الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإهداء
- إلى العالم العامل، الذي أفرغ جهده في خدمة القرآن والسنة تعلمًا وتعليمًا
…
محيي الحلقات العلمية .. العاكف في زوايا المساجد الجامعات، لينير الطريق أمام طلاب العلم، بعلمه الغزير المتدفق، وفقهه السهل الواسع، وأسلوبه الشيّق الممتع
…
- إلى العالم الفقيه الزاهد، الذي لم يتطلع إلى زخارف الدنيا وحطامها ومناصبها، بل جاءته صاغرة
…
صاحب الخلق القرآني .. أنموذج الصدق والإخلاص والتواضع .. نبراس النقاء والصفاء والطهر .. ومثال العفاف والزهد والحب ..
- إلى شيخي وأستاذي، العالم الرباني، شوكاني عصره، الذي حباني بأوفي رعاية وأمثل توجيه، وأفضل عناية العلامة القاضي محمد بن إسماعيل العمراني، أحسن الله إليه في الدارين، وأكرمني وإياه برفقة محمد صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى.
أتقدم بهذا الجهد وفاءً وتقديرًا
ولدكم وتلميذكم
أبو مصعب
محمد صبحي بن حسن حلاق
• تمثلت بما قاله أبو حيان الأندلسي:
- عِداتي لهم فضلٌ عليٌّ ومنَّةٌ
…
فلا أذهَبَ الرحمنُ عني الأعاديا
- هُمُ بحثوا عن زلتي فاجتنبتُها
…
وهم نافسوني فاكتسبتُ المعاليا
أبو مصعب
أولًا مقدمة المحقق
إنَّ الحمدَ لله، نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسِنا، ومن سيئات أعمالِنا، من يهْدِه اللَّهُ فلا مُضِل له، ومن يضلل فلا هاديَ له.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه.
(1)
.
(2)
.
(3)
.
أما بعدُ:
"فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهْديِ هَدْيُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ مُحدثاتها، وكلَّ مُحْدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار".
وبعدُ:
فقد أدرك الإمامُ الشوكانيُّ رحمه الله مدى أهميةِ التضلُّعِ في عِلْم الحديثِ لمن أراد تحمُّلَ مسؤوليةِ الاجتهادِ، والإسهامَ في حقوق الشريعةِ الغراءِ، من فقه وتفسير.
فقال في كتابه: "أدبُ الطلبِ ومُنتهى الأرب"
(4)
: "إنَّ اشتغالَ أهلِ العِلْم به -
(1)
سورة آل عمران: الآية 102.
(2)
سورة النساء: الآية 1.
(3)
سورة الأحزاب: الآيتان 70، 71.
(4)
ص 63 بتحقيقنا.
أي بالحديث أعظمُ من اشتغالِ أهلِ سائرِ الفنون بفنونهم، وتنقيحَهم له، وتهذيبَه، والبحثَ عن صحيحه، ومعرفةَ عللهِ، والإحاطةَ بأحوال رُواتهِ وإتعابَ أنفسِهم في هذا الشأن، ما لا يَتعَبُه أحدٌ من أهلِ الفنون في فنونهم، حتى صارَ طالبُ الحديثِ في تلك العُصورِ لا يكونُ طالبًا إلا بعد أن يَرْحلَ إلى أقطارٍ متباينةٍ، ويسمعَ من شيوخٍ عدَّةٍ، ويعرِفَ العاليَ والنازلَ وغيرَه على وجه لا يخفى عليه مخْرَجُ الحرفِ الواحدِ من الحديث الواحدِ، فضلًا عن زيادة على ذلك" اهـ.
ثم أضاف في كتابه "أدب الطلب"
(1)
منتقدًا علماءَ كبارًا لعدم دراستِهم علومَ الحديثِ وفنونَه: "ومن أراد الوقوفَ على حقيقةِ هذا فلينظرْ مؤلفاتِ جماعةٍ هم في الفقه بأعلى رُتبةٍ، مع التبحُّرِ في فنودب كثيرةٍ: كالجُويني [ت: 478 هـ / 1085]، والغزاليِّ [ت: 505 هـ/ 1111 م] وأمثالِهما، فإنهم إذا أرادُوا أن يتكلموا في الحديثِ جاؤُوا بما يُضحكُ سامِعَه وَيَعْجَب، لأنهم يوردونَ الموضوعات فضلًا عن الضِعاف، ولا يعرِفُون ذلك، ولا يفطَنون له، ولا يفرّقون بينه وبين غيرهِ، وسببُ ذلك عدمُ اشتغالِهم بفنِّ الحديثِ كما ينبغي" اهـ.
فلذا نجد الشوكانيَّ قد عكَف في أوائل الطلبِ، ومَيْعةِ الشباب على دراسة الحديثِ الشريف وعلومِه بجهد كبير، وفهم حصيف، وإدراكٍ بالغ، باعترافِ شيوخه وهم كبارٌ في عصره
(2)
. فأخذ عنهم "الصِّحاحَ" و "السننَ" و "المسانيدَ" و "المعاجِمَ" و "المستدرَكاتِ" و "التخاريجَ" و "الشروحَ" بالإضافة إلى دراسة علمِ "مصطلح الحديث" وأنواعِه، ومعرفةِ دَرَجاتِ علمائهِ، وسلاسل رجالِهِ ورواتِه،
(1)
ص 64 - 65 بتحقيقنا.
(2)
انظر: "إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر" للشوكاني - بتحقيقنا - لترى أسماء المشايخ الأعلام الذين حدَّث عنهم الشوكاني هذه الكتب بالسماع والإجازة، وتعلْمَ معارفَه الواسعةَ بعلم الحديثِ وطرق مروياتِه لأمهاته:
فانظر: رقم (8) و (31) و (40) و (43) و (45) و (71) و (85) و (126) و (137) و (178) و (183) و (184) و (185) و (186) و (187) و (188) و (244) و (250) و (251) و (252) و (267) و (325) و (343) و (346) و (355) و (356) و (357) و (358) و (359) و (360) و (361) و (362) و (363) و (364) و (365) و (366) و (368) و (372) و (373) و (374)(375).
وكلِّ ما قيل فيهم من تعديل أو جَرْح، وغيرُ ذلك كثيرٌ، حتى بات حُجَّتَه وناقِدَه، مما ساعد ذلك الإمامَ الشوكانيُّ في متابعة حياتِه العلميةِ والعمليةِ بالتدريس والتأليفِ في فنون عدة، رُغمَ مشاغلِه ومسؤولياتِه، وشراسةِ خصومِه، وجَهالةِ الجامدين المتعصّبين، وميلهم إلى التقليد، وإعراضِهم عن العمل بالبرهان.
ولْنستمع إليه وهو يُخبرنا عن ذلك في كتابه: "أدب الطلب"
(1)
: "وإني أُخبرُك أيها الطالبُ عن نفسي، وعن الحوادث الجاريةِ بيني وبين أهلِ عصري، ليزدادَ يقينُك وتكونَ على بصيرة فيما أرشدتُك إليه:
…
كنتُ بعد التمكّنِ من البحث عن الدليل والنظرِ في مجاميعه أذْكُر في مجالس شيوخي، ومواقفِ تدريسِهم، وعند الاجتماعِ بأهل العلم، ما قد عرَفتُه من ذلك، لا سيما عند الكلام في شيء من الرأي مُخالفٍ للدليل، أو عند ورود قول عالمٍ من أهل العلم قد تمسَّك بدليل ضعيف وترك الدليلَ القويَّ، أو أخْذٍ بدليل عامٍ وبعمل خاصٍّ أو بمطلقٍ وطرحَ المقيّدَ، أو بمُجمل ولم يَعرِفْ المبيَّنَ، أو بمنسوخٍ ولم يَنتَبِهْ للناسخ، أو بأوَّل ولم يعرِفْ بآخرَ، أو بمحضِ رأْيٍ ولم يبلُغْه أن في تلك المسألةِ دليلًا يتعيّن العمل به، فكنتُ إذا سمِعتُ بشيء من هذا، لا سيما في مواقف المتعصبين، ومجامع الجامدين - تكلمتُ بما بلغتْ إليه مقدرتي، وأقلُّ الأحوال أن أقول: استدل هذا بكذا، وفلانٌ المخالفُ له بكذا، ودليلُ فلانٍ أرجحُ لكذا، فما زال أُسَراءُ التقليدِ يستنكرون ذلك ويستعظمونه، لعدم الفهمِ به، وقَبولِ طبائعِهم له حتى ولّد ذلك في قلوبهم من العداوة والبغضاءِ ما اللَّهُ به عليمٌ.
ثم كنتُ إذا فرغتُ من أخذ فنٍ من الفنون، أو مصنَّفِ من المصنفات على شيوخي - أقبل جماعةٌ من الطلبةِ إليَّ، وعوَّلوا عليَّ في تدريسهم في ذلك، فكان يأخذُ أترابي شيء من الحسد الذي لا يخلو عنه إلا القليلُ، ثم تكاثر الطلبةُ عليَّ في علوم الاجتهادِ وغيرِها، وأخذوا عني أخذًا خاليًا عن التعصب، سالمًا من الاعتساف، فكنتُ أقرِّر لهم دليلَ كلِّ مسألةٍ، وأوضح لهم الراجحَ فيها وأصرح لهم بوجوب المصير إلى ذلك، وكانوا قد تمرّنوا وعرَفوا علومَ الاجتهاد، وذهب عنهم
(1)
ص 38 - 40 بتحقيقنا.
ما تكدَّرت به فِطَرُهم من المغيِّرات، فزاد ذلك المخالِفين عداوةً ومناعةً وحسدًا وبغضًا، وأطلقوا ألسنتَهم بذلك، وكان مع ذلك تردُ إليَّ أبحاثٌ من جماعة من أهل العلمِ الساكنين بصنعاءَ، وغيرِهم من أهل البلاد البعيدة والمدائنِ النائية، فأحرِّر الجواباتِ عليهم في رسائلَ مستقلةٍ، مما يرغّب تلامذتي لتحصيل ذلك، وتنتشر في الناس، فإذا وقف عليه المتعصبون، ورأوه يخالِف ما يعتقدون، استشاطوا غضبًا، وعرَضوا ذلك على من يرجون منه الموافقةَ والمساعدةَ، فمِن ثالِبٍ بلسانه، ومُعترضٍ بقلمه، وأنا مُصمِّمٌ على ما أنا فيه، لا أنثني عنه، ولا أَميل عَن الطريقة التي أنا فيها، وكثيرًا ما يرفعون ذلك إلى من لا عِلمَ عنده من رؤساء الدولةِ الذين لهم في الناس شهرةٌ وصَولةٌ، فكان في كل حينٍ يبلُغني من ذلك العَجبُ، ويناصحني مَنْ يُظهر لي المودَّةَ، وَمَنْ لا تخفى عليه حقيقةُ ما أقولُه وحقِّيتُه، مع اعترافهم بأن ما أسلُكُه هو ما أخذه اللَّهُ على الذين حمَلوا الحجةَ، لكنهم يتعلَّلون بأن الواجب يسقُط بدون ذلك، ويذكرون أحوالَ أهلِ الزمان، وما هم عليه، وما يخشَونه من العواقب، فلا أرفع لذلك رأسًا، ولا أعوِّل عليه
…
" اهـ.
وأما كتابُ (نيل الأوطار) فإنه يُعَدّ من أجلِّ مؤلفاتِ الإمام الشوكانيِّ وأشهرِها، بل لعله أكثرُها متانةً تُنْبئ عن عظيم الجُهدِ المبذولِ فيه، رغم أنه يعتبر باكورةَ نتاجِه العلميِّ الموسوعيِّ الكبير.
وقد شرَع في تأليفهِ بإرشاد شيخيه العالِمَيْن الكبيرين عبدِ القادر بن أحمدَ والحسنِ المَغربِي وأتمَّه بعد موتِهما، أي في بداية تولّيه منصِب القضاءِ الأكبرِ عام - 1209 هـ - 1794 م - فقد توفي الأول عام - 1207 هـ - 1792 م - والآخر في السنة التي تليها
(1)
.
وبهذا توفر للشوكاني عواملُ التفرُّغِ الكاملِ قبلَ الانشغالِ بالقضاء الذي شكا منه كثيرًا، واستقامت له غزارةُ المعارفِ التي نهل من مَعينها، وارتباطُه بكل المصادرِ والمراجع تدريسًا وانطلاقًا في مرحلة متقدمةِ هي بلوغُه درجةَ الاجتهادِ وتصدّرُه قبل ذلك للإفتاء.
(1)
البدر الطالع: (1/ 197).
ومع ذلك فقد اعتذر في البداية لمشايخه من عدم القيامِ بشرح "المنتقى" متعللًا بأسباب عديدة. ولنستمع إليه وهو يقول: "
…
حَمَلَ حسنُ الظنِّ بي جماعةً من حَمَلةِ العلمِ، بعضُهم من مشايخي على أن التمسُوا مني القيامَ بشرحِ هذا الكتاب - المنتقى - وحسَّنوا لي السلوكَ في هذهِ المسالكِ الضيِّقةِ التي يتلوَّنُ الخِرِّيتُ في مُوعِراتِ شِعَابها والهضابِ، فأخذتُ في إلقاءِ المعاذيرِ، وأبنتُ تعسُّرَ هذا المقصِدِ على جميع التقادير، وقلتُ: القيامُ بهذا الشأنِ يحتاجُ إلى جُمْلَةٍ من الكُتبِ يعِزُّ وجودُها في هذهِ الديارِ. والموجودُ منها محجوبٌ - بأيدي جماعةٍ - عن الأبصارِ بالاحتكارِ والادِّخارِ، كما تُحجبُ الأبكارُ. ومعَ هذا فأوقاتي مُسْتَغرَقةٌ بوظائفِ الدرسِ والتدريسِ، والنَّفْسُ مؤْثرةٌ لمُطارحةِ مهَرةِ المتدرِّبين في المعارِفِ على كُلِّ نفيسٍ، ومَلَكتي قاصِرَةٌ عن القدْرِ المعتَبرِ في هذا العلم الذي قد درَس رسمُه، وذهبَ أهلُه منذ أزمانٍ قد تصرّمتْ فلم يبقَ بأيدي المتأخرين إلا اسمُهُ، لا سيَّما وثوبُ الشبابِ قَشِيبٌ، ورِدْنُ الحَداثةِ بمائِها خصيبٌ، ولا ريبَ أن لعلوِّ السِّنِّ وطولِ الممارسةِ في هذا الشأنِ أوفرَ نصيبٍ.
فلمَّا لم ينفعْني الإِكثارُ من هذه الأعذار، ولا خَلَّصني من ذلكَ المطلَبِ ما قدَّمْتُه من الموانعِ الكِبار صمَّمْتُ على الشروع في هذا المقصِدِ المحمود، وطمِعْتُ أن يكون قد أُتيح لي أنِّي مِنْ خدَمِ السُّنَّةِ المطهَّرةِ معدودٌ، وربما أدركَ الطالعُ شأوَ الضليعِ، وعُدَّ في جملةِ العقلاءِ المتعاقِلُ الرقيعُ
…
" اهـ
(1)
.
وقد اشتمل "نيل الأوطار" على مزايا قلَّ أن توجدَ في غيره من الكتب المؤلّفةِ في أدلة الأحكام.
(منها): أنه تعرّض لتخريج الحديثِ وبيان طُرقِه، واختلافِ ألفاظِه، وما قيل فيه من صِحّة أو ضَعف، وسبب ضعفه، وأقوالِ أئمةِ هذا الشأنِ فيه، وإبداءِ رأْيهِ في ذلك.
(ومنها): كشفُ معاني ألفاظِ الحديثِ في الغالب، وأقوالِ علماءِ اللغةِ فيها، وبيانُ اشتقاقِها إذا احتاج الأمرُ لذلك، مع إيضاح معناها الاصطلاحي الشرعيّ.
(1)
نيل الأوطار: (1/ 2 - 3) ط: دار الجيل - بيروت.
(ومنها): استنباطُ أحكامِ الفقهِ منها، ووجهُ دِلالتِها عليها، وأقوالُ علماءِ الصحابةِ والتابعين فيها، وبيانُ مذاهبِ علماءِ الأمصار ومن احتج منهم بالحديث ومن لم يحتجَّ به، وحجةِ كل مع بيان الراجح في ذلك عنده بدون تعصبٍ ولا تعسُّف. ونصر ما ظنّه الحقَّ بقدْر ما بلغتْ إليه مَلَكتُه ولو خالف الجمهورَ.
ولذلك قال في خطبته: "وأما في مواطن الجدالِ والخِصامِ فقد أخذتُ فيها بنصيب من إطالة ذيولِ الكلامِ لأنها معاركُ تَبين عندها مقاديرُ الفحول، ومفاوِزُ لا يقطع شعابَها إلا نحاريرُ الأصول، ومقاماتٌ تنكَسِرُ فيها النِّصالُ على النِّصَالِ، ومواطنُ تُلجَم عندها أفواهُ الأبطالِ بأحجار الجِدال، ومواكبُ تُعرفُ فيها جباهُ رجالِ حلِّ الإشكالِ والإعضال - إلى أن قال - فدونك مَن لم تذهبْ ببصر بصيرتِه أقوالُ الرجال، ولا تدنّستْ فطرةُ عزماتِه بالقيل والقال، شرحًا يشرح الصدور، ويمشي على سَنن الدليلِ، وإن خالف الجمهور"
(1)
.
(ومنها): تطبيقُ الأحكامِ الجُزْئيةِ الفرعية، على القواعد الأصولية، مع ذكر أقوالِ فحولِ علماءِ الأصولِ في ذلك.
ولمّا كان الكمالُ المطلقُ إنما هو لله سبحانه فقد وقع الإمامُ الشوكانيُّ في بعض الأخطاءِ التي لا يسلَمُ من أمثالها بشرٌ، لذلك جاء تحقيقُ الكتاب تتويجًا لعمله الجليلِ حيث تم - ضمن التحقيق - استدراكُ الأخطاءِ التي وقع فيها حسب ما وصل إليه جُهدي البشريُّ الذي قد لا يسلم هو أيضًا من الخطأ.
ومن أمثال هذا الاستدراكِ:
1 -
يعزو الإمامُ الشوكانيُّ الحديثَ أحيانًا إلى من لم يخرِّجْه من أئمة الحديثِ، فأنبّه على ذلك.
2 -
يأتي الحكمُ منه على بعض رجالِ السندِ بالتوثيق أو التضعيفِ، وهو على خلاف ذلك عند أئمة الجرحِ والتعديل، فأنبِّه على ذلك.
3 -
يقع الخطأ في اسم الراوي، فأصحح ذلك.
4 -
نجد أحيانًا أن نقلَه لكلام بعض أهلِ العلمِ فيه إخلالٌ بزيادة أو نقصٍ، فأُثبِتُ
(1)
نيل الأوطار: (1/ 3) ط: دار الجيل - بيروت.
النصَّ الأصليَّ، أو أنبه على مصدره ليتيسَّرَ للقارئ الرجوعُ إليه.
وأما موقعُ كتاب "نيل الأوطار" بالنسبة للكتب النافعة التي ألفها الإمامُ الشوكانيُّ، فهو باكورةُ نتاجِه العلميِّ الموسوعيِّ، ثم يليه "وبلُ الغمام على شفاء الأُوام"
(1)
ثم "متنُ الدررِ البهية في المسائل الفقهية"
(2)
ثم "الدراري المُضية"
(3)
ثم "فتح القدير"
(4)
ثم "السيلُ الجرّار"
(5)
.
* * *
وأما منهجُ الشوكانيِّ لشرح "المنتقى" فأوضحه بالآتي:
1 -
بيانُ حالِ الحديث، وتفسيرُ غريبِه، وما يُستفاد منه بكل الدلالات.
2 -
ضَمَّ إلى كل حديثٍ - في الغالب - بقيةَ الأحاديثِ الواردةِ في الباب مما لم يذكُره صاحبُ المنتقى.
3 -
ضبط الأسماءَ وصحَّح ما كان مَظِنةَ تحريفٍ أو تصحيف، مع بيان حالِ من وُجد منهم في حاجة إلى التنبيه.
4 -
لم يقم بترجمة الرواةِ لتوفر ذلك في كُتُب التراجم.
5 -
جعل ما كان لابن تيميةَ من الكلام على فقه الأحاديث، وما يَستطرد إليه من الأدلة في غضونهِ، من جملة الشرح في الغالب، إلا أنه كان ينسِبُ ذلكَ إليه، ثم يتعقّب ما ينبغي تعقُّبهُ عليه، وتكلم فيما رأى أنه لا يحسُنُ السكوتُ عليه، ومما لا يستغنى عنه.
6 -
مراعاتُه الشديدةُ للاختصار بقدر الإمكان، عملًا بنصيحة شيخِه العلامةِ عبدِ القادرِ بن أحمدَ
(6)
.
فلذا جاء هذا الشرحُ كما أراد له صاحبُه شرحًا وافيًا، كما ذكر في مقدمته:
(1)
طبع بتحقيقنا. في مجلدين. ط: دار ابن تيمية - القاهرة.
(2)
طبع بتحقيقنا. في مجلد. ط: دار الفكر - بيروت.
(3)
طبع بتحقيقنا. ط: أولى. في مجلدين. ط: ثانية. مزيدة ومنقحة. ط: مكتبة الإرشاد: صنعاء.
(4)
قيد الإعداد. أعاننا الله على إتمامه.
(5)
طبع بتحقيقنا. في ثلاثة مجلدات. ط: دار ابن كثير - دمشق - بيروت.
(6)
البدر الطالع: (1/ 360).
"يمشي على سَننِ الدليلِ، وإن خالفَ الجمهورَ، وإني مُعْتَرفٌ بأن الخطأ والزَّلَلَ هما الغالبان على مَنْ خَلَقهُ اللَّهُ من عجلٍ، ولكنِّي قد نصرتُ ما أظنُّه الحقَّ بمقدار ما بلغت إليه الملَكةُ، ورُضْتُ النفسَ حتى صَفَتْ عن قَذَرِ التعصُّبِ الذي هو بلا ريبٍ الهلكةُ"
(1)
.
وكذلك حدد الشوكانيُّ مصادِرَه التي اعتمد عليها، من حديثيَّة، وفقهيَّة، ولُغَوية، وتاريخية، وكتب "الجرح والتعديل"، وفيما يلي نذكر أهمَّها:
1 -
صحيحُ البخاري. محمد بن إسماعيل (ت: 256 هـ/ 870 م).
2 -
صحيح مسلم. مسلم بن الحجاج. (ت: 261 هـ/ 875 م).
3 -
مسندُ أحمدَ بن حنبل. (ت: 241 هـ/ 855 م).
4 -
سُنن ابن ماجه. محمد بن يزيدَ القزويني. (ت: 273 هـ/ 886 م).
5 -
سنن أبي داودَ. سليمانَ بن الأشعثِ السِّجستاني. (ت: 275 هـ/ 889 م).
6 -
جامع التِرمذي. محمد بن عيسى. (ت: 279 هـ/ 892 م).
7 -
سنن النسائي. أحمد بن علي. (ت: 303 هـ/ 915 م).
8 -
سنن الدارَقُطني. علي بن عمر. (ت: 385 هـ/ 995 م).
9 -
مستدرَكُ الحاكم النيسابوري. (ت: 404 هـ/ 1014 م).
10 -
سننُ البيهقي. أحمد بن الحسين. (ت: 458 هـ / 1066 م).
11 -
معاجمُ الطبراني (الكبير، والأوسط، والصغير). سلمان بن أحمد. (ت: 360 هـ/ 971 م).
12 -
مجمعُ الزوائدِ للهيثمي. علي بن أبي بكر. (ت: 807 هـ/ 1405 م).
13 -
الجامعُ الكبيرُ. للسيوطي (عبد الرحمن). (ت: 911 هـ/ 1515 م).
14 -
تيسيرُ الوصول إلى جامع الأصولِ. لابن الديبع (ت: 944 هـ / 1576 م).
15 -
شرحُ صحيحِ مسلم. للنووي (ت: 676 هـ / 1277 م).
16 -
سبلُ السلام الموصلة إلى بلوغ المرام. لابن الأمير الصنعاني. (ت: 1182 هـ / 1769 م).
(1)
نيل الأوطار: (1/ 3).
17 -
المحلَّى. لابن حزم الأندلسي. (ت: 456 هـ 1064 م).
18 -
المجموعُ شرحُ المهذب. للنووي. (ت: 676 هـ / 1277 م).
19 -
الإحكامُ في أصول الأحكام. لابن حزم الأندلسي. (ت: 456 هـ/ 1064 م).
20 -
فتحُ الباري شرحُ صحيحِ البخاري. لابن حجر العسقلاني. (ت: 852 هـ/ 1449 م).
21 -
تلخيصُ الحبير. لابن حجرٍ العسقلاني. (ت: 852 هـ 1449 م).
22 -
تهذيبُ التهذيب. لابن حجر العسقلاني. (ت: 852 هـ / 1449 م).
23 -
تقريبُ التهذيب. لابن حجر العسقلاني. (ت: 852 هـ / 1449 م).
24 -
لسانُ الميزان. لابن حجر العسقلاني. (ت: 852 هـ / 1449 م).
25 -
البحرُ الزخّار في مذاهب علماءِ الأمصار. لأحمدَ بن يحيى المرتضى. (ت: 840 هـ / 1437 م).
26 -
أساسُ البلاغة. للزمخشري. (ت: 538 هـ / 1144 م).
27 -
شمس العلوم في اللغة. لنشوان الحِمْيَري. (ت: 753 هـ / 1178 م).
28 -
العِللُ. للدارقطني. (ت: 385 هـ/ 995 م).
29 -
النهايةُ في غريب الحديث لابن الأثير. (ت: 606 هـ).
30 -
الثقاتُ لابن حبان (ت: 354 هـ/ 965 م).
31 -
نوادرُ الأصول للحكيم الترمذي (ت: 255 هـ).
32 -
الزهدُ لابن المبارك. (ت: 181 هـ).
33 -
المصنّف لابن أبي شيبةَ. (ت: 235 هـ).
وغيرُ ذلك من كتب السيرةِ والتراجمِ والتاريخ، التي يشير إليها في أماكنها.
* * *
قد يتبادر إلى الذهن سؤالٌ، هل سبق أحدٌ من العلماء الشوكانيُّ بشرح المنتقى؟.
فأقول: نعم، لقد سبقه بشرح المنتقى والكتابةِ عليه أئمةٌ كرامٌ، وخِيرةٌ من العلماء والأعلام:
كالحافظ/ محمدِ بن أحمدَ بن عبد الهادي المقدِسي (ت: 774 هـ).
والعلامة/ سراجُ الدينُ عمرُ بنُ الملقِّن الشافعيُّ. (ت: 804 هـ). ولكنه لم يُتِمَّه.
والعلامةِ/ أبي العباس. أحمدَ بن المُحسنِ القاضي ابن قاضي الجبل الحنبلي. (ت: 771 هـ) ولم يُتمَّه أيضًا.
إلا أن هذه الكتاباتِ لم يقدَّر لها أن ترى النورَ - فيما أعلم -.
فكانت المكتبةُ الإسلاميةُ متلهِّفةً للجُهد الذي بذله الإمامُ الشوكانيُّ رحمه الله لأن المجْدَ بنَ تيميةَ رحمه الله لم يُبيِّنْ درجةَ الحديث من الصِحّة والحُسْنِ والضَّعف، بل يرويه ويسكُت عليه، وقد كان ذلك البيانُ ضروريًا، حتى إنه يسوق حديثَ الترمذي ولا يذكر ما ذكره التِرمذي فيه من بيان حاله، من الغرابة أو الضَّعف أو الشذوذِ أو النَّكارة، أو نحوِ ذلك.
* * *
وختامًا أقول: إن كتابَ "نيل الأوطار" اتّسم بالجَهد الكبيرِ الذي بذله الإمامُ الشوكانيُّ في تقضيه الأدلةَ في مختلف المسائلِ باجتهاد متحرِّرِ من التعصب المذهبي، أو النظرة الضيِّقة البعيدةِ عن المقاصد العامةِ للشريعة، وهذا ما جعله مقبولًا بل معتمَدًا في مختلف الأوساطِ العلمية.
فعلينا أن نعرِف لله الكريم نعمتَه، وللرسول الرحيم مزيَّتَه، ولعلمائنا الأفاضلِ قيامَهم على التَّرِكة المبارَكة قيامَ الناصحِ الأمين، وما بذلوا في نُصرتها وإعلاءِ كلمِتها المُهَجَ والأموالَ وكلَّ غالٍ ونفيس. فأيدهم اللَّهُ بنصره، وآتاهم من عظيم فضلِه، وجعلهم خيرَ أمةٍ أخرجت للناس.
ثانيًا ترجمة مؤلف نيل الأوطار من أسرار الأخبار
وتحتوي على
الفصل الأول: اليمن في عصر المؤلف
ويحتوي على المباحث التالية:
المبحث الأول: الحالة السياسية
المبحث الثاني: الحالة الدينية
المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية
الفصل الثاني: حياة المؤلف
ويحتوي على المباحث التالية:
المبحث الأول: نسبُه وموطنُه.
المبحث الثاني: مولدُه ونشأتُه.
المبحث الثالث: حياتُه العلْمية.
المبحث الرابع: تولِّيه القضاءَ.
المبحث الخامس: شيوخُه وتلامذتُه.
المبحث السادس: مؤلفاتُه - المطبوعة.
الفصل الأول اليمن في عصر المؤلف
ويحتوي على المباحث التالية:
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الدينية.
المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية.
* * *
المبحث الأول الحالة السياسية
كانت الدولةُ الإسلاميةُ الكبرى تُعاني من ضعف شديد، بلغت الصراعاتُ المذهبيةُ فيها درجةً أشعلت الحربَ بين الدولتين: العثمانيةِ السُّنّية، والدولةِ الصّفَوية الشيعية. وكان المغرِبُ العربي يعاني من صراعات عِرقيةٍ وقَبَلية سهّلت اجتياحَ الحَمَلات الإسبانيةِ والبرتغاليةِ لأرجاء تلك البلادِ.
ولعبت الأُسَرية والقَبَليةُ والقوةُ الدورَ الحاسم في تولّي الحكم والسُّلطة، ومن ثَمّ تحديدِ طبيعةِ النظامِ الحاكم، وهو أمرٌ مخالفٌ لمبدأ الشورى الإسلامي.
وقد أدى وجودُ الدولِ الإسلامية المستقلةِ إلى ضَعف دولةِ الخلافةِ العُثمانية، مما أضعفَ شوكتَها أمام أعدائِها - أعداءِ الإسلام -.
وفي ظروف التفككِ والضعفِ هذه، برزتْ إلى الوجود قواتُ الغزوِ الصليبيِّ العسكري - الاقتصادي بشقّيه: الروسي والأوربي، مستهدفةً اقتسامَ بلاد المسلمين، بعد الإجهازِ على دولة الخلافةِ الإسلامية - العثمانيةِ التي أُطلق عليها يومئذ: الرجلُ المريض.
وكانت الظروفُ مهيأةَ أمامَ الغزوِ الصّليبيِّ، فثغورُ المسلمين غيرُ محصّنة، وخاصةً في سواحل البحرِ الأحمرِ، وبشكل أخصَّ في بوّابتيه الشمالية والجَنوبية، والخليجِ العربيِّ والبحرِ العربي (المحيط الهندي)، بالإضافة إلى تراخي المسلمين عن الجهاد.
وخالفت الدولُ الإسلاميةُ مبدأً أساسيًا في القرآن الكريم، وهو مبدأ (الولاء) ويعني المناصرة، فكانت الدولةُ العثمانية توالي الإنجليزَ ضدّ الفرنسيين، وكان (محمد علي باشا) يوالي الفرنسيين ضد (الإنجليز)، وحلَّت العقوبةُ الإلهيةُ بكل من القوتين المسلمتين، قوة العثمانيين، وقوة (محمد علي باشا)، حيث تآمرت كلٌ من (فرنسا) و (إنجلترا) مع أربع دول أخرى على كل منهما، ومهما قيل من تحليل حول أصداءِ الحملةِ الفرنسية، فقد كانت صدمةً عسكرية - صليبيةً - لمِصْرَ وللعالم الإسلامي، حيث اكتشف المسلمون أنهم لم يواكبوا التطورَ العلميِّ - التّقْني الذي سارت في ركابه الدولُ الأوربية، مما أوجد فجوةً كبيرة بين الطرفين فساعدت على هزائم المسلمين أمام الغزوِ الأوربي المتعاضدِ حينًا والمتنافسِ حينًا آخرَ، ولو لم تكن القُوى الإسلامية - مهما بلغت من التفكك - قد بعثرتْ ما لديها من أسباب القوةِ في صراعاتها العديدة لاستطاعت مواكبةَ الركْب الأوربي، وإليك بعضَ الأشكالِ المختلفة لتلك الصراعاتِ: صراعًا عثمانيًا - صوفيًا، وصراعًا عثمانيًا - وهَّابيًا، وصراعًا عثمانيًا، - مصريًا، وصراعًا سعوديًا - مصريًا، وصراعًا إنجليزيًا - مصريًا، وصراعًا عثمانيًا - فرنسيًا، وصراعًا يمنيًا - سعوديًا، والصراعُ الأخيرُ كان صراعَ مهادنةٍ وحذَرٍ وتربّص.
وكانت هناك أربعُ قُوَى يمكن أن تمثل أملَ التقدمِ والتطورِ لبلاد المسلمين، ويمكن أن تنتصِرَ لو اجتمعت على الزحف الأوربيّ الواسعِ النِطاق، وهذه القُوى هي: قوةُ (محمدِ بن عبدِ الوهاب) وأتباعِه التي تركزت حول التغييرِ العَقَديِّ كأساس للتغيير الشاملِ والتقدمِ في كل جوانب الحياةِ بعد ذلك، ويمكن أن يُطلقَ عليها:(ثورة العقيدة)، وكانت هناك قوةُ الحركةِ الإصلاحية المعاصِرَة للحركة الوهابيةِ وهي حركةُ (محمدِ بن عليّ الشوكاني)، التي تركزت في دفع المسلمين نحو التحررِ من التقليد والجُمود، وتحريكِ عجلةِ الاجتهادِ بعيدًا عن العصبيات
المذهبيةِ والسُّلالية فهي: (ثورة العقل)، وكانت هناك حركةٌ فتيةٌ تولَّى قيادَها (محمد علي باشا) تركزت حول الاستفادةِ الجادةِ والسريعةِ من التطور العلميّ - التقْنيِّ الذي وصل إليه الأوربيون، فكانت حركةَ (ثورة العلمِ والتكنولوجيا)، وكانت القوةُ الرابعةُ هي: قوةُ العثمانيين العسكرية التي صمَدت إلى حين أمام الغزوِ الأوربي - الصليبيّ، لولا معاناتُها من الحروب الداخلية، ومن تآمُر الحركة الماسونية المتمثّلة يومئذ بجمعية (الاتحاد والترقي) التركية - العلمانية الاتجاه، بالإضافة إلى تآمُر كلٍ من: روسيا وإنجلترا وفرنسا واليونان والنمسا عليها وعلى (محمد علي باشا)، في نهاية مطاف (الولاء) والصداقة الكاذبة، ولو قُدّر لهذه القُوى الأربعِ أن تجتمعَ في معسكر واحدٍ مكلَّلة بالإيمان لاستطاعت امتلاكَ المسيرة الحضاربةِ المعاصرة، بعيدًا عن أمراضها المادية والخُلُقية، ولتمكّنت بمشيئة الله من إنماء حياةِ المسلمين والإنسانية في كل أرجاءِ العالم.
ولم تخْلُ اليمنُ من أمراض القُوى الإسلاميةِ الكبرى، فقد وُجدت صراعاتٌ داخليةٌ في ظل نظامِ الحكم الزيديِّ الإمامي هي: صراعاتٌ أُسريةٌ على الإمامة، وصراعاتٌ فيما بين القبائل ذاتِ الشوكةِ من ناحية، وفيما بينها وبين دولةِ الإمامة من ناحية أخرى، وصراعاتٌ بين دولةِ الأئمةِ وبين قوةِ الحركةِ الإسماعيلية الباطنية - القِرْمطية، المتمركزة في منطقتي (حراز) و (نجران).
وكان حكمُ الإمامةِ يتّسم تارةً بالعدل وتارة أخرى بالجَور، وأحيانًا بالقوة وأحيانًا بالضعف. ولأخلاقيات وزراءِ الإمامِ ودعاةِ الإمامة وطبيعةِ سلوكِ الإمام تأثيرٌ كبير بالإيجاب أو السلب على طبيعة النظامِ الحاكم.
وكانت سيادةُ اليمنِ غيرَ كاملةِ على كل أجزائها، فهناك الصراعُ ضدَّ سلطةِ أشرافِ أبي عريش والمِخْلاف السُليماني، وهناك سلطناتٌ مستقلةُ كسلطنة (لَحْج) في الجنوب، وهناك سلطنةُ الأتراك في (زبيد)، وقد احتل الإنجليزُ عدَنَ عام 1255 هـ (بعد موت الشوكانيّ بخمس سنوات)، واحتل أنصارُ الدعوةِ الوهابية - السلفية - بلاد أبي عريش والمخلاف السليماني، وتمكنوا من الاستيلاء على الحديدة (أيام الإمامِ المتوكل على الله أحمد) وكانت دولةُ الأئمةِ تهادن حركةَ (محمد بن عبد الوهاب)، فتبادل أنصارُها المكاتباتِ والرسلَ، وقاموا بتطبيق ما قام
به سيدنا (علي رضي الله عنه من تحطيم للقِباب وتسويةٍ للقبور بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سلوكٌ أثلج صدورَ علماء الحركة الوهابية - السلفية - وقد قام الشوكانيُّ بدور بارز في تلك المكاتبات والمقابلاتِ لأولئك العلماء (الرسل)، وكان له دورٌ بارزٌ أيضًا في إقامة العلاقاتِ الدبلوماسيةِ الناجحةِ مع أشراف مكة والحجاز، وأشرافِ أبي عريش والمخلاف السليماني، وقواتِ (محمد علي باشا) عبرَ مكاتباتهِ التي يُسندها الأئمةُ إليه، وغيرِ الرسل التي يوكل الأئمةُ له صلاحيةَ اختيارِهم.
وقد أبدى النظامُ الإماميُّ استعدادًا طيبًا لمشاركة المسلمين في صدّ الغزوِ الصليبي - الاقتصادي - العسكري، كاستعداده لمجابهة الحملةِ الفرنسية، وحَمَلات البرتغاليين، ورفْضِ إقامة قاعدةٍ إنجليزيةِ في باب المندَب، وتولّى الشوكاني بمكاتباته إعلانَ المواقفِ السياسية المتّصلة بهذا الاستعداد، وكان لهذه الأوضاعِ آثارُها الاجتماعيةُ والاقتصادية والإداريةُ والفكرية
(1)
.
المبحث الثاني الحالة الدينية
عاصر الشوكانيُّ المذاهبَ والفِرَقَ والطوائفَ الدينيةَ المختلفة، والتي كان له معها مواقفُه الخاصة، فكان ناقدًا لجوانب الخطأ في مقولاتها، ومزكيًا لجوانب الحقِّ والصوابِ من آرائها ومناهِجها.
وفي ظل الحكمِ الإماميِّ الزيديِّ عاصر الشوكانيُّ عصبيةً مذهبيةً وسلاليةً وجمودًا على أقوال العلماء والأئمة، دونما بحثٍ عن الدليل من قِبَل أربابِ التعصّب والمقلّدين، فكانت للشوكاني أدوارُه الإيجابيةُ في تشخيص ظاهرةِ التعصّب، ومحاربتها بقلمه، وتدريسه، وفتاواه، وكان له رأيُه السياسيُّ في حل الفْتنة العصبية التي أُطلق عليها (فتنة العاصمة - صنعاء) عام 1823 م. فاستجاب إمامُ زمانِه لمقترحاته التي طالبت بنفي رؤساءِ تلك الفتنةِ إلى سجون متعددة، بعيدة عن العاصمة.
(1)
انظر: كتاب "الإمام الشوكاني، حياته وفكره" للدكتور: عبد الغني قاسم غالب الشرجبي ص 39 - 76. وص 137 - 140.
وانظر: "الإمام الشوكاني مفسِّرًا" للدكتور محمد حسن بن أحمد الغماري ص 31 - 39.
ويعدّ الاجتهادُ - وهو شرطٌ من شروط الإمامة في المذهب الزيدي - ميزةً استطاع الشوكانيُّ في ظله أن يصل إلى درجة الاجتهادِ المطلق، وبذلك تمكن من الانخلاع عن المذهبية، فانتقد المتعصبين في كل مذاهب المسلمين، وقام بالدعوة إلى التمسك بالإسلام جملة، وإلى عدم التعصب لأقوال العلماء أو الأئمة بل الالتزام بالكتاب والسنةِ، اللذَينِ أمرنا الله باتباعهما
(1)
.
وكان اليمنيون قبل دخولِ المذهب الزيدي متمذهبين بالمذهبين المالكي والشافعي، وقد انقرض المذهبُ المالكي، وبقي المذهبُ الشافعي سائدًا في المناطق الوسطى والجنوبية والساحلية من اليمن، وكان الشوكانيُّ من الأعلام الذين دعَوا إلى اتباع السنةِ ومذهبِ السلفِ الصالح، بدون تعصُّبٍ لمذهب ما من مذاهب المسلمين، وإنما هو الاقتفاءُ للحق والدليلِ، فهما رائداه في كل ما يقرأ ويرجح من آراء.
وشهد الشوكانيُّ صراعَ الأئمة الزيديين ضد الطائفةِ الإسماعيليةِ (الباطنية - القِرمطية)، وأفتى بكفرها.
وأما المعتزلةُ فقد كان عام 544 هـ أولَ عام دخل فيه تراثُهم إلى اليمن على يد القاضي (جعفرِ بن أحمدَ بن عبد السلام - ت 573 هـ) شيخُ الزيدية والمعتزلة، وقضيةُ الاتفاقِ والاختلافِ بين الزيديةِ والمعتزلةِ مسألةٌ جدليةٌ، ويمكن تمثيلُها بمتصل في طرفه الأول طائفةٌ تمثل قمةَ الاتفاقِ وفي الطرف المقابلِ طائفةٌ أخرى تمثل قمةَ الاختلاف، وفي الوسط مواقفُ تتأرجح نحوَ هذا الطرف أو ذاك، وموقفُ الشوكانيِّ من علم الكلامِ موقفٌ له سِمَتهُ الخاصة، فهو ينصح طالبَه في كتابه:"أدب الطلب"
(2)
بدراسة هذا العلمِ لكي يستطيع دراسةَ تفسير "الكشاف" للزمخشري، ودراسةَ تراثِ المعتزلة والأشاعرةِ والفِرَق الأخرى، ويتمكن بذلك من الخروج من دائرة التقوقعِ على علوم المذهبِ ومخاصمةِ أهلِ الكلام دونما علم بمقولاتهم ومصطلحاتِهم ومنطلقاتِهم، ولكنه يصف تجربتَه الشخصيةَ مع هذا العلمَ
(1)
انظر: كتاب "القول المفيد في حكم التقليد" بتحقيقنا. الطبعة الثانية.
(2)
ص 128 - 130 بتحقيقنا.
بالمرارة، وأنها تجربةٌ جلبت له الحَيرة، وأنه قد وجد أن مقولاتِه في نهاية الأمرِ مجموعةٌ من الخُزَعْبلات، وبناء على ذلك دعا طلابَه إلى نهج السلفِ الصالح الذي يقوم على هجر المصطلحات الكلامية والتمسكِ بالكتاب والسنة.
وأما الصوفيةُ فقد اشتهر أصحابُها بالتواكل وهجرِ الأسباب، واشتهر أتباعُها بتقديس زعمائِها، والخضوعِ لأقوالهم، والاهتمامِ الشديد بتشييد وتزيينِ قبورِهم والتعلقِ ببعض الخرافاتِ التي علِقتْ بمحبتهم، فكان للشوكاني معهم جولةٌ طويلة، خاصة في كتبه الثلاثة:
1 -
شرحُ الصدور في تحريم رفعِ القبور.
2 -
والدرُّ النضيد في إخلاص كلمة التوحيد.
3 -
وقطرُ الولي على حديث الولي أو ولايةُ الله والطريقُ إليها.
بالإضافة إلى رسالته:
"الصوارمُ الحداد القاطعةُ لعلائق أرباب الاتحاد".
وأما الرافضةُ فقد كشف الشوكاني النقابَ عنهم، وفضح حقيقتَهم فيما يتظهّرون به من التشيع قائلًا:
"ولا غَروَ، فأصلُ هذا المظهرِ الرافضيِّ مظهرُ إلحادٍ وزندقة، جعله من أراد كيدًا للإسلام سِترًا له فأظهر التشيعَ والمحبةَ لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم استجذابًا لقلوب الناسِ، لأن هذا أمرٌ يرغب فيه كلُّ مسلم، وقصدًا للتعزير عليهم، ثم أظهر للناس أنه لا يتم القيامُ بحق القرابة إلا بترك حقِ الصحابة، ثم جاوز ذلك إلى إخراجهم - صانهم الله - عن سبيل المؤمنين"
(1)
.
وهكذا بدت لنا الحالةُ الدينيةُ في عصر الشوكانيّ رحمه الله مما دفعتْ به إلى حمل لواء الدعوةِ إلى التمسك بالكتاب والسنةِ على فهم السلفِ الصالح رضوانُ الله عليهم.
(1)
أدب الطلب ومنتهى الأرب. ص 95. بتحقيقنا.
المبحث الثالث الحالة الاجتماعية
لقد أُصيبت الحالةُ الاجتماعيةُ بالتدهور، فكانت هناك أنماطٌ متعددة من الصراع بين القُوى الإسلاميةِ المختلفةِ: بين الأتراك واليمنيين، وبين الأتراكِ والمصريين، وبين الأتراكِ والوهابيين (السلفيين) إلخ، كلُ هذا أدى إلى توهين قوةِ المجتمع الإسلاميِّ وتضاؤُل مكانتِه في العلم.
وعلى المستوى المحليِّ كان هناك صراعٌ مريرٌ بين المتعصّبين وبين المُنصفين من العلماء وبين أدعياءِ العلمِ والعاقة من جهة، وبين علماءِ الإنصاف والاجتهادِ من جهة أخرى.
وتعرّض المجتمعُ الصنعانيُّ كثيرًا لحملات القبائلِ التي نشرت في أحيان كثيرةِ المجاعةَ حتى الموتِ، من جرّاء مطالِبها في رفع مُقرَّراتِها الماليةِ السنوية، وإن علقت ذلك بالدفاع عن المذهب السائدِ للدولة.
وكان (الجمود) سِمةً بارزةً في مجتمع الشوكاني، وأما العلماءُ فقد قعدوا عن أداء أدوارِهم الإيجابية في محو الأميةِ الدينية والثقافية، فكانوا يدارون العامةَ في معتقداتهم الخاطئة، وسلوكياتِهم المناقضة لتعاليم الإسلام مما أدى بالعامة وجَهَلةِ المتفقّهة إلى إلحاق الأذى بالمنصفين ومعهم الإمامُ الشوكاني بسبب محاربتِهم للعصبية والجمود.
وقد تهافت الظَلَمةُ الجَهلةُ على مناصب القضاء فأكلوا أموالَ الناسِ بالباطل وهم يعلمون.
وأما الظلمُ الاجتماعي فقد كان سمةً غالبةً في المجتمع اليمني تبدّت مظاهرُه في سلوكيات القضاةِ والعمّال (المحافظين) والحكامِ بمساعدة علماءِ السوءِ ووزراءِ الجور
…
ومما يؤخذ على الإمام الشوكانيّ تأثرُه بالعُرف الصنعانيِّ الفاسدِ الذي كان ينظر من خلاله إلى أصحاب بعضِ الحِرَف نظرةً متدنية، ولعل هذا ما يبرر موقفَه
بعد أن ذاق مرارةَ حربِ المتعصّبين من جهلة العلماءِ الذين كان ينتمي بعضُهم إلى تلك الحِرَف
(1)
.
وكانت الحِرَفُ الاقتصادية الراقيةُ: "صناعةَ السيوف""فنَّ العمارة"، "صياغةَ الذهبِ والفضة" بيد الجاليةِ اليهودية.
ولاحظ الشوكانيُّ سوءَ الأحوالِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ في اليمن فحاول أن يُشخّص أسبابَ تلك الأحوالِ في كتابه "الدواء العاجل في دفع العدوِّ الصائل"، وقد عزا تدهورَها إلى الابتعاد عن حقيقة الإسلام، وهجْرِ ما يدعو إليه من عدالة اجتماعية. وحاول رسمَ سياسةٍ اقتصاديةٍ عادلةِ للنظام الإماميِّ يحقق من خلالها العدلَ، ويرفع بها الظلمَ الاجتماعي. وما أنْ بدأ تطبيقَها بعد اعتمادِها من قِبَل الدولة (الإمام) حتى تكالب عليه وزراءُ الظلم، وعلماءُ السوءِ، وقضاةُ الرِشوةِ والحَيف، وأقنعوا الإمامَ بالعدول عنها، حتى لا تؤديَ إلى تقويض الملك.
وأما الأحوالُ الإدارية فقد كانت هي الأخرى تعكِس ضَعفَ السُلطةِ المركزية
…
ودعا الشوكانيُّ في كتابه المذكورِ سابقًا إلى الإدارة المركزيةِ بحيث تصل سلطةُ الدولةِ إلى كل قرية. ومن خلال هذه الإدارةِ تقوم الحكومةُ بتقديم خدماتِها التربويةِ، والاقتصاديةِ، والتعليمية
…
(2)
.
(1)
انظر: "أدب الطلب" ص 143 - 145 بتحقيقنا.
(2)
انظر: كتاب "الإمام الشوكاني. حياته وفكره" للدكتور عبد الغني قاسم غالب الشرجبي ص 105 - 129 وص 143 - 145.
الفصل الثاني حياة المؤلف
ويحتوي على المباحث التالية:
المبحث الأول: نسبه وموطنه.
المبحث الثاني: مولده ونشأته.
المبحث الثالث: حياتُه العلمية.
المبحث الرابع: تولّيه القضاء.
المبحث الخامس: شيوخُه وتلامذتُه.
المبحث السادس: مؤلفاته.
* * *
المبحث الأول نسبُه وموطنُه
ترجم الشوكانيُّ لنفسه فقال: "محمدُ بنُ عليّ بن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ الشوكانيُّ، ثم الصنعاني"
(1)
.
أما الشوكانيُّ: فهو نِسبةٌ إلى هِجْرة شَوكان، وهي قريةٌ من قرى السحامية، إحدى قبائلِ خَولان، بينها وبين صنعاءَ دون مسافة يوم
(2)
.
وأما الصنعانيُّ فنسبةٌ إلى مدينة صنعاءَ التي استوطنها والدُه ونشأ فيها بعد ولادتِه في الهجرة
(3)
.
(1)
البدر الطالع (2/ 214).
(2)
البدر الطالع (1/ 480).
(3)
البدر الطالع (2/ 215).
المبحث الثاني مولدُه ونشأتُه
يذكر الشوكانيُّ في ترجمته لنفسه تاريخَ مولدِه، نقلًا عن خطِّ والدِه فيقول:"ولد - حسبما وَجَد بخط والده - في وسط نهار يومِ الاثنين، الثامن والعشرين من شهر ذي القعدة سنة (1173 هـ)، ثلاث وسبعين ومائة وألف"
(1)
ولا مجالَ للاختلاف في تاريخ مولدِه بعد هذا النصَّ منه ومن والده
(2)
.
حفظ القرآنَ وجوّده، وحفِظ عددًا كبيرًا من المتون قبل أن يبدأَ عهدُ الطلب، ولم تتعدَّ سِنُّه العاشرةَ من عمره، ثم اتصل بالمشايخ الكبارِ، وكان كثيرَ الاشتغالِ بمطالعة التاريخِ ومجامعِ الأدب
(3)
.
وإذا عرفنا أنه تصدّر للإفتاء وهو في سن العشرين عرَفنا كيف كانت حياةُ هذا التلميذِ الجادِّ الذي لم يسمحْ له أبوه بالاشتغال بغير العلمِ كما لم يسمحْ له أبوه بالانتقال من صنعاءَ
(4)
، رغبةً منه في تفرُّغه لطلب العلم.
وكانت دروسُه تبلُغ في اليوم والليلةِ نحوَ ثلاثةَ عشرَ درسًا، (منها) ما يأخذه عن مشايخه، و (منها) ما يأخذه عنه تلامذتُه، واستمر على ذلك مدة
…
(5)
.
وقد ذكر الشوكانيُّ في البدر الطالع
(6)
الكتبَ التي قرأها على العلماء الأفاضل قراءةَ تمحيصٍ وتحقيقٍ، وهي كثيرةٌ في فنون متعددة: من الفقه وأصولِه والحديثِ، واللغةِ، والتفسيرِ والأدب، والمنطق
…
* * *
(1)
البدر الطالع (2/ 214 - 215).
(2)
مقدمة كتاب قطر الولي، للدكتور إبراهيم إبراهيم هلال ص 15.
(3)
البدر الطالع (2/ 215).
(4)
البدر الطالع (2/ 218 و 219).
(5)
البدر الطالع (2/ 218).
(6)
(2/ 215 - 219).
المبحث الثالث حياتُه العلمية
وقد ساعدتْه الثقافةُ الواسعةُ وذكاؤُه الخارقُ، إلى جانب إتقانهِ للحديث وعلومِه، والقرآنِ وعلومِه، والفقهِ وأصولِه، على الاتجاه نحوَ الاجتهادِ وخلْع رِبْقةِ التقليد، وهو دون الثلاثين، وكان قبل ذلك على المذهب الزيديِّ، فصار علمًا من أعلام المجتهدين، وأكبرَ داعيةٍ إلى ترك التقليد، وأخذِ الأحكامِ اجتهادًا من الكتاب والسنة، فهو بذلك يُعدّ في طليعة المجدّدين في العصر الحديثِ، ومن الذين شاركوا في إيقاظ الأمةِ الإسلاميةِ في عصره.
وقد أحس بوطأة الجمود، وجنايةِ التقليد الذي ران على الأمة الإسلامية من بعد القرن الرابعِ الهجريِّ وأثرِه في زعزعة العقيدة، وشيوع البِدع، والتعلّقِ بالخرافات وانصرافِ الناسِ عن التعاليم الدينيةِ وانكبابِهم على المُوبِقات والمنكَرات، مما جعله يشرع قلمَه ولسانَه في وجه الجمودِ والتقليدِ ويقف حياتَه على محاولة تغييرِ هذه الأوضاعِ الفاسدة، وتطهيرِ تلك العقائدِ الباطلةِ
…
(1)
.
ويمكن أن نبين أبعادَ هذه الحياةَ العلميةِ في ثلاثة أهدافٍ:
1 -
دعوتُه إلى الاجتهاد ونبذ التقليد.
2 -
دعوتُه إلى العقيدة السلفيةِ في بساطتها أيامَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم وصحابتِه رضي الله عنهم.
3 -
دعوتُه إلى محاربة كلِّ ما يُخِلُّ بالعقيدة الإسلامية.
قلت: وعلى رأس أهدافِه تحكيمُ شرع اللَّهِ في جميع مجالاتِ الحياة
(2)
.
* * *
(1)
الإمام الشوكاني مفسرًا، للغماري ص 62 - 63. مع شيء من التصرف.
(2)
انظر: "الدواء العاجل لدفع العدو الصائل" اللشوكاني. بتحقيقنا.
المبحث الرابع تولّيه القضاءَ
في عام 1209 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم توفي كبيرُ قضاةِ اليمنِ القاضي يحيى بنُ صالحِ الشجريُّ السَّحوليُّ، وكان مرجِعَ العامّةِ والخاصّةِ وعليه المعولُ في الرأي والأحكامِ ومستشارَ الإمامِ والوزارة
(1)
.
قال الشوكاني
(2)
: "وكنتُ إذ ذاك مشتغلًا بالتدريس في علوم الاجتهاد، والإفتاءِ والتصنيفِ، منجمعًا عن الناس لا سيما أهلُ الأمرِ وأربابُ الدولة، فإني لا أتصل بأحد منهم كائنًا من كان ولم يكن لي رغبةٌ في سوى العلوم
…
فلم أشعرُ إلا بطُلّاب لي من الخليفة بعد موتِ القاضي المذكورِ بنحو أسبوعٍ، فذهبت إلى مقامه العالي فذكر لي أنه قد رجح قيامي مقامَ القاضي المذكور، فاعتذرتُ له، بما كنتُ فيه من الاشتغال بالعلم، فقال: القيامُ بالأمرين ممكنٌ وليس المرادُ إلا القيامَ بفصل ما يصل من الخصومات إلى ديوانه العالي في يومي اجتماعِ الحكامِ فيه، فقلت: سيقع مني الاستخارةُ لله والاستشارةُ لأهل الفضل، وما اختاره اللَّهُ ففيه الخَير، فلما فارقتُه ما زلت متردّدًا نحوَ أسبوع، ولكنه وقد إليّ غالبُ من ينتسب إلى العلم في مدينة صنعاءَ وأجمعوا على أن الإجابةَ واجبةٌ، وأنهم يخشَون أن يدخُلَ في هذا المنصِبِ الذي إليه مرجعُ الأحكامِ الشرعيةِ في جميع الأقطارِ اليمنيةِ من لا يوثَق بدينه وعلمِه، .. فقبِلْتُ مستعينًا بالله ومتكلًا عليه
…
وأسأل اللَّهَ بحوله وطَوله أن يُرشِدني إلى مراضيه، ويحولَ بيني وبين معاصيه ويُيسِّرَ لي الخيرَ حيث كان، ويدفعَ عني الشرَّ، ويُقيمني في مُقام العدْل ويختارَ لي ما فيه الخيرُ في الدين والدنيا" اهـ.
قلت: وربما أن الشوكانيَّ رأى في منصب القضاءِ فرصةً لنشر السنةِ وإماتةِ البِدعة، والدعوة إلى طريق السلف الصالح
…
(1)
البدر الطالع (2/ 334).
(2)
في البدر الطالع (1/ 464 - 466).
كما أن منصِبَ القضاءِ سيصُدُّ عنه كثيرًا من التيارات المعاديةِ له، ويسمحُ لأتباعه بنشر آرائِه السديدةِ، وطريقتِه المستقيمة.
"والأئمةُ الثلاثُ الذين تولى الشوكانيُّ القضاءَ الأكبرَ لهم ولم يُعزلْ حتى واتتْه المنيةُ هم:
1 -
المنصورُ عليُّ بنُ المَهدي عباسٌ، ولد سنةَ 1151 هـ وتوفي سنةَ 1224 هـ ومدةُ خلافته (25) سنة.
2 -
ابنُه المتوكل علي بنُ أحمدَ بن المنصورِ على، ولد سنةَ 1170 هـ وتوفي سنة 1231 هـ ومدةُ خلافتِه نحوُ (7) سنوات.
3 -
المَهديُّ عبدُ الله، ولد سنةَ 1208 هـ وتوفي سنةَ 1251 هـ ومدةُ خلافِته (20) سنة"
(1)
.
قلت: كان تولّي الشوكاني القضاءَ كسبًا كبيرًا للحق والعدْل، فقد أقام سوقَ العدالةِ بيّنًا، وأنصف المظلومَ من الظالم، وأبعد الرِشوة وخفّف من غُلَواء التعصبِ، ودعا الناسَ إلى اتباع القرآنِ والسنة.
إلا أن هذا المنصبَ قد منعه من التحقيق العلميّ، يظهر ذلك إذا ما تتبّع المرءُ مؤلفاتِه قبل تولّيه القضاءَ وبعده، تجد الفرقَ واضحًا.
* * *
المبحث الخامس شيوخُه وتلامذتُه
أولًا: شيوخه:
1 -
العلامةُ أحمدُ بنُ عامرٍ الحدائي (1127 - 1197 هـ = 1715 - 1783 م).
2 -
السيد العلامةُ إسماعيلُ بنُ الحسنِ المَهدي بن أحمدَ ابن الإمامِ القاسمِ بن محمد (1120 - 1206 هـ).
السيدُ الإمامُ عبدُ القادر بنُ أحمدَ الكَوكبانيُّ (1135 - 1207 هـ = 1723 - 1772 م).
(1)
الإمام الشوكاني مفسرًا. للغماري ص 71 باختصار.
4 -
القاضي عبدُ الرحمنِ بنُ حسنِ الأكوعُ (1135 - 1207 هـ = 1724 - 1772 م).
5 -
العلامة الحسنُ بنُ إسماعيلَ المغرِبي (1140 - 1208 هـ).
6 -
السيدُ العلامةُ عليُّ بنُ إبراهيمَ بن أحمدَ بن عامرٍ (1141 - 1208 هـ = 1728 - 1793 م).
7 -
العلامةُ القاسمُ بنُ يحيى الخَولاني (1162 - 1209 هـ = 1714 - 1794 م).
8 -
والدُه عليُّ بنُ محمدِ الشوكانيُّ (ت 1211 هـ).
9 -
السيدُ عبدُ الرحمنِ بنُ قاسمٍ المداني (1121 - 1211 هـ = 1709 - 1796 م).
10 -
العلامةُ عبدُ اللَّهِ بنُ إسماعيلَ النِّهْمي (1150 - 1228 هـ).
11 -
السيدُ العارفُ يحيى بنُ محمدٍ الحوشى (1160 - 1247 هـ = 1747 - 1831 م)
(1)
.
12 -
أحمدُ بنُ محمدِ الحرازيُّ.
13 -
عليُّ بنُ هادي عرهب (1164 - 1236 هـ).
14 -
هادي بنُ حسنٍ القارني
(2)
.
15 -
يوسفُ بنُ محمدِ بن علاءِ المزجاجي (1140 - 1213 هـ)
(3)
.
16 -
أحمدُ بنُ أحمدَ بن مطهّر القابلي (1158 - 1227 هـ)
(4)
.
17 -
عبدُ الله بنُ الحسنِ بن عليِّ بن الحسنِ بن عليِّ ابن الإمامِ المتوكلِ على الله إسماعيلَ بن القاسمِ (1165 - 1210 هـ)
(5)
.
وبذلك بلغ عددُ أساتذتهِ الذين تمكن الباحثُ
(6)
من حصرهم - حتى الآن -
(1)
ذكرهم الدكتور إبراهيم إبراهيم هلال. محقق كتاب "قطر الولي" ص 41 - 42. وانظر: البدر الطالع (2/ 215 - 218).
(2)
البدر الطالع (2/ 215 - 217).
(3)
البدر الطالع (2/ 356 - 357).
(4)
البدر الطالع (1/ 96 - 97).
(5)
البدر الطالع (1/ 380 - 381).
(6)
وهو الدكتور عبد الغني قاسم غالب الشرجبي في كتابه: "الإمام الشوكاني، حياته وفكره" ص 172.
سبعةَ عشرَ شيخًا. وقد أخذ عنهم مختلفَ علومِ عصرِه
(1)
.
ثانيًا: تلاميذه:
1 -
أحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَمْريُّ الضَمَدي (1170 - 1212 هـ).
2 -
السيدُ أحمدُ بنُ عليِّ بن محسنِ بن علي بن الإمام المتوكلِ على الله إسماعيلَ بن القاسم الصنعاني (1150 - 1222 هـ).
3 -
القاضي أحمدُ بنُ محمدٍ الشوكانيُّ (1229 - 1281 هـ) وهو ابنُ الإمامِ الشوكانيِّ.
4 -
أحمدُ بنُ ناصرٍ الكِبْسِيُّ (1209 - 1271 هـ).
5 -
أحمدُ بنُ حسينٍ الوزانُ الصنعاني (1186 - 1238 هـ).
6 -
أحمدُ بنُ زيدٍ بن عبد الله بن ناصر الكِبْسيُّ الصنعاني (1209 - 1271 هـ).
7 -
المتوكلُ على الله ربِّ العالمين أحمدُ ابنُ الإمامِ المنصورِ عليِّ ابن الإمامِ المَهديِّ لدين اللَّهِ العباسِ ابن الإمامِ المنصورِ بالله حسينِ ابن الإمامِ المتوكل على الله القاسمِ بن الحسينِ بن أحمدَ بن حسينِ ابن الإمامِ القاسم (1170 - 1221 هـ).
8 -
أحمدُ بنُ لُطفٍ الباري بن أحمدَ بن عبدِ القادر الوَرْد (1191 - 1282 هـ).
9 -
أحمدُ بنُ عليٍّ بن محمد بنُ أحمدَ الطشي الصعْديُّ أصلًا، والرداعيُّ مولدًا (1190 - 1279 هـ).
10 -
أحمدُ بنُ محمدِ بن أحمدَ بن مطهّرِ القابليُّ الحرازيُّ نسبة والده، الذماريُّ مولدًا، ولد في 1158 هـ.
11 -
السيدُ العلامةُ أحمدُ بنُ محمدِ بن حسينِ بن حسن بن علي بن حسنِ ابن الإمام المتوكلِ على الله إسماعيلَ ابن الإمامِ القاسمِ عليهم السلام. ولد في عام 1210 هـ.
12 -
أحمدُ بنُ يوسفَ الرباعي، ولد في صنعاءَ عام 1155 هـ، وتوفي سنة 1231 هـ.
(1)
انظر: المرجع السابق ص 172 - 177، لتعلم العلوم التي قرأها الشوكاني عليهم رحمهم الله جميعًا.
13 -
القاضي العلامةُ أحمدُ بنُ عليٌّ العَوديُّ.
14 -
السيدُ العلامةُ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بن الحسنِ بن يوسفَ ابن الإمامِ المَهديِّ محمدِ بن الحسنِ ابن الإمامِ القاسم (1165 - 1237 هـ).
15 -
القاضي العلامةُ إبراهيمُ بنُ أحمدَ بن يوسفَ الرباعي، ولد عام 1199 هـ.
16 -
السيدُ العلامةُ الورعُ إسماعيلُ بنُ أحمدَ الكِبسيُّ الملقب بـ"مفلس".
17 -
أحمدُ بنُ عليِّ بن محمدِ بن أحمدَ الطشي المعديُّ (1195 - 1279 هـ).
18 -
السيدُ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ (1165 - 1237 هـ).
19 -
القاضي العلامةُ الحسن بنُ قاسمٍ المجاهدُ (1190 - 1276 هـ).
20 -
حسنُ بنُ أحمدَ بن يوسفَ الرباعي الصنعاني. ولد تقريبًا على رأس القرن الثانيَ عشرَ وتوفي عام 1276 هـ.
21 -
القاضي العلامةُ الحسنُ بن محمدُ بنُ صالحِ السَّحولي (1190 - 1234 هـ).
22 -
الحسينُ بنُ علي العِماري الصنعاني (1170 - 1225 هـ)، ولد ونشأ في صنعاء.
23 -
القاضي العلامةُ الحسينُ بنُ محمدِ بن عبدِ اللَّهِ العنسيُّ الصنعانيُّ الكوكباني، ولد في 1188 هـ.
24 -
القاضي العلامةُ الحسينُ بنُ يحيى السلفيُّ الصنعانيُّ، ولد بعد سنة 1160 هـ.
25 -
سيفُ بنُ موسى بن جعفرٍ البَحْراني، وقد إلى صنعاء عام 1234 هـ، وتركها عام 1234 هـ.
26 -
السيد شرفُ الدينِ بنُ أحمدَ (1159 - 1241 هـ).
27 -
الشيخ صديقٌ المزجاجي الزَّبيديُّ (1150 - 1209 هـ).
28 -
القاضي العلامةُ صالحُ بنُ محمد العنسيُّ الصنعاني، ولد عام (1200 هـ).
29 -
عليُّ بنُ أحمدَ هاجر الصنعانيُّ (1180 - 1235 هـ).
30 -
عبدُ الله بنُ شرفِ الدينِ المهلل (1170 - 1226 هـ).
31 -
عبدُ الله بنُ محسنِ الحيميُّ ثم الصنعاني (1170 - 1240 هـ).
32 -
السيد عبدُ الله بنُ عيسى الكوكبانيُّ (1175 - 1224 هـ).
33 -
السيد عبدُ الوهاب بنُ حسينِ بن يحيى الديلميُّ الماري (1201 - 1235 هـ).
34 -
السيد عليُّ بنُ يحيى أبو طالب (1157 - 1236 هـ).
35 -
العلامةُ عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى الآنسيُّ ثم الصنعانيُّ (1168 - 1250 هـ).
36 -
الشيخُ المعمر عبدُ الحقِّ الهنديُّ المتوفى في سفره للحج سنةَ (1286 هـ).
37 -
القاضي عليُّ بن أحمدَ بن عطيةَ، ولد في خُبانَ (اليمن الأوسط) عام (1180 هـ).
38 -
عبدُ الله بنُ عليِّ بن محمدِ بن عبدِ الله العنْسيُّ الصنعاني (1190 - 1231 هـ).
39 -
عبدُ الله بنُ محسنِ الحيْميُّ الصنعاني، ولد عام (1170 هـ).
40 -
عبدُ الرحمن بنُ حسن الريميُّ الذماري ولد عام (1170 هـ) أو بعدها بقليل.
41 -
عبدُ الرحمنِ بنُ أحمدَ البَهكلي الضَّمَدي (1180 - 1227 هـ).
42 -
السيد على بنُ إسماعيلَ بن القاسمِ بن أحمدَ ابن الإمامِ المتوكلِ على الله إسماعيلَ بن القاسمِ بن محمد (1151 - 1229 أو 1230 هـ).
43 -
عليُّ بنُ محمد بن علي الشوكاني ابنُ الإمامِ الشوكاني (1217 - 1250 هـ).
44 -
السيدُ لعلامةُ عبدُ الله بن عامرٍ الحُوثي ثم الصنعاني، ولد في صنعاءَ عام (1196 هـ).
45 -
العلامةُ الأديبُ عبدُ الله بنُ عليٍّ الجَلالُ، ولد في أوائل القرنِ الثالثَ عشرَ.
46 -
القاضي العلامةُ عبدُ الله بنُ علي سهيل (1180 - 1251 هـ).
47 -
القاضي العلامةُ عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ بن محمدِ قاطن، ولد في جمادى الأولى (1175 هـ).
48 -
عبدُ الله بنُ شرفِ الدين الجبَلي، ولد في (1170 هـ).
49 -
السيد العلامةُ عبدُ الله بنُ عباسِ بن محسن بن يوسفَ ابن الإمامِ المَهدي.
محمدِ بن أحمدَ بن حسنِ ابن الإمامِ القاسم، ولد عام (1196 هـ).
50 -
السيد العلامةُ عليُّ بن أحمدَ بن الحسنِ بن عبدِ الله الظفريُّ، ولد في أوائل القرنِ الثالثَ عشرَ، وتوفيَ في صنعاءَ عام (1270 هـ).
51 -
القاضي العلامةُ عليُّ عبدُ الله الحَيميُّ، ولد على رأس المائةِ الثانيةَ عشرةَ أو قبلها أو بعدها بقليل. ومات عام (1256 هـ).
52 -
القاضي العلامةُ عليُّ بنُ محمدِ بن عبدِ الله الشوكاني (1130 - 1211 هـ).
53 -
الإمامُ العباسُ بنُ عبدِ الرحمن الشَّهاريُّ، توفي عام (1298 هـ).
54 -
عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ العَمْرانيُّ الصنعاني.
55 -
السيدُ عبدُ الله بنُ حسينٍ بلْفقيه الحضرميُّ.
56 -
السيدُ القاسمُ بنُ إبراهيمَ بن الحسنِ بن يوسفَ بن المَهديّ محمدِ ابن الإمامِ المهديِّ أحمدَ بن الحسنِ ابن الإمامِ القاسم، ولد بعد سنةِ (1165 هـ أو في 1167 هـ) تقريبًا. وتوفي عام (1237 هـ).
57 -
السيدُ العلامةُ القاسمُ بنُ أحمدَ بن نُعمانُ بنُ أحمدَ شمسِ الدين ابن الإمام المهدي أحمد بن يحيى (1166 - 1223 هـ).
58 -
القاسمُ ابنُ أميرِ المؤمنين المتوكلِ على الله أحمدَ ابن أميرِ المؤمنين رحمه الله المنصورِ بالله على بن المَهدي العباس (1221 - 1239 هـ).
59 -
الفقيهُ العلامةُ قاسمُ بنُ لُطف الجبَلي، ولد عام (1180 هـ) تقريبًا.
60 -
الفقيهُ لطفُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بن لُطفِ اللَّهِ جحّاف (1189 - 1243 هـ).
61 -
السيدُ محسنُ بنُ عبدِ الكريم بن أحمدَ بن إسحقَ الصنعاني (1191 - 1266 هـ).
62 -
محمدُ بنُ أحمدَ بن سعد السودي الصنعاني (1178 - 1236 هـ).
63 -
القاضي العلامةُ محمدُ بنُ أحمدَ بن محمدِ بن أحمدَ مشْحَم الصنعاني (1186 - 1223 هـ).
64 -
القاضي العلامةُ محمدُ بنُ أحمدَ الحرازي (1194 - 1245 هـ).
65 -
القاضي العلامةُ محسنُ بنُ الحسينِ بن عليِّ بن حسين المغرِبي (1191 - 1252 هـ).
66 -
القاضي محمدُ بنُ أحمدَ الشاطبيُّ الصنعاني (1210 - 1255 هـ).
67 -
محمدُ بنُ إسماعيلَ بن الحسن الشامي (1194 - 1224 هـ).
68 -
القاضي العلامةُ محمدُ بنُ حسن السماوي ولد عام (1170 هـ).
69 -
القاضي محمدُ بنُ حسن الشجني الذماري. صاحب (التقصار في جيد زَمَان علامة الأقاليم والأمصار) وقد ذكر فيه مشايخه (1200 - 1286 هـ).
70 -
الفقيهُ العلامةُ محمدُ بنُ صالحٍ العصاميُّ الصنعاني (1188 - 1263 هـ).
71 -
السيدُ العلامةُ محمدُ بنُ عزِّ الدينِ النعمي التِّهامي (1180 - 1232 هـ).
72 -
السيدُ العلامةُ محمدُ بنُ الحسَن المحتسِب (1170 - 1257 هـ).
73 -
الفقيهُ العلامةُ محمدُ بنُ عليِّ بن حسين العَمْرانيُّ الصنعاني (1194 - 1264 هـ).
74 -
الشيخ محمدٌ الكُرديُّ، أصلُه من أكراد، قريةٍ مجاورةٍ لبغدادَ، قدِم إلى صنعاءَ في أوائل القرنِ الثالثَ عشرَ.
75 -
الشيخُ محمدٌ عابدٌ بنُ عليِّ بن أحمدَ بن محمدِ بن مرادٍ الأيوبيُّ الأنصاريُّ السِّنْديُّ المكّي، تردّد إلى صنعاءَ وأقام بها مدةَ طويلة. توفي عام (1257 هـ).
76 -
السيد محمد بنُ محمدِ بن هاشم بن يحيى الشامي (1178 - 1251 هـ).
77 -
السيد العلامةُ محمدُ بنُ يحيى بن إسماعيلُ الأخفشُ الحسنيُّ الصنعاني، ولد في صنعاء عام (1210 هـ) توفي في القرن الثالثَ عشرَ.
78 -
القاضي العلامةُ محمدُ بنُ يحيى بن سعيدُ بنُ حسينِ العنْسيُّ الذماري (1200 - 1266 هـ).
79 -
القاضي محمدُ بنُ عليٍّ الأرياني (1198 - 1245 هـ).
80 -
القاضي محمدُ بنُ لُطفٍ الورد الصنعاني. وتوفي عام (1272 هـ).
81 -
القاضي محمدُ بنُ الحرازي الصنعاني.
82 -
السيد محمدُ بنُ الكبْسي الصنعاني. وتوفي في القرن الثالثَ عشرَ.
83 -
القاضي محمدُ بنُ مهدي الضَمَدي الحُماطيُّ التِّهاميّ الصنعاني (1193 - تقريبًا 1269 هـ).
84 -
الفقيهُ العلامةُ هادي حسيْن القارِني الصنعاني (1164 - 1238 هـ).
85 -
السيد يحيى بنُ أحمدَ أبي أحمدَ الديلميُّ الحسنيُّ الذماري، ولد عام (1185 هـ) أو عام (1190 هـ).
86 -
القاضي العلامةُ يحيى بنُ عليِّ بن محمدِ بن عبدِ الله الشوكانيُّ الصنعاني (1190 - 1262 أو 1267 هـ).
87 -
العلامةُ يحيى بنُ علي الرَّدَمي (1203 - 1279 هـ).
88 -
السيدُ العلامةُ يحيى بنُ محمدٍ الأخفش (1206 أو 1204 أو 1205 - 1262 هـ أو 1263).
89 -
السيدُ العلامةُ يحيى بنُ المطهر بن إسماعيلَ بن يحيى بن الحسين ابن الإمامِ القاسمِ بن محمدِ الحسيني الصنعاني (1190 - 1268 هـ).
ونكتفي بذكر ما سبق من تلاميذ الشوكانيِّ وعددُهم اثنان وتسعون تلميذًا وإلا فهم مئاتٌ بل ألوف
(1)
.
* * *
المبحث السادس مؤلفاتُه
المطبوعة:
1 -
الدَّرارِي المُضيّة شرحُ الدُّرر البهيّة في المسائل الفقهية (1/ 2).
علَّق عليه، وحقَّقه، وخرَّج أحاديثه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
2 -
وبلُ الغمام على شفاء الأوام (1/ 2).
حقَّقه، وعلَّق عليه، وخرَّج أحاديثه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
3 -
أدبُ الطلب، ومنتهى الأرب.
علَّق عليه وخرَّج أحاديثه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
4 -
فتحُ القدير الجامع بين فنَّي الروايةِ والدراية من علم التفسير (1/ 10).
خرَّج أحاديثه، وعلَّق عليه وحققه، وضبط نصه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
(1)
ذكر الدكتور إبراهيم إبراهيم هلال في مقدمة "قطر الولي" ص 42 - 45 تلاميذ الشوكاني وعددُهم ثلاثةَ عشرَ تلميذًا.
وذكر الدكتور محمد حسن الغِماري صاحب كتاب "الشوكاني مفسرًا" ص 74 - 81، ثلاثةً وثلاثين تلميذًا. وذكر الدكتور عبد الغني قاسم الشرجبي صاحب كتاب، الشوكاني حياته وفكره" ص 238 - 266، تلاميذ الشوكاني وعددهم اثنان وتسعون تلميذًا. كما أورد عقِبَ ترجمةِ كلٍّ تلميذٍ العلومَ التي استفادها التلميذُ من الشوكاني. وكتاب "التقصار في جيد زمان علَّامة الأقاليم والأمصار: شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني" للعلامة محمد بن الحسن الشجني، ص 348 - 426.
5 -
نيلُ الأوطار من أسرار منتقى الأخبار (1/ 16) وهو كتابنا هذا.
خرَّج أحاديثه، وعلَّق عليه، وحقَّقه، ورقَّم كتبَه وأبوابَه وأحاديثَه، وضبط نصَّه. محمد صبحي بن حسن حلاق.
6 -
السيلُ الجرارُ المتدفقُ على حدائق الأزهار.
حقَّقه، وعلق عليه، وخرج أحاديثه، وضبط نصه: محمد صبحي بن حسن حلاق. (1/ 3).
7 -
الفوائدُ المجموعةُ في الأحاديث الموضوعة. (1).
حقَّقه، وعلق عليه، وخرج أحاديثَه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
8 -
إرشادُ الفحولِ إلى تحقيق الحقِّ من علم الأصول. (1) مجلد.
حقَّقه، وعلق عليه، وخرج أحاديثه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
9 -
البدرُ الطالعُ بمحاسن مَن بعدَ القرن السابع. (1) مجلد.
حقَّقه، وعلق عليه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
10 -
تُحفةُ الذاكرين بعِدّة الحِصْنِ الحَصين من كلام سيدِ المرسلين. (1).
حقَّقه، وعلق عليه، وخرج أحاديثه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
11 -
قُطر الولي على حديث الولي، أو ولايةُ الله والطريقُ إليها. (1).
حقَّقه، وعلق عليه، وخرج أحاديثَه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
12 -
درُّ السحابة في مناقب القَرابة والصحابة. (1).
حقَّقه وعلق عليه وخرج أحاديثَه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
13 -
ديوان الشوكاني "أسلاكُ الجوهرِ" والحياةُ الفكريةُ والسياسةُ في عصره.
تحقيق ودراسة: د. حسين بن عبد الله العمري.
14 -
الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني (1 - 12).
حقَّقه، وعلق عليه، وخرج أحاديثه وضبط نصه، ورتبه، وصنع فهارسه: محمد صبحي بن حسن حلاق.
*
رسائل المجلد الأول
*
القسم الأول: العقيدة
1 -
أسئلة وأجوبة عن قضايا التوحيد والشرك وغيرها. (4/ 3)
(1)
.
2 -
العذب النمير في جواب مسائل بلاد عسير. (5/ 3).
3 -
التحف في الإرشاد إلى مذاهب السلف. (12/ 4).
4 -
الدر النضيد في إخلاص التوحيد. (8/ 3).
5 -
بحث في أن إجابة الدعاء لا ينافي سبق القضاء. (23/ 4).
6 -
بحث في وجوب محبة الرب سبحانه. (4/ 25).
7 -
بحث في حديث أن الله خلق آدم على صورته (26/ 3).
8 -
بحث في وجود الجن. (31/ 4).
9 -
إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات. (1/ 4).
10 -
المقالة الفاخرة في اتفاق الشرائع على إثبات الدار الآخرة. (20/ 3).
11 -
مقتطفات من الكتب المقدسة. (24/ 3).
12 -
الإثبات لالتقاء أرواح الأحياء والأموات. (36/ 5).
13 -
بحث في مستقر أرواح الأموات. (30/ 4).
14 -
سؤال عن حديث الأنبياء أحياء في قبورهم. (7/ 1).
15 -
بحث في الرد على من قال: إن علوم الناس تسلب عنهم في الجنة. (6/ 5).
16 -
بحث في أطفال الكفار. (2/ 3).
17 -
بحث في مسألة الرؤية وهو المسمى: (البغية في مسألة الرؤية). (15/ 1).
18 -
كشف الأستار في إبطال قول من قال بفناء النار. (3/ 4).
19 -
إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي صلى الله عليه وسلم. (9/ 1).
20 -
قال المؤيد بالله يحيى بن حمزة: اعلم أن القول في الصحابة .. (21/ 1).
21 -
هل خص النبي صلى الله عليه وسلم أهل البيت بشيء من العلم .. (25/ 1).
22 -
بحث في حديث: "أنا مدينة العلم وعلي بابها". (11/ 3).
23 -
الدراية في مسألة الوصاية. (48/ 1).
(1)
الرقم إلى يمين الخط يشير إلى رقم الرسالة في المجلد.
والرقم إلى شمال الخط يشير إلى رقم المجلد من
الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.
24 -
الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد. (10/ 3).
25 -
بحث في التصوف. (27/ 5).
26 -
بحث في الاستدلال على ثبوت كرامات الأولياء. (32/ 4).
27 -
بحث في حكم المولد. (8/ 1)
(1)
.
*
رسائل المجلد الثاني
*
القسم الثاني والقسم الثالث (القرآن وعلومه - الحديث وعلومه)
• القرآن وعلومه:
28 -
جواب سؤال في قوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ}
(2)
واقعة موقع الدليل. (42/ 1).
29 -
وبل الغمامة في تفسير: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}
(3)
. (30/ 3).
30 -
بحث في النهي عن إخوان السوء. (27/ 4).
31 -
جواب سؤال في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}
(4)
. (24/ 1).
32 -
بحث في تفسير قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}
(5)
. (32/ 5).
33 -
بحث في الكلام على قوله سبحانه: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ}
(6)
. (18/ 4).
34 -
إجابة السائل عن تفسير تقدير القمر منازل. ويليه: إشكال السائل في الجواب عن تفسير تقدير القمر منازل. (43/ 1).
35 -
جواب سؤال يتعلق بما ورد فيما أظهر الخضر. (36/ 4).
36 -
بحث عن تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً}
(7)
. (17/ 3).
(1)
لقد حققت الباحثة: أم الحسن، محفوظة بنت علي شرف الدين، من هذا المجلد الرسائل التي تحمل الأرقام التالية:(3) و (4) و (6) و (16) و (22) و (24) و (26) حسب تسلسلها في هذا المجلد.
(2)
سورة البقرة: الآية (259).
(3)
سورة آل عمران: الآية (55).
(4)
سورة النساء: الآية (148).
(5)
سورة الأنعام: الآية (151).
(6)
سورة الأنعام: الآية (158).
(7)
سورة المؤمنون: الآية (13).
37 -
الإيضاح لمعنى التوبة والإصلاح. (7/ 4).
38 -
جواب سؤال عن نكتة التكرار في قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)}
(1)
. (41/ 1).
39 -
النشر لفوائد سورة العصر. (17/ 5).
• الحديث وعلومه:
40 -
إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر. (14/ 3).
41 -
بحث في قول أهل الحديث: "رجال إسناده ثقات". ويليه مناقشة للجواب السابق. (22/ 3).
42 -
القول المقبول في رد خبر المجهول من غير صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم. (12/ 1).
43 -
بحث في الجواب على من قال أنه لم يقع التعرض لمن في حفظه ضعف من الصحابة. (15/ 5).
44 -
سؤال عن عدالة جميع الصحابة، هل هي مسلَّمة أم لا؟! (4/ 1).
45 -
رفع الباس عن حديث النفس والهم والوسواس. (45/ 4).
46 -
الأبحاث الوضية في الكلام على حديث: "حب الدنيا رأس كل خطية". (6/ 3).
47 -
سؤال عن معنى: "بني الإسلام على خمسة أركان"، وما يترتب عليه. (11/ 5).
48 -
الأذكار. جواب على بعض الأحاديث المتعارضة فيها. (14/ 5).
49 -
بحث في الكلام على حديث: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد". (19/ 5).
50 -
جواب عن سؤال خاص بالحديث: "لا عهد للظالم"، وهل هو موجود فعلًا من عدمه؟!. (5/ 13).
51 -
فوائد في أحاديث فضائل القرآن. (2/ 5).
52 -
بحث في حديث: "لعن الله اليهود لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد". (26/ 3).
53 -
إتحاف المهرة بالكلام على حديث: "لا عدوى ولا طيرة". (40/ 1).
54 -
بحث في قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات". (31/ 5).
55 -
بحث في حديث: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم
…
". (12/ 3).
56 -
بحث في بيان العبدين الصالحين المذكورين في حديث الغدير. (11/ 3).
(1)
سورة الزمر: الآيتان (11، 12).
57 -
بحث في حديث: "أجعل لك صلاتي كلها"، وفي تحقيق الصلاة على الآل
ومن خصهم. (27/ 3)
(1)
.
58 -
تنبيه الأعلام على تفسير المشتبهات بين الحلال والحرام (3/ 1).
*
رسائل المجلد الثالث
القسم الرابع: الفقه وأصوله
59 -
التشكيك على التفكيك لعقود التشكيك. (17/ 1).
60 -
القول المفيد في حكم التقليد. (22/ 3).
61 -
بغية المستفيد في الرد على من أنكر العمل بالاجتهاد من أهل التقليد. (3/ 5).
62 -
بحث في نقض الحكم إذا لم يوافق الحق. (2/ 41).
63 -
رفع الخصام في الحكم بعلم الحكام. (40/ 2).
64 -
بحث في العمل بقول المفتي صح عندي. (4/ 26).
65 -
بحث في الكلام على أُمناء الشريعة. (16/ 4).
66 -
بحث في كون الأمر بالشيء نهى عن ضده. (32/ 3).
67 -
رفع الجناح عن نافي المباح. (34/ 1).
68 -
جواب سؤالات من الفقيه قاسم لطف الله. (5/ 4).
69 -
بحث في كون أعظم أسباب التفرق في الدين هو علم الرأي. (29/ 4).
70 -
الدرر البهية في المسائل الفقهية. (52/ 2).
71 -
بحث في دم الخيل. (25/ 5).
72 -
جواب سؤال في نجاسة الميتة (14/ 4).
73 -
جواب في حكم احتلام النبي صلى الله عليه وسلم. (22/ 1).
74 -
القول الواضح في صلاة المستحاضة ونحوها من أهل العلل والجرائح. (20/ 4).
75 -
بحث في دفع من قال أنه يستحب الرفع في السجود. (16/ 5).
(1)
لقد حققت الباحثة: أم الحسن، محفوظة بنت علي شرف الدين، من هذا المجلد الرسائل التي تحمل الأرقام التالية:(28، 29، 34، 37، 38، 39، 46، 58) حسب تسلسلها في هذا المجلد.
76 -
بحث في أن السجود بمجرّده من غير انضمامه إلى صلاة عبادةٌ مستقلةٌ يأجر اللهُ عبده عليها. (7/ 5).
77 -
كشف الرين في حديث ذي اليدين. (8/ 2).
78 -
بحث في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. (35/ 4).
79 -
جواب سؤالات وردت من بعض العلماء. (9/ 4).
80 -
جواب سؤالات وردت من كوكبان. (6/ 4).
81 -
بحث في جواب سؤالات تتعلق بالصلاة. (39/ 4).
82 -
رفع الأساس لفوائد حديث ابن عباس. (2/ 2).
83 -
تحريم الدلايل على مقدار ما يجوز بين الإمام والمؤتم من الارتفاع والانخفاض والبعد والحايل. (3/ 2).
84 -
بحث في كثرة الجماعات في مسجد واحد. (21/ 5).
85 -
جواب عن الذكر في المسجد. (22/ 4).
86 -
سؤال في هل يجوز قراءة كتب الحديث كالأمهات في المساجد مع استماع العوام الذين لا فطنة لهم وجواب الشوكاني عليه. (10/ 1).
87 -
إشراق الطلعة في عدم الاعتداد بإدراك ركعة من الجمعة. (4/ 2).
88 -
اللمعة في الاعتداد بإدراك الركعة من الجمعة. (5/ 2).
89 -
ضرب القرعة في شرطية خطبة الجمعة. (6/ 2).
90 -
الدفعة في وجه ضرب القرعة. (7/ 2).
91 -
بحث في الكسوف. (29/ 1).
92 -
جواب على سؤال ورد من بعض أهل العلم يتضمن ثلاث أبحاث: (11، 12، 13/ 2).
1 -
بحث في المحاريب.
2 -
بحث في الاستبراء.
3 -
بحث في العمل بالرقومات.
93 -
الصلاة على من عليه دين. (33/ 3).
94 -
شرح الصدور في تحريم رفع القبور. (4/ 4).
95 -
جواب سؤالات وردت من تهامة. (8/ 4).
96 -
سؤال عن لحوق ثواب القراءة المهداة من الأحياء إلى الأموات. (31/ 1).
97 -
إفادة السائل في العشر المسائل. (38/ 4)
(1)
.
*
رسائل المجلد الرابع
*
تابع للقسم الرابع: الفقه وأصوله
98 -
بحث في لزوم الإمساك إذا علم دخول شهر رمضان أثناء النهار. (51/ 1).
99 -
بلوغ السائل أمانيه بالتكلم على أطراف الثمانية. (11/ 4).
100 -
بحث في تحريم الزكاة على الهاشمي. (9/ 2).
101 -
الجواب المنير على قاضي بلاد عسير. (39/ 1).
102 -
بحث في جواز امتناع الزوجة حتى يسمى لها المهر. (10/ 2).
103 -
بلوغ المنى في حكم الاستمنى. (2/ 1).
104 -
جواب على الأسئلة الواردة من العلامة أحمد بن يوسف زبارة وتتضمن الأبحاث التالية:
1 -
بحث في نفقة الزوجات.
2 -
بحث في الطلاق المشروط.
3 -
بحث في الصوم وأنا أجزي به.
4 -
بحث في اختلاف النقد المتعامل به. (16، 17، 18، 19/ 2).
105 -
بحث في من أجبر على الطلاق. (1/ 25).
106 -
بحث فيمن قال: امرأته طالق ليقضين غريمه إن شاء الله ولم يقضه. (38/ 3).
107 -
بحث في الطلاق الثلاث مجتمعة هل يقع أم لا؟! (52/ 1).
108 -
بيان اختلاف الأئمة في مقدار المدة التي يقتضي الرضاعة في مثلها التحريم. (3/ 1).
109 -
رسالة في رضاع الكبير هل يثبت به حكم التحريم. (13/ 1).
110 -
إيضاح الدلالات على أحكام الخيارات. (14/ 2).
111 -
دفع الاعتراضات على إيضاح الدلالات. (15/ 2).
(1)
لقد حققت الباحثة: أم الحسن، محفوظة بنت علي شرف الدين، من هذا القسم الرسائل التي تحمل الأرقام التالية:(60) و (61) و (70) و (92) و (94).
112 -
بحث لا يبيع حاضر لباد (37/ 1).
113 -
المسك الفايح في حط الجوايح. (42/ 4).
114 -
بحث في الربا والنسيئة. (29/ 5).
115 -
تنبيه ذوي الحجا عن حكم بيع الرجا. (2/ 1).
116 -
كشف الأستار عن حكم الشفعة بالجوار. (37/ 2).
117 -
هداية القاضي إلى حكم تخوم الأراضي. (38/ 2).
118 -
سؤال وجواب عن أرض مشتراة من جماعة ولها مسقى في أرض مستوية
…
(31/ 1).
119 -
عقد الجمان في شأن حدود البلدان وما يتعلق بها من الضمان. (28/ 2).
120 -
سمط الجمان فيما أشكل من مسائل عقد الجمان. (2/ 29).
121 -
إرشاد الأعيان إلى تصحيح ما في عقد الجمان. (30/ 2).
122 -
بحث في المخابرة. (35/ 2).
123 -
رسالة في حكم المخابرة. (35/ 1).
124 -
بحث في الماء الكائن في المحلات المملوكة. (30/ 1).
125 -
القول المقبول في فيضان الغيول والسيول. (31/ 2).
126 -
رفع منار حق الجار بالإجبار على البيع مع الضرار. (36/ 2).
127 -
الأبحاث الحسان المتعلقة بالعارية والتأجير والشركة في الرهان. (20/ 2).
128 -
المباحث الوفية في الشركة العرفية. (27/ 2).
129 -
أسئلة من العلامة الحسين بن عبد الله الكبسي من كوكبان. (21، 22، 23/ 2).
130 -
عقود الزبرجد في جيد مسائل علامة ضمد. (16/ 1).
131 -
بحث في كون الولد يلحق بأمه. (34/ 4).
132 -
سؤال في الوقف على الذرية. (52/ 1).
133 -
بحث في حديث: "دين الله أحق أن يقضى". (25/ 2).
134 -
بدر شعبان الطالع في سماء العرفان. (26/ 2).
135 -
البحث المسفر عن تحريم كل مسكر ومفتر. (47/ 2).
136 -
الوشي المرقوم في تحريم التحلي بالذهب على العموم. (32/ 2)
(1)
.
(1)
لقد حققت الباحثة أم حسن محفوظة بنت علي شرف الدين من هذا المجلد الرسالة رقم (130).
*
رسائل المجلد الخامس
*
تابع للقسم الرابع: الفقه وأصوله
137 -
القول الجلي في حل لبس النساء الحلي. (33/ 2).
138 -
سؤال عن شأن لبس المعصفر وغيره من سائر أنواع الأحمر. (4/ 1).
139 -
الأبحاث البديعة في وجوب الإجابة إلى حكام الشريعة. (43/ 2).
140 -
الجوابات المنيعة على الأبحاث البديعة. (44/ 2).
141 -
الذريعة إلى رفع الأجوبة البديعة. (45/ 2).
142 -
منحة المنان في أجرة القاضي والسجان والأعوان. (46/ 2).
143 -
إرشاد السائل إلى دلائل المسائل
(1)
. (14/ 3).
144 -
تشنيف السمع بجواب المسائل السبع. (15/ 4).
145 -
سؤال عن يمين التعنت التي يطلبها المتخاصمون. (20/ 5).
146 -
بحث في قبول العدلة في عورات النساء. (42/ 2).
147 -
إشراق النيرين في بيان الحكم إذا تخلف عن الوعد أحد الخصمين. (39/ 2).
148 -
بحث في القرائن وهي رد على تظلم رفع إليه من قبل رجل يتظلم من عريف من عرفاء بلاد الروس.
149 -
بحث في العمل بالخط ومعاني الحروف العلمية النقطية. (26/ 5).
150 -
رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين. (50/ 5).
151 -
بحث في حديث العين المسروقة إذا وجدها المالك. (49/ 2).
152 -
مناقشة من القاضي العلامة محمد بن أحمد مشحم رحمه الله المبحث السابق [العين المسروقة] وهو السائل. (49/ 2).
153 -
جواب المناقشة السابقة. (49/ 2).
154 -
بحث في قاذف الرجل. (48/ 2).
155 -
مناقشة العلامة حسن بن يحيى الكبسي على بحث في قاذف الرجل للشوكاني. (2/ 48).
(1)
قامت الباحثة محفوظة بنت علي شرف الدين بتحقيق الرسالة رقم (143) من هذا المجلد.
156 -
هذا ما تعقب به الأخ العلامة شرف الدين الحسين بن محمد العنسي عن بحث في قاذف الرجل للشوكاني. (48/ 2).
157 -
هذا ما تعقب به شيخنا العلامة بدر الإسلام محمد بن علي الشوكاني عن الأخ العلامة الحسين بن محمد العنسي عافاه الله تعالى. (48/ 2).
158 -
بحث في مسائل الوصايا. (50/ 2).
159 -
إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلًا على جواز الوصية للوارث. (24/ 2).
160 -
جواب سؤال ورد من أبي عريش حول الوصية بالثلث. (27/ 1).
161 -
المباحث الدرية في المسألة الحمارية. (13/ 4).
162 -
إيضاح القول في إثبات العول. (51/ 2).
163 -
بحث في تعداد الشهداء الواردة بذكرهم الأدلة. (6/ 1).
164 -
ترجمة علي بن موسى الرضا. (35/ 5).
165 -
رسالة في حكم صبيان الذميين إذا مات أبوهم. (28/ 1).
166 -
حلُّ الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال (44/ 1).
167 -
توضيح وجوه الاختلال في إزالة الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال. (45/ 1).
168 -
الإبطال لدعوى الاختلال في رسالة إجبار اليهود على التقاط الأزبال. (46/ 1).
169 -
إرسال المقال على إزالة الإشكال. (47/ 1).
170 -
تفويق النبال إلى إرسال المقال. (48/ 1).
171 -
تنبيه الأمثال على عدم جواز الاستعانة من خالص المال. (19/ 4).
172 -
بحث في التصوير. (34/ 2).
173 -
إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع. (19/ 1).
*
رسائل المجلد السادس
*
بقية القسم الرابع الفقه وأصوله والقسم الخامس: اللغة العربية وعلومها
174 -
بحث في مؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين الصحابة. (40/ 4).
175 -
بحث في المتحابين في الله. (34/ 5).
176 -
تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل. (43/ 4).
177 -
زهر النسرين الفائح بفضائل المعمرين. (18/ 1).
178 -
بحث في سؤال عن الصبر والحلم هل هما متلازمان أم لا؟ (35/ 4).
179 -
بحث في الإضرار بالجار. (33/ 1).
180 -
نثر الجوهر على حديث أبي ذر. (53/ 1).
181 -
سؤال وجواب في فقراء الغرباء الواصلين إلى مكة من سائر الجهات ومكثهم في المسجد الحرام. (9/ 5).
182 -
رفع الريبة فيما يجوز وما لا يجوز من الغيبة. (10/ 4).
183 -
رسالة في حكم القيام لمجرد التعظيم. (20/ 1).
184 -
العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيِّدي. (17/ 3).
185 -
هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامة
…
على رسالة الشوكاني [العرف الندي في جواز لفظ سيدي]. (17/ 3).
186 -
ذيل العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي جوابًا على المناقشة السابقة. (18/ 3).
187 -
جواب سؤالات وصلت من كوكبان. (41/ 4).
188 -
الدواء العاجل لدفع العدو الصائل. (17/ 4).
189 -
الحسن في فضائل أهل اليمن. (33/ 4).
190 -
مجموعة من الحكم لبعض الحكماء المتقدمين. (24/ 3).
191 -
بحث: مشتمل على الكلام فيما يدور بين كثير من الناس هل الامتثال خير من الأدب أو الأدب خير من الامتثال. (28/ 5).
192 -
بحث في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. (23/ 5).
193 -
سؤال وجواب عن الصلاة المأثورة عن رسول الله. (38/ 1).
194 -
طيب الكلام في تحقيق لفظ الصلاة على خير من حملته الأقدام. (4/ 5).
195 -
بحث في الأذكار الواردة في التسبيح. (24/ 4).
196 -
نزهة في التفاضل بين الأذكار. (24/ 5).
197 -
الاجتماع على الذكر والجهر به. (12/ 5).
198 -
سؤال وجواب عن أذكار النوم. (36/ 1)، (5/ 1).
199 -
جواب الشوكاني على الدماميني. (37/ 4).
200 -
سؤال عن الفرق بين الجنس واسم الجنس وبينهما وبين علم الجنس وبين اسم الجنس، واسم الجمع وبين اسم الجمع مع الجواب. (11/ 1).
201 -
بحث في تبادر اللفظ عند الإطلاق. (33/ 5).
202 -
فتح الخلَّاق في جواب مسائل الشيخ العلامة عبد الرزاق الهندي. (30/ 5).
203 -
نُزهة الأحداق في علم الاشتقاق. (1/ 5).
204 -
كلام في "فن المعاني والبيان"(تعليق من الشوكاني على كلام صاحب الفوائد الغياثية). (10/ 5).
205 -
الروض الوسيع في الدليل المنيع على عدم انحصار علم البديع. (22/ 5).
206 -
فتح القدير في الفرق بين المعذرة والتعذير. (2/ 4).
207 -
بحث في الرد على الزمخشري في استحسان المربّة. (28/ 4).
208 -
الطود المنيف في ترجيح ما قاله السعد على ما قاله الشريف من اجتماع الاستعارة التمثيلية والتبعية في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ}
(1)
، (3/ 20).
209 -
جيد النقد بعبارة الكشاف والسعد. (29/ 3).
210 -
القول الصادق في ترتيب الجزاء عن السابق. (15/ 3).
211 -
فائق الكسا في جواب عالم الحسا. (5/ 3).
212 -
بحث: فيما زاده الشوكاني من أبيات شعرية صالحة للاستشهاد بها في المحاورات وعند المخاصمات وأصنافها إلى ما يصلح لهذه الأغراض. (18/ 5).
213 -
بحث في سيحون وجيحون وما ذكره أئمة اللغة في ذلك، ويليه مناقشة لبعض أهل العلم في البحث السابق ثم جواب المناقشة السابقة
(2)
. (3/ 3).
214 -
الحد التام والحد الناقص (بحث في المنطق). (8/ 5).
(1)
سورة البقرة: الآية (5).
(2)
حققت الباحثة محفوظة بنت علي شرف الدين من المجلد السادس الرسائل التي تحمل الأرقام التالية: (178) و (182) و (188) و (208) و (213).
ثالثًا ترجمة صاحب المنتقى
ويحتوي على مباحث:
المبحث الأول: اسمه ومولده.
المبحث الثاني: حياته العلمية.
المبحث الثالث: أقوال العلماء فيه.
المبحث الرابع: تصانيفه.
المبحث الخامس: تلامذته.
المبحث السادس: وفاته.
المبحث الأول اسمه ومولدُه
هو عبدُ السلام بنُ عبدِ الله بن أبي القاسم بن عبدِ اللهِ الخِضْر بن محمدِ بن عليّ بن تيميةَ الحرّانيُّ الفقيهُ، الإمامُ المقرئُ المحدّث المفسّر، الأصوليُّ النحْويُّ، مجدُ الدينِ أبو البركات. شيخُ الإسلام، وفقيهُ الوقت، وأحدُ الأعلامِ، ابنُ أخي الشيخِ فخرِ الدينِ محمدِ بن أبي القاسم
(1)
. ولد سنةَ تسعين وخمسمائةِ - تقريبًا - بحرّانَ.
(1)
انظر ترجمته في:
أ - كتاب الذيل على "طبقات الحنابلة"، لابن رجب، زينِ الدين أبي الفرج عبدِ الرحمن بن شهاب الدينِ أحمدَ البغداديِّ ثم الدمشقى الحنبلى/ 376 هـ - 795 هـ. (4/ 249 - 254 ت: 359).
2 -
معرفةُ القراءِ الكبار على الطبقات والأعصار. لأبي عبد الله محمد بن أحمدَ بن عثمانَ الذهبي/ 673 - 748 هـ. (2/ 653 - 654 ت: 622).
3 -
شذَرات الذهب في أخبار من ذهب؛ لأبي الفلاح عبدِ الحيّ بن العمادِ الحنبلي/ 1089 هـ. (5/ 257 - 259). =
المبحث الثاني حياتُه العلمية
حفظ القرآنَ وهو بحرَّانَ، وسمع من عمِّه الخطيب فخرِ الدين، والحافظِ عبدِ القادرِ الرُّهاوي، وحنبلٍ الرصافي.
ثم ارتحل إلى بغدادَ سنةَ ثلاثٍ وستِّمِائة، مع ابن عمِّه سيفِ الدين عبدِ الغنيِّ فسمع بها من عبد الوهاب بن سُكَينةَ، والحافظِ بن الأخضر، وابنِ طَبرزد، وضياءِ بن الخُرَيف، ويوسفَ بن مُباركِ الحقّاف، وعبدِ العزيز بن منّينا، وأحمدَ بن الحَسنِ العاقولي، وعبدِ المولى بن أبي تمّام بن باد وغيرِهم.
أقام ببغدادَ ستَّ سنينَ يشتغل في الفقه والخِلاف والعربية وغيرِ ذلك.
ثم رجع إلى حرّانَ واشتغل بها على عمه الخطيبِ فخرِ الدين.
ثم رجع إلى بغدادَ سنةَ بضْعَ عشْرةَ، فازداد بها من العلوم.
قرأ ببغدادَ القراءاتِ بكتاب "المبهج" لسبط الخياطِ عليّ بن عبدِ الواحدِ بن سُلطانَ، وتفقه بها على أبي بكرِ بن غُنَيمةَ الحلاوي، والفخرِ إسماعيلَ، وأتقن العربيةَ، والحسابَ والجبرَ والمقابلةَ والفرائضَ على أبي البقاء العُكْبَري حتى قرأ عليه كتاب "الفخري" في الجبر والمقابلة وبرع في هذه العلوم وغيرِها.
المبحث الثالث أقوالُ العلماء فيه
قال الحافظُ الذهبيُّ: حدثني شيخُنا - يعني أبا العباسِ ابنَ تيميةَ شيخَ الإسلام حفيدَ الشيخِ مجدِ الدينِ هذا - أن جدِّه رُبِّي يتيمًا، وأنَّه سافر مع ابن عمِّه إلى العراق ليخدُمَه ويشتغلَ معه وهو ابنُ ثلاثَ عشْرةَ سنةً، فكان يبيت عنده، فيسمعه
= 4 - غايةُ النهايةِ في طبقات القراءِ لابن الجزري/ 833 هـ. (1/ 385 - 386 ت: 1647).
5 -
سِيَر أعلام النبلاء؛ لمحمد بن أحمدَ بن عثمانَ الذهبيِّ/ 748 هـ. (23/ 291 - 293 ت: 198).
يكرر عليَّ مسائلَ الخلاف، فيحفظ المسألة، فقال الفخرُ إسماعيلُ: إيش حفِظ هذا التنّين؟ - يعني الصغيرَ -، فبدَر وقال: حفظتُ يا سيدي الدرْسَ، وعرضه في الحال، فبُهت فيه الفخر، وقال لابن عمه: هذا يَجيء منه شيء، فعرَضه على الاشتغال، قال: فشيخُه في الخلاف: الفخرُ إسماعيل، وعرض عليه مصنَّفَه "جنة الناظر" وكتب له عليه سنةَ ستٍ وستمائة:"وعرض عليَّ الفقيهُ الإمامُ العالمُ أوحدُ الفضلاءِ" أو نحو هذه العبارة وأخرى نحوها، وهو ابن ستةَ عشرَ عامًا.
قال الذهبيُّ: قال لي شيخُنا أبو العباس: كان الشيخُ جمالُ الدينِ بنُ مالكٍ يقول: "أُلين للشيخ المجدِ الفقهُ كما أُلين لداودَ الحديدُ".
قال: وبلغَنا أن الشيخَ المجدَ لما حجَّ من بغدادَ في آخر عمرِه، واجتمع به الصاحبُ العلامةُ محيي الدين بنُ الجوزيِّ، فانبهر له، وقال: هذا الرجلُ ما عندنا ببغدادَ مثلُه، فلما رجع من الحج التمسوا منه أن يُقيمَ ببغداد، فامتنع، واعتلَّ بالأهل والوطن.
قال: وكان حجُّه سنةَ إحدى وخمسين.
وفيها حجّ الشيخُ شمسُ الدين بنُ أبي عمرَ، ولم يتفقْ اجتماعُهما.
قال: وكان الشيخُ نجمُ الدينِ بنُ حَمدانَ مصنفُ "الرعاية" يقول: كنت أُطالع على درس الشيخ المجدِ، وما أبقى ممكنًا، فإذا حضرتُ الدرسَ أتى الشيخُ بأشياءَ كثيرةٍ لا أعرِفها.
وقال ابن حمدان، في تراجم شيوخِ حرّان: صحِبتُه في المدرسة النُّورية بعد قدومي من دمشق، ولم أسمعُ منه شيئًا، ولم أقرأ عليه، وسمعتُ بقراءته على ابن عمِّه كثيرًا.
وليَ التدريس والتفسيرَ بعد ابن عمِّه، وكان رجلًا فاضلًا في مذهبه وغيرهِ، وجرى لي معه مباحثُ كثيرةٌ، ومناظرات عديدة في حياة ابن عمِّه وبعده.
قلت: وجدتُ لابن حَمدانَ سماعًا عليه.
وقال الحافظُ عزُّ الدينِ الشريفُ: حدّث بالحجاز، والعراقِ، والشامِ، وبلدِه حرّانَ، وصنف ودرّس، وكان من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء ببلده، وبيتُه مشهورٌ بالعلم والدينِ والحديث.
قال الذهبي: قال شيخُنا: كان جذنا عجَبًا في حفظ الأحاديثِ وسردِها بلا كُلفة، وحفْظِ مذاهبِ الناس.
وقال الذهبي أيضًا: حكى البُرهانُ المَراغي: أنه اجتمع بالشيخ المجْد، فأورد نُكتةً عليه، فقال المجْد: الجوابُ عنها من ستين وجهًا، الأول كذا، والثاني كذا، وسرَدها إلى آخرها. ثم قال للبرهان: قد رَضِينا منك بإعادة الأجوبة، فخضَع وانبهر.
قال الذهبيُّ الحافظ: كان الشيخُ مجدُ الدينِ معدومَ النظيرِ في زمانه، رأسًا في الفقه وأصولِه، بارعا في الحديث ومعانيه، له اليدُ الطُّولى في معرفة القرآنِ والتفسير، وصنّف التصانيف، واشتهر اسمُه، وبَعُدَ صِيتُه. وكان فردَ زمانِه في معرفة المذاهب، مُفْرِطَ الذكاء، مَتينَ الدِّيانة، كبيرَ الشأن.
قال شيخُنا أبو عبد اللهِ بنُ القيّم: حدثني أخو شيخِنا عبدُ الرحمن بنُ عبدِ الحليم بن تيميةَ - قلت: وقد أجازني عبدُ الرحمن هذا عن أبيه - قال: كان الجد إذا دخل الخلأَ يقول لي: اقرأ في هذا الكتابِ وارفع صوتَك حتى أسمَعَ.
قلت: يشير بذلك إلى قوة حرصِه على العلم وحصولِه، وحفظه لأوقاته.
وللصرصري من قصيدته اللاميةِ في مدح الإمامِ أحمدَ وأصحابِه:
وإن لنا في وقتنا وفتوره
…
للإخوان صدقِ بغيةَ المتوصِّلِ
يذبّون عن دين الهدى ذبَّ ناصرٍ
…
شديدِ القُوى، لم يستكينوا لمُبطل
فمنهم بحرّانَ: الفقيهُ النبيهُ ذو
…
الفوائدِ والتصنيفِ في المذهب الجلي
هو المجْدُ ذو التقوى ابنُ تيميّة الرَّضِي
…
أبو البركاتِ العالمُ الحُجةُ المَلي
محرّره في الفقه حرّر فقهَنا
…
وأحكمَ بالأحكام على المبجّل
جزاهم خيرًا ربُّهم عن نبيهم
…
وسنّتِه، آلَوْا به خيرَ موئِلِ
البحث الرابع تصانيفه
1 -
أطراف أحاديث التفسير. رتبها على السور معزوَّة.
2 -
أرجوزة: في علم القراءات.
3 -
الأحكام الكبرى. في عدة مجلدات.
4 -
المنتقى من أحاديث الأحكام.
وهو الكتابُ المشهور، انتقاه من الأحكام الكبرى. ويقال: إن القاضيَ بهاءَ الدينِ بنَ شدادِ هو الذي طلب منه ذلك بحلبَ.
قلت: وقد أكرمني اللَّهُ سبحانه بتحقيق وتخريجِ كتاب المنتقى هذا على مخطوطين، ولله الحمدُ والمِنة.
5 -
المحرّر في الفقه.
6 -
منتهى الغايةِ في شرح الهِداية. بيّض منه أربعُ مجلداتٍ كبار إلى أوائل الحجّ ولم يبيّضُ الباقيَ.
7 -
المُسَوّدة: في أصول الفقه. مجلّد. وزاد فيها ولدُه، ثم حفيدُه أبو العباس.
8 -
المسودة: في العربية على نمط المسودة في الأصول.
المبحث الخامس تلاميذه
قرأ على الشيخ مجدِ الدين القراءاتِ جماعةٌ، وأخذ الفقهَ عنه ولدُه شهابُ الدينِ عبدُ الحليم، وابن تميم صاحبُ "المختصر" وغيرُهما.
وسمع منه خلق.
روى عنه ابنُه شهابُ الدين أبو العباس، والحافظُ عبدُ المؤمن الدمياطيُّ، والأمينُ بنُ شقير الحرّاني، وأبو إسحقَ بنُ الظاهري الحافظُ، ومحمد بنُ أحمدَ القزَّازُ، وأحمدُ الدُّشتي، ومحمدُ بنُ زناطر، والعفيفُ إسحقُ الآمديُّ، والشيخُ نورُ الدين البصْريُّ مدرّس المستنْصرية، وأبو عبد اللهِ بنُ الدواليبي.
وأجاز لتقي الدين سليمانَ حمزةَ الحاكم، ولزينبَ بنتِ الكمال، وأحمدَ بن عليّ الجزري وهما خاتمةُ من روى عنه، وقد أجاز لي - أي لصاحب ذيل طبقات الحنابلة -.
المبحث السادس وفاتُه
توفي يوم عيدِ الفطر بعد صلاة الجمعةِ من سنة اثنتين وخمسين وستِّمائة بحرّانَ، ودُفن بظاهرها رحمة الله عليه.
هكذا أرّخ سنةَ وفاتِه الحافظُ الشريفُ عزُّ الدين، وابنُ الساعي، والذَّهبي وغيرُهم.
وقرأتُ بخط حفيدِه أبي العباس - مما كتبه في صباه - حدَّثنا والدي أن أباه أبا البركاتِ تُوفي بعد العصْر من يوم الجمعةِ يومَ عيد الفطْر سنةَ ثلاثٍ وخمسين وستِّمائة. ودُفن بكْرةَ السبت، وصلى عليه أبو الفرجِ عبدُ القاهر بنُ أبي محمدٍ عبد الغني بن أبي عبد اللهِ بن تيمية، غلبهم على الصلاة عليه. ولم يبقَ في البلد من لم يشهدْ جنازتَه إلا معذورٌ. وكان الخلقُ كثيرًا جدا.
ودُفن بمقبرة الجبّانة من مقابر حرّانَ رحمه الله.
رابعًا كتب أحاديث الأحكام
لقد صُنِّفت كتبٌ كثيرةٌ في أحاديث الأحكام.
وهذا النوعُ من التأليف هو أن يعمِد المؤلفُ إلى كتب السنةِ الشريفةِ فينتقي منها مجموعةً من الأحاديث في أنواع أبوابِ الفِقه، وذلك ليسهُلَ الرجوعُ إليها وهي مجموعةٌ في كتاب واحد، وغالبُ هذه الكتبِ تُحذف أسانيدُها إلا أنها تخرّج ويشار إلى أماكنها من كتب السنة.
وهذا التأليفُ بدأ بعد أن استقر تدوينُ السنةِ المصنّفة في المصنّفات والجوامعِ والمسانيدِ والسننِ والصِّحاح.
وإليك أهمَّ التصانيفِ في أحاديث الأحكام:
1 -
عمدة الأحكامِ من كلام خيرِ الأنام صلى الله عليه وسلم. تأليف عبد الغني المقدسي (541 - 600 هـ).
وقد اقتصر فيه مؤلِّفُه رحمه الله في أحاديث الأحكام على ما اتفق عليه الشيخان:
- البخاريُّ ومسلمٌ - (مجلد 1).
شُرح الكتابُ عدةَ شروحِ:
أ - إحكامُ الأحكام شرحُ عُمدةِ الأحكام. تأليف: الشيخ تقيِّ الدينِ أبي الفتح الشهير: بابن دقيقِ العيد (ت: 702). مجلد (2)، جزء (4).
ب - الإعلام بفوائد عُمدةِ الأحكام. تأليف عليّ بن أحمدَ بن الملقن (ت: 1040 هـ) مطبوع ب/11/ مجلد.
ج - العدّة حاشيةُ محمدِ بن إسماعيلَ الأميرِ الصنعانيِّ على إحكام الأحكامِ شرح عُمدةِ الأحكام لابن دقيقِ العيد (مجلد 4) حققه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه:
محمد صبحي بن حسن الحلاق.
د - تيسيرُ العلّام شرحُ عُمدةِ الأحكام. تأليف: عبد الله بن عبدِ الرَّحمن بن صالح آل بسام. رقّم كتبَه وأبوابَه وأحاديثَه، وخرَّج أحاديثَ "العُمدة" من الصحيحين وفهرسها على حروف المعجم: محمد صبحي بن حسن حلاق.
(مجلد 2). ط: مكتبة الصحابة: الإمارات - الشارقة.
2 -
بلوغُ المرام من أدلة الأحكام. تأليف: الحافظ أحمدَ بن عليّ العسقلاني.
ط: مكتبة ابن تيمية - القاهرة.
حقّقه وعلق عليه وخرّج أحاديثَه: محمد صبحي بن حسن حلاق. (مجلد - 2).
شُرح الكتاب عدة شروح:
أ - البدرُ التمامُ شرح بلوغ المرام. تأليف: الحسينِ بن محمدٍ المغرِبي. المعروف بالمغربي - مخطوط.
ب - سبلُ السلام الموصولة إلى بلوغ المرام. تأليف: محمد إسماعيلَ الأميرِ الصَّنعاني. علق عليه وحققه وخرجَ أحاديثَه، وضبط نضه: محمد صبحي بن حسن حلاق 8 أجزاء بـ (4) مجلدات. ط: دار ابن الجوزي - الدمَّام.
ج - فتحُ العلَّام شرح بلوغ المرام. تأليف: أبي الخير بنِ صديق حسن خان.
علّق عليه وخرَّج أحاديثَه: محمد صبحي بن حسن حلاق. (مجلد 4). ط: دار المعارف - بيروت.
د - توضيحُ الأحكام من بلوغ المرام. تأليف: عبدِ الله بن عبدِ الرحمن البسام (مجلد 6).
3 -
المُنتقى من الأحكام الشرعيةِ من كلام خيرِ البرية صلى الله عليه وسلم تأليف: مجدِ الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسمِ الحرّاني.
حققه وخرج أحاديثَه، وعلّق عليه، وضبط نصّه: محمد صبحي بن حسن حلاق (3) مجلدات، ط: مكتبة دار البيان الحديثة: الطائف.
شُرح عدة شروح:
أ - شرحه الحافظُ محمدُ بنُ أحمدَ بن الهادي المقدسي (ت: 774): مخطوط.
ب - شرحه سراجُ الدينِ بنُ الملقن (ت: 804) ولكنه لم يُتِمَّه: مخطوط.
ج - شرحه أحمدُ بنُ المحسن القاضي ابنُ قاضي الجبل (ت: 771 هـ) ولكنه لم يُتِمَّه. مخطوط.
د - نيلُ الأوطار من أسرار منتقى الأخبار. للإمام محمدِ بن عليّ الشوكاني.
وهو كتابُنا هذا الذي نقوم بخدمته
…
4 -
الإلمام بأحاديث الأحكام. تأليف: ابنُ دقيقِ العيد (مجلد 2).
5 -
دلائلُ الأحكام من أحاديث الرسولِ عليه السلام. تأليف: يوسفَ بن رافع بن شداد (539 - 632 هـ). (مجلد 4).
6 -
كتابُ الاهتمام بتلخيص كتابِ الإلمام لابن دقيقٍ العيد. تأليف: عبد الكريم بن منيرٍ الحلبي مجلد (1).
7 -
الأحكامُ الشرعيةُ الصُّغْرى "الصحيحة" تأليفُ: أبي محمدٍ عبدِ الحقِّ الإشبيلي (ت: 581 هـ) مجلد (2).
8 -
الأحكامُ الوسْطى تأليف: أبي محمدٍ عبدِ الحق الإشبيلي (ت: 581). مجلد (4).
9 -
فتحُ الغفّار. تأليف: القاضي: شرفِ الدين الحسنِ بن أحمدَ الرباعي اليمني (مجلد 2).
10 -
طرحُ التثريب في شرح التقريب. تأليف: عبدِ الرحيم بن الحُسين العِراقي وولدِه. (مجلد 4)(جزء 8).
11 -
إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه. للإمام الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت: 774).
12 -
الإعلام بأحاديث الأحكام. للإمام زين الدين زكريا بن محمد الأنصاري (ت: 925) وهو مختصر، وشرحه مؤلفه في كتاب سماه "فتح العلام لشرح الإعلام بأحاديث الأحكام!
13 -
بغية المتفقهين لأدلة منهاج الطالبين. تأليف: محمد صبحي بن حسن حلاق. (1/ 2).
وغيرها
…
خامسًا علم تخريج الحديث وبعض الكتب المؤلفة فيه
أولًا: في علم تخريجِ الحديث:
التخريج
(1)
: هو عزوُ الحديثِ إلى مصدره أو مصادرِه من كتب السنةِ المشرّفة وتَتَبّعُ طرقِه وأسانيدِه، وحالِ رجالِه، وبيان درجتِه قوةً وضعفًا.
نشأ هذا الفنُّ عندما استقر تدوينُ السنَّةِ النبويةِ في الجوامع والمصنفاتِ والمسانيدِ والسُّنن والمعاجمِ والصِّحاح والفوائدِ والأجزاءِ، وعندما ابتدأ علماءُ المسلمين بتصنيف علومِ الشريعةِ الغراءِ كالفقه وأصولِه والتفسيرِ وعلومِ القرآنِ والعقائدِ واللغةِ والزهدِ وغيرِها من العلوم.
استدل المصنفون بأحاديث رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وسنتِه الطاهرة باعتبارها ثانيَ مصدرِ تشريعيٍّ بعد كتاب اللهِ الذي أمرنا عز وعلا بالتمسك بها فذكروها بأسانيدها ولم يعزُوها إلى مكانها من كتب السنةِ المعروفةِ والمشهورة على طريقة المؤلفين القُدامى في الاقتصار على الأسانيد والمتون. والبعضُ الآخر من المؤلفين ذكر متونَ الأحاديثِ ولم يذكر أسانيدَها، ولا الكتبَ التي خُرجت ورويت فيها. والبعضُ الآخر يذكر قولَ فقيهِ أو قاعدةَ فقيهِ فيصيِّرها حديثًا.
لذا عمَد بعضُ علماء الحديثِ إلى تخريج هذه الأحاديثِ التي ذُكرت في بعض المؤلفات، ليقفَ طالبُ العلمِ على حقيقة المَرْويّات، وتطمئِنَّ نفسُه للدليل الذي استدل به المؤلفُ صحيحًا كان أو ضعيفًا، سالمًا من العلة أو معلولًا، مسنَدًا إلى رسول الله أو موقوفًا على من رواه.
(1)
من كلام الأستاذ صبحي السامرائي في مقدمته لكتاب تخريج أحاديث مختصر المنهاج للحافظ العراقي، ص 7 - 8.
يتطلب لمن يقوم بتخريج الأحاديثِ أن يُلِمّ: برواية الحديثِ ويقفَ على كتب الرواية، ويعرِفَ طرق الحديثِ. كما يجب أن يعرِف درايتَه وقواعدَ روايتِه ويعرِف أسانيدَه، ولا بد له من معرفة بعلم رجالِ الحديثِ وعللِ الأحاديث.
* * *
ثانيًا: بعضُ الكتب المؤلفة في التخريج
(1)
:
1 -
البدرُ المنير في تخريج الأحاديثِ والآثارِ الواقعة في الشرح الكبيرِ للرافعي.
تأليف: سراجُ الدين عمرَ بن الملقن المتوفى سنة 804 هـ، مخطوط أجزاءٌ منه في مكتبة أحمدَ الثالثِ في إسطنبول رقم 474.
قلت: مخطوطُ الأجزاء الخمسةِ في مكتبة الجامع الكبير. صنعاء
(2)
.
2 -
خلاصةُ البدرِ المنير: للمؤلف السابق. اختصر به كتابَه المذكورَ، مخطوط، نسخةٌ منه في دار الكتبِ الظاهرية بدمشق رقم 1146.
3 -
التلخيصُ الحبير في تخريج أحاديثِ الرافعيِّ الكبيرِ: للحافظ ابن حجرٍ، طبع في الهند قديمًا ثم أعيد طبعُه في القاهرة بتصحيح السيدِ عبد الله اليماني بمطبعة شركة الطباعة الفنية سنة (1384 هـ).
قلت: مخطوطٌ في مكتبة الجامع الكبير. صنعاء
(3)
.
4 -
الذهبُ الإبريز في تخريج أحاديثِ فتحِ العزيز: للزركشي، طبع قديمًا في الهند ولم أره. ويوجد مخطوطًا في مكتبة طبقبوسراي رقم 2973 عام.
(1)
مقدمة لكتاب تخريج أحاديث مختصر المنهاج للحافظ العراقي، ص 8 - 11.
(2)
فهرست مخطوطات مكتبة الجامع الكبير صنعاء (1/ 301 - 304). المكتبة الشرقية.
(3)
المرجع السابق (1/ 320 - 321). بعنوان: "التلخيص الحبير في تخريج أخبار الرافعي الكبير".
وبنفس العنوان في فهرس مخطوطات المكتبة الغربية ص 65.
ولكن السيوطي في "نظم العقيان" ص 47 في ترجمة ابن حجر سماه: "التمييز في تخريج أحاديث شرح الوجيز".
وقد قال شاكر محمود عبد المنعم في كتابه "ابن حجر العسقلاني مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتاب الإصابة"(1/ 227 - 229 رقم 100): "ثلاثة عناوين لكتاب واحد في الواقع - أي: التلخيص، تلخيص، التمييز". قلت: وقد وهم من حصره بعنوان واحد.
5 -
نصبُ الراية في تخريج أحاديث الهداية: للحافظ أبي محمدٍ عبد الله بن يوسفَ الزَّيلعي. المتوفى سنة (762 هـ). طبع في القاهرة سنة (1357 هـ).
6 -
الدراية في تخريج أحاديثِ الهداية: للحافظ ابن حجرٍ. اختصر فيه نصبَ الراية. طبع قديمًا في الهند، وأعيد طبعه في القاهرة سنة (1384 هـ).
7 -
التعريفُ والإخبار بتخريج أحاديثِ الاختيار (في الفقه الحنفي): تأليف الحافظ ابن قطلوبغا. مخطوط نسخة منه في مكتبة فيض الله رقم 292.
8 -
كشفُ المناهيج والتناقيح في تخريج أحاديثِ المصابيح: تأليف: الحافظِ أبي المعالي محمدِ بن إبراهيمَ السلمي المناوي. المتوفَّى سنة (803 هـ)، مخطوط نسخةٌ منه في مكتبة السلطان أحمدَ الثالث رقم 421. ونسخة أخرى منه في دار الكتب المصرية.
9 -
هدايةُ الرُّواة في تخريج أحاديثِ المصابيحِ والمِشكاة: تأليف الحافظِ ابن حجر. مخطوطة أ - نسخةٌ في المكتبة الحميدية في إسطنبول رقم 410؛ ب - نسخة ثانية في مكتبة السلطانِ أحمدَ الثالث رقم 477.
10 -
التحقيقُ في أحاديث التعليق (الخلاف): تأليف الحافظ عبدِ الرحمن بن الجوزي مخطوط. نسخةٌ منه في دار الكتب المصرية رقم 2 فقه حنبلي. هذا وقد طبع في مجلدين. ثم طبع في (12) مجلد. وبهامشه تنقيح التحقيق. للذهبي.
11 -
تنقيحُ التحقيق: تأليف الحافظِ محمدِ بن أحمدَ المقدسي المعروفِ بابن عبد الهادي المتوفَّى سنة 744 هـ. مخطوط نسخةٌ منه في مكتبة السلطان أحمدَ الثالث رقم 2968 عام. وأخرى ناقصةٌ في دار الكتب الظاهريةَ رقم 301 حديث.
12 -
إرشادُ الفقيه إلى أدلة التنبيه: (التنبيه للشيرازي. فقه شافعي) تأليفُ الحافظ المفسر عمادِ الدين بن كثيرٍ المتوفى سنة (744 هـ). مخطوط نسخة منه في مكتبة فيض الله باستانبول رقم 283. وقد طبع في مجلدين.
13 -
تخريجُ أحاديث الأم: (لسيدنا الإمام الشافعي) تأليفُ الإمامِ الحافظ أبي بكر أحمدَ بن الحسين البيهقي المتوفى سنة (458 هـ). مخطوط المجلد الثاني منه في دار الكتبِ المصرية رقم 911 حديث. ومجلد آخرُ منه في مكتبة تشسشربتي دبلن.
14 -
تخريجُ تقريبِ الأسانيد: تأليف الحافظ وليِّ الدين أبي زُرعةَ العراقي مخطوط. الجزء الثاني منه في دار الكتب المصرية رقم 725 حديث.
15 -
نشرُ العبير في تخريج أحاديثِ الشرحِ الكبير: للسيوطي ذكره الكتاني في الرسالة المستطرفة ص 154 ولم أقف عليه.
16 -
تخريجُ شرح الوجيز: (الوجيز في الفقه للغزالي) ذكره الكتّاني في الرسالة المستطرفة ص 154 ولم أقف عليه.
17 -
تذكرةُ الأخيار بما في الوسيط من الأخبار: (والوسيط في الفقه للغزالي) تأليف الحافظ سراجِ الدين بن الملقن المتوفى سنة (804 هـ) مخطوط نسخة منه في مكتبة أحمد الثالث رقم 473.
18 -
تخريجُ أحاديثِ المهذب: (المهذب في الفقه للشيرازي). تأليف: ابن الملقن. ذكره الكتّاني: الرسالة المستطرفة: (154) ولم أقف عليه.
19 -
تُحفةُ المحتاج إلى أدلة المنهاج: (المنهاج في الفقه للإمام النووي) لابن الملقن مخطوط نسخة منه في مكتبة أياصوفيا رقم 463 وأخرى في تشسشربتي. وقد طبع في مجلدين.
20 -
مناهلُ الصفا في تخريج أحاديثِ الشفا: (الشفا للقاضي عياض) للسيوطي. طبع في مصر.
21 -
تخريجُ أحاديث الشفاء: للحافظ قاسم بن قطلوبغا. لم أقف عليه.
22 -
تخريجُ أحاديث الشفاء: تأليف: عبد العزيز بن محمد النعمان الضمدي.
مخطوط في مكتبة الجامع الكبير. صنعاء
(1)
.
23 -
تخريجُ أحاديثِ الشهاب: (شهاب الأخبار للقضاعي)، تأليف: أبو العلاء العراقي. ذكره في الرسالة المستطرفة: 53 ولم أقف عليه.
24 -
الكافي الشاف في تخريج أحاديثِ الكشاف (الكشاف للزمخشري): للحافظ ابن حجر. طبع في مصر.
(1)
مخطوطات مكتبة الجامع الكبير صنعاء (1/ 315 - 316).
قلت: منه مخطوطٌ في مكتبة الجامع الكبير في صنعاء
(1)
. وبحوزتي صورة لها.
25 -
تخريجُ الأحاديثِ والآثار الواقعةِ في الكشاف: للحافظ جمالِ الدين الزيلعي المتوفى سنة (762 هـ). مخطوط نسخة منه في دار الكتب المصرية رقم 132 حديث. وقد طبع في (4) مجلدات.
26 -
تُحفةُ الراوي في تخريج أحاديثِ البيضاوي: (تفسير البيضاوي). تأليفُ ابن همات المتوفى سنة (1175 هـ). مخطوط وقفتُ على نسختين منه الأولى في مكتبة وفي الدين في اسطنبول رقم 511، والأخرى في مكتبة عارف حِكْمة في المدينة المنورة.
27 -
تخريج أحاديثِ تفسيرِ البيضاوي: تأليف الحافظِ عبدِ الرؤوف المناوي المتوفى سنة (1031 هـ). ذكره في الرسالة المستطرفة: 152.
28 -
تخريجُ أحاديث تفسيرِ أبي الليثِ السمرقندي: تأليفُ الحافظِ ابن قطلوبغا ذكره في الرسالة المستطرفة 152 ولم أقف عليه.
29 -
تُحفة الطالبِ بمعرفة أحاديثِ مختصر ابن الحاجب: (في أصول الفقه) تأليفُ الحافظِ عمادِ الدين بنِ كثير. مخطوط نسخةٌ منه في مكتبة فيض الله رقم: 283. وقد طبع في مجلد واحد.
30 -
المعتبرُ في تخريج أحاديثِ المنهاجِ والمختصر (في أصول الفقه): تأليفُ بدرِ الدين الزركشي المتوفى سنة (794 هـ). قلت: طُبع في دار الأرقم بتحقيق حمْدي بن عبدِ المجيد السلفي.
31 -
تخريجُ أحاديثِ المنهاج للبيضاوي وللسُّبكي: ذكره في الرسالة المستطرفة: 153.
32 -
تخريج أحاديث المختصر في أصول الفِقْه: لابن الحاجبِ للحافظ ابن حجرٍ.
ذكره في الرسالة المستطرفة: 153. وقد طبع في مجلدين.
33 -
تخريجُ أحاديثِ أصول البزْدوي: تأليفُ الحافظِ قاسم بن قطلوبغا. طبع في كراتشي - حاشية على كتاب البزْدوي.
(1)
مخطوطات مكتبة الجامع الكبير صنعاء (1/ 433).
34 -
تخريجُ شرحِ العقائدِ النَّسَفية للسيوطي. مخطوط نسختان منه في المكتبة الظاهرية.
35 -
تخريجُ أحاديثِ الأذكار الواردةِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن حجر، وهي من أماليه. مخطوط نسخة كاملة منه في الخزانة الملكية في الرباط.
36 -
تخريجُ الأحاديث والآثارِ التي وردت في شرح الكافية (في النحو): تأليف: عبد القادر البغدادي المتوفى في سنة (1093 هـ). مخطوط نسخة منه في مكتبة شهيد علي باشا مجموعة رقم 2509.
37 -
تخريجُ الأحاديثِ الواقعةِ في التُّحفة الوردية: تأليف عبدِ القادر البغدادي مخطوط نسخةٌ منه في مكتبة شهيد علي باشا رقم مجموع 2509.
38 -
فلَقُ الأصباح في تخريج أحاديث الصِّحاح (للجوهري): للسيوطي ذكره في الرسالة المستطرفة 155 ولم أقف عليه.
39 -
المُغني عن حمل الأسفار في الأسفار: للحافظ العراقي. تقدم ذكره.
40 -
تخريجُ أحاديثِ عوارف المعارف: (للسَّهْرُوَردي). ذكره في الرسالة المستطرفة: 155 ولم أقف عليه.
41 -
مُنيةُ الألمعي بما فات الزيلعي: لابن قطلوبغا. وهي ما فات الزيلعي من الأحاديث ولم يخرجها في نصب الراية. طبع في مصر.
42 -
إدراك الحقيقة في تخريج أحاديثِ الطريقة: (للبركوني). تأليف عليّ بن حسن المصري. ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (ج 2/ 1112) ولم أقف عليه.
43 -
فرائد القلائد في تخريج أحاديث شرح العقائد (للنسفي): لملَّا علي القاري.
ذكره في الرسالة المستطرفة: 185 ولم أطلع عليه.
44 -
تخريجُ أحاديثِ الكفاية: (في فروع الشافعيةِ لأبي حامدٍ محمدِ بن إبراهيمَ السُّهَيلي المتوفى سنة 623). تأليف: السيوطي. ذكره حاجي خليفة: ج 2/ 1498 ولم أقف عليه.
45 -
تخريجُ أحاديث شرح المواقفِ: للسيوطي. مخطوط نسخةٌ منه في الخزانة العامة بالرباط رقم 1054 كتاني.
46 -
تخريجُ أحاديثِ الكافي: (في فقه الحنابلة) للمقدسي. مخطوطة نسخةٌ منه في المكتبة الظاهرية.
47 -
إرواءُ الغليل في تخريج أحاديث منارِ السبيل: (في الفقه الحنبلي) للمحدث محمد ناصر الدين الألباني. وقد طبع في المكتب الإسلامي ببيروت عام 1399 = 1979 م في ثمانية أجزاء.
48 -
غايةُ المرام في تخريج أحاديثِ الحلال والحرام: للألباني أيضًا، وقد طبع في المكتب الإسلامي ببيروت عام 1400 = 1980 م.
49 -
تخريجُ أحاديث مختصرِ المِنهاج في أصول الفِقه: للبيضاوي، للحافظ العراقي. تحقيق: صبحي البدري السامرائي. طبع دار الكتب السلفية.
50 -
الابتهاج بتخريج أحاديثِ المنهاج: (المنهاج في أصول الفقه للبيضاوي) للشيخ عبد الله بن محمد الصّدّيق الغماري، وقد حققه الأستاذ سمير طه المجذوب، ونشرته دار عالم الكتب. 1405 = 1985 م.
51 -
تخريجُ أحاديثِ اللُّمع: (واللمع في أصول الفقه للشيرازي) للغماري أيضًا، حققه يوسف المرعشلي ونشرته دار عالم الكتب في بيروت عام 1404 هـ = 1984 م في جزء واحد.
سادسًا وصف المخطوطات
أولًا: وصف مخطوط "منتقى الأخبار":
1 -
عنوان المخطوط: كتاب المنتقى في الأحكام الشرعية من كلام خير البرية صلى الله عليه وسلم.
2 -
أول المخطوط: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين. قال الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد الورع الحافظ الثقة الناقد العلامة البارع مجموع الفضائل يحيى السيد قدس الله روحه، ونوَّر ضريحه،
…
3 -
آخر المخطوط: تم الكتاب المبارك بمنِّ الله وكرمه وعونه، وكان الفراغ من رقمه يوم الثلاثاء، لتسع خلت من شهر صفر. سنة سبعين ومائة وألف، وذلك بخط العبد الفقير الخائف المستجير من عذاب السعير/ علي بن أحمد بن عبد القادر البدري/ غفر الله له ولكم جميعًا.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلَّم تسليمًا.
4 -
موضوع المخطوط: أحاديث الأحكام.
5 -
عدد الأوراق: 165 ورقة.
6 -
عدد الأسطر في الصفحة: 36 سطرًا.
7 -
عدد الكلمات في السطر: 17 - 18 كلمة.
8 -
نوع الخط: نسخي معتاد.
9 -
الناسخ: علي بن أحمد بن عبد القادر البدري.
[صفحة عنوان المخطوط]
[الورقة الأولى من المخطوط]
[الورقة الأخيرة من المخطوط]
ثانيًا: وصف المخطوط (أ) لـ: "نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار":
1 -
عنوان المخطوط: نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار.
2 -
أول المخطوط: بسم الله الرحمن الرحيم إياك نستعين. أحمدك يا من شرح صدورنا بنيل الأوطار من علوم السنة. وأفاض على قلوبنا من أنوار معارفها ما أزاح عنا من ظلم الجهالات كل دجنة
…
3 -
آخر المخطوط: وكان الفراغ في نهار الخميس في اليوم السابع والعشرين من أيام شهر الحجة. سنة إحدى عشرة ومائة وألف من الهجرة النبوية. على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وكان التأليف بمحروس مدينة صنعاء المحمية بالله.
4 -
موضوع المخطوط: فقه أحاديث الأحكام.
5 -
عدد المجلدات: اثنان.
6 -
عدد أوراق المجلد الأول: 286 ورقة = 572 صفحة.
7 -
عدد أوراق المجلد الثاني: 245 ورقة = 490 صفحة.
8 -
عدد الأسطر في الصفحة: 38 - 40 سطرًا.
9 -
عدد الكلمات في السطر: 15 - 17 كلمة.
10 -
نوع الخط: خط نسخي معتاد.
11 -
اسم الناسخ: المؤلف رحمه الله/ محمد بن علي الشوكاني/.
• وقد حصلت على هذا المخطوط من فضيلة العلامة الدكتور عبد الوهاب بن لطف الديلمي حفظه الله ورعاه، الذي تكرَّم بتقديمها إليَّ لأقوم بتحقيقها وتخريجها والتعليق عليها، رغبة في ثواب الله ونشرًا للعلم.
أسأل الله العلي القدير أن يجزل له الثواب، ويحسن عمله، ويسدِّد على الحق خُطاه، ويدخله الجنة، ويقيه من النار
…
آمين.
[عنوان المجلد الأول من المخطوط]
[الصفحة الأولى من المجلد الأول]
[الصفحة ما قبل الأخيرة من المجلد الأول]
[الصفحة الأخيرة من المجلد الأول]
[عنوان المجلد الثاني من المخطوط]
[الصفحة الأولى من المجلد الثاني]
[الصفحة ما قبل الأخيرة من المجلد الثاني]
[الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني]
ثالثًا: وصف المخطوط (ب) لـ: "نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار":
1 -
عنوان المخطوط: (نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار).
2 -
موضوع المخطوط: (فقه أحاديث الأحكام).
3 -
أول المخطوط: بسم الله الرحمن الرحيم، عليه توكلت وهو حسبي ونعم الوكيل، أحمدك يا من شرح صدورنا بنيل الأوطار من علوم السنة، وأفاض على قلوبنا من أنوار معارفها ما أزاح عنّا من ظلم الجهالات كل دُجُنَّةٍ، وحماها بحماه
…
4 -
آخر المخطوط:
…
وإلى هنا انتهى النصف الأول من نيل الأوطار تأليف مولانا العلامة محمد بن علي بن محمد الشوكاني أطال الله تعالى بأيام عمره وجزاه عن المسلمين خيرًا بحوله وطوله إنه سميع الدعاء. وكان الفراغ من زبره نهار السبت 7 شهر شعبان 1224 من الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. آمين.
5 -
عدد المجلدات: (اثنان).
6 -
عدد أوراق المجلد الأول (النصف الأول): (442) ورقة.
7 -
عدد أوراق المجلد الثاني (النصف الثاني): (319) ورقة.
8 -
عدد الأسطر في الصفحة: 35 سطرًا.
9 -
المقياس: 21 × 30 سم.
10 -
اسم المؤلف: محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة 1250 هـ.
11 -
اسم الناسخ: يحيى بن محسن الدلواني - وحسن بن يحيى بن أحمد الكبسي.
12 -
نوع الخط وتاريخ النسخ: كتب بقلمين مختلفين في سنة (1225 هـ) في حياة المؤلف، وقبل موته بخمس وعشرين سنة، وعليه إجازة المؤلف بخطه، بورقة قبل صفحة العنوان، جعل التعليقات في الهوامش على ثلاثة أقسام.
13 -
المكتبة المصور عنها المخطوط ورقمه فيها: تسلمت من الشيخ عبد الكريم الزبيدي باليمن رقم (17)، قائمة (10).
14 -
أرسلها إليَّ فضيلة الأخ أبو فواز سعد الصميل حفظه الله ورعاه صاحب دار ابن الجوزي - الدمام -.
صورة عن إجازة الشوكاني بخطه وفيها أقسام التعليقات في هامش المخطوط
صورة عنوان الكتاب من المخطوط (ب)(المجلد الأول).
صورة الصفحة (1 أ) من المخطوط (ب)(المجلد الأول).
صورة الصفحة (1 ب) من المخطوط (ب)(المجلد الأول).
صورة الصفحة (442 أ) من المخطوط (ب)(المجلد الأول).
صورة الصفحة (442 ب) من المخطوط (ب)(المجلد الأول).
صورة عنوان الكتاب من المخطوط (ب)(المجلد الثاني).
صورة الصفحة (1 أ) من المخطوط (ب)(المجلد الثاني).
صورة الصفحة (1 ب) من المخطوط (2 ب)(الجلد الثاني).
صورة الصفحة (319 أ) من المخطوط (ب)(المجلد الثاني).
صورة الصفحة (319 ب) من المخطوط (ب)(المجلد الثاني).
رابعًا: وصف المخطوط (ج) لـ: "نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار":
1 -
عنوان المخطوط: كتاب (نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار).
2 -
موضوع المخطوط: (فقه أحاديث الأحكام).
3 -
أول المخطوط: بسم الله الرحمن الرحيم، أحمدك يا من شرح صدورنا بنيل الأوطار من علوم السنة، وأفاض على قلوبنا من أنوار معارفها ما أزاح عنّا من ظلم الجهالات كل دُجُنةٍ وحماها بحماه
…
4 -
آخر المخطوط: قاله المهدي في البحر أنه الشهادتان في الأصح لعدم وجدان ما يدل على الاقتصار على البعض من التشهد الذي ينصرف إليه مطلق التشهد. والحمد لله رب العالمين على كل حال، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الراشدين آمين.
5 -
عدد المجلدات: حصلت على المجلد الأول منه فقط من أوله وحتى باب التشهد لسجود السهو بعد السلام.
6 -
عدد صفحات هذا الجزء: (725) صفحة.
7 -
عدد الأسطر في الصفحة: 33 سطرًا.
8 -
عدد الكلمات في السطر: (15) كلمة.
9 -
اسم المؤلف: محمد بن علي الشوكاني.
10 -
نوع الخط: خط نسخي جيد.
11 -
أرسلها إليَّ فضيلة الأخ أبو فواز سعد الصميل حفظه الله ورعاه، صاحب دار ابن الجوزي - الدمام.
12 -
مكتوب على آخر هذا الجزء بخط الإمام الشوكاني رحمه الله ما نصه: "بسم الله والحمد لله. كان الفراغ من قصاصة هذا الجزء ومقابلته على المسودة في ليلة الثلاثاء لست خلت من شهر رمضان سنة (1213 هـ) كتبه مؤلفه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما".
صورة صفحة العنوان من المخطوط (جـ).
صورة الصفحة الأولى من الجزء الأول من المخطوط (جـ).
صورة الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من المخطوط (جـ).
سابعًا منهجي في تحقيق نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبارِ وتخريجِه
1 -
قدّمتُ للكتاب مقدمةً متوسطة.
2 -
ترجمتُ للمؤلف ترجمةً موسّعة.
3 -
ترجمت لصاحب منتقى الأخبار ترجمةً قصيرةً.
4 -
وصفتُ مخطوطَ المنتقى
…
كما وصفتُ مخطوطات النيل.
5 -
عزوتُ الآياتِ التي أوردها المؤلف إلى سورها مع الضبط.
6 -
ذكرتُ الآياتِ التي أشار إليها المؤلف مع عزوها إلى سورها.
7 -
وضعتُ رقْمين لكل من أحاديث الكتاب (الأول): رقمَ أحاديثِ الأبواب (والثاني) الرقْمَ المتسلسلَ.
8 -
قسمتُ الكتابَ إلى كتب وأبواب.
9 -
وضعتُ عناوينَ جانبية ضرورية في بعض الأحيان وجعلتُها بين قوسين هكذا: [].
10 -
عزوتُ الأحاديثَ إلى مصادرها التي ذكرها صاحبُ المنتقى، ثم المصادر التي ذكرها صاحبُ النيل.
وأشرتُ إلى رقم الجزءِ والصفحةِ والحديث. فالرقمانِ اللذانِ يفصل بينهما خطٌ مائلٌ، الأولُ منهما للجزء، والثاني للصفحة من الطبعة التي اعتُمدت، والرقمُ الثالثُ للحديث. وفي حال عدمِ ذكرِ الرقْمِ الثالثِ أذكرُ كلمةً من اسم الكتابِ أو المؤلفِ وذلك بحسب الشهرة.
مثل: - صحيح مسلم بشرح النووي. نقول: نووي.
- عونُ المعبود شرحُ سننِ أبي داودَ لمحمد شمس الحقّ العظيم أبادي نقول: عون.
- تحفةُ الأحوذي بشرح جامع التِّرمِذي لأبي العلي محمدِ عبدِ الرحمنِ بن عبدِ الرحيم المُباركفوري نقول: - تحفة
…
وهكذا.
11 -
إذا كان المصدرُ الذي أشار إليه المؤلفُ مفقودًا، أو مخطوطًا، أو يتعذر الحصولُ عليه، فإنني أُحيل على كتب الحفّاظ المشهورين الذين عزَوا هذا الحديثَ في تصانيفهم لصاحبه. كالزيلعي - وابن حجر - والنووي - والهيثمي - وابن الملقن، وغيرهم
…
12 -
تعرض الإمامُ الشوكاني لصحة الأحاديثِ أو ضَعفِها، في الغالب. كما يذكر أقوالَ أئمةِ هذا الشأنِ فيه أحيانًا، مع إبداء رأيهِ في ذلك.
فإذا سكتُّ على ذلك فدليلٌ على موافقته، وأكتفي برمز الصحةِ أو الضعف، وإلا فإنني أبيّن مخالفتَه مع الدليل وأُثبت ما ترجّح لدي بحسب قواعدِ هذا الفنِّ.
13 -
يعزو الإمامُ الشوكانيّ الحديثَ أحيانًا إلى من لم يخرِّجْه من أئمة الحديثِ فأنبه على ذلك.
14 -
يحكم الإمامُ الشوكاني على بعض رجالِ السند بالتوثيق أو التضعيفِ أحيانًا، وهو على خلاف ذلك عند أئمةِ الجَرحِ والتعديل فأنبه على ذلك.
15 -
يقع الخطأ أحيانًا في اسم الراوي فأقومُ بتصحيح ذلك.
16 -
إذا عزوتُ الحديثَ إلى البخاري، أو مسلم مطلقًا، فاقصد أنهما أخرجاه في صحيحيهما، وأما في غيرهما فأوضحه.
17 -
إذا عزوتُ الحديثَ إلى الترمذي، أو النِّسائي، أو أبي داود، أو ابن ماجهْ، أو البيهقي، أو الدارَقُطني، فأقصد أنهم أخرجوه في سننهم وأما في غيرها فأبيّنه.
18 -
إذا عزوتُ الحديثَ إلى الإمام أحمدَ، أو أبي يعلى، أو أبي عَوانة، أو الطيالسي، أو الحُميدي، فأقصد أنهم أخرجوه في مسانيدهم.
19 -
خرّجت الأحاديثَ التي يشير إليها الشوكاني، أو يذكرها كحجة في النيل تخريجًا متوسطًا مع الحكم عليها صِحةً أو ضعفًا في الغالب.
20 -
شرحتُ الكلماتِ الغريبة في المنتقى أو النيلِ بالرجوع إلى كتب المُعجم أو الغريب.
21 -
إذا شرح المؤلفُ الكلماتِ الغريبةَ فأُشير إلى مصدرها بالرجوع إلى المُعجم أو الغريب.
22 -
عزوتُ الأقوالَ إلى مصادرها إنْ وجدتْ، أو إلى من أوردها من العلماء في كتبهم الموجودة.
23 -
في حاشية المخطوطة (ب) نقول ينقلها (المحشي) من الأصل الذي اختصر منه الشوكاني، فلم أعبأ بها؛ لأن الشوكاني نقل المفيد اللازم لكتابه، وترك ما سواه من تفصيلات. ومن حرص على هذه التفصيلات ذكرت رقم الجزء والصفحة لهذه الأصول المنقول منها فليرجع إليها.
24 -
في حاشية المخطوطة (ب) ينقل (المحشي) لفظًا يخالف ما نقله الشوكاني في حرف أو حرفين، ويرجع هذا إلى اختلاف النسخ، أو النقل من الذاكرة، فأغفلته، وقمت بالرجوع إلى المصدر الذي نقل منه الشوكاني وأثبت رقم الجزء والصفحة، ليقف القارئ الكريم على هذه المخالفة في حرف أو حرفين إن وجدت، والله أعلم.
25 -
راجعتُ ضبط أحاديث المنتقى.
26 -
ضبطتُ أحاديثَ النيل بالشكل.
27 -
ضبطتُ أسماءَ الرجالِ المتكلَّمِ عليهم في الكتاب جرحًا أو تعديلًا، مع عزو ذلك إلى كتب الرجال.
28 -
حولتُ المقاييسَ والمكاييلَ والأوزانَ الشرعيةَ القديمةَ إلى المقاييس والمكاييلِ والأوزانِ العصْرية ..
29 -
عزوتُ تراجمَ الرجال إلى بعض مصادرها التي ذُكرت فيها.
30 -
ترجمتُ للصحابي الذي نالتْه أقلامُ الحاقدين، وكذلك لمن لم يشتهِرْ منهم حرصًا على التعريف بهم.
31 -
ترجمتُ لبعض الأئمة أو الفقهاءِ الذين لهم أقوالٌ تخالف جمهورَ الفقهاء، والدليلُ يناصرُهم لتعلمَ شأنَهم في الدين ورسوخَهم في العلم والمعرفةِ والفهم.
32 -
يرجح الإمامُ الشوكاني بين أقوالِ الفقهاءِ في المسألة، فإن كان ترجيحُه موافقًا للأدلة وافقتُه ونصرتُ ما ذهب إليه بما أستطيع من أدلة أخرى إذا لزم الأمر، وإلا اقتصرتُ على الموافقة.
وإذا كان ترجيحُه مخالفًا للراجح، ذكرت الراجحَ مع الأدلة التي تنصرُ ما ذهبتُ إليه.
لذلك أغفلتُ الترجيحات التي ذكرها (المحشي) في هامش المخطوطة (ب).
33 -
ضم الإمامُ الشوكاني كلامَ صاحبِ المنتقى إلى شرحه وصدَّره بقوله: قال المصنف. وزيادة في الإيضاح ميَّزتُ كلام صاحب المنتقى بوضع خطٍّ فوقه.
34 -
وضعتُ فِهرِسًا لموضوعات كل جزء.
35 -
وضعتُ للكتاب فهارسَ علمية.
"اللهم تقبلْ عملي، وخذ بيدي، وسدِّد خُطاي، ووفقني لما فيه خيرُ الإسلام والمسلمين".
وكتبه الفقير إلى الله
محمد صبحي بن حسن حلاق
أبو مصعب
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم
[إياك نستعين]
(1)
أحمَدُك يا من شرَح صدورَنا بنيل الأوطارِ من علوم السنةِ، وأفاضَ على قلوبِنَا من أنوارِ معارفِها ما أزاحَ عنَّا من ظُلَم الجهالاتِ كل دُجُنَّةٍ
(2)
، وحماهَا بحُماةٍ صَفَّدوا بسلاسلِ أسانيدِهم الصادقةِ أعناقَ الكذابينَ، وكَفَاها بكُفاةٍ كفُّوا عنها أكُفَّ غير المتأهلينَ من المُنتابينَ
(3)
المُرتابين. فغدا مَعينُها الصافي غيرَ مُقذَّرٍ بالأكدَارِ، وزُلالُ عذْبِها الشافي غيرَ مكدَّرٍ بالأقذار. والصلاةُ والسلام على المنتقَى من عالَم الكونِ والفسادِ، المصطفى لحملِ أعباءِ أسرارِ الرسالةِ الإِلهيةِ من بين العبادِ، المخصوصِ بالشفاعَة العُظمى في يومٍ يقولُ فيه كلُ رسولٍ: نفسي نفسي، ويقول:"أنَا لها أنا لها"
(4)
. القائل: "بعثتُ إلى الأحمرِ والأسَودِ"
(5)
أكرِمْ بها مقالة ما قالَها نبي قبلَهُ ولا نالَها. وعلى آله المطهرينَ من جميع الأدناسِ والأرجاسِ، الحافظينَ لِمعالِم الدِّينِ عن الاندِراس والانطِماس، وعلى أصحابه الجالِيْنَ بأشعةِ
(1)
في (ب): (عليه توكلت وهو حسبي ونعم الوكيل).
(2)
الدُّجُنَّةُ: الظلمة، والغيم المطبق. القاموس المحيط ص 1542.
(3)
نَتَبَ نتوبًا: نَهَدَ، ونَتَأَ. القاموس المحيط ص 174.
(4)
وهو جزء من حديث صحيح.
أخرجه البخاري رقم (7510) ومسلم (193) من حديث أنس بن مالك. وفيه: "أنا لها" مرة واحدة.
(5)
وهو جزء من حديث صحيح.
أخرجه أحمد (5/ 148) وابن حبان كما في الموارد رقم (200) والحاكم (2/ 424) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة إنما أخرجا ألفاظًا من الحديث متفرقة". ووافقه الذهبي.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 259) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح" اهـ.
بريقِ صوارمِهم دياجرَ الكُفران، الخائضين بخيْلِهم ورَجِلِهم - لنُصْرة دين اللهِ بين يدَيْ رسولِ الله - كل معركةٍ تتقاعس عنها الشجعانُ.
[الكلام على كتاب "منتقى الأخبار"]:
وبعدُ: فإنه لما كان الكتابُ الموسومُ بالمنتقى من الأخبار في الأحكام، مما لم يُنسَجْ على بديع مِنوالِه، ولا حَرَّر على شكله ومثالِه أحدٌ من الأئمة الأعلام. قد جمع من السنة المطهرةِ ما لم يجتمِعْ في غيره من الأسفارِ، وبلغ إلى غاية في الإِحاطة بأحاديث الأحكامِ تتقاصر [عنها]
(1)
الدفاترُ الكبار. وشمَل من دلائل المسائلِ جملةَ نافعةً تُفنى دون الظفرِ ببعضها طِوالَ الأعمار. وصار مرجِعًا لجِلّة العلماءِ عند الحاجة إلى طلب الدليلِ لا سيما في هذه الديار وهذه الأعصار. فإنها تزاحمت على مورده العذْبِ أنظارُ المجتهدين، وتسابقت على الدخول في أبوابه أقدامُ الباحثين من المحققين، وغدا ملجأً للنُظّار يأوُون إليه، ومَفزَعًا للهاربين من رقّ التقليدِ يعوّلون عليه، وكان كثيرًا ما يتردّد الناظرون في صحة بعضِ دلائلِه، ويتشكك الباحثون في الراجح والمرجوحِ عند تعارض بعضِ مستنداتِ مسائِله، حَمَلَ حسنُ الظن بي جماعةً من حمَلة العلمِ بعضُهم من مشايخي على أن التمسوا مني القيامَ بشرح هذا الكتاب، وحسَّنوا لي السلوكَ في هذه المسالكِ الضيقةِ التي يتلوّن الخِرِّيتُ
(2)
في [مُوعِرات]
(3)
شِعابِها والهضاب، فأخذتُ في إلقاء المعاذير، وأبنْتُ تعسُّرَ هذا المقصدِ على جميع التقادير، وقلت: القيامُ بهذا الشأنِ يحتاج إلى جملة من الكتب يعِزُّ وجودُها في هذه الديار، والموجودُ منها محجوبٌ بأيدي جماعة عن الأبصار، بالاحتكار والادخار كما تُحجب الأبكار. ومع هذا فأوقاتي مُستغرَقةٌ بوظائف الدرسِ والتدريس، والنفسُ مُؤثِرةٌ لمُطارحة مَهَرةِ المتدربين في المعارف على كل نفيس، ومَلَكتي قاصرة عن القدْر المعتَبر في هذا العلمِ الذي قد دَرَس رسْمُه
(4)
، وذهب أهلُه منذ أزمانٍ قد تصرّمتْ، فلم
(1)
في المخطوط (جـ): (عندها).
(2)
الخرِّيتُ: الماهر الذي يَهْتَدي لأخْرات المفازة، وهي طُرُقُها الخفيَّة ومضايقُها. وقيل: إنه يهتدي لمثل خَرْتِ الإبرة من الطريق. [النهاية في غريب الحديث والأثر: لابن الأثير: (2/ 19)].
(3)
في المخطوط (جـ): (مواعزات).
(4)
درس الرسم دُرُوسًا: عَفَا، القاموس المحيط ص 701.
يبقَ بأيدي المتأخرين إلا اسمُه. لا سيما وثوبُ الشباب قَشيب
(1)
، ورِدْنُ
(2)
الحَداثةِ بمائها خَصيب. ولا ريبَ أن لعلوّ السن وطولِ المُمارسةِ في هذا الشأن أوفرَ نصيب.
فلما لم ينفعْني الإكثارُ من هذه الأعذار، ولا خلّصني من ذلك المطلبِ ما قدّمتُه من الموانع الكِبار، صمّمْتُ على الشروع في هذا المقصِدِ المحمودِ، وطمِعْتُ أن يكون قد أُتيح لي أني من خدَم السنةِ المطهرةِ معدود. [وربما]
(3)
أدرك الطالعُ
(4)
شأوَ الضليع، وعُدَّ في جملة العُقلاءِ المتعاقلُ الرقيع.
[خطة الإمام الشوكاني في تأليف نيل الأوطار]:
وقد سلكتُ في هذا الشرح لطول المشروحِ مسلكَ الاختصار، وجرّدتُه عن كثير من التفريعات والمباحثاتِ التي تُفْضي إلى الإِكثار، لا سيما في المقامات التي يقِلّ فيها الاختلاف، ويكثُر بين أئمةِ المسلمين في مثلها الائتلاف. وأما في مواطن الجدالِ والخصامِ فقد أخذتُ فيها بنصيب من إطالة ذيولِ الكلام؛ لأنها معاركُ تتبين عندها مقاديرُ الفحول، ومفاوِزُ لا يقطع شِعابَها
(5)
وعقابها
(6)
إلا نحاريرُ
(7)
الأصول، ومقاماتٌ تتكسّر فيها النِّصالُ على النصال، ومواطنُ تُلجَم عندها أفواهُ الأبطالِ بأحجار الجِدال، ومواكبُ تعرَقُ فيها جباهُ رجالِ حل الإِشكالِ والإِعضال.
وقد قمت ولله الحمدُ في هذه المقاماتِ مقامًا لا يعرِفُه إلا المتأهِّلون، ولا يقِف على مقدار كُنْهِه من حَمَلة العلمِ إلا المُبرِّزون. فدونك يا من لم تذهَبْ ببصر بصيرتِه أقوالُ الرجال، ولا تدنّسَتْ فطرةُ عِرفانِه بالقيل والقال - شرحًا يشرح الصدور، ويمشي على سنن الدليلِ وإن خالف الجمهور، وإني معترفٌ بأن الخطأَ والزللَ هما الغالبان
(1)
قَشِيبٌ: مَجْلُو، وصَدِئٌ، ضِدّ. القاموس المحيط ص 160.
(2)
الرَّدَن: القَزّ، وقيل: الخزّ، وقيل: الحرير. "لسان العرب"(5/ 193).
(3)
في المخطوط (ب) و (جـ): (وربتما) وهو جائز في اللغة.
(4)
المطلَع: بالفتح هو الطلوع. والمطلِعُ بالكسر: موضع الطلوع.
والطالِعُ: كل بادٍ من علو. "لسان العرب"(8/ 186). في (جـ): (الضالع).
(5)
الشِعب: بكسر الشين، الطريق في الجبل
…
القاموس المحيط ص 130.
(6)
العقاب: جمع عقبة: وهي مَرْقى صَعْبٌ من الجبال. القاموس المحيط ص 149.
(7)
النِحْرير: الحاذقُ الماهرُ العَاقِلُ المجَرّبُ المتقنُ الفطِنُ البصيرُ بكل شيء لأنه ينحر العلم نحرًا. القاموس المحيط ص 618.
على من خلقه اللهُ من عجل، ولكني قد نصَرتُ ما أظنه الحق بمقدار ما بلغتْ إليه المَلَكة، ورُضْتُ النفسَ حتى صفتْ عن قذر التعصّبِ الذي هو بلا ريبٍ الهَلَكة.
وقد اقتصرتُ فيما عدا هذه المقاماتِ الموصفات على بيان حال الحديثِ وتفسيرِ غريبِه وما يستفاد منه بكل الدِلالات، وضممْتُ إلى ذلك في غالب الحالاتِ الإِشارةَ إلى بقية الأحاديثِ الواردةِ في الباب مما لم يُذكَر في الكتاب لعِلْمي بأن هذا من أعظم الفوائدِ التي يرغب في مثلها أربابُ الألبابِ من الطلاب.
ولم أطوِّلْ ذيلَ هذا الشرحِ بذكر تراجمِ رواةِ الأخبار؛ لأن ذلك مع كونه علمًا آخرَ يمكن الوقوفُ عليه في مختصر من كتب الفنِّ من المختصرات الصغار. وقد أشيرُ في النادر إلى ضبط اسمِ راوٍ أو بيانِ حالِه على طريق التنبيه، لا سيما في المواطن التي هي مَظِنةُ تحريفٍ أو تصحيف لا ينجو منه غيرُ النبيه.
وجعلتُ ما كان للمصنف من الكلام على فقه الأحاديثِ وما يستطرده من الأدلة في غضونه من جملة الشرحِ في الغالب، ونسبْتُ ذلك إليه، وتعقبْتُ ما ينبغي تعقُّبَه عليه، وتكلمتُ على ما لا يحسُن السكوتُ عليه مما لا يستغني عنه الطالب.
كلُ ذلك لمحبة رعايةِ الاختصار، وكراهةِ الإِملال بالتطويل والإِكثار. وتقاعُدِ الرَّغَبات، وقصورِ الهِمَمِ عن المطوَّلات. وسميتُ هذا الشرحَ لرعاية التفاؤل الذي كان يعجب المختار:"نيلَ الأوطار مِنْ أسْرارِ مُنْتَقَى الأخْبارِ".
واللهُ المسئولُ أن ينفعَني به ومَن رام الانتفاع من إخواني، وأن يجعلَه من الأعمال التي لا ينقطع عني نفعُها بعد أن أُدْرَجَ في أكفاني.
[ترجمة صاحب المنتقى]:
وقبل الشروعِ في شرح كلامِ المصنفِ نذكرُ ترجمتَه على سبيل الاختصارِ فنقول: هو الشيخُ الإِمامُ علامةُ عصرِه المجتهدُ المطلق، أبو البركاتِ شيخُ الحنابلةِ مجدُ الدينِ عبدُ السلام بن عبدِ الله بن أبي القاسم بن محمدِ بن الخِضرِ بن محمدِ بن علي بن عبدِ اللهِ الحزاني المعروفُ بابن تَيْميةَ.
قال الذهبي في النبلاء
(1)
: "ولد سنةَ تسعينَ وخمسمائةٍ تقريبًا، وتفقَّه على
(1)
أي: "سير أعلام النبلاء"(23/ 291 - 292).
عمِّه الخطيب، وقدِم بغدادَ وهو مراهقٌ مع السّيف ابن عمه، وسمعَ من أحمدَ بن سُكينةَ وابنِ طَبَرْزَدَ ويوسفَ بن كاملٍ، وعدةٍ. وسمعَ بحرّانَ من حَنْبَل وعبدِ القادر الحافظِ، وتلا بالعشرِ على الشيخِ عبد الواحد بن سلطان.
حدًثَ عنه ولدُهُ شهابُ الدين والدمياطى وأمينُ الدينِ بنُ شُقيرٍ وعبد الغني بن منصورٍ ومحمدُ بنُ [البزار]
(1)
والواعظُ محمد بنُ عبدِ المحسنِ وغيرهم، وتفقه وبرعَ واشتغلَ وصنَّفَ التصانيفَ، وانتهت إليه الإِمامةُ في الفقهِ ودرس القراءات، وصنَّف فيها أرجوزةَ. تلا عليه الشيخ القيرواني. وحج في سنة إحدى وخمسين على درب العراقِ، وابتهر علماءُ بغدادَ لذكائِهِ وفضائِلهِ. والتمس منه أُستاذ دارِ الخلافة محيي الدين بن الجوزيّ الإِقامةَ عندهم فتعلّل بالأهلِ والوطنِ".
قال الذهبي
(2)
: "سمعتُ الشيخَ تقيَّ الدين أبا العباسِ يقول: كان الشيخُ ابن مالكَ
(3)
يقولَ: أُلينَ للشيخِ المجد الفقهُ كما أُلينَ لداودَ الحديدُ. قال الشيخ: وكانت في جدّنا حدّة، اجتمع ببعض الشيوخ وأورد عليه مسألة، فقال: الجواب عنها من ستين وجهًا: الأول كذَا، والثاني كَذَا، وسرَدها إلى آخِرِهَا، وقد رضِينا عنكَ بإعادةِ أجوِبةِ الجميعِ فخضعَ له وابْتهرَ.
قال العلامةُ ابنُ حمدانَ: كنتُ أُطالعُ على درسِ الشيخِ وما أبقي مُمكنًا، فإذا أصبحْتُ وحضرتُ ينقلُ أشياءَ غريبةً لم أعْرِفْها.
قال الشيخُ تقي الدين: وجَدْنَاه عجيبًا في سَرْدِ المُتونِ وحِفْظِ المذاهبِ بلا كُلْفةٍ، وسافَرَ مع ابن عفه إلى العراقِ ليخدِمَه، وله ثلاثَ عشرةَ سنةً، فكانَ يبيتُ عندَهُ وَيَسْمَعُهُ يُكرِّرُ مسائلَ الخلافِ فيحفظُ المسألةَ
…
وأبو البقاءِ شيخُهُ في النحْوِ والفرائضِ، وأبو بكر بن غُنَيمةَ شيخُهُ في الفِقْهِ، وأقام ببغدادَ ستةَ أعوامٍ مُكِبًّا على الاشتغالِ، ثم ارتحلَ إلى بغدادَ قبلَ العشريْنَ وستمائةِ، فتزيَّدَ من العلْمِ وصنفَ التصانيفَ مع الدينِ، والتقْوى وحسنِ الاتباع. وتُوفي بحرَّانَ يومَ الفطرِ سنةَ اثنتين وخمسينَ وستمائةٍ" اهـ.
(1)
في "سير أعلام النبلاء""القزاز".
(2)
في السير أيضًا (23/ 292 - 293).
(3)
وهو: جمال الدين بن مالك.
وإنَّما قيلَ لجدِّه: تيميةُ، لأنهُ حجَّ على دربِ تيماءَ فرأى هناكَ طِفْلةً، فلما رجعَ وجدَ امرأتَه قد وَلَدَتْ له بِنْتًا فقالَ: يا تيميةُ يا تيميةُ فلُقِّبَ بذلكَ. وقيلَ: إن أمَّ جدِّه كانتْ تُسَمَّى تيميةَ، وكانتْ واعِظَةَ، وقد يلتبِسُ على مَنْ لا مَعْرِفَةَ له بأحوالِ الناسِ صاحبُ الترجمةِ هذا بحفيدِهِ شيخِ الإِسلامِ تقي الدينِ أحمدَ بن عبدِ الحليمِ شيخِ ابن القيِّم الذي لهُ المقالاتُ التي طالَ بينَهُ وبينَ أهلِ عصرِهِ فيها الخصامُ، وأُخْرِجَ من مِصْرَ بسببِهَا، وليسَ الأمرُ كذلكَ.
قال في تذكِرَة الحفاظِ
(1)
في ترجمةِ شيخِ الإِسلامِ: "هوَ أحمدُ ابنُ المفتي عبدِ الحليمِ ابن الشيخِ الإِمام المجتهدِ عبدِ السلامِ بن عبدِ الله بن أبي القاسِم الحرَّاني". وعمُّ المصنِّفِ الذي أشارَ الذهبي في أوَّلِ الترجمةِ أنه تفقهَ عليهِ، ترجَم له ابنُ خِلِّكَانَ في تاريخِهِ
(2)
فقال: "هو أبو عبدِ اللهِ محمدُ بن أبي القاسم بن محمد بن الخضر بن علي بن عبدِ اللهِ المعروفُ بابنِ تيميةَ الحرَّانيُ الملقَّبُ فخرُ الدين الخطيبُ الواعِظُ الفقيهُ الحنبلى كانَ فاضِلًا تفرَّدَ في بلدِه بالعِلْمِ. ثم قالَ: وكانتْ إليهِ الخِطَابةُ بحرّانَ ولم يزلْ أمرهُ جاريًا على سَدَادٍ، [و]
(3)
مولِدُه في أواخِرِ شعبانَ سنةَ اثنتينِ وأربعينَ وخمسمائةِ بمدينةِ حرَّانَ، وتُوفي بها في حادِي عشر صفرَ سنةَ إحْدَى وعشرينَ وستمائَةٍ، ثم قالَ: وكانَ أبوهُ أحدَ الأبدالِ
(4)
والزهَّادِ".
(1)
للحافظ الذهبي (4/ 1496 ت: 1175).
(2)
عزاه إليه في ذيل طبقات الحنابلة (2/ 152).
وانظر ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة (2/ 151 - 162 ت: 274).
(3)
زيادة من (ب).
(4)
• قال ابن قيم الجوزية في "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" ص 136:
"307 - ومن ذلك: أحاديثُ الأبدال، والأقطاب، والأغواث، والنقَباء، والنجَبَاء، والأوتاد، كُلُّها باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
" اهـ.
• قال علي القاري في "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" ص 101:
"6 - حديث: الأبدالُ من الأولياءِ"، له طرقٌ عن أنس مرفوعًا بألفاظٍ مختلفة، كلها ضعيفة
…
"اهـ.
• وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص 43:
"8 - حديث: "الأبدال". له طرق عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا بألفاظ مختلفة، كلها ضعيفة" ثم قال ص 45 بعد أن أورد طرقًا عديدة له: "وبعضها أشد في الضعف من بعض".
• وقال الدكتور محمد الصباغ في تحقيقه لـ "مختصر المقاصد الحسنة" ص 48: =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= "ويبدو أن الذي سوَّغ لكثير من المتأخرين قبول حديث الأبدال سيطرة كثير من مصطلحات الصوفية أحقابًا من الدهر وشيوعها، حتى أصبحت مقبولة وكأنها بديهية مسلَّمة. وموضوع الأبدال من أقدم الأمثلة على ذلك، فقد ذكر السخاوي أن كلمة "الأبدال" وردت في كلام الشافعي والبخاري وغيرهما، ولكن التحقيق العلمي الذي اعتمده سلفنا الصالح أولى بالتحكيم. والله أعلم". اهـ.
• قلت: في "المسند" للإمام أحمد، حديثان عن الأبدال:
(أحدهما): ما أورده في مسند علي، عن شريح بن عبيد قال: ذُكر أهل الشام عند علي رضي الله عنه وهو بالعراق فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين. قال: لا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"الأبدال بالشام وهم أربعون رجلًا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا، يُسقى بهم الغيث، ويُنتصر بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب".
أخرجه أحمد في المسند رقم (896 - شاكر) وقال أبو الأشبال: "إسناده ضعيف، لانقطاعه. شُرَيح بن عُبيد الحضرمي الحمصي: لم يُدرك عليًا، بل لم يُدرك إلا بعض متأخري الوفاة من الصحابة، وقد سبقت له رواية منقطعة أيضًا عن عمر بهذا الإسناد، رقم (107 - شاكر). وخلاصة القول أن حديث علي حديث ضعيف والله أعلم.
والحديث ذكره قاضي الملك المِدْرَاسي في "ذيل القول المسدّد"(89 - 90) مستدلًا به على ثبوت حديث الأبدال، وهو استدلال ضعيف كما ترى.
وسيأتي في شأنهم حديث آخر في مسند عبادة بن الصامت (5/ 322) ط. الحلبي. قال فيه أحمد هناك: "وهو منكر" اهـ.
قلت: ولفظه: "الأبْدالُ في هذه الأمة ثلاثون مثل إبراهيم خليل الرحمن عز وجل، كلما ماتَ رجلٌ أبدَل اللهُ تبارك وتعالى مكانه رجُلًا".
وأورد المحدث الألباني الحديث في "الضعيفة" رقم (936) وقال: "هو حديث منكر" في سنده: عبد الواحد بن قيس. قال الحافظ في "التقريب"(ت: 4248): "صدوق له أوهامٌ ومراسيل".
وقد ضعفه الجمهور.
وقال الذهبي في "الكاشف"(ت: 3555): "منكر الحديث". وفي سنده أيضًا: الحسن بن ذَكْوان. قال الحافظ في "التقريب"(ت: 1240): "صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس".
وعبد الواحد بن قيس لم يدرك عبادة بن الصامت.
والحسن بن ذكوان عنعن هنا.
فالسند مع ضعفه منقطع.
ثم قال الألباني: "ومما تقدم تعلم ما في قول الهيثمي من الإلهام، فقال في "مجمع الزوائد" (10/ 62) وقلده السيوطي في "الحاوي" (2/ 246):
"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الواحد بن قيس، وقد وثقه العجلي وأبو زرعة وضعفه غيرهما". =
قال المصنّفُ قدّسَ اللهُ روحَه ونوَّرَ ضَرِيحَه:
[شرح خطبة المصنف]:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكْ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُل شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.
افتتحَ الكتابَ بحمدِ اللهِ سبحانه أداءً لحق شيءٍ مما يجبُ عليه من شُكْرِ النّعْمَةِ، التي مِنْ آثارِها تأليفُ هذا الكتاب، وعملًا بالأحاديثِ الوارِدَة في الابتداءِ به كحديثِ أبي هريرةَ عندَ أبي داود
(1)
والنسائي
(2)
وابنِ ماجَهْ
(3)
وأبي عُوانة
(4)
والدارقطنى
(5)
وابن حِبَّان
(6)
والبيهقيِّ
(7)
عنهُ صلى الله عليه وسلم: "كُل كلامٍ لا يُبدَأُ فيهِ بالحمْدِ
= ولم يذكر السيوطي: "وضعفه غيرهما".
فقد أوهم شيئين:
الأول: أن لا انقطاع بين عبد الواحد وعبادة، وليس كذلك كما بينا.
الثاني: أن الحسن بن ذكوان ثقة، لوصفه إياه بأنه من رجال الصحيح، وسكوته عما قيل فيه من التضعيف، والوصف بالتدليس.
قلت: وبهذا التحقيق يتبين لك خطأ قول السيوطي في "اللآلئ"(2/ 332): "وسنده حسن".
وقول ابن عراق - في "تنزيه الشريعة" - (2/ 307): "وسنده صحيح" اهـ. وخلاصة القول أن حديث عبادة بن الصامت حديث منكر والله أعلم.
(1)
في السنن (5/ 172 رقم 4840) بلفظ: "كل كلامٍ، لا يُبدأ فيه بالحمدُ للهِ فهو أجْذَم".
(2)
في "عمل اليوم والليلة"(رقم: 494) بلفظ: "كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع".
(3)
في السنن (رقم: 1894) بلفظ: "كلُّ أمر ذي بالٍ، لا يبدأ فيه بالحمد، أقطعُ".
(4)
عزاه إليه ابن حجر في "فتح الباري"(8/ 220).
(5)
في السنن (1/ 229 رقم 1) بلفظ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع".
(6)
في صحيحه (رقم: 1) بلفظ: "كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله، فهو أقطع".
(7)
في السنن الكبرى (3/ 208 - 209) بلفظ: "كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع".
قلت: وأخرجه أحمد (2/ 359).
قال الدارقطني: "تفرد به قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وأرسله غيره عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقرة ليس بقوي في الحديث.
ورواه صدقة عن محمد بن سعيد عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح الحديث. وصدقة ومحمد بن سعيد ضعيفان، والمرسل هو الصواب" اهـ. =
فهو أجْذَمُ". واختُلِفَ في وصلِهِ وإرسالِهِ، فرجح النسائي
(1)
والدارقطني
(2)
الإِرسال. وأخرج الطبراني في الكبير
(3)
والرُهَاوي
(4)
عن كعب بن مالك عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كلُّ أمرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأ فيه بالحمدِ [فهو]
(5)
أقطَعُ". وأخرج أيضًا ابن حبان
(6)
عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "كل أمرٍ ذِي بَالٍ لا يُبدأ فيهِ بحمدِ اللهِ فهو أقطَعُ"، وأخرجه أيضًا أبو داود
(7)
عنه، وكذلك النسائي
(8)
وابن ماجه
(9)
، وفي رواية:"أبتر" بدل "أقطع"، وله ألفاظٌ أُخَرُ أوردَهَا الحافِظُ عبدُ القادِرِ الرهاويُّ في
= وقال البيهقي: "ورواه يونس بن يزيد، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا" اهـ. وكذلك قاله أبو داود في السنن (5/ 172).
قلت: يشير البيهقي، وأبو داود إلى أن الصحيح فيه مرسل. قال الألباني في الإرواء (1/ 31 - 32):"وقد أضاع السبكي - في "طبقات الشافعية" (1/ 5 - 20) - جهدًا كبيرًا في محاولته التوفيق بين الروايات، وإزالة الاضطراب عنها، فإن الرجل ضعيف كما رأيت، فلا يستحق حديثه مثل هذا الجهد! وكذلك لم يحسن صنعًا حين ادّعى أن الأوزاعي تابعه وأن الحديث يقوى بذلك، لأن السند إلى الأوزاعي ضعيف جدًّا كما تقدم بيانه في الحديث رقم (1) فمثله لا يستشهد به، كما هو مقرر في "مصطلح الحديث".
وجملة القول أن الحديث ضعيف؛ لاضطراب الرواة فيه على الزهري، وكل من رواه عنه موصولًا ضعيف، أو السند إليه ضعيف. والصحيح عنه مرسلًا كما تقدم عن الدارقطني وغيره. والله أعلم" اهـ.
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(1)
في "عمل اليوم والليلة" رقم (496) و (497).
(2)
في السنن (1/ 229).
(3)
(19/ 72 رقم 141) بسند ضعيف.
ومن طريقه رواه السبكي في "طبقات الشافعية"(1/ 14).
وقال الدارقطني في السنن (1/ 229): "ولا يصح الحديث، وصدقة ومحمد بن سعيد ضعيفان. والمرسل هو الصواب" اهـ.
(4)
بضم الراء، وفتح الهاء، وفي آخرها واو، هذه النسبة، إلى الرها، وهي مدينة من بلاد الجزيرة. اللباب (2/ 45).
(5)
زيادة من (جـ).
(6)
في صحيحه رقم (1) وقد تقدم.
(7)
في السنن رقم (4840) وقد تقدم.
(8)
في "عمل اليوم والليلة" رقم (494) وقد تقدم.
(9)
في السنن (رقم 1894) وقد تقدم.
الأربعين
(1)
لهُ، وسيذكرُ المصنفُ رحمه الله [تعالى]
(2)
حديثَ أبي هريرة هذا في باب اشتمال الخطبةِ على حمد الله من أبواب الجمعة.
[معنى الحمد لله]:
والحمدُ في الأصْلِ مصدرٌ منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ حُذِفَ حذفًا قياسيًّا كما صرَّحَ بذلكَ الرَّضِيُّ ورجَّحَهُ، أو سماعِيًا كما ذهَبَ إليهِ غيرُهُ. وعُدِلَ بهِ إلى الرَّفْعِ للدلالةِ على الدَّوَامِ المسْتَفَادِ منَ الجملَةِ الإسميةِ ولو بمعونةِ المقامِ لا من مجرَّد العدُولِ؛ إذْ لا مدْخليةَ له في ذلكَ. وحُلِّي باللَّامِ ليُفيدَ الاختصاصَ الثبوتيَّ وهو مُسْتَلْزِمٌ للقصْرِ، فيكونُ الحمدُ مقصورًا عليهِ تعالى، إما باعتبارِ أن كلَّ حَمْدٍ لغيرهِ آيِلٌ إليهِ، أو مُنَزلٌ منزلةَ العَدم مبالغةً وادِّعاءً، أو لكونِ الحمدِ له جل جلاله هو الفردَ الكاملَ.
والحمدُ هو الوصْفُ بالجميلِ على الجميل الاختياريّ للتعظيم، وإطلاقُ الجميلِ الأوَّلِ لإِدخالِ وصفِهِ تعالى بصفاتِهِ الذاتيةِ، فإنهُ حمدٌ له، وتقييدُ الثاني بالاختيار لإِخراجِ المدْحِ فيكونُ على هذا أعمَّ مِنَ الحمدِ مطلقًا، وقيلَ: هما أخوانِ، وذِكْرُ قيدِ التعظيمِ لإِخراجِ ما يؤتى به مِنَ المشعِراتِ بالتعظيمِ على سبيلِ الاستهزاءِ والسخريةِ، ولكنَّه يستلزمُ اعتبارَ فِعْلِ الجَنانِ وفعلِ الأركانِ في الحمدِ لأن التعظيمَ لا يحصُلُ بدونهمَا. وأُجِيْبَ بأنهما فيهِ شرطَانِ لا جُزْآنِ ولا جُزْئِيَّانِ،، ومن هَهُنَا يلوحُ صِحَّةُ ما قالهُ الجمهورُ مِنْ أن الحمدَ أعمُّ من الشكْرِ مُتعلَّقًا وأخصُّ مورِدًا لا كما زعمَهُ البعضُ مِنْ أن الحمدَ أعمُّ مطلقًا لمساواتِهِ الشكْرَ في المورِدِ وزيادتِه عليهِ بكونه أعم متعلَّقًا.
ومما ينبغي أن يُعْلَمَ هَهُنَا أن الحمدَ يقتضي مُتعلِّقَينِ هما: المحمودُ به، والمحمودُ عليه، (فالأوّل): ما حَصَلَ بهِ الحمدُ، (والثاني): الحامِلُ عليهِ كحمدِكَ لزيدِ بالكرمِ في مقابَلَةِ الإِنعامِ. وقد يكونُ التَّغَايُر اعتبارِيًّا مع الاتحادِ ذاتًا كالحمدِ منكَ لِمنعمٍ لإنعامِهِ عليكَ في مقابَلةِ ذلكَ الإِنعامِ؛ فإن الإِنعامَ من حيثُ الصُّدورُ مِنَ المنعِم محمودٌ بهِ ومِنْ حيثُ الوصولُ إليكَ محمود عليهِ. وتقديمُ الحمدِ الذي هو المبتدَأ على (لله) الذي هو الخبرُ لا بُدّ لهُ مِنْ نُكْتَةٍ، وإنْ كان أصلُ المبتدأِ التقديمَ،
(1)
عزاه إليه ابن ضويان في "منار السبيل"(1/ 5).
(2)
زيادة من (ب).
وهي ترجيحُ مطابقةِ مُقْتَضَى المقامِ، فإنهُ مقامُ الحمدِ [و]
(1)
الاسمُ الشريفُ، وإنْ كانَ مُستحِقًا للتقديمِ مِنْ جِهَةِ ذاتِه فرعايةُ ما يقتَضِيْهِ المقامُ ألصَقُ بالبلاغةِ من رعايةِ ما تقتضيهِ الذاتُ. لا يُقالُ: الحمدُ الذي هو إثباتُ الصِّفَةِ الجميلةِ للذَّاتِ لا يتمُّ إلا بمجموعِ الموضوعِ والمحمولِ. [لأنَّا نقولُ:]
(2)
لفظُ الحمدِ هو الدالُّ على مَفْهُومِهِ فقُدِّم مِنْ هذهِ الحيثيةِ وإنْ كانَ لا يتمُّ ذلكَ الإِثباتُ إلا بالمجموعِ واللَّام الداخِلةُ على اسمهِ تعالى تُفيدُ الاختصاصَ الإِثباتي، وهو لا يَسْتَلْزِمُ القَصْرَ كما يستلزِمُهُ الثُبوتيُّ.
[الله اسم للذات الواجب الوجود]:
واللهُ اسمٌ للذاتِ الواجِبِ الوجُودِ المستحِق لجميعِ المحامِدِ، ولذلكَ آثرهُ على غيرهِ من أسمائِه جل جلاله، وإنما كانَ هذا الاسمُ هو المستَجمِعَ لجميعِ الصفاتِ دونَ غيرِهِ منَ الأسماءِ، لأن الذاتَ المخصوصةَ هي المشهورةُ بالاتصافِ بصفاتِ الكمالِ، فما يكونُ عَلَمًا لَهَا دَالًّا عليها بخصوصِها يدل على هذه الصِّفاتِ، لا ما يكونُ موضُوعًا لمفهوم كليٍّ، وإن اخْتَصّ في الاستعمالِ بها كالرحمنِ، وهذا إنَّما يَتِمُّ على القولِ بأن لفظَ اللهِ علَمْ للذاتِ كما هوَ الحق وعليهِ الجمهورُ، لا للمفهومِ كما زعمَهُ البعضُ، وأصلُه الإِلهُ حُذِفَتِ الهمزةُ وعُوِّضَتْ [عنها]
(3)
لامُ التعريفِ تخفيفًا، ولذلك لزمت. ووصفه بنفي الولدِ والشريكِ لأنَّ مَنْ هذا وصفُهُ هو الذي يقدِرُ على إيلاءِ كلِّ نِعمةٍ ويستحِقُّ جِنْسَ الحمدِ، ولكَ أنْ تجعلَ نفي هذه الصفةِ التي يكونُ إثباتُها ذريعةً من ذرائعِ مَنْعِ المعروفِ لكونِ الولدِ مَبْخَلَةً، والشريكِ مانعًا مِنَ التَّصَرُّفِ رَدِيفًا لإِثباتِ ضدِّها على سبيل الكنايةِ. وإنما افتَتَح المصنفُ رحمه الله تعالى كتابه بهذه الآية مع إمكانِ تأديةِ الحمدِ الذي يُشْرَعُ في الافتتاحِ بغيرِهَا، لما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أفصح الغلام من بني عبدِ المطلبِ علَّمه هذهِ الآيةَ، [أخرجه عبدُ الرزاقِ في المصنَّفِ
(4)
، وابنُ أبي شيبةَ في مُصَنَّفِهِ
(5)
، وابنُ السّنِي في عملِ اليومِ والليلةِ
(6)
من طريقِ عمرِو بن شُعيبٍ عن أبيه
(1)
زيادة من (جـ).
(2)
في (جـ): (لا بالقول).
(3)
في (ب): (منها).
(4)
(4/ 334 رقم 7976).
(5)
(10/ 556 رقم 10328).
(6)
رقم (424) بسند ضعيف. أبو أمية: ضعيف.
عن جدِّهِ قالَ: كانَ صلى الله عليه وسلم .. فذَكَرَهُ]
(1)
، ثم عَطَفَ على تلكَ الصفةِ النفْييّةِ صفةً إثباتيةً مُشتمِلةً على أنه جل جلاله خالِقُ الأَشياءِ بأسْرِها ومقدِّرُها دِقَّها وجُلَّها. ولا شكَّ أن نِعْمَةَ خلْقِ الخلْقِ وتقديَره مِنْ أعظَمِ البواعِثِ على الحَمدِ وتكريرُه لكونِ ذلكَ أوَّلَ نعمةٍ أَنْعَمَ اللهُ بها على الحامِدِ.
[فضل الصلاة على النبي وآله وصحبه]:
(وَصَلَّى الله على مُحَمَدِ النبِيِّ الأُمِّيِّ المُرْسَلِ كافَّة لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا).
أرْدَفَ الحمدَ لله بالصلاةِ على رسولِهِ صلى الله عليه وسلم لكونهِ الواسِطَةُ في وصُولِ الكمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَليَّةِ إلينَا مِنَ الرفيع عزَّ سُلْطانُه وتعالَى شَأنُه، وذلكَ لأن الله تعالَى لمّا كانَ في نهايةِ الكمالِ ونحنُ في نهايةِ النُّقْصَانِ لمْ يكنْ لنا استعدَاد لقَبُولِ الفيضِ الإِلهى لتعلُّقنا بالعلائِقِ البشريةِ والعوائقِ البدنيَّةِ، وتدَنسِنا بأدناسِ اللذاتِ الحسيَّةِ والشهواتِ الجسْمِيَّةِ، وكونهِ تعالَى في غايةِ التجرُّد ونهايةِ التقدُّس، فاحتَجْنَا في قبولِ الفيضِ منه جل وعَلا إلى واسطةٍ له وجْهُ تجرُّدٍ ونوعُ تعلُّقٍ، فبِوَجْهِ التجرُّد يستفيضُ منَ الحقِّ، وبوجْهِ التعلّقِ يفيضُ علينا، وهذه الواسِطةُ همُ الأنبياءُ، وأعظمُهم رُتْبَةً وأرفعُهم منزلةَ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، فذُكِرَ [عَقِبَ]
(2)
ذِكْرِهِ جل جلاله تشريفًا لشأنِه معَ الامتثالِ لأمْرِ اللهِ سبحانَه. ولحديثِ أبي هريرةِ
(3)
عندَ الرُّهاويِّ بلفظِ: "كلُ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بحمدِ اللهِ والصلاةِ عليَّ فهو أقْطَعُ"، وكذلكَ التوسُّلُ بالصلاةِ على الآلِ والأصحابِ لكونِهم متوسِّطينَ بَيْنَنَا وبينَ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم فإن مُلاءَمَةَ الآلِ والأصْحَابِ لِجَنَابِهِ أكْثَرُ مِنْ مُلاءَمَتِنَا لَهُ.
[معنى الصلاة لغة وشرعًا]:
والصلاةُ في الأصْل: الدُّعاءُ، وهي مِنَ اللهِ الرَّحْمَةُ، هكذا في كُتُبِ اللغةِ
(4)
، وقال القُشَيْريُّ
(5)
: هيَ مِنَ اللهِ لِنَبيِّهِ تشْريفٌ وزيادةُ تكْرِمَةٍ، ولسائرِ عبادِه
(1)
زيادة من (أ).
(2)
في (ب): (عقيب).
(3)
وهو حديث ضعيف. تقدم الكلام عليه. ص 110 - 111 من كتابنا هذا.
(4)
انظر: "لسان العرب"(7/ 397) وتهذيب الصحاح (3/ 1009).
(5)
هو شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو الفتح، محمد بن علي بن وهب القشيري المصري =
رحمةٌ. قالَ في "شرحِ المِنْهاج"
(1)
: "إنَّ معنَى قولِنا: اللَّهُمَّ صل على محمدٍ: عظِّمْهُ في الدُّنيا بإعلاءِ ذِكْرِهِ وإظهَارِ دَعْوَتِهِ وإِبْقَاءِ شريعتِهِ، وفي الآخِرَةِ بتشفيعِه في أُمَّتِهِ وتضعيفِ أجْرِهِ ومَثُوبَتِهِ. وَهَهُنَا أمرٌ يُشْكلُ في الظاهِر هوَ أن الله أمرَنَا بأنْ نُصليَ على نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم، ونحنُ أحَلْنَا الصلاةَ عليهِ في قولِنا: اللَّهُمَّ صل على محمدِ، وكانَ حق الامتثالِ أنْ نَقُولَ: صلَّيْنَا على النبيِّ وسلَّمْنَا، فَمَا النكْتَةُ في ذلكَ؟ قالَ في "شرحِ المنهاجِ": فيهِ نُكْتَة شَريفة كأنَنَا نقولُ: يا ربَّنَا أَمَرْتَنَا بالصلاةِ عليهِ وليسَ في وُسْعِنَا أنْ نُصَلِّي صلاةً تليقُ بجنابِهِ لأنَّا لا نَقْدِرُ قَدْرَ ما أنتَ عالِمٌ بقَدْرِهِ صلى الله عليه وسلم، فأنتَ تقدِرُ أنْ تُصلِّي عليهِ صلاةَ تليقُ بجنابِه". انتهى.
ومحمدٌ عَلمٌ لذاتِهِ الشريفةِ، ومعناهُ الوصْفيُّ كثيرُ المحامِدِ، ولا مانِعَ مِنْ ملاحَظَتِه معَ العَلَمِيَّةِ كما تقرَّرَ في مواطِنِهِ. وآثرَ لفظَ النبيِّ لما فيه مِنْ الدِلالةِ على الشرفِ والرِّفْعَةِ على ما قيلَ: إنهُ مِنَ النبوَّةِ، وهي ما ارتفعَ مِنَ الأرْضِ. قال في الصِّحَاحِ
(2)
: "إنْ جَعَلْتَ لفظَ النَّبِيِّ مأخوذًا مِنْ ذلكَ فمعناهُ أنهُ شُرِّفَ على سائرِ الخلْقِ، وأصْلُه غيرُ الهمزةِ وهو فعيلٌ بمعنَى [مفعُولٍ]
(3)
".
[الفرق بين النبي والرسول]:
والنبيُّ في لسانِ الشرْعِ: مَنْ بُعِثَ إليه بَشْرعٍ فإنْ أُمِرَ بتبليغِهِ فرسُولٌ، وقيلَ: هوَ المبعُوثُ إلى الخلقِ بالوحْي لتبليغِ ما أَوْحَاهُ. والرسولُ قد يكونُ مرادِفًا لهُ وقد يَخْتَصُّ بمَنْ هوَ صاحبُ كتَابٍ.
وقيلَ: هو المبعوثُ لتجديدِ شرعٍ أو تقريرهِ، والرَّسُولُ: هوَ المبعوثُ للتجديدِ فَقَطْ.
وعلى الأقْوَالِ: النبي أعمُّ من الرسُولِ. والأميُّ
(4)
: مَنْ لا يَكتُبُ، وهو في حقِّهِ صلى الله عليه وسلم وصْفٌ مادِحٌ لِما فيهِ من الدَّلالَةِ على صِحَّةِ المعجِزَةِ وقُوَّتِها باعتبارِ
= المعروف بابن دقيق العيد. ولد سنة خمس وعشرين وستمائة، وتوفي سنة اثنين وسبعمائة.
[البدر الطالع (2/ 229) ومعجم المؤلفين (11/ 70)].
(1)
هو للإمام النووي، أبو زكريا، محيى الدين بن شرف النووي، المتوفى (676 هـ).
(2)
لإسماعيل بن حمّاد الجوهري (6/ 2500).
(3)
في (جـ): فاعل وهو خطأ.
(4)
انظر: "ماذا حول أميَّة الرسول صلى الله عليه وسلم) لعلي شواخ إسحاق.
صُدُورِهَا مِمَّنْ هوَ كذلكَ، وذِكْرُ المرسَل بعدَ ذِكْرِ النبي لبيانِ أنهُ مأمُورٌ بالتبليغِ، أو صاحِبُ كتابٍ، أو مجدِّدُ شرع بطريق أدلَّ على هذهِ الأمورِ منَ الطريقِ الأولَى وإنْ اشتَركا في أصْلِ الدَّلالةِ على ذلكَ، وتأثيرُ هذهِ الصِّفةِ: أعْني إرْسَالَه إلى الناسِ كافةً لكونهِ لا يشاركُه فيها غيرُه مِنَ الأنبياءِ. وكافَّةً منصوبٌ على الحالِ وصاحبُها الضميرُ الذي في المرْسَلِ، والهاءُ فيه للمبالغةِ، وليس بحالٍ من الناسِ لأنّ الحال لا تتقدَّمُ على صاحِبَها المجرورِ على الأصَحِّ
(1)
، وعِنْدَ أبي عليٍّ وابنِ كَيْسانَ وغيرِهما من النحْويينَ أنه يجوزُ تقدُّمُ الحالِ على الصاحِبِ المجرورِ؛ وقيلَ: إنه
(1)
• قال ابن مالك في ألفيته:
وسَبْقَ حَالٍ ما بحَرْفٍ جُرَّ قَدْ
…
أبوْا، ولا أَمْنَعُهُ؛ فقد ورَدْ
• وقال ابن عقيل شارحًا:
"مذهبُ جمهور النحويين أنه لا يجوز تقديمُ الحالِ على صاحبها المجرورِ بحرف، فلا تقول في "مررتُ بهندٍ جالسةً" مررت جالسة بهندٍ.
وذهب الفارِسيُّ، وابن كَيْسان، وابن بَرْهانَ إلى جواز ذلك، وتابَعَهُم المصنف؛ لورود السماع بذلك، ومنه قولُه:
187 -
لَئنْ كانَ بَرْدُ الماءِ هَيْمَانَ صَادِيًا
…
إليّ حَبيبًا، إنّها لَحَبيبُ
فـ "هَيْمَانَ، وصاديًا": حالان من الضمير المجرور بإلى، وهو الياء، وقوله:
188 -
فإن تكُ أَذْوادٌ أُصِبْنَ ونِسْوَة
…
فَلَنْ يَذهَبُو فَرْغًا بقَتْلِ حِبَالِ
و"فَرْغًا" حال من قَتْلِ.
وأما تقديمُ الحال على صاحبها المرفوع والمنصوب فجائزٌ، نحو: "جَاءَ ضَاحِكًا زَيْدٌ.
وضَربْتُ مُجَرَّدَةً هِنْدًا".
• وقال: محمد محيي الدين عبد الحميد:
"اعلم أن صاحب الحال قد يكون مجرورًا بحرف جر أصلي، كقولك: مررت بهند جالسة. وقد يكون مجرورًا بحرف جر زائد، كقولك: ما جاء من أحد راكبًا؛ فراكبًا: حال من أحد المجرور لفظًا بمن الزائدة.
ولا خلاف بين أحد من النحاة في أن صاحب الحال إذا كان مجرورًا بحرف جر زائد جاز تقديم الحال عليه وتأخيره عنه، فيصح أن تقول: ما جاء من أحد راكبًا، أن تقول: ما جاء راكبًا من أحد.
والخلاف بينهم منحصر في تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي.
• أما البيت (187): لعروة بن حزام العذري.
والبيت (188): لطليحة بن خويلد الأسدي المتنبي.
["شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك". مع "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل" لمحمد محي الدين عبد الحميد" (2/ 263 - 266).
وانظر: "جامع الدروس العربية" للغلاييني (3/ 86)].
منصوبٌ على صفةِ المصدرَّيةِ، والتقديرُ المرسَلُ رسالةَ كافةً. ورُدّ بأنَّ كافةً لا تُسْتعْمَلُ إلَّا حالًا. والبشيرُ النذيرُ: المبشرُ والمُنذِر، وإنما عُدِلَ بهمَا إلى صِيْغَةِ فَعِيْلِ لِقَصْدِ المبالغةِ. والآلُ أصْلُه أهْلٌ بدليلِ تصغيرِهِ على أُهيَل. ولو كانَ أصْلُه غيرَهُ لسُمِعَ تصغيرُه عليهِ، ولا يُستعملُ إلَّا فيما له شرَفٌ في الغالِبِ، واختصَاصُه بذلكَ لا يَسْتَلْزِمُ عدمَ تصغيرِه، إذ يجوزُ تحقيْرُ مَنْ لَهُ خطرٌ أو تقليلُه على أن الخطرَ في نفسه لا ينافي التصغيرَ بالنسبةِ إلى مَنْ لهُ خطرٌ أعظَمُ مِنْ ذلكَ، وأيضًا لا ملازَمَةَ بينَ التصغيرِ وبينَ التحقيرِ أو التقليلِ، لأنهُ يأتي للتعظيمِ كقوله:
وكل أُناسٍ سوفَ تدخُلُ بينَهم
…
دُوَيْهِيّةٌ تَصْفَرُّ منها الأناملُ
وللتلَطُّفِ كقولهِ: يا ما أميلِحَ غِزْلانًا شدَنَّ لنا.
وقد اخْتُلِفَ في تفسير الآلِ
(1)
على أقوالِ يأتي ذكرُها في بابِ ما يستدل به على تفسيرِ آلهِ المُصَلَّى عليهم، من أبواب صَفةِ الصلاةِ.
[تعريف الصحابي]:
والصَّحْبُ، بفتحِ الصادِ وإسكانِ الحاءِ المهملتينِ: اسمُ جَمْع لصاحِب كرَكْبٍ لراكب، وقد اختُلِفَ في تفسيرِ معنى الصَّحَابي على أقوالٍ:(منها) أنه مَن رَأى النبي [صلى الله عليه وسلم]
(2)
مسْلمًا وإنْ لم يروِ عنهُ ولا جَالَسَهُ. (ومنهم) مَنْ اعْتَبرَ طولَ المجالَسَةِ. (ومنهم) من اعْتَبرَ الرِّوايةَ عنهُ. (ومنهم) مَن اعتبرَ أنْ يموتَ على دينِه. وبيانُ حُجج هذهِ الأقوالِ وراجِحِها مِنْ مرجُوحِها مَبْسُوط في الأصُولِ
(3)
وعلمِ الاصْطِلاحِ
(4)
فلا
(1)
سيأتي تفسير الآل في باب ما يستدل به على تفسير آله المصلى عليهم، من أبواب صفة الصلاة من كتابنا هذا.
(2)
زيادة من (ب).
(3)
انظر: "حصول المأمول من علم الأصول" لمحمد صديق حسن خان. ط: مصطفى محمد بمصر 1938 م ص 56.
ومختصر المنتهى الأصولي ومعه شرح القاضي عضد الملة والدين، وعليه حواشي التفتازاني والجرجاني والهروي. للإمام ابن الحاجب المالكي. مطبعة الفجالة الجديدة - 1973 م. (2/ 67).
(4)
انظر: "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث" للعراقي. تأليف: الإمام محمد بن عبد الرحمن السخاوي. (4/ 74 - 89). =
نُطوّلُ بذكْرِهِ
(1)
. وذَكَر السَّلامَ بعدَ الصلاةِ امتثالًا لقولهِ تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا}
(2)
، وفي معناهُ أقوالٌ: الأوّلُ: أنهُ الأمانُ أي التسليمُ مِنَ النَّارِ. وقيل: هو اسمٌ من أسمائِهِ تعالَى، والمرادُ: السَّلامُ على حِفْظِكَ ورعايَتِكَ متولٍّ لهما وكفيلٌ بهِمَا. وقيلَ: هو المسَالمةُ والانقيادُ.
(هذا كِتابٌ يَشْتَمِلُ على جُمْلةٍ مِنَ الأحادِيثِ النبَوِيَّةِ التِي تَرْجعُ أُصُولُ الأحْكام إِليها وَيَعْتَمدُ عُلماءُ أَهْلِ الإسْلامِ عَليها).
الإِشارةُ بقولهِ هذَا إلى المُرتبِ الحاضِرِ في الذِّهْنِ مِنَ المعاني المخصُوصَةِ أَوْ أَلْفَاظِهَا أو نُقُوشِ ألفاظِها، أو المعاني مع الألفاظِ، أو معَ النقوشِ، أو الألفاظِ والنقوشِ، أو مجموع الثلاثةِ، وسواءٌ كانَ وضعُ الديباجَةِ قَبْلَ التصنيفِ أو بعدَهُ، إذ لا وُجُودَ لواحدٍ منها في الخارجِ. وقد يُقالُ: إنَّ نَفْيَ وجُودِ النقوشِ في الخارجِ خلافُ المحسوسِ، فكيفَ يَصِحُّ جَعْلُ الإِشارةِ إلى ما في الذِّهْنِ على جميعِ
= وشرح ألفية السيوطي في الحديث، المسمّى:"إسعاف ذوي الوطر بشرح نظم الدُرر في علم الأثر" تأليف: محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الولوي. (2/ 184 - 187).
(1)
قال ابن حجر في "الإصابة في تمييز الصحابة"(1/ 158 - 159):
"وأصحُّ ما وقفتُ عليه من ذلك أن الصحابيّ: مَنْ لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على الإسلام؛ فيدخل فيمن لقيه مَن طالت مجالستُه له أو قصُرت، ومن رَوى عنه أو لم يَرْوِ، ومن غزا معه أو لم يَغْزُ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارضٍ كالعَمَى.
• ويدخل في التعريف:
- كل مكلف من الجن والإنس.
- وكل من لقيه مؤمنًا ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، ومات مسلمًا سواء اجتمع به صلى الله عليه وسلم مرة أخرى
أم لا، وهذا هو الصحيح المعتمد كالأشعث بن قيس، فإنه ارتد ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومات مسلمًا. فقد اتفق أهل الحديث على عدّه من الصحابة.
• ويخرج من التعريف:
- من لقيه كافرًا، ولو أسلم بعد ذلك، إذا لم يجتمع به مرة أخرى.
- من لقيه مؤمنًا بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة.
- ومن لقيه مؤمنًا به، ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله.
ثم قال:
وهذا التعريف مبنيّ على الأصح المختار عند المحققين: كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل ومن تبعهما
…
" اهـ بتصرف.
(2)
سورة الأحزاب: الآية 56.
التقاديرِ؟ ويُجَابُ بأنَّ الموجُودَ من النقُوشِ في الخارجِ لا يكونُ إلا شَخْصًا، ومِنَ المعلومِ أن نقوشَ كتاب المصنِّفِ [الموجودِ]
(1)
حالَ الإِشارةِ مثلًا ليستِ المقصودةَ بالتسميةِ بلِ المقصَودُ وصفُ النَّوعِ وتسميتُه وهو الدال على تلكَ الألفاظِ المخصُوصَةِ أعمُّ منْ أنْ يكونَ ذلكَ الشخْصُ أو غيرُه ممَّا يشارِكُه في ذلكَ المفهومِ، ولا شك أنهُ لا حصولَ لهذَا الكليّ، فالإِشارةُ على جميعِ التقاديرِ إلى الحاضِرِ في الذِّهنِ، فيكونُ استعمالُ اسمِ الإِشارة هَهُنَا مجازًا تنزيلًا للمعقول منزلةَ المحسوسِ للترغيبِ [و]
(2)
التنشيطِ. قال الدَّوَّانيُّ: ومِنْ هَهُنَا عَلِمْتَ أن أساميَ الكُتُبِ مِنْ أعلامِ الأجناسِ عندَ التحقيقِ.
[مصادر المنتقى]:
(انْتَقَيتُهُا من صَحِيحَي البُخَاريِّ وَمُسْلِم، وَمُسْنَد الإِمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَجامِعِ أبي عِيسى التِّرْمِذِيِّ، وَكِتاب السُّنَنِ لأبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ النَّسائي، وَكِتاب السُّنَنِ لأبي دَاوُدَ السِّجِسْتاني، وَكتابَ السُّنَنِ لاِبْنِ ماجَهْ القَزْويني، وَاسْتَغْنيتُ بِالعَزوِ إلى هذِهِ المَسانِيدِ عَنِ الإِطالَةِ بِذِكْرِ الأسانِيدِ).
قولُه: (انتقيتُها) لانتقاءُ: الاختيارُ، والمُنْتَقَى: المختَارُ. ولنتبرّكْ بِذِكْرِ بعضِ أحوالِ هؤلاءِ الأَئِمَّةِ على أبلغِ وجْهٍ في الاختصارِ فنقولُ:
[ترجمة البخاري]:
أما البخاري
(3)
فهو أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيمَ بن المُغيرةِ الجُعْفيُّ البخاريُّ حافظُ الإسلامِ وإمامُ أئمتِه الأعلامِ. وُلِدَ ليلةَ الجمعةِ لثَلاثَ عشْرةَ ليلةً خلتْ مِنْ شوّالٍ سنةَ أَربع وتسعينَ ومائةٍ، وتُوفي ليلةَ الفِطْرِ سنةَ ستٍ وخمسينَ ومائتينِ، وعُمْرهُ اثنتانِ وسِتونَ سنة إلَّا ثلاثةَ عشرَ يومًا، ولم يُعْقِبْ ولدًا ذكرًا.
(1)
في (جـ): (الموجودة).
(2)
في (ب): (في).
(3)
انظر ترجمته في:
"الجرح والتعديل"(7/ 191 رقم 1076) و "تاريخ بغداد"(2/ 4 - 34) و "طبقات الحنابلة"(1/ 271 - 279 رقم 387) و "تذكرة الحفاظ"(2/ 555 - 557 رقم 578) و "طبقات الشافعية" للسبكي (2/ 212 - 241 رقم 54) و "شذرات الذهب"(2/ 134 - 136).
رَحَل في طلبِ العلمِ إلى جميعِ محدِّثي الأمْصَارِ وكتبَ بخراسانِ والجبالِ
(1)
والعراقِ والحجازِ والشام ومِصْرَ، وأخذَ الحديثَ عن جماعةٍ منَ الحفاظِ منْهم مكي بنُ إبراهيمَ البلْخيُّ
(2)
، وعُبدانُ بنُ عثمانَ المرْوزيُّ
(3)
، وعبدُ الله بنُ موسَى العبسى
(4)
، وأبو عاصم الشيباني
(5)
، ومحمدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ
(6)
، ومحمدُ بنُ يوسُفَ الفِريابيُّ
(7)
، وأبو نُعيم الفضْلُ بنُ دُكَيْنِ
(8)
، وعليُّ بنُ المدِينيِّ
(9)
، وأحمد بنُ حنبلٍ
(10)
، ويَحْيى بنُ معينٍ
(11)
، وإسماعيلُ بنُ أبي أُوَيس المدنيُّ
(12)
، وغيرُ
(1)
قال ياقوت في معجم البلدان: (2/ 99): "الجبالُ: جمع جبل. اسم علم للبلاد المعروفة اليوم باصطلاح المعجم بـ "العراق" وهي ما بين أصبهان إلى زنجان وقزوين
…
" اهـ.
(2)
أبو السكن. توفي سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة.
انظر ترجمته في: "المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل"، لأبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر. تحقيق: سكينة الشهابي. رقم (1059).
(3)
توفي سنة إحدى وعشرين. انظر: أسامي مشايخ الإمام البخاري، لمحمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني. ص 54.
(4)
مات يوم الخميس لثمان خلون من المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين.
انظر: "المعجم المشتمل" رقم (492).
(5)
انظر: سير أعلام النبلاء (12/ 394) فقد قال الذهبي: " - سمع - بالبصرة من أبي عاصم النبيل"اهـ.
(6)
وهو بصري. مات سنة أربع عشرة ومائتين، ويقال سنة خمسَ عشرة.
انظر: "المعجم المشتمل" رقم (874).
(7)
توفي سنة اثنتي عشرة.
انظر: "المعجم المشتمل" رقم (1011).
(8)
توفي سنة عشر ومائتين.
انظر: "المعجم المشتمل" رقم (720).
(9)
توفي سنة أربع وثلاثين.
انظر: "المعجم المشتمل" رقم (637).
(10)
ستأتي مصادر ترجمته ص 124 - 125 من كتابنا هذا. عندما يذكره المؤلف رحمه الله قريبًا.
(11)
أبو زكريا، مروزي: سكن بغداد. مات في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
انظر: "المعجم المشتمل" رقم (1162).
(12)
واسمه: عبد الله بن عبد الله بن أُوَيس بن عامر ابن أخت مالك بن أنس - توفي سنة ست ويقال: سبع وعشرين ومائتين.
انظر: "المعجم المشتمل" رقم (174).
هؤلاءِ مِنَ الأئمةِ
(1)
. وأخذَ الحديثَ عنْهُ خَلْقٌ كثيرٌ
(2)
، قال الفَرَبْرِيُّ
(3)
: سمِعَ كتابَ البخاريِّ تسعونَ ألفَ رجلٍ فما بقي أحدٌ يَرْوِي عنْهُ غيري. قال البخاري
(4)
: خرَّجتُ كتابَ الصحيحِ من زُهاءِ ستِّمائَةِ ألفِ حديثٍ وما وضَعْتُ [فيهِ]
(5)
حديثًا إلا وصلَّيْتُ ركعَتينِ. وله وقائِعُ وامتحاناتٌ وماجريات مبسوطة في المطوَّلاتِ من تراجمهِ.
[ترجمة مسلم]:
وأما مسلمٌ
(6)
فهوَ أبو الحُسَينِ مسلمُ بنُ الحجَّاجِ بن مسلمٍ القُشيريُّ
(1)
انظر: "أسامي مشايخ الإمام البخاري" تأليف: محمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني حققه وقدم له: نظر محمد الفاريابي.
و"إسعاف القاري بمعجم شيوخ الإمام البخاري" تصنيف: أبي عمير مجدي بن محمد بن عرفات".
و"أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري من مشايخه الذين ذكرهم في جامعه الصحيح" تصنيف: عبد الله بن عدي الجرجاني. دراسة وتحقيق وشرح. د. عامر حسن صبري.
(2)
انظر: "سير أعلام النبلاء"(12/ 397).
(3)
الفَرَبْري: بفتح الفاء والراء، وسكون الباء الموحدة وبعدها راء أخرى. هذه النسبة إلى فَرَبْر وهي (بلدة) على طرف جَيْحُون. مما يلي بخارى، أقمت بها أيامًا في انصرافي من وراء النهر، والمشهور بالنسبة إليها أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفَرَبْري راوية كتاب الجامع "الصحيح" لمحمد بن إسماعيل البخاري عنه. رحل إليه الناس وحملوا عنه هذا الكتاب، وكان سمع علي بن خَشْرَم المروزي
…
" اهـ.
"الأنساب" للسمعاني (4/ 359).
(4)
انظر: "تاريخ بغداد"(2/ 9).
(5)
في المخطوط (أ): "فيها" والتصويب من حاشية المخطوط حيث قال: (في الخلاصة "فيه" بدل "فيها") اهـ.
(6)
انظر ترجمته في:
"الجرح والتعديل"(8/ 182 رقم 797) و "تاريخ بغداد"(13/ 100 - 104 رقم 7089) وطبقات الحنابلة (1/ 337 - 339 رقم 488) و "تذكرة الحفاظ"(2/ 588 - 590 رقم 613) و "تهذيب الأسماء واللغات"(2/ 89 - 92 رقم 131) و "معجم المؤلفين"(12/ 232 - 233).
النيسابوريُّ أحدُ الأئمةِ الحفاظِ، وُلِدَ سنةَ أربع ومائتَين، كذَا [قاله]
(1)
ابنُ الأثير
(2)
. وقال الذهبُّ في النبلاءِ
(3)
: سَنَةَ سِتٍّ. وتُوفيَ عَشِيَّةَ يومِ الأحَدِ لسِتٍّ أو لِخَمسٍ أو لأرْبَعٍ بقِينَ من رَجَبٍ سنةَ إحْدَى وستينَ ومائتينِ وهو ابنُ خمسٍ وخمسينَ سنة. رَحَلَ إلى العراقِ والحجازِ والشامِ ومِصْرَ وأخذَ الحديثَ عن: يحيىَ بن يحيى النيسابُوريِّ
(4)
، وقتيبةَ بن سعيدٍ
(5)
، وإسحق بن راهَويْه
(6)
، وعليِّ بن الجَعْدِ
(7)
، وأحمدَ بن حنبلٍ
(8)
، وعُبيد الله القواريريِّ
(9)
، وسُرَيْجِ بن يونسَ
(10)
،
(1)
في (جـ): (قال).
(2)
قلت: بل قال ابن الأثير في مقدمة "جامع الأصول"(1/ 187): "وُلدَ سنةَ سِتّ ومائتين".
(3)
قلت: بل في "سير أعلام النبلاء"(12/ 558): "أنه ولد سنة أربع ومئتين".
(4)
أبو زكريا التميمي الحنظلي النيسابوري (ثقة، ثبت، إمام. مات سنة ست وعشرين على الصحيح. انظر: "تقريب التهذيب" (2/ 360 ت: 198).
(5)
أبو رجاء البلخي البغلاني. قال ابن عدي: اسمه يحيى، وقتيبة لقب. وقال ابن منده: اسمه علي. مات سنة أربعين ومائتين. روى عنه مسلم ستمائة وثمانية وستين حديثًا.
(ثقة، ثبت). ["التقريب" (2/ 123 ت: 85)].
(6)
أبو يعقوب الحنظلي، المعروف بابن راهويه المروزي، نزيل نيسابور، كان من سادات أهل زمانه فقهًا وعلمًا وحفظًا وصنف الكتب، وفرَّع على السنن، وذبَّ عنها، وقمع من خالفها. ولد سنة ست وستين ومائة. ومات سنة ثمان، وقيل: سبع وثلاثين ومائتين بنيسابور (ثقة، حافظ، مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، ذكر أبو داود أنه تغير قبل موته بيسير).
انظر: "تهذيب التهذيب"(1/ 112 - 113) و "التقريب"(رقم: 331).
قلت: وحكم الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(11/ 377) على حكاية أبي داود بأنه تغير قبل موته بيسير - بنكارتها.
(7)
علي بن الجَعْد بن عُبيد الجَوْهري البغدادي. ثقةٌ. ثبتٌ. رمي بالتشيع، مات سنة ثلاثين ومئتين. "التقريب" رقم (4698) و "تهذيب التهذيب"(3/ 146 - 148). وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(12/ 561)"وله - أي لمسلم - شيوخ سوى هؤلاء - أي المتقدم ذكرهم - لم يخرج عنهم في "صحيحه" كعليِّ بن الجعد، وعلي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي" اهـ.
(8)
ستأتي مصادر ترجمته ص 124 - 125 من كتابنا هذا.
(9)
في المخطوط (أ، ب، جـ): "عبد الله" والصواب ما أثبتناه من كتب الرجال الآتي ذكرها.
• عُبيد الله بن عمر بن ميسرة القَوَاريريُّ، أبو سعيد البصري، نزيل بغداد: ثِقةٌ، ثبتٌ.
مات سنة خمسٍ وثلاثين على الأصح وله خمسٌ وثمانون سنة.
انظر: "التقريب" رقم (4325) و "تهذيب التهذيب"(3/ 23 - 24).
(10)
سُرَيْج بن يونس بن إبراهيم، أبو الحارث البغدادي العابد، مروزي الأصل، ذكر =
وعبدِ الله بن مَسْلَمَةَ القَعْنبيِّ
(1)
، وحرْملةَ بن يحيىَ
(2)
، وخَلَفِ بن هشامِ
(3)
وغيرِ هؤلاءِ من أئمةِ الحديثِ
(4)
. ورَوَى عنهُ الحديثَ خَلْق كثيرٌ
(5)
، منهم: إبراهيمُ بنُ محمد بن سُفيانَ، وأبو زُرْعَة، وأبو حاتم. "قال الحَسنُ بنُ محمدٍ الماسَرْجِسِيُّ: سمعتُ أبي يقولُ: سمعتُ مسلمًا يقولُ: صنَّفتُ المسندَ الصحيحَ من ثلاثمائةِ ألفِ حديثٍ مسموعةٍ"
(6)
. "قال محمدُ بنُ يعقوبَ الأخرَمُ: قلَّمَا يفوتُ البخاريّ ومسلمًا مما ثبتَ في الحديثِ حديث"
(7)
. وقال
= الدارقطني في كتاب التصحيف أنه حدث بحديث، فصحف في اسم منه، فذكر ذلك لداود بن رشيد، فقال: ليس سريج من جَمَّازَات المحامل. ومات سنة خمس وثلاثين ومائتين. (ثقة. عابد).
انظر: "التقريب" رقم (2219) و "تهذيب التهذيب"(1/ 686 - 687).
(1)
عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَب أبو عبد الرحمن القعنبي الحارثي المدني نزيل البصرة، وكان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحدًا. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين. روى عنه مسلم سبعين حديثًا.
"ثقه، عابد".
"التقريب" رقم (3620) و"تهذيب التهذيب"(2/ 433 - 434).
(2)
حَرْمَلَة بن يحيى بن حَرملة بن عِمْران، أبو حفص التجِيبيُّ المصريُّ، صاحبُ الشافعي: صدوقٌ. مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين، وكان مولده سنة ستين.
"التقريب" رقم (1175). و "تهذيب التهذيب"(1/ 371 - 372).
(3)
خلف بن هشام بن ثعلب، ويقال: ابن هشام بن طالب بن غراب، أبو محمد البغدادي المقرئ البزار - آخره راء -. توفي خلف رحمه الله، سنة تسع وعشرين ومائتين. (ثقة، له اختيار في القراءات).
"التقريب" رقم (1737) و "تهذيب التهذيب"(1/ 549).
(4)
انظر: "إسعاف المحتاج بمعجم شيوخ الإمام مسلم بن الحجاج" تصنيف أبي عمير، مجدي بن محمد بن عرفات.
(5)
انظر: "سير أعلام النبلاء"(12/ 562 - 563).
(6)
ذكره ابن الأثير في مقدمة "جامع الأصول"(1/ 187 - 188) ومقدمة صحيح مسلم للنووي (1/ 15).
وأخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد"(13/ 102).
(7)
ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(12/ 565 - 566).
وابن الأثير في "مقدمة جامع الأصول"(1/ 188).
قلت: لقد فاتهما كثير من الأحاديث الصحيحة، كما صرَّحا به. =
الخطيبُ أبو بكرٍ البغداديُّ
(1)
: "إنما قَفَا مسلمُ طريقَ البخاريّ ونَظَرَ في عِلْمِهِ وحَذَا حَذْوهُ".
[ترجمة أحمد بن حنبل]:
وأما أحمدُ بنُ حنبلٍ
(2)
فهوَ الإمامُ الكبيرُ المجمعُ على إمامتِهِ وجلالتِهِ أحمدُ بنُ محمدِ بن حنبل بن هِلالِ الشيبانيُّ، رَحَلَ إلى الشَّامِ والحجازِ واليمنِ وغيرِها وسمعَ من سُفيانَ بن عُيينةَ وطبقتِهِ، وَروى عنهُ جماعةٌ مِنْ شُيوخِهِ وخلائقُ آخرونَ لا يُحْصَونَ منهمُ البخاري ومسلمٌ. قال أبو زُرْعةَ:[كان]
(3)
كُتبُ أحمدَ بن حنبلٍ اثنَيْ عشرَ حِمْلًا، وكان يحفظُها على ظَهْرِ قلبِهِ، وكانَ يحفظُ ألفَ ألفِ حديثٍ، وُلدَ في شهرِ ربيعٍ الأولِ سنةَ أربعٍ وستينَ ومائةِ وتُوفيَ سنةَ إحدَى وأربعينَ ومائتينِ على الأصحِّ، وله كراماتٌ جليلةٌ، وامتُحِنَ المحنَةَ المشهورةَ. وقد طوَّل المؤرِّخونَ ترجمتَهُ وذكَرُوا فيها عجائبَ وغَرائبَ. وترجمهُ الذهبي في النبلاءِ
(4)
في مقدارِ خمسينَ ورقَةَ وأُفرِدَتْ ترجمتُهُ بمصنفاتٍ مُسْتَقلَّةٍ
(5)
، وله رحمه الله المسندُ الكبيرُ انتقاهُ من أكثرَ مِنْ سبعمائةِ ألفِ حديثِ وخمسينَ ألفِ حديثِ، ولم يُدْخِلْ فيهِ إلَّا ما يُحتجُّ بهِ، وبالغَ بعضُهم فأطلَقَ على جميعِ ما فيهِ أنهُ
= • نقل ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث" ص 19، تحقيق الدكتور: نور الدين عتر، عن الإمام البخاري قوله:"ما أدخلت في كتاب الجامع إلَّا ما صح، وتركت من الصحاح لملال الطول" اهـ.
• ونقل ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث" ص 20، عن الإمام مسلم قوله:"ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا - يعني في كتابه الصحيح - إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه" اهـ.
• وانظر ما قاله الإمام النووي في مقدمة شرحه لمسلم (1/ 24).
(1)
في "تاريخ بغداد"(13/ 102).
(2)
انظر ترجمته في:
"التاريخ الكبير" للبخاري (2/ 5 رقم 1505) و "الجرح والتعديل"(2/ 68 - 70 رقم 126) و"تاريخ بغداد"(4/ 412 - 423 رقم 2317) و"تهذيب الأسماء واللغات"(1/ 110 - 112 رقم 45) و "تذكرة الحفاظ"(2/ 431 - 432 رقم 438).
(3)
كذا في المخطوط (أ، ب، جـ) والصواب (كانت).
(4)
(11/ 177 - 358 رقم 78).
(5)
مثل: "مناقب الإمام أحمد بن حنبل" لابن الجوزي، و "ابن حنبل" للشيخ محمد أبي زهرة.
صحيحٌ. وأمَّا ابنُ الجوزيِّ فأدْخَلَ كثيرًا منه في موضوعاته، وتعقبَهُ بعضُهم في بعضِها، وقد حقَّقَ [الحفاظُ]
(1)
نفيَ الوضْعِ عنْ جميعِ أحاديثِهِ، وأنهُ أحسَنُ انتقاءً وتحريرًا مِنَ الكُتُبِ التي لم يلتزمْ مُصنِّفوهَا الصِّحَّةَ في جميعِها كالموَطَّأ والسُّننِ الأرْبَعِ، وليستِ الأحاديثُ الزائِدَةُ فيه على الصحيحين بأكثرَ ضَعْفًا من الأحاديثِ الزائدةِ في سننِ أبي داودَ والترمذيِّ. وقد ذكَرَ العراقي أن فيهِ تِسْعَةَ أحاديثَ موضوعةٍ
(2)
، وأضافَ إليها خمسةَ عشرَ حديثًا أورَدَهَا ابنُ الجوزي في الموضُوعاتِ
(3)
وهي فيهِ، وأجابَ عنها حديثًا حديثًا. قال الأسيوطى: وقد فاتَهُ أحاديثُ أُخَرُ أوْردَهَا ابنُ الجوزيِّ وهي فيهِ، وقد جَمَعَهَا السُّيوطيُّ في جُزءٍ سماه "الذيْلَ الممهدَ" وذَبَّ عنها، وعِدَّتُها أربعةَ عشرَ حديثًا. قال الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في كتابِه "تعجيل المنفعة في رجالِ الأربعةِ"
(4)
: ليسَ في المسندِ حديثٌ لا أصْلَ له إلا ثلاثةَ أحاديثَ أو أربعةً، مِنْها حديثُ عبدِ الرحمن بن عوفٍ أنهُ يدخلُ الجنةَ زحفًا
(5)
. قال: والاعتذارُ عنهُ أنه مِمّا أمَرَ أحمدُ بالضربِ عليهِ فتُرِكَ سَهوًا. قال الهيثمي في زوائد المسند
(6)
: "إن مُسْنَدَ أحمدَ أصَحُّ صحيحًا مِنْ غيرهِ، لا يُوازي مُسندَ أحمدَ كتابٌ مسندٌ في كَثْرَتِهِ وحُسْنِ سِيَاقَاتِهِ"، قال السيوطى في خُطْبَةِ كتابِهِ "الجامِعُ الكبيرُ"
(7)
ما لفظُه: "وكل ما كانَ في مُسندِ أحمدَ فهو مقبولٌ، فإن الضعيفَ الذي فيه يقرب من الحسن، انتهى.
(1)
في (ب) و (جـ): (الحافظ).
(2)
انظر تخريجها والكلام عليها في: "القولُ المُسدّدِ في الذبِّ عن مسند الإمامِ أحمد" لابن حجر العسقلاني (ص 45 - 71).
(3)
انظر تخريجها والكلام عليها في "القولُ المسدّد" ص 73 - 102.
(4)
(1/ 240 - 241).
(5)
أخرجه أحمد في المسند (6/ 115).
والطبراني في الكبير (1/ 129 رقم 264) والبزار كما في الكشف (3/ 209 رقم 2586).
وقال الهيثمي: هذا منكر، وعلته عمارة بن زاذان، قال الإمام أحمد: له مناكير، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، وضعفه الدارقطني.
وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات (2/ 13) ولم يصب.
وانظر: "القول المسدد"(ص 65 - 69) وتنزيه الشريعة (2/ 14 - 15).
(6)
أي في زوائد المسند على الكتب الستة وهو كتاب غاية المقصد.
(7)
(1/ 16).
[ترجمة الترمذي]:
وأما الترمذي
(1)
فهو أبو عيسى محمدُ بنُ عيسى بن سَوْرَةَ - بفتح السين المهملة وسكون الواو وفتحِ الراءِ المهملةِ مخففة - ابن موسى بن الضحاك السلمي الترمُذِي
(2)
-[بالفوقية]
(3)
وكسر الميم أو ضمِّها بعدها ذالٌ معجمة -. ولد في ذي الحِجّة سنةَ مائتين، وتوفي بترمِذ ليلةَ الاثنين الثالثَ عشرَ من رجب سنةَ تسع وسبعين ومائتين. هكذا في "جامع الأصول"
(4)
و"تذكرة الحفاظ"
(5)
، وهو أحدُ الأعلامِ الحفّاظ، أخذ الحديثَ عن جماعة
(6)
مثل قُتْيبةَ بن سَعيد، وإسْحقَ بن موسى، ومحمودِ بن غَيْلان، وسعيدِ بن عبد الرحمن، ومحمد بن بشار، وعليِّ بن حجر، وأحمدَ بن منيع، ومحمد بن المثنى، وسُفيانَ بن وكيعٍ، ومحمد بن إسماعيلَ البخاريّ، وغيرهم. وأخذ عنه خلق كثيرٌ منهم محمدُ بنُ أحمد بن محبوب المحبوبي وغيرُه
(7)
، وله تصانيفُ في علم الحديث، وكتابُه الجامعُ أحَسنُ الكتبِ وأكثرُها فائدةً وأحكمُها ترتيبًا وأقلُها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهبِ ووجوهِ الاستدلالِ والإِشارةِ إلى ما في الباب من الأحاديث
(8)
، وتبيينِ أنواعِ الحديثِ من الصِّحة والحسنِ والغرابةِ والضعف، وفيه
(1)
في المخطوط (أ، ب، جـ) قدم النسائي على الترمذي.
ثم قال في حاشية المخطوط: "تقدم هذه الترجمة - أي الترمذي - بعد أحمد بن حنبل ليطابق الشرح المشروح".
(2)
انظر ترجمته في:
"تذكرة الحفاظ"(2/ 633 - 635 رقم 658)، و "ميزان الاعتدال"(3/ 678 رقم 8535)، و "شذرات الذهب"(2/ 174 - 175) و "تهذيب التهذيب"(9/ 344 - 345 رقم 638)، و "معجم البلدان"(2/ 26 - 27)، و "معجم المؤلفين"(11/ 104 - 105). و "مقدمة شرح الترمذي" لأحمد شاكر. ومجلد "المقدمة" لعبد الرحمن المباركفوري شارح الترمذي، بعنوان:"تحفة الأحوذي".
(3)
في (جـ): (بتثليث الفوقية).
(4)
(1/ 193 - 194).
(5)
(2/ 633 - 635 رقم 658).
(6)
انظر: "سير أعلام النبلاء"(13/ 271).
(7)
انظر: "سير أعلام النبلاء"(13/ 271 - 272).
(8)
انظر: "فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي. تأليف أبي القاسِم عُبيد بن محمد الإسْعِرْدي.
جرحٌ وتعديلٌ، وفي آخره كتابُ العِلل
(1)
قد جمع فيه فوائدَ حسنة. قال النوويُّ في التقريب
(2)
: "وتختلف النسخُ من سُنن التِرمِذيِّ في قولِه حسن أو حسنٌ صحيحٌ ونحوُه، فينبغي أن تَعتنيَ بمقابلةِ أصْلِكَ بأصولٍ مُعْتمدَةٍ وتعتمدُ ما اتفقتْ عليه" انتهى. قال الترمذي
(3)
: "صنّفت كتابي هذا فعرضْتُه على علماء الحجاز فرضُوا به، وعرضتُه على علماء العراق فرضُوا به، وعرضتُه على علماء خُراسانَ فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتابُ فكأنَّما في بيته نبيٌّ يتكلَّم".
[ترجمة النسائي]:
وأما النسائي
(4)
فهو أبو عبدِ الرحمنِ أحمدُ بنُ شعيبِ بن علي بن بحر بن سنان النسائي أحدُ الأئمةِ الحفاظ، والمهرةِ الكبار. ولد سنةَ أربعَ عشرةَ ومائتين، ومات بمكة سنةَ ثلاثٍ وثلاثمائة، وهو مدفونٌ بها. روى الحديث عن
(5)
قُتيبةَ بن سعيد، وإسحقَ بن إبراهيم، وحميدِ بن مَسْعدةَ، وعلي بن خشْرَم، ومحمدِ بن عبد الأعلى، والحارثِ بن مسكين، وهنادِ بن السّري، ومحمد بن بشار، ومحمود بن غيلان، وأبي داودَ سليمانَ بن الأشعثِ السّجِستاني وغيرُ هؤلاء.
وأخذ عنه الحديث
(6)
خلقٌ منهم أبو بِشْرٍ الدُّولابي، وأبو القاسم [الطَّبري]
(7)
، وأبو جعفرٍ الطَّحاوي، ومحمدُ بنُ هرون بن شعيب، وأبو
(1)
انظر: "شرح علل الترمذي" لابن رجب الحنبلي. حققه وعلق عليه: صبحي السامرائي. و"شرح علل الترمذي" لابن رجب الحنبلي. تحقيق ودراسة. د. همام عبد الرحمن سعيد (1/ 2).
(2)
(1/ 141 - مع تدريب الراوي).
(3)
أخرجه الإسعردي في "فضائل الكتاب الجامع" ص 32.
والذهبي في "سير أعلام النبلاء"(13/ 274) و "تذكرة الحفاظ"(2/ 634).
(4)
انظر ترجمته في:
"وفيات الأعيان"(1/ 77 - 78 رقم 29) و"تذكرة الحفاظ"(2/ 698 - 701 رقم 719) و "شذرات الذهب"(2/ 239 - 241) و "العِبرَ"(1/ 444 - 445) و "معجم المؤلفين"(1/ 244 - 245) و"تهذيب التهذيب"(1/ 32 - 34 رقم 66).
(5)
انظر: "سير أعلام النبلاء"(14/ 125 - 127).
(6)
انظر: "سير أعلام النبلاء"(14/ 127).
(7)
كذا في المخطوط (أ، ب، جـ)، والصواب [الطبراني] صاحب المعاجم الثلاث. =
الميمونِ بن راشد، وإبراهيمُ بنُ محمد بن صالح بن سنانٍ، وأبو بكرٍ أحمدُ بنُ إسحقَ السُّنِّي الحافظ. وله مصنفاتٌ كثيرةٌ في الحديث والعِلل
(1)
، (منها) السننُ وهي أقل السننِ الأربع بعد الصحيحِ حديثًا ضعيفًا
(2)
. قال الذهبي
(3)
والتاجُ السُّبكي
(4)
: "إن النسائيَّ أحفظُ من مسلم صاحبِ الصحيح".
= انظر: مصادر ترجمة النسائي الآنفة الذكر.
(1)
مثل:
1 -
السنن الكبرى (1/ 6).
2 -
السنن الصغرى (المجتبى)(1/ 4).
3 -
عمل اليوم والليلة (1).
4 -
عِشرة النساء (1).
5 -
جزء فيه مجلسان من إملاء أبي عبد الرحمن.
6 -
فضائل القرآن.
7 -
كتاب الجمعة.
8 -
كتاب الوفاة. وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
9 -
خصائص الإمام علي رضي الله عنه.
10 -
تفسير النسائي (1/ 2).
11 -
الضعفاء والمتروكين. وغيرها ..
(2)
أثنى كثير من العلماء على مصنف الإمام النسائي - السنن الصغرى -، وقد أورد الحافظ السيوطي في مقدمة "زهر الربى على المجتبى" كثيرًا من أقوالهم.
(ومنها): قال أبو الحسن المعافري (1/ 4): "إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرّجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره" اهـ.
(ومنها): قال أبو عبد الله بن رشيد (1/ 4 - 5): "كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفًا وأحسنها ترصيفًا، وكان كتابه جامعًا بين طريقي البخاري ومسلم مع حظ كثير في بيان العلل. وفي الجملة فكتاب السنن أقل الكتب بعد الصحيحين حديثًا ضعيفًا ورجلًا مجروحًا. ويقاربه كتاب أبي داود وكتاب الترمذي، ويقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث
…
" اهـ.
• وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد"(1/ 436): "
…
وكتابه يضاف إلى كتاب البخاري ومسلم وأبي داود
…
ويعتمد على قوله في الجرح والتعديل، وكتابه في السنن مرضيٍّ".
• قلت: والمتتبع لما قام به المحدث محمد ناصر الدين الألباني من تقسيم السنن إلى صحيح وضعيف، تجد أن عدد الأحاديث الضعيفة في سنن النسائي بلغت (388) حديثًا.
بينما عدد الأحاديث الضعيفة في سنن أبي داود بلغت (1127) حديثًا.
وفي سنن الترمذي بلغت (832) حديثًا. وفي سنن ابن ماجه بلغت (877) حديثًا.
وبذلك نصل إلى القول بأن سنن النسائي أقل السنن الأربع بعد الصحيح حديثًا ضعيفًا. والله أعلم.
(3)
و
(4)
انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي (3/ 16).
[ترجمة أبي داود]:
وأما أبو داود
(1)
فهو سليمانُ بنُ الأشْعثِ بن إسحقَ بن بشيرِ بن شَدَّاد بن عمرِو بن عمرانَ الأزديُّ السَّجِسْتاني - بفتح السين وكسر الجيم [والكَسْرُ أكثر]
(2)
-، أحدُ من رحَل وطوّف البلادَ وجمع وصنّف وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمِصْريين والجزريين. ولد سنةَ ثنتين ومائتين، وتُوفي بالبصْرة لأربعَ عشْرةَ ليلةً بقِيَت من شوّال سنةَ خمسٍ وسبعين ومائتين.
وأخذ الحديث
(3)
عن مسلم بن إبراهيمَ، وسليمانَ بن حرْب، وعثمانَ بن أبي شيبةَ، وأبي الوليد الطيالسي، وعبدِ الله بن مَسلمةَ القَعْنبي، ومُسدّد بن مُسَرْهَدٍ، ويحيى بن معينٍ، وأحمدَ بن حنبل، وقُتيبة بن سعيدٍ، وأحمدَ بن يونُسَ، وغيرِهم ممن لا يُحصى كثرة.
وأخذ عنه
(4)
الحديثَ ابنُه عبدُ الله، وأبو عبدِ الرحمن النسائي، وأحمدُ بنُ محمدٍ الخلّال، وأبو على محمدُ بنُ أحمدَ اللؤلؤي.
قال أبو بكر بنُ داسة: قال أبو داود
(5)
: "كتبتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسَمائة ألفِ حديثٍ انتخبتُ منها ما ضمّنتُه هذا الكتابَ: يعني كتابَ السنن: جمعتُ فيه أربعةَ آلافِ حديثٍ وثمانمائةِ حديثٍ ذكرتُ الصحيحَ و [ما]
(6)
يُشْبِهُهُ ويقاربُه".
قال الخطّابي
(7)
: "كتابُ السنن لأبي داودَ كتابٌ شريفٌ لم يصنَّفْ في علمِ
(1)
انظر ترجمته في:
"الجرح والتعديل"(4/ 101 - 102 رقم: 456) و "معجم المؤلفين"(4/ 255 - 256).
و"تاريخ بغداد"(9/ 55 - 59 رقم: 4638) و "المنتظم"(5/ 97 - 98: رقم 219).
و"طبقات الحنابلة"(1/ 159 - 162 رقم: 216) و "تذكرة الحفاظ"(2/ 591 - 593 رقم: 615). و"أبو داود - حياته - وسننه" تأليف: د. محمد بن لطفي الصباغ.
(2)
زيادة من (أ) و (ب).
(3)
انظر: "سير أعلام النبلاء"(13/ 204 - 205).
(4)
انظر: "سير أعلام النبلاء"(13/ 205 - 206).
(5)
ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ"(2/ 592، 593). وانظر: "رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه" قدم لها وحققها وعلق عليها. د. محمد بن لطفي الصباغ.
(6)
زيادة من (أ).
(7)
في "معالم السنن"(1/ 10 - 11 - هامش المختصر).
الدينِ كتابٌ مثلُه، وقد رُزق القَبولَ من كافة الناس على اختلاف مذاهِبهم، فصار حَكَمًا بين العلماءِ وطبقاتِ المحدثين والفقهاء، ولكل واحدٍ فيه وِرْدٌ ومنه شَرِب، وعليه مُعوَّلُ أهلِ العِراقِ ومصرَ وبلادِ المغربِ وكثيرِ من مدن أقطارِ الأرض". قال: قال أبو داود
(1)
: "ما ذكرتُ في كتابي حديثًا أجمعَ الناسُ على تركه". قال الخطابي
(2)
أيضًا: "هو أحسنُ وضعًا وأكثرُ فقهًا من الصحيحين"
(3)
.
[ترجمة ابن ماجه]:
وأما ابنُ ماجه
(4)
فهو أبو عبد الله محمدُ بنُ يزيدَ بن عبدِ الله بن ماجَهْ القَزوينيُّ مولى ربيعةَ بن عبدِ الله، ولد سنةَ تسعٍ ومائتين، ومات يوم الثلاثاءِ لثمانٍ بقِينَ من رمضانَ سنةَ ثلاثٍ أو خمسٍ وسبعين ومائتين، وهو أحدُ الأعلامِ المشاهير.
ألّف سُننَه المشهورةَ وهي إحدى السننِ الأربعِ وإحدى الأمهاتِ الستُ، وأوّلُ
(1)
ذكره الخطابي في "معالم السنن"(1/ 11 - هامش المختصر).
(2)
في "معالم السنن"(1/ 11 - هامش المختصر).
(3)
إن الكشف عما سكت عنه أبو داود أولى وأقرب إلى التحقيق التام.
وأفضل كتاب للكشف عن أحاديث أبي داود التي سكت عنها. كتاب: "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" للحافظ المزي؛ لمعرفة طرق الحديث. وكتاب "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" للذهبي؛ للكشف عن أحوال الرجال.
وأقرب منهما: "مختصر سنن أبي داود" للمنذري، فإنه تكلم على جميع ما فيها مما يحتمل الكلام، وبيَّن ما فيها مما في الصحيحين وغيرهما، وصححه أو حسنَهُ أبو عيسى الترمذي، وجوَّد الكلام على حديثها غاية التجويد، وجاء كتابه مع كثرة فوائده صغير الحجم.
انظر: كتاب "توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار" للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير (1/ 196 - 218) مسألة (13) في بيان شرط أبي داود، فقد أجاد وأفاد.
(4)
انظر ترجمته في:
"تذكرة الحفاظ"(2/ 636 - 637 رقم: 659) و "تهذيب التهذيب"(9/ 468 - 469 رقم: 872) و "شذرات الذهب"(2/ 164) و "معجم المؤلفين"(12/ 115 - 116).
و"الفصل المبين على عقد الجوهر الثمين" ص 207 - 224.
من عدَّها من الأمهات ابنُ طاهرٍ في الأطراف
(1)
ثم الحافظُ عبدُ الغني
(2)
.
قال ابن كثير
(3)
: إنها كتابٌ مفيدٌ قويُّ التبويب في الفقه، رحل ابنُ ماجهْ وطوَّف الأقطارَ، وسمِع من جماعة منهم: أصحابُ مالكٍ، والليثُ. وروى عنه جماعةٌ منهم: أبو الحسنِ القطان.
[اصطلاحات صاحب المنتقى]:
(والعَلامَةُ لِمَا رَواه البخاري وَمُسْلِمٌ: (أخْرجاهُ)، ولبَقِيَّتِهِمْ:(رَواهُ الخَمْسَةُ) وَلهمْ سَبْعَتِهِمْ: (رَواهُ الجَماعَةُ). ولِأَحْمَدَ مَعَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (متفق عَليهِ)، وَفِيما
(1)
هو محمد بن طاهر بن علي بن أحمد، الإمام، الحافظ، الجوّال الرحَّال، ذو التصانيف، أبو الفضل بن أبي الحسين بن القَيْسَرَاني، المقدسي، الأثري، الظاهري، الصوفي.
ولد ببيت المقدس في شوال سنة ثمانٍ وأربعمائة. وتوفي في يوم الجمعة لليلتينِ. بقيتا من شهر ربيع الأول، سنة سبعٍ وخمسمائة.
وهو الذي جمع أطراف الكتب الستة غير الموطأ.
انظر: "سير أعلام النبلاء"(19/ 361 - 371) و "ميزان الاعتدال"(3/ 587) والوافي بالوفيات (3/ 166 - 168) ولسان الميزان (5/ 257 - 210).
(2)
عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني النابلسي، شاعر، عالم بالدين والأدب، مكثر من التصنيف، متصوف. ولد سنة (1050 هـ) ونشأ في دمشق. ورحل إلى بغداد، وعاد إلى سورية، فتنقل في فلسطين ولبنان، وسافر إلى مصر والحجاز، واستقر في دمشق وتوفي بها سنة (1143 هـ) ومن مؤلفاته:"ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث".
قلت: وهو بمثابة فهرست لمعرفة موضع كل حديث من الكتب الستة، غير الموطأ.
انظر: ترجمته وباقي مؤلفاته في "الأعلام" للزركلي (4/ 32 - 33).
(3)
انظر: "البداية والنهاية" لابن كثير (11/ 56).
• وقال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب"(9/ 468 - 469): "قلت: كتابه في السنن جامع جيد كثير الأبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جدًّا، حتى بلغني أن السري كان يقول: مهما انفرد بخبر فيه هو ضعيف غالبًا، وليس الأمر في ذلك على إطلاقه باستقرائي، وفي الجملة ففيه أحاديث منكرة، والله تعالى المستعان. ثم وجدت بخط الحافظ شمس الدين محمد بن علي الحسيني ما لفظه: سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: كل ما انفرد به ابن ماجه فهو ضعيف - يعني بذلك ما انفرد به من الحديث عن الأئمة الخمسة. انتهى ما وجدته بخطه، وهو القائل - يعني وكلامه هو ظاهر كلام شيخه - لكن حملُه على الرجال أولى، وأما حمله على الأحاديث فلا يصح كما قدمت ذكره من وجوه الأحاديث الصحيحة والحسان مما انفرد به من الخمسة" اهـ.
سِوى ذِلكَ أُسمِّي مَنْ [رَواهُ]
(1)
مِنْهم. وَلمْ أُخَرِّجْ فِيما عَزَوْتُه عَنْ كتُبِهِمْ إِلا في مَواضِعَ يَسِيرَةٍ، وَذَكرْتُ في ضِمْنِ ذلِكَ شَيئًا يَسِيرًا مِنْ آثارِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم، وَرَتّبْتُ الأحاديثَ في هذا الكِتاب على تَرْتِيبِ فُقَهاءِ أهل زَمانِنا لِتَسْهُلَ على مُبْتَغِيها، وتَرْجَمْتُ لَها أبْوَابًا ببَعْضِ ما دَلتْ عَليهِ مِنَ الفَوَائِدِ، وَنَسْأَلُ الله أنْ يُوَفقَنا لِلصَّوَاب وَيَعْصِمْنَا مِنْ كُل خَطَأ وَزَللٍ إِنَّهُ جَوَّادٌ كَرِيمٌ).
قَوله: (ولأحمدَ معَ البخاريِّ إلخ) المشهور عند الجمهورِ أن المتفقَ عليه هو ما اتفق عليه الشيخان من دون اعتبارِ أن يكون معهما غيرُهما، والمصنفُ رحمه الله قد جعل المتفقَ عليه ما اتفقا عليه وأحمدُ ولا مشاحةَ في الاصطلاح.
قوله: (وَلم أُخرِّج)
(2)
هو من الخروج لا من التخريج، أي أنه اقتصر في كتابه هذا على العزو إلى الأئمة المذكورين، وقد يخرُج عن ذلك في مواضعَ يسيرةٍ فيروي عن غيرهم كالدارَقُطني والبيهقي وسعيدِ بن منصورٍ والأثرم.
[يحتج بما في الصحيحين أو في أحدهما]:
واعلمْ أن ما كان من الأحاديث في الصحيحين أو في أحدهما جاز الاحتجاجُ
(1)
في (ب): (روى).
(2)
التخريج: هو الدلالة على موضع الحديث من مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده - ثم بيان مرتبته - كصحيح البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ومسند أحمد، وموطأ مالك، ومستدرك الحاكم، وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان، وسنن الدارقطني، والدارمي، والمعاجم الثلاث للطبراني، ومصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والسنن الكبرى للبيهقي، وشرح السنة للبغوي
…
وكتب التفسير، والفقه، والتاريخ، التي تستشهد بالأحاديث لكن بشرط أن يرويها مصنفها بأسانيدها استقلالًا، كتفسير الطبري، والأم للشافعي، وتاريخ بغداد، وغيرها
…
واعلم أنّ العزو إلى الكتب التي جمعت بعض الأحاديث لا عن طريق التلقي عن الشيوخ، وإنما من المصنفات السابقة لها فلا يعتبر العزو إليها تخريجًا على الاصطلاح في فن التخريج، وإنما هو تعريف القارئ بأن هذا الحديث مذكور في كتاب كذا، وهذا النوع من العزو يلجأ إليه العاجز عن معرفة مصادر الحديث الأصلية، فينزل في عزوه نزولًا غير مستحسن وهو غير لائق بأهل العلم لا سيما أهل الحديث؛ ومن تلك الكتب التي لا تعتبر مصدرًا أصليًا من كتب السنة: كبلوغ المرام لابن حجر، والجامع الصغير للسيوطي، ورياض الصالحين للنووي، وفتح الغفار للرباعي، ونيل الأوطار للشوكاني
…
وغيرها. انظر كتاب "أصول التخريج ودراسة الأسانيد" للدكتور: محمود الطحان ص 7 - 133 فإنه مفيد في بابه.
به من دون بحثٍ لأنهما التزما الصحةَ وتلقت ما فيهما الأمةُ بالقَبول، قال ابنُ الصلاح
(1)
: إن العلمَ اليقينيَّ النظريَّ واقعٌ بما أسنداه؛ لأن ظن المعصومِ لا يُخطئُ. وقد سبقه إلى مثل ذلك محمدُ بنُ طاهرٍ المقدِسيُّ، وأبو نصْرٍ عبدُ الرحيم بنُ عبدِ الخالق بن يوسُفَ، واختاره ابنُ كثيرٍ، وحكاه ابنُ تيميةَ عن أهل الحديثِ وعن السلف وعن جماعات كثيرةٍ من الشافعية والحنابلةِ والأشاعرةِ والحنفيةِ وغيرِهم.
قال النووي
(2)
: وخالف ابنَ الصلاحِ المحققون والأكثرون فقالوا: يفيد الظنَّ ما لم يتواتَر، ونحوَ ذلك حكى زينُ الدين عن المحققين، قال: وقد استثنى ابنُ الصلاح أحرُفًا يسيرةَ تكلم عليها بعضُ أهلِ النقدِ كالدارقطني
(3)
وغيرِه، وهي معروفةٌ عند أَهلِ هذا الشأنِ.
[الاحتجاج بالأحاديث الصحيحة فيما سوى الصحيحين أو أحدهما]:
وهكذا يجوز الاحتجاجُ بما صَحَّحه أحدُ الأئمةِ المعتبرين مما كان خارجًا عن الصحيحين. وكذا يجوز الاحتجاجُ بما كان في المصنفات المختصةِ بجمع الصحيحِ، كصحيح ابن خُزيمةَ وابنِ حبانَ ومُستدرَك الحاكمِ
(4)
والمُستخرَجاتِ على الصحيحين
(5)
لأن المصنفين لها قد حكموا بصحة كلِّ ما فيها حكمًا عامًا.
وهكذا يجوز الاحتجاجُ بما صرح أحدُ الأئمة المعتبرين بحُسنه، لأن الحسَنَ يجوز العملُ به عند الجمهورِ
(6)
، ولم يخالف في الجواز إلا البخاري وابنُ العربي،
(1)
انظر: "صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط" لابن الصلاح (ص 85).
(2)
في كتابه: "إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق"(1/ 133).
(3)
في كتابه: "التتبع" بتحقيق الشيخ مقبل بن هادي الوادعي.
(4)
انظر: "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 39 - 43).
(5)
انظر: "فتح المغيث" للسخاوي (1/ 44 - 48).
(6)
قال النووي في "التقريب"(1/ 160 - مع التدريب): "الحسن كالصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه في القوة" اهـ.
وقال ابن حجر في "نزهة النظر شرح نخبة الفكر" ص 33: "وهذا القسم من الحسن مشارك للصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه" اهـ.
والحقُّ ما قاله الجمهورُ لأن أدلةَ وجوبِ العملِ بالآحاد
(1)
وقَبولِها شاملةٌ له.
ومن هذا القَبيلِ ما سكت عنه أبو داودَ وذلك لما رواه ابنُ الصَلاحِ
(2)
عن
(1)
اعلم أن سنة الآحاد - الصحيحة أو الحسنة - حجة على الجميع يلزم اتباعها، وأنها من مصادر التشريع، سواء وافقت عمل أهل المدينة أم خالفته، وسواء اتفقت مع الأصول المقررة ومقتضى القياس أم لم تتفق، وسواء عمل راويها بها أو لم يعمل، وسواء كانت في أمر يكثر وقوعه أو يقل.
لأن أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها. والعبرة بما يرويه الراوي لا بما يعمل به، إذ ربما يعمل بخلاف ما روى خطأ أو نسيانًا، أو تأويلًا، فهو غير معصوم. وكون الأمر الذي جاءت به السنة كثير الوقوع لا تأثير له في قبول أو ردّ أخبار الآحاد؛ لأن الحاجة لمعرفة حكم ما يقل وقوعه كالحاجة لمعرفة حكم ما يكثر وقوعه، وكلاهما قد ينقله الآحاد فضلًا عن أن الكثرة أو القلة لا ضابط لها في هذا الباب.
أما التشبث بمخالفة سنة الآحاد للأصول فغير مقنع، لأن السنة هي التي تؤصل الأصول، فإذا جاءت بحكم يخالف الأصول الثابتة، فإنها تعتبر أصلًا قائمًا بنفسه يعمل في دائرته، كما في السَلَم، مع أنه بيع معدوم. والاستقراء دل على أن المردود من سنة الآحاد الصحيحة السند، بحجة المخالفة للأصول أنه في الحقيقة موافق للأصول لا مخالف لها (أ). وأما التشبث بعدم فقه الراوي، فقول غير مستساغ لأن رواة السنة عندهم من الفقه، لملازمتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ما يكفي للاطمئنان بصحة نقلهم، وأنه لم يفتهم شيء من معناه، فضلًا عن معرفتهم بأساليب العربية وبيانها.
وعلى هذا فقول الجمهور هو الراجح، فكل سنة صحّت بأن رواها الثقات الضابطون وجب المصير إليها، وعدم الالتفات إلى ما خالفها، ومن خالفها كائنًا من كان، لأن الله تعبّدنا باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا سبيل للوصول إليها إلا عن طريق الرواة، فإذا ثبت عندنا ضبطهم وعدالتهم أو ترجح ذلك كان ذلك دليلًا على صحة نسبتها للرسول صلى الله عليه وسلم إمّا على سبيل العلم القاطع (ب)، أو الظن الراجح (جـ)، وكلاهما يوجبان العمل بها شرعًا، والتقيد بأحكامها، وجعلها دليلًا من أدلة الأحكام.
(2)
قلت: بل أوردها أبو داود في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه (ص 27 - 28) تحقيق الدكتور محمد بن لطفي الصباغ.
_________
(أ) انظر: الرد على من ردّ حديث المصراة بحجة مخالفته للأصول العامة، ومقتضى القياس في "إعلام الموقعين" لابن القيم (2/ 38 - وما بعدها).
(ب) وبه قال: داود الظاهري، والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث المحاسبي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك بن أنس، وأطال ابن حزم في كتابه "الإحكام"(1/ 108 - 138) في تقريره. وهو محل اتفاق في السنة المتواترة كما تقدم.
(جـ) وبه قال الجمهور. انظر: "إرشاد الفحول" للشوكاني (ص 48 - 49).
أبي داود أنه قال: "ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهنٌ شديدٌ بينّتُه وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالحٌ، وبعضُها أصحُّ من بعض"
(1)
. قال: ورَوَينا عنه
(2)
أنه قال: "ذكرتُ فيه الصحيحَ وما يُشبهه وما يقاربه".
قال الإِمامُ الحافظُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزيرُ: "إنه أجاز ابنُ الصلاحِ والنوويُّ وغيرُهما من الحفّاظ العملَ بما سكت عنه أبو داودَ لأجلِ هذا الكلامِ المَرْويِّ عنه وأمثاله مما روي عنه. قال النووي: إلا أن يظهرَ في بعضها أمرٌ يقدَحُ في الصحة والحُسنِ وجب تركُ ذلك. قال ابنُ الصلاح: وعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا ولم نعلم صِحَّتَه عرفنا أنه من الحسَن عند أبي داودَ لأن ما سكت عنه يحتمل عند أبي داودَ الصِحّةَ والحسَنَ" انتهى.
وقد اعتنى المُنذريُّ
(3)
رحمه الله في نقد الأحاديثِ المذكورةِ في سنن أبي
(1)
اختلف العلماء في فهم مراده من قوله: "صالح" وأفضلها أنه أراد بقوله: "صالح": هو الضعيف الذي لم يشتد ضعفه وهذا هو الصواب بقرينة قوله: "وما فيه وهن شديد فقد بينته" فإنه يدل بمفهومه على أن ما كان فيه وهن غير شديد لا يبينه، فدل على أنَّه ليس كل ما سكت عليه أنه حسن، ويشهد لهذا وجود أحاديث كثيرة عنده لا يشك عالم في ضعفها، وهي مما سكت أبو داود عنه.
قال ابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح"(1/ 435): "ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي. بل هو على أقسام:
1 -
منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة.
2 -
ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
3 -
ومنه ما هو من فبيل الحسن إذا اعتضد.
وهذان القسمان كثير في كتابه جدًّا.
4 -
ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبًا، وكل هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها
…
" اهـ.
وقال الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(13/ 214): "وكاسَرَ - أبو داود - عن ما ضعْفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته - والحالة هذه - عن الحديث أن يكون حسنًا عنده" اهـ.
وخلاصة القول: أن الكشف عما سكت عنه أبو داود أولى وأقرب إلى التحقيق التام.
(2)
ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ"(2/ 592) وقد تقدم التعليق عليها.
(3)
في كتابه "مختصر سنن أبي داود" وقد تقدم الكلام عليه.
داودَ وبين ضعفَ كثير مما سكت عنه فيكون ذلك خارجًا عما يجوز العملُ به، وما سكتا عليه جميعًا فلا شك أنه صالحٌ للاحتجاج [إلا في مواضعَ يسيرةٍ قد نبّهتُ على بعضها في هذا الشرح]
(1)
. وكذا قيل: إن ما سكت عنه الإِمامُ أحمدُ من أحاديثَ مُسندةٍ صالحٌ للاحتجاج؛ لما قدمنا في ترجمته
(2)
.
وأما بقيةُ السُّننِ والمسانيدُ التي لم يلتزم مصنفوها الصحةَ فما وقع التصريحُ بصحته أو حُسنهِ منهم أو من غيرهم جاز العملُ به. وما وقع التصريحُ كذلك بضَعفه لم يجُز العمل به. وما أطلقوه ولم يتكلموا عليه ولا تكلم عليه غيرُهم لم يجز العملُ به إلا بعد البحثِ عن حاله إن كان الباحثُ أهلًا لذلك. وقد بحثنا عن الأحاديث الخارجةِ عن الصحيحين في هذا الكتابِ وتكلمنا عليها بما أمكن الوقوفُ عليه من كلام الحفاظِ وما بلغت إليه القُدرة. [واكتفينا فيما لم نجد لأحد من الأئمة كلامًا عليه من أحاديث أبي داود بسكوته هو والمنذري عنها وكذا اكتفينا بسكوت أحمد في مواضع يسيرة لما تقدم]
(3)
، ومن عرف طولَ ذيلَ هذا الكتاب الذي تصدَّينا لشرحه وكثرةِ ما اشتمل عليه من أحاديث الأحكامِ علم أن الكلامَ على بعض أحاديثه على الحد المعتبرِ متعسّر، لا سيما ما كان منها في مسند الإِمامِ أحمدَ.
[ثناء العلماء على كتاب "المنتقى"]:
وقد ذكر جماعةٌ من أئمة فنِّ الحديثِ أن هذا الكتاب
(4)
من أحسن الكتُبِ المصنفةِ في الفنّ لولا عدمُ تعرُّضِ مؤلفِه رحمه الله للكلام على التصحيح والتحسينِ والتضعيفِ في الغالب. قال في البدر المنير
(5)
ما لفظُه: "وأحكامُ الحافظِ
(1)
زيادة من (أ) و (ب).
(2)
تقدم الكلام على مسند أحمد عند ترجمته رحمه الله ص 124 - 125 من كتابنا هذا المطبوع.
(3)
زيادة من (جـ).
(4)
أي "المنتقى في الأحكام الشرعية من كلام خير البرية" لمجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني. وهو جد ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم بن مجد الدين المذكور، رحمهم الله جميعًا. أعاننا الله على إكمال تحقيقه وتخريجه والتعليق عليه. على مخطوطتين.
(5)
"البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير" لابن الملقن. (1/ 280 - 281). =
مجدِ الدينِ عبد السلامِ بن تيميةَ المسمّى، بـ "المنتقى"، هو كاسمه، وما أحسنَه لولا إطلاقُه في كثير من الأحاديث العزْوَ إلى الأئمة دون التحسينِ والتضعيفِ فيقول مثلًا: رواه أحمد، رواه الدارقطني، رواه أبو داودَ ويكون الحديثُ ضعيفًا. وأشدُّ من ذلك كونُ الحديثِ في جامع التِرمِذيِّ مُبَيَّنًا ضعفُه فيعزوه إليه من دون بيانِ ضعفِه، وينبغي للحافظ جمعُ هذه المواضعِ وكتبُها على حواشي هذا الكتابِ، أو جمعُها في مصنف يستكمل فائدةَ الكتابِ المذكورِ" انتهى.
وقد أعان الله وله الحمدُ على القيام بما أرشد إليه هذا الحافظُ مع زيادات إليها تُشد رحالُ الطلاب، وتنقيحاتٍ تنقطع بتحقيقها علائق الشكِّ والارتياب. والمسئول من الله جل جلاله الإِعانة على التمام، وتبليغُنا بما لاقَيناه في تحريره وتقريرِه إلى دار السلام.
= قلت: وقد نبّه الحافظ ابن حجر على ذلك في "نكته على ابن الصلاح"(1/ 487 - 488) فقال:
"ومن هنا يتبين ضعف طريقة من صنف في الأحكام بحذف الأسانيد من الكتب المذكورة كأبي البركات بن تيمية، فإنهم يخرجون الحديث منها ويعزونه إليها من غير بيان صحته أو ضعفه.
وأعجب من ذلك أن الحديث يكون في "الترمذي" وقد ذكر علته فيخرجونه منه مقتصرين على قولهم رواه الترمذي معرضين عما ذكر من علته" اهـ.
الكتاب الأول كتاب الطهارة
أولًا: أبواب المياه
الباب الأول: باب طهورية ماء البحر وغيره.
الباب الثاني: باب طهارة الماء المتوضأ به.
الباب الثالث: باب بيان زوال تطهيره.
الباب الرابع: باب الرد على من جعل ما يغترف منه المتوضئ بعد غسل وجهه مستعملًا.
الباب الخامس: باب ما جاء في فضل طهور المرأة.
الباب السادس: باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة.
الباب السابع: باب أسآر البهائم.
الباب الثامن: باب سؤر الهر.
ثانيًا: أبواب تطهير النجاسة وذكر ما نص عليه منها
الباب الأول: باب اعتبار العدد في الولوغ.
الباب الثاني: باب الحت والقرص والعفو عن الأثر بعدهما.
الباب الثالث: باب تعيين الماء لإزالة النجاسة.
الباب الرابع: باب تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة.
الباب الخامس: باب ما جاء في أسفل النعل تصيبه النجاسة.
الباب السادس: باب نضح بول الغلام إذا لم يطعم.
الباب السابع: باب الرخصة في باب ما يؤكل لحمه.
الباب الثامن: باب ما جاء في المذي.
الباب التاسع: باب ما جاء في المني.
الباب العاشر: باب أن ما لا نفس له سائلة لم ينجس بالموت.
الباب الحادي عشر: باب في أن الآدمي المسلم لا ينجس بالموت ولا شعره وأجزاؤه بالانفصال.
الباب الثاني عشر: باب النهي عن الانتفاع بجلد ما لا يؤكل لحمه.
الباب الثالث عشر: باب ما جاء في تطهير الدباغ.
الباب الرابع عشر: باب تحريم أكل جلد الميتة وإن دبغ.
الباب الخامس عشر: باب ما جاء في نسخ تطهير الدباغ.
الباب السادس عشر: باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذبح.
ثالثًا: أبواب الأواني
الباب الأول: باب ما جاء في آنية الذهب والفضة.
الباب الثاني: باب النهي عن التضبيب بهما إلا بيسير الفضة.
الباب الثالث: باب الرخصة في آنية الصفر ونحوها.
الباب الرابع: باب استحباب تخمير الأواني.
الباب الخامس: باب آنية الكفار.
رابعًا: أبواب أحكام التخلي
الباب الأول: باب ما يقول المتخلي عند دخوله وخروجه.
الباب الثاني: باب ترك استصحاب ما فيه ذكر الله.
الباب الثالث: باب كف المتخلي عن الكلام.
الباب الرابع: باب الإبعاد والاستتار للتخلي في الفضاء.
الباب الخامس: باب نهي المتخلي عن استقبال القبلة واستدبارها.
الباب السادس: باب جواز ذلك بين البنيان.
الباب السابع: باب ارتياد المكان الرخو وما يكره التخلي فيه.
الباب الثامن: باب البول في الأواني للحاجة.
الباب التاسع: باب ما جاء في البول قائمًا.
الباب العاشر: باب وجوب الاستنجاء بالحجر أو الماء.
الباب الحادي عشر: باب النهي عن الاستجمار بدون الثلاثة الأحجار.
الباب الثاني عشر: باب في إلحاق ما كان في معنى الأحجار بها.
الباب الثالث عشر: باب النهي عن الاستجمار بالروث والرُّمَّة.
الباب الرابع عشر: باب النهي أن يستنجي بمطعوم أو بما له حرمة.
الباب الخامس عشر: باب ما لا يستنجى به لنجاسته.
الباب السادس عشر: باب الاستنجاء بالماء.
الباب السابع عشر: باب وجوب تقدمة الاستنجاء على الوضوء.
خامسًا: أبواب السواك وسنن الفطرة
الباب الأول: باب الحث على السواك وذكر ما يتأكد عنده.
الباب الثاني: باب تسوك المتوضئ بأصبعه عند المضمضة.
الباب الثالث: باب السواك للصائم.
الباب الرابع: باب سنن الفطرة.
الباب الخامس: باب الختان.
الباب السادس: باب أخذ الشارب وإعفاء اللحية.
الباب السابع: باب كراهة نتف الشيب.
الباب الثامن: باب تغيير الشيب بالحناء والكتم ونحوهما وكراهة السواد.
الباب التاسع: باب جواز اتخاذ الشعر وإكرامه واستحباب تقصيره.
الباب العاشر: باب ما جاء في كراهية القزع والرخصة في حلق الرأس.
الباب الحادي عشر: باب الاكتحال والادهان والتطيب.
الباب الثاني عشر: باب الإطلاء بالنورة.
[الكتابُ الأولُ] كتابُ الطهارةِ
[أولًا]: أبوابُ المياه
الكتابُ مصدرٌ يقالُ: كتَبَ كتابًا وكتابةً، وقد استعملُوه فيما يَجْمَعُ شيئًا من الأبوابِ والفصول، وهو يدلُّ على معنَى الجمعِ والضمِّ، ومنهُ الكَتيبةُ ويُطْلَقُ على مكتوبِ القلمِ حقيقةً لانضمامِ بعضِ الحروفِ والكلماتِ المكتوبةِ إلى بعضِ وعلى المعاني مجازًا، وجمعهُ كُتُبٌ بضمّتينِ وبِضَمٍّ فسكونِ، وقد اشتُهرَ في لسانِ الفقهاءِ اشتقاقُ الكتابةِ منَ الكَتْبِ واعترضَه أبو حيَّانَ بما حاصِلُه أن المصدرَ لا يُشْتَقُ مِنَ المصدرِ.
والطهارةُ يجوزُ أنْ تكونَ مصدرَ طَهُرَ اللازمِ، فتكونَ للوصْفِ القائمِ بالفاعلِ، وأنْ تكونَ مصدرَ طَهَرَ المتعدِّي فتكونُ للأثرِ القائمِ بالمفعول، وأنْ تكونَ اسمَ مصدرِ طهَّر تطهيرًا ككلَّم تكليمًا. وأما الطهور فقالَ جمهورُ أهْلِ اللغةِ
(1)
: إنهُ بالضمِّ للفعلِ الذي هوَ المصدرُ، وبالفتحِ للماءِ الذي يُتَطَهّرُ بهِ، هكذا نقلَهُ ابنُ الأنباريِّ وجماعات مِنْ أهلِ اللغةِ عن الجمهورِ. وذهبَ الخليلُ، والأصمعيُّ وأبو حاتمِ السِّجسْتَاني والأزهري، وجماعةٌ إلى أنهُ بالفتح فيهمَا، قال صاحبُ المطالِعِ
(2)
: وحُكِيَ فيهمَا الضم.
(1)
انظر: "القاموس المحيط"(ص 554 - 555). و"لسان العرب". (8/ 210 - 212).
و"تهذيب اللغة"(6/ 170 - 174).
(2)
صاحب المطالع: هو إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس، المعروف بابن قُرْقُول (أبو إسحاق) محدث. ولد بالمريَّة من الأندلس في صفر، (سنة 505 هـ) وتوفي بفاس في/6/ شوال سنة (569 هـ).
أما كتابه المطالع: فهو "مطالع الأنوار على صحاح الآثار في فتح ما استغلق من كتاب الموطأ ومسلم والبخاري، وإيضاح مبهم لغاتهم".
[انظر: "معجم المؤلفين" (1/ 83 رقم 629) و "شذرات الذهب" (5/ 329)].
والطهارَةُ في اللغةِ: النظافةُ والتنزُّهُ عن الأقذارِ.
وفي الشرعِ: صفةٌ حُكْمِيةٌ تَثْبُتُ لموصُوفِها جوازَ الصلاةِ بهِ أو فيهِ أو له
(1)
. ولما كانتْ مفتاحَ الصلاةِ التي هي عمادُ الدينِ، افتتحَ المؤلِّفونَ بها مؤلَّفاتهم.
والأبوابُ: جمعُ باب وهو حقيقةٌ لما كان حِسِّيًا يُدْخَلُ منهُ إلى غيرهِ ومجاز لِعُنْوَانِ جملةٍ مِنَ المسائِلِ المتناسِبَةِ.
والمياهُ جمعُ الماءِ، وجمعَهُ معَ كونِهِ جِنْسًا للدلالةِ على اختلافِ الأنواعِ.
[الباب الأول] باب طهورية ماء البحر وغيره
1/ 1 - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: سَأَلَ رَجلٌ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: يَا رسُولَ الله إنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ، ونَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ الماءِ، فإِنْ تَوَضَّأنا بِهِ عَطِشْنا، أَفَنَتَوَضَّأُ بماءِ البَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيتَتُهُ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ
(2)
. وقال التِّرْمِذِي: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ). [صحيح]
الحديثُ [أخرجَهُ أيضًا]
(3)
ابنُ خزيمةَ
(4)
، وابنُ حبانَ
(5)
في صحيحَيْهما، وابنُ الجارودِ في المنتقَى
(6)
، والحاكمُ في المستدْرَكِ
(7)
، والدارقطني
(8)
، والبيهقي
(9)
في
(1)
انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (3/ 188 - 189).
(2)
هم: أحمد في المسند (2/ 237، 361، 378، 392).
وأبو داود (رقم 83).
والترمذي (1/ 100 رقم 69) وقال: "حديث حسن صحيح".
والنسائي (1/ 50 رقم 59) و (1/ 176 رقم 332) و (7/ 207 رقم 4350).
وابن ماجه (1/ 136 رقم 386). وهو حديث صحيح.
(3)
في (ب): (أيضًا أخرجه).
(4)
في "صحيحه"(1/ 59 رقم 111).
(5)
في "صحيحه"(4/ 49 رقم 1243) بسند صحيح.
(6)
لابن الجارود رقم (43) بسند صحيح.
(7)
(1/ 140) وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه الحاكم في "علوم الحديث" ص 87.
(8)
في سننه (1/ 36 رقم 13).
(9)
في سننه الكبرى (1/ 3).
سُننهِمَا، وابنُ أبي شيبةَ
(1)
. وحَكَى الترمذيُّ عن البخاري تصحِيحَهُ
(2)
، وتعقَّبَهُ ابنُ عبدِ البرِّ
(3)
بأنهُ لو كانَ صحيحًا عندَهُ لأخرجَهُ في صحيحهِ، وردَّهُ الحافِظُ وابنُ دقيقِ العيدِ بأنهُ لم يلتزمِ الاستيعابَ
(4)
، ثم حَكَمَ ابنُ عبدِ البرِّ (3) معَ ذلِكَ بصحتِهِ لتلقِّي العلماءِ له بالقَبُولِ، فردَّهُ من حيثُ الإِسنادُ وقَبِلَهُ من حيثُ المعنى
(5)
، وقد حَكمَ بصحَّةِ جُمْلَةِ مِنَ الأحاديثِ لا تبلغُ درجةَ هذا ولا تقارِبُهُ. وصحَّحَهُ أيضًا ابنُ المنذرِ
(6)
وابنُ مَنْدَهْ
(6)
والبغوي
(7)
وقال: "هذا الحديثُ صحيحٌ متفقٌ على صِحَّتِهِ". وقالَ ابنُ الأثيرِ في شرحِ المسندِ
(8)
: "هذا حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ أخرجَهُ الأئمةُ في كُتُبِهِمْ واحتجُّوا بهِ ورجالُهُ ثقاتٌ". وقال ابنُ الملقّنِ في البدرِ المنيرِ
(9)
: "هذا الحديثُ صحيحٌ جليلٌ مَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ الذي حَضَرَنا منها تسعٌ"، ثم ذكرهَا جميعًا وأطالَ الكلامَ عليها وسيأتي تلخيصُها. وقد ذكرَ ابنُ دقيقِ العيدِ في "شَرْحِ الإِمامِ"
(10)
(1)
في "المصنف"(1/ 131).
(2)
في "علل الترمذي الكبير"(ص 41 رقم 33).
(3)
كما في "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر"(3/ 10).
(4)
تقدم الكلام عليه في "مقدمة المؤلف" رحمه الله ص 123 - 124 من كتابنا هذا.
(5)
صحة الأحاديث لا تثبت بتلقي وقبول العلماء لها، وكذلك لا تثبت بعمل العالم وفتياه، بل لا بد من توفر شروط الصحة فيها.
انظر: كتابنا "مدخل إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة"(ص 100) ط 1.
(6)
ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير"(1/ 8).
(7)
في كتابه: "شرح السنة"(2/ 56) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(8)
وهو شرح لـ "مسند الشافعي" واسمه "الشافي شرح مسند الشافعي" مخطوط. ومؤلفه: ابن الأثير، المبارك بن محمد بن محمد الجزري، ت (606 هـ).
انظر: ترجمته في "سير أعلام النبلاء"(21/ 488 - 491 رقم 252) وغيرها.
وانظر: "معجم المصنفات الواردة في "فتح الباري" لأبي عبيدة مشهور حسن (ص 248 رقم 735).
(9)
"البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير" للإمام أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي. المعروف بابن الملقن. (2/ 2).
(10)
• لم أقف على كتاب "شرح الإمام" ولا على أصله "الإمام".
وقد قال السبكي في "طبقات الشافعية"(9/ 212): "كتاب (الإمام) في الحديث، وهو جليل حافِل، لم يُصنَّف مِثلُه" اهـ.
وقال الذهبي في "تذكرة الحفاظ"(4/ 1482): "
…
وعمل كتاب (الإمام) في الأحكام، ولو كمل تصنيفه وتبييضه لجاء في خمسة عشر مجلدًا" اهـ. =
جميعَ وجوهِ التعليلِ التي يُعَلَّلُ بها [هذا]
(1)
الحديثُ".
قال ابنُ الملقنِ في البدرِ
(2)
: "قلتُ: وحاصِلُها كما قالَ فيهِ أنهُ يُعَلَّلُ بأربعةِ أوْجه"، ثم سَرَدَها وطوَّلَ الكلامَ فيها.
وملخصُّها أن (الوجْهَ الأوَّل): الجهالةُ في سعيدِ بن سَلَمَة
(3)
، والمغيرةِ بن أبي بُرْدَة
(4)
المذكورينِ في إسنادِهِ، لأنه لم يَرْوِ عن الأوّلِ إلا صفوانُ بنُ سُلَيْم
(5)
، ولم يَرْوِ عن الثاني إلا سعيدُ بنُ سَلَمَة (3). وأجابَ بأنه قد رَوَاهُ عن سعيدٍ الجُلاحُ
(6)
- بضمِّ الجيمِ وتخفيفِ اللامِ وآخِرَهُ مُهْمَلَةٌ - وهو [أبو]
(7)
كثيرٍ، رواهُ مِنْ طريقِهِ أحمدُ
(8)
والحاكمُ
(9)
والبيهقيُّ
(10)
. وأمَّا المغيرةُ فقد رَوَى عنهُ
= • أما "شرح الإلمام" لم يُكمِل شرْحَه. قاله السبكي في "طبقات الشافعية"(9/ 212) قلت: يوجد من شرح الإلمام جزءان (خط) أفاده المحققان لكتاب "الأحكام الوسطى"(1/ 50).
وأما كتاب "الإلمام" فقد طبع طبعات عدة.
وقد قال عنه السبكي في "طبقات الشافعية"(9/ 246):
"واعلم أن الشيخ تقي الدين توفي ولم يُبَيِّض كتابَه "الإلمام" فلذلك وقعت فيه أماكنُ على وَجْه الوَهم وسَبْقِ الكلام" اهـ.
(1)
زيادة من (ب).
(2)
البدر المنير (1/ 6).
(3)
سعيد بن سلمة المخزومي من آل ابن الأزرق، وثقه النسائي (التقريب)(1/ 267).
(4)
المغيرة بن أبي بُردة، وقلبه بعضهم، وثقة النسائي، وقد ولي إمرة الغزو بالغرب "التقريب"(2/ 268).
(5)
صفوان بن سليم، المدني، أبو عبد الله، الزهري، مولاهم، ثقة مفتِ عابد، رمي بالقدر. "التقريب"(1/ 368).
(6)
الجُلاح أبو كثير، المصري، مولى الأمويين، صدوق. "التقريب"(1/ 136).
(7)
في "المخطوط "ابن كثير" والصواب ما أثبتناه من كتب الرجال. كالتقريب وغيره.
(8)
في المسند (2/ 378).
حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا قتيبة بن سعيد، عن ليث، عن الجَلَّاح أبي كثير عن
المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة. فذكره
…
فالجلاح في هذا السياق متابع لسعيد بن سلمة، لا لصفوان؛ كما ذكر الحافظ ابن حجر في "التلخيص"(1/ 10).
وفد نبه على ذلك المحدث الألباني في "الصحيحة"(1/ 864 - 866).
(9)
في المستدرك (1/ 141).
(10)
في السنن الكبرى (1/ 3).
يحيىَ بنُ سعيدٍ
(1)
، ويزيدْ القُرَشيُّ
(2)
، وحمَّادٌ، كما ذكرهُ الحاكمُ في المستَدركِ
(3)
.
(الوجْهُ الثاني) مِنَ التعليلِ: الاختلافُ في اسمِ سعيدِ بن سلمةَ. وأجابَ بترجيحِ روايةِ مالكٍ أنهُ سعيدُ بنُ سلمةَ مِنْ بني الأزْرَقِ، ثمَّ قالَ: فقدْ زالتْ عنهُ الجهالةُ عَيْنًا وحالًا
(4)
.
(الوجْهُ الثالِثُ): التعليلُ بالإِرسالِ لأنَّ يحيى بنَ سعيدٍ أرسَلَهُ. وأجابَ بأنهُ قد أسْنَدَهُ سعيدُ بنُ سلمةَ وهو وإن كانَ دونَ يحيى بن سعيدٍ، فالرفعُ زيادةٌ مقبولةٌ عنْدَ أهلِ الأصولِ وبعضِ أهلِ الحديثِ.
(الوجْهُ الرابعُ): التعليلُ بالاضْطرَابِ. وأجابَ بترجيحِ روايةِ مالِكٍ كما جزمَ بهِ الدارقُطني
(5)
وغيرُه.
وقد لخصَ الحافظُ ابنُ حجر في التلخيصِ
(6)
ما ذكره ابن الملقن في البدرِ فقالَ ما حاصله: "ومداره على صفوانُ بنُ سليم
(7)
، عن سعيد بن سلمةَ
(8)
عن المغيرةِ بن أبي بُرْدَةَ
(9)
، عن أبي هريرةَ. قال الشَّافِعي
(10)
: في إسنادِ هذا الحديثِ من لا أعرفُهُ.
قالَ البيهقي
(11)
يُحْتَمَلُ أنهُ يريدُ سعيدَ بنَ سلمةَ، أو المغيرةَ أو كِلَيْهِمَا، ولم
(1)
يحيى بن سعيد بن قيس، الأنصاري، المدني، ثقة ثبت. "التقريب" رقم (7559).
(2)
يزيد بن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب، القرشي، المطلبي، المدني، نزيل مصر، ثقة. "التقريب"(2/ 370).
(3)
(1/ 141، 142) وقال: "وقد تابع يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن محمد القرشي سعيد بن سلمة على رواية هذا الحديث.
(4)
انظر: "البدر المنير"(2/ 13 - 14).
(5)
في "علله"(9/ 7 - 13 س 1614).
(6)
أي: "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير"(1/ 8 - 10).
(7)
تقدمت ترجمته ص 146 من كتابنا هذا. رقم التعليقة (5).
(8)
تقدمت ترجمته ص 146 من كتابنا هذا. رقم التعليقة (3).
(9)
تقدمت ترجمته ص 146 من كتابنا هذا رقم التعليقة (4).
(10)
ذكره البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(1/ 224 رقم 470).
(11)
في "السنن الكبرى"(1/ 3).
يتفرَّدْ بهِ سعيدٌ عن المغيرةِ، فقدْ رواهُ عنهُ يحيى بنُ سعيد الأنصاري
(1)
، إلَّا أنهُ اختُلِفَ عليهِ فيهِ، فرُوِيَ عنهُ عن المغيرةِ بن عبدِ الله بن أبي بُردةَ أن ناسًا مِنْ بني مُدْلجٍ أَتَوُا النبي صلى الله عليه وسلم فذكَرَهُ، ورُوِيَ عنهُ عن المغيرةِ عن رجلٍ مِنْ بني مُدْلجٍ، ورُوِي عنهُ عن المغيرةِ عن أبيهِ، وَرُوِيَ عنهُ عن المغيرةِ بن عبدِ الله أو عبدِ الله بن المغيرةِ، ورُوِيَ عنه عنْ عبدِ الله بن المغيرةِ عن أبيهِ عنْ رجُلِ مِنْ بني مُدْلجٍ اسمهُ: عبدُ الله، ورُوِيَ عنه عنْ عبدِ الله بن المغيرةِ عنْ أبي بُرْدَة مرفوعًا، ورُوِيَ عنه عن المغيرةِ عنْ عبدِ الله المدلجيِّ هكذَا قال الدارقطني
(2)
، وقال
(3)
: أشبهُهَا بالصَّوابِ عن المغيرةِ عنْ أبي هريرةَ. وكذا قالَ ابنُ حِبَّانَ، والمغيرةُ معروفٌ كما قال أبو داودَ، وقد وثَّقَهُ النسائيُّ، وقالَ ابنُ عبدِ الحكمِ
(4)
اجتمعَ عليهِ أهلُ أفريقيَّة بعدَ قَتْلِ يزيدَ بن أبي مُسْلِمٍ فأَبَى قالَ الحافِظُ: فَعُلِمَ مِنْ هذا غلطُ مَنْ زَعَمَ أنه مجهولٌ لا يُعْرَفُ.
وأما سعيدُ بنُ سلمةَ فقد تابعَ صفوانَ بنَ سُلَيْم في روايتِه له عنهُ الجُلاحُ [أبو]
(5)
كثير، رواهُ جماعة، منهم اللَّيثُ بنُ سَعْدٍ وعمرو بنُ الحرثِ. ومِنْ طريقِ اللَّيْثِ
(6)
رواه أحمد
(7)
والحاكِمُ
(8)
والبيهقيُّ
(9)
، ورواهُ أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ في مصنَّفِه
(10)
عنْ حمَّادِ بن خالدٍ عنْ مالكٍ بسندِهِ عنْ أبي هريرة.
(1)
تقدمت ترجمته في ص 147 من كتابنا هذا. رقم التعليقة (1).
(2)
في "علله"(9/ 13).
(3)
في "علله"(9/ 13).
(4)
هو عبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم. أبو القاسم كان فقيهًا والأغلب عليه الحديث والأخبار وكان ثقة. مات سنة (257 هـ). "تهذيب التهذيب"(6/ 188 - 189 رقم 426).
(5)
في المخطوط: (بن) والصواب ما أثبتناه كما تقدم ص 146 من كتابنا هذا.
(6)
الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفَهْمي، أبو الحارث، المصري، ثقة ثبت، فقيه، إمام مشهور، مات سنة (175 هـ). "التقريب"(2/ 138).
(7)
في المسند (2/ 378) بسند حسن.
(8)
في المستدرك (1/ 141).
(9)
في "السنن الكبرى"(1/ 3).
(10)
(1/ 131).
وفي البابِ عن جابر عندَ أحمدَ
(1)
وابنِ ماجه
(2)
وابنِ حِبَّان
(3)
والدارقطنيُّ
(4)
والحاكِم
(5)
بنحو حديثِ أبي هريرةَ، وله طريقٌ أخرى عنهُ عندَ الطبرانِيِّ في الكبير
(6)
والدَّارقطنيِّ
(7)
والحاكمِ
(8)
. قالَ الحافِظُ
(9)
: "وإسنادُهُ حَسَن ليسَ فيه إلا ما يُخْشَى مِنَ التدليسِ"
(10)
. انتهى، وذلكَ لأنَّ في إسنادِهِ ابنَ جُرَيج
(11)
وأبا الزبير
(12)
وهما مدلِّسانِ، قالَ ابنُ السَّكَنِ
(13)
: حديثُ جابرٍ أصَحُّ ما رُوِيَ في هذا
(1)
في المسند (3/ 373).
(2)
في السنن (1/ 137 رقم 388).
(3)
في صحيحه (4/ 51 رقم 1244).
(4)
في سننه (1/ 34 رقم 3) كلهم من طريق أبي القاسم ابن أبي الزناد، عن إسحاق بن حازم عن عبد الله بن مقسم، عن جابر به.
(5)
في المستدرك (1/ 143) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر به. وسكت الحاكم عنه.
(6)
أي: "معجم الطبراني الكبير"(2/ 186 رقم 1759).
(7)
في سننه (1/ 34 رقم 1، 2).
(8)
في المستدرك (1/ 143).
(9)
في "التلخيص الحبير"(1/ 11).
(10)
انظر أنواع التدليس في: "مدخل إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة" ص 123 - ص 124، والتبصرة والتذكرة (1/ 179 - 191).
(11)
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، فقيه الحجاز، مشهور بالعلم والثبت، كثير الحديث، وصفه النسائي وغيره بالتدليس.
قال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح.
[انظر: "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصُوفينَ بالتدليس" لابن حجر (ص 95 رقم 83/ 17).
(12)
هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكي أبو الزبير، من التابعين، مشهور بالتدليس.
مات سنة (126 هـ)["التقريب" (2/ 207)].
وقد أورده ابن حجر في "تعريف أهل التقديس"(ص 108 رقم 101/ 35) وجعله من الطبقة الثالثة. فلا يحتج إلَّا بما صرح فيه بالسماع.
وذكر الذهبي في "الميزان"(4/ 37) عن ابن حزم أنه ذهب إلى الاحتجاج بعنعنة أبي الزبير عن جابر، فيما روى عنه الليث بن سعد خاصة، لأن أبا الزبير أعلم له على الأحاديث التي سمعها من جابر.
(13)
هو سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن أبو علي، من حفاظ الحديث. (294 هـ - 353 هـ).
البابِ
(1)
، وعنِ ابن عباسٍ عندَ الدارقطنيِّ
(2)
والحاكمِ
(3)
بلفظِ: "ماءُ البحرِ طَهُورٌ" قالَ في التلخيصِ
(4)
: "ورُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، ولكنْ صحَّحَ الدارقطنى وقْفَهُ". وعن ابن الفِرَاسيِّ عندَ ابن ماجهْ
(5)
بنحوِ حديثِ أبي هريرةَ، وقد أعلَّه البخاري
(6)
بالإرسالِ لأنَّ ابنَ الفِراسيِّ لم يدركِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم. وعنْ عمرو بن شعيبٍ عن أبيهِ عنْ جدِّه عندَ الدارقطنى
(7)
والحاكمِ
(8)
بنحو حديثِ أبي هريرةَ، وفي إسنادِهِ المثنَّى
(9)
الراوي لهُ عنْ عمرو وهو ضعيفٌ. قال الحافِظُ
(10)
: "وَوَقَعَ في رِوَايةِ الحاكم الأوزاعي بدلَ المثنَّى وهو غيرُ محفوظ، وعن عليّ بن أبي طالب عندَ الدارقُطنيِّ
(11)
والحاكم
(12)
بإسنادٍ فيه مَنْ لا يُعْرف
(13)
، وعن ابن عمرَ عندَ الدارقطنيِّ
(14)
بنحوِ حديثِ أبي
(1)
أي أن هذا الحديث أرجح من كل ما ورد في هذا الباب، سواء كان كل ما ورد فيه صحيحًا أو ضعيفًا. انظر:"مقدمة تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي" للمباركفوري (1/ 401).
(2)
في "سننه"(1/ 35 رقم 10). ورجح وقفه.
(3)
في "المستدرك"(1/ 140) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم وله شواهد كثيرة، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قلت: سريج بن النعمان، لم يخرج له مسلم، وحماد بن سلمة إنما احتج به مسلم عن ثابت. وهذا ليس منه (الميزان 1/ 595).
(4)
(1/ 11). قلت: وهو حديث صحيح لغيره.
(5)
في السنن رقم (387).
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 161): "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أن مسلمًا لم يسمع من الفِراسي، إنما سمع من ابن الفِراسي، وابن الفِراسي لا صحبة له، وإنما روى هذا الحديث عن أبيه فالظاهر أنه سقط من هذا الطريق" اهـ.
(6)
ذكر ذلك الترمذي في "علله الكبرى"(ص 41 رقم 34). قلت: وهو حديث صحيح لغيره.
(7)
في "سننه"(1/ 35 رقم 7).
(8)
في المستدرك (1/ 143).
(9)
هو المثنى بن الصبَّاح، اليماني، الأَبْنَاوي، أبو عبد الله أو أبو يحيى، نزيل مكة، ضعيف، اختلط بأخَرَة، وكان عابدًا. مات سنة (149 هـ).
["التقريب" (2/ 228)].
(10)
في "التلخيص الحبير"(1/ 12). قلت: ويشهد لحديث عبد الله بن عمرو ما تقدم.
(11)
في "سننه"(1/ 35 رقم 6).
(12)
في المستدرك (1/ 142 - 143).
(13)
قاله ابن حجر في "التلخيص الحبير"(1/ 12). قلت: وانظر لحديث علي ما تقدم من شواهد.
(14)
في "سننه"(4/ 267 رقم 2).
في سنده: إبراهيم بن يزيد الخوزي: متروك الحديث. قاله الحافظ في "التقريب"(1/ 46).
هريرةَ، وعنْ أبي بكر الصديقِ عندَ الدارقطنيِّ
(1)
وفي إسنادِهِ عبدُ العزيز بنُ أبي ثابتٍ
(2)
، وهو كما قالَ الحافِظُ
(3)
: "ضعيفٌ"، وصحَّحَ الدارقطني
(4)
وقْفَهُ، وابنُ حبَّانَ في الضعفاءِ
(5)
، وعن أنسٍ عندَ الدارقطنيِّ
(6)
، وفي إسنادِهِ أبانُ بنُ أبي ثوبان
(7)
، قال: وهو متروكٌ.
[معاني مفردات الحديث]:
قوله: (سألَ رجلٌ) وقع في بعضِ الطُّرقِ التي تقدَّمَتْ أن اسْمَهُ عبدُ اللهِ، وكذا ساقَهْ ابنُ بَشْكُوَالَ
(8)
بإسنادِهِ، وأوْرَدَهُ الطبرانيُّ فيمن اسمهُ عبدُ، وتَبِعَهُ أبو موسَى الحافِظُ الأصْبَهَانيُّ في كتابِ "معرفةِ الصحابةِ"
(9)
فقالَ: "عبدُ أبو زمْعَةَ البَلَوِيُّ
(10)
الذي سألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ماءِ البحرِ، قالَ ابنُ مُنَيْعٍ: بلغني أن اسمُهُ
(1)
في "سننه"(1/ 34 رقم 4).
(2)
عبد العزيز بن أبي ثابت: قال البخاري في الصغير ص 151: منكر الحديث، لا يُكتب حديثه. وقال النسائي (ص 168 رقم 414): متروك الحديث.
(3)
في "التلخيص الحبير"(1/ 12).
(4)
أخرجه الدارقطني في "سننه"(1/ 35 رقم 5) من طريق عبيد الله بن عمر عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل، عن أبي بكر الصديق موقوفًا. قال الذهبي: وهذا سند صحيح "المهذب في اختصار السنن الكبير"(1/ 26).
وقال الدارقطني في "علله"(1/ 240 س 41) عن هذا الحديث: "والموقوف أصح" اهـ.
(5)
أي في "المجروحين"(2/ 139).
(6)
في "سننه"(1/ 35 رقم 8).
(7)
أبان بن أبي عياش، فيروز البصري، أبو إسماعيل العبدي. متروك. مات في حدود (140 هـ). ["التقريب" (1/ 31)].
(8)
هو خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال الخزرجي الأنصاري الأندلسي، أبو القاسم، من أهل قرطبة، مؤرّخ، بحاثة، له نحو خمسين مؤلف.
ولد عام (494 هـ) وتوفي عام (578 هـ)[الديباج المذهب لابن فرحون (1/ 353 - 354)].
(9)
لم أقف عليه. وقد ذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة"(1/ 154) و "الفتح"(1/ 323).
(10)
سماه العسكري عُبيدًا - بالتصغير - ابن أرقم، وعند أبي موسى بغير تصغير ولا اسْم أب.
ذكره البَغَوِيُّ، وابنُ السَّكَنِ، وغيرهما في الصحابة، فيمن بايع تحت الشجرة، ولا أعلم له خبرًا إلَّا أنه تُوفي بإفريقية في غزوة معاوية بن خُدَيج الأولى، فأمرهم أن يسوّوا قبْرَه، فدفنوه بالموضع المعروف بـ "البلوية" اليوم بـ "القَيْروان" قيل: اسمه عبيد الله. والله أعلم.
انظر: "الإصابة"(7/ 129 رقم 9940) و "الاستيعَاب"(4/ 226 رقم 2998).
عبدُ، وقيلَ: اسمُهُ عُبَيْدُ بالتصغيرِ، وقال السَّمْعَاني في "الأنْساب"
(1)
: اسمُهُ العَرَكيِّ
(2)
، وغَلطَ في ذَلك، وإنَّما العَرَكيّ وصف له وهو ملَّاح السفينةَ.
قوله: (هو الطَّهُورُ) قد تقدَّم في أوَّلِ الكتابِ ضبطُهُ وتفسيرهُ، وهو عندَ الشافعيةِ
(3)
المطَهِّرُ، وبهِ قال أحمدُ
(4)
.
وحَكَى بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ عن مالكٍ، وبعضِ أصحابِ أبي حنيفةَ
(5)
أن الطهُورَ هو الطاهِرُ، واحتجَّ الأوّلونَ بأنَّ هذِهِ اللفظَةَ جاءتْ في لسانِ الشَّرْعِ للمطهرِ، كقوله تعالى:{مَاءً طَهُورًا}
(6)
وأيضًا السائلُ إنَّما سألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن التطهُّر بماءِ البحرِ لا عنْ طَهَارَتِهِ، ويدلُ على ذلكَ أيضًا قولُه صلى الله عليه وسلم في بئرِ بُضاعَةَ:"إن الماءَ طَهُورٌ"
(7)
لأنهم إنَّما سألوهُ عن الوضوء بهِ.
قال في "الإِمامُ شرحُ الإِلمام": فإنْ قيلَ: لِمَ لَمْ يُجِبْهُم بِنَعَمِ حينَ قالُوا: (أفنتوضأ بهِ)؟ قلْنَا: لأنهُ يصيرُ مقيَّدًا بحالِ الضرورةِ وليسَ كذلكَ. وأيضًا فإنهُ يُفْهَمُ مِنَ الاقتصارِ على الجوابِ بِنَعَم أنهُ إنَّما يُتوضَّأُ بهِ فقطْ، ولا يُتَطَهَّرُ بهِ لبقيةِ الأحداثِ والأنجاس.
فإنْ قيل: كيفَ شكُّوا في جوازِ الوضوءِ بماء البحرِ؟ قُلْنَا: يُحتملُ أنَّهم لما سمِعُوا قولَه صلى الله عليه وسلم: "لا تركبِ البحرَ إلَّا حاجّا أو معتمِرًا أو غازِيًا في سبيل اللهِ فإنَّ تحت البحرِ نارًا وتحتَ النَّارِ بحرًا" أخرجَهُ أبو داود
(8)
، وسعيدُ بنُ منصور في سننهِ
(9)
، عن ابن عمرَ مرفوعًا، ظنُّوا أنه لا يُجْزئُ التَّطَهُّرُ بهِ. وقد رُوي موقوفًا
(1)
(4/ 182).
(2)
العركي: صياد السمك، وجمعه عَرَك، كعربي وعرب، وهم العُرُوك. انظر:"لسان العرب"(9/ 170). والنهاية (3/ 222).
(3)
"المجموع شرح المهذب" للنووي (1/ 129 - 130).
(4)
المغني لابن قدامة (1/ 13).
(5)
شرح فتح القدير (1/ 74).
(6)
سورة الفرقان: الآية 48.
(7)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (13/ 13).
(8)
في "السنن" رقم (2489).
(9)
(2/ 152 رقم 2393).
قلت: وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(4/ 334).
قال المنذري في "المختصر"(3/ 359): "في هذا الحديث اضطراب، روي عن بشير =
على ابن عمرَ
(1)
بلفظِ: "ماءُ البحرِ لا يجزئُ مِنْ وضوءِ ولا جَنَابةٍ، إن تحتَ البحرِ نارًا ثم ماء ثم نارًا حتى عدَّ سبعةَ أَبْحُرٍ وسَبْعَ أنيارٍ"، ورُوِيَ أيضًا عن ابن عمرِو بن العاصِ
(2)
أنه لا يُجزِئُ التطهُّر به، ولا حجةَ في أقوالِ الصحابةِ
(3)
لا سيما إذا عارضَتِ المرفوعَ والإجماعَ. وحديثُ ابن عمرَ المرفوعُ قال أبو داودَ: رُوَاتُه مجهولُونَ
(4)
. وقال الخطابيُّ
(5)
: ضعَّفُوا إسنادَهُ. وقال البخاريُّ
(6)
: ليس هذا الحديث بصحيحٍ. وله طريقٌ أخْرى عندَ البزارِ
(7)
، وفيها ليثُ بنُ أبي سُلَيمٍ وهو
= هكذا، وروي عنه: أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو، وروي عنه عن رجل عن عبد الله بن عمرو، وقيل غير ذلك" اهـ.
وذكره البخاري في "تاريخه الكبير"(2/ 104 - 105): وأورد له هذا الحديث، وذكر اضطرابه. وقال: لم يصح حديثه. وقال الخطابي: وقد ضعفوا إسناد هذا الحديث" اهـ.
وقال النووي في "المجموع"(1/ 137): "حديث ضعيف باتفاق المحدثين، وممن بيَّن ضعفه أبو عمر بن عبد البر ولو ثبت لم يكن فيه دليل ولا معارضة بينه وبين حديث "هو الطهور ماؤه" اهـ.
وقال المحدث الألباني في "الضعيفة"(رقم: 478): "حديث مُنكر".
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف (1/ 131) عن عقبة بن صهبان قال: سمعت ابن عمر يقول: "التيمم أحب إليَّ من الوضوء من ماء البحر".
قلت: أما اللفظ المذكور هنا فهو من كلام عبد الله بن عمرو الآتي.
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 131) عن أبي أيوب. عن عبد الله بن عمرو قال: "ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة، وإن تحت البحر نارًا ثم ماء ثم نار".
وأخرجه البيهقيُّ في "السنن الكبرى"(4/ 334).
قلت: أما اللفظ المذكور هنا فهو من كلام ابن عمر المتقدم.
ولعل هذا التبديل حدث سهوًا والله أعلم.
(3)
رد أقوال الصحابة ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل. انظر: "الوجيز في أصول الفقه" للدكتور عبد الكريم زيدان ص 260 - 262، ونزهة الخاطر العاطر، للدومي (1/ 402 - 406).
(4)
في سنده: بشر أبو عبد الله الكندي، قال الذهبي في "الميزان" (1/ 327):"لا يكاد يعرف. وقال الحافظ في "التقريب" رقم (709) "مجهول".
وبشير بن مسلم الكندي، أبو عبد الله الكوفي "مجهول" قاله الحافظ في "التقريب رقم (721).
(5)
في "معالم السنن"(3/ 13 - حاشية السنن) ط: دار الحديث - بيروت.
(6)
في "التاريخ الكبير"(2/ 104 - 105).
وقد تقدم الكلام على هذا الحديث قريبًا وهو منكر.
(7)
في المسند (2/ 265 رقم 1668 - كشف الأستار). =
ضعيفٌ
(1)
. قال في البدرِ المنيرِ
(2)
: "في الحديثِ جوازُ الطهارةِ بماءِ البحر وبه قال جميعُ العلماءِ
(3)
، إلا ابنَ عبدِ البر
(4)
وابنَ عمر
(5)
وسعيدَ بنَ المسيبِ
(6)
. ورُوِيَ مثلُ ذلكَ عن أبي هريرةَ
(7)
وروايتُه تَردُّهُ، وكذا روايةُ عبد الله بن عمرَ".
وتعريفُ الطهورِ باللام الجنسيةِ المفيدةِ للحصرِ لا يَنْفي طَهُورِيةَ غيرهِ منَ المياهِ لوقوعِ ذلكَ جوابًا لسؤالِ من شكَّ في طهوريةِ ماء البحر من غيرِ قصدٍ
= وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 282) وقال: "رواه البزار وفيه: ليث بن أبي سليم وهو مدلس وبقية رجاله ثقات".
وأخرجه ابن حبان في "المجروحين (2/ 234) في ترجمة ليث هذا، الذي تركه يحيى القطان، وابن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب"(2/ 138): "صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك" وخلاصة القول أن الحديث ضعيف والله أعلم.
(1)
انظر: "الجرح والتعديل"(7/ 177 - 179) والمجروحين (2/ 234).
(2)
(2/ 44).
(3)
قال ابن رشد في "بداية المجتهد"(1/ 71) بتحقيقنا: "وأجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافًا في الصدر الأول شاذًا، وهم محجوجون بتناول اسم الماء المطلق له، وبالأثر الذي خرَّجه مالك - أي حديث أبي هريرة الصحيح المتقدم - " اهـ.
وقال الزرقاني في "شرح الموطأ (1/ 53): "التطهير بماء البحر حلال صحيح كما عليه جمهور السلف والخلف، وما نقل عن بعضهم من عدم الإجزاء به مزيف أو مؤول بأنه أراد بعدم الإجزاء على وجه الكمال عنده" اهـ.
(4)
قال ابن عبد البر كما في "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر"(1/ 11): "وقد أجمع جمهور العلماء، وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار من الفقهاء أن البحر طهور ماؤه، وأن الوضوء جائز به، إلا ما روي عن: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه روي عنهما أنهما كرها الوضوء من ماء البحر، ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك، ولا عرج عليه ولا التفت إليه، لحديث هذا الباب عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أي حديث أبي هريرة الصحيح - وهذا يدلك على استشهار الحديث عندهم، وعملهم به وقبولهم له؛ وهذا أولى - عندهم من الإسناد الظاهر الصحة بمعنى ترده الأصول - وبالله الوفيق" اهـ.
(5)
أثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 131).
(6)
أثر ابن المسيب أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 131) بلفظ: (إذا ألجئت إليه - أي إلى الوضوء بماء البحر - فلا بأس به".
(7)
أثر أبي هريرة أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 131) بسند واه.
للحصر، وعلى تسليمِ أنهُ لا يخصص بالسببِ ولا يقصُرُ الخطابُ العامُّ عليهِ، فمفهومُ الحصرِ المفيدُ لنفي الطهوريةِ عن غيرِ مائه عمومٌ مخصصٌ بالمنطوقاتِ الصحيحةِ الصريحة القاضية باتصاف غيرهِ بها.
قوله: (الحلُّ ميتتهُ) فيه دليلٌ على حِلِّ جميعِ حيواناتِ البحرِ حتى كلبِهِ وخنزيرِهِ وثعبانِهِ وهو المصححُ عندَ الشافعيةِ، وفيه خلافٌ سيأتي في موضعه.
[بعض فوائد الحديث]:
ومن فوائدِ الحديثِ مشروعيةُ الزيادةِ في الجوابِ على سؤالِ السائلِ لقصد الفائدةِ وعدمِ لزوم الاقتصار، وقد عقد البخاري
(1)
لذلك بابًا فقال: (باب مَنْ أجابَ السائلَ بأكثرَ مِمَّا سَأَله)، وذكر حديث ابن عمر
(2)
: "أن رَجُلًا سَأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما يَلْبَسُ المحرِمُ؟ فقالَ: لا يلبسُ القميصَ ولا العِمامَةَ ولا السراوِيلَ ولا البُرْنُسَ ولا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أو الزَّعْفَرانُ، فإنْ لم يجِدِ النَّعْلَينِ فلْيَلْبَس الخُفَّينِ ولْيَقْطَعْهُما حتى يَكونا تحتَ الكَعْبَين" فكأنه سألَهُ عَنْ حالةِ الاختيارِ فأجابه عنها وزادَ حالةَ الاضطرارِ، وليست أجنبية عن السؤالِ؛ لأنَّ حالةَ السفرِ تقتضي ذلكَ.
قال الخطابي
(3)
: "وفي حديثِ البابِ دليلٌ على أن المفتي إذا سُئلَ عن شيءٍ وعَلم أنَّ بالسائلِ حاجة إلى ذكرِ ما يتصلُ بمسألته استُحِبَّ تعليمُه إياهُ، ولم يكن ذلكَ تكلفًا لما لا يَعْنِيْهِ؛ لأنهُ ذكرَ الطعامَ وهم سألوهُ عن الماءِ لعْلمِه أنهم قد يُعْوزهُم الزادُ في البحرِ" انتهى.
وأما ما وقعَ في كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصُوليين أن الجوابَ يجبُ أن يكونَ مطابقًا للسؤالِ، فليسَ المرادُ بالمطابقةِ عدمَ الزيادةِ، بلِ المرادُ أن الجوابَ يكونُ مفيدًا للحُكْم المسؤولِ عنهُ.
وللحديثِ فوائدُ غيرُ ما تقدم، قالَ ابنُ الملقن
(4)
: "إنهُ حديثٌ عظيمٌ، أصلٌ
(1)
في صحيحه (1/ 231 رقم الباب 53).
(2)
حديث ابن عمر أخرجه البخاري (1/ 231 رقم 134) ومسلم (2/ 834 رقم 1/ 1177) وأبو داود (2/ 411 رقم 1824) والترمذي (3/ 194 رقم 833) والنسائي (5/ 131 - 132) وابن ماجه (2/ 977 رقم 2929) ومالك (1/ 324 - 325 رقم 8).
(3)
في "معالم السنن"(1/ 64 - هامش السنن) ط: دار الحديث - بيروت.
(4)
في "البدر المنير"(2/ 40).
من أصولِ الطهارةِ مشتملٌ على أحكامٍ كثيرةٍ وقواعدَ مُهِمَّةٍ. قال الماورديُّ في الحاوي
(1)
: "قال الحميدِيُّ: قال الشافعيُّ: هذا الحديثُ نصفُ علم الطهارةِ". انتهى.
[طهورية ما نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم
-:]
2/ 2 - (وعَنْ أنسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَحانَتْ صَلاةُ العَصْرِ فَالتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلمْ يَجِدُوا فَأُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في ذلِكَ الإِناء يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، فرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُع مِنْ تَحْتِ أصابِعِهِ حَتَّى توَضَّئُوا مِنْ عندِ آخِرِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(2)
. [صحيح]
ومُتَّفَقٌ على مثْل مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله
(3)
. [صحيح]
لفظ حديث جابر: "وضعَ يده صلى الله عليه وسلم في الرِّكوة فجعل الماءَ يثورُ بينَ أصابعِهِ، كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، قلتُ: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائةَ ألفٍ لَكفانا. قال: كنّا خمسَ عشرةَ مائةٍ".
قوله: (وحانَتْ) الواو للحال بتقدير قد.
قوله: (الوَضوء) بفتح الواو أي الماء الذي يتوضأ به.
(1)
الحاوي الكبير للإمام أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي. (1/ 33).
ونقله النووي في "المجموع"(1/ 129): "عن الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي قال: قال الشافعي: هذا الحديث نصف علم الطهارة" اهـ.
(2)
المتفق عليه في اصطلاح ابن تيمية الجد صاحب المنتقى: (أحمد والبخاري ومسلم) فتنبه. أخرجه أحمد في المسند (3/ 132).
والبخاري في صحيحه (1/ 271 رقم 169).
أطرافه في: رقم (195) و (200) و (3572) و (3573) و (3574) و (3575) ومسلم في صحيحه (4/ 1783 رقم 5/ 2279).
قلت: وأخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 32 رقم 32) والنسائي (1/ 6 رقم 76) والترمذي (5/ 596 رقم 3631) وقال: حديث حسن صحيح. وهو حديث صحيح.
(3)
أخرجه أحمد في المسند (1/ 4731 - 474 رقم 14459) بسند صحيح.
والبخاري في صحيحه (6/ 581 رقم 3576).
وأطرافه في: رقم (4152) و (4153) و (4154) و (4840) و (5639) ومسلم في صحيحه (3/ 1484 رقم 71، 72، 73، 74/ 1856).
وهو حديث صحيح.
قوله: (فَأُتِيَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول، وقد بيَّن البخاري في رواية
(1)
أن ذلك كان بالزَوْراءِ وهي سوق بالمدينة.
وقوله: (بوَضُوءٍ) بفتح الواو وأيضًا أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به. ووقع في رواية للبخاري
(2)
: فجاء [رجل]
(3)
بقدح فيه ماء يسير فصَغُر أن يبسُطَ فيه صلى الله عليه وسلم كفَّهُ فضمَّ أصابعَهُ.
قوله: (يَنْبُع) بفتح أوّله وضم الموحدة ويجوز كسرها وفتحها، قاله في الفتح
(4)
.
قوله: (حتَّى توضَّؤوا مِنْ عندِ آخرِهمْ)، قال الكرماني
(5)
: " (حتى) للتدريجِ، و (من) للبيان. أي توضَّأَ الناسُ حتى توضأ الذين عند آخرِهم، وهو كنايةٌ عن جميعهم، و (عندَ) بمعنى في، لأنَّ عندَ وإن كانتْ للظرفيةِ الخاصةِ لكنَّ المبالغةَ تقتضي أن تكونَ لمطلقِ الظرفيةِ، فكأنه قال: الذينَ هم في آخرهِم. وقال التيميُّ: المعنى توضأ القوم حتى وصلت النوبةُ إلى الآخر. وقال النوويُّ: (من) هنا بمعنى إلى، وهي لغةٌ، وتعقبَهُ الكرمانيُّ بأنها شاذةٌ، ثم إن إلى لا يجوز أن تدخلَ على عندَ، ولا يلزمُ مثلُه في (من) إذا وقعتْ بمعنى إلى".
قال في الفتح
(6)
: "وعلى توجيهِ النوويِّ: يمكنُ أن يُقَالَ: (عندَ) زائدةٌ. والحديثُ يدلُّ على مشروعية المواساةِ بالماء عندَ الضرورة لمن كان في مائه فضلٌ عن وضوئِه، وعلى أن اغترافَ المتوضئ من الماءِ القليل لا يصيِّر الماءُ مستعملًا، واستدلَّ بهِ الشافعيُّ على أن الأمرَ بغسلِ اليدِ قبل إدخالها الإِناءَ ندبٌ لا حتمٌ - وسيأتي تحقيقُ ذلكَ - قالَ ابن بَطَّالٍ
(7)
: هذا الحديثُ شهدَهُ جمعٌ من الصحابةِ،
(1)
في صحيحه (6/ 580 رقم 3572).
(2)
في صحيحه (1/ 301 رقم 195) و (6/ 581 رقم 3575).
(3)
زيادة من (ب).
(4)
في "فتح الباري"(1/ 271).
(5)
هو محمد بن يوسف بن علي بن سعيد الكرماني. وهو شارح صحيح البخاري، واسم شرحه "تحقيق الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري"(717 هـ - 786 هـ).
[معجم المؤلفين (3/ 784). و "البدر الطالع" (2/ 292)].
• وكلام الكرماني هذا ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح"(1/ 271).
(6)
أي: في "فتح الباري"(1/ 271 - 272).
(7)
هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن. عالم بالحديث، من أهل قرطبة. له شرح البخاري (خ). توفي سنة (449 هـ).
["الأعلام" للزركلي (4/ 285)، وشذرات الذهب (3/ 283)].
إلا أنه لم يُرْوَ إلا مِنْ طريقِ أنسٍ، وذلكَ لطولِ عمرِهِ، ولطلبِ الناسِ عُلوَّ السندِ، وناقضَهُ القاضي عياضٌ
(1)
فقال: هذه القصةُ رواها العددُ الكثيرُ من الثقاتِ عن الجمِّ الغفيرِ عن الكافَّةِ متصِلًا عن جملةِ من الصحابةِ، بل لم يُؤْثَرْ عن أحدٍ منهم إنكارُ ذلكَ فهو ملتحق بالقطعي". قال الحافظ
(2)
: "فانظر كم بينَ الكلامينِ من التفاوتِ" انتهى.
ومن فوائدِ الحديثِ أن الماءَ الشريفَ يجوزُ رفعُ الحدَثِ بهِ. ولهذا قالَ المصنف
(3)
رحمه الله: وفيه تنبيه أنه لا بأسَ برفع الحدَثِ من ماء زمزم لأن قصاراه أنه ماء شريف متبرك به، والماءُ الذي وضعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه بهذه المثابة. وقد جاء عن عليّ كرم الله وجهه في حديث له قال فيه:"ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ". رواه أحمد
(4)
انتهى.
وهذا الحديثُ هو في أولِ مُسندِ عليٍّ من مسندِ أحمدَ بن حنبل (4)، ولفظه: حدثنا عبد الله يعني ابنَ أحمدَ بن حنبل، حدثني أحمدُ بن عَبْدَةَ البصريُّ، حدثنا المغيرةُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ، عن أبيهِ، عن زيدِ بن علي بن حُسين بن علي، عن أبيه علي بن حُسينِ، عن عُبيد الله بن أبي رافع مولَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه "أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم وقفَ بعرفةَ - فذكرَ حديثًا طويلًا - وفيه -: ثم أفاضَ فدَعا بِسَجْلٍ من ماءِ زمزمَ فشرِبَ منهُ وتوضأ ثم قال: "انزِعُوا فلولا أن تُغْلَبوا عليها لنزَعتُ" الحديث. وهذا إسنادٌ مستقيمٌ لأن عبدَ اللهِ بنَ أحمدَ ثقةٌ إمام، وأحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضبيّ البصريُّ وثَّقَهُ أبُو حَاتِمٍ والنسَائيُّ
(5)
، والمغيرةُ بنُ
(1)
هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل. عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم. ولي قضاء سبتة، ومولده فيها عام (476 هـ) ثم ولي قضاء غرناطة، وتوفي بمراكش مسمومًا عام (544 هـ)، وله مؤلفات عدة.
["الأعلام" للزركلي. (5/ 99)]. انظر: "إكمال المعلم بفوائد مسلم" له (7/ 242).
(2)
في "فتح الباري"(2/ 272).
(3)
ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 6). واعلم أن الشوكاني أدخل كلامه ضمن شرحه مع عزوه له. كما أوضح ذلك في المقدمة ص 106 من كتابنا هذا.
(4)
أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند (1/ 76) بسند حسن.
(5)
ذكر ذلك الذهبي في الميزان (1/ 259 رقم 462/ 2234) وزاد قائلًا: "وقال ابنُ =
عبدِ الرحمن، قالَ في التقريبِ
(1)
: "ثقةٌ جَوَادٌ مِنَ الخامسة"، وأبوهُ عبدُ الرحمنِ، قالَ في التقريب
(2)
: "من كبارِ ثقاتِ التابعينَ"، وعُبيدُ اللهِ بنُ أبي رافع كانَ كاتِبَ عليّ وهو ثقةٌ مِنَ الثالثةِ كما في التقريب
(3)
، وقالَ ابنُ معينن: لا بأسَ بهِ، وقالَ أبو حاتمٍ: لا يُحتجُّ بحديثِهِ. وأما الإِمامانِ زيدُ بنُ عليٍّ ووالدُه زينُ العابدينِ فهُمَا أشهرُ من نارٍ على علمٍ، وقد أخرجَ هذا الحديثَ أهلُ السننِ
(4)
وصحَّحَهُ الترمذيُّ وغيرهُ.
وشُرْبُه صلى الله عليه وسلم من زمزم عند الإفاضةِ ثابتٌ في صحيحِ مسلمٍ
(5)
وسننِ أبي داود
(6)
، والنسائيِّ
(7)
من حديثِ جابرٍ الطويل بلفظِ: "فأتى - يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم بني عبدِ المطلب وهم يسقُونَ على زمزم فقال: انزعُوا بني عبدِ المطلبِ فلولا أن يغلِبَكُم الناسُ على سقايتِكُم لنزعتُ معكم فناولُوه دلوًا فشرِبَ منه"، وهو في المتفق عليه
(8)
من حديث ابن عباس بلفظ: "سَقَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم من زمزمَ فَشَرِبَ وهو قائِمٌ" وفي رواية
(9)
: "استَسْقى عِنْدَ البَيْتِ فَأتَيْتُه بِدَلْوٍ". والسَّجْلُ
(10)
بسين مهملةٍ مفتوحةٍ فجيم ساكنة: الدَّلْوُ المملوء، فإن تعطل فليس بسجل. ويأتي تمام الكلام عليه في باب تطهير الأرض.
= خِراشٍ: تكلم الناسُ فيه، فلم يصدق ابن خِراش في قوله هذا، فالرجل حجة" اهـ.
(1)
المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، أبو هاشم أو هشام المدني، أخو أبي بكر: ثقة جَوَادٌ من الخامسة مات سنة بضع ومئة" "التقريب" رقم (6844).
(2)
رقم (3832).
(3)
رقم (4288).
(4)
أخرجه الترمذي رقم (885) وقال: حديث حسن صحيح. وأبو داود رقم (1935) مختصرًا. وابن ماجه رقم (3010) مختصرًا وهو حديث حسن لغيره.
(5)
في صحيحه (2/ 886 - 892 رقم 147/ 1218).
(6)
في السنن (رقم 1905).
(7)
في السنن كما في "تحفة الأشراف"(2/ 271 - 272 رقم 2593).
قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (3074) وغيرهم بطرق عن جابر وقد جمعها مفصلة المحدث: محمد ناصر الدين الألباني في جزء مفردٍ وسمه بـ "حجة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم " فقد أجاد وأفاد.
(8)
البخاري (10/ 81 رقم 5617) ومسلم (3/ 1601 رقم 2027).
قلت: وأخرجه الترمذي (4/ 301 رقم 1882) والنسائي (5/ 237).
(9)
لمسلم (3/ 1602 رقم 120/ 2027).
(10)
انظر: "مختار الصحاح" ص 121.
ولحديث الباب فوائد كثيرة خارجة عن مقصود ما نحن بصدده. فلنقتصر على هذا المقدار.
[الباب الثاني] باب طهارة الماء المتوضأ به
3/ 3 - (عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قالَ: جاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعُودُني وَأَنَا مَرِيضٌ لا أَعْقِلُ فَتَوَضَّأ وَصَبَّ وَضُوءَهُ عَليَّ. مُتفَق عَلَيهِ)
(1)
. [صحيح]
4/ 4 - (وَفي حَدِيث صُلحِ الحُدَيْبِيَةِ، مِنْ رِوَايَةِ المِسْوَرِ بْنِ مخرَمَةَ، وَمَرْوَان بْنِ الحكم: ما تنَخَّمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نُخامةً إلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ، فَدلَكَ بها وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذا تَوَضأ كادوا يَقْتَتِلونَ عليَّ وَضُوئِهِ. وَهْوَ بِكمالِه لأحمَدَ
(2)
وَالبُخاريِّ
(3)
. [صحيح]
قوله: (يعودُني) زاد البخاري
(4)
في الطب (ماشيًا). قوله: (لا أعقِلُ) أي لا أفهم، وحذف مفعوله إشارة إلى عظم الحال أو لغرض التعميم، أي لا أعقل شيئًا من الأمور، وصرح البخاري
(5)
بقوله شيئًا في التفسير من صحيحه. وله
(6)
في الطب: "فوجدني قد أُغْمي عليَّ". قوله: (وَضُوءَهُ) يحتمل أن يكون المراد صب عليّ بعض الماء الذي توضأ به، ويدل على ذلك ما في رواية للبخاري
(7)
بلفظ: "مِنْ
(1)
أخرجه أحمد في المسند (3/ 307). والبخاري (1/ 301 رقم 194) وأطرافه رقم (4577، 5651، 5664، 5676، 6723، 6743، 7309).
ومسلم (3/ 1234 - 1236 رقم 5، 6، 7، 8/ 1616).
قلت: وأخرجه الترمذي (4/ 417 رقم 2097) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (1/ 87 رقم 138). وهو حديث صحيح.
(2)
في المسند (4/ 329).
(3)
في صحيحه (5/ 329 - 333 رقم 2731، 2732) بتمامه. وهو حديث صحيح.
(4)
في صحيحه (10/ 114 رقم 5651).
(5)
في صحيحه (8/ 243 رقم 4577).
(6)
في صحيحه (10/ 114 رقم 5651).
(7)
في صحيحه (1/ 301 رقم 194).
وَضوئِه" ويحتمل أنه صب عليه ما بقي منه، والأول ظهر لقوله في حديث الباب: "فَتَوضّأ وصبَّ وَضُوءَهُ عَليَّ"، ولأبي داود
(1)
: "فَتوضَّأ وصبَّهُ عليَّ" فإنه ظاهر في أن المصبوب هو الماء الذي وقع به الوضوء. قوله: (ما تنَخَّمَ) التنخم دفع الشيء من الصدر أو الأنف.
[اختلاف العلماء في طهورية الماء المستعمل]:
وقد استدل الجمهور بصبه صلى الله عليه وسلم لوضوئه على جابر وتقريره للصحابة على التبرك بوضوئه، [و]
(2)
على طهارة الماء المستعمل للوضوء، وذهب بعض الحنفية
(3)
وأبو العباس إلى أنه نجس، واستدلوا على ذلك بأدلة:
(منها) حديث أبي هريرة بلفظ: "لا يَغْتَسلنَّ أحَدُكُم في الماء الدَّائمِ وهُوَ جُنُبٌ". وفي رواية: "لا يَبُولنَّ أحدُكُم في الماءِ الدَّائمِ ثم يُغْتَسِل فيهِ" وسيأتي
(4)
.
قالوا: والبول ينجس الماء فكذا الاغتسال، لأنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عنهما جميعًا.
(ومنها) الإِجماع على إضاعته وعدم الانتفاع به.
(ومنها) أنه مائع أزيل به مانع من الصلاة فانتقل المنع إليه كغُسالة النجس المتغيرة.
ويجاب عن (الأوّل) بأنه أخذ بدلالة الاقتران وهي ضعيفة، وبقول أبي هريرة يتناوله تناولًا كما سيأتي، فإنه يدل على أن النهي إنما هو عن الانغماس لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق.
وعن (الثاني) بأن الإِضاعة لإِغناء غيره عنه لا لنجاسته.
وعن (الثالث) بالفرق بين مانع هو النجاسة ومانع هو غيرها، وبالمنع من أن كل مانع يصير له بعد انتقاله الحكم الذي كان له قبل الانتقال، وأيضًا هو تمسك بالقياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار. ويلزمهم أيضًا تحريم شربه وهم لا يقولون به.
(1)
في السنن رقم (3096) دون ذكر الوضوء.
(2)
زيادة عما في المخطوط اقتضتها الجملة.
(3)
انظر: شرح فتح القدير (1/ 92 - 93).
(4)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (6/ 6).
ومن الأحاديث الدالة على ما ذهب إليه الجمهور حديث أبي جُحيفة عند البخاري
(1)
قال: "خَرجَ علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالهاجِرةِ، فأُتِيَ بوَضوء فتَوضَّأ، فجعلَ الناسُ يأخُذونَ من فَضلِ وَضوئهِ فَيتمسَّحونَ بهِ"، وحديث أبي موسى عنده
(2)
أيضًا قال: دَعا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقَدَحٍ فيهِ ماء فغَسَلَ يدَيهِ وَوَجهَهُ فيه ومجَّ فيه ثم قال لهما يعني أبا موسى وبلالًا: "اشْرَبا منهُ وأفرِغا على وجُوهِكُما ونحورِكما"، وعن السائب بن يَزيد عنده
(3)
أيضًا قال: "ذَهَبتْ بي خالَتي إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ اللهِ إنَّ ابنَ أُختي وَقِعٌ - أي مريض -، فمسحَ رأسي ودَعَا لي بالبرَكةِ ثمَّ توَضَّأ فشَرِبتُ من وَضوئِه ثمَّ قمتُ خَلْفَ ظَهرِه" الحديث.
فإن قال الذاهب إلى نجاسة المستعمل للوضوء: إن هذه الأحاديث غاية ما فيها الدلالة على طهارة ما توضأ به صلى الله عليه وسلم ولعل ذلك من خصائصه. قلنا: هذه دعوى غير نافقة، فإن الأصل أن حكمه وحكم أمته واحد إلا أن يقوم دليل يقضي بالاختصاص ولا دليل. وأيضًا الحكم بكون الشيء نجسًا حكم شرعي يحتاج إلى دليل يلتزمه الخصم فما هو
(4)
؟.
[المسلم لا ينجس]:
5/ 5 - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَقِيَهُ وَهُوَ جُنبٌ فَحادَ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جاءَ، فَقالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فقالَ:"إن المُسْلِمَ لا يَنْجُسُ" رَوَاه الجمَاعَة إلَّا البُخارِي وَالتِّرْمِذِي
(5)
. [صحيح]
(1)
في صحيحه (1/ 294 رقم 187) وأطرافه رقم (376، 495، 499، 501، 633، 634، 3553، 3566، 5786، 5859).
(2)
أي عند البخاري في صحيحه (1/ 295 رقم 188). وطرفاه رقم (196، 4328).
(3)
أي عند البخاري في صحيحه (1/ 296 رقم 190) وأطرافه رقم (3540، 3541، 5670، 6352).
(4)
وقال ابن رشد في "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"(1/ 79) بتحقيقنا: "وأما من زعم أنه - أي الماء المستعمل - نجس فلا دليل معه" اهـ.
(5)
أخرجه أحمد في المسند (5/ 384، 402).
ومسلم في صحيحه (1/ 282 رقم 116/ 372).
وأبو داود (رقم 230) والنسائي (1/ 145 رقم 267 و 268) وابن ماجه رقم (535). =
وَرَوَى الجمَاعةُ كُلُّهُمْ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ)
(1)
. [صحيح]
حديث أبي هريرة المشار إليه له ألفاظ منها: "أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لقِيَهُ في بعضِ طُرق المدينةِ وهو جُنُبٌ فانخنَس منه فذهبَ فاغتسَلَ ثم جاءَ، فقالَ له: أينَ كنتَ يا أبا هُريرةَ قال: كنتُ جُنُبًا فكَرِهتُ أن أُجالِسَكَ وأنا عَلَى غيرِ طهارةٍ، فقال: "سُبحانَ اللهِ إن المؤمنَ لا يَنْجُس".
"قوله: (وهو جنب) يعني نفسه. وفي رواية أبي داود
(2)
: (وأنا جُنُب). وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر والمؤنث والاثنين والجمع بلفظ واحد. قال الله تعالى في الجمع: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}
(3)
، وقال بعضُ أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"إنِّي كُنْتُ جُنُبًا"
(4)
، وقد يقال: جُنُبان وجُنُبُون وأَجْناب
(5)
. قوله: (فَحادَ عَنْهُ) أي مالَ وعدَلَ. قوله: (لا يَنْجُس) فيه لغتانِ ضمُّ الجيمِ وفتحُها، وفي ماضِيه أيضًا لغتان نجِس ونجُس بكسرِ الجيمِ وضمها، فمن كسرَها في الماضي فتحَها في المضارعِ، ومن ضمَّها في الماضي ضمَّها في المضارعِ أيضًا. قال النووي
(6)
:
= قلت: وأخرجه أبو عوانة (1/ 275) وأبو نعيم في "أخبار أصبهان"(2/ 73).
وابن أبي شيبة (1/ 173) والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 189).
وصححه ابن خزيمة رقم (1359) وابن حبان رقم (1369). وهو حديث صحيح.
(1)
أحمد (2/ 235، 382، 471).
والبخاري (1/ 390 رقم 283) و (1/ 391 رقم 285).
ومسلم (1/ 282 رقم 371).
وأبو داود رقم (231) والترمذي رقم (121) والنسائي (1/ 145).
وابن ماجه رقم (534).
قلت: وأخرجه ابن الجارود في "المنتقى" رقم (96) وأبو عوانة (1/ 275) وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 173) والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 189).
والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 13). وصححه ابن حبان رقم (1259) وهو حديث صحيح.
(2)
في سننه رقم (231) وهو حديث صحيح.
(3)
سورة المائدة: الآية 6.
(4)
وهو جزء من حديث سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (12/ 12).
(5)
انظر: "لسان العرب"(2/ 374).
(6)
في شرحه لصحيح مسلم (4/ 67).
"وهذا قياسٌ مطَّرِدٌ ومعروفٌ عندَ أهلِ العربيةِ إلا أحْرُفًا مُسْتَثْنَاةً من الكسر".
[القول في نجاسة الكافر]:
قوله: (إنَّ المسْلِمَ) تمسَّكَ بمفهومِهِ بعضُ أهلِ الظاهرِ، وحكاهُ في البحرِ
(1)
عن الهادي والقاسِم والناصِر ومالكٍ فقالوا: إنَّ الكافِرَ نَجِسُ عَيْنٍ، وقوَّوْا ذلكَ بقولِه تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}
(2)
وأجابَ عن ذلكَ الجمهورُ بأن المرادَ منهُ أن المسلمَ طاهِرُ الأعضَاءِ لاعتيادِهِ مجانبةَ النجاسةِ بخلافِ المشركِ لعدمِ تحفظِه عن النجاسةِ، وعن الآيةِ بأن المرادَ أنهم نجسٌ في الاعتقادِ والاستقذارِ، وحجتُهم على صِحَّةِ هذا التأويلِ أن الله أباحَ نساءَ أهلِ الكتابِ
(3)
، ومعلومٌ أن عرقهُنَّ لا يسلمُ منه من يضاجِعُهنَّ، ومعَ ذلك فلا يجبُ من غُسل الكتابيةِ إلا مثلُ ما يجبُ عليهم من غُسلِ المسلمةِ.
ومن جُملَةِ ما استدلَّ بهِ القائلونَ بنجاسةِ الكافرِ حديثُ إنزالِهِ صلى الله عليه وسلم وفدَ ثقيفٍ المسجد
(4)
، وتقريرِه لقولِ الصحابةِ:"قومٌ أنجاسٌ" لما رأوه أنزلَهم. وقولُه لأبي ثعلبةَ لما قالَ له: "يا رسولَ الله إنَّا بأرضِ قوْمٍ أهْلِ كتابِ أفنأكْلُ في آنِيتِهم قال: "إنْ وجدْتُم غيْرَها فلا تَأْكُلوا فِيها وإنْ لمْ تجدُوا فاغْسِلُوها وَكُلوا فيها"، وسيأتي في باب آنية الكفار
(5)
.
وأجاب الجمهورُ عن حديثِ إنزالِ وفدِ ثقيفٍ بأنه حجةٌ عليهم لا لهم؛ لأن قوله: "ليسَ على الأرضِ من أنجاسِ القومِ شيءٌ إنما أنجاسُ القومِ على أنفسِهم"
(1)
وهو "كتاب البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار" تأليف: أحمد بن يحيى بن المرتضى. (المهدي)(1/ 12 - 13).
(2)
سورة التوبة: الآية 28.
(3)
يشير المؤلف رحمه الله إلى قوله تعالى في سورة المائدة الآية (5): {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} .
(4)
أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 13) عن الحسن مرسلًا. وانظر: "زاد المعاد"(3/ 499). والطبقات لابن سعد (1/ 312).
(5)
رقم (11/ 73) من كتابنا هذا.
بعد قول الصحابةِ: قومٌ أنجاسٌ. صريحٌ في نفي النجاسةِ الحسيةِ التي هي محلُّ النزاعِ، ودليلٌ على أن المرادَ نجاسةُ الاعتقادِ والاستقذارِ. وعن حديثِ أبي ثعلبةَ بأن الأمرَ بغسلِ الآنيةِ ليس لتلوثها برطوباتِهم بل لطبخِهمُ الخنزير وشربهِمُ الخمرَ فيها. يدلُّ على ذلك ما عندَ أحمدَ وأبي داودَ من حديثِ أبي ثعلبة أيضًا بلفظِ: إن أرضنا أرضُ أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ وسيأتي
(1)
.
ومن أجوبة الجمهور عن الآية ومفهوم حديث الباب بأن ذلك تنفير عن الكفار وإهانة لهم، وهذا وإن كان مجازًا فقرينته ما ثبت في الصحيحين
(2)
من أنه صلى الله عليه وسلم تَوضَّأ من مزادة مشركةٍ، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد
(3)
، وأكل من الشاة التي أهدتها له يهودية من خيبر
(4)
، وأكل من الجبن المجلوب من بلاد النصارى كما أخرجه أحمد
(5)
وأبو داود
(6)
من حديث ابن عمر، وأكل من خبز الشعير والإِهالة لما دعاه إلى ذلك يهودي، وسيأتي في باب آنية الكفار
(7)
، وما سلف من مباشرة الكتابيات، والإِجماع على جواز مباشرة المَسْبِيَّة قبل إسلامها، وتحليل طعام أهل الكتاب ونسائهم بآية المائدة
(8)
وهي آخر ما نزل،
(1)
رقم (11/ 73) من كتابنا هذا.
(2)
قال الألباني في "إرواء الغليل"(1/ 72 رقم 36):
"لم أجده. والمؤلف تبع فيه مجد الدين بن تيمية فإنه قال في "المنتقى" - (1/ 44) -: "وقد صح عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الوضوء من مزادة مشركة" ومر عليه الشوكاني في "نيل الأوطار" - رقم (12/ 74) من كتابنا هذا - فلم يخرجه ولم يتكلم عليه من حيث ثبوته ووروده بشيء! " اهـ.
وأنا أظن أن المجد يعني به حديث عمران بن حصين الطويل - أخرجه البخاري (1/ 447 - 448 رقم 344) ومسلم (1/ 474 رقم 682) - الذي فيه استعماله صلى الله عليه وسلم لمزادة المشركة، وأمر أحد أصحابه أن يرفع الجنابة عنه من مائها.
(3)
أخرجه البخاري (8/ 87 رقم 4372) ومسلم (12/ 87 - نووي).
(4)
أخرجه البخاري (10/ 244 - 245 رقم 5777) والبيهقي في دلائل النبوة (4/ 256 - 264) وقد ذكر له طرقًا متعددة.
(5)
في المسند (1/ 234، 302).
(6)
في السنن رقم (3819) بسند حسن.
(7)
رقم (12/ 74) من كتابنا هذا.
(8)
سورة المائدة: الآية 6.
وإطعامه صلى الله عليه وسلم وأصحابه للوفد من الكفار من دون غسل للآنية، ولا أمر به، ولم ينقل توقي رطوبات الكفار عن السلف الصالح ولو توقوها لشاع. قال ابن عبد السلام: ليس من التقشف أن يقول: أشتري من سمن المسلم لا من سمن الكافر؛ لأن الصحابة لم يلتفتوا إلى ذلك. وقد زعم المقبلي في المنار
(1)
"أن الاستدلال بالآية المذكورة على نجاسة الكافر وَهْمٌ لأنه حمل لكلام الله ورسوله على اصطلاح حادث. وبين النجس في اللغة والنجس في عرف المتشرعة: عموم، وخصوص من وجه، فالأعمال السيئة نجسة لغة، لا عُرفًا، والخمر نجس عرفًا، وهو أحد الأطيبين عند أهل اللغة، والعذرة نجس في العرفين فلا دليل في الآية" انتهى. ولا يخفاك أن مجرد تخالف اللغة والاصطلاح في هذه الأفراد لا يستلزم عدم صحة الاستدلال بالآية على المطلوب، والذي في كتب اللغة أن النجس ضد الطاهر، قال في القاموس
(2)
: النَّجسُ بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتِفٍ وعَضُدِ ضِدُّ الطاهِرِ" انتهى. فالذي ينبغي التعويل عليه في عدم صحة الاحتجاج بها هو ما عرَّفناك.
[القول في نجاسة المسلم الميت]:
وحديث الباب أصل في طهارة المسلم حيًا وميتًا، أما الحي فإجماع، وأما الميت ففيه خلاف. فذهب أبو حنيفة ومالك ومن أهل البيت الهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب إلى نجاسته، وذهب غيرهم إلى طهارته؛ واستدل صاحب البحر للأولين على النجاسة بنزح زمزم من الحبشي وهذا مع كونه من فعل ابن عباس، كما أخرجه الدارقطني
(3)
عنه، وقول الصحابي وفعله لا ينتهض للاحتجاج
(1)
"المنار في المختار" وهو جواهر البحر الزخار، حاشية العلامة صالح بن مهدي المقبلي على البحر الزخار" (1/ 14).
(2)
المحيط: ص 743.
(3)
في "سننه"(1/ 33 رقم 1).
قلت: وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 266) وفى "معرفة السنن والآثار"(2/ 94 رقم 1908).
عن محمد بن سيرين: "أن زنجيًا وقع في زمزم، يعني فمات، فأمر به ابن عباس رضي الله عنهما، فأخرج وأمر بها أن تنزح
…
".
• وأخرج البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(2/ 93 - 94 رقم 1905) من طريق ابن =
به على الخصم محتمل أن يكون للاستقذار لا للنجاسة، ومعارض بحديث الباب، وبحديث ابن عباس نفسه عند الشافعي
(1)
والبخاري تعليقًا
(2)
بلفظ: "المؤمن لا
= لهيعة، عن عمرو بن دينار:"أن زنجيًا وقع في زمزم، فمات، فأمر به ابن عباس فأخرج، فسَدَّ عيونها فَنُزحَتْ".
وقال البيهقيُّ في "معرفة السنن والآثار"(2/ 94):
• ورواه قتادة مرسلًا:
"أن زنجيًا وقع في زمزم، فمات، فأمرهم ابن عباس بنزحه".
• ورواه جابر الجعفي: مرة عن أبي الطفيل، عن ابن عباس. ومرة عن أبي الطفيل نفسه:
"أن غلامًا وقع في زمزم، فنزحت".
- وابن لهيعة، وجابر الجعفي لا يحتج بهما.
- وقتادة، عن ابن عباس، مرسل.
- وكذلك ابن سيرين، عن ابن عباس، مرسل.
ثم اعتمد البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(2/ 95 - 96) في تضعيف هذه القصة - بالإضافة لما تقدم - بأثر رواه عن سفيان بن عيينة فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا عبد الله بن شيرويه، قال: سمعت أبا قدامة، يقول: سمعت سفيان يقول: "أنا بمكة منذ سبعين سنة، لم أر أحدًا، صغيرًا ولا كبيرًا، يَعرِفُ حديث الزنجي الذي قالوا: أنه مات في زمزم. وما سمعت أحدًا يقول بنزح زمزم".
ثم أسند عن الشافعي أنه قال: لا يعرف هذا عن ابن عباس، وكيف يروي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم "الماء لا ينجسه شيء" ويتركه؟ وإن كان قد فعل فلنجاسة ظهرت على وجه الماء، أو نزحها للتنظيف لا للنجاسة، فإن زمزم للشرب".
وخلاصة القول: إن هذا الأثر لا يصح من جهة السند والله أعلم.
(1)
في كتابه "الأم"(3/ 363 رقم 3023).
(2)
في "تغليق التعليق"(2/ 460) وقال: إسناده صحيح وهو موقوف.
قلت: وأخرجه البيهقيُّ في السنن الكبرى (1/ 306) وابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 267) موقوفًا على ابن عباس.
وقد أخرجه الدارقطني في "سننه"(2/ 70 رقم 1) والحاكم في "المستدرك"(1/ 385) مرفوعًا من نفس الوجه وصححه الحاكم على شرطهما وأقره الذهبي.
وقال الضياءُ في "الأحكام": إسنادُهُ عندي على شرط الصحيح - كما في "التغليق"(2/ 461).
وقال ابن حجر متعقبًا للضياء: "قلت: وأخرجه في المختارة من طريق الدارقطني كما أوردناه، والذي يتبادر إلى ذهني أن الموقوف أصح.
فقد رواه كذلك عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس، موقوفًا.
أخرجه البيهقيُّ (1/ 306) بإسناد صحيح" اهـ.
ينجس حيًا ولا ميتًا"، وبحديث أبي هريرة المتقدم
(1)
. وبحديث ابن عباس أيضًا عند البيهقي
(2)
: "إن ميتكم يموت طاهرًا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم" وترجيح رأي الصحابي على روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواية غيره من الغرائب التي لا يُدْرى ما الحامل عليها.
وفي الحديث من الفوائد مشروعية الطهارة عند ملابسة الأمور العظيمة، واحترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات، وإنما حاد حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو هريرة لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعتاد مماسحة أصحابه إذا لقيهم والدعاء لهم، هكذا رواه النسائي
(3)
وابن حبان
(4)
من حديث حذيفة، فلما ظنَّا أن الجنب يتنجس بالحدث خشيا أن يماسحهما كعادته فبادرا إلى الاغتسال، وإنما ذكر المصنف رحمه الله هذا الحديث في باب طهارة الماء المتوضأ به لقصد تكميل الاستدلال على عدم نجاسة الماء المتوضأ به، لأنه إذا ثبت أن المسلم لا ينجس فلا وجه لجعل الماء نجسًا بمجرد مماسته له، وسيأتي في هذا الكتاب باب معقود لعدم نجاسة المسلم بالموت
(5)
، وسيشير المصنف إلى هذا الحديث هنالك.
[الباب الثالث] باب بيان زوال تطهيره
6/ 6 - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَغْتَسلنَّ أحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائم وَهُوَ جُنُبٌ"، فَقالُوا: يا أبا هُرَيْرَةَ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ قالَ: يَتَنَاوَلهُ تَناوُلًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(6)
وَابْنُ مَاجَهْ
(7)
. [صحيح]
(1)
وهو حديث تقدم برقم (5/ 5) من كتابنا هذا.
(2)
في السنن الكبرى (1/ 306).
(3)
في السنن (1/ 145 رقم 267) وقد تقدم.
(4)
في صحيحه رقم (1369) وقد تقدم.
(5)
الباب الحادي عشر: باب في أن الآدمي المسلم لا ينجس بالموت ولا شعره وأجزاؤه بالانفصال، من كتابنا هذا، رقم (26/ 44) و (27/ 45) و (28/ 46) و (29/ 47) و (30/ 48) و (31/ 49).
(6)
في صحيحه (1/ 236 رقم 97/ 283).
(7)
في السنن (1/ 198 رقم 605). وهو حديث صحيح.
ولِأَحمَدَ
(1)
وَأَبِي دَاودَ
(2)
: "لا يَبُولنَّ أحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِم، وَلا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنابَةٍ"). [صحيح]
قوله: ([في]
(3)
الماء الدائم) هو الساكن، قال في الفتح
(4)
: "يقال: دوّم الطائر تدويمًا إذا صف جناحيه في الهواء فلم يحركهما". والرواية الأولى من حديث الباب تدل على المنع من الاغتسال في الماء الدائم للجنابة وإن لم يبل فيه، والرواية الثانية تدل على المنع من كل واحد من البول والاغتسال فيه على انفراده، وسيأتي في باب حكم الماء إذا لاقته نجاسة
(5)
، حديث أبي هريرة
(6)
هذا بلفظ: ""ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ". ويأتي البحث عن حكم البول في الماء الدائم والاغتسال فيه هنالك.
[الكلام في الماء المستعمل]:
وقد استدل بالنهي عن الاغتسال في الماء الدائم على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلًا للتطهير، لأن النهي ههنا عن مجرد الغسل فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وحكم الوضوء حكم الغسل في هذا الحكم لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء يقذر الماء كما يقذره الغسل.
وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أكثر العترة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي، والشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبو حنيفة في رواية عنه
(7)
، واحتجوا بهذا الحديث، وبحديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة
(8)
، واحتج لهم في البحر
(9)
بما روي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط منه.
(1)
في المسند (2/ 316).
(2)
في السنن (رقم 70) وهو حديث صحيح.
(3)
زيادة من (جـ).
(4)
في "فتح الباري"(1/ 346).
(5)
الباب السادس: باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة. من كتابنا هذا.
(6)
رقم (15/ 15) من كتابنا هذا.
(7)
انظر: "البحر الزخار"(1/ 34 - 35).
و"بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد بتحقيقنا. (1/ 79).
(8)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (9/ 9).
(9)
"البحر الزخار"(1/ 34).
وأجيب عن الاستدلال بحديث الباب بأن علة النهي ليست كونه يصير مستعملًا بل مصيره مستخبثًا بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة: يتناوله تناولًا، وباضطراب متنه، وبأن الدليل أخص من الدعوى، لأن غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة، والمدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية وعن حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملًا ولو سلم، فالدليل أخص من الدعوى لأن المدعى خروج كل مستعمل عن الطهورية، لا خصوص هذا المستعمل وبالمعارضة بما أخرجه مسلم
(1)
وأحمد
(2)
من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يغتسل بفضل ميمونة" وأخرجه أحمد
(3)
أيضًا، وابن ماجه
(4)
بنحوه من حديثه، وأخرجه أيضًا أحمد
(5)
وأبو داود
(6)
والنسائي
(7)
والترمذي
(8)
وصححه من حديثه بلفظ: "اغْتَسَلَ بعضُ أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في جَفْنَةٍ فجاءَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو يَغْتسِل فقالَتْ له: يا رسول الله إني كنتُ جنبًا فقالَ: "إن الماءَ لا يُجْنِبُ"، وأيضًا حديث النهي عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال سيأتي بيانه في بابه
(9)
، وعن الاحتجاج بتكميل السلف للطهارة بالتيمم لا بما تساقط بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم، ولا سبيل إلى ذلك، لأن القائلين بطهورية المستعمل منهم كالحسن البصري
(10)
والزهري
(11)
والنخعي
(12)
ومالك
(13)
والشافعي
(14)
وأبي حنيفة
(15)
في إحدى الروايات عن
(1)
و
(2)
وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (10/ 10) من كتابنا هذا.
(3)
و
(4)
وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (11/ 11) من كتابنا هذا.
(5)
و
(6)
و
(7)
و
(8)
وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه رقم (12/ 12) من كتابنا هذا.
(9)
في الباب الخامس: باب ما جاء في فضل طهور المرأة. رقم الحديث (9/ 9).
(10)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 9 رقم 17)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 21 - 22).
(11)
حكاه ابن عبد البر في "التمهيد"(4/ 43)، وابن قدامة في "المغنى"(1/ 31).
(12)
أخرج له ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 21 - 22).
(13)
انظر: "فتح البر"(1/ 14 - 15).
(14)
انظر: "المجموع"(1/ 205).
(15)
انظر: "شرح فتح القدير"(1/ 90 - 92).
الثلاثة المتأخرين، ونسبه ابن حزم
(1)
إلى عطاء
(2)
وسفيان الثوري
(3)
وأبي ثور
(4)
وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فني، لأنهم لم يكونوا يتوضؤون إلى إناء، والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفي بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار، وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل عن الطهورية، وتحتم البقاء على البراءة الأصلية لا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة كحديث:"خلق الماء طهورًا"
(5)
وحديث "مَسْحَهُ صلى الله عليه وسلم رأسَهُ بفضل ماء كانَ بيده"
(6)
، وسيأتي وغيرهما. وقد استدل المصنف
(7)
رحمه الله بحديث الباب على عدم صلاحية المستعمل للطهورية فقال: "وهذا النهي عن الغسل فيه يدل على أنه لا يصح ولا يجزي، وما ذاك إلا لصيرورته مستعملًا بأول جزء يلاقيه من المغتسل فيه، وهذا محمول على الذي لا يحمل النجاسة، فأما ما يحملها فالغسل فيه مجزئ، فالحدث لا يتعدى إليه حكمه من طريق الأولى" انتهى.
[مسح الرأس بفضل ماء اليد]:
7/ 7 - (وَعَنْ سُفيْانَ الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْدِ الله بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، حدثتْنِي الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوّذِ بْنِ عَفْراء، فَذَكَرَ حَدِيثَ وُضُوءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَفيهِ: وَمَسَحَ [صلى الله عليه وسلم] رَأسَهُ بِما بَقِيَ مِنْ وَضُوئِهِ فِي يَدِهِ مَرّتَيْنِ، بَدَأ بمؤخَّرِه، ثمَّ رَدَّهُ إلى نَاصيتِهِ، وَغسَلَ رِجْليْهِ ثلاثًا ثَلاثًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ
(8)
، وأبو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا
(9)
وَلفْظُهُ: "إنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم
(1)
في "المحلى"(1/ 184).
(2)
أخرج له ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 21 - 22).
(3)
انظر: "فتح البر"(1/ 15).
(4)
انظر: "التمهيد"(4/ 43).
(5)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (13/ 13).
(6)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (7/ 7).
(7)
في "المنتقى"(1/ 9).
(8)
في المسند (6/ 358، 359).
(9)
في السنن (رقم 130).
قلت: وأخرجه الترمذي (1/ 48 رقم 33)، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 60)، =
مَسَحَ رَأسه مِنْ فَضْلِ ماءٍ كان بِيَدَيْهِ". قالَ الترْمِذِي
(1)
: "عبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْن عَقِيلٍ صَدُوق، وَلكِنْ تَكَلمَ فيهِ بَعْضُهمْ مِنْ قِبلِ حفْظِهِ. وَقالَ البُخاري: وكانَ أحْمَدُ وإسحقُ والحُمَيْدِيُّ يَحتجُّونَ بِحَديثِهِ). [حسن]
الخلاف بين الأئمة في الاحتجاج بحديث ابن عقيل مشهور، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب
(2)
. والكلام على أطراف هذا الحديث محله الوضوء. ومحل الحجة منه: (مسح رأسه بما بقي من وضوء في يده)، فإنه مما استدل به على أن المستعمل قبل انفصاله عن البدن يجوز التطهر به.
قيل: وقد عارضه مع ما فيه من المقال أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بماء غير فضل يديه كحديث مسلم
(3)
: "إن النبي صلى الله عليه وسلم مسحَ برأسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْل يَدَيْهِ"، وأخرج الترمذي
(4)
من حديث عبد الله بن زيد أنه: رَأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضأ وأنهُ مَسَحَ
= والدارقطني في "سننه"(1/ 87 رقم 2).
قال الترمذي: حديث حسن.
وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجوَدُ إسنادًا.
وقال أحمد شاكر: "حديث الربيع حديث صحيح، وإنما اقتصر الترمذي على تحسينه ذهابًا منه إلى أنه يعارض حديث عبد الله بن زيد، ولكنهما عن حادثتين مختلفتين، فلا تعارض بينهما حتى يحتاج إلى الترجيح، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ بمقدَّم الرأس، وكان يبدأ بمؤخره، وكلها جائز.
وأما الشارح العلامة المباركفوري رحمه الله "فإنه فهم أن الترمذي حسنه؛ للخلاف في عبد الله بن محمد بن عقيل، وليس كذلك، لأن ابن عقيل ثقة
…
" اهـ.
(1)
في السنن (1/ 8 - 9 رقم 3):
وذكر الترمذي أيضًا في "علله الكبرى" ص 22 كلام البخاري فقط.
وخلاصة القول أن الحديث حسن. والله أعلم.
(2)
عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، أمه زينب بنتُ علي: صدوق في حديثه لين، ويقال: تغيرَّ بأخرَةٍ" قاله الحافظ في "التقريب" رقم (3592).
(3)
في صحيحه (1/ 211 رقم 19/ 236) من حديث عبد الله بن زيد.
(4)
في السنن (1/ 50 رقم 35) من حديث عبد الله بن زيد.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه أحمد (4/ 41)؛ وأبو داود (1/ 87 رقم 120) والبيهقي (1/ 65)؛ وابن خزيمة (1/ 79 رقم 54) وهو حديث صحيح.
رأْسَهُ بماءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ". وأخرج أيضًا
(1)
من حديثه أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: "أخذ لرأسه ماءً جديدًا". وأَخرج ابن حبان في صحيحه
(2)
من حديثه أيضًا نحوه، وأنت خبير بأن كونه صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماءً جديدًا كما وقع في هذه الروايات لا ينافي ما في حديث الباب من أنه صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بما بقي من وضوئه في يديه، لأن التنصيص على شيء بصيغة لا تدل إلا على مجرد الوقوع، ولم يتعرض فيها لحصر على المنصوص عليه ولا نفي لما عداه لا يستلزم عدم وقوع غيره.
والأولى الاحتجاج بما أخرجه الترمذي
(3)
والطبراني
(4)
من رواية ابن جارية بلفظ: "خُذْ لِلْرأسِ ماءً جديدًا"، فإن صح هذا دل على أنه يجب أن يؤخذ للرأس ماء جديد ولا يجزي مسحه بفضل ماء اليدين، ويكون المسح ببقية ماء اليدين إن صح حديث الباب مختصًا به صلى الله عليه وسلم؛ لما تقرر في الأصول من أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص بالأمة، بل يكون مختصًا به، وذلك لأن أمره صلى الله عليه وسلم للأمة أمرًا خاصًّا بهم أخص من أدلة التأسي القاضية باتباعه في أقواله وأفعاله، فيُبنى العام على الخاص، ولا يجب التأسي به في هذا الفعل الذي ورد أمر الأمة بخلافه، وما نحن فيه من هذا القبيل، وإن كان خطابًا لواحد لأنه يلحق به غيره، إما بالقياس أو بحديث:"حُكْمي على الواحدِ كحُكْمي على الجماعةِ"
(5)
، وهو وإن لم يكن حديثًا
(1)
أي الترمذي في السنن (1/ 52).
(2)
(3/ 358 رقم 1077) بسند صحيح.
(3)
لم أقف عليه عند الترمذي؟!
(4)
في "الكبير"(2/ 260 - 261 رقم 2091) بسند ضعيف جدًّا.
دَهْثَم بن قُرّان: قال الحافظ في "التقريب" رقم (1831): "متروك"، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/ 234): رواه الطبراني في "الكبير" وفيه دَهْثَم بن قُرّان ضعفه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات" اهـ.
وقال ابن حبان في "المجروحين"(1/ 290): "كان ممن يتفرد بالمناكير عن المشاهير، ويروي عن الثقات أشياء لا أصول لها، قال ابن معين: لا يكتب حديثه" اهـ.
وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا.
وانظر: في هذا الخصوص ما قاله البيهقيُّ في السنن الكبرى (1/ 65) وتعقب ابن التركماني له في "الجوهر النقي".
وكذلك انظر: "الضعيفة" رقم (995) للألباني.
(5)
ليس له أصل بهذا اللفظ. =
معتبرًا عند أئمة الحديث، فقد شهد لمعناه حديث:"إنما قَوْلي لامرأة كقولي لمائةِ امرأةٍ"
(1)
ونحوه. قال المصنف
(2)
رحمه الله بعد أن ساق الحديث ما لفظه: "وعلى تقدير أن يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بما بقي من بلل يديه، فليس يدل على طهورية الماء المستعمل، لأن الماء كلما [تنقل]
(3)
في محال التطهير من غير مفارقة إلى غيرها فعمله وتطهيره باقٍ، ولهذا لا يقطع عمله في هذه الحال تغيُّره بالنجاسات والطهارات" انتهى. وقد قدمنا ما هو الحق في الماء المستعمل.
[الباب الرابع] باب الرد على من جعل ما يغترف منه المتوضئ بعد غسل وجهه مستعملًا
[كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم
-]:
8/ 8 - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدِ بْنِ عاصمٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأ لَنَا وُضُوءَ
= قاله العراقي في "تخريج أحاديث البيضاوي".
وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه. ذكر ذلك السخاوي في "المقاصد"(ص 312 رقم 416). وقال الزرقاني في "مختصر المقاصد" رقم (389): "لا أصل له، وإن صح معناه. وقال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" ص 200: "
…
وقد ذكره أهل الأصول في كتبهم الأصولية. واستدلوا به فأخطأوا. وفي معناه مما له أصل
…
" اهـ. وانظر: "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" (ص 196 رقم 178). "واللؤلؤ المرصوع" (ص 74 رقم 180) و "كشف الخفاء" (1/ 436 - 437 رقم 1161).
(1)
وهو جزء من حديث أمَيْمَةَ بنتِ رُقَيْقَةَ الصحيح:
أخرجه أحمد (6/ 357) والنسائي (7/ 149) والترمذي رقم (1597) وابن ماجه رقم (2874) والحاكم (4/ 71) والحميدي في "المسند" رقم (341) والطيالسي في "المسند" رقم (1621) والطبراني في "الكبير"(24/ رقم 470، 472، 473، 475، 476) من طرق.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال السخاوي في "المقاصد"(ص 312 رقم 416): "وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها لثبوتها على شرطهما" اهـ.
وخلاصة القول: أن الحديث صحيح. والله أعلم.
(2)
في "المنتقى"(1/ 10).
(3)
في (ب): (انتقل).
رَسول الله صلى الله عليه وسلم، فَدَعا بإِناءٍ فَأكْفَأ مِنْهُ على يَدَيْهِ فَغَسَلهُمَا ثلاثًا، ثُمّ أدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفّ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثلاثًا، ثمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فأقْبَلَ بَيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إلى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ قالَ: هَكَذَا كَانَ وَضُوءُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. مُتفَق عَلَيْهِ
(1)
، وَلفْظُهُ لأحْمَدَ)
(2)
. [صحيح]
قوله: (فأكفأ منه) أي أمال وصبّ، وفي رواية لمسلم (3):"أكفأ منها" أي: المطهرة أو الإِداوة. قوله: (ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ) هكذا وقع في صحيح مسلم
(3)
أدخل يده بلفظ الإِفراد، وكذا في أكثر روايات البخاري
(4)
، وفي رواية له:"ثم أدخل يديه فاغترف بهما"، وفي أخرى له
(5)
من حديث ابن عباس: "ثم أخذَ غَرْفَةَ [فجعلَ]
(6)
بها هكذا أضافَها إلى يدِه الأُخرى فَغَسلَ [بهما]
(7)
وَجْهَهُ"، ثم قال: "هكذا رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَوضأ". وفي سنن أبي داود
(8)
والبيهقي
(9)
من رواية علي في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ أدخلَ يديه في الإناء جميعًا فأخذ بهما حَفْنَةً من ماء [وضرب]
(10)
بها على وجهه".
(1)
البخاري (1/ 289 رقم 185).
وأطرافه: (186، 191، 192، 197، 199).
ومسلم (1/ 210 رقم 18/ 235).
(2)
في المسند (4/ 38، 39).
قلت: وأخرجه الترمذي (1/ 66 رقم 47)، و (1/ 50 رقم 35)؛ وأبو داود (رقم 118، 119، 120)؛ وابن ماجه (1/ 149 رقم 434)؛ والنسائي (1/ 71 رقم 97 و 98) وابن خزيمة (1/ 88 رقم 173).
(3)
رقم (18/ 235).
(4)
في صحيحه (1/ 294 رقم 186)، و (1/ 297 رقم 192)، و (1/ 303 رقم 199).
(5)
أي للإمام البخاري في صحيحه (1/ 240 - 241 رقم 140).
(6)
في (جـ): (فعل).
(7)
في (جـ): (بها).
(8)
في السنن رقم (117).
(9)
في السنن الكبرى (1/ 47).
(10)
في سنن أبي داود "فضرب".
فهذه الروايات في بعضها يديه وفي بعضها يده فقط وفي بعضها يده وضم الأخرى إليها، فهي دالة على جواز الأمور الثلاثة وإنها سنة.
قال النووي
(1)
: "ويجمع بين ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في مرات وهي ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي ولكن الصحيح منها والمشهور الذي قطع به الجمهور ونص عليه الشافعي في البويطي والمزني أن المستحب أخذ الماء للوجه باليدين جميعًا لكونه أسهل وأقرب إلى الإِسباغ".
والكلام على أطراف الحديث يأتي في الوضوء إن شاء الله وإنما ساقه المصنف ههنا للرد على من زعم أن الماء - المغترف منه بعد غسل الوجه يصير مستعملًا لا يصلح للطهورية، وهي مقالة باطلة يردُّها هذا الحديث وغيره. وقد زعم بعض القائلين بخروج المستعمل عن الطهورية أن إدخال اليد في الإِناء للغرفة التي يغسلها بها يصيِّره مستعملًا، وللحنفية والشافعية وغيرهم مقالات في المستعمل ليس عليها أثارة من علم
(2)
، وتفصيلات وتفريعات عن الشريعة السمحة السهلة
(1)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 122).
(2)
قال الإمام البغوي في "شرح السنة"(2/ 59 - 60):
"وقدَّر بعضُ أصحاب الرأي الماءَ الكثير الذي لا ينجسُ بأن يكون عشرة أذرع في عشرة أذرع. وهذا تحديد لَا يرجعُ إلى أصل شرعي يعتمد عليه.
وحدَّه بعضهم بأن يكون في غدير عظيم بحيث لو حُرِّكَ منه جانبٌ، لم يضطرب منه الجانب الآخر، وهذا في غاية الجهالة، لاختلاف أحوال المحركين في القوة والضعف" اهـ.
واستدلوا على العشر في عشر بالحديث الذي أخرجه ابن ماجَهْ (2/ 831 رقم 2486) والدارمي (2/ 273) عن عبدِ اللهِ بن مُغَفَّلٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ حَفَرَ بئرًا فَلَهُ أربعونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لماشيتِهِ" وهو حديث حسن. انظر: "الصحيحة" رقم (251). قلت: لا دليل في هذا الحديث على تحديد الماء الكثير الذي لا ينجس. بأن يكون عشرة أذرع في عشرة أذرع، لأن الواضح من الحديث أن حريم البئر من كل جانب أربعون ذراعًا.
• وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" وهو بذيل السنن الكبرى للبيهقي (1/ 265): "قد اختلف في تفسير القلتين اختلافًا شديدًا كما ترى - أي في الأحاديث الآتية - ففسرتا بخمس قرب، وبأربع، وبأربع وستين رطلًا، وباثنتين وثلاثين، وبالجرتين مطلقًا، وبالجرتين بقيد الكبر، وبالخابيتين، والخابية: الحب. =
بمعزل، وقد عرفت بما سلف أن هذه المسألة أعني خروج المستعمل عن الطهورية، مبنية على شفا جرف هار.
= فظهر بهذا جهالة مقدار القلتين فتعذر العمل بها، اهـ.
قلت: وإليك أخي القارئ بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة الواردة في القلال:
1 -
أخرج الدارقطني في سننه" (1/ 21 رقم 18):
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سُئِلَ عن القليب يُلقى فيه الجيف، ويشرب منه الكلاب والدواب فقال:
"ما بلغ الماء قلتين فما فوق ذلك لم ينجسه شيء".
قال الدارقطني عقبه: كذا رواه محمد بن وهب عن إسماعيل بن عياش بهذا الإسناد.
والمحفوظ عن ابن عياش عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه". وهو حديث ضعيف.
2 -
وقال الألباني في "ضعيف الجامع" رقم (518): ضعيف.
أخرج العقيلي في "الضعفاء"(3/ 473) وابن عدي في "الكامل"(6/ 2058) والدارقطني في "سننه"(1/ 26 رقم 34) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 262) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بلغ الماءُ أربعين قلة، فلا يحمل الخبثَ".
قال البيهقي: سنده منقطع.
وقال الدارقطني عقبه: "كذا رواه القاسم العمري عن ابن المنكدر عن جابر، ووهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ.
وخالفه روح بن القاسم وسفيان الثوري ومعمر بن راشد، رواه عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو موقوفًا.
ورواه أيوب السختياني عن ابن المنكدر من قوله لم يجاوزه" اهـ.
قلت: القاسم بن عبد الله العمري، قال عنه البخاري: سكتوا عنه، وقال أحمد بن حنبل: ليس بشي، كان يكذب، ويضع الحديث. وقال ابن عدي: وعامة رواياته مما لا يتابع عليه، وقال يحيى بن معين: كذاب خبيث. وقال النسائيُّ: متروك الحديث.
[الميزان (3/ 373)، والمجروحين (2/ 212)].
وخلاصة القول أن حديث جابر بن عبد الله موضوع.
3 -
أخرج ابن عدي في "الكامل"(6/ 2358) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا كان الماء قلتين من قلال هجر لم ينجِّسْه شيء".
وفي سنده (المغيرة بن سقلاب) قال عنه ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن حجر في "تلخيص الحبير"(1/ 20)، عن المغيرة هذا: منكر الحديث. ثم قال ابن حجر (1/ 22): والحديث غير صحيح. يعني بهذه الزيادة.
وخلاصة القول أن حديث ابن عمر ضعيف بهذه الزيادة.
ومن فوائد هذا الحديث جواز المخالفة بين غسل أعضاء الوضوء لأنه اقتصر في غسل اليدين على مرتين بعد تثليث غيرهما.
قوله: (فمسح برأسه) لم يذكر فيه عددًا كسائر الأعضاء، وهكذا أطلق في حديث عثمان المتفق عليه
(1)
، وصرح بواحدة في حديث عليّ عند الترمذي
(2)
وصححه.
وفي حديث ابن عباس عند أحمد
(3)
وأبي داود
(4)
، وقد ورد التثليث في حديث علي
(5)
من طريق خالفت الحفاظ، وكذلك في حديث عثمان
(6)
من طريق فيها عبد الرحمن بن وَرْدَان، وسيأتي بسط الكلام على ذلك في الوضوء إن شاء الله تعالى.
[الباب الخامس] باب ما جاء في فضل طهور المرأة
9/ 9 - (عَنِ الحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفارِيِّ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى أنْ يَتَوضَّأ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ
(7)
إلَّا أن ابْنَ ماجَهْ وَالنسائيَّ قالا: "وَضُوءِ المَرْأَةِ". وقَالَ التِّرْمِذِيُّ هذا حَديثٌ حَسَنٌ، وقَالَ ابْنُ ماجَهْ، وَقَدْ رَوَى بَعْدَهُ حَدِيثًا آخَرَ: الصَّحِيحُ الأوَّلُ، يَعْنِي حَدِيث الحَكَمَ). [صحيح]
الحديث صححه ابن حبان أيضًا
(8)
، وقال البيهقي في سننه الكبرى
(9)
: قال
(1)
البخاري (1/ 259 رقم 159)؛ ومسلم (1/ 205 رقم 3، 4/ 226).
(2)
في السنن (1/ 67 رقم 48) وقال: حديث حسن صحيح.
(3)
في المسند (2/ 47 رقم 294 - الفتح الرباني).
(4)
في السنن (1/ 95 رقم 137).
(5)
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (1/ 63).
(6)
أخرجه أبو داود في السنن (1/ 79 رقم 107) بسند حسن.
(7)
أخرجه أحمد (5/ 66)؛ وأبو داود (رقم 82)؛ والترمذي (1/ 93 رقم 64) وقال: هذا حديث حسن؛ والنسائي (1/ 179) وابن ماجه (1/ 132 رقم 373).
(8)
في/ صحيحه (4/ 71 رقم 1260). قلت: وصححه الألباني في "الإرواء" رقم (11).
(9)
(1/ 191).
البخاري
(1)
: حديث الحكم ليس بصحيح. وقال النووي
(2)
: اتفق الحفاظ على تضعيفه. قال ابن حجر في الفتح
(3)
: وقد أغرب النووي بذلك.
وله شاهد عند أبي داود
(4)
والنسائي
(5)
من حديث رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نَهَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ تَغْتَسِلَ المرأَةُ بفضْل الرَّجل أو الرَّجُلُ بِفَضْلِ المرأةِ وَلْيَغْتَرِفَا جَميعًا"، قال الحافظ في الفتح
(6)
: "رجاله ثقاتٌ ولم أقف لمن أعلَّهُ على حُجة قويةٍ، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودةٌ لأن إبهامَ الصحابيِّ لا يضرُّ، وقد صرَّح التابعيُّ بأنه لقيهُ. ودعوى ابن حزمٍ أن داودَ الذي رواه عن حميدِ بن عبدِ الرحمن الحميري - هو ابنُ يزيدَ الأوديُّ - وهوَ ضعيفٌ مردودةٌ، فإنه ابنُ عبد الله الأوديُّ وهو ثقة، وقد صرَّحَ باسم أبيهِ أبو داودَ وغيْرهُ"، وصرح الحافظ أيضًا في بلوغ المرام
(7)
بأن إسناده صحيح.
[اختلاف العلماء في التطهير بفضل طهور المرأة]:
والحديث يدل على أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة، وقد ذهب إلى ذلك عبد الله بن سَرْجِس الصحابي
(8)
. ونسبه ابن حزم
(9)
إلى الحكم بن
(1)
في "التاريخ الكبير"(4/ 184 - 185)، ونقل ذلك الترمذي.
(2)
انظر: "المجموع"(1/ 206) و (2/ 221).
(3)
(1/ 300).
(4)
في السنن (رقم 81).
(5)
في السنن (1/ 130 رقم (238).
قلت: وأخرجه أحمد (4/ 111) و (5/ 369) بسند صحيح.
(6)
(1/ 300).
(7)
رقم (6/ 6) بتحقيقنا.
(8)
عبد الله بن سَرْجِس - بفتح المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، وبعدها مهملة - المزني: صحابي جليل، قال البخاري وابن حبان:"له صحبة ونزل البصرة" وله عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث عند مسلم وغيره. وروى أيضًا عن عمر وأبي هريرة.
[انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" (7/ 58 - 59)؛ و "تهذيب الأسماء واللغات" (1/ 269 رقم 300)؛ و "العقد الثمين" (5/ 165 - 166) رقم (1531)؛ و "سير أعلام النبلاء" (3/ 426 - 427 رقم 74)].
• أخرج الدارقطني في سننه (1/ 117 رقم 2) عن عبد الله بن سرجس قال: "تتوضأ المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره، ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة ولا طهورها".
قال الدارقطني عقبه: "وهذا موقوف صحيح، وهو أولى بالصواب".
(9)
في "المحلى"(1/ 212 - 213).
عمرو راوي الحديث
(1)
، وجويرية
(2)
أم المؤمنين، وأم سلمة، وعمر بن الخطاب، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري
(3)
، وهو أيضًا قول أحمد
(4)
وإسحق
(5)
لكن قيداه بما إذا خلت به.
وروى عن ابن عمر
(6)
والشعبي
(7)
والأوزاعي
(8)
المنع لكن مقيدًا بما إذا كانت المرأة حائضًا. ونقل الميموني عن أحمد
(9)
: "أن الأحاديث الواردة في منع
(1)
أي حديث الباب (9/ 9) الصحيح.
قال البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(1/ 497): "وحديث أبو حاجب عن الحكم الغفاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة، إن كان صحيحًا فمنسوخ بإجماع الحجة على خلافه".
(2)
أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 34): "عن كلثوم بن عامر أن جويرية بنت الحارث توضأت فأردت أن أتوضأ بفضل وضوئها فنهتني".
(3)
أخرج عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 105 رقم 375) وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 34) عن قتادة، قال: سألت الحسن وابن المسيب، عن الوضوء بفضل المرأة، فكلاهما نهاني عنه".
(4)
حكى أبو داود في مسائل الإمام أحمد ص 4: قال: سمعت أحمد سئل عن الوضوء بفضل وضوء المرأة؟ قال: إن خلت به فلا، قيل: فإن لم تخل؟ قال: فلا بأس، كان النبي صلى الله عليه وسلم والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد.
وانظر: مسائل عبد الله بن أحمد في مسائل والده ص 8.
(5)
حكى عنه ابن منصور في مسائل أحمد وإسحاق بن راهويه (1/ 14).
(6)
أخرج عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 108 رقم 386): عن ابن عمر قال: "لا بأس بالوضوء من فضل شراب المرأة وفضل وضوئها ما لم تكن جنبًا أو حائضًا، فإذا خلت به فلا تقربه".
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (1/ 300): "وثبت عن ابن عمر والشعبي والأوزاعي المنع لكن مقيدًا بما إذا كانت حائضًا".
(7)
أخرج عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 108 رقم 390) وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 34 - 35) عن جابر عن الشعبي قال: لا بأس بسؤر الحائض والجنب، فلم ير به بأسًا".
(8)
حكى ابن عبد البر في "الاستذكار"(3/ 129 رقم 3054)؛ قال الوليد بن مسلم: سمعتُ الأوزاعيَّ يقول: لا بأسَ بفضلِ وضوءِ المرأةِ إلا أن تكون حائضًا أو جُنُبًا".
(9)
ذكره الحافظ في "الفتح"(1/ 300).
قلت: وقد قال ابن عبد البر في "الاستذكار"(2/ 129) رقم (1698): "الآثار في الكراهية =
[التطهير]
(1)
بفضل وضوء المرأة وفي جوازه مضطربة، لكن قال: صح عن عدة من الصحابة المنع فيما إذا خلت به، وعورض بأن الجواز أيضًا نقل عن عدة من الصحابة منهم: ابن عباس" واستدلوا بما سيأتي من الأدلة.
وقد جمع بين الأحاديث بحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملًا، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي
(2)
، وأحسن منه ما جمع به الحافظ في الفتح
(3)
من حمل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز الآتية.
10/ 10 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمونَة، رَواهُ أحمد
(4)
ومُسْلِمٌ)
(5)
. [صحيح]
11/ 11 - (وَعنِ ابْنِ عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَةَ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأ بِفَضْلِ غُسْلِهَا مِنَ الجَنَابَة. رواه أحْمَدُ
(6)
، وابن ماجَهْ
(7)
. [صحيح]
12/ 12 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أزْوَاجِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في جَفْنَةٍ فجاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِيَتَوَضَّأ مِنْهَا أوْ يَغْتَسِلَ، فَقَالتْ له: يَا رَسُولَ الله إنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فقال:"إن الماءَ لا يَجْنُبُ". رواه أحْمَدُ
(8)
وأبو دَاوُدَ
(9)
والنَّسائي
(10)
= في هذا الباب مضطربةٌ لا تقوم بها حجةٌ، والآثار الصحاح هي الواردة بالإباحة
…
وعلى ذلك جماعة أئمةِ الفتوى".
(1)
في (جـ): (التطهر).
(2)
انظر: "معالم السنن" للخطابي (1/ 52 - هامش السنن) ط: دار ابن حزم - بيروت.
(3)
في "فتح الباري"(1/ 300).
(4)
في المسند (1/ 366).
(5)
في صحيحه (1/ 257 رقم 48/ 323). وهو حديث صحيح.
(6)
في المسند (6/ 330).
(7)
في السنن (1/ 132 رقم 372).
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 156 رقم 154): "قلت: رواه أصحاب السنن الأربعة من هذا الوجه فلم يذكروا حديث ميمونة فلهذا أخرجته
…
". وهو حديث صحيح.
(8)
في المسند (1/ 23).
(9)
في السنن (رقم 68).
(10)
في السنن (1/ 173 رقم 325).
والتَّرْمِذِي
(1)
، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). [صحيح]
حديثه الأول مع كونه في صحيح مسلم قد أعله قوم بتردد وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال: وعلمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني فذكر الحديث. وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد. وأعلّ أيضًا بعدم ضبط الراوي ومخالفته، والمحفوظ ما أخرجه الشيخان
(2)
بلفظ: "إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وميمونَة كانا يغتسلانِ من إناءٍ واحدٍ" وحديث الآخر أخرجه أيضًا الدارقطني
(3)
وصححه ابن خزيمة وغيره، كذا قال الحافظ في الفتح
(4)
. وقال الدارقطني قد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم.
قوله: (لا يجنب) في نسخة بفتح الياء التحتية وفي أخرى بضمها، فالأولى من جنُب بضم النون وفتحها، والثانية من أجنب. قال في القاموس
(5)
: "وقد أجْنَبَ وجَنِبَ وجَنُبَ واسْتَجْنَبَ، وهو جُنُبْ يَستوي للواحِدِ والجمعِ" اهـ.
وظاهر حديثي ابن عباس، وميمونة، معارض لحديث الحكم السابق، وحديث الرجل الذي من الصحابة، فيتعين الجمع بما سلف. لا يقال: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يعارض قوله الخاص بالأمة. لأنا نقول: إن تعليله الجواز بأن الماء لا يجنب مشعر بعدم اختصاص ذلك به. وأيضًا النهي غير مختص بالأمة، لأن صيغة الرجل تشمله صلى الله عليه وسلم بطريق الظهور، وقد تقرر دخول المخاطب في خطاب نفسه، نعم، لو لم يرد ذلك التعليل كان فعله صلى الله عليه وسلم مخصصًا له من عموم الحديثين
(1)
في السنن (1/ 94 رقم 65). وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه ابن ماجه (1/ 132 رقم 370، 371) وابن خزيمة (1/ 57 رقم 109) والحاكم في المستدرك (1/ 159) وقال: لا يحفظُ له علة.
وانظر: "الإرواء" للمحدث الألباني رقم (27).
وخلاصة القول أن الحديث صحيح والله أعلم.
(2)
البخاري (1/ 366 رقم 253) ومسلم (1/ 257 رقم 47/ 322) من حديث ابن عباس.
(3)
في السنن (1/ 52 رقم 3) وقال الدارقطني: "اختلف في هذا الحديث على سماك ولم يقل فيه عن ميمونة غير شريك".
(4)
أي: "فتح الباري"(1/ 300).
(5)
القاموس المحيط ص 89.
السابقين. وقد نقل النووي
(1)
الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وتعقبه الحافظ
(2)
بأن الطحاوي قد أثبت فيه الخلاف.
قال المصنف
(3)
رحمه الله تعالى: "قلت: وأكثر أهل العلم على الرخصة للرجل من فَضْل طَهور المرأة. والأخبار بذلك أصح. وكرهه أحمد وإسحق إذا خلت به، وهو قول عبد الله بن سَرْجِس، وحملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به، جمعًا بينه وبين حديث الحكم.
فأما غسل الرجل والمرأة ووضوؤهما جميعًا فلا اختلاف فيه. قالت أم سلمة: "كنتُ أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة" متفق عليه
(4)
. وعن عائشة قالت: "كنتُ أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحدٍ تختلِفُ أيدينا فيه من الجنابة" متفق عليه
(5)
. وفي لفظ للبخاري
(6)
: "من إناءٍ واحدٍ نَغْتَرفُ منه جميعًا". ولمسلم
(7)
: "مِنْ إناءِ بَيْنِي وَبينَهُ واحِدِ فيُبَادِرُنِي حتى أقول: دَعْ لِي، [دع لِي]
(8)
"، وفي لفظ النسائي
(9)
: "مِنْ إناءٍ واحدٍ يبادِرُني وأبادِرُهُ حتى يقولَ: دَعي لِي، وأنا أقول: دع لي". اهـ. وقد وافق المصنف في نقل الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد جميعًا الطحاوي
(10)
والقرطبي
(11)
والنووي
(12)
، وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر
(13)
عن أبي هريرة أنه
(1)
انظر شرح صحيح مسلم للنووي (4/ 2).
(2)
في "فتح الباري"(1/ 300).
(3)
صاحب المنتقى في "المنتقى"(1/ 12 - 13).
(4)
البخاري (1/ 422 رقم 322)؛ ومسلم (1/ 257 رقم 49/ 324)؛ وأحمد (6/ 300).
(5)
البخاري (1/ 373 رقم 261)؛ ومسلم (1/ 256 رقم 45/ 321)؛ وأحمد (6/ 103).
(6)
في صحيحه (1/ 382 رقم 273).
(7)
في صحيحه (1/ 257 رقم 46/ 321).
(8)
زيادة من (أ).
(9)
في السنن (1/ 130 رقم 239).
(10)
في "شرح معاني الآثار"(1/ 26).
(11)
في كتابه "الجامع لأحكام القرآن"(13/ 54 - 55).
(12)
في شرح صحيح مسلم (4/ 2).
(13)
في "الأوسط"(1/ 291). =
كان ينهي عنه؛ وحكاه ابن عبد البر
(1)
عن قوم.
[وضوء الرجال والنساء من إناء واحد]:
ومن جملة ما يدل على جواز الاغتسال والوضوء للرجل والمرأة من الإناء الواحد جميعًا ما أخرج أبو داود
(2)
من حديث أم صُبْيَةِ الجُهَنِيَّة قالت: "اختلفت يدي ويدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء من إناءٍ واحد" ومن حديث ابن عمر
(3)
قال: "كان الرجالُ والنساءُ يتوضأونَ في زمان رسولِ الله صلى الله عليه وسلم " قال مسدد: "مِن الإناءِ الواحد جميعًا"، قال في الفتح
(4)
: "ظاهره أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة. وحكى ابن التين عن قوم أن معناه أن الرجال والنساء كانوا يتوضأون جميعًا في موضع واحد، هؤلاء على حدة وهؤلاء على حدة، والزيادة المتقدمة في قوله: "من إناء واحد" ترد عليه. وكأن هذا القائل استبعد اجتماع الرجال والنساء الأجانب. وقد أجاب ابن التين عنه بما حكاه سحنون أن معناه كان الرجال يتوضأون ويذهبون، ثم يأتي النساء وهو خلاف الظاهر، لأن قوله: جميعًا، معناه ضد المفترق كما قال أهل اللغة. وقد وقع مصرحًا بوحدة الإناء في صحيح ابن خزيمة
(5)
في هذا الحديث من طريق معتمر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر "أنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتطهرون، والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهرون منه".
والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده فيختص بالمحارم والزوجات".
= قلت: أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 36): "عن أبي هريرة أنه نهى أن تغتسل المرأة والرجل من إناء واحد".
(1)
انظر: "الاستذكار"(3/ 132 - 133).
(2)
في السنن رقم (78).
قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (382) بسند حسن.
(3)
أخرجه البخاري (1/ 298 رقم 193) وأبو داود رقم (79 و 80) والنسائي (1/ 57) ومالك في الموطأ (1/ 24).
(4)
في فتح الباري (1/ 299 - 300).
(5)
(1/ 63 رقم 121) بسند صحيح.
[الباب السادس] باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة
13/ 13 - (عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ قالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله أتَتَوَضَّأ مِنْ بِئْرِ بُضاعَةَ وَهِيَ بئْرٌ يُلْقَى فِيها الحِيَضُ وَلُحُومِ الكِلابِ وَالنَّتِنُ؟ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ". رواهُ أحمَدُ
(1)
وأبُو دَاوُدَ
(2)
وَالتًرْمِذِيُّ
(3)
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَقَالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدِيثُ بئرِ بُضاعَةَ صَحيحٌ
(4)
.
وَفِي رِوَايَةٍ لأحْمَدَ
(5)
وأبي دَاوُدَ
(6)
: إنَّهُ [يُسْتَقَى]
(7)
لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ تُطْرَحُ فِيهَا مَحَايِضُ
(8)
النِّساءِ، وَلَحْمُ الكِلابِ، وَعَذِرُ النَّاسِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إن المَاء طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ".
قَالَ أبو دَاوُدَ
(9)
: "سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: سألْتُ قيِّمَ بئْر بُضاعَةَ عَنْ عُمْقِها قُلْتُ: أكثرُ مَا يَكُونُ فِيها المَاء؟ قَالَ: إلى العَانَةِ، قُلْتُ: فَإذَا نَقَصَ، قَالَ دُونَ العَوْرَةِ، قَالَ أبُو دَاوُدَ: قدَّرْتُ بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي فَمَدَدْتُه عليها ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فإذا عَرْضُها سِتَّةُ أذْرُع، وسألتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ البُسْتَانِ فَأدْخَلَنِي إليْهِ هَلْ غُيِّرَ بِناؤهَا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ؟ فقال: لا، وَرَأيْتُ فِيها ماءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ". [صحيح]
الحديث أخرجه أيضًا الشافعي في الأم
(10)
والنسائي
(11)
وابن ماجه
(12)
(1)
في المسند (3/ 31).
(2)
في السنن رقم (66).
(3)
في السنن (1/ 95 رقم 66) وقال: حديث حسن.
(4)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 13).
(5)
في المسند (3/ 86).
(6)
في السنن رقم (67).
(7)
في (ب)(يستسقى) وهو مخالف لما في مصدري الرواية.
(8)
محايض؛ جمع المحِيضة: وهي الخِرْقة ثضعها المرأة لتتلقَّى دمَ الحيض. [النهاية (1/ 469)].
(9)
في سننه (1/ 46) ط: دار ابن حزم - بيروت.
(10)
في الأم (1/ 23) وفي ترتيب المسند (1/ 21 رقم 35).
(11)
في السنن (1/ 174).
(12)
لم يخرجه ابن ماجه.
والدارقطني
(1)
والحاكم
(2)
والبيهقي
(3)
. وقد صححه أيضًا يحيى بن معين وابن حزم والحاكم، وجوّده أبو أسامة
(4)
، ونقل ابن الجوزي أن الدارقطني قال: إنه ليس بثابت. قال في التلخيص
(5)
: "ولم نر ذلك في العلل له ولا في السنن، وأعله ابن القطان بجهالة راويه عن أبي سعيد، واختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه. قال ابن القطان: وله طريق أحسن من هذه، ثم ساقها عن أبي سعيد، وقال ابن منده في حديث أبي سعيد هذا: إسناده مشهور".
وفي الباب عن جابر عند ابن ماجه
(6)
بلفظ: "إن الماء لا ينجسه شيء"، وفي إسناده أبو سفيان طريف بن شهاب
(7)
وهو ضعيف متروك. وعن ابن عباس عند أحمد
(8)
وابن خزيمة
(9)
وابن حبان
(10)
بنحوه. وعن سهل بن سعد عند الدارقطني
(11)
. وعن عائشة عند الطبراني في الأوسط
(12)
وأبي يعلى
(13)
(1)
في السنن (1/ 29 رقم 10).
(2)
لم أجده في المستدرك من حديث أبي سعيد، بل أخرجه من حديث ابن عباس (1/ 159).
(3)
في السنن الكبرى (1/ 4، 257).
قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (2199) وابن الجارود في "المنتقى" رقم (47)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 11) والبغوي في "شرح السنة" (2/ 61). وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (1/ 142) و (14/ 160).
وصحح الحديث النووي في "المجموع (1/ 127) والألباني في "الإرواء" رقم (14).
(4)
اسمه حماد بن أسامة وهو ثقة ثبت ربما دلس. "التقريب"(1/ 195).
(5)
في "تلخيص الحبير"(1/ 13).
(6)
في السنن (1/ 173 رقم 520) وهو حديث صحيح لغيره - دون قصة الجيفة.
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 208): "هذا إسناد فيه طريف بن شهاب وقد أجمعوا على ضعفه. وله شاهد من حديث أبي سعيد رواه الترمذي والنسائي" اهـ.
(7)
انظر: "تهذيب التهذيب"(2/ 236 - 237) قال أحمد: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه.
وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس بالقوي
…
(8)
في المسند (1/ 235، 284، 308).
(9)
في صحيحه (1/ 57 - 58 رقم 109) بسند صحيح.
(10)
في صحيحه رقم (1241). وهو حديث صحيح.
(11)
في السنن (1/ 29 رقم 4).
(12)
رقم (2093).
(13)
في مسنده (8/ 203 رقم 4765).
والبزار
(1)
وابن السكن في صحاحه
(2)
، ورواه أحمد
(3)
من طريق أخرى صحيحة لكنه موقوف. وأخرجه أيضًا بزيادة الاستثناء الدارقطني
(4)
من حديث ثوبان، ولفظه:"الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه"، وفي إسناده [رِشْدين]
(5)
بن سعد
(6)
وهو متروك. وعن أبي أمامة مثله عند ابن ماجه
(7)
والطبراني
(8)
وفيه أيضًا رِشْدين، ورواه البيهقي
(9)
بلفظ: "إن الماء طَهُورٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أو لَونُهُ أو طَعمهُ بنجاسةٍ تَحدُثُ فيهِ" من طريق عطية بن بقية عن أبيه
(10)
عن ثور عن رشدين بن سعد
(11)
عن أبي أمامة، وفيه تعقب على من زعم
(1)
في مسنده (1/ 132 رقم 249 - كشف الأستار).
(2)
كما في "التلخيص الحبير"(1/ 14).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 214) وقال: "رواه البزار، وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات".
(3)
في المسند (6/ 129).
(4)
في السنن (1/ 28 رقم 1).
(5)
في (أ): (راشدين) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه:(رِشْدين) بكسر الراء وسكون المعجمة. [التقريب: (1/ 251 رقم 92)].
(6)
قال الدارقطني، وابن قانع: ضعيف الحديث. وقال الآجُري، عن أبي داود: ضعيف الحديث. وقال ابن حبان: كان ممن يجيب في كل ما يسأل ويقرأ كل ما دفع إليه سواء كان من حديثه أم من غير حديثه فغلَبت المناكير في أخباره [تهذيب التهذيب (1/ 607 - 608)].
وخلاصة القول أن حديث ثوبان ضعيف بزيادة الاستثناء.
(7)
في السنن (1/ 174 رقم 521).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 131 رقم 217): هذا إسناد فيه رِشْدين وهو ضعيف، واختلفَ عليه مع ضعفه .. ".
(8)
في المعجم الكبير (رقم: 7503) وفي الأوسط رقم (744).
وأورده الهيثمي في "المجمع"(1/ 214) وقال: وفيه رشدين بن سعد - وهو ضعيف.
(9)
في السنن الكبرى (1/ 259).
وقال الزيلعي في "نصب الراية"(1/ 94): "وهذا الحديث ضعيف، فإن رشدين بن سعد جرحه النسائي، وابن حبان، وأبو حاتم، ومعاوية بن صالح.
قلت: وخلاصة القول أن الحديث ضعيف بهذا الاسثثناء.
(10)
بقية بن الوليد: صدوقٌ كثير التدليس عن الضُّعفاء. "التقريب"(رقم: 734).
(11)
رِشْدين بن سعد، قال أحمد: لا يبالي عمَّن روى، وليس به بأس في الرقاق، وقال: أرجو أنه صالح الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف. الميزان (2/ 49 رقم 2780).
أن رشدين بن سعد تفرد بوصله. ورواه الطحاوي
(1)
والدارقطني
(2)
من طريق راشد بن سعد مرسلًا. وصحح أبو حاتم إرساله. وقال الشافعي
(3)
: لا يثبت أهل الحديث مثله، وقال الدارقطني
(4)
: لا يثبت هذا الحديث. وقال النووي
(5)
: اتفق المحدثون على تضعيفه.
قال في البدر المنير
(6)
: فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف [فتعيَّن]
(7)
الاحتجاج بالإجماع كما قال الشافعي والبيهقي وغيرهما: يعني الإجماع على أن المتغير بالنجاسة ريحًا أو لونًا أو طعمًا نجس. وكذا نقل الإجماع ابن المنذر
(8)
فقال: أجمع العلماء على أن الماء القليل [والكثير]
(9)
إذا وقعت فيه نجاسة فغيَّرت له طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس، انتهى. وكذا نقل الإجماع المهدي في البحر
(10)
.
قوله: (أتتوضأ) بتاءين مثناتين من فوق، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال في التلخيص
(11)
. قوله: (النتن)
(12)
بنون مفتوحة وتاء مثناة من فوق ساكنة ثم نون، قال ابن رسلان: وينبغي أن يضبط بفتح النون وكسر التاء وهو الشيء الذي له
(1)
في "شرح معاني الآثار"(1/ 16).
(2)
في السنن (1/ 29 رقم 5).
وهو منقطع مرسل.
(3)
ذكره النووي في "المجموع"(1/ 161).
(4)
ذكره "محمد شمس الحق العظيم آبادي" في "التعليق المغني"(1/ 28).
(5)
في "المجموع"(1/ 160).
(6)
(1/ 83).
(7)
في (ب): (فيتعين).
(8)
في "الإجماع"(ص 33 رقم 10).
(9)
زيادة من (أ) و (جـ).
(10)
في البحر الزخار (1/ 31).
(11)
(1/ 13).
(12)
انظر: مختار الصحاح (ص 269). والقاموس المحيط ص 1596.
قال السندي في حاشيته على النسائي (1/ 174): "قيل: عادةُ الناس دائمًا في الإسلام والجاهلية تنزيهُ المياه وصونُها عن النجاسات، فلا يتوهَّمُ أن الصحابةَ وهم أطهرُ الناسِ وأنزهُهُمْ كانوا يفعلون ذلك عمدًا مع عزة الماء فيهم، وإنما كانَ ذلك من أجلِ أن هذِهِ البئرَ كانت في الأرض المنخفضةِ وكانت السيولُ تحملُ الأقذارَ من الطرُقِ وتلقيها فيها. وقيل: كانت الريح تلقي ذلكَ، ويجوزُ أن يكونَ السيلُ والريح تلقيَان جميعًا. وقيل: يجوز أن المنافقين كانوا يفعلونَ ذلك" اهـ.
[رائحة]
(1)
كريهة من قولهم: نَتِنَ الشيءُ بكسر التاء ينتَن بفتحها فهو نتن. قوله: (بئر بُضاعة)
(2)
أهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها والمحفوظ في الحديث الضم. قوله: (والحيض)
(3)
بكسر الحاء جمع حيضة بكسر الحاء أيضًا مثل سدر وسدرة، والمراد بها خرقة الحيض الذي تمسحه المرأة بها، وقيل: الحيضة الخرقة التي تستثفر المرأة بها. قوله: (وعَذِرُ الناسِ)
(4)
بفتح العين المهملة وكسر الذال المعجمة جمع عَذِرة، ككلمة وكَلِم وهي الخرء، وأصلها اسم لفناء الدار ثم سمي بها الخارج من باب تسمية المظروف باسم الظرف. قوله:(إلى العانة) قال الأزهري
(5)
وجماعة: وهي موضع منبت الشعر فوق قُبُل الرجل والمرأة. قوله: (دون العورة) قال ابن رسلان: يشبه أن يكون المراد به عورة الرجل أي دون الركبة لقوله صلى الله عليه وسلم: "عورة الرجل ما بين سرته وركبته"
(6)
. قوله: (ماء متغير اللون) قال النووي
(7)
: يعني بطول المكث وأصل المنبع لا بوقوع شيء أجنبي فيه.
(1)
في (ب): (ريح).
(2)
قال ياقوت الحمويُّ في "معجم البلدان"(1/ 442): "بُضاعة: بالضمِّ وقد كسرَهُ بعضُهم.
والأولُ أكثر. وهي دارُ بني ساعدةَ بالمدينة وبئرها معروفةٌ" اهـ.
(3)
انظر: "مختار الصحاح" ص 69، و "القاموس الفقهي" سعدي أبو جيب ص 107. والنهاية (1/ 469).
(4)
القاموس المحيط (ص 562).
(5)
في "تهذيب اللغة"(3/ 203).
(6)
أخرج الدارقطني في سننه (1/ 230 - 231 رقم 3) والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 229) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "
…
وإذا زوج الرجل منكم عبده أو أجيره، فلا يرين ما بين ركبته وسرته، فإنما بين سرته وركبته من عورته".
وأخرجه أبو داود رقم (496) ولفظه: "وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيرَه، فلا ينظر إلى ما دون السرَّة وفوق الركبة". وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.
وأخرجه أحمد (2/ 187) ولفظه: "
…
وإذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره فلا ينظرن إلى شيء من عورته فإنما أسفل من سرته إلى ركبتيه من عورته" وسنده حسن.
وأخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير"(2/ 168) ولفظه: "
…
وإذا زوج أحدكم عبده أمته، أو أجيره فلا يُريَنَّ شيئًا من عورته، فإن من السرة إلى الركبة عورة". وليَّن العقيلي سوار بن داود.
وقال أحمد: شيخ بصريٌ لا بأس به، روى عنه وكيع فقلب اسمه، وهو شيخ يوثق بالبصرة لم يرو عنه غير هذا الحديث
…
(وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة
…
)، انظر:"تهذيب التهذيب"(2/ 130 - 131).
وخلاصة القول أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حسن، والله أعلم.
(7)
في "المجموع"(1/ 131).
[اختلاف العلماء في الماء الذي تقع فيه النجاسة]:
والحديث يدل على أن الماء لا يتنجس بوقوع شيء فيه سواء كان قليلًا أو كثيرًا ولو تغيرت أوصافه أو بعضها، لكنه قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة خرج عن الطهورية فكان الاحتجاج به لا بتلك الزيادة كما سلف، فلا ينجس الماء بما لاقاه، ولو كان قليلًا إلا إذا تغير، وقد ذهب إلى ذلك ابن عباس
(1)
وأبو هريرة
(2)
والحسن البصري
(3)
وابن المسيِّب
(4)
وعكرمة
(5)
وابن أبي ليلى
(6)
والثوري
(7)
وداود الظاهري والنخعي وجابر بن زيد
(8)
ومالك
(9)
والغزالي
(10)
، ومن أهل البيت
(11)
: القاسم والإمام يحيى.
وذهب ابن عمر ومجاهد والشافعية والحنفية وأحمد بن حنبل وإسحق، ومن أهل البيت: الهادي والمؤيد بالله وأبو طالب والناصر إلى أنه ينجس القليل بما لاقاه
(1)
أخرج عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 298 رقم 1144) وابن أبي شيبة في المصنف (1/ 108) وابن المنذر في الأوسط (1/ 267):
"عن يحيى بن عبيد الهمداني قال: قلت لابن عباس: أتطهر من ماء الحمام فإنه يغتسل منه الجنب وغير الطاهر؟ فقال: إن الماء لا ينجس".
(2)
أخرج ابن المنذر في الأوسط (1/ 267 - 268): عن حبيب بن شهاب العبدي عن أبيه قال: قلت لأبي هريرة: السؤرة في الحوض، تصدر عنها الإبل، تردها السباع وتلغ فيها الكلاب ويشرب منها الحمار؟ قال: لا يحرم الماء شيء".
(3)
حكاه ابن المنذر في الأوسط (1/ 266).
(4)
أخرج بن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 143) عن داود عن ابن المسيب قال: أنزل الله الماء طهورًا فلا ينجسه شيء، وربما قال: لا ينجسه شيء. قال داود: وذلك أننا سألناه عن الغدران والحياض تلغ فيها الكلاب".
(5)
أخرج أثره عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 78 رقم 257) وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 143).
(6)
حكاه ابن المنذر في الأوسط (1/ 266).
(7)
حكاه ابن قدامة في المغني (1/ 39).
(8)
أخرج أثره ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 143).
(9)
حكاه ابن رشد في "بداية المجتهد"(1/ 73) بتحقيقي.
(10)
في كتابه "إحياء علوم الدين"(1/ 129).
(11)
في البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار (1/ 32).
من النجاسة وإن لم تتغير أوصافه، إذ تستعمل النجاسة باستعماله
(1)
. وقد قال تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}
(2)
ولخبر الاستيقاظ
(3)
، وخبر الولوغ
(4)
ولحديث: "لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم"
(5)
وحديث القلَّتين
(6)
ولترجيح الحظر، ولحديث:"استفتِ قلبكَ وإنْ أفتاكَ المفتون" عند أحمد
(7)
وأبي يعلى
(8)
والطبراني
(9)
وأبي نعيم مرفوعًا، وحديث:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، أخرجه النسائي
(10)
وأحمد
(11)
وصححه ابن حبان
(12)
والحاكم
(13)
والترمذي
(14)
من حديث
(1)
حكاه عنهم المهدي في "البحر الزخار"(1/ 32).
(2)
سورة المدثر: الآية 5.
(3)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (1/ 165) و (2/ 166) و (3/ 167).
(4)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (16/ 16) و (1/ 19) و (2/ 20).
(5)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (15/ 15).
(6)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (14/ 14).
(7)
في المسند (4/ 228).
(8)
في المسند (3/ 160 رقم 1/ 1586) و (3/ 162 رقم: 12/ 587).
(9)
في المعجم الكبير (ج 22 رقم 403).
قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 245 - 246) والبخاري في التاريخ الكبير" (1/ 144 - 145) ففي سند هذا الحديث أمران يوجب كل منهما ضعفه، أحدهما الانقطاع بين الزبير بن عبد السلام وأيوب بن عبد الله بن مِكرز، فإنه رواه عن قوم لم يسمعهم.
والثاني: ضعف الزبير هذا.
وللحديث شواهد منها في الصحيح، لذا حسَّن الإمام النووي والألباني في صحيح الجامع (1/ 224 رقم 998) الحديث.
وانظر: "جامع العلوم والحكم"(2/ 93 - 96).
وخلاصة القول أن الحديث حسن. والله أعلم.
(10)
في السنن (8/ 327).
قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 245) والبغوي في "شرح السنة" رقم (2032). كلهم بلفظ: "دَع ما يُرِيُبكَ إلى ما لا يريبك".
(11)
في المسند (1/ 200).
(12)
في صحيحه رقم (722).
قلت: وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" رقم (4984) والطبراني في الكبير رقم (2711) و (2708) وأبو نعيم في "الحلية"(8/ 264) كلهم بتمامه مطولًا.
(13)
في المستدرك (2/ 13) و (4/ 99). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(14)
في السنن (4/ 668 رقم 2518) وقال: حديث حسن صحيح. =
الحسن بن علي، قالوا: فحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء"
(1)
مخصص بهذه الأدلة.
واختلفوا في حد القليل الذي يجب اجتنابه عند وقوع النجاسة فيه فقيل: ما ظن استعمالها باستعماله، وإليه ذهب أبو حنيفة والمؤيد بالله وأبو طالب. وقيل: دون القلتين
(2)
على اختلاف في قدرهما، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه والناصر والمنصور بالله.
وأجاب القائلون بأن القليل لا ينجس بالملاقاة للنجاسة إلا أن يتغير، باستلزام الأحاديث الواردة في اعتبار الظن للدور لأنه لا يعرف القليل إلا بظن الاستعمال ولا يظن إلا إذا كان قليلًا، وأيضًا الظن لا ينضبط بل يختلف باختلاف الأشخاص، وأيضًا جعل ظن الاستعمال مناطًا يستلزم استواء القليل والكثير. وعن حديث القلتين بأنه مضطرب الإسناد والمتن كما سيأتي
(3)
.
= قلت: وأخرجه الطيالسي في المسند رقم (1178) كلهم بلفظ: "دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُريبُكَ فإنَّ الصدقَ طُمأنينَةٌ، والشرَّ رِيبَةٌ".
وصحح الحديث الألباني في إرواء الغليل (1/ 44 رقم 12).
(1)
تقدم تخريجه رقم (13/ 13) من كتابنا هذا.
(2)
القُلَّةُ: مزادةٌ كبيرة من الماء، وسميت بذلك لأنها تُقَلُّ: أي تُرفع إذا ملئت، وتسع القلة أربعة أصواع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، والقُلَّةُ يؤتى بها من ناحية اليمن وتسعُ خمس جرار أو ستًا، وقال الإمام أحمد: كُل قُلّةٍ قِربتان.
[غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 263)].
وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" وهو بذيل السنن الكبرى للبيهقي (1/ 265): "قد اختلف في تفسير القلتين اختلافًا شديدًا، ففسرتا بخمس قرب، وبأربع، وبأربعة وستين رطلًا، وباثنين وثلاثين، وبالجرتين مطلقًا، وبالجرتين بقيد الكبر، وبالخابيتين. والخابية الحُبّ. فظهر بهذا جهالة مقدار القلتين فتعذر العمل بها" اهـ.
أما حديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا بلغ الماءُ قُلَّتيْنِ من قلال هجر لم ينجِّسْه شيء" فهو حديث ضعيف بهذه الزيادة.
أخرجه ابن عدي في "الكامل"(6/ 2358) في ترجمة: المغيرة بن سقلاب، وقال عنه: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن حجر في "التلخيص"(1/ 29) عن المغيرة هذا: منكر الحديث. ثم قال: (1/ 30) والحديث غير صحيح يعني بهذه الزيادة.
(3)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (14/ 14) وهو حديث صحيح، والاضطراب مدفوع.
والحاصل أنه لا معارضة بين حديث القلَّتين وحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء"
(1)
فيما بلغ مقدار القلتين فصاعدًا فلا يحمل الخبث ولا ينجس بملاقاة النجاسة إلا أن يتغير أحد أوصافه فنجس بالإجماع فيخص به حديث القلتين، وحديث:"لا ينجسه شيء"(1)، وأما ما دون القلتين فإن تغيَّر خرج عن الطهارة بالإجماع وبمفهوم حديث القلتين فيخص بذلك عموم حديث:"لا ينجسه شيء"(1) وإن لم يتغير بأن وقعت فيه نجاسة لم تغيره، فحديث:"لا ينجسه شيء" يدل بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة لِمجرد ملاقاة النجاسة، وحديث القلتين يدل بمفهومه على خروجه عن الطهورية بملاقاتها، فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم قال به في هذا المقام، ومن منع منه منعه فيه.
ويؤيد جواز التخصيص بهذا المفهوم لذلك العموم بقية الأدلة التي استدل بها القائلون بأن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره كما تقدم، وهذا المقام من المضايق التي لا يهتدي إلى ما هو الصواب فيها إلا الأفراد، وقد حققت المقام بما هو أطول من هذا وأوضح في "طيب النشر على المسائل العشر"
(2)
وللناس في تقدير القليل والكثير أقوال ليس [عليه]
(3)
أثارة من علم
(4)
فلا نشتغل بذكرها.
14/ 14 - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُسْئَلُ عَنِ المَاءِ يَكُونُ بِالفَلاةِ مِنَ الأرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّباعِ وَالدَّوَابِّ، فَقالَ:"إذا كَانَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يحْمِلِ الخبَثَ". رواه الخَمْسَةُ
(5)
، وفي لَفْظِ ابْنِ مَاجَهْ
(6)
وَرِوَايَةٍ لأحْمَدَ
(7)
: "لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيءٌ"). [صحيح]
(1)
تقدم تخريجه رقم (13/ 13) من كتابنا هذا.
(2)
مخطوط. انظر مؤلفات الإمام الشوكاني المخطوطة رقم (127).
(3)
في (جـ): (عليها).
(4)
انظر التعليقة رقم (2) من الصفحة ص 176 من كتابنا هذا.
(5)
أحمد في المسند (2/ 12، 27، 38) وأبو داود في السنن رقم (63) والترمذي (1/ 97 رقم 67) والنسائي (1/ 175) وابن ماجه (1/ 172 رقم 517).
(6)
في السنن رقم (517).
(7)
في المسند (2/ 27).
الحديث أخرجه أيضًا الشافعي
(1)
وابن خزيمة
(2)
وابن حبان
(3)
والحاكم
(4)
والدارقطني
(5)
والبيهقي
(6)
وقال الحاكم
(7)
: صحيح على شرطهما. وقد احتجا بجميع رواته. واللفظ الآخر من حديث الباب أخرجه أيضًا الحاكم (7)، وأخرجه أبو داود
(8)
بلفظ: "لا ينجس"، وكذا أخرجه ابن حبان
(9)
. وقال ابن منده
(10)
: إسناد حديث القلتين على شرط مسلم انتهى. ومداره على الوليد بن كثير
(11)
فقيل: عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير
(12)
، وقيل: عنه عن محمد بن عباد بن جعفر
(13)
، وقيل:
(1)
في "الأم"(1/ 11 - 12 رقم 24).
(2)
في صحيحه (1/ 49 رقم 92).
(3)
في صحيحه (4/ 57 رقم 1249).
(4)
في المستدرك (1/ 132).
(5)
في السنن (1/ 13 رقم 1).
(6)
في السنن الكبرى (1/ 260، 261، 262).
"ومعرفة السنن والآثار"(2/ 90 رقم 1885). وهو حديث صحيح.
(7)
في المستدرك (1/ 133).
(8)
في السنن رقم (65).
(9)
في صحيحه رقم (1249).
(10)
كما في "نصب الراية" للزيلعي (1/ 107).
(11)
الوليد بن كثير المخزومي، أبو محمد، المدني، ثم الكوفي، صدوق، عارف بالمغازي، رمي برأي الخوارج. "التقريب"(2/ 335).
• وأما قوله: ومداره على الوليد بن كثير غير صحيح. فقد تقدم أنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عمر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من الدواب والسباع: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان الماء قدر قلتين لم يحمل الخبث".
أخرجه أحمد (2/ 27) وأبو داود رقم (64) والترمذي رقم (67) وابن ماجه رقم (517) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 261) والحاكم (1/ 133) والبغوي في شرح السنة رقم (282). والدارقطني (1/ 19، 21). وهو حديث صحيح.
وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عن الدارقطني فانتفت شبهة تدليسه.
وانظر ما قاله أبو الأشبال في جامع الترمذي (1/ 98 - 99)، وانظر:"نصب الراية"(1/ 104 - 111)، والتلخيص الحبير (1/ 16 - 20).
(12)
محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام، الأسدي، المدني، ثقة. "التقريب"(2/ 150).
(13)
محمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمر، المخزومي، المكي ثقة. "التقريب"(2/ 174).
عنه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وقيل: عنه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وهذا اضطراب في الإسناد، وقد روي أيضًا بلفظ:"إذا كان الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجس" كما في رواية لأحمد
(1)
والدارقطني
(2)
، وبلفظ:"إذا بلغ الماء قلة فإنه لا يحمل الخبث" كما في رواية للدارقطني
(3)
وابن عدي
(4)
والعقيلي
(5)
وبلفظ: "أربعين قلة"، عند الدارقطني
(6)
وهذا اضطراب في المتن.
وقد أجيب عن دعوى الاضطراب في الإسناد بأنه على تقدير أن يكون محفوظًا من جميع تلك الطرق لا يعد اضطرابًا لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة، قال الحافظ
(7)
: "وعند التحقيق أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن [عبد الله بن]
(8)
عبد الله بن عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم. وله طريق ثالثة عند الحاكم
(9)
جوَّد إسنادها ابن معين.
وعن دعوى الاضطراب في المتن بأن رواية "أو ثلاث" شاذة ورواية "قلة" مضطربة، وقيل: إنهما موضوعتان، ذكر معناه في البدر المنير
(10)
. ورواية ["أربعين"]
(11)
ضعفها الدارقطني
(12)
بالقاسم بن عبد الله العمري
(13)
، قال
(1)
في المسند (2/ 23، 107).
(2)
في السنن (1/ 22 رقم 20).
(3)
في السنن (1/ 26 - 27 رقم 34 - 40).
(4)
في "الكامل"(6/ 2058). في ترجمة القاسم بن عبد الله العمري.
(5)
في "الضعفاء"(3/ 473). في ترجمة القاسم بن عبد الله العمري.
(6)
في السنن (1/ 26 - 27 رقم 34 - 40).
(7)
في "التلخيص الحبير"(1/ 17 - 18).
(8)
زيادة من (أ) و (ب).
(9)
في المستدرك (1/ 133).
(10)
(2/ 97). وانظر: "المجموع"(1/ 164).
(11)
زيادة من (أ).
(12)
في السنن (1/ 26 رقم 34) وقال: "كذا رواه القاسم العمري عن ابن المنكدر، عن جابر، ووهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ، وخالفه روح بن القاسم وسفيان الثوري ومعمر بن رشد، رواه عن محمد بن المنكدر عند عبد الله بن عمرو موقوفًا، ورواه أيوب السختياني عن ابن المنكدر من قوله لم يجاوزه.
(13)
قال ابن حجر في "التقريب"(2/ 118): "القاسم بن عبد الله بن عمر بن عاصم بن عمر بن الخطاب، متروك، رماه أحمد بالكذب".
ابن عبد البر في التمهيد
(1)
: "ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر، لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع". وقال في الاستذكار
(2)
: "حديث معلول ردَّه إسماعيل القاضي
(3)
وتكلم فيه"، وقال الطحاوي
(4)
: "إنما لم نقل به لأن مقدار القلتين لم يثبت". وقال ابن دقيق العيد
(5)
: "هذا الحديث قد صحَّحه بعضهم وهو صحيح على طريقة الفقهاء، ثم أجاب عن الاضطراب. وأما التقييد بقلال هجر فلم يثبت مرفوعًا إلا من رواية المغيرة بن سقلاب
(6)
عند ابن عدي
(7)
وهو منكر الحديث، قال النفيلي
(8)
: لم يكن مؤتمنًا على الحديث، وقال ابن عدي
(9)
: لا يتابع على عامة حديثه.
(1)
نقله عنه ابن الملقن في "البدر المنير"(2/ 102).
وقال في "التمهيد"(1/ 329): "
…
وبعضهم يقول فيه: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" وهذا اللفظ محتمل للتأويل، ومثل هذا الاضطراب في الإسناد، يوجب التوقف عن القول بهذا الحديث، إلى أن القلتين غير معروفتين، ومحال أن يتعبد الله عباده بما لا يعرفونه" اهـ.
(2)
قال ابن عبد البر في "الاستذكار"(2/ 102): (1588 - وقد تكلم إسماعيل في هذا الحديث وردَّه بكثير من القول في كتاب "أحكام القرآن").
(3)
هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، الأزدي، أبو إسحاق، قال الخطيب:"كان عالمًا متقنًا فقيهًا، شرح مذهب مالك، واحتج له وصنف "المسند" وصنَّف عُلوم القرآن، وجمعَ حديث أيوب، وحديثَ مالك. ثم صنَّف "الموطأ" وألف كتابًا في الرد على محمد بن الحسن، يكون نحو مئتي جُزءٍ ولم يكمل.
استوطن بغداد، وولي قضاءَها إلى أن توفي. وتقدم حتى صار علمًا، ونشرَ مذهبَ مالك بالعراق.
وله كتابُ "أحكام القرآن" لم يُسبَق إلى مثله، وكتاب "معاني القرآن" وكتاب في "القراءات". توفي سنة (282 هـ).
[انظر: "تاريخ بغداد (6/ 284 - 290) وسير أعلام النبلاء (13/ 339 - 342)].
(4)
في شرح معاني الآثار (1/ 16).
(5)
في "شرح الإلمام" ولا يزال مخطوطًا.
(6)
المغيرة بن سقلاب: قال ابن حبان: "كان ممن يخطئ ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، فغلب على حديثه المناكير والأوهام، فاستحق الترك". وقال ابن حجر: "منكر الحديث". ["الميزان" (4/ 163) و "المجروحين" (3/ 8)].
(7)
في "الكامل". (6/ 2357).
(8)
كما في "الميزان"(4/ 163).
(9)
في "الكامل"(6/ 2358).
ولكن أصحاب الشافعي قوَّوا كون المراد قلال هجر بكثرة استعمال العرب لها في أشعارهم، كما قال أبو عبيد في كتاب الطهور
(1)
، وكذلك ورد التقييد بها في الحديث الصحيح قال البيهقيُّ: قلال هجر كانت مشهورة عندهم ولهذا شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى ليلة المعراج
(2)
من نبق
(3)
سدرة المنتهى بقلال هجر. قال الخطابي
(4)
: "قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار، والقلة لفظ مشترك، وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني تبقى مترددة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار جعل الشارع الحدي مقدَّرًا بعدد فدل على أنه أشار إلى أكبرها لأنه لا فائدة [من]
(5)
تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على التقدير بواحدة كبيرة" ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف والتعسف
(6)
.
قوله: (ما يَنُوبُهُ)
(7)
هو بالنون، أي يَرِدُ عليه نوبة بعد أخرى، وحكى الدارقطني: أن ابن المبارك صَحَّفه فقال: [يثوبه]
(8)
بالثاء المثلثة. قوله: (لم يحمل الخبث) هو بفتحتين النجس كما وقع تفسير ذلك بالنجس في الروايات المتقدمة والتقدير لم يقبل النجاسة بل يدفعها عن نفسه، ولو كان المعنى أنه يضعف عن حملها لم يكن للتقييد بالقلتين معنى فإن ما دونهما أولى بذلك، وقيل: معناه لا
(1)
ص 135.
(2)
يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم (3207) ورقم (3393) ورقم (3430) ورقم (3887) ومسلم (1/ 149 - 151 رقم 164)، والترمذي (5/ 242 رقم 3346) وغيرهم.
عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم
…
فذكر حديث المعراج. وفيه: قال: "ورُفعت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نبقُها كأنهُ قِلالُ هَجَر
…
".
(3)
النَّبق: ثمر السِّدر، واحدته (نَبقة) بفتح النون وكسرها، ويشبه العنَّاب، [النهاية (5/ 10)].
(4)
في "معالم السنن"(1/ 44 - 45). ط: دار ابن حزم - بيروت.
(5)
في (جـ): (في).
(6)
انظر اعتراض ابن القيم في "تهذيب السنن"(1/ 63 - مع المختصر) على الاستدلال بحديث المغيرة بن سقلاب، وحديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما، على تقدير قلال هجر. فقد أجاد وأفاد.
(7)
النهاية (5/ 123).
(8)
في المخطوط (تثوبة)، والتصويب من النهاية.
يقبل حكم النجاسة. وللخبث معان أخر ذكرها في النهاية
(1)
، والمراد ههنا ما ذكرنا.
والحديث يدل على أن قدر القلتين لا ينجس بملاقاة النجاسة وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأولى، ولكنه مخصص أو مقيد بحديث:"إلا ما غيَّر ريحه أو لونه أو طعمه"
(2)
، وهو وإن كان ضعيفًا فقد وقع الإجماع على معناه، وقد تقدم تحقيق الكلام والجمع بين الأحاديث.
15/ 15 - (وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ"، رَوَاهُ الجمَاعَة
(3)
وَهذَا لَفْظُ البُخارِيَّ، وَلَفْظُ الترْمِذِيِّ
(4)
: "ثمَّ يَتَوَضَّأ مِنْهُ"، وَلَفْظُ البَاقِينَ:"ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ"). [صحيح]
قوله: (الدائم) تقدم تفسيره. قوله: (الذي لا يجري) قيل: هو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه وقد احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك. وقيل: احترز به عن الماء الراكد لأنه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى، ولهذا لم يذكر البخاري هذا القيد حيث جاء بلفظ الراكد بدل الدائم. وكذلك مسلم
(5)
في حديث جابر، وقال ابن الأنباري: الدائم من حروف الأضداد يقال للساكن والدائر. وعلى هذا يكون قوله: لا يجري. صفة مخصصة لأحد معنيي المشترك. وقيل: الدائم والراكد مقابلان للجاري، لكن الدائم الذي له نبع والراكد الذي لا نبع له
(6)
.
قوله: (ثم يغتسل فيه) ضبطه النووي في شرح مسلم
(7)
بضم اللام، قال في
(1)
(2/ 4 - 6).
(2)
حديث ضعيف تقدم تخريجه ص 187 - 188 من كتابنا هذا.
(3)
البخاري (1/ 346 رقم 239)؛ ومسلم (1/ 235 رقم 95/ 282)؛ وأحمد (2/ 346)؛ وأبو داود (رقم 70)؛ والنسائي (1/ 49)؛ والترمذي (1/ 100 رقم 68) وقال: حسن صحيح؛ وابن ماجه (1/ 124 رقم 344). وهو حديث صحيح.
(4)
في السنن رقم (68).
(5)
في صحيح (1/ 235 رقم 94/ 281).
(6)
انظر: لسان العرب (4/ 446 - 447) مادة (دوم).
(7)
(3/ 187).
الفتح
(1)
: وهو المشهور. قال النووي
(2)
أيضًا: "وذكر شيخنا أبو عبد الله بن مالك أنه يجوز أيضًا جزمه عطفًا على موضع يبولن، ثم نصبه بإضمار أن وإعطاء ثم حكم واو الجمع".
فأما الجزم فلا مخالفة بينه وبين الأحاديث الدالة على أنه يحرم البول في الماء الدائم على انفراده، والغسل على انفراده كما تقدم في باب بيان زوال تطهيره لدلالته على تساوي الأمرين في النهي عنهما.
وأما النصب فقال النووي
(3)
: "لا يجوز لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أم لا". وضعفه ابن دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر، وتعقبه ابن هشام في "المغني" فقال: إنه وهم، وإنما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في النصب لا في المعية، قال: وأيضًا ما أورده إنما جاء من قبيل المفهوم
(4)
لا المنطوق
(5)
، وقد قام دليل آخر على عدم إرادته، ونظيره إجازة الزجَّاج
(6)
والزمخشري
(7)
، في قوله
(1)
(1/ 347).
(2)
في شرح صحيح مسلم (3/ 187).
(3)
في شرح صحيح مسلم (3/ 187).
(4)
المفهوم: هو ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق، أو ما أفاده اللفظ من أحوال لأمر غير مذكور. وينقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.
أما مفهوم الموافقة: فهو أن يكون حكم المسكوت عنه حكم المذكور. فإن كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق فهو (فحوى الخطاب) نحو: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} فإنه يدل على تحريم الضرب بالأولى.
وأما مفهوم المخالفة: فهو أن يكون المسكوت عنه مخالفًا للمنطوق به في الحكم. وينقسم إلى خمسة أقسام: صفة - وشرط - وغاية - وعدد - وحصر. وللأخذ بالمفاهيم شروط.
انظر ذلك في: "تفسير النصوص"(1/ 607 - 756) للدكتور محمد أديب الصالح.
(5)
المنطوق: هو ما أفاده اللفظ من أحوال مذكورة. وما دل عليه اللفظ في محل النطق.
وينقسم إلى قسمين: نص - وظاهر.
انظر المرجع السابق (1/ 594 - 606).
(6)
في "معاني القرآن وإعرابه"(1/ 124 - 125).
(7)
في "الكشاف"(1/ 65).
تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقّ}
(1)
كون {وَتَكْتُمُوا} مجزومًا وكونه منصوبًا مع أن النصب معناه النهي اهـ.
وقد اعترض الجزم القرطبي
(2)
بما حاصله أنه لو أراد النهي عنه لقال: ثم يغتسلن بالتأكيد، وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكد لاحتمال أن يكون للتأكيد معنى في أحدهما ليس في الآخر اهـ.
والحاصل أنه قد ورد النهي عن مجرد الغسل من دون ذكر للبول كحديث أبي هريرة المتقدم في باب بيان زوال تطهير الماء، وورد النهي عن مجرد البول من دون ذكر للغسل كما في صحيح مسلم
(3)
: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد"، والنهي عن كل واحد منهما على انفراده يستلزم النهي عن فعلهما جميعًا بالأولى. وقد ورد النهي عن الجمع بينهما في حديث الباب إن صحت رواية النصب، والنهي عن كل واحد منهما في حديث عند أبي داود
(4)
، ويدل عليه حديث الباب على رواية الجزم.
وأما على رواية الرفع فقال القرطبي
(5)
: إنه نبه بذلك على مآل الحال، ومثله بقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يضربنَّ أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها"
(6)
أي ثم هو يضاجعها، والمراد النهي عن الضرب؛ لأن الزوج يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها فتمتنع لإساءته إليها، فيكون المراد ههنا النهي عن البول في الماء؛ لأن البائل يحتاج في مآل حاله إلى التطهر به فيمتنع ذلك للنجاسة.
(1)
سورة البقرة: الآية 42.
(2)
في "المفهم"(1/ 541).
(3)
(1/ 235 رقم 94/ 281) من حديث جابر.
(4)
في السنن رقم (70).
(5)
في "المفهم"(1/ 542).
(6)
ذكره ابن حجر في "الفتح"(1/ 347) باللفظ المذكور.
وأخرج أحمد في المسند (4/ 17) والبخاري رقم (4942) و (5204) و (6042) ومسلم رقم (2855) والترمذي رقم (3343) وابن ماجه رقم (1938) والدارمي (2/ 147) وابن حبان في صحيحه رقم (4190) عن عبد الله بن زَمعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَلامَ يجلِدُ أحدُكم امرأتَهُ جلدَ العبدِ، ثم يجامِعُها في آخرِ اليومِ" وهو حديث صحيح.
قال النووي
(1)
: "وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة فإن كان الماء كثيرًا جاريًا لم يحرم البول فيه ولكن الأولى اجتنابه، وإن كان قليلًا جاريًا فقد قال جماعة من أصحاب الشافعي: يكره. والمختار أنه يحرم لأنه يقذره وينجسه، ولأن النهي يقتضي التحريم عند المحققين والأكثرين من أهل الأصول، وهكذا إذا كان كثيرًا راكدًا أو قليلًا، لذلك قال: وقال العلماء من أصحابنا وغيرهم: يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلًا كان أو كثيرًا، وكذا يكره الاغتسال في العين الجارية، قال: وهذا كله على كراهة التنزيه لا التحريم" انتهى.
وينظر ما القرينة الصارفة للنهي عن التحريم، ولا فرق في تحريم البول في الماء بين أن يقع البول فيه أو في إناء ثم يصب إليه، خلافًا للظاهرية، والتغوط كالبول وأقبح، ولم يخالف في ذلك أحد إلا ما حكي عن داود الظاهري
(2)
. قال النووي
(3)
: وهو خلاف الإجماع، وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر. وقد نصر قول داود ابن حزم في المحلى
(4)
وأورد للفقهاء الأربعة من هذا الجنس الذي أنكره أتباعهم على داود شيئًا واسعًا.
واعلم أنه لا بد من إخراج هذا الحديث عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًّا لا تؤثر فيه النجاسة، وحملته الشافعية على ما دون القلتين لأنهم يقولون: إن قدر القلتين فما فوقهما لا ينجس إلا بالتغير. وقيل: حديث القلتين عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمي، وردَّ بأن المعنى المقتضي للنهي هو عدم التقرب إلى الله تعالى بالمتنجس، وهذا المعنى يستوي فيه سائر النجاسات ولا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى.
قوله: (ثم يتوضأ منه) فيه دليل على أن النهي لا يختص بالغسل بل الوضوء في معناه، ولو لم يرد هذا لكان معلومًا لاستواء الوضوء والغسل في المعنى المقتضي للنهي كما تقدم.
(1)
في شرح مسلم (3/ 187 - 188، 189).
(2)
انظر: "الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي" إعداد: عارف خليل محمد أبو عيد. ص 165 - 166.
(3)
في شرح صحيح "مسلم (3/ 188).
(4)
(1/ 210 - 211) رقم المسألة (150).
قوله: (ثم يغتسل منه)، هذا اللفظ ثابت أيضًا في البخاري
(1)
من طريق أبي الزناد، وللبخاري
(2)
ومسلم
(3)
من طريق أخرى: "ثم يغتسل فيه"، قال ابن دقيق العيد: وكل واحد من اللفظين يفيد حكمًا بالنص وحكمًا بالاستنباط اهـ. وذلك لأن الرواية بلفظ فيه تدل على منع الانغماس بالنص وعلى منع التناول بالاستنباط، والرواية بلفظ منه بعكس ذلك.
وقد استدل بهذا الحديث أيضًا على نجاسة المستعمل وعلى أنه طاهر مسلوب الطهورية، وقد تقدم الكلام على البحثين.
قال المصنف
(4)
رحمه الله تعالى: ومن ذهب إلى خبر القلتين حمل هذا الخبر على ما دونهما، وخبر بئر بضاعة على ما بلغهما جمعًا بين الكل اهـ. وقد تقدم تحقيق ذلك.
[الباب السابع] باب أسْآر البهائم
حديث ابن عمر في القلتين يدل على نجاستها، وإلا يكون التحديد [بالقلتين]
(5)
في جواب السؤال عن ورودها على الماء عبثًا.
16/ 16 - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في إناءِ أحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسلْهُ سَبع مَرَّاتٍ". رَوَاهُ مُسْلِمْ
(6)
وَالنَّسَائِي
(7)
. [صحيح]
الحديث له ألفاظ هذا أحدها. وفي الباب أحاديث منها عن عبد الله بن مغفل
(8)
، وسيأتي في باب اعتبار العدد في الولوغ، وحديث ابن عمر
(9)
الذي أشار
(1)
في صحيحه رقم (239).
(2)
في صحيحه رقم (239).
(3)
في صحيحه رقم (95/ 282).
(4)
أي ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 16).
(5)
زيادة من (أ) و (ب).
(6)
في صحيحه (1/ 234 رقم 89/ 279).
(7)
في السنن (1/ 176 - 177 رقم 335).
(8)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (2/ 20).
(9)
تقدم تخريجه رقم (14/ 14) من كتابنا هذا.
إليه المصنف في القلتين تقدم. وقد استدل به على نجاسة أسآر البهائم لما ذكره.
قوله: (إذا ولغ)] قال في الفتح
(1)
: "يقال: ولغ يلغ - بالفتح فيهما -، إذا شرب بطرف لسانه. قال ثعلب
(2)
: هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه، زاد ابن دَرَسْتَويه
(3)
: شرب، أولم يشرب، قال [مكي]
(4)
: فإن كان غير مائع يقال: لعقه".
قوله: (في إناء أحدكم)] ظاهره العموم في الآنية وهو يخرج ما كان من المياه في غير الآنية، وقيل: أصل الغسل معقول المعنى وهو النجاسة فلا فرق بين الإناء وغيره. قال العراقي: ذكر الإناء خرج مخرج الأغلب لا للتقييد.
قوله: (فليرقه) قال النسائي
(5)
: لم يذكر فليرقه غير عليّ بن
(1)
أي فتح الباري (1/ 274).
(2)
هو أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني مولاهم الإمام البغدادي، أبو العباس ثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة ولد سنة (200 هـ) وابتدأ النظر في العربية والشعر واللغة سنة ست عشرة .. صنف المصون في النحو، واختلاف النحويين، ومعاني القرآن وغيرها .. توفي سنة (291 هـ). [بغية الوعاة للسيوطي (1/ 396 رقم 787)].
(3)
هو عبد الله بن جعفر بن دَرَسْتويه بن المرزبان أبو محمد الفارسي الفسوي النحوي. ولد سنة (258 هـ) وتوفي سنة (347 هـ). وله تصانيف كثيرة [انظر: "إنباه الرواة على أنباه النُحاة" لأبي الحسن علي بن يوسف القِفْطي (2/ 113 - 114 ت: 321)].
(4)
في فتح الباري (1/ 274): [ابن مكي].
(5)
في سننه (1/ 53 رقم 66) عقب الحديث: "قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا تابعَ علي بن مُسْهِرٍ على قوله: فليُرِقْه" اهـ.
قال ابن الملقن في "البدر المنير"(2/ 325): "قلت: ولا يضر تفرُّده بها، فإنَّ علي بن مسهر إمام حافظ، متقن على عدالته والاحتجاج به، ولهذا قال - بعد تخريجه لها - الدارقطني - في السنن (1/ 64 رقم 2): إسنادها حسن ورواتها ثقات.
وأخرجها إمام الأئمة، محمد بن إسحاق بن خزيمة في "صحيحه"(1/ 51 رقم 98) - ولفظه "فليهرقه" اهـ.
وقال ابن عبد البر - كما في فتح البر (3/ 77) -: قال أبو عمر: أما هذا اللفظ في حديث الأعمش "فليهرقه"، فلم يذكره أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ مثل شعبة وغيره" اهـ.
وقال ابن حجر في "الفتح"(1/ 275): "قلت: قد ورد الأمر بالإراقة أيضًا من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا أخرجه ابن عدي، لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف. وكذا ذكر الإراقة حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفًا وإسناده صحيح أخرجه الدارقطني وغيره" اهـ.
مُسْهِر
(1)
. وقال ابن منده
(2)
: تفرد بذكر الإراقة فيه علي بن مسهر ولا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه. قال الحافظ: ورد الأمر بالإراقة عند مسلم
(3)
من طريق الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة، وقد حسَّن الدارقطني
(4)
حديث الإراقة، وأخرجه ابن حبان في صحيحه
(5)
، ورواه مسلم
(6)
بزيادة: "أولاهن بالتراب" كما سيأتي.
والحديث يدل على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب، وإليه ذهب ابن عباس
(7)
وعروة بن الزبير
(8)
ومحمد بن سيرين
(9)
وطاوس
(10)
وعمرو بن دينار
(11)
والأوزاعي
(12)
ومالك
(13)
والشافعي
(14)
وأحمد بن حنبل
(15)
وإسحق
(16)
وأبو ثور
(17)
وأبو عبيد
(18)
وداود
(19)
.
[مذاهب العلماء في وجوب الغسلات السبع]:
وذهبت العترة والحنفية
(20)
إلى عدم الفرق بين لعاب الكلب وغيره من
(1)
علي بن مسهر، القرشي، الكوفي، قاضي الموصل، ثقة، له غرائب بعد ما أضرّ، "التقريب"(2/ 44).
(2)
ذكره ابن الملقن في "البدر المنير"(2/ 324).
(3)
في صحيحه رقم (89/ 279).
(4)
في السنن (1/ 64 رقم 2) وقال: صحيح. إسناده حسن ورواته كلهم ثقات.
(5)
(4/ 111 رقم 1296) بسند صحيح.
(6)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (1/ 19).
(7)
حكاه عنه ابن المنذر في الأوسط (1/ 305).
(8)
حكاه عنه ابن حزم في المحلى (1/ 112).
(9)
حكاه ابن عبد البر عنه في "الاستذكار"(2/ 207).
(10)
أخرج أثره عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 96 رقم 332).
(11)
أخرج أثره عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 97 رقم 334).
(12)
حكاه عنه ابن المنذر في "الأوسط"(1/ 305).
(13)
انظر: المدونة (1/ 5).
(14)
انظر: روضة الطالبين للنووي (1/ 32).
(15)
انظر: مسائل أحمد لأبي داود ص 4، ومسائل أحمد لعبد الله ص 8.
(16)
حكاه عنه ابن منصور في مسائل أحمد وإسحاق بن راهويه (1/ 35).
(17)
حكاه عنه ابن حزم في "المحلى"(1/ 112).
(18)
انظر: "الطهور" لأبي عبيد ص 159 - 160.
(19)
حكاه عنه ابن حزم في "المحلى"(1/ 112).
(20)
انظر: "شرح فتح القدير"(1/ 112 - 113).
النجاسات، وحملوا حديث السبع على الندب، واحتجوا بما رواه الطحاوي
(1)
والدارقطني
(2)
موقوفًا على أبي هريرة أنه يغسل من ولوغه ثلاث مرات، وهو الراوي للغسل سبعًا، فثبت بذلك نسخ السبع وهو مناسب لأصل بعض الحنفية من وجوب العمل بتأويل الراوي، وتخصيصه ونسخه، وغير مناسب لأصول الجمهور من عدم العمل به.
ويحتمل أن أبا هريرة أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها [أو]
(3)
أنه نسي ما رواه. وأيضًا قد ثبت عنه أنه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر، أما من حيث الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه
(4)
، وهذا من أصح الأسانيد. والمخالفة من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه
(5)
، وهو دون الأول في القوة بكثير، قاله الحافظ في الفتح
(6)
، وأما من حيث النظر فظاهر. وأيضًا قد روى التسبيع غير أبي هريرة
(7)
فلا يكون مخالفة فتياه قادحة في مروي غيره، وعلى كل حال فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن جملة أعذارهم عن العمل بالحديث أن العذرة أشد نجاسة من سؤر الكلب، ولم تقيد بالسبع، فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى، ورد بأنه لا يلزم
(1)
في "شرح معاني الآثار"(1/ 23).
(2)
في السنن (1/ 66 رقم 16) وقال: هذا موقوف، ولم يروه هكذا غيرُ عبدِ الملكِ عن عطاء، والله أعلم.
(3)
في (جـ): (و).
(4)
أخرجه البيهقي في "المعرفة"(2/ 60).
(5)
قال البيهقي في "المعرفة"(2/ 59 - 60): "وأما الذي يُروى عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، عن أبي هريرة موقوفًا عليه: "إذا ولغَ الكلبُ في الإناء فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات". فإنه لم يروه غير عبد الملك، وعبد الملك لا يُقبل منه ما يخالف فيه الثقات. وقد رواه محمد بن فُضَيْل، عن عبد الملك، مضافًا إلى فعل أبي هريرة دون قوله
…
" اهـ.
(6)
(1/ 277).
(7)
قال البيهقي في "المعرفة"(2/ 60): "وروي عن علي، وابن عمر، وابن عباس، مرفوعًا في الأمر بغسله سبعًا" اهـ.
من كونها أشد في الاستقذار أن لا يكون الولوغ أشد منها في تغليظ الحكم، وبأنه قياس في مقابلة النص الصريح وهو فاسد الاعتبار.
(ومنها) أيضًا أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب فلما نهى عن قتلها نسخ الأمر بالغسل، وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة والأمر بالغسل متأخر جدًّا لأنه من رواية أبي هريرة، وعبد الله بن مغفل، وكان إسلامهما سنة سبع، وسياق حديث ابن مغفل الآتي
(1)
ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب، وقد اختلف أيضًا في وجوب التتريب للإناء الذي ولغ فيه الكلب، وسيأتي بيان ذلك في باب اعتبار العدد.
(الكلام على نجاسة الكلب):
واستدل بهذا الحديث أيضًا على نجاسة الكلب لأنه إذا كان لعابه نجسًا وهو عرق فمه، ففمه نجس، ويستلزم نجاسة سائر بدنه، وذلك لأن لعابه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه بالأولى، وقد ذهب إلى هذا الجمهور. وقال عكرمة ومالك في رواية عنه
(2)
: أنه طاهر. ودليلهم قول الله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ}
(3)
ولا يخلو الصيد من التلوث بريق الكلاب، ولم [نؤمر]
(4)
بالغسل. وأجيب عن ذلك بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجَّس من الصيد، وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس من العموم، ولو سلَّم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه.
واستدلوا أيضًا بما ثبت عند أبي داود
(5)
من حديث ابن عمر بلفظ: "كانتِ الكلابُ تُقبلُ وتُدْبِرُ زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجدِ فلم يكونوا يرُشُّونَ شيئًا من ذلكَ" وهو في البخاري
(6)
. وأخرجه الترمذي
(7)
بزيادة "وتبول"، ورد بأن البول مجمع على
(1)
سيأتي في كتابنا هذا برقم (2/ 20).
(2)
انظر: "الاستذكار"(2/ 258).
(3)
سورة المائدة الآية: 4.
(4)
في (ب): (يؤمر).
(5)
في السنن رقم (382).
(6)
في صحيحه (1/ 278 رقم 174) معلقًا. بزيادة: وتبول.
(7)
لم أقف عليه عند الترمذي. وقد أخرجه أحمد رقم (5389) بسند صحيح. والبغوي في شرح السنة (2/ 82 رقم 292) وقال: حديث صحيح.
نجاسته، فلا يصلح حديث بول الكلاب في المسجد حجة يعارض بها الإجماع. وأما مجرد الإقبال والإدبار فلا يدلان على الطهارة، وأيضًا يحتمل أن يكون ترك الغسل لعدم تعيين موضع النجاسة أو لطهارة الأرض بالجفاف، قال المنذري
(1)
: إنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد. قال الحافظ
(2)
: "والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها". واستدلوا على الطهارة أيضًا بما سيأتي من الترخيص في كلب الصيد والماشية والزرع
(3)
. وأجيب [بأنه]
(4)
لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة، غاية الأمر أنه تكليف شاق وهو لا ينافي التعبد به.
[الباب الثامن] باب سؤر الهر
17/ 17 - (عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِك - كَانَتْ تَحْتَ ابن أبِي قَتادَة: أن أبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضوءًا، فَجاءَت هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ فأصْغى لهَا الإنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَت كَبشَةُ: فَرَآنِي أنْظُرُ، فَقَالَ: أتَعْجَبينَ يَا ابْنَةَ أخي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ:"إنَّها لَيْسَت بِنَجِسٍ، إنَّها من الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطوَّافَاتِ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ
(5)
وَقَالَ التَّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). [صحيح]
18/ 18 - (وعَنْ عائِشَةَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ كَانَ يُصْغِي إلى الهِرَّةِ الإناءَ حَتَّى تَشْرَبَ ثُمَّ يَتَوَضأ بِفَضلِها. رَوَاهُ الدَّارقُطْني
(6)
. [ضعيف]
(1)
انظر: مختصر أبي داود (1/ 226). وفتح الباري (1/ 278).
(2)
في "فتح الباري"(1/ 279).
(3)
في كتابنا هذا رقم (1/ 3608) و (2/ 3609) و (3/ 3610).
(4)
في (ب): (بأن).
(5)
أحمد (5/ 303، 309) وأبو داود رقم (75) والترمذي رقم (92)؛ والنسائي (1/ 55، 178)؛ وابن ماجه رقم (367).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(6)
في سننه (1/ 66 رقم 1) قال الدارقطني: "قال أبو بكر: يعقوب هذا أبو يوسف القاضي، وعبد ربه هو عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف" اهـ. =
الحديث الأوَّل أخرجه أيضًا البيهقي
(1)
، وصححه البخاري والعقيلي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني
(2)
، وأعله ابن منده
(3)
بأن حميدة [الراوية]
(4)
له عن كبشة مجهولة وكذلك كبشة، قال: ولم يعرف لهما إلا هذا الحديث، وتعقبه الحافظ
(5)
بأن لحميدة حديثًا آخر في تشميت العاطس، رواه أبو داود
(6)
، [ولها]
(7)
ثالث رواه أبو نعيم في
= قلت: عبد الله بن سعيد المقبري، أبو عَبّاد الليثي مولاهم، المدني: متروك.
"التقريب" رقم (3356).
قلت: وأخرج حديث عائشة ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ رقم (141)، وابن عدي في "الكامل" (7/ 2604) والخطيب في "الموضح" (2/ 192 - 193، 193) وهو حديث ضعيف.
(1)
في السنن الكبرى (1/ 245).
قلت: وأخرجه مالك في الموطأ (1/ 22 - 23)، والشافعي في ترتيب المسند (1/ 21 - 22)؛ والدارمي (1/ 187 - 188)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 18)؛ وابن الجارودي في المنتقى رقم (60)؛ والبغوي في "شرح السنة" رقم (286)؛ والحاكم (1/ 160)؛ وابن خزيمة رقم (104)؛ وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 31)؛ وعبد الرزاق رقم (353).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: حديث صحيح وهو مما صححه مالك، واحتج به في الموطأ. ووافقه الذهبي.
وصححه البخاري والعقيلي والدارقطني كما في "التلخيص"(1/ 41).
وصححه النووي في المجموع (1/ 223) ونقل عن البيهقي أنه قال: إسناده صحيح، وله طرق أخرى وشاهد فيتقوى.
انظر: "نصب الراية" للزيلعي (1/ 133 - 134) وتلخيص الحبير (1/ 41 - 42).
(2)
انظر: "التلخيص"(1/ 41).
(3)
ذكره ابن الملقن في "البدر المنير"(2/ 342).
(4)
في "المخطوط"(الرواية) وما أثبتناه أصوب.
(5)
في "التلخيص"(1/ 42).
قلت: وقد سبقه ابن الملقن في "البدر المنير"(2/ 343) حيث قال: "وقد ظهر أن جميع ما علله به ابن منده - وتوبع عليه - فيه نظر".
(6)
في السنن رقم (5036). من حديث حُميدة أو عُبيدة بنت عُبيد بن رفاعة الزرقي عن أبيها مرفوعًا.
وقال المنذري في المختصر (7/ 309): "وهذا مرسل، عبيد بن رفاعة: ليست له صحبة، فأما أبوه وجده: فلهما صحبة".
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف.
(7)
في (ب): (ولهما).
المعرفة
(1)
، وقد روي عنها مع إسحق
(2)
ابنه يحيى
(3)
وهو ثقة عند ابن معين
(4)
، فارتفعت جهالتها.
وأما كبشة فقيل: إنها صحابية، فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها على ما هو الحق من قبول مجاهيل الصحابة، وقد حققنا ذلك في "القول المقبول في رد رواية المجهول من غير صحابة الرسول"
(5)
. وفي الباب عن جابر عند ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ
(6)
مثله.
والحديث الثاني الذي رواه الدارقطني عن عائشة قد اختلف فيه على عبد ربه وهو عبد الله بن سعيد المقبري، ورواه الدارقطني
(7)
من وجه آخر عن عائشة وفيه الواقدي
(8)
. وروي من طرق أخر كلها واهية
(9)
.
[أقوال العلماء في فم الهرة وسؤرها]:
والحديثان يدلان على طهارة فم الهرة وطهارة سؤرها، وإليه ذهب الشافعي
(10)
والهادي، وقال أبو حنيفة
(11)
: بل نجس كالسبع، لكن خفف فيه فكره
(1)
(6/ 3076 رقم 7109) وعزاه إليه المناوي في "فيض القدير"(4/ 40) من رواية يحيى بن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة عن أمه عن أبيها مرفوعًا. بلفظ: "رِهَان الخيلِ طِلقٌ" ورمز السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (4482) لصحته.
وحكم عليه الألباني في "ضعيف الجامع" رقم (3141) بأنه ضعيف.
(2)
هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، المدني، أبو يحيى، ثقة حجة "التقريب"(1/ 59).
(3)
هو يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري.
(4)
في "الجرح والتعديل"(9/ 125).
(5)
انظرها: في "سلسلة تراث الإمام الشوكاني" رقم (120) بتحقيقي.
(6)
رقم (145) بسند ضعيف.
(7)
في سننه (1/ 70 رقم 21). وهو حديث ضعيف.
(8)
محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، الواقدي، المدني، القاضي، نزيل بغداد، متروك مع سعة علمه. "التقريب"(2/ 194).
(9)
انظر: "البدر المنير"(2/ 358 - 364).
(10)
انظر: "المجموع"(1/ 222).
(11)
انظر: "شرح فتح القدير"(1/ 115).
سؤره، واستدل بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من أن "الهرة سبع" في حديث أخرجه أحمد
(1)
والدارقطني
(2)
والحاكم
(3)
والبيهقي
(4)
من حديث أبي هريرة بلفظ: "السنور سبع" وبما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم عند سؤاله عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلَّتين لم ينجسه شيء"
(5)
. وأجيب بأن حديث الباب مصرح بأنها ليست بنجس فيخصص به عموم حديث السباع بعد تسليم ورود ما يقضي بنجاسة السباع. وأما مجرد الحكم عليها بالسبعية فلا يستلزم أنها نجس إذ لا ملازمة بين النجاسة والسبعية، على أنه قد أخرج الدارقطني
(6)
من حديث أبي هريرة قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة فقيل: إن الكلاب والسباع ترد عليها فقال: لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور".
وأخرج الشافعي
(7)
والدارقطني
(8)
والبيهقي في المعرفة
(9)
وقال: له أسانيد إذا
(1)
في المسند (2/ 327).
(2)
في سننه (1/ 63 رقم 6).
(3)
في المستدرك (1/ 183) وقال الحاكم: صحيح. وعيسى بن المسيب تفرد به عن أبي زرعة عن أبي هريرة إلا أنه صدوق ولم يجرح قط. وتعقبه الذهبي بقوله: ضعفه أبو داود. وقال أبو حاتم ليس بالقوي.
(4)
في السنن الكبرى (1/ 249).
قلت: وأخرجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية"(1/ 335 - 336 رقم 547). وقال: هذا حديث لا يصح.
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(5)
تقدم تخريجه.
(6)
في السنن (1/ 31 رقم 12). وهو حديث ضعيف. انظر: "ضعيف الجامع" رقم (4791).
(7)
في الأم (1/ 20 رقم 51).
(8)
في السنن (1/ 62 رقم 2). قال الدارقطني: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة ضعيف.
(9)
في "معرفة السنن والآثار"(2/ 65 رقم 1760) وفي السنن الكبرى (1/ 249 - 250) كلهم من حديث جابر.
قال النووي في "المجموع"(1/ 226): "وهذا الحديث ضعيف، لأن الإبراهيمين - وهما إبراهيم بن محمد، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة - ضعيفان جدًّا عند أهل الحديث لا يحتج بهما
…
قال البيهقي في حديث الإبراهيمين: إذا ضمت أسانيده بعضها إلى بعض أخذت قوة" اهـ.
ضم بعضها إلى بعض كانت قوية بلفظ: "أنتوضَّأ بما أفضَلَتِ الحمرُ؟ قال: نَعَمْ وَبِما أفضَلَتِ السِّباعُ كُلُّها"، وأخرج الدارقطني
(1)
وغيره عن ابن عمر قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فسار ليلًا فمروا على رجل جالس عند مقراة
(2)
له - وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء -، فقال عمر: أولَغَتْ السباع عليك الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا صاحب المقراة لا تخبره، هذا متكلف، لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور". وهذه الأحاديث مصرحة بطهارة ما أفضلت السباع. وحديث عائشة المذكور في الباب نص في محل النزاع
(3)
. وأيضًا حديث أبي هريرة الذي استدل به أبو حنيفة فيه مقال
(4)
. ويمكن حمل حديث القلتين المتقدم على أنه إنما كان كذلك، لأن ورودها على الماء مظنة لإلقائها الأبوال والأزبال عليه.
قوله: (فأصغى لها الإناء) هو بالصاد المهملة بعدها غين معجمة ذكره في الأساس
(5)
. وقال: أصغَى الإناءَ، للهرة: أماله. وفي القاموس
(6)
وأصغى: استمع وإليه مال بسمعه، والإناء أماله.
قوله: (إنها من الطوافين إلغ) تشبيه للهرة بخدم البيت الذين يطوفون للخدمة
(7)
.
(1)
في السنن (1/ 26 رقم 30). وهو حديث ضعيف. انظر: "تلخيص الحبير"(1/ 29).
(2)
المقراة: هي الحوض الذي يُجمع فيه الماء.
(3)
قلت: ولكنه حديث ضعيف كما تقدم.
(4)
وهو حديث ضعيف كما تقدم.
(5)
أساس البلاغة للزمخشري (2/ 17).
(6)
القاموس المحيط ص 1680.
(7)
قال محمد بن إسماعيل الأمير في "سبل السلام"(1/ 156 - 157) بتحقيقي: "وفي رواية مالك - (1/ 22 - 23 رقم 13)، - وأحمد (5/ 303)؛ وابن حبان (رقم 121 - موارد)؛ والحاكم؛ (1/ 159 - 160)؛ وغيرهم؛ كالشافعي (1/ 22 رقم 39)؛ والدارقطني (1/ 70 رقم 22)؛ والبيهقي (1/ 245)، زيادة لفظ "والطَّوّافات" جمع الأول مذكرًا سالمًا نظرًا إلى ذكور الهِرِّ، والثاني مؤنثًا سالمًا نظرًا إلى إناثها.
فإذا قلت: قد فاتَ في جمعِ المذكرِ السالم شرطُ كونِهِ يعقلُ وهو شرط لجمعهِ عَلَمًا وصِفَة. (قلت): لما نزل منزلة من يعقل بوصفه بصفته وهو الخادم أجراهُ فجراهُ في جمعِهِ صفة. وفي التعليل إشارة إلى أنهُ تعالى لما جعلها بمنزلةِ الخادم في كثرةِ اتصالها بأهل المنزِلِ وملابستِها لهم ولما في منزلهم خفَّفَ تعالى على عبادِهِ بجعلهَا غيرَ نَجسٍ رفعًا للحرج" اهـ.
[ثانيًا]: أبواب تطهير النجاسة وذكر ما نص عليه منها
[الباب الأول] باب اعتبار العدد في الولوغ
1/ 19 - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إذا شَرِبَ الكَلْبُ في إنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(1)
؛ ولأحْمَدَ
(2)
ومُسْلِمٍ
(3)
: "طَهُورُ إناءِ أحَدِكُمْ إذا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أنْ يَغْسِلهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أولاهُنَّ بِالتُّرَابِ"). [صحيح]
2/ 20 - (وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: أمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الكلابِ ثمَّ قالَ: "ما بَالُهُمْ وَبَالُ الكلابِ"، ثمَّ رخَّصَ في كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الغَنَمِ وَقَالَ:"إذَا وَلَغَ الكَلْبُ في الإناءِ فاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ". رَوَاهُ الجمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَالبُخاريَّ
(4)
، وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلمٍ
(5)
، ورَخَّصَ في كلْبِ الصَّيْدِ والغنم والزَّرْعِ). [صحيح]
(1)
أحمد في المسند (2/ 460) والبخاري (1/ 274 رقم 172)؛ ومسلم (1/ 234 رقم 279).
(2)
في المسند (2/ 427).
(3)
في صحيحه (1/ 234 رقم 91/ 279).
قلت: وأخرجه مالك (1/ 34 رقم 35)؛ والشافعي في ترتيب (1/ 23)؛ والنسائي (1/ 52)؛ وابن ماجه (1/ 130 رقم 364)؛ والبغوي في شرح السنة (2/ 73 رقم 288)؛ وابن الجارود رقم (50) وهو حديث صحيح.
(4)
أحمد (4/ 86) و (5/ 56)؛ ومسلم رقم (280)، وأبو داود رقم (74)، والنسائي (1/ 177)؛ وابن ماجه رقم (365).
قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (1/ 174)؛ والدارمي (1/ 188)؛ والدارقطني (1/ 65)؛ وأبو عوانة (1/ 208)؛ والبغوي في شرح السنة رقم (2781)؛ والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 241 - 242).
(5)
في صحيحه (1/ 235 رقم 93/ 280) وهو حديث صحيح.
الحديثان يدلان على أنه يغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وبيان ما هو الحق في باب أسآر البهائم.
قوله: (أولاهن بالتراب) لفظ الترمذي
(1)
والبزار
(2)
: "أُولاهُنَّ أو أُخْرَاهُنَّ". ولأبي داود
(3)
: "السابعة بالتراب". وفي رواية صحيحة للشافعي
(4)
: "أُولاهُنَّ أو أُخْرَاهُنَّ بالتُّرَابِ". وفي رواية لأبي عبيد
(5)
القاسم بن سلام في كتاب الطهور له: "إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن بالتراب". وعند الدارقطني
(6)
بلفظ: "إحداهن" أيضًا، وإسناده، ضعيف؛ فيه الجَارُود بن يزيد
(7)
وهو متروك. والذي في حديث عبد الله بن مغفل المذكور في الباب بلفظ: "وعفِّروهُ الثامِنَةَ بالتُّرَابِ" أصح من رواية (إحداهن). قال في البدر المنير
(8)
: بإجماعهم، وقال ابن منده:"إسناده مُجْمَع على صحَّته" وهي زيادة ثقة فتعيَّن المصير إليها، وقد ألزم الطحاوي الشافعية بذلك
(9)
، واعتذار الشافعي بأنه لم يقف على صحة هذا الحديث لا ينفع الشافعية، فقد وقف على صحته غيره، لا سيما مع وصيته بأن الحديث إذا صح مذهبه فتعين حمل المطلق على المقيد.
وأما قول ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أفتى بأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء غير الحسن فلا يقدح ذلك في صحة الحديث وتحتم العمل به، وأيضًا
(1)
في السنن (1/ 151 رقم 91) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
(2)
عزاه إليه ابن الملقن في "البدر المنير"(2/ 327).
(3)
في السنن رقم (73).
(4)
في الأم (1/ 31 - 32 رقم 88).
(5)
في "الطهور"(ص 159 رقم 193).
(6)
في السنن (1/ 65 رقم 12) من حديث علي بن أبي طالب، وقال الدارقطني: الجارود هو ابن يزيد متروك.
(7)
كذَّبه أبو أسامة. وضعَّفه علي. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال أبو داود: غير ثقة. وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقال أبو حاتم: كذاب
…
[الميزان (1/ 384 - 385 ت 1428)].
قلت: حديث علي بن أبي طالب ضعيف.
(8)
(2/ 328).
(9)
في شرح معاني الآثار (1/ 23).
قد أفتى بذلك أحمد بن حنبل وغيره. وروي عن مالك أيضًا، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر
(1)
.
وجواب البيهقي عن ذلك بأن أبا هريرة أحفظ من غيره فروايته أرجح وليس فيها هذه الزيادة مردود بأن في حديث عبد الله بن مغفل زيادة وهو مجمع على صحته، وزيادة الثقة يتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية.
وقد خالفت الحنفية
(2)
والعترة
(3)
في وجوب التتريب كما خالفوا في التسبيع، ووافقهم ههنا المالكية
(4)
مع إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم، قالوا: لأن التتريب لم يقع في رواية مالك، قال القرافي
(5)
منهم: قد صحت فيه الأحاديث فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها.
وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن رواية التتريب مضطربة لأنها ذكرت بلفظ أولاهن وبلفظ أخراهن وبلفظ إحداهن، وفي رواية السابعة، وفي رواية الثامنة، والاضطراب يوجب الإطراح.
وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في مرة من المرَّات وبأن إحداهن مبهمة، وأولاهن معينة، وكذلك أخراهن، والسابعة والثامنة، ومقتضى حمل المطلق على المقيد أن تحمل المبهمة على إحدى المرات المعينة، ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضًا، لأن تتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص الشافعي على أن الأولى أولى كذا في الفتح
(6)
.
وقد وقع الخلاف هل يكون التتريب في الغسلات السبع أو خارجًا عنها؟ وظاهر حديث عبد الله بن مغفل أنه خارج عنها، وهو أرجح من غيره لما عرفت فيما تقدم.
(1)
انظر: "فتح الباري"(1/ 277).
(2)
انظر: شرح معاني الآثار (1/ 22).
(3)
انظر: البحر الزخار في مذاهب علماء الأمصار (1/ 20).
(4)
انظر: "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر"(1/ 74).
(5)
ذكر ذلك ابن حجر في "الفتح"(1/ 276).
(6)
(1/ 276).
قوله: (ما بالهم، وبال الكلاب) فيه دليل على تحريم قتل الكلاب، وقد اشتهر في السنة إذنه صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب. وسبب ذلك كما في صحيح مسلم
(1)
"أنه وعده جبريل عليه السلام أن يأتيه فلم يأته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما والله ما أخْلَفَنِي، فظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومه ذلك، ثم وقع في نفسه جَرْوُ كَلْبٍ تحت فسطاط فأمر به فأخرج، فأتاه جبريل، فقال له: قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة فقال: أجل ولكنا لا نَدْخُل بيتًا فيه كَلْبٌ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقتل الكلابِ"، ثم ثبت عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن قتلها ونسخه.
وقد عقد الحازمي في الاعتبار
(2)
لذلك بابًا وثبت عنه صلى الله عليه وسلم الترخيص في كلب الصيد والزرع والماشية، والمنع من اقتناء غير ذلك وقال: من اقتنى كلبًا ليس كلب صيد ولا ماشية نُقص من عمله كل يوم قيراط
(3)
. وثبت عنه الأمر بقتل الكلب الأسود البهيم ذي النقطتين وقال: إنه شيطان
(4)
، وللبحث في هذا موطن آخر ليس هذا محله فلنقتصر على هذا المقدار، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في أبواب الصيد
(5)
.
(1)
(3/ 1664 - 1665 رقم 82/ 2105) من حديث ميمونة.
(2)
ص 529 - 533. باب الأمر بقتل الكلاب ثم نسخه.
(3)
أخرج البخاري (5/ 5 رقم 2322) و (6/ 360 رقم 3324)؛ ومسلم (3/ 1203 - 1204 رقم 58، 59، 60/ 1575).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "من أمسكَ كلبًا فإنهُ ينقصُ كلَّ يومٍ من عَمَلهِ قيراط، إلا كلبَ حرثٍ أو ماشيةٍ".
قال ابنُ سيرينَ وأبو صالحٍ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إلا كلبَ غنمٍ أو حَرْثٍ أو صَيدٍ".
وقال أبو حازمٍ عن أبي هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كلبَ صيدٍ أو ماشيةٍ".
وأخرج البخاري (5/ 5 رقم 2323) و (6/ 360 رقم 3325).
ومسلم (3/ 1204 رقم 61/ 1576). من حديث سفيان بن أبي زُهير قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "من اقتنَى كلبًا لا يُغني عنهُ زرعًا ولا ضرعًا نقصَ كلَّ يوم من عملهِ قيراطٌ"
…
(4)
أخرج مسلم (3/ 1200 رقم 47/ 1572).
من حديث جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقتلِ الكلاب. حتى إن المرأة تقدمُ من البادية بكلبِها فنقتلُهُ. ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلِهَا، وقال:"عليَكم بالأسَودِ البهيمِ ذي النُّقْطَتينِ، فإنَّهُ شيطانٌ".
البهيم: الخالص السواد.
(5)
الباب الأول: باب ما يجوز فيه اقتناء الكلب وقتل الكلب الأسود البهيم. رقم الحديث =
[الباب الثاني] باب الحت والقرص والعفو عن الأثر بعدهما
(الدليل على نجاسة دم الحيض):
3/ 21 - (عَنْ أسْمَاءَ بِنْت أبِي بَكْرٍ قَالتْ: جاءَتْ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالتْ: إحدانَا يصيبُ ثَوْبَها مِنْ دَمِ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فقالَ: "تَحُتُّهُ ثمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ"
(1)
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). [صحيح]
قوله: (جاءَتِ امرأةٌ) في رواية للشافعي
(2)
أنها أسماء، قال في الفتح
(3)
: "وأغرب النووي فضعَّف هذه الرواية بلا دليل، وهي صحيحة الإسناد لا علة لها. ولا بُعد في أن يبهم الراوي اسم نفسه".
قوله: (مِنْ دَمِ الحيَضَة) بفتح الحاء أي الحيض، قاله النووي
(4)
.
قوله: ("تَحُتهُ) بفتح الفوقانية وضم المهملة وتشديد المثناة الفوقانية أي تحكه، وكذا رواه ابن خزيمة
(5)
، والمراد بذلك إزالة عينه.
قوله: (ثم تَقْرُصُهُ) بفتح أوَّله وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين، وحكى القاضي عياض
(6)
وغيره فيه ضم المثناة من فوق وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة، أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما يشربه
= (1/ 3608) و (2/ 3609) و (3/ 3610) و (5/ 3611) و (2/ 3616). من كتابنا هذا.
(1)
أخرجه أحمد (6/ 345، 353)؛ والبخاري (1/ 330 - 331 رقم 227)؛ ومسلم (1/ 240 رقم 110/ 291).
(2)
في المسند رقم (46 - ترتيب المسند) وهو حديث صحيح.
(3)
(1/ 331).
(4)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 199).
(5)
في صحيحه (1/ 141 رقم 277) بسند صحيح.
(6)
ذكره النووي في شرح مسلم (3/ 199).
الثوب منه، ومنه تقريص العجين، قاله أبو عبيدة
(1)
. وسئل الأخفش عنه فضم أصبعيه الإبهام والسبابة وأخذ شيئًا من ثوبه بهما وقال: هكذا [تفعل]
(2)
بالماء في موضع الدم.
وورد في رواية ذكر الغسل مكان القرص، روى ذلك الشيخ تقي الدين من رواية محمد بن إسحق بن يسار عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء قالت:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته امرأة عن دم الحيض يصيب ثوبها فقال: اغسليه". وأخرجه الشافعي
(3)
من حديث سفيان عن هشام عن فاطمة
(4)
عن أسماء قالت: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيضة [يصيب]
(5)
الثوب فقال: حتِّيه ثم اقرصيه بالماء ورِّشيه وصلِّي فيه". ورواه
(6)
عن مالك، عن هشام بلفظ:"إن امرأة سألت"، ورواه ابن ماجه
(7)
بلفظ: "اقْرُصِيهِ واغْسِلِيهِ وَصَلِّي فيهِ"، وابن أبي شيبة
(8)
بلفظ: "اقرصيه بالماء واغسليه وصلي فيه"، وأخرجه أحمد
(9)
وأبو داود
(10)
والنسائي
(11)
(1)
انظر: "النهاية" لابن الأثير (4/ 40).
(2)
في (جـ): (يفعل).
(3)
في المسند رقم (47 - ترتيب المسند)، وهو حديث صحيح.
(4)
فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام. ثقة. "التقريب"(2/ 609).
(5)
في (جـ): (تصيب).
(6)
أي الشافعي في المسند (رقم: 48 - ترتيب المسند) وفي "الأم"(1/ 19 رقم 47). وهو حديث صحيح.
وقال ابن الملقن في "البدر المنير"(2/ 270): "وهذه الأسانيد التي ذكر الشافعي بها هذه الزيادة - أن أسماء هي السائلة - أسانيد صحيحة، لا مطعن لأحد في اتصالها، وثقات رواتها، فكُلّهم أئمة أعلام، مخرَّج حديثهم في الصحيح، وفي الكتب الستة، فهو إسناد صحيح على شرط أهل العلم كلهم.
وأنا أتعجَّب كل العجب من قول الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله في "شرح المهذب، إنَّ الشافعي روى في "الأم" أن أسماء هي السائلة، بإسناد ضعيف" اهـ.
قلت: وتعقبه ابن حجر في "التلخيص الحبير"(1/ 35): فقال: "وهذا خطأ، بل إسناده في غاية الصحة، وكان النووي رحمه الله قلَّد في ذلك ابن الصلاح
…
" اهـ.
(7)
في السنن (1/ 206 رقم 629) من حديث أسماء.
(8)
في "المصنف"(1/ 95).
(9)
في المسند (6/ 355 - 356).
(10)
في السنن رقم (363).
(11)
في السنن (1/ 154 - 155).
وابن ماجه
(1)
وابن خزيمة
(2)
وابن حبان
(3)
من حديث أم قيس بنت مِحْصَنٍ "أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيضة يصيب الثوب، فقال: حُكِّيه بصلع واغسليه بماء وسدْرٍ". قال ابن القطان
(4)
: "إسناده في غاية الصحة ولا أعلم له علة". والصَلْع بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام ثم عين: هو الحجر، ذكره الحافظ في التلخيص
(5)
عن ابن دقيق العيد، قال: وقال: ووقع في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة ولعله تصحيف لأنه لا معنى يقتضي تخصيص الضلع، بذلك، لكن قال الصغاني في "العباب" في مادة ضلع بالمعجمة: وفي الحديث "حتيه بضلع"، قال ابن الأعرابي
(6)
: الضلع ههنا العود الذي فيه الاعوجاج، وكذا ذكره الأزهري
(7)
في مادة الضاد المعجمة.
قوله: (ثم تنضَحه) بفتح الضاد المعجمة أي تغسله، قاله الخطابي
(8)
، وقال القرطبي
(9)
: المراد به الرش لأن غسل الدم استفيد من قوله: تقرصه، وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب، قال في الفتح
(10)
: "وعلى هذا فالضمير في تنضحه يعود على الثوب بخلاف حتيه فإنه يعود على الدم فيلزم منه اختلاف الضمائر وهو على خلاف الأصل، ثم إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا لأنه إن كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجِّسًا لم يتطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي".
الحديث فيه دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات، قاله الخطابي والنووي، قال في الفتح
(11)
: "لأن جميع النجاسات بمثابة
(1)
في السنن (1/ 206 رقم 628).
(2)
في صحيحه (1/ 141 رقم 277).
(3)
في صحيحه (4/ 240 رقم 1395). كلهم من حديث أم قيس وهو حديث صحيح.
(4)
في "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام"(5/ 281).
(5)
في "التلخيص"(1/ 35 - 36).
(6)
و
(7)
"تهذيب اللغة" للأزهري (1/ 477).
(8)
في "معالم السنن"(1/ 183) هامش السنن ط: دار ابن حزم.
(9)
في كتابه "المفهم"(1/ 551).
(10)
(1/ 331).
(11)
(1/ 331).
الدم ولا فرق بينه وبينها إجماعًا. قال: وهو قول الجمهور
(1)
أي: تعين الماء لإزالة النجاسة، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف
(2)
: يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر" وهو مذهب الداعي من أهل البيت، واحتجوا بقول عائشة
(3)
: "ما كان لإحدانا إلَّا ثوبٌ واحدٌ تَحِيضُ فيه، فإذا أصابهُ شيءٌ مِنْ دَمِ الحيض قالتْ بِريقها فمصعتْهُ بظُفْرِها". وأجيب بأنها ربما فعلت ذلك تحليلًا لأثره ثم غسلته بعد ذلك.
والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابًا وسنة وصفًا مطلقًا غير مقيَّد، لكن القول بتعينه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل
(4)
وفرك المني
(5)
وحته وإماطته بإذخرة وأمثال ذلك كثير
(6)
، ولم يأت دليل يقضي بحصر التطهير في الماء، ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقًا، وغايته تعينه في ذلك المنصوص بخصوصه إن سلم، فالإنصاف أن يقال: إنه يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص، إن كان فيه إحالة على فرد من أفراد المطهِّرات، لكنه إن كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء فلا يجوز العدول إلى غيره للمزية التي اختص بها وعدم مساواة غيره له فيها، وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى الماء لذلك، وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهِّرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصار على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسطة بين القولين لا محيص عن سلوكها.
فإن قلت: مجرد وصف الماء بمطلق الطهورية لا يوجب له المزية، فإن التراب يشاركه في ذلك. قلت: وصف التراب بالطهورية مقيد بعدم وجدان الماء
(1)
انظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 16). و "بداية المجتهد"(1/ 208) بتحقيقي.
(2)
انظر: "شرح فتح القدير"(1/ 194) وبدائع الصنائع (1/ 83 - 87).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 412 رقم 312).
(4)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (10/ 28).
(5)
سيأتي تخريجه في كتابنا هذا رقم (23/ 41).
(6)
كحديث ابن عباس في طهر الإهاب بالدباغ رقم (38/ 56) من كتابنا هذا.
بنص القرآن
(1)
، فلا مشاركة بذلك الاعتبار. واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين كما قال النووي
(2)
.
وللحديث فوائد: (منها)[ما يأتي]
(3)
بيانه في باب الحيض، (ومنها) ما ذكره المصنف ههنا فقال: وفيه دليل على أن دم الحيض لا يعفى عن يسيره، وإن قلَّ لعمومه، وأن طهارة السترة شرط للصلاة، وأن هذه النجاسة وأمثالها لا يعتبر فيها تراب ولا عدد، وأن الماء متعين لإزالة النجاسة اهـ. وقد عرفت ما سلف.
4/ 22 - (وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ قالتْ: يَا رَسُولَ الله لَيْسَ لِي إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وأنا أحِيضُ فِيهِ قَالَ: "فإذا طَهُرْتِ فاغْسِلِي مَوْضِعَ الدَّمِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ" قالتْ: يَا رَسُولَ الله إنْ لَمْ يَخْرُجْ أثَرُهُ؟ قالَ: "يكْفِيكِ المَاءُ وَلا يَضُرُّكِ أثَرُهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ
(4)
وَأبُو دَاوُدَ)
(5)
. [صحيح]
5/ 23 - (وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالتْ: سَألْتُ عائِشَةَ عَنِ الحَائِض يُصِيبُ ثَوْبَها الدَّمُ فقالتْ: تَغْسِلهُ فإنْ لَمْ يَذْهَبْ أثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ، قالت: وَلَقَدْ كُنْتُ أحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثَلاثَ حِيَضٍ جَميعًا لا أغْسِلُ لِي ثَوبًا. رواه أبو داود)
(6)
. [صحيح]
(1)
…
[المائدة: 6].
(2)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 200).
(3)
في (ب): (ما سيأتي).
(4)
في المسند (2/ 364) و (2/ 380).
(5)
في السنن رقم (365).
قلت: وأخرجه البيهقي (2/ 408) بإسناد صحيح عنه. وهو وإن كان فيه ابن لهيعة، فإنه قد رواه عن جماعة منهم:"عبد الله بن وهب" وحديثه عنه صحيح كما قال غير واحد من الحفاظ.
وأورد الألباني الحديث في "الصحيحة" رقم (298) وذكر أوهامًا لبعض العلماء، فانظره لزامًا.
(6)
في السنن رقم (357) وهو حديث صحيح.
الحديث الأول أخرجه الترمذي
(1)
أيضًا، (وأخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي من طريقين عن خولة بنت يسار وفيه ابن لهيعة)
(2)
. قال إبراهيمُ الحربيُّ: لم يُسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث، قال ابن حجر: وإسناده ضعيف. ورواه الطبراني في الكبير
(3)
من حديث خولة بنت حكيم [الأنصارية]
(4)
. قال ابن حجر أيضًا
(5)
: "وإسناده أضعف من الأول". والحديث الثاني أخرجه أيضًا الدارمي
(6)
.
[لا يجب استخدام المنظفات لإزالة أثر دم الحيض]:
قوله: (ولا يضرك أثره) استدل به على عدم وجوب استعمال الحواذ وهو مذهب، الناصر والمنصور بالله وكثير من أصحاب الشافعي، وأكثر أصحاب
(1)
عزوه إلى الترمذي وهمٌ محض، فإنه لم يخرجه البتة. وإنما أشار إليه عقب حديث أسماء رقم (138) بقوله: وفي الباب عن أبي هريرة، وأم قيس بنت مِحْصَن.
(2)
قال المحدث الألباني في "الصحيحة"(1/ 596): قول الشوكاني: "إن الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي من طريقين عن خولة بنت يسار، وفيه ابن لهيعة". وهمٌ أيضًا.
فإنه ليس للحديث عندهم إلَّا الطريق المتقدم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة أن خولة بنت يسار
…
فالطريق ينتهي إلى أبي هريرة لا خولة، وعنه عيسى بن طلحة، ليس إلا.
نعم قد رواه ابن لهيعة مرة على وجه آخر عن شيخه، فقال في رواية موسى بن داود الضبي عنه قال: حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن عيسى بن طلحة به.
أخرجه أحمد (2/ 344).
فهذا إن كان ابن لهيعة قد حفظه من طريق أخرى له عن عيسى بن طلحة، وإلّا؛ فهو من أوهامه؛ لأنها ليست من رواية أحد العبادلة عنه، بل هي مخالفة لها كما سبق.
وسواء كان هذا أو ذاك؛ فلا يصح أن يقال في هذه الطريق: إنها طريق أخرى، وعن خولة أيضًا!!.
ولعل الشوكاني أراد بالطريق الأخرى ما أخرجه البيهقي عقب حديث أبي هريرة (2/ 408 - 409) "اهـ.
قلت: وانظر: بقية كلام الألباني وكلام ابن التركماني في "الجوهر النقي".
(3)
(24/ 241 رقم 615). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 282) وقال: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه الوازع بن نافع، وهو ضعيف".
قلت: بل هو متروك، شديد الضعف. أورده الذهبي في "الضعفاء" (2/ 718 ت: 6816) وقال: "قال أحمد ويحيى: ليس بثقة".
(4)
في (ب): (الأنصاري).
(5)
في "التلخيص"(1/ 36).
(6)
في السنن (1/ 238).
أبي حنيفة، وذهب الشافعي ورواه الإمام يحيى عن العترة إلى أنه يجب استعمال الحادّ المعتاد لما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن
(1)
مرفوعًا بلفظ: "حُكِّيهِ بضلع واغسليه بماء وسدْرٍ" قال ابن القطان
(2)
: "إسناده في غاية الصحة". وأجيب بأنه لا يفيد المطلوب لأن الحك إنما هو الفرك بالأصابع، والنزاع في غيره، ويرد بأن آخر الحديث وهو قوله:"واغسليه بماء وسدر"
(3)
يدل على وجوب استعمال الحادّ. وكذلك قوله في حديث عائشة المذكور: "فلتغيره بشيء من صفرة"
(4)
. وأجيب بأن التغيير ليس بإزالة، ويؤيده ما في آخر الحديث من قولها:"ولقد كنت أحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حيض لا أغسل لي ثوبًا"
(5)
، ويرد بأن مجرد استعمال الصفرة يفيد المطلوب كاستعمال السدر
(6)
. وقيل: يكون استعمال الحواد مندوبًا جمعًا بين الأدلة، ويستفاد من قوله:"لا يضرك أثره"
(7)
أن بقاء أثر النجاسة الذي عسرت إزالته لا يضر، لكن بعد التغيير بزعفران أو صفرة أو غيرهما حتى يذهب لون الدم لأنه مستقذر، وربما نسبها من رآه إلى التقصير في إزالته.
قوله: (لا أغسل لي ثوبًا)
(8)
فيه دليل على أن ما كان الأصل فيه الطهارة فهو باق على طهارته حتى تظهر فيه نجاسة فيجب غسلها.
[الباب الثالث] باب تعين الماء لإزالة النجاسة
6/ 24 - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ [عَمْرو]
(9)
أن أبَا ثَعْلَبَةَ قالَ: يَا رَسُولَ الله أفْتِنا
(1)
تقدم تخريجه في شرح الحديث (3/ 21) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.
(2)
في "بيان الوهم والإيهام"(5/ 281).
(3)
وهو جزء من حديث أم قيس بنت محصن الصحيح المتقدم.
(4)
و
(5)
وهو جزء من حديث عائشة الصحيح المتقدم.
(6)
السِّدْر: شجرُ النَّبْقِ، الواحدةُ: سِدْرةٌ. والجمع: سِدْراتٌ وسدَراتٌ. (مختار الصحاح) ص 123.
(7)
وهو جزء من حديث أبي هريرة الصحيح المتقدم.
(8)
وهو جزء من حديث عائشة الصحيح المتقدم.
(9)
في "المخطوط": (عمر) والتصويب من مسند أحمد.
في آنِيَةِ المَجُوسِ إذا اضْطَرَرْنا إليها، قال: "إذا اضْطَرَرْتُمْ إليْها فَاغْسِلوها بِالمَاءِ وَاطْبُخُوا فِيها، رَوَاهُ أحْمَدُ)
(1)
. [صحيح لغيره]
7/ 25 - (وَعَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشْنِي أنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله إنَّا بِأرْضِ أهْلِ [الكِتابِ] (2) فَنَطْبُخُ فِي قُدُورِهِمْ وَنَشْرَبُ فِي آنِيَتِهِمْ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إنْ لَمْ تَجِدُوا غَيرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالمَاءِ". رَوَاهُ التِّرْمَذِيُّ وَقَالَ: [حديثٌ]
(2)
حَسَنٌ صحيح
(3)
. والرَّحْضُ: الغَسْل). [صحيح]
الحديث الثاني يشهد لصحة الحديث الأوّل، وهو متفق عليه
(4)
من حديث أبي ثعلبة بلفظ: "قال: قلت: يا رسولَ الله! إنَّا بأرضِ قومٍ أهْلِ [الكتاب]
(5)
، أفنأكُلُ في آنيتِهِمْ؟ قالَ: إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تَجِدُوا فاغسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا"، وفي رواية لأحمد
(6)
وأبي داود
(7)
: "إن أرضنا أرض أهل الكتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ قال: إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربوا". وفي لفظ للترمذي
(8)
: "فقال: أنقوها غسلًا واطبخوا فيها".
وقد استدل المصنف
(9)
رحمه الله بما ذكره في الباب على أنه يتعين الماء لإزالة النجاسة، وكذلك فعل غيره، ولا يخفاك أن مجرد الأمر به لإزالة خصوص هذه النجاسة لا يستلزم أنه يتعين لكل نجاسة، فالتنصيص عليه في هذه النجاسة الخاصة لا ينفي إجزاء ما عداه من المطهِّرات فيما عداها، فلا حصر على
(1)
في المسند (2/ 184) بسند صحيح.
(2)
زيادة من (أ) و (ب).
(3)
في السنن (4/ 255 - 256 رقم 1797) وقال: حديث حسن صحيح.
وصححه المحدث الألباني في صحيح الترمذي رقم (1468/ 1874).
(4)
البخاري (9/ 604 رقم 5478) ورقم (5488) ورقم (5496). ومسلم (3/ 1532 رقم 8/ 1930).
(5)
في (جـ): (كتاب).
(6)
في المسند (4/ 193) بسند منقطع - أبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة.
(7)
في السنن رقم (3839) وهو حديث صحيح.
(8)
في السنن رقم (1560) بسند منقطع.
(9)
ابن تيمية الجد في كتابه "المنتقى"(1/ 20).
الماء ولا عموم باعتبار المغسول فأين دليل التعين المدعى؟ وقد تقدم في باب الحت والقرص
(1)
ما هو الحق، وقد استدل بالحديث أيضًا على نجاسة الكفار، وقد تقدم في باب طهارة الماء المتوضأ
(2)
به ما فيه كفاية، وسيأتي لذلك مزيد تحقيق إن شاء الله في باب آنية الكفار
(3)
.
[الباب الرابع] باب تطهير الأرض النجسة بالمكاثرة
8/ 26 - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أعْرَابيٌّ فبال في المَسْجِدِ، فقامَ إليْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا به، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم "دَعُوهُ وأرِيقُوا على بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءِ أوْ ذَنُوبًا مِنْ ماءِ، فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلمْ تُبْعثُوا مُعَسِّرين". رَوَاهُ الجمَاعَةُ إلَّا مُسْلمًا"
(4)
. [صحيح]
قوله: (قام أعرابي) قال الحافظ في الفتح
(5)
: "زاد ابن عيينة عند الترمذي
(6)
وغيره في أوله: "أنه صلى ثم قال: اللَّهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقد تحجَّرت واسعًا، فلم يلبث أن بال في المسجد". وقد أخرج هذه الزيادة البخاري في الأدب من صحيحه
(7)
، وروى ابن ماجه
(8)
الحديث تامًّا من حديث أبي هريرة وحديث واثلة بن الأسقع. وأخرجه أبو موسى المديني أيضًا من رواية سليمان بن يسار. والأعرابي المذكور قيل: هو ذو الخويصرة اليماني، ذكره أبو موسى المديني. وقيل: هو الأقرع بن حابس
(1)
الباب الثاني من أبواب تطهير النجاسة في شرح الحديث رقم (3/ 21) من كتابنا هذا.
(2)
الباب الثاني من أبواب المياه. في شرح الحديث رقم (5/ 5) من كتابنا هذا.
(3)
الباب الخامس من أبواب الأواني. في الأحاديث (10/ 72) و (11/ 73) و (12/ 74) من كتابنا هذا.
(4)
البخاري (1/ 323 رقم 220) و (10/ 525 رقم 6128) وأبو داود (1/ 263 رقم 380) والترمذي (1/ 275 رقم 147) والنسائي (1/ 48 رقم 56) وابن ماجه (1/ 176 رقم 529) وأحمد (12/ 244 رقم 7254 - شاكر) كلهم من حديث أبي هريرة.
(5)
(1/ 323 - 324).
(6)
في السنن (1/ 275 رقم 147).
(7)
رقم (6128).
(8)
في السنن (1/ 176 رقم 529) من حديث أبي هريرة. وإسناده حسن وفي السنن (1/ 176 رقم 530) من حديث واثلة بن الأسقع. وهو حديث صحيح لغيره.
التميمي، حكاه التاريخي عن عبد الله بن نافع المدني. وقيل: هو عيينة بن حصن، قاله أبو الحسين بن فارس".
قوله: (ليقعوا به) في رواية عند البخاري
(1)
[من حديث أنس]
(2)
: "فزجره الناس"، وفي أخرى له
(3)
: "فثار إليه الناس". وفي أخرى له
(4)
أيضًا: "فتناوله الناس". وله
(5)
أيضًا من حديث أنس: "فقال الصحابة: مه مه" وسيأتي. [وللبيهقي
(6)
: "فصاح"]
(7)
به الناس" وكذا [النسائي]
(8)
.
قوله: (سجْلًا) بفتح المهملة وسكون الجيم. قال أبو حاتم السجستاني
(9)
: هو الدلو ملأى، ولا يقال لها ذلك وهي فارغة
(10)
. [و]
(11)
قال ابن دُريد
(12)
: السَّجْل: دلو واسعة، وفي الصحاح (10): الدلو الضخمة، وقد تقدم إشارة إلى بعض هذا في أوّل الكتاب.
قوله: (أو ذَنوبًا) قال الخليل
(13)
: هي الدلو ملأى. وقال ابن فارس
(14)
:
(1)
أي للبخاري في صحيحه رقم (221) من حديث أنس.
(2)
زيادة من (ب).
(3)
أي للبخاري في صحيحه رقم (6128) من حديث أبي هريرة.
(4)
أي للبخاري في صحيحه رقم (220) من حديث أبي هريرة.
(5)
أي للبخاري وسيأتي تخريجه برقم (9/ 27) من كتابنا هذا.
(6)
في السنن الكبرى (2/ 427) من حديث أنس.
(7)
في (ب): (والبيهقي: صاح).
(8)
في السنن (1/ 48 رقم 55) من حديث أنس. وفي (جـ): (للنسائي).
(9)
هو سهل بن محمد أبو حاتم السجستاني الجُشَميّ النحوي اللغوي المقرئ.
وله مصنفات كثيرة في اللغة والقرآن. توفي سنة (255 هـ).
انظر ترجمته في: "إنباه الرواة على أنباه النحاة"(2/ 58 - 64 ت: 282).
(10)
انظر: "الصحاح" للجوهري (5/ 1725) مادة: سجل.
(11)
زيادة من (جـ).
(12)
هو محمد بن الحسن بن دريد. ولد سنة (223 هـ). وله مصنفات عديدة وأشعار كثيرة.
[انظر: ترجمته في "إنباه الرواة" (3/ 92 - 100 ت 619)].
(13)
الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، نحوي لغوي عَروضيّ، وللخليل أخبار صالحة ونوادر مفيدة. ولد سنة (100 هـ) وتوفي سنة (175 هـ) وقيل غير ذلك.
[انظر: ترجمته في "إنباه الرواة" (1/ 376 - 382 ت 235)].
(14)
هو أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين، من أعيان العلم وأفراد الدهر، وله كتب بديعة، ورسائل مفيدة، وأشعار جيدة، وتلامذة كثيرة. ولد سنة (329 هـ) وتوفي سنة (395 هـ).
الدلو العظيمة. وقال ابن السكِّيت: فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة: ذَنوب، فتكون أو للشك من الراوي أو للتخيير. والمراد بقوله: من ماء مع أن الذنوب
(1)
من شأنها ذلك رفع الاشتباه، لأن الذنوب مشترك بينه وبين الفرس الطويل [وغيرهما]
(2)
.
قوله: (فإنما بعثتم) إسناد البعث إليهم على طريق المجاز لأنه هو المبعوث صلى الله عليه وسلم بما ذكر، لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك. أو هم مبعوثون من قبله بذلك، أي مأمورون، وكان ذلك شأنه صلى الله عليه وسلم في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات يقول:"يسِّروا ولا تعسِّروا".
وفي الحديث دليل على أن الصبَّ مطهِّر للأرض ولا يجب الحفر خلافًا للحنفية، روى ذلك عنهم النووي
(3)
. والمذكور في كتبهم
(4)
أن ذلك مختص بالأرض الصلبة دون الرخوة، واستدلوا بما أخرجه الدارقطني
(5)
من حديث أنس بلفظ: "احفروا مكانه ثم صبوا عليه"، وأعله بتفرد عبد الجبار
(6)
به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ. وكذا رواه سعيد بن منصور
(7)
من حديث عبد الله بن مَعْقل بن
= [انظر: ترجمته في "إنباه الرواة" (1/ 127 - 130 ت: 44)؛ وشذرات الذهب (3/ 132 - 133)؛ والنجوم الزاهرة (4/ 212 - 213)].
(1)
قال ابن الأثير في "النهاية"(2/ 171): "الذَّنُوب: الدَّلْو العظيمة، وقيل: لا تُسمَّى ذَنوبًا إلا إذا كان فيها ماءٌ".
(2)
في (جـ): (وغيرها).
(3)
في شرح صحيح مسلم (3/ 191).
(4)
انظر: "الاختيار"(1/ 34)، وحاشية على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح ص 108.
(5)
لم أعثر عليه في سننه.
وقد عزاه إليه الزيلعي في "نصب الراية"(1/ 212) وابن حجر في "التلخيص"(1/ 37) وقال الزيلعي: "قال الدارقطني: وهَم عبد الجبار على ابن عيينة، لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ روَوه عنه عن يحيى بن سعيد بدون "الحفر" وإنما روى ابن عيينة هذا عن عمرو بن دينار عن طاوس - أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (1/ 424 رقم 1659) - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "احفروا مكانه" مرسلًا" اهـ. وانظر: كلام ابن حجر في ذلك فإنه مفيد.
(6)
عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار العطار البصري، أبو بكر، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار العاشرة. "التقريب"(1/ 466).
(7)
لم أقف عليه.
وقد أخرجه أبو داود في سننه رقم (381)، والدارقطني في سننه (1/ 132 رقم 4). =
مُقرِّن
(1)
المزني وهو تابعي مرفوعًا بلفظ: "خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء"، قال أبو داود
(2)
: روي مرفوعًا يعني موصولًا ولا يصح، وكذا رواه الطحاوي
(3)
مرسلًا وفيه: "واحفروا مكانه".
قال الحافظ في التلخيص
(4)
: "إن الطريق المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضُمَّت إلى أحاديث الباب أخذت قوّة"، قال
(5)
: "ولها إسنادان موصولان، (أحدهما) عن [ابن]
(6)
مسعود رواه الدارمي
(7)
والدارقطني
(8)
. ولفظه: "فأمر بمكانه فاحتفر وصب عليه دلو من ماء"، وفيه سمعان بن مالك وليس بالقوي، قاله أبو زرعة، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة: هو حديث منكر
(9)
، وكذا قال أحمد. وقال أبو حاتم: لا أصل له
(10)
. (وثانيهما): عن واثلة بن الأسقع
= قال أبو داود: "وهو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم " اهـ.
وقال الدارقطني: "عبد الله بن معقل: تابعي. وهو مرسل" اهـ.
(1)
عبد الله بن مَعْقل بن مُقرِّن المزني، أبو الوليد، الكوفي، ثقة، من كبار الثالثة مات سنة 188 ص. ["التقريب" (1/ 453)].
(2)
ذكر ذلك ابن حجر في "التلخيص"(1/ 37).
(3)
في "شرح معاني الآثار"(1/ 14) مرسلًا.
(4)
(1/ 37).
(5)
أي ابن حجر في "التلخيص"(1/ 37). وقد قال في "الفتح"(1/ 325): " .. واحتجوا - أي الأحناف - فيه بحديث جاء من ثلاثة طرق: أحدها موصول عن ابن مسعود
…
والآخران مرسلان". قلت: في التلخيص وهم وفي الفتح صواب، وانظر: "نصب الراية" (1/ 212).
(6)
في "المخطوط"(أبي) والصواب ما أثبتناه من المراجع الحديثية.
(7)
لم أجده في سنن الدارمي والله أعلم.
(8)
في السنن (1/ 131 رقم 2) قال الدارقطني: سمعان - بن مالك -: مجهول.
(9)
قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"(4/ 316): "قال أبو زرعة: الحديث الذي رواه سمعان بن مالك عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في بول الأعرابي في المسجد وما أمر بحفر موضع البول. أنه حديث منكر. وسمعان ليس بالقوي" اهـ.
(10)
قال ابن أبي حاتم في "العلل"(1/ 24 رقم 36): "سمعت أبا زرعة يقول في حديث سمعان
…
هذا حديث ليس بقوي" اهـ.
وانظر: "نصب الراية"(1/ 212).
رواه أحمد
(1)
والطبراني
(2)
وفيه عبيد الله بن أبي حُميد الهذلي
(3)
، وهو منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم".
واستدل بحديث الباب أيضًا على نجاسة بول الآدمي وهو مجمع عليه. وعلى أن تطهير الأرض المتنجسة يكون بالماء لا بالجفاف بالريح أو الشمس، لأنه لو كفى ذلك لما حصل التكليف بطلب الماء، وهو مذهب العترة والشافعي ومالك وزفر
(4)
. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف
(5)
: هما مطهِّران لأنهما يحيلان الشيء، وكذا قال الخراسانيون من الشافعية في الظل، واستدلوا بحديث:"ذكاة الأرض يبسها"
(6)
. ولا أصل له في المرفوع. وقد رواه ابن أبي شيبة
(7)
من قول محمد بن علي الباقر، ورواه عبد الرزاق
(8)
من قول أبي قلابة بلفظ: "جفاف الأرض طهورها".
(1)
لم أجده في مسند أحمد، والله أعلم.
وقد أخرجه ابن ماجه (1/ 176 رقم 530) وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 212): "
…
وإسناد حديث واثلة بن الأسقع فيه عبيد الله الهذلي.
قال الحاكم: يروي عن أبي المليح عجائب، وقال البخاري: منكر الحديث" اهـ.
(2)
في "المعجم الكبير"(22/ 77 رقم 192).
(3)
قال ابن حجر عنه في "التقريب"(1/ 532): متروك.
وانظر: "التاريخ الكبير"(5/ 377 رقم 1203)؛ و"الجرح والتعديل"(5/ 312 - 313 رقم 1487).
(4)
انظر: "البحر الزخار"(1/ 24 - 25).
(5)
انظر: "شرح فتح القدير"(1/ 199 - 201).
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 57) من حديث أبي جعفر وأورده القاري في "الأسرار المرفوعة" رقم (208) وابن الديبع في "التمييز" رقم (639) وقال: "احتجَّ به الحنفية، ولا أصلَ لهُ في المرفوع، نعم ذكره ابن أبي شيبة مرفوعًا عن أبي جعفر الباقر".
وأورده الفتني في "تذكرة الموضوعات" ص 33. وقال: "هو موقوفٌ على محمد بن علي الباقر".
وكذلك أوردَه السخاوي في "المقاصد" رقم (504).
(7)
في "المصنف"(1/ 57) وقد تقدم.
(8)
لم أعثر عليه في "مصنف" عبد الرزاق.
وقد عزاه إليه السخاوي في "المقاصد"(ص 355).
وأورده الفتني في "تذكرة الموضوعات" ص 33.
وفي الحديث أيضًا دليل على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص، إذ لم ينكر صلى الله عليه وسلم على الصحابة ما فعلوه مع الأعرابي، بل أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة. وفيه أيضًا دليل على ما أشار إليه المصنف رحمه الله من أن الأرض تطهر بالمكاثرة، وعلى الرفق بالجاهل في التعليم، وعلى الترغيب في التيسير والتنفير عن التعسير، وعلى احترام المساجد وتنزيهها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرَّرهم على الإنكار وإنما أمرهم بالرفق.
9/ 27 - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ جاءَ أعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ في المَسْجِدِ، فَقَالَ أصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: مَهْ مَهْ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ"، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ:"إنَّ هذِهِ المَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيءٍ مِنْ هذَا البَوْلِ وَلا القَذَرِ، إنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الله عز وجل وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ"، أوْ كما قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. قالَ: فأمَرَ رَجُلًا مِنَ القَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاء فَشنَّهُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(1)
، لكِنْ لَيْسَ للبُخارِيِّ فِيهِ:"إن هذِهِ المَساجِدَ" إلى تَمامِ الأمْرِ بتِنْزِيهِهِا. وَقَوْلُهُ: "لا تُزْرمُوهُ" أيْ لا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ). [صحيح]
قوله: (أعرابي) هو الذي يسكن البادية، وقد سبق الخلاف في اسمه.
قوله: (مه مه) اسم فعل مبني على السكون معناه اكفف. قال صاحب المطالع
(2)
: هي كلمة زجر [قيل]
(3)
أصلها ما هذا، ثم حذف تخفيفًا، وتقال مكررة ومفردة. ومثله بَهْ بَهْ بالباء الموحدة. وقال يعقوب: هي لتعظيم الأمر كبخ بخ
(4)
. وقد تنوَّن مع الكسر وينوَّن الأوّل ويكسر الثاني بغير تنوين، وكذا ذكره غير صاحب المطالع (2).
قوله: (لا تُزْرِمُوهُ) بضم التاء الفوقية وإسكان الزاي بعدها راء أي لا تقطعوه.
(1)
البخاري (1/ 322 رقم 219)، و (1/ 324 رقم 221)، و (10/ 449 رقم 6025)؛ ومسلم (1/ 236 رقم 100/ 285)؛ وأحمد في المسند (3/ 191).
(2)
تقدم التعريف بكتاب المطالع وصاحبه في أول أبواب المياه من كتابنا هذا. ص 143.
(3)
زيادة من (جـ).
(4)
قال الزمخشري في "الأساس"(1/ 33): بَخٍ لك: كلمةُ مَدْحٍ وإعجابٍ بالشيء وقد تُشَدَّدُ. قال: بخٍ لك. بخ لبحرٍ خضمٌ، وتكرر فيقال: بَخْ بَخْ.
والإزرام: القطع
(1)
.
[تعظيم المساجد]:
قوله: (إن هذه المساجد) إلخ مفهوم الحصر مشعر بعدم جواز ما عدا هذه المذكورة من الأقذار، والقذى والبصاق ورفع الصوت والخصومات، والبيع والشراء وسائر العقود، وإنشاد الضالة، والكلام الذي ليس بذكر، وجميع الأمور التي لا طاعة فيها، وأما التي فيها طاعة كالجلوس في المسجد للاعتكاف والقراءة للعلم وسماع الموعظة وانتظار الصلاة ونحو ذلك
(2)
، فهذه الأمور وإن لم تدخل في المحصور فيه لكنه أجمع المسلمون على جوازها كما حكاه النووي
(3)
فيخصص مفهوم الحصر بالأمور التي [فيها]
(4)
طاعة لائقة بالمسجد لهذا الإجماع وتبقى الأمور التي لا طاعة فيها، داخلة تحت المنع. وحكى الحافظ في الفتح
(5)
الإجماع على أن مفهوم الحصر [منه]
(6)
غير معمول به، قال: ولا ريب أن فعل غير المذكورات وما في معناها خلاف الأولى.
قوله: (فجاء بدلو فشنَّه عليه) يروى بالشين المعجمة والسين المهملة. قال النووي
(7)
: وهو في أكثر الأصول والروايات بالمعجمة، ومعناه: صبه. وفرق بعض العلماء بينهما، فقال: هو بالمهملة الصب بسهولة، وبالمعجمة التفريق في صبه.
وقد تقدم الكلام على فقه الحديث.
قال المصنف
(8)
رحمه الله: "وفيه دليل على أن النجاسة على الأرض إذا استهلكت بالماء، فالأرض والماء طاهران، ولا يكون ذلك أمرًا بتكثير النجاسة في المسجد". انتهى.
(1)
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 104). والنهاية (2/ 301).
(2)
انظر: "سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام" لابن الأمير الصنعاني. (2/ 179 - 206) بتحقيقي. الباب السادس: باب المساجد.
وانظر: "المجموع شرح المهذب" للإمام النووي (2/ 199 - 209).
فصل: في المساجد وأحكامها. وما يتعلق بها وما يندب فيها، وما تنزه منه ونحو ذلك، وفيه مسائل.
(3)
انظر: شرح مسلم للنووي (3/ 191 - 193).
(4)
في (جـ): (فيهما).
(5)
(1/ 325).
(6)
زيادة من (أ) و (ب).
(7)
في شرح مسلم (3/ 193).
(8)
ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 22).
[الباب الخامس] باب ما جاء في أسفل النعل تصيبه النجاسة
10/ 28 - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذا وَطِئ أحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الأذَى فإنَّ التُّرابَ لَهُ طَهُورٌ"، وفي لَفْظٍ: "إذا وَطِئ الأذى بخُفَّيْهِ فَطهُورُهُما التُّرَابُ". رَوَاهُما أبو دَاوُدَ)
(1)
. [صحيح لغيره]
11/ 29 - (وَعَنْ أبي سَعيدٍ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذا جاء أحَدكُمْ المَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَيهِ وَلْيَنْظُر فِيهما فإنْ رَأى خَبثًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالأرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهما". رَوَاهُ أحْمَدُ
(2)
وأبُو دَاوُدَ)
(3)
. [حسن]
الحديث الأول أخرجه أيضًا ابن السكن والحاكم
(4)
والبيهقي
(5)
واختلف فيه على الأوزاعي، ورواه ابن ماجه
(6)
من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "الطريق يطهِّر بعضها بعضًا" وإسناده ضعيف، والرواية الأولى المذكورة في حديث الباب في إسنادها مجهول، لأن أبا داود رواها بسنده إلى الأوزاعي قال: أُنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري حدَّث عن أبيه عن أبي هريرة ولم يسمِّ الأوزاعي شيخه. والرواية الثانية منه فيها محمد بن عجلان
(7)
، وقد أخرج له البخاري في
(1)
أخرجهما أبو داود رقم (385) ورقم (386) وصححهما الألباني في صحيح أبي داود.
(2)
في المسند (3/ 20).
(3)
في السنن رقم (650).
(4)
في المستدرك (1/ 166) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فإن محمد بن كثير الصنعاني هذا صدوق، وقد حفظ في إسناده ذكر ابن عجلان ولم يخرجاه.
(5)
في السنن الكبرى (2/ 430).
(6)
في السنن (1/ 177 رقم 532).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 213): "هذا إسناد فيه ابن أبي حبيبة، واسمه إبراهيم بن إسماعيل متفق على ضعفه، والراوي مجهول
…
".
قلت: والخلاصة أن الحديث ضعيف.
(7)
انظر: "تهذيب التهذيب"(3/ 646 - 647).
وقال ابن حجر في "التقريب"(رقم: 6136): "صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة".
الشواهد ومسلم في المتابعات ولم يحتجَّا به، وقد وثقه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد، ولعله الرجل الذي أبهمه الأوزاعي في الرواية الأولى، لأن أبا داود قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن كثير - يعني الصنعاني - عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة.
وحديث أبي سعيد أخرجه الحاكم
(1)
وابن حبان
(2)
، واختلف في وصله وإرساله، ورجَّح أبو حاتم في العلل
(3)
الموصول. وفي الباب عن أم سلمة عند الأربعة
(4)
بلفظ: "يطهره ما بعده"، وعن أنس عند البيهقي
(5)
بسند ضعيف. وعن امرأة من بني عبد الأشهل عند البيهقي
(6)
كلها، هذه الأحاديث في معنى حديث أبي هريرة.
وورد في معنى حديث أبي سعيد أحاديث: (منها) عند الحاكم
(7)
من حديث أنس، وعنده
(8)
أيضًا من حديث ابن مسعود. وعند الدارقطني
(9)
من حديث
(1)
في المستدرك (1/ 260) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(2)
في صحيحه رقم (2185).
قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2/ 417) والطيالسي رقم (2154) والدارمي (1/ 320) والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 431) وابن خزيمة رقم (1017) وأبو يعلى في المسند (2/ 409 رقم 220/ 1194).
والخلاصة أن حديث أبي سعيد حسن. والله أعلم.
(3)
(1/ 121 رقم 330).
(4)
أخرجه الترمذي (1/ 266 رقم 143) وابن ماجه (1/ 177 رقم 531) وأبو داود (1/ 266 رقم 383).
قلت: وأخرجه أحمد (6/ 290) ومالك في الموطأ (1/ 24 رقم 16) والدارمي (1/ 189) والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 406) وهو حديث صحيح بشواهده.
(5)
لم أعثر عليه عند البيهقي.
(6)
في السنن الكبرى (2/ 434).
قلت: وأخرجه أبو داود (1/ 266 رقم 384) وابن ماجه (1/ 177 رقم 533) وأحمد (6/ 435) وابن الجارود في "المنتقى" رقم (143). وهو حديث صحيح.
(7)
في المستدرك (1/ 139 - 140) وقال: صحيح على شرط البخاري. ووافقه الذهبي.
ووافقهما الألباني في الإرواء (1/ 315).
(8)
في المستدرك (1/ 140) وفيه بياض في الأصول.
(9)
في السنن (1/ 399 رقم 2) بسند ضعيف. =
ابن عباس وإسناده ضعيف. وعند الدارقطني
(1)
أيضًا من حديث عبد الله بن الشِخِّير، وإسناده ضعيف أيضًا. وعند البزار
(2)
من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف معلول، وهذه الروايات يقوي بعضها بعضًا فتنتهض للاحتجاج بها على أن النعل يطهر بدلكه في الأرض رطبًا أو يابسًا. وقد ذهب إلى ذلك الأوزاعي
(3)
وأبو حنيفة وأبو يوسف والظاهرية
(4)
وأبو ثور (3) وإسحق وأحمد في رواية، وهي إحدى الروايتين عن الشافعي. وذهبت العترة
(5)
والشافعي ومحمد
(6)
إلى أنه لا يطهر بالدلك لا رطبًا ولا يابسًا. وذهب الأكثر
(7)
إلى أنه يطهر بالدلك يابسًا لا رطبًا. وقد احتج للآخرين في البحر
(8)
بحجة واهية جدًّا، فقال بعد ذكر الحديثين السابقين: قلنا: محتملان للرطبة والجافة، فتعيَّن الموافق للقياس وهي الجافة،
= صالح بن بيان: قال عنه الدارقطني: متروك [انظر: "الميزان" (2/ 290)].
وفرات بن السائب: قال عنه البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك.
[انظر: "الضعفاء" للدارقطني رقم (433)، والميزان (3/ 341)].
(1)
لم أعثر عليه عند الدارقطني من حديث عبد الله بن الشخِّير. بل وجدته عند الدارقطني من حديث أنس. (1/ 313 رقم 39).
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 384 رقم 1500) من حديث عبد الله بن الشِخِّير بإسناد صحيح.
(2)
كما في كشف الأستار (1/ 289 - 290 رقم 604).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 55) وقال: "رواه البزار والطبراني في الأوسط.
وقال: ثم ليصل فيهما أو ليخلعهما إن بدا. وفي إسنادهما عباد بن كثير البصري سكن مكة - ضعيف" اهـ.
(3)
حكاه عنه ابن المنذر في الأوسط (2/ 167).
(4)
انظر: "المحلى"(1/ 94).
(5)
في حاشية "المخطوط" ما نصه: "في كتاب الطهارة من "شفاء الأوام" للأمير الحسين ما يفيد الاختلاف بين العترة فليراجع فإنما هما منقول عن "البحر" تمت منه. قلت: في "شفاء الأوام" (1/ 137): "دل - حديث أبي سعيد - على صحة مذهب الباقر
…
وهو أن الأرض يطهر بعضها بعضًا
…
" وفي (1/ 138): "وإلى هذا القول ذهب القاسم
…
".
(6)
و
(7)
انظر: "البحر الزخار في مذاهب علماء الأمصار"(1/ 25).
(8)
(1/ 25).
والثاني: لا يسلم كالثوب. قال صاحب المنار
(1)
: "حاصل كلام المصنِّف إلغاء الحديث" انتهى.
والظاهر أنه لا فرق بين أنواع النجاسات بل كل ما علق بالنعل [ما]
(2)
يطلق عليه اسم الأذى فطهوره مسحه بالتراب. قال ابن رسلان في "شرح السنن": الأذى في اللغة هو المستقذر طاهرًا كان أو نجسًا، انتهى. ويدل على التعميم ما في الرواية الأخرى حيث قال:"فإن رأى خبثًا فإنه لكل مستخبث". ولا فرق بين النعل والخُف للتنصيص على كل واحد منهما في حديثي الباب، ويلحق بهما كل ما يقوم [مقامها]
(3)
لعدم الفارق.
قوله: (ثم ليصل فيهما) سيأتي الكلام على الصلاة في النعلين في باب مستقل من كتاب الصلاة إن شاء الله
(4)
.
[الباب السادس] باب نضح بول الغلام إذا لم يطعم
12/ 30 - (عَنْ أُمِّ قَيس بِنْتِ مِحْصَنٍ أنَّها أتَتْ بابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يأكلِ الطَّعَامَ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعا بِماءٍ فَنَضَحَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ)
(5)
. [صحيح]
13/ 31 - (وعَنْ عَليِّ بْنِ أبي طَالبٍ [عليه السلام]
(6)
أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "بَوْلُ الغلامِ الرَّضِيعِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الجَارَيةِ يُغْسَلُ"، قَالَ قَتَادَةَ: وَهذَا مَا لَمْ يَطْعَما، فَإذا [طَعِما]
(7)
(1)
المنار في المختار من جواهر البحر الزخار. حاشية العلامة صالح بن مهدي المقبلي على البحر الزخار (1/ 20).
(2)
في (جـ): (مما).
(3)
في (جـ): (مقامهما).
(4)
انظر: الحديث رقم (15/ 608) و (16/ 609) من كتابنا هذا.
(5)
أخرجه أحمد في المسند (6/ 355) والبخاري (1/ 326 رقم 223) ومسلم (1/ 238 رقم 103/ 287) وأبو داود (1/ 261 رقم 374) والترمذي (1/ 105 رقم 71) والنسائي (1/ 157) وابن ماجه (1/ 174 رقم 524). وهو حديث صحيح.
(6)
في (جـ): رضي الله عنه.
(7)
في (جـ): (أطعما).
غُسلا جَميعًا. رَوَاهُ أحمد
(1)
والتِّرمِذيُّ
(2)
وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [حسن]
14/ 32 - (وعَنْ عائِشَةَ قَالتْ: أُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِصَبِيٍّ يُحَنِّكُهُ فَبَالَ عَلَيْه فأتْبَعَهُ المَاءَ. رَوَاهُ البُخارِيُّ
(3)
وكَذلِكَ أحْمَدُ
(4)
وابنُ مَاجَه
(5)
وَزَادَ: وَلَمْ يَغْسِلْهُ. وَلِمُسْلِمٍ: كان يُؤتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ ويُحنِّكُهمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فأتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ). [صحيح]
15/ 33 - (وَعَنْ أبِي السَّمْحِ خَادِمِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغلام". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ
(6)
والنَّسَائِي
(7)
وابْنُ ماجَه
(8)
. [صحيح]
(1)
في المسند (1/ 76).
(2)
في السنن (2/ 509 رقم 610) وقال: حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه أبو داود (1/ 263 رقم 378) وابن ماجه (1/ 174 رقم 525) وابن خزيمة في "صحيحه"(1/ 143 رقم 284) والحاكم في "المستدرك"(1/ 165 - 166) وصححه ووافقه الذهبي.
وأخرجه البغوي في "شرح السنة"(2/ 87 رقم 296) والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 415) والدارقطني (1/ 129 رقم 2) وغيرهم.
قال ابن حجر في "تلخيص الحبير"(1/ 38): "وإسناده صحيح، إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه وفي وصله وإرساله. وقد رجح البخاري صحته، وكذا الدارقطني
…
".
وخلاصة القول أن حديث علي حسن، والله أعلم.
(3)
في صحيحه (1/ 325 رقم 222).
(4)
في المسند (6/ 52).
(5)
في السنن (1/ 174 - رقم 523).
قلت: وأخرجه مسلم (1/ 237 رقم 101/ 286). وهو حديث صحيح.
(6)
في السنن (1/ 262 رقم 376).
(7)
في السنن (1/ 158 رقم 304).
(8)
في السنن (1/ 175 رقم 526).
قلت: وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(1/ 143 رقم 283)، والدولابي في "الكُنى"(1/ 37)، والدارقطني (1/ 130 رقم 4)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (9/ 62)؛ والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 415)؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (9/ 111)؛ والحاكم في "المستدرك" (1/ 166)؛ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال البخاري: حديث حسن كما في "التلخيص"(1/ 38).
وخلاصة القول أن الحديث صحيح والله أعلم.
16/ 34 - (وَعَنْ أُمِّ كُرْزٍ الخُزَاعِيَّةِ قالتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِغُلامٍ فبالَ عَليهِ فَأمَرَ بِهِ فَنُضِحَ، وَأُتِي بِجارِيةٍ فَبَالَتْ عَلَيْهِ فَأمَرَ بِهِ فَغُسلَ. رَوَاهُ أحْمَدُ)
(1)
. [صحيح لغيره]
17/ 35 - (وَعَنْ أُمِّ كُرْزٍ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "بَوْلُ الغلامِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الجَارِيةِ يُغْسَلُ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه
(2)
. [صحيح لغيره]
18/ 36 - (وَعَنْ أُمِّ الفضْلِ لُبابَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قَالتْ: بَالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَليّ في حِجْرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أعْطِني ثَوْبَكَ والْبِسْ ثَوْبًا غَيْرَهُ حَتَّى أغْسلهُ فَقالَ: "إنَّما يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأُنْثَى". رَوَاهُ أحْمَدُ
(3)
وأبُو دَاوُدَ
(4)
وابْنُ مَاجَه)
(5)
. [حسن]
حديث علي أخرجه أيضًا أبو داود
(6)
وابن ماجه
(7)
بإسناد صحيح لأنه من طريق هشام عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عنه. وأخرجه أيضًا أبو داود
(8)
موقوفًا من حديث مسدد عن يحيى عن ابن أبي عروبة عن قتادة بالإسناد السابق إلى عليّ موقوفًا بلفظ: "يُغسل من بول الجارية ويُنضح من بول الغلام ما لم يُطعم". وأخرجه
(9)
أيضًا مرفوعًا من حديثه بدون "ما لم يطعم"، وجعله من قول قتادة.
(1)
في المسند (6/ 422) بسند منقطع.
(2)
في السنن (1/ 175 رقم 527).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 210 - 211): "هذا إسناد منقطع، عمرو بن شعيب لم يسمع من أم كرز، وله شاهد من حديث علي
…
" اهـ.
وخلاصة القول أن الحديث صحيح لغيره.
(3)
في المسند (6/ 339 - 440).
(4)
في السنن (1/ 261 رقم 375).
(5)
في السنن (1/ 174 رقم 522).
قلت: وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"(1/ 143 رقم 282) والحاكم في المستدرك (1/ 166) وصححه ووافقه الذهبي.
وخلاصة القول أن الحديث حسن، والله أعلم.
(6)
في السنن رقم (378).
(7)
في السنن رقم (525).
(8)
في السنن رقم (377).
(9)
في السنن رقم (378).
وكذلك أخرج
(1)
عن أم سلمة: "أنها كانت تصب على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية".
وحديث أبي السمح أخرجه أيضًا البزار
(2)
وابن خزيمة
(3)
من حديثه بلفظ: "كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُتِيَ بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئتُ أغسله، فقال: يُغسل" الحديث. وصححه الحاكم
(4)
، قال أبو زرعة
(5)
والبزار: ليس لأبي السمح غير هذا الحديث ولا يعرف اسمه. وقال البخاري
(6)
حديث حسن.
وحديث أم كرز الأوّل والثاني في إسنادهما انقطاع لأنهما من طريق عمرو بن شعيب عنها ولم يدركها
(7)
، وقد اختلف فيه على عمرو بن شعيب فقيل: عنه عن أبيه عن جدِّه كما رواه الطبراني
(8)
.
وحديث أم الفضل أخرجه أيضًا ابن خزيمة
(9)
وابن حبان
(10)
والحاكم
(11)
والطبراني
(12)
.
قوله: (لم يأكل الطعام) المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي [يرضعه]
(13)
والتمر الذي يحنَّك به، والعسل الذي يلعقه للمداواة، وغير ذلك. وقيل: المراد بالطعام ما عدا اللبن فقط. ذكر الأوّل النووي في شرح مسلم
(14)
وشرح المهذب
(15)
(1)
أبو داود في سننه رقم (379)، وهو حديث صحيح.
(2)
لم أقف عليه.
(3)
في صحيحه رقم (283).
(4)
في المستدرك (1/ 166) ووافقه الذهبي.
(5)
"الجرح والتعديل"(4/ 2/ 386).
(6)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 38).
(7)
انظر: "تحفة الأشراف"(13/ 100)، و"مصباح الزجاجة"(1/ 211).
(8)
في "الأوسط" رقم (824).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 285) وقال: "إسناده حسن".
(9)
في صحيحه رقم (282).
(10)
لم أعثر عليه.
(11)
في المستدرك (1/ 166) وصححه ووافقه الذهبي.
(12)
في الكبير (25/ 25 رقم 38) و (25/ 26 رقم 40 و 41).
(13)
في (ب): (يرتضعه).
(14)
(3/ 195).
(15)
(2/ 607).
وأطلق في الروضة
(1)
تبعًا لأصلها الثاني، وقال في "نكت التنبيه"
(2)
: إن لم يأكل غير اللبن وغير ما يحنك به وما أشبهه. وقيل: لم يأكل، أي لم يستقل بجعل الطعام في فيه، ذكره الموفق الحموي في "شرح التنبيه"
(3)
. قال الحافظ ابن حجر
(4)
: "والأول أظهر وبه جزم الموفق ابن قدامة وغيره، وقال ابن التين: يحتمل أنها أرادت أنه لم يتقوَّت بالطعام ولم يستغن به عن الرضاع، ويحتمل أنها إنما جاءت به عند ولادته ليحنكه صلى الله عليه وسلم، فيحمل النفي على عمومه".
قوله: (على ثوبه) أي النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم، وأغرب ابن شعبان من المالكية فقال: المراد به ثوب الصبي.
قوله: (فنضحه) في صحيح مسلم
(5)
من طريق الليث [عن]
(6)
ابن شهاب، "فَلَم يَزِدْ عَلَى أنْ نَضَحَ بالماءِ". وله
(7)
من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب: "فَرَشَّهُ". زاد أبو عوانة في صحيحه
(8)
: "عليه". قال الحافظ
(9)
: ولا تخالُف بين
(1)
(1/ 31).
(2)
للإمام النووي.
قال السيوطي في "المنهاج السوي"(62): "مطول، سماه "تحفة الطالب النبيه" ووصل فيه إلى أثناء الصلاة.
وقال السخاوي في ترجمة النووي (13)"وصل فيه إلى أثناء باب الحيض، وهو غير النبذ الذي رأيتُه في مجلد؛ فإنه قد شرح فيه مواضع من جميع الكتب، وهو من أوائل ما صنف".
وقال البغدادي في "إيضاح المكنون"(1/ 252): مطول، لم يكمل".
وعده بعضهم من الكتب المفقودة.
["معجم المصنفات الواردة في "فتح الباري" لأبي عبيدة وأبي حذيفة ص 431].
(3)
"شرح التنبيه" الموفق الحموي، (موفق الدين، حمزة بن يوسف، ت 670 هـ).
أجاب فيه عن الإشكالات الواردة عليه. وسماه: "المبهت".
راجع "كشف الظنون"(1/ 490).
[المرجع السابق ص 235].
(4)
في "فتح الباري"(1/ 326).
(5)
(1/ 238 رقم 103/ 287) من حديث أم قيس بنت محصنٍ.
(6)
زيادة يقتضيها السياق.
(7)
أي لمسلم في صحيحه (1/ 238 رقم 000/ 287).
(8)
(1/ 202).
(9)
في الفتح (1/ 327).
الروايتين، أي بين نضح ورش، لأن المراد به أن الابتداء كان بالرش وهو [تنفيض]
(1)
الماء فانتهى إلى النضح وهو صب الماء. ويؤيده رواية مسلم
(2)
في حديث عائشة من طريق جرير عن هشام: "فَدَعَا بماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ"، ولأبي عوانة
(3)
: "فصبه على البول يتبعه إياه"، انتهى. [و]
(4)
"الذي في النهاية
(5)
[والكشاف]
(6)
والقاموس
(7)
أن النضح: الرش".
قوله: (ولم يغسله) ادعى الأصيلي
(8)
أن هذه الجملة من كلام ابن شهاب راوي الحديث، وأن المرفوع انتهى عند "فَنَضحَه"، قال: وكذلك روى معمر عن ابن شهاب، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة
(9)
. قال: فرشه، لم يزد. قال الحافظ في الفتح
(10)
: "وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادعاه من الإدراج. وقد أخرجه عبد الرزاق
(11)
بنحو سياق مالك، لكنه لم يقل:"ولم يغسله" وقد قالها مع ذلك الليث وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد كلهم عن ابن شهاب. أخرجه ابن خزيمة
(12)
والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن وهب عنهم، وهو لمسلم
(13)
(1)
في فتح الباري (تنقيط).
(2)
(1/ 237 رقم 102/ 286).
(3)
(1/ 202).
(4)
زيادة من (جـ).
(5)
لابن الأثير (5/ 69).
(6)
في المخطوط الكشاف. ولعله: "الكشف".
"كشف المشكل"، ابن الجوزي، أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي، ت 597 هـ).
اسمه: "كشف مشكل حديث الصحيحين".
منه نسخة خطية في مكتبة برنستون؛ كما في "مجلة المورد" العراقية (12/ع 1 - 2/ ص 185).
[معجم المصنفات ص 337]. وقد طبع في (4) مجلداث بتحقيق الدكتور علي حسين البواب.
(7)
القاموس المحيط ص 313.
(8)
هو عبد الله بن إبراهيم، أبو محمد المغربي الأندلسي القاضي الفقيه (324 هـ - 392 هـ).
["شذرات الذهب" (3/ 140)].
(9)
في "المصنف"(1/ 121).
(10)
(1/ 327).
(11)
في "المصنف"(1/ 379 - 380 رقم 1485).
(12)
في صحيحه (1/ 144 رقم 286).
(13)
في صحيحه (1/ 238 رقم 104/ 287).
عن يونس وحده، نعم زاد معمر في روايته، "قال ابن شهاب: فمضت السنة أن يرش بول الصبي ويغسل بول الجارية"، فلو كانت هذه الزيادة هي التي زادها مالك ومن تبعه لأمكن دعوى الإدراج لكنها غيرها فلا إدراج. وأما ما ذكره عن ابن أبي شيبة فلا اختصاص له بذلك، فإن ذلك لفظ رواية ابن عيينة عن ابن شهاب، وقد ذكرناها عن مسلم [وغيره]
(1)
، وبينَّا أنها غير مخالفة لرواية مالك".
قوله: (بول الغلام الرضيع) هذا تقييد للفظ الغلام بكونه رضيعًا، وهكذا يكون تقييدًا للفظ الصبي والصغير والذكر الواردة في بقية الأحاديث. وأما لفظ ما لم يطعم فقد عرفت عدم صلاحيته لذلك لأنه ليس من قوله صلى الله عليه وسلم. وقد شذَّ ابن حزم
(2)
فقال: إنه يرش من بول الذكر أي ذكر كان، وهو إهمال للقيد الذي يجب حمل المطلق عليه كما تقرر في الأصول، ورواية الذكر مطلقة، وكذلك رواية الغلام فإنه كما قال في القاموس
(3)
لمن طرَّ شاربه أو من حينِ يُولدُ إلى أنْ يَشِبَّ، وقد ثبت إطلاقه على من دخل في سن الشيخوخة. ومنه قول علي عليه السلام في يوم النهْرَوانِ
(4)
:
أنا الغلام القرشيُ المؤتمن
…
أبو حسين فاعلمنَّ والحسن
وهو إذ ذاك في نحو ستين سنة.
ومنه أيضًا قول ليلى الأخيَلية
(5)
في مدح الحجَّاج أيام إمارته على العراق:
شفاها من الداء العُضال الذي بها
…
غلام إذا هزَّ القناة سقاها
(1)
في (جـ): (وغيرهما).
(2)
في "المحلى"(1/ 100).
(3)
القاموس المحيط ص 1475.
(4)
كان بها وقعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج. انظر: معجم البلدان (5/ 324 - 327).
(5)
هي ليلى بنت عبد الله بن الرَّحَّال بن شداد الأخْيَلية. شاعرة من شواعر العرب المتقدمات في الإسلام. وصاحبة توبة.
والبيت المذكور من قصيدة تمدح بها الحجاج. مطلعها:
أحجاج لا يغلل سلاحك إنما
…
المنايا بكف الله حيث تراها
إذا هبط الحجاج أرضًا مريضة
…
تتبع أقصى دائها فشفاها
[انظر: "أعلام النساء" لعمر رضا كحالة. (4/ 321 - 334)].
ولكنه مجاز، قال الزمخشري في أساس البلاغة
(1)
: إن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد ذلك غلام فهو مجاز.
قوله: (بصبي) قال الحافظ
(2)
: يظهر لي أنه ابن أم قيس ويحتمل أن يكون الحسن بن علي أو الحسين؛ فقد روى الطبراني في الأوسط
(3)
من حديث أم سلمة بإسناد حسن قالت: "بال الحسن أو الحسين على بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركه حتى قضى بوله ثم دعا بماء فصبَّه عليه"، ولأحمد
(4)
عن أبي ليلى نحوه. ورواه الطحاوي
(5)
من طريقه قال: فجيء بالحسن ولم يتردد. وكذا للطبراني
(6)
عن أبي أمامة، ورجح الحافظ أنه غيره.
قوله: (فأتبعه) بإسكان المثناة من فوق أي اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم البول الذي على الثوب الماء.
قوله: (يحنكه) قال أهل اللغة
(7)
: التحنيك أن تمضع التمر أو نحوه ثم تدلك به حنك الصغير.
قوله: (فيبرك عليهم) أي يدعو لهم أو يمسح عليهم. وأصل البركة ثبوت الخير وكثرته.
(أقوال العلماء في تطهير بول الغلام والجارية):
وقد استُدل بأحاديث الباب على أن بول الصبي يخالف بول الصبيَّة في كيفية استعمال الماء، وأن مجرد النضح يكفي في تطهير بول الغلام، وقد اختلف الناس في ذلك على ثلاثة مذاهب:
(1)
لم أجده في أساس البلاغة. وانظر: "لسان العرب"(10/ 111).
(2)
في "فتح الباري"(1/ 326).
(3)
رقم (2742).
وأورده الهيثمي في "المجمع"(1/ 285): "قلت: رواه أبو داود موقوفًا عليها - رقم (379) - رواه الطبراني في الأوسط وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف.
(4)
في المسند (4/ 347 - 348) بسند صحيح.
(5)
في "شرح معاني الآثار"(1/ 93، 94).
(6)
في الكبير - كما في "مجمع الزوائد"(1/ 285). وقال الهيثمي: "وفيه عفير بن معدان وقد أجمعوا على ضعفه".
(7)
القاموس المحيط ص 1210.
(الأول): الاكتفاء بالنضح في بول الصبي لا الجارية، وهو قول علي
(1)
عليه السلام
(2)
وعطاء
(3)
والحسن
(4)
والزهري وأحمد وإسحق
(5)
وابن وهب (4) وغيرهم. وروي عن مالك، وقال أصحابه: هي رواية شاذة
(6)
، ورواه ابن حزم
(7)
أيضًا عن أم سلمة والثوري والأوزاعي والنخعي وداود وابن وهب.
(والثاني): يكفي النضح فيهما، وهو مذهب الأوزاعي، وحكي عن مالك
(8)
والشافعي
(9)
.
(والثالث): هما سواء في وجوب الغسل، وهو مذهب العترة والحنفية وسائر الكوفيين والمالكية.
وأحاديث الباب ترد المذهب الثاني والثالث.
(1)
أخرج أثره عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 381 رقم 1488) وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 121).
(2)
قال الشيخ بكر أبو زيد في "معجم المناهي اللفظية"(ص 349 - 350): "قلت: وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب أن يفرد علي رضي الله عنه بأن يقال: عليه السلام، من دون سائر الصحابة، أو (كرَّم الله وجهه)؛ هذا وإن كان معناه صحيحًا لكن ينبغي أن يسوِى بين الصحابة في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه رضي الله عنهم أجمعين - " اهـ.
(3)
أخرج أثره عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 382 رقم 1492) وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 121).
(4)
حكاه عنه النووي في شرح مسلم (3/ 195).
(5)
حكاه عن أحمد وإسحق الكوسج في "مسائل أحمد وإسحق"(1/ 8، 24).
(6)
قال مالك وأبو حنيفة وأصحابُهما: بولُ الصبيِّ والصبيةِ كبول الرَّجُلِ مرضعين كانا أو غير مُرضعينِ. [الاستذكار (3/ 254 رقم 3738)].
(7)
في المحلى (1/ 102).
ثم عقب ابن حزم بعد ذلك بقوله: "إلا أنه قد روي عن الحسن وسفيان التسوية بين الغلام والجارية في الرش عليهما جميعًا" اهـ.
(8)
انظر: "فتح البر"(3/ 39 - 40).
(9)
قال النووي في "المجموع"(2/ 609): "مذهبنا - أي الشافعية - المشهور أنه يجب غسل بول الجارية، ويكفي نضح بول الغلام
…
" اهـ.
وقد استدل في البحر
(1)
لأهل المذهب الثالث بحديث عمار المشهور وفيه: "إنما تغسل ثوبك من البول" إلخ، وهو مع اتفاق الحفاظ على ضعفه لا يعارض أحاديث الباب؛ لأنها خاصة وهو عام، وبناء العام على الخاص واجب، ولكن جماعة من أهل الأصول - منهم مؤلف البحر (1) - لا يبنون العام على الخاص إلا مع المقارنة، أو تأخر الخاص، وأما مع الالتباس كمثل ما نحن بصدده فقد حكى بعض أئمة الأصول أنه يبنى العام على الخاص اتفاقًا، وصرح صاحب البحر (1) أن الواجب الترجيح مع الالتباس.
ولا يشك من له أدنى إلمام بعلم الحديث أن أحاديث الباب أرجح وأصح من حديث عمار، وترجيحه لحديث عمار بالظهور غير ظاهر، وقد جزم صاحب البحر في المعيار
(2)
وشرحه بأن الواجب مع الالتباس الإطراح فتخالف كلامه. وجزم صاحب المنار
(3)
بأن العام متقدم والخاص متأخر، ولم يذكر لذلك دليلًا يشفي. وأما الحنفية والمالكية فاستدلوا لما ذهبوا إليه بالقياس، فقالوا: المراد بقوله: ولم يغسله: أي غسلًا مبالغًا فيه، وهو خلاف الظاهر، ويبعده ما ورد في الأحاديث من التفرقة بين بول الغلام والجارية فإنهم لا يفرقون بينهما.
والحاصل أنه لم يعارض أحاديث الباب شيء يوجب الاشتغال به.
[الباب السابع] باب الرخصة في بول ما يؤكل لحمه
19/ 37 - (عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ أن رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ أوْ قَالَ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ فَأمَرَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِلِقَاحٍ وأمَرَهُمْ أنْ يَخْرُجُوا فَيَشرَبُوا مِنْ أبْوَالِها وألْبَانِهَا. مُتفقٌ عَلَيْهِ
(4)
. [صحيح]
(1)
(1/ 19).
(2)
هو: "معيار العقول في علم الأصول" للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى الحسني. (مخطوط).
(3)
(1/ 18).
(4)
أحمد في المسند (3/ 107، 161، 198، 287، 290). =
اجتَوَوْها: أيْ استَوْخَمُوها.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: "صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ". [صحيح]
قوله: (من عُكْل) بضم المهملة وإسكان الكاف قبيلة من تيم.
قوله: (أو عُرَيْنة) بالعين والراء المهملتين مصغرًا: حيٌّ من قضاعة وحيٌّ من بجيلة، والمراد هنا الثاني كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي
(1)
"، والشك من حماد، ورواه البخاري في المحاربين
(2)
عن حماد: أن رهطًا من عكل أو قال: من عرينة، قال: ولا أعلمه إلا قال من عكل. ورواه في الجهاد
(3)
عن [وهَيْب]
(4)
عن أيوب أن رهطًا من عكل، ولم يشك. وفي الزكاة
(5)
رواه من طريق شعبة عن قتادة "أن ناسًا من عرينة" ولم يشك أيضًا. وكذا لمسلم
(6)
من رواية معاوية بن قرة عن أنس. ورواه أيضًا البخاري في المغازي
(7)
عن قتادة: "من عكل وعرينة" بالواو العاطفة، قال الحافظ
(8)
: "وهو الصواب، ويؤيده ما رواه أبو عوانة والطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس، قال: "كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل". وزعم ابن التين تبعًا للداودي أن عرينة هم عكل، وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايرتان. فعكل من عدنان وعرينة من قحطان.
= والبخاري (1/ 335 رقم 233) وأطرافه رقم (1501) و (3018) و (4192) و (4193) و (4610) و (5685) و (5686) و (5727) و (6802) و (6803) و (6804) و (6805) و (6899).
ومسلم (3/ 1296 - 1298 رقم 1671).
قلت: وأخرجه أبو داود (رقم: 4364 - 4371) والترمذي (1/ 106 رقم 72) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (1/ 158) وابن ماجه (2/ 861 رقم 2578).
(1)
ذكره الحافظ في "الفتح"(1/ 337).
(2)
(12/ 112 رقم 6805).
(3)
(6/ 153 رقم 3018).
(4)
في (جـ): (وهب) وهو خطأ.
(5)
(3/ 366 رقم 1501).
(6)
(3/ 1298 رقم 13/ 1671).
(7)
(7/ 458 رقم 4192).
(8)
في "فتح الباري"(1/ 337).
قوله: (فاجتووا) قال ابن فارس
(1)
: "اجتَويْتَ المدينةَ، إذا كَرِهْتَ المقام فيها وإن كُنتَ في نَعْمَةٍ"، وقيَّده الخطابي
(2)
بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة. وقيل: الاجتواء: عدم الموافقة في الطعام، ذكره القزاز
(3)
، وقيل: داء من الوباء ذكره ابن العربي
(4)
. وقيل: داء يصيب الجوف، والاجتواء بالجيم.
قوله: (فأمر لهم بلِقاح) بلام مكسورة فقاف فحاء مهملة: النوق ذات اللبن، واحدتها لِقْحة بكسر اللام وإسكان القاف، قال [أبو عمرو: يقال]
(5)
لها ذلك إلى ثلاثة أشهر، ثم هي لبون، واللقاح المذكورة ظاهر الروايات أنها للنبي صلى الله عليه وسلم. وثبت في رواية للبخاري في الزكاة
(6)
من طريق شعبة عن قتادة بلفظ: "فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة"، قال الحافظ
(7)
والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج.
قوله: (أن يخرجوا فيشربوا) في رواية للبخاري
(8)
: "وأن يشربوا"، أي وأمرهم أن يشربوا. وفي أخرى له
(9)
: "فاخرجوا فاشربوا"، وفي أخرى له
(10)
أيضًا: "فرخص لهم أن يأتوا فيشربوا".
قوله: (وقد ثبت إلخ) هو ثابت من حديث جابر بن سمرة عند مسلم
(11)
.
(1)
في مجمل اللغة (1/ 201).
(2)
في "معالم السنن"(4/ 346 - هامش السنن) ط: دار ابن حزم.
(3)
هو محمد بن جعفر أبو عبد الله التميمي النحوي القيرواني المعروف بالقزاز.
كان الغالب عليه علم النحو واللغة والافتتان في التأليف
…
(342 هـ - 412 هـ).
انظر: "الوافي بالوفيات"(2/ 304 - 305) و "إنباه الرواة"(3/ 84 - 87، ت: 613)].
(4)
في "عارضة الأحوذي"(1/ 95).
(5)
في (ب): [أبو عُمَر: ويُقال].
(6)
(3/ 366 رقم 1501).
(7)
في "فتح الباري"(1/ 338).
(8)
(1/ 335 رقم 233).
(9)
أي للبخاري (8/ 273 - 274 رقم 4610).
(10)
أي للبخاري (3/ 366 رقم (1501).
قلت: وفي رواية للبخاري (10/ 141 رقم 5685): "اشربوا من ألبانها".
(11)
(1/ 275 رقم 97/ 360). قلت: وأخرجه ابن ماجه (1/ 166 رقم 495)؛ وأحمد (5/ 86، 100)؛ وابن الجارود في "المنتقى" رقم (25) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 158). وهو حديث صحيح.
ومن حديث البراء عند أبي داود
(1)
والترمذي
(2)
وابن ماجه
(3)
. "قال أحمد بن حنبل وإسحق بن إبراهيم: قد صح في هذا الباب حديث البراء بن عازب وجابر بن سمرة
(4)
". وقد استدل بهذا الحديث من قال بطهارة بول ما يؤكل لحمه، وهو مذهب العترة والنخعي
(5)
والأوزاعي والزهري
(6)
ومالك وأحمد ومحمد وزفر وطائفة من السلف، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والإصطخري والروياني
(7)
. أما في الإبل فبالنص، وأما في غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس.
قال ابن المنذر
(8)
: ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ويؤيد ذلك تقرير أهل العلم لمن يبيع أبعار الغنم في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم. ويؤيده أيضًا أن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة. وأجيب عن التأييد الأول بأن المختلف فيه لا يجب إنكارُه،
(1)
في السنن رقم (184).
(2)
في السنن رقم (81).
(3)
في السنن رقم (494).
قلت: وأخرجه أحمد (4/ 288، 302) وابن الجارود في "المنتقى" رقم (26) وابن حبان (رقم: 215 - موارد) وابن خزيمة في صحيحه (1/ 22 رقم 32).
والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 159).
قال الترمذي: قال إسحاق بن راهويه: أصح ما في الباب حديثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة.
وقال ابن خزيمة: لم أر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر أيضًا صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه.
وانظر ما قاله البيهقي في السنن الكبرى.
وخلاصة القول أن الحديث [صحيح] والله أعلم.
(4)
قاله البيهقي في السنن الكبرى (1/ 159).
(5)
أخرج أثره عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 377 رقم 1479 ورقم 1480) وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 115).
(6)
أخرج عبد الرزاق في "المصنف"(1/ 377 رقم 1477) عن معمر عن الزهري فقال: سئل عن الرجل يمشي خلف الإبل فيصيبه النضح من أبوالها؟ قال: ينضح.
(7)
المجموع شرح المهذب للإمام النووي (2/ 567 - 568).
(8)
في "الأوسط"(2/ 199).
وعن الاحتجاج بالحديث بأنها حالة ضرورية وما أبيح للضرورة لا يسمى حرامًا وقت تناوله لقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}
(1)
.
ومن أدلة القائلين بالطهارة حديث الإذن بالصلاة في مرابض الغنم السابق
(2)
. وأجيب عنه بأنه [مُعَلُّ]
(3)
بأنها لا تؤذي كالإبل، ولا دلالة فيه على جواز المباشرة وإلا لزم نجاسة أبوال الإبل وبعرها للنهي عن الصلاة في مَباركها. ويرد هذا الجواب بأن الصلاة في مرابض الغنم تستلزم المباشرة لآثار الخارج منها، والتعليل بكونها لا تؤذي أمر وراء ذلك، والتعليل للنهي عن الصلاة في معاطن الإبل بأنها تؤذي المصلي، يدل على أن ذلك هو المانع لا ما كان في المعاطن من الأبوال والبعر. واستدل أيضًا بحديث:"لا بأس ببول ما أكل لحمه" عند الدارقطني من حديث جابر
(4)
والبراء
(5)
مرفوعًا. وأجيب بأن في إسناده عمرو بن الحسين
(1)
سورة الأنعام: الآية 119.
(2)
تقدم من حديث جابر بن سمرة الصحيح، وحديث البراء بن عازب الصحيح.
(3)
في (جـ): (معلل).
(4)
أخرجه الدارقطني في السنن (1/ 128 رقم 4).
قال الدارقطني: "لا يثبت، عمرو بن الحصين، ويحيى بن العلاء ضعيفان، وسوَّار بن مصعب أيضًا متروك. وقد اختلف عنه، فقيل عنه: كما أكل لحمه فلا بأس بسؤره".
قال الحافظ في "التقريب"(2/ 68): "عمرو بن الحصين العقيلي البصري، ثم الجزري، متروك .. " وانظر: "الجرح والتعديل"(3/ 1/ 229) والكامل (5/ 1798).
قال الحافظ في "التقريب"(2/ 355): "يحيى بن العلاء، رُمي بالوضع .. ".
وانظر: "الجرح والتعديل"(4/ 2/ 180) و "الميزان"(4/ 397) و "الكامل"(7/ 2658).
وخلاصة القول أن حديث جابر موضوع.
(5)
أخرجه الدارقطني في السنن (1/ 128 رقم 3).
قال الدارقطني: "سَوَّار ضعيف، خالفه يحيى بن العلاء، فرواه عن مطرف عن محارب بن دثار عن جابر".
سَوَّار بن مصعب الهمداني الكوفي، أبو عبد الله، الأعمى، المؤذن. متروك.
انظر: "الجرح والتعديل"(2/ 1/ 271) و "الميزان"(2/ 642).
وقال ابن حزم في كتاب "المحلى"(1/ 181): "هو خبر باطل موضوع، لأن في إسناده: سَوَّار بن مصعب، وهو متروك الحديث عند جميع أهل النقل، متفق على ترك الرواية عنه، يروي الموضوعات" اهـ.
وخلاصة القول أن حديث البراء موضوع.
العقيلي وهو واه جدًّا، قال أبو حاتم
(1)
: ذاهب الحديث ليس بشيء. وقال أبو زرعة (1): واهي الحديث، وقال الأزدي: ضعيف جدًّا. وقال ابن عدي
(2)
: حدَّث عن الثقات بغير حديث منكر وهو متروك. وفي إسناده أيضًا يحيى بن العلاء أبو عمر البجلي الرازي، قد ضعَّفوه جدًّا، قاله الدارقطني: وكان وكيع شديد الحمل عليه
(3)
، وقال أحمد
(4)
: كذاب، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال النسائي
(5)
والأزدي: متروك.
واحتجوا أيضًا بحديث: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم" عند مسلم
(6)
والترمذي
(7)
وأبي داود
(8)
من حديث وائل بن حجر. وابن
(1)
انظر: "الجرح والتعديل"(3/ 1/ 229).
(2)
في "الكامل"(5/ 1798).
(3)
انظر: "الجرح والتعديل"(4/ 2/ 180).
(4)
انظر: "الميزان"(4/ 397).
(5)
انظر: "الضعفاء والمتروكين" للنسائي (ص 249 رقم 658).
(6)
في صحيحه رقم (1984).
(7)
في السنن رقم (2046).
(8)
في السنن رقم (3873).
عن وائل بن حجر الحضرمي، أن طارِقَ بنَ سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم عن الخمر؟ فنهاه، أو كرِهَ أن يصنعها. فقال: إنما أصنَعُها للدواءِ فقال: "إنَّهُ ليسَ بدواءِ ولكنهُ داءٌ".
قلت: ولم يخرجه الثلاثة باللفظ الذي ذكره الشوكاني، من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه.
وأخرج البخاري في صحيحه (10/ 78) تعليقًا: "وقال ابن مسعود في السَّكرِ: "إنَّ الله لم يجعلْ شفاءَكم فيما حرَّمَ عليكم".
قال الحافظ في "فتح الباري (10/ 79): "روِّيت الأثر المذكور في "فوائد علي بن حرب الطائي" عن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال: اشتكى رجل منا يقال له: خُثيم بن العداء داءً في بطنه يقال له: الصَّفَر، فنُعِت له السَّكر - وهو الخمر - فأرسل إلى ابن مسعود يسأله فذكره.
وأخرجه ابن أبي شيبة - في "المصنف"(3/ 381 رقم 3543)، وعبد الرزاق في "المصنف"(9/ 250 رقم 17097) - عن جرير عن منصور، وسنده صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه أحمد في "كتاب الأشربة" - رقم (130) - والطبراني في الكبير - كما في "مجمع الزوائد"(5/ 86) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح - من طريق أبي وائل نحوه.
حبان
(1)
والبيهقي
(2)
من حديث أم سلمة، وعند الترمذي
(3)
وأبي داود
(4)
من حديث أبي هريرة بلفظ: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل دواء خبيث" والتحريم يستلزم النجاسة، والتحليل يستلزم الطهارة، فتحليل التداوي بها دليل طهارتها، فأبوال الإبل وما يلحق بها طاهرة. وأجيب عنه بأنه - محمول على حالة الاختيار، وأما في الضرورة فلا يكون حرامًا كالميتة للمضطر، فالنهي عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها، والإذن بالتداوي بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة، وإن كان خبيثًا حرامًا، ولو سلِّم فالتداوي إنما وقع بأبوال الإبل فيكون خاصًّا بها، ولا يجوز إلحاق غيره به لما ثبت من حديث ابن عباس
(5)
مرفوعًا: "إن في أبوال الإبل شفاء للذَّرِبة بطونهم" ذكره في الفتح
(6)
، والذَّرَب
(7)
: فساد المعدة، فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، على أن
(1)
في صحيحه (4/ 233 رقم 1391).
(2)
في السنن الكبرى (10/ 5).
قلت: وأخرجه أحمد في "الأشربة" رقم (159) والطبراني في "الكبير"(23/ 326 رقم 749) وابن حزم في "المحلى"(1/ 175) وأبو يعلى (12/ 402 رقم 6966).
قال البوصيري (6/ 360 رقم 4649): "رواه أبو يعلى، وعنه ابن حبان في صحيحه، وله شاهد من حديث طارق بن سويد، رواه ابن حبان في صحيحه وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي وصححه، ورواه الحاكم موقوفًا من حديث ابن مسعود، وابن عمر" اهـ.
وهو حديث صحيح لغيره، والله أعلم.
(3)
في السنن رقم (2046).
(4)
في السنن رقم (3870).
قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (3459) وأحمد (2/ 305، 446، 478).
وهو حديث صحيح.
(5)
أخرجه أحمد في المسند (رقم: 2677 - شاكر) بسند صحيح.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 88) وقال: "رواه أحمد والطبراني، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف. وبقية رجاله ثقات".
وأشار إليه الترمذي (6/ 196) ونسبه المباركفوري لابن المنذر تبعًا لابن حجر.
(6)
(1/ 339).
(7)
الذَّرِبة: بفتح الذال وكسر الراء: من الذَّرَب بفتحتين، ويقال: ذربت معدته إذا فسدت، وهو داء يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام فيفسد فيها فلا تمسكه.
انظر: "النهاية"(2/ 156) و"الفائق"(1/ 490).
حديث تحريم التداوي بالحرام وقع في جواب من سأل عن التداوي بالخمر، كما في صحيح مسلم
(1)
وغيره، [ولا]
(2)
يجوز إلحاق غير المسكر به من سائر النجاسات، لأن شرب المسكر يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف ذلك. ويجاب بأنه قصر للعام على السبب بدون موجب، والمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب.
[حجج من قال بنجاسة جميع الأبوال والأزبال]:
واحتج القائلون بنجاسة جميع الأبوال والأزبال، وهم الشافعية والحنفية، ونسبه في الفتح
(3)
إلى الجمهور، ورواه ابن حزم في المحلى
(4)
عن جماعة من السلف بالحديث المتفق عليه "أنه صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذَّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر عن البول
…
" الحديث
(5)
، قالوا:[يعم]
(6)
جنس البول ولم يخصه ببول الإنسان، ولا أخرج عنه بول المأكول، وهذا الحديث غاية ما تمسكوا به.
وأجيب عنه بأن المراد بول الإنسان لما في صحيح البخاري
(7)
بلفظ: "كان لا يستتر من بوله"، قال البخاري
(8)
: "ولم يذكر سِوَى بولِ الناس"، فالتعريف في البول للعهد، قال ابن بطال
(9)
: "أراد البخاري أن المراد بقوله: "كان لا يستتر من البول": بول الإنسان لا بول سائر الحيوان فلا يكون فيه حجة لمن حمله على
(1)
تقدم تخريجه والكلام عليه من حديث وائل بن حجر.
(2)
في (ب): (فلا).
(3)
(1/ 338).
(4)
(1/ 177).
(5)
أخرجه البخاري (1/ 317 رقم 216) وأطرافه رقم (218) و (1361) و (1378) و (6052) و (6055).
ومسلم (1/ 240 رقم 111/ 292) وأبو داود رقم (20) والنسائي (1/ 27). وابن ماجه (1/ 125 رقم 347) وأحمد في المسند (1/ 225). من حديث ابن عباس.
لا يستتر: روي ثلاث روايات: (يستتر) و (يستنزه) و (يستبرئ) وكلها صحيحة. ومعناها: لا يتجنبه ويتحرَّز منه.
(6)
في (جـ): (فعم).
(7)
(1/ 317 رقم 216) و (1/ 322 رقم 218).
(8)
في صحيحه (1/ 321) الباب (56): معلقًا.
(9)
في "فتح الباري"(1/ 321).
العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه أراد الرد على الخطابي حيث قال: فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها".
قال في الفتح
(1)
: "ومحصل الرد أن العموم في رواية "من البول" أُريد به الخصوص لقوله: "من بوله" أو الألف واللام بدل من الضمير، انتهى. والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكًا بالأصل واستصحابًا للبراءة الأصلية، والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة فلا يقبل قول مدَّعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنها، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلًا كذلك، وغاية ما جاؤوا به حديث صاحب القبر وهو مع كونه مرادًا به الخصوص كما سلف عموم ظني الدلالة لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف، وقد طوَّل ابن حزم الظاهري في المحلَّى
(2)
الكلام على هذه المسألة بما لم نجده لغيره لكنه لم يدر بحثه على غير حديث صاحب القبر.
فإن قلت: إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبله لما تقدم حتى يرد دليل، فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول وزبله على العموم؟
قلت: قد تمسَّكوا بحديث "إنها ركس"، قاله صلى الله عليه وسلم في الروثة، أخرجه البخاري
(3)
والترمذي
(4)
والنسائي
(5)
. وبما تقدم في بول الآدمي، وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل وهو منتقض بالقول بنجاسة زُبْلِ الجلَّالة، والدفع بأن العلة في زبل الجلَّالة هو الاستقذار منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر كالطاهر إذا صار منتنًا، إلَّا أن يقال: إن زبل الجلَّالة هو محكوم بنجاسته لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جلتها الدابة لعدم الاستحالة التامة.
(1)
(1/ 321 - 322
(2)
(1/ 177 - 182).
(3)
في صحيحه (1/ 256 رقم 156).
(4)
في السنن (1/ 25 رقم 17).
(5)
في السنن (1/ 39 - 41 رقم 42).
قلت: وأخرجه أحمد في "المسند"(6/ 146 رقم 4299 - شاكر)، والدارقطني، في السنن (1/ 55 رقم 5) وابن ماجه (1/ 114 رقم 313) والبيهقي (1/ 108) والطيالسي في المسند (ص 37 رقم 287) والطبراني في "الكبير"(10/ 73 رقم 9951) وابن خزيمة في صحيحه (1/ 39 رقم 70). كلهم من حديث ابن مسعود.
وأما الاستدلال بمفهوم حديث: "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه" المتقدم
(1)
فغير صالح لما تقدم من ضعفه الذي لا يصلح معه للاستدلال به حتى قال ابن حزم
(2)
: "إنه خبر باطل موضوع، قال: لأن في رجاله سوار بن مصعب
(3)
، وهو متروك عند جميع أهل النقل متفق على ترك الرواية عنه؛ يروي الموضوعات"، فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي وزبله والروثة. وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير، ولكنه زاد ابن خزيمة
(4)
في روايته: "إنها ركس إنها روثة حمار".
وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها فإن وجدت في بول بعضها أو زبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارة أو نجاسة ألحقته وإن لم تجد، فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة كما عرفت.
قال المصنف
(5)
رحمه الله في الكلام على حديث الباب ما لفظه: "فإذا أطلق الإذنَ في ذلك ولم يَشترط حائلًا بقي من الأبوال، وأطلق الإذن في الشرب لقوم حديثي العهد بالإسلام، جاهلين بأحكامه، ولم يأمرهم بغسل أفواههم وما يصيبهم منها لأجل صلاة ولا غيرها مع اعتيادهم شربها، دل ذلك على مذهب القائلين بالطهارة". انتهى.
[الباب الثامن] باب ما جاء في المذي
20/ 38 - (عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيف قَالَ: كُنْتُ ألْقَى مِنَ المَذْي شِدَّةً وَعناءً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الاغْتِسَالَ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "إنَّما يُجْزِيكَ مِنْ
(1)
وهو حديث موضوع تقدم تخريجه ص 247.
(2)
في المحلى (1/ 181).
(3)
تقدم الكلام عليه ص 247.
(4)
في صحيحه (1/ 39 رقم 70).
(5)
ابنُ تيمية مؤلف "المنتقى"(1/ 26).
لأن الشوكاني أدرج كلامه ضمن شرحه كما ذكر في المقدمة مع تصديره بلفظ: "قال المصنف". فلذا ميَّزته بوضع خط فوقه، على مدار الكتاب فتنبه.
ذلِكَ الوُضُوءُ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي منه؟ قَالَ: "يَكْفِيكَ أنْ تأخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ حَيثُ تَرَى أنَّهُ قَدْ أصَابَ مِنْهُ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ
(1)
وابْنُ مَاجَهْ
(2)
والتِّرْمِذِيُّ
(3)
وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حسن]
وَرَوَاهُ الأثْرَمُ
(4)
وَلَفْظُهُ قَالَ: كُنْتُ ألْقَى مِنَ المَذْي عَناء فَأتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْتُ [ذلِكَ]
(5)
لَهُ، فقالَ:"يُجْزِيكَ أنْ تأخُذ حَفْنةً مِنْ ماءٍ فَتَرشَّ عَلَيهِ").
21/ 39 - (وَعَنْ عَليِّ بْنِ أبِي طَالِب [رضي الله عنه]
(6)
. قالَ: كُنْتُ رَجُلًا مذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسْألَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأسْوَدِ فَسَألهُ، فَقَالَ:"فِيهِ الوُضُوءُ"، أخْرَجَاهُ
(7)
، وَلمُسْلِم
(8)
: "يَغْسِلُ ذَكرَهُ وَيَتَوَضَّأ". [صحيح]
وَلأحْمَدَ
(9)
وأبِي دَاوُدَ
(10)
: "يَغْسلُ ذَكَرَهُ وأُنْثَييهِ وَيَتَوَضأ". [صحيح]
22/ 40 - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَألتُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عن المَاءِ يَكُونُ بَعْدَ المَاءِ، فقالَ: "ذلِكَ [مِنَ]
(11)
المَذْيِ، وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي. فَتَغْسِلُ مِنْ ذلِكَ فَرْجَكَ وأُنْثَييْكَ وَتَوضَّأ وُضُوءَك لِلصَّلاةِ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ)
(12)
. [صحيح]
(1)
في السنن رقم (210).
(2)
في السنن رقم (506).
(3)
في السنن رقم (115). وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه الدارمي (1/ 184) والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 47).
وابن حبان (3/ 387 رقم 1103).
وهو حديث حسن.
(4)
هو أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، أو الكلبي، الإسكافي، أبو بكر الأثرم: من حفاظ الحديث. أخذ عن الإمام أحمد وآخرين، له كتاب في "علل الحديث"، وآخر في "السنن" و "ناسخ الحديث ومنسوخه - خ" الجزء الثالث منه في دار الكتب، ت: 261 هـ[الأعلام للزركلي (1/ 205)؛ وتاريخ بغداد (5/ 84)؛ والنجوم الزاهرة (2/ 335)].
(5)
زيادة من (أ) و (ب).
(6)
زيادة من (جـ).
(7)
البخاري (1/ 283 رقم 178)، ومسلم (1/ 247 رقم 303).
(8)
في صحيحه رقم (17/ 303).
(9)
في المسند رقم (606 - شاكر).
(10)
في السنن رقم (208). وهو حديث صحيح.
(11)
زيادة من (أ) و (ب).
(12)
في السنن رقم (211). وهو حديث صحيح.
الحديث الأوّل في إسناده محمد بن إسحق
(1)
وهو ضعيف إذا عنعن لكونه مدلسًا، ولكنه ههنا [صريح]
(2)
بالتحديث.
وحديث عبد الله بن سعد أخرجه الترمذي وحسنه
(3)
. وقال الحافظ في التلخيص
(4)
: في إسناده ضعف.
وفي الباب عن المقداد: "أن عليًا أمره أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أخرجه أبو داود
(5)
من طريق سليمان بن يسار عنه. وفي رواية لأحمد
(6)
والنسائي
(7)
وابن حبان
(8)
أنه أمر عمار بن ياسر. وفي رواية لابن خزيمة
(9)
أن عليًا سأل بنفسه. وجمع بينها ابن حبان بتعدد الأسئلة. ورواه أبو داود
(10)
من طريق عروة عن علي وفيه: "يغسل أُنثييه وذكره"، وعروة لم يسمع من علي، لكن رواه أبو عوانة في صحيحه
(11)
من طريق عبيدة عن علي بالزيادة، وإسناده لا مطعن فيه.
قوله: (ألقى من المذي شدة) في المذي لغات فتح الميم وإسكان الذال المعجمة وفتح الميم مع كسر الذال وتشديد الياء، وبكسر الذال مع تخفيف الياء، فالأوليان مشهورتان أُولاهما أفصح وأشهر، والثالثة حكاها أبو عمر الزاهد عن ابن الأعرابي، والمذي ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند الشهوة بلا شهوة ولا دفق ولا
(1)
محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني صاحب المغازي صدوق مشهور بالتدليس عن الضعفاء المجهولين، وعن شر منهم، وصفه بذلك أحمد والدارقطني وغيرهما.
[(تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس) لابن حجر ص 132 - 133].
(2)
في (جـ): (صرح).
(3)
قال ابن حجر في "التلخيص"(1/ 117): "وقد حسنه الترمذي".
(4)
(1/ 117).
(5)
في السنن رقم (207) وهو حديث صحيح.
(6)
في المسند (1/ 80، 82، 87، 107، 111، 121، 124، 125، 129، 145).
(7)
في السنن (1/ 96 - 97 رقم 155).
(8)
في صحيحه (3/ 389 رقم 1105).
قال الألباني في ضعيف النسائي رقم (155): "منكر بذكر عمار، والمحفوظ أن المأمور المقداد
…
" اهـ.
(9)
في صحيحه (1/ 15 رقم 20) بسند صحيح.
(10)
في سننه رقم (208). وهو حديث صحيح.
(11)
مسند أبي عوانة (1/ 273).
يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ذكره النووي
(1)
، ومثله في الفتح
(2)
.
قوله: (فتنضح به ثوبك) قد سبق الكلام على معنى النضح في باب نضح بول الغلام
(3)
، وهكذا ورد الأمر بالنضح في الفرج عند مسلم
(4)
وغيره
(5)
. قال النووي
(6)
: معناه الغسل، فإن النضح يكون غسلًا ويكون رشًا. وقد جاء في الرواية الأخرى:"فاغسل"، وفي الرواية المذكورة في الباب:"يغسل ذكره"
(7)
، وفي التي بعدها كذلك، وفي الأخرى:"فتغسل من ذلك فرجك"
(8)
، فتعين حمله عليه، ولكنه قد ثبت في الرواية المذكورة في الباب من رواية الأثرم بلفظ:"فترش عليه"
(9)
وليس المصير إلى الأشد بمتعين بل ملاحظة التخفيف من مقاصد الشريعة المألوفة، فيكون الرش مجزئًا كالغسل.
قوله: (مذَّاء) صيغة مبالغة من المذي يقال: مذى يمذي كمضى يمضي، ثلاثيًا، ويقال: أمذى يمذي كأعطى يعطي، ومذّى يمذّي كغطى يغطي.
قوله: (وأنثييه) أي خصيتيه.
قوله: (عن الماء يكون بعد الماء) المراد به خروج المذي عقيب البول متصلًا به.
قوله: (وكل فحل يمذي) الفحل: الذكر من الحيوان، ويمذي بفتح الياء وضمها يقال: مذى الرجل وأمذى كما تقدم.
وقد استدل بأحاديث الباب على أن الغسل لا يجب لخروج المذي، قال في
(1)
في شرح صحيح مسلم (3/ 213).
(2)
في فتح الباري (1/ 379).
(3)
الباب السادس من أبواب تطهير النجاسة
…
عند الأحاديث رقم (12/ 30) و (13/ 31) من كتابنا هذا.
(4)
في صحيحه (1/ 247 رقم 19/ 303) من حديث علي رضي الله عنه.
(5)
كأبي داود رقم (207) وابن ماجه رقم (505). والنسائي رقم (156).
(6)
في شرح صحيح مسلم (3/ 213).
(7)
رقم (21/ 39) من كتابنا هذا.
(8)
رقم (22/ 40) من كتابنا هذا.
(9)
رقم (20/ 38) من كتابنا هذا.
الفتح
(1)
: وهو إجماع، وعلى أن الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول، وعلى أنه يتعين الماء في تطهيره لقوله:"كفًا من ماء وحفنة من ماء". واتفق العلماء على أن المذي نجس
(2)
، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الإمامية محتجين بأن النضح لا يزيله، ولو كان نجسًا لوجبت الإزالة، ويلزمهم القول بطهارة العذرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمسح النعل منها بالأرض والصلاة فيها، والمسح لا يزيلها وهو باطل بالاتفاق.
وقد اختلف أهل العلم في المذي إذا إصاب الثوب فقال الشافعي
(3)
وإسحق وغيرهما: لا يجزيه إلا الغسل أخذًا برواية الغسل، وفيه ما سلف على أن رواية الغسل إنما هي في الفرج لا في الثوب الذي هو محل النزاع فإنه لم يعارض رواية النضح المذكورة في الباب معارض، فالاكتفاء به صحيح مجز
(4)
.
واستدل أيضًا بما في الباب على وجوب غسل الذكر والأنثيين على المُمذي وإن كان محل المذي بعضًا منهما، وإليه ذهب الأوزاعي وبعض الحنابلة وبعض المالكية، وذهبت العترة والفريقان وهو قول الجمهور إلى أن الواجب غسل المحل الذي أصابه المذي من البدن، ولا يجب تعميم الذكر والأنثيين، ويؤيد ذلك ما عند الإسماعيلي
(5)
في رواية بلفظ: "توضأ واغسله"، فأعاد الضمير على المذي.
ومن العجيب أن ابن حزم
(6)
مع ظاهريته ذهب إلى ما ذهب إليه الجمهور وقال: إيجاب غسل كله شرع لا دليل عليه، وهذا بعد أن روى حديث:"فليغسل ذكره"، وحديث:"واغسل ذكرك"، ولم يقدح في صحتهما، وغاب عنه أن الذكر حقيقة لجميعه ومجازًا لبعضه، وكذلك الأنثيان حقيقة لجميعهما، فكان اللائق بظاهريته الذهاب إلى ما ذهب إليه الأوّلون.
(1)
في فتح الباري (1/ 380).
(2)
قال النووي في "المجموع"(2/ 571): "أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي".
وانظر: "البحر الزخار"(1/ 10)؛ و "موسوعة الإجماع" لسعدي أبو جيب (2/ 1039).
(3)
انظر: "المجموع"(2/ 571 - 572).
(4)
انظر: "المغني مع الشرح الكبير"(1/ 767 - 768).
(5)
ذكره الحافظ في فتح الباري (1/ 380).
(6)
انظر: "المحلى"(1/ 106 - 107 رقم 125).
واختلف الفقهاء هل المعنى معقول أو هو حكم تعبدي؟ وعلى الثاني تجب النية، وقيل: الأمر بغسل ذلك ليتقلص الذكر، قاله الطحاوي
(1)
.
[الباب التاسع] باب ما جاء في المني
23/ 41 - (عَنْ عَائِشَة قالتْ: كُنْتُ أفْرُكُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُصَلِّي فِيهِ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلا البخاري
(2)
. [صحيح]
ولأحْمَدَ
(3)
: "كان رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَسْلُتُ المَنِيَّ منْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الإذْخِرِ، ثُمَّ يُصَلي فِيهِ وَيحُتُّهُ مِنْ ثَوبِهِ يابِسًا ثُمَّ يُصَلي فِيه". [حسن]
وَفي لَفْظٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ
(4)
: "كُنْتُ أغْسِلهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمَّ يَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ وأثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقعُ الماء". [صحيح]
وَللدارَقُطْني
(5)
عنْها: "كُنْتُ أفْرُكُ المَنيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا كَانَ يابِسًا وأغسلهُ إذا كان رَطْبًا"[صحيح]
[قلت
(6)
]
(7)
: فَقَدْ بانَ من مَجْمُوعِ النُّصُوص جَوَازُ الأمْرَيْنِ).
24/ 42 - (وَعَنْ إسْحقَ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا شَريكٌ عَنْ مُحَمد بْنِ
(1)
قال الطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 46): "لم يكن ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيجاب غسل المذاكير، ولكنه ليتقلص المذيُ فلا يخرج".
(2)
أخرجه أحمد (6/ 125، 132)؛ ومسلم (1/ 238 رقم 105/ 288)؛ وأبو داود (رقم 371، 372)؛ والترمذي (1/ 198 رقم 116) وقال: حديث حسن صحيح؛ والنسائي (1/ 156، 157)؛ وابن ماجه (1/ 179 رقم 538).
كلهم من رواية عائشة وألفاظهم متقاربة.
(3)
في المسند (6/ 243) بسند حسن.
قلت: وأخرجه ابن خزيمة (1/ 149 رقم 294) بسند حسن.
(4)
البخاري (1/ 332 رقم 229 و 230) و (1/ 334 - 335 رقم 231 و 232).
ومسلم (1/ 239 رقم 108/ 289)؛ وأحمد (6/ 142).
(5)
في السنن (1/ 125 رقم 3). وهو حديث صحيح.
(6)
هذا قول المصنف ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 28).
(7)
زيادة من (أ) و (ب).
عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ المَنيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَ:"إنَّما هُوَ بِمَنْزِلَةِ المُخَاطِ وَالبُصَاقِ، وإنَّما يَكفِيكَ أنْ تَمْسَحَهُ بِخرقَةٍ أو بإذْخِرَةٍ". رَوَاهُ الدارقُطْنِي
(1)
وَقَالَ: لَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُ إسْحقَ الأزْرَقِ عَنْ شَرِيكٍ.
قُلْتُ
(2)
: وهذا لا يَضُرُّ لأنَّ إسْحقَ إمامٌ مُخَرَّجٌ عَنْهُ في الصحيحين فيُقْبَل رَفْعُهُ وَزِيادتهُ). [منكر مرفوعًا. صحيح موقوفًا]
حديث عائشة لم يسنده البخاري وإنما ذكره في ترجمة باب
(3)
. ولفظ أبي داود
(4)
: "ثم يصلي فيه"، ولفظ الترمذي
(5)
: "ربما فركته من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصابعي"، وفي رواية
(6)
: "وإنِّي لأحُكُّهُ من ثَوْبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَابِسًا بِظُفري". وأخرج ابن خزيمة
(7)
وابن حبان
(8)
والبيهقي
(9)
والدارقطني
(10)
عن عائشة: "أنها كانت تحتُّ المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي". [وأخرجه]
(11)
أبو عوانة
(1)
في السنن (1/ 124 رقم 1).
(2)
هذا قول المصنف ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 28).
وقال الزيلعي في "نصب الراية"(1/ 210): قال ابن الجوزي في "التحقيق" - (1/ 107): وإسحاق إمام مخرج له في الصحيحين، ورفعه زيادة، وهي من الثقة مقبولة ومن وقفه لم يحفظ. انتهى. ورواه البيهقي في "المعرفة" (3/ 383) من طريق الشافعي ثنا سفيان عن عمرو بن دينار وابن جريج كلاها عن عطاء عن ابن عباس موقوفًا. وقال: هذا هو الصحيح موقوف. وقد روي عن شريك عن ابن أبي ليلى عن عطاء مرفوعًا، ولا يثبت" اهـ.
وخلاصة القول أن الحديث منكر مرفوعًا وصحيح موقوفًا.
(3)
الباب (64) وقال الحافظ في "فتح الباري"(1/ 332): " لم يخرج البخاري حديث الفرك، بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته
…
" اهـ.
(4)
في السنن رقم (372).
(5)
في السنن رقم (116).
(6)
لمسلم في صحيحه (1/ 239 - 240 رقم 109/ 290).
(7)
في صحيحه رقم (290).
(8)
في صحيحه رقم (1380).
(9)
في السنن الكبرى (2/ 416).
(10)
في السنن (1/ 125).
(11)
في (جـ): (وأخرج الدارقطني و). وهو مكرر كما تقدم.
في صحيحه
(1)
وأبو بكر البزار
(2)
من حديث عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا" كحديث الباب، وأعله البزار
(3)
بالإرسال.
قال الحافظ
(4)
: "وقد ورد الأمر بفركه من طريق صحيحة رواها ابن الجارود في المنتقى
(5)
عن محمد بن يحيى عن أبي حذيفة عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال: "كانَ عندَ عائشة ضيف فأجنبَ فجعَل يغسل ما أصابَه، فقالَت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمُرُنَا بِحَتِّه". قال: وأما الأمر بغسله فلا أصل له". وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا البيهقي
(6)
والطحاوي
(7)
مرفوعًا، وأخرجه أيضًا البيهقي
(8)
موقوفًا على ابن عباس وقال: الموقوف هو الصحيح.
قوله: (أفرك) أي أدلك.
قوله: (بعرق الإذخر) هو حشيش طيِّب الريح.
قوله: (كنت أغسله) أي أثر الجنابة أو المني.
قوله: (بقع الماء) هو بدل من أثر الغسل.
[اختلاف أهل العلم في طهارة المني، وكذلك في تطهيره]:
وقد استُدل بما في الباب على أنه يكتفي في إزالة المني من الثوب بالغسل أو الفرك أو الحتِّ، وقد اختلف أهل العلم في المني فذهبت العترة وأبو حنيفة ومالك
(9)
إلى نجاسته، إلا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسًا، وهو رواية عن أحمد. وقالت العترة ومالك (9): لا بد من غسله رطبًا ويابسًا. وقال
(1)
في المسند (1/ 204).
(2)
عزاه إليه الزيلعي في "نصب الراية"(1/ 209) وقال: لا يعلم أسنده عن عائشة إلا عبد الله بن الزبير هذا، ورواه غيره عن عمرة مرسلًا.
(3)
انظر: نصب الراية (1/ 209).
(4)
في "التلخيص"(1/ 33).
(5)
رقم (135) بإسناد صحيح. وقد تقدم تخريجه وهو حديث صحيح.
(6)
في السنن الكبرى (2/ 418).
(7)
كذا عزاه الشوكاني للطحاوي تبعًا لابن حجر. والذي عند الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 52) عن ابن عباس موقوفًا عليه.
(8)
في السنن الكبرى (2/ 418).
(9)
البحر الزخار (1/ 21).
الليث: هو نجس ولا تعاد منه الصلاة. وقال الحسن بن صالح
(1)
: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان كثيرًا، وتعاد منه إن كان في الجسد وإن قلَّ، قال ابن حزم في المحلى
(2)
: "وروِّينا غسله عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وأنس وسعيد بن المسيب"، وقال الشافعي
(3)
وداود وهو أصح الروايتين عن أحمد بطهارته
(4)
، ونسبه النووي
(5)
إلى الكثيرين وأهل الحديث، قال: وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة، قال: وقد غلط من أوهم أن الشافعي منفرد بطهارته.
احتج القائلون بنجاسته بما روي في غسله، والغسل لا يكون إلا لشيء نجس. وأجيب بأنه لم يثبت الأمر بغسله من قوله صلى الله عليه وسلم في شيء من أحاديث الباب، وإنما كانت تفعله عائشة ولا حجة في فعلها إلا إذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بفعلها وأقرها على أن علمه بفعلها وتقريره لها لا يدل على المطلوب، لأن غاية ما هناك أنه يجوز غسل المني من الثوب، وهذا مما لا خلاف فيه، بل يجوز غسل ما كان متفقًا على طهارته كالطيب والتراب فكيف بما كان مستقذرًا.
وأما الاحتجاج بحديث عمار مرفوعًا بلفظ: "إنما يغسل الثوب من الغائط والبول والمذي والمني والدم والقيء"، أخرجه البزار
(6)
وأبو يعلى الموصلي
(7)
في مسنديهما وابن عدي في الكامل
(8)
والدارقطني
(9)
والبيهقي
(10)
والعقيلي في
(1)
الحسن بن صالح بن صالح بن حي، وهو حيان بن شُفَيّ: بضم المعجمة والفاء مصغرًا، الهمْداني: بسكون الميم، الثوري، ثقة فقيه عابد، رمي بالتشيع، مات سنة (199) وكان مولده سنة مائة. "التقريب"(1/ 167).
(2)
في "المحلى"(1/ 126).
(3)
في "الأم"(1/ 219).
(4)
انظر: "المغني"(2/ 497).
(5)
في "المجموع"(2/ 573).
(6)
في "البحر الزخار" المعروف: بمسند البزار (4/ 234 رقم 1397).
(7)
في المسند (3/ 185 - 186 رقم 1611).
(8)
في "الكامل"(2/ 524 - 525).
(9)
في السنن (1/ 127 رقم 1).
(10)
في السنن الكبرى (1/ 14).
الضعفاء
(1)
، وأبو نعيم في المعرفة
(2)
، فأجيب عنه بأن الجماعة المذكورين كلهم ضعَّفوه إلا أبا يعلى لأن في إسناده ثابت بن حماد
(3)
اتهمه بعضهم بالوضع. وقال اللالكائي: أجمعوا على ترك حديثه، وقال البزار
(4)
: "لا يعلم لثابت إلا هذا الحديث". وقال الطبراني
(5)
: "انفرد به ثابت بن حماد، ولا يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد"، وقال البيهقي
(6)
: "هذا حديث باطل إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم". قال الحافظ
(7)
: "قلت: ورواه البزار
(8)
والطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه إنما يرويه ثابت بن حماد" انتهى. فهذا مما لا يجوز الاحتجاج بمثله.
واحتج القائلون بالطهارة برواية الفرك، ويجاب عنه بمثل ما سلف من أنه [من]
(9)
فعل عائشة، إلا أنه إذا فرض اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك أفاد المطلوب وهو الاكتفاء في إزالة المني بالفرك، لأن الثوب ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فيه بعد ذلك كما ثبت في الرواية المذكورة في الباب، ولو كان الفرك غير مطهِّر، لما اكتفى به ولا صلَّى فيه، ولو فرض عدم اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على الفرك فصلاته في ذلك الثوب كافية، لأنه لو كان نجسًا لنبِّه عليه حال الصلاة بالوحي كما نبِّه بالقذر الذي في النعل
(10)
.
(1)
في "الضعفاء الكبير"(1/ 176).
(2)
"معرفة الصحابة" لابن نعيم الأصبهاني (4/ 2073 رقم 5214).
(3)
هو ثابت بن حماد أبو زيد، بصري. قال الدارقطني: ضعيف جدًّا، وقال العقيلي: حديثه غير محفوظ، وهو مجهول، وذكره الطوسي في رجال الشيعة.
[الضعفاء للعقيلي (1/ 176)؛ والكامل (2/ 524 - 525)؛ واللسان (2/ 75 - 76).
(4)
في المسند (4/ 235).
(5)
في الأوسط رقم (5963) والكبير كما في "مجمع الزوائد"(1/ 283)" .. ومدار طرقه عند الجميع على ثابت بن حماد وهو ضعيف جدًّا".
(6)
في السنن الكبرى (1/ 14).
(7)
في "التلخيص"(1/ 33).
(8)
في مسنده (1/ 234 - 235).
(9)
زيادة من (أ) و (ب).
(10)
وهو حديث صحيح.
أخرجه أحمد (3/ 20 و 92)؛ وأبو داود رقم (650)؛ وأبو يعلى رقم (1194)؛ والدارمي (1/ 320)؛ والبيهقي (2/ 431)؛ والطيالسي رقم (2154)؛ وابن خزيمة رقم (1017)؛ =
وأيضًا ثبت السلت للرطب والحك لليابس من فعله صلى الله عليه وسلم كما في حديث الباب، وثبت أمره بالحت وقال:"إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة". وأجيب بأن ذلك لا يدل على الطهارة وإنما يدل على كيفية التطهير، فغاية الأمر أنه نجس خُفف في تطهيره بما هو أخف من الماء، والماء لا يتعيَّن لإزالة جميع النجاسات كما حرَّرناه في هذا الشرح سابقًا، وإلَّا لزم طهارة العذرة التي في النعل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمسحها في التراب ورتب على ذلك الصلاة فيها، قالوا: قال صلى الله عليه وسلم: "إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق والبصاق"
(1)
كما في الحديث السابق. وأجيب بأنه موقوف كما قال البيهقي.
قالوا: الأصل الطهارة فلا ينتقل عنها إلا بدليل، وأجيب بأن التعبد بالإزالة غسلًا أو مسحًا أو فركًا أو حتًّا أو سلتًا أو حكًا ثابت، ولا معنى لكون الشيء نجسًا إلا أنه مأمور بإزالته بما أحال عليه الشارع.
فالصواب أن المني نجس يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة، وهذا خلاصة ما في المسألة من الأدلة من جانب الجميع
(2)
. وفي المقام مطاولات ومقاولات والمسألة حقيقة بذاك
(3)
، ولكنه أفضى الأمر إلى تلفيق حجج واهية كالاحتجاج بتكرمة
= والحاكم (1/ 260) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال:"ما حملكم على إلقاء نعالكم"؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن جبريل صلى الله عليه وسلم أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا". أو قال: أذىً. وقال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحْهُ وليصلّ فيهما".
(1)
وهو حديث منكر مرفوعًا وصحيح موقوفًا. تقدم رقم (24/ 42) من كتابنا هذا.
(2)
لقد رجع الإمام الشوكاني عن هذا في كتابيه:
أ - وبل الغمام على شفاء الأوام. بتحقيقي (1/ 177): "
…
وقد أوردت في شرح المنتقى حجج المختلفين، ورجحت هناك ما رجحت، وظهر لي الآن أن القيام في مقام المنع هو الذي يدين عند الله" اهـ.
ب - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (1/ 34): " .. وتعرف أيضًا عدمَ انتهاض ما استدل به القائلون بنجاسة مني الآدمي
…
" اهـ. وقد حققت كتاب "السيل الجرار" ولله الحمد والمنة وتم طبعه.
(3)
قال الأمير الصنعاني في كتابه "سبل السلام" بتحقيقي (1/ 207 - 208): "
…
وبين =
بني آدم، وبكون الآدمي طاهرًا من جانب القائل بالطهارة، وكالاحتجاج بأنه فضلة مستحيلة إلى مستقذر، وبأن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة والمني منها، وبكونه جاريًا من مجرى البول من جانب القائل بالنجاسة. وهذا الكلام في منيِّ الآدمي.
وأما منيّ غير الآدمي ففيه وجوه وتفصيلات مذكورة في الفروع فلا نطول بذكرها
(1)
.
[الجمع بين حديث الغسل والفرك]:
(فائدة) صرَّح الحافظ في الفتح
(2)
: "بأنه لا معارضة بين حديث الغسل والفرك لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب، قال: وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطبًا، والفرك على ما كان يابسًا، وهذه طريقة الحنفية، قال: والطريقة الأولى أرجح لأن فيها العمل بالخبر والقياس معًا، لأنه لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره فيما لا يُعفى عنه من الدم بالفرك، ويرد الطريقة الثانية أيضًا ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: "كان يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه"، فإنه تضمن ترك الغسل في الحالتين" انتهى كلامه، والحق ما عرفته.
[الباب العاشر] باب أن ما لا نفس له سائلة
(3)
لم ينجس بالموت
25/ 43 - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في
= الفريقين القائلين بالنجاسة والقائلين بالطهارة مجادلاتٌ ومناظرات واستدلالات طويلة استوفيناها في حواشي شرح العمدة"، (1/ 400 - 411). أعانني الله على إتمام تحقيقه.
وقد حقق القول في المسألة ابن قيم الجوزية في "بدائع الفوائد" تحت عنوان "مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته"(3/ 119 - 126)، وهو بحث هام جدًّا في غاية التحقيق.
(1)
انظر: "الشرح الممتع على زاد المستقنع" للشيخ محمد بن صالح العثيمين (1/ 390).
(2)
(1/ 332 - 333).
(3)
النَّفْس ها هنا: الدَّم، يعني: ما ليس له دَمٌ سائل، والعربُ تسمِّي الدم نَفْسًا، قال =
شَرابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فإنَّ في أحَد جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وفِي الآخر دَاءً" رَوَاهُ أحْمَدُ
(1)
والبُخَارِيُّ
(2)
وأبو داوُدَ
(3)
وابْنُ ماجَهْ
(4)
. [صحيح]
ولأحمَدَ
(5)
وابْنِ مَاجَهْ
(6)
مِنْ حَدِيث أبِي سَعِيدِ نَحْوُهُ). [صحيح]
حديث أبي سعيد لفظه: "في أحد جناحي الذباب سم وفي الآخر شفاءٌ، فإذا وقع في الطعام فامْقِلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء"، وأخرجه أيضًا النسائي
(7)
وابن حبان
(8)
والبيهقي
(9)
. وفي الباب من حديث أنس نحوه عند ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير، قال الحافظ
(10)
: وإسناده صحيح.
= أوس بن حجر في ديوانه 47:
أُنبِئْتُ أن بني سُحَيْم أَدْخَلُوا
…
أَبْيَاتَهُمْ تَامُورَ نَفْسِ المُنْذِرِ
يعني: دمه. ومنه قيل للمرأةً: نُفَساء؛ لسَيَلان دَمِها عند الولادة.
وتقول العرب: نَفِسَت المرأة، إذا حاضَتْ، ونُفِسَت من النِّفاس.
المغني (1/ 59 - 60)].
(1)
في المسند (2/ 229 - 230).
(2)
في صحيحه (6/ 359 رقم 3320) وطرفه رقم (5782).
(3)
في السنن (4/ 182 رقم 3844).
(4)
في السنن (2/ 1159 رقم 3505).
قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 98 - 99) وابن خزيمة (1/ 56 رقم 105) والطبراني في الأوسط (رقم 2419) والطحاوي في مشكل الآثار (4/ 283) وابن حبان في صحيحه (4/ 53 رقم 1246) من طرق. وهو حديث صحيح.
(5)
في المسند (3/ 67).
(6)
في السنن (2/ 1159 رقم 3504). وهو حديث صحيح.
(7)
في السنن (7/ 178 رقم 4262).
(8)
في صحيحه (4/ 55 - 56 رقم 1247). وفي "الثقات"(2/ 102).
(9)
في السنن الكبرى (1/ 253).
قلت: وأخرجه الطيالسي في المسند (ص 291 رقم 2188) والبغوي في شرح السنة (رقم 2815) وأبو يعلى في مسنده (2/ 273 رقم 13/ 986).
وهو حديث صحيح.
(10)
في "تلخيص الحبير"(1/ 28).
قلت: وأخرج حديث أنس البزار (3/ 329 رقم 2866 - كشف) بسند صحيح. والطبراني في الأوسط (7/ 65 رقم 4049 - مجمع البحرين).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 38) وقال: رجال البزار رجال الصحيح. =
قوله: (فليغمسه) هذا لفظ البخاري
(1)
، وعند أبي داود
(2)
وابن خزيمة
(3)
وابن حبان
(4)
: "وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله ثم لينزعه"، ورواه أيضًا الدارمي
(5)
وابن ماجه
(6)
. ولفظ ابن السكن
(7)
: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله - أي يغمسه - فإن في أحد جناحيه دواء وفي الآخر داء" أو قال: "سمًا".
واستدل بالحديث على أن الماء القليل لا ينجس بموت ما لا نفس له سائلة فيه، إذ لم يفصل بين الموت والحياة، وقد صرح بذلك في حديث الذباب والخنفساء اللذين وجدهما صلى الله عليه وسلم ميتين في الطعام، فأمر بإلقائهما والتسمية عليه والأكل منه، ويدل على جواز قتل الذباب بالغمس لصيرورته بذلك عقورًا، وعلى تحريم أكل المستخبث للأمر بطرحه. ورواية "إناء أحدكم" تشمل إناء الطعام والشراب وغيرهما، فهي أعم من رواية "شراب أحدكم". والفائدة في الأمر بغمسه جميعًا هي أن يتصل ما فيه من الدواء بالطعام أو الشراب، كما اتصل به الداء، فيتعادل الضار والنافع فيندفع الضرر
(8)
.
[الباب الحادي عشر] باب في أن الآدمي المسلم لا ينجس بالموت ولا شعره وأجزاؤه بالانفصال
(قَدْ أسْلَفْنا قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: "المُسْلِمُ لا يَنْجُسُ"
(9)
وَهُوَ عَامٌّ في الحَيِّ وَالمَيِّتِ.
= وهو حديث صحيح.
(1)
رقم (3320).
(2)
رقم (3844).
(3)
رقم (105).
(4)
رقم (1246).
(5)
في سننه (2/ 99).
(6)
رقم (3505).
(7)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 28).
(8)
انظر: "المجموع" للنووي (1/ 178 - 183)؛ و "المغني" لابن قدامة (1/ 59 - 64 المسألة 6)؛ و "فتح الباري" لابن حجر (10/ 250 - 252)؛. والصحيحة للألباني (1/ 95 - 101 رقم 39).
(9)
وهو جزء من حديث حذيفة الصحيح، وأبي هريرة الصحيح وقد تقدم تخريجهما في =
قالَ البُخارِيُّ
(1)
: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
(2)
: "المُسْلِمُ لا يَنْجُسُ حيًا وَلا مَيِّتًا".
26/ 44 - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَمى الجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الحَلاقَ شِقَّهُ الأيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثمَّ دَعا أبَا طَلْحَةَ الأنْصَارِيَّ فأعطاه إيّاه، ثم ناوله الشِّقَّ الأيْسَرَ، فقالَ: "احْلِقْهُ"، فَحَلَقهُ فَأعْطَاهُ أبَا طَلْحَةَ وَقَالَ: "اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
(3)
. [صحيح]
27/ 45 - (وَعَنْ أنَسٍ قَالَ: لَمَّا أرَادَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَحْلِقَ الحَجَّامُ رأسَهُ أخَذَ أبو طَلْحَةَ بِشَعْرِ أحَدِ شِقَّيْ رَأسِهِ بِيَدِهِ فأخَذَ شَعْرَهُ فجاءَ بِهِ إلى أُمِّ سُلَيْمٍ قالَ: وَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ تَدُوفُهُ
(4)
في طِيبِها. رَوَاهُ أحْمَدُ)
(5)
. [صحيح]
28/ 46 - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ أن أُمَّ سُلَيْمٍ كَانَتْ تَبْسُطُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نِطْعًا فَيَقِيلُ عِنْدَها على ذلِكَ النِّطْعِ، فَإذَا قَامَ أخَذَتْ مِنْ عَرَقِهِ وَشَعَرِهِ فَجَمَعَتْهُ فِي قَارُورَةٍ ثُمَّ جَعَلَتْهُ فِي سُكّ، [قالَ:]
(6)
فَلمَّا حَضَرَتْ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ الوَفاةُ أوصى أن يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ. أخْرَجهُ البُخارِيُّ)
(7)
. [صحيح]
= كتابنا هذا رقم (5/ 5).
(1)
في صحيحه (3/ 125) رقم الباب (8).
(2)
أخرجه الشافعي في "الأم"(3/ 363 رقم 3023) والبخاري في صحيحه تعليقًا (1/ 125) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 306) وابن أبي شيبة (3/ 267) موقوفًا على ابن عباس بسند صحيح.
وقد تقدم الكلام عليه مفصلًا في نهاية شرح الحديث (5/ 5) من كتابنا هذا.
(3)
البخاري (1/ 273 رقم 171) مختصرًا، ومسلم (2/ 948 رقم 326/ 1305)، وأحمد (3/ 111).
قلت: وأخرجه الترمذي (3/ 255 رقم 912) وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وأبو داود رقم (1982).
(4)
تدوفه: أي تخلطه. يُقال: دُفْتُ الدواءَ أدُوفُه إذا بللتَه بماءٍ وخلطته، فهو مَدُوف ومَدْووف على الأصل. [النهاية (2/ 140)].
(5)
في المسند (3/ 146) بسند صحيح.
(6)
زيادة من (أ) و (ب).
(7)
في صحيحه (11/ 70 رقم 6281).
قلت: وأخرجه مسلم في صحيحه (4/ 1816 رقم 85/ 2332).
29/ 47 - (وفي حَدِيثِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ مِنْ رِوَايَةِ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الحَكَم، أن عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَامَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَقَدْ رَأى ما يَصْنَعُ بِهِ أصْحَابُهُ وَلا يَبْسُقُ بُساقًا إلَّا ابْتَدَرُوهُ، وَلا يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهِ شَيْءٌ إلَّا أخَذُوهُ. رَوَاهُ أحْمَدَ)
(1)
. [صحيح]
30/ 48 - (وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: أرْسَلَنِي أهْلِي إلى أُمِّ سَلَمَةَ بَقَدَحٍ مِنْ ماءٍ، فَجاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ فيهِ شَعرٌ مِنْ شَعَرِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَكانَ إذَا أصَابَ الإنْسَانَ عَيْنٌ أوْ شَيْءٌ بَعَثَ إليْهَا بإناءٍ فَخَضْخَضَتْ لَهُ فَشَرِبَ منْهُ، فَاطَّلَعْتُ في الجُلْجلِ فَرأيْتُ شَعَراتٍ حُمْرًا. رَواهُ البُخَارِيُّ)
(2)
. [صحيح]
31/ 49 - (وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زيدٍ وَهُوَ صاحِبُ الأذَانِ أنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ المَنْحَرِ وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ يَقْسِمُ أضَاحِيَ فَلَمْ يُصبْهُ شَيْءٌ وَلا صَاحِبَهُ، فَحَلَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم رَأسَهُ فِي ثَوْبِهِ فأعْطَاهُ مِنْهُ، وقَسَمَ مِنْهُ عَلَى رِجالٍ، وَقَلَّمَ أظْفَارَهُ فأعْطَى صاحِبَهُ، قالَ: وإنَّ شَعْرَهُ عِنْدَنا لَمَخْضُوبٌ بِالحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. رَوَاهُ أحْمَدُ)
(3)
. [صحيح]
أحاديث الباب يشهد بعضها لبعض، وقد أخرج أحمد كل حديث منها من طرق.
قوله: (في ترجمة الباب قد أسلفنا قوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم لا ينجس" إلخ)، قد تقدَّم الحديث في باب طهارة الماء المتوضأ به، وتقدم شرحه هنالك
(4)
.
قوله: (وعن أنس) سيأتي هذا الحديث بنحو ما هنا في الحج في باب النحر والحلَّاق
(5)
، وقد روي بألفاظ منها ما ذكره المصنف هنا، ومنها ما أخرجه أبو
(1)
وهو جزء من حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند (4/ 328).
(2)
في صحيحه (10/ 352 رقم 5896) وطرفاه رقم (5897، 5898).
الجلجل: هو شبه الجرس، وقد تنزع منه الحصاة التي تتحرك فيوضع فيه ما يحتاج إلى صيانته. قاله الحافظ في "فتح الباري"(10/ 353).
(3)
في المسند (4/ 42) بسند صحيح.
(4)
الباب الثاني: باب طهارة الماء المتوضأ به. رقم الحديث (5/ 5).
(5)
الباب السادس عشر رقم الحديث (17/ 2017) من كتابنا هذا.
عوانة في صحيحه
(1)
بلفظ: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الحلَّاق فحلق رأسه ودفع إلى أبي طلحة الشِّق الأيمن، ثم حلق الشِّق الآخر، فأمره أن يقسمه بين الناس"، ولمسلم
(2)
من رواية: "أنه قسم الأيمن فيمن يليه"، وفي لفظ
(3)
: "فَوَزَّعَهُ بين الناس الشَعْرة والشَعرتين وأعطى الأيسر أم سليم"، وفي لفظ
(4)
: "فأما الأيمن فوزَّعه أبو طلحة بأمره صلى الله عليه وسلم، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره صلى الله عليه وسلم لتجعله في طيبها".
قال النووي
(5)
: [فيها]
(6)
استحباب البداءة بالشق الأيمن من رأس المحلوق وهو قول الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة. وفيه طهارة شعر الآدمي، وبه قال الجمهور، وفيه التبرك بشعره صلى الله عليه وسلم، وفيه المواساة بين الأصحاب بالعطية والهدية.
قال الحافظ
(7)
: "وفيه أن المواساة لا تستلزم المساواة. وفيه تنفيل من يتولى التفرقة على غيره، واختلفوا في اسم الحالق، فالصحيح أنه معمر بن عبد الله كما ذكره البخاري، وقيل: أبو خراش بن أمية، والصحيح أنه كان الحالق بالحديبية"
(8)
.
وذهب جماعة من الشافعية إلى أن الشعر نجس، وهي طريقة العراقيين وأحاديث الباب ترد عليهم، واعتذارهم عنها بأن النبي صلى الله عليه وسلم مكرَّم لا يقاس عليه غيره اعتذار فاسد، لأن الخصوصيات لا تثبت إلا بدليل.
(1)
في القسم المفقود من مسند أبي عوانة المستخرج على صحيح مسلم. تحقيق وتعليق: أيمن عارف الدمشقي (ص 283).
(2)
في صحيحه (2/ 947 رقم 325/ 1305).
(3)
في صحيح مسلم (2/ 947 رقم 324/ 1305).
(4)
وهم الشوكاني بجعل كلام ابن حجر لفظًا من ألفاظ الحديث. وإليك العبارة كاملة من فتح الباري (1/ 274): "ولا تناقض في هذه الروايات، بل طريق الجمع بينها أنه ناول أبا طلحة كلًا من الشقين/ فأما الأيمن فوزعه أبو طلحة بأمره، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره صلى الله عليه وسلم / أيضًا، زاد أحمد في رواية له/ لتجعله في طيبها/ " اهـ.
(5)
في شرح صحيح مسلم (9/ 53).
(6)
في (جـ): (فيه).
(7)
في "الفتح"(1/ 274).
(8)
قال النووي في "المجموع"(8/ 184): "الحالق الذي حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم معمر بن عبد الله العدوي. هذا هو الصحيح المشهور. وفي صحيح البخاري قال: "زعموا أنه معمر بن عبد الله"، وذكر ابن الأثير في "مختصر الأنساب في ترجمة الكُليبي - بضم الكاف - خراش بن أمية الكلبي والله أعلم" اهـ.
قال الحافظ
(1)
: "فلا يلتفت إلى ما وقع في كثير من كتب الشافعية مما يخالف القول بالطهارة، فقد استقر القول من أئمتهم على الطهارة، هذا كله في شعر الآدمي
(2)
.
[اختلاف العلماء في طهارة شعر غير المأكول]:
وأما شعر غيره من غير المأكول ففيه خلاف مبني على أن الشعر هل تحله الحياة فينجس بالموت أو لا؟ فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا ينجس بالموت وذهبت الشافعية إلى أنه ينجس بالموت. واستدل للطهارة بما ذكره ابن المنذر
(3)
من أنهم أجمعوا على طهارة ما يجز من الشاة وهي حية، وعلى نجاسة ما يقطع من أعضائها وهي حية، فدل ذلك على التفرقة بين الشعر وغيره من أجزائها، وعلى التسوية بين حالتي الموت والحياة".
قوله: (تدوفه) الدّوْفُ: الخلطُ والبَلُّ بماءٍ ونحوه، دفت المسك فهو مدوف ومدووف أي مبلول أو مسحوق، ولا نظير له سوى مصوون كذا في القاموس
(4)
، ومثله في النهاية
(5)
.
قوله: (نِطعًا) بكسر النون وفتحها مع سكون الطاء وتحريكها: بساط من الإدم، الجمع أنطاع ونطوع.
(1)
في "فتح الباري"(1/ 272).
(2)
قال النووي في "المجموع"(1/ 286): "وأما شعر الآدمي ففيه قولان: أشهرهما عنه - أي الشافعي - أنه نجس. (والثاني) وهو منصوص في الجديد أنه طاهر. هذا كلام صاحب الحاوي.
واتفق الأصحاب على أن المذهب أن شعر غير الآدمي وصوفه ووبره وريشه ينجس بالموت.
وأما الآدمي فاختلفوا في الراجح فيه، فالذي صححه أكثر العراقيين نجاسته، والذي صححه جميع الخراسانيين أو جماهيرهم طهارته، وهذا هو الصحيح، فقد صح عن الشافعي رجوعه عن تنجيس شعر الآدمي، فهو مذهبه وما سواه ليس بمذهب له، ثم الدليل يقتضيه وهو مذهب جمهور العلماء
…
" اهـ.
(3)
في "الأوسط"(2/ 273).
(4)
المحيط ص 1048.
(5)
لابن الأثير (2/ 140).
قوله: (في سُكّ) بمهملة مضمومة فكاف مشددة، وهو طيبٌ يُتَّخَذُ من الرامِكِ مَدْقوقًا مَنْخولًا مَعْجونًا بالماءِ، ويُعْرَكُ شديدًا، ويُمْسَحُ بدُهْن الخَيْرِيِّ لئلا يَلْصَقَ بالإناءِ ويُتْرَكُ ليلةً، ثم يسحقُ المسكُ ويُعرك شدِيدًا ويُتْرَكُ يَومينِ، ثم يُثْقَبُ بِمسَلَّةٍ ويُنْظَمُ في خيطِ قِنَّب ويُتْرَكُ سَنَةً، وَكُلما عَتُقَ طابتْ رائحتُهُ" قاله في القاموس
(1)
، والرامك بالراء كصاحب: شيء أسود يخلط بالمسك. والقِنب: نوع من الكتان.
[طهارة عرق الآدمي مجمع عليه]:
وفيه دليل على طهارة العرق لأنه وقع منه صلى الله عليه وسلم التقرير لأم سُليم وهو مجمع على طهارته من الآدمي.
قوله: (بجلجل) بجيمين مضمومتين بينهما لام: الجرس. قال الكرماني
(2)
: ويحمل على أنه كان مموّها بفضة لا أنه كان كله فضة. قال الحافظ
(3)
: "وهذا ينبني على أن أم سلمة كانت لا تجيز استعمال آنية الفضة في غير الأكل والشرب، ومن أين له ذلك فقد أجاز ذلك جماعة من العلماء".
قلت: والحق الجواز إلا في الأكل والشرب لأن الأدلة لم تدل على غير هاتين الحالتين.
قوله: (فخضخضت) بخاءين وضادين معجمات، والخضخضة: تحريك الماء.
قوله: (والكتم) هو نبت يخلط بالحناء، وسيأتي ضبطه وتفسيره
(4)
.
[الباب الثاني عشر] باب النهي عن الانتفاع بجلد ما لا يؤكل لحمه
32/ 50 - (عَنْ أبِي المَليِح بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهى عَنْ
(1)
المحيط ص 1217.
(2)
هو محمد بن يوسف بن علي بن عبد الكريم الكرماني الشافعي نزيل بغداد، ولد سنة (717 هـ) ومات سنة (786 هـ). وهو شارح لصحيح البخاري.
["شذرات الذهب" (6/ 294)].
(3)
في "فتح الباري"(10/ 353).
(4)
ص 448 رقم الحديث (25/ 142) من كتابنا هذا.
جُلُودِ السِّباعِ. رَوَاهُ أحْمَدُ
(1)
وَأبُو دَاوُدَ
(2)
وَالنَّسائي
(3)
والتِّرْمِذِي
(4)
وَزادَ: أنْ تفْتَرِشَ). [صحيح]
33/ 51 - (وَعَنْ معَاوَيةَ بْنِ أَبِي سُفْيانَ أَنَّهُ قَالَ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: أَتَعلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عَنْ جُلُودِ النُّمُورِ أنْ يُرْكَبَ عَليْها؟ قالوا: اللهم نَعَمْ. رَواهُ أحْمَدُ
(5)
وأبو دَاوُدَ
(6)
، وَلِأحْمَدَ
(7)
: أُنْشِدُكُمُ الله، أَنَهى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ رُكُوبِ صُفَفِ النُّمورِ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: وَأنا أشهَدُ). [صحيح]
34/ 52 - (وَعَنِ المِقدام بْنِ مَعِدِي كَرِبَ أنَّهُ قالَ لِمُعاوَيةَ: أَنْشِدُكَ الله هَلْ تَعْلَمُ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّباعِ وَالرُّكُوبِ عَليْها؟ قالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أبو دَاودَ
(8)
وَالنَّسائِي
(9)
. [صحيح]
35/ 53 - (وَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعَدِي كَرِبَ قالَ: نَهى رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ
(1)
في المسند (5/ 74).
(2)
في السنن رقم (4132).
(3)
في السنن (7/ 176).
(4)
في السنن رقم (1170). باب ما جاء في النهي عن جلود السباع.
وزاد الترمذي: "أن تُفترش".
قلت: وأخرجه الحاكم (1/ 144) كلهم من طريق سعيد بن أبي عَرُوبَةَ به. وهو حديث صحيح.
(5)
في المسند (4/ 92 و 95 و 99).
(6)
في السنن رقم (1794).
قلت: وأخرجه النسائي (8/ 161) مختصرًا بلفظ: "نهى عن لُبْسِ الذهب إلا مقطعًا، وعن رُكُوبِ الميَاثِرِ". وأخرجه الطبراني في "الكبير"(19/ رقم 824 و 825 و 826، 827)؛ وعبد بن حميد في "المنتخب" رقم (419).
(7)
في المسند (4/ 96).
وخلاصة القول أن حديث معاوية صحيح، والله أعلم.
(8)
في السنن رقم (4131).
(9)
في السنن (7/ 176 - 177).
وهو حديث صحيح.
الحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَمَياثِرِ النُّمُورِ. رَواهُ أحْمَدُ
(1)
وَالنَّسائي)
(2)
. [صحيح]
36/ 54 - (وَعَنْ أبِي هرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا تَصْحَبُ المَلائكَةُ رُفْقَةً فِيها جِلد نمِرٍ" رَواهُ أبُو داوُدَ)
(3)
[حسن]
حديث أبي المليح قال الترمذي
(4)
: "لا نعلَمُ قال عن أبي المليحِ عن أبيهِ غير سعيد بن أبي عَرُوبَةَ، وأخرجه
(5)
عن أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا قال: "وهذا أصح".
وحديث معاوية أخرجه أيضًا ابن ماجه
(6)
.
وحديث المقدام الأوّل رواه أبو داود
(7)
عن عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، حدثنا بقية عن بجير عن خالد
(8)
قال: وفد المقدام، وذكر فيه قصة طويلة. وبقية بن الوليد
(9)
فيه مقال مشهور.
وحديثه الثاني إسناده صالح.
وحديث أبي هريرة في إسناده أبو العوام عمران القطان وثقه عفان بن مسلم واستشهد به البخاري وتكلم فيه غير واحد
(10)
.
(1)
في المسند (4/ 131).
(2)
في السنن (7/ 176).
وهو حديث صحيح.
(3)
في السنن رقم (4130) وهو حديث حسن.
(4)
في سننه (4/ 241).
(5)
أي الترمذي في سننه (4/ 241 رقم 1771) مرسلًا.
(6)
في سننه (5/ 1202 رقم 3656) وهو حديث صحيح كما تقدم.
(7)
في سننه رقم (4131) كما تقدم.
(8)
هو ابن معدان.
(9)
بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، أبو يُحْمِد: صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء. "تقريب التهذيب"(1/ 105).
(10)
عمران بن دَاوَر العَمِّي أبو العَوام القطان البصري. قال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وقال ابن معين: ليس بالقوي. وقال مرةً: ليس يشيء، لم يرو عنه يحيى بن سعيد. وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه. وقال الترمذي: قال البخاري: صدوق يهم. وقال الدارقطني: كان كثير المخالفة والوهم
…
["تهذيب التهذيب" (3/ 318 - 319)].
[تفسير كلمات أحاديث الباب]:
قوله: (النمور) في رواية النِّمار، وكلاهما جمع نَمِر، بفتح النون وكسر الميم ويجوز التخفيف بكسر النون وسكون الميم، وهو سبُع أجرأ وأخبث من الأسد، وهو منقَّط الجلد نقط سود وبيض، وفيه شبه من الأسد إلا أنه أصغر منه، ورائحة فمه طيبة بخلاف الأسد، وبينه وبين الأسد عداوة، وهو بعيد الوثبة فربما وثب أربعين ذراعًا، وإنما نهي عن استعمال جلده لما فيه من الزينة والخُيلاء، ولأنه زي العجم
(1)
.
قوله: (صفف) بالصاد المهملة كصرد جمع صفة وهي ما يجعل على السرج.
قوله: (ومياثر النمور) المياثر جمع ميثرة، والمِيْثَرة بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المثلثة بعدها راء ثم هاء ولا همزة فيها، وأصلها من الوثارة. وقد روى البخاري عن بعض الرواة أنه فسرها بجلود السباع. قال النووي: هو تفسير باطل لما أطبق عليه أهل الحديث، قال الحافظ: ليس بباطل بل يمكن توجيهه، وهو ما إذا كانت الميثرة وطاء وصنعت من جلد ثم حشيت، والنهي حينئذ عنها إما لأنها من زي الكفار، وإما لأنها لا تذكَّى غالبًا. وقيل: إن المياثر مراكب تتخذ من الحرير والديباج، وسيأتي الكلام على الحرير في كتاب اللباس
(2)
.
قوله: (لا تصحب الملائكة رفقة إلخ) فيه أنه يكره اتخاذ جلود النمور واستصحابها في السفر وإدخالها البيوت؛ لأن مفارقة الملائكة للرفقة التي فيها جلد نمر تدل على أنها لا تجامع جماعة أو منزلًا وجد فيه ذلك ولا يكون إلا لعدم جواز استعمالها، كما ورد أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير
(3)
، وجعل ذلك من أدلة تحريم التصاوير وجعلها في البيوت.
(1)
انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (15/ 218 - 219)؛ والقاموس المحيط (ص 627 - 628)؛ والنهاية (5/ 117 - 118) ولسان العرب (14/ 289 - 290).
(2)
في الباب الأول رقم (1/ 544) و (2/ 545) و (3/ 546) من كتابنا هذا.
(3)
منها: ما أخرجه البخاري رقم (5958) ومسلم رقم (2106).
عن أبي طلحة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الملائكة لا تدخلُ بيتًا فيه صورة". =
وهذا الحديث والذي قبله يدلَّان على قوة تفسير الميثرة بجلود السباع.
[حكمة النهي عن جلود السباع]
وأحاديث الباب استدل بها المصنف رحمه الله تعالى على أن جلود السباع لا يجوز الانتفاع بها. وقد اختلف في حكمة النهي، فقال البيهقي
(1)
: "يحتمل أن النهي وقع لما يبقى عليها من الشعر لأن الدباغ لا يؤثر فيه". وقال غيره: يحتمل أن النهي عمَّا لم يدبغ منها لأجل النجاسة أو أن النهي لأجل أنها مراكب أهل السرف والخُيلاء، وأما الاستدلال بأحاديث الباب على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع بناء على أنها مخصصة للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم فغير ظاهر، لأن غاية ما فيها مجرد النهي عن الركوب عليها وافتراشها ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة كما لا ملازمة بين النهي عن الذهب والحرير ونجاستهما، فلا معارضة، بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع منع الركوب عليها ونحوه، مع أنه يمكن أن يقال: إن أحاديث هذا الباب أعم من أحاديث الباب الذي بعده من وجه لشمولها لما كان مدبوغًا، من جلود السباع، وما كان غير مدبوغ.
قال المصنف
(2)
رحمه الله: "وهذه النصوص تمنع استعمال جلد ما لا يؤكل لحمه في اليابسات، وتمنع بعمومها طهارته بذكاة أو دباغ"، انتهى.
[الباب الثالث عشر] باب ما جاء في تطهير الدباغ
37/ 55 - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: تُصُدِّقَ على مَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشاةٍ فَمَاتت فَمرَّ بِها رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: "هَلَّا أخذْتُمْ إهابَها فَدَبَغْتُموهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ " فَقالُوا:
= ومنها: ما أخرجه البخاري رقم (5960): عن ابن عمر رضي الله عنه قال: وعد جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فراثَ عليه، حتى اشتدَّ على النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم فلقيه، فشكا إليه ما وجدَ، فقال له: إنا لا ندخلُ بيتًا فيه صورة ولا كلب".
راث: بالثاء المثلثة غير مهموز: أي أبطأ.
(1)
في كتابه "معرفة السنن والآثار"(1/ 248 رقم 548).
(2)
أي: ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 35).
إنَّها ميْتَةٌ، فقالَ:"إِنَّما حَرُمَ أكْلُها". رَوَاهُ الجمَاعَةُ
(1)
إلَّا ابْنَ مَاجَهْ
(2)
، قالَ فيهِ: عَنْ مَيْمُونَةَ، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِها وَلَيْسَ فيهِ للْبُخارِي
(3)
وَالنَّسائي
(4)
ذِكْرُ الدِّباغِ بحالٍ؛ وَفي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ
(5)
: إنَّ دَاجِنًا لِمَيْمُونَةَ ماتَتْ فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ألا انْتَفَعْتُمْ بإِهابِها؟ ألا دَبَغْتُموهُ فَإِنَّهُ ذَكاتُه؟ ". وَهَذا تَنْبِيهٌ على أن الدِّباغَ إنَّما يَعْمَلُ فِيما تَعْمَلُ فيهِ الذَّكاةُ. وفي روايَةٍ لأحْمَدَ
(6)
وَالدَّارَقطْنِيِّ
(7)
يطَهِّرها المَاءُ والقَرظ. رَوَاهُ الدَّارَقُطنِي مَعَ غَيْرِهِ وَقَالَ
(8)
: هَذِهِ أسانيدٌ صِحاحٌ. [صحيح]
في الباب عن أُم سلمة عند الطبراني في الأوسط
(9)
والدارقطني
(10)
، وفي إسناده فرج بن فضالة
(11)
وهو ضعيف.
(1)
البُخاري (3/ 355 رقم 1492) وأطرافه رقم (2221) و (5531) و (5532)؛ ومسلم (1/ 276 رقم 100/ 363)؛ وأحمد (1/ 327)؛ والنسائي (7/ 172)؛ ومالك في "الموطأ"(2/ 498)؛ والشافعي في مسنده (1/ 23 - بدائع المنن)؛ وأبو عوانة (1/ 210).
(2)
في سننه (2/ 1193 رقم 3610).
(3)
رقم (1492).
(4)
رقم (4236).
(5)
في المسند (رقم 2003 - شاكر) بسند صحيح (1/ 227).
(6)
في المسند (رقم (26712 - الزين) بسند حسن (6/ 334).
(7)
في سننه (1/ 45 رقم 11). وصححه ابن السكن والحاكم كما في التعليق المغني.
(8)
أي: الدارقطني في سننه (1/ 44).
(9)
رقم (417) وقال: "لم يَرْو هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلا فَرَجُ بنُ فَضالَة".
(10)
في سننه (1/ 49 رقم 28) وقال: تفرد به فرج بن فضالة وهو ضعيف. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 218) وقال: رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، تفرد به فرج بن فضالة وضعفه الجمهور.
عن أم سلمة: أنها كانت لها شاة تحتلبها، ففقدها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما فعلت الشاة؟ " قالوا: ماتت، قال:"أفلا انتفعتم بإهابها؟ " قلنا: إنها ميتة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن دباغها يحل كما يحل خل الخمر".
(11)
قال أبو حاتم: صدوق لا يُحتجُّ به، وقال ابن معين: صالح الحديث. وضعّفه النسائي والدارقطني. وقال أحمد: إذا حدَّث عن الشاميين فليس به بأس، لكن إذا حدّث عن يحيى بن سعيد أتى بمناكير. [(الميزان: 3/ 343 - 345)].
وعن ميمونة عند مالك
(1)
وأبي داود
(2)
والنسائي
(3)
وابن حبان
(4)
والدارقطني
(5)
بلفظ: "أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال يجرون شاة لهم مثل الحمار فقال: "لو أخذتم إهابها"، فقالوا: إنها ميتة، فقال: "يطهرها الماء والقرظ". وصَحَّحهُ ابن السكن والحاكم
(6)
.
قوله: (أخذتم إهابها) الإِهاب ككتاب: الجِلْد أو ما لم يُدبَغْ، قاله في القاموس
(7)
. قال أبو داود في سننه
(8)
: "قال النضر بن شميل: إنما يسمى إهابًا ما لم يُدبغ، فإذا دبغ لا يقال له: إهاب، إنما يسمى شَنًّا وقِرْبة"، وسيذكره المصنف فيما بعد
(9)
. وفي الصحاح
(10)
: "والإهاب: الجلد ما لم يدبغ. وبقية الكلام على الإِهاب تأتي في حديث عبد الله بن عُكيم
(11)
.
قوله: (إن داجنًا) الداجن
(12)
: المقيم بالمكان ومنه الشاة إذا ألفت البيت.
قوله: (فإنه ذكاته) أراد أن الدباغ في التطهير بمنزلة الذكاة في إحلال الشاة، وهو تشبيه بليغ.
(1)
لم أقف عليه في الموطأ.
(2)
في السنن رقم (4126).
(3)
في السنن (7/ 174 رقم 4248).
(4)
في صحيحه (4/ 106 رقم 1291).
(5)
في سننه (1/ 45 رقم 11).
قلت: وأخرجه أحمد (6/ 334) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 19).
وفي سنده عبد الله بن مالك بن حذافة وهو مجهول، ولكن يشهد له حديث ابن عباس في الصحيحين فهو به حسن.
(6)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 49).
(7)
القاموس المحيط ص 77.
(8)
(1/ 371 - 372) ط: دار الحديث بيروت.
(9)
عند الحديث رقم (38/ 56) من كتابنا هذا.
(10)
(1/ 89).
(11)
عند الحديث رقم (42/ 60) من كتابنا هذا.
(12)
انظر: "النهاية"(2/ 102).
وأخرجه أبو داود
(1)
والنسائي
(2)
والبيهقي
(3)
وابن حبان
(4)
من حديث الجون بن قتادة عن سلمة بن المحبق بلفظ: "دباغ الأديم ذكاته"، قال الحافظ
(5)
: "وإسناده صحيح، قال أحمد: الجون لا أعرفه، وبهذا أعله الأثرم، قال الحافظ: وقد عرفه غيره علي بن المديني، وروي عنه - يعني الجون -[ذلك]
(6)
الحسن وقتادة وصحَّح ابن سعد وابن حزم وغير واحد أن له صحبة، وتعقب أبو بكر بن مفَوِّز ذلك على ابن حزم".
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس عند الدارقطني
(7)
وابن شاهين
(8)
من طريق فليح عن زيد بن أسلم عن أبي وعلة عنه بلفظ: "دباغ كل إهاب طهوره"، وأصله في مسلم
(9)
من حديث أبي الخير عن أبي وعلة بلفظ: "دباغه طهوره"، ورواه الدولابي في الكنى
(10)
من حديث ابن عباس بلفظ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(1)
في سننه رقم (4125).
(2)
في سننه (7/ 173 رقم 4243).
(3)
في السنن الكبرى (1/ 17).
(4)
في صحيحه (10/ 381 رقم 4522).
قلت: وأخرجه الدارقطني في سننه (1/ 45 - 46 رقم 12 - 15) والطيالسي (1/ 43 رقم 124 - منحة المعبود) والطحاوي في شرح المعاني (1/ 471) والحاكم في المستدرك (4/ 141) وصححه ووافقه الذهبي.
وخلاصة القول أن الحديث حسن.
(5)
في "التلخيص"(1/ 49).
(6)
زيادة من (أ) و (ب).
(7)
في السنن (1/ 46 رقم 16).
(8)
في "الناسخ والمنسوخ" رقم (162).
وفيه فليح بن سليمان، ضعيف من قبل حفظه، ولكنه توبع على أصل الحديث بما يلي: وهو حديث حسن.
(9)
في صحيحه رقم (366).
قلت: وأخرجه الحميدي رقم (486)؛ وأبو داود رقم (4123)؛ والترمذي رقم (1728)؛ والنسائي (7/ 173)؛ وابن ماجه رقم (3609)؛ والدارمي (2/ 85)؛ والبيهقي (1/ 16)؛ والدارقطني (1/ 46 رقم 17) وغيرهم.
ولفظه: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر". وفي لفظ: "أيما إهاب دبغ
…
".
(10)
(1/ 105).
"ذكاة كل مسك دباغه"، ورواه البزار
(1)
والطبراني
(2)
والبيهقي
(3)
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة - "ألا استمتعتم بإهابها فإن دباغ الأديم طهوره" وفي إسناده يعقوب بن عطاء
(4)
ضعفه يحيى بن معين وأبو زرعة.
وأخرج أحمد
(5)
وابن خزيمة
(6)
والحاكم
(7)
والبيهقي
(8)
من حديثه أيضًا: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة، فقال: دباغه يزيل خبثه أو نجسه أو رجسه". وصححه الحاكم والبيهقي.
وعن عائشة عند النسائي
(9)
، وابن حبان
(10)
، والطبراني
(11)
، والدارقطني
(12)
، والبيهقي
(13)
، بلفظ:"دباغ جلود الميتة طهورها". وعن
(1)
عزاه إليه ابن حجر في "التلخيص"(1/ 50).
(2)
في الكبير (11/ 176 رقم 11411).
(3)
في السنن الكبرى (1/ 16).
(4)
يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، منكر الحديث عند أحمد، وضعفه أبو زرعة، ويحيى بن معين، وقال أبو حاتم: ليس عندي بالمتين. وقال ابن عدي في "الكامل": وليعقوب بن عطاء أحاديث صالحة، وهو ممن يكتب حديثه وعنده غرائب، وخاصة إذا روى عنه أبو إسماعيل المؤدب، وزمعة بن صالح، وعن زمعة أبو قرة.
[الجرح والتعديل (9/ 211)."الكامل" (7/ 2601 - 2602)].
(5)
في المسند (1/ 314).
(6)
في صحيحه (1/ 60 رقم 114).
(7)
في المستدرك (1/ 161). وقال: "حديث صحيح، ولا أعرف له علة" ووافقه الذهبي.
(8)
في السنن الكبرى (1/ 17): وقال: وهذا إسناد صحيح، وسألت أحمد بن علي الأصبهاني عن أخي سالم هذا؟ فقال: اسمه: "عبد الله بن أبي الجعد".
وقال الحافظ في "التلخيص"(1/ 50): "وإسناده صحيح قاله الحاكم والبيهقي".
قلت: عبد الله بن أبي الجعد: مقبول. قاله الحافظ في "التقريب" رقم (3250).
وخلاصة القول أن الحديث حسن، والله أعلم.
(9)
في السنن (7/ 174 رقم 4244).
(10)
في صحيحه (4/ 105 رقم 1290).
(11)
في "الصغير"(1/ 189 - 190).
(12)
في السنن (1/ 44 رقم 10).
(13)
في السنن الكبرى (1/ 17).
قلت: وأخرجه أحمد (6/ 154، 155) والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 470).
وهو حديث صحيح.
المغيرة بن شعبة عند الطبراني
(1)
. وعن زيد بن ثابت عند الطبراني
(2)
أيضًا، وعند الحاكم أبي أحمد في الكنى
(3)
، وفي تاريخ نيسابور
(4)
، وعن أبي أمامة عنده أيضًا، وعن ابن عمر عنده أيضًا، وعند ابن شاهين
(5)
، وعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عند البيهقي
(6)
. [وعن أم سلمة عند الدارقطني
(7)
، وفي إسناده الفرج بن فضالة وهو ضعيف]
(8)
. وعن أنس
(9)
عند ابن منده. وعن جابر
(10)
عنده أيضًا، وعن ابن مسعود
(11)
عنده أيضًا.
الحديث المذكور في الباب يدل على طهارة أديم الميتة بالدباغ، نص في الشاة المعينة التي هي السبب أو نوعه على الخلاف، وظاهر فيما عداه لأن قوله:"إنما حرم من الميتة أكلها" بعد قولهم إنها ميتة، يعم كل ميتة.
والأحاديث المذكورة في هذا الباب تدل على عدم اختصاص هذا الحكم بنوع من أنواع الميتة.
(1)
في "الكبير"(20/ 368 رقم 859).
فيه معان بن رفاعة ليِّن الحديث كثير الإرسال.
(2)
في "الكبير"(8/ 198 رقم 7711).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 217): وقال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عفير بن معدان وقد أجمعوا على ضعفه".
(3)
في ترجمة أبي سهل كما ذكر ذلك الحافظ في "التلخيص"(1/ 50).
والأجزاء المطبوعة من كتاب "الأسامي والكنى" لم تصل إلَّا إلى حرف الخاء.
(4)
"تاريخ نيسابور" فهو للحاكم. محمد بن عبد الله صاحب المستدرك أبو عبد الله (321 - 405 هـ).
(5)
في "الناسخ والمنسوخ" رقم (164) من طريق أبي سهل حفص الخراسانيُّ عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جلود الميتةِ دباغُها" يعني طهورها. قال الذهبي في "الميزان"(1/ 568) عن أبي سهل هذا: "في حديثه بعض المناكير، قاله الحاكم أبو أحمد".
وأخرجه ابن شاهين أيضًا في "الناسخ والمنسوخ"(رقم (165) من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ على شاةٍ ميتةٍ، فقال:"لو دبَغوا إهابها، فإنَّ دباغَه طُهورُهُ". فيه القاسم بن عبد الله، قال أحمد: كذاب، يضعُ الحديث. كما في "بحر الدم"(ص 346 رقم 833).
(6)
في السنن الكبرى (6/ 38).
(7)
تقدم تخريجه والكلام عليه ص 275.
(8)
زيادة من (أ) و (ب).
(9)
و
(10)
و
(11)
ذكرها أبو القاسم بن منده في مستخرجه كما في "التلخيص"(1/ 50).
[مذاهب العلماء في تطهير الجلود بالدباغ]
وقد اختلف أرباب العلم في ذلك على أقوال سبعة ذكرها النووي في شرح مسلم
(1)
، وسنذكرها ههنا غير مقتصرين على المقدار الذي ذكره بل نضم إليه حجج الأقوال مع نسبة بعض المذاهب إلى جماعات من العلماء لم يذكرهم فنقول:
(المذهب الأول): أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وإلى هذا ذهب الشافعي
(2)
، واستدل على استثناء الخنزير بقوله:{فَإِنَّهُ رِجْسٌ}
(3)
وجعل الضمير عائدًا إلى المضاف إليه، وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة، قال: لأنه لا جلد له. قال النووي
(4)
: وروي هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وابن مسعود.
(المذهب الثاني): أنه لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ، قال النووي
(5)
: وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة وهو أشهر الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين عن مالك ونسبه في البحر
(6)
إلى أكثر العترة، واستدلوا بحديث عبد الله بن عكيم الآتي بلفظ:"لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" وكان ذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهر فكان ناسخًا لسائر الأحاديث. وأجيب بأنه قد أعل بالاضطراب والإِرسال كما سيأتي فلا ينتهض لنسخ الأحاديث الصحيحة، وأيضًا التاريخ بشهر أو شهرين كما سيأتي معل لأنه من رواية خالد الحذاء، وقد خالفه شعبة وهو أحفظ منه وشيخهما واحد، ومع إعلال التاريخ يكون معارضًا للأحاديث الصحيحة وهي أرجح منه بكل حال؛ فإنه قد روي في ذلك - أعني تطهير الدباغ
(1)
(4/ 54).
(2)
في الأم (1/ 61 رقم 222).
(3)
سورة الأنعام: الآية 145.
(4)
في شرح مسلم (4/ 54).
(5)
في شرح مسلم (4/ 54). وانظر: "الأوسط" لابن المنذر (2/ 264 - 265).
(6)
(1/ 14).
للأديم - خمسة عشر حديثًا: عن ابن عباس حديثان
(1)
، وعن أم سلمة ثلاثة
(2)
، وعن أنس حديثان
(3)
، وعن سلمة بن المحبق
(4)
، وعائشة
(5)
، والمغيرة
(6)
، وأبي
(1)
تقدم تخريجهما في هذا الباب. ص 277.
(2)
الأول: أخرجه الدارقطني (1/ 47 رقم 19) والبيهقي (1/ 24) وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 218) وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" وفيه يوسف بن السفر وقد أجمعوا على ضعفه.
عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء".
قال الدارقطني: يوسف بن السفر: متروك، ولم يأت به غيره.
الثاني: أخرجه الدارقطني (1/ 48 رقم 22).
عن أم سلمة أو زينب أو غيرهما من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أن ميمونة ماتت شاة لها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا استمتعتم بإهابها؟ " فقالت: يا رسول الله كيف نستمتع بها وهي ميتة؟ فقال: "طهور الأدم دباغه". وقال غيره عن شعبة عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لنا شاة فماتت.
الثالث: أخرجه الدارقطني (1/ 49 رقم 28) وقد تقدم تخريجه والكلام عليه في هذا الباب. ص 259 - 260.
(3)
الأول: أخرجه أبو يعلى في "المسند"(7/ 157 رقم 1374/ 4129).
عن أنس، قال: كنتُ أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: "يا بُنَيَّ ادعُ لي من هذه الدار بَوَضُوء" فقلتُ: رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلُبُ وضوءًا؟ فقال: أخبرْهُ أن دلوَنَا جِلْدُ ميتةٍ، فقال:"سَلْهُم هل دبغوهُ"؟ قالوا: نعم. قال: "فإنَّ دِباغَهُ طُهورُهُ". وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 217) وقال: رواه أبو يعلى وفيه درست بن زياد، عن يزيد الرقاشي وكلاهما مختلف في الاحتجاج به".
وأورده أيضًا ابن حجر في "المطالب العالية"(1/ 12 رقم 25) وعزاه إلى أبي يعلى، وقال البوصيري:"في سنده يزيد الرقاشي وهو ضعيف".
الثاني: أخرجه الطبراني في "الأوسط" رقم (9215).
عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم استوهب وضوءًا فقيل له: لم نجد ذلك إلا في مسك ميتة، قال:"أدبغتموه"؟ قالوا: نعم. قال: "فهلمَّ فإن ذلك طهوره".
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 217): "وإسناده حسن".
(4)
تقدم تخريجه ص 277، وهو حديث حسن.
(5)
تقدم تخريجه ص 278، وهو حديث صحيح.
(6)
أخرجه أحمد في المسند (4/ 254).
عن أبي أمامة عن المغيرة بن شعبة، قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فأتيت خباء فإذا امرأة أعرابية، قال: فقلت: إن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد ماء يتوضأ، فهل عندك من ماء؟ =
أمامة
(1)
، وابن مسعود
(2)
، وشيبان، وثابت
(3)
، وجابر
(4)
، وأثران عن سودة وابن مسعود
(5)
.
= قالت: بأبي وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما تظل السماء، ولا تقلُّ الأرض روحًا أحب إليَّ من روحه ولا أعز ولكن هذه القربة مسك ميتة، ولا أحب أنجس به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال:"ارجع إليها فإن كانت دبغتها فهي طهورها" قال: فرجعت إليها فذكرت ذلك لها فقالت: إي والله لقد دبغتها، فأتيته بماء منها وعليه يومئذ جبَّة شامية، وعليه خُفَّان وخمار. قال: فأدخل يديه من تحت الجبَّة، قال: من ضيق كميها. قال: فتوضأ فمسح على الخمار والخفين".
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 217) وقال: "رواه أحمد والطبراني في "الكبير" ببعضه، وفيه علي بن يزيد، عن القاسم، وفيهما كلام وقد وثقا".
(1)
أخرجه الطبراني في "الأوسط" رقم (1052) و "الكبير"(8/ 198 رقم 7711).
عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "خرج في بعض مغازيه فمرَّ بأهل أبيات من العرب فأرسل إليهم: هل من ماء لوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما عندنا ماء إلا في إهاب ميتة دبغناها بلبن، فأرسل إليهم "أن دباغه طهوره" فأتي به فتوضأ ثم صلَّى".
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 217): وقال: "فيه عفير بن معدان وقد أجمعوا على ضعفه".
(2)
أخرجه الطبراني في "الكبير"(17/ 212 رقم 576).
عن ابن مسعود قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة فقال: "ما ضرَّ أهل هذه لو انتفعوا بإهابها".
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 217) وقال: (فيه حماد بن سعيد البراء ضعفه البخاري، وروى الطبراني نحوه عن ابن مسعود موقوفًا ورجاله ثقات".
(3)
أخرجه أحمد في المسند (14/ 371 رقم 18961 - الزين) بسند حسن.
عن ثابت قال: كنت جالسًا مع عبد الرحمن بن أبي ليلى في المسجد فأتي برجل ضخم فقال: يا أبا عيسى قال: نعم. قال: حدثنا ما سمعت في الفراء، فقال: سمعت أبي يقول: كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى رجل فقال: يا رسول الله أصلي في الفراء؟ قال: "فأين الدباغ؟ " فلما ولَّى، قلت: من هذا؟ قال: هذا سويد بن غفلة.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 218) وقال: "رواه أحمد وفيه محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى تكلم فيه لسوء حفظه ووثقه أبو حاتم".
(4)
أخرج أحمد في المسند (11/ 467 رقم 14438 - الزين) بسند حسن.
عن جابر بن عبد الله قال: كنا نصيب مع النبي صلى الله عليه وسلم في مغانمنا من المشركين الأسقية والأوعية فنقتسمها وكلها ميتة".
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 218) وقال: "رواه أحمد ورجاله موثقون".
(5)
أخرج مسدد في مسنده كما ذكره الحافظ في "المطالب العالية"(1/ 378 رقم 32) أن =
على أنه لا حاجة إلى الترجيح بهذا، لأن حديث ابن عكيم عام وأحاديث التطهير خاصة فيبنى العام على الخاص، أما على مذهب من يبني العام على الخاص مطلقًا كما هو قول المحققين من أئمة الأصول فظاهر، وأما على مذهب من يجعل العام المتأخر ناسخًا فمع كونه مذهبًا مرجوحًا لا نسلِّم تأخر العام هنا؛ لما ثبت في أصول الأحكام
(1)
والتجريد
(2)
من كتب أهل البيت، أن عليًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنتفع من الميتة بإهاب ولا عصب"، فلما كان من الغد خرجت فإذا نحن بسخلة
(3)
مطروحة على الطريق فقال: "ما كان على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها؟ "، فقلت: يا رسول الله أين قولك بالأمس؟ فقال: "ينتفع منها بالشيء".
ولو سلمنا تأخر حديث ابن عكيم لكان ما أسلفنا عن النضر بن شميل
(4)
من تفسير الإِهاب بالجلد الذي لم يدبغ، وما صرح به صاحب الصحاح
(5)
، ورواه
= ابن مسعود كان في المسجد ومعه ناسٌ يقرئهم، فدعا بشراب، فقال: أَما إنَّ الشراب كان في سقاءِ منيحةٍ لنا ماتت.
(1)
أصول الأحكام في الحلال والحرام. تأليف: الإمام المتوكل أحمد بن سليمان الحسني اليمني (566) فيه ما يزيد على ثلاثة آلاف وثلاثمائة حديث في الحلال والحرام من الأحكام الفقهية، وهو مقسم على الكتب مبدوءًا بكتاب الطهارة، والأخبار محذوفة الأسانيد، وربما يذكر المؤلف رأيه في الموضوع بعنوان "رأينا". وقد رجح المؤلف مذهب الإمام الهادي على مذاهب فقهاء العامة. وهو في جزئين. مخطوط. مكتبة الجامع الكبير.
(2)
التجريد في علم الأثر. تأليف الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني الديلمي (411).
أسند كل حديث فيه من خمس طرق، وهو في فقه الهادي يحيى بن الحسين وجده القاسم الرسي. مخطوط.
(3)
السخلة: لِوَلَد الغنم من الضأن والمعز ساعة وضعه ذكرًا أو أنثى.
وجمعه سَخْلٌ وسِخَالٌ. مختار الصحاح ص 122.
(4)
النّضْر بن شُميل بن خَرَشة بن كُلثوم بن عنزة البصري الأصل أبو الحسن، وهو أول من أظهر السنة بمرو وخراسان. ومن مصنفاته غريب الحديث
…
مات سنة (203 هـ) أو (204 هـ).
[بغية الوعاة (2/ 316 - 317)].
(5)
للجوهري (1/ 89).
صاحب القاموس
(1)
كما قدمنا موجبًا لعدم التعارض إذ لا نزاع في نجاسة إهاب الميتة قبل دباغه.
فالحق أن الدباغ مطهر، ولم يعارض أحاديثه معارض من غير فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل وهو مذهب الجمهور، قال الحازمي
(2)
: وممن قال بذلك يعني جواز الانتفاع بجلود الميتة: ابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن بن أبي الحسن، والشُعبي، وسالم يعني ابن عبد الله، وإبراهيم النخعي، وقتادة والضحاك، وسعيد بن جبير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وابن المبارك، والشافعي، وأصحابه، وإسحق الحنظلي، وهذا هو مذهب الظاهرية كما سيأتي.
(المذهب الثالث): أنه يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم ولا يطهر غيره. قال النووي
(3)
: وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحق بن راهويه، واحتجوا بما في الأحاديث من جعل الدباغ في الأهب كالذكاة، وقد تقدم بعض ذلك ويأتي بعض. قالوا: والذكاة المشبه بها لا يحل بها غير المأكول فكذلك المشبه لا يطهر جلد غير المأكول، وهذا إن سلم لا ينفي ما استفيد من الأحاديث العامة للمأكول وغيره، وقد تقرر في الأصول أن العام لا يقصر على سببه فلا يصح تمسكهم بكون السبب شاة ميمونة.
(المذهب الرابع): [يَطْهُرُ]
(4)
جلود جميع الميتات إلا الخنزير، قال النووي
(5)
: وهو مذهب أبي حنيفة، واحتج بما تقدم في المذهب الأول.
(المذهب الخامس): يطهر الجميع إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، فلا ينتفع به في المائعات، قال النووي
(6)
: وهو مذهب مالك المشهور في حكاية أصحابنا
(1)
القاموس المحيط ص 77.
(2)
في كتابه "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار" ص 174 - 175.
(3)
في شرح صحيح مسلم (4/ 54).
(4)
في (ب): (تطهر).
(5)
في شرح صحيح مسلم (4/ 54).
(6)
في شرح صحيح مسلم (4/ 54).
عنه
(1)
انتهى. وهو تفصيل لا دليل عليه.
(المذهب السادس): يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا، قال النووي
(2)
: وهو مذهب داود وأهل الظاهر، وحكي عن أبي يوسف وهو الراجح كما تقدم، لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب لم يفرق فيها بين الكلب والخنزير وما عداهما. واحتجاج الشافعي بالآية على إخراج الخنزير وقياس الكلب عليه لا يتم إلا بعد تسليم أن الضمير يعود إلى المضاف إليه دون المضاف وأنه محل نزاع، ولا أقل من الاحتمال إن لم يكن رجوعه إلى المضاف راجحًا، والمحتمل لا يكون حجة على الخصم. وأيضًا لا يمتنع أن يقال رجسية الخنزير على تسليم شمولها لجميعه لحمًا وشعرًا وجلدًا وعظمًا مخصصة بأحاديث الدباغ.
(المذهب السابع): أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، قال النووي
(3)
: وهو مذهب الزهري
(4)
وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا لا تعريج عليه ولا التفات إليه انتهى. واستدل لذلك بحديث الشاة باعتبار الرواية التي لم يذكر فيها الدباغ ولعله لم يبلغ الزهري بقية الروايات وسائر الأحاديث، وقد رده في "البحر"
(5)
بمخالفة الإِجماع.
38/ 56 - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أيُّما إهابٍ
(1)
قال مالك: لا يعجبني أن يصلي على جلود الميتة وإن دُبغت، ومن صلَّى عليها أعاد في الوقت. قال: وأما جلود السباع فلا بأس أن يصلي عليها وتلبس إذا ذُكِّيت. قال: ولا أرى أن يصلي على جلد حمار وإن ذكِّي".
انظر: "المدونة"(1/ 91 - 92).
(2)
في شرح صحيح مسلم (4/ 54).
(3)
في شرح صحيح مسلم (4/ 54).
(4)
قال الأمير الصنعاني في "سبل السلام"(1/ 184) بتحقيقي: "وقد أجيب عنه - أي رأي الزهري - بأنَّهُ مطلقٌ قيَّدتهُ أحاديثُ الدباغ التي سلفت".
قلت: وهذا مخالف للإجماع. كما أنه صح التقييد من طرق أخرى بالدباغ. وهي حجة الجمهور.
(5)
(1/ 24).
دُبِغَ فَقدْ طَهُرَ". رَوَاهُ أحْمَدُ
(1)
وَمُسِلْمٌ
(2)
وَابْنُ ماجَهْ
(3)
وَالتِّرْمِذيُّ
(4)
. وَقالَ: قالَ إسْحقُ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْل: إنَّما يُقالُ الإِهابُ لِجِلْدِ مَا يُؤكَل لحْمُهُ). [صحيح]
39/ 57 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالتْ: مَاتَتْ لَنَا شاةٌ فَدَبَغْنا مَسْكَها، ثُمَّ ما زِلْنَا نَنْتَبِذُ فِيهِ حَتَّى صارَ شَنًّا. رَوَاهُ أحْمَدُ
(5)
وَالنَّسَائيُّ
(6)
وَالبُخارِيُّ
(7)
وَقالَ: إن سَوْدَةَ، مَكانُ: عَنْ). [صحيح]
40/ 58 - (وَعَنْ عائِشَةَ أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ أنْ يُنْتَفَعَ بِجُلودِ المَيْتَةِ إذَا دُبغتْ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا الترْمِذِيَّ
(8)
. وللنَّسائي
(9)
: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ جُلودِ المَيْتَةِ فقالَ: "دباغُها ذَكاتُها". وَللدَّارَقُطْني
(10)
عَنْها عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "طهُورُ كُلِّ أدِيمٍ دباغُهُ". قَالَ الدَّارَقُطْني: إسْنادُهُ كُلُّهُمْ ثِقاتٌ). [حسن]
الحديث الأول، قال الترمذي: حسن صحيح. ورواه الشافعي
(11)
، وابن
(1)
في المسند (1/ 219).
(2)
في صحيحه (1/ 277 رقم 105/ 366) ولفظه: "إذا دُبغَ الإهابُ فَقَدْ طَهُرَ".
(3)
في السنن (2/ 1193 رقم 3609).
(4)
في السنن (4/ 221 رقم 1728) وقال حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه أبو داود رقم (4123) والنسائي (7/ 173).
وابن الجارود في "المنتقى" رقم (874) والطحاوي في شرح معاني الآثار" (1/ 469) والدارقطني (1/ 46 رقم 17) والبيهقي (1/ 20) ومالك في الموطأ (2/ 498 رقم 17) والطبراني في "الكبير" (12/ 235 رقم 12979) والشافعي في "ترتيب المسند" (1/ 26 رقم 28) والدارمي (2/ 86) عنه من طرق
…
(5)
في المسند (6/ 429) بسند صحيح.
(6)
في السنن (7/ 173).
(7)
في صحيحه (11/ 569 رقم 6686).
(8)
أحمد في المسند (6/ 73)، وأبو داود رقم (2124)، وابن ماجه رقم (3612)؛ والنسائي (7/ 176).
قال النووي في "الخلاصة"(1/ 74): حديث حسن. وهو كما قال.
(9)
في السنن (7/ 174) بسند صحيح.
(10)
في سننه (1/ 49 رقم 27) وقال: إسناده حسن كلهم ثقات.
وخلاصة القول أن حديث عائشة حسن. والله أعلم.
(11)
في ترتيب المسند (1/ 26 رقم 28).
حبان
(1)
، والدارقطني
(2)
، بإسناد على شرط الصحة، وقال: إنه حسن. ورواه الخطيب في "تلخيص المتشابه
(3)
"من حديث جابر.
[والحديث الثاني قد تقدم الكلام على ألفاظه وطرقه في أول الباب]
(4)
.
والحديث الثالث أخرجه أيضًا ابن حبان
(5)
والطبراني
(6)
والبيهقي
(7)
.
قوله: (الجلد ما يؤكل لحمه) هذا يخالف ما قدمنا عن أبي داود أن النضر بن شميل فسر الإِهاب بالجلد قبل أن يدبغ ولم يخصه بجلد المأكول، ورواية أبي داود عنه أُرجح لموافقتها ما ذكره أهل اللغة كصاحب الصحاح
(8)
والقاموس
(9)
والنهاية
(10)
وغيرها. والمبحث لغوي فيرجح ما وافق اللغة، ولم نجد في شيء من كتب اللغة ما يدل على تخصيص الإِهاب بإهاب مأكول اللحم كما رواه الترمذي عنه.
قوله: (مَسكها) بفتح الميم وإسكان السين المهمل هو الجلد
(11)
.
قوله: (شنًّا) بفتح الشين المعجمة بعدها نون: أي قربة خَلِقة
(12)
.
قوله: (دباغها ذكاتها) استدل بهذا من قال إنه يطهر بالدبغ جلد ميتة المأكول فقط. وقد تقدم الجواب عليه.
قوله: (طهور كل أديم) وكذا قوله: أيما إهاب دبغ، يشملان جلود ما لا يؤكل لحمه كالكلب والخنزير وغيرهما شمولًا ظاهرًا. وقد تقدم البحث في ذلك.
(1)
في صحيحه (4/ 104 رقم 1288).
(2)
في السنن (1/ 46 رقم 17).
(3)
واسمه: "تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم".
لأحمد بن علي بن ثابت أبي بكر الخطيب البغدادي. تحقيق: سُكينة الشهابي: (1/ 417) من حديث جابر.
(4)
زيادة من (جـ).
(5)
في صحيحه (4/ 102 رقم 1286).
(6)
في الصغير (1/ 189 - 190).
(7)
في السنن الكبرى (1/ 17).
(8)
للجوهري (1/ 89).
(9)
القاموس المحيط ص 77.
(10)
لابن الأثير (1/ 83).
(11)
المصباح (2/ 573).
(12)
انظر: "النهاية"(2/ 506) والغريب لأبي عبيد (4/ 56).
[الباب الرابع عشر] باب تحريم أكل جلد الميتة وإن دبغ
41/ 59 - (عَنِ ابْنِ عَبَّاس قالَ: ماتَتْ شاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فقالتْ: يا رَسُولَ الله ماتَتْ فُلانَةُ تَعْنِي الشَّاةَ، فقالَ:"فَلَوْلا أخذْتُمْ مسْكَها"، قالُوا: أنأخُذُ مَسْكَ شاةٍ قَدْ ماتَتْ؟ فقالَ لَها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّما قالَ الله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ}
(1)
، وَأَنْتُمْ لا تَطْعَمُونَهُ إنْ تَدبُغُوهُ [فَتَنْتَفِعُوا]
(2)
بِهِ". فأرْسَلَتْ إليْها فَسَلَخَتْ مَسْكَها فَدَبَغَتْهُ فَاتَّخَذَتْ مِنهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَها. رَوَاهُ أحْمَدُ
(3)
بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ). [صحيح]
الحديث يدل على تحريم أكل جلود الميتة وأن الدباغ وإن أوجب طهارتها لا يحلل أكلها. ومما يدل على تحريم الأكل أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المتقدم: "إنما حرم من الميتة أكلها"، [وهذا]
(4)
مما لا أعلم فيه خلافًا، ويدل أيضًا على طهارة جلود الميتة بالدبغ وقد تقدم الكلام عليه.
[الباب الخامس عشر] باب ما جاء في نسخ تطهير الدباغ
42/ 60 - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ قالَ: كَتَبَ إليْنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قبْلَ وَفاتِهِ بِشَهْرٍ: "أن لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَة بإهابِ وَلا عَصَبٍ". رَواهُ الخَمْسَةُ
(5)
، وَلَمْ يَذْكُرْ
(1)
سورة الأنعام: الآية 145.
(2)
في المخطوط "تنتفعوا" وما أثبتناه من المسند.
(3)
في المسند (1/ 327 - 328) بإسناد ضعيف لضعف سماك عن عكرمة إلا أن سماك متابع وباقي رجال السند ثقات. وأما الطرف الذي فيه جواز الانتفاع بجلود الميتة بالدباغ فقد تقدم برقم (39/ 57) من كتابنا هذا. وخلاصة القول أن الحديث صحيح والله أعلم.
(4)
في (ب): (فهذا).
(5)
أحمد (4/ 310، 311) وأبو داود رقم (4127) والترمذي (4/ 222 رقم 1729) والنسائي (7/ 175) وابن ماجه (2/ 1194 رقم 3613).
وقال الترمذي: حديث حسن.
مِنْهُمُ المُدَّةَ غَيْرُ أحْمَدَ
(1)
وَأَبِي دَاوُدَ
(2)
. قَال التِّرْمِذي هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَللدَّارَقُطْني
(3)
: إنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلى جُهَيْنَةَ: "إني كُنْتُ رَخَّصْتُ لكُمْ في جُلودِ المَيتَةِ فإِذَا جاءَكُمْ كِتابِي هذا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بَإِهابٍ وَلا عَصَبٍ". وَللِبُخارِي في تارِيخهِ
(4)
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مشيَخةٌ لَنَا مِنْ جُهَيْنَةَ أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كتَبَ إلَيْهِمْ: "أنْ لا تَنْتَفعُوا من الميتةِ بِشَيءٍ"). [صحيح]
وأخرجه أيضًا الشافعي
(5)
والبيهقي
(6)
وابن حبان
(7)
، وقال عبد الله بن عكيم شهد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قرئ عليهم في جهينة وسمع مشايخ جهينة
(8)
يقولون ذلك. وقال البيهقي
(9)
والخطابي
(10)
: هذا الخبر مرسل. وقال ابن أبي حاتم في العلل
(11)
عن أبيه: ليست لعبد الله بن عكيم صحبة وإنما روايته كتابه، وخالفه الحاكم فأثبت لعبد الله صحبة
(12)
، قال
(1)
في المسند (4/ 310).
(2)
في السنن رقم (4128).
(3)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 47).
(4)
(7/ 167 رقم الترجمة 743).
(5)
في سنن حرملة كما في "التلخيص"(1/ 46).
(6)
في السنن الكبرى (1/ 15).
(7)
في صحيحه (4/ 93 رقم 1277) و (4/ 94 - 95 رقم 1278).
(8)
مشايخ جهينة صحابة، فلا تضر جهالتهم. انظر الإرواء (1/ 78).
(9)
في "معرفة السنن والآثار"(1/ 248): "وفي الحديث إرسال، وهو محمول على إهابها قبل الدبغ، جمعًا بين الخبرين".
(10)
في "معالم السنن"(6/ 68 - المختصر).
(11)
(1/ 52 رقم 77).
(12)
عبد الله بن عكيم الجهني أبو معبد الكوفي.
قال الخطيب: سكن الكوفة، وقدم المدائن في حياة حذيفة، وكان ثقة.
وقال ابن عيينة عن هلال الوزان: حدثنا شيخنا القديم عبد الله بن عكيم، وكان قد أدرك الجاهلية.
قال البخاري: أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له سماع صحيح وكذا قال أبو نعيم.
وقال ابن حبان في "الصحابة": أدرك زمنه ولم يسمع منه شيئًا، وكذا قال أبو زرعة.
وقال ابن منده وأبو نعيم: أدركه ولم يره. وقال البغوي: يشك في سماعه.
وقال أبو حاتم أيضًا: له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم من شاء أدخله في المسند على المجاز.
وقال ابن سعد: كان إمام مسجد جهينة. =
الحافظ
(1)
: "وأغرب الماوردي فزعم أنه نقل عن علي بن المديني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولعبد الله بن عكيم سنة. وقال صاحب الإِمام: "تضعيف من ضعَّفه ليس من قبيل الرجال فإنهم كلهم ثقات؛ وإنما ينبغي أن يحمل الضعف على الاضطراب؛ كما نقل عن أحمد".
ومن الاضطراب فيه ما رواه ابن عدي
(2)
والطبراني
(3)
من حديث شبيب بن سعيد
(4)
عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه ولفظه: "جاءنا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بأرض جهينة إني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها فلا تنتفعوا بإهاب ولا عصب"، قال الحافظ
(5)
: "إسناده ثقات" وتابعه فضالة بن المفضل
(6)
عند الطبراني في الأوسط
(7)
، ورواه أبو داود
(8)
من حديث خالد
(9)
عن الحكم عن عبد الرحمن أنه انطلق هو وأناس معه إلى عبد الله بن عكيم فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إليّ وأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم الحديث، فهذا يدل على أن عبد الرحمن ما سمعه من ابن عكيم، لكن إن وجد التصريح بسماعه منه حمل على أنه سمعه منه بعد ذلك".
= [انظر: تهذيب التهذيب (5/ 283)؛ طبقات ابن سعد (6/ 113)؛ والجرح والتعديل (5/ 121)؛ والجمع بين رجال الصحيحين (1/ 246)].
(1)
في "التلخيص"(1/ 47 - 48). ورد الحافظ في الفتح (9/ 659) على عبارة الماوردي هذه بقوله: "وهو كلام باطل فإنه كان رجلًا" اهـ.
(2)
في "الكامل"(4/ 1347).
(3)
في "الأوسط" رقم (104).
(4)
شبيب بن سعيد التميمي، الحَبَطي، البصري، لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب. التقريب (1/ 346).
(5)
في "التلخيص"(1/ 47).
(6)
فضالة بن المفضل التميمي، أبو الفضل، الكوفي، صدوق ربما أخطأ. مات سنة (250 هـ)"التقريب"(2/ 109).
(7)
رقم (104).
(8)
في السنن رقم (4128).
(9)
في حاشية المخطوط ما نصه: (في "البدر المنير" (خلف) بدل (خالد) وفي "التلخيص": "خالد". قلت: بل في "البدر المنير"(2/ 401) خالد وكذلك في التلخيص.
وفي الباب عن ابن عمر رواه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ
(1)
وفيه عدي بن الفضل وهو ضعيف.
وعن جابر رواه ابن وهب
(2)
وفيه زمعة
(3)
وهو ضعيف. ورواه أبو بكر الشافعي في "فوائده"
(4)
من طريق أخرى، قال الشيخ الموفق
(5)
: إسناده حسن.
قال الحازمي في الناسخ والمنسوخ
(6)
في: "إسناد حديث ابن عكيم اختلاف: رواه الحكم مرة عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن ابن عكيم، ورواه عنه القاسم بن مخيمرة
(7)
، عن خالد
(8)
، عن الحكم، وقال إنه لم يسمعه من ابن
(1)
رقم (157) بسند ضعيف.
وقال الأخ سمير بن أمين الزهيري في تحقيقه لكتاب "ناسخ الحديث ومنسوخه" لابن شاهين. ص 154: "قلت: وهذه نسخ صحيحة معتمدة من كتاب "الناسخ والمنسوخ لابن شاهين وليس في حديث ابن عمر، عدي بن الفضل. كما قال الحافظ - في التلخيص (1/ 48) - والله أعلم "اهـ.
(2)
عزاه له ابن حجر في "التلخيص"(1/ 48).
(3)
زمعة بن صالح. ضعفه أحمد وابن معين. وقال ابن معين مرة: صُويلح الحديث.
وقال أبو زرعة: لين واهي الحديث. وقال البخاري: يخالف في حديثه. تركه ابن مهدي أخيرًا. وقال النسائي: ليس بالقوي، كثير الغلط عن الزهري. وقال أبو داود: ضعيف.
[الميزان (2/ 81 ت: 2904)].
قلت: وأخرج حديث جابر بن شاهين في "الناسخ والمنسوخ " رقم (158) بسند ضعيف.
لضعف زمعة بن صالح وعنعنة أبي الزبير.
(4)
عزاه إلى الحافظ في "التلخيص"(1/ 48).
(5)
في كتابه "المغني" تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو. (1/ 91).
قلت: مع العلم أن فيه عنعنة أبي الزبير، ولا نعلم بمن دونه.
(6)
ص 177، 178 تحقيق. د. عبد المعطي أمين قلعجي.
(7)
هذه الرواية هي عن يزيد بن أبي مريم عن القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عكيم أخرجها الطحاوي والبيهقي (1/ 25).
(8)
هذا خلط بين سندين، فالقاسم بن مخيمرة رواها عن ابن عكيم لا عن خالد الحذاء، ورواية خالد هي رواية أخرى رواها عنه الثقفي عبد الوهاب بن عبد المجيد وهي أيضًا عند أبي داود رقم (4128).
وهذه الأخطاء وقع فيها الحازمي، ونقلها برمتها الشوكاني ولم يفطن لها. أفاده فضيلة الدكتور عبد الوهاب بن لطف الديلمي حفظه الله.
عكيم، ولكن من أناس دخلوا عليه ثم خرجوا وأخبروه [به]
(1)
، ولولا هذه العلل لكان أولى الحديثين أن يؤخذ به حديث ابن عكيم"، ثم قال: "وطريق الإِنصاف فيه أن يقال: إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ - لو صح -، ولكنه كثير الاضطراب، [ثم](1) لا يقاوم حديث ميمونة في الصحة"، ثم قال: "فالمصير إلى حديث ابن عباسّ أولى؛ لوجوه من الترجيح، ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى إهابًا، وبعد الدباغ يسمى جلدًا ولا يسمى إهابًا، [و](1) هذا معروف عند أهل اللغة وليكون جمعًا بين الحكمين وهذا هو الطريق في نفي التضاد"، انتهى.
ومحصل الأجوبة على هذا الحديث: الإِرسال
(2)
؛ لعدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي صلى الله عليه وسلم. ثم الانقطاع
(3)
؛ لعدم سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عبد الله بن عكيم. ثم للاضطراب في سنده
(4)
؛ فإنه تارة قال عن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عمن قرأ الكتاب. ثم الاضطراب في متنه
(5)
؛ فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بتقييد شهر
(6)
أو شهرين
(7)
أو أربعين يومًا
(8)
أو ثلاثة أيام. ثم الترجيح بالمعارضة بأن أحاديث الدباغ أصح. ثم القول بموجبه بأن الإِهاب اسم للجلد قبل الدباغ لا بعده، حمله عى ذلك ابن عبد البر
(9)
والبيهقي
(10)
وغيرهما
(11)
. ثم الجمع بين هذا الحديث والأحاديث السابقة بأن هذا
(1)
زيادة من "الاعتبار" للحازمي.
(2)
و
(3)
و
(4)
و
(5)
وقد ردَّ المحدث الألباني على جميع العلل المدعاة على هذا الحديث في كتابه "إرواء الغليل"(1/ 76 - 79 رقم 38). فانظره فقد أجاد وأفاد رحمه الله.
(6)
أخرجه أحمد في المسند (4/ 419) من حديث الحكم عن عبد الله بن عُكيم فذكره، وإسناده منقطع.
(7)
أخرجه أحمد في المسند (4/ 420) من حديث الحكم بن عتيبة عن ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم فذكره. ورجال إسناده ثقات.
(8)
أشار البيهقي في السنن الكبرى (1/ 14) إلى رواية الأربعين بقوله: وقد قيل في هذا الحديث من وجه آخر: "قبل وفاته بأربعين يومًا".
(9)
في "التمهيد"(9/ 52).
(10)
"في"المعرفة" (1/ 248).
(11)
وقد أشار ابن قيم الجوزية رحمه الله إلى نحو من هذا، فقال في "تهذيب السنن" =
عام وتلك خاصة، وقد سبق الكلام على ذلك في باب ما جاء في تطهير الدباغ مستكملًا.
قال المصنف
(1)
رحمه الله: وأكثر أهل العلم على أن الدباغ مُطهّر في الجملة لصحة النصوص به، وخبر ابن عكيم لا يقاربها في الصحة والقوّة لِينْسخها، قال الترمذي
(2)
: سمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين، وكان يقول: هذا آخر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ترك أحمد هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم فقال: عن عبد الله بن عكيم عن أشياخ من جهينة اهـ.
قال الخلال
(3)
: لما رأى أبو عبد الله تزلزل الرواة فيه توقف.
= (1/ 67 - 68 - المختصر): "
…
وطائفة عملت بالأحاديث كلها، ورأت أنه لا تعارض بينها، فحديث ابن عكيم إنما فيه النهي عن الانتفاع بإهاب الميتة، والإهاب: الجلد الذي لم يُدبغ
…
وأحاديث الدباغ تدل على الاستمتاع بها بعد الدباغ فلا تنافي بينها".
قال رحمه الله: "وهذه الطريقة حسنة، لولا أن قوله في حديث ابن عكيم: "كنت رَخَّصت لكم في جلود الميتة، فإذا أتاكم كتابي
…
" والذي كان رخص فيه هو المدبوغ، بدليل حديث ميمونة".
ثم أجاب عن هذا الحديث بوجهين:
(أحدهما): أن في ثبوت لفظة: "كنت رخصت لكم" شيئًا، فهي ليست عند أهل السنن في هذا الحديث
…
" اهـ.
وانظر: نصب الراية للزيلعي (1/ 120 - 122)، و"تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة ص 174.
(1)
أي ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 39).
(2)
في سننه (4/ 222).
(3)
ذكره الحافظ في "الفتح"(9/ 659).
والخلَّال هو أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر، شيخ الحنابلة وعالُمُهم ولد سنة (234 هـ) وقال الخطيب في تاريخ بغداد (5/ 112 - 113): "جمع الخلال علوم أحمد وتطلَّبها وسافرَ لأجلها وكتبها، وصنفها كتبًا، لم يكن - فيمن ينتحل مذهب أحمد - أحدٌ أجمع لذلك منه. توفي سنة (311 هـ).
[انظر: سير أعلام النبلاء (14/ 297 - 298)؛ وشذرات الذهب (2/ 261)؛ والنجوم الزاهرة (3/ 209)].
[الباب السادس عشر] باب نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل إذا ذبح
43/ 61 - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: لَمَّا أمْسى اليَوْمُ الَّذِي فُتِحَتْ عليهمْ فيهِ خَيْبَرُ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذه النَّارُ على أيّ شَيْءٍ تُوقِدُونَه؟ "، قالُوا: على لَحْمٍ، قالَ: "على أيِّ لحم؟ "، قالُوا: على لَحْمِ الحُمُر الإِنْسِيَّةِ، فقالَ: "أهْرِيقُوها وَاكسِرُوها"، فقالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أوَ نُهْرِيقُها وَنَغْسِلُها؟ فقالَ: "أوَ ذَاكَ". وفي لَفْظٍ: فقالَ: "اغْسِلوا")
(1)
. [صحيح]
44/ 62 - (وَعَنْ أنسٍ قالَ: أصبَنْا مِن لَحْمِ الحُمُرِ يَعْنِي يَومَ خَيْبَرَ فنادَى مُنادِي رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله وَرَسُولَهُ يَنْهيَانِكُمْ عَنْ لحُومِ الحُمُرِ فإِنَّها رِجْسٌ أوْ نجَسٌ" مُتَّفَقٌ عَليْهِما)
(2)
. [صحيح]
وأخرجاه أيضًا من حديث علي
(3)
بلفظ: "نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية". وهو متفق عليه أيضًا من حديث جابر
(4)
، وابن عمر
(5)
، وابن
(1)
أخرجه أحمد (4/ 48)؛ والبخاري (5/ 121 رقم 2477) وأطرافه رقم (4196) و (5497) و (6148) و (6331) و (6891).
ومسلم (3/ 1427 رقم 123/ 1802).
(2)
أخرجه أحمد (3/ 115). والبخاري (7/ 467 رقم 4198 و 4199) ورقم (2991) و (5528) ومسلم (3/ 1540 رقم 35/ 1940) قلت: وأخرجه النسائي (7/ 204) وابن ماجه (2/ 1066 رقم 3196) والبيهقي (9/ 331) والدارمي (2/ 86 - 87).
(3)
أخرجه البخاري (7/ 481 رقم 4216) و (9/ 166 رقم 5115) و (9/ 653 رقم 5523) و (12/ 333 رقم 6961).
ومسلم (3/ 1537 - 1538 رقم 22/ 1407).
(4)
أخرجه البخاري (7/ 481 رقم 4219) و (9/ 648 رقم 5520) و (9/ 653 رقم 5524). ومسلم (3/ 1541 رقم 36، 37/ 1941)؛ والترمذي (4/ 73 رقم 1478) وأبو داود (4/ 149 رقم 3788) و (4/ 151 رقم 3789)؛ والنسائي (7/ 201).
(5)
أخرجه البخاري (7/ 481 رقم 4217 ورقم 4218) و (9/ 653 رقم 5221)؛ ومسلم (3/ 1538 رقم 24، 25/ 561) والنسائي (7/ 203 رقم 4336).
عباس
(1)
، والبراء
(2)
، وأبي ثعلبة
(3)
، وعبد الله بن أبي أوفى
(4)
. وأخرجه البخاري
(5)
من حديث زاهر الأسلمي. والترمذي عن أبي هريرة
(6)
، والعرباض بن سارية
(7)
. وأبو داود والنسائي عن خالد بن الوليد
(8)
. وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
(9)
. وأبو داود والبيهقي من حديث المقدام بن معدي كرب
(10)
. ورواه
(1)
أخرجه البخاري (7/ 482 رقم 4227)؛ ومسلم (3/ 1539 رقم 32/ 1939).
(2)
أخرجه البخاري (7/ 482 رقم 4226)، ومسلم (3/ 1539 رقم 31/ 1938)؛ والنسائي (7/ 302 رقم 4338).
(3)
أخرجه البخاري (9/ 653 رقم 5527)؛ ومسلم (3/ 1538 رقم 23/ 1936)؛ والنسائي (7/ 304 رقم 4341).
(4)
أخرجه البخاري (7/ 481 رقم 4220)؛ ومسلم (3/ 1538 - 1539 رقم 26، 27/ 1937)؛ والنسائي (7/ 203 رقم 4339).
(5)
في صحيحه (7/ 451 رقم 4173) عنه.
(6)
أخرجه الترمذي في "سننه"(4/ 254 رقم 1795) من حديث أبي هريرة.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وهو كما قال.
(7)
أخرجه الترمذي في "سننه"(4/ 71 رقم 1474) وأحمد في "المسند"(4/ 128) من حديث العرباض بن سارية. وهو حديث حسن.
(8)
أخرجه أبو داود رقم (3790) و (3806) والنسائي (7/ 202 رقم 4331 و 4332) وابن ماجه (2/ 1066 رقم 3198) وأحمد (4/ 89) والطبراني في "المعجم الكبير"(4/ 110 رقم 3826) والبيهقي (9/ 328) والعقيلي في "الضعفاء"(2/ 206) عنه: "أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير" وهو حديث ضعيف له أربع علل:
(الأولى): ضعف (صالح بن يحيى بن المقدَام بن مَعْدي كَرب) كما أشار إلى ذلك البخاري في "التاريخ الكبير"(4/ 292 - 293 ت: 2869) بقوله فيه: "فيه نظر".
وقال الحافظ في "التقريب"(1/ 364 ت: 60): لين.
(الثانية): جهالة (يحيى بن المقدام بن مَعْدي كرب) فقد قال الذهبي في "الميزان"(4/ 410، ت: 9637): "لا يُعرف إلا برواية ولده صالح عنه".
(الثالثة): ما قاله البيهقي: بأن إسناده مضطرب، ومع اضظرابه مخالف لحديث الثقات.
(الرابعة): النكارة والمخالفة كما تقدم في كلام البيهقي، وانظر "مختصر سنن أبي داود"(5/ 316، 317). وقد أورده المحدث الألباني في "الضعيفة" رقم (1149) وقال: حديث منكر. وضعفه الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في "تخريج جامع الأصول"(7/ 466).
(9)
أخرجه أبو داود رقم (3811) والنسائي (7/ 239 رقم 4447) وإسناده حسن.
(10)
أخرجه أبو داود رقم (3804) وأحمد (4/ 131) والبيهقي (9/ 332) والدارقطني (4/ 287 رقم 59).
الدارمي
(1)
من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية". وفي الصحيحين
(2)
من رواية الشعبي: "لا أدري أنهى عنها من أجل أنها كانت حَمولة الناس، أو حرِّمت". وفي البخاري
(3)
عن عمرو بن دينار: قلتُ لجابر بن زيد: يَزعمونَ أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية قال: قد كان يقولُ ذلك الحكمُ. بن عمرو الغفاريُّ عندَنا بالبصرة ولكنْ أبى ذلكَ البحرُ، يعني ابن عباس.
والحديثان استدل بهما على تحريم الحمر الأهلية وهو مذهب الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وقال ابن عباس: ليست بحرام
(4)
. وعن مالك ثلاث روايات
(5)
. وسيأتي تفصيل ذلك وبسط الحجج في باب النهي عن الحمر الإِنسية من كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى
(6)
.
(1)
لم أقف عليه عند الدارمي.
(2)
البخاري (7/ 482 رقم 4227) ومسلم (3/ 1539 رقم 32/ 1939).
(3)
في صحيح البخاري (9/ 654 رقم 5529).
(4)
قال الأمير الصنعاني في "سبل السلام"(1/ 200) بتحقيقي: "ولا يخفى ضعفُ هذا القول؛ لأنَّ الأصلَ في النهي التحريم وإن جهلنا عِلَّتَهُ.
واستدلَّ ابن عباس بعموم قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ} [الأنعام: 145] الآية. فإنه تلاها جوابًا لمن سألَهُ عن تحريمها.
ولحديث أبي داود - (رقم: 3809) - "أنهُ جاءَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم غالب بن أبجرَ فقال: يا رسولَ اللهِ أصابتنا سَنةٌ ولم يكن في مالي ما أُطْعِمُ أهلي إلَّا سِمَانَ حُمُرٍ، وإنك حرَّمتَ لحومَ الحُمُرِ الأهليةِ فقال: أطعِمْ أهلكَ من سَمِين حُمُرِك فإنما حرَّمتُها من أجل جَوَّالِ القرية" يريد الذي يأكل الجلَّة وهي العذَرَةُ - وهو حديث ضعيف -.
وأُجيب بأن الآية خَصَّتْ عمومَها الأحاديثُ الصحيحة المتقدمة، وبأنَّ حديثَ أبي داودَ مضطربٌ فيه اختلافًا كثيرًا، قال البيهقي في "السنن" - (9/ 332) - بعد ذكره أنه مختلف في إسناده قال: ومثله لا يُعارض به الأحاديث الصحيحة. اهـ وإن صح حُمِلَ على الأكلِ منها عند الضرورة كما دَلَّ قولُهُ: أصابتنا سَنةٌ أي شِدةٌ وحَاجةٌ
…
" اهـ.
(5)
انظر: "قوانين الأحكام الشرعية" ص 193 لابن جُزَيّ.
(6)
عند رقم الأحاديث (8/ 3574)، (9/ 3575)، (10/ 3576)(11/ 3577)، و (12/ 3578)، (13/ 3579)، (14/ 3580)، (15/ 3581). من كتابنا هذا.
وقد أوردهما المصنف هنا للاستدلال بهما على نجاسة لحم الحيوان الذي لا يؤكل لأن الأمر بكسر الآنية أولًا، ثم الغسل ثانيًا، ثم قوله:(فإنها رجس أو نجس) ثالثًا يدل على النجاسة، ولكنه نص في الحمر الإِنسية وقياس في غيرها مما لا يؤكل بجامع عدم الأكل، ولا يجب التسبيع إذ أطلق الغسل ولم يقيده بمثل ما قيده في ولوغ الكلب.
وقال أحمد
(1)
في أشهر الروايتين عنه أنه يجب التسبيع ولا أدري ما دليله، فإن كان القياس على لُعاب الكلب فلا يخفى ما فيه، وإن كان غيره فما هو؟
وقوله: الإِنسية بكسر الهمزة وفتحها مع سكون النون. والإِنسي: الإنس من كل شيء
(2)
.
(1)
انظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 68).
(2)
انظر: "النهاية"(1/ 74 - 75).
ثالثًا: أبواب الأواني
[الباب الأول] باب ما جاء في آنية الذهب والفضة
1/ 63 - (عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: "لا تَلبَسوا الحرِيرَ، وَلا الدِّيباجَ، وَلا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلا تأكلُوا في صِحافِها فإنَّها لَهُمْ في الدُّنْيا وَلكُمْ في الآخِرَةِ". مُتفَقٌ عَلِيْهِ
(1)
.
وَهُوَ لِبَقِيَّةِ الجماعَةِ إلَّا حُكْمَ الأكْلِ منه خاصَّةً). [صحيح]
قال ابن منده: مجمع على صحته.
قوله: (في صحافها) الصِحَاف جمع صَحْفَة وهي دون القَصْعَة. قال الجوهري
(2)
: قال الكسائي: "أعظمُ القِصَاعِ الجفنةُ، ثم القَصْعَةُ تليها تُشْبعُ العَشَرَةَ، ثمَّ الصَحْفَةُ تُشبع الخمسة، ثمَّ المِئكَلَةَ تُشبع الرَجُلين والثلاثة".
والحديث يدل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، أما الشرب فبالإِجماع، وأما الأكل فأجازه داود، والحديث يرد عليه ولعله لم يبلغه. قال النووي
(3)
: "قال أصحابنا: انعقد الإِجماع على تحريم الأكل والشرب وسائر الاستعمالات في إناء ذهب أو فضة إلا رواية عن داود في تحريم الشرب فقط ولعله لم يبلغه حديث تحريم الأكل، وقول قديم للشافعي والعراقيين فقال بالكراهة
(1)
أخرجه أحمد (5/ 385، 390، 396، 397، 398، 400، 404، 408).
والبخاري (9/ 554 رقم 5426) و (10/ 94 رقم 5632) و (10/ 96 رقم 5633) و (10/ 284 رقم 5831) و (10/ 291 رقم 5837).
ومسلم (3/ 1637 - 1638 رقم 2067).
والترمذي (4/ 299 رقم 1878) وقال: حديث حسن صحيح.
وأبو داود رقم (3723) وابن ماجه (2/ 1130 رقم 3414) والدارمي (2/ 121).
(2)
في "الصحاح"(4/ 1384).
(3)
في "المجموع"(1/ 306) وصحيح مسلم بشرح النووي (14/ 29).
دون التحريم، وقد رجع عنه". وتأوله أيضًا صاحب التقريب
(1)
ولم يحمله على ظاهره فثبتت صحة دعوى الإِجماع على ذلك. وقد نقل الإِجماع أيضًا ابن المنذر على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة
(2)
.
وقد أجيب من جهة القائلين بالكراهة عن الحديث بأنه للتزهيد بدليل "أنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة"
(3)
، ورد بحديث:"فإنما يُجَرْجِرُ في بطنِهِ نارَ جَهَنَّمَ"
(4)
، وهو وعيد شديد ولا يكون إلا على محرم، ولا شك أن أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب، وأما سائر الاستعمالات فلا والقياس على الأكل والشرب قياس مع فارق، فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة حيث يطاف عليهم بآنية من فضة، وذلك مناط معتبر للشارع كما ثبت عنه لما رأى رجلًا متختِّمًا بخاتم من ذهب فقال:"ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة؟ "، أخرجه الثلاثة
(5)
من حديث بريدة، وكذلك في الحرير وغيره وإلا لزم تحريم التحلي بالحلي والافتراش للحرير لأن ذلك استعمال، وقد جوَّزه البعض من القائلين بتحريم الاستعمال.
وأما حكاية النووي للإِجماع على تحريم الاستعمال فلا [تتم]
(6)
مع مخالفة
(1)
هو الإمام قاسم بن محمد القفَّال الشاشي صاحب كتاب التقريب. انظر: "معجم المصنفات" ص 138 لأبي عبيدة، وأبي حذيفة.
(2)
انظر: "موسوعة الإجماع" لسعدي أبو جيب (1/ 42).
أما معاوية بن قرَّة بن إياس بن هلال المزني أبو إياس. فهو ثقة عالم. مات سنة 113 هـ.
"التقريب" رقم (6769).
(3)
وهو جزء من حديث حذيفة الصحيح رقم (1/ 63) من كتابنا هذا.
(4)
وهو جزء من حديث أم سلمة الصحيح رقم (2/ 64) الآتي في كتابنا هذا.
(5)
وهو حديث ضعيف.
أخرجه أحمد (5/ 359)؛ وأبو داود رقم (4223)؛ والترمذي (4/ 248 رقم 1785) وقال: هذا حديث غريب. والنسائي (8/ 172 رقم 5195).
وفي سنده عبد الله بن مسلم السلمي صدوق يهم، "التقريب" رقم (3617).
قلت: لفظ أحمد: "ما لك ولحُليِّ أهل الجنة". وفي لفظ أبي داود والترمذي والنسائي: "ما لي أرى عليك حِلْيةَ أهل النارِ"
(6)
في (جـ): (يتم).
داود
(1)
والشافعي
(2)
وبعض أصحابه، وقد اقتصر الإِمام المهدي في البحر
(3)
على نسبة ذلك إلى أكثر الأمة، على أنه لا يخفى على المنصف ما في حجية الإِجماع من النزاع والإِشكالات التي لا مخلص عنها.
والحاصل أن الأصل الحل فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف الذي لم يخبط بسوط هيبة الجمهور لا سيما وقد أيد هذا الأصل حديث:"ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبًا". أخرجه أحمد
(4)
وأبو داود
(5)
. ويشهد له ما سلف أن أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله فخضخضت. الحديث في البخاري
(6)
وقد سبق.
وقد قيل: إن العلة في التحريم: الخيلاء أو كسر قلوب الفقراء، ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب
(1)
مردود لمخالفته صريح الأحاديث الصحيحة.
(2)
قال النووي في شرح صحيح مسلم (14/ 29): والصحيح عند أصحابنا - أي الشافعية - وغيرهم من الأصوليين أن المجتهد إذا قال قولًا ثم رجع عنه لا يبقى قولًا له، ولا ينسب إليه. قالوا: وإنما يذكر القديم وينسب إلى الشافعي مجازًا، وباسم ما كان عليه لا أنه قول له الآن
…
" اهـ.
(3)
قال المهدي في "البحر"(4/ 352 - 353): "ويحرم الشرب في آنية الذهب والفضة إجماعًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: " فإنما يجرجر" الخبر ونحوه. وقال المؤيد بالله وأبو طالب: ويقاس سائر الآلات كالمجامر والملاعق والمراش والسرج والمرفع ونحوه.
وقال الإمام يحيى: وكذا محك المرأة، إذ ليس بحلية. قلت: فإن أمسكت مقنعتها بغيره وغرزته للزينة فحلية.
وقالت القاسمية والناصرية والشافعية والحنفية: وكذا الآلة المذهبة أو المفة إن عمها إجماعًا لرواية ابن عمر: "من شرب في إناء من ذهب أو فضة أو فيه شيء من ذلك" الخبر، ولأنه حيث عمَّها مستعمل للذهب والفضة قالت العترة والشافعي وأبو يوسف: وكذا لو لم يعمه.
وقال أبو حنيفة: يجوز إن لم يضع فاه على الفضة ونحوها، وإن عم سائره، إذ المقصود هو الإناء هنا، والفضة تابعة، لنا الخبر.
قال الإمام المهدي: فأما ضبَّة الإناء فتجوز إجماعًا ما لم تكثر" اهـ.
(4)
في المسند (2/ 378).
(5)
في السنن رقم (4236) وهو حديث حسن.
(6)
في صحيحه رقم (5896) وتقدم رقم (30/ 48) من كتابنا هذا.
والفضة ولم يمنعها إلا من شذَّ. وقد نقل ابن الصباغ
(1)
في "الشامل" الإِجماع على الجواز، وتبعه الرافعي ومن بعده. وقيل: العلة: التشبه بالأعاجم وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد لفاعله ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك، وأما اتخاذ الأواني بدون استعمال فذهب الجمهور إلى منعه، ورخصت فيه طائفة
(2)
.
2/ 64 - (وَعَنْ أمِّ سَلمَةَ رضي الله عنها أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنَّ الذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ". مُتَّفَقٌ عَليْهِ
(3)
. وَلِمُسلِمٍ
(4)
: "إن الذِي يَأكُلُ أوْ يَشْربُ في إناءِ الذَّهبِ وَالفضَّةِ). [صحيح]
3/ 65 - (وَعَنِ عائِشةَ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ في الذِي يَشرَبُ في إناءِ فِضَّةٍ: "كأنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارًا". رَواهُ أحْمَدُ
(5)
وَابْنُ ماجَهْ)
(6)
. [صحيح]
حديث أم سلمة أخرجه أيضًا الطبراني
(7)
وزاد: "إلا أن يتوب"، وقد تفرد
(1)
هو عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد، المعروف بابن الصباغ، الفقيه الشافعي. ومن مصنفاته: كتاب "الشامل" في الفقه. وهو من أجود كتب أصحابنا، وأصحها نقلًا، وأثبتها أدلة.
[انظر: "وفيات الأعيان" (3/ 217 - 218 ت 399)].
(2)
قال الأمير الصنعاني في "سبل السلام" بتحقيقي (1/ 173): "والحقّ ما ذهب إليه القائلُ بعدم تحريم غير الأكلِ والشرب فيهما إذ هو الثابتُ بالنصِّ، ودعوى الإجماعِ غيرُ صحيحة
…
"اهـ.
(3)
أخرجه أحمد (6/ 301، 302، 304، 306). والبخاري (10/ 96 رقم 5634) ومسلم (3/ 1634 رقم 2065).
قلت: وأخرجه مالك (2/ 924 رقم 11) وابن ماجه (2/ 1130 رقم 3413) والدارمي (2/ 121) والطيالسي رقم (1601).
(4)
في صحيحه (3/ 1634 رقم
…
/ 2065).
(5)
في المسند (6/ 98).
(6)
في السنن (2/ 1130 رقم 3415).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(3/ 110): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات
…
قلت: وله شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث حذيفة، وأم سلمة" اهـ.
وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(7)
في الكبير (23/ 388 - 389 رقم 928).
علي بن مُسْهِر
(1)
بزيادة إناء الذهب الثابتة عند مسلم
(2)
.
وحديث عائشة رواه أيضًا الدارقطني في العلل
(3)
من طريق شعبة والثوري عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن امرأة ابن عمر سمَّاها الثوري: صفية. وأخرجه - أي حديث شعبة - أيضًا أبو عوانة في صحيحه
(4)
بلفظ: "الذي يشرب في الفضة إنما يجرجر في جوفه نارًا"، وفيه اختلاف على نافع فقيل: عنه عن ابن عمر. أخرجه الطبراني في الصغير
(5)
، وأعله أبو زرعة وأبو حاتم
(6)
. وقيل: عنه، عن أبي هريرة، ذكره الدارقطني في العلل
(7)
أيضًا، وخطَّأه من رواية عبد العزيز بن أبي روّاد
(8)
قال: والصحيح فيه: عن نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر كما تقدم، يعني عن زيد [بن عبد الله]
(9)
بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أم سلمة. قال الحافظ
(10)
: فرجع الحديث إلى حديث أم سلمة.
قوله: (يجرجر) الجَرْجَرَةُ: صَبُّ الماءِ في الحَلْقِ كالتجرْجُرِ، والتجرجُرُ: أن تَجْرعَه جَرْعًا مُتَداركًا. جَرْجَرَ الشَّرابُ: صَوَّتَ، وجَرْجَرَهُ: سَقاهُ على تلك الصفةِ. قاله في القاموس
(11)
.
(1)
علي بن مُسْهِر القُرشي، الكوفي، قاضي الموصل: ثقةٌ له غرائبُ بعد أن أضرَّ مات سنة (189 هـ)."التقريب" رقم (4800).
(2)
في صحيحه (3/ 1634 رقم 000/ 2065).
(3)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 51).
(4)
في مسنده (5/ 435/ 436).
(5)
(1/ 204) وقال: لم يروه عن برد إلا ابنه العلاء.
قلت: وأخرجه أيضًا في "الأوسط" رقم (4189).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 77): "وفيه العلاء بن برد بن سنان ضعفه أحمد".
(6)
في "العلل" لابن أبي حاتم (2/ 35 رقم 1585). وفيه: "قال أبو زرعة ذا خطأ إنما هو نافع عن زيد بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم " اهـ.
(7)
عزاه إليه ابن حجر في "التلخيص"(1/ 51).
(8)
عبد العزيز بن أبي رَوَّاد. صدوقٌ عابدٌ ربما وَهِمَ، ورُمِيَ بالإرجاء. مات سنة 159 هـ "التقريب" رقم (4096).
(9)
زيادة عما في المخطوط من مصادر الحديث.
(10)
في "التلخيص"(1/ 51).
(11)
القاموس المحيط ص 464.
وقوله: (نار جهنم) يروى بالرفع وهو مجاز؛ لأن النار لا تجرجر على الحقيقة، ولكنه جعل صوت جرع الإِنسان للماء في هذه الأواني المخصوصة لوقوع النهي عنها واستحقاق العقاب عليها كجرجرة نار جهنم في بطنه على طريق المجاز. والأكثر الذي عليه شراح الحديث وأهل الغريب واللغة النصب. والمعنى كأنما تجرع نار جهنم. قال في الفتح
(1)
: وقوله يجرجر بضم التحتانية وفتح الجيم وسكون الراء ثم جيم مكسورة وهو صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج. ثم حكى الخلاف في ضبط هذه اللفظة في كتاب الأشربة. والحديث قد تقدم الكلام عليه.
4/ 66 - (وَعَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: نَهانا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الشُّرْبِ في الفِضَّةِ فإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فيها في الدُّنْيا لَمْ يَشْرَبْ فيها في الآخِرَةِ. مُخْتَصَرٌ مِنْ مُسْلِمٍ. الحديث قَدْ تقَدَّمَ الكلامُ عَليْهِ)
(2)
. [صحيح]
[الباب الثاني] باب النهي عن التضبيب بهما إلا بيسير الفضة
5/ 67 - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ شَرِبَ في إناءٍ ذَهَبٍ أوْ فضَّةٍ أوْ إناءٍ فيهِ شَيءٌ مَنْ ذلِكَ فإِنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جهَنَّمَ" رَواهُ الدّارَقُطني)
(3)
. [صحيح لغيره]
الحديث أخرجه أيضًا البيهقي
(4)
كلاهما من طريق يحيى بن محمد الجاري عن زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن ابن عمر بهذا اللفظ. وزاد البيهقي
(5)
في رواية له عن جده وقال: إنها وهم. وقال الحاكم في علوم
(1)
(10/ 97).
(2)
أخرجه البخاري (10/ 96 رقم 5635) ومسلم (3/ 1635 - 1636 رقم 2066).
(3)
في السنن (1/ 40 رقم 1) وقال: إسناده حسن.
(4)
في السنن الكبرى (1/ 28 - 29).
(5)
في السنن الكبرى (1/ 29).
الحديث
(1)
: لم نكتب هذه اللفظة: "أو إناء فيه شيء من ذلك" إلا بهذا الإِسناد. وقال البيهقي
(2)
: المشهور عن ابن عمر في المضبَّب موقوفًا عليه؛ ثم أخرجه
(3)
بسند له على شرط الصحيح أنه كان لا يشرب في قَدَح فيه حلقةُ
(4)
فضة ولا ضبَّة فضة؛ ثم روى
(5)
النهي في ذلك عن عائشة وأنس.
وفي حرف الباء الموحدة من الأوسط للطبراني
(6)
من حديث أم عطية: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح". قال: تفرد به عمر بن يحيى بن معاوية بن عبد الكريم ويحيى بن محمد الجاري راوي تلك الزيادة، قال البخاري
(7)
: يتكلمون فيه. وقال ابن عدي
(8)
: هذا حديث منكر، كذا في الميزان
(9)
. وفي الكاشف
(10)
: ليس بالقوي. وفي الميزان
(11)
أيضًا: راويه يحيى عن زكريا بن إبراهيم، وليس بالمشهور.
[و]
(12)
الحديث استدل به من قال بتحريم الأكل والشرب في الآنية المذهَّبة
(1)
ص 131.
(2)
في السنن الكبرى (1/ 29).
(3)
أي البيهقي في السنن الكبرى (1/ 29).
(4)
الحَلْقة: كل شيء استدار كحَلْقِة الحديد والفضة والذهب، وكذلك هو في الناس.
والجمع حِلاق على الغالب، وحِلق على النادر، وبعضهم يفتح اللام في حلقة الحديد ويسكنها في حلقة الناس. "لسان العرب"(3/ 290).
(5)
أي البيهقي في السنن الكبرى (1/ 29).
(6)
رقم (3311).
قلت: وأخرجه الطبراني في الكبير (25/ 68 رقم 167).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 149) وفيه عمر بن يحيى الأيلي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
قلت: عمر بن يحيى الأيلي يسرق الحديث. انظر: "اللسان"(4/ 338).
(7)
كما في "الميزان"(4/ 406). وأورده البخاري في "التاريخ الكبير"(8/ 304) ولم أجد قوله.
(8)
كما في "الميزان"(4/ 406). وأورده ابن عدي في "الكامل"(7/ 2682) ولم أجد قوله.
(9)
(6/ 404 ت 9617).
(10)
للذهبي (3/ 234 ت 6352).
(11)
(4/ 406 ت 9617).
(12)
زيادة من (ب).
والمفضَّضة. وقال أبو حنيفة
(1)
: يجوز إذا وضع الشارب فمه على غير محل الذهب والفضة. واستدل له بما سيأتي. وأجيب عن حديث الباب بما سلف من المقال فيه.
6/ 68 - (وَعَنْ أنَسٍ أن قَدَحَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم انْكسَرَ فاتَّخَذَ مَكانَ الشَّعْبِ سَلْسَلةً مَنْ فضَّةٍ. رَواهُ البُخاريُّ
(2)
، ولأحْمَدَ
(3)
عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ: قَالَ: رَأيْتُ عِنْدَ أنَسٍ قَدَحَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيهِ ضَبَّةُ فِضَّةٍ). [صحيح]
وفي لفظ للبخاري
(4)
من حديث عاصم الأحول رأيتُ قدحَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك وكان انصدع فَسَلْسَلَهُ بفضة. وحكى البيهقي
(5)
عن موسى بن هرون أو غيره أن الذي جعل السلسلة هو أنس لأن لفظه: "فجعلت مكان الشعب سلسلة" وجزم بذلك ابن الصلاح
(6)
. قال الحافظ
(7)
: وفيه نظر لأن في الخبر عند البخاري عن عاصم قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة فقال له أبو طلحة: لا تغير شيئًا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أنه لم يغير شيئًا.
الحديث يدل على جواز اتخاذ سلسلة أو ضبَّة من فضة في إناء الطعام والشراب، وهو حجة لأبي حنيفة، والحديث السابق الذي فيه:"أو إناء فيه شيء من ذلك" على فرض صحته لا يعارض هذا لأن (شيئًا) عام وهذا مخصص له، وكذلك حديث النهي عن تفضيض الأقداح السابق
(8)
مخصص بهذا فلا تعارض.
قوله: (الشَّعْبِ) هو الصَّدْع والشَّقِّ
(9)
.
(1)
مختصر اختلاف الفقهاء. للطحاوي (4/ 363).
(2)
في صحيحه (6/ 212 رقم 3109).
(3)
في المسند (3/ 139، 155، 259).
(4)
في صحيحه (10/ 99 رقم 5638).
(5)
في السنن الكبرى (1/ 29 - 30).
(6)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 52).
(7)
في "التلخيص"(1/ 52). وانظر: "فتح الباري"(10/ 100).
(8)
تقدم تخريجه ص 304.
(9)
"النهاية"(2/ 477).
وقوله: (سلسلة)، السلسلة: بفتح [السين]
(1)
المراد بها إيصال الشيء بالشيء
(2)
.
[الباب الثالث] باب الرخصة في آنية الصفر ونحوها
7/ 69 - (عَنْ عَبدِ الله بْنِ زَيدٍ قالَ: أتانا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَأخْرَجْنا لَهُ ماءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأ. رَوَاهُ البُخارِي
(3)
وَأَبو دَاوُد
(4)
وابْنُ ماجَهْ)
(5)
. [صحيح]
8/ 70 - (وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَتَوَضَّأُ في مِخْضَبٍ مِنْ صُفْرٍ، رَوَاه أحْمَدُ)
(6)
. [صحيح]
قوله: (في تَوْر)
(7)
التَوْر بفتح المثناة الفوقية يشبه الطشت، وقيل: هو الطشت. والطشت
(8)
بفتح الطاءِ وكسرها وبإسقاط التاء لغات.
(1)
في المخطوط (أ، ب): (الفاء).
(2)
القاموس المحيط ص 1313، والمعجم الوسيط:(1/ 442).
(3)
في صحيحه (1/ 302 رقم 197).
(4)
في سننه رقم (100).
(5)
في سننه (1/ 159 رقم 471).
وهو حديث صحيح.
(6)
في المسند (6/ 324).
وأورده ابن كثير في "جامع المسانيد والسنن"(15/ 484 - 485 رقم 13117).
وقال: "رواه ابن ماجه، عن يعقوب بن حميد، عن الدراوردي" اهـ.
قلت: أما رواية ابن ماجه التي أشار إليها ابن كثير (1/ 160 رقم 472) ليس فيها نص على الوضوء.
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 188 رقم 193): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وانظر: "العلل" لابن أبي حاتم (1/ 59 رقم 153).
وقال الألباني في صحيح ابن ماجه: صحيح.
وخلاصة القول أن حديث زينب بنت جحش صحيح، والله أعلم.
(7)
النهاية (1/ 199).
(8)
المعجم الوسيط (2/ 557). وفي (ب): (الطست).
قوله: (من صفر)
(1)
الصفر بصاد مهملة مضمومة نوع من النحاس.
قوله: (في مِخْضَب)
(2)
المِخْضَب بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة بعدها موحدة، المشهور أنه الإِناء الذي يغسل فيه الثياب من أي جنس كان، وقد يطلق على الإِناء صغر أو كبر. والحديث ساقه المصنف للاستدلال به على جواز استعمال آنية الصفر للوضوء وغيره وهو كذلك. وله فوائد محلها الوضوء.
[الباب الرابع] باب استحباب تخمير الأواني
9/ 71 - (عَنْ جابِرِ بْنِ عَبدِ الله في حَديث لهُ، أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"أوْكِ سِقاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله، وَخَمِّرْ إناءَكَ وَاذْكُر اسْمَ الله، وَلَوْ أنْ تَعْرِضَ عَليْهِ عودًا" مُتَّفَقٌ عَليْهِ
(3)
، وَلِمُسْلِمٍ
(4)
: أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "غَطُّوا الإِناءَ، وَأوْكُوا السِّقاءَ، فإنّ في السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيها وَباءٌ لا يَمُرُّ بِإِناءٍ ليْسَ عَليهِ غطاءٌ، أو سِقاءٍ ليْسَ عَليْهِ وِكاءٌ، إلَّا نَزَلَ فيهِ مِنْ ذلِكَ الْوَبَاءِ"[صحيح]
الحديث أيضًا أخرجه أبو داود
(5)
والترمذي
(6)
والنسائي
(7)
. ولفظ أبي داود: "أَغْلِقْ بَابَكَ واذكر اسم الله، فإنَّ الشيطان لا يفتح بابًا مُغْلَقًا، واطفِ مصباحَكَ واذكر اسم الله، وخَمِّرْ إِناءك ولو بعودٍ تعرضه عليه واذكر اسم الله، وأَوْكِ سقاءك واذكر اسم الله".
(1)
المعجم الوسيط (1/ 516).
(2)
النهاية (2/ 39).
(3)
أحمد في المسند (3/ 355). والبخاري (10/ 88 - 89 رقم 5623 ورقم 5624).
ومسلم (3/ 1594 رقم 2012).
(4)
في صحيحه (3/ 1596 رقم 99/ 2014).
(5)
في سننه رقم (3731).
(6)
في سننه (5/ 143 رقم 2857). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(7)
في "اليوم والليلة" رقم (746) وهو حديث صحيح.
وله
(1)
في أخرى من حديث جابر: "فإنَّ الشيطان لا يفتح غَلَقًا ولا يَحُل وِكاءً، ولا يكشف إناءً، وإن الفُوَيْسِقَةَ تُضْرِم على الناس بيتهم أو بيوتهم". وأخرجها أيضًا مسلم
(2)
والترمذي
(3)
وابن ماجه
(4)
.
وفي رواية
(5)
له أيضًا عن جابر قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فاستسقى، فقال رجل من القوم: ألا نسقيك نبيذًا؟ قال: بلى فخرج الرجل يشتد فجاء بقدح فيه نبيذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا خمرته ولو أن تعرض عليه عودًا". وأخرجها أيضًا مسلم
(6)
.
قوله: (أوك سقاءك) الوكاء
(7)
: ككساء، رباط القربة، وقد وكأها وأوكأها: أي ربطها.
قوله: (وخمِّر إناءك) التَّخْمير
(8)
: التَّغْطِية.
قوله: (ولو أن تعرض عليه عودًا، أي تضعه على العرض وهو الجانب من الإِناء، من عرض العود على الإِناء والسيف على الفخذ يعرِضه ويعرُضه فيهما).
قوله: (وباء) الوباء: محركة، الطاعون أو كل مرض عام. قاله في القاموس
(9)
.
والحديث يدل على مشروعية التبرك بذكر اسم الله عند إيكاء السقاء وتخمير الإِناء وكذلك عند تغليق الباب وإطفاء المصباح، كما في الروايات التي ذكرناها. وقد أشعر التعليل بقوله: (فإن الشيطان
…
) إلى آخره أن في التسمية
(1)
أي لأبي داود في سننه رقم (3732).
(2)
في صحيح (3/ 1594 رقم 96/ 2012).
(3)
في سننه (4/ 263 رقم 1812) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(4)
في سننه (2/ 1129 رقم 3410). وهو حديث صحيح.
(5)
في سننه رقم (3734).
(6)
في صحيحه (3/ 1593 رقم 2010).
قلت: وأخرجه البخاري (10/ 70 رقم 5605 ورقم 5606).
(7)
النهاية (5/ 222 - 223).
(8)
النهاية (2/ 77).
(9)
المحيط ص 69.
حرزًا عن الشيطان وأنها تحول بينه وبين مراده. والتعليل بقوله: "فإن في السنة ليلة" كما في رواية مسلم
(1)
يشعر بأن شرعية التخمير للوقاية عن الوباء، وكذلك الإِيكاء وقد تكلف بعضهم لتعيين هذه الليلة ولا دليلَ له على ذلك.
[الباب الخامس] باب آنية الكفار
10/ 72 - (عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: كُنا نَغْزُوا معَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فنُصِيبُ منْ آنِيَةِ المُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِها وَلا يَعيبُ ذلِكَ عليهِمْ. رَواه أحْمَدُ
(2)
وأبُو دَاودَ
(3)
. [صحيح]
11/ 73 - (وعَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ قالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله إنّا بِأرضِ قوْمٍ أهْلِ كِتابٍ أفَنأكُلُ في آنِيَتِهِمْ؟ قالَ: "إنْ وَجَدْتُمْ غيرَها فَلا تأْكلوا فِيها، وَإِنْ لمْ تجدُوا فاغْسِلُوها وَكلوا فِيها". مُتَّفَقٌ علَيْهِ
(4)
. [صحيح]
وَلأحْمَدَ
(5)
وَأَبي دَاوُدَ
(6)
: إنّ أرْضَنا أرْضُ أهْلِ الكِتابِ وإنَّهمْ يَأْكُلونَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ ويَشرَبُونَ الخَمْرَ فكيْفَ نَصْنَعُ بِآنِيَتِهِمْ وَقُدُورِهِمْ؟ قالَ: "إنْ لمْ تجدُوا غَيرَها فارْحَضُوها بِالماءِ وَاطْبُخُوا فيها وَاشْرَبُوا". [صحيح]
(1)
في صحيحه رقم (99/ 2014) كما تقدم.
(2)
في المسند (3/ 379).
(3)
في سننه (رقم: 3838) من طريق برد بن سنان عن عطاء عنه.
وقال المحدث الألباني في "الإرواء"(1/ 76): وهذا إسناد صحيح.
وقد تابعه سليمان بن موسى عن عطاء به نحوه، أخرجه أحمد (3/ 327، 343، 389).
قلت: وسكت المنذري في "المختصر"(5/ 334) عنه. وكذلك ابن حجر في "الفتح"(9/ 623).
وقوَّى إسناد الحديث كل من الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في "تخريج جامع الأصول"(1/ 387)، والشيخ شعيب الأرنؤوط في "شرح السنة"(11/ 201).
وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(4)
أحمد (4/ 195) والبخاري (9/ 622 رقم 5496) ومسلم (3/ 1532 رقم 1930).
(5)
في المسند (4/ 194).
(6)
في سننه رقم (3839).
وللتِّرْمِذِي
(1)
قالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ قُدُورِ المجُوسِ، فقال:"أنقُوها غَسلًا وَاطْبُخُوا فِيها"[صحيح]
حديث جابر أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة
(2)
بمعناه، واستدل به من قال بطهارة الكافر وهو مذهب الجماهير من السلف والخلف، كما قاله النووي
(3)
لأن تقرير المسلمين على الاستمتاع بآنية الكفار مع كونها مظنة لملابستهم ومحلًا للمنفصل من رطوبتهم مؤذن بالطهارة، وحديث أبي ثعلبة استدل به من قال بنجاسة الكافر وهو مذهب الهادي والقاسم والناصر ومالك
(4)
، وقد نسبه القرطبي في شرح مسلم
(5)
إلى الشافعي، قال في الفتح
(6)
: وقد أغرب.
ووجه الدلالة أنه لم يأذن بالأكل فيها إلا بعد غسلها. ورد بأن الغسل لو كان لأجل النجاسة لم يجعله مشروطًا بعدم الوجدان لغيرها إذ الإِناء المتنجس لا فرق بينه وبين ما لم يتنجس بعد إزالة النجاسة، فليس ذلك إلا للاستقذار. ورد أيضًا بأن الغسل إنما هو لتلوثها بالخمر ولحم الخنزير كما ثبت في رواية أبي ثعلبة عند أحمد
(7)
وأبي داود
(8)
أنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، وبما ذكره في البحر
(9)
من أنها لو حرمت رطوبتهم لاستفاض نقل توقيهم، لقلة المسلمين حينئذ وأكثر مستعملاتهم لا يخلو منها ملبوسًا ومطعومًا، والعادة في مثل ذلك تقتضي الاستفاضة. انتهى. وأيضا قد أذن الله بأكل طعامهم وصرح بحِلِّه
(10)
وهو لا يخلو
(1)
في سننه (4/ 129 رقم 1560). وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه ابن ماجه (2/ 1069 رقم 3207).
(2)
في "المصنف"(12/ 251).
(3)
في شرحه لصحيح مسلم (4/ 66).
(4)
كما في "البحر الزخار"(1/ 12).
(5)
وهو "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"(2/ 630).
(6)
فتح الباري (1/ 390 - 391).
(7)
في المسند (4/ 193) ورجاله ثقات. لكنه منقطع بين أبي قلابة وأبي ثعلبة.
(8)
في السنن رقم (3839) وهو حديث صحيح.
(9)
(1/ 13).
(10)
يشير المؤلف إلى الآية (5) من سورة المائدة: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} .
من رطوباتهم في الغالب، وقد استدل من قال بالنجاسة بقوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}
(1)
.
وقد استوفينا البحث في هذه المسألة وصرَّحنا بما هو الحق في باب طهارة الماء المتوضأ به، وهو الباب الثاني من أبواب الكتاب
(2)
فراجعه.
12/ 74 - (وعَن أنَسٍ أن يَهُودِيًا دَعا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإهالَة سنْخَةٍ فأجابَهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ
(3)
[شاذ].
والإِهالَة
(4)
الوَدَكُ: وَالسَّنْخَةُ
(5)
الزَّنْخَةُ المُتغَيِّرَةُ.
وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الوُضُوءُ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ
(6)
. [صحيح]
وَعَنْ عُمَرَ: الوُضُوءُ مِنْ جرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ)
(7)
[أثر عمر صحيح].
[الكلام على فقه الحديثين قد سبق]
(8)
، قال في النهاية
(9)
في حرف السين: السنخة: المتغيرة الريح، ويقال بالزاي، وقال في حرف الزاي: إن رجلًا دعا
(1)
سورة التوبة: الآية 28.
وانظر: "فتح القدير" للشوكاني (2/ 349) و "فتح الباري"(1/ 390).
(2)
رقم الأحاديث (3/ 3) و (4/ 4) و (5/ 5). من كتابنا هذا.
(3)
في المسند (3/ 210 - 211).
قلت: والحديث شاذ بهذا اللفظ مع أن إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وقد أخرج أحمد في المسند (3/ 252، 289 - 290) من حديث أنس: "أن خياطًا بالمدينة دعا النبي صلى الله عليه وسلم لطعامه، قال: فإذا خبز شعير بإهالة سنخة، وإذا فيها قرع. قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه القرع. قال أنس: لم يزل القرع يعجبني منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه".
(4)
القاموس المحيط ص 1245.
(5)
القاموس المحيط ص 324.
(6)
وهو جزء من حديث طويل أخرجه البخاري (1/ 447 رقم 344) ورقم (348) و (3571). ومسلم (1/ 474 رقم 682) من حديث عمران بن حصين.
وتقدم الكلام على أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل مزادة المشركة. في شرح الحديث (5/ 5) من كتابنا هذا.
(7)
وهو أثر صحيح.
أخرجه الشافعي في الأم (1/ 58 رقم 215). ومن طريقه البيهقي (1/ 32) بإسناد صحيح.
(8)
زيادة من (أ) و (جـ).
(9)
(2/ 408) و (2/ 315).
النبي صلى الله عليه وسلم فقدم إليه إهالة زَنِخَة فيها عرقٌ أي متغيرَة الرائحة، ويقال سنخة بالسين انتهى.
(1)
قال المصنف
(2)
رحمه الله تعالى: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى المنع من استعمال آنية الكفار حتى تغسل إذا كانوا ممن لا تباح ذبيحته وكذلك من كان من النصارى بموضع متظاهرًا فيه بأكل لحم الخنزير متمكنًا فيه أو يذبح بالسِّن والظُّفر ونحو ذلك، وأنه لا بأس بآنية من سواهم جمعًا بذلك بين الأحاديث.
واستحب بعضهم غسل الكل لحديث الحسن بن علي قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" رواه أحمد
(3)
والنسائي
(4)
والترمذي
(5)
وصححه اهـ. وصححه أيضًا ابن حبان
(6)
والحاكم
(7)
.
(1)
هنا في (ب) الجملة التالية: (الكلام على فقه الحديثين قد سبق) وقد حذفتها لأنها تقدمت من (أ) و (جـ) في مكانها المناسب.
(2)
أي: ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 45).
(3)
في المسند (1/ 200) وفيه قصة ودعاء.
(4)
في سننه (8/ 327).
(5)
في سننه (4/ 668 رقم 2518) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(6)
في صحيحه رقم (722) وفيه قصة ودعاء.
(7)
في المستدرك (2/ 13) و (4/ 99) ووافقه الذهبي.
قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 245) والبغوي في شرح السنة رقم (2032).
وخلاصة القول أن الحديث صحيح والله أعلم.
[رابعًا]: أبواب أحكام التخلي
[الباب الأول] باب ما يقول المتخلي عند دخوله وخروجه
1/ 75 - (عَنْ أنسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ [رَسُولُ الله]
(1)
صلى الله عليه وسلم إذا دَخَلَ الخَلأَ قالَ: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ الخُبُثِ وَالخَبائِثِ". روَاهُ الجمَاعةُ
(2)
. [صحيح]
وَلِسَعِيدِ بْن مَنْصُورٍ
(3)
في سُنَنِهِ كانَ يَقُولُ: "بِسْمِ الله اللهمّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخبائِثِ").
قوله: (إذا دخل الخلاء) قال في الفتح
(4)
: أي كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول لا بعده، وقد صرّح بهذا البخاري في الأدب المفرد
(5)
، قال: حدثنا أبو النعمان حدثنا سعيد بن زيد حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: حدثني
(1)
في (جـ): (النبي).
(2)
أحمد (3/ 99، 101، 282) والبخاري (11/ 242 رقم 142) و (11/ 129 رقم 6322) ومسلم (1/ 283 رقم 122/ 375).
وأبو داود (رقم: 5) و (رقم: 4) والترمذي (1/ 10 رقم 5) و (1/ 11 رقم: 6) والنسائي (1/ 20 رقم 19) وفي "عمل اليوم والليلة"(رقم: 74). وابن ماجه (1/ 109 رقم 298).
قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 1).
وابن حبان في صحيحه (4/ 253 رقم 1407) وابن الجارود في "المنتقى" رقم (28) وأبو عوانة (1/ 216) والبغوي في "شرح السنة"(1/ 376 رقم 186) والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (692) والدارمي (1/ 171) والبيهقي (1/ 95) من طرق عن أنس بن مالك به.
(3)
قال الحافظ في "الفتح"(1/ 244): روى المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر، قال:"إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث" وإسناده على شرط مسلم. وفيه زيادة التسمية ولم أرها في غير هذه الرواية.
(4)
في "الفتح"(1/ 244).
(5)
رقم (692).
أنس، قال:(كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء قال:) فذكر مثل حديث الباب، وهذا في الأمكنة المعَدَّة لذلك، وأما في غيرها فيقوله في أول الشروع عند تشمير الثياب، وهذا مذهب الجمهور.
قوله: (الخُبُث) بضم المعجمة والموحدة كذا في الرواية، وقال الخطَّابي
(1)
: إنه لا يجوز غيره، وتُعُقِّبَ بأنه يجوز إسكان الباء الموحدة كما في نظائره مما جاء على هذا الوجه ككُتُب وكُتْب، قاله في الفتح
(2)
. قال النووي
(3)
: وقد صرَّح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة منهم أبو عبيدة
(4)
إلا أن يقال إن ترك التخفيف أولى لئلا يشتبه بالمصدر.
والخبث: جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة. قال الخطابي
(5)
وابن حبان
(6)
وغيرهما: يريد ذُكران الشياطين وإناثهم. قال في الفتح
(7)
: قال البخاري: ويقال: الخبث أي بإسكان الباء، فإن كانت مخففة عن المحركة فقد تقدم توجيهه، وإن كانت بمعنى المفرد فمعناه كما قال ابن الأعرابي
(8)
: المكروه. قال: فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار، وعلى هذا فالمراد بالخبائث: المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب.
قال
(9)
: وقد روى المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر، قال:"إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث"، وإسناده على شرط مسلم وفيه زيادة التسمية ولم أرها في غير هذه الرواية اهـ.
(1)
في "معالم السنن"(1/ 18 - مع السنن) ط: ابن حزم.
(2)
(1/ 243).
(3)
في شرحه لصحيح مسلم (4/ 71).
(4)
في غريب الحديث (2/ 192) لأبي عبيد.
(5)
في "معالم السنن"(1/ 18 - مع السنن) ط: ابن حزم.
(6)
في صحيحه (4/ 254 - 255).
(7)
(1/ 243) نقلًا عن نسخة ابن عساكر.
(8)
نقله عنه الخطابي في "غريب الحديث"(3/ 221).
(9)
أي الحافظ في "الفتح"(1/ 244).
وهذه الرواية تشهد لما في حديث الباب من رواية سعيد بن منصور.
2/ 76 - (وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا خَرَجَ مِنَ الخَلاء قال: "غُفْرَانَكَ" رَواهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائِيّ)
(1)
. [صحيح]
الحديث صحَّحه الحاكم
(2)
وأبو حاتم، قال في البدر المنير
(3)
: ورواه الدارمي
(4)
وصححه ابن خزيمة
(5)
وابن حبان
(6)
، وقوله:"غُفْرَانَكَ" إما مفعول به منصوب بفعل مقدر: أي أسألك غفرانك أو أطلب، أو مفعول مطلق: أي اغفر غفرانك.
قيل: إنه استغفر لتركه الذكر في تلك الحالة لما ثبت أنه كان يذكر الله على كل أحواله إلا في حال قضاء الحاجة، فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيرًا وذنبًا يستغفر منه، وقيل: استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج وهو المناسب للحديث الآتي في الحمد.
3/ 77 - (وَعَنْ أنَس رضي الله عنه قالَ: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ قالَ: "الحمدُ لله الَّذِي أذهَبَ عَني الأذَى وَعافانِي" رَوَاهُ ابنُ ماجهْ)
(7)
. [ضعيف]
(1)
أحمد (6/ 155) وأبو داود رقم (30) والترمذي (1/ 12/ رقم 7) وقال: حديث حسن غريب. وابن ماجه (1/ 110 رقم 300).
وأخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة"(رقم 79).
(2)
في المستدرك (1/ 158).
(3)
لم يطبع منه هذا القسم حتى الآن.
(4)
(1/ 174).
(5)
في صحيحه (1/ 48 رقم 90).
(6)
في صحيحه (4/ 291 رقم 1444).
قلت: وأخرجه البيهقي (1/ 97) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" رقم (23) والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (693) والبغوي في "شرح السنة (1/ 379) وقال المحدث الألباني في "الإرواء" (1/ 91 رقم 52): صحيح. ثم قال: وصححه الحاكم وكذا أبو حاتم الرازي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والنووي والذهبي.
(7)
في سننه (1/ 110) رقم (301) وهو حديث ضعيف.
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 92 رقم 120): "هذا حديث ضعيف. ولا يصح بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، وإسماعيل بن مسلم المكي، متفق على تضعيفه، وفي =
الحديث رواه ابن ماجه عن هرون بن إسحق، حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس، فهرون بن إسحق وثقه النسائي
(1)
وقال في التقريب
(2)
: صدوق، وعبد الرحمن المحاربي - هو ابن محمد - وثقه ابن معين والنسائي
(3)
، وقال في التقريب
(4)
لا بأسَ به وكان يُدَلِّسُ، قاله أحمد. وإسماعيل بن مسلم إن كان العبدي فقد وثَّقه أبو حاتم
(5)
، وإن كان البصري
(6)
فهو ضعيف، وكلاهما يروي عن الحسن.
وقد رواه أيضًا النسائي
(7)
وابن السني
(8)
عن أبي ذر، ورمز السيوطي لصحته
(9)
.
= طبقته جماعة يقال لكل منهم: إسماعيل بن مسلم يضعفوا". اهـ.
وضعَّف الحديث المحدث الألباني في الإرواء (1/ 91 - 92 رقم 53).
(1)
كما في "تهذيب التهذيب"(4/ 252).
(2)
رقم (7221).
(3)
كما في "تهذيب التهذيب"(2/ 550).
(4)
رقم (3999).
(5)
كما في "تهذيب التهذيب"(1/ 167).
وقال الحافظ في "التقريب" رقم (483): ثقة.
(6)
وهو إسماعيل بن مسلم المكي، أبو إسحق البصري: ضعيف.
انظر: "تهذيب التهذيب"(1/ 167 - 168).
وقال الحافظ في "التقريب" رقم (484): ضعيف.
(7)
عزاه إليه السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (6649) من حديث أبي ذر، ورمز لصحته.
وقال المناوي في "فيض القدير"(5/ 122): "
…
وفي النسائي إسناده مضطرب غير قوي.
وقال الدارقطني: حديث غير محفوظ. وقال المنذري: ضعيف. وقال مغلطاي في "شرح ابن ماجه" حديث ضعيف لضعف رواته، ومنهم: إسماعيل منكر الحديث. قال المديني: أجمعوا على تركه. وقال الفلاس: إنما يحدث عنه من لا يبصر الرجال، ولا معرفة له بهم" اهـ.
(8)
في "عمل اليوم والليلة" رقم (22) من حديث أبي ذر.
قلت: في إسناده الفيض، وهو مجهول.
وخلاصة القول أن حديث أبي ذر ضعيف والله أعلم.
وفي الباب: حديث أنس عند ابن السني رقم (24) وهو حديث ضعيف.
وحديث ابن عمر عند ابن السني رقم (25) وهو حديث ضعيف.
وانظر الكلام عليهما في تخريجي لسبل السلام (1/ 398). ط: دار ابن الجوزي.
(9)
في (أ): (بصحته).
وفي حمده صلى الله عليه وسلم إشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنَّة جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك؛ فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها، وحق على من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة، فسَدَّ به جوعته، وحفظ به صحته وقوته، ثم لما قضى منه وطره ولم يبق فيه نفع واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة خرج بسهولة من مخرج معدّ لذلك أن يستكثر في محامد الله جل جلاله، اللهم أوزعنا شكر نعمتك.
[الباب الثاني] باب ترك استصحاب ما فيه ذكر الله
4/ 78 - (عَنْ أنَس قالَ: كانَ النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا دَخَلَ الخَلاء نزَعَ خاتَمَهُ. رَواهُ الخمسةُ إلَّا أحْمَدَ
(1)
وَصَحَّحَه التِّرْمِذِي [منكر].
وَقَدْ صَحَّ أن نَقْشَ خاتَمِهِ كانَ: مُحمَّدٌ رَسُولُ الله)
(2)
. [صحيح]
الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان
(3)
والحاكم
(4)
.
قال النسائي
(5)
: هذا حديث غير محفوظ. وقال أبو داود
(6)
: منكر. وذكر الدارقطني (5) الاختلاف فيه، وأشار إلى شذوذه. وأما الترمذي فصححه
(7)
. قال النووي: هذا مردود عليه، ذكره في الخلاصة
(8)
. وقال المنذري
(9)
: الصواب عندي
(1)
أخرجه أبو داود رقم (19) والترمذي رقم (1746) وفي "الشمائل" رقم (88) والنسائي (8/ 178) وابن ماجه رقم (303).
(2)
سيأتي تخريجه.
(3)
في صحيحه رقم (1413).
(4)
في المستدرك (1/ 187).
(5)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 108).
(6)
في سننه (1/ 25) ط: دار الحديث.
(7)
قال الترمذي في سننه (4/ 229): هذا حديث حسن غريب.
(8)
أي في "خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام" للنووي (1/ 151) حققه وخرج أحاديثه: حسين إسماعيل الجمل.
(9)
في "المختصر"(1/ 26).
تصحيحه فإن رواته ثقات أثبات، وتبعه أبو الفتح القُشيري
(1)
في آخر الاقتراح
(2)
.
وعلته أنه من رواته همام عن ابن جريج، وابن جريج لم يسمع من الزهري، وإنما رواه عن زياد بن سعد عن الزهري بلفظ آخر، وقد رواه مع همام مرفوعًا يحيى بن الضريس البجلي ويحيى بن المتوكل، أخرجهما الحاكم
(3)
والدارقطني
(4)
. وقد رواه [عمرو]
(5)
بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفًا على أنس، وأخرج له البيهقي
(6)
شاهدًا وأشار إلى ضعفه، ورجاله ثقات.
ورواه الحاكم
(7)
أيضًا، ولفظه:"أن الرسول صلى الله عليه وسلم لبس خاتمًا نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء وضعه". وله شاهد من حديث ابن عباس رواه الجوزقاني
(8)
في الأحاديث الضعيفة. وينظر في سنده فإن رجاله ثقات إلا محمد بن إبراهيم الرازي فإنه متروك، قاله الحافظ
(9)
.
(1)
المعروف بابن دقيق العيد.
(2)
أي "الاقتراح في بيان الاصطلاح، وما أضيف إلى ذلك من الأحاديث المعدودة في الصحاح"(ص 355). دراسة وتحقيق: د/ عامر حسن صبري.
قلت: وقد قال ابن قيم الجوزية في "تهذيب السنن"(1/ 31 - المختصر) بعد أن أورد جميع الروايات: "هذه الروايات كلها تدل على غلط همام، فإنها مجمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولبسه، وليس فيها شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء، فهذا هو الذي حكم لأجله هؤلاء الحفاظ بنكارة الحديث وشذوذه والمصحح له لما لم يمكنه دفع هذه العلة حكم بغرابته لأجلها، فلو لم يكن مخالفًا لرواية من ذكر فما وجه غرابته؟
ولعل الترمذي موافق للجماعة فإنه صححه من جهة السند لثقة الرواة واستغرابه لهذه العلة، وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه، فلا يكون بينهما اختلاف. بل هو صحيح السند لكنه معلول. والله أعلم اهـ.
وخلاصة القول أن حديث أنس منكر، والله أعلم.
(3)
في المستدرك (1/ 187).
(4)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 108).
(5)
في (أ) و (جـ): (عمر) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من (ب).
(6)
في السنن الكبرى (1/ 94، 95). وقال: هذا شاهد ضعيف.
(7)
في المستدرك (1/ 187).
(8)
في "الأباطل والمناكير والصحاح والمشاهير"(1/ 358 رقم 244) تحقيق وتعليق عبد الرحمن بن عبد الجبار الفَريوائي.
(9)
في "التلخيص"(1/ 108).
قوله: (وقد صح أن نقش خاتمه) أخرجه البيهقي
(1)
والحاكم
(2)
. قال الحافظ
(3)
: "ووهم النووي والمنذري في كلاميْهما على المهذب فقالا: هذا من كلام المصنف لا [من]
(4)
الحديث، ولكنه صحيح من طريق أخرى
(5)
في أن نقش الخاتم كان كذلك".
والحديث يدل على تنزيه ما فيه ذكر الله تعالى عن إدخاله الحشوش
(6)
، والقرآن بالأولى حتى قال بعضهم: يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة، وقد خالف في ذلك المنصور بالله فقال: لا يندب نزع الخاتم الذي فيه ذكر الله لتأديته إلى ضياعه وقد نهى عن إضاعة المال والحديث يرده
(7)
.
[الباب الثالث] باب كف المتخلي عن الكلام
5/ 79 - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أن رَجُلًا مَرَّ ورَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلْيهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلْيهِ. رَواهُ الجماعةُ إلا البُخارِيَّ)
(8)
. [صحيح]
الحديث زاد فيه أبو داود
(9)
من طريق ابن عمر وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم ثم
(1)
في السنن الكبرى (1/ 95).
(2)
في المستدرك (1/ 187).
(3)
في "التلخيص"(1/ 108).
(4)
في (جـ): (في).
(5)
أخرجه البخاري رقم (3106) و (5878) والترمذي رقم (1747) وفي "الشمائل" رقم (86) وأبو الشيخ في "أخلاق النبي" ص 132، والبغوي في شرح السنة رقم (3136): من حديث أنس. ولفظه: "
…
وكان نقشُ الخاتم ثلاثةَ أسطر: محمدٌ سطر، ورسولُ سطر، والله سطر".
(6)
قال الأزهري: كنى عن الأدبار بالمحاش، كما يكن بالحشوش عن مواضع الغائط" اهـ لسان العرب (3/ 190).
(7)
قلت: الحديث منكر. فلا تقوم به حجة.
(8)
أخرجه مسلم رقم (370) وأبو داود رقم (16) والترمذي رقم (90) وابن ماجه رقم (353) والنسائي رقم (37).
وهو حديث صحيح.
(9)
في السنن (1/ 23) ط: دار الحديث.
رد على الرجل السلام، ورواه أيضًا
(1)
من طريق المهاجر بن قُنْفُذ بلفظ: "بأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلَّم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهتُ أن أذكر الله عز وجل إلا على طُهر"، أو قال:"على طهارة". وأخرج هذه الرواية أيضًا النسائي
(2)
وابن ماجه
(3)
.
وهو يدل على كراهة ذكر الله حال قضاء الحاجة، ولو كان واجبًا كرد السلام، ولا يستحق المسلم في تلك الحال جوابًا. قال النووي
(4)
: وهذا متفق عليه، وسيأتي بقية الكلام على الحديث في باب استحباب الطهارة لذكر الله
(5)
.
وفيه أنه ينبغي لمن سُلِّم عليه في تلك الحال أن يدع الرد حتى يتوضأ أو
(1)
أبو داود في سننه رقم (17).
(2)
في سننه رقم (38).
(3)
في سننه رقم (350).
قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 287) وابن خزيمة في "صحيحه" رقم (206) وعنه ابن حبان (رقم: 189 - موارد) والحاكم (1/ 167) وعنه البيهقي (1/ 90) وأحمد (5/ 80).
عن قتادة، عن الحسن، عن حُضَيْن بن المنذر أبي ساسان، عن المهاجر بن قنفذ به.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
كذا قال؛ مع أنه قال في "الميزان"(1/ 527 ت 1968):
"كان الحسن البصري كثير التدليس، فإذا قال في حديث: "عن فلان" ضعف احتجاجه؛ ولا سيما عمن قيل: إنه لم يسمع منهم كأبي هريرة ونحوه، فعدوا ما كان له عن أبي هريرة في جملة المنقطع" اهـ.
قال المحدث الألباني في "الصحيحة"(2/ 488): "لكن الظاهر أن المراد من تدليسه إنما هو ما كان من روايته عن الصحابة دون غيرهم؛ لأن الحافظ في "التهذيب" أكثر من ذكر النقول عن العلماء في روايته عمن لم يلقهم، وكلهم من الصحابة، فلم يذكروا ولا رجلًا واحدًا من التابعين روى عنه الحسن ولم يلقه، ويشهد لذلك إطباق العلماء جميعًا برواية الحسن عن غيره من التابعين؛ بحيث إني لا أذكر أن أحدًا أعلَّ حديثًا ما من روايته عن تابعي لم يصرح بسماعه منه، ولعل هذا هو وجه من صحح الحديث ممن ذكرنا، وأقرهم الحافظ في "الفتح" (11/ 13) ولا سيما ابن حبان منهم؛ فإنه صرح في "الثقات" "4/ 123 " بأنه كان يدلس.
هذا ما ظهر لي في هذا المقام. والله سبحانه وتعالى أعلم" اهـ.
وخلاصة القول أن حديث المهاجر بن قنفذ صحيح، والله أعلم.
(4)
في شرح صحيح مسلم (4/ 65).
(5)
عند الأحاديث رقم (12/ 275) و (14/ 277) من كتابنا هذا.
يتيمم ثم يرد، وهذا إذا لم يخش فوت المُسَلِّم، أما إذا خشي فوته فالحديث لا يدل على المنع لأن النبي صلى الله عليه وسلم تمكن من الرد بعد أن توضأ أو تيمم على اختلاف الرواية، فيمكن أن يكون تركه لذلك طلبًا للأشرف وهو الرد حال الطهارة. ويبقى الكلام في الحمد حال العُطاس، فالقياس على التسليم المذكور في حديث الباب، وكذلك التعليل بكراهة الذكر إلا على طهر يشعران بالمنع من ذلك، وظاهر حديث:"إذَا عَطَسَ أحدُكُم فليحمد الله"
(1)
يشعر بشرعيته في جميع الأوقات التي منها وقت قضاء الحاجة، فهل يخصص عموم كراهة الذكر المستفادة من المقام بحديث العطاس أو يجعل الأمر بالعكس، أو يكون بينهما عموم وخصوص من وجه فيتعارضان؟ فيه تردد. وقد قيل: إنه يحمد بقلبه وهو المناسب لتشريف مثل هذا الذكر وتعظيمه وتنزيهه.
6/ 80 - (وعَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لا يَخْرُجُ الرَّجُلانِ يَضْرِبانِ الغائِطَ كاشِفَين عَوْرَتَهُما يَتَحَدَّثانِ، فإِن الله يَمْقُتُ على ذلِكَ" رَواهُ أَحْمَدُ
(2)
وأبو داوُدَ
(3)
وابْنُ ماجَهْ)
(4)
. [ضعيف]
الحديث فيه عكرمة بن عمَّار العجلي
(5)
، وقد احتج به مسلم في
(1)
أخرجه البخاري رقم (6224) وأبو داود رقم (5033) والنسائي في "اليوم والليلة" رقم (232).
(2)
في مسنده (3/ 36).
(3)
في سننه رقم (15).
(4)
في سننه (1/ 123 رقم 342).
قلت: وأخرجه البغوي في "شرح السنة"(1/ 381 رقم 190) والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 99 - 100) والحاكم في "المستدرك"(1/ 157 - 158) وابن خزيمة في صحيحه (1/ 39 رقم 71) وأبو نعيم في "الحلية"(9/ 46).
قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار.
وقال الألباني في "تمام المنة" ص 58: "الحديث ضعيف لا يصح إسناده وله علتان:
(الأولى): طعن العلماء في رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير.
(والثاني): أن هلال بن عياض في عداد المجهولين". اهـ.
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف.
(5)
قال الحافظ في "التقريب"(ت: 4672): "عكرمة بن عمّار العِجْلي، أبو عمار اليمامي، =
صحيحه
(1)
، وضعف بعض الحفاظ حديث عكرمة هذا عن يحيى بن أبي كثير، ولكنه لا وجه للتضعيف بهذا؛ فقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى، واستشهد بحديثه البخاري عن يحيى أيضًا. وفي الترغيب والترهيب
(2)
أن في إسناده عياض بن هلال أو هلال بن عياض وهو في عداد المجهولين. وأخرجه ابن السكن
(3)
وصححه، وابن القطان
(4)
من حديث جابر بلفظ: "إذَا تَغَوّطَ الرَّجُلانِ فَلْيتوارَ كُلُّ واحِدٍ منهما عَنْ صَاحِبِهِ ولا يتحدَّثَا"، قال الحافظ ابن حجر
(5)
: وهو معلول.
والحديث يدل على وجوب ستر العورة وترك الكلام؛ فإن التعليل بمقت الله [تعالى]
(6)
يدل على حرمة الفعل المعلل ووجوب اجتنابه؛ لأن المقت هو البُغض كما في القاموس
(7)
، وروي أنه أشد البُغض.
وقيل: إن الكلام في تلك الحال مكروه فقط، والقرينة الصارفة إلى معنى الكراهة الإجماع على أن الكلام غير محرَّم في هذه الحالة، ذكره الإِمام المهدي في الغيث
(8)
، فإن صح الإِجماع صلح للصرف عند القائل بحجيته ولكنه يبعد حمل النهي على الكراهة ربطه بتلك العلة.
قوله: (يضربان الغائط) يقال: ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وضربت في الأرض إذا سافرت، روي ذلك عن ثعلب. والمراد هنا يمشيان إلى الغائط.
قوله: (كاشفين) قال النووي
(9)
: "كذا ضبطناه في كتب الحديث وهو منصوب على الحال، قال: ووقع في كثير من نسخ المهذب "كاشفان"، وهو
= أصلُه من البصرة: صدوق يغلَط. وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب" اهـ.
(1)
انظر: "رجال صحيح مسلم"(2/ 110 - 111 ت 1276).
(2)
(1/ 191 - 192 رقم 257).
(3)
و
(4)
عزاه إليهما ابن حجر في "بلوغ المرام" رقم (9/ 85) بتحقيقي.
(5)
في "بلوغ المرام" رقم (9/ 85) بتحقيقي.
(6)
زيادة من (أ) و (ب).
(7)
"القاموس المحيط" ص 205.
(8)
هو "الغيث المدرار المفتح لكمائم الأزهار" شرح على كتاب "الأزهار في فقه الأئمة الأطهار" للإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى الحسني. (مخطوط)(وهو من كتب الزيدية).
(9)
في "المجموع"(2/ 103).
صحيح أيضًا، خبر مبتدأ محذوف أي وهما كاشفان والأول أصوب". وذكر الرجلين في الحديث خرج مخرج الغالب وإلا فالمرأتان والمرأة والرجل أقبح من ذلك.
[الباب الرابع] باب الإِبعاد والاستتار للمتخلي في الفضاء
7/ 81 - (عَنْ جابِرٍ قالَ: خَرَجْنا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فَكانَ لا يَأْتِي البَرَازَ حَتَّى يَغِيبَ فَلا يُرَى. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ
(1)
، وَلِأبي دَاوُدَ
(2)
: "كانَ إذا أرَادَ البَرَازَ انْطَلَق حَتَّى لا يَرَاهُ أحَدٌ). [صحيح]
الحديث رجاله عند [ابن]
(3)
ماجه رجال الصحيح إلا إسماعيل بن عبد الملك الكوفي فقال البخاري
(4)
: يكتب حديثه وقال أبو حاتم
(5)
: ليس بالقوي. وقال في التقريب
(6)
: صدوق كثير الوهم.
وقد أخرجه أيضًا النسائي
(7)
وأبو داود
(8)
والترمذي
(9)
، وقال: حسن صحيح من حديث المغيرة بلفظ: "كان إذَا ذهب أبعد"، و [ما]
(10)
أخرجه أبو داود
(11)
من حديث جابر بلفظ: "كانَ إذا أَرَادَ البَرَازَ انطَلقَ حَتَّى لا يَرَاهُ أحَدٌ"، وفي إسناده [أيضًا](10) إسماعيل بن عبد الملك الكوفي نزيل مكة، وقد تكلم فيه غير واحد.
(1)
في السنن (1/ 121 رقم 335).
(2)
في السنن رقم (2). وهو حديث صحيح.
(3)
زيادة من (ب).
(4)
انظر: "الضعفاء الصغير"(ص 33 رقم 17) والكبير (1/ 367 رقم 1162) فإنني لم أجد هذه العبارة.
(5)
في "الجرح والتعديل"(2/ 186 رقم 629).
(6)
رقم (465).
(7)
في السنن رقم (17).
(8)
في السنن رقم (1).
(9)
في السنن رقم (20) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (331). وهو حديث صحيح لغيره.
(10)
زيادة من (أ) و (ب).
(11)
في السنن رقم (2) وقد تقدم.
قوله: (لا يأتي البَرَازَ)، البَرَاز بفتح الباء اسم للفضاء الواسع من الأرض، كنَّى به عن حاجة الإِنسان كما كنَّى عنها بالغائط والخلاء.
والحديث يدل على مشروعية الإِبعاد لقاضي الحاجة، والظاهر أن العلة إخفاء المستهجن من الخارج، فيقاس عليه إخفاء الإِخراج، لأن الكل مستهجن.
8/ 82 - (وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ قالَ: "كانَ أحَبَّ ما اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِحاجَتِهِ هَدَفٌ أوْ حايِشُ نَخْلٍ". رَواهُ أحْمَدُ
(1)
وَمُسْلِمٌ
(2)
وَابنُ ماجهْ
(3)
. [صحيح]
وَحايِشُ نَخْلٍ: أيْ جَماعَتُهُ وَلا وَاحِدَ لهُ مِنْ لَفْظِهِ).
قوله: (هدف) الهدف محركة: كل مرتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل.
قوله: (أو حايِشُ نَخْلٍ) بالحاء المهملة فألِفٌ فَيَاءٌ: مثناة تحتية فشين معجمة، هو في كتب اللغة كما ذكره المصنف
(4)
.
والحديث يدل على استحباب أن يكون قاضي الحاجة مستترًا حال الفعل بما يمنع من رؤية الغير له وهو على تلك الصفة، ولعل قضاءه صلى الله عليه وسلم للحاجة في حايش النخل في غير وقت الثمرة لما عند الطبراني في الأوسط
(5)
من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخلَّى الرجل تحت شجرة مثمرة أو على ضفة
(6)
نهر جار". ولكنه لم يروه عن ميمون إلا فرات بن
(1)
في المسند (1/ 204).
(2)
في صحيحه (1/ 268 رقم 79/ 342).
(3)
في السنن (1/ 122 رقم 340).
وهو حديث صحيح.
(4)
انظر: "القاموس المحيط" ص 762. و"لسان العرب" (3/ 393).
(5)
في المعجم الأوسط رقم (2392).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 204) وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفي الكبير الشطر الأخير، وفيه/ فرات بن السائب/ وهو متروك الحديث".
وأخرجه ابن عدي في "الكامل"(6/ 2050) في ترجمة فرات بن السائب. وقال: منكر.
(6)
[الضفة بالفتح والكسر: جانب النهر. نهاية]. من حاشية المخطوط.
السائب، وفرات متروك، قاله البخاري
(1)
وغيره
(2)
.
9/ 83 - (وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أتَى الغائط فَلْيَسْتَتِرْ، فإِن لمْ يَجِدْ إِلَّا أن يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَليَسْتَدْبِرْهُ فإِنَّ الشَّيْطانَ يَلعَبُ بِمَقاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ". رَواهُ أحْمَدُ
(3)
وأبُو دَاوُدَ
(4)
وابْنُ ماجَهْ)
(5)
. [ضعيف]
الحديث رواه أيضًا ابن حبان
(6)
والحاكم
(7)
والبيهقي
(8)
، "ومداره على أبي سعيد الحبراني الحمصي وفيه اختلاف، وقيل: إنه صحابي ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول، وقال أبو زرعة
(9)
: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات
(10)
وذكر الدارقطني لاختلاف فيه في العلل".
والحديث فيه الأمر بالتستر معللًا بأن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، وذلك أن الشيطان يحضر وقت قضاء الحاجة لخلوِّه عن الذكر الذي يطرد به، فإذا حضر في ذلك الوقت أمر الإنسان بكشف العورة وحسَّن له البول في المواضع الصلبة التي هي مظنة رشاش البول، وذلك معنى قوله:"يلعب بمقاعد بني آدم"، فأمر
(1)
في "الضعفاء الصغير"(ص 192 رقم 297)، وفي الكبير (7/ 130).
(2)
انظر: "لسان الميزان"(4/ 430) و"المجروحين"(2/ 207).
(3)
في المسند (2/ 371).
(4)
في السنن (1/ 33 رقم 35) ط. دار الحديث.
(5)
في السنن (1/ 121 رقم 337).
(6)
في صحيحه (2/ 343 رقم 1407).
(7)
في المستدرك (1/ 158).
(8)
في السنن الكبرى (1/ 94) و (1/ 104).
قلت: وأخرجه الدارمي (1/ 169 - 170) والطحاوي في "مشكل الآثار"(1/ 42).
والبغوي في "شرح السنة (12/ 118) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 121 - 122).
وهو حديث ضعيف. ضعفه الألباني في "تخريج المشكاة"(1/ 114 رقم 19/ 352).
وانظر: "التلخيص الحبير"(1/ 103).
(9)
في "الجرح والتعديل"(3/ 199 - 200 رقم 867).
(10)
(6/ 211).
رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضي الحاجة بالتستر حال قضائها مخالفة للشيطان ودفعًا لوسوسته التي يتسبب عنها النظر إلى سوأة قاضي الحاجة المفضي إلى إثمه.
قوله: (إلا أن يجمع كثيبًا من رمل) الكثيب بالثاء المثلثة: قطعة مستطيلة تشبه الربوة، أي: فإن لم يجد سترة فليجمع من التراب والرمل قدرًا يكون ارتفاعه بحيث يستره.
قوله: (فليستدبره) أي يجعله دبر ظهره.
وفيه أن الساتر حال قضاء الحاجة يكون خلف الظهر.
[الباب الخامس] باب نهي المتخلي عن استقبال القبلة واستدبارها
10/ 84 - (عَنْ أبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذا جَلسَ أحَدُكُمْ لِحاجَتِهِ فَلا يَسْتَقْبِل القِبْلةَ وَلا يَسْتَدْبِرْها". رَواهُ أحمَدُ
(1)
ومُسْلِم
(2)
. [صحيح]
وفي رِوايةِ الخمسة إلَّا التِّرْمِذِيَّ
(3)
قالَ: "إنَّما أنا لَكُمْ بِمَنْزِلةِ الوَالِدِ أُعلمُكُمْ، فإِذا أتَى أحَدُكُمُ الغائِطَ فَلا يَسْتَقْبِلِ القِبْلةَ وَلا يَسْتَدْبِرهْا وَلا يَسْتَطِبَّ بِيَمِيِنِهِ"، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلاثةِ أحْجارٍ وَينْهى عَنِ الرَّوْثَةِ، والرُّمَّةِ. [حسن]
وَلَيْسَ لِأحْمَدَ فيهِ الأمْرُ بِالأحْجارِ).
الحديث أخرجه أيضًا مالك
(4)
.
(1)
لم أعثر عليه في مسند أحمد بهذا اللفظ.
(2)
في صحيحه (1/ 224) رقم (60/ 265). وهو حديث صحيح.
(3)
أبو داود في سننه رقم (8) وابن ماجه رقم (313) والنسائي رقم (40).
وأحمد في مسنده (2/ 247). قلت: وأخرجه ابن حبان رقم (1431) والشافعي في ترتيب المسند (1/ 28) والحميدي رقم (988) وأبو عوانة (1/ 200) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 102) والبغوي في "شرح السنة" رقم (173).
وهو حديث حسن.
(4)
لم يخرجه مالك.
وفي الباب عن أبي أيوب في الصحيحين كما سيأتي
(1)
.
وعن سلمان في مسلم
(2)
.
وعن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ في ابن ماجه
(3)
وابن حبان
(4)
.
وعن معقل بن أبي معقل في أَبي داود
(5)
.
وعن سهل بن حنيف في مسند الدارمي
(6)
.
وزيادة "لا يستطب بيمينه" هي أيضًا في المتفق عليه
(7)
من حديث أبي قتادة بلفظ: "فَلا [يَمَسَّ]
(8)
ذَكَرَهُ بِيَمِيِنِهِ، وإذا أتى الخلأَ فلا يتمسَّحْ بيمينهِ"، قال ابن منده
(9)
: "مجمع على صحته".
(1)
برقم (11/ 85) من كتابنا هذا.
(2)
في صحيحه (1/ 223 رقم 57/ 262).
قلت: وأخرجه أبو داود رقم (7) والترمذي رقم (16) وابن ماجه رقم (316) والنسائي رقم (41).
وقال الترمذي: وحديث سلمان في هذا الباب حديث حسن صحيح.
عن سلمان؛ قال: قيلَ لَهُ: قد عَلَّمَكُم نبيُّكُم صلى الله عليه وسلم كُلَّ شيءٍ حتى الخِرَاءَةَ. قال، فقال: أجَلْ، لقد نهانَا أنْ نستقبِلَ القِبْلَةَ لغائِطٍ أو بَوْلٍ. أو
…
".
(3)
في السنن رقم (317).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 134 رقم 127): "هذا إسناد صحيح. وقد حكم بصحته ابن حبان، والحاكم وأبو ذر الهروي وغيرهم، ولا أعرف له علة
…
"اهـ.
(4)
في صحيحه رقم (1419) بسند صحيح.
قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 151) وأحمد في "المسند"(4/ 190، 191) والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(4/ 232) بسند صحيح.
وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(5)
في سننه رقم (10) وفي سنده أبو زيد مولى بني ثعلبة، وهو مجهول الحال وهو حديث منكر.
(6)
في سننه رقم (669) ط: دار القلم.
(7)
البخاري رقم (153) و (154) و (5630). ومسلم رقم (63، 64، 65/ 267).
قلت: وأخرجه أبو داود رقم (31) والترمذي رقم (15) والنسائي (1/ 25) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(8)
في (جـ): (يمسَّنَّ).
(9)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 112 رقم 150).
وزيادة: "وكان يأمر بثلاثة أحجار"، أخرجها أيضًا ابن خزيمة
(1)
وابن حبان
(2)
والدارمي
(3)
وأبو عوانة في صحيحه
(4)
والشافعي
(5)
، من حديث أبي هريرة بلفظ:"وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار".
وأخرجها أحمد
(6)
وأبو داود
(7)
والنسائي
(8)
وابن ماجه
(9)
والدارقطني
(10)
وصححها من حديث عائشة بلفظ: "فليَذْهب معه بثلاثة أحجار يستَطِب بهنّ فإنها تُجزي عنه".
وأخرجها مسلم
(11)
من حديث سلمان.
وأبو داود
(12)
من حديث خزيمة بن ثابت بلفظ: "فليستنج بثلاثة أحجار".
وعند مسلم
(13)
من حديث سلمان بلفظ: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نجتزئ بأقل من ثلاثة أحجار.
[مذاهب العلماء في استقبال القبلة واستدبارها]:
والحديث يدل على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال:
(1)
في صحيحه (1/ 43 - 44 رقم 80).
(2)
في صحيحه (4/ 279 رقم 1431).
(3)
في سننه (1/ 172 - 173).
(4)
(1/ 200)
(5)
في ترتيب المسند (1/ 28). وهو حديث حسن. تقدم تخريجه.
(6)
في المسند رقم (24893 - الزين) بسند حسن.
(7)
في السنن رقم (40).
(8)
في السنن (1/ 41، 42).
(9)
لم أجده في سنن ابن ماجه.
(10)
في السنن (1/ 54 - 55 رقم 4) وقال: إسناده صحيح.
وخلاصة القول أن الحديث حسن، والله أعلم.
(11)
في صحيحه (1/ 223 رقم 262) وقد تقدم قريبًا. ص 326.
(12)
في سننه رقم (41).
وفي سنده عمرو بن خزيمة المدني، وهو مجهول.
ولكن للحديث شواهد بمعناه فهو بها صحيح.
(13)
في صحيحه رقم (57/ 262).
(الأوّل):
لا يجوز ذلك لا في الصحارى ولا في البنيان، وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري وأبي ثور وأحمد في رواية، كذا قاله النووي في شرح مسلم
(1)
ونسبه في البحر
(2)
إلى الأكثر، ورواه ابن حزم في المحلَّى
(3)
عن أبي هريرة وابن مسعود وسراقة بن مالك وعطاء والأوزاعي. وعن السَّلَفِ من الصحابةِ والتابِعينَ.
(المذهبُ
الثاني):
الجوازُ في الصحارى والبنيانِ. وهو مذهبُ عروةَ بن الزبيرِ وربيعةَ شيخِ مالكٍ وداودَ الظاهريِّ، كذا رواهُ النووي في شرحِ مسلم
(4)
عنهم، وهو مذهبُ الأميرِ الحسينِ
(5)
.
(المذهب
الثالث):
أنه يحرم في الصحارى لا في العمران. وإليه ذهب مالك والشافعي وهو مروي عن العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبي وإسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. صرّح بذلك النووي في شرح مسلم
(6)
أيضًا، وزاد في البحر
(7)
عبد الله بن العباس، ونسبه في الفتح
(8)
إلى الجمهور.
(المذهب
الرابع):
أنه لا يجوز الاستقبال لا في الصحارى ولا في العمران، ويجوز الاستدبار فيهما وهو أحد الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد
(9)
.
(المذهب
الخامس):
أن النهي للتنزيه فيكون مكروهًا، وإليه ذهب الإِمام القاسم بن إبراهيم، وأشار إليه في الأحكام، وحصله القاضي زيد لمذهب الهادي
(1)
(3/ 154).
(2)
البحر الزخار (1/ 45).
(3)
(1/ 194).
(4)
(3/ 154).
(5)
في كتابه "شفاء الأوام في أحاديث الأحكام للتمييز بين الحلال والحرام"(1/ 30).
قلت: وانظر: "وبل الغمام على شفاء الأوام" بتحقيقي (1/ 74 - 77).
(6)
(3/ 154).
(7)
(1/ 45).
(8)
فتح الباري (1/ 246).
(9)
ذكره النووي في شرح صحيح مسلم (3/ 154).
عليه السلام، ونسبه في البحر
(1)
إلى المؤيد بالله وأبي طالب والناصر والنخعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي أيوب الأنصاري.
(المذهب
السادس):
جواز الاستدبار في البنيان فقط وهو قول أبي يوسف، ذكره في الفتح
(2)
.
(المذهب
السابع):
التحريم مطلقًا حتى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس وهو محكي عن إبراهيم وابن سيرين، ذكره أيضًا في الفتح
(3)
. وقد ذهب إلى عدم الفرق بين القبلتين الهادوية
(4)
ولكنهم صرّحوا بأنه مكروه فقط.
(المذهب
الثامن):
أن التحريم مختص بأهل المدينة ومن كان على سَمْتِها فأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقًا، قاله أبو عوانة صاحب المزني، هكذا في الفتح
(5)
.
[أدلة المذهب الأول]:
احتج أهل المذهب الأوّل بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقًا كحديث الباب
(6)
، وحديث أَبي أيوب
(7)
، وحديث سلمان
(8)
، وغيرها عن غيرهم كما تقدم، قالوا: لأن المنع ليس إلا لحرمة القبلة وهذا المعنى موجود في الصحارى والبنيان، ولو كان مجرّد الحائل كافيًا لجاز في الصحارى لوجود الحائل من جبل أو واد أو غيرهما من أنواع الحائل. وأجابوا عن حديث ابن عمر
(9)
أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستقبل الشام مستدبر الكعبة بأنه ليس فيه أنه كان
(1)
البحر الزخار (1/ 45).
(2)
فتح الباري (1/ 246).
(3)
فتح الباري (1/ 246).
(4)
في البحر الزخار (1/ 45).
(5)
فتح الباري (1/ 246).
(6)
رقم (10/ 84) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.
(7)
سيأتي تخريجه رقم (11/ 85) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.
(8)
وهو حديث صحيح. تقدم تخريجه عند شرح الحديث (10/ 84) من كتابنا هذا.
(9)
وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (12/ 86) من كتابنا هذا.
ذلك بعد النهي، وبأنه موافق لما كان عليه الناس قبل النهي فهو منسوخ صرّح بذلك ابن حزم
(1)
.
وعن حديث جابر
(2)
الذي قال فيه: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها"، بأن فيه أبان بن صالح وليس بالمشهور، قاله ابن حزم
(3)
. وفيه أنه قد حسَّن الحديث الترمذي
(4)
والبزّار
(5)
وصحَّحه البخاري
(6)
وابن السكن
(7)
. والأولى في الجواب عنه أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص بنا كما تقرّر في الأصول
(8)
.
وعن حديث عائشة
(9)
قالت: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن أناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال: "أو قد فعلوها حوِّلوا مقعدتي قِبل القبلة"، بأنه من طريق خالد بن أبي الصلت وهو مجهول لا ندري من هو؟ قاله ابن حزم
(10)
، وقال الذهبي في ترجمته
(11)
: إنّ حديث: "حوّلوا مقعدتي" منكر؛ وفيه أنه قال النووي في شرح مسلم
(12)
: إن إسناده حسن.
(1)
في "المحلى"(1/ 195 - 196).
(2)
وهو حديث حسن. سيأتي تخريجه رقم (13/ 87) من كتابنا هذا.
(3)
في "المحلى"(1/ 198).
قلت: بل قال ابن معين والعجْلي، ويعقوب بن شَيْبَة، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم: ثقة
…
وقال ابن عبد البر في "التمهيد": حديث جابر ليس صحيحًا لأن أبان بن صالح ضعيف.
وتعقبهما الحافظ بقوله: "وهذه غفلةٌ منهما وخطأ تواردا عليه فلم يُضَعِّف أبان هذا أحدٌ قبلهما، ويكفي فيه قول ابن معين ومن تقدم معه. والله أعلم" اهـ.
[تهذيب التهذيب: (1/ 53 - 54)].
(4)
في السنن (1/ 15): وسيأتي في تخريج الحديث رقم (13/ 87) من كتابنا هذا.
(5)
ذكره ابن حجر في "التلخيص"(1/ 104) وسيأتي
…
(6)
انظر: "علل الترمذي الكبير"(ص 23 رقم 5) وسيأتي
…
(7)
ذكره ابن حجر في "التلخيص"(1/ 104) وسيأتي
…
(8)
راجع "إرشاد الفحول" ص 49 - 41 فقد أطال الكلام في هذا الموضوع.
(9)
وهو حديث منكر. سيأتي تخريجه رقم (14/ 88) من كتابنا هذا.
(10)
في "المحلى"(1/ 196).
(11)
في "الميزان"(1/ 632 رقم 2432).
(12)
(3/ 154).
[أدلة المذهب الثاني]:
واحتج أهل المذهب الثاني بحديث ابن عمر
(1)
وجابر
(2)
وعائشة
(3)
، وسيأتي ذكر من أخرجها في الباب الذي بعد هذا وقالوا: إنها ناسخة للنهي.
[أدلة المذهب الثالث]:
واحتج أهل المذهب الثالث بحديث ابن عمر
(4)
وعائشة
(5)
لأن ذلك كان في البنيان قالوا: وبهذا حصل الجمع بين الأحاديث، والجمع بينها ما أمكن هو الواجب، قال الحافظ في الفتح
(6)
: وهو أعدل الأقوال لإِعماله جميع الأدلة. انتهى.
ويرده حديث جابر
(7)
الآتي فإنه لم يقيد الاستقبال فيه بالبنيان، وقد يجاب بأنها حكاية فعل لا عموم لها، وسيأتي تحقيق الكلام في الباب الذي بعد هذا
(8)
. وما روي عن ابن عمر
(9)
أنه قال إنما نهى عن ذلك في الفضاء كما سيأتي، يؤيد هذا المذهب.
[أدلة المذهب الرابع]:
واحتج أهل المذهب الرابع بحديث سلمان الذي في صحيح مسلم
(10)
وليس فيه إلا النهي عن الاستقبال فقط وهو باطل لأن النهي عن الاستدبار ورد في الأحاديث الصحيحة وهو زيادة يتعين الأخذ بها.
(1)
وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (12/ 86) من كتابنا هذا.
(2)
وهو حديث حسن. سيأتي تخريجه رقم (13/ 87) من كتابنا هذا.
(3)
وهو حديث منكر. سيأتي تخريجه رقم (14/ 88) من كتابنا هذا.
(4)
وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (12/ 86) من كتابنا هذا.
(5)
وهو حديث منكر. سيأتي تخريجه رقم (14/ 88) من كتابنا هذا.
(6)
انظر: "الفتح"(1/ 245).
(7)
وهو حديث حسن. سيأتي تخريجه رقم (13/ 87) من كتابنا هذا.
(8)
وهو الباب السادس: باب جواز ذلك بين البنيان. من كتابنا هذا.
(9)
وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (12/ 86) من كتابنا هذا.
(10)
(1/ 223 رقم 57/ 262). وقد تقدم.
[أدلة المذهب الخامس]:
واحتج أهل المذهب الخامس بحديث عائشة
(1)
وجابر
(2)
وابن عمر
(3)
وسيأتي ذكر ذلك، قالوا: إنها صارفة للنهي [عن]
(4)
معناه الحقيقي وهو التحريم إلى الكراهة وهو لا يتم في حديث ابن عمر وجابر لأنه ليس فيهما إلا مجرد الفعل وهو لا يعارض القول الخاص بنا كما تقرر في الأصول. ولا شك أن قوله: "لا تستقبلوا القبلة" خطاب للأمة. نعم إن صح حديث عائشة صلح لذلك
(5)
.
[أدلة المذهب السادس]:
واحتج أهل المذهب السادس بحديث ابن عمر
(6)
لأن فيه أنه رآه مستدبر القبلة مستقبل الشام، وفيه ما سلف.
[أدلة المذهب السابع]:
واحتج أهل المذهب السابع بما رواه أبو داود قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط" رواه أبو داود
(7)
وابن ماجه
(8)
، قال الحافظ في الفتح
(9)
: "وهو حديث ضعيف لأن فيه راويًا مجهول الحال. وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سَمْتها؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس. وقد ادَّعى الخطابي الإِجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في
(1)
وهو حديث منكر. سيأتي تخريجه رقم (14/ 88) من كتابنا هذا.
(2)
وهو حديث حسن سيأتي تخريجه رقم (13/ 87) من كتابنا هذا.
(3)
وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (12/ 86) من كتابنا هذا.
(4)
في (جـ): (من).
(5)
قلت: بل هو حديث منكر.
(6)
وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (12/ 86) من كتابنا هذا.
(7)
في السنن رقم (10).
(8)
في السنن رقم (319). من حديث مَعْقِل بن أبي معقل الأسدي.
وهو حديث ضعيف. وقد ضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود".
(9)
فتح الباري (1/ 246).
استقباله [القبلة]
(1)
وفيه نظر لما ذكرنا عن إبراهيم وابن سيرين" انتهى.
وقد نسبه في البحر
(2)
إلى عطاء والزهري والمنصور بالله، والمذهب.
[أدلة المذهب الثامن]:
واحتج أهل المذهب الثامن بعموم قوله: "شرِّقوا أو غرِّبوا"
(3)
وهو استدلال في غاية الركَّة والضعف.
إذا عرفت هذه المذاهب وأدلتها لم يخف عليك ما هو الصواب منها وسيأتيك التصريح به والمقام من معارك النظار فتدبره.
وفي الحديث أيضًا دلالة على أنه يجب الاستنجاء بثلاثة أحجار. ولا يجوز الاستنجاء بدونها لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بدون ثلاثة أحجار، وأما بأكثر من ثلاث فلا بأس به لأنه أدخل في الإِنقاء.
وقد ذهب الشافعي
(4)
وأحمد بن حنبل
(5)
وإسحق بن راهويه وأبو ثور إلى وجوب الاستنجاء وأنه يجب أن يكون بثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات، وإذا استنجى للقبل والدبر وجب ست مسحات لكل واحد ثلاث مسحات، قالوا: والأفضل أن يكون بستة أحجار فإن اقتصر على حجر واحد له ستة أحرف أجزأه، وكذلك تجزي الخرقة الصفيقة التي إذا مسح بأحد جانبيها لا يصل البلل إلى الجانب الآخر. قالوا: وتجب الزيادة على ثلاثة أحجار إن لم يحصل الإِنقاء بها.
وذهب مالك
(6)
وداود إلى أن الواجب الإِنقاء، فإن حصل بحجر أجزأه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي.
وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى أنه ليس بواجب، وإنما يجب عند الهادوية
(1)
في (جـ): (الكعبة).
(2)
(1/ 45).
(3)
وهو جزء من حديث أبي أيوب الصحيح الذي سيأتي تخريجه رقم (11/ 85) من كتابنا هذا.
(4)
انظر: "المجموع"(2/ 111).
(5)
انظر: "المغني" لابن قدامة (1/ 206 - 207).
(6)
انظر: "قوانين الأحكام الشرعية" لابن جُزي ص 51.
على المتيمِّم إذا لم يستنج بالماء لإِزالة النجاسة، قالوا: إذ لا دليل على الوجوب. كذا في البحر
(1)
، وفيه: أنه قد ثبت الأمر بالاستجمار والنهي عن تركه بل النهي عن الاستجمار بدون الثلاث فكيف يقال: لا دليل على الوجوب؟.
وفي الحديث أيضًا النهي عن الاستطابة باليمين. قال النووي
(2)
: "وقد أجمع العلماء على أنه منهي عنه، ثم الجمهور على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم. وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام، قال: وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا، انتهى. قلت: وهو الحق لأن النهي يقتضي التحريم ولا صارف له فلا وجه للحكم بالكراهة فقط.
وفي الحديث أيضًا دلالة على كراهة الاستجمار بالروثة، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم عند البخاري
(3)
أنه قال: "إنها ركس" ولم يستجمر بها، وكذلك الرُّمَّة وهي العظم لأنها من طعام الجن. وسيأتي الكلام على ذلك في (باب النهي عن الاستجمار بدون الثلاثة الأحجار)
(4)
.
11/ 85 - (وَعَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذا أتَيْتُمُ الغائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلا تَسْتَدْبِروُها وَلكِنْ شَرِّقُوا أوْ غرِّبُوا". قالَ أبُو أيُّوبَ: فَقَدِمْنا الشَّامَ فَوَجَدنَا مَراحِيضَ قدْ بُنيَتْ نَحْوَ الكَعبةِ فَنَنْحَرِفُ عَنها وَنَسْتَغْفِر الله تعالى. مُتفَق عَليْهِ)
(5)
. [صحيح]
قوله: (إذا أتيتم الغائطَ) هو الموضِعُ المطمَئنُّ من الأرضِ، كانوا ينتابونَهُ للحاجةِ، فكنَّوا بهِ عن نفس الحدث كراهيةً منهم لذكرِهِ بخاصِّ اسمِهِ.
(1)
(1/ 48).
(2)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 156).
وانظر: "المجموع" للنووي (2/ 126).
(3)
في صحيحه (1/ 256 رقم 156) من حديث ابن مسعود.
(4)
الباب الحادي عشر. عند الحديث رقم (30/ 104) و (31/ 105) و (32/ 106) من كتابنا هذا.
(5)
البخاري (1/ 498 رقم 394) ومسلم - (1/ 224 رقم 264) وأحمد (5/ 415).
قلت: وأخرجه أبو داود رقم (9) والترمذي رقم (8) وابن ماجه رقم (318) والنسائي (1/ 23).
قوله: (ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا) محمول على محل يكون التشريق والتغريب فيه مخالفًا لاستقبال القبلة واستدبارها كالمدينة وما في معناها من البلاد، ولا يدخل في ما كانت القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب.
قوله: (مراحِيْضَ) بفتح الميم وبالحاء المهملة وبالضاد المعجمة: جمعُ مِرْحَاضٍ: وهو المغتسلُ، وهو أيضًا كنايةٌ عن موضع التخلي.
قوله: (ونستغفرُ اللَّهَ) قيل: يُرادُ بهِ الاستغفارُ لباني الكُنُفِ على هذِهِ الصفةِ الممنوعةِ عنده. وإنما وجب المصيرُ إلى هذا التأويلِ لأن المنحَرِفَ لا يحتاجُ إلى استغفارٍ
والحديثُ استُدِلَّ بهِ على المنْعِ من استقبالِ القِبلةِ. واستدلَّ بقولِ أبي أيوبَ مَنْ لم يفرِّقْ بين الصَّحَارَى والبنيانِ، وقد تقدم الكلامُ على فقهِ الحديث في الذي قَبْلَهُ.
[الباب السادس] باب جواز ذلك بين البنيان
12/ 86 - (عَنْ ابْنِ عمَرَ رضي الله عنه قالَ: رَقِيتُ يَوْمًا على بَيْتِ حَفْصَةَ فرَأيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على حَاجتِهِ مُسْتَقْبِلَ الشَّام مُسْتَدْبِرَ الكَعْبَةِ. رَواهُ الجمَاعةُ)
(1)
. [صحيح]
وقع في رواية لابن حِبَّانَ
(2)
مُستقبِلَ القِبْلةِ مستدبرَ الشامِ، قال الحافظ
(3)
: وهي خطأً تعدُّ من قسمِ المقلوبِ.
قوله: (رقيتُ) رَقى إلى الشيءِ بكسرِ القافِ رَقيًا ورُقُوًّا: صَعدَ وَترقَى مثلُه، ورَقي غيرَه، والمِرْقاةُ والمَرقاةُ: الدَّرَجةُ، ونظيرهُ مَسْقاةٌ ومِسْقاةُ، ومثنَّاة ومِثْنَاةٌ
(1)
البخاري (1/ 246 رقم 145) ومسلم (1/ 225 رقم 62/ 266) وأحمد (2/ 12) وأبو داود رقم (12) والترمذي رقم (11) وابن ماجه رقم (322) والنسائي (1/ 23 - 24 رقم 23).
(2)
في صحيحه (4/ 266 رقم 1418) بسند صحيح.
قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (1/ 151) والدارمي (1/ 171) وأبو عوانة (1/ 201) والدارقطني في السنن (1/ 61) والبغوي في شرح السنة رقم (177) والبيهقي (1/ 92).
(3)
في "التلخيص"(1/ 104 رقم 127).
للحَبْلِ، وَمبناةٌ ومِبناةٌ للعيبةِ أو النَّطْعِ يعني بفتحِ الميم وكَسْرِها فيها، قاله ابنُ سيِّد الناس في شرح التِّرمذي
(1)
.
قوله: (على بيت حَفصةَ) وقعَ في رواية: "على ظهرِ بيت لنَا"، وفي أخرى:"على ظَهرِ بيتِنَا" وكلُّها في الصحيحِ. وفي روايةٍ لابنِ خُزيمة
(2)
: "دخلتُ على حفصةَ بنتِ عمرَ فصعدْتُ ظهرَ البيتِ"، وطريقُ الجمعِ أنْ يُقال: أضافَ البيتَ إليهِ على سبيل المجازِ لكونِها أُختَهُ وأضافَه إلى حفصةَ لأنه البيتُ الذي أسكنَها فيهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أوْ أضافَهُ إلى نفسِه باعتبارِ ما آلَ إليه الحالُ لأنه وَرِثَ حَفصةَ دونَ إِخوتِهِ لكونِه شقيقَها.
[عودة إلى مناقشة مذاهب العلماء في استقبال واستدبار القبلة]:
الحديثُ يدلُّ على جوازِ استدبارِ القِبلةِ حالَ قضاءِ الحاجةِ، وقد استدلَّ به مَنْ قالَ بجوازِ الاستقبالِ والاستدبارِ، ورأى أنه ناسخٌ، واعتقدَ الإِباحةَ مُطلقًا. وبهِ احتجَّ من خصَّ عدمَ الجوازِ بالصَّحارى كما تقدم، ومَنْ خصَّ المنعَ بالاستقبالِ دونَ الاستدبارِ في الصَّحارى والعمرانِ، ومن جوَّزَ الاستدبارَ في البنيانِ وهي أربعةُ مذاهبَ مِنَ المذاهبِ الثمانيةِ التي تقدَّمتْ، ولكنَّه لا يخفى أن الدليلَ باعتبارِ الثلاثةِ المذاهبِ الأوَل من هذهِ الأربعةِ أخَصُّ مِنَ الدَّعوى.
أمَّا الأوَّلُ منها فظاهِرٌ. وأمَّا الثاني فلأنَّ المدَّعى جوازَ الاستقبالِ والاستدبارِ في البنيان، وليس في الحديثِ إلا الاستدبارُ. وأمَّا الثالثُ فلأنَ المدَّعى جوازَ الاستدبارِ في الصَّحارى والعُمرانِ، وليس في الحديثِ إلا الاستدبارُ في العمرانِ فقط، ويمكنُ تأييدُ الأوَّلِ من الأربعةِ بأنَّ اعتبارَ خُصوصِ كونهِ في البنيانِ وصفٌ مُلغى فيطرح، ويُؤخذُ منهُ الجوازُ مجَرَّدًا عن ذلكَ، ولكنهُ يَفُتُّ في عَضُدِ هذا التأييدِ أن الواجِبَ أنْ يُقتصرَ في مخالفةِ مُقتضى العمومِ على مقدارِ الضرورةِ، ويبقى العامُّ على مُقتضى عمومِهِ فيما بقيَ من الصُّوَرِ، إِذْ لا معارِضَ لهُ فيما عَدَا تلكَ الصورةِ المخصوصَةِ التي وردَ بِها الدليلُ الخاصُّ، وهذا لو فُرِضَ أَنَّ حديثَ أبي
(1)
في النفح الشذي في شرح جامع الترمذي. (2/ 863 - 864).
(2)
في صحيحه (1/ 34 - 35 رقم 59).
أيوبَ وغيرهِ وردَ بصيغةٍ واحدةٍ تعمُّ الاستقبالَ والاستدبارَ فكيفَ وهوَ قد وردَ بصيغتينِ: صيغةٍ دلتْ على منعِ الاستقبالِ، وصيغةٍ دلَّتْ على منعِ الاستدبارِ، فغايةُ ما في حديثِ ابن عمرَ تخصيصُ الصيغةِ الثانيةِ لأنه وارِدٌ في البُنيانِ، وهي عامَّةٌ لكلِّ استدبارٍ، ويمكن أيضًا تأييدُ المذهبِ الثاني مِنْ هذهِ الأربعةِ بأنَّ الاستقبالَ في البنيانِ مُقَاسٌ على الاستدبارِ ولكنَّه يخدُشُ فيهِ ما قالهُ ابنُ دقيقِ العيدِ
(1)
: "إنّ هذا تقديمٌ للقياسِ على مُقتضَى اللفظِ العامِّ وفيهِ ما فيهِ على ما عُرِفَ في أصولِ الفقهِ، وبأنَّ شَرْط القياسِ مساواةُ الفَرْعِ للأصلِ أو زيادةٌ عليه في المعنى المعتبرِ في الحكمِ، ولا تساوي هاهنا، فإنَّ الاستقبالَ يزيدُ في القُبْحِ على الاستدبارِ على ما يشهدُ به العرفُ، ولهذا اعتبرَ بعضُ العلماءِ هذا المعنى فمنعَ الاستقبالَ، وأجازَ الاستدبارَ، وإذا كانَ الاستقبالُ أزيدَ في القُبحِ من الاستدبارِ فلا يلزمُ من إلغاءِ المفسدةِ الناقصةِ في القُبحِ في حُكمِ الجوازِ إلغاءُ المفسدةِ الزائدةِ في القبحِ في حُكمِ الجوازِ" انتهى.
وفيه أن دَعوى الزيادةِ في القُبح ممنوعةٌ، ومجرَّدُ اقتصارِ بعضِ أهلِ العلمِ على منعِ الاستقبال ليسَ لكونهِ أشدَّ بلْ لأَنه لم يقمْ دليلٌ على جوازِهِ، كما قامَ على جوازِ الاستدبارِ، والتخصيصُ بالقياسِ مذهبٌ مشهورٌ راجحٌ، وهذا على تسليمِ أنه لا دليلَ على الجوازِ إلا مجرَّدَ القياسِ. وليسَ كذلكَ، فإنَّ حديثَ جابرٍ الآتي بلفظِ أنه رآهُ قبلَ أن يُقبضَ بعامِ [مُستقبِلَ]
(2)
القِبلَةِ، نصٌّ في محلِّ النزاعِ لولا ما أسلفناهُ في البابِ الأوَّلِ من أن فعلَهُ صلى الله عليه وسلم لا يُعَارضُ قولَه الخاصَّ بنا كما تقرَّرَ في الأصولِ.
ويمكنُ تأييدُ المذهبِ الثالثِ من الأربعةِ بأنَّ الاستدبارَ في الفضاءِ [مُلحقٌ]
(3)
بالاستدبارِ في البنيانِ، لأنَّ الأمكنةَ أوصافٌ طَرْدِيَّةٌ مُلغاةٌ، ويقدحُ فيه ما سلَفَ.
وأما المذهبُ الرابعُ فلا مَطعنَ فيهِ إلَّا ما ذكرنَاهُ [مِنْ]
(4)
أنه لا تعارُضَ بينَ قولهِ الخاصِّ بِنَا وفعلِهِ، لا سيَّما ورؤيةُ ابن عمرَ كانتْ اتفاقيةَ مِنْ دونِ قَصْدٍ منهُ ولا مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. فلو كانَ يترتَّبُ على هذا الفعلِ حُكْمٌ لعامَّةِ الناسِ لبيَّنه لهم، فإنَّ الأحكامَ العامَّةَ لا بُدَّ مِنْ بيانِها فليسَ في المقامِ ما يَصْلُحُ للتمسُّكِ به
(1)
في "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام"(1/ 57 - 58).
(2)
في (جـ): (يستقبل).
(3)
في (جـ): (يلحق).
(4)
زيادة من (أ) و (ب).
في الجواز إلا حديثُ عائشةَ الآتي إن صَلُحَ للاحتجاجِ. ومِنْ جُملةِ المستدلِّينَ بحديثِ ابن عمرَ القائلونَ بكراهةِ التنزيهِ وفيه ما مرَّ. وبقيَّةُ الكلامِ على الحديثِ تقدَّمتْ في البابِ الأوَّلِ.
13/ 87 - (وَعَنْ جابِرِ بْنِ عبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: نَهَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ نَسْتَقْبلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْبَضَ بِعامٍ يَسْتَقْبِلُها. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النسائِي)
(1)
. [حسن]
وأخرجَهُ أيضًا البزارُ
(2)
، وابنُ الجارودِ
(3)
، وابنُ خُزيمةَ
(4)
، وابنُ حِبانَ
(5)
، والحاكِمُ
(6)
، والدارقُطني
(7)
وحسَّنَهُ، والترمذي
(8)
، ونقلَ عن البخاري تصحيحُه
(9)
. وحسَّنَهُ أيضًا البزارُ، وصححهُ أيضًا ابن السكنِ
(10)
، وتوقَّفَ فيهِ النوويُّ لعنعنةِ ابن إسحق
(11)
، وقد صَرَّحَ بالتحديثِ في روايةِ أحمدَ
(12)
وغيرِه
(13)
، وضعفهُ ابنُ
(1)
أحمد في المسند (3/ 360) وأبو داود رقم (13) والترمذي رقم (9) وابن ماجه رقم (325). وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
(2)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 104 رقم 128).
(3)
في المنتقى رقم (31).
(4)
في صحيحه (1/ 34 رقم 58).
(5)
في صحيحه (4/ 268 رقم 1420).
(6)
في المستدرك (1/ 154) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
قلت: وليس كما قالا. وابن إسحق لم يُخرج له مسلم في الأصول، والذهبي نفسه صرح في "الميزان" (3/ 475): أن محمد بن إسحق لم يُخرج له مسلم احتجاجًا، ومع ذلك فكل حديث يرويه الحاكم في "المستدرك" من طريق ابن إسحق يقول فيه:"صحيح على شرط مسلم" ويوافقه الذهبي في كل ذلك. فتنبه. وقد صرح ابن إسحق بالتحديث في رواية أحمد وغيره.
(7)
في السنن (1/ 58 - 59 رقم 2).
(8)
في السنن (1/ 15).
(9)
انظر: "علل الترمذي الكبير"(ص 23 رقم 5).
(10)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 104).
(11)
قلت: بل قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (1/ 155): "إسناده حسن".
وقال في "المجموع"(2/ 96): "حديث حسن".
(12)
في المسند (3/ 360).
(13)
كابن حبان في صحيحه (4/ 268 رقم 1420).
عبدِ البر
(1)
بأَبانَ بن صالح القرشيِّ، قالَ الحافظُ
(2)
: "ووهِمَ في ذلكَ فإنه ثِقةٌ بالاتفاقِ، وادعى ابنُ حزمٍ
(3)
أنه مجهولٌ فغلِطَ".
والحديثُ استدلَّ بِه مَنْ قالَ بجوازِ الاستقبالِ والاستدبارِ في الصحارى والعمرانِ وجعلَهُ ناسِخًا، وفيه ما سلَفَ إلَّا أن الاستدلالَ بهِ أظهرُ مِنَ الاستدلالِ بحديثِ ابن عمرَ. لأنَّ فيه التصريحَ بتأخُّرِهِ عن النهي، ولا تصريحَ في حديثِ ابن عمر، ولعدَمِ تقييدِهِ بالبنيانِ كما في حديثِ ابن عمرَ، ولعدمِ ما يدلُّ على أن الرؤيةَ كانتْ اتفاقيةً بخلافِ حديثِ ابن عمرَ، وهو يَرُدُّ على من قالَ بجواز الاستدبارِ فقط، سواءٌ قيَّدهُ بالبنيانِ كما ذهبَ إليه البعض أو لم يقيدْهُ كما ذهب إليه آخرون، وقد سبقَ ذِكْرُهُمُ في الباب الأوّل، ويردُّ أيضًا على من قيَّدَ جوازَ الاستقبالِ والاستدبارِ بالبنيانِ لعدمِ التقييدِ مِنْ جابرٍ، وقدْ يُجابُ بأنها حكايةُ فعلٍ لا عمومَ لها فَيُحْتملُ أن يكونَ لعذرٍ وأن يكونَ في بنيانٍ، هكذا أجابَ الحافظُ ابنُ حجرٍ، ذكرَ ذلكَ في التلخيص
(4)
، ولا يخفى أنَّ احتمالَ أنْ يكونَ ذلكَ الفعلُ لِعُذْرٍ يقالُ مثلُه في حديثِ ابن عمرَ فلا يتمُّ للشافعيةِ ومَنْ معهُم الاحتجاجُ بهِ على تخصيصِ الجوازِ بالبنيانِ. وقد تقدمَ الكلامُ على الحديثِ في الذي قبلهُ وفي البابِ الأوَّلِ.
14/ 88 - (وَعَن عائِشَةَ رضي الله عنها قالتْ: ذُكِرَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أن ناسًا يَكْرَهُونَ أن يَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِفُرُوجِهِمْ فقالَ: "أو قَدْ فَعَلُوها، حَوِّلُوا مَقْعَدَتِي قِبَلَ القِبْلةِ". رَوَاهُ أحْمَد
(5)
وَابْنُ ماجَهْ)
(6)
. [منكر]
الحديثُ قالَ ابن حزمٍ في المحلَّى
(7)
: "إنُه ساقِطٌ لأَنَّ راويهِ خالدٌ الحذاءُ،
(1)
انظر: "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر"(3/ 108، 109، 110).
(2)
في "التلخيص"(1/ 104).
(3)
انظر: "المحلى"(1/ 198). وخلاصة القول أن حديث جابر حسن، والله أعلم.
(4)
(1/ 104).
(5)
في المسند (6/ 137، 219، 227، 239).
(6)
في السنن (10/ 117 رقم 324).
(7)
(1/ 196 - 198).
وهو ثقةٌ عن خالدِ بن أبي الصَّلتِ، وهو مجهولٌ لا ندري مَنْ هوَ، وأخطأَ فيه عبدُ الرزاقِ، فرواهُ عن خالدٍ الحذاءِ عن كثيرِ بن الصَّلتِ، وهذا أبطلُ؛ وأبطلُ لأنَّ خالدًا الحذاءَ لم يُدرِكْ كثيرَ بنَ الصَّلتِ، ثم لو صحَّ لما كانتْ فيهِ حجةٌ لأن نصَّهُ صلى الله عليه وسلم يبيِّنُ أنهُ إنما كانَ قبلَ النهي، لأنَّ مِنَ الباطلِ المحالِ أنْ يكونَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نهاهُم عن استقبال القبلةِ بالبولِ والغائطِ، ثم ينكرُ عليهم طاعتَهُ في ذلكَ، هذا ما لا يظنهُ مسلمٌ ولا ذُو عقلٍ، وفي هذا الخبر إنكارُ ذلكَ عليهم، فلو صَحَّ لكانَ منسوخًا بلا شكٍّ، ثم لو صحَّ لما كانَ فيهِ إلا إباحةُ الاستقبالِ فقط لا إباحةُ الاستدبارِ أصلًا فبطَلَ تعلُّقهُم به"، انتهى.
وقالَ الذهبيُّ في "الميزان"
(1)
في ترجمةِ "خالدِ بن أبي الصلتِ": إنَّ هذا الحديثُ منكرٌ.
وقالَ النوويُّ في "شرحِ مسلم"
(2)
: إنَّ إسنادَهُ حسنٌ.
والحديثُ استدلَّ بهِ مَنْ ذهبَ إلى النسخِ، وقد عرَّفناكَ أنه لا دليلَ يدلُّ على الجوازِ إلا هذا الحديثُ؛ لأنهُ لا يصخ دعوى اختصاصهِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم لقوله:"أوَقدْ فعلُوهَا".
وأما حديثُ ابن عمرَ وجابرٍ فقدْ قررْنَا لكَ أن فِعلَهُ لا يعارضُ القولَ الخاصَّ بالأمَّةِ.
وقوله: (لا تَستقبِلوا، لا تستدبِروا) مِنَ الخطاباتِ الخاصَّةِ بِهمْ فيكونُ فِعلُه بعدَ القولِ دليلَ الاختصاصِ بهِ لعدمِ شمولِ ذلكَ الخطابِ له بطريقِ الظهورِ، ولا
(1)
(1/ 632 رقم 2432).
(2)
(3/ 154).
وخلاصة القول أن الحديث منكر. وقد قال المحدث الألباني في "الضعيفة" رقم (947): وهذا سند ضعيف، وفيه علل كثيرة:
(الأولى): الاختلاف على حماد بن سلمة.
(الثانية): الاختلاف عى خالد الحذاء، وهو ابن مهران.
(الثالثة): جهالة خالد بن أبي الصلت.
(الرابعة): مخالفته للثقة.
(الخامسة): الانقطاع بين عراك وعائشة.
(السادسة): النكارة في المتن". اهـ.
قلت: وقد تكلم المحدث الألباني على هذه العلل بالتفصيل الممتع فانظرها إذا شئت.
صيغةَ تكونُ فيها النصوصيةُ عليه، وهذا قد تقررَ في الأصولِ، ولم يذهبْ إلى خلافٍ أحدٌ مِنْ أئمتِهِ الفحولِ، ولكنَّ الشأنَ في صحةِ هذا الحديثِ وارتفاعِهِ إلى درجةِ الاعتبارِ، وأينَ هو مِنْ ذاكَ؟
فالإِنصافُ الحكمُ بالمنعِ مطلقًا، والجزمُ بالتحريمِ حتى ينتهضَ دليل يصلُح للنسخِ أو التخصيصِ أو المعارَضَةِ، ولم نقفْ على شيءٍ مِنْ ذلكَ، إلا أنه يُؤنسُ بمذهبِ مَنْ خصَّ المنعَ بالفضاءِ ما سيأتي عن ابن عمرَ مِنْ قولِهِ: إنما نهي عن هذا في الفضاءِ، بالصيغةِ القاضيةِ بحصرِ النهي عليه، وسيأتي ما فيه.
15/ 89 - (وعَنْ مَرْوَانَ الأصْفَرِ قال: رَأيْتُ ابْنَ عُمَرَ أناخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلةِ يَبُولُ إليْها، فقُلْتُ: أبا عبدِ الرَّحْمنِ أليْسَ قَد نُهِي عَنْ ذَلِكَ؟ فقالَ: بَلَى، إنَّما نُهِيَ عَنْ هذا في الفَضَاءِ، فإِذا كانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ القبْلةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلا بأسَ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ)
(1)
. [حسن]
أخرجَهُ وسكتَ عنهُ، وقد صحَّ عنهُ أنه لا يسكتُ إلَّا عمَّا هو صالحٌ للاحتجاجِ
(2)
، وكذلكَ سكتَ عنهُ المنذري
(3)
، ولم يتكلَّم عليهِ في تخريجِ السُّنَنِ.
(1)
في السنن (1/ 20 رقم 11).
قلت: في سنده (الحسن بن ذكوان البصري، أبو سلمة).
قال عنه الحافظ في "التقريب" رقم (1240): "صدوقٌ يُخطئ، ورُمِيَ بالقدرِ وكان يُدَلِّس". وفي هذا الحديث قد عنعن. فيكون هذا الإسناد ضعيف.
وأخرجه الحاكم (1/ 154) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.
قلت: الحسن بن ذكوان إنما أخرج له البخاري متابعة وقد صرح الحسن بن ذكوان هنا بالتحديث فانتفت علة التدليس.
وقد حسَّنه الإمام النووي في "الخلاصة"(1/ 154). والألباني في صحيح أبي داود رقم (8/ 11).
وخلاصة القول أن الحديث حسن، والله أعلم.
(2)
قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه (ص 27 - 28) تحقيق: د/ محمد الصباغ: "وما كان في كتابي من حديث فيه وهنٌ شديد فقد بيَّنته. وفيه ما لا يصح سنده. وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح. وبعضها أصحُّ من بعض" اهـ.
وانظر كتاب: "توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار" للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (1/ 196 - 218 مسألة 13) في بيان شرط أبي داود هذا. فقد أجاد وأفاد.
(3)
في "مختصر سنن أبي داود" للحافظ المنذري (1/ 21).
وذكرَهُ الحافِظُ ابنُ حجرٍ في "التلخيصِ"
(1)
ولم يتكلَّم عليهِ بشيءٍ، وذكَرَ في الفتحِ
(2)
أنه أخرجَهُ أبو داودَ والحاكمُ بإسنادٍ حسنٍ.
وروى البيهقي
(3)
من طريقِ عيسى الخيَّاطِ
(4)
قال: قلتُ للشعبي: إنِّي لأعجبُ لاختلافِ أبي هريرةَ وابن عمرَ، قال نافعٌ عن ابن عمرَ: دخلتُ إلى بيتِ حفصةَ فحانتْ مِني التفاتةٌ، فرأيتُ كنيفَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مستقبلَ القِبلَةِ. وقالَ أبو هريرةَ: إذا أَتَى أحَدُكم الغائِطَ فلا يستقبلِ القبلة ولا يستدبِرْهَا، قالَ الشعبيُّ: صدَقا جميعًا، أما قولَ أبي هريرةَ فهوَ في الصَّحْراءِ، فإنَّ للَّهِ عبادًا ملائكةً وجِنًّا يصلُّونَ، فلا يستقبلُهم أحدٌ ببولٍ ولا غائطٍ، ولا يستدبرُهم، وأما كُنفكُم هذهِ فإنَّما هي بيوتٌ بُنيتْ لا قِبلةَ فيها، وأخرجَهُ ابنُ ماجه
(5)
مختصرًا.
وقولُ ابن عمرَ يدلُّ على أن النهيَ عن الاستقبالِ والاستدبارِ إنما هو في الصحراءِ معَ عدمِ الساترِ، وهو يصلُحُ دليلًا لمن فرَّقَ بينَ الصَّحْراءِ والبنيانِ، ولكنَّه لا يدلُّ على المنعِ في الفضاءِ على كلِّ حالٍ كما ذهبَ إليه البعضُ، بل معَ عدمِ الساترِ، وإنما قلْنا بصلاحيتِهِ للاستدلالِ لأنَّ قولَه: إنما نُهيَ عن هذا في الفضاءِ يدلُّ على أنّهُ قدْ عَلِمَ ذلكَ مِنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ أنه قالَ ذلكَ استنادًا إلى الفعلِ الذي شاهدَهُ ورواهُ، فكأنَّه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في بيتِ حفصةَ مستدبرًا للقبلةِ فَهِمَ اختصاصَ النهي بالبنيانِ، فلا يكونُ هذا الفهمُ حُجةً، ولا يصلُحُ هذا القولُ للاستدلالِ بهِ، وأقلُّ شيءٍ الاحتمالُ، فلا ينتهضُ لإِفادةِ المطلوبِ، وقد سُقْنَا في شرحِ أحاديثِ [هذا]
(6)
البابِ والذي قبلَهُ من الكلامِ على هذهِ المسأَلة المعضِلةِ أبحاثًا [لا]
(7)
تجدُها في غيرِ
(1)
(1/ 104).
(2)
فتح الباري (1/ 247)"كما رواه أبو داود والحاكم بسند لا بأس به".
(3)
في السنن الكبرى (1/ 93).
وقال البيهقي: وهكذا رواه موسى بن داود وغيره، عن حاتم بن إسماعيل، إلا أن عيسى بن أبي عيسى الخيَّاط هذا هو عيسى بن ميسرة؛ ضعيف.
(4)
قال الحافظ في "التقريب" رقم (5317): عيسى بن أبي عيسى الخيَّاط الغِفاري، أبو موسى المدني، أصلُه من الكوفة، واسم أبيه مَيْسرة، ويقال فيه: الخيَّاط، بالمعجمة والتحتانية، وبالموحدة، وبالمهملة والنون، كان قد عالج الصنائع الثلاث، وهو متروك" اهـ.
(5)
في سننه (1/ 117 رقم 323) وهو حديث ضعيف جدًّا.
(6)
زيادة من (أ) و (ب).
(7)
في (جـ): (لم).
هذا الكتابِ، ولعلكَ لا تحتاجُ بعدَ إمعانِ النظرِ فيها إلى غيرِهِ.
[عدم كراهة استقبال القمرين والنيرات لضعف الدليل]:
(فائدة) قال المنصورُ باللَّهِ والغزاليُّ والصيمَرِيُّ: إنه يكرهُ استقبالُ القمرينِ والنيراتِ قالوا: لِشرفِها بالقَسَم بها فأشبهتِ الكعبةَ كذا في البحر
(1)
، وقد استقوى عدمُ الكراهةِ. وقد قيلَ في الَاستدلالِ على الكراهةِ بأنهُ رَوى الحكيمُ التِّرمذي
(2)
عن الحسنِ قالَ: حدثني سبعةُ رَهْطٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهُم: أبو هريرةَ، وجابرٌ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو، وعِمْرانُ بنُ حُصينٍ، ومَعقِلُ بنُ يسارِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، وأنسُ بنُ مالكٍ، يزيدُ بعضُهم على بعضٍ في الحديث:"أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى أنْ يُبالَ في المغتسلِ، ونهى عن البولِ في الماءِ الراكدِ، ونهى عن البولِ في الشارعِ، ونهى أنْ يبولَ الرجلُ وفرجُهُ بادٍ إلى الشمسِ والقمر"، فذكرَ حديثًا طويلًا في نحو خمسةِ أوراقٍ على هذا الأسلوبِ. قالَ الحافظُ
(3)
: "وهو حديثٌ باطلٌ لا أصلَ لهُ بلْ هو من اختلاقِ عبادِ بن كثيرٍ، وذكرَ أن مدارَهُ عليهِ. وقالَ النوويُّ في شرحِ المهذِّبِ
(4)
: هذا حديثٌ باطِلٌ. وقالَ ابنُ الصَّلاحِ
(5)
: لا يُعرفُ، وهو ضعيفٌ، انتهى.
الباب السابع باب ارتياد المكان الرخو وما يكره التخلي فيه
16/ 90 - (عَنْ أبِي مُوسى قالَ: مالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى دَمَثٍ إلى جَنبِ حائِطٍ فَبالَ، وَقالَ:"إذا بَالَ أحَدُكُمْ فَليرْتَدْ لِبَوْلِه". رَوَاهُ أحْمَدَ
(6)
وَأبُو دَاوُدَ)
(7)
. [ضعيف]
(1)
(1/ 54 - 46).
(2)
في "المنهيات"(ص 33 رقم 8).
(3)
في "التلحيص"(1/ 103).
(4)
(2/ 110).
(5)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 103).
(6)
في المسند (4/ 396).
(7)
في السنن (1/ 15 رقم 3). =
الحديثُ فيهِ مجهولٌ لأنَّ أبا داودَ قالَ في سُنَنِهِ
(1)
: حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدثنا حمادُ أخبرنا أبو التياحِ حدثني شيخٌ قال: لما قدِمَ عبدُ اللَّهِ بنُ عباسِ البصرةَ فكانَ يحدثنا عن أبي موسى فكتبَ عبدُ الله إلى أبي موسى يسألُه عن أشياءَ فكتبَ إليه أبو موسى إنِّي كنتُ معَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ فأرادَ أن يبولَ فأتى دَمَثًا في أَصْلِ جدارٍ فبالَ ثم قالَ صلى الله عليه وسلم: "إذا أرادَ أحدُكم أن يبولَ فليرتَدْ لبولِهِ موضِعًا".
قوله: (إلى دَمَثٍ) هو بدالٍ مهملةٍ فميمٍ مفتوحتينِ فثاءٍ مثلثةِ ذكرَ معناهُ في المصباح
(2)
. وفي القاموس
(3)
: دَمِثَ المكانُ وغيرُهُ كفرِحَ: سهُلَ، انتهى. فالصفةُ منه دمِثٌ بميمٍ مكسورةٍ قبلَها دالٌ مفتوحةٌ لأن الأكثرَ في الصفةِ المُشبهِ من فَعِلَ بكسر العين أن يكونَ على فعِل بكسر عينهِ أيضًا إلَّا أنْ يكونَ ما ذكرَهُ في المصباحِ من النادرِ فإنه قد جاءَ ندِسٌ وندُسٌ، وحذِرٌ وحذُرٌ، وعجِلٌ وعجُلٌ، بالضمِّ والكسرِ فيها. وجاءَ أيضًا فَعْل بسكون العين نحو: شَكْس بوزن فَلْس، وحُرُّ بوزنِ فلكٍ، وصفْرٌ بوزنِ حِبْرٍ، والكلُّ من فَعِل بكسر العين كما تقررَ في الصَّرْفِ، فينظَرُ هل تأتي منهُ الصِّفةُ على فَعَلٍ بفتح العينِ كما ذكرَهُ صاحبُ المصباحِ؟ اللهمَّ إلَّا أن يكونَ مصْدَرًا وُصِفَ بهِ المكانُ مبالغةً. وقد ضبطهُ ابنُ رسلانَ في شرحِ السنن بكسرِ الميم، على ما هو القياسُ كما ذكرْنَا.
قوله: (فلْيرتَدْ) أي يطلبُ محلًّا سَهْلًا لينًا.
والحديثُ يدلُّ على أنه ينبغي لمن أرادَ قضاءَ الحاجةِ أنْ يعمدَ إلى مكانِ ليِّنٍ
= قلت: وأخرجه الطيالسي في المسند (رقم 519) والحاكم (3/ 465 - 466) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 93).
قال المنذري في "المختصر"(1/ 15): "فيه مجهول".
وقال النووي في "المجموع"(1/ 98): "حديث أبي موسى ضعيف رواه أحمد وأبو داود عن رجل عن أبي موسى" اهـ.
كما ضعَّفه المحدث الألباني في "الضعيفة" رقم (2320).
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(1)
(1/ 15).
(2)
المصباح المنير ص 76.
(3)
القاموس المحيط ص 217.
لا صلابَةَ فيه ليأمَنَ من رشاشِ البولِ ونحوِه، وهو وإنْ كان ضعيفًا فأحاديثُ الأمْرِ بالتنزُّهِ عن البولِ تفيدُ ذلك.
17/ 91 - (وَعَنْ قَتادَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسٍ قالَ: نَهى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُبَالَ فِي الجُحْرِ، قالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ فِي الجُحْرِ؟ قَالَ: يُقَالُ: إنَّهَا مَسَاكِنُ الجنِّ. رَوَاهُ أحْمَدُ
(1)
وَالنَّسَائِيُّ
(2)
وَأَبُو داوُدَ)
(3)
. [ضعيف]
وأخرجَهُ الحاكمُ
(4)
والبيهقيُّ
(5)
، وقيلَ: أن قتادةَ لم يسمعْ من عبدِ اللَّهِ بن سرجسٍ، حكاهُ حَرْبٌ عن أحمد
(6)
، وأثبتَ سماعَهُ منهُ عليُّ بنُ المدينيِّ
(7)
، وصححهُ ابنُ خزيمة
(8)
وابنُ السكنِ
(9)
.
قوله: (في الجُحْرِ) هو بضمِّ الجيمِ وسكونِ الحاءِ، كلُّ شيءٍ تحتفرُهُ السِّباعُ والهوامُّ لأنفُسِها كالجُحرانِ، والجمعُ جِحَرَةٌ كعِنَبَةٍ وأجحارٌ كأقفالٍ.
قوله: (قالوا لقتادةَ ما يُكرَهُ) هو بضمِّ أولهِ مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعلُهُ. قاله ابنُ رسلانَ في شرحِ السننِ.
والحديثُ يدل على كراهَةِ البولِ في الحُفَرِ التي تسكُنُها الهوامُّ والسِّباعُ، إما لما ذكرَهُ قتادَةَ، أو لأنه يؤذي ما فيها مِنَ الحيواناتِ.
18/ 92 - (وَعَنِ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اتَّقُوا اللَّاعِنَينِ"، قالُوا: وَما اللَّاعِنانِ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ: "الذِي يَتَخَلى في طَريِق الناسِ
(1)
في المسند (5/ 82).
(2)
في السنن (1/ 33 رقم 34).
(3)
في السنن (1/ 30 رقم 29).
(4)
في المستدرك (1/ 186).
(5)
في السنن الكبرى (1/ 99).
(6)
انظر: "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد (3/ 86 رقم 4300)، والمراسيل لابن أبي حاتم رقم (619).
(7)
انظر: "الجرح والتعديل"(7/ 133).
(8)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 106).
(9)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 106).
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف. وانظر إرواء الغليل رقم (55).
أوْ في ظِلِّهِمْ". رَوَّاهُ أحْمَدُ
(1)
وَمُسْلِمٌ
(2)
وَأَبُو دَاوُدَ)
(3)
. [صحيح]
وفي لفظِ مسلمٍ
(4)
: "اتقُوا اللَّعَّانَيْنِ"، قالوا: وما اللَّعَّانانِ الحديثُ، قالَ الخطابي
(5)
: المرادُ باللاعِنينِ الأمران الجالبانِ لِلَّعنِ، الحاملانِ الناسَ عليه والداعيانِ إليهِ، وذلكَ أن مَنْ فعلَهُمَا لُعِنَ وشُتِمَ، يعني عادةُ الناسِ لعنُه، فلما صارًا سَببًا أُسْنِدَ اللعنُ إليهمَا على طريقِ المجازِ العقليِّ، قالَ: وقد يكونُ اللاعِنُ بمعنى الملعونِ أي الملعونُ فاعِلُهُمَا فهوَ كذلكَ من المجاز العقليِّ.
وقوله: (الذي يتخلَّى في طريقِ الناسِ) على حذفِ مضافٍ، وتقديرُه: تخلَّى الذي يتخلَّى.
قوله: (أو في ظِلِّهم) المرادُ بالظلِّ هنا على ما قالَهُ الخطابيُّ وغيرهُ مَسْتَظَلُّ الناسِ الذي يتخذونَهُ مَقيلًا ومنزلًا ينزلونَهُ ويقعدونَ فيهِ، وليس كلُّ ظِلِّ يحرمُ قضاءُ الحاجةِ فيه، فقد قضَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم حاجتهُ في حايش النخلِ كما سَلَفَ وله ظِلٌّ بلا شكٍّ.
والحديثُ يدلُّ على تحريمِ التخلِّي في طُرُقِ الناسِ وظلِّهِمْ لما فيهِ من أذيةِ المسلمينَ بتنجيسِ مَنْ يمرُّ بهِ ونَتَنِهِ واستقذارِهِ.
19/ 93 - (وَعَنِ أبي سَعِيدٍ الحِمْيَرِيِّ عَنْ مُعاذِ بن جبَلٍ رضي الله عنه: قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا المَلاعِنَ الثَّلاثَ: البَرَاز في المَوَارِدِ وقَارِعَةِ الطَّريقِ وَالظِّلِّ" رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ
(6)
وابْنُ ماجَهْ
(7)
وَقالَ: هُوَ مُرْسَلٌ). [حسن بشواهده]
(1)
في المسند (2/ 372).
(2)
في صحيحه (1/ 226 رقم 269).
(3)
في السنن (1/ 28 رقم 25).
(4)
في صحيحه رقم (269).
قلت: وأخرجه البيهقي (1/ 97) وابن خزيمة (1/ 37 رقم 67) والبغوي في شرح السنة (1/ 388 رقم 191).
وهو حديث صحيح.
(5)
في "معالم السنن"(1/ 3 - مختصر السنن).
(6)
في السنن (1/ 28 رقم 26).
(7)
في السنن (1/ 119 رقم 328).
الحديثُ أخرجَهُ أيضًا الحاكمُ
(1)
وصحَّحَهُ، وصحَّحَهُ أيضًا ابنُ السَّكَنِ
(2)
، قالَ الحافظُ
(3)
: "وفيهِ نظرٌ لأنَّ أبا سعيدٍ لم يسمعْ مِنْ معاذٍ ولا يُعْرَفُ بغيرِ هذا الإِسنادِ، قاله ابنُ القطانِ.
وفي البابِ عن ابن عباسٍ نحوُه، رواهُ أحمدُ
(4)
، وفيهِ ضعفٌ لأجلِ ابن لهيعةَ، والراوي عن ابن عباسَ مُبهمٌ، وعن سعدِ بن أبي وقاصٍ في عِللِ الدراقُطني
(5)
. وعن أبي هريرةَ رواهُ مسلمٌ في صحيحهِ
(6)
بلفظِ: "اتقُوا اللاعنين قالوا: وما اللاعِنانِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذي يتخلى في طريقِ الناسِ أو [في]
(7)
ظِلِّهم". وفي روايةٍ لابن حِبانَ
(8)
: "وأفنيتهمْ"، وفي روايةِ ابن الجارودِ
(9)
: "أَوْ مجالسِهِمْ"، وفي لفظٍ للحاكم
(10)
: "مَنْ سلَّ سَخِيمَتَه
(11)
على طريقٍ عامرةٍ من طرق المسلمينَ فعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ" وإسنادُهُ ضعيفٌ. قاله الحافِظُ ابنُ حجرٍ
(12)
: وفي ابن ماجه
(13)
عن جابرٍ بإسنادٍ حسنٍ مرفوعًا: "إياكُم والتعريسَ على جَوَادِّ الطريقِ، فإنَّها مأوى الحيَّاتِ والسباعِ، وقضاءِ الحاجةِ عليها فإنَّها الملاعِنُ". وعن ابن عمرَ: "نهى أن يُصَلَّى على قارعةِ الطريقِ، أو يضربَ عليها الخلاءُ أو يُبالَ
(1)
في المستدرك (1/ 167) وقال الحاكم: صحيح ووافقه الذهبي.
(2)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 105).
(3)
في "التلخيص"(1/ 105).
(4)
في المسند (1/ 299).
(5)
في "العلل"(4/ 378 - 379 س 641).
(6)
(1/ 226 رقم 68/ 269).
(7)
زيادة من (ب) وهي موافقة لما في صحيح مسلم.
(8)
في صحيحه (4/ 262 - 263 رقم 1415) بسند صحيح.
(9)
في المنتقى رقم (33)
(10)
في المستدرك (1/ 186).
(11)
في هامش المخطوط (أي غائطه) وفي "النهاية"(2/ 351): "الغائط والنَّجْو".
(12)
في التلخيص" (1/ 105).
(13)
في السنن (1/ 119 رقم 329).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 140): "هذا إسناد ضعيف.
وسالم هو ابن عبد الله الخياط البصري ضعفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم وابن حبان والدارقطني
…
".
وقال الألباني في ضعيف ابن ماجه: (حسن) دون والصلاة عليها
…
".
فيها". وفي إسنادِهِ ابنُ لهيعةَ. وقالَ الدَّارقُطني: رفْعُهُ غيرُ ثابتٍ".
وقالَ في التقريبِ
(1)
إنَّ أبا سعيدٍ الحميريِّ شاميٌّ مجهولٌ. "ورَوى عبد الرزاقِ
(2)
عن ابن جريجٍ عن الشعبيِّ مرسلًا أنه صلى الله عليه وسلم قالَ: "اتقُوا الملاعِنَ وأعِدُّوا النُّبَل". ورواهُ أبو عبيدٍ
(3)
من وجهِ آخرَ عن الشعبي عمَّنْ سمعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم .. قالَ ابنُ حجرٍ
(4)
: وإسنادُهُ ضعيفٌ، ورواهُ ابنُ أبي حاتمٍ في العِللِ
(5)
من حديثِ سُراقةَ مرفوعًا، وصحَّحَ أبوهُ وقْفَهُ". والنبل
(6)
بضمِّ النونِ وفتحِها: الأحجارُ الصِغارُ التي يُستنجى بها.
والحديثُ يدُلُّ على المنع من قضاءِ الحاجةِ في الموارِدِ والظلِّ وقارِعةِ الطريقِ لما في ذلكَ من الأذيةِ للمسلمينَ.
والبَرَازُ قد سَبَقَ ضبطُهُ في بابِ الإِبعادِ والاستتار.
والمرادُ بالموارِدِ: المجاري والطرقُ إلى الماءِ واحدُها مورِدٌ.
والمرادُ بقارعَةِ الطريقِ: أعلاهُ، سمي بذلكَ لأنَّ المارِّينَ عليه يقرعُونَهُ بنعالِهم وأرجُلِهِم. قالهُ ابنُ رسلان.
والمرادُ بالظل الموضِعُ الذي يَستظلُّ بهِ الناسُ ويتخذونَهُ مقيلًا وينزلُونَهُ، لا كلُّ ظلٍّ.
20/ 94 - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ المُغفِّلِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا يَبُولَنَّ أحدُكُمْ في مُسْتَحَمِّهِ ثم يتوضأ فيهِ فإِنَّ عامَّةَ الوِسوَاس منهُ". رَوَاهُ الخمسة
(7)
لكِنْ قوْلهُ: "ثمَّ يَتَوضّأُ فيه". لأحمَدَ وَأبي دَاوُدَ فقَطْ). [ضعيف]
(1)
رقم (8128).
(2)
و
(3)
عزاه إليهما الحافظ في "التلخيص"(1/ 107).
(4)
في "تلخيص الحبير"(1/ 107).
(5)
(1/ 36 - 37 رقم 75).
(6)
النُّبَل: هي الحِجارة الصِغار التي يُسْتَنْجى بها، واحدتها نُبْلة، كغُرْفة وغُرَف. والمحدِّثون يَفْتَحون النون والباء، كأنه جَمْع نَبيل في التقدير.
والنَّبَل، بالفتح في غير هذا: الكبارُ من الإبِل والصغار. وهو من الأضداد. [النهاية (5/ 10 - 11)].
(7)
أحمد (5/ 56) وأبو داود (1/ 29 رقم 27) والترمذي (1/ 33 رقم 21) والنسائي (1/ 34) وابن ماجه (1/ 111 رقم 304). =
قالَ الترمذيُّ: حديثٌ غريبٌ وأخرجَه الضياءُ في المختارةِ
(1)
بنحوه.
قوله: (في مُستحمِّهِ) المستحَمُّ: المغتسَلُ، سُمِّيَ باسم الحميم وهو الماءُ الحارُّ الذي يُغسلُ بهِ، وأطلِقَ على كلِّ موضِع يُغتسلُ فيهِ، وإن لم يكنِ الماءُ حارًا وقد صَرَّحَ في حديثٍ آخرَ بذكَرِ المغتسلِ ولفظُه قالَ:"نهى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن يمتشِطَ أحدُنا كلَّ يومٍ أو يبولَ في مُغتسلهِ"، أخرجَهُ أبو داودَ
(2)
والنسائيُّ
(3)
، وراويهِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مجهولٌ، وَجَهَالةُ الصحابيِّ لا تَضُرُّ.
قوله: (عامَّةُ الوسواسِ) هو بكسرِ الواوِ الأولى: حديثُ النفسِ والشيطانِ بما لا نفعَ فيهِ، وأما بفتحِها فاسمٌ للشيطان.
والحديثُ يدلُّ على المنعِ من البولِ في محلِّ الاغتسالِ لأنهُ يبقى أثرُهُ، فإذا انتضَحَ إلى المغتسلِ شيءٌ منَ الماءِ بعدَ وقوعِهِ على محلِّ البولِ نجَّسَهُ فلا يزالُ عندَ مباشرةِ الاغتسالِ متخيلًا لذلكَ فيفضي بهِ إلى الوَسْوَسَةِ التي عَلَّلَ صلى الله عليه وسلم النهيَ بها. وقدْ قيلَ: إنهُ إذا كانَ للبولِ مَسلكٌ ينفُذُ فيهِ فلا كراهةَ، وربَطَ النهيَ بعلَّةِ إفضاءِ المنهيِّ عنهُ إلى الوَسْوَسَةِ يصلح قرينة لصرفِ النهي عن التحريم إلى الكراهَةِ.
21/ 95 - (وَعَنْ جابِر عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهى أن يبالَ في الماءِ الراكِدِ. رَواهُ أحْمَدُ
(4)
وَمُسلمٌ
(5)
وَالنَّسائي
(6)
وَابْنُ ماجَهْ)
(7)
. [صحيح]
وقد تقدَّمَ الكلامُ على الحديثِ في (باب بيانِ زوالِ تطهيرِ الماءِ)
(8)
وفي (بابِ حكمِ الماءِ)
(9)
فَلْيُرْجَعْ إليهما.
= قلت: الحديث ضعيف. لأنه من رواية الحسن عن عبد الله بن المغفل، والحسن، مدلس، وقد عنعنه.
لكن في النهي عن البول في المغتسل حديث صحيح.
(1)
لم يوجد في الأجزاء المطبوعة منه.
(2)
في السنن (1/ 30 رقم 28).
(3)
في السنن (1/ 130 رقم 238). وهو حديث صحيح.
(4)
في المسند (3/ 350).
(5)
في صحيحه (1/ 235 رقم 94/ 281).
(6)
في السنن (1/ 34 رقم 35).
(7)
في السنن (1/ 124 رقم 343). وهو حديث صحيح.
(8)
في الباب الثالث من أبواب المياه. رقم الحديث (6/ 6) من كتابنا هذا.
(9)
في الباب السادس من أبواب المياه. رقم الحديث (13/ 13) من كتابنا هذا.
[الباب الثامن] باب البول في الأواني للحاجة
22/ 96 - (عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ عَنْ أُمِّها
(1)
قالتْ: كَانَ لِلنّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ تحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فيهِ باللّيْلِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ
(2)
والنَّسائي)
(3)
. [حسن لغيره].
الحديثُ أخرجَهُ أيضًا ابن حِبانَ
(4)
والحاكمُ
(5)
. ورواهُ أبو ذرٍّ الهرَويُّ في مستدركِهِ
(6)
.
وأخرجَ الحسنُ بنُ سُفيانَ في مُسندِهِ
(7)
والحاكم
(8)
والدارقطنى والطبراني
(9)
(1)
في حاشية المخطوط ما نصه: الصواب حذف عن (أمها) فالذي في السنن، والنسائي، والحاكم، والبيهقي، عن حُكَيمة بنت أميمة بنت رقيقة عن أمها ولعل ما في المتن من سهو القلم
…
(2)
في السنن (1/ 28 رقم 24).
(3)
في السنن (1/ 31 رقم 32).
(4)
في صحيحه (4/ 274 رقم 1426).
(5)
في المستدرك (1/ 167) وصححه ووافقه الذهبي.
(6)
"الذي خرَّجه على إلزامات الدارقطني للشيخين"، قاله الحافظ في "التلخيص"(1/ 32).
قلت: وأخرجه البغوي في "شرح السنة" رقم (194) والبيهقي (1/ 99) والطبراني في الكبير ج 24/ رقم (477).
وحُكيمة بنت أميمة بنت رُقيقة عن أمها، وعنها ابن جريج. لذا قال الحافظ في "التقريب" رقم (8565):"لا تعرف". وابن جريج مدلس وقد صرح بالتحديث في رواية النسائي وللحديث شاهد عن عائشة أخرجه ابن خزيمة رقم (65) والنسائي (1/ 32 - 33 رقم 33) بسند صحيح. عنها قالت: كنت مسندة النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدري فدعا بطست فبال فيها
…
وخلاصة القول أن حديث حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة عن أمها حسن لغيره.
(7)
مسند الحسن بن سفيان بن عامر بن العزيز الخراساني. (ت 303 هـ).
ذكره له الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(14/ 157 ت 92).
وقد جمع ابن حجر زوائد على الكتب الستة في "المطالب العالية" وهو مطبوع.
(8)
في المستدرك (4/ 63 - 64) وسكت عنه.
(9)
في "الكبير"(25/ 89 - 90 رقم 230).
وأبو نعيم
(1)
من حديثِ أبي مالكٍ النخعي، عن الأسودِ بن قيسٍ
(2)
عن نُبيحٍ العَنْزِي
(3)
عن أمّ أيمنَ قالتْ: "قامَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من الليلِ إلى فَخَّارةِ له في جانبِ البيتِ فبالَ فيها، فقمتُ من الليلِ وأنا عطشانةٌ فشربتُ ما فيها وأنا لا أشعُر، فلمَّا أصبحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "يا أمّ أيمنَ؛ قومي فأَهْرِيْقي ما في تلكَ الفخَّارةِ. قلتُ: قَدْ واللَّهِ شربتُهُ! قالتْ: فضحِكَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتى بدتْ نواجِذُه ثم قالَ: أما واللَّهِ لا ييجَعَنَّ بطنُك أبدًا". ورواهُ أبو أحمدَ العسكرِيُّ
(4)
بلفظِ: "لَنْ تَشْتَكي بطنَكِ" وأبو مالكٍ ضعيفٌ ونُبيحٌ لم يلحقْ أم أيمنَ.
وله طريقٌ أخرى رواهَا عبدُ الرزاقِ
(5)
عن ابن جُريجٍ: "أُخبِرْتُ أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يبولُ في قدحٍ من عَيدانٍ ثم يُوضَعُ تحتَ سريرهِ، فجاءَ فإذا القدَحُ ليسَ فيه شيءٌ، فقالَ لامرأةٍ يُقالُ لها بركَةُ كانتْ تخدمُ أمَّ حبيبةَ جاءتْ مَعَها مِنْ أرض الحبشةِ: "أينَ البولُ الذي كانَ في القدحِ"؟ قالتْ: شَرِبتُهُ، قالَ: "صِحَّةٌ يا أُمَّ يوسُف". وكانتْ تُكنى أمُّ يوسُفَ فما مرضتْ حتى كان مرضُها الذَي ماتتْ فيهِ".
والحديثُ يدلُّ على جوازِ إعدادِ الآنيةِ للبولِ فيها بالليلِ. وهذا مما لا أعلَمُ فيهِ خلافًا.
قوله: (من عَيْدَانٍ) هو بفَتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ الياءِ المثناةِ التحتيةِ طِوَالُ النخلِ. الواحِدَةُ عَيْدَانَةٌ. وفي القاموس
(6)
: "كان للنبيِّ صلى الله عليه وسلم قدحٌ من عَيْدَانةٍ يبولُ فيها بالليلِ" انتهى.
23/ 97 - (وَعَنْ عائِشةَ رضي الله عنها قالتْ: يقُولُونَ: إن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أوْصى
(1)
في "الحلية"(2/ 67). وأورده الهيثمي في "المجمع"(8/ 271) وقال: "رواه الطبراني وفيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف".
(2)
قال الحافظ في "التقريب" رقم (509): ثقة مكثر فقيه.
(3)
قال الحافظ في "التقريب" رقم (7093): مقبول.
(4)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 31). وخلاصه القول أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(5)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 31).
(6)
القاموس المحيط ص 386.
إلى عَليّ لَقَدْ دَعا بالطّسْتِ لِيَبُولَ فِيها فَانْخنَثَتْ نفْسُهُ وما شَعَرْتُ فإِلَى مَنْ أوْصى؟! رَواهُ النِّسائي
(1)
. [صحيح]
انْخَنَثَتْ: أي انكَسَرَتْ وَانْثنَتْ).
الحديثُ أخرجَهُ الشيخانِ
(2)
أيضًا مِنْ حديثِ الأسودِ بن يزيدَ، قالَ: "ذكرُوا عندَ عائشةَ رضي الله عنها أنّ عليًا رضي الله عنه كان وصيًا لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالتْ: متى أوصَى إليه؟ وقدْ كنتُ مُسْندتهُ إلى صَدْرِي فدعا بالطِّستِ فلقدِ انخنثَ في حِجْري وما شعرتُ أنه ماتَ فمتى أوصى إليه؟
(3)
".
قوله: (انْخَنَثَت) هو كما ذكرَ المصنِّفُ: الانثناءُ والانكسارُ، والمرادُ بقولهِ، في روايةِ الصحيحين انخنثَ: أي استَرْخَى فانثنتْ أعضاؤه.
والحديثُ سَاقَهُ المصنِّفُ للاستدلالِ بهِ على جوازِ البولِ في الآنيةِ مؤيدًا به الحديثَ الأوَّلَ لما كانَ فيه ذلكَ المقالُ، ولكنَّه وقعَ في حالِ المرضِ، ولم يذكُرِ المصنفُ الحديثَ هذا في الوصايا كغيرهِ حتى نُحيلَ الكلامَ عليهِ إلى هنالكَ. والإنكارُ لِوصَايَةِ على المفهومُ من استفهامِ أم المؤمنينَ لا يدلُّ على عدمِ
(1)
في السنن (1/ 32 - 33 رقم 33).
قلت: وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم (65) بسند صحيح.
وقد تقدم.
(2)
البخاري (5/ 356 رقم 2741) ومسلم (3/ 1257 رقم 19/ 1636).
(3)
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(5/ 361 - 362) في شرح هذا الحديث: "قال القرطبي: كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة لعلي فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك، وكذا من بعدهم، فمن ذلك ما استدلت به عائشة .. ، ومن ذلك أن عليًا لم يدعُ ذلك لنفسه، ولا بعد أن ولي الخلافة، ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة. وهؤلاء - (الشيعة) - تنقَّصوا عليًا من حيث قصدوا تعظيمه، لأنهم نسبوه - مع شجاعته العظمى وصلابته في الدين - إلى المداهنة والتقية والإعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك.
وقال غيره: الذي يظهر أنهم ذكروا عندها أنه أوصى له بالخلافة في مرض موته فلذلك ساغ لها إنكار ذلك، واستندت إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها ولم يقع منه شيء من ذلك، فساغ لها نفي ذلك، لكونه منحصرًا في مجالس معينة لم تغب عن شيء منها
…
" اهـ.
ثبوتِها. وعَدَمُ وقوعِها من النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلكَ الوقتِ الخاصِّ لا يدلُّ على العدمِ المطلق
(1)
. وقد استوفينا الكلامَ على ذلكَ في رسالة مستقلةٍ
(2)
. لما سألَ عن ذلكَ بعضُ العلماء.
[الباب التاسع] باب ما جاء في البول قائمًا
24/ 98 - (عَنْ عائِشةَ رضي الله عنها قالتْ: مَنْ حَدّثَكُمْ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بالَ قائمًا فلا تصدِّقُوهُ، ما كانَ يَبُولُ إلَّا جالِسًا. رواه الخمسةُ إلَّا أبا دَاوُدَ
(3)
، وَقالَ
(1)
أخرج البخاري في صحيحه (5/ 2013 رقم 7218) عن ابن عمر قال: قيل لعمرَ ألا تستخلف؟ قال: إن أستَخلِف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أتركَ فقد تركَ من هوَ خير مني، رسول الله صلى الله عليه وسلم "فأثنوا عليه، فقال: راغب وراهب، وددت أني نجوت منها كفافًا لا ليَ ولا عليَّ، لا أتحملها حيًّا وميتًا".
وأخرج البخاري في صحيحه (8/ 142 رقم 4447).
عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، وكان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أصبح بحمد الله بارئًا، فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا، فقال علي: إنّا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطينا الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا نص صريح من علي رضي الله عنه يبين أنه لم يكن عنده نص من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الخلافة ولا أوصى بها إليه مطلقًا كما تدعي الروافض.
(2)
واسمها "العقد الثمين في إثبات وصاية أمير المؤمنين" بتحقيقي. ورقمها (41) من سلسلة تراث الإمام الشوكاني.
(3)
أخرجه الترمذي (1/ 17 رقم 12) والنسائي (1/ 26 رقم 29) وابن ماجه (1/ 112 رقم 307).
وفيه شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ.
لكن تابعه سفيان عند أحمد في المسند (6/ 136، 192) وأبو عوانة (1/ 198) والحاكم (1/ 181) والبيهقي 1/ 101) وسنده صحيح. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "ما بال =
التِّرْمِذِيُّ
(1)
: هُوَ أحْسَنُ شَيْءٍ في هذا الباب وَأصَحُّ). [صحيح]
قال الترمذي
(2)
: وفي البابِ عَنْ عُمر
(3)
وبُريدةَ
(4)
.
وحديثُ عمرَ إنما رُويَ مِنْ حديثِ عبد الكريم بن أبي المُخارقِ عن نافعٍ عن ابن عمرَ عن عمرَ قالَ: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبولُ قائمًا، فقال:"يا عمرُ لا تبُلْ قائمًا". فما بُلْتُ قائمًا بعدُ. قال الترمذي
(5)
: وإنما رفعَ هذا الحديثَ عبدُ الكريمِ بنُ أبي المخارق، وهو ضعيفٌ عندَ أهلِ الحديثِ، ضعَّفَهُ أيوبُ السختيانيُّ وتكلَّمَ فيهِ
(6)
، وَرَوى عُبيدُ اللَّهِ عن نافعٍ عن ابن عمر:"ما بُلتُ قائمًا منذُ أسلمتُ"
(7)
.
وهذا أصحُّ من حديثِ عبدِ الكريم.
وحديث بريدةَ في هذا غيرُ محفوظ
(8)
وهو بلفظ: "قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
= رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا منذ أنزل عليه القرآن".
وصحح الحديث المحدث الألباني في "الصحيحة" رقم (201).
وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(1)
و
(2)
في سننه (1/ 17).
(3)
أخرجه ابن ماجه (1/ 112 رقم 308) والبيهقي (1/ 102) والترمذي معلقًا (1/ 17).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 93 رقم 122): "هذا إسناد ضعيف، عبد الكريم متفق على تضعيفه، وقد تفرَّد بهذا الخبر
…
" اهـ.
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(4)
أخرجه البزار (1/ 266 رقم 547 - كشف) والبخاري في "التاريخ الكبير"(2/ 1/ 596) والطبراني في "الأوسط" رقم (5998).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 83) رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح.
وانظر ما قاله الألباني في "الإرواء" رقم (59).
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(5)
في سننه (1/ 17 - 18).
(6)
انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب"(2/ 603 - 604).
(7)
أخرجه البزار (1/ 130 رقم 244 - كشف) عن عبد الله بن عمر عن عمر به.
وأورده الهيثمي في "المجمع"(1/ 206) وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.
(8)
قاله الترمذي (1/ 18).
وقال المباركفوري في "تحفة الأحوذي"(1/ 68): "قال العيني في "شرح البخاري" في =
ثلاثٌ مِنَ الجفاءِ: أنْ يبولَ الرجلُ قائمًا، أو يمسحَ جبهتَهُ قبلَ أنْ يفرغَ مِن صلاتِهِ، أو ينفُخَ في سجودِهِ" [و]
(1)
رواهُ البزارُ
(2)
.
وفي إسنادِ حديثِ البابِ شُرَيْكُ بنُ عبدِ اللَّهِ
(3)
، وقد أخرجَ له مسلمٌ في المتابعاتِ.
وقد رويَ عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه قالَ: "مِنَ الجفاءِ أن يبولَ الرجلُ قائمًا"
(4)
.
والحديثُ يدلُّ على أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما كانَ يبولُ حالَ القيام بل كانَ هديهُ في البولِ القعودَ، فيكونُ البولُ حالَ القيام مكروهًا، ولكنَّ قولَ عائشة هذا لا ينفي إثباتَ من أثبتَ وقوعَ البولِ منهُ حالَ القيامِ كما سيأتي من حديثِ حذيفةَ
(5)
"أن
= قول الترمذي: في هذا نظر لأن البزار أخرجه بسند صحيح
…
قلت: الترمذي من أئمة هذا الشأن، فقوله حديث بريدة في هذا غير محفوظ يعتمد عليه، وإما إخراج البزار حديثه بسند ظاهره الصحة لا ينافي كونه غير محفوظ".
(1)
زيادة من (جـ).
(2)
(1/ 266 رقم 547 - كشف) كما تقدم. وهو حديث ضعيف.
(3)
قال عنه الحافظ في "التقريب" رقم (2787): "صدوق يخطئُ كثيرًا، تغير حفظُه منذ وليَ القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، شديدًا على أهل البدع".
وانظر: "تهذيب التهذيب"(2/ 164 - 166).
(4)
علَّقه الترمذي في "سننه"(1/ 18): قال أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: "هذا الأثر معلَّق بدون إسناد. قال الشارح - يعني المباركفوري في تحفة الأحوذي (1/ 68) -: لم أقف على من وصله".
وتعقبهما الألباني في "الإرواء"(1/ 97): "قلت: وقد وقفنا والحمد لله على من وصله موقوفًا ومرفوعًا.
أما الموقوف: فأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(2/ 285) عن قتادة عن ابن بريدة عن ابن مسعود أنه كان يقول:
"أربع من الجفاء: أن يبول قائمًا، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه، وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله". وقال:
"وكذلك رواه الجريري عن ابن بريدة عن ابن مسعود".
قلت: فهو عنه صحيح موفوفًا
…
" اهـ.
وأما المرفوع: فقد تقدم من حديث بريدة في التعليقة رقم (5).
(5)
رقم (26/ 100) من كتابنا هذا.
النبيَّ صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سُباطَةِ قومٍ فبالَ قائمًا"، ولا شك أن الغالبَ من فعلِهِ هو القعودُ، والظاهرُ أن بولَهُ قائمًا لبيانِ الجوازِ، وقيلَ: إنَّما فعلَهُ لوجَعٍ كانَ بمأبضهِ، ذَكَرهُ ابنُ الأثيرِ في النهايةِ
(1)
. وروى الحاكم
(2)
والترمذي
(3)
من حديثِ أبي هريرةَ قال: "إنما بالَ قائمًا لِجُرْحٍ كان في مأبضِهِ". قال الحافظُ
(4)
: "ولو صحَّ هذا الحديثُ لكان فيه غنىً، لكن ضعَّفَهُ الدارقطني والبيهقيُّ".
والمأبِضُ: باطنُ الركبة
(5)
.
وقيلَ: فعلَهُ استِشْفاءَ كما سيأتي عن الشافعيِّ
(6)
.
وقيلَ: لأن السُّباطة رِخوةٌ يتخللُهَا البولُ فلا يرتدُّ إلى البائلِ منهُ شيءٌ.
وقيلَ: إنما بالَ قائمًا لكونِها حالةً يُؤمنُ مَعَها خُروجُ الريحِ بصوتٍ، ففعل [ذاكَ]
(7)
لكونِه قريبًا مِنَ الديارِ، ويؤيدهُ ما رواهُ عبدُ الرزاقِ
(8)
عن عمرَ رضي الله عنه قال: "البولُ قائمًا أحصَنُ للدبُرِ". قالَ ابنُ القيم في الهدي
(9)
: "والصحيحُ إنما فعلَ ذلكَ تنزُّها وبُعدًا من إصابةِ البولِ فإنهُ إنما فعل هذا لمَّا أتى سُباطةَ قومٍ - وهو ملقى الكُناسةِ - وتُسمَّى المِزْبَلةُ، وهي تكونُ مرتفعةً، فلو بالَ فيها الرجل قاعدًا لارتد عليهِ بولُه". وهو صلى الله عليه وسلم استَتَر بها وجعلَها بينَه وبينَ الحائطِ، فلم يكنْ بدٌّ مِنْ بولِهِ قائمًا، ولا يخفى ما في هذا الكلامِ من التكلفِ.
(1)
النهاية في غريب الحديث (1/ 15).
(2)
في المستدرك (1/ 182) وقال: هذا حديث صحيح تفرد به حمَّاد بن غسان، ورواته كلهم ثقات، وتعقبه الذهبي بقوله: حمَّاد ضعَّفه الدارقطني.
(3)
لم أعثر عليه في السنن. قلت: وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (1/ 101).
(4)
في "فتح الباري"(1/ 330).
قلت: بل الحديث ضعيف. انظر: "الإرواء" رقم (58).
(5)
النهاية (1/ 15).
(6)
ذكره البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 101) والبغوي في "شرح السنة"(1/ 387) عن الشافعي.
(7)
في (ب): (ذلك).
(8)
لم أجده في مصنف عبد الرزاق. بل أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 102) عن عمر.
(9)
(1/ 172).
والحاصلُ أنه قد ثبتَ عنهُ البولُ قائمًا وقاعدًا والكل سنةٌ، فقد رُويَ عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ
(1)
أنه كانَ يأتي تلكَ السُّباطة فيبولُ قائمًا، هذا إذا لم يصحَّ في البابِ إلا مجرَّدُ الأفعالِ، أما إذا صحَّ النهيُ عن البولِ حالَ القيامِ كما سيأتي من حديثِ جابر
(2)
: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يبولَ الرجلُ قائمًا" وجبَ المصيرُ إليه والعملُ بموجبِهِ، ولكنه يكونُ الفعلُ الذي صحَّ عنهُ صارِفًا للنهي إلى الكراهةِ على فرضِ جَهل التاريخِ أو تأخرِ الفِعْلِ، لأن لَفْظَ الرَّجُلِ يشملُهُ صلى الله عليه وسلم بطريقِ الظهورِ فيكونُ فعلُه صالحًا للصرفِ لكونهِ وقعَ بمحضَرِ منَ الناسِ، فالظاهرُ أنه أرادَ التشريعَ، ويعضدهُ نهيهُ صلى الله عليه وسلم لعمرَ، وإن كانَ فيهِ ما سلفَ. وقد صرَّحَ أبو عوانةَ في صحيحهِ
(3)
وابنُ شاهينَ
(4)
بأنَّ البولَ عن قيامٍ منسوخٌ، واستدلَّا عليه بحديثِ عائشةَ السابقِ
(5)
وبحديثها أيضًا: "ما بالَ قائمًا منذُ أُنزِلَ عليهِ القرآنُ" رواه أبو عوانة في صحيحه
(6)
والحاكم
(7)
.
قال الحافظ
(8)
: "والصوابُ أنه غيرُ منسوخٍ. والجوابُ عن حديثِ عائشةَ أنهُ مستنِدٌ إلى علْمِها فيُحمَلُ على ما وقَعَ منهُ في البيوتِ، وأما في غيرِ البيوتِ فلم تطَّلِعْ هيَ عليهِ. وقد حفظَهُ حذيفةُ وهو مِنْ كبارِ الصحابةِ، وقد بيَّنَّا أن ذلكَ كانَ بالمدينة فتضمنَ الردَّ على ما نفتْهُ من أنَّ ذلكَ لم يقعْ بعدَ نزولِ القرآنِ.
(1)
أخرجه مالك في "الموطأ"(1/ 65) بسند صحيح.
(2)
رقم (25/ 99) من كتابنا هذا.
(3)
(1/ 198).
(4)
في "ناسخ الحديث ومنسوخه" ص 79.
(5)
رقم (24/ 98) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.
(6)
(1/ 198).
(7)
في المستدرك (1/ 181).
قلت: وأخرجه أحمد (6/ 136، 192) والبيهقي (1/ 101).
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وافقه الذهبي.
وتعقبهما الألباني في "الصحيحة"(1/ 391) بقوله: "وفيه نظر؛ فإن المقدام بن شريح وأباه لم يحتج بهما البخاري؛ فهو على شرط مسلم وحده".
وقال الذهبي في "المهذب في اختصار السنن الكبير"(1/ 121 رقم 389):
"قلت: سنده صحيح".
وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(8)
في "فتح الباري"(1/ 330).
وقد ثبتَ عن علي
(1)
وعمرَ
(2)
وزيدِ بن ثابتٍ
(3)
وغيرِهم أنهم بالُوا قيامًا، وهو دالٌّ على الجوازِ من غير كراهة إذا أمِنَ الرشاشَ، ولم يثبتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في النهي عنهُ شيءٌ" انتهى.
25/ 99 - (وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قالَ: نَهى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يَبُولَ الرَّجُلُ قائمًا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)
(4)
. [ضعيف]
الحديثُ في إسنادِهِ "عديُّ بنُ الفضلِ" وهو متروكٌ
(5)
، وقد عرفتَ ما قالَهُ الحافِظُ مِنْ عدمِ ثبوتِ شيءٍ في النهي عن البولِ من قيامٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد حكَى ابنُ ماجه
(6)
عن بعضِ مشايخهِ أنه قالَ: "كانَ من شأنِ العربِ البولُ من قيامٍ، ويدلُّ عليه ما في حديثِ عبدِ الرحمنِ بن حَسَنَةَ الذي أخرجَهُ النسائي
(7)
وابنُ ماجه
(8)
وغيرهما فإن فيهِ: "بالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جالِسًا فقلنا: انظروا إليه يبولُ كما
(1)
أخرج مسدد عن أبي ظبيان قال: رأيت عليًا رضي الله عنه يبول قائمًا في الرحبة،
…
" كما في "المطالب العالية" (1/ 67 رقم 42). وقال البوصيري (1/ 194 رقم 483): رواه مسدد بسند حسن.
الرحبة: ساحة مسجد الكوفة.
(2)
أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 123) عن زيد قال: "رأيت عمر بال قائمًا".
(3)
أخرجه الطحاوي (2/ 296) عن قبيصة أنه رأى زيد بن ثابت رضي الله عنه يبول قائمًا".
(4)
في السنن (1/ 112 رقم 309).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 93 رقم 123): "وإسناد حديث جابر ضعيف لاتفاقهم على ضعف عدي بن الفضل" اهـ.
وضعفه الألباني.
(5)
قاله الحافظ في "التقريب" رقم (4545).
(6)
في السنن (1/ 112) عقب الحديث (309).
(7)
في السنن (1/ 26 - 28).
(8)
في السنن (1/ 124 رقم 436).
قلت: وأخرجه أحمد في المسند (4/ 196) وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 122) وأبو داود (1/ 26 رقم 22) والحميدي رقم (882) والحاكم (1/ 184) وصححه ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 104) وفي "إثبات عذاب القبر"(130) والفسوي في "المعرفة والتاريخ"(1/ 284) وابن حبان (رقم 139 - موارد) وأبو يعلى رقم (932) من طرق ..
وهو حديث صحيح.
تبولُ المرأةُ". وما في حديثِ حذيفة
(1)
بلفظ: "فقامَ كما يقومُ أحدُكم"، وذلكَ يشعرُ بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخالفُهم ويقعدُ لكونهِ أسترَ وأبعدَ من مماسةِ البولِ.
قالَ الحافظُ في الفتحِ
(2)
: "وهو - يعني حديثَ عبدِ الرحمنِ - صحيحٌ، صححهُ الدارقطنيُّ وغيرُه، ويدل عليه حديثُ عائشةَ الذي رواهُ أبو عُوانةَ في صحيحه
(3)
والحاكمُ
(4)
بلفظ: "ما بالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قائمًا منذ أُنزلَ عليه القرانُ " ويدلُّ عليه أيضًا حديثُها السالفُ
(5)
. وقد رويَ عن أبي موسى
(6)
التشديدُ في البولِ من قيامٍ، فرُويَ عنه:"أنه رَأى رجلًا يبولُ قائمًا فقال: ويحكَ أفلا قاعِدًا؟ ثم ذكرَ قصةَ بني إسرائيلَ من أنه كانَ إذا أصابَ جسدَ أحدِهم البولُ قرضَهُ".
وقد ذَهبتِ العترةُ والأكثرُ
(7)
إلى كراهةِ البولِ قائمًا.
وذهبَ أبو هريرة
(8)
والشعبيُّ
(9)
وابنُ سيرينَ إلى عدمِ الكراهةِ
(10)
، والحديثُ لو صحَّ وتجوَّدَ عن الصوارِفِ لصلُحَ مُتمَسَّكًا للتحريمِ. ولكنه لم يصحَّ، كما قالَهُ
(1)
وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه رقم (26/ 100) من كتابنا هذا.
(2)
فتح الباري (1/ 328).
(3)
(1/ 198). كما تقدم.
(4)
في المستدرك (1/ 181) كما تقدم. وهو حديث صحيح.
(5)
وهو حديث صحيح تقدم رقم (24/ 98) من كتابنا هذا.
(6)
أخرجه أبو داود (1/ 15 رقم 3) والبيهقي (1/ 93 - 94) وأحمد في المسند (4/ 396) وأبو يعلى (13/ 271 رقم 64/ 6284).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 209) وقال: "رواه الطبراني في الكبير - وله حديث في الصحيح غير هذا، وفيه علي بن عاصم وكان كثير الخطأ والغلط وينبَّه على غلطه فلا يرجع ويحتقر الحفاظ".
لكن صح عند البخاري في صحيحه (1/ 330 رقم 226).
وبنحو رواية البخاري أخرجه مسلم (1/ 228 رقم 74/ 273).
وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(7)
البحر الزخار (1/ 47).
(8)
كما أخرجه عنه مسدد في "المطالب العالية"(1/ 66 رقم 41) وقال البوصيري (1/ 193 رقم 482): رواه مسدد والتابعي مجهول.
(9)
أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 123) عن أبي خالد قال: رأيت الشعبي يبول قائمًا.
(10)
انظر: "المجموع شرح المهذب"(2/ 100).
الحافِظُ، وعلى فرضِ الصِّحَّةِ فالصارِفُ موجودٌ، فيكونُ البولُ من قيامٍ مكروهًا، وقد عرفتَ بقيةَ الكلامِ في الحديثِ الأوَّلِ.
26/ 100 - (وعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم انْتَهى إلَى سُباطَةِ قَوْمٍ فَبالَ قائِمًا فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: "ادْنُهْ"، فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقبَيْهِ فَتَوَضأ وَمَسحَ على خُفَّيهِ. رَوَاهُ الجَمَاعةُ
(1)
. [صحيح]
وَالسُّبَاطَةُ: مَلْقَى التُّرَابِ وَالْقِمامِ).
قوله: (سُباطةَ قومٍ) السباطَةُ
(2)
بمهملةٍ مضمومةٍ بعدَها موحدة هي المِزْبَلَةُ والكُنَاسَةُ تكونُ بفناءِ الدُّورِ مرفقًا لأهلِهِا، وتكونُ في الغالبِ سهلةً لا يرتدُّ فيها البولُ على البائلِ، وإضافتُها إلى القومِ إضافةُ اختصاصٍ لا مِلْكٍ لأنها لا تخلُو عن النجاسةِ، وبهذا يندفِعُ إيرادُ من استشكلَ الروايةَ التي ذُكرَ فيها الجدارُ قائلًا: إنَّ البولَ يوهي الجدارُ ففيه إضرارٌ، قال في الفتح
(3)
: أو نقولُ: إنما بالَ فوقَ السباطة لا في أصلِ الجدارِ، وهو صريحٌ في روايةِ أبي عُوانةَ في صحيحِهِ. وقيلَ: يحتملُ أنْ يكونَ علمَ إذْنُهم في ذلكَ بالتصريحِ أو غيرِهِ، أو لكونِهِ مما يتسامحُ الناسُ بهِ، أو لعلمهِ بإيثارِهِم إياهُ بذلكَ، أو لكونهِ يجوزُ له التصرُّفُ في مالِ أمتِه دونَ غيرهِ لأنه أولى بالمؤمنينَ مِنْ أنفُسِهم وأموالِهم، وهذا وإنْ كانَ صحيحَ المعنى لكنَّه لم يُعهدْ ذلكَ من سيرتهِ ومكارمِ أخلاقهِ صلى الله عليه وسلم.
قوله: (فقال ادْنُهْ) استدلَّ بهِ على جوازِ الكلامِ في حالِ البولِ، وفيه أن هذهِ الروايةَ قد بينتْ في روايةِ البخاريِّ أن قولَهُ:"ادنُه" كان بالإِشارةِ لا باللفظِ فلا يتم الاستدلال. قاله الحافِظُ
(4)
.
(1)
أخرجه أحمد (5/ 382، 402) والبخاري (1/ 328 رقم 224) وأطرافه: (225، 226، 2471) ومسلم (1/ 228 رقم 73/ 273) وأبو داود (1/ 27 رقم 23) والنسائي (1/ 19 رقم 18) و (1/ 25 رقم 26، 27، 28) والترمذي (1/ 19 رقم 13) وابن ماجه (1/ 111 رقم 305).
قلت: وأخرجه الدارمي (1/ 171) وأبو عوانة (1/ 198) وابن خزيمة (1/ 35 رقم 61) والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 100، 270، 274).
(2)
النهاية في غريب الحديث (2/ 335).
(3)
فتح الباري (1/ 328).
(4)
في "فتح الباري"(1/ 329).
وقد استشكلَ بأن قرْبَ حذيفةَ منه بحيثُ يسمعُ نداءَهُ، ويفهَمُ إشارتَهُ مخالفٌ لما عُرِفَ من عادتهِ منَ الإِبعادِ عندَ قضاءِ الحاجَةِ عن أعيُنِ الناظريْنَ، وقد أجيبَ عن ذلكَ بأنهُ صلى الله عليه وسلم كان مشغولًا بمصابحِ المسلمين، فلعلَّهُ طالَ عليهِ المجلسُ حتى احتاجَ إلى البولِ فلو أبعدَ لتضرَّر.
وقيلَ: فعلَ ذلكَ لبيانِ الجوازِ.
وقيلَ: إنهُ فعلَ ذلك في البولِ وهو أخفُّ من الغائطِ لاحتياجهِ إلى زيادةِ تكشفٍ ولما يقترِنُ بهِ من الرائحةِ.
وقيلَ: إن الغرضَ من الإِبعادِ التستُّرُ، وهو يحصُلُ بإرخاءِ الذيلِ والدنوِّ من الساتِرِ.
والحديثُ يدلُّ على جوازِ البولِ من قيام، وقد سبقَ الكلامُ على ذلكَ. قالَ المصنف
(1)
رحمه الله: ولعله لم يجلِس لمانعٍ كان بها أو وجَعٍ كانَ بهِ، وقد روى الخطابي
(2)
عن أبي هريرةَ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بالَ قائمًا من جُرح كان بمأبضِهِ"، ويحملُ قول عائشةَ رضي الله عنها على غيرِ حالِ العذرِ. والمأبِضُ ما تحتَ الرُّكبةِ من كلِّ حيوانٍ. وقد رُوي عن الشافعي
(3)
أنهُ قالَ: كانتِ العربُ تستشفي لوجعِ الصُّلْبِ بالبولِ قائمًا فيرى أنهُ لعلهُ كانَ بهِ إذْ ذاكَ وجعُ الصُّلبِ اهـ.
وقد عرفتَ تضعيفَ الدارقطنيِّ والبيهقيِّ لحديثِ أبي هريرةَ في الحديثِ الأوَّلِ من هذا البابِ
(4)
.
[الباب العاشر] باب وجوب الاستنجاء بالحجر أو الماء
27/ 101 - (عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذا ذَهَبَ
(1)
ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 55 - 56).
(2)
في "معالم السنن"(1/ 29 - مع المختصر). وهو حديث ضعيف تقدَّم تخريجه عند شرح الحديث (24/ 98) من كتابنا هذا.
(3)
ذكره البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 101) والبغوي في "شرح السنة"(1/ 387) عنه.
(4)
في الباب التاسع عند الحديث (24/ 98) من كتابنا هذا.
أحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثةِ أحْجَارٍ فَإِنَّهِا تُجْزِي عَنْهُ". رَوَاهُ أحْمَدُ
(1)
وَالنَّسَائيُّ
(2)
وَأَبُو دَاوُدَ
(3)
وَالدَّارَقُطْنِي
(4)
وَقَالَ: إسْنادٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ). [حسن]
الحديثُ أخرجَهُ أيضًا ابنُ ماجه
(5)
.
وأخرجَ نحوَهُ أبو داودَ
(6)
والنسائي
(7)
وغيرهُما من حديثِ أبي هريرةَ وهو يدلّ على وجوبِ الاستجمارِ بثلاثةِ أحجارٍ. وفيهِ خلافٌ قد أسلفنَاهُ في باب نهي المتخلّي عن استقبالِ القبلةِ
(8)
.
قالَ في البحرِ
(9)
: والاستجمارُ بثلاثةِ أحْجَارٍ مشروعٌ إجماعًا.
وقوله: (فإنها تجزي عنهُ) أي تكفيهِ، وهو دليلٌ لمن قالَ بكفايةِ الأحجارِ وعدمِ وجوبِ الاستنجاءِ بالماءِ، وإليه ذهبتِ الشافعيةُ
(10)
والحنفيةُ
(11)
وبه قالَ ابنُ الزبيرِ
(12)
، وسعدُ بنُ أبي وقاصٍ
(13)
، وابن المسيِّبِ
(14)
وعطاءٌ
(15)
، وسيأتي
(1)
في المسند (6/ 108).
(2)
في السنن (1/ 41 رقم 44).
(3)
في السنن (1/ 37 رقم 40).
(4)
في السنن (1/ 54 رقم 4) وقال: إسناده حسن صحيح.
وهو حديث حسن، وقد حسَّنه النووي في "الخلاصة"(1/ 161) وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.
(5)
هذا الحديث بهذا اللفظ لم يخرجه ابن ماجه. انظر: تحفة الأشراف (12/ 119).
(6)
في السنن (1/ 18 رقم 8).
(7)
في السنن (1/ 38 رقم 40). وهو حديث حسن. تقدم تخريجه رقم (10/ 84) من كتابنا هذا.
(8)
في الباب الخامس عند الحديث رقم (10/ 84).
(9)
(1/ 48).
(10)
الحاوي الكبير للماوردي (1/ 193).
(11)
الهدية العلائية. للشيخ علاء الدين عابدين ص 11.
(12)
أخرج ابن أبي شيبة في "مصنف"(1/ 154) عن ابن الزبير أنه رأى رجلًا يغسل عنه أثر الغائط فقال: ما كنا نفعله.
(13)
أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 53): عن إبراهيم أو مالك بن الحارث قال: مر سعد برجل يغسل مباله، فقال: لم تخلطوا في دينكم ما ليس منه.
(14)
أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 154): عن سعيد بن المسيب، قال: فلما ذكر له الاستنجاء بالماء، فقال: أنتم فعلتم لذلك منهم كان يجتزءون بالحجارة.
(15)
ذكر ابن المنذر في "الأوسط"(1/ 347) عن عطاء أنه قال: غسل الدبر محدث.
الكلامُ على ذلكَ في بابِ الاستنجاءِ بالماءِ
(1)
إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
28/ 102 - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ:"إنَّهُمَا يُعَذبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِير، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بوله وَأَمَّا الآخَرَ فكانَ يَمْشِي بِالنَّميِمَةِ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ
(2)
، وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِي
(3)
وَالنَّسَائِيّ
(4)
: "وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ". ثُمَّ قالَ: "بلَى كانَ أَحَدُهُما"، وَذَكَرَ الحَديِثَ). [صحيح]
قوله: (فقالَ: إنهما يُعذبانِ) أعادَ الضميرَ إلى القبرينِ مجازًا والمرادُ من فيهما.
قوله: (لا يستتِرُ) بمثناتينِ من فوقَ، الأُولى مفتوحةٌ والثانيةُ مكسورةٌ، وهو هكَذَا في أكثَرِ الرواياتِ، قاله ابنُ حَجَرٍ في الفتحِ
(5)
. وفي رواية لمسلم
(6)
وأبي داود
(7)
"يَسْتَنْزِهُ" بنونٍ ساكنةٍ بعدها زايٌ ثم هاءٌ، وفي روايةِ لابن عساكرَ
(8)
"يستبرئُ" بموحدَةِ ساكنةِ من الاستبراءِ، فعلَى الروايةِ الأولى معنى الاستتار أنْ لا يجعَلَ بينَهُ وبينَ بولِهِ سِترةٌ يعني لا يتحفَّظُ منهُ فتوافِقُ الروايةَ الثانيةَ لأنها مِنَ التنزُّهِ وهو الإِبعادُ. وقد وقعَ عندَ أبي نعيمٍ
(9)
: "كان لا يتوقَّى" وهو مفسِّرٌ للمرادِ، وأجراهُ بعضُهم على ظاهرِهِ فقالَ: معناهُ: لا يستُرُ عورتَهُ، وضُعِّفَ لأنَّ
(1)
الباب السادس عشر عند الحديث (40/ 114) من كتابنا هذا.
(2)
أخرجه البخاري (1/ 317 رقم 216) وأطرافه: (218، 1361، 1378، 6052، 6055). ومسلم (1/ 240 رقم 292)، وأحمد (1/ 225).
وأبو داود (1/ 25 رقم 20) والنسائي (1/ 28 رقم 31) والترمذي (1/ 102 رقم 70) وابن ماجه (1/ 125 رقم 347).
قلت: وأخرجه البغوي في شرح السنة" (1/ 370) والبيهقي (1/ 104) وابن خزيمة (1/ 32 رقم 55) والدارمي (1/ 188 - 189) وأبو عوانة (1/ 196) والطيالسي رقم (2646).
(3)
في صحيحه رقم (216) وقد تقدم.
(4)
في سننه رقم (31) كما تقدم.
(5)
فتح الباري (1/ 318).
(6)
في صحيحه (1/ 241 رقم .. ./ 292).
(7)
في سننه رقم (20).
(8)
عزاه إليه الحافظ في "الفتح"(1/ 318).
(9)
في المستخرج من طريق وكيع عن الأعمش. كما في فتح الباري (1/ 318).
التعذيبَ لو وقعَ على كشفِ العورةِ لاستقلَّ الكشفُ بالسببيةِ واطُّرِحَ اعتبارُ البولِ.
وسياقُ الحديثِ يدلُّ على أن للبولِ بالنسبةِ إلى عذابِ القبرِ خصُوصِيَّةٌ، فالحملُ على ما يقتضيهِ الحديثُ المصرِّحُ بهذهِ الخصُوصِيَّةِ أوْلَى.
وقد ثبتَ من حديثِ أبي هريرة
(1)
مرفوعًا: "أكثَرُ عذابِ القبرِ منَ البولِ"، أي سببِ تركِ التحرُّزِ منه، وقد صححهُ ابنُ خزيمةَ.
وسيأتي
(2)
حديثُ: "تنزَّهوا مِنَ البولِ فإنَّ عامةَ عذابِ القبرِ منهُ". قال ابنُ دقيق العيدِ
(3)
: "وأيضًا فإن لفظةَ مِنْ لمَّا أُضيفتْ إلى البولِ وهي لابتداءِ الغايةِ حقيقةَ، أو ما يرجعُ إلى معنى ابتداءِ الغايةِ مجازًا تقتضي نِسْبةَ الاستِتَارِ الذي عدمُه سببُ العذابِ إلى البولِ. يعني أن ابتداءَ سببِ عذابِه من البولِ، وإذا حَملْنَاهُ على كشفِ العورةِ زالَ هذا المعنى".
قوله: (مِنْ بولِهِ) هذهِ الرِّوايةُ تردُّ مذهب مَنْ حملَ البولَ على العمومِ، واستُدِلَّ بهِ. على نجاسةِ جميعِ أبوالِ الحيواناتِ، وقد سبقَ الكلامُ على ذلكَ في بابِ الرّخْصةِ في بولِ ما يُؤْكَلُ لحمهُ
(4)
.
قوله: (يمشي بالنميمةِ) قال النووي
(5)
: "هي نقلُ كلامِ الغيرِ بقصدِ الإضرارِ،
(1)
وهو حديث صحيح.
أخرجه أحمد في المسند (2/ 326، 388، 389) وابن ماجه (1/ 125 رقم 348) والحاكم في المستدرك (1/ 183) والآجري في "الشريعة" ص 362 - 363 والدراقطني في السنن (1/ 128 رقم 8) والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 412) وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 122).
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة.
ووافقه الذهبي. وقال: له شاهد.
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 101 رقم 141): "هذا إسناد صحيح، رجاله عن آخرهم محتج بهم في الصحيحين".
ووافقه الألباني في "الإرواء"(1/ 311).
(2)
رقم (29/ 103) من كتابنا هذا. وهو حديث حسن لغيره.
(3)
في "إحكام الأحكام"(1/ 63).
(4)
الباب السابع عند الحديث رقم (19/ 37): من كتابنا هذا.
(5)
في شرح صحيح مسلم (2/ 112 - 113) و (3/ 201).
وهي مِنْ أقبحِ القبائحِ. وتعقَّبهُ الكرماني
(1)
فقالَ: هذا لا يصلُحُ على قاعدةِ الفقهاءِ فإنَّهم يقولونَ: الكبيرةُ هي الموجبةُ الحدِّ ولا حدِّ على المشيِ بالنميمةِ، وتعقبَهُ الحافِظُ
(2)
بأنهُ ليسَ قولَ جميعِهم لكن كلامَ الرافعيِّ يُشعِرُ بترجيحِهِ، حيثُ حَكَى في تعريفِ الكبيرةِ وجهينِ:(أحدُهما): هذا، (والثاني): ما فيهِ وعيدٌ شديدٌ، قالَ: وهُم إلى الأوَّلِ أميلُ، والثاني: أوفَقُ لما ذكروهُ عند تفصيلِ الكبائرِ" انتهى.
وللبحثِ في ذلكَ موضِعٌ غيرُ هذا الموضِع.
قوله: (ثم قالَ: بلى) أي وإنه لكبيرٌ، وقد صرَّح بذلكَ البخاريُّ في الأدب
(3)
من طريقِ عُبيدةَ بنُ حميد عن منصورٍ عن الأعمشِ ولم يُخرجْهَا مسلمٌ. وهذهِ الزيادةُ تردُّ ما قالَهُ ابنُ بطالٍ مِنْ أنَّ الحديثَ يدلُّ على أن التعذيبَ لا يختصُّ بالكبائرِ بلْ قد يقعُ على الصغائر، وقد وردَ مثلُها مِنْ طريقِ أبي بكرةَ عندَ أحمدَ
(4)
والطبراني
(5)
.
وقد اختُلِفَ في معنى هذهِ الزيادةِ بعدُ.
قوله: (وما يعذبانِ في كبيرٍ) فقالَ أبو عبدِ الملكِ: يُحتملُ أنه صلى الله عليه وسلم ظنَّ أَنَّ ذلكَ غيرُ كبيرٍ فأُوحِيَ إليهِ في الحالِ بأنهُ كبيرٌ فاستدْرَكَ، وتُعقِّبَ بأنه يستلزمُ أنْ يكونَ نسْخًا والنسْخُ لا يدخلُ الخبرَ، وأُجيبَ بأنَّ الخبرَ بالحكمِ يجوزُ نَسْخُهُ، وقيلَ: يُحتملُ أن الضميرَ في قولهِ وأنه يعودُ على العذابِ لما وردَ في صحيحِ ابن حِبَّانَ
(6)
مِنْ حديثِ أبي هريرةَ: "يُعذَّبانِ عذابًا شديدًا في ذَنْبٍ هَيِّنٍ"، وقيلَ: الضميرُ يعودُ على أَحدِ الذنْبينِ وهوَ النميمةُ، لأنها مِنَ الكبائرِ بخلافِ كَشْفِ العورَةِ، وهذا معَ ضعفِهِ غيرُ مُستقيمٍ لأنَّ الاستتارَ المنفيَّ ليسَ المرادُ بهِ كَشْفُ العورةِ كما سلَفَ.
(1)
ذكره الحافظ في "الفتح"(1/ 319).
(2)
في "الفتح"(1/ 319).
(3)
(10/ 472 رقم 6055).
(4)
في المسند (5/ 35).
(5)
في "الأوسط" رقم (3747).
وأورده الهيثمي في "المجمع"(1/ 207 - 208) وقال: رجاله موثقون. قلت: وأخرجه ابن ماجه مختصرًا رقم (349) بسند حسن.
(6)
في صحيحه (3/ 106 رقم 824).
وقال الداوديُّ: إن الكبيرَ المنفيَّ بمعنى أكبرَ، والمثبَتُ واحدُ الكبائرِ، أي ليسَ ذلكَ بأكبرِ الكبائرِ كالقتلِ مثلًا وإنْ كانَ كبيرًا في الجملة.
وقيل: المعنى: ليسَ بكبيرٍ في الصورةِ، لأن تعاطي ذلكَ يدلُّ على الدناءَةِ والحقارةِ وهوَ كبيرٌ في الذنْبِ.
وقيلَ ليسَ بكبيرٍ في اعتقادِهِما أو في اعتقادِ المخاطَبينَ، وهو عندَ اللَّهِ كبيرٌ.
وقيلَ إنه ليسَ بكبيرٍ في مشقَّةِ الاحترَازِ، أي كانَ لا يشقُّ عليهِمَا الاحترازُ مِنْ ذلكَ، وهذا الأخيرُ جَزَمَ بهِ البغويُّ
(1)
وغيرُهُ ورجَّحَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ
(2)
وجماعةٌ.
وقيلَ: ليسَ بكبيرٍ بمجردِهِ وإنما صارَ كبيرًا بالمواظَبَةِ عليه، ويُرْشِدُ إلى ذلكَ السياقِ فإنهُ وصفَ كلًا مِنْهُمَا بما يدلُّ على تجدُّدِ ذلكَ منهُ، واستمرَارِهِ عليهِ للإِتيانِ بصيغةِ المضارَعَةِ بعدَ كانَ. ذَكَرَ معناهُ في الفَتْحِ
(3)
.
[ما يدل عليه حديث ابن عباس]:
والحديثُ يدلُّ على نجاسَةِ البولِ مِنَ الإِنسانِ ووجُوب اجْتِنَابِهِ وهو إجماعٌ
(4)
، ويدلُّ أيضًا على عِظَمِ أمرِهِ وأَمْرِ النميمةِ، وأَنهما مِنْ أعظمِ أسبابِ عذابِ القبرِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ
(5)
: "وهوَ محمولٌ على النميمةِ المحرَّمَةِ، فإنَّ النميمةَ إذا اقتضَى تركُها مفسدةً تتعلَّقُ بالغيرِ، أو فِعلُها نصيحةً يَستضِرُّ الغيرُ بتركِهَا لم تكنْ ممنوعةً، كما نقولُ في الغيبةِ إذا كانتْ للنصيحةِ أو لدفعِ المفسدةِ لم تُمنَعْ
(6)
. ولو أن شخصًا اطَّلَعَ مِنْ آخَرَ على قولٍ يقتضي إِيقاعَ ضررٍ بإِنسانٍ فإذا نقلَ إليهِ ذلكَ القولَ احترزَ عنْ ذلكَ الضَّرَرِ لوجبَ ذِكْرُهُ له" انتهى.
(1)
في "شرح السنة"(1/ 371).
(2)
في "إحكام الأحكام"(1/ 62).
(3)
(1/ 318).
(4)
انظر: "الإجماع" لابن المنذر (ص 36 رقم 24).
(5)
في "إحكام الأحكام"(1/ 63).
(6)
أورد محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في حاشيته على شرح عمدة الأحكام - أعانني الله على إتمام تحقيقه - (1/ 272) بيتين اشتملا على ما يجوز فيه الغيبة:
الذمّ ليس بغيبة في ستة
…
مُتَظَلِّمٍ ومعرِّفٍ ومحذِّرِ
ولمُظهرٍ فسقًا ومُستفتٍ ومَنْ
…
طَلَبَ الإعانة في إزالة منكرِ
والحديثُ أيضًا يدلُّ على إثباتِ عذابِ القبر، وقد جاءتِ الأحاديثُ المتواترةُ بإثباتِهِ
(1)
. وخلافُ بعضِ المعتزلةِ
(2)
في ذلكَ من الأباطيلِ التي لا مُستندَ لها إلا مجرَّدُ الهوى.
(فائدةٌ) لم يُعْرَفِ اسْمُ المقبوريْنِ ولا أحدِهما، والظاهِرُ أن ذلكَ كانَ على عَمْدٍ مِنَ الرواةِ لِقَصْدِ السَّتْرِ عليهمَا، وهوَ عملٌ مُستحسَنٌ، وينبغي أن لا يُبالَغَ في الفَحْصِ عنْ تسميةِ مَنْ وقعَ في حقِّه ما يُذَمُّ بهِ.
وما حكاهُ القرطبيُّ في التذكِرَةِ
(3)
وضعَّفَهُ أن أحَدَهُما سعدُ بنُ معاذٍ، فقالَ الحافِظُ
(4)
: إنه قولٌ باطلٌ لا ينبغي ذِكْرُهُ إلا مقْرونًا ببيانِهِ.
ومما يدلُّ على [بُطلانِ]
(5)
الحكايةِ المذكورةِ أن النبي صلى الله عليه وسلم حضرَ دفنَ سعدِ بن معاذٍ كما ثبتَ في الحديثِ الصحيحِ
(6)
.
وأما قِصةُ المقبوريْنِ ففي حديثِ أبي أمامةَ عندَ أحمد
(7)
أنهُ صلى الله عليه وسلم قالَ لهم:
(1)
(منها):
ما أخرج البخاري رقم (1372): ومسلم رقم (584).
عن عائشة رضي الله عنها أنّ يهوديَّةً دخلتْ عليها فذكرتْ عذاب القبرِ، فقالت لها: أعاذَكِ اللَّهُ من عذابِ القبرِ. قالت عائشةُ: فسألتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن عذابِ القبرِ؟ فقال: "نعم، عذابُ القبرِ حقٌّ"، قالت: فما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعدُ صَلَّى صَلاة إلَّا تَعوَّذَ من عذابِ القبر.
(ومنها):
ما أخرج مسلم رقم (2868).
عن أنسٍ رضي الله عنه، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ:"لولا أن لا تَدافَنُوا لدعوتُ اللَّهَ أنْ يُسْمِعَكُم عذابَ القبرِ".
وانظر: "الترغيب والترهيب" للمنذري (4/ 263 - 279 رقم 5210 - 5226) فصل في عذاب القبر.
(2)
انظر كتاب: "فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام، وبيان موقف الإسلام منها" إعداد غالب بن علي عواجي. (2/ 821 - 851) الباب الثاني عشر: المعتزلة.
(3)
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة. لأبي عبد الله القرطبي. (1/ 273).
(4)
في "الفتح"(1/ 320).
(5)
في (جـ): (بطلانه).
(6)
أخرج مسلم (4/ 1915 رقم 123/ 2466).
عن جابر بن عبد اللَّهِ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وجنازةُ سعدِ بن معاذٍ بين أيديهم:"اهتزَّ لها عرشُ الرحمن".
(7)
في المسند رقم (22193) بسند حسن.
"مَنْ دفنتُم اليومَ هاهنَا" فدلَّ على أَنَّهُ لم يحضرهُما، وقدِ اختُلِفَ في المقبورْينِ فقيلَ: كانا كافريْنِ، وبهِ جزمَ أبو موسى المدينيُّ، واستدل بما وقعَ في حديثِ جابرٍ
(1)
أنهُ صلى الله عليه وسلم: "مرَّ على قبرينِ من بني النَّجَّارِ هَلَكَا في الجاهليةِ" وفي إسنادِهِ ابنُ لهيعةَ. وجزمَ ابنُ العطَّارِ في شَرْحِ العمدةِ بأنَّهُمَا كانا مسلميْنِ، قالَ: لأنّهما لو كانا كافِرَيْنِ لم يدعُ لهما بتخفيفِ العذابِ، ولا ترجَّاهُ لهما، ولو كانَ ذلكَ من خصائِصهِ لبيَّنه كما في قصَّةِ أبي طالبٍ.
قالَ الحافِظُ
(2)
: "الظاهِرُ من مجموعِ طُرُقِ حديثِ البابِ أنَّهما كانا مُسلمينِ، ففي رواية ابن ماجَهْ
(3)
: "مرَّ بقبرينِ جديدَيْنِ" فانتفَى كونُهما في الجاهليةِ. وفي حديثِ أَبي أُمَامَةَ عندَ أحمد
(4)
"أنَّهُ صلى الله عليه وسلم مرَّ بالبقيعِ فقالَ: مَنْ دفنُتُمُ اليومَ هَاهُنَا" كما تقدَّمَ، فهذا يدلُّ على أنَّهما كانا مُسلمينِ لأنَّ البقيعَ مقبرةُ المسلمينَ، قالَ: ويؤيِّدُهُ ما في روايةِ أبي بكرة عندَ أحمدَ
(5)
والطبراني
(6)
بإسنادٍ صحيحٍ: "يُعذَّبانِ، وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ، وبَلَى وما يُعَذَّبانِ إلا في الغيبةِ والبولِ"، فهذا الحصْرُ ينفِي كونَهُمَا كانا كافريْنِ لأنَّ الكافِرَ يُعذَّبُ على كُفْرِهِ بلا خلافٍ.
قالَ: وأمَّا ما احتجَّ بهِ أبو موسى فهو ضعيفٌ كما اعترفَ بهِ. وقد رواهُ
(1)
أخرجه أحمد في المسند (3/ 295 - 296) وفيه تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر فانتفت علة تدليسه.
وأخرجه البزار (1/ 412 رقم 871 - كشف) والطبراني في الأوسط رقم (4628).
وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 55) وقال: "رواه أحمد، والبزار. وقال الطبراني في الأوسط: عن جابر قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبور نساء من بني النجار هلكوا في الجاهلية فسمعهم يعذبون في القبور في النميمة. ورجال أحمد رجال الصحيح. وفي إسناد الطبراني ابن لهيعة وفيه كلام" اهـ. وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(2)
في "فتح الباري"(1/ 321).
(3)
رقم (347) وقد تقدم.
(4)
في المسند رقم (22193) بسند حسن وقد تقدم.
(5)
في المسند (5/ 35).
(6)
في "الأوسط" رقم (3747).
وأورده الهيثمي في "المجمع"(1/ 207 - 208) وقال: رجاله موثقون.
قلت: وأخرجه ابن ماجه مختصرًا رقم (349) بسند حسن. وقد تقدم.
أحمدُ
(1)
بإسنادٍ صحيحٍ على شرطِ مسلم، وليسَ فيهِ ذِكْرُ سبب التعذيب فهو من تخليطِ ابن لهيعةَ" انتهى مُلْتقطًا مِنَ الفتحِ
(2)
.
29/ 103 - (وَعَنْ أَنسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فإِنَّ عامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنهُ". رَواهُ الدَّارَقُطْنِي)
(3)
. [حسن لغيره]
الحديثُ رواهُ الدارقطنيُّ مِنْ طريقِ أبي جَعْفَرٍ الرازيِّ عن قتادةَ عنهُ وصحَّحَ إِرسَالَهُ ونُقِلَ عنْ أبي زرعةَ أنه المحفوظُ. وقالَ أبو حاتم: رُوِّيْنَاهُ من حديثِ ثُمامةَ عنْ أنسٍ. والصحيحُ إرسالُهُ.
ورواهُ الدارقطنيُّ
(4)
مِنْ حديثِ أبي هريرةَ، وفي لفظٍ له
(5)
وللحاكمِ
(6)
وابنِ ماجَهْ
(7)
وأحمدَ
(8)
: "أكثرُ عذابِ القبرِ منَ البولِ"، قالَ الحافِظُ في "بلوغِ المرام"
(9)
: "وهوَ صحيحُ الإِسنادِ" انتهى. وَأَعلَّهُ أَبو حاتمٍ
(10)
فقالَ: إنَّ رفعَهُ باطلٌ.
وفي البابِ عن ابن عباسٍ رواهُ عبدُ بنُ حُميدٍ في مسنده
(11)
والحاكمُ
(12)
(1)
في المسند (3/ 295 - 296) وفيه تصريح أبي الزبير بالسماع من جابر فانتفت علة تدليسه. وقد تقدم.
(2)
فتح الباري (1/ 320 - 321). وقد تبين أن هذا الالتقاط فيه تكرار.
(3)
في سننه (1/ 127 رقم 2) وقال الدارقطني: والمحفوظ مرسل.
وفي سنده: أبو جعفر الرازي، واسمه عيسى بن أبي عيسى. قال الحافظ في "التقريب" رقم (8019): صدوق سيء الحفظ، وخصوصًا عن مغيرة.
(4)
في سننه (1/ 128 رقم 7) وقال الدارقطني: الصواب مرسل.
(5)
أي للدارقطني في سننه (1/ 128 رقم 8).
(6)
في المستدرك (1/ 183).
(7)
في السنن (1/ 125 رقم 348).
(8)
في المسند (2/ 326، 388، 389).
(9)
رقم الحديث (18/ 94) بتحقيقنا.
(10)
في العلل (1/ 366 رقم 1081).
قلت: وأخرجه الآجري في "الشريعة" ص 362، 363 وابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 122) والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 412) وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/ 101 رقم 141): هذا إسناد صحيح رجاله عن آخرهم محتج بهم في الصحيحين.
وخلاصة القول أن الحديث صحيح.
(11)
(ص 215 رقم 642 - المنتخب).
(12)
في المستدرك (1/ 183 - 184).
والطبرانيُّ
(1)
وغيرهُمْ، وإسنادُهُ حَسَنٌ ليسَ فيهِ غيرُ أبي يحيى القتاتِ وفيه لينٌ
(2)
.
ولفظُهُ: "إنَّ عامةَ عذابِ القبرِ بالبولِ فتنزَّهُوا منهُ".
وعنْ عُبادةَ بن الصامتِ في مُسندِ البزَّارِ
(3)
ولفظه: "سألْنَا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن البولِ فقالَ "إذا مسَّكُم شيءٌ فاغْسِلُوه، فإني أَظنُّ أن منهُ عذابَ القبرِ" وإسنادُهُ حسنٌ.
وقال سعيدُ بنُ منصورٍ
(4)
: حدَّثنا [خالدٌ]
(5)
عنْ يونُسَ بن عُبيدِ عن الحسنِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "استنزِهُوا مِنَ البولِ فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منَ البولِ" ورواتُهُ ثقاتٌ معَ إرسالِهِ.
ويؤيِّدُ الحديثَ ما ثبتَ في الصحيحينِ
(6)
وغيرهما في الحديثِ الذي قَبلَ هذا.
قوله: (تتزَّهُوا منَ البولِ) التنزُّه: البعدُ.
قوله: (فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منهُ) عامَّةُ الشيءِ: معظَمُهُ، والمرادُ أنه أَكثَرُ أسبابِهِ.
والحديثُ يدلُّ على وجوبِ الاستنزاهِ منَ البولِ مُطلقًا مِنْ غيرِ تقييدٍ بحالِ الصلاةِ، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ وهو الحقُّ لكنْ غيرَ مقيَّدٍ بما ذكرَهُ من استثناءِ مِقْدارِ الدِّرْهَمِ فإنهُ تخصيصٌ بغيرِ مخصِّصٍ.
وقالَ مالكٌ: إزالَتُهُ في غيرِ وقتِ الصلاةِ ليستْ بفرضِ، واعتذرَ له عن الحديثِ بأنَّ صاحبَ القبرِ إنما عُذِّبَ لأنهُ كانَ يتركُ البولَ يَسِيْلُ عليهِ فيصلِّي بغيرِ
(1)
في "الكبير"(11/ 84 رقم 11120).
(2)
قاله ابن حجر في "التلخيص"(1/ 106).
وهو حديث حسن لغيره.
(3)
(1/ 130 رقم 246 - كشف).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 208): وقال: "رواه البزار وفيه يوسف بن خالد السمتي ونسب إلى الكذب".
(4)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 106). وقال الحافظ: رواته ثقات مع إرساله.
(5)
في (جـ): (خَلَد) وهو خطأ.
(6)
تقدم رقم (28/ 102) من كتابنا هذا.
طَهُورٍ، لأنَّ الوضوءَ لا يَصِحُّ معَ وجودِهِ وهو تقييدٌ لم يدلَّ عليهِ دليلٌ، وقدْ أمر اللَّهُ بتطهيرِ الثيابِ ولم يقيِّدْهُ بِحالةٍ مخصوصَةٍ.
[الباب الحادي عشر] باب النهي عن الاستجمار بدون الثلاثة الأحجار
30/ 104 - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: قِيلَ لِسَلْمَانَ: عَلَّمكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الخَراءَةَ، فَقالَ سَلْمَانُ: أَجَلْ نَهَانَا أنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغائِطٍ أَوْ بول، أو أَنْ نَسْتَنْجي بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ يَسْتَنْجيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنَ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَو بِعَظْمٍ. رَوَاهُ مُسْلمٌ
(1)
وَأَبُو دَاودُ
(2)
وَالتِّرْمِذِيُّ)
(3)
. [صحيح]
أما الاستقبالُ بالغائطِ والبولِ فقد تقدَّمَ الكلامُ عليه في باب نهي المتخلِّي عن استقبالِ القِبلةِ
(4)
.
وأما الاستنجاءُ باليمينِ فقد تقدّم أَيضًا طرفٌ مِنَ الكلامِ عليه في ذلكَ البابِ
(5)
.
قال النووي
(6)
: "قد أَجمعَ العلماءُ على أَنهُ منهيٌّ عنهُ، ثمَّ الجماهيرُ على أنه نهيُ تنزيهٍ وأَدبٍ لا نهيُ تحريمٍ. وذهبَ بعضُ أَهلِ الظاهرِ إلى أنهُ حرامٌ، قالَ: وأَشارَ إلى تحريمهِ جماعةٌ مِنْ أَصحابِنَا ولا تعويلَ على إشارَتِهم قالَ: قالَ أَصحابُنَا: ويُستحبُّ أَنْ لا يستعينَ باليدِ اليمنى في شيءٍ مِنْ أمورِ الاستنجاءِ إلَّا لعذرٍ، فإذا استنجى بماءٍ صبَّهُ باليمنى [ومسحَ]
(7)
باليُسرى، وإذا استنجى بحجرٍ فإنْ كان في الدُّبُر مسحَ بيسارِهِ، وإنْ كانَ في القُبُلِ وأَمكنَهُ وضْعُ الحجرِ على الأرضِ
(1)
في صحيحه (1/ 223 رقم 262).
(2)
في سننه (1/ 17 رقم 7).
(3)
في سننه (1/ 24 رقم 16) وقال: حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه النسائي (1/ 38 رقم 41) وابن ماجه (1/ 115 رقم 316).
وهو حديث صحيح.
(4)
الباب الخامس عند الحديث رقم (10/ 84) من كتابنا هذا.
(5)
أي الباب الخامس المتقدم. عند الحديث رقم (10/ 84) من كتابنا هذا.
(6)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 156).
(7)
في (ب): (ومسحه).
أو بينَ قدميهِ بحيثُ يتأتى مسحَه أمسَكَ الذَّكرَ بيسارِه ومسحَهُ على الحجَرِ، وإن لم يمكِنْهُ واضطُرَّ إلى حملِ الحجرِ حملَهُ بيمينهِ، وأَمسكَ الذَّكرَ بيسارِهِ، ومسحَ بها، ولا يحرِّكُ اليمنَى، هذا هو الصوابُ. قالَ: وقال بعضُ أَصحابِنَا: يأخذُ الحجرَ بيسارِهِ، والذَّكرَ بيمينِهِ ويمسحُ ويحرِّكُ اليُسرى، وهذا ليسَ بصحيح لأنهُ يمسُّ الذكرَ مِنْ غيرِ ضرورةٍ، وقد نُهيَ عنهُ، ثم إن في النهي عن الاستنجاءِ باليمينِ تنبيهًا على إكرَامِها وصيانَتِها عن الأقذارِ ونحوها". اهـ.
والحاصِلُ أنه قد وردَ النهيُ عن مسِّ الذكَرِ باليمينِ في الحديثِ المتفقِ عليهِ، ووردَ النهيُ عن الاستنجاءِ باليمينِ في هذا الحديثِ وغيرهِ، فلا يجوزُ استعمالُ اليمينِ في أَحدِ الأَمرين، وإذا دَعَتِ الضرورةُ إلى الانتفاعِ بها في أحدِهما استعمَلَها قاضي الحاجةِ في أَخفِّ الأمَريْنِ في نظرِهِ.
وأَما النهى عن الاستنجاءِ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ فَقَدْ ذكرْنَا في باب نهي المتخلِّي عن استقبالِ القِبلةِ
(1)
الرواياتِ الواردةِ في هذا المعنى، وذكرْنَا هنالِكَ طرفًا مِنْ فقْهِ هذهِ الجملةِ فليُرْجَعْ إليهِ.
وقد قالَ بعضُ أهلِ الظاهِرِ: إَّن الاستجمارَ بالحجرِ متعيِّنْ لنصِّهِ صلى الله عليه وسلم عليها فلا يُجزئُ غيرهُ، وذهبَ الجمهورُ إلى أن الحجرَ ليسَ متعيِّنًا، بل تقومُ الخِرقَةُ والخشَبُ وغيرُ ذلكَ مقامَهُ، قالَ النوويُّ
(2)
: فلا يكونُ له مفهومٌ كما في قولِهِ تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ}
(3)
. ويدل على عدم تعيُّنِ الحجَرِ نهيهُ صلى الله عليه وسلم عن العظمِ والبعْرِ والرجيعِ
(4)
، ولو كانَ متعينًا لنهي عما سِوَاهُ مطلقًا، وعلى الجملةِ كلُّ جامِدٍ
(5)
طاهرِ مزيلٍ للعينِ ليس له حُرْمَة يجزيءُ الاستجمارُ بهِ.
(1)
الباب الخامس المتقدم عن الحديث رقم (10/ 84) من كتابنا هذا.
(2)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 157).
(3)
سورة الأنعام: الآية 151.
(4)
انظر: "الباب الثاني عشر" باب في إلحاق ما كان في معنى الأحجار بها. عند الأحاديث رقم (33/ 107) و (34/ 108) من كتابنا هذا.
"والباب الثالث عشر" باب النهي عن الاستجمار بالروث والرمَّة.
عند الأحاديث رقم (35/ 109) و (36/ 110) من كتابنا هذا.
(5)
في (ب): بعد (جامد) كلمة (جماد).
وأما النهيُ عن الاستنجاءِ برجيعٍ أو بعظمٍ فقد ثبتَ مِنْ طرقٍ متعددةٍ. والرجيعُ: الروْثُ، وفيه تنبيهٌ على النهيَ عَنْ جِنْسِ النجَسِ فلا يُجزئُ الاستنجاءُ بنجسٍ أو منتجِّسٍ. وقد ذهبتِ العترةُ والشافعيُّ وأصحابهُ
(1)
إلى عدمِ إجزاء العظمِ والرَّوْثِ، وقال أبو حنيفةَ
(2)
: يُكرهُ ويُجزئُ إذِ القصدُ تخفيفُ النجاسةِ، وهو يحصلُ بهمَا ويدل للأَوَّلِ ما أخرجَهَ الدارقطني
(3)
وصححَهُ من حديثِ أبي هريرةَ، وفيهِ أنهما لا يُطهرانِ.
والنهيُ عن العظمِ لكونِهِ طعامَ الجنِّ كما سيأتي
(4)
، وفيه تنبيهٌ على جميعِ المطعوماتِ ويلتحقُ بهَا المحترماتُ كأجزاءِ الحيواناتِ وأوراقِ كُتبِ العلم وغيرُ ذلك.
قوله: (الخراءة) هي العَذرةُ، قال في القاموس
(5)
: خَرِئَ كسمِعَ، خَرْأً وخَرَاءَةً ويُكسَرُ وخُرُوءًا: سَلَحَ، والخُرْءُ بالضمِّ العُذرَةُ.
31/ 105 - (وَعَنْ جَابِرٍ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: قالَ: "إذَا اسْتَجْمَرَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلاثًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ)
(6)
. [صحيح]
(1)
البحر الزخار (1/ 49). وانظر: "المهذب"(1/ 113 - 114).
(2)
انظر: "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق". لعثمان بن علي الزيلعي. (1/ 78).
(3)
في سننه (1/ 56 رقم 9) وقال: إسناده صحيح. وسيأتي رقم (36/ 110) من كتابنا هذا.
(4)
سيأتي رقم (37/ 111) من كتابنا هذا.
(5)
القاموس المحيط ص 49.
(6)
أخرج أحمد في "المسند"(3/ 336) من طريق ابن لهيعة، ثنا أبو الزبير، عن جابر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا تغوَّط أحدكم فليمسح ثلاث مرات".
وأخرج أحمد في "المسند"(3/ 400) من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش عن سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا".
وأخرج أحمد في "المسند"(3/ 294) من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استجمر أحدكم فليوتر".
قلت: وأخرجه مسلم (رقم 24/ 239) وأبو عوانة (1/ 219).
قلت: وقد صرح أبو الزبير بالسماع من جابر فانتفت علة التدليس.
وخلاصة القول أن الحديث صحيح.
32/ 106 - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنِ استْجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ". رَوَاهُ أحْمَدُ
(1)
وَأَبُو دَاوُدَ
(2)
وَابْنُ مَاجَهْ)
(3)
. [ضعيف]
الحديثُ الأولُ فيه ابنُ لهيعةَ، وقد أَخْرجَهُ أَيضًا الضياءُ
(4)
وابنُ أبي شيبةَ
(5)
، ورواهُ النَّسائيُّ في "شيوخِ الزهري"
(6)
، وابن مندَهُ في "المعرفةِ"
(7)
، والطبرانيُّ
(8)
من حديثِ أبي غسانَ محمدِ بن يحيى الكِتاني عن أبيه عن ابن أخي ابن شهابٍ عن ابن شهابٍ، أخبرني خَلَّادُ بنُ السائبِ عن أبيهِ أنهُ سمعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ:"إذَا تغوَّطَ الرجلُ فلْيَتمسَّحْ ثلاثَ مرَّاتٍ".
وله طريقٌ أُخرى
(9)
عن خَلَّادِ بن السائبِ عن أبيهِ في حديثِ البغويِّ عن هُدبةَ، وأعلَّ ابنُ حزمِ
(10)
الطريقَ الأُولى بأنَّ محمدَ بنَ يحيى
(11)
مجهولٌ. وأَخطأَ
(1)
في "المسند"(2/ 371).
(2)
في السنن (1/ 33 رقم 35).
(3)
في سننه (رقم 337) ورقم (3498 مختصرًا).
(4)
مسند جابر في الجزء المفقود.
(5)
في "المصنف"(1/ 155).
(6)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 110). والكتاب: "شيوخ الزهري" للنسائي.
(7)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 110).
وكتاب المعرفة لأبي عبد الله، محمد بن إسحاق بن منده، وهو كتاب كبير، جليل، قال ابن عساكر: وله فيه أوهام كثيرة. انظر: "الرسالة المستطرفة" ص 127.
وهو يزيد على أربعين جزءًا، لم يصل إلينا منه إلَّا الجزءان السابع والثلاثون، والثاني والأربعون.
وانظر: "معجم المصنفات" ص 259 - 260.
(8)
في "الأوسط" رقم (1696) بسند حسن.
(9)
أخرجه الطبراني في "الكبير"(7/ 141 رقم 6623).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 211) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه حماد بن الجعد، وقد أجمعوا على ضعفه.
قلت: ليس حماد في سند الأوسط. وأخرجه الطبراني في "الكبير" رقم (6624) من طريق محمد بن يزيد بن سنان، ثنا أبي. بسند ضعيف.
(10)
في "المحلى"(1/ 98).
(11)
محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد الكناني. أبو غسان المدني [خ]. =
بلْ هوَ معروفٌ، أخرجَ لهُ البخاريُّ، وقال النسائيُّ: ليسَ به بأسٌ، قالَهُ الحافِظُ
(1)
.
وأما الحديثُ الثاني فأخرجَهُ أيضًا ابنُ حِبانُ
(2)
والحاكمُ
(3)
والبيهقى
(4)
، ومدارُهُ على أبي سعيدٍ الحبرانيُّ الحِمصيِّ
(5)
، وفيه اختلافٌ، وقيلَ: إنهُ صحابيٌّ، قالَ الحافِظُ: ولا يَصُحُّ، والراوي عنهُ حُصينٌ الحبرانيُّ وهو مجهولٌ، وقالَ أَبو زُرعةَ: شيخٌ، وذكرهُ ابنُ حِبان في الثقات، وذكرَ الدارقطنيُّ الاختلافَ فيه في العِللِ.
والحديثُ الأولُ يدلُّ على شرعيةِ الاستجمارِ بثلاثةِ أحجارٍ ووجوبِهِ. وقد تقدّمَ ذِكْرُ الخلافِ فيهِ في بابِ نهي المتخلِّي عن استقبالِ القِبلةِ
(6)
.
والحديثُ الثاني يدلُّ على الإِيتارِ، وعلى استحبابهِ وعَدَمِ وجوبِهِ. لقوله:"ومَنْ لا فَلا حَرَجَ". قالَ الحافظُ في الفتحِ
(7)
: "وهذهِ الزيادةُ حسنةُ الإِسنادِ، وقد أخذَ بظاهرِهِ القاسميةُ وأبو حنيفةَ ومالكٌ فقالوا: لا يُعتبرُ العددُ، بلِ المعتبرُ الإِيتارُ، وخالفهُمُ الشافعي وأصحابهُ وغيرُهم كما تقدم
(8)
. وقالوا: لا يجوزُ الاستجمارُ بدونِ ثلاثٍ، ويجوزُ بأكثرَ منها، إنْ لم يحصلِ الإِنقاءُ بها.
وقد أشارَ المصنفُ
(9)
رحمه الله إلى ما هوَ الحقُّ وهوَ الذي لاحَ لي، فقالَ:"وهذا محمولٌ على أن القطعَ على وِتْرٍ سُنَّةٌ فيما إذا زادَ على ثلاثٍ جمعًا بينَ النصوص" اهـ.
= قال ابن حجر في "التقريب"(2/ 218): "ثقة لم يصب السليماني في تضعيفه". وقال الذهبي في "الكاشف"(3/ 107): صدوق.
(1)
في "تهذيب التهذيب"(3/ 731).
(2)
في صحيحه (4/ 257 رقم 1410) بسند ضعيف.
(3)
في المستدرك (1/ 158).
(4)
في السنن الكبرى (1/ 94).
(5)
انظر: "تهذيب التهذيب"(4/ 528).
(6)
الباب الخامس. عند الحديث (10/ 84) من كتابنا هذا.
(7)
فتح الباري (1/ 257).
(8)
انظر: البحر الزخار (1/ 49)، والأم (1/ 95 - 96)، و "شرح معاني الآثار"(1/ 122).
(9)
أي ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 58).
والأدلةُ المتعاضِدَةُ قد دلَّتْ على عدمِ جوازِ الاستجمارِ بدونِ ثلاثٍ، وليسَ لمن جَوَّزَ دليلٌ يصلُحُ للتمسُّكِ به في مقابَلَتِها. وقد تقدَّمَ الكلامُ عليهِ وسيأتي أيضًا.
[الباب الثاني عشر] باب في إلحاق ما كان في معنى الأحجار بها
33/ 107 - (عَنْ خُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ رضي الله عنه أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الاسْتِطَابَةِ فَقال: "بِثَلَاثة أحْجَارٍ لَيسَ فيِهَا رَجِيعٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ
(1)
وَأَبُو دَاوُدَ
(2)
وابْنُ ماجَهْ)
(3)
. [صحيح]
34/ 108 - (وَعَنْ سَلمْانَ قالَ: أمَرَنا - يعني النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن لا نَكْتفِي بِدُونِ ثلاثَةِ أحْجارٍ ليسَ فِيها رَجيعٌ وَلا عَظْمٌ. رَواهُ أحمدُ
(4)
وابْنُ ماجهْ)
(5)
. [صحيح]
الحديثُ الأولُ: رجالُ إسنادِهِ ثقاتٌ، فإنه أَخرجَهُ أبو داودَ عن شيخِهِ [عبدِ اللَّهِ بن محمدِ النفيليِّ]
(6)
عن أبي معاويةَ عن هشامِ بن عُروِة عن عمروِ بن خُزيمةَ عن عمارةَ بن خُزيمةَ عَنْ خُزيمةَ بن ثابتٍ.
والحديثُ الثاني هو أيضًا في صحيح مسلم
(7)
، وقد عارضَتِ الحنفيةُ هذا الحديثَ الدال على وجوبِ الثلاثِ بحديثِ ابن مسعودِ الذي سيأتي
(8)
، وفيه: "فأخذَ
(1)
في المسند (5/ 213).
(2)
في سننه (1/ 37 رقم 41).
(3)
في سننه (1/ 114 رقم 315).
وهو حديث صحيح.
(4)
في المسند (5/ 437).
(5)
في سننه (1/ 115 رقم 316).
قلت: وأخرجه مسلم رقم (262) والترمذي رقم (16) والنسائي رقم (41) و (49) وأبو داود رقم (7). وهو حديث صحيح.
(6)
في "المخطوط"[محمد بن عبد الله النفيلي] وهو خطأ. والصواب ما أثبتناه.
انظر: "تهذيب التهذيب"(2/ 426 - 427).
(7)
رقم (262) كما تقدم.
(8)
رقم (39/ 113) من كتابنا هذا.
الحجرينِ وألقى الروثَةَ". قال الطحاويُّ
(1)
: "هوَ دليلٌ على أن عددَ الأحجارِ ليسَ بشرطِ لأنه قعدَ للغائِطِ في مكانٍ ليسَ فيهِ أحجارٌ لقولِهِ: ناوِلني، فلما ألقَى الروثةَ دلَّ على أن الاستنجاءَ بالحجرينِ يُجزئُ، إذْ لو لم يكنْ ذلكَ لقال: ابغني ثالثًا. ورَدَّهُ الحافظ
(2)
وقالَ: قَدْ روى أحمدُ
(3)
فيهِ هذِه الزيادةَ بإسنادٍ رجالَهُ ثقاتٌ، قالَ في آخرهِ:"فألقى الروثةَ. وقالَ: إنها رِكْسٌ ائتني بحجرٍ". قالَ: معَ أنهُ ليسَ فيما ذكرَ استدلالٌ لأنه مجرَّدُ احتمالٍ. وحديثُ سلمان
(4)
نصٌّ في عدمِ الاقتصارِ على ما دونَها، ثم حديثُ سلمانَ قولٌ، وحديثُ ابن مسعودٍ فعل وإذَا تعارضَا قُدِّمَ القولُ" انتهى.
وأَيضًا في سائرِ الأحاديثِ الناصَّةِ على وجوبِ الثلاثِ زيادةٌ يجبُ المصيرُ إليها معَ عدمِ منافاتِها بالاتفاقِ، ولم تَقَع هُنَا منافيةَ فالأخذُ بها متحتمٌ، وقدْ تقدمَ الكلامُ على الحديثينِ في مواضِعَ من هذا الكتاب فلا نعيدُه.
قالَ المصنفُ
(5)
رحمه الله: "ولولا أَنهُ أَرَادَ الحجرَ وما كانَ نحوهُ في الإنقاءِ لم يكنْ لاستثناءِ العظمِ والرَّوْثِ معنى، ولا حَسُنَ تعليل النهي عنهما بكونِهما من طعامِ الجِنِّ؛ وقد صح عنه التعليلَ بذلك"
(6)
اهـ.
وهذا الكلام هو وجه ترجمة الباب بتلك الترجمة وهو حسن.
(1)
في "شرح معاني الآثار"(1/ 122).
(2)
في "الفتح"(1/ 257).
(3)
في المسند (6/ 146) من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وقال: إنها ركس، ائتني بحجر".
قال الحافظ في "الفتح"(1/ 257): "ورجاله ثقات أثبات
…
وقد قيل إن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة، لكن أثبت سماعه لهذا الحديث منه الكرابيسي،
…
".
قلت: لكن قال ابن المديني: لم يلق أبو إسحاق علقمة. كما في جامع التحصيل ص 300.
وقال أبو حاتم وأبو زرعة: لم يسمع أبو إسحاق من علقمة حرفًا. كما في "المراسيل" ص 145.
والخلاصة أن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة. والزيادة المذكورة في طريقه غير صحيحه والله أعلم.
(4)
وهو حديث صحيح. تقدم تخريجه رقم (34/ 108) من كتابنا هذا.
(5)
أي ابن تيمية الجد في كتابه "المنتقى"(1/ 58).
(6)
انظر الحديث رقم (37/ 111) من كتابنا هذا.
[الباب الثالث عشر] باب النهي عن الاستجمار بالروث والرِّمَّة
35/ 109 - (عَنْ جابِر بْنِ عبدِ الله رضي الله عنه قال: نَهى النّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُتمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بَعْرَةٍ. رَواهُ أحمدُ
(1)
ومُسلِمٌ
(2)
وأبُو داوُدَ)
(3)
. [صحيح]
36/ 110 - (وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أَن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أنْ يُستَنْجَى بِرَوْث أوْ بِعَظْم وَقالَ: "إنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي
(4)
وَقَالَ: إسْنَادٌ صحيحٌ. [صحيح]
النهيُ عن العظمِ قد تقدَّم في أَحاديثَ متعددة في المتنِ والشرحِ، والنهيُ عن البعرةِ ثابتٌ في روايةِ جابرٍ وغيرهِ.
وقد أخرجَ الحديثَ الثاني ابنُ خزيمةَ
(5)
بهذا اللفظِ، ورواهُ البخاريُّ
(6)
بلفظ: "ولا تَأتني بعظمٍ ولا رَوْثٍ"، وزادَ في بابِ المبعثِ
(7)
: "إنَّهما مِنْ طعامِ الجنِّ".
وهو عندَ مُسْلِمٍ
(8)
من حديث ابن مسعودٍ. وعندَ أَبي داودَ
(9)
والدارقطنيِّ
(10)
والنسائيِّ
(11)
والحاكمِ
(12)
من حديثِهِ. وأخرجَهُ البيهقيُّ
(13)
مطوَّلًا.
(1)
في المسند (3/ 343).
(2)
في صحيحه (1/ 224 رقم 58/ 263).
(3)
في سننه (1/ 36 رقم 38). وهو حديث صحيح.
(4)
في سننه (1/ 56 رقم 9) وإسناده صحيح.
(5)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 109). ولم أجده بهذا اللفظ في صحيحه، والله أعلم.
(6)
وهو جزء من حديث أبي هريرة (1/ 255 رقم 155).
(7)
وهو جزء من حديث أبي هريرة (7/ 171 رقم 3860).
(8)
في صحيحه (1/ 332 رقم 150/ 450). وسيأتي رقم (37/ 111) من كتابنا هذا.
(9)
في سننه (1/ 67 رقم 85) مختصرًا.
(10)
في السنن (1/ 77 رقم 12).
(11)
في سننه (1/ 37 - 38 رقم 39).
(12)
في المستدرك (2/ 503).
(13)
في السنن الكبرى (1/ 107 - 108) مطولًا. وانظر: "نصب الراية"(1/ 137 - 138).
وهوَ عِندَ الطبراني
(1)
من حديثِ الزُّبيرِ، بسندٍ ضعيف.
وعندَ أَحمدَ
(2)
بإسناد واهٍ منْ حديثِ سَهْلِ بن حُنيفٍ.
وعندَ أَبي داودَ
(3)
والنسائيِّ
(4)
منْ حديثِ رُوَيفعٍ.
وعندَ الدارقُطنيِّ
(5)
عن رجلٍ منَ الصحابَةِ.
وفي الحديثينِ دليلٌ على وجوبِ اجتنابِ العظمِ والروثِ، وعدمِ الاجتزاءِ بهما.
[و]
(6)
قوله: (إنَّهما لا يُطَهِّرانِ) يردُّ قولَ أبي حنيفةَ الذي أَسلفناهُ من أنه يُجزئُ بهما. قيلَ: والعِلَّةُ في النهي عن العظمِ اللزوجة المصاحِبَة لهُ التي لا يكادُ يتماسَكُ معهَا. وقيلَ: عدمُ خُلُوِّه في الغالِبِ عن الدُّسومةِ. وقيلَ: لكونِهِ طعامَ الجنِّ، وهذا هو المتعينُ لورودِ النصِّ بهِ فيلحقُ بهِ سائرُ المطعومَاتِ.
وأما الروثُ فَعِلَّةُ النهي عنهُ النجاسةُ، والنجاسةُ لا تُزالُ بمثلِهَا.
[الباب الرابع عشر] باب النهي أن يستنجي بمطعوم أو بما له حُرمة
37/ 111 - (عَنْ ابْنِ مَسْعُودِ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:
(1)
في "الكبير"(1/ 125 رقم 251). وأورده الهيثمي في "المجمع"(1/ 209 - 210).
وقال: "إسناده حسن ليس فيه غير بقية وقد صرح بالتحديث" اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص"(1/ 109): "رواه الطبراني بسند ضعيف".
قلت: فيه مجاهيل ثلاثة: قحافة بن ربيعة: قال عنه الحافظ في "التقريب"(رقم 5524) مجهول.
ونمير بن يزيد القَيني. قال عنه الحافظ في "التقريب"(رقم 7192): شامي مجهول.
ووالده يزيد مجهول.
وخلاصة القول أن السند ضعيف جدًّا.
(2)
في المسند (3/ 487).
قال ابن حجر في "التلخيص"(1/ 109): "إسناده واهٍ".
(3)
في السنن (1/ 34 - 36 رقم 36).
(4)
في السنن (8/ 135 - 136 رقم 5067). وهو حديث صحيح.
(5)
في السنن (1/ 56 رقم 8) وقال الدارقطني: "هذا إسناد غير ثابت أيضًا، عبد الله بن عبد الرحمن: مجهول" اهـ.
(6)
زيادة من (جـ).
"أتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأتُ عَلَيهِم الْقُرْآن" قال: فانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَألُوه الزَّادَ، فَقَالَ:"لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْم الله عَلَيهِ يَقَعُ في أيديِكُمْ أوْفَرَ مَا يَكُونَ لَحْمًا، وَكُل بَعْرَةٍ عَلْفٌ لِدَوَابكُمْ"، فقال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهما فَإنَّهُمَا طَعَامُ إخوَانِكمْ". رَوَاهُ أحْمَدُ
(1)
وَمُسِلمٌ)
(2)
. [صحيح]
الحديثُ رواهُ أيضًا أبو داودَ
(3)
والدارقطني
(4)
والنسائي
(5)
والحاكمُ
(6)
.
وفي البابِ عن الزبيرِ بن العوامِ رواهُ الطبرانيُّ
(7)
بسندٍ ضعيفٍ.
وعنْ سلمانَ رواهُ مسلم
(8)
.
وعنْ جابرٍ عندَ مسلمٍ
(9)
وغيرِهِ كما سلفَ.
وقد وردَ في البابِ أحاديثُ متعددةٌ مصرِّحةٌ بالنهي عن العظمِ والرَّوثِ قد ذكرنَا بعضَ طرقِها في الحديثِ الذي قبلَ هذا.
ورواهُ أيضًا أبو عبدِ اللَّهِ الحاكمُ في دلائلِ النبوةِ
(10)
قالَ: "إن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال لابنِ مسعودٍ ليلةَ الجِنِّ: أولئكَ جِنُّ نصِيبينَ جاءوني فسألوني الزَّادَ، فمتعتُهم بالعظمِ والروثِ، قالَ: وما يغني عنهم ذلكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: إنَّهم لا يجدونَ عظمًا إلا وجدُوا عليهِ لَحْمَهُ الذي كانَ عليهِ يومَ أُخِذَ، ولا يجدونَ رَوْثًا إلَّا وجدُوا فيه حبَّه الذي كانَ يومَ أُكِلَ فلا يَستنجِ أحدٌ لا بعظيم ولا بروثٍ".
(1)
في المسند (1/ 436، 457).
(2)
في صحيحه (1/ 332 رقم 150/ 450).
(3)
في سننه (1/ 67 رقم 85).
(4)
في السنن (1/ 77 رقم 12).
(5)
في سننه (1/ 37 - 38 رقم 39).
(6)
في المستدرك (2/ 503). وهو حديث صحيح تقدم أثناء شرح الحديث رقم (36/ 110).
(7)
في "المعجم الكبير"(1/ 125 - 126 رقم 251). بسند ضعيف جدًّا.
تقدم الكلام عليه أثناء شرح الحديث رقم (36/ 110).
(8)
رقم (262) كما تقدم عند الحديث رقم (34/ 108).
(9)
رقم (263) كما تقدم عند الحديث رقم (35/ 109).
(10)
لم أعثر عليه.
وفي روايةِ أبي داودَ
(1)
عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ قالَ: "قَدِمَ وفدُ الجِنِّ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمدُ أنْهُ أمتكَ أن يستنجُوا بعظم أو رَوْثَةٍ أو حُمَمَة
(2)
فإنَّ اللَّهَ تعالى جعلَ لنا فيها رِزقًا، قالَ: فنهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذَلكَ" وفي إسنادِهِ إِسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ
(3)
.
والحديثُ قد تقدَّمَ الكلامُ على فقهِهِ في مواضِعَ.
قالَ المصنفُ
(4)
رحمه الله: "وفيهِ تنبيهٌ على النهي عن إطعامِ الدوابِّ النجاسةَ" اهـ.
لأنَّ تعليلَ النهي عن الاستجمارِ بالبعرةِ بكونِها طعامَ دوابَّ الجنِّ يُشْعِرُ بذلكَ.
38/ 112 - (وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ كانَ يَحْمِل معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إداوَةَ لِوضُوئِه وحاجَتِهِ، فبينْمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِها قالَ: "مَنْ هذا؟ " قال: أنا أبُو هُرَيْرةَ، قال: "ابْغِني أحجارًا أَسْتَنْفِضُ بِها وَلا تأتِنِي بِعَظْمٍ وَلا بِرَوْثَةٍ" فأتيتُه بِأحْجارٍ أحْمِلُها في طَرَفِ ثَوْبِي حَتَّى وضَعْتُ إلى جَنْبِه ثمَّ انْصَرَفْتُ حَتَّى إذا فَرَغَ مَشَيْتُ، فقلتُ: ما بَال العَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: "هُما مِنْ طَعامِ الجِنِّ وَإِنَّهُ أتاني وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِين وَنِعْمَ الجِنُّ فَسألونِي الزَّادَ فَدَعَوْتُ الله لَهُمْ أن لا يَمُرُّوا بعَظْمٍ وَلا بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَليها طَعامًا". رَواهُ البُخاريُّ)
(5)
. [صحيح]
(1)
في السنن (1/ 36 رقم 39). وهو حديث صحيح.
(2)
"بضم الحاء وفتح الميمين. والحمم: الفحم وما أحرق من الخشب والعظام ونحوهما، والاستنجاء به منهي عنه لأنه جعل رزقًا للجن، فلا يجوز إفساده عليهم، وفيه أيضًا أنه إذا مسَّ ذلك المكان وناله أدنى غمز وضغط تفتت لرخاوته فعلق به شيء منه متلوثًا بما يلقاه من تلك النجاسة، وفي معناه الاستنجاء بالتراب وفتات المدر ونحوهما" اهـ من كلام الخطابي في معالم السنن (1/ 36 - 37 - مع السنن).
(3)
قال الحافظ في "التقريب"(رقم: 473): "إسماعيل بن عياش أبو عتبة الحمصي: صدوق في روايته عن أهل بلده، مُخَلِّط في غيرهم".
(4)
أي ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 59).
(5)
في صحيحه (1/ 177 رقم 3860).
الحديثُ هكذَا ساقَهُ البخاريُّ في باب ذكرِ الجِنِّ وهو أتمُّ مما ساقَهُ في الطهارَةِ، وأخرجَهُ البيهقيُّ
(1)
من الوجهِ الذي أخرجَهُ منهُ مُطَوَّلًا.
قوله: (ابغِني أحجَارًا) بالوصْلِ من الثلاثي أي اطلُبْ لي، يُقالُ: بغيتُكَ الشيءَ أي طلبتُهُ لكَ. وفي روايةٍ بالقطعِ يُقالُ: أبغيتُكَ الشيءَ أي أعنتُكَ على طلبِه، والوصْلُ أنسَبُ بالسياقِ كذا في الفتح
(2)
.
قوله: (أستنفِضْ) بفاءٍ مكسورةٍ وضادٍ معجمةٍ مجزومٌ لأنه جوابُ الأمْرِ، ويجوزُ الرفعُ على الاستئنافِ. ومعنىَ الاستنفاضِ: النفضُ. وهو أن يَهُزَّ الشيءَ ليطيرَ غبارُهُ، وفي القاموسِ
(3)
: استنفضَهُ: استخرجَهُ، وبالحجَرِ استنجَى. قالَ الحافظُ
(4)
: ومَنْ رواهُ بالقافِ فقدْ صحَّفَ.
قوله: (ولا تأتِني) قالَ الحافظُ
(5)
: كأنهُ صلى الله عليه وسلم خشي أن أبا هريرةَ فَهِمَ مِنْ قولِهِ: (أستَنجي) أن كلَّ ما يُزيلُ الأثرَ ويُنَقِّي كافٍ، ولا اختصاصَ لذلكَ بالأحجَارِ فنبَّهَهُ باقتصارِهِ في النهي على العظمِ والروثِ على أن ما سِوَاهُما يُجزئُ، ولو كانَ ذلكَ مُختصًّا بالأحجَارِ كما يقولهُ بعضُ الحنابلةِ والظاهِريَّةِ لم يكنْ لتخصيصِ هذينِ [للنهي]
(6)
معنَى وإنما خصَّ الأحجارَ بالذكرِ لكثرةِ وجودِها.
قوله: (هُما مِنْ طعامِ الجِنِّ) قالَ الحافِظُ
(7)
: الظاهِرُ مِنْ هذا التعليلِ اختصاص المنع بهما. والحديث قد تقدم الكلام على فقهه.
[الباب الخامس عشر] باب ما لا يستنجى به لنجاسته
39/ 113 - (عَن ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: أتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الغائِط
(1)
في السنن الكبرى (1/ 107 - 108).
(2)
فتح الباري (1/ 255 - 256).
(3)
القاموس المحيط ص 846.
(4)
في فتح الباري: (1/ 256).
(5)
في فتح الباري: (1/ 256).
(6)
في (جـ): (بالنهي).
(7)
في فتح الباري: (1/ 256).
فأمَرَنِي أنْ آتِيَهُ بثَلاثَةِ أحجار فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالتَمَسْتُ الثالث فَلمْ أجدْ فأخَذْتُ رَوْثَةً فأتَيْتُهُ بها فأخذ الحَجَرَيْن وَألقْى الرَّوْثةَ، وقَالَ:"هذه رِكْسٌ". رَوَاهُ أحمدُ
(1)
وَالبُخارِي
(2)
والتِّرْمذِي
(3)
والنِّسائي
(4)
وَزاد فيهِ أحمدُ (1) في رِواية لهُ: "ائْتِنِي بِحَجَرٍ"). [صحيح]
قوله: (فلم أجدْ)، في روايةٍ للبخاريِّ:(فلم أَجِدْهُ) والضميرُ للحَجَرِ.
قوله: (فأخذتُ روثةَ) زادَ ابنُ خُزيمة
(5)
في روايةٍ لهُ في هذا الحديثِ أنها كانتْ رَوْثَةَ حمارٍ، ونقلَ التيميُّ أن الروثَ مختصٌّ بما يكونُ مِنَ الخيلِ والبغال والحميرِ.
قوله: (وألقى الروثةَ) استدلَّ به الطحاويُّ
(6)
على عدمِ وجوبِ الثلاثِ، وقد سبقَ الردُّ عليهِ بروايةِ أحمدَ المذكورةِ هاهنا في بابِ إلحاقِ ما كان في معنى الأحجَارِ
(7)
.
قوله: (هذهِ رِكْسٌ) الرِّكْسُ بكسر الراءِ وإسكانِ الكافِ قيلَ: هي لغةٌ في رِجْسٍ. ويدلُّ عليه روايةُ ابن ماجَهْ
(8)
وابنِ خُزيمةَ
(9)
في هذا الحديث فإنها عندَهُما بالجيم.
(1)
في المسند (6/ 146). ولم يسمع أبو إسحاق من علقمة.
وقد تقدم الكلام على زيادة أحمد في شرح الحديث رقم (34/ 108) وهي ضعيفة.
(2)
في صحيحه (1/ 256 رقم 156).
(3)
في السنن (1/ 25 رقم 17).
(4)
في السنن (1/ 39 - 41 رقم 42). قلت: وأخرجه الدارقطني (1/ 55 رقم 5). وابن ماجه (1/ 114 رقم 314) والبيهقي (1/ 108) والطيالسي رقم (287) والطبراني في الكبير (73/ 10 رقم 9951).
وهو حديث صحيح.
(5)
في صحيحه (1/ 39 رقم 70).
(6)
في "شرح معاني الآثار"(1/ 122).
(7)
الباب الثاني عشر. عند الحديث رقم (33/ 107) و (34/ 108).
(8)
في السنن (1/ 114 رقم 314).
(9)
في صحيحه (1/ 39 رقم 70).
وقالَ ابنُ بطال: لم أرَ هذا الحرفَ في اللغةِ يعني رِكْسٌ، وتعقبهُ أبو عبدِ الملكِ بأنَّ معناهُ الرد من حالةِ الطهارةِ إلى حالةِ النجاسةِ. قال الله تعالى:{أُرْكِسُوا فِيهَا}
(1)
أي رُدُّوا. قال الحافِظُ
(2)
: "ولو ثبتَ ما قالَ لكانَ بفتحِ الراءِ يقالُ: أَرْكَسَهُ رِكْسًا إذا ردَّه. وفي روايةِ الترمذيِّ
(3)
: "هذا رِكْسٌ" يعني نَجسًا. وأغربَ النسائيُّ
(4)
فقالَ: الرِّكْسُ: طعامُ الجِنِّ". قالَ الحافِظُ
(5)
: "وهذا إنْ ثبتَ في اللغةِ فهو مُزِيحٌ للإِشكالِ". وفي القاموس
(6)
: "الرِّكْسُ: رَدُّ الشيءِ مقلوبًا، وقلبُ أوَّله على آخِره، وشدُّ الرِّكاسِ، وهو حبلٌ يُشَدُّ في خَطْمِ الجَمَل إلى رُسْغِ يديْهِ فَيُضَيِّقُ عليهِ فيبقَى رأسُه معلقًا، وبالكسْر:[النَّجَسُ]
(7)
انتهى. وقد ذكرَ الشَّاذَكوني
(8)
أن في الحديثِ. تدليسًا
(9)
وقالَ: إنه لم يسمعْ في التدليسِ بأخفى منهُ، وقد ردَّهُ في الفتح
(10)
فليرجَعْ إليه.
والحديثُ يدلُّ على المنعِ من الاستجمارِ بالروثةِ، وقد تقدمَ الكلامُ عليهِ.
(1)
جزء من الآية (91) من سورة النساء.
(2)
في فتح الباري (1/ 258).
(3)
في سننه (1/ 25 رقم 17).
(4)
في سننه (1/ 41).
(5)
في فتح الباري (1/ 258).
(6)
في القاموس المحيط ص 708.
(7)
في القاموس: [الرجس].
(8)
الشَّاذَكوني: هو أبو أيوب، سليمان بن داود بن بشر بن زياد المقري البصري الشاذكوني.
كان حافظًا مكثرًا، وكان مع علمه ضعيفًا في الحديث.
انظر: "اللباب في تهذيب الأنساب" لابن الأثير. (2/ 172).
(9)
ووجه التدليس هنا: أن أبا إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكرهُ - أي لي - ولكن عبد الرحمن بن الأسود - أي ذكر الحديث ولم يقل: لي - فاحتمل أن يكون ذكره لغيره، ولم يذكر هذا الغير.
ولكن البخاري دفع هذا الاحتمال عندما ذكر في نهاية الحديث - (رقم 156) - بقوله: (وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق: حدثني عبد الرحمن) وفيه تصريح أبي إسحاق بالسماع فاندفع الاحتمال.
(10)
في فتح الباري (1/ 258).
[الباب السادس عشر] باب الاستنجاء بالماء
40/ 114 - (عَنْ أنَس بْنِ مالكٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ الخَلأَ فأحْمِلُ أنا وغُلامٌ نَحْوِي إداوَةً مِنْ ماءٍ وَعَنَزَة فيسْتَنْجِي بِالمَاء. مُتَّفَقٌ عَليْهِ)
(1)
. [صحيح]
قوله: (إِداوةً) هي بكسر الهمزة؛ إناءٌ صغيرٌ مِنْ جِلْدِ.
قوله: (وعنزةً) هي بفتحِ النُّونِ، عَصَا أقصَرُ مِنَ الرمْحِ لها سِنَانٌ، وقيلَ: هي الحربةُ القصيرةُ.
قوله: (فيستنجي).
قالَ الأصيليُّ متعقبًا على البخاريِّ استِدْلالهُ بهذهِ الزيادةِ على الاستنجاءِ أنها مِنْ قولِ أبي الوليدِ أحدِ الرواةِ عن شُعبةَ لا مِنْ قولِ أنسٍ، قالَ: وقد رواهُ سليمانُ بنُ حَرْبٍ عن شعبةَ فلم يذكُرهَا، وقد ردَّه الحافِظُ
(2)
بأنها قد ثبتتْ للإسماعيليِّ من طَريقِ عمرِو بن مرزوقٍ عن شعبةَ بلفظ: "فانطلقتُ أنا وغلامٌ من الأَنصارِ معنَا إداوةٌ فيها ماءٌ يستنجي منها النبيُّ صلى الله عليه وسلم ". وللبخاريِّ
(3)
من طريقِ رَوْحِ بن القاسِمِ عن عطاء بن أبي ميمونةَ بلفظ: "إذا تَبَرَّز أتيتُه بماءٍ فتغسَّل بهِ". ولمسلم
(4)
من طريقِ خالدِ الحذَّاءِ عن عطاءِ عن أنسٍ بلفظ: "فخرجَ علينا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقدِ استنجى بالماءِ"، قال: وقد بانَ بهذه الروايات الرد على الأصِيليِّ، وكذا فيهِ الردُّ على من زعمَ أن قولَهُ: يستنجي بالماء مدرجٌ من قول عطاء الراوي عن أنس، كما حكاهُ ابنُ التينِ عن أبي عبدِ الملكِ، فإن روايةَ خالدِ الحذَّاءِ السابقةَ تدلُّ على أنه قولُ أنس.
(1)
أخرجه أحمد (3/ 171) والبخاري (1/ 252 رقم 152) ومسلم (1/ 227 رقم 70/ 271).
(2)
في "الفتح"(1/ 251).
(3)
في صحيحه (1/ 321 رقم 217).
(4)
في صحيحه (1/ 227 رقم 69/ 270).
والحديثُ يدلُّ على ثبوتِ الاستنجاءِ بالماءِ، وقد أنكرَهُ مالكٌ
(1)
وأنكرَ أنْ يكونَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم استنجى بالماءِ.
وقد روى ابنُ أبي شيبةَ
(2)
بأسانيدَ صحيحةٍ عن حذيفةَ بن اليمانِ أنهُ سُئِلَ عن الاستنجاءِ بالماءِ فقالَ: إذًا لا يزالُ في يدي نتنٌ.
وعن نافعٍ أن ابنَ عمرَ كانَ لا يستنجي بالماءِ
(3)
.
وعن ابن الزبيرِ قالَ: ما كُنَّا نفعلُه
(4)
.
وذكرَ ابنُ دقيقِ العيدِ
(5)
: "أن سعيدَ بنَ المسيبِ سُئِلَ عن الاستنجاءِ بالماءِ فقالَ: إنما ذلكَ وضُوءُ النِّساءِ. قالَ: وعنْ غيرِهِ من السلفِ ما يُشعِرُ بذلكَ. والسنةُ دلَّتْ على الاستنجاءِ بالماءِ في هذا الحديثِ وغيرِه، فهي أوْلَى بالاتِّباعِ، قالَ: ولعلَّ سعيدًا رحمه الله فَهِمَ مِنْ أحدٍ غلُوًّا في هذا البابِ بحيثُ يمنعُ الاستنجاءَ بالأحجارِ، فقصدَ في مقابلتِهِ أنْ يذكُرَ هذا اللفظَ لإِزالةِ ذلكَ الغُلُوِّ، وبالغَ بإيرادِهِ إياهُ على هذهِ الصيغةِ. وقد ذهبَ بعضٌ مِنْ أصحابِ مالكٍ إلى أن الاستجمارَ بالحجارَةِ إنما هو عندَ عدمِ الماءِ، وإذَا ذهبَ إليهِ بعضُ الفقهاءِ فلا يَبعُدُ أن يقعَ لغيرِهم ممنْ في زمانِ سعيدٍ رحمه الله" انتهى.
[الكلام في الاكتفاء بالأحجار]:
وقدِ اختلفَ العلماءُ في الاكتفاءِ بالأحجارِ وعدمِ تعيُّنِ الماءِ، فذهبتِ
(1)
بل قال مالك في "المدونة"(1/ 7 - 8): "وقال مالك: لا يستنجي من الريح ولكن إن بال أو تغوَّط فليغسل مخرج الأذى وحده فقط، إن بال فمخرج البول الإحليل، وإن تغوَّط فمخرج الأذى فقط
…
" اهـ.
قلت: وانظر: "قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية" ص 51 لابن جُزيّ.
و"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير"(1/ 184). و"بُلغة السالك لأقرب المسالك"(1/ 68).
(2)
في "المصنف"(1/ 154) بسند صحيح.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 155).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 154).
(5)
في "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام"(1/ 59).
الشافعيةُ
(1)
والحنفيةُ
(2)
إلى عدمِ وجوبِ الماءِ وأنَّ الأحجارَ تَكفي إلَّا إذا تعدَّتِ النجاسةُ الشرْجَ أي حلَقَةَ الدُّبُرِ، وقال بقولِهم سعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وابنُ الزبيرِ، وابنُ المسيبِ وعطاءٌ
(3)
، واستدلُّوا بحديثِ:"إذا ذهبَ أحدُكم إلى الغائِطِ فليستَطِب بثلاثةِ أحجارٍ فإنها تجزئُ عنهُ" كما تقدم
(4)
، وبنحوِهِ من أحاديثِ الاستطابةِ. وذهبتِ العترةُ والحسنُ البصريُّ، وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بنُ صالح، وأبو على الجبائي إلى عدمِ الاجتزاءِ بالحجارةِ للصلاةِ ووجوبِ الماءِ وتعيُّنهِ
(5)
، واحتجُّوا لذلكَ بقولهِ تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}
(6)
وأُجِيبَ بأنَّ الآيةَ في الوضُوءِ، ولا شكَّ أن الماءَ متعينٌ له ولا يجزئُ التيممُ إلَّا عندَ عدمِهِ، وأما محلُّ النزاعِ فلا دلالةَ في الآيةِ عليهِ.
قالوا: حديثُ البابِ ونحوُه مصرِّحٌ بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم استنجى بالماءِ. قلنا: النزاعُ في تعيُّنهِ وعدمِ الاجتزاءِ بغيرهِ، ومجرَّدُ فِعْلِ النبيِّ لهُ لا يدلُّ على المطلوبِ، وإلَّا لزِمَكُم القولُ بتعيُّنِ الأحجارِ، لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم فعلَهُ وهو عكسُ مطلوبِكم. قالوا: أخرجَ أحَمدُ
(7)
والترمذيُّ
(8)
وصحَّحَهُ، والنسائيُّ
(9)
من حديثِ عائشةَ أنَّها قالتْ للنساءِ: "مُرْنَ أزواجَكُنَّ أنْ يستطِيبُوا بالماءِ فإني أستَحييهِم، وإنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فعلَهُ"، قلنا: صرَّحَتْ بالمستنَدِ وهو مجرَّدُ فعلِ النبيِّ له، ولم تنقُلْ عنهُ الأمرَ بهِ ولا حصْرَ الاستطابةِ عليهِ.
قالوا: حديثُ قُباءَ وفيهِ الثناءُ عليهم لأنهم كانُوا يَستنْجُونَ بالماءِ كما سيأتي
(10)
.
(1)
انظر: "المهذب"(1/ 111). و"المجموع"(2/ 117 - 118).
(2)
انظر: "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق"(1/ 76 - 77).
(3)
حكاه عنهم النووي في "المجموع"(2/ 117). وابن قدامة في "المغني"(1/ 207 - 208).
(4)
وهو حديث حسن. تقدم برقم (27/ 101) من كتابنا هذا.
(5)
حكاه عنهم المهدي في "البحر الزخار"(1/ 51).
(6)
سورة المائدة: الآية 6، {فَتَيَمَّمُوا} زيادة عما في المخطوط، يقتضيها السياق.
(7)
في المسند (6/ 93، 95، 113، 114، 120، 130، 171، 236).
(8)
في السنن (1/ 30 - 31 رقم 19) وقال: حديث حسن صحيح.
(9)
في السنن (1/ 42 - 43 رقم 46).
قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 152) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 106) من طرق. وهو حديث صحيح. وقد صححه النووي في "المجموع"(1/ 118).
(10)
برقم (41/ 115) من كتابنا هذا.
قلنَا هو حجةٌ عليكُم لا لكُم، لأنَّ تخصيصَ أهلِ قُباءَ بالثناءِ يدلُّ على أن غيرهُم بخلافِهم ولو كانَ واجِبًا لشارَكُهم غيرُهُم. سلَّمْنَا فمجرَّدُ الثناء لا يدلُّ على الوجوبِ المدَّعَى وغايةُ ما فيهِ الأوْلَوِيَّةُ لأصالةِ الماءِ في التطهيرِ، وزيادةُ تأثيرهِ في إذْهَابِ أثرِ النجاسَةِ، على أن حديثَ قُباءَ فيهِ كلامٌ سيأتي في هذا الباب.
قالَ المهديُّ في البحرِ
(1)
: رادًّا على حُجةِ أهلِ القوِل الأوَّلِ ما لفظُه: "قلْنا: مُسَلَّمٌ فأينَ سقوطُ الماءِ" انتهى. ونقولُ له: ومتى ثبتَ وجوبُ الماءِ حتى نطلُبَ دليلَ سقوطِه، ثم إن السُّنَّةَ باعترافِكَ قد وردتْ بالاستطابَةِ بالأحجارِ، وأنها مُجزيةٌ فأينَ دليلُ عدمِ إجزائِها.
وعن معاذةَ عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالتْ: "مُرْنَ أزواجَكُنَّ أن يغْسِلوا عنهم أثرَ الغائِطِ والبولِ فإنَّا نستحِي منهم، وإنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يفعلُه"، رواهُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ وصحَّحَهُ
(2)
. الحديثُ يردُّ على من أنكَرَ الاستنجاءَ بالماءِ منهُ صلى الله عليه وسلم، والكلامُ عليه قد تقدّم في الذي قَبْلَهُ
(3)
.
41/ 115 - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ في أهْلِ قُباءِ: {فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}. قالَ: "كانُوا يَسْتَنجُونَ بِالمَاءِ فَنَزَلتْ فيهمْ هذِهِ الآيَةُ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ
(4)
والتِّرْمذِي
(5)
وابْنُ ماجَهْ)
(6)
. [صحيح لغيره]
الحديثُ قالَ الترمذيُّ
(7)
: غريبٌ، وأخرجَهُ البزارُ في مسندِهِ
(8)
من حديثِ
(1)
(1/ 52).
(2)
وهو حديث صحيح. تقدم تخريجه في الصفحة (388) من كتابنا هذا.
(3)
بل تقدم قبل أسطر فقط. وليس في الذي قبله.
(4)
في السنن (1/ 38 - 39 رقم 44).
(5)
في السنن (5/ 280 - 281 رقم 3100) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
(6)
في السنن (1/ 128 رقم 357).
وقال الحافظ في "التلخيص"(1/ 112): إسناده ضعيف.
قلت: وللحديث شواهد يأتي تخريجها والكلام عليه في شرح هذا الحديث.
وهو بها صحيح لغيره إن شاء الله.
(7)
في سننه (5/ 281).
(8)
(1/ 130 - 131 رقم 247 - كشف). =
ابن عباسٍ بلفظ: (نزلتْ هذه الآيةُ في أهلِ قُبَاءَ: {فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}
(1)
، فسألَهُمْ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقالُوا: إنا نُتْبعُ الحجارةَ الماءَ".
قالَ البزَّار
(2)
: "لا نعلَمُ أحدًا رواهُ عن الزهريِّ إلَّا محمدُ بنُ عبدِ العزيزِ، ولا عنهُ إلَّا ابنهُ".
قالَ الحافِظُ
(3)
: "ومحمدُ بنُ عبدِ العزيز ضعَّفَهُ أبو حاتمٍ، فقالَ: ليسَ له ولا لأخوَيْهِ عِمْرانَ وعبدِ اللَّهِ حديثٌ مستقيمٌ، وعبدُ الله بنُ شبيبٍ الذي رواهُ البزارُ من طريقِهِ ضعيفٌ أيضًا.
وقد روى الحاكمُ
(4)
هذا الحديثَ، وليسَ فيه إلا ذكْرُ الاستنجاءِ بالماءِ فحسْبُ، وهكذا صرَّحَ النوويُّ
(5)
وابنُ الرِّفعةِ
(6)
بأنه ليسَ في الحديثِ أنَّهم كانوا يجمعُونَ بينَ الأحجارِ والماءِ ولا يُوجدُ هذا في كُتبِ الحديثِ، [و]
(7)
كذَا قالَ المحبُّ الطبريُّ (6). وروايةُ البزارِ وارِدَةٌ [عليهم]
(8)
وإن كانتْ ضعيفةً.
وحديثُ البابِ قالَ الحافِظُ
(9)
: هو بسندٍ ضعيفٍ.
وروى أحمد
(10)
وابنُ خزيمةَ
(11)
والطبرانيُّ
(12)
والحاكمُ
(13)
عن عُويمِ بن ساعدةَ نحوَهُ.
= وأورده الهيثمي في "جمع الزوائد"(1/ 212): وقال: "رواه البزار وفيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، ضعفه البخاري، والنسائي، وغيرهما. وهو الذي أشار بجلد مالك" اهـ. والخلاصة أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(1)
سورة التوبة: الآية 108.
(2)
(1/ 131 - كشف).
(3)
في "التلخيص"(1/ 112).
(4)
في "المستدرك (1/ 187) من حديث مجاهد، عن ابن عباس.
(5)
في "خلاصة الأحكام"(1/ 164). و"المجموع"(1/ 116).
(6)
وذكر ذلك عنهما الحافظ في "التلخيص"(1/ 112).
(7)
زيادة من (أ) و (ب).
(8)
في (جـ): (عليهما).
(9)
في "التلخيص"(1/ 112).
(10)
في المسند (3/ 422).
(11)
في صحيحه (1/ 45 رقم 83).
(12)
في "المعجم الكبير"(17/ 140 رقم 348).
(13)
في "المستدرك (1/ 155). =
وأخرجَهُ الحاكمُ
(1)
من طريقِ مجاهدٍ قالَ: "لما نزلتِ الآيةُ بعثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى عُويم بن ساعدةَ فقالَ: ما هذا الطَّهُور الذي أثنى اللَّهُ عليكم بهِ؟ قالَ: ما خرجَ مِنَّا رجلٌ ولا امرأةٌ من الغائِطِ إلا غسَلَ دُبُرَهُ"، فقال صلى الله عليه وسلم:"هو هذا" ورواهُ ابنُ ماجَهْ
(2)
والحاكمُ
(3)
من حديثِ أبي سُفيانَ طلحةَ بن نافعٍ قالَ: أخبرني أبو أيوبَ وجابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ وأنسُ بنُ مالكِ وإسنادُهُ ضعيفٌ. ورواهُ أحمدُ
(4)
وابنُ أبي شيبةَ
(5)
، وابنُ قانِعٍ
(6)
من حديثِ محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن سَلامٍ. وحَكَى أبو نعيمٍ في معرفةِ الصحابةِ
(7)
الخلافَ فيه على شَهْرِ بن حوشَبٍ. ورواهُ الطبرانيُّ
(8)
من حديثِ أبي أمامةَ، وذكرهُ الشافعي في الأمِّ
(9)
بغيرِ إسنادٍ.
= قلت: وأخرجه الطبراني في الصغير (2/ 23) وفي الأوسط رقم (5885).
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 212): "وفيه شرحبيل بن سعد ضعفه مالك، وابن معين، وأبو زرعة، ووثقه ابن حبان" اهـ.
قلت: تابعه مجمع بن يعقوب بن مجمع، أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 153) ومجمع صدوق لكنه لم يدرك عويم، فهذا مرسل أو معضل.
وخلاصة القول أن الحديث صحيح لغيره.
(1)
في المستدرك (1/ 187).
(2)
في السنن (1/ 127 رقم 355).
(3)
في المستدرك (1/ 155).
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(1/ 150): "هذا إسناد ضعيف، عتبة بن أبي حكيم ضعيف، وطلحة لم يدرك أبا أيوب".
(4)
في المسند (6/ 6).
(5)
في "المصنف"(1/ 153).
(6)
في "معجم الصحابة" له (3/ 22 رقم 965).
(7)
(1/ 176 رقم 659).
(8)
في "المعجم الكبير"(8/ 143 رقم 7555). والأوسط - كما في "مجمع البحرين"(1/ 299 - 300 رقم 359).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 213): "وفيه شهر بن حوشب أيضًا".
قلت: وفي إسناده أيضًا: يحيى بن العلاء البجلي الرازي، متروك قاله الدارقطني، وقال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث
…
الميزان (4/ 397).
وفيه أيضًا؛ ليث بن أبي سليم: صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميَّز حديثه فترك. "التقريب" رقم (5685).
(9)
(1/ 97 رقم 348).
والحديثُ يدلُّ على ثبوتِ الاستنجاءِ بالماءِ، والثناءِ على فاعلهِ لما فيه مِنْ كمالِ التطهيرِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليهِ في أوَّلِ البابِ.
[الباب السابع عشر] باب وجوب تقدمة الاستنجاء على الوضوء
42/ 116 - (عَنْ سُلْيمانَ بْنِ يَسارٍ قالَ: أرْسَلَ عَلى بْنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه المِقْدَادَ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَسألُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ المَذْيَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثمَّ لِيَتَوَضَّأ". رَواهُ النَّسائيُّ)
(1)
. [صحيح]
الحديثُ قالَ ابنُ حَجَرٍ
(2)
: منقطعٌ.
وقد ساقَهُ المصنِّفُ للاستدلالِ بهِ على وجوبِ تقديمِ الاستنجاءِ على الوضوءِ، ترجمَ البابَ بذلكَ لأنَّ لفظةَ (ثم) تُشْعِرُ بالترتيبُ، ويُشكِلُ عليهِ ما وقعَ في البخاري
(3)
مِنْ تقديمِ الأمرِ بالوضوءِ على الغُسْلِ. قالَ الحافظُ
(4)
: "ووقعَ في العُمدةِ
(5)
نسبةُ ذلكَ إلى البخاريِّ بالعكس". قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ
(6)
: "قد يؤخَذُ مِنْ قولِهِ صلى الله عليه وسلم في بعضِ الرواياتِ: "توضَّأْ وانضَحْ فرجَكَ"
(7)
جوازُ تأخيرِ الاستنجاءِ عن الوضوءِ، وقد صرَّحَ بهِ بعضُهم قال: وهذا يتوقفُ على القولِ بأن الواوَ للترتيبِ، وهو مذهبٌ ضعيفٌ" انتهى.
وأنتَ خبيرٌ بأنَّ صحةَ استدلالِ ذلكَ البعضِ لا يتوقفُ على ما ذكرَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ من كونِ الواوِ للترتيبِ بلْ يصحُّ على المذهبِ المشهورِ، وهو أن الواوَ
(1)
في السنن (1/ 97 رقم 156).
قلت: وأخرجه أبو داود (1/ 142 - 143 رقم 207) وابن ماجه (1/ 169 رقم 505).
وهو حديث صحيح.
(2)
في "التلخيص"(1/ 117).
(3)
في صحيحه (1/ 379 رقم 269).
(4)
في "الفتح"(1/ 380).
(5)
رقم (23 - مع تيسير العلَّام) بتحقيقي.
(6)
في "إحكام الأحكام"(1/ 77).
(7)
أخرجها مسلم في صحيحه رقم (303).
لمطلَقِ الجمعِ منْ غيرِ ترتيبٍ ولا معيَّةٍ، لأنَّ الواوَ على هذا تدلُّ على جوازِ تقدُّمِ ما قبلَها على ما بعدَها وعكسُهُ، وإيقاعُ الأمرينِ معًا فيما يمكنُ فيه ذلكَ، وليس مطلوبُ ذلكَ المستَدِلِّ إلَّا جوازَ التقديمِ، والعطفِ بالواوِ الجامعةِ [تدلُّ]
(1)
عليهِ من دونِ توقفِ ذلكَ على القولِ بكونِها للترتيب.
ويمكنُ أن يُقالَ في جوابِ ذلكَ الإِشكالِ على حديثِ الباب بأنَّ رِوايةَ حديثِ البابِ مقيدةٌ والرواياتُ الوارِدَةُ بالواوِ مُطْلَقَةٌ، فيُحملُ المَطلَقُ على المقيَّدِ، ويصحُّ استدلالُ المصنفِ رحمه الله. وقد تقدَّمَ الكلامُ على المذي في بابِ ما جاءَ في المذي من أبوابِ تطهيرِ النجاسةِ
(2)
.
43/ 117 - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قالَ: يَا رَسُولَ الله إذا جامَعَ الرَّجُلُ المرْأةَ فَلْم يُنْزِلْ، قالْ: "يَغْسلُ ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي". أَخْرَجاهُ)
(3)
. [صحيح]
الكلامُ على الحديثِ محلُّه الغُسْلُ وسيأتي الخلافُ في نسخِهِ وعدمِهِ. والمصنفُ رحمه الله أوردَهُ هنا للاستدلالِ بهِ على وجوب تقديمِ الاستنجاءِ على الغُسْلِ لترتيبهِ الوضوءَ على غَسْلِ ما مسَّ المرأةَ منهُ. قالَ رحمه الله
(4)
: "وحُكْمُ هذا الخبرِ في تركِ الغُسْلِ من ذلك منسوخٌ وسيُذْكَرُ في موضعِهِ" انتهى.
(1)
في (جـ): (يدلُّ).
(2)
الباب الثامن عند الحديث رقم (21/ 39).
(3)
البخاري (1/ 398 رقم 293) ومسلم (1/ 270 رقم 346).
وأحمد في المسند (5/ 113).
(4)
أي المصنف ابن تيمية الجد صاحب المنتقى (1/ 63).
خامسًا: أبواب السواك وسنن الفطرة
[الباب الأول] باب الحث على السواك وذكر ما يتأكد عنده
1/ 118 - (عَنْ عائِشةَ رضي الله عنها أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "السِّواكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ". رَواهُ أحْمَدُ
(1)
وَالنَّسائِيُّ
(2)
وَهُوَ للبُخارِيِّ تَعلِيقٌ)
(3)
. [صحيح]
وأخرجَهُ أيضًا ابنُ حِبَّانَ
(4)
موصولًا من حديثِ عبدِ الرحمنِ بن أَبي عَتيقِ سمعتُ أبي سمعتُ عائشةَ بهذا، قالَ ابنُ حبانَ
(5)
: أَبو عتيق هذا [هو]
(6)
محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن أبي بكرِ بن أبي قُحافَة. وقالَ الحافِظُ
(7)
: إنَّما هو مِنْ روايةِ ابنهِ عبدِ اللَّهِ [عنها]
(8)
قالَ: ورواهُ أحمدُ بنُ حَنبلٍ عن عبدِ اللَّهِ عنها، وقد طوَّلَ الكلامَ عليهِ في التلخيصِ
(9)
.
قوله: ([أَبوابُ]
(10)
السواكِ وسُننِ الفِطرةِ) قال أَهلُ اللغةِ
(11)
: "السِّواكُ بِكَسْرِ السينِ، وهو يُطلقُ على الفِعْلِ، وعلى العودِ الذي يُتَسَوَّكُ بهِ وهو مُذكَّرٌ. قال
(1)
في المسند (6/ 47، 62، 124، 146).
(2)
في السنن (1/ 10 رقم 5).
(3)
(4/ 158 رقم الباب 27).
(4)
في صحيحه (3/ 348 رقم 1067).
(5)
في صحيحه (3/ 350).
(6)
زيادة من "التلخيص"(1/ 60).
(7)
في "التلخيص"(1/ 60).
(8)
في "التلخيص"(1/ 60): "عنه" ثم قال: "فإن صاحب الحديث هو عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن نسب في السياق إلى جده" اهـ.
أي سياق السند عند ابن حبان لأنه قال: من حديث عبد الرحمن بن أبي عتيق، قال: سمعت أبي
…
إلخ وعبد الرحمن إنما روى الحديث عن أبيه عبد الله عن جدِّه محمد بن أبي عتيق، فنسب إلى جده.
(9)
(1/ 60) وانظر: "الإرواء"(65)، وخلاصة القول أن الحديث صحيح.
(10)
في (جـ): (باب) وهو مخالف لما في المتن.
(11)
شرح صحيح مسلم للنووي (3/ 142) وانظر: القاموس المحيط (ص 1219) ولسان العرب (6/ 438).
الليثُ: وتؤنثهُ العربُ، قالَ الأزهريُّ
(1)
: هذا مِنْ أغاليطِ الليثِ القبيحةِ. وذكرَ صاحبُ المحكَمِ
(2)
أنهُ يؤنثُ ويذكَّرُ، والسِّواكُ فِعلكَ بالمِسْوَاكِ، ويقالُ: ساكَ فمَهُ يسُوكُه سَوْكًا. فإنْ قلتَ: استاكَ لم تذكُرِ الفمَ. وجمعُ السِّواكِ: سُوُكٌ بضمتينِ ككتابٍ وَكُتُب. وذكرَ صاحبُ المحكَمِ (2) أنه يجوزُ: سُؤُكٌ، [بالهمزةِ]
(3)
. قالَ النوويُّ
(4)
ثمَ قيلَ: إنَّ السواكَ مأخوذٌ مِنْ ساكَ إذا دَلَكَ. وقيلَ: من جاءتِ الإِبلُ تستاكُ أي تتمايلُ هُزَالًا. وهو في اصطلاحِ العلماءِ: استعمالُ عودٍ أَو نحوهِ في الأسنانِ [ليُذهبَ]
(5)
الصفرةَ وغيرَها عنها".
[ما المراد بالفطرة]:
وأما الفطرةُ فقدِ اختلفَ العلماءُ في المرادِ بها هاهنا، قالَ الخطابيُّ
(6)
: ذهبَ أكثرُ العلماءِ إلى أَنها السنةُ، وكذا [ذكرَ]
(7)
جماعةٌ غيرَ الخطابي. وقيلَ: هي الدِّينُ، حكاهُ في الفتحِ
(8)
عن طائفةِ من العلماءِ وبه جزمَ أبو نعيم في المستخرجِ. وقالَ الراغِبُ
(9)
: "أصْلُ الفطرةِ الشقُّ طولًا" ويطلَقُ على الوهي وعلى الاختراع. وقال أبو شامةَ
(10)
: (أَصلُ الفطرةِ الخِلْقَةُ المبتدَأَةُ ومنهُ - {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
(11)
. أَي مُبتدِئُ خلقهنَّ، والمرادُ بقولهِ صلى الله عليه وسلم:"كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفِطرةِ"
(12)
أي
(1)
انظر: "تهذيب اللغة"(10/ 316 - 317).
(2)
صاحب المحكم هو المعروف بابن سيْده علي بن إسماعيل أبو الحسن. والكتاب اسمه: "المحكم والمحيط الأعظم في اللغة" وهو مطبوع في (6) مجلدات.
(3)
في (جـ): (بالهمز).
(4)
في شرحه لمسلم (3/ 142) وانظر: "المجموع"(1/ 326).
(5)
في (جـ): (لتذهب).
(6)
في "معالم السنن"(1/ 44 - هامش السنن).
(7)
في (جـ): (ذكره).
(8)
(1/ 339).
(9)
في "مفردات ألفاظ القرآن، ص 640 وفيه: "أصلُ الفَطْرِ: الشَّقُّ طُولًا".
(10)
في كتابه "السِّواك وما أشبه ذاك" ص 95.
(11)
جاءت في أكثر من آية.
منها: الأنعام (14)، يوسف (101)، إبراهيم (10)، وفاطر (1)، والزمر (46).
(12)
وهو حديث صحيح.
أخرجه البخاري رقم (1359) و (1385) و (4775) ومسلم رقم (2658) وأحمد (2/ 393) من طريقين عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
وللحديث طرق متعددة عن أبي هريرة انظر تخريجها في كتابنا "إعلام الأنام بعقيدة الإسلام".
على ما ابتدأ اللَّهُ خلقَهُ عليهِ، وفيه إشارة إلى قولهِ تعالى:{فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (1). والمعنى أَن كل أَحدٍ لو تُرِكَ في وقتِ ولادتِهِ وما يُؤديهِ إليه نظرهُ لأدَّاهُ إلى الدينِ الحقِّ وهو التوحيدُ. ويؤيدُه أَيضًا قولُه تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ}
(1)
، وإليه يشيرُ في بقيةِ الحديثِ حيثُ عقَّبَهُ بقولهِ:"فأبواهُ يُهوِّدانِه ويُنصِّرانِه"
(2)
.
والحديث يدلُّ على مشروعيةِ السواكِ لأنه سببٌ لتطهير الفمِ وموجِبٌ لرضَا اللَّهِ على فاعِلِهِ، وقد أطلَقَ فيهِ السواكَ ولم يخصَّهُ بوقتٍ معيَّنٍ، ولا بحالةٍ مخصوصةٍ فأشعرَ بمطلقِ شرعيتِهِ، وهو من السنن المؤكدةِ، وليسَ بواجبٍ في حالٍ من الأحوالِ لما سيأتي في حديثِ أبي هريرة
(3)
: "لولا أَنْ أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ" ونحوِه. قال النوويُّ
(4)
"بإجماع مَنْ يُعتدُّ بهِ في الإجماعِ. وحكَى أبو حامدٍ الإِسفراينيُّ عن داودَ الظاهريِّ أنه أَوجبَهُ في الصلاةِ، وحكَى الماورديُّ عنه أنه واجبٌ لا تبطلُ الصلاةُ بتركِهِ، وحُكِيَ عن إسحاق بن رَاهَوَيْه أنه واجبٌ تبطلُ الصلاةُ بتركهِ عمدًا". قالَ النوويُّ
(5)
: "وقد أنكرَ أَصحابنا المتأخرونَ على الشيخِ أبي حامدٍ وغيرهِ نَقْلَ الوجوبِ عن داودَ وقالوا: مذهبُهُ أنه سنةٌ كالجماعةِ، ولو صحَّ إيجابُه عن داودَ لم يضرَّ مخالفته في انعقادِ الإِجماعِ على المختارِ الذي عليه المحققونَ والأكثرونَ. قالَ: وأما إسحاقُ فلم يصحَّ هذا المحكيُّ عنه" انتهى.
وعدمُ الاعتدادِ بخلافِ داودَ
(6)
مع علمِهِ وورعِهِ وأخذِ جماعةِ من الأئمةِ
(1)
سورة الروم: الآية 30.
(2)
وهو حديث صحيح.
أخرجه البخاري رقم (1359) و (1385) و (4775) ومسلم رقم (2658) وأحمد (2/ 393) من طريقين عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
وللحديث طرق متعددة عن أبي هريرة انظر تخريجها في كتابنا "إعلام الأنام بعقيدة الإسلام".
(3)
برقم (3/ 120) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.
(4)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 142).
(5)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 142).
(6)
هو الإمام داود بن علي بن خلف الأصبهاني الأصل، الكوفي المولد، البغدادي الدار، الشهير بداود الظاهري، ويكنى بأبي سليمان. =
الأكابرِ بمذهبِهِ من التعصُّباتِ التي لا مستنَدَ لها إلا مجرَّدُ الهوى والعصبيةِ، وقد كثُرَ هذا الجنْسُ في أهلِ المذاهبِ، وما أدري ما هوَ البرهانُ الذي قامَ لهؤلاءِ المحققينَ حتى أخرجُوهُ من دائرةِ علماءِ المسلمينِ، فإنْ كانَ لِمَا وقعَ منهُ مِنَ المقالاتِ المستبعدَةِ فهي بالنسبةِ إلى مقالاتِ غيرهِ المؤسَّسَةِ على محضِ الرأي المضادَّةِ لصريحِ الروايةِ في حيِّزِ القِلَّةِ المتبالغةِ، فإنَّ التعويلَ على الرأي وعدمَ الاعتناءِ بعلم الأدلَّةِ قد أفضى بقومٍ إلى التمذهُبِ بمذاهبَ لا يوافِقُ الشريعةَ منها إلا القليلُ النادرُ، وأمَّا داودُ فما في مذهبِهِ من البدَع التي أوقعَهُ فيها تمسُّكُه بالظاهِرِ، وجمودُهُ عليه هي في غايةِ النُدْرةِ، ولكنْ:
لِهوى النفوسِ سريرةٌ لا تُعْلَمُ
[الأوقات التي يستحب فيها السواك]:
قالَ النوويُّ
(1)
: "والسِّواكُ مستحبٌ في جميعِ الأوقاتِ، لكنْ في خمسةِ أوقاتٍ أشدُّ استحبابًا، (أحدُها): عندَ الصلاةِ سواءٌ كانَ متطهِّرًا بماءٍ أَو بترابٍ أَو غيرِ متطهرٍ كمنْ لم يجد ماءً ولا تُرابًا. (الثاني): عند الوضوءِ. (الثالث): عندَ قراءَةِ القرآنِ. (الرابع): عندَ الاستيقاظِ من النومِ. (الخامسُ): عندَ تغيُّرِ الفَم، وتغيرهُ يكونُ بأشياءَ منها تركُ الأكلِ والشُّربِ، ومنها أَكلُ ما له رائحةٌ كريهةٌ، ومنها طولُ السُّكوتِ، ومنها كثرةُ الكلامِ".
وقد قامتِ الأدلةُ على استحبابهِ في جميعِ هذه الحالاتِ التي ذكر. وسيأتي ذكرُ بعضِها في هذا البابِ.
= وداود أول من أظهر انتحال الظاهر ونفى القياس في الأحكام قولًا، واضطر إليه فعلًا، فسمَّاه الدليل. وكذلك لم يأخذ بالرأي ولا بالاستحسان.
ولد في الكوفة سنة (200 هـ) وتوفي سنة (270 هـ) في بغداد.
قال الخطيب البغدادي فيه: هو إمام أصحاب الظاهر، وكان ورعًا وناسكًا زاهدًا، وفي كتبه حديث كثير.
ونقل عن أبي زرعة أنه كان يجله ويُكْبره، فقد قال لأصحابه يومًا: ترى داود هذا؟ لو اقتصر على ما يقتصر عليه أهل العلم لظننت أَنه يكمد أهل البدع بما عنده من البيان والأدلة.
وقال السيوطي: كان - داود - بصيرًا بالحديث صحيحه وسقيمه، إمامًا، ورعًا، زاهدًا.
[تاريخ بغداد (8/ 369 - 375) وشذرات الذهب (2/ 158) ولسان الميزان (2/ 240) "تهذيب الأسماء واللغات" (1/ 182) والنجوم الزاهرة (3/ 47)].
(1)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 142 - 143).
قال
(1)
: "ومذهبُ الشافعيُّ أن السواكَ يُكرهُ للصائمِ بعدَ زوالِ الشمسِ لئلّا تزولَ رائحةُ الخلُوفِ المستحبةِ - وسيأتي الكلامَ عليه في بابِ السواكُ للصائمِ
(2)
إن شاءَ اللَّهُ - ويُستحبُّ أنْ يستاكَ بعودِ من أَراكٍ، وبأيِّ شئٍ استاكَ مما يزيلُ التغيرَ حصلَ السواكُ كالخِرقَةِ الخشِنَةِ والأشنانِ"
(3)
.
وللفقهاءِ في السواكِ آدابٌ وهيئاتٌ لا ينبغي للفطِنِ الاغترارُ بشيءٍ منها إلَّا أن يكونَ موافقًا لما وردَ عن الشارعِ، ولقد كرهوهُ في أوقاتٍ وعلى حالاتٍ حتى كاد يُفضي ذلكَ إلى تركِ هذهِ السنةِ الجليلةِ وإطراحِها، وهي أَمرٌ مِنْ أُمورِ الشريعةِ ظهرَ ظهورَ النهارِ، وقبلَهُ من سكانِ البسيطةِ أَهلِ الأنجادِ والأغوارِ.
قوله: (مطهرةٌ للفمِ) المِطْهرةُ بكسرِ الميمِ وتُفتحُ. قالَ في الديوانِ: الفتحُ أَفصَحُ.
2/ 119 - (وَعَنْ زيدِ بْنِ خالِدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَوْلا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي لأخَّرْتُ صَلاةَ العِشاءِ إلى ثُلُثِ الليلِ وَلأمَرْتُهُمِ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ". رَواهُ أحمدُ
(4)
والتِّرْمذِيُّ وَصَحَّحَهُ)
(5)
. [صحيح]
الحديثُ رواهُ الحاكِمُ
(6)
من حديثِ أبي هريرةَ بلفظ: "لفرضْتُ عليهمُ السِّواكَ مع الوضوءِ، ولأخَّرْتُ صلاةَ العشاءِ إلى نصفِ الليلِ". وروى النسائي
(7)
الجملةَ الأولَى، ورواهُ العقيليُّ
(8)
وأبو نعيمٍ
(9)
والبيهقيُّ
(10)
من طريقٍ أخرى عن سعيدٍ بهِ.
(1)
أي النووي في شرحه لصحيح مسلم (3/ 143).
(2)
الباب الثالث عند الحديث رقم (8/ 125) و (9/ 126) و (10/ 127).
(3)
قال ابن منظور في "لسان العرب"(218/ 7): الشَّنُّ والشَّنَّةُ: الخَلَق من كل آنية صُنِعت من جلد، وجمعها شِنان، وحكى اللحياني: قِربة أشنان
…
".
(4)
في المسند (4/ 114).
(5)
في السنن (1/ 35 رقم 23) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(6)
في المستدرك (1/ 146).
(7)
في السنن (1/ 266 رقم 534).
(8)
في "الضعفاء"(2/ 246) ترجمة عبد الله بن خلق.
(9)
في "الحلية"(8/ 386).
(10)
في السنن الكبرى (1/ 36).
ورواهُ أبو داودَ
(1)
ومسلمٌ
(2)
بلفظ: "لولا أنْ أشقُّ على المؤمنينَ لأمرتُهم بتأخيرِ العشاءِ، والسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ". ورواهُ أيضًا أبو داود
(3)
عن زيدِ بن خالدٍ باللفظ الذي في الكتابِ. ورواهُ البزارُ
(4)
وأحمد
(5)
مِنْ حديثِ عليٍّ نحَوهُ، وروى الجملةَ الأولى أيضًا الترمذيُّ
(6)
وأحمدُ
(7)
وأبو داودَ
(8)
وابنُ ماجه
(9)
وابنُ حِبان
(10)
من حديثِ أبي هريرةَ. ولفظُ الترمذيِّ: "إلى ثُلُثِ الليلِ أو نصفِهِ"، ولفظُ أحمدَ وابنِ حِبَّانَ:"إلى ثُلُثِ الليلِ" ولم يشكَّ، وروى الجملةَ الثانيةَ النسائيُّ
(11)
وأحمدُ
(12)
وابنُ خزيمةَ
(13)
من حديثِ أبي هريرةَ وعلَّقَهَا البخاريُّ
(14)
. وروى ابنُ حبانَ في صحيحهِ
(15)
من حديثِ عائشةَ أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأمرتُهمْ بالسواكِ معَ الوضوءِ عندَ كُلِّ صلاة" وروى ابنُ أبي خيثمةَ في تاريخهِ
(16)
(1)
في السنن (1/ 40 رقم 46).
(2)
في صحيحه (1/ 220 رقم 42/ 252).
(3)
في السنن (1/ 40 رقم 47).
(4)
في مسنده البحر الزخار (2/ 121 رقم 477، 478).
(5)
في مسنده (1/ 80).
(6)
في السنن (1/ 34 رقم 22).
(7)
في المسند (2/ 245، 250، 259، 287، 460، 509).
(8)
في السنن (1/ 40 رقم 46).
(9)
في السنن (1/ 105 رقم 287).
(10)
في صحيحه (3/ 350 رقم 1068).
(11)
في السنن (1/ 12 رقم 7).
(12)
في مسنده (2/ 287، 399، 429، 531).
(13)
في صحيحه (1/ 73 رقم 140).
(14)
في صحيحه (4/ 158 باب رقم 27) بصيغة الجزم.
(15)
في صحيحه (3/ 352 رقم 1069) بسند حسن.
(16)
ذكره له الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(11/ 492 - 493) ومدحه بقوله: "أحسن تصنيفه، وأكثر فائدته، فلا أعرف أغزر فوائد منه".
منه المجلد الثالث مخطوط في جامعة القرويين، تحت رقم (244/ 40) فاس، المغرب العربي، في (199 ورقة). راجع:"تاريخ التراث العربي"(1/ 512 - 513).
"معجم المصنفات الواردة في فتح الباري"(ص 100).
وحديث أم حبيبة أخرجه أحمد في المسند (6/ 325) بسند صحيح. وابن إسحاق صرَّح بالتحديث.
بسندٍ حسنٍ عن أمِّ حبيبةَ: "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ عندَ كُلِّ صلاةٍ كما يتوضَّأون".
[يندب تأخير العشاء]:
والحديثُ يدلُّ على ندبيةِ تأخيرِ العشاءِ إلى ثُلُثِ الليلِ، لأنَّ (لولا) لامتناع الثاني لوجودِ الأوَّلِ، فإذا ثبتَ وجودُ الأولِ ثبتَ امتناعُ الثاني وبقيَ الندبُ. ومحلُّ الكلامِ على هذه الجملةِ الصلاةُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
ويدلُّ أيضًا على ندبيةِ السواكِ بمثلِ ما ذكرناهُ في صلاةِ العشاءِ، ويردُّ على من قالَ: لا يُستحبُّ السواكُ للصلاةِ، وقد نسبهُ في البحرِ
(1)
إلى الأكثرِ ويردُّ مذهبَ الظاهريةِ القائلينَ بالوجوبِ إن صحَّ عنهم
(2)
، وقد سبقَ كلامُ النوويِّ في ذلكَ.
3/ 120 - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَوْلا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي لأمَرْتُهمْ بِالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صلاةٍ". رَواه الجمَاعَةُ
(3)
، وفي رِوايةٍ لأحمدَ
(4)
: "لأمَرْتُهمْ بِالسِّواكِ معَ كَلِّ وُضُوءٍ"، وَللبُخارِيِّ تَعْليقًا
(5)
: "لأمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْد كُلِّ وُضُوءٍ". قالَ: ويُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جابِرٍ وَزيدِ بْنِ خالِدٍ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم). [صحيح]
الحديثُ قالَ ابن مندَهْ
(6)
: إسنادُه مجمعٌ على صحتِهِ. وقالَ النوويُّ
(7)
: "غَلِطَ بعضُ الأئمةِ الكبارِ فزعمَ أن البخاريُّ لم يخرِّجْهُ وهو خطأ منهُ، وقد أخرجه
(1)
في "البحر الزخار"(1/ 73).
(2)
قال ابن حزم في "المحلى"(2/ 218/ م 270): "السواك مستحب، ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل".
قلت: أما السواك ليوم الجمعة فقد أوجبه ابن حزم كما في "المحلى"(2/ 8 م 178) و (5/ 75/ م 536).
(3)
أحمد (1/ 120) والبخاري (2/ 374 رقم 887) ومسلم (1/ 220 رقم 42/ 252).
وأبو داود (1/ 40 رقم 46) والترمذي (1/ 34 رقم 22) والنسائي (1/ 12) وابن ماجه (1/ 105 رقم 287).
(4)
في المسند (رقم 9166 - الزين) بسند صحيح.
(5)
في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم (4/ 158 رقم الباب 27).
(6)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 62).
(7)
في "المجموع"(1/ 325).
من حديثِ مالكٍ عن أبي الزنادِ عن الأعرجِ عن أبي هريرةَ. وليس هو في الموطأ من هذا الوجهِ
(1)
، بل هو فيه
(2)
عن ابن شهابٍ عن حُميدٍ عن أبي هريرةَ، قالَ:"لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ معَ كل وضوءٍ" ولم يصرِّحْ برفعِهِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ
(3)
: وحكمهُ الرفعُ. وقد رواهُ الشافعيُّ
(4)
عن مالكٍ مرفوعًا.
وفي البابِ عن زيدِ بن خالدٍ عندَ الترمذي
(5)
، وأبي داود
(6)
، وعن علي عندَ أحمدَ
(7)
، وعن أم حبيبةَ عندَ أحمدَ
(8)
أيضًا، وعن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو، وسهلِ بن سعدٍ، وجابرٍ، وأنسٍ، عندَ أبي نعيمٍ
(9)
. قال الحافظُ
(10)
: وإسنادُ بعضِها حَسَنٌ. وعن ابن الزبيرِ عندَ الطبراني
(11)
، وعن ابن عمر
(12)
، وجعفرِ بن أبي طالبٍ عندَ الطبراني
(13)
أيضًا.
(1)
بل هو في الموطأ من هذا الوجه (1/ 66 رقم 114).
(2)
أي في "الموطأ"(1/ 66 رقم 115).
(3)
في "التمهيد"(7/ 194): "هذا الحديث يدخل في المسند لاتصاله من غير ما وجه". واعلم أن اصطلاح ابن عبد البر في كلمة "المسند": أنه المرفوع. انظر: التمهيد (1/ 21 - 22).
(4)
في الأم (1/ 102 رقم 364) وفي ترتيب المسند رقم (72).
بسند من أصح الأسانيد.
ورواه الشافعي عن مالك في كتاب "حرملة" كما في "معرفة السنن والآثار"(1/ 256 رقم 571).
(5)
في السنن (1/ 35 رقم 23).
(6)
في السنن (1/ 40 رقم 47). وهو حديث صحيح.
(7)
في المسند (1/ 80، 120). قلت: وأخرجه الطبراني في الأوسط رقم (1238) بسند حسن.
(8)
في المسند (6/ 325) بسند صحيح. وابن إسحاق صرح بالتحديث.
(9)
في كتابه السواك كما في "التلخيص"(1/ 63).
وقد اقتبس الحافظ ابن حجر من هذا الكتاب - السواك - في "التلخيص" - على سبيل المثال - (1/ 63، 64، 66، 69، 72). وفي فتح الباري (4/ 159).
ولم نعلم عن هذا الكتاب شيئًا. هل هو في عداد المفقودين أم لا؟!.
(10)
في "التلخيص"(1/ 63).
(11)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 63).
(12)
في الكبير (12/ 375 رقم 13598) وفي الأوسط رقم (8448) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 98) وفيه سعيد بن راشد وهو ضعيف. قلت: بل هو متروك الميزان (2/ 135). ولكن الحديث ثابت من حديث أبي هريرة.
(13)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 63).
[ما يستفاد من حديث أبي هريرة]:
والحديثُ يدلُّ على أن السواكَ غيرُ واجبٍ، وعلى شرعيتِهِ عندَ الوضوءِ، وعندَ الصلاةِ لأنهُ إذا ذهبَ الوجوبُ بقيَ الندبُ كما تقدَّم. وعلى أن الأمرَ للوجوبِ، لأنَّ كلمةَ لولا تدلُّ على انتفاءِ الشيءِ لوجودِ غيره فيدلُّ على انتفاءِ الأمْرِ لوجودِ المشقةِ والمنفيُّ لأجلِ المشقةِ، إنما هوَ الوجوبُ لا الاستحبابُ، فإن استحبابَ السواكِ ثابتٌ عندَ كلِّ صلاةٍ فيقتضي ذلكَ أن الأمرَ للوجوبِ، وفيهِ خلافٌ في الأصولِ على أقوالٍ.
ويدلُّ الحديثُ أيضًا على أن المندوبَ غيرُ مأمورٍ به لمثلِ ما ذكرناهُ، وفيه أيضًا خلافٌ في الأصولِ مشهورٌ.
ويدلُّ أيضًا على أن للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يحكمَ بالاجتهادِ ولا يتوقفُ حكْمُهُ على النصِّ لجعلهِ المشقةَ سببًا لعدمِ الأمر منهُ، ولو كانَ الأمرُ موقوفًا على النصِّ لكانَ سببُ [عدمِ]
(1)
الأمرِ منهُ عدمَ النصِّ لا مجرد المشقةِ، وفيه احتمالٌ للبحثِ والتأويلِ
(2)
، كما قاله ابنُ دقيقِ العيدِ
(3)
. وهو أيضًا يدلُّ بعمومهِ على استحبابِ السواكِ للصائمِ بعدَ الزوالِ، لأن الصلاتينِ الواقعتينِ بعدَهُ داخلتانِ تحتَ عمومِ الصلاةِ، فلا تتم دعوى الكراهةِ إلا بدليلٍ يخصِّصُ هذا العمومَ وسيأتي الكلامُ على ذلكَ.
4/ 121 - (وعَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبيهِ قالَ: قُلت لِعائشةَ رضي الله عنها: بأيِّ شَيْءٍ كانَ يَبْدأُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قالتْ: بِالسِّواكِ. رَواهُ الجمَاعَةُ إلا البُخارِيَّ والتِّرْمذِيَّ)
(4)
. [صحيح]
(1)
زيادة من (أ) و (ب).
(2)
وجه البحث أنه يجوز أن يكون إخبارًا منه صلى الله عليه وسلم بأن سبب عدم ورود النص وجود المشقة فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لأمرتهم" أي عن الله بأنه واجب بدليل قوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)} [النجم: 3] فلا يكون فيه دليل على الاجتهاد.
(3)
في "إحكام الأحكام"(1/ 66).
(4)
أخرجه أحمد (6/ 41، 42، 110، 182، 188، 237) ومسلم (1/ 220 رقم 253).
وأبو داود (1/ 44 رقم 51) والنسائي (1/ 13) وابن ماجه (1/ 106 رقم 290).
قلت: وأخرجه أبو عوانة (1/ 192) وابن خزيمة في صحيحه رقم (134) وابن أبي شيبة في "المصنف"(1/ 168) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 34) والبغوي في شرح السنة رقم (201) من طرق
…
الحديثُ رواهُ ابنُ حبانَ في صحيحهِ
(1)
. وفيه بيانُ فضيلةِ السواكِ في جميعِ الأوقاتِ وشِدَّةِ الاهتمامِ بهِ وتكرارُهُ لعدمِ تقييدِهِ بوقتِ الصلاةِ والوضُوءِ.
5/ 122 - (وعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قالَ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قامَ منَ اللَّيْلِ يَشُوص فاه بِالسَّواكِ. رَواهُ الجمَاعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ
(2)
.
والشَّوْصُ: الدَّلْكُ.
وللنسائي
(3)
عَنْ حُذيْفَةَ قالَ: كُنا نُؤمَرُ بالسِّواكِ إذا قُمنْا مِنَ الليْلِ). [صحيح]
الحديثُ متفقٌ عليهِ من حديثِ حُذيفةَ بلفظ: "كانَ إذا قامَ من النومِ يَشوصُ فاهُ بالسواكِ". وفي لفظِ لمسلمٍ
(4)
: "كان إذا قامَ ليتهجدَ يشوصُ فاهُ بالسواكِ" واستغربَ ابنُ مندَه
(5)
هذهِ الزيادةَ، وقد رواها الطبرانيُّ
(6)
من وجهٍ آخرَ بلفظ: "كُنا نُؤمرُ بالسواكِ إذا قُمنا مِنَ الليلِ"، ورواه أيضًا النسائي
(7)
كما في حديثِ البابِ، ورواهُ مسلمُ
(8)
وأبو داود
(9)
وابنُ ماجَه
(10)
والحاكمُ
(11)
من حديثِ ابن عباسٍ في قصَّةِ نومهِ عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "فلمَّا استيقظَ من منامِهِ أتى طَهُورَهُ فأخذَ سواكُهُ
(1)
في صحيحه (3/ 356 رقم 1074) بسند صحيح.
(2)
أحمد في المسند (5/ 390، 332، 397، 402، 407) والبخاري (1/ 356 رقم 245) وطرفاه (رقم: 889، 1136) ومسلم (1/ 220 - 221 رقم 46، 47/ 255) وأبو داود (1/ 47 رقم 55) والنسائي (1/ 8 رقم 2) وابن ماجه (1/ 105 رقم 286).
(3)
أوردها ابن الأثير في "جامع الأصول"(7/ 176).
(4)
في صحيحه (1/ 220 رقم 46/ 255).
(5)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 63).
(6)
لم أعثر عليه في المعاجم الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير للطبراني.
وقد عزاه الحافظ في "التلخيص"(1/ 63) للطبراني.
(7)
تقدم في حديث الباب رقم (5/ 122).
(8)
في صحيحه (1/ 221 رقم 256).
(9)
في السنن (1/ 48 رقم 58).
(10)
في السنن (1/ 106 رقم 288).
(11)
في المستدرك (3/ 535 - 536).
وهو حديث صحيح.
فاستَاكَ". وفي روايةِ أبي داود
(1)
التصريحُ بتكرارِ ذلكَ. وفي روايةِ للطبراني
(2)
: "كان يستاكُ من الليلِ مرتينِ أو ثلاثًا". وفي روايةٍ له
(3)
عن الفضلِ بن عباسٍ: "لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقومُ إلى الصلاةِ بالليلِ إلا استنَّ". ورواهُ أبو داود
(4)
من حديثِ عائشةَ بلفظ: "كانَ يُوضعُ له سواكُهُ ووضوؤهُ فإذا قامَ من الليلِ تخلَّى ثم استاكَ". وصحَّحَهُ ابن مندَه
(5)
. ورواه ابنُ ماجه
(6)
والطبراني
(7)
من وجهٍ آخرَ عن ابن أبي مُليكةَ عنها، وصححه الحاكم
(8)
وابن السكن
(9)
. ورواهُ أبو داودَ
(10)
عن عائشةَ أيضًا بلفظ: "كان لا يرقُدُ مِنْ ليلٍ ولا نهارٍ فيستيقظُ إلَّا تسوَّكَ قبلَ أن يتوضأ" وفيه علي بن زيد
(11)
.
وفي البابِ عن ابن عمرَ عندَ أحمد
(12)
، وعن معاويةَ عندَ الطبراني
(13)
وإسنادهُ ضعيفٌ، وعن أنسٍ عندَ البيهقي
(14)
، وعن أبي أيوبَ عندَ أبي نعيم
(15)
، قالَ الحافظ
(16)
: وكلُّها ضعيفةٌ.
(1)
في السنن (1/ 48 رقم 58) كما تقدم.
(2)
في المعجم الكبير (4/ 178 رقم 4066) من حديث أبي أيوب.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 271 - 272) وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه واصل بن السائب وهو ضعيف". وكذا في (2/ 99).
قلت: وفيه أبو سورة أيضًا ضعيف.
(3)
أي للطبراني في الكبير (18/ 297 رقم 763).
(4)
في السنن (1/ 47 رقم 56) وهو حديث صحيح.
(5)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 63).
(6)
في السنن (1/ 129 رقم 361) وهو حديث ضعيف.
(7)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 63).
(8)
و
(9)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(1/ 63).
(10)
في السنن (1/ 47 رقم 57) وهو حديث حسن دون قوله: "ولا نهار"، قاله المحدث الألباني في صحيح أبي داود رقم (51).
(11)
وهو ضعيف. التقريب (رقم 4734).
(12)
في المسند (2/ 117).
(13)
في المعجم الكبير (19/ 349 رقم 811).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 215) وقال: وفيه عبيدة بن حسان وهو منكر الحديث.
وكذا قال في (4/ 292).
(14)
في السنن الكبرى (1/ 40 - 41).
(15)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 64).
(16)
في "التلخيص"(1/ 64).
قوله: (يشُوصُ) بضمِّ المعجمةِ [وبسكونِ]
(1)
الواوِ، وشاصَهُ يشوصُهُ، وماصَهُ يموصُهُ إذا غسلَهُ، والشَّوصُ بالفتحِ: الغَسْلُ والتنظيفُ، كذا في الصحاحِ
(2)
. وقيلَ: الغَسْلُ. وقيلَ: التنقيةُ. وقيلَ: الدلكُ. وقيلَ: الإمرارُ على الأسنانِ من أسفلَ إلى فوقَ، وعكسَهُ الخطابيُّ
(3)
فقالَ: هو دلكُ الأسنانِ بالسواكِ أو الأصابعِ عرضًا.
والحديثُ يدلُّ على استحباب السواكِ عندَ القيامِ منَ النومِ لأنهُ مقتضٍ لتغيُّرِ الفمِ لما يتصاعدُ إليه من أبخِرَةِ المَعِدَةِ، والسواكُ ينظِّفُهُ ولهذا أرشدَ إليه. وظاهرُ قولهِ منَ الليلِ ومنَ النومِ العمومُ لجميع الأوقاتِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ
(4)
: ويحتملُ أن يخصَّ بما إذا قامَ إلى الصلاةِ، قالَ الحافظُ
(5)
: ويدلُّ عليه روايةُ البخاري
(6)
بلفظ: "إذا قام للتهجُّدِ"، ولمسلم
(7)
نحوُهُ" انتهى. فيحمَلُ المطلَقُ على المقيدِ، ولكنه بعدَ معرفةِ أن العِلَّةَ التنظَيفُ لا يتمُّ ذلكَ لأنه مندوبٌ إليه في جميعِ الأحوالِ.
6/ 123 - (وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ لا يَرْقُدُ لَيْلًا وَلا نَهارًا فَيَسْتَيقظُ إلَّا تَسَوَّكَ. رَوَاهُ أحْمَدُ
(8)
وأبُو دَاودَ)
(9)
. [حسن. دون قوله: "ولا نهار"]
الحديثُ أخرجَهُ أيضًا ابن أبي شيبة
(10)
وقد تقدم الكلام عليه وعلى فقهه في الذي قبله.
(1)
في (ب) و (جـ): (وسكون).
(2)
للجوهري (3/ 1044).
(3)
في "أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري"(1/ 293).
(4)
في "إحكام الأحكام"(1/ 67).
(5)
في "فتح الباري"(1/ 356).
(6)
في صحيحه (3/ 19 رقم 1136) من حديث حذيفة.
(7)
في صحيحه (1/ 220 رقم 46/ 255) من حديث حذيفة.
(8)
في المسند (6/ 121).
(9)
في السنن (1/ 47 رقم 57).
وهو حديث حسن دون قوله: "ولا نهار".
(10)
في "المصنف"(1/ 169).
[الباب الثاني] باب تسوك المتوضئ بأصبعه عند المضمضة
7/ 124 - (عَن عَليِّ بْنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه أنّه دَعا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ثَلاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلاثًا، فأدْخَلَ بَعْضَ أصَابِعِهِ في فِيهِ، وَاستنْشَقَ ثَلاثًا، وغَسَلَ ذِراعَيْهِ ثلاثًا، ومَسَحَ رَأسَهُ واحِدَةً، وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ وقالَ: هكَذا كانَ وضُوءُ نَبيِّ الله صلى الله عليه وسلم. رَوَاهُ أحْمَدُ)
(1)
. [صحيح]
الحديثُ يأتي الكلامُ على أطرافِهِ في الوضوءِ، وقد ساقَهُ المصنِّفُ للاستدلالِ بقولهِ:"فأدخلَ بعضَ أصابعه في فِيْهِ" على أنه يُجزئ التسوكُ بالأصبعِ. وقد روى ابنُ عدي
(2)
والدارقطني
(3)
والبيهقي
(4)
من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن المثنى عن النضْرِ بن أنسٍ عن أنسٍ مرفوعًا بلفظ: "يُجزئ من السواكِ الأصابعُ"، قالَ الحافظ
(5)
: وفي إسنادِهِ نظر. وقال الضياءُ
(6)
: لا أرى بسندِهِ بأسًا، وقالَ البيهقي
(7)
: المحفوظُ عن ابن المثنى عن بعضِ أهلِ بيتهِ عن أنسٍ نحوُهُ. ورواه أبو نعيم
(8)
والطبراني
(9)
وابن عدي
(10)
من حديثِ عائشةَ، وفيه المثنى بنُ الصباحِ. ورواهُ أبو نعيم
(11)
أيضًا من حديثِ كثيرِ بن عبدِ اللَّهِ بن
(1)
في المسند (1/ 113، 141، 154).
(2)
في "الكامل"(5/ 1971) في ترجمة: عبد الحكم القسملي.
(3)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 70).
(4)
في السنن الكبرى (1/ 41). قلت: تفرد به عيسى بن شعيب. وعيسى له أوهام وهذا منها.
(5)
في "التلخيص"(1/ 70).
(6)
أخرج الحديث في "المختارة"(7/ 252 رقم 2699 و 2700). قلت: تفرد به عيسى بن شعيب أيضًا وخلاصة القول أن الحديث ضعيف.
(7)
في "السنن الكبرى"(1/ 41).
(8)
في كتابه السواك الذي لا نعلم عنه شيئًا.
(9)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 70).
(10)
لم أجده في "الكامل"(5/ 2417) في ترجمة مُثَنَّى بن الصبَّاح.
(11)
في كتابه السواك الذي لا نعلم عنه شيئًا. =
عمرِو بن عوفِ عن أبيهِ عن جدهِ، وكثير
(1)
ضعفوه.
قالَ الحافظ
(2)
: وأصحُّ من ذلكَ ما رواه أحمد في مسنده
(3)
من حديثِ علي بن أبي طالبٍ وذكرَ حديثَ البابِ. وروى أبو عُبيدِ في كتابِ "الطهور"
(4)
عن عثمانَ أنهُ كانَ إذا توضَّأ يسوكُ فاهُ بأصبعِهِ، وروى الطبراني في الأوسط
(5)
من حديثِ عائشةَ: "قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، الرجلُ يذهبُ فُوْهُ أيستاكُ؟ قالَ: نعم، قلتُ: كيفَ يصنعُ؟ قالَ: يُدْخِلُ أصبعَهُ في فيهِ" رواهُ بإسنادٍ فيه عيسى بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصاريُّ
(6)
، وقالَ: لا يُروى إلا بهذا الإِسنادِ، قالَ الحافظ
(7)
: "وعيسى ضعفه ابنُ حبان
(8)
، وذكرَ له ابنُ عدي
(9)
هذا الحديثَ مِنْ مناكيرِهِ".
= قلت: وأخرجه الطبراني في الأوسط رقم (6437) مرفوعًا بلفظ: "الأصابعُ تَجري مجرى السواكِ، إذ لم يكن سواكٌ".
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 100) وقال: "رواه الطبراني في الأوسط، وكثير ضعيف وقد حسن الترمذي حديثه" اهـ.
قلت: كثير بن عبد الله: متروك الحديث قاله النسائي والدارقطني.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يُتابع عليه.
وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعةً لا يحلُّ ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب.
انظر: "تهذيب التهذيب"(3/ 462 - 463).
وكذلك أبو غزية: ضعيف.
(1)
تقدم الكلام عليه في "التعليقة المتقدمة". وخلاصة القول أن الحديث ضعيف.
(2)
في "التلخيص"(1/ 70).
(3)
(1/ 113، 141، 154) كما تقدم رقم (7/ 124). من كتابنا هذا.
(4)
رقم (298) بسند ضعيف.
(5)
رقم (6678). وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 100) وقال: فيه عيسى بن عبد الله الأنصاري وهو ضعيف.
(6)
وهو ضعيف. انظر: "لسان الميزان"(4/ 400) والميزان، (3/ 316).
(7)
في "التلخيص"(1/ 70 - 71).
(8)
في "المجروحين"(2/ 121).
(9)
في "الكامل"(5/ 1893). وخلاصة القول أن الحديث ضعيف.
[الباب الثالث] باب السواك للصائم
8/ 125 - (عَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحْصي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صائِمٌ. رَواهُ أحْمَدُ
(1)
وَأبُو دَاوُدَ
(2)
والترْمذِيُّ
(3)
وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ). [ضعيف]
قال الحافظُ
(4)
: رواهُ أصحابُ السننِ
(5)
وابنُ خزيمةَ
(6)
وعلَّقهُ البخاري
(7)
، وفيه عاصمُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ وهو ضعيف
(8)
، قالَ ابنُ خزيمة
(9)
: وأنا أبرأُ مِنْ عُهْدَتِهِ. لكنْ حسَّنَ الحديثَ غيرُهُ. وقالَ الحافظُ أيضًا: إسنادهُ حسنٌ
(10)
.
والحديثُ يدلُّ على استحبابِ السواكِ للصائمِ مِنْ غيرِ تقييدِ بوقتٍ دونَ وقتٍ، وهو يردُّ على الشافعيِّ قولَهُ بالكراهةِ بعدَ الزوالِ للصائمِ مستدلًا بحديثِ الخلوفِ الذي سيأتي
(11)
. وقد نقلَ الترمذي
(12)
أنَّ الشافعيَّ قالَ: لا بأسَ بالسواكِ
(1)
في المسند (3/ 445، 446).
(2)
في السنن (2/ 768 رقم 2364).
(3)
في السنن (4/ 103 رقم 725) وقال: حديث حسن.
(4)
في "التلخيص"(1/ 68).
(5)
انظر: "تحفة الأشراف"(4/ 228) فقد عزاه إلى أبي داود والترمذي.
وانظر: "الأطراف بأوهام الأطراف" للعراقي (ص 112) وأضاف أن البخاري علقه في "الصوم" ولم يذكر غير أبي داود الترمذي.
(6)
في صحيحه (3/ 247 رقم 2007).
(7)
في صحيحه تعليقًا (4/ 158 رقم الباب 27) بصيغة التمريض.
(8)
قاله الحافظ في "التقريب" رقم (3065).
(9)
في "صحيحه"(3/ 248).
(10)
قلت: بل إسناده ضعيف.
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف، والله أعلم.
(11)
برقم (10/ 127) من كتابنا هذا.
(12)
في السنن (3/ 104).
للصائمِ أوَّلَ النهارِ وآخِرَهُ. واختارَهُ جماعة من أصحابهِ منهم: أبو شامةَ
(1)
وابنُ عبدِ السلامِ والنووي
(2)
والمزنيُّ.
قالَ ابنُ عبدِ السلامِ في قواعدِهِ الكُبرى
(3)
: "وقد فضَّل الشافعيُّ تحمُّلَ الصائمِ مشقةَ رائحةِ الخلُوفِ على إزالتهِ بالسواكِ مستدِلًا بأن ثوابَهُ أطيبُ من ريحِ المسكِ، ولا يُوافَقُ الشافعيُّ [في]
(4)
ذلكَ إذ لا يلزمُ من ذكرِ ثوابِ العملِ أَنْ يكونَ أفضلَ من غيرهِ، لأنه لا يلزمُ من ذكرِ الفضيلةِ حصولُ الرُّجْحَانِ بالأفضليةِ، ألا ترى أن الوترَ عندَ الشافعيِّ في قولهِ الجديدِ أفضلُ من رَكعتي الفجرِ معَ قولهِ عليه السلام: "رَكْعَتَا الفجْرِ خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها
(5)
"وكم من عبادةٍ قد أثنى الشارعُ عليها وذكرَ فضيلتَها، وغيرُهَا أَفضلُ منها، وهذا من بابِ تزاحُم المصلحتينِ اللتينِ لا يمكنُ الجمعُ بينهما، فإنَّ السواكَ نوعٌ من التطهرِ المشروعِ لأَجلِ الربِّ سبحانَه، لأن مخاطبةَ العُظماءِ مع طهارةِ الأفواهِ تعظيمٌ لا شك فيهِ، ولأجلِه شُرعَ السواكُ، وليسَ في الخلوفِ تعظيمٌ ولا إجلالٌ فكيفَ يُقالُ: إنَّ فضيلةَ الخلوفِ تربُو على تعظيمِ ذي الجلالِ بتطييبِ الأفواهِ؟! إلى أنْ قالَ: والذي ذكرَهُ الشافعيُّ رحمه الله تخصيصٌ للعامٌ
(6)
بمجرَّدِ الاستدلالِ المذكورِ المعارَضِ بما ذَكَرْنَا".
قال الحافِظُ في التلخيصِ
(7)
: "استدلالُ أصحابِنَا بحديثِ خلوف فمِ الصائمِ على كراهةِ الاستياكِ بعدَ الزوالِ لمن يكونُ صائمًا فيه نَظَرٌ؛ لكنْ في روايةِ
(1)
وهو أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف بأبي شامة (599 هـ - 665 هـ) انظر: "شذرات الذهب (5/ 318 - 319) وفوات الوفيات (1/ 527 - 529) والنجوم الزاهرة (7/ 224) والأعلام (3/ 299).
وانظر: "السواك وأشبه ذاك (ص 75). وفي (جـ): (أبو أسامة) وهو خطأ.
(2)
"المجموع"(1/ 330).
(3)
المسمى: "قواعد الأحكام في مصالح الأنام"(1/ 39).
(4)
في (جـ): (على).
(5)
أخرجه البخاري (3/ 45 رقم 1169) ومسلم (1/ 501 رقم 96/ 725) وأبو داود (2/ 44 رقم 1254) والترمذي (2/ 275 رقم 416) والنسائي (3/ 252 رقم 1759) واللفظ لمسلم والنسائي والترمذي.
(6)
في حاشية المخطوط ما نصه: "يعني حديث: لولا أن أشق على أمتي .. ".
(7)
(1/ 61).
للدارقطنيِّ
(1)
عن أبي هريرةَ قالَ: "لكَ السواكُ إلى العصرِ، فإذا صليتَ فألقِهِ فإني سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "لخلُوفُ فمِ الصائمِ
…
" الحديث، قالَ: وقد عارضَهُ حديث عامرِ بن ربيعةَ
(2)
يعني حديثَ البابِ، وقالَ: وفي البابِ حديثُ عليٍّ: "إذا صمتُم فاستاكُوا بالغداةِ ولا تستاكوا بالعشيِّ، فإنه ليسَ من صائم تيبسُ شفتاهُ بالعشيِّ إلَّا كانَتَا له نورًا بين عينيهِ يومَ القيامةِ" أخرجَهُ البيهقي
(3)
قالَ الحافظُ
(4)
: وإسنادُهُ ضعيفٌ" انتهى.
وقولُ أبي هريرةَ معَ كونهِ لا يدلُّ على المطلوبِ لا حجَّةَ فيهِ على أن فيه عمرَ بنَ قَيسٍ
(5)
وهو متروكٌ، وكذلكَ حديثُ عليٍّ معَ ضعفهِ لم يصرِّحْ فيه، بالرفعِ.
فالحق أنه يُستحبُّ السواكُ للصائمِ أوَّلَ النهارِ وآخِرَهُ، وهو مذهبُ جمهورِ الأئمةِ.
9/ 126 - (وعَنْ عائِشةَ رضي الله عنها قالتْ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مِنْ خَير خِصالِ الصَّائِم السِّواكُ". رَواهُ ابْنُ ماجهْ
(6)
. [ضعيف]
قالَ البُخاريُّ
(7)
: وقالَ ابْنُ عمَرَ يَسْتاكُ أوَّلَ النهارِ وآخِرَهُ).
الحديثُ قالَ في التلخيصِ
(8)
: هو ضعيفٌ، ورواهُ أبو نعيمٍ
(9)
من طريقين
(1)
في السنن (2/ 203 رقم 5) وفيه عمر بن قيس المشهور بسَنْدل ضعيف الحديث.
والخلاصة أن حديث أبي هريرة ضعيف.
(2)
وهو حديث ضعيف. تقدم برقم (8/ 125) من كتابنا هذا.
(3)
في السنن الكبرى (4/ 274) بسند ضعيف.
(4)
في "التلخيص"(1/ 62).
(5)
عمر بن قيس المكي، المعروف بسَنْدل، متروك. (التقريب: رقم 4959).
(6)
في السنن (1/ 536 رقم 1677).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 13 رقم 607/ 1677): "هذا إسناد ضعيف لضعف مجالد".
قلت: وهو حديث ضعيف.
(7)
في صحيحه تعليقًا (4/ 153 رقم الباب 25) بصيغة الجزم.
(8)
(1/ 68).
(9)
في كتابه السواك الذي لا نعلم عنه شيئًا.
أُخْرييْنِ عنها، وروى النسائيُّ في الكُنى
(1)
، والعقيليُّ
(2)
وابنُ حِبانَ في الضعفاءِ
(3)
والبيهقي
(4)
من طريقِ عاصمٍ عن أَنسٍ: "يَستاكُ الصائمُ أَوَّلَ النهارِ وآخِرَهُ بِرَطْبِ السواكِ ويابسِهِ" ورفعهُ. وفيهِ إبراهيمُ بنُ بيطارِ الخوارزميُّ، قالَ البيهقيُّ
(5)
: انفردَ به إبراهيمُ بنُ بيطارٍ، ويقالُ: إبراهيمُ بنُ عبدِ الرحمنِ قاضي خوارِزْمَ وهو مُنكرُ الحديثِ. وقالَ ابنُ حبان
(6)
: لا يصحُّ، ولا أصْلَ له من حديثِ النبي صلى الله عليه وسلم ولا من حديثِ أنسٍ، وذكرَهُ ابنُ الجوزيِّ في الموضوعاتِ
(7)
. قالَ الحافظُ
(8)
: قلتُ: له شاهدٌ من حديثِ معاذٍ رواهُ الطبرانيُّ في الكبيرِ
(9)
، وقالَ أحمدُ بنُ منيعٍ في مُسندِهِ
(10)
: حدثنا الهيثمُ بنُ خارجةَ حدَّثنا يحيى بنُ حمزةَ عن النعمانِ بن المنذرِ
(1)
الكنى للنسائي، نسبه له الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(14/ 133) ووصفه بأنه كتاب حافل، وذكره في "تذكره الحفاظ"(2/ 625) والميزان (1/ 15).
واقتبس منه ابن حجر في "التهذيب" في مواضع. وفي "لسان الميزان" في مواضع
…
[انظر: "معجم المصنفات" (ص 339 رقم 1078)].
(2)
في "الضعفاء الكبير"(1/ 56، 57) ترجمة: إبراهيم بن عبد الرحمن الجبلي.
(3)
في "المجروحين"(1/ 102، 103) ترجمة: إبراهيم بن بيطار.
(4)
في السنن الكبرى (4/ 272).
(5)
في السنن الكبرى (4/ 272).
(6)
في "المجروحين"(1/ 103).
(7)
(2/ 194).
قلت: وقال الحافظ في "لسان الميزان"(1/ 76): "لا يدرى من ذا - يعني إبراهيم بن بيطار - خبره في السواك منكر.
(8)
في "التلخيص"(1/ 69).
(9)
(20/ 70 - 71 رقم 133).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 165) وقال: فيه بكر بن خنيس وهو ضعيف وقد وثقه ابن معين في رواية.
وأخرجه الطبراني أيضًا في "مسند الشاميين"(رقم 2250).
(10)
مسند أحمد بن منيع، ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(11/ 483) وهو مفقود.
وقد جمع ابن حجر أحاديثه الزائدة على الكتب الستة في كتابه "المطالب العالية" وهو مطبوع.
[انظر: "معجم المصنفات" (ص 372 رقم 1188)].
والحديث أخرجه ابن حجر في "المطالب العالية"(1/ 414 رقم 1089).
وقال البوصيري (4/ 268 رقم 2729): رواه أحمد بن منيع، ورجاله ثقات، وله شاهد من حديث عامر بن ربيعة، رواه البخاري تعليقًا، ومسدد وأبو داود والترمذي مرفوعًا".
عنْ عطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ عن ابن عباسٍ: "أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تسوَّكَ وهو صائمٌ".
الحديث يدلُّ على أن السواكَ من خيرِ خصالِ الصائمِ من غيرِ فرقِ بينَ قَبْلِ الزوالِ وبعدَهُ، وقدْ تقدَم الكلامُ على ذلكَ في الحديث الأول
(1)
.
10/ 127 - (وعَنِ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائمِ أطيَبُ عِنْدَ الله مِنْ ريح المِسْكِ". مُتَّفَقٌ عَليْهِ)
(2)
. [صحيح]
الحديثُ له طُرقٌ وأَلفاظٌ، ورواهُ مسلمٌ
(3)
من حديث أبي سعيدِ، والبزارُ
(4)
من حديثِ عليٍّ، وابن حِبان
(5)
من حديثِ الحارث الأشعري، وأحمدُ
(6)
من حديث ابن مسعود، والحسنُ بنُ سفيان
(7)
من حديثِ جابرٍ.
(1)
برقم (8/ 125) من كتابنا هذا وهو حديث ضعيف.
(2)
أخرجه أحمد (2/ 273) والبخاري (4/ 118 رقم 1904) ومسلم (2/ 807 رقم 163/ 1151) والنسائي (4/ 163 - 164) من طرق عن ابن جريج، عن عطاء عن أبي صالح الزيات عن أبي هريرة به.
وأخرجه مسلم (2/ 807 رقم 164/ 1151) عن زهير بن حرب، عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به.
وأخرجه أحمد (2/ 443، 477) ومسلم (2/ 807 رقم 164/ 1151) من طريق وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به.
وأخرجه البخاري رقم (7492) من طريق أبي نعيم عن الأعمش به.
وأخرجه أحمد (2/ 281) والبخاري رقم (5927) ومسلم (161/ 1151) والنسائي (4/ 164) و (4/ 304) من طرق عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
وأخرج أحمد (2/ 466 - 467، 503) والبخاري رقم (7538) من طرق عن أبي هريرة.
(3)
في صحيحه (2/ 807 رقم 165/ 1151) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد.
(4)
في "البحر الزخار"(3/ 129 رقم 915).
قلت: وأخرجه النسائي في سننه (4/ 159 - 160 رقم 2211).
وهو حديث صحيح لغيره.
(5)
عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(1/ 61).
(6)
في المسند (1/ 446).
(7)
مسند الحسن بن سفيان. ذكره له الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(14/ 157) وقد جمع ابن حجر زوائده على الكتب الستة في "المطالب العالية" وهو مطبوع [انظر: "معجم المصنفات" (ص 375 رقم 1194)].
قوله: (لخُلُوفُ) بضمِّ الخاءِ، قالَ القاضي عياض
(1)
: قيَّدناه عن المتقنينَ بالضمِّ، وأكثرُ المحدِّثين يفتحونَ خَاءَهُ وهو خطأ. وعدَّهُ الخطابي في غَلَطَاتِ المحدثينَ
(2)
، وهو تغيُّرُ رائحةِ الفمِ. وقدِ استدلَّ الشافعيُّ بالحديثِ على كَراهةِ الاستياكِ بعدَ الزوالِ للصائمِ، لأنه يُزيلُ الخلُوفَ الذي هو أَطيبُ عندَ اللَّهِ من ريحِ المسكِ، وهذا الاستدلالُ لا ينتهضُ لتخصيصِ الأحاديثِ القاضيةِ باستحبابِ السواكِ على العمومِ، ولا على معارضَةِ تلكَ الخصوصياتِ. وقد سبقَ الكلامُ على ذلكَ في حديثِ عامرِ بن ربيعةَ
(3)
. قال المصنِّفُ
(4)
رحمه الله: وبهِ احتجَّ مَنْ كَرِهَ السواك للصائمِ بعدَ الزَّوالِ اهـ.
[الباب الرابع] باب سنن الفطرة
11/ 128 - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الاسْتِحْدَادُ، وَالخِتانُ، وَقصُّ الشَّاربِ، وَنَتْف الإِبْطِ وَتَقْلِيمُ الأظفارِ". رواهُ الجمَاعَةُ)
(5)
. [صحيح]
قوله: (خمسٌ مِنَ الفِطْرةِ) قد تقدَّم الكلامُ فيه في أوَّلِ أبوابِ السواكِ
(6)
.
والمرادُ بقولهِ: "خمسٌ مِنَ الفِطْرَةِ" في حديثِ البابِ أن هذهِ الأشياءَ إذا
(1)
انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (8/ 29 - 30).
(2)
(ص 44 رقم 56).
(3)
تقدم تخريجه برقم (8/ 125) من كتابنا هذا. وهو حديث ضعيف.
(4)
أي ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 67).
(5)
أخرجه أحمد (2/ 239) والبخاري رقم (5889) ورقم (5891) ورقم (6297).
ومسلم رقم (49، 50/ 257) وأبو داود رقم (4198) والنسائي (1/ 15).
وابن ماجه رقم (292) والترمذي رقم (2756) وقال: حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه أبو عوانة (1/ 190) والبيهقي (1/ 149) والبغوي في شرح السنة رقم (3195) والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (1257) من طرق.
(6)
في الباب الأول: باب الحث على السواك وذكر ما يتأكد عنده. رقم الحديث (1/ 118) من كتابنا هذا.
فُعِلَتْ اتَّصفَ فاعِلُها بالفِطْرةِ التي فطرَ اللَّهُ العبادَ عليها، وحثَّهم عليها واستَحَبَّها لهم ليكونُوا على أكْمَلِ الصفاتِ وأَشرَفِها صورةً. وقد ردَّ البيضاويُّ
(1)
الفِطْرةَ في حديثِ البابِ إلى مجموعِ ما وردَ في معناهُ ممَّا تقدَّمَ فقالَ: "هي السنةُ القديمةُ التي اختارَهَا الأنبياءُ واتفقتْ عليها الشرائعُ فكأنَّها أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ ينطَوُوْنَ عليها"، وسوَّغَ الابتداءَ بالنكرةِ في قولهِ: خمسٌ أَنه صفةُ موصوفٍ محذوفٍ والتقديرُ: خصالٌ خمسٌ، ثم فسَّرَها، أوْ على الإِضَافَةِ: أَي خمسُ خصلٍ، ويجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ والتقديرُ: الذي شُرعَ لكم خمسٌ.
قوله: (الاستحدادُ) هو حَلْقُ العانةِ سُمِّيَ استحدادًا لاستعمالِ الحديدةِ وهي الموسَى وهو سنةٌ بالاتفاقِ، ويكونُ بالحلْقِ والقصِّ والنَّتْفِ والنُّورَةِ. قالَ النووي
(2)
: والأفضلُ الحلقُ، والمرادُ بالعانَةِ الشعرُ فوقَ ذَكَرِ الرجُلِ وحَوَالَيْهِ، وكذلكَ الشعرُ الذي حَوْلَ فرَجِ المرأَةِ. ونُقِلَ عن أبي العباسِ
(3)
بن سُريجٍ أَنهُ الشعرُ النابتُ حولَ حَلَقةِ الدُّبُرِ. قال النووي
(4)
: "فيحصُلُ من مجموعِ هذا استحبابُ حلقِ جميعِ ما على القُبُلِ والدُّبُرِ وحَوْلَهُمَا" انتهى.
وأقولُ: الاستحدادُ إنْ كانَ في اللغةِ حلق العانةِ كما ذكره النووي فلا دليلَ على سُنيةِ حلقِ الشعْرِ النابتِ حولَ الدبُرِ، وإن كانَ الاحْتِلاقُ بالحديدِ كما في القاموس
(5)
فلا شكَ أنه أعمُّ من حلقِ العانةِ، ولكنه وقعَ في مسلمٍ
(6)
وغيرِه بدلَ الاستحدادِ في حديثِ: "عشرٌ مِنَ الفطرةِ: حلقُ العانةِ" فيكونُ مبينًا لإطلاقِ الاستحدادِ في حديثِ: "خمسٌ مِنَ الفِطْرَةِ" فلا يتمُّ دعوى سنيةِ حلقِ شعرِ الدبُرِ أَو استحبابِه إلا بدليلٍ، ولم نَقِفْ على حلقِ شعرِ الدبُرِ مِنْ فعلِهِ صلى الله عليه وسلم ولا مِنْ فِعلِ أحدٍ مِنْ أصحابِه.
(1)
ذكره الحافظ في "فتح الباري"(10/ 339).
(2)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 148).
(3)
ذكره النووي في شرح مسلم (3/ 148).
(4)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 148).
(5)
القاموس المحيط ص 352.
(6)
(1/ 223 رقم 56/ 261) وسيأتي تخريجه رقم (13/ 130) من كتابنا هذا.
قوله: (والخِتَانُ) اخْتُلِفَ في وجوبِه وسيأتي الكلامُ عليه في البابِ الذي بعدَ هذا
(1)
. والختانُ: قَطْعُ جميعِ الجِلْدَةِ التي تُغَطِّي الحشفةَ حتى ينكشِفَ جميعُ الحشفةِ، وفي المرأةِ قطعُ أَدنى جُزْءٍ مِنَ الجِلْدةِ التي في أَعْلَى الفَرْجِ.
قوله: (وقصُّ الشَّارب) هو سنةٌ بالاتفاقِ والقاصُّ مخيرٌ بينَ أَن يتولَّى ذلكَ بنفسِه أو يُوْلِيْهِ غيرَهُ لحصَولِ المقصودِ بخلافِ الإِبطِ والعانةِ، وسيأتي مقدارُ ما يُقَصُّ منه في بابِ أخذِ الشارِبِ
(2)
.
قوله: (ونتفُ الإبطِ) هو سنةٌ بالاتفاقِ أيضًا. قال النووي
(3)
: والأفضلُ فيهِ النتفُ إنْ قويَ عليهِ، وتحصل أيضًا بالحلقِ والنُّوْرَةِ. وحُكِيَ عن يونُسَ بن عبدِ الأَعلَى قالَ: دخلتُ على الشافعيُّ وعندَهُ المزيِّن يحلِقُ إبطَهُ، فقالَ الشافعيُّ: علمتُ أنَّ السنةَ النتفُ ولكنْ لا أَقوى على الوجَعِ، ويُستحبُّ أن يَبدأَ بالإِبطِ الأيمنِ لحديثِ التيمُّنِ وفيهِ:"كانَ يُعجِبُهُ التيمُّنُ في تَنَعُّلِه وترجُّلِه وطَهُورِهِ وفي شأنِهِ كلِّهِ"
(4)
وكذلكَ يُستحبُّ أَنْ يَبدأَ في قصِّ الشاربِ بالجانبِ الأيمنِ لهذا الحديث.
قوله: (تقليمُ الأظفارِ) وقعَ في الروايةِ الآتيةِ في صحيح مسلمٍ
(5)
وغيرِه قصُّ الأظفار وهوَ سنةٌ بالاتفاقِ أيضًا، والتقليمُ تفعيل مِنَ القلمِ وهو القطعُ. قال النوويُّ
(6)
: "ويُستحبُّ
(7)
أَن يَبدأَ باليدينِ قبلَ الرِّجْلَيْنِ فيبدأُ بمسبِّحَةِ يدِهِ اليمنى، ثم
(1)
في الباب الخامس: باب الختان رقم الحديث (14/ 131) من كتابنا هذا.
(2)
الباب السادس: باب أخذ الشارب وإعفاء اللحية.
رقم الحديث (17/ 134) و (18/ 135) و (19/ 136) من كتابنا هذا.
(3)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 149).
(4)
أخرجه أحمد (6/ 94، 130، 147، 187، 188، 202، 210) والبخاري (1/ 269 رقم 168) ومسلم (1/ 226 رقم 268).
وأبو داود (4/ 378 رقم 4140) والترمذي (2/ 506 رقم 608).
والنسائي (1/ 78 رقم 112) و (18/ 33 رقم 5059) وابن ماجه (1/ 141 رقم 401).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(5)
رقم (56/ 261) وسيأتي تخريجه رقم (13/ 130) من كتابنا هذا.
(6)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 149).
(7)
الاستحباب - في قصّ الأظافر على هذا الترتيب - حكم شرعي يحتاج إلى دليل؟! ولا دليل.
الوسْطى ثم البُنْصُرِ، ثم الخُنْصُرِ، ثم الإبهامِ، ثم يعودُ إلى اليسرى فيبدأُ بخنصُرِهَا، ثم بُنْصُرِها إلى آخره، ثم يعودُ إلى الرِّجْلِ اليمنى فيبدأُ بِخُنْصُرِها ويختِمُ بِخُنْصُرِ اليُسرى" انتهى.
12/ 129 - (وعَنْ أنسٍ بْنِ مالِكٍ قالَ: وُقِّتَ لنا في قَصِّ الشارِبِ، وَتَقْلِيم الأظْفارِ، وَنَتْفِ الإِبْطِ، وَحَلْقِ العانَةِ أنْ لا نَتْرُكَ أكْثَرَ مِنْ أرْبَعينَ لَيْلةً. رَواهُ مُسْلِمْ
(1)
وابْنُ ماجَهْ
(2)
. وَرَواهُ أحمدُ
(3)
والتِّرْمذِيُّ
(4)
والنسائي
(5)
وأبُو دَاوُدَ
(6)
وَقالُوا: وَقَّتَ لنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم). [صحيح]
قوله: (وُقِّتَ لنا) في الروايةِ الأُولى على البناءِ للمجهولِ، وقد وقعَ خلافٌ في علمِ الأصولِ والاصطلاحِ هل هي صيغةُ رفعٍ أو لا؟ ولأكثرُ أَنَّها صيغةُ رفعٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا قالها الصحابيُّ مِثْلَ قولِهِ: أُمِرْنَا بكذَا [و]
(7)
نُهينا عن كذَا
(8)
. وقدْ صرَّحَ في الروايةِ الثانيةِ من حديثِ البابِ بأن الموقِّتَ هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم فارتفعَ الاحتمالُ، لكن في إسنادِها صَدَقَةُ بنُ موسى
(9)
أبو المغيرةِ، ويقالُ: أبو محمدٍ السُّلميُّ البصريُّ الدقيقيُّ
(10)
، قال يحيى بنُ معينٍ: ليسَ بشيءٍ. وقالَ مرَّةً: ضعيفٌ. وقالَ النسائي ضعيفٌ. وقالَ الترمذيُّ: ليسَ بالحافِظِ. وقالَ أبو حاتمٍ
(1)
في صحيحه (1/ 222 رقم 51/ 258).
(2)
في السنن (1/ 108 رقم 295).
(3)
في المسند (3/ 122).
(4)
في السنن (5/ 92 رقم 2758) و (5/ 92 رقم 2759) وقال: هذا أصح من الأول.
(5)
في السنن (1/ 15 رقم 14).
(6)
في السنن (4/ 413 رقم 4250).
(7)
في (جـ): (أو).
(8)
انظر: "التبصرة والتذكرة"(1/ 156) و"فتح المغيث"(1/ 134) و"فتح الباقي على ألفية العراقي"(1/ 156 - 157) و"المجموع شرح المهذب"(1/ 99 - 100).
وكتابي "مدخل إرشاد الأمة" ص 129 - 130.
(9)
وهو ضعيف.
انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري (4/ 297) والمجروحين (1/ 373) و"الجرح والتعديل"(4/ 432) والكاشف (2/ 25) والمغني (1/ 308) والميزان (2/ 312) ولسان الميزان (7/ 247) وخلاصة تهذيب الكمال ص 173.
(10)
الدَّقِيقي: بفتح الدال المشددة، وكسر القاف المخففه نسبة إلى بيع الدقيق وطحنه.
الرازيُّ: لينُ الحديثِ يُكتبُ حديثهُ ولا يُحتجُّ بهِ، ليسَ بالقويِّ وقالَ أبو حاتم بنُ حِبانَ: كان شيخًا صالِحًا إلَّا أن الحديثَ لم يكنْ صناعتَهُ فكانَ إذا روى قَلَبَ الأخبارَ حتى خرجَ عن حدِّ الاحتجاجِ بهِ.
وقد أخرَجَ الروايةَ الأُولى في صحيحِ مسلمٍ
(1)
عنْ يحيى بن يحيى وقتيبة كلاهُما عنْ جعفرِ بن سليمانَ، عن أبي عِمْرَانَ الجونيِّ عن أنسٍ بن مالكٍ بذلكَ اللفظِ. قالَ القاضي عِيَاضٌ
(2)
: قالَ العقيليُّ
(3)
: في حديثِ جعفرٍ هذا نَظَرٌ. وقالَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ: لم يروِهِ إلا جعفرُ بنُ سليمانَ وليسَ بِحُجَّةٍ لسوءِ حفظِهِ وكثرةِ غلطِهِ. قالَ النوويُّ
(4)
: وقد وثَّقَ كثيرٌ مِنَ الأئمةِ المتقدِّمينَ جعفرَ بنَ سليمانَ، ويكفي في توثيقِهِ احتجاجُ مسلمٍ بِهِ، وقد تابعَهُ غيرُه انتهى.
قوله: (أنْ لا نَتْرُكَ) قالَ النوويُّ
(5)
: معناهُ: "تركًا نتجاوزُ بهِ أربعينَ لا أنهُ وقَّتَ لهم التركَ أَربعينَ، قالَ: والمختارُ أَنهُ يُضبطُ بالحاجَةِ والطُّولِ، فإذا طالَ حلقَ" انتهى. قلتُ: بل المختارُ أنه يُضبطُ بالأربعينَ التي ضبط بها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فلا يجوزُ تجازُوها ولا يُعَدُّ مخالِفًا للسنةِ مَنْ تَرَكَ القصَّ ونحوَهُ بعدَ الطوُّلِ إلى انتهاءِ تلكَ الغايةِ.
(1)
في صحيحه (1/ 222 رقم 51/ 258).
(2)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (3/ 150).
(3)
انظر: "الضعفاء الكبير" للعقيلي (1/ 188 - 189) ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي.
(4)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 150).
قلت: قال ابن حبان في الثقات (6/ 140) في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي: " .. كان من الثقات المتقنين في الروايات، غير أنه كان ينتحل الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها الاحتجاج بأخباره جائز، فإذا دعا إلى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره .. ".
وقال ابن عدي في "الكامل"(2/ 572): " .. والذي ذكر فيه من التشيع والروايات التي رواها يستدل بها على أنه شيعي، وقد روى في فضائل الشيخين أيضًا كما ذكرت بعضها، وأحاديثه ليست بالمنكرة، وما كان منها منكرًا فلعل البلاء فيه من الراوي عنه، وهو عندي ممن يجب أن يقبل حديثه" اهـ.
(5)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 148، 149).
13/ 130 - (وَعَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أبِي زائِدَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ طَلْق بْنِ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشةَ رضي الله عنها قالتْ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّواكُ، وَاسْتِنْشاقُ الماء، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ العانة، وَانْتِقاصُ الماءِ" يَعْنِي الاسْتِنْجاءَ - قالَ زَكَرِيَّا: قالَ مُصْعَبٌ ونَسيتُ العاشِرَة إلا أنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ. رَواهُ أحمدُ
(1)
ومُسْلِمٌ
(2)
والنسائيُّ
(3)
والترمذِيُّ)
(4)
. [حسن]
الحديثُ أخرجَهُ أيضًا أبو داودَ
(5)
من حديثِ عمَّارٍ وصححهُ ابنُ السَّكَنِ
(1)
في مسنده (6/ 137).
(2)
في صحيحه (1/ 223 رقم 261).
وهذا الحديث من الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في كتابه "التتبع" ص 507 على الإمام مسلم.
حيث قال: "حديث مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة
…
" قال أبو الحسن - الدارقطني -: خالفه رجلان حافظان: سليمان وأبو بشر روياه عن طلق بن حبيب من قوله: قاله معتمر عن أبيه، وأبو عوانة عن ابن بشر، ومصعب منكر الحديث، قاله النسائي".
والحديث عزاه السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (5432) إلى أحمد ومسلم وأصحاب السنن. وقال المناوي شارحه (4/ 316): قال النسائي (8/ 128): وللحديث علة وهو أن فيه حتى عند مسلم - (مصعب بن شيبة منكر الحديث)، وقال أحمد: له مناكير، وقال أبو حاتم والدارقطني: ليس بقوي لكن لروايته شاهد صحيح مرفوع" اهـ.
قلت: مصعب بن شيبة: قال عنه يحيى بن معين، والعجلي: ثقة. وقال ابن عدي: تكلموا في حفظه. وقال الحافظ ابن حجر: لين الحديث.
انظر: "تهذيب التهذيب"(4/ 85) و"التقريب" رقم (6691).
(3)
في سننه (8/ 126 رقم 5040).
(4)
في سننه (5/ 91 رقم 2757) وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
قلت: وأخرجه أبو داود (1/ 44 رقم 53) وابن ماجه (1/ 107 رقم 293).
وخلاصة القول أن الحديث حسن، والله أعلم.
(5)
في سننه (1/ 45 رقم 54).
قلت: وأخرجه ابن ماجه (1/ 107 رقم 294) وأحمد (4/ 264).
وفي سنده: علي بن زيد وهو ابن جُدْعان، ضعيف كما في "التقريب" رقم (4734) وسلمة بن محمد بن عمَّار: لم يرو عنه سوى علي بن زيد. لذا قال الحافظ في =
قالَ الحافظُ
(1)
: وهو معلولٌ.
ورواهُ الحاكمُ
(2)
والبيهقيُّ
(3)
من حديثِ ابن عباسٍ موقوفًا في تفسيرِ قولهِ تعالَى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}
(4)
- "قال: خمسٌ في الرأْسِ، وخمسٌ في الجسدِ" فَذَكَرهُ.
وقد تقدمَ الكلامُ على قصِّ الشاربِ، والسِّواك، وقصِّ الأظفار، ونتفِ الإِبطِ، وحَلْقِ العانَةِ.
قوله: (وإعفاءُ اللحيةِ) إعفاءُ اللحيةِ توفيرُهَا كما في القاموسِ
(5)
، وفي روايةٍ للبخاري
(6)
: "وفِّروا اللِّحى"، وفي روايةٍ أُخرى لمسلمٍ
(7)
: "أوْفُوا اللِّحى"، وهو بمعناهُ. وكانَ مِنْ عادةِ الفُرْسِ قصُّ اللِّحيةِ فنهى الشارعُ عن ذلكَ وأَمرَ بإعفائها، قالَ القاضي عياضٌ
(8)
: "يُكرَهُ حلقُ اللِّحيةِ وقصُّها وتحريقُها. وأما الأخذُ من طولِها وعرضِها فحسنٌ وتُكرهُ الشهرةُ في تعظيمِها كما تُكرهُ في قصِّها وجزِّها. وقد اختلفَ
= "التقريب" رقم (2510): مجهول.
ومحمد بن عمَّار بن ياسر: لم يرو عنه سوى ابنه سلمة، ذكره ابن حبان في "الثقات" (5/ 375). وقال الحافظ في "التقريب" رقم (6166): مقبول.
وقال النووي في "المجموع"(1/ 337): "حديث عمار رواه أحمد بن حنبل، وأبو داود، وابن ماجه، بإسناد ضعيف منقطع من رواية علي بن زيد بن جدعان، عن سلمة بن محمد بن عمَّار عن عمَّار. قال الحافظ: لم يسمع سلمة عمَّارًا. ولكن يحصل الاحتجاج بالمتن لأنه رواه مسلم في صحيحه من رواية عائشة
…
".
وخلاصة القول أن الحديث حسن لغيره، والله أعلم.
(1)
في "التلخيص"(1/ 77).
(2)
في المستدرك (2/ 266) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(3)
في السنن الكبرى (1/ 149). قلت: وأخرجه الطبري في "جامع البيان" رقم (1910) وعبد الرزاق في تفسيره (1/ 57) وابن أبي حاتم في تفسيره رقم (1172) بسند صحيح.
(4)
سورة البقرة: الآية 124.
(5)
القاموس المحيط ص 1693.
(6)
في صحيحه رقم (5553 - البغا) من حديث ابن عمر.
(7)
في صحيحه رقم (54/ 259) من حديث ابن عمر.
(8)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (3/ 151).
السلفُ في ذلكَ فمنهم مَنْ لم يحدَّ بحدٍّ بلْ قالَ: لا يتركُها إلى حدِّ الشهرةِ ويأخذُ منها، وكرِهَ مالكٌ طولَها جِدًّا، ومنهم مَنْ حدَّ بما زادَ على القبضَةِ فَيُزَالُ، ومنهم من كرِهَ الأخذَ منها إلا في حجٍّ أَو عُمرةٍ".
قوله: (واستنشاقُ الماءِ) سيأتي الكلامُ عليه في الوضوءِ.
قوله: (وغسْلُ البراجِمِ) هي بفتحِ الباءِ الموحدةِ وبالجيمِ جمعُ بُرْجُمَةٍ بضمِّ الباءِ والجيمِ، وهي عُقَدُ الأصابعِ ومعاطِفُها كلُّها وغسْلُها سنةٌ مستقِّلةٌ ليستْ بواجبةٍ.
قالَ العلماءُ: ويلحَقُ بالبراجِمِ ما يجتمِعُ من الوسَخِ في معاطِفِ الأذُنِ وقَعْرِ الصَّماخِ فَيزيلُه بالمسحِ ونحوِه.
قوله: (وانتقاصُ الماءِ) هو بالقافِ والصادِ المهملةِ. وقد ذكرَ المصنفُ تفسيرَهُ بأنهُ الاستنجاءُ وكذلكَ فسرهُ وكيعٌ. وقالَ أبو عُبيدٍ
(1)
وغيرُه: معناهُ: انتقاصُ البولِ بسببِ استعمالِ الماءِ في غسلِ مذاكيرهِ. وقيلَ: هو الانتِضَاحُ
(2)
. وقد جاءَ في روايةٍ بدلَ الانتقاصِ الانتضاحُ، والانتضاحُ: نضحُ الفرجِ بماءٍ قليلٍ بعدَ الوضوءِ لينفيَ عنه الوسواسَ، وذكرَ ابنُ الأثير
(3)
أَنهُ روَى انتفاصُ بالفاءِ والصادِ المهملةِ، وقالَ في فصلِ الفاءِ قيلَ: الصوابُ أَنهُ بالفاءِ قالَ: والمرادُ نضحُهُ على الذكَرِ لقولِهم: لنضحِ الدمِ القليلِ نفصهُ وجمعُها نفُصٌ، قالَ النوويُّ
(4)
: وهذا الذي نقلَهُ شاذٌ.
قوله: (ونسيتُ العاشرةَ إلَّا أَنْ تكونَ المضمضةُ) هذا شكٌ منهُ، قالَ القاضي عياضٌ
(5)
: ولعلَّها الخِتانُ المذكورُ معَ الخمسِ الأُوْلَى، قالَ النوويُّ
(6)
: وهو أَوْلَى وسيأتي الكلامُ على المضمضةِ في الوضوءِ. وقد استَدلَّ الرافعيُّ بالحديثِ على أَن المضمضةَ والاستنشاقَ سنةٌ. وَرَوَى الحديثَ بلفظِ: "عشرٌ مِنَ السنةِ"، وردَّه الحافظُ
(1)
"غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (2/ 38).
(2)
"النهاية"(5/ 107).
(3)
في "النهاية"(5/ 97).
(4)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 150).
(5)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (3/ 150).
(6)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 150).
في التلخيصِ
(1)
بأنَّ لفظَ الحديثِ: "عشرٌ مِنَ الفِطرةِ"، قالَ: بلْ ولو وردَ بلفظِ مِنَ السنةِ لم ينتهضْ دليلًا على عدمِ الوجوبِ لأنَّ المرادَ بهِ السنةُ أَي الطريقةُ لا السنةُ بالمعنى الاصطلاحيِّ الأصوليِّ".
قالَ: وفي البابِ عن ابن عباسٍ مرفوعًا: "المضمضةُ والاستنشاقُ سنة" رواه الدارقطني
(2)
وهو ضعيف.
[الباب الخامس] باب الختان
14/ 131 - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "اخْتَتنَ إبْراهِيمُ خَلِيلُ الرَّحمن بَعْدَ ما أتتْ عَليهِ ثَمانُونَ سَنةً، وَاخْتَتَنَ بِالقَدُومِ". مُتَّفَقٌ عَليْهِ إلَّا أن مُسْلِمًا لمْ يَذْكُرِ السِّنينَ)
(3)
. [صحيح]
قوله: (الخِتانُ)
(4)
بكسرِ المعجمةِ وتخفيفِ المثناةِ مصدرُ خَتَنَ أَي قَطَعَ، والخَتْنُ بفتحٍ ثم سكونٍ قطعُ بعضٍ مخصوصٍ من عضوٍ مخصوصٍ، والاختِتَانُ والختانُ اسمٌ لِفِعْلِ الخاتنِ، ولموضِعِ الختانِ كما في حديثِ عائشةَ:"إذا التقَى الختانانِ"
(5)
.
(1)
(1/ 77 - 78).
(2)
في سننه (1/ 85 رقم 8) وقال الدارقطني: إسماعيل بن مسلم ضعيف.
وقال ابن حجر في "التلخيص"(1/ 78): وهو حديث ضعيف.
(3)
أخرجه أحمد (2/ 322) و (2/ 418). والبخاري في صحيحه رقم (3356).
ورقم (6298) ومسلم رقم (2375).
قلت: وأخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (1244) والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 325) من طرق.
(4)
انظر: "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري (1/ 354).
و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (2/ 15).
(5)
أخرجه أبو داود في السنن (1/ 148 رقم 216) من حديث أبي هريرة.
ولفظه: "إذا قعد بين شُعبها الأربع، وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل".
وهو حديث صحيح. وأخرجه البخاري ومسلم بلفظ مقارب.
وأخرج مالك في الموطأ (1/ 45 - 46) عن سعيد بن المسيب، أن عمرَ بن الخطاب، =
قال الماوردِيُّ
(1)
: ختانُ الذكرِ: قطعُ الجلْدَةِ التي تُغطي الحشفةَ، والمستحبُّ أَن تُستوعبَ من أَصْلِها عندَ أَولِ الحشفةِ، وأَقل ما يُجزئُ أَنْ لا يبقى منها ما يتغشَّى بهِ.
وقالَ إمامُ الحرمين
(2)
: المستحقُّ في الرجالِ قطعُ القُلْفةِ وهي الجلْدةُ التي تغطي الحشفةَ حتى لا يبقَى من الجِلْدةِ شيءٌ يتدلَّى.
وقالَ ابنُ الصَّبَّاغ
(3)
: حتى تنكشِفَ جميعُ الحشفةِ.
وقالَ ابنُ كجٍّ
(4)
فيما نقلَهُ الرافعيُّ: يتأدى الواجبُ بقطعِ شيءٍ مما فوقَ الحشفةِ وإنْ قلَّ بشرطِ أَنْ يستوعِبَ القطعُ تدويرَ رأسِها.
قالَ النووي
(5)
: وهو شاذٌ والأولُ هو المعتمدُ.
قالَ الإِمامُ: والمستحِقُّ من خِتَانِ المرأةِ ما ينطلِقُ عليهِ الاسمُ.
وقالَ الماورديُّ
(6)
: خِتانُها [قطعُ جلدَةٍ تكونُ في أَعلَى فرجِها فوقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ، كالنواةِ أو كعُرفِ الديكِ، والواجِبُ]
(7)
قطعُ الجلدةِ المستعليةِ منهُ دون استئصالِهِ.
قالَ النووي ويُسمى خِتانُ الرجلِ: إِعْذَارًا بذالٍ معجمةٍ، وخِتانُ المرأةِ: خَفضًا بخاءٍ وضادٍ معجمتينِ
(8)
.
= وعثمانَ بن عفان، وعائشة زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون:"إذا مَسَّ الختانُ الخِتانَ فقد وجب الغسلُ" وإسناده صحيح.
(1)
انظر: "الحاوي"(1/ 258).
(2)
انظر: "المجموع"(1/ 351 - 352).
(3)
هو عبد السيد بن أبي ظاهر محمد بن عبد الواحد بن محمد البغدادي المعروف بابن الصباغ أبو نصر، ولد عام 400 هـ وتوفي عام 477 هـ.
[طبقات الشافعية (2/ 39 - 40 ت 726) للإسنوي].
(4)
هو يوسف بن أحمد بن لجّ الدينَوري. أبو القاسم. من أصحاب الوجوه المتقنين في المذهب الشافعي. توفي مقتولًا عام 405 هـ.
طبقات الشافعية (1/ 198 - 199 ت 158) لابن قاضي شهبة.
(5)
في "المجموع"(1/ 349).
(6)
انظر: "الحاوي"(1/ 258).
(7)
ما بين الحاصرتين مكرر في المخطوط.
(8)
انظر: "الفائق (1/ 354) و "النهاية" (2/ 10).
وقالَ أبو شامةَ: كلامُ أهلِ اللغةِ يقتضي تسميةَ الكلِّ إعذارًا، والخفضُ يختصُّ بالنساءِ.
قالَ أَبو عُبيدٍ
(1)
: عَذَرْتُ الجاريةَ والغلامَ وأعذرتُهما خَتنتُهما واخْتتنتُهما وَزْنًا ومعنًى.
قالَ الجوهريُّ
(2)
: والأكثرُ خَفَضْتُ الجاريةَ، قالَ: وتزعمُ العربُ أن الولدَ إذا وُلِدَ في القمرِ اتسعتْ قَلفتهُ فصارَ كالمختونِ، وقد استحبَّ جماعةٌ مِنَ العلماءِ فيمنْ ولِدَ مختونًا أن يمر بالموسى على موضِعِ الخِتانِ من [غيرِ]
(3)
قطعٍ.
قالَ أَبو شامةَ: وغالبُ من يكونُ كذلكَ لا يكونُ خِتانهُ تامًّا بلْ يظهرُ طرفُ الحشفةِ فإنْ كانَ كذلكَ وجبَ تكميلُه.
قوله: (بالقَدُومِ) هو بفتحِ القافِ وضمِّ الدالِ وتخفيفِها: آلةُ النِّجارَةِ، وقيلَ اسمُ الموضِعِ الذي اختتنَ فيه إبراهيمُ، وهو الذي في القاموسِ
(4)
. قوله: إلَّا أن مسلمًا لم يذكُرِ السنينُ يقالُ: قد ذكره في بابِ فضلِ إبراهيمَ الخليلِ من روايةِ أبي هريرةَ معَ ذكرِ السنينَ
(5)
.
[أقوال العلماء في حكم الختان ووقته]:
وأوردَ المصنفُ الحديثَ في هذا البابِ للاستدلالِ بهِ على أن مدةَ الخِتانِ لا تختصُّ بوقتٍ معينٍ، وهو مذهبُ الجمهورِ وليسَ بواجبٍ في حالِ الصِّغَرِ، وللشافعيةِ
(6)
وجْهٌ أنه يجبُ على الوليِّ أن يختِنَ الصغيرَ قبلَ بلوغِهِ ويردُّهُ حديثُ ابن عباسٍ الآتي
(7)
، ولهمْ أيضًا وجهٌ أنه يحرمُ قبلَ عشرٍ سنينَ ويردُّهُ حديثُ:"أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ختنَ الحسنَ والحسينَ يومَ السابعِ من ولادتِهِمَا"، أخرجَهُ الحاكمُ
(8)
(1)
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد (1/ 133) و (4/ 491 - 492) والصَّحاح للجوهري (2/ 739).
(2)
في "الصحاح"(3/ 1074)، و (2/ 739).
(3)
في (ب): (دون).
(4)
القاموس المحيط ص 1481. وانظر ما قاله النووي في "المجموع" (1/ 348).
(5)
أخرجه مسلم في صحيحه (4/ 1839 رقم 151/ 2370) من حديث أبي هريرة.
(6)
انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (3/ 148).
(7)
برقم (15/ 132) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.
(8)
لم أعثر عليه في المستدرك.
والبيهقيُّ
(1)
من حديثِ عائشةَ، وأخرجَهُ البيهقيُّ
(2)
من حديثِ جابرٍ.
قالَ النوويُّ
(3)
بعدَ أن ذكرَ هذينِ الوجهينِ: "وإذا قلْنا بالصحيحِ استُحِبَّ أنْ يُختتنَ في اليومِ السابعِ من ولادتِهِ، وهل يُحسبُ يومُ الولادَةِ من السبعِ أو يكونُ سبعةٌ سواهُ، فيه وجهانِ أظهرُهما يُحسبُ" انتهى.
واختُلِفَ في وجوبِ الخِتانِ؛ فروى الإِمامُ يحيى عن العترةِ
(4)
والشافعيِّ
(5)
وكثيرٍ من العلماءِ أنه واجِبٌ في حقِّ الرجالِ والنساءِ.
وعندَ مالكٍ
(6)
وأبي حنيفةَ
(7)
والمرتضى، قالَ النوويُّ
(8)
: وهو قولُ أكثَرِ العلماءِ أنهُ سنةٌ فيهما.
وقالَ الناصِرُ والإِمامُ يحيى: إنه واجِبٌ في الرجالِ لا النساءِ.
احتجَّ الأولونَ بما سيأتي من حديثِ عُثيمٍ
(9)
بلفظِ: "أَلقِ عنكَ شعرَ الكفرِ واختَتِنْ"، وهو لا ينتهضُ لِلْحُجِّيَّةِ لما فيهِ من المقالِ الذي سنبينُهُ هنالِكَ.
وبحديثِ أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ أسلَمَ فليختَتِنَ"، وقد ذكرَهُ الحافظُ في التلخيصِ
(10)
، ولم يضعِّفْهُ، وتُعُقِّبَ بقولِ ابن المنذِر
(11)
: ليسَ في الختانِ خبرٌ يُرجعُ إليه ولا سنةٌ تُتَّبَعُ.
وبحديثِ أُمِّ عطيةَ - وكانتْ خافِضَةً أي خاتنة - بلفظِ: "أشْهي ولا تُنهكي"
(1)
في السنن الكبرى (9/ 299، 303).
(2)
في السنن الكبرى (8/ 324).
(3)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 148).
(4)
انظر: "التاج المذهب"(3/ 470).
(5)
انظر: "المجموع"(1/ 349).
(6)
انظر: "كشاف القناع"(1/ 99 - 100).
(7)
انظر: "المبسوط"(10/ 156) والكنز للزيلعي (6/ 17).
(8)
في "المجموع"(1/ 349).
(9)
برقم (16/ 133) من كتابنا هذا. وهو حديث حسن بشواهده.
(10)
(4/ 82).
(11)
ذكره الحافظ في "التلخيص"(4/ 83).
عندَ الحاكمِ
(1)
والطبرانيِّ
(2)
والبيهقيِّ
(3)
وأبي نعيمٍ
(4)
من حديثِ الضَّحَّاكِ بن قيسٍ. وقد اختُلِفَ فيهِ على عبدِ الملكِ بن عُميرٍ فقيلَ عنه عن الضحاكِ. وقيلَ عنهُ عن عطيةَ القُرظيِّ، رواهُ أَبو نعيم
(5)
. وقيلَ عنه عن أمِّ عطيةَ رواهُ أَبو داودَ في السننِ
(6)
، وأعلَّه بمحمدِ بن حسانَ. فقالَ: إنه مجهولٌ ضعيفٌ، وتبعَهُ ابنُ عديٍّ
(7)
في تجهيلِهِ، والبيهقيُّ
(8)
، وخالفَهُم عبد الغنيِّ بنُ سعيدٍ فقالَ: هو محمدُ بنُ سعيدٍ
(9)
المصلوبُ في الزندقَةِ.
ورواهُ ابنُ عديٍّ
(10)
من حديثِ سالم بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، والبزارُ
(11)
من حديثِ نافعٍ، كلاهُما عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ مرفوعًا بلفظِ:"يا نساءَ الأنصارِ اخْتَضِبْنَ غَمْسًا، واختَفِضْنَ ولا تُنهِكْنَ، وإياكُنَّ وكُفرانَ النعَمِ". قالَ الحافظُ
(12)
:
(1)
في المستدرك (3/ 525) وسكت عليه الحاكم والذهبي، ورجاله ثقات، غير العلاء بن هلال الرقي والد هلال قال الحافظ في "التقريب" رقم (5259): فيه لين.
(2)
في "المعجم الكبير"(8/ 358 رقم 8137).
(3)
في "السنن الكبرى"(8/ 324).
(4)
في "المعرفة" كما في "التلخيص"(4/ 83).
(5)
في "المعرفة" كما في "التلخيص"(4/ 83).
(6)
في السنن (5/ 421 رقم 5271).
قال أبو داود: "روى عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بمعناه، وإسناده ليس هو بالقوي وقد روي مرسلًا، ومحمد بن حسان مجهول، وهذا الحديث ضعيف" اهـ.
(7)
في "الكامل"(6/ 2223): حيث قال: "هذا الحديث لمحمد بن حسان وليس بمعروف، وعبد الملك بن عمير لا أعرفه إلا من هذا الطريق" اهـ.
(8)
في السنن الكبرى (8/ 324).
(9)
قال الحافظ في "التقريب" رقم (5907): محمد بن سعيد بن حسَّان بن قيس الأسدي، الشامي المصلوب،
…
كذَّبوه، وقال أحمد بن صالح: وضعَ أربعةَ آلاف حديثٍ، وقال أحمد: قتله المنصور على الزندقة، وصلبه.
(10)
في "الكامل"(3/ 901).
(11)
في المسند (3/ 385 رقم 3014 - كشف).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 171 - 172): وقال: "رواه البزار، وفيه مندل بن علي، وهو ضعيف" اهـ.
(12)
في "التلخيص"(4/ 83).
وفي إسنادٍ أَبي نعيم مَندلُ بنُ عليٍّ
(1)
وهو ضعيفٌ، وفي إسنادِ ابن عديٍّ خالدُ بنُ عمرٍو القرشيُّ
(2)
وهو أَضعفُ من مندل. ورواهُ الطبراني
(3)
وابنُ عَدي
(4)
من حديثِ أَنسٍ نحو حديثِ أَبي داود، قالَ ابنُ عديٍّ
(5)
: تفرَّدَ بهِ زائدةُ وهو منكرٌ، قالَهُ البخاري
(6)
عن ثابت. وقال الطبراني
(7)
: تفرَّدَ بهِ محمدُ بنُ سلامٍ.
واحتجَّ القائلونَ بأنهُ سنَّةٌ بحديث: "الختانُ سنةٌ في الرجال مَكْرمةٌ في النساءِ". رواهُ أَحمدُ
(8)
والبيهقيُّ
(9)
من حديثِ الحجاجِ بن أرطَاةَ عن أبي المليحِ بن أسامةَ عن أبيهِ، والحجاجُ مدلَّسٌ
(10)
، وقد اضطربَ فيه، فتارة رواهُ هكذا، وتارةً رواهُ بزيادةِ شدادِ بن أَوسِ بعدَ والدِ أبي المُليح، أخرجَهُ ابنُ أَبي شيبة
(11)
، وابنُ أَبي حاتم في العللِ
(12)
، والطبراني في الكبيرِ
(13)
، وتارة رواهُ عن مكحولٍ عن أَبي
(1)
قال الحافظ في "التقريب" رقم (6883): مِنْدَل بن علي العَنَزِي، أبو عبد الله الكوفي، يقال: اسمُه عمرو، ومِنْدَل لقبٌ: ضعيف".
(2)
قال ابن عدي في "الكامل"(3/ 903): "وخالد بن عمرو هذا له غير ما ذكرت من الحديث، عمن يحدِّث عنهم وكلها أو عامتها موضوعة، وهو بيِّن الأمر في الضعفاء".
(3)
في "الصغير"(1/ 47 - 48) وفي "الأوسط" رقم (2253).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أنس إلا ثابت، ولا عن ثابت إلا زائدةُ بنُ أبي الرُّقادِ، تفرَّدَ به: محمدُ بنُ سَلَّامٍ الجُمَحِيُّ".
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 172): "رواه الطبراني في "الأوسط" وإسناده حسن". قلت: وفاته أن يعزوه للطبراني في "الصغير".
(4)
في "الكامل"(3/ 1083).
(5)
في "الكامل"(3/ 1083).
(6)
في "التاريخ الكبير"(3/ 433 رقم 1445).
(7)
في المعجم الأوسط رقم (2253)
وخلاصة القول أن الحديث حسن بشواهده، والله أعلم.
(8)
في المسند (5/ 75).
(9)
في السنن الكبرى (8/ 325).
(10)
حَجَّاج بن أرْطاة بن ثَور بن هُبير النَّخَعي، أبو أرطاة الكوفي، القاضي، أحد الفقهاء: صدوقٌ كثيرُ الخطأ والتَّدْليس". "التقريب" (رقم: 1119).
(11)
في "المصنف"(9/ 58 رقم 6519).
(12)
(2/ 247 رقم 2231).
(13)
(7/ 273 - 274 رقم 7112 و 7113).
أَيوبَ، أخرجَهُ أحمدُ وذكرَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في العللِ
(1)
، وحكي عن أَبيهِ أنه خَطَأٌ من حجاجٍ أَو مِنَ الراوي عنهُ، وهو عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ. وقالَ البيهقي
(2)
: هو ضعيفٌ منقطعٌ.
وقالَ ابنُ عبدِ البر في التمهيدِ
(3)
: "هذا الحديثُ يدورُ على حجاجِ بن أرطاةَ، وليسَ ممن يُحتجُّ بهِ". قالَ الحافظُ
(4)
: وله طريقٌ أخرى من غيرِ رواية حجاج، فقد رواة الطبرانيُّ في الكبيرِ
(5)
، والبيهقيُّ
(6)
من حديثِ ابن عباس مرفوعًا، وضعفَهُ البيهقي في السننِ، وقالَ في المعرفة
(7)
: "لا يصحُّ رفعُهُ، وهو من روايةِ الوليدِ عن أبي ثوبانَ عن ابن عجلانَ عن عِكرمَةَ عنه، ورواتُهُ موثقُونَ إلَّا أن فيهِ تدليسًا" اهـ.
ومعَ كونِ الحديثِ لا يصلُحُ للاحتجاجِ لا حجةَ فيه على المطلوبِ؛ لأنَّ لفظةَ السنةِ في لسانِ الشارعِ أعمُّ من السنةِ في اصطِلاحِ الأصوليينَ
(8)
. واحتجَّ المفصِّلونَ [بوجوبِهِ]
(9)
على الرجالِ بحججِ القول الأول. ولعدَمِ وجوبِه على النساءِ بما في الحديثِ الذي احتجَّ بهِ أَهل القولِ الثاني من قولِهِ: "مكرمةٌ في النِّساءِ"، والحقُّ أنه لم يقُم دليلٌ صحيحٌ يدلُّ على الوجوبِ، والمتيقَّنَ السنيَّةِ كما في حديثِ:"خمسٌ مِنَ الفِطْرَةِ"
(10)
ونحوه، والواجبُ الوقوفُ على المتيقَّنِ إلى أن يقومَ ما يوجِبُ
(11)
الانتقالَ عنه.
(1)
(2/ 247 رقم 2231).
(2)
في السنن الكبرى (8/ 325).
(3)
(21/ 59).
(4)
في "التلخيص"(4/ 82).
(5)
(11/ 233 رقم 11590).
(6)
في السنن الكبرى (8/ 324 - 325).
(7)
معرفة السنن والآثار (13/ 63). وخلاصة القول أن الحديث ضعيف.
(8)
انظر معنى السنة عند علماء الحديث وعند علماء الأصول وعند علماء الفقه في كتابي: "مدخل إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة" ص 49 - 52.
(9)
في (جـ): (لوجوبه).
(10)
وهو حديث صحيح. تقدم تخريجه رقم (11/ 128) من كتابنا هذا.
(11)
في حاشية المخطوط ما لفظه: "وقد اختار المصنف رحمه الله الوجوب في حاشية الأزهار".
قالَ البيهقيُّ
(1)
: "أَحسَنُ الحججِ أن يُحتجَّ بحديثِ أبي هريرةَ المذكورِ في الباب أن إبراهيم اختتنَ وهم ابنُ ثمانينَ سنة، وقد قالَ اللَّهُ تعالى:{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}
(2)
. وصحَّ عن ابن عباسٍ
(3)
أنَّ الكلماتِ التي ابتُلي بِهنَّ إبراهيمُ فأتمهنَّ هُنَّ خِصَالُ الفِطرةِ ومنهنَّ الخِتانُ. والابتلاءُ غالبًا إنما يقعُ بما يكونُ واجِبًا. وتُعُقِّبَ بأنه لا يلزمُ ما ذُكِرَ إلَّا إنْ كانَ إبراهيمُ فعلَهُ على سبيلِ الوجوبِ، فإنه من الجائِزِ أن يكونَ فعلُه على سبيلِ الندبِ فيحصلُ امتثالُ الأمرِ باتباعِهِ على وفْقِ ما فعلَ، وقد تقررَ أن الأفعالَ لا تدلُّ على الوجوبِ. وأيضًا فباقي الكلماتِ العشْرِ ليستْ واجبةً.
وقالَ الماوردي: إنَّ إبراهيمَ لا يفعلُ ذلكَ في مثلِ سِنِّهِ إلا عنْ أمرٍ منَ اللَّهِ.
والحاصلُ أن الاستدلالَ بفعلِ إبراهيمَ على الوجوبِ يتوقَّفُ على أنهُ كان عليهِ واجبًا، فإن ثبتَ ذلكَ استقامَ الاستدلالُ.
15/ 132 - (وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سئِلَ ابْنُ عَبَّاس: مِثْلُ مَنْ أنْتَ حِينَ قُبِضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ: أنا يَوْمَئذٍ مَخْتونٌ، وكانوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ. رَواهُ البُخارِيُّ)
(4)
. [صحيح]
(1)
في السنن الكبرى (8/ 325).
(2)
سورة النحل: الآية 123.
(3)
أخرج الطبري في "جامع البيان" رقم (1910 - شاكر) وعبد الرزاق في تفسيره (1/ 57) وابن أبي حاتم في تفسيره رقم (1172) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 149) والحاكم في "المستدرك"(2/ 266) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي:
عن ابن عباس: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمسٌ في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قصُّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواكُ، وفَرْقَ الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحَلق العانة، والخِتانِ، ونتفُ الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء".
بسند صحيح.
قلت: وانظر "جامع البيان" رقم (1911) و (1912) و (1913) و (1914).
وانظر: تفسير ابن أبي حاتم رقم (1175).
وانظر: تفسير ابن كثير (1/ 405 - 406).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه (11/ 88 رقم 6299).
قوله: (حتى يُدركَ) الإدراكُ
(1)
في أصلِ اللُّغةِ بلوغُ الشيءِ وقتَهُ، وأرادَ بهِ هاهُنا البلوغَ. والحديثُ يدلُّ على ما أسلفناهُ مِنْ أن الختانَ غيرُ مختصٍّ بوقتٍ معينٍ، وقد تقدَّمَ الكلامُ فيه في الحديثِ الذي قبلَهُ، ومن فوائدِ هذا الحديثِ أن ابنَ عباسٍ كان عندَ موتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في سِن البلوغِ، وسيأتي ذِكْرُ الاختلافِ في عُمُرِهِ عندَ موتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في بابِ ما يقطَعُ الصلاةَ بمرورِهِ من أبوابِ السِّتْرَةِ
(2)
.
16/ 133 - (وعَن ابْنِ جُرَيْج قالَ: أخبِرْتُ عَنْ عُثيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّه جاءَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: قَدْ أسْلَمْتُ، قالَ:"أَلْقِ عَنْكَ شَعَر الكُفْرِ"، يَقُولُ احْلِقْ، قالَ: وأخبَرَنِي آخَرُ معهُ أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ - لِآخَرَ - "ألَقِ عَنْكَ شَعَر الكُفْرِ واخْتَتِنْ". رَواهُ أحْمَدُ
(3)
وأبُو دَاودَ)
(4)
. [حسن بشواهده]
وأخرجَهُ أيضًا الطبرانيُّ
(5)
، وابنُ عديٍّ
(6)
والبيهقيُّ
(7)
، قالَ الحافظُ
(8)
: "وفيهِ انقطاعٌ، وعُثَيمٌ وأبوُه مجهولانِ، قالَهُ ابنُ القطانِ. وقالَ عبدَانُ: هو عُثَيم بنُ كثير بن كُليبٍ، والصحابيُّ هو كُليبٌ، وإنما نُسِبَ عُثيمٌ في الإِسنادِ إلى جدِّهِ، وقد
(1)
القاموس المحيط ص 1211 والنهاية (2/ 114).
(2)
الباب الرابع رقم الحديث 16/ 886 - 21/ 891).
(3)
في المسند (3/ 415).
(4)
في السنن (1/ 253 رقم 356).
(5)
في المعجم الكبير (22/ 395 رقم 982).
(6)
في "الكامل"(1/ 223).
(7)
في السنن الكبرى (8/ 223 - 224). قلت: سنده ظاهر الضعف لجهالة المخبر لابن جريج، ولجهالة عُثيم وابن كليب أيضًا لكن للحديث شاهدان من حديث واثلة بن الأسقع، وقتادة أبي هشام.
أما حديث وائلة بن الأسقع فقد أخرجه الحاكم (3/ 570) والطبراني في الكبير (22/ 82 رقم 199) وفي الصغير (2/ 42 - 43) وفي سنده منصور بن عمار، ومعروف أبو الخطاب، وكلاهما من الضعفاء.
وأما حديث قتادة فقد أخرجه الطبراني في الكبير (19/ 14 رقم 20). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 283): رجاله ثقات.
قلت: في سنده هشام بن قتادة مجهول الحال كما في "الجرح والتعديل"(9/ 68).
وخلاصة القول أن الحديث حسن بشاهديه، والله أعلم.
(8)
في "التلخيص"(4/ 82).
وقعَ مُبينًا في روايةِ الواقديِّ، أخرجَهُ ابنُ مندَهْ في المعرفةِ
(1)
، وقالَ ابنُ عديٍّ
(2)
: الذي أخبرَ ابنَ جُريجٍ بهِ هو إبراهيمُ بنُ أبي يحيى
(3)
، وعُثيمٌ بضمِّ العينِ المهمَلةِ ثم ثاءٍ مثلثةٍ بلفظِ التصغير".
والحديثُ استدلَّ بهِ من قالَ بوجوب الخِتانِ لما فيه من لفظِ الأمرِ بهِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه.
(فائدة) اختُلِفَ في خِتانِ الخُنثى فقيلَ: يجبُ ختانُهُ في فرجيْهِ قبلَ البلوغِ. وقيلَ: لا يجوزُ حتى يتبينَ، وهو الأظهَرُ، قالَهُ النوويُّ
(4)
. وأما مَنْ له ذَكَرانِ فإن كانَا عاملينِ وجب خِتانُهما، وإن كانَ أحدُهما عاملًا دونَ الآخَرِ خُتِنَ، وإذا ماتَ إنسانٌ قبلَ أن يُختنَ فلأصحابِ الشافعي ثلاثةُ أوجهٍ: الصحيحُ المشهورُ: لا يُختنُ كبيرًا كانَ أو صغيرًا، والثاني: يُختنُ، والثالثُ: يُختنُ الكبيرُ دونَ الصغيرِ.
[الباب السادس] باب أخذ الشارب وإعفاء اللحية
17/ 134 - (عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لمْ يَأخذْ مِنْ شارِبِهِ فَليسَ مِنَّا". رَواهُ أحْمَد
(5)
والنَّسائي
(6)
والتِّرْمذِيُّ
(7)
وقال حديثٌ: صَحيحٌ). [صحيح]
(1)
كما في "التلخيص"(4/ 82).
(2)
في "الكامل"(1/ 224).
(3)
وهو متروك كما في الميزان (1/ 57) والتقريب (1/ 42).
(4)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 148).
(5)
في المسند (4/ 366) و (4/ 368).
(6)
في السنن (1/ 15 رقم 13) و (8/ 129 رقم 5047).
(7)
في السنن (5/ 93 رقم 2761) وقال حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه القضاعي رقم (356، 357) وابن أبي شيبة في "المصنف"(8/ 564) والطبراني في الكبير رقم (5033) و (5034) و (5035) و (5036) وفي "الصغير"(1/ 100) وابن حبان في صحيحه رقم (5477) من طرق.
وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.
18/ 135 - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "جُزُّوا الشَّوَاربَ وأرْخُوا اللِّحى، خالِفُوا المَجوسَ" رَوَاهُ أحْمَد
(1)
ومسْلِمٌ)
(2)
. [صحيح]
19/ 136 - (وعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "خالفُوا المُشْرِكينَ: وَفِّرُوا اللِّحى وَأحْفُوا الشَّوَارِبَ". مُتَّفَقٌ عليهِ
(3)
. [صحيح]
زَادَ البُخارِيُّ وكانَ ابْنُ عُمَرَ إذا حجَّ أو اعْتَمَرَ قبَضَ على لحيتِه فَما فَضَلَ أخَذَهُ).
الكلامُ على ألفاظِ هذِه الأحاديثِ قد تقدَّمَ في بابِ سُننِ الفِطرةِ. وقد اختلفَ الناسُ في حدِّ ما يُقصُّ من الشاربِ، وقد ذهبَ كثيرٌ من السلفِ إلى استئصالِه وحلقِه لظاهِر قوله [صلى الله عليه وسلم]
(4)
: "أحْفُوا وانهكُوا" وهو قولُ الكوفيينَ، وذهبَ كثيرٌ منهم إلى منعِ الحلقِ والاستئصالِ، وإليه ذهبَ مالكٌ
(5)
، وكان يرى تأديبَ من حَلَقَهُ. وروى عنه ابنُ القاسمِ
(6)
أنه قالَ: إحفاءُ الشاربِ مُثْلَةٌ.
قالَ النووي
(7)
: المختارُ أنه يُقَصُّ حتى يبدُوَ طرفُ الشَّفةِ ولا يحفُّهُ من أصلِه، قالَ: وأما روايةُ: "احْفُوا الشواربَ"، فمعناهَا أحْفُوا ما طالَ عن الشفتينِ، وكذلكَ قالَ مالكٌ في الموطأِ
(8)
يؤخذُ من الشاربِ حتى تبدُوَ أطرافُ الشفةِ.
قالَ ابنُ القيم
(9)
: "وأما أبو حنيفةَ وزُفر وأبو يوسفَ ومحمدٌ، فكانَ مذهبُهم في شَعْرِ الرأسِ والشواربِ أن الإِحفاءَ أفضلُ مِنَ التقصيرِ، وذكرَ بعضُ المالكيةِ
(10)
(1)
في المسند (2/ 365).
(2)
في صحيحه (1/ 222 رقم 55/ 260).
وهو حديث صحيح.
(3)
البخاري (10/ 349 رقم 5892) ومسلم (1/ 222 رقم 54/ 259) وأحمد (2/ 52).
(4)
زيادة من (ب).
(5)
انظر: "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر"(3/ 136).
و"الاستذكار" لابن عبد البر (27/ 60، 61).
(6)
ذكره ابن عبد البر في "الاستذكار"(27/ 61).
(7)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 151).
(8)
انظر: "الاستذكار"(27/ 60).
(9)
في "زاد المعاد في هدي خير العباد"(1/ 180).
(10)
وهو (ابن خويز منداد المالكي).
عن الشافعيِّ أن مذهبَهُ كمذهبِ أبي حنيفةَ في حلقِ الشاربِ، قال الطحاوِيُّ: ولم أجِدْ عن الشافعيِّ شيئًا منصوصًا في هذا، وأصحابهُ الذينَ رأيناهُم المزَنيُّ والربيعُ كانا يُحفيانِ شواربَهُما. ويدلُّ ذلكَ أنهما أخذَاهُ عن الشافعيِّ.
وروى الأثرَمُ
(1)
عن الإِمامِ أحمدَ أنه كانَ يُحفي شاربَهُ إحفاءً شديدًا، وسمعتُه يسألُ عن السنةِ في إحفاءِ الشارب فقالُ: يُحفي.
وقالَ حَنْبَلٌ
(2)
: قيل لأبي عبدِ اللَّهِ ترى للرجُلِ يأخذُ شاربهُ ويُحفيهِ أمْ كيفَ يأخُذه؟ قالَ: إن أحْفَا فلا بأسَ وإنْ أخذَهُ قصًّا فلا بأسَ. وقالَ أبو محمدٍ
(3)
في المغني: هو مخيرٌ بينَ أنْ يُحْفِيَهُ وبينَ أنْ يقُصَّهُ.
وقد روى النوويُّ في شرحِ مسلمٍ
(4)
عن بعضِ العلماءِ أنه ذهبَ إلى التخييرِ بينَ الأمرينِ، الإِحفاءِ وعدمِه.
وروى الطحاوي
(5)
الإحفاءَ عن جماعةِ من الصحابةِ: أبي سعيدِ، وأبي أُسيدٍ، ورافعِ بن خُديجٍ، وسهلِ بن سعدٍ، وعبدِ اللَّهِ بن عمرَ، وجابرٍ، وأبي هريرة.
قالَ ابنُ القيم
(6)
: "واحتجَّ من لم يرَ إحفاءَ الشاربِ بحديثِ عائشةَ وأبي هريرةَ المرفوعينِ: "عَشْرٌ مِنَ الفِطرةِ"
(7)
فذكرَ منها قصَّ الشارب. وفي حديثِ أبي هريرةَ: "إنَّ الفِطرةَ خمسٌ"
(8)
وذكرَ منها قصِّ الشاربِ. واحتجَّ المحفُونَ بأحاديثِ الأمرِ بالإحفاءِ، وهي صحيحة. وبحديثِ ابن عباسٍ
(9)
: أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يُحفي شارِبهُ" انتهى.
(1)
ذكره ابن عبد البر في "الاستذكار"(27/ 60 رقم 40207).
(2)
ذكره ابن القيم في "زاد المعاد"(1/ 180).
(3)
هو موفق الدين، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة. صاحب "المغني (541 هـ - 260 هـ).
(4)
(3/ 151).
(5)
في "شرح معاني الآثار"(4/ 231).
(6)
في "زاد المعاد"(1/ 180 - 181).
(7)
حديث عائشة حسن تقدم تخريجه برقم (13/ 130) من كتابنا هذا.
(8)
وهو حديث صحيح تقدم تخريجه رقم (11/ 128) من كتابنا هذا.
(9)
أخرجه الترمذي (5/ 93 رقم 2760) وقال: هذا حديث حسن غريب. =
والإِحفاءُ ليس كما ذكرَهُ النوويُّ مِنْ أن معناهُ أحفوا ما طالَ عن الشفتينِ بل الإِحفاءُ: الاستئصالِ، كما في الصحاحِ
(1)
والقاموسِ
(2)
والكشافِ
(3)
وسائِر كتبِ اللغةِ. ورواية القص لا تنافيه؛ لأن القص قد يكون على جهة الإِحفاء. وقد لا يكون، ورواية الإِحفاء معينة للمراد، وكذلك حديث الباب الذي فيه:"مَنْ لم يأخذ من شارِبه فليس منا"
(4)
، لا يعارض رواية الإِحفاء لأن فيها زيادة يتعين المصير إليها، ولو فرض التعارض من كل وجه لكانت رواية الإِحفاء أرجح لأنها في الصحيحين.
وروى الطحاوي
(5)
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذَ مِنْ شاربِ المغيرةِ على سواكِه قالَ: وهذا لا يكونُ معهُ إحفاءٌ. ويجابُ عنه بأنه مُحتمَلٌ، ودعوى أنه لا يكونُ معهُ إحفاءٌ ممنوعةٌ، وهو وإن صَحَّ كما ذُكِرَ لا يعارِضُ تلكَ الأقوال منهُ صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وأرخُوا اللَّحَى) قالَ النووي
(6)
: "هو بقطعِ الهمزةِ والخاءِ المعجمةِ ومعناه اتركُوا ولا تتعرضُوا لها بتغيير، قالَ القاضي عياضٌ:
(7)
وقعَ في روايةِ الأكثرينَ بالخاءِ المعجمةِ، ووقعَ عندَ ابن ماهانَ أرْجُوا بالجيم، قيل: هو بمعنى الأولِ، وأصلُه أرجِئُوا بالهمزةِ فحُذِفتْ تخفيفا ومعناهُ أخِّرُوهَا واتركُوهَا.
قوله: (وفِّروا اللِّحى) هي إحدى الروايات. وقد حصلَ من مجموعِ الأحاديثِ
= وهو من حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.
ورواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب. فالسند ضعيف.
والحديث حسن لغيره.
(1)
للجوهري (4/ 1345).
(2)
القاموس المحيط (ص 1034 - 1035).
(3)
وانظر: "أساس البلاغة" للزمخشري (1/ 185). والفائق له (1/ 297).
(4)
وهو حديث صحيح تقدم برقم (17/ 134) من كتابنا هذا.
(5)
في "شرح معاني الآثار"(4/ 230).
قلت: وأخرجه أحمد (4/ 252 - 253، 255) وأبو داود (1/ 131 رقم 188) والترمذي في "الشمائل" رقم (167) والطبراني في "الكبير"(20/ 435 رقم 1058 و 1059) والبغوي في شرح السنة (11/ 293 رقم 2848).
وهو حديث صحيح.
(6)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 150 - 151).
(7)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (3/ 151).
خمسُ رواياتٍ: أعفُوا، وأوْفُوا، وأرْخُوا، وأَرْجُوا، ووفِّروا، ومعناهَا كلُّها ترْكُها على حالِهَا.
قالَ ابنُ السِّكِّيْتِ
(1)
وغيرُه: يُقالُ في جَمْعِ اللحيةِ لِحًى ولُحًى بِكسرِ اللامِ وضمِّها لغتانِ، والكسرُ أفصَحُ".
قوله: (خالفُوا المجوسَ) قد سبقَ أنه كانَ من عادةِ الفرسِ قصُّ اللحيةِ فنهى الشرعُ عن ذلكَ.
قوله: (فما فَضَلَ) بفتحِ الفاءِ والضادِ المعجمةِ ويجوزُ كَسْرُ الضادِ كَعَلِمَ، والأشهرُ الفتحُ. وقدِ استدل بذلكَ بعضُ أهلِ العلمِ، والرواياتُ المرفوعةُ تردُّهُ. ولكنَّه قد أخرجَ الترمذي
(2)
مِنْ حديثِ عمرو بن شُعيب عن أبيهِ عن جدِّهِ: "أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يأخذُ من لحيتِهِ من عرضِها وطُولِها" وقالَ: غريبٌ، قالَ: "وسمعتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ - يعني البخاريَّ - يقولُ: عمرُ بنُ هارونَ - يعني المذكورَ في إسنادِهِ - مُقارَبُ الحديثِ، لا أعرِفُ له حديثًا ليسَ لَهُ أصلْ أو قالَ: ينفردُ بهِ إلَّا هذا الحديثَ [لا]
(3)
نعرِفُهُ إلَّا مِنْ حديثِهِ" انتهى.
[و]
(4)
قالَ في التقريبِ
(5)
: إنَّهُ متروكٌ وكانَ حافِظًا مِنْ كِبارِ التاسِعَةِ، انتهى.
فعلى هذا أنها لا تقومُ بالحديثِ حجةٌ.
(فائدةٌ) قالَ النووي
(6)
: وقد ذكرَ العلماءُ في اللحيةِ عَشْرَ خِصَالِ مكروهَةٍ بعضُها أشدُّ مِنْ بعضٍ:
الخِضابُ بالسوادِ لا لغرضِ الجهادِ.
(1)
هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت كان من أكابر النحاة واللغويين، والسكيت لقب أبيه إسحاق ولد عام 186 هـ وتوفي سنة 243 وقيل 244 وقيل 246.
(بغية الوعاة)(2/ 349 ت 2159).
(2)
في السنن (5/ 94 رقم 2762) وقال: هذا حديث غريب.
وفي سنده عمر بن هارون بن يزيد الثقفي، وهو متروك، كما قال الحافظ في التقريب.
(3)
في (جـ): (ما).
(4)
زيادة من (أ) و (ب).
(5)
"التقريب"(رقم 4979).
وخلاصة القول أن الحديث ضعيف.
(6)
في شرحه لصحيح مسلم (3/ 149 - 150).
والخِضابُ بالصُّفْرَةِ تشبُّهًا بالصالحينَ لا لاتباعِ السنةِ.
وتَبْييضُها بالكبريتِ أو غيرهِ استعجالًا للشيخوخَةِ لأجلِ الرياسةِ والتعظيمِ وإيهامِ لقَي
(1)
المشايخِ.
ونتفُها أولَ طلُوعِها إِيثارًا للمرودَةِ وحُسْنِ الصورةِ.
ونتفُ الشيبِ.
وتصفيفُها طاقةً فوقَ طاقةٍ تصنعًا لتستحسِنَهُ النساءُ وغيرهُنَّ.
والزيادةُ فيها والنقصُ منها بالزيادةِ في شعرِ العِذَارْينِ من الصِّدْغَيْنِ أو أخذُ بعضِ العِذَارِ في حَلْقِ الرأسِ ونتفِ جانبي العنفقةِ وغيرُ ذلكَ.
وتسريحُها تصنُّعًا لأجلِ الناسِ.
وتركُها شَعِثةً منتفِشَةً إظهارًا للزهادَةِ وقِلَّةِ المبالاةِ بنفسهِ.
هذهِ عَشْرٌ، والحاديةَ عَشْرَ: عقدُها وضفرُهَا.
والثانيةَ عَشر: حلقُها إلَّا إذا نبتَ للمرأةِ لحيةٌ فيستحبُّ لها حلقُها.
[الباب السابع] باب كراهة نتف الشيب
20/ 137 - (عَن عَمْرو بْنِ شُعْيبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَا تَنْتِفوا الشَّيْبَ فإنَّهُ نُورُ المُسْلِمِ، ما مِنْ مُسْلِمٍ يَشيِبُ شَيبَةً في الإِسلامِ إلَّا كَتَبَ الله له بها حَسَنَةً، وَرَفَعَهُ بِها دَرَجَةً، وَحَطَّ عنهُ بِها خَطِيئَةً". رَواهُ أحمَدُ
(2)
وأبُو دَاوُدَ)
(3)
. [حسن]
وأخرجَهُ أيضًا الترمذيُّ
(4)
وقالَ: حسنٌ والنسائيُّ
(5)
، وابنُ ماجَهْ
(6)
، وابنُ
(1)
في شرح مسلم (أنه من).
(2)
في المسند (2/ 179، 207، 210).
(3)
في السنن (4/ 414 رقم 4202).
(4)
في السنن (5/ 125 رقم 2821) وقال الترمذي: حديث حسن.
(5)
في السنن (8/ 136 رقم 5068).
(6)
في السنن (2/ 1226 رقم 3721).
حِبَّانَ في صحيحِهِ
(1)
. وقد أخرجَ مسلمٌ في الصحيحِ
(2)
من حديثِ قتادةَ عن أنسٍ بن مالكٍ قالَ: كُنَّا نَكْرَهُ أن ينتِفَ الرَّجُلُ الشعرةَ البيضاءَ من رأسهِ ولحيتِهِ". وفي روايةِ عمروِ بن شعيبِ عن أبيهِ عن جدِّهِ مقالٌ معروفٌ عندَ المحدثينَ
(3)
.
والحديثُ يدلُّ على تحريمِ نتفِ الشيبِ لأنه مُقتضى النهي حقيقةٌ عندَ المحققينَ، وقد ذهبتِ الشافعية
(4)
والمالكية
(5)
والحنابلة
(6)
وغيرُهم إلى كراهةِ ذلكَ لهذا الحديثِ، ولما أخرجَهُ الخلَّالُ في جامعِهِ
(7)
عن
(1)
لم يخرجه ابن حبان من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. بل أخرجه من حديث أبي هريرة (7/ 253 رقم 2985). وحديث أبي هريرة حديث حسن.
قلت: وأخرجه البغوي في "شرح السنة"(12/ 95 رقم 3181).
والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 311). وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حديث حسن.
وقد حسنه النووي في "المجموع"(1/ 344).
(2)
(رقم: 104/ 2341).
(3)
قال الزيلعي في "نصب الراية"(1/ 59): "ومن فوائد شيخنا الحافظ جمال الدين المزي، قال: عمرو بن شعيب يأتي على ثلاثة أوجه:
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو الجادة.
وعمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو.
وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو.
فعمرو له ثلاثة أجداد: محمد. وعبد الله. وعمرو بن العاص، فمحمد تابعى. وعبد الله. وعمرو. صحابيان.
فإن كان المراد بجده محمدًا فالحديث مرسل، لأنه تابعي.
وإن كان المراد به عمرو، فالحديث منقطع، لأن شعيبًا لم يدرك عمروًا.
وإن كان المراد به عبد الله فيحتاج إلى معرفة سماع شعيب من عبد الله، وقد ثبت في "الدارقطني" - في البيوع (3/ 50 رقم 207) - وغيره بسند صحيح سماع عمرو من أبيه شعيب، وسماع شعيب من جده عبد الله" اهـ.
وقد حقق أبو الأشبال صحة رواية عمرو بن شعيب تحقيقًا جيدًا لم يسبق إليه - فيما أعلم - في التعليق على الترمذي (2/ 141 - 144) ولولا الإطالة لنقلته لك بكامله.
(4)
انظر: "المجموع"(1/ 344).
(5)
انظر: "قوانين الأحكام الشرعية" ص 482.
(6)
انظر: "المغني"(1/ 124).
(7)
في "كتاب الترجل من كتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد بن حنبل" تأليف أبو بكر أحمد بن محمد الخلال. =
[طلق]
(1)
بن حبيبٍ أن حجَّامًا أخذَ من شارِب النبيِّ صلى الله عليه وسلم فرأى شيبةً في لحيتِهِ فأهوى بيدِهِ إليهَا ليأخذَها فأمسكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدَهُ وقالَ: "مَنْ شابَ شيبة في الإسلامِ كانتْ له نورًا يومَ القيامَةِ".
ولما أخرجَهُ البزارُ
(2)
والطبرانى
(3)
عن فُضالةَ بن عُبيدٍ أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ شابَ شيبةً في الإِسلامِ كانتْ له نورًا يومَ القيامةِ"، فقالَ له رجلٌ عندَ ذلكَ: فإنَّ رِجالًا ينتفُونَ الشيبَ فقالَ: "من شاءَ فلينتِفْ نورَهُ". قالَ النوويُّ
(4)
: لو قيلَ: يحرم النتفُ للنهي الصريحِ الصحيحِ لم يبعدْ. قالَ: ولا فرقَ بينَ نتفِهِ من اللحيةِ والرأسِ والشاربِ والحاجِبِ والعِذَارِ، ومن الرجلِ والمرأةِ.
قوله: (فإنه نورُ المسلمِ) في تعليلِهِ بأنهُ نورُ المسلمِ ترغيبٌ بليغٌ في إبقائه وتركِ التعرُّضِ لإِزالَتِهِ. وتعقيبُهُ بقولِه: "ما مِنْ مسلمٍ يشيبُ شيبةً في الإِسلام" والتصريحُ بكَتْبِ الحسنةِ ورفعِ الدرجةِ وحطِّ الخطيئةِ نداءٌ بشرَفِ الشيبِ وأهلِه وأنَّه من أسبابِ كَثْرَةِ الأجُورِ، وإيماءٌ إلى أن الرغُوب عنهُ بنتفِهِ رغوبٌ عن المثوبةِ العظيمةِ.
وقد أخرجَ الترمذيُّ
(5)
من حديثِ كعبِ بن مرَّةَ وحسنهُ قالَ: سمعتُ
= (ص 111 رقم 88) عن طلق بن حبيب مرسلًا. لأن طلق تابعي.
(1)
في المخطوط (طارق) والصواب ما أثبتناه من مصادر الحديث.
(2)
في مسنده (3/ 371 رقم 2973 - كشف).
(3)
في "المعجم الكبير"(18/ 304 رقم 782، 784). وفي "المعجم الأوسط" رقم (5493).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 158) وقال: "رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجال ثقات" اهـ.
قلت: وأخرجه أحمد في مسند (6/ 20) من طريق ابن لهيعة - به. وأغفله الحافظ الهيثمي ويشهد له حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم برقم (20/ 137) من كتابنا هذا.
وحديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن حبان (7/ 253 رقم 2985) بسند حسن.
وحديث كعب بن مرة الآتي تخريجه في نفس الباب.
وخلاصة القول أن حديث فُضالة بن عبيد حديث حسن، والله أعلم.
(4)
في "المجموع"(1/ 344).
(5)
في السنن (4/ 172 رقم 1634). =
رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "مَنْ شابَ شيبةً في الإِسلامِ كانتْ له نورًا يومَ القيامةِ".
وأخرجَهُ
(1)
بهذا اللفظِ مِنْ حديثِ عمرِو بن عَبْسَةَ وقالَ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
[الباب الثامن] باب تغيير الشيب بالحناء والكتم ونحوهما وكراهة السواد
21/ 138 - (عَنْ جابِرِ بْنِ عبْدِ الله قالَ: جِيء بأبي قُحافَةَ يَوْمَ الفَتْحِ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَكأنَّ رَأسَهُ ثَغامَةٌ، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اذْهبُوا بهِ إلى بَعْضِ نِسائِهِ فلْتُغيِّرْهُ بِشَيءٍ وَجَنِّبُوهُ السَّوادَ"، رَوَاهُ الجمَاعَةُ إلَّا البُخارِيَّ والتِّرْمذِيَّ)
(2)
. [صحيح]
قوله: (بأبي قُحافةَ) هو والِدُ أبي بكرٍ الصديقِ رضي الله عنه.
قوله: (ثَغَامةٌ) بثاءٍ مثلثةٍ مفتوحةٍ ثم غينٍ معجمةٍ مخففةٍ. قالَ أبو عبيدٍ
(3)
: "هو نبتٌ أبيضُ الزهْرِ والثَّمرِ يُشَبَّهُ بياضُ المشيبِ بهِ". وقال ابنُ الأعرابيِّ: هو شجرٌ مبيض كأنهُ الثلجُ، قالَ في القاموسِ
(4)
: الثَّغَامُ كَسَحَابٍ: نبتٌ واحدتُه بِهَاءٍ،
= قلت وأخرجه النسائي (6/ 27) وأحمد (4/ 235 - 236) والبيهقي في السنن الكبرى (9/ 162).
وهو حديث صحيح.
(1)
أي الترمذي في السنن (4/ 172 - 173 رقم 1635) وقال حديث حسن صحيح غريب.
قلت: وأخرجه النسائي (6/ 27 - 28).
وهو حديث صحيح.
(2)
أخرجه مسلم (رقم 78، 79/ 2102) وأبو داود رقم 4204) والنسائي (8/ 138) وابن ماجه رقم (3624) وأحمد (3/ 316، 322، 338).
قلت: وأخرجه البيهقي (7/ 310) والحاكم (3/ 244) وعبد الرزاق رقم (20179) والبغوي في شرح السنة رقم (3179) وأبو يعلى في مسنده رقم (52/ 1819).
من طرق
…
وهو حديث صحيح.
(3)
في "غريب الحديث"(2/ 278).
(4)
القاموس المحيط ص 1401.
وأثغِمَاءُ اسمُ الجمعِ، وأثغمَ الوادي أنبتَهُ، والرأسُ صارَ كالثغَامَةِ بياضًا. ولونٌ ثاغِمٌ أبيضُ كالثغامِ.
والحديثُ يدلُّ على مشروعيةِ تغييرِ الشيبِ وأَنه غيرُ مختصٍّ باللحيةِ، وعلى كراهَةِ الخِضابِ بالسَّوادِ، قالَ بذلكَ جماعةٌ مِنَ العلماءِ.
قالَ النووي
(1)
: "والصحيحُ بل الصوابُ أنه حرامٌ - يعني الخضابَ بالسوادِ -، وممنّ صرَّحَ بهِ صاحِبُ الحاوي"
(2)
انتهى. وقد أخرجَ أبو داودَ
(3)
والنسائيُّ
(4)
مِنْ
(1)
في "المجموع"(1/ 345).
(2)
هو الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي (364 هـ - 450 هـ). قال في كتابه "الحاوي الكبير"(2/ 332): "وأما خضاب الشعر فمباح بالحناء والكتم، ومحظور بالسواد إلا أن يكون في جهاد العدو".
وقال في "الأحكام السلطانية والوِلايَات الدينية" ص 321: "ويمنع من خضاب الشيب بالسواد إلا للمجاهد في سبيل الله، ويؤدِّب من يصبغ به للنساء. ولا يمتنع من الخضاب بالحناء والكتم" اهـ.
(3)
في السنن (4/ 418 رقم 4212).
(4)
في السنن (المجتبى)(8/ 138) والسنن (الكبرى)(5/ 415 رقم 9346/ 1).
قلت: وأخرجه أحمد (1/ 273) والطبراني في الكبير (11/ 443 رقم 12254).
والبغوي في شرح السنة (12/ 92 رقم 3180) وأبو يعلى في المسند (4/ 471 رقم 276/ 2603) وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (ص 461 رقم 618).
والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 311) وابن سعد في الطبقات (1/ 441).
والذهبي في "سير أعلام النبلاء"(4/ 339) والطحاوي في "مشكل الآثار"(9/ 13 رقم 3699).
كلهم من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، به.
وحكم ابن الجوزي على الحديث بالوضع فأورده في كتابه "الموضوعات"(3/ 55): قائلًا: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتهم به عبد الكريم بن أبي المخارق، أبو أمية البصري .. " اهـ.
ثم أخذ بنقل تجريحه عند أهل العلم.
وقد جانب الصواب رحمه الله، وإليك الأدلة:
1 -
عبد الكريم ليس كما زعم! وإنما هو ابن مالك الجزري الثقة المخرج له في الصحيحين. [انظر: "تهذيب التهذيب](6/ 333 - 334 ت 717)].
2 -
إن أبا داود لم يرو لابن أبي المخارق في السنن، فقد قال الحافظ المزي في "تهذيب =
حديثِ ابن عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قومٌ يخضبونَ في آخِرِ الزمانِ بالسوادِ كحواصِلِ الحمامِ لا يريحون رائحة الجنة". قال المنذري
(1)
: "وفي إسناده عبد الكريم ولم ينسبه أبو داود ولا النسائي" انتهى، وهو الجزري كما وقع في بعض نسخ السنن.
وقد ورد في استحباب خضاب الشيب وتغييره أحاديث سيأتي بعضها:
منها ما أخرجه البخاري
(2)
ومسلم
(3)
والنسائي
(4)
وأبو داود
(5)
من حديث ابن
= الكمال (18/ 265) رقم الترجمة (4106): "استشهد به البخاري، وروى له مُسلم في "المتابعات" وأبو داود في كتاب "المسائل" والباقون" اهـ.
3 -
اتفاق جمع من الحفاظ على أن المراد به (عبد الكريم بن مالك الجزري).
انظر: "تحفة الأشراف" للمزي (4/ 424 رقم 5548)، و"النقد الصريح لأجوبة الحافظ ابن حجر عن أحاديث المصابيح" ص 55، و"القول المسدد في الذبِّ عن مسند الإمام أحمد" للحافظ ابن حجر ص 91 - 92، و "تنزيه الشريعة" لابن عراق (2/ 275)، و"الآداب الشرعية والمنح المرعية" لابن مفلح (3/ 516).
4 -
صحح الحديث جمع من العلماء:
كعبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الصغرى"(2/ 813). وابن حبان كما في "فتح الباري (6/ 499)، والبنا الساعاتي في "بلوغ الأماني" (17/ 319).
وقال أحمد شاكر في شرح المسند (رقم 2470): "إسناده صحيح".
وقال الألباني في "غاية المرام" ص 84: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"، وخلاصة القول أن الحديث صحيح.
(1)
في "مختصر سنن أبي داود"(6/ 108).
ثم قال المنذري: "وقول من قال: إنه عبد الكريم بن مالك الجزري هو الصواب، فإنه قد نسبه بعض الرواة في هذا الحديث فقال فيه: "عن عبد الكريم الجزري ..... وأيضًا فإن الذي روى عن عبد الكريم هذا الحديث هو عبيد الله بن عمر الرقي.
وهو مشهور بالرواية عن عبد الكريم الجزري. وهو أيضًا من أهل الجزيرة" اهـ.
(2)
في صحيحه (6/ 496 رقم 3462) و (10/ 354 رقم 5899).
(3)
في صحيحه (3/ 1663 رقم 2103).
(4)
في السنن (8/ 137).
(5)
في السنن (4/ 415 رقم 4203).
قلت: وأخرجه أحمد (2/ 240، 260، 309، 401) وابن ماجه (2/ 1196 رقم 3621) من حديث أبي هريرة، لا من حديث ابن عباس كما ذكر الشوكاني.
انظر: "تحفة الأشراف"(11/ 36 رقم 15208) و (11/ 62 رقم 15348) و (11/ 25 رقم =
عباس بلفظ: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" وأخرجه الترمذي
(1)
بلفط: "غيِّروا الشيب ولا تشبَّهوا باليهود".
وأخرج أبو داود
(2)
والترمذي
(3)
وحسنه، والنسائي
(4)
وابن ماجه
(5)
من حديث أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحسن ما غيِّر به هذا الشيب الحناء والكتم" وسيأتي
(6)
.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: "أنه كان يصبغ لحيته بالصفرة ويقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بها، ولم يكن أحب إليه منها، وكان يصبغ بها ثيابه". أخرجه أبو داود
(7)
والنسائي
(8)
، ويعارضه ما سيأتي عن أنس قال:"ما خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّهُ لم يبلُغْ منه الشيب إلا قليلًا قالَ: ولو شئت أن أعد شَمَطَاتٍ كن في رأسه لفعلت". والحديث أَخرجه الشيخان
(9)
.
= 15141) و (10/ 106 رقم 13480) و (11/ 52 رقم 15292) و (11/ 33 رقم 15190).
(1)
في السنن (4/ 232 رقم 1752) وقال: حديث حسن صحيح.
قلت: في سنده عمر بن أبي سلمة صدوق يخطئ قاله الحافظ في "التقريب"(2/ 56).
(2)
في السنن (4/ 416 رقم 4205).
(3)
في السنن (4/ 232 رقم 1753) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(4)
في السنن (8/ 139 رقم 5078).
(5)
في السنن (2/ 1196 رقم 3622).
وهو حديث صحيح. وسيأتي برقم (25/ 142) من كتابنا هذا. فانظر مزيدًا لتخريجه.
(6)
برقم (25/ 142) من كتابنا هذا.
(7)
في السنن (4/ 417 رقم 4210).
(8)
في السنن (المجتبى)(8/ 186) وفي السنن (الكبرى)(5/ 418 رقم 9360/ 3).
في سنده: ابن أبي رواد هو عبد المجيد بن عبد العزيز قال الحافظ في "التقريب"(رقم 4160): صدوق يخطئ
…
أفرط ابن حبان فقال: متروك.
وقد تابع ابن أبي رواد /عبدُ الله بن وهب/ قال: أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يصفر لحيته بالخلوق، ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصفر"، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (7/ 310) بسند حسن.
وأصله عند أحمد (2/ 17، 110) والبخاري رقم (166) ومسلم رقم (1187) والطبراني في الكبير رقم (13214) و (13317) وابن ماجه رقم (3626) والنسائي (8/ 140، 186) وابن أبي شيبة (8/ 443 رقم 5100).
وخلاصة القول أن حديث ابن عمر صحيح، والله أعلم.
(9)
البخاري رقم (3550 و 5894 و 5895) ومسلم رقم (2341). =
وأخرج أبو داود
(1)
والنسائي
(2)
من حديث ابن مسعود قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره عشر خلال: الصفرة - يعني الخلوق - وتغيير الشيب" الحديث، ولكنه لا ينتهض لمعارضة أحاديث تغيير الشيب قولًا وفعلًا.
قال القاضي عياض
(3)
: "اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، وروى حديثًا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في
= قلت: وأخرجه أحمد (3/ 100، 108، 145، 160، 178، 192، 198، 206، 216، 223، 227، 251، 254، 262) والنسائي (8/ 141) وأبو داود رقم (4209) والترمذي في "الشمائل" رقم (36، 37) وابن ماجه رقم (3629)
قلت: يُجيب عن تعارض حديث ابن عمر مع حديث أنس العلماء الأجلاء:
1 -
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(10/ 354): "وحاصله أن من جزم أنه خضب كما في ظاهر حديث أم سلمة - الذي أخرجه البخاري رقم (5897) - وكما في حديث ابن عمر الماضي قريبًا أنه صلى الله عليه وسلم خضب بالصفرة حكى ما شاهده، وكان ذلك في بعض الأحيان، ومن نفى ذلك كأنس فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله" اهـ.
2 -
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (15/ 95): "والمختار أنه صلى الله عليه وسلم صبغ في وقت، وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى، وهو صادق، وهذا التأويل كالمتعين فحديث ابن عمر في الصحيحين، ولا يمكن تركه، ولا تأويل له. والله أعلم.
وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه، فالجمع بينهما أنه رأى شيئًا يسيرًا. فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير، ومن نفاه أراد أنه لم يكثر فيه، كما قال في الرواية الأخرى:"لم يشتد الشيب" أي لم يكثر، ولم يخرج شعره عن سواده، وحسنه كما قال في الرواية الأخرى:"لم ير من الشيب إلا قليلًا" اهـ.
3 -
قال ابن كثير في "الشمائل" ص 28: "قلت: ونَفْي أنس للخِضاب مُعارَض، بما تقدم عن غيره من إثباته، والقاعدة المقرَّرة أن الإثبات مقدَّم على النفي؛ لأن المثبت معه زيادة عِلم ليست عند النافي" اهـ.
وانظر ما قاله ابن قيم الجوزية في "زاد المعاد"(4/ 367).
(1)
في السنن (4/ 427 رقم 4222).
(2)
في السنن (8/ 141).
قلت: وأخرجه أحمد (1/ 380، 397، 439) والحاكم (4/ 195) والبيهقي (7/ 232) و (9/ 350) وابن حبان في صحيحه رقم (5682) و (5683).
قال أبو داود: انفرد بإسناد هذا الحديث أهل البصرة، والله أعلم.
قلت: وفي سنده/ عبد الرحمن بن حرملة/ قال البخاري (5/ 270): لم يصح حديثه.
وخلاصة القول أن حديث ابن مسعود حديث منكر.
(3)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (14/ 80).
النهي عن تغيير الشيب، ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يغير شيبه، روي هذا عن عُمَرَ وعَلّي
(1)
وأبي بكر وآخرين.
وقال آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم للأحاديث الواردة في ذلك. ثم اختلف هؤلاء فكان أكثرهم يخضب بالصفرة منهم: ابن عمر وأبو هريرة وآخرون
(2)
، وروي ذلك عن علي
(3)
، وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم، وبعضهم بالزعفران. وخضب جماعة بالسواد، روي ذلك عن عثمان
(4)
والحسن
(5)
والحسين
(6)
ابني عليّ، وعقبة بن
(1)
أخرج ابن سعد في "الطبقات"(3/ 26) بسند ضعيف.
عن محمد بن الحنفية قال: خضب علي بالحناء مرة، ثم تركه.
(2)
أخرج الطبراني في الكبير (3/ 240 رقم 3272) قال: عن عثمان بن عبد الله بن سراقة، قال: رأيت أبا قتادة، وأبا هريرة، وابن عمر، وأبا أسيد الساعدي، يمرون علينا ونحن في الكتاب نجد منهم ريح العبير، يصفرون لحاهم.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 164) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(3)
أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(8/ 441 رقم 5089) وابن سعد في "الطبقات"(3/ 26) بسند حسن.
عن سوادة بن حنظلة القشيري قال: رأيت عليًا أصفر اللحية.
(4)
أخرج الدولابي في الكُنى (2/ 26).
من طريق أبي موسى، محمد بن المثنى قال: حدثني عبد الله أبو عثمان صاحب الألقاب، قال: حدثنا بشر بن سباع عن ابن أبي مليكة، أن عثمان بن عفان كان يخضب بالسواد" إسناده ضعيف.
ابن أبي مليكة وهو عبد الله بن عبيد الله لم يلق عثمان.
قال ابن أبي حاتم في المراسيل رقم (186) والعلائي في "جامع التحصيل" رقم (380): هو مرسل عن عثمان.
(5)
أخرج الطبراني في الكبير (3/ 22 رقم 2535) من طريق معاوية بن هشام عن محمد بن إسماعيل بن رجاء عن جعفر بن محمد عن أبيه أن الحسن بن علي رضي الله عنه كان يخضب بالسواد.
إسناده ضعيف.
معاوية بن هشام هو القصَّار، قال الحافظ في "التقريب" رقم (6771): صدوق له أوهام.
ومحمد هو الباقر مرسل عن جده الحسين والحسن قاله العلائي رقم (700).
(6)
أخرج الطبراني في الكبير (3/ 99 رقم 2789) من الطريق السابق.
عامر
(1)
، وابن سيرين وأبي بردة وآخرين"
(2)
.
[و]
(3)
قال الطبري
(4)
: "الصواب أن الأحاديث الواردة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بتغيير الشيب، وبالنهي عنه، كلها صحيحة وليس فيها تناقض، بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة، والنهي لمن له شمط فقط.
قال: واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإِجماع، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض".
22/ 139 - (وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرينَ قالَ: سُئِلَ أنَسُ بْنُ مالكٍ عَنْ خِضابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: إن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لمْ يَكُنْ شابَ إلَّا يَسِيرًا، وَلكِن أبا بكر وعُمَرَ بَعْدَهُ خضَّبا بِالحِناءِ وَالكَتمِ. مُتَّفَقٌ عَليْهِ
(5)
.
(1)
أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(8/ 438 رقم 5077) والطبراني في الكبير (17/ 268 رقم 736) وابن عبد البر في "التمهيد"(21/ 85).
من طريق الليث بن سعد عن أبي عشانة المعافري قال: رأيت عقبة بن عامر يخضب بالسواد".
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 162): وقال: رجاله رجاله الصحيح، خلا أبا عشانة، وهو ثقة" اهـ.
قلت: يرد عليه أن أدلة منع السواد لم تبلغه، أو يحمل على سواد الدهمة لا التسويد البحت. والله أعلم.
(2)
قال ابن القيم في "تهذيب السنن"(6/ 104): "وأما الخضاب بالسواد: فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب لما تقدم، وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله. وهذه المسألة من المسائل التي حلف عليها، وقد جمعها أبو الحسن، ولأنه يتضمن التلبيس، بخلاف الصفرة.
ورخص فيه آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة، وروى ذلك عن الحسن والحسين، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن جعفر، وعقبة بن عامر.
وفي ثبوته عنهم نظر، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنته أحق بالاتباع ولو خالفها من خالفها" اهـ.
(3)
زيادة من (أ) و (ب).
(4)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (14/ 80).
(5)
البخاري رقم (3550) و (5894) و (5895) ومسلم رقم (2341).
وزادَ أحمدُ
(1)
قالَ: وَجاءَ أبُو بَكرٍ بأبي قُحافَةَ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَومَ فَتْحِ مَكَّةَ يَحْمِلَهُ حتَّى وَضعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي بَكرٍ:"لَوْ أقْررتَ الشَّيْخ في بَيِتِهِ لأَتيْناهُ"، تَكْرِمَةً لِأبي بَكرٍ، فأسْلمَ، ولِحيَتُهُ وَرَأسُهُ كالثَّغَامةِ بَيَاضًا، فقالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"غَيِّرُوهما وَجَنِّبُوهُ السَّوادَ"). [صحيح]
قصة أبي قحافة قد تقدَّم الكلام عليها، وفي هذه الرواية زيادة الأمر بتغيير بياض اللحية. وحديث أَنس وإنكاره لخضاب النَّبي صلى الله عليه وسلم يعارضه ما سيأتي من حديث ابن عمر
(2)
: "أَن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصفر لحيته بالوَرْس والزعفران"، وما سبق من حديثه
(3)
: "أَنه كان يصبغ بالصفرة"، وما في الصحيحين
(4)
، وإن كان أرجح مما كان خارجًا عنهما، ولكن عدم علم أنس بوقوع الخضاب منه صلى الله عليه وسلم لا يستلزم العدم، ورواية من أَثبت أَولى من روايته؛ لأن غاية ما في روايته أَنه لم يعلم وقد علم غيره
(5)
.
وأَيضًا قد ثبت في صحيح البخاري
(6)
ما يدل على اختضابه كما سيأتي، على أنه لو فرض عدم ثبوت اختضابه لما كان قادحًا في سنية الخضاب؛ لورود الإِرشاد إليها قولًا في الأحاديث الصحيحة.
قال ابن القيم
(7)
: (واختلف الصحابة في خِضابه صلى الله عليه وسلم فقال أَنس: لم يخضِبْ. وقال أبو هريرة: خضب. وقد روى حماد بن سلمة عن حُميد عن أنس قال: "رأيت شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضوبًا"، قال حماد: وأخبرني عبد الله بن محمد بن
(1)
في المسند (10/ 519 رقم 12572 - الزين) بسند صحيح.
وقد تقدم تخريجه آنفًا.
(2)
رقم (24/ 141) من كتابنا هذا.
(3)
وهو حديث صحيح تقدم تخريجه خلال شرح الحديث رقم (21/ 138) من كتابنا هذا.
(4)
البخاري رقم (166) ومسلم رقم (1187) من حديث ابن عمر وقد تقدم.
(5)
وقد تقدم كلام الحافظ ابن حجر، والإمام مسلم، وابن كثير، خلال شرح الحديث رقم (21/ 138) من كتابنا هذا.
(6)
في صحيحه رقم (5896) و (5897) و (5898) من حديث عثمان بن عبد الله بن موهب. وسيأتي رقم (23/ 140) من كتابنا هذا.
(7)
في "زاد المعاد"(1/ 176).
عقيل، قال:"رأيت شعر رسول الله، عند أنس بن مالك مخضوبًا". وقالت طائفة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر الطيب قد احمرَّ شعره فكان يظن مخضوبًا ولم يخضب" انتهى. وقد أثبت اختضابه صلى الله عليه وسلم مع ابن عمر أبو رمثة كما سيأتي
(1)
.
قوله: (الكتم)، في القاموس
(2)
: "والكَتَمُ محركةَ والكُتمانُ بالضم، نَبْتٌ يُخْلَطُ بالحِنَّاءِ، ويُخضبُ به الشعرُ". انتهى. وهو النبت المعروف بالوسمة يعني ورق النيل
(3)
، وفي كتب الطب أنه نبت من نبت الجبال وورقه كورق الآس يخضب به مدقوقًا.
23/ 140 - (وعَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَوْهَبٍ قالَ: دَخلْنا على أُمِّ سَلمَةَ فأخْرَجَتْ إليْنا مِنْ شَعَرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإِذا هُوَ مَخْضُوبٌ بالحِنَّاءِ وَالكَتْمِ. رَوَاهُ أحمدُ
(4)
وابْنُ ماجهْ
(5)
والبُخارِيُّ
(6)
وَلمْ يَذْكُرْ بِالحنَّاءِ وَالكَتْمِ). [صحيح]
24/ 141 - (وعَنْ نافِعٍ عَنِ ابن عُمَرَ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يلْبسُ النِّعالَ السِّبْتيَّةَ ويُصَفِّرُ لِحْيتَهُ بِالوَرْسِ وَالزَّعْفَرانِ. وكانَ ابْنُ عمَرَ يَفْعَل ذلكَ. رَواهُ أبو دَاوُدَ
(7)
والنَّسائيُّ)
(8)
. [صحيح]
الحديث الأول يدل على أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خضب، وقد تقدم الكلام عليه
(9)
.
وقد أجيب بأن الحديث ليس فيه بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي خضب بل يحتمل أن
(1)
في كتابنا هذا برقم (28/ 145).
(2)
في القاموس المحيط ص 1488.
(3)
قال ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (4/ 367): "وقد ظن بعض الناس أن الكَتَمَ هو الوسمة، وهي ورق النيل. وهذا وهم، فإن الوسمة غير الكتم. قال صاحب "الصحاح": الكَتَم بالتحريك: نبت يُخلط بالوسمة يُختضب به. قيل: والوسمة نباتٌ له ورق طويل يَضْرِبُ لونه إلى الزرقة أكبر من ورق الخِلاف، يُشبه ورق اللوبيا، وأكبر منه، يُؤتى به من الحجاز واليمن" اهـ.
(4)
في المسند (6/ 296، 319، 322).
(5)
في السنن (2/ 1196 رقم 3623).
(6)
في صحيحه رقم (5896، 5897، 5898).
وهو حديث صحيح.
(7)
في السنن (4/ 417 - 418 رقم 4210).
(8)
في السنن (8/ 186 رقم 5244).
وهو حديث صحيح.
(9)
في (جـ) ثلاثة أسطر تقريبًا كتبت خطأ في غير موضعها من قوله "بالتغيير لمن شيبه
…
بعضهم على بعض" كما يوجد في شطب خفيف عليها، فليعلم.
يكون احمرّ بعده لما خالطه من طيب فيه صفرة. وأيضًا كثير من الشعور التي تنفصل عن الجسد إذا طال العهد يؤول سوادها إلى الحمرة، كذا قال الحافظ
(1)
.
وأَيضًا هذا الحديث معارض لحديث أنس المتقدم، وقد سبق البحث عن ذلك، وقال الطبري في الجمع بين الحديثين
(2)
: من جزم بأنه خضب فقد حكى ما شاهد، وكان ذلك في بعض الأحيان، ومن نفى ذلك فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله صلى الله عليه وسلم.
والحديث الثاني في إسناده عبد العزيز بن أبي رواد
(3)
، وفيه مقال معروف وهو في صحيح البخاري
(4)
بأطول من هذا، ذكره في أبواب الوضوء، ولكنه لم يقل يصفر لحيته بل قال:"وأَما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها فأنا أحب أن أَصبغ بها". الحديث. وأخرجه أيضًا مسلم
(5)
.
قوله: (السِّبتية) بكسر السين "جُلُودُ البَقَرِ، وكُلُّ جِلْدٍ مَدْبُوغٍ، أو بالقَرَظِ" ذكره في القاموس
(6)
، وإنما قيل لها سبتية أخذًا من السبت، وهو الحلق، لأن شعرها قد حلق عنها وأزيل.
قوله: (ويصفر لحيته) قال الماوردي: لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أَنه صبغ شعره، ولعله لم يقف على هذا الحديث وهو مبيِّن للصبغ المطلق في الصحيحين
(7)
، وكذا قال ابن عبد البر
(8)
: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة إلا ثيابه"، وردَّه ابن قدامة في المغني
(9)
.
(1)
في "فتح الباري"(10/ 354).
(2)
ذكره الحافظ في "الفتح"(10/ 354).
(3)
قال عنه الحافظ في "التقريب" رقم (4160): "صدوقٌ يُخطئ، وكان مرجئًا، أفرط ابنُ حبان، فقال: متروك" اهـ.
(4)
رقم (166).
(5)
في صحيحه رقم (1187) وقد تقدم تخريجه.
(6)
القاموس المحيط ص 195.
(7)
تقدم تخريجه.
(8)
كما في "فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر"(3/ 168).
(9)
(1/ 126) قائلًا: "والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمرَ بالخِضابِ فمن لم يكُن على ما كان عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فليس هو من الدين في شيءٍ" اهـ.
قوله: (بالورس والزعفران) الورس بفتح الواو نبت أصفر يزرع باليمن ويصبغ به. والزعفران معروف، وظاهر العطف أنه كان يصبغ لحيته بالزعفران، ويحتمل أَن يكون التقدير أنه كان يصفر لحيته بالورس وثيابه بالزعفران.
وقد روى أبو داود
(1)
من طرق صحاح ما يدل على أن ابن عمر كان يصبغ لحيته وثيابه بالصفرة، ولفظه:"أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تملأ ثيابه فقيل له في ذلك فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها ولم يكن شيء أحب إليه منها كان يصبغ ثيابه بها حتى عمامته".
والحديث يدل على أن تغيير الشيب سنة، وقد تقدم الكلام عليه.
25/ 142 - (وعَنْ أبِي ذَرّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أحْسَنَ ما غَيَّرْتُمْ بِهِ هذا الشَّيبَ الحنّاء وَالكَتْمُ". رَوَاهُ الخمسةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذيُّ)
(2)
. [صحيح]
26/ 143 - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اليَهُودَ والنَّصارَى لا يَصْبُغُونَ فَخالِفُوهُمْ". رَواهُ الجماعةُ)
(3)
. [صحيح]
(1)
في السنن (4/ 333 - 334 رقم 4064).
قلت: وأخرجه النسائي (8/ 140) بسند صحيح.
(2)
أبو داود (4/ 416 رقم 4205) والترمذي (4/ 232 رقم 17453). والنسائي (8/ 139 رقم 5078) وابن ماجه (2/ 1196 رقم 3622) وأحمد (5/ 154، 156، 169).
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال المحدِّث الألباني في "غاية المرام" ص 86: "قلت: ورجاله ثقات غير الأجلح ففيه خلاف، لكنه لم يتفرد به، فقد تابعه معمر عن سعيد الجريري عن عبد الله بن بريدة به" اهـ.
أخرجه أبو داود (4/ 416 رقم 4205) وابن حبان في صحيحه (12/ 287 رقم 5474) وأحمد (5/ 147، 150) والطبراني في الكبير (2/ 153 رقم 1638) بسند صحيح.
وخلاصة القول أن حديث أبي ذر صحيح، والله أعلم.
(3)
أحمد (2/ 240، 260، 309، 401) والبخاري (6/ 496 رقم 3462) و (10/ 354 رقم 5899) ومسلم (3/ 1663 رقم 2103) وأبو داود (4/ 415 رقم 4203) والنسائي (8/ 137) وابن ماجه (2/ 1196 رقم 3621) والترمذي (4/ 232 رقم 1752) وقال: حديث حسن صحيح.
[يغير الشيب بالكتم والحناء]:
الحديث الأول يدل على أن الحناء
(1)
والكتم
(2)
من أحسن الصباغات التي يغيَّر بها الشيب، وأن الصبغ غير مقصور عليهما لدلالة صيغة التفضيل على مشاركة غيرهما من الصباغات لهما في أصل الحسن، وهو يحتمل أَن يكون على التعاقب ويحتمل الجمع.
وقد أخرج مسلم
(3)
من حديث أنس قال: "اخْتَضَبَ أَبو بَكْرٍ بالحِنَّاءِ والكَتَمِ، واختَضَب عمرُ بالحِنَّاءِ بَحْتًا" أي: منفردًا. وهذا يُشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائمًا، والكتم نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر، فالصبغ بهما معًا يخرج بين السواد والحمرة
(4)
، واستنبط ابن أبي عاصم من قوله:"جنِّبوه السواد" في حديث جابر
(5)
أَن الخضاب بالسواد كان من عادتهم.
(1)
الحنَّاء بالمد والتشديد معروف.
كما في "الصحاح" مادة حنأ (1/ 45) ولسان العرب مادة حنأ (3/ 351).
وجاء في "المعجم الوسيط"(1/ 201): "الحناءُ شجرٌ ورقه كورق الرّمان وعيدانه كعيدانه، له زهر أبيض كالعناقيد، يتخذ من ورقه خضاب أحمر، الواحدة حناءة".
وقال الحافظ في "فتح الباري"(10/ 355): "وصبغ الحناء أحمر".
(2)
الكتم: نبت فيه حمرة. قاله الأزهري في "تهذيب اللغة"(10/ 154).
وقال أبو عبيد: الكَتَّم، مشدد التاء، والمشهور التخفيف.
وقال أبو حنيفة: يُشَبَّب الحناء بالكتم ليشتدّ لونه، قال: ولا ينبت الكتم إلَّا في الشواهق ولذلك يَقلُّ.
وقال مرة: الكتم نبات لا يسمُو صُعُدًا وينبت في أصعب الصخر فيتدلى تدليًا خِيطانًا لِطافًا، وهو أخضر وورقه كورق الآس أو أصغر".
انظر: "لسان العرب"(12/ 31).
وقال الحافظ في "فتح الباري"(10/ 355): "والكتم: نبات باليمن، يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة" اهـ.
(3)
في صحيحه (4/ 1821 رقم 103/ 2341).
(4)
انظر: "فتح الباري"(10/ 355).
(5)
أخرجه مسلم (3/ 1663 رقم 2102) وأبو داود (4/ 415 رقم 4204) والنسائي (8/ 138) وابن حبان في صحيحه (12/ 285 رقم 5471) والحاكم (3/ 344) والبيهقي (7/ 310) وفي الدلائل (5/ 96) والطحاوي في مشكل الآثار (9/ 301 رقم 3683) وأحمد (3/ 316، 322، 338) وابن ماجه (2/ 1197 رقم 3624) وأبو يعلى رقم (1819) والبغوي في شرح السنة رقم (3179) من طرق عن أبي الزبير به. وفيه عند الجميع عنعنة أبي الزبير. =
والحديث الثاني يدل على أن العلة في شرعية الصباغ وتغيير الشيب هي مخالفة اليهود والنصارى وبهذا يتأكد استحباب الخضاب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبالغ في مخالفة أهل الكتاب ويأمر بها، وهذه السنة قد كثر اشتغال السلف بها، ولهذا ترى المؤرخين في التراجم لهم يقولون: وكان يخضب وكان لا يخضب.
قال ابن الجوزي
(1)
: قد اختضب جماعة من الصحابة والتابعين.
وقال أحمد بن حنبل
(2)
وقد رأى رجلًا قد خضب لحيته: إني لأرى رجلًا يحمى ميتًا من السنة، وفرح به حين رآه صبغ بها.
قال النووي
(3)
: "مذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأَة بصفرة أَو حُمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح. قال: وللخضاب فائدتان: إحداهما: تنظيف الشعر مما تعلَّق به، والثانية: مخالفة أهل الكتاب.
قال في الفتح
(4)
: "وقد رخَّص فيه - أي في الخضب بالسواد - طائفة من السلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد، واختاره ابن أبي عاصم في "كتاب الخضاب"، وأجاب عن حديث ابن عباس
(5)
رفعه: "يكون قوم يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة" بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم.
= قلت: ويشهد له حديث أنس عند أحمد (3/ 160) وأبي يعلى رقم (2831) والحاكم (3/ 244) وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي على شرط البخاري.
والصحيح أنه على شرط مسلم. لأن محمد بن سلمة لم يخرج له البخاري.
تنبيه: تحرَّف في المطبوع من "المستدرك" محمد بن سلمة إلى محمد بن أبي سلمة.
وخلاصة القول أن حديث جابر صحيح بالشاهد، والله أعلم.
(1)
في "الشيب والخضاب" مخطوط. في مكتبة جامعه الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض رقم (10744).
(2)
انظر: "كتاب الترجل من كتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد بن حنبل" للخلَّال (ص 118 - 119 رقم 155).
(3)
في شرحه لصحيح مسلم (14/ 80).
(4)
في "فتح الباري"(10/ 354 - 355).
(5)
وهو حديث صحيح تقدم تخريجه والكلام عليه مفصلًا، خلال شرح الحديث (21/ 138) من كتابنا هذا. ص 445.
وعن حديث جابر
(1)
: "جنِّبوه السواد" بأنه ليس في حق كل أحد.
وقد أخرج الطبراني
(2)
وابن أبي عاصم
(3)
من حديث أبي الدرداء رفعه: "من خضب بالسواد سوّد الله وجهه يوم القيامة". قال الحافظ
(4)
: وسنده لين، ويمكن تعقب الجواب الأول بأن يقال: ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وقد وصف القوم المذكورين بأنهم يخضبون بالسواد، ويمكن تعقب الجواب الثاني بأنه مبني على أن حكمه على الواحد ليس حكمًا على الجماعة، وفيه خلاف معروف في الأصول.
27/ 144 - (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: مَرَّ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ قَدْ خَضَّبَ بالحِنَّاءِ، فقالَ:"ما أحْسَنَ هذا"، فَمَرَّ آخَر قدْ خَضَّبَ بالحنَّاءِ والكَتْمِ، فقالَ:"هذا أحسن مِنْ هذا"، فَمَرَّ آخَرُ، وقدْ خَضَّبَ بِالصُّفْرَةِ، فقالَ:"هذا أحْسَنُ مِنْ هذا كُلِّهِ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ
(5)
وابْنُ ماجَهْ)
(6)
. [ضعيف]
في إسناده حميد بن وهب القرشي
(7)
الكوفي وهو منكر الحديث، ومحمد بن طلحة الكوفي
(8)
وكان ممن يخطئ، حتى خرج عن حد التعديل، ولم
(1)
وهو حديث صحيح. تقدم تخريجه آنفًا. ص 438 - 445.
(2)
في مسند الشاميين للطبراني (1/ 376 رقم 652).
(3)
كما في "فتح الباري"(10/ 355).
قلت: وأخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (ص 462 رقم 619) وابن عدي في "الكامل"(3/ 1077).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 163) وقال: "رواه الطبراني وفيه الوَضِيْن بن عطاء وثقه أحمد وابن معين وابن حبان وضعفه من هو دونهم في المنزلة، وبقية رجاله ثقات".
(4)
في "فتح الباري"(10/ 355). وخلاصة القول أن حديث أبي الدرداء حديث ضعيف.
(5)
في السنن (4/ 418 رقم 4211).
(6)
في السنن (2/ 1198 رقم 3627).
(7)
قال الحافظ في "التقريب"(رقم: 1564): "لين الحديثِ".
وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال العقيلي: لم يتابع على حديثه، وحميد مجهول النَّقل.
"تهذيب التهذيب"(1/ 500).
(8)
قال الحافظ في "التقريب" رقم (5982): "صدوق له أوهام، وأنكروا سماعه من أبيه لصغرها. وانظر: "تهذيب التهذيب" (3/ 597).
يغلب خطؤه صوابه حتى يستحق الترك وهو ممن يحتج به إلا بما انفرد. كذا قاله المنذري
(1)
.
والحديث يدل على حسن الخضب بالحناء على انفراده، فإن انضم إليه الكتم كان أحسن، ويدل على أن الخضب بالصفرة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسن في عينه من الحنَّاء على انفراده ومع الكتم. وقد سبق حديث ابن عمر:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خضب بالصفرة" وتقدم الكلام فيه
(2)
.
28/ 145 - (وَعَنْ أبي رَمْثَةَ قالَ: "كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْضِبُ بالحِنَّاءِ والكَتمِ وكانَ شَعْرهُ يَبْلُغُ كَتِفَيْهِ أَوْ مَنْكِبَيْهِ". رَوَاهُ أحمدُ
(3)
، وفي لفْظٍ لأحمدَ
(4)
وَالنَّسائي
(5)
وأبي دَاودَ
(6)
: "أتَيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مَعَ أبي وَلَه لِمَّةٌ بها رَدْعٌ مِنْ حِنَّاءٍ". [صحيح] رَدْعٌ
(7)
بالعَيْنِ المهملةِ: أي لَطْخٌ، يُقالُ: بهِ رَدْعٌ مِنْ دَمٍ أو زَعْفَرانٍ).
وفي لفظ من حديث أبي رَمْثَة: "أتيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم معَ ابنٍ لي فقالَ: ابنُكَ؟ قلتُ: نعم. أشهدُ بهِ، فقالَ: لا تجني عليه ولا يجني عليكَ. قالَ: ورأيتُ الشَّيْبَ أحمرَ"
(8)
. قالَ الترمذي
(9)
: "هذا أحسَنُ شيءٍ رُوِيَ فِي هذا الباب وأفْسَرُه، لأنَّ الرواياتِ الصحيحةَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يبلُغِ الشَّيبَ".
قالَ حمادُ بنُ سلمةَ عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ: "قيلَ لجابرِ بن سمرةَ:
(1)
في "مختصر سنن أبي داود"(6/ 107).
وهو حديث ضعيف.
(2)
وهو حديث صحيح. تقدم تخريجه خلال شرح الحديث (21/ 138) من كتابنا هذا. ص 445.
(3)
في المسند (4/ 163) بسند ضعيف.
لضعف الضحاك بن حمزة. انظر: "التقريب"(2982).
(4)
في المسند (4/ 163) بسند صحيح.
(5)
في السنن (8/ 140).
(6)
في السنن (4/ 417 رقم 4208).
وهو حديث صحيح باللفظين الأول والثاني.
(7)
انظر: "النهاية"(2/ 215). والقاموس المحيط ص 931.
(8)
أخرجه الترمذي في "الشمائل" رقم (45) وهو حديث صحيح.
(9)
في الشمائل رقم (45).
أكانَ في رأسِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شيبٌ؟ قالَ: لم يكُنْ في رأسه شيبٌ إلا شَعْرَاتٌ في مَفْرِق رأسهِ، إذَا ادَّهَنِ وَارَاهُنَّ الدُّهْنُ"
(1)
. قالَ أنس: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ولحيته.
قوله: (لِمَّة) بكسر اللام وتشديد الميم هي الشعر المجاوز شحمة الأذن، كذا في القاموس
(2)
. وفي رواية لأبي داود
(3)
من هذا الحديث: "وكان - يعني النبي صلى الله عليه وسلم قد لطخ لحيته بالحناء".
قوله: (رَدْعٌ)
(4)
هو بالراء المهملة المفتوحة والدال المهملة الساكنة.
[الباب التاسع] باب جواز اتخاذ الشعر وإكرامه واستحباب تقصيره
29/ 146 - (عَنْ عائِشةَ رضي الله عنها قالتْ: كانَ شعْرُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَوْقَ الوَفْرَةِ ودُونَ الجُمَّةِ. رَوَاهُ الخمسةُ إلا النسائي، وصحَّحَهُ التِّرْمذِيُّ)
(5)
. [صحيح]
ولفظ ابن ماجه
(6)
: "فوق الجمة"، قال الترمذي
(7)
: "هو حديثٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه. وقد رُوِيَ من غيرِ وجهٍ عن عائشةَ أنها قالتْ: "كُنتُ أغتِسلُ
(1)
أخرجه الترمذي في "الشمائل" رقم (44) وهو حديث صحيح.
(2)
القاموس المحيط (ص 1496).
(3)
في السنن (4/ 417 رقم 4208) وقد تقدم بإسناد صحيح.
(4)
انظر: (النهاية" (2/ 215). والقاموس المحيط ص 931.
(5)
أخرجه أحمد (6/ 108).
وأبو داود (4/ 407 رقم 4187).
والترمذي (4/ 233 رقم 1755) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وابن ماجه (2/ 1200 رقم 3635). وفي سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد: صدوق تغير حفظه.
ولكن الحديث له طرق فهو صحيح، والله أعلم.
(6)
في السنن رقم (3635) وقد تقدم.
(7)
في السنن (4/ 233 - 234).
أنا ورسولَ الله صلى الله عليه وسلم في إناءٍ واحدٍ"
(1)
، ولم يذكُروا فيهِ هذا الحرفَ:"وكانَ لَهُ شَعْرٌ فوقَ الجمةِ"، وإنما ذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ثقة حافظ"، انتهى.
وعبد الرحمن مدني سكن بغداد وحدَّث بها إلى حين وفاته، وثقه الإِمام مالك بن أنس، واستشهد به البخاري، وتكلم فيه غير واحد
(2)
.
قوله: (فوق الوفرة) بفتح الواو، قال في القاموس
(3)
: "الوَفْرَةُ: الشَّعْرُ المجتمعُ على الرأسِ، أو ما سالَ على الأذنينِ منه أو ما جاوَزَ شحمةِ الأذُنِ، ثم الجُمَّةُ ثم اللِّمَّةُ، والجمع وِفارٌ"، وقال
(4)
في الجُمّة: "إنها مُجْتَمَعُ شعرِ الرأسِ، وهي بضم الجيم وتشديد الميم".
قال ابن رسلان في شرح السنن: إنها قريب المنكبين. قال المصنف
(5)
رحمه الله: الوفرة: الشعر إلى شَحْمة الأذن، فإذا جاوزها فهو اللِّمَّةَ، فإذا بلغ المنكبين فهو الجُمَّة، انتهى.
والحديث يدل على استحباب ترك الشعر على الرأس إلى أن يبلغ ذلك المقدار.
30/ 147 - (وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَضْرِبُ شَعْرُهُ مَنْكِبَيْهِ. وفي لفَظٍ: كانَ شَعْرُهُ رَجِلًا ليْسَ بِالجَعْدِ ولا السَّبْطِ؛ بيْنَ أُذُنَيْهِ وعاتِقِهِ. أخرَجاهُ.
(6)
[وَلأَحمد
(7)
ومُسْلِمٍ
(8)
: كانَ شَعْرُه إلى أنْصافِ أُذُنَيْهِ)]
(9)
. [صحيح]
قوله: (كان شعره رَجِلًا) براء مهملة مفتوحة وجيم مكسورة: هو الشعر بين
(1)
أخرجه البخاري رقم (250) ومسلم رقم (319) وأبو داود رقم (77) وابن ماجه رقم (604) وأحمد (6/ 118).
(2)
انظر ذلك في: "تهذيب التهذيب"(2/ 504 - 505).
(3)
القاموس المحيط ص 634 - 635.
(4)
أي الفيروزآبادي في القاموس المحيط: ص 1408.
(5)
أي ابن تيمية الجد في "المنتقى"(1/ 74).
(6)
أخرجه البخاري رقم (5903) و (5904)، ومسلم رقم (95/ 2338) باللفظ الأول.
وأخرجه البخاري رقم (5905) و (5906)، ومسلم رقم (94/ 2338) باللفظ الثاني.
(7)
في المسند (3/ 113).
(8)
في صحيحه رقم (96/ 2338). وهو حديث صحيح.
(9)
زيادة من (أ) و (ب).
السبوطة والجعودة. والسَّبْط بسين مهملة مفتوحة وباء موحدة ساكنة وتحرك وتكسر، قال في القاموس
(1)
: وهو نقيض الجعودة. وفي المشارق
(2)
وهو المسترسل كشعر العجم. والجعد قال في القاموس
(3)
: خلاف السبط، وفي المشارق
(4)
هو المتكسر، فإذا كان شديد التكسر فهو القطط مثل شعر السودان.
والحديث يدل على استحباب ترك الشعر وإرساله بين المنكبين أو بين الأذنين والعاتق.
وقد أخرج مسلم
(5)
وأبو داود
(6)
والترمذي
(7)
والنسائي
(8)
وابن ماجه
(9)
من حديث البراء قال: "ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو داود
(10)
: (زاد محمد بن سليمان: "له شعر يضرب مَنكِبيهِ". قالَ: وكذا رواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء "يضرب منكبيه"، وقال شعبة: "تبلغ شحمة أذنيه"). [قال أبو داود
(11)
: وهِمَ شعبة فيه]
(12)
.
وأخرج مسلم
(13)
وأبو داود
(14)
والنسائي
(15)
من حديث أنس قال: "كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنصاف أذنيه".
(1)
القاموس المحيط ص 863.
(2)
أي في "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" للقاضي عياض (2/ 204).
(3)
القاموس المحيط ص 348.
(4)
أي في "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" للقاضي عياض (1/ 158).
(5)
في صحيحه (رقم 92/ 2337).
(6)
في السنن (رقم 4183).
(7)
في السنن (رقم 1724) وقال: حديث حسن صحيح.
(8)
في السنن (8/ 183).
(9)
في السنن (رقم 3599).
وهو حديث صحيح.
(10)
في السنن (4/ 406).
(11)
لم أجد هذه الجملة في سنن أبي داود (4/ 405 - 406) باب رقم (9): ما جاء في الشعر من كتاب التَّرجُّل.
(12)
زيادة من (أ) و (ب).
(13)
في صحيح رقم (96/ 2338).
(14)
في السنن رقم (4186).
(15)
في السنن (8/ 183). وهو حديث صحيح.
وأخرج البخاري
(1)
ومسلم
(2)
وأبو داود
(3)
والنسائي
(4)
من حديث البراء قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له شعر يبلغ شحمة أذنيه". قال القاضي
(5)
: "الجمع بين هذه الروايات: أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه وهو الذي بين أذنه وعاتقه، وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه. وقيل: كان ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب وإذا قصرها كانت إلى أنصاف أذنيه. وكان يقصر ويطول بحسب ذلك".
31/ 148 - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ كانَ لهُ شَعرٌ فلْيُكْرِمْهُ" رَواهُ أبُو دَاوُدَ)
(6)
. [حسن لغيره]
الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وقد صرَّح أبو داود أيضًا أنه لا يسكت إلَّا عن ما هو صالح للاحتجاج به
(7)
. ورجال إسناده أئمة ثقات.
قال في "الفتح"
(8)
: وإسناده حسن، وله شاهد من حديث عائشة [رضي الله عنها]
(9)
في الغيلانيات
(10)
وإسناده حسن أيضًا. اهـ.
(1)
في صحيحه رقم (3551).
(2)
في صحيحه رقم (91/ 2337).
(3)
في السنن رقم (4072) و (4184).
(4)
في السنن (8/ 183).
(5)
ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (15/ 91).
(6)
في السنن (4/ 394 - 395 رقم 4163).
قلت: وأخرجه الطحاوي في "المشكل"(8/ 434 - 435 رقم 3365) والبيهقي في شعب الإيمان رقم (6455) وابن عبد البر في "التمهيد"(24/ 10). بسند حسن.
(7)
في "رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه" ص 28.
(8)
أي "فتح الباري"(10/ 368).
(9)
زيادة من (جـ).
(10)
وهو "كتاب الفوائد". الشهير بـ "الغيلانيات" تأليف الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي: (1/ 590 رقم 766).
قلت: وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (6456) والطحاوي في "شرح مشكل الآثار"(8/ 432 رقم 3360).
وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (809) ورمز لصحته. وتعقبه المُناوي في "فيض القدير"(1/ 425): فقال: "رمز لصحته ولا يوافق عليه، ففيه سهيل بن أبي صالح قال في "الكاشف" - (1/ 327 رقم 2204) - عن ابن معين ليس بحجة، وعن أبي حاتم لا يُحتج =
وفيه دلالة على استحباب إكرام الشعر بالدهن والتسريح، وإعفائه عن الحلق، لأنه يخالف الإِكرام إلا أن يطول، كما ثبت عند أبي داود
(1)
والنسائي
(2)
وابن ماجه
(3)
من حديث وائل بن حجر قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ولي شعر طويل فلما رآني قال: "ذباب
(4)
ذبابٌ، قالَ: فرجعت فجززته ثم أتيته من الغد فقال: "إني لم أعنِكَ وهذا أحْسَنُ"، وفي إسناده عاصم بن كُلَيب الجَرْمي
(5)
، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وقال الإمام أحمد: لا بأس بحديثه. وقال أبو حاتم الرازي: صالح، وقال علي بن المديني: لا يحتج به إذا انفرد.
وأخرج مالك
(6)
عن عطاء بن يسار قال: "أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته ففعل، ثم رجع فقال صلى الله عليه وسلم: ""أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان". والثائر: الشَعِث بعيد العهد بالدهن والترجيل
(7)
.
32/ 149 - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ المُغفَّلِ قالَ: نَهى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَنْ
= به ووثقه ناس. وفيه ابن إسحاق وعمارة بن غزية وفيهما خلف" اهـ.
قلت: سهيل بن أبي صالح: صدوق تغير حفظه بأخره. "التقريب" رقم (2675).
وابن إسحاق: صدوق يدلس "التقريب" رقم (5725).
وعمارة بن غزية: لا بأس به، وروايته عن أنس مرسلة. "التقريب" رقم (4858).
وعلة الحديث تدليس ابن إسحاق.
وقال ابن حجر في "فتح الباري"(10/ 368): إسناده حسن.
ولحديث عائشة شاهد من حديث أبي هريرة المتقدم.
وخلاصة القول أن الحديث حسن لغيره، والله أعلم.
(1)
في السنن (4/ 408 رقم 4190).
(2)
في سننه (8/ 131).
(3)
في سننه (2/ 1200 رقم 3636). وهو حديث صحيح.
(4)
في حاشية المخطوطة ما نصه: "الذباب: الشؤم كما في القاموس والمعالم".
وقيل: غير ذلك. وقيل: الشرُّ الدائم". تمت مختصر النهاية (2/ 152).
(5)
انظر: "تهذيب التهذيب"(2/ 259).
(6)
في "الموطأ"(2/ 949) مرسلًا.
قلت: وجاء موصولًا عند النسائي (8/ 183 - 184) عن جابر بمعناه بسند صحيح.
(7)
قاله ابن الأثير في "جامع الأصول"(4/ 751).
التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا. رَواهُ الخمْسَةُ إلا ابْنَ ماجهْ، وصحَّحه التِّرْمذِي)
(1)
. [حسن]
الحديث صححه أيضًا ابن حبان
(2)
، قال المنذري
(3)
: "ولكن أخرجه النسائي مرسلًا. وأخرجه
(4)
عن الحسن البصري وعن محمد بن سيرين من قولهما. وقال أبو الوليد الباجِي
(5)
: هذا وإن كان رواته ثقات إلا أنه لا يثبت، وأحاديث الحسن عن عبد الله بن مغفل فيها نظر. وفيما قاله نظر؛ فقد قال الإِمام أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي: إن الحسن سمع من عبد الله بن مغفل، غير أن الحديث في إسناده اضطراب".
قوله: (عن التّرَجُّل)
(6)
التَّرَجُّل والتَّرجيل: تَسريحُ الشَّعَر، وقيل: الأول المشْط؛ والثاني: التَسريحُ. وقوله: (إلا غِبًا) أي في كل أسبوع مرة، كذا روي عن الحسن. وفسَّره الإِمام أحمد بأن يسرحه يومًا ويدعه يومًا
(7)
، وتبعه غيره. وقيل: المراد به في وقت دون وقت. وأَصل الغب في إيراد الإبل، أن ترد الماء يومًا وتدعه يومًا
(8)
.
وفي القاموس
(9)
: الغِبُّ في الزيارَةِ أن تكونَ كُلَّ أُسبوعٍ، ومِنَ الحُمَّى ما تأخُذُ يَومًا وتَدَع يومًا.
والحديث يدل على كراهة الاشتغال بالترجل في كل يوم لأنه نوع من الترفه، وقد ثبت من حديث فضالة بن عبيد عند أبي داود
(10)
(1)
أخرجه أحمد (4/ 86) وأبو داود رقم (4159) والنسائي (8/ 132) والترمذي رقم (1756) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(2)
في صحيحه رقم (5484). وهو حديث حسن، والله أعلم.
(3)
في "مختصر سنن أبي داود"(6/ 83).
(4)
في "النهاية"(2/ 203).
(5)
أي النسائي (8/ 132) موقوفًا عليهما.
(6)
في "المنتقى على الموطأ"(7/ 269).
(7)
بل نقل ابن قدامة في "المغني"(1/ 129) قول أحمد عقب الحديث: "معناه يَدَّهِنُ يومًا ويومًا لا".
(8)
"النهاية"(3/ 336)
(9)
القاموس المحيط ص 152.
(10)
في سننه (4/ 392 رقم 4165). =
[قال]
(1)
: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثير من الإِرفاه
(2)
وفي ترك الترجيل الأيام نوع من البذاذة"
(3)
، وقد ثبت عند أبي داود
(4)
وابن ماجه
(5)
من حديث أبي أمامة قال: ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا عنده الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الإِيمان، إن البذاذة من الإِيمان". قال أبو داود في سننه
(6)
: إن البذاذة التقحل. وفي النهاية
(7)
: "قَحِل: إذا التزَق جلْدُه بعَظْمِه من الهُزال والبِلى" انتهى. والإرْفَاهِ الاستكثار من الزينة، وأن لا يزال يهيء نفسه، وأصله من الرِّفْه، [وهو]
(8)
: أَن ترد الإِبل الماء كل يوم فإذا وردت يومًا ولم ترد يومًا فذلك الغب، قاله الخطابي في المعالم
(9)
. وحديث أبي أمامة، في إسناده محمد بن إسحاق، ولم يصرح بالتحديث، بل عنعن، وفيه مقال مشهور
(10)
. وقال أبو عمر النمري
(11)
: إنه اختلف في إسناد هذا الحديث اختلافًا سقط معه الاحتجاج ولا يصح من جهة الإِسناد.
33/ 150 - (وَعَنْ أبي قَتادةَ أنَّهُ كانَتْ له جُمَّةٌ ضَخْمَة فسأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَهُ
= وهو حديث صحيح.
(1)
زيادة من (أ).
(2)
الإرْفَاه: هو كثرةُ التَّدَهُّن والتَّنَعُّم. وقيل: التَّوسُّع في المشرَب والمطْعَم، وهو من الرِّفه: وِرْد الإبل، وذاك أن تَرِد الماءَ متى شاءَت، أرادَ ترك التَّنَعُّم والدِّعة ولينِ العيش؛ لأنه من زِيّ العَجم وأرباب الدّنيا.
[النهاية: (2/ 247)].
(3)
البذاذَة: رَثَاثة الهيئة. يقال: بَذُّ الهيئة وبَاذُّ الهيئة: أي رَثُّ اللِّبْسة، أراد التواضع في اللباس وترك التَّبَجُّح به.
[النهاية: (1/ 110)].
(4)
في سننه (4/ 393 رقم 4161).
(5)
في سننه (2/ 1379 رقم 4118).
وحكم الحافظ في "الفتح"(10/ 368) على هذا الحديث بأنه صحيح. وصححه الألباني أيضًا.
(6)
(4/ 394).
(7)
لابن الأثير (4/ 18).
(8)
في (ب) و (جـ): (وهي).
(9)
(4/ 393 - هامش السنن).
(10)
انظر: "تهذيب التهذيب"(3/ 504 - 507).
وقال الحافظ في "التقريب"(5725): "صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر".
(11)
في "التمهيد"(24/ 12).
أنْ يحْسِنَ إليها وأن يَتَرَجَّلَ كُلَّ يَوْمٍ، رَواهُ النَّسائيُّ)
(1)
. [ضعيف منكر]
الحديث رجال إسناده كلهم رجال الصحيح
(2)
، وأخرجه أيضًا مالك في الموطأ
(3)
ولفظ الحديث عن أبي قتادة قال: "قلتُ: يا رسول الله إِنَّ لي جُمَّةً
(4)
أفأرجِّلُها؟ قالَ: نَعَمْ وأكْرِمها"، فكانَ أبو قَتادةَ رُبَّما دَهَنَها في اليومِ مرتينِ من أجل قولِ صلى الله عليه وسلم: "نعم وأكْرِمها". وعلى هذا فلا يعارض الحديث المتقدم في النهي عن الترجل إلا غبًا؛ لأن الواقع من النبي صلى الله عليه وسلم هو مجرد الإِذن بالترجيل والإِكرام، وفعل أبي قتادة ليس بحجة، والواجب حمل مطلق الأمر بالترجيل والإِكرام على المقيد، لكن الإِذن بالترجيل كل يوم كما في حديث أبي قتادة الذي ذكره المصنف يخالف
(1)
في سننه (8/ 184 رقم 5237) وهو حديث ضعيف منكر.
قال الألباني في "الصحيحة"(5/ 319): " .. وعلته الانقطاع بين محمد بن المنكدر وأبي قتادة، فإنه لم يسمع منه كما حققه الحافظ في "التهذيب".
ويمكن استخراج علة ثانية، وهي الإرسال.
وعلة ثالثة، وهي التدليس، فإن ابن مقدم هذا كان يدلس تدليسًا عجيبًا، يعرف عند العلماء بتدليس السكوت، فانظر ترجمته في "التهذيب"
…
" اهـ.
(2)
قلت: هذا ليس من التصحيح بل ولا من التحسين في شيء. لأن ذلك لا يعني عند قائله أكثر من أن شرطًا من شروط صحة الحديث قد توفر في إسناده لدى القائل، وهو العدالة والضبط.
وأما الشروط الأخرى من الاتصال، والسلامة من الانقطاع، والتدليس، والإرسال، والشذوذ، وغيرها من العلل التي تشترط السلامة منها في صحة السند: مسكوت عنه لديه، لم يقصد توفرّها فيه وإلا لصرح بها.
قال ابن قيم الجوزية في كتابه "الفروسية" ص 64 تعقيبًا على الاحتجاج بحديث قال فيه الحاكم: "صحيح الإسناد": "
…
وقد عُلِمَ أنَّ صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث، وليست موجبة لصحة الحديث، فإنَّ الحديث إنما يصح بمجموع أمور منها: صحةُ سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، وأن لا يكون راويه قد خالف الثقات أو شذّ عنهم" اهـ.
[انظر: "مدخل إرشاد الأمة" ص 88 - 89].
(3)
(2/ 949 رقم 6).
قال ابن عبد البر في "التمهيد"(24/ 9): "لا أعلم بين رواة الموطأ اختلافًا في إسناد هذا الحديث، وهو عند جميعهم هكذا مرسل منقطع
…
" اهـ.
(4)
الجُمَّة من شعر الرأس: ما سَقَط على المنكبين. [النهاية: (1/ 300)].
ما في حديث عبد الله بن المغفل من النهي عن [الترجيل]
(1)
إلا غبًا فإن لم يمكن الجمع وجب الترجيح
(2)
.
وقد تقدم ذكر حديث إكرام الشعر، وتقدم أيضًا تفسير الجمة والترجيل.
[الباب العاشر] باب ما جاء في كراهية القزع والرخصة في حلق الرأس
34/ 151 - (عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَهى رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ القَزَعِ، فقيل لِنافِعٍ: ما القَزَعُ؟ قالَ: أن يُحْلَقَ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبيِّ ويُتْرَكَ بَعْضٌ. مُتَّفَقٌ عَليْهِ)
(3)
. [صحيح]
وأخرجه أيضًا أبو داود
(4)
والنسائي
(5)
وابن ماجه
(6)
. وذكر أبو داود في سننه
(7)
بعد ذكره تفسير القزع بمثل ما في المتن تفسيرًا آخرَ فقال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع وهو أن يحلق [رأس]
(8)
الصبي ويترك له ذؤابة" وهذا لا يتم؛ لأنه قد أخرج أبو داود
(9)
نفسه من حديث أنس بن مالك قال: "كانت لي ذُؤَابةٌ فقالت لي أمي: لا أجزها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدها ويأخذ بها". وفسَّر القزع في القاموس
(10)
بحلق رأس الصبي وترك مواضع منه متفرقة غير محلوقة تشبيهًا بقزع السحاب، بعد أن ذكر أن القزع قطع من السحاب، الواحدة بهاء.
(1)
في (ب): (الترجل).
(2)
قلت: الراجح حديث عبد الله بن المغفل الحسن، على حديث أبي قتادة الضعيف المنكر. والله أعلم.
(3)
أحمد (2/ 4، 39، 55) والبخاري (10/ 363 - 364 رقم 5920 و 5921).
ومسلم (3/ 1675 رقم 2120).
(4)
في سننه (4/ 410 رقم 4193).
(5)
في سننه (8/ 130).
(6)
في سننه (2/ 1201 رقم 3637)، وهو حديث صحيح.
(7)
(4/ 410 - 411 رقم 4194)، وهو حديث صحيح.
(8)
زيادة من (ب).
(9)
في سننه (4/ 411 - 412 رقم 4196) بسند ضعيف.
(10)
القاموس المحيط ص 970.
وقال في شرح مسلم
(1)
بعد أن ذكر تفسير ابن عمر: "وهذا الذي فسره به نافع وعبيد الله هو الأصح، قال: والقزع: حلق بعض الرأس مطلقًا، ومنهم من قال: هو حلق مواضع متفرقة منه، والصحيح الأول لأنه تفسير الراوي، وهو غير مخالف للظاهر فوجب العمل به". وفي البخاري
(2)
في تفسير القزع قال: "فأشارَ لنا عُبيد الله إلى ناصيته [وجانبي]
(3)
رأسه، وقال: إذا حلقَ رأس الصبي ترك هاهنا شعر وهاهنا شعر. قال عبيد الله: أما القصَّةُ والقفا للغلام فلا بأس بهما، وكل خصلة من الشعر قصة سواء كانت متصلة بالرأس أو منفصلة، والمراد بها هنا شعر الناصية يعني أن حلق القصة وشعر القفا خاصة لا بأس به".
وقال النووي
(4)
: المذهب كراهيته مطلقًا كما سيأتي.
وأخرج أبو داود
(5)
من حديث أنس قال: "كان لي ذؤابة فقالت [لي]
(6)
أمي: لا [أجزها]
(7)
، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمدها ويأخذ بها".
وأخرج النسائي
(8)
بسند صحيح عن زِياد بن حصين عن أبيه "أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فوضعَ يدَهُ على ذُؤابتهِ وسَمَّت عليهِ ودَعَا لَهُ". ومن حديث ابن مسعود وأصله في الصحيحين
(9)
قال: "قرأت من فيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة. وإن زيد بن ثابت لمع الغلمان له ذؤابتان". ويمكن الجمع بأن الذؤابة الجائز اتخاذها ما انفرد من الشعر فيرسل، ويجمع ما عداها بالضفر وغيره، والتي تمنع أن يحلق
(1)
أي الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم (14/ 101).
(2)
في صحيحه رقم (5920).
(3)
في (ب) و (جـ): (وحافتي).
(4)
في شرحه لصحيح مسلم (14/ 101).
(5)
في سننه رقم (4196) بسند ضعيف وقد تقدم آنفًا.
(6)
زيادة من (ب).
(7)
في (جـ): (آخذها).
(8)
في سننه (8/ 134 - 135 رقم 5065) بسنده صحيح.
(9)
البخاري (9/ 46 - 47 رقم 5000) ومسلم (4/ 1912 رقم 2462) بلفظ: "قرأت من فيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة".
قلت: وأخرجه النسائي (8/ 134 رقم 5063) بسند ضعيف لأن أبا إسحاق مدلس وقد عنعنه و (8/ 134 رقم 5064) بسند صحيح.
وأحمد في المسند (6/ 5 رقم 3906) بسند صحيح.
بلفظ الكتاب المذكور.
الرأس كله ويترك ما في وسطه فيتخذ ذؤابة، وقد صرح الخطابي
(1)
بأن هذا مما يدخل في معنى القزع. انتهى من الفتح
(2)
.
والحديث يدل على المنع من القزع قال النووي
(3)
: وأجمع العلماء على كراهة القزع كراهة تنزيه، وكرهه مالك في الجارية والغلام مطلقًا، وقال بعض أصحابه: لا بأس به للغلام، ومذهبنا كراهته مطلقًا للرجل والمرأة لعموم الحديث، قال العلماء: والحكمة في كراهته أنه يشوه الخلق؛ وقيل: لأنه زيّ أهل الشر. وقيل: لأنه زيّ اليهود، وقد جاء هذ مصرحًا به في رواية لأبي داود" انتهى، ولفظه في سنن أبي داود
(4)
أن الحجاج بن حسان قال: "دخلنا على أنس بن مالك فحدثتني أختي المغيرة قالت: وأنت يومئذ غلام ولك قَرنانِ أو قُصَّتانِ فمسح رأسك وبَرَّكَ عليك وقال: "احلِقوا هذين، أو قُصُّوهُما فإن هذا زِيُّ اليهودِ".
35/ 152 - (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رَأى صبيًا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ رَأسِهِ وتُرِكَ بعْضهُ فنَهاهُمْ عَنْ ذِلكَ، وقالَ:"احْلِقُوا كُلَّهُ أو ذَرُوا كلَّهُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ
(5)
وَأبُو دَاوُدَ
(6)
والنسائي
(7)
بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ). [صحيح]
قال المنذري
(8)
: "وأخرجه مسلم بالإِسناد الذي أخرجه أبو داود ولم يذكر لفظه وذكر أبو مسعود الدمشقي في تعليقه أن مسلمًا أخرجه بهذا اللفظ".
والحديث يدل على المنع من حلق بعض الرأس وترك بعضه، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله وهو مؤيد لتفسير القزع بما فسره به ابن عمر في الحديث السابق، وفيه دليل على جواز حلق الرأس جميعه.
(1)
في "معالم السنن"(4/ 411 - هامش السنن).
(2)
(10/ 365 - 366).
(3)
في شرحه لصحيح مسلم (14/ 101).
(4)
في سننه (2/ 414 رقم 4197) بسند ضعيف.
(5)
في المسند (2/ 88).
(6)
في سننه (4/ 411 رقم 4195).
(7)
في سننه (8/ 130 رقم 5048)، وهو حديث صحيح.
(8)
في "مختصر سنن أبي داود"(6/ 100).
قال الغزالي: لا بأس به لمن أراد التنظيف وفيه رد على من كرهه لما رواه الدارقطني في "الإِفراد"
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا توضع النواصي إلا في حج أو عمرة"، ولقول عمر لصَبِيغ
(2)
: لو وجدتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف
(3)
. ولحديث الخوارج
(4)
إن سيماهم التحليق
(5)
، قال أحمد
(6)
: إنما كرهوا الحلق بالموسى، أما بالمقراض
(7)
فليس به بأس لأن أدلة الكراهة تختص بالحلق
(8)
.
(1)
عزاه إليه ابن قدامة في "المغني"(1/ 122).
اسم الكتاب: (الأفراد والغرائب من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم". وهو في مئة جزء. قال السخاوي في "فتح المغيث" (1/ 207): "وكتاب الدارقطني حافل في مئة جزء حديثية، سمعتُ منه عدَّة أجزاء".
وقد رتَّب الأفراد على الأطراف: أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (ت: 507 هـ) وسمّاه: "أطراف الغرائب والأفراد".
(انظر: "معجم المصنفات" ص 69 رقم 107).
(2)
هو صَبِيغ بن عِسْل. له إدراك وقصته مع عمر مشهورة.
[انظر: "الإصابة" (3/ 370 - 372 ت 4143 ز].
(3)
قصة صبيغ مع عمر ذكرها الحافظ في "الإصابة"(3/ 370 - 372).
(4)
الخوارج: سموا بهذا الاسم، لخروجهم على الإمام علي رضي الله عنه، ونزلوا بأرض يقال لها حروراء فسموا بالحرورية، وهم الذين يكفرون أصحاب الكبائر، ويقولون بأنهم مخلدون في النار. كما يقولون بالخروج على أئمة الجور وأن الإمامة جائزة في غير قريش وهم يكفرون عثمان وعليًّا وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم، ويعظمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. [الملل والنحل. للشهرستاني (1/ 114 - 115)، ومقالات الإسلاميين ص 86].
(5)
وصف الخوارج بالتحليق أو التسبيد، وثبت في الحديث الذي أخرجه البخاري (13/ 535 - 536 رقم 7562) عن أبي سعيد ولفظه:"قيل: ما سيماهم؟ قال التحليق. أو قال: التسبيد".
وقد فسر ابن حجر في "الفتح"(13/ 537): التسبيد بأنه التحليق، وقيل: أبلغ منه، وهو بمعنى الاستئصال. وقيل: هو ترك دهن الشعر وغسله.
وأخرجه مسلم رقم (1064).
(6)
أخرجه الخلال في "كتاب الترجل من كتاب الجامع لعلوم الإمام أحمد بن حنبل"(ص 91 رقم 40).
(7)
نقل ابن عبد البر في "التمهيد"(6/ 78) عن بعض العلماء أن حلق الرأس بالموسى لم يكن معروفًا في غير الحج والعمرة، وإنما كان المعروف عندهم قص الرأس بالجلمين.
- والجلمين: مثنى جلم، وهو الأداة التي يجز بها الشعر والصوت وتشبه المقص.
والجلمان: شفرتاه، كما يقال: المقراض والمقراضان. انظر: "لسان العرب"(2/ 339) مادة جلم.
(8)
قلت: أما حكم حلق شعر الرأس فإنه يختلف باختلاف الداعي إليه. =
36/ 153 - (وعَنْ عبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أمْهَلَ آلَ جعْفَر ثلاثًا أنْ يَأتِيَهُمْ، ثم أتاهُمْ، فقالَ:"لا تَبْكوا على أخِي بَعْدَ اليَوْمِ ادْعُوا لِي بنِي أخِي"، قالَ: فَجِيءَ بِنا كأنَّنا أَفْرُخٌ فقالَ: "ادْعُوا لِي الحَلَّاقَ" قالَ: فَجِيءَ بالحلَّاقِ فَحَلقَ رُؤوسنَا. رَوَاهُ أحْمَدُ
(1)
وأبْو دَاوُدَ
(2)
والنَّسائي)
(3)
. [صحيح]
= أ - فإن حلقه للحج أو العمرة فهذا نسك قد أمر الله به في كتابه، وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم وفعله هو والمسلمون.
ب - وإن حلقه لحاجة كمرض أو نحوه فهذا قد أذن الله فيه وقت الإحرام، قال تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].
ورخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة حين جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم والقمل يتناثر من رأسه، فقال له صلى الله عليه وسلم:"يؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم، قال: احلق رأسك وانسك شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم فرقًا بين ستة مساكين". أخرجه البخاري رقم (4159) ومسلم رقم (1201).
فإذا جاز ذلك للمحرم الذي يمنع من حلق شعره جاز لغيره بطريق الأولى.
ج - وإن حلقه تعبدًا وزهدًا في غير الحج أو العمرة مثل ما يفعله بعض مشايخ الطرق من حلق رأس التائب، ومثل أن يجعل حلق الرأس علامة للناسك ونحو ذلك، فهذا من البدع التي ليس لها أصل في الدين ومن اعتقدها قربة فقد ضل.
د - أن يحلقه لغير حاجة ولا نسك:
روي عن الإمام أحمد أنه يكره، وروي عنه أنه لا يكره لكن تركه أفضل، وهذا هو الصحيح من المذهب. انظر:"الإنصاف"(1/ 123). والمغني (1/ 122).
ويرى الحنفية أن الحلق سنة. انظر: الفتاوى الهندية (5/ 357).
ويرى الشافعية أن الحلق جائز، فقد ذكر النووي في "المجموع" (1/ 347):"أن الغزالي قال: لا بأس به لمن أراد التنظيف، ولا بأس بتركه لمن أراد دهنه وترجيله".
ويرى المالكية في حلق الرأس لغير ضرورة شرعية قولان: الجواز، والكراهة.
انظر: "كفاية الطالب الرباني"(2/ 366 - 367).
قلت: الراجح جواز حلق الرأس وتركه. لحديث ابن عمر الصحيح رقم (35/ 152) من كتابنا هذا. ولحديث عبد الله بن جعفر الصحيح الآتي برقم (36/ 153) من كتابنا هذا.
(1)
في المسند (1/ 204).
(2)
في سننه (9/ 404 رقم 4192).
(3)
في سننه (8/ 182 رقم 5227).
قال الإمام النووي في "المجموع"(1/ 347): حديث صحيح. رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. =
الحديث إسناده حسن، [وقد سكت عنه أبو داود والمنذري لذلك، وجميع رجال إسناده عند أبي داود ثقات، وأما عند النسائي فشيخه فيه مقال والبقية ثقات]
(1)
.
قوله: (كأننا أفرخ) جمع فرخ وهو صغير ولد الطير. ووجه التشبيه أن شعرهم يشبه زغب الطير وهو أول ما يطلع من ريشه.
والحديث يدل على أن الكبير من أقارب الأطفال يتولى أمرهم وينظر في مصالحهم، وهو يدل على الترخيص في حلق جميع الرأس، ولكن في حق الرجال، وأما النساء فقد أخرج النسائي
(2)
من حديث علي رضي الله عنه قال: "نهى
= وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(6/ 156 - 157): وقال: "روى أبو داود وغيره بعضه - رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح" اهـ.
وقال المحدث الألباني في "الجنائز" ص 32: "رواه أبو داود والنسائي وإسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أحمد بأتم منه".
وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.
(1)
في (جـ): [وجميع رجال إسناده عند أبي داود ثقات، وأما عند النسائي فشيخه فيه مقال، والبقية ثقات، وقد سكت عنه أبو داود والمنذري لذلك].
(2)
في سننه (8/ 130 رقم 5049).
قلت: وأخرجه الترمذي (3/ 257 رقم 914). وتمام في "فوائده" رقم (1411).
قال الترمذي: "حديث عليٍّ فيه اضطراب، ورُويَ هذا الحديث عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عائشة" اهـ.
وقال عبد الحق في "أحكامه الصغرى"(2/ 815): "هذا يرويه: همام بن يحيى، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي، وخالفه هشام الدستوائي وحماد بن سلمة، فروياه عن قتادة مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم " اهـ.
ورواية قتادة عن عائشة مرسلة كما قال أبو حاتم.
وقال الحافظ في "الدراية"(2/ 32 رقم 483) عقب حديث علي: "ورواته موثقون، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله" اهـ.
وأخرجه البزار (2/ 32 رقم 1137 - كشف) وابن عدي في "الكامل"(6/ 2371) من حديث عائشة.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 263) وقال: "وفيه معلى بن عبد الرحمن وقد اعترف بالوضع، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به" اهـ.
قال الألباني متعقبًا على ابن عدي في "الضعيفة"(2/ 124): "هذا رجاء ضائع بعد اعترافه بالوضع
…
" اهـ.
وأخرجه البزار (2/ 32 رقم 1136 - كشف) من حديث عثمان. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قال الحافظ في "الدراية"(2/ 32): "إسناده ضعيف".
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 263): وقال: "وفيه روح بن عطاء وهو ضعيف".
ووهب بن عمير، أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"(9/ 24).
ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقد تفرد عنه عطاء كما قال البزّار، فهو مجهول.
وعبد الله بن يوسف الثقفي لم يعرفه الألباني كما في "الضعيفة"(2/ 125).
وخلاصة القول أن حديث علي ضعيف لا يتقوى بهذه الشواهد الشديدة الضعف.
حلق رأس المرأة يختلف باختلاف الداعي إلى الحلق:
1 -
إن حلقته في مصيبة جزعًا فهو حرام.
للحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه (1/ 100 رقم 167/ 104): من حديث أبي موسى
…
"فإن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم برِئَ من الصالِقَةِ والحالقةِ والشَّاقَّةِ".
الصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة.
الحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة.
الشَّاقة: هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.
2 -
وإن حلقته تشبهًا بالرجال فهو حرام.
للحديث الذي أخرجه البخاري رقم (5885) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:"لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال".
3 -
وإن حلقته تشبهًا بالكافرات فهو حرام:
للحديث الذي أخرجه أحمد (2/ 50، 92) وعبد بن حميد في المنتخب رقم (848) وابن أبي شيبة في "المصنف"(5/ 313) وأبو سعيد الأعرابي في "معجمة" رقم (1137) عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " .... ومن تشبه بقوم فهو منهم".
وهو حديث صحيح. صححه الألباني في الإرواء رقم (1269).
4 -
وإن حلقته لضرورة كما لو مرضت، فأمرها الأطباء بحلق رأسها للعلاج فإن ذلك جائز.
قال ابن حزم في "المحلى"(10/ 74 - 75) المسألة (1911): "ولا يحل للمرأة أن تحلق رأسها إلا من ضرورة لا محيد منها
…
لحديث علي بن أبي طالب: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها".
فإن اضطرت إلى ذلك فقد قال الله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] " اهـ.
5 -
وإن حلقته لغير ما تقدم فهو مكروه عند الحنفية والشافعية، وهو الصحيح من المذهب الحنبلي. انظر:"المغني"(1/ 124) والإنصاف (1/ 123).
وقيل يحرم وهو مذهب المالكية، وقول في المذهب الحنبلي.
انظر: "الفروع"(1/ 132) والمغني (1/ 122) والإنصاف (1/ 123). =
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها". ويدل على الترخيص للرجال أيضًا الحديث الذي قبل هذا لأنه أمر بحلقه كله أو تركه كله
(1)
.
[الباب الحادي عشر] باب الاكتحال والادِّهان والتطيب
37/ 154 - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لا فلَا حرَجَ". رَواهُ أحْمَدُ
(2)
وأبُو دَاوُدَ
(3)
وَابْنُ ماجَهْ)
(4)
. [ضعيف]
هذا طرف من حديث طويل ولفظه: "مَن اكتحلَ فليوتِرْ، مَنْ فعلَ فقد أحسنَ، ومن لا فلا حرجَ. ومَنْ استجمرَ فليوتِرْ، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ وما لاك بلسانه فليبتلع مَنْ فعلَ فقد أحسنَ، وَمَنْ لا فَلا حرجَ. ومَنْ أتى الغائِطَ فليستَتِرْ، فإنْ لم يجدْ إلا أن يجمعَ كثيبًا مِنْ رملٍ فليستدبِرْهُ؛ فإنَّ الشيطانَ يلعبُ بمقاعدِ بني آدمَ، مَن فعلَ فقد أحسنَ، ومَنْ لا
= 6 - أما قص المرأة من رأسها حتى يكون إلى المنكبين أو نحوه، فقد أجازه بعض العلماء، للحديث الذي أخرجه مسلم (1/ 256 رقم 42/ 320): عن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
قال: دخلتُ على عائشة، أنا وأخوها من الرَّضَاعةِ. فسألها عن غُسْلِ النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة؟ فَدَعَتْ بإناءٍ قدْرِ الصَّاعِ. فاغتسلتْ. وبيننا وبينها سِتْرٌ. وأفرغتْ على رأسها ثلاثًا.
قال: وكان أزواجُ النبي صلى الله عليه وسلم يأخذنَ من رؤوسِهن حتى تكونَ كالوفرةِ.
الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن. [النهاية (5/ 210)].
(1)
وهو حديث صحيح رقم (35/ 152) من كتابنا هذا.
(2)
في المسند (2/ 371).
(3)
في السنن (1/ 33 رقم 35).
(4)
في السنن (1/ 121 رقم 337).
قلت: وأخرجه الدارمي (1/ 169 - 170) والبيهقي (1/ 94 و 104).
والطحاوي في "مشكل الآثار"(1/ 42) والبغوي في شرح السنة (12/ 118).
والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 121 - 122) وابن حبان في صحيحه (4/ 257 رقم 1410) والحاكم في المستدرك (1/ 158).
وهو حديث ضعيف. ضعفه الحافظ في "التلخيص"(1/ 103) والألباني في "الضعيفة" رقم (1028).
فلا حَرَجَ" وفي إسناده أبو سعيد الحُبْراني
(1)
الحمصي الراوي عن أبي هريرة. قال أبو زرعة
(2)
الرازي: لا أعرفه. وقيل: إنه صحابي، قال الحافظ
(3)
: ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول. وقال أبو زرعة: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل، وقد أخرج الحديث ابن حبان
(4)
والحاكم
(5)
والبيهقي
(6)
. وهو يدل على مشروعية الإِيتار في الكحل، وظاهره عدم الاقتصار على الثلاثة إلا أن يقيد الإيتار بما سيأتي من فعله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن رسلان وفي كيفية الوتر في الاكتحال وجهان: (أحدهما) أن يضع في كل عين ثلاث مرات وهذا هو الأصح، لحديث ابن عباس الآتي. (والثاني) يضع في اليمنى ثلاث مرات وفي اليسرى مرتين فيكون المجموع وترًا وفي عين ثلاث مرات وفي عين أربع مرات.
38/ 155 - (وعَنِ ابن عبَّاسٍ أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَتْ له مكْحَلَةٌ يَكْتَحِلُ منها كُلَّ ليلةٍ ثلاثةً في هذهِ وَثلاثةً في هذِهِ. رَوَاهُ ابْن ماجَهْ
(7)
وَالتِّرْمذِيُّ
(8)
وَأحْمَدُ
(9)
،
(1)
في حاشية المخطوط ما نصه: (بضم المهملة وسكون الباء) انتهى. تقريب.
(2)
ذكره الحافظ في "تهذيب التهذيب"(4/ 528).
(3)
في "التلخيص"(1/ 103).
(4)
في صحيحه رقم (1410) وقد تقدم.
(5)
في المستدرك (1/ 158) وقد تقدم.
(6)
في السنن الكبرى (1/ 104) وقد تقدم.
(7)
في السنن (2/ 1157 رقم 3499).
(8)
في السنن (4/ 388 رقم 2048) وقال: هذا حديث حسن غريب.
(9)
في المسند (1/ 354).
قلت: وأخرجه الحاكم (4/ 408)، والطيالسي في المسند (1/ 358 رقم 1846 - منحة) وابن سعد في "الطبقات"(1/ 484 - 485) والترمذي في "الشمائل" رقم (50) و (51).
قال الحاكم: حديث صحيح وعباد لم يتكلم فيه بحجة.
وتعقبه الذهبي بقوله: "ولا هو بحجة".
انظر: "الميزان"(2/ 376 - 378 رقم 4141).
وانظر: "إرواء الغليل"(1/ 119 رقم 76). وجملة القول أن عباد لا تقوم به حجة.
وهو حديث ضعيف.
وَلفْظهُ: "كانَ يَكْتَحِلُ بِالإِثْمِدِ كل ليلةٍ قَبْلَ أنْ يَنامَ وكانَ يَكْتَحِلُ في كُل عَيْنٍ ثَلاثةَ أمْيالِ). [ضعيف جدًّا]
الحديث حسنه الترمذي
(1)
وقال
(2)
: "إنَّهُ رُوِيَ مِنْ غيرِ وجهٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: "عَلَيْكُم بالإِثمِد فإنهُ يَجْلُو البصرَ ويُنبِتُ الشعرَ"، ثم ذكر أنها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم مكْحُلَةٌ إلخ، وساق الحديث عن عَليّ بن حُجْر، ومُحمد بن يحيى، عن يزيد بن هارون عن [عبَّاد]
(3)
بن مَنْصُور، عن عِكْرِمَة عن ابن عَبَّاسٍ، قالَ: وفي الباب عن جابر
(4)
وابن عمر
(5)
.
والحديث يدل على استحباب أن يكون الاكتحال في كل عين ثلاثة أميال وأن يكون بالإِثمد، وهو بالكسر حجر للكحل معروف. وأن يكون في كل ليلة، وأن يكون عند النوم.
وقد أخرج أبو داود
(6)
من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1)
في السنن (4/ 389).
(2)
أي الترمذي في سننه (4/ 234 - 235 رقم 1757) وهو حديث صحيح بشواهده.
(3)
في المخطوط "عثمان" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه.
(4)
أخرجه الترمذي في "الشمائل" رقم (52) والبغوي في "شرح السنة" رقم (3202). وفيه عنعنة محمد بن إسحاق. ولكنه قد توبع تابعه إسماعيل بن مسلم المكي عند ابن ماجه (2/ 1156 رقم 3496) وإسماعيل ضعيف. "الميزان"(1/ 248 رقم 945).
وتابعه سلام بن أبي خبزة بصري عند ابن عدي في "الكامل"(3/ 1151) وسلام ضعيف "الميزان"(2/ 174 رقم 3340).
وتابعه هشام بن حسان عند ابن عدي في "الكامل"(3/ 1052) وهشام ثقة "الميزان"(4/ 295 - 296 رقم 9220).
وللحديث شاهد من حديث ابن عباس المتقدم عند الترمذي رقم (1757).
وخلاصة القول أن حديث جابر صحيح لغيره، والله أعلم.
(5)
أخرجه الترمذي في "الشمائل" رقم (54). وابن ماجه رقم (3495).
وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(3/ 131): "هذا إسناد حسن، عثمان مختلف فيه" اهـ.
وللحديث شواهد فهو بها صحيح.
(6)
في السنن (4/ 209 رقم 3878).
"البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خيار ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإِثمد يجلو البصر وينبت الشعر"، وأخرجه الترمذي
(1)
وابن ماجه
(2)
مختصرًا وليس فيه ذكر الكحل. وفي رواية للطبراني
(3)
: فإنه منبتة للشعر، مذهبة للقذى، مصفاة للبصر".
39/ 156 - (وَعَنْ أَنسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيا النِّساءُ، والطيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيني في الصَّلاةِ" رَوَاهُ النَّسائي)
(4)
. [حسن]
وأخرجه أيضًا أحمد
(5)
وابن أبي شيبة
(6)
والحاكم
(7)
من حديثه، وفي إسناده في سنن النسائي سيار بن حاتم
(8)
. وسلام بن مسكين
(9)
، ومن
(1)
في السنن (3/ 319 رقم 994) وقال: حديث حسن صحيح.
(2)
في السنن (2/ 1181 رقم 3566) ورقم (1472).
قلت: وأخرجه أحمد (1/ 247، 274، 355، 363) والحاكم (1/ 354) والبيهقي (3/ 245) و (5/ 33) والبغوي في شرح السنة رقم (1477) وابن حبان في صحيح (12/ 242 رقم 5423) والشافعي (1/ 207 رقم 573 - ترتيب المسند).
وهو حديث صحيح.
(3)
لم أجده عند الطبراني بهذا اللفظ.
بل أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (12/ 64 - 65 رقم 12485) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البسوا من لباسكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم، ومن خير أكحالكم الإثمد، فإنه ينبت الشعر ويجلو البصر".
وانظر: المعجم الكبير للطبراني (12/ رقم 12486، ورقم 12487، ورقم 12488، ورقم 12489، ورقم 12490، ورقم 12491، ورقم 12492، ورقم 12493).
(4)
في سننه (7/ 61 - 62 رقم 3939 و 3940).
(5)
في المسند (3/ 128، 199، 285).
(6)
لم أجده في المصنف ولا في المسند.
(7)
في المستدرك (2/ 160) وقال حديث صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي.
(8)
سَيَّار بن حاتم العَنزي، أبو سَلَمة البصري: صدوق له أوهام "التقريب"(2714).
(9)
(سلام بن مسكين) خطأ والصواب (سلام بن سليمان المزني أبو المنذر)، انظر: سنن النسائي رقم (3939) وتحفة الأشراف (1/ 140 رقم 435).
قال الحافظ في "التقريب"(2705) هو سَلَّام بن سليمان المُزني، أبو المنذر القارئ النحوي، البصري، نزيل الكوفة: صدوق يهم
…
طريق سيَّار رواه أحمد في الزهد
(1)
والحاكم في المستدرك
(2)
. ومن طريق سلام أخرجه أحمد
(3)
وابن أبي شيبة
(4)
وابن سعد
(5)
والبزار
(6)
وأبو يعلى
(7)
وابن عدي في الكامل
(8)
وأعله به، والعقيلي في الضعفاء
(9)
كذلك.
وقال الدارقطني في علله
(10)
: "رواه أبو المنذر، سلام بن أبي الصهباء وجعفر بن سليمان. ورواه عن ثابت عن أنس وخالد بن حماد بن زيد عن ثابت مرسلًا، وكذا (رواه محمد بن عثمان بن ثابت البصري)
(11)
والمرسل أشبه بالصواب". وقد رواه عبد الله بن أحمد في زيادات الزهد
(12)
عن أبيه من طريق يوسف بن عطية
(13)
عن ثابت موصولًا أيضًا ويوسف ضعيف وله طريق أخرى
(1)
لم أجده في الزهد لأحمد.
(2)
(2/ 160) وقد تقدم.
(3)
في المسند (3/ 128).
(4)
في مسنده عزاه إليه الزيلعي في تخريج أحاديث وآثار الكشاف (1/ 62).
(5)
في "الطبقات"(1/ 398).
(6)
عزاه إليه الزيلعي في تخريج أحاديث وآثار الكشاف (1/ 62).
(7)
في المسند (6/ 199 - 200 رقم 727/ 3482).
(8)
(3/ 1150) في ترجمة سلام بن أبي خبزة.
و (3/ 1151) في ترجمة سلام بن أبي الصهباء أبي المنذر.
ولم يذكره في ترجمة سلام بن سليمان أبي المنذر.
(9)
(2/ 160) في ترجمة سلام بن سليمان أبي المنذر.
(10)
ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث وآثار الكشاف (1/ 62).
ولفظ الدارقطني في علله: "هذا حديث رواه سلام بن سليمان أبو المنذر، وسلام بن أبي الصهباء وجعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت، عن أنس فرفعوه، وخالفهم حماد بن زيد فرواه عن ثابت مرسلًا، وكذلك رواه محمد بن ثابت البصري مرسلًا، والمرسل أشبه بالصواب" اهـ.
(11)
كذا في المخطوط ولعل الصواب (رواه محمد بن عثمان عن ثابت البصري)، يعني البناني. لأن الحافظ قال في "اللسان" (5/ 278): في (محمد بن عثمان الواسطي) يروي عن ثابت البناني. ونقل الحافظ عن الأزدي أنه ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"(7/ 438).
قلت: وقد تابعه حماد بن زيد كما قال الدارقطني.
(12)
لم أجده في الزهد المطبوع.
(13)
يوسف بن عطية الصغار البصري، أبو سهل، متروك "التقريب"(7873).
معلولة [عند]
(1)
الطبراني في الأوسط
(2)
عن محمد بن عبد الله الحضرمي
(3)
عن يحيى بن عثمان الحربي
(4)
عن الهِقْل بن زيادٍ
(5)
عن الأوزاعيِّ عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ
(6)
عن أنس مثله
(7)
، قال الحافظ في التلخيص
(8)
: إن إسناده حسن، وقال في تخريج الكشاف
(9)
والتلخيص: "ليس في شيء من طرقه لفظ ثلاث بل أوله عند الجميع: "حبب إليّ من دنياكم النساء" الحديث، وزيادة ثلاث تفسد المعنى، على أن الإِمام أبا بكر بن فورك
(10)
شرحه في جزء مفرد بإثباتها، وكذلك أورده الغزالي في الإِحياء
(11)
، واشتهر على الألسنة
(12)
" انتهى، وإنما قال: إن زيادة لفظ ثلاث تفسد المعنى لأن الصلاة ليست من حب الدنيا. وقد وجه ذلك السعد
(13)
في حاشية الكشاف فقال: "وقرة عيني مبتدأ قصد
(1)
في (جـ): (عن).
(2)
رقم (5772).
(3)
المعروف بـ (مطين) إمام حافظ، صنف المسند، انظر: التذكرة (2/ 662). وفي (جـ): (الحضري) وهو خطأ.
(4)
يحيى بن عثمان الحربي أصله من سِجسْتان فنزل بغداد: صدوق تكلموا في روايته عن هِقْل .. "التقريب"(7607).
(5)
هِقل بن زياد السَّلسَكي، الدمشقي، نزيلُ بيروت، قيل: هَقْل لقبٌ، واسمه محمد أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعي: ثقة .. "التقريب"(7314).
(6)
حفيد أبي طلحة الأنصاري الصحابي المشهور ثقة حجة. (ت 132 هـ).
(7)
أخرجه الطبراني في "الصغير"(1/ 262).
(8)
(3/ 116).
(9)
"الكافي الشاف"(ص 27 رقم 229).
(10)
هو محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني الأصولي المتكلم صاحب التصانيف الكثيرة، كان أشعريا وشديد الرد على ابن كرام، نقل الذهبي عن ابن حزم وأبي الوليد الباجي أنه كان يعتقد بانقطاع رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بوفاته، وقال أيضًا: إنه مع صلاحه كان صاحب بدعة وفلتة، ورد السبكي على هذا أيضًا. توفي سنة (404 هـ).
انظر ترجمته في: "شذرات الذهب"(3/ 181، 182) وطبقات السبكي (4/ 127 - 135).
و"سير أعلام النبلاء"(17/ 214)، والوافي بالوفيات (2/ 344).
(11)
(2/ 30) آفات النكاح وفوائده. وقال العراقي: أخرجه النسائي والحاكم بإسناد جيد، وضعفه العقيلي.
(12)
قال المحدث الألباني في تخريج المشكاة (3/ 1448): اشتهرت على ألسنة الناس زيادة "ثلاث" ولا أصل لها في شيء من طرق الحديث. بل هي مفسدة للمعنى.
(13)
هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين: من أئمة العربية والبيان والمنطق.
ولد سنة (712 هـ) وتوفي سنة (793 هـ) ومن مؤلفاته حاشية الكشاف. =
به الإِعراض من حب الدنيا وما يحب فيها وليس عطفًا على الطيب كما سبق إلى الفهم لأنها ليست من حب الدنيا. ووجه ذلك بعضهم
(1)
بأن "من" بمعنى في، قال: وقد جاءت كذلك في قوله تعالى: {مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ}
(2)
أي في الأرض، وردَّه صاحب الثمرات بأنه قد حبِّب إليه أكثر من ذلك نحو الصوم والجهاد ونحو ذلك من الطاعات" انتهى.
ومثل ما قال الحافظ قال شيخ الإِسلام [زين الدين]
(3)
العراقي في أماليه
(4)
، وصرح بأن لفظ ثلاث ليس في شيء من كتب الحديث وأنها مفسدة للمعنى. وكذلك قال الزركشي
(5)
وغيره. وقال الدماميني: لا أعلمها ثابتة من طريق صحيحة.
والحديث يدل على أن الطيب والنساء محببان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ورد ما يدل على أن الطيب محبب إلى الله تعالى، فأخرج الترمذي
(6)
عن ابن المُسيِّبِ أنه كان يقول: "إنَّ الله تعالى طيِّبْ يُحِبُّ الطيِّبَ، نظيفٌ يُحبُّ النظافةَ، كريمٌ يُحب الكرمَ، جَوَادٌ يُحِب الجودَ، فنظِّفُوا أفنيتَكُمْ ولا تَشَبَّهُوا باليهودِ". قالَ - يعني الراوي عن ابن المسيِّبِ - فذكرتُ ذلِكَ لمهاجِرِ بن مِسْمارِ، فقالَ: حَدَّثَنيهِ عامرُ بنُ سعدِ عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قالَ الترمذي: وهذا حديثٌ غريبٌ وخالِدُ بنُ إلياسَ يُضَعَّفُ ويُقَالُ: ابْنُ إياسٍ.
40/ 157 - (وعَنْ نافِعٍ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَجْمِرُ بِالأَلُوَّةِ غَيْرَ مُطْرَاةٍ،
= انظر: الأعلام (7/ 219) والدرر الكامنة (4/ 350)].
(1)
في (جـ): (الفقيه حاتم بن منصور).
(2)
سورة فاطر: الآية 40.
(3)
في (أ): (زين الدين)، وفي (جـ):(زين).
(4)
و
(5)
وذكرهما الزبيدي في "إتحاف المتقين" كما في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (2/ 957) استخراج أبي عبد الله الحداد.
(6)
في السنن (5/ 111 - 112 رقم 2799) وقال: هذا حديث غريب، وخالدُ بن إلياسَ يُضَعَّفُ. وهو حديث ضعيف بهذا التمام.
قال الألباني في "غاية المرام"(ص 89 رقم 113): "قلت لكن قوله: "فنظفوا أفنيتكم
…
" له طريق أخرى عن سعد بإسناد حسن كما بينته في "حجاب المرأة المسلمة" ص 101.
وكذلك قوله: "جواد يحب الجود"، فانظر:"الأحاديث الصحيحة"(1627) " اهـ.
وبِكافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الأَلُوَّةِ ويَقُولُ: هكذا كانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. رَواهُ النسائي
(1)
وَمُسْلمٌ
(2)
(3)
. [صحيح]
قوله: (يَسْتَجْمِرُ) الاستجمار هنا التبخر وهو استفعال من المجمرة وهي التي توضع فيها النار.
قوله: (الأَلُوَّةِ) - بفتح الهمزة وضمها، وضم اللام وتشديد الواو وفتحها - العود الذي يتبخر به كما قال المصنف، وحكى الأزهري
(4)
كسر اللام.
قوله: (غير مُطْرَاةٍ) أي غير مخلوطة بغيرها من الطيب. ذكره في شرح مسلم
(5)
.
والحديث يدل على استحباب التبخر بالعود وهو نوع من أنواع الطيب المندوب إليه على العموم.
41/ 158 - (وعَنْ أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ عُرِض عَليهِ طِيبٌ فلَا يَرُدُّهُ فإِنَّهُ خَفيفُ المَحْمَلِ طَيِّبُ الرَّائحَةِ"، رَوَاه أحْمَدُ
(6)
ومُسْلِمٌ
(7)
والنَّسائي
(8)
، وَأَبُو دَاوُد)
(9)
. [صحيح]
لم يخرجه مسلم بهذا اللفظ بل بلفظ
(10)
: "من عرض عليه ريحان فلا يرده" وهكذا أخرجه الترمذي
(11)
بلفظ: "إذَا أعْطِيَ أحدُكُم الريحانَ فلا يردَّهُ فإنه خرجَ
(1)
في سننه (8/ 156 رقم 5135).
(2)
في صحيحه (4/ 1766 رقم 21/ 2254). وهو حديث صحيح.
(3)
هنا في (جـ): الألوة: العود الذي يتبخر به.
قلت: سيأتي بعد سطرين في (أ) و (ب).
(4)
ذكره النووي في شرحه لمسلم (15/ 10).
(5)
(15/ 10).
(6)
في المسند (2/ 320).
(7)
في صحيحه (4/ 1766 رقم 20/ 2253). وفيه "ريحان" بدل "طيب".
(8)
في سننه (8/ 189 رقم 5259).
(9)
في سننه (4/ 400 رقم 4172).
(10)
في صحيحه رقم (20/ 2253) كما تقدم.
(11)
في سننه (5/ 108 رقم 2791) وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا نعرف حنَّانًا إلا في هذا الحديث. وأبو عثمان النهدي اسمه: عبد الرحمن بن مِلٍّ، وقد أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ولم يسمع منهُ" اهـ. =
من الجَنَّةِ"، وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ
(1)
، وأخرجه من طريق حَنَّان. قال: ولا يعرف لحنَّان غير هذا الحديث" انتهى. وهو أيضًا مرسل لأنه رواه حنَّان عن أبي عثمان النهدي، وأبو عثمان وإن أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يره ولم يسمع منه. وحديث الباب صححه ابن حبان
(2)
.
وقد أخرج الترمذي
(3)
عن ثُمامَةَ بن عبد اللهِ قالَ: كانَ أنسٌ لا يردُّ الطِّيبَ. وقالَ أنسٌ: "إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان لا يردُّ الطّيبَ". قال: وهذا حديث حسن صحيح.
وفي الباب عن أنس أيضًا من وجه آخر عند البزار
(4)
بلفظ: "ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم طيب قط فردَّه"، قال الحافظ في الفتح
(5)
: وسنده حسن، وعن ابن عباس عند الطبراني
(6)
بلفظ: "من عرض عليه طيب فليصب منه". وقد بوَّب
= فالحديث له علتان: جهالة حنان، والإرسال. فهو حديث ضعيف.
(1)
في نسخة الترمذي "غريب" فقط ولعله الصواب.
وانظر ما نبه عليه الألباني في "الضعيفة"(2/ 185).
(2)
في "صحيحه"(11/ 510 رقم 5109).
(3)
في سننه (5/ 108 رقم 2789). وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: وأخرجه أحمد (3/ 119، 134، 262) والبخاري رقم (2789) و (5929) وأبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" رقم (235) والترمذي في "الشمائل" رقم (218).
وهو حديث صحيح.
(4)
في مسنده (3/ 374 - 375 رقم 2984 - كشف).
قال البزار: لا نعلمه يروى عن إسماعيل، إلا من حديث مبارك.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(5/ 158) وقال: "رواه البزار، وفيه مبارك بن فضالة وهو ضعيف، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات" اهـ.
والبزار في مسنده أيضًا (3/ 375 رقم 2985 - كشف).
قال البزار: إنما ذكرناه، لأن مباركًا لا نعلمه يروي عن إسحاق بن عبد الله، ولا نعلم أحدًا جمعهما، إلا مبارك.
(5)
في "فتح الباري"(10/ 371).
(6)
في الأوسط رقم (8340).
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" في موضعين: (الأول)(5/ 43) وقال: وفيه النضر بن طاهر - وهو ضعيف" [لسان الميزان (6/ 162)].
(والموضع الثاني)(5/ 157 - 158) وقال: "رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه =
البخاري
(1)
لهذا فقال: باب من لم يَرُدّ الطيبَ، وأورد فيه بلفظ:"كان لا يَرُدُّ الطيبَ".
والحديث يدل على أن رد الطيب خلاف السنة ولهذا نهى عنه صلى الله عليه وسلم، ثم أعقب النهي بعلة تفيد انتفاء موجبات الرد؛ لأنه باعتبار ذاته خفيف لا يثقل حامله وباعتبار عرضه طيب لا يتأذى به من يعرض عليه، فلم يبق حامل على الرد، فإن كل ما كان بهذه الصفة محبب إلى كل قلب مطلوب لكل نفس.
قوله: (المحمل) قال القرطبي
(2)
: هو بفتح الميمين ويعني به الحمل.
42/ 159 - (وعَن أبِي سَعِيدٍ أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ في المِسْكِ: "هُوَ أطيَبُ طِيبِكُمْ". رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه)
(3)
. [صحيح]
43/ 160 - (وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَليٍّ قالَ: سَألْتُ عائِشَةَ رضي الله عنها أكانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَطَيَّبُ؟ قالتْ: نَعَمْ بِذِكارَةِ الطِّيبِ: المِسْكِ والعَنْبَرِ. رَوَاهُ النَّسائيُّ
(4)
والبُخارِيُّ في تاريخِهِ)
(5)
[ضعيف]
وأخرجه الترمذي أيضًا من حديث عائشة
(6)
بلفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطيب بذكارة الطيب المسك والعنبر ويقول: أطيب الطيب: المسك". وحديث الباب في إسناده عند النسائي أبو عبيدة بن أبي السفر وفيه مقال واسمه أحمد بن عبد الله
(7)
.
= موسى بن زكريا - وهو متروك" [الميزان (4/ 205)].
(1)
في صحيحه كتاب اللباس الباب (80 - باب من لم يَرُدّ الطيبَ).
كما في "فتح الباري"(10/ 370).
(2)
في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"(5/ 558).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه (4/ 1765 - 1766 رقم 18، 19/ 2252) وأبو داود (3/ 510 رقم 3158) والترمذي (3/ 317 رقم 991) والنسائي (4/ 39 رقم 1896) وأحمد (3/ 36).
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(4)
في سننه (8/ 150 رقم 5116) بسند ضعيف.
(5)
(2/ 88 - 89 رقم الترجمة 1786).
(6)
لم أجده في سنن وشمائل الترمذي من حديث عائشة، بل أخرجه الترمذي في سننه (3/ 317 رقم 991) وقال حديث حسن صحيح من حديث أبي سعيد الخدري.
(7)
أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي السَّفَرِ، سعيد بن يُحْمِد، يُكنى أبا =
وقولها: (بذِكارة الطِّيب) الذِّكارة بالكسر للمعجمة ما يصلُح للرجال قاله في النهاية
(1)
. والمراد الطيب الذي لا لون له لأن طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه.
وقولها: (المسك والعنبر) بدل من ذكارة الطيب.
والحديث الأول يدل على أن المسك خير الطيب وأحسنه وهو كذلك. وفي التصريح بأنه أطيب الطيب ترغيب في التطيب به [وإيثاره]
(2)
على سائر أنواع الطيب.
44/ 161 - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنَّ طِيبَ الرِّجالِ ما ظَهَرَ رِيحُهُ وخَفِيَ لَوْنُهُ، وَطِيبَ النِّسَاءِ ما ظَهَرَ لَوْنُه وخَفِيَ رِيحُهُ". رَواهُ النَّسائيّ
(3)
والتّرْمذِيُّ
(4)
وقالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ). [صحيح لغيره]
وقال الترمذي
(5)
بعد أن ذكر للحديث طريقًا أخرى عن الجُرَيْرِيِّ
(6)
عن أبي نَضْرَةَ
(7)
عن الطُّفاوِيِّ عن أبي هريرة: إلا أن الطُّفاوِيَّ لا نعرِفُهُ إلا في هذَا الحديثِ ولا يعرف اسمَهُ.
وأخرجه أيضًا
(8)
من طريق ثالثة عن عمران بن حصين بلفظ: "إنَّ خيرَ طِيبِ
= عبيدة، الكوفي: صدوق يهم
…
"التقريب"(60).
(1)
(2/ 164).
(2)
في (ج): (وتأثيره).
(3)
في سننه (8/ 151 رقم 5117) ورقم (5118).
(4)
في سننه (7/ 105 رقم 2787) وقال: حديث حسن.
قلت: وأخرجه أبو داود رقم (2174) ورقم (4019) والترمذي في "شمائله" رقم (220) والبغوي في شرح السنة رقم (3162) والبيهقي في "الشعب" رقم (7809).
(5)
في سننه (5/ 107).
(6)
سعيدُ بن إياس الجريري، أبو مسعود البصري: ثقة، من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين. "التقريب"(2273).
لكن سماع سفيان الثوري، وإسماعيل بن إبراهيم بن علية قبل الاختلاط.
انظر: "تهذيب التهذيب"(4/ 6 - 7 رقم 8).
(7)
المنذر بن مالك بن فُطعة، العبدي، العوفي، البصري، أبو نَضْرة، مشهور بكنيته: ثقة
…
"التقريب"(6890).
وخلاصة القول أن حديث أبي هريرة صحيح بشواهده.
(8)
أي الترمذي في سننه (7/ 105 رقم 2788) وقال: هذا حديث حسن غريب. =
الرجال ما ظهرَ رِيحهُ وخفِيَ لونهُ، وخيرَ طِيبِ النساءِ ما ظهرَ لونهُ وخفِيَ رِيحهُ" وقالَ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وفي رجال إسناده عند النسائي
(1)
مجهول، ثم بيَّنه في إسناد آخر
(2)
بأنه الطفاوي، وهو أيضًا مجهول كما سبق.
والحديث يدل على أنه ينبغي للرجال أن يتطيَّبوا بما له ريح ولا يظهر له لون كالمسك والعنبر والعطر والعود وأنه يكره لهم التطيب بما له لون [كالزبادة والعنبر]
(3)
ونحوه. وأن النساء بالعكس من ذلك. وقد ورد تسمية المرأة التي تمر بالمجالس ولها طيب له ريح: زانية. كما أخرج الترمذي
(4)
وصححه، وأبو داود
(5)
، والنسائي
(6)
، من حديث أَبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كُلُّ عينٍ زَانيةٌ والمرأةُ إذا استعطرَتْ فمرَّتْ بالمجلِسِ فهي كذَا وكذَا. يعنِي زانيةً" قال الترمذي
(7)
: وفي الباب عن أبي هريرة
(8)
.
= قلت: وأخرجه أحمد (4/ 442) وأبو داود رقم (4048) والحاكم (4/ 191) والبيهقي (3/ 246) والطبراني في الكبير (18/ رقم 314).
كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين، به.
والحسن مدلس وقد عنعن.
وسعيد بن أبي عروبة: مهران اليشكري، مولاهم، أبو النضر البصري: ثقة حافظ له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة
…
"التقريب"(2365).
وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب"(2/ 35): "قلت: والجمع بين القولين ما قاله أبو بكر البزار: إنه ابتدأ به الاختلاط سنة (133 هـ) ولم يستحكم ولم يُطبق به، واستمر على ذلك، ثم استحكم به أخيرًا، وعامةُ الرواة عنه سمعوا منه قبل الاستحكام، وإنما اعتبر الناس اختلاطه بما قال يحيى القطان، والله أعلم" اهـ.
وخلاصة القول أن الحديث حسن لغيره، والله أعلم.
(1)
في سننه رقم (5117) وقد تقدم.
(2)
في سننه رقم (5118) وقد تقدم.
(3)
في (ص): (كالرباد والعبير).
(4)
في سننه (5/ 106 رقم 2786) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(5)
في سننه (4/ 400 - 401 رقم 4173).
(6)
في سننه (8/ 153 رقم 5126). وهو حديث حسن، والله أعلم.
(7)
في السنن (5/ 106).
(8)
أخرجه أبو داود (4/ 401 رقم 4174) وابن ماجه (2/ 1326 رقم 4002) وفي إسناده عاصم بن عبيد الله العمري ضعيف "التقريب"(3065).
ولكن له شاهد أخرجه مسلم رقم (444) وأبو داود رقم (4175) والنسائي (8/ 154) من =
[الباب الثاني عشر] باب الإطلاء بالنُّورَة
45/ 162 - (عَنْ أُمِّ سَلَمَة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أطْلَى بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ فطَلاها بالنُّورَةِ وَسائِرَ جَسَدِهِ أهْلُهُ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ)
(1)
. [ضعيف]
الحديث قال الحافظ ابن كثير في كتابه الذي ألفه في الحمام
(2)
بعد أن ذكر حديث الباب: هذا إسناد جيد، وقد أخرجه ابن ماجه
(3)
أيضًا من طريق [آخر]
(4)
عن أم سلمة.
وقد رواه عبد الرزاق
(5)
عن حبيب بن أبي ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلًا بإسناد جيد، قاله الأسيوطي.
وقد أخرجه الخرائطي في مساوي الأخلاق من طريقين عن أمّ سلمة
(6)
وثوبان
(7)
.
= حديث أبي هريرة أيضًا فهو به صحيح، والله أعلم.
(1)
في سننه (2/ 1234 رقم 3751).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(3/ 183): "هذا إسناد رجال ثقات وهو منقطع.
حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة، قاله أبو زرعة". وهو حديث ضعيف.
(2)
واسمه "آداب الحمامات" وهو مخطوط.
(3)
في سننه (2/ 1235 رقم 3752).
رجاله ثقات وهو منقطع. حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة، قال أبو زرعة: وهو حديث ضعيف.
ورمز السيوطي لضعفه في "الجامع الصغير" رقم (6583). وضعفه الألباني.
(4)
في (جـ): (أخرى).
(5)
في "المصنف"(2/ 292 رقم 1127) مرسلًا.
(6)
أخرجه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" رقم (817).
إسناده ضعيف وهو منقطع. حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة، قاله أبو زرعة: وهو حديث ضعيف.
(7)
أخرجه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" رقم (816).
إسناده ضعيف جدًّا. سليمان بن سلمة الخبائزي، قال عنه أبو حاتم: متروك. لا يشتغل به، وكذبه ابن الجنيد. انظر:"الجرح والتعديل"(4/ 122) والميزان (2/ 209) والخلاصة أن الحديث ضعيف.
وأخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه
(1)
من طريق ثوبان بلفظ: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل الحمام وكان يتنوَّر". وأخرجه ابن عساكر في تاريخه
(2)
من طريقه أيضًا، وأخرج
(3)
أيضًا من طريق واثلة بن الأسقع: "أنه صلى الله عليه وسلم أطلى يوم فتح خيبر".
وأخرج سعيد بن منصور في سننه
(4)
عن إبراهيم قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطلى ولي عانته بيده"، وأخرجه ابن أَبي شيبة في المصنف
(5)
عن إبراهيم، بنحوه قال ابن كثير: وهو مرسل فيقوى الموصول الذي أخرجه ابن ماجه.
وأخرج سعيد بن منصور
(6)
عن مكحول أنه قال: "لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أكل متكئًا وتنوَّر" وهو مرسل أيضًا.
وذكر أبو داود في المراسيل
(7)
عن أبي مَعْشَر زياد بن كليب "أن رجلًا نوَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى
(8)
، وفي تاريخ ابن عساكر
(9)
بإسناد ضعيف عن ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنوَّر كل شهر".
وأخرج أحمد
(10)
عن عائشة قالت: "أطلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنورة فلما فرغ منها قال: يا معشر المسلمين عليكم بالنورة فإنها طلية وطهور. وإن الله يذهب بها عنكم أوساخكم وأشعاركم.
وقد روى الإطلاء بالنورة عن جماعة من الصحابة. فرواه الطبراني
(11)
عن
(1)
"المعرفة والتاريخ"(2/ 433) بسند ضعيف.
(2)
كما في "مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر"(5/ 349).
(3)
أورده الهندي في "كنز العمال" رقم (18317) وعزاه لابن عساكر عن واثلة.
(4)
لم أقف عليه في سننه.
(5)
في "المصنف"(1/ 111).
(6)
لم أقف عليه في سننه.
(7)
رقم (469). بسند صحيح.
(8)
(1/ 152) من طريق أبي داود.
(9)
أورده (علي المتقي الهندي) في "كنز العمال"(7/ 126 رقم 18316) وعزاه له.
(10)
لم أقف عليه في مسند أحمد.
(11)
لم أقف عليه في المعاجم الثلاثة.
يعلى بن مرةَ الثقفي، والطبراني
(1)
أيضًا بسند رجاله رجال الصحيح عن ابن عمر. والبيهقي
(2)
عن ثوبان. والخرائطي
(3)
عن أبي الدرداء وجماعة من الصحابة. وعبد الرزاق
(4)
عن عائشة. وابن عساكر
(5)
عن خالد بن الوليد.
وجاءت أحاديث قاضية بأنه صلى الله عليه وسلم لم يتنور، منها: عند ابن أبي شيبة
(6)
عن الحسن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر لا يطلون، قال ابن كثير: هذا من مراسيل الحسن، وقد تكلم فيها. وأخرج البيهقي في سننه
(7)
عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. بنحوه، وزاد: ولا عثمان، وهو منقطع. وأخرج البيهقي
(8)
عن أنس أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتنور" وفي إسناده مسلم الملائي
(9)
، قال البيهقي
(10)
: وهو ضعيف الحديث. قال السيوطي: والأحاديث السابقة أقوى سندًا وأكثر عددًا، وهي أيضًا مثبتة فتقدم، ويمكن الجمع بأنه صلى الله عليه وسلم كان يتنور تارة، ويحلق أخرى، وأما ما روي عن ابن عباس أنه ما أطل نبي قط. فقال صاحب النهاية
(11)
وصاحب الملخص
(12)
وعبد الغافر الفارسي
(13)
: إن
(1)
في الكبير ج 12 رقم (13068) وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 279) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
(2)
في السنن الكبرى (1/ 152).
(3)
في مساوئ الأخلاق رقم (819) بسند ضعيف.
(4)
لم أقف عليه في المصنف.
(5)
كما في "مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر"(8/ 21).
(6)
في "المصنف"(1/ 111).
(7)
في السنن الكبرى (1/ 152) بسند منقطع.
(8)
في السنن الكبرى (1/ 152) بسند ضعيف.
(9)
هو مسلم بن كيسان الملائي: ضعيف في الحديث.
انظر ترجمته في: "الجرح والتعديل"(8/ 193) و"الكامل"(6/ 2308).
و"المجروحين"(2/ 312) و"التقريب"(2/ 246).
(10)
في السنن الكبرى (1/ 152).
(11)
النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 137) لابن الأثير.
(12)
هو علي بن محمد بن خلف، أبو الحسن القابسي (ت: 403 هـ) وكتابه مشهور وهو "ملخص الموطأ".
انظر: "معجم المصنفات" ص 410 - 411.
(13)
هو عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد الفارسي، من علماء العربية والتاريخ =
483
المراد به ما مال إلى هواه
(1)
.
تم ولله الحمد والمنّة الجزء الأول
من
"نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار"
ويليه:
الجزء الثاني منه، وأوله:
[سادسًا]: أبواب صفة الوضوء فرضه وسننه
= والحديث. من كتبه: المفهم لشرح غريب مسلم
…
(ت: 529 هـ)[الأعلام للزركلي (4/ 31)].
(1)
قال الإمام النووي في "المجموع"(1/ 342): "والسنة في العانة الحلق كما هو مصرح به في الحديث، فلو نتفها أو قصها أو أزالها بالنورة جاز، وكان تاركًا للأفضل وهو الحلق. ويحلق عانته بنفسه، ويحرم أن يوليها غيره إلا زوجته أو جاريته التي تستبيح النظر إلى عورته ومسها، فيجوز مع الكراهة
…
وقد فعل من السلف جماعة بالنورة، وكرهها آخرون منهم، وجمع البيهقي الآثار عنهم في السنن الكبير (1/ 152) وأفرد لها بابًا" اهـ.