عن ابن المسيب. وبه قال الزهري، وإليه ذهب الليث بن سعد، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والشافعي.

وقال الإمام أحمد: لا نفقة للمبتوتة، ولا سكنى إلا أن تكون حاملًا. وبه يقول الحسن، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، واسحاق. وهو مروي عن ابن عباس. وقال أبو حنيفة: لها النفقة والسكنى بكل حال؛ حاملًا كانت أو حائلًا. روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن=

ص: 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= مسعود، وبه قال النخعي، وإليه ذهب سفيان. فأما من يقول: لا سكنى للمبتوتة؛ فإن حجته ما روي عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة، وأمرها أن تعتد عند ابن أم مكتوم.

وأما من جعل للمبتوتة السكنى -وهو الأكثر- فإنهم اختلفوا في سبب نقل فاطمة من بيت زوجها؛ فروي عن عروة عن عائشة أن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك رخص لها النبي صلى الله عليه وسلم في الانتقال. وعن سعيد بن المسيب، قال: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها؛ فقد روى عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، قال: فتنت فاطمة بنت قيس الناس؛ كانت للسانها ذرابة، فاستطالت على أحمائها فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم. قال البغوي: وروي هذا عن ابن عباس في معنى قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . قال ابن عباس. أن تبذؤ على أهل زوجها، فإذا بذؤت فقد حل إخراجها. قال: وإنكار عائشة وابن المسيب على فاطمة بنت قيس من حيث إنها كتمت السبب الذي أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بموجبه أن تعتد في غير بيت زوجها، وذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، فيقع به السامع في فتنة يظن أن للمبتوتة أن تعتد حيث شاءت انتهى من شرح السنة بتصرف.

ومن الدليل على ما ذهب إليه مالك من أن المبتوتة لا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا، قوله تعالى:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} . الآية، وما رواه مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال: والله مالك علينا من شيء. فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال:"لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ" الحديث، قال البغوي: في هذا الحديث من الفقه أن المطلقة ثلاثًا أو المختلعة لا تستحق نفقة العدة إلا أن تكون حاملًا، ولها السكنى لقوله عز وجل:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} إلى قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} . قال: وإنما سقط سكنى فاطمة لبذاءة لسانها. ا. هـ. منه.

ص: 213

كِرَاءةُ، لا بلا نَقدٍ، وهل مُطلَقًا أو إلَّا الوجِيبةَ؟. تأويلان. ولَا إنْ لَمْ يَدخُلْ إلَّا أنْ يُسْكنَهَا إلَّا لِيَكُفَّهَا، وسَكَنَتْ عَلى مَا كَانَتْ تَسْكُنُ ورَجَعَتْ لَهُ إن نَقَلَهَا، واتُّهِمَ، أوْ كانَتْ بِغَيْرِهِ، وإن بِشَرْطٍ فِي إجَارَةِ رَضاعٍ وَانْفَسَخَتْ، ومَعَ ثِقَةٍ إنْ بَقي شَيْء مِنَ الْعِدَّةِ إنْ خَرَجَتْ صرُورَةً فَماتَ، أوْ طَلَّقَهَا فِي كالثَّلَاثَةِ الْأيَّامِ، وَفِي التَّطوُّاعِ أوْ غَيْرِهِ إنْ خَرَجَ لِكَربَاطٍ لَا لِمُقَامٍ وَإنْ وَصَلَتْ، وَالأحْسَنُ ولَوْ أقامَتْ نَحْوَ السِّتَةِ الأشْهُرِ، والمُخْتَارُ خِلَافُهُ. وفي الانْتِقَالِ تَعتَدُّ بأقْرَبِهِمَا أوْ أبْعَدِهِمَا أو بِمَكَانِهَا، وعَلَيْهِ الكِرَاءُ رَاجِعًا. ومَضَتْ المُحْرِمَةُ أو المعْتَكِفَةُ أوْ أحْرمَتْ وَعَصَتْ. وَلَا سُكْنَى لأمَةٍ لَمْ تُبَوَّأْ، وَلَهَا حِينئِذٍ الانْتِقَالُ مَعَ سَادَاتِهَا كَبَدَويَّةٍ ارْتَحَلَ أهْلُهَا فَقَطْ، أوْ لعُذْرٍ لَا يُمْكِنُ المُقَام مَعَهُ

(1)

وقوله: إن دخل بها والمسكن له أو نقد كراء؛ فقد روى مالك عن سعد بن اسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب أن الفريعة بنت مالك بن سنان -وهي أخت أبي سعيد الخدري- أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعْبُدٍ له أبَقُوا، حتى إذا كانوا بطرف القدوم، لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه، ولا نفقة. فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نَعَمْ". فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة، أو المسجد، دعاني، أو أمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعيت له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كَيْفَ قُلْتِ"؟ قالت: فرددت عليهِ القصة التي ذكرت من شأن زوجي، فقال:"امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أجلَهُ". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. قالت: فلما كان عثمات أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به. ا. هـ.

قالت شعيب: هذا الحديث أخرجه في الموطإ جـ 2/ 591 في الطلاق -باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل -وأخرجه أبو داود في الطلاق، باب في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي في الطلاق باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟. وابن ماجه في الطلاق، باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والدارمي في الطلاق، باب خروخ المتوفى عنها زوجها. ا. هـ. منه. =

ص: 214

بِمَسْكَنِهَا؛ كَسُقُوطِهِ أوْ خَوْفِ جَارِ سُوء، ولَزِمَت الثاني والثَّالِثَ، والخُروجُ في حَوَائِجَهَا طَرَفَيِ النَّهَارِ، لَا لِضَرَرِ جِوَارٍ لِحَاضِرَةِ. ورَفَعَتْ لِلْحَاكِمَ وأقْرعَ لِمَنْ يَخْرُجُ إنْ أشْكَلَ. وهَل لا سُكْنَى لِمَنْ سَكَنَتْ زَوْجَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا؟ قَوْلَانِ. وسَقَطَتْ إنْ أقَامت بِغَيْرِهِ؛ كَنَفَقَةِ وَلَدٍ هَرَبَتْ بِهِ ولِلْغُرَمَاءِ بَيْعُ الدَّارِ فِي المُتَوَفَّى عَنْهَا، فإنْ ارتَابَتْ فَهِيَ أحَقُّ، ولِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ ولِلزَّوْجِ فِي الأشْهُرِ ومَعَ تَوقُّعِ الْحَيْضِ قَوْلَانِ. ولوْ بَاعَ إنْ زَالَتِ الرِّيبَةُ فَسَدَ، وأُبْدِلَتْ فِي المُنْهَدِم والمُعَارِ والمُسْتَأجَرِ المُنْقَضِي المُدَّةِ. وإنْ اخْتَلَفَا فِي مَكَانَيْنِ أجيبَتْ، وامرأة الأمِيرِ ونَحْوهِ لَا يخْرِجُهَا الْقَادِمُ، وإن ارْتَابَتْ كالحُبُسِ حَيَاتَهُ بِخِلَافِ حُبُس مَسْجِدٍ بِيَدِهِ. ولأمِّ وَلَدٍ يَمُوتُ عَنْهَا السُّكْنى وزيدَ مَعَ الْعِتْقِ نَفَقَةُ الْحَمْل كَالْمُرْتَدَّةِ والمشتَبِهَةِ إنْ حَمَلَتْ. وَهَلْ نَفَقَةُ ذَاتِ الزَّوْجِ إنْ لَمْ تَحْمِلْ، عَلَيْهَا أوْ عَلى الواطِئ؟. قَوْلَانِ.

= تنبيهُ: يجوز خروج المعتدة المطلقة بائنًا أو متوفى عنها لحوائجها نهارًا. أمَّا المطلقة بائنًا، فهو لما رواه أبو الزبير عن جابر قال: طلقت خالتي ثلاثًا فخرجت تجذ نخلًا لها، فلقيها رجل فنهاها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اخْرُجِي فَجُذي نَخْلَكِ لَعَّلكِ أن تَصَدَّقِي مِنْهُ أو تَفْعَلِي خَيْرًا". وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الطلاق، ومسلم بنحوه في الطلاق أيضًا. وقد صرح أبو الزبير عنده بسماعه من جابر، فانتفت شبهة تدليسه. كذا قال شعيب في تعليقه على شرح السنة.

وأما دليل جواز خروج المتوفى عنها، فلما رواه مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن السائب بن خبَّاب توفي، وأن امرأته جاءت إلى عبد الله بن عمر فذكرت له وفاة زوجها، وذكرت له حرثًا لهم بقناة، وسألته هل يصلح لها أن تبيت فيه؟ فنهاها عن ذلك، فكانت تخرج من المدينة سحرًا فتصبح في حرثهم، فتظل فيه يومها ثم تدخل المدينة إذا أمست فتبيت في بيتها، ا. هـ. منه.

وأما البدوية المتوفى عنها زوجها، ففي شرح السنة للبغوي: قال عروة بن الزبير في المرأة

ص: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= البدوية يتوفى عنها زوجها: إنها تنتوي حيث ينتوي أهلها. قال رحمه الله: وهذا قول أهل العلم. قال الشافعي. لأن سكنى أهل البادية سكنى مقام غبطة وظعن غبطة، ا. هـ. منه.

قلت: نص الموطإ: وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة أنه كان يقول في المرأة البدوية يتوفى عنها زوجها: إنها تنتوي حيث انتوى أهلها، قال مالك: وهذا الأمر عندنا، ا. هـ.

ولعله ما تسند عليه المرأة المطلقة أو المتوفى عنها اليوم في موريتانيا، فإن الموريتانية أين كانت، ترجع لبيت أهلها بمجرد طلاقها، رجعية كانت أو بائنًا، أو متوفى عنها، ولكننا إذا قلنا بجواز ذلك للبدوية فإنه متكر شنيع بالنسبة للقروية والمدنية، وأولياء الأمور مسئولون عن ذلك، وبالله تعالى التوفيق.

ص: 216

‌فَصْلٌ

يَجِبُ الاسْتِبْرَاءُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ (1)، إنْ لَمْ تُوقَن الْبَراءَةُ، وَلَمْ يَكُنْ وَطْؤُهَا مُبَاحًا، وَلَمْ تَحْرُمْ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَإنْ صَغِيرَةً أَطَاقَتْ الوَطْءَ، أوْ كَبِيرَةً لَا تَحْمِلَانِ عَادَةً أوْ وَخْشًا، أوْ بِكْرًا، أو رَجَعَتْ مِنْ غَصْبٍ، أو سَبْي، أوْ غُنِمَتْ، أو اشْتُرِبَتْ، وَلَوْ مُتَزوجَةً وطُلِّقَتْ قَبْلَ البِنَاءِ؛ كالموطوءة إنْ بيعَتْ أو زُوِّجَتْ، وقُبِلَ قَوْلُ سَيِّدِهَا. وجَازَ لِلْمُشْتَري مِنْ مُدَّعِيهِ تَزْويجُهَا قَبْلَهُ، واتفَاقُ البَائع وَالمُشْتَرِي عَلَى وَاحِدٍ، وكالْمَوْطَوءةِ باشْتِبَاهٍ، أوْ سَاءَ الظَّنَّ؛ كَمَنْ عِنْدَهُ أمَةٌ تَخْرجُ، أوْ لكغَائِبٍ أوْ مَجْبُوبٍ، أوْ مكاتَبةٍ عَجَزَتْ، أوْ أبْضَعَ فِيهَا وَأرْسَلَهَا مَعَ غَيْرِهِ. وَبِمَوتِ سَيدٍ وَإِنِ اسْتُبْرِئَتْ، أَوْ انقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَبِالْعِتْقِ واسْتَأْنَفَتْ إِنِ اسْتُبْرِئَتْ أوْ غَابَ غيبَةً عَلِمَ أنّهُ لَمْ يَقْدَمْ أمُّ الْوَلَدِ فَقَطْ، بِحَيْضهٍ (2) وإنْ تَأخَّرَتْ، أوْ أرضَعَتْ، أوْ مَرضَتْ، أو اسْتحِيضَتْ ولم تُمَيِّزْ فَثَلَاثَةُ أشْهُرٍ؛ كالصَّغِيرَةِ واليائسَةِ. ونَظَرَ النِّساءُ؛ فَإِنِ ارْتَبنَ فتِسْعَةٌ وَبالوَضْع كالْعِدَّة.

‌الكلام على الاستبراء

(1)

قوله: يجب الاستبراء بحصول الملك، هو لبيان سبب الاستبراء قال المواق: سبب الاستبراء حصول الملك أو زواله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ فَلَا يَسْقِيَنَّ مَاءهُ زَرعَ غَيْرِهِ". قال ابن يونس: فوجب أن كل من انتقل إلى ملكه ملك أمه كانت في حوزة غيره -بأي وجه ملكها- أن يستبرئها بحيضة إن كانت ممن تحيض؛ ملكها ببيع، أو إرث، أو هبة، أو صدقة، أو وصية، أو من مغنم، أو بغير ذلك. قال: وفي المدونة: حيضتها بعد البيع بيد البائع لغو، ا. هـ. منه.

ص: 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (2) وقوله: بحيضة، راجع إلى جميع ما تقدم من أول الباب إلى هنا؛ وذلك إن كانت ممن يمكن حيضها، وأتت حيضتها في وقتها المعتاد للنساء؛ كأن تحيض في كل شهر مرة مثلًا، بل وإن تأخرت الحيضة بلا سبب عن وقتها المعتاد للنساء بأن كانت تحيض في كل ثلاثة أشهر مرة، فاستبراؤها حيضة.

والدليل على أن الأمة تستبرئ بحيضة هو ما رواه مالك في الموطإ عن نافع، عن عبد الله ابن عمر أنه قال: عدة أم الولد -إذا توفى عنها زوجها- حيضة. قال: وحدثني عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد أنه كان يقول: عدة أمُّ الولد -إذا توفى عنها سيدها- حيضة. قال مالك: وهو الأمر عندنا. قال مالك: وإن لم تكن ممن تحيض، فعدتها ثلاثة أشهر. وقال ابن القيم فىِ تهذيبه على مختصر سنن أبي داود:

واختلف العلماء في عدتها؛ فالصحيح أنه حيضة، وهو المشهور عن أحمد، وقول ابن عمر، وعثمان، وعائشة، وإليه ذهب مالك والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وغيرهم،

وعن أحمد رواية أخرى: تعتد بأربعة أشهر وعشر. وهو قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وخلاس بن عمرو، وعمر بن عبد العزيز، والزهرى، والأوزاعي، واسحاق.

قال: وقال أبو حنيفة: عدتها ثلاث حيض. ويروى ذلك عن علي وابن مسعود، وهو قول عطاء، وابراهيم النخعي، والثوري، أ. هـ. منه بتصرف.

وقال القرطبي في تفسيره: أصح هذه الأقوال قول مالك؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} . فشرط في تربص الأقراء أن يكون عن طلاق، فانتفى بذلك أن يكون بغيره. وقال تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} . فعلق وجوب ذلك بكون المتربصة زوجة، فدل على أن الأمة بخلافها، وأيضًا فإن هذه أمة موطوءة بملك اليمين فكان استبراؤها بحيضة، أصل ذلك الأمة، قال: وإذا ثبت هذا، فهل عدة أم الولد استبراء محض أو عدة؟. فالذي ذكره أبو محمد في معونته أن الحيضة استبراء وليست بعدة، وفي المدونة أن أم الولد عليها العدة، قال: وفائدة الخلاف هي أنا إذا قلنا عدة،=

ص: 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فقد قال مالك: لا أحب أن تواعد أحدًا ينكحها حتى تحيض حيضة، قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: لا تبيت الا في بيتها. فأثبت لمدة استبرائها حكم العدة. ا. هـ. منه.

وقال البغوي: وقال قوم: تعتد بحيضة. روي ذلك عن ابن عمر، وهو قول عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، والشعبي، والزهري، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وتأول بعضهم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، يعني قوله: لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا. يعني أم الولد. تأولوه بأنه في أم ولد بعينها؛ أعتقها سيدها ثم تزوجها، فهذه إذا مات سيدها تعتد بأربعة أشهر وعشر باتفاق أهل العلم. ا. هـ.

قلت: وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في سنده مطر بن طهمان أبو رجاء الوراق، وضعفه غير واحد، ا. هـ. كذا قال شعيب.

وأما الأمة المسبية والمشتراة، فإنه روي عن أبي سعيد الخدري رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال في سبايا أوطاس:"لَا تُوطَأ حَامِلٌ حَتَى تَضَعَ، وَلَا غَيْرً ذَاتِ حَمْلٍ حَتَى تَحِيضَ حَيْضَةً". أخرجه البغوي في شرح السنة، وهو في أبي داود في النكاح باب في وطء السبايا، وقال ابن حجر في التلخيص: إسناده حسن. وصححه الحاكم وقال: على شرط مسلم. قال البغوي: وهذا الحديث دليل على ان استحداث الملك في الأمة يوجب الاستبراء، فلا يجوز لمن ملك جارية وطؤها ما لم تحض، سواء كانت بكرًا، أو ثيبًا، تملكها من رجل أو من امرأة.

ومن الدليل على منع وطء الأمة الحامل حتى تضع حملها، ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بامرأة مُجِحَّ، فسال عنها، فقالوا: هذه أمة لفلان. فقال: "أيُلَمُّ بِهَا"؟. فقالوا: نعم، فقال:"لَقَدْ هَمَمْتُ أن ألْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟. أم كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِل لَهُ"؟. قالوا: والمجح، الحامل المقرب. وفيه بيان منع وطء الحبالى من السبايا. ا. هـ. شرح السنة.

ص: 219

وحرُم فىِ زمَنِهِ الاستِمتَاعُ (1)، ولا استبراءَ إنْ لَمَّ تُطِق الْوَطْءَ (2)، أو حَاضَتْ تَحْتَ يَدِهِ؛ كمُودَعَةٍ ومبِيعَةِ بالْخِيَار، ولَمْ تَخْرُجْ ولَمْ يَلجْ عَلَيْها سَيِّدُهَا، أوْ أعْتَقَ وتَزَوَّجَ، أو اشْتَرى زَوْجَتَهُ وَإنْ بَعْدَ البِنَاءِ، فإنْ بَاعَ المشْتَرَاةَ، وَقَد دَخَلَ أو أعْتَقَ أوْ مَاتَ، أو عَجَزَ المكاتَبُ قَبْلَ وَطْءِ المِلْكِ، لَمْ تَحِل لِسيِّدٍ ولَا زَوْجٍ إلَّا بقُرْأيْنِ -عِدَّةِ فَسْخِ النِّكَاحِ- ويَعْدَهُ بِحَيْضَةٍ، كَحُصُولِه بَعْدَ حَيْضَةٍ أوْ حَضَتَيْنِ، أوْ حَصَلَتْ فِي أوَّلِ الحَيْضِ. وَهَلْ إلَّا أنْ تَمْضِيَ حَيْضَةُ استِبْرَاء أو أكثَرُهَا؟. تأويلَانِ. أو اسْتَبْرأ أبٌ جَارِيَةَ ابْنِهِ ثُمَّ وَطِئَهَا، وتؤوِّلَتْ عَلى وجُوبِهِ وعَلَيْهِ الأقَلُ، ويُسْتَحْسَنُ إنْ غَابَ عَلَيْهَا مُشْتَرٍ بِخيارٍ لَهُ، وتؤوِّلَتْ عَلى الْوُجُوبِ أيْضًا، وتَتَواضِعُ الْعَلِيهُ أوْ وَخْشٌ أقَرَّ البَائعُ بِوَطئِها. عِنْدَ مَنْ يُؤمَنُ (3)، والشَّأْنُ النِّسَاءُ، وَإذَا رَضيَا بِغَيْرِهِمَا فَلَيْسَ لِأحَدِهِمَا الانْتِقَالُ، ونُهِيَا عَنْ أحَدِهِمَا. وهَلْ يُكتَفَى بِوَاحِدَةٍ؟. قَالَ: يُخَرَّجُ عَلى التَّرْجُمَانِ، ولا مُوَاضَعَةَ فِي مُتَزَوجَةٍ وحَامِلٍ ومُعْتَدَّةٍ وزَانِيَةٍ؛ كالمردودَةِ بِعَيْبٍ أو فَسادٍ أوْ إقَالَةٍ إنْ لَمْ يَغِبْ المشْتَرِي، وفَسَدَ إنْ نَقَدَ بِشَرْطٍ، لا تَطَوُّعًا، وفِي الجَبْرِ عَلى إيقافِ الثَّمَنِ قَوْلَانِ. وَمُصِيبَتُهُ مِمَّنْ قُضِيَ لَهُ بِهِ.

(1)

وقول: وحرم في زمنه الاستمتاع، قال في المدونة في كتاب الاستبراء: ولا ينبغي للمبتاع أن يطأ في الاستبراء، ولا يقبّل ولا يجُس أو ينظر للذة، ولا بأس أن ينظر لغير لذة، وإن وطئ المبتاعَ الأمة في الاستبراء قبل الحيضة نُكِّل إن لم يعذر بجهل، حاضت بعد ذلك أو لم تحض. ا. هـ. الحطاب.

وقد تقدم لك حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود: "لَا تُوطَأ حَامِلٌ حَتى تَضَعْ، وَلَا غَيْرُ ذاتِ حَمْل حَتَى تَحِيضَ". والله الموفق.

(2)

وقوله: ولا استبراء إن لم تطق الوطء، هو قول القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله =

ص: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= ابن عمر، والليث بن سعد، وقال ابن عمر: إذا وهبت الوليدة التي توطأ، أو بيعت، أو أعتقت، فليستبرأ رحمها بحيضة، ولا تستبرأ العذراء. ا. هـ.

تنبيه: قال البغوي: اتفق أهل العلم على تحريم الوطء على المالك في زمان الاستبراء، واختلفوا في المباشرة سوى الوطء، فلم ير الحسن بأسًا في أن يقبلها ويباشرها، وقال عطاء: لا بأس أن يصيب من جاريته الحامل ما دون الفرج، قال الله تعالى:{إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} ، وذهب قوم إلى تحريم ذلك كالوطء. وهو قول الشافعي، قال: وله قول آخر أن ذلك يحرم في المشتراة ولا يحرم في المسبية؛ لأن المشتراة ربما تكون أم ولد للغير، فلم يملكها المشتري، والحمل في المسبية لا يمنع الملك. ا. هـ.

(3)

وقوله: وتتواضع العلية أو وخش أقر البائع بوطئها، عند من يؤمن، يريد به والله أعلم، أنه لما كان الاستبراء واجبًا لحفظ النسب كوجوب العدة، كانت المواضعة واجبة أيضًا لدفع الغرر والخطر، وذلك في الأمة التي ينقص الحمل من ثمنها كثيرًا، أو التي أقر البائع بوطئها. والمواضعة هي جعل الأمة مدة استبرائها في حوزة من يقبل خبره عن حيضتها. قال الحطاب: والضمان في مدة المواضعة على البائع والنفقة عليه، ولا يجوز له أن يتلذذ بشيء منها، وإن كان الضمان والنفقة منه، ذلك أنه قد أوجبه لغيره، ولا يجوز ذلك أيضًا للمشتري من أجل أن الضمان على غيره. ا. هـ. منه. والله أعلم.

ص: 221

‌فصْلٌ

إِنْ طَرَأَ مُوجِبٌ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةٍ أو اسْتِبْراء، انْهَدَمَ الأوَّلُ واسْتَأْنَفَتْ (1)؛ كَمُتَزَوِّجٍ بَائِنَتَهُ ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدَ البِنَاءِ، أوْ يَمُوتُ مُطْلَقًا، وكَمُسْتَبْرَأةٍ مِنْ فاسِدٍ ثُمَّ يُطَلِّقُ، وَكَمُرْتَجِعٍ وَإنْ لَمْ يَمسَّ طَلَّقَ أوْ مَاتَ، إلَّا أن يُفْهَمَ ضَرَرٌ بالتَّطْوِيلِ، فَتَبْنِي المُطَلَّقَةُ إنْ لَّمْ تُمَسَّ، وكَمُعْتَدَّةٍ وَطِئَهَا المُطَلِّقُ أوْ غَيْرُهُ فاسِدًا، بكاشْتِبَاهٍ إلَّا مِنْ وفَاةٍ، فأقْصَى الأجَلَيْن؛ كمُسْتَبْرأةٍ مِنْ فَاسِدٍ مَاتَ زَوْجُهَا، وكمُشْتَراةٍ مُعْتَدَّةٍ. وهَدَمَ وضْعُ حَمْلٍ أُلحِقَ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ غَيْرَهُ، وبِفَاسِدٍ أثَرَهُ وأثَرَ الطَّلَاقِ لَا الوَفَاةِ. وعَلى كُلٍّ الأقْصَى مَعَ الإلْتِبَاسِ؛ كَامْرأتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِنكاحٍ فَاسِدٍ، أوْ إحْدَاهُمَا مُطَلَّقَة ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ، وكمُسْتَوْلَدَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ مَاتَ السَّيِّدُ والزَّوْجُ ولم يُعْلَم السَّابِقُ؛ فإنْ كَانَ بَيْنَ مَوْتِهِمَا أكْثَرُ مِنْ عِدَّةِ الأمَةِ أو جُهِلَ، فَعِدَّةُ حُرَّةُ وَمَا تُسْتَبْرأُ بِهِ الأمَةُ، وفِي الأقَلِّ عِدَّةُ حُرَّةٍ. وهَلْ قَدْرهَا كأقَلَّ أو أكثَرَ؟. قَوْلَانِ.

‌الكلام على تداخل العدد

قوله: إن طرأ موجب قبل تمام عدة أو استبراء انهدم الأول واستأنفت، قال في الموطإ: وقال مالك في العبد يطلق الأمة طلاقًا لم يبتها فيه: له عليها فيه الرجعة، ثم يموت وهي في عدتها من طلاقه، فإنها تعتد عدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهرين وخمس ليال، وأنها إن عتقت وله عليها رجعة، ثم لم تختر فراقه بعد العتق حتى يموت، وهي في عدتها من طلاقه، اعتدت عدة الحرة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا؛ وذلك أنها إنما وقعت عليها عدة الوفاة بعدما عتقت، فعدتها عدة الحرة. قال مالك: وهذا الأمر عندنا. ا. هـ. =

ص: 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وفي تفسير القرطبي: أجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقًا يملك رجعتها، ثم توفي قبل انقضاء العدة، أن عليها عدة الوفاة، وترثه. واختلفوا في عدة المطلقة ثلاثًا في المرض؛ فقالت طائفة: تعتد عدة الطلاق. وهذا قول مالك والشافعي، ويعقوب، وأبي عبيد، وأبي ثور. قال ابن المنذر: وبه نقول؛ لأن الله تعالى جعل عدة المطلقات الأقراء، وقد أجمعوا على أن المطلقة ثلاثًا لو ماتت لم يرثها المطلق وذلك لأنها غير زوجة، وإذا كانت غير زوجة فهو غير زوج لها. وقال الثوري: تعتد بأقصى العدتين. وقال النعمان ومحمد: عليها أربعة أشهر وعشر تستكمل في ذلك ثلاث حيض، ا. هـ. منه بلفظه.

ص: 223

‌بَابٌ

حُصُولُ لَبَنِ امْرَأةٍ (1)، وإنْ مَيِّتَةً، بِوَجُورٍ أوْ سَعُوطٍ أو حُقْنَة تَكونُ غِذاء، أوْ خُلِطَ، لَا غُلِبَ، ولا كمَاء أصْفَرَ، ويَهِيمَةٍ وَاكْتِحَالٍ بِهِ، مُحَرِّمٌ (1) - إنْ حَصَلَ فِي الْحَوْلَينِ (2) أو بزيادَةِ الشَّهْرَيْنِ إلَّا أن يَسْتَغْنِيَ، ولو فِيهِمَا -ما حَرَّمَ النَّسَبُ (3) إلَّا أُمَّ أخِيكَ، وَأُخْتِكَ، وأمَّ وَلَدِ وَلَدِكَ، وجَدَّةَ وَلَدِكَ، وَأختَ وَلَدِكَ، وَأُمَّ عَمِّكَ، وعَمَّتِكَ، وَأُمَّ خَالِكَ، وَخَالَتِكَ؛ فَقَدْ لا يَحْرُمْنَ مِنَ الرَّضَاعِ. وَقُدِّرَ الطِّفْلُ خَاصّةً وَلَدًا لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ ولِصاحِبِهِ مِنْ وَطْئِهِ لانْقِطَاعِهِ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ، واشْتَرَكَ مَعَ الْقَدِيمِ وَلَوْ بِحَرَامٍ لَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ إنْ أرْضَعَتْ مَنْ كَانَ زَوْجًا لَهَا، لأنَهَا زَوْجَةُ ابْنِهِ، كَمُرْضِعَةِ مُبَانَتِهِ أوْ مُرْتَضِعٍ مِنْهَا. وَإنْ أرْضعَتْ زَوْجَتَيْهِ اخْتَارَ وإنْ الأخِيرَة، وإنْ كانَ قَدْ بَنَى بِهَا حَرُمَ الجَمِيعُ، وأُدِّبَتِ الْمُتَعَمِّدَةُ لِلإِفْسَادِ، وَفُسِخَ نِكَاحُ المُتَصَادِقَيْنِ عَلَيْهِ؛

‌الكلام على الرضاع

الأصل في التحريم بالرضاع الكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب فقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} .

وأما السنة، فما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ الرضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرمُهُ الوِلَادَةُ". متفق عليه، وفي لفظ:"يُحَرَّمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يُحَرَّمُ مِنَ النَّسَبِ". رواه النسائي. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة: "لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهِىِ ابْنَة أخِي مِنَ الرضَاعَةِ". متفق عليه، وقد أجمع المسلمون على التحريم بالرضاع، ا. هـ. المغني بتصرف.

(1)

قوله: حصول لبن امرأة. إلى قوله: محرم، هو لما رواه مالك عن ثور بن زيد الدِّيلي =

ص: 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: ما كان في الحولين إن كان مصة واحدة فهو يحرم، ا. هـ.

قال المواق: أبو عمر: المصة الواحدة إذا وصلت إلى الجوف تحرم، قاله مالك، وأبو حنيفة، والليث، والليث، والأوزاعي، والثوري، ا. هـ. منه.

وقال القرطبي في تفسيره: ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى الأمعاء، ولو مصة واحدة. ا. هـ.

(2)

وقوله: إن حصل في الحولين، قال مالك في الموطإ: عن ابراهيم بن عتبة أنه سأل سعيد ابن المسيب عن الرضاعة، فقال سعيد: كل ما كان في الحولين وإن كانت قطرة واحدة فهو يحرم، وما كان بعد الحولين فإنما هو طعام يأكله. قال ابراهيم: ثم سألت عروة بن الزبير فقال مثل ما قال سعيد بن المسيب. ا. هـ.

قال القرطبي: وأنص ما في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: "لَا تحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ". أخرجه مسلم في صحيحه، وهو يفسر معنى قوله تعالى:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} . أي اللاتي أرضعنكم ثلاث مرات فأكثر، قال: غير إنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع، لقوله:"عَشْرَ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، وَخَمْسَ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ". فوصفها بالمعلومات إنما هو تحرز مما يتوهم أو يشك في وصوله إلى الجوف، ويفيد دليل خطابه أنَّ الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرم. والله أعلم، ا. هـ. منه.

قلت: لما ذكره القرطبي يؤكده ما أخرجه مالك نفسه في الموطإ عن نافع أن سالم بن عبد الله ابن عمر أخبره أن عائشة أم المؤمنين أرسلت به -وهو يرضع- إلى أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل عليَّ. قال سالم: فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات ثم مرضت، فلم ترضعني غير ثلاث، فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تتم لي عشر رضعات. وحدثني عن مالك عن نافع أنَّ صفية بنت أبي عبيد أخبرته أن حفصة أم المؤمنين أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد إلى أختها فاطمة بنت عمر بن الخطاب ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها -وهو صغير يرضع- فقلت، فكان يدخل عليها. وفي الموطإ أيضًا: وعن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم =

ص: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن؛ عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن. ا. هـ. منه. وهو في صحيح مسلم، باب التحريم بخمس رضعات، وقالوا في قول عائشة رضي الله عنها: فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن. أرادت به قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان بعض من لم يبلغه النسخ يقرؤه على الرسم الأول؛ لأن النسخ لا يتصور بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال البغوي: اختلف أهل العلم فيما تثبت به الحرمة من الرضاع؛ فذهب جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إلى أنه لا تثبت الحرمة بأقل من خمس رضعات متفرقات، وبه كانت تفتي عائشة وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول عبد الله بن الزبير، وإليه ذهب الشافعي، وإسحاق. وقال أحمد: إن ذهب ذاهب إلى قول عائشة في خمس رضعات فهو مذهب قوي.

وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم. منهم ابن عباس وابن عمر وسعيد ابن المسيب، وعروة، والزهري، والثوري، ومالك، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، وغيرهم، وقال قوم لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لحديث:"لَا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والْمَصَّتَانِ". انتهى منه بتصرف.

(3)

وقوله: ما حرم النسب، متعلق بقوله قبل: محرِّم. أي محرم ما حرمه النسب. ففي الحديث عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقالت عائشهَ: يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بيتك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرَاهُ فَلَانًا". لعم حفصة من الرضاعة، فقلت: يا رسول الله، لو كان فلان حيًا -لعمها من الرضاعة- أدخلى عليَّ؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم، إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّم مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ". متفق عليه.

وعن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ". وعن عائشة أيضًا قالت: جاء عمي من الرضاعة فاستأذن عليَّ، فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فقال:"إنَّهُ عَمُّكِ فَائذَنِي لَه". قالت: فقلت يا رسول الله، إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلجْ عَلَيْكِ". قالت: وذلك بعد ما ضرب علينا الحجاب، ا. هـ. متفق عليه.=

ص: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وعن علي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، هل لك في بنت عمك -بنت حمزة- فإنها أجمل فتاة في قريش؟. فقال:"أمَا عَلِمْتَ أَن حَمْزَةَ أخي مِنَ الرِّضَاعَةِ، وإنَّ اللَّهَ حَرم مِنَ الرِّضَاعَة مَا حَرُمَ مِنَ النسَب"؛ متفق عليه. فهذه الأحاديث تدل على ان حرمة الرضاع كحرمة النسب في المناكح؛ فإذا أرضَعت المرأة رضيعًا، يحرم على الرضيع وعلى أولاده من أقارب المرضعة كل من يحرم على ولدها من النسب، ولا تحرم المرضعة على أب الرضيع ولا على أخيه، ولا تحرم عليك أم أختك من الرضاعة إذا لم تكن أمًا لك ولا زوجة لأبيك. وهذا أمر يتصور في الرضاع ولا يمكن تصوره في النسب؛ فإنه لا توجد لك أم أخت في النسب إلا وهي أم لك أو زوجة لأبيك. ا. هـ.

تنبيه: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّهُ عَمكِ فَلْيَلجْ عَلَيْكِ". دليل على أن لبن الفحل محرم تثبت فيه الحرمة من جهة صاحب اللبن كما تثبت من جهة المرضعة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت عمومة الرَّضاع وألحقها بالنسب، وهذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، وخالف في ذلك سعيد بن المسيب، وابراهيم النخعي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قالوا: ويروى ذلك عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت عائشة تأذن لمن أرضعته أخواتها وبنات أخيها، ولا تأذن لمن أرضعته نساء إخوتها وبني أختها. وليت شعري ماذا بقي لعائشة من حجة بعد ما استشكلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنما أرضعتني المرأة يا رسول الله ولم يرضعني الرجل؟. فقال صلى الله عليه وسلم: "إنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلجْ عَلَيْكِ". فإنه نص في الموضوع لا يجوز لكائن من يكون خلافه إذا ما بلغه، فإن الأصل في هذا الحكم حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها -وهو عمها من الرضاعة- بعد أن أنزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته فقال:"لِيَلجْ عَلَيْكِ فَإِنَّه عَمُّكِ تَرِبَت يَمِينُكِ". قال القرطبي: وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها، ا. هـ. غير أنه لا ينقضي عجبي من أبي عبد الله كيف يحمل عنده أن يكون أفلح رضيع لبان مع أبي بكر، وأن ذلك المسوغ لاستئذانه على عائشة، بعد استشكال عائشة بقولها: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل؟ فهذا اللفظ لا يدع مجالًا في الشك في كونه عمها من حيث أنها رضعت لبان أخيه أبي القعيس، والكمال لله تعالى.

ص: 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= تنبيه: يستحب بر المرضعة، فقد روي عن أبي الطفيل قال: كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت امرأة فبسط النبي رداءه حتى قعدت، فقيل: هذه كانت أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم. كذا في شرح السنة، وهو في أبي داود.

تنبيه: اختلف العلماء؛ هل ينشر رضاع الكبير الحرمة؟ ذلك أن الله تعالى يقول: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}

(1)

. الآية. وإنه ثبت في حديث متفق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الرَّضَاعَة مِنَ الْمَجَاعَةِ". أي الرضاعة التىِ تثبت بها الحرمة ما يكون في الصغر حين يكون الرضيع طفلًا يسد اللبن جوعه، فأما ما يكون بعد بلوغ الصبي حدًا لا يسد اللبن جوعه ولا يشبعه إلا الحب وما في معناه من الثُّفلِ، فلا تثبت به الحرمة، كذا قال البغوي. وفهب حديث آخر أخرجه الترمذي، وروي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يُحَرِّمُ من الرَّضَاع الَّا مَا فَتقَ الأمْعَاءَ".

وقد ثبت أيضًا عن يحيى عن مالك عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاعة الكبير فقال: أخبرني عروة بن الزبير أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان شهد بدرًا، كان تبنَّى سالمًا، الذي يقال له: سالم مولى أبي حذيفة، كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، وأنكح أبو حذيفة سالمًا، وهو يرى أنه ابنه، أنكحه بنت أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة ابن ربيعة، وهي يومئذ من المهاجرات الأول، وهي من أفضل أيامى قريش، فلما أنزل الله في كتابه في زيد ما أنزل فقال:{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} الآية. رد كل واحد من أولئك إلى أبيه، فإن لم يعلم أبوه رد إلى مولاه، فجاءت سهلة بنت سهيل، وهي امرأة أبي حذيفة، وهي من بني عامر بن لؤي، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يدخل عليَّ وأنا فُضُلٌ، وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا". وكانت تراه ابنًا من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرِّجَال؛ فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أخيها أن يرضعن من أحبت =

(1)

سورة البقرة: 233.

ص: 228

كَقِيامِ بَيِّنَةٍ عَلى إقْرَارِ أحَدِهِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَهَا المُسَمَّى بالدُّخُولِ، إلَّا أنْ تَعْلَمَ فقَطْ كالْغَارَّةِ. وَإنْ ادَّعَاهُ فأنكَرَتْ أخِذَ بِإِقْرَارِهِ ولَهَا النِّصْفُ، وإنْ ادَّعَتْهُ فأنْكَرَ لَمْ يَنْدَفعْ وَلَا تَقْدِرُ على طَلَبِ المَهْرِ قَبْلَهُ. وَإقْرَارُ الأبَوَينِ مَقْبُولٌ قَبْل النِّكَاحِ لا بَعْدَهُ؛ كَقَوْلِ أبِي أحَدِهِمَا، ولا يُقْبَلُ مِنْهُ أنَّهُ أرَادَ الاعْتِذَارِ،

= أن يدخل عليها من الرجال، وأبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس، وقلن: لا والله ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل إلا رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في رضاعة سالم وحده، لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد. فعلى هذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في رضاعة الكبير. ا. هـ. من الموطإ.

فإذا علمت مصدر الخلاف فاعلم أن مالك بن أنس ومن تابعه وجماعة من أهل العلم، انتزعوا من قوله تعالى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} . الآية، أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان من الحولين، لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة. وبهذا قال عمر، وابن عباس، وروي عن ابن مسعود، وبه قال الزهري، وقتادة، والشعبي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، واسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وروى ابن عبد الحكم عن مالك: الحولين وزيادة أيام يسيرة. قلت: هي بقدر ما يستأنس الرضيع فيه عن الرضاعة من غير تحديد، وهذا التحقيق إن شاء الله.

قال القرطبي: وهذا الخبر، يعني قوله صلى الله عليه وسلم:"لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْكينِ" مع الآية، ينفي رضاع الكبير، وأنه لا حرمة له، وقد روي عن عائشة القول به، وبه يقول الليث بن سعد من بين العلماء، وروي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يرى رضاع الكبير، وروي عنه انه رجع عنه فيما رواه أبو حصين عن أبي عطية قال: قدم رجل بامرأته المدينة فوضعت وتورم ثديها، فجعل يمصه ويمجه، فدخل في بطنه جرعة منه فسأل أبو موسى فقال: بانت منك. وأتت ابن مسعود فأخبره، ففعل، فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى، الأشعري وقال: أرضيعًا هذا الأشمط؟! إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم. فقال الأشعري: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم، فقوله: لا تسألوني. يدل على أنه رجع عن ذلك، ا. هـ. من تفسير القرطبي بتصرف، في البقرة والنساء.

ص: 229

بِخلَاف أمِّ أحَدهِمَا فَالتَّنَزُّهُ، ويثبُت بِرَجُلٍ وَامْرأة، وبامْرأتَيْنِ إن فَشَا قَبْلَ الْعَقْدِ (1)، وَهَلْ تُشْتَرطُ العَدَالَةُ مَعَ الفُشُوِّ؟ تَرَدُّدٌ. وبِرَجُلَيْنِ، لَا بامْرَأةٍ وَلَو فَشَا. ونُدِبَ التَّنَزُّهُ مُطْلَقًا. وَرَضَاعُ الْكُفْرِ مُعْتَبَرٌ، والْغِيلَةُ وَطْءُ المرْضِع (2)، وتَجُوزُ.

(1)

وقوله: ويثبت برجل وامرأة وبامرأتين إن فشا قبل العقد، أخرج البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن عكرمة بن خالد المخزومي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنى بامرأة شهدت على رجل وامرأته أنها أرضعتهما، فقال: لا، حتى يشهد رجلان أو رجل وامرأتان.

وفي السنن الكبرى أيضًا للبيهقي بسنده عن زيد بن أسلم أن رجلًا وامرأته أتيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاءت امرأة وقالت: إني أرضعتهما. فأبى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يأخذ بقولها فقال: دونك امرأتك. قال البيهقي: هذا مرسل وروي من وجه آخر. ا. هـ. ولعل هذا مستند قول المصنف: لا بامرأة ولو فشا، غير أنه ذهب جماعة من أهل العلم منهم الحسن، وأحمد بن حنبل، واسحاق، إلى الأخذ بحديث عبد الله بن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت امرأة سوداء فقالت إني أرضعتكما قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته فقال: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ". ففارقها وتزوجت غيره. وهذا الحديث ورد بألفاظ مختلفة متقاربة عند البخاري والبغوي والدارمي وغيرهم، وهو دليل على قبول شهادة المرأة الواحدة على الرضاعة.

غير أن أكثر أهل العلم ذهب إلى أنه لا يثبت الرضاع بأقل من أربع نسوة، وكذلك كل ما لا يطلع عليه إلا النساء غالبًا؛ كالولادة، والبكارة، وضدها، والحيض. وبهذا يقول عطاء، وقتادة، وإليه ذهب الشافعي.

وذهب آخرون إلى أنها تثبت بشهادة امرأتين؛ وهو قول مالك وابن أبي ليلى، وابن شبرمة؛ وقد أجاب من لم ير ثبوت الرضاعة بقول امرأة عن قوله صلى الله عليه وسلم لعقبة بن الحارث:"كَيفَ وَقَدْ قِيلَ" بما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن الشافعي: أنبانا عبد المجيد عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة أن عقبة بن الحارث أخبره أنه نكح أم يحيى بنت أبي إهاب، فقالت أمة =

ص: 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= سوداء: قد أرضعتكما. قال: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأعرض، فتنحيت فذكرت ذلك له فقال له:""كَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أنَّهَا أرْضَعَتْكُمَا". قال الشافعي: إعراضه صلى الله عليه وسلم يشبه أن يكون لم يرها شهادة تلزمه، وقوله: "كَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أنِّهَا أرْضَعَتْكُمَا"؟. يشبه أن يكون كره له أن يقيم معها، وقد قيل له: إنها أخته من الرضاعة. وهذا معنى أن يتركها ورعًا لا حكمًا، ا. هـ. منه بلفظه.

قلت: ولهذا أيضًا قال خليل: وندب التنزه مطلقًا، والله تعالى أعلم.

(2)

وقوله: والغيلة وطء المرضع وتجوز، يشير به إلى ما أخرجه مالك في الموطإ عن محمد ابن عبد الرحمن بن نوفل أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين، عن جذامة بنت وهب الأسدية أنها أخبرتها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أَنهَى عَنِ الغِيلَةِ حَتَّى ذَكَرْت أنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذلِكَ فَلَا يَضُر أوْلَادَهُمْ". قال مالك: والغيلة أن يمس الرجل امرأته وهي تُرضع. ا. هـ. منه.

ص: 231

‌بَابٌ

يَجبُ لمُمَكِّنَةٍ مُطيقَةٍ لِلْوَطْءِ عَلى البَالغِ (1)، ولَيسَ أحَدُهُمَا مُشْرِفًا، قُوتٌ وإدَامٌ وكسْوَهٌ ومَسْكَنٌ بالعَادَةِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وحَالِهَا والْبَلَدِ والسِّعْرِ وإنْ أكولَةً، وتُزَادُ الْمُرْضِعُ ما تَتَقَوَّى بِهِ، إلا المريضَةَ وقلِيلَةَ الأكْلِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا تَأكُلُ على الأصْوَبِ، ولا يلْزَمُ الحرِيرُ، وحُمِلَ عَلى الِإطْلَاقِ وعلى الْمَدَنِيَّةِ لقَنَاعَتِهَا، فَيُفْرَضُ الْمَاءُ وَالزَّيْتُ والحَطَبُ والمِلْحُ واللَّحْمُ المرة بَعْدَ المرَّةِ، وحَصِيرٌ وَسَرِيرٌ احْتِيجَ لَهُ وأجْرَةُ قَابِلَةٍ. وَزَينَةٍ تَسْتَضِرُّ بِتَرْكِهَا؛ كَكُحْلٍ وَدُهْنٍ مُعْتَادَيْنِ

‌الكلام على النفقة بالنكاح والملك والقرابة

قال الله تعالى في الطلاق: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} : وقال عز وجل في النساء: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} . قال البغوي: فيه دليل على ان على الرجل نفقة زوجته. وقال تبارك وتعالى في سورة طه: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} . قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: إنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان، يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج؛ فلما كانت نفقة حواء على آدم، فكذلك نفقة بناتها على بني آدم بحق الزوجية. قال: وأعلمنا كذلك في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هي هذه الأربعة: الطعمام، والشراب، والكسوة، والمسكن، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور، أما هذه الأربعة فلابد منها لأن بها إقامة المهجة. ا. هـ. منه.

(1)

وقوله: يجب لممكنة مطيقة للوطء على البالغ الخ. ففي حديث جابر بن عبد الله عند مسلم، قوله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع:"اتَّقوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإنهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ وَلَهُنْ عليْكُمْ رِزقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ". رواه مسلم وأبو داود، ورواه الترمذي بإسناده عن بن الأحوص، قال: "ألا إنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا =

ص: 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وَلِنِسَائكُم عَلَيْكُمْ حَقًّا؛ فَأمَّا حَقّكُم عَلَى نِسَائكُم فَلَا يُوطِئْنَ فُرشَكُم مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأذَنَّ فِي بُيُوتكُم لِمَنْ تَكْرَهُونَ، ألَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكمْ أنْ تُحْسِنوا إلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ". وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وفي حديث متفق عليه أن هند بنت عتبة بن ربيعة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي! فقال:"خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ".

وقد اختلفوا في تقدير النفقة على المرأة وولدها الصغير؛ فقال أصحابنا: هي تقدر بحسب الحالة من المنفق والمنفق عليه، بالاجتهاد على مجرى الحياة العادية، فينظر المفتي إلى حاجة المنفق عليه، ثم إلى حالة المنفق -باسم الفاعل- من عسر ويسر، فما احتملت حالته أمضاه عليه.

وقال الإِمام الشافعي وأصحابه: النفقة مقدَّرة محدَّدة، ولا اجتهاد لحاكم ولا لمفت فيها.

قالوا: يجب لابنة الخليفة ما يجب لإِبنة الحارس؛ لأن النفقة عندهم تقديرها هو بحال الزوج وحده من يسر وعسر، ولا تعتبر بحالها هي وكفايتها، فإن كان الزوج موسرًا كان لها مدان، وإن كان متوسطًا كان لها مد ونصف، وإن كان معسرًا فلها مد، واستدلوا بقوله تعالى:{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} الآية. وقوله تعالى: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} الآية.

قال القرطبي: والجواب أن هذه الآية أكثر من فرق بين نفقة الغني والفقير، وأنها تختلف بعسر الزوج ويسره، وهذا مسلَم، أما أن يقال: إنه لا اعتبار بحال الزوجة، فقد قال الله تعالى:{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} الآية، وذلك يقتضي تعلق المعروف في حقهما؛ لأنه لم يخص في ذلك واحدًا منهما، وليس من المعروف أن تكون كفاية الغنية مثل نفقة الفقيرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم لهند:"خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ". فأحالها على الكفاية حين علم من حال أبي سفيان الواجب عليه بطلبها، ولم يقل لها: لا اعتبار بكفايتك. قال: ثم ما ذكروه من التحديد يحتاج إلى توقيف، والآية لا تقتضيه، ا. هـ. منه بتصرف.

وقال الشوكاني في الكلام على حديث هند: فيه دليل على وجوب نفقة الزوجة على زوجها =

ص: 233

وَحِنَّاء وَمشط وإخْدَامَ أهْلِهِ وَإنْ بِكرَاء وَلَوْ بأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، وقُضِيَ لَهَا بِخَادِمِهَا إنْ أحَبَّتْ إلَّا لِريبَةٍ، وإلاَّ فَعَلَيْهَا الخِدْمَةُ الباطِنَةُ مِنْ عَجْنٍ وكَنْسٍ وفَرْشٍ بِخِلَافِ النَّسجِ والغَزْلِ، لا مُكْحُلَةٌ ودَوَاء وحِجَامَةٌ وثِيَابُ المخْرَج: ولَهُ

= وهو مجمع عليه، وعلى وجوب نفقة الولد على الأب، وأنه يجوز لمن وجبت له النفقة شرعًا على شخص، أن يأخذ من ماله ما يكفيه إذا لم يقع منه الامتثال، قال: واستدل بالحديث أيضًا من قدر نفقة الزوجة بالكفاية، وبه قال الجمهور خلافًا للشافعي. انتهى منه باختصار.

وأما وجوب النفقة بالقرابة، فإنها تجب للولد والوالدين. أما دليل وجوبها للوالدين فحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن لي مالًا وولدًا، وإن أبي يحتاج مالي. قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أنتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ، إنَّ أولَادَكُمْ مِنْ أطيَبِ كسْبِكمْ، كُلُوا مِن كَسْبِ أوْلَادِكمْ". قال البغوي: فيه دليل على أنه إذا لم يكن له مال، وله كسب يلزمه أن يكتسب لينفق على والده. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أطيَبَ مَا أكَلَ الرَّجُلُ كَسبُهُ، وَإنَّ ؤلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ". قال شعيب: صحيح، أخرجه ابن حبان، وأحمد، وأبو داود وابن ماجه. ا. هـ. منه. باختصار.

وأما دليل وجوب النفقة للولد، فقد تقدم حديث هند بنت عتبة بن ربيعة، وهو دليل على وجوب نفقة الولد.

قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال. واجبة في مال الولد. وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم. ا. هـ.

وفي بلوغ المرام: وعن طارق المحاربي قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على المنبر ويقول: "يَد الْمُعْطِي الْعُلْيَا وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأَختَكَ وَأخَاكَ ثُمَّ أدْنَاكَ فَأدْنَاكَ". رواه النسائي وصححه ابن حبان والدار قطني. قال الصنعاني: وقوله: وابدأ بمن تعول، فيه دليل على وجوب الإنفاق على القريب، وقد فصله بذكر الأم قبل الأب، فدل هذا الترتيب على أن الأم أحق من الأب بالبر.

قال القاضي عياض: وهو مذهب الجمهور، ويدل له ما أخرجه البخاري من حديث أبي=

ص: 234

التَّمَتُعُ بِشَوْرَتِهَا

(1)

، ولَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا. ولَهُ مَنْعُهَا مِنْ أكْلِ كَثُومٍ، لَا أبَويهَا وَوَلَدهَا مِنْ غَيْرِهِ أنْ يَدْخُلُوا لَهَا، وحُنِّثَ إِنْ حَلَفَ؛ كَحَلِفِهِ أن لَا تَزُورَ وَالِدَيْهَا -إنْ كانَتْ مَأمُونَةً وَلَوْ شَابَّةً- لا إنْ حَلَفَ لا تَخْرُجُ. وقُضِيَ لِلصِّغَارِ كل يَوْمٍ ولِلكِبارِ كُل جُمُعَةٍ كَالْوَالِدَيْنِ، ومَعَ أمِينَةٍ إنِ اتَّهَمَهَا، وَلَهَا الامْتِنَاعُ مِنْ أنْ تَسْكُنَ مَعَ أقارِبِهِ، إلَّا الْوَضِيعَةَ، كَوَلَدٍ صَغِيرٍ لِأحَدِهِمَا إنْ كَانَ لَهُ حَاضِنٌ إلَّا

= هريرة؛ فذكر الأم ثلاث مرات ثم ذكر الأب معطوفًا بثم، وقد نبه القرآن على ذلك في قوله تعالى:{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} الآية. فمن لا يجد إلا كفاية لأحد أبويه خص بها الأم، للأحاديث ولتنبيه الآية. ا. هـ. منه بتصرف.

وقال الشوكاني هنا: فيه دليل على أن الأم أحق بحسن الصحبة من الأب وأولى منه بالبر، حيث لا يتسع مال الإبن إلا لنفقة واحد منهما. وإليه ذهب الجمهور، كما حكاه القاضي عياض فإنه قال: ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب. وقيل: إنهما سواء. وهو مروي عن مالك وبعض الشافعية. وقد حكى الحارث المحاسبي الإِجماع على تفضيل الأم على الأب، ا. هـ. منه.

وقال الخرقي: ويجبر الرجل على نفقة والديه وولده الذكور والإناث، إذا كانوا فقراء، وكان له ما ينفق عليهم.

قال ابن قدامة: الأصل في وجوب نفقة الوالدين والمولودين الكتاب والسنة والِإجماع؛ أما الكتاب: فقول الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فقد أوجب أجر رضاع الولد على أبيه. وقال سبحانه وتعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

(2)

. وقال سبحانه وتعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}

(3)

. ومن الإِحسان الإِنفاق عليهما عند حاجتها. ا. هـ. منه.

(1)

وقوله: وله التمتع بشوْرتها، هو مما لا خلاف فيه عند أحد من المسلمين، لكن من =

(1)

سورة الأحقاف بقراءة نافع: 15.

(2)

سورة الإسراء: 23.

(3)

سورة الطلاق: 6.

ص: 235

أن يَبْنِي وَهُوَ معَهُ، وَقُدِّرت بِحَالِهِ مِنْ يَوْمٍ أو جُمُعَةٍ أوْ شَهْرٍ أو سَنَةٍ. والكسْوَةُ بِالشِّتَاءِ والصَّيْفِ؛ وضُمِنَتْ بالْقَبْضِ مُطْلَقًا كَنَفَقَةِ الوَلَدِ إلا لبِيّنَةٍ على الضَّيَاعِ، ويَجُوزُ إعْطَاءُ الثّمَنَ عَمَّا لَزمَهُ.

= غير أن تلزم بإحضار تلك الشورة، فما تبرعت بإحضاره من الجهاز، أو تبرع أهلها به، كان للزوج التمتع به، أما أن تلزم بشراء جهاز بما أوجب الله لها من مهر في مقابل ما استحله من فرجها، فذلك ما تأباه النصوص الشرعية، وقد تقدم بحث ذلك عند قول المصنف في الصداق: ولزمها التجهيز بما قبضته، وننقل هنا ما وقفنا عليه بعد ذلك في الجزء الرابع من فقه المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري في صفحة 176. قال: وأما مسألة الجهاز فإن الصحيح الذي لا ريب فيه أن كل شيء يذكر مهرًا، ويقع التعاقد عليه بصفته مهرًا، فإنه لا مقابل له إلا نفس الزوجة دون شيء آخر، مهما كان كثيرًا؛ فإذا تزوجها على ألف جنيه مهرًا، وكانت العادة أن مثل هذا المهر يقابل بجهاز كبير يليق بحالهما، ولكنها لم تفعل، فإنه لا حق للزوج في مطالبتها بالجهاز، وإذا جاءت بجهاز كان ملكًا لها لا حق للزوج فيه، أما إذا تعاقدا على مهر، ثم أعطى لها مبلغًا آخر تتجهز به، فأخذته ودخلت له بدون جهاز، فإن سكت زمنًا يدل على رضاه سقط حقه في المطالبة، وإلا كان له الحق في المطالبة؛ لأنه لم يتبرع لها وإنما أعطاها لعمل ما هو واجب عليه، فإنه يجب على الرجل أن يعد للمرأة محلًا بثشمل على حاجيات المعيشة. ا. هـ. المقصود منه. ولا ينقضي العجب إذًا من قضاة -في بعض البلاد الإسلامية- يحكمون على من لم تتجهز مما استحلته ببضعها، مما نهى الله أن يؤخذ منه بعد أمره بإعطائه كاملًا، يحكمون عليها بإسقاط ثلثه مثلًا في مقابلة الجهاز الذي لم تأت به، والذي هو من واجب الزوج لها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ص: 236

وَالْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِهِ إلَّا لِضَرَرٍ. وسَقَطَتْ إِنْ أكَلَتْ مَعَهُ، وَلَهَا الامْتِنَاعُ، أوْ مَنَعَتِ الْوَطْءَ أو الاسْتِمْتَاعَ، أوْ خَرَجَتْ بِلَا إذْنٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، إنْ لَمْ تَحْمِلْ، أوْ بانَتْ. وَلَهَا نَفَقَةُ الْحَمْلِ والْكِسْوَة فِي أوَّلِهِ (1)، وفِي الأشْهُرِ قِيمَةُ مَنَابِهَا، واسْتَمَرَّ إنْ مَاتَ لَا إنْ مَاتَتْ وَرَدَّتِ النَّفَقَةَ كانْفِشَاشِ الْحَمْلِ لَا الْكِسْوَة بَعْدَ أشْهُرٍ، بِخِلَافِ مَوْتِ الْوَلَدِ فيَرْجِعُ بِكِسْوَتِهِ وَإنْ خَلَقَةً. وَإنْ كانَتْ مُرضِعَةً فَلَهَا نَفَقَةُ الرضَاعِ أيْضًا (2)، وَلَا نَفَقَةَ بِدَعْوَاهَا بل بظُهُورِ الْحَمْلِ وَحَرَكَتِهِ فتَجِبُ مِنْ أوَّلِهِ، وَلَا نَفَقَةَ لِحَمْلِ مُلَاعَنَةٍ أوْ أمَةٍ، ولَا عَلى عَبْدٍ، إلَّا الرَّجْعِيَّةَ، وَسَقَطَتْ بِالْعُسْرِ، لَا إنْ حُبسَتْ، أوْ حَبَسَتهُ، أوْ حَجَّتِ الْفَرْضَ. ولَهَا نَفَقَةُ حَضَرٍ وَإنْ رَتْقَاءَ، وإنْ أعْسَرَ بَعْدَ يُسْرٍ فَالْمَاضِي في ذمَّتِهِ وَإنْ لَمْ يَفْرضْهُ الحَاكِمُ، ورَجَعَتْ بِمَا أنْفَقَتْ عَلَيْهِ غَيْرَ سَرَفٍ وإنْ مُعْسِرًا، كَمُنْفِقٍ عَلى أجْنَبِيٍّ إِلَّا لِصِلَةٍ، وعَلَ الصَّغِيرِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلِمَهُ المُنْفِقُ، وَحَلَفَ أنَه أنْفَقَ لِيَرْجِعَ، ولَهَا الفَسْخ إنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةٍ حَاضِرَةٍ (3)، لَا مَاضِيَةٍ، وَإنْ عَبْدَيْنِ، لَا إنْ عَلِمَتْ فَقْرَة أوْ أنَّهُ مِنَ السُّؤَّالِ، إلَّا أنْ يَتْرُكَهُ أوْ يَشْتَهِرَ بالْعَطَاءِ

(1)

وقوله: ولها نفقة الحمل والكسوة في أوله، دليله قوله تعالى:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ}

(1)

قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة -ثلاثًا أو أقل منهن- حتى تضع حملها، وأما الحامل المتوفى عنها زوجها فقال علي وابن عمر، وابن مسعود، وشريح، والنخعي، والشعبي، وحماد، وابن أبي ليلى، والضحاك: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع.

وقال ابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: لا ينفق عليها إلا من نصيبها. قال ابن المنذر: وبهذا القول أقول؛ لأنهم أجمعوا على أن نفقة=

(1)

سورة الطلاق: 6.

ص: 237

ويَنْقَطِعَ، فيأمُرُةُ الْحَاكِمُ، إن لَم يثبُتْ عُسْرُهُ، بِالنَّفَقَةِ والكِسّوَةِ أو الطَّلَاقِ، وإلَّا تُلُوِّمَ بِالاجْتِهَادِ. وزِيدَ إنْ مَرِضَ أوْ سُجِنَ، ثُمَّ طُلِّقَ وإنْ غائبًا، أوْ وَجَدَ مَا يُمْسِكُ الْحَيَاةَ، لَا إنْ قَدَرَ عَلى الْقُوتِ وَمَا يُوارِي الْعَوْرَةَ وَإنْ غَنِيَّةً، ولَهُ الرَّجْعَةُ إنْ وَجَدَ فِي الْعِدَّةِ يَسَارًا يَقُومُ بِوَاجِب مِثلِهَا، ولَهَا النَّفَقَةُ فِيهَا وإنْ لَمْ يَرْتَجِعْ وَطَلَبُهُ عِنْدَ سَفَرِهِ بِنَفَقَةِ المُسْتَقْبَلِ لِيَدفَعَهَا لَهَا أوْ يُقِيمَ لَهَا كَفِيلًا.

= كل من كان يجبر على نفقته -وهو حي- مثل أولاده الأطفال وزوجته ووالديه، تسقط عنه، فكذلك تسقط عنه نفقة الحامل من أزواجه. ا. هـ. بنقل القرطبي.

(2)

وقوله: وإن كانت مرضعة فلها نفقة الرضاع أيضًا، دليله قوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}

(1)

قال القرطبي: فإن أرضعن لكم -يعني المطلقات- أولادكم منهن، فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهن. ا. هـ.

وقول الله تعالى: {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ}

(1)

هو تأديب من الله عز وجل للأزواج والزوجات أن يقبل بعضهم من بعض ما أمره به من المعروف الجميل. قال أبو عبد الله: فالجميل منها أن ترضع الولد من غير أجرة، والجميل منه توفير الأجرة عليها للإرضاع. ا. هـ.

تنبيهٌ: قال أصحابنا رضاع الولد واجب على الزوجة ما دامت زوجة إلا لشرفها وموضعها. فعلى الأب رضاعه حينئذ في ماله، فإن طلقها فلا يجب عليها رضاعه إلا إذا كان غير قابل ثدي غيرها، فيلزمها حينئذ إرضاعه، ولها أجرة مثلها، فإن أعسر الأب بالأجرة أخذت جبرًا برضاع ولدها. انظر تفسير القرطبي، ولهذا قال المصنف: وعلى الأم المتزوجة أو الرجعية رضاع ولدها بلا أجر الا لعلو قدر.

(3)

وقوله: ولها الفسح إن عجز عن نفقة حاضرة، دليله حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كانَ مِنهَا عَنْ ظَهرِ غِنىً وَالْيَدُ العُلْيَا خَيْرَ مِنَ الْيَدِ السُّفْلى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ". فقيل: من أعول يا رسول الله؟ فقال: "امْرَأَتكَ مِمنْ تَعُولُ، تَقُول: أطْعِمْنِي وإلَّا فَارِقْنِي. جَاريتُكَ قولُ: أطْعِمنِي وَاسْتَعْمِلْنِي. وَلَدُكَ يَقُولُ: إلَى مَنْ تَكِلُنِي". رواه أحمد والدارقطني بإسناد =

(1)

سورة الطلاق: 6.

ص: 238

وَفُرِضَ فِي مَالِ الغائبِ وَوَدِيعَتِهِ ودَيْنِهِ، وإقَامَةُ البَيِّنَةِ عَلى المُنْكرِ بَعْدَ حَلِفِها باسْتِحْقَاقِهَا، وَلَا يُؤخَذُ مِنْهَا بِهَا كَفِيل، وَهُوَ عَلى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ. وبِيعَتْ دَارُهُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ، وأنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ، ثُمَّ بَيِّنَة بالحيازَةِ قَائِلَةٌ: هذَا الَّذِي حُزْنَاهُ هي الّتِي شُهِدَ بِمِلْكِهَا لِلْغَائِبِ، وإنْ تَنَازَعَا فِي عُسْرِهِ فِي غَيْبَتِهِ اعْتُبِرَ حَالُ قُدُومِهِ، وفِي إرْسَالِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا إنْ رَفَعَتْ مِنْ يومِئِذٍ لِحَاكِمٍ لا لِعُدُولٍ وجِيرانٍ، وإلَّا فَقَوْلُهُ؛ كَالْحَاضِرِ، وحَلَفَ: لَقَدْ قَبَضْتُهَا. لَا بَعَثْتُهَا. وفيمَا فَرَضَهُ، فَقَوْلُهُ إنْ أشْبَهَ، وإلا فقَوْلُهَا إنْ أشْبَهَتْ، وإلَّا ابْتَدَأ الفَرْضَ. وَفِي حَلِفِ مُدَّعِي الأشْبَهِ تَأوِيلَانِ.

= صحيح، وأخرجه الشيخان في الصحيحين وأحمد من طريق آخر، وجعلوا الزيادة المفسرة فيه من قول أبي هريرة، كذا قاله المجد في منتقى الأخبار. قال: وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال:"يُفَرق بَيْنَهُمَا". رواه الدارقطني، قال الشوكاني على منتقى الأخبار: استدل بهذين الحديثن على أن الزوج إذا أعسر عن نفقة امرأته، واختارت فراقة فرق بينهما. واليه ذهب جمهور العلماء كما حكاه في فتح الباري. قال: وحكاه صاحب البحر عن الإمام علي، وعمر، وأبي هريرة، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وحمَّاد، وربيعة، ومالك، وأحمد بن حنبل، والشافعي. ا. هـ. وفي المسألة أقوال غير ذلك. وقد أشبع الشوكاني هذه المسألة بحثًا في نيل الأوطار، فليراجعه من شاء.

ص: 239

‌فَصلٌ

إنَّما تَجِبُ نَفَقَةُ رقيقِهِ (1) وَدَابَّتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْعىً، وإلَّا بِيعَ (2)؛ كَتَكْلِيفِهِ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطيقُ، ويَجُوزُ مِنْ لَبَنِهَا مَالَا يَضُرُّ بِنَتَاجِهَا، وبِالقرابَةِ عَلى الْمُوسِر نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ المُعْسِرَيْنِ (3) وأثبَتا الْعُدْمَ، لا بِيَمِينٍ، وهَل الإِبْنُ إذا طُولِبَ بِالنًفَقَةِ مَحْمُولٌ عَلى المَلَاءِ أو العُدْمِ؟ قَوْلَانِ. وخَادِمِهِمَا. وخَادِمِ زوجَةِ الأبِ وَإعْفَافُهُ بِزَوْجَةٍ (4) وَاحِدَةٍ، ولَا تتعدد إن كانَتْ إحْدَاهُمَا أمُّهُ على ظاهرها

(1)

وقوله: إنما تجب نفقة رقيقه، دليله حديث عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟. قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كَفَى بِالْمَرْء إثمًا أن يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ". رواه مسلم. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لِلْمَملُوكِ طَعَامُة وَكسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِن العَمَل ما لَا يُطيِقُ". رواه مسلم والإمام أحمد. وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هُم إخْوَانكُم وَخَوَلُكُم جَعَلهُم الله تَحتَ أيدِيكُم، فَمَن كَانَ أخُوهُ تَحتَ يَدِهِ فَليُطْعِمهُ مِما يَأكُلُ وَليلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُم، فَإنْ كَلَّفْتمُوهُمْ فَأعِينُوهُمْ عَلَيْهِ". متفق عليه. وعن أنس قال: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وكل هذه الأحاديث أخرجها فى منتقى الأخبار.

قال الشوكاني: أحاديث الباب فيها دليل على وجوب نفقة المملوك وكسوته وهو مجمع عليه كما حكاه صاحب البحر وغيره، قال: وقال ابن المنذر: الواجب عند جميع أهل العلم إطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في ذلك البلد، وكذلك الإدام والكسوة. وللسيد أن يستأثر بالنفيس من ذلك، وإن كان الأفضل له مشاركته. وقال الشافعي: بعد أن ذكر الحديث: "إذَا أتى أحدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإنْ لَمُ يُجْلِسْهُ مُعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةٌ أوْ لُقْمَتينِ أوْ أكْلَةٌ أوْ أكْلَتَيْنِ فَإنَّهِ وَلي حَرةُ وَعِلَاجَهِ". قال الشافعي: هذا عندنا على وجهين: الأول أنَّ إجلاسه معه أفضل، فإن لم يفعل فليس بواجب، الثاني: أنه يكون الخيار الى السيد بين أن يجلسه أو يناوله، ويكون اختيارًا غير حتم. ا. هـ. منه. باختصار. =

ص: 240

لا زَوجُ أُمِّهِ، وجَدّ وَوَلَدٍ ابنٍ، وَلَا يُسْقِطُهَا تَزْوِيجُهَا بِفَقِيرٍ. وَوُزِّعَتْ عَلَى الأوْلَادِ. وَهَلْ عَلى الرُّؤوسِ أوْ الإرْثِ، أو الْيَسَارِ؟ أقْوَالٌ. ونَفَقَةُ الْوَلَدِ

= (2) وقوله: ودابته إن لم يكن مرعى وإلا بيع، ذكر البغوي في شرح السنة، قال: إذا كانت لرجل دابة أو شاة أو بعير، علفه بما يقيمه، فإذا امتنع أخذه السلطان بعلفه أو بيعه. قال: ولا تحلب أمهات الأولاد إلا فَضْلًا عما يقيم أولادهن -هذا كله كلام الشافعي- قال شعيب هو في الأم حـ 5/ 90، ص 90 - 92.

وفي الشوكاني في الكلام على حديث ابن عمر في التي عذبت في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، قال: فأولى ما يستدل به على وجوب الإنفاق على الحيوان المملوك حديث الهرة؛ لأن السبب في دخول تلك المرأة النار ليس مجرد ترك الإنفاق بل مجموع الترك ولحبس، فإذا كان هذا الحكم ثابتًا في مثل الهرة، فثبوته في مثل الحيوانات التي تملك أولى؛ لأنها مملوكة محبوسة مشغولة بمصالح الملك.

وقوله: وإلا بيع، قال الحطاب: ويروى عن أبي يوسف أنه يقضى على الرجل بعلف دابته كما يقضى عليه بنفقة عبده، لما جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائط رجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رق له وذرفت عيناه، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم سروه وذفريه حتى سكن ثم قال:"مَنْ رَبُّ هذَا الجَمَلِ"؟. فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"أفَلا تَتَّقِي اللهَ في الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ الله أيَّاهَا؛ فَإنَّهُ شَكَا إليَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ". قال: وقال أبو عمر: يجبر الرجل على أن يعلف دابته أو يرعاها، إن كان في رعايتها ما يكفيها، أو يبيعها أو يذبح ما يجوز ذبحه ولا يترك يعذبها بالجوع. ا. هـ. منه. بتصرف.

(3)

وقوله: وبالقرابة على الموسر نفقة الوالدين المعسرين الخ. قد تقدم الكلام عليه استطرادًا بما فيه كفاية إن شاء الله، فليرجع إليه من شاء.

(4)

وقوله وإعفافه بزوجة، مشى المصنف فيه على شطر القاعدة القائل بأن النكاح قوت لا تقوم البنية دونه لا تفكه. وقد عقدها في المنهج المنتخب بقوله:

هَلِ النكاح قوت أو تفكه؟

إعْفَافُ وَالِدٍ عليه يُفقه

تأملَ الأمَّ

=

ص: 241

الذَّكرِ حَتَى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلى الكَسْب، والأنْثَى حَتَّى يَدْخُلَ زَوْجُهَا (1)، وتَسْقُطُ عَنِ المُوسِرِ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ إلا لِقَضِيَّةِ، أوْ يُنْفِقَ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ. واسْتَمَرَّتْ إنْ دَخَلَ زَمِنَةً ثُمَّ طَلَّقَ، لَا إنْ عَادَتْ بَالِغَةً أوْ عَادَتِ الزَّمَانَةُ. وعَلى المكَاتَبَةِ نَفَقَةُ وَلَدِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ الْأبُ فِي الكِتَابَةِ. ولَيْسَ عَجْزُهُ عَنْهَا عَجْزًا عَنِ الكتابَةِ. وَعَلى الأمِّ المُتَزَوِّجَةِ أو الرجْعِيَّةِ رَضاعُ وَلَدِهَا بلا أجْرٍ إلَّا لِعُلُوِّ قَدْرٍ كالْبَائِن إلَّا أن لَا يَقْبَلَ غَيْرَهَا، أوْ يُعْدِمَ الأب أو يَمُوتَ، ولا مَالَ للصَّبِيِّ، واسْتَأجَرَتْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لِبانٌ، ولَهَا إنْ قَبِلَ غَيْرَهَا أجْرَةُ المِثْل، ولَوْ وجَدَ

= قال شيخ مشائخنا محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني في شرح هذا البيت: يعني أن النكاح هل هو من باب الأقوات أو من باب التفكهات؟ ويبنى على ذلك وجوب تزويج الوالد على ولده إن احتاج، والمملوك على مالكه، وعليه أيضًا دخول الزوجة في قوله: كل ما أعش فيه حرام. وقوله: تأمل الأم .. يعني أنه ينظر في وجوب إعفافها على القول بأن النكاح قوت، والفرق بينها وبين الأب، العار الذي يلحق ولدها في عرضها على الرجال وطلبه منهم أن يتزوجوها، فهل يسقط عنه ذلك اعفافها أولا؟ (1) وقوله: ونفقة الولد الذكر حتى يبلغ عاقلًا قادرًا على الكسب، والأنثى حتى يدخل زوجها، قد تقدم استجلاب أدلة وجوب نفقة الولد، وتقرير ما ذكره، قال الحطاب: يعني إنه يجب بالقرابة أيضًا على الأب الحر -إذا كان له فضل مال عن قوته وقوت زوجته، إن كانت له زوجة -نفقة الولد الذكر الحر، إذا لم يكن له مال ولا كسب بصنعة لا تلحقه فيها معرة، فإن كان له مال أو صنعة لم تجب على الأب، إلا أن يمرض الولد أو تكسد صنعته فتعود النفقة على الأب، وإن لم يكن فيها كفاية وجب على الأب التكميل، وتستمر نفقة الولد الذكر حتى يبلغ عاقلًا قادرًا على الكسب أو يحدث له مال أو صنعة، وحكم الأنثى كذلك في جميع ما تقدم، إلا أنها تستمر نفقتها حتى يدخل بها زوجها، يريد: أو يدعى للدخول وهي ممن يوطأ مثلها وهو بالغ. لو قال: حتى تجب النفقة على الزوج، ا. هـ. محل الغرض منه.

ص: 242

مَنْ تُرْضِعُهُ عِنْدَهَا مَجَّانًا على الْأرْجَحِ فِي التَّأويلِ. وحَضَانَةُ الذكَرِ لِلْبُلوغ والأنْثَى كالنفَقَةِ للأمِّ (1)، ولَوْ أمَةً عَتَقَ ولَدُهَا أوْ أمَّ وَلَدٍ، ولِلْأبِ تَعَاهُدُهُ وأدَبُهُ وبَعْثُهُ لِلْمَكْتَبِ، ثُمَّ أمِّهَا (2) ثُمَّ جَدَّةِ الأمَ -إنْ انْفَرَدَتْ بالسُّكْنَى عَنْ أمٍّ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا -ثُمَّ الْخَالَةِ ثُمَّ خَالَتِهَا، ثُمَّ جَدَّةِ الأبِ، ثُم الأبِ، ثُم الأخْتِ، ثُمَّ الْعَمَّةِ، ثُمَّ هَلْ بِنْتُ الْأخِ أوْ الْأخْتِ أوْ الْأكْفَأُ مِنْهُنَّ، وَهُوَ الأظْهَرُ؟ أقْوَالٌ، ثُمَّ الوَصِيِّ ثُمَّ الْأخِ، ثُمَّ ابْنِهِ ثُمَّ العَمِّ ثُمَّ ابْنِهِ، لَا جَدٍّ لأمٍّ -واخْتَارَ خِلَافَهُ -ثَمَ الْمَوْلَى الأعْلَى، ثُمَّ الأسْفَلِ، وقُدِّمَ الشَّقِيقُ، ثُمَّ للأمَ ثُمَّ لِلأب وَفِي الجَمِيعِ وَفِي المتَسَاوِييْنِ بِالصِّيانَةِ والشَّفَقَةِ.

(1)

وقوله: وحضانة الذكر للبلوغ والأنثى كالنفقة للأم، يعني بذلك الأم المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، وأما الأم التي لا تزال في العصمة فإنها لا تختص بها دون الأب.

وقوله: والأنثى كالنفقة، يريد أن حضانتها تستمر لأمها حتى يدخل بها زوجها، أو يدعى إلى الدخول بها، وهي ممن يوطأ مثلها. ودليل أحقية الأم بالحضانة ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، أن امرأة قالت: يا رسول الله، ان ابني هذا كان بطني له وعاء وثدي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَنتِ أحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تنكحِي". وهذا الحديث ذكره البغوي في شرح السنة، وقد أخرجه أحمد، وأبو داود. قال شعيب: وإسناده حسن.

(2)

وقوله: ثم أمُّها، دليله ما أخرجه مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع قاسم بن محمد يقول كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار، فولدت له عاصم بن عمر، ثم إنه فارقها، فركب عمر يومًا إلى قباء، فوجد ابنه يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام فنازعته إياه، فأقبلا حتى أتيا أبا بكر الصديق، فقال عمر: ابني. وقالت المرأة: ابني: فقال أبو بكر: خل بينها وبينه. فما راجعه عمر. قال مالك: وهذا الأمر الذي آخذ به في ذلك. ا. هـ. =

ص: 243

وشَرْط الحَاضِنِ العَقْل والكَفَايَةُ، لا كمُسِنَّةٍ، وحِرْزُ المَكَانِ فِي البِنْتِ يُخَافُ عَلَيْهَا. والأمَانَةُ، وأثبَتَهَا، وَعَدَمُ كَجُذامٍ مُضِرً، ورُشدٌ، لَا إسلَامٌ، وضمَّتْ إنْ خِيفَ لِمِسْلِمِينَ، وَإنْ مَجُوسِيةً أسْلَمَ زوْجُهَا، وللذَّكَرِ مَنْ يَحْضُنُ، وللأنْثَى الْخُلُوُّ مِنْ زَوْجٍ دَخَلَ إلَّا أنْ يَعْلَمَ وَيَسْكُتَ الْعَامَ، أوْ يَكون مَحْرَمًا وإنْ لَا حَصَانَةَ لَهُ كالْخَالِ، أوْ وَلِيًّا كابْنِ الْعَمِّ، أوْ لَا يَقْبَلُ الْوَلَدُ غَيْر أمِّهِ، أوْ لَمْ تُرْضِعْهُ المرْضعَةُ عِنْدَ أمِّهِ، أوْ لَا يَكُونُ لِلْوَلَدِ حَاضِنٌ، أوْ غَيْرَ مَأمُونٍ، أوْ عَاجِزًا، أو كَانَ الأبُ عَبْدًا وهِيَ حُرَّةُ. وفِي الْوَصِيَّةِ رِوَايتانِ، وأن لَا يُسَافِرَ وَلِيُّ حُر عَنْ وَلَدٍ حُرَ وإنْ رَضيعًا، أوْ تُسَافِرَ هِيَ سَفَرَ نُقْلَةٍ، لا تجَارَة، وَحَلَفَ، سِتَّةَ بُرُدٍ، وظَاهِرُهَا بَريدَيْنِ، إنْ سَافَرَ لأِمْنٍ وأمِنَ فِىِ الطَّرِيقِ، ولَوْ فِيهِ بَحْرٌ، إلا أنْ تُسَافِرَ هِيَ مَعَهُ لَا أقَلَّ، ولَا تَعُودُ بَعْدَ الطَّلَاقِ أو فَسْخِ الفَاسِدِ عَلى الأرْجَحِ أو الِإسْقَاطِ إلَّا لِكَمَرَضٍ، أوْ لِمَوْتِ الْجَدَّةِ والأمُّ خَالِيَةٌ، أوْ لِتَأيُّمِهَا قَبْلَ عِلْمِهِ، ولِلْحَاضِنَةِ قَبْضُ نَفَقَتِهِ والسُّكْنَى بالاجْتِهَادِ، ولا شَيْءَ لِحَاضِنٍ لأجْلِهَا.

= وقال الخرقي: وإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه فكان مع من اختار منهما. قال ابن قدامة: قضى بذلك عمر وعلي وشريح. وهو مذهب الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يخير. واستدل ابن قدامة لمذهبه بما رواه أبو هريرة قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أنْ يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"هذَا أبُوكَ وَهذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أيِّهِما شِئْتَ". فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. رواه أبو داود. قال ابن قدامة: ولأنه إجماع الصحابة. فروي عن عمر أنه خير غلامًا بين أبيه وأمه.

رواه سعيد، وروي عن عمارة الجرمي أنه قال: خيرني علي بين عمِّي وأمِّي، وكنت ابن سبع سنين أو ثمان. وروي نحو ذلك عن أبي هريرة، قال: وهذه في مظنة الشهرة، ولم تنكر. فكانت إجماعًا، ا. هـ منه. =

ص: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وأبى مالك التخيير محتجًا بأن الغلام لا قول له ولا يعرف حظه، وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه ويمكنه من شهواته فيؤدي إلى فساده.

قلت: هذا تعليل واقع، ولكن لا ينهض أمام ما ورد من السنة؛ أنه صلى الله عليه وسلم خير ولدًا بين أمه وأبيه، اللهم إذا كان الإمام اطلع على علة طرح بها هذا الحديث الذي عمل به غيره، أو كان لم يبلغه أصلًا. والله تعالى أعلم.

تنبيهٌ: حد البلوغ: اختلف العلماء فيه، قال أصحابنا: اذا أنبت الغلام أو احتلم، أو بلغ سنًا لا يجاوزها غلام إلا احتلم، ولم يقيد ذلك بخمسة عشر عامًا.

وجعل الشافعي الإنبات بلوغًا في أولاد الكفار دون المسلمين، حتى يجوز قتل من أنبت من السبي. روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت الشعر لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت، أخرجه أحمد، والدارمي، والنسائي، وأبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح. وابن ماجه.

وقال أبو حنيفة: حد بلوغ الغلام ثمان عشرة سنة إلا أن يحتلم قبلها، وحد بلوغ الجارية سبع عشرة سنة إلا أن تحيض قبلها.

والعمل عند أكثر أهل العلم أن الغلام أو الجارية إذا استكمل أحدهما خمس عشرة سنة كان بالغًا، واستدلوا بالحديث المتفق عليه عن ابن عمر، قال: عُرضت على رسول الله عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزبز فقال: هذا فرق بين المقاتلة والذرية، وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة في المقاتلة، ومن لم يبلغها في الذرية. وبهذا أخذ الشافعي، وسفيان الثوري، وابن المبارك، والأوزاعي، وأحمد وإسحاق.

ص: 245

‌بَابٌ

ينْعَقِدُ البَيْعُ بِمَا يَدُلُّ عَلى الرِّضَا وَإنْ بِمُعَاطَاةٍ، وبِبعْنِي فيَقُولَ: بعْتُ. وبابْتَعتُ، أوْ بِعْتُكَ وَيَرْضَى الآخَرُ فِيهِمَا. وحَلَفَ وإلَّا لَزِمَ إنْ قَالَ: أبيعُكهَا بِكَذَا، أوْ: أنَا أشْتَرِيهَا بهِ. أوْ تَسَوَّقَ بهَا فَقَالَ: بكَمْ؟ فَقَالَ: بمائةٍ. فَقَالَ: أخَذْتُهَا.

‌كتَابُ البُيُوعِ

قال القرطبي في تفسيره: البيع مصدر باع كذا بكذا، أي دفع عوضًا وأخذ معوضًا، وهو يقتضي بائعًا؛ وهو المالك أو من يتنزل منزلته. ومبتاعًا؛ وهو الذي يبذل الثمن. ومبيعًا، وهو الذي يبذل في مقابلة الثمن، وعلى هذا فأركان البيع أربعة: البائع، والمبتاع، والثمن، والمثمن. ثم المعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه؛ فإن كان العوض في مقابلة الرقبة سمي بيعًا، وإن كان في مقابلة منفعة الرقبة: فإن كانت منفعة بُضْع سمي نكاحًا، وإن كانت منفعة غير ذلك، سمي إجارة، وإن كان بيع عين بعين سمي صرفًا، وإن كان بدين مؤجل سمى سلمًا، ا. هـ. منه.

وفي الحطاب: والبيع لغة مصدر باع الشيء إذا أخرجه من ملكه بعوض أو أدخله فيه، فهو من الأضداد يطلق على البيع والشراء، قال تعالى:{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}

(1)

الآية. أي باعوه وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}

(2)

الآية. وفي الحديث: "لَا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أخِيهِ". أي لا يشتري على شرائه. وقال ابن الأنباري في كتاب الأضداد: قال جماعة من المفسرين في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى}

(3)

الآية. معناه باعوا الضلالة بالهدى، وذكر الزناتي في شرح الرسالة أن لغة قريش استعمال باع إذا أخرج، واشترى إذا أدخل، قال: وهي أفصح. وعلى ذلك اصطلع العلماء تقريبًا للفهم ا. هـ. محل الغرض منه.=

(1)

سورة يوسف: 20.

(2)

سورة البقرة: 16.

(3)

سورة البقرة: 207.

ص: 246

وشَرْطُ عَقْدِهِ تَمْيِيزٌ إلَّا بِسُكْرٍ فتَرَدُّدٌ، وَلُزُومِهِ تَكْلِيفٌ، لا إنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا، ورُدَّ عَلَيْهِ بِلَا ثَمَنٍ، ومَضَى فِي جَبْرِ عَامِلٍ. وَمُنعَ بَيْعُ مُسْلِمٍ ومُصْحَفٍ وصَغِيرٍ لِكَافِرٍ (1)، وَأُجْبِرَ عَلى إخْرَاجِهِ بِعِتْقٍ أَوْ هِبَةٍ ولَوْ لِوَلَدِهَا الصَّغِير على الأرْجَحِ. لا بكتَابَةٍ أَوْ رَهْنٍ. وأتَى بِرَهْنِ ثِقَةٍ إنْ عَلِمَ مُرْتَهِنُهُ بإسْلَامِهِ ولم يُعَيِّنْ، وإلَّا عُجِّلَ كَعِتْقِهِ. وجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ بعَيْبِ. وَفِي خِيَارٍ مُشْتَرٍ مُسْلِم يُمْهَلُ لانْقِضَائِهِ، ويُسْتَعْجَلُ الْكَافِرُ؛ كبَثعِهِ إن أسلَمَ، وبَعُدَتْ غَيْبَةُ سَيِّدهِ.

وَفِي الْبَائِع يُمْنَعُ مِن الإِمْضَاءِ، وَفِي جَوَازِ بَيْعِ مَنْ أسْلَمَ بِخِيَارٍ تَرَدُّدٌ. وَهَلْ مَنْعُ الصَّغِير إذا لَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ مُشْتَريهِ، أوْ مُطْلَقًا، إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أبُوهُ؟. تَأويلَانِ. وجَبْرُهُ تَهْدِيدٌ وَضرْبٌ، وَلَهُ شِرَاءُ بَالغٍ عَلى دِينِهِ إنْ أقامَ بِهِ لَا غَيْرِهِ عَلَى المُخْتَارِ، والصَّغِيرِ على الأرْجَحِ.

= وعلى كل حال البيع قبول وإيجاب، يقع بلفظ المستقبل والماضي، ويقع بالصريح وبالكناية المفهوم منها نقل الملك. والله تعالى ولي التوفيق.

(1)

وقوله: ومُنعَ بيع مسلم ومصحف وصغير لكافر، قال الحطاب: قال في المدونة في كتاب التجارة لأرض الحرب: فإن ابتاع الذمي أو المعاهد مسلمًا أو مصحفًا أجبر على بيعه من مسلم ولم ينقض شراؤه، ا. هـ. قال ابن قدامة: ولا يصح شراء الكافر مسلمًا. وهذا قول مالك في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في أحد القولين. وقال أبو حنيفة: يصح، ويجبر على إزالة ملكه.

قلت: والدليل الى جانب من يقول: لا يصح شراء الكافر المسلم لأن الله تعالى يقول: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}

(1)

. وبالله التوفيق.

(1)

سورة النساء: 141.

ص: 247

وَشرِطَ للمَعقود عَلَيهِ طَهَارَةٌ (1)؛ لَا كَزبل وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ (2)، وانْتِفَاعٌ لَا كمحَرمِ أشرَفَ (3) وَعَدَمُ نَهْي (4) لا كَكَلْب صَيْدٍ (5)، وجَازَ هِرٌّ، وسَبُعٌ لِلْجِلْدِ (6)، وحَامِلٌ مُقْربٌ، وقُدْرَةٌ عَلَيْهِ (7)، لَا كَآبِقٍ، وإبِلٍ أهْمِلَتْ، ومَغْصُوبٍ إلَّا مِنْ غَاصِبِهِ، وهَلْ إن رُدَّ لِرَبِّهِ مُدَّةً؟ تَرَدُّدٌ. ولِلْغَاصِب نَقْضُ مَا بَاعهُ إنْ وَرِثَهُ لَا اشْتَرَاهُ.

(1)

وقوله: وشرط للمعقود عليه طهارة، دليله قوله تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}

(1)

. الآية لأن النجس لا تحصل به منفعة للمسلم، فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل، ودليله من السنة حديث جابر رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة:"إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْع الْخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ، وَالخِنْزِيرِ، وَالأصْنَامِ" فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال:"لَا، هُوَ حَرَامٌ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ إن اللهَ لَمَّا حَرَّم شحُومَهَا، جَمَلُوهُ، ثمَّ بَاعُوهُ فَأكَلُوا ثَمَنَهُ". حديث صحيح أخرجه البخاري وعن ابن عباس قال: بلغ عمر بن الخطاب أن رجلًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا، باع الخمر، أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِم الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا". متفق عليه، وقوله: فجملوها، أي أذابوها حتى تصير ودكًا فيزول عنها اسم الشحم.

(2)

وقوله لا كزبل وزيت تنجس، قال الحطاب: قلل في المدونة في البيوع الفاسدة. إثر الكلام المتقدم: ولا بأس ببيع خِثَاء البقر وبعر الإبل والغنم. قال أبو الحسن: لأنه عنده طاهر، وإن كان الشافعي يخالف فيه. قال عياض: صوابه خِثْي البقر والجمع أخْثَاء -وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون المثلثة وآخره ياء تحتية. قاله في الصحاح- قال والمصدر بالفتح تقول خثا البقر يخثو خَثْيًا، ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: وانتفاع لا كمحرم أشرف، ودليل تحريمه كسابقه، لأنه إن لم يمكن الانتفاع به، كان أكل ثمنه من باب أكل الأموال بالباطل، والله تعالى يقول:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} =

(1)

سورة البقرة: 188.

ص: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= بِالْبَاطِلِ}

(1)

الآية، ومثل له المصنف بقوله: كمحرم أشرف، أي كمحرم الأكل أشرف على الموت، فإنه لا منفعة فيه؛ لأنه أيس من حياته، والذكاة لا تفيد فيه، فأي منفعة ترجى منه؟!

(4)

وقوله: وعدم نهي: أي ومما يشترط في المعقود عليه أن لا يكون منهيًا عن بيعه؛ لأن بيع ما نهي عنه فاسد، كما سيأتي للمصنف: وفسد منهي عنه.

(5)

وقوله: لا ككلب صيد، قال المواق: ابن عرفة، الكلب المنهي عن اتخاذه لا يجوز بيعه اتفاقًا، وفي غيره سبعة أقوال؛ مذهب المدونة منع بيعه.

قلت: ونص الموطإ عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي وحُلوان الكاهن؛ يعني بمهر البغي، ما تعطاه المرأة على الزنا، وحُلوان الكاهن؛ رشوته وما يعطى على أن يتكاهن. قال مالك: أكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري؛ لنهي رسول صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب. ا. هـ. منه بلفظه.

وأجاز بيعه سحنون قال: نعم، وأحج بثمنه. وابن رشد مثله، وانظر بقية المبحث في المواق. والله الموفق.

(6)

وقوله: وجاز هر وسبع للجلد، قال المواق: وجاز هرٌ من المدونة. قال مالك: يجوز بيع الهر، وسبع للجلد. من المدونة، قال ابن القاسم: أما بيع السباع أحياء والفهود والنمور والذئاب وشبهها، فإن كانت إنما تشترى وتذكى لجلدها فلا بأس بذلك، لأن مالكًا قال: إذا ذكيت السباع جاز لبس جلودها والصلاة عليها. قال ابن القاسم: وجاز ليها. ا. هـ. منه.

قلت: وفي المغني لابن قدامة: وأما الهر، فقال الخرقي: يجوز بيعها. وبه قال ابن عباس، والحسن، وابن سيرين، والحكم، وحمَّاد، والثوري، ومالك والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.

وعن أحمد أنه كره ثمنها. وروي ذلك عن أبي هريرة، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد. واختاره أبو بكر، لما روى مسلم عن جابر أنه سئل عن ثمن السِّنَّور فقال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

وفي لفظ رواه أبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن السِّنَّور، قال الترمذي: هذا حديث حسن،=

(1)

سورة البقرة: 188.

ص: 249

وَوُقِفَ مَرْهُونٌ على رِضَا مُرْتَهِنِهِ، ومِلْكُ غَيْره عَلى رِضَاهُ، وَلَوْ عَلِمَ المشْتَرِي والْعَبْدُ الْجَانِي عَلى رِضا مُسْتَحِقِّهَا. وحُلِّفَ إنْ ادُّعِيَ عَلَيْهِ الرِّضَا بِالْبَيْع، ثُمَ لِلْمُسْتَحِقِّ رَدُّهُ إنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ السَّيِّدُ أوْ المُبْتَاعُ الأرْشَ، وَلَهُ أخْذُ ثَمَنِهِ، ورَجَعَ المبْتَاعُ بِهِ أو بِثَمَنِهِ إنْ كَانَ أقَلَّ، ولِلْمُشْتَرِي رَدّهُ إنْ تَعَمَّدَها، ورُدَّ الْبَيْعُ فِي لأضْرِبَنَّهُ مَا يَجُوزُ، ورُدَّ لِمِلْكِهِ، وَجَازَ بَيْعُ عَمُودٍ عَلَيْهِ بِنَاء لِلْبَائع إن انْتَفَتْ الإضَاعَةُ وَأمِنَ كَسْرُهُ، ونَقَضَهُ الْبَائعُ، وَهَوَاء فَوْقَ هَوَاء إنْ وُصِفَ الْبِنَاءُ، وَغَرْزُ جِذْعٍ فِي حَائِطٍ وَهُوَ مَضْمُونٌ، إلَّا أنْ يَذْكُرَ مُدَّةً فإجَارَةٌ تَنْفسِخُ

= وفي إسناده اضطراب، ا. هـ. منه.

(7)

وقوله: وقدرة عليه، أي وشرط للمعقود عليه قدرة على تسليمه مملوكًا لبائعه أو لمن ناب منابه، ولا حق لغير فيه ولا غرر، ففي الموطإ عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر قال مالك: ومن الغرر والمخاطرة أن يعمد الرجل قد ضلت دابته أو أبق غلامه، وثمن الشيء من ذلك خمسون دينارًا، فيقول رجل: أنا آخذه منك بعشرين دينارًا. فإن وجده المبتاع ذهب من البائع ثلاثون دينارًا، وإن لم يجده ذهب البائع من المبتاع بعشرين دينارًا، ا. هـ. منه.

قال ابن قدامة: وجملته أن بيع العبد الآبق لا يصح، سواء علم مكانه أو جهل، وكذلك ما في معناه الجمل الشارد، والفرس العائر وشبهها. وبهذا قال مالك، والشافعي وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.

وروي عن ابن عمر، أنه اشترى من بعض ولده بعيرًا شاردًا، وعن ابن سيرين: لا بأس ببيع الآبق إذا كان علمهما فيه واحدًا. وعن شريح مثله.

قال: ولنا ما روى أبو هريرة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. رواه مسلم، وهذا بيع غرر، ولأنه غير مقدور على تسليمه فلم يجز بيعه؛ كالطير في الهواء، ا. هـ. منه.

ص: 250

بِانْهِدَامِهِ، وعَدَمُ حُرْمَةٍ وَلَوْ لِبَعْضِهِ (1)، وَجَهْلٍ لِمَثْمُونٍ أوْ ثَمَنٍ ولو تَفْصِيلًا (2)؛ كَعَبْديْ رَجُلَيْنِ بِكَذَا، وَرِطْلٍ مِنْ شَاةٍ، وتُرَابِ صَائغٍ. وَرَدَّهُ مُشْتَرِيهِ وَلَوْ خَلَّصَهُ وَلَهُ الأجْرُ، لَا مَعْدِنَ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، وشَاةٍ قَبْلَ سَلْخِهَا، وحِنْطَةٍ فِي سُنْبُلٍ، وتِبْنٍ وإن بِكَيْلٍ وَقَتٍّ جِزافًا لَا مَنْفُوشًا، وزيت زيتون بِوَزْنٍ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ إلَّا أن يُخَيِّر. ودقيقِ حِنْطَةٍ وَصَاعٍ أوْ كُلِّ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ وَإنْ جُهِلَتْ، لَا مِنْهَا وأُرِيدَ البَعْضُ، وشاةٍ واستثناءِ أربعة أرْطَالٍ ولا يأخُذُ لَحْمَ غَيْرِهَا، وصُبْرَةٍ وثَمَرَةٍ واسْتِثْنَاءِ قَدْرِ ثُلُثٍ (3)، وجلْدٍ وسَاقِطٍ (4) بِسَفَرٍ فَقَطْ، وجُزء مُطْلَقًا، وتَوَلَّاهُ المُشْتَرِي وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الذَّبْحِ فِيهِمَا، بِخِلَافِ الأرْطَالِ، وخُيِّرَ فِي دَفْعِ رَأسٍ أوْ قيمَتِهَا وَهِيَ أعْدَلُ. وهل التخيير للبائعِ أو للمشْتَرِي؟ قَولَانِ. وَلَوْ مَاتَ ما اسْتُثْنِيَ مِنْهُ مُعَيَّنٌ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي جلْدًا أو سَاقَطا لَا لَحْمًا. وجِزَافٍ إنْ رِيءَ (5) وَلَمْ يَكْثُرْ جدًّا وجَهِلَاهُ وَحَزَرا واسْتَوَتْ

(1)

وقوله: وعدم حرمة ولو لبعضه، قال المواق: مشهور مذهب مالك أن الصفقة إذا جمعت حلالًا وحرامًا بطل جميعها، ا. هـ. ذلك أن المحرم منهي عنه، وقد تقدم لك أنه يشترط في المعقود عليه عدم نهي عنه.

(2)

وقوله وجهل بثمن أو مثمون ولو تفصيلًا، يعني أن من شروط البيع وصحته أن يكون معلوم العوضين من المتبايعين فإن جهل الثمن أو المثمون لم يصح البيع.

(3)

وقوله رحمه الله، وصبرة وثمرة واستثناء قدر ثلث، في الموطإ ما نصه: قأل مالك: ومن باع طعامًا جزافًا ولم يستثن منه شيئًا، ثم بدا له أن يشتري منه شيئًا، فإنه لا يصلح له أن يشتري منه شيئًا، إلا ما كان يجوز له أن يستثنيه منه؛ وذلك الثلث فما دونه، فإن زاد على الثلث صار ذلك إلى المزابنة وإلى ما يكره، فلا ينبغي له أن يشتري منه شيئًا إلا ما كان يجوز له أن يسْتَثْنيَ منه، ولا يجوز له أن يستثني منه إلا الثلث فما دونه، وهذا الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه عندنا، ا. هـ. منه. =

ص: 251

أرْضُهُ، ولم يُعَدَّ بلا مَشَقَّةٍ، وَلَم تُقْصَدْ أفرَادُهُ، إلَّا أنْ يَقِلَّ ثمَنهُ، لَا غَيْرِ مَرئيّ وإنْ مِلْءَ ظَرْفٍ وَلَوْ ثَانِيًا بَعْدَ تفْرِيغِهِ إلَّا فِي كَسَلَّةِ تِينٍ، وعَصَافِيرَ حَيَّةٍ بِقَفَصٍ وحَمَامَ بُرجٍ، وثِيَابٍ ونَقْدٍ إنْ سُكَّ؛ والتَّعَامُلُ بالْعَدَدِ وَإلَّا جَازَ، فإن عَلِمَ أحَدُهُمَا بِعِلْمِ الآخَرِ بِقَدْرِهِ خيِّرَ، وإنْ أعْلَمَهُ أوَّلًا فَسَدَ؛ كالمُغَنِّيَةِ، وجِزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ، أوْ أرْضٍ، وجِزَافِ أرْضٍ مع مَكِيلِه لَا مَعَ حَبٍّ، ويَجُوز جزافَانِ ومَكِيلَانِ، وجِزَافٌ مَعَ عَرْضٍ، وجِزَافَانِ عَلَى كَيْلٍ، إنِ اتَّحَدَ الكيْلُ والصِّفَة، ولَا يُضَافُ لجزافٍ عَلى كَيْلٍ غَيْرُة مُطْلَقًا، وجَازَ برُؤْيةِ بَعْضِ المِثْلِيِّ، والصِّوَانِ وعلى الْبَرْنَامجِ.

(4)

وقوله: وجلد وساقط، الساقط هو الرأس والأكارع فقط، وقد استدل الحطاب لذلك بما استدل به ابن يونس للمدونة، بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر اشتريا شاة في مسيرهما الى المدينة من راع وشرطا له سلبها، والسلب في اللغة، قال، يطلق على ذلك كما في القاموس، ا. هـ. منه.

(5)

وقوله: وجزاف أن ريء ألخ. الجزاف بيع الشيء واشتراؤه بلا كيل ولا وزن، وهو يرجع الى المساهلة، وهو فارسي معرب مثلث الجيم، وحده ابن عرفة بأنه بيع ما يمكن علم قدره دون أن يعلم، والأصل منعه، وخفف فيه فيما شق علمه وقل جهله، ا. هـ. الحطاب.

ومما جاء في جوازه نص الموطإ: ولا بأس بصبرة الحنطة بصبرة التمر، يدا بيد، وذلك أنه لا بأس أن تشترى الحنطة بالتمر جزافًا: قال مالك: وكل ما اختلف من الطعام والأدم فبان اختلافه فلا بأس أن يشترى بعضه ببعض جزافًا؛ كاشتراء بعض ذلك بالذهب والورق جزافًا. قال مالك: وذلك أنك تشتري الحنطة بالورِق حزامًا، والتمر بالذهب جزافًا، فهذا حلال لا بأس به. ا. هـ. منه.

وأخرج البيهقي في السنن الكبرى بسنده عن ابن عمر، قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه، متفق عليه. وفي البيهقي أيضًا بسنده عن ابن عمر، قال: رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تبايعوا الطعام جزافًا، يضربون أن =

ص: 252

وَمِنَ الأعْمَى، وبرؤْية لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا. وحَلَفَ مُدَّعٍ لِبَيْع بَرْنامِج أنَّ مُوَافَقَتَهُ لِلْمَكْتُوبِ، وَعَدَمُ دَفْعِ رَديء أوْ نَاقِصٍ، ولَقَاءِ الضِّفَةِ إنْ شُكَّ، وغَائبٍ ولَو بلا وصف عَلى خيارِه بالرُّؤْيَةِ (1) أوْ عَلَى يَوْمٍ، أوْ وَصَفَهُ غَيْرُ بائِعِهِ إنْ لَمْ يَبْعُدْ؛ كَخراسَانَ مِنْ إفْريقيَّةَ وَلَمْ تمكِنْ رُؤيتُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ والنَّقْدُ فِيهِ، ومَعَ الشَّرطِ فِي الْعَقَارِ، وضَمِنَهُ المُشْتَري. وَفِي غَيْرِهِ إنْ قَرُبَ كاليَوْمَيْنِ، وضَمِنَة بَائعٌ إلَّا لِشَرْطٍ أوْ مُنَازَعَةٍ. وقَبْضُة عَلَى المُشْتَرِي، وحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ ونَسَاء (2)، لَا دِينَارٌ وَدِرْهَمٌ أوْ غَيْرةُ بِمِثْلِهِمَا،

= يبيعوا مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم. قال البيهقي: متفق عليه.

والغرض من سوق هذه الأحاديث الإستدلال على جواز البيع بالجزاف. والله تعالى الموفق.

(1)

وقوله وغائب ولو بلا وصف على خياره بالرؤية، هذا مذهب المدونة ونص ما فيها: أرأيت سلعة اشتريتها غائبة عني، قد كنت رأيتها أو على الصفة، أيجوز هذا؟ قال: نعم ا. هـ. منه.

وقال الشوكاني في الكلام على النهي عن بيع ما ليس عندك، قال: ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ" أي ما ليس حاضرًا عندك، ولا غائبًا في ملكك وتحت حوزتك. ا. هـ. منه.

قال ابن رشد في المقدمات: وبيع السلعة الغائبة على الصفة خارج مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من بيع الغرر في مذهب مالك وجميع أصحابه، خلافًا للشافعي في قوله: إن الغائب لا يجوز بيعه على الصفة، لأنه لا عين مرئية ولا صفة مضمونة ثابتة في الذمة، وخلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن شراء الغائب على الصفة وعلى غير الصفة جائز، وللمبتاع خيار الرؤية إذا نظر إليها. وقد روي عن الشافعي مثل هذا القول، والصحيح ما ذهب إليه مالك رحمه الله وجميع أصحابه؛ من أن شراء الغائب على الصفة جائز، وذلك للمبتاع لازم إن وجد الغائب على الصفة التي وصف بها، لأن الصفة تقوم مقام الرؤية للموصوف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لَا تُنْعَتُ المَرأَةُ لِلزِّوْجِ حَتَّى كَأنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا". أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فقد شبه صلى الله عليه وسلم المبالَغة في الصفة بالنظر. وقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا

ص: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}

(1)

. قال: وجه الدليل من هذه الآية أن اليهود كانوا يجدون في إلتوراة نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، فكانوا يحدثون بذلك، ويستفتحون به على الذين كفروا، أي يستنصرون به على كفار العرب؛ يقول: اللهم آت بهذا النبي الذي يقتل العرب ويذلهم، لأنهم كانوا يرجون أن يكون منهم. فلما بعثه الله تعالى من العرب ولم يكن منهم حسدوه وكفروا به، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقالوا: ما جاء بشيء نعرفه، وما هو هذا الذي كنا نخبركم به. فأنزل الله الآية في تكذيبهم؛ قال:{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} وهم لم يعرفوه بغير الصفة التي وجدوها في التوراة، فدل على ثبوت المعرفة بالصفة، وذلك ما أردنا أن نحتج به، ا. هـ. من. بتصرف قليل.

قلت: وأصرح من هذه الآية في الدلالة على أنهم عرفوه بالصفة قوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ}

(2)

. ومعلوم أنه لا طريق الى معرفتهم به الا ما وجدوه من وصفه في التوراة، وبالله التوفيق.

فإذا تقرر عندك جواز بيع الغائب بالدليل، فهاك ما أتى به ابن عمنا وشيخ مشائخنا الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان في شرحه للمنهج المنتخب قال: فائدة: بيع الغائب لا يخلو من أن يكون دون وصفه، أو دون رؤيته، أو بوصفه أو برؤيته، وكلها إما مع بتٍ أو مع خيار، وكلها جائزة إلا بيعه دون وصف أو رؤية بغير خيار، ويمنع بيعه باللزوم إن بعُد بحيث يظن تغيره قبل الوصول إليه، ويمنع بيعه بالصفة باللزوم إن حضر مجلس العقد، والنقد يجوز فيه تطوعًا في كل شيء، إلا إذا بيع بالخيار فيمنع النقد في كل شيء، ويمنع اشتراط النقد إن وصف الغائب بائعه فقط أو بعد عن اليومين، أو كان فيه حق توفية، وهذا في غير العقار، وكذا في العقار إن وصفه من باعه فقط. انتهى من البناني وعبد الباقي، فهو حاصل كلامهما عند قول خليل: وغائب ولو بلا وصف، قال: وقد نظمت ذلك فقلت: =

(1)

سورة البقرة: 89.

(2)

سورة البقرة: 146.

ص: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= بيع لغائب في ست انحصر

بدون وصف أو به أو بنظر

وكلها مع بتٍّ أو خيار

تجوز لا الأولى بلا خيار

وامنع لما على اللزوم إن يغب

جدًا كبتٍّ ما بوصف إنْ قرب

بمجلس العقد ويُعدُه اجعله

ظن تغير قبيل الأخذ له

والنقد فيه جائز تطوعا

إنْ لم يُبَعْ خيارًا إلَاَ مُنِعا

كالشرط في غير العقار إنْ يصفْ

من باعَ قَطْ أو فَوْق يومين ألفْ

أو فيه حق توفية ربعٌ كذا

وصفه من باعَ قطْ لا غير ذا

ا. هـ. منه. بلفظه

(2)

وقوله: وحَرُم في نقد وطعام ربا فضل ونساء، الرِّبا في اللغة هو الزيادة. قال الله تعالى:{فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}

(1)

وقال تعالى: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}

(2)

أي أكثر عددًا، وقال تعالى:{فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً}

(3)

أي زائدة على الأخذات. وهو في الاصطلاح الشرعي زيادة في أشياء مخصوصة. وحكمه الشرعي أنه حرام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.

أما الكتاب فقوله تعالى في سورة البقرة {وَحَرَّمَ الرِّبَا} . وما بعدها من الآيات.

وأما السنة فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الرِّبا وموكله وشاهديه وكاتبه، متفق عليه. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبقَاتِ". قيل: يا رسول الله، ما هي؟ قال:"الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَق، وَأكْلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّولِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ". متفق عليه أيضًا.

وأجمعت الأمة على أن الربا محرم.

أما دليل حرمة ربا الفضل وربا النَّساء في النقد والطعام، فهو حديث عبادة بن الصامت أن =

(1)

سورة الحج: 5.

(2)

سورة الحاقة: 10.

(3)

سورة النحل: 92.

ص: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَب وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، وَلَا الْبِّر بِالْبُرِّ، وَلَا الشَّعِيرَ بالشَّعِيرِ، وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ، وَلَا الْمِلْحَ بِالْمْلحِ، الَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، يَدًا بِيَدٍ. وَلكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالبُرِّ، وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ، يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ، مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى". هذا لفظ البغوي وقال: هذا حديث صحيح. أخرجه مسلم من طريق أبي قلابة عن أبي الأشعث عن عبادة.

وعن مالك، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدَثانِ النَّصْريِّ، أخبره أنه الْتمس صرفًا بمائة دينار، قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله، فتراوضنا حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يقلبه في يده، قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر بن الخطاب يسمع، فقال عمر بن الخطاب: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه. ثم قال عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءً وَهَاءً، وَالْبُرَّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءً وهَاءً وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءً وَهَاءً، وَالشَّعِيرَ بالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءً وَهَاءً". قال البغوي: هذا حديث متفق على صحته. أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، وأخرجه مسلم عن قتيبة عن ليث، كلاهما عن ابن شهاب.

وعن مالك عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيبٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أكُلُّ تَمْرِ خَيْبرَ هكَذَا"؟. فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بِصاعين، والصاعين بالثلاث. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لَا تَفْعَلْ. بعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابتع بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا". متفق عليه.

وفي الموطإ: وقال، مالك الأمر المجتمع عليه عندنا، أن لا تباع الحنطة بالحنطة، ولا التمر بالتمر، ولا الحنطة بالتمر، ولا التمر بالزبيب، ولا الحنطة بالزبيب، ولا شيء من الطعام كله إلا يدًا بيد، فإن دخل شيئًا من ذلك الأجل لم يصلح وكان حرامًا. ولا شيء من الأدم كلها إلا يدًا بيد.

قال مالك: ولا يباع شيء من الطعام والأدم إذا كان من صنف واحد اثنان بواحد؛ فلا يباع مد حنطة بمدي حنطة، ولا مد تمر بمدي تمر، ولا مد زبيب بمدي زبيب، ولا ما أشبه ذلك من =

ص: 256

وَمؤخرٌ وَلَوْ قَرِيبًا أوْ غَلَبَةً، أوْ عَقَدَ وَوكَّلَ فِي الْقَبْضِ، أوْ غَابَ نَقْدُ أحَدِهِمَا وطَالَ، أوْ نَقْدَاهُمَا، أؤ بمُوَاعَدَةٍ أوْ بِدَيْنٍ إنْ تَأَجَّلَ وَإنْ مِنْ أحَدِهِمَا، أوْ غَابَ رَهْنٌ أوْ وَدِيعَةٌ وَلَوْ سُكَّ؛ كَمُسْتَأجِرٍ وَعَارِيَةٍ وَمَغْصُوبٍ إنْ صِيغَ إلَّا أنْ يَذْهَبَ فيَضْمَنُ قِيمَتَهُ كَالدَّيْنِ، وبتَصْدِيقٍ فِيهِ كمُبَادَلَةِ ربَوِيَّيْنِ، ومُقْرَضٍ ومَبيِعٍ لِأجْلٍ، ورَأسِ مَالِ سَلَمٍ وَمُعَجَّلٍ قَبْلَ أجَلِهِ، وبَيْعٌ وَصَرْفٌ (1) إلَّا أنْ يكُونَ الجمِيعُ دِينَارًا أوْ يَجْتَمِعَا فِيهِ، وسِلْعَةٌ بدِينارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ إنْ تَأَجَّلَ الْجَمِيعُ أو السِّلْعَةُ أوْ أحَدُ النَّقْدَيْنِ، بِخِلَافِ تأجِيلِهَمَا أوْ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ؛ كَدَرَاهِم مِنْ دنانير بِالْمُقَاصَّةِ ولَمْ يفْضُلْ شَيْء، وفِي الدِّرْهَمَيْنِ كَذَلِكَ، وَفِي أكْثَرَ، كالْبَيْعِ والصَّرْفِ، وصَائِغٌ يُعْطَى الزِّنَةَ والأجرَة (2) كزَيْتُونٍ وأُجْرَتِهِ لمَعْصَرَةٍ، بِخِلَافِ تِبْرٍ يُعْطِيهِ المُسَافِرُ وأُجْرَتَهُ دَارَ الضَّرْبِ لِيَأْخُذَ زِنَتَهُ والْأظْهَرُ خِلَافُهُ، وبِخِلَافِ دِرْهَمٍ بِنِصْفٍ، وَفُلُوسٍ أوْ غَيْرِهِ فِي بَيْعٍ وسُكَّا واتَّحَدَتْ وَعُرِفَ الْوَزْنُ وانْتُقِدَ الْجَمِيعِ؛ كدِينارٍ إلَّا دِرْهَمَيْن وإلَّا فَلَا. وَرُدَّتْ زيَادَةٌ بعْدَهُ لِعَيْبِهٍ لَا لِعَيْبِهَا، أوْ إلَّا أنْ يُوجِبَهَا، أوْ إن عُيِّنَتْ، تأويلَاتٌ.

= الحبوب والأدم كلها إذا كان من صنف واحد، وإن كان يدًا بيد، إنما ذلك بمنزلة الورِق بالورِق والذهب بالذهب، لا يحل في شيء من ذلك الفضل، ولا يحل إلا مِثْلًا بمثل يدًا بيد. قال مالك: وإذا اخْتَلَفَ مَا يُكَال أوْ يُوزَنُ مِمَّا يؤكَلُ أو يُشْرب فبان اختلافه، فلا بأس أن يؤخذ منه اثنان بواحد يدًا بيد؛ فلا بأس أن يؤخذ صاع من تمر بصاعين من حنطة، وصاع من تمر بصاعين من زبيب، وصاع من حنطة بصاعين من سمن، فإذا كان الصنفان من هذا مختلفين فلا بأس باثنين منه بواحد أو أكثر من ذلك يدًا بيد، فإن دخل في ذلك الأجل فلا يحل، ا. هـ. منه.

(1)

وقوله: وبيعٌ وصرفٌ، أي وحرم أن يجمع بين بيع وصرف في عقد واحد. وهذا بناء على شطر القاعدة الفقهية: هل يتعدد العقد بتعدد المعقود عليه، أولا؟. كما إذا وقع العقد على=

ص: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= صفقة واحدة؛ بعضها يحل بيعه وبعضها يحرم بيعه، فهل يمضي في الحلال دون الحرام بناء على تعدد العقد بتعدد المعقود عليه؟. أم يرد الجميع بناء على الشطر الثاني؟. وتقدم للمصنف المشي على شطر القاعدة الثاني بقوله: وعدم حرمة ولو لبعضه.

قلت: ولأجل ترجيحهم لشطر القاعدة الثاني- الذي هو عدم تعدد العقد بتعدد المعقود عليه- ذكر الفقهاء ستة عقود لا يمكن جمعها مع البيع لاختلاف أحكامها مع أحكامه، وهي: الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض. قالوا: والسلف.

وقد أشار علي الزقاق في المنهج المنتخب إلى هذه القاعدة بقوله:

............ هل يُعَدَّدُ

عقد بمعقود له تعدُّدُ

كالحل مَعْ حُرْمٍ بصفقة جُمعْ

والبيع مع شِقْصٍ مُجَنَّسٍ سُمعْ

فقوله: والبيع مع شقص

ألخ يشير به إلى أنه يبنى على القاعدة المذكورة: ما لو اجتمع البيع مع عقد آخر في صفقة؛ كاجتماع البيع والشركة، وأشار لها بالشين من "شقص". والبيع والقراض، وأشار اليه بالقاف من الكلمة المذكورة، واجتماع البيع والصرف، وأشار إليه بالصاد، واجتماع البيع والمساقاة، وأشار إليها بالميم من قوله:"مجنس" واجتماع البيع والنكاح، وأشار إليه بالنون منها، واجتماع البيع والجعل وأشار إليه بالجيم، واجتماع البيع والسلف وأشار اليه بالسين.

قال شيخ مشايخنا الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني في شرح المنهج: والمختار من الخلاف أنه إن كان مناب الحلال معلومًا بأول وهلة، صح القول بالجواز، وإلا امتنع؛ لأنه حينئذ يكون العقد وقع على غرر. قال: وكان الأولى أن لا يذكر السلف لأنه لا يجتمع مع غيره من عقود المعاوضات. وقال الشيخ: في البناني ما يقتضي أنها لا يجتمع منها اثنان في عقد ولفظه:

عقود منعنا اثنين منها بصفقة

لكون معانيها معا تتفرق

فجعلٌ وصرفٌ والمساقاة شركة

نكاح قراض منع هذا محقق

ا. هـ =

ص: 258

وَإنْ رَضِيَ بِالْحَضْرَةِ بِنَقْص وَزْنٍ أَوْ بِكَرَصَاصٍ بالْحَضْرَةِ، أوْ رَضِيَ بإتْمَامِهِ، أوْ بِمَغْشُوشٍ مُطْلَقًا صَحَّ وَأجْبِرَ عَلَيْهِ إنْ لَّمْ تُعَيَّنْ، وإنْ طَالَ نُقِضَ إنْ قَامَ بِهِ كنَقْضِ الْعَدَدِ، وَهَلْ مُعَيَّنُ مَا غُشَّ كَذلِكَ أوْ يَجُوزُ فِيهِ الْبَدَلُ؟ تَرَدُّدٌ، وَحَيْثُ نُقِضَ فأصْغَرُ دِينَارٍ إلَّا أنْ يَتَعَدَّاهُ فَأَكْبَرُ مِنْهُ، لَا الْجَمِيعُ، وَهَلْ وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ دِينَارٍ؟ تَرَدُّدٌ. وهَلْ يَنْفَسِخُ فِي السِّكَكِ أعْلَاهَا أو الْجَمِيعُ؟ قَوْلَان. وشُرِطَ لِلْبَدَلِ جِنْسِيَّةٌ وتَعْجِيلٌ وإنْ اسْتُحِقَّ مُعَيَّنٌ سُكَّ بَعْدَ مُفَارَقَةٍ أوْ طُوَلٍ، أوْ مَصُوغٌ مُطْلَقًا، نُقِضَ، وَالأصَحُّ وَهَلْ إنْ تَرَاضَيَا؟ تَرَدُّدٌ. ولِلْمُسْتَحِقِّ إجازَتُهُ إنْ لَمْ يُخْبِر الْمُصْطَرِفُ، وجازَ مُحَلىًّ وَإنْ ثَوْبًا يَخْرُجُ مِنْهُ إِنْ سُبِكَ بأَحَدِ النَّقْدَيْنِ إنْ أُبِيحَتْ وسُمِّرَتْ، وعُجِّلَ مُطْلَقًا، وبِصِنْفِهِ إنْ كَانَتِ الثُّلُثَ، وَهَلْ بِالْقِيمَةِ أوْ بِالْوَزْنِ؟ خِلَافٌ، وإنْ حُلِّيَ بِهِمَا لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا

= (2) وقوله: وصائغ يعطى الزنة والأجرة، أي وحرم معاقدة صائغ. وفسرها بأنه يعطى الزنة من الدنانير أو الدراهم لحلي مصوغ عنده أو لسبيكة ذهب أو فضة عنده، يصوغها حليًا ويعطى الأجرة لصياغته. قال الحطاب: لا يجوز أن يشتري الشخص من الصائغ فضة بوزنها فضة، ويدفعها له يصوغها ويزيده الأجرة. كما لا يجوز أن يراطل الشيء المصوغ بفضة ويزيده الأجرة. ا. هـ. منه.

ودليله ما رواه مالك عن حميد بن قيس المكي عن مجاهد، قال: كنت أطوف مع عبد الله ابن عمر، فجاءه صائغ فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل في ذلك قدر عمل يدي؟. فنهاه. فجعل الصائغ يردد عليه المسألة فقال عبد الله: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم. أخرجه البغوي، وهو في الموطإ، وأخرجه الشافعي في الرسالة. وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار، أن معاوية باع سقاية من ذهب أو من ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلًا بمثل. قال معاوية: ما أرى بهذا بأسًا. فقال أبو الدرداء:=

ص: 259

إلَّا إنْ تَبِعَا الْجَوْهَرَ، وجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيل المَعْدُودِ دُونَ سَبْعَةٍ بأوْزَنَ مِنهَا بسُدُسٍ سُدُسٍ، والأجْوَدُ أنقَصَ أوْ أجْوَدَ سِكَّةً مُمْتَنعٌ وإلَّا جَازَ، ومُرَاطَلَةُ عَيْنٍ بِمِثْلِهِ بصَنْجَةٍ أوْ كفَّتَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يُوزَنَا عَلى الأرْجَحِ، وَإنْ كَانَ أحَدُهُمَا أوْ بَعْضُهُ أَجْوَدَ لَا أدْنَى وأجْوَدُ، والأكْثَرُ عَلى تَأويلِ السِّكَّةِ والصِّياغَةِ كَالْجَوْدَةِ. ومَغْشُوشٌ بِمِثْلِهِ وبِخَالِصٍ والأظْهَرُ خِلَافُهُ لمَنْ يَكْسِرُهُ أوْ لَا يغُشُّ بهِ، وكُرِهَ لمَنْ لَا يُؤْمَنُ، وفُسِخَ مِمَّنْ يَغُشُّ إلَّا أنْ يَفُوتَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ أو يَتَصَدَّقُ بالْجَمِيعِ، أوْ بِالزَّائِدِ، على مَنْ لا يَغُشُّ؟ أقْوَالٌ. وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وأفْضَلَ صِفَةً وإنْ حَلَّ الأجَلُ بأقَلَّ صِفَةً وَقَدْرًا لَا أزْيَدَ عَدَدًا أوْ وَزْنًا إلَّا كرُجْحَانِ مِيزانٍ أوْ دَارَ فَضْلٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنَ الْعَيْنِ كَذلِكَ، وجَازَ بأكْثَرَ ودَارَ الْفَضْلُ بِسِجَّةٍ وصِياغَةٍ وجَوْدَةٍ. وَإنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالْمِثْلُ، أوْ عُدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الاسْتِحْقَاقِ والْعُدْم، وتُصُدِّقَ بِمَا غُشَّ وَلَوْ كَثُرَ إلَّا أنْ يكون اشْتَرَى كَذلِكَ إلا الْعَالِمَ لِيَبيعَهُ؛ كَبَلً الخُمُر بالنَّشَاءِ، وسَبْكِ ذَهَبٍ جَيِّدٍ بِرِدِيء وَنَفْخِ اللحم.

= من يعذُرني من معاوية؛ أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخبرني عن رأيه. لا أساكنك بأرض أنت بها.

ثم قدم أبو الدرداء على عمر فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: لا تبع ذلك إلا مثلًا بمثل وزنًا بوزن. ا. هـ. وحديث الموطإ هذا أخرجه البغوي بسنده إلى مالك وإسناده صحيح.

قال البغوي: وفي الحديث دليل على أنه لو باع حليًا من ذهب بذهب، لا يجوز إلا متساويين في الوزن، ولا يجوز طلب الفضل للصنعة؛ لأنه يكون بيع ذهب بذهب مع الفضل. ا. هـ. منه. والله الموفق.

ص: 260

‌فَصْلٌ

عِلَّةُ طَعَام الرِّبَا اقْتِيَاتٌ وادِّخَارٌ (1). وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ؟ تأويلَانِ. كحبٍّ، وشعيرٍ، وسُلْتِ؛ وهي جنس (2).

(1)

وقوله علة طعام الربا اقتيات وادخار، في الموطإ: قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن من ابتاع شيئًا من الفاكهة من رطبها أو يابسها، فإنه لا يبيعه حتى يستوفيه، ولا يباع شيء منها بعضه ببعض، إلا يدًا بيد، وما كان منها مما يبس فيصير فاكهة يابسة يدخر وتؤكل، فلا يباع بعضه ببعض إلا يدًا بيد ومثلًا بمثل، إذا كان من صنف واحد، فإن كان من صنفين مختلفين فلا بأس أن يباع منه اثنان بواحد يدًا بيد، ولا يصلح إلى أجل، وما كان منها لا ييبس ولا يدخر إنما يؤكل رطبًا؛ كهيئة البطيخ، والقثاء، والخربز، والجزر، والأترج والموز والرمان وما كان مثله، وإن يبس لم يكن فاكهة بعد ذلك، وليس هو مما يدخر ويكون فاكهة، قال: فأراه خفيفًا أن يؤخذ منه من صنف واحد اثنان بواحد يدًا بيد، فإذا لم يدخل الأجل في شيء منه فإنه لا بأس به. ا. هـ. منه.

قال البغوي: اتفق أهل العلم على أن الربا يجري في هذه الأشياء الستة التي نص عليها الحديث، وذهب عامة أهل العلم إلى أن حكم الربا غير مقصود عليها بأعيانها، إنما ثبت لأوصاف فيها، ويتعدى إلى كل مال توجد فيه هذه الأوصاف، ثم اختلفوا في هذه الأوصاف؛ فذهب قوم إلى أنَّ المعنى في جميعها واحد، وهو النفع، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الربا ثبت في الدراهم والدنانير بوصف، وفي الأشياء المطعومة بوصف آخر، واختلفوا في ذلك الوصف، فقال: قوم: ثبت في الدراهم والدنانير بوصف النقدية. وبه قال مالك والشافعي. وقال قوم: ثبت بعلة الوزن. وهو قول أصحاب الرأي حتى قالوا: يثبت الرِّبا في جميع ما يباع وزنًا في العادة؛ مثل الحديد والنحاس والقطن ونحوها. قال: وأما الأشياء الأربعة المطعومة، فذهب قوم إلى أن الربا ثبت فيها بوصف الكيل أو الوزن؛ فكل مطعوم هو مكيل أو موزون يثبت فيه الرِّبا. وهو قول سعيد بن المسيب قال: لا ربا إلا في ذهب أو ورق أو ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب. وقاله الشافعي قديمًا، وقول مالك قريب منه، وقال في الجديد: يثبت فيها الربا بوصف الطعم. وأثبت الربا في جميع الأشياء المطعومة؛ مثل الثمار والفواكه والبقول والأدوية، سواء كانت مكيلة أو موزونة أو لم

ص: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تكن، وذلك لما روي عن معمر بن عبد الله. قال: كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامُ مِثْلًا بِمِثْلٍ". فالنبي صلى الله عليه وسلم علق الحكم باسم الطعام، وهو اسم مشتق من الطعم. ا. هـ. منه.

أما أهل الظاهر فقد قصروا الربا على هذه المسميات لنفيهم القياس. وعلل مالك الحكم بكل ما يقتات ويدخر؛ فالمقتات هو الذي تقوم به البنية، والمدخر هو الذي لا يفسده التأخير إلا أن يخرج عن العادة.

قال الحطاب: تخصيصه في الحديث الأربعة المذكورة بالذكر لينبه بالبُر على كل مقتات في حال الرفاهية وتعم الحاجة إليه، وبالشعير على كل مقتات في حالة الشدة كالدخن والذرة، وعلى أنه لا يخرج عن الاقتيات وإن انفرد بصفة أخرى لكونه علفًا، وبالتمر، على كل ما يقتات وفيه حلاوة ويستعمل فاكهة في بعض الأمصار كالزبيب والعسل، وبالملح على كل ما يصلح القوت وإن كان لا يستعمل منه إلا القليل.

(2)

وقوله: كحب وشعير وسلت وهي جنس، قال الحطاب: لما كان اختلاف الجنسية يبيح التفاضل لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ". احتاج إلى بيان ما هو نجس واحد وما ليس كذلك، ولم يفعل رحمه الله، بل جمع ذلك للاختصار. قال ابن الحاجب: والمعتمد في اتحاد الجنسية على تقارب المنفعة أو استوائها.

قال في التوضيح: إذا كان الطعامان يستويان في المنفعة كأصناف الحنطة أو يتقاربان كالقمح والشعير، كانا جنسًا، وإن تباينا كالتمر مع القمح كانا جنسين. والمنصوص في المذهب أن القمح والشعير جنس واحد لتقارب المنفعة. وقال مالك في الموطإ بعد أن ذكر ذلك عن جماعة من الصحابة: إنه الأمر عندنا. وقال المازري في المعلم: لم يختلف المذهب أنهما جنس واحد.

وقال السيوري وتلميذه عبد الحميد: هما جنسان. واختاره ابن عبد السلام لظاهر الحديث، أعني قوله صلى الله عليه وسلم:"فَإذَا اخْتَلَفَتْ هذِهِ الْأجْنَاسُ". الحديث.

قلت: الذي ذكره مالك عن بعض الصحابة في الموطإ في هذا الشأن منه: أنه بلغه أن سليمان ابن يسار قال: فني علف حمار سعد بن أبي وقاص فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك فابتع بها=

ص: 262

وَعَلَسٍ، وأرُزَ، ودُخْنٍ وذُرَةٍ وَهِي أجْنَاسٌ، وقِطْنيَّةٍ ومِنْهَا كُرْسَنَّةٌ وَهِي أجْنَاسٌ، وتَمْرٍ وزَبِيبٍ ولَحْمِ طَيْرٍ وهُوَ جِنْسٌ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ؛ كَدَوَابِّ الْمَاءِ، وذَوَاتِ الأربَعِ وإنْ وحْشِيًّا، والجَرَادِ وفِي ربَوِيَّتِهِ خِلَافٌ، وفِي جِنْسِيَّةِ المَطْبُوخ مِنْ جِنْسَيْنِ قَوْلَانِ. والمرقُ والعَظْمُ والجِلْدُ كَهُوَ، ويُسْتَثْنَى قِشْرُ بَيْضِ الَنَّعَامِ، وذو زيتٍ كَفُجْلٍ والزيُوتُ أصْنَافٌ كالعُسُولِ لا الْخُلُولِ والأنْبِذَةِ والأخْبَازِ، وَلَوْ بَعْضُهَا قِطْنِيَّةً إلَّا الْكَعْكَ بأبْزارٍ وبَيْضٍ وسُكَرٍ وعَسَلٍ ومُطْلَقِ لَبَنٍ وَحُلْبَةٍ، وَهَلْ إنْ اخْضَرَّتْ تَرَدُّدٌ. ومُصْلِحُهُ كَمِلْحٍ وبَصَلٍ وَثُومٍ وتَابَلٍ كَفُلْفُلٍ وكُزْبَرَةٍ وكَرَاوِيَا وَأنِيسُونٍ وَشَمَارٍ وكمُّونَيْنِ وَهِيَ أجْنَاسٌ، لَا خَرْدَلٍ وزعْفَرانٍ وخُضرٍ ودَواء وتِينٍ ومَوْزٍ وَفَاكِهَةٍ وَلَوْ ادُّخِرَتْ بِقُطْرٍ؛ كبُنْدُقٍ وبَلَح إنْ صَغُرَ، ومَاء، ويَجُوزُ بِطَعَامٍ لأجَلٍ، والطَّحْنُ والْعَجْنُ والصَّلْق، إلَّا التُّرْمُسَ، والتنبيذُ لَا يَنْقُلُ بِخِلَافِ خَلِّهِ وطَبْخِ لَحْمٍ بأبْزَارٍ وشَيِّهِ وتَجْفِيفِهِ بِهَا.

والخَبْزِ وقَلْيِ قَمْحٍ وسَوِيقٍ وسَمْنٍ، وجَازَ تَمْرٌ ولَوْ قدُمَ بتَمْرٍ، وحَلِيبٌ ورُطَبٌ ومَشْوِيٌّ وقَدِيدٌ وعَفِنٌ وزُبْدٌ وسَمْنٌ وَجُبْنٌ وَأقِطٌ بِمِثْلِهَا، وزيتونٍ ولَحْمٍ لا رَطْبِهِمَا بِيَابِسِهِمَا، ومَبْلُولٍ بِمِثْلِهِ، وَلَبَنٍ بِزُبْدٍ إلَّا أنْ يُخْرَجَ زُبْدُهُ.

= شعيرًا ولا تأخذ إلا مثله. وحدثني عن مالك أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فني علف دابته فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك طعامًا فابتع بها شعيرًا ولا تأخذ إلا مثله. وحدثني عن مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد عن ابن معيتيب الدَّوسي مثل ذلك. قال مالك: وهو الأمر عندنا. ا. هـ. منه. بلفظه.

ولكنَّ الذي يؤيده الدليل أن البرُ والشعير جنسان تجوز مفاضلتهما يدًا بيد؛ ذلك أن عبادة بن الصامت العقبي البدري روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تَبِيعوُا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَلَا الشَّعِيرَ بالشَّعِيرِ، وَلَا التَّمْر بِالتَّمْرِ، وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ، إِلَّا سَوَاءً

ص: 263

وَاعْتُبِرَ الدَّقِيقُ فِي خُبْزٍ بِمِثْلِهِ كَعَجِينٍ بِحِنْطَةٍ أوْ دَقِيقٍ، وَجَازَ قَمْحٌ بِدَقِيقٍ، وَهَلْ إنْ وُزِنَا تَرَدُّدٌ. واعْتُبِرَتِ المُمَاثَلَةُ بِمِعْيَارِ الشّرع وَإلاَّ فبالعَادَةِ، فَإِنْ عَسُرَ الوَزْنُ جَازَ التَّحَرِّي إنْ يُقْدَرْ عَلى تَحَرِّيهِ لَكَثْرَتِهِ، وَفَسَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إلاَّ لِدَلِيلٍ (1) كَحَيَوَانٍ بِلَحْمِ جِنْسِهِ إنْ لَّمْ يُطْبَخْ (2)، أوْ بِمَا لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ، أوْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلاَّ اللَّحْمَ. أوْ قَلَّتْ، فَلَا يجُوزُ طعَام لأجَلٍ؛ كَخَصِيِّ ضَأنٍ، وَكَبَيْعِ الْغَرَرِ (3)؛ كَبَيْعِهَا بِقِيمَتِهَا أوْ عَلى حُكْمِهِ أوْ حُكْمِ غَيْرٍ أوْ رِضَاهُ أوْ تَوْلِيَتِكَ سِلْعَةً لَمْ يَذْكُرْهَا، أوْ ثَمَنَهَا، بإلْزَامٍ، وكَمُلَامَسَةَ الثَّوْب أوْ مُنَابَذَتِهِ (4) فَيَلْزَمُ، وَكَبَيْعِ الحَصَاةِ (5)، وَهَلْ هُوَ بَيْعُ مُنْتَهَاهَا أوْ يَلْزَمُ بِوُقُوعِهَا، أوْ عَلى مَا تَقَعُ عَلَيْهِ بلَا قَصْدٍ، أوْ بِعَدَدِ ما يَقَعُ؟ تَفْسيرَاتٌ.

بِسَوَاءٍ، عَيْناً بعَيْنٍ، يَداً بِيَدٍ، وَلكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بَالْبُرِّ، وَالتَّمْرِ بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ، يَداً بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ". وفي رواية:"مَنْ زَادَ أَو ازْدَادَ فَقَدْ أَربَى". قال البغوي: وروي هذا الحديث من طرق عن محمد بن سيرين، عن مسلم بن يسار، وعبد الله بن عتيك عن جابر. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من طريق أبي قلابة عن أبي الأشعث عن عبادة ابن الصامت. وقال شعيب: أخرجه الشافعي، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. فإذا علمت، فأعلم أن الأسوة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بما يقول مالك أنه بلغه عن بعض الصحابة. وبالله تعالى التوفيق.

لطيفة: ذكر الحطاب أن عبد الحميد الصائغ حلف بالمشي إلى مكة أنه لا يفتي بقول مالك في ثلاث مسائل: إحداها هذه، والثانية: خيار المجلس، والثالثة التدمية البيضاء. انتهى، والله هو ولي التوفيق.

(1)

قَوْلُهُ: وفسد منهي عنه إلا لدليل، المذهب عند أصحابنا أن مطلق النهي عن العقد يدل على فساده، إلا أن يدل الدليل على خلافه، فهو فاسد سواء كان فاسداً لذاته، كخنزير ودم، أو لصفته كخمر، أو لخارج عنه لازمِ له، كصوم يوم العيد المستلزم الإعراض عن مائدة الله، =

ص: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وكالصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها المستلزم التشبيه بمن يسجد لها أو للشيطان الذي يدني رأسه منها. وخالف النعمان في الحرام لوصفه قال: هو صحيح في أصله حرام لوصفه؛ كالدرهم بالدرهمين. يقول: البيع لازم والزيادة مردودة لأنها حرام.

فالبطلان والفساد عند أصحابنا والجمهور، مترادفان، وعند النعمان: الباطل في الحرام لذاته، والفاسد في الحرام لوصفه. قال في مراقي السعود.

وقابلِ الصحةَ بالبطلان

وهو الفساد عند أهل الشان

وخالفِ النعمانَ فالفساد

ما نهبه بالوصف يستفاد

ودليل فساد المنهي عنه قوله تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}

(1)

. وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

(2)

. وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذَا نَهَيْتكُمْ فَانْتَهُوا".

(2)

وقوله: كحيوان بلحم جنسه إن لم يطبخ، قال الحطاب: روى مالك في مراسيل سعيد ابن المسيب عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان. قال ابن عرفة: قال أبو عمر: لا أعلمه يتصل من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد هذا. ا. هـ.

وقال ابن عبد السلام عن ابن المسيب. من ميسر الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتِين. قال أبو الزناد: قلت لابن المسيب: أرأيت رجلًا يشتري شارفًا بعشر شياه؟. فقال: إن كان اشتراها لينحرها فلا خير في ذلك. قال أبو الزناد: وكان من أدركت ينهون عن بيع اللحم بالحيوان.

قال: وكان ذلك يكتب في عهود العمال في زمان أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل ينهون عن ذلك. ا. هـ. منه بلفظه.

ولفظ الحديث عام في كل لحم بحيوان، ولكن الإمام مالكًا ليس محمولًا عنده على عمومه، بل مخصوص عنده ببيع اللحم بنوعه من الحيوان؛ لأن بيع اللحم بالحيوان بيع معلوم بمجهول من =

(1)

سورة الحشر 7.

(2)

سورة النور 63.

ص: 265

وَكَبَيْعَ ما فِي بُطُونِ الْإبِلَ أوْ ظُهُورِهَا، أوْ إلَى أنْ يُنْتجَ النِّتَاجُ؛ وَهْي

= جنسه فهو من المزابنة، وهي إنما تمتنع في الجنس الواحد.

وأخرج البغوي بسنده عن الشافعي؛ أنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزَّة قال: قدمت المدينة فوجدت جزورًا قد جزئت أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال لي رجل من أهل المدية: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع حي بميت.

قال: فسألت عن ذلك الرجل فأخبرت عنه خيرًا، ا. هـ.

قال شعيب: هذا الحديث ضعيف؛ علته ضعف مسلم بن خالد، وتدليس ابن جريج.

قال البغوي: اختلف أهل العلم في بيع اللحم بالحيوان؛ فذهب جماعة من الصحابة إلى تحريمه. روي ذلك عن ابن عباس؛ أن جزورًا نحرت على عهد أبي بكر الصديق، فجاء رجل بعناق فقال: اعطوني جزءًا بهذا العناق. فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. ا. هـ.

قال شعيب: إسناده ضعيف لضعف ابراهيم بن أبي يحيى، ولاختلاط صالح مولى التوأمة.

قال البغوي: وكان القاسم بن محمد، وابن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلًا وآجلًا. وقال أبو الزناد، كل من أدركته ينهون عن بيع اللحم بالحيوان. وهذا قول الشافعي، سواء كان اللحم من جنس ذلك الحيوان أو من غير جنسه، كان الحيوان مما يؤكل لحمه أولا.

وذهب جماعة إلى إباحة بيع اللحم بالحيوان واختار المزني جوازه إذا لم يثبت الحديث، قال: لأن الحيوان ليس من مال الربا؛ بدليل أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين؛ فبيع اللحم بالحيوان إذًا بيع مال الربا بما لا ربا فيه، فيجوز ذلك بالقياس، إلا أنْ يثبت الحديث فنأخذ به وندع القياس. انتهى منه بتصرف قليل.

(3)

وقوله: وكبيع الغرر، قال المازري: بيع الغرر ما تردد بين السلامة والعطب. ودليل النهي عن بيع الغرر حديث أبي هريرة عند مسلم: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. قال البغوي: والغرر هو ما خفي عليك علمه، مأخوذ من قولك: طويت الثوب على غَرِّه. أي على كسره الأول. وقيل: هو من الغرور؛ لأن ظاهره بيع يسر وباطنه مجهول يغر. قال: ولهذا. سمي الشيطان غَرورًا؛ لأنه يحمل الإنسان على ما تحبه نفسه ووراءه ما يسوؤه. فكل بيع كان =

ص: 266

الْمَضَامِينُ والْمَلَاقِيحُ وَحَبَلُ الحَبَلَةِ (1)، وكَبَيْعِهِ بالنَّفَقَةِ عَلَيهِ حَيَاتَهُ، وَرَجَعَ بِقِيمَةِ مَا أنْفَقَ أوْ بمِثْلِهِ إنْ عُلِمَ وَلَوْ سَرَفًا عَلى الْأرْجَحِ، وَرُدَّ إلَّا أنْ يَفُوتَ، وكَعَسِيب الْفَحْلِ يُستَأجَرُ عَلى عَقُوقِ الأُنْثَى (2)، وَجَازَ زَمَانٌ أوْ مَرَّات فإنْ أعَقَّتَ انْفَسَخَتْ، وَكَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ (3) يبيعُهَا بإلْزَامٍ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أوْ أكْثَرَ إلى أجَلٍ، أو سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إلاَّ بِجَوْدَةٍ ورَدَاءَةٍ، وإن اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا، لَا طَعَام وَإنْ مَعَ غَيْرِهِ؛ كنَخْلَةٍ مُثْمِرَةٍ مِنْ نَخَلاتٍ، إلَّا الْبَائعَ يَسْتَثْنِي خَمْسًا مِنْ جِنَانِهِ، وَكَبَيْعِ حَامِل بِشَرْطِ الْحَمْلِ، واغْتُفِرَ غَرَرٌ يَسِيرٌ لِلْحَاجَةِ لم يُقْصَدْ، وكَمُزَابَنَةِ مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ (4) أو بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَجَازَ إن كَثُرَ أحَدُهما فِي غيرِ رِبَوِيٍّ، ونُحَاسٌ بتَوْرٍ، لَا فُلُوسٍ، وَككالئٍ بمِثْلِهِ فَسْخُ مَا في الذِّمَّة فِي مُؤخَّرٍ وَلَوْ مُعَيَّنًا يَتَأخَّرُ قَبْضُهُ (5)؛ كَغَائِب وَمُوَاضَعَةٍ أَوْ منافعَ عَيْنٍ، وبْيُعُهُ بِدَيْنٍ،

= المعقود عليه فيه مجهولًا، أو معجوزًا عنه غير مقدور عليه فهو غرر؛ مثل بيع الطير في الهواء، والبعير الشارد، والعبد الآبق، والسمك في الماء، والحمل في البطن. وحكمه الفساد للجهل بالمبيع والعجز عن تسليمه، ا. هـ. منه.

(4)

وقوله: وكملامسة الثوب ومنابذته، وذلك لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما؛ كما رواه أبو سعيد الخدري قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لِبْستيْن وعن بيعتين: نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع. والملامسة: لمسُ الرجل ثَوْبَ الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يَقِلِبُه إلا بذلك. والمنابذة: أن ينْبِذَ الرجل إلى الرجل بثويه، وينبِذَ الآخر ثوبه، ويكون ذلك بيعهما، عن غير نظر ولا تراض. الحديث المتفق عليه.

(5)

وقوله: وكبيع الحصاة، دليل النهي عنه ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر، وبيع الحصاة أن يقول الرجل البائع للمشتري: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع بيني وبينك. وقيل: الحصاة أن يرمي بحصاة في قطيع من الغنم ويقول: أي شاة أصابتها الحصاة كانت مبيعة منك. ا. هـ. البغوي.

(1)

وقوله: وكبيع ما في بطون الإِبل أو ظهورها، أو إلى أن ينتج النتاج؛ وهي المضامِينُ =

ص: 267

وَتأُخِيرُ رَأْسَ مَالَ سَلَمٍ، ومُنعَ بَيْعُ دَيْنِ مَيِّتٍ أوْ غائِبٍ ولَوْ قَرُبَتْ غيْبَتُهُ، وحَاضِرٍ إلَّا أنْ يُقِرَّ.

= والملاقيح وحبل الحبلة، قال في الموطإ: مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة؛ وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية؛ كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها. ا. هـ. وعن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان، وإنما نُهِيَ من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة.

والمضامين: بيع ما في بطون الإناث من الإبل. والملاقيح بيع ما في ظهور الجمال. ا. هـ. منه.

قال البغوي: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم؛ أن بيع نتاج النتاج لا يجوز لأنه معدوم مجهول، وكان من بيوع أهل الجاهلية، ولولاع بشيء معلوم إِلى نتاج الدابة أيضًا فباطل. ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: وكعسيب الفحل يستأجر على عقوق الأنثى، قال الحطاب: الظاهر أن عقوق -بفتح العين- قال في جواهر الإكليل: فيه نظر لأن المصادر الآتية على وزن فعول -بفتح العين- خمسة وهي: القبول، والوقود، والولوع، والطهور، والوضوء، وما عداهن بالضم؛ كالدخول والخروج. وجاء في صحيح البخاري: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسيب الفحل، قال الجوهري: هو الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل.

قال البغوي: العسب هو ضراب الفحل، ويروى: نهى عن شبر الجمل وهو الضراب أيضًا.

والمراد من النهي هو الكراء الذي يؤخذ على ضرابه، كما صرح في حديث جابر أنه نهى عن بيع ضراب الجمل. فعبر بالعسب عن الكراء لأنه سبب فيه، لأن نفس الضراب والانزاء غير حرام؛ لأن فيه بقاء النسل، قال: وأراد به أنه لو استأجر فحلًا للانزاء لا يجوز لما فيه من الغرر؛ لأن الفحل قد يضرب وقد لا يضرب، وقد تلقح الأنثى وقد لا تلقح، فذهب إِلى تحريمه أكثر الصحابة والفقهاء.

ورخص فيه الحسن، وابن شرين، وعطاء، وهو قول مالك قال: لأنه من باب المصلحة، ولو منع منه لانقطع النسل، وهو كالاستئجار للإرضاع وتأبير النخل.

قلت: رخص مالك في إِجارته زمانًا معلومًا؛ كيوم أو أسبوع أو مرات معدودة؛ كثلاث مرات=

ص: 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= أو أربع، ولذلك قال المصنف: وجاز زمان أو مرات، فإن أعَقَّت انفسخت، أي فإن حملت الأنثى - ويعلم ذلك منها بإعراضها عن الفحل - انفسخت الإجارة وكان لصاحب الأنثى ما بقي من الزمن، أي في مقابله من الأجرة أو ما بقي من المرات.

قال البغوي: وأما إعارة الفحل للانزاء وإطراقه فلا بأس به، ثم لو أكرمه المستعير بشيء فإنه يجوز له قبول كرامته؛ فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما حق الإبل؟. قال: "حَلْبُهَا عَلَى الْمَاء، وَإعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا" رواه مسلم.

(3)

وقوله: وكبيعتين في بيعة الخ: نص ما في الموطإ عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة. وحدثني مالك أنه بلغه أن رجلًا قال لرجل: ابتعْ لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك الى أجل. فسأل عن ذلك عبد الله من عمر فكرهه ونهى عنه. وحدثني مالك أنه بلغه أن القاسم بن محمد فسأل عن رجل اشترى سلعة بعشرة دنانير نقدًا، أو بخمسة عشر دينارًا الى أجل، قد وجبت للمشتري بأحد الثمنين، إنه لا ينبغي ذلك؛ لأنه إن أخر العشرة كانت خمسة عشر إلى أجل، وإن نقد العشرة كان إنما اشترى بها الخمسة عشر التي إلى أجل. ا. هـ. منه.

وعن أبي هريرة، أخرجه البغوي بسنده إليه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، وعن لبستين؛ أن يحتبي أحدكم في الثوب؛ ليس بين فرجه وبين السماء شيء. وعن الصَّماء؛ اشتمال اليهود؛ قال البغوي: هذا حديث حسن صحيح.

قال: وفسروا البيعتين في بيعة أن يقول: بعتك عبدي هذا بعشرين دينارًا على أن تبيع لي جاريتك. فهذا فاسد لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارًا وشرط بيع الجارية، وذلك شرط لا يلزم، وإذا لم يلزم ذلك بطل بعض الثمن، فيصير ما بقي من المبيع في مقابلة الباقي مجهولًا. ا. هـ. منه.

وفي مصنف عبد الرزاق: إذا قلت: أبيعك بالنقد الى كذا وبالنسيئة بكذا وكذا: فذهب به المشتري. فهو بالخيار في البيعتين ما لم يكن وقع بيع على أحدهما، فإن وقع البيع هكذا فهو مكروه، وهو بيعتان في بيعة، وهو مردود، وهو الذي ينهى عنه؛ فإن وجدت متاعك بعينه أخذته، وإن كان قد استهلك، فلك أوْكس الثمنين وأبْعَد الأجلين. ا. هـ. بنقل شعيب.

(4)

وقوله: وكمزابنة مجهول بمعلوم الخ. روى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنَّ رسول =

ص: 269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة. والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا. متفق على صحته، وأخرجه في الموطإ. ا. هـ.

وعن نافع عن عبد الله بن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة؛ أن يبيع ثمر حائطه؛ إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام. نهى عن ذلك كله. متفق عليه أيضًا.

وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة، والمحاقلة، والمزابنة. والمخابرة: أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة. والمزابنة أن يبيع الثمر في رؤوس النخل بمائة فرق. والمخابرة كِراء الأرْضِ بالثلث أو الرُّبُع. ا. هـ.

هذا حديث أخرجه مسلم.

والمزابنة عند مالك هي كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده، أن يباع بشيء مسمى من الكيل أو الوزن أو العدد؛ كالطعام المصبر من الحنطة والتمر أو الكرسف أو الكتان، أو الغزل أو ما أشبه ذلك من السلع، لا يعلم كيل شيء منه، ولا وزنه، ولا عدده؛ يقول لصاحبه: كل سلعتك. أوْ: زِنْ. أو: اعَدُدُ ما كان يعدُّ، فما نقص من كذَا كذَا صاعًا أو رطلًا أو عددًا، فعليَّ غرمه حتى أوفيك تلك التسميه، وما زاد فلي فليس ذلك بيع، ولكنه الغرر والمخاطرة والقمار يدخل هذا لأنه لم يشتر منه شيئًا بشيء أخرجه، ولكنه ضمن له ما يسمَّى من ذلك الكيل أو الوزن أو العدد، على أن يكون له مازاد على ذلك، فإن نقصت تلك السلعة عن تلك التسمية أخذ من مال صاحبه ما نقص بغير ثمن ولا هبة طيبة بها نفسه، فهذا يشبه القمار، وما كان مثل هذا من الأشياء فذلك يدخله. ا. هـ.

قال البغوي: العمل عند عامة أهل العلم أن المزابنة والمحاقلة باطلة، يروى فيه حديث عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسعد، وأبي هريرة، ورافع بن خديج وأبي سعيد. قال شعيب: أما حديث ابن عباس فقد أخرجه البخاري جـ 4/ ص 322. وأما حديث زيد بن ثابت، فقد أخرجه أبو داود (3407) وأما حديث أبي هريرة فهو في صحيح مسلم رقم (1545). وأما حديث رافع، ففي مسلم أيضًا (1541)(70) وأما حديث أي سعيد الخدري فقد أخرجه البخاري جـ 4/ 322 =

ص: 270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= ومسلم (1546) قال: وفي الباب عن أنس أخرجه البخاري جـ 4/ ص 337. ا. هـ.

قال البغوي: وأصل المزابنة من الزبن وهو الدفع؛ وذلك أن أحد المتبايعين إذا وقف على غبن فيما اشتراه، أراد فسخ العقد، وأراد الغابن إمضاءه، فتزابنا، أي تدافعا، فكل واحد منها يدفع صاحبه عن حقه. وخص بيع الثمر على رؤوس النخل بجنسه بهذا الإسم، لأن المساواة بينهما شرط، وما على الشجر لا يحصر بكيل ولا وزن، وإنما يكون تقديره بالخرص، وهو حدس وظن، لا يؤمن فيه من التفاوت، فأما إذا باع الثمرة على الشجر بجنس آخر من الثمار على الأرض أو على الشجر، جاز ذلك لأن المماثلة بينهما غير شرط والتقابض شرط في المجلس، فقبض ما على الأرض بالنقل، وقبض ما على الشجر بالتخلية. وأما المحاقلة فهي كراء الأرض بالطعام، وقد منعه الإمام مالك، وجوز الآخرون كراء الأرض بشيء من الطعام معلوم، كما يجوز بالدراهم والدنانير. قالوا: وإنما لا يجوز بما ينبت من تلك الأرض بعد الاكتراء. ا. هـ. منه. بتصرف.

(5)

وقوله: وككالئ بمثله فسخ ما في الذمة في مؤخرٍ ولو معينًا يتأخر قبضه، قال المواق: في الحديث من غير الكتب المشهورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكالئ بالكالئ. قال ابن عرفة: تلقي الأئمة هذا الحديث بالقبول يغني عن طلب فيه، كما قالوا في "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِث". قال ابن المنذر: أجمعوا على أن بيع الدين بالدين لا يجوز؛ وحقيقته بيع شيء في ذمة أخرى غير سابق تقرر أحدهما على الآخر وهو معنى قولهم ابتداء: الدين بالدين. وما تقدم فيه تقرر الدين يُسمَّى فسخ الدين في الدين. في المدونة، قال مالك: إن أقرضته حنطة إلى أجل، فلما حل الأجل بعته تلك الحنطة بدين إلى أجل، لم يجز، وهو فسخ الدين في الدين. وفي الرسالة: فلا يجوز فسخ دين في دين؛ أن يكون لك شيء في ذمته فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله، ا. هـ. منه بتصرف قليل.

وفي منتقى الأخبار: باب النهي عن بيع الدين بالدين، وجوازه بالعين ممن هو عليه: عن ابن. عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالى. رواه الدارقطني.

قال الشوكاني في الكلام على هذا الحديث: الحديث الأول صححه الحاكم على شرط مسلم، وتعقب بأنه تفرد به موسى بن عبيدة الربذي، كما قال الدارقطني وابن عدي. وقد قال =

ص: 271

وَكَبَيْع الْعُرْبَانِ (1)؛ أنْ يعْطِيَهُ شَيْئًا عَلى أنَّهُ إنْ كَرِهَ المَبِيعَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ، وكَتَفْرِيقِ أمٍّ فَقَطْ وَوَلَدِهَا (2) وَإِنْ بقِسْمَةٍ أوْ بَيْعِ أحَدِهِمَا لِعَبْدِ سَيَّدِ الآخَرِ، مَا لَمْ يَثْغَرْ مُعْتَادًا، وَصُدِّقَتِ المَسْبِيَّةُ، ولَا تَوَارُثَ، مَا لَمْ تَرْضَ، وَفُسِخَ إنْ لَّمْ يَجْمَعْهُمَا فِي مِلْكٍ، وَهَلْ بِغَيْرِ عِوَض كَذَلِكَ، أوْ يُكْتَفَى بِحَوْزٍ كَالْعِتْقِ؟ تأوِيلَانِ. وجَازَ بَيْعُ نِصْفَيْهِمَا وبَيْعُ أحَدِهما لِلْعِتْقِ، والْوَلَدُ مَعَ كِتَابَةِ أمَّهِ، ولِمُعَاهَدٍ التَّفْرِقَةُ، وَكُرِهَ الاشْتِرَاءُ مِنْهُ،

= فيه أحمد: لا تحل الرواية عنه عندي ولا أعرف هذا الحديث. وقال: ليس في هذا أيضًا حديث يصح، ولكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين. ا. هـ. محل الغرض منه.

وفي بلوغ المرام: وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ؛ يعني الدين بالدين. رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف قال في سبل السلام: ورواه الحاكم والدارقطني من دون تفسير، لكن في إسناده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.

قال أحمد: لا تحل الرواية عندي عنه، ولا أعرف هذا الحديث لغيره، وصحيفه الحاكم قال موسى بن عتبة: فصححه على شرط مسلم، وتعجب البيهقي من تصحيفه على الحاكم، قال أحمد: ليس في هذا حديث يصح لكن إجماع الناس أنه لا يجوز بيع دين بدين. وظاهر الحديث أن تفسيره بذلك مرفوع. ا. هـ. منه بتصرف بلفظه.

(1)

وقوله: وكبيع العربان ألخ. قال في منتقى الأخْبار: باب النهي عن بيع العبون عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع العربان. رواه أحمد والنسائي وأبو داود وهو لمالك في الموطإ.

قال الشوكاني: الحديث منقطع لأنه من رواية مالك؛ أنه بلغه عن عمرو بن شعيب ولم يدركه، فبينهما راو لم يسم، وسماه ابن ماجه فقال: عن مالك عن عبد الله بن عامر الأسلمي، وعبد الله لا يحتج بحديثه، وفي إسناد ابن ماجه هذا أيضًا حبيب -كاتب الإمام مالك- وهو ضعيف لا يحتج بحديثه. وقد قيل: إن الرجل الذي لم يسم هو ابن لهيعة. ذكر ذلك ابن عدي، وهو أيضًا ضعيف. ورواه الدارقطني والخطيب عن مالك عن عمرو بن الحرث عن عمرو بن شعيب، =

ص: 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وفي إسنادهما الهيثم بن اليمان وقد ضعفه الأزدي .. وقال أبو حاتم: صدوق. ورواه البيهقي موصولًا من غير طريق مالك، إلى أن قال: قال أبو داود: قال مالك: وذلك فيما نرى والله أعلم. أن يشتري الرجل العبد، أو يتكارى الدابة ثم يقول: أعطيك دينارًا على أني إن تركت السلعة أو الكراء فما أعطيتك لك. انتهى. وبذلك فسره عبد الرزاق عن زيد بن أسلم. والمراد أنه إذا لم يشتر السلعة أو يكتر الدابة كان الدينار ونحوه للمالك بغير شيء، وإن اختارهما أعطاه بقية القيمة أو الكراء. قال الشوكاني: وحديث الباب يدل على تحريم البيع مع العربان، وبه قال الجمهور، وخالف في ذلك أحمد، فأجازة. وروي نحوه عن عمر وابنه، قال: والأوْلى ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن حديث عمرو بن شعيب قد ورد من طرق يقوي بعضها بعضًا، ولأنه يتضمن الحظر، وهو أرجح من الإباحة كما تقرر في الأصول، والعلة في النهي عنه اشتماله على شرطين فاسدين: شرط كون ما دفعه إليه يكور مجانًا إن اختار ترك السلعة، والثاني شرط الرد على البائع إذا لم يقع منه الرضا بالبيع، ا. هـ. عنه باختصار.

(2)

وقوله: وكتفريق أم فقط وولدها ألخ دليله حديث أبي أيوب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول:"مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلدِها فَرَّقَ اللهُ بَيْنهُ وَبيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رواه أحمد والترمذي. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما وفرقت بينهما، فذكرت ذلك له فقال:"أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا وَلَا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا".

رواه أحمد وعن علي رضي إلله عنه أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ورد البيع. رواه أبو داود والدارقطني.

وقال الصنعاني في الكلام على حديث أبي أيوب: رواه أحمد وصححه الترمذي والحاكم، لكن في إسناده مقال؛ لأن فيه حيَّ بن عبد الله المعافري مختلف فيه وله شاهد، كأنه يريد حديث عبادة بن الصامت:"لَا يُفَرَّقُ بَيْن الْأمِّ وَوَلَدِهَا". قيل: إلى متى؟. قال: "حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ وَتَحِيضَ الجَارِيَةُ". أخرجه الدارقطني والحاكم، وفي سنده عندهما عبد الله بن عمرو الواقفي وهو ضعيف. قال: وهذا الحديث ضاهر في تحريم التفريق بين الوالدة ووالدها، وظاهره عام في الملك =

ص: 273

وكَبَيْعٍ وشَرْطٍ يُنَاقِضُ المَقَّصُودَ (1)؛ كأن لا يَبِيعَ إلَّا بِتَنْجِيز الْعِتْق، وَلَمْ يُجْبَرْ إنْ أبْهَمَ كالْمُخيَّرِ، بِخِلَافِ الاشْتِرَاءِ عَلى إيجَابِ الْعِتْقِ كأَنَّها حُرَّةٌ بِالشِّرَاءِ أوْ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ كَبَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَصَحَّ إنْ حُذِفَ أوْ حُذِفَ شَرْطُ التَّدْبِيرِ؛ كَشَرْطِ رَهْنٍ وحَمِيلٍ وَأجَلٍ وَلَوْ غَابَ، وتُؤُوِّلَتْ بِخِلَافِهِ. وَفِيهِ إنْ فَاتَ أكْثَرُ الثمَنِ أوْ الْقِيمَةِ إنْ أسْلَفَ المُشْتَرِي وَإلَّا فالْعَكْسُ، وكالنَّجْشِ يزيدُ لِيغُرَّ (2)، فَإن عَلِمَ فلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ، وَإنْ فَاتَ فالْقِيمَةُ. وَجَازَ سُؤَالُ الْبَعْض لِيَكُفَّ عَن الزّيادَةِ لَا الجَمِيعِ.

= والجهات، إلا أنه لا يعلم أنه ذهب أحد إلى هذا العموم، فهو محمول على التفريق في الملك، وهو ظاهر أيضًا في تحريم التفريق ولو بعد البلوغ إلا أنه مقيد بحديث عبادة. قال: وفي الغيث إنه خصه في الكبير الإجماعُ كما في العتق. قال: وكأن مستند الإِجماع حديث عبادة، ثم الحديث نص في تحريم التفريق بين الوالدة وولدها، فمن ألحق بذلك غيرهما فبالقياس بجامع الرحامة. ا. هـ. منه بتصرف قليل.

وقال الشوكاني: والأحاديث المذكور في الباب فيها دليل على تحريم التفريق بين الوالدة والولد وبين الأخوين، أما بين الوالدة والولد، فقد حكي أنه إجماع حتى يستغني الولد بنفسه.

قلت: وأما تحديد التحريم إلى غاية البلوغ فإن حديث عبادة بن الصامت نص في موضوعه لو سلم من العلل، إلا أنه قال الشوكاني: في إسناده عبد الله بن عمرو الواقفي وهو ضعيف، وقد رماه علي بن المديني بالكذب، ولم يروه عن سعيد بن عبد العزيز غيره. ا. هـ. منه والله الموفق.

(1)

وقوله: وكبيع وشرط يناقض المقصود: يعني أن من البيوع المنهي عنها البيع والشرط، فقد روى عبد الحق في أحكامه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، قال ابن عرفة: لا أعرفه إلا من طريق عبد الحق، وحمله أهل المذهب على وجهين: أحدهما الشرط الذي يناقض مقتضى العقد، والثاني الشرط الذي يعود بخلل في الثمن؛ فأما الشرط الذي يناقض مقتضى العقد، فهو الذي لا يتم معه المقصود من البيع؛ مثل إذا شرط =

ص: 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عليه أن لا يبيع ولا يهب، وهذا إذا عمم أو استثنى قليلًا كقوله: على أن لا تبيعه جملة. أو لا تبيعه إلا من فلان. وأما إذا خصص ناسًا قليلًا فيجوز، ا. هـ. الحطاب.

قال المواق: روي أن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت فيها أبا حنيفة وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فقلت لأبي حنيفة: ما تقول في رجل باع بيعًا واشترط شيئًا؟. فقال: البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته، فقال: البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فسألته. فقال: البيع جائز والشرط جائز. قلت سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة!! فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط. ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا. قالت عائشه رضي الله عنها: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اشتري بريرة وأعتقها، وإن اشترط أهلها الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق. البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا. قال جابر: بعت من النبي صلى الله عليه وسلم ناقة، فشرط لي حلابها وظهرها إلى المدينة، البيع جائز والشرط جائز، قال: فعرف مالك رحمه الله هذه الأحاديث كلها فاستعملها في مواضعها وتأولها على وجوهها، ولم يمعن غيره النظر ولا أحسن تأويل الأثر، ا. هـ. منه.

والحاصل أن الشرط المنهي عنه مع البيع هو أحد شرطين: شرط يفوت المقصود من المبيع، والثاني شرط يعود بغرر في الثمن؛ كبيع وسلف.

أما من شرط شرطًا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، فإن ذلك الشرط إن لم يعد يغرر في الثمن سقط ونجز البيع كما يدل عليه حديث بريرة، فقد روى مالك في الموطإ. في العتق والولاء، والبخاري في البيوع باب إذا اشترط في البيوع شروطًا لا تحل، وفي العتق، باب ما لا يجوز من شروط المكاتب، ومسلم في العتق: باب إنما الولاء لمن أعتق، أنَّ عائشة أمَّ المؤمنين أرادت أن تشتري جارية تعتقها، فقال أهلها: نبيعها على أنّ ولاءها لنا. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"لَا يَمْنَعَنَّكِ ذلِكَ، إِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ". وفي بعض روايات هذا الحديث المتفق عليه، قالت عائشة: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ، =

ص: 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فَهُوَ بَاطِلٌ: وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرطٍ، قَضَاء اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاء لِمَنْ أَعْتَقَ". وأما ما كان من بيع دابة واستثناء منفعتها مدة موقتة فذلك جائز، بدليل حديث جابر بن عبد الله المتفق عليه، أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فضربه، فدعا له، فسار بسير ليس يسير مثله. ثم قال: "بِعْنِيِهِ بِوُقيَّةٍ". قات: لا. ثم قال: "بِعْنِيِهِ بِوُقيَّةٍ". فبعته، فاستثنيت حُملانَه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه ثم انصرفت، فأرسل على أثري قال: "مَا كُنْتُ لِآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ فَهُوَ لَكَ". ا. هـ. فهذا الحديث حجة من يقول بجواز بيع الدابة واستثناء ظهرها مدة، وَالدار واستثناء سكناها مدة، وبه يقول الأوزاعي وابن شبرمة وأحمد وإسحاق، ومالك بن أنس وقال: إذا كانت المدة قريبة. وخالف الشافعي وأصحاب الرأي، واحتجوا بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا، وأجابوا عن قصة بيع جمل جابر أنه لم يكن استثنى ظهره في البيع شرطًا بل أعاره النبي صلى الله عليه وسلم بعد البيع. قال شعيب: قال البخاري في صحيحه، والاشتراط أكثر وأصح عندي. وقال في فتح الباري جـ 5/ ص 233: الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددًا من الذين خالفوهم، وهذا وجه من وجوه الترجيح فيكون أصح. ويترجح أيضًا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة وهم حفاظ فتكون حجة، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط منافية لرواية من ذكره لأن قوله: "لَكَ ظَهْرُة" و "أفْقَرْنَاكَ ظَهْرَهُ" و "تَبْلُغُ عَلَيْهِ" لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك، ا. هـ.

(2)

وقوله: وكالنجش يزيد ليغر، قال ابن قدامة: النجش أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليقتدي به المستام، فيظن أنه لم يزد فيها هذا القدر الا وهي تساويه فيغتر بذلك، فهذا حرام وخداع. قال البخاري الناجش آكل ربًا خائن، وهو خداع باطل لا يحل، وروى أبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النجش. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكمْ عَلَى بَيْع بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ صَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. متفق عليهما، قال: ولأن في ذلك تغريرًا بالمشتري وخديعة له، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْخَديعَةُ في النَّار". ا. هـ. منه بلفطه.

وقال الشوكاني: النجش - بفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة - قال في الفتح: هو في =

ص: 276

وكبَيْعِ حَاضرٍ لِعَمُودِيٍّ (1) وَلَوْ بإرْسَالِه لَهُ، وَهَلْ لِقَرَوِيٍّ؟ قَوْلَانِ. وفُسِخَ وَأدِّبَ، وَجَازَ الشِّرَاءُ لَهُ (2)، وكَتَلَقِّي السِّلَعِ (3) أوْ صَاحِبِهَا كأخْذِهَا فِي الْبَلَدِ بِصِفَةٍ وَلَا يُفْسَخُ، وجَازَ لِمَنْ عَلى كَسِتَّةِ أمْيَالٍ أَخْذُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ، وَإنَّمَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ وَرُدَّ، ولَا غَلَّةَ، فَإنْ فَاتَ مَضَى المُخْتَلَفُ فِيهِ بِالثَّمَنِ وإلَّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ حينئذٍ.

= اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكان ليصاد؛ يقال نجشت الصيد أنجُشه -بالضم- نجشًا. وفي الشرع: الزيادة في السلعة، ويقع ذلك بمواطأة من البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بالناجش، إلى أن قال: قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص يفعله. واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك. نقل ابن المنذر عن الطائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع إذا وقع على ذلك. وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، هو المشهور عند الحنابلة إذا كان بمواطأة البائع أو صنعته، والمشهور في ذلك عند المالكية في مثل هذا ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية قياسًا على المصراة. والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم. ا. هـ.

(1)

وقوله: وكبيع حاضر لعمودي ألخ. قال الخرقي: فإن باع حاضر لباد فالبيع باطل قال ابن قدامة: وهو أن يخرج الحضري إلى البادي، وقد جلب السلعة فيعرفه السعر ويقول: أنا أبيع لك. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:"دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضهُمْ مِنْ بَعْضٍ".

والبادىِ ها هنا من يدخل البلدة من غير أهلها، وسواء كان بدويًا أو من قرية أو بلدة أخرى، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الحاضر أن يبيع له. قال ابن عباس: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لبادٍ، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله حاضر لباد؟. لا يكون له سمسارًا. متفق عليه. وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاس يَرْزُقُ اللهُ بَعْضُهَمْ" مِنْ بَعْضٍ". رواه مسلم، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس. "المعنى في ذلك أنه متى ترك البدوي يبيع سلعته اشتراها الناس يرخص ويوسَّعُ عليهم السّعر، فإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد، ضاق على أهل البلد، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في تعليله إلى هذا المعنى. قال ابن قدامة: وممن كره بيع الحاضر للبادي طلحة بن عبيد الله، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس، وعمر

ص: 277

وَمِثْلَ المِثْلِيِّ بتَغَيُّرِ سُوقِ غَيْرِ مِثْلِىٍّ وعَقَارٍ، وَبِطُولِ زَمَانِ حَيَوَانٍ وفيها شهر وَشَهْرانِ، واخْتَارَ أَنَّهُ خِلَافٌ وقَالَ: بَلْ فِي شَهَادَةٍ، وبِنَقْل عَرْضٍ ومِثْلِيٍّ لِبَلَدٍ بِكُلْفةٍ، وبالْوَطْءِ، وبِتَغَيُّرِ ذَاتِ غَيْرِ مِثْلِيٍّ، وخُروج عَنْ يَدٍ، وَتَعَلُّقِ حَقٍّ كَرَهْنِهِ وإجَارتهُ، وأرْض ببئْرٍ وعَيْنٍ وغَرْسٍ وبِنَاء عَظِيمَي المئونَةِ، وفَاتَتْ بِهما جِهَةٌ هِيَ الرُّبُعٌ فقَطْ لا أقَلُّ وَلَهُ الْقِيمَةُ قَائِمًا عَلى المَقُولِ والمُصَحَّحِ،

ابن عبد العزيز، ومالك، والليث والشافعي. ونقل أبو إسحاق بن شاقلا في جملة سماعاته أن الحسن بن علي المصري سأل أحمد عن بيع حاضر لبادٍ فقال: لا بأس به. فقال له: فالخبر الذي جاء بالنهي؟ قال: كان ذلك مرةً. فظاهر هذا صحة البيع، وإن اختصَّ بأول الإِسلام لما كان عليهم من الضيق في ذلك، وهذا قول مجاهد، وأبي حنيفة وأصحابه، قال: والمذهب الأوَّلُ لعموم النهي، وما يثبت في حقهم يثبت في حقنا ما لم يقم على اختصاصهم به دليل ا. هـ. منه بلفظه.

(2)

وقوله: وجاز الشراء له: الباجي: أما الشراء للبدوي فقال مالك: لا بأس به بخلاف البيع. وقال ابن حبيب لا يشتري له، ورواه أبو عمر عن مالك وقاله ابن الماجشون، ا. هـ. المواق.

(3)

وقوله: وكتلقي السلع؛ في البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ". وفي مسلم: "لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ" أبو عمر: مذهب مالك أن هذا رفق بأهل الأسوق. وقال الشافعي: إنما هذا رفق بصاحب السلعة. "قد ورد بهذا خبر صحيح يجب العمل به خرجه أبو داود: نص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صاحب السلعة بالخيار إذا وردت السوق.

قلت: وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ وَاشْتَرى منْهُ فَإذَا أَتَى سَيْدُه السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ".

وقد نهى عن تلقي الركبان أكثر أهل العلم منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق. =

ص: 278

وَفِي بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فطْلَقًا تَأوِيلانِ لَا إِنْ قَصَدَ بِالْبَيْعِ الإفاتَةَ، وارْتَفَعَ المُفِيت إنْ عَادَ إلَّا بِتَغَيُّر السُّوقِ.

= وخالف أبو حنيفة فقال إنه لم ير بذلك بأسًا. قال ابن قدامة: وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع. قال: فإن خالف وتلقى واشترى منهم فالبيع صحيح في قول الجميع. قاله ابن عبد البر. قال: لأن حديث أبي هريرة عند مسلم أعطاه الخيار، والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، ولأن النهي لم يكن لمعنىً في البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكه بإثبات الخيار.

وقال أصحاب الرأي: لا خيار له. وقد روينا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، ولا قول لأحد مع قوله. ا. هـ. منه بتصرف.

ص: 279

‌فَصْلٌ

وَمُنعَ لِلتُّهَمَةِ مَا كَثَرَ قَصْدُهُ (1) كَبَيْعٍ وَسَلَفٍ، وسَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ، لَا مَا قَلَّ كَضَمَانٍ بِجُعْلٍ، أوْ: أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفُكَ. فَمَنْ بَاعَ لأجَلٍ ثُمَّ اشْتَراهُ بجنْسِ ثَمَنِهِ من عَيْن وَطَعَامٍ وَعَرْضٍ فإمَّا نَقْدًا أوْ لِأجَلٍ، أوْ أقَلَّ أوْ أكْثرَ، بِمِثْل الثَّمَنِ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، يُمْنَعُ مِنْها ثَلَاثٌ، وَهِيَ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الأقَلُّ، وَكَذَا لَوْ أُجِّلَ بَعْضُهُ مُمْتَنعٌ مَا تُعُجِّل فِيهِ الأَقَلُّ أوْ بَعْضُهُ كَتَسَاوِي الأجَلَيْنِ إنْ شَرَطَا نَفْيَ المُقَاصَّةِ لِلدَّيْن بالدَّيْنِ، ولِذلِكَ صَحَّ فىِ أكْثَرَ لأبْعَدَ إذَا اشْتَرَطَاهَا، والرَّدَاءَةُ وَالجَوْدَةُ كَالْقَلَّه وَالكَثرَةِ. ومُنعَ بِذهَبِ وَفِضَّةٍ إلَّا أَنْ يُعَجَّلَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخرِ جِدًا، وَبِسِكَّتَيْن إلَى أَجَلٍ كشِراَئِهِ لَلْأجَل بِمُحَمَّدِيَّةٍ مَا بَاعَ بيزيدِيَّةٍ، وِإنِ اشْتَرى بِعَرْضٍ مُخَالفٍ ثمَنَهُ جَازت ثلَاثُ النّقْدِ فَقَطْ والْمِثْلِيُّ صِفَةً وَقَدْرًا كَمِثْلِهِ، فَيُمْنَعُ بِأَقَلَّ لأَجَلِهِ أَوْ لأبْعَدَ إِنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ بِهِ. وَهَلْ غَيْرُ صِنْفِ طعَامِهِ كَقَمْحٍ وشَعِيرٍ مُخَالِفٌ أوْلَى؟. تَرَدُّدٌ.

‌فصل في بيان أحكام بيوع الآجال

(1)

قوله: ومنع للتهمة ما كثر قصده؛ قال الحطاب: لما فرغ، رحمه الله، من ذكر البيوع التي نص الشرع على المنع منها، أعقبها ببيوع ظاهرها الجواز ويتوصل بها إلى ممنوع، فمنعها أهل المذهب وأجازها غيرهم. ويسميها أهل المذهب بيوع الآجال، ا. هـ. منه، قال المواق: أبو عمر: أبى هذا جماعة من الفقهاء بالمدينة وغيرها، ولم يفسخوا صفقة ظاهرها حلال بظن يخطئ ويصيب وقالوا: الأحكام موضوعة على الحقائق لا على الظنون. ا. هـ. ثم قال: وقال ابن رشد: أباح الذرائع الشافعي. وقال ابن عبد السلام: أكثر العلماء لا يقول بسد الذرائع ولا سيما في البيع، وقد علمت أن المنع في البيع والسلف إنما نشأ عن اشتراط السلف نصًا، وبيعات الأجل لا نص فيها باشتراط أن البائع يشتري السلعة التي باع، وإنما هو أمر يتهمان عليه، ويستند في =

ص: 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= تلك التهمة إلى العادة. ثم قال: وهَبْ أن تلك العادة وجدت في قوم في المائة الثالثة بالمدينة أو بالحجاز، فلم قلتم إنها وجدت بالعراق والمغرب في المائة السابعة؟!. ثم قال: وأنا أتوقف في الفتيا في هذا الباب، وفيما أشبهه من الأبواب المستندة إلى العادة بما في الكتب، لأن الذي في الكتب من المسائل لها مئون من السنين، وتلك العوائد التي هي شرط في تلك الأحكام لا يعدم حصولها الآن، والشك في الشرط شك في المشروط. قال: ومن الذخيرة: كل حكم مرتب على عرف أو عادة يبطل عند زوال تلك العادة، فإذا تغير، تغير الحكم. وقال ابن يونس: وجه فسخ بيوع الآجال، وإن صح، حماية أن يقصد المتبابعان ذلك في أول أمرهما، ولما نقل القرافي في قول ابن رشد: ما فعله زيد بن أرقم لا إثم فيه، قال: هذا يقتضي عدم تحريم بيوع الآجال، وإنما تفسخ سدًا لذريعة القصد إلى الفساد، ا. هـ. منه.

قلت: وسد الذرائع أصل من أصول مذهب الِإمام مالك بن أنس رحمه الله. قال شيخ مشائخنا سيد عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي في مراقي السعود:

سدُّ الذرائع إلى المحرم

وَالْغِ إذا كان الفساد أبعدا

حتم، كفتحها إلى المنحتم

وانظر تدلي دوالي العنب

وبكراهة وندب وردا

في كل مشرق وكل مغرب

يعني أن سد الذرائع المحرم واجب، وفتح الذرائع إلى الواجب واجب، وفتح الذرائع إلى المستحب مستحب وإلى المكَروه مكروه. قال بالبيت الأخير إن الشيء إذا كان يشتمل على فساد ومصلحة نظر، فإذا كان الفساد أعظما أو كانا متساويين حرم، وإن كانت المصلحة أرجح جاز. ثم مثل لذلك بغرس دوالي العنب فهو جائز وإن كانت الخمرة بنت الكرم، لأن مصلحة الزبيب وأكل العنب ولف ورق الكرم ليطبخ به اللحم أكثر مصلحة من مفسدة عصر الخمر منه.

وقول ابن رشد قبلُ: ما فعله زيد بن أرقم لا إثم فيه. يشير به إلى ما رواه الدا قطني عن العالية بنت أنفع قالت: خرجت أنا وأمُّ مَحِبَّة إلى مكة، فدخلنا على عائشة رضي الله عنها فسلمنا عليها، فقالت لنا ممن أنتن؟ قلنا من أهل الكوفة. قالت: فكأنها أعرضت عنا، فقالت لها

ص: 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= أم مُحِبَّة: يا أم المؤمنين، كانت لي جارية وإني بعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه، وإنه أراد بيعها فابتعتها منه بستماثة درهم نقدًا. قالت: فأقبلت علينا فقالت: بئسما شريت وما اشتريت، فأبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن يتوب. فقالت لها: أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي؟. قالت: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} الآية سورة البقرة.

قال القرطبي في تفسيره: العالية هي زوج أبي إسحاق الهَمْداني الكوفي السَّبيعي أم يونس بن أبي إسحاق. قال: وهذا الحديث أخرجه مالك من رواية ابن وهب عنه في بيوع الآجال؛ فإن كان منها ما يؤدي إلى الوقوع في المحظور منع منه، وإن كان ظاهره بيعًا جائزًا. قال: وخالف مالكًا في هذا الأصل جمهور الفقهاء وقالوا: الأحكام مبنية على الظاهر لا على الظنون.

قال القرطبي: ودليلنا القول بسد الذرائع، فإن سُلِّم وإلا استدللنا على صحته. وهذا الحديث نص، ولا تقور عائشة: أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب، إلا بتوقيف. وفي صحيح مسلم عن النعمان بن يشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبْينَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الْحَرامِ كَالرَّاعِيِ يرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإنَّ لِكَلِّ مَلِكٍ حِمىَّ ألَا وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُةُ". وجه دلالته أنه منع من الإِقدام على المشتبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وذلك سدٌّ للذريعة. وقال عليه الصلاة والسلام:"مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ". قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟! قال: "يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاة، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ". فجعل التعريض لسب الآباء كسب الآباء. قال: واتفق العلماء على منع الجمع بين سع وسلف، وعلى تحريم قليل الخمر وإن كان لا يسكر، وعلى تحريم الخلوة بالأجنبية وإن كان عنينًا، وعلى تحريم النظر إلى وجه المرأة الشابة، إلى غير ذلك مما يكثر ويعلم على القطع والثبات أن الشرع حكم فيها بالمنع، لأنها ذرائع المحرمات. قال: والربا أحق ها حُمِيَتْ مراتعه وسُدَّت طرائقه. قال: ومن أباح هذه الأسباب فليبح حفر البئر ونصب الحبالات لهلاك المسلمين والمسلمات، وذلك لا يقوله أحد. انتهى منه. =

ص: 282

وإنْ بَاعَ مُقَوَّمًا فَمِثْلُهُ كَغَيْرِهِ كَتَغَيُّرِهَا كَثِيرًا. وَإنَ اشْتَرَى أحَدَ ثَوْبَيْهِ لأبْعَدَ مُطْلَقًا أوْ أقَلَّ نَقْدًا امْتَنَعَ لَا بِمِثْلِهِ أوْ أكْثَرَ، وامْتَنَعَ بِغَيْرِ صِنْفِ ثَمَنِهِ إلَّا أنْ يَكْثُرَ الْمُعَجَّلُ، وَلَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ سِلْعَةٍ نَقْدًا مُطْلَقًا أوْ لأبْعَدَ بِأكْثَرَ،

= وفي معنى ابن قدامة: من باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدًا لم يجز في قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن ابن عباس، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والنخعي، وبه قال أبو الزناد، وربيعة، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأصحاب الراي، وأجازه الشافعي، قال: لأنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها، فجاز من بائعها، كما لو باعها بمثل ثمنها. قال ابن قدامة: ولنا ما رواه غُنْدَرُ عن شعبة عن أبي إسحاق السَّبيعي عن امرأته العالية بنت أنفع بن شُرَحْبيل قالت: دخلت أنا وأم ولد زيد ابن أرقم وأمرأته على عائشة رضي الله عنها، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: إني بعت غلامًا من زيد ابن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم. فقالت لها عائشة: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن يتوب. رواه الِإمام إحمد وسعيد ابن منصور، قال: والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا بتوقيف سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى مجرى روايتها ذلك منه. ا. هـ.

قلت: العجب من مثل هذا يتكرر من مثل القرطبي وابن قدامة، ومعلوم أن موقوف الصحابي لا يكون له حكم الرفع إلا إذا كان لا مجال للرأي فيه، وقول أم المؤمنين هنا ليس له أي نصيب من ذلك، لأن للرأي فيه كثير مجال. وبالله تعالى التوفيق.

وقد أورد صاحب منتقي الأخبار حديث العالية بنت أنفع عند الدار قطني. وقال الشوكاني في الكلام عليه: في إسناده العالية بنت أنفع، وقد روي عن الشافعي أنه لا يصح. وقرر كلامه ابن كثير في إرشاده - إلى أن قال: وليس في حديث الباب ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا البيع، لكن تصريح عائشة بأن مثل هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنها علمت تحريم ذلك بنص من الشارع، إمَّا على جهة العموم، كالأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة، أو على جهة الخصوص كحديث العينة الآتي. ا. هـ. منه=

ص: 283

وَبِخَمْسةٍ وسِلْعَةٍ وامْتَنَعَ لَا بِعَشَرَةٍ وسِلْعَةٍ. وبِمِثْلٍ أوْ أقَلَّ لأبْعَدَ، وَلَوْ اشْتَرَى بِأقَلَّ لأجَلِهِ ثُمَّ رَضِيَ بالتّعْجِيلِ قَوْلَانِ؛ كَتَمْكِينِ بَائعٍ مُتْلِفٍ مَا قِيمَتُهُ أقَلُّ مِن الزِّيَادَةِ عِنْدَ الأجَلِ، وإنْ أسْلَمَ فَرَسًا فِي عَشَرَةِ أثْوَابٍ، ثُمَّ اسْتَرَدَّ مِثْلَهُ مَعَ خَمْسَةٍ مُنعَ مُطْلَقًا؛ كَمَا لَوْ اسْتَرَدَّة إلَّا أنْ تَبْقَى الخَمْسَةُ لأَجَلِهَا؛ لأَنَّ المُعَجِّلَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ أوْ المُؤَخِّرَ مُسَلِّفٌ. وَإنْ بَاعَ حِمَارًا بِعَشَرَةٍ لَأجَلٍ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ ودِينَارًا -نَقْدًا أوْ مُؤجَّلًا- مُنع مُطْلَقًا إلَّا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ لِلْأجَلِ، وَإنْ زِيدَ غَيْرُ عَيْنٍ وبِيعَ بِنَقْدٍ لَمْ يُقْبَضْ، جَازَ إنْ عُجِّلَ المَزِيدُ، وصَحَّ أوَّلُ مِنْ بُيُوع الآجَالِ فَقَطْ، إلَّا أن يَفُوتَ الثَّانِي فَيُفْسَخَانِ، وَهَلْ مُطْلَقًا أوْ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أقَلَّ؟ خلاف.

= قلت: ولعل من أوضح أدلة وجوب سد الذرائع قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الآية:108 قال القرطبي في تفسيره: فمتى كان الكافر في منعة، وخيف أن يسب الِإسلام أو النبي عليه الصلاة والسلام، أو الله عز وجل، فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك قال: وهذه الآية ضرب من الموادعة، ودليل على وجوب الحكم بسد الذرائع. ا. هـ. منه وبالله تعالى التوفيق.

ص: 284

‌فَصْلٌ

جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ سِلْعَةٌ (1) أنْ يَشْتَرِيَهَا لِيَبِيعَهَا بِمَالٍ -وَلَوْ بِمُؤَجَّلٍ بَعضُهُ- وكُرِهَ: خُذْ بِمَائَهٍ مَا بِثَمَانِينَ، أوْ اشْتَرِهَا. وَيُومِئُ لِتَرْبِيحِهِ وَلَمْ يُفْسَخْ، بِخِلَاف: اشْتَرِها بِعَشْرَةٍ نَقْدًا، وآخُذُهَا بَاثْنَيْ عَشَرَ لِأجَلٍ. ولَزِمَتِ الآمِرَ إنْ قَالَ: لىِ. وَفي الفَسْخِ إنْ لَمْ يَقلْ لِي، إلَّا أنْ يَفوُتَ فَالْقِيمَةُ، أو إمْضَائِهَا ولُزُومِهِ الإِثنَيْ عَشَرَ، قَوْلَانِ. وبِخِلَاف: اشْتَرهَا لي بعَشَرَةٍ نَقْدًا، وآخُذُهَا باثنَيْ عَشَرَ نَقْدًا. إنْ نَقَدَ المَأْمُورُ بِشَرْطٍ، وَلَهُ الأقَلُّ مِنْ جُعْلِ مِثْلِهِ أوِ الدِّرهَميْن فِيهمَا، والأظْهَرُ والأصَحُّ لَا جُعْلَ لَهُ، وجاز بِغَيره كَنَقْدِ الآمِرِ، وإنْ لَمْ يَقُلْ: لىِ. فِفِي الْجَوَازِ والكراهَةِ قَوْلَانِ. وبِخلَافِ: اشْتَرهَا لِي باثْنَيْ عَشَر لأَجَلٍ، وَأَشْتَرِيهَا بِعَشَرةٍ نَقْدًا. فَتَلْزَمُ بِالْمُسَمَّى وَلَا تُعجّلُ الْعَشَرَةُ، وَإنْ عُجِّلَتْ أُخِذَتْ وَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ، وَإنْ لَمْ يَقُلْ: لي. فَهَلْ لَا يُرَدُّ الْبَيْعُ إِذَا فَاتَ، وَلَيْسَ عَلى الآمر إلَّا العَشَرَةُ، أو يُفْسَخُ الثَّانِي مُطْلقًا إلَّا أنْ يَفوُتَ فَالْقِيمَةُ؟ قولان.

‌الكَلَامُ عَلى الْعِينَةِ

العينة، قال ابن القيم: فعلة من العين أي النقد، قال الشاعر:

أنذَّانُ أم نَعْتَانُ أمْ ينبري لنا

فَتىَ مِثْلُ حدَّ السَّيْفِ مِيزَت مَضَارِيُهْ

فقوله: نعتان، أي نشتري عينة، قال: وقال الجرجاني أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب والورِق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعين التي احتاج إليها، وليست به إلى السلعة حاجة.

(1)

وقوله: جاز لمطلوب منه سلعة

ألخ. نقل المواق عن ابن رشد. والعينة على ثلاثة أنواع: =

ص: 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= جائزة ومكروهة ومحظورة؛ فالجائزة أن يمر الرجل بالرجل من أهل العينة فيقول له: هل عندك سلعة كذا أبتاعها منك؟ فيقول له: لا. فينقلب عنه على غير مراوضة ولا غير مواعدة. فيشتري تلك السلعة التي سأله عنها، ثم يلقاه فيخبره أنه اشترى السلعة التي سأل عنها، فيبيعه بما شاء نقدًا أو نسيئة. والمكروه من أوجه العينة أن يقول له: اشتر سلعة كذا وكذا فأنا أربحك فيها وأشتريها منك. من غير أن يراوضه على الربح. قال ابن رشد:

والوجه الحرام مرت العينة أن يقول: اشتر لي سلعة كذا وكذا بعشرة نقدًا، أنا أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل. فذلك حرام لا يجوز لأنه رجل زاد في سلفه. قال: فإن وقع ذلك لزمت السلعة الآمر لأن الشراء كان له، ويكون للمأمور جعل مثله بالغًا ما بلغ في قول، والأقل من جعل مثله والدينارين اللذين أربى له بهما في قول، ا. هـ. ما مضمونه منقول من المواق.

وفي الموطإ عن مالك أنه بلغه أن رجلًا أراد أن يبتاع طعامًا من رجل إلى أجل، فذهب به الرجل الذي يريد أن يبيعه الطعام إلى السوق، فجعل يريد الصُّبرَ ويقول له: من أيها تحب أن أبتاع لك. فقال المبتاع: أتبيعني ما ليس عندك؟ فأتيا عبد الله بن عمر فذكرا ذلك له فقال عبد الله بن عمر للمبتاع: لا تبتعْ منه ما ليس عندك. قال للبائع: لا تبع ماليس عندك. ا. هـ -. منه.

قال القرطبي في تفسيره: روى أبو داود عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْع وَتَرَكْتُمُ الْجهَادَ، سَلَّطَ اللّهُ عَلَيْكمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ".

قال: في إسناده أبو عبد الرحمن الخراسانى ليس مشهورًا. وفسر أبو عبيد الهروي العينة فقال: هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمّى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. قال القرطبي: قال علماؤنا: فمن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها بثمن من جنس الثمن الذي باعها به، فلا يخلو أن يشتريها منه بنقد، أو إلى أجل دون الأجل الأول، أو إلى أبعد منه، بمثل الثمن، أو بأقل منه، أو بأكثر، فهذه ثلاث مسائل؛ فأما الأولى والثانية؛ فإن كان بمثل الثمن أو أكثر جاز، ولا يجوز بأقل على مقتضى حديث عائشة؛ لأنه أعطى ستمائة ليأخذ ثمانية، والسلعة لغو، وهذا هو الربا بعينه. وأما الثالثة إلى أبعد من الأجل؛ فإن كان اشتراها =

ص: 286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وحدها أو زيادة فيجوز بمثل الثمن أو أقل منه، ولا يجوز بأكثر، فإن اشترى بعضها فلا يجوز على كل حال لا بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر. قال: ومسائل هذا الباب حصرها علماؤنا في سبع وعشرين مسألة، ومدارها على ما ذكرناه والله أعلم، ا. هـ. منه.

قلت: قد بحث الإمام ابن القيم عليه رحمة الله مسألة العينة وحكحها في الكلام على حديث ابن عمر عند أبي داود الذي ذكرنا آنفًا، ونورد هنا ملخصًا لهذا البحث القيم مع الإِحالة عليه لاستقصاء ما فيه، قال ابن القيم رحمه الله.

في الباب حديث أبي اسحاق السبيعي. عن امرأته أنها دخلت على عائشة رضي الله عنها، فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، فقالت: يا أم المؤمنين، إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم الحديث، وقد تقدم نقله، قال ابن القيم: هذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني، وذكره الشافعي وأعله بالجهالة بحال امرأة أبي اسحاق، وقال: لو ثبت فإنما عابت عليها بيعًا إلى العطاء لأنه أجل غير معلوم، ثم قال: ولا يثبت مثل هذا عن عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالًا.

قال البيهقي: ورواه يونس بن أبي اسحاق عن أمه العالية بنت أنفع أنها دخلت على عائشة مع أم محمد. وقال غيره: هذا الحديث حسن ويحتج بمثله؛ لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان: أبو اسحاق زوجها ويونس ابنها، ولم يعلم فيهما جرح، والجهالة ترفع عن الراوي بمثل ذلك، ثم إن هذا مما ضبطت فيه القصة، ومن دخل معها على عائشة، وقد صدقها زوجها وابنها وهما من هما، فالحديث محفوظ.

قال ابن القيم: الدليل على تحريم العينة العينة من وجوه: أحدها أن الله حرم الربا، والعينة وسيلة إلى الربا، بل هي من أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام، بدليل ما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين؟ فقال: دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينها حريرة. وفي كتاب الحافظ محمد بن عبد الله المعروف بمطين، عن ابن عباس أنه قال: اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة. وفيه عن أنس أنه سئل عن العينة. يعني بيع الحريرة فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله، وقول الصحابي: حرم رسول الله كذا، أو أمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا، في حكم الرفع اتفاقًا عند أهل العلم، إلا

ص: 287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خلافًا شاذًا لا يعتد به، ولا يؤيه له. قال ابن القيم عليه رحمة الله: فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم العينة: حديث ابن عمر، الذي فيه تغليظ العينة، وحديث أنس وحديث ابن عباس أنها مما حرم الله ورسوله، وحديث عائشة، وقد عمل به بعض الصحابه والسلف، وهذا حجة باتفاق الفقهاء. قال: وروى أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوُكَسُهُمَا أَو الرِّبَا". قال: وقد فسره بعضهم بأن يقول: أيبيعكها بمائة إلى سنة على أن اشتريها منك بثمانين حالة؟. قال: وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره؛ وهو مطابق لقوله: "فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا". فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي، أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة؛ فإنه قد جمع صفقتي النقد: النسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا.

قال: فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه صلى الله عليه وسلم وانطباقه عليها.

قال ابن القيم: فإن قيل: فما تقولون إذا لم تعد إلسلعة إليه بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عينة؟. فالجواب أن هذه مسالة التورق لأن المقصود منها الوَرق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العينة، وأطلق عليها اسمها، وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: التورق آخية الربا. ا. هـ. منه باختصار. والآخية بالمد العروة في طرف الحبل تربط به الدابة.

قلت: والتورق عند أصحابنا من العينة؛ قال القرطبي في تفسيره: فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها، ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمَّى، ثم باعها المشتري من بائعها الأول بالنقد بأقل من الثمن، فهذه أيضًا عينة، وهي أهون من الأولى، وهو جائز عند بعضهم.

تنبيهٌ: جرت عادة بعض البلاد الإسلامية بتوزيع وثائق بأنواع من الطعام وغيره على بعض أفراد الناس، فيتبايع الناس في تلك الوثاثق قبل قبضها، فأردت التنبيه هنا على أن ذلك لا يجوز، ففي الموطإ عن مالك أنه بلغه أن صكوكًا خرجت للناس في زمان مروان بن الحكم من طعام الجار، =

ص: 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، فدخل زيد بن ثابت ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على مروان بن الحكم فقالا: أتُحِلُّ الرِّبا يا مروان؟. فقال: أعوذ بالله، وما ذلك؟. فقالا: هذ. الصكوك تبايعها الناس ثم باعوها قبل أن يستوفوها. فبعث مروان بن الحكم الحرس يتبعونها ينزعونها من أيدي الناس ويردونها إلى أهلها. ا. هـ.

ص: 289

‌فَصْلٌ

إِنَّمَا الْخِيارُ بِشَرْطٍ (1) كَشَهْرٍ فِي دَارٍ وَلَا يَسْكُنُ، وكَجُمُعَةٍ فِي رَقِيقٍ (2) واسْتَخْدَمَهُ، وكَثَلَاثَةٍ فِي دَابَّةٍ وَكَيَوْمٍ لِرُكُوبِهَا وَلَا بَأْسَ بِشَرْطِ الْبَرِيدِ. أشْهَبُ: والبريدَيْنِ. وَفِي كَوْنِهِ خِلَافًا تَرَدُّدٌ، وكَثَلَاثَةٍ فِي ثوْبٍ، وصَحَّ بَعْدَ بَتٍّ. وهَلْ إِنْ نَقَدَ؟ تَأوِيلَانِ، وضمِنَهُ حِينَئذٍ المُشْتَرِي.

‌الكلام على الخيار

ينقسم الخيار إلى خيار تروّ وإلى خيار نقيصة؛ لأنه إما من جهة العاقد أو من جهة المعقود عليه، فإن كان من جهة العاقد بأن يشترطه أحد المتبابعين أوكلاهما، فهو خيار التروي، أي النظر والتفكر في الأمر والتبصر فيه. وإن كان موجبه ظهور عيب في المبيع أو استحقاق فهو خيار النقيصة، ويسمى الخيار الحكمي، وبدأ المصنف كغيره بالكلام على خيار التروي؛ وهو الذي ينصرف إليه بيع الخيار عند الإطلاق في عرف الفقهاء، وهو كما قال ابن عرفة: بيع الخيار بيعٌ وُقف بتُّه أولًا على إمضاء يتوقع، ا. هـ. الحطاب.

(1)

قوله: إنما الخيار بشرط: نبه بأداة الحصر على أن خيار التروي عند أصحابنا إنما يكون بالشرط؛ أي بأن يشترطه أحد المتبايعين أوكلاهما، خلافًا لابن حبيب من أصحاب مالك، ولعبد الحميد الصائغ من أصحابنا المتأخرين، فإنهما جعلا خيار التروي ينقسم الى قسمين: خيار مكان وخيار شرط؛ أما خيار المكان فهو خيار المجلس لأنه ثبت به الحديث المتفق عليه من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر، أن، رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الْمُتَبَايعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بالْخِيَار عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ"

قال البغوي: اختلف العلماء في ثبوت خيار المكان للمتبايعين؛ فذهب أكثرهم إلى أنهما بالخيار بين فسخ البيع وإمضائه ما لم يتفرقا بالأبدان. يروى ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو، وحكيم بن حزام، وعبد الله بن عمر، وأبي برزة الأسلمي. وإليه ذهب شريح، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، والشعبي، وطاوس، وعطاء بن أبي رياح، والزهري، =

ص: 290

وَفَسَدَ بشَرْطِ مُشَاوَرَةِ بَعِيدٍ، أوْ مُدَّةٍ زَائِدَةٍ أوْ مَجْهُولَةٍ أوْ غَيْبَةٍ، عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، أوْ لُبسِ ثَوْبٍ وَرَدَّ أْجْرَتَهُ، ويَلْزَمُ بانْقِضَائِهِ، وَرُدَّ فِي كالْغَدِ، وبِشَرْطِ نَقْدٍ؛ كَغَائِبٍ وعُهْدَةِ ثَلَاثٍ ومُواضَعَةٍ وَأرْض لَمْ يؤمَنْ رِيُّهُا، وَجُعْل وإجَارَةٍ لِحِرْزِ زَرْع وَأَجِيرٍ تَأخَّرَ شَهْرًا، وَمُنعَ وَإنْ بِلَا شَرْطٍ فِي مُوَاضَعَةٍ وغَائِبٍ

= والأوزاعي، وابن مبارك، والشافعي، وأحمد، واسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور. ا. هـ. وذهب إبراهيم النخعي، وأبو حنيفة، وفقهاء المدينة السبعة إلا ابن المسيب، ومالك بن أنس، وأبو ثور، إلى عدم العمل بظاهر هذا الحديث الصحيح المتفق عليه من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر، بل نبه مالك على أنه إنما ترك العمل به لما هو أرجح عنده، فقد قال في عقبه في الموطإ: وليس لها حد معروف، ولا أمر معمول به. قال ابن العربي: يريد أن فرقتهما ليس لها وقت معلوم. قال: وهذه جهالة يقف البيع عليها فيكون كبيع الملامسة والمنابذة، وكالبيع إلى أجل مجهول؛ فيكون بيعًا فاسدًا. ولهذه النكتة عدل مالك والفقهاء السبعة بالمدينة إلا ابن المسيب، عن العمل بظاهر هذا الحديث الصحيح. وأيضًا فإن في بعض روايات هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:"وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَقِيلَهُ" قالوا: فلو كان خيار المجلس ثابتًا لما احتيج إلى الاستقالة، لأن البيع لم يبرم لثبوت الخيار لكل منهما، وتفسير المخالف للاستقالة هنا بفسخ البيع لا ينهض؛ لأن الإقاله لفظ شرعي اختلف العلماء هل هو ابتداء بيع جديد أم حل للبيع الأول؟. والفسخ إنما يستعمل شرعًا في البيوع الفاسدة، ولم يقل أحد هِنا بفساد البيع ممن يجيز خيار المجلس، فمن أين لهم تفسير الإقالة هنا بالفسخ؟. إن لم يكن للتعصب المذهبي!! والخلاف - هل الإقالة بيع ابتداء، أم هي حل للبيع؟ - معروف نظمه الشيخ علي الزقاق في المنهج المنتخب بقوله:

هل نقض أو بيع إقالة بلا

زيد ونقص؟. وعليه نقلا

ألخ

وسوف نتكلم على المبحث هذا في محله بإذن الله.

وأيضًا فقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فأتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم

ص: 291

وَكِرَاء ضُمَّنَ فِي سَلَمٍ بخِيَارٍ، واسْتَبَدَّ بَائِعُ أوْ مُشْتَرٍ عَلى مَشورَةٍ غَيْرِهِ، لَا خِيَارِهِ وَرِضَاهُ، وتُؤُوّلَتْ أَيْضًا عَلى نَفْيِهِ فِي مُشْتَرٍ، وعَلَى نَفْيِهِ فِي الخيارِ فَقَطْ وعَلى أنَّهُ كالْوَكيلِ فِيهِمَا، ورَضِيَ مُشْتَرٍ كَاتَبَ أوْ زوَّجَ وَلَوْ عَبْدًا، أوْ قَصَدَ تَلَذُّذًا، أوْ رَهَنَ أوْ آجَرَ أوْ أسْلَمَ لِلْصَّنْعَةِ، أوْ تَسَوَّقَ أوْ جَنَى إنْ تَعَمَّدَ أوْ نَظَرَ الفَرْجَ

فيزجره عمر ويرده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:"بِعْنِيهِ. قال: هو لك يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بِعْنِيهِ". فباعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ".

قال ابن حجر في الكلام عليه، قال ابن المنير: أراد البخاري إثبات خيار المجلس بحديث ابن عمر الذي فيه قصته مع عثمان وهو بين في ذلك، ثم خشي أن يعترض عليه بحديث ابن عمر في قصة البعير الصعب لأن النبي صلى الله عليه وسلم تصرف في البكر بمجرد تمام العقد، فأسلف الجواب عليه في الترجمة بقوله:"ولم ينكر البائع" يعني أن الهبة المذكورة إنما تمت بإمضاء البائع وهو سكوته المنزل منزلة قوله.

قال ابن التين: وهذا تعسف من البخاري، فهل يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه وهب ما فيه لأحد خيار أو إنكار؟. لأنه إنما يعث مبينًا، ا. هـ. منه بتصرف قليل.

فالحديث دليل لمالك ومن وافقه على أن البيع يلزم بمجرد العقد، على الرغم مما حاول ابن حجر به الجواب عما ذكر ابن التين أنه تعسف من الإِمام البخاري. وأيضًا فقد ذكر قوم بأن حديث:"الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" منسوخ بحديث "الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ". قالوا: والخيار بعد لزوم العقد يفسد الشرط. "وأيضًا فقد احتجوا بحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين، لأنه يقتضي الحاجة إلى اليمين، وذلك يستلزم لزوم العقد، فلو ثبت الخيار لكان كافيًا في رفع العقد.

واحتجوا أيضًا بقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ، فأين وقت الإِشهاد المأمور به عند من يرى خيار المجلس؟. فإن وقع قبل التفرق لم يصادف محلًا، لأن البيع لم ينعقد بعد، وإن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر.=

ص: 292

أوْ عَرَّبَ دَابَّةً أوْ وَدَّجَهَا، لَا إنْ جَرَّدَ جَارِيَةً، وَهُوَ رَدُّ مِنَ الْبَائِع إلَّا الإِجَارَةَ ولا يُقْبَلُ مِنْهُ أنَّهُ اخْتَارَ أوْ رَدَّ بَعْدَهُ إلا بِبَيَّنَةٍ، ولَا يَبِعْ مُشْتَرٍ، فَإنْ فَعَلَ فَهَلْ يُصَدَّقُ أنَّهُ اخْتَارَ بِيَمِينٍ، أوْ لِرَبَّهَا نَقْضُهُ؟ قَوْلَانِ. وانْتَقَلَ لِسَيَّدِ مُكَاتَبٍ عَجَزَ ولِغَرِيمٍ أحَاطَ دَيْنُهُ، وَلَا كَلَامَ لِوَارِثٍ إلَّا أنْ يَأخُذَ بِمَاله

= فتعين حمل التفرق المذكور في الحديث على ما بين قول البائع: بعتك بكذا. وبين قول المشتري: اشتريت. فإن للمشتري الخيار في القبول وعدمه الى أن يقول: اشتريت. وللبائع الخيار كذلك. حكى ذلك ابن حويز منداد من أصحابنا عن مالك، وحكاه الطحاوي عن عيسى بن أبان، وقال عيسى بن أبان: وتظهر فاثدته فيما لو تفرقا قبل القبول، ا. هـ. وهل يستطيع مكابر إنكار وقوع الفرقة بالأقوال بعد قوله تعالى:{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ}

قال الحطاب: وقد أكثر أصحابنا من الأجوبة عن هذا الحديث، وقد أتى بأكثرها المازري في شرح التلقين، وابن دقيق العيد في شرح العمدة.

قلت: وإذا تقرر أن المسألة للاجتهاد فيها مجال واسع، فأين محل هذا التشنيع الذي قام به بعض المخالفين، والحملة على إمام دار الهجرة، كالخطابي في قوله: أما قوله: ليس عليه العمل عندنا

فإنما هو كأنه قال: أردّ هذا الحديث ولا أعمل به. فيقال: الحديث حجة، فلِمَ رددته؟ ولِمَ لمْ تعمل به؟. وكأن مالكًا لم يترك العمل به إلا لأنه ليس عليه العمل بالمدينة - سامح الله الخطابي - وحتى مثل الخطابي يصدر منه مثل هذا!. ينزل مالكًا منزلة الجاهل بخطابه له خطاب الجاهل على غرار قرل أهل البلاغة.

كقولنا لعالم وقد فسق

يا أيها العالم إن الموت حق

فالخطابي يقول لمالك: الحديث حجة. وكان مالكًا لا يعلم أن الحديث حجة، والخطابي يروي أن الشافعي قال: رحم الله مالكًا، لست أدري من اتهم في إسناد هذا الحديث؟. فهل احتج واحد من أصحاب مالك بأن مالكًا ترك العمل بهذا الحديث لعلة في سنده؟. سامح الله الخطابي في تشنيعه ذلك على شيخ مشائخه، وغفر الله لنا وله وجمعنا جميعًا في مستقر رحمة الله، حتى نتذاكر هذا الحكم بعد كشف الغطاء.

(2)

وقوله: كشهر في دار، ولا يسكن، وكجمعة في رقيق ألخ

ذلك لأن النظر في

ص: 293

وَلِوَارِثٍ، والقِياسُ رَدُّ الْجَميع إنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ، والاسْتِحْسَانُ أخْذُ المُجِيز الْجَمِيعَ. وهَل وَرَثَةُ الْبَائِعِ كَذَلِكَ؟ تأويلَانِ. وَإنْ جُنَّ نَظَر السَّلْطَانُ، ونُظِرَ المُغْمَى؛ وَإنْ طَالَ فُسِخَ. وَالمِلْكُ لِلْبَائِع ومَا يوهَبُ لِلْعَبْدِ إلَّا أن يَسْتَثْنِيَ مَالَهُ، والْغَلَّةُ وأرْشُ مَاجَنَى أجْنَبيٌّ لَهُ بِخِلَافِ الْوَلَدِ، والضَّمَانُ مِنْهُ. وحَلَفَ مُشْتَرٍ إلَّا أن يَظْهَر كَذِبُهُ أوْ يُغَاب عَلَيْهِ إلَّا بِبَيَّنَةٍ، وضَمِنَ المُشْتَرِي إنْ خُيَّر البائعُ الأكْثَرَ، إلَّا أنْ يَحْلِفَ فَالثَّمَنُ كَخِيَارِهِ وكَغَيْبَةِ بَائِعٍ والخِيَارُ لِغَيْرِهِ.

خيار التروي تختلف مدته باختلاف المبيعات، فإن القصد ما تختبر فيه تلك السلعة؛ فالعبد يختبر عقله وخلقه وخدمته وبلادته ونشاطه، والجارية يختبر عقلها وخلقها وقوتها على الخدمة، وإحكامها لما تتناوله من الطبخ والخبز وما أشبه ذلك من الصنعة، والدار يختبر جيرانها وبناؤها ومكانها، وينظر إلى أساسها وحيطانها ومنافعها، والدواب يختبر خلقها وسيرها وقوتها من ضعفها ونشاطها من عجزها وأكلها، وحالها في وقوفها ووضع الإِكاف عليها وما أشبه ذلك، وأما الثياب والعروض فلا وجه للاختبار فيها وإنما الخيار فيها للمشورة خاصة، أو ليقيس على نفسه ما اشترى من ذلك للباسه، قال ابن رشد: فأمد الخيار إذًا إنما هو بقدر ما يحتاج إليه في الاختبار والارتياء مع مراعاة إسراع التغير إلى المبيع وإبطائه عنه، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة في قولهما إنه لا يجوز الخيار في شيء فوق الثلاث، ا. هـ. منه.

وأصل مدة الخيار قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ". رواه مسلم. وأصل خيار الشرط حديث ابن عمر المتفق عليه أن رجلًا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيع، فقل رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ". قال فكان الرجل إذا بايع يقول: لَا خِلَابة.

قال البغوي: والخلابة الخديعة. وهي مصدر خلبْتُ الرجل أخْلُبُه خَلْبًا وخِلابة، إذا خدعته. وهذا الرجل يقال فيه أنه حبان بن منقذ الأنصاري أو أبوه منقذ - بفتح القاف، وحبان بفتح الحاء.

قال البغوي: والحديث يدل على شرط الخيار في البيع. وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز أكثر من ثلاثة أيام، فإن شرط أكثر منها فسد البيع. وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، لأن الخيار يمنع مقصود البيع، فكان القياس أنه لا يجوز، غير أنه جوز خيار الثلاث في حديث المصرّاة، فلا يجوز أن يزاد عليها إلا بخبر. =

ص: 294

وَإنْ جَنَى بَائِعٌ والْخِيارُ لَهُ عَمْدًا فَرَدٌّ، وَخَطَأً فَلِلْمُشْتَرِي خِيارُ الْعَيْب، وَإنْ تَلِفَتْ انْفَسَخَ فِيهِمَا، وَإنْ خُيَّرَ غَيْرُهُ وتَعَمَّدَ فَلِلْمُشْتَري الرَّدُّ أوْ أخْذُ الجِنَايَةِ، وَإنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ الأكْثَرَ، وَإنْ أخْطَأَ فَلَهُ أخْذُهُ نَاقِصًا أوْ رَدُّهُ، وَإنْ تَلِفَتْ انْفَسَخَ، وَإنْ جَنَى مُشْتَرٍ وَالْخِيارُ لَهُ وَلَمْ يُتْلِفْهَا عَمْدًا فَهُوَ رِضًا وَخَطَأً فَلَهُ رَدُّةُ ومَا نَقَصَ، وَإنْ أتْلَفَهَا ضَمِنَ الثَّمَنَ وَإنْ خُيَّرَ غَيْرُهُ وَجَنَى عَمْدًا أوْ خَطَأً فَلَهُ أخْذُ الجنَايَةِ أوْ الثَّمَنِ، فَإنْ تَلِفَتْ ضَمِنَ الْأكْثَرَ، وَإنِ اشْتَرَى أحَدَ ثَوْبَبْنِ وقَبَضَهُمَكا لِيَخْتَارَ فادَّعَى ضَياعَهُمَا ضَمِنَ وَاحِدًا بالثَّمَنِ فَقَطْ، وَلَوْ سَأَلَ فِي إقْبَاضِهِمَا، أوْ ضَيَاعَ وَاحِدٍ ضَمِنَ نِصْفَهُ وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِي؛ كَسَائِل دِينَارًا فَيُعْطَى ثَلَاثَةً لِيَخْتَارَ، فَزَعَمَ تَلَفَ اثنَيْنِ فيكُونُ شَرِيكًا وَإنْ كَانَ لِيَخْتَارَهُمَا، فَكِلَاهُمَا مَبيعٌ ولَزِمَاهُ بِمُضِيَّ الْمُدَّةِ وَهُمَا بِيَدِهِ، وَفِي اللُّزُومِ لأحَدِهِمَا يَلْزَمُهُ النَّصْفُ مِنْ كُلًّ وَفِي الاخْتِيارِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْء، ورُدَّ بِعَدَمِ مَشْرُوطٍ فِيهِ غَرَضٌ (1)؛ كَثَيَّبٍ ليَمينٍ فَيَجِدُهَا بِكْرًا (2) وَإنْ بِمُنَادَاةٍ (3) لَا إنْ انْتَفَى، وبِمَا الْعَادَةُ السَّلَامَةُ مِنْهُ؛ كَعَوَرٍ (4).

= وقال ابن أبي ليلى: يجوز زائدًا بعد أن تكون المدة معلومة كالأجل. وبه قال أبو يوسف.

وقال مالك يجوز قدر الحاجة إليه في معرفة المبيع؛ ففي الثوب يومان أو ثلاثة، وفي الحيوان أسبوع ونحوه، وفي الدور شهر ونحوه. ا. هـ.

تنبيهُ: قال البغوي: لا يشترط الخيار في كل عقد يشترط فيه قبض العوضين في المجلس مثل عقد الصرف، وبيع الطعام بالطعام، ولا فيما يشترط فيه قبض أحد العوضين، وهو عقد السلم، لأن القبض شرط فيها لكي يتفرقا عن عقد لازم لا علاقة بينهما، وشرط الخيار ينفي هذا المعنى. ا. هـ. منه.

(1)

وقوله: ورُدّ بعدم مشروط فيه غرض إلخ. هذا شروع منه، رحمه الله، في الكلام على

ص: 295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النوع الثاني من الخيار وهو خيار النقيصة؛ وهو ما ثبت بسبب نقص يخالف ما التزم البائع شرطًا أو عرفًا في زمان ضمانه، والتغيير الفعلي داخل في الشرط. وقال ابن عرفة: هو لقب لتمكين المبتاع من رد مبيعه على بائعه لنقصه عن حالة بيع عليها غير قلة كمائة قبل ضمانه مبتاعه، فيدخل حديث النقص في الغائب والمواضعة وقبل الاستيفاء وبت الخيار، إلا الرد لاستحقاق الأكثر، ا. هـ. الحطاب.

ودليل هذا الخيار قوله صلى الله عليه وسلم: "الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" الحديث. هذا إذا كان النقص يخالف ما التزم البائع بشرط، وإن كان النقص يخالف ما التزم عرفًا، فإن الدليل قوله تعالى:{وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} الآية، لأن العرف محكم معتبر شرعًا ما لم يخالف الشرع. وهذه إحدى أمهات الفقه الخمس التي لا تكاد تجد فرعًا غير داخل تحت واحدة منها، وقد ذكر هذه الخمس شيخ ماشخنا الشيخ سيد عبد الله بن الحاج إبراهيم في مراقي السعود بقوله:

قد أْسَّسَ الفقه على رفع الضرر

وأن ما يشقُّ يجلب الوطر

ونْفيُ رفع العلم بالشك، وأن

يُحكَّمَ العرفُ وزاد من فطن

كون الأمور تبعَ المقاصد

مع تعذر لبعض وارد

وهي: الضرر يزال، والمشقه تجلب التيسير، والعلم لا يرفع بالشك، والعرف محكم، والأعمال بالنيات. وبالله تعالى التوفيق.

(2)

وقوله: كثيب ليمين فيجدها بكرًا، تقريره أن من اشترى أمة واشترط أن تكون ثيبًا ليمين أن لا يشتري بكرًا مثلًا فله ردها. قال المواق: أفتى بذلك ابن سهل.

(3)

وقوله: وإن بمناداة - قال المواق: قال مالك في الأمة تباع في الميراث فيقول الصائح عليها: إنها تزعم أنها بكر. ولا يشترطون ذلك، فتوجد غير بكر، فله الرد. وكذا لو قال: إنها تزعم أنها طباخة. ثم لم توجد كذلك فلترد. ا. هـ. منه.

(4)

وقوله: وبما العادة السلامة منه كعور ألخ، أي ورد المبيع بوجود ما العادة السلامة منه، مما يؤثر في نقص الثمن أو المبيع أو في التصرف أو خوف في العاقبة؛ فالذي يؤثر في نقص الثمن =

ص: 296

وخِصَاء، واسْتِحَاضَةٍ، وَرَفْعِ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاء، وعَسَرٍ، وزنا، وشُرْبٍ، ويَخَرٍ، وَزَعَرٍ، وزيَادَةِ سِنّ وظُفُرٍ، وعُجَرٍ ويُجَرٍ، وَوَالِدَيْنِ أوْ وَلَدٍ، لَا جَدٍّ ولَا أخٍ، وجُذَامِ أبٍ (1) أوْ جُنُونِهِ بِطَبْعٍ، لا بِمَسِّ جِنًّ، وسُقُوطِ سِنَيْنِ، وفِي الرَّائِعَةِ الْوَاحِدَةُ، وشَيْبٍ بِهَا فَقَطْ وإنْ قَلَّ، وجُعُودَتِهِ وصُهُوبَتِهِ، وَكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا وَلَوْ وخْشًا، وَبَوْلٍ فِي فِرَاشٍ فَي وَقْتٍ يُنْكَرُ إِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَإلَّا حَلَفَ إنْ أُقِرَّتْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وتَخَنُّثِ عَبْدٍ، وَفُحُولَةِ أمَةٍ اشْتَهَرَتْ، وَهَلْ هُوَ الْفِعْلُ أوْ التَّشَبُّهُ؟ تأويلَانِ. وقَلَفِ ذَكَرٍ، وأنْثُى مُوَلَّدٍ أوْ طَوِيلِ الإِقَامَةِ، وخَتْنِ مَجْلُوبِهِمَا، كَبَيْعٍ بِعُهْدَةِ ما اشْتَرَاهُ بِبَرَاءَةٍ، وَكَرَهَصٍ، وعَثَرٍ، وحَرَنٍ، وعَدَم حَمْلٍ مُعْتَادٍ، لَا ضَبْطٍ وَثيُوبَةٍ إلَّا فِيمَنْ لَايُفْتَضُّ مِثْلُهَا، وَعَدَمِ فُحْشِ ضِيقِ

= دون المبيع كما لو وجده آبقًا أو سارقًا. والذي يؤثر في نقص المبيع دون الثمن كالخصاء في العبد. والذي يؤثر في نقص التصرف كالعسر والتخنث. والذي يؤثر خوفًا في العاقبة كجذام أحد الأبوين.

قال ابن قدامة في المغني: إنه متى علم بالمبيع عيبًا لم يكن عالمًا به، فله الخيار بين الإِمساك والفسخ. وسواء كان البائع علم العيب وكتمه أو لم يعلم، لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافًا. قال: وإثبات النبي صلى الله عليه وسلم الخيار بالتصرية تنبيه على ثبوته بالعيب، ولأن مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب، بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى مملوكًا فكتب:"هذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْعَذَّاء بْنِ خَالِدٍ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أوْ أَمْةً لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ" فثبت أن بيع المسلم يقتضي السلامة، ولأن الأصل السلامة والعيب حادث. انتهى منه.

(1)

وقوله: وجذام أب، في المواق: قال محيي الدين النووي: جمهور العلماء على أن حديث: "لَا عَدْوى" وحديث: "لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ". حديثان صحيحان يجب الجمع بينهما، فقد نفي بحديث:"لَا عَدْوَى" زعم الجاهلية أن العاهة تعدي بطبعها لا بفعل الله، وأرشد حديث:"لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ". إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر بفعل الله وإرادته. قال. وهذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء ويتعين المصير إليه.=

ص: 297

قُبُلٍ، وكَوْنِهَا زَلَّاءَ، وكيّ لَمْ يُنَقَّصْ، وتُهْمَهِ بِسَرِقَةٍ حُبِسَ فيها ثُمَّ ظَهَرَتْ بَراءَتُهُ، ومَا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَغَيُّرٍ كَسُوسِ الخَشَبِ والجَوْزِ وَمُرَّ قَثَّاءٍ، وَلَا قِيمَةَ، وَرُدَّ الْبَيْضُ، وعَيْبٍ قَلَّ بِدَارٍ وَفِي قَدْرِهِ تَرَدُّدٌ، ورَجَعَ بِقِيمَتِهِ كَصَدْعِ جِدَارٍ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا مِنْهُ إلَّا أن يَكُونَ واجِهَتَهَا، أوْ بِقَطْعِ مَنْفَعَةٍ كَمِلْحِ بِئْرِهَا بِمَحَلَّ الحَلَاوَةِ، وَإنْ قَالَتْ: أنَا مُسْتَوْلَدَةٌ. لَمْ تَحْرُمْ لكِنَّهُ عَيْبٌ إنْ رَضِيَ بِهِ بَيَّنَ، وتَصْريَةُ الحَيَوانِ كَالشَّرْطِ كَتَلْطِيخِ ثَوْبِ عَبْدٍ بمِدَادٍ (1) فيَرُدُّهُ بِصَاعٍ مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ (2).

وقال الطرطوشي: ومن اكتوى أو رقي معتمدًا على ما أجرى الله عادته وسنته عندها فهو معتمد على خالقه سبحانه، وإنما يقدح في التوكل أن يرى البرء من قبل الاكتواء والرقى خاصة.

قال ابن العربي: من شهد في الجمادات أنها تفعل بنفسها فهي شهادة زور لأنه لم يدرك ذلك جواسه، ولا حصل له به العلم ابتداء في نفسه، والذي شاهد بنفسه أن شيئًا إذا جاور النار احترق، فإذا شهد بأن الهثيم إذا اتصل بالنار احترق، كان هذا الكلام صادقًا، وإذا قال: النار أحرقته. كان كذبًا بحتًا؛ لأن النار ليست بفاعلة وإنما هي جماد، والجماد لا يصح منه فعل، فإن قال: خلق الله فيها قوة تحرق بها. قيل له: هذه شهادة بما لم تر ولم تسمع؛ لأن القوة لا ترى ولا تسمع ولا أخبر الله بها ولارسوله صلى الله عليه وسلم. فقف يا وقاف وقل: إنَّ الله يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد.

وقال ابن رشد: وانظر قول ابن العربي: إن قال: النار أحرقته كان كذبًا بحتًا مع قولهم: من أرسل نارًا في أرضه ضمن ما أحرقته، لأن هذا الانفعال وإن كان خلقًا لها فنحن قد أدركناه بالحس فيجب مراعاته كما يأثم من شرب سمًا أو أكله حتى مات، ا. هـ. المواق.

(1)

وقوله: وتصرية الحيوان كالشرط كتلطيخ ثوب عبد بمداد، يعني أن التغرير الفعلي كالشرط، وهو أن يفعل بالمبيع فعلًا يظن المشتري به كمالًا فلا يوجد؛ كأن يؤخر حلب الشاة أو البقرة مثلًا حتى يعظم ضرعها، فيظن المشتري أن ذلك واقع لكثرة حلبها، وإن يلطخ ثوب عبده بمداد أو يجعل دواة أو قلمًا بيده ليظن أنه كاتب، فإن مثل ذلك يكون كالشرط، فيرد المبيع إذا =

ص: 298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= تخلف الظن به. وهو نوع من أنواع الغش.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: "الْبَيَّعَان بالْخِيَار مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا". متفق عليه. وروى ابن ماجه: "مَنْ بَاعَ عَيْبًا لَمْ يُبَيَّنْهُ لَمْ يَزَلْ في مَقْتِ اللّهِ،، وَلمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ". وروى أيضًا: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِم بَاعَ مِنْ أَخِيه بَيْعًا إِلاَّ بَيَّنَهُ لَهُ".

قال ابن قدامة: والعمل على هذا عند أهل العلم؛ فقد كرهوا الغش وقالوا: هو حرام. فإن

باع المرء ولم يبين العيب فالبيع صحيح في قول أكثر أهل العلم. منهم مالك، والشافعي، وأبو

حنيفة، وحكي عن أبي بكر عبد العزيز أن البيع باطل لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد.

قال: ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التصرية وصحح البيع. لذلك فمتى علم بالبيع عيب لم يكن المشتري عالمًا به فله الخيار بين الإِمساك والفسخ، سواء كان البائع عالمًا به وكتمه، أو لم يعلم. لا يعلم بين أهل العلم في هذا خلاف. قال: وإثبات النبي صلى الله عليه وسلم الخيار بالتصرية تنبيه على ثبوته بالعيب، ولأن مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب، بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى مملوكًا فكتب:"هذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْعَدَّاء بْنِ خَالِدٍ عَبْدًا أَوْ أَمَةَ لَا دَاء وَلَا غَائِلَة بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ". فثبت أن بيع المسلم اقتضى السلامة. ا. هـ منه بتصرف.

(2)

وقوله: فيرده بصاع من غالب القوت وحرم ردّ اللبن، أي فيرد المشتري المبيع المصرّى بصاع، أي ومعه صاع. ودليل رد الصاع ما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تُصَرُّوا الِإْبِلَ وَالْبَقَرَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بعد ذلك فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا؛ إِنْ رَضِيَهَا أمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ". ومذهب المدونة أن يكون الصاع المردود مع اللبن من غالب قوت أهل بلد المشتري، ولو كثر اللبن جدًا أو قل جدًا إنْ اختلف قوتهم.

قلت: اختلف أهل العلم واللغة في تفسير المصراة، ومن أين أخذ هذا الوصف؟ ومن أين اشتقاقه؟ ونسب الخطابي في معالم السنن للشافعي قوله: التصرية: أن تربط أخْلَاف الناقة والشَّاةِ، وتترك من الخلب اليومين والثلاثة حتى يجتمع لها لبن، فيراه مشتريها كثيرًا، ويزيد في =

ص: 299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= ثمنها لما يرىَ من كثرة لبنها، فأذا حلبها بعد تلك الحلبة حلبة أو حلبتين عرف أن ذلك ليس بلبنها،

وهذا غرور المشتري.

وقال أبو عبيد: المُصَراةُ، الناقة، أو البقرة، أو الشاة، التي قد صُرَّيَ اللَّيَنُ في ضَرْعها، يعني حُقِنَ فيه، وجمع أيَّامًا فلم يحلب، وأصل التصرية، حبس الماء وجمعه، يقال منه: صريت الماء. ويقال: إنما سميت المصراة، كأنها مياه اجتمعت. قال أبو عبيد: لو كان من الربط لكان مصرورة، أو مصررة.

قال الخطابي: قول أبي عبيد حسنُ، وقول الشافعي صحيح، والعرب تصُر ضروع الحلوبات إذا أرسلتها تسرح، ويسمون ذلك الرباطَ: صرارًا، فإذا راحت حلت تلك الأربطة وحلبت، ومن هذا حديث أبي سعيد الخدُري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ أَنْ يَحُلَّ صرارَ نَاقَةٍ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحبِهَا، فَإِنَّهُ خَاتَمُ أَهْلِهِا عَلَيْهَا".

قال: ومن هذا الاستعمال قول عنتر: العبد لا يحسن الكَرَّ، إنما يحسن الحلب والصّر.

ومنه قول مالك بن نويرة، وكان قومه بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوا بها إلى أبي بكر رضي الله عنه، فمنعهم من ذلك ورد على كل رجل منهم صدقته، وقال: أنا جنة لكم مما تكرهون، وأنشأ يقول:

وقلت خذوها هذه صدقاتكم

مصرَّرة أخلافها لم تُجدَّد

سأجعل نفسي دون ما تجدونه

وأرهنكم يومًا بما قلته، يدي

قال الخطابي: وقد يحتمل أن نكون المصراة: أصله: المصرورة، أبدل احدى الراءين ياء كقولهم: تقضَّى البازي، وأصله تقضض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة فأبدلوا حرفًا منها بحرف آخر ليس من جنسها، قال العجاج:

تَقَضَّيَ الْبَازِي إذا البازي كَسَرْ

قال: ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} الآية. أي أخملها بمنع الخير، وأصله: من دسَّسَهَا، ومثل هذا في الكلام كثير. =

ص: 300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قال: وقد اختلف الناس في حكم المصراة؛ فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه يردها ويرد معها صاعًا من تمر، قولًا بظاهر الحديث؛ وهو قول مالك، والشافعي، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد وأبي ثور. وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى: يرد قيمة اللبن.

وقال أبو حنيفة: إذا حلب الشاة فليس له أن يردها، ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها، واحتج بأنه خبر مخالف للأصول؛ لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وفيه إبطال رد المثل فيما له مثل، وفيه تقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة واحدة، وبمقدار واحد. واحتج أهل هذا القول أيضًا بحديث:"الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ".

قال الخطابي: والجواب عن هذا: أن الأصل أن الحديث إذا ثبت عن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، وجب القول به، وصار أصلًا في نفسه، وعلينا قبول الشريعة المبهمة، كما علينا قبول الشريعة المفسرة، والأصول إنما صارت أصولًا لمجيء الشريعة بها، وخبر المصراة قد جاء به الشرع من طرق جياد أشهرها هذا الطريق، فالقول به واجب، وليس تركه لسائر الأصول أولى من تركها له.

قال: على أن تقويم المتلف بغير النقد موجود في بعض الأصول. منها: الدية في النفس مائة من الإِبل، ومنها: الغرة في الجنين. وقد جاء أيضًا تقويم القليل والكثير بالقيمة الواحدة؛ كأرش الموضحة مثلًا، فإنها ربما أخذت أكثر من مساحة الرأس، فيكون فيها خمسٌ من الإِبل، وربما كانت قدر الأنملة فيجب الخمس من الإِبل سواء. وكذلك الدية في الأصابع على اختلاف مقادير جمالها ومنفعتها، وجاءت السنة بالتسوية بين دية اللسان، والعينين، واليدين والرجلين. وأصحاب الرأي يوجبون في الحاجبين الدية، فأين منافع الحاجبين من اللسان واليدين والرجلين؟!

فكيف يجوز رد سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن بينها وبين بعض السنن مخالفة في بعض أحكامها؟. إنَّ أصحاب الرأي يقولون بخبر الوضوء بالنبيذ، وبخبر نقض الرضوء بالقهقهة في الصلاة، وهما خبران ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث، فكيف، إذًا يردون الخبر الصحيح بأنه خبر مخالف للأصول؟!

قال الخطابي: وأما احتجاجهم بحديث: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" فإن هذا الحديث مخرجه مخرج =

ص: 301

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= العموم، وخبر المصراة إنما جاء خاصًا في حكم بعينه، والخاص يقضي على العام، قال: ولو جاء الخبران معًا مقترنين في الذكر، لصح الترتيب فيهما، ولاستقام الكلام، ولم يتناقض عند تركيب أحدهما على الآخر، فكذلك إذا جاءا منفصلين غير مقترنين، لأن مصدرهما عن قول من تجب طاعته، ولا تجوز مخالفته.

قال: وقد أخذ كل واحد مز، أبي حنيفة ومالك بطرف من الحديث وترك الطرف الآخر، فأبو حنيفة يقول: لا خيار أكثر من ثلاث، ولم يقل برد الصاع، ومالك يقول برد الصاع، ولم يأخذ بالتوقف في خيار الثلاث، فكان أصح المذاهب قول من استعمل الحديث على وجهه، وقال بجملة ما فيه. يعني مذهبه مذهب الشافعي.

قلت: التحقيق إن شاء الله والفقه ما ذهب إليه شيخ الشافعي مالك رحمه الله؛ الذي يقول برد الصاع، والذي يقول في مدة الخيار بما يحصل فيه التروي في مثلها عادة؛ لأن المقصود من مدة التروي اختبار السلعة، ومعلوم أن مدة اختبار ثوب لا يمكن أن تتناسب مع مدة اختبار رقيق في خلقه وعمله وقوته وضعفه وما إلى ذلك؛ ولا يمكن أن تتناسب مع مدة اختبار دار في معرفة أخلاق جيرانها، واختبار منافعها، والكشف عن أسسها، وبئرها، وتشطب جدرانها، إلى غير ذلك.

ولا يمكن أن يتناسب مع مدة اختبار دابة في خلقها وخلقها؛ من صعوبة وسهولة وحرن إلى غير ذلك.

وأما قول المختصر في الصاع: من غالب القوت، فهو مذهب المدونة، ولعله يعتمد على حديث جُميع بن عمير عن ابن عمر عند أبي داود، فإن سنده ليس بذاك كما قال الىخطابي. قال المنذري: والأمر كما قال. قال ابن نمير: هو من أكذب الناس. وقال ابن حبان كان رافضيًا يضع الحديث.

ص: 302

وَحَرُمَ رَدُّ اللَّبَنِ (1)، لَا إنْ عَلِمَهَا مُصرَّاةً (2)، أوْ لَمْ تضَرَّ وظَنَّ كَثْرَةَ اللَّبَنِ إلَّا إنْ قُصِدَ واشْتُرَيَتْ فِي وَقْتِ حِلابِهَا وَكَتَمَهُ، ولَا بغَيْرِ عَيْبِ التَّصْرِيَةِ على الأحْسَنِ وتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِهَا عَلَى المخْتارِ والأرْجَحِ (3) وَإنْ حُلِبَتْ ثَالِثَةً، فإنْ حَصَلَ الاخْتِبَارُ بالثَّانِيَةِ فَهُوَ رضًا، وَفِي الموَازيَة لَهُ ذلِكَ، وَفِي كَوْنِهِ خِلَافًا تأويلان (4). ومَنعَ مِنْهُ بَيْعُ حَاكِمٍ وَوَارِثٍ رَقيقًا فَقَطْ بَيَّنَ أنَّهُ إرْثٌ وَخُيَّرَ مُشْتَرٍ ظَنَّهُ غَيْرَهُمَا وتَبَرَّي غَيْرِهِمَا فِيهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ إنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ، وَإذَا عَلِمَهُ بَيَّنَ أنَّهُ بِهِ، وَوَصَفَهُ أوْ أرَاهُ لَهُ ولَمْ يُجْملْهُ، وَزَوَالُهُ إلَّا مُحْتَمِلَ الْعَوْدِ، وَفِي زَوَالِهِ بِمَوْتِ الزَّوجَةِ وطَلَاقِهَا، وهُوَ المتأوَّلُ والأحْسَنُ، أوْ بالْمَوْتِ فَقَطْ، وهُوَ الأظْهَرُ، أو لا؟ أقْوَالٌ. وَمَا يَدُلُّ على الرِّضَا إلَّا مَا لَا يُنَقَّصُ كَسُكْنَى الدَّارِ، وحَلَفَ إنْ سَكَتَ بِلَا عُذْرٍ، فِي كَالْيَوْمِ، لا كَمُسَافِرٍ اضْطُرَّ لَهَا، أوْ تَعَذَّرَ قَوْدُهَا لِحَاضِرٍ، فَإنْ غَابَ بَائِعُهُ أشْهَدَ، فإنْ عَجَزَ أعْلَمَ الْقَاضِيَ فتَلَوَّمَ فِي بَعيدٍ الغيبةِ إنْ رُجِيَ قُدُومُهُ، كَأنْ لَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعُهُ عَلى الأصَحَّ، وفيها أيْضًا نَفْيُ التَّلَوُّمِ، وفي حملِهِ على الخلاف، تأويلانِ، ثُمَّ قَضَى إِنْ أثْبَتَ عُهْدَةً مُؤرَّخَةً وصِحَّةَ الشِّرَاءِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا وَفَوْتُهُ حِسًّا كَكِتَابَةٍ وتَدْبِيرٍ، فَيُقَوَّمُ سَالِمًا ومَعيبًا ويُؤخَذُ مِنَ الثَّمَنِ النَّسْبَةُ وَوُقِفُ فِي رَهْنِهِ وإجَارَتِهِ لِخلاصِهِ، وَرُدَّ إن لَمْ يَتَغيَّر كعَوْدِهِ لهُ بِعَيْبٍ أوْ بِمِلْكٍ مُسْتأنَفٍ؛ كَبَيعٍ أوْ هِبَةٍ أوْ إرْثٍ، فَإنْ بَاعَهُ

(1)

وقوله: وحرم رد اللبن، المواق: من المدونة قال ابن القاسم، وإذا ردها لم يكن له أن يرد اللبن معها إن كان قائمًا بغير صاع ولو كان له رده كان عليه في فواته مثله. ولو رضي البائع أن يقبلها مع اللبن بغير صاع لم يعجبني ذلك، لأنه وجب له صاع طعام فباعه قبل قبه بلبن، إلا أن يقبلها البائع بغير لبنها، فيجوز. =

ص: 303

لأجْنَبِيٍّ مُطْلَقًا، أوْ لَهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ أوْ أكثَرَ إنْ دَلَّسَ فلا رجوع، وإلَّا رَدَّ ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ، ولَهُ بِأَقَلَّ كَمَّلَ، وتَغَيُّرُ المَبِيعِ إنْ تَوسَّطَ فَلَهُ أخْذُ القَدِيمِ، وَرَدُّهُ ودَفْعُ الْحَادِثِ، وقُوِّمَا بِتَقْوِيمِ المبِيعِ يَوْمَ ضَمِنَهُ المُشْتَرِي، ولَهُ إنْ زَادَ كصِبْغٍ أنْ يَرُدَّ ويَشْتَرِكَ بِمَا زَادَ يَوْمَ البَيْعِ عَلَى الأظْهَرِ، وجُبِرَ بِهِ الْحَادِثُ، وفُرِقَ بين مُدَلِّسٍ وغيْره إنْ نَقَصَ؛ كهَلَاكِهِ مِن التَّدْلِيسِ.

وأخْذِهِ مِنْهُ بأَكْثَرَ، وتَبَرٍّ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ، ورَدِّ سِمْسَارٍ جُعْلًا، ومَبيعٍ لِمَحَلِّهِ إنْ رُدَّ بِعَيْبٍ، وإلَّا رُدَّ إِنْ قَرُبَ، وإلَّا فَاتَ كَعَجَفِ دَابَّةٍ وسِمَنِهَا وعَمىً وشَلَلٍ وتَزْويجِ أمَةٍ وَجُبِرَ بالْوَلَدِ إلَّا أنْ يَقْبَلَهُ بِالْحَادِثِ أوْ يَقِلَّ فكَالْعَدَمِ؛ كَوَعَكٍ ورَمَدٍ وصُدَاعٍ وَذَهَاب ظُفُرٍ وخَفِيفِ حُمَّى وَوَطْءِ ثَيَّبٍ وقَطْعٍ مُعْتَادٍ.

= (2) وقوله: لا إن علمها مصراة. يريد به والله أعلم، أنه إن اشتراها وهو عالم أنها مصراة، لم يكن له الرد، إلا أن يجدها قليلة اللبن جدًا دون المعتاد من مثلها، فإن لم تصر الشاة مثلًا، وظن المشتري كثرة لبنها، قال ابن القاسم في المدونة: من باع شاة حلوبًا غير مصراة في إبان حلابها، فإن لم يذكر ما تحلب، فإن كانت الرغبة فيها إنما هي اللبن، فإن يكن علم ذلك البائع فلا رد للمبتاع. قال. فإن كانت الرغبة فيها إنما هي اللبن والبائع يعلم ما تحلب فكتمه، فللمبتاع أن يرضاها أو يردها. قال: كصبرة يعلم البائع كيلها دون المبتاع.

(3)

وقوله: وتعدد بتعددها على المختار والأرجح، في المواق: قال اللخمي: اختلف إذا كان المبيع جماعة غنم هل يغرم صاعا واحدا أو يغرم صاعا عن كل شاة وهذا أصوب. وعزاه ابن يونس لابن الكاتب وصوبه.

(4)

وقوله: وإن حلبت ثالثة، فإن حصل الاختبار بالثانية فهو رضا، وفي الموازية له ذلك وفي كونه خلافًا تأويلان، في المواق: من المدونة قلت: فإن حلبها ثالثة؟. قال إن جاء من ذلك ما يعلم أنه حلبها بعد إن تقدم له من حلابها ما فيه خبرة، فلارد له، ويعد حلابها بعد الاختبار =

ص: 304

والْمُخْرِجُ عَنِ المَقْصُودِ مُفِيتٌ، فَالْأرْشُ كَكِبَرِ صَغِيرٍ، وهَرَمٍ، وافْتِضَاضِ بِكْرٍ، وقَطْعٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، إلَّا أنْ يَهْلِكَ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ أوْ بِسَمَاوِيًّ زَمَنَهُ كَمَوْتِهِ في إِبَاقِهِ، وَإنْ بَاعَهُ المُشْتَرِي وَهَلَكَ بِعَيْبِهِ رَجَعَ عَلى المُدَلَّسِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ رُجُوعُهُ عَلى بائِعِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فإنْ زَادَ فلِلثَّانِي، وإنْ نَقَصَ فَهَلْ يُكَمِّلُهُ؟. قَوْلَانِ، وَلَمْ يُحَلَّفْ مُشْتَرٍ ادُّعِيَتْ رُؤيَتُهُ إلَّا بِدَعْوَى الإِرَاءَةِ، وَلَا الرِّضا بِهِ إلَّا بِدَعْوَى مُخْبِرٍ، ولَا بائِعٌ أنَّهُ لَمْ يَأْبَقْ لإِبَاقِهِ بالقُرْبِ. وَهَلْ يُفْرَقُ بَيْنَ أكْثَرِ الْعَيْبِ، فيرْجِعُ نالزَّائِدِ، وأقَلَّهِ، بِالْجَمِيعِ، أو بالزَّائد مُطْلَقًا.

أوْ بَيْنَ هَلَاكِهِ فِيمَا بَيَّنَهُ أوْ لَا؟. أقوالٌ. وَرُدَّ بَعْضُ المَبِيعِ بِحِصَّتِهِ، ورُجِعَ بِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ سِلْعَةً إلَّا أن يَكُونَ الْأكْثَرَ أوْ أحَدَ مُزْدَوِجَيْنِ أوْ أْمًّا وَوَلَدَهَا، ولَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بأَقَلَّ استُحِقَّ أكْثَرُهُ وَإنْ كَانَ دِرْهَمَانِ وَسِلْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةً بِثَوْبِ، فاسْتُحِقَّتْ السَّلْعَةُ وَفَاتَ الثَّوْبُ، فَلَهُ قِيمَةُ الثَّوْبِ بِكَامِلِهِ ورَدَّ الدَّرْهَمَيْن، وَرَدُّ أحَدِ المشْتَرِيَيْنِ وَعَلى أحَدِ الْبَائِعَيْنِ، والْقَوْلُ لِلْبَائعِ فِي الْعَيْبِ

= رضا بها، ولا حجة عليه في الثانية إذ بها مختبر أمرها، وإنما يختبر ذلك الناس بالحلاب الثاني ولا يعرف بالأول، وفي الموازية: له زدها. قال اللخمي: وهو أحسن. وقال: عسى إن نقص لبنها في الثانية فظن نقصه من سوء المرعى ونحوه، ثم حلبها الثالثة فبان أنها مصراة، فله ردها بعد حلفه: ما رضي بها. ا. هـ. منه.

تنبيهٌ. موانع الخيار ومبطلاته صنفان: الأول منهما ما يبطل الرد على الإِطلاق؛ وهو. شرط البراءة مات العيب، وفوات المعقود عليه حسًا أو حكمًا، وما يدل على الرضا بالعيب، وزوال العيب قبل القيام به.

والصنف الثاني؛ ما يمنع من الرد على وجه دون وجه، شرع المصنف في تعداد ذلك بقوله ومنع بيع حاكم ووارت رقيقًا ألخ.

ص: 305

أوْ قِدَمِهِ إلَّا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي، وحَلَفَ مَنْ لَمْ يُقْطَعْ بِصِدْقِهِ، وقُبِلَ لِلْتَّعَذُرٍ غَيْرُ عُدُولٍ وَإنْ مُشْرِكَيْنَ، ويَمِينُهُ بِعْتُهُ، وَفِي ذِي التَّوْفيَة، وأقْبَضْتُهُ وَمَا هُوَ بِهِ بتًّا فِي الظَّاهِرِ، وعَلى الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ، والْغَلَّةُ لَهُ فِي الْفَسْخِ (1) وَلَمْ تُرَدَّ بِخِلَافِ وَلَدٍ وَثَمَرَةٍ أبِّرَتْ وَصُوفٍ تَمَّ (2)؛ كَشُفْعَةٍ واسْتِحْقَاقٍ وتَفْلِيسٍ وفسَادٍ، ودَخَلَتْ فِي ضَمَانِ البَائعِ إنْ رَضِيَ بالْقَبْضِ أوْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ وَإنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ وَلَمْ يُرَدَّ بِغَلَطٍ إنْ سُمَّيَ بِاسْمِهِ، ولَا بِغَبْنٍ وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَة (3)، وهَلْ إلَّا أنْ يَسْتَسْلِمَ وَيُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ أوْ يَسْتَأمِنَهُ؟. تَرَدُّدٌ. وَرُدَّ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ بِكُلَّ حَادِثٍ إلَّا أنْ يَبِيعَ بِبَرَاءَةٍ (4)، ودَخَلَتْ فِي الإِسْتِبْرَاءِ والنَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَلَهُ الأرْشُ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا المُسْتَثْنَى مَالُهُ، وَفِي عُهْدَةِ السَّنَةِ بِجُذَامٍ وبَرَصٍ وجُنُونٍ بِطَبْعٍ أوْ مَسِّ جِنٍّ، لَا بِكَضرْبَةٍ إِنْ شُرِطَا أوْ اعْتِيدَا. ولِلْمُشْتَرِي إسْقَاطُهُمَا، والمُحْتَمِلُ بَعْدَهُمَا مِنْهُ، لَا فِي مُنْكَحٍ بِهِ أوْ مُخَالَعٍ أوْ مُصَالَحٍ فِي دَمِ عَمْدٍ أوْ مُسْلَمٍ فِيهِ، أوْ بِهِ، أوْ قَرْضٍ، أَوْ عَلى صِفَةٍ أوْ مُقَاطَعٍ بِهِ مُكَاتَبٌ، أوْ مَبِيعٍ عَلى كَمُفَلَّسٍ أوْ مُشْتَرىً لِلْعِتْقِ أوْ مَأخُوذٍ عَنْ دَيْنٍ، أوْ رُدَّ بِعَيْبٍ، أوْ وُرِثَ أوْ وُهِبَ، أو اشْتَراهَا زَوْجُهَا، أوْ مُوصىً بِبَيْعِهِ مِنْ زيْدٍ أوْ مِمَّنْ أحَبَّ، أوْ بِشِرَائِهِ لِلْعِتْقِ، أوْ مُكَاتَبِ بِهِ، أوْ المبِيع فَاسِدًا، وسَقَطَتَا بِكَعِتْقٍ فِيهِمَا.

(1)

وقوله: والغلة له للفسخ، أحب والغلة الناشئة من المبيع المعيب، التي لا يدل استيفاؤها على الرضا بالعيب، وسواء نشأت بلا تحريك؛ كلبن وصوف، أو عن تحريك قبل الاطلاع على العيب، أو بعد الاطلاع عليه في زمن الخصام، تكون للمشتري ابتداء، من حين العقد اللازم إلى غاية فسخ البيع بسبب العيب، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة:"الْخَراجُ بِالضَّمَانِ". قال البغوي: والمراد بالخراج الدخل والمنفعة. ومعنى الحديث: =

ص: 306

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= إن من اشترى شيئًا فاستغله؛ بأن كان عبدًا، فأخذ كسبه، أو دارًا فسكنها أو أجرها فأخذ غلتها، أو دابة فركبها أو أكراها فأخذ الكراء، ثم وجد بها عيبًا قديمًا، فله أن يردها إلى بائعها، وتكون الغلة للمشتري لأن المبيع كات مضمونًا عليه، قوله صلى الله عليه وسلم:"الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" أي ملك الخراج ثابت بضمان أصله.

قال البغوي: وكذلك قال الشافعي فيما يحدث في يد المشتري من نتاج الدابة، وولد الأمة ولبن الماشية وصوفها، وثمرة الشجرة المشتراة، إنَّ الكل يبقى للمشتري، وله رد الأصل بالعيب. وذكر ابن قدامة في المغني أن المردود بالعيب لا يخلو من أن يكون بحاله، فإنه يرده ويأخذ رأس ماله، أو يكون المبيع قد زاد بعد العقد، قال: فذلك قسمان:

1 -

أن تكون الزيادة متصلة كالسمن، والكِبَر، والتعلم، والحمل قبل الوضع، والثمر قبل التَّأبير، فهذا يرده معه كله لأنه أمر يتبع في العقود والفسوخ.

2 -

أن تكون الزيادة منفصلة، وهي نوعان:

أحدها أن تكون الزيادة من غير عين المبيع كالكسب، والغلة، وهي المنافع الحاصلة من جهتها كالخدمة والأجرة، وكذلك ما يوهب للعبد أو يوصى له به، فكل ذلك للمشتري في مقابل ضمانه؛ لأن المبيع لو هلك هلك من مال المشتري، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ".

قال: ولا نعلم في هذا خلافًا. وقد روى ابن ماجه عن هشام بن عمار عن مسلم بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا اشترى عبدًا فاستغله ما شاء الله، ثم وجد به عيبًا فرده، فقال: يا رسول الله، إنه استغل غلامي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ". رواه أبو داود، والشافعي، ورواه سعيد في سننه عن مسلم بهذا الإِسناد، وقال فيه:"الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ". وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. ولا نعلم عن غيرهم خلافهم.

- والنوع الثاني أن تكون الزيادة من عين المبيع كالولد، والثمرة، واللبن، فهي للمشتري ويرد الأصل دونها. كذا قرر ابن قدامه وقال: وبهذا قال الشافعي. وفصل مالك فقال: إن كان النماء ثمرة لم يردها، وإن كان ولدًا رده مع أصله. قال: لأن الرد حكم فسرى إلى ولدها كالكتابة. وقال أبو حنيفة: النماء الحادث في يد المشتري يمنع من الرد؛ لأنه لا يمكن رد الأصل بدونه =

ص: 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= لأنه من موجَبه، فلا يرفع العقد مع بقاء موجبه، ولا يمكن رده معه؛ لأنه لم يتناوله العقد. ا. هـ. منه.

ولأجل ما نسب من التفصيل عن مالك في الفرق بين الزيادة إن كانت من عين المبيع أولا؟.

(2)

ذكر المصنف قوله: بخلاف ولد وثمرة أُبرت وصوف. قال في المدونة: من اشترى إبلًا أو بقرًا أو غنمًا فولدت عنده، ثم وجد بها عيبًا فلا يردها إلا مع ولدها، ولا شيء عليه في الولادة إلا أن ينقصها ذلك فيرد معها ما نقصها.

وفي الثمرة المؤبرة، قال ابن القاسم في المدونة: إن كانت الثمرة يوم الشراء مأبورة فاشترطتها، فإنك إن رددت النخل بعيب وقد جذذتها، رددت الثمرة معها، وإلا فلا شيء لك، فإن رددتها معها كان لك أجر سقيك وعلاجك. قال المواق: ما لم يجاوز قيمة الثمرة. قال ابن القاسم: لما لم تكن واجبة إلا بالاشتراط، صح أن لها حصة من الثمن، فلم ألزمها لك إلا بحصتها من الثمن.

وفي الصوف، قال ابن القاسم في المدونة: إن كان صوف الغنم يوم الصفقة تامًا فجزه، ثم ردها بعيب، فليردد ذلك الصوف معها أو مثله إن فات. ا. هـ. بنقل المواق.

وقال ابن قدامة: وإن كان المبيع جارية ثيبًا فوطئها المشتري قبل علمه بالعيب، فله ردها وليس معها شيء. روي ذلك عن زيد بن ثابت، وبه قال مالك والشافعي، وأبو ثور: وعثمان البتي.

وعن أحمد رواية أخرى، أن ذلك يمنع الرد. وهو مروي عن علي رضي الله عنه، وبه قال الزهري، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق. قالوا: لأن الوطء يجري مجرى الجناية، لأنه لا يخلو في ملك الغير من عقوبة أو مال، فوجب أن يمنع الرد، كما لو كانت بكرًا وقال شريح، والنخعي، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى: يردها ومعها أرش. واختلفوا في ذلك الأرش؛ قال شريح والنخعي: نصف عشر ثمنها. وقال الشعبي: هو حكومة. وقال ابن المسيب: عشرة دنانير. وقال ابن أبي ليلى: مهر مثلها. وحكي نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قال: ولنا أنه معنىً لا ينقص عينها ولا قيمتها، ولا يتضمن الرضا بالعيب، فلا يمنع الرد؛ كالاستخدام، وكوطء الزوج، وما قالوه يبطل بوطء الزوج، ووطء البكر ينقص ثمنها: فلا يقاس عليه وطء الثيب. =

ص: 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (3) وقوله: ولا بغبن ولو خالف العادة، قال الحطاب: الغبن -بفتح الغبن وسكون الباء- عبارة عن بيع السلعة بأكثر مما جرت العادة أن الناس لا يتغابنون بمثله أو اشتراها كذلك. وقال في أول سماع ابن القاسم من كتاب الرهون: لو باع رجل جارية قيمتها مائة وخمسون دينارًا، بألف دينار وارتهن رهنًا، وكان مشتريها من غير أهل السفه، جاز ذلك - قال ابن رشد: هذا يدل على أنه لا قيام في بيع المكايسة بالغبن، ولا أعرف في المذهب في ذلك نص خلاف. قال: وقد حكى بعض البغداديين عن المذهب -وعزاه لابن القصار- أنه يجب الرد بالغبن إذا كان أكثر من الثلث، وليس ذلك بصحيح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْتَزِقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ". وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ ظُلْمَ". دليل على أنه لاغبن في غير المسترسل، وما لم يكن فيه ظلم فهو حق لا يجب القيام به، قال: وقد استدل على ذلك بعض الناس بقوله صلى الله عليه وسلم في الأمة الزانية: "بِيعُوهَا وَلَوْ بِطُفَيْرٍ"؟ وبقوله صلى الله عليه وسلم لعمر: " لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَم".

قال: وهذا لا دليل فيه؛ لأنه خرج على المبالغة في التقليل، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في العقيقة:"وَلَوْ بِعُصْفُورٍ". وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَلَوْ بِقَدْرِ مَفْحَصَةِ قَطَاةٍ بَنَى اللّهُ لَهُ بِهِ بَيْتًا في الْجَنَّةِ". وأشباه ذلك كثير. ا. هـ.

قال ابن عبد السلام وظاهر الأحاديث يدل على صحة مشهور المذهب لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر في الجمل الذي باعه منه، وقد ساومه أولًا:"بِعْنِيهِ بِدِاْهَمٍ". فَقال: لا. ثم ثبت في الصحيح أنه باعه له بخمس أواق على أن له ظهره إلى المدينة. ا. هـ. منه.

قلت: وأصل رد البيع بالغبن عند من يقول به الحديث المتفق عليه من حديث عبد الله بن عمر أن رجلًا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِذَا بَابَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ". قال: فكان الرجل إذا بايع يقول: لا خِلابة.

قال البغوي: الخلابة، الخديعة، وهي مصدر خَلَبْتُ الرجل، إذا خدعته، أَخْلُهُ، خَلْبًا، وخِلابةً. وفي المثل: إذا لم تَغْلِبْ فاخْلِبْ. أي إذا أعياك الأمر مغالبة، فاطلبه مخادعة.

قال البغوي: وفي جواز رد البيع بالغبن اختلف االناس؛ فذهب بعضهم إلى أن هذا الحديث خاص بحَبَّان بن منقذ، جعل له النبي صلى الله عليه وسلم شرطًا في بيوعه ليكون له الرد إذا تبين الغبن في صفقته.

ص: 309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال بعضهم: الخبر عام في حق كافة الناس، إذا ذكروا هذه الكلمة في البيع كان لقائلها الردُّ إذا ظهر الغبن في البيع. وهو قول أحمد بن حنبل، قال: فكان سبيله سبيلَ من باع أو اشترى على شرط الخيار.

وذهب أكثر الفقهاء إى أن البيع إذا صدر عن غير محجور عليه، فلا رد له بالغبن. وقال مالك ابن أنس: إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة، فله الخيار إذا كان مغبونًا. وقال أبو ثور: إذا كان غبنًا لا يتغابن الناس بمثله فالبيع فاسد. ا. هـ. منه.

تنبيهٌ: قال ابن رشد في المقدمات: أما بيع المكايسة؛ فهو أن يساوم الرجل الرجل في سلعته، فيبتاعها منه بما يتفقان عليه من الثمن، ثم لا قيام للمبتاع فيها بغبن ولا بغلط على المشهور من الأقوال. وقد قيل: إنه يرجع بالغلط. وهو ظاهر ما في كتاب الأقضية من المدونة.

قال: وأما الغبن -وهو الجهل بقيمة المبيع- فافى رجوع له في بيع المساومة. هذا ظاهر ما في سماع ابن القاسم من كتاب الرهون، ولا أعرف في المذاهب في ذلك نص خلاف.

قال: وأما بيع المزايدة؛ فهو أن يطلق الرجل السلعة في النداء ويطلب الزيادة فيها، فمن أعطى فيها شيئًا لزمه إلا أن يزاد عليه، فيبيع البائع من الذي زاد عليه، أو لا يمضيها له حتى يطول النداء.

قال: وأما بيع الاستنابة والاسترسال؛ فهو أن يقول الرجل: اشترِ مني كما تشتري من الناس، فإني لا أعلم القيمة. فيشتري منه بما يعطيه من الثمن.

قال: فالبيع والشراء على هذا الوجه جائز، إلا أن البيع على المكايسة والمماكسة أحب إلى أهل العلم وأحسن عندهم. والقيام بالغبن في البيع والشراء إذا كان على الإسترسال والاستنابة واجب الرد بإجماع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"غَبْنُ الْمُسْتَرْسِلِ ظُلْمٌ". وبالله تعالى التوفيق. ا. هـ. منه.

(4)

وقوله: ورُد في عهدد الثلاث بكل حادث إلا أن يبيع ببراءة، قال المواق: الباجي: معنى العهدة تعلق المبيع بضمان البائع. وقال ابن شاس: خاتمة للنظر في خيار النقيصة تشتمل على ذكر العهدتين وهما: صغرى في الزمان كبرى في الضمان، وكبرى في الزمان صغرى في الضمان، فالأولى هي عهدة الثلاث.=

ص: 310

وَضَمِنَ بائِعٌ مَكِيلًا لِقَبْضِهِ بِكَيْلٍ؛ كَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ والأْجْرَةُ عَلَيْهِ،

= ودليل عهدة الرقيق ما أخرجه أبو داود، باب في عهدة الوقيق: عن الحسن -وهو البصري- عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عُهْدَة الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّام". قال المنذري: وفي رواية: "إنْ وَجَدَ دَاء في الثَّلَاثِ لَيَالٍ رَدَّ بِغَيْرِ بَيَّنَةٍ، وِإِنْ وَجَدَ دَاءً بَعْدَ الثَّلاثِ كُلَّفَ الْبَيَّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ هذَا الدَّاءُ".

قال أبو داود: هذا كلام قتادة. والحسن لم يصح له سماع عن عقبة بن عامر. ذكر ذلك ابن المديني وأبو حاتم الرازي، فهو منقطع. قال: وقد وقع أيضًا فيه الاضطراب، فأخرجه الإِمام أحمد في مسنده وفيه:"عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَرْبَعُ لَيَالٍ". وأخرجه ابن ماجه في سننه، وفيه:"لَا عُهْدَةَ بَعْدَ أَرْبَعٍ"، وقيل فيه أيضًا: عن سمرة أو عقبة، على الشك، فوقع الاضطراب في متنه وإسناده. وقال البيهقي: وقيل عنه عن سمرة، وليس بمحفوظ. وقال أبو بكر الأثرم: سألت أبا عبد الله - يعني -أحمد بن حنبل- عن العهدة قلت: إلى أي شيء تذهب فيها؟ فقال: ليس في العهدة حديث يثبت، هو ذاك الحديث حديث الحسن، وسعيد، يعني ابن أبي عروبة أيضًا يشك فيه؛ يقول عن سمرة أو عقبة.

قال الخطابي: معنى عهدة الرقيق، أن يشتري العبد أو الجارية ولا يشترط البائع البراءة من العيب، فما أصاب المشتري من عيب المبيع في الأيام الثلاثة لم يردَّ إلا ببينة. وهكذا فسره قتادة فيما ذكره أبو داود عنه، قال: وإلى هذا ذهب مالك بن أنس وقال: هذا إذا لم يشترط البائع البراءة من العيب. قال: وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص، فإذا مضت السنة، قد برئ البائع من العهدة كلها.

قال: ولا عهدة إلا في الرقيق خاصة. وهذا قول أهل المدينة. ابن المسيب، والزهري أعني عهدة السنة في كل داء عضال أي صعب. قال: وكان الشافعي لا يعتبر الثلاث والسنة في شيء منها، وينظر إلى العيب، فإن كان مما يحدث مثله في مثل المدة التي اشتراه فيها إلى وقت الخصومة، فالقول قول البائع مع يمين، وإن كان لا يمكن حدوثه في تلك المدة رده على البائع. ا. هـ. من مختصر أبي داود للمنذري ومعالم السنن للخطابي.

ص: 311

بِخِلَافِ الْإِقَالَةِ والتَّوْلِيَةِ والشَّرِكَةِ عَلى الأرْجَح، فكالْقَرْضِ (1) واسْتَمَرَّ بِمِعْيَارِهِ وَلَوْ تَوَلَّاهُ المُشْتَرِي، وَقَبْضُ الْعَقَارِ بِالتَّخْلِيَةِ، وَغَيْرِهِ بِالْعُرْفِ، وَضُمِنَ بالْعَقْدِ إلَّا المَحْبُوسَةَ لِلثَّمَنِ وَلِلْإِشْهَادِ فَكَالرَّهْنِ، وإلَّا الْغَائِبَ فَبِالْقَبْضِ، وإلا المُواضَعَةَ فَبِخُرُوجِهَا مِنَ الحَيْضَةِ، وإلا الثِّمَارَ لِلْجَائِحَةِ، ويُدِّئَ المُشْتَرِي للتَّنَازُعِ، والتَّلَفُ وقْتَ ضَمَانِ الْبَائِعِ بِسَمَاوِيٍّ فَسْخٌ، وَخُيِّرَ المُشْتَرِي إِنْ غَيَّبَ أَوْ عُيِّبَ، أو اسْتُحِقّ شَائِعٌ وَإنْ قَلَّ، وتَلَفُ بَعْضِهِ أوْ اسْتِحْقَاقُهُ كَعَيْبٍ بِهِ، وَحَرُمَ التَّمَسُّكُ بِالأقَلَّ، إِلا المِثْلِيَّ وَلَا كَلَامَ لِوَاجِدٍ فِي قَلِيلٍ لَا يَنْفَكُّ كَقَاعٍ، وَإنِ انْفَكَّ فَالِلْبَائِعِ الْتِزَامُ الرُّبُعِ بحِصَّتِهِ لَا أكْثَرَ، ولَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الْتِزَامُهُ بِحِصَّتِهِ مُطْلَقًا، وَرُجِعَ لِلْقِيمَةِ لا لِلتَّسْمِيَةِ وَصَحَّ وَلَوْ سَكَتَا لَا إنْ شَرَطَا الرُّجُوعَ لها، وإتْلَافُ المُشْتَري قَبْضٌ، والْبَائِعِ والأجْنَبِيَّ يُوجِبُ الْغُرْمَ، وَكَذلِكَ إتْلَافُه، وَإنْ أهْلَكَ بَائعٌ صُبْرَةً عَلى الْكَيْلِ، فَالْمِثْلِ تَحَرِّيًا لِيُوَفَّيَهُ ولَا خِيارَ لَكَ، أوْ أجْنَبِيٌّ فَالْقِيمَةُ إنْ جُهِلَتِ الْمَكِيلَةُ، ثُمَّ اشْتَرى الْبَائِعُ مَا يُوَفَّي فإنْ فَضَلَ فَلِلْبَائِعِ، وَإنْ نَقَصَ فكالاسْتِحْقَاقِ. وجَازَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إلا مُطْلَقَ طَعَامِ المُعَاوَضَةِ وَلَوْ كَرِزْقِ قَاضٍ أُخِذَ بِكَيْلٍ أوْ كَلَبَنِ شَاةٍ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْ نَفْسِهِ إلَّا كوَصِيًّ لِيَتِيمَيْهِ (2)، وجَازَ بالْعَقْدِ جُزَافٌ وَكَصَدَقَةٍ وبَيْعُ مَا على مُكاتَبٍ مِنْهُ، وَهَلْ إنْ عُجَّلَ الْعِتْقُ؟ تَأويلَانِ. وإقْواضُهُ أوْ وَفَاؤهُ عَنْ قَرْضٍ، وبَيْعُهُ لِمُقْتَرِضٍ وإقَالَةٌ مِنَ الْجَميع وإنْ تَغَيَّرَ سُوقُ شَيْئِكَ لَا بَدَنُهُ؛ كَسِمَنِ دَابَّةٍ وَهُزَالِهَا بِخِلَافِ الأمَةِ، وَمِثْلُ مِثْلِيِّكَ إلَّا الْعَيْنَ فَلَهُ دَفْعُ مِثْلِهَا وَإنْ كَانَتْ بِيَدِهِ. والإِقَالَةُ بَيْعٌ إلَّا فِي الطَّعَامِ والشُّفْعَةِ والمُرابَحَةِ (3) والتَوْلِيَةِ والشركة إنْ لَمْ يَكُنْ

(1)

وقوله: والأجرة عليه بخلاف الإِقالة والتولية والشركة على الأرجح فكالقرض، يريد به، =

ص: 312

عَلى أنْ يَنْقُدَ عَنْكَ واسْتَوى عَقْدَاهُمَا فِيهِمَا وَإلَّا فبَيْعٌ كَغَيْرِهِ، وَضَمِنَ المُشْرَكُ المُعَيَّنَ وطَعَامًا كِلْتَهُ وَصَدَّقَكَ، وَإنْ أشْرَكَهُ حُمِلَ، وإنْ أطْلَقَ، عَلى النّصْفِ وإنْ سَألَ ثَالثٌ شرِكَتَهُمَا فَلَهُ الثُّلُثُ، وَإنْ ولَّيْتَ ما اشْتَرِيْتَ بِمَا اشْتَرَيْتَ، جَازَ إنْ لَمْ تُلْزِمْهُ وَلَهُ الْخِيَارُ، وإنْ رَضِيَ بأنَّهُ عَبْدٌ ثُمَّ عَلِمَ بِالثَّمَنَ فَكَرِهَ فَذلِكَ لَهُ، والأضْيَقُ صَرْفٌ، ثُمَّ إقَالَةُ طَعَامٍ، ثم تَوْلِيةٌ وشَرِكَةٌ فِيهِ، ثُمَّ إقَالَةُ عُرُوضٍ، وفَسْخُ الدَّيْن فِي الدَّيْنِ، ثُمَّ بَيْعُ الدَّيْنِ ثُمَّ ابْتِدَاؤه.

= والله أعلم، أن أجرة كيل المكيل أو وزن الموزون أو عد المعدود، مما فيه حق توفية، هي على البائع لوجوب التوفية عليه ولا تحصل إلا بذلك، كما أن أجرة كيل أو وزن أو عد المعدود في الثمن على المشتري لأنه بائعه، إلا لشرط أو عرف، بخلاف الإِقالة؛ وهي ترك المبيع لبائعه بثمنه، والتولية؛ وهي ترك المبيع لغير بائعه بثمنه، والشركة؛ وهي ترك بعض المبيع بثمنه لغير بائعه، فإن الأجرة فيها على المُقال والمولَى والمشرَك -بفتح لام المولى وراء المشرك- لأن المقيل والمولي والمشرك -بصيغة اسم الفاعل في ثلاثتهم- فإنما فعلوا معروفًا، وإذًا فلا غرم عليهم، فهم كالمقرض لمكيل أو موزون أو معدود في أن أجرة الكيل والوزن والعد على المقترض لا على المقرض؛ لأنه إنما صنع معروفًا فلا غرم عليه. ا. هـ.

(2)

وقوله: ولم يقبض من نفسه إلا كوصي ليتيميه، هو في هذين الفرعين مشى على شطري القاعدة الخلافية التي هي: هل تكون اليد قابضة دافعة في آن واحد؟ والتي عقدها في المنهج المنتخب بقوله:

هل تقبض اليد وتدفع معا؟

وهل يكون قابضًا ما صنعا؟

ثم رتب على القاعدة الأولى المذكورة في الشطر الأول من البيت، والتي هي: اليد الوحدة، هل تكون قابضة دافعة في وقت واحد، رتب على ذلك قوله:

كمال محجور لأول عرف

يعني أن الأول يبنى عليه مال مال المحجور؛ يعني بذلك تصرف الولي في مال محجوريه،=

ص: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= يبيع طعام أحدهم على الآخر، ثم يبيعه أيضًا على ثالث منهم من غير قبض حسي، فقد صارت يده بذلك قابضة دافعة.

وقولنا: إنه مشى على شطري القاعدة بفرعيه اللذين ذكرهما؛ لأنه قال في الأول: إنه لا يجوز له أن يقبض طعام المعاوضة من نفسه في حالة توكيله على شراء طعام وبيعه، فاشتراه وصار بيده ثم اشتراه من موكله، فلابد له من توفيته ولا يكتفي بقبضه لنفسه من نفسه. ثم قال مستثنيًا: إلا أن يكون كوصي ينصرف ليتيميه. فأردت التنبيه على أنه استعمل شطري القاعدة في آن واحد. وبالله تعالى التوفيق.

(3)

وقوله: والإقالة بيع إلا في الطعام والشفعة والمرابحة، يعني أنه يقرر من الخلاف الواقع أصلًا في الإقالة: هل هي بيع مستأنف، أم هي حل للبيع الأول؟. أن الإقالة عند أصحابنا بيع، يشترط فيها شروطه وتمنعها موانعه، وإن حدث في المبيع عيب وقت ضمان المشتري، ولم يعلم به البائع إلا بعد الإِقالة، فله رده به على المشتري، إلا الإِقالة في الطعام قبل قبضه؛ إن وقعت على الثمن الأول فإنها حل للبيع الأول وليس لها حكم البيع المستأنف، فإن وقعت بزيادة عن الثمن الأول أو نقص فهي بيع تجري عليها أحكامه، وإلا في الشفعة؛ فمن باع شقصه من عقار مشترك فلشريكه الشفعة، ولو تعدد البيع فله الخيار في أخذه بأي بيع شاء، وعهدته على المشتري الذي يأخذ منه، وإلا الإقالة بالنسبة لبيع المرابحة فليست بيعًا؛ فإن اشترى شيئًا بعشرة وباعه مرابحة بخمسة عشر، ثم أقاله البائع. فلا يجوز له بيعه بالمرابحة بخمسة عشر ولا بعشرة إلا مع بيان الإِقالة لكراهة النفوس المقال منه.

قلت: وقد عقد الشيخ على الزقاق هذه القاعدة الخلافية في المنهج المنتخب بقوله:

هل نقضٌ أوْ بَيْعٌ إقالَةٌ بلا

زَيْدٍ ونقصٍ، وعليه نقلا

إقَالَةٌ في بيع ما أزهى وقد

يبس، كالعهدة، والفرق أسدّ

نَقْضٌ بطُعمٍ، شفعةٍ، مرابحةْ

في غيرها بيعٌ

يعني أنهم اختلفوا في الإقالة: هل هي ابتداء بيع، أو هي حل للبيع من أصله؟. ومحل =

ص: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الخلاف إذا كانت بلا زيد ولا نقص على الثمن الأول، وإلا فهي بيع حقيقي؛ وهذا الخلاف يجري عليه بيع ما أزهى من الثمار وقد وقع يبس، فهل تجوز إقالته؟. فعلى أنها حل للبيع جازت، لأنها على عين الشيء، ولا يعد ذلك من بيع الطعام واقتضاء شيء غيره عنه، وعلى أنها بيع، يمنع ذلك ويكون حينئذ من باب اقتضاء طعام من ثمن طعام آخر. وعليه أيضًا ثبوت العهدة على أنها بيع، وعدم ثبوتها على أن الإِقالة حل للبيع الأول.

وقوله في النظم: والفرق أسدّ، أي والتفصيل أسدّ بأن يقال: هي بيع في كل شيء عند أصحابنا إلا في ثلاث مسائل فإنها نقض للبيع فيها: وهي الطعام يتقايل فيه قبل القبض، والشفعة بالنسبة إلى العهدة؛ وذلك أن عهدة الشفعة على المشتري، فلو تقايل المتبايعان قبل أخذ فذلك لا يسقط الشفعة، وعهدة الشفيع على خصوص المشتري كما لو أخذ من يده قبل التقايل، والمسألة الثالثة المرابحة، وهي أن يبيع الشيء على المرابحة بعشرة مثلًا، ثم أقاله المشتري على البائع على الثمن الأول، فلا يجوز أن يبيعه مرابحة على أن رأس ماله عشرة حتى يبين، ولو كان بيعًا لجاز. ا. هـ. من شرح المنهج لابن أحمد زيدان الجكني.

وأصل جواز الإِقالة دليله ما أخرجه أبو داود: باب في فضل الإِقالة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقالَةُ اللهُ عَثْرَتَهُ". قال شعيب: وأخرجه ابن ماجه في التجارات، باب الإِقالة، وأخرجه البيهقي، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن دقيق العيد، وابن حزم، ا. هـ. منه.

وفي البغوي بسنده عن شريح الشَّامي: قال: قال رسول الل صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَقالَ أَخَاهَ الْمُسْلِمَ صَفْقَةً كَرِهَهَا، أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قال البغوي: هذ حديث مرسل، والإِقالة في البيع والسلم جائزة قبل القبض وبعده، وهي فسخ للبيع الأول حتى ولو تبايعا وتقابضا ثم تقايلا؛ فيجوز لكل واحد منهم التصرف فيما عاد إليه بالإِقالة قبل أن يسترده إلى أن قال: وهو قول الشافعي،. هـ. منه.

ص: 315

‌فَصْلٌ

وَجَازَ مَرَابَحَةٌ، والأحَبُّ خِلَافُهُ (1)، وَلَوْ عَلى مُقَوَّمٍ، وَهَلْ مُطْلَقًا أوْ إنْ كَانَ عِنْدَ المُشْتَرِي؟ تَأويلَانِ. وحُسِبَ رِبْحُ مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَهٌ كَصِبْغٍ وطَرْزٍ، وقَصْرٍ، وخِيَاطَةٍ، وفَتْلٍ، وكَمْدٍ، وتَطْريَةٍ، وأصْلُ ما زَادَ فِي الثَّمَنِ كَحُمُولَةٍ، وشَدٍّ، وطَيٍّ اعْتِيدَ أجْرَتُهُمَا وَكِراءُ بَيْتٍ لِسِلْعَةٍ وإلَّا لَمْ يُحْسَبْ كسِمْسَارٍ لَمْ يُعْتَدْ، إنْ بَيَّن الْجَمِيعَ أوْ فَسَّرَ الْمَئُونَةَ فَقَالَ: هِي بِمائةٍ أصْلُهَا كذا وَحَمْلُهَا كَذَا. أوْ عَلى المرابَحَةِ وبَيَّن كَرِبْح العَشَرَةِ أحَدَ عَشَرَ ولم يُفَصِّلَا مَا لَهُ الربْحُ وزيدَ عُشْرُ الأصْلِ، والْوَضِيعَةُ كذلك، لَا أبْهَمَ؛ كَقَامَت عَليَّ بكَذَا. أوْ قَامَتْ بشَدَّها وَطَيِّها بِكَذَا. ولَمْ يُفَصِّلْ، وهَلْ هو كذِبٌ أوْ غِشٌّ؟. تَأوِيلَانِ. وَوَجَبَ تَبْيِينُ مَا يُكْرَهُ كَمَا نَقَدَهُ وعَقَدَهُ مُطْلَقًا والأجَلِ وإنْ بِيعَ على النَّقْدِ، وطُولِ زَمَانِهِ، وتجاوُزِ الزَّائِفِ، وهِبَةٍ اعْتِيدَتْ، وأنَّها لَيْسَتْ بَلَدِيَّةً أوْ مِنَ التِرْكَةِ، وَوِلَادَتُهَا

‌الكلام على المرابحة

(1)

قوله: جاز مرابحة، والأحب خلافه، اعلم أن البيوع تنقسم إلى أربعة أقسام هي: بيع مرابحة، وبيع مكايسة، وبيع مزايدة، وبيع استنابة واسترسال.

فأما بيع المرابحة فإنه على وجهين:

أحدهما: ربحٌ مسمى على جملة الثمن. والثاني: أن يربحه للدرهم درهمًا، أو للدرهم نصف درهم، أو للعشرة أحد عشر، أو أقل أو أكثر على حسب ما يتفقان عليه. وحكمه الجواز، غير أن المواق نقل عن ابن رشد قوله: البيع على المكايسة والمماكسة أحب إلى أهل العلم وأحسن عندهم، ا. هـ. وذلك ماعناه المصنف بقوله: والأحب خلافه.

قلت: وحيث إنه لم يكن في الموضوع نص، وإنما هي مسائل اجتهادية، فإن ذلك ليس=

ص: 316

وَإنْ بَاعَ وَلَدَهَا مَعَهَا، وَجَذِّ ثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ، وَصُوفٍ تَمَّ، وَإقالةِ مُشْتَريهِ إلَّا بزيادَةٍ أوْ نَقْصٍ، والركُوب، واللُّبْسِ، والتَّوْظِيفِ وَلَوْ مُتَّفِقًا إلَّا مِنْ سَلَمٍ لَا غَلَّةِ رَبْعٍ كَتَكْمِيلِ شِرَائِهِ، لَا إنْ وَرِثَ بَعْضَهُ، وهَلْ إنْ تَقَدَّمَ الإِرْثُ أوْ مُطْلَقًا؟. تَأوِيلَانِ. وَإنْ غَلِطَ بنَقْصٍ وصُدِّقَ أوْ أثْبَتَ رَدَّ أوْ دَفَعَ مَا تَبيَّنَ وَربْحَهُ، فإنْ فَاتَ خُيَّرَ مُشْترِيهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَرِبْحِهِ وقِيمَتِهِ يَوْمَ بَيْعِهِ ما لم تَنْقُصْ عَنِ الْغَلَطِ وربْحِهِ، وإنْ كذَبَ لَزمَ المشْتَرِيَ إنْ حَطَّهُ ورِبْحَهُ، بخِلَافِ الْغِشِّ، وإنْ فَاتَتْ فَفِي الْغِشِّ أقَلُّ الثَّمَنِ والْقِيمَةِ، وَفِي الْكَذِب خُيِّرَ بَيْنَ الصّحِيحِ وَرِبْحِهِ أوْ قيمَتِهَا ما لَمْ تَزِدْ على الْكَذِبِ وَرِبْحِهِ، ومُدَلِّسُ المُرابَحَةِ كَغَيْرِهَا.

= مما التزمت الإِتيان به، غير أنه لما كانت المرابحة من المسائل الواقعة في المجتمع يوميًا، فلابد من تبيين بعض أحكامها اختصارًا من مقدمات ابن رشد، قال:

فإن كان في السلعة المبيعة مرابحة ما له عين قائمة؛ كالصبغ والكمد والفتل والخياطة وما أشبه ذلك، فإنه بمنزله الثمن ويجب له الربح، وأما ما ليس له عين قائمة، فإن كان مما لا يختص بالمتاع فإنه لا يحسب في أصل الثمن ولا يحسب له ربح، وذلك كنفقة وكراء ركوبه وكراء بيته وإن خزن المتاع فيه، لأن العادة جارية أن يخزن الرجل متاعه في بيت سكناه، وأما ما يختص بالمتاع، فإن كان مما، يستأجر عليه غالبًا ولا يتولاه التاجر بنفسه؛ كحمل المتاع ونفقة الرقيق ونحو ذلك، فإنه يحسب في أصل الثمن ولا يحسب له ربح لأنه ليس له عين قائمة. قال: وإذا اشترى المبتاع ما يعلم أنه لا يشتريه إلا بواسطة سمسار تجري العادة بذلك، أو اكترى منه مخزنًا يجعل فيه المتاع، فيجب أن يحسب ذلك في أصل الثمن ولا يحسب له ربح. قال: وهذا إذا بيّن هذه الأشياء كلها فقال: اشتريت هذه السلعة بكذا، أو صبغتها بكذا، أو اكتريت عليها بكذا، وأعطيت عليها السمسار كذا، فأبيعها بربح للعشرة أحد عشر. فحينئذ يكون العمل على هذا، وينظر إلى ما سمى مما له عين قائمة فيحسب ويحسب له الربح، وما لم تكن له عين قائمة إلا أنه يختص

ص: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= بالمتاع ولا يتولاه التاجر بنفسه عادة، فإنه يحسب ولا يحسب له ربح.

وأما إن قال: قامت علي هذه السلعة بكذا وكذا، وأبيعها بربح للعشرة أحد عشر. وما أشبه ذلك، ولم يبين هذه الأشياء، فالعقد على هذا فاسد؛ لأن المشتري لا يدري كم رأس المال الذي يجب له الربح، وكم أضيف إليه مما يحسب رأسًا ولا يجب له الربح، وما لا يحسب رأسًا ولا يجب له ربح، وهذا جهل بيّن في الثمن.

والوجه الثاني من وجوه المرابحة هو ربح مسمى على جملة الثمن؛ فإن سمى أيضًا ما اشتراها به، وما أنفق عليها مما له عين قائمة وما ليس له عين قائمة مما يحسب أو لا يحسب جاز البيع.

قال: ولا يجوز في بيع المرابحة أن يكتم البائع من أمر سلعته ما إذا ذكره كان أوكس للثمن أو أكره للمبتاع؛ لأن ذلك من أكل المال بالباطل الذي نهى الله عنه، ومن الغش والخديعة والخلابة المنهي عنه بالسنة.

فإن زاد البائع مرابحة في الثمن، كان للمشتري الخيار أن يمسك السلعة بجميع الثمن أو يردها، إلا أن يشاء البائع أن يحط عنه الزيادة وما ينويها من الربح فيلزمه البيع المسأله الأولي وأما من باع مرابحة وخدع المبتاع وغشه، فإن كتم من أمر السلعة ما يكره، ولم يزد عليه في الثمن ولا دلس به بعيب، فالمبتاع بالخيار بين أن يمسك بجميع الثمن أو يرد، وليس للبائع إلزامه برضاها وإن حط عنه من ثمنها. ا. هـ. منه باختصار.

قال مالك في الموطإ: الأمر المجمع عليه عندنا في البز يثتريه الرجل ببلد، ثم يقدم به بلدًا آخر فيبيعه مرابحة، إنه لا يحسب فيه أجر السماسرة، ولا أجر الطيِّ ولا الشد، ولا النفقة ولا كراء بيت. أما كراء البز في حملانه فإنه يحسب في أصل الثمن، ولا يحسب فيه ربح إلا أن يُعلم البائعُ من يساومه بذلك كُلِّه؛ فإن ربحوه على ذلك كله بعد العلم به فلا بأس به.

قال مالك: فأما القصارة والخياطة والصِّباغ وما أشبه ذلك، فهو بمنزلة البز يحسب فيه الربح كما يحسب في البز؛ فإن باع البز ولم يبين شيئًا مما سميت إنه لا يحسب له فيه ربح، فإنْ فات البز فإن الكراء يحسب ولا يحسب عليه ربح، فإن لم يفت البز فالبيع مفسوخ بينهما الا أن يتراضيا على شيء مما يجوز بينهما.

قال مالك: وإذا باع رجل سلعة قامت عليه بمائة دينار بعشرة أحد عشر، ثم جاءه بعد ذلك= المسأله الرابعة

ص: 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= أنها قامت عليه بتسعين دينارًا، وقد فاتت السلعة خيّر البائع، فإن أحب فله قيمة سلعته يوم قبضت منه، إلا أن تكون القيمة أكثر من الثمن الذي وجب له به البيع أوَّل يوم، فلا يكون له أكثر من ذلك؛ وذلك مائة دينار وعشرة دنانير، وإن أحب ضرب له الربح على التسعين إلا أن يكون الذي بلغته سلعته من الثمن أقل من القيمة، فيخير في الذي بلغت سلعته وفي رأس ماله وربحه، وذلك تسعة وتسعون دينارًا. المسأله الرابعة

قال مالك: وإن باع رجل سلعة مرابحة فقال: قامت عليَّ بماثة دينار. ثم جاءه بعد ذلك أنها قامت بمائة وعشرين دينارًا، خيّر المبتاع؛ فإن شاء أعطى البائع قيمة السلعة يوم قبضها، وإن شاء أعطى الثمن الذي ابتاع به على حساب ما ربحه بالغًا ما بلغ، إلا أن يكون ذلك أقل من الثمن الذي ابتاع به السلعة، فليس له أن ينقص رب السلعة من الثمن الذي ابتاعها به، لأنه قد كان رضي بذلك، وإنما جاء رب السلعة يطلب الفضل، فليس للمبتاع في هذا حجة على البائع؛ بأن يضع من الثمن الذي ابتاع به على البرنامج.

وقال مالك: الأمر عندنا في القوم يشترون السلعة- البزَّ أو الرقيق- فيسمع به الرجل فيقول لرجل منهم: البز الذي اشتريت من فلان قد بلغتني صفته وأمره، فهل لك أن أُربحك في نصيبك كذا وكذا؟. فيقول: نعم. فيربحه ويكون شريكًا للقوم مكانه، فإذا نظر إليه رآه قبيحًا واستغلاه. قال مالك: ذلك لازم له ولا خيار له فيه، إذا كان ابتاعه على برنامجٍ وصفةٍ معلومةٍ.

وقال مالك في الرجل يقدم وله أصناف من البزِّ، ويحضره السُّوَّامُ ويقرأ عليهم برنامجه فيقول.

في كل عدلٍ كذا وكذا ملحفة بصرية، وكذا وكذا ريطهة سابريَّة؛ ذرعها كذا وكذا. ويسمَّي لهم أصنافًا من البزِّ بأجناسه ويقول: اشتروا منِّي على هذه الصفة فيشترون الأعدال على ما وصف لهم، ثم يفتحونها فيستغلونها ويندمون. قال مالك: ذلك لازم لهم إذا كان موافقًا للبرنامج الذي باعهم عليه. قال مالك: وهذا الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا يجيزونه بينهم؛ إذا كان المتاع موافقًا للبرنامج ولم يكن مخالفًا له. ا. هـ.

قلت: وقد تقدم قول المختصر في ذلك: وجاز برؤية بعض المثلي وعلى الصِّوان وعلى البرنامج، أي وجاز بجع عروض أو طعام في عِدْلٍ مع الاعتماد في معرفتها على رؤية أو سماع ما كتب في البرنامج، أي في الدفتر. والله الموفق.

ص: 319

‌فَصْلٌ

(1)

تَنَاوَلَ الْبِنَاء والشَّجَرُ الْأرْضَ (2) وَتَنَاوَلتهُمَا لا الزَّرْعَ والْبَذْرَ (3) وَمَدْفُونًا كَلَوْ جُهِلَ (4)، وَلَا الشَّجَرُ الثَّمَرَ المُؤَبَّرْ (5) أوْ أكْثَرَهُ إلاَّ بِشَرْطٍ كالمُنْعَقِدِ وَمَالِ الْعَبْدِ (6) وخِلْفَةِ الْقَصِيلِ (7)، وإنَّ أُبِّرَ النَّصْفُ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ ولَكِلَيْهِمَا السَّقْيُ مَالَمْ يَضُرَّ بالآخَرِ وَالدَّارُ الثابِتَ كَبَابٍ وَرَفّ (8) وَرَحىً مَبْنَيَّةٍ بِفَوْقَانِيَّتِهَا وسُلَّمًا سُمَّرَ، وَفِي غيْرهِ قَوْلَانِ. ولْعَبْدُ ثيابَ مِهْنَتِهِ. وَهَلْ يُوَفَّى بِشَرْطِ عَدَمِهَا (9) - وَهُوَ الأظْهَرُ-

(1)

قوله: فصل أي فيما يتناوله البيع وما لا يتناوله، وحكم بيع الثمرة وشراء العربة بخرصها والجائحة.

(2)

قال: تناول البناء والشجر الأرض، وتناولتهما، أي العقد على أي منهما يتناول العقد على الآخر شرعًا لجريان العرف بذلك؛ فيتناول العقد على الأرض بيعًا كان أو رهنًا أو وصية، ما فيها من الأشجار إلا إذا أخرجه شرط أو جرى عرف بخلاف ذلك. وكذا لو جرى عقد على الشجر لتناول الأرض، إلا إذا أخرجها شرط أو جرى عرف بخلاف ذلك.

قال في المدونة: من ارتهن أرضًا ذات نخل لم يسمها، أو رهن الأرض ولم يذكر الأرض، فذلك موجب لكون الأرض والنخل رهنًا، وكذلك في الوصية والبيع. انتهى.

قلت: وليس هناك إلا الاجتهاد، ولذلك جرى الخلاف في المسألة بسن المذاهب، قال ابن قدامة: إذا باعه أرضًا بحقوقها، دخل ما فيها من غراس وبناء في البيع. وكذلك إذا قال: رهنتك هذه الأرض بحقوقها، دخل في الرهن غراسها وبناؤها، وإن لم يقل: بحقوقها، فهل يدخل الغراس والبناء فيهما؟. فقد نص الشافعي على أنهما يدخلان في البيع دون الرهن، واختلف أصحابه في ذلك. قال: وإن باعه شجرًا لم تدخل الأرض في البيع. ذكره أبو اسحاق بن شاقلا؛ لأن الاسم لا يتناولها، ولا هي تبع للمبيع. ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: لا الزرع والبذر، قال المواق: صوابه والبذر لا الزرع، قال المتيطي: و إن كان في هذه الأرض بذر مستكن لم يبرز منها، أو في الشجر ثمر لم يؤبر، فإنه كله تبع للمبيع ولا يجوز للبائع استثناؤه، كما لا يجوز استثناء الجنين في بطن أمه. قال: وأما الزرع الظاهر. فقال=

ص: 320

أوْ لَا؟. كَمُشْتَرِطٍ زَكَاةَ مَا لَمْ يَطِبْ، وَأنْ لَا عُهْدَةَ وَلَا مُوَاضَعَةَ أوْ لَا جَائِحَةَ، أوْ إنْ لَمْ يَأْتِ بالثَّمَنِ لِكَذَا فَلَا بَيْعَ، أوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ وَلَا مَالِيةَ، وَصُحَّحَ، تَرَدُّدٌّ.

= المتيطي: إن كان في الأرض زرع حين البيع، أو كان في الشجر ثمر مأبور، فإن ذلك كله للبائع بمطلق البيع، لا يكون للمبتاع إلا بالشرط، ا. هـ. منه.

(4)

وقوله: ومدفونًا كلو جُهل، أي ولا تتناول شيئًا مدفونًا فيها. قال الحطاب: هذا هو المعلوم من مذهب ابن القاسم، أنه لا حق للمبتاع فيما وجد تحت الأرض من بئر أو جب أو رخام أو حجارة. قال في البيان: وهو للبائع إذا ادَّعاه، وأشبه أن يكون له بميراث أو غيره، وإلا كان سبيله سبيل اللقطة كلو جهل رب المدفون، فلا تتناوله الأرض ويكون سبيله سبيل اللقطة في أن محله بيت المال.

(5)

وقوله: ولا الشجر المؤبر، والتأبير هو تعليق طلع النخلة الذكر على الأنثى لئلا تسقط ثمرتها، وهو اللقاح. ونص ما في الموطإ عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا للْبَائِع إِلًا ان يَشْتَرِطهَا الْمُبْتَاعُ". قال المواق ونسبه للباجي: والتأبير في التين وما لا زهو له، أن تبرز جميع الثمرة عن موضعها وتتميز عن أصلها، فذلك بمنزلة التأبير؛ لأنه حينئذ تبين حاله وقلته وكثرته، أما الزرع فإباره أن يفرك في رواية ابن القاسم. وفي رواية أشهب: إباره ظهوره في الأرض. وقال ابن رشد: روى ابن القاسم وقال: إبار الزرع نباته. قال المتيطي: وهذا هو المشهور. ا. هـ. منه.

(6)

وقوله: ومال العبد، أي فلا يتناوله العقد، فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، ففي الموطإ عن ابن عمر: من باع عبدًا وله مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع.

قال أبو عمر: وروي أيضًا مرفوعًا. وقال الباجي: لا خلاف في جواز اشتراط مال العبد في نفس العقد، فإن لم يشترطه في نفس العقد، ثم أراد المشتري أن يزيد البائع شيئًا يلحق المال بالبيع، فاختلف في ذلك قول مالك، وأخذ ابن القاسم بالجواز. ا. هـ. المواق.

(7)

وقوله: وخلفة القصيل، قال المواق: من المدونة، يجوز لمن اشترى أول جذة من القصيل، اشتراء خلفته بعد ذلك ولا يجوز ذلك لغيره. قال ابن يونس: قال بعض أصحابنا: إنما

ص: 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= يجوز شراء الخلفة بعد الرأس إذا كان مشتري الرأس لم يجذه حتى اشترى االخلفة، وأما إن جذ الرأس ثم أراد شراء الخلفة، فهو وغيره سواء، لا يجوز له ذلك لأنه غرر منفرد، والأوق قد أضافه إلى أصل فاستخلف لأنه في حيز التبع.

وانظر خلفة القصيل إذا لم تشترط، كالزرع الذي أفسدته البهائم وأخلف بعد الغرم. ا. هـ. منه. قلت: يجري ذلك على القاعدة الخلافية التي هي قولهم: إن جرى الحكم على موجب التوقع، هل يرتفر بالوقوع؟. أو لا يرتفع لأنه نفذ؟ وقد عقدها الشيخ علي الزقاق في المنهج المنتخت بقوله:

وإن جرى الحكم على ما يُوجَبُ

توقعًا هل بالوقوع يذهب

ئم ذكر رحمه الله أمثلة مما يجري حكمها على هذه القاعدة فقال:

كالزرع والسن وعين والكرا

ورفعه بما الرَّحى اللخمي يرى

يريد أنه من الفروع التي تجري على هذه القاعدة؛ الزرع تأكله الماشية بليل، فتغرم قيمته، ثم يعود كما كان. والسن تقلع خطأ فيغرم عقلها ثم تنبت، والعين تصاب كذلك فيغرم عقلها ثم تبرأ، الى غير ذلك.

(8)

وقوله: والدار الثابت كباب ورف، قال الخطاب: يتبع العقار كل ما هو ثابت من مرافقه؛ كالأبواب والرفوف والسلاليم المؤدية والأخصاص والميازيب، لا منقوق إلا المفاتيح. ا. هـ. منه.

تنبيةٌ: ذكر في الحطاب عن البرزلي أنه لو قال الممئتري للبائع: اعطني عقد شرائك. فذلك له. قال: وفائدته أنه إذا طرأ الاستحقاق رجع المشتري على من وجد منهما، ولئلا يدعي البائع الأول أنه لم يبغ قط، قال: وله في الاستحقاق الرجوع على غريم الغريم، وكذا في الرد بالعيب. قال: والعمل اليوم على أخذ النسخة، وهو الحزم. ا. هـ. منه.

وقال ابن قدامة: وإن باعه دارًا بحقوقها، تناول البيع أرضها وبناءها وما هو متصل بها مما هو من مصلحتها؛ كالأبواب المنصوبة، والخوابي المدفونة، والرفوف المسمرة، والأوتاد المغروزة، والحجر المنصوب من الرحى، وأشباه ذلك. ولا يدخل في البغ ما ليس من مصالحها؛ كالكنز والأحجار المدفونة. ا. هـ. منه.

(9)

وقوله: والعبد ثياب مهنته، وهل يوفى بشرط عدمها، يريد به، والله أعلم، إن بيع=

ص: 322

وَصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ وَنَحْوِهِ، بَدَا صَلَاحُهُ (1) إنْ لَمْ يَسْتَتِرْ، وقَبْلَة مَعَ أَصْلِهِ أوْ أُلْحِق بِهِ أوْ عَلى قَطْعِهِ إنْ نَفَعَ واضْطُرَّ لَهُ وَلَمْ يُتَمَالأ عَلَيْهِ، لَا عَلَى التَّبْقِيَةِ أوْ الِإطْلَاقِ، وَبُدُوُّهُ فِي بَعْضِ حَائِطٍ كَافٍ فِي جِنْسِهِ إنْ لَّمْ تُبَكِّرْ (2)، لَا بَطْنٌ ثَانٍ بِأَوَّلَ، وهو الزُهُوُّ وَظُهُورُ الْحَلَاوَةِ والتَّهَيُؤ لِلنُّضْجِ، وَفِي ذِي النَّوْرِ بانْفِتَاحِهِ، والبُقُولِ بإطْعَامِهَا وَهَلْ هُوَ فِي البِطِّيخِ الاصْفِرَارُ أو التَّهَيؤ لَلتَّبَطُّخِ؟ قَوْلَانِ. ولِلْمُشْترِي بُطونُ كَيَاسَمِينٍ وَمَقْثَأةٍ، ولَا يَجُوزُ بكَشَهْرٍ، وَوَجَبَ ضَرْبُ الأجَل إنْ اسْتَمَرَّ كَالَمَوْزِ، ومَضَى بَيْعُ حَبٍّ أفْرَكَ قَبْلَ يُبْسِهِ بِقَبْضِهِ، ورُخِّصَ لِمُعْرٍ أو قَائِمٍ مَقَامَهُ، وَإن بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ فَقَطْ، اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ تيبَسُ كَلَوْزٍ لَا كَمَوْزٍ إنْ لَفَظَ بِالْعَرِيَّةِ، وبدا صلاحُها، وَكَانَ بِخَرْصِهَا وَنَوْعِهَا يُوفِّي عِندَ الجِذَاذِ، وَفي الذِّمَّةِ، وخَمْسَةَ أوْسُقٍ فَأقَلَّ، وَلَا يَجُوزُ أخْذُ زائدٍ عَلَيهِ مَعَهُ بِعَيْنٍ عَلى الأصَحِّ، إلَّا لِمَنْ أعْرَى عَرَايَا في حَوَائِطَ فَمِنْ كُلٍّ خَمْسَةٌ إِنْ كَانَ بِألْفَاظٍ لا بلَفْظٍ عَلى الأرْجَحِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ أوْ لِلْمَعْروفِ فيَشْتَري بَعْضَهَا كَكُلِّ الْحَائِطِ وَبَيْعِهِ الْأصْلَ، وَجَازَ لَكَ شِرَاءُ أصْلٍ فِي حَائِطِكَ بِخَرْصِهِ إنْ قصَدْت الْمَعْرُوفَ فَقَطْ.

= الرقيق يتناول ثياب مهنته، ذكرًا كان أو أنثى، بخلاف ثياب الزينة فلا تدخل إلا الشرط. وإن اشترط البائع عدم دخول ثياب المهنة صح الشرط ولزم لقوله صلى الله عليه وسلم:"الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ".

(1)

وقوله: وصح بيع ثمر ونحوه بدا صلاحه، قال في الموطإ ما نصه: عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري.

وحدثني عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تُزْهِيَ، فقيل له: يا رسول الله. وما تُزهي؟. فقال "حِينَ تَحْمَرُّ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ص: 323

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= " أَرَأيْتَ إِذَا مَنَع اللهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخَيهِ"؟.

وحدثني مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتَّى تنجوَ من العاهة. قال مالك: وبيع الثمار قبل أن يبدوَ صلاحها من بيع الغرر.

(2)

وقوله: وبدوه في بعض حائط كاف في جنسه إن لم يبكر، نسب المواق لكتاب ابن المواز: إذا أزهى في الحائط نخلة أو دالية بيع جميعه بذلك ما لم تكن باكورة. قال مالك: وإذا عجل زهو الحائط جاز بيعه، وإذا أزهت الحوائط حوله ولم يزه هو جاز بيعه. قال ابن القاسم: وأحب إليَّ حتى يزهيَ هو. ا. هـ. منه.

وحيث إني إنما التزمت إيراد ما وقفت عليه من الأدلة لا الآراء، فإني سوف اذكر أولًا ما وقفت عليه من السنة في بيع الثمار.

قال المنذري في مختصر أبي داود: باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري. قال:

وأخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. قال الخطابي في الكلام على هذا الحديث: الثمرة إذا بدا صلاحها أمنت العاهة غالبًا، ومادامت وهي رخوة رخصة، أي رطبة، قبل أن يشتد حبها أو يبدو صلاحها، فإنها بعرض الآفات، فكان نهيه للبائع عن ذلك لأحد وجهين:

- احتياطًا له حتى يبين صلاحها فتزداد قيمتها، ويكثر نفعة بالذات منها، لأنه إذا تعجل ثمنها لم يكن فيها طائل لقلته، فكان ذلك نوعًا من إضاعة المال.

- والوجه الآخر، أن يكون ذلك مناصحة لأخيه المسلم، واحتياطًا لمال المشتري لئلا تنالها الآفة فيبور ماله، أو يطالبه برد الثمن من أجل الجائحة، فيكون بينهما في ذلك الشر والخلاف.

قال: وأما نهيه المشتري فمن أجل المخاطرة والتغرير بماله؛ لأنها ربما تلفت بأن تنالها العاهة فيذهب ماله، فنهى صلى الله عليه وسلم عن هذا البيع تحصينًا للأموال، ولم يختلف العلماء أنه إذا باعها قبل بدو صلاحها بشرط أن يقطعها، جاز البيع، وإنما انصرف النهي عن البيع قبل بدو الصلاح، إلى البيع مع التبقية، وإذا بيعت الثمرة بعد بدو صلاحها على الإطلاق، فقال أبو حنيفة: البيع جائز وعلى=

ص: 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= المشتري قطعها. فكأنه بالإِطلاق شرط القطع. وقال الشافعي ومن وافقه: البيع جائز وعلى البائع تركها على الشجرة حتى تبلغ إناها. وجعل العرف فيها كالشرط، واستدل بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق حميد عن أنس أنه نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. وقال:" أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ ". قال: فدل ذلك على أن حكم الثمرة التبقية. ا. هـ.

وقال المنذري: وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يَزْهُوَ، وعن السنبل حتى يبيضَّ ويأمَنَ العاهة، نهى البائع والمشتري.

قال الخطابي: قوله: حتى يزهو، هكذا يروى، والصواب في العربية: حتى يُزْهَى. والإِرَهاء في الثمرة حتى تَحمرَّ أو تصفرَّ، فذلك أمارة الصلاح فيها ودليل على خلاصها من الآفة.

قال: وقوله: عن السنبل حتى تبيض ظاهره يوجب جواز بيع الحب في سنبله إذا اشتد وابيض؛ لأنه حرمه إلى غاية، فحكمه بعد بلوغ الغاية بخلاف حكمه قبلها. وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي، ومالك بن أنس، وشبهوه بالجوز واللوز يباعان في قشرهما.

قال: وقال الشافعي: لا يجوز بيع الحب في السنبل لأنه غرر، وقد نهى عن بيع الغرر، والمقصود من السنبل حبه، وهو مجهول، لا يدري هل سليم في باطنه أم لا، فيفسد البيع من أتجل الجهالة والغرر، كبيع المسلوخة في جلدها. قال: وإنما نهى عن بيع الحب في السنبل لعلتين، أما قبل أن يبيض ويشتد، فلأجل الآفات والجوائح، وأما بعد ذلك، فلأجل الجهالة وعدم المعرفة. قال: وأما بيع الجوز في قشره، فإنه غرر معفو عنه، لما فيه من الضرورة. وذلك أنه لو نزع لبُّه عن قشره، أسرع إليه الفساد والعفن، وليس كذلك البر والشعير وما في معناهما؛ لأن هذه الحبوب تبقى بعد التذرية والتنقية المدة الطويلة من الأيام والسنين. ا. هـ. منه.

وقال في المغني: ويجوز بيع الجوز، واللوز، والباقلَّى الأخضر في قشرته، مقطوعًا، وفي شجره، وبيع الحب المشتد في سنبله، وبيِع الطلع قبل تشققه، مقطوعًا على وجه الأرض، وفي شجره. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز حتى ينزع عنه قشره الأعلى. قال: ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن

ص: 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= العاهة. قال: فمفهويه إباحة بيعه، إذا بدا صلاحه وابيض سنبله، ولأنه مستور بحائل، من أصل خلقته، فجاز بيعه كالرمان، والبيض، ا. هـ. منه.

وأخرت المنذري في مختصره لأبي داود، عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع الثمرة حتى تُشَقَّح، قيل: وما تُشَقَّح؟ قال: تحمارَّ وتَصْفَارَّ، ويؤكل منها، قال: وأخرجه البخاري، وأخرجه مسلم أتم منه. قال الخطابي: التَّشْقِيحُ تغير لونها إلى الصفرة والحُمرة، والشُّقْحَةُ: لون غير خالص في الحمرة والصفرة، وإنما هو تغير لونه في كمودة، ومنه قليل: قبيح شقيح لتغير اللون إلى السماجة والقبح.

قال: وإنما قال: يحمارَّ ويصفارَّ، لأنه يرد به اللون الخالص، وإنما يستعمل ذلك في اللون المتميل، يقال. مازال يحمارُّ وجهه ويصفارُّ، إذا كان يضرب مرة إلى الحمرة ومرة إلى الصفرة، فإذا أرادوا أنه قد تمكن من اللون واستقر قالوا: احمرَّ واصفرَّ.

قال: وفي قوله: حتى تُشَقَّحَ، دليل على أن الاعتبار في بدو الصلاح إنما هو بحدوث الحمرة في الثمرة، دون إتيان الوقت الذي يكون فيه صلاح الثمار غالبًا؛ فقد ذهب بعض أهل العلم إلى اعتباره بالزمان، واحتج بيحا روي في بعض الحديث أنه قيل: متى يبدو صلاحها؟. "إذَا طَلَعَ النَّجْمُ" يعني الثريا.

قلت: ذكر أبو عبد الله القرطبي من أصحابنا في تفسيره، في الكلام على قوله تعالى:{انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} الآية. قال: وهذا الينع الذي يقف عليه جواز بيع الثمر، وبه بطيب أكلها ويأمن من العاهة، هو عند طلوع الثريا بما أجرى الله سبحانه وتعالى من العادة، وأحكمه من العلم والقدرة. ذكر المعلى بن أسد، عن وهيب، عن عِسْل بن سفيان عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا طَلَعَتِ الثُّرَيَّا صَبَاحًا رُفِعَتِ الْعَاهَةُ أَهْلِ لْبَلَدِ". والثريا النجم، لا خلاف في ذلك، وطلوعها صباحًا لاثنتي عشرة ليلة تَمضي من شهر أيار- وهو شهر مايو.

قال: وفي البخاري: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار رضه حتي تطلع الثريا، فيتبين الأصفر والأحمر. ا. هـ. منه بلفظه. =

ص: 326

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال المنذري في مختصره لأبي داود: وعن زيد بن ثابت قال: كان الناس يتبايعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جدَّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: قد أصاب الثمر الدَّمانُ، وأصابه قُشام، وأصابه مُراض -عاهات يحتجون بها- فلما كثرت خصومتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمشورة لهم يشير بها:" فَأَمَّا لَا، فَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا". لكثرة خصومتهم واختلافهم، قال: وأخرجه البخاري تعليقًا.

قال الخطابي: وفي هذا الباب حرف غريب من جهة اللغة في حديث زيد بن ثابت قال: كان الناس يبتاعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جدَّ الناس قال المبتاع: أصاب الثمر الدمار، وأصابه قُشام، هكذا في رواية ابن داسة.

وقال ابن الأعرابي في روايته عن أبي داود: الدمانُ بالنون، قال الأصمعي: القُشام أن ينتقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحًا. قال: والدمانُ- بفتح الدال: أن تنشق النخلة أول ما يبدو قلبُها عن عَفَنٍ وسواد. ا. هـ.

قيل: والذي جاء في غريب الخطابي: الدُّمان -بالضم- وكأنه أشبه؛ لأن ما كان من الأدواء والعاهات فهو بالضم كالسُّعال، والنُّحاز، والزُّكام، كذا في النهاية. ا. هـ.

وقوله: لا على التبقية، قال المواق عزوا لابن عرفة: بيع الثمر قبل بدو صلاحه على بقائه، نصوص المذهب فساده؛ قال اللخمي: هذا إذا شرطا مصيبته من المشتري أو من البائع، والبيع بالنقد؛ لأنه تارة ت وتارة سلف. وإن كانت المصيبة من البائع والبيع بغير نقد جاز. وقد تقدم للسيوري نحو هذا. وكان سيدي ابن سراج زحمه الله تعالى يقول: ظاهر كلام المازري أن قول السيوري هو الفقه. قال: وانظر إذا اشترى الثمرة على التبقية قبل بدو صلاحها ثم اشترى الأصل، إنه بخلاف ما إذا اشتراها على الجد ثم اشترى الأصل، فإن له أن يبقيها، ا. هـ. منه.

قوله: أو الإِطلاق: نسب المواق لعبد الوهاب، قال: بيع الثمار قبل بدو الصلاح على ثلاثة أوجه: عنى الجداد، وعلى التبقية، أو مطلقًا لا شرط فيه، فأما على الجداد فيجوز باالإِجماع، وأما على انتبقية فلا يجوز بالإِجماع، وأصا مطلقًا فلا يجوز عندنا.

قلت. ولا يجوز عند، الشافعي وأحمد، خلافًا لأبي حنيفة.

ص: 327

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقوله: وبدوه في بعض حائط كاف، قد تقدم الكلام عليه قريبًا، وهو مذهب مالك، والشافعي ورواية عن الإمام أحمد، والمشهور عنه عدم ذلك، فلابد من بدو الصلاح في كل بستان بعينه، انظر المغني.

وقوله: لا بطن ثان بأول، قال المواق: سمع ابن القاسم: الشجرة تطعم بطنين في السنة؛ بطنًا بعد بطن، لا يباع البطن الثاني مع الأول، بل كل بطن وحده. وقال ابن رشد: ظاهر قوله لا يجوز، وإن كان لا ينقصع الأول حتى يبدو طيب الثاني، وهو خلاف ما تقدم من قول مالك.

وروى ابن نافع في جواز بيع البطن الثاني مع الأول إن كان لا ينقطع الأول حتى يدركه الثاني. ا. هـ. منه.

وقوله: ورخص لمعر، الخ .. هذا الكلام على العرية، قال المواق: مالك: العرية هبة الثمر من نخل أو شجر. ونص ما في الموطإ عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها. وعن مالك عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة أن رسول صلى الله عليه وسلم أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق، يشك داود قال: خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق.

قال مالك: وإنما تباع العرايا بخرصها من التمر، يتحرى ذلك ويخرص في رؤوس النخل. وإنما أرخص فيه لأنه أنزل بمنزلة التولية والإِقالة والشرك، ولو كان بمنزلة غيره من البيوع ما أشرك أحد أحدًا في طعامه حتى يستوفيه، ولا أقاله منه ولا ولَّاهُ أحدًا حتى يقبضه المبتاع. ا. هـ. منه.

وعن سهل بن أبي حثمة، قال: نهى رسول الل صلى الله عليه وسلم عن بيع التّمر بالتمر، إلَّا أنه رخص في العريَّة أن تباع بخرصها تمرًا يأكلها أهلها رُطَبًا، متفق عليه. وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع التّمر بالتمر، إلا أنه رخص في العرايا. متفق عليه.

وقال الخرقي: والعرايا التي أرخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن يوهب للإنسان من النخل ما ليس فيه خمسة أوسق، فيبيعها بخرصها من التمر لمن يأكلها رطبًا.

قال ابن قدامة: إباحة بيع العرايا في الجملة هو قول أكثر أهل العلم. منهم مالك، وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يجوز=

ص: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= بيعها.

قال ابن قدامة: ولنا ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق. حديث متفق عليه. ورواه زيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة وغيرهما.

وأخرجه أئمة الحديث في كتبهم. قال: وقال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، والقياس لا يصار إليه مع النص، ا. هـ. منه.

قال ابن قدامة: لا تجوز العرية في زيادة على خمسة أوسق بغير خلاف نعلمه، وتجوز فيما دون خمسة أوسق بغير خلاف بين القائليق بجوازها.

قال: وأما في خمسة أوسق، فلا يجوز عند إمامنا رحمه الله -يعني أحمد بن حنبل- وبذلك قال ابن المنذر، والشافعي في أحد قوليه. وقال مالك والثافعي في قول: يجوز ذلك في خمسة أوسق، ورواه إسماعيل بن سعيد عن أحمد، لأن في حديث سهل وزيد أنه رخَّص في العرية مطلقًا، ثم استثنى ما زاد على خمسة أوسق في حديث أبي هريرة، وشك في الخمسة، فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك فيه على مقتضى الإِباحة.

قال: ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص في العرية فيما دون خمسة أوسق، وشُكَّ في الخمسة، فيبقى على العموم في التحريم، ولأن العرية رخصة بنيت على خلاف النص يقينًا فيما دون خمسة أوسق، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها مع الشك. قال: وروى ابن المنذر بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص في بيع العريَّة في الوسْق والوسْقيْن، والثلاثة، والأربعة، قال: والتخصيص بهذا يدل على أنه لا تجوز الزيادة في العدد عليه، كما حصل الاتفاق على أنه لا تجوز الزيادة على الخمسة لتخصيصها بالذكر، وروى مسلم عن سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العريَّة النخلة والنخلتين.

وأما إن باع الرجل عريتين من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز ذلك. وقال أبو بكر والقاضي: لا يجوز. قال: ولنا أن علة التجويز حاجة المشتري؛ بدليل ما روي عن محمود بن لبيد. قال: قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟. فسَّمى رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعوت به رُطَبًا يأكلونه، وعندهم فضول من=

ص: 329

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطبًا. وقال مالك: بيع العريَّة الجائز هو أن يُعري الرجلُ نخلات من حائطه، ثم يكره صاحب الحائط دخول الرجلِ المُعْرَى، لأنه ربما كان مع أهله في الحائط، فيؤذيه دخول المعرّى عليه، فيجوز أن يشتريها منه. وما ذهب إليه مالك هو ظهر ما نقلناه من كلام الخرقي. ونقل ابن قدامة عن الأثرم قال: سمعت أحمد سئل عن تفسير العرايا، فقاك: العرايا أن يعري الرجلُ الجارَ أو القرابةَ للحاجة أو للمسكنة؛ فللمُعْرى أن يبيعها ممن شاء. قال: واحتج من فسرها هذا التفسير بأن العريَّة في اللغة هي هبة ثمرة النخيل عامًا. قال أبو عبيد: الإِعراء، أن يجعل الرجلُ للرجل ثمرة نخلة عامها ذلك. قال شاعر الأنصار يصف النخل:

لَيْسَتْ بِسَنْهَاء ولَا رُجَبيَّةٍ

ولكِنْ عَرَايا في السنين الْجَوائح

يقول في نخلته أنها ليست مما يحافظ على ثمرها؛ بجعل الشوك حوله ولا بشد عذوقها إلى سعفها، وإنما هي عرايا للناس في السنين المجدبة، فيتعين صرف اللفظ إلى موضوعه اللغوي وإلى مقتضاه في اللغة العربية ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك.

قلت: والدليل إلى جانب الشافعية ومشهور مذهب الحنابله؛ من أنه لا يشترط في العريَّة أن تكون موهوبة لبائعها، ذلك أن حديث محمود بن لبيد عن زيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟. الذي ذكر فيه أن سبب الترخيص في العرايا شكوى رجال من الأنصار أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به الرطب يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي بأيديهم يأكلونها رطبًا، هو خير دليل أنه لا يشترط في العريَّة أن تكون موهوبة لبائعها.

وقال ابن قدامة: إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر لا أقل منه ولا أكثر، ويجب أن يكون التمر الذي يشترى به معلومًا كيلًا، ولا يجوز ذلك جزافًا. ولا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافًا، لما روي أن رسول ال صلى الله عليه وسلم أرْخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلًا، متفق عليه.

ولمسلم: أن تؤخذ بمثل خرصها تمرًا يأكلها أهلها رطبًا. قال: ولأن الأصل اعتبار الكيل من الطرفين، وقد سقط عن أحدهما للتّعَذر.

وقال: ويشترط في بيع العرايا التقابض في المجلس، وهذا قول الشافعي، ولا نعلم فيه=

ص: 330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= مخالفًا؛ لأنه بيع تمر بتمر فاعتبر فيه شروطه إلا ما استثناه الشرع مما لا يمكن اعتباره في بيع العرايا. قال: والقبض في كل واحد منهما بحسبه؛ ففي التمر كيله أو نقله، وفى الثمرة التخلية، وليس من شروطه حضور التمر عند النخيل، بل ولو تبايعا بعد معرفة التمر والثمرة، ثم مضيا جميعًا إلى النخلة فسلمها لمشتريها ثم مشيا إلى التمر فتسلمه مشتريه جاز، لأن التفرف لا يحصل في هذا قبل القبض.

وقال ابن قدامة: إنه لا يجوز بيع العرية إلا لمحتاج إلى أكلها رطبًا، بدليل حديث محمود بن لبيد عن زيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟. الحديث، قال: ولأن ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها؛ كالزكاة للمساكين والترخيص للسفر، فعلى هذا متى كان صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كان محتاجًا ومعه من الثمن ما يشتري به العرية، لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها لواهبها تحرزًا من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك، أو لغيره، فإنه لا يجوز.

قال: فيشترط إذًا في بيع العريَّة شروط خمسة:

- أن يكون فيما دون خمسة أوسق.

- أن تباع بخرصها من التمر.

- وأن يقبض ثمنها قبل التفرق.

- أن يكون المشتري محتاجًا إلى أكل الرطب.

- وأن لا يكون معه ما يشتري به الرطب سوى التمر.

قال: واشترط الخرقي أن تكون موهوبة لبائعها. واشترط أصحاب المذهب الحنبلي أن يأكلها أهلها رطبًا، فإن تركت حتى تصير تمرًا بطل العقد.

قال الخرقي: فإن تركه المشتري حتى يُتْمر بطل العقد. واحتج له ابن قدامة بالحديث " يَأْكُلُهَا أهْلُهَا رُطَبًا ". قال: ولأن شراءها إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب، فإذا أتمرت تبينا عدم الحاجة فيبطل العقد. ا. هـ. منه.

أما عند أصحابنا فإن لجواز بيعها ثمانية شروط هي:

أ- أن يلفظ المعري -باسم الفاعل- بالعريَّهَ حين الإِعطاء؛ كأن يقول: أعريتك. مثلًا لا =

ص: 331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= بلفظ العطية ولا الهبة ولا المنحة.

2 -

أن يبدو صلاحها وقت الشراء، وإن قلت: هذا يختص بالعرية فلم عددته شرطًا هنا؟. قلنا: لئلا يتوهم عدم اشتراطه لأجل الرخصة.

3 -

أن يكون الشراء واقعًا بخرصها، أي بقدرها من التمر لا بأكثر ولا بأقل.

4 -

أن يكون التمر من نوعها، ومراده به الصنف، فلا يباع صيحاني ببرني.

5 -

أن لا يشترط تعجيله على جذ العريَّة، فإن شرط تعجيله فسد، سواء عجل فعلًا أو لا، أما التعجيل من غير شرط فلا يضر، سواء اشترط التأجيل أو سكت عنه.

6 -

ولابد أن يكون ذلك الخرص في ذمة المعري -باسم الفاعل- لا في حائط بعينه خلافًا لما في المبسوط من صحة البيع وبطلان شرط التعيين.

7 -

أن يكون المشتري عارية خمسة أوسق فأقل.

8 -

أن يكون الترخيص وقع لدفع الضرر عن المعري -باسم الفاعل- أو بالرفق بالمُعرى- باسم إلمفعول، ا. هـ.

وأما ما يشترط في جواز العارية على مذهب الإِمام الشافعي رحمه الله، فقد قال صاحب المنهاج ما نصه:

ويرخَّص في العرايا -وهو بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض، أو العنب في الشجر بزبيب- فيما دون خمسة أوسق، ولو زاد في صفقتين جاز. ويشترط التقابض بتسليم التمر كيلًا والتخلية في النخل، والأظهر أنه لا يجوز في سائر الثمار، وأنه لا يختص بالفقراء، ا. هـ. منه.

وأما الحنفية، فقد قال أبو حنيفة: لا يحل بيعها لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة، والمزابنة بيع التمر بالتمر، متفق عليه. قال: ولأنه بيع التمر بالرطب من غير كيل في أحدهما، فلم يجز، كما لو كان على وجه الأرض أو فيما زاد على خمسة أوسق. ا. هـ. المغني.

هذا ملخص حكم بيع العرايا على ضوء المذاهب الأربعة وأدلتها. وبالله تعالى التوفيق.

ص: 332

وَبَطَلَتْ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْزِ. وَهَلْ هُوَ حَوْزُ الأُصُولِ أوْ أنْ يَطْلُعَ ثَمَرُهَا؟. تَأويلَانِ. وزَكَاتُهَا وسَقْيُهَا علَى المُعْرِي وكُمِّلَتْ، بخِلَافِ الوَاهِبِ، وتُوضَعُ جَائحَةُ الثِّمَارِ (1) كَالْمَوْزِ والْمقَاثِئُ وَإنْ بِيعَتْ عَلى الْجَذِّ وَإنْ مِنْ عَرِيَّةٍ، لَا مَهْرٍ، إنْ بَلَغَتْ ثُلُثَا المَكِيلَةِ ولوْ كَصَيْحَانِىٍّ وبَرْنِىٍّ وبُقِّيَتْ لِيَنْتَهِيَ طيبُها وَأفْرِدَتْ أوْ ألْحِقَ أصْلُهَا لَا عَكْسُهُ أوْ مَعَهُ ونُظِرَ مَا أُصِيبَ مِنَ البُطُونِ إلى مَا بَقِيَ فِي زَمَنِهِ لَا يَوْمَ الْبَيْعِ وَلَا يُسْتَعْجَلُ عَلى الأصَحِّ، وَفِي المُزْهِيَةِ التَّابِعَةِ للدَّارِ تأويلَانِ. وَهَلْ هِيَ مَالَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيٍّ وجَيْشٍ (2) أوْ سَارِقٌ؟. خِلَافٌ. وتَعْييبُهَا كَذلِكَ. وتُوضَعُ مِنَ الْعَطَشِ وَإنْ قَلَّتْ (3)؛ كَالبُقُولِ (4) والزَّعْفَرَانِ وَالرَّيْحَانِ، والْقَرْطِ (5)، والْقَضْبِ، وَوَرَقِ التُّوتِ ومُغَيَّبِ الْأصْلِ كَالجَزَرِ، وَلَزِمَ المُشْتَرِيَ بَاقِيهَا وَإنْ قَلَّ.

(1)

وقوله: وتوضع جائحة الثمار، قال في الموطإ عن مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعالجه وقام به حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع له أو أن يقيله، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَل خَيْرًا ". فسمع بذلك رب الحائط فأتى رسول اللهه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هو له.

وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى بوضع الجائحة، قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا. قال مالك: والجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعدًا، ولا يكون ما دون ذلك جائحة. ا. هـ. منه.

قال القرطبي في تفسيره- في الكلام على قوله تعالى: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} . الآية. في المسألة السابعة- ما نصه: وقد استدل من أسقط الجوائح من الثمار بهذه الآثار وما كان مثلها من نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع الثمار حتى تذهب العاهة، قال عثمان بن سراقة: فسألت ابن عمر متى هذا؟. فقال: طلوع الثريا. =

ص: 333

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال الشافعي: لم يثبت عندي أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت عندي لم أعْدُه. والأصل المجتمع عليه أن كل من ابتاع ما يجوز بيعه وقبضه كانت المصيبة منه، قال: ولو كنت قائلًا بوضعها لوضعتها في القليل والكثير. وهو قول الثوري والكوفيين. وذهب مالك وأكثر أهل المدينة إلى وضعها؛ لحديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجائحة. أخرجه مسلم. وبه كان يقضي عمر ابن عبد العزيز، وهو قول أحمد بن حنبل وسائر أصحاب الحديث.

وأهل الظاهر وضعوها عن المبتاع في القليل والكثير على عموم الحديث، إلا أن مالكًا وأصحابه اعتبروا أن تبلغ الجائحة ثلث الثمرة فصاعدًا، وما كان دون الثلث ألغوه، إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذر القليل من طيبها وأن يلحقها في اليسير منها فساد. ا. هـ. منه.

قلت: لم يتبين لي تخصيص طرح الجائحة إذا بلغت الثلث، فالذي يؤيده الدليل عندي طرحها في القليل والكثير لعموم الحديث، كما ذهب إليه أهل الظاهر وبالله تعالى التوفيق.

(2)

وقوله: وهل هي ما لا يستطاع دفعه كسماوي وجيش، نسب المواق للمدونة، قال ابن القاسم: كل ما أصاب الثمرة من الجراد والريح والنار والغرق والبرد والمطر والطير الغالب والدود وعفن الثمرة في الشجر والسموم فذلك كله جائحة توضع من المبتاع إن أصابت الثلث، والجيش يمر بالنخل فيأخذ ثمرته فذلك جائحة. قال ابن القاسم: ولو سرقها سارق كانت جائحة أيضًا، وقال ابن نافع: ليس السارق جائحة، قال ابن يونس: قول ابن القاسم أصوب لأنه فعل مخلوق لا يقدر على دفعه، ا. هـ. منه.

وفي الحطاب: تنبيهٌ: قال في التوضيح: قال الشيخان وغير واحد: وإنما يكون السارق عند ابن القاسم جائحة إذا لم يعرف، وأما إن عرف فيتبعه المشتري مليئًا كان أو معدمًا، ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: وتوضع من العطش وإن قلّت، نسب المواق للمدونة، قال ابن القاسم: أما إن هلكت الثمرة من انقطاع ماء السماء، أو انقطع عنها ماء عين يسقيها، فهذا يوضع قليل ما هلك منه بسبب ذلك وكثيره بخلاف الجوائح.

(4)

وقوله: كالبقول، قال مالك من اشترى شيئًا من البقول: السلق، والبصل، والجزر=

ص: 334

وَإنْ اشْتَرى أجناسًا فأُجِيحَ بَعْضُهَا، وُضِعَتْ إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثُلُثَ الْجَمِيعِ وأُجِيحَ مِنْهُ ثُلُثُ مَكِيلَتِهِ (1)، وإنْ تَنَاهَتِ الثَمَرَةُ فَلَا جَائِحَةَ كالْقَصَبِ الْحُلْو ويَابِسَ الْحَبِّ. وخُيِّرَ الْعَامِلُ فِيَ الْمُسَاقاةِ بَيْنَ سَقْيِ الْجَمِيعِ أوْ تَرْكِهِ إنْ أُجِيحَ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ ومُسْتَثْنٍ كَيْلَ مَعْلُومٍ مِنَ الثَّمَرَةِ تُجَاحُ بِمَا يُوضَعُ، يَضَعُ مِنْ مُشْتَريهِ بِقَدْرِهِ.

= والفجل والكراث وشبه ذلك، فإنه يوضع قليل ما أجيح منه وكثيره. وقال ابن المواز: اللفت والأصوك المغيبة في الأرض مما لا يدخر، هي بمنزلة البقول، ا. هـ.

(5)

وقوله: والزعفران والريحان والقرْط. نسب المواق لسحنون: أما الزعفران والريحان والبقل والقرط والقصب فإن الجوائح توضع في قليلها وكثيرها، لا يصلح فيها المساقاة. ا. هـ.

وقال القرطبي في تفسيره: واختلف في العطش؛ ففي روأية ابن القاسم هو جائحة، والصحيح في البقول أنه فيها جائحة كالثمر، ومن باع ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط التبقية، فسخ بيعه ورد، للنهي عنه، ولأنه من أكل ألموال الناس بالباطل لقوله عليه الصلاة والسلام:" أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَ فَبِمَ يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مَالَ أخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ"؟. هذا قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه. إ. هـ. منه بتصرف قليل.

(1)

وقوله: وإن اشترى أجناسًا فأجيح بعضها وضعت إن بلغت قيمة ثلث الجميع وأجيح منه ثلث مكيلته، نسب المواق لابن المواز: إن كان في الحائط أنواع مختلفة -نخل وكرم ورمان- فأُجيح بعض نوع منها، نظر، فإن كان جميع ذلك الصنف لا تبلغ قيمته لو لم يحج ثلث قيمة لجميع فلا جائحة فيه، أجيح كله أو بَعضُه، وإن كاق كله يبلغ ثلث قيمة الجميع نظر ما أجيح مه، فإن كان قدر ثلث ثمرته وضع ثلث قيمة ذلك من قيمه، باقيه هى الثمن، وإن كان أقل سن ثلث ثمرته لم يوضع منه شيء.

قلت: ليس لهذا التحديد بالثلث إلا الآراء. رالله تعالى أعلم بمستندها.

تنبيهٌ: قد خالف الإمام أحمد، والإمام الشافعي في جواز بيع ما المقصود منه مستور في الأرض؛ كالجزر والفجل، والبصل، والثوم، حتى يقلع ويشاهد. ووافقهما على ذلك أصحاب =

ص: 335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الرأي وابن المنذر، قالوا: لأنه مجهول لم يره ولم يوصف له فأشبه بيع الحمل، فهو غرر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، رواه مسلم، وخالفوا أيضًا في جواز بيع القثاء والخيار وما أشبهه إلا لقطة لقطة؛ قالوا: لا يجوز إلا بيع الموجود منها دون المعدوم. وقال مالك: يجوز بيع الجميع؛ لأن ذلك يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر منه تبعًا لماظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا صلاحه.

وأجازوا بيع ما لم يبد صلاحه، مما تقصد فروعه وأصوله معًا؛ كالبصل المبيع أخضر والكراث، والفجل، قالوا: فيدخل ما لم يظهر في البيع تبعًا، فلا تضر جهالته؛ كالحمل في البطن واللبن في الضرع مع الحيوان.

وجوز أحمد ومالك وأبو حنيفة بيع الجوز واللوز والباقلَّى الأخضر في قشرته مقطوعًا وفي شجره، وبغ الحب المشتد في سنبله، وبيع الطلع قبل تشققه مقطوعًا على وجه الأرض، وفي شجره، وخالف الشافعي إلا في الطلع والسنبل في أحد قوليه. وقال أحمد والشافعي: لا يجوز بيع ما كالنعناع مما تنبت أصوله في الأرض، ويؤخذ ما ظهر منه بالقطع دفعة بعد دفعة، إلا أن يبيع الظاهر منه بشرط أن يقطع في الحال، ورخص مالك في أن يشتري منه جزتين أو ثلاثًا. والله أعلم بمستند ذلك كله. وهو الموفق. ا. هـ. انظر المغني.

ص: 336

‌اختلاف المتبايعين فَصْلٌ

إِنْ اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أوْ نَوْعِهِ، حَلَفَا وَفُسِخَ، وَرَدَّ مَعَ الْفَوَاتِ قِيمَتَهَا يَوْمَ بَيْعِهَا وَفِي قَدْرِهِ كَمَثْمُونِهِ أوْ قَدْر أجَلٍ أوْ رَهْنٍ أوْ حَمِيلٍ، حَلَفَا وَفُسِخَ (1) إِنْ حُكِمَ بِهِ ظَاهِرًا وبَاطِنًا كتَنَاكُلِهِمَا، وصُدِّق، مُشْتَرٍ ادَّعَى الأشْبَهَ وَحَلَفَ إنْ فَاتَ (2)، ومِنْهُ تَجَاهُلُ الثَّمَنِ وَإنْ مِنْ وَارِثٍ، وَبَدَأ الْبَائِعُ وحَلَفَ عَلى نَفْيِ دَعْوَى خَصْمِهِ مَعَ تَحَقُّقِ دَعْوَاهُ، وَإنْ اخْتَلَفَا في انْتِهَاءِ الْأجَلِ فَالْقَوْلُ لِمُنْكَرِ التَّقَضِّي (3)، وَفِي قَبْضِ الثَّمَنِ أو السِّلْعَةِ فالأَصْلُ بَقَاؤُهُمَا إلَّا لِعُرْفٍ كَلَحْمٍ أوْ بَقْلٍ بَانَ بِهِ (4) وَلَوْ كَثُرَ، وَالاَّ فَلَا إنْ ادِّعَى دَفْعَهُ بَعْدَ الأخْذِ، وإلَّا فَهَلْ يُقْبَلُ أوْ فِيمَا هُوَ الشّأنُ أوْ لَا؟ أقْوالٌ. وكإشْهَادِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ مُقْتَضٍ لِقَبْضِ مُثْمَنِهِ، وحَلَّفَ بَائِعَهُ إنْ بَادَرَ؛ كإشْهَادِ البائِع بِقَبْضِهِ، وَفِي البَتِّ مُدَّعِيهِ، كَمُدَّعِي الصِّحَّةِ إنْ يَغْلِبِ الْفَسَادُ، وَهَلْ إلَّا أنْ يَخْتَلِفَ بِهِمَا الثَّمَنُ فَكقَدْرِهِ؟. تَرَدُّدٌ. والمُسْلَمُ إِلَيْهِ مَعَ فَوَاتِ الْعَيْنِ بالزَّمَنِ الطَّوِيلِ أو السِّلْعَةِ كالمُشْتَرِي، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إنِ ادَّعى مُشْبِهًا، وَإِنْ ادَّعَيَا مَا لَا يُشْبِهُ فَسَلَمٌ وَسَطٌ، وَفِي مَوْضِعِهِ، صُدِّقَ مُدَّعِي مَوْضِعِ عَقْدِهِ، وَإلَّا فالْبَائِعُ، وَإنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ تَحَالَفَا وَفُسِخَ كَفَسْخِ مَا يُقْبَضُ بِمِصْرَ وجَازَ بِالْفُسْطَاطِ، وقُضِيَ بِسُوقِهَا، وإلَّا فَفِي أيِّ مَكانٍ منها.

‌الكلام على اختلاف المتبايعين

(1)

قوله: إن اختلف المتبايعان في جنس الثمن أو نوعه حلفا وفسخ، ورد مع الفوات قيمتها يوم بيعها، وفي قدره كمثمونه أو قدر أجل أو رهن أو حميل، حلفا وفسخ، فقد روى البغوي بسنده=

ص: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عن أبي عميس: أخبرني عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده، قال: اشترى الأشعث بن قيس رقيقًا من رقيق الخمس من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم، فقال: إنما أخذتها بعشرة آلاف. فقال عبد الله: فاختر رجلًا يكون بيني وبينك.

قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك. قال عبد الله: فإني سمعت رسول اللهله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، وَليْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أوْ يَتَتَارَكَانِ".

وفي السنة للبغوي أيضًا: وقال أبو عيسى: ناقتيبة، ناسفيان، عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَالمُبْتاعُ بِالْخِيَارِ". قال أبو عيسى: هذا حديث مرسل، وعون لم يلق ابن مسعود.

وأخرج البغوي أيضًا بسنده عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"الْبَيِّعَانِ إذَا اخْتَلَفَا، وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بعَيْنِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ، أوْ يَتَرَادَّان الْبَيْعَ".

قلت: الحديث الأول، قال شعيب: هو في سنن أبي داود في البيوع، والنسائي جـ 7/ ص 302 وأخرجه الحاكم جـ 2/ ص 45. قال: وعبد الرحمن بن قيس مجهول، لكن الطرق الآتية للحديث تقويه. وقال في الحديث الثاني: أخرجه الترمذي في البيوع. ونقل الزيلعي في نصب الراية في جـ 7/ ص 107 عن ابن الجوزي قوله في التحقيق: أحاديث هذا الباب فيها مقال؛ فإنها مراسيل وضعاف، فأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ولا من عبد الرحمن، والقاسم لم يسمع من ابن مسعود، ولا عون بن عبد الله. قال: وقد رواه الدار قطني بألفاظ مختلفة وبأسانيد ضعيفة فيها ابن عياش ومحمد بن أبي ليلى، والحسن بن عمارة وابن المرزبان، وكلهم ضعاف. وقال صاحب التنقيح: والذي يظهر أن حديث ابن مسعود بمجموع طرقه له أصل، بل هو حديث حسن يحتج به، لكن في لفظه اختلاف.

وقال في الحديث الثالث: أخرجه أحمد، وأبو داود الطيالسي عن القاسم عن عبد الله، وأخرجه الدارقطني ص 297 عن القاسم.

وقال البيهقي في حديث أبي عميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس =

ص: 338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عن أبيه عن جده، قال: رواه أبو داود في كتاب السنن عن محمد بن يحيى عن عمر بن حفص.

وقال: هذا إسناد حسن موصول، وقد روي من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قويًا.

وفي البيهقي بسنده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاء قَوْمٍ وَأَموَالَهُمْ، وَلكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". أخرجه مسلم في الصحيح من حديث ابن جريج، وأخرجه البخاري من وجه آخر عن ابن أبي مليكة. قال الشافعي: فإذا تبايع رجلان عبدًا فقال البائع: بعتكه بألف. وقال المبتاع: بخمسمائة. فكل واحد منهما مدع ومدعىً عليه؛ البائع يدعي فضل الثمن، والمشتري يدعي السلعة بأقل من الثمن، فيتحالفان ويبدأ بيمين البائع، ا. هـ. منه.

قال البغوي: اختلف أهل العلم في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن؛ فقال البائع: بعت بكذا. وقال المشتري: بأقل. فذهب عامتهم إلى أنهما يتحالفان؛ يحلف البائع بالله، لقد بعته بكذا. فإذا حلف يقال للمشتري: إمَّا أن تأخذ السلعة بما حلف عليه البائع، وإمَّا أن تحلف: ما اشتريتها إلا بما قلت. فإن حلف، فسخ العقد بينهما، ورد لكل واحد منهما ما دفع. وهو قول شريح، وذهب إليه مالك، والشافعي، وأحمد، واسحاق، وأصحاب الرأي.

قال: ولا فرق عند الشافعي بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة في أنهما يتحالفان، ويرد قيمة السلعة. وذهب جماعة إلى أنهما لا يتحالفان بعد هلاك السلعة عند المشتري، بل القول قول المشتري مع يمينه. وهو قول النخعي، وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي ومالك، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ا. هـ. منه.

أما اختلافهما في قدر الثمن، فقد نسب المواق للمنتقى: إن اختلفا في الثمن قبل القبض للسلعة، فقال البائع: بعشرة. وقال المبتاع: بخمسة. بدئ البائع؛ فقيل له: إن أبيت ما قال المبتاع فاحلف أنك بعتها منه بعشرة. فإن حلف قيل للمبتاع: إن أبيت ما قال البائع فاحلف أنك اشتريتها منه بخمسة. فإن حلف لم يلزم أحدهما ما حلف عليه الآخر.

وأمَّا إن اختلفا في قبض السلعة وقبل فوتها، فقد روى أشهب وابن القاسم عن مالك أنهما =

ص: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= يتحالفان ويتفاسخان. قال ابن القاسم في الموازية: سواء نقد الثمن أو لم ينقده. وأما إذا فاتت السلعة بزيادة أو نقص أو حوالة سوق، فروى ابن القاسم عن مالك أن القول قول المبتاع، وروى أشهب أنهما يتحالفان، وأمَّا اختلافهما في المثمون فقد تقدم نص المدونة في السلم إن قال: هذا في فرس، وهذا في حمار، تحالفا وتفاسخا، وأما اختلافهما في قدر الأجل، فقال ابن رشد: إذا اختلفا في أجل الثمن واتفقا على عدده، ففي ذلك سبعة أقوال؛ المشهور عن ابن القاسم أنهما يتحالفان ويتفاسخان.

وأما اختلافهما في الرهن والحميل فقال المازري: قول بعض أصحابنا، كل ما يؤدي إلى الاختلاف في الثمن فهو كالاختلاف فيه كاختلافهما في رهن أو حميل. صحيحٌ، انظر ابن عرفة، ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: وصدق من ادعى الأشبه وحلف إن فات، نسب المواق لابن القاسم قوله: إنما يراعى ملك من أشبه قوله من المتداعيين في فوت السلعة بيد المشتري في سوق أو بدن، وأما مع بقاء السلعة، وفي وقت يحكم فيه بالتحالف والتفاسخ، فعندي لا يراعى في ذلك قول من أشبه.

(3)

وقوله: وإن اختلفا في انتهاء الأجل فالقول لمنكر التقضي، نسب المواق للمدونة قال مالك: من أسلم في سلعة إلى أجل، فادعى حلوله، وقال البائع: لم يحل. فالقول قول البائع فيما يشبه -يريد مع يمينه- قال ابن القاسم: فإن لم يأت بما يشبه صدق المبتاع فيما يشبه.

وقال مالك فيمن ابتاع سلعة وفاتت عنده، وادعى أن الثمن إلى أجل كذا، وقال البائع إلى أجل دونه: ان القول قول المبتاع، والبائع مقر بأجل مدع حلوله. قال ابن القاسم: وهذا إذا أتى بما يشبه إلا صدق البائع، ولو لم تفت حلفا وردت، ا. هـ. منه.

(4)

وقوله: وفي قبض الثمن أو السلعة فالأصل بقاؤهما إلا لعرف كلحم أو بَقْلٍ بان به، نسب المواق للمدونة: قال مالك إذا اختلفا في دفع الثمن في الريع، والحيوان، والرقيق، والعروض، وقد قبضه المبتاع وبان به، فالبائع مصدق بيمينه إلَّا أن تقوم بينة؛ إلا في مثل ما يباع على النقد كالصرف، وما يباع في الأسواق من اللحم، والفواكه، والخضر، والحنطة والزيت ونحوه، وقد =

ص: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= انقلب به المبتاع، فالقول قوله، أنه دفع الثمن مع يمينه. واختلف فيه إن لم يفارقه. وسمع أصبغ ابن القاسم يقول: وإذا طلب البائع الثمن، فقال المشتري: لم أقبض السلعة. وقال البائع: قد قبضتها. فإن أشهد له بالثمن فقد قبض السلعة وعليه غرم الثمن ولا يصدق أنه لم يقبضها.

قال أصبغ: ويحلف له البائع ان كان بحرارة البيع والإِشهاد، وأما إن سكت حتى يحل الأجل وشبهه فلا قول له ولا يمين له على البائع. قال ابن عرفة: مفهومه أنه إن لم يكن أشهد فالقول قوله، وهو نقل المازري عن المذهب. قال ابن رشد: قيل إن حل الأجل صدق البائع بيمينه في دفع السلعة، وإن كان بالقرب صدق المشتري بيمينه ولو كان أشهد على نفسه بالثمن، وكذا لو باعها بالنقد وأشهد عليه المبتاع بدفع الثمن ثم قام يطلب منه السلعة بالقرب الذي يتأخر فيه القبض؛ كالأيام والجمعة ونحو ذلك، فالقول قول المشتري؛ وإن بعد كالشهر ونحوه فالقول قول البائع. وهذا القول ظاهر قول ابن القاسم في الدمياطية، وهو أظهر من رواية أصبغ هذه. وقال ابن يونس: والأصل في ذلك كله أن يحمل على العرف في تلك السلعة فيقضى به. ا. هـ. منه.

قلت والله أعلم بمستند هذه الآراء. وهو الموفق.

ص: 341

‌باب الكلام على السلم

شَرْطُ السَّلَمِ قَبْضُ رَأسِ الْمَالِ كُلِّهِ أوْ تَأخِيرُهُ ثَلَاثًا (1) وَلَوْ بِشَرْطٍ، وَفِي فَسَادِهِ بالزِّيَادَةِ إنْ لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا تَرَدُّدٌ، وَجَازَ بِخِيارٍ لِمَا يُؤخَّرُ إن لَمْ يُنْقَدْ، وبمَنْفَعَةِ مُعَيَّنٍ، وبجزَافٍ وتَأخِيرُ حَيَوَانٍ بلا شَرْطٍ، وَهَلِ الطعَامُ والعَرْضُ كَذَلِكَ؛ إنْ كِيلَ وأُحْضِرَ أوْ كالْعَيْنِ؟. تأويلانِ. وَرُدَّ زَائِفٌ وَعُجِّلَ وإلَّا فَسَدَ مَا يُقَابِلُهُ لا الجَميعُ على الأحْسَنِ، والتَّصْدِيقُ فِيهِ كَطَعَامٍ مِنْ بَيْعٍ ثُمَّ لَكَ أو عَلَيْكَ الزَّيْدُ والنَّقْصُ الْمَعْرُوفُ، وإلَّا فَلا رُجُوعَ لَكَ إلَّا بِتَصْدِيقٍ أوْ بَبَيِّنَةٍ لَمْ تُفَارِقْ؛ وحَلَفَ لَقَدْ أوْفَى مَا سَمَّى، أوْ لَقَدْ بَاعَهُ عَلى مَا كُتِبَ بِهِ إلَيْهِ إنْ أعْلَمَ مُشْتَرِيَهُ، وإلَّا حَلَفَ وَرَجَعَتْ، وإنْ أسْلَمْتَ عَرْضًا فَهَلَكَ بِيَدِكَ فَهُوَ مِنْهُ إنْ اهْمَلَ أوْ أَوْدَعَ أو على الانتفاعِ، وَمِنْكَ إنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَة، وَوُضِعَ لِلتَوَثُّقِ وَنُقِضَ السَّلَمُ وَحَلَفَ وإلَّا خُيِّرَ الآخَرُ،

‌الكلام على السلم

قال القرطبي في تفسيره: حد علماؤنا -رحمة الله عليهم- السلم فقالوا: هو بيع معلوم في الذمة، محصور بالصفة، بعين حاضرة أو ما هو في حكمها، إلى أجل معلوم.

فقولهم: معلوم في الذمة، يفيد التحرز من المجهول، ومن السلم في الأعيان المعينة؛ مثل الذي كانوا يستلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يستلفون في ثمار نخيل بأعيانها، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر، إذْ قد تخلف تلك الأشجار فلا تثْمر شيئًا.

وقولهم: محصور بالصفة، تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل؛ كما لو أسلم في ثمر أو ثياب ولم يبين نوعها ولا صفتها المعينة.

وقولهم: بعين حاضرة، تحرز من الدين بالدين. =

ص: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقولهم: أو ما هو في حكمها، تحرز من اليومين والثلاثة، التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليه، فإنه يجوز تأخيره عندنا ذلك القدر بشرط وبغير شرط لقرب ذلك. ولم يجز الشافعي تأخير رأس مال السلم عن العقد والافتراق ورأى أنه كالصرف، ودليلنا اختلاف البابين في أخص أوصافهما؛ فإن الصرف بابه ضيق كثرت فيه الشروط، بخلاف السلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر.

وقولهم: إلى أجل معلوم، تحرز من السلم الحالِّ فإنه لا يجوز على المشهور. ووصف الأجل بالمعلوم تحرز من الأجل المجهول؛ الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه.

قال: والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عندك، وأرخص في السلم لأن السلم لما كان بيع معلوم في الذمة، كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج، فلو جاز حالًا بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثناثه من بيع ما ليس عندك فائدة. ا. هـ. منه.

وحكم السلم الجواز بالكتاب، والسنة، والإِجماع، فأمَّا الكتاب فهو قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} . الآية. قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السلَم خاصة. ا. هـ. القرطبي.

وقال ابن قدامة بعد ذكر هذه الآية: وروى سعيد بإسناده عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية.

وأما السنة: فروى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قدموا المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث فقال: "مَنْ أَسْلَفَ في شَيْء فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومِ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ". متفق عليه.

وروى البخاري عن محمد بن أبي المجالد قال: أرسلني أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، فسألتهما عن السلف فقالا: نصيب المغانم مع رسول

ص: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الله صلى الله عليه وسلم، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة، والشعير، والزيت. فقلت: أكان لهم زرع أم لم يكن لهم زرع؟. قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.

وأمَّا الإِجماع، فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن السلم جائز، ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه، لأن أرباب الزرع، والثمار، والتجارات، يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فجوّز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص. ا. هـ. منه.

قال القرطبي: وشروط السلم المتفق عليها والمختلف فيها تسعة: ستة في المُسْلَمِ فيه، وثلاثة في رأس مال السلم، أما الستة التي في المسلم فيه: فأن يكون في الذمة، وأن يكون موصوفًا، وأن يكون مقدرًا، وأن يكون مؤجلًا، وأن يكون الأجل معلومًا، وأن يكون موجودًا عند محل الأجل.

وأمَّا الثلاثة التي في رأس مال السلم: فأن يكون معلوم الجنس، مقدرًا، نقدًا. قال: وهذه الثروط الثلاثة التي في رأس المال متفق عليها إلا النقد حسب ما تقدم قال ابن العربي: أما الشرط الأول. وهو أن يكون في الذمة، فلا إشكال في أن المقصود منه كونه في الذمة، لأنه مداينة، ولولا ذلك لم يشرع دين، ولا قصد الناس إليه ربحًا ورفقًا، وعلى ذلك القول اتفق الناس، بيد أنَّ مالكًا قال: لا يجوز السلم في المعين إلا بشرطين: أحدهما أن يكون قرية مأمونة، والثاني أن يشرع في أخذه؛ كاللبن من الشاة، والرطب من النخلة، ولم يقل ذلك أحد سواه. قال: وهاتان المسالتان صحيحتان في الدليل؛ لأن التعيين امتنع في السلم مخافة المزابنة والغرر، لئلا يتعذر عند المحل؛ وإذا كان الموضع مأمونًا لا يتعذر وجود ما فيه في الغالب جاز ذلك، إذ لا يتيقن ضمان العواقب على القطع في مسائل الفقه، ولابد من احتمال الغرر اليسير، وذلك في في مسائل الفروع. قال: وأمَّا السلم في اللَّبن والرُّطب مع الشروع في أخذه، فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة، وهي مبنية على قاعدة المصلحة، لأن المرء يحتاج الى أخذ اللبن والرطب مياومة ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء، لأن النقد قد لا يحضره ولأن السعر قد يختلف عليه، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد؛ لأن الذي عنده عروض لا يتصرف له، فلما اشتركا في =

ص: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسًا على العرايا وغيرها من أصول الحاجات والمصالح. ا. هـ.

والشرط الثاني: وهو أن يكون موصوفًا. فهو متفق عليه، وكذلك الشرط الثالث؛ وهو أن يكون مقدرًا، والتقدير يكون من ثلاثة أوجه: الكيل، والوزن، والعدد، ومبنى ذلك على العرف؛ وهو إما عرف الناس، وإما عرف الشرع.

وأما الشرط الرابع، وهو أن يكون مؤجلًا، فقد اختلف فيه، فقال الشافعي: يجوز السلم الحال، ومنعه أكثر العلماء، والصحيع إن شاء الله أنه لابد من الأجل؛ لأن المبيع إما معجل وهو العين، وإما مؤجل، فإن كان حالًا ولم يكن عند المسلم إليه، كان ذلك من باب بيع ما ليس عندك، فلابد إذًا من الأجل حتى يخلص كل عقد على صفته وعلى شروطه، وحتى تتنزل الأحكام الشرعية منازلها، وتحديد الأجل عند أصحابنا هو مدة تختلف الأسواق في مثلها، وقول الله تعالى:{إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . الآية، وقوله عليه الصلاة والسلام:"إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" الحديث يغني عن قول كل قائل.

قال: والذي أجازه علماؤنا من السَّلَم الحال هو ما تختلف فيه البلدان من الأسعار؛ فيجوز السلم فيما كان بينه وبينه يوم أو يومان أو ثلاثة، أما في البلد الواحد فلا، لأن سعره واحد. والله أعلم، ا. هـ. منه. بتصرف قليل.

وأما الشرط الخامس؛ وهو أن يكون الأجل معلومًا، فلا خلاف فيه بين الأمة لوصف الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم الأجل بذلك، وانفرد

(1)

مالك من بين فقهاء الأمصار بجواز البيع إلى الجذاذ والحصاد لأنه رآه معلومًا، وبه قال أبو ثور

(2)

، وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، وكذلك إلى قدوم الغزاة. وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء. وأما الشرط السادمى؛ وهو أن يكون موجودًا عند حلوله، فلا خلاف فيه بين الأمة أيضًا، وقالوا: إن انقطع المبيع عند حلوله يأمر من الله تعالى انفسخ البيع عند كافة العلماء وقال بعض السلف: يشترط في السَّلَم أن يكون المسلم إليه مالكًا للمسلم فيه، وهو مردود بما رواه البخاري عن محمد بن المجالد قال: بعثني عبد الله بن شداد

(1)

القرطبى 3/ 381. المسألة السادسة.

(2)

القرطبي 2/ 344. المسألة التاسعة.

ص: 345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وأبو بُرْدَةَ إلى عبد الله بن أبي أوفى فقالا: سله هل كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون في الحنطة؟. فقال عبد الله: كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت؛ في كيل معلوم إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟. قال: كنا لا نسألهم عن ذلك. ثم بعثاني الى عبد الرحمن بن أبْزَى فسألته فقال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم نسألهم: ألهم حرث أم لا؟

واشترط أبو حنيفة وجود المسلم فيه حين العقد الى حين حلول الأجل، قال: مخافة أن يطلب المسلم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غررًا، وخالفه سائر الفقهاء، وقالوا: المراعى في ذلك وجوده عند الأجل.

وقال أهل الكوفة والثوري: يشترط أن يذكر موضع القبض فيما له حملٌ ومئونة. وقالوا بفساد السلم إذا لم يذكر موضع القبض.

وقال أصحابنا: لو سكتوا عن موضع القبض لم يفسد البيع ويتعين أن يكون موضع القبض موضع العقد. وبذلك قال أحمد واسحاق وطائفة من أهل الحديث، محتجين بحديث ابن عباس، فإنه ليس فيه ذكر المكان الذي يقبض فيه السلم، ولو كان ذلك من شروطه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الكيل والوزن والأجل. ومثله في ذلك حديث ابن أبي أوفى.

وقال مالك فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم الى أجل مسمى، فحلّ الأجل فلم يجد المبتاعُ عند البائع وفاء مما ابتاعه منه فأقاله، قال: الأمر عندنا أنه لا ينبغي أن يأخذ منه الا ورِقه أو ذهبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه، وأنه إن أخذ منه شيئًا غير ذلك بدله، كان ممن باع الطعام قبل قبضه. قال مالك: وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. ا. هـ. ملخصًا من تفسير القرطبي في جملته.

(1)

قوله رحمه الله: شرط السلم قبض رأس المال كله أو تأخيره ثلاثًا، ذكر فيه أحد الشروط الثلاثة التي في رأس مال السلم وهو النقد، وقد أجاز فيه أصحابنا تأخير قبضه نحو الثلاثة الأيام لخفة الأمر في ذلك، وجريًا على شطر القاعدة الفقهية الخلافية وهي قولهم: هل قريب الشيء يعطى حكمه أو لا؟. وقد عقدها في المنهج المنتخب بقوله: =

ص: 346

وَإنْ أَسْلَمْتَ حَيَوَانًا أوْ عَقَارًا، فَالسَّلَمُ ثَابِتٌ ويتَّبَعُ الْجَانِي، وأنْ لَا يَكُونَا طَعَامَيْنَ (1) وَلَا نَقْدَيْنِ، ولَا شَيْئًا في أكثْرِ مِنهُ أوْ أجْوَدَ كَالْعَكْسِ، إلَّا أنْ تَخْتَلِفَ الْمنْفَعَةُ؛ كَفارِهِ الحُمُرِ والأعْرَابِيَّةِ وسَابِقِ الخَيْلِ، لَا هِمْلَاج إلَّا كَبِرْذَوْنٍ وجَمَلٍ كَثير اْلحَمْلِ، وصُحِّحَ وبِسَبْقِهِ، وَبقُوَّةِ الْبقَر وَلَوْ أنْثَى، وَكثْرَةِ لبَنِ الشَّاةِ وظَاهِرُهَا عُمُومُ الضَّأْنِ وصُحِّحَ خِلَافُهُ، وَكَصَغِيريْن في كبِيرٍ وَعَكْسِهِ، أوْ صَغِير في كَبِيرٍ وَعَكْسِهِ، إنْ لَمْ يُؤَدِّ إِلى المزُابَنَةِ، وَتُؤُوِّلَتْ عَلى خِلَافِهِ؛ كالآدَمِيِّ وَالْغَنَمِ وكجذْع طَوِيلٍ غَلِيظٍ في غَيْرِهِ، وَكَسَيْفٍ قَاطعٍ في سَيْفَيْنِ دُونَهُ، وَكَالجِنْسَيْنِ وَلَوْ تَقَارَبَتِ المَنْفَعَةُ؛ كرقيقِ الْقُطْنِ والْكَتَّانِ، لَا جَمَلٍ في جَمَلَيْنِ مِثْلِهِ، وعُجِّلَ أَحَدُهُمَا، وكَطَيْرٍ عُلِّمَ لَا بِالْبَيْضِ والذُّكُورَةِ وَالأنُوثَةِ وَلَوْ آدَمِيًّا، وَغَزْلٍ وَطَبْخٍ إنْ يَبْلُغِ النِّهَايَةَ، وحِسَابٍ وكتَابَةٍ.

= وهل قريب الشيء كهو كالذي

نوى أو استجمر أو زكّي احْتذي

كحج أضحاة نكاح وسَلَمْ

صرف وثنيا عهدة صلح عدم

ألخ.

ومعنى كلام المصنف أن من شروط السلم أن لا يتأخر قبض رأس مال السلم أكثر من ثلاث، فالمضر تأخيره أكثر من ذلك، وهو معنى قول بعضهم: من شروط السلم أن يكون رأس المال نقدًا، أي معجلًا أو في حكم النقد، ولا يؤخر بشرط فوق ثلاث. ا. هـ.

(1)

وقوله: وأن لا يكونا طعامين، ألخ. يبتعد به عن جميع أنواع الربا، سواء كان ربا فضل أو ربا نساء. والله الموفق.

وقوله رحمه الله: وأن يؤجل بمعلوم زائد على نصف شهر، يشير به إلى أنه يشترط في السلم أن يكون إلى أجل معلوم، وقد تقدم دليل ذلك من الكتاب والسنة. وقوله: زائد على نصف شهر، يشير به إلى ما تقدم لك من أن مالكًا لا يجيز السلم الحال، ولهذا فإن أقل الأجل عنده ما يمكن فيه أن تكون حوالة الأسواق وهو خمسة عشر يومًا. =

ص: 347

والشَّيْءُ في مِثْلِهِ قَرْضٌ، وَأنْ يُؤَجَّلَ بِمَعْلُومٍ زَائدٍ عَلى نِصْفِ شَهْر؛ كالنَّيْروُزِ والْحَصَادِ والدِّرَاسِ وَقُدُوم الْحَاجِّ، واعْتُبِرَ مِيقَاتُ مُعْظَمِةِ إلَّا أنْ يُقْبَض بِبَلَدٍ كيَوْمَيْنِ إنْ خَرَجَ حِينَئِذٍ بِبَرٍّ أوْ بغَيْرِ رِيحٍ، والأشْهُرُ بِالأهَلَّةِ، وتُمَّمَ المُنْكَسِرُ مِنَ الرَّابِعِ، وإلَى رَبِيعٍ حَلّ بأَوَّلِهِ وفَسَدَ فِيهِ عَلى المَقُولِ لَا في الْيَوْم، وأنْ يُضْبَطَ بعَادَتِهِ مِنْ كَيْلٍ أوْ وَزْنٍ أوْ عَدَدٍ كالرُّمَّانِ، وقِيسَ بِخَيْطٍ، والبَيْضِ أوْ بِحِمْلٍ أَو جُرْزَةٍ في كَقَصِيلٍ لَا بِفَدَّانٍ أوْ بِتَحَرٍّ، وَهَلْ بقَدْرِ كَذَا أو يَأتي بِهِ ويَقُولُ كَنَحْوِهِ؟ تأويلَانِ. وفَسَدَ بِمَجْهُولٍ وَإِنْ نَسَبَهُ ألْغِيَ، وجَازَ بِذرَاعِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ كَوَيْبَةٍ وحَفْنَةٍ. وَفي الْوَيْبَاتِ والحفَنَاتِ قَوْلَانِ. وأنْ تُبيَّنَ صِفَاتُهُ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا الْقِيمَةُ في السَّلَمِ عَادَةً كالنَّوْعِ والْجَوْدَةِ والرَّدَاءةِ وبينَهُمَا، واللَّوْنِ في الْحَيَوَانِ والثَّوْبِ، والْعَسَلِ وَمَرْعَاهُ، وفي التَّمْرِ والْحُوتِ والنَّاحِيَةِ والْقَدْرِ في الْبُرِّ وجِدَّتَهُ ومِلأَهُ إنْ اخْتَلَفَ الثَّمَنُ بِهِمَا، وسَمْراءَ ومَحْمُولَةً بِبَلِدٍ هُمَا بهِ، وَلَوْ بالْحَمْلِ، بِخِلَافِ مِصْرَ فَالْمَحْمُولَةُ، والشَّامِ فَالسَّمْراءُ، وَنِقىٍّ أوْ غَلِثٍ، وفي الحَيَوانِ وسِنَّهُ والذُّكُورَةَ وَالسِّمَنَ وَضِدَّيْهَمِا، وَفي اللَّحْمِ وخَصِيًّا ورَاعِيًا أو مَعْلُوفًا لَا مِنْ كَجَنْبٍ، وَفي الرَّقيق والْقَدَّ والبَكارَةِ واللَّوْنِ، قال: وكالدَّعَجِ وتَكَلْثُمِ الْوَجْهِ، وفي الثّوْبِ والرِّقَّةِ والصَّفَاقَةِ وَضِدَّيْهِمَا، وَفي الزَّيْتِ المُعْصَرِ مِنْهُ وبِمَا يُعْصَرُ بِه، وحُمِلَ في الْجَيِّدِ والرَّدِيء عَلى الْغالِبِ وَإلَّا فالْوَسَطُ، وكَوْنُهُ دَيْنًا وَوُجُودُهُ عِنْدَ حُلُولِه وَإنْ انْقَطَعَ قَبْلَهُ، لا نَسْلِ حَيَوَانٍ عُيِّنَ وَقَلَّ أوْ حَائطٍ. وَشُرِطَ -إنْ سُمِّي سَلَمًا لا بَيْعًا- إزْهَاؤه وَسِعَةُ الْحَائطِ، وكَيْفِيَّةُ قَبْضِهِ ولمَالِكِهِ، وشُرُوعُهُ وَإنْ لِنِصْفِ شَهْرٍ، وأخْذُهُ بُسْرًا أوْ رُطَبًا لَا تَمْرًا، فإِنْ شَرَطَ تَتَمُّرَ الرُّطَبِ مَضَى بِقَبْضِهِ، وهَلْ المُزْهي كَذلِك وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، أوْ كالْبَيْعِ الْفَاسِدِ؟ تأويلَانِ.

ص: 348

فإنِ انْقَطَعَ بِحِصَّةِ ما بَقِي، وهَلْ على الْقِيمَةِ، وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، أوْ عَلَى الْمَكيلَةِ؟ تأويلَانِ. وَهَلِ الْقَرْيَةُ الصَّغيرَةُ كَذلِكَ، أوْ إلَّا في وُجُوبِ تَعْجِيل النَّقْدِ فِيهَا، أوْ تُخَالِفُهُ فِيهِ وَفي السَّلَمِ لِمَنْ لَا مِلْكَ لَهُ؟ تَأْوِيلَاتٌ. وإنِ انْقَطَعَ مَا لَهُ إبَّانٌ أوْ مِنْ قَريَةٍ خُيِّرَ المُشْتَري في الْفَسْخِ وَالإِبْقَاء، وَإنْ قَبَضَ الْبَعْضَ وَجَبَ التَّأخِيرُ إلَّا أَنْ يَرْضَيَا بِالمحُاسَبَةِ ولَوْ كَانَ رَأسُ المالِ مُقَوَّمًا. ويَجُوزُ فيمَا طُبِخَ واللَّولُؤِ والْعَنْبَرِ والْجَوْهَرِ والزُّجَاج والجِصِّ والزِّرْنيخ وأحْمَالِ الْحَطَبِ وَالأدَمِ وَصُوفٍ بالْوزْنِ لَا بِالْجَزَّ، والسُّيُوفِ وَتَوْرٍ ليُكَمِّلَ، والشِّرَاء مِنْ دَائِمِ الْعَمَل كالخَبَّازِ، وَهُوَ بَيْعٌ وَإنْ يَدُمْ فَهُوَ سَلَمٌ؛ كاسْتِصْنَاعِ سَيْفٍ أوْ سَرْجٍ. وفَسَدَ بِتَعْيينِ الْمَعْمُول مِنْهُ أوْ الْعَامِل، وَإنْ اشْتَرىَ الْمَعْمولَ مِنْهُ واستأجَرَهُ جَازَ إنْ شَرَعَ، عَيَّنَ عَامِلَهُ أمْ لَا، لَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ؛ كَتُرابِ

= وقوله: كالنيروز والدراس والحصاد وقدوم الحاج، يثير به إلى أن مالكًا رحمه الله اعتبر مثل ذلك أجلًا معلومًا منضبطًا ولذلك قال: واعتبر ميقات معظمه، أي يعتبر في ذلك الوقت الذي يغلب فيه وقوع ذلك، وقع أو لم يقع، وقوله: إلا أن يقبض ببلد كيومين، يشير به إلى ما تقدم لك مما يجوز عند مالك من السلم الحال، فارجع إليه إن شئت.

وقوله رحمه الله: وأن يضبط بعادته من كيل أو وزن أو عدد، يثير به إلى اشتراط التقدير في المسلم فيه كما ينص عليه حديث ابن عباس:"مَنْ أَسْلَفَ في شَيْء فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ". الحديث.

وقوله رحمه الله: وأن تبين صفاته التي تختلف بها القيمة في السلم عادة، هو أيضًا من باب اشتراط التقدير في السلم؛ فإن بانضباط الصفة المطلوبة يتعين الموصوف في الذمة، فإن القيمة تختلف باختلاف الصفات كما في الكبر والصغر والبخت والعراب، فإن الناس أرغب في بعض الصفات من بعضها.

ص: 349

المَعْدِنِ، والأرْضَ، والدُّور، والْجِزَافِ، ومَا لَا يُوجَدُ، وحَدِيدٍ وَإنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ السُّيُوفُ في سُيُوفٍ وبِالعَكْسِ، وَلَا كتَّانٍ غَلِيظٍ في رَقِيقِهِ إنْ لَمْ يُغْزَلَا، وَثَوْبٍ لِيُكَمَّلَ، ومَصْنُوعٍ قُدِّمَ لا يَعُودُ هَيِّنَ الصَّنْعَةِ كالغَزْلِ، بِخِلَافِ النَسْجِ إلَّا ثِيابَ الْخَزِّ، وَإنْ قُدِّمَ أصْلُهُ اعْتُبِرَ الأَجَلُ، وَإنْ عَادَ اعْتُبِرَ فيهِمَا، والمَصْنُوعَانِ يَعُودَانِ يُنْظَرُ للْمنْفَعَةِ، وجَازَ قَبْلَ زَمَانِهِ قَبوُلُ صِفَتِهِ فَقَطْ؛ كَقَبْلَ مَحَلَّهِ في الْعَرْضِ مُطْلَقًا، وَفي الطَّعَامِ إنْ حَلَّ إنْ لَمْ يَدْفَعْ كِرَاءً، وَلَزِمَ بَعْدَهُمَا؛ كَقَاضٍ إنْ غَابَ وجَازَ أجْوَدُ وَأرْدَأُ لا أقَلُّ إِلّا عَنْ مِثْلِهِ، ويُبْرِئَ مِمَّا زَادَ، ولَا دَقِيقٌ عَنْ قَمْحٍ وعَكْسُهُ، وبِغَيْرِ جِنْسِهِ إنْ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وبَيْعُهُ بالْمُسْلَمِ فِيهِ مُناجَزَةً وأنْ يُسْلَمَ فِيهِ رَأسُ الْمَالِ، لَا طَعَامٍ وَلَحْمٍ بِحَيَوَانٍ وذهَبٍ وَرَأسُ المالِ وَرِقٌ وعَكْسُهُ، وَجَازَ -بَعْدَ أجَلِهِ- الزِّيَادَةُ ليزيدَهُ طُولًا؛ كَقَبْلَهُ إنْ عَجَّلَ دَراهِمَهُ، وغَزْلٍ ينْسِجُهُ لَا أعْرَضَ أوْ أصْفَقَ، ولا يلْزَمُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ ولَوْ خَفَّ حَمْلُهُ.

= وقوله رحمه الله: وكونه دينًا، يشير به إلى اشتراط كون المسلم فيه شيئًا موصوفًا متعلقًا بذمة المسلم إليه، خلافًا للشافعي الذي يجيز السلم الحال. قال أصحابنا: فلو كان معينًا عنده لزم بيع معين يتأخر قبضه، وإن كان عند غيره لزم بيع معين ليس عنده، وإن كان موصوفًا بالذمة حالًا لزم بيع ما ليس عندك.

وقوله: ووجوده عند حلوله، يشير به إلى أنه يشترط وجود المسلم فيه غالبًا عند حلول أجله، لأنه إن لم يكن الغالب وجود المسلم فيه عند حلوله كان السلم في مثله نوعًا من بيع الغرر. وبالله تعالى التوفيق.

ص: 350

‌فَصْلٌ

يَجُوزُ قَرْضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ فَقَطْ (1) إلَّا جَارِيةً تَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ (2)، وَرُدَّتْ إلَّا أنْ تَفُوتَ عِنْدهُ بِمُفَوِّتِ الْبَيْع الْفَاسِدِ فالْقِيمَةُ كَفَسَادِهِ، وَحَرُمَ هَدِيَّتُهُ إِنْ لَّمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهَا (3) أوْ يَحْدُثْ مُوجِبٌ؛ كرَبِّ الْقِراضِ وَعَامِلِهِ، وَلَوْ بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ على الأرْجَحِ، وَذي الْجَاهِ، والْقَاضِي، ومُبَايَعَتُهُ مُسَامَحَةً، أوْ جَرُّ مَنْفَعَةٍ (4) كشَرْطِ عَفِنٍ بِسَالِمٍ، ودَقيقٍ أوْ كَعْكٍ ببَلَدٍ، أو خُبْزِ فُرْنٍ بِمَلَّةٍ، أوْ عَيْنٍ عَظُمَ حَمْلُهَا، كَسَفْتَجَةٍ إلَّا أنْ يَعُمَّ الْخَوْفُ (5)، وكَعَيْنٍ كُرِهَتْ إقَامَتُهَا إلَّا أنْ يَقوُمَ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الْقَصْدَ نَفْعُ المُقْتَرِضِ فَقَطْ في الْجَمِيع؛ كفدَّانٍ مُسْتَحْصِدٍ خَفَّتْ مَؤوْنَتُهُ عَلَيْهِ يَحْصُدُهُ وَيْدرُسُهُ وَيَردُّ مَكِيلَتَهُ، ومُلِكَ، وَلم يَلْزَمْ رَدُّهُ إلَّا بِشَرْطٍ أوْ عَادةٍ؛ كأخْذِهِ بِغَيْرِ مَحَلَّهِ إلَّا الْعَينَ.

‌الكلام على القرض

قال ابن قدامة: القرض نوع من السلف، وهو جائز بالسنة والإِجماع، أمَّا السنة، فقد روى

أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرًا، فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: يا رسول اللهلهه، لم أجد فيها إلَّا خيارًا رباعيًا.

فقال: "إِعْطِهِ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أحْسَنُهُمْ قَضَاء". رواه مسلم. وعن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا مَرَّتَيْنِ إلَّا كَانَ كَصَدَقَةٍ مَرَّةً". وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفَضَلُ مِنَ الصَّدَقةِ؟. قال: لأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسَتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ". رواهما ابن ماجه. قال: وأجمع المسلمون على جواز القرض. وهو مندوب إليه في حق المُقْرِضِ مباح للمقترض؛ لما روينا من الأحاديث، ولما روى =

ص: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، كَشَفَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

واللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَادَامَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخيهِ". وعن أبي الدرداء أنه قال: لأن أقرض دينارين ثم يردان إليَّ ثم أقرضهما أحبُّ إليَّ من أن أتصدق بهما. قال: ولا إثم على من سئل القرض فلم يقرض؛ ذلك لأنه من المعروف فأشبه صدقة التطوع، وليس القرض من المسألة؛ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقرض، ولو كان القرض مكروهًا كان أبعد الناس منه. قال: ولا ينبغي أن يتحمل المستقرض بأمانته ما لا يقدر على وفائه، ومن أراد أن يستقرض فليعلم من يسأله القرض بحاله. ا. هـ. منه. بتصرف. وقال القرطبي: قال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ. وأصل الكلمة: القطع. ومنه المقراض. وأقرضته: أي قطعت له من مالي قطعة يجازي عليها. وانقرض القوم، انقطع أثرهم وهلكوا. ا. هـ. منه.

(1)

وقوله: يجوز قرض ما يسلم فيه فقط، قال في المواق عن ابن عرفة: متعلق القرض ما صح ضبطه بصفة. وقال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن استقراض الدراهم والدنانير والحنطة والشعير، والتمر، والزبيب، وكل ما له مثل من سائر الأطعمة، جائز، قال: وحديث استسلافه البكر من الإِبل فيه دليل على جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة.

(2)

وقوله: إلَّا جارية تحل للمستقرض، نسب المواق هنا للخمي: لا يجوز قرض الجواري إلا أن تكون في سن من لا توطأ، أو يكون المقترض لا يمكن التذاذه منها لسنه، أو امرأة، أو محرمًا عليه وطؤها، ا. هـ. منه.

وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وقد استثنى مالك والشافعي وجماعة من أهل العلم قرض الولائد، فقالوا: لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى إعارة الفروج. قال: وأجاز ذلك مطلقًا داود، والطبري، والمزني، ومحمد بن داود. قال: وأجازه بعض المالكية فيمن يحرم وطؤها على المستقرض. وقد حكى إمام الحرمين عن السلف، والغزالي عن الصحابة النهي عن قرض =

ص: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الولائد. ا. هـ. منه. بتصرف قليل.

(3)

وقوله: وحرم هديته إن لم يتقدم مثلها، نسب المواق هنا للمدونة، قال مالك: لا ينبغي هدية مديانك إلا من تعودت ذلك منه قبل أن تداينه، وتعلم أن هديته إليك ليست لأجل دينك، فلا بأس بذلك.

وقال القرطبي: ولا يحل أن يُهدي من استقرض هدية للمقرض، ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن يكوعا عادتهما ذلك. بهذا جاءت السنة: خرج ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي اسحاق الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه؟. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ قَرْضًا فَأَهدَى لَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّتِهِ فَلَا يَقْبَلْهَا وَلَا يَرْكَبْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذلِكَ". ا. هـ. وفي منتقى الأخبار عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاشٍ فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا. رواه البخاري في صحيحه.

قال الشوكاني: والحاصل أن الهدية والعارية ونحوهما إذا كانت لأجل التنفيس في أجل الدين، أو لأجل رشوة صاحب الدين، أو لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه، فذلك محرم لأنه نوع دش الربا أو رشوة، وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس. ا. هـ. منه.

(4)

وقوله: أوجرّ منفعة، في المغني لابن قدامة. قال ابن المنذر، أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية، فأسْلف على ذلك، أنَّ أخذ الزيادة على ذلك ربا. قال: وقد روي عن أُبيّ بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود أنهم نهوا عن قرضٍ جرّ منفعة. قال؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة، وإذا شرطت فيه الزيادة أخرجته عن موضعه، ا. هـ. منه.

قال الشوكاني: ومما يدل على عدم حل القرض الذي يجر إلى المقرض منفعة، ما أخرجه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفًا بلفظ. "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا". ورواه في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفًا

ص: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عليهم. ورواه الحارث بن أبي أسامة عن علي كرم الله وجهه ورضي عنه بلفظ: إِنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قرض جر منفعة وفي رواية: "كُلُّ قَرْض جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا". قال: وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك. قال عمر بن زيد: لم يصح فيه شيء ووهم إمام الحرمين والغزالي فقالا: إنه صح. ولا خبرة لهما بهذا الفن. ا. هـ. منه.

تنبيهٌ: لو قضى المقترض المقرض دون حقه وترك له البقية جاز ذلك. واستدل البخاري لجواز ذلك بحديث جابر في دين أبيه، وفيه: فسألتهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا أبي. وفي رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل له غريمه في ذلك. قال العلماء: ولو حلله من جميع الدين جاز، فكذلك إذا حلله من بعضه والله ولي التوفيق.

(5)

وقوله: كسفتجة إلا أن يعم الخوف. نسب الحطاب للتوضيح، قال: السفاتج والسفتجات على جمع السلامة. وواحده سفتجة بكسر السين المهملة وسكون الفاء وفتح التاء المثناة الفوقية وبالجيم- هي كتاب صاحب المال لوكيله في بلد آخر ليدفع لحامله بدل ما قبضه منه، ا. هـ. ونحوه في تهذيب الأسماء للنووي، وزاد: وهي لفظة أعجمية. ا. هـ. وقال في القاموس: السفتجة -كقُرطعة- يعني بضم السين، أن يعطي مالًا لآخر، وللآخر مال في بلد المعطي فيوفيه إياها ثم يستفيد أمن الطريق، وفعله السفتجة، ا. هـ. منه.

وقال ابن قدامة: قال عطاء: كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب لهم بها

إلى مصعب بن الزبير في العراق، فيأخذونها منه، فسئل عن ذلك ابن عباس، فلم يربه بأسًا.

وروي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن مثل هذا، فلم ير به بأسًا. وممن لم ير به بأسًا ابن سيرين والنخعي. رواه كله سعيد. ا. هـ. منه ص. 240/ جـ 4. ثم ذكر بعد ذلك في 242: وكذلك إن كتب له بها سفتجة، أو قضاه في بلد آخر جاز. ورخص في ذلك ابن عمر، وسعيد بن المسيب والحسن، والنخعي، والزهري، والشعبي، ومكحول، وقتادة، و مالك، والشافعي وإسحاق. ا. هـ. منه.

قلت: هذه النظائر التي ذكرها المصنف هنا في قوله كشرط عفن بسالم ألخ هي محظورات في الأمن والرخاء، تبيحها الضرورات في المجاعات والشدة والخوف. قال الشيخ على الزقاق في =

ص: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= المنهج المنتخب:

تبيح محظورًا ضرورة كما

لذي اضطرار وخلاف علما

في كسفاتج، ربا. وسائس

بسالم وأخضر بيابس

في سنةٍ ونجسٍ كعك وما

أخر بعد الوقت قرضًا علما

ألخ.

يعني أن من الأصول أن الضرورة تبيح المحظورات، ودليله قوله تعالى:(وَقَدْ فَضَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ). الآية، قال: ويجري على هذه القاعدة مسألة السفاتج، والربا، يعني المسافر يأتي دار الضرب بالتبر وأجرة العمل ليأخذ زنته، ومسألة السائس بالسالم في المجاعة، والدقيق والكعك المحاج بمثله في بلد آخر إلى غير ذلك.

وحيث إنك وقفت على كتابة ابن الزبير رضي الله عنه السفتجة بالدراهم إلى مصعب رضي الله عنه بالعراق، ووقفت على فتوى الأئمة بأنه لا بأس بذلك عندهم، هان عندك، إن شاء الله، أمر ما تجري به العادة اليوم من سفاتج بورق البنكوت إلى البلاد ذات النقد المراقب، لأمرين:

أولًا. لبعد هذا الورق -بفتح الراء- من النقدية، وإن كان يجري به التعامل. وعلى كل حال، لئن جاز عمل السفاتج في الورق -بكسر الراء- فلأن يجوز في الورق -بالفتح- أولى.

ثانيًا: لما تلجأ إليه الضرورة من الخوف على هذه الأموال من المصادرة تارة، والانتقاص تارة أخرى في غير حق شرعي، وقد علمت أن الله جل وعلا يقول:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} . والله الموفق.

ص: 355

‌فَصْلٌ

تَجُوزُ المقَاصَّةُ في دَيْنَي الْعَيْنِ مُطْلَقًا (1) إن اتَّحَدَا قَدْرًا وصِفَةً، حَلَّا أوْ أحَدُهُمَا أمْ لَا، وَإنِ اخْتَلَفَا صِفَةً مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ أوِ اخْتِلَافِهِ فَكَذلِكَ، إن حَلَّا وإلَّا فَلَا؛ كأنِ اخْتَلَفَا زِنَةً مِنْ بَيْعٍ، والطَّعَامَانِ منْ قَرْضٍ كَذلِكَ، ومُنِعَا مِنْ بَيْعٍ وَلَوْ مُتَّفِقَيْنِ، وَمِنْ بَيْعٍ وَقَرْضٍ تَجُوزُ إنِ اتَّفَقَا وَحَلَّا، لا إن لَّمْ يَحِلَّا أوْ أحَدُهُمَا، وتَجُوزُ في الْعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا إنِ اتَّحَدَا جِنْسًا وصِفَةً؛ كأَنِ اخْتَلَفَا جنْسًا واتّفَقَا أجَلًا، وإِنِ اخْتَلَفَا أجَلًا مُنِعَتْ إنْ لَمْ يَحِلَّا أوْ أحَدُهُمَا، وإنِ اتَّحَدَا جنْسًا والصِّفَةُ مُتَّفِقَةٌ أوْ مُخْتَلِفَةٌ جَازَتْ إنْ اتَّفَقَ الأجَلُ، وإلَّا فَلَا، مُطْلَقًا.

(1)

وقوله. عليه رحمة الله، تجوز المقاصة في ديني العين مطلقًا ألخ، نسب الحطاب هنا للصحاح: تقاصَّ القوم: إذا قاصَّ كل واحد منهم صاحبه في حساب أو غيره. وعرف ابن عرفة المقاصة، فقال: هي متاركة مطلوب بمماثل صنف ما عليه لماله على طالبه فيما ذكر عليهما.

هذا، وقد تركنا، ما فيها من أخذ ورد لعدم وجود دليل يدعمه، إنما هي محض الآراء. والله تعالى ولي التوفيق.

تتمة: في الكلام على التسعير والاحتكار.

أمَّا التسعير، فقال في المغني لابن قدامة: ليس للإِمام أن يسعر على الناس، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون. قال: وهذا مذهب الشافعي.

وكان مالك يقول: يقال لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس به: بِعْ كَمَا يبيعُ الناس، وإلَّا فاخرج عنا. واحتج له بما روى الشافعي وسعيد بن منصور، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم ابن محمد، عن عمر أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة في سوق المصلَّى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما؟. فسعَّر له مدّين بكلِّ درهمٍ، فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبًا، وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر وإمَّا أن تدخل زبيبك فتبيعه =

ص: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= كيف شئت. قال: ولأن في ذلك إضرارًا بالناس؛ فإذا زاد تبعه أصحاب المتاع، وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع. قال: واستدل المانعون للتسعير بما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أنس، قال: غلا السِّعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يارسول اللهلهه، غلا السِّعر فسعِّر لنا فقال:"إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ، الرَّزَّاقُ، إنِّي لَأرْجُو أَنْ ألْقَى اللهَ تَعَالَى وَلَيْسَ أحَدٌ يَطْلُبُني بِمَظْلمَةٍ في دَمٍ ولَا مَالٍ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وقال بعض أهل المذهب الحنبلي: التسعير سبب للغلاء، لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدًا يكرهون فيه على بيعها بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها فيطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلَّا قليلًا فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها، فتغلو الأسعار ويحصل الضرر للجميع. ا. هـ. منه بتصرف؟.

وأمَّا الاحتكار، فهو حرام منهي عنه لما روي عن أبي أمامة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتكر الطعام، وروي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"مِنَ احْتكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ". وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج مع أصحابه فرأى طعامًا كثيرًا قد ألقي على باب مكة، فقال: ما هذا الطعام؟. فقالوا: جلب إلينا فقال: بارك الله فيه، وفيمن جلبه. فقيل له: فإنه احْتُكِر. قال: ومَنِ احْتكَرَه؟. قالوا: فلان وفلان، مولى عثمان بن عفان ومولاك. فأرسل إليهما، فقال: ما حملكما على احتكار الطعام على المسلمين؟. قالا: نشتري بأموالنا ونبيعُ. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمينَ طَعَامَهُمْ لم يَمُتْ حَتَّى يَضْرِبَهُ اللهُ بالْجُذَامِ، أَو الْإِفْلَاسِ".

قال الراوَي: فأما مولى عثمان فباعه. وقال: والله لا أحتكره أبدًا. وأما مولى عمر، فلم يبعه، فرأيته مجذومًا.

وروي أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ ".

قال ابن قدامة: والاحتكار المحرم ما اجتمعت فيه ثلاثة شروط:

أولها: أن يكون مشتريًا؛ فلو جلب شيئًا، أو أدخل من غلته شيئًا فادخره، لم يكن محتكرًا.

قاله مالك والحسن، والأوزاعي وقال: الجالب ليس بمحتكر لقوله صلى الله عليه وسلم "الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ =

ص: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= مَلْعُونٌ". ولأنه لا يضيق على أحد ولا يضر به، بل هو نفع.

ثانيها: أن يكون المشترى للاحتكار قوتًا، بدليل أن سعيد بن المسيب الذي روى حديث الاحتكار، كان يحتكر الزيت والخبط والنوى والبزر، لأن هذه الأشياء مما لا تعم الحاجة إليها.

قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن أي شيء الاحتكار؟. قال: إذا كان من قوت الناس فهو الذي يكره.

ثالثها: أن يضيّق على الناس بشرائه؛ كأن يكون ببلد صغير، أو يكون اشترى الطعام في حال الضيق، أما إذا اشتراه في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد، فليس بمحرم، ا. هـ. مضمونه من المغني.

والمذهب عند أصحابنا كراهة الاحتكار بكل شيء. قال مالك: يمنع احتكار الكتان، والصوف، والزيت، وكل شيء أضر بالسوق.

وروي عن عمر أنه قال: لا حُكرة في سوقنا؛ لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده، في الثتاء والصيف، فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله. أخرجه في شرح السنة، وهو في موطإ مالك، أخرجه مالك بلاغًا.

قلت: وليس من الاحتكار أن يحبس الرجل لأهله طعام سنتهم، ففي البخاري عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم. وبالله تعالى التوفيق.

ص: 358

‌بَابٌ

الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ أوْ غَرَرًا وَلَوْ اشْتُرِطَ في العَقْدِ، وَثِيقَةً بِحَقٍّ (1)؛ كَوِليٍّ وَمُكَاتَبٍ وَمَأْذُونٍ وَآبِقٍ وكِتَابَةٍ، واسْتُوفِيَ مِنْهَا أوْ رَقَبَتِهِ إنْ عَجَزَ، وخِدْمَةِ مُدَبَّرٍ وإنْ رُقَّ جُزْء فمِنْهُ لا رَقبَتِهِ. وَهَلْ يَنْتَقِلُ لِخِدْمَتِهِ؟ قَوْلَانِ.

‌الكلام على الرَّهْن

الرهن لغة: قيل الثبوت والدوام. يقال: ماء راهن أي راكد. ويقال: نعمة راهنة أي ثابتة، دائمة. وقيل: هو من الحبس، ومنه قوله تعالى:{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} . الآية. وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)} . الآية.

ومنه قول زهير بن أبي سلمى في حوليته القافية:

وفارقتْك برهن لا فِكاكَ له

يومَ الوداع فأضحى الرهنُ قد غلقا

وهو في الشرع: المال الذي يُجعل وثيقهَ للدين، يستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه.

وحكمة الجواز بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.

أما الكتاب فقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . الآية. والرهان جمع رهن وجمع الجمع منها رُهُنٌ.

وأما السنة: فقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعه.

متفق عليه. وروى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، ولَبَنُ الدَّرَّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وعَلى الَّذِي يرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقَةُ".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ".

وأما الإِجماع، فقد أجمع المسلمون على جوار الرهن، والله الموفق.

(1)

قوله. الرهن بذل من له البيع ما يباع -ولو غررًا، ولو اشترط في العقد- وثيقة بحق، =

ص: 359

كَظُهُورِ حُبُسِ دَارٍ، وما لم يَبْدُ صلَاحُهُ، وانْتُظِرَ ليُبَاعَ، وحاصَّ مُرْتَهِنُهُ في الموْتِ والْفَلَسِ، فإذا صَلُحَتْ بيعَتْ، فإنْ وَفَّى رَدَّ مَا أخَذَهُ وَإلَّا قُدِّرَ مُحَاصًّا بِمَا بَقيَ لا كَأحَدِ الْوَصِيَّيْنِ، وَجِلْدِ ميْتَةٍ وَكجَنينٍ وخَمْرٍ وَإنْ لذمِّيٍّ إلَّا أنْ تَتَخِّلَّلَ وَإنْ تَخَمَّرَ أهْراقَهُ بِحَاكِمٍ، وصَحَّ مُشَاعٌ وحيزَ بجَميعِه إنْ بَقيَ فيه للرَّاهِنِ، ولَا يَسْتَأَذِنُ شَريكَهُ، وَلَهُ أنْ يَقْسِمَ وَيَبيعَ ويُسَلِّمَ، وَلَهُ اسْتِئجَارُ جُزْء غَيْرهِ وَيْقبضُهُ المُرْتَهَنُ له. ولَوْ أمَّنَا شَريكًا فَرهَنَ حِصَّتَهُ لِلْمُرتَهِنِ، أمَّنَا الرَاهِنَ الأولَ بَطَلَ حَوْزُهُمَا، والمُسْتَأجَرُ والمُسَاقِي وحَوْزُهُمَا الأولُ كَافٍ، والمِثْليُّ ولوَ عينًا بِيَدِهِ إنْ طُبِعَ عَلَيْهِ وفَضْلَتُهُ إنْ عَلمَ الأَوَّلُ وَرَضِيَ، ولا يَضْمَنُهَا الَأوَّلُ؛ كَتَرْكِ الحِصَّةِ المُسْتَحَقَّةِ، أوْ رَهْنِ نِصْفِهِ ومُعْطىً دِينَارًا لِيَسْتَوْفِيَ نِصْفَهُ وَيَرُدَّ نِصْفَهُ، فإنْ حَلَّ أجَلُ الثَّانِي أوَّلًا قُسِمَ إنْ أمْكَنَ، وإلّا بيعَ وقُضِيَا، والمُسْتَعار

= ألخ. تقريره، والله أعلم، الرهن إعطاء شخص يصح منه البيع شيئًا يصح بيعه، بل ولو أعطى ما فيه غرر كآبق وبعير شارد، للتوثق بحق. وقد عرفه ابن عرفة فقال: الرهن مال قبضه توثقًا به في دين. قال: فتخرج الوديعة، والمصنوع في يد صانعه، وقبض المجني عليه عبدًا جنى.

وقد تقدم لك أن دليل الرهن من القرآن هو قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)} . الآية. ذلك أن الله تعالى لما ندب إلى الإِشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان، عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ونص على السفر من الأعذار لأنه أغلبها، لا سيما في عصر نزول الوحي؛ لكثرة الأسفار للغزو في سبيل الله.

قال العلماء: ويدخل في ذلك كل عذر، فإن الرهن في السفر بنص الكتاب، وهو في الحضر ثابت بالسنة، فقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير، فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كَذَبَ إِنِّي لَأمِينٌ في لْأرْضِ أَمِينٌ في السَّمَاء، وَلَوِ ائْتَمَنَنيِ =

ص: 360

لَهُ، وَرَجَعَ صَاحِبُهُ بقيمَتِهِ أوْ بمَا أدَّى مِنْ ثَمَنِهِ، نُقِلَتْ عَلَيْهِمَا، وضَمِنَ إنْ خَالفَ. وهَلْ مُطْلَقًا أوْ إِذَا أقَرَ المُسْتَعِيرُ لِمُعيره، وَخَالَفَ المُرْتَهِنُ وَلمْ يَحْلِفْ المُعيرُ؟ تأويلَانِ. وبَطلَ بِشَرْطٍ مُنَافٍ؛ كأنْ لَا يُقْبَضَ؛ وبِاشْتِراطِهِ في بَيْعٍ فَاسِدٍ ظَنَّ فيهِ اللزُومَ، وحَلَفَ المُخْطئُ الرَّاهِنُ أنَّهُ ظَنَّ لزُومَ الدِّيَةِ ورَجَعَ، أوْ في قَرْضٍ مَعَ دَيْنٍ قَدِيم، وَصَحَّ في الجَدِيدِ، وبِمَوْتِ رَاهِنِهِ أوْ فَلَسِهِ قَبْلِ حَوْزِهِ ولوْ جَدَّ فيهِ، وبإذْنِهِ في وَطْء أوْ إسْكَانٍ أوْ إجَارَةٍ وَلَوْ لَمْ يُسْكَنْ، وتَوَلاَّهُ المرتَهنُ بِإذْنِهِ، أوْ في بَيْعٍ وسَلَّمَ وَإلَّا حَلَفَ، وبَقِيَ الثمنُ إنْ لَمْ يأتِ بِرَهْنٍ كَالأوَّلِ، كَفَوْتِهِ بِجنَايَةٍ وأُخذِتْ قِيمتُهُ، وبعَارِيَةٍ أُطْلِقَتْ، وعلى الرَّدِّ أوْ رَجَعَ اخْتيارًا فَلَهُ أخْذُه إلَّا بِفَوتِهِ بِكَعتْقٍ أو حُبُسٍ أوْ تَدْبيرٍ أَوْ قيام الْغُرَمَاء، وغَصْبًا فَلَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا وإنْ وَطئ غَصْبًا فَوَلدُهُ حُرٌّ، وَعَجَّلَ الْمَلِيُّ الدَّيْنَ أوْ قيمَتَهَا وَإلا بُقِّيَ، وَصَحَّ بتوْكِيلِ مُكَاتَبِ الرَّاهِنِ في حَوْزِهِ، وَكَذَا أخُوهُ عَلى الأَصَحِّ، لَا مَحْجُورِهِ ورَقيقِهِ، والْقَوْلُ لِطَالِب تَحْوِيزِهِ لِأمِينٍ، وفي تَعْيينِهِ نَظَرَ

= لَأدَّيْتُ إِلَيْهِ، اذْهَبُوا إِلَيْهِ بِدِرْعي". فمات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة. فقد أخرج البخاري في عدة مرات، عن عائشة، قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير. قال شعيب: أخرجه البخاري في الجهاد، وفي البيوع، وفي باب شراء الطعام إلى أجل، وشراء الإِمام الحوائج بنفسه، وفي شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة، وفي السلم، وفي الرهن في السلم، إلى غير ذلك.

قال القرطبي: ولم يرو عن أحد أنه منعه في الحضر سوى مجاهد، والضحاك، وداود، متمسكين بالآية، ولا حجة لهم فيها، فإن هذا الكلام -وإن خرج مخرج الشرط- فالمراد به غالب الأحوال، وليس كون الرهن في الآية في السفر يجعله مما يحظر في غيره، وقد عرفت ورود السنة الصحيحة به في الحضر. ا. هـ. منه بتصرف.

ص: 361

الْحَاكِمُ، وَإنْ سَلَّمَهُ دُونَ إذْنِهمِا؛ فإنْ سَلَّمَهُ لِلْمُرِتَهِنِ ضَمِنَ قيمَتَهُ، ولِلرَّاهِن ضَمنَها أو الثَّمَنَ. وانْدَرَجَ صُوفٌ تَمَّ وجنينٌ وفَرْخُ نَخْل، لَا غَلَّةٌ وَثَمَرَةٌ وإنْ وُجدَتْ، وَمال عَبْدٍ، وارْتَهَنَ إنْ أقْرَضَ أوْ بَاعَ أوْ يَعْمَلْ لَهُ وَإنْ في جُعْلٍ لَا في مُعَيَّنٍ أوْ مَنْفَعَتِهِ ونَجْمِ كتَابَةٍ مِنْ أجنبيٍّ. وَجَازَ شَرْطُ مَنْفَعَتِهِ إِنْ عُيِّنَتْ بَبيْعٍ لا قَرْضٍ، وفي ضمَانِهِ إذا تَلفَ تَرَدُّدٌ. وأُجْبرَ عَلَيْهِ إنْ شُرِطَ بَبَيْعٍ وَعُيِّنَ وَإلَّا فَرَهْنٌ ثِقَةٌ، والْحَوْزُ بَعْدَ مَانِعِهِ لَا يُفيدُ وَلَوْ شَهدَ الأمِينُ، وَهَلْ تَكْفِي بَيِّنَةٌ عَلى الْحَوْزِ قَبْلَهُ؟ وَبهِ عُمِلَ، أو التَّحْوِيزُ؟ تَأوِيَلانِ. وفيها دَلِيلُهُمَا، ومَضَى بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ إِنْ فرَّطَ مُرْتَهِنُهُ وإلَّا فَتَأْويلَانِ. ويَعْدَهُ فَلَهُ رَدُّهُ إنْ بِيعَ بأقَلَّ، أوْ دَيْنُهُ عَرْضًا، وَإن أجَازَ تَعَجَّلَ وبَقي إنْ دَبَّرَهُ، ومَضَى عِتْقُ المُوسِرِ وكِتَابَتُهُ وَعَجَّلَ، والمُعْسِرُ يَبْقَى، فإذا تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِيعَ كُلُّهُ والْبَاقي لِلرَّاهِنِ، ومُنِعَ الْعَبْدُ مِنْ وَطء أمَتِهِ المَرْهُونُ هُوَ مَعَهَا، وحُدَّ مُرْتَهِنٌ وَطِئ إلَّا بإذْنٍ، وتُقَوَّمُ بلا وَلَدٍ؛ حَلَمَتْ أمْ لَا. ولْلأَمِينِ بَيْعُهُ بإذْنٍ في عَقْدِهِ إنْ لَّمْ يَقُلْ: إن لَمْ آت. كالمُرْتَهِنِ بَعْدَهُ وإلَّا مَضَى فِيهِمَا، ولَا يُعْزَلُ الأمينُ، وَلَيْسَ لَهُ إيصَاء به، وبَاعَ الْحاكِمُ إنِ امْتَنَعَ ورَجَعَ مُرْتَهِنُهُ بِنَفقَتِهِ في الذِّمَّةِ، وَلَوْ لَمْ يأْذَنْ. ولَيْسَ رَهْنًا بِهِ إلَّا أنْ يُصَرِّحَ بأَنَّهُ رَهْنٌ بِهَا. وَهَلْ وإنْ قَالَ: ونَفَقَتُكَ في الرَّهْنِ؟ تأويلانِ؛ فَفي افْتقِارِ الرَّهْنِ لِلَفْظٍ مُصَرَّحٍ بِهِ تَأويلَانِ، وَإنْ أنْفَقَ مُرْتَهِنٌ عَلى كشَجَرٍ خِيفَ عَلَيْهِ، بُدِئ بالنَّفَقَةِ، وتُؤُوِّلَتْ عَلَى عَدَمَ جَبْرِ الرَّاهِن عَلَيْهِ مُطلَقًا، وعلى التَّقْييد بالتّطوُّع بَعْدَ الْعَقْدِ، وِضمِنَهُ مُرْتَهِنٌ إنْ كانَ بِيَدِهِ مِمَّا يُغَابُ عَليْه، وَلَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِكحَرْقِهِ وَلَوْ شَرَطَ البَراءةَ، أوْ عُلِمَ احْتِرَاقُ مَحَلِّهِ إلا بِبَقَاء بَعْضِهِ مُحْرَقًا.

ص: 362

وَأفْتِيَ بِعَدَمِهِ في الْعِلْمِ، وَإلَّا فَلَا. وَلَوْ اشْتَرِطَ ثُبُوتَهُ إلَّا أنْ يُكَذِّبَهُ عُدُولٌ في دَعْواهُ مَوْتَ دَابَّةٍ، وَحَلَفَ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أنَّة تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ، واسْتَمَرَّ ضَمَانُه إنْ قُبِضَ الدَّيْنُ أو وُهِبَ إِلَّا أن يُحْضِرَهُ المُرْتَهِنُ، أوْ يَدْعُوَهُ لأَخْذِهِ فَيَقُولُ: أَتْرُكُهُ عِنْدَكَ، وَإنْ جَنَى الرَّهْنُ واعْتَرفَ رَاهِنُهُ لَمْ يُصَدَّقْ إنْ أعْدَمَ، وإلَّا بِقيَ إنْ فَدَاهُ، وإلَّا أُسْلِمَ بَعْدَ الْأجَل ودَفْعِ الدَّيْنِ. وإنْ ثبتَتْ أو اعْتَرَفَا وَأَسْلَمَهُ، فإنْ أسْلَمَة مُرْتَهِنُهُ أيْضًا فَلِلْمَجْنيِّ عَلَيْهِ بِمَالِه، وَإنْ فَدَاهُ بِغَيْر إِذْنِهِ فَفِدَاؤُةُ في رَقَبَتِهِ فَقَطْ إن لَّمْ يُرْهَنْ بِمالِهِ، ولَمْ يُبَعْ إلَّا في الأَجَل، وَإنْ بإذْنِهِ فَلَيْسَ رَهْنًا بِهِ، وَإذا قُضِيَ بَعْضُ الدَّيْنِ أوْ سَقطَ، فَجَمِيعُ الرَّهْنِ فيمَا بَقِيَ كاسْتِحْقَاقِ، بَعْضِهِ، والْقَوْلُ لمُدَّعِي نَفْي الرَّهْنِيَّةِ، وهُوَ كالشَّاهِدِ في قَدْرِ الدَّيْنِ لَا الْعَكْسُ إلى قيمَتِهِ، وَلَوْ بِيَدِ أمين على الأصَحِّ مَا لَمْ يَفُتْ في ضَمَانِ الرَّاهِنِ، وَحَلَفَ مُرْتَهِنُهُ وَأَخَذَهُ إنْ لّمْ يَفْتَكَّهُ فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرّاهِنُ، وَإِنْ نَقَصَ حَلَفَا، وَأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ بِقيمَتِهِ، وإنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ تَالفٍ تَوَاصَفَاهُ، ثُمَّ قُوِّمَ، فَإِنِ اختَلفَا فَالقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ، فَإنْ تَجَاهَلَا فالرَّهْنُ بِمَا فيهِ. واعتُبِرَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ إنْ بَقِيَ، وَهَلْ يَوْمَ التَّلَفِ أوِ الْقَبْضِ أوِ الرهْنِ إنْ تَلِفَ؟. أقْوَالٌ. وإنْ اخْتَلَفَا في مَقْبُوضٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ: عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ، وُزِّعَ بَعْدَ حَلِفِهِمَا، كَالحَمَالَةِ.

= وقوله تعالى (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) أخذ منه أصحابنا أن الرهن إذا خرج من يد المرتهن إلى الراهن، بوجه من الوجوه، أن ذلك يبطله، لأنه فارق ما جعل له باختيار المرتهن. قال القرطبي: هذا هو المعتمد عندنا. وبه قال أبو حنيفة، غير أنه قال: إن رجع بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي. إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقًا لا يبطل حكم القبض المتقدم. =

ص: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وإذا رهنه بالقول ولم يقبضه فعلًا. قال الشافعي: لم يجعل الله الحكم إلا برهن موصوف بالقبض لقوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبَوضَةٌ} . فالقبض عند الشافعي شرط في لزومه. وقال أصحابنا: يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على دفعه ليحوزه المرتهن، لقوله تعالى:{أُوْفُوا بِالْعُقُودِ} . الآية. قالوا: وهذا عقد. وقوله تعالى: {وَأَوفوُا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} . الآية. قالوا: وهذا عهد. ولقوله صلى الله عليه وسلم: "الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ". قالوا: وهذا شرط؛ فالقبض عند أصحابنا شرط في كمال فائدة الرهن، وهو عند الشافعية شرط في لزوم الرهن وصحته كما علمت.

قال القرطبي: وقوله تعالى: {مَقْبُوضَةٌ} يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وقد أجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وعلى قبض وكيله، واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه، فقال مالك وجميع أصحابه، وجمهور العلماء: قبض العدل قبض. وخالف ابن أبي ليلى، وقادة، والحكم، وعطاء، فقالوا: لا يكون مقبوضًا إلا إذا كان عند المرتهن، ورأوا ذلك تعبدًا. قال: وقول الجمهور أصح من جهة المعنى، لأنه إذا صار عند العدل صار مقبوضًا لغة وحقيقة؛ لأن العدل نائب عن صاحب الحق وبمنزلة الوكيل. وهذا ظاهر.

قال: وقوله تعالى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . قال علماؤنا: فيه ما يقتضي بظاهره ومطلقه جواز رهن المشاع، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه، فإنه لا يجوز عندهم رهن المشاع؛ كأن يرهن عندهم ثلث دار، أو نصف عبد ونحو ذلك. قال ابن خويز منداد من أصحابنا: كل ما جاز بيعه يجوز رهنه. قال ابن المنذر: ورهن المشاع جائز كما يجوز بيعه. ا. هـ. منه. بتصرف.

قلت: ولأجل قولهم: ما جاز بيعه يجوز رهنه، قال أصحابنا: يجوز رهن ما في الذمة لأنه بمنزلة المقبوض عندهم يقبض وثيقة بذلك. وقال قوم: لا يجوز رهنه لأنه لا يتحقق إقباضه. والقبض عند هؤلاء شرط في لزوم الرهن لعلة إستيفاء الحق منه عند المحل.

وفي الكلام حديث عند البخاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْربُ بِنَفَقَتِهِ إذا كَانَ مَرْهُونًا، وعَلَى الَّذَي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ". قال الخطابي: هذا كلام مبهم، ليس في نفس اللفظ بيان من يركب ويحلب؛ هل الراهن أو المرتهن، أو العدل الموضوع على يده الرهن؟ =

ص: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قال القرطبي: قد جاء ذلك مبينًا مفسرًا في حديثين، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك؛ فقد روى الدارقطني من حديث أبي هريرة: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: " إِذَا كَانَتِ الدَّابَّهُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الْمرْتَهِنِ عَلَفُهَا. وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُهُ". ولذا قال أحمد واسحاق: ينتفع المرتهن من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة، وقال أبو ثور: إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن، وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدام العبد.

وأخرج الدارقطني أيضًا بإسناده عن اسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن المقبري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَغَلَقُ الرَّهْنُ وَلِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". وبهذا قال مالك وأصحابه، والشافعي، والشعبي وابن سيرين. قال الشافعي: منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الاحتفاظ به للتوثق، قال الخطابي: وهو أولى الأقوال وأصحها بدليل الحديث آنف الذكر.

قال القرطبي: وقد أجمعت الأمة على أن الأمة المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها، فكذلك لا يجوز له خدمتها. قال: وقد قال الشعبي: لا ينتفع من الرهن بشيء. فهذا الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه، ولا يجوز عنده ذلك إلا وهو منسوخ.

قال ابن عبد البر: وأجمعوا أن لبن الرهن وظهره للراهن، ولا يخلو احتلاب المرتهن له من أن يكون بإذن الراهن أو بغير إذنه، فإن كان بغير إذنه ففي حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لَا يَحْلِبَنّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ". ما يرده ويقضي بنسخه، وإن كان بإذنه، ففي الأصول المجتمع عليها تحريم المجهول والغرر وبيع ما ليس عندك، ما يرد أيضًا، فإن ذلك كان قبل نزول تحريم الربا والله أعلم.

قلت: نسب القرطبي للطحاوي القول أن ذلك كان وقت كون الربا مباحًا، ولم ينه عن قرض جر منفعة، ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين، تم حرم الربا بعد ذلك. ا. هـ.

ولو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن، قال ابن خويز منداد من أصحابنا. فلذلك حالتان: إن كان من قرض لم يجز، وإن كان من بيع أو إجارة جاز؛ لأنه يكون بائعًا للسلعة بالثمن المذكور، وبمنافع الرهن مدة معلومة، فكأنه بيع وإجارة. ومنع لك في القرض لأنه يصيره قرضًا جر منفعة =

ص: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= ولأن موضوع القرض أن يكون قربة، فإذا دخله نفع صار زيادة في الجنحر وذلك ربا، ا. هـ. قرطبي.

تنبيهٌ: كان الرهن في الجاهلية يشترط المرتهن أنه إن لم يأت الراهن بحقه في أجله، كان الرهن له بحقه بمجرد انتهاء الأجل، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم هذه العادة الجاهلية بقوله صلى الله عليه وسلم:"لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". قال القرطبي هكذا قيدناه برفع القاف على الخبرية أي ليس يغلقُ الرهن، ومعنى غَلَقَ الرهن في يد مرتهنه أنه لم يفتكَّ، ومنه قول زهير:

وفارقتْك برهن لا فكاك له

يوم الوداع فأمسى الرهنُ قد غَلَقَا

وقال القرطبي: نماء الرهن داخل معه إن كان لا يتميز كالسمن، أو كان نسلًا كالولادة والنتاج وفسيل النخل، وما عدا ذلك من غلة كثمرة ولبن وصوف فلا يدخل فيه إلا أن يشترطه، والفرق بين ذلك أن الأولاد تبع للأمهات في الزكاة، وليس كذلك الأصواف والألبان وثمرة الأشجار، ا. هـ.

منه والله تعالى أعلم.

وقال البغوي في شرح السنة: قوله: الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ قيل: أراد لصاحبه، وقيل من ضمان صاحبه. وقوله "لَهُ غُنْمُهُ". فيه دليل على أن الزوائد التي تحصل منه تكون للراهن. وقوله:"وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ". فيه دليل على أنه إذا هلك في يد المرتهن، يكون من ضمان الراهن، ولا يسقط بهلاكه شيء من حق المرتهن. وبه قال جماعهَ من أهل العلم. وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وذهب قوم إلى أن قيمة الرهن إن كانت قدر الحق يسقط بهلاكه الحق، وإن كانت قيمته أقل من الحق، فبقدر قيمته من الحق يسقط، والباقي واجب على الراهن، وإن كانت أكثر من الحق، يسقط الحق، ولا يجب ضمان الزيادة على المرتهن، وهذا قول النخعي، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي.

قال: واختلفوا فيما يحدث من الرهن من ولد وثمر، فذهب قوم إلى أنه خارج عن الرهن، وكذلك جميع الزوائد المنفصلة عنه، وهو قول الشافعي. =

ص: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وذهب أصحاب الرأي إلى أنها مرهونة كالأصل، غير أنهم يفترقان في الضمان، فالأصل مضمون، والحادث منه غير مضمون.

وقال مالك: الولد الذي يحدث مرهون، والثمرة خارجة عن الرهن. ا. هـ. منه.

‌تتمة في الكلام على حديث: "لَا يَغْلَقُ الرهْنُ

"

قال ابن قدامة في المغني: وإن اشترط أنه متى حل الحق، ولم يوفِّني فالرهن لي بالدين، أو هو لي مبيع بالدين الذي عليك. فهو شرط فاسد. روي ذلك عن ابن عمر، وشريح، والنخعي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأىِ، لا نعلم أحدًا خالفهم. والأصل في ذلك ما روى معاوية بن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَغْلَقُ الرهْنُ". رواه الأثرم. قال الأثرم: قلت لأحمد: ما معنى قوله: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؟ قال: لا يدفع رهنًا إلى أجل، ويقول: إن جئتك بالدراهم إلى كذا وكذا، وإلَّا فالرهن لك. قال ابن المنذر: هذا معنى قوله: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" عند مالك والثوري، وأحمد. قال: وفي حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر، أن رجلًا رهن دارًا بالمدينة إلى أجل مسمّى، فمضى الأجل، فقال للذي ارتهن: منزلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". ا. هـ. منه بلفظه. وبالله تعالى التوفيق.

ص: 367

‌بَاب الفَلَس

لِلْغَرِيمِ مَنْعُ مَنْ أحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مِنْ تَبَرُّعِهِ (1) وسَفَرِهِ إنْ حَلَّ بِغَيْبَتِهِ (2)، وَإِعْطَاء غَيْرهِ قَبْلَ أجَلِهِ، أوْ كُلَّ مَا بِيَدِهِ (3)؛ كإقْرارِهِ لمْتَّهَمٍ عَلَيْهِ عَلى المخُتَارِ والأصَحِّ، لَا بَعْضِهِ وَرَهْنِه. وَفي كِتَابَتِهِ قَوْلَان.

‌الكلام على الْفَلَس أعاذنا الله والمسلمين منه

التفليس مشتق من الفلوس التي هي نوع من النقود؛ لأن الإِنسان المفلس لم يترك له شيء يتصرف فيه من ماله إلا التافه. وقال عياض: التفليس العُدْمُ، وأصله من الفلوس، أي أنه صار صاحب فلوس بعد أن كان ذا ذهب وفضة، ثم استعمل في كل من عدم المال؛ يقال: أفْلَسَ الرجلُ فهو مفلس. وفي المقدمات: التفليس، العدم. والتفليس خلع الرجل من ماله لغرمائه. والمفلس، المحكوم عليه بحكم الفلس الذي لا مال له، ا. هـ. الحطاب وفيه: فوائد تتعلق بالدين:

الأولى: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ}

(1)

الآية. وقال تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ}

(2)

الآية، فدل ذلك على جواز الدين؛ وذلك إذا تداين الرجل في غير سرف ولا فساد، وهو يرى أن ذمته تفي بما يدَّان به.

وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدين فقال: "اللهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إيَّاكم والدَّينَ فإنّ أوله همٌّ وآخره حَرَدٌ وحَرَبٌ -بفتح الحاء والراء- قاله في النهاية. وقيل بسكون الراء أي نزاع.

وقد وردت أحاديث في التشديد في الدين، منها: قوله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه: "إن الرَّجُلَ إذَا غرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ" الحديث. ومنها ما أخرجه مسلم من حديث عبد اللة بن عمرو =

(1)

سورة البقرة: 282.

(2)

سورة النساء: 11.

ص: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وبن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُل ذَنْبٍ إلا الدَّيْنَ". إلى غير ذلك مما ورد في التشديد في الدين.

قال الحطاب: يحتمل أن تكون هذه الآثار واردة فيمن تداين في سرف أو فساد غير مباح، أو تداين وهو يعلم أن ذمته لا تفي بما تداين به، لأنه متى فعل ذلك فقد قصد استهلاك أموال الناس. وقيل أيضًا: إن هذا التشديد كله إنما كان من النبي صلى الله عليه وسلم في الديْن قبل فرض الزكاة ونزول آية الفيء والخمس.

الثانية: كل من ادَّان في مباح، وهو يعلم أن ذمته تفي بما ادَّان به، فإن غلبه الدين فلم يقدر على قضائه حتى توفي، كان على الِإمام أن يؤدي ذلك عنه من بيت مال المسلمين أو من الزكاة من سهم الغارمين، أو من الصدقات إن كان ممن يرى جواز جعل الزكاة كلها في صنف واحد من الثمانية كمالك مثلًا، أو يؤديه عنه من الفيء إن كان ممن يرىَ عدم جواز تأدية دين الميت من الزكاة. الثالثة: واجب على من كان عليه دين أن يوصي بأدائه، فإذا فعل وترك وفاء، فليس يحبس عن الحنة يدينه ذلك، وكذا إن لم يترك وفاء، وعلى الإِمام وفاؤه، فإن لم يفعل فهو المسئول عن ذلك إذا لم يقدر على أدائه في حياته وأوصى به، وقد قال في التمهيد: الدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة -والله أعلم- هو الذي ترك صاحبه وفاء به ولم يوص به، أو قدر على وفائه في حياته فلم يوف، أو ادًان به في غير حق أو في سرف، أو مات ولم يوص به، وأمَّا من ادَّان في حق واجب لفاقته وعسره ولم يترك وفاء، فإن الله لا يحبسه به عن الجنة؛ لأن السلطان فرض عليه أن يؤدى عنه دينه من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين أو من الفيء الراجع على المسلمين من صنوف الفيء والله أعلم.

قال: ونقل الإِبي عن عياض في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: "ومَنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَيَاعًا فَعَلَيَّ وإِلَيَّ". أي: فعليّ قضاء دينه وإِلَيَّ كفالة عياله. وهذا مما يلزم الأئمة في مال الله؛ فينفق منه على الذرية وأهل الحاجة ويقضي ديونهم. ذكره في أحاديث الجمعة من كتاب الصلاة من شرح مسلم. ا. هـ.

قال: وقال في الذخيرة: والأحاديث الواردة في الحبس عن الجنة في الدين منسوخة بما جعله =

ص: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الله من قضاء الدين على السلطان، وكان ذلك قبل أن تفتح الفتوحات. ا. هـ.

الرابعة: قد كان الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإِسلام بيع المديان فيما عليه من الدين، على ما كان عليه من الاقتداء بشرع من قبله، فيما لم ينزل عليه فيه شيء، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . الآية. انتهى مضمونه من الحطاب.

قوله رحمه الله، للغريم هو فعيل بمعنى فاعل من الغرم، يطلق على المدين وعلى رب الدين، وهو المراد هنا.

قال في الصحاح: الغريم الذي عليه الدين، يقال: خذ من غريم السوء ماسنح -بالنون- وقذ يطلق الغريم أيضًا على صاحب الدين الذي له، قال كُثيّر:

قضى كلُّ ذي ديْن فوفىَّ غريمَه

وعزةُ ممطول معنّىً غريمها

(1)

قوله: للغريم منع من أحاط الدين بماله من تبرعه، قال المواق: أصل مذهب مالك، -وجميع الرواة من أصحابه- أن الذي لا وفاء عنده بما عليه من الدين، لا يجوز عتقه ولا هبته، ولا كل ما فعله من باب المعروف، ولا إقراره لمن يتهم عليه، ويجوز بيعه وشراؤه، فإذا ضرب على يديه لم يجز بيعه ولا شراؤه ولا إقراره. قال اللخمي: من حق الغرماء -إذا تبين فلس غريمهم- الحجر عليه وانتزاع ما في يديه، ا. هـ. منه.

قلت: أصل ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}

(1)

0 الآية، قال أبو عبد الله القرطبي: قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} مع قوله جل وعز {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} . الآية، يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين وجواز أخذ ماله بغير رضاه، ويدل أيضًا على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالمًا. قال: وقال بعض العلماء: هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر. وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإِسلام. قال ابن عطية: فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم كان نسخًا وإلا فليس بنسخ. قال الطحاوي: كان الحر يباع في الدين أول الاسلام إذأ لم يكن له مال يقضيه عن نفسه، حتى نسخ الله ذلك بقوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: واحتجوا بحديث =

(1)

قراءة نافع بضم السين.

ص: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= رواه الدارقطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي: أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن البيلماني عن سُرّق، قال: كان لرجل علىَّ مالٌ -أو قال دين- فذهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصب لي مالًا فباعني منه -أو باعني له- أخرجه البزار بهذا الِإسناد أطول منه. ومسلم بن خالد الزنجي وعبد الرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما. ا. هـ. منه.

قلت: سُرَّق بن أسد الجهني -ويقال الأنصاري- نسبه الشيخ أحمد البدوي في عمود النسب إلي جهينة فقال:

عَوْسَجَة لَهُ عَلى ألْفٍ عَقَدْ

خَيْرُ نبيٍّ، مِنْ جُهَيْنَةَ يُعَدّ

ومَعْبَدُ، وسُرَّقُ الَّذِي أمَرْ

بِبَيْعِهِ في دَيْنِهِ خيْرُ مُضَرْ

وقد ترجمت له في كتابي (إكمال تحفة الألباب على الأنساب) ومن لطيف ما يحكى عنه أنه يروى أنه قيل له: ما ينبغي لك أن تتسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لن أدع اسمًا سماني به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ا. هـ.

غير أن حديث سُرَّق -إذا لم يبلغ درجة الاحتجاج به- لا يمكن إثبات حكم شرعي به يجوز أن يحكم بنسخه بآية البقرة المتقدمة، ذلك أن النسخ -كما هو معلوم عند أهل الفن- هو رفع حكم شرعي بخطاب شرعي متأخر عنه: وإذا لم يثبت الأول شرعًا، امتنع وصف رفعه بالنسخ، وإنما يقول أهل الفن فيه: حكم رفع البراءة الأصلية. قال سيدي عبد الله بن الحاج ابراهبم في مراقي السعود:

وما من البراءة الأصلية

قد أخذت فليست الشرعية

ونقل المواق عن المفيد ما نصه: من أحاط الدين بماله لا يجوز له هبة ولا عتق ولا صدقة، فإن تصدق، وعليه ديون كثيرة، وبيده مال لا يدري أيفي بما عليه من الدين أم لا؟. فالصدقة جائزة حتى يعلم أن عليه من الدين ما يستغرق ماله، ا. هـ. ونقل المواق عن نوازل ابن الحاج: ما تركه مستغرق الذمة لبيت المال، لا حق فيه للغرماء، فإن كان في تركته أكثر، ضرب الغرماء فيما يبقى بعد أخذ بيت المال ما يجب له. قال: ومن وثائق ابن سلمون: للإِمام أخذ ما أفاده العمال كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أخذ من العامل الهدية التي قال هذا أهدي لي، وقال صلى الله عليه وسلم: =

ص: 371

وَلَهُ التَّزَوُّجُ، وَفي تَزَوُّجهِ أرْبَعًا وتَطَوُعِهِ بالْحَجِّ تَرَدُّدٌ (1). وفُلِّسَ-حَضَرَ أو غاب- إنْ لَّمْ يُعْلَمُ مَلَاؤُةُ (2) بِطَلَبِهِ -وإنْ أبى غَيْرهُ- دَيْنًا حَلّ زَادَ عَلى مَالِهِ، أوْ بقيَ مَا لا يَفي بِالْمُؤَجَّلِ، فَمُنِعَ مِنْ تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ لَا في ذمَّتِهِ، كَخُلْعِهِ وَطَلَاقِهِ، وقِصَاصِهِ وعَفْوِهِ، وعِتْقِ أمِّ وَلدِهِ وتَبِعَهَا مَالُهَا إنْ قَلَّ، وحَلَّ بِهِ وبالمَوْتِ مَا أُجِّلَ (3)، وَلَوْ دَيْنَ كِراء، أوْ قَدِمَ الْغَائِبُ مَلِيًّا، وَإنْ نَكَلَ المُفَلَّسُ

= " هَلَّا جَلَسَ في بَيْتِ أبِيهِ وَأْمِّهِ فَيَنْطُرَ مَا يُهْدَئ إِليْهِ". وقد فعله الصديق رضي الله عنه. قال ابن حبيب: فكل ما استفاده وآل من مال سوى رزقه، وقاضٍ في قضائه، فللإِمام أخذه منه للمسلمين. وبذلك أفتى مالك. ا. هـ.

(1)

وقوله: وسفره إن حل بغيبته، قال الحطاب: هذا الكلام في المدين ولا يكون خاصًا بالمدين الذي أحاط بماله، كما نبه عليه ابن غازي رحمه الله، وقد أطلق المصنف في منعه من السفر إذا حل بغيبته، وهو مقيد بأن لا يوكّل جميلًا لأداء الحق، فإن وكل فلا منع، هذا الذي عليه أهل المذهب. قال: وقال ابن عبد السلام: ظاهر المدونة أنه يمنع من السفر البعيد، ولا يقبل منه التوكيل، ا. هـ. باختصار.

(2)

وقوله: وإعطاء غيره قبل أجله أو كل ما بيده، نقل المواق عن بهرام عن السيوري أنه إذا قضى جميع ما بيده لبعض غرمائه دون بعض، أنه لا يختلف في رده. قال: والذي في المدونة: قال مالك: رهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس، ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء، وله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، سواء قام بقية غرمائه بأثر ذلك أو تأخر قيامهم، إذا كان يبيع ويتأخر الناس ببيعه، وقضاؤه ورهنه جائز. ونقل ابن حبيب عن ابن القاسم: وكذلك لو فطن أحد الغرماء باستغراقه وبادر، فهو أحق ما لم يكن الغرماء قد تشاوروا كلهم على تفليسه. ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: وله التزوج، وفي تزوجه أربعًا وتطوعه في الحج تردد، قال في المدونة: مادام قائم الوجه فإقراره بالدين جائز، وله أن يتزوج فيما بيده من مال ما لم يفلس. قال المواق: ومقتضى ما يتقرر أن التردد في حجة الفرض، وأما حجة التطوع فيمنع منها. قال ابن رشد: إتلافه المال =

ص: 372

حَلفَ كُلٌّ كَهُوَ وأخَذَ حِصَّتَهُ ولو نَكَلَ غَيْرهُ عَلى الأصَحِّ، وقُبلَ إقْرارُهُ بالمجْلِسِ أوْ قُرْبِهِ أنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بإقْرَارٍ لا بِبَيِّنَةٍ، وهو في ذمَّتِهِ، وقُبَلَ تَعْيينُهُ الْقِرَاضَ والوَدِيعَة إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ باصْله، وَالمخْتَارُ قَبُولُ قَوْلِ الصَّانِعِ بلا بينَةٍ.

= قبل التفليس بغير عوض لا يجوز إلا فيما جرت العادة به؛ كالكسرة يعطيها لسائل، وكالضحية والنفقة في العيدين من غير سرف، ولا يجوز فيما لم تجر العادة به من الكرإء في حج التطوع. وانظر، هل له أن يحج حجة الفرض أم لا؟. وهل له أن يتزوج أربع زوجات؟. ا. هـ. بنقل المواق.

(2)

وقوله: وفُلِّس حضر أو غاب إن لم يعلم ملاؤه، قال المواق: القضاء، إذا طلب الغرماء الحجر على المفلس، فإن الحاكم بحجر عليه. قال مالك: إذا قام رجل واحد بالمديان فله تفليسه كقيام الجماعة، ويبيع الإِمام ما ظهر له من ماله فيوزعه بين غرمائه بالحصص، ويحبسه فيما بقي إن تبين لدده واتهم. ا. هـ.

وقال ابن قدامة في المغني: ومتى لزم الإِنسان ديون حالّة لا يفي ما له بها، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته إجابتهم، ويستحب أن يظهر الحجر عليه لتتجنب الناس معاملته، فإذا حجر عليه ثبت بذلك أربعة أحكام: أحدها: تعلق حقوق الغرماء بعين ماله.

والثاني. منع تصرفه في عين ماله. والثالث: أن من وجد عين ماله عنده فهر أحق بها من سائر الغرماء، إذا توفرت شروط ذلك. الرابع: إن للحاكم بيع ماله. وإيفاء الغرماء.

قال: والأصل في هذا ما روى كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر على مُعاذ بن جبل وباع ماله. رواه الخلال بإسناده. وعن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان مُعاذ بن جبل من أفضل شباب قومه، ولم يكن يمسك شيئًا، فلم يزل يدَّان حتى أغرق ماله في الدين، فكلم النبىِ صلى الله عليه وسلم غرماؤه، فلو ترك أحدٌ من أجل أحد لتركوا معاذًا من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فباع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله حتى قام معاذ بغير شيء. ا. هـ. منه.

وقال القرطبي في التفشير: من كثرت ديونه وطلب غرماؤه ما لهم، فللحاكم أن يخلعه من كل ماله، ويترك له ما كان من ضرورته. روى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما يواريه؛ والمشهور أنه يترك له كسوته المعتادة ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه إن كان ذلك يزري

ص: 373

وَحُجِرَ أيْضًا إنْ تَجدَّدَ مَالٌ، وانْفَكَّ وَلَوْ بِلَا حَاكِمٍ، وَلَوْ مَكَّنَهُمُ الْغَرِيمُ فَبَاعُوا واقْتَسَموا ثُمَّ دَايَنَ غَيْرهُمْ، فَلَا دُخُولَ لِلأَوَّلِينَ كَتَفْلِيسِ الحَاكِم إلَّا كَإِرْثٍ، وصِلَةٍ، وجِنَايَةٍ، وبِيعَ مَالُهُ بِحَضْرَتِهِ بالْخِيارِ ثلاثًا وَلَوْ كُتُبًا أوْ ثَوْبَيْ جُمُعَةٍ إنْ كثُرَتْ قِيمَتُهُمَا. وَفي بَيعِ آلَةِ الصَّانِعِ تَرَدُّدٌ. وَأُوجِرَ رقيقُهُ، بِخِلَافِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وَلَا يُلْزمُ بِتكَسُّبٍ وتَسَلُّفٍ واسْتِشْفَاعٍ وعَفْوٍ لِلدِّيَةِ، وانْتِزَاع مال رَقيقِهِ أوْ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ، وعُجِّلَ بَيْعُ الْحَيَوانِ، واسْتُؤنِي بِعَقَارِه كالشَّهْرَيَنْ، وقُسِمَ بِنَسْبَةِ الدُّيُونِ بِلَا بَيِّنَةِ حَصْرِهِمْ. واسْتُؤنِني بِهِ إنْ عُرِفَ بِالدَّيْنِ في المَوْتِ فَقَطْ. وقُوِّمَ مُخَالِفُ النَّقْدِ يَوْمَ الْحِصَاصِ، وَاشْتُريَ لَهُ مِنْهُ بمَا يَخُصُّهُ، ومَضَى إنْ رَخُصَ أوْ غَلَا. وَهَلْ يُشْتَرَى في شَرْطِ جَيِّدٍ أدْنَاهُ أوْ وَسَطُهُ؟ قَوْلَانِ. وَجَازَ الثَّمَنُ إلَّا لِمَانِعٍ كَالاقْتضَاء، وحَاصَّتْ الزَّوْجَةُ بِمَا. أنْفَقَتْ وَبِصَداقِهَا كَالْمَوْتِ، لَا بِنَفَقَةِ الْوَلَدِ وإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ، أو اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ وَإنْ قَبْلَ فَلَسِهِ رُجِعَ بالْحِصَّةِ كَوَارِثٍ أوْ مُوصىً لَهُ عَلى مِثله.

= به. وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع كتبه إن كان عالمًا خلاف. ولا يترك له مسكن، ولا خادم، ولا ثوب جمعة ما لم تقل قيمته، وعند ذلك يحرم حبسه. والأصلى في هذا قوله تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . وروى الأئمة -واللفظ لمسلم- عن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَصَدَّقُوا عَلَيْه". فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه:"خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذلِكَ". وفي مصنف أبي داود: فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماءه على أن خلع لهم ماله. قال القرطبي: وهذا نص، فلم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبس الرجل، وهو معاذ بن جبل كما قال شريح. ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: وحل به وبالموت ما أجل، قال المواق: المذهب حلول دين المفلس المؤجل =

ص: 374

وإِنْ اشْتَهَرَ مَيِّتٌ بِدَيْنٍ أوْ عَلِمَ وَارِثُهُ وأقْبَضَ، رُجِعَ عَلَيْهِ، وأُخِذَ مَليٌّ عَنْ مُعْدِمٍ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَلى الْغَرِيمِ، وَفيها الْبُدَاءةُ بِالْغَرِيمِ. وَهَلْ خِلَافٌ أوْ عَلى التَّخْيير؟ تأويلَانِ؛ فَإِنْ تَلِفَ نَصِيبُ غَائبٍ عُزِلَ لَهُ فمنه، كَعَيْنٍ وُقفِ لغُرَمَائِهِ، لَا عَرْضٍ. وهَلْ إلَّا أنْ يَكونَ بِكَدَيْنِهِ؟ تأويلَانِ؛ وتُركَ لهُ قُوتُهُ والنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَليْهِ (1). لِظَنِّ يُسْرَتهِ، وكِسْوتُهُمْ كل دَسْتًا مُعْتَادًا، وَلَوْ وَرِثَ أبَاهُ بِيعَ لَا وُهِبَ لَهُ، إنْ عَلِمَ وَاهِبُهُ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وحُبِسَ. لِثُبُوتِ عُسْره إنْ جُهِلَ حَالُهُ (2)، وَلمْ يَسْألَ الصَّبْرَ لَهُ بَحمِيلٍ بَوِجْهِهِ، فَغَرِمَ إنْ لَمْ يَأتِ بهِ، ولَوْ أُثْبتَ عُدْمُهُ أوْ ظَهَر مَلَاؤُهُ، إنْ تَفَالَسَ، وَإنْ وَعَدَ بِقَضَاء وسَأَل تَأَخِيرَ كَالْيَوْمِ أغطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ وإلَّا سُجِنَ، كمَعْلُومِ الْمَلَاءِ، وأجِّلَ لِبَيْعِ

= بتفليسه كالموت مطلقًا، وعبارة المدونة: ما كان على مفلس أو ميت من دين مؤجل، فإنه يحل بالموت وبالفلس، وما كان له من دين مؤِجل فإنه إلى أجله، ولغرمائه تأخيره إلى أجله. ا. هـ. ومذهب الإِمام أحمد أن الدين المؤجل على المفلس لا يحل بتفليسه، وكذلك الدين على الميت إذا وثق الورثة. وهو قول ابن سيرين، وعبيد الله بن الحسن، واسحاق، وأبي عبيد، وقال طاوس، وأبو بكر بن محمد، والزهري، وسعيد بن إبراهيم: الدين إلى أجله. وحكي ذلك عن الحسن. وفي المغني أن الرواية الأخرى عن أحمد؛ أن الدين على الميت يحل بموته قال: وبه قال الشعبي، والنخعي، وسوار، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب، الرأي، قالوا: لا يجوز بقاء الدين في ذمة الميت لخرابها، ولتعذر مطالبته، ولا يجوز اعتباره بذمة الورثة لأنهم لم يلتزموه أصلًا، ولا رضي صاحب الدين بذممهم المختلفة المتباينة، ا. هـ. منه. بتصرف.

(1)

وقوله: وترك له قوته والنفقة الواجبة عليه، قال الحطاب: يعني ما ينفق على من وجبت عليه نفقته؛ كزوجاته، وولده، وأمهات أولاده، ومدبريه ونقل المواق عن المدونة، قال مالك: يترك للمفلس ما يعيش به هو وأهله الأيام. قال في الواضحة: الشهر ونحوه. وقال في العتبية: هو وأهله وولده الصغير ا. هـ. =

ص: 375

عَرْضِهِ إنْ أعْطَى حَميلًا بِالْمَالِ، وإلَّا سُجِنَ. وَفي حَلِفِهِ عَلى عَدَمِ النَّاضِّ تَرَدُّدٌ، وإنْ عُلِمَ بالنَّاضِّ لَمْ يُؤخَّرْ، وضُرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وإنْ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مالٌ ظَاهِرٌ ولَا بَاطِنٌ حَلَفَ كذلِك، وَزَادَ: وإنْ وَجَدَ لَيَقْضِيَنَّ. وأُنْظِرَ. وَحَلَفَ الطَّالِبُ إنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعُدْمِ، وإنْ سَألَ تَفْتِيشَ دَارِه فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. وُرجّحَتْ بَيِّنَةُ الْمَلَاء إنْ بَيَّنَتْ.

= نقل ابن رشد: وقال المازري: التحقيق فيما يترك لعيشه اعتبار حال المفلس في كسبه، فيترك له قدر ما يرى أن يبلغه لتحصيل معيشته، فإن كان صانعًا ينفق على أهله من خدمته لم يترك له شيء. ومن المشايخ من قال: تترك له نفقة اليومين أو الثلاثة خشية المرض. ا. هـ. منه.

وقال الخرقي: وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته بالمعروف من ماله إلى أن يفرغ من قسمته بين الغرماء وقال ابن قدامة: وإن لم يكن ذا كسب أنفق عليه من ماله مدة الحجر وإن طالت؛ لأن ملكه باق. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ". ومعلوم أن فيمن يعوله من تحب نفقته عليه. قال: وممن أوجب الإِنفاق على المفلس وزوجته وأولاده الصغار من ماله، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم أحدًا خالفهم في ذلك. قال: وتجب كسوتهم أيضًا؛ لأن ذلك مما لابد منه. ا. هـ. منه باختصار.

(2)

وقوله: وحبس في لثبوت عسره إن جهل حاله، نقل المواق عن ابن الحاجب: من أحكام الحجر على المفلس حبسه. ابن رشد: حبس الغريم إنما يكون ما لم. يثبت عدمه ويظهر فقره.

وحبس المديان على ثلاثة أوجه: حبس تلوم واختبار في جهل حاله؛ ويكون ذلك بقدر ما يستبرأ أمره ويكشف عن حاله، فإرسال هذا المحبوس للتلوم والاختبار أن يعطى حميلًا حتى يكشف عن حاله ولا يحبس، ففي المدونة في هذا الحال يحبس أو يؤخذ عليه حميل، ا. هـ. منه.

وفي الحطاب هنا فرع، قال ابن عرفة: تلقى الأشياخ بالقبول ما في ثمانية أبي زيد: لا يسجن في الحديد إلا من سجن في دم. قال: وكذا: لا يؤمن هربه. ا. هـ. منه.

وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقضاتهم، يرون الحبس في الدين.

منهم مالك، والشافعي، وأبو عبيد، والنعمان، وسوَّار، وعبيد الله بن الحسن، وروي عن شريح =

ص: 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= والشعبي. كان عمر بن عبد العزيز يقسم ماله بين الغرماء ولا يحبس. وبه قال عبد الله بن جعفر، والليث بن سعد. ا. هـ. بنقل المغني.

وقال القرطبي في تفسيره: ويحبس في المفلس في قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة وغيرهم حتى يتبين عدمه. ولا يحبس عند مالك إن لم بتهم أنه غيب ماله ولم يتبين لدَدُه، وكذلك لا يحبس إنْ صحَّ عسره، ا. هـ.

قلت: والدليل في ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . ومن السنة حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم في قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لغرمائه:"خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذلِكَ". وفي مصنف أبي داود: فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماءه على أن خلع لهم ماله. وهذا نص في محل النزاع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بحبس الرجل. ا. هـ. من القرطبي.

وفي مصنف ابن أبي شيبة: حدثنا جرير عن طلق بن معاوية، قال: كان لي على رجل ثلاثمائة درهم فخاصمته إلى شريح، فقال الرجل: إنهم وعدوني أن يحسنوا إليَّ. فقال شريح: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} . الآية. قال: وأمر بحبسه، وما طلبت إليه أن يحبسه، حتى صالحني بمائة وخمسين درهمًا.

وفي ابن أبي شيبة أيضًا بسنده عن أبي المنهزم، أن رجلًا أتى أبا هريرة في غريم له فقال: احبسه قال: قال أبو هريرة: هل تعلم له عينًا فآخذه به؟. تال: لا. قال: فهل تعلم له عقارًا أكسره؟. قال: لا. قال: فما تريد؟. قال: احبسه قال. لا، ولكني أدعه يطلب لك ولنفسه ولعياله. ا. هـ.

قلت: فقد تبين لك من خلال الأدلة أن المدين يحبس في الدين إذا كان واجدًا ولم يقض ما عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعَرْضَهُ". وإنه إذا كان مجهول حال: وادعى عليه غريمه وجود مال، حبس حتى تتبين براءته، أما إذا كان معلوم العدم أو صدقه غريمه، فإن الدليل إلى جانب من يقول بعدم سجنه. والله الموفق.

ص: 377

وأُخْرِجَ الْمجْهُولُ إِنْ طَالَ سِجْنُهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ والشَّخْصِ، وَحُبِسَ النِّسَاءُ عِنْدَ أَمِينَةٍ أوْ ذَاتِ أمِينٍ، والسَّيِّدُ لِمُكَاتَبهِ، والْجَدُّ والْوَلَدُ لأبِيهِ، لَا عَكْسُهُ كَالْيَمِينِ، الَّا المُنْقَلِبَةَ والمُتَعَلِّقَ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يُفرِّقْ بَيْنَ كَالأَخَوَيْنِ والزَّوْجَيْنِ إنْ خَلَا، وَلَايَمْنَعُ مُسَلِّمًا أوْ خَادِمًا بِخِلَافِ زوجَةٍ، وأُخْرِجَ لِحَدٍّ أوْ ذَهَاب عَقْلِهِ لِعَوْدِهِ، واسْتُحْسِنَ بِكفِيلٍ بِوَجْهِهِ لِمَرَضِ أبَوَيْهِ، وَوَلِدِهِ، وأخِيهِ، وقَرِيبٍ جِدًّا لِيُسَلِّمَ، لَا جُمُعَةٍ وعِيدٍ وعَدُوٍّ إلَّا لِخوْفِ قَتْلِهَ أوْ أسْرِهِ.

وَلِلْغَريمِ أخْذُ عَيْنِ مَالِهِ المُحَازِ عَنْهُ في الْفَلَسِ لَا الْمَوْتِ

(1)

، وَلَوْ مَسْكُوكًا وآبِقًا، وَلِزِمَهُ إنْ لّمْ يَجِدْهُ إنْ لم يَفْدِهِ غُرَمَاؤُهُ ولَوْ بِمَالِهِمْ وَأمْكَنَ، لَا بُضْعٌ وعصْمَةٌ وقصَاصٌ، ولَمْ يَنْتَقِلْ. لَا انْ طُحِنَتِ الْحِنْطَةُ أوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ، أوْ سُمِّنَ زُبْدُهُ، أوْ فَضِّلَ ثَوْبُهُ، أوْ ذُبِحَ كَبْشُهُ، أوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ، كأجِيرِ رَعْي ونَحْوِهِ، وذي حَانُوتٍ فيمَا بِهِ، ورَادٍّ لِسِلْعَةٍ بعَيْبٍ وَإنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ. وَهَلْ القَرْضُ كَذلِك -وإنْ لَمْ يقْبِضْهُ مُقْتَرِضُهُ- أوْ كالْبَيْعِ؟ خِلَافٌ.

(1)

وقوله: وللغريم أخذ عين ماله المحاز عنه في الفلس لا الموت، أما دليل جواز أخذ الغريم لعين ماله إذا أدركها، فهو قوله صلى الله عليه وسلم:"أيُّمَا رَجُل بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبَض الَّذِي بَاعَهُ مِن ثَمنِهِ شَيئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهَ بَعْينِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاء". رواه مالك في الموطإ، ورواه أبو داود.

وقال الحطاب: مفهوم قوله: المحاز عنه، أنه لو لم يحز عنه ليس كذلك، أمَّا في الفلس فهو أحق بها من باب أحرى، وأما في الموت فهو أحق بها أيضًا.

قال في المقدمات: ولا خلاف في مذهبنا أن البائع أحق بما في يده في الموت والفلس، وأنه أحق بما أسلمه ما ألفاه قائمًا عند المبتاع في الموت والفلس، واانما وقع الخلاف بينهم في بعض المسائل لاختلافهم من أي قسم هي. قال: وفي بعض ما ذكره نظر ا. هـ. منه. وقال ابن=

ص: 378

وَلَه فَكُّ الرَّهْنِ، وَحَاصَّ بِفِدَائِهِ لا بِفِدَاء الْجاني، وَنَقْضُ الْمُحَاصَّةِ إنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ، ورَدُّهَا، والمحاصَّةُ بِعَيْبٍ سَمَاوِيٍّ، أوْ مِنْ مُشْتَرِيهِ، أوْ أجَنَبيٍّ لَمْ يَأخُذْ أَرْشَهُ، أوْ أَخَذَهُ وعَادَ لِهَيْئتِهِ، وإلَّا فبنِسْبَةِ نَقْصِهِ، ورَدُّ بَعْضِ ثَمَنٍ قُبضَ، وَأخْذُها وَأخْذُ بَعْضِهِ، وحَاصَّ بالْفَائت؛ كبَيْع أمٍّ وَلَدَتْ. وإنْ مَاتَ أحَدُهُمَا أو بَاعَ الْوَلَدَ فَلَا حِصَّةَ، وأخَذَ الثَّمَرةَ والْغَلَّةَ إلَاَ صُوفًا تَمَّ أَوْ ثَمْرَةً مُؤبَّرَةً، وَأخَذَ المُكْرِي دَابَّتَهُ وَأرْضَهُ، وَقُدِّمَ في زَرْعِهَا في الْفَلَسِ، ثُمَّ

= قدامة فيمن أدرك سلعته بعينها في مال المفلس، قال: وجملة ذلك أنه يستحق الرجوع في السلعة بخمسة شروط:

الأول: أن تكون السلعة باقية بعينها لم يتلف بعضها، فإن تلف جزء منها ليس له الرجوع.

وقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، والعنبري: له الرجوع في الباقي منها، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف.

الثاني: أن لا يكون المبيع زاد زيادة متصلةً كالسِّمَنِ، والكبر، وتعَّلُّم الصناعة، أو الكتابة أو القرآن ونحو ذلك.

وقال مالك والشافعي: لا يمنع ذلك الرجوع، إلا أن مالكًا يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة، أو ثمنها الذي باعها به.

الثالث: أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئًا، فإن كان حد قبض بعض ثمنها سقط حقه في الرجوع. وقال مالك: هو مخير إن شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين، وإن شاء حاصَّ الغرماء ببقية ثمنها.

قلت: وحجة الحنبلي هنا قوية؛ لاستدلاله بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِها شَيْئًا، فَهِيَ لَهُ، وَأنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ ثَمَنهَا، شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاء".

رواه مالك وموسى بن عقبة، عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. كذا قال ابن عبد البر. وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني. ا. هـ. =

ص: 379

سَاقِيهِ، ثُمَّ مُرْتَهِنُهُ، وَالصَّانِعُ أَحَق -ولَوْ بِمَوْتٍ- بِمَا بِيَدِهِ، وإلَّا فَلَا، إنْ لَّم يُضِفْ لِصَنْعَتِهِ شَيْئًا إلَّا النَّسْجَ، فَكَالمَزيدِ يُشَاركُ بِقيمَتِهِ، والْمُكْتَرِي بِالْمُعَيَّنَةِ وَبَغَيْرِهَا إنْ قُبِضَتْ وَلَوْ أدِيرَتْ، وَربُّهَا بِالْمَحْمُولِ وإنْ لّمْ يَكْنْ مَعَهَا، مَا لَمْ يقْبِضْهُ رَبُّهُ. وَفي كَوْنِ المُشْتَرِي أحَقَّ بِالسِّلْعَةِ يُفْسَخُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ أوْ

= والرابع: أن لا يكون تعلق بها حق الغير، فإن رهنها المشتري ثم أفلس، أو وهبها ثم أفلس، لم يملك البائع الرجوع فيها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ". وهذا لم يجده عند المفلس. قال: ولا نعلم في هذا خلافًا.

والشرط الخامس: أن يكون المفلس حيًّا، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء، سواء علم بفلسه قبل الموت فحجر عليه ثم مات، وسواء تبين فلسه بعد الموت. وبهذا قال مالك واسحاق، وقال الشافعي: له الفسخ واسترجاع العين. واحتج بما رواه ابن خَلَدَة الزرقي قاضي المدينة قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس، فقال أبو هريرة: هذا الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أوْ أَفْلَسَ، فصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ". رواه أباِ داود وابن ماجه.

قال في المغني: وهو حديث مجهول الإِسناد، قال ابن عبد البر: يرويه أبو أبو المعتمر عن الزرقي، وأبو المعتمر غير معروف بحمل العلم، ثم هو غير معمول به إجماعًا، فإنه جعل المتاع لصاحبه بمجرد موت المشتري من غير شرط فلسه، ولا تعذر وفائه، ولا عدم قبض ثمنه، والأمر بخلاف ذلك عند جميع العلماء إلا ما حكي عن الاصطخري من أصحاب الشافعي، وهو شذوذ عن أقوال أهل العلم، وخلاف للسنة لا يعرج على مثله.

والدليل على أن البائع إن مات المشتري المفلس يكون أسوة الغرماء، قد تقدم لك بعضه، وهو حديث الموطإ، ومنه ما رواه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المفلس قال:"فَإنْ مَاتَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرمَاء". رواه أبو داود.

وروى أبو اليمان عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا امْرِئٍ مَات وعِنْدَهُ مَالٌ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ، اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِهِ شَيْثًا أوْ لَمُ يَقْتَضِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاء". رواه ابن ماجه. ا. هـ. من المغني لابن قدامة باختصار وتصرف.

ص: 380

لَا؟. أوْ في النَّقْدِ، أقْوَالٌ. وَهُوَ أحَقُّ بِثَمَنِهِ وبِالسِّلْعَةِ إنْ بِيعَتْ بسِلْعَةٍ وَاسْتُحِقَّتْ، وَقُضِيَ بأخْذِ المَدِينِ الوَثيقَةَ أو تَقْطِيعِهَا، لَا صَدَاقٍ قُضِيَ

(1)

. وَلِربِّهَا رَدُّهَا إنِ ادَّعَى سُقُوطَهَا. وَلِرَاهِنٍ بِيِدهِ رَهْنُهُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ؛ كَوَثِيقَةٍ زَعَمَ رَبُّهَا سُقُوطَهَا ولَمْ يَشْهَدْ شَاهِدُهَا إلَّا بها.

(1)

وقوله: وقضي بأخذ المدين الوثيقة أو تقطيعها، لا صداق قضي، نسب المواق للمتيطي: الذي به القضاء، للذي عليه الدين أخذ وثيقة الدين من صاحبها ويقضى عليه بتقطيعها. وقيل: يكَتب على ظهرها. قال: وأما الزوجة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها -يدفع إليها باقي صداقها- فليس عليها أن تدفع وثيقة صداقها الى زوجها، ولا إلى ورثته؛ لما في حبسها عندها من المنفعة لها من لحوق نسب وغير ذلك. ا. هـ. منه.

ص: 381

‌بَابٌ في الحجر

الْمَجْنون محْجُوزرٌ لِلْإِفَاقَةِ، والصَّبيُّ لِبُلُوغِهِ (1) بِثَمَانِ عَشْرَةَ، أوْ الْحُلُمِ أَوِ الْحَيْضِ أوِ الْحَمْلِ أوِ الإِنْبَاتِ (2). وَهَلْ إلَّا في حَقِّ اللهِ تعالى؟ تَردُّدٌ. وصُدِّقَ إنْ لَمْ يُرَبْ. ولْلِوَلِيِّ رَدُّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ (3)، وَلَهُ إِنْ رَشَدَ -وَلَوْ حَنِثَ- بَعْدَ بُلُوغِهِ أوْ وَقعَ المَوْقِعَ.

‌كتاب الحجر

قال الحطاب: عقب المصنف رحمه الله التفليس بالحجر تكميلًا لبيان أسباب الحجر. ا. هـ.

وأسباب الحجر سبعة: التفليس، والمرض، والنكاح في حق الزوجة، والرق، والصِّبا، والجنون، والتبذير. ذلك أن الحجر على ضربين: حجر على الإنسان لحق نفسه، وحجر عليه لحق غيره، فالحجر على الإِنسان لحق غيره؛ كالحجر على المفلس لحق غرمائه، وعلى المريض في التبرع بزيادة على الثلث، أو التبرع بشيء لوارث، وذلك لحق ورثته، وكالحجر على الرقيق لحق سيِّده، وكالحجر على المرأة في التبرع بزائد على الثلث وذلك لحق زوجها، ولهؤلاء أبواب تذكر فيها الأحكام التي تتعلق بهم. وأما المحجور عليه لحق نفسه فثلاثة: الصبيُّ، والمجنون، والسفيهُ. وهذا الباب يختص بأحكام الحجر على هؤلاء الثلاثة؛ والحجر عليهم حجر عام لأنهم يمنعون من التصرف في أموالهم وذممهم.

والحجر لغة مصدر حجر يحجر -بضم الجيم وكسرها- إذا حصر الِإنسان أو منعه. ويطلق على الحرام، ومنه قوله تعالى:{وَيَقولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} أي حرامًا محرمًا. ويطلق أيضًا على العقل؛ ومن ذلك الاستعمال قوله تعالى: {هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذي حِجْرٍ} أي لذي عقل.

قال الحطاب: وهو مثلث الحاء في المعاني الثلاثة. قال: ويطلق أيضًا على ما بين يدي الإنسان من ثوبه. وحكى في القاموس أن هذا بكسر الحاء فقط. والحجر ما دار بالكعبة المشرفة من الجانب الشمالي وكل ما حجر به من حائط فهو حجر، والحجر أيضًا موضع به ديار ثمود عند وادي القرى على طريق الشام. قال تعالى:{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} . والحجر أيضًا الأنثى من الخيل. قال: والجميع بمعنى المنع؛ لأن العقل يمنع من الرذائل جميعها، والحائط =

ص: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= يمنع من الدخول إليه، والأنثى من الخيل تمنع صاحبها من العدو. قال: ويطلق أيضًا على القرابة، وعلى فرج الرجل والمرأة، قاله في القاموس. ا. هـ. من الحطاب بتصرف. والحجر في اصطلاح الشرع هو منع المالك من التصرف في ماله لمنفعة نفسه أو لمنفعة غيره. ا. هـ.

(1)

وقوله: المجنون محجور للإِفاقة، والصبي لبلوغه، الأصل في الحجر على هذين وعلى السفيه قوله تعالى: {وَلَاتُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَموَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ

(1)

قِيَمًا} إلى قوله: {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ} .

قال ابن قدامة في المغني: قال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم عندك، لا تؤته إيَّاهُ، وأنفق عليه. قال: وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء، وهي لغيرهم، لأنهم قوَّامُها ومدبِّروها. وقوله تعالى:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} معناه اختبروهم في حفظ أموالهم {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} أي مبلغ الرجال والنساء {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} أي أبصرتم وعلمتم. منهم حفظًا لأموالهم، وصلاحًا في تدبير معاشهم {فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ} أي لأن الحجر إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله على وجه المصلحة؛ حفظًا لماله عليه، فإذا ببغ مبلغ الرجال والنساء، وعلم منه حفظ ماله وصلاح تدبيره في معاشه، زال عنه الحجر لزوال سببه. ا. هـ. المغني بتصرف.

(2)

وقوله: بثمان عشرة، أو الحيض، أو الحلم أو الإِنبات ألخ. قال القرطبي في التفسير: البلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء، واثنان يختصان بالنساء وهما: الحيض والحبل. ولم يختلف العلماء أنهما بلوغ وأن الفرائض والأحكام تجب بهما.

واختلفوا في الثلاثة؛ فأما الإِنبات والسن فقد قال الأوزاعي والشافعي وابن حنبل: خمس عشرة بلوغ لمن لم يحتلم. وهو قول ابن وهب، وأصبغ بن الفرج، وعبد الملك بن الماجشون، وعمر ابن عبد العزيز، وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن العربي، فتجب الحدود والفرائض عندهم على من بلغ هذه السن، واحتجوا بحديث ابن عمر إذْ عرضر يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجيز، ولم يجز يوم أحد لأنه كان ابن أربع عشرة. أخرجه مسلم.

قال ابن عبد البر: هذا فيمن عرف مولده، وأما من جهل مولده وعدة سنه، أو جحد، فالعمل

(1)

قراءة نافع.

ص: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فيه بما روى نافع عن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ألَّا تضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى. وقال عثمان في غلام سرق: انظروا، فإن كان قد اخضر مئزره فاقطعوه. وقال عطية القرظي: عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة، فكل من أنبت منهم قتله بحكم سعد بن معاذ، ومن لم ينبت منهم استحياه، وكنت فيمن لم ينبت فتركني.

وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغ أحد إلا احتلم؛ وذلك سبع عشرة. وعن مالك رواية أخرى: بلوغه أن يغلظ صوته وتنشق أرنبته.

وأما الإِنبات، فمنهم من قال يستدل به على البلوغ؛ روي عن ابن القاسم وسالم، وقاله مالك مرة، والشافعي في أحد قوليه. وبه قال اسحاق، وأحمد، وأبو ثور. وقيل: هو البلوغ إلا أنه يحكم به في الكفار؛ فيقتل من أنبت ويجعل من لم ينبت منهم في الذراري. قاله الشافعي في قوله الآخر، وذلك لحديث عطية القرظي الذي تقدم.

قالوا: ولا اعتبار بالخضرة والزغب، وإنما يترتب الحكم على الشعر.

وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: العمل عندي على حديث عمر بن الخطاب: لو جرت كليه الموسى لحددته. وقال أصبغ: قال لي ابن القاسم: وأحب إليَّ ألَّا يقام الحد إلا باجتماع الإنبات والبلوغ.

وقال أبو حنيفة: لا يثبت بالإِنبات حكم، وليس هو بلوغ ولا دلالة على البلوغ.

وقال الزهري وعطاء: لا حدّ على من لم يحتلم. قال: وهو قول الشافعي، ومال إليه مالك مرة، وقال به بعض أصحابه، وظاهره عدم اعتبار الإِنبات والسن.

قال ابن العربي: إذا لم يكن حديث ابن عمر دليلًا في السن، فكل عدد يذكرونه في السنين فإنه دعوى، فالسن التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من سن لم يعتبرها. ولا قام في الشرع دليل عليها، وكذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الإِنبات في بني قريظة، فمن عذيري ممن ترك أمرين اعتبرهما النبي صلى الله عليه وسلم فيتأوله ويعتبر ما لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم لفظًا، ولا جعل الله له في الشريعة نظرًا؟. ا. هـ. منه.

وفي الحطاب، قال الطرطوشي: والمراد بالإِنبات الإِنبات الخشن على المذاكر وما حوله دون =

ص: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الزغب الضعيف. ا. هـ. من الذخيرة. ونقله ابن عرفة، وكذلك الأنثى. ا. هـ. منه. وفيه أيضًا (فرع) قال البرزلي في كتاب الصيام: زاد القرافي في العلامات نتن الأبط. وزاد غيره فرق الأرنبة. وبعض المغاربة يأخذ خيطًا ويثنيه ويديره برقبته، ويجمع طرفيه في أسنانه، فإن دخل رأسه منه فقد بلغ وإلا فلا. قال: وهذا، وإن لم يكن منصوصًا فقد رأيت في كتاب التشريح ما يؤيده، ولأنه إذا بلغ الإِنسان تغلظ حنجرته ويمحل صوته فتغلظ الرقبة كذلك، وقد جربه كثير من العوام فصدق له. ا. هـ. منه بلفظه.

(3)

وقوله: وللولي رد تصرف مميز، قال القرطبي عند قوله تعالى:{وَلَا تُوْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} الآية: بين الله أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله اليه، فدك الآية على ثبوت الوصيِّ والوليِّ والكفيل للأيتام، وأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة، واختلفوا في الوصية إلى المرأة الحرة فقال عامة أهل العلم: الوصية لها جائزة، واحتج الإِمام أحمد لذلك بأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة. وخالف عطاء بن أبي رباح، روي عنه أنه قال في رجل أوصى إلى امرأته قأل: لا تكون المرأة وصيًا، فإن فعل حُوِّلت إلى رجا من قومه.

واختلفوا كذلك في الوصية إلى العبد، فمنع ذلك الشافعي، وأبو ثور، ومحمد ويعقوب، وأجازه مالك، والأوزاعي، وابن عبد الحكم. وهو قول النخعي إذا أوصى إلى عبده. ا. هـ. منه بتصرف.

قال الحطاب عند هذا النص: يعني أن الولي سواء كان وصيًا، أو وصي وصي، أو مقدم القاضي، فإنه يرد تصرف المميز من بيع وغيره، ويريد المصنف المميز المحجور سواء كان صغيرًا أو بالغًا سفيهًا، ولو صرح بذلك فقال: تصرف مميز محجور لكان أبين. قال: وهذه اللام يظهر فيها أنها لام الإِباحة، وأن له الرد، وله الإِمضاء؛ وذلك إنما يكون بحسب المصلحة لا بحسب شهوته واختياره. قال في الذخيرة عن الجوهري: ولا يتصرف الولي إلا بما تقتضيه المصلحة لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحسنُ} . وظاهر كلامه أن ذلك في جميع التصرفات له الإِجازة والرد، وليس الأمر كذلك وإنما يكون له الإِجازة والرد في التصرفات المالية التي خرجت =

ص: 385

وَضَمِنَ مَا أفْسَدَ (1) إن لَّمْ يُؤمَّنْ عَلَيْهِ (2). وصَحَّتْ وَصيتُهُ كالسَّفِيهِ إِنْ لمْ يُخَلِّطْ (3) إلَى حِفْظِ مَالِ ذي الأَبِ بَعْدَهُ (4)، وَفَكِّ وَصِيٍّ وَمُقَدَّمٍ (5) إلَّا كَدِرْهَمٍ لِعَيْشِهِ، لَا طَلَاقُهُ وَاسْتِلْحَاقِ نَسَبٍ وَنَفْيِهِ، وَعِتْقِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وَقِصَاصٍ وَنَفْيِهِ وَإِقْرَارٍ بِعُقُوبَةٍ وَتَصَرُّفهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ (6)، لَا ابْنِ الْقَاسِمِ، وعَلَيْهَما الْعَكْسُ في تَصَرُّفِهِ إِذا رَشدَ بِعْدَهُ، وزيد في الأُنْثَى دُخُولُ زَوْجٍ بِهَا، وَشَهَادَةُ الْعُدُولِ عَلى صَلَاحِ حَالِهَا، وَلَوْ جَدَّدَ أبُوهَا حجرًا على الأرْجَح، وَلِلْلأَبِ تَرْشِيدُهَا قَبْلَ دُخُولِهَا كَالْوَصِيِّ وَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ رُشْدُها. وَفي مُقَدَّمِ الْقَاضِي خِلَافٌ.

= عن عوض، وأمَّا التبرعات فيتعين عليه ردها. ا. هـ.

ونبه الحطاب هنا على قول المصنف: مميز، احترز به من غير المميز فإنه لا يصح تصرفه ولو بالمعاوضة كما قال في باب البيع: وشرط عاقده تمييز. ا. هـ.

وفيه أيضًا: قال في كتاب المديان من المدونة: ولا يجوز للمولَى عليه عتق ولا هبة ولا صدقة ولا بيع، ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ورشده إلا أن يجيزه الآن. قال: وأنا أستحب إمضاءه ولا أجبره عليه. ا. هـ. عياض: ولا أستحب له أن يمضي إلا ما كان لله فيه قربة، وأما ما بينه وبين العباد مما لم يقصد به القربة، فأي استحباب في هذا؟. وهكذا جاء منصوصًا في سماع أشهب على ما تأولناه. انتهى منه. والله الموفق.

(1)

وقوله: وضمن ما أفسد، قال ابن رشد: يلزم الصغير ما أفسده أو كسره في ماله ما لم يؤتمن عليه. قلت: وذلك لقولهم: العمد والخطأ في أموال الناس سواء. وهذا الحكم خطاب وضع محض لا يوجد معه تكليف لقوله صلى الله عليه وسلم:"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ .. " الحديث، وذكر منهم الصبي حتى يبلغ، وبذلك تعلم أن النسبة بين خطاب الوضع وخطاب التكليف هي العموم والخصوص المطلق، كما قرره شيخنا سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم في مراقي السعود بقوله:

وهو من ذاك أعم مطلقًا =

ص: 386

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (2) وقوله: إن لم يؤمن عليه، قال المواق: إن ابتاع المولّى عليه أمة وحبلت منه، كانت له أم ولد ولم يتبع بالثمن. قال: ومن المدونة: من بعث يتيمًا في طلب آبق، أخذه فباعه وأتلف الثمن، لرب العبد أخذه، ولا شيء عنى اليتيم من المال الذي أتلف، ولا يتبع به دينًا، بخلاف ما أفسده أو كسره. ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: وصحت وصيته كالسفيه إن لم يخلّط، نسب المواق للمدونة: تجوز وصية ابن عشر سنين وأقل مما يقاربها، إذا أصاب وجه الوصية؛ وذلك أن لا يكون في اختلاط. قال محمد: وأجاز مالك وأصحابه وصية من يعقل ما يوصي به ابن سبع سنين وشبهه. قال في المدونة: وتجوز وصية المحجور عليه والسفيه والمصاب حال إفاقته لا حال خبله. وقال القرطبي في التفسير ج 2 / ص 266: قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أن الضعيف في عقله والسفيه والمصاب، الذي يفيق أحيانًا، تجوز وصاياهم، إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفون به ما يوصون به، وكذلك الصبي الصغير إذا كان يعقل ما أوصى به، ولم يأت بمنكر من القول، فوصيته جائزة ماضية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجوز وصية الصبي. وقال المزني: وهر قياس مذهب الشافعي، ولم أجد له في ذلك شيئًا ذكره ونص عليه، واختلف أصحابه على قولين: أحدهما كقول مالك، والثاني كقول أبي حنيفة.

قال أبو عمر: قد اتفق هؤلاء على أن وصية البالغ المحجور عليه جائزة، ومعلوم أن من يعقل من الصبيان ما يوصي به فحاله حال المحجور عليه في ماله، وعلة الحجر تبذير المال وإتلافه، وتلك علة مرتفعة عند الموت، وهو بالمحجور عليه في ماله أشبه منه بالمجنون الذي لا يعقل، فوجب أن تجوز وصيته مع الأمر الذي جاء فيه من عمر رضي الله عنه. وقال مالك: إنه الأمر المجمع عليه عندهم بالمدينة. وبالله التوفيق. ا. هـ. منه بلفظه باختصار.

(4)

وقوله: إلى حفظ مال ذي الأب بعده، نسب المواق لابن رشد، قال: الإِبن في ولاية أبيه مادام صغيرًا، ويخرج من الولاية ببلوغه، وإن لم يشهد الأب على إطلاقه من الولاية، هذا إن بلغ معلومًا بالرشد، وليس للأب أن يرد من أفعاله شيئًا، فإن بلغ وهو معلوم السفه فلا يخرجه الاحتلام من ولاية أبيه، وأفعاله كلها مردودة غير جائزة. ا. هـ. منه. =

ص: 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال الحطاب: ومعنى قول المصنف إلى حفظ مال ذي الأب بعده، أن الصبي لا يخرج من الحجر ببلوغه، بل هو محجور عليه إلى ظهور رشده. قال في التوضيح: ولا خلاف انه لا يخرج من الحجر قبل بلوغه وإن ظهر رشده. فإذا بلغ فإمَّا أن يكون أبوه حجر عليه وأشهد بذلك أم لا؛ أما إن حجر عليه فحكمه كمن لزمته الولاية، وإن لم يحجر عليه فإن علم رشده أو سفهه عمل عليه، وإن جهل فالمشهور أنه محمول على السفه. وروى زياد بن غانم عن مالك أنه محمول على الرشد. ا. هـ. منه.

قلت: الأصل في ذلك قوله تعالى في النساء: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم". أي أبصرتم ورأيتم. واختلف العلماء في تأويل {رُشْدًا} فقال الحسن وقتادة وغيرهما: صلاحًا في الدين والعقل. وقال ابن عباس والسُّدي والثوري: صلاحًا في العقل وحفظ المال. وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ وعلى أنه إن لم يرشد بعد البلوغ، وإنْ شاخ لا يزول عنه الحجر. وهذا مذهب مالك وغيره، خلافًا لأبي حنيفة، وزفر بن هذيل، والنخعي، قالوا: لا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرًا، إذا كان عاقلًا. واحتجوا بقضية حَبَّان بن منقذ، ولا حجة لهم في ذلك لأنه حكم مخصوص به هذا الرجل كما هو معلوم.

قال الثعلبي: والذي ذكرناه من الحجر على السفيه هو قول عثمان، وعليٍّ، والزبير، وعائشة، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر رضوان الله عليهم، ومن التابعين: شريح، وبه قال الفقهاء: مالك وأهل المدينة، والأوزاعي، وأهل الشام، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، واسحاق، وأبو ثور. قال الثعلبي: وادَّعى أصحابنا الإِجماع في هذه المسألة. ا. هـ. من القرطبي.

وإذا ثبت ذلك فاعلم أن فك الحجر عنه يكون بشرطين: البلوغ وإيناس الرشد. فإن وجد أحد هذين دون الآخر لم يجز تسليم المال إليه، وكذلك يشهد سياق الآية. وهو رواية ابن القاسم، وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية. وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي، فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة. =

ص: 388

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= غير أن أصحابنا شرطوا في الجارية زيادة على ذلك، دخول الزوج بها، قالوا: الأنثى مخالفة للغلام لكونها محجوبة لا تعاني الأمور ولا تبرز لأجل البكارة، ولذلك وقف فيها على وجود النكاح، فبه تفهم المقاصد كلها، والذكر بخلافها فإنه بملاقاته الناس من أول نشأته إلى بلوغه يحصل له الاختبار ويكمل عقله.

قال القرطبي: وما قاله الشافعي أصوب؛ فإن نفس الوطء بإدخال الحشفة لا يزيدها في رشدها إذا كانت عارفة بجميع أمورها ومقاصدها، غير مبذرة لمالها، ولذا زاد علماؤنا: لابد من دخول زوجها ومضي مدة من الزمان تمارس فيها الأحوال.

قال ابن العربي: وذكروا في ذلك أقوالًا كثيرة ليس في شيء منهما دليل، قال: أما تمادي الحجر في المولَّى عليها حتى يتبين رشدها، فيخرجها الوصي عنه أو يخرجها الحكم منه فهو ظاهر القرآن. قال: والمقصود من هذا كله داخل تحت قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} . فتعين اعتبار الرشد في الجميع ولكن يختلف إيناسه باختلاف حال الراشد، قال: فاعرف وركِّبْ عليه، واجتنب التحكم الذي لا دليل عليه. ا. هـ. مضمونه من القرطبي.

(5)

وقوله: وفك وصي ومقدم، نسب المواق لابن رشد، قال: إن مات الأب وهو صغير، وأوصى به إلى أحد، أو قدم عليه السلطان، فلا يخرجه من ولاية أبيه ولا مقدم السلطان، حتى يخرجه منها الوصي أو السلطان، إن كان الوصي مقدمًا من قبله، وأفعاله كلها مردودة، وإن علم رشده، ما لم يطلق من الحجر. قال: إن هذا قول ابن زرب، أن الوصي من قبل القاضي لا يطلق من الولاية إلا بإذن القاضي، وأما وصي الأب فإطلاقه جائز، وهو مصدق فيما ذكر من حاله، وإن لم يعرف ذلك إلا من قوله. قال ابن عرفة: وقال غير ابن زرب: مقدم القاضي يكفي إطلاقه؛ كوصي الأب. وأخذ من إرخاء الستور من المدونة: إن لم يكن لليتيم وصي فأقام له القاضي خليفة كان كالوصي في جميع أمره. ا. هـ. منه.

وقال القرطبي: واختلفوا في دفع المال إلى المحجور عليه؛ هل يحتاج إلى السلطان أم لا؟. فقالت فرصة: لابد من رفعه إلى السلطان، ويثبت عنده رشده، تم يدفع إليه ماله. وقال فرقة أخرى: ذلك موكول إلى اجمهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفحه إلى السلطان. وقال ابن عطية: =

ص: 389

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= والصواب في أوصياء زمننا أن لا يستغنى عن رفعه إلى السلطان وثبوت الرشد عنده، لما حفظ من تواطؤ على أن يرشد الصبي، ويبرأ المحجور عليه؛ لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت.

قلت: هذا زمن ابن عطية، فما ظنك بزمننا هذا؟. اللهم إنا نسألك التوفيق في القول والعمل وأن تحفظنا من سائر الزلل.

(6)

وقوله: وتصرفه قبل الحجر على الِإجازة عند مالك، الضمير عائد إلى السفيه البالغ المهمل، الذي لا أب له ولا وصي ولا مقدم قاض عليه. قال الحطاب: وماعزاه لمالك؛ قال في المقدمات: هو المشهور من قول مالك وكبراء أصحابه إلا ابن القاسم. وفي المواق: قال مالك وكبراء أصحابه: أفعاله كلها بعد البلوغ جائز نافذة، رشيدًا كان أو سفيهًا، من غير تفصيل في شيء. وذهب ابن القاسم إلى أنه ينظر إلى حاله يوم بيعه وابتياعه. ا. هـ. منه. =

ص: 390

والْوَلِيُّ الأَبُ، وَلَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا وَإنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهُ (1)، ثُمَّ وَصِيُّهُ وَإنْ بَعُدَ (2). وَهَلْ كَالأَبِ أوْ إلَّا الرَّبْعَ فَبِبَيَانِ السَّبَبِ؟. خِلَافٌ (3). ولَيْسَ لَهُ هِبَةٌ لِلثَّوَابِ، ثُمَّ حَاكِمٌ وبَاعَ بِثبُوتِ يُتْمِهِ وإهْمَالِهِ ومِلْكِهِ لِمَا بيعَ وأنَّهُ الأَوْلى. وحِيازَةُ الشُهُودِ لَهُ، والتَّسَوُّقِ وَعَدَمِ إلْغَاء زَائِدٍ، والسَّدَادِ في الثَّمَنِ، وَفي تَصْرِيحهِ بأسْمَاء الشَّهُودِ قَوْلَانِ. لَا حَاضِنٍ كَجَدٍّ. وعُملَ بإمْضَاء الْيَسِيرِ. وَفي حَدِّهِ تَرَدُّدٌ. ولِلْوَليِّ تَرْكُ التَّشَفُّعِ وَالْقِصَاصِ فَيَسْقُطَانِ وَلَا يَعْفوُ، ومَضَى عِتْقُهُ بِعِوَضٍ كَأبِيهِ إِنْ أيْسَرَ، وإنَّمَا يَحْكُمُ -في الرُّشْدِ، وَضِدِّهِ، والوَصِيَّةِ، وَالحُبُسِ المُعَقَّب (4)، وَأمْرِ الْغَائِبِ، والنَّسَبِ، والْوَلَاء، وحَدِّ، وِقِصَاصٍ، ومال يَتِيمٍ- الْقُضَاةُ. وإنَّمَا يُبَاعِ عَقَارُهُ لِحَاجَةٍ أوْ غِبْطَةٍ أوْ لِكَوْنِهِ مُوَظَّفًا أوْ حصَّةً، أوْ قَلَّتْ غَلَّتُهُ فِيُسْتَبْدَلَ خِلَافُهُ، أوْ بَيْنَ ذِمِّيَيْنِ أوْ جِيرَانِ سُوءٍ، أَوْ لإِرَادَةِ شَرِيكِهِ بَيْعًا ولَا مَالَ لَهُ، أوْ لِخَشْيَةِ انْتِقَالِ الْعِمَارَةِ أوْ الخَرِاب وَلَا مال له، أوْ لَهُ والبَيْعُ أَوْلَى، وحُجِرَ عَلَى الرقيقِ إلَّا بإذْنٍ (5) وَلَوْ في نَوْعٍ فَكَوَكِيل مُفَوَّضٍ، ولَهُ أنْ يَضَعَ ويؤخِّرَ ويُضَيِّفَ إنِ اسْتألَفَ ويأَخُذَ قِراضًا ويَدْفَعَهُ

(1)

وقوله: والولي الأب، وله البيع مطلقًا وإن لم يذكر سببه، نسب المواق لابن عرفة: ولي المولّى عليه: أبو، ثم وصيه، ثم الحاكم. ومن المدونة: لا تجوز وصيه الجد بولد الولد، ولا أخ بأخ وإن قل المال. ولا يجوز إيصاء الأم بمال ولدها إلا أن يكون وصيًا من قبل الأب، وإلا لم يجز إن كثر المال، وإن كان يسيرًا كالستين دينارًا جاز؛ لعدل فيمن لا أب له ولا وصي. وقال المتيطي: بيع الأب على صغار بنيه وأبكار بناته محمول على النظر حتى يثبت خلافه. ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: ثم وصيه وإن بعُد، نسب المواق للمدونة: يجوز أن توصي الأم بمال ولدها إن كانت وصيًا من قبل الأب. ا. هـ. منه.

(3)

وقوله: وهل كالأب، أو إلا الربع فببيان السبب؟. خلاف، نسب المواق لابن رشد: لا

ص: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= يجوز للوصي بيع عقار اليتيم إلا لوجوه حصرها أهل العلم بالعد، قال ابن عرفة: حاصل عدها أحد عثر وجهًا: دين لا قضاء له من غير ثمنه، ونفقة اليتيم، ثم كثرة الثمن الحلال، ولخرابه وليس ثَمَّ ما يصلحه به، ولشريك فيه ليعوضه ما لا شرك فيه، لدعوى شريكه فيما لا ينقسم بيعه ولا مال لليتبم يباع له به تلك الحصة، ولكونه موضعًا ليستبدل له خيرًا، ولأنه لا يعود بنفع، ولكونه دارًا بين اليهود ليشتري له بين المسلمين، وككونه مثقلًا بالغرم، أو يخشى عليه النزول. ا. هـ، منه.

وفي الحطاب فائدة: الأمناء المصدقون على ما في أيديهم ثمانية عشر:

1 -

الوالد في مال ولده الصغير وابنته البكر.

2 -

والوصي في مال اليتيم والمحجور عليه.

3 -

وأمناء الحكام الموضوع تحت أيديهم المال.

4 -

والمستودع.

5 -

والمقارض.

6 -

والأجير فيما استؤجر عليه.

7 -

والكريُّ في جميع ما استحمله غير الطعام.

8 -

والصانع غير الصائغ.

9 -

والراعي ما لم يبعد فيكون كالصناع.

10 -

والمستعير.

11 -

والمرتهن فيما يغاب عليه.

12 -

والوكيل فيما وكل عليه.

13 -

والمأمور بالشراء والبيع.

14 -

والدلال.

15 -

والشريك مفوضًا أو غيره.

16 -

والرسول فيما أرسل به. =

ص: 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= 17 - والمبضع معه المال للشراء والتبليغ.

18 -

والمستأجر للأشياء المغيب عليها.

قال: كل هؤلاء مصدقون، وما ادعي عليهم مما يوجب الضمان فالقول قولهم بلا يمين، إلَّا أن يتهموا، فتجب عليهم اليمين. ا. هـ. منه بلفظه.

(4)

وقوله: إنما يحكم في الرشد وضده، والوصية والحُبُس المعقَّب ألخ. قال المواق من المدونة: قال مالك: لا يقسم بين الصغار أحد إلا القاضي خلافًا للواضحة. وقال ابن أبي زمنين وكذلك ما كان من أحكام الأيتام؛ من تسفيه أو إطلاق، أو توكيل للنظر عليهم، وكذلك الأحباس المعقبة، لا يكون النظر فيها إلا للقضاة، وفي دواوينهم توضع. وأموال الغيب والوصايا والأنساب. قال: وبهذا جرى العمل بالأندلس وبه أفتى شيوخنا. ا. هـ. منه.

(5)

وقوله: وحجر على الرقيق إلا بإذن، نسب المواق لابن عرفة: الرق سبب في الحجر. وقال في المدونة، ولا يجوز للعبد المحجور عليه في ماله بيع ولا إجارة. وقال ابن القاسم: من آجر صبيًا أو عبدًا بغير إذن سيده، فعليه الأكثر مما سمي، أو أجر المثل؛ فإن عطب العبد كان للسيد قيمة عبده. انظر كتاب الجُعل من المدونة. ا. هـ.

تنبيه: لابد من اختبار المحجور عليه قبل دفع المال إليه، وذلك طبقًا لقوله تعالى:{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} والابتلاء: الاختبار. وقد اختلف العلماء في معنى الاختبار هذا؛ فقيل هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ويستمع إلى أغراضه؛ فيحصل له العلم بنجابته والمعرفة بالسعي في مصالحه، وضبط ماله، أو الإِهمال لذلك. فإذا توسم الخير، قال أصحابنا: لا بأس أن يدفع إليه شيئًا من ماله يبيح له الصرف فيه، فإن نمَّاه وحسّن التصرف فيه، فقد وقع الاحتبار ووجب على الوصىّ تسليم جميع ماله إليه إذا بلغ الحلم؛ وذلك لقوله تعالى:{حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} . وقال جماعة من العلماء: يختبر الغلام برد النظر إليه في نفقة الدار شهرًا، أو إعطائه شيئًا قليلًا يتصرف؛ ليعرف كيف تدبيره وتصرفه. ويرعاه مع ذلك لئلا يتلفه، فإن أتلفه فلا ضمان على الوصي، فإذا رآه مَوخيًا سلم إليه ماله وأشهد عليه.

قالوا: ويختبر الجارية بأن يرد إليها ما يرد إلى ربَّة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه؛ فإن رآها رشيدة سلَّم إليها مالها وأشهد عليها، وإلَّا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس الرشد منهما.

ص: 393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تنبيهٌ: وقد اختلف العلماء في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهور الفقهاء: يحجر عليه. وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يحجر على من بلغ عاقلًا إلا أن يكون مفسدًا لماله فإذا كان كذلك منع من التصرف في ماله حتى يبلغ خمسًا وعشرين، فإن بلغها سلم إليه المال سواء كان مفسدًا أو غير مفسد.

ولنا ما رواه الدارقطني بسنده إلى هشام بن عروة عن أبيه، أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير ابن العوام حقال: إني اشتريت بيع كذا وكذا، وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر عليَّ فيه. فقال الزبير: أنا شريكك في البيع. فأتى عليٌّ عثمان رضي الله عنهما فقال: إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا فاحجر عليه. فقال الزبير: أنا شريكه في البيع. فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير؟. ا. هـ.

وهو في مصنف عبر الرزاق، وفي البيهقي. فقول عثمان: كيف أحجر على رجل ألخ. دليل على جواز الحجر على الكبير. ا. هـ. وقال ابن المنذر: أكثر علماء الأمصار من أهل الحجاز، والعراق، والشام، ومصر، يرون الحجر على كل مضيع لماله، صغيرًا كان أو كبيرًا. وهذا قول القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وبه قال مالك، والشامي، وأبو يوسف، ومحمد. وروى الجوزجاني في كتابه، قال: كان محمد بن القاسم يلي أمر شيخ من قريش ذي أهاى ومال، فلا يجوز له أمر في ماله دونه لضعف عقله. قال ابن اسحاق: رأيته شيخًا يخضب وقد جاء إلى القاسم ابن محمد، فقال: يا أبا محمد، ادفع إليَّ مالي، فإنه لا يولىَّ على مثلي. فقال: إنك فاسد. فقال: امرأته طالق ألبتة، وكل مملوك له حر، إن لم تدفع إليَّ مالي. فقال له القاسم بن محمد: ما يحل لنا أن ندفع إليك مالك على حالك هذه فبعث إلى امرأته، وقال: هى حرة مسلمة، وما كنت لأحبسها عليك وقد فهت بطلاقها، فأرسل إليها فأخبرها بذلك. وقال: أما رقيقك فلا عتق لك ولا كرامة. فحبس رقيقه. ا. هـ. من مغنى ابن قدامة.

تنبيهٌ: وإن فك الحجر عن المحجور لرشده ودفع إليه ماله ثم عاد إليه السفه، أعيد عليه الحجر. وبهذا قال القاسم بن محمد، ومالك، والشافعي، والأوزاعىِ، واسحاق وأبو عبيد، وأبو يوسف، ومحمد، خلافًا لأي حنيفة، وابن سيرين، والنخعي. ا. هـ. من مغني ابن قدامة.

ص: 394

ويَتَصَرَّفَ في كَهِبَةٍ، وأقِيمَ مِنْها عَدَمُ مَنْعِهِ مِنْهَا وَلِغَيْرِ مَنْ أُذِنَ لَهُ الْقَبُولُ بِلَا إذْنٍ، والْحَجْرُ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ، وَأخِذَ مِمَّا بِيَدِهِ وَإنْ مُسْتَوْلَدَته كَعَطِيَّتِهِ، وَهَلْ إنْ مُنِحَ للِدَّيْنِ أوْ مُطْلَقًا؟ تَأوِيلَانِ. لَا غَلَّتِهِ ورَقَبتِهِ. وَإنْ لَمْ يَكُنْ غَرِيمٌ فَكَغَيْرهِ.

وَلا يُمَكَّنُ ذِمِّيٌّ مِنْ تَجْرٍ في كَخَمْرٍ إنِ اتَجَرَ لِسَيدِهِ، وَإلَّا فَقَوْلَانِ. وعَلى مَريضٍ حَكَمَ الطِّبُّ بِكَثْرَةِ المَوْتِ بِهِ؛ كَسِلّ وقَوْلَنْج (1) وحُمَّى قَويَّةٍ وحَامِلِ سِتَّةٍ (2)، ومَحْبُوسٍ لِقَتْلٍ أوْ لِقَطْعٍ إنْ خِيفَ الْمَوْتُ، وحَاضِرٍ صَفَّ الْقِتَالِ، لَا كَجَرَبٍ ومُلَجَّجٍ بِبَحْرٍ، وَلَوْ حَصَلَ الْهَولُ في غَيْرِ مَئُونَتِهِ وَتَدَاوِيهِ وَمُعَاوضَةٍ مَالِيَّةٍ. وَوُقِفَ تبَرُّعُهُ إلَّا لِمَالٍ مَأمُونٍ وَهُوَ الْعَقَارُ، فَإنْ مَاتَ فَمِنَ الثُّلُثِ وَإلَّا مَضَى عَلى الزَّوْجَةِ لِزَوْجَها، وَلَوْ عَبْدًا، في تَبَرُّعٍ زَادَ عَلى ثُلُثهَا (3) وَإنْ بِكَفَالَة، وَفي إقْراضِهَا قَوْلَانِ، وهُوَ جَائزٌ حَتَّى يُرَدَّ، فمَضَى إنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَأيَّمَتْ أو مَاتَ أَحَدُهُمَا كَعِتْقِ الْعَبْدِ وَوَفَاء الدَّيْنِ، وَلَهُ رَدُّ الْجَميعِ إنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائدٍ وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ الثُّلُثِ تَبَرُّعٌ إلَّا أنْ يَبْعُدَ.

(1)

وقوله: وعلى مريض حكَمَ الطبُّ بكثرة الموت به كسلِّ وقولَنْج، في المواق قال مالك: كل مرض أقعد صاحبه عن الدخول والخروج -وإن كان جذامًا أو برصًا أو فالجًا- فإنه يحجر فيه عن ماله، وإن طلق فيه زوجته ورثته. وقال ابن الحاجب: مخوف المرض ما يحكم الطب بأن الهلاك به كثير؛ كالحمى الحادة، والسل، والقولنج، وذات الجنب والإِسهال بالدم. ا. هـ. منه.

(2)

وقوله: وحامل ستة، نسبة المواق للسيوري ما نصه: القول بأن الحامل المقرب كالمريض ليس بصحيح، والذي أخذ به، إن بانت من زوجها فله مراجعتها، وهو قول لأصحابنا. وقال المازري: مستند هذه المسألة العوائد، والهلاك من الحمل قليل من كثير، لو بحثت عن مدينة من المدائن لوجدت أمهات أهلها إما أحياء وإما أمواتًا عن غير نفاس، ومن كان هذا حاله لم تخرج به المرأة إلى أحكام المرض المخوف، وهذا مختارنا. ا. هـ. منه.

ص: 395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= والذي في الموطإ في هذا الباب: قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: أحسن ما سمعت في وصية الحامل وفي قضاياها في مالها وما يجوز لها أن الحامل كالمريض، فإذا كان المرض الخفيف غير المخوف على صاحبه، فإن صاحبه يصنع في ماله ما يشاء، وإذا كان المرض المخوف عليه، لم يجز لصاحبه شيء إلا في الثلث قال: وكذلك المرأة الحامل أول حملها بشر وسرور وليس بمرض ولا خوف لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه: {فَبَشَّرْنَاهَا بِاسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} . الآية. وقال تعالى: {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتيتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِن الشَّاكِرِينَ} . الآية. فالمرأة الحامل إذا أثقلت لم يجز لها قضاء إلا في ثلثها؛ فأول الإِتمام ستة أشهر، قال تعالى:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} . الآية. وقال تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} . الآية. فإذا مضت للحامل ستة شهور من يوم حملت، لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث. قال: وسمعت مالكًا يقول في الرجل يحضر القتال: إنه إذا زحف في الصف للقتال لم تجز له أن يقضي في ماله شيئًا إلا في الثلث، وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال. انتهى منه بلفظه.

(3)

وقوله وعلى الزوجة لزوجها ولو عبدًا، في تبرع زاد على ثلثها، قال المواق: أمَّا الزوجة الأمة تحت الحر، فليس له عليها حجر لأن مالها لسيدها، وأمَّا الحرة تحت العبد؛ فقول مالك أن لى ما للحر لأنه زوج وهو حق له، خلافًا لابن وهب، ومن المدونة: إذا عرف بعد البناء رشد المرأة وصلاح حالها، جاز ببعها وشراؤها في مالها كله وإن كره الزوج، إذا لم تحاب، فإن حابت او تكلفت أو أعتقت أو تصدقت أو وهبت أو صنعت شيئًا من المعروف كان ذلك في ثلثها وكفالتها معروف، وهي عند مالك من وجه الصدقة، فإن حمل ذلك كله ثلثها، وهي لا مولى عليها، جاز وإن كره الزوج؛ لأن ذلك ليس بضرر إلا أن يزيد على الثلث كالدينار، ا. هـ. منه.

قلت: هذا مذهب مالك، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، والدليل ما روي أن امرأة كعب بن مالك أتت النبي صلى الله عليه وسلم بحلي لها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:"لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ عَطِيَّةٌ حَتَّى يَأُذَنَ زَوْجُهَا، فَهَل اسْتَأُذَنْتِ كَعْبًا؟ ". فقالت: نعم! فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى كعب: "هَلْ أَذِنْتَ لَهَا أَنْ تَتَصَدَّقَ بحُلِيِّهَا". قال: نعم. فقبله صلى الله عليه وسلم. رواه ابن ماجه. وروى أيضًا عن عمرو بن شعيب عن أبيه =

ص: 396

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة خطبها: "لَا يَجُوزُ لاِمْرأَةٍ عَطِيَّةٌ في مَالِهَا إلَّا بِإذْنِ زَوْجِهَا إِذْ هُوَ مَالِكُ عِصْمَتِهَا". رواه أبو داود.

قال ابن قدامة: ولفظه عن عبد الله ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تَجُوزُ لامْرأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا". قال: وِلأن حق الزوج متعلق بمالها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تُنْكَحُ الْمرأَة لمالها، وجمالها، ودينها". قال: والعادة أن الزوج يزيد في مهرها لمالها، ويتبسط فيه وينتفع به، فإذا أعسر بالنفقة أنظرته، فجرى ذلك مجرى حقوق الورثة المتعلقة بمال المريض. ا. هـ. منه.

والرواية الأخرى عن أحمد، ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن المنذر؛ أن المرأة الرشيدة لها التصرف في مالها كله، بالتبرع والمعاوضة، عملًا بمنطوق قوله تعالى: {فَإِنْ آنَتُيمْ منْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ". الآية.

تنبيهٌ: يجوز للمرأة الصدقة من مال زوجها بالشيء اليسير بدون إذنه، لحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "مَا أنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِك مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ".

ولم يذكر إذنًا. وعن أسماء أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل عليَّ جناح أن أرْضَخَ مِمَّا يَدْخُلُ عَليَّ؟. فقال صلى الله عليه وسلم:"ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ". قال ابن قدامة: متفق عليهما. وقولها: فهل لي أن أرضخ، الرضخ: العطاء اليسير. وقوله: توعي: تحبسي. أي لا تمنعي العطاء وتحبسي النفقة عن الفقراء فيوعى عليك، أي يحبسها الله عنك، قال: وهو مأخوذ من وضع الشيء في الوعاء. والله أعلم.

قال ابن قدامة: وروي أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إنَّا كَلٌّ على أزْوَاجنَا وآبائِنَا، فما يحلُ لنا مِن أموالهم؟. قال:"الرُّطَبُ تَأْكُلِينَهُ وَتُهْدِينَهُ". قال: ولأن العادة السماح بذلك وطيب النفس، فجرى ذلك مجرى صريح الإِذن.

فإن صرح لها بالمنع من ذلك بأن قال: لا تتصدقي بشيء ولا تتبرعي من مالي بقليل ولا بكثير، لم يجز لها ذلك، لأن المنع الصريح رفع للإِذن العرفي.

قال ابن قدامة. ولو كان في بيت الرجل من يقوم مقام امرأته، كجاريته، أو كأخته، أو كالغلام

ص: 397

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= المتصرف في بيت سيده، جرى ذلك مجرى الزوجة فيما ذكرنا، لوجود المعنى فيه. ا. هـ. منه. والله تعالى الموفق.

انتهى الجزء الثالث من كتاب [مواهب الجليل من أدلة خليل] بحمد الله وتوفيقه. ويليه بإذن الله تعالى وعونه وإرشاده وتوفيقه الجزء الرابع أول كتاب الصّلح، وغير خفي على من طالع الأجزاء التي أعان الله على إنجازها من هذا الكتاب المبارك، أنها مجهود مقل، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. وبالله المستعان وهو ولي التوفيق هو حسبنا ونعم الوكيل.

ص: 398