الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} (الأحزاب: الآيتان 70، 71).
أما بعد
…
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
والنظم جمع نظام، والنظام يطلق عادة على ما يدل على الترتيب والانسجام والارتباط، وأما الرسوم فهو جمع رسم، والرسوم في هذه الرسالة تعني احتفاء الناس بأمور السياسة والقيام بها، وفي مقابلة الملوك ورجالات الدول.
ولهذا فقد جاء البحث مقسماً إلى تمهيد وخمسة فصول وخاتمة. فالتمهيد تعرض للتأريخ السياسي للدولة الأموية منذ نشأتها سنة 138 هـ (756 م) وحتى سقوطها سنة 422 هـ (1031 م) وقد جاء العرض سريعاً تناولت فيه ذكر كل أمير أو خليفة مع ذكر أبرز حوادث عصره سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، وقد تعمدت أن يكون التمهيد خاصاً بالحديث عن الحالة السياسية ليكون أرضية تسير عليها جميع فصول الدراسة، ومكملاً للجوانب الحضارية الخاصة بنظام الحكم ورسومه موضوع البحث، ولنقف كذلك على مدى تأثرها بالوضع السياسي العام للدولة.
ثم أتى الفصل الأول بعنوان "النظام السياسي ورسومه" وهو مقسم إلى ثلاثة مباحث، المبحث الأول "رئاسة الدولة" تناولت فيه بيان كيفية "اختيار الأمير أو الخليفة"، "تسلمه للمنصب"، "ممارسته للسلطان"، "رسوم الخلع من الخلافة"، اتخاذ الألقاب"، "الدعاء في الخطبة"، "المقصورة"، "الساباط"، "السرير"، "القضيب"، "المظل"، "حجر الأعزة"، "الطراز".
وأما المبحث الثاني فقد كان خاصاً بـ"ولاية العهد" تحدثت فيه عن "اختيار ولي العهد"، "مراسم تعيينه"، "إعداده وتدريبه على شئون الحكم"، "سلطان ولي العهد وصلاحياته"، "تعريف الأمة بولي العهد"، "الاضطراب الذي تطرق لولاية العهد"، "موافقة الأسرة ومعارضتها".
وجاء المبحث الثالث خاصاً بـ"رسوم الإمارة والخلافة" وقد اشتمل هذا المبحث على عدد من الفقرات التي تظهر وبجلاء مدى ما وصلت إليه الدولة الأموية من عناية فائقة بهذا الجانب، كالحديث عن "استقبال الرسل وعقد المعاهدات"، "موكب الأمير أو الخليفة"، "المجالس الخاصة" وختمت هذا المبحث بالحديث عما يمكن تسميته بـ"رسوم عامة لبني أمية".
وكان الفصل الثاني خاصاً بالحديث عن "النظم الإدارية والمالية" وهو مقسم إلى مبحثين المبحث الأول كان عن النظام الإداري، وفي هذا المبحث بينت أن المسلمين احتفظوا بأصول التقسيم الذي وجدوه قائماً بالأندلس، ولم يضيفوا إليه إلا بعض التعديلات التي اضطروا إليها، ثم تحدثت عن الكتابة، والبريد.
وأما المبحث الثاني فقد كان عن النظام المالي، وقد وضحت كيف أن الدولة الأموية كان لديها ثلاثة أنواع من الخزائن وبينت موارد ومصارف كل نوع منها، واختتمت هذا المبحث بالحديث عن العملة في الأندلس.
وتحدثت في الفصل الثالث عن "الخطط السياسية" واقتصرت الحديث فيه على خطتي "الحجابة والوزارة" وجعلت كل خطةٍ في مبحث منفصل، ولعل أبرز ما في الحجابة أن متوليها كان معظم عهد الدولة الأموية أشبه بوزير التنفيذ، لكنه منذ أن سيطر الحاجب المنصور بن أبي عامر على الدولة الأموية، أصبح منصب الحاجب وزير تفويض بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
وأما خطة الوزارة فهي تدين للأمير عبد الرحمن الأوسط بتنظيمها، وإنشاء مجلس خاص للوزارة بقصر قرطبة، عُرف ببيت الوزراء، وكل من الحجابة والوزارة قد تأثرتا وبشدة في عهد الفتنة التي عم تأثيرها أنشطة الدولة كافة والمجتمع في عهد بني أمية.
وكان الفصل الرابع خاصاً بالحديث عن "النظام الحربي" شمل خطتي الجيش والأسطول، فبينت في الجيش: العناصر المكونة له، ومرتبات أفراده وتعداده، وموارده، والتنظيمات والمناصب العسكرية المتبعة فيه، وأسلحته وكيفية التعبئة وأساليب القتال، وجاءت خاتمته بذكر الصوائف والشواتي.
وأما خطة الأسطول فتعرضت فيها لذكر كيفية نشأته في الأندلس، واهتمام الأمويين به وأنواع السفن والمراكب الحربية المستخدمة وإدارة الأسطول، والأسلحة المستخدمة في المعارك البحرية، والأربطة وصورها ووسائل الإنذار فيها، وحياة المرابطين داخلها.
في حين أن الفصل الأخير جاء خاصاً بذكر "الخطط الدينية" وهذا الفصل شمل الحديث عن خطط القضاء، والصلاة والرد، والمظالم،
بعد أن فتح المسلمون بلاد شبه الجزيرة الأيبيرية، والتي عُرفت بعد ذلك بالأندلس، ضمت بين شواطئها عناصر سكانية مختلفة المشارب، وأجناساً بشرية متباينة الثقافات، حتى إذا ما اجتمع هؤلاء كلهم تحت راية الإسلام، تكوَّنت على أيديهم حضارة إسلامية مجيدة، فكانت الأندلس بهذا، أحد المعابر التي انتقلت عن طريقها الحضارة الإسلامية إلى أوروبا.
وبالرغم من أن المسلمين قد مكثوا في تلك البلاد زهاء ثمانية قرون، إلا أنهم غادروها مرغمين، عندما لم يستطيعوا المحافظة عليها، مخلفين وراءهم شواهد حضارية ظلت إلى يومنا هذا تحكي حقيقة مجد إسلامي أُبعد عنه أهله، بعد أن تخاذلوا عن تطبيق الإسلام والتمسك به، والله سبحانه وتعالى يقول:{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد: من الآية 11).
وفي السنوات الأخيرة نالت الأندلس اهتمام الدارسين والباحثين العرب، فظهرت في هذا الميدان دراسات وفيرة وأبحاث متنوعة، منها ما انصب اهتمامه على الأحوال السياسية، ومنها ما اختص بالحياة الحضارية، ومنها ما جمع بين النظامين السياسي والحضاري.
وقد شهدت أراضي الأندلس الإسلامية، قيام عدة دول على أراضيها، ولعل الدولة الأموية كانت أهمها على الإطلاق، فهي الدولة التي أرست قواعد الإسلام هناك، كما أنها أطول تلك الدول بقاء وأعظمها
قوة، ولذا فقد جعلت جُل اهتمامي التعمق والتخصص بها، وذلك بدراستها من كافة الجوانب ما أمكنني ذلك.
ومن هنا كانت رسالة الماجستير التي أعددتها لتكون متخصصة في دراسة الجانبين السياسي والثقافي إبان عصر الإمارة، وذلك من خلال النظم السياسية والثقافية الواردة من المشرق إلى الأندلس، ثم واصلت دراستي عن هذه الدولة، فاخترت موضوع (نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس) ليعطي قدراً كبيراً من التعريف عن الدولة الأموية في الأندلس منذ قيامها وحتى سقوطها.
ولقد كانت الكتابة في نظم الدولة الأموية ورسومها قليلة حسب علمي، إلا ما كان من المستشرق الفرنسي (ليفي بروفنسال) الذي تطرق لمثل هذا الموضوع في المجلد الثالث من كتابه (تاريخ إسبانيا الإسلامية) وأما من العرب فلعل الدكتور/ هشام سليم أبو رميلة أول من كتب في هذا الموضوع، وذلك في الرسالة التي أعدها لنيل درجة الماجستير من كلية الآداب جامعة القاهرة سنة (1975 م) وقد جاءت تحت عنوان "نظم الحكم في الأندلس في عصر الخلافة" وبالرغم مضي عقدين من الزمن على إنجازها إلا أنها لم تنشر بعد.
وبخلاف من ذكرت، لم يصل إلى علمي أن أحداً قد كتب في هذا الموضوع، ولذا فهو جديد وجدير بالبحث والدراسة وأن ينال أهمية خاصة، فهو يكشف عن النظم التي تُسير شئون الدولة، والرسوم السائدة فيها، ذلك النظام الذي كان يقوم على السير وفق هدي الشريعة
الإسلامية السمحة والذي كفل للدولة الأموية عند الأخذ به الاستمرارية والصمود أمام الأزمات التي كادت أن تعصف بها وتقضي عليها في وقت مبكر من عمرها، وكيف أن الدولة عندما تخلت عنه، أخذت تخطو بسرعة عجيبة إلى السقوط.
ولعل هذه الدراسة سوف تعطي - في نظري - الدارس فرصة كبيرة لإجراء مقارنة شاملة لما كانت عليه النظم والرسوم في الدولة الأموية بالأندلس، مع ما كان لدى الدولتين العباسية ببغداد والعبيدية بالقاهرة، الأمر الذي يستوجب دراسة خاصة تكشف عن مدى استفادة الأمويين مما لدى المشارقة بوجه عام، والعباسيين بوجه خاص، وهو ما لم أتمكن من التطرق إليه في دراستي هذه، خشية أن يخرج البحث عن إطاره المحدد لي من قبل الجهات المعنية بذلك في الجامعة الإسلامية.
وديننا الإسلامي لم يقتصر اهتمامه على عقائد دينية فردية، بل هو نظام كامل يشمل الدين والدولة معاً، ومن هنا نجد أن نصوصه وتعاليمه قد انطوت على كافة النظم التي تهم الناس سواء على مستوى الفرد أو الدولة.
ونظراً لأن النظم التي تطبقها أي أمة من الأمم، تعتبر مظهراً لشخصية تلك الأمة، وذلك من حيث تأثيرها في الآخرين، لأجل هذا فقد حرصت على دراسة جانب من تلك النظم، سَعُدَتْ بتطبيقه على أراضيها، بلاد إسبانيا الإسلامية في وقت من أوقات التاريخ.
والشورى، والشرطة، والمدينة، والسوق، وقمت بتوضيح كل خطة من هذه الخطط كما حرصت على أن أبين كيف يصل الفقيه إلى أحد هذه الخطط، ثم تحدثت عن صلاحياته، ومجلسه، ومرتبه، وأشهر من تولاها سواء في قرطبة أو بقية الكور وختمت البحث بخاتمة حوت أهم النتائج التي توصلت إليها.
ولقد عملت جاهداً على إخراج هذه الدراسة بصورة مقبولة، وربما كان لطبيعة الموضوع دور في إيراد بعض نصوص المصادر، رغم اجتهادي في التقليل منها، واللجوء إلى تحليلها، وتعليل بعض الأحداث كلما أمكن ذلك، مع الاعتناء بالدراسات الحديثة، وعدم إغفال جهد من سبقني إلى طرق هذا الموضوع.
ومما زاد من صعوبة هذا البحث أن المدة الزمنية كانت متسعة، بحيث شملت عمر الدولة الأموية في الأندلس، البالغ زهاء ثلاثة قرون، بالإضافة إلى أن الكتابة في هذا الموضوع تستوجب القراءة الدقيقة فيما يتعلق بالرسوم، والتي ربما ترد عبارة صغيرة في نص كامل تكون قادرة على إيضاح واف للتعرف على رسم من رسوم الدولة.
كما اجتهدت عند عملي في هذه الدراسة، أن أبتعد - ما أمكنني ذلك - عن الإسهاب الممل، عند تطرقي لبعض الموضوعات المساعدة لفهم الدراسة مكتفياً بالإشارة إلى المصادر والمراجع، إلا عندما يستوجب الأمر الإسهاب، وقد حرصت على أن أعرض جزئيات البحث وفصوله بأسلوب مترابط يجعل كل فقرة تأخذ بعقب أختها مراعياً التسلسل
التاريخي لتلك الأحداث والمتغيرات وعند ورود التاريخ الهجري أُتبعه بالتاريخ الميلادي، وحرصت على ذكر الاسم الأسباني لكل موقع جغرافي بالأندلس، كما عملت على التعريف بأسماء الأعلام والمواقع الجغرافية، عند أول ذكر لها، كل ما أمكنني ذلك، وكل مصدر أو مرجع لم أر ضرورة لذكره في قائمة المصادر والمراجع، عرفت به تعريفاً كاملاً عند أول استخدام له.
تحليل المصادر:
وغني عن البيان أن هذه الرسالة، لم تكن لتظهر بهذه الصورة، لولا اعتمادها - بعد الله تعالى - على الكثير من المصادر والمراجع التي تعدد اختصاصها.
واستعراض جميع المصادر التي استفاد منها هذا البحث، أمر فيه إطالة غير مرغوبة، لأجل ذلك سأقتصر في هذا التحليل على أهمها:
1 -
"قضاة قرطبة" للحافظ أبي عبدالله محمد بن حارث الخشني، عاش سنواته الأولى من حياته في القيروان، ثم رحل إلى الأندلس وهو لم يتجاوز الثانية عشرة، ونزل قرطبة، فسمع من أعلامها، وقد نال الخشني ثناء الآخرين عليه، فقد كان شاعراً، بليغاً، إلا أنه كان يلحن، وكان حكيماً بعمل الأدهان، حافظاً للفقه، عالماً بالفتيا، ولي الشورى، ثم توفي في شهر صفر سنة 361 هـ (ديسمبر 971 م) بعد أن ترك عدة مؤلفات.
وقد ألف الخشني كتاب "قضاة قرطبة" بطلب من الخليفة الحكم المستنصر بالله، الذي أباح له الاستفادة من مكتبة القصر التي كانت عامرة بمختلف الكتب، وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب "قضاة قرطبة" إلا
أنه عظيم الفائدة في موضوعه، فقد أفاد البحث بذكر حوادث انفرد بها، فقد أورد مثلاً خبر معارضة الفقيه بقي بن مخلد تحليف قاضي الجماعة عمرو بن عبد الله القبعه أمام الناس، خشية أن يصل الخبر لبني العباس، فيتندرون بهذه الحادثة في مجالسهم، كما ذكر خبر تعطل منصب قاضي الجماعة لمدة ستة أشهر في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، وستة أشهر أخر في عهد ابنه الأمير محمد، كما عرَّفنا الكتاب على الرسم الذي وضعه للفقهاء قاضي الجماعة الحبيب أحمد بن محمد بن زياد اللخمي، وذلك عندما يُطلبوا لتسجيل فتاواهم، إذ أمر كلاً منهم أن يقوم بتسجيل فتواه بيده في السجل الخاص، فأصبح هذا الرسم متَّبَع من بعده في الأندلس، كما ذكر الخشني أن الوزير صاحب المدينة هو الذي يقوم باستلام ديوان القضاء عند عزل القاضي، ويظل الديوان عند الوزير صاحب المدينة حتى يتم تعيين قاضٍ آخر.
وقد قام المستشرق الإسباني "خوليان ريبيرا" بنشر هذا الكتاب وترجمته إلى الإسبانية سنة 1914 م ثم قامت الدار المصرية للتأليف والترجمة سنة 1966 م بطبعه ونشره.
2 -
ولدينا كتاب آخر للخشني هو "أخبار الفقهاء والمحدثين" وهو عبارة عن تراجم لطبقات عديدة من الفقهاء الأندلسيين، امتدت منذ فتح الأندلس حتى عصر المؤلف.
والكتاب وردت تراجمه بصورة غير منظمة، أي لم يتبع فيها المؤلف الترتيب الأبجدي، كما تضمن الكتاب معالجة لبعض المسائل الفقهية.
والخشني اتبع في هذا الكتاب منهجاً شائعاً لدى أصحاب التراجم، فهو يعرض للشخص المترجم ولشيوخه وتلاميذه، ثم يذكر رحلته، ومن ثم سنة وفاته، والملاحظ أنه قد اختصر في بعض التراجم حتى أن بعضها لاتزيد عن سطر واحد، مثل ترجمته لأبي العطاف يعلى بن عبد الله الأموي، بينما نجد بعض التراجم تستغرق صفحات تتجاوز العشرة، مثل الترجمة التي أوردها ليحيى بن يحيى الليثي، وعبد الملك بن حبيب، وبقي بن مخلد، ومحمد بن وضاح وغيرهم، ولعلنا ندرك من هذا التفاوت في التراجم أن المؤلف قد ركز اهتمامه على أولئك الفقهاء المشهورين، أصحاب التأثير سواء ثقافياً أو اجتماعياً.
ورغم ذلك، فإن هذا الكتاب يعتبر من أنفس مصادر التاريخ الأندلسي، فهو أقدم كتاب تراجم لأهل الأندلس يصل إلينا، وقد أفاد البحث منه كثيراً فهو فضلاً عن التراجم، حوى في بعض صفحاته وثائق هامة جداً، لم ترد فيما سواه، وذلك مثل الرسالة التي بعث بها الأمير الحكم الربضي للفقيه يحيى بن يحيى الليثي، وكذلك كتابه لعيسى بن دينار، يؤمنهما فيه بعد حادثة هيج الربض.
وقد تم نشر الكتاب أخيراً، فقد قام بدراسته وتحقيقه، كل من:"ماريا لويسا آميلا"، ولويس مولينا، ونشره المجلس الأعلى للأبحاث العلمية، معهد التعاون مع العالم العربي، مدريد، سنة 1992 م.
3 -
"كتاب تاريخ افتتاح الأندلس" لأبي بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز، الشهير بابن القوطية، والمقصود بالقوطية "سارة" حفيدة
"غيطشه WITIZA" ملك أسبانيا القوطي، وبذلك فالمؤلف مولَّد من طبقة المولَّدين. أصله من إشبيلية، وسمع من أعلامها وأعلام قرطبة، كان عالماً بالنحو، حافظاً للغة، متقدماً فيها، حافظاً لأخبار الأندلس، طال عمره فسمع الناس منه طبقة بعد طبقة، قُدِّم للشورى، وتصرَّف في الخطط، وترك عدة مؤلفات. ثم توفي يوم الثلاثاء في ربيع الأول لسبع بقين منه سنة (367) هـ (نوفمبر (977) م).
والكتاب يتناول تاريخ الأندلس منذ أن افتتحها المسلمون، وحتى مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وهو عبارة عن مجموعة من الأخبار القصار منفصل بعضها عن بعض، وهو يسرد الحوادث ولا يذكر التاريخ إلا نادراً. كما أنه ليس من تأليف ابن القوطية، بل إن أحد تلاميذه هو الذي تولى تأليفه، بدليل تكرار عبارة "قال شيخنا أبو بكر" قال ابن القوطية
(1)
. ولقد أفاد البحث كثيراً من كتاب "افتتاح الأندلس" فقد انفرد بأخبار غاية في الأهمية منها: طرد الأمير الحكم الربضي للوزير أبي البسام بسبب غدره بالفقيه طالوت بن عبد الجبار، وموقف الوزير صاحب المدينة أمية بن عيسى بن شهيد من ولد الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما حاول مغادرة سطح باب السدة، كما عرَّفنا على نوعية الثقافة التي يجب أن يتلقاها السجناء، وهي ثقافة لا تكسبهم إلا الخمول
(1)
- آنخل بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي: ص 202 - 204.
والاشتغال بالملذات، كأن يسمعهم المؤدب خمريات الحسن بن هانئ، وما شابهها من الأهزال.
4 -
"كتاب الوثائق والسجلات" للفقيه الموثق أبي عبد الله محمد بن أحمد الأموي الشهير بابن العطار، وصفه ابن حيان بأنه متفنن في علوم الإسلام، فقيه لا نظير له، حاذق بالشروط، وبسبب إعجابه بنفسه، وشكاسة أخلاقه، تعرض لوقوف نظرائه ضده، تولى الشورى في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، ثم أسقط عنها وعن الشهادة، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في داره، وبعد أن أدى فريضة الحج، أعاده المنصور إلى ما كان يليه، توفي في ذي الحجة سنة 399 هـ (1009 م).
وكتاب "الوثائق والسجلات" عبارة عن نماذج لوثائق فقهية متنوعة، والكتاب في بابه نادر لاغنى عنه لمن يدرس القضاء أو يشتغل فيه، وقد رافقني الكتاب كثيراً في المبحث الخاص بالقضاء، ونقلت عنه نموذجين بين فيهما ابن العطار كيفية تسجيل القاضي برجوعه عن قضاء قضى به تبين له الخطأ فيه.
وقد قام بتحقيق الكتاب كل من: "بدروشالميتا"، "وفيدريكو كوينطي". ونشره مجمع الموثقين المجرطي، المعهد الأسباني العربي للثقافة في مدريد سنة 1983 م.
5 -
"نقط العروس" لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، ولد سنة 384 هـ (994 م)، اهتم والده بتربيته وتثقيفه اهتماماً شديداً، فخرج عالماً يشار إليه بالبنان، بل إنه أبرز علماء عصره،
تولى بعض المناصب، ثم ترك السياسة وهجرها، وانقطع للعلم، فألف في مختلف فروع الثقافة، توفي في بادية لبله سنة (456) هـ (1064 م).
وكتابه (نقط العروس) الذي ألفه في حدود سنة (420) هـ (1029 م) عبارة عن أخبار قصيرة جداً عن الخلفاء، وهذه الأخبار على قصرها ضمت الخطوط العامة للخلافة الإسلامية والخلفاء حتى عصر ابن حزم. ولذا فهو كتاب حافل بمعلومات قيمة يحتاجها من أراد يدرس نظام الخلافة الإسلامية
(1)
.
ومن أهم المعلومات التي اعتمد فيها البحث على "نقط العروس" هي محاولة الحاجب المنصور بن أبي عامر التسمي بالخلافة، وأنه استشار الفقهاء في ذلك، ن إلا أنهم وقفوا ضد رغبته وكان أشدهم في ذلك الفقيه محمد بن يبقى بن زرب.
وفي مجال الحديث عن ولاية العهد انفرد ابن حزم في نقط العروس بذكر تسمي سليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر بولاية العهد في بداية استيلاء المهدي محمد بن عبدالجبار على الخلافة، دون أن يسميه بذلك أحد.
بالإضافة إلى أن الكتاب قد استقصى ذكر ألقاب أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، وهو يعتبر في معلوماته الدقيقة حجة، لأن المؤلف ووالده من قبله كانا من رجالات الدولة.
(1)
- نقطة العروس: مقدمة المحقق ص 44، 45.
وقد قام الدكتور شوقي ضيف بنشر "نقط العروس في تواريخ الخلفاء" بمجلة كلية الآداب جامعة القاهرة، العدد (13) المجلد الثاني، وذلك في شهر ديسمبر سنة (1951 م).
6 -
"المقتبس" لأبي مروان حيان بن خلف، شيخ مؤرخي الإسلام في الأندلس بلا نزاع، جده الأعلى وهب بن حيان كان مولى للأمير عبد الرحمن الداخل. تولى والده خلف بن حسين منصب الوزارة في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، وقد كان عالماً راسخاً في العلم، مما كان له أعظم الأثر في تربيته لولده أبي مروان حيان بن خلف الذي عايش أحرج فترة في عمر الدولة الأموية وهي فترة الفتنة، ولم يغادر قرطبة، ولذا فقد نقل لنا أدق تفاصيلها، كما أنه تولى منصب صاحب الشرطة لابن جهور وبعد حياة مليئة بالأحداث توفي ابن حيان سنة (469) هـ (1076 م)
(1)
.
ولقد كان كتاب "المقتبس" مرافقاً للبحث في أكثر مراحله، ولذا فهو من المصادر المهمة التي لابد من الحديث عنها، وقد أفدت من القطع الأربع المنشورة من المقتس، لكن أهمها:
قطعة تبدأ من سنة (232) هـ - (267) هـ (846 - (880) م) وهي بذلك تشمل ست سنوات من عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط ومعظم عهد ابنه الأمير محمد، وهذه القطعة قام بنشرها الدكتور محمود علي مكي، فقد ذكر ابن حيان في هذه القطعة إنشاء الأمير عبد الرحمن الأوسط
(1)
- انظر، ابن حيان، المقتبس من أنباء أهل الأندلس، تحقيق وتقديم وتعليق: د. محمود علي مكي، ص 16 - 146 من مقدمة المحقق.
لبيت الوزراء وتنظيمه لأعمالهم، كما أورد خبر تقديم الوزراء الشاميين على نظرائهم البلديين، وعرَّفنا على الرسم الذي استُحدث لدى الأمويين فيما يتعلق بالجنائز. وانفرد بخبر اهتمام الأمير محمد بن عبد الرحمن بآلات اللهو والغناء وبالذات آلات الزمر وسؤاله الدائم عن أشهر أهل هذه الصنعة وجمعهم عنده، وأنه كان له مزمار خاص به.
وهناك قطعة خاصة بعهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، وهي تبدأ من سنة 300 هـ (912 م) إلى سنة 330 هـ (941 م) وقد قام بنشرها كل من "بدروشالميتا"، "وفيدريكو كورينطي"، "ومحمود صبح"، وهذه القطعة مفيدة جداً في معرفة الأسلوب الإداري الذي اتبعه عبد الرحمن الناصر والذي اعتمد فيه على السياسة المركزية المطلقة، وتبرز فيه التغييرات الوزارية الكثيرة في عهده، بحيث من النادر أن يبقى صاحب الخطة في خطته أكثر من سنة أو سنتين. كما انفرد بذكر "حجر الأعزة" وهو مكان في القصر مخصص لركوب الأمير أو الخليفة، ولا يمكن لأحد الركوب من هذا المكان إلا من أُنعم عليه بهذه المزية، كما ذكر خبر الاحتفال الذي أقامه الخليفة عبد الرحمن الناصر في معسكر الجيش بمناسبة وفادة الملكة "طوطه" عليه، عندما كان في إحدى غزواته لبلاد نصارى الشمال.
وهناك قطعة أخرى نشرها الدكتور عبد الرحمن الحجي، وهي خاصة بأحداث خمس سنوات غير كاملة من سني الخليفة الحكم المستنصر بالله، وتبدأ من سنة 360 هـ (970 م) إلى سنة 364 هـ (974 م)، وهذه
القطعة اتكأ البحث عليها كثيراً خاصة في ذكر الرسوم المتبعة في الاحتفالات التي تجري في الدولة، سواء بمناسبة جلوس الخليفة لتهنئته بالعيدين أو عند استقباله للسفارات والوفود، أو عند إجراء عرض عسكري بين يدي الخليفة، بالإضافة إلى انفراده بذكر رسوم عقد اللواء وكيفية تسليمه للقائد الذي سيخرج على رأس الجيش الغازي.
7 -
"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" لأبي الحسن علي بن بسام الشنتريني، والمؤلف ينتسب إلى إحدى الأسر العريقة في شنترين " SANTAREM" وفيها نشأ وعاش صباه، ثم رحل إلى أشبونه سنة (477) هـ (1084 م) بعد أن ألَّف كتابه "الذخيرة" في إشبيلية سنة (502) هـ (1109 م)
(1)
.
وكتاب "الذخيرة" يكاد يكون خاصاً بمجريات القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) اعتمد فيه على ابن حيان كما صرح هو بذلك، والكتاب مقسم إلى أربعة أقسام طبقاً للأقاليم الأندلسية، وقد أفدت منه كثيراً لانفراده بذكر نصوص لابن حيان من كتابه "المتين" الذي لم يعثر عليه بعد، وهو بذلك يعتبر من أهم المصادر بالنسبة للبحث، فقد ذكر لنا الهيئة التي برز فيها الخليفة هشام المؤيد للناس في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر، وما كان يقوم به الوزير عيسى بن سعيد
(1)
- آنخل جنثالث بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة: د. حسين مؤنس، ص 289.
من بيع للمناصب الإدارية في عهد الحاجب عبد الملك المظفر، كما انفرد في تقديم وصف للوزراء ولمن كان يلي خطة المظالم في عهد الفتنة.
وقد قام الدكتور إحسان عباس بتحقيق الكتاب وأخرجه في ثمانية مجلدات، وقامت الدار العربية للكتاب في: ليبيا-تونس، بنشره سنة 1981 م.
8 -
"البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب" لأبي العباس أحمد بن عذاري المراكشي، والمؤلف يرجع إلى أصل مغربي، عاش في عصر الموحدين، وقد كان حياً سنة 712 هـ (1312 م). وكتاب "البيان المغرب" يعد من أهم مصادر تاريخ المغرب والأندلس، إذ إنه يغطي فترة زمنية تمتد من الفتح الإسلامي للمغرب حتى سنة 667 هـ (1268 م) معتمداً فيما يورده من أخبار على مصادر متعددة، الكثير منها لم يصل إلينا، مثل كتابي الرقيق القيرواني والوراق وغيرهما. والكتاب مقسم إلى ثلاثة أقسام نشرت في أربعة مجلدات بعناية: ج. س. كولان، وليفي بروفنسال.
وقد اعتمد البحث كثيراً على "البيان المغرب" خاصة المجلدين الثاني والثالث، لما تضمناه من معلومات هامة ذات صلة بكافة فصول البحث، وأهميته تتأكد بصورة أكبر متى ما عرفنا أنه قد أكمل النقص الذي سببه فقد بعض قطع المقتبس.
فمن خلال كتاب (البيان المغرب) أمكن معرفة الرسم المتبع عند خروج الأمير أو الخليفة للصيد أو النزهة، كما انفرد بخبر اشتراك أكثر من
مسئول في منصب الحجابة وهو ما حدث في عهد الخليفة هشام المؤيد بالله.
وقد أورد ابن عذاري في "البيان المغرب" خبراً ربما لم يرد عند غيره، وهو الخبر الذي يدور حول احتفاظ أمراء وخلفاء بني أمية بذخائرهم ونفيس جواهرهم بطريقة سرية، وكيف تمكن المهدي الثائر من الوصول إليها والاستيلاء عليها جميعاً.
9 -
"أعمال الأعلام" للوزير لسان الدين محمد بن عبد الله بن سعيد الشهير بابن الخطيب، من أصل قرطبي، ولد في "لوشة LOJA" سنة 713 هـ (1313 م) وتلقى العلم في غرناطة، فبرز في كافة ميادينه، ثم التحق ببني الأحمر، فتولى الوزارة في دولتهم، ثم ذهب إلى المغرب وتنقل بين مدائنه، حتى لقي حتفه، فقد خنُق ثم أحرقت جثته، وذلك سنة 776 هـ (1374 م).
وكتاب "أعمال الأعلام" مقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول خاص بالمشرق وهو لا يزال مخطوطاً، والقسم الثاني خاص بالأندلس، والثالث خاص بالمغرب.
والقسم الثاني من الكتاب رافق البحث كثيراً، فقد انفرد بذكر أسماء الشهود الذين سجلوا شهاداتهم في السجل الخاص، وذلك في الحفل الذي أقيم بمناسبة تعيين هشام بن الحكم ولياً للعهد، وأخذت البيعة من أولئك الشهود.
كما أورد لنا ما فعله المنصور بن أبي عامر ببني أمية وكيف أخمل ذكرهم ومنع الناس من الاختلاط بهم، وكيف عمل على إرهاقهم بحملهم معه في غزواته حتى أشغلهم بأنفسهم.
والقسم الخاص بالأندلس نشره المستشرق الفرنسي "ليفي بروفنسال" تحت مسمى "تاريخ أسبانيا الإسلامية" وذلك في الرباط سنة 1934 م، ثم أعيد نشره في بيروت سنة 1956 م.
10 -
"ذكر بلاد الأندلس" لمؤلف مجهول، يُرجَّح أنه كان حياً في أواخر القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). والكتاب جاء في فصلين، الفصل الأول خاص بالحديث عن وصف مدن الأندلس وأقاليمها وذكر ما يمتاز به كل منها.
والفصل الثاني خاص بذكر من نزل الأندلس من الأمم والملوك، ابتدأ به من زمن الطوفان وانتهى به عند بداية عهد ملوك الطوائف.
واعتمد المؤلف على مصادر متعددة ذكرها في ثنايا الكتاب، وبعض هذه المصادر لم يصل إلينا مثل تواريخ كل من: ابن أبي الفياض والدولابي والرقيق والمزني وغيرها، ومن هنا ندرك أهمية المعلومات التي أوردها هذا المؤلف، رغم أن معلوماته جاءت حولية متميزة بالخطو السريع.
وقد أفاد البحث كثيراً من هذا الكتاب، وبالذات فيما يتعلق بذكر نقوش خواتم أمراء وخلفاء بني أمية، إذ يكاد أن يكون هو الوحيد الذي اهتم بذكرها، كما أورد خبر إلغاء الحاجب المنصور بن أبي عامر لخاتم الخليفة هشام المؤيد بالله، واقتصاره على خاتمه الخاص.
وقد قام "لويس مولينا" بنشر الجزء الأول من الكتاب مختصراً لعنوانه الذي جاء في أكثر من سبعين كلمة، مكتفياً بأول عبارة وردت في العنوان "ذكر بلاد الأندلس" وذلك في مدريد، سنة 1983 م.
11 -
"نفح الطيب" لأبي العباس أحمد بن أحمد بن يحيى المقري، التلمساني، يعود أصله إلى بلدة "مَقَّره" بشرق الجزائر، ولد في تلمسان سنة 986 هـ (1578 م) وتلقى فيها وفي فاس علومه، وتنقل في بلاد المغرب والمشرق، حتى أدركته الوفاة سنة 1041 هـ (1632 م) بمصر حيث دفن في مقبرة المجاورين. ولعل إعجاب المقري بالوزير لسان الدين بن الخطيب الدافع الأساسي له في تصنيف كتاب عنه، ثم رأى أن يمهد له بتاريخ عام للأندلس، فأتى كتابه الموسوعي "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب" على قسمين، الأول: خاص بالأندلس، والثاني خاص في التعريف بابن الخطيب.
وقد أفاد البحث كثيراً من "نفح الطيب" فقد أورد معلومات لم ترد فيما سواه، من ذلك: الخبر المتعلق بكيفية تأديب الأمير عبد الرحمن الأوسط لولده المنذر الذي كان كثير الشك بمن حوله، معاقباً لمن قدر عليه منهم، مكثراً التشكي لوالده ممن ليس له قدرة عليهم.
كما أنه أفاد البحث في وصفه المسهب لبعض الاحتفالات الرسمية التي كانت تجريها الدولة الأموية، بالذات وصف الحفل الذي أقيم عند مبايعة الحكم بن عبد الرحمن الناصر بالخلافة، كما أنه انفرد بخبر تشبه بني
حمود بالعباسيين في مخاطبتهم للداخلين عليهم، فقد كان الخليفة الحمودي يتكلم من وراء الستر والحاجب يقوم بنقل كلامه لمن في المجلس.
ورغم أن كتاب "نفح الطيب" يفتقر إلى التنظيم في سرد المعلومات، فإن ذلك لم يمنع من أن يكون مصدراً أساسياً لجميع الباحثين في تاريخ الأندلس والمغرب، لأجل ذلك فقد نال عناية الكثير من المهتمين بالدراسات الأندلسية من المستشرقين، فقد قام دوزي (Dozy) ودوجا (Dogat) وغيرهما بنشر الجزأين الأولين من هذا الكتاب في مدينة ليدن فيما بين عامي 1858 و 1861 م.
كما نشر الكتاب في القاهرة سنة 1279 هـ (1862 م) بمطبعة بولاق في أربعة أجزاء. ثم أعاد نشره الشيخ محيي الدين عبد الحميد في عشرة أجزاء، بالقاهرة سنة 1364 هـ (1945 م)، وأخيراً قام الدكتور إحسان عباس بإعادة تحقيق الكتاب ونشره في ثمانية أجزاء وطبع في بيروت سنة 1388 هـ (1968 م).
وإذا كانت الدراسة قد نهلت مادتها بالدرجة الأولى من المصادر، فإن ذلك لا يعني مطلقاً أنها كانت بمنأى عن الاستفادة من الدراسات الحديثة، فهي من نهاية جهود المؤرخين المحدثين ابتدأت، وعلى طائفة من تحقيقاتهم توكأت، وبمنهاج بعضهم اهتدت، فتم الاستعانة بما وقع تحت اليد من كتب ورسائل وأبحاث لها صلة بالموضوع، فقد كانت الفائدة عظيمة جداً مما كتبه باللغة العربية على سبيل المثال لا الحصر. الأستاذ محمد عبد الله عنان، والدكاترة: حسين مؤنس ومحمود علي مكي ومحمد
عبد الوهاب خلاف. ومن الدراسات الأجنبية ما كتبه المستشرق الفرنسي ليفي برفنسال.
ولا أنسى هنا أن أثني على جهد الدكتور هشام أبو رميلة في رسالته "نظم الحكم في الأندلس" إذ يكفي أنه أول من طرق هذا الموضوع من الباحثين العرب، وفتح لي مجالاً واسعاً للحديث عن نظم ورسوم الأمويين في الأندلس فجزاه الله تعالى خير الجزاء على جهده.
وليس هناك كلمات في ختام هذا التقديم ألذّ في النفس من الاعتراف بفضل الآخرين عليّ، "فإن من لم يشكر الناس لم يشكر الله".
ويتقدم من اعترف بفضلهم بعد الله تعالى جامعتنا الإسلامية الموقرة، ثم أستاذي الفاضل الدكتور عبد الله بن علي المسند، الذي تولى الإشراف على هذا البحث بعد أستاذيَّ الفاضلين: مصطفى محمد رمضان، ومحمد ضيف الله بطاينه، اللذان رافقا البحث في مراحله الأولى، فجزاهم الله عني خير الجزاء.
ولا يسعني إلا أن أعرب عن عظيم امتناني لأخي الدكتور/ شمس الله محمد صديق الذي كثيراً ما ساعدني في الترجمة من الفرنسية إلى العربية، كما أشكر أخي الدكتور طلال بن سعود الدعجاني على مساعدته لي بالحصول على بعض المصادر.
وأسأله برحمته وفضله جل وعلا أن يجزي بالإحسان كل من وقف إلى جانبي حتى تم إنجاز هذه الرسالة.
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الصافات (182).
سالم بن عبد الله الخلف
المدينة النبوية في 01/ 01/1416 هـ
التمهيد
بويع أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي
(1)
بالخلافة يوم الجمعة 13 من شهر ربيع الأول سنة 132 هـ
(2)
(1 يناير 750 م) وبذلك بدأ حكم الأسرة العباسية عوضاً عن الأسرة الأموية، التي فقدت آخر خلفائها في قرية بوصير
(3)
، وأمام المطاردة العباسية التي لا هوادة فيها،
(1)
- هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، ولد بالحميمة سنة 104 هـ، ونشأ بها، كان يلقب بالمرتضى، وأما لقب السفاح فأطلق عليه لاحقاً، وإن كان في حياته فهو لكثرة عطاياه وبذله الأموال، وصف بأنه كان رجلاً طوالاً، أبيض اللون، حسن الوجه، أجعد الشعر، حسن اللحية، حيياً، سخياً، حليماً، وقوراً، عاقلاً، حسن الأخلاق، كما وصف بالفصاحة والعلم والأدب، توفي شاباً ودفن بقصره في الأنبار، وذلك يوم الأحد 13 من شهر ذي الحجة سنة 136 هـ. انظر تاريخ خليفة بن خياط، (تحقيق: د. أكرم العمري، الرياض، دار طيبة، ط الثانية 1405 هـ) ص 409 - 412، اليعقوبي، التاريخ، (بيروت، دار صادر. د-ت) 2/ 349، 358، 361، الطبري، التاريخ، (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف، ط 1961 م). 7/ 424، 170 - 471، الأزدي، تاريخ الموصل، تحقيق د. علي حبيبه القاهرة 1387 هـ/1967 م، ص 123، 159 - 160 المقدسي البدء والتاريخ، "المنسوب للبلخي" نشر: كلمان هوار، باريس 1899 م، 6/ 88 - 90.
(2)
- تاريخ اليعقوبي 2/ 349، البدء والتاريخ 6/ 88.
(3)
- بوصير: بكسر الصاد وسكون الياء: قرية من قرى الفيوم بصعيد مصر. أنظر ياقوت، معجم البلدان (بيروت، دار صادر، 1404 هـ/1984 م) 1/ 509. وفيها قُتل آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد بن مروان بن الحكم في يوم الأحد 27 من شهر ذي الحجة سنة 132 هـ. انظر: تاريخ خليفة ص 404، تاريخ الطبري 7/ 441 - 442.
أضطر أبناء الأمويين إلى التواري عن الأنظار في أقطار شتى
(1)
.
وكان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك
(2)
أحد الأمويين الذين كُتبت لهم النجاة من بطش العباسيين، فقد غادر
(1)
- إن عم الخلفاء العباسيين عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس هو الذي قام بهذه المطاردة الوحشية، وكان عبد الله بطلاً شجاعاً مهيباً جباراً عسوفاً، سفاكاً للدماء، وصف بأنه من رجال العالم ودهاة قريش. انظر: تاريخ الطبري 7/ 474 - 479، 8/ 7 - 9. الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وغيره، (بيروت، مؤسسة الرسالة، 1405 هـ/1985 م) 6/ 161 - 162 وهو الذي أُطلق عليه لقب السفاح، إذ عرف به في حياته وذلك سنة 133 هـ انظر: تاريخ الموصل ص 141. وأما عن تلك المطاردات فانظر: د. حسين عطوان، الدعوة العباسية تاريخ وتطور (دار الجيل، بيروت)، ص 401 - 436 ومصادره.
(2)
- هو مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، ولد في دمشق سنة 113 هـ، أمه بربرية اسمها راح أو رداح، نشأ يتيماً وتربى في قصر جده الخليفة هشام بن عبد الملك، فأولاه رعايته، ووهبه جميع الأخماس التي اجتمعت للخلفاء في الأندلس، كان طويل القد، أصهب، أعور، خفيف العارضين، بوجهه خال، له ضفيرتان، كما وصف بأنه كان فصيحاً، بليغاً، حسن التوقيع، جيد الفصول، مطبوع الشعر، توفي يوم الثلاثاء 24 ربيع الآخر سنة 172 هـ. انظر: ابن الفرضي، تاريخ العلماء والرواة للعلم في الأندلس (نشر: عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي القاهرة مكتبة الخانجي 1408 هـ) 1/ 11. الحميدي، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس. (القاهرة -الدار المصرية للتأليف والترجمة-1966 م) ص 8 - 9، ابن الأبار: الحلة السيراء، (تحقيق: د. حسين مؤنس) القاهرة الشركة العربية للطباعة والنشر، 1963 م) 1/ 35 - 42. ابن عذاري، البيان المغرب. (تحقيق: كولان وبر وفنسال بيروت، دار الثقافة، 1983 م) 2/ 40 - 60، سير أعلام النبلاء: 8/ 244 - 253.
الشام متوجهاً إلى مصر، ومنها انطلق إلى المغرب، ومن هناك دخل الأندلس، حيث تمكن بعد توفيق الله له، ثم بذكائه من استمالة الجماعات الإسلامية هناك
(1)
.
وطبيعي أن يكون دخول هذا الأمير الأموي بلاد الأندلس له صداه، خاصة في مثل تلك الظروف، ولذا فما أن شاع خبره هناك، حتى توافدت
(1)
- عن هرب عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس واستمالته الجماعات الإسلامية هناك، انظر: ابن القوطية، تاريخ افتتاح الأندلس، ملحق به "الرسالة الشريفية في الأقطار الأندلسية" (نشر: باسكوال دي جايا نجوس، مدريد 1868 م) ص 21 - 27. مؤلف مجهول، أخبار مجموعة، (نشر: لا فوانتي أي ألكنترا، مع ترجمة أسبانية، مدريد، 1867 م) ص 67 - 91، ابن الأثير، الكامل في التاريخ (تحقيق: عبد الله القاضي بيروت، دار الكتب العلمية، 1407 هـ/1978 م) 5/ 122، 123. ابن الخطيب، أعمال الأعلام (تاريخ أسبانيا الإسلامية، نشر: ليفي بروفنسال: بيروت، دار المكشوف، 1956 م) 2/ 7 - 8 النويري، نهاية الأرب (الجزء الثالث والعشرون: تحقيق: د. أحمد كمال زكي (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980 م) ص 335 - 338.
عليه الجموع وهي تعلن ترحيبها به واستعدادها للسير خلفه
(1)
، كما تأثرت بوصوله قوى أخرى، من ذلك أن جيش والي الأندلس يوسف الفهري
(2)
تفرق أكثر أفراده، بمجرد وصول خبر الأمير عبد الرحمن إليهم، مما حال دون تمكين الفهري من مهاجمته وهو في بداية أمره
(3)
.
لأجل ذلك عمد الفهري ووزيره الصميل
(4)
، إلى اتباع أسلوب المراسلات، في محاولة منهما لثني الأمير عبد الرحمن عن
(1)
- ابن القوطية، ص 24 - 27، أخبار مجموعة، ص 76، 83 - 84، ابن الكردبوس. الأندلس (قطعة من كتاب الاكتفاء، تحقيق د. أحمد مختار العبادي، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، 1971 م) ص 55 - 56.
(2)
- أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن الفهري، أخر ولاة الأندلس، تولاها باتفاق المضرية واليمنية لأنه قرشي، وذلك في شهر ربيع الآخر 129 هـ وهو ابن 57 سنة، وفي عهد الأمير عبد الرحمن بن معاوية قام يوسف الفهري بثورة ضده، لكنها انتهت بفشله ومن ثم قتل عند طليطلة على يد عبد الله بن عمر الأنصاري سنة 142 هـ، انظر أخبار مجموعة ص 91 - 100، الكامل في التاريخ 5/ 126، 127، الحلة السيراء 2/ 347 - 350.
(3)
- أخبار مجموعة ص 78 - 79. قارن: المقري، نفح الطيب، (تحقيق: د. احسان عباس، بيروت، دار صادر، 1388 هـ) 3/ 32 - 33.
(4)
- الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن، جده شمر أحد قتلة الحسين بن علي رضي الله عنهما، كان الصميل نجداً كريماً، دخل الأندلس في طالعة بلج بن بشر، غلب على أمر والي الأندلس يوسف الفهري، حتى أصبح هو الحاكم الفعلي، مات الصميل في سجن الأمير عبد الرحمن بن معاوية سنة 142 هـ. انظر: الحلة السيراء، 1/ 67 - 68. نفح الطيب، 3/ 25 - 26.
مراده
(1)
، إلا أنهما فشلا في تحقيق مايصبوان إليه، ولذا فلم يعد هناك مناص عن اللقاء المسلح، فالتقى الجمعان في موقعة المصارة
(2)
، وذلك يوم الجمعة، العاشر من شهر ذي الحجة سنة (138) هـ
(3)
(14 مايو (756) م) وأسفر عن هزيمة الفهري وتمزيق قواته، ودخول الأمير عبد الرحمن بن معاوية قرطبة
(4)
بدون
(1)
- أنظر أخبار مجموعة ص 79 - 82. البيان المغرب 2/ 45 - 46.
(2)
- المصارة: كلمة لايعرف معناها، أطلقت على عدة أماكن، والمقصود بها فيما ورد أعلاه أنها ضاحية من ضواحي قرطبة، تقع إلى الجنوب منها، على شاطئ الوادي الكبير وهناك من يقول أنها كانت مكاناً لتدريب الخيول، وقيل أنها موضع معصرة زيت تسمى بالإسبانية ALMUZARA أو المعصرة، انظر: الحلة السيراء، 2/ 349 حاشية رقم 1. تاريخ ابن الكروبوس، ص 56 حاشية رقم 7.
(3)
- ابن القوطية ص 26 - 28.
(4)
- قرطبة CORDOBA قاعدة الأندلس ومستقر الإمارة والخلافة الأموية في الأندلس، مدينة العلم ومقر السنة والجماعة، خرجت من أيدي المسلمين سنة 633 هـ. ويعتبر الجامع والقنطرة أشهر معالمها في العصر الحالي، انظر: البكري، جغرافية الأندلس وأوربا (من كتاب "المسالك والممالك" (تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، بيروت، دار الإرشاد، 1387 هـ/1968 م) ص 100 - 106. الحميري، الروض المعطار (تحقيق: د. إحسان عباس، بيروت، مكتبة لبنان، 1984 م) ص 456 - 459
F.SIMONET- AND.J.LERCHUNOL: ARABI CO-ESPANOLA GRANADA. 1881.P: 36 - 40
وانظر الدراسة الوافية عن قرطبة التي أعدها د. السيد عبد العزيز سالم، قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس. (جزآن. الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، 1984 م).
مقاومة، بعد أن فشل الفهري في اللجوء إليها
(1)
، ومنذ ذلك اليوم بدأت دولة بني أمية في الأندلس.
وتجدر الإشارة إلى أن الأمير عبد الرحمن الداخل على الرغم من أنه استغل العصبية القبلية المتفشية في الأندلس آنذاك لتحقيق أهدافه، إلا أنه لم يقع أسيراً لتلك العصبية، بل على العكس من ذلك فقد عمل من أول وهلة على إخضاعها لسلطانه
(2)
، مرتفعاً بإمارته أن تكون رهينة للتحالفات القبلية، وبذلك فقد أصبح معيار القرب منه والبعد عنه مرتبطاً بمبدأ الطاعة، فمن التزم بالأوامر وظهر الإخلاص في تصرفاته، ضمن الحظوة لديه، ومشاركته في تحمل أعباء إمارته، وأما من كان لا يزال يعاني من داء العصبية القبلية فلا سبيل إلى الاستعانة به إطلاقاً.
(1)
- عندما أدرك الفهري أن الهزيمة لحقت به، حاول التحصن في قرطبة، إلا أن عاملها عبد الرحمن بن عوسجه أغلق الأبواب في وجهه، فاضطر الفهري إلى التوجه نحو طليطلة وقيل إلى البيرة. أنظر: ابن القوطية، ص 26 - 28، أخبار مجموعة ص 89 - 90، البيان المغرب، 2/ 47، مؤلف مجهول، ذكر بلاد الأندلس (تحقيق: لويس مولينا الجزء الأول: مدريد 1983 م) 1/ 113 - 114.
(2)
- من ذلك مثلاً: موقفه من اليمنية بعد هزيمته للفهري في موقعة المصارة، انظر: ابن القوطية، ص 28، أخبار مجموعة، ص 90.
وقد أثبت الأمير عبد الرحمن الداخل مقدرة فائقة، ورباطة جأش نادرة، عندما تمكن وبكل كفاءة من الصمود وبالتالي القضاء على قوى المعارضة الداخلية والخارجية على السواء
(1)
.
وبعد حياة حافلة بالحركة الدائبة، وضع خلالها قواعد دولة إسلامية متينة البنيان، اختتم حياته ببناء المسجد الجامع بقرطبة
(2)
، وأسند ولاية العهد من بعده لابنه هشام
(3)
.
(1)
- انظر: العذري. نصوص عن الأندلس "من كتاب: ترصيع الأخبار (تحقيق: د. عبد العزيز الأهواني، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، 1965). ص: 25، 111، 117 - 118، أخبار مجموعة: ص 91 - 112. الكامل في التاريخ 5/ 126 - 127، 146، 178، 187، 188، 192، 209، 210، 213، 239 - 240، 257، 258 كارلس ديفيز. شارلمان، (ترجمة د. الباز العريني القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1379 هـ، 1959 م) ص 98 - 102، 296 - 297. خليل السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي، (بغداد، مطبعة أسعد، 1976 م)، ص 411 - 448 ومصادره.
(2)
- البيان المغرب، 2/ 229. نفح الطيب 1/ 560 - 561. وانظر: الدراسة المستفيضة للأستاذ الدكتور عبد العزيز سالم عن جامع قرطبة في كتابه: قرطبة حاضرة الخلافة في الأندلس 1/ 269 - 402.
(3)
- الأمير هشام أمه أم ولد تدعى حلل أهدتها ابنة يوسف الفهري للأمير عبد الرحمن الداخل بعد انتصاره في موقعة المصارة ودخوله قرطبة، ولد في الرابع من شهر شوال 139 هـ، وتولى الإمارة في أول شهر جمادي الأولى 172 هـ، وتوفي ليلة الخميس 8 صفر 180 هـ. وصف بأنه كان أبيض مشرب بحمرة بعينه حول، طويل الساقين. = =انظر: ابن القوطية، ص 28 - 29. ابن الفرضي: 1/ 11 - 12. قارن: البيان المغرب 2/ 61، ذكر بلاد الأندلس 1/ 118.
تسلم الأمير هشام مقاليد الإمارة في مطلع شهر جمادى الأولى سنة (172) هـ (788 م) بعد وفاة أبيه بستة أيام
(1)
، وله من العمر اثنان وثلاثين سنة وستة أشهر وسبعة وعشرين يوماً
(2)
، كان عاقلاً حازماً، ذا رأي وشجاعة، شريف النفس، خيِّراً، محباً لأهل الخير والصلاح، شديداً على الأعداء، راغباً في الجهاد، على طريقة حسنة، يحضر الجنائز ويعود المرضى ويفك الأسرى
(3)
، مما أهله لثناء المؤرخين والفقهاء على السواء مطلقين عليه لقب "الرضا" .. لرضاهم عن سيرته ومنهجه
(4)
.
(1)
- ابن الفرضي، 1/ 12.
(2)
- هناك اختلاف في تقدير سن الأمير هشام عند توليه الإمارة، فالمراكشي يرى أنه كان ابن ثلاثين سنة، انظر: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق: محمد سعيد العريان، (القاهرة 1383 هـ) ص 43، وتابعه على ذلك صاحب كتاب ذكر بلاد الأندلس 1/ 119. وهناك من رأى أنه كان ابن ثلاث وثلاثين سنة. انظر: محمد عنان، دولة الإسلام في الأندلس، (العصر الأول - القسم الأول- ط الثالثة القاهرة، 1380 هـ)، 1/ 221. د. خالد الصوفي، تاريخ العرب في الأندلس في عصر الإمارة (منشورات الجامعة الليبية)، ص 109. إلا أنني أرى أن ما أثبته هو الصواب، وتتضح صحة ذلك إذا رجعنا إلى تاريخ مولده في الرابع من شهر شوال 139 هـ.
(3)
- ابن عبد ربه: العقد الفريد، (تحقيق: احمد أمين، وغيره، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة، 1359 هـ- 1940 م) 4/ 490. ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، (تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة، دار المعارف، 1391 هـ/1971 م) ص 94. الكامل في التاريخ 5/ 308، البيان المغرب: 2/ 65، نهاية الأرب: 23/ 358.
(4)
- ابن القوطية ص 42. ابن حزم، نقط العروس، (تحقيق: د. شوقي ضيف، مجلة كلية الآداب، جامعة فؤاد الأول. م 13 ج 2 ديسمبر 1951 م) ص 50. البيان المغرب، 2/ 61. ذكر بلاد الأندلس 1/ 118 - إعمال الأعلام 2/ 12.
ولأن الأمير هشام كان معروفاً بالتدين لذا فقد كان الفقهاء أقرب الناس إليه
(1)
، مما مكنهم من تكوين سلطان عريض في بلاطه، لا يقل عن سلطان رجالات الإمارة، سارا طيلة عهده جنباً إلى جنب دونما اصطدام، فنعمت الرعية بعهد سمته العدالة والطمأنينة.
إلا أن هذا الوضع لم يكتب له الاستمرار، فقد تولى الإمارة من بعده الأمير الحكم
(2)
-180 - (206) هـ (796 ـ (822) م) الذي تباينت فيه أراء المؤرخين بين مدح وقدح
(3)
، إلا أنه بالجملة كان شديد الاعتداد
(1)
- البيان المغرب 2/ 66، ذكر بلاد الأندلس 1/ 120، 122.
(2)
- ولد الأمير الحكم سنة 154 هـ، أمه تدعى زخرف، بويع بالإمارة بعد وفاة والده بليلة، وذلك يوم الخميس لثمان خلون من صفر سنة 180 هـ كان آدم شديد الأدمة، طويلاً أشم، نحيف، لم يخضب، وكان شديد الحزم، ماضي العزم، وذا صولة تتقى، كما كان حسن التدبير لشؤون إمارته، محباً للعدل. انظر: البيان المغرب 2/ 68، 78 سير أعلام النبلاء 8/ 253 - 260.
(3)
- العقد الفريد 4/ 490 - 491، نقط العروس ص 73، جذوة المقتبس ص 10، الحلة السيراء 1/ 43، سير أعلام النبلاء، 8/ 254.
بنفسه، غير متقبل لمشاركة الآخرين له في سلطانه، سواء الفقهاء أو غيرهم، وبما أن الفقهاء كانوا هم المقربين عند والده، وكان ابنه الحكم بعكسه، لذلك فقد كان الاصطدام بين الطرفين أمراً متوقعاً
(1)
.
وعندما وقع الاصطدام، كان مبدؤه الكلام، ثم تحول إلى التخطيط للعصيان، وأخيراً انتهى إلى السيف، فذهب ضحية ذلك العديد من أعلام قرطبة، بالإضافة إلى مئات من طلبة العلم، وتشريد أهل حي الربض
(2)
(1)
- سالم بن عبد الله الخلف، العلاقات السياسية والثقافية بين الخلافة العباسية والإمارة الأموية بالأندلس، 138 - 300 هـ رسالة ماجستير (لم تطبع)، مقدمة لقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، 1410 هـ. ص 283 - 284.
(2)
- كلمة الربض في معناها اللغوي تعني الضاحية والجمع أرباض. ويقصد بها هنا المنطقة السكنية المستجدة في قرطبة العربية بعد إنشاء القنطرة وترميمها في عهد الأمير هشام الرضا، وتمتد هذه المنطقة إلى ما وراء الضفة الجنوبية لنهر الوادي الكبير حتى بلدة شقندة وامتازت بأنها كانت آهلة بالسكان. انظر: نفح الطيب، 1/ 379. ابن منظور، لسان العرب. (دار بيروت للطباعة والنشر، 1374 هـ، 1955 م). مادة ربض. د. أحمد العبادي، في التاريخ العباسي والأندلسي، ص 331 - 332. ويذكر الدكتور حسين مؤنس أن هذا الربض قد تم تحويل جزء منه إلى مقبرة عرفت بمقبرة الربض، وقد ظل هذا الربض خالياً من العمران طيلة حكم المسلمين، واليوم يقوم فيه حي من أحياء قرطبة الحالية يعرف باسم: حي الروح القدس BARRIO DEL ESPIRITU SANTO وعلى مدخل هذا الحي في مواجهة القنطرة يقوم الحصن المعروف بحصن قلهرة CASTILLO LA CALAHORRA أنشيء بعد أيام المسلمين. انظر الحلة السيراء: 1/ 44 حاشية رقم 1.
بأسره، وإزالته من الوجود، وذلك يوم الأربعاء الثالث عشر من شهر رمضان المبارك سنة (202) هـ (26 مارس (818) م) ومن هنا أُطلق على الأمير الحكم لقب "الربضي"
(1)
.
وقبل هذه الحادثة بأكثر من عقدين كان الأمير الحكم قد أخمد ثورة أهل طليطلة
(2)
سنة (181) هـ (797) بطريقة مفزعة
(3)
.
(1)
- عن ثورة الربض واكتساب الأمير الحكم بن هشام لقب "الربضي" بسببها، انظر: جمهرة أنساب العرب. ص 96، الكامل في التاريخ 5/ 413 - 414، الحلة السيراء: 44 - 46، البيان المغرب 2/ 75 - 77، سير أعلام النبلاء 8/ 255 - 258.
(2)
- طليطلة TOLEDO معناها باللاتينية: فرح ساكنوها، تقع شمال قرطبة وغرب الثغر الأعلى، كانت قاعدة ملوك القوط ومحل اختيارهم، وقد سقطت طليطلة بأيدي النصارى في منتصف شهر محرم سنة 478 هـ. ولأنها قاعدة الثغر الأدنى فقد كان سقوطها كارثة على الدولة الإسلامية في الأندلس إذ لم يلبث النصارى أن سيطروا على جميع الأراضي الواقعة جنوباً حتى جبال قرطبة وأطلقوا على هذه المنطقة الجديدة فيما بعد اسم قشتالة الجديدة CASTILLA LA NUEVA وللتوسع عن تاريخ طليطلة انظر:
LA DESCRIPTION D'FAL-ANDALUS DA RAZI AL-ANDALUS، VOL، XVIII، 1953، P: 81 - 82.
وسوف أشير إليه فيما بعد بـ"وصف الأندلس للرازي" الروض المعطار، ص 393 - 395. د. عبد المجيد نعنعي، الإسلام في طليطلة بيروت، دار النهضة العربية بدون تاريخ.
(3)
- عن هذه الحادثة انظر: ابن القوطية ص 46 - 49 البيان المغرب 2/ 69 - 70، سير أعلام النبلاء 8/ 259 - 260.
هذه الأحداث جعلت الأمير الحكم يعيش أزمة نفسية لازمته سنيه الأخيرة إلى أن توفى يوم الخميس (26) من شهر ذي الحجة سنة (206) هـ
(1)
(مايو (822) م) فتولى الإمارة من بعده ابنه الأمير عبد الرحمن
(2)
"الأوسط".
وقد كان الأمير عبد الرحمن قد اعتنى والده بتربيته وتثقيفه عناية فائقة، فنشأ نشأة طيبة، واكتسب ثقافة عالية، واتصف بصفات فريدة أطنب المؤرخون في ذكرها
(3)
. ولأنه عندما تولى الإمارة وجد بلاداً موطأة ورعية مؤدبة
(4)
، لذا فقد تفرغ لتزيين دولته، منطلقاً في ذلك من رصيد ثقافي يمتلكه، من هنا فقد كانت فترة حكمه فترة متميزة، وساعد على
(1)
- ابن القوطية ص 55، ابن الفرضي 1/ 12، الحلة السيراء: 1/ 46 - 47، البيان المغرب: 2/ 77. ذكر بلاد الأندلس 1/ 133.
(2)
- ولد الأمير عبد الرحمن بطليطلة في شهر شعبان سنة 176 هـ، أمه تسمى حلاوة، كان وادعاً محمود السيرة، تولى الإمارة ليلة وفاة والده، كان أشم، أقنى، أعين، أسود العينين، طوالاً، فخماً، مسبلاً عظيم اللحية، يخضب بالحناء. انظر: ابن الفرضي 1/ 12 - 13. ابن حيان، المقتبس، تحقيق د. محمود علي مكي، (بيروت، دار الكتاب العربي، 1973 م)، ص 17، 22 جذوة المقتبس، ص 10.
(3)
- انظر المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 89 - 91. أخبار مجموعة ص 135، الحلة السيراء 1/ 113، البيان المغرب 2/ 91، ذكر بلاد الأندلس 1/ 137. ابن سعيد، المغرب في حُلى المغرب، (تحقيق د. شوقي ضيف، (القاهرة، دار المعارف، 1969 م)، 1/ 45.
(4)
- ذكر بلاد الأندلس 1/ 139.
ذلك التميز أن الفقهاء استعادوا مكانتهم في عهده
(1)
، فنتج عن هذه الأمور استقرار اجتماعي، الأمر الذي سمح للنشاط الاقتصادي بالنمو والإزدهار، وبذلك حصل تغير ملموس سواء بالنسبة لرسوم الإمارة أو على مستوى الوسط الاجتماعي وذلك بسبب الروافد الثقافية القادمة من المشرق.
وبعد وفاة الأمير عبد الرحمن الأوسط ليلة الخميس 3 ربيع الآخر سنة (238) هـ
(2)
(22 سبتمبر (852) م) تولى الإمارة من بعده ابنه الأمير محمد
(3)
الذي أثنت عليه المصادر، ووصفته بأنه كان كاملاً عاقلاً على أخلاق جميلة ومكارم حميدة
(4)
، محباً للعلوم، مؤثراً لأهل الحديث، حسن
(1)
- سالم الخلف، المرجع السابق ص 295 - 297.
(2)
- المقتبس، تحقيق د. محمود مكي ص 17.
(3)
- ولد الأمير محمد في شهر ذي القعدة سنة 207 هـ، أمه أم ولد اسمها بُهيرِ، تولى الإمارة ليلة وفاة والده، وصف بأنه كان أبيض، مشرباً بحمرة، ربعة، أوقص، وافر اللحية، يخضب بالحناء والكتم، اشتهر بالفصاحة والبلاغة، وكان عظيم الأناة، متنزهاً عن القبيح مؤثراً للحق وأهله. انظر: ابن الفرضي 1/ 13. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 102، جذوة المقتبس ص 11. البيان المغرب 2/ 93 - 94، 107.
(4)
- البيان المغرب 2/ 107.
السيرة
(1)
، امتاز بالذكاء والفطنة
(2)
، ذا دراية بالأمور وبصيرة بوجوه الرأي
(3)
.
وقد تأثرت دولته بوجود رجلين إداريين في وقتين مختلفين، ففي النصف الأول من عهده امتازت إدارته بالانضباط والحزم، وذلك لوجود حاجب رشيد هو عيسى بن شهيد
(4)
الذي كان على مستوى كبير من الكفاءة وحتى بعد وفاته سنة (243) هـ (857 م) لم يختل نظام الإدارة إذ خلفه على منصبه عيسى بن الحسن ابن أبي عبد ة
(5)
، لأنه كان لا يقل عن
(1)
- جذوة المقتبس ص 11.
(2)
- الكامل في التاريخ 6/ 349.
(3)
- المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص 134.
(4)
- عيسى بن شهيد بن عيسى بن شهيد بن الوضاح، أحد أعيان الموالي في الدولة الأموية، اشتهر بالحلم والوقار والحصافة والعلم والمعرفة والجزالة، حتى أن شيوخ الأندلس اتفقت كلمتهم على أنه ما خدم بني أمية في الأندلس أكرم منه، استعمله الأمير عبد الرحمن الأوسط في عدة خطط إلى أن ولاه الحجابة سنة 218 هـ، وظل في منصبه إلى وفاته سنة 243 هـ. انظر: ابن القوطية، ص 74 - 75، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 26 - 30، المغرب في حُلى المغرب 1/ 50، البيان المغرب 2/ 84.
(5)
- عيسى بن أبي عبدة، ينتمي لأسرة من أكبر أسر موالي بني أمية في الأندلس، عُرف عيسى بالرثاثة وعدم الرشاقة في الخدمة، تغلب عليه غفلة السلامة، إلا أنه كان مشهوداً له بالدقة في التدبير وجودة الرأي، تولى الحجابة بعد ابن شهيد، وكانت العلاقة بينه وبين الوزير هاشم بن عبد العزيز سيئة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 152 - 155.
سلفه كفاءة ومروءة، ولكن الوضع تغير كلية بعد أنه أصبح الوزير هاشم بن عبد العزيز
(1)
هو الغالب على الأمير محمد المدبر لدولته، فقد أفسد على الأمير منهجه "بشرهه وصلفه، وحمله على غير المنهج من محمود طرقه، وعدل عن اختيار ثقات العمال من الشيوخ والكهول وأولي السوابق والأصول إلى الأحداث واللاحقين من أولي الشره والخيانة ودناءة الأصول والبراءة من عهدة الحياء والمروءة
(2)
" فكانت النتيجة فساد الحال وانخفاض دخل الدولة بسبب سوء سيرة الولاة، وتبدل نفوس القائمين على الأعمال، فكان ذلك مدعاة لرفض الرعية لهذا الوضع، الأمر الذي ترتب عليه اندلاع الفتن في الداخل، وكثرت التهديدات من الخارج، فعاشت
(1)
- أبو خالد هاشم بن عبد العزيز بن هاشم بن خالد، أصله من موالي أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولأسرة هاشم مكانة مرموقة بإلبيرة، كان هاشم خاصاً بالأمير محمد بن عبد الرحمن، فعظمت منزلته لديه، وصيره أخص وزرائه، عرف بالبأس والجود والفروسية والكتابة والبيان والبلاغة وقرض الأشعار البديعة، لكنه بالمقابل كان تياهاً، معجبا بنفسه، مما أحقد عليه القلوب، استحجبه الأمير المنذر بن محمد ثم نكبه وحبس أكابر أولاده، ومات هاشم مقتولاً في ليلة الأحد 26 شوال سنة 273 هـ. انظر: ابن القوطية، ص 82، 84 - 86، 89 - 90، 92 - 93، 97 - 98، 102 - 103، المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص 159 - 160 والتعليق رقم 330. جذوة المقتبس، ترجمة رقم 864. الحلة السيراء 1/ 137 - 142، المغرب في حلى المغرب 1/ 52، 53، 94، 132، 133، 152، 153، 2/ 22، 94 - 95.
(2)
- المقتبس: تحقيق د. محمود مكي، ص 131.
الدولة أياماً عصيبة "حتى خُرقت الهيبة وزال صدر الحرمة
(1)
" وما توفي الأمير محمد حتى كانت الفتنة مستعرة في معظم أرجاء الأندلس
(2)
.
ولعل أشد حركة واجهت الأمير محمد هي حركة عمر بن حفصون
(3)
، ويكفي للدلالة على ذلك أنها
(1)
- المغرب في حلى المغرب، 1/ 53.
(2)
- المقتبس تحقيق: د. محمود مكي، ص 132.
(3)
- عمر بن حفصون بن عمر بن جعفر بن شيتم بن دميان بن فرغلوش بن إذفونش، من مسالمة الذمة من كورة تاكرنا من عمل رنده، هرب من الأندلس، ونزل بمدينة تاهرت بالمغرب الأوسط، ومارس مهنة الخياطة هناك عند أحد المولدين، ثم عاد إلى مسقط رأسه وجمع حوله عدداً كبير من المولدين وأعلن تمرده ببشتر سنة 267 هـ واستمر في تمرده حتى هلك سنة 305 هـ. انظر: ابن القوطية ص 90 - 94، 101، 103، 107، 109، 111 - 115. ابن حيان: المقتبس (طبعة ملشورم انطونيه، باريس 1937)، ص 50 - 54، 82 - 84، 89 - 94، 96 - 109 وغيرها. ابن حيان، المقتبس، الجزء الخامس، (نشر: بدرو شالميتا وغيره، مدريد، المعهد الأسباني العربي للثقافة، 1979 م)، ص 63 - 64، 66 - 68، 72، 93، 112 - 116، 130 - 133، 138 - 142، البيان المغرب 2/ 104، 171. ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، (تحقيق: محمد عبد الله عنان القاهرة، مكتبة الخانجي، 1393 - 1397 هـ (1973 - 1976 م) 4/ 38 - 42.
استمرت إلى أوائل القرن الرابع الهجري
(1)
(العاشر الميلادي).
وبعد وفاة الأمير محمد عقب صلاة عصر يوم الخميس (28) صفر (273) هـ ـ
(2)
(4 أغسطس (886) م) تولى الإمارة ابنه الأمير المنذر
(3)
، فتصدى لتلك الفتن بكل كفاءة واقتدار، إلا أنه لم يتمكن من إخمادها بسبب وفاته، إذ أن مدة إمارته لم تتجاوز سنتين، وفي هذا يقول ابن عذاري فيما يرويه عن بعض الشيوخ " أنه لو عاش المنذر عاماً واحداً
(1)
- عن هذه الثورة، انظر: د. محمد عيسى الحريري، ثورة عمر بن حفصون زعيم المولدين في الجنوب الأندلسي (دار الكتاب الجامعي القاهرة ط الأولى 1402 هـ/1982 م) وللأستاذ حسين مؤنس تعليق طريف لاستمرارية ثورة ابن حفصون وعجز جيوش الإمارة عن سحقها. انظر د. حسين مؤنس: رحلة الأندلس حديث الفردوس المفقود (القاهرة، الشركة العربية للطباعة والنشر، ط الأولى 1963 م) ص 249.
(2)
- ابن الفرضي 1/ 13.
(3)
- ولد الأمير المنذر سنة 229 هـ أمه أم ولد تسمى أثل، تولى الإمارة يوم الأحد 9 ربيع الول سنة 273 هـ كان أسمر، جعد الشعر، بوجهه أثر جدري، يخضب بالحناء والكتم، شجاعاً: صارماً، ذا عزم وحزم. انظر: ابن الفرضي 1/ 13 - 14 جذوة المقتبس ص 11 البيان المغرب 2/ 113 - 114، 120.
زائداً لم يبق برية
(1)
منافق
(2)
" وذلك لشجاعته وحزمه وفي يوم السبت (15) من شهر صفر سنة (275) هـ
(3)
(30 يونيو (888) م) توفي الأمير المنذر وهو محاصر لقلعة ابن حفصون ببشتر
(4)
. فتولى الإمارة من بعده أخوه
(1)
- رية: إقليم في جنوب شرق الأندلس عاصمته مالقة، وكلمة رية مأخوذة من اللاتينية REGIO أي الملكية، أو هي تعني عند القوط: سلطانة، فهي سلطانة البلاد، اشتهرت بخيراتها الزراعية الوفية، بالذات أشجار الموز والتين، كانت منزلاً لجند الأردن عندما تم توزيع الجند الشاميين. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم 45، الحلة السيراء 1/ 61 - 62، حاشية رقم 1، المغرب في حلى المغرب 1/ 423، ARABICO-ESPANOLOL: P. 48.
(2)
- البيان المغرب 2/ 120.
(3)
- ابن الفرضي 1/ 14.
(4)
- ببشتر BOBASTRO حصن يقع جنوبي قرطبة على مسافة ثمانين ميلا، وصف بأن الأبصار تزل عنه فكيف بالأقدام، بني على صخرة صماء منقطعة لها بابان، ويتوصل إلى أعلاها من شعب يسلكه الداخل الخفيف، وطريقه عند الطلوع والهبوط على النهر، وأعلى الصخرة سهلة مربعة غزية المياه ولهذا الحصن قرى كثيرة وحصون، وماحوله كثير المياه والأشجار، انظر: الروض المعطار ص 79. هذا وقد خلط بعض المؤرخين بين ببشتر وبربشتر. انظر: البيان المغرب 2/ 117. وبربشتر تقع في منطقة الثغر الأعلى. انظر: الروض المعطار ص 90 - 91.
الأمير عبد الله
(1)
، وهذه حالة فريدة في تاريخ الدولة الأموية بالأندلس، إذ أن نظام الحكم فيها وراثي محدد في الولد بعد أبيه
(2)
.
وقد تباينت الآراء في الأمير عبد الله بين ذم وثناء
(3)
، واتُهم بقتل أخيه الأمير المنذر
(4)
، وعندما تولى الإمارة كانت الفتن مندلعة في كافة أرجاء الأندلس
(5)
، حتى أن قصر الإمارة في قرطبة لم يعد بمنأى عنها
(6)
، وأصبحت الإمارة الأموية تكتفي في أكثر أيام الأمير عبد الله بأخذ مقدار
(1)
- ولد الأمير عبد الله في النصف من ربيع الآخر سنة 229 هـ، أمه أم ولد تسمى بهار أو عشار، كان بصيراً بلغة العرب، فصيح اللسان. حسن البيان، حافظاً لأشعار العرب محباً للعلم وأهله، وصف بأنه كان أبيض أصهب، مشرباً بحمرة، أزرق، أقنى، يخضب بالسواد، ربعة إلى الطول، عظيم الكراديس. انظر، ابن الفرضي 1/ 14، جذوة المقتبس ص 12، البيان المغرب 2/ 120 - 121، 151.
(2)
- ذكر ابن حزم أن الأمير الحكم الربضي كان قد جعل الأمر من بعده لولديه عبد الرحمن ومن ثم المغيرة، لكن عبد الرحمن خلع أخاه. انظر: جمهرة أنساب العرب ص 98.
(3)
- انظر: العقد الفريد 4/ 497، المقتبس، طبعة: انطونيه ص 33 - 41، البيان المغرب 2/ 152 - 153. أعمال الأعلام 2/ 26.
(4)
- عن هذه المسألة انظر: د. محمد إبراهيم أبا الخيل، الأندلس في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري 275 - 300، (الرياض، مطبوعات مكتبة الملك عبد العزيز 1416 هـ/1995) ص 79 - 82 ومصادره.
(5)
- المقتبس، طبعة انطونية ص 9 - 32.
(6)
- المصدر السابق ص 92، 93، 102. أخبار مجموعة ص 151، الإحاطة 4/ 40 - 41.
من المال من بعض أهل الطموح، ليعتبر ذلك إعلاناً للتبعية
(1)
، وهذا في الوقت الذي كانت فيه سلطة الأمير الحقيقية لا تتجاوز قرطبة وقراها المجاورة، وهي السمة الغالبة على أكثر سني حكمه.
ورغم أن الأمير لم يفقد رباطة جأشه أمام تلك الشدائد
(2)
، إلا أنه بالمقابل كان يشعر بإحباط داخلي فقد معه الثقة بالآخرين، الأمر الذي نتج عنه قتله لاثنين من إخوته، ومثلهما من أبنائه، وظل طيلة سني حكمه في صراع مع ثوار الأندلس حتى وفاته ليلة الخميس الأول من شهر ربيع الأول سنة (300) هـ
(3)
(16 أكتوبر (912) م).
هذا هو عصر الإمارة الذي امتد أكثر من قرن ونصف القرن تعاقب خلال تلك الحقبة على الحكم سبعة أمراء، وإذا كان الأمير عبد الرحمن بن معاوية قد استغرق فترة حمكه في مواجهات مستمرة مع مناوئيه، فإن تلك الفترة تعتبر فترة تأسيس للدولة وترسيخ لقواعدها، ووضع أسسها العامة إدارياً وعسكرياً، والتي كفل الأخذ بها -بعون الله تعالى- استمرارية حكم
(1)
- أخبار مجموعة ص 151 - 152.
(2)
- د. حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، (القاهرة، دار مطابع المستقبل، 1980 م)، ص 304 - 305.
(3)
- ابن الفرضي 1/ 14 نقط العروس ص 78 - 79. المقتبس، طبعة أنطونية ص 50 - 147 د. محمد إبراهيم أبا الخيل، المرجع السابق، ص 105 - 309.
الأمويين في الأندلس مدة تزيد على ثلاثة أضعاف ما عاشته دولة أسلافهم في المشرق.
كما تُعد فترة حكم الأمير عبد الرحمن الأوسط مرحلة قطف الثمرة التي غرس شجرتها وحفها بعناية من سبقه من آبائه.
وأما ما يخص الصراع الذي شهده عصر الإمارة فيمكن تقسيمه إلى قسمين، جرى كل قسم منهما في مدة زمنية معينة منفصلة عن الأخرى.
فالقسم الأول من الصراع الذي جرى في النصف الأول من ذلك العصر، كان صراعاً بين أفراد البيت الأموي، وذلك من أجل الوصول إلى السلطة.
وعندما اختفى هذا النمط من الصراع، ظهر في النصف الثاني من عصر الإمارة صراع من نوع آخر، يتمثل في حركات وفتن متعددة، اندلعت في أرجاء البلاد، كان معظمها ذا طبيعة شعوبية أو عنصرية، وإذا كان بعض قادتها قد اكتفوا بالدفاع عن مكتسباتهم فقط، فإن بعضهم الآخر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد أخذ يهاجم قرطبة عاصمة الإمارة.
وهناك حركات مناوئة قادها العرب، أرادوا من خلالها الإعلان عن وجودهم القوي في المجتمع الأندلسي،
وأنه ليس بإمكان الإمارة الأموية أن تتجاهلهم، وذلك مثل بني الحجاج
(1)
في إشبيلية
(2)
.
هذه الحركات هزت أركان الإمارة الأموية، وتركت آثارها على المستوى العام للأندلس، وربما لا نبعد عن الصواب عندما نقول إنها كانت أمراً متوقعاً، وذلك نتيجة للتفاعلات الحضارية والثقافية الواردة إلى
(1)
- عن ثورة بني الحجاج في اشبيلية والتي اندلعت في عهد الأمير عبد الله بن محمد واستمرت حتى تمكن الأمير عبد الرحمن بن محمد من القضاء عليها وإخضاع اشبيلية لقرطبة، وذلك يوم الاثنين لخمس خلون من جمادى الأولى سنة 305 هـ. انظر: المقتبس، طبعة: أنطونية، ص 67 - 85، 110 - 114، المقتبس طبعة: بدروشالميتا ص 69 - 79. د. حمدي عبد المنعم حسين، التاريخ السياسي لمدينة اشبيلية في العصر الأموي (الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، 1407 هـ 1987 م) ص 61 - 113. أبا الخيل، المرجع السابق، ص 227 - 259 ومصادره.
(2)
- اشبيلية sevilla مدينة قديمة، أصل تسميتها "إشبالي" معناه المدينة المنبسطة وأما اسم اشبيلية فقد أطلق عليها فيما بعد وتعني التنجيم، وبالقرب من اشبيلية يوجد جبل الشرف الشهير بأشجار الزيتون وقد خرجت اشبيلية من أيدي المسلمين في شهر شعبان سنة 646 هـ. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص 92، البكري: جغرافية الأندلس وأوروبا، ص 107 ـ 119. ابن غالب، فرحة الأنفس في أخبار الأندلس، (نشر قطعة منه د. لطفي عبد البديع تحت عنوان "تعليق منتقى من فرحة الأنفس في تاريخ الأندلس" القاهرة مجلة معهد المخطوطات العدد الأول القسم الثاني 1375 هـ/1955 م) ص 292 - 293، الروض المعطار ص 58 - 60 د. حمدي عبد المنعم، التاريخ السياسي لمدينة اشبيلية ص 7 - 26.
الأندلس من أقطار شتى، بالإضافة إلى التنافس الاجتماعي القوي بين أفراد المجتمع الأندلسي، كل هذا نتج عنه أفكار ورؤى وتطلعات تجسدت في حركات مناوئة. الغرض منها إثبات الذات لزعماء تم تجاهلهم، وإحداث تغيير يلبي مصالح المجتمع، ويلغي استئثار فئة معينة من فئات المجتمع بأوضاع تميزهم عن البقية دون وجه حق.
لأجل ذلك فإن إطلاق مصطلح "عصر دويلات الطوائف الأولى
(1)
" على النصف الثاني من عصر الإمارة، والذي يشغل تقريباً فترة النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) هو تعبير مختصر عن وضع كانت البلاد تعيشه طيلة تلك الفترة.
أما عصر الخلافة الذي استمر مائة وست سنوات، فيمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل، الأولى منها هي مرحلة عصر قوة الخلافة، وهو العصر الذي كان الخليفة فيه متمتع بكافة المؤهلات التي تمكنه ليس فقط من إصدار القرارات، بل مع ضمان سرعة تنفيذها. وهذه المرحلة لم يكتب لها البقاء طويلاً، إذ أن عمرها لا يتجاوز نصف قرن، وذلك إذا جعلنا تاريخها يبدأ من إعلان الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله
(2)
نفسه خليفة في
(1)
- في التاريخ العباسي والأندلسي، ص 366.
(2)
- ولد الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد يوم الخميس منتصف شهر رمضان 277 هـ أمه أم ولد تسمى مزنة، قتل والده بعد ولادته بأحد وعشرين يوماً، فتربى عند جده الأمير عبد الله، وليلة وفاته تولى الإمارة عبد الرحمن بن محمد، كان شهماً صارماً أخمد الله على يديه نيران الفتن المستعرة في أرجاء الأندلس، ودخل الناس في طاعته، كان أبيض ربعة، أشهل، حسن الجسم، جميلاً، يخضب بالسواد. انظر: ابن الفرضي 1/ 14 - 15، البيان المغرب 2/ 156 - 157، 213 - 234.
الأندلس، وذلك يوم الخميس مستهل ذي الحجة سنة (316) هـ
(1)
(15 يناير (929) م).
وكانت الإمارة الأموية في الأندلس في مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) لا تسيطر إلا على قرطبة وقراها، فتمكن الخليفة عبد الرحمن بن محمد الشهير بالناصر من بسط نفوذه على المدن التي خرجت عن نطاق سيطرة قرطبة، وكان يعتمد على المركزية المطلقة في الحكم، شديد التمسك بها
(2)
، حتى أنه كان يناقشها مع بعض الوفود الدبلوماسية التي تقدم إلى قرطبة لزيارته
(3)
، ولكنه مع كل هذا كان يجيد التعامل مع أنصاره ومناوئيه على السواء، فقد امتاز بالوفاء بالعهد، وإكرام من أتاه طائعاً، الأمر الذي ساعده كثيراً في السيطرة على البلاد
(4)
.
(1)
- المقتبس، طبعة بدروشالميتا، ص 241 - 242، البيان المغرب 2/ 198 - 199.
(2)
- ستانلي لين بول، العرب في أسبانيا (ترجمة: علي الجارم، القاهرة، دار المعارف 1947 م)، ص 99.
(3)
- محمد عنان، دولة الإسلام في الأندلس: 1/ 2/417.
(4)
- المغرب في حُلى المغرب، 1/ 182 - 185. عندما تطرق ليفي بروفنسال لذكر عبد الرحمن الناصر وصفه بقلة الورع، وأنه صاحب تقوى ظاهرية، وأن خوفه من الفقهاء هو الذي حال بينه وبين تولية منصب قضاء الجماعة لأي شخصية من أصل أندلسي، وذلك لشدة تسامحه مع اليهود والنصارى الذي لم يشعر تجاههم بأي تعصب، كما كان عصره فترة ازدهار لهم. انظر: L.PROVENCAL: HISTOIRE DE L'ESPAGNE MUSLMANE. 3.VOLS.PARIS 1950، T، 11، P:3. هذه نظرة مؤرخ معادٍ للإسلام وأهله ولذا فليس من المستغرب أن يأتي منه أكثر من هذا.
كما عُرف عن الخليفة عبد الرحمن الناصر حزمه ويقظته وعدم خلوده للراحة، ومما يدل على ذلك، أنه بالرغم من استمرار حكمه مدة خمسين سنة وسبعة أشهر وثلاثة أيام، إلا أنه عندما أخذ يعد الأيام التي صفى له سرورها من هذه المدة الطويلة، لم يجد إلا أربعة عشر يوماً فقط
(1)
.
وبعد حياة حافلة بالمنجزات الهائلة توفي الخليفة عبد الرحمن الناصر وذلك يوم الأربعاء 3 رمضان سنة (350) هـ
(2)
(16 أكتوبر (961) م) فتولى الخلافة من بعده ابنه الحكم المستنصر بالله
(3)
، وذلك يوم الخميس 4
(1)
- البيان المغرب 2/ 168.
(2)
- ابن الفرضي 1/ 14.
(3)
- ولد الخليفة الحكم المستنصر بالله يوم الجمعة عند صلاتها. غرة رجب سنة 302 هـ. أمه أم ولد إسمها مرجانه، وصف بأنه كان أبيض مشرباً بحمرة، أعين، أقنى، جهير الصوت، قصير الساقين، ضخم الجسم، غليظ العنق، عظيم السواعد أفقم. انظر: ابن الفرضي 1/ 15، المقتبس، طبعة بدرو شالميتا، ص 101 - 102، البيان المغرب، 2/ 233، سير أعلام النبلاء، 16/ 230 - 231.
رمضان
(1)
(17 أكتوبر)، وقد كان الخليفة الحكم معروفاً بحسن السيرة
(2)
والفضل والعدل
(3)
، رفيقاً بالرعية
(4)
، من أهل الدين والعلم، إماماً في معرفة الأنساب، حافظاً للتواريخ، مميزاً للرجال
(5)
، مكرماً للقادمين عليه من العلماء، جماعة للكتب، آثر العلم على لذات الملوك
(6)
. وعندما استلم الحكم المستنصر بالله الخلافة كان لديه رصيد هائل من التجربة التي اكتسبها من طول ملازمته لوالده، ويبدو أنه كان متأثراً به لدرجة أن الناس لم يعدموا من عبد الرحمن الناصر إلا شخصه، أما ماعدا ذلك فكأنه كان موجوداً بينهم
(7)
، وذلك إذا استثنينا عدم اتباع الخليفة الحكم المستنصر بالله للمركزية المطلقة في إدارة الدولة، فقد
(1)
- ابن الفرضي 1/ 15.
(2)
- جذوة المقتبس ص 13.
(3)
- الحلة السيراء 1/ 200.
(4)
- جمهرة أنساب العرب ص 100.
(5)
- أعمال الأعلام 2/ 41.
(6)
- نفح الطيب 1/ 395.
(7)
- المصدر السابق 1/ 382.
كان حاجبه جعفر بن عثمان المصحفي
(1)
هو القائم بتدبير الأمور الموكل إليه تصريفها
(2)
.
وقد كان الخليفة المستنصر بالله شديد الاهتمام برعيته، مراقباً الله تعالى فيهم، فوظف الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي الذي كانت تعيشه دولته، فيما يعود بالمنفعة على الرعية، وتفرغ هو لطلب
(1)
- جعفر بن عثمان بن نصر بن عبد الله القيسي المصحفي، من برابر بلنسية، كان والده مؤدباً للحكم بن عبد الرحمن الناصر، فلما توفي عثمان سنة 327 هـ قرب الحكم إليه جعفراً المصحفي، وجعله كاتباً عنده، وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر تقلب جعفر في عدة مناصب، وبعد أن تولى الحكم الخلافة استوزر جعفراً وولاه كتابته الخاصة بالإضافة إلى الشرطة وخدمة ابنه الأمير هشام، وظل جعفر موضع ثقة الخليفة الحكم وأقرب الناس إليه طيلة عهده، ثم تولى الحجابة لهشام المؤيد، إلا أن المنصور ابن أبي عامر تسلط عليه فحاكمه وصادره وأهانه وسجنه بالمطبق حتى هلك سنة 372 هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 898، جذوة المقتبس، ترجمة رقم 353، ابن بسام، الذخيرة، (تحقيق: د. إحسان عباس، ليبيا -تونس، الدار العربية للكتب، 1399 - 1979 م)، ق 4 م 1 ص 58 - 70. الفتح بن خاقان، مطمح النفس، (تحقيق: محمد علي شوابكه، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1403 هـ/1983 م)، ص 153 - 166. الحلة السيراء 1/ 257 - 267، البيان المغرب 2/ 260 - 272.
(2)
- البيان المغرب 2/ 251.
العلم ومجالسة العلماء
(1)
، وبذل بلا حدود في سبيل اقتناء الكتب، حتى تجمعت لديه مكتبة قل نظيرها
(2)
.
وعندما شعر الخليفة الحكم، المستنصر بالله، بالضعف في بدنه، سارع إلى أخذ البيعة بولاية العهد من بعده لابنه هشام
(3)
، وذلك في يوم السبت مستهل جمادى الآخرة سنة (365) هـ
(4)
(5 فبراير (976) م).
(1)
- الحلة السيراء 1/ 201.
(2)
- جمهرة أنساب العرب ص 100، الحلة السيراء 1/ 204 - 207.
(3)
- ولد هشام يوم الأحد 8 من شهر جمادى الآخرة سنة 354 هـ، أمه تدعى صبح البشكنسيه بويع بالخلافة صبيحة يوم الاثنين الرابع من شهر صفر سنة 366 هـ، كان أبيض أشهل، أعين خفيف العارضين لحيته إلى الحمرة، حسن الجسم قصير الساقين، مائل إلى العبادة والانقباض، مغفَّل يصدق تراهات الخبثاء. انظر: ابن الفرضي 1/ 15، البيان المغرب 2/ 249، 253، أعمال الأعلام 2/ 48، 58، ذكر بلاد الأندلس 1/ 173 - 174.
(4)
- البيان المغرب 2/ 249. لقد وقع الخليفة الحكم المستنصر بالله في خطأ ترك أثاره على الأندلس والوجود الإسلامي هناك، فبالرغم من الصفات الحسنة التي اشتهر بها ذلك الخليفة، إلا أنه أسند ولاية العهد من بعده لابنه الذي لم يبلغ الحلم، كل هذا وقوعاً منه تحت تأثير العاطفة وحبه لولده وأم ولده وتحسين بطانته له هذا الفعل الشنيع لأن تلك البطانة السيئة لم تنظر أبداً إلا لمصلحتها هي فقط، ولعل جعفر المصحفي كان له أكبر الأثر في هذا الأمر، فمنذ أن شاع الخبر بأن صبحاً البشكنسية زوجة الخليفة الحكم، حبلى بادر جعفر فألقى قصيدة بين يدي الخليفة يهنئه فيها بهذا الخبر السعيد، وبما أن الخليفة قد عرف عنه كلفه الشديد بالولد لأنه لم يرزق بمولود رغم تقدمه بالسن، لذا فقد استغل المصحفي هذا الأمر، وبادر إلى ترشيح ذلك الجنين بولاية العهد ومن ثم الخلافة، ومما جاء في تلك القصيدة قوله:
هنيئاً للأنام وللإمام
…
كريم يستفيد على كرام
مرجى للخلافة وهو
…
ماء مأمول لآمال عظام
وما إن وضعت صبح مولودها، حتى بادر هذا الحاجب الوصولي فارتجل قصيدة بهذه المناسبة بين يدي الخليفة الذي أعياه طول الانتظار لإطلالة هذا المولود على الدنيا ومما جاء في تلك القصيدة:
اطلع البدر من حجابه
…
واطرد السيف من قرابه
وجاءنا وارث المعالي
…
ليثبت الملك في نصابه
والمصحفي في قصيدته الثانية يؤكد ما أملاه على سيده في قصيدته الأولى كل هذا بأسلوب نفسي بارع جعل الخليفة يقع تحت تأثيره: انظر: البيان المغرب 2/ 237. الذخيرة، ق 4 م 1 ص 53. د. عبد السلام الهراس: الأندلس بين الاختبار والاعتبار، محاولة لدراسة ضياع الأندلس وسقوطها من الفتح إلى نهاية العصر الأموي، (من بحوث ندوة الأندلس قرون من التقلبات والعطاءات، المنعقدة في الرياض من 15 - 19 جمادى الأولى 1414 هـ، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض) ص 11 - 12.
وأما المرحلة الثانية من مراحل عصر الخلافة، فهي التي سيطر فيها العامريون على الخلافة، فبعد أن توفي الخليفة الحكم ليلة الأحد لثلاث خلون من شهر صفر سنة (366) هـ
(1)
(الأول من أكتوبر (977) م) حرص مجلس
(1)
- الذخيرة ق 4 م 1 ص 58 - 59.
الوصاية المكوَّن من الحاجب جعفر المصحفي وغالب بن عبد الرحمن الناصري
(1)
ومحمد بن عبد الله بن أبي عامر
(2)
(1)
- هو القائد الأعلى أبو عثمان غالب بن عبد الرحمن الناصري، شيخ موالي الأندلس قاطبة، وفارس الأندلس في عهده، تولى القيادة العليا للجيوش الأندلسية، ولقب لوحده بذي السيفين، استعان به ابن أبي عامر للتخلص من جعفر المصحفي، ثم انقلب عليه، فجرى الصدام العسكري بينهما، وقد مات غالب فجأة يوم السبت الرابع من شهر محرم سنة 371 هـ وعمره نحو ثمانين عاماً. انظر: نقط العروس، ص 81 - 82، المقتبس:(تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، بيروت، دار الثقافة، 1983 م)، ص 69، 102، 108 - 109، 126، 130 - 136، 145 - 146، 174 - 182، 194 - 200، 219 - 223، البيان المغرب: 2/ 221، 240، 241 - 246، 247، 248، 265 - 267، 268 - 296، أعمال الأعلام 2/ 61 - 65.
(2)
- محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر المعافري، أصله من الجزيرة الخضراء، قدم قرطبة شاباً، فبرع في طلب العلم، ثم اتصل بصبح البشكنسيه زوجة الخليفة الحكم، فنصبته لخدمتها وخدمة ابنها عبد الرحمن، فلما توفي تولى ابن أبي عامر خدمة الأمير هشام، ومن ثم تولى عدة مناصب إدارية في عهد الخليفة الحكم المستنصر، انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم 121، مطمح الأنفس ص 388 - 397، الذخيرة ق 4 م 1 ص 56 - 78، الضبي، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس، (نشر: فرانسيسكو كوديرا، وخليان ريبيرا، مدريد، مطبعة روخس، 1884 م)، ترجمة رقم 242. الحلة السيراء 1/ 268 - 277. ابن الأبار، التكملة لكتاب الصلة، (نشر: فرانسيسكو كوديرا، مدريد، مطبعة روخس، 1887 م)، رقم 1914 م.
بالإضافة إلى صبح والدة هشام
(1)
، على تنفيذ وصية الخليفة بتولية ابنه هشام من بعده
(2)
فتم لهم ذلك. وقد وقع الخليفة الصبي تحت سيطرة ابن أبي عامر، الذي أصبح أمر الدولة بيده، وذلك بعد أن تجاوز كافة الموانع المادية والأخلاقية التي كانت تحول بينه وبين هدفه، وبذلك قوي أمره، ولم يعد للخليفة أي سلطان.
وقد أثار تسلط ابن أبي عامر على الخليفة سخط الأمويين، فدبر عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر (367) هـ
(3)
(977 م) محاولة انقلابية للتخلص من ابن أبي عامر وإقصاء هشام عن الخلافة، ودبر الأمر مع عبد الرحمن بعض وجهاء المجتمع الأندلسي وبايعوه بالخلافة، منهم عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي
(4)
، صاحب خطة
(1)
- صبح أو صبيحة، ترجمة لكلمة Aurora ومعناها الفجر أو الصباح الباكر، كان الخليفة الحكم المستنصر بالله يسميها جعفر، وكانت مغنية حظية عنده، توفيت في حياة ابنها هشام المؤيد. أنظر البيان المغرب 2/ 253.
(2)
- المصدر السابق 2/ 249، 260 - 262.
(3)
- الحلة السيراء 1/ 280.
(4)
- أبو مروان عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي، ولد سنة 328 هـ، سمع من أبيه وغيره، وكان عبد الملك متهماً بالاعتزال، تولى خطة الرد أيام الخليفة الحكم المستنصر بالله، الذي كان كثيراً ما يبعث به أميناً ليتعرف على أحوال الناس في الكوروسير عمالهم فيهم. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 823، ابن حزم، طوق الحمامة، (تحقيق: حسن صيرفي، القاهرة، المكتبة التجارية الكبر، بدون تاريخ)، ص 45، المقتبس، تحقيق د. عبد الرحمن الحجي ص 100، 104.
الرد
(1)
، وزياد بن أفلح
(2)
، صاحب المدينة، إلا أن المؤامرة فشلت، فقتُل عبد الرحمن بن عبيد الله، كما صُلب عبد الملك بن منذر على باب السدة
(3)
، وذلك يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة سنة (368) هـ
(4)
(يناير 979).
(1)
- طوق الحمامة، ص 45.
(2)
- زياد بن أفلح، أحد زعماء الصقالبة، ومن وزراء العامريين وكبار رجالهم، كان يلي المدينة، وقد اشترك في المخطط الانقلابي، إلا أنه عندما أدرك فشل المحاولة انقلب على أصحابه مخافة افتضاح أمره، وهو الذي أيد صلب عبد الملك بن منذر وقد توفي زياد سنة 368 هـ دون أن يُكشف أمره، إذ أعانه أحمد بن محمد بن عروس على ذلك. انظر: الحلة السيراء 1/ 278 - 280، والحاشية رقم 2.
(3)
- باب السدة: هو الباب الرئيسي لقصر الحكم بقرطبة، يقع على مقربة من الرصيف، ويعلوه السطح المشرف، وسوف نتعرف فيما بعد على أهمية هذا الباب. وعنه انظر: قرطبة حاضرة الخلافة 1/ 191 - 192.
Balbas: Bub Al Sudda y los Zudas de la Expana oviental Al Andalus Fasc. 1، 2، vol، xvll، 1952، p: 165 - 175.
(4)
- ابن الفرضي ترجمة رقم 823، طوق الحمامة، ص 45، الحلة السيراء 1/ 278 حاشية رقم 2.
ومنذ تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة شعر ابن أبي عامر بخطورة الأمويين عليه، فاستخدم معهم أسلوباً قاسياً، لشل حركتهم، وجعلهم دائماً تحت رقابته، فقد بث عليهم العيون، وفرض عليهم الإقامة الجبرية في منازلهم، لا يغادرونها إلا لضرورة قصوى، كما منع الزيارات عنهم إلا لمن يأذن فيه من غلام أو وكيل أو معلم أو طبيب، وفوق كل ذلك كان يصطحبهم معه أثناء خروجه للغزوات، حتى ذلوا وانكسرت نفوسهم واشتغل كل منهم بأمره
(1)
.
وإمعاناً من ابن أبي عامر في الاحتياط لنفسه، ولشدة إعجابه بالخليفة عبد الرحمن الناصر وحرصاً منه على التشبه به، ابتدأ سنة (368) هـ (979 م) ببناء مدينة الزاهرة
(2)
، وبعد اكتمالها انتقل إليها واستوطنها ونقل إليها كافة دواوين الدولة
(3)
، وأمر كل من له حاجة أن يأتي إلى مدينته بدلاً من قصر الخليفة وأصبح هو الآمر الناهي، بعد أن
(1)
- أعمال الأعلام 2/ 76 - 77.
(2)
- مدينة الزاهرة Azzahira تقع شمال شرق قرطبة، مقابلة لمدينة الزهراء التي بناها الخليفة عبد الرحمن الناصر شمال غرب قرطبة، ورغم اهتمام المنصور بمدينة الزهراء إلا أنها لم تدم طويلاً، فقد خربت بعد وفاته بسبع سنين، انظر: البيان المغرب 2/ 275 - 277، الروض المعطار، ص 283 - 284، ذكر بلاد الأندلس 1/ 180 - 181، قرطبة حاضرة الخلافة 1/ 258 - 263.
(3)
- البيان المغرب 2/ 275 - 276، ذكر بلاد الأندلس 1/ 181.
حجر على الخليفة، وسد بابه، وأدار على قصره سوراً وثيقاً، وأيده بحراسة مشددة فلا يطمع أحد بمقابلة الخليفة إلا بإذن ابن أبي عامر، ولتبرير فعله هذا أشاع في الناس أن الخليفة قد فوض إليه أمر تدبير الدولة ليتفرغ هو لعبادة ربه
(1)
، وبذلك ضمن التحرر نهائياً من الخليفة وسلطانه.
وكان ابن أبي عامر "المنصور" يتدرج في مناصب الدولة، وفي كل مرة يُظهر أمر الخليفة بمنحه منصباً جديداً أو لقباً إضافياً، وإن كان الواقع يشير إلى أن الخليفة ليس له من الأمر شيء، إذ لم يبق له من رسوم الدولة سوى السكة والخطبة
(2)
.
ورغبة من المنصور في ترك أثر له على العمارة فقد ابتدأ سنة (377) هـ (987 م) بإجراء التوسعة من الناحية الشرقية لجامع قرطبة، دونما اهتمام بالزخرفة
(3)
، كما بدأ في سنة (378) هـ (988 م) ببناء القنطرة
(4)
على نهر
(1)
- أعمال الأعلام 2/ 62.
(2)
- البيان المغرب 2/ 276.
(3)
- المصدر السابق 2/ 287.
(4)
- القنطرة: رومانية قديمة البناء، تصل بين قرطبة وريفي شقندة المسمى اليوم "الاسبيرتو سانتو" وفي الأيام الأولى للفتح الإسلامي كانت تلك القنطرة قد تهدمت وأصابها التلف ولم تعد الاستفادة منها ممكنة فلما أصبح السمح بن مالك الخولاني والياً على الأندلس كتب لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله بأمر القنطرة ووضح له أهميتها، فأذن له ببنائها بصخر سور قرطبة، فأتم ذلك سنة 101 هـ، وقد جددت بعد ذلك مراراً. انظ: أخبار مجموعة ص 24، رحلة الأندلس ص 57 - 58.
الوادي الكبير
(1)
، وكان فراغه منها في النصف من سنة (379) هـ (989 م) بعد أن بلغت تكاليف البناء حوالي مائة وأربعين ألف دينار
(2)
.
ويبدو أن التدابير التي اتبعها المنصور، واستبداده بالسلطان دون الخليفة، واجراءاته التعسفية ضد الآخرين، أثارت الناس ضده، حتى أقربهم منه كرهه وكره تصرفاته، ولذا فقد تم تدبير حركة عصيان قام بها ابنه عبد الله بن المنصور بن أبي عامر
(3)
،
(1)
- نهر الوادي الكبير Rio Guadal Quivir أهم أنهار الأندلس، من أسمائه: النهر العظيم، نهر قرطبة، واسمه القديم "بيطي Beatis" ويبلغ طوله 310 أميال، ويروي قرطبة واشبيلية، انظر: بروفنسال، الأندلس أو شبه جزيرة الأندلس، (مقال منشور ضمن كتاب الأندلس، ترجمة: إبراهيم خورشيد وغيره، بيروت، دار الكتاب اللبناني، القاهرة دار الكتاب المصري ط الولى 1980) ص 76.
(2)
- نفح الطيب 1/ 408.
(3)
- كان عبد الله بن المنصور قد وجد في نفسه على أبيه، بسبب تقديمه لأخيه عبد الملك مع أن عبد الله يرى نفسه أنه أفرس وأفهم وأشجع من أخيه عبد الملك، لأجل هذا نزح إلى سرقسطة واتفق مع صاحبها عبد الرحمن بن مطرف على التمرد، وأيدهما على ذلك قومس قشتالة غارسيه بن فردلند Carci Fernalndez مما كان سبباً في وقوعه أسيراً في يد المنصور وذلك في 15 ربيع الثاني سنة 385 هـ. انظر: ديوان ابن دراج القسطلي، (تحقيق وتعليق: د. محمود علي مكي، طبع على نفقة الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، دمشق، منشورات المكتب الإسلامي، 1380 هـ)، ص 362 والحاشية رقم 2، والقصيدتان رقم 112، 118 والتعليق عليهما. البيان المغرب 2/ 283 - 284.
وعبد الرحمن بن مطرف
(1)
، صاحب سرقسطة
(2)
، والوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني
(3)
صاحب طليطلة، بالإضافة إلى جماعة من وجوه أهل
(1)
- عبد الرحمن بن مطرف بن محمد بن هاشم التجيبي، من أسرة عربية استقرت في إقليم أرغون منذ الأيام الأولى للفتح، وعبد الرحمن بن مطرف عندما رأى فتك المنصور برجالات الدولة علم أنه لم يبق غيره، فخشي على نفسه، وأيد عبد الله بن المنصور في الخروج ضد أبيه. انظر: الحلة السيراء، 2/ 79 حاشية رقم 1. البيان المغرب 2/ 282، د. عبد الواحد ذنون طه، الفتح والاستقرار العربي الإسلامي في شمال افريقية والأندلس، (الجمهورية العراقية، منشورات وزارة الثقافة والإعلام 1982 م)، ص 224 - 225.
(2)
- سرقسطه Zaragoza هي إحدى القواعد الأندلسية في الشمال الشرقي للبلاد على نهر وادي الإبرو، كانت قاعدة للثغر الأعلى أيام المسلمين، وقد سقطت بيد ملك أراغون الفونسو الأول في رمضان سنة 512 هـ بعد حصار دام تسعة أشهر. ولم يبق من أثار المسلمين بها إلا جزء من قصر الجعفرية نسبة لأبي جعفر أحمد بن هود والملقب بالمقتدر بالله، ومن أشهر معالمها في الوقت الحالي كنيسة "سيو Seo" التي أقيمت مكان المسجد الجامع بسرقسطه الذي اختطه حنش الصنعاني رحمه الله تعالى. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص 78 - 79، نصوص عن الأندلس ص 22، فرحة الأنفس ص 287 - 288، تاريخ ابن الكردبوس، ص 118 حاشية رقم 2. الروض المعطار ص 317، مرحلة الأندلس ص 285 - 287. شكيب أرسلان، الحلل السندسية في الأخبار والأثار الأندلسية، (فاس، المكتبة التجارية الكبرى، 1355 هـ/1936 م)، 2/ 114 - 136.
(3)
- عبد الله بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن أمية بن الحكم الربضي، الملقب بالحجر اليابس، وبالعجمية البطرشك أو البطرة شقة Petra Sicca قلده الخليفة المؤيد بالله الوزارة مع ولاية طليطلة، كان أحد رجالات بني أمية عقلاً وشهامة وأدباً وغزارة علم، ظل سجيناً في داره حتى مات المنصور، ثم أطلقه عبد الملك بن المنصور وولاةالوزارة، ولم تطل حياته إذ توفي غازياً مع عبد الملك غزاته الأولى سنة 393 هـ بمدينة لاردة. انظر جمهرة أنساب العرب ص 98. الحلة السيراء 1/ 215 - 220 والحواشي المذكورة.
قرطبة من الجند والخدم وغيرهم، إلا أن التدبير فشل، فقد اطلع المنصور على المخطط، وانتهى الأمر بفرض الإقامة الجبرية على المرواني في داره، ومقتل كل من عبد الرحمن بن المطرف سنة (379) هـ
(1)
(989) وعبد الله بن المنصور في يوم الأربعاء (16) من جمادى الآخرة سنة (380) هـ
(2)
(11 أغسطس (990) م).
هذا ولم يكتف المنصور بأن أمضى حياته مسيطراً على الخليفة وسالباً لسلطانه: بل حرص على أن يسير خَلَفُه وفق منهجه سواء مع الخليفة خاصة أو مع الأمويين بوجه عام، ويتضح ذلك جلياً من وصيته لابنه عبد الملك، فقد جاء فيها: "
…
وصاحب القصر - أي الخليفة - قد علمت مذهبه، وأنه لا يأتيك من قبله شيء تكرهه، والآفة ممن يتولاه، ويلتمس الوثوب باسمه، فلا تنم عن هذه الطائفة جملة، ولا ترفع عنها سوء ظن ولا تهمة، وعاجل بها من خفته على أقل بادره .... وإياك أن تضع يدك في يد مرواني ما طاوعتك بنانك، فإني أعرف ذنبي إليهم"
(3)
.
(1)
- البيان المغرب 2/ 283.
(2)
- المصدر السابق 2/ 284.
(3)
- الذخيرة: ق 4 م 1 ص 76 - 77.
وبعد أن أمضى المنصور زهاء ربع قرن وهو مسيطر على أمور الدولة، أفنى خلالها رجالات الأندلس
(1)
، وأذل الأمويين، وأخمل ذكر أرباب البيوتات الشهيرة التي هي عماد ملك بني أمية
(2)
، وأحدث تغييراً كبيراً في الدولة، حتى أنه غير سياسة بني أمية بالكلية، "فعوَّض باللين
(1)
- تمكن المنصور من القضاء على المصحفي بعد أن أعانه عليه غالب الناصري، ثم تخلص من الأخير بعد أن استعان عليه بجعفر بن علي بن حمدون، ثم قتل جعفراً بواسطة فارس العرب معن التجيبي، وتخلص هو من معن بقتله له.
(2)
- البيان المغرب 2/ 272، لعل من أبرز ما يميز حكم بني أمية في الأندلس، أن المناصب الإدارية في دولتهم قد تم حصرها بأيدي أبناء أسر معينة، مثل آل أبي عبدة وآل شهيد وآل جهور وآل فطيس، والأمر في هذا لا يقتصر على هذه الأسر الأربع فقط، فهناك أسر أخرى سوف تتم الإشارة إليها في حينه، وإذا فتشنا عن العلاقة بين الأسرة الأموية وأي أسرة من تلك الأسر، نجد أن رابطا يربط الطرفين بعضهما ببعض منذ أيام الخلافة الأموية في الشام، وعندما قدم الأمير عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس وقف إلى جانبه عمداء تلك الأسر، وأثبتوا له صدق الولاء، وعندما استعملهم لمس منهم الوفاء والكفاءة، فاختط لبنيه وأحفاده من بعده سياسة لم يحيدوا عنها، تقوم على حصر المناصب في تلك الأسر، ليحقق بذلك نقطتين: الأولى: استمرارية ولاء تلك الأسر، والثانية: أن تلك الأسر تمثل سياج حماية قوي للأسرة الأموية، إذ أن مصيرها مرتبط بمصير الأمويين، وبذلك غدا المصير المشترك رابطاً قوياً بين الطرفين، ولذا فقد حرص الأمويون على تقوية تلك الأسر، بينما تفانت الأخيرة في حماية الأسر الأموية، لأجل ذلك فإن إقدام المنصور على إضعاف شأن تلك الأسر هو تقويض لأقوى دعائم الدولة الأموية، وعامل رئيسي من عوامل سقوطها.
غلظة، وبالسكون حركة، وبالأناة بطشه وبالموادعة محاربة
(1)
" وبعد كل هذا توفي المنصور ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر رمضان المبارك سنة (392) هـ (أغسطس 1002) ودفن بقصره في مدينة سالم
(2)
.
وقد قام بالأمر من بعد المنصور ابنه عبد الملك
(3)
، بناء على عهد صوري مُنح له من الخليفة الغلوب على أمره، ولاه فيه الحجابة مكان أبيه، وأوصاه بتدبير شؤون الدولة
(4)
.
(1)
- البيان المغرب 2/ 273.
(2)
- الذخيرة، ق 4 م 1 ص 75، الحلة السيراء 1/ 273، البيان المغرب 2/ 301، ذكر بلاد الأندلس 1/ 195 ومدينة سالم Medinaceli تقع على الطريق بين مدريد وسرقسطة، وتبعد عن مدريد مسافة 135 كيلو متر، وتقع منها إلى الشمال منحرفة نحو الشرق، وهي الآن من أعمال مدينة سرية Saria ومدينة سالم من إنشاء سالم بن ورعمال بن وكذات من قبيلة مصمودة البربرية، انظر: وصف الأندلس للرازي ص 79، المقتبس، تحقيق: د. محمود علي مكي، تعليق رقم 286 والمصادر المذكورة، الحلل السندسية 2/ 81 - 87.
(3)
- هو أبو مروان عبد الملك المظفر بالله، أمه الذلفاء، وصف بأنه أسعد مولود ولد في الأندلس على نفسه وأبيه وغيرهما، كان حيياً باراً بوالديه، مراقباً لربه، محباً للصالحين، شجاعاً، اجتمع الناس على حبه، وسكنوا منه إلى عفاف ونزاهة ونقاء سريره، فتنافسوا في المكاسب، فازدهرت الأندلس، فقد كانت أيامه أعياداً دامت سبع سنين، سميت بالسابع تشبيها لها بسابع العروس. انظر: الذخيرة، ق 4 م 1 ص 78 - 86، البيان المغرب 3/ 3 - 37، أعمال الأعلام 2/ 83 - 89، نفح الطيب 1/ 423.
(4)
- الذخيرة، ق 4 م 1 ص 78.
وحرصاً من عبد الملك على كسب محبة أبناء المجتمع الأندلسي، فقد افتتح عهده بان أصدر أوامره بإسقاط سدس الجباية المفروضة عليهم
(1)
، كما بادر إلى تجهيز الجيوش وتولي قيادتها ضد نصارى الشمال
(2)
.
وكان الوزير عيسى اليحصبي
(3)
هو المدبر لدولة عبد الملك، إلا أنه عندما شعر بتغيره ناحيته، عمل على التخلص منه وصرف الخلافة لهشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، لكن اطلاع الحاجب على تلك المؤامرة، مكنه من إفشالها، وبالتالي قتل مدبرها اليحصبي ليلة العاشر من ربيع الأول سنة (397) هـ
(4)
(4 ديسمبر (1006) م).
(1)
- المصدر السابق والصفحة، أعمال الأعلام 2/ 84.
(2)
- انظر: البيان المغرب، 3/ 4 - 9، 11 - 14، 21 - 24.
(3)
- أبو الأصبغ عيسى بن سعيد اليحصبي، المعروف بالقطاع، عربي من بني الجزيري، من كورة باغه، كان أول كاتب للمنصور قبل تسلطه على الخلافة، وقد حسنت منزلته لديه، وارتفعت منزلته بصورة متناهية في عهد عبد الملك المظفر، حتى أصبح هو المدبر لدولته، لكن أمره انتهى بأن قتله عبد الملك المظفر بيده في أحد مجالسه الخاصة انظر: الذخيرة ق 1 م 1 ص 123 - 128. البيان المغرب 3/ 24 - 34 أعمال الأعلام 2/ 75.
(4)
- الذخيرة ق 1 م 1 ص 125 - 127، البيان المغرب 3/ 30 - 33 إلا أنه جعل مقتله ليلة السبت 20 ربيع الأول، وبهذه المناسبة ألقى الشاعر ابن دراج قصيدة بين يدي المظفر يهنئه فيها بالتخلص من اليحصبي، ويخبره أنه بهذه الفعلة شفى قلوب الناس وحقق أمانيهم، وذلك في قصيدة مطلعها:
شكراً لمن أعطاك ماأعطاكا
…
ربي أذل لملكك الأملاكا
انظر: ديوان ابن دراج، القصيدة رقم 14. ومن الجدير بالذكر أن الشاعر نفسه سبق وأن مدح اليحصبي بأكثر من قصيدة، انظر: المصدر السابق، القصيدتان رقم 23، 24.
وبعد مقتل اليحصبي بثلاثة أيام، تم إلقاء القبض على هشام بن عبد الجبار، فاعتقله عبد الملك في حجرة خاصة لمدة يومين، ثم نقله إلى حبس سبق وأن أعده له، فكان أخر العهد به
(1)
.
وإذا ألقينا نظرة على حال الخليفة وأهل القصر، نجد أن الخليفة لم يكن يظهر إلا مستخفياً عن أعين الناس، في نزه مستمرة أبلغه عبد الملك المظفر فيها غايته، ومع ذلك لم يشهد الخليفة صلاة قط
(2)
.
وبعد سبع سنوات قضاها الحاجب عبد الملك المظفر، وهو يحكم الدولة نيابة عن الخليفة المؤيد بالله، أدركته الوفاة قبالة دير أرملاط، وذلك في يوم الجمعة (18) صفر من سنة (399) هـ
(3)
(23 أكتوبر 1008).
وقد قام بالأمر من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور الملقب بـ"شنجول"
(4)
الذي كان شاباً معروفاً بفساد
(1)
- البيان المغرب 3/ 34 - 35.
(2)
- الذخيرة ق 4 م 1 ص 82 - 83.
(3)
- البيان المغرب 3/ 36 - 37.
(4)
- شنجول Sanchuelo تصغير شانجة، اسم جده لأمه المعروف في المصادر النصرانية بلقب Abarca وهو شانجة الثاني بن غارسية الأول بن شانجة، ثالث ملوك البشكونس "مملكة نبارة" وتذكر المصادر أنه رغبة من هذا الملك في عقد صلح مع المنصور أهدى إليه ابنته، فقبلها المنصور واعتقها وتزوجها، وتسمت بـ"عبدة" وحسن إسلامها، وأنجبت عبد الرحمن سنة 374 هـ وهي التي أطلقت عليه لقب "شنجول" تذكراً منها لاسم أبيها، خاصة أنه كان أشبه الناس به، انظر: ديوان ابن دراج، القصيدة رقم 107 وتعليق المحقق عليها، البيان المغرب 3/ 38، أعمال الأعلام 2/ 66. وقد فسر ابن الكردبوس كلمة شنجول بمعنى "أحمق" ولكن لعله أراد بذلك أن عبد الرحمن بن المنصور كان أحمقاً طائشاً، كما ذكر ذلك محقق النص. انظر تاريخ الأندلس لابن الكردبوس، ص 66 والحاشية رقم 5.
الأخلاق
(1)
، افتتح عهده بالخلاعة والمجانة
(2)
، قلده الخليفة المؤيد بالله الحجابة مكان أخيه، ولقبه بالمأمون في كتاب أصدره بهذه الشأن، لكن شنجول أضاف لقباً آخر، هو الناصر فكان يدعى بـ"الحاجب الأعلى المأمون ناصر الدولة"
(3)
.
وقد تعامل شنجول مع المنصب بكل غرور، من أجل هذا أتت تصرفاته سيئة غريبة، كما أنه تقرب إلى الخليفة بكافة السبل، حتى تمكن من استصدار قرار منه باسناد ولاية العهد إليه
(4)
. وبذلك أصبح منصب الحجابة
(1)
- المغرب في حُلى المغرب 1/ 213.
(2)
- البيان المغرب 3/ 39.
(3)
- أعمال الأعلام 2/ 90.
(4)
- ورد لدى ابن الأبار أن شنجول عندما حدثته نفسه بطلب ولاية العهد، استفتى بذلك فقهاء قرطبة وعلماءها، فحسنوا له ذلك، محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه" وبما أن عبد الرحمن ابن أبي عامر كان معافرياً قحطانياً، فقد قالوا عسى أن يكون هو المعني بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكان قاضي الجماعة أبو العباس أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان، المتوفى سنة 413 هـ، والوزير الكاتب أبو جعفر أحمد ابن محمد بن أحمد بن برد، المتوفى سنة 418 هـ، من أشد الناس تأييداً لشنجول في هذا الأمر، ولذا قال فيها ابن أبي يزيد المصري:
إن ابن ذكوان وابن برد
…
قد ناقضا الدين بعد عمد
وعاندا الحق إذ أقاما
…
حفيد شنجة ولي عهد
انظر الحلة السيراء 1/ 270 - 272.
معطلا، فولاه ولده عبد العزيز
(1)
، ولقبه بـ"سيف الدولة"
(2)
. وحسب شنجول أن الدنيا قد صفت له بعد أن حقق
(1)
- بعد مقتل شنجول، حُمل ابنه عبد العزيز سراً إلى سرقسطة، وهناك عاش في كنف منذر بن يحيى التجيبي، وظل عنده إلى أن استدعاه العامريون إلى شاطبه، فتولاها سنة 411 هـ وعمره خمس عشرة سنة وأشهرا ثم طردوه منها سنة 412 هـ فذهب إلى بلنسية، فرحب به من كان فيها من العامريين، ثم ولوه رئاستها سنة 417 هـ، وتلقب بالمؤتمن والمنصور، وقد بلغت بلنسية في عهده أوج اتساعها، وكان عبد العزيز على درجة عالية من الأخلاق الكريمة، فوصل رحمه، وأوى إليه قرابته، فأغنى فقيرهم، وجبر كسيرهم، وظل في الإمارة حتى توفي سنة 452 هـ. انظر: ديوان ابن دارج. القصيدتان رقم 133، 145. أعمال الأعلام 2/ 194 - 195. محمد عنان، دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، (القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط الأولى 1380 هـ/1960 م) ص 210 - 213. كيليا سارنللي تشركوا، مجاهد العامري، قائد الأسطول العربي في غربي البحر المتوسط في القرن الخامس الهجري، (القاهرة، لجنة البيان العربي، 1961 م) ص 81 - 83.
(2)
- البيان المغرب 3/ 47. أعمال الأعلام 2/ 94.
مراده، فاتجه بكليته إلى طلب ملذاته، وتلبية شهواته، وأحاط نفسه بمن هم على شاكلته من إخوان السوء وأدنياء القوم عمر بهم مجالسه
(1)
.
وضعف نظر شنجول عن رؤية أي شيء في الدولة يحتاج إلى إصلاح، ولذا فقد كان القرار الإصلاحي الأول الذي أصدره مفاجأة غير سارة لرجالات الدولة، فقد أمر الوزراء وأصحاب المناصب العليا بطرح القلانس الطوال المرقشة الملونة، والتي تميزهم عن غيرهم، وأمرهم بلبس العمائم البربرية وتوعد بالعقوبة من يخالفه
(2)
.
وعندما أعلن الجهاد، لمواصلة المسيرة العسكرية لأبيه وأخيه، لم يستجب له إلا المرتزقة ويسير من المطوعة
(3)
، ثم ارتكب حماقة كبيرة عندما خرج بمن استجاب له في أشد أوقات السنة برودة
(4)
، وسلك طريقا يدعى بالعريان
(5)
، فاقتحم أرض جليقية
(6)
، من قبل طليطلة، وهو
(1)
- البيان المغرب 3/ 47 - 48، أعمال الأعلام 2/ 94.
(2)
- البيان المغرب 3/ 48.
(3)
- المصدر السابق 3/ 39.
(4)
- نفسه 3/ 66.
(5)
- ذكر ابن عذاري أن شنجول عندما سلك هذا الطريق، تفائل له قوم من الناس وقالوا: أعرى هذا الفتى. البيان المغرب 3/ 39.
(6)
- جليقية هي المنطقة الممتدة من نهر دويرة جنوباً حتى الساحل الشمالي لأسبانيا ومن ساحل البحر المحيط لها حتى منطقة قشتالة، انظر: البكري، جغرافية الأندلس وأوروبا، ص 71 - 73، الروض المعطار ص 169، ويعتبر الفونسو الأول بن بطره حاكم إمارة كانتبريا المؤسس الحقيقي لمملكة جليقية، وذلك حوالي النصف الأول من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) انظر: د. عبد الرحمن علي الحجي، اندلسيات، المجموعة الثانية، (بيروت، دار الإرشاد، ط الأولى 1389 هـ/ 1969 م) ص 42. و أما اليوم فإن إقليم جليقية هو الركن الشمالي لأسبانيا وهو يضم أربع مديريات تحمل كل منها اسم عاصمتها، وهي في مجموعها ولايات بحرية، يعمل أهلها بالزراعة وتربية الماشية وصيد السمك وبناء السفن. انظر: رحلة الأندلس ص 362 - 363.
على حاله في المجانة والخلاعة
(1)
، فلما وصل طليطلة بلغه نبأ اندلاع الفتنة في قرطبة، فكر راجعاً إليها، وعندما بلغ قلعة رباح
(2)
تبرأ من ولاية
(1)
- البيان المغرب 3/ 48.
(2)
- قلعة رباح Calatrava من عمل مدينة جيان، تقع بين قرطبة وطليطلة، وتوصف بأنها مع مدينة طلبيرة حد فاصل بين أرض النصارى وأرض المسلمين، وفي العصر الحالي تتبع المدينة الملكية Ciudad real في إقليم لامنشا La Mancha. وقلعة رباح تبعد عن هذه المدينة بإثنى عشر كيلو متر إلى الشمال الشرقي منها، واكتسبت اسم رباح نسبة للتابعي الشهير علي بن رباح اللخمي الذي دخل الأندلس مع موسى بن نصير رحمهما الله تعالى. وقد سقطت قلعة رباح مع طليطلة في يد الفونسو السادس ملك قشتالة وذلك سنة 478 هـ ثم استعادها أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي بعد انتصاره في معركة الأرك سنة 591 هـ، ثم خرجت من أيدي المسلمين نهائياً عندما استولى عليها الفونسو الثامن ملك قشتالة سنة 609 هـ، وقد أصبحت فيما بعد مقراً للنظام الديني الرهباني المسمى La order de calitrava الذي تجرد لمحاربة المسلمين، انظر المقتبس، تحقيق د. محمود مكي التعليق رقم 478، الحلة السيراء 2/ 177 حاشية رقم 3، الروض المعطار ص 469.
العهد، وأعلن اقتصاره على الحجابة، وأرسل كتاباً بذلك لكن أحداً لم يأبه به
(1)
، فعزم على دخول قرطبة وأصر على ذلك
(2)
، رغم نصيحة البعض له بالفرار
(3)
، فكان في إصراره حتفه، فقد قتل بمنزل أم هانئ عند دير أرملاط، وذلك عقب مغرب يوم الجمعة لأربع خلون من رجب سنة (399) هـ
(4)
(4 مارس (1009) م).
(1)
- البيان المغرب 7/ 69.
(2)
- كان شنجول يأمل بالحصول على أمان من محمد المهدي بن عبد الجبار، وذلك بواسطة بعض وجهاء أهل قرطبة وبالذات قاضي الجماعة ابن ذكوان لكن أمله خاب، إذ أن ابن ذكوان كان أشد الناس عليه عند المهدي مما حال بينه وبين الأمان. انظر المصدر السابق 3/ 71.
(3)
- كان مع شنجول أحد النصارى، تربطه أواصر قربى بأم شنجول يدعى قومس بن غرسية الذي عندما رأى اضطراب حال شنجول انفرد به، فقال له "أرى أحوالك منتقضة وأمورك مدبرة وجندك مخالفين لك فأخبرني عن هذا الرجل الذي في قرطبة أأنت أشرف أم هو؟ قال: بل هو. قال: الناس أميل إليك أم إليه؟ قال: ما أراهم إلا إليه أميل، فقال: هذا دليل ردي، قال شنجول: فما الرأي عندك؟ قال: الرأي عندي أن ترحل وأرحل معك بأصحابي الليلة. خذ باليقين وضع الظن فأمرك والله مختل وجندك عليك لا لك، فقال: لابد من الإشراف على قرطبة. فقال له: أنا معك على كراهة لرأيك، وعلم بخطئك فإن عشت عشتُ معك، وإن متَّ متُّ معك". البيان المغرب 3/ 70.
(4)
- المصدر السابق 3/ 72 - 73.
وأما المرحلة الثالثة التي مرت بها الخلافة الأموية في الأندلس، فهي مرحلة عصر الفتنة التي استمرت من سنة 399 - 422 هـ (1009 - 1031 م) وأعقبها سقوط الدولة فمنذ أن سيطر المنصور بن أبي عامر على الدولة الأموية، وحجر على الخليفة هشام المؤيد بالله، واستبد بالأمر من دونه، وطارد الأمويين وضيق عليهم، واستهان بأهل البيوت المساندة للبيت الأموي، وأهمل ذكرها، وأخل بتركيبة الجيش، وحكم البلاد بصورة سلطوية ورأي فردي لا يقبل النقاش، منذ أن فعل ذلك، لابد أن نتوقع رد فعل عنيف يتحالف فيه الجميع على إزالة هذا الكابوس، رغم أن ذلك الجمع المتحالف لا يكن أعضاؤه الود بعضهم لبعض، لكن المصلحة اختطت لهم جادة واحدة وأجبرتهم على السير فيها.
فالحاكم السلطوي المستبد، الذي لا يرى إلا ذاته، ويحكم بالقهر والغلبة، يحدث عقب وفاته فراغ سياسي هائل، لا يمكن ملؤه بسهولة، وإن ساد الهدوء الأعوام القلائل التالية لعهده، فلكونها لازالت متأثرة بشخصيته، ولكن هذا التأثير لا يلبث أن يزول، فيحل المحذور وتعم الفوضى.
وهذا ما حدث عقب وفاة المنصور، فقد قام بالأمر من بعده ولده المظفر، مستفيداً من شخصية والده التي ألقت بظلالها على سنوات حكمه، وما أن توفي المظفر حتى هان أمر العامريين على الجميع، وأصبحت عملية إزالتهم مسألة وقت لا أكثر، وبدلاً من أن يعمد شنجول
إلى الإبطاء بتلك الإزالة، نراه يدفع بعجلتها بكل حماقة بقوة نحو النهاية، وذلك بادعائه لولاية العهد.
ولم يكن التنظيم للحركة التي دُبرت ضد سلطة العامريين، وليد عهد شنجول، بل إن البذرة الأولى يمكن القول بأنها قد وضعت في عهد والده المنصور، وذلك في سنة 367 هـ (978 م) عندما تم ترشيح عبد الرحمن بن عبيد الله ابن عبد الرحمن الناصر لدين الله من قبل بعض الفقهاء والقضاة ليتولى الخلافة بدلاً من المؤيد، ثم جرت محاولة أخرى سنة 379 هـ (989 م) كان الوزير عبد الله بن عبد العزيز المرواني أحد منظميها.
وفي عهد عبد الملك المظفر كانت المحاولة الإنقلابية أكثر قوة وأشد وضوحاً، فقد اختار أصحاب المحاولة هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لتولي الخلافة، وكادت أن تنجح لولا أنها أُحبطت في اللحظات الأخيرة.
ورغم الإخفاق الذي صاحب تلك المحاولات، إلا أن الأمر لا يعني الحكم بفشل المحاولات القادمة، بل على العكس من ذلك، إذ يمكن القول بأنها كانت مقدمات لعمل مستقبلي ناجح.
وهذا ما حصل في عهد شنجول، فالتنظيم السري الذي سبق وأن أُعد في عهد عبد الملك المظفر، والذي كان هشام بن عبد الجبار هو المرشح
في ذلك التنظيم لنيل الخلافة، نجده يستمر في عهد شنجول، وذلك عندما قام محمد بن هشام بن عبد الجبار
(1)
بقيادة تنظيم سري هو امتداد للمحاولة السابقة لوالده، فقد اختار محمد من أصحابه إثنى عشر رجلاً جعلهم نقباء
(2)
، وكان رئيسهم الذي يبث دعوته بين العامة، ويأخذ البيعة منهم سرا، يدعى صاعد بن عبد الوهاب الحرَّار وصف بأنه كان في الجهل آية
(3)
.
وقد كثر الإرجاف في قرطبة، بقرب ظهور أحد الأمويين، وبادر الفتى الأكبر إلى سيده شنجول ينصحه بعدم مغادرة قرطبة، وحذره من الأمويين، فأجابه شنجول قائلاً "والله لو اجتمع بنو مروان إلى مرقدي وأنا نائم ما أيقظوني
(4)
" فكان رده هذا أقوى دليل على ضعف رأيه واستهتاره بالآخرين.
(1)
- هو أبو الوليد محمد بن هشام، أمه أم ولد تسمى مزنه، ولقبها كباره تعرف بالعرجاء لخلع كان بها، ولد محمد سنة 366 هـ، وصف بأنه ثائر جسور، خليع ماجن، لا يبالي بأي واد هلك، كان أبيض أشقر أشهل تام القامة به انحناء تعلوه صفرة، له ولد وحيد اسمه عبيد الله قتله واضح في قرطبة. انظر: جمهرة أنساب العرب ص 101، جذوة المقتبس ص 19، البيان المغرب 3/ 50، 100، أعمال الأعلام 2/ 109.
(2)
- البيان المغرب 3/ 55.
(3)
- المصدر السابق 3/ 54.
(4)
- أعمال الأعلام 2/ 96.
وعندما خرج شنجول بجيشه إلى جليقية، واطمأن محمد بن هشام لبعده، جهر بحركته، وذلك يوم الثلاثاء (16) جمادى الآخرة سنة (399) هـ (15 فبراير 1009) وهجم أصحابه على صاحب المدينة عبد الله بن عمر، فقبضوا عليه
(1)
، ثم قتلوه بأمر محمد بن هشام، فلما رأى العوام رأس صاحب المدينة، انثالوا على ابن هشام من كل حدب وصوب فيهم من العنازين والجزارين والسفلة وسائر غوغاء الأسواق ما لا يحصون كثرة، فخطب بهم خطبة بين لهم فيها سبب قيامه، وحرَّضَهم على ابن أبي عامر، وأذن لهم بنهب مدينة الزاهرة، فاستهواهم الطمع وأمر بكسر السجن العام، فخرج من كان فيه من اللصوص والذعار وأصحاب الجرائم، فانضموا إليه، وتسلحوا بما وصلت إليه أيديهم، وزحفت هذه الجموع الغوغائية على قصر الخليفة الذي حاول جاهداً أن يسكن ثائرتهم، لكنه فشل، فانصرف وأمر خدمه بالكف عنهم، وأمام هجوم أولئك الغوغائيين أضطر الخليفة إلى إصدار أمره بفتح أبواب القصر لابن هشام، فدخل
(1)
- عندما اندلعت ثورة المهدي كان صاحب المدينة عبد الله بن عمر الذي يفترض فيه أن يكون أكثر المسؤولين اهتماماً بالأمن، جالساً في غرفته الخاصة مترنحاً بين جاريتين تغنيانه بعد أن صرف حرس باب القصر للعمل في مزارعه الخاصة. انظر: البيان المغرب 3/ 55، أعمال الأعلام 2/ 109.
واستولى عليه، وذلك في ليلة الأربعاء وزحفت جموع هائلة من العوام نحو مدينة الزاهرة، فلم يتمكنوا من دخولها تلك الليلة
(1)
.
وفي تلك الليلة أصدر محمد بن هشام أوامره بتولية ابن عمه محمد بن المغيرة خطة الشرطة، فأجلسه على كرسيها عند باب القصر، وقلد خطة الحجابة ابن عمه الآخر عبد الجبار، وأما أنه قد اسند ولاية العهد لسليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر
(2)
، فهذا غير صحيح، فقد ذكر ابن حزم أن سليمان هذا قد تسمى بولاية العهد دون أن يسميه به خليفة
(3)
.
وأخيراً أتم محمد بن هشام بن عبد الجبار مراده، فخلع الخليفة هشام المؤيد بالله في نفس الليلة، وأخذ البيعة لنفسه، فابتدأت خلافته يوم الأربعاء (17) من جمادى الآخرة سنة (399) هـ (18 مارس (1009) م)
(1)
- البيان المغرب 3/ 55 - 58، أعمال الأعلام 2/ 109 - 110، نهاية الأرب 23/ 410 - 412، ولكنهم فيما بعد دخولها ونهبوها ومن ثم أحرقوها. انظر: نهاية الأرب 23/ 414.
(2)
- البيان المغرب 3/ 59، أعمال الأعلام 2/ 110.
(3)
- نقط العروس ص 54. وقد قتل سليمان هذا مع أبيه هشام، وذلك عندما ثار الأخير ضد المهدي، وتسمى بالمعصوم، انظر: نقط العروس ص 54، 58. قارن: البيان المغرب 3/ 82.
واتخذ لنفسه لقب "المهدي" لكن العامة كانت تلقبه بالمنقش لهشاشته وطيشه وخفته
(1)
.
ويعتبر الخليفة المهدي "آخر من ولي الأمر من بني مروان بالأندلس ولاية تامة، يعزل فيها ويولي من آخر شرقها إلى آخر غربها، وكذلك في كثير من بلاد البربر"
(2)
.
وقد استقبل القرطبيون حركة المهدي بسرور عظيم، فأقاموا الولائم والأعراس ليالي متتالية، ينتقلون من موضع إلى آخر بالمزامر والملاهي
(3)
.
والعجيب أنه بعد سيطرة المهدي على قصر الخلافة، كَلَّف حاجبه ومعه صاحب المدينة أن يثبتا في الديوان اسم كل من يأتيهما لاستلام العطاء
(4)
"فلم يتخلف عن أخذ ماله واستحلال نهبه والدخول في فتنته فقيه ولا عالم ولا عدل ولا إمام ولا حاج ولا تاجر إلا قام في نصرته بما قوي عليه من لسانه ويده، وتكلف حمل السلاح وإن كان لا يغني عن نفسه
(1)
- أعمال الأعلام 2/ 110 - 111.
(2)
- جمهرة أنساب العرب ص 101.
(3)
- البيان المغرب 3/ 74. وقد ألقى ابن دراج قصيدة يهنئ فيها المهدي بتوليه الخلافة، مطلعها: قُل للخلافة قد بلغت مناك
…
ورأيت ماقرت به عيناك
انظر: ديوان ابن دارج، القصيدة رقم 25.
(4)
- قيل أن عدة من أثبتت أسماؤهم في ديوان المهدي للعطاء بلغ خمسون ألفا. أعمال الأعلام 2/ 111.
فضلاً عن غيره"
(1)
. هذا وعندما تعرضت المصادر لأسباب حركة المهدي، اختلفت في تعليلها فهناك من عزا الأمر إلى الذلفاء أم المظفر وحرصها الشديد على الانتقام لابنها من أخيه عبد الرحمن المتهم بوضع السم له
(2)
، وهناك من جعل السبب في ذلك يعود إلى حقد المهدي على العامريين بسبب قتلهم والده
(3)
، بينما نظر ابن خلدون إلى الزاوية القبلية في هذه المسألة، فاتخذ من تحويل الأمر من المضرية إلى اليمنية سبباً كافياً لاندلاع الفتنة
(4)
.
والحق أن الخوض في أسباب اندلاع فتنة المهدي، ليس بالأمر اليسير إذ أن الأمر يتعلق بجميع أفراد المجتمع على مختلف فئاتهم، وتفاوت ثقافاتهم، ومن المعلوم أن الظواهر الاجتماعية لا يمكن أن يرد سبب ظهورها إلى عامل واحد، فكيف والأمر يتناول قضية اشترك الجميع بها؟
فإذا نظرنا إلى المهدي نجده يحصل من الذلفاء على الأموال
(5)
، ومن الأمويين وفتيانهم على المساعدات المادية والمعنوية
(6)
، ثم أن من قاد العامة
(1)
- البيان المغرب 3/ 62.
(2)
- المصدر السابق 3/ 52، أعمال الأعلام 2/ 109.
(3)
- الحلة السيراء 2/ 5، أعمال الأعلام 2/ 109.
(4)
- ابن خلدون، التاريخ، (بيروت، مؤسسة الأعلمي 1391 هـ/1971 م) 4/ 149.
(5)
- أعمال الأعلام 2/ 109.
(6)
- المصدر السابق والصفحة.
الغوغائيين واقتحم بهم قصر الخلافة ومدينة الزاهرة هم عشرة رجال بين حجام وجزار وحائك وزبَّال
(1)
.
وعلى هذا يمكن القول بأن حركة المهدي والتي اشتركت فيها أطراف عدة، هي في حقيقتها تعبير عن رفض المجتمع الأندلسي لواقع عانى منه طويلاً، وبالذات سيطرة العامريين على الخلافة الأموية التي هي رمز قوي لجمع كلمة المسلمين في الأندلس، وبذلك فإن جميع الأسباب التي ذكرت من قبل أدت مجتمعة إلى ظهور حركة المهدي.
وبإمعان النظر في المشاركين في الفتنة، نجد أن لكل منهم غاية سعى لتحقيقها، فالانتقام رغبة الذلفاء، وإقصاء العامريين جملة هدف الأمويين والقرشيين عامة، والمتعة المستعجلة غاية العوام، والطمع مرام البقية، وأما المهدي فحب السلطة والرئاسة قادته إلى مثل هذا، وهؤلاء جميعهم عمتهم فتنة أعمتهم عن رؤية العواقب.
وأي حركة يكون العوام محور ارتكازها، لا يمكن أن تأتي بخير، إذ أن كلاً منهم لا يرى إلا منفعته الآنية فقط، فهم "لا تدفع صولتهم إذا هاجوا، ولا يؤمن هيجانهم إذا سكنوا، إن أخصبوا طغوا في البلاد، وإن أجدبوا آثروا العناد"
(2)
.
(1)
- البيان المغرب 3/ 74، نهاية الأرب 23/ 417.
(2)
- رسائل الجاحظ (تحقيق: عبد السلام هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي 1399 هـ) 4/ 314.
ويصدق هذا الوصف على أتباع المهدي من الغوغائيين والسفلة، فبعد أن عمهم المهدي بعطائه، بقيت قرطبة عدة أيام لم يوجد فيها حجام ولا كنَّاف ولا ذو مهنة ذليِّه
(1)
.
ولذا فليس من المستغرب أن يصطدم من اشترك في هذه الفتنة بالحقيقة المرة بمجرد أن اتضحت الأمور وانكشفت الوقائع، ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن وضع المهدي قانونه الجديد في أن الخلافة لا يمكن الوصول إليها، إلا بالفتن والاضطرابات.
ويمكن القول بأن الحلف الذي قام بين القوى التي ساندت المهدي، كان حلفاً تكتيكيا، يتضح ذلك في موقف المهدي من الصقالبة
(2)
العامريين، وهو الجناح العامري الذي تقوده الذلفاء،
(1)
- البيان المغرب 3/ 61.
(2)
- الصقالبة: جمع صقلبي " Eslavos" وتعني العبد أو الرقيق، وهذه الكلمة أطلقها العرب في البداية على من يتم جلبه من الشعوب السلافية عامة، لكنهم توسعوا فيما بعد في استعمال هذا المسمى، فأطلقوا على أرقائهم من أي أمة نصرانية، ولعل الأمير عبد الرحمن الداخل هو أول من استخدم هذه الفئة واتخذ لهم علامة يعرفون بها، وحذا خلفاؤه حذوه في هذه السياسة. انظر: ابن جلجل، طبقات الأطباء والحكماء، (تحقيق: فؤاد سيد بيروت، مؤسسة الرسالة، ط الثانية 1405 هـ/1985) ص 107. ابن حوقل، صورة الأرض، (بيروت دار مكتبة الحياة، 1979 م) ص 106. الذخيرة، ق 4 م 1 ص 61، أخبار مجموعة ص 108 - 109، البيان المغرب 2/ 259 - 264، المغرب في حُلى المغرب 1/ 39، تاريخ ابن خلدون 4/ 125، 127. نفح الطيب 1/ 145، 356، = =382، الحلل السندسية 1/ 46 - 47، د. أحمد مختار العبادي، الصقالبة في أسبانيا، (مدريد، المعهد المصري للدراسات الإسلامية، 1373 هـ/ 1953 م) ص 8 - 9.
فقد قام المهدي ليلة الأحد (28) رجب سنة (399) هـ (28 مارس 1009) بنفي جماعة من الصقالبة العامريين عن قرطبة
(1)
، وفي يوم الخميس (15) شعبان سنة (399) هـ (14 إبريل 1009) طرد صقالبة القصر وسد أبوابه
(2)
.
وكما بدد المهدي شمل الصقالبة العامريين، فقد ألحق الأذى بالعوام الذين سبق وأن استظهر بهم، فبعدما استوثق الأمر له، أسقط منهم سبعة آلاف رجل، كان قد كتبهم في جيشه
(3)
، ثم وجه ضربته للأمويين فنزع الخليفة هشام المؤيد بالله من منصبه، وتولى الخلافة بدلاً منه
(4)
، ولكي
(1)
- البيان المغرب 3/ 77. ذهب هؤلاء الصقالبة واستولوا على الأطراف الشرقية للأندلس، وكونوا بها ممالك خاصة بهم في كل من المرية ومرسية ودانية والجزائر وبلنسية. انظر: دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، ص 156 - 162، 171 - 176، 183 - 199، 206 - 216.
(2)
- البيان المغرب 3/ 77.
(3)
- المصدر السابق 3/ 77. أعمال الأعلام 2/ 112.
(4)
- الحق أن المهدي بهذه الخطوة قد قضى على أي أمل للأمويين فيه، فهم ساعدوه في البداية ليخلصوا الخليفة هشام المؤيد من حالة الحجر التي فرضها عليها العامريون، لكنهم فوجئوا بمن هو أسوأ من العامريين، فإن كان العامريون قد ألغوا شخصيته، واستبدوا بتصريف أمور الدولة من دونه، فإن المهدي استحوذ على كل شيء وأصبح هو الخليفة.
يأمن ردة الفعل من أي جهة أقدم على خطوة في غاية الغرابة، فقد أخرج هشام المؤيد من القصر، وفرض عليه الإقامة الجبرية في دار الحسن بن حي بقرطبة، ثم أعلن نبأ وفاته
(1)
.
وقد ذكرت المصادر التاريخية أن المهدي أحضر رجلاً يهودياً أو نصرانيا ميتاً
(2)
، كان شديد الشبه بهشام المؤيد، وقدمه للوزراء على أنه الخليفة هشام، وأنه مات حتف أنفه، فشهدوا على ذلك
(3)
.
وذكر الرقيق القيرواني
(4)
وتابعه النويري
(5)
أن الذين شهدوا على وفاة الخليفة المؤيد كانوا من أصحاب المهدي، وفي رواية أكثر تفصيلاً و أولى بالقبول من غيرها، وصاحبها شاهد عيان في هذه القضية، ذكر ابن حزم ما نصه: "أندرنا للجبل لحضور دفن المؤيد هشام ابن الحكم المستنصر، فرأيت أنا وغيري نعشاً فيه شخص مكفن وقد شهد غسله شيخان
(1)
- البيان المغرب 3/ 77. نهاية الأرب 23/ 418. وقد ورد في ذكر بلاد الأندلس 1/ 200 أن المهدي حبس المؤيد في مطبق المحابس.
(2)
- ورد في ذكر بلاد الأندلس 1/ 200 أن المهدي كان قد خنق ذلك الرجل.
(3)
- البيان المغرب 3/ 77. أعمال الأعلام 2/ 112.
(4)
- انظر: البيان المغرب 3/ 77.
(5)
- نهاية الأرب 23/ 418.
جليلان حكمان من حكام المسلمين ومن عدول القضاة في بيت، وخارج البيت أبي وعظماء البلد"
(1)
.
فابن حزم ذكر أنه لم يشهد المتوفى، وأن الأمر في ذلك اقتصر على رجلين فقط، كما أن الرقيق القيرواني ذكر أن الشهود كانوا فقط من أصحاب المهدي، وعلى هذا يمكن القول بأن المهدي استغل عدم معرفة الناس بالمؤيد، لأنهم لم يكونوا يرونه، وإن خرج فمتقنعاً كالنساء، ولوجود الشبه بينه وبين ذلك الميِّت، فقد انطلت حيلة المهدي على الشيخين، ليتخلص بذلك من عقبة كؤود.
وقد حضر الجنازة ألوف من الناس، صلوا على الميِّت، وتبعوا جنازته إلى قبره، حيث دُفن يوم الاثنين (26) شعبان
(2)
سنة (399) هـ (25 إبريل 1009) وبسبب كل ما مضى انصرفت عن المهدي نفوس الموالي والخواص واضطربت عليه بنو أمية
(3)
.
(1)
- ابن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، (وبهامشه الملل والنحل للشهرستاني، القاهرة المطبعة الأدبية، ط الأولى 1317 هـ.) 1/ 59.
(2)
- البيان المغرب 3/ 77. أعمال الأعلام 2/ 112. وذكر النويري أنه مات لأربع بقين من شعبان. انظر: نهاية الأرب 23/ 418. والحق أن إجرام المهدي لم يقف عند حد، حتى أنه تجرأ على استقبال الباري جل وعلا وهو يصلي على ميت غير مسلم وغش جماعة عظيمة من المسلمين في هذا الموقف إشباعاً لتطلعات نفسه الخبيثة.
(3)
- البيان المغرب 3/ 51.
ثم أضاف المهدي إلى حماقاته السابقة حماقة أخرى، فقد تجاهل قوة ضارة في المجتمع الأندلسي، وأعني بها الطوائف البربرية التي جعلها المنصور بن أبي عامر عماد دولته، فسلط المهدي عليهم رجاله، فاحتقروهم وأهانوا زعيمهم زاوي بن زيري بن مناد
(1)
، وقام بعض سفهاء قرطبة بنهب دور البربر، ولما اشتكى زعماؤهم من هذا الفعل، أمر المهدي بضرب رقاب المعتدين
(2)
.
(1)
- أبو مثنى زاوي بن زيري بن مناد، زعيم صنهاجه، دخل الأندلس في بداية عهد عبد الملك المظفر ابن المنصور هو وأقاربه، فأكرمهم المظفر، وفي سنة 403 هـ سكن زيري وقومه مدينة إلبيرة بناء على طلب أهلها، ثم بنى مدينة غرناطة ليتحصن بها، وفي سنة 410 هـ غادر الأندلس إلى القيروان حيث مات فيها مسموماً. انظر: عبد الله بن بلقين. التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله، (نشر وتحقيق: ليفي بروفنسال. القاهرة، دار المعارف، 1955 م)، ص 16 - 25. الذخيرة، ق 1 م 1 ص 453 - 460، ق 1 م 2 ص 588. ابن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، (تحقيق: محمد عبد الله عنان، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1393 - 1397 هـ، 1973 - 1976 م). 1/ 513 - 517، مجهول، نبذ تاريخية في أخبار البربر في القرون الوسطى، منتخبة من كتاب مفاخر البربر، (نشر: ليفي بروفنسال، المغرب، مطبوعات معهد العلوم العليا المغربية، 1352 هـ/1934). ص 35، 43. تاريخ ابن خلدون 4/ 60. الهادي روجي إدريس، الدولة الصنهاجية تاريخ إفريقية في عهد بني زيري، من القرن 10 إلى القرن 12 م. (ترجمة، حمادي الساحلي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط الأولى، 1992 م)، 1/ 133، 173 - 175.
(2)
- البيان المغرب 3/ 75 - 76.
وعز على المهدي أن يختتم هذه الصورة العجيبة إلا بإبراز الوجه الحقيقي له، لتهون أمام هذا المنظر كل أفعاله السابقة، فقد أظهر من الخلاعة والمجون ما لم يخطر ببال غيره، فباختصار لقد كان المهدي رجلاً فاسداً مختل الدين والعقل
(1)
. هذه الأفعال المشينة للمهدي بالإضافة لسيرته الأخلاقية المتدنية، وحدت القوى المعارضة، وجعلتها تقف أمامه في صف واحد، ولعل أول من وقف ضده من تلك القوى، هي تلك الفئة التي أسقطها المهدي من ديوانه، بالإضافة إلى العبيد العامريين، فنصبوا عليهم هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ولقبوه بـ"الرشيد"
(2)
وفشل المهدي في ثني الرشيد عن تمرده، بالرغم من إطلاقه لسراح ولده سليمان
(3)
، فقد تقدم الرشيد ومن معه فهاجموا أحد أسواق قرطبة وأحرقوه
(4)
، إلا أن أنصاره خذلوه عندما رأوا قيام العامة مع المهدي،
(1)
- انظر: المصدر السابق، 3/ 80. إن من أشد المصائب أن تبتلى الأمة بولي أمر فاسد فهو لن يقودها إلا إلى الدمار. فماذا سيجد من كان الغراب دليله؟
(2)
- البيان المغرب 3/ 51.
(3)
- انظر: البيان المغرب 3/ 79. نهاية الأرب 23/ 419.
(4)
- ورد في البيان المغرب 3/ 80 أن الرشيد هاجم سوق السرادق، بينما ورد لدى النويري أنه هاجم سوق السراجين، نهاية الأرب 23/ 419.
فأُسر الرشيد وقُتل صبراً بين يدي المهدي وذلك يوم الخميس الخامس من شهر شوال سنة (399) هـ
(1)
(2 يونيو (1009) م).
وأراد المهدي أن يكافئ العامة على موقفها، فأباح لها نهب دور البربر، ونادى مناديه أن من أتى برأس بربري فله كذا وكذا، فجرى من العامة شيء عظيم، إذ راح ضحية طيشهم وعبثهم الكثير من العلماء والفقهاء وغيرهم، وسبيت النساء، وتم قتل الحوامل منهن، وبلغ من حرص العامة على نيل المكافأة أن قتلوا سبعة عشر رجلا من أهل تلمسان
(2)
في ساعة واحدة، كانوا قد قدموا للجهاد، كما قتلوا آخرين
(1)
- المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص 88، البيان المغرب 3/ 81، نهاية الأرب 23/ 419. أعمال الأعلام 2/ 113. وذكر ابن الأبار أن الرشيد جهر في حركته في آخر شهر شوال انظر: الحلة السيراء 2/ 6.
(2)
- تلمسان: مدينة مشهورة بالجزائر، أصلها قرية "أغادير" وفي أواخر القرن الخامس الهجري أقام زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين قرية أقرارات، ثم انضمت القريتان فأصبحتا تلمسان، ومنذ ذلك الوقت عاشت البلدة حياة مزدهرة إلى أن فقدت قوتها ونضارتها بانحطاط دولة بني زيان سنة 932 هـ، والبلدة فيها أماكن أثرية مشهورة كما أن أهلها يمتهنون صناعات يدوية متقنة. انظر: البكري، المغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب، من كتاب "المسالك والممالك" (طبعة: دي سيلان، الجزائر 1911 م) ص 76 - 77، مجهول، كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، (تحقيق: د. سعد زغلول. المغرب الدار المغربية 1985 م)، ص 176 - 177. معجم البلدان 2/ 44، الروض المعطار ص 135 - 136. أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر. (الجزائر، البليدة، نشر دار الكتاب، 1382 هـ/1963 م)، ص 189 - 191. لطيفة بن عميرة. تلمسان من نشأتها إلى قيام دولة بني عبد الواد، (مجلة الدراسات التاريخية، إصدار معهد التاريخ، جامعة الجزائر. العدد السادس لعام 1413 هـ/1992 م). ص 63 - 69. والمصادر الواردة.
من أهل خراسان والشام على أنهم من البربر
(1)
، الأمر الذي دفع الكثيرين للهرب، وكان من بين الهاربين ابن أخ للرشيد يدعى سليمان بن الحكم
(2)
، فوجد البربر فيه ضالتهم، إذ لابد لهم من أموي يسيرون خلفه، لأن الناس لن يقبلوا أن يلي الخلافة إلا أحد أبناء تلك الأسرة المجيدة، ومن أجل ذلك بايع البربر سليمان بن الحكم وذلك في (27) شوال (399) هـ
(3)
(26 يونيو (1009) م) ولكي يدركوا ثأرهم استعانوا بشانجة بن غرسيه
(1)
- البيان المغرب 3/ 81.
(2)
- أبو أيوب سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، أمه أم ولد اسمها ظبية، ولد يوم الأحد الثامن من جمادى الآخرة سنة 354 هـ، كان أسمر أعين تام القامة أشم الأنف عظيم الكراديس جميل الوجه، عُرف بالعلم والفهم وحسن الأدب والشعر والفصاحة له رسائل وأشعار بديعة، وله معرفة بفنون الغناء فقد كان في حداثته يضرب بالطنبور انظر: جمهرة أنساب العرب ص 102، الذخيرة ق 1 م 1 ص 46، الحلة السيراء 2/ 7 - 8، البيان المغرب 3/ 91 - 92.
(3)
- المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص 88، البيان المغرب 3/ 84، ومن الجدير بالذكر أن سليمان هذا كان من المبادرين إلى تهنئة المهدي عقب اغتصاب الخلافة، وأنشده قصيدته التي مطلعها:
الحمد لله حمداً لا نقلله
…
هذا السرور الذي كنا نؤمله
انظر: الحلة السيراء 2/ 10 - 11.
بن فردلند
(1)
قومس
(2)
قشتالة الذي أطلقت عليه بعض المصادر التاريخية الإسلامية اسم ابن مامه النصراني
(3)
، فلما وصلت رسل البربر إليه، وجدوا أن رسل المهدي وواضح
(4)
(1)
- أعمال الأعلام 2/ 113.
(2)
- قومس أو قمز، جمعها قوامس، كلمة لاتينية Comes تعني نديم الملك، ولعلها أطلقت فيما بعد على من كان من وجوه القوم، ثم تطورت في اللغات الأوروبية معنى ومبني، فهي اليوم في الأسبانية Conde وفي الإنجليزية Count وفي الإيطالية Cont وفي الفرنسية Comte وكلها بمعنى حاكم منطقة متمتع باستقلال تام أو محدود أو هي بمعنى الرجل الشريف، انظر: البكري، جغرافية الأندلس وأوربا، ص 99 حاشية رقم 1.
(3)
- البيان المغرب 3/ 86.
(4)
- بعد أن تخلص المنصور من الصقالبة أتباع الخلافة الأموية، اصطنع صقالبة غيرهم ممن يديونون له بالولاء، ولذا عُرفوا بالفتيان أو المماليك العامرية، ويعتبر واضح الفتى من أشهرهم، قاد العديد من الجيوش الأندلسية في عهد المنصور وولده المظفر، وفي عهد الأخير أصبح والياً على مدينة سالم والثغر الأوسط، وبعد مقتل شنجول تولى واضح منصب الحجابة للمهدي، لكنه سرعان ما انقلب عليه وأعاد المؤيد للخلافة، وعندما ظهر عجز واضح عن مقاومة البربر، هان أمره على الجند، فأحس بالخطر، وعزم على الهرب سراً من قرطبة، لكن الجند ثاروا عليه بقيادة ابن وداعة فقتلوه وأخذوا ما لديه من أموال ونهبوا دور أصحابه وكتابه وذلك في أواخر سنة 401 هـ. انظر: البيان المغرب 2/ 282. 3/ 5 - 6، 11، 76، 93 - 95، 100 - 105. أعمال الأعلام 2/ 112، 114 - 118.
صاحب طليطلة والثغر الأوسط
(1)
عنده، وقدَّمت الرسل هدية سنية، لكن شانجة الذي كان يراقب ما يجري عند جيرانه المسلمين أراد أن يضرب القوة الإسلامية مرة واحدة، فأعلن عن تأييده للبربر
(2)
. وأقبل بجموعه يريد قرطبة، فاستعد المهدي للقائه ورتب قواته، ومن المضحك أن قيادة جيشه كان فيها طبيب ووكيل بل وقوم من الحواتين والجزارين وأشباههم
(3)
. فدارت الدائرة عليهم، وقتل من أهل قرطبة أكثر من عشرة
(1)
- الثغر الأوسط أو الأدنى قاعدته مدينة سالم ثم استبدلت فيما بعد بطليطلة، وهذا الثغر مواجه لمملكتي قشتالة وليون. وعن هذا الثغر وبقية الثغور الأندلسية أنظر: خليل إبراهيم السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي "دراسة في أحواله السياسية 95 - 316 هـ" (بغداد، مطبعة أسعد 1976 م ص 39 - 44 والمصادر المذكورة.
(2)
- تجدر الإشارة إلى أن ثمن مساعدته للبربر هو الحصول على ما أحب من مدن الثغر. انظر: البيان المغرب، 3/ 86. والملاحظ أن كلا الفريقين المسلمين لم يعمل أي منهما على حقن دماء المسلمين ويتنازل عن مطامعه الدنيوية في سبيل طلب ما عند الله تعالى، بل إن الأمر وصل بهما إلى تقديم الرجاء والخضوع لذلك النصراني عسى أن يتكرم بالمساعدة. على ماذا؟ على سفك دماء إخوانهم المسلمين. مقابل ماذا؟ مقابل إعطائه بلاداً خضبت أراضيها بدماء زكية سالت من أجساد نذرها أصحابها أن تكون فداءاً لإعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، لذا فلا عجب أن يعيش أفراد الفريقين سنوات عدة لا يعرفون فيها طعماً للعافية، كلها فتن ومحن ليذوقوا وبال أمرهم. والعاقبة لمن اتقى.
(3)
- المصدر السابق 3/ 88.
آلاف رجل
(1)
، وذلك يوم السبت (14) ربيع الأول سنة (400) هـ
(2)
(6 نوفمبر (1009) م) وحاول المهدي أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، فأخرج هشاماً المؤيد وأبرزه للناس، لكن ذلك لم يغن عنه شيئاً إذ أن سليمان بن الحكم قد دخل قرطبة وبويع في المسجد الجامع بالخلافة وذلك في يوم الثلاثاء (17) من ربيع الأول سنة (400) هـ (9 نوفمبر (1009) م
(3)
) وتلقب بـ" الظافر بحول الله مضافاً إلى المستعين بالله"
(4)
.
(1)
- اختلفت المصادر في تقدير عدد القتلى، فالمراكشي يذكر أن العدد أكثر من عشرين ألفاً، بينما يرى ابن عذارى أنهم نحو عشرة آلاف في حين أن ابن الخطيب ذكر أن العدد أكثر من ثلاثين ألفاً، انظر: على التوالي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 88. البيان المغرب 3/ 90، أعمال الأعلام 2/ 113.
(2)
- البيان المغرب 3/ 89، هذه المعركة تعتبر حاسمة في تاريخ المسلمين في الأندلس، وذلك لأنها قضت على خلافة المهدي وأكدت انقسام المسلمين هناك إلى طائفتين متضادتتين، البربر في ناحية والأندلسيين في ناحية أخرى ولذلك فهي تعتبر البداية الحقيقية لفترة دول الطوائف في الأندلس. انظر: الحلة السيراء، 2/ 6 حاشية رقم 2.
(3)
- البيان المغرب 3/ 91، أعمال الأعلام 2/ 114، وقد ذكر الحميدي أن البيعة تمت في شهر ربيع الآخر، في حين جعلها ابن بسام وكذلك ابن الأبار في النصف من شهر ربيع الأول، انظر: جذوة المقتبس، ص 19. الذخيرة ق 1 م 1 ص 36. الحلة السيراء 2/ 7.
(4)
- جذوة المقتبس ص 19. الحلة السيراء 2/ 7. وقد ألقى ابن دراج قصيدة مدح فيها المستعين وهنأه بالخلافة، مطلعها:
هنيئأً لهذا الدهر روحٌ وريحانُ
…
وللدين والدنيا أمان وإيمانُ
انظر: ديوان ابن دارج، القصيدة رقم 26.
هرب المهدي من قرطبة والتجأ إلى طليطلة، فوصلها في أول جمادى الأولى سنة (400) هـ
(1)
(21 ديسمبر (1009) م) فقام واليها الفتى واضح بمناصرته، واتفق مع قومس برشلونة
(2)
ريموند بوريل Ramon borrell
(3)
وأخيه أرمنجول Armengol
(4)
على مناصرة المهدي لقاء أن يتنازل للنصارى عن مدينة سالم، وأن يلتزم لكل رجل منهم دينارين في كل يوم وما يقوم به من الطعام والشراب وغير ذلك، وعلى أن لهم كل ما حازوه من عسكر البربر من السلاح والدواب والأموال، وأن نساء
(1)
- البيان المغرب 3/ 93. أعمال الأعلام 2/ 114.
(2)
- برشلونة Barcelona مدينة بحرية مهمة على البحر المتوسط، وهي قاعدة بلاد كتلونية، يحدها من الشمال الشرقي مقاطعة جيرندة أو جيرونده، ومن الغرب مقاطعة لارده، ومن الجنوب مقاطعة طركونة، وفي العصر الحالي تعد برشلونة أعظم بلدة تجارية وصناعية في شبه الجزيرة الأيبرية، وهي عبارة عن ثلاث مدن: برشلونة القديمة وبرشلونة المحدثة في العصور الوسطى وبرشلونة الحديثة وهي التي أحدثت في هذا العصر. انظر: جغرافية الأندلس وأوربا ص 96، ابن سعيد، كتاب الجغرابيا، (تحقيق: إسماعيل العربي، بيروت، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، ط الأولى 1970 م) ص 181. الروض المعطار ص 86 - 87. الحلل السندسية 2/ 272 - 280.
(3)
- هو حاكم إمارة قطلونية - التي عاصمتها برشلونة- بين سنتي 382 - 409 هـ.
(4)
- تسميه بعض المصادر العربية باسم أرمقند. انظر: الذخيرة ق 1 م 1 ص 36، البيان المغرب 3/ 95. أو باسم أرمنقد. انظر: أعمال الأعلام 2/ 75.
البربر ودماءهم وأموالهم حلال لهم لا يحول أحد بينهم وبينها إلى غير ذلك من الشروط التي التزم بها واضح
(1)
.
وأقبلت جموع المهدي وواضح ومعهما النصارى، والتقت بجموع البربر التي يقودها المستعين، وذلك في موضع يعرف بدار البقر
(2)
، وكادت الهزيمة تحل بالمهدي ومن معه، إذ أن البربر قتلوا الملك النصراني أرمنجول وعدداً كبيراً من جيشه إلا أن المستعين لم يصمد ففر بمن معه إلى شاطبه
(3)
، عند ذلك اضطر البربر إلى الانسحاب من المعركة، ثم عرجوا على مدينة الزهراء فأخذوا أولادهم وأمتعتهم ثم انصرفوا إلى الجنوب
(1)
- البيان المغرب 3/ 94.
(2)
- دار البقر Elvacar أو عقبة البقر، حصن يقع على بعد عشرين أو خمس وعشرين كيلو متر شمال قرطبة إلى الجنوب الغربي قليلاً من Ovejo انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم 588 ومصادره. الحلة السيراء 2/ 7 حاشية رقم 1.
(3)
- شاطبة Jativa مدينة كبيرة قديمة، تقع في شرق الأندلس على بعد 56 كم جنوب غرب بلنسية، وهي داخلية لا تطل على ساحل، اشتهرت بصنع الكاغد ومنها يحمل إلى سائر أقطار الأندلس، وهي موطن قبيلة نفزة البربرية، ولا يزال إلى العصر الحالي يوجد موقع في منطقة شاطبة يعرف باسم Nifzies نسبة لتلك القبيلة، وقد خرجت شاطبة من أيدي المسلمين سنة 644 هـ، انظر: نصوص عن الأندلس ص 18 - 19. معجم البلدان 3/ 309 - 310. الروض المعطار ص 337. والدراسة الوافية للدكتورة سحر عبد العزيز سالم. شاطبة الحصن الأمامي لشرق الأندلس (الإسكندرية مؤسسة شباب الجامعة 1995 م)، ص 1 - 233 والمصادر والمراجع الواردة.
الأندلسي
(1)
، متجهين إلى الجزيرة الخضراء
(2)
، وذلك في يوم الجمعة (16) شوال سنة (400) هـ (2 يونيو 1010) فاغتنم عوام قرطبة الفرصة، فنهبوا ما وجدوا في مدينة الزهراء، ودخل المهدي قرطبة وأخذ البيعة لنفسه وبذلك بدأت دولته الثانية
(3)
.
ولم يهدأ المهدي في قرطبة بل إنه سارع إلى ترتيب قواته ومن معه من النصارى، فسار الجميع بأثر البربر للقضاء عليهم، فالتقى الجمعان في وادي آره
(4)
، فقاتل البربر قتال المستميت. إذ أن هذه هي الفرصة الأخيرة
(1)
- إن اتجاه البربر إلى الجنوب الأندلسي أمر منطقي، فهم بذلك أقرب إلى موطنهم الأصلي، ولعلهم في هذه الحالة لا يعدمون وصول مساعدات من تلك المناطق تعينهم على ما هم فيه.
(2)
- الجزيرة الخضراء كورة تشمل عدة مدن، قاعدتها مدينة الجزيرة الخضراء، وتقع في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الأيبيرية في مواجهة سبته وبجوارها جبل طارق، وقد سقطت بأيدي النصارى سنة 743 هـ ثم استردها محمد الخامس الغني بالله سلطان غرناطة سنة 771 هـ إلا أنه دمرها تدميراً كاملاً لئلا يستفيد منها النصارى أو بني مرين في المغرب، وهي اليوم مركز إداري في مديرية قادس ويكتب اسمها Al Geciras. انظر: نصوص عن الأندلس ص 120، الحلة السيراء 2/ 199 حاشية رقم 3. الروض المعطار ص 223 - 224، الحلل السندسية 1/ 81 وما بعدها.
(3)
- انظر البيان المغرب 3/ 94 - 95.
(4)
- يعرف بوادي السقائين. انظر: أعمال الأعلام 2/ 115، د. السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المسلمين وأثارهم في الأندلس، من الفتح العربي حتى سقوط الخلافة بقرطبة، (لبنان، دار المعارف ط الأولى 1962 م) ص 354 حاشية رقم 2.
لهم للمحافظة على كيانهم ووجودهم في الأندلس، فهزموا قوات المهدي هزيمة منكرة، واحتوى البربر ما كان في معسكر خصومهم من سلاح ومال ودواب، وذلك في يوم الخميس السابع من ذي القعدة سنة (400) هـ
(1)
(22 يونيو 1010) فانصرف المهدي وواضح ومن كتبت له النجاة من قواتهما، إلى قرطبة، حيث ارتكبت فيها تلك الجموع ومن معها من عوام قرطبة والنصارى مالا يخطر ببال
(2)
، وعندما وصلت الأخبار بأن البربر قد أقبلوا يريدون قرطبة، استعد المهدي للحصار، وأصاب أهل قرطبة الجزع الشديد بسبب رحيل النصارى عنهم وإقبال البربر إليهم
(3)
.
(1)
- البيان المغرب 3/ 95 - 96. أعمال الأعلام 2/ 115.
(2)
- الحق أن المسلم لا يستطيع أن يحتمل تصور ما حل بالمسلمين بقرطبة، فقد أذاقهم الله تعالى بأس بعضهم البعض، وسلطهم على أنفسهم، فقد قام المهدي ومن معه بقتل كل بربري أو متشبه بهم أو حتى من كان متهماً بأنه بربري، قتلوا الرجال وذبحوا الأطفال وشقوا بطون الحوامل وسبوا الجميلات من النساء، وأصبح من حق أي نصراني أن يختار ما يشاء من بنات المسلمين ليأخذها على أنها بربرية، كما أصبح من حقه أن يقف وسط السوق وينال من نبينا المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بما شاء، وهو آمن العقوبة، ومن دبت فيه الغيرة واعترض على ذلك، انتهره من حضر من المسلمين ونصحوه بالاشتغال بمصالحه، انظر البيان المغرب 3/ 97 - 98.
(3)
- لقد بلغ من جزع أهل قرطبة بسبب رحيل النصارى عنهم وخوفهم من البربر أن كان بعضهم يلقي بعضاً فيعزيه كما يعزي من فقد أهله وماله. البيان المغرب 3/ 99.
ورغم كل هذه البلايا والشدائد التي عاشها المهدي، إلا أنه كان عديم الالتجاء إلى الله تعالى، بل أن شره بازدياد، وفساده في يومه أشد من أمسه
(1)
، فسلط الله عليه نصيره واضح الصقلبي "الفتى" فدبر الأمر مع بعض العبيد العامريين، فدخلوا عليه فكتفوه، وأخرجوا هشاماً المؤيد من مقره، وأقعدوا المهدي بين يديه، فأخذ يحاسبه ثم أمر بقتله، فقتل، وذلك يوم الأحد الثامن من شهر ذي الحجة (400) هـ (24 يوليو 1010) وبذلك بدأت الدولة الثانية للخليفة هشام المؤيد
(2)
، الذي استمر في الخلافة إلى أن دخل البربر قرطبة بقيادة المستعين بالله يوم الاثنين (27) شوال سنة (403) هـ
(3)
(10 مايو (1013) م) فبويع
(1)
- المصدر السابق 3/ 99.
(2)
- لقد ذبح المهدي ذبحاً تولى ذلك عبد من عبيد الحكم يعرف بالشفق وأعانه بعض عبيد العامريين، وتم نصب جثته أياماً بدون الرأس ثم دفن في مرحاض. البيان المغرب 3/ 100.
(3)
- لم يكن البربر منذ انتصارهم في معركة وادي آره إلى أن دخلوا قرطبة سنة 403 هـ بأحسن سيرة من المهدي وواضح وعوام قرطبة، فبسببهم هلك أكثر أهل البوادي جوعاً وهلكت مواشيهم، بل بلغ من قسوة البربر أنهم لم يكتفوا بمصادرة الأموال من أهل مالقة مثلاً، فقد قتلوا الرجال وسبوا النساء، ومن علموا أن لدى أحداهن مالاً قد أخفته عنهم علقوها من ثدييها لاستخراج ما عندها من المال. وغير ذلك كثير. وبالجملة فالبربر والمهدي وواضح وعوام قرطبة في الشر سواء. انظر: المصدر السابق 3/ 101 - 102.
بالخلافة
(1)
بدلاً من المؤيد الذي اختلفت المصادر بشأنه
(2)
.
هذا وقد كانت الأندلس عند مقتل المهدي مقسمة سياسياً إلى أقسام عدة، فقرطبة ومنطقة الثغور شمال الأندلس كانت تحت سيطرة المهدي، وأما الشرق الأندلسي فقد خضع للصقالبة العامريين، حيث أقاموا هناك ممالك عدة، في حين أن المستعين بالله كان قد بسط
(1)
- نفسه 3/ 112.
(2)
- انظر: الفصل في الأهواء والملل والنحل 1/ 59، الذخيرة، ق 1 م 1 ص 37، البيان المغرب 3/ 113، أعمال الأعلام 2/ 120. المغرب في حلى المغرب 1/ 193 نفح الطيب 1/ 429. وانظر ما ورد في نقط العروس ص 83 - 84 من تسمي أحدهم باسم هشام المؤيد بعد هذا التاريخ بعشرين سنة بل إن المعتضد بالله صاحب إشبيلية قطع الخطبة لهشام المؤيد معلناً موته بزعمه وذلك سنة 451 هـ. البيان المغرب 3/ 249.
نفوذه على الجنوب الشرقي للأندلس بالإضافة إلى مدينتي سبتة
(1)
وطنجة
(2)
وبلاد غمارة من أرض العدوة الغربية.
وعندما تولى سليمان المستعين بالله الخلافة، بادر إلى تقسيم أعمال المدن الأندلسية على بعض ذوي النفوذ وبالذات من البربر، فقد وضع
(1)
- سبتة Ceuta مدينة على شاطئ البحر المتوسط في شمال المغرب الأقصى، وهي عبارة عن شبه جزيرة في مضيق جبل طارق، تحيط بها الجبال من جهة الجنوب، وبسبب هذا الوضع الجغرافي نجدها تمتاز بطابع أندلسي في مظهرها وثقافتها، وبعد معركة وادي المخازن واستيلاء اسبانيا على المملكة البرتغالية دخلت سبتة تحت حكم الأسبان منذ سنة 988 هـ، انظر صورة الأرض ص 79 - 80، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص 102 - 104، الروض المعطار ص 303 - 304، أخبار البربر ص 58، محمد بن تاويت، تاريخ سبته، (الدار البيضاء، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر 1402 هـ/1982 م) ص 17 وما بعدها.
(2)
- طنجة Tanger مدينة قديمة بالمغرب الأقصى وتقع عند الطرف المغربي، بمضيق جبل طارق بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، ولا يفصلها عن الشاطئ الأسباني سوى 18 كم خضعت طنجة للأدارسة بفاس ثم للأمويين بالأندلس ثم سيطر عليها حكام برغواطه إلى أن استنقذها منهم أمير المسلمين يوسف بن ناشفين، وهي الآن المصيف الرسمي للملكية المغربية، انظر ابن الخطيب، أعمال الأعلام القسم الثالث (تحقيق وتعليق د. أحمد العبادي وإبراهيم الكتاني الدار البيضاء، دار الكتاب 1964). ص 203 حاشية رقم 1.
المناصب بأيديهم، وقسم المناطق الخاضعة لسيطرته على قبائلهم
(1)
، كما جعل علي بن حمود
(2)
والياً على سبته، وأخاه القاسم
(3)
على طنجة
(1)
- كان عدد قبائل البربر ستة، فالمستعين أعطى صنهاجة إلبيرة، كما أعطى مغراوة الجوف، بينما منح بني برزال وبني يفرن جيان وذواتها، وأعطى بني دمر وأزداجه شذونة ومورور. وتوثبت البرابرة والعبيد على الأعمال، فولوا المدن العظيمة وتقلدوا الأعمال الواسعة، فهذا باديس بن حبوس في غرناطة، محمد بن عبد الله البرزالي في قرمونة. والفرني في رنده، وخزومة في شريش وابن عباد في إشبيلية، وابن الأفطس ببطليوس، وابن ذي النون بطليطلة، وابن أبي عامر ببلنسبة، وابن هود بسرقسطة، ومجاهد العامري بدانية والجزائر. وعن هذا الوضع قال أحدهم يهجو المستعين:
لا رحم الله سليمانكم
…
فإنه ضد سليمان
ذاك به غلت شياطينها
…
وحل هذا كل شيطان
فباسمه ساحت بأرضنا
…
لهلك سكان وأوطان
انظر: البيان المغرب 3/ 113، تاريخ ابن خلدون 4/ 151، نفح الطيب 1/ 429.
(2)
- هو أبو الحسن علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس الثاني بن إدريس الأول بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أمه البيضاء بنت عم أبيه كان أسمر أعين نحيف الجسم طويل القامة حاد الذهن عازماً حازماً، شرس الأخلاق عدل في أحكامه ورعيته، محمود المذهب: انظر: جمهرة أنساب العرب ص 5 البيان المغرب 3/ 119 - 120، ذكر بلاد الأندلس 1/ 206.
(3)
- هو أبو محمد القاسم بن حمود، شقيق علي بن حمود، كان أسمر اللون أعين، أكحل، خفيف العارضين، حسن السمت، وهو أسن من أخيه علي بعشرة أعوام، وكان يذكر عنه أنه يتشيع إلا أنه لم يظهر ذلك ولا غير للناس عادة ولا مذهباً، توفي خنقاً في سجن ابن أخيه إدريس بن علي سنة 436 هـ وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم في الجزيرة فدفنه فيها. انظر: جمهرة أنساب العرب ص 50، جذوة المقتبس ص 22 - 24، المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 100، البيان المغرب 3/ 124 - 125، ذكر بلاد الأندلس 1/ 207.
وأصيلا
(1)
، وفي هذا يقول ابن عذاري:"إن سليمان هذا أول دولة البرابر بقرطبة"
(2)
.
وإذا نظرنا إلى تصرف المستعين في تقسيمه البلاد على البربر، ربما نجده مضطراً إلى هذا الفعل، فلعله بدأ يشعر بثقل وطأتهم عليه، إذ أنهم يعتبرون أنفسهم هم أصحاب الدولة، فهم الذين أوصلوه إلى ما هو فيه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهو يدرك تماماً عدم الوفاق بين البربر وأهل قرطبة، ولأجل هذا سعى إلى إبعاد الطرفين عن بعضهما البعض، فوزع تلك الأراضي على قبائل البربر.
وأما تولية المستعين لعلي والقاسم الحموديين لكل من سبته وطجنة وأصيلاً فهو عمل رديء من الناحية السياسية، إذ أنه بذلك وضع مفاتيح
(1)
- أصيلا Arzila وتكتب أصيله وأزيلي، ومعناها بالبربرية المكان الجميل، وهي مدينة قديمة أسست على عهد الفينيقيين وتقع على ساحل المحيط الأطلسي بين طنجة والعرائش، وقد اتخذها الأدارسة مركزاً لدولتهم في شمال المغرب إلى جانب حجر النسر، وقد وقعت أصيلا تحت الاستعمار البرتغالي سنة 876 هـ ومن ثم الأسباني سنة 1000 هـ. انظر: المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب ص 111 - 112، معجم البلدان 1/ 211، أعمال الأعلام 3/ 204 حاشية رقم 1.
(2)
- البيان المغرب 3/ 114.
الأندلس من جهة الجنوب بيد أسرة غير موالية له، لأجل ذلك نجد القائد عبد الله البرزالي
(1)
يناقش المستعين في هذه التولية ويبين له خطرها، لكن الأخير تجاهل الأمر
(2)
.
وقد صدقت تحذيرات البرزالي، فقد أعلن علي بن حمود الثورة بعد أن اتفق مع خيران العامري
(3)
، الذي لم يكن راضياً عن خلافة المستعين،
(1)
- ينتسب عبد الله بن إسحاق البرزالي إلى قبيلة زناته البربرية، ومنازل بني برزال بالمغرب في منطقة الزاب الأسفل حول مدينة المسيلة، وهم من الخوارج الإباضية، وقد دخلوا الأندلس في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وخدموا في دولته ودولة المنصور بن أبي عامر الذي ولى إسحاق البرزالي ولاية قرمونة، فما زال في الولاية حتى توفي سنة 404 هـ فخلفه عليها ولده عبد الله واستمر عليها إلى أن توفي سنة 414 هـ، وقد تعاقب أولاده وأحفاده عليها إلى أن سقطت دولتهم سنة 459 هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب ص 498. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 192 - 193، أعمال الأعلام 2/ 236 - 238، مفاخر البربر، ص 29، 44، 72.
(2)
- البيان المغرب 3/ 114.
(3)
- هو أحد الفتيان العامريين المخلصين للبيت العامري، فر من قرطبة عندما استولى عليها المستعين في دولته الأولى، ثم عاد إليها في عهد المهدي، وكان له دور في قتله وإعادة المؤيد للخلافة، فلما استولى المستعين على قرطبة ثانية هرب خيران إلى شرق الأندلس، واستقر في قلعة أوريولة من كورة تدمير سنة 404 هـ، ثم استولى على مرسية وبعدها المرية سنة 405 هـ وظل بها حتى توفي سنة 419 هـ. انظر: دول الطوائف منذ قامها حتى الفتح المرابطي ص 156 - 160. د. عبد العزيز سالم، تاريخ مدينة المرية الإسلامية قاعدة أسطول الأندلس، (الاسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، ط 1984 م). ص 58 - 62 ومصادره.
فقد كان خيران العامري يأمل بحياة المؤيد، بل إنه كان يخطب له على منابر المرية
(1)
، ولذا عندما أحس برغبة ابن حمود في القيام ضد المستعين، بادر بالموافقة وبالذات بعد أن أخبره ابن حمود أن كتاباً كان قد وصله من المؤيد يسند إليه فيه ولاية العهد ويفوضه بأخذ ثأره من المستعين
(2)
، فدعا له خيران بولاية العهد، ووافقه على ذلك جماعة منهم صاحب مالقة
(3)
(1)
- المرية Almeria مدينة على ساحل البحر المتوسط جنوب شرقي أسبانيا، بناها الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة 344 هـ في مقاطعة بجانة، وأصبحت المرية القاعدة الكبرى للأسطول الأندلسي، بالإضافة إلى مركزها التجاري والسياسي والثقافي، كانت قاعدة لمملكة العبيد العامريين، ثم عاصمة لبني صمادح التجيبين، وقد استولى عليها النصارى نهائياً سنة 894 هـ. انظر: المرجع السابق ص 13 - 185.
(2)
- انظر: الذخيرة: ق 1 م 1 ص 37 - 38، 43. الكامل في التاريخ 8/ 98. بغية الملتمس ص 22 البيان المغرب 3/ 114. نفح الطيب 1/ 482. ومهما يكن من أمر فالكتاب فيه شك حول حقيقته، وابن حمود دعاه ليتخذ منه سنداً شرعياً يوصله لمراده. البيان المغرب 3/ 116. ولولا أن لخيران العامري هوىً في محاربة المستعين وتنحيته من الخلافة لما اقتنع بكلام ابن حمود.
(3)
- مالقة Malaca مدينة من أعمال رية على شاطئ البحر المتوسط بين الجزيرة الخضراء والمرية، وصفت بالحسن والاتساع ووفرة الخيرات، اشتهرت بالتين واللوز ولها ربضان كبيران وشرب أهلها من الأبار أسسها الفينيقيون وأعطوها اسم "مالكو Malako" أي المملح نسبة إلى مستودعات الأسماك المملحة التي كانت تجفف وتحفظ فيها، اشتهرت سياسياً، فقد كانت عاصمة للحموديين زمن الطوائف، والعاصمة الثانية بعد غرناطة أيام ملوك بني الأحمر، وقد سقطت مالقة في يد النصارى في أواخر شعبان سنة 892 هـ بعد حصار دام ثلاثة أشهر. انظر: الإدريسي، نزهة المشتاق اختراق الآفاق، (القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية "مصورة على طبعة: نابولي -روما) ص 565 أبي سعيد، كتاب الجغرافيا ص 140. معجم البلدان 5/ 43. أعمال الأعلام 3/ 241 حاشية رقم 3.
عامر بن فتوح الفائقي
(1)
الذي بادر إلى تسليم مالقة لابن حمود سنة (405) هـ
(2)
(1014) واجتمع خيران ومن وافقه بالمنكب
(3)
سنة (406) هـ (1015) وبايعوا علياً بن حمود على طاعة المؤيد
(4)
، وعندما
(1)
- هو مولى فائق مولى الخليفة الحكم المستنصر بالله.
(2)
- جذوة المقتبس. ص 20، بغية الملتمس. ص 22، المعجب في تلخيص أخبار المغرب. ص 91. الكامل في التاريخ 8/ 98. قارن البيان المغرب 3/ 116.
(3)
- المنكب، اسم عربي بمعنى الحصن المرتفع، ويسمى اليوم Almunecar وهو مرفأ ساحلي مرتفع في جنوب شرق الأندلس بمقاطعة غرناطة، على بعد 23 كيلو متر غربي مطريل، وقد سقط المنكب بأيدي النصارى في شهر المحرم سنة 895 هـ. انظر: الروض المعطار ص 548 - 549. ابن الخطيب، مجموعة من رسائله، (نشرت تحت عنوان "مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب والأندلس "بعناية د. أحمد مختار العبادي، الاسكندرية 1958 م). ص 79 - 80 والحاشية رقم 2. محمد عبد الله عنان، الآثار الأندلسية الباقية في أسبانيا، دراسة تاريخية أثرية (القاهرة، مؤسسة الخانجي، 1381 هـ/1961 م) ص 258 - 261.
(4)
- الكامل في التاريخ 8/ 98.
بلغوا غرناطة
(1)
وافقهم أميرها، وساروا جميعاً إلى قرطبة فالتقوا بقوات المستعين فهزموها وأسروه
(2)
، ودخل علي بن حمود قرطبة في يوم الأحد (22) محرم سنة (407) هـ
(3)
(يوليو 1016) وقتل صبراً سليمان المستعين وأخيه ووالدهما، واستخرج جثة المؤيد، وجهزه وصلى عليه ودفنه بجوار والده
(4)
، وبذلك انتهت دولة سليمان بن الحكم بعد ست سنين وعشرة
(1)
- غرناطة Granada ويقال إغرناطة تقع في الركن الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة الأيبرية، كانت عند الفتح الإسلامي محلة صغيرة، وكانت إلبيرة المجاورة لها هي المدينة الكبيرة في المنطقة، حتى أن الكورة سميت باسمها، وفي مطلع القرن الخامس الهجري شهدت غرناطة توسعاً كبيراً وأصبحت مركزاً للكورة وذلك لأن بني زيري اتخذوها حاضرة لهم، ونظراً لمنعة موقع غرناطة، فقد ازدادت أهميتها بصورة كبيرة خاصة بعد سقوط الأمصار الأندلسية الكبرى، حيث غدت حاضرة ملوك بني الأحمر. وقد عرفت غرناطة باسم دمشق الأندلس لشدة التشابه بينهما، كما أنها موطن جند دمشق، ويقال لها غرناطة اليهود لكثرتهم فيها وقد ظلت غرناطة بيد المسلمين إلى أن سقطت بيد النصارى سنة 898 هـ. انظر: وصف الأندلس، ص 67، الروض المعطار ص 45 - 46، الإحاطة 1/ 91، 93، ابن الخطيب، اللمحة البدرية في الدولة النصرية، بعناية: محب الدين الخطيب، (القاهرة، المكتبة السلفية، 1347 هـ) ص 12 - 29.
(2)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 97.
(3)
- المصدر السابق، ق 1 م 1 ص 42. المعجب ص 91. البيان المغرب 3/ 117.
(4)
- يبدو أن علي بن حمود كان على عجلة من أمره من أجل إتمام مبايعته بالخلافة، ولذا نراه يبادر إلى قتل سليمان المستعين بالله وأخيه ووالدهما، رغم إصرار سليمان ووالده على أن المؤيد لا يزال حيا، ولأن ابن حمود يدرك تماماً أن ظهور المؤيد يجعل كل ما قام به يذهب سدى، لأجل ذلك بادر إلى فعلته قبل أن يدخل الشك قلوب من كانوا معه، وبالذات خيران الذي كان يطمع في حياة المؤيد، وعن كيفية التأكد من وفاته لدينا رواية ابن الأثير وهي أوسع الروايات في هذه المسألة، فقد ذكر أن خيران وغيره دخلوا إلى القصر طمعاً في أن يجدوا المؤيد حياً، فلم يجدوه، ورأوا شخصاً مدفوناً، فنبشوه وجمعوا له الناس وأحضروا بعض فتيانه الذين رباهم وعرضوه عليه، ففتشه، وفتش أسنانه، لأنه كانت له سن سوداء فأخبروا خيران أنه المؤيد، وكان يعلم ذلك الفتى أن المؤيد حي".
الكامل في التاريخ 8/ 99. ولعل شهادة هذا الفتى ومن معه بالإضافة إلى مسارعة ابن حمود بقتل سليمان وأخيه ووالدهما، دليل كاف على ادعائه للوصية، وأن الأمر بالنسبة له لا يعدو مطامع شخصية عمل من أجل تحقيقها مع تلافي الخطأ الذي وقع فيه شنجول من قبل.
أشهر
(1)
، وهذه المدة وصفها ابن حيان بقوله: "وكانت كلها شداداً نكدات، صعاباً مشؤمات، كريهة المبتدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى والخاتمة، لم يعدم فيها حيف، ولا فورق فيها خوف، ولا تم سرور، ولا فُقد محذور
…
دولة كفاها ذماً أن أنشأها شانجة، فقشعها أرمقند، وثبتتها الجلالقة، ومزقتها الإفرنجة، ودبرها فاجر شقي، ووزر لها خب دني، فتمخضت عن
(1)
- كان لسليمان المستعين بالله ولد اسمه محمد ولاه عهده، وصف بأنه كان نظير والده بالإهمال والإفساد في البلاد، وبعد مقتل المستعين فر ولده محمد ولجأ إلى منذر بن يحيى التجيبي لكنه غدر به وقتله صبرا. انظر جمهرة أنساب العرب ص 102.
الفاقرة الكبرى، وآلت بمن أتى بعدها إلى ما كان أعضل وأدهى، مما طوى بساط الدنيا، وعفى رسمها، وأهلك أهلها"
(1)
.
ولأول مرة في الأندلس تخرج الخلافة عن الأمويين، وذلك عندما بويع علي ابن حمود بالخلافة عند باب السدة، واتخذ لقب:"الناصر لدين الله"
(2)
.
وما أن استراح الخليفة ابن حمود في القصر، حتى تصدع التحالف الذي كان قد أقامه، فالعبيد الصقالبة والعامريون أصحاب الممالك المتناثرة في شرق الأندلس، رفضوا الاعتراف بخلافته رغم مكاتبته لهم، وإغرائه إياهم بالوعود الجميلة
(3)
، إذ أنه لا ينتمي للأسرة الأموية وعليه فلا حق له بالخلافة من وجهة نظرهم.
ومما دفعهم أيضاً إلى رفض ابن حمود، موقف خيران العامري منه، فقد حرضهم عليه، بل دعاهم للقيام ضده، والسبب في ذلك يعود إلى اليوم الأول الذي دخل فيه خيران قصر الخلافة، ولم يجد المؤيد حيا، فقد
(1)
- الذخيرةق 1 م 1 ص 41 - 42.
(2)
- انظر جذوة المقتبس، ص 22. المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص 98. البيان المغرب 3/ 122 أعمال الأعلام 2/ 128، نفح الطيب 1/ 431. وذكرت بعض المصادر أن ابن حمود تلقب بـ"المتوكل على الله" نفقط العروس: ص 80. الكامل في التاريخ 8/ 99.
(3)
- انظر: الذخيرة، ق 1 م 1. ص 117 - 119.
مع ابن حمود، وأنه في خطر منه
(1)
، ولذا انسل من قرطبة وذهب إلى دار ملكه في المرية، وهناك بحث عن أموي يسير خلفه ليحقق من ورائه أطماعه، ويرضى نفسه الطموحة، وفي الوقت نفسه يضمن عدم بقاء ابن حمود في الخلافة، إذ لا بقاء له في الحكم مع قيام أموي يطالب بإرثه.
وفي سنة (407) هـ (1017)
(2)
عثر خيران على رجل أموي يدعى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك ابن عبد الرحمن الناصر
(3)
وكان أصلح من بقي من بني أمية
(4)
، فبايعه خيران ومن معه بالخلافة كما بايعه أصحاب دول الطوائف ولقبوه بالمرتضى
(5)
، إذ أن هدفهم متفق مع هدف
(1)
- الكامل في التاريخ 8/ 99. البيان المغرب 3/ 121 - 122.
(2)
- البيان المغرب، 3/ 121.
(3)
- كان عبد الرحمن هذا رجلاً صالحاً مائلاً إلى الفقه، لم يلبس في ولايته خزاً إلى أن قتل، ترك ولداً واحداً، انظر: جمهرة أنساب العرب ص 101.
(4)
- الكامل في التاريخ 8/ 99.
(5)
- جمهرة أنساب العرب ص 101. الذخيرة ق 1 م 1 ص 99. الكامل في التاريخ 8/ 99. وتجدر الإشارة إلى أنه قبل قيام خيران وصاحبه المرتضى، كان مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر قد قدم للخلافة الفقيه المشاور عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، أحد أبناء الأسرة الأموية، وبايعه على ذلك في جمادى الآخرة سنة 405 هـ، وسماه بـ "أمير المؤمنين المنتصر بالله" لكن الوفاق لم يدم بين الطرفين، مما حدا بمجاهد أن يطرد المعيطي إلى بجاية في العدوة المغربية. فقضى بقية عمره هناك معلماً لصبيان البربر حتى توفي خاملاً سنة 432 هـ. انظر: القاضي عياض، ترتيب المدارك، الجزء الثامن، (تحقيق: سعيد أعراب، المغرب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1403 هـ 1983 م). ص 26 - 28. ابن بشكوال. كتاب الصلة، (بعناية عزت العطار الحسيني. القاهرة. مكتب نشر الثقافة الإسلامية، 1374 هـ/1955 م). ترجمة رقم 592. البيان المغرب 3/ 116. أعمال الأعلام 2/ 220. دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، ص 185 - 190. مجاهد العامري. ص 149 - 155.
خاب أمله، إذ كان يطمع باستعادة مكانته في ظل الخليفة الضعيف، كما أدرك أن لا مجال له خيران. ثم اجتمعوا في مكان يعرف بالرياحين، وذلك في شهر ذي الحجة سنة (408) هـ (إبريل (1018) م) ومعهم الفقهاء والعلماء، وبايعوا المرتضى على أن تكون الخلافة شورى وليست وراثة
(1)
.
وما أن علم الخليفة علي بن حمود بهذا التجمع، وأن أهل قرطبة يتطلعون للمرتضى حتى غير ابن حمود سياسته تجاههم، فبدل اللين شدة، وأذاقهم الذل وأراهم القهر بالظلم والطغيان، وألزمهم مغارم عسيرة، فضاقوا به، وابتهلوا إلى الله بالدعاء عليه، فسلط الله تعالى عليه ثلاثة
(1)
- الكامل في التاريخ 8/ 99 - 100، وبهذه المناسبة ألقى ابن دراج قصيدة مدح فيها المرتضى، مطلعها:
جهادك حكم الله من ذا يرده
…
وعزمك أمر الله من ذا يصده
انظر: ديوان ابن دراج القصيدة رقم 32. الذخيرة ق 1 م 1 ص 82.
من صقالبة القصر
(1)
، فقتلوه وهو في الحمام، وذلك ليلة السبت أول ذي القعدة سنة (408) هـ
(2)
(21 مارس 1018).
وقد شجع الموت المفاجئ لابن حمود الخليفة الأموي المرتضى على المسير إلى قرطبة إلا أنه عرَّج على غرناطة، فدعى زاوي بن زيري إلى الدخول في طاعته
(3)
، فرفض طلبه
(4)
، فنشبت معركة حامية بين المرتضى وقواته وبين زيري والصنهاجيين، إلا أن خيران والعبيد العامريين خانوا المرتضى، فتخلوا عنه في المعركة، وتركوه وحيدا، فغادر أرض المعركة،
(1)
- تواطأ على قتل ابن حمود ثلاثة وصفاء، أحدهم يدعى "منجح" كان حسن الوجه، خفيفاً على قلب ابن حمود والآخران هما "لبيب وعجيب" ضربوه بخناجرهم وسدوا عليه باب الحمام. أنظر: الذخيرة ق 1 م 1 ص 101.
(2)
- المصدر السابق: ص 97 - 101. وقد ذكر ابن حبان أن أهل قرطبة عندما علموا بمقتل ابن حمود فرِّج عنهم همٌّ عظيم وابتهلوا إلى الله تعالى بشكرهم.
(3)
- لم تكن خطة المرتضى مبنية على الاصطدام بزاوي بن زيري، فقد كان يريد المسير إلى قرطبة للقضاء على القاسم بن حمود الذي تولى الخلافة مكان أخيه. لكن خيران ومن معه عندما لمسوا لدى المرتضى قوة شخصية وأنه متى وصل إلى قرطبة لن ينالوا ما يؤملوه، عندها أضمروا الغدر والخيانة بالمرتضى، فزينوا له دعوة زيري للدخول في طاعته. انظر: الذخيرة، ق 1 م 1 ص 453 - 455.
(4)
- انظر المراسلات التي تمت بين المرتضى وزاوي لدى: ابن حيان في الذخيرة: ق 1 م 1 ص 453 - 454.
فتمت مطاردته حيث قتل بقرب وادي آش
(1)
وذلك سنة (409) هـ
(2)
(1019 م).
وقد أرسل زاوي بن زيري إلى القاسم بن حمود بخبر نتيجة المعركة، كما أرسل له نصيبه من الغنائم، ومن بينها سرادق المرتضى نفسه فضربه القاسم على شاطئ نهر قرطبة، مما أثار حزن أهلها على خليفة أموي طال انتظارهم له
(3)
.
وهكذا أدى الصقالبة الذين يفترض أنهم الحريصون والأمناء على الخلافة الأموية، خدمة كبرى للحموديين، إذ أنهم بنتيجة هذه المعركة قد ساعدوهم من حيث لا يشعرون على تثبيت حكمهم في قرطبة، وفي الوقت نفسه قضوا على أي أمل في إعادة الدولة الأموية إلى سابق عهدها، كما أنهم حكموا بالتفوق للبربر على الجماعة الأندلسية الذين لم يعد
(1)
- وادي آش أو وادي إيش. إسمها القديم " Acci" هي اليوم مدينة تعرف باسم Guadix تقع على نهر فردس على مسافة "53" كيلو متر شمال شرق غرناطة، اشتهرت بوفرة المياه والمزروعات. انظر: الروض المعطار ص 604 - 605. ابن الخطيب، معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار، (تحقيق: د. محمد كمال شبانة. الإمارات - المغرب. د. ت) ص 112. مشاهدات لسان الدين بن الخطيب، ص 28 حاشية رقم 4.
(2)
- عندما هرب المرتضى من أرض المعركة بعد أن تُرك وحيداً، أرسل خيران خلفه مجموعة من رجاله تبعوه وقتلوه وجاؤوا برأسه إلى خيران ومنذر. انظر: الذخيرة، ق 1 م 1 ص 454 - 455. البيان المغرب 3/ 126 - 127.
(3)
- الذخيرة ق 1 م 1 ص 455 - 456.
بالإمكان إقناعهم بالاجتماع على كلمة واحدة، وفي هذا يقول ابن حيان "فحل بهذه الواقعة على جماعة من الأندلس مصيبة سوداء أنست ما قبلها، ولم يجتمع لهم على البربر جمع بعد، وأقروا بالإدبار، وباءوا بالصغار"
(1)
.
كما كانت هذه المعركة سبباً في رحيل الزعيم الصنهاجي الشهير زاوي بن زيري، إذ أدرك أن انتصاره في تلك المعركة انتصار مصطنع، وأن الأندلسيين هم الذين أرادوا انتصاره، وهذا يعني أنه بإمكانهم الوقيعة به متى أرادوا ذلك، ولذا فقد كره المقام بالأندلس وغادرها إلى أفريقية
(2)
.
ويمكن القول كذلك، أنه بسبب هذه المعركة اهتزت الثقة بالأمويين بصورة كبيرة، فلم يعد لهم في قلوب الناس مكان، حتى أن خيران زهد في
(1)
- المصدر السابق ص 455.
(2)
- نفسه ص 457 - 458.
أخ للمرتضى يدعى هشام
(1)
، فطرده من مملكته، فغادر هشام واستقر في حصن البونت
(2)
.
وبعد قتل علي بن حمود، عقد الزناتيون اجتماعاً، قرروا خلاله استدعاء القاسم بن حمود من إشبيلية ليتولى الخلافة، لكن القاسم حسب أن في الأمر خدعة، ولذا أرسل أحد ثقاته ليقف على حقيقة الأمر، فلما عاد إليه الرسول بالخبر، قدم إلى قرطبة، وصلى على أخيه، وأرسل جثمانه إلى سبته ليدفن هناك
(3)
.
(1)
- هو أبو بكر هشام بن محمد بن عبد الملك، أمه أم ولد اسمها عاتب، ولد سنة 364 هـ، وهو أسن من أخيه المرتضى بأربعة أعوام، كان هشام أبيض أصهب إلى الأدمة، سبط الشعر، أخنس، خفيف العارضين واللحية، حسن الجسم إلى القصر. مات ولا عقب له. انظر: جمهرة أنساب العرب ص 101، جذوة المقتبس ص 28 - 29. المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 109 - 110. البيان المغرب 3/ 145 - 146. وهشام هذا هو آخر خليفة أموي كما سنعرف.
(2)
- البيان المغرب 3/ 127. إلا أنه كتب: حصن البنت. والتصحيح من البكري: جغرافية الأندلس وأوربا ص 128، والبونت El puente مدينة تقع شمال غربي بلنسية. انظر: معجم البلدان 1/ 511. المغرب في حلى المغرب 2/ 395. الروض المعطار ص 115.
(3)
- الذخيرة، ق 4 م 1 ص 101. قارن: لويس سيكودي لوثينا: الحموديون سادة مالقة والجزيرة الخضراء، (ترجمة د. عدنان آل طعمه دمشق، دار سعد الدين، 1992 م) ص 23.
وبويع القاسم بالخلافة يوم الثلاثاء الخامس من شهر ذي القعدة سنة (408) هـ (25 مارس (1018) م) وتلقب بالمأمون
(1)
، كان وادعاً
(2)
، محباً للعافية
(3)
، أحسن تلقي الناس وأجمل مواعيدهم
(4)
، فأحبه أهل قرطبة وشعروا بالأمان في عهده.
ويبدو أن القاسم أراد أن يتخلص من ثقل وطأة البربر والعرب على حكمه، ولذا اختط لنفسه سياسة جديدة، فقرب إليه السودان وولاهم دولته
(5)
، الأمر الذي أغضب البربر والعرب معاً، مما أحدث هزة في حكمه، فحاول إصلاح الوضع، وقام بمراسلة بعض الزعماء أصحاب المطامع الذي كانوا مع المرتضى
(6)
، لكنهم استثقلوه وازداد وضعه حرجاً بعد أن قام ضده ابن أخيه يحيى بن علي
(7)
مطالباً بحقه في خلافة والده،
(1)
- جذوة المقتبس، ص 22. البيان المغرب 3/ 124.
(2)
- جذوة المقتبس، ص 22، المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 99.
(3)
- المصدر السابق ص 99.
(4)
- البيان المغرب 3/ 130.
(5)
- المصدر السابق والصفحة.
(6)
- الكامل في التاريخ 8/ 100 - 101. البيان المغرب 3/ 130.
(7)
- هو يحيى بن علي بن حمود، اختلف في كنيته، أمه بنت عم أبيه لبونة بنت محمد بن الحسن بن القاسم ولد سنة 384 هـ، صفته أبيض أعين أكحل، كان شجاعاً ذا عزم وحزم وإقدام وكرم، قتل بقرمونة في شهر المحرم سنة 427 هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب ص 51 جذوة المقتبس ص 24 - 25 المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 103 - 104. البيان المغرب 3/ 131 - 144. ذكر بلاد الأندلس 1/ 207 - 208.
وعندما اشتكى القاسم للبربر سوء وضعه، قابلوا شكواه بعدم الاهتمام مفضلين توسيع الخلاف بين الاثنين
(1)
، الأمر الذي اضطره أخيراً إلى مغادرة قرطبة إلى اشبيلية وذلك ليلة السبت (22) ربيع الآخر سنة (412) هـ
(2)
(7 أغسطس 1021) فدخل يحيى بن علي قرطبة بمساعدة خيران وصحبه الذين لاهم لهم إلا مصالحهم الخاصة، دون النظر لثمن تلك المصالح.
وقد بويع يحيى بن علي بالخلافة يوم الاثنين مستهل جمادى الأولى سنة (412) هـ (13 أغسطس 1021) وتلقب بالمعتلي بالله
(3)
، في الوقت الذي كان عمه القاسم يدعى له بالخلافة في اشبيلية
(4)
، وعن هذا الوضع يقول ابن حزم "وهذا أمر لم يسمع في الدنيا بأشنع منه ولا بأدل على إدبار الأمور"
(5)
.
(1)
- المصدر السابق 3/ 131.
(2)
- نفس المصدر والصفحة.
(3)
- المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 99. البيان المغرب 3/ 131.
(4)
- المصدر السابق 3/ 132.
(5)
- نقط العروس ص 80.
وفي بداية الأمر اختط يحيى سياسة حببته للجميع سواء أهل قرطبة أو البربر لكنه سرعان ماتركها فنفرت النفوس عنه
(1)
، فتم استدعاء عمه القاسم من اشبيلية، ففر يحيى عن قرطبة يوم الثلاثاء (18) من شهر ذي القعدة سنة (413) هـ (14 فبراير 1023) وهو اليوم الذي دخل فيه القاسم قرطبة
(2)
، وهذه هي دولته الثانية، إلا أن عهده في هذه المرة لم يطل، فقد كرهه القرطبيون بسبب تسلط البربر عليه، فثاروا ضده وطردوه وذلك يوم الثلاثاء (21) جمادى الآخرة سنة (414) هـ
(3)
(9 سبتمبر 1023).
وما أن تخلص القرطبيون من الحموديين، حتى قرروا إعادة الخلافة لبني أمية، فعقدوا اجتماعاً عاماً في جامع قرطبة لانتخاب أحد ثلاثة رشحوا لهذا الأمر، وهم سليمان
(4)
بن المرتضى، ومحمد بن العراقي
(5)
، وعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر لدين الله
(6)
،
(1)
- انظر البيان المغرب 3/ 132.
(2)
- البيان المغرب 3/ 132، أعمال الأعلام 2/ 132 - 133.
(3)
- المعجب. وانظر د. إسماعيل العربي، دولة الأدراسة ملوك تلمسان وفاس وقرطبة، (بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط 1403 هـ/1984 م) ص 249 - 251.
(4)
- هو ابن الخليفة المرتضى الذي غدر به خيران وصحبه وقتل قرب وادي آش.
(5)
- قتله المستكفي بالله خنقاً ونعاه للناس. البيان المغرب 3/ 142.
(6)
- هو أبو المطرف عبد الرحمن بن هشام، أخو الخليفة المهدي، أمه أم ولد اسمها غاية، ولد في شهر ذي القعدة سنة 392 هـ، وصف بأنه أبيض، أشقر، أعين، أقنى، طويل، نحيف البدن، حسن القد والجسم، كان في غاية الأدب والبلاغة والفهم ورقة النفس، ذكياً، لوذعيا، عفيفاً، لم يشرب النبيذ سراً وعلانية، وكان في وقته نسيج وحده، ختم به فضلاء أهل بيته الناصريين. انظر: جذوة المقتبس ص 25 - 26. الذخيرة، ق 1 م 1 ص 48 - 59. المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص 105 - 106 الحلة السيراء 2/ 12 - 17، البيان المغرب 3/ 135 - 139.
وكان الترشيح القوي لصالح سليمان بن المرتضى حتى أن كتاب العهد كان مكتوباً باسمه، إلا أن الجميع فوجئ بالدخول القوي لعبد الرحمن بن هشام، فقد اقتحم المسجد وهو على رأس مجموعة مسلحة، فدخل المقصورة، فتمت مبايعته مباشرة، ولم يتخلف المرشحان الآخران للخلافة عن البيعة، وكشط اسم سليمان من كتاب العهد وكتب بدلاً منه اسم عبد الرحمن، الذي اتخذ لقب المستظهر بالله، وذلك في الرابع من شهر رمضان سنة (414) هـ
(1)
(21 نوفمبر 1023).
ونظراً لأن المستظهر بالله كان وصوله للخلافة عن طريق الغصب والمباغتة، وذلك بواسطة رجال الدائرة، الذين هم حرس الخليفة، لذا فقد كانت لهم دالة عليه، يضاف إلى هذا أن المستظهر رفع مقادير مشيخة الوزراء من بقايا موالي الأمويين، وهؤلاء لا همَّ لهم إلا مصالحهم، فعملوا على استغلال قربهم من الخليفة، لكنه كان فقيرا، فالمال الذي يقع في يده يسد به رمقه، وما فضل منه يفرقه على من تكنفه من رجال الدائرة.
(1)
- الذخيرة. ق 1 م 1 ص 49 - 50.
ويبدو أن أولئك الوزراء قد زادوا من ضغوطهم على الخليفة المعدم، ولذا فقد زج بجماعة منهم في السجن، وطالبهم بما لديهم من أموال، كما سجن بعض أبناء الأمويين، الأمر الذي أسخط رجال الدائرة، فأثاروا العامة ضده، فاقتحموا عليه قصره وقتلوه بعد أن أمضى بالخلافة سبعة وأربعين يوماً
(1)
.
وفي اليوم الذي قتل فيه المستظهر بالله تولى الخلافة أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر
(2)
، وذلك يوم
(1)
- قام رجال الدائرة بمطاردة الخليفة المستظهر بالله في أرجاء القصر، وسدوا عليه أبواب النجاة، وبعد أن عثروا عليه مختبئاً في مخزن الفحم والخشب الخاص بحمام القصر، قتلوه أمام الخليفة الجديد المستكفي بالله، ولم يكتف أولئك الفسقة بقتل المستظهر، بل إن شرهم طال حريمه، فقد سبوا أكثرهن وحملوهن إلى منازلهم علانية، وجرى عليهن مالم يجر على حرم سلطان في مدة تلك الفتنة. انظر: الذخيرة ق 1 م 1 ص 50 - 55، الحلة السيراء 2/ 12 - 13، البيان المغرب 3/ 136 - 139. إن في هذا لعبرة فإهمال ذوي الأحلام والنهى ورفع مقام السفلة والأغمار والوثوق بهم لا يأت بخير أبداً.
(2)
- هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن أمه أم ولد اسمها حوراء، ولد سنة 366 هـ، كان ربعة، أشقر، أزرق، أشم، مدور الوجه، واللحية، ضخم الوجه والجسم، كبير البطن، صاحب شهوة بطن وفرج، كان منذ عرف عطلاً منقطعاً إلى البطالة، جاهلاً عاطلاً من كل خلة تدل على فضيلة: يلقب بالخويفية ولقب أيضاً بأبي زكيرة، انظر: جذوة المقتبس، ص 26 - 27، الذخيرة، ق 1 م 1 ص 433 - 434، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص 107، البيان المغرب، 3/ 140 - 141.
السبت الرابع من ذي القعدة سنة (414) هـ (18 يناير 1024) ولقب بالمستكفي بالله
(1)
، وكان الخليفة الجديد غفلاً عطلاً منقطعاً إلى البطالة، مجبولاً على الجهالة"
(2)
في غاية السخف وركالة العقل وقلة التدبير
(3)
، ولذا فلا عجب أن يسند تدبير أمور دولته لرجل حائك يدعى أحمد بن خالد
(4)
.
وقد أجمعت الآراء على أنه لم يكن في خلفاء الفتنة أسقط من المستكفي ولا أنقص منه، فقد كان سقيم السر والعلانية، أسير الشهوة، عاهر الخلوة، مشابهاً للخليفة العباسي المستكفي في كل شيء
(5)
، حتى
(1)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 433 - 434، البيان المغرب 3/ 140 - 141.
(2)
- الذخيرة. ق 1 م 1 ص 434.
(3)
- المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 107.
(4)
- المصدر السابق والصفحة.
(5)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 434. الكامل في التاريخ 8/ 103 والخليفة المستكفي العباسي هو أبو القاسم عبد الله بن علي أمه أم ولد يقال لها غصن ولد سنة 292 هـ، بويع بالخلافة يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة 333 هـ، وذلك بواسطة امرأة تدعى حُسن الشيرازية، فصارت قهرمانته وغلبت على أمره كله. وقبض عليه في يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة 334 هـ، وخلع نفسه من الخلافة. كان أبيض مشربا حمره، أسود الشعر سبطه، خفيف العارضين أكحل العينين، أقنى الأنف. سملت عيناه يوم خلعه وحبس بعد ذلك ولم يزل محبوساً إلى أن توفي ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة 338 هـ انظر: المسعودي مروج الذهب. (القاهرة المطبعة البهية 1346 هـ)، 2/ 540 - 552 الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (بيروت دار الكتب العلمية، د. ت) 10/ 10 - 11 مجهول، كتاب العيون والحدائق الجزء الرابع، القسم الثاني (تحقيق عمر السعيدي دمشق، المعهد الفرنسي بدمشق للدراسات العربية 1973 م) ص 415. - الكامل في التاريخ 7/ 187 - 188، 203 - 207.
"أنهما اتفقا في الأخلاق والعهر واللعب وأن كل واحد منهما عاش اثنين وخمسين سنة، وكل واحد منهما ملك سنه ونحو خمسة أشهر، وكل واحد منهما تركه أبوه صغيراً، وتوافقا في اللقب وبالجملة فهما رذلي قومهما"
(1)
.
وقد ضاق الناس بالمستكفي ذرعاً، فأكثروا من الشكوى بشأنه إلى يحيى بن علي بن حمود، المقيم بمالقة، وطلبوا منه الحضور إلىقرطبة
(2)
، فلما تحرك إليها، هرب المستكفي منها في زي غانية بين امرأتين
(3)
، وذلك يوم الثلاثاء (24) ربيع الأول سنة (416) هـ
(4)
(26 مايو 1025) ولحق بالثغر، وكان معه القائد عبد الرحمن بن محمد بن السليم
(5)
، الذي مل المسير معه، فسمه في طعامه، فلما مات غسله وكفنه وصلى عليه ودفنه في قرية في
(1)
- البيان المغرب 3/ 141.
(2)
- انظر: الكامل في التاريخ 8/ 103.
(3)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 437.
(4)
- البيان المغرب 3/ 141.
(5)
- من ولد سعيد بن المنذر أحد القادة المشهورين في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر.
الثغر تعرف بـ"شمنت"
(1)
لتنتهي بذلك حياة المستكفي بعد حكم دام سبعة عشر شهراً لم تتجاوز خلالها طاعته فرسخاً
(2)
.
وقد بقيت قرطبة بعد رحيل المستكفي عنها، بدون خليفة مدة ستة أشهر تقريباً، حتى حضر إليها يحيى بن علي بن حمود
(3)
، فدخلها يوم الخميس السادس عشر من شهر رمضان سنة (416) هـ (9 نوفمبر 1025) ومكث بها إلى نهاية السنة، ثم غادرها إلى مالقة يوم الثلاثاء (8) من شهر محرم سنة (417) هـ (1 مارس 1026) تاركاً فيها وزيره وكاتبه أبا جعفر أحمد بن موسى، فاستغل الفرصة العامريان مجاهد وخيران، وذلك بإيعاز من حبوس بن ماكسن
(4)
، فقدما إلى قرطبة، فهرب عنها وزير المعتلي،
(1)
- المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص 107 - 108.
(2)
- نقط العروس ص 72.
(3)
- ذكر ابن الأثير أن يحيى بن علي لم يحضر وإنما أرسل بدلاً منه عبد الرحمن بن عطاف اليفرني والياً عليها. انظر: الكامل في التاريخ 8/ 103.
(4)
- هو ابن أخي الزعيم الصنهاجي زاوي زيري، كان أحد نابي برابرة الأندلس، عرف بالحلم والوقار والهيبة، كان نزر الكلام قليل الضحك كثير الفكر، شديد الغضب، غليظ العقاب، شجاعاً حسن الفروسية، جباراً متكبراً داهية واسع الحيلة كامل الرجولة، تولى غرناطة بعد رحيل عمه زاوي عنها ومازال يحكمها حتى توفي سنة 428 هـ. انظر: الذخيرة، ق 1 م 1 ص 458 - 461. دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي، ص 123 - 125.
فبقي العامريان في قرطبة نحو شهر ثم خشي كل منهما غدر الآخر، فغادراها تباعاً
(1)
.
وبعد رحيل خيران ومجاهد، أجمع أهل قرطبة، برأي من الوزير جهور بن محمد بن جهور
(2)
على "خلع العلويين لميلهم إلى البربر وإعادة الخلافة في الأندلس إلى بني أمية"
(3)
فبايعوا هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وهو مقيم بحصن البونت، وذلك في يوم الأحد (25)
(1)
- البيان المغرب 3/ 143 - 146. أعمال الأعلام 2/ 136 - 137.
(2)
- ينتمي جهور لأسرة آل أبي عبدة الشهيرة التي تولى أفرادها المناصب القيادية في الدولة الأموية، وجهور هذا تولى الوزارة في عهد العامريين، ثم اعتزل العمل السياسي وتمكن بحسن أدائه من الاستقلال بقرطبة بعد طرد الأمويين، فحسنت أحوال أهلها، ونعموا بالأمن والرخاء إلى أن توفي ليلة الجمعة السادس من محرم سنة 435 هـ. وقد وصف جهور بالحزم والدهاء والوقار والأدب والحلم، متواضعاً صالحاً، طاهر الأثواب، عفيفاً في شبابه وكهولته مواظباً على صلاة الجماعة، حافظاً لكتاب الله قائماً به في سره وجهره، يزور المرضى ويشهد الجنائز. إلا أنه كان يعاب عليه البخل الشديد، انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 102، جذوة المقتبس ص 27 - 29، ترجمة رقم 258. مطمح الأنفس، ص 180 - 186. الذخيرة ق 2 م 1 ص 603 - 604. بغية الملتمس، ترجمة رقم 623. الحلة السيراء 2/ 30 - 34. البيان المغرب 3/ 186 - 187.
(3)
- الكامل في التاريخ 8/ 106.
ربيع الآخر سنة (418) هـ
(1)
(5 يونيو 1027) فاتخذ لقب "المعتد بالله"
(2)
.
وقد كان المعتد بالله في شبابه معروفاً بالشطارة، لكن تاب فرجي صلاحه
(3)
، إلا أن الظن فيه خاب، إذ ما أن وصل قرطبة في يوم الخميس الثامن من شهر ذي الحجة سنة (420) هـ
(4)
(19 ديسمبر 1029) حتى تبدلت أحواله، فقلد تدبير دولته لرجل حائك يدعى حكم بن سعيد ويعرف بالقزاز
(5)
، الذي عندما بحث عن رجال يستعين بهم لمساعدته في تدبير أمور الدولة لم يهتد إلا "إلى نغل دغل وماجن سفيه أو سوقي رذل"
(6)
.
(1)
- البيان المغرب، 3/ 145، أعمال الأعلام 2/ 138. وتجدر الإشارة إلى أن هشام بن محمد بقي في حصن البونت بعد مبايعته في الخلافة مدة سنتين وسبعة أشهر وثمانية أيام وهو يخطب له في قرطبة.
(2)
- جذوة المقتبس ص 28، الذخيرة ق 3 م 1 ص 515.
(3)
- الذخيرة، ق 3 م 1 ص 515. "والشاطر هو من أعيا أهله خبثا" انظر: الفيروز أبادي، القاموس المحيط (المطبعة المصرية القاهرة 1352 هـ) ج 2 ص 58.
(4)
- جذوة المقتبس ص 28. المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 110.
(5)
- هو أحد أبناء الموالي العامريين، حائك مشهور، عرف الخليفة المعتد بالله في قرطبة أيام الصبا، ومن ثم اجتمع به في حصن البونت، الذخيرة ق 3 م 1 ص 516. وقد كان هذا الحائك عاهر الخلوة صريع الشهوة، كذاب فاجر. البيان المغرب 3/ 149.
(6)
- الذخيرة، ق 3 م 1 ص 518 - 519.
وقد تفرغ الخليفة المعتد بالله لملذاته، فعانى الناس منه ومن وزيره ومن سار في نهجهما الأمرين
(1)
، ثم اتفقوا على قتل الوزير، فقتله رجل من هم يعرف بابن الحصار
(2)
، عند الركن الشرقي للجامع
(3)
.
وقد حاول أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الرحمن الناصر
(4)
استغلال الموقف لصالحه، ويتولى الخلافة، بدلاً من المعتد بالله، وحرص على ذلك أشد الحرص، حتى أنه عندما قال له أهل قرطبة: إنا نخاف عليك القتل في هذا اليوم لشدة الفوضى، أجابهم قائلا "بايعوني اليوم
(1)
- اشترك مع الحائك في سفالته وخلعه كل من: الفقيه ابن الجيار وكذلك الشاعر أبو عامر بن شهيد، الذخيرة ق 3 م 1 ص 519 - 521.
(2)
- البيان المغرب 3/ 146.
(3)
- الذخيرة ق 3 م 1 ص 525 - 526.
(4)
- أمية بن عبد الرحمن كان فتى شديد التهور والجهالة، قاد المتذمرين من سياسة الخليفة المعتد بالله، حتى تمكنت تلك المجموعة من قتل الوزير الحائك والتمثيل بجثته، وقد اقتحم أمية القصر وجلس في مجلس الخليفة المعتد، ولم يأل أمية جهداً في سبيل تولي الخلافة، إلا أن جماعة الوزراء رفضوه وطردوه من القصر فهرب من قرطبة، ويبدو أنه حاول العودة إليها مرة أخرى بعد أن تم طرد الأمويين منها، فأخرج إليه شيوخ قرطبة من يقتله قبل دخولها، فقتل بموضع يعرف بقرية راشد، وذلك في شهر جمادى الآخر سنة 425 هـ. انظر: الذخيرة ق 3 م 1 ص 525 - 529 إلا أنه جعل اسمه أمية بن عبد العزيز بدلاً من عبد الرحمن. البيان المغرب 3/ 149 - 152، 187. إعمال الأعلام 2/ 138 - 139.
واقتلوني غداً"
(1)
إلا أن الوزراء بقيادة الوزير جهور بن محمد قرروا حرمان أمية من مراده، فقد طردوه من القصر
(2)
، ثم خلعوا الخليفة المعتد بالله يوم الثلاثاء (12) من شهر ذي الحجة سنة (422) هـ
(3)
(30 نوفمبر 1031) وأخرجوه إلى صخرة محمود بن الشرف
(4)
، ثم نودي في أسواق قرطبة وأرباضها، بأن لا يبقى من بني أمية أحد، ولا يكنفهم أحد
(5)
.
وهكذا أسدل الستار على تاريخ دولة من أعظم دول الإسلام، كانت على ثغر من ثغور الديار الإسلامية، جاهدت عنده بكل قوة، وسطر رجالاتها الأفذاذ بجهادهم أنصع الصفحات وخلفوا حضارة بنيت على أسس متينة.
وعلى كل فإن كانت هذه الدولة المجيدة قد أزيلت لأسباب سوف نتعرض لها في ثنايا البحث إن شاء الله تعالى، فإن آثارها رغم ذلك، أبت
(1)
- البيان المغرب 3/ 150.
(2)
- الذخيرة، ق 3 م 1 ص 529.
(3)
- البيان المغرب: 3/ 145، 185.
(4)
- الذخيرة، ق 3 م 2 ص 527 - 528. وقد بقي هشام المعتد بالله هناك مدة، ثم لحق بابن هود في لاردة فأقام عنده إلى أن مات في يوم الجمعة لأربع بقين من صفر سنة 428 هـ. انظر: البيان المغرب 3/ 145. نهاية الأرب 23/ 437 - 438. وورد في جذوة المقتبس ص 29، وفي المعجب في تلخيص أخبار المغرب ص 110، أنه توفي سنة 427 هـ.
(5)
- البيان المغرب 3/ 152.
إلا أن تقف بكل إباء إلى عصرنا الحاضر رغم كر الدهور، لتعطي الدليل الذي لا يقبل النقاش على عظمتها وسؤددها، والملك لله تعالى يهبه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء.
الفصل الأول: النظام السياسي ورسومه
المبحث الأول: رئاسة الدولة
المبحث الثاني: ولاية العهد
المبحث الأول: رئاسة الدولة
يأتي الأمير أو الخليفة الأموي في الدولة الأموية بالأندلس على رأس جهاز الحكم، ونظراً لأخذ الأسرة الأموية بالأندلس بنظام الحكم الوراثي، فإن الأمير أو الخليفة يوصي بالحكم من بعده لأحد أبنائه، وليس بالضرورة أن يكون للابن الأكبر حق ملزم في تولي الحكم بعد أبيه، إذ أن منصب ولاية العهد يتم الاختيار له بعناية فائقة
(1)
، وبناءً على وصية يتركها الأمير أو الخليفة يبايع ولي العهد حاكماً جديداً للبلاد.
وكان إذا توفي الأمير أو الخليفة الأموي يبادر ولي العهد إلى أخذ البيعة من كبار فتيان القصر الصقالبة المعروفين بالخلفاء الأكابر، وهم بدورهم يأخذونها على من تحت أيديهم
(2)
، ثم يأمر بإحضار الكتَّاب والوصفاء والمقدمين والعرفاء فيبايعونه
(3)
، بعد ذلك يتم إحضار الأخوة والأعمام وأولادهم بواسطة بعض الوزراء ومعهم الجند، بدون قبول عذر أي منهم
(4)
، فإذا وصلوا جلسوا في مجالس خاصة مع رجالات الدولة وكبار أصحاب البيوتات الأندلسية، فإذا تمت الاستعدادات لتلقي البيعة، جلس الحاكم الجديد للبلاد على سرير الملك بمجلسه الضخم، فيكون
(1)
- سوف نتطرق لهذا الأمر عند الحديث عن ولاية العهد.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 120. نفح الطيب: 1/ 387.
(3)
- نفح الطيب: 1/ 387.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 120، نفح الطيب: 1/ 387.
إخوته وعمومته وأولادهم أول الداخلين عليه، ولباسهم الأردية والظهائر البيض إعلاناً لحزنهم على الحاكم الراحل
(1)
، فيبايعونه بأن يصفقوا بأيديهم على يده على هيئة المصافحة
(2)
، وبعد أن ينصتوا لسماع قراءة صحيفة البيعة بصوت أحد الوزراء
(3)
، ويعلنون التزامهم لأيمان انعقادها، يقوم أحد أولئك الأمراء ويرتجل كلمة نيابة عن أبناء الأسرة الأموية يعزي فيها الحاكم بوفاة والده الفقيد ويهنئه بالمنصب الجديد
(4)
، بعد ذلك يتقدم الوزراء وأولادهم وإخوانهم ويتلوهم أصحاب الشرطة وطبقات أهل
(1)
- مؤلف مجهول، تاريخ عبد الرحمن الناصر، (تقديم د. عدنان محمد آل طعمه، دمشق دار سعد الدين، 1992 م) ص 18. في الأندلس لبس البياض شعار للحداد والحزن، قال ابن دحية: "ولبس البياض عادة أهل الأندلس في الحزن على موتاهم استنوا ذلك من عهد بني أمية قصداً لمخالفة بني العباس في لباسهم السواد". انظر: ابن دحية، المطرب في أشعار أهل المغرب، (تحقيق: مصطفى عوض، الخرطوم، 1954 م) ص 85.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 120. البيان المغرب 3/ 60. البيعة شبيهة بالبيع الحقيقي كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره، والأصل في ذلك أنه كان من عادة العرب أنه إذا تبايع اثنان صفق أحدهما بيده على يد صاحبه. وهي في عرف اللغة ومقصود الشرع: العهد على الطاعة على أنهم يسلمون لربها النظر في أمور أنفسهم لا ينازعونه في شيء من ذلك ويطيعونه فيما يكلفهم به من الأمر على المنشط والمكره، شبهت حالتهم في مصافحتهم بأيديهم تأكيداً لعهدهم بفعل البائع والمشتري وسميت بيعة. انظر: عبد الحي الكتاني: نظام الحكومة النبوية، المسمى التراتيب الإدارية، (بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت). 1/ 221 - 222.
(3)
- الحلة السيراء، 1/ 138.
(4)
- تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص 18.
الخدمة، فإذا بايعوا قعدوا جميعاً عن يمين الأمير أو الخليفة وشماله، ثم يتولى أحد كبار رجالات الدولة أخذ البيعة على بقية الحضور
(1)
.
ويصف لنا المقري الحفل الذي أقيم في الزهراء عند مبايعة الحكم المستنصر بالخلافة في الثالث من رمضان سنة (350) هـ (16 أكتوبر سنة (961) م) فيقول: "وقعد المستنصر بالله على سرير الملك في البهو الأوسط من الأبهاء المذهبة القبلية التي في السطح الممرد، فأول من وصل إليه الإخوة فبايعوه، وأنصتوا لصحيفة البيعة، والتزموا الأيمان المنصوصة بكل ما انعقد فيها، ثم بايع بعدهم الوزراء وأولادهم وإخوتهم، ثم أصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة، وقعد الإخوة والوزراء والوجوه عن يمينه وشماله إلا عيسى بن فطيس
(2)
فإنه كان قائماً يأخذ البيعة على الناس، وقام الترتيب على الرسم في مجالس الاحتفال المعروفة، فاصطف في المجلس الذي قعد فيه أكابر الفتيان يميناً وشمالاً إلى آخر البهو كل منهم على قدره في المنزلة، عليهم الظهائر البيض شعار الحزن، قد تقلدوا فوقها السيوف، ثم تلاهم الفتيان الوصفاء، عليهم الدروع السابغة والسيوف الحالية، صفين منتظين في
(1)
- البيان المغرب، 2/ 254. نفح الطيب، 1/ 387.
(2)
- عن ابن فطيس: انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، قسم التعليقات، تعليق: رقم 187.
السطح، وفي الفصلان
(1)
المتصلة به ذوو الأسنان من الفتيان الصقالبة الخصيان لابسين البياض، بأيديهم السيوف، يتصل بهم من دونهم من طبقات الخصيان الصقالبة، ثم تلاهم الرماة متنكبين قسيهم وجبابهم، ثم وصلت صفوف هؤلاء الخصيان الصقالبة صفوف العبيد الفحول شاكين في الأسلحة الرائقة والعدة الكاملة، وقامت التعبية في دار الجند والترتيب من رجَّالة العبيد عليهم الجواشن والأقبية البيض، وعلى رؤوسهم البيضات الصَّقيلة، بأيديهم التراس الملوَّنة والأسلحة المزينة، انتظما صفين إلى آخر الفُصُل، وعلى باب السدة الأعظم البوابون وأعوانهم، ومن خارج باب السدة فرسان العبيد إلى باب الأقباء، واتصل بهم فرسان الحشم وطبقات الجند والعبيد والرماة موكباً إثر موكب إلى باب المدينة الشارع إلى الصحراء"
(2)
.
وبعد أن تتم مراسم الاحتفال بالبيعة الخاصة التي تنتهي عادة في نفس اليوم
(3)
، وبعد أن يسمع الأمير أو الخليفة لإنشاد الشعراء الذين يعزونه لفقد والده ويهنؤنه بالإمارة أو الخلافة
(4)
، يتم توزيع الكساوي
(1)
- الفصلان جمع فصيل وهو الرحبة عند مدخل البيت. وتكون الفصلان، فيما يبدو، على شكل رحاب وصحون متوالية تحددها هيئة الأعمدة. انظر: نفح الطيب، 1/ 387 حاشية رقم 1.
(2)
- المصدر السابق، 1/ 387 - 388.
(3)
- تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص 18.
(4)
- انظر مثلاً قصيدة ابن دراج التي رثى فيها عبد الملك المظفر وعزَّى أخاه عبد الرحمن وهنأه فيها بالحجابة وولاية العهد. انظر: ديوان ابن دراج القسطلي، (تحقيق وتعليق: د. محمود مكي. منشورات المكتب الإسلامي، دمشق 1961 م). ص 456.
والأموال على الحضور حسب مراتبهم وأقدارهم
(1)
، ثم يؤذن للجميع بالانصراف باستثناء الإخوة والأعمام والوزراء وأهل الخدمة، وذلك لحضور مراسم مواراة الأمير أو الخليفة الراحل في المقبرة الخاصة بأمراء وخلفاء بني أمية والمعروفة باسم روضة الخلفاء الموجودة داخل القصر بقرطبة
(2)
وعادة ما يتولى الحاكم الجديد الصلاة على جثمان سلفه
(3)
.
وجرت العادة في البيعة الخاصة المعروفة بالمشرق باسم "بيعة أهل الحل والعقد
(4)
" أن تسجَّل شهادات الشهود في سجل خاص، وقد أورد لنا ابن الخطيب نقلاً عن ابن حيان أسماء الشهود الذين حضروا البيعة الخاصة التي جرت للخليفة هشام المؤيد بن الخليفة الحكم المستنصر والتي تمت في يوم الاثنين لثلاث خلون من صفر سنة (366) هـ (أكتوبر 977) وقد بلغ عدد أولئك الشهود مائة وتسعة وثلاثين شاهداً
(5)
.
(1)
- المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص 121 - 128، أعمال الأعلام: 2/ 18.
(2)
- انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي: ص 17. المقتبس، تحقيق أنطونية، ص 3، البيان المغرب 2/ 48، 77، 90، 151. ذكر بلاد الأندلس 1/ 124، 133، 149، 152، 156، 168، 173، 204. نفح الطيب، 1/ 388.
(3)
- تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص 18، البيان المغرب 2/ 65، 77، 106، 121، 151، ذكر بلاد الأندلس، 1/ 124، 133، 152، 156، 168.
(4)
- الماوردي، الأحكام السلطانية (بعناية: محمد بدر الدين الحلبي القاهرة، مكتبة الخانجي، 1327 هـ/1909 م) ص 5.
(5)
- أعمال الأعلام: 2/ 48 - 57. إلا أنه عند التحقق من أسماء أولئك الشهود نجد أن سبعة عشر شاهداً لا يمكن أن يكونوا ضمن الحاضرين للبيعة، إذ أن معظمهم ولد بعد البيعة بكثير، وهناك من كان عمره عند البيعة سنة واحدة وآخر ست سنين وثالث تسع سنين، بل إن هناك من توفي قبل البيعة بسبع سنين وهم على الترتيب: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=- القاضي عبد الرحمن بن محمد بن عيسى، يعرف بابن الحشا، توفي سنة 473 هـ "الصلة. ترجمة رقم 728".
- الفقيه أبو عبد الله بن عتاب بن محسن، ولد سنة 383 هـ، "ترتيب المدارك 8/ 131 - 134".
- القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، ولد سنة 403 هـ. "الصلة. ترجمة رقم 453".
- أبو الحسن مختار بن عبد الرحمن الرعيني القرطبي، ولد سنة 393 هـ. "ترتيب المدارك 8/ 98. الصلة ترجمة رقم 1374".
- أبو عمر عبد الرحمن بن القرداحي، توفي وأبوه حي سنة 425 هـ. "ترتيب المدارك 8/ 93".
- أبو المطرف عبد الرحمن بن سعيد بن جرج، ولد سنة 368 هـ. "ترتيب المدارك 8/ 13".
- أبو بكر بن أبي العباس بن ذكوان، ولد سنة 395 هـ. "ترتيب المدارك 8/ 87 - 88".
- أبو محمد عبد المهيمن بن عبد الملك بن أحمد القرشي، ولد سنة 400 هـ. "ترتيب المدارك 8/ 20 - 21".
- سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج، ولد سنة 370 هـ. "الصلة ترجمة رقم 517".
- أبو بكر عبيد الله القرشي التيمي القرطبي، ولد سنة 365 هـ. "الصلة، ترجمة رقم 667".
- أبو العباس أحمد بن أيوب الألبيري. ولد سنة 360 هـ. "الصلة ترجمة رقم 100".
- همام بن أحمد بن عبد الله الأطروش، ولد سنة 357 هـ. "الصلة ترجمة رقم 350".
- عبد الملك بن هذيل بن عبد الملك التميمي، توفي سنة 359 هـ. "ابن الفرضي، ترجمة رقم 822".
ويمكن أن نضيف إلى تلك الأسماء أسماء أخرى هناك شك كبير يحيط بحضورها لبيعة المؤيد ربما لأن أصحابها كانوا وقتها دون الحلم، وهم:
- أبو محمد عبد الله بن سعيد بن لباج الأموي، توفي سنة 436 "الصلة ترجمة رقم 597". =
- أبو مروان عبد الملك بن أحمد الأصبغ القرشي، ولد سنة 358 هـ، "الصلة ترجمة رقم 770".
- عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، توفي سنة 432 هـ، "ترتيب المدارك 8/ 26 - 27. الصلة، ترجمة رقم 592".
- أبو محمد مكي بن أبي طالب ولد سنة 355 هـ. "ترتيب المدارك 8/ 13 الصلة ترجمة رقم 1390".
ولعل الكاتب الذي نقل عنه ابن حيان أراد بزيادة أسماء الشهود إثبات حجية بيعة الخليفة هشام المؤيد بكثرة عدد الشهود الموقعين على الوثيقة.
ونظراً للاضطراب الذي كانت الخلافة الأموية بالأندلس قد مرت به في الربع الأول من القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) والمسمى بعصر الفتنة من سنة 399 - (422) هـ (1009 - (1031) م) فإن مراسم الاحتفال بالبيعة الخاصة للخليفة قد اختفت تماماً، حيث أصبح الأمر يقتصر على أن يقوم المبايعون بالصفق على يد الخليفة، إما في المسجد الجامع بقرطبة
(1)
، أو في داخل قصر الخلافة
(2)
، وهناك من جرت بيعته على سطح القصر
(3)
، وآخر بويع بباب السدة من قصر قرطبة
(4)
، بل
(1)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 49 - 50.
(2)
- المصدر السابق، ق 1 م 1 ص 54، الحلة السيراء، 2/ 7. البيان المغرب، 3/ 60، 77، 122، 136. أعمال الأعلام 2/ 110 - 111، 136، ذكر بلاد الأندلس، 1/ 201، 204، 208، 209.
(3)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 45.
(4)
- البيان المغرب، 3/ 122.
إن هناك من كانت بيعته أولاً في الثغر ثم جددت بيعته عند دخوله قرطبة
(1)
.
وبعد أن تتم مراسم البيعة الخاصة يتولى قاضي الجماعة
(2)
وصاحب المدينة وصاحب الشرطة العليا، وصاحب الشرطة الصغرى، وصاحب أحكام السوق
(3)
أخذ البيعة العامة من الناس في المسجد الجامع بقرطبة لعدة أيام، كما يتم إرسال نسخ من كتاب البيعة للعمال في الكور، والقادة في الثغور لأخذ البيعة على من قبلهم، حيث ترد بعد أيام كتب من كافة أقطار الأندلس تخبر بإنجازها
(4)
، كما أن وفوداً تحضر إلى القصر من تلك الكور والثغور يستقبلها الأمير أو الخليفة بمحضر من الوزراء وقاضي الجماعة ورجالات الدولة، حيث يتلقى مبايعة أعضاء هذه الوفود، وتسجل شهاداتهم بسجل خاص
(5)
، كما يتم إرسال وفد من قبل الأمير أو الخليفة لأخذ البيعة في بعض الكور
(6)
.
(1)
- انظر: جذوة المقتبس، ص 28، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص 110. البيان المغرب، 3/ 91، 145، أعمال الأعلام 2/ 138. ذكر بلاد الأندلس، 1/ 203، 212.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 120.
(3)
- تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص 18.
(4)
- تاريخ عبد الرحمن الناصر ص 18 - 19. البيان المغرب، 2/ 158.
(5)
- المقري. أزهار الرياض، 2/ 288.
(6)
- المقتبس، تحقيق: أنطونية، ص 50. تاريخ عبد الرحمن الناصر ص 19. البيان المغرب 2/ 121.
رسوم الخلع من الخلافة:
وكما أن للبيعة بالإمارة أو الخلافة رسوم متبعة، فإن للخلع من ذلك المنصب رسوماً مشهودة، فالخليفة هشام المؤيد عندما قام ضده محمد بن هشام بن عبد الجبار الملقب بالمهدي طالب المؤيد بخلع نفسه عن منصب الخلافة، فاستجاب لطلبه، فدخل اثنان من كبار فقهاء قرطبة على الخليفة هشام المؤيد في مجلسه، وسمعا منه خلع نفسه، وأخذا منه البيعة للمهدي فأداها وهو يقرأ {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ}
(1)
فبشهادة هذين الفقيهين، خُلع المؤيد ونودي بالمهدي خليفة بدلاً منه، وذلك يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة (399) هـ
(2)
(18 مارس (1009) م).
وعندما بدأت دولة المهدي للمرة الثانية ودخل قصر الخلافة بقرطبة في شهر شوال سنة أربعمائة
(3)
(يونيو (1010) م) بادر إلى إحضار الخليفة هشام المؤيد إلى مجلسه، وطالبه بخلع نفسه من الخلافة، فاستجاب لطلبه "وكتب خلعه بيده
(4)
".
وعلى هذا فإننا نجد أن رسوم الخلع من الخلافة تقتضي حضور الشهود من قضاة وفقهاء ووزراء ونحوهم، وأن يكتب الخليفة المخلوع
(1)
- من أية 36 سورة آل عمران.
(2)
- البيان المغرب 3/ 60.
(3)
- المصدر السابق، 3/ 95.
(4)
- ذكر بلاد الأندلس، 1/ 201.
كتاباً بيده، يعترف فيه بعجزه عن تدبير أمور الخلافة، ويُحل الرعية من البيعة التي له في أعناقهم
(1)
، ويشهد الحضور على ذلك الكتاب، ثم يبايع الخليفة المخلوع للخليفة الجديد.
إلا أن هذه الرسوم لم تُتبع عندما أجمع "وزراء ومشيخة الرأي
(2)
" في قرطبة على إنهاء الخلافة الأموية في عهد هشام المعتد بالله، فقد اكتفوا بإصدار قرارهم دون أن يأخذوا من الخليفة هشام المعتد بالله كتاباً يقر فيه بعجزه عن إدارة شؤون الخلافة، ويحل الأمة من بيعته، وذلك يوم الثلاثاء الثاني عشر من شهر ذي الحجة من سنة (422) هـ
(3)
(30 نوفمبر (1031) م).
وهذه الحالة تكررت من قبل، فعندما اتفق أعيان قرطبة على خلع الخليفة المستكفي بالله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة (416) هـ
(4)
(26 مايو 1025) دخلوا عليه وقالوا له: "قد علم الله اجتهادنا في تثبيتك، فاعتاص ذلك علينا، واضطررنا إلى مقارعة عدونا، وهانحن خارجون إليه ولا ندري ما يحدث عليك بعدنا، فإن تك لك الكرة
(1)
- الذخيرة ق 3 م 1، ص 529.
(2)
- البيان المغرب 3/ 145، أعمال الأعلام 2/ 139.
(3)
- انظر: الذخيرة، ق 3 م 1، ص 529. البيان المغرب، 3/ 151. أعمال الأعلام 2/ 139.
(4)
- البيان المغرب 3/ 141.
فلا تيأس فمع اليوم غد، فأجمل الرد وانقاد للدنية
(1)
" ولم يؤخذ منه كتاباً يعترف فيه بالخلع ويحل الأمة من بيعته.
ممارسة الأمير أو الخليفة للسلطان:
بدراسة المصادر الأندلسية، نلاحظ أنه كان إلى جانب صاحب السلطة السياسية في البلاد، هناك أصحاب البيوتات الأندلسية الموالية لبني أمية كانوا مشاورين وناصحين ومساعدين للأمير أو الخليفة في ممارسته للسلطان، إذ أنهم يتميزون بالخبرة الواسعة، وذلك لتوارثهم المناصب في كافة شئون الدولة.
ويبدأ الأمير أو الخليفة بممارسة سلطاته في الحكم، بمجرد تلقيه البيعة الخاصة، وتستمر هذه الصلاحيات طيلة توليه رئاسة الدولة، ويتخلل تلك الفترة إصداره قرارات عديدة، لإحكام سيطرته على أجهزة الدولة. ويمكن تقسيم تلك القرارات إلى مجموعات، منها: قرارات تتعلق بترسيخ سلطة الدولة، ومن الأمثلة على ذلك، أن الأمير عبد الرحمن الداخل بعد أن استولى على قصر الإمارة بقرطبة، بلغه أن هناك مخططاً لاغتياله، بعد هزيمته للوالي الأندلسي يوسف الفهري ووزيره الصميل
(2)
، ولذا عمد
(1)
- الذخيرة ق 1 م 1، ص 436.
(2)
- ورد في بعض المصادر التاريخية أن أبا الصباح زعيم اليمينة، عرض على قومه التخلص من الأمير عبد الرحمن الداخل ومواليه، وذلك بعد هزيمة الأخير للفهري والصميل في معركة المصارة سنة 138 هـ. انظر: ابن القوطية ص 30. أخبار مجموعة ص 90 - 91. نفح الطيب، 3/ 34.
الأمير الأموي إلى تولية عبد الرحمن بن نعيم قيادة شرطته، واتخذ من مواليه حرساً، وضم إليه موالي بني أمية في قرطبة
(1)
.
ومن القرارات التي يمكن إدراجها في هذا الإطار: التصدي للمناوئين والمعارضين للبيعة من أبناء الأسرة الأموية
(2)
، وبما أنه هو القائد الأعلى للجيش، فهو الذي يصدر القرار بخروج الجيش للغزو، سواء تولى هو القيادة أو أناب عنه أحد رجاله
(3)
، وهو الذي يعلن الحرب والسلم
(4)
، وباسمه ترد كتب الفتوح
(5)
، وهو الذي يصدر قرارات القضاء على حركات التمرد والعصيان
(6)
، وهدم بعض مواطن أصحابها
(7)
، وبناء القلاع وإحكام أسوارها وشحنها بالرجال والعتاد
(8)
، وإحكام السيطرة على بعض الكور التي دبت فيها الفتن حتى قبل تلقيه البيعة الخاصة
(9)
.
(1)
- أخبار مجموعة ص 91.
(2)
- البيان المغرب 2/ 57، 62، 70، 150 - 151، 180 - 182.
(3)
- استمر حكام بني أمية يقودون الجيوش حتى سنة 327 وهي السنة التي جرت فيها غزوة الخندق وانهزم فيها الخليفة عبد الرحمن الناصر.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 307، 308.
(5)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 102.
(6)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 3 - 4، 7. البيان المغرب، 2/ 48 - 58، 64، 69، 71، 72، 74، 75، 77، 82، 83، 87 .... إلخ.
(7)
- المصدر السابق: 2/ 82، 96، 100.
(8)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 132. البيان المغرب، 2/ 94، 95.
(9)
- المصدر السابق، 2/ 120.
وهناك قرارات تتعلق بإدارة الدولة مثل إقرار أصحاب المناصب على مناصبهم أو عزلهم عنها
(1)
، وإسناد المناصب المهمة للأكفاء
(2)
، إنشاء الخطط الجديدة في الدولة
(3)
، وإنشاء بيت الوزراء وإلزامهم التجمع فيه
(4)
، ومناقشتهم في أمور البلاد
(5)
، ومراجعة حسابات الخزينة،
(6)
وتكريس الخطط في أبناء أسر معينة
(7)
، والإشراف على السياسة الخارجية للدولة، فباسمه تبرم المعاهدات الخاصة بالتحالفات التي تعقد مع الدول الأخرى
(8)
، وهو الذي يختار مبعوثيه لإجراء المفاوضات إذا استلزم الأمر
(9)
، كما أنه
(1)
- قضاة قرطبة، ص 25، 88 - 89، 106. ابن الفرضي، ترجمة رقم 328.
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي: ص 41، 135، 190.
(2)
- ابن القوطية، ص 82، البيان المغرب، 158 - 159، 220.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 99، المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 252.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 29.
(5)
- المصدر السابق، ص 172.
(6)
- نفسه، 136.
(7)
- نفسه، 143 - 144، 179.
(8)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 146. أعمال الأعلام، 2/ 68. نفح الطيب، 1/ 330 - 331. أندلسيات، 2/ 72.
(9)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 146 - 147. أعمال الأعلام، 2/ 68. نفح الطيب، 1/ 346. غزوات العرب، ص 142. الإسلام في المغرب والأندلس، ص 97 - 101.
يقوم بالجلوس لاستقبال الوفود الزائرة
(1)
، وكذلك يتفقد المنشآت العمرانية
(2)
، ويمنح الألقاب
(3)
، ويهتم بالبريد
(4)
.
كما أن هناك قرارات تتعلق بالمرافق الدينية مثل: - توسيع جامع قرطبة، فقد حظي هذا الجامع باهتمام أمراء وخلفاء بني أمية، منذ أن أنشأه الأمير عبد الرحمن الداخل سنة (168) هـ (785 م) حيث استمرت عملية الإضافة إليه طيلة عهدي الإمارة والخلافة وكانت آخر زيادة شهدها الجامع سنة (377) هـ (987 م) على يد الحاجب المنصور بن أبي عامر
(5)
، ولم يقتصر الأمر على الاهتمام بجامع قرطبة، فقد أُنشأت الجوامع في كافة كور الأندلس
(6)
، وتم إجراء الزيادة فيها
(7)
، وإعمار ما تهدم منها
(8)
، ولعل جامع العدبَّس بإشبيلية هو أشهر تلك الجوامع بعد جامع قرطبة
(9)
، وقد بلغ من اهتمام الأمير هشام الرضا: 172 - (180) هـ
(1)
- المقتبس، طبعة شالميتا، ص 423، 459، 469، 485. أندلسيات، 2/ 63 - 106. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 21 - 22، 50 - 52، 138، 146.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 92.
(3)
- المصدر السابق ص 69.
(4)
- نفسه 136.
(5)
- انظر: قرطبة حاضرة الخلافة، 1/ 269 - 349 ومصادره.
(6)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 244. البيان المغرب، 2/ 82، نفح الطيب، 1/ 347.
(7)
- البيان المغرب 2/ 96.
(8)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 327.
(9)
- ينسب هذا الجامع لعمر بن عدبَّس قاضي إشبيلية الذي تولى الإشراف على بنائه سنة 214 هـ تنفيذاً لأمر الأمير عبد الرحمن الأوسط وقد كان هذا الجامع من أعظم مساجد الأندلس بعد جامع قرطبة، وقد أزال النصارى كل أثر لهذا الجامع وأقاموا مكانه كنيسة السلفادور. انظر: ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة، (تحقيق: عبد الهادي التازي، دار الأندلس، بيروت، 1383 هـ (1964 م) ص:470. التكملة: طبعة كوديرا، ترجمة رقم 1908. ذكر بلاد الأندلس 1/ 142، ولكنه أشار إلى أن البناء تم سنة 230 هـ. رحلة الأندلس، ص 139.
(788 - (796) م) بالمساجد وترغيب الناس في ارتيادها أنه كان "يصرِّر الصرر بالأموال في ليالي المطر والظلمة ويبعث بها إلى المساجد فيعطي من وجد فيها، يريد بذلك عمارة المساجد"
(1)
.
وهناك قرارات تدور حول الاهتمام بالرعية: منها إشاعة العدل في المجتمع، وذلك عندما ينصاع الأمير أو الخليفة لحكم القاضي وإن كان ضد رغبته
(2)
، وإرسال أناس عدول يطوفون الكور والثغور يسألون الناس عن سير عمالهم وقضاتهم فيهم
(3)
، وإقامة الحق علنا على من استوجبه منهم
(4)
، وكذلك إنشاء مرافق الخدمة العامة مثل: بنيان قنطرة قرطبة
(5)
، وقنطرة أخرى على نهر إستجه
(6)
، وبناء المدن
(7)
، وإذا استلزم الأمر إجراء
(1)
- العقد الفريد، 4/ 490.
(2)
- انظر: قضاة قرطبة، ص 23 - 24، 29، 30، 73. فرحة الأنفس، ص 304، النباهي، المرقبة العليا (تحقيق: ليفي بروفنسال. بيروت، المكتب التجاري، د. ت) ص 56 - 70. وسأشير إليه فيمابعد باسم "النباهي". البيان المغرب 2/ 66.
(3)
- المصدر السابق 2/ 66.
(4)
- نفسه، 2/ 66.
(5)
- نفسه، 2/ 66، 288.
(6)
- نفسه، 2/ 288. إستجه Ecija مدينة قديمة، تقع على وادي شنيل إلى الجنوب الغربي من قرطبة على بعد خمسين كيلو مترا، واسمها يعني جمعت الفوائد، وصف أهلها بأنهم أصحاب شغب وانحراف عن الطاعة سواء قبل الفتح الإسلامي أو بعده. انظر: الروض المعطار ص 53، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي تعليق رقم 37.
(7)
- البيان المغرب، 2/ 214، 236.
توسعة لإحدى الشوارع أو الأسواق وترتب على ذلك نزع بعض الأملاك، من حوانيت أو دور، فإن الحكومة تدفع لأربابها ما يرضيهم
(1)
.
وقد كان الفقراء والمحتاجون في قائمة اهتمامات أمراء وخلفاء بني أمية لذلك أنشئت دار للصدقة
(2)
، وعادة ما يتم الإكثار من الصدقات على الفقراء والمحتاجين أوقات القحط
(3)
، وعند دخول شهر رمضان
(4)
، وتكون هذه الأموال من المال الخاص بالأمير أو الخليفة، كما تم اتخاذ المؤدبين لتعليم أولاد الضعفاء وإنشاء بعض المكاتب التي يتعلمون بها
(5)
،
(1)
- المصدر السابق 2/ 287 - 288.
(2)
- تقع هذه الدار بغربي جامع قرطبة، ومنها يتم تفريق الصدقات على الفقراء. انظر: البيان المغرب، 2/ 240، وقد حفظ لنا ابن حيان صورة عن كيفية توزيع الصدقات على المحتاجين، فذكر أنه في أوائل شهر شوال سنة 364 هـ جلس الخليفة الحكم المستنصر بالله بسطح باب السدة بقصر قرطبة، ومعه ولده هشام وقد تجمع أهل الحاجة عند الباب، ثم تقدم الفتيان الخدم الصقالبة، وبأيديهم أكياس المال المعد للصدقة، وأخذ كل فتى من الخدم يملأ يديه من الكيس ويدفعه لأهل الحاجة كل بحسب ما قدر له، والخليفة يرى كل مايجري. انظر: المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 233 - 234.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 93. البيان المغرب 2/ 168.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 76.
(5)
- البيان المغرب 2/ 240.
وأقيمت الأحباس لأجل ذلك
(1)
، ويجري في بعض الأحيان أداء الديون عن المعسرين بالإضافة إلى فداء الأسرى المسلمين
(2)
.
وهناك أعمال انفرد بها بعض من تولى رئاسة دولة بني أمية في الأندلس، ولعل ذلك يعود إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي واكبت توليه الرئاسة.
فالأمير عبد الرحمن الأوسط: 206 - (238) هـ (796 - (822) م) بادر فور توليه الإمارة إلى إخراج الأموال وتفريقها على من حضر معه مواراة جثمان والده، ثم أمر بإسقاط المكوس، وقتل القومس المشرف عليها، وتشريد أهل الفساد وهدم أوكارهم
(3)
.
كل هذه الأعمال قام بها الأمير عبد الرحمن الأوسط في محاولة جادة منه لفتح صفحة جديدة مع رعيته، وذلك لإزالة ما علق في نفوسهم بسبب ما جرى لهم في عهد والده
(4)
.
وأما الأمير محمد بن عبد الرحمن 238 - (273) هـ (852 ـ (886) م) فإنه بمجرد تلقيه البيعة الخاصة أصدر قراره بترقية وكيله محمد بن موسى
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 207.
(2)
- ذكر بلاد الأندلس: 1/ 170.
(3)
- المصدر السابق 1/ 139.
(4)
- سواء ما كان منها متصلاً بهيج الربض، أو إيقاعه بأهالي طليطلة وتسليطه للقومس على المسلمين، وما عُرف عنه أنه يقوم بضم الغلمان المشهورين بالجمال لخدمته بعد أن يأمر بخصيهم.
الإشبيلي
(1)
، وعبد الرؤوف بن عبد السلام
(2)
إلى منصب الوزارة
(3)
، مكافأة لهما على مناصرتهما له ليلة دخوله قصر الإمارة بقرطبة عقب وفاة والده الأمير عبد الرحمن الأوسط
(4)
.
وبعد أن بويع المنذر بن محمد بالإمارة: 273 - (275) هـ (886 ـ (888) م) عمل على كسب ولاء الجند، ففرق فيهم العطاء، وتحبب إلى الناس فأسقط عشر السنة عنهم وما يلزمهم من خراج ومعونة كما أمر بإطلاق سراح أهل السجون
(5)
.
والأمير المنذر اضطر إلى القيام بهذا التصرف، لأنه استلم دولة تعاني من اندلاع حركات التمرد والعصيان في كافة أرجائها، فإذا أراد
(1)
- هو محمد بن موسى، من بيت والي الأندلس عبد الرحمن الغافقي التحق بخدمة عيسى بن شهيد في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ثم تولى الخزانة وبعدها وكالة محمد بن الأمير عبد الرحمن، وكان هو السند الرئيسي ـ بعد الله تعالى ـ في وصول محمد للإمارة، ولذا فقد كافأه بالوزارة غداة توليه الحكم، فحاز المجد واعتلت في الناس منزلته. انظر: ابن القوطية، ص 75 - 76، 80. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 139 - 141.
(2)
- هو عبد الرؤوف بن عبد السلام بن إبراهيم بن يزيد، أحد كبار الموالي الأمويين بالأندلس، دخل أبوه الأندلس وخدم في دولة الأمير عبد الرحمن الداخل، في حين أن عبد الرؤوف تولى طليطلة ونواحيها للأمير عبد الرحمن الأوسط في آخر أيامه كما تولى الوزارة للأمير محمد بن عبد الرحمن وتوفي في أيامه وهو يلي الوزارة. انظر: ابن القوطية، ص 81 - 82، المقتبس، تحقيق: د. محود مكي، تعليق: رقم 93 ومصادره.
(3)
- ابن القوطية، ص 82. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 28.
(4)
- ابن القوطية، ص 81 - 82، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 139 - 141.
(5)
- البيان المغرب، 2/ 120. ذكر بلاد الأندلس: 1/ 150. وطبيعي أن هذا مقتصر على غير أهل الحدود والحقوق الخاصة.
مواجهتها بقوة، فعليه كسب ولاء الجند ليضمن إخلاصهم، ويتحبب إلى أهل قرطبة فيأمن اضطرابهم عليه
(1)
.
وعندما تولى عبد الله بن محمد الإمارة: 275 - (300) هـ (888 - (912) م) كان الانتقاض قد تحيَّف الدولة، ولذا فإن في أول قرار أصدره أن أرسل أحد رجاله ليأخذ له البيعة من عمر بن حفصون ومن حوله
(2)
، وأما الأمير عبد الرحمن بن محمد: 300 - (350) هـ (912 - (961) م) فإنه بمجرد أن تولى الإمارة، وجه اهتمامه لمعالجة الخلل الإداري في الدولة، فبادر إلى حصر جميع السلطات في يده، وأحدث تغييرات وزارية شاملة، فقد أصدر عدة مراسيم تقضي بتعيينات جديدة في خطط الحجابة والوزارة والمدينة والشرطة العليا والخزانة والعرض وخزانة السلاح وخطة البيازرة
(3)
، عله بذلك يتمكن من ضبط الإدارة العليا للدولة، فينجح
(1)
- لكن هذا لا يمنع من أنه دال على عظم همته وقوة شكيمته، فإن أخاه الأمير عبد الله لم يكن بكفاءة سلفه رغم أنه استلم دولة عرفت هيبة المنذر وشجاعته فترة وجيزة، إلا أنه عجز أن يفعل مثله.
(2)
- المقتبس تحقيق: أنطونيه ص 50.
(3)
- البيان المغرب، 2/ 158 - 159، البيزره أو البزدرة: هي علم أحوال الجوارح، والكلمة فارسية، وعربت ببازيار أي صاحب الباز، وهو الذي يحمل الطيور الجوارح المعدة للصيد على يده. انظر: القلقشندي، صبح الأعشى، (القاهرة، المطبعة الأميرية، 1337 هـ/1915 م) 5/ 469. أبو عبد الله الحسن بن الحسين، البيزرة، (تحقيق: محمد كرد علي، دمشق، مطبوعات مجمع اللغة العربية 1409 هـ (1988 م) ص 4. وخطة البيازرة تعني الرؤساء الذين يتولون الإشراف على كل ماله علاقة بأمور الصيد.
بالتالي في معالجة الوضع المتردي الذي كانت تعيشه الدولة ككل في عهد جده.
وفي عصر الفتنة الممتد من سنة 399 - (422) هـ (1009 ـ (1021) م) اختفت القرارات التي تهتم بشئون الرعية، فقد كان جل اهتمام الخلفاء في تلك الفترة ينحصر بمحاولة إحكام سيطرتهم على البلاد، فالخليفة المهدي 399 - (400) هـ (1009 م) بعد أن استولى على قرطبة كانت أوائل أعماله أنه أجلس بكرسي الشرطة ابن عمه محمد بن المغيرة، واتخذ من ابن عمه الآخر عبد الجبار حاجباً، ثم أجبر الخليفة هشام المؤيد على خلع نفسه والاعتراف به خليفة بدلاً عنه
(1)
.
وأما الخليفة سليمان المستعين بالله الذي تولى الخلافة يوم الثلاثاء (17) ربيع الأول سنة (400) هـ (9 نوفمبر (1009) م) فإنه بعد أن استولى على قرطبة أصدر الكتب إلى كافة أقطار الأندلس تعلن خبر استيلائه عليها، وتميزت تلك الكتب بعبارات مشحونة بمعاني القوة، وصف فيها كيفية دخوله لها ومن معه من البربر وكان هدفه من انتقاء تلك العبارات إدخال الرهبة في قلوب أهل النواحي ليسمعوا ويطيعوا
(2)
، كما بادر إلى تعيين العمال وتفريقهم على أماكن أعمالهم وولى الولايات
(3)
، وعندما دخل علي بن حمود قصر قرطبة بادر إلى قتل سليمان المستعين وأخيه
(1)
- أعمال الأعلام، 2/ 110 - 111.
(2)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 37.
(3)
- البيان المغرب، 3/ 92.
وأبيهما
(1)
ثم استقبل المبايعين في باب السدة من قصر قرطبة واتخذ لقب الناصر لدين الله
(2)
وذلك يوم الاثنين (23) محرم (407) هـ (يونيو (1016) م) وبعد قتل علي بن حمود بويع بالخلافة لأخيه القاسم يوم الثلاثاء الخامس من شهر ذي القعدة سنة (408) هـ
(3)
(25 مارس (1018) م) فأصدر نداءاً أُعلن في أقطار البلد بأمان الأحمر والأسود وبراءة الذمة ممن تسوَّر على أحد
(4)
.
وأما الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله 418 - (422) هـ (1027 - 1031) فإنه عندما دخل قصر قرطبة جلس في مجلس الخلافة بالقصر واستقبل المهنئين، ثم جلس للمظالم، وأصدر قراره بزيادة عدد قراء جامع قرطبة، كما زاد في رزق مشيخة الشورى
(5)
.
ومن مظاهر ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، موقفه من المكائد التي تقع داخل القصر أو خارجه، سواء وصل إليه الخبر بواسطة عيونه المبثوثة، أو تمكن من الوقوف على الأمر بنفسه ومن الأمثلة على ذلك:
(1)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 42. البيان المغرب، 3/ 117. أعمال الأعلام، 2/ 121. ذكر بلاد الأندلس، 1/ 204.
(2)
- الذخيرة، ق 1 م 1، ص 97.
(3)
- البيان المغرب، 3/ 124. أعمال الأعلام، 2/ 130.
(4)
- البيان المغرب، 3/ 130.
(5)
- الذخيرة، ق 3 م 1 ص 517.
أنه عندما فشلت طروب
(1)
، ومعها الفتى الكبير نصر الخصي
(2)
مدبر دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط في تقديم عبد الله بن الأمير عبد الرحمن الأوسط لتولي منصب ولاية العهد دون أخيه الأسن منه محمد
(3)
، عمل نصر الخصي على اغتيال مولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط بواسطة سم مركب أعده الطبيب يونس الحراني
(4)
الذي أخبر بدوره
(1)
- طروب هي جارية الأمير عبد الرحمن الأوسط، والمقدمة لديه على جميع نسائه حاولت أن تحوز ولاية العهد لابنها عبد الله فلما أعيتها الحيلة لجأت إلى محاولة اغتيال مولاها، مستعينة بالفتى نصر الخصي. انظر: ابن القوطية، ص 76 - 77. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 8 - 15 الحلة السيراء 1/ 114 حاشية رقم 1.
(2)
- هو أبو الفتح نصر بن أبي الشمول، أبوه من نصارى قرمونه Carmona ثم اعتنق الإسلام قبل أن يُقدم الأمير الحكم على المثلة بولده نصر، وقد ارتفعت منزلة نصر عند الأمير عبد الرحمن الأوسط لدرجة أنه أصبح يتصرف باسمه في شؤون الدولة ومازال في سؤدد حتى توفي سنة 236 هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب ص 95 - 96. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم 49.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 106 - 107.
(4)
- ورد ذكر هذا الطبيب في عدة مصادر إلا أنها لم تذكر اسمه صراحة فقد اكتفى ابن جلجل بقوله "الحراني الذي ورد من المشرق" في حين قال صاعد "رجل من أهالي حران كان يعرف بالأندلس بالحراني لم يبلغني اسمه" وقال عنه ابن حيان "طبيب الأمير المعروف بالحراني" وأما بن أبي أصيبعه فقد قال "الحراني الذي ورد من المشرق" ولم يذكر اسمه صراحة إلا القفطي حين قال "يونس الحراني الطبيب نزيل الأندلس
…
وولده أحمد وعمر". انظر على التوالي: ابن جلجل، طبقات الأطباء والحكماء، (تحقيق: فؤاد سيد، بيروت، مؤسسة الرسالة 1405 هـ) ص 94. صاعد البغدادي، طبقات الأمم (تحقيق: حياة العبد بوعلوان، بيروت، دار الطليعة ط الأولى، 1985 م) ص 186. القفطي، أخبار العلماء بأخبار الحكماء، (تصحيح: أمين الخانجي، القاهرة، مطبعة السعادة، 1326 هـ.) ص 258 - 259. ابن أبي أصبعية، عيون الأنباء في طبقات الأطباء (شرح وتحقيق د. نزار رضا بيروت دار مكتبة الحياة د. ت) ص 486.
فجر
(1)
جارية الأمير عبد الرحمن الأوسط وضرة طروب، فكانت النتيجة هلاك الخصي بالسم الذي أعده الطبيب الحراني
(2)
.
ومن المكائد والسعايات التي جرت خارج القصر، ماوقع من بعض فقهاء قرطبة ضد بقي بن مخلد
(3)
في صدر دولة الأمير محمد بن عبد الرحمن، الذي ما إن رفعت القضية إليه حتى سارع إلى الجمع بين بقي وبين أولئك الفقهاء في مجلسه وسمع من الطرفين أقوالهما، وعندما أدرك أن الحق مع بقي منعهم من النيل منه، وأمره بنشر علمه وأن يكون ضمن الفقهاء الداخلين عليه
(4)
.
وعندما حاول الوزير هاشم بن عبد العزيز الإيقاع من خلال السعايات والدسائس بأحد خدم الأمير محمد بن عبد الرحمن، بل إن
(1)
- عن فجر. انظر المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم 54 ومصادره.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود علي مكي، ص 9 - 11.
(3)
- هو أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد بن يزيد، أندلسي قرطبي ولد سنة 201 هـ حافظ مفسر محقق، وكان إماماً مجتهداً، ورعاً فاضلاً، زاهداً رحل إلى المشرق وطلب العلم وألح فيه، حتى قال عنه ابن أبي خيثمة:"ما كنا نسمية إلا المكنسه، ولذا فعندما عاد إلى الأندلس ملأها علماً جماً". ترك عدة مؤلفات، ودفن بمقبرة بني العباس. انظر: أخبار الفقهاء والمحدثين، ص 49 - 62 ابن الفرضي، ترجمة رقم 283. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 248 - 250 وتعليق رقم 411 والمصادر المذكورة. جذوة المقتبس، ترجمة رقم 331.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 247 - 249. البيان المغرب 2/ 109 - 110.
الأخير عندما استشار وزيره هاشماً بأمر ذلك الخادم طالبه بالتنكيل به وتشريده، فما كان من الأمير إلا أن أطلع وزيره على ضبارة كتب تحوي ما يقرب من مائة ورقة كلها ضد الوزير وكل واحد منها تكفي لسفك دمه، فأسقط في يد الوزير، وأخذ بالتنصل مما كتب ضده وقدم المعاذير ملقياً باللائمة على الحساد وطالب الأمير بالتثبت وعدم التسرع، فأخبره الأمير أن التسرع ليس من شيمته، وأنه قد اختبر تلك الكتب فوجد أكثرها كاذبة، ورغم ذلك فلهم مكافآت على ما يقدمونه من معلومات
(1)
ثم طالبه الأمير ببقاء أسماء أصحاب تلك الكتب سرية وتهدده بعقوبة شديدة إن خرج من تلك الأسماء شيء
(2)
.
ومن المكائد التي فطن لها الأمير محمد بن عبد الرحمن ما قام به وزيره هاشم بن عبد العزيز عندما عمل على رد أموال الكاتب صاحب القلم الأعلى قومس بن أنتنيان
(3)
إلى بيت مال المسلمين، وعدم تقسيمها بين ورثته، متهماً إياه بأنه قد مات على النصرانية، وقد وردت على القاضي
(1)
- لأنه إن قطع الأمير مكافأة أحد أولئك المخبرين بسبب كذبه، تردد الباقون في رفع الأخبار إليه. انظر: أخبار مجموعة، ص 143.
(2)
- أخبار مجموعة، ص 142 - 144.
(3)
- قومس بن أنتنيان ينتمي لأسرة نصرانية، احتفظ بديانته مدة، ثم أسلم، وتولى الكتابة للأمير محمد بن عبد الرحمن سنة 246 هـ، وتوفي بعد ذلك بمدة وجيزة. انظر: المقتبس، تحقيق: محمود مكي ص 142.
سليمان بن أسود
(1)
شهادات كثيرة كلها تذكر أن قومس قد مات على النصرانية وعندما رفع القاضي تلك الشهادات للأمير محمد، لم يتصفحها بل أرسل أحد فتيانه إلى القاضي ليسأله عما ثبت لديه في قضية ابن انتنيان، فأثنى القاضي على قومس وطعن في الشهادات المرفوعة ضده
(2)
، " فخرج التوقيع إلى القاضي اقسم مال قومس بين ورثته"
(3)
.
هذا وقد اهتم بنو أمية في الأندلس كثيراً بالتعرف على أحوال رعاياهم ووصول الأخبار إليهم أولاً بأول، بواسطة العيون والأرصاد، لوضع الحلول سرعة وصول خبر وفاة القاضي المصعب بن عمران
(4)
للأمير الحكم
(1)
- هو سليمان بن أسود بن يعيش بن جشيب من مدينة غافق كان والياً على كورة ماردة، ثم ولي قضاء الجماعة مرتين في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وأربعين يوماً في بداية عهد الأمير المنذر بن محمد. انظر: قضاة قرطبة، ص 73 - 89.
(2)
- قضاة قرطبة ص 75 - 77.
(3)
- المصدر السابق، ص 77. وقد ذكر الخشني أن الفقيه محمد بن يوسف بن مطروح كان إذا قعد في الجامع قال على رؤوس الناس:"من مثل قومس السجاد العباد حمامة هذا المسجد يقال فيه مات على النصرانية، ثم ترجَّع "كما أن الخشني ذكر أيضاً بأن الناس كانوا يتعجبون ممن شهد على قومس بالنصرانية، انظر: قضاة قرطبة، ص 76. الأمر الذي يدل على أن الشهادات التي كانت مرفوعة ضد قومس قد سبق وأن دفعت أثمانها.
(4)
- أبو محمد المصعب بن عمران بن شفي الهمداني، عربي شامي، كان خيراً فاضلاً رفض أن يلي القضاء للأمير الداخل، ثم قبله في عهد أبنه هشام الرضا، وأقره على القضاء الحكم الربضي، كان عادلاً فقيهاً لا يقلد مذهباً بل يقضي بما يراه صواباً. انظر: قضاة قرطبة، ص 24 - 28، ابن الفرضي: ترجمة رقم 1432.
الربضي
(1)
، وكذلك موقف الأمير الحكم الربضي من القاضي محمد بن بشير
(2)
عندما رفض استقبال العباس بن عبد الله المرواني القرشي
(3)
في منزله
(4)
. وهذا الأمير محمد بن عبد الرحمن كان من بين عيونه الذين يكتمون السر ويثق بهم شرحبيل الزامر الذي بسببه اعترف الوزير هاشم بن عبد العزيز باغتصابه لضيعة أحدهم
(5)
.
وأما الخليفة عبد الرحمن الناصر فإنه من شدة اهتمامه بشؤون دولته ومصالح رعيته كان له من يأتيه بخبر كل صغيرة وكبيرة مما يجري في مواطن اجتماع الناس، فقد جند أناس كثر، حازوا ثقة الآخرين وهم ينقلون إليه ما يدور في المجالس والأسواق، فكأن الخليفة بينهم
(6)
، وهذا
(1)
- البيان المغرب 2/ 78.
(2)
- أبو عبد الله محمد بن سعيد بن بشير المعافري، أصله من جند باجه كان في حداثته كاتباً للقاضي المصعب بن عمران، ثم رحل إلى المشرق، فسمع من الإمام مالك، ولما عاد إلى الأندلس، لزم ضيعته بباجه، إلى أن استدعي للقضاء بقرطبة، وصف بالعدل والفضل، وكان حسن الزي جميل الخلق، وقد ظل في القضاء حتى توفي سنة 198 هـ. انظر: ترتيب المدارك، 3، 327 - 339. ابن الأبار، التكملة، طبعة الحسيني، ترجمة رقم 954. النباهي ص 47 - 53.
(3)
- العباس بن عبد الله بن عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم كان والياً على باجه للأمير هشام الرضا، ثم تولى الوزارة والقيادة للأمير الحكم الربضي، وظل على مرتبته هذه في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى توفي سنة 219 هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 28، 79. والتعليق رقم 91.
(4)
- أخبار مجموعة، ص 128. نفح الطيب، 2/ 145.
(5)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 149 - 151.
(6)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 23 - 24.
الخليفة الحكم أوصلت له عيونه خبر تجاوزات جرت من بعض العمال، فأرسل إلى جميع عماله في كور الأندلس "يعنفهم على جرأتهم ويحذرهم من سطوته وعقوبته"
(1)
.
وأما الحركات التي كانت تدبر ضد الحكم الأموي، فقد قابلها أمراء وخلفاء بني أمية بالحزم والشدة. من ذلك أن مغيرة بن الوليد بن معاوية
(2)
، عمل على تدبير حركة ضد الأمير عبد الرحمن الداخل، وساعده على ذلك هذيل بن الصميل بن حاتم وغيره، وعندما وصل الخبر إلى الأمير عبد الرحمن الداخل أمر بإلقاء القبض على مغيرة وهذيل ومن معهما، وبعد أن أوضح التحقيق صحة ما نُسب إليهم، قتلوا جميعاً، وذلك سنة 168 هـ (784 - 785 م)
(3)
.
وأما الأمير الحكم الربضي فإنه عندما أبلغه أحدهم بأن حركة ستهب ضده في قرطبة لم يتسرع بقبول الخبر، بل اتهم المخبر فيما رفعه إليه، ثم توعده بضرب عنقه إن لم يقم دليلاً قاطعاً على ذلك
(4)
، وتكررت حكمة التريث في قبول ما يخطط له من عصيان مع الأمير عبد الله بن محمد
(1)
- البيان المغرب 2/ 239.
(2)
- مغيرة بن الوليد بن معاوية، عمه الأمير عبد الرحمن الداخل، وقد دخل الوليد بن معاوية الأندلس في عهد أخيه، الذي نفاه عن الأندلس بعد قتله لابنه مغيرة، ولمغيرة ثلاثة أولاد أخوه يعرفون بالمغيريين، انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 93 - 94.
(3)
- أخبار مجموعة ص 116، البيان المغرب 2/ 57.
(4)
- ابن القوطية ص 50 - 51. سير أعلام النبلاء 8/ 255 - 256.
في شان أخيه القاسم
(1)
، وكذلك مع الخليفة عبد الرحمن الناصر في شأن ولده عبد الله
(2)
.
ومن أساليب ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، تعامله مع بعض المناوئين، فقد وضع الأمير عبد الرحمن الداخل سياسة ذات أبعاد في التعامل مع من يشك في إخلاصه من رجال الدولة. وكانت هذه السياسة نبراساً لمن أتى بعده من سلالته أمراء وخلفاء، كانت هذه السياسة تقوم على إخضاع ذوي الشوكة ثم نقلهم ومعهم أهلهم وذووهم إلى العاصمة قرطبة، وقد بدأ الأمير عبد الرحمن الداخل العمل بهذه السياسة منذ الأيام الأولى لإمارته، فبعد أن صالحه يوسف الفهري والصميل على أن يمنحهما ومن سواهما الأمان لهم ولأموالهم، واستجاب الداخل لطلبهما
(1)
- أبو محمد القاسم بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط، من أدباء بني مروان ونبهائهم، كان جباراً تياهاً، قام بحركة ضد أخيه الأمير عبد الله فحبسه، ومات في الحبس، وقد اختلف في سبب موته. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 200 - 204. المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص 41. الحلة السيراء، 1/ 127 - 128، البيان المعرب 2/ 150 - 151.
(2)
- كان عبد الله بن عبد الرحمن الناصر من نجباء ألاد الخلفاء، شاعراً فقيهاً، على مذهب الشافعي، محباً للعلم والعلماء، وقد حدث عن بعضهم، له توليف تدل على علمه وفهمه، سعى ضده أخوه الحكم المستنصر بأنه يريد القيام ضد أبيه، فكان ذلك سبب قتله في آخر سنة 338 هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 102. الحلة السيراء، 1/ 206 - 208، البيان المغرب، 2/ 217. أعمال الأعلام، 2/ 39.
بعد أن قبلا بشروطه عليهما، أقبل إلى قرطبة وهما بصحبته وذلك سنة (139) هـ
(1)
(757).
ولعل الغرض من هذه السياسة، تسهيل مراقبة من يخشى جانبه، واتقاء شره عندما ينقل إلى قرطبة، وذلك للحيلولة دون اندلاع الفتن في المجتمع، ولكي تصبح الرعية أمة واحدة ومطمئنة
(2)
.
وهناك هدف آخر تحرص حكومة قرطبة على تحقيقه، وهو عسى أن تكتشف تلك الفئات المنقولة إلى قرطبة مدى حرص الأمويين على حسن سير السياسة العامة للدولة، فتكف من تلقاء نفسها عن معاداتها، بالإضافة إلى أن تلك الفئات تصبح قريبة من العطاء المقدم من ديوان بيت المال الذي يهدف منه تأليف القلوب. كما أن حكومة قرطبة تسعى إلى إشعار أولئك المنقولين إلى العاصمة بمكانتهم، ولذا فإنهم يكونون في مقدمة المدعوين إلى الاحتفالات التي تقيمها السلطة المركزية، ولذلك يشعرون بإكرام الدولة لهم، هذا الوضع بصفة عامة يمكنِّ أولاد المنقولين إلى قرطبة من التقرب من أولاد الأمويين، فيذوب ما في نفوس أولئك
(1)
- أخبار مجموعة ص 93 - 94 إلا أنه جعل الصلح في سنة 140. البيان المغرب 2/ 48. نفح الطيب 3/ 34. وللاستزادة عن موضع نقل ذوي الشوكة إلى قرطبة. انظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 180، 190، 217، 219، 220، 239، 241، 248، 271، 283. البيان المغرب، 2/ 72، 100، 161، 183، 197، 200.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 218.
المناوئين، وبالتالي يصبح ذلك المناوئ سابقاً من بين ثقات الأمير
(1)
وحشم الخليفة
(2)
.
ومما رسمه الأمير عبد الرحمن الداخل لأحفاده من بعده في التعامل مع المعارضين للبيت الأموي، فرض الإقامة الجبرية على بعضهم أياً كان محل إقامته دون نقله إلى قرطبة، فالأمير الداخل ألزم مولاه بدراً
(3)
الإقامة في داره ومنعه من مغادرتها بعد أن أكثر من الدلال عليه
(4)
، وكذلك الخليفة الحكم المستنصر فرض على أحمد بن هاشم الإقامة الجبرية في داره تأديباً له عندما بلغه عنه ما يسؤوه
(5)
.
ومن الأساليب التي سار عليها بنو أمية في الأندلس عند التعامل مع بعض المعارضين الخارجين على الدولة، استخدام الإيقاع بين الأطراف المعارضة، وهذا ما سار عليه الأمير عبد الرحمن الداخل عند مواجهته
(1)
- البيان المغرب، 2/ 83.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 248.
(3)
- بدر هو الساعد الأيمن لمولاه الأمير عبد الرحمن الداخل، فهو رفيق دربه في هربه من المشرق إلى الأندلس، كما أنه كان أحد الأركان التي قامت عليها الدولة الأموية في الأندلس، ونظراً لشعوره بإهمال مولاه له، أخذ يكثر من الكتابة إليه، طمعاً في الحصول على منصبٍ عالٍ في الدولة، مدلاً عليه بما بذله لأجله، ناسياً أن الملوك لا يمن أحد عليهم بشيء أيا كان، ولذا فقد أصدر أمره بإلزام مولاه بدراً الإقامة في داره، بعد أن استصفى أمواله، ولما كتب إليه بدر مرة أخرى أمر بطرده من قرطبة وإسكانه أقصى الثغر. انظر في أخبار بدر. ابن القوطية، ص 21، 22، 23. أخبار مجموعة، ص 54، 67، 70، 74، 75
…
وغيرها، نفح الطيب 3/ 27 - 31، 39 - 41.
(4)
- نفح الطيب، 3/ 40.
(5)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 104.
للبربر
(1)
، وأخذ بهذا الأسلوب أيضاً الأمير عبد الله بن محمد ضد إبراهيم بن حجاج وابن خلدون
(2)
، وهناك عنصر المفاجأة، وهو ما استخدمه الأمير الحكم الربضي مع أحد العصاة
(3)
، وفي أحيان أخرى يعمد الأمير الأموي إلى إقطاع المعارض مكاناً معيناً اتقاءاً لشره، ولنيل طاعته، ومثل ذلك ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن مع ابن مروان عندما أقطعه بطليوس
(4)
، وكذلك الأمير عبد الله بن محمد مع إبراهيم بن حجاج عند تغلبه على اشبيلية
(5)
.
وعرفت حكومة قرطبة أسلوب الاغتيال، نجد ذلك عند الأمير عبد الله بن محمد الذي كتب سراً إلى أبي يحيى بن عبد الرحمن التجيبي
(1)
- البيان المغرب، 2/ 51، 54 - 55.
(2)
- المصدر السابق: 2/ 125. ويعد بيتا بني الحجاج وبني خلدون من أنبه البيوتات العربية في كورة إشبيلية وقد كانت الزعامة لهما في تلك الكورة، في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وينتسب بني حجاج إلى قبيلة لخم القحطانية، كما أنهم يتصلون بملوك القوط من ناحية الأمومة. في حين أن بني خلدون يعودون في أصلهم إلى عرب حضرموت. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 460. الحلة السيراء، 2/ 376 - 377. د. عبد الواحد طه، الفتح والاستقرار العربي الإسلامي في شمال أفريقيا والأندلس، ص 252، 255. أبا الخيل، الأندلس في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري، ص 228 - 259 ومصادره.
(3)
- أخبار مجموعة ص 129 - 130.
(4)
- ابن القوطية ص 89 - 90 وعن بطليوس وحركة بن مروان الجليقي بها، واقطاعها له. انظر: د. سحر السيد سالم، تاريخ بطليوس الإسلامية وغرب الأندلس في العصر الإسلامي (الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، د. ت) 1/ 245 - 286 والمصادر المذكورة.
(5)
- البيان المغرب 2/ 135.
السرقسطي يأمره بالفتك بأحمد بن البراء
(1)
، كما استخدم طريق الاستمالة والمهادنة مع سوار بن حمدون المحاربي
(2)
، وهذه السياسة سار عليها الخليفة عبد الرحمن الناصر مع محمد بن إبراهيم بن حجاج فقد رفعه إلى منصب الوزارة بعد نقله من قرمونة
(3)
إلى قرطبة
(4)
.
ومن هذا يتضح لنا المنهج الذي سار عليه الأمويون في الأندلس عند معالجة الأحداث الطارئة، فرغم استخدامهم العيون التي ترفع إليهم كل
(1)
- كان الأمير المنذر بن محمد قد ولى أحمد بن البراء من مالك القرشي سرقسطه وثغرها، وكلفه محاربة بني قسي، وقد أقره الأمير عبد الله بن محمد على ولايته، إلا أن كلمة نقلت عن الوزير البراء بن مالك جعلت الأمير عبد الله يخشى أطماع أحمد بن البراء، فكلف محمد بن عبد الرحمن التجيبي المعروف بالأنقر القيام باغتيال البراء، فنجح التجيبي في هذا الأمر، وذلك يوم الأربعاء 18 من شهر رمضان سنة 276 هـ ونال ولاية سرقسطة مكافأة له. انظر: ابن القوطية، ص 113 - 114. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 85 - 86.
(2)
- سوار بن حمدون القيسي المحاربي، زعيم عربي، قاد حركته سنة 276 هـ بناحية البراجلة في كورة إلبيرة، وانضوت إليه بيوتات العرب، في الفتنة التي جرت بينهم وبين المولدين وكان سوار معروفاً بالشجاعة والجرأة وحسن المعاملة، قتل غدراً على يد بعض أتباع ابن حفصون سنة 277 هـ. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 260. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 54 - 61. الحلة السيراء، 1/ 147 - 154.
(3)
- قرمونة Carmona مدينة قديمة البناء تقع إلى الشمال الشرقي من إشبيلية، وتبعد عنها مسافة 32 كيلو متراً فقط، وكانت في التقسيم الإداري للأندلس كورة واسعة، تضم مدناً وحصوناً كثيرة، وقد خرجت من أيدي المسلمين سنة 644 هـ. انظر: وصف الأندلس، ص 94. الروض المعطار، ص 461. الآثار الأندلسية الباقية، ص 71 - 74.
(4)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 70 وما بعدها. أعمال الأعلام، 2/ 35.
ما يجري في المجتمع، إلا أنهم امتازوا بعدم التسرع، فكل خبر يرفع إليهم يعملون على كشفه والتأكد منه، فإذا ثبتت صحته عالجوا ما يمكن معالجته بالصفح والمصالحة أو التأديب الذي لايتلف الروح، هذا إذا كان الأمر لايتعلق بالتآمر على السلطة وأمن الرعية، أما إذا وصل الحال إلى هذه الدرجة، فالموت مصير من يعبث بهذا الجانب.
الألقاب
من مظاهر سلطان حاكم الدولة الأموية في الأندلس اتخاذ الألقاب ومنحها
(1)
، وبما أن دولة بني أمية في الأندلس قد مرت بعصري الإمارة والخلافة، لذا فإن الألقاب ارتبطت بالحالة السياسية للدولة.
ففي عصر الإمارة نجد أن الأمير عبد الرحمن بن معاوية قد أُطلقت عليه عدة ألقاب، أشهرها: الداخل
(2)
، لأنه أول من دخل الأندلس حاكماً
(1)
- كان الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس يمنح الألقاب لكبار موظفيه في الحجابة والوزارة والقضاء والجيش
…
إلخ. وسوف نتكلم عن رسوم منح الألقاب كل في مجاله.
(2)
- انظر: نقط العروس، ص 60، المعجب، ص 40، ذكر بلاد الأندلس، 1/ 118 سير أعلام النبلاء، 8/ 244، نفح الطيب 3/ 27، صبح الأعشى 5/ 478، ويبدو أن هذا اللقب لم يختص به الأمير عبد الرحمن بن معاوية لوحده، فقد كان يطلق على كثير ممن وفد إلى الأندلس من المشرق، فمثلاً: عبد الجبار بن نذير دخل الأندلس في طالعة بلج بن بشر فأطلق عليه لقب الداخل فأصبح يعرف بعبد الجبار الداخل. انظر: العذري، نصوص عن الأندلس، ص 15. وهناك أحد الأدباء كان جده يعرف بالداخل وهو عبيد الله بن قرلمان بن بدر الداخل. انظر: ابن القوطية ص 59، كما أن الفقيه المشاور عبد الله بن إسماعيل بن محمد بن خزرج اللخمي، كان يطلق عليه وعلى أبيه وجده لقب الداخل. انظر: الصلة، تراجم رقم 25، 237، 1114. وعلى هذا الأساس فإن لقب الداخل يمكن أن يطلق غالباً على كل من دخل الأندلس قادماً من المشرق وأسس أسرة مستقرة فيها.
من بني أمية، كما لقب بـ" الإمام"
(1)
و"ابن الخلائف"
(2)
ونودي بـ"سلطان الأندلس"
(3)
و"الأول"
(4)
لأنه أول من حمل اسم عبد الرحمن من حكام بني أمية في الأندلس.
ومن الألقاب التي أطلقت على الأمير عبد الرحمن بن معاوية "صقر قريش"
(5)
، و"صقر بني أمية"
(6)
، ولُقِّب بـ"الأمير الكريم والملك العظيم"
(7)
.
كما عرف ابنه الأمير هشام بـ"الرضا" وقد ذكر ابن حزم أنه لم يتلقب من بني أمية في الأندلس بهذا اللقب إلا هشام بن عبد الرحمن الداخل، فقد كان يقال له: هشام الرضا
(8)
، وذكر ابن الآبار أن هشاماً
(1)
- نصوص عن الأندلس، ص 11، 25، 26، ابن الفرضي، 1/ 11، البيان المغرب، 2/ 54، 56، 57، 58. ذكر بلاد الأندلس، 1/ 109، 118.
(2)
- أبو بكر الهمداني، مختصر كتاب البلدان (بعناية دو غوية أبريل 1885 م) ص 83.
(3)
- نصوص عن الأندلس، ص 11 - 12، 26، 27، المغرب في حلى المغرب، 1/ 143، 2/ 123، 146. صبح الأعشى، 5/ 478.
(4)
- المعجب، ص 48، نفح الطيب، 1347. ولاشك أن هذه التسمية لا يمكن إطلاقها إلا في وقت متأخر من تاريخ بني أمية في الأندلس.
(5)
- العقد الفريد، 4/ 488. أخبار مجموعة، ص 118 - 119، الحلة السيراء، 1/ 35. البيان المغرب، 2/ 59 - 60.
(6)
- الإحاطة، 3/ 467.
(7)
- سير أعلام النبلاء، 8/ 250.
(8)
- نقط العروس، ص 50.
سمي بـ"الرضا لعدله وفضله
(1)
" ويبدو أن هذا اللقب قد أطلق عليه في فترة لاحقة، إذ أن المصادر المتقدمة لم تورده إطلاقاً
(2)
.
وكان الأمير الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل معروفاً بلقب "الربضي
(3)
" وهذا اللقب لم يطلق عليه إلا في أواخر عهده وذلك بسبب ما فعله بأهل الربض عند قيامهم ضده في يوم الأربعاء الثالث عشر من شهر رمضان سنة (202) هـ
(4)
(26 مارس (818) م).
ولم يُعرف الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بلقب معين، والمصادر التاريخية المبكرة خلت من ذكر لما يمكن أن يكون لقباً له، إلا أن المصادر التاريخية التالية أطلقت عليه لقب "الأوسط" ومن الطبيعي أن هذا اللقب لا يمكن أن يتم إطلاقه إلا بعد القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) أي بعد زوال دولة بني أمية. ولعل هذا الرأي يوضحه بعض المؤرخين أثناء حديثه عن الأمير عبد الرحمن حيث قال: "ويعرف الأمير
(1)
- الحلة السيراء، 1/ 42. وانظر: البيان المغرب 2/ 61، ذكر بلاد الأندلس 1/ 118، أعمال الأعلام 2/ 12.
(2)
- العقد الفريد، 4/ 490 ابن القوطية، ص 42 - 44، ابن الفرضي، 1/ 12. أخبار مجموعة. ص 120 - 124.
(3)
- نقط العروس، ص 50، 73. جذوة المقتبس، ص 10. المعجب، ص 44. الحلة السيراء، 1/ 42. المغرب في حلى المغرب، 1/ 38. ذكر بلاد الأندلس، 1/ 124.
(4)
- جذوة المقتبس، ص 10. الحلة السيراء، 1/ 44. وانظر: أخبار مجموعة، ص 130 - 131، الكامل في التاريخ، 5/ 413 - 414. البيان المغرب 2/ 75 - 77.
عبد الرحمن بالأوسط، لأن الأول عبد الرحمن الداخل والثالث عبد الرحمن الناصر
(1)
".
لكن إذا كان الأمير عبد الرحمن بن الحكم لم يُعرف بلقب على المستوى الرسمي فإن العامة أطلقت عليه لقباً استوحته من كلفه بصيد الغرانيق فقد أطلقوا مثلاً أصبح شائعاً فقالوا: "أيام أبو الغرانيق"
(2)
.
وقد عُرف الأمير محمد بن عبد الرحمن بلقب "الأمين"
(3)
في حين أن ابنيه المنذر وعبد الله لم يعُرفا بلقب معين.
هذه هي ألقاب بني أمية في الأندلس فمنذ قيام دولتهم سنة (138) هـ (755 م) إلى سنة (316) هـ (928 م) كان كل حاكم منهم يطلق عليه لقب "أمير" الذي يعني في اللغة الأمر والتسلط
(4)
، كما كان يطلق عليه لقب "الإمام"
(5)
الذي يعني القدوة
(6)
.
(1)
- انظر: المعجب، ص 48. الحلة السيراء، 1/ 113. نفح الطيب، 1/ 347.
(2)
- انظر: الزجالي، "ري الأوام ومرعى السوام في نكت الخواص والعوام" (دراسة: د. محمد بن شريقة. نشر تحت عنوان: أمثال العوام في الأندلس. المغرب فاس مطبعة محمد الخامس 1395 هـ، 1975 م) 2/ 76.
(3)
- نهاية الأرب، 23/ 387.
(4)
- د. حسن الباشا، الألقاب الإسلامية، (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية 1957 م). ص 179.
(5)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 224. البيان المغرب، 2، 54، 63، 64، 65، 69، 71، 85، 114، 115، 140، 142، 143. ذكر بلاد الأندلس: 1/ 118، 124، 137، 146، 149، 153.
(6)
- الألقاب الإسلامية، ص 166.
وقد شهد عصر عبد الرحمن بن محمد 300 - (350) هـ (961 ـ (976) م) تغيراً جذرياً في سياسة الدولة الأموية، حيث تم في عهده إعلان قيام الخلافة الأموية في الأندلس، ففي يوم الخميس مستهل ذي الحجة سنة (316) هـ (15 يناير (929) م) أصدر الأمير عبد الرحمن بن محمد كتاباً وزعت نسخه على عمال الكور وقادة الثغور في الأندلس ليعتمد الجميع مخاطبته بأمير المؤمنين، جاء فيه: -
"بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإنَّا أحقُ من استوفى حقه، وأجدر من استكمل حظه، ولبس من كرامة الله ما ألبسه، للذي فضلنا الله به وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسَّر على أيدينا إدراكه، وسهَّل بدولتنا مرامه، وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا وعلوّ أمرنا، وأعلن من رجاء العاملين بنا، وأعاد انحرافهم إلينا، واستبشارهم بدولتنا، والحمد لله ولي النعمة والإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضل علينا فيه، وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين وخروج الكتب عنا، وورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو بهذا اللقب غيرنا منتحل له، ودخيل فيه، ومتسم بما لا يستحقه، وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه، واسم ثابت أسقطناه، فأمر الخطيب بموضعك أن يقول به، وأجر مخاطباتك لنا عليه، إن شاء الله والله المستعان"
(1)
.
(1)
- البيان المغرب 2/ 198 - 199، وانظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 241، أعمال الأعلام، 2/ 30. مؤلف مجهول، تاريخ عبد الرحمن الناصر، ص 56 - 57.
وفي يوم الجمعة ثاني ذي الحجة دعا قاضي الجماعة بقرطبة الفقيه أحمد بن بقي بن مخلد
(1)
لعبد الرحمن بن محمد بإمرة المؤمنين
(2)
، ولأجل إظهار الفرق بينه وبين من دونه واستكمالاً لمظاهر الفخامة، أصدر الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (317) هـ (929 م) أمراً يقضي "بأن يكون الخطاب الموجه إليه كله جواباً بالكتابة عنه بالهاء دون الكاف وأن تخرج كتبه بالخبر عن مخاطبته تعظيماً لقدره"
(3)
.
وقبل أن ننتقل من هذه المسألة إلى غيرها، لابد من مناقشة الدوافع التي كانت وراء إعلان عبد الرحمن الناصر عن قيام الخلافة الأموية في الأندلس، فابن عذاري ذكر أنه كان يرى في نفسه أنه أحق بهذا الاسم "من كل منتخب في المشرق والمغرب"
(4)
. فهو سليل خلفاء، حقيق بحمل ما كان لهم من الألقاب.
(1)
- هو الفقيه القرطبي أبو عبد الله أحمد بن بقي، كان عاقلاً حصيفاً، امتاز بالدهاء والأدب، واتصف بكرم الأخلاق وبلاغة اللسان وحسن العشرة، اشتغل بطلب الآخرة عن الدنيا، كان يلي الصلاة مع قضاء الجماعة، توفي ليلة الاثنين الأول من جمادى الأولى سنة 324 هـ. أنظر: أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم 17. ابن الفرضي، ترجمة رقم 103.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 241.
(3)
- مؤلف مجهول، الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، (تحقيق: د. سهيل زكار، وعبد القادر زمامه المغرب، الدار البيضاء، دار الرشاد الحديثه، 1399 هـ/1979 م) ص 32.
(4)
- البيان المغرب 2/ 198.
بينما يرى ابن الأثير
(1)
وابن الآبار
(2)
وابن خلدون
(3)
أن ضعف الخلافة العباسية في المشرق، وتسلط الأتراك على خلفائها
(4)
وقيام الخلافة العبيدية في القيروان
(5)
، كان سبباً في إعلان الأمير عبد الرحمن بن محمد للخلافة في الأندلس، ويضيف ابن الخطيب إلى ما سبق قيام عدد من الدويلات في مشرق الدولة العباسية
(6)
، ولعل صاحب "الحلل الموشية" قد
(1)
- الكامل، 7/ 270.
(2)
- الحلة السيراء، 1/ 198.
(3)
- تاريخ ابن خلدون، 4/ 137.
(4)
- تولى المقتدر بالله العباسي، الخلافة يوم الأحد الثالث عشر من شهر ذي القعدة سنة 295 هـ وعمره ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وعشرون يوماً، وتسلم الأتراك والوزير أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات تدبير أمور الدولة، حيث أصبح الخليفة ألعوبة في أيديهم. انظر: تاريخ الطبري، 10/ 139. مسكويه، تجارب الأمم (القاهرة، مطبعة شركة التمدن الصناعية 1332 هـ/1914 م) 2/ 241. حمدان عبد المجيد الكبيسي، عصر الخليفة المقتدر بالله 295 - 320 هـ (العراق، النجف، مطبعة النعمان 1394 هـ/1974 م) ص 25 وما بعدها.
(5)
- في يوم السبت مستهل شهر رجب سنة 296 هـ دخل أبو عبد الله الشيعي مدينة رقادة، وفي يوم الجمعة السابع منه، أمر بعدم ذكر اسم الخليفة العباسي في الخطبة، وفي العشرين من شهر ربيع الآخر سنة 297 هـ دخل عبيد الله المهدي مدينة رقادة، وفي يوم الجمعة أمر أن يخطب في المساجد باسمه، وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين وبذلك قامت خلافة العبيديين. انظر: العيون والحدائق، ج 4 ق 1، ص 139، 150، 151. البيان المغرب 1/ 149 - 151، 158. المقريزي، اتعاظ الحنفا، (تحقيق: د. جمال الدين الشيال، القاهرة، لجنة إحياء التراث الإسلامي 1387 هـ/1967 م). 1/ 63، 66.
(6)
- أعمال الأعلام: 2/ 29. لقد شهد المشرق الإسلامي نشوء عدة دويلات إسلامية، ابتدأت منذ مطلع القرن الثالث الهجري، من هذه الدول: دولة بني دُلف في الكرج والبرج، دولة بني ساج في أذربيجان، دولة العلويين في طبرستان، والدولة الظاهرية في خراسان، والدولة الصفارية في إيران. انظر: تاريخ الطبري، 8/ 593 - 594، 620، 9/ 545، 10/ 71. الكامل في التاريخ، 7/ 29. ستانلي لين بول، الدول الإسلامية (ترجمة: محمد صبحي، دمشق، مكتبة الدراسات الإسلامية. 1394 هـ (1974 م)) 1/ 254 - 271.
انفرد بتعليل ربما لم يذكره مؤرخ قبله، فقد أشار إلى أن الأندلسيين هم الذين أطلقوا على الأمير عبد الرحمن بن محمد لقب "أمير المؤمنين والناصر لدين الله" فكأن إعلانه للخلافة كان استجابة لهم، وفي هذا يقول المؤرخ المجهول:
"وربما كان بعض أولي التحصيل والتأمل من الناس سموه بهذا الاسم قبل أن يتسمى به هو، وخاطبه به كثير من خاصتهم في كتبهم وأشعارهم، فكثر ذلك عليه، ووافاه من كل ثنية، وجاءه من كل ناحية، حتى اضطره إلى حمله، وحاجوه أن يكون باخساً لنفسه في رفضه، وهونوا عليه مخالفة آبائه في اقتصارهم على سواه، واستشهدوا بما فهمه الله سليمان في الحكمة دون والده، عليهما الصلاة والسلام"
(1)
.
وإذا استعرضنا الأقوال السابقة، نجد أنها تحمل عدة آراء، هي: ضعف الخلافة العباسية، وظهور الدويلات في المشرق، وقيام الدولة العبيدية، وأخيراً استجابة الأمير عبد الرحمن بن محمد لطلب الأندلسيين بإعلان الخلافة.
(1)
- الحلل الموشية ص 30 - 31.
ولعل بالإمكان تجاوز كل هذه الآراء، إلا ما يتعلق بالدولة العبيدية، فالخلافة العباسية كانت واقعة تحت تسلط الأتراك قبل الإعلان عن القيام الخلافة الأموية في الأندلس بأكثر من ثلثي قرن، حيث كان الأتراك يتدخلون في تعيين الخلفاء، وأصبحت إدارة الدولة في أيديهم منذ أواسط القرن الثالث وحتى أوائل القرن الرابع الهجري (التاسع والعاشر الميلاديين
(1)
).
وأما ظهور الدويلات في المشرق فقد ابتدأ منذ مطلع القرن الثالث الهجري
(2)
، في حين أن المغرب والشمال الأفريقي شهدا انفصالاً مبكراً عن الخلافة العباسية، وذلك عندما تمكن عدد من الزعماء من إنشاء إمارات خاصة بهم استقلوا بها عن العباسين
(3)
.
(1)
- يتضح ذلك من اتفاق المنتصر بن المتوكل العباسي مع بعض القادة الأتراك على قتل والده الخليفة، وقد نفذ ذلك في يوم الأربعاء الثالث من شهر شوال سنة 247 هـ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى سنة 257 هـ كان القادة الأتراك هم الذين يعينون الخلفاء، ثم تكرر تسلطهم مرة أخرى طيلة الربع الأول من القرن الرابع الهجري. انظر: تاريخ الطبري، 9/ 222 - 230، 234 - 239، 256 - 258، 342 - 345، 364، 389 - 396، 443 - 469. الكامل في التاريخ، 6/ 137 - 138، 141 - 143، 147 - 150، 165 - 172، 185، 199 - 201، 438 - 439.
(2)
- إن أول إمارة بدأت بالاستقلال في المشرق عن الخلافة العباسية هي إمارة طاهر بن الحسين، الذي بسط نفوذه على خراسان واتخذ من نيسابور حاضرة لدولته، وذلك سنة 205 هـ. انظر: تاريخ الطبري، 8/ 577 - 580.
(3)
- شهد المغرب والشمال الأفريقي ظهور عدة إمارات: فإمارة "نكور" تأسست على يد زعيم عربي يمني يدعى صالح بن منصور الحميري، في بلاد الريف، وذلك سنة 91 هـ وبعد قيام الدولة الأموية في الأندلس سنة 138 هـ أصبحت إمارة تكور ذات ارتباط قوي بها، واستقلت تماماً عن الخلافة العباسية، وأسس عيسى بن يزيد الأسود المكناسي إمارة بني مدرار الصفرية سنة 140 هـ واتخذ من سجلماسة عاصمة لإمارته، وفي سنة 160 هـ تمكن عبد الرحمن بن رستم بن بهرام إمام الرستميين من إنشاء الإمارة الرستمية واتخذ من تبهرت عاصمة له، وتبع هذه الإمارة إمارة الأدراسة في المغرب الأقصى وإمارة الأغالبة في أفريقية. انظر: البيان المغرب 1/ 156، 176، 196 - 197، تاريخ ابن خلدون 4/ 196 - 197، 200 سالم بن عبد الله الخلف، العلاقات السياسية والثقافية بين الخلافة العباسية والإمارة الأموية في الأندلس، ص 195 - 245 والمراجع الواردة.
وأما مسألة استجابة الأمير الأموي عبد الرحمن بن محمد لطلب الأندلسين باتخاذ لقب الخلافة، فأمر يحتاج إلى وقفة، إذ من الممكن أن يكون عبد الرحمن هو الذي بث في أوساط الناس من يناديه بالخلافة ويطالبه باتخاذ ألقابها، وبالتالي يصبح تسميه بالخلافة كأنه استجابة لطلب رعيته.
وإذا صح ما ذهبنا إليه، فإنه لا يصمد أمام البحث إلا ما يتعلق بالدولة العبيدية وبناء عليه: يمكن القول بأن هذه التغيرات التي شهدتها البلاد الإسلامية، إضافة إلى رؤية العبيدين للشمال الأفريقي قاطبة وما يليه من بلاد الأندلس على أنه مجال حيوي لدولتهم، فضلاً عن حملهم للواء التشيع، وإذا وضعنا في الحسبان ما كانت عليه الإمارة الأموية في الأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري، ومن ثم سيطرة عبد الرحمن الناصر على كافة العصاة والخارجين على دولته، وحده من نفوذ النصارى في الشمال وإرهاقهم بالغزوات المتتالية. كل هذه الأمور مجتمعة دفعت عبد الرحمن الناصر إلى التفكير في إحداث نقلة معنوية كبيرة لدولته، وذلك لأهمية
الخلافة في نفوس المسلمين، التي تستوجب الطاعة من الرعية لما لها من شرف وارتباط بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلن عن قيام الخلافة في بلاده، وتسمى بأمير المؤمنين وتلقب بالناصر لدين الله.
واهتمام الخليفة عبد الرحمن الناصر ببناء مدينة الزهراء، كان نتاجاً طبيعياً لإعلانه عن قيام الخلافة، وذلك لأن قصر الخلافة بقرطبة كان قديم البناء، رغم التجديدات والإضافات التي أدخلها أمراء بني أمية عليه
(1)
، إذ لم يعد يتسع لحاشية الخليفة ولا يتناسب مع الرقي المادي الذي كانت تعيشه الدولة آنذاك.
وفضلاً عن ذلك كله، فإن موقع القصر أصبح في وسط المدينة تقريباً، وفي أكثر مناطقها ازدحاماً، إذ لا يفصله عن المسجد الجامع إلا بضع خطوات، كما أنه قريب من الحي التجاري، ومجاور لباب القنطرة القائمة على الوادي الكبير، وهو أكبر أبواب قرطبة
(2)
.
وهذه الأماكن شديدة الازدحام بطبيعتها، لأنها ملتقي الجميع، فالخليفة في هذه الحالة يعتبر معايشاً للعامة، ومن هناك أصبح بناء مدينة الزهراء أمراً ضرورياً، لاكتمال الفخامة من جهة، وللبعد عن ضوضاء العامة من جهة أخرى، وكذلك لعدم مضايقته للناس بموكبه الضخم عند
(1)
- عن تاريخ القصر وتجديدات وإضافات أمراء بني أمية إليه. انظر: قرطبة حاضرة الخلافة 1/ 187 - 189.
(2)
- المرجع السابق ص 1/ 172.
خروجه من القصر أو الدخول إليه، فضلاً عن تأمين أقصى درجات السلامة له وللوفود الزائرة.
وأما من ناحية الألقاب، فلم يقتصر الخليفة عبد الرحمن الناصر على لقب "الناصر لدين الله" فقد اتخذ لقباً آخر كما يذكر ابن حزم هو "القائم لله
(1)
" وهناك نسخة أخرى أشار إليها محقق كتاب نقط العروس تفيد بأن الخليفة عبد الرحمن الناصر قد أغفل استخدام لقب القائم
(2)
، ولم يجمع بينهما إلا في رسالة قد بعث بها إلى قسطنطين ملك الروم، إلا أن ابن حزم عاد في موضع آخر وذكر أنه اطلع على أكثر من خمسين كتاباً كتبها الخليفة عبد الرحمن الناصر كلها تحمل اللقبين معاً
(3)
.
وأما طريقة ترتيب ألقاب عبد الرحمن الناصر فقد كانت تأتي على التسلسل التالي" عبد الله
(4)
" متبوعاً باسمه الشخصي ومن ثم لقبه وأخيراً
(1)
- نقط العروس، ص 50 - 51. والخليفة عبد الرحمن الناصر اتخذ لقب "الناصر لدين الله والقائم لله" تعبيراً عن ذبه عن مذهب السنة، ووقوفه في وجه المد الرافضي الباطني القادم بقوة من أفريقية بتأييد من العبيديين بالإضافة إلى رغبته في مضاهاة خلفاء بني العباس ببغداد.
(2)
- نقط العروس ص 51 حاشية رقم 1.
(3)
- المصدر السابق ص 52.
(4)
- أول من اتخذه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كانت الكتب الصادرة منه تكتب: من عبد الله عمر أمير المؤمنين، وتبعه من أتى بعده من الخلفاء. انظر: ابن شبه، تاريخ المدينة، (تحقيق: فهيم شلتوت. د. ت) 3/ 819، القلقشندي. مآثر الإنافة في معالم الخلافة (تحقيق: عبد الستار أحمد فراج الكويت، وزارة الإرشاد والأنباء 1964 م). 1/ 20.
لقب أمير المؤمنين، فأصبحت الكتب الصادرة منه معنونة "من عبد الله عبد الرحمن الناصر لدين الله القائم لله أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان"
(1)
.
وقد جرى من أتى بعد الخليفة عبد الرحمن الناصر على اتخاذ اللقب المركب المكون من مقطعين، المقطع الثاني اسم الجلالة "الله" فالخليفة الحكم بن عبد الرحمن الناصر اتخذ لقب "المستنصر بالله" في حين أن ابنه هشام تلقب بـ"المؤيد بالله" وعندما فرض سليمان بن الحكم سلطة على قرطبة اتخذ لقب "المستعين بالله".
وفي الفترة التي تولى فيها الحموديون الخلافة في قرطبة، تلقب أولهم على بن حمود الحسيني بـ"الناصر لدين الله" وابنه يحيى بـ"المعتلي بالله
(2)
" وعندما استعاد الأمويون سلطتهم على الخلافة مرة أخرى تلقب عبد الرحمن بن هشام بـ"المستظهر بالله" وجاء بعده محمد بن عبد الرحمن فتلقب بـ"المستكفي بالله" وآخر خليفة أموي وهو هشام بن محمد كان لقبه "المعتد بالله"
(3)
.
ولعل لكل واحد من هذه الألقاب دلالة خاصة، فالمستنصر والمستعين والمعتلي والمستظهر والمستكفي والمعتد بالله كلها ذات دلالة واحدة وهي أن حاملها يطلب التأييد والعزة من الله تعالى، وأنه جل وعلا
(1)
- نقط العروس ص 52.
(2)
- البيان المغرب 3/ 119، 131.
(3)
- نقط العروس ص 51.
كافيه عمن سواه، وأما "المؤيد بالله" فهو من الألقاب التي تشير إلى تقوى الملقب إذ أنه مؤيد من السماء يأتيه النصر من عند الله تعالى
(1)
.
وهنا لابد من القول أن هذه الألقاب ماعدا لقبي الخليفتين عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر، كلها لا أثر لها في الدولة الأموية في الأندلس، يدل على هذا أنه منذ أن توفي الخليفة الحكم المستنصر بالله سنة (366) هـ (976 م) يمكن القول بأن دور الخليفة قد انتهى، فمنذ ذلك التاريخ إلى سنة (399) هـ (1009) كانت الخلافة التي يمثلها الخليفة هشام المؤيد تحت سيطرة العامريين المنصور وولديه عبد الملك وعبد الرحمن، ومن بعد ذلك بدأت الفتنة التي استمرت حتى سقوط الدولة الأموية سنة (422) هـ (1031 م) وطيلة هذه الفترة التي استمرت قرابة ثلاثة وعشرين عاماً، تعاقب على الخلافة تسعة خلفاء وبعضهم تولى أكثر من مرة، الأمر الذي يعطي دلالة أكيدة على مدى الاضطراب الذي كانت تعانيه الخلافة الأموية في آخر عمرها في الأندلس، والفوضى السائدة في البلاد بصورة عامة مما أدى إلى سقوطها وقيام حكم دويلات الطوائف.
هذا، وقد استخدم أمراء بني أمية في الأندلس لقب "أمير" في النقش على المنشآت العامة، فعندما أتم الأمير عبد الرحمن بن الحكم زيادته في جامع قرطبة في جمادى الأولى سنة (234) هـ (ديسمبر 848)
(2)
نقش على أحد التيجان عبارة "بسم الله بركة للأمير عبد الرحمن بن الحكم أعزه
(1)
- صبح الأعشى، 6/ 32. الألقاب الإسلامية، ص 523.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 243 - 246. البيان المغرب 2/ 230.
الله"
(1)
. وعندما أنجز الأمير محمد بن عبد الرحمن إتمام الزيادة التي بدأها والده في جامع قرطبة
(2)
، وُجد نقش على عقد أحد أبوابه جاء فيه "أمر الأمير أكرمه الله محمد بن عبد الرحمن ببنيان ما حكم به من هذا المسجد وإتقانه رجاء ثواب الله عليه وذخره به، فتم ذلك سنة إحدى وأربعين ومائتين على بركة الله وعونه"
(3)
.
وكذلك فعل الخليفة عبد الرحمن الناصر فقد نقش اسمه ولقب أمير المؤمنين ولقبه الخاص على لوحة تذكارية عند إقامته لجدار جديد دعَّم به الواجهة القديمة التي أنشأها جده الأمير عبد الرحمن الداخل، فقد نقشت لوحة بهذه المناسبة وذلك في شهر ذي الحجة سنة (346) هـ (مارس (958) م) جاء فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، أمر عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين الناصر لدين الله، أطال الله بقاه، ببنيان هذا الوجه وإحكام إتقانه، تعظيماً لشعائر الله، ومحافظة على حرمة بيوته، التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولما دعاه على ذلك من تقبل عظيم الأجر وجزيل الذخر، مع بقا شرف الأثر وحسن الذكر، فتم ذلك بعون الله، في شهر
(1)
- مانويل مورينو، الفن الإسلامي في أسبانيا، (ترجمة: د. لطفي عبد البديع، د. السيد سالم، مراجعة: جمال محرز، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1977 م)، ص 55. وقد ذكر المؤلف أن هذا التاج يوجد في متحف الآثار بمدريد وله صورة في كتابه ص 56 (ش 49، 50).
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 219 - 220. البيان المغرب 2/ 95، 230.
(3)
- الفن الإسلامي في أسبانيا، ص 65 وشكل 69.
ذي الحجة سنة ست وأربعين وثلث مائة، على يد مولاه ووزيره وصاحب مبانيه عبد الله بن بدر، عمل سعيد بن أيوب"
(1)
.
وهناك نقش في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، جاء مفتتحاً بلقب الإمام، ثم اللقب الخاص بالخليفة الحكم، ثم لقب عبد الله، ومن بعده الاسم الشخصي للخليفة، وأخيراً لقب أمير المؤمنين، ففي أحد النقوش في المسجد الجامع بقرطبة، نص جاء فيه: "أمر الإمام المستنصر بالله الحكم أمير المؤمنين أصلحه الله، فيما شيَّد من هذا المحراب بكسوته بالرخام داخله، في جزيل النور وكريم المنار، فتم ذلك على يدي مولاه وحاجبه جعفر بن عبد الرحمن رضي الله عنه بنظر محمد بن تمليخ وأحمد بن ناصر وخالد بن هاشم أصحاب شرطته ومطرف بن عبد الرحمن الكاتب، في شهر ذي الحجة من سنة أربع وخمسين وثلث ماية {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}
(2)
.
كما كانت أسماء الأمراء والخلفاء الأمويين تنقش على الدراهم الفضية والدنانير الذهبية
(3)
.
(1)
- الآثار الأندلسية الباقية، ص 30. وذكر صاحب كتاب دولة الإسلام في الأندلس: ع 1 ق 2 ص 445 - 446. أن هذه اللوحة مازالت موجودة إلى اليوم في الجانب الأيمن من الباب الرئيسي للمسجد في الجامع، والمسمى باب النخيل Puerta de las Palmas.
(2)
- د. حسين مؤنس رحلة الأندلس، ص 100 - 101.
(3)
- انظر: المقتبس، تحقيق، شالميتا، ص 243. البيان المغرب، 2/ 91، ذكر بلاد الأندلس 1/ 140، 141، المغرب في حُلى المغرب 1/ 46.
كذلك حرص أمراء وخلفاء بني أمية على إثبات بعض ألقابهم في الكتب الرسمية الصادرة من قبلهم، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما عقد الأمان لمحمد بن هاشم التجيبي
(1)
ومن معه من أهل سرقسطة في أواخر شهر ذي الحجة سنة (325) هـ (أكتوبر (937) م) استخدم اللقب الخاص به، الناصر لدين الله، بالإضافة إلى لقب أمير المؤمنين
(2)
.
وعندما بعث برسالته إلى الإمبراطور البيزنطي قسطنطين
(3)
، كان الكتاب يحمل اسم عبد الله قبل الاسم الشخصي للخليفة، ثم اللقبين الخاصين به معاً، وأخيراً لقب أمير المؤمنين، جاء فيه:"من عبد الله الناصر لدين الله القائم لله أمير المؤمنين"
(4)
.
(1)
- عن هذه الأسرة، انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 430 - 431، الحلة السيراء 2/ 78 - 79 حاشية رقم 1. الفتح والاستقرار العربي في شمال إفريقية والأندلس، ص 224 - 225.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا 405 - 407.
(3)
- قسطنطين السابع، يلقب بالأرجواني أي لابس الأرجواني، وذلك لأنه ولد في الغرفة الأرجوانية وهي الغرفة المخصصة للإمبراطور في القصر الإمبراطوري، تولى الحكم سنة 944 م وهو في الأربعين من عمره، ونظراً لأن ميوله أدبية، ولا رغبة لديه في الأمور السياسية، لذا فقد قبل الحكم مكرها، وبسبب ذلك وقع تحت سيطرة زوجته هيلين صاحبة الطموح السياسي، أسهم قسطنطين بقوة في التقدم الفكري البيزنطي، فقد بذل الكثير من أجله، كما أصدر عدة مؤلفات، وقد ظل قسطنطين في الحكم حتى توفي في نوفمبر 959 م. انظر: د. إبراهيم طرخان، المسلمون في أوربا في العصور الوسطى، (القاهرة، مؤسسة سجل العرب، 1966) ص 199. حاشية رقم 2. د. الباز العريني، الدولة البيزنطية 323 - 1081 م (لبنان، بيروت، دار النهضة العربية 1982) ص 409 - 432.
(4)
- نقط العروس، ص 51 حاشية رقم 1.
وعلى نفس الصورة كتب الخليفة الحكم المستنصر بالله السجل الذي عقده لأبي العيش بن أيوب على قومه جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من عبد الله الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين لأبي العيش بن أيوب"
(1)
.
ومن بعد هذين الخليفتين نشهد اختصاراً في الألقاب، فالخليفة هشام المؤيد عندما أصدر أمره بتلقيب الحاجب عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر بـ"المظفر" جاء في كتابه "من الخليفة هشام المؤيد بالله"
(2)
.
ثم عندما أصدر هشام المؤيد أمره بتعيين الحاجب عبد الرحمن بن المنصور أبي عامر ولياً للعهد جاء كتابه مصدراً بـ: "هذا ما عهد به أمير المؤمنين هشام المؤيد"
(3)
.
وبعد الخليفة هشام المؤيد زاد اختصار الألقاب، فالخليفة سليمان المستعين عندما أصدر كتاباً أعلن فيه تعيين ولده محمداً ولياً للعهد، لم يحمل ذلك الكتاب سوى لقب "أمير المؤمنين"
(4)
.
وتجدر الإشارة إلى أن جميع الكتب التي تصدر عن الخلفاء الأمويين بالأندلس إن لم يخاطب بها ملوك دول أخرى، تأتي مقتصرة على لقب
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 111.
(2)
- أعمال الأعلام، 2/ 88.
(3)
- المصدر السابق 2/ 91.
(4)
- نفسه 2/ 126.
أمير المؤمنين
(1)
، بل إنه في عهد الإمارة نجد أن كتاب الأمان الذي بعثه الأمير الحكم الربضي للفقيه عيسى بن دينار
(2)
قد خلى من الألقاب بالجملة حيث اقتصر على ذكر اسم الأمير، فقد جاء فيه "من الحكم بن هشام لعيسى بن دينار
…
(3)
".
وأما الألفاظ التي تتم بها مخاطبة الأمير أو الخليفة الأموى في الأندلس من قبل أبناء الرعية، فإن الأمر فيها لا يقتصر على نمط معين، فالأمير -مثلاً- كان يخاطب بـ"الأمير سيدي
(4)
" و "مولاي
(5)
" و "ابن الخلائف
(6)
" و"الإمام
(7)
" و"سيدي
(8)
" و "إمام الهدى
(9)
" و "الملك
(10)
" و
(1)
- انظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 268، 306 - 307، 310، 12، 327 - 330، 438 - 443. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي 77 - 78، 98، 100، 109، 123، 126، 129، 131، 135، 178 - 182، 207.
(2)
- أبو محمد عيسى بن دينار بن واقد الغافقي، فقيه الأندلس وعالمها، أصله من طليطلة، وبها نشأ، وطلب العلم بقرطبة، ثم رحل إلى المشرق، فلما انصرف إلى الأندلس، أصبحت الفتيا تدور عليه، وقد كان عيسى من أهل الزهد والورع، وكثرة العمل والخشية، توفي رحمه الله بطليطلة، يوم الجمعة لست بقين من شوال سنة 212 هـ. انظر: أخبار الفقهاء والمحدثين، ترجمة رقم 352. ابن الفرضي، ترجمة رقم 975.
(3)
- أخبار الفقهاء والمحدثين، ص 271.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 20، 217.
(5)
- المصدر السابق، ص 27، 118، 128، 150، 170.
(6)
- نفسه، ص 41، 280، 303، 306، 357.
(7)
- نفسه، ص 44، 122، 221، 224، 302، 316.
(8)
- نفسه ص 115، 198.
(9)
- نفسه، ص 122، 244.
(10)
- نفسه، ص 123.
"إمام المسلمين
(1)
" و"الأمير
(2)
" و"الخليفة سيدي
(3)
" و"أمين الله
(4)
" و"الخليفة
(5)
" وأمير المسلمين
(6)
" و"ولي الله
(7)
".
وأما الخلفاء فكانوا يخاطبون بـ: "ابن الخلائف
(8)
" و"الإمام
(9)
" و"الإمام المؤيد
(10)
" و" الملك
(11)
" و "سراج الله
(12)
" و"أمير المؤمنين
(13)
" و"الحكم المهدي
(14)
" و"أمير الله
(15)
"و"مولانا
(16)
" و"إمام المسلمين
(17)
" و"ظل الله
(18)
" و"سيدي
(19)
" و"سيدنا
(20)
".
(1)
- نفسه، ص 27.
(2)
- نفسه، ص 147، 178، 224، 300.
(3)
- نفسه، ص 177.
(4)
- نفسه، ص 278، 244.
(5)
- نفسه، ص 241.
(6)
- نفسه، ص 283.
(7)
- نفسه، ص 301.
(8)
- نفسه، تحقيق: شالميتا، ص 399، نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 83، 163، 206.
(9)
- نفسه، تحقيق: شالميتا ص 423، نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 84، 85، 163، 165.
(10)
- نفسه، تحقيق: شالميتا، ص 424.
(11)
- نفسه، تحقيق: عبد الرحمن الحجي 83، 94.
(12)
- نفسه، ص 84.
(13)
- نفسه، تحقيق: شالميتا، ص 259، 265 - 267، 291 - 294. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 122، 168، 186، 213، 215.
(14)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 138.
(15)
- نفسه، ص 159.
(16)
- نفسه، ص 159.
(17)
- نفسه، ص 205.
(18)
- نفسه، ص 205.
(19)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 262 - 263، 300 - 305، 308 - 310، 348 - 350، 371 - 374، 385 - 386.
(20)
- نفسه، ص 295 - 297، 369 - 371، 375 - 376، 387 - 388.
وحدث مرة أن خوطب الخليفة بلفظ "يا ولي العهد" وذلك عندما جمع الخليفة المستكفي بالله أهل قرطبة، وخاطبهم بكلام مؤنث عاتبهم فيه على عصيانهم له، فرد عليه أحد العوام قائلاً: "يا ولي العهد، نفعل ذلك لأنكم تجورون ولا تعدلون وتفسدون ولا تصلحون
(1)
" إلا أن الكتب التي تصل إلى الأمير أو الخليفة لابد أن تكون مشتملة على الألقاب الرسمية، فمثلاً: الكتاب الذي بعثه عبد الكريم بن يحيى ومن معه من الأندلسيين من بني عمه من أهل فاس
(2)
في عقب شهر رمضان المبارك سنة (363) هـ (يونيو 973) جاء فيه: "الإمام العدل الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين"
(3)
.
(1)
- ذكر بلاد الأندلس، 1/ 211 - 212.
(2)
- عن فاس، انظر: الجزنائي، زهرة الآس في بناء مدينة فاس (بعناية: الفريد بيل. الجزائر، مطبعة كاربريل، 1340 هـ/1922 م) ص 18 وما بعدها. روجي لوطورنو، فاس قبل الحماية (ترجمة: محمد حجي، ومحمد الأخضر، بيروت، دار الغرب الإسلامي. 1406 هـ/1986 م). 1/ 53 ومابعدها.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 175.
الخاتم:
ومن مظاهر ممارسة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس للسلطان، استخدام الخاتم "إذ هو من الخطط السلطانية والوظائف الملوكية
(1)
" وهو عبارة عن آلة تصنع بدقة تنقش عليها بعض الكلمات ويلبس بالإصبع ويختم به على الرسائل أو الأوامر الصادرة من الأمير أو الخليفة
(2)
.
ولكل أمير أو خليفة أموي في الأندلس خاتم خاص به "فصه زمردة رفيعة القدر شريفة الجوهر منقوش عليها اسمه
(3)
"، ويتولى أحد كبار رجالات الدولية عملية الإشراف على نقش الخاتم
(4)
.
فالأمير عبد الرحمن الداخل كان نقش خاتمه "بالله يثق عبد الرحمن وبه يعتصم"
(5)
وذكر ابن عذاري أن نقش الأمير الداخل "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ"
(6)
ويدعم قوله هذا بما أورده عند استعراضه لإمارة الأمير عبد الرحمن الأوسط من أنه اتخذ خاتماً أعاد فيه العبارة التي كانت منقوشة على خاتم جده عبد الرحمن الداخل وهي "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ"
(7)
.
(1)
- مقدمة ابن خلدون، ص 704.
(2)
- المصدر السابق، ص 705 - 706.
(3)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 460.
(4)
- البيان المغرب 2/ 81.
(5)
- نهاية الأرب، 23/ 352. نفح الطيب، 3/ 54. بينما ورد في ذكر بلاد الأندلس، 1/ 110 "بالله يستعين عبد الرحمن وبه يعتصم".
(6)
- البيان المغرب 2/ 48.
(7)
- المصدر السابق 2/ 81.
وباستعراض نقوش خواتم بني أمية أمراء وخلفاء نجدها على نمطين لا ثالث لهما، فالأميران هشام الرضا، وابنه الحكم الربضي كانا على نسق واحد من حيث العبارة المنقوشة على خاتميهما، "بالله يثق هشام وبه يعتصم
(1)
" و"بالله يثق الحكم وبه يعتصم"
(2)
.
وقد أورد ابن عذاري قصة لنقش خاتم الأمير عبد الرحمن الأوسط، فقد ذكر أن الأمير كان له خاتم قبل ذلك باسمه ففقده، فلما أعياه العثور عليه، اتخذ عبارة "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" وفي ذلك قال الشاعر ابن الشمر
(3)
:
خاتم للملك أضحى
…
حكمه في الناس ماضي
عابد الرحمن فيه
…
بقضاء الله راضي
(4)
وقد ذكر المقري أن الأمير عبد الرحمن الأوسط هو أول من اتخذ نقش: "عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ" وأنه بقي وراثة لمن بعده من ولده
(5)
.
(1)
- ذكر بلاد الأندلس، 1/ 118، نهاية الأرب، 23/ 358.
(2)
- البيان المغرب 2/ 68. ذكر بلاد الأندلس 1/ 124.
(3)
- هو أبو محمد عبد الله بن الشمر بن نمير القرطبي، منجِّم الأمير عبد الرحمن الأوسط ونديمه، كانت له عناية بطلب العلم، كان شاعراً متقناً، لطيفاً حسن المعاشرة. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 691. المغرب في حُلى المغرب، 1/ 124 - 127.
(4)
- البيان المغرب 2/ 81.
(5)
- نفح الطيب 1/ 348.
وبتتبع تراجم أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، نجد أن كل الذين أتوا بعد الأمير عبد الرحمن الأوسط، قد اتخذوا لخواتمهم عبارة موحدة تنقش عليها
(1)
.
وقد وجد من بني أمية في الأندلس من اتخذ خاتمين، أحدهما عام والآخر خاص لإصبعه، فالأمير محمد بن عبد الرحمن كان نقش خاتمه الخاص "محمد بالله يثق وبه يعتصم"
(2)
، والخليفة عبد الرحمن الناصر كان نقش خاتمه الخاص "بالله ينتصر عبد الرحمن الناصر"
(3)
.
وبصفة عامة، فإن العبارات التي اختارها أمراء خلفاء بني أمية في الأندلس لتنقش على خواتمهم، سواء الخاصة منها أو العامة، كلها تحمل معاني التواضع لله جل وعلا، وطلب النصر والسداد منه، ومن تلك النقوش نخرج بصورة ربما لا تكون بعيدة عن الواقع وهي أن السمة الدينية كانت أبرز صفاتهم، فرغم ما بلغوه من سؤدد وقوة، إلا أن الاتصاف بالتواضع لم يفارقهم، ولا غرابة في ذلك، فهم حكام مسلمون، ومن موطن الإسلام "الحجاز" وهم سلالة الأمويين الفاتحين، سلالة شرف
(1)
- كانت نقوش خواتم بني أمية في الأندلس على النحو التالي: -
الأمراء: محمد بقضاء الله راضٍ، المنذر بقضاء الله راضٍ، عبد الله بقضاء الله راض.
الخلفاء: عبد الرحمن بقضاء الله راضٍ، الحكم بقضاء الله راضٍ، هشام بقضاء الله راضٍ. انظر: البيان المغرب، 2/ 113، 156، 233، ذكر بلاد الأندلس، 1/ 146، 150، 153، 159، 168، 174.
(2)
- المصدر السابق 1/ 146.
(3)
- نفسه 1/ 159.
ودين، وعلم، وفي وسط غالبيته إسلامي، يعج بالفقهاء الذين يشار إليهم بالبنان، وفضلاً عن ذلك فهم على ثغر من أهم ثغور الدولة الإسلامية.
وأما خلفاء عصر الفتنة من المهدي إلى المعتد بالله 399 - (422) هـ (1009 - (1031) م) فلم تذكر المصادر لأي منهم نقشاً لخاتمه إلا ما كان من الخليفة المستعين بالله، فقد كان نقش خاتمه "سليمان بن الحكم"
(1)
.
وقد يفوض الخليفة الأموي في الأندلس أحد ثقاته، باستخدام خاتم منقوش عليه اسم الخليفة ليستخدمه بالتصديق على ما ينفذ إليه من كتب، وهذا ما فعله الخليفة عبد الرحمن الناصر، عندما أهدى للخير بن محمد
(2)
هدية حسنة سنة (328) هـ (940)"وأرسل إليه خاتماً من خواتمه الخاصة، فصه زمردة رفيعة القدر شريفة الجوهر، منقوش عليها اسمه، أمر أن يقتصر على الطبع به لما ينفذه من كتبه في أكثر أوقاته"
(3)
.
الدعاء في الخطبة:
ومن شارات حكام الدولة الأموية بالأندلس، الدعاء في الخطب، والمراد به أن الخطيب يدعو في خطبة الجمعة لولي الأمر من أمير أو خليفة ولولي عهده تنويها بذكرهما وتلمساً لساعة الإجابة
(4)
.
(1)
- البيان المغرب، 3/ 92، ذكر بلاد الأندلس، 1/ 203.
(2)
- الخير بن محمد بن خزر الزناتي، زعيم زناته في الغرب الأوسط، كان يقطن منطقة وهران، تمكن الأمويون من استمالته ليقف بجانبهم ضد العبيديين. انظر أخباره في المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 259، 260 وغيرها.
(3)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 460.
(4)
- مقدمة ابن خلدون، ص 713.
ودعاء الخطيب على المنبر لغير الحاكم القائم هو إعلان لفسخ حكمه وابتداء لحكم جديد، وهذا رأيناه في الأندلس، فالأمير عبد الرحمن الداخل وهو في طريقة للاستيلاء على قرطبة في بداية أمره، دخل أرشدونه
(1)
ARCHIDONA وكان دخوله لها يوم عيد الفطر سنة (138) هـ (8 مارس (756) م)، فأقبل زعيمها جدار بن عمرو القيسي
(2)
على الإمام وأمره أن يخلع يوسف الفهري والي الأندلس ويخطب لعبد الرحمن بن معاوية، فخطب له وبايعوه بعد انقضاء الصلاة
(3)
.
وفي بداية نشأة الدولة الأموية في الأندلس كان يدعى في الخطبة للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ثم يدعى من بعده للأمير عبد الرحمن الداخل، واستمر هذا الوضع مدة عشرة أشهر فقط، وبعدها أصبح الدعاء للأمير الأموي وحده
(4)
.
(1)
- أرشذونة: قاعدة كورة ريه، ومنزل الولاة والعمال، تمتاز بموقع منيع، فهي تقع في بطن وادٍ سحيق، تحيط به الجبال، ومن معالمها الباقية حصنها الواقع فوق ربوة عالية، وقد سقطت بأيدي النصارى سنة 892 هـ، انظر: الروض المعطار، ص 25. الآثار الأندلسية الباقية ص 238 - 240.
(2)
- جدار بن عمرو، كانت له رئاسة العرب بكورة رية، وهو جد بني عقيل، تولى قضاء العسكر للأمير عبد الرحمن الداخل، ثم ولاه قضاء الجماعة بعد أبي مضر محمد بن إبراهيم الأودي الأكشونبي، وذلك سنة 170 هـ. انظر: ابن القوطية، ص 24 - 25 التكملة طبعة الحسيني، ترجمة رقم 667.
(3)
- ابن القوطية، ص 24 - 25.
(4)
- اختلف المؤرخون في المدة التي قضاها الأمير عبد الرحمن الداخل وهو يدعو لأبي جعفر المنصور، فابن حزم أشار إلى أنه ظل يدعو له أعواماً، وأما ابن الأثير فقد حددها بعشرة أشهر فقط، وتابعه على ذلك النويري والمقري، في حين أن ابن الأبار ذكر أن= =المدة دون السنة، وأما ابن الكردبوس فقد ذكر أن جميع أمراء بني أمية كانوا يخطبون للعباسيين، وتابعه على ذلك ابن أبي دينار، وأما صاحب ذكر بلاد الأندلس فقد ذكر أن الدعوة استمرت لأبي جعفر المنصور مدة سنتين، في حين أن ابن خلدون لم يحدد المدة. انظر على التوالي: نقط العروس ص 75. الكامل 5/ 209. نهاية الأرب 23/ 346. نفح الطيب 3/ 59، الحلة السيراء 1/ 35 - 36. تاريخ الأندلس لابن الكردبوس ص 60 - 61. ابن أبي دينار، المؤنس في أخبار أفريقيا وتونس، (تحقيق وتعليه: محمد شمام، المكتبة العتيقة، تونس 1387 هـ)، ص 100. ذكر بلاد الأندلس 1/ 114. تاريخ ابن خلدون 4/ 122. ومن خلال هذه الأقوال نرى أن المدة التي قضاها الداخل في الدعاء للمنصور هي عشرة أشهر فقط، كما ذهب إلى ذلك ابن الأثير ومن تابعه، ويمكن الاستئناس بتاريخ مولد هشام بن الداخل، على المدة التي استمر فيها الدعاء للمنصور، فقد ورد في البيان المغرب (2/ 48) أن الأمير الداخل بعد قطع الدعاء للمنصور ولد ابنه هشام لأربع خلون من شوال سنة 139 هـ، وإذا ما أجرينا عملية حسابية من يوم الأضحى سنة 138 هـ إلى مولد هشام نجد المدة لا تتجاوز عشرة أشهر.
ولعل أصعب مرحلة مرت بها الدولة الأموية في الأندلس، كانت في عهد الأمير عبد الله بن محمد، الذي قل أن تجد كورة من كور الأندلس لايوجد فيها عصيان على حكومة قرطبة
(1)
، بل إن الأمر استفحل لدرجة أنه لم يبق لتلك الحكومة سيطرة إلا على قرطبة وأحوازها
(2)
، بالإضافة إلى بعض المناطق مثل طرطوشة
(3)
وبجانة
(4)
اللتين استمرتا على علاقتهما مع قرطبة فكان ولاتهما يعينون إما من قبل الأمير عبد الله أو بمباركته
(5)
.
(1)
- المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 104.
(2)
- أعمال الأعلام، 2/ 27.
(3)
- طرطوشة: Tortosa تقع في شمال شرقي إسبانيا، بالقرب من البحر المتوسط على بعد 84 كيلو متر من مصب نهر الأبرو، أقام فيها الخليفة عبد الرحمن الناصر دار صناعة ضخمة، وقد سقطت في أيدي النصارى سنة 543 هـ. انظر: ابن غالب: تعليق منتقى ص 285 - 286 الروض المعطار ص 391 - 392. الحلل السندسية، 3/ 7 - 44. الآثار الأندلسية الباقية، ص 120 - 122.
(4)
- بجانة: Pechina كانت من أهم المدن العسكرية على الساحل الجنوبي للأندلس، إلا أنها فقدت هذه الميزة بنشأة مدينة المرية سنة 344 هـ، وبجانة اليوم بليدة صغيرة تبعد عن المرية مسافة عشرة كيلو مترات شمالاً. انظر: الروض المعطار، ص 79 - 80. تاريخ مدينة المرية الإسلامية ص 17 - 32.
(5)
- المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 52، 53، 106، 109.
وهذا يعني أن الدعاء للأمير عبد الله توقف في كافة أرجاء الأندلس إلا في قرطبة وما جاورها بالإضافة إلى طرطوشة وبجانه.
وفي الخطبة أيضاً تم الإعلان عن تحول الدولة من إمارة إلى خلافة، وذلك في عهد الأمير عبد الرحمن بن محمد، ففي يوم الجمعة ثاني ذي الحجة سنة (316) هـ (16 يناير (929) م) دعا قاضي الجماعة بقرطبة أحمد بن بقي بن مخلد لعبد الرحمن بن محمد بإمرة أمير المؤمنين
(1)
.
ارتقاب الأهلة:
ومن مظاهر سلطان الأمير أو الخليفة الأموي، تكوين لجنة تتولى ارتقاب الأهلة، بالذات هلال شهري رمضان وشوال، ويكون قاضي الجماعة هو المسؤول عن هذه اللجنة، وبعد أن تتم رؤية الهلال، يكتب قاضي الجماعة كتاباً يرفعه للأمير أو الخليفة لإعلامه بدخول شهر رمضان أو برؤية هلال شهر شوال
(2)
.
(1)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 241.
(2)
- النباهي، ص 78.
المقصورة:
ومن شارات الدولة الأموية في الأندلس المقصورة، وهي عبارة عن حجرة تقام بجانب المحراب، يصلي فيها الأمير أو الخليفة. ويعلق ابن خلدون على اتخاذها فيقول:"وصارت سنة في تمييز السلطان عن الناس في الصلاة، وهي إنما تحدث عند حصول الترف في الدول والاستفحال شأن أحوال الأبهة كلها"
(1)
.
وقد تم إنشاء المقصورة في جامع قرطبة سنة (250) هـ (864) بأمر من الأمير محمد بن عبد الرحمن، فهو أول من اتخذها في الأندلس
(2)
، وأصبحت سنة لمن بعده، ولا يصلي في هذه المقصورة إلا الأمير أو الخليفة وعدد قليل من الخواص.
الساباط:
وهناك الساباط
(3)
الموصل بين القصر وجامع قرطبة يعتبر من مظاهر السلطان في الأندلس وأول من أنشأه الأمير عبد الله بن محمد، ويمتد هذا
(1)
- مقدمة ابن خلدون، ص 712. والمقصورة تؤخذ بالإضافة للتميز حماية لولي الأمر، وأول من اتخذها الصحابي الجليل الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. انظر أبو هلال العسكري، الأوائل، (تحقيق: وليد قصاب ومحمد المصري، دار العلوم الرياض 1400 هـ (1980 م)) 1/ 335.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 220. وعن هذه المقصورة وموقعها في المسجد ومساحتها. انظر: قرطبة حاضر الخلافة، 1/ 330.
(3)
- الساباط: سقيفة بين دارين تحتها طريق. انظر: الفيروزبادي، القاموس المحيط، (القاهرة، المطبعة المصرية، ط الثالثة، 1352 هـ/1933 م) 2/ 363.
الساباط من باب سبق وأن فتحه الأمير محمد بن عبد الرحمن في جدار قصره إلى الباب المعروف بباب الأمير " La Puerta De San Migule" المفضي إلى المقصورة. وكان الأمير عبد الله يستخدم هذا الساباط المستور للوصول إلى المسجد الجامع ودخول المقصورة وأداء الصلاة دون أن يراه أحد ثم يعود أدراجه إلى القصر
(1)
.
السرير:
ومن مظاهر سلطان الحاكم الأموي في الأندلس، الجلوس على السرير، وهو عبارة عن "أعواد منصوبة أو أرائك منضدة لجلوس السلطان عليها مترفعاً عن أهل مجلسه أن يساويهم في الصعيد"
(2)
.
ويذكر ابن حيان أن الأمير عبد الرحمن الأوسط كان له سرير من خيزران لطيف الصنعة، ويوضع على السرير فراش وثير محشو بالريش ليجلس وهو براحة تامة
(3)
.
(1)
- وربما أقيم الساباط حفاظاً على سلامة الأمير، ولكن من الثابت أن السبب يعود لأمر آخر، فقد اعتاد بعض الأندلسيين عندما يكونوا في المسجد انتظاراً للصلاة القيام عند رؤيتهم للأمير مقبلاً من قصره لأداء الصلاة، فلما طال الأمر كتب إليه الفقيه سعيد بن خمير المتوفي سنة 301 هـ كتاباً نبهه فيه إلى أن قيام الناس له لا يجوز فأصدر أمره للناس بعدم القيام له، لكن البعض لم يترك هذه العادة، فاضطر الأمير إلى وضع الساباط بحيث يدخل المسجد وينصرف دون أن يراه أحد. انظر: المقتبس، طبعة: أنطونيه، ص 26، 34.
(2)
- مقدمة ابن خلدون، ص 700.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 18 - 19.
وعندما دخل الأمير محمد بن عبد الرحمن للقصر لاستلام الحكم بعد وفاة والده "احتشد الخدم المستدعون له يزفونه زفاً إلى سرير والده، فاستوى عليه وتم الملك له"
(1)
.
وفي الأعياد والاحتفالات العامة يكون الأمير أو الخليفة على سريره في المجلس، وعن يمينه وشماله الأخوة والأعمام، ومن ثم رجالات الدولة كل وفق مرتبته، ومثل هذا ما حدث في زمن الخليفة الحكم المستنصر بالله، ففي عيد الأضحى سنة (360) هـ (أكتوبر (971) م) جلس الخليفة الحكم على السرير بقصر الزهراء في المجلس الشرقي للتهنئة، فكان إخوته أول المهنئين له فجلسوا على مراتبهم بعد السلام، ثم الوزراء وجلسوا عن يمين السرير بعد الإخوة، ثم سائر أهل طبقات الخدمة على منازلهم ومراتبهم
(2)
.
القضيب:
ونظراً للتطور الذي شهدته رسوم الدولة الأموية في الأندلس خلال عهد الخلافة بالذات، أصبح القضيب
(3)
إحدى شارات الملك، يمسك به الخليفة بيده في أثناء مسيره بموكبه أو جلوسه في الاحتفالات الرسمية.
(1)
- المصدر السابق، تحقيق: د. محمود مكي، ص 118.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 59.
(3)
- القضيب: هو عبارة عن عود طوله شبر ونصف ملبس بالذهب المرصع بالدر والجوهر، يمسكه الخليفة في المواكب العظام. انظر: محمد البقيلي، التعريف بمصطلحات صبح الأعشى. (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1983 م)، ص 257.
ويذكر ابن حيان أن الخليفة هشاماً المؤيد عندما أخرجه الحاجب المنصور ابن أبي عامر للناس ليروه برز "معمماً على الطويلة سادلاً للذؤابة، والقضيب في يده زي الخلافة"
(1)
.
المظل:
-
ويمكن اعتبار المظل أحد مظاهر سلطان ولي الأمر الأموي في الأندلس، وبالذات في عصر الخلافة إذ أن المظل هو عبارة عن خيمة ميدانية خاصة بالخليفة.
فقد ذكر ابن حيان أنه في سنة (308) هـ (920 م) قام الخليفة عبد الرحمن الناصر بغزوة ضد نصارى الشمال، وفي إحدى مواطن القتال، التجأ حوالي خمسمائة رجل من أولئك النصارى إلى أحد الحصون للاحتماء به، إلا أن الخليفة أمر بتقديم المظل وأبنية العسكر إلى ساحة الحصن لمحاصرته
(2)
.
وتجدر الإشارة إلى أن المظل كان في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله يقدم هدية لمن يراد تكريمه وتشريفه على من سواه، فقد ذكر ابن حيان أنه في شهر رمضان سنة (362) هـ (يونيو 973) صدرت أوامر الخليفة المستنصر بالله بمنح زعيم البربر رئيس كتامه، الوافد إليه من العدوة
(1)
- الذخيرة ق 4 م 1 ص 73.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 166.
المغربية أبي العيش بن أيوب بن بلال مظلاً فخماً بفرشه وآلته لنزوله فيه إكراماً له
(1)
.
حجر الأعزة:
ويوجد في القصر مكان يعرف بحجر الأعزة، لا يركب من عنده إلا الأمير أو الخليفة ولا يسمح لغيرهما بالركوب منه إلا من أذن له من قبلهما تنويها بذكره وإكراماً له، كما فعل الخليفة المستنصر بالله عندما جعل ركوب الوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن الناصري من عند ذلك الحجر، عندما قلده سيفين وسماه بذي السيفين وذلك يوم الخميس السابع من شهر شعبان سنة (364) هـ
(2)
(22 إبريل (975) م) تقديراً له على جهوده في العدوة المغربية.
الطراز:
ومن مظاهر سلطان الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس اتخاذ الطراز
(3)
، الذي يعتبر من العلامات الدالة على عظم الدولة، وهو عبارة
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 115.
(2)
- المصدر السابق، ص 219 - 220
(3)
- الطراز: كلمة معربة عن الفارسية، استعملت في الشعر العربي عند التفاخر والمدح، كقول حسان بن ثابت رضي الله عنه: -
بيض الوجوه كريمة أحسابهم
…
شم الأنوف من الطراز الأول
كما استعملت للدلالة على مجموعة معمارية. إلا أن المعنى الحقيقي لكلمة الطراز يتضح عندما تنقش العبارة الرسمية على العملة أو النسيج الرسمي أو غير ذلك من الأوراق ذات الطابع الرسمي، وقد جرت العادة أن تتخذ كل دولة لنفسها طرازاً أو عبارة مميزة. انظر: ديوان حسان بن ثابت، (تحقيق د. سيد حنفي حسين، القاهرة، وزارة الثقافة 1394 هـ/1974 م) ص 123. د. حسن الباشا. الفنون الإسلامية والوظائف على الآثار العربية. (القاهرة، دار النهضة العربية 1966 م)، 2/ 686. فريال داود المختار، دور الطراز في مدينة السلام (العراق وزارة الأعلام. مجلة المورد، المجلد الثالث، العدد الثالث، 1394 هـ/ 1974 م) ص 123.
عن ثياب تصنع بطريقة خاصة، يتميز بها الأمير أو الخليفة أو من ينعم عليه قبلهما
(1)
.
وطبيعي أن أي دولة تكون منصرفة عن الأمور الكمالية في بداية أمرها، فإذا استقرت وقهرت سواها، بدأ قادتها يفكرون بقطف ثمار ملكهم، فتظهر حينئذ علامات الرفه النعيم
(2)
.
وهذا ما حصل لبني أمية في الأندلس، فمنذ قيام دولتهم هناك سنة (138) هـ (755 م) لم نسمع للطراز أي ذكر حتى كان عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، 206 - (238) هـ (822 - (852) م) الذي كانت أيامه تسمى "أيام العروس
(3)
" ذلك لأنه "وجد ملكاً ممهداً ورعية مؤدبة وهيبة مغلظة
(4)
" وهذا ثمرة طبيعية للجهد الذي بذله من سبقه من آبائه، مما كان سبباً رئيسياً في رخاء إقتصادي نعمت به الأندلس، فأصبحت خزائن الدولة ملأى بالأموال، وجاء الاتصال بالمشرق ليفتح آفاقاً رحبة أمام هذا الأمير الشاب الواعي "فرتب رسوم المملكة واحتجب عن العامة
(5)
" كما
(1)
- مقدمة ابن خلدون، ص 708.
(2)
- المصدر السابق ص 548 - 555.
(3)
- المغرب في حُلى المغرب، 1/ 46. ذكر بلاد الأندلس 1/ 139.
(4)
- المصدر السابق، 1/ 139.
(5)
- تاريخ ابن خلدون 4/ 130.
أنه هو "أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة، وكسى الخلافة أبهة الجلالة
(1)
" فكان من أهم إنجازاته التي تهمنا في هذه الدراسة أنه "أحدث الطراز واستنبط عملها
(2)
" فأنشأ في قصر الإمارة دوراً خاصة لصنع الثياب تعرف بـ"دور الطراز".
وهناك خزانة خاصة بكسوة الأمير وخزَّانة تشرف عليها، وفي القصر خياطون لهم عريف خاص
(3)
.
وقد تحدث بعض المؤرخين
(4)
بشيء من الإعجاب عن دار الطراز التي أنشأها الأمير عبد الرحمن الأوسط، لكن ابن حيان
(5)
ذكر أن هذه الدار كانت في الأساس من إنشاء الأمير عبد الرحمن الداخل، وعليه فربما يكون ما قام به الأمير عبد الرحمن الأوسط هو عبارة عن تجديد لتلك الدار التي أنشأها جده.
وقد شهدت دور الطراز تطوراً كبيراً في زمن الخليفة عبد الرحمن الناصر، وفي هذا يقول ابن الخطيب: "ومن أثاره - عبد الرحمن الناصر - التي ضربت بها الأمثال وقضيت فيها العجائب، حال الطراز ببابه لنسج
(1)
- البيان المغرب 2/ 91.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 21.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 28.
(4)
- ابن عذاري، البيان المغرب، 2/ 91، ابن الخطيب، أعمال الأعلام، 2/ 20، ابن خلدون، تاريخه، 4/ 138.
(5)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 195.
ما يحتاج إليه من الخلع والكسى وملابس الحرم وغير ذلك
(1)
" بالإضافة إلى "الأقمشة الناعمة والمنسوجات الحريرية السميكة"
(2)
.
ولدار الطراز مسؤول يتولى الإشراف عليها، يسمى "صاحب الطراز"، وقد جرت العادة ألا يتولى هذا المنصب إلا الأعيان الذين لهم اختصاص بالأمير أو الخليفة الأموي
(3)
.
وعلى صاحب الطراز تقع مسؤولية حفظ ما يصنع في دور الطراز، أو يدخل إليها، من الهدايا ونحوها، ولذا فقد كان يعمد إلى استخدام سجل خاص يسجل به موجودات الدار، لأنه سوف تتم محاسبته على ما كان لديه من الطراز عند عزله عن منصبه
(4)
، كما أن من مهامه الإشراف على الصاغة والحاكة الذين يعملون في دور الطراز، وإجراء الأرزاق عليهم
(5)
، كما كانت هناك زيارات يقوم بها أمراء وخلفاء بني
(1)
- أعمال الأعلام 2/ 40.
(2)
- وصف الأندلس للرازي ص 65. ونتيجة لاهتمام عبد الرحمن الناصر بالطراز فقد ازدهرت عملية صناعة المنسوجات بالأندلس وبالذات في مدن المرية ولقنت وسرقسطة فأصبحت تنتج الأقمشة بأنواعها من الحرير المطرز بالذهب والوشي والسقلاطوني والبغدادي والخز وسائر أجناس الديباج والثياب الرقيقة المطرزة المصنوعة من السمور، وقد بلغت تلك الصناعة من الدقة بحيث أن الكثير منها يصدر للبلاد الأخرى. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص 67، 70، 78. فرحة الأنفس، ص 283 - 284، 287 - 288. أعمال الأعلام، 2/ 40. المغرب في حُلى المغرب 2/ 193 - 194.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 185، مقدمة ابن خلدون، ص 709.
(4)
- نفح الطيب 1/ 358.
(5)
- د. حسن إبراهيم حسن، وزميله، النظم الإسلامية (القاهرة. مكتبة النهضة المصرية، ط الأولى، 1358 هـ، 1939 م) ص 219.
أمية لدار الطراز لتفقدها ومناقشة القائمين عليها ببعض المسائل وتوصيتهم وفق ما يرونه مناسباً
(1)
.
وبناءً على ما ورد في بعض المصادر التاريخية، يمكن القول بأن الأمويين قد أفادوا من إنتاج دور الطراز لديهم في تعاملهم السياسي مع الآخرين، فالأمير عبد الرحمن الأوسط عندما بعث بوفد من عنده لملك النورمان، حملهم هدية اشتملت على ثياب نالت إعجاب الملك
(2)
كما أن الأمير المنذر بن محمد أمر وهو في بداية عهده أن تقطع ثياباً خاصة بأولاد عمر بن حفصون، عندما خدعه الأخير وتظاهر بأنه سوف يدخل في طاعته
(3)
وعندما تم الصلح بين الأمير عبد الرحمن بن محمد وعمر بن حفصون سنة (303) هـ (915 م) بعث إليه الأمير بهدية كان فيها الكثير من الكسى السلطانية من الوشي الطرازي وغيره
(4)
.
ورغم كل هذا، فإن علينا أن نتذكر أن صناعة الثياب الطرازية في الأندلس لا تقارن بما كان يصنع في المشرق، على الأقل إلى منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، يدل على ذلك حادثتان إحداهما وقعت في عصر الإمارة والأخرى في عصر الخلافة.
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 92.
(2)
- ابن دحية، المطرب في أشعار أهل المغرب، ص 132.
(3)
- ابن عبد ربه، العقد الفريد، 4/ 496 - 497.
(4)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 115 - 116.
ففي عصر الإمارة رحل الأديب أبو بكر بن سلاَّم القرطبي
(1)
إلى المشرق، فالتقى هناك بالجاحظ
(2)
واختص به ولازمه مدة طويلة، فلما أراد العودة إلى الأندلس، طلب من الجاحظ أن يحتال له بجاهه لدى صاحب الطراز في البلاط العباسي، لصنع ثياب عراقية رقيقة، تطرَّز باسم الأمير محمد بن عبد الرحمن، فكلم الجاحظ صاحب الطراز، فأسعفه في طلبه "وعمل له منها في السر المكتم عدة أثواب رفيعة القدر، جاء بها إلى الأمير محمد، فاستنبله في تحفته، وعظم موقعها لديه، ونال بها منزلة من اعتنائه"
(3)
.
وأما في عصر الخلافة فإن الهدية السنية التي قدما الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد
(4)
للخليفة عبد الرحمن الناصر في شهر جمادى الأولى
(1)
- أبو بكر بن سلاَّم، أحد أكابر أدباء وعلماء قرطبة، كان معتنياً بالأخبار والأشعار والآداب، حافظاً للأنساب، له معرفة بالطب وهو الذي أدخل كتب الجاحظ الأندلس. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 1037. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 164 - 165.
(2)
- هو أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ، أشهر أدباء وكتاب القرن الثالث الهجري، ولد سنة 165 هـ وتوفي سنة 255 هـ في البصرة، ترك موسوعة ثقافية ضخمة. انظر عن الجاحظ وحياته وكتبه، الأبحاث الواردة في مجلة المورد، المجلد السابع، العدد الرابع 1399 هـ/ 1978 م ص 11 - 256. شارل بللا: الجاحظ (ترجمة: د. إبراهيم الكيلاني، دمشق، دار الفكر، 1406 هـ (1985 م) ص 7 - 390.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 164.
(4)
- أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن شهيد الأشجعي، كان من أهل الأدب، وهو من عائلة كانت خطط الدولة بأيدي أبنائها، تصرف في المناصب لعبد الرحمن الناصر، من ولاية الكور والوزارة وقود الصوائف، وهو أول من سمى بـ"ذي الوزارتين" انظر: الحلة السيراء 1/ 237 - 238.
سنة (327) هـ (مارس (939) م) كانت المنسوجات فيها معظمها مشرقية إن لم يكن جميعها
(1)
.
ولقد كانت دار الطراز لدى الأمويين تنسج ثياباً رفيعة مزينة بأشرطة الطراز، ولايمكن أن يطرز بتلك الدار لأحد باسمه سوى الأمير أو الخليفة، لكن جرت العادة لديهم أن يتم خلع بعض تلك الثياب المطرزة على بعض المقربين بين فترة وأخرى
(2)
.
وهناك حالة مستثناة لم تتكرر من قبل، فقد تم تطريز ثياب بدار الطراز لغير ولي الأمر، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أراد إكرام محمد بن خزر
(3)
إكراماً لا مثيل له، أمر صاحب الطراز أن يصنع عشر قطع متنوعة من عتيق الخز العبيدي فطرزها باسم محمد بن خزر
(4)
.
(1)
- نفح الطيب: 1/ 357 - 358. تجدر الإشارة إلى أن الأندلس أصبحت فيما بعد تنافس المشرق في هذه الصنعة، فقد تطورت في هذا المجال بصورة كبيرة، لدرجة أن مدينة المرية في عصر المرابطين "كان بها من طرز الحرير ثمانمائة طراز، يعمل بها الحلل والديباج والسقلاطون والأصبهاني والجرجاني والستور المكللة المعيَّنة والعتابي والفاخر وصنوف أنواع الحرير". انظر: صفة جزيرة الأندلس (نشر: ليفي بروفنسال، القاهرة، 1937 م) ص 184.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 21. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 308، 389، 428.
(3)
- هو والد زعيم زناته في المغرب الأوسط الخير بن محمد، الذي وردت ترجمته من قبل.
(4)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا ص 268.
وقد أشار ابن خلدون إلى أن المنسوجات التي تنتجها دار الطراز، يكتب عليها أسماء الحكام مع كلمات أخرى تجري مجرى الفأل
(1)
.
ورغم أنه لا توجد لدينا نصوص عن ألوان منسوجات دار الطراز، إلا أنه يمكن الاستئناس بما كان سائداً لدى الأمويين في المشرق، فقد كان الأمويون هناك ابتداءً من عهد الخليفة هشام بن عبد الملك يكسون الناس الخزَّ إلا الأصفر والأحمر، فقد ادخروا هذين اللونين لهم خاصة
(2)
.
وقد بقي لنا من طراز بني أمية في الأندلس مئزر كان خاصاً بالخليفة هشام المؤيد، صنع "من نسيج رقيق جداً، من الكتان المهري له أهداب طويلة على امتداده ويبلغ (12)، (1) وفي طرفه شريط عرضه (78) ملم، مقسم إلى ثلاث مناطق، المنطقة الوسطى منها ثلاث عشرة جامة، تظهر فيها رسوم آدمية في حالة الجلوس، ويمسك أحد الأشخاص في يده قارورة ويشير بيده الأخرى إلى حيوانات من ذوات الأربع وطيور مرسومة في غير دقة ولا إحكام
(3)
.. وفي القسمين الجانبين نقش كوفي في لون
(1)
- مقدمة ابن خلدون، ص 708.
(2)
- انظر: القاضي الرشيد بن الزبير، كتاب الذخائر والتحف، (تحقيق: د. محمد حميد الله، الكويت دائرة المطبوعات والنشر، 1959 م) ص 211.
(3)
- إن حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إذا كانت ذات أجسام حرم بالإجماع وإن كانت رقماً ففيها أربعة أقوال: الأول: يجوز مطلقاً على ظاهر الحديث "إلا رقماً في ثوب" الثاني: المنع مطلقاً. الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز، قال ابن العربي (وهذا هو الأصح) الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقاً لم يجز. انظر: ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (دار المعرفة بيروت - لبنان -) 10/ 391.
أبيض يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم، البركة من الله واليمن والدوام للخليفة الإمام عبد الله هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين" وأرضية الجامات من الذهب أما بقية الأجزاء فيملؤها حرير في ألوان بيضاء وزرقاء سماوية وقمحية وصفراء ووردية وخضراء فاتحة بين خطوط سوداء، وصناعته تشبه تمام الشبه الصناعة المصرية المعاصرة له"
(1)
.
وأخيراً، يمكن أن نضيف إلى ما سبق أن من مظاهر سلطة الأمير أو الخليفة الأموي في الأندلس، تعيين الولاة والعمال، والإشراف على شؤون البلاد، وذلك من خلال بعث أمناء يسألون الناس عن سير ولاتهم فيهم، الأمر الذي يجعل الحاكم على بصيرة بما يجري في دولته، وفي الوقت نفسه يكفل لرعيته تحقيق العدالة المنشودة.
(1)
- الفن الإسلامي في أسبانيا، ص 411 - 414، ويذكر المؤلف أن هذا المئزر محتفظ به في الجمعية الملكية للدراسات التاريخية.
ولاية العهد
اختيار ولي العهد
عند استعراضنا لتاريخ بني أمية في الأندلس، منذ قيام دولتهم وحتى سقوطها، نجد أن نظام الحكم فيها كان وراثياً، يتوارثه الأبناء عن الآباء، ولا نجد ولو لمرة واحدة، أن عقد أحدهم ولاية العهد
(1)
من بعده، لأحد إخوانه، فضلاً عن أن يعقدها لواحد من أبناء عمومته، كما هو الحال في الدولة الأموية في المشرق.
وأما خروج هذا المنصب إلى واحد من خارج الأسرة الأموية فقد حدث مرة واحدة، وكان ذلك بسبب ظروف استثنائية قاهرة سيأتي بيانها فيما بعد. ووراثة ولاية العهد في الأبناء كانت تقوم على أسس يمكن من خلال الأحداث التالية جلاء صورتها.
قام هشام بن عبد الرحمن الداخل بالإمارة مقام أبيه بعد وفاته بناءً على عهد مسبق منه
(2)
بالرغم من أن أخاه
(1)
- يتكون مفهوم " ولاية العهد" من لفظين، هما: ولاية- عهد. أما الولاية فتعني القرابة، والخطة والإمارة، وتعني البلاد التي يتسلط عليها الوالي. أما العهد فيعني: الوصية والتقدم إلى المرء في الشيء والموثق واليمين، والذي يكتب للولاة من عهد إليه أوصاه، و استعهد من صاحبه اشترط عليه وكتب عليه عهده. ولي العهد لأنه ولي الميثاق الذي يؤخذ على من بايع الخليفة. انظر: لسان العرب. مادة: عهد.
(2)
- ابن حزم، نقط العروس، ص 56. وانظر: الكامل، 5/ 281. الحلة السيراء، 2/ 363. ذكر بلاد الأندلس، 1/ 119. نفح الطيب، 1/ 334. وقد ذهب كل من ابن عذاري وابن الخطيب إلى القول بأن الداخل لم يعين ولي عهده، بل جعل الأمر لمن يحضر أولاً إلى قرطبة من الأخوين سليمان وهشام، حيث تقول روايتهما: أن عبد الرحمن الداخل أوصى ابنه عبد الله قائلاً: "من سبق إليك من أخويك فارم إليه بالخاتم والأمر، فإن سبق إليك هشام فله فضل دينه وعفافه واجتماع الكلمة، وإن سبق إليك سليمان فله فضل سنه وبخدته وحب الشاميين له. انظر البيان المغرب، 2/ 61. أعمال الأعلام: 2/ 11. ووفق النص السابق نجد أن الداخل جعل الأمر لمن سبق من الأخوين، فهل يعقل أن يترك الداخل أمر الدولة من بعده دون أن يقطع فيه برأيه، وإذا كان الوضع بهذه الصورة فلم لم يعمد عبد الله إلى أخذ الأمر لنفسه بعد أخذ الاحتياطات اللازمة؟.
سليمان أسن منه
(1)
، وهنا لابد من تساؤل يُطرح: لماذا قدم هشام على سليمان؟.
كان المجتمع الأندلسي يتكون من فئات عدة، وكان العرب إحداها ولاشك أنهم لا يشكلون الأغلبية، بل هم أقلية بالنسبة لأهل البلاد الأصليين، وفي تلك الفترة التي نؤرخ لها، كان العرب ينقسمون في الأندلس إلى فئتين كبيرتين، شاميين وبلديين
(2)
، والبلديون أكثر من الشاميين
(3)
، وقد اندلعت الحروب بين هاتين الفئتين بسبب المصالح
(1)
- كان عمر سليمان عندما هرب والده من المشرق بعد مذبحة نهر أبي فطرس التي جرت سنة 132 هـ أربع سنوات تقريباَ. انظر: أخبار مجموعة ص 52. وأما هشام فقد ولد في الأندلس في شهر شوال سنة 139 هـ. البيان المغرب 2/ 48.
(2)
- العرب القيسيون أو الشاميون قدموا إلى الأندلس مع طالعة بلج بن بشر القشيري سنة 124 هـ، إذ أنهم يشكلون أغلبية تلك الطالعة. انظر: ابن القوطية، ص 15. كما وصل مع أبي الخطار الكلبي ثلاثون رجلاً منهم. ابن القوطية، ص 19. وأما اليمنيون أو البلديون فإنهم وصلوا قبل الشاميين، إذ قدموا مع طالعة موسى بن نصير في شهر رجب سنة 93 هـ، "انظر: الرسالة الشريفية ص 192. منشورة في آخر كتاب تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية". ثم قدمت مجموعة أخرى منهم مع طالعة الحر الثقفي سنة 97 هـ. انظر: البيان المغرب 2/ 25.
(3)
- أخبار مجموعة، 58.
وغياب السلطان الذي يحفظ الأمن ويجري الحقوق بين الناس، ومع ضعف دوافع الانقسام والتحزب بسبب قيام الدولة الأموية، فإن أثار ذلك ظلت تكمن في النفوس، ومن شأن وجود شاميين وبلديين في الأندلس أن يكون له حسابه في الفصل في موضوع ولاية العهد، حيث كانت أم سليمان شامية وأم هشام بلدية.
وفي النص الذي أورده ابن عذاري نجد الأمير عبد الرحمن الداخل يصرح بحب الشاميين لسليمان، عندما أوصى ابنه عبد الله قائلاً: "وإن سبق إليك سليمان فله فضل سنه ونجدته وحب الشاميين له
(1)
" فلو تولى سليمان الإمارة هل ستنقاد له بقية فئات المجتمع الأندلسي؟ إن الأمير عبد الرحمن الداخل بحاجة إلى استقرار إمارته، وتجنيبها الخلافات عليه وعلى خلفائه من بعده، ولذا فإن إسناد الأمر إلى هشام، من شأنه أن يجعل اجتماع الكلمة عليه أكثر احتمالاً، إذ أن أمه من البلديين.
وإذا نظرنا إلى وضع الإمارة الأموية في نهاية عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، نجد أنها كانت تنعم بالهدوء بعد أن أمضى سنوات طويلة من حكمه في إرساء قواعد دولته والقضاء على الخصوم بشدة.
ولاشك أن الأمير عبد الرحمن الداخل لم يغفل هذه الناحية، فهو يدرك ضرورة اختيار الأنسب لتولي العهد من بعده، وبما أن دولته مستقرة، ففي الحالة هذه يكون تقديم هشام أولى، وقد ذكر الماوردي أن
(1)
- البيان المغرب، 2/ 61. وانظر: أعمال الأعلام، 2/ 11.
الأشجع من المرشحين لولاية العهد أولى بالتقديم "إن كانت الحاجة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة
(1)
" وإلا فالعالم المتدين أحق بالتقديم.
وبالإضافة إلى ما سبق، فقد كان الأمير عبد الرحمن الداخل كثير الاهتمام بولديه، وكثيراً ماكان يسأل عنهما فتأتيه الإجابة بأن هشاماً إذا حضر إلى مجلس الوزراء
(2)
أصبح الحديث الدائر في المجلس جاداً مفيداً، وإذا كان يوم حضور سليمان عج المجلس بالأحاديث الهزلية
(3)
.
ولم يكن الداخل يكتفي بالأخبار التي تنقل إليه عن ولديه، بل كان يعمد إلى اختبارهما بنفسه، فمن ذلك أنه قال لهشام يوماً على انفراد لمن هذا الشعر:
وتعرف فيه من أبيه شمائل
…
ومن خاله أو من يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا
…
ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر
(4)
فقال: يا سيدي لامرئ القيس، وكأنه قاله في الأمير أعزه الله، فاستحسن ذلك منه، وأنعم عليه بصلة طيبة، ثم سأل سليمان على انفراد، وأنشده البيتين فقال: "لعلهما لأحد أجلاف العرب، أما لي شغل غير
(1)
- الأحكام السلطانية، ص 5.
(2)
- يذكر ابن الابار أن الأمير الداخل قد استوزر ولديه سليمان وهشام، وألزمهما الركوب إلى القصر وحضور مجالس مشاورته. انظر: الحلة السيراء، 1/ 42.
(3)
- المصدر السابق 1/ 42.
(4)
- هذان البيتان من قصيدة لامرئ القيس يمدح فيها سعد بن الضباب الإيادي، ويهجو هانئ بن مسعود، انظر: حسن السندوبي: شرح ديوان امرئ القيس (القاهرة، المكتبة التجارية، د. ت) ص 102 - 103.
حفظ أقوال بعض الأعراب، فأطرق الأمير عبد الرحمن، وعلم قدر ما بينهما من المزية"
(1)
.
وبناءً على ما سبق، ولأن هشام كان "نجيباً
(2)
" ووالده "يتوسم فيه الشهامة والاضطلاع بهذا الأمر، فلا غرابة إذا أسند إليه ولاية العهد من بعده كما صرح بذلك ابن الأثير
(3)
.
وقد تكررت مسألة إسناد ولاية العهد لغير الابن الأكبر أكثر من مرة، فالأمير هشام الرضا بن عبد الرحمن الداخل 172 - (180) هـ (788 - 796) أوصى بولاية العهد من بعده لابنه الحكم الربضي 180 - (206) هـ (822 - 852) بالرغم من أن أخاه عبد الملك أسن منه
(4)
، والأمير الحكم جعل ابنه عبد الرحمن ولياً لعهده بوجود ابنه الأكبر هشام، وقد تولى عبد الرحمن الإمارة وهشام على قيد الحياة
(5)
. وكذلك فعل الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط 238 - (273) هـ (852 - 886) فقد
(1)
- نفح الطيب، 1/ 314. وعن اهتمام أمراء بني أمية بولاية العهد. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 104.
(2)
- ذكر بلاد الأندلس، 1/ 119.
(3)
- الكامل، 5/ 281.
(4)
- البيان المغرب، 2/ 65. قام الأمير هشام الرضا بنكب ولده عبد الملك، فسجنه. وظل في السجن بضع عشرة سنة - حتى مات مسجوناً في ولاية أخيه الحكم الربضي. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 95.
(5)
- وقد ذكر ابن حزم أن السبب في فعل الأمير الحكم أنه بلغه أن ابنه هشام يتمنى موته ليلي الأمر بعده، وكان أكبر ولده، فحلف ألا يليه أبداً، وقدم عليه أخويه عبد الرحمن والمغيره. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 98.
جعل ابنه المنذر 273 - (275) هـ (886 - 888) ولياً لعهده ومن بعده عبد الله
(1)
275 - (300) هـ (888 - 912) وكان عبد الله أسن من أخيه المنذر
(2)
.
وتقديم المنذر على أخيه الأكبر عبد الله لولاية العهد مسألة تحتاج إلى مزيد من البيان والتوضيح، فقد كان للأمير محمد عدد من الأبناء النجباء، اتصفوا بالشجاعة، فتولوا مهام قيادة الجيوش
(3)
، والاشتراك في الغزوات الحربية مع والدهم
(4)
ومن بين أولئك الأبناء المنذر الذي "كان أشد الناس شكيمة وأمضاهم عزماً
(5)
، واشتهر أمره في حياة والده بكثرة قيادته للجيوش المتجهة للجهاد ضد نصارى الشمال
(6)
، كما عرف أيضاً بمقارعته للمناوئين الخارجين على حكومة قرطبة
(7)
.
(1)
- نقط العروس، ص 65.
(2)
- توفي الأمير المنذر يوم السبت من شهر صفر سنة 275 هـ وسنه 46 عاماً. انظر: العقد الفريد، 4/ 497. وأما الأمير عبد الله فقد توفي سنة 300 هـ وعمره 72 سنة. العقد الفريد 4/ 296. وعلى هذا يكون تاريخ ميلادهما على التوالي: المنذر سنة 229 هـ. وعبد الله 228 هـ.
(3)
- انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 318 - 320. البيان المغرب 2/ 94 وما بعدها.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 355.
(5)
- العقد الفريد 4/ 496.
(6)
- انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 319، 341، 385.
(7)
- البيان المغرب 2/ 103، 106.
ولاشك أن الأمير محمد كان يدرك الوضع العام السائد في دولته آنذاك، ومدى الاضطراب الذي يتهددها، بسبب كثرة المخالفين واعتداءات نصارى الشمال
(1)
، ولذا فهو على يقين بأن البلاد بحاجة إلى حاكم يمتاز بالصلابة والمراسة والشجاعة، وهذا ما امتاز به الأمير المنذر، ومن هذه صفته فهو أولى بالتقديم في مثل هذه الظروف
(2)
.
فإذا عرفنا ذلك، مع أخذنا بالاعتبار أن الأمير عبد الله بن محمد كان "لين العريكة، وشديد الحب للعافية
(3)
" أدركنا أن تقديم المنذر لولاية العهد كان محكوماً بشخصيته القوية من جهة، وبطبيعة ظروف وأوضاع الدولة من جهة أخرى، وكان تقديم المنذر لولاية العهد مع وجود الأكبر من إخوته يجري وفق أسس من الحكمة والتبصر وتسمية من هو أصلح، حتى أن والده قدمه لولاية عهده قبل وفاته بأكثر من عشر سنوات
(4)
.
ومما يتصل باختيار الأنسب لولاية العهد، ما جاء من أن عبد الرحمن الناصر تولى الحكم بعد وفاة جده الأمير عبد الله بن محمد دون بقية أعمامه
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 293 - 294، 304، 307 - 310، 315 - 318، 320 - 321، 324 - 326، 329، 331 - 332، 349 - 355، 369 - 373، 393 - 396، البيان المغرب، 2/ 94 - 96، 99 - 100، 103، 105. أعمال الأعلام، 2/ 21. نفح الطيب 1/ 350، 351.
(2)
- انظر: الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 5.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 355.
(4)
- خرج الأمير المنذر سنة 262 هـ على رأس جيش لمحاربة عبد الرحمن بن مروان الجليقي وصاحبه سعدون السرنباقي، وكان حينها ولياً للعهد. انظر: ابن القوطية، ص 88 - 89. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 343 - 344.
وأعمام أبيه، وذكر ابن حزم أن الأمير عبد الله توفي دون أن يعهد بالحكم لأحد من بعده
(1)
ثم يشير إلى أن استلام حفيده عبد الرحمن الناصر للإمارة جاء نتيجة لاجتماع أهل الحل والعقد، وتشاورهم فيمن يقوم بأمر الإسلام، وأنهم لم يجدوا في شباب بني أمية أصلح من عبد الرحمن فأجلسوه مكانه
(2)
، ثم علق ابن حزم على البيعة قائلاً:"وكانت البيعة من المستطرف لأنه كان في هذا الوقت شاباً، وبالحضرة جماعة أكابر من أعمامه وأعمام أبيه وذوي القعدد في النسب من أهل بيته فلم يعترض معترض"
(3)
.
ويعلل بعض المؤرخين المحدثين
(4)
عدم اعتراض أفراد الأسرة الأموية على تنصيب عبد الرحمن أميراً على البلاد، بأنهم قد زهدوا بالإمارة نتيجة إدراكهم لجسامة الأخطار المحدقة بالبلاد آنذاك.
إلا أن هذا الرأي لا يمكن التسليم به إذ أن المتأمل في سيرة عبد الرحمن الناصر أثناء حياة جده، وطريقة توليه الحكم من بعده يدرك تماماً أن عبد الرحمن دون غيره هو الذي خُصَّ بولاية العهد لكفايته وثقة الأمير عبد الله بقدرته على تحمل المسؤولية، وأن أولئك الأعمام لم يزهدوا
(1)
- نقط العروس، ص 56.
(2)
- المصدر السابق، ص 57.
(3)
- جذوة المقتبس، ص 12.
(4)
- انظر: د. حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص 308، د. السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المسلمين وأثارهم في الأندلس، ص 279، د. أحمد العبادي في التاريخ العباسي والأندلسي، ص 377.
بالإمارة، كما أشار إلى ذلك ابن حزم ومن تابعه. فقد نشأ عبد الرحمن الناصر يتيماً
(1)
، فتولى جده الأمير عبد الله كفالته، فرباه تربية حسنة
(2)
، وتفرس النجابة فيه فخرجه بأدبه، وأجهد في تعليمه
(3)
" وعندما بلغ مبلغ الرجال جعله "كاتب سره
(4)
" كما خصه بالسكنى معه في القصر دون بقية أعمامه
(5)
، وهذا أمر سار عليه أمراء بني أمية، فهم لا يسكنون أحداً معهم في القصر من أبنائهم إلا من يرشحوه لولاية العهد
(6)
.
وإضافة إلى ما سبق فقد كان الأمير عبد الله يكلف حفيده عبد الرحمن الناصر بالجلوس نيابة عنه في بعض الأيام والأعياد، ويقعده "مقعد نفسه لتسليم الجند عليه"
(7)
.
وفضلاً عن كل ما ذكر فالأمير عبد الله عندما مُرض مَرض الموت، رمى بخاتم الملك إلى حفيده عبد الرحمن
(8)
، وفي هذا دلالة أكيدة على أن الأمير عبد الله كان قد أوصى بالإمارة من بعده لحفيده، ولم يترك الأمر من بعده عرضة للنزاع والشحناء.
(1)
- عندما قتل محمد بن الأمير عبد الله، كان عبد الرحمن قد مضى على ولادته ثلاثة أسابيع. انظر: البيان المغرب 2/ 157.
(2)
- المقتبس، طبعة: أنطونيه ص 39. أعمال الأعلام: 2/ 29.
(3)
- المقتبس، طبعة: أنطونيه ص 29.
(4)
- المصدر السابق طبعة، أنطونيه ص 39.
(5)
- البيان المغرب، 2/ 157.
(6)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 14، 16.
(7)
- البيان المغرب، 2/ 157.
(8)
- المصدر السابق: 2/ 157.
مراسم تعيين ولي العهد:
كان من المتبع لدى بني أمية في الأندلس، أنه بعد أن يتم اختيار ولي العهد، يبدأ الاحتفال بتعيينه والإعلان عن بيعته، وقد شهدت تلك المراسم تطوراً كبيراً في عصر الخلافة عما كانت عليه في عصر الإمارة.
فقد ذكر ابن سعيد أن الأمير الحكم الربضي كان أول من عقد البيعة بولاية العهد من بعده في الأندلس
(1)
حيث عقدها لولديه عبد الرحمن ثم المغيرة. وقد تمت مبايعة ولي العهد مرتين
(2)
، الأولى عرفت بالبيعة الخاصة، والثانية عرفت بالبيعة العامة.
وقد جرت البيعة الخاصة لولي العهد الأول في قصر الإمارة، ثم توجه إلى داره
(3)
لاستقبال المبايعين بالبيعة العامة، أما ولي العهد الثاني فقد أخذت له البيعة الخاصة في دار ولي العهد الأول، ثم توجه إلى الجامع وعند المنبر لكننا نشهد تطوراً يطرأ على هذه المراسم في عصر الخلافة، فالخليفة المستنصر عندما أراد أن يعقد ولاية العهد من بعده لابنه هشام، جلس في إحدى قاعات القصر الضخمة، وبعد اكتمال حضور كبار رجالات الدولة من شيوخ البيت الأموي وزعماء البيوتات الأندلسية والوزراء
(1)
- المغرب في حُلى المغرب، 1/ 43.
(2)
- انظر: مراسم تلك البيعة لدى ابن عذاري، البيان المغرب، 2/ 77.
(3)
- تجدر الإشارة هنا إلى أن وجود دار خاصة بولي العهد يعني أن له وزراء وجلساء وندماء خاصين، لكن هذا الوضع لن يستمر طويلاً، إذ أن تغيراً طرأ على هذا الجانب، فولي العهد أصبح يسكن مع الأمير ثم مع الخليفة في القصر.
والقضاة والفقهاء والقادة وكبار الفتيان الصقالبة ونحوهم، ألقى الحكم خطبة بهذه المناسبة افتتح كلامه فيها بما عزم عليه من إسناد ولاية العهد لابنه هشام، وأشار في خطبته إلى الأسباب التي دفعته لاتخاذ هذه الخطوة، وبعد أن أُخذت البيعة على الحضور، أُخرجت نسخ من كتاب البيعة لتوقيع شهادات الذين التزموها
(1)
، وتولى إعطاء الحضور هذه النسخ على مراتبهم كل من صاحب الشرطة والمواريث المنصور بن أبي عامر، والكاتب ميسور الفتى، حيث يقوم كل من استلم نسخته بتسجيل شهادته بخط يده، بسجل خاص
(2)
.
وقاضي الجماعة هو أول من سجل شهادته في ذلك السجل، ثم تبعه الوزراء، ومن ثم أصحاب الشرطة وسائر أهل الخدمة من الحكام والقضاة والفقهاء والمشاورين وغيرهم، ولنا أن نتصور ضخامة هذا السجل إذا عرفنا أن عدد الشهود كان مائة وتسع وثلاثون رجلاً
(3)
، وعادة ما يصاحب هذا الاحتفال بذل الأموال والهدايا لعلية القوم
(4)
، وبالتالي يتم إرسال نسخ عديدة من كتاب البيعة لتلاوتها على كافة المنابر في الأندلس لاستقبال المبايعين من أبناء الرعية كل في محلته.
(1)
- البيان المغرب 2/ 249.
(2)
- المصدر السابق 2/ 249. نفح الطيب، 1/ 425.
(3)
- أعمال الأعلام 2/ 48 - 57.
(4)
- البيان المغرب، 2/ 249.
وقد حفظت لنا المصادر التاريخية نصين لكتابين من إنشاء الوزير الكاتب أبي حفص ابن برد الأكبر
(1)
، صدرا بمناسبة الإعلان عن عقد ولاية العهد، ومن الملاحظ أن كلا الكتابين تضمنا أسباب اختيار الخليفة لولي عهده، وذكر صفاته وأخلاقياته، وأن الاختيار لهذا المنصب الهام جاء بعد روية واستخاره.
فالكتاب الأول أصدره الخليفة هشام المؤيد عند توليته العهد لعبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر الشهير بشنجول، وذلك في شهر ربيع الأول سنة (399) هـ (نوفمبر (1008) م) بيَّن فيه الخليفة أن اختياره لولي العهد كان من أجل صالح الأمة إذ أنه يخشى أن يوافيه الأجل دون أن يترك للأمة من تأوي إليه، وأن اختياره لشنجول كان أمراً طبيعياً لعدم وجود من هو أكفأ منه، بالإضافة إلى أنه يرى فيه القحطاني الذي سوف يسوق الناس بعصاه، وفي نهاية الخطاب تعهد المؤيد بأنه لن يغير نيته أبداً
(2)
.
(1)
- هو الوزير أبو حفص أحمد بن برد، مولى بني شهيد، كان ذا حظ وافر من الأدب والبلاغة والشعر، تولى ديوان الإنشاء في الدولة العامرية بعد ابن الجزيري، ثم كتب لسليمان المستعين وغيره من خلفاء الفتنة، وقد امتد به العمر حتى تجاوز الثمانين وتوفي بسرقسطة سنة 418 هـ. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم 199. الذخيرة،، ق 1 م 1 ص 103.
(2)
- انظر: هذا الخطاب في: الذخيرة، ق 1 م 1، ص 104. البيان المغرب، 3/ 44 - 46. أعمال الأعلام، 2/ 91 - 92. تاريخ ابن خلدون، 4/ 148 - 149. نهاية الأرب، 23/ 408 - 409. نفح الطيب، 1/ 424 - 425.
أما الكتاب الثاني فقد صدر عن الخليفة سليمان المستعين بالله أعلن فيه عقد ولاية العهد لابنه محمد، وذلك في منتصف شهر جمادى الآخرة سنة (400) هـ (فبراير (1010) م) وقد جاء في الكتاب أن المستعين نظراً لحرصه الشديد على الأمة فقد اختار لها ابنه محمداً، وقد استخار الله تعالى في هذا الاختيار، وأنه بهذه الاستخارة والاختيار قد أبرأ ذمته من الأمة وأدى الأمانة التي اضطلع بها
(1)
.
وإذا نظرنا إلى كلا الخطابين نجد أنهما متفقان في بعض النقاط، ومختلفان في نقاط أخرى، ففي الخطابين إشارة إلى أن قرار اتخاذ ولي العهد لم يأت إلا بعد الإكثار من استخارة الباري جل وعلا، وأن الخشية من الله تعالى والحرص على مصلحة المسلمين هما الدافع الرئيس لاتخاذ ولي للعهد، وأنه نظراً لتوافر خلال الخير وصفات الرجولة في شخصي عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر ومحمد بن سليمان المستعين، دون غيرهما كل هذا رشحهما لهذا المنصب الهام.
لكن هناك نقاط ميزت أحد الخطابين عن الآخر رغم أن الكاتب واحد هو ابن برد الأكبر، وأن المدة التي تفصل بين الخطابين لا تزيد عن سنة وثلاثة أشهر، ففي الخطاب الأول نجد الدعاء للخليفة هشام بطول البقاء عند ورود اسمه، في حين خلا الخطاب الثاني من هذه المسألة، كما
(1)
- أعمال الأعلام، 2/ 126 - 127.
أن اسم ولي العهد في الخطاب الأول ذكر مقروناً بالكنية واللقب مع الدعاء له بالتوفيق، بينما ورد اسم ولي العهد في الخطاب الثاني مجرداً.
وهناك ناحية انفرد بها الخطاب الأول وهي: بما أن عبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر، معافري يرجع إلى قحطان لأجل هذا ورد في الخطاب أن الخليفة هشام المؤيد يؤمل أن يكون عبد الرحمن بن المنصور هو الرجل القحطاني الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيسوق الناس بعصاه.
كما امتاز الخطاب الأول بإعلان تفويض مطلق تام من الخليفة هشام لولي عهده المنتظر في أمور الخلافة في حياة الخليفة وبعد وفاته.
وأخيراً اختتم الخليفة هشام خطابه بأنه يشهد الله وملائكته الكرام ومن حضر بأن لا يغدر بولي عهده. بينما نجد أن الخطاب الثاني اشتمل على إصدار الأمر للعمال بالكور بأن يأمروا أصحاب الصلوات في الجوامع بالدعاء لولي العهد في خطبة الجمعة. واختتم الخطاب بالتضرع إلى الله تعالى أن يوفق أمير المؤمنين لما فيه مصلحة جماعة المسلمين في دينهم ودنياهم، وأن يجازي أمير المؤمنين على جميل نيته وكرم مذهبه فيهم.
وبعد أن تنتهي مراسم الاحتفال بولاية العهد، يخرج ولي العهد إلى مكانه المخصص بموكب خاص، فإذا استقر في مجلسه صدر الإذن منه لمن
في الباب من بني أمية وغيرهم من القرشيين ولكبار رجالات الدولة وأصحاب البيوتات الأندلسية ونحوهم للدخول عليه وتهنئته والدعاء له
(1)
.
وبعد ذلك تتم تكنية ولي العهد في المخاطبة، وينقش اسمه في السكة والأعلام والطراز، كما يتولى قاضي الجماعة الدعاء له فوق المنبر بينما يتولى القضاة وأصحاب الصلوات الدعاء له على كافة المنابر في الأندلس
(2)
.
هذه هي البيعة الخاصة، التي تنتهي عادة في نفس اليوم، أما البيعة العامة فيستقبلها ولي العهد لعدة أيام في بيته ويتم إرسال كتب خاصة في هذا الشأن إلى كافة الكور والثغور لأخذ البيعة من أبناء الرعية.
ولا تحدثنا المصادر التاريخية عن وقوع أي بادرة تشير إلى رفض عقد البيعة بولاية العهد أثناء الاحتفال بهذه المناسبة، فحتى عندما عقد الخليفة هشام المؤيد ولاية العهد من بعده لعبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر لم يظهر أي موقف معارض حين عقد البيعة
(3)
.
ومن الملاحظ أنه إذا عقدت ولاية العهد لصبي صغير، تؤخذ الأيمان المغلظة من المبايعين بعدم الحنث في البيعة، فالخليفة عبد الرحمن الناصر "عهد بالأمر بعده لولده الحكم، وهو طفل صغير من ثماني سنين أو نحوها،
(1)
- أعمال الأعلام، 2/ 125 - 126.
(2)
- البيان المغرب، 2/ 46. أعمال الأعلام، 2/ 93.
(3)
- عدم المعارضة في المجلس تدل إما على أن هناك عادة تقضي بإرجاء المعارضة إلى مابعد، وإما على شدة سيطرة عبد الرحمن بن المنصور على دولة الخليفة هشام المؤيد وهذا هو الأرجح.
وبحيث لو هلك لنصب بعده بمكانه، وحسبما اقتضاه ما أخذه على الناس من العهد بذلك، واقتضاه من الأيمان الغليظة المحرجة شأن من يأخذ العهد لولده من الملوك"
(1)
.
إعداد ولي العهد وتدريبه على شؤون الحكم:
كان اختيار ولي العهد للولاية يتم قبل إعلان الاختيار الرسمي بوقت طويل، فقد كان الأمير أو الخليفة يتعهد من يرشحه للولاية منذ نعومة أظفاره، فيهتم بتأديبه، وتثقيفه، ويختار له أفضل المؤدبين من الفقهاء والمحدثين، لينشأ مثقفاً ملماً بمعارف شتى، سواء منها ما كان يتصل بالثقافة العامة كعلوم الدين والأدب والتاريخ وسير الأولين، أو ما كان يتصل بالثقافة السياسية الخاصة بتدبير الأمور وسياسة الرعية.
فهذا الخليفة الحكم المستنصر رغم أنه اختار الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف المعافري
(2)
لتأديب ولي العهد هشام المؤيد
(3)
، إلا أن الخليفة كان يتدخل في عملية التأديب فرسم للمؤدب الخطة التي عليه أن يعمل بمقتضاها في تأديب ولي العهد، وحدد له مكاناً خاصاً يتمكن من خلاله متابعة ولده ومؤدبه، فلما ظهرت علامات الاستيعاب على الولد عبر
(1)
- أعمال الأعلام، 2/ 41.
(2)
- هو أبو القاسم أحمد بن محمد بن يوسف المعافري، الملقب بالقسطلي، قرطبي، رحل إلى المشرق سنة 342 هـ وعاد إلى الأندلس سنة 345 هـ حيث تولى أحكام الشرطة وجلس في الجامع لنشر الحديث، وكانت وفاته رحمه الله بسبب سقوطه في الحمام، وذلك في شهر صفر سنة 368 هـ، انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 166.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. الحجي ص 76.
الخليفة عن سروره بإخراج الأموال لتقسم على المحتاجين شكراً لله تعالى
(1)
.
وكما كان الخليفة يهتم بتأديب ولي عهده، فإنه كان يهتم بتدريبه أيضا، وذلك من خلال إسناد بعض المسئوليات إليه، فالخليفة عبد الرحمن الناصر قام بتكليف ولي عهده ابنه الحكم المستنصر بتولي "أمر الجباية والخزانة والخُزَّان ودار الضرب وغلاتها، وقلده الإشراف على ذلك كله والوقوف على وجوهه ومعانيه وعلاته ودواعيه، فأحسن النظر وبان أمره فيما تقلد منه، واستراح إلى كفايته"
(2)
.
وإضافة إلى ما سبق كان حكام بني أمية في الأندلس يجعلون ولي العهد يقيم معهم في القصر، دون بقية الأبناء وكان في ذلك فائدة عظيمة له، فهو فضلاً عن تعلمه الكثير من فنون الحكم بسبب معايشته للأمير أو الخليفة، فإن وجوده في القصر يفرض عليه واجباً لا يمكنه الإخلال به، ألا وهو البقاء في القصر عند مغادرة والده قرطبة، وفي هذه الحالة فإن مكانه من القصر السطح، لأنه يقع فوق الباب الرئيسي للقصر وهو باب السدة، وهو أيضاً مجلس للأمراء والخلفاء، ومن خلال جلوسه في السطح يكون في مأمن، كما أنه يتمكن من مراقبة الباب الرئيسي للقصر، ومعرفة الداخل للقصر والخارج منه، إذ أن من يملك القصر يسيطر على الدولة، فهو مكان قعوده في النهار، ومبيته في الليل، ولايؤذن له في مغادرته البتة
(1)
- المصدر السابق، ص 76 - 77.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 469.
لأي أمر كان، ويبيت معه في السطح أحد الوزراء، بالإضافة إلى فتى من أكابر الفتيان
(1)
.
وإن حاول ولي العهد مغادرة السطح، فإن للوزير الموكل بمرافقته الحق في منعه بأي وسيلة كانت، وإن لزم الأمر وضع القيد برجليه، ومن الأمثلة على ذلك أن الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط عندما خرج في بعض مغازيه ترك أحد أولاده على سطح القصر، ووكل عليه الوزير أمية بن عيسى بن شهيد
(2)
، وكان لولد الأمير وكيل متدلل، فتظلم ذلك الوكيل إلى الولد من الوزير أمية بن عيسى، فحاول الولد الضغط على الوزير، إلا أنه لم يحفل به، فأرسل إليه الولد رسولاً يهدده بأنه سوف ينزل من السطح بصحبة غلمانه ويقتص لوكيله منه، يقول ابن القوطية صاحب الرواية:
(1)
- انظر: ابن القوطية، ص 86، طوق الحمامة، ص 144 - 145. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 43. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 334.
(2)
- هو أمية بن عيسى بن شهيد ينتمي لأحد البيوتات الشهيرة في الأندلس، وكان أمية أجل وزراء الأمير محمد وأجملهم عنده وأنهضهم بخدمته، وكانت ولاية المدينة مداولة بينه وبين وليد بن عبد الرحمن بن غانم، كما كان أمية يلي قيادة الجيوش للأمير محمد. انظر: ابن القوطية، ص 85 - 87، 94 - 95، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي: ص 171 - 172، 175 - 176.
"فضحك
(1)
- أي الوزير - وكان لم ير في المدينة ضاحكاً إلا لهذا الأمر، ولأمر نزل [بعد] لا يحسن ذكره، فقال للرسول: بالله الذي لا إله إلا هو لئن جاوز باب السطح حيث ولاه أبوه، لا طرحناه في الدويرة
(2)
في كلبين يكون بهما حتى يقفل أبوه أو يأتي عهد بإطلاقه"
(3)
.
وإذا اضطر ولي العهد لمغادرة القصر بسبب استدعاء والده له، فإنه يستخلف أحد إخوته وذلك لإنفاذ الكتب باسمه إلى حين عودته
(4)
.
سلطان ولي العهد وصلاحياته:
من المعلوم أن لا ولاية ولا سلطان لولي العهد في حياة الأمير أو الخليفة، إلا إذا أسندت إليه بعض المهام لإشراكه في المسئولية وتحملها، والقيام بأعباء الدولة لتدريبه وإعداده، وذلك لانشغال الأمير أو الخليفة لسبب من الأسباب، فمن الأعمال التي كانت تستند إلى ولي العهد القيام بقيادة حملة عسكرية
(5)
، أو الاضطلاع ببعض الأمور الإدارية، كقراءة الكتب الواردة إلى البلاط لتقديمها للأمير مختصرة
(6)
، أو تولي منصب
(1)
- إن في ضحك الوزير الذي عرف بندرة الضحك دليلاً على استخفافه بتهديد الولد، وبإدراكه لأهمية مراقبته له، ومنعه من مغادرة السطح، وأنه -الوزير- يملك من الصلاحيات المطلقة ما يمكنه من الحيلولة دون نزول الولد من السطح بأي وسيلة كانت.
(2)
- الدويرة: أحد السجون.
(3)
- ابن القوطية، ص 86 - 87.
(4)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 201، البيان المغرب 2/ 190.
(5)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 344.
(6)
- المصدر السابق، ص 104.
كاتب السر
(1)
، وإلزامه بالركوب إلى مجلس الوزراء
(2)
، أو توليته أمر الإشراف على الجباية والخزانة والخزان ودار الضرب وغلاتها
(3)
، أو تكليفه الإشراف على إنجاز بناء ونحوه
(4)
، أو الجلوس للمظالم
(5)
، أو تفويضه بتعيين الولاة
(6)
والمشاورين
(7)
، وكذلك استقبال الرسل الوافدين
(8)
، وأحياناً تسند إليه مهمة الصلاة على جنائز أهل القصر
(9)
.
ويحصل أيضا أن يتولى ولي العهد مسؤولية الإشراف التام على شؤون الدولة في حياة والده، فعندما أصيب الأمير الحكم الربضي بعلته التي استمرت مدة أربعة أعوام، واحتجب خلالها عن الرعية إلى أن توفي، كان ابنه عبد الرحمن يتولى إدارة الدولة طيلة تلك المدة
(10)
.
كما أن الحكم بن الخليفة عبد الرحمن الناصر تولى مهمة الإشراف على خطط الدولة في حياة والده وذلك سنة (330) هـ (923)
(11)
.
(1)
- نفسه: طبعة: أنطونيه، ص 39.
(2)
- الحلة السيراء، 1/ 42.
(3)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 469.
(4)
- المصدر السابق، ص 210.
(5)
- نفسه: طبعة: أنطونية، ص 71.
(6)
- البيان المغرب، 2/ 205.
(7)
- ترتيب المدارك 6/ 126 - 127.
(8)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 103.
(9)
- المصدر السابق، ص 219.
(10)
- الحلة السيراء: 1/ 46.
(11)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 478.
تعريف الأمة "الرعية" بولي العهد:
بعد أن يتم اختيار ولي العهد، يعمد الأمير أو الخليفة إلى تعريف الناس بولي العهد، وذلك من خلال نشر ذكره بينهم. فبالإضافة إلى ما يتم تكليفه به من أعمال إدارية، فإنه يقوم بمهام عسكرية، كما عرفنا من قبل، ومن خلال الأعمال العسكرية التي يضطلع بها، يتم نشر ذكره، وذلك بواسطة كتب الفتح التي ترسل من أرض المعركة. ومن الأمثلة على ذلك: أن الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما خرج سنة (228) هـ (843) لغزو بنبلونه
(1)
، جعل ابنه على ميمنة الجيش، وبعد نهاية المعركة التي أسفرت عن نصر المسلمين، أرسل الأمير عبد الرحمن إلى قرطبة كتاب الفتح، وأثنى فيه على غناء ابنه محمد وكفايته في تلك الغزوة، وبما أن كتاب الفتح يتلى على منبر جامع قرطبة، وترسل نسخ منه إلى كافة الكور والثغور لتتلى هناك، فإن ذلك يعمل على طيران اسمه في الأفاق
(2)
.
ونشر ذكر ولي العهد بين أبناء الرعية، أمر ضروري، وذلك لتعريف الجميع به، ولتكوين صورة طيبة لديهم عنه، فإذا ما استلم منصب رئاسة الدولة، كان ماضيه المجيد ماثلا أمامهم، فيضمن على الأقل أن هناك
(1)
- بنبلونه أو بمبلونه Pamplona عاصمة مملكة نافار أو نبره Navar تبعد عن مدريد مسافة 350 كيلو متراً، على الضفة اليمنى لأحد أفرع نهر إيبروا، وهي اليوم مدينة جميلة يشتغل أهلها بالزراعة والصناعة، وبها مركز ثقافي هام، انظر: الروض المعطار، ص 104. الآثار الأندلسية الباقية ص 307.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 103. وانظر: نصوص عن الأندلس، ص 30، البيان المغرب 2/ 86.
قطاعاً عريضاً من الرعية، ينظر إليه بعين الاحترام، مما يجنبه بالتالي مجابهة المزيد من القلاقل والاضطرابات.
الإضطراب الذي تطرق لنظام ولاية العهد:
سار نظام ولاية العهد - كما عرفنا - وفق منهج واضح ومحدد، وسياسة استمرت مدة قرنين من عمر الدولة الأموية في الأندلس تقريبا، إلا أنه ابتداءاً من نهاية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ومطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، شهد هذا النظام أول تغيير انحرف به عن مساره، عندما وصل إلى ولاية العهد مَنْ هو مِنْ خارج الأسرة الأموية.
ففي سنة (399) هـ (1008) وبعد أن أمضى عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر الشهير بشنجول شهر ونصف الشهر
(1)
على توليه الحجابة، نجح في إجبار الخليفة هشام المؤيد، على توليته العهد من بعده، واستصدر منه كتاباً لإعلام الناس بهذا الأمر، قرئ على المنابر
(2)
.
ويصف ابن الخطيب نقلاً عن ابن حيان موقف وجوه أهل قرطبة من هذه الفعلة فقال: "وغدا وجوه الناس من أهل قرطبة لتهنئة المغرور عبد الرحمن بهذه المنحة، التي كانت عندهم أشد محنة، كلهم يعزي نفسه، ويكفكف عليها عبرته، ثم تجملوا بالملق
…
فدخلوا على منازلهم
…
(1)
- البيان المغرب 3/ 38.
(2)
- المصدر السابق، 3/ 43 - 46.
تبدوا عليهم في ظاهرهم الاستكانة والكبوة
…
وخرجوا من عنده وقلوبهم ذؤوبة عليه موقدة ببغضه"
(1)
.
كما تسمى بولاية العهد علي بن حمود، فقد ادعى أن كتاباً قد وصله من الخليفة هشام المؤيد بالله، يسند إليه ولاية العهد من بعده
(2)
.
ومن مظاهر الاضطراب الذي طرأ على نظام ولاية العهد في أواخر عصر الدولة الأموية، أن منصب ولاية العهد أصبح لا هيبة له، فقد ذكر ابن حزم أن هناك من سمى نفسه ولياً للعهد دون أن يسميه به خليفة.
فهذا سليمان بن هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر تسمى بولاية العهد في خلافة محمد المهدي
(3)
فسجنه المهدي في شهر رمضان سنة (399) هـ
(4)
(مايو 1009) ثم أطلق سراحه بعد أن ثار هشام بن سليمان ضد المهدي وطالبه بإطلاق سراح ابنه
(5)
، وأخيراً تمكن المهدي من قتل هشام بن سليمان وولده سليمان بعد أن فشل كل من القاضي ابن ذكوان وابن عمر بن حزم في إقناع هشام بن سليمان بالعدول عن المطالبة بالخلافة
(6)
.
(1)
- أعمال الأعلام: 2/ 93 - 94.
(2)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 37 - 38.
(3)
- نقط العروس، ص 54. قارن: البيان المغرب، 3/ 78. أعمال الأعلام، 2/ 110.
(4)
- البيان المغرب 3/ 78.
(5)
- المصدر السابق 3/ 79.
(6)
- نقط العروس ص 54. البيان المغرب 3/ 79 - 81.
وادعى سليمان بن هشام بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر ولاية العهد في أيام ابن عمه الخليفة المستكفي، سنة (415) هـ
(1)
(1024) وكذلك محمد بن الحكم بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر تسمى بالعهد دون أن يسميه عمه الخليفة هشام المعتد بالله
(2)
.
ويضاف إلى مظاهر الاضطراب تلك، أن المراسم التي كانت تتبع عند تعيين ولي العهد، والاحتفالات التي كانت تقام عند مبايعته، لم يعد لها وجود، فمنذ أن عقد الخليفة سليمان المستعين البيعة بولاية العهد من بعده لابنه محمد في منتصف شهر جمادى الآخرة سنة أربعمائة للهجرة (فبراير 1010) أصبح الاحتفال بتعيين ولي العهد ومبايعته يقوم فقط على قراءة كتاب بولاية العهد، بالإضافة إلى نقش اسم ولي العهد في السكة والأعلام والطرز والدعاء له فوق المنابر
(3)
.
موافقة الأسرة ومعارضتها:
عرفنا فيما سبق أن اختيار ولي العهد يكون وفق معايير دقيقة، ولكن ليس بالضرورة أن يكتب لذلك الاختيار القبول من كافة أفراد الأسرة الأموية، فقد يعقب الإعلان عن اختيار ولي العهد معارضة قوية من بعض أبناء الأسرة الأموية، فمنها ما يتم القضاء عليها وهي في مهدها، ومنها ما يتطور ليصل إلى حد المصادمات العسكرية، وهناك أمثلة كثيرة،
(1)
- نقط العروس، ص 54. قارن: البيان المغرب 3/ 142.
(2)
- نقط العروس، ص 54.
(3)
- انظر: أعمال الأعلام، 2/ 125 - 127.
فبعد أن بويع هشام الرضا بالإمارة بعد أبيه عبد الرحمن الداخل، أعلن سليمان رفضه لإمارة أخيه هشام، وتحصن في طليطلة، ثم انضم إليه أخوه عبد الله
(1)
البلنسي بن عبد الرحمن الداخل سنة (173) هـ (789 م) وهاجم سليمان قرطبة محاولاً امتلاكها لكنه فشل وانهزم
(2)
، وفي سنة (174) هـ (790 م) قدم عبد الله على أخيه هشام بقرطبة بلا عهد سابق ولا أمان، فأكرمه هشام وأنزله عند ابنه الحكم الربضي
(3)
، وفي نفس السنة طلب سليمان الأمان من أخيه هشام، فوافق الأخير شريطة أن يغادر الأندلس بأهله وولده، ويعطيه هشام ستين ألف دينار، فتم الاتفاق بينهما وعبر سليمان البحر إلى بلاد البربر
(4)
.
وما إن علم عبد الله وسليمان بوفاة أخيهما هشام في شهر صفر سنة (180) هـ (إبريل (796) م) حتى بادرا بإعلان العصيان، وجرت بين سليمان وبين ابن أخيه الأمير الحكم الربضي عدة معارك انتهت بقتل سليمان سنة (184) هـ
(5)
(800 م) وفي سنة (186) هـ (802 م) أخرج الحكم الربضي لعمه عبد الله أماناً عُقِد سنة (187) هـ (803 م) على أن يدفع الأمير الحكم
(1)
- كان هشام يبر أخاه عبد الله ويفضله على كثير من إخوته إلا أن عبد الله كان يطمع بالمشاركة في الملك، فخرج إلى أخيه سليمان لإعلان التمرد ضد هشام، ورغم ذلك حاول هشام رده إلى قرطبة لكنه لم يفلح. البيان المغرب: 2/ 62.
(2)
- البيان المغرب، 2/ 62، ذكر بلاد الأندلس 1/ 119.
(3)
- الحلة السيراء، 2/ 363. البيان المغرب، 2/ 63. أعمال الأعلام 2/ 11.
(4)
- البيان المغرب، 2/ 63. أعمال الأعلام 2/ 11.
(5)
- البيان المغرب، 2/ 70.
لعمه عبد الله ألف دينار راتباً شهرياً، بالإضافة إلى ألف دينار أخرى كل عام على شكل مخصصات
(1)
، وأن يبقى في بلنسية مؤدياً للطاعة
(2)
.
وعندما تولى الإمارة عبد الرحمن الأوسط تردد عبد الله البلنسي في إعلان البيعة، ثم جهر بالعصيان إلا أنه فُلج ففشلت حركته "فكاتب عبد الرحمن بخبر علته ويأسه من نفسه، وعهد إليه بالنظر لأهله وولده، فأنفذ عهده ولم يعرض له إلى أن مات سنة ثمان ومائتين"
(3)
.
وعندما جعل الأمير عبد الله بن محمد أكبر ولده محمداً ولياً لعهده
(4)
، حقد عليه أخوه مطرف، فأوغر عليه صدر والده حتى أمر به فوضع في السجن الخاص بقصر الإمارة
(5)
، وبعد أن بدأت علامات براءة محمد تظهر لأبيه، وعزم على إطلاقه، بادر مطرف إلى أخيه محمد فقتله مع فجر يوم الخميس ليلة عشرة خلت من شوال سنة سبع وسبعين ومائتين (يناير
(1)
- المصدر السابق، 2/ 70.
(2)
- الحلة السيراء، 2/ 363.
(3)
- الحلة السيراء، 2/ 363 - 364. الملاحظ أن عبد الله البلنسي بن عبد الرحمن الداخل منذ البداية لم يكن جاداً في إعلان عصيانه سواء ضد أخيه هشام أو ولده وحفيده، إذ أنه في كل مرة يعلن عصيانه ما يلبث أن تهدأ ثائرته ويراسل الأمير لطلب العفو أو يأتي بغير أمان، فيقابله الأمير بالإكرام ويعرف له حقه ويصله، وهنا نجد أننا أمام شخصية قلقه واقعة تحت تأثير شخصية أخرى أقوى من شخصيته.
(4)
- البيان المغرب 2/ 150.
(5)
- الحلة السيراء، 2/ 367. البيان المغرب 2/ 150.
891 م) وعمره سبع وعشرون سنة
(1)
، ثم قتل الأمير عبد الله ابنه مطرف بعد ذلك بخمس سنوات
(2)
.
وعندما أخذ الخليفة عبد الرحمن الناصر البيعة بولاية العهد من بعده لابنه الحكم المستنصر، ترك ذلك أثراً في نفس ابنه عبد الله، الذي كان مع أخيه الحكم المستنصر "يتباريان في طلب العلم، ويتناغيان في جمعه، ويتبادران إلى اصطناع أهله واختصاص رجاله وإدناء منازلهم، والإحسان إليهم
(3)
". ونظراً لأن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر كان مشهوراً بالفضل والتدين مؤدَّبا، كريماً، جامعاً، لعلوم شتى
(4)
، "فإن جماعة من أهل قرطبة بايعوه بالخلافة، وكان أهلاً لذلك فضلاً وعلماً وبصراً بالفنون"
(5)
، فسعى الحكم بأخيه عبد الله عند والدهما عبد الرحمن الناصر فقبل منه
(6)
، وألقى القبض على ابنه ومن معه وسجنهم، ثم قتل ابنه عبد الله في شهر ذي الحجة سنة (338) هـ
(7)
(يونيو (950) م).
(1)
- الحلة السيراء: 2/ 367 - 368. البيان المغرب 2/ 150. ذكر بلاد الأندلس 1/ 155.
(2)
- الحلة السيراء 2/ 368.
(3)
- المصدر السابق، 1/ 206.
(4)
- ذكر بلاد الأندلس، 1/ 162.
(5)
- أعمال الأعلام، 2/ 39.
(6)
- البيان المغرب، 2/ 217.
(7)
- الحلة السيراء، 1/ 207 - 208. البيان المغرب، 2/ 217. أعمال الأعلام، 2/ 39. المغرب في حُلى المغرب، 1/ 188. لكنه جعل قتل سنة 339 هـ.
إن خروج عبد الله ضد والده الخليفة، أمر يحتاج إلى وقفه، فقد عُرف عبد الله بالعلم والزهد والذكاء والنبل، ومن كانت هذه صفاته فهو جدير بالاحترام، الأمر الذي دفع بعض المؤرخين إلى التصريح بكفاءته لتولي الخلافة
(1)
، وطبيعي أن الصفات والأخلاق التي امتاز بها عبد الله ليست كافية لإعلان القيام ضد والده، لكن الأفكار الوافدة من المشرق والتي كان عبد الله يتلقفها سواء عن طريق الكتب أو عن طريق مجالسته للعلماء، الذين امتاز بعضهم بالطموح كابن عبد البر
(2)
، يضاف إلى ذلك إحساس عبد الله بأن والده قد ظلمه، عندما قدم أخاه عليه، مع شعوره بأنه أكفأ منه، وإذا أضفنا إلى كل ذلك الشخصية الطموحة لعبد الله، أدركنا أن تفكيره بالمطالبة بما يرى أنه حق من حقوقه، أمر واقع لا محالة، إلا أنه رغم كل المبررات فإن خروجه ضد والده هو عقوق لا جدال فيه.
وفي أواخر القرن الرابع الهجري ومطلع القرن الخامس الهجري، صدر خطاب من الخليفة هشام المؤيد يقضي بتعيين عبد الرحمن بن المنصور ابن أبي عامر الشهير بشنجول ولياً للعهد من بعده
(3)
، وسماه باسم خلافي
(1)
- أعمال الأعلام، 2/ 39.
(2)
- هو أبو عبد الملك أحمد بن محمد بن عبد البر، قرطبي من موالي بن أمية، كان بصيراً بالحديث فقيهاً نبيلاً متصرفاً في فنون العلم، وكان علم الحديث أغلب عليه، له كتاب مؤلف في فقهاء قرطبة، توفي في السجن لليلتين بقيتا من رمضان سنة 338 هـ رحمه الله. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 120. الحلة السيراء، 1/ 207 - 208.
(3)
- البيان المغرب، 3/ 43 - 46. أعمال الأعلام، 2/ 90 - 93.
هو "المأمون ناصر الدولة"
(1)
فبسبب هذه الفعلة انفجرت فتنة استمرت إلى أن سقطت الدولة الأموية تماماً سنة (422) هـ (1031 م) فقد استنكر الناس هذه الفعلة، وعدت فعلة خارجية
(2)
.
ولنا أن نتوقع أن أمراء وخلفاء بني أمية كان كل منهم يترك وصيته لولي عهده، هي في مجملها رسم سياسة تكفل له استمرارية دولته، ومن الأمثلة على ذلك أن الأمير الحكم الربضي عندما حانت وفاته، استدعى ولده عبد الرحمن وألقى إليه وصية ذكر فيها أنه قد مهد له البلاد بعد أن قضى على المناوئين، وذلل له الصعاب التي يمكن أن تعترضه، كما أكثر عليه ضرورة تقريب أهله وعشيرته ومواليه لأنهم أنصاره الذين يشاركونه في المغنم والمغرم، وكذلك أمره بالعدل ورد المظالم لأن في انتشار العدل كسباً لمحبة الرعية وسلامة من كثرة الثورات والفتن.
كما نبهه إلى الاهتمام بانتقاء الرجال وعدم تقريب أحد إلا بعد اختباره، وأن الولايات والمناصب الإدارية يجب إسنادها لأهل الدين والرشاد لأنهم أهل الإخلاص، فبذلك يضمن إنجاز مهام الدولة بكل يسر.
وأما مظاهر الأبهة والفخامة فقد أمره بالتمسك بها، وذلك لزرع الهيبة في نفوس الرعية وأن يعتمد مبدأ الثواب والعقاب لأن في ذلك حفز للمحسنين على مضاعفة إحسانهم، وقمع لأهل الزيغ والفساد عن التطاول والإضرار بالمجتمع.
(1)
- البيان المغرب، 3/ 43. تاريخ ابن خلدون، 4/ 149.
(2)
- نقط العروس، ص 54.
كذلك وجه اهتمامه إلى الأموال، التي هي عصب الملك وروح الدولة، فأكد عليه ضرورة الإشراف على الأموال بنفسه، وحفظها بعد جمعها بطرق الحلال.
وأخيراً اختتم وصيته بنصيحته لولي عهده بالإلتزام بتقوى الله تعالى، والدعاء لولي العهد بأن يسدده الله ويوفقه إلى الخير والرشاد
(1)
.
(1)
- ذكر بلاد الأندلس 1/ 133.
رسوم الإمارة والخلافة
استقبال الرسل وعقد المعاهدات:
للموقع الجغرافي دور كبير في إقامة العلاقات بين الدول. بل إن الموقع يحتم على أي دولة إقامة علاقات معينة ومن نوع خاص، مع دولة أو دول مجاورة لها
(1)
.
ونظراً للمكانة التي كانت تحتلها دولة الأمويين في الأندلس جغرافياً وسياسياً، والتي مكنتها من تحقيق ما يمكن تسميته بالتوازن الدولي
(2)
، في ذلك الوقت، فإن هذا التوازن حتم عليها قيام علاقات بينها وبين الشمال الأفريقي وأوروبا، تمثلت في تبادل الوفود التي كانت تنطلق من قرطبة وإليها لأغراض شتى.
وكان النصارى المحيطين بالدولة الأموية من الشمال، قد جعلوا من أولى مهامهم ضرورة اقتلاع تلك الدولة الإسلامية إن أمكن أو زعزعة استقرارها على الأقل.
(1)
- ليس بالضرورة أن ينطبق هذا القول على الدول الإسلامية بوجه عام، والعربية بوجه خاص في الوقت الحالي.
(2)
- المقصود بالتوازن الدولي، هو أن الدولة الأموية أصبحت إحدى دول العالم الكبرى آنذاك، وأصبحت موازية في قدارتها العسكرية لدولة الفرنجة وما جاورها أو لإمارات الشمال الإفريقي.
ومن هنا كانت الصدامات العسكرية بين الطرفين لا تكاد تنقطع طيلة ثلاثة قرون تقريباً، يتخللها أحياناً وصول وفود دبلوماسية إلى قرطبة، قادمة من الشمال.
وأما عن علاقات قرطبة بالإمارات التي نشأت في الشمال الأفريقي، فقد كانت ودية إلى حد كبير، تبادلت فيها جميع الأطراف المصالح المشتركة
(1)
.
وقد كان الأمويون شديدي الحرص على مصلحة دولتهم من كافة النواحي، لذا فقد انتهجوا منذ البداية سياسة قائمة على دبلوماسية تعتمد على الاستجابة لأي نداء يعود بالخير على الجميع، لأجل هذا فقد شهدت قرطبة منذ عهد الأمير عبد الرحمن الداخل توافد سفارات ذات أغراض متعددة.
فمنها ما هو للهدنة والصلح، وأخرى لتوثيق عرى المودة وثالثه من أجل المحالفات، ورابعة للتعزية والتهنئة، كما أن هناك ما كان الهدف منها دفع أذى قوى معارضه، إلى غير ذلك من الأغراض.
فبعد فشل الهجوم الذي شنه الإمبراطور الفرنجي شارلمان (771 - (813) م) على الأندلس سنة (161) هـ
(2)
(778 م) عندما أراد أن يحقق
(1)
- انظر: سالم الخلف، المرجع السابق ص 199 - 205، 213 - 216، 226 - 234، 241 - 245.
(2)
- كارلس ديفر: شارلمان، ص 101 - 102.
أحلامه بطرد المسلمين منها
(1)
، أرسل من عنده وفداً إلى قرطبة يحمل رسالة للأمير عبد الرحمن الداخل يدعوه فيها إلى المصاهرة والسلم، فأجابه
(1)
- هذه الأحلام كانت-كما تقول الرواية- تأتيه عن طريق رؤى يراها، فقد ورد في قصة "تيرين" التي ترجع إلى القرن السادس الهجري-الثاني عشر الميلادي- أن القديس "جيمس الرسول" الذي يقع مشهده في Comopostele بشمال غربي أسبانيا تراءى لشارلمان أثناء النوم وأخبره بأن جثمانه الذي لا يعرفه المسلمون والمسيحيون يرقد في تلك الأرض النائية، ثم أمر شارلمان بأن ينهض ويستخلص جليقية من أيدي المسلمين. وبعد أن تكررت الرؤيا ثلاث مرات لم يسع شارلمان إلا أن يلبي النداء في الرابعة. انظر: كارلس ديفز، شارلمان ص 98. د. السيد الباز العريني، بعض معالم عهد شارلمان. (القاهرة، المجلة التاريخية المصرية. المجلد الثامن 1959 م) ص 144. ويشير ابدال مؤرخ شارلمان "إلى أن الأهداف التوسعية والأطماع السياسية هي المحرك الأساسي لحملات شارلمان العسكرية، إلا أنه غلفها بالستار الديني سواء كان في غزوه للأندلس أو حروبه في أوربا" انظر: عنان، دولة الإسلام في الأندلس، ع 1 ق 1، ص 172. ويمكن أن نخرج من قصة رؤيا شارلمان بفائدة، وهي أن الدول التي تقوم على معتقد ديني لا يمكن توحيد الصفوف ضدها إلا بإثارة معتقد ديني مضاد. وهذا ما عمد إليه شارلمان، فلعله أحس تقاعساً من أبناء النصارى عن ملاقاة المسلمين في الأندلس ولذا وجد أن السبيل الأوحد لجمع شملهم ضد المسلمين هو إشعال جذوة الدين في نفوس أولئك النصارى. وهذا ما يجب اليوم على الدول الإسلامية أن تأخذه مأخذ الجد، إذ أن إشعال جذوة الدين في نفوس أبناء المسلمين هو السبيل الأمثل لتخليص الأمة الإسلامية من تسلط الأعداء.
الأمير الأموي إلى السلم ولم تتم المصاهرة
(1)
، وفي هذه المناسبة جرى توقيع هدنة بين الطرفين سنة (164) هـ (780 م) تقريباً
(2)
.
وفي عهد الأمير الحكم الربضي (180) ـ (206) هـ (796 - (822) م) عقدت هدنة مع شارلمان ومن ثم مع ولده لويس التقي (813 - (840) م)
(3)
.
وشهد عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط: 206 - (238) هـ (822 ـ (852) م) توقيع هدنة بينه وبين إمبراطور الفرنجة شارل الأصلع (ت (877) م)، فقد ذكر ابن حيان عند حديثه عن العلامات التي اُستدل بها على ترشيح الأمير عبد الرحمن الأوسط ابنه محمداً لولاية العهد، مانصه: "وكان الذي استدلوا به على ترشيح الأمير والده إياه
(1)
- نفح الطيب 1/ 330 - 331.
(2)
- عن هذه الهدنة والآراء التي طرحت حولها. انظر: محمد مرسي الشيخ، دولة الفرنجة وعلاقاتها مع الأمويين في الأندلس حتى أواخر القرن العاشر الميلادي (الإسكندرية، مؤسسة الثقافة الجامعية، 1990 م)، ص 218 - 227 والمصادر المذكورة.
(3)
- انظر: ابن الأثير، الكامل، 5/ 369. ابن عذاري، البيان المغرب، 2/ 73. شكيب أرسلان، تاريخ غزوات العرب. (القاهرة، مطبعة عيسى الحلبي وشركاه. 1352 هـ). ص 141 - 144.
(تصديره) لرسل قارله بن أذفونش
(1)
ملك الفرنجة القادم عليه مكانه"
(2)
.
ويتضح من عبارة ابن حيان أن ملك الفرنجة قارله بن أذفونش "شارل الأصلع" هو الذي طلب الهدنة، وأرسل وفداً من عنده وصل قرطبة سنة (232) هـ (847 م)
(3)
.
ونتيجة للهجوم الذي شنه القراصنة النورمان
(4)
على الأندلس شهد عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط اتصالات دبلوماسية بينه وبين ملك النورمان "هوريك
(5)
" وقد انفرد ابن دحية من بين المؤرخين في ذكر تلك الاتصالات، ونقلها عنه المقري، يقول ابن دحية: "ولما وفد على السلطان عبد الرحمن رسل ملك المجوس يطلب الصلح بعد خروجهم من اشبيلية
(1)
- أطلق عليه ابن حيان اسم "قرلش بن لذويق" المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 130. بينما أسماه ابن عذاري "فردلند" البيان المغرب: 2/ 108. وتابعه في ذلك ابن الخطيب، أعمال الأعلام، 2/ 23. واسمه الحقيقي: قارله " Charles" الملقب بالأصلع " Chauve" المعروف بلقب الورع " Le Pieux" انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 103 حاشية رقم 7.
(2)
- المصدر السابق ص 103.
(3)
- Levi- Provencel: OP.Cit.I، P: 213
(4)
- عن أولئك القراصنة وإلى من ينتمون. انظر: د. حسين مؤنس: غارات النورمانديين على الأندلس بين سنتي 229 - 245 هـ (القاهرة، المجلة التاريخية المصرية، المجلد الثاني، العدد الأول، مايو 1949 م) ص 24 - 28.
(5)
- المرجع السابق ص 29.
وإيقاعهم بها وقتل قائد الأسطول فيها رأى أن يراجعهم بقبول ذلك، فأمر الغزال
(1)
أن يمشي في رسالته مع رسل ملكهم لما كان الغزال عليه من حدة الخاطر وبديهة الرأي وحسن الجواب والنجدة والإقدام والدخول والخروج من كل باب، وصحبته يحيى بن حبيب، فنهض إلى مدينة شلب
(2)
وقد أنشأ لهم مركب حسن كامل الآلة وروجع ملك المجوس على رسالته، وكوفئ على هديته"
(3)
.
ومن هذا النص يتضح أن الوفد الذي قدم من لدن ملك المجوس إنما جاء لطلب الصلح، وقد أخذ بهذا الرأي أحد الباحثين حيث قال:
(1)
- يحيى بن الحكم البكري الجياني، المعروف بالغزال، ولد سنة 156 هـ تقريباً وتوفي سنة 250 هـ، لقب بالغزال لجماله وأناقته، كان شاعراً مطبوعاً، وكان جليل القدر مقرباً من أمراء بني أمية، عرف بسعة الثقافة وحدة الخاطر. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم 888. بغية الملتمس، ترجمة رقم 1467. آنخل بالنثيا، تاريخ الفكر الأندلسي، (ترجمة: د. حسين مؤنس، القاهرة مكتبة النهضة المصرية ط الأولى 1955 م)، ص 55 - 56. وانظر: محمد صالح البنداق، يحيى بن الحكم الغزال (بيروت، دار الأفاق الجديدة 1979 م) ص 17 - 32.
(2)
- شلب Silves قاعدة كورة أكشونبة، بقبلي مدينة باجه، وتشتهر بوفرة شجر التفاح انظر: الروض المعطار ص 342 - 343 وهي اليوم مدينة صغيرة في جنوب البرتغال تابعة لمديرية الغرب ALgarve.
(3)
- المطرب، ص 130 - 136، وانظر: نفح الطيب، 2/ 257 - 259. وقد قوبلت رواية ابن دحية بانكار بعض المهتمين بالدراسات التاريخية الأندلسية. انظر: د. حسين مؤنس، غارات النورمانديين على الأندلس، ص 42 - 47، 60 - 63.
"وأدرك ملك الغزاة مدى قوة المسلمين، واعتقد أنهم سوف ينتقمون منه ومن شعبه فبادر فوراً إلى توجيه سفارة لأمير الأندلس عبد الرحمن يطلب الصلح وتوطيد العلاقات"
(1)
.
ولا أدري على أي أساس يقدم ذلك الباحث هذا الرأي، فإذا كان الملك "هوريك" يقطن في شمال أوربا فما الذي يزعجه من الأمير عبد الرحمن الأوسط وقواته، حيث تفصل بينهما مساحات شاسعة جداً وعقبات لا يمكن تجاوزها.
ولعل الأولى بالقبول في سبب وصول وفد النورمانديين إلى قرطبة، هو ما ذهب إليه الأستاذ حسين مؤنس، فقد ذكر أن للملك "هوريك" علاقات واضحة مع بعض ملوك أوربا في ذلك الوقت، فليس من المستبعد أن يقوم بمراسلة الأمير عبد الرحمن الأوسط الذي يحكم دولة من أقوى دول العالم المعروفة آنذاك، إن لم تكن أقواها على الإطلاق.
ويجب ألا ننسى أنه ربما كان يرغب في الحصول على بعض طُرف لطائف الأندلس من الثياب وغيرها، والتي كان غزاة النورمانيين يحرصون عليها بشدة ويرغبون بها عن الذهب والفضة
(2)
، وقد أتحف الأمير الأندلسي ملك النورمان بالكثير من تلك الطرف واللطائف حيث سر بها بشدة، بالإضافة إلى أن الملك هوريك اعتاد أن يكتب إلى جيرانه بعد كل حادثة يقوم بها قراصنته ضد أولئك الجيران، متنصلاً من تبعتهم له،
(1)
- د. محمد صالح البنداق، يحيى بن الحكم الغزال، ص 112.
(2)
- ابن القوطية، ص 65.
ومعتذراً عما اقترفوه، فلماذا لا يكون الأمير عبد الرحمن الأوسط من بين أولئك الجيران
(1)
؟.
وفي ربيع سنة (845 م) الموافق شهر شوال أو ذي القعدة من سنة (235) هـ وصل وفد ملك النورمان إلى قرطبة، وبعد أن أدى رسالته غادر في أوائل سنة (236) هـ الموافق أواخر صيف سنة (845 م) وبصحبته الوفد الأندلسي
(2)
المكون من يحيى الغزال وصاحبه يحيى بن حبيب
(3)
، وعندما وصل الغزال وصاحبه إلى عاصمة النورمان أمر الملك بإكرامهما وأنزلهما منزلاً حسناً، ثم جلس لاستقبالهما بعد يومين فقط من وصولهما حيث استلم رسالة الأمير عبد الرحمن الأوسط، واستعرض هديته، ولم
(1)
- غارات النورمانديين على الأندلس ص 40، 45 - 46.
(2)
- المرجع السابق، ص 51 - 52.
(3)
- المطرب، ص 130، وقد ذهب الدكتور البنداق إلى أن ابن حبيب هذا هو الشهير بـ"صاحب المنيقلة" حيث خرج من ذلك بنتيجة مؤداها أن وجوده في السفارة مهم جداً إذ أن معرفته بالفلك تمكنه من دراسة "ظروف الحياة الطبيعية في بلدان الشمال وإطلاع الأمير عليها" انظر: البنداق، المرجع السابق ص 150. والذي ذهب إليه الدكتور البنداق غير صحيح إذ أن صاحب المنيقلة هو عباس بن فرناس الذي اشتهر بعدة علوم من بينها الكيمياء والفلك. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 282 - 283. المغرب في حلى المغرب 1/ 333. نفح الطيب 3/ 374.
يخف سروره بها، وبعد أن مكث رسولا الأمير مدة انصرفا عائدين إلى قرطبة
(1)
.
هذه هي سفارة الغزال التي كانت رداً على وصول الوفد النورماني القادم من الدنمارك، وبذلك نجح الأمير عبد الرحمن الأوسط بالأسلوب الدبلوماسي الذي اتبعه تجنيب بلاده هجمات أولئك القراصنة طيلة سني حكمه، وتمكن خلالها من تحصين بلاده
(2)
، الأمر الذي نتج عنه فشل الهجوم الذي شنه النورمانديون على الأندلس سنة (245) هـ (859 م) فشلاً ذريعاً
(3)
.
وكما شهد عصر الإمارة اتصالات دبلوماسية تهدف إلى المهادنة والمصالحة، كانت هناك اتصالات أخرى ذات أغراض شتى.
(1)
- المطرب، ص 131 - 132، 136. وانظر: د. حسين مؤنس، المرجع السابق، ص 63.
(2)
- عن التحصينات التي قام بها الأمير عبدالرحمن الأوسط. انظر: ابن القوطية، ص 65 - 67. المغرب في حُلى المغرب، 1/ 49. الروض المعطار ص 58 - 60، 461 Levi- Provencal: Op cit.T.I.P: 225.
(3)
- انظر: نصوص عن الأندلس، ص 118 - 119. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 307 - 309. البيان المغرب، 2/ 96 - 97. غارات النورمانديين على الأندلس، ص 64 - 73. Levi- Provencal: Op Cit.T.I P: 310 - 312 ..
فقد وصل إلى قرطبة سنة (207) هـ (822) وفد رسمي قادم من إمارة الرستميين
(1)
، وكان الوفد مكون من عبد الغني ودحون وبهرام
(2)
، أبناء عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم
(3)
وذلك
(1)
- الإمارة الرستمية، هي الدولة الفارسية الأولى في الإسلام، تنسب إلى مؤسسها عبد الرحمن بن رستم بن بهرام، أحد موالي الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد تم انتخاب ابن رستم إماماً لإباضية المغرب الأوسط، وبعد إتمام بناء مدينة تاهرت سنة 161 هـ جُددت له البيعة وذلك سنة 162 هـ. وقد مكث الحكم في ذريته وراثياً، إلى أن أزيلت على يد داعية العبيديين أبي عبد الله الشيعي وذلك في شهر شوال سنة 296 هـ. انظر: البكري، المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب، ص 67 - 68. أبو زكريا يحيى بن أبي بكر، سير الأئمة وأخبارهم (تحقيق: وتعليق: إسماعيل العربي، الجزائر، المكتبة الوطنية، ط 1399 هـ). ص 53 وما بعدها. البيان المغرب 1/ 196 - 197. محمد بن تاويت، دولة الرستميين أصحاب تاهرت، (مدريد، صحيفة معهد الدراسات الإسلامية. المجلد الخامس العدد 1 - 2 سنة 1975 م). ص 105 وما بعدها. د. محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي (بيروت، دار العودة، 1976 م) ص 107 - 157. محمد ولد داداه، مفهوم الملك في المغرب، من انتصاف القرن الأول إلى انتصاف القرن السابع. (بيروت- القاهرة 1977 م) ص 25 - 31. د. محمد عيسى الحريري، مقدمات البناء السياسي للمغرب العربي (160 - 296 هـ)(القاهرة، مكتبة الشباب ط الأولى 1399 هـ- 1979 م) ص 67 ومابعدها.
(2)
- Levi- Provencal Op Cit.T.I.P: 244.
(3)
- عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ثاني الأئمة الرستميين، وإمام من أعظم أئمة الإباضية في تاهرت بالجزائر وعلى يديه افترقت الإباضية، كان فقيهاً عالماً شجاعاً يباشر الحروب بنفسه. انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، (تحقيق: د. محمد ناصر وإبراهيم بعاص بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1406 هـ (1986 م) ص 43 - 65.
لتقديم التعزية للأمير عبد الرحمن الأوسط بوفاة والده، وتهنئته بمناسبة استلامه الحكم
(1)
.
وقد جرى للوفد استقبالٌ باهرٌ، حيث استقبلهم الأمير وبالغ في الحفاوة بهم، حتى غدت هذه الحفاوة مثار إعجاب الناس ومدار حديثهم
(2)
.
(1)
- ذكر ابن سعيد أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد أنفق في هذا الاحتفال ألف ألف دينار، انظر: المغرب في حلى المغرب 1/ 48. 'إلا أنني أرى أن المبلغ المذكور فيه مبالغة، فإذا كانت الجباية في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط تبلغ ألف ألف دينار، فكيف ينفق كل الجباية في احتفال واحد، وعليه فالأصح أن يقال أنه أنفق على الاحتفال ألف دينار فقط، أو ألف ألف درهم.
(2)
- وعن العلاقة وأهميتها بين الرستميين وأمويي الأندلس، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 85، 130. الحلة السيراء 2/ 372، 387، 390. البيان المغرب: 2/ 82، 87، 118، 212، 214. د. محمود مكي، الخوارج في الأندلس، (مجلة تطوان للأبحاث المغربية والأندلسية، المغرب 1956 م)، ص 173 - 174. محمد بن تاويت، دولة الرستميين أصحاب تاهرت (صحيفة معد الدراسات الإسلامية، مدريد، م 5، ع 1 - 2 سنة 1957 م. أرشيبالد لويس، القوى البحرية والتجارية، (ترجمة: أحمد محمد عيسى، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية 1960 م) ص 260 - 261. L.Provencal: Op.Cit.vI، P:244.
وفي سنة (839 - (840) م) (225) هـ وصل إلى قرطبة رسول يدعى: قراطيوس Kratiyus على رأس وفد قادم من عند الإمبراطور البيزنطي: تيوفيلوس Theophilus
(1)
.
وقد جرى للرسول البيزنطي استقبالٌ حافلٌ، وبعد أن قدم هدايا الإمبراطور للأمير، تليت الرسالة التي من أجلها حضر الوفد إلى قرطبة، فقد أبدى فيها الإمبراطور رغبته في إقامة علاقات ودية مع الأمير الأموي، وأن تكون بينهما معاهدة صداقة وتحالف، كما لم ينس تذكيره بموطنه الأصيل، وقسوة العباسيين ضد أسرته، وإن باستطاعته العودة إلى الشام، و يتعهد له بتقديم المساعدة اللازمة لتحقيق هذا الهدف، ثم تطرق إلى مسألة الأندلسيين الذين استولوا على جزيرة إقريطش
(2)
، وفي نهاية رسالته لمز
(1)
- نفح الطيب، 1/ 346 - 347، بروفنسال، الإسلام في المغرب والأندلس، (ترجمة د. محمود عبدالعزيز سالم، محمد صلاح الدين، القاهرة، مكتبة نهضة مصر 1956) ص 97.
(2)
- عن جزيرة إقريطش "كريت" انظر: د. اسمت غنيم، الإمبراطورية البيزنطية وكريت الإسلامية، (جدة، دار المجمع العلمي، 1397 هـ) ص 21 - 32، والمصادر المذكورة. وقد أحدث ضياع إقريطش من أيدي البزنطيين ارتباكاً واضحاً في النظام الدفاعي للإمبراطورية البيزنطية عموما، لأنه أفقدها ميزة الانسجام بين قواتها البرية والبحرية. انظر: د. أحمد العدوي، إقريطش بين المسلمين والبيزنطيين في القرن التاسع الميلادي، (القاهرة، المجلة التاريخية المصرية م 3 ع 2 أكتوبر 1950 م) ص 60. وأما عن الأندلسيين الذين تمكنوا من الإستيلاء على جزيرة إقريطش. انظر: د. عبد العزيز سالم، تاريخ الإسكندرية وحضارتها في العصر الإسلامي، (نشر: مؤسسة شباب الجامعة 1982 م) ص 128 - 138. قارن: ابن حزم، جوامع السيرة، (تحقيق: إحسان عباس وناصر الدين الأسد. القاهرة. المكتبة التجارية الكبرى. د. ت) ص 344. الحلة السيراء، 1/ 44 - 45 المغرب في حُلى المغرب 1/ 44.
الخليفتين العباسيين المأمون والمعتصم ونعتهما بابني مارده ومراجل
(1)
.
ورداً على رسالة الإمبراطور البيزنطي، وبناءً على طلبه، فقد بعث الأمير عبد الرحمن الأوسط بوفد من عنده مكون من عضوين برئاسة يحيى بن الحكم الغزال حَّمله فيها رسالته وهديته، وفي القسطنطنية جرى للوفد استقبال حافل برز فيه الغزال بطرفه وجماله ورجاحة عقله، فنال إعجاب الإمبراطور، فدعاه إلى مائدته، وبعد أن أدى الوفد مهمته عاد إلى قرطبة دون الارتباط بأي حلف مع البيزنطيين
(2)
.
وهناك معاهدة تحالف وقعت بين قرطبة وإمارة "نافار
(3)
Navarre" فقد وصلت سفارة من النافار إلى بلاط الأمير عبد الرحمن الأوسط، أبرمت على أثرها معاهدة تحالف بين الطرفين، تقوم بموجبها
(1)
- الإسلام في المغرب والأندلس، ص 97 - 98.
(2)
- نفح الطيب، 1/ 246. الإسلام في المغرب والأندلس ص 92 - 118.
(3)
- مملكة "نبارِّة تقع في بلاد البشكنس Basques جنوب جبال البرتات، كانت في البداية واقعة تحت سلطة بعض النبلاء التابعين للفرنج أو لحكام من كانتبرية Cantabria أو أمراء من أسترياس Austurias استقلت في القرن الثاني الهجري، وأصبحت بنبلونه قاعدة لها. انظر: د. عبد الرحمن الحجي،، اندلسيات، 2/ 52.
القوات الإسلامية بمساعدة النافار ضد أي اعتداء خارجي، في حين أن على النافار مساعدة القوات الإسلامية عند عبورها جبال البرتات
(1)
متجهة إلى فرنسا
(2)
.
وفي أواخر عصر الأمير محمد بن عبد الرحمن وصل إلى قرطبة السفير: دولئديو " Dulcidio" أسقف سلمنقة
(3)
" Salamonca" مبعوثاُ من قبل ألفونسو الثالث ملك ليون، للتفاوض مع الأمير محمد من أجل توقيع معاهدة صلح بين الطرفين، وقد نجح السفير في مهمته وعاد إلى "أوفيدو
(4)
(1)
- البرتات أو البرت " Pirineos- Pyrenees" هي الجبال التي تفصل أسبانيا عن فرنسا، وهي محرفة عن الأسبانية " Puerta" والبعض يسميها خطأ جبال البرانس، وهذه تقع شمال قرطبة، وتسمى جبل المعدن Siera de Almaden ولجبال البرتات أربع ممرات كلها ضيقة يدخلها الفارس بعد الفارس، أشهرها باب الشيزري أو برت شيزرو " Portus Cisenus" يبلغ طوله 35 ميلاً، وعلى طرف كل ممر تقع مدينة في الجهتين. انظر: أرسلان، الحلل السندسية 2/ 108 - 113. د. حسين مؤنس، تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس، (مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ط الأولى. 1386 هـ (1967 م)) ص 264، 274. أندلسيات، 2/ 72.
(2)
- انظر: أندلسيات، 2/ 72.
(3)
- سلمنقة: مدينة تقع غرب شقوبيه على بعد 99 كيلو متر، وسلمنقة القائمة على ضفاف نهر تورمس تمتاز بالثقافة، فشوارعها وميادينها غاصة بطلاب العلم الذين يفدون إليها من شتى الأقطار في العالم. انظر: رحلة الأندلس، ص 351 - 352.
(4)
- أوفيدو أو أوبيط، مدينة تقع في شمال أقليم اشتوريس قرب خليج البسكايه إلى الغرب من صخرة كوفادونجا على مسافة خمسة وثمانين كيلو متراً، ومن أبرز معالمها جامعة من أقدم الجامعات الأسبانية، أنشأت سنة 1013 هـ، ولاتزال قائمة إلى اليوم. انظر: الأثار الأندلسية الباقية ص 361 - 365.
Oviedo" عاصمة ليون
(1)
، ومعه رفاة اثنين من النصارى، هما القس أولوخيو Eulogio وصاحبته ليو كريسيا Leocrecia وذلك سنة (270) هـ (883 م)
(2)
. وعلى الرغم من كثرة الوفود التي قدمت إلى قرطبة طوال عصر الإمارة (138) ـ (316) هـ (755 - (928) م) إلا ان المصادر خلت من ذكر أي مراسم تقام في تلك المناسبات، ولعل ذلك عائد إلى بساطة الاحتفالات التي كانت تقيمها الدولة آنذاك، إذ أن الدولة مرت بفترة تأسيس ثم استقرت نوعاً ما طوال عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط: 206 - (238) هـ (822 - (852) م) ونصف عهد ابنه محمد: 238 - (273) هـ (852 - (886) م) ثم عاشت باضطراب حتى أعلن الأمير
(1)
- نشأت مملكة "ليون" من اتحاد إمارتي كانتبريا " Cantabria" وجليقية في حكومة واحدة، عرفت عند المؤرخين المسلمين باسم "جليقية" وأراضيها تمتد من المحيط الاطلنطي غرباً حتى بلاد البشكنس شرقاً، ومن مضيق بسكاي " Bescay" شمالاً إلى نهر دويره " Duero" جنوباً، وعندما استلم الأمير عبدالرحمن الداخل إمارة الأندلس كانت مملكة ليون تشغل ربع مساحة شبه جزيرة إيبيريا تقريباً، وكانت عاصمتها في السابق مدينة أبيط " Oviedo" ولكن بعد أن قويت شوكة هذه المملكة واتسعت حدودها جنوباً، أصبحت مدينة ليون " Leon" عاصمتها الجديدة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم 610. أعمال الأعلام 2/ 323 - 324. أندلسيات، 2/ 42.
(2)
- انظر: دولة الإسلام في الأندلس، ع 1 ق 1، ص 303. أندلسيات 2/ 74.
عبد الرحمن بن محمد قيام الخلافة الأموية في الأندلس سنة (316) هـ (928 م).
ومن هذا يتضح أن الأمراء الأوائل اهتموا بتثبيت أركان الدولة دون الالتفات إلى المظاهر التي تنم عن الاستقرار والرفاهية وهو أمر طبيعي، إذ أن الدولة لاتصل إلى الاهتمام بهذه الأمور إلا في مرحلة تالية، وذلك عندما يبدأ الجيل التالي بقطف ثمرة الجهد الذي بذله الجيل الأول، وهذا ما سيتضح لنا جلياً في عصر الخلافة.
ففي القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كانت قرطبة تعيش أزهى أيامها، فقد بلغت من الثراء والازدهار درجة لم تبلغها من قبل، فغدت مهيبة الجانب، يخطب الجميع ودها، وأصبح السفراء يفدون إليها من أنحاء شتى، لأغراض متباينة، مابين طاعة وولاء، وتحالف، وسلم وموالفة وتجديد عهد المودة، وطلب النصرة لاسترداد العرش، بل إن منها ما كان للاستشفاء.
فقد استقبل بلاط الخلافة بقرطبة، وفوداً وصلت من المغرب والقيروان جاءت لتقديم الطاعة والولاء
(1)
، وسفارات قدمت لأجل الصلح
(1)
- وصلت إلى قرطبة سفارات عدة في سنوات: 328 هـ، 335 هـ، 337 هـ، 338 هـ، 339 هـ، 356 هـ، 360 هـ، 364 هـ، وكلها قدمت من المغرب والقيروان. انظر: المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 459. المصدر السابق، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 39 - 42، 194. البيان المغرب، / 212، 213، 214، 215، 216، 217، 239، 241. وتجدر الإشارة إلى أن تلك الوفود قدمت من زعامات قبلية.
والسلم مثل السفارة التى وصلت من جزيرة سردينيا، وذلك يوم الثلاثاء الثامن من ذي الحجة سنة (330) هـ
(1)
(أغسطس (942) م)، والسفارة التي قدمت من أردون الثالث ملك ليون سنة (344) هـ
(2)
(955 م)، والسفارة التي رأستها الراهبة إلبيرة " Elvira" الوصية على ابن أخيها ردمير الثالث ملك ليون جاءت لعقد السلم مع الخليفة الحكم المستنصر بالله
(3)
، وكذلك السفارة التي قدمت من برشلونة في نهاية شهر شعبان سنة (360) هـ
(4)
(يونيو (971) م) وتكررت مرة أخرى سنة (393) هـ
(5)
(1003 م).
وهناك سفارات وصلت إلى قرطبة من أجل "إيقاع الموالفة واتصال المكاتبة
(6)
" فقد قدمت سفارة من الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع سنة (334) هـ
(7)
(946 م)، ومرة أخرى سنة (338) هـ
(8)
(949 م)، كما
(1)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 485.
(2)
- تاريخ ابن خلدون، 4/ 143. أندلسيات 2/ 76 - 79.
(3)
- تاريخ ابن خلدون 4/ 146.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص 20 - 22.
(5)
- الذخيرة، ق 1 م 1، ص 84 - 85.
(6)
- البيان المغرب 2/ 215.
(7)
- المصدر السابق، 2/ 212.
(8)
- نفسه 2/ 215.
وصلت سفارة هوتو ملك الصقالبة سنة (342) هـ
(1)
(952 م)، وفي اليوم الثالث والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة (361) هـ (مارس (972) م) وصل إلى قرطبة رسل إمبراطور بيزنطه
(2)
، وفي سنة (363) هـ (974 م) قدمت سفارة أخرى من بلاد الصقالبة
(3)
، كلها لأجل ذلك الغرض.
وفي الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة (360) هـ (يوليو (971) م) وصل قرطبة وفد قادم من عند أحد أمراء نصارى الشمال في غربي جليقية، وذلك بغرض التحالف
(4)
.
ومن السفارات التي وصلت إلى بلاط الخلافة بقرطبة، من أجل المساعدة في استرداد العروش التي اضطر أصحابها إلى التنحي عنها، ما ورد لدى ابن خلدون من أن الخليفة عبد الرحمن الناصر قدمت إليه طوطه ملكة نافار ومعها ولدها غرسيه " Garcia" وحفيدها شانجه " Sancho" ملك ليون المخلوع وذلك سنة (347) هـ
(5)
(960 م).
وفي سنة (351) هـ (962 م) وصل إلى قرطبة ملك جليقية أردون بن أدفونش ملقياً بنفسه إلى الخليفة الحكم المستنصر بالله، طالباً منه
(1)
- نفسه 2/ 218.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 71.
(3)
- المصدر السابق ص 182.
(4)
- نفسه ص 27.
(5)
- تاريخ ابن خلدون، 4/ 143.
المساعدة في استرداد عرشه
(1)
، وقد لبى الخليفة طلب الملك، بعد أن وافق على ترك ولده غرسية رهينة عند الخليفة، حسب ما تقتضيه أنظمة الدولة الأموية
(2)
.
وهناك سفارة وصلت إلى قرطبة تعتبر فريدة في موضوعها، ففي سنة (350) هـ
(3)
(961 م) قدمت من روما سفارة، تطلب من الخليفة عبد الرحمن الناصر الإذن في استرداد جثمان لأحد النصارى، كان مدفوناً في كنيسة بالقرب من مدينة لورقه
(4)
.
وكانت السفارات التي تفد إلى حاضرة الخلافة الأموية في الأندلس، تقابل بكل مظاهر الإكرام، ويقام بهذه المناسبة احتفال ضخم، يظهر مدى قوة الخلافة وعظمتها، وذلك وفق رسوم دقيقة.
فمنذ أن يصل السفير إلى حدود الدولة الأموية، يقوم الوالي في ذلك الحد، بإخطار الخليفة عن وصول السفير، فيبعث الخليفة من عنده وفداً
(1)
- المصدر السابق: 4/ 145.
(2)
- نفح الطيب، 1/ 384.
(3)
- نصوص عن الأندلس، ص 7. ورد لدى الحميري أن السفارة جرت سنة 305 هـ. الروض المعطار، ص 512. ويبدو أن خطأ في النسخ قد أحدث الإختلاف بين المصدرين.
(4)
- نصوص عن الأندلس، ص 7 - 8 تاريخ بن خلدون 4/ 143. ومدينة لورقه Lorca تقع في كورة مرسية، شرقي الأندلس شمال المريه، وصفت بأنها غنية بالمحاصيل الزراعية وتمتاز بالموقع الحصين ومن منعتها اكتسبت اسمها لورقه الذي يعني باللطيني الدرع الحصين. انظر: نصوص عن الأندلس، ص 1 - 2. الروض المعطار، ص 512 - 513.
لاستقباله، وهذا الوفد هو أشبه ما يكون بالبعثة الشرفية المعروفة بالوقت الحالي، وتقوم هذه البعثة بمرافقة السفير إلى العاصمة، وتحرص هذه البعثة أشد الحرص على عدم تمكين السفير من معرفة الطريق، فيختارون له الطرق الوعرة المتعبة بالذات إن كان من دولة معادية، وعندما يقترب السفير من العاصمة، تكون هناك مجموعات من الجند مرتبة ترتيباً عسكرياً، تستقبله الواحدة تلو الأخرى، ثم يخرج أحد كبار رجالات الدولة المقربين من الخليفة فيستقبل السفير، ويرحب به، ويدخل معه إلى قرطبة، وما يزال مسايراً له، حتى ينزله في دار سبق إعدادها لنزوله، ويتم ترتيب مجموعة من ذوي الخبرة بالضيافة لخدمته، ومجموعة أخرى لتمنع العامة والخاصة من الاختلاط به، خشية أن يتوصل إلى معرفة ما يضر بالدولة الأموية، وذلك من خلال استمالته لأحدهم.
والخليفة لا يستقبل السفير مباشرة، بل إن الوزير المرافق للسفير، يطلع على المهمة التي قدم من أجلها، وهو بدوره يبلغها للخليفة، فإن رضي عن المهمة أذن للسفير بمقابلته وإلا منعه.
ولم يحدث أن رفض الخليفة استقبال أي سفير، إلا ما جرى من الخليفة عبد الرحمن الناصر، عندما رفض استقبال الراهب جان "يوحنا" الذي كان مبعوثاً من عند الملك هوتو، بعد أن علم الخليفة أن الغرض من السفارة كان لأجل مناقشة بعض الأمور الدينية
(1)
.
(1)
- أرسلان، غزوات العرب، ص 179 - 180.
وليس هناك وقتاً محدداً لإتمام المقابلة بين الخليفة والسفير، إذ أن وقت الفجر ممكن أن يكون موعداً للمقابلة، وذلك كما فعل الحاجب المنصور بن أبي عامر عند استقباله لأحد السفراء
(1)
، إلا أن هذا نادر الحصول، إذ من المتوقع أن يكون الموعد في النهار لكي تظهر المراسم بكامل زينتها.
وإذا حدث أن وفد إلى بلاط الخليفة عدة سفراء في آن واحد، صدر الإذن للسفراء المسلمين قبل غيرهم لمقابلة الخليفة، وهذا ما فعله الخليفة الحكم المستنصر بالله، فقد جلس في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة سنة (362) هـ (24 سبتمبر (973) م) لاستقبال الرسل والوفود التي قدمت لمقابلته، فأمر بتقديم السفراء المسلمين في الإذن للدخول عليه
(2)
.
وقبل أن يدخل السفير أو الوفد على الخليفة، لابد من إفهامهم بما يجب عليهم اتباعه، عند مخاطبتهم له
(3)
، ويتولى قاضي النصارى بقرطبة الترجمة بين الوفد والخليفة، ويفترض في المترجم أن يكون حصيفاً فلا ينقل للخليفة ما يشعره بأدنى مقدار من الاستهانة به أو بمركزه، وإلا لقي الإهانة والطرد من منصبه
(4)
.
(1)
- نفح الطيب، 3/ 85.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 138.
(3)
- المصدر السابق، ص 147.
(4)
- انظر: المصدر السابق ص 146.
وما يمكن تسميته بالحصانة الدبلوماسية، مكفولة للسفير، فمهما بدا منه من جفاء فلا يعاقب، بل يكتفى بطرده من البلاط، وحرمانه من إكمال أداء مهمته
(1)
.
ولم تعرف عادة تقبيل البساط بين يدي الخليفة، إلا في عهد الحكم المستنصر بالله
(2)
، فقد كان والده يرفض ذلك ويأباه
(3)
.
ويتم التمييز بين السفراء حسب مكانة مرسلهم، فإذا كان المرسل صاحب دولة قوية، أو كان موالياً للدولة الأموية، فإن الخليفة يعطي السفير باطن يده ليقبلها
(4)
، وأما ما سوى ذلك فإنهم يقبلون ظاهر يده
(5)
، وفي هذا دلالة على أن الدولة الأموية، كانت تفرق في مراسم الاحتفالات بين سفراء الدول الكبرى والصغرى.
(1)
- نفسه ص 146 - 147. وعن أمان الرسل في الإسلام، انظر: د. كامل الدقس، العلاقات الدولية في الإسلام، ص 139 - 143.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 52. نفح الطيب 1/ 390 - 391. لعل الخليفة الحكم قد تأثر كثيراً بملوك النصارى في تقبيل البساط، الذي هو بمثابة السجود والعياذ بالله.
(3)
- البيان المغرب، 2/ 213.
(4)
- غزوات العرب ص 181. قارن: هشام سليم أبو رميله، نظم الحكم في الأندلس في عصر الخلافة، (رسالة ماجستير مقدمة لكلية الآداب، جامعة القاهرة 1975 م (لم تطبع)) ص 108.
(5)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 52.
وفيما يتعلق بتقبيل اليد بلغ هذا الأمر ذروته في عهد الحاجب المنصور ابن أبي عامر، وذلك عندما سمح للملك شانجه والد زوجته أم عبد الرحمن بتقبيل يديه ورجليه
(1)
.
وبعد أن يأذن الخليفة للسفير بالجلوس، يقدم الأخير هدية مرسله، ويعرضها في المجلس، وإذا كان مع الهدية بعض الجواري، فإنه يتم إرسالهن فوراً إلى دار الحرم، دون عرضهن في المجلس.
وكانت أعظم هدية يقدمها الوفد للخليفة، هي إطلاق سراح مجموعة من الأسرى المسلمين إكراماً له
(2)
.
وبعد أن يتقبل الخليفة الهدية ويقرأ الكتاب المصاحب لها، يقوم الشعراء والخطباء بإلقاء خطب وقصائد تحوي عبارات الثناء على الخليفة، وبعد انتهاء الحفل، يؤخذ السفير إلى مقر إقامته، ويمكث هناك حتى يطلبه لإجراء المباحثات وبعد أن يعقد معه عدة جلسات على انفراد تام، يسمح للسفير ومن معه بالقيام ببعض الجولات الترفيهية في أنحاء العاصمة، وذلك بصحبة الوزير المرافق، وبعد عدة أيام يؤذن للوفد بمقابلة الخليفة لوداعه وتقبل هديته
(3)
التي يتم استلامها في بيت الوزراء، إذ أن الخليفة يأمرهم
(1)
- أعمال الأعلام، 2/ 73 - 74.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 21 - 22.
(3)
- المصدر السابق، ص 32. نفح الطيب، 1/ 385.
بالاجتماع في بيتهم، واستقبال أعضاء الوفد للترحيب بهم، وتسليمهم هدية الخليفة
(1)
. وعادة ما تكون أقل من الهدية التي قدمها له الوفد.
وقد حفظت لنا المصادر الأندلسية، صوراً للاحتفالات التي كانت تقام بمناسبة وصول أحد السفراء إلى قرطبة لمقابلة الخليفة.
فقد بعث الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع Costantine VII المعروف بـ "بورفيرجينيت Porphyrogenitus" أي لابس الأرجوان
(2)
، سفارة إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر، وقد وصلت السفارة الأندلس في شهر صفر سنة (338) هـ
(3)
(أغسطس (949) م)، فتأهب الخليفة لاستقبال أعضاء السفارة، "وأمر أن يتلقوا أعظم تلق وأفخمه، وأحسن قبول وأكرمه، وأخرج إلى لقائهم ببجانة يحيى بن محمد بن الليث وغيره لخدمة أسباب الطريق، فلما صاروا بأقرب المحلات من قرطبة خرج إلى لقائهم القواد في العدد والعدة والتعبئة، فتلقوهم قائداً بعد قائد، وكمل اختصاصهم بعد ذلك، بأن أخرج إليهم الفتيين الكبيرين الخصيين ياسراً وتماماً، إبلاغاً في الاحتفال بهم، فلقياهم بعد القواد، فاستبان لهم بخروج الفتيين إليهم بسط الناصر وإكرامه، لأن الفتيان حينئذ هم عظماء الدولة، لأنهم أصحاب الخلوة مع الناصر وحرمه، وبيدهم القصر السلطاني،
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 110.
(2)
- تاريخ الفكر الأندلسي، ص 462.
(3)
- قارن: تاريخ ابن خلدون، 4/ 142. طبقات الأطباء، ص 494. تاريخ الفكر الأندلسي، ص 462.
وأنزلوا بمنية ولي العهد الحكم المنسوبة إلى نصر بعدوة قرطبة في الربض، ومنعوا من لقاء الخاصة والعامة جملة، ومن ملابسة الناس طُرَّا، ورُتّب لحجابتهم رجال تخيروا من الموالي ووجوه الحشم فصُيّروا على باب قصر هذه المنية ستة عشر رجلاً لأربع دول، لكل دولة أربع منهم، ورحل الناصر لدين الله من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لدخول وفود الروم عليه، فقعد لهم يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من السنة المذكورة في بهو المجلس الزاهر قعوداً حسناً نبيلاً، وقعد عن يمينه ولي العهد من بنيه الحكم، ثم عبيد الله ثم عبد العزيز أبو الأصبغ ثم مروان، وقعد عن يساره المنذر ثم عبد الجبار ثم سليمان، وتخلف عبد الملك لأنه كان عليلاً لم يطق الحضور، وحضر الوزراء على مراتبهم يميناً وشمالاً، ووقف الحجّاب من أهل الخدمة من أبناء الوزراء والموالي والوكلاء وغيرهم، وقد بُسط صحن الدار أجمع بعتاق البُسُط وكرائم الدرانك
(1)
.
وظُلّلت أبواب الدار وحناياها بظلل الديباج ورفيع الستور، فوصل رسل ملك الروم حائرين مما رأوه من بهجة الملك وفخامة السلطان، ودفعوا كتاب ملكهم صاحب القسطنطينية العظمى قسطنطين بن ليون، وهو في رق مصبوغ لوناً سماوياً مكتوب بالذهب بالخط الإغريقي، وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة أيضاً مكتوبة بفضة بخط إغريقي أيضاً فيها وصف هديته التي أرسل بها وعددها، وعلى الكتاب طابع ذهب وزنه
(1)
- الدرانك: البسط.
أربعة مثاقيل، على الوجه الواحد منه صورة المسيح، وعلى الأخر صورة قسطنطين الملك وصورة ولده، وكان الكتاب بداخل درج فضة منقوش عليه غطاء ذهب فيه صورة قسطنطين الملك معمولة من الزجاج الملون البديع، وكان الدرج داخل جعبة ملبسة بالديباج، وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه: قسطنطين ورومانس المؤمنان بالمسيح، الملكان العظيمان ملكا الروم، وفي سطر أخر: العظيم الاستحقاق المفخر الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة الحاكم على العرب بالأندلس، أطال الله بقاءه
(1)
، ولما احتفل الناصر لدين الله هذا الاحتفال أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه، لتذكر جلالة مقعده وعظيم سلطانه، وتصف ماتهيأ من توطيد الخلافة في دولته، وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه ولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، ويقدمه أمام نشيد الشعراء، فأمر الحكم صنيعه الفقيه محمد بن عبد البر الكستياني بالتأهب لذلك، وإعداد خطبة بليغة يقوم بها بين يدي الخليفة، وكان يدَّعي من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره، وحضر المجلس السلطاني، فلما قام يحاول
(1)
- كان من بين الهدية التي قدمها الوفد البيزنطي للخليفة نسخة من كتاب الطبيب اليوناني "ديسكوريدس Dioscorides" في الحشائش والنباتات الطبية باللغة اليونانية، ونظراً لعدم وجود من يعرف اليونانية عند الخليفة، لذا فقد بعث إلى الإمبراطور البيزنطي رسالة يطلب فيها منه أن يبعث من عنده من يقوم بترجمة الكتاب، فاستجاب له، وبعث إليه بالراهب نيقولا سنة 340 هـ. انظر: طبقات الأطباء ص 494. تاريخ الفكر الأندلسي ص 462 - 463.
التكلم بما رأى هاله وبهره هول المقام وأبهة الخلافة، فلم يهتد إلى لفظه، بل غُشي عليه وسقط إلى الأرض، فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي
(1)
صاحب الأمالي والنوادر، وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام وبحر اللغة:"قم فارقع هذا الوهي"، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم
…
ثم انقطع القول بالقالي، فوقف ساكتاً مفكراً في كلام يدخل به إلى ذكر ما أراد منه،
…
فلما رأى ذلك منذر بن سعيد
(2)
- وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء - قام من ذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي علي لأول خطبته بكلام عجيب، ونادى في الإحسان من ذلك المقام كل
(1)
- أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيدون، جده من موالي بني أمية تعلم ببغداد، ثم ارتحل إلى الأندلس سنة 328 هـ، ودخل قرطبة في أواخر شعبان سنة 330 هـ واستطوطنها إلى أن وافته المنية بها سنة 356 هـ فدفن في مقبرة متعة ظاهر قرطبة. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 223. عبد العلي الودغيري، أبو علي القالي وأثره في الدراسات اللغوية والأدبية في الأندلس، (طبعة اللجنة المشتركة، المغرب- الأمارات 1403 هـ 1983) ص 36 - 140.
(2)
- أبو الحكم منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن البلوطي، من أهل قرطبة، كان عالماً فقيهاً، أدبياً خطيباً، ولي قضاء مدينة لارده، والثغور الشرقية، ثم قُدِّم إلى قضاء الجماعة، فلم يزل في منصبه إلى أن توفي يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ذي القعدة سنة 355 هـ بعد أن ترك عدة مؤلفات. انظر: الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف، ط الثانية 1984 م) ص 295 - 296. ابن الفرضي، ترجمة رقم 1454. مطمح الأنفس، ص 237 - 259.
مجيب، يسحه سحاً كأنه كان يحفظه من قبل ذلك بمدة، وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي
(1)
…
فصلب العلج وغلب على قلبه، وقال: هذا كبير القوم، أو كبش القوم، وخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه، وثبات جنانه وبلاغة لسانه، وكان الناصر أشدهم تعجباً منه
(2)
…
وفي خمس بقين منه نُقل هؤلاء الرسل من منزلهم بمنية نصير بالربض، إلى دار إبراهيم الفتى بداخل قرطبة، وفي آخر هذا الشهر أعاد الناصر لدين الله القعود الثاني لرسل ملك الروم، بقصر الزهراء، فاحتفل لذلك أيضاً، واستكمل له الأهبة، وبالغ في الزينة، وقعد على باب السدة صاحب المدينة، مع من ضُمَّ إليه من العرفاء والشرط والحرس، وهم صفوف قيام، وقام مع سور القصر سماط من الموالي، في الملابس الحسان والسلاح الشاك، وألزم الفصلان كلها جملاً من العبيد والحشم والبوابين وغيرهم، في أشكل زيهم، ثم أعاد القعود، لهم بالزهراء، وهذا القعود الثالث، كان يوم الخميس لثلاث بقين منه، على ما تقدم في الأهبة والاحتفال في الزينة، وفي النصف من جمادى الأولى منها أدخل الناصر لدين الله هؤلاء الرسل على نفسه في مجلس خاص، قعد لهم فيه في قصر الزهراء، في المجلس المشرف على الرياض، فلما خرجوا من عنده، أدخلوا في ديار الصناعات والعدة بأكناف الزهراء ودار السكة، وطيف بهم بأرجائها، ثم صرفوا إلى
(1)
- نفح الطيب، 1/ 366 - 369.
(2)
- المصدر السابق 1/ 372.
دار نزولهم، فاتصل مقامهم بقرطبة في كرامة موصلة وعطايا متوالية، إلى أن كملت الهدية التي كوفئ بها الطاغية مرسلهم، وأُسلمت إليهم، مع أجوبتهم، وأمروا بالرحيل، وجلس لهم الناصر لدين الله في النصف من شوال من السنة بعدها، فدخلوا للوداع، وجُددت لهم الخلع، وانطلقوا لسبيلهم، متعجبين مما رأوا من عز الإسلام"
(1)
.
وفي عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وفد إلى قرطبة جعفر
(2)
ويحيى أبنا علي بن حمدون، خالعين لدعوة العبيديين، متقلدين للدعوة الأموية، فاحتفل الخليفة لقدومهما، ومن معهما من الفرسان، فأمر أن يخاطب جميع القادة والعمال في كور الأندلس للقدوم إلى قرطبة لحضور
(1)
- المقري، أزهار الرياض، (المغرب- الإمارات لجنة نشر التراث الإسلامي 1398 هـ) 2/ 260 - 261.
(2)
- جعفر بن علي بن حمدون بن سملك الجذامي، الشهير بابن الأندلسي، نشأ في بيت القائم بأمر الله بن المهدي في افريقية، تحت رعاية الأستاذ جوذر وبسبب خلاف نشب بين بلكين بن زيري وبين جعفر التحق الأخير ببلاط الخليفة الأموي الحكم المستنصر بالله ثم عاد إلى المغرب، ثم استقدمه المنصور بن أبي عامر ليخلصه من غالب الناصري، فلما تم له ذلك دس عليه معناً التجيبي في طائفة من أصحابه، فقتلوه غيلة وذلك ليلة الأحد الثالث من شهر شعبان سنة 372 هـ. انظر: أبو علي الجوذري، سيرة الأستاذ جوذر، (تقديم وتعليق: د. محمد كامل حسين، د. محمد عبد الهادي شعيرة، القاهرة، دار الفكر العربي، 1374 هـ /1954 م) ص 175. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي،، ص 32 - 57، 59 - 61، 70، 82، 94، 119
…
البيان المغرب 2/ 279 - 281. مفاخر البربر 6 - 8، 18.
الاحتفال، وأصدر بذلك كتاباً في يوم الاثنين الرابع من شهر ذي القعدة سنة (360) هـ
(1)
(30 أغسطس 971) ثم أرسل في يوم الثلاثاء الثاني عشر من ذي القعدة، صاحب السكة والمواريث وقاضي اشبيلية محمد بن أبي عامر بأربعة من عتاق الخيل وبغل أشهب مزينة بسروج الخلافة ولجمها هبة لجعفر، بالإضافة إلى خمسين فرساً ومائتا زاملة لأصحابه وأثقاله، وكذلك المظال الجليلة والأبنية الفسيحة والقباب المتوسطة والأخبية وعدة أحمال من الوطاء النفيس والغطاء السري والعماريات والهوادج الفاخرة لأجل عيال جعفر، فالتقى به ابن أبي عامر يوم الأحد لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة على أربعة أميال من مالقة، فرحب به وسلم إليه جميع ما أرسله إليه الخليفة، ووجد عنده بسيل وعبد الحميد أبنا أحمد بن عبد الحميد بن بسيل
(2)
عاملي كورة ريه، فقد لزماه لتلبية ما يحتاجه، ثم سار الجميع حتى إذا بلغوا قرية "أقوه ماره" يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذي القعدة، التقى بهم غلام مرسل من الخليفة معه ستة أفراس من عراب الخيل بسرج الخلافة، ولجمها هدية لجعفر بن علي،
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص 41.
(2)
- بيت بني بسيل من أكبر بيوتات الموالي الأمويين من أهل الشام في الأندلس، وقد كان أول من دخلها منهم عبد السلام بن بسيل الرومي المعروف بالشيخ، وذلك أيام الأمير عبد الرحمن الداخل، مع ابنيه عبد الواحد ويحيى، فاستعمله الأمير الداخل في عدة كور ثم ولاه الوزارة، ومنذ ذلك الوقت تأصلت الخطط في بني بسيل. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق: رقم 19.
الذي واصل سيره حتى نزل مع أخيه يحيى ومن معهما من بني خزر في فحص السرادق
(1)
شرقي قرطبة، وذلك يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة، فعدل بعيال جعفر ويحيى إلى المدينة حيث دخلوا قرطبة في الليل بصحبة ثقات الرجال، وفق أوامر الخليفة، وتم اختيار الدار المنسوبة ليوسف بن سليمان المعروف بابن البياني سكناً لعيال جعفر، كما أمر الخليفة بابتياع الدار المنسوبة إلى قاسم بن يعيش من ورثته لتكون منزلاً لعيال يحيى بن علي، فتم ذلك في نفس الليلة، وفي غداة يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة ذهب صاحب الشرطة العليا ومعه طبقات الجند والوفود والحرس في تعبئة كاملة إلى فحص السرادق، حيث اصطحب الزعيمين جعفر ويحيى إلى منية ابن عبد العزيز لتكون منزلاً لهما، فسار الجميع في موكب امتد من محلة فحص السرادق إلى باب المنية، فنزلها الزعيمان، ومكثا فيها بأرغد عيش
(2)
، ولما حان موعد استقبال الخليفة لهما، أقيم احتفال بهي، حرص الخليفة فيه على إظهار كل ما لديه من قوة مادية وعسكرية، فأمر بجمع شباب قرطبة وتوزيع التراس والحراب عليهم من خزانة السلاح ليكونوا في موكب إلى الزهراء، كما تم ترتيب الكتائب
(1)
- فحص السرادق: يقع بالطرف الشرقي من قرطبة، وكان في أول الأمر قصراً ريفياً لتنزه الأمراء الأمويين، ومن المرجح أن يكون هذا الفحص قد تحول في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر إلى مكان لوضع سرادق الخليفة عند استعراض الجيوش قبل خروجها للغزو. انظر: قرطبة حاضرة الخلافة، 1/ 210، ومصادره.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 41 - 46.
وتنظيم العساكر، ثم انطلق صاحب الشرطة العليا في الجيوش من قصر الزهراء إلى منية ابن عبد العزيز لاصطحاب جعفر ويحيى، فلما وصل إلى المنية، وجدهما على أهبة الاستعداد، فركبوا ومعهم أكابر رجالات الدولة الأموية "فساروا من باب المنية بين صفين مصطفين من رجالة الأرباض بقرطبة المسلحين من عند السلطان، انتهت عدتهم في التحصيل ستة عشر ألف راجل عم جميعهم بالتراس والرماح، ثم انتقلوا بين مراتب الفرسان المدرعين الذين كُلف أهل الخدمة صقالبة القصر إركابهم من عندهم في الأسلحة الشاكة، وكانوا عدة وافرة
(1)
ثم تقدموا بين صفوف فرسان الطنجيين المدرعين، ثم نهضوا بين ترتيب فرسان الخمسيين، وعبيد الدرق، والعبيد الرماة، وعلى جميعهم الدروع السابغة، والبيض اللامعة، ثم اشتقوا بين صفي فرسان العبيد الرماة الخاصة لابسي الأقبية البيض متقلنسي المقاريف
(2)
الوبر متنكبي قسيهم وكنانهم الزغرية
(3)
، ثم نفذوا بين الفرسان المدرعين حاملي القنوات الناصلة وكانت عدتها مائة قناة، ثم صاروا بين سماطي أصحاب الجواشن ثم أفضوا إلى صفي الفرسان أصحاب التجافيف، وكانت عدتهم مائتي تجفاف، ثم انتقلوا إلى تعبئة أصحاب العدة الرائقة من البنود الغريبة الأنواع والصفات والتماثيل الرائعات: من الأسود الفاغرة والنمور الجائشة والعقبان الكاسرة والثعابين المضطربة،
(1)
- المصدر السابق، ص 47 - 48.
(2)
- المشهور "اقاريف" جمع أقارف وهو لباس للرأس مخروطي الشكل.
(3)
- الزغرية منسوبة إلى زغر بالشام وكنائنها تعمل من أدم حمر وتطلى بالذهب.
وكانت عدتها مائة صورة، ثم ولجوا بين صفي الجنائب خيول أمير المؤمنين المقربة مكسوة بسروج الخلافة ولجمها: المحرقة
(1)
والمعرقة، وكانت عدتها مائة فرس انتهى موقفها في هذا الترتيب إلى باب الصورة القبلي من أبواب مدينة الزهراء، ثم ولجوا باب المدينة بين صفين مرتبين من فرسان العبيد والعرفاء المدرعين، ثم نهضوا بين صفين من رجالة المسددين والرماة المختلطين الرامين بنوعي القياس
(2)
من الأحرار والعبيد ومن ضُمَّ إليهم من أصحاب الصناعات، وقد لبسوا الثياب الملونة من الإفرند وغيره، على عواتقهم القسي العربية؛ وكان صاحب المدينة بالزهراء محمد بن أفلح قد استوى على كرسيها قاعداً يرتب ما يلزمه ترتيبه، إلى أن دخل القائد صاحب الشرطة إلى القصر، ودخل بدخوله الرسل النافذون إلى جعفر ومن معه لأول عبورهم: محمد بن أبي عامر وابن ناجيت وابن عبد الملك وأبنا بسيل ومعهم جعفر ويحيى بنو خزر وكان في فصلان
(3)
باب السدة جراً إلى دويرات البرطلات
(4)
: الدولتان
(5)
من البوابين والعبيديين والغلمان والوكلاء بدار الخيل وغيرهم من طبقاتهم قعوداً في المصاطب على اتصالهم في أحسن زيهم، متقلدي السيوف الحالية، متقلنسين بالقلانس الموشيَّة،
(1)
- المحرقة: التي بردت برداً جيداً.
(2)
- القياس: جمع قوس.
(3)
- فصلان: جمع فصيل وهو الرحبة عند مدخل البيت.
(4)
- البرطلات: جمع برطل أي المدخل.
(5)
- الدولتان: الجماعتان أو الفئتان.
وأفضوا إلى دار الجند وقد ترتب فيها رجالة الرماة، لابسي أنواع الثياب الملونة، وعلى رؤوسهم المقاريف الدرية وقد تنكبوا القسي الكبار أشباه الحنايا، بأيديهم الطبرزينات والأجوزة والدماغات والأعمدة؛ فعندها تقدم صاحب الشرطة إلى موضع نزوله في المجلس القبلي بدار الوزراء مع أصحابه، وتأخر محمد بن أبي عامر وصحبه المتكنفون لجعفر وأخيه يحيى وبني خزر بجماعتهم عن مداه، فنزلوا عند باب السدة، وصاروا إلى مجالس الجند مع أصحابهم، وقد استوى جلوس الخليفة المستنصر بالله على السرير بالمجلس القبلي الموفي على الرياض المنيفة على السطح العلي؛ (وكان) قد تقدم بإنذار الإخوة فمن دونهم من طبقات أهل المملكة، بالحضور أحفل ماجرت به عادتهم، فأهطعوا لدعوته وتوصلوا على مراتبهم إلى محلة، فكان أول مأذون له منهم الإخوة الثلاثة، قعد منهم أبو الأصبغ عبد العزيز شقيقه عن يمينه، وتحته أبو المطرف المغيرة أصغرهم، وقعد عن يساره أبو القاسم الأصبغ، ثم توصل الوزراء فقعدوا على مراتبهم بأثر الأخوة بعد فجوة، وقام الحاجب منهم عن ذات اليمين: جعفر بن عثمان وصاحب الحشم محمد بن قاسم بن طملس وَوَلِيَ محمد بن قاسم صاحب الخيل زياد بن أفلح؛ ثم توصل أصحاب الشرطة العليا والوسطى فقاموا حجاباً على منازلهم عن ذات اليمين أو اليسار، ثم أذن لأصحاب المخزول والخُزَّان والعُرَّاض وغيرهم من طبقات أهل الخدمة، ولمن أنذر من قريش والموالي والقضاة والفقهاء والعدول، فتوصل جميعهم ومثلوا قياماً على أقدامهم، وقام صفان من الكتَّاب والمقدمين والوصفاء الأكابر ومن دونهم من
طبقات الخدم الخصيان من بين يدي آخر المجلس والمعُتَرض، في زيهم الجميل عليهم اللامات السابغة، والسيوف الحالية، والمرصعة بالجواهر الفاخرة، فكانوا من أبهى حلى المملكة، انتظم بصفَّي أكابرهم في طول السطح العلي من دونهم من الوصفاء وطبقات أهل الخدمة بالدار على سماطين، دارعين متقلدين بالسيوف الحالية وعلى رؤوسهم الطشنيات المفضضة المرقَّشة، متهيئين إلى المعُتَرض بين يدي مجلس الأمراء الغربي إلى باب الفصلان، واتصلوا صفين على انتظام الفصلان إلى فصيل الكتاب الذي يشرع بابه إلى دار الوزراء، وانتظمت التعبئة بعدهم إلى دار الوزراء من رجالة فرسان الرياض ومن متخيَّري عبيد الحاجب جعفر الهالك، عصبة رائقة المرأى، كاملة الشكة، على رؤوسهم البيضات المذهبة، بأيمانهم الحراب الواسعة العريضة على صنعة السيوف الإفرنجة الملونة العصيّ، المزينة بأنابيب الفضة، انتهت تعبئتهم إلى الفصيل المعروف بفصيل أبي العرَّاض، وانتظم في مصاطب تلك الفصلان الطوال بياضُ الكور المستدعون اليوم متزينين بأحسن الزينة اللائقة بهم.
ولما استقر جعفر ويحيى أبنا علي وبنو خزر في البهو الأوسط من مجالس دار الجند وتهذبت التعبئة، خرج الفتيان الكتَّاب إليهم بالإذن في دخولهم، فتقدموا وتقدم بهم محمد بن أبي عامر وأصحابه المخُرَجون أولاً للمجيء بهم فنهضوا داخلين إلى أن صاروا في السطح العلي، ثم استنهضوا إلى المجلس الذي قعد فيه الخليفة، فلما أنهضوا إلى بابه قبلوا البساط مرة بعد أخرى، ثم تقدم بهم إلى السرير وناولهم الخليفة يده، فتقدمهم جعفر
بالتقديم والتسليم، ثم تلاه يحيى أخوه ثم قدم بنو خزر الأسن فالأسن، فقضوا ما عليهم من ذلك وأمرهم الخليفة بالقعود إكراماً لهم، وقُدِّم أصحابهم إثرهم الأسن فالأسن فقبلوا وسلموا، وشافه الخليفة جعفراً قبلهم فأوسع يسأله عما لديه وبسطه وفعل ذلك بأخيه يحيى وبني خزر أصحابهما، ونطق بتقبل نزعهم وتحقيق رجائهم واعتقاد مكافأتهم على محبتهم وصياغتهم ووعدهم بالإحسان إليهم والتشريف لهم، فأعلنوا الشكر واستهلوا بالدعاء وأكثروا من الثناء وحمدوا الله تعالى على مامنحهم له من تجديد إسلامهم وتأكيد إيمانهم، في قصدهم حرم أمير المؤمنين وإسنادهم إلى عز سلطانهم ونبذهم لدعوة الضلال وشيعة الكفار، واعتياضهم من ذلك بالسنة والجماعة والعز والطاعة، وغرب جعفر بن علي في غرابة الأدب مقامه ذلك عند مشافهة أمير المؤمنين له، إذ كان لا يرد الجواب إليه إلا بعد أن يستوي قائماً ويكلمه فيرد جوابه إلى أن انقضى المجلس، فاستُبدع ذلك من أدبه، وانطلقت الجماعة من المجلس عند انتهائه، فصاروا إلى مقعدهم الأول في مجلس الجند، ومحمد بن أبي عامر وصحبه الموكلون بهم لا يفارقونهم إلى أن ركب بهم صاحب الشرطة العليا القائد هشام بن محمد بحضرتهم لمنصرفهم، فركبوا معه وسار بهم مشيعاً لهم ومبلغاً إلى الوزراء الذين تقدم الأمر بإنزالهم فيها بقرطبة، وكان ركوبهم من الموضع الذي نزلوا فيه عند الأبهاء بدار الجند، وابن أبي عامر وصحبه لا يزايلونهم، فخرجوا من قصر الزهراء مع هشام بن محمد، والترتيب الذي جاؤوا فيه على هيئته، فبلغوا زعيمهم جعفر بن علي إلى
دار يوسف بن علي بن سليمان التي أنزل فيها أهله وثقله، ونهضوا بأخيه يحيى إلى دار قاسم بن يعيش وانتهوا ببني خزر إلى دار إبراهيم الفتى الخليفة الموسومة بـ"النزل" فاغتدى يوم دخولهم إلى دار إبراهيم هذا، يوم الأحد، أحد الأيام العُقم التي طار خبرها بالأندلس في الحسن والزينة.
ولما أن استقر جعفر ويحيى بداريهما اطمأنا فيهما، عهد أمير المؤمنين بإجراء ألف دينار دراهم على كل واحد منهما للشهر، ومن القمح لنفقتهما لكل شهر لكل واحد منهما سبعون مدياً توسعةً عليهما وإغداقاً في الأفضال عليهما وأجرى أيضاً على بني خزر من الدنانير والقمح والعلوفة مايفيض ولايغيض، ثم تضاعفت على الجماعة الجرايات وترددت الصلات، فأضحوا مغتبطين بما سنَّى لهم المقدار متغمسين في الحبرة"
(1)
.
والاحتفالات التي كانت تجري عند استقبال الوفود، لا يقتصر إقامتها على حاضرة الخلافة، وإنما قد يكون معسكر الجيش مكاناً لإجراء مراسم الاستقبال، فقد أقام الخليفة عبد الرحمن الناصر حفل استقبال وهو في معسكر الجيش، للملكة طوطه عندما أرغمها على أن تفد إليه وتطأ بساطه وهو في المعسكر وذلك سنة (322) هـ (934 م) عند خروجه لتأديب المتحالفين ضده في الشمال من مسلمين ونصارى، فقد أذعنت الملكة لأوامر الخليفة، وجاءت إلى معسكره في محلة قلهرَّه ومعها وجوه رجالها وقوامسها وأساقفتها، فأمر الخليفة بتعبئة الجيوش وإقامة الترتيب
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 48 - 53.
وإظهار العدة والزينة، فرأت الملكة ما أدهشها، فخضعت للخليفة في كلامها، وتذللت له في سؤالها، فأكرمها، وأحسن استقبالها، وأجابها إلى طلبها ووفق شروط اشترطها وتعهدت الملكة بالتزامها
(1)
.
وقد ذكر ابن حيان أن آخر احتفال أقيم في الأندلس أيام الدولة الأموية، كان الحفل الذي أقامه الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور بن أبي عامر سنة (393) هـ (1003 م) بعد حملته على برشلونة وما حولها من ديار النصارى، إذ أنه بعد عودته إلى قرطبة مظفراً غانماً، وصل إليه رسول من صاحب برشلونة، فأعد "عبد الملك لوروده أكمل العدة من ترتيب الجنود، فكان يوم دخول ذلك الرسول بقرطبة آخر أيام الزينة، إذ انتقض الملك على أثره سريعاً ووقعت الفتنة"
(2)
.
موكب الأمير أو الخليفة:
اعتبر مؤرخو رسوم الدولة، أن كثرة ظهور السلطان للرعية، تنقص هيبته في قلوبهم، مما يكون دافعاً للجرأة عليه، والنيل منه إن أمكن، ولذا فقد قال الثعالبي
(3)
: "إن كثرة ظهور الملك عليه مجلبة لابتذال العيون إياه،
(1)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 335 - 336.
(2)
- الذخيرة، ق 4 م 1 ص 85.
(3)
- أبو منصور عبد الملك بن محمد إسماعيل الثعالبي، عربي من سكان نيسابور، كان فراءاً يخيط جلود الثعالب فنسب إلى صناعته، اشتغل بالأدب والتاريخ، فنبغ فيهما، وصنف في ذلك كتباً كثيرة، وبعد أن تنقل بين مدن بخارى وهراة وغزنه، عاد إلى بلدته نيسابور حيث توفي فيها سنة 429 هـ. انظر: الثعالبي، أداب الملوك، (تحقيق: د. جليل العطية، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط الأولى 1990 م)، مقدمة المحقق ص 5 - 13 ومصادره.
ومن حقه التصون عن ذلك، وبناء أموره وأحواله كلها على ما يزيد في هيبته، ويعود بعلو شأنه وجلالة سلطانه"
(1)
.
وذكر المرادي
(2)
أن على السلطان أن يكون احتجابه وظهوره بقدر، لئلا يتسبب احتجابه في إدخال القلق على النفوس بسبب طول غيبته، فتفسد الرعية، ويكثر الإرجاف ولا يكثر من الظهور للعامة لئلا تسقط هيبته من قلوبهم، وتمكن صاحب المقاصد السيئة من نيل مراده منه
(3)
.
لأجل ذلك نجد أن الأمير عبد الرحمن الداخل كان في بداية عهده يكثر من الاختلاط بالناس، ويمشي بينهم ويصلي فيهم، ويحضر الجنائز، ويعود المرضى، حتى إذا كان في أحد الأيام وهو منصرف من جنازة، تصدى له رجل عامي متظلم، فمسك عنان فرسه، وكلمه بكل جرأة،
(1)
- أداب الملوك ص 105.
(2)
- أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي كان رجلاً نبيهاً عالماً وإماماً في أصول الدين، ذا حظ وافر في الأدب والبلاغة، توفي بمدينة أزكد بصحراء المغرب وهو قاضي بها سنة 489 هـ. انظر الصلة، ترجمة رقم 1326.
(3)
- أبو بكر محمد بن الحسن المرادي، كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة (تحقيق: د. سامي النشار، المغرب، الدار البيضاء، دار الثقافة، 1401 هـ/1981 م) ص 87.
طالباً إنصافه، ويبدو أن الأمير قد أحس بسبب قلة حرسه ومرافقيه، بضعف موقفه أمام هذا المتظلم، ولذا فما كان منه إلا أن استدعى القاضي إليه وأنصف المتظلم، فلما عاد إلى قصره، كلمه بعض رجاله ممن كان يكره كثرة خروجه واختلاطه بالناس، فقال له: "إن هذا الخروج الكثير - أبقى الله تعالى الأمير - لا يجمل بالسلطان العزيز، وإن عيون العامة تخلق تجلته، ولا تؤمن بوادرهم عليه، فليس الناس كما عُهدوا
(1)
" ومنذ ذلك اليوم ترك الأمير عبد الرحمن الداخل شهود الجنائز وحضور المحافل، وأناب عنه ولده هشام للقيام بذلك
(2)
.
وبذلك وضع الأمير عبد الرحمن الداخل، لكل من أتى بعده، من أمراء وخلفاء بني أمية رسماً تمسكوا به، وهو عدم الظهور للعامة إلا في مناسبات معينة، فإذا خرج أحدهم، لا يكون ذلك إلا في موكب مهيب، يصعب الاقتراب منه البتة.
ولنا أن نتصور عظم ذلك الموكب، إذ عرفنا أن زرياباً
(3)
مغني الأمير عبد الرحمن الأوسط كان يسير في موكب فيه مائة
(1)
- نفح الطيب 3/ 37.
(2)
- المصدر السابق 3/ 37.
(3)
- أبو الحسن علي بن نافع، اختلف في السبب الذي من أجله أطلق عليه لقب زرياب، كان فصيح اللسان واسع الإلمام بصنعة الغناء والموسيقى، عاش في كنف الأمير عبد الرحمن الأوسط مكرماً معززاً إلى أن توفي قريباً من سنة 230 هـ بعد أن ترك أثاراً واضحة في المجتمع الأندلسي بالذات في الحياة الإجتماعية. انظر: العقد الفريد، 6/ 34 نفح الطيب، 3/ 122، 124، 125، 130، 140 - 142. جول رووانيت، تاريخ الموسيقى العربية (ترجمة: اسكندر شلقون، المعهد الموسيقي الفرنس، د. ت). 1/ 133 - 137. د. محمود حنفي، زرياب موسيقار الأندلس، (الدار المصرية للتأليف والترجمة، د. ت.) ص 9 - 10، 45، 87، 90، 108 - 110. د. عبد الرحمن الحجي، تاريخ الموسيقى الأندلسية، (بيروت، دار الرشاد 1389 هـ/1969 م) ص 25 - 27، 36 ..
غلام
(1)
، بينما كان الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي أيام كان متقلداً خطط الدولة، في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله وأوائل عهد ابنه الخليفة هشام المؤيد بالله، يسير من قصره إلى قصر الخلافة في موكب ضخم لا يمكن لأحد الاقتراب منه، جاعلاً على طرفي الموكب بعض الكتَّاب لأخذ الشكاوى من الناس الذي كانت تزدحم بهم السكك وأفواه الطرق وهم يدعون له ويسعون بين يديه
(2)
، فإذا كان هذا موكب مغني وحاجب، فكيف يكون إذاً موكب الأمير أو الخليفة؟.
ومما يؤسف له، أن المصادر لم تهتم بذكر رسوم مواكب الأمراء كما اهتمت بذكر مواكب الخلفاء، لكي يساعدنا ذلك على معرفة التطور الذي طرأ عليها، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن المواكب في عهد
(1)
- أبو الفضل أحمد بن طاهر، المعروف بابن طيفور، كتاب بغداد، (بعناية: محمد زاهد الكوثري، نشر: عزت العطار الحسيني، القاهرة، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، 1368 هـ/1949 م) ص 153.
(2)
- مطمح الأنفس ص 160.
الخلافة كانت أكثر فخامة مما كانت عليه في عهد الإمارة، وذلك لعظم مكانة الدولة وقوتها.
وقد وُصف موكب الأمير هشام الرضا: 172 - (180) هـ (788 ـ (796) م) بالفخامة حتى أن الأصوات المنبعثة بسبب حركة الموكب، تحول دون سماع الأمير لمن يناديه من المتظلمين
(1)
.
وذكر ابن حيان أن موكب الأمير محمد بن عبد الرحمن: 238 - (273) هـ (852 - (886) م) كان فخماً غليظ الحجاب، يحيط به حرس من الصقالبة لا يمكنون أحداً من الاقتراب منه
(2)
.
ويبدو أن الأمر في فخامة المواكب، بلغ أوج عظمته، في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر: 300 - (350) هـ (912 - (961) م) فقد كان عدد الذين يركبون لركوبه وينزلون حوالي اثني عشر ألف رجل بكامل زينتهم
(3)
.
وقد كان الرسم يقتضي ترتيب احتفال بهي، عندما يظهر الخليفة للناس، إذ يتم تنظيمهم ليتلقوا الخليفة فوجاً بعد فوج كل في مرتبته، وفي نهاية الاحتفال يتبارى الشعراء في إلقاء قصائدهم التي يمدحون فيها الخليفة، ويذكرون فيها المناسبة التي دفعته إلى الظهور لهم.
(1)
- انظر: أخبار مجموعة، ص 121.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 149.
(3)
- نهاية الأرب: 23/ 398. ولكن كيف تتسع شوارع قرطبة لهذا العدد الضخم؟ إلا إذا كان المقصود أن هذا الموكب يصاحب الخليفة أثناء خروجه للنزهة.
وقد حدث أن أصيب الخليفة الحكم المستنصر بالله، بعلة ألمت به يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة (364) هـ (ديسمبر سنة (974) م) طاولته إلى نهاية شهر ربيع الآخر من العام نفسه
(1)
واحتجب بسبب ذلك عن الظهور للعامة، فلما كان يوم السبت الحادي عشر من شهر رجب سنة (364) هـ (28 مارس (975) م) ظهر الخليفة في موكبه متحولاً عن الزهراء إلى قصر الخلافة بقرطبة حسب نصيحة الأطباء له، فجرى بهذه المناسبة احتفال فخم سار فيه الموكب وفق مراسم دقيقة، فقد ركب الخليفة ومعه ولده الأمير هشام ركوباً حافلاً، احتفل لمشاهدته كبار رجالات الدولة، فخرجا من الباب القبلي المسمى بباب الورد، وسبق هشام والده الخليفة في البروز للناس، فلما رآه الوزير الكاتب صاحب المدينة بقرطبة جعفر بن عثمان المصحفي ترجل له، وفعل مثله صاحب الخيل والمدينة بالزهراء زياد بن أفلح، وتبعهما كل من كان معهما من أصحاب الخطط وطبقات أهل الخدمة، مسلمين مبتهلين، وبعد ذلك برز الخليفة، فتقدموا إليه وقبلوا الأرض بين يديه، وسلموا ودعوا، وتتابع على ذلك سائر أهل الموكب من الأحرار والعبيد، وكان يحجب الخليفة ويحف به الفتيان الكبيران الأثيران فائق وجؤذر مع أصحابهما من الفتيان الخلفاء وأكابر الفتيان، فوقف الخليفة قليلاً متأملاً حسن ترتيب عبيده ومواليه، ثم سار بموكبه حتى وصل منية "أرحاء ناصح" فنزل بها
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 203 - 204.
وبات فيها، وفي صباح الغد سار إلى منية الناعورة، وأقام بها إلى أن صلى الظهر، وقد نفذ العهد إلى الوزراء وأصحاب الشرطة وطبقات أهل الخدمة والحكام ورجال الدولة بالركوب إليه إلى قصر الناعورة فلما توافوا بها، خرج الخليفة مع ولده هشام يريد قصر قرطبة، وتولى حجابته جعفر بن عثمان وزياد بن أفلح وأصحاب الشرطة العليا مع أكابر الفتيان، وعندما رآه الوزراء وطبقات أهل الخدمة ترجلوا وسلموا عليه وعلى الأمير ولده، ثم ركبوا وترتبوا في الموكب حسب منازلهم، وسار الموكب، فلما وصل الخليفة قرب المصارة، تلقاه بها رجال من كبار قريش، ونفر من وجوه الموالي نزلوا ودعوا ومجدوا، ثم سار الخليفة إلى أن أتى السوق الكبرى بقرطبة، فتلقاه بها صاحب الشرطة والسوق أحمد بن نصر فسلم عليه، وتلقاه بعده بياض أهل قرطبة، ووجوه أهل السوق وغيرهم، مسلمين مبتهجين داعين، وسار الخليفة وأفواج القرطبيين تتلقاه فوجاً بعد فوج من الخاصة والعامة، إلى أن انتهى إلى قصر قرطبة فدخله من باب الجديد القبلي، واختتم الاحتفال بالشعراء الذي أنشدوا قصائدهم بين يدي الخليفة، يحمدون فيها الله تعالى على معافاته للخليفة، ويذكرون له سرورهم واغتباطهم بمشاهدته، ويصفون عظم موكبه وينالون مقابل ذلك الصلات الجزيلة منه
(1)
.
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 212 - 215.
وعندما ظهر الإرجاف بقرطبة، لعدم ظهور الخليفة هشام المؤيد للناس - بسبب حجر المنصور بن أبي عامر عليه - أضطر المنصور إلى إبراز الخليفة، إذ أن الكثير منهم لم يره قط "فأبرزه للناس، وركب ركبته المشهورة، وقد برزوا له في خلق عظيم لا يحصيهم إلا من أحصى آجالهم، في بهجة ولبوس وهيئة، معمماً على الطويلة، سادلاً للذؤابة، والقضيب في يده، زي الخلافة، وإلى جانبه المنصور راكباً يسايره، وقدامه الحاجب عبد الملك راجلاً يمشي، ويسير الجيش أمامه، ومن المواكب وطوائف الجند والغلمان والفتيان القصريين والعامريين ما عجب من كثرتهم"
(1)
.
وبعد اندلاع الفتنة سنة (399) هـ (1009 م) اختفت رسوم مواكب الخلفاء، وإن ظهرت فإن الناس لا يأبهون بها، بسبب افتقار تلك المواكب لكل مقومات الفخامة، حتى أن الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله: 418 - (422) هـ (1028 - (1031) م) عندما دخل قرطبة في شهر ذي الحجة سنة (420) هـ (ديسمبر (1029) م) كان "في زي تقتحمه العين وهناً وقلة وعدم رواء وبهجة وعدداً وعدة، فوق فرس دون مراكب الملوك بحلية مختصرة سادلاً سمل غفارة إلى ما تحتها من كسوة رثة، قدامه سبع جنائب من خيل الموالي العامريين صيروها معه للزينة دون علم ولا مطرد"
(2)
.
(1)
- الذخيرة، ق 4 م 1 ص 73.
(2)
- البيان المغرب، 3/ 147.
موكب الصلاة:
كان الأمير عندما يذهب إلى الصلاة، يصطحب معه بعض رجاله، ومجموعة من الحرس والأعوان، الذي يحيطون به عند أدائه للصلاة، وبعد أن أنشئت المقصورة سنة (250) هـ
(1)
(864 م) في المسجد الجامع بقرطبة، أصبح الحرس يقفون حولها، ولعل عددهم لم يعد كما كان سابقاً، خاصة بعد إنشاء الأمير عبد الله بن محمد:(275) ـ (300) هـ (888 - (912) م) للساباط الموصل بين قصر الإمارة وجامع قرطبة
(2)
لأن من يسلك الساباط يصل المقصورة دون أن يراه أحد، وذلك من خلال باب يعرف "بباب الجامع، وهو باب قديم كان يدخل منه الخلفاء يوم الجمعة إلى المسجد الجامع"
(3)
.
وقد ذكر ابن حيان أن الأمير محمد بن عبد الرحمن: 238 - (273) هـ (852 - (886) م) بعد أن أتم الزيادة التي أضافها إلى جامع قرطبة سنة (250) هـ (864 م) قام بزيارة له، للإطلاع على تلك الزيادة، فركب من قصره وبصحبته أكابر خدمه وخواص وزرائه ووجوه أهل إمارته، وهو
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، 220. البيان المغرب، 2/ 98.
(2)
- المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 36.
(3)
- نفح الطيب، 1/ 465.
راكب "على بغل مشرف القذال
(1)
، وعالي لبوسه طاق أبيض، فنزل ودخل من باب الصومعة الجوفي، وقد أمر بإغلاق أبواب الجامع، فلم يدخل معه غير فتيانه الأكابر وصاحب الصلاة، فنظر إلى البنيان
…
وتقدم إلى المحراب فصلى فيه، ثم خرج فرجع إلى قصره"
(2)
.
وكان الرسم يقتضي أن إذا خرج الأمير أو الخليفة لأداء صلاة الاستسقاء في المصلى مع الناس، أن يكون لباسه البياض
(3)
، وعلى رأسه أقرف وشي أغبر، والخشوع ظاهر عليه، ودموعه تسيل على لحيته، فإذا وصل إلى جانب المحراب جلس على يمين الإمام على غير فراش، فإذا قضيت الصلاة أمر بتفريق الأموال والصدقات على الفقراء والمساكين تقرباً إلى الله تعالى
(4)
.
موكب الصيد والنزهة:
اعتاد أمراء وخلفاء بني أمية، الخروج في رحلات للصيد والنزهة، وكان الرسم يقتضي حينئذ تقديم المطبخ بالمسير قبل الموكب
(5)
إلى المكان
(1)
- القذال: جمع مؤخر الرأس، وهم معقد العذار خلف الناصية. انظر: ابن جزي، كتاب الخيل، (تحقيق: وتقديم: محمد العري الخطابي، بيروت، دار الغرب الإسلامي 1406 هـ /1986 م) ص 266.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 220.
(3)
- البياض هو لباس الحزن عند الأندلسيين.
(4)
- النباهي، ص 79.
(5)
- البيان المغرب 3/ 68.
المعين لهذا الغرض، وذلك لكي يقوم أهل الخدمة بإعداد ما يلزم من وسائل الراحة، ويكون الموكب فخماً نبيلاً، يتبارى الشعراء في وصفه
(1)
، وعندما يجتاز الموكب القنطرة المقامة على الوادي الكبير، يكون صاحب المدينة قد منع الناس من عبورها، كما أنه يتولى إبعادهم عن المكان الذي سيتوجه إليه الموكب للصيد، ومن خالف ذلك، فإن صاحب المدينة يقبض عليه، ويلقي به في السجن، إلى حين عودة الموكب، ولا يستثنى أحد من هذا الإجراء، حتى وإن كان من أبناء الأسرة الأموية
(2)
.
ومن الوسائل المفضلة في الصيد عند الأمويين، الصقور "البزاة" ولأجل هذا فقد اعتنوا فيها كثيراً، وخصصوا أراض شاسعة لتربيتها والعناية بها، مثل جزيرة يابسة
(3)
، والمناطق الجبلية في أشبونة
(4)
.
(1)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 75.
(2)
- البيان المغرب، 2/ 146.
(3)
- جزيرة يابسة "أبيثا Ibiza" مشتق من اسمها الفينيقي ابيوسوس " Ebusuz" وهي كبرى جزر الصنوبر " Islas de Pinos" الواقعة غربي ميورقة، وهي جزيرة خصبة اشتهرت بالفواكه وأخشاب الصنوبر، بالإضافة إلى شهرتها في انتاج الملح، وجبالها من أفضل الأماكن لتربية فراخ البزاة الجيدة، وقد خرجت من أيدي المسلمين سنة 633 هـ. انظر: أثار البلاد وأخبار العباد، ص 282. المغرب في حُلى المغرب 2/ 470. الروض المعطار، ص 616. د. عصام سالم، جزر الأندلس المنسية (بيروت، دار العلم للملايين، 1984)، ص 13، 28 - 31.
(4)
- اشبونه " Lisbonne" وتكتب لشبونة ولسبونة، تقع غربي باجه، اشتهرت بكثرة أشجارها، وبضروب الصيد في البر والبحر، وبزاتها الجبلية أطير البزاة وأعتقها، وهي= =عاصمة البرتغال حالياً، وتقع على ساحل المحيط الأطلسي عند مصب نهر التاجو. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص 90. تعليق منتقى، ص 22، 291. آثار البلاد وأخبار العباد ص 496 - 497. الروض المعطار ص 61.
ومن هذا الاهتمام تم إنشاء إدارة خاصة تتولى رعاية تلك الطيور، وقد عرف المسئول عن هذه الإدارة باسم "صاحب البيازة".
وعادة لا تستغرق رحلة الصيد أكثر من نهار واحد
(1)
إلا إذا كان المكان بعيداً عن قرطبة، فقد كان الأمير محمد بن عبد الرحمن، يصل في رحلاته للصيد حتى جزيرة قادس
(2)
.
وهناك عدة أماكن، اشتهرت في زمن الأمويين بأنها أماكن نزهة لأمرائهم وخلفائهم، من هذه الأماكن،
(1)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 57.
(2)
- المصدر السابق، تحقيق: د. محمود مكي ص 277. وجزيرة قادس تقع في الطرف الجنوبي الغربي من شبه جزيرة إيبريا، وهي تتبع كورة شذونه، ويبلغ طولها نحو 12 ميلاً، وعرضها ميلاً واحدا. وهي على شكل مثلث ذات موقع استراتيجي، غنية بغاباتها ومزارعها، فتربتها رملية سهلة، وفيرة المياه العذبة، بها بعض الآثار الإسلامية وقد سقطت بأيدي النصارى سنة 658 هـ، وأصبحت قاعدة بحرية لهم، ومركزاً لمهاجمة الأراضي الإسلامية. انظر: د. سحر عبد العزيز سالم، مدينة قادس ودورها في التاريخ السياسي والحضاري (الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة 1990 م) ص 31 - 143 والمصادر والمراجع الواردة.
الرصافة
(1)
، وقصر الدمشق
(2)
، والمنية المصحفية
(3)
، وفحص السرادق
(4)
، ومنية الجنة بشرق قرطبة
(5)
، ومنية الناعورة
(6)
، ومنية نصر الخصي
(7)
، وقصر قرقريط
(8)
، وقصر أرحي
(1)
- الرصافة منتزه يقع شمال قرطبة ناحية الغرب، وحسب قول ابن سعيد فإنها من بناء الأمير عبد الرحمن الداخل، لكن ابن حيان ذكر أن الذي اختطها أحد رحال البربر يدعى رزين البرنس، الذي دخل الأندلس مع طارق بن زياد، وأن الأمير عبد الرحمن الداخل اشتراها من ورثة رزين، فحسنها، واتخذ بها قصراً حسناً، ونقل إليه غرائب الغروس وأكارم الشجر، وأطلق عليها اسم الرصافة تذكراً منه لرصافة جده هشام بن عبد الملك، وقد اندثر مكانها في الوقت الحالي، وأقيم فيه فندق سياحي فخم يعرف باسم: الرصافة. انظر: المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص 227، 234، والتعليق: رقم 405. نفح الطيب 1/ 466 - 467.
(2)
- قلائد العقيان، ص 84.
(3)
- نسبة للحاجب جعفر المصفي. انظر: نفح الطيب، 1/ 471.
(4)
- المصدر السابق 1/ 475.
(5)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 41.
(6)
- هذه المنية من بناء الأمير عبد الله بن محمد، تقع على شط الوادي الكبير أسفل قرطبة متصلة بمصلى فحص المصارة العتيق، اشتراها الأمير عبد الله سنة 253 هـ من خليل البيطار فاعتنى بها، وبعد وفاته انتقلت ملكيتها لحفيده عبد الرحمن الناصر. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 38.
(7)
- تقع هذه المنية على شط الوادي الكبير، بعدوة الربض إلى جانب مقبرة الربض العتيقة، وهذه المنية كانت لنصر الخصي كبير رجال دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 38 - 39.
(8)
- المصدر السابق تحقيق: شالميتا، ص 483.
ناصح
(1)
، ومنية البنتلي الواقعة أيضاً شرقي مدينة قرطبة
(2)
.
وكان الأمراء والخلفاء يرتادون هذه المنتزهات عادة في وقت الحر والربيع، لأجل الفرجة والاستمتاع بالمناظر الطبيعية، فإذا حل الخريف ذهبوا إلى اشبيلية وشواطئها
(3)
، وأما في الشتاء فربما انتقل الخلفاء من الزهراء إلى قرطبة
(4)
.
وقد كان الشعراء يتبارون في وصف المنية التي يبنيها الأمير أو الخليفة لنزهته
(5)
، وأما موكب النزهة، فلم يكن يختلف عن موكب الصيد، فبعد أن يتم تقديم المطبخ، كان الأمير أو الخليفة يظهر للناس بكامل زينته، والأعلام تخفق حوله، ورجاله المقربين بين يديه، والحرس قد أحاطوا به، ويخترق الموكب الشوارع، وسط هتافات الجماهير المصطفة على الجانبين، حتى يمضي إلى سبيله.
وقد جرت العادة أن الخليفة هشام المؤيد، كان يخرج مستخفياً، والحاجب العامري أمامه، بعد أن يكون قد أمر الجيش بطرد الناس عن
(1)
- البيان المغرب، 3/ 40.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 57.
(3)
- قضاة قرطبة، ص 49.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 211 - 213.
(5)
- المصدر السابق، تحقيق: أنطونيه ص 39.
طريق مرور موكب الخليفة، الذي يكون مع أهله وجواريه، لابساً للبرنس كما يفعل الجواري فلا يعرف منهن
(1)
.
موكب الحرب:
عند الإعلان عن خروج الجيش للغزو، يظهر موكب الحرب للناس، فإذا تجمع الجند في المكان المخصص، برز إليهم الأمير أو الخليفة، فيتفقد الجيش ويشرف على مدى استعداد أفراده، ويكون لابساً درعه، متلثماً، متقلداً سيفه، ممتطياً جواداً عتيقاً، وقواده قد حفوا به، والأعلام والرايات تخفق فوق رأسه
(2)
، فإذا لم يتمكن من قيادة الجيش بنفسه، اكتفى بالجلوس على السطح فوق باب السدة، فإذا مر الجيش أمامه، رفع كفيه إلى السماء يدعو الله تعالى، أن يمنح الجيش التوفيق، ويستمر رافعاً يديه بالدعاء حتى يغيب الجيش عن بيوت قرطبة، وبجانبه ولي عهده يفعل مثل فعله
(3)
.
وعندما يعود الأمير أو الخليفة من الغزو، يخرج أهل قرطبة وعلماؤهم ووجهاؤهم لتلقيه والسلام عليه، وتهنئته بالنصر، فإذا دخل القصر جلس من الغد لاستقبال المهنئين، فيكون أكابر القرشيين من أبناء البيت الأموي هم أول الداخلين عليه، يليهم القضاة والحكام والفقهاء وأهل العدل، ويتقدم من بعدهم وجوه أهل الأرباض والأسواق من أهل
(1)
- البيان المغرب 3/ 40.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 333 - 334.
(3)
- المصدر السابق، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 221.
قرطبة، وآخر من يدخل عليه الشعراء والأدباء مرتبين حسب تسلسل أسماؤهم في السجل الخاص بهم
(1)
، لإنشاد قصائدهم التي نظموها في هذه المناسبة
(2)
.
المجالس الخاصة:
رغم الرسوم الدقيقة التي كان الأمير أو الخليفة الأموي يحرص على السير وفقها أثناء المناسبات، ليبرز للناس وهو بكامل هيبته ووقاره، إلا أن المجالس الخاصة، كانت تظهره بمظهر البساطة والتواضع، إذ أنه من خلالها يتخلى عن كافة الضوابط الرسمية، التي لا تمكنه من العيش على سجيته.
وفي بداية الحديث عن المجالس الخاصة، لابد من القول بأن أمراء وخلفاء بني أمية منذ عهد الأمير عبد الرحمن الداخل إلى الخليفة الحكم المستنصر بالله كانوا لا يشربون الخمر ويتحامونها، ولا يشربون في تلك المجالس إلا شراب العسل، الذي يعد على نار الزرجون
(3)
، باستثناء عبد الرحمن الناصر، الذي كان يشرب في المنادمة، لكنه في النهاية ترك ذلك كله، وقطع المنادمة وتزهد
(4)
.
وهذه المجالس لا يحضرها إلا الخواص فقط، من الوزراء ورجال القصر، والندماء والمغنين.
(1)
- جذوة المقتبس، ترجمة: رقم 186، 539، 613.
(2)
- البيان المغرب 3/ 9.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 277. والزرجون هو حطب شجرة الكرم.
(4)
- المغرب في حُلى المغرب، ص 1/ 184.
وهناك آداب لتلك المجالس، يجب على من حضرها الالتزام بها، فلا يغتاب أحداً في المجلس
(1)
، ولا ينظر إلى غلام أو وجارية
(2)
، ولا يطلب من القينة التي تغني في المجلس إعادة القصيدة التي غنتها
(3)
، إذ أن ذلك مدعاة للشك في أن الهيبة لم تملأ قلبه، وهذا ما وقع به الشاعر الطبني، فقد ذكر ابن حيان أن أبا مضر محمد بن الحسين التميمي الطبني
(4)
، كان في مجلس خاص مع الحاجب المنصور بن أبي عامر، فشرب معه، وغنت القينة بيتين من شعر أبي مضر الطبني، "فاستعادها أبو مضر، فأنكر ذلك المنصور، وعلم أن هيبته لم تملأ قلبه، فأومأ إلى بعض خصيانه، فأخرج رأس الجارية
(1)
- جذوة المقتبس، ترجمة رقم:39.
(2)
- الجاحظ، التاج في أخلاق الملوك، (تحقيق: أحمد زكي باشا، القاهرة، المطبعة الأميرية، 1332 هـ /1914 م) ص 66 - 67.
(3)
- عن اهتمام الأمويين في الأندلس بصنعة الغناء. انظر: سالم الخلف، المرجع السابق، ص 490 - 503 والمصادر والمراجع الواردة.
(4)
- أبو مضر محمد بن الحسين التميمي الحماني الطبني الزابي، شاعر مكثر وأديب مفتن من بيت أدب وشعر وجلالة ورياسة، وأبو مضر هو أصل بني الطبني، أهل البيت الشهير بقرطبة، وقد ترك أولاداً بخباء مشهورون في الأدب والفضل. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم 50. المغرب في حُلى المغرب 1/ 206 - 207.
في طست، ووضعه بين يدي الطبني، وقال له المنصور: مرها فلتعد، فسُقط في يده"
(1)
.
ورغم ما عُرف عن الخليفة عبد الرحمن الناصر من شدة وتأكيد دائم على إظهار الهيبة والتمسك بمراسم الدولة، إلا أنه كان في مجالسه الخاص متساهلاً متواضعاً مع جلسائه.
فقد ذكر ابن حيان أن الخليفة عبد الرحمن الناصر، كان في مجلس خاص مع وزرائه، وكان من بين الحضور الوزير محمد بن سعيد المعروف بابن السليم، وفي هذه الجلسة أخذ الخليفة يعرّض بالوزير ابن السليم، مما أدخل الرعب في قلبه، خشية أن يبطش به الخليفة، ولذا فقد أفرط الوزير في الشراب من شدة الذعر، حتى اضطر إلى إفراغ ما في جوفه، فابتدره الوصفاء بالطست والمناديل، ولم يشعر الوزير إلا بالذي أمسك رأسه وهو يقول له:"استفرغ ما في معدتك، وتأن بنفسك" فأنكر الوزير كلامه من بين الخدم، فصرف رأسه إليه، وإذا به الخليفة، فما تمالك أن خر على قدميه يقبلهما، ويقول "يا ابن الخلائف، إلى هنا انتهيت من بري" وجعل يدعو له ويعظم شكره
(2)
.
(1)
- المغرب في حلى المغرب 1/ 207، هذه هي شخصية المنصور، طغيان وتجبر، تهون عليها الدماء المحرمة في سبيل أطماعه، فهو لا يرى على وجه الأرض سواه، ثم إن مجلساً لا يحوي إلا قينة وشراباً، إذاً لا تستغرب النتيجة.
(2)
- البيان المغرب، 2/ 225 - 226.
كذلك كان الخليفة عبد الرحمن الناصر كثيراً ما يمازح وزرائه، ففي أحد مجالسه الخاصة طلب من أبي القاسم لب، أن يهجو الوزير عبد الملك بن جهور، فقال: أخافه، فقال لابن جهور أهجه: فقال أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت، ثم قال:
لبٌّ أبو القاسم ذو لحية
…
طويلة في طولها ميل
فقال ابن جهور:
وعرضها ميلان إن كُسِّرت
…
والعقلُ مأفون ومدخولُ
(1)
لو أنه احتاج إلى غسلها
…
لم يكفه في غسلها النيلُ
(2)
فقال الناصر للبِّ: اهجه فقد هجاك، فقال بديهاً:
قال أمين الله في عصرنا
…
لي لحية أزرى بها الطول
وابن جهيرٍ قال قول الذي
…
مأكوله القرضيل والفولُ
لولا حيائي من إمام الهدى
…
نخست بالمنخس شو
…
ثم سكت، فقال الناصر: هات تمام البيت، فامتنع، فقال له:"قولو" يعني تمام البيت، فقال لب يا مولانا أنت هجوته، ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا، وأمر له بجائزة
(3)
. وأما الخليفة المستنصر بالله، فقد كان بعيداً كل البعد عن عقد المجالس التي يتم فيها الاستماع للقيان،
(1)
- ورد "مخبول" لدى الأزدي، بدائع البدائه، (تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية 1970 م) ص 195.
(2)
- البيان المغرب، 2/ 227.
(3)
- انظر هذا الأبيات وشرحها في: بدائع البدائه، ص 195 - 196.
لما عُرف عنه من شدة التديّن، والاهتمام بمطالعة كتب العلم ومجالسة العلماء، لأنه فضل كل ذلك على كل لذة، ولكنه في مقابل ذلك كان يمازح رجال دولته في جلسات خاصة بهم
(1)
.
ومازال خلفاء بني أمية يعقدون مثل هذه المجالس إلى أن زالت دولتهم
(2)
والملاحظ أن تلك المجالس قد تكون فرصة للتخلص من بعض المناوئين، أو ممن يخشى جانبهم من رجال الدولة.
فالحاجب المنصور بن أبي عامر عندما عزم على الفتك بجعفر بن علي بن حمدون أقام جلسة خاصة، أعلن أنها تكريماً لجعفر، وذلك ليلة الأحد لثلاث خلون من شعبان سنة (373) هـ (يناير 984) وفي تلك الجلسة أمر المنصور الوصفاء والخدم أن يكثروا لجعفر من الشراب، فما زالوا به حتى ثقل من شدة السكر، فانصرف مع غلمانه، فخرج إليه معن وأصحابه، فلم يكن به امتناع فقتلوه
(3)
.
وعندما أراد الحاجب عبد الملك المظفر بن المنصور الفتك بوزيره عيسى بن سعيد عقد مجلساً للشراب ليلة العاشر من ربيع الأول سنة (397) هـ
(4)
(4 ديسمبر 1006) واستدعى وزيره عيسى للمجلس وأمر
(1)
- مطمح الأنفس، ص 255 - 257.
(2)
- الذخيرة، ق 3 م 1 ص 524 - 525 البيان المغرب، 3/ 80، 99، 141، 149.
(3)
- المصدر السابق، 2/ 280 - 281.
(4)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 125.
السقاة أن يكثروا عليه، وبعدها عاتبه عبد الملك وسبه وأفحش عليه ثم ضربه بسيفه وأجهز عليه من حوله من رجاله
(1)
.
ومن آداب المجالس الخاصة لأمراء وخلفاء بني أمية أن لا أحد ينصرف من المجلس إلا عندما تظهر علامة تدل على رغبة الأمير أو الخليفة بانصراف جلسائه. فمن ذلك مثلاً أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كانت علامة رغبته في انصراف ندمائه أن يميل برأسه إلى حجره، أو ينشد: -
مازلت أشربها والليل معتكر حتى أكب الكرى رأسي على قدحي
(2)
ورغم كل ما عُرف عن الأمويين من تباسط مع الناس وحسن معاملة، والتقاء بالندماء وجهاً لوجهٍ، إلا أن الحموديين الذي استولوا على الخلافة الأموية بقرطبة، منذ سنة 407 - (414) هـ (1016 - (1023) م) كانوا يتعاظمون، ويقلدون بني العباس، فإذا حضرهم من يحتاج إلى كلام سواء كان شاعراً أو غيره، خاطب الخليفة الحمودي من وراء حجاب، والحاجب واقف عند الستر يجاوب ما يقول له الخليفة
(3)
.
وعلاقة الأمير أو الخليفة الأموي برجال دولته، علاقة متميزة، فالوزراء وأهل الخدمة ملزمون بالاختلاف إلى القصر كل يوم ليطالعوه بما
(1)
- المصدر السابق، ق 1 م 1 ص 125 - 127.
(2)
- المغرب في حلى المغرب، 1/ 184.
(3)
- نفح الطيب، 1/ 214.
استجد من الأمور، ويستمعوا لتوجيهاته، كما أنه إذا شفي من علة ألمت به، كان أول شيء يقوم به هو الجلوس لاستقبالهم
(1)
.
وإذا أجرى الأمير أو الخليفة عملية فصد، تسابق الشعراء إلى إلقاء قصائدهم في هذه المناسبة، بين يديه، فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أجرى أول فصاد له في الزهراء أنشد أبو عثمان عبيد الله بن يحيى بن إدريس
(2)
قصيدته التي مطلعها:
اليوم تعترف القصور بأسرها
…
لهلالها ولشمسها ولبدرها
إلى أن قال:
فكأنما انفجر العبير بفصده
…
فجرى على وجه البلاد بعطرها
(3)
كما أن زوجاته يحاولن أن يقدمن له كل طريف بهذه المناسبة، ومن أطرف ما ورد في هذا، ما ذكره المقري من أن الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما جلس للفصد، وأخذ الطبيب يجس يده، أقبل طائر زرزور فأخذ يردد بعض الكلمات التي تم تدريبه عليها، فسر الخليفة بذلك، وعندما
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 27. المصدر نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 203 - 204.
(2)
- أبو عثمان عبيد الله بن يحيى بن إدريس قرطبي، كان متفننا في ضروب العلم، ثقة، شاعراً، جامعاً للسنن، حافظاً للغريب، متواضعاً شريفاً بنفسه وسلفه، تولى أحكام الشرطة ثم الوزارة، ورغم ذلك فقد كان يؤذن في مسجده وهو وزير توفي رحمه الله في انسلاخ ذي القعدة سنة 352 هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 767.
(3)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 44 - 45.
سأل عمن أرسل إليه هذا الزرزور علم أن زوجته مرجانة أم ولده الحكم هي التي صنعت هذا، فكافأها على هذا الصنع مكافأة سنية
(1)
.
وهناك مناسبات خاصة يجلس فيها الأمير أو الخليفة الأموي لاستقبال كبار رجال دولته وحاشيته الخاصة، فمن أهم تلك المناسبات:
جلوسه في العيد لتلقي التهاني، ولهذا الجلوس ترتيب خاص، فقد ذكر ابن حيان أنه في عيد الفطر من سنة (360) هـ (28 يوليو (971) م) "قعد الخليفة المستنصر بالله بعد انقضاء صلاة العيد، لتسليم الجند عليه، في محراب المجلس الشرقي من قصر الزهراء، المنيف على السطح العلي، والموفي على الروض البهي، قعوداً فخماً .. شهده طبقات الناس، فكان صدره الأخوة، وجنباته الوزراء وموسطته أهل المراتب من طبقات أهل الخدمة، وسائره لوجوه الموالي وبياض رجال قرطبة"
(2)
.
وبمناسبة الحديث عن الأعياد فقد عرف الأندلسيون بالإضافة إلى عيدي الفطر والأضحى، عدة أيام اعتبروها أعيادا، وكانوا
(1)
- نفح الطيب، 1/ 360 - 361.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص 28 - 29.
يقيمون الاحتفالات بها، كاحتفالهم برأس السنة الميلادية الذي كن يقام في ليلة يناير
(1)
، ويوم العنصرة
(2)
،
(1)
- ليلة يناير هي رأس السنة الميلادية، وقد اعتاد الأندلسيون الاستعداد لتلك الليلة كل على قدره، يتهادون فيها بينهم صنوف الأطعمة وأنواع التحف والطرف، وفي صبيحتها يترك الرجال والنساء أعمالهم، تعظيماً لذلك اليوم. ورأس السنة الميلادية يوافق اليوم= =السابع من ولادة عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، انظر: الونشريسي، المعيار المعرب، (بعناية: د. محمد حجي، بيروت دار الغرب الإسلامي، 1401 هـ / 1981 م) 11/ 150.
Fernado Dela Granja، Del "Kitab Al-durr Al-Munazzam Flmawlid Al-Nabi Al-muazzam" De Al- azafi، AL- Andalus، Madrid- Granda، 1969، Vol، XXXIV، p. 19 - 20.
ومن عادتهم في هذا العيد شراء أنواع معينة من الفواكه كالأترج والجلوز وصنع تماثيل مختلفة من الحلوى، وإلى هذا تشير أمثالهم:"من ماع ترنخ، لينيرِّ يرفعها". انظر: - الزجالي، أمثال العوام في الأندلس 2/ 327، مثال رقم 1412. والاحتفال برأس السنة الميلادية هو المعروف بالمشرق باسم "النيروز" انظر: التاج في أخلاق الملوك، ص 146.
(2)
- هذا العيد هو مايعرف بالمشرق باسم "المهرجان" وهو بداية دخول فصل الشتاء، انظر المصدر السابق، ص 146. وعيد العنصره " ANSARA" هو عيد سان أخوان " SANJUAN" الذي تحتفل به اسبانيا يوم 24 يونيو من كل عام. انظر د. أحمد مختار العبادي، الإسلام في أرض الأندلس، (المختار من عالم الفكر، العدد الأول، وزارة الأعلام، الكويت 1984 م)، ص 141. وفي هذا اليوم يقوم المحتفلون فيه بالسباق على الخيل، وأما النساء فيقمن بإخراج ثيابهن للندا بالليل، كما يقمن برش بيوتهن في ذلك اليوم، ويتركن العمل، ويغتسلن بالماء، وهذا اليوم يوافق ميلاد النبي يحيى بن زكريا على نبينا وعليهما الصلاة والسلام. انظر: المعيار المعرب، 11/ 151 - 152 Fernado Dela Granja، Op Cit.p، 19 - 20. وقد اشتهر عيد المهرجان بالنار التي يتم إشعالها في الأحياء بحيث يجتمع صبيان كل حي حول نارهم ويتبارون في القفز فوقها، وقد جاء في أمثالهم: "الكبش المصوَّف مايكفز العنصره" و"كفزها بحل عنصَرَ". انظر: الزجالي، أمثال العوام في الأندلس، 2/ 85، 267. المثالان رقم 373، 1148. وفي عيد المهرجان يقول الوزير أبو عبدة حسان بن مالك بن أبي عبدة:
أرى المهرجان قد استبشرا
…
غداة بكى المزن واستعبرا
إلى أن قال:
تهادى به الناس ألطافه
…
وسام المقل به المكثرا
انظر: مطمح الأنفس، ص 214.
وليلة العجوز
(1)
، وخميس العهد
(2)
.
(1)
- ليلة العجوز، هي احدى المناسبات الاجتماعية التي اعتاد بعض مسلمي الأندلس مشاركة النصارى الاحتفال بها. انظر Fernando De ALGranja، Op، Cit، P: 25:
(2)
- خميس العهد هو الخميس الذي يسبق عيد الفصح لدى النصارى بثلاثة أيام. انظر: العبادي، المرجع السابق، ص 141، وقد كان لفقهاء الأندلس موقف جاد من احتفال بعض مسلمي الأندلس بتلك الأيام. انظر: المعيار المغرب، 11/ 150 - 152. وعن تلك الأيام واحتفال الأندلسيين بها، انظر: الطرطوشي، كتاب الحوادث والبدع (تحقيق: د. محمد الطالبي، تونس، المطبعة الرسمية، 1959) ص 140 - 141، قارن نفس المصدر، (تحقيق: عبد المجيد تركي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1410 هـ/1990 م) ص 300 حاشية رقم 6. ولقد كان المحقق الأخير على صواب فيما ذهب إليه، من أن الحديث عن تلك الأيام قد أقحم في النسخة التي اعتمد عليها الطالبي، ومما يؤيد ذلك أن نص الحديث عنها في نسخة الطالبي قد وقع بين قولين للإمام مالك رحمه الله تعالى، لا علاقة لهما البتة فيما أثبته المحقق. وعلى العموم فإن احتفال المسلمين بتلك الأيام المذكورة أمر مخالف للشرع، وهو من قبيل التقليد الأعمى للأخرين، ولاشك أن تمادي المسلم في هذا الأمر يذيب شخصيته التي ميزه الله تعالى بها، وهو على خطر من موالاة من حاد الله ورسوله، والتشبه بأعداء الدين.
وهناك أعمال خيرية يعقد الخليفة المجلس لأجلها، فالخليفة الحكم المستنصر بالله، عندما أراد إعتاق بعض مماليكه وإمائه، عقد عقب شهر ربيع الآخر سنة (364) هـ (ديسمبر (975) م) مجلساً لهذا الشأن، أنفذ فيه "إعتاق جمع كثير من عبيد له وإماء تنيف عدتهم على مائة رقبة، انعقد لكثير منهم عتق بتل، وبعضهم عتق مؤجل، ولبعضهم تدبير
(1)
، خلص به جميعهم من الرق، عقدت الوثائق المحكمة العقد لجمعهم، فكان أول من أوقع شهادته فيها الأمير أبو الوليد هشام المرشح لولاية العهد، بخط يده، وتلاه أعمامه الأخوة، ثم الوزراء على مراتبهم، ثم قاضي الجماعة محمد ابن إسحاق
(2)
، ووليه الحكام والفقهاء وأهل الشورى ثم العدول"
(3)
.
(1)
- عن العتق المؤجل وعتق التدبير، انظر: إبراهيم بن حسن بن عبد الرفيع، معين الحكام على القضايا والأحكام، تحقيق: د. محمد قاسم بن عياد، (بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط 1989 م) ج 2 ص 840 - 841، 844 - 847.
(2)
- أبو بكر محمد بن إسحاق بن منذر بن السليم، قرطبي، فقيه، عالم بالحديث، كان فصيحاً بليغاً، متواضعاً، ولي أحكام المظالم بقرطبة، وعندما توفي منذر بن سعيد البلوطي في شهر المحرم سنة 356 هـ ولي ابن السليم قضاء الجماعة، وظل في منصبه إلى أن توفي يوم الخميس لسبع بقين من شهر جمادى الأولى سنة 367 هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 1319. النباهي ص 75 - 77.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، 206.
وعندما أراد الخليفة تحبيس بعض الحوانيت من أجل تعليم أولاد الضعفاء، تم عقد المجلس، فقد ذكر ابن حيان أنه في صدر جمادى الأولى من سنة (364) هـ (ديسمبر (975) م) أنفذ الخليفة الحكم المستنصر بالله "تحبيس حوانيت السراجين بسوق قرطبة على المعلمين الذين كان قد اتخذهم لتعليم أولاد الضعفاء والمساكين بقرطبة، وأشهد القاضي محمد بن إسحاق في هذا التحبيس يوم الجمعة لسبع خلون منه، وجلت المنقبة، وورث الله به القرآن أمة لم يكن أباؤهم يعرضونهم لوراثته"
(1)
.
واحتفل الخليفة المستنصر بالله بإسماع ولده هشام من الفقيه يحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي
(2)
، فقد جرى ترتيب في هذا الشأن قال عنه ابن حيان: -
"فلما تم مجلس السماع، وحان انقلاب الشيخ يحيى بن عبد الله نفذ عهد الخليفة بأن يكون ركوبه ونزوله في الفصيل المعروف بفصيل المسجد، تشريفاً وترفيهاً عنه، فجرى أمره على ذلك مدة احتفاله، وعاود
(1)
- المصدر السابق ص 207.
(2)
- أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي، فقيه قرطبي، كان قاضياً ببجانة وإلبيرة كما تولى أحكام الرد بقرطبة، سمع منه الكثير من طلاب العلم في الأندلس، توفي ليلة الثلاثاء بعد صلاة العشاء، ودفن يوم الثلاثاء بعد صلاة العصر، لثمان خلت من رجب سنة 367 هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 1597.
الحضور يوم الأربعاء لأربع خلون من شعبان، فأسمع الأمير على رسومه بمشاهدة الوزير الكاتب جعفر بن عثمان، أثير الخليفة والده"
(1)
.
وكان الخليفة الأموي لا يأنف من قبول هدايا رجال دولته، فالخليفة عبد الرحمن الناصر قبل هدية سنية من الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وذلك لثمان خلون من شهر جمادى الأولى سنة (327) هـ (مارس (939) م
(2)
).
كما تلقى الخليفة الحكم المستنصر بالله هدايا كبار رجال دولته، ومن أعظم تلك الهدايا هدية الفتى الكبير دري الأصغر الخازن الصقلبي، فقد أهداه منيته الغراء بوادي الرمان المنسوبة إليه، بجميع ماكان له فيها داخلها وخارجها من البساتين المسقية والأراضين المزروعة، وما كان له فيها من عبد وأمة وثور ودابة، وذلك في النصف من شهر شهبان سنة (362) هـ (مايو (973) م)
(3)
.
والملاحظ أن الهدايا المقدمة من رجال الدولة لولاة الأمر، لا تعود بالمنفعة إلا على صاحب الهدية وحده، إذ أن ولي الأمر ينعم عليه بمناصب جديدة في الدولة فكأن القضية هي شراء مناصب لا أكثر، فالخليفة عبد الرحمن الناصر مثلاً بعد أن قدم له ابن شهيد هديته الشهيرة، أنعم عليه الخليفة بأن زاد من تقريبه واختصاصه، "وأسمى منزلته على سائر الوزراء
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 217.
(2)
- عن تفاصيل الهدية انظر: نفح الطيب، 1/ 356 - 359.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 106 - 107.
جميعاً، وأضعف له رزق الوزارة، وبلغه ثمانين ألف دينار أندلسية، وبلغ مصروفه إلى ألف دينار، وثنى له العظمة لتثنيته له الرزق فسماه "ذو الوزارتين" لذلك أمر بتصدير فراشه في البيت وتقديم اسمه في دفتر الارتزاق لأول التسمية، فعظم مقداره في الدولة جداً"
(1)
.
ومن هنا نرى أن المنفعة نالها الوزير فقط، فرزقه من الدولة تضاعف وأصبحت مرتبته مقدمة على الجميع، لأجل هذا، فقبول ولي الأمر لهدية أحد رجال دولته أمر فيه نظر.
رسوم عامة لبني أمية:
لدينا رسوم عدة عرفها الأمويون في الأندلس، وساروا عليها، فهناك رسوم خاصة بالأولاد، فقد كان الرسم يقضي بأن لا يسكن في القصر مع الأمير أو الخليفة إلا ولي العهد، أما بقية الأولاد فيتم إخراجهم من القصر إلى دورهم الخاصة بهم، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما تولى الإمارة سنة (238) هـ (852 م) كان أول شيء اهتم به هو إخراج إخوته من القصر أسوة بإخوتهم الأكابر الذين خرجوا من القصر في حياة أبيهم، فقد ابتاع لهم الأمير محمد الدور الفخمة والضياع المغلة لهم بحسب مقاديرهم، ثم أخرجهم إليها بما يحتاجون إليه من العيال والإماء والعبيد والكراع والفرش والآلة والكسى والمراكب بالحلى الفخمة، فصير كلا منهم
(1)
- نفح الطيب، 1/ 356.
بأكمل الجهاز وأتم العدة في داره، وضم إليهم ضياعهم وأجرى عليهم الأرزاق السنية الهلالية
(1)
.
وأما الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد أخرج أولاده إلى دورهم في شهر شوال سنة (331) هـ (يوليو (943) م) وكان آخرهم خروجاً أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الناصر، وأما المغيرة فقد خرج من القصر في آخر حياة أبيه لأنه كان أصغر إخوته، ولم يبق معه إلا ولده الحكم ولي عهده
(2)
.
وطبيعي أن يهتم الأمويون بتربية أولادهم وتأديبهم وتثقيفهم، وهذا الأدب لا يقتصر على فترة الصغر، بل يمتد إلى فترة الرشد إن لزم الأمر، وهذا ما فعله الأمير عبد الرحمن الأوسط مع ابنه المنذر، الذي كان معروفاً بسوء الخلق في بداية شبابه، كثير الشك بمن حوله، معاقباً لمن يقدر عليه، مكثر التشكي لوالده لمن لا يقدر عليه، فلما أكثر على أبيه، أمر وكيلاً خاصاً به أن يبني بيتاً منفرداً في أحد الجبال، فلما كمل البناء، أمر ولده المنذر أن يسكن فيه، وأوصى الوكيل أن يمنع عنه الزيارة سواء من أصحابه أو أصحاب غيره، فلما ضجر المنذر من الوحدة، طلب من الوكيل بأن يأذن لمن كان يأنس به بزيارته، فأبلغه الوكيل بأن والده أمر أن لا يصل إليك أحد، لتبقى وحدك تستريح مما يرفع ضدك من وشايه، فعلم المنذر مراد والده، فكتب إليه يستعطفه، فلما وقف الأمير على رقعة
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 194 - 195.
(2)
- المصدر السابق، تحقيق: شالميتا، ص 16.
ولده، علم أن الأدب قد بلغ به حقه، فاستدعاه وأخبره بما قصد إليه من إفراده بهذا السكن، ونصحه ووجهه، فقبَّل المنذر يده وانصرف، ولم يزل المنذر يأخذ نفسه بما أوصاه والده حتى تخلَّق بالخلق الجميل، وبلغ ماأوصاه به أبوه، ورفع قدره
(1)
.
وهناك أوقات محددة يسمح فيها للأبناء بزيارة والدهم، يدل على ذلك أن الأمير عبد الرحمن الداخل عندما استأذن عليه ولده هشام بسبب قصة الكناني، انزعج، لأن الوقت لم يكن وقت زيارة
(2)
.
والاحترام المتبادل بين أبناء البيت الأموي سمة بارزة في تاريخهم، فالأخ الأصغر يقبل يد أخيه الأكبر
(3)
، كما أنه لا يناديه إن كان أميراً أو خليفة إلا بلفظ مولاي، فقد ذكر الحميدي أن عبد العزيز بن عبد الرحمن الناصر وُلد له وَلد، فعاش إلى أن دخل الكتاب، فظهرت منه نجابة، فأول لوح كتبه، بعث به إلى أخيه المستنصر بالله، وكتب إليه بعدة أبيات من شعره، جاء في مطلعها قوله: -
هاك يا مولاي خطاً
…
مطه في اللوح مطا
(4)
(1)
- نفح الطيب، 3/ 575 - 577.
(2)
- أخبار مجموعة، ص 121 - 124. نفح الطيب، 1/ 335 - 336.
(3)
- ابن القوطية، ص 116.
(4)
- جذوة المقتبس، ترجمة رقم 648.
وكانت قصور بني أمية تشهد حفلات زواج، ولا توجد لدينا معلومات عنها، ولكن يمكن تكوين صورة عنها من خلال معرفتنا لما كان يجري في حفلات زواج العامة أو بعض وجهاء الدولة.
فقد كانت الأسر الموسرة تتفاخر في تجهيز بناتها، حتى أن الأمر يكلف بعضهم ما لا يطيق، فقد روى ابن حيان عن أبيه أن محمد بن أفلح غلام الخليفة الحكم المستنصر بالله، اضطر عند تجهيزه لابنته إلى بيع لجام مُحلَّى ثقيل الوزن كان يستخدمه لزينته أيام المواكب
(1)
.
وكانت حفلة الزواج تستمر أسبوعاً كاملاً
(2)
، يمر فيه موكب الزفاف في أحد شوارع قرطبة، ومع موكب الحفل جماعة من الملهين ومعهم أحد المشهورين بالزمر، يكون في وسط الحفل، وعلى رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه
(3)
، وتقام الولائم في منزل والد العروس، ويصاحب ذلك سماع ضرب البوق أو ضرب الكير أو المزهر أو الطنبور أو العود، إلى جانب غناء المغنين والمغنيات والراقصات
(4)
.
(1)
- الذخيرة، ق 4 م 1 ص 63.
(2)
- د. محمد عبد الوهاب خلاف، قرطبة الإسلامية في القرن الحادي عشر الميلادي-الخامس الهجري- الحياة الاقتصادية والاجتماعية، (تونس الدار التونسية 1984) ص 282.
(3)
- جذوة المقتبس، ترجمة رقم 244.
(4)
- قرطبة الإسلامية ص 284.
هذه صورة سريعة عن زواج بعض الأسر الموسرة في قرطبة، لعلها تعطي تصوراً عما كانت عليه حفلات زواج أمراء وخلفاء بني أمية أو أحد أولادهم، فلا شك أنها كانت على مستوى كبير يتناسب مع ما هم عليه من عزٍ وثراء، وقد ذكر ابن حيان أن أعظم حفلة عرس جرت في الأندلس، أقيمت بمناسبة زواج المنصور بن أبي عامر من أسماء بنت غالب بن عبد الرحمن الناصري سنة (367) هـ
(1)
(977 م).
ومن الحفلات التي كانت تقام في قصور بني أمية، حفلة "العقيقة" عندما يرزق أحدهم بمولود، ففي هذه المناسبة تقام وليمة عظيمة يدعى إليها كبار رجالات الدولة ووجهاء البلد، وتكون الأفراح متصلة عدة أيام
(2)
وأما عملية الختان فقد كانت تتم بصورة جماعية لأبناء الأمويين، فالخليفة عبد الرحمن الناصر أقام سنة (320) هـ (932 م) بقصره في قرطبة صنيعاً فخماً احتفل فيه لإعذار عدة من أولاده الأصاغر، أعد "فيه صنوف الأطعمة الرفيعة، والفواكه الغريبة، والطبوب المثمنة، وزانه بما أظهر فيه من الآلات السلطانية والأدوات البديعة وفاخر الآنية وبديع الزينة،
…
فكان صنيعاً مشهوراً بقرطبة، عظُم شأنه، وكثر حمله، واعتلت عليه النفقة"
(3)
.
(1)
- الذخيرة، ق 4 م 1 ص 65.
(2)
- البيان المغرب، 3/ 31.
(3)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 320 - 321.
وفي بعض الأحيان يُختن مع أولادهم أولاد كبار رجالات الدولة، ومجموعة كبيرة من أولاد الضعفاء، ويقام احتفال كبير بهذه المناسبة، فالحاجب المنصور بن أبي عامر عندما ختن أولاده، ختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي، ومن أولاد الضعفاء عدد لا ينحصر، وأقام احتفالاً كبيراً بلغت فيه النفقة خمسمائة ألف دينار
(1)
.
وفي مثل هذه المناسبات، يدعى كبار رجالات الدولة والفقهاء والمشاورون من العدول ووجهاء البلد لحضور الاحتفال، ومن تخلف عن الحضور تتم مساءلته.
فالخليفة عبد الرحمن الناصر عندما أقام حفل ختان لأولاد ابنه عبيد الله، اتخذ لذلك صنيعاً عظيماً بقصر الزهراء، لم يتخلف عنه أحد من كبار المدعويين، إلا الفقيه العالم أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة
(2)
، فافتقد
(1)
- نفح الطيب، 1/ 596.
(2)
- أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن مسرة التجيبي، من موالي بني هلال ولد سنة 277 هـ أصله من طليطلة، سكن قرطبة لطلب العلم، ثم استوطنها، كان خيراً فاضلاً ديناً ورعاً، مجتهداً عابداً، زاهداً وقوراً مهيباً، من أهل العلم والفهم والفضل، مشاوراً في الأحكام، صدراً في الفتيا، يناظر عليه في الفقه، كان رحمه الله صليباً في الحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد كان الخليفة الحكم المستنصر بالله معظماً لابن مسرة حتى أنه إذا دخل عليه مد رجليه أمامه ويعتذر بكبر سنه، فلا يعارضه الخليفة. توفي رحمه الله بطليطلة في رجب أو شعبان سنة 352 هـ وهو غازٍ مع الخليفة الحكم المستنصر بالله. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 235. ترتيب المدارك، 6/ 126 - 134.
الخليفة مكانه، فبعث إليه ولده الحكم بكتاب يسأله فيه عن سبب تخلفه، فأجابه بعذر قبله منه الخليفة
(1)
.
وهناك رسوم خاصة بجنائز بني أمية، فالكفن والحنوط والطيب، يبعث بهما الأمير أو الخليفة لأهل المتوفى، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن عندما توفي عمه سعيد الخير بن الأمير الحكم الربضي، في صدر شهر ربيع الآخر سنة (240) هـ (سبتمبر (854) م) فقد أرسل الأمير محمد "بكفنه وحنوطه وطيبه من عنده، وعهد إلى بنيه وإخوته وأهل بيته ووزرائه وأهل خدمته بشهوده والمشي بين يدي نعشه"
(2)
.
ثم طرأت عملية تضميخ النعش بالغالية، وهذا الرسم استُحدث أيضاً في عهد الأمير محمد فقد ذكر ابن حيان أن أبا القاسم الأصبغ بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط توفي وعمره تسع وعشرين سنة وشهر، وذلك في حياة أبيه، فلما اتخذ النعش للأصبغ، أدخل على أمه، وكان وحيدها، فأمرت بتضميخ نعشه بالغالية، فهي التي استحدثت هذا الرسم
(3)
، وأصبح معمولاً به إلى نهاية الدولة.
ومن مات من أبناء البيت الأموي، تقدم للصلاة عليه أحدهم، فالأمير عبد الرحمن الداخل كان قد كلف ولده هشام بالصلاة على جنائز
(1)
- ترتيب المدارك 6/ 133.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 91 - 93.
(3)
- المصدر السابق ص 213 - 214.
أهل القصر، كما أن الأمير عبد الرحمن الأوسط قد قدم ولده بشراً لهذه المهمة
(1)
.
وقد درج أمراء وخلفاء بني أمية على الاحتفاظ بنفيس الأعلاق والجواهر في موضع خاص لا يهُتدى إليه، ويتم إثباتها في سجل خاص، ويتولى أحد الفتيان الأكابر الخلفاء، الإشراف على المكان والاحتفاظ بالسجل، ولا يعلم أحد سواه خبر تلك المدخرات.
وقد ذكر ابن عذاري أن المهدي عندما استولى على قصر قرطبة سنة (399) هـ (1009 م) كان الفتى فاتن الكبير مريضاً، فلما حضرته الوفاة، كتب إلى المهدي يطلب منه الحضور لأمر ضروري، فلما جاءه المهدي "دفع إليه فاتن كتاباً فيه جميع ما تركه الخلفاء الأمويون، وذخائرهم مما لم يقف عليه ابن عبد الجبار ولا اهتدى إلى موضعه من بيوت الأموال، وغير ذلك من نفيس الأعلاق والجواهر والأمتعة العالية والآنية وما شبه ذلك فاحتوى ابن عبد الجبار على الجميع"
(2)
.
(1)
- الحلة السيراء: 1/ 126.
(2)
- البيان المغرب 3/ 76.
الفصل الثاني: النظام الإداري والمالي
المبحث الأول: النظام الإداري
المبحث الثاني: النظام المالي
النظام الإداري
عندما حكم القوط إسبانيا لم يضعوا لها تقسيماً إدارياً، فقد أخذوا بالتقسيم الروماني الذي وجدوه في البلاد عند دخولهم، فهو يقسم اسبانيا إلى قسمين إداريين كبيرين، يحكم كل منهما موظف كبير يلقب بروكنسل " Proconcul" أولاً، ثم لقب برايتور " Praetor" فيما بعد، وهذان القسمان هما: اسبانيا الدنيا " Hispania Citerior" واسبانيا القصوى " Hispania Ulterior" والتي انقسمت بدورها إلى ولايتي "بيطي Betica" و "لشدانية Lusitania" وذلك سنة 27 ق. م. ثم ظهرت ولاية إسبانيا الدنيا الجديدة الأنطونية " Hispania Nova Citerior Antoniana" وتضم إقليمي جليقية وأشتريش، بعد ذلك ظهرت ولايتا إسبانيا الطركونية " Hispania Tarraconensis" وإسبانيا القرطاجنية " Hispania Cartaginensis".
وهذا التقسيم يصل بنا إلى تقسيم دقلديانوس الأخير الذي ينسب إلى قسطنطين، الذي يمقتضاه أصبحت اسبانيا ديوقنية " Diocesis" - أي عملا كبيرا بالمصطلح العربي - تابعة لمديرية الغالتين " Pracfectura Galliarum" داخلة في القسم الغربي من الدولة الرومانية، وبمقتضاه أصبحت اسبانيا تضم ست ولايات " Provinciae" وهي: باطقة ولشدانية، وجليقية، والولاية الطركونية، والولاية القرطاجنية، ثم أضفيت
إليها مرطانية الطنجية " Mauretania Tingitana" والجزائر الشرقية " Prpvincia Balearica"
(1)
.
وقد أورد أبو عبيد البكري في جغرافيته نصاً أكثر تفصيلاً وأهمية للتقسيم الإداري أيام الرومان، بل أيام المسلمين، وهذا النص يقسم الأندلس إلى ست مناطق، جعل الجزء الأول من مدينة نربونه وهو حد مابين غاليوش وبين الأندلس، وأضاف إليها سبع مدن مما حواليها، وهي: بَطرِّش " Beziers" وطليوشة " Tolose" ومقلونة " Maguelonna" ونومشو " Nemauso" وقرقشونة " Carcassonne".
وجعل الجزء الثاني: من مدينة براقرة " Bracara" وهو حوز جليقية وشلطانية " Saldana" وهو بلد ابن غُومِس. وجعل لها اثني عشر مدينة مما حواليها، منها: مدينة برطقال "بورتو Porto" ومدينة توذى " Tude" ومدينة أورية " Auria" ومدينة لكُّه " Lugo" ومدينة برطانية " Britonia" ومدينة اشترقة " Astorga" ومدينة شانت ياقو " Santiago" ومدينة إيرية " Iria" ومدينة بطقة ومدينة شارّة " Sarria".
وجعل الجزء الثالث: من مدينة طَرَّكُونَة " Tarrgona" وأضاف إليها مدينة سرقسطة " Zaragoza" وأشقة " Huesca" ولاردة Lerida" وطرطوشة " Tortosa" وتطيلة " Tudela" وأعمال بلد ابن شانجو كلها وبلد بَلْيارش " Pallars" وبرشلونة " Barcelona" وجُرنُدة " Gerona"
(1)
- انظر: د. حسين مؤنس، فجر الأندلس ص 535 - 538.
ومدينة أَنْبُور [يش]" Ampurlas" ومدينة بنبلونة " Pamplona" ومدينة أُوقة " Oca" ومدينة قَلَهُرَّة " Calahorra" ومدينة طرَسَوُنة " Tarazona" ومدينة أماية " Amaya". وجعل الجزء الرابع: عشرين مدينة، قاعدتها مدينة طليطلة " Toledo"، وأضاف إليها مدينة أوريط " Oreto" ومدينة شَغُوبَية " Segovia" ومدينة أَرْكَبيقة " Ercavica" ومدينة وادي [الحجارة]" Guadalajara" ومدينة شِغُونْسَة " Siguenza" ومدينة أكشُمة " Oxuma" ومدينة بلنسية " Valencia" ومدينة بلازيا ومدينة أوريولة " Orihuela" ومدينة ألش " Elche" ومدينة شاطبة " Jativa" ومدينة دانية " Denia" ومدينة بياسة " Baeza" ومدينة قسطلونة " Gazlona" ومدينة منتيشه " Mentesa" ومدينة وادي آش " Guadix" ومدينة بسطة " Baza" ومدينة أرش " Urci" وهي بجانة " Pechina".
وجعل الجزء الخامس: قاعدته مدينة ماردة " Merida"، وأضاف إليها اثنتي عشرة مدينة وهي: باجة " Beja"، ومدينة أكشونبة " Ocsonoba"[ومدينة صيوتلة؟] ويابرة " Evora" وشنترة " Cintra" وشنترين " Santarem" والأشبونة " Lisbona " وقلنبرية " Coimbra" وقورية " Coria" وشلمنقة " Salamanca" وصمورة " Zamora"، وهي محدثة بَرَا إلى شنت ياقوب " Santiago de Compostela. "
وجعل الجزء السادس: قاعدته مدينة إشبيلية " Seville"، وأضاف إليها لبلة " Niebla" وقرطبة " Cordoba" وقرمونة " Carmona"
ومورو " Moron" ومرشانة " Marchena" والجزيرة " Algeciras" وتاكرنا " Takurunna" وريه " Rejio" وأشونة " Osuna" وإستجة " Ecija" وقبرة " Cabra" وأعمالها إلى بجانة " Pechina" وإلبيرة " Elvira" وجيان " Jaen" ومنتيتة " Mentesa" وباركتة " Bakartah" وأبدة " Ubeda" وبياسة " Baeza"
(1)
.
وبناء على ما سبق فيمكن القول بكل اطمئنان بأن المسلمين قد وجدوا عند دخولهم شبه الجزيرة الأيبرية، تقسيماً إدارياً ثابتاً للبلاد، فساروا عليه، مع إجراء بعض التعديلات الشكلية التي اقتضتها الأحوال الجديدة، واستبدلوا ما وجدوا من التسميات والمصطلحات بما حملوه معهم من المشرق
(2)
، ومما يؤيد هذا الرأي هو ذلك الاتفاق العجيب بين المصادر الجغرافية الأندلسية عند حديثها عن التقسيم الإداري في الأندلس
(3)
.
ومن الواضح أن هناك تشابهاً في الأسس التي سار عليها كل من الرومان والمسلمين في تقسيماتهم الإدارية، فقد كانت المدينة هي الأساس الذي قام عليه التنظيم الإداري الروماني، وكانت المدن هي المراكز التي اعتمد عليها المسلمون في الحكم والإدارة
(4)
.
(1)
- جغرافية الأندلس وأوربا، ص 59 - 64.
(2)
- فجر الأندلس، ص 536.
(3)
- المصدر السابق، ص 535.
(4)
- نفسه ص 546.
ولقد كان الإتجاه الإداري في الأندلس يميل نحو الأقسام الإدارية الصغيرة تيسيراً لضبط الأمن وربط المال، واكتفى المسلمون بالكور، كل كورة تتبعها مدن وكل مدينة تتبعها أقاليمها أو زماماتها، وهذا النظام أدى بدوره إلى تبسيط السلم الإداري، فالإدارة المركزية يتبعها عمال الكور، وعمال الكور يتبعهم عمال المدن، وهم المسئولون عن زمامات المدن وأقاليمها، وجرت العادة أن يعين عامل المدينة عاملاً خاصاً بالمدينة نفسها يسمى صاحب المدينة
(1)
.
وفي ظل المسلمين عرفت الأندلس نظام الأجناد أو الكور المجندة، وهو النظام الذي أخذه المسلمون عن البيزنطيين
(2)
، والمراد به ولايات عسكرية ينزلها جند، ويسميها العرب بند والجمع بنود، وهي تقابل الثغور ويحكمها قائد عسكري.
ولم يعرف نظام الأجناد إلا في الشام، ومنها انتقل إلى الأندلس، وذلك على أيام أبي الخطار الكلبي
(3)
سنة (125) هـ (743 م) مع اختلاف
(1)
- نفسه ص 554 - 555.
(2)
- عبد العزيز عبد الله السلومي، ديوان الجند، نشأته وتطوره في الدولة الإسلامية حتى عصر المأمون. (مكة المكرمة، مكتبة الطالب الجامعي، ط الأولى 1406 هـ) ص 328 - 336.
(3)
- أبو الخطار الحسام بن ضرار بن سلامان الكلبي، دمشقي من خيار أهل الشام، شاعر فارس، ولي إمارة الأندلس سنة 125 هـ، وعلى يديه خمدت فتنة كانت قد اندلعت بين المسلمين هناك، وهو الذي فرق العرب الشاميين على الكور، ورغم أن أبا الخطار كان موضع رضى الشاميين والبلديين، إلا أنه في سنة 128 هـ انحرف في سياسته، فتعصب لليمانية، فآل به الأمر إلى الخلع والفرار إلى جهة باجة في غرب الأندلس، ثم حاول العودة لاستلام الإمارة، إلا أنه هُزم ومن معه في معركة عُرفت بأنها قاطعة الأرحام وقعت بشقندة، وتم القبض عليه، وقتل صبراً أواخر سنة 130 هـ. انظر: ابن القوطية، ص 19 - 21. أخبار مجموعة، ص 45 - 46، 56 - 60. جذوة المقتبس، ترجمة رقم 402، الحلة السيراء، 1/ 61 - 66.
واحد أن الجند في الشام كان يضم كوراً كثيرة، أما في الأندلس فكان يقابل كورة واحدة
(1)
.
وقد ذكر العذري أن الكورة أو المدينة في الأندلس قد قسمت إلى مدن أو نواح لكل منها حوز يسمى إقليماً، وإلى جانب الأقاليم أقسام إدارية أخرى تسمى الأجزاء، وهو يورد هذه الأجزاء بعد الأقاليم مباشرة
(2)
.
وبذلك نرى أن المسلمين حين قسموا الأندلس تقسيماً إدارياً ساروا على ما وجدوه مع تكييفه على نحو يتفق مع ظروفهم في شبه جزيرة إيبيريا، دون أن يغيروا أساسه، فقد ظلت المدينة هي الأساس تتبعها الأرض، وحينما حولوا بعض المدن إلى كور ظلت المدينة أساس الكورة، ولم تكن الكورة هي الأساس تتبعها المدينة
(3)
.
(1)
- فجر الأندلس، ص 555.
(2)
- نصوص عن الأندلس، ص 20.
(3)
- فجر الأندلس ص 587.
والمدينة في الأندلس تتبع المعنى الروماني، فهي نواة لإقليم أو أقاليم كل أهلها يعتبرون من أهل المدينة، وهي بذلك تختلف عن معناها في المشرق الذي تعتبر فيه المدينة عبارة عن مجموعة من الأبنية يحيط بها سور.
وقد اقتضى الأمر اعتبار الكثير من مدن الجنوب في الأندلس وحدات مستقلة، فجعلوها كورا، ذلك لأن مركز الثقل في الأندلس كان في الجنوب، من أجل هذا صغرت مساحات الكور في الجنوب بينما اتسعت في الشرق والغرب، وأما في الوسط ونواحي الشمال فقد ظلت مدناً بالمعنى الروماني القديم، لها أحواز وفي أحوازها تقع مدناً أخرى ذات أحواز
(1)
.
كما جرت العادة أن تسمى المدينة الرئيسة بالأم والجمع أمهات، والمدن الفرعية بالبنات، مفردها بنت، وقد تتحول الأم إلى بنت إذا زادت عليها في العمارة احدى بناتها، قال الحميري في كلامه عن طرسونه " .... ثم عادت طرسونة من بنات تطيلة عند تكاثر الناس بتطيلة، وإيثارهم إياها لفضل بقعتها واتساع خطتها"
(2)
.
ومن غير الميسور الآن تقدير حوز كل كورة ومدينة، أو رسم خريطة دقيقة للأندلس وتقسيماتها الإدارية، لأن مالدينا من معلومات في المصادر الجغرافية التي وصلت إلينا لاتعين على ذلك
(3)
.
(1)
- المرجع السابق ص 588.
(2)
- الروض المعطار، ص 389.
(3)
- فجر الأندلس، ص 590.
وقد ذهب بروفنسال إلى أنه من الممكن رسم صورة كاملة للتقسيم الإداري للأندلس بالاستعانة بكتب التاريخ، وهذا صحيح، ولكن مابين أيدينا من أصول تاريخ الأندلس مبتور من مواضع شتى كما هو الحال في جغرافية العذري
(1)
، وقد أحصى بروفنسال سبعاً وعشرون كورة غير الثغور، وهذه الكور هي قرطبة، فحص البلوط، قبرة، استجة، إشبيليه، قرمونة، لبله، اكشونبه (شلب) باجه، مورور، شذونه (قلسانه) الجزيرة الخضراء، تاكرنا، ريه، إلبيرة، جيان، بجانة، تدمير، شاطبة، بلنسية، طليطلة، طلبيرة، ماردة، بطليوس، شنترين، لشبونة، قلمرية
(2)
.
وقد علق الدكتور حسين مؤنس على هذه القائمة بقوله: قد تكون هذه هي كور الأندلس في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إلا أنه نظراً لعدم وقوفنا على إحصاء كامل لما في كتب التاريخ من معلومات، فإننا لا نستطيع مناقشة ما ذكره بروفنسال
(3)
.
وإذا أتينا إلى تعريف الكورة، نجد ياقوت يعرفها بقوله "الكورة كل صقع يشتمل على عدة قرى، ولابد لتلك القرى من قصبة أو مدينة أو نهر يجمع اسمها ذلك اسم الكورة، كقولهم: دار بجرد، مدينة بفارس لها عمل واسع يسمى ذلك العمل بجملته كورة دار بجرد، ونحو نهر الملك، فإنه نهر
(1)
- المصدر السابق، ص 590.
(2)
- L.Prorencal OP.Cit.V، III، P: 49 - 51.
(3)
- فجر الأندلس، ص 591.
عظيم مخرجه من الفرات ويصب في دجلة، عليه نحو ثلاثمائة قرية، ويقال لذلك جميعه نهر الملك"
(1)
.
وإذا أتينا إلى الأندلس نجد أن التعريف الذي أدلى به ياقوت ينطبق على الكورة، إذ نجد أن لكل كورة عملاً واسعاً ولها قصبة أو حاضرة.
فكورة إشبيلية - مثلا - تنسب إلى حاضرتها
(2)
، بينما نجد كوراً أخرى لاتنسب إلى حواضرها، فكورة شذونة حاضرتها مدينة شريش
(3)
، وكورة ريُّه حاضرتها أرشذونة
(4)
، وكورة مورور حاضرتها مدينة شَلْب
(5)
.
وكل قسم إداري سواء كان مدينة أو كورة ينقسم إلى أقاليم، والإقليم عند أهل الأندلس هو "كل قرية كبيرة جامعة فإذا قال الأندلسي: أنا من إقليم كذا، فإنما يعني بلدة، أو رستاقا بعينه"
(6)
.
فكورة إشبيلية يتبعها من الأقاليم: إقليم المدينة، إقليم ألية، إقليم السهل، إقليم الشعراء، إقليم البصل، إقليم طالقة، إقليم الشرف، إقليم الوادي، إقليم طشانة، إقليم الفحص، إقليم قرطشانة، إقليم المنستير
(7)
.
(1)
- معجم البلدان، 1/ 36 - 37.
(2)
- تعليق منتقى، ص 292 - 293.
(3)
- المصدر السابق ص 294.
(4)
- نفسه، ص 294.
(5)
- نفسه ص 295.
(6)
- معجم البلدان، 1/ 26.
(7)
- جغرافية الأندلس وأوربا، ص 115.
وكل إقليم يكون متبوعاً بعدد كبير من القرى، فقرطبة كان يتبعها خمسة عشر إقليميا، إقليم المدور: عدد قراه تسعون قرية، إقليم القصب: عدد قراه سبعة وثمانون قرية، إقليم لوره: عدد قراه أربعة وستون قرية، إقليم الصدف: عدد قراه ثمانية وعشرون قرية، إقليم بني مسرة، عدد قراه سبع عشرة قرية، إقليم منيانة: عدد قراه ست وعشرون قرية، إقليم كرتش: عدد قراه ستون قرية، إقليم القتل: عدد قراه ثمان وأربعون قرية، إقليم الهزهاز: عدد قراه ثلاث وسبعون قرية، إقليم وابة الملاحة: عدد قراه أربعة وثمانون قرية، إقليم وابُه الشعراء: عدد قراه أربع وتسعون قرية، إقليم أولية السهلة: القرى مائة قرية وقريتان
(1)
.
من هنا يتضح أن الأقاليم كانت محددة تحديداً دقيقاً لمعرفة مايترتب على كل منها من الناحية المالية، وعلى هذا فالإقليم كانت الدولة تنظر إليه على أنه وحدة مالية، كما أن أسماء معظم الأقاليم ليس عربياً، مما يدل على أن الإقليم بحدوده واسمه كان موجوداً قبلهم
(2)
.
وهكذا يتضح مما مضى أن كل قسم إداري ينقسم إلى عدة أقاليم، وكل إقليم يكون متبوعاً بعدد من القرى، ويطلق على كل
(1)
- نصوص عن الأندلس ص 124 - 127.
(2)
- فجر الأندلس، ص 583.
ما يدخل في حوز القسم الإداري اسم عمل
(1)
، أو حوز
(2)
، أو نظر
(3)
، أو ولاية
(4)
.
خطة عمالة الكور:
قبل وصول الأمير عبد الرحمن الداخل للأندلس، لم تورد المصادر الأندلسية أي ذكر لعمال الكور هناك، وإنما هناك زعامات قبلية تتولى السيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي.
لأجل هذا، نجد الأمير عبد الرحمن الداخل قد عمل جاهداً على إحلال سلطة الدولة مكان سلطة القبيلة، وبدأ بهذه الخطوة الهامة عقب انتصاره في معركة المصارة مباشرة، إذ لم ينكل بمعارضيه من القيسية، كما أنه منع أنصاره اليمانية من السلب والنهب
(5)
.
وبعد أن استتب الأمر في الأندلس للأمير عبد الرحمن الداخل، عمد إلى تعيين الولاة على الكور، واختار في البداية الزعماء القبليين ليكونوا
(1)
- الروض المعطار، ص 115، 469.
(2)
- تعليق منتقى، ص 284، 285، 286، 287، 290.
(3)
- الروض المعطار، ص 350.
(4)
- المصدر السابق، ص 469.
(5)
- أخبار مجموعة، ص 90.
ولاة في مناطق سيادتهم، فجعل أبا الصباح حي بن يحيى اليحصبي
(1)
والياً على إشبيلية
(2)
، وسليمان بن يقظان
(3)
على برشلونة
(4)
.
(1)
- أبو الصباح حي بن يحيى اليحصبي، زعيم العرب اليمانية في إشبيلية فارس شجاع، لبى دعوة الأمير عبد الرحمن الداخل وبايعه، واشترك معه في معركة المصارة، ومن ثم تغيرت عليه نفس الأمير عبد الرحمن الداخل بسبب مؤامرة كان أبو الصباح يدبرها ضده. انظر: ابن القوطية، ص 21 - 22، 25، 30. أخبار مجموعة ص 105، 106، 107. الكامل في التاريخ، 5/ 123، 189. الحلة السيراء، 1/ 59 - 60. البيان المغرب، 2/ 52، 53.
(2)
- أخبار مجموعه، ص 105.
(3)
- سليمان بن يقظان الكلبي أحد وجوه العرب في منطقة الثغر الأعلى، كان أحد الزعماء ذوي الطموح، أعلن تمرده ضد الأمير عبد الرحمن الداخل سنة 157 هـ وهزم جيشه وأسر قائده سنة 158 هـ ومن ثم تواطأ مع شارلمان، وأرسل إليه بخطة مع ثقاته، مقابل تسليمه بعض المواقع في شمالي إسبانيا، ورغم الحملة الكبيرة التي قادها شارلمان ضد الأندلس، إلا أنه هزم وسحقت مؤخرة جيشه، وعاد سليمان إلى سرقسطه بعد إنقاذه من أسر شارلمان، وأعلن التمرد مرة أخرى ضد الأمير عبدالرحمن الداخل، إلا أن الأخير دبر عملية اغتياله فتخلص منه وذلك سنة 164 هـ. انظر: أخبار مجموعة، ص 110، 112، 113، 114. العذري، نصوص عن الأندلس، ص 25، 26. البيان المغرب 2/ 58. أرسلان، غزوات العرب، ص 117 - 120، 121. د. إبراهيم طرخان، المسلمون في أوربا، ص 172، 173، 176، 177 - 178، 183. كارلس ديفز، شارلمان، ص 100، 102. السامرائي، الثغر الأعلى، ص 234.
(4)
- أخبار مجموعه، ص 110.
ويبدو أن الأمير الداخل قد قام بهذه الخطوة، رغبة منه في استمالة القوى القبلية حتى يقوى أمره، ومن ثم يفرض رؤيته الخاصة عن نظام الحكم والإدارة، فهو رغم إدراكه لما كان قد أضمره له أبو الصباح بعد معركة المصارة
(1)
، إلا أنه ولاه اشبيلية إلى حين تأتي الفرصة المناسبة للقضاء عليه بهدوء، وهو ما حصل، فقد أصدر الأمير أمراً بعزل أبي الصباح عن منصبه إضعافاً لأنصاره الذين كثرت حركات تمردهم على إمارة قرطبة، ولأن أبا الصباح رفض تنفيذ الأمر، فقد أعلن عن عصيانه وتمرده، فأرسل له الأمير كتاب أمان استدرجه به إلى قصر قرطبة، وهناك قضى عليه وذلك سنة (149) هـ
(2)
(766 م) ثم عزل جميع الزعماء القبيليين الذين لم يرق لهم الانصياع لنظام الحكم الجديد، وعين بدلاً منهم أمراء من البيت الأموي، أو الموالي أبناء البيوتات المساندة، فقد جعل حبيب بن عبد الملك
(3)
والياً على طليلطة
(4)
، وعبد الملك بن عمر
(1)
- المصدر السابق، ص 91.
(2)
- نفسه ص 105 - 107. الحلة السيراء، 1/ 59 - 60. البيان المغرب، 2/ 53.
(3)
- أبو سليمان حبيب بن عبد الملك بن عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، هو جد الحبيبيين الذين بقرطبة ورية، كانت له منزلة خاصة لدى الأمير عبد الرحمن الداخل لم تكن لأحد سواه، ولاه طليطلة وأعمالها، وكان دائم الاستشارة له، توفي حبيب في أيام الأمير عبد الرحمن الداخل، فشهد جنازته ومعه ستة من ولده. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 89 - 90. الحلة السيراء، 1/ 59 - 60.
(4)
- الحلة السيراء 1/ 59 - 60.
بن مروان
(1)
والياً على اشبيلية وولده عبد الله
(2)
على مورور
(3)
، كما جعل عبد السلام بن بسيل مولى هشام بن عبد الملك على عدة كور
(4)
.
ووجود والٍ أو عامل في كورة، الغرض منه القيام بإدارة هذه الكورة وتصريف شئونها الإدارية والعسكرية والمالية وغيرها، نيابة عن الأمير أو الخليفة، وتمثيله في جميع المناسبات التي تجري في تلك الكورة.
ويمكن القول بأن تعيين العمال في الكور والثغور يخضع لاعتبارات خاصة، فلا يمكن اعتبار عمالة كورة داخلية مثل أهمية عمالة أحد الثغور
(1)
- أبو مروان عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، قعيد الأمويين في وقته وفارسهم، دخل الأندلس سنة 140 هـ ومعه عشرة من بنيه كل منهم فارس، وقد كان له الأثر الكبير في تثبيت حكم الأمير عبد الرحمن الداخل وبالذات في بداياته، ولذا فقد كافأة الأمير بأن استوزر بنيه، وزوج ابنته كنزه من ابنه هشام. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 107 - 108. الحلة السيراء، 1/ 56 - 57، أخبار مجموعة، ص 95 - 99.
(2)
- عبد الله بن عبد الملك بن عمر، قدم مع أبيه من مصر، ودخل الأندلس سنة 140 هـ، كان فارساً قاد الجيوش ضد يوسف الفهري وأبلى في حربه وقد قتل عبد الله على يد أبيه وذلك بسبب فراره من إحدى المعارك. انظر: الحلة السيراء، 1/ 56.
(3)
- الحلة السيراء 1/ 56. مورور، تقع على سفح جبل يحمل نفس الاسم Sierra de Moron، كانت في بداية الأمر كورة قاعدتها تحمل نفس الاسم، إلا أن المعتمد بن عباد ضمها إلى اشبيلية سنة 438 هـ ومنذ ذلك الحين أصبحت مورور وأقليمها من توابع اشبيلية، وقد سقطت مورور في يد فرناندو الثالث سنة 646 هـ. وهي اليوم مركز إدري تسمى Moron. انظر: الحلة السيراء، 2/ 371، حاشية رقم (1).
(4)
- الحلة السيراء، 2/ 371.
البرية أو البحرية، فقد حرص الأمويون على أن يكون ولاة الثغور من رجال الحرب، الذين يتميزون بالكفاية الإدارية والحربية، فالأمير عبد الرحمن الداخل على سبيل المثال أسند ولاية وشقة وطرطوشة وطرسونة لأحد نقباء دولته تمام بن عامر الثقفي
(1)
. الذي أظهر براعة فائقة في القدرة على مواجهة حركات التمرد والعصيان والقضاء عليها
(2)
.
ونظراً لأهمية وجود الخبير بشئون البحر، نجد الأمويين يسندون أمر عمالة أو إدارة الثغور البحرية لرجال لهم الدراية الكافية في هذا المجال، فقد عمد الأمير عبد الرحمن الداخل إلى تولية الرماحس بن عبد العزيز
(3)
(1)
- الحلة السيراء 1/ 143. أبو غالب تمام بن علقمة الثقفي، دخل الأندلس في طالعة بلج بن بشر، وكان أبو غالب أحد النقباء القائمين بدولة الأمير عبد الرحمن الداخل، تقلب في المناصب الوزارية والولايات كما قاد الجيوش وعُمِّر طويلاً وتوفي في آخر دولة الأمير الحكم الربضي. انظر: الحلة السيراء 1/ 143.
(2)
- البيان المغرب 2/ 53.
(3)
- الرماحس بن عبد العزيز بن الرماحس بن الرُّسارس الكناني، كان على شرطة الخليفة الأموي مروان بن محمد، وبعد سقوط الدولة الأموية، هرب الرماحس إلى الأندلس، فولاه الأمير عبد الرحمن الداخل على الجزيرة، إلا أنه لم يلبث أن أعلن التمرد، فلم تمض مدة عشرة أيام على تمرده إلا والأمير عبد الرحمن على رأس قواته يهاجم الجزيرة، فلم يجد الرماحس بداً من أخذ أهله والهرب إلى سبته ومنها إلى المشرق، وذلك سنة 164 هـ، انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 189. أخبار مجموعة، ص 112. نصوص عن الأندلس، ص 117 - 118. إلا أنه جعل الحركة سنة 155 هـ. البيان المغرب 2/ 56.
ثغر الجزيرة الخضراء
(1)
، ويعتبر الرماحس باني مجد بيت بني الرماحس في الأندلس، وقد اشتهر أبناء هذه الأسرة فيما بعد بالمهارة الفائقة في قيادة الأساطيل الحربية الأندلسية، ولعل عبد الرحمن بن محمد بن رماحس كان أشهر أبناء أسرته في تاريخ الدولة الأموية
(2)
.
ونجد في عصر الإمارة، أن العديد من أبناء البيت الأموي كانوا عمالاً للكور، وغالباً مايتم إسناد الولايات المهمة لهم، فبالإضافة إلى من تولوا العمالة من الأمويين في عهد الأمير الداخل، كان الأمير عبد الرحمن الأوسط قد جعل ولاية كورة إليبرة مداولة بين ولديه الحكم وعبد الله
(3)
،
(1)
- نصوص عن الأندلس ص 117 - 118. البيان المغرب 2/ 56. الجزيرة الخضراء: كورة تشتمل على عدة مدن قاعدتها مدينة الجزيرة الخضراء، تقع في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الأيبيرية في مواجهة سبتة، وبجوارها جبل طارق. وقد سقطت بأيدي النصارى سنة 747 هـ ثم استردها محمد الخامس الغني بالله سلطان غرناطة وذلك سنة 771 هـ إلا انه دمرها تدميرا كاملاً لئلا يستفيد منها النصارى أو بني مرين في المغرب وهي اليوم مركز إداري في مديرية قادس ويكتب اسمها Algeciras. انظر: نصوص عن الأندلس، ص 120. الحلة السيراء، 2/ 199 حاشية رقم (3). الروض المعطار، ص 223 - 224. الحلل السندسية، 1/ 81 ومابعدها.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص 24، 28، 58، 80، 87، 89، 90، 96، 98، 105، 116، 216.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 7.
بينما كان أخوهما محمد والياً على مارده
(1)
، وأما مسلمة بن الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد كان والياً على كورة شذونة
(2)
.
وفي عصر الخلافة لم نعد نسمع بذكر ولاة للكور من أبناء البيت الأموي، إلا أنه كان هناك ولاة من القرشيين
(3)
.
وهناك من يتم الإسجال له على نصف مدينة فقط، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما كان في إحدى غزواته حل بطليطلة وأصلح شأنها، وبسبب اختلاف أهواء أهلها في عمالهم، فقد قسمها الأمير بين مطرِّف بن عبد الرحمن ومنافسه طربيشة بحيث يلي كل واحد منهما جانباً، وذلك سنة (259) هـ (873 م)
(4)
.
وأحياناً يتم الإسجال لأحدهم على ولاية إحدى النواحي، مكافأة له، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن، فقد مر أثناء عودته من إحدى مغازيه بأرض شنت برية، فاعتل له خصي من أكابر خصيانه الخلفاء، فتركه عند ذي النون بن سليمان
(5)
، فمرَّضه وعالجه إلى أن برئ
(1)
- قضاة قرطبة، ص 73.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 211.
(3)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 356، 377.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 329 - 330، وما ورد في التعليقين رقم: 540، 541.
(5)
- ذو النون بن سليمان بن طوريل بن الهيثم بن إسماعيل بن السمح (الداخل منهم إلى الأندلس) بن وردحيقن الهواري، واسم ذو النون اسم شائع في البربر بـ"زنون" ولكن مع استقرار هذه العائلة في الأندلس تصحف الاسم إلى ذي النون وقد كان لهذه العائلة الزعامة منذ أن حل السمح باني مجدها في شنت برية. والأمير محمد بن عبد الرحمن هو الذي نوه بذكر هذه الأسرة ورفع شأنها بسبب عناية ذو النون بخصي الأمير، وقد ظل ذو النون معترفاً بفضل الأمير مستمسكاً بالطاعة إلى أن توفي سنة 274 هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 341 - 342. والمقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 17 - 18. البيان المغرب، 3/ 276.
من علته، ثم جاء به بنفسه إلى قرطبة، فكافأة الأمير محمد بأن أسجل له على ناحيته وقدمه على قومه وذلك سنة (260) هـ
(1)
(874 م).
وهناك كور بقيت مدة دون عمال، ففي سنة (277) هـ (890 م) غدر عمر بن حفصون بخير بن شاكر
(2)
القائم بدعوة المولدين والعجم ضد العرب بشوذر ونواحيها من كورة جيان، فقتله وبعث برأسه
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 341.
(2)
- خير بن شاكر، أحد المولدين الذين أعلنوا التمرد ضد الدولة الأموية، كان شديد البغض للعرب ولأجل ذلك قام بدعوة المولدين والعجم سن 276 هـ، هاجم أماكن تجمع العرب حول غرناطة فأوقع بهم وأباد خلقاً منهم، ولأنه كان حليفاً لعمر بن حفصون وديسم بن إسحاق، فقد تمكن الأمير عبدالله بن محمد من إفساد ضمير ابن حفصون على خير بن شاكر، فكانت النتيجة أن ذهب الأخير ضحية ذلك، حيث قتله غدراً أحد رجال ابن حفصون وبعث الأخير برأس خير إلى الأمير عبد الله وذلك سنة 277 هـ. انظر: المقتبس، تحقيق أنطونيه ص 24. البيان المغرب، 2/ 122، 123.
إلى الأمير عبد الله بن محمد، وبسبب ذلك أقامت جيان وإلبيرة مدة دون عامل من الأمير
(1)
.
وإذا اتفقت كلمة أهل بلد على تقديم أحدهم ليكون والياً عليهم، نجد أن حكومة قرطبة لا تعارض فعندما اتفق أهل بجانة والمرية سنة (303) هـ (916 م) على تقديم مسعود بن علي مكان أخيه قاسم بن علي وافقهم الأمير على ذلك، وعينه والياً عليهم.
(2)
ويتم أحياناً الإسجال لإحدهم على نصف كورة، فقد أسجل الخليفة الحكم المستنصر بالله لأصبغ بن محمد بن فطيس على نصف كورة ريَّة، وذلك في يوم الاثنين لخمس خلون من رمضان سنة (361) هـ
(3)
(يونيو (972) م).
كما يتم أحياناً عقد ولاية لأحدهم على إحدى الكور إتقاء لشره، وهذا النمط برز بوضوح في عهد الأمير عبد الله بن محمد 275 - (300) هـ (888 - (912) م) فقد أسجل للب بن محمد بن لب بن موسى القسوي
(4)
على
(1)
- المقتبس، تحقيق: أنطونية ص 24.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا ص 111.
(3)
- المصدر السابق، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 77.
(4)
- لُبّ بن محمد بن لُبّ بن موسى بن موسى بن فرتون بن قسي، وكان ولاء أسرته للخليفة الوليد بن عبدالملك وهي إحدى الأسر المتنفذة في الثغر الأعلى الأندلسي، ومنذ سنة 194 هـ بدأت هذه الأسرة تمردها ضد الإمارة الأموية، إلا أن العلاقة بين الطرفين تحسنت منذ سنة 235 هـ، وبعد اغتيال محمد بن لب سنة 285 هـ، سار ابنه لب على خطاه ثم أظهر الطاعة للأمير عبد الله بن محمد، فأسجل له على بعض أراضيه، واستمر لب في زعامته إلى أن قتل في إحدى المعارك ضد نصارى نافار سنة 294. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 502. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 161، 307، 318 - 327، 328، 335، 338، والتعليق رقم 331. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 17، 118. نصوص عن الأندلس، ص 29، 36، 37 - 38. البيان المغرب، 2/ 139، 141، 142، 143. السامرائي، الثغر الأعلى، ص 289 - 290، 292، 300 - 312، 316 - 321، 322 - 332. أبا الخيل، المرجع السابق، ص 181 - 188.
تطيله
(1)
وطرسونة
(2)
وأعمالها اتقاء لشره وكفاً لأذاه
(3)
.
(1)
- تطيلة Tudela مدينة تقع على بعد 78 كيلو متر إلى الشمال الغربي من سرقسطة، امتازت بطيب المناخ وخصوبة التربة وغزارة المياه، ومن أشهر أنهارها إبره، وتطيلة أقصى ثغور المسلمين، وقد اختطت في عهد الأمير الحكم الربضي بواسطة عمروس بن يوسف، والبلدة لا تزال تحتفظ بطابعها العربي المميز، وحتى القرى والأرياف المحيطة بها لها نفس الصفة، وتطيلة وتوابعها كلها الآن ضمن مقاطعة نبارة Navarra. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص 76. ابن غالب، تعليق منتقى، ص 287. ذكر بلاد الأندلس 1/ 74. الروض المعطار، ص 133. رحلة الأندلس، ص 288. تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس، ص 69 - 70.
(2)
- طرسونة Tarazona كانت مستقر العمال والقَّواد بالثغر. وبعد أن اتسعت تطيلة أصبحت طرسونة تابعة لها، والمسافة بينهما أثنا عشر ميلا. انظر: الروض المعطار، ص 389.
(3)
- المقتبس، تحقيق: أنطونية ص 17.
وبعد أن تمكن محمد بن عبد الرحمن التجيبي من قتل والي سرقسطة أحمد بن البراء في شهر رمضان سنة (296) هـ (يونيو (909) م) كتب التجيبي للأمير عبد الله بن محمد يذم عنده أحمد ابن البراء ويقدح فيه، ويسأله الإسجال له على سرقسطة وماحولها، فلبى الأمير طلبه لعجزه عن مواجهته أو مواجهة غيره
(1)
.
كما أن الأمير عبد الله أسجل لمحمد بن عبد الكريم بن الياس
(2)
على بلده "ورد" من كورة شذونه، كفاً لشره
(3)
.
وإذا كانت حكومة قرطبة غير متأكدة من صدق ولاء من يريد الإسجال له على بلده، وفي الوقت نفسه لا تستطيع رده خائباً، ففي هذه الحالة يتم أخذ أحد أولاد صاحب الطلب ليبقى رهينة بقرطبة مكرماً معززاً، فالأمير محمد بن عبد الرحمن بعد أن أسجل لذي النون بن سليمان
(1)
- المصدر السابق ص 21.
(2)
- محمد بن عبد الكريم بن الياس، ينتسب إلى قبيلة مغيلة من بربر البتر، كان والده من أنصار الدولة الأموية لكن بعد وفاة الأمير المنذر بن محمد أعلن عبدالكريم تمرده في محلته ورد، وقد أقره الأمير عبد الله بن محمد على محلته مكتفياً منه: إعلان الطاعة، وبعد وفاة عبدالكريم نهج ولده محمد على خطاه، وسعى للفتنة، فراسله الأمير عبد الله وداراه، فأعلن الطاعة وأسجل له الأمير على بلده، وظل على حاله إلى أن استنزله عبد الرحمن الناصر وأسكنه قرطبة وأكرم منزلته وشرف فيها عقبه. انظر: جمهرة أنساب العرب، ص 499. المقتبس، تحقيق أنطونية، ص 24. نصوص عن الأندلس ص 113.
(3)
- المقتبس، تحقيق أنطونيه، ص 24.
على بلده "شنت بريه"
(1)
وقدمه على قومه، ارتهن منه بعض ولده وذلك سنة (260) هـ (874 م)
(2)
.
وعندما يتم تعيين أحد الولاة عاملاً في إحدى الكور، لابد من إصدار ظهير له في هذه المناسبة من قرطبة، وقد حفظت لنا المصادر ظهيراً أصدره الخليفة الحكم المستنصر بالله لأصبغ بن محمد بن فطيس في رمضان سنة (361) هـ (يونيو (972) م) عندما ولاه على نصف كورة ريّة جاء فيه "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإنما تستدام النعمة بشكرها، وتعرف النصيحة باستعمالها، وبالنصيحة تتفاوت منازل العبيد لدى ساداتها، وقد رأى أمير المؤمنين فيك رأياً عظمت به عليك النعمة، فاسْعَ للمحافظة عليها بمقدار عقلك وكفايتك، أو بحسب نقصك وتدبيرك، فاستعن بالله وخذ بالرفق في أمرك، وقلة الرغبة في شأنك، واجتنب التحامل على رعيتك فإنها من حفي عناية أمير المؤمنين بموضع لايترك معه البحث عن أحوالها والكشف عن سيرتك فيها إن شاء الله، ورأى تقليدك شطر كورة
(1)
- شنت بريه Santaver مدينة قديمة البناء، تقع شرقي قرطبة، مع الميل إلى الشمال، بينها وبين طليطلة سبعون ميلاً، امتازات بخصوبة الأرض، وهي قاعدة كورة سميت باسمها، وهي اليوم تعرف باسم Albarracin الواقعة في مديرية ترويل، انظر: ذكر بلاد الأندلس، 1/ 58، تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس، ص 104.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 341 - 342.
ريّه، وهي من أهم كور الأندلس عليه، براً وبحراً، وجباياتها وضياعها، فانظر أي خادم تكون، وشاكراً للنعمة تظهر، إن شاء الله"
(1)
.
وكان عمال الكور وقادة الثغور، يقيمون في عاصمة الكورة أو الثغر، وهذه العاصمة تعرف باسم القاعدة
(2)
أو الحاضرة
(3)
أو القصبة
(4)
.
وبطبيعة الحال فإن قرطبة ومن ثم الزهراء والزاهرة، كانت تحوي وزارات إدارية ووزارات خدمات، وكل كورة في الأندلس هي مثل قرطبة ولكن على شكل مصغر، ففيها القاضي وصاحب الشرطة، وصاحب الصلاة، وصاحب السوق وغير ذلك من وظائف، والكورة ترتبط ببيت الوزراء الملحق بقصر الإمارة أو الخلافة، فهو الذي يعيِّن الولاة والعمال، وإليه ترد مكاتبات عمال الكور وقادة الثغور، والوزراء بدورهم يرفعون الأخبار بواسطة الحاجب للأمير أو الخليفة.
وعندما تكون هناك غزوة ويتطلب الأمر حشد قوات من الكور، يتولى عمالها إخراج العدد المطلوب من المقاتلين
(5)
، كما أن هناك مكتب في حاضرة الكورة يتولى عملية تقدير الضرائب وجمعها وإرسالها لقرطبة، وكان يطلق على متولي شئون المال في الكورة اسم "الأمين" يساعده في
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبدالرحمن الحجي، ص 77.
(2)
- الروض المعطار، ص 25.
(3)
- تعليق منتقى، ص 291.
(4)
- معجم البلدان، 1/ 518.
(5)
- البيان المغرب، 2/ 176.
ذلك المحصلون ومثمن المحصول، ومن هذه الأموال المجموعة يتم صرف أرزاق موظفي الكورة وجنودها، بينما يرسل الباقي والمسمى الفائض أو المستفاض إلى العاصمة قرطبة
(1)
.
ويبدو أن منصب عمالة الكور، كان فرصة للثراء العريض، وذلك من جراء سطو بعضهم على الأموال الواجب إرسالها إلى قرطبة، ولذا فأحيانا يتم إغرام بعض العمال عند عزلهم، فالأمير عبد الله بن محمد عندما عزل جهور بن عبد الملك البختي
(2)
من عمل كورة إلبيرة، أغرمه ثلاثة آلاف دينار
(3)
.
كما كانت أحياناً تتم مقاسمة العمال أموالهم. وهذا ما كان يفعله الخليفة عبد الرحمن الناصر مع عماله
(4)
.
(1)
- الحلة السيراء، 1/ 241 والحاشية رقم 1.
(2)
- جهور بن عبد الملك بن جهور بن يوسف بن بخت الفارسي، جده الأعلى يوسف بن بخت هو أول من ولي الحجابة للأمير عبد الرحمن الداخل، ومنذ ذلك الحين استمر أبناء هذه الأسرة في المناصب ولذا فهي من الأسر الأندلسية الموالية للأسرة الأموية، وقد كان جهور عاملاً على إلبيرة لكن الأمير عبد الله بن محمد عزله عنها لتظلم الرعية منه وعندما عمد الأمير إلى مشاورة الوزراء من أجل إغرام جهور، دافعوا عنه إلا الوزير سليمان بن وانسوس، فإنه هجاه بثلاثة أبيات نالت إعجاب الأمير، فأمر بإغرام جهور ثلاثة آلاف دينار وقال "ياسليمان لو زدتنا في الأبيات لزدنا الحمار في الغرم" انظر: المقتبس، تحقيق د. محمود مكي ص 192 - 193. الحلة السيراء 1/ 160 - 161.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 192 - 193.
(4)
- البيان المغرب 2/ 225 - 226.
ويظهر أن حكومة قرطبة على علم تام بما يختلسه العمال في الكور من الأموال، وأن وظيفة العمالة هي فرصة للإثراء، لأجل هذا نجد أن منصب العمالة يسند إلى أحدهم تعويضاً له عن هدية قدمها للأمير أو الخليفة
(1)
.
وقد عرف عن بني أمية حرصهم الشديد على رعيتهم، ولذا فقد كان يتم إرسال بعض الثقات للثغور والكور لسؤال الناس هناك عن سيرة عمالهم وقادتهم فيهم، ومن ثبت عليه شيء يتم عزله ومعاقبته.
فالأمير هشام الرضا كان يبعث بقوم يثق بهم من أهل العدل إلى كافة الكور والثغور سراً يسألون الناس عن سير عمالهم
(2)
، وفعل مثل ذلك الخليفة الحكم المستنصر بالله، فقد أمر صاحب الرد عبد الملك بن منذر بن سعيد بالخروج إلى الكور الغربية شريش ولقنت وأشبيلية ولبله ومورور واستجة وشذونة لمطالعة رعايها والتعرف على أحوالهم والكشف عن سير عمالهم فيهم
(3)
.
(1)
- المصدر السابق 2/ 226.
(2)
- ذكر بلاد الأندلس، 1/ 122.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 100.
وإذا قُدمت شكاوى ضد أحد العمال، جرى التحقيق في القضية، فإذا ثبتت الدعوى اقتص من العامل سواء استوجب الأمر عقوبة جسدية أو مالية إضافة إلى العزل عن المنصب
(1)
.
وخطة العمالة من الخطط الهامة في الدولة، فكلما كان العامل حليماً، عاقلاً، عادلاً، كلما عاد ذلك على الدولة بالاستقرار والأمان، إذ أن الرعية لا تتمرد غالباً إلا بسبب جور العمال. ولأجل هذا فقد كان بيت الوزراء في قرطبة لا يختار للعمالة إلا الأكفاء ذوي المروءة، لكن الأمر تغير عندما أصبح الوزير هاشم بن عبد العزيز هو المدبر لدولة الأمير محمد بن عبد الرحمن فقد عدل عن اختيار "العمال من الكهول والشيوخ ومال إلى الأحداث وشاطرهم أرباحهم فكان العمال بذلك يسمون المناصفين ففسد بذلك الأمر
(2)
" إذ أصبحت المسألة قائمة على ما يمكن أن نسميه بيع المناصب، فالعامل بدوره يشتط على الرعية في جمع الأموال لتعويض ما دفعه للوزير هاشم بن عبد العزيز وكل هذا على حساب الرعية، التي تضيق بالأمر، مما يؤدي بالنهاية إلى اندلاع حركات التمرد والعصيان، وهو ما شهدته الدولة الأموية ابتداء من منتصف القرن الثالث الهجري
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 341 - 342. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 105. ترتيب المدارك، 4/ 467. البيان المغرب، 2/ 283. ذكر بلاد الأندلس، 1/ 122.
(2)
- ابن القوطية، ص 71.
(التاسع الميلادي) واستمر الوضع حتى مطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي).
خطة الكتابة:
حرص الأمويون في الأندلس على إيجاد إدارة حازمة تعمل على تسيير شئون دولتهم الإدارية والمالية، وقد عُرفت هذه الإدارة باسم "الكتابة"
(1)
.
وهذه الإدارة هي أعلى أجهزة الدولة، وتقع عند الباب الرئيسي للقصر بقرطبة، والمعروف بباب السدة
(2)
.
وعندما تحدث ابن سعيد الأندلسي عن الخطط الأندلسية، ذكر أن خطة الكتابة تنقسم إلى قسمين، كاتب الرسائل، وكاتب الزمام
(3)
.
وقد عرف المكان الذي يعمل فيه كاتب الرسائل باسم ديوان الرسائل
(4)
، وكانت مهمة هذا الديوان هي إعداد وصياغة المكاتبات الرسمية التي تصدر عن الأمير أو الخليفة.
(1)
- نفح الطيب، 1/ 217.
(2)
- الحلة السيراء، 1/ 253. ونظراً لبناء الناصر والمنصور لمدينتي الزهراء والزاهرة، فقد انتقلت هذه الإدارة إليهما تباعاً، مثلها في ذلك مثل بقية أجهزة الدولة، ولكن منذ مطلع القرن الرابع الهجري عاد ديوان الرسائل مع بقية أجهزة الدولة إلى قرطبة وذلك بعد خراب الزاهراء والزاهرة.
(3)
- نفح الطيب، 1/ 217.
(4)
- مقدمة ابن خلدون، ص 680.
وصاحب ديوان الرسائل يُعد من أبرز موظفي الدولة ويعرف بكاتب الرسائل، ومن تولى هذا المنصب عند الأمويين أصبح له حظ في قلوب وعيون الأندلسيين، ومن أراد منهم تعظيمه وتكريمه فلا يخاطبه إلا باسم الكاتب
(1)
.
لأجل هذا فقد كانت هناك شروط لابد من توافرها فيمن يلي هذه الخطة الشريفة، وهي أن يكون مسلماً حسن الديانة سليم العقل، عالماً بفنون الكتابة، حافظاً للقرآن الكريم والسيرة النبوية وأخبار العرب القدماء، حافظاً للأشعار، بليغاً، فصيحاً، وقوراً، مهيباً، له معرفة عامة بعلوم النحو، محباً للعلم، قادراً على كتمان السر
(2)
.
فكاتب الرسائل يحتل أرفع المناصب، وربما يكون هو أقرب الناس للأمير أو الخليفة الأموي، مقدماً على من سواه، مطالعاً له بأسراره التي يظن بها على أخص الأخصاء من الأقارب والوزراء، فهو الذي يتولى الإشراف على فض الرقاع والمراسلات الخاصة بشؤون الإدارة وترتيبها ليعرضها على الأمير أو الخليفة لأخذ رأيه فيها، وكتابة الردود التي استقر الرأي عليها مع إثبات تاريخ وصول الرسالة وتاريخ الرد عليها في سجل خاص
(3)
، وعليه فالكاتب هو "لسان الملك عند الخاص والعام"
(4)
.
(1)
- نفح الطيب، 1/ 217.
(2)
- ابن منجب الصيرفي، ديوان الرسائل، ص 94، 108.
(3)
- المصدر السابق، ص 108، 112.
(4)
- ابن أبي الربيع: سلوك المالك في تدبير الممالك، (طبع حجر بشكل جداول أو شجيرات، المطبعة الخاصة بجمعية المعارف، القاهرة 1286 هـ) ص 126.
من أجل هذا نجد أن الأندلسيين لا يكادون يغفلون عن عثرات كاتب الرسائل لحظة، فإن كان نقاصاً عن درجات الكمال لم ينفعه جاهه ولا مكانه من سلطانه من تسلط الألسن في المحافل والطعن عليه وعلى صاحبه
(1)
.
وكان يعمل في ديوان الرسائل عدد من الكتَّاب والموظفين، الذين يشترط فيهم أن يكونوا من ذوي الكفاية العالية في فنون الكتابة، إضافة إلى إجادة كل منهم لعمل معيَّن في الديوان.
فهناك كاتب مهمته ترتيب الكتب التي ستعرض على الأمير أو الخليفة وتلخيصها
(2)
، وكاتب مختص بكتابة مراسيم التعيين والأحداث الهامة التي تتلى على المنابر
(3)
، وكاتب مختص بمكاتبة الملوك
(4)
، وآخر لمكاتبة رجالات الدولة وولاتها
(5)
.
(1)
- نفح الطيب، 1/ 217.
(2)
- ابن منجب، ديوان الرسائل، ص 116، 117.
(3)
- المصدر السابق، ص 119.
(4)
- نفسه، ص 172، 179.
(5)
- نفسه، ص 130.
ولابد أن يوجد في الديوان مكان خاص بحفظ السجلات والأوامر الصادرة عن ديوان الرسائل
(1)
، وهذا المكان هو مايعرف بالوقت الحالي باسم "الإرشيف".
ومع التطور الكبير الذي شهدته الدولة الأموية في عصر الخلافة، واتساع المهام الواجب على كل جهاز من أجهزة الدولة القيام بها، نجد الخليفة عبد الرحمن الناصر يصدر أوامره سنة (344) هـ (955 م) بتوزيع أمور الخدمة السلطانية بين وزرائه، فقلَّد الوزير جهور بن أبي عبد ة النظر في كتب جميع أهل الخدمة، وقلَّد الوزير عيسى بن فطيس النظر في كتب أهل الثغور والسواحل والأطراف وغير ذلك، وقلَّد الوزير الكاتب عبد الرحمن الزجالي النظر في تنفيذ كل ما يخرجه من العهود والتوقيعات، وينفذ به الأمر أو الرأي وغير ذلك، وقلَّد الوزير محمد بن حدير النظر في مطالب الناس وحوائجهم، وتنجيز التوقيعات لهم
(2)
. ولا يصل أحد إلى خطة الكتابة إلا بعد اجتيازه لاختبار يمر به، فإن أثبت كفاءته نال المنصب، فالأمير محمد بن عبد الرحمن عندما أراد تقديم حامد الزجالي
(3)
(1)
- نفسه، ص 138، 139.
(2)
- البيان المغرب، 2/ 220.
(3)
- هو حامد بن محمد بن سعيد الزجالي، ورث مكان والده في الأدب والمعرفة والكتابة والبلاغة، كان كاتباً، وزيراً، أديباً، حليماً، عفا، جميل الخصال، إلا أنه كان يعاب بالبخل، مما عرضه للهجاء، وقد مكث حامد في خطته حتى توفي سنة 268 هـ. انظر: ابن القوطية، ص 83 - 85. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 32، 36 - 38.
لخطة الكتابة، أمر بإدخاله إلى المكان المخصص للكتَّاب، ثم أمره بأن يكتب كتاباً على لسانه لأحد رجاله في الثغر يحذره من أحد المناوئين، فلما استحسن الأمير ما رفعه إليه حامد، أمر أن يوضع له فراش مع الوزراء
(1)
.
من هذه الحادثة يتضح لنا أيضاً أن الكاتب يحمل لقب "وزير" فيقال له "الكاتب الوزير" وبطبيعة الحال له من المميزات مثل ما للوزير إضافة إلى طبيعة عمله وهو الكتابة.
ولم يتخذ الأمويون كاتباً خاصاً لهم في بداية أمرهم، فالكاتب الموجود في بيت الوزراء يكتب للأمير الأموي متى ما دعت الحاجة إلى ذلك، لكن هذا الرسم تغير منذ عهد الأمير عبد لرحمن الأوسط، فقد اتخذ كاتباً خاصاً به لا يكتب لأحد غيره، وأول من نال هذا المنصب محمد بن سعيد الزجالي
(2)
، وبذلك ظهر رسم جديد في الدولة أن للأمير أو الخليفة الأموي كاتب خاص، وللوزراء كاتب خاص بهم.
والكاتب الخاص هو المعروف في الدولة الأموية بالأندلس بصاحب القلم الأعلى، أو "صاحب قلم بني أمية الأعلى وكاتبهم العظيم
(3)
"
(1)
- ابن القوطية، ص 84 - 85.
(2)
- محمد بن سعيد بن أبي سليمان الزجالي وصف بأنه كان ذكيا، مشهوراً بالحفظ، ولذا فقد لُقِّب بالأصمعي، ويعتبر محمد هو باني مجد الزجاجلة في الأندلس توفي سنة 232 هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 31 - 36.
(3)
- ابن القوطية، ص 83.
ولا يمكن أن يصل إليه إلا من كان مسلماً، ولأجل هذا فعندما أصيب عبد الله بن محمد بن أمية بن يزيد
(1)
بعلة أقعدته عن ممارسة مهام صاحب القلم الأعلى، وذلك في سنة (240) هـ (854 م) تقريباً، قام قومس بن أنتنيان بأعمال عبد الله بن أمية، فلما توفي ابن أمية، قال الأمير محمد "لو أن قومساً كان مسلماً ما استبدلناه" ولأجل هذا بادر قومس إلى إعلان إسلامه والإشهاد على ذلك، فولاه الأمير خطة الكتابة
(2)
.
وما كان الأمويون يتسامحون في أمر من أمور الكتابة، فهناك رسوم على الجميع التقيد بها، وهي أن يُحكِمْ الكاتب "الخط، فيقيم حروفه، ويراعي المداد فيجيد صنعته، ويميز الرقَّ فيحسن اختياره، وعجزه الحزم النافذ والحُكم الصَّادع، بأن تكون صدور كتب الاعتراضات وعنواناتها وتواريخها والأعداد في رؤوس رسومها"
(3)
.
(1)
- عبد الله بن محمد بن أمية بن يزيد بن عبد الرحمن ابن أبي جوثرة، مولى معاوية بن مروان بن الحكم، جده أمية دخل الأندلس في طالعة بلج، وتولى مهمة الكتابة للأمير عبد الرحمن الداخل، وفي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط كان عبد الله بن محمد بن أمية يتولى منصب ولاية العرض، ثم تولى الوزارة والكتابة للأميرين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد. وأسرة أمية بن يزيد هي من الأسر التي وصفت بالنجابة واستحوذ أبناؤها على خطة من خطط الدولة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 31، والتعليق رقم 100. الحلة السيراء 2/ 373.
(2)
- ابن القوطية، ص 82.
(3)
- الذخيرة، ق 1 م 1 ص 106.
ولا يعفى أحد من ولاة الكور وقادة الثغور من اتباع هذه الرسوم، فمن أرسل كتاباً إلى بيت الوزراء بقرطبة في رقٍ رديِّ، أو مداد دنيٍّ، أو كان خطه غير جيد، أو في عبارته لحن، وما شاكل ذلك، فلا ينظر في طلبه، بل سيعاقب بالعزل وإغرام المال
(1)
.
وقد كانت هناك أنواعاً عدة من الكتب تصدر عن حكومة قرطبة، تباينت أغراضها مابين أمان
(2)
، وتولية
(3)
، وفتح
(4)
، وهدم
(5)
، واستنزال عصاة
(6)
، وتنديد بأهل البدع
(7)
، وكتب استسقاء
(8)
، وإسقاط بعض المغارم
(9)
، واستنفار للجهاد
(10)
، ومنح ألقاب
(11)
واتخاذها
(12)
، وكتب
(1)
- المصدر السابق، ص 107.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا. ص 405.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 77، 111 - 114.
(4)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 226 - 231.
(5)
- المصدر السابق، ص 232 - 237.
(6)
- نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 178 - 181.
(7)
- نفسه، تحقيق: شالميتا، ص 25 - 29.
(8)
- نفسه، ص 251 - 252.
(9)
- نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 207.
(10)
- نفسه، تحقيق: شالميتا، ص 433.
(11)
- نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 69.
(12)
- الحلل الموشية، ص 31 - 32.
صلح
(1)
، وهذه الكتب بمجرد صدورها تُحمَلْ للوزير الكاتب ليثبتها في السجلات
(2)
.
وخطة الكتابة متوارثة في الدولة الأموية شأنها في ذلك شأن بقية الخطط، فالأمويون يحرصون على وضع خطط دولتهم بأيدي أبناء أسر معينة، فإذا توفي صاحب الخطة، نظروا في ذريته، واستقدموا أحدهم ليليها مكان أبيه، حتى وإن كان ذلك الولد لا يملك ما يؤهله لتوليها، وهذا ما فعله الأمير محمد بن عبد الرحمن، فبعد وفاة كاتبه عبد الله بن أمية استدعى ولده عبد الملك بن عبد الله
(3)
، وولاه الكتابة ورغم إقرار عبد الملك للأمير بالعجز عن الكتابة، إلا أن الأمير أمره بتقلدها ونصحه بالاستعانة بمن يثق به، لقاء رزق يجرى له، حتى يتقن عبد الملك الكتابة
(4)
.
ويُعد أمية بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي حوثرة، مولى معاوية بن مروان بن الحكم باني مجد بيت آل أبي حوثرة في الأندلس، فقد دخل أمية الأندلس مع طالعة بلج بن بشر القشيري، ثم تولى الكتابة للأمير
(1)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 114 - 115.
(2)
- البيان المغرب، 3/ 41.
(3)
- لقد حاول الوزير هاشم بن عبد العزيز الحيلولة دون تولي عبد الملك هذا المنصب الرفيع إلا أن الأمير محمد أعرض عنه، مما عُدَّ من كريم أفعاله. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 143 - 144. الحلة السيراء، 2/ 373 - 374.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 144 - 145.
عبد الرحمن الداخل منذ وقت مبكر
(1)
، واستمر في منصبه حتى توفي سنة (154) هـ
(2)
(771 م)، وتولى ولده محمد بن أمية الكتابة للأمير هشام الرضا حتى وفاته، وكذلك السنوات الأربع الأولى من عهد الأمير الحكم الربضي، لكنه عزله لاتهامه إياه بالوقوف ضده مع عمه سليمان بن الأمير عبد الرحمن الداخل
(3)
، فمات محمد بن أمية خاملاً سنة (226) هـ
(4)
(841 م) وتولى ابنه عبد الله الكتابة للأميرين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد
(5)
، وظل في منصبه إلى سنة (240) هـ (854 م) ثم أصيب بمرض أقعده حتى وفاته سنة (246) هـ
(6)
(860 م).
ثم تولى الكتابة ابنه عبد الملك للأمير محمد، وذلك سنة (268) هـ (881 م) وأقره عليها الأمير المنذر وفي عهد الأمير عبد الله جمعت لعبد الملك القيادة مع الكتابة والوزارة، وظل في منصبه حتى قتله غدراً المطرف بن الأمير عبد الله بالقرب من اشبيلية، وذلك سنة (282) هـ
(7)
(895 - (896) م) وكان مروان ابن عبد الملك يخلف أباه على الكتابة عند
(1)
- الحلة السيراء، 2/ 373.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 31.
(3)
- الحلة السيراء، 2/ 373.
(4)
- المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص 31.
(5)
- الحلة السيراء، 2/ 373.
(6)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 31.
(7)
- المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 110 - 111. الحلة السيراء، 2/ 373 - 374.
غيابه، إلا أنه اتهم بالقدح بالأمير عبد الله، فحبس بالمطبق ثم قتل ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (284) هـ
(1)
(سبتمبر (897) م).
ومثل بيت ابن أبي حوثرة، لدينا بيت الزجاجلة
(2)
، فقد توارثوا خطة الكتابة في الدولة الأموية منذ عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى أواخر عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، باستثناء عدة سنوات ابتداءً من سنة (302) هـ (914 - (915) م) وهي السنة التي توفي فيها الكاتب الوزير عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي، حيث لم يبرز أحد
(1)
- المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 122. الحلة السيراء، 2/ 374.
(2)
- بيت الزجاجلة، من بني يطفت من نفزة، دخل أولهم الأندلس أيام الفتح، واستقروا مع البرابر النازلين بمدينة تاكرنا من كورة رندة، بدأت نباهة هذا البيت على يد محمد بن سعيد بن أبي سليمان وارشكين المعروف بحمدون والشهير بالأصمعي لذكائه وقوة حفظه، وذلك عندما استكتبه الأمير عبد الرحمن الأوسط واستخصه. وقد توارثت ذرية الأصمعي خطة الكتابة فقد تولى حامد بن محمد بن سعيد الزجالي الكتابة ثم الوزارة للأمير محمد بن عبد الرحمن. ومن ثم جاء عبدالله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن سعيد الزجالي، فتولى خطتي الكتابة والوزارة للأمير عبدالله بن محمد ولحفيده عبد الرحمن الناصر، وأما محمد بن عبد الله الزجالي فقد تولى الوزارة لعبد الرحمن الناصر، وفي 319 هـ قدم الخليفة عبد الرحمن الناصر عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الزجالي لعدة مهام إلى أن ولاه منصبي الوزارة والكتابة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 32 - 38، والتعليقات أرقام 105، 107، 108، 109، 113. المغرب في حلى المغرب، 1/ 330 - 331. أمثال العوام في الأندلس، مقدمة المحقق ص 7 - 12.
من بيت الزجالي، حتى عادت إليهم الكتابة بعبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الزجالي سنة (329) هـ (941 م) وكان عبد الرحمن هذا هو أخر من ورد ذكره من أفراد أسرته، ومن بعده لانسمع لهذه العائلة أي ذكر في خطة الكتابة في الدولة الأموية
(1)
.
ولعل أشهر من تولى الكتابة في الدولة الأموية على الإطلاق هو الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد اختبره جده الأمير عبد الله بن محمد عندما أمره أن يكتب كتاباً لأحد عماله بأمر هام، ويبدو أن عبد الرحمن قد أصاب بغية جده، الذي لم يخف سروره بنبوغ حفيده، فاتخذه كاتباً لسره
(2)
.
ونظراً لأن الفتنة التي اندلعت في مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) قد عصفت بالدولة الأموية، وأثرت على كافة أجهزتها، فقد كانت الكتابة من بين تلك الأجهزة التي تأثرت بها، إذ أصبح يرتقي إليها من لا يفقه فيها شيئاً، وقد وصف ابن حيان أحد أولئك الكتبة فقال فيه "ونعي إلينا فلان الدغل، غازله السِّل، كالأفعوان الصِّل، وكان أحد أعاجيب الدنيا في الفجور والخبث، والزهو والكبر، والعقوق
(1)
- انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 31 - 33.
(2)
- المقتبس، تحقيق: انطونيه، ص 39، 40 وكان عبد الرحمن في ذلك الوقت دون العشرين من عمره.
والجرأة، .... وكان إذا كتب مضطراً يضحك من تأمله، له في ذلك نوادر محفوظة، أمسى بها من حُجج الله تعالى في الرزق المقسوم"
(1)
.
وقال في وصف كاتب أخر "وفلان ساذج الكتابة، بيِّن الجهل والتخلف، طلق اللسان بالخنا والهجر، أحد الأفسال من أولي النباهة، عظيم البطالة والباطل، ومن كل حلية جميلة عاطل، من رجل عيّ اللسان، مثلوم الجنان، فدم الخلقة، طويل اللحية متهافت، لم يُرهف الأدب طباعه، ولا استخرج من كلمة حكمة
(2)
".
كاتب الزمام:
وبعد أن عرفنا كاتب الرسائل فإن الكاتب الأخر هو كاتب الزمام، هكذا يعرفون كاتب الجهبذة
(3)
، وهذه الوظيفة من الوظائف المهمة في أي دولة، إذ أن متوليها يشرف على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج، ويقوم بإحصاء العساكر بأسمائهم، وتقدير أرزاقهم وصرف أعطياتهم في أوقاتها
(4)
.
(1)
- الذخيرة، ق 1 م 2 ص 593.
(2)
- المصدر السابق ق 1 م 2 ص 595.
(3)
- نفح الطيب 1/ 217، والجهبذ هو الشخص المتخصص في الشئون المالية النقدية، وقد عرفه ابن مماتي بأنه كاتب مهمته استخراج الأموال وقبضها وكتب الوصولات بها. انظر: الأسعد بن مماتي، قوانين الدواوين، (جمع وتحقيق: عزيز سوريال عطية. القاهرة، الجمعية الزراعية الملكية، ط الأولى، 1943 م) ص 304.
(4)
- مقدمة ابن خلدون، ص 675.
ويتضح من ذلك أن كاتب الزمام يعتمد في عمله على الاحتفاظ بسجلات من كافة إدارات الدولة، تحتوي على بيانات دقيقة عن الواردات والمصروفات، ليتمكن بالتالي من تقييم الموازنة بينهما.
ويعمل مع كاتب الزمام عدد من الموظفين المهرة في الأمور الحسابية، ويعرف المكان الذي يباشرون فيه أعمالهم، تحت إشراف رئيسهم كاتب الزمام باسم الديوان
(1)
، كما أن رئيس الديوان يعرف أحيناً باسم "صاحب الأعمال الخراجية"
(2)
.
وقد تبوأ كاتب الزمام مكانة سامية في الدولة الأموية في الأندلس، حتى أنه كان يعد أعظم من الوزير، ولأجل هذا فقد حرص الأمويون على ألاَّ يلي هذا المنصب نصرانياً ولا يهودياً البتة، ذلك أن متوليه "إليه تميل الأعناق، ونحوه تمد الأكف، والأعمال مضبوطة بالشهود والنظار، ومع هذا إن تأثلت حالته، واغتر بكثرة البناء والاكتساب نُكب وصودر. وهذا راجع إلى تقلب الأحوال وكيفية السلطان"
(3)
.
خطة البريد:
رغم شح المصادر الأندلسية، التي تمكنت من الاطلاع عليها، فيما يتعلق بالبريد وتنظيمه في الدولة الأموية بالأندلس، إلا أن هذا لا يمنع من القول بأن البريد عند الأمويين في الأندلس، كان منظماً تنظيماً دقيقاً،
(1)
- المصدر السابق، ص 675.
(2)
- نفح الطيب، 1/ 217.
(3)
- المصدر السابق، 1/ 217.
يكفل ضمان تسيير الأمور والمعاملات، ويجعل ولاة الأمر على اطلاع تام بأحوال دولتهم ورعاياهم. وبناءً على التشابه المتوقع في نظام البريد لدى الأمويين في الأندلس، والعباسيين ببغداد، لأجل هذا فسأستعين بنظام البريد هناك لتكوين صورة تقريبية عما كان عليه عند أمويي الأندلس.
فالبريد هو أن تكون هناك خيل مضمرات في عدة أماكن، فإذا وصل صاحب الخبر المسرع إلى مكان منها، وقد تعب فرسه، ركب غيره فرساً مستريحاً حتى يصل مسرعاً
(1)
.
وهذا ما فسره أحدهم بقوله "إن كلمة بريد مأخوذة من الكلمة اللاتينية " Veredus" أي الدابة التي يركبها العامل في نقل مكاتبة من مكان لأخر، فالبريد في الأصل اسم الدابة التي يركبها العامل، ثم نقلت مجازاً إلى المسافة المقطوعة، فهو عندهم كذلك واستعملت للنظام كلمة كمصلحة البريد"
(2)
.
(1)
- د. حسن إبراهيم حسن، النظم الإسلامية، (القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط الأولى، 1358 هـ/1939 م) ص 254.
(2)
- د. نظير حسان سعداوي، نظام البريد في الدولة الإسلامية، (القاهرة، مكتبة مصر بالفجالة، 1372 هـ/ 1953 م) ص 19.
وعلى ذلك، فإن كلمة بريد تعني مسافة معلومة بين مركزي بريد، قدرها الفقهاء وعلماء المسالك والممالك بأنها أربعة فراسخ أو أثنى عشر ميلا
(1)
، وهذه مسافة البريد المعمول بها في المغرب
(2)
.
وكان البريد قد انقطع في الأندلس أواخر عصر الولاة
(3)
، وذلك بسبب القحط الذي تعرضت له البلاد عدة سنوات والتي عرفت بسني برباط
(4)
، ولم يتم إعادة تنظيم البريد في الأندلس مرة أخرى إلا بعد أن تمكن الأمير عبد الرحمن بن معاوية من إقامة الدولة الأموية في الأندلس، فقد بنى داراً خاصة بالبريد، كانت تقع في صدر السوق على الجانب الغربي لقصر الإمارة بقرطبة
(5)
.
(1)
- الشيخ عبد الحي الكتاني، نظام الحكومة النبوية، المعروف بالتراتيب الإدارية، (بيروت، دار الكتاب العربي. د. ت) 1/ 191.
(2)
- نظام البريد في الدولة الإسلامية، ص 21.
(3)
- أخبار مجموعة ص 69.
(4)
- أبتليت الأندلس في عهد واليها يوسف الفهري بقحط شديد استمر من سنة 131 - 136 هـ، فهرب الكثير من الأندلسيين إلى طنجة وأصيلا وريف البربر، وجاء مرورهم إلى هذه الديار من خلال وادي برباط الذي انعكس اسمه على تلك السنين. انظر: أخبار مجموعة ص 61 - 62، البيان المغرب 2/ 37 - 38، 118. ونهر برباط " Rio Barbate" ينبع من البحيرة الواقعة بالقرب من الجزيرة الخضراء والبحيرة تعرف اليوم باسم Una De La Janda LAG انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي تعليق رقم 511.
(5)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 66.
ولنا أن نتوقع اهتماماً جاداً من الأمير عبد الرحمن الداخل بالبريد بعد أن أوجد داراً خاصة به، الأمر الذي كفل له سرعة وصول الأخبار إليه من كافة أرجاء دولته، ويكفي للدلالة على نجاحه في هذه الخطوة، أن والي الجزيرة الخضراء الرماحس بن عبد العزيز عندما أعلن عصيانه على الأمير عبد الرحمن الداخل سنة (164) هـ (780 م) وصل الخبر بسرعة كبيرة لقرطبة، فقد أعلن الرماحس عصيانه يوم الاثنين وبلغ خبره الأمير عبد الرحمن يوم الجمعة
(1)
، وطبيعي أن في سرعة وصول الخبر لقرطبة دليل على التنظيم الجيد للبريد.
وقد أفاد الأمير الحكم الربضي من البريد المنظم في الدولة الأموية، وتجلى ذلك في سرعة تصديه لحركات التمرد ووأدها وهي في المهد
(2)
.
ويبدو أن الدولة الأموية قد أولت البريد عناية فائقة، بالذات بعد أن تعرضت دولتهم لهجمات الغزاة النورمانديين في سنة (229) هـ
(3)
(844 م)، حتى إذا عادوا مرة أخرى لغزو الأندلس سنة (247) هـ (861 م) لم يجدوا غرة ليفعلوا بالمسلمين كما فعلوا بهم في المرة السابقة
(4)
، وذلك لما عُرف عن الأمير محمد بن عبد الرحمن من اهتمام
(1)
- نصوص عن الأندلس، ص 117 - 118، أخبار مجموعة ص 112.
(2)
- انظر: أخبار مجموعة، ص 129، 130، 131 - 132.
(3)
- البيان المغرب، 2/ 78. غارات النورمانديين على الأندلس، ص 31.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 311.
شديد بأخبار السواحل، حتى أن خشبة ظهرت بالقرب من ساحل بجانة بلغ الأمير محمد خبرها وطولها وعرضها
(1)
.
وقد ظلت دار البريد التي بناها الأمير عبد الرحمن الداخل في مكانها، ولم يجدد مبناها، إلا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد تعرضت لحريق أتى عليها وعلى ما جاورها من السوق وذلك في العشرين من شهر رمضان سنة (324) هـ
(2)
(12 أغسطس (936) م) فأعاد الخليفة بناءها وفق رسم أعده بنفسه، وأمر أن ترفع فوقها علية، لتقيها من الأضرار من مطر وغيره
(3)
.
وفي عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله جرى نقل دار البريد من موقعها فقد أصدر أوامره في يوم الأحد (20) من شهر المحرم سنة (361) هـ (نوفمبر (971) م) بنقل دار البريد من موقعها بجانب القصر، إلى دار الزوامل الواقعة بالمصارة في طرف قرطبة
(4)
.
والبريد لم يكن آنذاك لخدمة الجمهور، يحمل رسائلهم ووصاياهم، وإنما كان خاصاً بأعمال الدولة، كما أن صاحب البريد كان يراقب العمال ويتجسس على الأعداء، وهو بذلك أشبه مايكون بقلم المخابرات في الوقت الحالي، وقد كانت مهمة صاحب البريد أول الأمر توصيل
(1)
- المصدر السابق، ص 264 - 265.
(2)
- نفسه، تحقيق: شالميتا، ص 383.
(3)
- المصدر السابق والصفحة.
(4)
- نفسه، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 96.
الأخبار إلى ولي الأمر من عماله في الأقاليم، ثم توسعت مهامه حتى أصبح عيناً لولي الأمر، ينقل أمره إلى ولاته، كما ينقل أخبارهم إليه
(1)
.
وهذا ما كان مطبقاً لدى الأمويين في الأندلس، فالأمير الحكم الربضي وصل إليه خبر وفاة قاضي الجماعة المصعب بن عمران، بنفس الليلة التي توفي بها، حتى أن بعض من كان معه في القصر لم يعرف بخبر وفاة القاضي
(2)
.
وعندما حاول عباس بن عبد الله المرواني التشكيك في نزاهة قاضي الجماعة محمد بن بشير لدى الحكم الربضي، طلب الأمير من ذلك المرواني الذهاب للقاضي في داره فإن أذن له فسيعزله عن منصبه، وبعث خلفه بأحد ثقاته ليأتيه بما يجري بين القاضي والمرواني
(3)
.
وكان من بين عيون الأمير محمد بن عبد الرحمن شرحبيل الزامر يأتيه بأخبار المجالس التي يتواجد فيها
(4)
، في حين أن الخليفة عبد الرحمن الناصر كان على علم بكل ما يدور في المجالس والأسواق، بسبب كثرة ثقاته الذين بثهم بين الناس لهذه المهمة
(5)
.
(1)
- النظم الإسلامية، ص 255.
(2)
- أخبار مجموعة، ص 126.
(3)
- المصدر السابق، ص 128.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 149 - 151.
(5)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 23 - 24.
وعندما أوصل البريد للخليفة الحكم المستنصر بالله خبر تجاوزات بعض عماله، أرسل إليهم كتاباً عنفهم فيه على جرأتهم وحذرهم من مغبة جورهم
(1)
.
وفي الدولة الأموية لم يكن صاحب البريد يعنى فقط بالأخبار التي تمس سياسة الدولة، بل كان يبلِّغ ماعدا ذلك من النوادر، مثل قصة الخشبة التي رُفع خبرها للأمير محمد بن عبد الرحمن، وكذلك ما حدث في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، عندما رُفع إليه خبر الصبي المتفاوت الخلق، فقد أحضره فائق صاحب البرد والطراز عنده بالزهراء، ثم أوصله إلى الخليفة الذي استقبله مرتين، كانت الثانية منهما بحضور ولي العهد وذلك في شهر ذي الحجة سنة (360) هـ
(2)
(أكتوبر (971) م).
والخبران الأخيران، سواء عن الخشبة أو الصبي، يدلان على دقة عمال البريد في استقصاء الأخبار ورفعها بتفصيلاتها لولي الأمر، ليصدر في شأنها ما يراه مناسباً، ولكن هذا لا يعني قبول كل الأخبار المرفوعة إلى الحاكم الأموي بدون تمحيص، فالأمير محمد بن عبد الرحمن كانت ترفع إليه كتب كثيرة عن بعض رجال دولته، حتى لقد رفع إليه ضد وزيره هاشم بن عبد العزيز مائة كتاب، كل واحد منها يكفي لقتله، إلا أن الأمير لم يأخذ بها، وفي الوقت نفسه لم يعاقب من رفعها إليه، أو حتى
(1)
- البيان المغرب، 2/ 239.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 62 - 63.
يقطع مكافأته، لأنه إن فعل ذلك، أحجم الباقون عن رفع الأخبار إليه، فتعمى عليه أحوال الناس
(1)
.
ولعل من الضروري أن يكون لعمال البريد علامة تميِّزهم عمن سواهم، وذلك تيسيراً لهم في أداء مهامهم، فقد كانت علامة عمال البريد عند العباسيين وجود قطعة فضة بقدر الكف، يعلقها العامل على كتفه، ويكتب على إحدى صفحتي هذه القطعة "البسملة واسم الخليفة وعلى الصفحة الأخر {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}
(2)
.
ويستخدم عمال البريد الخيول، ويجعل في أعناقها جلاجل أو سلاسل إذا تحركت سمعت لها قرقعة، تعرف عندهم بقرقعة البريد
(3)
، وتجعل المراسلات في أكياس من الجلد توضع على ظهور الدواب
(4)
.
وبطبيعة الحال فإن ديوان البريد وصاحبه، ومن يعمل معه من العمال والموظفين، سواء في قرطبة أو بقية الكور والثغور، هم بحاجة إلى نفقات تقوم بشؤونهم، فبالإضافة إلى رزق كل منهم، والذي يجب أن يكون مغنياً لهم عن التطلع لما في أيدي الآخرين، هناك نفقات المحطات
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 147 - 148. لأجل ذلك فإن على ولي الأمر عدم التسرّع في قبول الأخبار المرفوعة إليه، كما يجب عليه استعمال الثقات الأمناء.
(2)
- من الآية رقم 45، سورة الأحزاب. التراتيب الإدارية، 1/ 193 - 194.
(3)
- جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي (القاهرة، مطبعة الهلال، 1902 م). 1/ 182.
(4)
- سعداوي، نظام البريد في الدولة الإسلامية، ص 79.
البريدية المقامة بين قرطبة وبقية نواحي الدولة الأموية، وكذلك نفقات شراء الدواب وما يلزمها من علوفة ونحوها، ورغم صمت المصادر الأندلسية عن ذكر أي ميزانية للبريد، إلا أننا نتوقع أنها لم تكن بالشيء اليسير، خاصة إذا عرفنا أن الدولة الأموية أصبحت متسعة الأطراف بالذات في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إذ أصبح بر العدوة المغربية ضمن سلطة الخلفاء الأمويين في ذلك القرن، ففي أواخر شهر ذي القعدة سنة (362) هـ (سبتمبر (973) م) أمر الخليفة الحكم المستنصر بالله في رسالة بعث بها إلى الوزير القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن الناصري، المتواجد مع الجيوش الأموية في المغرب رسالة ضمنها أمره للقائد بأن ينظم البريد، ويتخذ الدواب، وأن يأمر الخازن قبله بإجراء العلوفة على الدواب والنفقات على الفرانقيين والخدمة
(1)
، الأمر الذي يكفل سرعة وصول الأخبار إلى الخليفة.
وقد كانت مكاتبات الدولة الرسمية المرسلة إلى قرطبة، تصل كلها إلى ديوان البريد في حين أن التقارير المرفوعة من أصحاب البريد، فإنه نظراً لسريتها، فإنها تصل إلى الأمير أو الخليفة مباشرة، وقد كان ديوان البريد في قرطبة وما يتبعه من مراكز بريديه في الكور والثغور وطرق البريد، تضم عدداً كبيراً من الموظفين والعمال على رأسهم صاحب البريد،
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 136.
والذي يشغل أحياناً خطة أخرى مع خطته، ولعل الفتى فائق الصقلبي صاحب البرد والطراز كان أشهرهم
(1)
.
ونظراً لأهمية منصب "صاحب البريد" فقد كان يُشترط في متوليه أن يكون أهلاً للثقة، كتوماً للسر، إذ أنه يطلع على أخبار ليس من اليسير أن يطلع عليها غيره.
وصاحب البريد يشرف على استلام كل ما يرد إلى ديوان البريد من مكاتبات تأتي من الكور والثغور، والديوان بدوره يوزعها على بقية دواوين الدولة، كما أن صاحب البريد يقوم بمراقبة عمال البريد وموظفيه، سواء منهم من كان يعمل في قرطبة أو بقية النواحي، كما أن عليه دفع أرزاقهم.
ولابد أن هناك أوقاتاً محددة لسير البريد في الأوقات العادية، لأجل هذا فعلى صاحب البريد مراعاة ذلك، فالأمير أو الخليفة الأموي كان شديد الحرص على معرفة أخبار الثغور والكور والسواحل في دولته، وقد بلغ الأمر بالأمير محمد بن عبد الرحمن أنه عندما تأخر عليه خبر الثغر، استدعى أحد رجاله ويدعى مطرف بن نصير
(2)
، وأمره أن يذهب إلى الثغر ويأتيه بالخبر اليقين عما أهمه، وضرب له أجلاً لأداء مهمته، مدته أربعة عشر يوماً وتوعده بسفك دمه إن هو تجاوزها
(3)
.
(1)
- المصدر السابق، ص 66.
(2)
- عن مطرف بن نصير: انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، التعليق: رقم 33.
(3)
- المقتبس تحقيق: د. محمود مكي ص 132 - 133.
كما أن على صاحب البريد التفقد الدائم لطرق البريد وحفظها من اللصوص، ومناقشة احتياجات محطات البريد المنتشرة على تلك الطرق.
وعندما يقع اختيار الأمير أو الخليفة على أحد ثقاته ليلي خطة البريد، فإنه يكتب له ظهيراً لاستلام هذه الخطة يوصيه فيه بتقوى الله تعالى في السر والعلانية، وألا يرفع إليه إلا الصدق، وألا يستعين بأحد في أداء عمله إلا بمن يثق بصناعته، وورعه، ونزاهته.
ثم يتطرق الظهير إلى صلاحيات صاحب البريد، فهو مراقب لعمال الخراج والضياع، مستقصياً لأخبارهم، منهيا لها على الحق والصدق، ويتعرف على حال عمارة البلاد، وما يجري في أمور الرعية من الإنصاف والجور، كما أن عليه أن يتعرف على أحوال الحكام في أحكامهم، وحال دار الضرب وما يجري عليه مما يُضرب فيها من العين والورق، وأن يبث العيون في المجالس لمعرفة ما يجري فيها، وأن يحصي أسماء المرتبين لديه لحمل خرائط البريد، مبينا رزق كل منهم، وعدد السكك في جميع عمله وأميالها ومواضعها، وأن يحث رجاله بضرورة الإسراع بوصول البريد، وإثبات وقت مروره بكل موقع، على أن يُكتب كل غرض من هذه الأغراض في سجل خاص، فأخبار القضاة في سجل، وعمال المعاون والأحداث في سجل، وأخبار الخراج في سجل، وهكذا كل غرض في كتاب، لكي لا يكون هناك تداخلاً في الأعمال.
وفي نهاية الظهير وصية لصاحب البريد بالتمسك بالعهد الذي أخذه عليه ولي أمره، الذي يدعو لعامله بالتوفيق
(1)
.
بقي أن أشير إلى أن بعض المصادر الأندلسية قد تعرضت لذكر بعض من كان يعمل في البريد لدى الأمويين في الأندلس، فقد ذكرت "الرقاص" والرقاص عند الأندلسيين والمغاربة هو ساعي البريد
(2)
، ويبدو أنه اكتسب هذا اللقب من سيره على قدميه، كما ورد مصطلح "عرفاء أصحاب الرسائل
(3)
" ومن هذا المصطلح يتضح لنا أن لكل مجموعة من العاملين في خطة البريد "عريف" يكون مسئولاً عن مجموعته، كما ورد مصطلح "كتاب الفُرانقين
(4)
" والفرانقيون
(5)
هم الذين يقومون بملاحظة سير السعاة والخيالة وحالة المحطات، فهم أشبه بالمفتشين، وعلى جميع الفرانقيين تقديم تقارير مفصلة عن كل مايحدث في خطوط البريد ومحطاته إلى ديوان البريد بقرطبة، كما أن من واجبهم إصدار الرسائل إلى الكور
(1)
- قدامه بن جعفر، الخراج وصناعة الكتاب، (شرح وتحقيق: د. محمد حسين الزبيدي، بغداد، وزارة الثقافة والأعلام، 1981 م) ص 50 - 52.
(2)
- نفح الطيب، 2/ 146.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 91.
(4)
- المصدر السابق ص 91.
(5)
- فرونق كلمة محرفة من برونك الفارسية ومعناها منذر أو دليل. انظر: نظام البريد في الدولة الإسلامية، ص 70 حاشية رقم 2.
والثغور، ويجمعوا تقارير الموظفين الموزعين على أنحاء الدولة، لمراقبتها وتنظيمها وإرسالها إلى ديوان البريد
(1)
.
(1)
- المرجع السابق، ص 70.
النظام المالي
عرفت الدولة الأموية في الأندلس، ثلاث أنواع من خزائن المال، هي خزانة بيت مال المسلمين، والخزانة الخاصة بالأسرة الأموية، والخزانة العامة للدولة، ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاث، واردات ومصروفات، ونظام دقيق تسير عليه، وسنتعرف على كل نوع منها على حده.
أولاً: خزانة بيت مال المسلمين.
عرفت الدولة الأموية في الأندلس هذا النوع من الخزائن، في عهد الأمير المنذر بن محمد 273 - (275) هـ (886 - (888) م) فهو الذي أمر بإنشائه لاستلام أموال الأوقاف، وأطلق عليه لقب "بيت المال
(1)
" ورغم أنه أقيم في داخل جامع قرطبة، إلا أن ذلك لم يجعله في منأى عن اللصوص، فقد تعرض للسرقة وذلك في شهر شوال سنة (353) هـ
(2)
(أكتوبر (964) م).
وقد أُسندت مهمة الإشراف على بيت مال المسلمين، لقاضي الجماعة، وهو بدوره لا يمكِّن أحداً من العمل فيه، إلا من كان غنياً، عدلاً، ثقة، ومع ذلك يكون القاضي دائم التفقد لهم، والسؤال عن أحوالهم في كل شهر إن أمكن، كما أن على القاضي أن يجتهد في إنماء تلك الأموال، مستعيناً على ذلك بآراء الفقهاء، ليكون بعضهم على بعض
(1)
- البيان المغرب، 2/ 230.
(2)
- المصدر السابق، 2/ 236.
شهيدا، ويكونوا جميعاً على علم بما يُدخل إلى بيت المال وما يُخرج منه، وفي أي شيء صُرف، وبذلك لا تكون هناك فرصة للتلاعب بالأموال
(1)
.
وقد تنوعت موارد بيت مال المسلمين، مابين أحباس، ومال غيبة، وزكاة. فأما الأحباس، فقد كان أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس، يتنافسون مع الأثرياء من رعاياهم في التحبيس لوجه الله تعالى، طلباً لمرضاته، وطمعاً في ثوابه، ومواساة لضعفاء المسلمين
(2)
.
كما أن من غاب عن أملاكه ولم يكن له ورثة، أُدخلت أمواله إلى بيت مال المسلمين، ومن مات وليس له وارث إلا أحد الزوجين، فإن الفاضل من ميراثه يذهب لبيت مال المسلمين
(3)
. كما أن أي ذمي مات وترك مالاً منقولاً أو غير منقول، ولم يكن له وارث، ذهبت أمواله إلى بيت مال المسلمين
(4)
. وكذلك المرتد إذا لم يتب، فإن أمواله تدخل إلى بيت مال المسلمين
(5)
.
(1)
- ابن عبدون، رسالة في القضاء والحسبة (ضمن مجموعة ثلاث رسائل في الحسبة تحقيق: ليفي بروفنسال، القاهرة 1955 م). ص 10.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 207. الإحاطة 3/ 549. الونشريسي، المعيار المعرب 7/ 416 - 417.
(3)
- عبد القديم زلّوم، الأموال في دولة الخلافة، (بيروت، دار العلم للملايين، 1403 هـ 1983 م) ص 129.
(4)
- المرجع السابق، ص 129 - 130.
(5)
- نفسه، ص 131 - 132.
وأما الزكاة فهي حق مقدَّر يجب في أموال معينة، وهي عبادة من العبادات وركنا من أركان الإسلام الخمسة، وبذلك فهي فرض عين على كل مسلم يملك النصاب فاضلاً عن ديونه، ويمضي عليه الحول، ومتى وجبت في مال المسلم لا تسقط عنه، وقد حرص الأمويون في الأندلس على إرشاد ولاتهم في الكور والثغور وبر العدوة المغربية، على أخذ الزكاة من مستحقيها بشروطها الشرعية، ويتضح هذا جلياً في الكتاب الذي أرسله الخليفة الحكم المستنصر بالله لأبي العيش بن أيوب عندما ولاه النظر على جماعته من قبيلة كتامة، وذلك في يوم الثلاثاء لست خلون من شهر رمضان سنة (362) هـ (يونيو (973) م)
(1)
.
وكان هناك أُناس قد تخصصوا بجمع الزكاة من الذين وجبت عليهم، ويطلق على من يقوم بجمعها اسم "مصدق"
(2)
.
وقد تعددت وجوه إنفاق أموال بيت مال المسلمين، فهناك الصدقات التي يتم توزيعها على مستحقيها، ومن أجل تنظيم هذه الناحية بصورة أكثر مما كانت عليه، أنشأ الخليفة الحكم المستنصر بالله داراً للصدقة غربي المسجد الجامع بقرطبة وذلك سنة (360) هـ (971 م)
(3)
.
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 111 - 114.
(2)
- المصدر السابق، ص 113.
(3)
- نفسه، ص 19. البيان المغرب، 2/ 240.
كما يتم بناء المساجد من بيت مال المسلمين، فالأمير عبد الرحمن الداخل قام ببناء جامع قرطبة من مال الأحباس
(1)
، وبيت مال المسلمين هو ساعد قوي للدولة عند تعرضها لأزمة اقتصادية
(2)
، وإذا أراد الأمير أو الخليفة الأموي القيام بوجه من أوجه الخير، مثل غزاة، أو إصلاح موضع من الثغور، أو مدافعة عدو عن المسلمين، دفع إليه القاضي من بيت مال المسلمين ما يراه على طريق المعونة، وصلاح أمور المسلمين
(3)
. وفي الفتنة البربرية، أثناء محاصرة البربر لقرطبة سنة (401) هـ (1010 م) وافق قاضي الجماعة أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان
(4)
على إعطاء المدافعين
(1)
- محمد بن عبد الوهاب الغساني، رحلة الوزير في افتكاك الأسير، (بعناية: الفريد البستاني، نشر مؤسسة الجنرال فرانكو 1939 م) ص 19.
(2)
- قضاة قرطبة، ص 93 - 94.
(3)
- ابن عبدون، ص 11.
(4)
- أبو العباس أحمد بن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان بن عبد الله بن عبدوس بن ذكوان، أصله من جيان، كان من شيوخ أهل العلم، مذكوراً بالفضل، من أهل بيت فهم وعلم ورياسة، كان ملازماً للمنصور بن أبي عامر، لايفارقه في حضر ولاسفر، والمنصور دائم الاستشارة له، ولاه خطة الرد، ثم قضاء الجماعة، ثم جمع له الصلاة والخطبة، وفي عهد المظفر استمرت مكانة ابن ذكوان بازدياد لديه، رغم تعرضه للعزل عن مناصبه مدة تسعة أشهر، وقد كان المظفر ما يجري شيئا من أمور الدولة إلا عن مشورة ابن ذكوان، وفي عهد عبد الرحمن بن المنصور أصبح ابن ذكوان قاضي القضاة، فهو أول من تسمى بهذا الاسم في الأندلس، كما ولاه عبد الرحمن الوزارة، وبذلك فهو أول من جمع بين المنصبين في الأندلس، فلما تولى المهدي الخلافة، وكان حاقداً على ابن ذكوان، نزع عنه مسمى قاضي القضاة، وأبقاه على قضاء الجماعة، ولم يجرؤ على مساسه بالأذى لجلالة مكانته في قلوب الخاصة والعامة، وفي سنة 401 هـ تم طرد بني ذكوان من الأندلس إلى العدوة المغربية، بسبب مكائد واضح الصقلبي، لأن ابن ذكوان كان يدعو للسلم والصلح مع البربر، وبعد أن قُتل واضح، عاد ابن ذكوان وأسرته إلى الأندلس، إلا أنه رفض المناصب رغم الإلحاح عليه، ومازال ابن ذكوان عظيم أهل الأندلس قاطبة، وأعلاهم محلاً، وأوفرهم جاهاً، هيبته في مرتبة هيبة الخليفة، إلى أن توفي رحمه الله، حيث دفن بعد صلاة العصر من يوم الأحد لتسع بقين من رجب سنة 413 هـ، بمقبرة بني العباس، عن إحدى وسبعين سنة، ولم يتخلف عن شهود جنازته كبير أحد من الخاصة أو العامة، وشهد الصلاة عليه الخليفة يحيى بن علي بن حمود، فقدم للصلاة عليه أخاه أبا حاتم محمد بن عبد الله بن ذكوان صاحب المظالم. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم 223. ترتيب المدارك 7/ 166 - 175. الصلة، ترجمة رقم 65. المرقبة العليا، ص 84 - 87.
خمسمائة فرس من مال الأحباس يحمل عليها مرتجلة العبيد
(1)
، ويبدو أن موقفه هذا كان نتيجة تأثره بموقف أهل قرطبة منه عندما طلبوا منه أن يمكنهم من الأموال المخزونة بالجامع ليدفعوها للنصارى حلفاء الخليفة المهدي وذلك سنة (400) هـ (1010 م) فقد رفض القاضي طلبهم، إلا أن عامة أهل قرطبة هجموا على المسجد الجامع وكسروا باب المقصورة وأخذوا الأموال ودفعوها، مع ما قد جمعوه من قبل للنصارى
(2)
.
(1)
- البيان المغرب، 3/ 104.
(2)
- المصدر السابق، 3/ 98.
ثانياً: الخزانة الخاصة
وهذه عُرفت باسم "بيت مال الخاصة
(1)
" ويُحمل إلى هذه الخزانة، الأموال التي تركها الأمراء والخلفاء الأمويين لأبنائهم، ولعل الأخماس التي لبني أمية في الأندلس، كانت من أهم موارد الخزانة الخاصة، فقد كانت من ضخامتها لا يحصيها ديوان
(2)
يضاف إليها ما يحصله القائمون على الأسواق من جراء أخذهم الضريبة من بائعي الخضر والفواكه وغيرها، وهو ما يسمى بالمستخلص، وهذا المستخلص يبدو أنه كان ضخماً جداً، فقد كان مقدار ما يصل منه لبيت مال الخاصة سنوياً في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر (765) ألف دينار
(3)
.
وهناك الأموال التي كانت تدرها ضياع الأمراء والخلفاء الأمويين، والمنتشرة في أرجاء الأندلس، وهذه تعتبر مورداً هاماً من موارد الخزانة الخاصة، ولنا أن نتصور ضخامة تلك الضياع ومقدار ما تدره من الأموال، إذا عرفنا أن الخليفة الحكم المستنصر بالله قد حبَّس ربع ما ورثه عن والده في جميع كور الأندلس وأقاليمها من الضياع، ليفرَّق على ضعفاء الدولة الأموية ومساكينها عاماً بعد عام، إلا أذا حلَّت مجاعة بأهل قرطبة، فإنها تصرف إليهم إلى أن يجبرهم الله تعالى
(4)
. فإذا كان ربع الدخل يغطي
(1)
- الذخيرة، ق 4 م 1 ص 72.
(2)
- نفح الطيب، 1/ 330. 3/ 30، 379.
(3)
- البيان المغرب، 2/ 232.
(4)
- البيان المغرب، 2/ 234.
احتياجات فقراء الدولة ومساكينها، إذاً كم كان مقدار ما يصل إلى الخزانة الخاصة كل عام؟.
وطبيعي أن هذه الضياع الشاسعة والمتناثرة في أرجاء الدولة بحاجة لأيدي عاملة تقوم بخدمتها ومراعاة احتياجاتها، وهذه العمالة بحاجة لإدارة كاملة تتولى شئونها، وقد عُرفت هذه الإدارة بخطة الضياع، يتولاها أحد كبار موظفي الدولة، ويعرف باسم "صاحب الضياع"
(1)
.
و"خطة الضياع" لا نجد لها أي ذكر، إلا ابتداءاً من عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، ولعل هذا يدفعنا إلى القول بأن هذه الضياع، لم تكن بالاتساع الذي شهدته في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، خاصة أن الدولة الأموية مرت بأزمات وفتن كادت أن تعصف بها، وذلك في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وبذلك فهي وإن كانت موجودة من قبل، إلا أنه لم يعد لها ذكر إبان تلك الفترة الحرجة، وذلك لانعدام سيطرة الإمارة الأموية على كافة أرجاء الأندلس، وعندما تمكن الخليفة عبد الرحمن الناصر من إخضاع البلاد لسيطرته، استعاد تلك الضياع وزاد عليها، ونظراً لضخامتها فقد أنشأ لها إدارة خاصة للعناية بها.
وممن تولى "خطة الضياع" في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، غالب بن محمد بن عبد الرؤوف، وعندما عُزل عنها في نهاية جمادى الآخرة سنة
(1)
- المصدر السابق، 2/ 199.
316 هـ (أغسطس (928) م) تولاها محمد بن عبد الله بن مضر، ثم عُزل عنها ووليها خلف بن أيوب بن فرج الكاتب
(1)
.
وقد كانت "خطة الضياع" تُسند أحياناً لاثنين مشتركين، ففي سنة (319) هـ (931 م) تولاها كل من: محمد بن عبد الله بن مضر وعبد الله بن معاذ بن بزيل
(2)
.
ومن الموارد المهمة للخزانة الخاصة ما يسمى بـ"المستغلات"
(3)
وهي المصادرات المالية التي كان يتعرض لها بعض رجال الدولة، فالأمير المنذر بن محمد، نكب الوزير هاشم بن عبد العزيز ثم قتله، وسجن أولاده وحاشيته، وانتهب ماله، وألزم أولاده غُرم مائتي ألف دينار
(4)
.
وهناك الهدايا التي يتلقاها أمراء وخلفاء بني أمية، وهذه تعتبر من الموارد الهامة للخزانة الخاصة، كهدية ابن شُهيد للخليفة عبد الرحمن الناصر سنة (327) هـ
(5)
(939 م) والهدية التي تلقاها الخليفة الحكم المستنصر بالله يوم مبايعته بالخلافة، فقد قدم له الحاجب جعفر المصحفي هدية سنية
(6)
،
(1)
- نفسه،، 2/ 199.
(2)
- نفسه، 2/ 205.
(3)
- النباهي، ص 114.
(4)
- البيان المغرب، 2/ 116.
(5)
- نفح الطيب، 1/ 356 - 359.
(6)
- المصدر السابق، ص 382.
كما تلقى الخليفة الحكم هدية فتاه دريّ الأصغر الخازن وذلك سنة (362) هـ
(1)
(973 م).
ويقوم الخليفة الأموي أحياناً باستقطاع جزء من ثروات عماله، ليضعها في الخزينة الخاصة، وهم بدورهم يقدمونها عن طيب خاطر، وذلك كما فعل ابن السليم عندما دفع للخليفة عبد الرحمن الناصر مائة ألف دينار دراهم
(2)
.
والوفود والسفارات التي تصل قرطبة، تقدم هدايا خاصة للأمير أو الخليفة، وهذه بدورها تذهب إلى الخزانة الخاصة
(3)
.
ولقد كانت الخزانة الخاصة تغص بالأموال، لكن ليس لدينا تحديد دقيق لمقدار تلك الأموال في أي سنة من عمر الدولة الأموية، إلا أن لدينا بعض الأرقام التي تساعد على تصور مدى ضخامة تلك الخزانة، فقد ذكر ابن حيان أن "صبح" أم الخليفة هشام المؤيد بالله، قد أخرجت جزءاً من مدخرات الخزانة الخاصة، فبلغ ثمانين ألف دينار
(4)
.
وعندما قام عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر بنقل بيت مال الخاصة من قصر قرطبة إلى الزاهرة، تنفيذاً لأوامر والده، وذلك يوم الثلاثاء الثالث
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 106 - 107.
(2)
- البيان المغرب، 2/ 226.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 32، 110. نفح الطيب، 1/ 385. أزهار الرياض، 2/ 260 - 261.
(4)
- الذخيرة، ق 4 م 1 ص 71.
ممن جمادى الأولى سنة (386) هـ
(1)
(مايو (996) م) تمكن عبد الملك خلال ثلاثة أيام من حمل ما قدره: من الورق خمسة آلاف ألف دينار دراهم قاسمية، ومن الذهب سبعمائة ألف جعفرية
(2)
، ومع ذلك لم يتمكن من أخذ كل ما في بيت مال الخالصة لوقوف السيدة "صبح" ومن معها من أهل القصر دونه
(3)
.
وعندما سيطر المهدي على الخلافة، استصفى ما كان في حوزة العامريين في الزاهرة من أموال، فقد تمكن خلال ثلاثة أيام من نقل خمسة آلاف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، ومن الذهب ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، ثم وجد فيها بعد ذلك خوابي مملوءة من الورق، مدفونة في الأرض، فيها مقدار مائتي ألف دينار
(4)
.
ويمكن أن نلحق بالخزانة الخاصة، تلك الأموال السريَّة التي كان أمراء وخلفاء بني أمية يحتفظون بها بطريقة سريَّة، فقد كانوا يعمدون إلى نفيس جواهرهم وذخائرهم ويحتفظون بها في مكان سري بقصر قرطبة، ولا يعلم أحد عن تلك المدخرات، إلا واحد من كبار فتيان القصر، وتكون تلك المدخرات مسجلة في سجل خاص يحتفظ به ذلك الفتى
(5)
.
(1)
- المصدر السابق، ص 72.
(2)
- نفسه، ص 73.
(3)
- نفسه، ص 72.
(4)
- البيان المغرب، 3/ 61.
(5)
- المصدر السابق، 3/ 76.
ورغم صمت المصادر عن ذكر أي مسئول يتولى إدارة الخزانة الخاصة، إلا أننا نتوقع أن هناك عددا من الموظفين الماهرين في العمليات الحسابية يعملون في تلك الخزانة، تحت إشراف أحد رجال القصر، الذي يعمل تحت مسمى وظيفة سرية.
وأموال الخزانة الخاصة ينفق منها أمراء وخلفاء بني أمية على لوازم قصورهم وضياعهم والمنى التي يتروحون فيها، وكذلك الإنفاق على الخدم والحشم والحرس الذين يعملون معهم.
وقد كان عدد الفتيان الصقالبة بقصر الزهراء في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ثلاثة ألاف وسبعمائة وخمسون، ومن النساء الكبار والصغار وخدم الخدمة ستة ألاف وثلاثمائة امرأة، ولذا فقد كان القصر الخلافي يستهلك يومياً من اللحم فقط ثلاثة عشر ألف رطل، هذا بخلاف الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الحيتان
(1)
. في حين أن جاري قصر الزاهرة في عهد المنصور بن أبي عامر تسعة ألاف رطل من اللحم على نسائه في قصره على طبقاتهن، وأما وظيفة مطبخة الخاصة المقامة كل يوم، فلم يوقف عليه لضخامته
(2)
.
كما ينفق أمراء وخلفاء بني أمية من الخزانة الخاصة على ما يقومون ببنائه من منى وضياع، سواء كان لأنفسهم أو لأولادهم عندما يتم
(1)
- نفسه، 2/ 232.
(2)
- أعمال الأعلام، 2/ 102.
إخراجهم من القصر -باستثناء ولي العهد- وإجراء الأرزاق الشهرية والحولية
(1)
، بالإضافة إلى الإنفاق على بعض الأقارب
(2)
.
وهناك الوفود والسفارات التي تصل إلى قرطبة، فالأمير أو الخليفة، يُعوِّض الوفد عن هديته، كما أنه يقوم بالإنفاق على أعضاء الوفد طيلة مكوثهم بقرطبة
(3)
.
ومن لجأ إلى الدولة الأموية فله الصلة والرزق والجرايات إكراماً له
(4)
، كما يتم إكرام بعض رجال الدولة في بعض المناسبات
(5)
، والإنفاق على العلماء
(6)
ومكافأة الشعراء
(7)
، وتكريم قادة الجيوش بمنحهم السيوف المذهبة وإغداق الأموال عليهم
(8)
، بالإضافة إلى ما تكلفه الحفلات الخاصة والمنح التي تعطى للمغنيين
(9)
.
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 226، 227، 236، 237. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 14.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 92. نفح الطيب، 3/ 38.
(3)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 266، 267.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 53.
(5)
- المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 170 - 171.
(6)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 133 - 134.
(7)
- المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص 279، 281، 284، 285، 286.
(8)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 80.
(9)
- ابن القوطية، ص 60، 68 - 69.
ثالثاً: الخزانة العامة للدولة
عُرفت هذه الخزانة باسم "خزانة المال
(1)
" أو "الخزانة
(2)
" أو "الخزانة الكبرى
(3)
" وكان موقعها داخل قصر الإمارة بقرطبة، ثم انتقلت إلى قصر الخلافة بالزهراء، ومن ثم إلى الزاهرة، وأخيراً عادت إلى قصر قرطبة ابتداءاً من مطلع القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) ووجود الخزانة داخل القصر، يعني أنها في مكان حصين، وتحت حراسة مشددة، إذ لم نسمع أنه قد تم السطو عليها، كما حصل لبيت مال المسلمين الموجود في المسجد الجامع
(4)
.
ويبدو أن خزانة الدولة، لم تكن ضخمة في بداية أمرها، مما جعل أمر إدارتها يسيراً، لذا فقد تأخر إنشاء خطة خاصة بهذا الجهاز الذي يعد أهم وأضخم أجهزة الدولة الأموية، فالأمير الحكم الربضي هو الذي أنشأ خطة الخزانة، وجعلها جهازاً قائماً بذاته، وسفيان بن عبد ربه
(5)
"هو أول
(1)
- البيان المغرب، 2/ 164.
(2)
- المصدر السابق، 2/ 158.
(3)
- المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص 25.
(4)
- البيان المغرب، 2/ 236.
(5)
- سفيان بن عبد ربه المصمودي، لم يكن من أسرة عريقة في خطط الدولة الأموية تولى خدمة الخزانة الكبرى، وتنقل في عدة مناصب، حتى نال منصب الحجابة للأمير عبد الرحمن بن الحكم، ولم يزل في منصبه هذا حتى توفى سنة 211 هـ، وقد كان سفيان موصوفاً بالغناء والكفاية والعفة والأمانة، وعندما ذكره ابن حزم في جمهرته أشار إلى أن سلالة سفيان قد بادت ولا يعلم لهم خبرا. انظر: ابن القوطية، ص 62، إلا أنه ذكره باسم "مهران". جمهرة أنساب العرب، ص 500، المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 25 - 26.
من استُخزن بالأندلس
(1)
" وذلك في أواخر القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي).
وطبيعي أن ابن عبد ربه لم يكن يقوم بأداء مهام خطته لوحده فقد كان لديه مجموعة من الموظفين ذوي المهارة في الأعمال الحسابية، كما أن هناك العديد من المكاتب المالية المتناثرة في كور وثغور الدولة الأموية، كلها تتبع خطة الخزانة، فقد كانت تلك المكاتب تقوم بإرسال ماتنجزه من مهام مالية إلى الخزانة العامة للدولة ويرأس كل مكتب من تلك المكاتب موظف يعرف باسم الأمين أو الخازن
(2)
، يقوم بجباية الضرائب بأنواعها، وبعد أن يصرف منها رواتب الموظفين والجند وبعض النفقات يرسل الفائض إلى الإدارة المالية بالعاصمة.
ولا تسند هذه الخطة إلا لمن كان ثقة أميناً، ذا دراية واسعة بالحسبان، ويسمى صاحب هذه الخطة "الخازن" ويطلق على معاونيه اسم "الخُزاَّن" وكان عددهم يصل أحياناً إلى ثلاثة
(3)
، يرأسهم الخازن الذي يعرف بـ"شيخ الخُزَّان
(4)
" وعندما تعرض ابن خلدون لذكر هذه الخطة
(1)
- المصدر السابق، ص 25.
(2)
- الحلة السيراء 1/ 241.
(3)
- ابن القوطية، ص 62.
(4)
- المصدر السابق، ص 62.
عند أموي الأندلس، ذكر أن متوليها له جزء من رئاسة الدولة
(1)
. لأجل هذا فقد كانت الدولة الأموية لا تسندها إلا لمن كان من ثقاتها، ويخرج بمناسبة التعيين ظهير للخازن الجديد تحدد له فيه الصلاحيات، ويرشد إلى بعض الأمور، بعد أخذ العهد عليه، ويدعى له بالتوفيق.
ولقد كانت شخصيات رجال الدولة الأموية، شخصيات فذة، سمتها الإخلاص، وظهر هذا جلياً في موقف شيخ الخزَّان موسى بن حدير الذي رفض تنفيذ أمر الأمير عبد الرحمن الأوسط بصرف مبلغ ثلاثين ألف دينار للمغني زرياب، فقد قال موسى بن حدير لصاحب الرسائل الذي حمل الأمر "نحن وأن كنَّا خُزَّان الأمير أبقاه الله، فنحن خُزَّان المسلمين، نجبي أموالهم وننفقها في مصالحهم، ولا والله ما ينفذ هذا، ولامنا من يرضى أن يرى هذا في صحيفته غدا، أن نأخذ ثلاثين ألفا من أموال المسلمين وندفعها إلى مغن في صوت غناه، يدفع إليه الأمير أبقاه الله ذلك مما عنده"
(2)
.
والبيانات الحسابية التي يقدمها الخُزَّان وشيخهم لا يصادق عليها مباشرة، وإنما تتم عملية مراجعتها من قبل الأمير أو الخليفة، ومناقشتهم فيها، ويتم التغاضي عن الخطأ إن كان يسيرا
(3)
، لكنه ربما أدى ذلك إلى عزل الخزّان وشيخهم، وهذا ما فعله الخليفة عبد الرحمن الناصر سنة
(1)
- مقدمة ابن خلدون، ص 678.
(2)
- ابن القوطية، ص 68 - 69. إن من توفيق الله لولي الأمر أن تكون بطانته صالحة.
(3)
- المقتبس، تحقيق د. محمود مكي، ص 136.
316 هـ (928 م) عندما أمر بعزل جميع خُزَّان المال، وكانوا خمسة، وولى مكانهم أربعة خُزَّان
(1)
.
وقد كان الخليفة الحكم المستنصر بالله لا يكتفي بالعزل، بل يصحب ذلك الإهانة والإذلال، وهذا ما تعرض له الفتى دري الكبير الصقلبي، المعروف بالخازن، فقد غضب عليه الخليفة الحكم لتقصيره في عمله، فأقصاه وأهانه وولى إذلاله صاحب المدينة بالزهراء زياد بن أفلح، وذلك في شهر رجب سنة (362) هـ
(2)
(إبريل (973) م).
وكانت الخزانة العامة تتلقى مواردها من عدة طرق، منها الجزية والخراج والصدقات والعشور والغنائم والمصادرات وغيرها.
فالجزية هي "الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام"
(3)
وبذلك فهي ضريبة على الرؤوس، فالذمي يلتزم بأداء مقدار من المال للدولة الإسلامية في موعد محدد، متى ما توافرت شروطها، وذلك مقابل حمايته وحماية أملاكه، وفي هذا يقول الماوردي إن الجزية "موضوعة على الرؤوس، واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغارا، وإما جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقا"
(4)
والأصل
(1)
- البيان المغرب، 2/ 197. لكن العزل الذي أجراه الناصر هنا ربما كان جرياً على عادته في التغيير المستمر لرجال دولته، ونقلهم من خطة لأخرى.
(2)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 103.
(3)
- ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المغني (القاهرة 1367 هـ) ج 5 ص 495.
(4)
- الأحكام السلطانية، ص 127.
(1)
وهي بذلك تسقط عند الدخول في الإسلام.
ورغم أننا نفتقر لنصوص تبين لنا الكيفية التي كانت تُجبى عليها الجزية في الأندلس، إلا أننا لا نشك في أن التعامل مع أهل الذمة هناك في هذه المسألة، كان يسير وفق هدي الشريعة السمحة، فكل ذمي يدفع الجزية وفق طاقته، ويعفى منها المسكين
(2)
، والأعمى
(3)
، والمقعد
(4)
، والمريض الذي لا يرجى شفاؤه
(5)
، كما أعفي منها المملوك، والمجنون، والصبيان، والنساء، والقسس والرهبان
(6)
.
وكانت الجزية تؤخذ من فئات ثلاث من فئات أهل الذمة، فمن الموسر يؤخذ ثمانية وأربعون درهماً، ومن الوسط أربعة وعشرون درهماً،
(1)
- سورة التوبة آية رقم 29.
(2)
- أبو يوسف، كتاب الخراج، (القاهرة، المطبعة السلفية ومكتبتها، ط الثانية 1352 هـ) ص 122.
(3)
- المصدر السابق، ص 122.
(4)
- نفسه، ص 122.
(5)
- نفسه، ص 123. الأحكام السلطانية ص 130.
(6)
- كتاب الخراج، ص 122. الأحكام السلطانية، ص 128.
ومن الذي يعمل بيده كالخياط والصباغ والاسكافي والخراز ومن أشبههم، اثنا عشر درهماً
(1)
.
لكن في الأندلس كان الدينار بسبعة عشر درهما
(2)
، وعليه فإن الموسر يدفع واحد وخمسين درهما، والوسط أربعة وثلاثين درهما، والعامل بيده سبعة عشر درهماً، تؤخذ منهم كل سنة
(3)
.
ويتولى قبض الجزية من أهل الذمة في كل كورة ومدينة، موظف من موظفي الدولة ممن يوثق بدينه وأمانته، ويكون معه أعوان لمساعدته، فيقومون بجمعها بدون ظلم وتعسف
(4)
، فإذا اجتمعت لديه الأموال حملها إلى بيت المال
(5)
.
وأما الخراج فهو "ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها"
(6)
وهي الأرض التي صولح عليها المشركون من أرضهم، وهي على نوعين: أحدهما ما هرب عنه أصحابه، فخلص للمسلمين بغير قتال، فتصبح وقفاً على مصالح المسلمين، ويضرب عليها الخراج ويكون أجرة تقر على الأبد وإن لم يقدر بمدة، والأخر ما أقام فيه أهله وصولحوا على
(1)
- كتاب الخراج، ص 122، 123 - 124. الأحكام السلطانية، ص 128.
(2)
- صورة الأرض، ص 108.
(3)
- أبو رميله، نظم الحكم في الأندلس، ص 219.
(4)
- كتاب الخراج، ص 124.
(5)
- المصدر السابق، ص 124.
(6)
- الأحكام السلطانية، ص 131.
إقراره في أيديهم بخراج يضرب عليهم، وهذا بدوره ينقسم إلى قسمين، أحدهما: أن ينزلوا عن ملك الأرض فتصبح وقفاً على المسلمين، ويكون الخراج المضروب عليهم أجرة لا تسقط إلا بإسلامهم، والأخر: أن يستبقوها على أملاكهم ولا ينزلوا عن رقابها ويصالحوا عليها بخراج
(1)
.
والحديث عن الخراج في الأندلس يتطلب تتبع عملية الفتح، والإجراء الذي قام به موسى بن نصير ومن أتى بعده من الولاة، وعندما تعرض الدكتور حسين مؤنس للحديث عن الخراج في الأندلس، ذكر بأن عقدة العقد في تاريخ عصر الولاة هي ناحية الخراج
(2)
. ثم ناقش هذه القضية باستفاضة، وخلص إلى أن موسى بن نصير قد قام بتخميس الأراضي الواقعة جنوب الوادي الكبير، فجعل أربعة أخماس تلك الأراضي بأيدي القبائل المشتركة في عملية الفتح، والخمس ملكاً للدولة، وانسحب هذا الحكم على الأراضي الواقعة بين الوادي الكبير ووادي آنه، ومابين هذا النهر والمحيط الأطلسي، فيما عدا ثلاثة مدن، وهي التي استسلم أهلها للمسلمين، وبذلك لم يجر عليها حكم العنوة.
وبذلك أصبحت أراضي الجنوب والغرب، التي تقاسمها العرب إقطاعات، ملكاً لأصحابها، يتوارثها الأبناء عن الآباء، وهو ماأيده الخليفة الوليد بن عبد الملك، حيث منح زعماء تلك القبائل سجلات بذلك،
(1)
- المصدر السابق، ص 131 - 132.
(2)
- فجر الأندلس، ص 614.
وعندما جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز أيد فعل الخليفة الوليد، واعتبر ما فتحه المسلمون من الأرضين إقطاعات
(1)
.
وعلى ضوء الدراسة الوافية التي قام بها الدكتور حسين مؤنس للناحية المالية ومسائل أراضي الخراج في الأندلس، يمكن القول بأن نصيب خزانة الدولة كانت ثلث خراج أراضي الخمس
(2)
، وطيلة عهد الدولة الأموية كان ذلك الثلث معلوم المقدار، ولم يختل إلا بعد أن اندلعت الفتن، وانتزى كل زعيم بجزء من أراضي الدولة الأموية، مشكلاً دولة من دول الطوائف
(3)
. في حين أن العرب والبربر الذين دخلوا الأندلس في أوائل الفتح واستقروا في إقطاعاتهم، كانوا يدفعون العشر فقط
(4)
، إضافة إلى قيامهم بتلبية نداء حكومة قرطبة عند الغزو، واستمر الوضع بهذه الصورة إلى أن أعفاهم الحاجب المنصور بن أبي عامر من الغزو، شريطة دفعهم لمبالغ إضافية زيادة على العشر
(5)
.
(1)
- انظر: الرسالة الشريفية في الأقطار الأندلسية "منشورة في آخر كتاب: افتتاح الأندلس لابن القوطية" ص 198 - 207. رحلة الوزير في افتكاك الأسير، ص 112 - 116. فجر الأندلس ص 615 - 629.
(2)
- انظر: الرسالة الشريفية، ص 112 - 116. الإحاطة 1/ 106. رحلة الوزير في افتكاك الأسير، ص 112.
(3)
- الرسالة الشريفية، ص 203، رحلة الوزير في افتكاك الأسير ص 114.
(4)
- الإحاطة، 1/ 110.
(5)
- مذكرات الأمير عبد الله ص 17. أعمال الأعلام 2/ 68.
وأما أراضي الصلح، فإن أهلها كانوا يقومون بدفع جزية عن رؤوسهم وخراجاً عن أراضيهم، وهذا الخراج جُعلت قيمته تبعاً لطيب الأرض وغلتها
(1)
.
ويتولى جباية خراج أراضي الصلح، أحد موظفي الدولة، يساعده في ذلك رؤساء أهل الذمة، وهم "أشياخ من أهل دينهم، أولو حنكة ودهاء ومداراة ومعرفة بالجباية اللازمة لرؤوسهم
(2)
" ولعل أرطباس القومس زعيم أهل الذمة في الأندلس، كان أشهر مستخرجي خراج الذميين للمسلمين
(3)
. بينما نجد القبائل العربية صاحبة الإقطاعات، يتولى زعيم كل قبيلة جمع خراج قبيلته، فإن كانت القبيلة شامية اكتفى زعيمها بإرسال ما تمت المقاطعة به على أموال أهل الذمة التي في أيديهم لحكومة قرطبة، وذلك دون العشر، لأنهم معفيين منه، إذ أن قبائلهم معدة للغزو
(4)
، إضافة إلى تقديم الدولة الأموية في الأندلس لهم على من سواهم، وأما إن كانت القبيلة بلدية، أدت ضربية العشر إضافة إلى ما تمت المقاطعة عليه
(5)
.
(1)
- رحلة الوزير في افتكاك الأسير، 116، فجر الأندلس ص 626.
(2)
- الإحاطة، 1/ 107.
(3)
- المصدر السابق، 1/ 103.
(4)
- نفسه، 1/ 104.
(5)
- نفسه، 1/ 104 - 105.
ومن الموارد التي كانت تستفيد منها الخزانة العامة، الأموال التي كان يبعث بها القادة المرابطين في بعض الكور والثغور، وهذه الأموال أو الضرائب برزت بصورة قوية في عهد الأمير عبد الله بن محمد 275 - (300) هـ (888 - (912) م) وذلك بسبب اندلاع الفتن في أرجاء الدولة الأموية، وحصول قادة تلك الفتن على ما يشبه الحكم الذاتي مقابل دفعهم لمبالغ مادية سنوية لحكومة قرطبة. ويبدو أن الأموال التي كانت تحصل عليها الدولة من هذا الجانب، ضخمة جداً، يدل على ذلك أنه قد أنشئ ديوان خاص بها، يتولى استقبال تلك الأموال، وكان ذلك الديوان ضخماً، بحيث أطلق عليه مصطلح "خطة القُطُع"
(1)
ويرأس هذه الخطة أحد كبار رجال الدولة وكان موسى بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير من بين الذين تولوا هذه الخطة للأمير عبد الله بن محمد
(2)
.
وهناك مورد آخر للخزانة، فقد كانت حكومة قرطبة تتحفظ على أموال المتوفين أو الغائبين أو من تطالبهم الدولة بأموال حتى يتم الفصل في أمرها، وقد أنشأت خطة خاصة بهذه الأموال تسمى "خطة العقل"
(3)
.
وتعد الضرائب من الموارد الهامة لخزانة الدولة، منها: ضريبة القطيع، ويبدو أنها فرضت عند آخر عهد الدولة الأموية، عندما أصبح خلفاء الفتنة لا يجدون مورداً مالياً يغطي نفقات أطماعهم، وعن ضريبة القطيع
(1)
- الحلة السيراء 1/ 230.
(2)
- المصدر السابق، 1/ 233.
(3)
- نفسه، 1/ 243، الحاشية رقم 3.
يقول ابن حزم "وأما في زماننا هذا وبلدنا هذه فإنما هي جزية على رؤوس الناس يسمونها القطيع ويؤدونها مشاهرة
(1)
" ومن هنا يتضح أنها لا تفرق بين ذمي أو مسلم
(2)
.
وهناك ضريبة تجنيها الدولة تسمى "القبالة" وهي "أن يدفع السلطان أو نائبه صقعاً أو بلدة أو قرية إلى رجل مدة سنة مقاطعة بمال معلوم يؤديه إليه عن خراج أرضها وجزية رؤوس أهلها إن كانوا أهل ذمة فيقبل ذلك ويكتب عليه بذلك كتاب
(3)
".
والقبالة مفيدة لولي الأمر إذ أنه يحصل على الأموال مباشرة، كما أنها مفيدة للمتقبل إذ أنه سيجني أكثر مما دفعه، والضحية في ذلك الرعية، فهم يتعرضون لظلم ذلك المتقبل وعسفه الذي لايعنيه من الأمر سوى الربح، ولذا نجد الخليفة الحكم المستنصر بالله يحذر المتقبلين لديه من التعرض في شيء لعابري السبيل
(4)
. ولكن يبدو أن أمر القبالة والمتقبلين
(1)
- د. إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي عصر سيادة قرطبة، ص 84 - 85.
(2)
- هذه الحالة ربما تكون هي أخر مرحلة تعيشها الدولة عند السقوط، إذ يصبح هم صاحب الدولة منحصراً في كيفية الحصول على الأموال دونما أي اعتبار لمصدرها أو تأثيرها على الآخرين.
(3)
- عبد العزيز بن محمد الرحبي الحنفي، فقه الملوك ومفتاح الرتاج المرصد على خزانة كتاب الخراج، (تحقيق: د. أحمد عبيد الكبيسي، نشر رئاسة ديوان الأوقاف الجمهورية العراقية 1975 م) 2/ 3.
(4)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي ص 113 - 114.
أصبح شراً على الأندلسيين، من جراء الظلم الذي كانوا يتعرضون له، ولذا نجد ابن عبد ون يحمل على المتقبل، ويعتبره شر خلق الله، ويصفه بالزنبور الذي خلق للضرر، لا للنفع لأنه لا يسعى إلا بمضرة المسلمين، فهو "ملعون من الله ومن الناس أجمعين، فيجب على القاضي أن يستحلفه ويحد له ما يصنع في تصرفه، ولا يتركه يتحكم في أموال الناس باختياره وعلى ما يراه أنه صواب لنفعه، ويغلظ له في القول والتوبيخ، وأن يرتب له الوزير بحضرة القاضي ما يأخذ من الأشياء التي يتقبلها ولا يزيد فيها ولا ينقص، ومتى تعدى على أكثر من ذلك أُدِّب وسُجن ونُكِّل"
(1)
.
ومن قبل ابن عبد ون، كان القاضي أبو يوسف قد هاجم المتقبلين وطراءقهم في جمع الخراج فقال "والمتقبل لا يبالي بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته، ولعله يستفضل بعد ما يتقبل به فضلا كثيرا، وليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه على الرعية، وضرب لهم شديد، وإقامته لهم في الشمس، وتعليق الحجارة في الأعناق، وعذاب عظيم ينال أهل الخراج مما ليس يجب عليهم من الفساد الذي نهى الله عنه"
(2)
.
وعرفت الخزانة عدة ضرائب أخرى منها: العشور، وهي رسوم تؤخذ من الرعية بلا استثناء فعلى المسلم ربع العشر، والذمي نصف العشر، والحربي العشر
(3)
، وهذه الضريبة تؤخذ من التجار، فهي بالنسبة
(1)
- رسالة ابن عبدون في آداب الحسبة والمحتسب، ص 30.
(2)
- كتاب الخراج، ص 105.
(3)
- كتاب الخراج، ص 132. المغني، 8/ 518.
للمسلم زكاة، ولأهل الذمة تنفيذاً لعقود الصلح المبرمة معهم، وتؤخذ من الحربي الذي يمر بتجارته في أراضي المسلمين لقاء حمايته، وطبيعي أنها لا تؤخذ إلا بعد بلوغ النصاب
(1)
.
ومنصب متولي آخذ العشور، باب للثراء على حساب الآخرين، ولذا يجب أن لا يليه إلا من يوثق بدينه وأمانته، ويقف عند الحدود التي حدها له القاضي، ويعمل بوصيته، فيرفق بأصحاب التجارة والمزارعين ولا يشطط عليهم، وإذا أتى بالزمام الذي دَّون فيه ما قبضه من عشور، فلابد أن يريه القاضي ليمضي عليه، وصاحب العشور يستلم أجرته من عند رئيسه، ولا يستلمها ظلماً وجوراً من أصحاب الأموال المعشَّرة
(2)
.
ويبدو أن متولي مهمة قبض العشور كانوا لا يلزمون النهج الشرعي في عملهم، ولذا نرى ابن عبد ون يندد بهم، ويصفهم بالظلمة الفسقة، ويعتبرهم "أكلة سحتٍ، أشراراً، سفلة، لا خوف ولا حياء ولا دين ولا صلاة لهم، باعو أديانهم بدنيا غيرهم"
(3)
.
ولنا أن نتوقع أن المبالغ التي يتم تحصيلها من العشور كانت ضخمة للغاية، وهذه متوقفة على الحالة الاقتصادية للدولة، والأندلس بلغت في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله الغاية في المستوى الاقتصادي، وفي عهده تم إجراء حصر لما يتم بيعه من السمك المملح فقط، بقرطبة خلال
(1)
- كتاب الخراج، ص 133. المغني، 8/ 519.
(2)
- رسالة ابن عبدون، ص 6.
(3)
- المصدر السابق، ص 6 - 7.
يوم واحد، فبلغ ذلك عشرين ألف دينار دراهم
(1)
. وأما المنصور بن أبي عامر فقد أمر بإحصاء أحمال الحطب التي تصل إلى قرطبة في اليوم الواحد، فبلغ ذلك ستة آلاف وستمائة حمل على اختلافها
(2)
.
وكانت هناك ضريبة تؤخذ من المواريث تسمى رسوم المواريث، وكانت تجري بقرطبة وسائر كور الأندلس على الأمانة
(3)
.
ومن الضرائب التي كانت تدر دخلاً على الخزانة العامة، ضريبة تدفعها الرعية لمعاونة الدولة تسمى "المعاون"
(4)
ومن اسمها يتضح أنها تُفرض وقت الحاجة، كذلك لدينا ضرائب المراصد
(5)
، والجزاء
(6)
، والبيزرة
(7)
، والطبل العام وهي لقاء الإعفاء من الاشتراك في الغزوات
(8)
.
وهناك ضريبة تعرف باسم "المغارم" وهي عقوبة يفرضها الأمير أو الخليفة الأموي على أهل كورة من الكور عقاباً لهم، ولذا نجد الأمويين
(1)
- أعمال الأعلام، 2/ 104.
(2)
- المصدر السابق، ص 104.
(3)
- نفسه، 2/ 98.
(4)
- نفسه، 2/ 98.
(5)
- أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص 233.
(6)
- المرجع الصابق، ص 233.
(7)
- هي كل ماله صلة بأمور الصيد.
(8)
- أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص 233.
يتحببون إلى رعاياهم بإسقاط المغارم عنهم كلها أو بعضها
(1)
، كما كانوا يتحببون إليهم بإسقاط جزء من ضريبة البقية، وهي ما تبقى من الضرائب التي لم تدفعها الرعية، أو إعفائهم منها كلية مراعاة لظروفهم
(2)
.
ومن الضرائب كذلك ضريبة تلتزم بها الرعية للجيش وتسمى النازلة أو إنزال أو التقوية
(3)
، وهي التي تبرأ منها الخليفة القاسم بن حمود
(4)
.
ومن موارد الخزانة العامة، الأموال التي يدفعها العمال للدولة عند عزلهم عن مناصبهم نتيجة إساءتهم السيرة
(5)
.
وهناك ضريبة يمكن أن نسميها ضريبة استخدام المرافق، وهي ما تحصله الدولة من الرعية لقاء استخدامهم لمنشأة من المنشآت الهامة، وهذا نوع من أنواع المكس، ولا ندري هل طبقت هذه الضريبة في الأندلس أم لا. فقد ورد خبر لدى ابن سعيد، أن أحد رجال الخراج رفع للأمير عبد الرحمن الأوسط كتاباً يقترح فيه أن يتم تحصيل ضريبة
(1)
- المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 207. البيان المغرب، 2/ 101، 109، 114، 249، 259. 3/ 3.
(2)
- أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص 234.
(3)
- L-Provencal، Op.Cit.T.III، p. 40.
(4)
- البيان المغرب، 3/ 130.
(5)
- الخشني، أخبار الفقهاء والمحدثين، ص 141. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 192 - 193. البيان المغرب، 2/ 116.
على الدواب والأحمال التي تعبر قنطرة قرطبة، لكن الأمير اعتبر ذلك مكساً قبيحاً ووبخ الرجل على اقتراحه
(1)
.
ومن خلال قيام الجيوش الأموية بحملات الصوائف والشواتي، ضد الممالك والإمارات النصرانية في الشمال الأسباني، أصبحت الغنائم التي تنتج عن تلك الغزوات أحد الموارد الهامة للخزانة العامة، حتى قال فيها أحد الشعراء يمتدح أحد القادة المشهورين بالغزو:
ففي كلِّ صيف وفي كلِّ مشتى
…
غزاتان منك على كل حال
فتلك تبيدُ العدو وهذي
…
تفيد الإمام بها بيت مال
(2)
ففي عهد الأمير هشام الرضا بلغ خمس الغنائم خمسة وأربعين ألف من الذهب العين وذلك سنة (177) هـ (793 - (794) م)
(3)
وبلغت الغنائم أوجها في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر حتى أنه كان يعرف بالجلاّب
(4)
. ولكي تتجنب تلك الممالك والإمارات ضربات الجيوش الأموية، كانت تلتزم بدفع الجزية، ومن تأخر عن موعده تولت الجيوش
(1)
- المغرب في حلى المغرب، 1/ 51.
(2)
- البيان المغرب، 2/ 139.
(3)
- المصدر السابق، 2/ 64.
(4)
- نفسه، 3/ 13.
الأندلسية إرغامه على دفعها
(1)
. بالإضافة إلى ما كانت الجيوش الأندلسية تحصل عليه جراء تصديها للمناوئين في بر العدوة المغربية
(2)
.
بقي أن أشير إلى أنه كانت هناك ضريبة عينية، تسمى وظائف مخزنية، إذ يتم فيها استلام الحبوب ممن فُرض عليهم دفعها، وتخزينها في مستودعات خاصة تسمى "أهراء" وهذه الأهراء يجب أن تبقى ملأى بالحبوب، إما لمواجهة سنوات القحط، أو لتكون عونا للجيوش الغازية، أو لبيعها أحياناً في الأسواق عندما تقل الحاجة إليها
(3)
، وقد تغيرت هذه الضريبة فيما بعد، إذ أصدر الخليفة علي بن حمود قراراً يقضي بتحصيلها نقداً لا عيناً، على أساس ستة دنانير لكل مدي قمح، وثلاثة دنانير لكل مدي شعير
(4)
.
ومن كل هذه الأنواع العديدة من الضرائب، لا عجب أن تكون الخزانة العامة غاصة بالأموال. وطبيعي أن المقدار الذي كانت الدولة
(1)
- المقتبس، تحقيق د. عبد الرحمن الحجي، ص 224 - 225.
(2)
- المصدر السابق، ص 134 - 135.
(3)
- أعمال الأعلام، 2/ 99.
(4)
- أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص 243. ومن الملاحظ أن المصادر الأندلسية شحيحة المعلومات عند الحديث عن المكاييل والموازين في الأندلس، فلم تعرف بالإضافة للمدي سوى القفيز، والمدي القرطبي يزن ثمانية قناطير والستة أقفزة هي نصف مدي، وتزن أربعة قناطير. انظر: نصوص عن الأندلس، ص 124، 125. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 109. المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 53. تعليق منتقى، ص 32.
الأموية في الأندلس تحصل عليه من الجباية سار بالتدريج من القلة إلى الكثرة. وهذا الأمر لا يقتصر على الدولة الأموية بل ينسحب على جميع الدول، وهو ما تعرض ابن خلدون لمناقشته، حيث أشار إلى أن الدولة في بداية عهدها تكون قليلة الجباية، لتمسكها بأمور الشرع من جهة، ولتخلقها بأخلاق البداوة إن كانت ذات عصبية، وهي بذلك تعمد إلى المسامحة والغفلة عن التحصيل إلا ما ندر، وإذا وصلت الدولة إلى مرحلة الحضارة وجاء الملك العضوض احتاج ولاة الأمر إلى أموال تغطي حياة الترف التي يعيشونها، فيعمدون عندها إلى فرض الضرائب والمكوس، ويكثرون منها، فتكثر الجباية، ثم تتدرج الزيادات فيها بمقدار بعد مقدار، والرعية لا تشعر بثقل تلك المغارم، فيهضموها كأنها عادة مفروضة
(1)
.
وإذا أتينا إلى الدولة الأموية في الأندلس، نجد أن كلام ابن خلدون قد طُبق هناك تماماً، ففي عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، بلغت جملة الجباية (300000) دينار
(2)
، وارتفع هذا الرقم إلى الضعف في عهد الأمير الحكم الربضي 180 - (206) هـ (796 - (822) م) حيث بلغ (600000) دينار
(3)
، وفي عهد ابنه الأمير عبد الرحمن الأوسط 206 - (238) هـ (822 - (852) م) كان دخل الدولة من الجباية مليون دينار
(4)
.
(1)
- مقدمة ابن خلدون، ص 729 - 731.
(2)
- نفح الطيب، 1/ 146.
(3)
- المصدر السابق، 1/ 146.
(4)
- المغرب في حلى المغرب، 1/ 46.
والحالة الاقتصادية لأي دولة ذات ارتباط وثيق بالاستقرار السياسي، فأي اهتزاز في الوضع السياسي، يعني انعكاساً سلبياً على الناحية الاقتصادية.
وهذا ما جرى في الأندلس، فقد تعرضت منذ منتصف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) إلى هزات سياسية عنيفة، واندلعت الفتن في أرجاء الدولة، الأمر الذي قصر سيطرتها على قرطبة وبعض النواحي، مما أدى إلى حرمان الدولة من مصادر مالية عديدة، وبالتالي فإن مقدار الجباية قل كثيراً عما كان عليه سابقاً.
لكن مع بسط الخليفة عبد الرحمن الناصر نفوذه على أرجاء الدولة ككل، تحسن الوضع الاقتصادي كثيراً، فارتفعت المبالغ المحصلة من الجباية فقط إلى (5480000) دينار
(1)
" خمسة ملايين وأربعمائة وثمانون ألف دينار" ويبدو أن الثراء الاقتصادي الذي كانت تعيشه الأندلس، قد بهر الرحالة ابن حوقل، مما دفعه إلى التصريح بذلك، فقد اعتبر أن الخزانة العامة في الأندلس لا مثيل لها في العالم الإسلامي إلا ما كان عند الغضنفر أبي تغلب بن الحسن بن عبد الله بن حمدان
(2)
.
(1)
- انظر الحلة السيراء، 1/ 233، حاشية رقم 1.
(2)
- صورة الأرض، ص 107. أبو تغلب الغضنفر بن الحسن بن عبد الله بن حمدان التغلبي، تولى إمارة الموصل عوضا عن أبيه الذي أصيب بعقله، وذلك سنة 356 هـ، كان الغضنفر بطلاً سائساً، خاض معارك عديدة في جهات متفرقة، وبسببها هرب إلى دمشق ونزل بظاهرها، ثم انتقل إلى الرملة بفلسطين في شهر محرم سنة 369 هـ وهناك= =أسر وقتل صبراً بين يدي الأمير مفرج الطائي وبعث برأسه إلى العزيز بالله الحاكم العبيدي في مصر. انظر: الكامل في التاريخ، 7/ 384 - 385. سير أعلام النبلاء، 16/ 306 - 307.، النجوم الزاهرة، 4/ 136.
ويذكر ابن حوقل اعتماداً على ما سمعه من أحد محصلي الجبايات في الأندلس على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، أن الأموال التي دخلت خزانة الدولة منذ سنة 320 - (340) هـ (932 - (951) م) كانت قريباً من عشرين ألف ألف دينار
(1)
، وعندما توفي كان في خزائنه من الأموال خمسة آلاف ألف ألف ثلاث مرات
(2)
، ولكن لعل هذا المبلغ دراهم لا دنانير
(3)
.
ويعد عهد الخليفة الحكم المستنصر امتداداً طبيعياً لعهد والده، ولذا فمن المتوقع أن الدخل قد زاد عن سابقه، ثم بلغ في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر أربعة آلاف ألف دينار، عدا رسوم المواريث والمصادرات ونحوها
(4)
، ونظراً للغزوات العديدة التي اشتهر بها المنصور، وحرصه الشديد على تحصيل الأموال وتنميتها، فقد وجد في بيوت الأموال بعد وفاته من الأموال النقدية أربعة وخمسين بيتا
(5)
.
(1)
- المصدر السابق، ص 107.
(2)
- مقدمة ابن خلدون، ص 564.
(3)
- أبو رميلة، نظم الحكم في الأندلس، ص 246.
(4)
- أعمال الأعلام، 2/ 98.
(5)
- البيان المغرب، 2/ 301.
وهذه الدخول الضخمة، كان لها في المقابل وجوه إنفاق متعددة، لخصها أحد المؤرخين بقوله أن الأمويين كانوا يقسمون مال الخزانة لديهم إلى ثلاثة أقسام: ثلث للجيش، وثلث للصرف العام، وثلث يدخر
(1)
.
وقد ذكر ابن سعيد عند حديثه عن الخليفة عبد الرحمن الناصر أنه كان يقسم أموال الجباية إلى ثلاثة أقسام: قسم للجند والحرب، وقسم للبنيان
(2)
، وقسم ينفق منه في غير هذين من المصالح، ويخزن باقية ذخيرة
(3)
. والظاهر من النص أن الجباية تقسم أربعة أقسام، لكن لعل الأصح أنها ثلاثة إذ ان المال المدخر هو المتبقي من الثالث المعد للصرف في غير الجند والبنيان.
وقد ذكر ابن الخطيب نقلاً عن ابن حيان معلومات أكثر تفصيلاً عن الإنفاق الذي كان يسير عليه الأمويون، فقد ذكر أن الأموال توضع في أربع بيوت تؤخذ النفقات السلطانية منها على المشاهرة بالزيادة والنقصان، مابين الشهر والشهر مائتي ألف دينار إلى مائة وخمسين ألفا، وعند دخول شهر يونيو يتضاعف الإنفاق فيه استعداداً للغزو، حيث يصل
(1)
- نفح الطيب، 1/ 146.
(2)
- عن البناء في الأندلس، واهتمام الدولة الأموية به، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي ص 224. المغرب في حلى المغرب، 1/ 179. ذكر بلاد الأندلس، 1/ 46، 50، 76، 77، 179. نفح الطيب، 1، 162، 526، 527، 579.
(3)
- المغرب في حلى المغرب 1/ 183.
إلى خمسمائة ألف دينار وأكثر، والفائض من الدخل بعد كل المصاريف يتم ادخاره
(1)
.
خطة السكة:
تتألف السكة في نظر ابن خلدون من الدرهم والدينار فقط، ويكونان بوزن معلوم، ومقدار معين تجري عليهما أحكام الشرع الخاصة بالزكاة والأنكحة والحدود، ثم ذكر أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقية منه أربعين درهما وبذلك فهو يساوي سبعة أعشار الدينار، والمثقال من الذهب يزن ثنتين وسبعين حبة من الشعير، والدرهم خمسة وخمسين حبة من الشعير
(2)
.
وفي الأندلس، كان ضرب العملة من الأعمال السيادية للدولة الأموية، لكن يجب أن نشير إلى أنه كان للخاصة أيضاً مطلق الحرية في أن يجلبوا لدار السكة ما لديهم من ذهب وفضة، لكي تضرب لهم بقيمتها دنانير ذهبية ودراهم فضية
(3)
.
(1)
- أعمال الأعلام، 2/ 98.
(2)
- مقدمة ابن خلدون، ص 703.
(3)
- ذكر ابن حيان رواية عن أمية، ما فعله محمد بن أبي عامر عندما كان صاحب السكة في زمن الخليفة الحكم المستنصر بالله، فقد قبل ابن أبي عامر أن يأخذ من محمد بن أفلح غلام الخليفة الحكم، لجاماً محلى ثقيل الوزن ردئ العيار، فوزن له اللجام بحدائده وسيوره، وأعطاه قدر ذلك الوزن دراهم، تقديراً من ابن أبي عامر للضائقة المالية التي كان يمر بها محمد بن أفلح. انظر: الذخيرة، ق 4 م 1 ص 63.
وحق سك النقود محدد بعمولة نسبية، تتراوح ما بين (1. (75) %) للذهب، وأقل بقليل من 3 % للفضة
(1)
، وهذه العمولة تعود على الخزانة العامة للدولة بدخل ضخم، بلغ في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر مائتي ألف دينار أو ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف درهم سنوياً، إذ أن الدينار في الأندلس، يصرف بسبعة عشر درهماً
(2)
.
وقد ذكر بعض المؤرخين أن الأندلس لم تعرف ضرب العملة منذ أن فتحها العرب، وأن أول من نظم السك الرسمي للنقود، هو الأمير عبد الرحمن الأوسط، إذ أنه قام بإحداث دار السكة بقرطبة وضرب الدراهم باسمه
(3)
.
ولعل هذا ناتج عن أن العرب كانوا في الأندلس يتعاملون بالقطع القوطية، أو بالعملة الذهبية والفضية التي اعتاد بعض المسافرين جلبها معهم من المشرق، بقصد الاتجار بها في الأندلس
(4)
، وأن الوضع استمر على هذه الصورة حتى عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط، الذي امتثل لنصيحة أحد رجاله المخلصين، فقام بسك العملة. ولكن رغم ذلك لم تكن عملية السك تتم باستمرار، أو حتى بصورة تغطي الاحتياجات،
(1)
- Live Provencal، op.cit، ovl، III، P. 42.
(2)
- صورة الأرض ص 104.
(3)
- ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب، 1/ 46. ابن عذاري، البيان المغرب، 2/ 91. ذكر بلاد الأندلس، 1/ 140 - 141.
(4)
- ذكر بلاد الأندلس، 1/ 141.
لأجل هذا استمر التعامل بالقطع النقدية القادمة من المشرق حتى أواخر عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط
(1)
.
ولكن القول بأن الأندلس لم تشهد ضرباً للسكة إلا في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط 206 - (238) هـ (822 - (852) م) لا يمكن التسليم به فقد ثبت أن العملة كانت تضرب في الأندلس، منذ عصر الولاة
(2)
، 95 - (138) هـ (714 - (755) م) فقد وُجد دينار ضرب بالأندلس سنة (98) هـ (716 - (717) م) في عهد الوالي الحر بن عبد الرحمن الثقفي، 97 - (100) هـ (716 - (719) م) كتب في مركزه عبارة "محمد رسول الله" وعلى الطوق "ضرب هذا الدينر بالأندلس سنة ثمان وتسعين" وكان وزن ذلك الدينار " (4). (29) غم"
(3)
واستمر ضرب العملة في
(1)
- L.provencal، op.cit.Vol.III، p: 42 - 43
(2)
- لقد شهدت الأندلس ضرب العملة في مرحلة الفتح، إلا أن تلك العملة كانت الكتابات اللاتينية تغظي منطقتي الوجه والظهر، انظر: كتاب معرض المسكوكات (إصدار مكتبة الملك عبد العزيز العامة الرياض 1414 هـ) ص 13.
(3)
- Al-Andalus، The Art Islamic Spain.p. 386. وهناك دينار ذهب ضرب في نفس السنة، وزنه 4. 12 غم وقطره 24 مم وفي الوجه كتابة بالعربية "محمد رسول الله، ضرب هذا الدينر بالأندلس سنة ثمان وتسعين" وعلى الظهر كتابة لاتينية. انظر: كتاب معرض المسكوكات، ص 14.
الأندلس خلال السنوات (102) هـ
(1)
(721 م) وسنة (104) هـ
(2)
(722 - (723) م) وسنة (105) هـ
(3)
(723 م)
(1)
- كان على هذا الشكل في المركز
وجه القطعة
…
ظهر القطعة
بسم الله
…
لا إله
الرحمن
…
إلا الله
الرحيم
…
وحده
الطوق: ضرب هذا الدينر بالأندلس سنة ثنتين ومائة.
G.C.Miles: TheCoinage ofTheUmayyads of spain New york، 1950.p: 113 - 114 انظر: كتاب معرض المسكوكات، ص 14.
(2)
- هذا درهم ضرب على عهد الوالي عنبسة بن سحيم الكلبي الذي استمرت ولايته من 103 - 107 هـ وكان شكل الدرهم بهذه الصورة: المركز
وجه القطعة
…
ظهر القطعة
الله احد الله
…
لاإله إلا
الصمد لم يلد
…
الله وحده
ولم يولد ولم يكن
…
لاشريك له
له كفوا أحد
…
الطوق: بسم الله ضرب هذا الدرهم بالأندلس سنة أربع ومائة.
Miles، Op.Cit.p: 115 - 116.
(3)
- هذا درهم صفته مثل سابقة إلا أن الكتابة عكست فما كان في الوجه جعل في الظهر، وزيد عليه في الهامش عبارة "محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون". انظر د. عبد الرحمن فهمي، فجر السكة العربية، (القاهرة، دار الكتب، 1965 م) ص 84.
وسنة (106) هـ
(1)
(724 م) وسنة (110) هـ
(2)
(728 م) وسنة (116) هـ
(3)
(734 م).
(1)
- ضرب هذا الدينار بالأندلس في عهد الوالي عنبسة بن سحيم الكلبي وجاء على هذه الصورة: المركز
وجه القطعة
…
ظهر القطعة
بسم الله
…
لا إله
الرحمن
…
إلا الله
الرحيم
…
وحده
…
محمد رسول الله
…
أرسله بالهدى
…
ودين الحق
الطوق ضرب هذا الدينر بالأندلس سنة ست ومائة
الوزن: 4. 24 غم
انظر AL-Andalus، op.cit.p:386.
(2)
- هذا فلس ضرب بالأندلس إما في عهد حذيفة بن الأحوص القيسي أو في عهد خلفه عثمان بن أبي نسعة الخثعمي. وقد جاء بسيطاً على هذه الصورة: المركز
وجه القطعة
…
ظهر القطعة
محمد
…
لا إله
رسول الله
…
إلا الله
الطوق: "الوجه" ضرب هذا الفلس بالأندلس سنة عشر ومائة
انظر: Miles، op.cit p:118.
(3)
- هذا درهم ضرب في عهد الوالي عقبة بن الحجاج السلولي، 116 - 123 هـ وقد جاء الدرهم على هذه الصورة: المركز
وجه القطعة
…
ظهر القطعة
لا إله
…
الله أحد الله
الله وحده
…
الصمد لم يلد و
لا شريك له
…
لم يولد، ولم يكن
…
له كفوا أحد
الطوق: "الوجه" بسم الله ضرب هذا الدرهم بالأندلس سنة ست عشرة ومية، "الظهر" محمد رسول الله أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون". الوزن، 2. 900 غم، القطر 27 مم، انظر: ناصر النقشبندي، نقود أندلسية من أسبانية، (مجلة سومر، الجزء الأول، المجلد السابع، مديرية الآثار القديمة العامة، بغداد، 1951 م) ص 81.
وسنة (135) هـ
(1)
(754 م).
وفي عهد الأمير عبد الرحمن الداخل، مؤسس الدولة الأموية بالأندلس، بدأ ضرب السكة. وهذا يدل على أنه هو الذي أحدث داراً لضرب السكة لا الأمير عبد الرحمن الأوسط، وربما يكون دور الأخير مقتصر على تجديد الدار وتوسعتها.
(1)
- درهم ضرب في عهد الوالي يوسف الفهري، 129 - 138 هـ وهو مثل سابقه، إلا أن وزنه وقطره أصبحا أقل، فقد بلغ وزنه 2. 600 غم، وقطره 26 مم. انظر: ناصر النقشبندي، المرجع السابق ص 81 - 82.
ففي سنة (150) هـ (767 م) ضُرب درهم بالأندلس في العاصمة قرطبة
(1)
. ودرهم أخر سنة (153) هـ
(2)
(770 م) وسنة (156) هـ
(3)
(773 م) وسنة (170) هـ
(4)
(786 م).
وفي عهد الأمير الحكم الربضي ضُربت العملة وذلك سنتي (187) هـ (802 م)
(5)
وسنة (196) هـ
(6)
(811 م) وفي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط، ضُربت الدراهم في أعوام (229) هـ
(7)
(843 م) و (237) هـ
(8)
(851 م)
(1)
- جاء هذا الدرهم على صورة سابقه تماما. انظر: Miles، op، cit.p: 117 - 119.
(2)
- كان هذا الدرهم على صورة سابقة. انظر: ناصر النقشبندي، المرجع السابق، ص 82.
(3)
- على الهيئة السابقة، انظر: AL-Andalus، op، cit، p:387.
(4)
- مثل سابقه، إلا أنه توجد زخرفة في الأعلى وذلك في مركز الظهر، أما الوزن فكان 2. 700 غم، والقطر 32 مم، انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص 83.
(5)
- هذا الدرهم مثل سابقه، إلا أن وزنه أصبح 2. 450 غم وقطره 27 مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص 83.
(6)
- مثل سابقه، إلا أنه يوجد هلال صغير في مركز الوجه، الوزن 2. 700 غم، القطر 26 مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص 83.
(7)
- مثل سابقه، الوزن 2. 500 غم، القطر 25 مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص 83.
(8)
- مثل سابقه، الوزن 2. 200 غم، القطر 26 مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص 83.
و (238) هـ
(1)
(852 م) وضربت العملة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وذلك في سنتي (255) هـ
(2)
(868 م) وسنة (260) هـ
(3)
(873 م) وضرب فلس في عهد الأمير عبد الله بن محمد وذلك سنة (282) هـ
(4)
(895 م).
ونظراً للاضطراب السياسي الذي تعرضت له الدولة الأموية في الأندلس في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) فقد أصبحت العملة قليلة التداول لعدم وفرتها، إذ يبدو أن دار الضرب قد أُغلقت، مما تسبب في فقدان العملة من أيدي الناس
(5)
، واستمر انقطاع العملة مدة طويلة حتى أمر الخليفة عبد الرحمن الناصر بإنشاء دار السكة داخل قرطبة وذلك سنة (316) هـ (928 م) وأمر أن تضرب فيها الدنانير الذهبية والدراهم الفضية
(6)
.
(1)
- مثل سابقه، الوزن 2. 65 غم، القطر 27 مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص 84.
(2)
- مثل سابقه، الوزن 2. 700 غم، القطر 30 مم. انظر النقشبندي المرجع السابق ص 84.
(3)
- مثل سابقه، الوزن 2. 450 غم، القطر 25 مم. انظر: النقشبندي، المرجع السابق، ص 84.
(4)
- Miles، op.cit p. 121.
(5)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 243.
(6)
- المصدر السابق، ص 243. كانت دار العملة في عصر الولاة موجودة في طليطلة وإشبيلية، ثم نقلت إلى قرطبة. انظر: فجر السكة العربية، ص 80، 85 - 86، وكان= =موقعها بقرطبة في مكان يسمى باب العطارين. انظر: الهمداني، مختصر كتاب البلدان، (مطبعة بريل، ليدن، 1302 هـ) ص 88.
ويمكن القول بأن دار السكة في الأندلس، أصبحت لها شخصيتها القائمة بذاتها منذ عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، فطيلة العهود التي سبقته لم نسمع بذكر لمتولي السكة، لكن في عهده أصبح هناك مسئول عن دار السكة، وغدت هذه الإدارة خطة من الخطط الهامة في الدولة، يعمل فيها مجموعة من الموظفين والسكاكين المهرة، تحت إشراف مسئول من كبار مسئولي الدولة يعرف باسم صاحب خطة السكة
(1)
، أو صاحب السكة
(2)
، الذي ينبغي أن يكون أميناً صاحب علم ومعرفة بهذه الصنعة، مع دراية بأنواع خطوط الطوابع، نزيهاً، ديناً
(3)
.
كما يجب أن يكون الرجل الذي يضع الرسم الذي تُسك عليه العملة ويكتب نصفها بارع الخط
(4)
، وأن تكون آلاته وأقلامه محفوظة في
(1)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 243.
(2)
- المقتبس، تحقق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 41.
(3)
- أبو الحسن علي بن يوسف الحكيم، الدوحة المشتبكة في ضوابط السكة (تحقيق: د. حسين مؤنس، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، ط الأولى، 1379 هـ /1960 م) ص 52.
(4)
- المصدر السابق، ص 55.
حرز لا تخرج منه إلا عند الحاجة
(1)
، وكل ما يجري في دار السكة لا يتم إلا تحت شاهدي العدل المتواجدين دائماً في هذه الدار
(2)
.
وأول من تولى خطة السكة في الأندلس أحمد بن محمد بن حدير، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة (316) هـ (نوفمبر (928) م) ومنذ ذلك اليوم بدأت عملية ضرب العملة من خالص الذهب والفضة
(3)
.
وعندما نقلت دار السكة إلى الزهراء كان عبد الرحمن بن يحيى هو أول من تولاها
(4)
، وذلك سنة (336) هـ
(5)
(947 م).
(1)
- نفسه، ص 56.
(2)
- نفسه، ص 53 - 54.
(3)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 343. والملاحظ أنه لم نسمع بضرب العملة الذهبية في الأندلس إلا في عصر الولاة، بينما اختفى ذلك تماماً في عصر الإمارة، انظر: Miles، op، cit p: 24، 40، 96.
(4)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 344.
(5)
- البيان المغرب، 2/ 215.
كما يتم أحياناً ضرب اسم صاحب خطة السكة على العملة مع اسم ولقب الخليفة
(1)
، وفي بعض الأحيان يضرب اسم الحاجب
(2)
،
(1)
- ضرب الدينار في الأندلس سنة 331 هـ، فجاء على هذه الصفة:
…
وجه القطعة
…
ظهر القطعة
المركز:
…
لا إله إلا
…
الإمام الناصر
…
الله وحده
…
لدين الله عبد الرحمن
…
لا شريك له
…
أمير المؤمنين
…
قاسم
…
الطوق:
…
محمد رسول الله أرسله
…
بسم الله ضرب هذا
…
بالهدى ودين الحق ليظهره
…
الدينر سنة إحدى
…
على الدين كله ولو كره
…
وثلاثين وثلاثمائة
…
المشركون
…
انظر، أبو رميله، نظم الحكم في الأندلس، ص 258، وقاسم المذكور في هذه العملة هو قاسم بن خالد، الذي تولى خطة السكة سنة 330 هـ وهو صاحب العيار الجيد المضروب به المثل، فإلى وقت ابن حيان كان يقال: الدينار أو الدراهم القاسمية لجودتها، وقد قتل قاسم بأيدي عبيده في ذي القعدة سنة 332 هـ، انظر المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 243 - 244، 486 - 487.
(2)
- ضرب في الأندلس سنة 398 هـ: المركز
وجه القطعة
…
ظهر القطعة
هلال صغير في أعلاه" لا شريك له"
…
الحاجب
…
الإمام هشام
…
أمير المؤمنين
…
المؤيد بالله
…
عبد الملك
=الطوق: محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، الوزن 3. 250 غم، القطر 24 سم. انظر النقشبندي المرجع السابق ص 84 - 85.
وكذلك اسم ولي العهد، ولدينا من هذه نموذجاً ضرب في عهد الخليفة المستعين بالله سنة (400)
(1)
(1009 م).
وقد قام خلفاء الفتنة، 399 - (422) هـ (1008 - (1031) م) بضرب نقود تحمل أسماءهم، ولعلها لا تختلف عما كان شائعاً لدى الأمويين من قبل
(2)
، والتدليس في العملة أمر خطير جداً، فهو من العوامل الرئيسة في ضرب الاقتصاد لأي دولة، وهو ما يعرف حالياً بالتزوير، كما أنه عُدُّ من الإفساد بالأرض
(3)
، وقد بينَّ الفقهاء عقوبة المدلِّس، فمنهم من اكتفى بالجلد
(4)
، لكن هناك من يرى الضرب والحلق والتجريس
(5)
، والبعض يرى قطع يده
(6)
، وهناك من يرى سجنه حتى الموت
(7)
، بل إن بعض الفقهاء جعل السلطان مخيراً في عقوبة من يقوم بالتدليس
(8)
.
(1)
- النقشبندي، المرجع السابق ص 85.
(2)
- انظر: قرطبة الإسلامية في القرن الخامس الهجري، ص 172 - 176.
(3)
- الدوحة المشتبكة في ضوابط السكة، ص 122.
(4)
- المصدر السابق، ص 122 - 123.
(5)
- نفسه، ص 122 - 123.
(6)
- نفسه، ص 123.
(7)
- المعيار المعرب، 2/ 414.
(8)
- الدوحة المشتبكة، ص 122.
وقد كان البعض يقوم بإضافة بعض القطع المعدنية الصغيرة للدرهم أو الدينار لكي يصل إلى الوزن المطلوب، وقد عُثر في مدينة شلب بالبرتغال، على دفينة تحوي دراهم ضُربت بالأندلس سنة (153) هـ (770 م) وسنة (261) هـ (875 م) فيها عدة دراهم قد ثقبت بآلة حادة وأضيفت إليها قطع صغيرة من الدراهم طويت عند حافتها
(1)
.
وإذا جاء التدليس من رجل غير مسئول، فربما ينظر إليه نظرة تختلف كثيراً عن النظرة لصاحب خطة السكة الذي يقوم هو نفسه بالتدليس، وقد اشتهر الوزير صاحب السكة سعيد بن حسان بالتدليس وعندما وقف الخليفة عبد الرحمن الناصر على فعلته سخط عليه وحبسه مهانا
(2)
.
(1)
- د. أمين توفيق الطيبي، دراسات وبحوث في تاريخ المغرب والأندلس، (ليبيا-تونس، نشر: الدار العربية للكتاب، 1984 م) ص 331.
(2)
- المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 243.
الفصل الثالث: الخطط السياسية
المبحث الأول: خطة الحجابة
المبحث الثاني: خطة الوزارة
خطة الحجابة
لم تعرف الأندلس تنظيماً إداريا واضح المعالم، إلا بعد وصول الأمير عبد الرحمن الداخل إلى سدة الحكم هناك، واقامته الدولة الأموية فيها، فقد وضع الركائز الأساسية للنظام السياسي والإداري، عندما أنشأ عدة مناصب سياسية منها "خطة الحجابة" فبعد أن أعلن عن قيام إمارته، اتخذ عدداً من المشاورين والأعوان إختصهم بمجالسته، واختار من بينهم شخصاً لقبه بالحاجب
(1)
.
ويوضح لنا ابن خلدون الفرق بين منصب الحاجب لدى الأمويين بالأندلس عنه لدى العباسيين ببغداد، فهو لدى العباسيين خاص "بمن يحجب السلطان عن العامة ويغلق بابه دونهم أو يفتحه لهم على قدره في مواقيته، وكانت هذه مُنَزَّلة عن الخطط مرؤوسة لها، إذ الوزير متصرف بما يراه
…
وأما في الدولة الأموية بالأندلس فكانت الحجابة لمن يحجب السلطان عن الخاصة والعامة، ويكون واسطة بينه وبين الوزراء فمن دونهم"
(2)
.
(1)
نفح الطيب، 1/ 216. وقد ذكر ابن الآبار أن عيسى بن أحمد بن محمد الرازي قد ألَّف كتاباً خاصاً بمن تولى الحجابة لبني أمية في الأندلس، أسماه "الحجاب للخلفاء بالأندلس" انظر: الحلة السيراء، 1/ 138. ولاشك أنه لو وصل إلينا هذا الكتاب لسد فراغاً أكيداً في المعلومات المتعلقة سواءاً بخطة الحجابة أو نظام الحكم في الأندلس.
(2)
ابن خلدون، المقدمة، ص 671.
وطيلة عهد الإمارة والخلافة الأموية بالأندلس تولى منصب الحجابة عدة شخصيات نالت ثناء المؤرخين، من أشهر أولئك الحجاب: -
عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ت (209) هـ (824 م) الذي تولى الحجابة معظم إمارة الحكم بن هشام وثلاث سنوات من إمارة ابنه عبد الرحمن الأوسط فقد قال عنه ابن القوطية "لم يختلف مختلف من شيوخ الأندلس أنه لم يخدم بني أمية بالأندلس أكرم منه عناية وأكثر طاعة
…
إلا أنه كان يقبل الهدية والمكافأة على قضاء الحاجة
(1)
" ووصفه الرازي بأنه "أكمل من حمل هذا الاسم وأجمعهم لكل حسنة
(2)
" ويرى ليفي بروفينسال أنه "أعظم رجال دولة الحكم على الإطلاق
(3)
"، فقد كان يجمع خصالاً لم تكن تتوفر للكثيرين من رجال الدولة في عصره، فقد كان عسكرياً ممتازا، وسياسياً محنكاً، وكاتباً أدبياً عالماً
(4)
.
كما برز اسم حاجب آخر تولى الحجابة للأمويين عبد الرحمن الأوسط وابنه الأمير محمد هو الحاجب عيسى بن شُهيد ت (243) هـ (857 م) الذي تولى الحجابة بعد سفيان بن عبد ربه وذلك سنة (218) هـ (822 م)
(5)
فآثره الأمير عبد الرحمن الأوسط على أصحابه "وكان أهلاً
(1)
ابن القوطية، ص 74.
(2)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 25.
(3)
I.provencal: op، cit، I p:166.
(4)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق: رقم 82.
(5)
البيان المغرب، 2/ 84.
لإيثاره إذ كان من أعيان رجال الموالي في الدولة
…
ومن أشهرهم بالحلم والوقار والحصافة والعلم والمعرفة والحزم والجزالة، وقد قاد بالصوائف فأحمدت سياسته وكانت له في التدبير آراء صائبة، وفي الحروب مقاومة كريمة
(1)
" ويفضل على نظيره عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث بأنه لم يكن يقبل الهدية أو المكافأة على قضاء الحاجة
(2)
بل كان يهجر من عرضها عليه
(3)
.
وعندما نقلب صفحات تاريخ حجاب بني أمية بالأندلس، نجد أن أياً منهم لم يصل إلى هذا المنصب إلا إن كان من صنائعهم، بالإضافة إلى أنه لابد من المرور بعدة مناصب هي أشبه ما يكون بالتدرج الوظيفي، فإذا ظهرت كفاءته فيها، رقي إلى منصب الحجابة.
فالحاجب سفيان بن عبد ربه "كان من أكابر رجال أهل الخدمة الكفاة المستقلين بأعبائها،
…
تولى خدمة الخزانة الكبرى أيام الأمير الحكم
…
ولم يزل ينتقل في مراتب الخدمة إلى أن نال الحجابة"
(4)
، وهذا التدرج الذي مر به الحاجب سفيان بن عبد ربه سلكه خلفه الحاجب عيسى بن شُهيد، فقد ولاه الأمير عبد الرحمن الأوسط "خطة الخيل، ثم
(1)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 26.
(2)
ابن القوطية، ص 74.
(3)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 30.
(4)
المصدر السابق، ص 25.
استوزره، وولاه النظر في المظالم وتنفيذ الأحكام على طبقات أهل المملكة، ثم استحجبه
(1)
".
وورد في المقتبس أن سعيد بن محمد بن السليم كان من صناع الأمير عبد الله بن محمد قبل أن يصبح أميراً، فلما تولى الإمارة ولى ابن السليم خطة السوق، فظهرت منه صرامة وقوة، وتمكن من ضبط أمور العامة، وبلغ من قوة بأسه أنه سجن خصياً للمطرف ابن الأمير عبد الله بن محمد بعد أن شقق أثوابه وضربه مائتي سوط، نتيجة قلة أدب ذلك الخصي، وإساءته لابن السليم في مجلس نظره وسط السوق، وبعد ذلك أبلغ ابن السليم الأمير عبد الله بما جرى، فصوَّب الأمير فعله واستحسنه، وأدرك مدى استقلاله بعمله وكفاءته، ولذا فبعد مدة وجيزة من تلك الحادثة ولاه الوزارة ثم الحجابة
(2)
.
وهذا موسى بن محمد بن سعيد بن موسى بن حدير تدرج في عدة مناصب حتى وصل إلى الحجابة، فقد تولى للأمير عبد الله بن محمد خطة القُطُع، ثم ولي خطة المدينة، ثم تولى الوزارة في أول عهد عبد الرحمن الناصر وظل بها إلى أن توفي الحاجب بدر بن أحمد
(3)
سنة (309) هـ
(1)
نفسه، ص 26.
(2)
المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص 4 - 5.
(3)
هو أبو الغصن بدر بن أحمد الصقلبي، كان وصيفاً للأمير عبد الله بن محمد، فأعتقه وصرَّفه في الخطط وأصبح في مقام الحاجب، وفي عهد عبد الرحمن الناصر تولى بدر عدة خطط ثم رقاه للحجابة، امتاز بآرائه الصائبة، ومازال بدر في سؤدد حتى توفي ليلة الجمعة لست خلون من رجب سنة 309 هـ. وقد أطلق عليه ابن حيان لفظ "الخصي" رغم أنه كان له أولاد. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه ص 4، 130 - 132. المصدر السابق، تحقيق: شالميتا، ص 173. الحلة السيراء 1/ 252 - 253.
(921 م)، فاستحجبه الناصر وظل في هذا المنصب إلى وفاته سنة (320) هـ
(1)
(932 م)، ولقد كانت لهذا الحاجب شخصية نفاذة تستقطب الأنظار نحوها، حتى أن الوزير عبد الملك بن جهور يقول عنه:"ما رأيت مثل موسى: لم يجمعه أمير المؤمنين مع أحدٍ إلا كان المستحوذ على المجلس في الجد والهزل"
(2)
.
مهام الحاجب:
وللحاجب مهام ومسؤوليات أنيطت به، عليه الالتزام بها وتأديتها على الوجه الأكمل، فعن طريقه يتم الوصول للأمير أو الخليفة
(3)
كما أنه هو المتحدث معهما نيابة عن الوزراء
(4)
. ف"هو صاحب الكلام وقيمِّ البيت
(5)
" كما أنه يفصل فيما يجري بين الوزراء من اختلاف
(6)
وعليه اتخاذ التدابير اللازمة لنزهة الأمير أو الخليفة
(7)
، وإذا كونت لجنة للإشراف
(1)
الحلة السيراء، 1/ 232 - 233.
(2)
المصدر السابق، ص 233.
(3)
ابن القوطية، ص 37.
(4)
انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 27 - 152.
(5)
المصدر السابق ص 154 ويعني البيت بيت الوزراء.
(6)
انظر: نفح الطيب، 3/ 540.
(7)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 21.
على بناء ورفع تقرير مفصل عن هذه المهمة للأمير أو الخليفة فالحاجب يتولى رئاسة تلك اللجنة
(1)
، كما أن من وظائفه النظر في أحباس الخليفة
(2)
، وأخذ البيعة لولي العهد
(3)
، وفي بعض الأحيان يتولى الحاجب أمر إدارة الدولة وتسيير شئونها
(4)
.
والحاجب يجمع إلى جانب خطته، خططاً أخرى، فالحاجب بدر بن أحمد حاجب الخليفة عبد الرحمن الناصر كان يتولى مع الحجابة خطة الوزارة وخطة الخيل والبُرُد، بالإضافة إلى قيادة الجيوش والإشراف على الولاة
(5)
، ومن قبله الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث فقد كان يتولى للأمير الحكم الربضي الحجابة والكتابة وقيادة الجيوش
(6)
. ومن هنا ندرك أن منصب الحجابة لا يتولاه إلا أشهر رجال الدولة، فإما أن يكون من أهل السيف مثل بدر بن أحمد أو من رجال القلم مثل عيسى بن
(1)
نفسه ص 221. البيان المغرب، 2/ 233.
(2)
المصدر السابق، 2/ 234.
(3)
المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 66. البيان المغرب، 2/ 158، 262.
(4)
ابن القوطية، ص 45. مطمح الأنفس، 145. البيان المغرب، 2/ 259. دولة الإسلام في الأندلس، ع 1 ق 2 ص 460.
(5)
الحلة السيراء، 1/ 253.
(6)
المصدر السابق، 1/ 135 - 136. البيان المغرب، 2/ 69، 75، 81، 82.
شُهيد وجعفر المصحفي، أو من رجال السيف والقلم معاً مثل عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث وهاشم بن عبد العزيز
(1)
.
وللحاجب فراش أرفع من بقية فرش الوزراء ويختلف عنهم، إذ أن فراشه من الديباج بينما فرشهم من الكتان، إلا أنه ابتداءً من عهد الخليفة هشام المؤيد أصبح فراش الحاجب مثل فرش الوزراء، والسبب في ذلك ما ذكره ابن حيان من أن جعفر المصحفي عندما تقلد حجابة الخليفة هشام المؤيد، ورفع فراشه فوق فرش الوزراء كما هي العادة، وكان فراشه من الديباج، خاطب جعفر هشاماً قائلاً "إني أستحي من أصحابي أن أتمهد أفضل من فرشهم، مع عجزي عن درك شأوهم، غير أنا نسلم لأمير المؤمنين اختياره، فإما يساوي بيننا في فرش كرامته، وإما أقرنا على الأمر الأول ولا كفران لنعمته، فأفرش للجميع فرش الكتان، فجرى عليه الرسم إلى آخر الزمان"
(2)
.
وكان الحاجب يتقاضى راتباً على وظيفته مقداره ثمانون ديناراً في الشهر
(3)
. ولايسير إلا في موكب ضخم، فقد كان الحاجب جعفر المصحفي - بسبب ضخامة موكبه - يعمد إلى وضع عدد من الكتاب على
(1)
الحلة السيراء، 1/ 257 - 258. البيان المغرب، 2/ 115. دولة الإسلام في الأندلس ع 1 ق 2، ص 684.
(2)
الذخيرة، ق 4 م 1، ص 59.
(3)
البيان المغرب، 2/ 267.
جانبي موكبه لأخذ القصص المرفوعة من الناس إليه
(1)
، وعندما تقام الاحتفالات الرسمية سواءً بمناسبة الأعياد أو الاستقبالات التي تجري للوفود الزائرة أو غير ذلك، فإن الحاجب يكون عن يمين الخليفة
(2)
.
من كل ما مضى ندرك أهمية منصب الحجابة، ورفعة شأن متوليه، ولذا فقد كان التنافس شديداً بين الوزراء للوصول إلى هذا المنصب، فقد ذكر ابن القوطية أنه بعد وفاة الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث سنة (209) هـ (921 م) أكثر الوزراء من الكتابة للأمير عبد الرحمن الأوسط كل واحد منهم يخطب منصب الحجابة لنفسه، فلما أكثروا عليه ضجر، وجعلها معطلة مدة يسيرة، ثم ولاها أحد الخزان
(3)
. فهذا التنافس أبلغ دليل على سمو منصب الحجابة، كما أن تعطيلها وتوليتها لواحد من غيرهم فيه مصالح عدة، من أهمها أن الأمير لم يكسب عداوة أحد منهم، وفي الوقت نفسه لم يترك للضغينة والحقد مجالاً بينهم، بالإضافة إلى أن في حرمانهم منها لفترة فيه تأديب لهم وتهديد بخروج هذا المنصب عنهم دائماً وأبداً.
ومنصب الحجابة عرضة لأن يتم تعطيله، فالأمير محمد بن عبد الرحمن 238 - (273) هـ (852 - (886) م) لم يتخذ سوى حاجبين
(1)
الذخيرة، ق 4 م 1، ص 67. البيان المغرب، 2/ 270 - 271.
(2)
المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 28 - 30، 50.
(3)
ابن القوطية، ص 62. المقتبس، تحقيق: محمود مكي، ص 27 - 28.
طيلة فترة حكمه
(1)
، كان آخرهما عيسى بن الحسن بن أبي عبد ة الذي تولى الحجابة عام (472)
(2)
(857 م) ثم إن الوزير هاشم بن عبد العزيز أصبح هو المدبر لدولة الأمير محمد بن عبد الرحمن، رغم أنه لم يطلق عليه لقب حاجب، لأجل هذا فمن المتوقع أن يكون منصب الحجابة معطلاً طيلة المدة التي أعقبت وفاة ابن أبي عبد هـ التي لم يدَّون تاريخها، خاصة وأن سنة وفاة الحاجب ابن أبي عبد ة غير معروفة.
ثم تكررت عملية تعطيل منصب الحجابة مرتين، ففي عهد الأمير عبد الله بن محمد بقي منصب الحجابة شاغراً عدة سنوات وذلك بعد عزل الحاجب سعيد بن محمد بن السليم عنها
(3)
، وفي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ظل منصب الحجابة معطلاً طيلة ثلاثين سنة، فبعد وفاة حاجبه موسى بن محمد بن سعيد بن موسى في منتصف شهر صفر سنة (320) هـ (فبراير (932) م)، لم يستحجب من بعده أحداً حتى وفاته سنة (350) هـ
(4)
(961 م).
(1)
البيان المغرب، 2/ 93، ذكر بلاد الأندلس، 1/ 146.
(2)
تولى ابن أبي عبد ة الحجابة بعد وفاة الحاجب عيسى بن شهيد سنة 243 هـ.
(3)
البيان المغرب، 2/ 151. كان ابن السليم قد تولى الحجابة سنة 276 هـ.
(4)
الحلة السيراء: 1/ 232 - 233. الحق أن المرء يقف عاجزاً عندما يريد تعليل ترك منصب الحجابة شاغراً، فإذا كان بفضل ابن القوطية وقفنا على السبب في تعطيل الأمير عبد الرحمن الأوسط لهذا المنصب، فنحن نجهل علة تكرار حدوثه في عهد الأمير عبد الله وحفيده الخليفة عبد الرحمن الناصر فربما رأى الأمير عبد الله أن يكون بابه مفتوحاً أمام وزرائه لكي يكون قريباً منهم وليعمل الوزراء على سرعة تنفيذ تعليماته خاصة في ظل الظروف السياسية الصعبة التي كانت تمر بها الإمارة آنذاك، وأما الخليفة عبد الرحمن الناصر فلعله قد عمد إلى تعطيل منصب الحجابة بعد وفاة حاجبه موسى، بدافع من إغراقه في الأخذ بالسياسة المركزية المتشددة.
ولقد كان متولي الحجابة عرضة لحسد الآخرين ومكائدهم، والمصادر الأندلسية فيها من النصوص ما يكفي للتدليل على ذلك، من هذه النصوص: -
ما ذكره ابن حيان عن الرازي أن نصر الخصي الغالب على دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط كان في قلبه غصة على الحاجب عيسى بن شُهيد بسبب مساندة الأخير لمحمد بن الأمير عبد الرحمن ليصبح ولياً للعهد، مخالفاً بذلك رغبة نصر وسيدته طروب حظية الأمير عبد الرحمن في تقديم ولدها عبد الله، ولذا فقد استغل نصر الخصي احتجاب الأمير عبد الرحمن بسبب إصابته بمرض ألم به، فسارع إلى تزوير مرسوم على لسان الأمير بصرف ابن شُهيد عن الحجابة إلى الوزارة وترقية الوزير عبد الرحمن بن رستم
(1)
ليكون حاجباً، وتم تنفيذ الأمر، فلما شفي الأمير
(1)
ينتمي عبد الرحمن هذا إلى عبد الرحمن بن رستم بن بهرام، مؤسس الدولة الرستمية في تاهرت في المغرب الأوسط، ويرى بروفنسال أن عبد الرحمن الذي قدمه نصر الخصي للحجابة، ربما يكون إما ابنا أو أخاً لمحمد بن سعيد بن رستم الذي تصرف في الوزارة والقيادة للأمير عبد الرحمن الأوسط، انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، تعليق رقم 87 والمصادر الوارده في التعليق. ولكني أستبعد أن يكون ابنا لمحمد بن سعيد، المتوفي سنة 235 هـ، إذ كيف يصبح رئيساً لأبيه؟
من علته "قعد لأهل خططه فدخلوا عليه يتقدمهم الوزراء، وعيسى في عرضهم، فتقدم عبد الرحمن بن رستم جماعتهم في التسليم على الأمير، ثم قعد فوق ابن شُهيد فاستنكر الأمير ذلك، فلما استقر بهم المجلس، قال لعيسى بن شُهيد فيما يخاطبه به: "ما شأن كذا؟ " - لأمر سأله عنه - فقال له: "يا مولاي لست بحاجب، وهذا هو الحاجب" وأشار إلى ابن رستم. فَعلت الأمير عبد الرحمن كبرة، وعرف من حيث أُتي فكظم غيظه واصطبر، فلما خرج الوزراء دعا بنصر، فسأله عن عزل ابن شُهيد وولاية ابن رستم، فما يمكنه إنكاره، وادعى أن وصية خرجت إليه من لدنه صدر علته فكذبه الأمير، وعلم أنها من تحامله وجسراته، فسبَّه وأغلظ له، وهم به، ثم عفا عنه وأعاد عيسى بن شُهيد إلى الحجابة وعزل عنها عبد الرحمن بن رستم وتركه على الوزارة"
(1)
.
من هذا النص تتضح لنا رسوم دولة بني أمية في الأندلس فالأمير بعد أن يبرأ من علته يجلس لاستقبال أصحاب الخطط، وأن الحاجب يتقدم الجميع عند السلام على الأمير ويجلس على فراش أرفع من فرش الوزراء وهو الذي يتولى الرد على أسئلة الأمير واستفساراته.
وهذا الحاجب عيسى بن الحسن بن أبي عبد هـ، حاجب الأمير محمد بن عبد الرحمن، تعرض لمكيدة من الوزراء هاشم بن عبد العزيز وتمام بن
(1)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 27.
عامر بن تمام
(1)
ومحمد بن موسى وغيرهم، فقد كانوا "لا يألونه ختالاً، ولايدعون استطراده عثاراً" من ذلك أنهم أجمعوا على توريطه عند الأمير محمد في أمر دفعوه لكي يكون أول المتكلمين به -أي الحاجب- لأنه حسب الرسم هو المتكلم بلسانهم، وضمنوا له إتمام الحديث بعد أن يفتتح هو القول
(2)
، ويبدو أنه كان من رسوم بني أمية بالأندلس أن الأمير إذا سكت عن الحديث فإن هذا يعني ضرورة انصراف الحضور، يدل على ذلك أن أولئك الوزراء اشترطوا على ابن أبي عبده أن يفاتح الأمير بالموضوع المتفق عليه في آخر المجلس، وتم لهم ماأرادوا، فبعد أن تحدث معهم الأمير فيما يريد سكت ووجب القيام، فأشار هاشم إلى عيسى لكي يخاطب الأمير فيما اتفق عليه جميعهم، فتقدم عيسى إلى الأمير وطلب الإذن منه ليفاتحه بذلك الموضوع فلما أقبل عليه الأمير، وإذا بهاشم بن عبدالعزيز وبقية الوزراء قد نهضوا وغادروا المجلس ففطن الحاجب
(1)
هو الوزير الأديب أبو غالب تمام بن عامر بن أحمد بن تمام بن علقمة الثقفي، ينتمي لإحدى الأسر المساندة للأسرة الأموية، تولى خطة الوزارة للأمير محمد ولولديه الأميرين المنذر وعبدالله، وكان عالماً أديباً، نظم أرجوزة مشهورة في ذكر افتتاح الأندلس وتسمية ولاتها وأمرائها ووصف حروبها منذ دخول طارق بن زياد إلى آخر أيام الأمير عبدالحمن بن الحكم، وقد طال عمر تمام بن عامر حيث توفي سنة 283 هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 179 - 184، والتعليق رقم 351، والمصادر الواردة فيه. الحلة السيراء، 1/ 143 - 144.
(2)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 152.
لمكيدتهم، فغير الحديث مع الأمير فخاطبه بأمر من أمور المصلحة العامة، مما جعل الأمير يسعفه في طلبه هذا ويثني عليه، ثم خرج الحاجب من عند الأمير فلما وصل إلى بيت الوزراء وإذا هاشم وأصحابه في قهقهة ولجب مما أورطوه فيه، وعندما سأله هاشم ساخراً، أجابه الحاجب بقوله "
…
فطنت لكم لما أردتموني، فأفردت رغبتي فيما أعناني من طاعة ربي، فهداني قصد سبيلي" قال الرازي "فرفعوا الطمع في استغفاله، وعجبوا من حسن تخلصه بعد تورطه"
(1)
.
وأما الحاجب جعفر المصحفي فلم يقف أمره مع الوزراء على حد الحسد والمكيدة، بل إن العداوة كانت سمة لعلاقتهم به، فقد كون جمعهم قوة ضخمة وقفت إلى جانب المنصور محمد بن أبي عامر ضد المصحفي، وقد بين لنا الفتح بن خاقان
(2)
سبب نصرتهم لابن أبي عامر فقال: -
"وكان مما أعين به ابن أبي عامر على جعفر المصحفي ميل الوزراء إليه، وإيثارهم له عليه، وسعيهم في ترقيه، وأخذهم بالعصبية فيه، فإنها وإن تكن حمية أعرابية، فقد كانت سلفية سلطانية، يقتفي القوم فيها سلفهم، ويمنعون
(1)
المصدر السابق، ص 152 - 153.
(2)
عن الفتح بن خاقان ونسبه وأسرته وحياته، انظر: كتاب مطمح الأنفس، مقدمة المحقق 18 - 61، والمصادر الواردة في التحقيق.
بها ابتذال شرفهم، غادروها سيرة، وخلفوها عادة أثيره، تشاح الخلف فيها تشاح أهل الديانة وصانوا بها مراتبهم أعظم صيانة، ورأوا أن أحداً لايلحق فيها غاية، ولايتلقى لها راية، فلما اصطفى الحكم المستنصر بالله جعفر بن عثمان واصطنعه ووضعه من أثرته حيث وضعه وهو نزيع بينهم، ونابغ فيهم، حسدوه وذموه وخصّوه بالمطالبة وعمّوه، وكان أسرع هذه الطائفة من أعالي الوزراء وأعاظم الدولة إلى مهاودة المنصور عليه، والانحراف عنه إليه، آل أبي عبده
(1)
(1)
أسرة آل أبي عبدة من أكبر أسر موالي بني أمية في الأندلس، والعلاقة بين الأسرتين تعود إلى أيام مروان بن الحكم بالشام، فقد كان عبدالله بن جابر رأس أسرة آل أبي عبده من أشد الناس إخلاصاً لمروان بن الحكم في معركة مرج راهط التي وقعت سنة 64 هـ وقد انتقل حسان بن مالك بن عبدالله بن جابر إلى الأندلس سنة 113 هـ فهو رأس أسرة آل أبي عبدة في الأندلس، وترك أولاده في المشرق فقتلوا جميعاً إلا عبدالغافر فقد كتبت له الحياة لصغر سنه، فنشأ عبدالغافر مع عبدالرحمن بن معاوية وتربى معه، ثم إن عبدالغافر ترك المشرق وذهب لأبيه في الأندلس قبل وصول ابن معاوية، ولذا فما أن سمع أبو عبده حسان بن مالك بمقدم بدر داعية لابن معاوية، حتى سارع وأرسل إليه ولده عبدالغافر، وعمل على مناصرته، فلما توطد الحكم للأمير عبدالرحمن الداخل استوزر أبا عبده وقدمه على جيوشه ومازال يكلفه بالمهام حتى توفي بأشبيلية. وبعد وفاة أبي عبدة حرص الأمير الداخل على ضمان ولاء هذه الأسرة، فسارع إلى استخدام عبدالغافر ابن حسان في الوزارة، ليضع قانوناً سار عليه الأمويون من بعده، وهو حفظ مناصب الدولة بأيدي أبناء أسر معينة.
لذا نجد أسرة آل أبي عبده يلي رجالها المناصب الإدارية العليا في الدولة الأموية، ويرتفع شانها بقوة حتى أنها ورثتها بعد سقوطها سنة 422 هـ، فقد أقام أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور الذي ينتهي نسبه إلى عبده، دولة بني جهور بقرطبة إبان عصر دويلات الطوائف. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 25 - 29، 137، 152 - 153، 196 - 198، 312، وكذلك التعليق رقم 97 وماورد به من مصادر. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 97، 203، 210، 213، 215، 242. أخبار مجموعة، ص 51، 52، 55، 68، 76، 82، 94، 95، 99، 100، 102. الحلة السيراء 1/ 120 - 121، 245 - 252، 2/ 30 - 34. البيان المغرب، 2/ 61، 63، 84، 93، 145، 158، 160، 164، 167، 195، 197، 208. المصدر السابق 3/ 152، 185 - 187، 232 - 235.
وآل شُهيد
(1)
،
(1)
يعتبر شهيد بن عيسى بن شهيد بن الوضاح، رأس هذه الأسرة في الأندلس، وقد ذكر ابن الأبار أن هذه الأسرة عربية تنتمي لأشجع، إلا أن الرازي ذكر أن جدهم كان مولى لمعاوية بن مروان بن الحكم، وهذا هو الصواب، إذ أن ابن حزم لم يذكرهم أثناء حديثه عمن استقر في الأندلس من قبيلة أشجع، والاتصال بين أسرتي آل شهيد والأسرة الأموية يعود إلى أيام معركة مرج راهط، فقد كان الوضاح الجد الأعلى لآل شهيد مع الضحاك بن قيس، وشهيد بن عيسى هو الداخل إلى الأندلس في أيام عبدالرحمن بن معاوية، وقد كان موضع ثقته، فاستخلفه على قصره عندما خرج لإخماد حركة عبدالغفار اليحصبي سنة 154 هـ، كما قدمه على الجيوش في مهام عسكرية متعددة، أثبت فيها شهيد كفاءته وإخلاصه. وبعد وفاة الأمير عبدالرحمن الداخل استمر شهيد في القيادة العسكرية للأمير هشام الرضا، وهكذا أصبح آل شهيد ركن رئيسي في الدولة الأموية، = =فقد تعاقب آل شهيد على المناصب الهامة في الدولة من حجابة ووزارة وكتابة وقيادة جيوش، حتى أن أول من سمي في الأندلس بذي الوزارتين كان أحد أبناء أسرة آل شهيد. انظر: ابن القوطية، ص 31، 62، 74، 75، 94، 103. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 20، 21، 25 - 26، 27، 28، 102، 104، 107، 108، 141، 152، 171، 320، 321. والتعليق رقم 86 وماورد فيه من مصادر. المقتبس، طبعة أنطونية، 4، 49، 53، 119، 142. الحلة السيراء، 1/ 237 - 240. البيان المغرب، 2/ 63، 80، 84، 87، 93، 105، 113، 120، 124، 142، 148، 151، 152، 159.
وآل فطيس
(1)
من الخلفاء وأصحاب الردافة وأولي الشرف والأنافة وكانوا في الوقت أزمَّة الملك، وقوام الخدمة، ومصابيح الأمة،
(1)
يعتبر أبو سليمان فطيس بن سليمان بن عبدالملك بن زيان، عميد أسرة آل فطيس في الأندلس، فقد دخلها في عهد الأمير عبدالرحمن الداخل، فضمه لابنه هشام، فأصبح كاتباً له، وعندما تولى الإمارة ولاه السوق، ثم أسند إليه ولاية قبره، وأخيراً رقاه إلى الوزارة، وعندما تولى الإمارة الحكم الربضي، أقره على وزارته واستكتبه، وهو الذي أشار عليه بهدم الربض وتحريم بنائه، وتشريد أهله، وذلك في الهيج المشهور الذي حدث سنة 202 هـ. وقد ذكر الرازي أنه رأى اسم فطيس بن سليمان في ديوان الأمير الحكم الربضي أول اسم، وكان راتبه خمسمائة دينار، وفي أواخر أيام الحكم الربضي توفي فطيس، فاستمر أبناؤه وأحفاده في المناصب القيادية في الدولة الأموية، كالكتابة العليا، والخزانة والولاية والوزارة وخطة المدينة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 76، 80، 182، والتعليق رقم 186، 187. الحلة السيراء، 2/ 365. البيان المغرب، 2/ 61، 68، 144، 148، 164، 195، 197، 208. المغرب في حلى المغرب، 1/ 44. ابن سماك المالقي، الزهرات المنثورة ص 38 - 42.
وأغير الخلق على جاه وحرمة"
(1)
.
وإذا أضفنا إلى مقولة الفتح بن خاقان القول بأن رجالات الدولة الأموية بالأندلس من حجاب فما دونهم من الوزراء والقادة والكتاب منذ نشوء الدولة إلى عهد المستنصر بالله كانوا جميعاً ينتمون إلى بيوتات معدودة أشهرها على الإطلاق أسر آل أبي عبده وآل شُهيد وآل فطيس، أدركنا سبب وقوف أولئك الوزراء في وجه الحاجب المصحفي ومساندتهم لابن أبي عامر ضده، إذ أن تلك البيوتات كانت حريصة كل الحرص على عدم خروج الأمر عنها، وإنها ستقف بكل قوة في وجه من يحاول سلبها مكانتها.
ولكن يبدو أن الحاجب المصحفي لم يدرك هذه الحقيقة، فجلب على نفسه عداوة أبناء تلك الأسر بعمله الذي أثار ضغائن نفوسهم وجعلهم يتوجسون خيفة من مقاصده، إذ عندما بويع هشام المؤيد بالخلافة وأصبح المصحفي حاجباً له، عمل على السيطرة على وزارات الدولة، فقد تمكن من تعيين ابن أخيه هشام بن محمد بن عثمان في خطة الخيل ثم أصبح وزيراً. وولى بنيه محمد وعثمان وعبدالرحمن وأخاه سعيد وابن أخيه محمد الشرطة العليا والوسطى وجعل على المدينة ابنه محمدا
(2)
،
(1)
مطمح الأنفس، ص 161 - 163.
(2)
الحلة السيراء 1/ 258.
فلا عجب إذاً والحالة هذه أن يعمل أولئك الوزراء على إسقاطه بأي صورة.
وإذا تتبعنا حال الحجابة في الدولة الأموية بالأندلس، نجد أن متوليها حتى نهاية خلافة الحكم المستنصر لايختلف عن الوزارء بشيء، اللهم إلا ببعض الرسوم التي عرفناها، فهو لايعدو كونه منفذ للأوامر الصادرة إليه من الأمير أو الخليفة، حتى أن عزله واعادة تنصيبه تتم بمنتهى السهولة
(1)
، ولذا فهو أشبه مايكون بوزير التنفيذ، إلا أن الأمر تبدل منذ وصول المنصور محمد بن أبي عامر إلى الحجابة في عصر الخليفة هشام المؤيد، إذ أصبح بحق رئيساً للوزراء، فهو يعزل منهم من شاء ويبقي من أراد، وبذلك تحول منصب الحاجب من وزير تنفيذ إلى وزير تفويض.
ولقد جرت في منصب الحجابة حادثة فريدة لم تحدث إلا مرة واحدة خلال تاريخ دولة بني أمية بالأندلس، فقد وجد حاجبان اشتركا معاً في تولي الحجابة، وذلك أن الخليفة هشام المؤيد أصدر أوامره بإشراك الوزير القائد الأعلى غالب بن عبدالرحمن الناصري في منصب الحجابة مع جعفر المصحفي، فأصبح فراش غالب في الصدر وعن يمينه جعفر المصحفي وعن يساره ابن أبي عامر، واستمر الاشتراك بالحجابة قرابة أربعة أشهر تقريباً وكان ذلك راجعاً لدهاء ومكر المنصور وحيلته ليضرب أهم شخصيتين في الدولة بعضهما ببعض، ثم أصدر الخليفة أمره في يوم
(1)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 28.
الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (367) هـ (مارس (987) م) بإعفاء المصحفي من منصبه
(1)
.
تسلط الحجابة على الخلافة
بعد أن صدر أمر الخليفة هشام المؤيد بعزل جعفر المصحفي عن الحجابة، وتنصيب ابن أبي عامر مكانه
(2)
، أمر الخليفة بإلقاء القبض على المصحفي وعلى ولده وأنسابه وابن أخيه هشام وسائر طبقته وأوكل أمر محاسبتهم إلى ابن أبي عامر، فصادرهم ونكل بهم وأول ما بدأ بهشام ابن أخي جعفر فقتله بالمطبق بالزهراء
(3)
، ثم اخذ يحاسب جعفراً وصادره حتى اضطره إلى بيع داره التي بالرصافة، وهي من أعظم قصور قرطبة وقد تفنن ابن أبي عامر وصهره غالب في تعذيب جعفر وإعناته وإلحاق الإهانة به، حتى خبت نار حقدهما عليه، فأودعاه في المطبق بالزهراء إلى أن مات وأسلمت جثته لأهله سنة (372) هـ
(4)
(982 م).
(1)
البيان المغرب، 2/ 267.
(2)
ورد في ذكر بلاد الأندلس، 1/ 179 أن المنصور تولى الحجابة في أواخر ربيع الآخر سنة 367 هـ.
(3)
ـ كان المنصور يحمل ضغينة على هشام هذا بوجه خاص، والسبب في ذلك يعود إلى ان المنصور عندما عاد من غزوته الثالثة احضر معه رؤوس القتلى، فما كان من هشام إلا أن أمر بسرقة تلك الرؤوس وألقاها بالنهر. انظر: الذخيرة، ق 4 م 1 ص 66.
(4)
الذخيرة ق 4 م 1، ص 66 - 67. البيان المغرب، 2/ 267 - 268.
وبعد هلاك المصحفي رسم المنصور بن أبي عامر لنفسه سياسة توصله إلى الاستبداد التام بالخلافة، فأسقط رجال دولة الخليفة الحكم المستنصر بالله من سائر الطبقات، ومزقهم، واتخذ عوضا عنهم رجالاً اطمأن إلى مدى إخلاصهم له، فسدوا مكان أسلافهم، ومحوا ذكرهم وأعانوا المنصور على مراده
(1)
.
ولم ينس المنصور موقف الصقالبة بعد وفاة الحكم المستنصر وعملهم على تنصيب المغيرة
(2)
بن عبدالرحمن الناصر بدلاً من هشام المؤيد
(3)
، ولذا
(1)
الذخيرة ق 4 م 1 ص 66.
(2)
كان المغيرة بن عبدالرحمن الناصر فتى القوم كرماً ورجلة، وكانت الأنظار معلقة به بعد أخيه الحكم المستنصر بالله، وبأمر جعفر المصحفي وتنفيذ ابن عامر، تم قتل المغيرة خنقاً في مجلسه ثم علقت جثته على هيئة المنتحر، ثم دفن في مجلسه، وذلك ليلة الاثنين لأربع خلون من شهر صفر سنة 366 هـ، وكان عمره آنذاك سبعة وعشرون عاماً، كل هذا تم أمام أهله، رغم أنه كان قد بادر إلى إعلان بيعته لابن أخيه هشام المؤيد عندما أخبره ابن أبي عامر بوفاة أخيه الحكم المستنصر بالله. انظر: الذخيرة، ق 4 م 1 ص 58 - 59. البيان المغرب، 2/ 260 - 263.
(3)
عندما توفي الخليفة الحكم المستنصر بالله، لم يعلم أحد بموته إلا الفتى فائق المعروف بالنظامي صاحب البرد والطراز، وزميله جؤذر صاحب الصاغة والبيازرة، فعقدا العزم على أن يمكنا المغيرة بن عبدالرحمن الناصر من تولى الخلافة، على أن يجعل هشاماً ابن أخيه الحكم ولياً لعهده، وبذلك يضمن الصقالبة استمرارية مكانتهم في القصر، وفي الوقت نفسه يفون لمولاهم الخليفة الحكم بما أوصى به. واما مجلس الوصاية المكون من المصحفي وابن أبي عامر وصبح والدة هشام فهم حريصون على تولية هشام الخلافة، = =وكلا الطرفين الصقالبة وأعضاء مجلس الوصاية انطلق في موقفه من حساب دقيق للمصالح الخاصة، ولكن كما قال ابن عذاري عن موقف الصقالبة "وكان رأيا حسنا لو أراد الله به". انظر: البيان المغرب، 2/ 259 - 260.
فقد كان على حذر منهم، فما أن ثبت قدمه بالسلطة حتى ابتدأ بهم فصادر أموالهم وحاسب كتابهم ومن يسير في ركابهم، وشتت شملهم نفياً وقتلاً حتى هلكوا عن آخرهم
(1)
.
وبعد أن استفحل أمر المنصور وعظم شأنه وكثر حساده، قرر أن يتخذ لنفسه قصراً ينزل فيه اتقاء لشر مكيدة يدبرها حساده، من جراء كثرة تردده على قصر الخليفة
(2)
، إضافة إلى حرصه على استكمال مظاهر الملوك
(3)
، ولذا فقد بدأ في سنة (368) هـ
(4)
(979 م) ببناء مدينة الزاهرة حيث أقام فيها قصره، وبعد سنتين من ابتداء البناء "انتقل إليها واتخذ فيها الدواوين للأعمال، والحجر للغلمان، والسقائف للحراس، والقصور للولد والخاصة والاصطبلات للظهر والكراع، وعمل داخلها الأهراء الواسعة والخزائن الوثيقة، وانتقل إليها، ورتب فيها مقاعد الوزراء وسقائف العمال، وكتب بأن تجلب إليها الوظائف والجبايات والأموال"
(5)
.
(1)
الذخيرة، ق 4 م 1، ص 61.
(2)
البيان المغرب، 2/ 275.
(3)
أعمال الأعلام، 2/ 62.
(4)
البيان المغرب، 2/ 275.
(5)
أعمال الأعلام، 2/ 62.
وبعد أن انتقل المنصور إلى الزاهرة وانتقلت بانتقاله الدولة بأسرها، أصبح قصر الخلافة معطلاً، إذ سد المنصور بابه، وأحكم قبضته عليه، وأقام حوله خندقاً وسوراً منيعاً، ورتب الحراس والبوابين والسمار والمنتابين يلازمونه ليلاً ونهاراً ويراقبون حركات من فيه سراً وجهاراً، وجعل في القصر أحد ثقاته لضبطه وبسط الأمر والنهي فيه وبذلك حجر المنصور على الخليفة الذي لم يبق له من وظائف الخلافة إلا نقش اسمه في السكة، والطرز والدعوة له في الخطبة
(1)
.
وكان المنصور يصدر أوامره باسم الخليفة، فكان يدخل إلى القصر ويخرج ويقول: "أمرني أمير المؤمنين بكذا ونهى عن كذا
(2)
" ثم أراد
(1)
انظر: ذكر الأندلس، 1/ 180. البيان المغرب، 2/ 276.
(2)
ذكر بلاد الأندلس، 1/ 179. وفي هذه الأثناء ساءت العلاقة بين الصهرين المنصور وغالب إذ أن الأخير غضب بسبب استبداد المنصور بأمور الدولة وحجره على الخليفة، والمنصور بدوره لايحتمل أن يرى له معارضاً، ولذا أخذ كل منهما يستعد للقضاء على الآخر، ولكن نظراً لأن غالب كان يتفوق بالفروسية والشجاعة على المنصور، لذا فقد استنجد المنصور بجعفر بن علي بن حمدون المعروف بالأندلسي فقدم إليه من العدوة واستورزه المنصور، وجرت صدامات قوية بين غالب والمنصور انتهت بوفاة غالب في أوائل شهر المحرم سنة 371 هـ، ثم تخلص المنصور من جعفر بأن سلط عليه أبا الأحوص معن بن عبدالعزيز التجيبي فارس العرب فقتله، ثم قتل المنصور أبا الأحوص وبذلك انفرد بملك الأندلس وأصبح الشخصية التي لاتقاوم. انظر: نقط العروس، ص 81 - 82. أعمال الأعلام، 2/ 62 - 65. البيان المغرب، 2/ 278 - 279. مفاخر البربر، ص 15.
أن يستريح من كثرة الدخول على الخليفة ويستبد بالأمر فأشاع بين الناس بأن الخليفة، قد فوضه في تولي شئون الحكم لأنه يريد التفرغ للعبادة
(1)
.
ولقد كان المنصور يدرك بأن تصرفاته هذه لاترضى بني أمية، ولذا فقد أخذ حذره منهم فأصدر أوامره إليهم بلزومهم منازلهم ولم يسمح لهم بالركوب والخروج إلا لضرورة، وبث العيون من حولهم، وفرق الناس عنهم وأجبرهم على ملازمة أناس من ثقاته، ومنع أحداً من الدخول عليهم، إلا أن يكون غلاماً أو وكيلاً أو معلماً او طبيباً، ولم يكتفي بذلك بل أخذ يصحبهم معه في غزاوته حتى أرهقهم وأهمتهم أنفسهم
(2)
.
ولكي يسيطر على الدواوين ومايجري فيها، عين من عنده كاتباً يدور في الدواوين وينقل إليه مايقع فيها
(3)
، وبالجملة فلم "يبق يداً يحذر بطشها إلا شلها، ولاعينا بريبة نظرها إلا فقأها
(4)
".
وبعد مضي سنة على سكنى ابن أبي عامر مدينة الزاهرة، قرر اتخاذ ألقاب الخلفاء "استيفاءً لرسوم الملوك
(5)
" ففي سنة (371) هـ (981 م) اتخذ لقب "المنصور" وأصبحت الكتب تنفذ عنه على الصورة التالية: "من
(1)
أعمال الأعلام، 2/ 62.
(2)
المصدر السابق، ص 2/ 77.
(3)
نفسه 2/ 77.
(4)
نفسه 2/ 65.
(5)
البيان المغرب، 2/ 279.
الحاجب المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر إلى فلان
(1)
" وأصدر أمره بأن يدعى له بهذا اللقب على كافة المنابر بالأندلس بعد ذكر الخليفة المؤيد والدعاء له
(2)
ومنذ ذلك الوقت أصبح الرسم يقضي بضرورة تقبيل يده، فأخذ الوزراء وكذا وجوه بني أمية ومن دونهم يمتثلون هذا الرسم
(3)
، بل فرض على الكل بأن تكون مخاطبته بلفظ "مولاي
(4)
"، ويصور لنا ابن عذاري شدة وطأة المنصور على رجال دولته وغيرهم بأنهم "إذا بدا لأبصارهم طفل من ولده قاموا إليه، فاستبقوا ليده تقبيلاً وعموا طرفه لثما
(5)
".
بهذه الرسوم أصبح الحاجب المنصور مساوياً للخليفة بكل شيء ولافرق بينهما إلا في الاسم عند تصدير الكتب أو نقشه على السكة والطراز، بل إنه فيما بعد أمر بنقش اسمه على السكة وطرزه على القباب
(6)
.
ويبدو أن المنصور كان إحساسه بالعظمة يزداد يوماً بعد يوم، فأصبح ينظر إلى الحجابة نظرة ازدراء، وشعر بأنها لاتليق بمكانته وهو
(1)
نفس المصدر والصفحة.
(2)
ذكر بلاد الأندلس 1/ 181.
(3)
البيان المغرب، 2/ 279.
(4)
المصدر السابق، 2/ 279.
(5)
نفس المصدر والصفحة.
(6)
تاريخ ابن خلدون، 4/ 148.
الحاكم المطلق بالأندلس، ولذا فقد قرر التنازل عن هذا المنصب تمهيداً للاستيلاء على منصب الخلافة، فأصدر أمره سنة (381) هـ (991) بترك اسم الحاجب واقتصر على لقب "المنصور" فأصحبت الكتب تنفذ منه بهذه الصورة: "من المنصور أبي عامر وفقه الله إلى فلان
(1)
" بحذف اسم الحجابة، ورشح ولده عبدالملك لتولي الحجابة بالإضافة إلى القيادة العليا وكافة الخطط التي كان يشغلها
(2)
، كما قدم ولده الآخر عبدالرحمن للوزارة
(3)
.
حقق المنصور كل مايصبو إليه، وبسط نفوذه على سائر السلطات السياسية والعسكرية بالأندلس، ولم يبق إلا الخطوة الأخيرة ليكمل مراده، وذلك عندما يعلن نفسه خليفة بدلاً من هشام المؤيد، ويدفعه إلى فعل ذلك نجاحه في تجاوز العقبات التي اعترضته، ويؤيده في ذلك جيش هو عماد دولته، وفي الوقت نفسه يدين له بتكوينه وتنظيمه، إذ أنه أسس جيشاً كما يريد، وفي هذا الخصوص يقول ابن عذاري: "استبدل المنصور جند الأندلس بالبربر فأقام لنفسه جنداً اختصهم باستصناعه واسترقهم بإحسانه
(4)
" إلا أن العقبة الحقيقية التي كان المنصور يخشاها تتمثل بالرعية، فهو يخشى ثورتها في وجهه عندما يعلن نفسه خليفة بدلاً من خليفتهم
(1)
البيان المغرب، 2/ 293.
(2)
المصدر السابق 2/ 293.
(3)
نفس المصدر والصفحة.
(4)
البيان المغرب، 2/ 294.
المؤيد لتعلقهم به من جهة، وللطرق الملتوية التي أوصلت ابن أبي عامر إلى ماوصل إليه من جهة أخرى، ولذا عمد المنصور إلى استشارة خواصه في هذا الموضوع.
وقد ذكر ابن حزم أن المنصور عقد اجتماعاً مع كبار أهل قرطبة ليري موقفهم مما عزم عليه، وكان من بين المدعوين لحضور هذا الاجتماع ابن عياش وابن فطيس بالإضافة إلى والد ابن حزم ومن الفقهاء محمد بن يبقى بن زرب وأبو عمر بن المكوي
(1)
والأصيلي
(2)
، يقول ابن حزم: "فأما ابن عياش وابن فطيس فصوبا ذلك له، وأما أبي رحمه الله فقال له: إني أخاف من هذا تحريك ساكن، والأمور كلها بيدك، ومثلك لاينافس في هذا المعنى، وأما محمد بن يبقى بن زرب فإنه قال له: وصاحب الأمر
(1)
أبو عمر أحمد بن عبدالملك بن هاشم الإشبيلي، المعروف بابن المكوي، مولى بني أمية، انتهت إليه رياسة العلم بقرطبة، كان فقيهاً معظماً، ومفتيا مقدماً، رفض مرتين أن يلي قضاء الجماعة، لكنه تولى الشورى، ولم يزل معظماً عند الناس، رفيع الذكر بينهم، حتى توفي فجأة ليلة السبت، ودفن يوم السبت بعد صلاة العصر لسبع خلون من جمادى الأولى سنة 401 هـ. انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم 231. ترتيب المدارك، 7/ 123 - 135. الصلة، ترجمة رقم 38.
(2)
أبو محمد عبدالله بن إبراهيم بن محمد الأصيلي، من أهل أصيلة، من كبار أصحاب الحديث والفقه، تولى الشورى في آخر أيام الحكم المستنصر بالله، وكان الأصيلي حرج الصدر، ضيق الخلق، عالماً بالكلام والنظر، توفي ليلة الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة 392 هـ. انظر: ابن الفرضي، ترجمة رقم 760. جذوة المقتبس، ترجمة رقم 542. ترتيب المدارك، 7/ 135 - 145.
ماشأنه؟ فقال له: لايصلح لهذا، فقال له: يرى ويجرب، فقال له: أفي مسائل الفقه؟ يريد أن يسأله، قال: لا، ولكن في مسائل السياسة وتدبير المملكة، قال: فإن لم يقم، قال: ينظر في قريش، فأعرض عنه مغضباً ونظر إلى الأصيلي وإلى ابن المكوى، فقال له الأصيلي: يامولاي عربي ضابط خير من قرشي مضيع، قال: فنظر إلى ابن المكوى: فجعل يضحك له ويقول: يامولاي ومثلك يفكر في هذا وأنت الكل وكل شيء بيدك، وإنما يرغب في الأسماء من لايحقق، والمدار على الحقيقة، وهي بيدك، فسكت ابن أبي عامر، وقاموا واحداً واحداً
(1)
" وبهذه المشورة وقف المنصور على حقيقة الأمر فعدل عن رأيه، لأنه خشي من هيجان شعبي يودي به وبدولته.
وتمهيداً للوصول إلى الخلافة أصدر المنصور أوامره سنة (382) هـ (922 م) تقريباً بإلغاء خاتم الخليفة هشام المؤيد من الكتب واقتصاره على خاتمه الخاص
(2)
، لطمس أي ذكر للخليفة.
بعد هذه الخطوات اتخذ المنصور خطوة هامة، فقد أصدر أوامره سنة (386) هـ (996 م) بأن يخص وحده بلفظ "السيد" دون سائر الناس بالأندلس، فتليت الكتب بهذا الخصوص على منابر الأندلس، واستمر هذا
(1)
نقط العروس ص 77، ومن المؤكد أن هذه القصة وقعت أحداثها في سنة 381 هـ إذ أن القاضي محمد بن يبقى بن زرب توفي في شهر رمضان سنة 381 هـ. انظر: ابن الفرضي: ترجمة رقم 1363.
(2)
ذكر بلاد الأندلس، 1/ 184.
الرسم بقية حياته، وطيلة تلك الفترة كان يخاطب: بـ"الملك الكريم" وبولغ في تعظيمه وتكريمه
(1)
.
وبعد هذه الأحداث، ساءت العلاقة بين الخليفة المؤيد والمنصور، وشاع بين الناس أنه يريد أن يسطو على منصب الخلافة
(2)
، وكان لصبح والدة الخليفة دورها في نشر تلك الشائعات بواسطة دعاتها وأعوانها
(3)
، واشتدت العداوة بين أهل قصر الخليفة ومن في قصر المنصور، وحاول المنصور أن يقضي على تلك العداوة، فطرد العديد من الخدم المتواجدين في قصر الخليفة، ولم يترك إلا ثقاته، ومع ذلك فقد شدد عليهم في الحراسة وبث العيون التي عملت على إحصاء أنفاسهم
(4)
.
ولمواجهة المنصور استنجدت صبح والدة الخليفة بزيري بن عطية
(5)
، وبعثت إليه بثمانين ألف دينار سراً
(6)
، وعندما علم المنصور بذلك، جمع
(1)
- البيان المغرب، 2/ 294.
(2)
الذخيرة، ق 4 م 1 ص 70 - 71.
(3)
دولة الإسلام في الأندلس، ع 1 ق 2 ص 555.
(4)
الذخيرة، ق 4 م 1، ص 71.
(5)
زيري بن عطية، زعيم زناته، وفد على المنصور قادما من العدوة حوالي عام 380 هـ، فاحتفل المنصور بقدومه، ثم غادر زيري إلى العدوة، وساءت علاقته بالمنصور بسبب تسلط الأخير على الخليفة المؤيد، وجرت حروب شديدة في العدوة المغربية بين زيري وقادة المنصور، كان آخرها المعركة التي جرت يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة 391 هـ والتي على أثرها مات زيري بن عطية متأثراً بجراحه التي أصيب بها في تلك المعركة. انظر: مفاخر البربر، ص 22 - 32.
(6)
مفاخر البربر، ص 27. دولة الإسلام في الأندلس، ع 1 ق 2 ص 555.
كل رجاله فاتفقت كلمتهم على ضرورة بقاء كل الأموال عند المنصور لأنه على حفظها أقدر، إلا أن علة ألمت به اضطرته إلى تأخير نقل بيت المال إلى الزاهرة واستغل أعداء المنصور هذا الوضع الطارئ، "فراسلوا حاشية الخليفة سراً، وجهزوا للقيام عليه، فلم يكن فيهم فضل لذهاب أعيانهم
(1)
" وبالنهاية تمكن المنصور بواسطة قوة عسكرية جهزها بقيادة ولده عبدالملك من نقل بيت المال إلى الزاهرة وذلك في جمادى الأولى سنة (386) هـ (يونيو (996) م) في حين تعذر عليهم الوصول لبيت مال الخاصة لوقوف السيدة صبح أم هشام دونه
(2)
.
وبعد أن عوفي المنصور من علته، ركب إلى الخليفة هشام المؤيد، ووصل إلى مجلسه وبصحبته كبار رجال دولته، ولأنه أدرك مافي نفوس الناس وحبهم لرؤية هشام
(3)
، عمل على استغلال هذه النقطة لصالحه، فأبرزه للناس في أحد أيام الجمع من سنة (387) هـ (997 م) فصلى بجامع قرطبة ولم يكن لهشام عهد بشهود صلاة الجمعة -بسبب الحجر المفروض عليه من المنصور- وبعد الصلاة توجه الجميع إلى الزاهرة وهناك جددت
(1)
الذخيرة، ق 1 م 4 ص 72.
(2)
المصدر السابق، ق 4 م 1 ص 72. وانظر: ذكر بلاد الأندلس، 1/ 184.
(3)
الذخيرة، ق 4 م 1 ص 73.
البيعة للخليفة هشام المؤيد
(1)
، وبالمقابل تبرأ الخليفة من الملك لبني عامر وولى المنصور الإشراف التام على شئون الدولة
(2)
.
وأظهر المنصور الإشفاق على الخليفة من بني أمية، ولذا عمد إلى الفتك بهم "حتى أفنى من يصلح منهم للولاية، ثم فرق باقيهم في البلاد، وأدخلهم زوايا الخمول عارين من الطراف والتلاد
(3)
".
وأخيراً فرغم مابلغه المنصور بن أبي عامر من رفعة وسؤدد، حتى أضحى الرجل الأول بالأندلس قاطبة، إلا أنه في الواقع كان يحتمي باسم الخليفة هشام المؤيد ليضمن عدم المعارضة وتسيير أموره كما يريد، ولولا هذا لما وصل إلى ما وصل إليه. فمن ذلك أنه هو القائل مادحاً ذاته: -
تلاد أمير المؤمنين وعبده
…
وناصحه المشهور يوم المفاخر
(4)
وقد تناول قضية احتماء المنصور باسم المؤيد الخليفة، الأمير عبدالله في مذكراته، فقال: "كان المنصور بن أبي عامر على دقة شأنه، ولأنه لم يكن من أهل بيت المملكة فيستحقها عن الآباء ولاكانت به قدرة على الدنيا، فقد حصل على عظائم الأمور بدهائه، ومخرقته على العامة، مع ماهيأت السعادة له، وكانت أقوى الأسباب في سلطانه، ولولا قيامه بدعوة الخليفة، وإظهاره الإنخضاع له في جميع مايأتي ويذر إلى طاعته
(1)
ذكر بلاد الأندلس، 1/ 184 - 185.
(2)
انظر: الذخيرة، ق 4 م 1، ص 73. ذكر بلاد الأندلس، 1/ 185.
(3)
نفح الطيب، 1/ 591.
(4)
ذكر بلاد الأندلس، 1/ 178.
وإقامة أوده، وتوليته الحجابة والوزارة وإخماله لأهل الدولة الحكمية، وتقصيهم بالقتل، متأولاً في ذلك أن دولته تصفو به ويقوى سلطانه، وأن بقاءهم في كثرة الخلاف، وإيثار الفتن وهلاك المسلمين، حتى اتسق له ماأمل، وبلغ من ذلك الغاية القصوى، ولو أن أحداً اشتهر ببعض ماأتى هو به دون تعلق بسبب، أو إظهار طاعة لكان قتل من ساعته، ولو كان من أهل بيت الخلافة
(1)
".
والحق أن المنصور لم يكن يحتمي باسم الخليفة فقط، بل كان يخشى أن يظهر من الخليفة مايقضي على مالديه من الآمال والتطلعات، وينزع سلطانه منه، ولقد كانت هذه القضية تسبب له أرقاً يفقده لذيذ النوم، ولذا فقد كان يفرط في السهر، وعندما عاتبه فتاه شعله على ذلك محذراً إياه من مغبته، أفصح المنصور عما في نفسه حيث قال: "ياشعلة، حارس الدنيا لاينام إذا نامت الرعية، لو استوفيت نومي، لما كان في دور هذا البلد عين نائمة، ولو كنت من صاحب القصر [وأشار ناحية الخليفة] على مثل مسافة بسطة لأحرمت النوم، فكيف وإنما بيننا مدى صيحة
(2)
".
وبعد وفاة المنصور بن أبي عامر قام بأمر الدولة من بعده ابنه عبدالملك، حيث زار الخليفة المؤيد، ونعى إليه والده المنصور، فلاطفه
(1)
عبدالله بن بُلقين، كتاب التبيان "مذكرات الأمير عبدالله" (نشر وتحقيق: ليفي بروفنسال، القاهرة، دار المعارف، 1955) ص 15.
(2)
أعمال الأعلام، 2/ 76.
الخليفة ثم أصدر أوامره بأن يتولى عبدالملك الحجابة مكان أبيه
(1)
، وذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من شهر رمضان المبارك سنة (392) هـ
(2)
(أغسطس (1002) م) وخلع عليه
(3)
، وأخرجت الكتب بهذا الخصوص وتليت على منابر الأندلس والمغرب
(4)
وبعد أن أحكم عبدالملك قبضته على البلاد سار على نهج والده تجاه الخليفة المؤيد، فقد حجر عليه طوال أيامه حتى أنه لم يشهد صلاة قط
(5)
، إلا أنه كان يكثر من إخراجه للنزهة ولكن وفق ماكان المنصور يفعل معه من قبل
(6)
.
وقد سلك عبدالملك بن المنصور سبيل التدرج في طلب الألقاب الملوكية، والرتب السلطانية، وهو النهج الذي سار عليه والده من قبل
(7)
، فبعد أن مضى على توليه الحجابة خمس سنين وثلاثة أشهر، أثبت خلالها جدارته في هذا المنصب، ووقرت محبته في قلوب الناس، بدأ يطلب منحه ماكان يخطط له، ففي شهر ذي الحجة من سنة (397) هـ (أغسطس
(1)
الذخيرة، ق 4 م 1 ص 78.
(2)
البيان المغرب، 3/ 3.
(3)
نفح الطيب، 3/ 94.
(4)
أعمال الأعلام، 2/ 84.
(5)
الذخيرة، ق 4 م 1 ص 82.
(6)
المصدر السابق، ص 82 - 83.
(7)
البيان المغرب، 3/ 15.
1007 م) وصل إلى قرطبة بعد أن قاد المسلمين في غزوة قلونية
(1)
، وبعد أن استشار خاصته فيما سوف يلتمسه من الخليفة من الألقاب، وجه الحاجب إلى الخليفة دعوة للنزهة في الزاهرة، وذلك في أوائل الشهر المحرم من سنة (398) هـ
(2)
(سبتمبر (1007) م) فوصل الخليفة إلى الزاهرة على السبيل المعهود منذ أيام المنصور
(3)
، ثم انفرد به عبدالملك، وطلب منه أن يصدر مرسوماً ينعم به عليه بلقب "المظفر" وأن يكنى في جميع مايجري به ذكره بأبي مروان
…
وأن يثني وزارة ابنه محمد فيصيره بها ذا الوزارتين ويعلي بذلك مرتبته على سائر الوزراء
(4)
، فما كان من الخليفة إلا الموافقة على طلب الحاجب، بل زاد على مراده بأن كنى ابنه محمدا بأبي عامر كنية جده، حرصاً من الخليفة على إدخال المسرة على حاجبه
(5)
.
وفي النصف من شهر المحرم سنة (398) هـ (أغسطس (1007) م) ركب الخليفة -وفق الطريقة المعهودة- متجهاً نحو قصر ناصح بالزاهرة
(6)
، وبعد أن قر به المقام بالقصر، استدعى حاجبه عبدالملك
(1)
المصدر السابق، 3/ 14.
(2)
نفسه 3/ 16.
(3)
اعمال الأعلام، 2/ 88 أي أنه كان مستخفياً عن عيون الناس لابساً للبرنس والحاجب قد طرد الناس من أمامه.
(4)
البيان المغرب، 3/ 16.
(5)
المصدر السابق 3/ 16.
(6)
نفس المصدر والصفحة.
وناقشه في بعض الأمور، وبعد أن غادر عبدالملك المجلس صدر من الخليفة المرسوم التالي، يقال أنه كان بخط يده: -
"بسم الله الرحمن الرحيم، من هشام المؤيد، أتم الله عليك نعمته وهنأك قسمه وألبسك عفوه وعنايته، لما رأيناك - سلمك الله - من صنع الله الجسيم، وفضله العظيم، لنا عليك ما شفى الصدور، وأقر العيون، استخرنا الله في أن سميناك المظفر .. كذلك أبحناك التكني في مجالسنا ومحافلنا، وفي الكتب الجارية منك وإليك في أعمال سلطاننا، وسائر ما يجري فيه اسمك معنا ودوننا، .. كذلك شرفنا فتاك أبا عامر محمد بن المظفر تلادنا أسعده الله بالإنهاض إلى خطة الوزارتين، وجمعناه بها في التكني على المشيخة، والترتيب إثرك في الدولة لأنك تربيتنا، وسيف دولتنا
…
(1)
".
(1)
أعمال الأعلام، 2/ 88 وانظر: البيان المغرب، 3/ 16، هذا هو أسلوب العامريين مع الخليفة المؤيد، فأي واحد منهم، عندما يريد من الخليفة استصدار أمر فيه رفعة له، فإنه يجتمع به على انفراد، ويملي رغبته عليه، وبعد عدة أيام يستدعي الخليفة حاجبة صاحب الطلب، ومن ثم ينعم عليه بمراده، مظهراً للناس أن هذا تم بإنعام منه، وأنه هو الذي يدبر الدولة، والحاجب لا شك حريص على هذا الأسلوب لأن في صدور مرسوم من الخليفة بالإنعام عليه في شيء ما، مهم بالنسبة لوضعه بين الناس فضلاً عن إضفائه الصفة الشرعية على ما حظي به الحاجب.
وبهذه المناسبة أظهر الحاجب المظفر السرور بما أصدره الخليفة، فاحتفل لذلك احتفالاً خاصاً وزعت فيه الصلات على جميع الأجناد
(1)
.
وبعد هذا المرسوم أصبحت الكتب التي تصدر من عبد الملك بن المنصور وفق الصورة التالية: "من الحاجب المظفر سيف الدولة أبي مروان عبد الملك بن المنصور
(2)
" وبذلك يكون عبد الملك أول من اجتمع له لقبان من حجاب الأندلس وسار على إثره في اتخاذ لقبين من جاء بعده من ملوك الفتنة
(3)
.
وهكذا ظل الحاجب المظفر يمارس سلطاته بالأندلس حتى وافته المنية يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر صفر سنة (399) هـ
(4)
(أكتوبر 1009) وقيل بأنه قد دُسَّ له السم من قبل أخيه عبد الرحمن
(5)
.
وبعد وفاة المظفر قام بالأمر أخوه عبد الرحمن، حيث ضبط المدينة الزاهرة، وجلس مجلس أخيه المظفر، واستقبل المهنئين، ثم توجه إلى الخليفة ونعى إليه أخاه، فعزاه الخليفة وقلده الحجابة بعد أن خلع عليه
(6)
، وعندما وصل إلى الزاهرة جلس لاستقبال المهنئين، وبعد عشرة أيام من استلامه
(1)
البيان المغرب، 3/ 17.
(2)
أعمال الأعلام، 2/ 89.
(3)
المصدر السابق، 3/ 17.
(4)
أعمال الأعلام، 2/ 89.
(5)
البيان المغرب، 3/ 37.
(6)
أعمال الأعلام، 2/ 90.
الحجابة منحه الخليفة لقب المأمون مضافاً إلى اسمه الأول ناصر الدولة كما شرفه بالتكنية، وأصدر الخليفة في ذلك مرسوماً بخط يده، جاء في العنوان "الحاجب المأمون ناصر الدولة أبو المطرف، حفظه الله، بسم الله الرحمن الرحيم أدام الله حفظك، وأحسن على الصلاح عونك،
…
تسميتك في كتبنا إليك وتحليتك بالمأمون في مخاطبتك زائداً على أول أسمائك
…
فاعتمل فيما ينفذ من الكتب عنك وإليك على عنوان كتابنا هذا إليك
(1)
" وأمر الخليفة بإنقاذ هذه الرقعة إلى الوزير الكاتب جهور بن محمد، ليثبت هذه التسمية في الأزمة، وتكون معتمدة رسمياً في المخاطبة، وتنفذ في ذلك الكتب لتتلى على منابر الأندلس كافة
(2)
.
وفي يوم الثلاثاء (14) من ربيع الأول سنة (399) هـ (17 نوفمبر (1008) م) توصل عبد الرحمن بن المنصور إلى استصدرا مرسوم من الخليفة يقضي بتعيينه ولياً للعهد، بعد أن أقنع الخليفة بضرورة ترقيته إلى هذا المنصب، محتجاً بالقرابة التي تربطهما من جهة الأم
(3)
. وفي الوقت نفسه
(1)
البيان المغرب، 3/ 41.
(2)
المصدر السابق، 3/ 41.
(3)
نفسه ص 3/ 42، وأما عن القرابة التي بين المؤيد وعبد الرحمن فهي كما يلي: - شاع في الأندلس زواج المسلمين من نصرانيات، وكانت هناك مصاهرات بين حكام الأندلس والشمال الأندلسي ومن ذلك أن الخليفة الحكم المستنصر تزوج بامرأة بشكنسية تدعى "صبح" Aurora فولدت هشام المؤيد، كما أن المنصور بن أبي عامر قد تزوج من ابنة شانجة بن غرسيه " Sancho Gures II" ملك بلاد النافار التي عاصمتها بمبلونه Pamplona وتعرف بالمصادر الأندلسية باسم "عبد هـ" أثنت عليها المصادر وهي أم عبد الرحمن وهي التي أطلقت عليه اسم "شنجول" تصغيراً لاسم أبيها وتدليلاً لابنها. انظر: اعمال الأعلام، 2/ 42، 66، 73. البيان المغرب، 2/ 253، 3/ 83، الحلة السيراء، 1/ 272 حاشية رقم 1. محمد عنان، تراجم إسلامية شرقية وأندلسية. (القاهرة، مكتبة الخانجي، ط الأولى، 1390 هـ /1970 م) ص 199 - 211.
دس إليه من خوفه بأنه ينوي الفتك به إن لم يجعله ولياً للعهد
(1)
. فأصبح عبد الرحمن بن المنصور يدعى له بولاية العهد على المنابر في الخطبة بعد الدعاء للخليفة مع بقية الألقاب التي منحه
(2)
. وبذلك تخلى عبد الرحمن عن الحجابة إذ قلدها ولده عبد العزيز مجموعة له بسيف الدولة لقب عمه المظفر، حيث ظل في هذا المنصب طيلة حياة والده
(3)
.
ولم تقف طموحات عبد الرحمن بن المنصور الشهير بشنجول السريعة الخطى عند الوصول إلى منصب ولاية العهد، بل كان يريد الوثوب على الخلافة بأقصر وقت، وبأي وسيلة ففي شتاء سنة (399) هـ (1009 م) خرج على رأس جيشه متجهاً إلى الشمال الأسباني
(4)
، وكان على شرطته أحد سفال قرطبة يقال له: ابن الرسان
(5)
، فإذا سكر شنجول أمر صاحب شرطته بأن ينادي في الجيش: يأمركم أمير المؤمنين بكذا
(1)
البيان المغرب، 3/ 39.
(2)
أعمال الأعلام، 2/ 93.
(3)
المصدر السابق، 2/ 94.
(4)
نفسه، 2/ 96.
(5)
البيان المغرب، 3/ 49.
وكذا، فإذا عاد سأله عن رد فعل الناس فيخبره أنهم غير مبالين، فيأمره عندها بتكرار النداء مرات ومرات
(1)
متلذذاً بسماع ذلك، إلا أن هذه اللذة لم يكتب لها الاستمرار، إذ هبت نيران الفتنة بقرطبة بقيادة محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر الملقب بالمهدي، فعاد شنجول نحو قرطبة، وعندما بلغ قلعة رباح تبرأ من ولاية العهد وأعلن اقتصاره على الحجابة وأرسل كتاباً بذلك لكن أحداً لم يأبه به
(2)
، فعزم على دخول قرطبة، وأصر على ذلك، رغم نصيحة البعض له بالفرار
(3)
، فكان في إصراره حتفه، إذ قتل بمنزل هانئ عند دير أرملاط، وذلك عقب صلاة المغرب يوم الجمعة لأربع خلون من رجب سنة (399) هـ (4 مارس سنة (1009) م)
(4)
.
الحجابة في عصر الفتنة:
مرت الحجابة في ذلك الوقت بفترات اتضحت خلالها قوتها، وعانت من الضعف أكثر وقتها، والملاحظ على الحجابة آنذاك، هو كثرة من تولاها، مع قصر مدتهم، بسبب مايتعرضون له من مفاجآت غير سارة، من قتل وعزل وهروب.
(1)
أعمال الأعلام، 2/ 97.
(2)
البيان المغرب، 3/ 69.
(3)
المصدر السابق، 3/ 69 - 70.
(4)
نفسه، 3/ 72.
ففي بداية عهد الفتنة سنة (399) هـ (1009 م) تولى الحجابة الأمير عبد الجبار بن المغيرة لابن عمه الخليفة محمد المهدي
(1)
وهذه هي المرة الأولى التي تولى فيها الحجابة أحد أبناء البيت الأموي، وذلك في الخلافة الأولى للمهدي، وأما في الخلافة الثانية فإنه استحجب الفتى "واضح الحكمي العامري
(2)
" بسبب مساعدته له عندما لجأ إلى طليطلة، وبالتالي وقوفه إلى جانبه إلى أن تولى الخلافة للمرة الثانية
(3)
، ويمكن القول بأن الحاجب واضح كان شريكاً للمهدي في تدبير الدولة
(4)
إلا أن طموحه كان أكبر من ذلك بكثير، فهو يتطلع إلى تكرار سيرة مواليه العامريين المنصور وبنيه، وذلك من خلال إعادة الخلافة لهشام المؤيد، ومن ثم السيطرة عليه -بالإضافة إلى الأخذ بثأرهم من المهدي
(5)
- لأجل ذلك تآمر مع بعض زملائه الصقالبة، فقتلوا المهدي يوم الأحد الثامن من ذي الحجة سنة (400)
(6)
(24 يوليو (1010) م) وبعد قتل المهدي تولى الخلافة
(1)
أعمال الأعلام، 2/ 110. البيان المغرب، 3/ 95.
(2)
المصدر السابق، 3/ 100. وأما صاحب ذكر بلاد الأندلس، 1/ 199 فقد ذكر أن اسمه "عامر الفتى".
(3)
أعمال الأعلام، 2/ 113 - 114.
(4)
انظر: المصدر السابق، 2/ 115 - 116. البيان المغرب، 3/ 95 - 99.
(5)
البيان المغرب، 3/ 99.
(6)
الحلة السيراء، 2/ 7. أعمال الأعلام، 2/ 116.
هشام المؤيد، فتولى واضح الحجابة له، وكما يريد فقد استبد بالسلطة
(1)
، إلا أنه شعر بعدم قدرته على ضبط الأمور بصورة قوية، بل أصبح عرضة للسخرية والسب من قبل الجند، ولذا فقد عزم على الهرب طلباً للنجاة، إلا أن أمره انكشف، فأسرع إليه ابن وداعة بطائفة من الجند، فأخرجوه من داره وعاتبوه على تفريطه ثم قتلوه
(2)
، فأصبح منصب الحجابة شاغراً، إذ أن الخليفة هشام المؤيد أظهر الاستغناء عن الحاجب وأخذ يباشر الأمور بنفسه
(3)
، لكنه لم يلبث أن ولى عبد الرحمن بن متيوه مهام الحجابة
(4)
، وسماه بذي الوزارتين
(5)
، إلا أن أمره لم يستمر إذ ما إن شعر بخطورة الموقف وتدهور الأوضاع حتى هرب إلى بطليوس بعد أن سرق كل نفيس من قصر الخليفة هشام المؤيد
(6)
وبهرب ابن متيوه، ظل منصب الحجابة شاغراً حتى دخل سليمان المستعين مدينة قرطبة في شهر شوال سنة (403) هـ (إبريل (1013) م)
(7)
فتقلد المناصب في دولته بما فيها الحجابة
(1)
الذخيرة، ق 1 م 1 ص 25.
(2)
انظر: أعمال الأعلام، 2/ 118. البيان المغرب، 3/ 103 - 105.
(3)
أعمال الأعلام، 2/ 118.
(4)
الذخيرة، ق 1 م 1 ص 46. وأما ابن عذاري فقد أسماه بابن مناو. انظر: البيان المغرب، 3/ 107.
(5)
البيان المغرب، 3/ 107.
(6)
المصدر السابق، ص 3/ 109.
(7)
الحلة السيراء 2/ 7.
أنصاره البرابر
(1)
وأصبحت دولة المستعين - كما يقول ابن عذاري - "دولة البرابر"
(2)
.
ونظراً لأن كل من آنس في نفسه قوة انتزى في ناحية من نواحي الأندلس وبسط نفوذه عليها، لأجل ذلك وجد أكثر من حاجب إذ أصبح لكل خليفة من الخلفاء المتنافسين على عرش قرطبة حاجب خاص
(3)
.
ولدينا بالإضافة إلى هؤلاء الخلفاء المتنافسين بعض أصحاب الطموح الذين يريدون أن يلوا منصب الحجابة في ظل خليفة ضعيف تبرز فيها شخصياتهم فمن هؤلاء: -
خيران العامري، فبعد أن غادر قرطبة عقب تولي علي بن حمود الخلافة بها في شهر المحرم سنة (407) هـ (يوليو (1016) م) توجه إلى جيان
(4)
وهناك وجد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن
(1)
ذكر بلاد الأندلس 1/ 203.
(2)
البيان المغرب، 3/ 114.
(3)
الذخيرة، ق 1 م 1 ص 41.
(4)
جيان Jaen مدينة أندلسية قديمة تقع في قلب الأندلس، على بعد مائة كيلو متر شرقي قرطبة وبمثلها من ناحية الشمال، وقد امتازت جيان بأراضيها الخصبة ولذا فقد كثرت القرى التابعة لها، وقد كانت في أيام الدولة الإسلامية من أعظم قواعد الأندلس، إلى أن سقطت بأيدي النصارى سنة 644 هـ، وقد بقى من آثار المسلمين بها الحصن أو القصبة الأندلسية والمعروفة اليوم باسم: حصن سانتا كاتالينا Castillo de sta catalina. انظر: فرحة الأنفس، ص 284. الحلل السندسية 1/ 127 - 128. الآثار الأندلسية الباقية، ص 219 - 227.
الناصر الملقب بالمرتضى، فبايعه بالخلافة في شهر ذي الحجة سنة (408) هـ (إبريل (1018) م) على أمل أن يلي الحجابة له ويسيطر على الدولة باسمه، إلا أنه لم يلبث أن غدر به وأسلمه للقتل حول غرناطة سنة (409) هـ (1018 م)
(1)
.
وقبل خيران العامري، وجد مجاهد العامري المتوفى سنة (436) هـ (1044 م) الذي سبق الجميع إلى استغلال عواطف الأندلسيين تجاه الخلافة الأموية، فقد عمد في خلافة المستعين سليمان بن حكم إلى مبايعة رجل من بني أمية، عرف "بالنبل والذكاء والشرف
(2)
" هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبيد الله بن الوليد المعيطي، وذلك في أول سنة (405) هـ (1014 م)
(3)
مستغلاً فرصة عبور علي بن حمود على رأس قواته من سبتة بالمغرب إلى مالقة بالأندلس
(4)
، فأخذ مجاهد البيعة للمعيطي في جميع أعماله، وتولى مجاهد منصب الحجابة للمعيطي، إلا أن الود بينهما لم يستمر، فاضطر مجاهد إلى طرد المعيطي بعد خلعه
(5)
.
(1)
الذخيرة، ق 1 م 1 ص 453 - 455، البيان المغرب، 3/ 125 - 127.
(2)
الصلة، رقم 593.
(3)
أعمال الأعلام، 2/ 220.
(4)
الذخيرة، ق 1 م 1 ص 41.
(5)
انظر: ترتيب المدارك، 8/ 26. الصلة، رقم 593. أعمال الأعلام، 2/ 220، تاريخ ابن خلدون، 4/ 164. كيليا سار فللي، مجاهد العامري، ص 155.
وبوجه عام، فقد استمر وجود الأدعياء الذين بويعوا بالخلافة لهدف أراده من نصبهم وبايعهم، ويكفي للدلالة على سوء الوضع المتعلق بهذه الأمور قول ابن حزم: "أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، كلهم تسمى بأمرة أمير المؤمنين ويخطب لهم بها في زمن واحد، وهم خلف الحصري
(1)
بإشبيلية على أنه هشام بن حكم، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة، ومحمد بن إدريس بن علي بن حمود بمالقة، وإدريس بن يحيى بن علي ابن حمود ببشتر
(2)
".
وكما تولى الحجابة أصحاب السيف والقلم في عهد قوة الدولة الأموية، فكذلك تولاها بعض العلماء أصحاب الشخصيات الدينية
(1)
بعد أن استقر يحيى بن علي بن حمود الملقب بالمعتلي، في مالقة، وبسط حكمه على معظم قواعد الأندلس الغربية الجنوبية، بدأ بالتطلع إلى إشبيلية وأرهق صاحبها ابن عباد بالغارات المتوالية، فما كان من الآخر، بعد أن شعر بخطورة الموقف، إلا أن أتى برجل فقير يعمل مؤذناً في مسجد بإحدى قرى إشبيلية مستغلاً غيبة هشام المؤيد والأراجيف التي كانت تقول بوجوده، وبقرب ظهوره، وبالشبه الشديد بينه وبين ذلك الرجل المؤذن المدعو خلف الحصري، فألبسه الكسوة الخلافية ومشى بين يديه وصائح يصيح بأن هذا هو أمير المؤمنين هشام، وأجلسه في القصر وأخذ له البيعة وطالب الأهالي بمبايعته ومن أبى حل به البلاء. كل هذا حرصاً من ابن عباد على الدنيا ودفعاً لابن حمود عن الخلافة. انظر: البيان المغرب، 3/ 197 - 200.
(2)
نقط العروس، ص 83 - 84. وعن أولئك الحموديين: انظر: البيان المغرب، 3/ 217. لويس سيكودي لوثبنا، الحموديين سادة مالقة والجزيرة الخضراء، ص 42 - 47.
والأدبية، فقد تولى أبو محمد علي بن أحمد بن حزم، تدبير دولة الخليفة عبد الرحمن المستظهر
(1)
، الذي بويع بالخلافة يوم (4) رمضان سنة (414) هـ (41 نوفمبر (1023) م) إلا أنه لم يمكث في هذا المنصب سوى سبعة أسابيع بسبب مقتل المستظهر وبذلك فقد ابن حزم منصبه وكلما أقبلت الدولة على الوصول إلى نقطة النهاية، كلما أصبحت المناصب متاحة لأي كان، فمنصب الحجابة ارتقى إليه أصحاب المهن الوضيعة، فهذا أحمد بن خالد رجل حائك كان هو المدبر لدولة الخليفة المستكفي بالله 414 - (416) هـ (1024 - (1025) م) وكما يقول المراكشي:"فقل في دولة يدبرها حائك"
(2)
.
وكانت نهاية هذا الحائك سيئة، إذ اقتحم عليه عوام قرطبة داره وضربوه بالحديد حتى مات
(3)
.
وما يقال عن دولة المستكفي فإنه يقال عن دولة المعتد بالله 418 - (422) هـ (1027 - (1031) م) الخليفة الأموي الأخير بالأندلس، فقد تولى أمر تدبير دولته حائك يدعى حكم بن سعيد القزاز، فأساء التصرف وأثار حفيظة الناس، فلما عيل صبرهم وثبوا عليه وقتلوه وحزوا رأسه وطافوا به بالبلد
(4)
.
(1)
المعجب، ص 93.
(2)
المصدر السابق، ص 107.
(3)
نفس المصدر والصفحة.
(4)
البيان المغرب، 3/ 146 - 150.
خطة الوزارة
إن نظام الوزارة
(1)
في دولة بني أمية بالأندلس يدين في وجوده وتنظيمه للأمير عبد الرحمن الأوسط 206 - (238) هـ (822 - (852) م)، أما قبل ذلك فلم يكن هناك تنظيم حقيقي لهذا الجهاز، فالأمير عبد الرحمن الداخل أنف من اتخاذ الوزراء
(2)
، ولكنه اتخذ مجموعة من المعاونين والمستشارين الذين توسم فيهم الإخلاص والوفاء والكفاءة، واختصهم بمجالتسه وبذل المشورة له عندما يطلب منهم ذلك
(3)
، واختار أحدهم
(1)
أُختلف كثيراً في اشتقاق لفظ الوزارة، فقيل أنه مأخوذ من "الوزر" بكسر الواو وسكون الزاي، وهو الثقل، لأن الوزير يحمل عن الملك أثقاله، انظر: الأحكام السلطانية ص 20. فالوزير هو الذي يتولى أعباء إدارة الدولة. وفي هذا يقول ابن خلدون في مقدمته، ص 663 "إن السلطان نفسه ضعيف يحمل أمراً ثقيلاً، فلابد له من الاستعانة بأبناء جنسه، وإذا كان يستعين بهم في ضرورة معاشه فما ظنك بسياسة نوعه ومن استرعاه الله من خلقه وعباده" وقيل إنه مأخوز من "الوَزَر" وهو الملجأ والمعتصم. الأحكام السلطانية ص 20. قال تعالى: {كَلاَّ لا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} سورة القيامة الآيتان رقم 11 - 12. وقيل أنه مأخوذ من "الأَزْر" وهو الظهر لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بالظهر. الأحكام السلطانية ص 20. قال تعالى على لسان نبيه موسى عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} سورة طه الآيات من 29 - 32. ولعل الرأي الثالث هو أقرب الآراء لمفهوم الوزارة في الأندلس، فهي المؤازرة والمعاونة.
(2)
مقدمة ابن خلدون. ص 670. ربما لأنه كان متأثراً بأسلافه بالمشرق.
(3)
نفح الطيب، 3/ 45.
وجعله رئيساً عليهم، ويتردد بينه وبينهم وقد عُرف متولي هذا المنصب ب "الحاجب"
(1)
.
ورغم أن الأمير عبد الرحمن الداخل لم يسم أولئك المعاونين والمستشارين بالوزراء، إلا أن معنى الوزارة كان واضحاً في ذهنه، يدل على ذلك مقولته لعبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم، بعد إحدى المعارك التي حسم أمرها شجاعة عبد الملك وصرامته
(2)
، فقد قال له:"يا ابن عم، قد أنكحت ابني وولي عهدي هشاماً ابنتك فلانة، وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا، ولأولادك كذا، أقطعتك وإياهم، ووليتكم الوزارة"
(3)
.
وذكر ابن الأبار أن الأمير عبد الرحمن الداخل قد استوزر ولديه سليمان وهشام
(4)
، بالإضافة إلى كل من عبد الله وإبراهيم وحكم أبناء
(1)
المصدر السابق، 1/ 216.
(2)
هذه المعركة جرت سنة 156 هـ عندما ثار أهل الأندلس بقيادة حيوة بن ملامس الحضرمي وعبد الغفار اليحصبي بن طالوت. انظر: اخبار مجموعة، ص 107. تاريخ ابن خلدون، 4/ 123. نفح الطيب، 3/ 48، 59.
(3)
نفح الطيب، 3/ 59.
(4)
الحلة السيراء، 1/ 42.
عبد الملك بن عمر بن مروان
(1)
، كما أن بعض المؤرخين قد أطلق على معاوني الأمير الداخل ومستشاريه لقب "وزراء"
(2)
.
ومن كل ما مضى نستطيع القول بأن الأمير عبد الرحمن الداخل كان متأثراً بشدة بنظام الحكم الذي كان قائماً في دولة أسلافه الأمويين بالشام، إذ أن الخلفاء الأمويين اتخذوا كتَّاباً أسندوا إليهم بعض المهام، فقربوهم واتخذوهم مستشارين خاصين يساعدونهم في إدارة دولتهم الشاسعة، وعلى ذلك فقد كانوا يقومون بعمل الوزراء دون أن يتلقبوا بهذا اللقب
(3)
.
وذكر ابن عذاري أن عدد وزراء الأمير هشام الرضا كانوا ثمانية
(4)
، بينما كان عددهم لدى ابنه الحكم خمسة وزراء
(5)
.
وقد تولى إدارة دولة الأمير عبد الرحمن الأوسط عدد من الشخصيات القوية أمثال: عبد الكريم ابن عبد الواحد بن مغيث، وعيسى بن شُهيد وغيرهما، وفيهم قال ابن حيان نقلاً عن ابن مفرج: -
(1)
المصدر السابق، 1/ 56.
(2)
أخبار مجموعة، ص 106. البيان المغرب، 2/ 48.
(3)
أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري، كتاب الوزراء والكتّاب، (تحقيق: مصطفى السقا وغيره، القاهرة، مكتبة مصطفى الحلبي، 1401 هـ /1980 م) ص 24، 27.
(4)
البيان المغرب، 2/ 61.
(5)
المصدر السابق، 2/ 68.
"وكان قد اجتمع للأمير عبد الرحمن من سراة الوزراء أولي الحلوم والنهى والمعرفة والذكاء عصابة لم يجتمع مثلها عند أحد من الخلفاء قبلهم ولا بعدهم
(1)
" فوجود مثل هؤلاء في وقت واحد جعل من الضروري اختصاص كل واحد منهم بأعمال محددة وألقاب معينة. وبذلك برزت المناصب بقوة منذ ذلك الوقت، وبالتالي أصبح التنظيم الإداري لأجهزة الدولة أمراً ضرورياً.
وبعد أن تمت عملية التنظيم برزت الوزارة، فوزعت الاختصاصات، وأصبح لكل وزير عملاً معيناً يقوم به وفي ذلك يقول ابن خلدون: -
"وأما دولة بني أمية بالأندلس، فأنفوا اسم الوزير في مدلوله أول الدولة، ثم قسموا خطته أصنافاً، وأفردوا لكل صنف وزيراً، فجعلوا لحسبان المال وزيراً، وللترسيل وزيراً، وللنظر في حوائج المتظلمين وزيراً، وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيراً"
(2)
.
ولم يكن لأولئك الوزراء في البداية مجلس خاص بهم يجتمعون فيه فقد كان الأمير يستدعيهم متى شاء، إلا أن الأمير عبد الرحمن الأوسط نظم تواجدهم، وأصبح تنظيمه هذا معمولاً به إلى نهاية الدولة، فقد "ألزم هؤلاء الوزراء الاختلاف إلى القصر كل يوم، والتكلم معهم في الرأي،
(1)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 29.
(2)
مقدمة ابن خلدون، ص 670. والوزارة بهذا التصنيف تكون شديدة الشبه بالتقسيمات الوزارية الحاصلة في الوقت الراهن.
والمشورة لهم في النوازل، وأفردهم ببيت رفيع داخل قصره مخصوص بهم، يقصدون إليه ويجلسون فيه فوق أرائك، قد نضدت لهم، يستدعيهم إذا شاء إلى مجلسه جماعة وأشتاتاً، يخوض معهم فيما يطالع به من أمور مملكته، ويفحص معهم الرأي فيما يبرمه من أحكامه، وإذا قعدوا في بيتهم أخرج رقاعه ورسائله إليهم بأمره ونهيه، فينظرون فيما يصدر إليهم من عزائمه، جرى على ذلك من تلاهم إلى اليوم"
(1)
.
وعلى هذا، فالوزراء أصبح لديهم عمل رسمي يزاولونه بشكل يومي، ومجلس خاص بهم، يمارسون فيه أعمالهم كل حسب اختصاصه، وفي بيت الوزارة يجلسون بشكل دائري على فرش الكتان
(2)
والحاجب في صدر المجلس على فراش الديباج أرفع من فرشهم، وحسب التوجيهات العامة التي تصدر إليهم من الأمير تدور المناقشات بينهم في أمور الدولة،
(1)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 29. وأما النص الذي ورد لدى ابن القوطية في "افتتاح الأندلس" ص 61 فقد جاء فيه:"وعبد الرحمن أول من رتب اختلاف الوزراء إلى القصر والتكلم في الرأي على ما هو جار إلى اليوم".
(2)
الذخيرة، ق 4 م 1 ص 59. الوزراء كانوا يجلسون على فرش لم تكن ترتفع عن الأرض كثيراً، يدل على ذلك ما ورد لدى الخشني عند ذكره لاجتماع عمرو بن عبد الله وسليمان بن أسود عند الوزراء في بيتهم، وبعد أن انتهت المناقشة وأراد عمرو بن عبد الله أن ينهض وضع يديه جميعاً في الأرض ليقوم. [انظر: قضاة قرطبة ص 86] ولا يمكن أن يضع يديه جميعاً في الأرض إلا إذا كان الفراش المعد للجلوس لا يرتفع عن الأرض إلا يسيراً.
وما يصدر عنهم من قرارات يتولى الحاجب حملها إلى الأمير فيعرضها عليه، فالذي يوافق عليه الأمير يحول إلى ديوانه الخاص، لكي يصاغ صياغة ديوانية ملائمة، ثم يتولى الوزير صاحب العرض حملها إلى الأمير ليختمها بالختم الرسمي للدولة، ومن ثم يصدر المرسوم.
وقد شهدت الوزارة في الأندلس تقسيمات متعددة، فقد كانت تضم عدة خطط تعتبر من أخطر مناصب الدولة على الإطلاق
(1)
.
وهناك خطط يتقلدها أكثر من واحد في نفس الوقت، من ذلك أن خزانة بيت المال في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط كانت تحت إشراف أربعة يعرفون بالخزَّان
(2)
، كما أن خطة العرض كان يتولاها أربعة من كبار رجالات الدولة،
وذلك في بداية عهد عبد الرحمن الناصر
(3)
. ومن الملاحظ هنا أنه عندما تسند عملية الإشراف على خطة من الخطط لأكثر من شخص واحد، فإن اختصاص كل منهم لابد أن يكون واضحاً لديه لكي لا تكون هناك ازدواجية في الأداء.
وكما يتم اشتراك أكثر من واحد في خطة واحدة، فمن الممكن أن يتولى رجل واحد، ممن لا يحملون لقب وزير، مسئولية عدة خطط، فمثلاً
(1)
دولة الإسلام في الأندلس، ع 1 ق 1 ص 685.
(2)
هم: ابن بسيل الملقب بالغماز، وطاهر بن هارون، وسفيان بن عبد ربه، وشيخهم موسى بن حدير. انظر: ابن القوطية، ص 62.
(3)
المقتبس، تحقيق: شالميتا ص 97.
محمد بن أبي عامر "المنصور" كان في عهد الحكم المستنصر يتولى خطة المواريث وقضاء إشبيلية ولبله
(1)
وأعمالها وكذا الأمانات بالعدوة وخطة الشرطة الوسطى بالإضافة إلى وكالة هشام بن الحكم المستنصر
(2)
.
وفي الوقت نفسه، من الممكن أن يتولى من يحمل لقب "وزير" الإشراف -بالإضافة إلى وزارته -على عدة خطط، فهذا: الوزير أحمد بن عبد الملك بن شُهيد كان يتولى بالإضافة إلى الوزارة خطتي الشرطة العليا والمظالم والإشراف على دار السكة
(3)
.
وعلى هذا يمكن القول بأن من يترقى أو يُنقل من خطة إلى أخرى ليس بالضرورة أن يتخلى عن خطته أو خططه السابقة، بل بإمكانه الجمع بين أكثر من خطة، لكن إذا رقي إلى رتبة وزير فلا شك أنه سيتخلى عن خططه السابقة، ويقتصر على حمل لقب وزير مضافاً إليه ذكر الخطة الجديدة التي أسندت إليه، فعبد الحميد بن بسيل كان على خزانة المال، ثم
(1)
لبلة " Niebla" كورة في غربي الأندلس، سهلية جبلية برية بحرية، تكثر بها المزارع والمياه، وهذا الإقليم معد لتربية الحيوانات، وأحواز لبلة مختلطة بأحواز كورة أكشونبة على نهر آنة وبأحواز كورة باجه، ومدينة لبله هي المعروفة بالحمراء من أعمال ولبه، وهي تقع على الطريق بين اشبيلية وولبه. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص 92. جغرافية الأندلس وأوروبا، ص 64، 127. ابن الشباط، صلة السمط وسمة المرط، (تحقيق: د. أحمد العبادي، مدريد، معهد الدراسات الإسلامية، 1971 م) ص 145.
(2)
المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 72.
(3)
المصدر السابق، تحقيق: شالميتا، ص 486.
استوزره عبد الرحمن الناصر وجعله مع منصب الوزارة قائداً للجيش، فأصبح يعرف ب"الوزير القائد"
(1)
.
كيفية الوصول إلى منصب الوزارة:
من الطبيعي أنه لا يمكن وضع أي فرد في هذا المنصب الخطير إلا بعد اختبار وتجربة يثبت من خلالها أنه كفؤ لما سيصل إليه، وهذه التجربة تكون من خلال إسناد بعض المهام الإدارية إليه، ومن خلال التدرج في المناصب يرقى إلى مرتبة "وزير" فالوزير فطيس بن سليمان بن عبد الملك بن زيان، كان يتولى الكتابة لهشام الرضا عندما كان ولياً للعهد، فلما تولى هشام الإمارة ولاه السوق وكورة قبره
(2)
وأخيراً جعله وزيراً
(3)
. ولكن من الممكن أن يصل أحدهم إلى منصب الوزارة دون تدرج وظيفي، فقد ذكر ابن القوطية أن الأمير محمد بن عبد الرحمن في صبيحة
(1)
البيان المغرب، 2/ 185.
(2)
قبرة " Cabra" بلدة صغيرة من أعمال قرطبة، وهي تقع منها على بعد نحو سبعين كيلو مترا إلى الجنوب الشرقي، وهي مدينة حصينة جداً، وبها العديد من الحصون، كما اشتهرت بوفرة المياه وكثرة الأشجار. انظر: وصف الأندلس للرازي، ص 89. الروض المعطار، ص 153.
(3)
الحلة السيراء، 2/ 365.
اليوم الذي تولى فيه الإمارة رقى محمد بن موسى الإشبيلي إلى خطة الوزارة مباشرة
(1)
.
كذلك من أساليب الوصول إلى الوزارة تقديم طلب للأمير بهذا الخصوص، فهذا الوليد بن عبد الرحمن بن غانم
(2)
قدم طلباً للأمير محمد بن عبد الرحمن لاتخاذه وزيراً، وقد استجاب الأمير لطلبه، ولكن يشترط لذلك أن تكون كفاءته قد ثبتت مسبقاً من خلال تجارب وظيفية إضافة إلى شيء مهم وهو أن تكون له سابقة في الدولة
(3)
. وإذا أراد الأمير أو الخليفة تقليد أحد رجاله منصب الوزارة فإنه يرسل إليه صاحب الرسائل ويحضره ويجلسه في بيت الوزراء مباشرة
(4)
.
(1)
إن الأمير محمدا لم يول محمد بن موسى الإشبيلي الوزارة اعتباطا، وإنما تم ذلك بعد طول صحبة واختبار في مواقف عديدة، لعل آخرها موقفه ليلة وصول الأمير محمد للإمارة، ولذا فقد حظيت أسرة محمد بن موسى بلقب بني الوزير، انفردت به من بين أسر جميع الوزراء في قرطبة. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 139 - 141.
(2)
وليد بن عبد الرحمن بن عبد الحميد بن غانم، تولى خطتي الوزارة والمدينة بالإضافة لقيادة الجيوش، في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، كان كاتباً، أديباً مرسِّلاً، بليغاً، عرف بالنزاهة في أدائه لمهام منصبه، توفي في شعبان سنة 392 هـ. انظر: ابن القوطية، ص 85، 87، 88. الحلة السيراء، 2/ 374. المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 141، 172، 175، 177، 178، 252، 271، 388 - 390.
(3)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 177.
(4)
المقتبس، تحقيق: شالميتا، 5/ 487.
وللوزير اختصاصات يعمل على عدم تجاوزها، فهو ينفذ الأوامر الصادرة إليه، وإذا أصبح منصب من مناصب الدولة شاغراً فإن الوزير وزملاءه يقترحون على الأمير أحد الأسماء. فإذا رضي الأمير عن الاقتراح أرسل في طلب المرشح لاستلام وظيفته
(1)
. ومن اختصاصات الوزير التحقيق في الشكاوى المقدمة ضد أحد أصحاب المناصب الهامة في الدولة
(2)
والاجتماع بالفقهاء في بيت الوزارة للإفتاء في بعض المسائل
(3)
، وكذلك الإشراف على بناء يشاد
(4)
، واستقبال رؤساء الوفود الزائرة في بيت الوزارة
(5)
، كما يتولى بعض الوزراء الإشراف على أحباس الخليفة
(6)
في حين أن الوزير صاحب المدينة يتولى في بعض الأحيان مسئولية استنفار الناس للخروج إلى الجهاد
(7)
وعندما يغادر الأمير أو الخليفة قرطبة ويجعل ولي عهده في القصر فإنه يبقي إلى جانبه أحد الوزراء وغالباً مايكون صاحب المدينة
(8)
، كما أن على كل وزير تولي قيادة الجيش
(9)
ومن لم
(1)
النباهي، ص 17.
(2)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 65 - 66.
(3)
قضاة قرطبة، ص 83 - 85.
(4)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 223. البيان المغرب، 2/ 203.
(5)
المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 110.
(6)
البيان المغرب، 2/ 234.
(7)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 44، 140.
(8)
انظر: ابن القوطية، ص 86، المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 65، 317.
(9)
انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، 140، 271، 321. المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 156، 451.
يفعل ذلك يكون عرضة للاتهام من قبل السلطة الحاكمة، وأخيراً فإن الوزير قد يتولى الصلاة على الجنائز أحياناً
(1)
.
مرتب الوزير الشهري:
للوزراء ديوان خاص تسجل فيه مرتباتهم الشهرية وأرزاقهم السنوية
(2)
، إلا أننا لم نجد ذكراً صريحاً لمقدار مرتب الوزير في الشهر. لكننا عرفنا عند الحديث عن الحجابة أن مرتب الحاجب ثمانون ديناراً في الشهر، وبما أن الحاجب أعلى مرتبة من الوزير، إذاً لابد أن يكون راتب الوزير أقل من ثمانين ديناراً.
لكن الوزير يمنح أحياناً ألقاباً تضاف إليه حسب طبيعة عمله، فيمكن أن يكون الوزير القائد مثل يحيى بن محمد بن هاشم
(3)
، أو الوزير القائد الأعلى مثل غالب بن عبد الرحمن
(4)
وغير ذلك، بالإضافة إلى أن الوزير يكلف أحياناً بالإشراف على خطط أخرى بجانب العمل في وزارته
(5)
. هذه الألقاب التي تمنح للوزير والخطط التي يتولى مسئولية
(1)
ابن الفرضي، ترجمة رقم 417.
(2)
الحلة السيراء، 2/ 365.
(3)
المقتبس، تحقيق: عبد الرحمن الحجي، ص 142.
(4)
المصدر السابق، ص 69.
(5)
نفسه، تحقيق: شالميتا، ص 486.
الإشراف عليها، يترتب عليها بالمقابل زيادة المرتب. أما ما ذكره ابن عذاري من أن رزق كل وزير من وزراء الأمير عبد الرحمن الأوسط يبلغ ثلاثمائة دينار
(1)
، فإن ابن حيان قد فسر هذه النقطة، فعند حديثه عن وزراء الأمير عبد الرحمن الأوسط، ذكر أن الوزير محمد بن السليم "كانت له مع الوزارة خطط يرتزق عليها في كل شهر ثلاثمائة دينار
(2)
" ولا شك أن ابن حيان مقدم على ابن عذاري في هذا المجال وإلا فما معنى أن يكون رزق الوزير فطيس بن سليمان خمسمائة دينار في ديوان الأمير الحكم الربضي؟
(3)
.
وهذه المرتبات والأرزاق الواسعة، فيها دلالة على ثراء الدولة كما أنها تدل على حرص بني أمية على إكرام رجال دولتهم، والتوسيع عليهم، حتى لا يتطلعوا إلى ما بأيدي الآخرين، مما يحول دون إغرائهم بأي مقابل، مادي الأمر الذي يكفل بالتالي تسيير الأمور بصورة طيبة.
رسوم الوزارة:
حكام دولة بني أمية بالأندلس حرصوا على تكريس الوزارات بأيدي أبناء أسر معينة، مثل أسرة آل بني عبد هـ وبني فطيس وآل بسيل وآل شهيد
(1)
البيان المغرب، 2/ 80
(2)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 28 - 29. الحلة السيراء، 2/ 371 - 372.
(3)
الحلة السيراء 2/ 365.
والزجالي وغيرها، بل حدث في عهد الأمير عبد الله بن محمد نادرة -كما يقول ابن حيان- إذ اجتمع لديه أربعة وزراء كلهم من آل بني عبد هـ دفعة واحدة، هم: أبو عثمان عبيد الله بن محمد بن أبي عبد هـ، وأبو العباس أحمد بن عيسى بن أبي عبد هـ، وسليم بن علي بن أبي عبد هـ، وعبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبد هـ المعروف ب"دُحيم"
(1)
.
ولا تقتصر عناية بني أمية بوزرائهم فقط، بل تمتد هذه العناية إلى أولادهم، فإذا حدث أن غاب أحد الوزراء كأن وقع بالأسر أو قتل، فإن ولده يحل محله
(2)
، وإن كان هذا الولد غير كفء لتحمل المسؤولية لهذا المنصب الخطير، تم تكليف أحد ذوي الخبرة بالوقوف إلى جانبه وتدريبه حتى يتقن عمله
(3)
وإذا توفي أحد الوزراء، ذهب الخليفة بنفسه إلى والد الوزير ليقدم له التعزية، وحفظاً لود ذلك الوزير يأمر الخليفة بتقديم أحد أبناء المتوفي أو أحد إخوته إلى منصب عالٍ في الدولة
(4)
، وعلى هذا يمكن القول بأن أشد الجوانب الإيجابية وضوحاً في هذه السياسة أن بني أمية لا يفرطون برجالهم.
وقد شهدت الوزارة في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن تنظيماً جديداً بسبب مشادة جرت بين اثنين من خزان المال، هما: عبد الله بن
(1)
المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 5 - 6.
(2)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 178 - 179. الحلة السيراء، 1/ 142.
(3)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 178 - 179.
(4)
المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 107.
عثمان بن بسيل ومحمد بن وليد بن غانم على من يكتب اسمه أولاً، واحتج ابن بسيل على صاحبه ابن غانم بأنه شامي فهو أولى بالتقديم، وعندما رفع الخبر إلى الأمير محمد أقر ابن بسيل على حجته وقدمه على ابن غانم
(1)
، وعن هذا التنظيم الذي أحدثه الأمير محمد يقول الوزير عبد الحميد بن بسيل أن "الأمير محمد هو الذي قسم مراتب الخدمة، وفصل خططهم النبيهة، وأناف على جميعهم من متقدمة خطة الوزارة، وأشعرهم التعظيم والجلة، وأرجح أهل الشام من الوزراء على أصحابهم الأندلسيين، فقدمهم في الإذن عليه، وأعلاهم في الجلوس على أرائكهم ببيت الوزارة
(2)
" وبذلك فإن الأمير محمد يعتبر مجدداً في رسوم الدولة مثل والده الأمير عبد الرحمن الأوسط لكن مسألة تقديم الشامي على البلدي "الأندلسي" بصفة عامة قد أخذت بها الدولة الأموية بالأندلس منذ قيامها، يدل على ذلك ما ذكره الرازي عن التنظيم الذي أجراه الأمير عبد الرحمن الداخل على الجيش وما يترتب على أعضائه الشاميين والبلديين من حقوق أو واجبات
(3)
. ولعلنا نستأنس بفعل الأمير عبد الرحمن الداخل على أن الشاميين كانوا مقدمين على البلديين منذ البداية وفي كافة المناصب، و إلا كيف يحتج ابن بسيل على ابن غانم؟ وفضلاً عن ذلك فقد كانت الدولة
(1)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 137 - 138.
(2)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 137.
(3)
انظر: الإحاطة، 1/ 104.
الأموية بالأندلس شامية بكل شيء، فلا غرابة إذاً أن يقدم الشامي على من سواه.
وعلى أية حال فقد ظلت مسألة تقديم الشامي على البلدي في الوزارة معمولاً بها حتى بعد إمارة الأمير محمد، فعندما أراد الوزير عيسى بن أحمد بن أبي عبد هـ أن يجلس أعلى من الوزير موسى بن حدير أصدر الأمير عبد الله بن محمد أمره بأن يبقى الوزير ابن حدير مقدماً على الوزير ابن أبي عبده وفقاً لما رسمه والده الأمير محمد من قبل
(1)
.
وللوزير بالأندلس حاجب ينظم عملية دخول الناس عليه، فإذا زاره وزير مثله، فإن الرسم يقتضي ألا يحجبه ولا لحظة، بل يبادر بالقيام إليه، إذ أن الوزير لا يقوم إلا لوزير مثله
(2)
، وكما أن له حاجب فكذلك لديه كاتب خاص
(3)
، وعدد من المعاونين أشبه ما يكون بالسكرتارية في الوقت الحالي، وأما الوزراء فإن لديهم كاتب خاص مقره بيت الوزارة
(4)
.
(1)
الحلة السيراء، 1/ 120 - 121، وكذلك حاشية رقم 3 من نفس الصفحة. قارن: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 137 حاشية رقم 2.
(2)
الحلة السيراء، 1/ 124.
(3)
المغرب، 1/ 144.
(4)
المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 35.
كذلك جرت العادة لدى بني أمية بالأندلس أن يقدَّم الوزير على القاضي
(1)
كما اتصفوا بكثرة استشارتهم لوزرائهم
(2)
، ولذا فإن الآراء التي تقدم من الوزراء لابد أن تكون مكتوبة في بطائق خاصة
(3)
.
ورغم المكانة العالية للوزراء، فإن للأمير عيون تنقل إليه كل ما يجري لديهم إذا جلسوا في بيتهم
(4)
الذي جرت العادة أن تفوح منه رائحة المسك دائماً
(5)
.
والوزير يمنح ألقاباً تضاف إليه حسب طبيعة عمله -كما ذكرنا سابقاً- فالخليفة الحكم المستنصر منح وزيره غالب بن عبد الرحمن لقب "القائد الأعلى" وأصدر في ذلك مرسوماً ثبت في الديوان الخاص وفي بيت الوزارة أمر فيه ألا ينادى ولا يخاطب غالب بن عبد الرحمن إلا ب"الوزير القائد الأعلى
(6)
". هذا اللقب الذي منحه الخليفة المستنصر للوزير غالب
(1)
النباهي، ص 88.
(2)
المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 72، 130.
(3)
ذكر بلاد الأندلس، 1/ 154. نفح الطيب 1/ 353.
(4)
ابن القوطية، ص 113. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 86. ومما يدل على شدة الرقابة المفروضة على الوزراء في بيتهم ماذكره الرازي من أن الوزير هاشم بن عبد العزيز تنفس بطريقة تدل على التذمر عندما أخرج الأمير المنذر إلى الوزراء رقعة بتوقيعه فرفع أمره مباشرة إلى الأمير المنذر. انظر: الحلة السيراء، 1/ 138 - 139.
(5)
جذوة المقتبس، ص 407 ترجمة رقم 975.
(6)
المقتبس، تحقيق: د. عبد الرحمن الحجي، ص 69.
بن عبد الرحمن ترتبت عليه حقوق ميزته عن نظرائه من الوزراء، إذ أمر الخليفة بتصدير فراش الوزير القائد الأعلى غالب فوق فرش الوزراء جميعاً تشريفا له
(1)
، ثم خلع عليه خلعاً متميزة، وقلده سيفين مذهبين من أنفس ما في خزانته وسماه "ذا السيفين" وأمر أن تثبت هذه التسمية مع ما سبق له من الألقاب
(2)
.
لكن إطلاق لقب "ذا الوزارتين" على أحدٍ من الوزراء هو في الواقع لقب تشريفي ليس إلا، يدل على ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر هو أول من أطلقه على أحد وزراء دولته، وكان أول من حظي بهذا اللقب الوزير أحمد بن عبد الملك بن شُهيد، والذي تجدر الإشارة إليه أنه لم ينل هذا اللقب إلا بعد هديته المشهورة للخليفة عبد الرحمن الناصر
(3)
.
وعلى الرغم من الواجبات العديدة التي اضطلع بها الوزراء، إلا أنه وجد وزراء بدون وزارات، وهو ما يعرف حالياً ب"وزراء دولة" فعليهم التواجد مع الوزراء ليكلفهم الأمير بما شاء ومتى شاء، ومن هؤلاء: بدر الصقلبي مولى الأمير عبد الله بن محمد والسبب في منحه لقب "وزير" أنه أشار على الأمير عبد الله في مسألة ثبت فيها نصحه ونجحت رؤيته، فأعجب الأمير به وأمر بوضع فراش له للشورى مع الوزراء
(4)
.
(1)
المصدر السابق، ص 219.
(2)
نفسه، ص 220.
(3)
الحلة السيراء، 1/ 238. نفح الطيب، 1/ 356 - 360.
(4)
ابن القوطية، ص 112 - 113. المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 13 - 131.
وإذا أتينا إلى مسألة عدد الوزراء، نجد أن العدد يختلف من عهد أمير إلى آخر ومن خليفة إلى غيره، بل إن العدد يختلف بين سنة وأخرى، فنجد أن الأمير عبد الله بن محمد هو أول من استكثر من الوزراء حتى بلغ عددهم ثلاثة عشر وزيراً، لكنه عندما توفي لم يكن في بيت الوزارة لدية إلا أربعة وزراء فقط
(1)
.
وأكبر عدد من الوزراء وجد في دولة بني أمية بالأندلس كان على عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر ففي سنة (330) هـ (942) كان عدد الوزراء لديه ستة عشر وزيراً
(2)
. وفي الوقت نفسه شهد عصره أقل عدد من الوزراء في الدولة الأموية، إذ أنه أصدر أمره سنة (339) هـ (941 م) بعزل جميع الوزراء البالغ عددهم تسعة وزراء ولم يبق منهم سوى وزيرين
(3)
.
ولبني أمية أسلوبهم الخاص في التعامل مع وزرائهم، من ذلك أن الأمير إذا أحس من أحد وزرائه إعجابا بنفسه، نصب إزاءه من يكون مبرزاً في نواحٍ عدة، ويعلي من شأنه ليكسر من حدة ذلك الوزير المعجب
(1)
هم: العباس بن عبد العزيز القرشي المرواني، وأحمد بن محمد بن أبي عبد هـ، ومحمد بن وليد بن غانم وعبد الله بن محمد الزجالي الكاتب. انظر: المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 6.
(2)
المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 487.
(3)
المصدر السابق ص 470.
بنفسه، وهذا ما فعله الأمير محمد عندما نصب محمد بن عبد الملك بن جهور إزاء الوزير هاشم بن عبد العزيز
(1)
.
وعندما يرغب الأمير بإعادة وزير سبق أن عزله فإنه يكلف أحد الوزراء بالذهاب إلى الوزير المعزول ويعمل على إقناعه بالعودة إلى الوزارة، شريطة أن يظهر الأمر وكأن الوزير المعزول هو الذي يستجدي الأمير إعادته إلى منزلته السابقة حتى يبقى الأمير هو صاحب الفضل، وفي الوقت نفسه لاتكون لذلك الوزير دالة عليه، لكن إذا حدث أن رفض الوزير المعزول العودة إلى الوزارة عندها يضطر الأمير إلى مخاطبته والإرسال إليه مباشرة لكي يعود إلى مرتبته السابقة.
وهذا ما جرى للوزير سليمان بن وانسوس البربري
(2)
عندما أغضبه الأمير عبد الله بن محمد فأغلظ الوزير في الرد عليه وخرج مغضباً، فأمر
(1)
انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 155 - 157. الحلة السيراء 2/ 375.
(2)
أبو أيوب سليمان بن محمد بن أصبغ بن عبد الله بن وانسوس المكناسي، مولى سليمان بن عبد الملك، أصله من البربر، وله فيهم بيت شرف بالأندلس، كان أديباً مفتناً وشاعراً مطبوعاً، حسن البيان، بليغاً، حصيفاً، داهياً، تصرف في الأعمال حتى أصبح وزيراً في عهد الأمير عبد الله بن محمد وقد توفي سليمان سنة 292 هـ. انظر: المقتبس، تحقيق: د. محمود مكي، ص 104، 109، 189 - 193، والتعليق رقم 363، والمصادر الواردة فيه. الحلة السيراء، 1/ 160 - 161.
الأمير بعزله عن الوزارة لكنه عندما احتاج إليه وعرف سداده لم يقبل ابن وانسوس العودة إلى الوزارة إلا بعد أن أرسل إليه الأمير مباشرة
(1)
.
وفي قصة الوزير ابن وانسوس دلالة أكيدة على عظم وزراء بني أمية، وفي الوقت نفسه تدل على أن بني أمية رجال أفذاذ يحرصون بشدة على الاستعانة بعظماء الرجال ذوي المروءة والرأي.
ولعل هذا ما دلت عليه مقولة الطرطوشي، أن "أول ما يظهر من نبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله في استنخاب الوزراء"
(2)
.
وهناك حالات يُعزل فيها الوزير عن منصبه، ومن عُزل يرفع فراشه، وحيث أن بني أمية يحرصون على الوزير المشهود له بالمروءة وحسن الرأي فإن نقصها يكون سبباً في عزل الوزير عن الوزارة، وهذا ما فعله الأمير الحكم الربضي عندما أصدر أمره بطرد الوزير أبي البسام من منصبه بعد غدره بالفقيه طالوت بن عبد الجبار المعافري
(3)
.
ومن الحالات أيضاً التي يتم فيها عزل الوزير عن الوزارة إذا صدر من الوزير لفظ زائد يجعله موضعاً للشك والريبة، وهذا ما جرى للوزير البراء بن مالك فقد عُرف عنه أنه في منطقه فضل، وحدث أن كان في
(1)
انظر: جذوة المقتبس، رقم 459. الحلة السيراء، 1/ 124.
(2)
سراج الملوك ص 131.
(3)
طالوت بن عبد الجبار المعافري، أحد تلاميذ الإمام مالك بن أنس، اشتهر طالوت بالصلاح والفضل، وكان ممن اتهم في الهيج ضد الأمير الحكم الربضي. انظر: ابن القوطية، ص 53 - 55. ترتيب المدارك، 3/ 340 - 342.
بيت الوزراة فصدرت منه كلمة نقلت إلى الأمير عبد الله بن محمد فأثارت غيظه وجعلته يتهم وزيره البراء، ولذا أصدر أمراً بعزله عن الوزارة
(1)
، كذلك يعزل الوزير ويسخط عليه إذا ظهر تقصيره وغشه في العمل الذي أسند إليه، من ذلك أن الخليفة عبد الرحمن الناصر أصدر أمره بعزل سعيد بن جساس عن خطتي الوزارة والسكة معاً، بل إنه أمر بحبسه وإهانته
(2)
.
الوزارة في عهد تسلط الحجابة على الدولة:
أصبح الوزراء في عهد الحاجب المنصور بن أبي عامر لا يصلون إلى الخليفة المغلوب على أمره هشام المؤيد إلا نادراً، ومع ندرة وصولهم إليه، فإن عليهم الإنصراف مباشرة بعد أن يسلموا عليه
(3)
، وهذا يدل على الضعف الذي أصبحت تعاني منه الوزارة بسبب تسلط المنصور بن أبي عامر على الخليفة ودولته، ومما يؤكد أن الوزارة في ذلك الوقت كانت ضعيفة لا بهاء لها، أن زيري بن عطية المغراوي، زعيم زناته، عندما وصل إلى قرطبة زائراً للمنصور بن أبي عامر وقدم له هدية عظيمة، احتفل له المنصور وتوسع له بالعطاء ودفع له قيمة هديته وولاه خطة الوزارة
(4)
وذلك في شهر رجب سنة (382) هـ (سبتمبر (992) م)
(5)
فاستقبح زيري
(1)
المقتبس، تحقيق: أنطونيه، ص 86.
(2)
المقتبس، تحقيق: شالميتا، ص 486.
(3)
تاريخ ابن خلدون، 4/ 147.
(4)
مفاخر البربر، ص 33. وانظر: الإستقصاء 1/ 211.
(5)
أعمال الأعلام، القسم الخاص بالمغرب 3/ 157.
لقب "الوزارة" واعتبرها إهانة له، وعندما خاطبه بها أحد رجاله نهاه عن ذلك ثم قال له: -
"وزير من يا لكع؟ لا والله إلا الأمير بن أمير، واعجباً لابن أبي عامر ومخرقته! لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، والله لو كان بالأندلس رجل ماتركه على حاله وأن له منا ليوماً
(1)
. والله لقد تاجرني فيما أهديت إليه حظاً للقيم، ثم غالطني بما بدله تبتيتا للكرم إلا أن يحتسب بثمن الوزارة التي حطني بها عن رتبتي
(2)
".
ومن عرف المنصور بن أبي عامر ومنهجه السياسي القائم على الهيمنة المطلقة على الخلافة، يدرك تماماً أنه لا يمكن أن يرتفع لأحد شأن في عهده أياً كان منصبه، فهل يتوقع الوزير والحالة هذه أن تكون له ولوزارته مكانة لديه؟ أو يحسب لهما أي حساب؟.
وعندما تولى الحجابة عبد الملك المظفر، تغيرت أحوال الوزارة، فهذا عيسى بن سعيد المعروف بابن القطاع رغم علو منزلته عند المنصور إلا أنه لم يتنفس الصعداء إلا بعد موت المنصور وتولي ابنه عبد الملك الحجابة. يقول ابن بسام: -
"وتبجح عيسى بعد مهلك المنصور بن أبي عامر في دولة ابنه عبد الملك، فتناهى عن الاكتساب بالحضرة وجميع أقطار الأندلس ضياعاً
(1)
الإستقصاء، 1/ 211.
(2)
مفاخر البربر، ص 22.
ودوراً، فات الناس إحصاؤها واشتمل على الملك هو وولده وصنائعه
(1)
"وذلك لأن عبد الملك المظفر فوض وزيره عيسى بن سعيد في أمر تدبير الدولة
(2)
.
وقد استغل عيسى بن سعيد منصبه الوزاري وتفويض عبد الملك له في إدارة الدولة فأخذ يبيع المناصب الإدارية
(3)
مما عاد عليه وعلى صنائعه بالثروة الطائلة، وأصبح لايسير إلا في موكب ضخم، كما أن الوصول إليه أصبح أمراً عسيراً
(4)
. كل ذلك لم يقنع الوزير ابن القطاع، ولذا فقد أخذ يدبر مؤامرة خطيرة للإطاحة بعبد الملك المظفر، وتسليم الدولة لهشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، وكاد أمره أن يتم لولا أن كشفت خيوط المؤامرة في مراحلها الأخيرة، فذهب ابن القطاع ضحية لها
(5)
.
وبعد مقتل ابن القطاع لحق الأذى كل فرد من حاشيته، إذ صودرت أملاكه وأملاكهم
(6)
، ثم صدر كتاب من عبد الملك بين فيه للناس سبب قتله لابن القطاع
(7)
.
(1)
الذخيرة، ق 1 م 1، ص 124.
(2)
المصدر السابق، ق 4 م 1 ص 50.
(3)
نفسه ق 1 م 1، ص 124.
(4)
البيان المغرب، 3/ 28.
(5)
الذخيرة، ق 1 م 1 ص 125 - 127.
(6)
البيان المغرب، 3/ 34.
(7)
الذخيرة، ق 1 م 1 ص 121.
الوزارة في عهد الفتنة:
عاشت الوزارة مرحلة مضطربة بسبب الفوضى التي كانت تمر بها الدولة في تلك الفترة، وبالرغم من أن المصادر تناولت تلك الفترة بشيء من التفصيل إلا أنها لم تكن تلقي الضوء على الوزارة والوزراء إلا لماماً، ومن خلال اللقطات السريعة لأحوال وزراء الفتنة نجد أنه لا يمكن مقارنتهم بأي حال من الأحوال بوزراء بني أمية سواءً في عصر الإمارة أو في عصر الخلافة الذي سبق الفتنة.
فقد وُصف وزراء الخليفة المهدي بأن العين تقتحمهم هجنة وقماءة
(1)
، وأما الخليفة المستعين فقد كانت دولته دولة برابرة
(2)
، وعندما تولى الخلافة القاسم بن حمود وكان رجاله من عوام البربر
(3)
، في حين أن ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود اتخذ السفلة عماداً لدولته
(4)
، واتخذ الخليفة المستظهر رجال وزارته من أهل البطالة والترف
(5)
وأما الخليفة المستكفي الذي أجمع أهل المعرفة على أنه "لم يجلس في الإمارة مدة تلك الفتنة
(1)
البيان المغرب، 3/ 74.
(2)
المصدر السابق، 3/ 114. والمقصود بدولة برابرة أي أن المناصب الإدارية في الدولة كانت بأيدي البربر.
(3)
الذخيرة، ق 1 م 1 ص 485.
(4)
انظر: الذخيرة ق 1 م 1 ص 483. ونفح الطيب 1/ 486.
(5)
نفح الطيب، 1/ 489.
أسقط منه ولا أنقص
(1)
" فقد شهد عصره تهافتاً عجيباً من الناس على خطط الوزارة، فقد كان يقول لهم "ارتعوا كيف شئتم وتسموا بما أحببتم من الخطط
(2)
" ولكن سرعان ما تبرأوا منها عندما اكتشفوا زيف ما هم فيه
(3)
.
وعندما وصل إلى قرطبة الخليفة الأموي الأخير هشام المعتد بالله، اتخذ له مدبر دولته حكم القزاز وزراء ما فيهم إلا "كل نغلٍ دغلٍ أو ماجن فاسق أو سوقي رذل، سقطت به عليهم المشاكلة .. ما فيهم حازم ولا فصيح
(4)
".
ومهما قيل عن وزراء تلك الفترة، فليس هناك أبلغ من ابن حيان عندما قدم لنا بأسلوب ساخر لاذع وصفاً لهم فقد قال: -
"ومات فلان الغني العبام، حجة الله في الرزق وغيظ الأنام، فنهض بريئاً من كل خلة جميلة تدل على فضيلة إلى عيٍ غالب عليه، وكان أخوه مثله في الأفن والجهالة، وكلاهما ممن استهينت به خطة الوزارة بحملهما اسمها الخطير الأثير من غير تعلق بفضيلة في حديث ولا قديم ولا معرفة بشيء من التعاليم
(5)
".
(1)
الذخيرة، ق 1 م 1، ص 489.
(2)
المصدر السابق، ص 434 - 435.
(3)
نفسه، ص 435.
(4)
البيان المغرب، 3/ 148 ..
(5)
الذخيرة، ق 1 م 2 ص 591.
هذه هي صفات الوزارة والوزراء في تلك الفترة، مناصب بلا نفوذ، ولذا فكثير ما كانت قرطبة تعيش تحت إدارة "العبيد وسفَّال الناس
(1)
" لأجل ذلك فلا عجب إذا رفض أهل المروءة والشمم العمل في هذا الوسط العجيب، فالوزير حسان بن مالك بن أبي عبد هـ، استوزره الخليفة المستظهر لكنه لم يلبث في بيت الوزارة إلا يسيراً ثم لم يعد يحضر، ثم كتب للمستظهر رقعة بينَّ فيها سبب غيابه فقال: -
إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل
…
فسيان مني مشهد ومغيبُ
فأصبحت تيمياً وما كنت قبلها
…
لتيم ولكن الشبيه نسيبُ
(2)
من هذه الصورة العجيبة ندرك أن الوزراء لم يعد لهم مكانة حتى أنهم هجروا بيتهم، الذي كان مجلساً لأعلام دولة بني أمية، واتخذوا من الديدبان
(3)
مكاناً لهم. وتميزت اجتماعاتهم بأن القرار الذي يتخذونه اليوم ينقضونه غداً
(4)
، وأصبح عملهم مقتصراً على التشاور فيمن يولونه الخلافة من بني أمية بعد كل خليفة ينتهي دوره
(5)
.
(1)
البيان المغرب، 3/ 190.
(2)
انظر: جذوة المقتبس، ترجمة رقم 380. مطمح الأنفس، ص 211 - 215. بغية الملتمس، ترجمة رقم 662.
(3)
الديدبان/ مجلس يشرف على الخندق الذي حفره أهل قرطبة للدفاع عنها ضد البربر والمجلس من إنشاء الفتى واضح الصقلبي. انظر: البيان المغرب، 3/ 105.
(4)
البيان المغرب، 3/ 105.
(5)
المعجب، ص 109.
ولم يظهر للوزراء القدامى وأهل الرأي من اتفاق قوي على أمر إلا عندما اجتمعت كلمتهم على إزالة الخلافة الأموية وإسقاط رسمها وطرد الأمويين من قرطبة واستلام السلطة فيها عوضاً عنهم
(1)
.
(1)
أعمال الأعلام، 2/ 139.