المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الكتاب الرابع: كتاب الزكاة أولًا: أبواب الأموال التي تجب فيها الزكاة. ثانيًا: - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق - جـ ٨

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

الكتاب الرابع: كتاب الزكاة

أولًا: أبواب الأموال التي تجب فيها الزكاة.

ثانيًا: أبواب إخراج الزكاة.

ثالثًا: أبواب الأصناف الثمانية.

خاتمة: بدع الزكاة.

الكتاب الخامس: كتاب الصوم

أولًا: أبواب ما يثبت به الصوم والفطر، وعلى من يجب الصوم وممن يصح.

ثانيًا: أبواب ما يبطل الصوم ويكره وما يستحب للصائم.

ثالثًا: أبواب ما يبيح الفطر وأحكام القضاء.

رابعًا: أبواب صوم التطوع.

خامسًا: أبواب الاعتكاف.

خاتمة: بدع الصوم.

ص: 5

الكتاب الرابع: كتاب الزكاة

أولًا: أبواب الأموال التي تجب فيها الزكاة.

الباب الأول: باب الحث عليها والتشديد في منعها.

الباب الثاني: باب صدقة المواشي.

الباب الثالث: باب لا زكاة في الرقيق والخيل والخمر.

الباب الرابع: باب زكاة الذهب والفضة.

الباب الخامس: باب زكاة الزرع والثمار.

الباب السادس: باب ما جاء في زكاة العسل.

الباب السابع: باب ما جاء في الركاز والمعدن.

ثانيًا: أبواب إخراج الزكاة.

الباب الأول: باب المبادرة إلى إخراجها.

الباب الثاني: باب ما جاء في تعجيلها.

الباب الثالث: باب تفرقة الزكاة في بلدها ومراعاة المنصوص عليه لا القيمة، وما يقال عند دفعها.

الباب الرابع: باب من دفع صدقته إلى من ظنه من أهلها فبان غنيًا.

الباب الخامس: باب براءة رب المال بالدفع إلى السلطان مع العدل والجور وأنه إذا ظلم بزيادة لم يحتسب به عن شيء.

الباب السادس: باب أمر الساعي أن يعد الماشية حيث ترد الماء ولا يكلفهم حشدها إليه.

الباب السابع: باب سمة الإمام المواشي إذا تنوعت عنده.

ص: 7

ثالثًا: أبواب الأصناف الثمانية.

الباب الأول: باب ما جاء في الفقير والمسكين والمسألة والغني.

الباب الثاني: باب العاملين عليها.

الباب الثالث: باب المؤلفة قلوبهم.

الباب الرابع: باب قول الله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} .

الباب الخامس: باب الغارمين.

الباب السادس: باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل.

الباب السابع: باب ما يذكر في استيعاب الأصناف.

الباب الثامن: باب تحريم الصدقة على بني هاشم ومواليهم دون موالي أزواجهم.

الباب التاسع: باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به.

الباب العاشر: باب فضل الصدقة على الزوج والأقارب.

الباب الحادي عشر: باب زكاة الفطر.

خاتمة: بدع الزكاة.

ص: 8

الكتاب الخامس: كتاب الصوم

أولًا: أبواب ما يثبت به الصوم والفطر، وعلى من يجب الصوم وممن يصح.

الباب الأول: باب ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود.

الباب الثاني: باب ما جاء في يوم الغيم والشك.

الباب الثالث: باب الهلال إذا رآه أهل بلد هل يلزم بقية البلاد الصوم؟

الباب الرابع: باب وجوب النية من الليل في الفرض دون النفل.

الباب الخامس: باب الصبي إذا أطاق، وحُكم من وجب عليه الصوم في أثناء الشهر أو اليوم.

ثانيًا: أبواب ما يبطل الصوم، وما يكره، وما يستحب للصائم.

الباب الأول: باب ما جاء في الحجامة.

الباب الثاني: باب ما جاء في القيء والاكتحال.

الباب الثالث: باب من أكل أو شرب ناسيًا.

الباب الرابع: باب التحفظ من الغيبة واللغو وما يقول إذا شُتم.

الباب الخامس: باب الصائم يتمضمض أو يغتسل من الحر.

الباب السادس: باب الرخصة في القبلة للصائم إلا لمن يخاف على نفسه.

الباب السابع: باب من أصبح جنبًا وهو صائم.

الباب الثامن: باب كفارة من أفسد صوم رمضان بالجماع.

الباب التاسع: باب كراهة الوصال.

الباب العاشر: باب آداب الإفطار والسحور.

ص: 9

ثالثًا: أبواب ما يبيح الفطر وأحكام القضاء.

الباب الأول: باب الفطر والصوم في السفر.

الباب الثاني: باب من شرع في الصوم ثم أفطر في يومه ذلك.

الباب الثالث: باب من سافر في أثناء يوم هل يفطر فيه، ومتى يفطر؟

الباب الرابع: باب جواز الفطر للمسافر إذا دخل بلدًا ولم يجمع إقامة.

الباب الخامس: باب ما جاء في المريض والشيخ والشيخة والحامل والمرضع.

الباب السادس: باب قضاء رمضان متتابعًا ومتفرقًا وتأخيره إلى شعبان.

الباب السابع: باب صوم النذر عن الميت.

رابعًا: أبواب صوم التطوع.

الباب الأول: باب صوم ست من شوال.

الباب الثاني: باب صوم عشر ذي الحجة وتأكيد يوم عرفة لغير الحاج.

الباب الثالث: باب صوم المحرم وتأكيد عاشوراء.

الباب الرابع: باب ما جاء في صوم شعبان والأشهر الحرم.

الباب الخامس: باب الحث على صوم الاثنين والخميس.

الباب السادس: باب كراهة إفراد يوم الجمعة ويوم السبت بالصوم.

الباب السابع: باب صوم أيام البيض وصوم ثلاثة أيام من كل شهر وإن كانت سواها.

الباب الثامن: باب صيام يوم وفطر يوم وكراهة صوم الدهر.

الباب التاسع: باب تطوع المسافر والغازي بالصوم.

الباب العاشر: باب في أن صوم التطوع لا يلزم بالشروع.

الباب الحادي عشر: باب ما جاء في استقبال رمضان باليوم واليومين وغير ذلك.

الباب الثاني عشر: باب النهي عن صوم العيدين وأيام التشريق.

ص: 10

خامسًا: أبواب الاعتكاف.

الباب الأول: الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وأحكام المعتكف.

الباب الثاني: باب الاجتهاد في العشر الأواخر وفضل قيام ليلة القدر وما يدعي به فيها، وأي ليلة هي؟!

خاتمة: بدع الصوم.

* * *

ص: 11

[الكتاب الرابع] كتاب الزكاة

[أبواب الأموال التي تجب فيها الزكاة]

الزكاة في اللغة

(1)

: النماء، يقال: زكا الزرع، إذا نما؛ وترد أيضًا بمعنى التطهير، وتَرِدُ شرعًا بالاعتبارين معًا، أما بالأوّل فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى: أن الأَجر يكثر بسببها، أو بمعنى أن تعلُّقها بالأموال ذات النماء كالتجارة والزراعة.

ودليل الأوّل: "ما نقص مال من صدقة"

(2)

، لأنها يضاعف ثوابها كما جاء "إنَّ الله تعالى يربي الصدقة"

(3)

.

وأما الثاني فلأنها طهرة النفس من رذيلة البخل وطهرة من الذنوب.

قال في الفتح

(4)

: وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها.

قال أبو بكر بن العربي

(5)

: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنققة والعفو والحقّ. وتعريفها في الشرع: إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه غير متصف بمانع شرعي يمنع من الصرف إليه.

ووجوب الزكاة أمر مقطوع به في الشرع يستغنى عن تكلف الاحتجاج له. وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعها فيكفر جاحدها.

وقد اختُلف في الوقت الذي فرضت فيه، فالأكثر أنه بعد الهجرة.

(1)

القاموس المحيط (ص 1667) والنهاية (2/ 307).

(2)

وهو جزء من حديث صحيح، أخرجه الترمذي في سننه رقم (2325) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(3)

أخرج البخاري في صحيحه رقم (7430) ومسلم رقم (64/ 1014).

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تصدق بعدل تمرةٍ من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلُها بيمينه، ثم يُربيها لصاحبه كما يربيً أحدُكم فَلُوَّهُ حتى تكون مثل الجبل".

(4)

فتح الباري (3/ 262).

(5)

ذكره الحافظ في "الفتح"(3/ 262).

ص: 13

وقال ابن خزيمة

(1)

: إنها فرضت قبل الهجرة.

واختلف الأوّلون؛ فقال النووي

(2)

: إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة.

وقال ابن الأثير

(3)

: في التاسعة، قال في الفتح

(4)

: وفيه نظر لأنها ذكرت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس

(5)

، وفي عدّة أحاديث.

وكذا في مخاطبة أبي سفيان مع هرقل

(6)

وكانت في أوّل السابعة، وقال فيها: يأمرنا بالزكاة.

وقد أطال الكلام الحافظ على هذا في أوائل كتاب الزكاة من الفتح

(7)

فليرجع إليه.

[الباب الأول] باب الحث عليها والتشديد في منعها

1/ 1530 - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ قَالَ: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله، وَأَني

(1)

في صحيحه (4/ 13 رقم الباب 285): باب ذكر البيان أن فرض الزكاة كان قبل الهجرة إلى أرض الحبشة إذ النبي صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة قبل هجرته إلى المدينة.

(2)

في "روضة الطالبين" كتاب السير (10/ 204).

(3)

في "التاريخ" كما في "الفتح"(3/ 266) وقال الحافظ: وفيه نظر.

(4)

(3/ 262).

(5)

أخرج البخاري في صحيحه رقم (1398) ومسلم رقم (17).

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَدِمَ وفد عبدِ القيس على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنَّ هذا الحي من ربيعة، قد حالت بيننا وبينكَ، كُفَّارُ مُضَرَ، ولسنا نخلُص إليكَ إلا في الشهر الحرام، فمرنا بشيء نأخذه عنك وندعو إليه مَنْ وراءَنَا، قال:"آمركُم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربع: الإيمانِ باللهِ، وشهادةِ أنْ لا إله إلا اللهُ - وعقَدَ بيده هكذا - وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمُسَ ما غنمتم. وأنهاكم عن الدُّباءِ، والحنتم، والنَّقير، والمزفت".

(6)

أخرجه البخاري رقم (1398) ومسلم رقم (23، 24/ 17).

(7)

في "الفتح"(3/ 262 - 263).

ص: 14

رَسُولُ الله، فإِنْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأعْلِمْهُمْ أن الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَات فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ فَإنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فأعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ [على]

(1)

فُقَرَائِهِمْ؛ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، واتق دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَاب"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ)

(2)

. [صحيح]

قوله: (لما بعث معاذًا)، كان بعثه سنة عشر قبل حجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كما ذكره البخاري في أواخر المغازي

(3)

.

وقيل: كان ذلك في سنة تسع عند منصرفه من تبوك، رواه الواقدي

(4)

بإسناده إلى كعب بن مالك.

وقد أخرجه ابن سعد في الطبقات

(5)

عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر.

وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان.

واتفقوا على أنه لم يزل باليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها.

واختلف هل كان واليًا أو قاضيًا؟ فجزم ابن عبد البر

(6)

بالثاني، والغساني

(7)

بالأوّل.

قوله: (تأتي قومًا من أهل الكتاب)، هذا كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا يكون في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان.

(1)

في المخطوط (ب): (في).

(2)

أحمد (1/ 233) والبخاري رقم (1395) ومسلم رقم (29/ 19) وأبو داود رقم (1584) والترمذي رقم (625) والنسائي رقم (2435) وابن ماجه رقم (1783) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وهو حديث صحيح.

(3)

في صحيح البخاري (8/ 61 رقم الباب 60 - مع الفتح).

(4)

عزاه إليه الحافظ في "الفتح"(3/ 358).

(5)

في الطبقات الكبرى (3/ 590).

(6)

في "التمهيد"(7/ 58 - 59).

(7)

ذكره الحافظ في "الفتح"(3/ 358).

ص: 15

قوله: (فادعهم إلخ)، إنما وقعت البداءة بالشهادتين لأنهما أصل الدين الذي لا يصحّ بشيء غيرهما إلا بهما، فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدًا فالمطالبة له بالجمع بينهما.

قوله: (فإن هم أطاعوك) إلخ، استدلّ به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع

(1)

حيث دعوا أوّلًا إلى الإيمان فقط، ثم دعوا إلى العمل، ورتب ذلك عليه بالفاء.

وتعقب بأن مفهوم الشرط مختلف في الاحتجاج به، وبأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب، كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت إحداهما على الأخرى في هذا الحديث، ورتبت الأخرى عليها بالفاء

(2)

.

قوله: (خمس صلوات)، استدلّ به على أن الوتر ليس بفرض، وكذلك تحية المسجد وصلاة العيد، وقد. [تقدم]

(3)

البحث عن ذلك.

قوله: (فإن هم أطاعوك لذلك)، قال ابن دقيق العيد

(4)

: يحتمل وجهين:

(أحدهما): أن يكون المراد [إقرارهم]

(5)

إن هم أطاعوك بوجوبها عليهم والتزامهم بها.

(1)

قال الشوكاني رحمه الله في "إرشاد الفحول"(ص 72): "والحق ما ذهب إليه الأولون وبه قال الجمهورُ ولا خلافَ في أنهم مخاطبون بأمر الإيمان لأنه مبعوث إلى الكافة، وبالمعاملات أيضًا، والمرادُ بكونهم مخاطبين بفروع العبادات أنهم مؤاخذون بها في الآخرة مع عدم حصولِ الشرط الشرعيِّ وهو الإيمانُ" اهـ.

(2)

وتمام كلام الحافظ في "الفتح"(3/ 359): "

، ولا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة إسقاط الزكاة. وقيل: الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يقر بالتوحيد، ويجحد الصلاة يكفر بذلك فيصير ماله فيئًا فلا تنفعه الزكاة. وأما قول الخطابي إن ذكر الصدقة أخر عن ذكر الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم وأنها لا تكرر تكرار الصلاة فهو حسن، وتمامه أن يقال بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة" اهـ.

(3)

في المخطوط (ب): (قدم).

(4)

في إحكام الأحكام (2/ 184).

(5)

زيادة من المخطوط (أ).

ص: 16

(والثاني) أن يكون المراد الطاعة بالفعل.

وقد رجح الأوّل بأن المذكور هو الإخبار بالفريضة فتعود الإشارة إليها.

ويرجح الثاني أنهم لو أخبروا بالفريضة فبادروا إلى الامتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط التلفظ، بخلاف الشهادتين فالشرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب.

وقال الحافظ

(1)

: المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه، أو بهما فأولى.

وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة: "فإذا صلوا"، وبعد ذكر الزكاة:"فإذا أقرّوا بذلك فخذ منهم".

قوله: "صدقة"، زاد البخاري في رواية

(2)

: "في أموالهم"، وفي رواية

(3)

[له أخرى]

(4)

: "افترض عليهم زكاة في أموالهم".

قوله: (تؤخذ من أغنيائهم)، استدلّ به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منهم أخذت منه قهرًا.

قوله: (على فقرائهم)، استدلّ به لقول مالك

(5)

وغيره

(6)

: إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد.

وفيه بحث كما قال ابن دقيق العيد

(7)

: لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء.

قال الخطابي: وقد يستدلّ به من لا يرى على المديون زكاة [ما في يده]

(8)

إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب لأنه ليس بغنيّ، إذ إخراج ماله مستحقّ لغرمائه.

(1)

في "الفتح"(3/ 359).

(2)

في صحيحه رقم (1395).

(3)

في صحيح البخاري رقم (1458).

(4)

في المخطوط (ب): (أخرى له).

(5)

الاستذكار (9/ 204 رقم 12990).

(6)

قال ابن قدامة في "المغني"(4/ 127 - 128): "وجملته أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد من الأصناف الثمانية، ويجوز يعطيها شخصًا واحدًا، وهذا قول عمر، وحذيفة، وابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير والحسن .. " اهـ.

(7)

في "إحكام الأحكام"(2/ 185).

(8)

زيادة من المخطوط (أ).

ص: 17

قوله: (فإياك وكرائم أموالهم)، كرائم منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، والكرائم جمع كريمة: أي نفيسة

(1)

.

وفيه دليل على أنه لا يجوز للمصدق أخذ خيار المال لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بالمالك إلا برضاه.

قوله: (واتق دعوة المظلوم)، فيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم.

والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ كرائم الأموال الإشارة إلى أن أخذها ظلم.

قوله: (حجاب)، أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيًا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد

(2)

مرفوعًا:

(1)

قال ابن الأثير في "النهاية"(4/ 167): "كرائم أموالهم: أي نفائسها التي تتعلَّق بها نفس مالكها ويختصُّها بها، حيث هي جامعة للكمال الممكن في حقها، وواحدتها: كريمة" اهـ.

(2)

في المسند (2/ 367) بسند ضعيف لضعف أبي معشر.

قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (2330) وابن أبي شيبة في المصنف (10/ 275) والطبراني في الأوسط رقم (1182) وفي الدعاء رقم (1318) والقضاعي في "مسند الشهاب" رقم (315) وابن عدي في "الكامل"(7/ 2517) والخطيب في "تاريخه"(2/ 271 - 272) والدارقطني في "العلل"(10/ 396) من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة به.

• وله شاهد أخرجه أحمد (3/ 153) والدولابي في الكنى (2/ 73) والقضاعي في مسند الشهاب رقم (960) من حديث أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا دعوةَ المظلوم، وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب"، وإسناده ضعيف لجهالة أبي عبد الله الأسدي.

والحديث حسنه الحافظ في "الفتح"(3/ 360) ولعله بمجموع الطريقين.

وفي دعوة المظلوم:

• أخرج أحمد (2/ 258) وابن أبي شيبة (10/ 429) وأبو داود رقم (1536) والترمذي رقم (1905) و (3448) والبخاري في الأدب المفرد رقم (32) والطبراني في الدعاء رقم (1314) وابن حبان رقم (2699).

قال الترمذي: هذا حديث حسن.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثُ دعواتٍ مستجابات، لا شك فيهن: دعوةُ المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده".

وهو حديث حسن، والله أعلم.

• وأخرج أحمد (2/ 305) والطيالسي رقم (2584) وابن حبان رقم (3428) والطبراني =

ص: 18

"دعوةُ المظلوم مستجابةٌ، وإن كان فاجرًا ففجره على نفسه"، قال الحافظ

(1)

: وإسناده حسن، وليس المراد أن لله تعالى حجابًا يحجبه عن الناس.

قال المصنف

(2)

رحمه الله بعد أن ساق الحديث: وقد احتجَّ به على وجوب صرف الزكاة في بلدها، واشتراط إسلام الفقير، وأنها تجب في مال الطفل الغني عملًا بعمومه كما تصرف فيه مع الفقر، انتهى.

وفيه أيضًا دليل على بعث السعاة، وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام، وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به

(3)

.

= في الدعاء رقم (1315) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 353)(8/ 162)، (10/ 88) من طرق.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا تُردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يُفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السماوات، ويقول الربُّ عز وجل: وعِزتي لأنصرنك ولو بعد حين".

وهو حديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(1)

في "الفتح"(3/ 360).

(2)

أي ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 119).

(3)

قال الشوكاني في "إرشاد الفحول"(ص 195 - 198): "وقد ذهب الجمهور إلى وجوب العمل بخبر الواحد وأنه قد وقع التعبدُ به

ثم اختلف الجمهور في طريق إثباته، فالأكثر منهم قالوا: يجب بدليل السمع، وقال أحمد بن حنبل، والقفال، وابن شريح، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، وأبو جعفر الطوسي من الإمامية، والصيرفي من الشافعية: إنَّ الدليل العقليَّ دل على وجوب العمل لاحتياج الناس إلى معرفة بعض الأشياء من جهة الخبر الوارد عن الواحد.

وأما دليل السمع فقد استدلوا من الكتاب مثل قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} [الحجرات: 6]، وبمثل قوله تعالى:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة: 122]. ومن السنة بمثل قصة أهل قُباء لما أتاهم واحد فأخبرهم أن القبلة قد تحولت فتحولوا، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم. [البخاري رقم (403)، ومسلم رقم (526) من حديث ابن عمر]، وبمثل بعثه صلى الله عليه وسلم لعماله واحدًا بعد واحدٍ، وكذلك بعثه بالفرد من الرسل يدعو الناسَ إلى الإسلام.

ومن الإجماع بإجماع الصحابة والتابعين على الاستدلال بخبر الواحدَ وشاع ذلك وذاع ولم ينكره أحد، ولو أنكره منكر لنقل إلينا، وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم كالقول الصريح. [الكوكب المنير (2/ 360) والمستصفى (2/ 189) ونهاية السول (2/ 281) والمعتمد (2/ 98)]

وعلى الجملة فلم يأت من خالف في العمل بخبر الواحد بشيء =

ص: 19

وإيجاب الزكاة في مال المجنون

(1)

للعموم أيضًا، وأن من ملك نصابًا لا يعطى من الزكاة من حيث إنه جعل أن المأخوذ منه غنيّ وقابله بالفقير، وأن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال.

وقد استشكل عدم ذكر الصوم والحجّ في الحديث مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر كما تقدم.

وأجاب ابن الصلاح

(2)

بأن ذلك تقصير من بعض الرواة.

وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان.

وأجاب الكرماني

(3)

بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر ولهذا كُرِّرا في القرآن، فمن ثَمَّ لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام.

وقيل: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء كحديث: "بني الإسلام على خمس"

(4)

، فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة: الشهادة والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الحج والصوم لقوله تعالى:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ}

(5)

، مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج.

2/ 1531 - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

(6)

قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ صَاحِبِ

= يصلحُ للتمسك به، ومن تتبع عمل الصحابة من الخلفاء وغيرهم وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد، وجد ذلك في غاية الكثرة بحيث لا يتسع له إلا مصنف، وإذا وقع من بعضهم التردد في العمل به في بعض الأحوال، فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبةٍ في الصحة أو تهمة للراوي أو وجود معارضٍ راجح أو نحو ذلك. [المستصفى (2/ 213 - 222) والإحكام لابن حزم (1/ 104) وما بعدها) وروضة الناظر (1/ 170 - 175)] "اهـ.

(1)

المغني لابن قدامة (4/ 69 - 70).

(2)

ذكره الحافظ في "الفتح"(3/ 360).

(3)

في شرحه لصحيح البخاري (7/ 167 - 168).

(4)

أخرجه أحمد (2/ 26، 39، 120) والبخاري رقم (8) ومسلم رقم (19/ 16) وغيرهم.

(5)

سورة التوبة: الآية (5).

(6)

في حاشية المخطوط (أ): (هريرة).

ص: 20

كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكاتَهُ إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبْهَتُهُ حَتّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاع قَرْقَرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا حَتَّى يَحْكمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمِ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتها إلا بُطِحَ لَهَا بِقَاع قَرْقَرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ فَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ، كَلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاها، حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّون، ثُمَّ يُرَى سَبيلهُ، إِمَّا إلى الجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ". قَالُوا: فالخَيْلُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "الخَيْلُ في نَوَاصِيهَا"؛ أَوْ قَالَ: "الخَيْلُ مَعْقُود في نَوَاصِيهَا الخيْرُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ؛ الخَيْلُ ثَلاثةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ، وَبرَجُلٍ سِتْرٌ، وَبرَجُلٍ وِزْرٌ، فأمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَالرَّجُلُ يَتَخِذُها فِي سَبِيلِ اللهِ وَيُعدُّهَا لَهُ فَلا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا إِلَّا كَتَبَ الله لَهُ أَجْرًا، وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ فَمَا أَكَلْتَ مِنْ شَيْءٍ إلّا كَتَبَ الله لَهُ بَهَا أجْرًا وَلَوْ سَقَاها مِنْ نَهْرٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرةٍ تُغَيِّبُها فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ" حتى ذكر الأجْرَ في أَبْوَالِهَا وَأَوْرَاثِها، "وَلَوْ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كُتِبَ لَهُ بِكُلّ خَطْوةٍ تَخْطُوهَا أجْرٌ. وَأمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ ستْرٌ فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا وَلا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا فَي عُسْرِهَا وَيُسْرِها. وَأمَّا الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ، فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا وَبَذَخًا وَرِياءَ النَّاسِ، فَذَلِكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ"، قالُوا: فالحُمُرُ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "ما أنْزَلَ الله عَلَيَّ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا هَذِهِ الآيَةَ الجامِعَةَ الفاذَّةَ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}

(1)

"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(2)

وَمُسْلِمٌ)

(3)

. [صحيح]

قوله: (ما من صاحب كنز)، قال الإمام أبو جعفر الطبراني

(4)

: الكنز كل شيء مجموع بعضه على بعض سواء كان في بطن الأرض أو في ظهرها.

(1)

سورة الزلزلة: الآية (7، 8).

(2)

في المسند (2/ 383).

(3)

في صحيحه رقم (26/ 987).

(4)

في جامع البيان (6/ 10/ 121).

ص: 21

قال صاحب العين

(1)

وغيره

(2)

: وكان مخزونًا.

قال القاضي عياض

(3)

: اختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن وفي الحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه صدقة الزكاة فلم تؤد. فأما مال أخرجت زكاته فليس بكنز.

وقيل: الكنز هو المذكور عن أهل اللغة، ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة

(4)

.

وقيل: المراد بالآية أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك.

وقيل: كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وإن أديت زكاته.

وقيل: هو ما فضل عن الحاجة، ولعل هذا كان في أول الإسلام وضيق الحال.

واتفق أئمة الفتوى على القول الأول لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تؤدّى زكاته".

وفي صحيح مسلم

(5)

: "من كان عنده مال لم يؤد [زكاته]

(6)

مُثِّلَ

(1)

أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتابه العين (ص 855).

(2)

"مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني (ص 727).

(3)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 498).

(4)

والمراد بالإنفاق في الآية [التوبة: 34]: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ

} قولان:

(أحدهما): إخراج الزكاة. وهذا مذهب الجمهور، والآية على هذا محكمة.

وعن عبد الله بن عمر قال: وما كان من مال تؤدَّى زكاته، فإنه ليس بكنز وإن كان مدفونًا. وما ليس مدفونًا لا تؤدَّى زكاته، فإنه الكنز الذي ذكره الله عز وجل في كتابه".

وهو موقوف صحيح.

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 82) وقال: "هذا هو الصحيح موقوف".

(والثاني): أن المراد بالإنفاق، إخراج ما فضل عن الحاجة.

وانظر: "ناسخ القرآن ومنسوخه" لابن الجوزي (ص 428 - 430).

وقال مكي في "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه"(ص 314): "هي محكمة مخصوصة في الزكاة" اهـ.

وانظر: "فتح الباري"(3/ 273).

(5)

رقم (27/ 988).

(6)

في المخطوط (ب): (ماله).

ص: 22

له [شجاعًا]

(1)

أقرع"، وفي آخره: "فيقول: أنا كنزك".

وفي لفظ لمسلم

(2)

بدل قوله: "ما من صاحب كنز": "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منهما حقهما".

قوله: (ثم يرى سبيله)، قال النووي

(3)

: هو بضم الياء التحتية من يرى وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها.

قوله: (إلا بطح لها بقاع قرقر)، القاع: المستوى الواسع في سوي الأرض.

قال الهروي

(4)

: وجمعه قيعة وقيعان مثل جار وجيرة وجيران. والقرقر بقافين مفتوحتين وراءين أولاهما ساكنة: المستوي أيضًا من الأرض الواسع.

والبطح قال جماعة من أهل اللغة

(5)

: معناه الإلقاء على الوجه.

قال القاضي عياض

(6)

: وقد جاء في رواية للبخاري

(7)

: "تخبط وجهه بأخفافها"، قال: وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البطح أن يكون على الوجه، وإنما هو في اللغة بمعنى البسط والمد فقد يكون على وجهه وقد يكون على ظهره، ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها.

قوله: (كأوفر ما كانت)، يعني لا يفقد منها شيء. وفي رواية لمسلم

(8)

: "أعظم ما كانت".

قوله: (تستن عليه)، أي تجري عليه

(9)

، وهو بفتح الفوقية وسكون السين المهملة بعدها فوقية مفتوحة ثم نون مشددة.

قوله: (كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها)، وقع في رواية لمسلم

(10)

: "كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها".

(1)

في المخطوط (ب): (شجاع).

(2)

رقم (24/ 987).

(3)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 65).

(4)

في الغريبين (5/ 1602).

(5)

القاموس المحيط (ص 273) والنهاية (1/ 134).

(6)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 488).

(7)

في صحيحه رقم (6958).

(8)

في صحيحه رقم (30/ 990).

(9)

قال ابن الأثير في "النهاية"(2/ 410): استنَّ الفرس يستن استنانًا: أي عدا لمرحه ونشاطه شوطًا أو شوطين ولا راكب عليه.

(10)

في صحيحه رقم (24/ 987).

ص: 23

قال القاضي عياض

(1)

: وهو تغيير وتصحيف، وصوابه الرواية الأخرى، يعني المذكورة في الكتاب.

قوله: (ليس فيها عقصاء إلخ)، قال أهل اللغة

(2)

: العقصاء: ملتوية القرنين، وهي بفتح العين المهملة وسكون القاف بعدها صاد مهملة ثم ألف ممدودة.

والجلحاء بجيم مفتوحة ثم لام ساكنة ثم حاء مهملة: التي لا قرن لها.

قوله: (تنطحه) بكسر الطاء وفتحها لغتان حكاهما الجوهري

(3)

وغيره

(4)

والكسر أفصح وهو المعروف في الرواية.

قوله: (الخيل في نواصيها الخير)، جاء تفسيره في الحديث الآخر في الصحيح بأنه الأجر والمغنم. وفيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة، والمراد قبيل القيامة بيسير وهو وقت إتيان الريح الطيبة من قبل اليمن التي تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة كما ثبت في الصحيح

(5)

.

قوله: (فأما التي هي له أجر) هكذا في أكثر نسخ مسلم، وفي بعضها: "فأما الذي هي له [أجرًا]

(6)

"، وهي أوضح وأظهر.

قوله: (في مرج) بميم مفتوحة وراء ساكنة ثم جيم، وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب

(7)

.

قوله: (ولو استنت شرفًا أو شرفين) أي جرت، والشرف

(8)

بفتح الشين المعجمة والراء: وهو العالي من الأرض؛ وقيل: المراد طلقًا أو طلقين.

قوله: (أشرًا وبطرًا وبذخًا) قال أهل اللغة: الأشر

(9)

بفتح الهمزة والشين المعجمة: المرح واللجاج.

(1)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 488).

(2)

النهاية (3/ 276).

(3)

في الصحاح (1/ 412).

(4)

كتهذيب اللغة للأزهري (4/ 389).

(5)

في صحيح مسلم رقم (117/ 185).

(6)

كذا في المخطوط (أ) و (ب). وفي شرح صحيح مسلم (7/ 66) للنووي: (وزر).

(7)

القاموس المحيط (ص 262).

(8)

القاموس المحيط (ص 1064).

(9)

قال ابن الأثير في "النهاية"(1/ 51): "الأشر: البطر. وقيل: أشد البطر. المرح: مَرِح: كفرِحَ: أشر وبطر، واختال ونشِط وتبختر.

ص: 24

البطر

(1)

بفتح الباء [الموحدة]

(2)

من أسفل والطاء المهملة ثم راء: هو الطغيان عند الحق.

والبذخ

(3)

بفتح الباء الموحدة والذال المعجمة بعدها خاء معجمة: هو بمعنى الأشر والبطر.

قوله: (إلا هذه الآية الفاذة الجامعة)، المراد بالفاذة: القليلة النظير

(4)

، وهي بالذال المعجمة المشددة.

والجامعة: العامة المتناولة لكل خير ومعروف. ومعنى ذلك أنه لم ينزل عليّ فيها نص بعينها، ولكن نزلت هذه [الآية]

(5)

العامة.

وقد يحتج بهذا من قال: لا يجوز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم.

ويجاب بأنه لم يظهر له فيها شيء، ومحل ذلك الأصول

(6)

.

والحديث يدل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة والإبل والغنم.

وقد زاد مسلم

(7)

في هذا الحديث: "ولا صاحب بقر إلخ"، قال النووي

(8)

: وهو أصح حديث ورد في زكاة البقر.

وقد استدل به أبو حنيفة

(9)

على وجوب الزكاة في الخيل لما وقع في رواية لمسلم (7) عند ذكر الخيل: "ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها".

وتأول الجمهور هذا الحديث على أن المراد يجاهد بها.

= القاموس المحيط (ص 308).

واللجاج. انظر: القاموس المحيط (ص 260 - 261).

(1)

البطر: الطغيان عند النعمة وطول الغنى (النهاية 1/ 135).

(2)

في المخطوط (أ): (بواحدة).

(3)

البذخ: الفخر والتطاول، الباذخ العالي ويجمع على بُذَّخ (النهاية:(1/ 110).

(4)

النهاية (3/ 422).

(5)

زيادة من المخطوط (أ).

(6)

انظر: إرشاد الفحول (ص 833 - 836) بتحقيقي فيه تفصيل جيد للمسألة مع بيان المذاهب ومراجعها وذكر أدلة كل مذهب.

(7)

في صحيحه رقم (24/ 987).

(8)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 65).

(9)

البناية في شرح الهداية للعيني (3/ 398).

ص: 25

وقيل: المراد بالحق في رقابها: الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها، والمراد بظهورها إطراق فحلها إذا طلبت عاريته.

وقيل: المراد حق الله مما يكسبه من مالى العدو على ظهورها وهو خُمس الغنيمة، وسيأتي الكلام على هذه الأطراف التي دل الحديث عليها.

قال المصنف

(1)

رحمه الله: وفيه دليل أن تارك الزكاة لا يقطع له بالنار وآخره دليل في إثبات العموم، انتهى.

3/ 1532 - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ لَمَّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ عُمَرَ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا الله، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى"، فَقَالى: والله لأقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَق المَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَناقًا كَانُوا يُؤَدونَها إلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ قَدْ شَرَحَ الله صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلْقِتَال، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنِ مَاجَهْ

(2)

، لَكِنْ فِي لَفْظِ مُسْلِمٍ

(3)

وَالتّرْمِذِيِّ

(4)

وَأَبي دَاوُدَ

(5)

: لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا كانُوا يُؤدُّونَهُ، بَدَلَ العَنَاقِ). [صحيح]

قوله: (وكفر من كفر من العرب)، قال الخطابي

(6)

: أهل الردة كانوا صنفين: صنفًا ارتدوا عن الدين ونبذوا الملة وعدلوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة.

وهذه الفرقة طائفتان:

(1)

أي ابن تيمية الجد في المنتقى (2/ 120).

(2)

أحمد (1/ 11)، (2/ 528 - 529) والبخاري رقم (1399) ومسلم رقم (20/ 32) وأبو داود رقم (1556) والترمذي رقم (2607) والنسائي رقم (2443).

(3)

في صحيحه رقم (32/ 20).

(4)

في سننه رقم (2607).

(5)

في سننه رقم (1556).

(6)

في "معالم السنن"(2/ 199 - مع السنن).

ص: 26

(إحداهما) أصحاب مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسي ومن استجابه من أهل اليمن، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مدعية النبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة والعنسي بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم.

(والطائفة الأخرى) ارتدوا عن الدين فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس.

قال

(1)

: والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة فأنكروا وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل البغي.

وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا لدخولهم في غمار أهل الردة، وأضيف الاسم في الجملة إلى أهل الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما.

وأرخ [مبتدأ]

(2)

قتال أهل البغي من زمن علي بن أبي طالب، إذ كانوا منفردين في زمانه، [يختلطوا]

(3)

بأهل الشرك.

وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة [ولا]

(4)

يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم قد كانوا جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم.

وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر بن الخطاب، فراجع أبو بكر وناظره واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أمرت أنا أقاتل الناس"

(5)

الحديث، وكان هذا من عمر تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه،

(1)

أي الخطابي في معالم السنن (2/ 200 - 201 - مع السنن).

(2)

زيادة من المخطوط (أ).

(3)

في المخطوط (أ): (يخلطوا).

(4)

في المخظوط (أ): (ولم).

(5)

جزء من حديث تقدم برقم (3/ 1532) من كتابنا هذا.

ص: 27

فقال له أبو بكر: إن الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال متعلقة بأطراف شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه.

وقد اجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس، ودلَّ على ذلك أن العموم يُخَصّ بالقياس

(1)

وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته، فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر وبان له صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله:"فعرفت أنه الحق"، يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصًا ودلالة.

وقد زعم زاعمون من الرافضة

(2)

أن أبا بكر أول من سبى المسلمين، وأن

(1)

قال الشوكاني في "إرشاد الفحول"(ص 528): "والحق الحقيقُ بالقبول أنه يُخصَّص بالقياس الجلي لأنه معمولٌ به لقوة دلالته وبلوغها إلى حد يوازن النصوصَ، وكذلك يخصص بما كانت عِلّتُه منصوصًة أو مجمعًا عليها، وأما العلة المنصوصة فالقياس الكائن بها في قوة النص.

وأما العلة المجمع عليها فلكون ذلك الإجماع قد دل على دليل مجمع عليه، وما عدا هذه الثلاثة الأنواع من القياس فلم تقم الحجة بالعمل به من أصله" اهـ.

وانظر: البحر المحيط (3/ 381).

والمستقصى (3/ 349).

(2)

الرافضة: يطلق على تلك الطائفة ذات الأفكار والآراء الاعتقادية الذين رفضوا خلافة الشيخين وأكثر الصحابة، وزعموا أن الخلافة في علي وذريته من بعده بنص من النبي صلى الله عليه وسلم.

وأذكر أهم المسائل الاعتقادية عندهم والتي كان لها أثر هام في تباعدهم عن هدي الكتاب والسنة وطريقة أهل الحق:

1 -

قصر الخلافة في آل البيت، علي وذريته رضي الله عنهم.

2 -

دعواهم عصمة الأئمة والأوصياء.

3 -

تدينهم بالتقية.

4 -

دعواهم المهدية.

5 -

دعواهم الرجعة. =

ص: 28

القوم كانوا متأولين في منع الصدقة، وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}

(1)

خطاب خاص في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم، ومثل هذه الشبهة إذا وجدت كان ذلك مما يعذر فيه أمثالهم ويرفع به السيف عنهم.

وزعموا أن قتالهم كان عسفًا، وهؤلاء قوم لا خلاق لهم في الدين، وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف، وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافًا:

(منهم) من ارتد عن الملة ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره.

(ومنهم) من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارًا، ولذلك رأى أبو بكر سبي ذراريهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة.

واستولد علي بن أبي طالب جارية من سبي بني حنيفة فولدت له محمد بن الحنفية، ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى

(2)

.

فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فإنهم أهل بغي، ولم يسموا على الانفراد كفارًا، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين.

= 6 - موقفهم من القرآن.

7 -

موقفهم من الصحابة.

8 -

القول بالبداء على الله تعالى.

وتوجد لهم آراء أخرى منحرفة.

[انظر كتاب: "فرق معاصرة تنسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها"، إعداد غالب بن علي عواجي (1/ 163 - 167) فقد أجاد وأفاد].

(1)

سورة التوبة: الآية (103).

(2)

قال ابن المنذر في كتابه: "الإجماع"(ص 153 - 154) رقم (723): "وأجمع كل من نحفظ عنه على أن المرتد بارتداده، لا يزول ملكه من ماله".

ص: 29

وذلك أن الردة اسم لغوي، فكل من انصرف عن أمر كان مقبلًا عليه فقد ارتد عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنه اسم الثناء والمدح وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقًّا.

وأما قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}

(1)

، وما ادعوه من كون الخطاب خاصًّا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن خطاب كتاب الله على ثلاثة أوجه:

خطاب عام كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ}

(2)

الآية ونحوها.

وخطاب خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشركه فيه غيره وهو ما أبين به عن غيره

بسمة التخصيص وقطع التشريك، كقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً

لَكَ}

(3)

، وكقوله:{خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}

(4)

.

وخطاب مواجهة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو وجميع أمته في المراد به سواء، كقوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ}

(5)

، وكقوله:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ}

(6)

، ونحو ذلك.

ومنه قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (1)، وهذا غير مختص به بل يشاركه فيه الأمة.

والفائدة في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب أنه هو الداعي إلى الله والمبين عنه معنى ما أراد، فقدم اسمه ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما ينهجه لهم.

وأما

(7)

التطهير والتزكية والدعاء منه صلى الله عليه وسلم لصاحب الصدقة، فإن الفاعل لها قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله فيها، وكل ثواب [موعود]

(8)

على عمل بر كان في زمنه صلى الله عليه وسلم فإنه باق غير منقطع.

(1)

سورة التوبة: الآية (103).

(2)

سورة المائدة: الآية (6).

(3)

سورة الإسراء: الآية (79).

(4)

سورة الأحزاب: الآية (55).

(5)

سورة الإسراء: الآية (78).

(6)

سورة النحل: الآية (98).

(7)

في المخطوط (ب): (وأما آية التطهير).

(8)

في المخطوط (ب): (موجود).

ص: 30

قوله: (حتى يقولوا لا إله إلا الله إلخ)، المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ويقاتلون ولا يرفع عنهم السيف.

قوله: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكلاة).

قال النووي

(1)

: ضبطناه بوجهين: فرَّق وفرَّق بتشديد الراء وتخفيفها، ومعناه من أطاع في الصلاة وجحد في الزكاة أو منعها.

قوله: (عناقًا)

(2)

بفتح العين، بعدها نون: وهو الأنثى من أولاد المعز.

وفي الرواية الأخرى: "عقالًا"، وقد اختلف في تفسيره

(3)

، فذهب جماعة إلى أن المراد بالعقال: زكاة عام.

قال النووي

(4)

: وهو معروف في اللغة كذلك، [وهذا]

(5)

قول الكسائي

(6)

والنضر بن شميل

(7)

وأبي عبيد

(8)

والمبرد

(9)

وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء.

قال: والعقال الذي هو الحبل الذي يعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز القتال عليه، فلا يصح حمل الحديث على هذا.

(1)

في شرحه لصحيح مسلم (1/ 208).

(2)

النهاية (3/ 311). حيث قال: هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة.

(3)

النهاية (3/ 280) حيث قال: "العقال: الحبل الذي يعقل به البعير الذي كان يؤخذ من الصدقة؛ لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع القبضُ بالرِّباط.

وقيل: أراد ما يساوي عقالًا من حقوق الصدقة.

وقيل: إذا أخذ المصدّق أعيان الإبل؛ قيل: أخذ عقالًا، وإذا أخذ أثمانها؛ قيل: أخذ نقدًا.

(4)

في شرحه لصحيح مسلم (1/ 208).

(5)

في المخطوط (ب): (وهو).

(6)

ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة"(1/ 239).

(7)

ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (1/ 208).

(8)

في "الغريبين"(4/ 1312).

(9)

في "الكامل"(2/ 508) حيث قال: فأما الصحيح فإنَّ المصدِّق إذا أخذ من الصدقة ما فيها ولم يأخذ ثمنها قيل: أخذ عقالًا، وإذا أخذ الثمن قيل: أخذ نقدًا، ثم قال: والذي تقوله العامة تأويله: لو منعوني ما يساوي عقالًا فضلًا عن غيره، وهذا وجه، والأول هو الصحيح لأنه ليس عليهم عقال يعقل به البعير فيطلبه فيمنعه" اهـ.

ص: 31

وذهب كثير من المحققين إلى أن المراد بالعقال: الحبل الذي يعقل به البعير، وهذا القول يحكى عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين.

قال صاحب التحرير

(1)

: قول من قال: المراد صدقة عام تعسف وذهاب من طريقة العرب لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة فيقتضي قلة ما علق به العقال وحقارته، وإذا حمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى.

قال النووي

(2)

: وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره، وكذلك أقول أنا.

ثم اختلفوا في المراد بقوله: "منعوني عقالًا"، فقيل: قدر قيمته كما في زكاة الذهب والفضة والمعشرات والمعدن والركاز والفطرة والمواشي في بعض أحوالها، وهو حيث يجوز دفع القيمة.

وقيل: زكاة عقال إذا كان من عروض التجارة.

وقيل: المراد المبالغة ولا يمكن تصويره ويرده ما تقدم.

وقيل: إنه العقال الذي يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها برباطها

(3)

.

واعلم أنها قد وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن مانع الزكاة يقاتل حتى يعطيها، ولعلها لم تبلغ الصدِّيق ولا الفاروق، ولو بلغتهما لما خالف عمر ولا احتج أبو بكر بتلك الججة التي هي القياس.

فمنها ما أخرجه البخاري

(4)

ومسلم

(5)

من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا

(1)

ذكره النووي في شرحه لصحيح مسلم (1/ 208).

(2)

في شرحه "لصحيح مسلم"(1/ 208).

(3)

النهاية (3/ 280).

(4)

في صحيحه رقم (25).

(5)

في صحيحه رقم (36/ 22).

وهو حديث صحيح.

ص: 32

رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".

وأخرج البخاري

(1)

ومسلم

(2)

والنسائي

(3)

من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".

وأخرج مسلم

(4)

والنسائي

(5)

من حديث جابر بن عبد الله نحوه.

وفي الباب أحاديث

(6)

.

4/ 1533 - (وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ عَن أبيه عَن جَدِّهِ قالَ: سَمعت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "في كُلّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلّ أَرْبَعِينَ ابنَة لَبُونٍ لَا تُفْرَقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوها، وَشَطْرَ إِبِلِهِ

(1)

في صحيحه رقم (2946).

(2)

في صحيحه رقم (34/ 21).

(3)

في المجتبى (6/ 4) وفي السنن الكبرى رقم (3425).

وهو حديث صحيح.

(4)

في صحيحه رقم (35/ 21).

(5)

في السنن الكبرى رقم (11606).

وهو حديث صحيح.

(6)

وقد اتفق أبو بكر وعمر وسائر الصحابة على قتال مانعي الزكاة حتى يؤدوا حق الله تعالى في الزكاة كما يلزمهم ذلك في الصلاة.

وممن نقل الإجماع على ذلك:

1 -

ابن عبد البر في "التمهيد"(21/ 282).

2 -

أبو الخطاب الكلوذاني في الانتصار (3/ 194).

3 -

الموفق بن قدامة في "الكافي"(1/ 277، 278).

4 -

النووي في "المجموع"(5/ 358).

5 -

شمس الدين بن قدامة في الشرح الكبير (1/ 590، 692).

6 -

الزركشي في شرح الزركشي (2/ 373).

7 -

العيني في "عمدة القاري"(7/ 159، 172).

8 -

البهوتي في "كشاف القناع"(2/ 257).

ومستند هذا الإجماع من هؤلاء الأفاضل الأحاديث التي تقدمت.

ص: 33

عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا تبارك وتعالى لَا يَحِل لآل مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْء"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَالنَّسائي

(2)

وأَبُو دَاوُد

(3)

وقال: "وَشَطْرَ مالِهِ"، وَهُوَ حُجَّةٌ في أخْذِها مِنَ المُمْتَنِعِ وَوُقُوعِهِا مَوْقِعِها). [حسن]

الحديث أخرجه أيضًا الحاكم

(4)

والبيهقي

(5)

.

وقال يحيى بن معين

(6)

: إسناده صحيح إذا كان من دون بهز ثقة.

وقد اختلف في بهز فقال أبو حاتم

(7)

: لا يحتج به. وروى [الحاكم]

(8)

عن الشافعي

(9)

أنه قال: ليس بهز حجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم ثم رجع.

وسئل أحمد عن هذا الحديث فقال: ما أدري [ما]

(10)

وجهه، وسئل عن إسناده فقال: صالح الإسناد.

وقال ابن حبان

(11)

: لولا هذا الحديث لأدخلت بهزًا في الثقات.

وقال ابن حزم

(12)

: إنه غير مشهور العدالة.

وقال ابن الطلاع: إنه مجهول. وتعقبا بأنه قد وثقه جماعة من الأئمة.

وقال ابن عدي

(13)

: لم أر له حديثًا منكرًا.

(1)

في المسند (5/ 4).

(2)

في سننه (5/ 25).

(3)

في سننه رقم (1575).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (2266) والحاكم (1/ 398) وابن حزم في المحلى (6/ 57) والبيهقي (4/ 116) والخطيب في تاريخه (9/ 448) وأبو عبيد في الأموال رقم (987) وعبد الرزاق رقم (6824) وابن أبي شيبة (3/ 122).

وهو حديث حسن، والله أعلم.

(4)

في المستدرك (1/ 398) وقد تقدم.

(5)

في السنن الكبرى (4/ 116) وقد تقدم.

(6)

حكاه عنه المزي في "تهذيب الكمال"(4/ 261).

(7)

في "الجرح والتعديل"(2/ 430 - 431).

(8)

ما بين الخاصرتين سقط من (ب).

(9)

المجموع شرح المهذب (5/ 304).

(10)

زيادة من المخطوط (ب).

(11)

في المجروحين (1/ 194).

(12)

في المحلى (6/ 57). وقال مرة في المحلى (8/ 169): ضعيف. وقال مرة أخرى أيضًا في المحلى (11/ 132): ليس بالقوي.

(13)

في الكامل (2/ 501).

ص: 34

وقال الذهبي

(1)

: ما تركه عالم قط، وقد تكلم فيه أنه كان يلعب بالشطرنج.

قال ابن القطان: وليس ذلك بضائر له، فإن استباحته مسألة فقهية مشتهرة.

قال الحافظ: وقد استوفيت الكلام فيه في تلخيص التهذيب

(2)

.

وقال البخاري

(3)

: بهز بن حكيم يختلفون فيه. وقال ابن كثير: الأكثر لا يحتجون به. وقال الحاكم: حديثه صحيح. وقد حسن له الترمذي عدة أحاديث. ووثقه واحتج به أحمد وإسحاق والبخاري خارج الصحيح، وعلق له فيه، وروى عن أبي داود أنه حجة عنده

(4)

.

قوله: (في كل إبل سائمة)، يدل على أنه لا زكاة في المعلوفة.

قوله: (في كل أربعين إلخ)، سيأتي تفصيل الكلام في ذلك.

قوله: (لا تفرق إبل عن حسابها)، أي لا يفرق أحد الخليطين ملكه عن ملك صاحبه، وسيأتي أيضًا تحقيقه.

قوله: (مؤتجرًا) أي طالبًا للأجر.

قوله: (فإنا آخذوها)، استدل به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا إذا لم يرض رب المال، وعلى أنه يُكتفى بنية الإمام كما ذهب إلى ذلك الشافعي

(5)

والهادوية

(6)

، وعلى أن ولاية قبض الزكاة إلى الإمام، وإلى ذلك

(1)

في الميزان (1/ 354).

(2)

في تهذيب التهذيب (1/ 251 - 252).

(3)

كما في "تاريخ الإسلام" للذهبي (9/ 80).

(4)

وانظر: "سير أعلام النبلاء"(6/ 252 رقم 114) والتاريخ الكبير (2/ 142 - 143 رقم 1982) وتهذيب الكمال للمزي (4/ 259 - 263 رقم 775) وتهذيب الأسماء واللغات للنووي (1/ 137 - 138) والسابق واللاحق للخطيب (ص 162 - 163 رقم 37) والتقريب رقم (772)، وإكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (3/ 36 - 37 رقم 816) والكاشف (1/ 164).

وخلاصة القول أن بهز بن حكيم ثقة، والله أعلم.

(5)

المجموع شرح المهذب (6/ 163 - 164).

(6)

البحر الزخار (2/ 191).

ص: 35

ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه ومالك

(1)

والشافعي

(2)

في أحد قوليه.

قوله: (وشطر ماله) أي بعضه. وقد استدل به على أنه يجوز للإمام أن يعاقب بأخذ المال، وإلى ذلك ذهب الشافعي في القديم

(3)

من قوليه ثم رجع عنه وقال: إنه منسوخ، وهكذا قال البيهقي

(4)

وأكثر الشافعية

(5)

.

قال في التلخيص

(6)

: وتعقبه النووي

(7)

فقال: الذي أدعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ.

وقد نقل الطحاوي والغزالي الإجماع على نسخ العقوبة بالمال. وحكى صاحب ضوء النهار

(8)

عن النووي أنه نقل الإجماع مثلهما وهو يخالف ما قدمنا عنه فينظر.

وزعم الشافعي

(9)

أن الناسخ حديث ناقة البراء

(10)

، لأنه صلى الله عليه وسلم حكم عليه بضمان ما أفسدت، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم في تلك القضية أضعف الغرامة.

(1)

الاستذكار (9/ 231).

(2)

المهذب لأبي إسحاق الشيرازي (1/ 554).

(3)

حكاه عنه الشيرازي في "المهذب"(1/ 460 - 461).

(4)

في "معرفة السنن والآثار"(6/ 58 رقم 7988).

(5)

المجموع (5/ 308).

(6)

(2/ 313).

(7)

في "المجموع"(5/ 308).

(8)

(2/ 350 - 351).

(9)

في معرفة السنن والآثار (6/ 58 رقم 7989).

(10)

يشير المؤلف رحمه الله إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه مالك في الموطأ (2/ 747 رقم 37) عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن مُحيصة، أنَّ ناقة للبراء بن عازب دخلث حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أن على أهل الحوائط حفظها بالنَّهار، وأنَّ ما أفسدت المواشي بالليل ضامنُ على أهلها".

قلت: وهذا سند مرسل صحيح، وقد أخرجه الدارقطني (3/ 156 رقم 222) والبيهقي (8/ 341) وأحمد (5/ 435 - 436) من طريق مالك به.

وتابعه الليث بن سعد عن ابن شهاب به مرسلًا، أخرجه ابن ماجه رقم (2332)، وتابعهما سفيان بن عيينة عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وحرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء

أخرجه أحمد (5/ 436) والبيهقي (8/ 342).

وتابعهم الأوزاعي، لكن اختلفوا عليه في سنده، فقال أبو المغيرة: ثنا الأوزاعي عن =

ص: 36

ولا يخفى أن تركه صلى الله عليه وسلم للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضية لا يستلزم الترك مطلقًا ولا يصلح للتمسك به على عدم الجواز وجعله ناسخًا البتة.

وقد ذهب إلى جواز المعاقبة بالمال الإمام يحيى والهادوية

(1)

.

= الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري به مرسلًا. أخرجه البيهقي (8/ 341).

وقال الفريابي عن الأوزاعي به إلا أنه قال: "عن البراء بن عازب" فوصله.

أخرجه أبو داود رقم (3570) وعنه البيهقي (8/ 341) والحاكم (2/ 48).

وكذا قال أيوب بن سويد: ثنا الأوزاعي به. أخرجه الدارقطني (3/ 155 رقم 217) والبيهقي (8/ 341).

فقد اتفق هؤلاء الثلاثة: الفريابي، ومحمد بن مصعب، وأيوب بن سويد، على وصله على الأوزاعي، فهو أولى من رواية أبي المغيرة عنه مرسلًا لأنهم جماعة، وهو فرد.

وتابعهم معمر، واختلفوا عليه أيضًا، فقال عبد الرزاق؛ ثنا معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء

الحديث.

فزاد في السند "عن أبيه" أخرجه أبو داود رقم (3569) وابن حبان رقم (1168 - موارد) والدارقطني (3/ 154 رقم 216) وأحمد (5/ 436) والبيهقي (8/ 342).

وقال: "وخالفه وهيب، وأبو مسعود الزجاج عن معمر، فلم يقولا: عنه عن أبيه".

قال ابن التركماني في "الجوهر النقي"(8/ 342 - مع السنن الكبرى): "وذكر ابن عبد البر بسنده عن أبي داود، وقال: لم يتابع أحد عبد الرزاق على قوله في هذا الحديث: "عن أبيه"، وقال أبو عمر: أنكروا عليه قوله فيه: "عن أبيه".

وقال ابن حزم: هو مرسل

".

قال المحدث الألباني رحمه الله في "الصحيحة"(1/ 425): "لكن قد وصله الأوزاعي بذكر البراء فيه، في أرجح الروايتين عنه، وقد تابعه عبد الله بن عيسى عن الزهري عن حرام بن محيصة عن البراء به.

أخرجه ابن ماجه رقم (2332) والبيهقي (8/ 341 - 342).

وعبد الله بن عيسى هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ثقة محتج به في الصحيحين، فهي متابعة قوية للأوزاعي على وصله، فصح بذلك الحديث، ولا يضره إرسال من أرسله؛ لأن زيادة الثقة مقبولة، فكيف إذا كانا ثقتين؟

وقد قال الحاكم (2/ 48) عقب رواية الأوزاعي: "صحيح الإسناد على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي" ووافقه الذهبي، كذا قالا، وخلاف معمر مما لا يلتفت إليه لمخالفته لروايات جميع الثقات في قوله:"عن أبيه" على أنه لم يتفقوا عليه وفي ذلك كما سبق، فلو أنهما أشارا إلى خلاف مالك، والليث، وابن عيينة في وصله لكان أقرب إلى الصواب، ولو أن هذا لا يُقلُّ به الحديث لثبوته موصولًا من طريق الثقتين كما تقدم" اهـ.

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(1)

البحر الزخار (2/ 190).

ص: 37

وقال في الغيث

(1)

: لا أعلم في جواز ذلك خلافًا بين أهل البيت.

واستدلوا بحديث بهز هذا

(2)

وبهمِّ النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة

(3)

، وقد تقدم في الجماعة.

وبحديث عمر عند أبي داود

(4)

قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه"، وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة المديني

(5)

.

قال البخاري

(6)

: عامة أصحابنا يحتجون به وهو باطل.

وقال الدارقطني

(7)

: أنكروه على صالح ولا أصل له، والمحفوظ أن سالمًا أمر بذلك في رجل غل في غزاة مع الوليد بن هشام. قال أبو داود

(8)

: وهذا أصح.

وبحديث ابن عمرو بن العاص عند أبي داود

(9)

والحاكم

(10)

والبيهقي

(11)

أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغالِّ وضربوه.

(1)

الغيث المدرار المفتح لكمائم الأزهار. تأليف الإمام أحمد بن يحيى مرتضى الحسني وهو شرح على كتاب المؤلف: الأزهار في فقه الأئمة الأطهار" في أربع مجلدات. مؤلفات الزيدية (2/ 297).

(2)

وهو حديث حسن تقدم برقم (4/ 1533) من كتابنا هذا.

(3)

تقدم برقم (1029) من كتابنا هذا.

(4)

في سننه رقم (2713).

وهو حديث ضعيف.

(5)

صالح بن محمد بن زائدة، أبو واقد، مدني، قال البخاري: منكر الحديث.

وقال الدارقطني: ضعيف. الضعفاء والمتروكين للدارقطني (ص 247) رقم (290) والمجروحين (1/ 367) والجرح والتعديل (4/ 411) والكاشف (2/ 21) والمغني (1/ 305) والميزان (2/ 299) والتقريب (1/ 362) والخلاصة (ص 171).

(6)

في التاريخ الكبير (4/ 291) والصغير رقم (168): وقال: منكر الحديث.

(7)

"العلل"(2/ 52 - 53 س 103).

(8)

في السنن (3/ 158).

(9)

في سننه رقم (2715).

(10)

في المستدرك (2/ 130 - 131) وقال: غريب صحيح ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.

(11)

في السنن الكبرى (9/ 102).

وهو حديث ضعيف.

ص: 38

وفي إسناده زهير بن محمد

(1)

، قيل: هو الخراساني، وقيل: غيره، وهو مجهول؛ وسيأتي الكلام على هذا الحديث في كتاب الجهاد

(2)

وله شاهد مذكور هنالك.

وبحديث أن سعد بن أبي وقاص سلب عبدًا وجده يصيد في حرم المدينة وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من وجدتموه يصيد فيه فخذوا سلبه"، أخرجه مسلم

(3)

.

وبحديث تغريم كاتم الضالة أن يردها ومثلها

(4)

.

وحديث تضمين من أخرج غير ما يأكل من الثمر المعلق مثليه، كما أخرجه أبو داود

(5)

وسكت عنه هو

(6)

والمنذري

(7)

من حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق

(1)

زهير بن محمد، أبو المنذر الخراساني، قال البخاري: روى عنه أهل الشام أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم: محله الصدق، في حفظه سوء. وقال ابن معين: لا بأس به. التاريخ الكبير (3/ 446) والجرح والتعديل (3/ 589) والميزان (2/ 84).

(2)

عند الحديث رقم (180/ 3412) من كتابنا هذا.

(3)

في صحيحه رقم (461/ 1364).

(4)

لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رجلًا من مُزينة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف ترى في حرِيسَةِ الحبل؟ هي ومثلُها والنَّكالُ ليس في شيء من الماشية قطع إلا فيما آواه المراح فبلغ ثمن المجن ففيه قطعُ اليد، فما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه، وجلدات نكالًا .. "، وهو حديث حسن.

أخرجه أبو داود رقم (1710، 4390) والنسائي (8/ 85) والترمذي رقم (1289) وابن ماجه رقم (2596) والدارقطني (4/ 236) والحاكم (4/ 381) وأحمد (2/ 180، 203، 207) وابن الجارود رقم (827) والبيهقي (8/ 278) من طرق.

قال الترمذي: حديث حسن.

وقال الحاكم: هذه سنة تفرد بها عمرو بن شعيب بن محمد، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر" اهـ ووافقه الذهبي. ووافقهما أبو إسحاق الحويني في بذل الإحسان رقم (140) ولأبي الأشبال بحث نفيس حول هذا الإسناد في شرح الترمذي فراجعه.

(5)

في سننه رقم (4390). وهو حديث حسن.

(6)

في السنن (4/ 551).

(7)

في المختصر (6/ 223).

ص: 39

منه شيئًا بعد أن تؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة"، وأخرج نحوه النسائي

(1)

والحاكم

(2)

وصححه، وسيأتي في كتاب السرقة

(3)

.

ومن الأدلة قضية المددي الذي أغلظ لأجله الكلام عوف بن مالك على خالد بن الوليد لما أخذ سلبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا ترد عليه"، أخرجه مسلم

(4)

.

وبإحراق عليِّ بن أبي طالب لطعام المحتكرين

(5)

، ودور قوم يبيعون الخمر

(6)

، وهدمه دار جرير بن عبد الله، ومشاطرة عمر لسعد بن أبي وقاص في ماله الذي جاء به من العمل الذي بعثه إليه، وتضمينه لحاطب بن أبي بلتعة مثلي قيمة الناقة التي غصبها عبيده وانتحروها

(7)

، وتغليظه هو وابن عباس الدية على

(1)

في سننه رقم (4958).

(2)

في المستدرك (4/ 381).

وهو حديث حسن.

(3)

عند الحديث رقم (5/ 3144) من كتابنا هذا.

(4)

في صحيحه رقم (43، 44/ 1753).

(5)

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (6/ 103) وابن حزم في المحلى (9/ 64 - 65) عن الحكم قال: أُخبر علي برجل احتكر طعامًا بمائة ألف فأمر به أن يحرق".

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف (6/ 130) وابن حزم في المحلى (9/ 65) عن الحكم عن عبد الرحمن بن قيس، قال: قال قيس: قد أحرق لي علي بيادر بالسواد كنت احتكرتها لو تركها لربحتها مثل عطاء الكوفة".

(6)

أخرج أبو عبيد في "الأموال"(ص 97 رقم 268).

عن ربيعة بن زكار قال: نظر علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى زرارة فقال: ما هذه القرية؟ قالوا: قرية تدعى زرارة، يلحم فيها، تباع فيها الخمر، فقال: أين الطريق إليها؟ فقالوا: باب الجسر. فقال قائل: يا أمير المؤمنين، نأخذ لك سفينة تجوز مكانك. قال: تلك سخرة، ولا حاجة لنا في السخرة، انطلقوا بنا إلى باب الجسر، فقام يمشي حتى أتاها.

فقال: عليَّ بالنيران، اضرموها فيها. فإن الخبيث يأكل بعضه بعضًا. قال: فاحترقت من غربيها حتى بلغت بستان خواستا بن جبرونا".

• زرارة: محلة بالكوفة سميت باسم بانيها: زرارة بن يزيد بن عمرو من بني البكار.

(7)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (10/ 239 رقم 18978) وابن حزم في المحلى (8/ 157).

ص: 40

من قتل في الشهر الحرام في البلد الحرام

(1)

.

وقد أجيب عن هذه الأدلة بأجوبة:

أما عن حديث بهز فبما فيه من المقال، وبما رواه ابن الجوزي في جامع المسانيد، والحافظ في التلخيص

(2)

عن إبراهيم الحربي أنه قال: في سياق هذا المتن لفظة وهم فيها الراوي، وإنما هو:"فإنا آخذوها من شطر ماله"، أي يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة، فأما ما لا يلزمه فلا، [وبما]

(3)

قال بعضهم: إن لفظة: "وشطر ماله" بضم الشين المعجمة وكسر الطاء المهملة فعل مبني للمجهول، ومعناه: جعل ماله شطرين يأخذ المصدق الصدقة من أي شطرين أراد.

ويجاب عن القدح بما في الحديث من المقال بأنه مما لا يقدح بمثله

(4)

.

وعن كلام الحربي وما بعده بأن الأخذ من خير الشطرين صادق عليه اسم العقوبة بالمال لأنه زائد على الواجب.

وأما حديث هم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحراق

(5)

. فأجيب عنه بأن السنة أقوال وأفعال وتقريرات والهم ليس من الثلاثة.

ويرد بأنه صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بالجائز.

وأما حديث عمر فيما فيه من المقال المتقدم

(6)

.

وكذلك أجيب عن حديث ابن عمرو

(7)

.

وأما حديث سعد بن أبي وقاص

(8)

فبأنه من باب الفدية كما يجب على من

(1)

وانظر: "الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني"(8/ 3951 - 3956) ضمن الرسالة رقم 126) بتحقيقي.

وانظر: "جامع الفقه" ليسري السيد محمد (6/ 548 - 550).

(2)

التلخيص الحبير (2/ 313).

(3)

في المخطوط (ب): (وما).

(4)

تقدم الكلام على الحديث قريبًا وهو حديث حسن، ص 36، 37.

(5)

تقدم تخريجه برقم (1029) من كتابنا هذا.

(6)

تقدم قريبًا وهو حديث ضعيف.

(7)

تقدم قريبًا وهو حديث ضعيف.

(8)

تقدم وهو حديث صحيح.

ص: 41

يصيد صيد مكة، وإنما عين صلى الله عليه وسلم نوع الفدية هنا بأنها سلب العاضد فيقتصر على السبب لقصور العلة التي هي هتك الحرمة عن التعدية.

وأما حديث تغريم كاتم الضالة

(1)

، والمخرج غير ما يأكل من الثمر

(2)

. وقضية المددي

(3)

فهي واردة على سبب خاص فلا يجاوز بها إلى غيره؛ لأنها وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابًا وسنة بتحريم مال الغير.

قال الله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً}

(4)

، {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}

(5)

.

وقال صلى الله عليه وسلم خطبة حجة الوداع: "إنما دماؤكم وأموالكم وأعراضكم" الحديث قد تقدم

(6)

.

وقال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه"

(7)

.

(1)

تقدم قريبًا وهو حديث حسن.

(2)

تقدم قريبًا وهو حديث حسن.

(3)

تقدم قريبًا وهو حديث صحيح.

(4)

سورة النساء: الآية (29).

(5)

سورة البقرة: الآية (188).

(6)

أخرجه البخاري رقم (67) ومسلم رقم (1679) وأبو داود رقم (1948) من حديث أبي بكرة.

(7)

• أخرج أحمد (5/ 425) والبزار في مسنده رقم (3717) وحسنه والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 241) وفي شرح مشكل الآثار رقم (2822) وابن حبان رقم (5978) والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 100) و (9/ 358) وفي الشعب رقم (5493) من طرق.

عن أبي حميد الساعدي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه" وذلك لشدة ما حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مالِ المسلم على المسلم.

• وله شاهد من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه أخرجه أحمد (5/ 72 - 73) مطولًا.

وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 265 - 266) وقال: "رواه أحمد، وأبو حرة الرقاشي وثقه أبو داود، وضعفه ابن معين، وفي علي بن زيد وفيه كلام" اهـ.

• وأخرج أحمد (3/ 423) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" رقم (979) والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 97).

عن عمرو بن يثربي الضمري، قال: شهدتُ خُطبةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فكان فيما خطب به أن قال: "ولا يحل لامرئٍ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه"

• وأخرج البيهقي في السنن الكبرى (6/ 97) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب =

ص: 42

وأما تحريق عليّ طعام المحتكر ودور القوم وهدمه دار جرير فبعد تسليم صحة الإسناد إليه، وانتهاض فعله للاحتجاج به يجاب عنه بأن ذلك من قطع ذرائع الفساد كهدم مسجد الضرار وتكسير المزامير.

وأما المروي عن عمر من ذلك. فيجاب عنه بعد ثبوته بأنه أيضًا قول صحابي لا ينتهض للاحتجاج به ولا يقوى على تخصيص عمومات الكتاب والسنة، وكذلك المروي عن ابن عباس.

قوله: (عزمة من عزمات ربنا)، قال في البدر المنير: عزمة خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك عزمة. وضبطه صاحب "إرشاد الفقه" بالنصب على المصدر، وكلا الوجهين جائز من حيث العربية.

ومعنى العزمة في اللغة: الجدّ في الأمر. وفيه دليل على أن أخذ ذلك واجب مفروض من الأحكام.

والعزائم: الفرائض كما في كتب اللغة

(1)

.

[الباب الثاني] باب صدقة المواشي

5/ 1534 - (عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُمْ: إِنَّ هَذِهِ فَرَائِضَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم على المُسْلِمِينَ الَّتِي أَمَرَ الله بِهَا وَرَسُولُهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطِهِ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، وَالغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيها ابْنَةُ مَخَاضٍ إلى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ

= الناس في حجة الوداع فذكر الحديث وفيه: "لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفس .. ".

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(1)

القاموس المحيط (ص 1468) والنهاية (3/ 232).

ص: 43

لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وأرْبَعِينَ، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ إلى سِتِّين؛ فإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ إِلى تِسْعِينَ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الفَحْلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فإِذَا زَادَتْ عَلى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ؛ فَإِذَا تَبَايَنَ أَسْنَانُ الإِبِلِ فِي فَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ، فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ويُجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا له أوْ عِشْرِينَ دِرْهمًا؛ وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وعِنْدَهُ ابْنَةُ لبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا؛ وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا حِقَّةٌ فإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، ويُعْطِيه المُصَّدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ؛ وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ابْنَةُ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ فإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ويُجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا؛ وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ مَخَاضٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْء؛ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِها إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ إلى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فإذَا زَادَتْ فَفِيهَا شاتَانِ إلى مائَتَيْنِ، فإذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلاثُ شِياهٍ إلى ثَلاثِمائَةٍ، فإذَا زَادَتْ فَفِي كُلّ مائَةٍ شاةٌ؛ ولا يُؤْخَذُ فِي الصدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا ذَاتُ عَوَارٍ ولا تَيْسٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ المُصَّدِّقُ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّة؛ وإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيء إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ، فإذَا لَمْ يَكُنِ المَالُ إِلَّا تِسْعِينَ وَمائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

(1)

في المسند (1/ 11 - 12).

ص: 44

وَالنَّسَائيُّ

(1)

وَأَبُو دَاوُدَ

(2)

وَالبُخَارِيُّ وَقَطَعَهُ فِي عَشْرَةِ مَوَاضِعَ

(3)

. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ

(4)

كَذَلِكَ، وَلَهُ

(5)

فِيهِ فِي رِوَايَةٍ فِي صَدَقَةِ الإِبِلِ: فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمائَةً فَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيح وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثقَاتٌ). [صحيح]

الحديث أخرجه أيضًا الشافعي

(6)

والبيهقي

(7)

والحاكم

(8)

. قال ابن حزم

(9)

: هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصديق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحد.

وصححه ابن حبان

(10)

أيضًا وغيره.

قوله: (أن أبا بكر كتب لهم)، في لفظ للبخاري

(11)

: "إن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله".

قوله: (التي فرض رسول الله) معنى فرض هنا: أوجب أو شرع، يعني بأمر الله تعالى.

وقيل: معناه قدر؛ لأن إيجابها ثابت بالكتاب فيكون المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ذلك.

قال في الفتح

(12)

: وقد يرد الفرض بمعنى البيان كقوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}

(13)

، وبمعنى الإنزال كقوله: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ

(1)

في سننه رقم (2447).

(2)

في سننه رقم (1567).

(3)

في صحيحه مفرقًا رقم (1448) و (1450) و (1451) و (1453) و (1454) و (2487) و (3106) و (5878) و (6955).

(4)

في السنن (2/ 114 - 116 رقم 2).

(5)

أي للدارقطني في الرواية السابقة.

(6)

في "الأم"(3/ 9).

(7)

في السنن الكبرى (4/ 85 - 86).

(8)

في المستدرك (1/ 390 - 392) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

(9)

في المحلى (6/ 20).

(10)

في صحيحه رقم (3266).

(11)

في صحيحه رقم (1454).

(12)

(3/ 318).

(13)

سورة التحريم: الآية (2).

ص: 45

عَلَيْكَ الْقُرْآنَ}

(1)

، وبمعنى الحل كقوله:{مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ}

(2)

، وكل ذلك لا يخرج عن معنى التقدير.

ووقع استعمال الفرض بمعنى اللزوم حتى يكاد يغلب عليه وهو لا يخرج عن معنى التقدير.

وقد قال الراغب

(3)

: كل شيء ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى الإلزام، وكل شيء ورد فرض له فهو بمعنى لم يحرمه عليه.

وذكر أن معنى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} (1) أي أوجب عليك العمل به، وهذا يؤيد قول الجمهور أن الفرض مرادف للوجوب

(4)

. وتفريق

(1)

سورة القصص: الآية (85).

(2)

سورة الأحزاب: الآية (38).

(3)

في مفردات ألفاظ القرآن (ص 630).

(4)

اتفق العلماء - من حيث اللغة - على أن مفهوم هذين اللفظين - الفرض والواجب مختلف، ومعناهما متباين، فالفرض معناه: التقدير أو الخسر، والواجب معناه: السقوط والثبوت.

أما من حيث الشرع فقد اختلف العلماء في الواجب والفرض، هل هما مترادفان، أو مختلفان على مذهبين:

(المذهب الأول): أن الفرض والواجب مترادفان شرعًا، أي: أنهما اسمان لمسمى واحد ولفظان يطلقان على مدلول واحد وهو: الفعل الذي ذم تاركه شرعًا مطلقًا، ولا فرق بين الثبوت بين أن يكون قطعيًا أو ظنيًا.

وهو مذهب أحمد في أصح الروايتين عنه، وهو قول الشافعي والإمام مالك وجمهور العلماء حيث قالوا: إن هذا الفعل الخاص يسمّى فرضًا، ويسمى أيضًا واجبًا مطلقًا سواء أثبت بدليل قطعي، أم ثبت بدليل ظني وهو المختار.

(المذهب الثاني): أنهما غير مترادفين، ويدلان على معنيين متباينين.

فالفرض ما ثبت حكمه بدليل قطعي. والواجب: ما ثبت حكمه بدليل ظني، وهذا مذهب الحنفية حيث قالوا: إنَّ هذا الفعل الخاصَّ إما أن يثبت طلبه وذم تاركه بدليل قطعي كالكتاب والسنة المتواترة، وإما أن يثبت بدليل ظني كخبر الواحد، فإن ثبت بدليل قطعي، فهو فرض، وذلك كقراءة القرآن في الصلاة بقطع النظر عن كون المقروء - الفاتحة أو غيرها فإنه ثبت طلبها الجازم وذمُّ تاركها بقوله تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]، وإن ثبت ذلك بدليل ظني فهو الواجب، وذلك كقراءة الفاتحة بخصوصها في الصلاة، فإنه قد ثبت طلبها الجازم وذم تاركها بحديث البخاري ومسلم:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". =

ص: 46

الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يثبتان به لا مشاحة فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك؛ لأن اللفظ السابق لا يحمل على الاصطلاح الحادث، انتهى.

قوله: (ورسوله)، في نسخة:"رسوله" بدون واو، وهو الصواب كما في البخاري

(1)

وغيره

(2)

.

قوله: (ومن سئل فوق ذلك فلا يعطه)، أي من سئل زائدًا على ذلك في سن أو عدد فله المنع.

ونقل الرافعي

(3)

الاتفاق على ترجيحه.

وقيل: معناه: فليمنع الساعي وليتول هو إخراجه بنفسه أو يدفعها إلى ساع آخر، فإن الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعديًا وشرطه أن يكون أمينًا.

قال الحافظ

(4)

: لكن محل هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل، انتهى. ولعله يشير بهذا إلى الجمع بين هذا الحديث وحديث:"أرضوا مصدّقيكم" عند مسلم

(5)

من حديث جرير، وحديث:"سيأتيكم ركب مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم"، أخرجه أبو داود

(6)

من حديث جابر بن عتيك.

= قالوا: حكم الأول (فرض): أنه يكفر جاحده، وتفسد الصلاة بتركه.

وحكم الثاني (الواجب): أنه لا يكفر جاحده، ولا تفسد الصلاة بتركه وإن كان تاركه يأثم به.

ونجد أن الخلاف بين الجمهور والحنفية لفظي. ولكن الواقع أن الحنفية رتبوا على الخلاف بعض الآثار الفقهية ممن أنكر الفرض يكفر عندهم، ومن أنكر الواجب فلا يكفر منكره.

[انظر: المحصول (1/ 97) وشرح الكوكب المنير (1/ 350) وروضة الناظر (1/ 15) والإحكام للآمدي (1/ 139 - 140)].

(1)

في صحيحه رقم (1453، 1454).

(2)

كالنسائي في سننه رقم (2455).

(3)

حكاه النووي في "المجموع"(5/ 353) عنه.

(4)

في الفتح (3/ 319).

(5)

في صحيحه رقم (29/ 989).

(6)

في سننه رقم (1588) وهو حديث ضعيف.

ص: 47

وفي لفظ للطبراني

(1)

من حديث سعد بن أبي وقاص: "ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس"، فتكون هذه الأحاديث محمولة على أن للعامل تأويلًا في طلب الزائد على الواجب.

قوله: (الغنم) هو مبتدأ وما قبله خبره، وهو يدل على أن إخراج الغنم فيما دون خمس وعشرين من الإبل متعين، واليه ذهب مالك

(2)

وأحمد

(3)

فلا يجزي عندهما إخراج بعير عن أربع وعشرين.

وقال الشافعي

(4)

والجمهور

(5)

: يجزي لأنه إذا أجزأ في خمس وعشرين فإجزاؤه فيما دونها بالأولى.

قال في الفتح

(6)

: ولأن الأصل أن يجب في جنس المال، وإنما عدل عنه رفقًا بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه، فإن كانت قيمة البعير مثلًا دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشافعية

(7)

وغيرهم، والأقيس أنه لا يجزي، انتهى.

قوله: (في كل خمس ذود شاة)، الذود

(8)

: بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة، قال الأكثر: هو من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه.

وقال أبو عبيد

(9)

: من الاثنين إلى العشرة. قال: وهو مختص بالإناث.

وقال سيبويه

(10)

: تقول ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنث وليس باسم كسر عليه مذكر.

(1)

في الأوسط رقم (343).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 80) وقال: فيه هانئ بن المتوكل وهو ضعيف.

(2)

تسهيل المسالك إلى هداية السالك إلى مذهب مالك (3/ 700).

(3)

المغني لابن قدامة (4/ 15).

(4)

المجموع شرح المهذب (5/ 360).

(5)

حكاه النووي في المرجع السابق (5/ 360).

(6)

فتح الباري (3/ 319).

(7)

الأم (3/ 19) والمجموع (5/ 370).

(8)

النهاية (2/ 171).

(9)

تهذيب اللغة للأزهري (14/ 150).

(10)

حكاه عنه القرطبي في المفهم (3/ 9) والحافظ في "الفتح"(3/ 323).

ص: 48

وقال القرطبي

(1)

: أصله ذاد يذود إذا دفع شيئًا فهو مصدر، فكأن من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر وشدة. الفاقة والحاجة.

وقال ابن قتيبة

(2)

: إنه يقع على الواحد فقط، وأنكر أن يراد بالذود الجمع. وقال: لا يصح أن يقال خمس ذود، كما لا يصح أن يقال خمس ثوب، وغلطه بعض العلماء في ذلك.

وقال أبو حاتم السجستاني

(3)

: تركوا القياس في الجمع فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبل كما قالوا ثلثمائة على غير قياس.

قال القرطبي

(4)

: وهذا صريح في أن الذود واحد في لفظه.

قال الحافظ

(5)

: والأشهر ما قاله المتقدمون أنه لا يطلق على الواحد.

قوله: (فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها ابنة مخاض)، بنت المخاض بفتح الميم بعدها خاء معجمة خفيفة وآخره ضاد معجمة: هي التي أتى عليها حول ودخلت في الثاني وحملت أمها، والماخض: الحامل.

والمراد أنه قد دخل وقت حملها وإن لم تحمل، وهذا يدل على أنه يجب في الخمس والعشرين إلى الخمس والثلاثين بنت مخاض، وإليه ذهب الجمهور

(6)

.

وأخرج ابن أبي شيبة

(7)

وغيره عن علي أن في الخمس والعشرين خمس شياه، فإذا صارت ستًا وعشرين كان فيها بنت مخاض. وقد روي عنه هذا مرفوعًا وموقوفًا.

(1)

في المفهم (3/ 8).

(2)

في أدب الكاتب (ص 174).

(3)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 323).

(4)

في المفهم (3/ 9).

(5)

في "الفتح"(3/ 323).

(6)

المغني (4/ 16) والفتح (3/ 323).

(7)

في المصنف (3/ 122) والمحلى لابن حزم (6/ 38 - 39)، أما حديث علي فلم يصح عنه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الموقوف فقد اختلف فيه اختلافًا كثيرًا.

فروي بما يوافق كتابي أبي بكر وعمر، وروي بما يخالفهما. وإذا حدث الاختلاف في رواية حديث كان الأخذ بما يوافق الأحاديث الأخرى التي لا اختلاف في روايتها أولى، كحديث أنس، وهذا ما نبه عليه الحازمي.

[مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (3/ 52) لأبي الحسن المباركفوري ط: الهند].

ص: 49

قال الحافظ

(1)

: وإسناده المرفوع ضعيف.

قوله: (فابن لبون ذكر) هو الذي دخل في السنة الثالثة، وصارت أمه لبونًا بوضع الحمل. وقوله ذكر تأكيد لقوله ابن لبون.

وفيه دليل على جواز العدول إلى ابن اللبون عند عدم بنت المخاض.

قوله: (ابنة لبون) زاد البخاري

(2)

: "أنثى".

قوله: (حِقَّة)، الحقة بكسر المهملة وتشديد القاف والجمع حقاق بالكسر [والتخفيف]

(3)

، وطروقة الفحل بفتح أوله: أي مطروقة كحلوبة بمعنى محلوبة، والمراد أنها بلغت أن يطرقها الفحل، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة

(4)

.

قوله: (ففيها جذعة)، الجذعة

(5)

: بفتح الجيم والذال المعجمة، وهي التي أتى عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة.

قوله: (ففي كل أربعين بنت لبون)، المراد أنه يجب بعد مجاوزة المائة والعشرين بواحدة في كل أربعين بنت لبون، فيكون الواجب في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وإلى هذا ذهب الجمهور

(6)

، ولا اعتبار بالمجاوزة بدون واحدة كنصف أو ثلث أو ربع خلافًا للإصطخري

(7)

فقال: يجب ثلاث بنات لبون بزيادة بعض واحدة.

(1)

في "الفتح"(3/ 319).

(2)

في صحيحه رقم (1454).

(3)

زيادة من المخطوط (ب).

(4)

النهاية (1/ 415) والقاموس (ص 1166).

(5)

النهاية (1/ 250) والقاموس (ص 915).

(6)

المغني (4/ 20) والمجموع (5/ 366).

(7)

هو أبو سعيد، الحسن بن أحمد بن نصر الإصطخري أحد أصحاب الوجوه في مذهب الشافعية.

ولي قضاء "قُم" و"حسبة بغداد"، وكان ورعًا، زاهدًا، متقللًا، فأحرق المكان الذي كانت تعمل به الملاهي في بغداد.

وله مصنفات كثيرة منها:

1 -

الفرائض الكبير.

2 -

الأقضية، أو أدب القضاء.

توفي ببغداد في جمادى الآخرة سنة (328) ودفن بباب حرب.

والإصطخري: نسبة إلى اصطخر، بلدة معروفة في بلاد فارس. =

ص: 50

ويرد عليه ما عند الدارقطني

(1)

في آخر هذا الحديث وما في كتاب عمر الآتي

(2)

بلفظ: "فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة"، ومثله في كتاب عمرو بن حزم

(3)

.

وإلى ما قاله الجمهور ذهب الناصر والهادي في الأحكام

(4)

، حكى ذلك عنهما المهدي في البحر

(5)

.

وحكى في البحر

(6)

أيضًا عن علي وابن مسعود والنخعي وحماد والهادي وأبي طالب والمؤيد بالله وأبي العباس أن الفريضة تستأنف بعد المائة والعشرين، فيجب في الخمس شاة ثم كذلك.

واحتج لهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "وما زاد على ذلك استؤنفت الفريضة"، وهذا إن صح كان محمولًا على الاستئناف المذكور في الحديث: أعني إيجاب بنت اللبون في كل أربعين، والحقة في كل خمسين جمعًا بين الأحاديث.

لا يقال: إنه يرجح حديث الاستئناف بمعنى الرجوع إلى إيجاب شاة في كل خمس إلى خمس وعشرين على حسب التفصيل المتقدم بأنه متضمن للإيجاب، يعني إيجاب شاة مثلًا في الخمس الزائدة على مائة وعشرين، وحديث الباب

(7)

وما في معناه متضمن للإسقاط.

لأنا نقول هو وهم ناشئ من قوله: "وإذا زادت ففي كل أربعين"، فظن أن معناه في كل أربعين من الزيادة فقط وليس كذلك، بل معناه في كل أربعين من الزيادة والمزيد.

= [شذرات الذهب (2/ 312) تاريخ بغداد (7/ 268) المنتظم (6/ 302)].

• أما قول الإصطخري فقد حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 320).

(1)

في السنن (2/ 114 - 116 رقم 2) وقد تقدم.

(2)

برقم (1535) من كتابنا هذا.

(3)

أخرجه ابن حزم في المحلى (6/ 33 - 34). وابن حبان رقم (6559) ولفقراته شواهد وهو حديث صحيح.

(4)

حكاه القاسم بن محمد في "الاعتصام"(2/ 222).

(5)

البحر الزخار (2/ 161).

(6)

البحر الزخار (2/ 161).

(7)

المتقدم برقم (1534) من كتابنا هذا.

ص: 51

وحكى في الفتح

(1)

عن أبي حنيفة

(2)

مثل قول علي وابن مسعود ومن معهما.

وقيده في البحر

(3)

بأنه يقول بذلك إلى مائة وخمس وأربعين، ثم له فيما زاد روايتان كالمذهب الأول وكالمذهب الثاني.

قوله: (ويجعل معها شاتين إلخ)، فيه دليل على أنه يجب على المصدق قبول ما هو أدون، ويأخذ التفاوت من جنس غير جنس الواجب، وكذا العكس.

وذهبت الهادوية

(4)

إلى أن الواجب إنما هو زيادة فضل القيمة من المصدق أو رب المال، ويرجع في ذلك إلى التقويم.

لكن أجاب الجمهور

(5)

عن ذلك بأنه لو كان كذلك لم ينظر إلى ما بين السنين في القيمة، وكان العرض يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك، ولولا تقدير الشارع بذلك لتعينت بنت المخاض مثلًا، ولم يجز أن تبدل ابن لبون مع التفاوت.

وذهب أبو حنيفة

(6)

إلى أنه يرجع إلى القيمة فقط عند التعذر. وذهب زيد بن علي إلى أن الفضل بين كل ستين شاة أو عشرة دراهم.

قوله: (إلا أن يشاء ربها) أي إلا أن يتطوع متبرعًا.

قوله: (فإذا زادت ففيها شاتان)، قد ورد ما يدل على تعيين أقل المراد من هذه الزيادة المطلقة؛ ففي كتاب عمرو بن حزم

(7)

: "فإذا كانت إحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين ففيها شاتان"، وقد تقدم خلاف الإصطخري

(8)

في ذلك.

(1)

(3/ 320).

(2)

البناية في شرح الهداية (3/ 388).

(3)

البحر الزخار (2/ 161).

(4)

البحر الزخار (2/ 163).

(5)

المغني لابن قدامة (4/ 20 - 23).

(6)

حاشية ابن عابدين (3/ 185 - 186) بتحقيقنا.

والبناية في شرح الهداية (3/ 380).

(7)

تقدم تخريجه قريبًا، ص 51.

(8)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 320) وقد تقدم.

ص: 52

قوله: (ففي كل مائة شاة)، مقتضاه أنها لا تجب الشاة الرابعة حتى توفي أربعمائة شاة، وهو مذهب الجمهور

(1)

.

وعن بعض الكوفيين

(2)

والحسن بن صالح

(3)

ورواية عن أحمد

(4)

: إذا زادت على الثلثمائة واحدة وجبت الأربع.

قوله: (هرمة) بفتحة الهاء وكسر الراء: هي الكبيرة التي سقطت أسنانها.

قوله: (ولا ذات عوار) بفتح العين المهملة وضمها، وقيل: بالفتح

(5)

فقط: أي معيبة، وقيل: بالفتح: العيب، وبالضم: العور.

واختلف في مقدار ذلك، فالأكثر على أنه ما ثبت به الرد في البيع، وقيل: ما يمنع الإجزاء في الأضحية، ويدخل في المعيب المريض والذكر بالنسبة إلى الأنثى والصغير بالنسبة إلى سن أكبر منه

(6)

.

قوله: (ولا تيس) بتاء فوقية مفتوحة وياء تحتية ساكنة ثم سين مهملة: وهو فحل الغنم

(7)

.

قوله: (إلا أن يشاء المصدق)، قال في الفتح

(8)

: اختلف في ضبطه، يعني

(1)

المغني لابن قدامة (4/ 39).

(2)

حكاه عنهم الحافظ في "الفتح"(3/ 320).

(3)

حكاه عنه ابن قدامة في المغني (4/ 39).

• وقال النووي في "المجموع"(5/ 386): "

وقد جاء في رواية من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ذكرها البيهقي وغيره: "فإذا كانت مائتين وشاة ففيها ثلاث شياه حتى تبلغ ثلاثمائة، فإذا زادت على ثلاثمائة فليس فيها إلا ثلاث شياه حتى تبلغ أربعمائة شاة، فإذا بلغت أربعمائة ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة".

فهذه الزيادة ترد ما حكي عن النخعي، والحسن بن صالح في قولهما: إذا زادت على ثلاثمائة واحدة وجب أربع شياه إلى أربعمائة، فإذا زادت واحدة فخمس شياه. ومذهبنا ومذهب العلماء كافة غيرهما أنه لا شيء فيها بعد مائتين وواحدة حتى تبلغ أربعمائة، فيجب أربع شياه

" اهـ.

(4)

المغني (4/ 39).

(5)

النهاية (3/ 318) والقاموس المحيط (ص 573).

(6)

فتح الباري (3/ 321).

(7)

القاموس المحيط (ص 689).

(8)

(3/ 321) في شرح الحديث (1455). وانظر: المجموع (5/ 375).

ص: 53

المصدق، فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد المالك وهذا اختيار أبي عبيد

(1)

.

وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يأخذ التيس إلا برضا المالك لكونه محتاجًا إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث.

ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي، وكأنه أشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة فيتقيد بما تقتضيه القواعد، وهذا قول الشافعي

(2)

انتهى.

قوله: (ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة).

قال في الفتح

(3)

: قال مالك في الموطأ

(4)

: معنى هذا أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة.

وقال الشافعي

(5)

: هو خطاب لرب المال من جهة والساعي من جهة، فأمر كل واحد منهما ألَّا يحدث شيئًا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فمعنى قوله:"خشية الصدقة" أي خشية أن تكثر أو تقل؛ فلما كان محتملًا للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما أولى من الآخر، فحمل عليهما معًا، لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر.

واستدل به على أنه من كان عنده دون النصاب من الفضة ودون النصاب من الذهب مثلًا أنه لا يجب ضم بعضه إلى بعض حتى يصير نصابًا كاملًا فيجب عليه فيه الزكاة.

(1)

في "الغريبين"(3/ 1068).

(2)

الأم (3/ 27).

(3)

(3/ 314 رقم الباب 34 - مع الفتح).

(4)

(1/ 259).

(5)

في الأم (3/ 35).

ص: 54

خلافًا لمن قال بالضم كالمالكية

(1)

والهادوية

(2)

والحنفية

(3)

.

واستدل به أحمد

(4)

على أن من كان له ماشية ببلد لا تبلغ النصاب وله ببلد آخر ما يوفيه منها أنها لا تضم.

قال ابن المنذر

(5)

وخالفه الجمهور: فقالوا: تجمع على صاحب المال أمواله ولو كانت في بلدان شتى ويخرج منها الزكاة.

واستدل به أيضًا على إبطال الحيل والعمل على المقاصد المدلول عليها بالقرائن.

قوله: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)، قال في الفتح

(6)

: اختلف في المراد بالخليطين؛ فعند أبي حنيفة

(7)

أنهما الشريكان، قال: ولا يجب على أحد منهما فيما يملك إلا مثل الذي كان يجب عليهما لو لم يكن خلط.

وتعقبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث، وإنما نهى عن أمر لو فعله كان فيه فائدة، ولو كان كما قال لم يكن لتراجع الخليطين بينهما بالسوية معنى.

ومثل تفسير أبي حنيفة روى البخاري

(8)

عن سفيان، وبه قال مالك

(9)

(1)

عيون المجالس (2/ 485 مسألة 297).

(2)

البحر الزخار (2/ 166 - 167).

(3)

البناية في شرح الهداية (3/ 414 - 415).

(4)

المغني (4/ 52).

(5)

حكاه الحافظ في "الفتح"(3/ 314 - 315) وابن قدامة في المغني (4/ 52 - 53) بالتفصيل.

(6)

(3/ 315).

(7)

حاشية ابن عابدين (3/ 316) بتحقيقنا.

(8)

في صحيحه (3/ 315 رقم الباب 35 - مع الفتح) معلقًا.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف (4/ 21 رقم 6839) عن الثوري قال:

قولنا: لا يجب على الخليطين شيء إلا أن يتم لهذا أربعين ولهذا أربعين".

(9)

عيون المجالس (2/ 485). وتسهيل السالك إلى هداية مذهب الإمام مالك (3/ 704).

ص: 55

والشافعي

(1)

وأحمد

(2)

وأصحاب الحديث: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا، والخلط عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل، والشركة أخص منها.

ومثل ذلك روى سفيان في جامعه

(3)

عن عمر، والمصير إلى هذا التفسير متعين.

ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكًا قوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ}

(4)

، وقد بينه قبل ذلك بقوله:{إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً}

(5)

.

واعتذر بعضهم عن الحنفية بأن الحديث لم يبلغهم، أو أرادوا أن الأصل "ليس فيما دون خمس ذود صدقة"

(6)

، وحكم الخليط يخالفه، يرده بأن ذلك مع الانفراد وعدم الخلطة، لا إذا انضم ما دون الخمس إلى عدد الخليط يكون به الجميع نصابًا فإنه يجب تزكية الجميع لهذا الحديث وما ورد في معناه، ولا بد من الجمع بهذا.

ومعنى التراجع كما قال الخطابي

(7)

أن يكون بينهما أربعون شاة مثلًا لكل واحد منهما عشرون قد عرف كل منهما عين ماله، فيأخذ المصدق من أحدهما شاة فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بقيمة نصف شاة وهي تسمى خلط الجوار.

قوله: (وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة)، لفظ الشاة

(1)

في الأم (3/ 33).

(2)

المغني (4/ 52).

(3)

جامع سفيان الثوري: (سفيان بن سعيد بن مسروق) ت (161 هـ).

ذكره له الذهبي في السير (7/ 230) و (8/ 272، 515).

وذكر ابن النديم في الفهرست (225) أن له جامعان: كبير، وصغير.

[معجم المصنفات (ص 154 رقم 384)].

(4)

سورة ص: الآية (24).

(5)

سورة ص: الآية (23).

(6)

أخرجه أحمد (3/ 6) والبخاري رقم (1405) ومسلم رقم (979) والترمذي رقم (626) والنسائي (5/ 18، 36، 40، 41) وغيرهم من حديث أبي سعيد.

(7)

في معالم السنن (2/ 123 - مع السنن).

ص: 56

الأول منصوب على أنه مميز عدد أربعين، ولفظ الشاة الثاني منصوب أيضًا على أنه مميز نسبة ناقصة إلى السائمة.

قوله: (وفي الرقة) بكسر الراء وتخفيف القاف: هي الفضة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة

(1)

.

قال الحافظ

(2)

: قيل: أصلها الورِق فحذفت الواو وعوضت الهاء، وقيل: تطلق على الذهب والفضة بخلاف الورق، وعلى هذا قيل: إن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة وجبت فيه الزكاة وهي ربع العشر

(3)

، وهذا قول الزهري، وخالفه الجمهور، وسيأتي البحث عن ذلك في باب زكاة الذهب والفضة

(4)

.

6/ 1535 - (وَعَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قدْ كَتَبَ الصَّدَقَةَ وَلَمْ يُخْرِجْهَا إلى عُمَّالِهِ حَتى تُوُفِّيَ، قَالَ: فَأَخْرَجَها أَبُو بَكْرٍ مِنْ بَعْدِهِ فَعَمِلَ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ؛ ثُمَّ أَخْرَجَهَا عُمَرُ مِنْ بَعْدِهِ فَعَمِلَ بِهَا، قَالَ: فَلَقَدْ هَلَكَ عُمَرُ يَوْمَ هَلَكَ وَإِنَّ ذَلِكَ لَمَقْرُونٌ بِوَصِيَّتِهِ، قَالَ: فَكَانَ فِيهَا فِي الْإِبِلِ فِي خَمْسٍ شَاةٍ حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ؛ فَإذَا بَلَغَتْ إِلى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ؛ فَإِذَا زَادَتْ على خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَة فَفِيهَا حِقَّةٌ إِلى سِتِّينَ؛ فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ؛ فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إلَى تِسْعِينَ؛ فإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا حِقَّتَانِ إِلى عِشْرِينَ وَمائَةٍ؛ فَإِذَا كَثُرَتِ الْإِبِلُ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّة وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ.

وَفِي الغَنَمِ مِنْ أَرْبَعِينَ شاةً شاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ شَاةٌ فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى مائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَاثِمَائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ بَعْدُ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمائَةٍ، فَإِذَا كَثُرَتْ الغَنَمُ فَفِي كُلّ مائَةٍ شَاةٌ، وَكَذَلِكَ لا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ مَخَافَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ

(1)

النهاية (2/ 254).

(2)

في "الفتح"(3/ 310).

(3)

المغني (4/ 208 - 209، 212).

(4)

المغني (4/ 213).

ص: 57

فَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ لا تُؤْخَذُ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ مِنَ الْغَنَمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَأَبُو دَاوُدَ

(2)

وَالتِّرْمِذِيُّ

(3)

وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [صحيح]

وَفِي هَذَا الخَبَرِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِمٍ مُرْسَلًا: فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمائَةً فَفِيها ثَلاثُ بَناتٍ لَبُونٍ حتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرينَ وَمائَةً، فإذَا كَانَتْ ثَلَاثِينَ وَمائَةً فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَلاثِينَ وَمائَةً، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ وَمائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ وَمائَةً، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلاثُ [حِقَاقٍ]

(4)

حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَخَمْسِينَ وَمِائَةً، فَإِذَا كَانَتْ ستّينَ وَمِائَةً فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسِتِّينَ وَمائَةً، فَإِذَا كانَتْ سَبْعِينَ وَمائَةً فَفِيها ثلَاثٌ بَنَاتٍ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ حتى تبلُغَ تِسْعًا وَسَبْعِينَ ومائَةً فَإِذَا بَلَغَتْ ثَمَانِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَمَانِينَ وَمِائةً، فَإِذَا كَانَتْ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلاثُ حِقَاقٍ وَابْنَةُ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ وَمائَةٍ، فَإِذَا كَانَتْ مائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ أَيُّ السِّنَّينَ وَجَدْتَ أَخَذْتَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(5)

. [صحيح]

الحديث أخرج المرفوع منه أيضًا الدارقطني

(6)

والحاكم

(7)

والبيهقي

(8)

.

ويقال: تفرد بوصله سفيان بن حسين

(9)

وهو ضعيف في الزهري خاصة، والحفاظ من أصحاب الزهري لا يصلونه.

(1)

في المسند (2/ 15).

(2)

في السنن رقم (1568).

(3)

في سننه رقم (621) وقال: حديث حسن.

وهو حديث صحيح.

(4)

في المخطوط (ب): (حقات) وهو مخالف لمراجع التخريج والمخطوط (أ).

(5)

في سننه رقم (1570) وهو حديث صحيح.

(6)

في السنن (2/ 116 - 117 رقم 4).

(7)

في المستدرك (1/ 393 - 394) وصححه ووافقه الذهبي.

(8)

في السنن الكبرى (4/ 88).

(9)

قال الحافظ في "التقريب"(1/ 310): ثقة في غير الزهري باتفاقهم.

قال الذهبي في "الكاشف": قال النسائي: ليس به بأس إلا في الزهري، وقال ابن سعد ثقة يخطئ كثيرًا. =

ص: 58

رواه أبو داود

(1)

والدارقطني

(2)

والحاكم

(3)

عن أبي كريب عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال: هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب في الصدقة وهي عند آل عمر.

قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر فذكر الحديث.

وقال البيهقي

(4)

: تابع سفيان بن حسين على وصله سليمان بن كثير.

وأخرجه [أيضًا]

(5)

ابن عدي

(6)

من طريقه، ولكنه كما قال الحافظ

(7)

: لين في الزهري.

وقد اتفق الشيخان على إخراج حديث سليمان بن كثير

(8)

والاحتجاج به.

وأخرج مسلم حديث سفيان بن حسين واستشهد به البخاري

(9)

.

قال الترمذي في كتاب العلل

(10)

: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون محفوظًا وسفيان بن حسين صدوق، انتهى.

وضعف ابن معين هذا الحديث وقال: تفرد به سفيان بن حسين، ولم يتابع

= وقال في "المغني"(1/ 268): صدوق مشهور، وقال ابن معين: لم يكن بالقوي. وقال أبو حاتم: ليس به بأس إلا في الزهري.

ووثقه ابن حزم في المحلى (11/ 21) مطلقًا في الزهري وغيره.

(1)

في سننه رقم (1570) وقد تقدم.

(2)

في السنن (2/ 116 رقم 4) وقد تقدم.

(3)

في المستدرك (1/ 393) وقد تقدم.

وهو حديث صحيح.

(4)

في السنن الكبرى (4/ 88).

(5)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(6)

في "الكامل"(3/ 288).

(7)

في التلخيص (2/ 298).

(8)

في كتاب "الجمع بين رجال الصحيحين" البخاري ومسلم لابن القيسراني (1/ 180 رقم الترجمة 679) تحت عنوان: من اسمه سليمان عندهما.

(9)

قال المزي في "تهذيب الكمال"(11/ 142): "

استشهد به البخاري في "الصحيح"، وروى له في "القراءة خلف الإمام" وفي "الأدب".

ومسلم في مقدمة كتابه، والباقون" اهـ.

• وللعلم أن شرط مسلم في صحيحه غير شرطه في مقدمته.

(10)

لم أقف عليه لا في العلل الكبير ولا العلل المطبوعة في نهاية سنن الترمذي.

ص: 59

سفيان أحد عليه، وسفيان

(1)

ثقة دخل مع يزيد بن المهلب خراسان وأخذوا عنه.

وفي رواية للدارقطني

(2)

في هذا الحديث: "إن في خمس وعشرين خمس شياه"، وضعفها لأنها من طريق سليمان بن أرقم

(3)

عن الزهري وهو ضعيف.

واعلم أن المرفوع من هذا الحديث هو بعض من حديث أنس السابق وقد تقدم شرحه.

قوله: (ففيها بنتا لبون وحقة)، الحقة عن خمسين وبنتا اللبون عن ثمانين، وكذلك إذا بلغت مائة وأربعين ففيها حقتان عن مائة وبنت لبون عن أربعين.

وإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق عن كل خمسين حقة، وإذا بلغت مائة وستين ففيها أربع بنات لبون عن كل أربعين واحدة.

وإذا بلغت مائة وسبعين ففيها ثلاث بنات لبون عن مائة وعشرين، وحقة عن خمسين.

وإذا بلغت مائة وثمانين ففيها حقتان عن مائة وابنتا لبون عن ثمانين.

وإذا بلغت مائة وتسعين ففيها ثلاث حقاق عن مائى وخمسين وبنت لبون عن أربعين.

وإذا بلغت مائتين ففيها أربع حقاق عن كل خمسين حقة أو خمس بنات لبون عن كل أربعين واحدة".

وهذا لا يخالف ما تقدم في حديث أنس لأن قوله فيه: "ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة" معناه مثل هذا لا فرق بينه وبينه إلا أنه مجمل وهذا مفصل.

وزاد أبو داود

(4)

في هذا الحديث بعد قوله: "ولا ذات عيب" فقال: وقال

(1)

تقدم آنفًا ترجمته ومصادر تلك الترجمة، ص 58، 59.

(2)

في السنن (2/ 112 - 113 رقم 1) وقال الدارقطني: كذا رواه سليمان بن أرقم، وهو ضعيف الحديث متروك.

(3)

سليمان بن أرقم، أبو معاذ، قال أبو داود والدارقطني: متروك، وقال أبو زرعة: ذاهب الحديث.

المجروحين (1/ 328) والجرح والتعديل (4/ 100) والميزان (2/ 196).

(4)

في سننه (2/ 226 عقب الحديث 1568).

ص: 60

الزهري: إذا جاء المصدق قسمت الشياه أثلاثًا: ثلثًا شرارًا، وثلثًا خيارًا، وثلثًا وسطًا، فيأخذ المصدق من الوسط.

7/ 1536 - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلّ ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلّ حَالِمٍ دِينارًا أَوْ عِدْلِهِ مَعافِر. رَوَاهُ الخَمْسَةُ

(1)

وَلَيْسَ لابْنِ مَاجَهْ فِيهِ حُكْمُ الحالِمِ). [صحيح]

8/ 1537 - (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الحَكَمِ أن مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَصْدُقُ أَهْلَ اليَمَنِ، فَأَمَرَنِي أن آخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ آخُذَ مَا بَيْنَ الأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ، وَمَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَمَا بَيْنَ الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ، فَقَدِمْتُ فَأخْبَرْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فأَمَرَنِي أن لا آخُذَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَزَعَمَ أن الأَوْقَاصَ لا فَرِيضَةَ فِيهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ)

(2)

. [بسند ضعيف]

الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان

(3)

وصححه الدارقطني

(4)

(1)

أحمد (5/ 230) وأبو داود رقم (1576) والترمذي رقم (623) والنسائي رقم (2450) وابن ماجه رقم (1803).

قال الترمذي: "هذا الحديث حسن. وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن فأمره أن يأخذ. وهذا أصح" اهـ.

وصححه ابن حبان رقم (4886) والحاكم (1/ 398) ووافقه الذهبي.

قلت: وأخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (6841) والطيالسي رقم (567) والدارمي (1/ 382) وابن الجارود رقم (343) والدارقطني (2/ 102) والبيهقي (4/ 98) و (9/ 193) من طرق.

• وللحديث شاهد من حديث ابن مسعود، يرويه خصيف عن أبي عبيدة عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي أربعين مسنة".

أخرجه الترمذي رقم (622) وابن ماجه رقم (1804) وابن الجارود رقم (344) والبيهقي (4/ 99) وأحمد (1/ 411).

قال الترمذي: وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه.

قلت: وخصيف سيء الحفظ كثير الوهم.

والخلاصة: أن الحديث صحيح بطرقه وشاهده، والله أعلم.

(2)

في المسند (5/ 240) بسند ضعيف، لانقطاعه بين يحيى بن الحكم ومعاذ كما ذكر الحافظ في "تعجيل المنفعة"(ص 442).

(3)

في صحيحه رقم (4886).

(4)

في السنن (2/ 102 رقم 29).

ص: 61

والحاكم

(1)

وصححه أيضًا من رواية أبي وائل عن مسروق عن معاذ.

ورواه أبو داود

(2)

والنسائي

(3)

من رواية أبي وائل عن معاذ، ورجح الترمذي

(4)

والدارقطني

(5)

الرواية المرسلة، ويقال: إن مسروقًا لم يسمع من معاذ، وقد بالغ ابن حزم

(6)

في تقرير ذلك.

وقال ابن القطان

(7)

: وهو على الاحتمال، وينبغي أن يحكم لحديثه بالاتصال على رأي الجمهور.

وقال ابن عبد البر في التمهيد

(8)

: إسناده متصل صحيح ثابت. ووهم عبد الحق (7) فنقل عنه أنه قال: مسروق لم يلق معاذًا.

وتعقبه ابن القطان بأن أبا عمر

(9)

إنما قال ذلك في رواية مالك عن حميد بن قيس عن طاوس عن معاذ.

وقد قال الشافعي

(10)

: طاوس عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذًا، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافًا انتهى.

قال الحافظ في التلخيص

(11)

: ورواه البزار

(12)

والدارقطني

(13)

من طريق ابن عباس بلفظ: "لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة جذعًا أو جذعة" الحديث لكنه من طريق بقية عن المسعودي وهو ضعيف.

(1)

في المستدرك (1/ 398) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

(2)

في السنن رقم (1576).

(3)

في السنن رقم (2453) بسند حسن.

(4)

في السنن (3/ 20).

(5)

في العلل (6/ 81).

(6)

في المحلى (5/ 6 - 7).

(7)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 299).

(8)

(7/ 57).

(9)

ابن عبد البر في التمهيد (7/ 56).

(10)

الأم (3/ 22).

(11)

(2/ 300).

(12)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 300) ولم أقف عليه في المسند المطبوع ولا في كشف الأستار.

(13)

في السنن (2/ 99 رقم 22) من طريق بقية عن المسعودي. والمسعودي ضعيف.

ص: 62

والرواية الثانية المذكورة عن معاذ أخرجها أيضًا البزار

(1)

، وفي إسنادها الحسن بن عمارة وهو ضعيف، ويدل على ضعفه ذكره فيها لقدوم معاذ على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقدم إلا بعد موته.

وقد أخرج نحو هذه الرواية مالك في الموطأ

(2)

من طريق طاوس عن معاذ، وليس عنده أن معاذًا قدم قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بل صرح فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم مات قبل قدومه.

وحكى الحافظ

(3)

عن عبد الحق أنه قال: ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته: يعني في النُّصُب

(4)

.

وحكي أيضًا عن ابن جرير الطبري

(5)

أنه قال: صح الإجماع المتيقَّن المقطوع به الذي لا اختلاف فيه أن في كل خمسين بقرة بقرة فوجب الأخذ بهذا، وما دون ذلك مختلف فيه ولا نص في إيجابه.

وتعقبه صاحب الإمام بحديث عمرو بن حزم

(6)

الطويل في الديات وغيرها، فإن فيه في كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة.

وحكى أيضًا عن ابن عبد البر أنه قال في الاستذكار

(7)

: لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ، وأنه النصاب المجمع عليه فيها انتهى.

قوله: (من كل ثلاثين من البقر)، فيه دليل على أن الزكاة لا تجب فيما دون الثلاثين، وإليه ذهبت العترة

(8)

والفقهاء

(9)

.

وحكي في البحر

(10)

عن سعيد بن المسيب والزهري أنها تجب في خمس

(1)

في المسند (رقم 892 - كشف) وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 73) وقال: رواه البزار وقال: لم يتابع بقية أحد على رفعه إلا الحسن بن عمارة، والحسن ضعيف".

(2)

(1/ 259 رقم 24).

(3)

في "التلخيص"(2/ 300).

(4)

قلت: بل صح حديث معاذ بن جبل المتقدم برقم (7/ 1536) من كتابنا هذا.

(5)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 300).

(6)

تقدم تخريجه قريبًا وهو حديث صحيح ولفقراته شواهد، ص 51.

(7)

(9/ 157 رقم 12807).

(8)

البحر الزخار (2/ 163).

(9)

المغني (4/ 31).

(10)

البحر الزخار (2/ 164) والمغني (4/ 31).

ص: 63

وعشرين منها كالإبل، ورده بأن النُّصُب لا تثبت بالقياس، وإن سلم فالنص مانع. قوله:(تبيعًا أو تبيعة)، التبيع على ما في القاموس

(1)

والنهاية

(2)

: ما كان في أول سنة، وفي حديث عمرو بن حزم

(3)

: "جذع أو جذعة".

قوله: (مسنة) حكي في النهاية

(4)

عن الأزهري أن البقرة والشاة يقع عليهما اسم المسن إذا كان في السنة الثانية، والاقتصار على المسنة في الحديث يدل على أنه لا يجزئ المسن، ولكنه أخرج الطبراني

(5)

عن ابن عباس مرفوعًا: "وفي كل أربعين مسنة أو مسن".

قوله: (ومن كل حالم دينارًا)، فسَّره أبو داود بالمحتلم، والمراد به أخذ الجزية ممن لم يسلم.

قوله: (معافر) بالعين المهملة: حي من همدان لا ينصرف لما فيه من صيغة منتهى الجموع، وإليهم تنسب الثياب المعافرية

(6)

، والمراد هنا: الثياب المعافرية كما فسره بذلك أبو داود

(7)

.

قوله: (إن الأوقاص إلخ) هي جمع وقص بفتح الواو والقاف، ويجوز إسكانها وإبدال الصاد سينًا: وهو ما بين الفرضين

(8)

عند الجمهور

(9)

، واستعمله الشافعي

(10)

فيما دون النصاب الأول.

وقد وقع الاتفاق على أنه لا يجب فيها شيء في البقر إلا في رواية عن أبي

(1)

القاموس المحيط (ص 911).

(2)

لابن الأثير (1/ 179).

(3)

تقدم تخريجه قريبًا وهو حديث صحيح ولفقراته شواهد. ص 51.

(4)

لابن الأثير (2/ 412). وتهذيب اللغة للأزهري (12/ 299).

(5)

في المعجم الكبير (ج 11 رقم 10974).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 75) وقال: "وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة و"لكنه مدلس".

(6)

قال ابن الأثير في "النهاية"(3/ 263): هي برود باليمن منسوبة إلى معافر، وهي قبيلة باليمن، والميم زائدة.

(7)

في السنن (2/ 235) حيث قال: ثياب تكون باليمن.

(8)

النهاية (5/ 214).

(9)

المغني (4/ 29).

(10)

الأم (3/ 21) والمجموع (5/ 358) ومعرفة السنن والآثار (6/ 41 رقم 7941).

ص: 64

حنيفة

(1)

، فإنه أوجب فيما بين الأربعين والستين ربع مسنة، وروي عنه وهو المصحح له أنه يجب قسطه من المسنة.

9/ 1538 - (وَعَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: سِعْرٌ عَنْ مُصَدِّقِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهما قالا: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ نأخُذَ شافِعًا، وَالشَّافِعُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا وَلَدُها)

(2)

. [ضعيف]

10/ 1539 - (وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: أَتَانَا مُصَدّقُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ فِي عَهْدِي أَنْ لَا نَأْخُذُ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ، وَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا نَجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ فأبَى أَنْ يَأْخُذَهَا. رَوَاهُمَا أَحْمَدُ

(3)

وَأَبُو دَاوُدَ

(4)

وَالنَّسَائيُّ)

(5)

. [أحسن]

الحديث الأول أخرجه أيضًا الطبراني

(6)

وسكت عنه أبو داود

(7)

والمنذري

(8)

والحافظ في التلخيص

(9)

، ورجال إسناده ثقات.

والحديث الثاني أخرجه أيضًا الدارقطني

(10)

والبيهقي

(11)

، وفي إسناده هلال بن خباب

(12)

، وقد وثقه غير واحد، وتكلم فيه بعضهم.

قوله: (يقال له سِعْر)، بكسر السين المهملة وسكون العين المهملة وآخره راء، كذا في جامع الأصول

(13)

ومختصر المنذري

(14)

.

(1)

البناية في شرح الهداية (3/ 385).

(2)

أخرجه أحمد في المسند (3/ 414) وأبو داود رقم (1581) والنسائي رقم (2462).

وهو حديث ضعيف.

(3)

في المسند (4/ 315).

(4)

في السنن رقم (1579).

(5)

في السنن رقم (2457).

وهو حديث حسن.

(6)

في المعجم الكبير (ج 7 رقم 6727).

(7)

في السنن (2/ 236).

(8)

في المختصر (2/ 197).

(9)

(2/ 301).

(10)

في السنن (2/ 104 رقم 6).

(11)

في السنن الكبرى (4/ 101).

(12)

قال الحافظ في "التقريب"(2/ 323): صدوق تغير بأخره.

وقال الذهبي في الكاشف (3/ 227): ثقة.

وذكره ابن حبان في الثقات (7/ 574).

(13)

(4/ 598 رقم 2677).

(14)

(2/ 197) والذي فيه: "سِعْر الدُّولي".

ص: 65

وفي كتاب ابن عبد البر

(1)

بفتح السين وهو ابن ديسم بفتح الدال المهملة وسكون الياء التحتية وفتح السين المهملة الكناني الديلي، روى عنه ابنه جابر هذا الحديث، وذكر الدارقطني وغيره أن له صحبة، وقيل: كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على ما جاء في هذا الحديث.

قوله: (من راضع لبن)، فيه دليل على أنها لا تؤخذ الزكاة من الصغار التي ترضع اللبن، وظاهره سواء كانت منفردة أو منضمة إلى الكبار.

ومن أوجبها فيها عارض هذا بما أخرجه مالك في الموطأ

(2)

والشافعي

(3)

وابن حزم

(4)

أن عمر قال لساعيه سفيان بن عبد الله الثقفي: اعتد عليهم بالسخلة

(1)

في الاستذكار (9/ 179 رقم 560).

(2)

في الموطأ (1/ 265 رقم 26) وفيه جهالة ابن عبد الله بن سفيان.

(3)

في الأم (3/ 24 - 25 رقم 766). والمعرفة (6/ 47 رقم 7956).

(4)

في المحلى (5/ 275 - 276).

قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لوجوه:

(أولها): أنه ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حجة في قول أحد دونه.

(والثاني): أنه قد خالف عمر رضي الله عنه في هذا غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذكر أثر أبي بكر وعائشة وابن عمر وعلي. ثم قال:

فهذا عموم من أبي بكر وعائشة وعلي وابن عمر رضي الله عنهم، لم يخصوا فائدة ماشية بولادة من سائر ما يستفاد، وليس لأحد أن يقول: إنهم لم يريدوا بذلك أولاد الماشية إلا إذا كان كاذبًا عليهم، وقائلًا بالباطل الذي لم يقولوه قط

فقد صح الخلاف في هذا من الصحابة رضي الله عنهم بلا شك، وإذا كان ذلك فليس قول بعضهم أولى من قول بعض، والواجب في ذلك ما افترضه الله تعالى إذ يقول:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59].

(والثالث): أنه لم يرو هذا عن عمر من طريق متصلة إلا من طريقين: إحداهما: من طريق بشر بن عاصم بن سفيان عن أبيه، وكلاهما غير معروف. وتعقبه الشيخ أحمد شاكر بقوله: أما بشر بن عاصم فإنه معروف وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما، وأما أبو عاصم فإني لم أجد له ترجمة في شيء من الكتب، وإنما ذكر في ترجمة أبيه سفيان ممن رووا عنه.

ثم قال ابن حزم: أو من طريق ابن لعبد الله بن سفيان لم يسم. والثانية من طريق عكرمة بن خالد، وهو ضعيف. وتعقبه أحمد شاكر بقوله: عكرمة هذا هو ابن خالد بن العاص بن هشام الثقة الثبت - وفي الرواة آخر قريبه. اسمه عكرمة بن خالد بن سلمة بن العاص بن هشام، وهو ضعيف منكر الحديث، ولكنه ليس الراوي لهذا الحديث، وقد =

ص: 66

التي يروح بها [الراعي]

(1)

على يده ولا تأخذها كما سيأتي

(2)

.

وهو مبني على جواز التخصيص بمذهب الصحابي، والحقّ خلافه

(3)

.

قوله: (كوماء) بفتح الكاف وسكون الواو: هي الناقة العظيمة السنام

(4)

.

والحديثان يدلان على أنه لا يجوز للمصدق أن يأخذ من خيار الماشية، وقد أخرج الشيخان

(5)

من حديث ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: "إياك وكرائم أموالهم".

وقد تقدم الكلام على قوله: "ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق"

(6)

.

11/ 1540 - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُعَاوِيَةَ الغَاضِرِي مِنْ غَاضِرَة

= نص ابن حجر في "التلخيص"(ص 174 و 175) والتهذيب (ج 7 ص 260) على أن ابن حزم أخطأ في هذا واشتبه عليه الأمر.

(والرابع): أن الحنيفيين والشافعيين خالفوا قول عمر في هذه المسألة نفسها فقالوا: لا يعتد بما ولدت الماشية إلا أن تكون الأمهات - دون الأولاد - عددًا تجب فيه الزكاة، وإلا فلا تعد عليهم الأولاد، وليس هذا في حديث عمر .... " اهـ.

(1)

ما بين الخاصرتين سقطت من المخطوط (ب).

(2)

برقم (1542) من كتابنا هذا.

(3)

التخصيص بمذهب الصحابي: ذهب الجمهور إلى أنَّه لا يخصَّص بذلك.

وذهبت الحنفية والحنابلة إلى أنه يجوز التخصيص به على خلاف بينهم في ذلك. فبعضهم يخصص به مطلقًا، وبعضهم يخصص به وإن كان هو الراوي للحديث.

وقيل: يجوز التخصيص بمذهب الصحابي إذا لم يكن هو الراوي للعموم وكان ما ذهب إليه منتشرًا ولم يعرف له مخالف في الصحابة لأنه إما إجماع أو حجة مقطوع بها على الخلاف. وأما إذا لم ينتشر فإن خالفه غيره فليس بحجة قطعًا، وإن لم يعرف له مخالف فعلى قول الشافعي الجديد ليس بحجة فلا يخصص به، وعلى قوله القديم هو حجة يقدم على القياس.

وقال الشوكاني في "إرشاد الفحول"(ص 534): والحقُّ عدم التخصيص بمذهب الصحابي وإن كانوا جماعة ما لم يُجمعوا على ذلك فيكون من التخصيص بالإجماع.

وانظر: البحر المحيط (3/ 404) وتيسير التحرير (1/ 326) واللمع (ص 21).

(4)

النهاية (4/ 211).

(5)

تقدم تخريجه برقم (1530) من كتابنا هذا.

(6)

وهو جزء من حديث تقدم تخريجه برقم (1534) من كتابنا هذا.

ص: 67

قَيْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ الله وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الله، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، وَلَا يُعْطي الهَرِمَةَ وَلَا الدَّرِنَةَ وَلَا الْمَرِيضَةَ وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، ولكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ الله لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(1)

. [صحيح]

الحديث أخرجه أيضًا الطبراني

(2)

وجوَّد إسناده، وسياقه أتم سندًا ومتنًا.

وذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة

(3)

مسندًا، وعبد الله هذا له صحبة وهو معدود في أهل حمص، قيل: إنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حديثًا واحدًا؛ والغاضري بالغين والضاد المعجمتين.

قوله: (رافدة) الرافدة

(4)

: المعينة والمعطية، والمراد هنا المعنى الأول: أي معينة له على أداء الزكاة.

قوله: (ولا الدرنة)

(5)

بفتح الدال المهملة مشددة بعدها راء مكسورة ثم نون وهي الجرباء، قاله الخطابي

(6)

. وأصل الدرن: الوسخ كما في القاموس

(7)

وغيره

(8)

.

قوله: (ولا الشرط اللئيمة)، الشرط بفتح الشين المعجمة والراء.

قال أبو عبيد

(9)

: هي صغار المال وشراره.

(1)

في سننه رقم (1582).

قال المنذري في مختصر سنن أبي داود (2/ 198): "أخرجه منقطعًا. وذكره أبو القاسم في معجم الصحابة مسندًا. وذكره أيضًا أبو القاسم الطبري وغيره مسندًا. وعبد الله بن معاوية هذا، له صحبة، وهو معدود في أهل حمص. وقيل: إنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا واحدًا".

وهو حديث صحيح.

(2)

في المعجم الصغير (1/ 201)، (1/ 334 - 335 رقم 555 - مع الروض الداني).

(3)

منه قطعة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة رقم (791) مصورة عن المكتبة العامة بالرباط. معجم المصنفات (ص 259 رقم 772).

(4)

النهاية (2/ 242).

(5)

النهاية (2/ 115).

(6)

في معالم السنن (2/ 240 - مع السنن).

(7)

القاموس المحيط (ص 1543).

(8)

كالنهاية (2/ 115).

(9)

في الغريبين (3/ 987) وانظر النهاية (2/ 460).

ص: 68

واللئيمة

(1)

: البخيلة باللبن.

قوله: (ولكن من وسط أموالكم إلخ)، فيه دليل على أنه ينبغي أن يخرج الزكاة من أوساط المال لا من شراره ولا من خياره.

12/ 1541 - (وَعَنْ أُبيّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُصَدّقًا، فَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ فَلَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِلَّا ابْنَةَ مَخَاضٍ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّهَا صَدَقَتُهُ، فَقَالَ: ذَاكَ مَا لَا لَبِنَ فِيهِ وَلَا ظَهْرَ، وَمَا كُنْتُ لأقْرِضَ الله ما لا لَبِنَ فِيهِ وَلَا ظَهْرَ، وَلَكِن هَذِهِ نَاقَةٌ سَمِينَةٌ فَخُذْهَا، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِآخِذٍ مَا لَمْ أُومَرْ بِهِ، فَهَذَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنْكَ قَرِيبٌ، فَخَرَجَ مَعِي وَخَرَجَ بِالنَّاقَةِ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ذَاكَ الَّذِي عَلَيْكَ، وَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ قَبِلْنَاهُ مِنْكَ، وَأجَرَكَ الله فِيهِ"، قَالَ: فَخُذْهَا، فَأَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقَبْضِهَا وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ)

(2)

. [أحسن]

الحديث أخرجه أيضًا أبو داود

(3)

بأتم مما هنا وصححه الحاكم

(4)

، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وخلاف الأئمة في حديثه مشهور إذا عنعن، وهو هنا قد صرح بالتحديث.

قوله: (ولا ظهر)، يعني أن بنت المخاض ليست ذات لبن ولا صالحة للركوب عليها.

قوله: (ولكن هذه ناقة سمينة)، لفظ أبي داود (3):"ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة".

قوله: (منك قريب)، زاد أبو داود (3): "فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما

(1)

القاموس المحيط (ص 1492).

(2)

في المسند (5/ 142).

قلت: وأخرجه أبو داود رقم (1583) والحاكم (1/ 399 - 400) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 96 - 97) وابن خزيمة رقم (2277) و (2380) والضياء في المختارة رقم (1254، 1255) من طرق.

وهو حديث حسن، والله أعلم.

(3)

في سننه رقم (1583) وقد تقدم.

(4)

في المستدرك (1/ 399 - 400) وقد تقدم.

ص: 69

عرضت عليَّ فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك رددته، قال: فإني فاعل، فخرج معي بالناقة التي عرضت علي إلخ.

قوله: (فأخبره الخبر)، لفظ أبي داود

(1)

: فقال له: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، وأيم الله ما قام في مالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رسوله قط قبله، فجمعت [له]

(2)

مالي فزعم أن ما علي فيه إلا ابنة مخاض"، ثم ذكر نحو ما تقدم.

والحديث يدل على جواز أخذ سن أفضل من السن التي تجب على المالك إذا رضي بذلك

(3)

، وهو مما لا أعلم فيه خلافًا.

13/ 1542 - (وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ: تَعَدَّ عَلَيْهِمْ بالسَّخْلَةِ يَحْمِلُها الرَّاعِي وَلَا تَأْخُذْهَا الأكُولَةَ وَلا الرُّبَّى وَلا المَاخِضَ وَلا فَحْلَ الغَنَمِ، وَتَأْخُذُ الجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ المَالِ وَخِيَارِهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي المُوَطأ)

(4)

. [أثر حسن]

الحديث أخرجه أيضًا الشافعي

(5)

وابن حزم

(6)

، وأغرب ابن أبي شيبة

(7)

فرواه مرفوعًا. قال: حدثنا أبو أسامة عن النهاس بن فهم عن الحسن بن مسلم قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيان بن عبد الله على الصدقة". الحديث.

ورواه أيضًا أبو عبيد في الأموال

(8)

من طريق الأوزاعي عن سالم بن عبد الله المحاربي "أن عمر بعث مصدقًا" فذكر نحوه.

(1)

في سننه رقم (1583) وقد تقدم.

(2)

زيادة من المخطوط (ب).

(3)

المجموع (5/ 372 - 373) والمغني (4/ 18 - 19).

(4)

في الموطأ (1/ 265 رقم 26) وفيه جهالة ابن عبد الله بن سفيان.

(5)

في الأم (3/ 24 - 25) رقم (766) والمعرفة (6/ 47 رقم 7956).

(6)

في المحلى (5/ 275 - 276) وتقدم نقل كلامه قريبًا.

(7)

في المصنف (3/ 134).

(8)

في الأموال لابن زنجويه (2/ 858).

وخلاصة القول: أنه موقوف حسن، والله أعلم.

ص: 70

قوله: (تعد عليهم بالسخلة)، استدل به على وجوب الزكاة في الصغار.

وقد تقدم في المرفوع من حديث سويد بن غفلة

(1)

ما يخالفه.

قوله: (الأكولة) بفتح الهمزة وضم الكاف: العاقر من الشياه، والشاة تعزل للأكل هكذا في القاموس

(2)

؛ وأما الأكولة بضم الهمزة والكاف فهي قبيحة المأكول، وليست مرادة هنا لأن السياق في تعداد الخيار.

قوله: (ولا الرُّبَّى)، بضم الراء وتشديد الباء الموحدة: هي الشاة التي تربى في البيت للبنها.

قوله: (ولا فحل الغنم)، إنما منعه من أخذه مع كونه لا يعد من الخيار لأن المالك يحتاج إليه لينزو على الغنم.

قوله: (وتأخذ الجذعة والثنية)، المراد الجذعة من الضأن والثنية من المعز.

ويدل على ذلك ما في بعض روايات حديث سويد بن غفلة المتقدم (1)"أن المصدق قال: إنما حقنا في الجذعة من الضأن والثنية من المعز".

قوله: (بين غذاء المال) الغذاء بالغين المعجمة المكسورة بعدها ذال معجمة جمع غذى كغنى: السخال.

وقد استدل بهذا الأثر على أن الماشية التي تؤخذ في الصدقة هي المتوسطة بين الخيار والشرار

(3)

.

وفي المرفوع النهي عن كرائم الأموال كما تقدم من حديث معاذ

(4)

، وعن المعيب كما تقدم في حديث أنس

(5)

وعمر، والأمر بأخذ الوسط كما تقدم في حديث الغاضري

(6)

.

(1)

تقدم برقم (1539) وهو حديث حسن من كتابنا هذا.

(2)

القاموس المحيط (ص 1242).

(3)

المغني (4/ 44 - 46).

(4)

تقدم برقم (1530) من كتابنا هذا.

(5)

تقدم برقم (1534) من كتابنا هذا.

(6)

تقدم برقم (1540) من كتابنا هذا.

ص: 71

[الباب الثالث] باب لا زكاة في الرقيق والخيل والحمر

14/ 1543 - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ

(1)

. [صحيح]

ولأَبِي دَاوُدَ

(2)

: "لَيْسَ فِي الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ إِلَّا زَكَاةَ الفِطْرِ". [صحيح]

ولأحْمَدَ

(3)

وَمُسْلِمٍ

(4)

: "لَيْسَ لِلْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلا صَدَقَةُ الفِطْرِ"). [صحيح]

15/ 1544 - (وَعَنْ عُمَرَ وَجَاءَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَصَبْنَا أمْوَالًا خَيْلًا وَرَقِيقًا نُحِبُّ أنْ يَكُونَ لَنا فِيها زكاةٌ وَطَهُورٌ، قالَ: مَا فَعَلَهُ صَاحِبَاي قَبْلِي فَأَفْعَلُهُ، وَاسْتَشَارَ أَصْحَابَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَفِيهِمْ علي رضي الله عنه، فَقَالَ علَيٌّ: هُوَ حَسَنٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ جِزْيَةً رَاتِبَةً يُؤْخَذُونَ بِهَا مِنْ بَعْدِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ)

(5)

. [صحيح]

16/ 1545 - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَن الحَمِيرِ فِيهَا زَكَاةٌ، فَقَالَ: "مَا جَاءَني فِيهَا شَيْء إِلَّا هذِهِ الآيَةُ الفاذَّةُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}

(6)

"، رَوَاهُ

(1)

أحمد (2/ 242، 254، 477) والبخاري رقم (1464) ومسلم (8/ 982) وأبو داود رقم (1595) والترمذي رقم (628) والنسائي رقم (2467، 2468) وابن ماجه رقم (1812).

وهو حديث صحيح.

(2)

في سننه رقم (1594)، وهو حديث صحيح.

(3)

في المسند (2/ 249).

(4)

في صحيحه رقم (10/ 982)، وهو حديث صحيح.

(5)

في المسند (1/ 14، 32).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (2290) والحاكم (1/ 400) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 118).

وهو حديث صحيح.

(6)

سورة الزلزلة: الآية (7، 8).

ص: 72

أحْمَدُ

(1)

، وفِي الصَّحِيحَيْنِ

(2)

مَعْنَاهُ). [صحيح]

الأثر المروي عن عمر قال في مجمع الزوائد

(3)

: رجاله ثقات.

قوله: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقه)، قال ابن رُشيد

(4)

: أراد بذلك الجنس في الفرس والعبد لا الفرد الواحد، إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرف والفرس المعد للركوب، ولا خلاف أيضًا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين

(5)

: تؤخذ منها بالقيمة.

وقال أبو حنيفة

(6)

: إنها تجب في الخيل إذا كانت ذكرانًا وإناثًا نظرًا إلى النسل. وله في المنفردة روايتان، ولا يرد عليه أنه يلزم مثل هذا في سائر السوائم إذا انفردت لعدم التناسل، لأنه يقول: إنه إذا عدم التناسل حصل فيها النمو للأكل، والخيل لا تؤكل عنده.

قال الحافظ

(7)

: ثم عنده أن المالك يتخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارًا أو يقوم ويخرج ربع العشر، وهذا الحديث يرد عليه.

وأجيب من جهته بحمل النفي فيه على الرقبة لا على القيمة وهو خلاف الظاهر.

ومن جملة ما يرد به عليه حديث علي عند أبي داود

(8)

بإسناد حسن مرفوعًا: "قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة" وسيأتي

(9)

.

واستدل على الوجوب بما وقع في صحيح مسلم

(10)

من حديث أبي هريرة أنَّه صلى الله عليه وسلم

(1)

في المسند (2/ 423 - 424).

(2)

في صحيح البخاري رقم (3963) ومسلم رقم (24/ 987).

وهو حديث صحيح.

(3)

(3/ 69).

(4)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 327).

(5)

حكاه عنهم الحافظ في "الفتح"(3/ 327).

(6)

البناية في شرح الهداية (3/ 395 - 396).

(7)

في "الفتح"(3/ 327).

(8)

في السنن رقم (1574).

(9)

برقم (17/ 1546) من كتابنا هذا.

(10)

رقم (24/ 987).

ص: 73

قال في الخيل: "ثم لم ينس حق الله في ظهورها"، وقد تقدم الجواب عن ذلك في شرح حديث أبي هريرة

(1)

.

ومن جملة ما استدل به ما أخرجه الدارقطني

(2)

والبيهقي

(3)

والخطيب

(4)

من حديث جابر عنه صلى الله عليه وسلم: "في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم"، وهذا الحديث مما لا تقوم به حجة، لأنه قد ضعفه الدارقطني (3) والبيهقي (4)، فلا يقوى على معارضة حديث الباب الصحيح.

وتمسك أيضًا بما روي عن عمر أنه أمر عامله بأخذ الصدقة من الخيل، وقد تقرر أن أفعال الصحابة وأقوالهم لا حجة فيها

(5)

لا سيما بعد إقرار عمر بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر لم يأخذا الصدقة من الخيل كما في الرواية المذكورة في الباب.

وقد احتج بظاهر حديث الباب الظاهرية

(6)

فقالوا: لا تجب الزكاة في الخيل والرقيق لا لتجارة ولا لغيرها.

وأجيب عنهم بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر

(7)

وغيره فيخص به عموم هذا الحديث.

(1)

تقدم برقم (1543) من كتابنا هذا.

(2)

في سننه (2/ 125 - 126 رقم 1).

(3)

في السنن الكبرى (4/ 119).

(4)

في تاريخ بغداد (7/ 397 - 398).

قلت: وأخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" رقم (7665) والذهبي في الميزان (3/ 337) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (819).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 69) وقال: "وفيه الليث بن حمَّاد وغُورَك وكلاهما ضعيف". وقد صحف في "مجمع الزوائد" غُوَرك إلى عورك.

قال الدارقطني: تفرد به غورك عن جعفر، وهو ضعيف جدًّا، ومن دونه ضعفاء.

وقال البيهقي: تفرد به غُوَرَك هذا. ونقل تضعيفه عن الدارقطني.

وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصحُّ وغُوَرك ليس بشيء. وقال الدارقطني: هو ضعيف جدًّا.

وقال النووي في المجموع (5/ 311): حديث جابر ضعيف باتفاق المحدثين.

وخلاصة القول: أن حديث جابر ضعيف، والله أعلم.

(5)

تقدم تفصيل ذلك.

(6)

المحلى (5/ 209 مسألة 641).

(7)

في كتاب "الإجماع"(ص 51 رقم 114).

ص: 74

ولا يخفى أن الإجماع على وجوب زكاة التجارة في الجملة لا يستلزم وجوبها في كل نوع من أنواع المال؛ لأن مخالفة الظاهرية في وجوبها في الخيل والرقيق الذي هو محل النزاع مما يبطل الاحتجاج عليهم بالإجماع على وجوبها فيهما، فالظاهر ما ذهب إليه أهله.

قوله: (إن لم تكن جزية إلخ)، ظاهر هذا أن عليًا لا يقول بجواز أخذ الزكاة من هذين النوعين، وإنما حسن الأخذ من الجماعة المذكورين لكونهم قد طلبوا من عمر ذلك.

وحديث أبي هريرة المذكور في الباب هو طرف من حديثه المتقدم

(1)

في أول الكتاب، وقد شرحناه هنالك.

وقد استدل به على عدم وجوب الزكاة في الحمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن زكاتها فلم يذكر أن فيها الزكاة، والبراءة الأصلية مستصحبة، والأحكام التكليفية لا تثبت بدون دليل، ولا أعرف قائلًا من أهل العلم يقول بوجوب الزكاة في الحمر لغير تجارة واستغلال

(2)

.

(1)

برقم (1531) من كتابنا هذا.

(2)

قال الشافعي في الأم (3/ 66): "فلا زكاة في خيل بنفسها، ولا في شيء في الماشية عدا الإبل والبقر والغنم، بدلالة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا صدقة في الخيل؛ فإنا لم نعلمه صلى الله عليه وسلم أخذ الصدقة في شيء من الماشية غير الإبل والبقر والغنم.

قال الشافعي رحمه الله: فإذا اشترى شيئًا من هذه الماشية أو غيرها، مما لا زكاة فيه للتجارة، كانت فيه الزكاة بنية التجارة والشراء لها، لا بأنه نفسه مما تجب فيه الزكاة" اهـ.

• وقال ابن قدامة في "المغني"(4/ 66): "ولا زكاة في غير بهيمة الأنعام من الماشية، في قول أكثر أهل العلم

" اهـ.

• وقال النووي في "المجموع"(5/ 311): "مذهبنا - أي الشافعية - أنه لا زكاة فيها - أي الخيل - مطلقًا. وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عمر، والشعبي، والنخعي، وعطاء، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والحاكم، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وأبي بكير بن أبي شيبة، وحكاه غيره عن عمر بن الخطاب والأوزاعي، ومالك، والليث، وداود.

وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حذيفة: يفرق فتجب الزكاة فيها إن كانت ذكورًا وإناثًا، فإن كانت إناثًا متمحضة.

وجبت أيضًا على المشهور، وعنه رواية شاذة بالوجوب ويعتبر فيها الحول دون النصاب. =

ص: 75

[الباب الرابع] باب زكاة الذهب والفضة

17/ 1546 - (عَنْ علِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْء، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَأَبُو دَاوُدَ

(2)

وَالتِّرْمِذِيُّ

(3)

. [صحيح]

وفي لفظ: "قَدْ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وَلَيْس فِيما دُونَ المِائَتَيْنِ زَكاة"، رَوَاهُ أحْمَدُ

(4)

والنَّسائيُّ)

(5)

[صحيح]

الحديث روي من طريق عاصم بن ضمرة عن علي. ومن طريق الحرث الأعور عن علي أيضًا.

قال الترمذي

(6)

: راوي هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة وغيرهما عن أبي إسحق عن عاصم بن ضمرة عن علي.

وروى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد عن أبي إسحق عن الحرث عن علي.

= قال: ومالكها بالخيار إن شاء أعطى من كل فرس دينارًا، وإن شاء قومها وأخرج ربع عشر قيمتها

" اهـ.

وانظر للمالكية: "الاستذكار"(9/ 281 - 284).

وانظر للحنفية: "رؤوس المسائل" للزمخشري (ص 209). وحاشية ابن عابدين (3/ 191) بتحقيقنا.

(1)

في المسند (1/ 121 - 122).

(2)

في سننه رقم (1574).

(3)

في سننه رقم (620).

وهو حديث صحيح.

(4)

في المسند (1/ 145).

(5)

في سننه رقم (2477، 2478).

وهو حديث صحيح.

(6)

في السنن (3/ 16).

ص: 76

وسألت محمدًا: يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: كلاهما عندي صحيح، انتهى.

وقد حسن هذا الحديث الحافظ

(1)

.

وقال الدارقطني

(2)

: الصواب وقفه على عليّ.

الحديث يدلّ على وجوب الزكاة في الفضة وهو مجمع على ذلك.

ويدل أيضًا على أن زكاتها ربع العشر ولا أعلم في ذلك خلافًا.

ويدل أيضًا على اعتبار النصاب في زكاة الفضة، وهو إجماع

(3)

أيضًا وعلى أنه مائتا درهم.

قال الحافظ

(4)

: ولم يخالف في أن نصاب الفضة مائتا درهم إلا ابن حبيب الأندلسي فإنه قال: إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم.

وذكر ابن عبد البر

(5)

اختلافًا في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلدان، قيل: وبعضهم اعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن وهو خارق للإجماع، وهذا البعض الذي أشار إليه وهو المريسي، وبه قال المغربي من الظاهرية كما في البحر

(6)

.

وقد قوي كلام هذا المغربي الظاهري الصنعاني في شرح بلوغ المرام

(7)

وقال: إنه الظاهر إن لم يمنع منه إجماع.

وحكي في البحر

(8)

عن مالك

(9)

أنه يغتفر نقص الحبة والحبتين، ولا بد أن يكون النصاب خالصًا عن الغش كما ذهب إليه الجمهور

(10)

.

(1)

في "الفتح"(3/ 327).

(2)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 335).

(3)

حكاه ابن المنذر في كتابه "الإجماع"(ص 48 رقم 97).

(4)

في "الفتح"(3/ 311).

(5)

في الاسنذكار (9/ 17 رقم 12240).

(6)

البحر الزخار (2/ 149).

(7)

سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام (4/ 22) بتحقيقي.

(8)

البحر الزخار (2/ 149).

(9)

الاستذكار (9/ 39).

(10)

المغني (4/ 213) والبناية في شرح الهداية (3/ 437).

ص: 77

وقال المؤيد بالله (1) والإمام يحيى

(1)

: إنه يغتفر اليسير، وقدره الإمام يحيى بالعشر فما دون.

وحكي في البحر

(2)

عن أبي حنيفة أنه يغتفر ما دون النصف، وسيأتي تحقيق مقدار الدرهم.

وفي الحديث أيضًا دليل على أنه لا زكاة في الخيل والرقيق، وقد تقدم الكلام على ذلك.

18/ 1547 - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فِيمَا دُونَ خَمْسِ أُوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الابِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ"، رَوَاهُ أحْمَدُ

(3)

ومُسْلِمُ

(4)

. [صحيح]

وَهُوَ لأَحْمَدَ

(5)

وَالبُخَارِيّ

(6)

مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ). [صحيح]

19/ 1548 - (وَعَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَلَيْس عَلَيْكَ شَيْء - يَعْني فِي الذَّهَب - حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَتْ لَكَ عِشْرُونَ دِينارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيها نِصْفُ دِينار"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(7)

. [صحيح]

حديث أبي سعيد المشار إليه هو متفق عليه

(8)

. ولفظه في البخاري

(9)

: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".

(1)

البحر الزخار (2/ 150).

(2)

البحر الزخار (2/ 150).

(3)

في المسند (3/ 296).

(4)

في صحيحه رقم (6/ 980).

وهو حديث صحيح.

(5)

في المسند (3/ 86).

(6)

في صحيحه رقم (1405).

وهو حديث صحيح.

(7)

في السنن (1573) وهو حديث صحيح.

(8)

أخرجه أحمد (3/ 86) والبخاري رقم (1405) ومسلم رقم (1/ 979).

(9)

في صحيحه رقم (1405).

ص: 78

وحديث علي هو من حديث أبي إسحق عن الحرث الأعور وعاصم بن ضمرة عنه، وقد تقدم أن البخاري قال: كلاهما عنده صحيح، وقد حسنه الحافظ.

والحرث

(1)

ضعيف وقد كذبه ابن المديني وغيره، وروي عن ابن معين توثيقه.

وعاصم

(2)

وثقه ابن المديني، وقال النسائي: ليس به بأس.

قوله: (خمس أواق) بالتنوين وبإثبات التحتية مشددًا ومخففًا، جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية.

وحكى اللحياني

(3)

: وقية، بحذف الألف وفتح الواو.

قال في الفتح

(4)

: ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالص من الفضة، سواء كان مضروبًا أو غير مضروب.

قال عياض

(5)

: قال أبو عبيد: إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.

قال: وهذا يلزم منه أن يكون صلى الله عليه وسلم أحال نصاب الزكاة على أمر مجهول وهو مشكل.

والصواب أن معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة في الوزن، فعشرة مثلًا وزن عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بالكتابة العربية ويصير وزنها وزنًا واحدًا.

وقال غيره: لم يتعين المثقال في جاهلية ولا إسلام، وأما الدرهم فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم

(6)

، انتهى.

(1)

انظر ترجمته في: المجروحين (1/ 222) والجرح والتعديل (3/ 78) والميزان (1/ 435) والتقريب (1/ 141).

(2)

انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب (2/ 253 - 254) والتقريب رقم الترجمة (3063).

(3)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 310).

(4)

أي الحافظ في "فتح الباري"(3/ 310).

(5)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 464) وانظر: الاستذكار (9/ 16 رقم 12236).

(6)

الدرهم = 2.975 غرامًا. =

ص: 79

قوله: (من الورق) قد تقدم الكلام عليه، وكذا تقدم الكلام على قوله: خمس ذود.

قوله: (خمس أوسق) جمع وسق بفتح الواو ويجوز كسرها كما حكاه صاحب المحكم

(1)

، وجمعه حينئذٍ أوساق كحمل وأحمال؛ وهو ستون صاعًا بالاتفاق

(2)

.

وقد وقع في رواية ابن ماجه

(3)

من طريق أبي البختري عن أبي سعيد نحو هذا الحديث، وفيه الوسق ستون صاعًا.

وأخرجها أبو داود

(4)

أيضًا لكن قال: ستون مختومًا.

وللدارقطني

(5)

من طريق عائشة: الوسق ستون صاعًا.

وفيه دليل على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق، وسيأتي البحث عن ذلك.

= نصاب الفضة = 200 × 975.2 = 595 غرامًا.

والدينار = 4.25 غرامًا.

نصاب الذهب = 20 × 4.25 = 85 غرامًا.

الأوقية = 40 درهمًا = 119 غرامًا.

خمس أواقي = 200 درهم.

وانظر كتابنا: الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية".

(1)

ابن سيدة في المحكم (6/ 528).

(2)

الوسق = 60 صاعًا كيلًا.

والصاع = 4 أمداد كيلًا.

والمد = 544 غرامًا من القمح.

فالوسق = 60 × 4 × 544 = 130560 غرامًا = 130.56 كيلو غرامًا.

فالخمسة أوسق = 130.56 × 5 = 652.8 كيلو غرامًا.

(3)

في سننه رقم (1832) وهو حديث ضعيف.

(4)

في سننه رقم (1559) وهو حديث ضعيف.

(5)

في سننه (2/ 98 رقم 16) من حديث جابر.

وفي سنده يزيد بن سنان ضعيف.

وأخرجه الدارقطني في سننه (2/ 99 رقم 20) من حديث أبي سعيد.

ص: 80

قوله: (عشرون دينارًا) الدينار مثقال، والمثقال درهم وثلاثة أسباع الدرهم، والدرهم ستة دوانيق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوجان، والطسوج حبتان، والحبة سدس ثمن الدرهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم، كذا في القاموس

(1)

في فصل الميم من حرف الكاف.

وفيه دليل على أن نصاب الذهب عشرون دينارًا، وإلى ذلك ذهب الأكثر

(2)

. [وروي عن الحسن البصري

(3)

أن نصابه أربعون، وروي عنه مثل قول الأكثر]

(4)

ونصابه معتبر في نفسه. وقال طاوس

(5)

: إنه يعتبر في نصابه التقويم بالفضة، فما بلغ منه ما يقوم بمائتي درهم وجبت فيه الزكاة ويرده الحديث.

قوله: (وحال عليها الحول)، فيه دليل على اعتبار الحول في زكاة الذهب ومثله الفضة. وإلى ذلك ذهب الأكثر

(6)

.

وذهب ابن عباس

(7)

وابن مسعود

(8)

والصادق (9) والباقر (9) والناصر

(9)

وداود

(10)

إلى أنه يجب على المالك إذا استفاد نصابًا أن يزكيه في الحال تمسكًا

(1)

القاموس المحيط (ص 1232).

(2)

قال ابن قدامة في "المغني"(4/ 212 - 213):

"قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا قيمتها مائتا درهم، أن الزكاة تجب فيها، إلا ما حُكي عن الحسن، أنه قال: لا شيء فيها حتى تبلغ أربعين.

وأجمعوا على أنه إذا كان أقلَّ من عشرين مثقالًا ولا يبلغُ مائتي درهم فلا زكاة فيه.

وقال عامة الفقهاء: نصاب الذهب عشرون مثقالًا من غير اعتبار قيمتها، إلا ما حُكي عن عطاء، وطاوس، والزهري، وسليمان بن حرب وأيوب السختياني، أنهم قالوا: هو معتبر بالفضة، فما كان قيمته مائتي درهم ففيه الزكاة، وإلَّا فلا؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدير في نصابه، فثبت أنه حمله على الفضة

" اهـ.

(3)

انظر: التعليقة السابقة.

(4)

سقط من المخطوط (ب).

(5)

انظر: التعليقة السابقة. والاستذكار (9/ 24 رقم 12266).

(6)

المغني (4/ 71).

(7)

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 160) عن ابن عباس في الرجل يستفيد مالًا قال يزكيه حين يستفيده.

والاستذكار (9/ 32 رقم 12290) والتمهيد (20/ 156).

(8)

الاستذكار (9/ 32 رقم 12288).

(9)

البحر الزخار (2/ 140 - 141).

(10)

المحلى (6/ 75).

ص: 81

بقوله: "في الرقة ربع العشر"

(1)

، وهو مطلق مقيد بهذا الحديث.

فاعتبار الحول لا بد منه، والضعف الذي في حديث الباب

(2)

منجبر بما عند ابن ماجه

(3)

والدارقطني

(4)

والبيهقي

(5)

والعقيلي

(6)

من حديث عائشة من اعتبار الحول.

وفي إسناده حارثة بن أبي الرجال

(7)

وهو ضعيف.

وبما عند الدارقطني

(8)

والبيهقي

(9)

من حديث ابن عمر مثله، وفيه إسماعيل بن عياش

(10)

وحديثه عن غير أهل الشام ضعيف.

وبما عند الدارقطني

(11)

من حديث أنس وفيه حسان بن سياه

(12)

وهو ضعيف.

(1)

تقدم برقم (1546) من كتابنا هذا.

(2)

رقم (1548) وهو صحيح من كتابنا هذا.

(3)

في سننه رقم (1792).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 50 رقم 641/ 1792): "هذا إسناد فيه حارثة وهو ابن أبي الرجال ضعيف" اهـ.

(4)

في سننه (2/ 90 - 91 رقم 3).

(5)

في السنن الكبرى (4/ 103).

(6)

في الضعفاء الكبير (1/ 289) معلقًا وقال: لم يتابعه عليه إلا من هو دونه".

(7)

حارثة بن أبي الرجال، واسم أبي الرجال: محمد بن عبد الرحمن، وأبو الرجال مدني، جدته: عمرة بنت عبد الرحمن. ضعفه أحمد وابن معين، وقال البخاري: منكر الحديث.

وقال ابن عدي: عامة ما يرويه منكر.

التاريخ الكبير (3/ 94) والمجروحين (1/ 268) والجرح والتعديل (3/ 255) والكاشف (1/ 142) والمغني (1/ 144) والميزان (1/ 445) والتقريب (1/ 145) والخلاصة (ص 69).

والخلاصة: أن الحديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(8)

في سننه (2/ 90 رقم 1).

(9)

في السنن الكبرى (4/ 104) وقال: وعبد الرحمن ضعيف لا يحتج به.

قلت: وأخرجه الترمذي رقم (631).

وهو حديث صحيح.

(10)

تقدم الكلام عليه مرارًا.

(11)

في سننه (2/ 91 رقم 5).

قلت: وأخرجه ابن عدي في "الكامل"(2/ 779).

قال الحافظ في "التلخيص"(2/ 305): وفيه حسان بن سياه، وهو ضعيف، وقد تفرد به عن ثابت.

(12)

انظر ترجمته في: "الميزان"(1/ 478). =

ص: 82

قوله: (ففيها نصف دينار)، فيه دليل على أن زكاة الذهب ربع العشر، ولا أعلم فيه خلافًا.

[الباب الخامس] باب زكاة الزرع والثمار

20/ 1549 - (عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ الأنهارُ والغَيْمُ العُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بالسَّانِيَةِ نِصْفُ العُشُورِ" رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَمُسْلِمٌ

(2)

وَالنَّسَائِيُّ

(3)

وَأَبُو دَاوُدَ

(4)

وَقَالَ: "الأنهارُ وَالعُيُونُ"). [صحيح]

21/ 1550 - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّماءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العَشْرِ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا

(5)

، لَكِنْ لَفْظُ النَّسائِيُّ

(6)

وأبي دَاوُدَ

(7)

وَابْنِ مَاجَهْ

(8)

"بَعْلًا" بَدَلَ "عَثَرِيًّا").

قوله: (والغيم) بفتح الغين المعجمة: وهو المطر، وجاء في رواية "الغيل" باللام.

قال أبو عبيد

(9)

: هو ما جرى من المياه في الأنهار، وهو سيل دون السيل الكبير.

= والخلاصة: أن الحديث صحيح بشواهده، والله أعلم.

(1)

في المسند (3/ 341).

(2)

في صحيحه رقم (7/ 981).

(3)

في سننه رقم (2489).

(4)

في سننه رقم (1597).

وهو حديث صحيح.

(5)

البخاري رقم (1483) وأبو داود رقم (1596) والترمذي رقم (640) والنسائي رقم (2488) وابن ماجه رقم (1817).

(6)

في السنن رقم (2488) وقد تقدم.

(7)

في السنن رقم (1596) وقد تقدم.

(8)

في السنن رقم (1817) وقد تقدم.

(9)

في الغريبين (4/ 1400).

ص: 83

وقال ابن السكيت

(1)

: هو الماء الجاري على الأرض.

قوله: (العشور) قال النووي

(2)

: ضبطناه بضم العين جمع عشر.

وقال القاضي عياض

(3)

: ضبطناه عن عامة شيوخنا بفتح العين، وقال: وهو اسم للمخرج من ذلك.

وقال صاحب المطالع

(4)

: أكثر الشيوخ يقولونه بالضم وصوابه الفتح.

قال النووي

(5)

: وهذا الذي ادعاه من الصواب ليس بصحيح، وقد اعترف بأن أكثر الرواة رووه بالضم وهو الصواب جمع عشر، وقد اتفقوا على قولهم: عشور أهل الذمة بالضم، ولا فرق بين اللفظين.

قوله: (بالسانية)

(6)

هي البعير الذي يستقى به الماء من البئر، ويقال له: الناضح، يقال منه: سنا يسنو سنوًا: إذا استقى به.

قوله: (فيما سقت السماء)، المراد بذلك المطر أو الثلج أو البرد أو الطل، والمراد بالعيون: الأنهار الجارية التي يستقى منها دون اغتراف بآلة بل تساح إساحة.

قوله: (أو كان عثريًا)

(7)

، هو بفتح العين المهملة وفتح الثاء المثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية.

وحكي عن ابن الأعرابي

(8)

تشديد المثلثة ورده ثعلب

(9)

.

قال الخطابي

(10)

: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، زاد ابن قدامة

(11)

(1)

حكاه عنه الأزهري في "تهذيب اللغة"(8/ 195).

(2)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 54).

(3)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 467).

(4)

حكاه عنه النووي في شرحه لصحيح مسلم (7/ 54).

(5)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 54).

(6)

النهاية (2/ 415).

(7)

النهاية (3/ 182).

(8)

و

(9)

كما في تهذيب اللغة للأزهري (2/ 325).

(10)

في معالم السنن (2/ 252 - مع السنن).

(11)

في المغني (4/ 165).

ص: 84

عن القاضي أبي يعلى: وهو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه ماء المطر في سواق تسقي إليه.

قال: واشتقاقه من العاثور، وهي الساقية التي يجري فيها الماء لأن الماشي يتعثر فيها.

قال: ومثله الذي يشرب من الأنهار بغير مؤنة أو يشرب بعروقه كأن يغرس في أرض يكون الماء قريبًا من وجهها فيصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي.

قال الحافظ

(1)

: وهذا التفسير أولى من إطلاق أبي عبيد

(2)

أن العثري ما سقته السماء؛ لأن سياق الحديث يدل على المغايرة، وكذا قول من فسر العثري بأنه الذي لا حمل له لأنه لا زكاة فيه.

قال ابن قدامة

(3)

: لا نعلم في هذه التفرقة التي ذكرها خلافًا.

قوله: (بالنضح) بفتح النون وسكونُ الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة: أي بالسانية.

قوله: (بعلًا) بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة، ويروى بضمها. قال في القاموس

(4)

: البعل: الأرض المرتفعة تمطر في السنة مرة وكل نخل وزرع لا يسقى، أو ما سقته السماء. اهـ.

وقيل: هو الأشجار التي تشرب بعروقها من الأرض.

والحديثان يدلان على أنه يجب العشر فيما سقي بماء السماء والأنهار ونحوهما مما ليس فيه مؤنة كثيرة، ونصف العشر فيما سقي بالنواضح، ونحوها مما فيه مؤنة كثيرة.

قال النووي

(5)

: وهذا متفق عليه. وإن وجد ما يسقى بالنضح تارة وبالمطر أخرى، فإن كان ذلك على جهة الاستواء وجب ثلاثة أرباع العشر، وهو قول أهل العلم.

(1)

في "الفتح"(3/ 349).

(2)

في الأموال (ص 429).

(3)

انظر: المغني (4/ 164 - 165).

(4)

القاموس المحيط (ص 1249).

(5)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 54).

ص: 85

قال ابن قدامة

(1)

: لا نعلم فيه خلافًا وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعًا للأكثر عند أحمد والثوري وأبي حنيفة

(2)

وأحد قولي الشافعي

(3)

: وقيل: يؤخذ بالتقسيط.

قال الحافظ

(4)

: ويحتمل أن يقال: إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه.

وعن ابن القاسم

(5)

صاحب مالك: العبرة بما تم به الزرع ولو كان أقل.

22/ 1551 - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ

(6)

. [صحيح]

وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ

(7)

وَمُسْلِمٍ

(8)

وَالنَّسائيّ

(9)

: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبّ صَدَقَةٌ". [صحيح]

وَلمُسْلِمٍ

(10)

فِي رِوَايَةٍ: "مِنْ ثَمَرِ" بالثَّاء ذَاتِ النُّقَطِ الثَّلاثِ). [صحيح]

23/ 1552 - (وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الوَسَقُ ستُّونَ صَاعًا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(11)

وَابْنُ مَاجَه

(12)

. [ضعيف]

(1)

في المغني (4/ 166).

(2)

البناية في شرح الهداية (3/ 501).

(3)

المجموع شرح المهذب (5/ 446).

(4)

في "الفتح"(3/ 349).

(5)

المنتقى للباجي (2/ 158).

(6)

أحمد في المسند (3/ 86) والبخاري رقم (1484) ومسلم رقم (1/ 979) وأبو داود رقم (1558) والترمذي رقم (626) والنسائي رقم (2445) وابن ماجه رقم (1793).

وهو حديث صحيح.

(7)

في المسند (3/ 59).

(8)

في صحيحه رقم (4/ 979).

(9)

في سننه رقم (2475).

وهو حديث صحيح.

(10)

في صحيحه رقم (5/ 979).

(11)

في المسند (3/ 83).

(12)

في السنن رقم (1832).

وهو حديث ضعيف.

ص: 86

ولأَحْمَدَ

(1)

وَأَبي دَاوُدَ

(2)

: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ زَكَاةٌ، وَالوَسْقُ سُتُّونَ مَخْتُومًا"). [ضعيف]

قوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق)، قد تقدم تفسير الوسق والأواقي والذود.

قوله: (الوسق ستون صاعًا)، هذا الحديث أخرجه أيضًا الدارقطني

(3)

وابن حبان

(4)

من طريق عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد.

وأخرجه أيضًا النسائي

(5)

وأبو داود

(6)

وابن ماجه

(7)

من طريق أبي البختري عن أبي سعيد، قال أبو داود

(8)

: وهو منقطع لم يسمع أبو البختري من أبي سعيد.

وقال أبو حاتم: لم يدركه.

وأخرج البيهقي

(9)

نحوه من حديث ابن عمر، وابن ماجه

(10)

من حديث جابر وإسناده ضعيف.

(1)

في المسند (3/ 59).

(2)

في السنن رقم (1559).

وهو حديث ضعيف.

(3)

في سننه (2/ 129 رقم 3).

(4)

في صحيحه رقم (3268).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (2293، 2298) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 35).

(5)

في السنن رقم (2245).

(6)

في السنن رقم (1559).

(7)

في السنن رقم (1832).

(8)

في السنن (2/ 211).

وهو حديث ضعيف.

(9)

في السنن الكبرى (4/ 121) من حديث ابن عمر.

(10)

في سننه رقم (1833) من حديث جابر.

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 63 رقم (652/ 1833): "هذا إسناد ضعيف، فيه محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك الحديث. وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري رواه الشيخان وغيرهما".

وهو حديث ضعيف.

ص: 87

قال الحافظ

(1)

: وفيه عن عائشة وعن سعيد بن المسيب

(2)

.

وحديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، مخصص لعموم حديث جابر المتقدم في أول الباب

(3)

.

ولحديث ابن عمر المذكور بعده

(4)

لأنهما يشملان الخمسة الأوسق وما دونها.

وحديث أبي سعيد هذا خاص بقدر الخمسة الأوسق فلا تجب الزكاة فيما دونها. والى هذا ذهب الجمهور

(5)

.

وذهب ابن عباس وزيد بن علي والنخعي وأبو حنيفة

(6)

إلى العمل بالعام، فقالوا: تجب الزكاة في القليل والكثير ولا يعتبر النصاب.

وأجابوا عن حديث الأوساق بأنه لا ينتهض لتخصيص حديث العموم لأنه مشهور وله حكم المعلوم، وهذا إنما يتم على مذهب الحنفية القائلين بأن دلالة العموم قطعية، وأن العمومات القطعية لا تخصص بالظنيات، ولكن ذلك لا يجزي فيما نحن بصدده، فإن العام والخاص ظنيان كلاهما، والخاص أرجح دلالة وإسنادًا، فيقدم على العام تقدم أو تأخر أو قارن على ما هو الحق من أنه يبنى العام على الخاص

(7)

مطلقًا، وهكذا يجب البناء إذا جهل التاريخ.

وقد قيل: إن ذلك إجماع، والظاهر أن مقام النزاع من هذا القبيل.

وقد حكى ابن المنذر الإجماع

(8)

على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما أخرجت الأرض، إلا أن أبا حنيفة

(9)

قال: تجب في جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقضب والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر انتهى.

(1)

في "التلخيص"(2/ 327).

(2)

في السنن الكبرى (4/ 121).

(3)

تقدم برقم (1549) من كتابنا هذا.

(4)

تقدم برقم (1550) من كتابنا هذا.

(5)

المغني (4/ 161).

(6)

البناية في شرح الهداية (3/ 491).

(7)

انظر: "إرشاد الفحول"(ص 536) بتحقيقي وقد تقدم مرارًا.

(8)

حكاه ابن قدامة في المغني (4/ 162) عنه.

(9)

البناية في شرح الهداية (3/ 499 - 500).

ص: 88

وحكى عياض

(1)

عن داود أن كل ما يدخله الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة وهو نوع من الجمع.

قال ابن العربي

(2)

: أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة وهو التمسك بالعموم، انتهى.

وههنا مذهب ثالث حكاه صاحب البحر

(3)

عن الباقر والصادق أنه يعتبر النصاب في التمر والزبيب والبر والشعير إذ هي المعتادة فانصرف إليها، وهو قصر للعام على بعض ما يتناوله بلا دليل.

24/ 1553 - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ

(4)

قَالَ: أَرَادَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُغِيرَةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْضِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ مِنَ الخُضْرَوَاتِ صَدَقَةً، فَقَالَ لَهُ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ، إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ:"لَيْسَ فِي ذَلِكَ صَدَقَةٌ"، رَوَاهُ الأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى المَرَاسِيلِ لاحْتِجَاجِ مَنْ أرْسَلَهُ بِهِ)

(5)

. [ضعيف]

الحديث أخرجه أيضًا الدارقطني

(6)

والحاكم

(7)

(1)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 460).

(2)

في عارضة الأحوذي (3/ 135).

(3)

البحر الزخار (2/ 169).

(4)

عطاء بن السائب، أبو محمد، ويقال: أبو السائب الثقفي الكوفي، صدوق اختلط. مات سنة (136 هـ). التقريب (2/ 22).

(5)

أخرجه الدارقطني في السنن (2/ 97 - 98 رقم 13) هكذا مرسلًا.

وقد اختلف في وصل الحديث وإرساله والصواب المرسل.

(6)

في السنن (2/ 97 رقم 9).

(7)

في المستدرك (1/ 401) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.

قلت: فيما قالاه نظر، فإن إسحاق بن يحيى تركه غير واحد كأحمد والنسائي، وقال ابن معين: لا يكتب حديثه

المجروحين (1/ 133) والجرح والتعديل (2/ 236) والميزان (1/ 304) والتقريب (1/ 62) وتهذيب الكمال (2/ 489).

ولهذا ضعف الحديث ابن عبد الهادي في "التنقيح"(2/ 199) حيث قال: (روى هذا الحديث الحاكم في المستدرك وصححه، وهو حديث ضعيف، وإسحاق تركه غير واحد" اهـ. =

ص: 89

[والبيهقي

(1)

]

(2)

من حديث إسحق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ بلفظه. وأما القثاء والبطيخ والرمان والقضب [والخضروات]

(3)

فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ

(4)

: وفيه ضعف وانقطاع.

وروى الترمذي

(5)

بعضه من حديث عيسى بن طلحة عن معاذ وهو ضعيف.

وقال الترمذي

(6)

: ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، يعني في الخضروات، وإنما يروى عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.

وذكره الدارقطني في العلل

(7)

وقال: الصواب مرسل.

وروى البيهقي

(8)

بعضه من حديث موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ.

رواه الحاكم

(9)

وقال: موسى تابعي كبير لا ينكر أنه لقي معاذًا.

وقال ابن عبد البر

(10)

: لم يلق معاذًا ولا أدركه، وكذلك قال أبو زرعة.

وروى البزار

(11)

والدارقطني

(12)

من طريق الحارث بن نبهان عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعًا: "ليس في الخضروات صدقة"، قال

= كما ضعف الحديث الحافظ في "التلخيص الحبير"(2/ 321) حيث قال: "وفيه ضعف وانقطاع".

(1)

في السنن الكبرى (4/ 129).

(2)

زيادة من المخطوط (ب).

(3)

زيادة من المخطوط (ب).

(4)

في التلخيص الحبير (2/ 321).

(5)

في السنن رقم (638).

(6)

في سننه (3/ 30 - 31).

وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح"(2/ 197): "الحسن هو ابن عمارة وهو متروك الحديث، وقال الترمذي: هو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه شعبة وغيره، وتركه عبد الله بن المبارك".

والخلاصة: أن الحديث ضعيف.

(7)

(4/ 203 - 205 س 510).

(8)

في السنن الكبرى (4/ 128 - 129).

(9)

في المستدرك (1/ 401) وقد تقدم الكلام عليه قريبًا.

(10)

في الاستذكار (9/ 271 رقم 13281).

(11)

في المسند (3/ 156 - 157 رقم 940).

(12)

في سننه (2/ 96 رقم 4).

ص: 90

البزار

(1)

: لا نعلم أحدًا قال فيه عن أبيه إلا الحارث بن نبهان.

وقد حكى ابن عدي

(2)

تضعيفه عن جماعة، والمشهور عن موسى مرسل.

ورواه الدارقطني

(3)

من طريق مروان بن محمد السنجاري عن جرير عن عطاء بن السائب فقال عن أنس بدل قوله: عن أبيه، ولعله تصحيف منه، ومروان مع ذلك ضعيف جدًّا.

وروى الدارقطني

(4)

من حديث علي مثله، وفيه الصقر بن حبيب

(5)

وهو ضعيف جدًّا.

وفي الباب عن محمد بن جحش عند الدارقطني

(6)

، وفي إسناده عبد الله بن شبيب

(7)

. قيل عنه: إنه يسرق الحديث.

وعن عائشة عند الدارقطني

(8)

أيضًا، وفيه صالح بن موسى

(9)

وفيه ضعف.

(1)

في المسند (3/ 156 - 157).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 68 - 69) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، والبزار، وفيه الحارث بن نبهان وهو متروك وقد وثقه ابن عدي.

(2)

في "الكامل"(2/ 191) في ترجمة الحارث بن نبهان، وحكى تضعيفه عن جماعة والمشهور عن موسى مرسل.

(3)

في سننه (2/ 96 رقم 6).

وقال الدارقطني: مروان السنجاري ضعيف.

(4)

في سننه (2/ 94 - 95 رقم 1) وفيه الصقر بن حبيب، وأحمد بن الحارث وكلاهما ضعيفان.

(5)

قال الذهبي في الميزان (2/ 317): الصقر بن حبيب، قال ابن حبان: يأتي عن الأثبات بالمقلوبات، وغمزه الدارقطني في الزكاة ولا يكاد يعرف.

(6)

في سننه (2/ 95 - 96 رقم 3).

(7)

عبد الله بن شبيب، أبو سعيد الربعي، أخباري علّامة، لكنه واهٍ.

قال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث.

وقال ابن حبان: يقلبُ الأخبار ويسرقها.

[الميزان (2/ 438 - 439 رقم الترجمة 4376)].

(8)

في سننه (2/ 95 رقم 2) وفيه صالح بن موسى ضعيف.

(9)

صالح بن موسى الطلحي، قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدًّا عن الثقات. =

ص: 91

عن علي موقوفًا عند البيهقي

(1)

. وعن عمر كذلك عنده

(2)

.

والحديث يدل على عدم وجوب الزكاة في الخضروات، وإلى ذلك ذهب مالك

(3)

والشافعي

(4)

وقالا: إنما تجب الزكاة فيما يكال ويدخر للاقتيات [والاحتكار]

(5)

.

وعن أحمد

(6)

أنها تخرج مما يكال ويدخر ولو كان لا يقتات به، وقال أبو يوسف

(7)

ومحمد: وأوجبها في الخضروات الهادي (8) والقاسم

(8)

إلا الحشيش والحطب لحديث: "الناس شركاء في ثلاث"، ووافقهما أبو حنيفة

(9)

إلا أنه استثنى السعف والتبن.

واستدلوا على وجوب الزكاة في الخضروات بعموم قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}

(10)

، وقوله:{وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}

(11)

، وقوله:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}

(12)

.

وبعموم حديث

(13)

: "فيما سقت السماء العشر" ونحوه.

قالوا: وحديث الباب

(14)

ضعيف لا يصلح لتخصيص هذه العمومات.

وأجيب بأن طرقه يقوي بعضها بعضًا، [فينتهض]

(15)

لتخصيص هذه

= [الضعفاء والمتروكين للنسائي رقم (314) والتاريخ الكبير (4/ 291) والمجروحين (1/ 369) والجرح والتعديل (4/ 415) والميزان (2/ 301)].

(1)

في السنن الكبرى (4/ 129 - 130).

(2)

في السنن الكبرى (4/ 129).

(3)

عيون المجالس (2/ 516). والاستذكار (9/ 272 رقم 13288).

(4)

المجموع شرح المهذب (5/ 470).

(5)

زيادة من المخطوط (ب).

(6)

المغني لابن قدامة (4/ 155).

(7)

البناية في شرح الهداية (3/ 499).

(8)

البحر الزخار (2/ 168 - 169).

(9)

البناية في شرح الهداية (3/ 500).

(10)

سورة التوبة: الآية (103).

(11)

سورة البقرة: الآية (267).

(12)

سورة الأنعام: الآية (141).

(13)

تقدم تخريجه برقم (1549) ورقم (1550) من كتابنا هذا.

(14)

تقدم تخريجه برقم (1553) من كتابنا هذا.

(15)

في المخطوط (ب): (فتنتهض).

ص: 92

العمومات، ويقوي ذلك ما أخرجه الحاكم

(1)

والبيهقي

(2)

والطبراني

(3)

من حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم فقال: "لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر"، قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل.

وما أخرجه الطبراني

(4)

عن عمر قال: "إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة" فذكرها، وهو من رواية موسى بن طلحة عن عمر. قال أبو زرعة: موسى عن عمر مرسل.

وما أخرجه ابن ماجه

(5)

والدارقطني

(6)

من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: "إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب"، زاد ابن ماجه (5):"والذرة"، وفي إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك.

وما أخرج البيهقي

(7)

من طريق مجاهد قال: "لم تكن الصدقة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا في خمسة" فذكرها.

(1)

في المستدرك (1/ 401) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

(2)

في السنن الكبرى (4/ 129).

(3)

في المعجم الكبير (ج 2 رقم 314).

(4)

لم أقف عليه عند الطبراني في الكبير ولا في الأوسط ولا في الصغير.

وإنما وجدته في "التلخيص"(2/ 322) وقد عزاه الحافظ للدارقطني (2/ 96 رقم 7) وفيه محمد بن عبيد الله وهو العرزمي متروك.

(5)

في سننه رقم (1815).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 57 رقم 647، 1815):

"هذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن عبيد الله .. " اهـ.

(6)

في سننه (2/ 94 رقم 1).

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا، وصح نحوه بلفظ:"الأربعة" فذكرها دون "الذرة" فهي منكرة، قاله الألباني.

(7)

في السنن الكبرى (4/ 129).

قال الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 389): مرسل وفيه خصيف.

وقال الألباني في "تمام المنة"(ص 369): "وهذا مع كونه مرسلًا؛ فهو ضعيف؛ لأن عتابًا وخصيفًا ضعيفان" اهـ.

ص: 93

وأخرج

(1)

أيضًا من طريق الحسن فقال: "لم يفرض الصدقة النبي صلى الله عليه وسلم إلا في عشرة"، فذكر الخمسة المذكورة "والإبل والبقر والغنم والذهب والفضة".

وحكي أيضًا عن الشعبي

(2)

أنه قال: "كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب"، قال البيهقي

(3)

: هذه المراسيل طرقها مختلفة وهي يؤكد بعضها بعضًا، ومعها حديث أبي موسى، ومعها قول عمر وعلي وعائشة:"ليس في الخضروات زكاة" انتهى.

فلا أقل من انتهاض هذه الأحاديث لتخصيص تلك العمومات التي قد دخلها التخصيص بالأوساق والبقر العوامل وغيرهما، فيكون الحق ما ذهب إليه الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي من أن الزكاة لا تجب إلا في البر والشعير والتمر والزبيب لا فيما عدا هذه الأربعة مما أخرجت الأرض.

وأما زيادة الذرة في حديث عمرو بن شعيب فقد عرفت أن في إسنادها متروكًا، ولكنها معتضدة بمرسل مجاهد والحسن

(4)

.

(1)

أي البيهقي في السنن الكبرى (4/ 129).

قال الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 389) فيه عمرو بن عبيد متكلم فيه.

وقال الألباني في "تمام المنة"(ص 369 - 370): "

قال ابن عيينة: أراه قال: "والذرة"، وهذا مع شكه في هذه الزيادة ففيه أمران:

(الأول): أن شيخه عمرو بن عبيد - وهو شيخ المعتزلة - قال الذهبي في الضعفاء: سمع الحسن، كذبه أيوب ويونس وتركه النسائي"، فمثله لا يستشهد به ولا كرامة.

هذا لو ثبت ذلك عنه، فكيف وفيه ما يأتي.

(والآخر): أن سفيان لم يثبت على شكه المذكور، ففي رواية أخرى للبيهقي عن سفيان بلفظ:"السلت" ولم يذكر "الذرة".

والسلت: ضرب من الشعير أبيض لا قشر له كما في "النهاية"، وحينئذٍ فهو صنف من الأصناف الأربعة، فلا اختلاف بين هذه الرواية والحديث الصحيح كما لا يخفى

"اهـ.

(2)

أخرج أثر الشعبي البيهقي في السنن الكبرى (4/ 129) وفي إسناده أجلح بن عبد الله بن حجية: ضعيف.

(3)

في السنن الكبرى (4/ 129).

(4)

قال الألباني رحمه الله في "تمام المنة"(ص 370 - 371): "ويبدو أنه خفي على =

ص: 94

25/ 1554 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَبْعَثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ ثُمَّ يُخَيَّرُ يَهُودَ يأخُذُونَهُ بِذَلِكَ الخَرْص أَوْ يَدْفَعُونَهُ إِلَيْهِمْ بِذلِكَ الخَرْصِ لَكَي يُحْصِيَ الزكاةَ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَأَبُو دَاوُدَ)

(2)

. [ضعيف]

26/ 1555 - (وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أسِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبْعَثُ على النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

(3)

وَابْنُ مَاجَهْ)

(4)

. [ضعيف]

= الإمام الشوكاني رحمه الله مثل هذا التحقيق فإنه بعد أن ذكر رواية عمرو بن شعيب التي فيها المتروك؛ استدرك فقال في "النيل": (ولكنها معتضدة بمرسل مجاهد والحسن)!

وكأنه رحمه الله لم يتتبع أسانيدها، وإلا لم يقل هذا، كيف ومرسل الحسن فيه المتروك أيضًا، مع الشك الذي في إحدى الروايتين عنه؟! والأخرى - لو صحت - تشهد للحديث الصحيح، وليس لهذه الزيادة المنكرة!

ومرسل مجاهد ضعيف كما سبق بيانه، ولا يشهد له رواية العرزمي لشدة ضعفه، مع مخالفته للحديث الصحيح وشواهده.

ولعل الشوكاني غرّه قول البيهقي عقب الشواهد المشار إليها ومرسل مجاهد والحسن المذكورين، وساق شاهدًا ثالثًا بسنده عن الشعبي بمعنى الحديث الصحيح، قال البيهقي عقبها:

"هذه الأحاديث كلها مراسيل؛ إلا أنها من طرق مختلفة، فبعضها يؤكد بعضًا، ومعها رواية أبي بردة عن أبي موسى، ومعها قول بعض الصحابة".

فهو يعني ما اتفقت عليه الروايات مع رواية أبي بردة عن أبي موسى، وهي صحيحة كما تقدم، وليس يعني مطلقًا ما تفرد به بعض الضعفاء والمتروكين فتنبه" اهـ.

(1)

في المسند (6/ 163).

(2)

في سننه رقم (1606) و (3413).

قلت: وأخرجه ابن راهويه رقم (904) وابن خزيمة رقم (2315) والدارقطني (2/ 134) والبيهقي (4/ 123) وابن حزم في المحلى (5/ 255 - 256) وأبو عبيد بن سلام في الأموال رقم (1437).

وفيه واسطة بين ابن جريج والزهري، ولم يُعرف، وابن جريج مدلس فلعله تركها تدليسًا.

وقد أخرجه بدونها عبد الرزاق في المصنف رقم (7219) والدارقطني (2/ 134 رقم 25). وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.

(3)

في سننه رقم (644).

(4)

في سننه رقم (1819).

قلت: وأخرجه أبو داود رقم (1603) والنسائي رقم (2618) والطحاوي في شرح معاني =

ص: 95

27/ 1556 - (وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُخْرَصَ العِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا كمَا تُوخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(1)

وَالتِّرْمِذِيُّ)

(2)

. [ضعيف]

28/ 1557 - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الربُعَ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ)

(3)

. [ضعيف]

حديث عائشة فيه واسطة بين ابن جريج والزهري ولم يعرف.

وقد رواه عبد الرزاق

(4)

والدارقطني

(5)

[من طريقه]

(6)

بدون الواسطة المذكورة، وابن جريج مدلس فلعله تركها تدليسًا.

= الآثار (2/ 39) والدارقطني (2/ 134 رقم 24) والشافعي رقم (661 - ترتيب) والبيهقي (4/ 122) وله عندهم ألفاظ.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

قلت: هذا الحديث منقطع؛ لأن عتابًا توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومولد سعيد بن المسيب في خلافة عمر

"، انظر: المختصر لابن المنذر (2/ 211).

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(1)

في السنن رقم (1603).

(2)

في السنن رقم (644) وقال: حديث حسن غريب.

وهو حديث ضعيف، انظر الحديث الذي قبله.

(3)

أخرجه أحمد (3/ 448) وأبو داود رقم (1605) والترمذي رقم (643) والنسائي رقم (2491).

قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 194) وأبو عبيد في الأموال رقم (1447) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 39) والبيهقي (4/ 123) وابن خزيمة رقم (2319، 2320) وابن حبان رقم (3280) والحاكم في المستدرك (1/ 402) من طرق.

وفي سنده: عبد الرحمن بن مسعود بن نيار. قال الحافظ في "التلخيص"(2/ 333) وقد قال البزار إنه تفرد به، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله

" اهـ.

قلت: وخلاصة القول أن الحديث ضعيف.

(4)

في المصنف (رقم 7219) وقد تقدم.

(5)

في السنن (2/ 134 رقم 25) وقد تقدم.

(6)

زيادة من المخطوط (ب).

ص: 96

وذكر الدارقطني

(1)

الاختلاف فيه، فقال: رواه صالح عن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وأرسله معمر ومالك وعقيل ولم يذكروا أبا هريرة.

وحديث عتاب بن أسيد أخرجه أيضًا باللفظ الأول أبو داود

(2)

وابن حبان

(3)

، وباللفظ الثاني النسائي

(4)

وابن حبان

(5)

والدارقطني

(6)

، ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب.

وقد قال أبو داود

(7)

: لم يسمع منه [شيئًا]

(8)

.

وقال ابن قانع

(9)

: لم يدركه.

وقال المنذري

(10)

: انقطاعه ظاهر لأن مولد سعيد في خلافة عمر، ومات عتاب يوم مات أبو بكر، وسبقه إلى ذلك ابن عبد البر

(11)

.

وقال ابن السكن

(12)

: لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه غير هذا.

وقد رواه الدارقطني

(13)

بسند فيه الواقدي فقال: عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب بن أسيد.

وقال أبو حاتم

(14)

: الصحيح عن سعيد بن المسيب "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عتابًا" مرسل، وهذه رواية عبد الرحمن بن إسحق عن الزهري.

(1)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 332).

(2)

في السنن رقم (1604).

(3)

في صحيحه رقم (3278). وهو حديث ضعيف. وسعيد بن المسيب لم يسمع من عتاب شيئًا كما قال أبو داود وقد تقدم الكلام في ذلك.

(4)

في السنن رقم (2618).

(5)

في صحيحه رقم (3279).

(6)

في سننه (2/ 133 رقم 18).

وهو حديث ضعيف.

(7)

في السنن (2/ 258).

(8)

زيادة من المخطوط (ب).

(9)

في معجم الصحابة (2/ 270 رقم الترجمة 792).

(10)

في "مختصر السنن"(2/ 211).

(11)

انظر: التمهيد (7/ 25) والاستيعاب (3/ 44 رقم 1775).

(12)

حكاه عنه في "التلخيص"(2/ 331).

(13)

في سننه (2/ 133 رقم 18).

(14)

في العلل (1/ 213).

ص: 97

وحديث سهل بن أبي حثمة أخرجه أيضًا ابن حبان

(1)

والحاكم

(2)

وصححاه، وفي إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار

(3)

الراوي عن ابن أبي حثمة.

وقد قال البزار

(4)

: إنه تفرد به. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. قال الحاكم

(5)

: وله شاهد بإسناد متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به.

ومن شواهده ما رواه [ابن عبد البر

(6)

]

(7)

عن جابر مرفوعًا: "خففوا في الخرص" الحديث، وفي إسناده ابن لهيعة.

والأحاديث المذكورة تدل على مشروعية الخرص في العنب والنخل.

وقد قال الشافعي

(8)

في أحد قوليه بوجوبه مستدلًا بما في حديث عتاب من "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك".

وذهبت العترة

(9)

ومالك

(10)

وروى عن الشافعي

(11)

إلى أنه جائز فقط.

وذهبت الهادوية

(12)

وروي عن الشافعي

(13)

أيضًا إلى أنه مندوب.

(1)

في صحيحه رقم (3280) وقد تقدم.

(2)

في المستدرك (1/ 452). وهو حديث ضعيف.

(3)

عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، عن سهل بن أبي خيثمة. لا يعرف. وقد وثقه ابن حبان على قاعدته - يعني في الاحتجاج بمن لا يعرف -[الميزان (2/ 589 رقم الترجمة 4972)].

(4)

حكاه عنه في "التلخيص"(2/ 333).

(5)

في المستدرك (1/ 402).

(6)

في الاستذكار (9/ 249 رقم 13167).

قلت: وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (4/ 129 رقم 7221).

وابن حزم في المحلى (5/ 259) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 40).

(7)

في المخطوط (ب): (البزار).

(8)

في الأم (3/ 80 رقم 806) والمجموع شرح المهذب (5/ 459).

(9)

في البحر الزخار (2/ 171).

(10)

عيون المجالس (2/ 518) والتسهيل (3/ 717) ومواهب الجليل (2/ 288).

(11)

المجموع شرح المهذب (5/ 459).

(12)

البحر الزخار (2/ 171).

(13)

"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني (1/ 386 - 387).

ص: 98

وقال أبو حنيفة

(1)

: لا يجوز لأنه رجم بالغيب، والأحاديث المذكورة ترد عليه.

وقد قصر جواز الخرص على مورد النص بعض أهل الظاهر

(2)

فقال: لا يجوز إلا في النخل والعنب، ووافقه على ذلك شريح وأبو جعفر وابن أبي الفوارس، وقيل: يقاس عليه غيره مما يمكن ضبطه بالخرص.

واختلف في خرص الزرع فأجازه للمصلحة الإمام يحيى ومنعته الهادوية

(3)

والشافعية

(4)

.

قوله: (ودعوا الثلث)، قال ابن حبان

(5)

: له معنيان:

(أحدهما) أن يترك الثلث أو الربع من العشر.

(وثانيهما) أن يترك ذلك من نفس الثمرة قبل أن تعشَّر.

وقال الشافعي

(6)

: أن يدع ثلث الزكاة أو ربعها ليفرقها هو بنفسه. وقيل: يدع له ولأهله قدر ما يأكلون ولا يخرص.

وأخرج أبو نعيم في الصحابة

(7)

من طريق الصلت بن زبيد بن الصلت عن أبيه عن جده: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الخرص فقال: أثبت لنا النصف وبقّ لهم النصف فإنهم يسرقون ولا تصل إليهم"

(8)

.

(1)

"اللباب في الجمع بين السنة والكتاب"، لعلي بن زكريا المنبجي (1/ 394 - 396).

(2)

في "المحلى"(5/ 255 - 256).

(3)

البحر الزخار (2/ 171).

(4)

المجموع (5/ 459).

(5)

في صحيحه (8/ 75).

(6)

المجموع (5/ 460).

(7)

في "معرفة الصحابة"(3/ 1522 رقم 3861) وقال أبو نعيم: لم نكتبه إلا من هذا الوجه.

(8)

قال القاضي أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي"(3/ 141 - 142): "ليس في الخرص حديث صحيح إلا واحد وهو المتفق عليه، وهو ما رويناه في حديقة المرأة، قال: ويليه حديث ابن رواحة في الخرص على اليهود وهذه المسألة عسرة جدًّا لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه خرص النخل، ولم يثبت عنه خرص الزبيب، وكان كثيرًا في حياته وفي بلاده، ولم يثبت عنه خرص النخل إلا على اليهود؛ لأنهم كانوا شركاء وكانوا غير أمناء، وأما المسلمون فلم يخرص عليهم. قال: ولما لم يصح حديث سهل، ولا حديث ابن المسيب، بقي الحال وقفًا؛ لأن الخرص على الناس حفظًا لحق الفقراء

ص: 99

29/ 1558 - (وَعَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبي أمامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنِ الجُعْرُورِ وَلَوْنِ الحُبَيْقِ أنْ يُؤْخَذَا فِي الصَّدَقَةِ. قَالَ الزُّهْرِي: تَمْرَيْنِ مِنْ تَمْرِ المَدِينَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(1)

. [صحيح]

30/ 1559 - (وَعَنْ أبي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ في الآيَةِ الَّتِي قَالَ الله عز وجل: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}

(2)

، قَالَ: هُوَ الجُعْرُورُ، وَلَوْنُ حُبَيْقٍ، فَنَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ الرُّذَالَةُ. رَوَاهُ النَّسَائي)

(3)

[صحيح]

الحديث الأول سكت عنه أبو داود

(4)

والمنذري

(5)

ورجال إسناده رجال الصحيح.

والحديث الثاني في إسناده عبد الجليل بن حبيب اليحصبي

(6)

ولا بأس به وبقية رجاله رجال الصحيح.

وقد أخرج نحوه الترمذي

(7)

وقال: حسن صحيح غريب من حديث البراء، قال في قوله تعالى:{وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}

(8)

، نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته. وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فسقط البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص

(9)

(1)

في سننه رقم (1607)، وهو حديث صحيح.

(2)

سورة البقرة: الآية (267).

(3)

في سننه رقم (2492)، وهو حديث صحيح.

(4)

في السنن (2/ 261).

(5)

في "المختصر"(2/ 213).

(6)

عبد الجليل بن حُميد اليحصُبي، أبو مالك المصري: لا بأس به. "التقريب" رقم الترجمة (3746).

وقال المحرران: بل: ثقة، وثقه أحمد بن صالح المصري، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: لا بأس به، ولا يُعرف بجرح.

(7)

في سننه رقم (2987) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.

(8)

سورة البقرة: الآية (267).

(9)

الشيص: التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى، وقد لا يكون له نوى أصلًا. النهاية (2/ 518).

ص: 100

والحشف

(1)

. وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ}

(2)

، قال: لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض وحياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده.

قوله: (الجعرور) بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الراء وسكون الواو بعدها راء. قال في القاموس

(3)

: هو تمر رديء.

قوله: (ولون الحبيق) بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون التحتية بعدها قاف، قال في القاموس

(4)

: حبيق كزبير: تمر دقل.

قوله: (الرذالة) بضم الراء بعدها ذال معجمة: هي ما انتفى جيده كما في القاموس

(5)

.

قوله: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ)، فيه دليل على أنه لا يجوز للمالك أن يخرج الرديء عن الجيد الذي وجبت فيه الزكاة نصًا في التمر وقياسًا في سائر الأجناس التي تجب فيها الزكاة، وكذلك لا يجوز للمصدق أن يأخذ ذلك.

[الباب السادس] باب ما جاء في زكاة العسل

31/ 1560 - (عَنْ أَبي سَيَّارَةَ المُتَعي قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ لِي نَخْلًا، قَالَ:"فأدّ العُشُور"، قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله احْمِ لِي جَبَلَها، قالَ: فَحَمَى لي جَبَلَها. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(6)

وَابْنُ مَاجَهْ)

(7)

. [حسن بشواهده]

(1)

الحشف: اليابس الفاسد من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له كالشِّيص. النهاية (1/ 391).

(2)

سورة البقرة: الآية (267).

وحديث البراء هذا حديث صحيح، والله أعلم.

(3)

القاموس المحيط (ص 467).

(4)

القاموس المحيط (ص 1127).

(5)

القاموس المحيط (ص 1299).

(6)

في المسند (4/ 236).

(7)

في سننه رقم (1823). =

ص: 101

32/ 1561 - (وَعِنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الْعَسَلِ العُشْرَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ

(1)

. [حسن بشواهده]

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ

(2)

: جَاءَ هِلَال أَحَدُ بَنِي مُتْعَانَ إِلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بعُشُورِ نَحْلٍ لَهُ، وَكَانَ سَأَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: سَلَبَةُ، فَحَمَى لَهُ ذَلِكَ الوَادِيَ، فَلَمَّا وُلِّي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَتَبَ سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ إلى عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ عُمَرُ: إِنْ أَدَّى إِلَيْكَ مَا كَانَ يُؤَدِّي إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عُشُور نَحْلِهِ فَاحْمِ لَهُ سَلَبَهُ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَابُ غَيْثٍ يَأْكُلُهُ مَنْ يَشَاءُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(3)

وَالنَّسَائِي

(4)

.

ولأَبي دَاوُدَ

(5)

في رِوَايَةٍ بِنَحْوِهِ وَقَالَ: مِنْ كُلّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ). [صحيح]

= قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 141) وعبد الرزاق في المصنف رقم (6973) والطيالسي رقم (169) وأبو عبيد في الأموال رقم (1488) والدولابي في الكنى (1/ 37) والطبراني في الكبير (ج 22 رقم 880، 881) وفي مسند الشاميين رقم (317) و (318) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 126) من طرق.

قال الترمذي في "العلل الكبير"(1/ 313): سألت محمد بن إسماعيل عن حديث سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن أبي سيارة، الحديث.

فقال: هو حديث مرسل، سليمان لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وللحديث شواهد ستأتي.

والخلاصة: أن الحديث حسن بشواهده.

(1)

في سننه رقم (1824) من طريق نعيم بن حماد، ثنا ابن المبارك، ثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب به.

قلت: ونعيم ضعيف.

(2)

أي لعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

(3)

في سننه رقم (1600).

(4)

في سننه رقم (2499).

من طريق عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب، به.

قلت: وهذا إسناد صحيح.

(5)

في سننه رقم (1601).

من طريق المغيرة ونسبه إلى عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، قال: حدثني أبي عن عمرو بن شعيب فذكر نحوه قال:

"من كل عشر قرب قربة".

وقال سفيان بن عبد الله الثقفي قال: وكان يحمي لهم واديين. زاد: فأدوا إليه ما كانوا =

ص: 102

حديث أبي سيارة أخرجه أيضًا أبو داود

(1)

والبيهقي

(2)

وهو منقطع لأنه من رواية سليمان بن موسى عن أبي سيارة.

قال البخاري

(3)

: لم يدرك سليمان أحدًا من الصحابة وليس في زكاة العسل شيء يصح.

قال أبو عمر بن عبد البر

(4)

: لا يقوم بهذا حجة.

وحديث عمرو بن شعيب قال الدارقطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث وابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مسندًا.

ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب عن عمر مرسلًا.

قال الحافظ

(5)

: فهذه علته، وعبد الرحمن وابن لهيعة ليسا من أهل الإتقان، لكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات، وتابعهما أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عند ابن ماجه

(6)

وغيره.

= يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمى لهم وادييهم".

وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 126 - 127) عن أبي داود بالسندين ثم قال: "ورواه أيضًا أسامة بن زيد عن عمرو نحو ذلك".

قلت: وصله عن أسامة، ابن ماجه بسند ضعيف كما تقدم.

لكن وصله أبو داود رقم (1652) من طريق ابن وهب: أخبرني أسامة بن زيد، به بلفظ:"أن بطْنًا من فَهْمٍ، بمعنى - حديث - المغيرة، - المتقدم برقم 1601 - قال: من عشر قرب قربة، وقال: واديين لهم".

قلت: وهذا سند حسن إلى عمرو بن شعيب، وكذا الذي قبله فهذه طرق إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده متصلًا. وبعضها صحيح بذلك إليه كما تقدم.

وانظر: بقية الشواهد في "نصب الراية"(2/ 390 - 391).

["إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" للمحدث الألباني (3/ 284 - 287 رقم 810)].

(1)

أي أبو داود الطيالسي في المسند رقم (169) وعزو الحديث لأبي داود مطلقًا وهم بلا شك، فلم يرو لأبي سيارة أحد من الستة إلا ابن ماجه.

(2)

في السنن الكبرى (4/ 126).

(3)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 325).

(4)

في الاستذكار (9/ 287 رقم 13355).

(5)

في "التلخيص"(2/ 325).

(6)

في سننه رقم (1824) وقد تقدم.

ص: 103

وفي الباب عن ابن عمر عند الترمذي

(1)

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "في العسل في كل عشرة [أزقاق]

(2)

زق"، وفي إسناده صدقة السمين

(3)

وهو ضعيف الحفظ وقد خولف.

وقال النسائي: هذا حديث منكر.

ورواه البيهقي

(4)

وقال: تفرد به صدقة وهو ضعيف، وقد تابعه طلحة بن زيد عن موسى بن يسار، ذكره المروزي ونقل عن أحمد تضعيفه.

وذكر الترمذي

(5)

أنه سأل البخاري عنه فقال: هو عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل.

(1)

في سننه رقم (629) قال الترمذي: حديث ابن عمر في إسناده مقال، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء

وصدقة بن عبد الله ليس بحافظ وقد خولف صدقة بن عبد الله في رواية هذا الحديث عن نافع.

ثم روى بسنده الصحيح عن عبيد الله بن عمر عن نافع قال:

"سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل، قال: قلت: ما عندنا عسل نتصدق منه، ولكن أخبرنا المغيرة بن حكيم أنه قال: ليس في العسل صدقة.

فقال عمر: عدل مرضي. فكتب إلى الناس أن توضع، يعني عنهم".

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 142).

قال الألباني في "الإرواء"(3/ 287): "قلت: والمغيرة بن حكيم تابعي ثقة. وما ذكره من النفي لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مقطوع.

ولو رفعه لكان مرسلًا فليس يعارض بمثله حديث عمرو بن شعيب بعد أن ثبت عنه لا سيما وهو مثبت. وله ذلك الشاهد عن نافع عن ابن عمر.

وهو وإن كان ضعيف السند، فمثله لا بأس به في الشواهد، لا سيما وقد أثبت له البخاري أصلًا من حديث نافع مرسلًا. والله أعلم" اهـ.

(2)

في سنن الترمذي رقم (629): (أزق).

(3)

صدقة بن عبد الله، أبو معاوية الدمشقي السمين، قال البخاري: روى عنه وكيع، ما كان من حديثه مرفوعًا فهو منكر، وهو ضعيف جدًّا. ضعفه أحمد ويحيى وكذا الدارقطني وابن عدي.

التاريخ الكبير (4/ 296) والمجروحين (1/ 374) والجرح والتعديل (4/ 429) والتقريب (1/ 366) ولسان الميزان (7/ 247) والخلاصة (ص 173).

(4)

في السنن الكبرى (4/ 126).

(5)

في العلل الكبير (1/ 312).

ص: 104

وعن أبي هريرة عند البيهقي

(1)

وعبد الرزاق

(2)

، وفي إسناده عبد الله بن محرر

(3)

بمهملات وهو متروك.

وعن سعد بن أبي ذئاب عند البيهقي

(4)

أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على قومه وأنه قال لهم: "أدوا العشر في العسل"، وفي إسناده منير بن عبد الله

(5)

، ضعفه البخاري والأزدي وغيرهما.

قال الشافعي

(6)

: وسعد بن أبي ذئاب يحكي ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره فيه بشيء وأنه شيء رآه هو، فيتطوع له به قومه.

قال ابن المنذر

(7)

: ليس في الباب شيء ثابت.

قوله: (متعان) بضم الميم وسكون المثناة بعدها مهملة، وكذا المتعي.

قوله: (سلبة) بفتح المهملة واللام والباء الموحدة: هو واد لبني متعان، قاله: البكري في معجم البلدان

(8)

.

وقد استدل بأحاديث الباب على وجوب العشر في العسل أبو حنيفة

(9)

وأحمد

(10)

وإسحق

(11)

، وحكاه الترمذي

(12)

عن أكثر أهل العلم، وحكاه في البحر

(13)

عن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز والهادي والمؤيد بالله وأحد قولي الشافعي.

(1)

في السنن الكبرى (4/ 126).

(2)

في المصنف رقم (6972).

(3)

عبد الله بن مُحَرَّر، يروي عن قتادة.

قال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني وجماعة: متروك.

التاريخ الكبير (5/ 212) والمجروحين (2/ 22) والجرح والتعديل (5/ 176) والميزان (2/ 500) والتقريب (1/ 445) والخلاصة (ص 212).

(4)

في السنن الكبرى (4/ 127).

(5)

منير بن عبد الله، عن أبيه حديث زكاة العسل. ضعفه الأزدي، وفيه جهالة. (الميزان: 4/ 193 رقم 8810).

(6)

في "الأم"(3/ 99).

(7)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(2/ 326).

(8)

وقد طبع باسم: "معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع"، تأليف عبد الله بن عبد العزيز البكري الأندلسي (3/ 746).

(9)

المبسوط للسرخسي (3/ 15 - 16).

(10)

المغني (4/ 183) والإنصاف (3/ 116).

(11)

حكاه عنه ابن قدامة في المغني (4/ 183).

(12)

في السنن (3/ 25).

(13)

في البحر الزخار (2/ 174).

ص: 105

وقد حكى البخاري

(1)

وابن أبي شيبة

(2)

وعبد الرزاق

(3)

عن عمر بن عبد العزيز أنه لا يجب في العسل شيء من الزكاة.

وروى عنه عبد الرزاق

(4)

أيضًا مثل ما روى عنه صاحب البحر

(5)

، ولكنه بإسناده ضعيف كما قال الحافظ في الفتح

(6)

.

وذهب الشافعي

(7)

ومالك

(8)

والثوري

(9)

وحكاه ابن عبد البر

(10)

عن الجمهور إلى عدم وجوب الزكاة في العسل، وحكاه في البحر

(11)

عن عليّ. وأشار العراقي في شرح الترمذي

(12)

إلى أن الذي نقله ابن المنذر عن الجمهور أولى من نقل الترمذي.

واعلم أن حديث أبي سيارة وحديث هلال إن كان غير أبي سيارة لا يدلان على وجوب الزكاة في العسل لأنهما تطوعا بها وحمى لهما بدل ما أخذ، وعقل عمر العلة فأمر بمثل ذلك، ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخير في ذلك.

وبقية أحاديث الباب لا تنتهض للاحتجاج بها

(13)

.

ويؤيد عدم الوجوب ما تقدم من الأحاديث القاضية بأن الصدقة إنما تجب في أربعة أجناس، ويؤيده أيضًا ما رواه الحميدي بإسناده إلى معاذ بن جبل: "أنه أتي بوقص

(14)

البقر والعسل، فقال معاذ: كلاهما لم يأمرني فيه صلى الله عليه وسلم بشيء"

(15)

.

(1)

في صحيحه (3/ 347 رقم الباب 55 - مع الفتح) معلقًا.

(2)

في المصنف (3/ 142).

(3)

في المصنف (4/ 60 رقم 6965).

(4)

في المصنف (4/ 61 رقم 6967).

(5)

في البحر الزخار (2/ 174).

(6)

(3/ 348).

(7)

في الأم (4/ 99).

(8)

الاستذكار (9/ 285).

(9)

حكاه عنه ابن قدامة في المغني (4/ 183).

(10)

في الاستذكار (9/ 286).

(11)

في البحر الزخار (2/ 174).

(12)

لم يطبع منه إلَّا جزء من الطهارة.

وانظر: عارضة الأحوذي (3/ 123 - 124).

(13)

قلت: صح حديث عمرو بن شعيب وقد تقدم برقم (32/ 1561) من كتابنا هذا.

(14)

الوقص في الزكاة: ما بين النصابين، وفيه لغتان: فتح القاف وإسكانها، ويسمى أيضًا: الشَّنَق - بالشين المعجمة والنون المفتوحتين.

[تهذيب الأسماء واللغات (3/ 193/2)].

(15)

أخرجه البيهقي (4/ 127) من طريق الحميدي عن ابن عيينة بنحوه. =

ص: 106

قوله: (وإلا فإنما هو ذباب غيث)، أي وإن لم يؤدوا عشور النحل، فالعسل مأخوذ من ذباب النحل، وأضاف الذباب إلى الغيث لأن النحل يقصد مواضع القطر لما فيها من العشب والخصب

(1)

.

قوله: (يأكله من يشاء) يعني العسل، فالضمير راجع إلى المقدر المحذوف.

وفيه دليل على أن العسل الذي يوجد في الجبال يكون من سبق إليه أحق به.

[الباب السابع] باب ما جاء في الركاز والمعدن

33/ 1562 - (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْعَجْمَاءُ جَرْحُها جُبارٌ، والبِئْرُ جُبَارٌ، والمَعْدِنُ جُبَارٌ، وفي الرّكاز الخُمُسُ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ)

(2)

. [صحيح]

34/ 1563 - (وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أقْطَعَ بِلَالَ بْنِ الْحَارِثِ المُزَنِيَّ مَعَادِنَ القَبَلِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الفَرْعِ، فَتِلْكَ

= قلت: وأخرجه أبو داود في المراسيل رقم (107) بسند رجاله ثقات إلا أن طاوسًا لم يلق معاذًا ولم يسمع منه. انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (ص 99) رقم 354، وتهذيب الكمال (2/ 623).

(1)

وقد قال الشوكاني في السيل الجرار (1/ 788) بتحقيقي: "وأحاديث الباب يقوي بعضُها بعضًا. ويشهد بعضُها لبعضٍ فينتهض الاحتجاجُ بها. وقد استوفيتُ البحث في شرحي للمنتقى، وذكرتُ عدم انتهاض الأحاديث للحجة، لأَنَّ حديثَ أبي سيَّارةَ وحديثَ هلالٍ إن كان غيرَ أبي سيارة لا يدلان على وجوب الزكاة في العسل لأَنه حمى لهما بَدَلَ ما أخذ منهما، ولكن لا يخفى أنه قال في حديث أبي سيارة: "فأدِّ العُشر"، وهذا تصريح بوجوب الزكاة ولا سيما وقد وقع في رواية أبي داود بلفظ: "من كلِّ عشرِ قربٍ قربة" ووقع عند الترمذي كما تقدم في العسل: "في كل عشرةِ أزقاق زقّ".

(2)

البخاري رقم (1499) و (6912) ومسلم رقم (45/ 1710) وأبو داود رقم (3085) والنسائي رقم (2498) و (2499) والترمذي رقم (642) و (1377) وابن ماجه رقم (2673) وأحمد في المسند (2/ 239)(2/ 254)، (2/ 274) و (2/ 285) و (2/ 295).

قلت: وأخرجه ابن الجارود رقم (372) و (795) والدارقطني (3/ 149 - 150) و (3/ 151) وابن خزيمة رقم (2326) وابن حبان رقم (6005) و (6006) و (6007) والبيهقي (4/ 155) و (8/ 343) وفي "المعرفة" رقم (2383) و (2384) ومالك في الموطأ (2/ 868 - 869) والطيالسي رقم (2305) وابن أبي شيبة في المصنف (3/ 225) و (9/ 271) وغيرهم من طرق.

ص: 107

المَعَادِن لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ إلى اليَوْم. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(1)

وَمَالِكٌ فِي المُوَطَّأ)

(2)

. [ضعيف]

الحديث الأول له طرق وألفاظ

(3)

.

والحديث الثاني أخرجه أيضًا الطبراني

(4)

والحاكم

(5)

والبيهقي

(6)

بدون قوله: "وهي من ناحية الفرع إلخ".

قال الشافعي

(7)

بعد أن روى هذا الحديث: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ولم تكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه.

وأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي

(8)

: هو كما قال الشافعي، وقد روي هذا الحديث عن الدراوردي عن ربيعة المذكور موصولًا.

وكذلك أخرجه الحاكم في المستدرك (5)، وكذا ذكره ابن عبد البر

(9)

.

ورواه أبو سبرة المديني عن مطرف عن مالك عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن بلال موصولًا لكن لم يتابع عليه.

ورواه أبو أويس عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده.

وعن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس هكذا.

(1)

في سننه رقم (3061).

(2)

في الموطأ (1/ 248 رقم 8).

وهو حديث ضعيف.

(3)

تقدم بيان طرق الحديث آنفًا.

(4)

في "المعجم الكبير"(ج 1 رقم 1141).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(6/ 8) وقال: "وفيه محمد بن الحسن بن زبالة وهو متروك.

(5)

في المستدرك (1/ 404) وصححه ووافقه الذهبي.

(6)

في السنن الكبرى (4/ 152).

(7)

في الأم (3/ 111) بعد الحديث رقم (827).

(8)

في السنن الكبرى (4/ 152).

(9)

في التمهيد (7/ 33).

ص: 108

قال البيهقي: وأخرجه من الوجهين الآخرين أبو داود

(1)

، وسيأتي حديث ابن عباس

(2)

المشار إليه في باب ما جاء في إقطاع المعادن من كتاب إحياء الموات.

قوله: (العجماء)، سميت البهيمة عجماء

(3)

لأنها لا تتكلم.

قوله: (جبار) أي: هدر، وسيأتي الكلام على ذلك.

قوله: (وفي الركاز الخمس) الركاز

(4)

بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي، مأخوذ من الرَّكز بفتح الراء، يقال: ركزه يركزه: إذا دفعه، فهو مركوز، وهذا متفق عليه.

قال مالك

(5)

والشافعي

(6)

: الركاز: دفن الجاهلية.

وقال أبو حنيفة

(7)

والثوري وغيرهما: إن المعدن ركاز، واحتج لهم بقول العرب: أركز الرجل: إذا أصاب ركازًا، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن.

وخالفهم في ذلك الجمهور

(8)

فقالوا: لا يقال للمعدن: ركاز، واحتجوا بما وقع في حديث الباب من التفرقة بينهما بالعطف، فدل ذلك على المغايرة، وخص الشافعي

(9)

الركاز بالذهب والفضة. وقال الجمهور

(10)

: لا يختص، واختاره ابن المنذر.

قوله: (القبلية)

(11)

منسوبة إلى قَبَل بفتح القاف والباء: وهي ناحية من ساحل البحر، بينهما وبين المدينة خمسة أيام.

(1)

في سننه رقم (3061) من حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد.

وهو حديث ضعيف.

ورقم (3062) من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده.

وهو حديث حسن.

(2)

الباب الرابع رقم الحديث (16/ 2411) من كتابنا هذا.

(3)

النهاية (3/ 187).

(4)

النهاية (2/ 258).

(5)

التسهيل (3/ 743) والاستذكار (9/ 61 رقم 12427).

(6)

في الأم (4/ 115).

(7)

البناية في شرح الهداية (3/ 474) وبدائع الصنائع (2/ 65 - 68).

(8)

حكاه الحافظ في "الفتح"(3/ 365).

(9)

الأم (4/ 118).

(10)

المغني (4/ 235).

(11)

النهاية (4/ 10) ومعجم ما استعجم (3/ 1046).

ص: 109

والفرع: موضع بين نخلة والمدينة.

والحديث الأول يدل على أن زكاة الركاز الخُمس على الخلاف السابق في تفسيره.

قال ابن دقيق العيد

(1)

: ومن قال من الفقهاء: إن في الركاز الخمس إما مطلقًا أو في أكثر الصور فهو أقرب إلى الحديث اهـ.

وظاهره سواء كان الواجد له مسلمًا أو ذميًا، وإلى ذلك ذهب الجمهور

(2)

فيخرج الخمس، وعند الشافعي

(3)

لا يؤخذ منه شيء.

واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول، بل يجب إخراج الخمس في الحال، وإلى ذلك ذهبت العترة

(4)

.

قال في الفتح

(5)

: وأغْرَبَ ابن العربي في شرح الترمذي

(6)

فحكى عن الشافعي الاشتراط، ولا يعرف ذلك في شيء من كتبه ولا كتب أصحابه.

ومصرف هذا الخُمْسِ مصرف خمس الفئ عند مالك

(7)

وأبى حنيفة

(8)

والجمهور

(9)

.

وعند الشافعي

(10)

مصرف الزكاة وعن أحمد

(11)

روايتان.

وظاهر الحديث عدم اعتبار النصاب، وإلى ذلك ذهبت الحنفية

(12)

والعترة

(13)

.

(1)

في إحكام الأحكام (2/ 190).

(2)

المغني (4/ 231 - 232) الفتح (3/ 365).

(3)

المجموع (6/ 38 - 39).

(4)

البحر الزخار (2/ 210).

(5)

(3/ 365).

(6)

في "عارضة الأحوذي"(3/ 139).

(7)

التسهيل (3/ 743) وعيون المجالس (2/ 553).

(8)

البناية في شرح الهداية (3/ 475).

(9)

المغني (4/ 236، 238).

(10)

المجموع شرح المهذب (6/ 59).

(11)

المغني (4/ 236).

(12)

البناية في شرح الهداية (3/ 475 - 476).

(13)

البحر الزخار (2/ 210).

ص: 110

وقال مالك وأحمد وإسحق: يعتبر، لقوله صلى الله عليه وسلم:"ليس فيما دون خمس أواق صدقة"

(1)

وقد تقدم.

وأجيب بأن الظاهر من الصدقة الزكاة فلا تتناول الخمس، وفيه نظر.

قوله: (فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة)، فيه دليل لمن قال: إن الواجب في المعادن الزكاة وهي ربع العشر كالشافعي وأحمد وإسحق.

ومن أدلتهم أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: "في الرقة ربع العشر"

(2)

، ويقاس غيرها عليها.

وذهبت العترة

(3)

والحنفية

(4)

والزهري وهو قول للشافعي إلى أنه يجب فيه الخمس لأنه يصدق عليه اسم الركاز، وقد تقدم الخلاف في ذلك.

* * *

(1)

تقدم برقم (1547) من كتابنا هذا.

(2)

وهو جزء من حديث أخرجه أحمد (1/ 11 - 12) والبخاري رقم (1454) وأبو داود رقم (1567) وغيرهم وقد تقدم.

(3)

البحر الزخار (2/ 210).

(4)

البناية في شرح الهداية (3/ 475 - 476).

ص: 111

[ثانيًا] أبواب إخراج الزكاة

[الباب الأول] باب المبادرة إلى إخراجها

1/ 1564 - (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم العَصْرَ فَأَسْرَعَ، ثُمَّ دَخَلَ البيتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ: أَوْ قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "كنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أبَيِّتهُ فَقَسَمْتُهُ،، رَوَاهُ البُخارِيُّ)

(1)

. [صحيح]

2/ 1565 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا خَالَطَتِ الصَّدَقَةُ مالًا قَطُّ إلا أَهْلَكَتْهُ"، رَوَاهُ الشَّافِعِي

(2)

وَالبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ

(3)

والحُمَيْدِي

(4)

، وَزَادَ قَالَ:"يَكُونُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ فِي مالِكَ صَدَقَةٌ فَلا تُخْرِجْهَا فَيُهْلِكُ الحَرَامُ الحَلالَ". [ضعيف]

وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بالعَيْنِ).

قوله: (تبرًا) بكسر المثناة وسكون الموحدة: الذهب الذي لم يُصَفّ ولم يُضْرَبْ.

قال الجوهري

(5)

: لا يقال إلا للذهب، وقد قاله بعضهم في الفضة، انتهى.

(1)

في صحيحه رقم (1430).

(2)

في مسنده رقم (657 - ترتيب).

(3)

في التاريِخ الكبير (1/ 180) في ترجمة محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي، ولم يورد فيه جرحا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في "الثقات"(7/ 424).

وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"(8/ 24): سألت أبي عنه فقال: منكر الحديث، ضعيف الحديث.

(4)

في مسنده رقم (237).

قلت: وأخرجه البزار رقم (881 - كشف) والبيهقي (4/ 159).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 64)، وقال: رواه البزار وفيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحي، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.

والخلاصة: أن حديث عائشة ضعيف، والله أعلم.

(5)

في الصحاح (2/ 600).

ص: 112

وأطلقه بعضهم على جميع جواهر الأرض قبل أن تصاغ وتضرب، حكاه ابن الأنباري عن الكسائي، كذا أشار إليه ابن دريد

(1)

.

قوله: (أن أبيته)، أي أتركه يبيت عندي.

قوله: (فقسمته)، في رواية البخاري

(2)

: "فأمرت بقسمته".

والحديث الأول يدل على مشروعية المبادرة بإخراج الصدقة.

قال ابن بطال

(3)

: فيه أن الخير ينبغي أن يبادر به، فإن الآفات تعرض والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود.

زاد غيره: هو أخلص للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم، وأرضى للرب تعالى، وأمحى للذنب.

والحديث الثاني يدل على أن مجرد مخالطة الصدقة لغيرها من الأموال سبب لإهلاكه، وظاهره وإن كان الذي خلطها بغيرها من الأموال عازمًا على إخراجها بعد حين؛ لأن التراخي عن الإخراج مما لا يبعد أن يكون سببًا لهذه العقوبة، أعني هلاك المال، واحتجاج من احتج به على تعلق الزكاة بالعين صحيح؛ لأنها لو كانت متعلقة بالذمة لم يستقم هذا الحديث لأنها لا تكون في جزء من أجزاء المال فلا يستقيم اختلاطها بغيرها ولا كونها سببًا لإهلاك ما خالطته.

[الباب الثاني] باب ما جاء في تعجيلها

3/ 1566 - (عَنْ عَلي أن العَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِب سألَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في تَعْجِيل صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تُحِلَّ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذلِكَ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسائيَّ)

(4)

. [حسن]

(1)

في جمهرة اللغة لابن دريد (1/ 193 - 194).

(2)

في صحيحه رقم (851).

(3)

حكاه الحافظ في "الفتح"(3/ 299).

(4)

أحمد (1/ 104) وأبو داود رقم (1624) والترمذي رقم (678) وابن ماجه رقم (1795).

قلت: وأخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 332) والبيهقي (4/ 111). =

ص: 113

4/ 1567 - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عُمَرَ على الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ وَعَبَّاسُ عَم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأغْنَاهُ الله؛ وَأمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُون خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أدْرَاعَهُ وأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ الله؛ وَأَمَّا العَبَّاسُ فَهِي عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَها"؛ ثُمَّ قَالَ: "يَا عُمَرُ أما شَعَرْتَ أَن عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ "، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَمُسْلِمٌ

(2)

وأَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ

(3)

وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ عُمَرَ، وَلَا ما قِيلَ لَهُ فِي العَبَّاسٍ، وَقَالَ فِيهِ:"فَهِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا". [صحيح]

قالَ أبُو عُبَيْدٍ

(4)

: أَرَى والله أعْلَمُ أنَّهُ أخرَ عَنْهُ الصَّدَقَةَ عامينِ لحاجَةٍ عَرَضَتْ للْعَبَّاسٍ، وللإمام أنْ يُؤَخِّرَ على وَجْهِ النَّظَرِ، ثُمَّ يأخُذُهُ، وَمَنْ رَوَى: فَهِيَ عليَّ وَمِثْلُها، فَيُقالُ: كَانَ تَسَلَّفَ مِنْهُ صَدَقَةَ عامينِ، ذَلكَ العامَ والَّذِي قَبْلَهُ).

حديث علي أخرجه أيضًا الحاكم

(5)

والدارقطني

(6)

والبيهقي

(7)

، وفيه اختلاف ذكره الدارقطني

(8)

ورجح إرساله، وكذا رجحه أبو داود

(9)

.

وقال [الشافعي

(10)

]

(11)

: لا أدري أثبت أم لا، يعني هذا الحديث.

= والدارمي (1/ 385) وابن الجارود في المنتقى رقم (360) وابن سعد في الطبقات (4/ 26) والدارقطني (2/ 123 رقم 3) وأبو عبيد في الأموال (ص 523 رقم 1885) كلهم من حديث علي.

قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

قلت: "الحجاج بن دينار، وحجية بن عدي، مختلف فيهما، وغاية حديثهما أن يكون حسنًا.

والخلاصة: أن حديث علي حديث حسن، والله أعلم

(1)

في المسند (2/ 322).

(2)

في صيحيحه رقم (11/ 983).

(3)

في صحيحه رقم (1468).

وهو حديث صحيح.

(4)

في الأموال (ص 525).

(5)

في المستدرك (3/ 332) وقد تقدم.

(6)

في سننه (2/ 123 رقم 3) وقد تقدم.

(7)

في السنن الكبرى (4/ 111) وقد تقدم.

(8)

في العلل (3/ 187 - 189 س 351).

(9)

في سننه بإثر الحديث رقم (1624).

(10)

في السنن الكبرى (4/ 111).

(11)

في المخطوط (ب): (البيهقي) وكتب فوقها (الشافعي).

ص: 114

ويشهد له ما أخرجه البيهقي

(1)

عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنا كنا احتجنا، فأسلفنا العباس صدقة عامين"، رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، ويعضده أيضًا حديث أبي هريرة المذكور بعده

(2)

.

قوله: (ينقِم) بكسر القاف وفتحها، والكسر أفصح.

وابن جميل هذا قال ابن الأثير

(3)

: لا يعرف اسمه، لكن وقع في تعليق

(4)

القاضي حسين الشافعي، وتبعه الروياني

(5)

أن اسمه عبد الله، وذكر الشيخ سراج

(1)

في السنن الكبرى (4/ 111)، وقد تقدم.

(2)

برقم (4/ 1567) من كتابنا هذا.

(3)

لم أقف عليه في جامع الأصول عند الحديث (4/ 570 رقم 2663).

(4)

"التعليقة" القاضي حسين (ابن محمد بن أحمد الخراساني، أبو علي، ت 462 هـ).

واسمه: التعليقة الكبرى.

قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات"(1/ 164): "ما أجزل فوائده، وأكثر فروعه المستفادة، ولكن يقع في نسخه اختلاف، وكذلك "تعليق" الشيخ أبي حامد"!!

وقد علق الإسنوي في طبقات الشافعية (1/ 196) على كلامه هذا بقوله: "وللقاضي في الحقيقة تعليقان، يمتاز كل واحد منهما على الآخر بزوائد كثيرة، وسببه اختلاف المعلقين عليه، ولهذا نقل ابن خلكان في ترجمة (أبي الفتح الأرغياني) أن القاضي حسين قال في حقه: "ما علق أحد طريقتي مثله، وقد وقع لي التعليقان بحمد الله تعالى".

[معجم المصنفات (ص 117 - 118 رقم 268)].

• قال ابن الملقن في "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"(5/ 72 - 73):

"وذكر القاضي حسين في "تعليقه": أن ابن جميل هذا هو الذي نزل فيه قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} [التوبة: 75].

وذكر غيره: "أنها نزلت في ثعلبة".

قال المهلب: كان منافقًا أولًا فمنع الزكاة فأنزل الله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة: 74].

(5)

بل قال الروياني في "بحر المذهب"(4/ 80 - 81): "وأما ابن جميل فما ينقم من الله إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، وفيه نزل قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [التوبة: 75] الآيات، فلما بلغه نزول الآيات في شأنه أتى بصدقته فلم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتى بها أبا بكر الصديق فلم يقبلها ثم أتى بها عمر فلم يقبلها ومات في خلافته منافقًا" اهـ.

• قال الحافظ في "الفتح"(3/ 333): "وابن جميل لم أقف على اسمه في كتب الحديث. لكن وقع في تعليق القاضي الحسين المروزي الشافعي، وتبعه الروياني أن اسمه عبد الله، ووقع في شرح الشيخ سراج الدين بن الملقن أن ابن بزيزة سماه حميدًا، ولم أر ذلك في كتاب ابن بزيزة

" اهـ.

ص: 115

الدين ابن الملقن

(1)

أن بعضهم سماه حميدًا.

ووقع في رواية ابن جريج: أبو جهم بن حذيفة بدل ابن جميل، وهو خطأ لإطباق الجميع على ابن جميل. وقول الأكثر: إنه كان أنصاريًا، وأما أبو جهم بن حذيفة فهو قرشي فافترقا

(2)

.

قوله: (وأعتاده) جمع عتاد بفتح العين المهملة بعدها فوقية وبعد الألف دال مهملة، والأعتاد: آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها ويجمع أيضًا على أعتدة.

ومعنى ذلك أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنًا منهم أنها للتجارة وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة فيها علي، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن خالدًا منع الزكاة، فقال: إنكم تظلمونه لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله تعالى قبل الحول عليها فلا زكاة فيها.

ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه الزكاة لأعطاها ولم يشح بها لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعًا فكيف يشح بواجب عليه؟.

واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة

(3)

، وبه قال جمهور السلف والخلف خلافًا لداود

(4)

.

(1)

قال ابن الملقن في "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"(5/ 72): "وأما ابن جميل: فهو - بفتح الجيم وكسر الميم ثم ياء مثناة ثم لام - قال ابن منده: لا يعرف اسمه، وتبعه بعض الشراح فجزم به، وذكره ابن الجوزي: مع جماعة لا يعرفون إلا بالنسبة إلى آبائهم فقط.

ووقع في "تعليق" القاضي حسين و"بحر" الروياني في متن الحديث عبد الله بن جميل.

ووقع في "غريب" أبي عبيد: منع أبو جهم ولم يذكر أباه.

وقال ابن بزيزة: اسمه حميد، فاستفد ذلك، فإنه من المهمات" اهـ.

(2)

ذكر ذلك الحافظ في "الفتح"(3/ 333).

(3)

المغني (4/ 248 - 249).

والمجموع شرح المهذب (6/ 3).

(4)

قال العيني في "البناية في شرح الهداية"(3/ 447):

"قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في العروض، ورويانه عن =

ص: 116

وفيه دليل على صحة الوقف وصحة وقف المنقول وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة وبعض الكوفيين

(1)

.

وقال بعضهم: هذه الصدقة التي منعها ابن جميل وخالد والعباس لم تكن زكاة إنما كانت صدقة تطوع، حكاه القاضي عياض

(2)

. قال: ويؤيده أن عبد الرزاق

(3)

روى هذا الحديث وذكر في روايته "أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى الصدقة" وذكر تمام الحديث.

قال ابن القصار من المالكية

(4)

وهذا التأويل أليق بالقصة، ولا يظن بالصحابة منع الواجب، وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه أخرج ماله في سبيل الله، فما بقي له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع، ويكون ابن جميل شح بصدقة التطوع فعتب عليه.

وقال في العباس: "هي عليّ ومثلها معها"[أي]

(5)

أنه لا يمتنع إذا طلبت منه، انتهى كلام ابن القصار.

قال القاضي عياض: ولكن ظاهر الأحاديث في الصحيحين

(6)

أنها في

= ابن عمر بن عياش والفقهاء السبعة - ابن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبيد الله بن عيينة، وسليمان بن بشار، وطاووس، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق وغيرهم.

وقال ربيعة ومالك: لا زكاة في عروض التجارة ما لم تنض وتصير دراهم أو دنانير فحينئذٍ تلزمه زكاة عام واحد.

وقال في المبسوط: وإن مضى عليها أحوال. وقالت الظاهرية: لا زكاة في العروض التجارية، وعن ابن عباس رضي الله عنه كذلك" اهـ.

(1)

المغني لابن قدامة (8/ 185).

(2)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 474).

(3)

في المصنف رقم (6918).

(4)

انظر: الاستذكار (9/ 361 رقم 13689).

(5)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(6)

(منها): ما أخرجه البخاري رقم (1468) ومسلم رقم (983) من حديث أبي هريرة.

(ومنها): ما أخرجه البخاري رقم (6636) ومسلم رقم (1832) من حديث أبي حميد الساعدي.

(ومنها): ما أخرجه البخاري رقم (6163) ومسلم رقم (1045) من حديث عبد الله بن عمر.

ص: 117

الزكاة لقوله: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة وإنما كان يبعث في الفريضة" ورجح هذا النووي

(1)

.

قوله: (فهي عليّ ومثلها معها) مما يقوي أن المراد بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنه تعجل من العباس صدقة عامين.

ما أخرجه أبو داود الطيالسي

(2)

من حديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: "إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس عام الأول".

وما أخرجه الطبراني

(3)

والبزار

(4)

من حديث ابن مسعود "أنه صلى الله عليه وسلم تسلف من العباس صدقة عامين" وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف.

ورواه البزار

(5)

من حديث موسى بن طلحة عن أبيه نحوه، وفي إسناده الحسن بن عمارة وهو متروك.

(1)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 57).

(2)

لم أقف عليه في مسند أبي داود الطيالسي المطبوع بترتيب "البنا"، وقد قال الحافظ في "الفتح" (3/ 334):"وأخرجه أيضًا هو - أي الدارقطني - والطبراني من حديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر ساعيًا، فكان بينه وبين العباس شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما علمت أن عمّ الرجل صنو أبيه؟ إن العباس أسلفنا صدقة العام، عام أول" - وإسناده ضعيف أيضًا.

الدارقطني في سننه (2/ 125 رقم 9) والطبراني في الأوسط رقم (7862).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 79) وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه إسماعيل المكي وفيه كلام كثير وقد وثق" اهـ.

والخلاصة: أن إسناد حديث أبي رافع ضعيف كما قال الحافظ.

(3)

في المعجم الكبير (ج 1. رقم 9985) وفي الأوسط رقم (1000).

(4)

في المسند رقم (896 - كشف).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 79) وقال: "رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط وزاد: أن عم الرجل صنو أبيه. وفيه محمد بن ذكوان وفيه كلام وقد وثق" اهـ.

وقال الحافظ في "الفتح"(3/ 334): "وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف. ولو ثبت لكان رافعًا للإشكال ولرجح به سياق رواية مسلم على بقية الروايات، وفيه رد لقول من قال: إن قصة التعجيل إنما وردت في وقت غير الوقت الذي بعث فيه عمر لأخذ الصدقة، وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق والله أعلم" اهـ.

(5)

في المسند رقم (895 - كشف). =

ص: 118

ورواه الدارقطني

(1)

من حديث ابن عباس وفي إسناده مندل بن علي والعرزمي وهم ضعيفان، والصواب: أنه مرسل.

ومما يرجح أن المراد من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أراد أن يتحمل ما عليه لأجل امتناعه لكفاه أن يتحمل مثلها من غير زيادة، وأيضًا الحمل على الامتناع فيه سوء ظن بالعباس.

والحديثان يدلان على أنه يجوز تعجيل الزكاة قبل الحول ولو لعامين، وإلى ذلك ذهب الشافعي

(2)

وأحمد

(3)

وأبو حنيفة

(4)

، وبه قال الهادي (5) والقاسم (5). قال المؤيد

(5)

بالله: وهو أفضل، وقال مالك

(6)

وربيعة وسفيان والثوري وداود وأبو عبيد بن الحارث

(7)

ومن أهل البيت الناصر

(8)

: إنه لا يجزئ حتى يحول الحول.

واستدلوا بالأحاديث التي فيها تعليق الوجوب بالحول وقد تقدمت.

وتسليم ذلك لا يضر من قال بصحة التعجيل؛ لأن الوجوب متعلق بالحول بلا نزاع وإنما النزاع في الإجزاء قبله.

[الباب الثالث] باب تفرقة الزكاة في بلدها ومراعاة المنصوص عليه لا القيمة وما يقال عند دفعها

5/ 1568 - (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَجَعَلَهَا فِي فُقَرَائِنَا، فَكُنْتُ غُلامًا يَتِيمًا فَأَعْطَانِي مِنْهَا

= وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 79) وقال: رواه أبو يعلى والبزار وفيه الحسن بن عمارة وفيه كلام" اهـ.

قلت: والخلاصة أن سند حديث طلحة ضعيف، والله أعلم.

(1)

في سننه (2/ 124 - 125 رقم 8) وفي سنده مندل بن علي وهو ضعيف، والعرزمي ضعيف أيضًا.

(2)

المجموع شرح المهذب (6/ 113).

(3)

المغني (4/ 79).

(4)

البناية في شرح الهداية (3/ 426).

(5)

البحر الزخار (2/ 188).

(6)

التسهيل (3/ 764).

(7)

انظر: المغني (4/ 79 - 80).

(8)

البحر الزخار (2/ 188).

ص: 119

قَلُوصًا

(1)

. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ)

(2)

. [ضعيف]

6/ 1569 - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ الْمَالَ؟ قَالَ: وَللْمَالِ أرْسَلْتَنِي؟ أَخَذْنَاهُ مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَوَضَعْنَاهُ حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(3)

وَابْنُ مَاجَهْ)

(4)

. [صحيح]

7/ 1570 - (وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: كَانَ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ: مَنْ خَرَجَ مِنْ مِخْلَافٍ إلى مِخْلَافٍ

(5)

فَإِنَّ صَدَقَتَهُ وَعُشْرَهُ فِي مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ. رَوَاهُ الأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ)

(6)

. [أثر صحيح]

الحديث الأول هو من رواية حفص بن غياث عن أشعث عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه، وهؤلاء ثقات إلا أشعث بن سوار ففيه مقال

(7)

، وقد أخرج مسلم له متابعة.

(1)

قال ابن الأثير في "النهاية"(4/ 100): "القلائص: وهي في الأصل جمع قَلُوص وهي الناقة الشابة. وقيل: لا تزال قلُوصًا حتى تصير بازلًا، وتجمع على قلائص، وقلُص أيضًا" اهـ.

(2)

في سننه رقم (649) وقال الترمذي: حديث أبي جحيفة حديث حسن.

وهو حديث ضعيف.

(3)

في سننه رقم (1625).

(4)

في سننه رقم (1811).

وهو حديث صحيح.

(5)

والمخلاف عبارة عن صقع يشمل بلدانًا كثيرة، والمخاليف تختلف في السعة والحقارة، والغالب أنه لا يذكر إلا مضافًا "مخلاف كذا".

[مجموع بلدان اليمن وقبائلها للقاضي محمد بن أحمد الحجري (4/ 697)].

(6)

قال الحافظ في "التلخيص"(3/ 242 رقم 26/ 1517) بإثر حديث معاذ هذا: أخرجه سعيد بن منصور بإسناد متصل صحيح إلى طاوس، قال في كتاب معاذ فذكره.

كما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (7/ 9) وبنحوه عبد الرزاق في المصنف رقم (19413).

(7)

أشعث بن سوَّار الكندي الكوفي. قال ابن المديني: هو مولى ثقيف، وهو الأثرم. قال أبو زرعة: لين، وعن يحيى قال: ضعيف، وعنه قال: ثقة. مات سنة (136 هـ).

[التاريخ الكبير (1/ 430) والمجروحين (1/ 171) والجرح والتعديل (2/ 271) وتهذيب الكمال (3/ 264) والكاشف (1/ 82) والمغني (1/ 91) والميزان (1/ 263)].

ص: 120

قال الترمذي

(1)

بعد ذكر الحديث: وفي الباب عن ابن عباس

(2)

.

والحديث الثاني سكت عنه أبو داود

(3)

والمنذري

(4)

ورجال إسناده رجال الصحيح إلا إبراهيم بن عطاء وهو صدوق.

والحديث الثالث أخرجه أيضًا سعيد بن منصور

(5)

بإسناد صحيح إلى طاوس بلفظ: "من انتقل من مخلاف عشيرته فصدقته وعشره في مخلاف عشيرته".

وفي الباب عن معاذ عند الشيخين

(6)

أن النبي صلى الله عليه وسلم "لما بعثه إلى اليمن قال له: خذها من أغنيائهم وضعها في فقرائهم".

وقد استدل بهذه الأحاديث على مشروعية صرف زكاة كل بلد في فقراء أهله وكراهية صرفها في غيرهم.

وقد روي عن مالك

(7)

والشافعي

(8)

والثوري أنه لا يجوز صرفها في غير فقراء البلد.

وقال غيرهم

(9)

: إنه يجوز مع كراهة لما علم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار؛ كما أخرج النسائي

(10)

من حديث عبد الله بن هلال الثقفي قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كدت أقتل بعدك في عناق أو شاة من الصدقة، فقال صلى الله عليه وسلم: لولا أنها تعطى فقراء المهاجرين ما أخذتها".

(1)

في السنن (3/ 40).

(2)

أخرجه الشيخان البخاري رقم (1458) ومسلم رقم (19).

وكذلك الترمذي رقم (2014) وأبو داود رقم (1584) والنسائي رقم (2435) وابن ماجه رقم (1783) وهو حديث صحيح.

(3)

في السنن (2/ 276).

(4)

في "المختصر"(2/ 325).

(5)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(3/ 242 رقم 1517/ 26) وقد تقدم.

(6)

البخاري رقم (1458) ومسلم رقم (19) وقد تقدم.

(7)

المدونة (2/ 286).

(8)

الأم (4/ 197).

(9)

كابن الهمام في شرح فتح القدير (2/ 284).

(10)

في سننه رقم (2466) وهو حديث ضعيف.

ص: 121

ولما أخرجه البيهقي

(1)

وعلقه البخاري

(2)

عن معاذ أنه قال لأهل اليمن: "ائتوني بكل خميس ولبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أرفق بكم وأنفع للمهاجرين والأنصار بالمدينة"، وفيه انقطاع

(3)

.

وقال الإسماعيلي

(4)

: إنه مرسل فلا حجة فيه لا سيما مع معارضته لحديثه المتفق عليه الذي تقدم، وقد قال فيه بعض الرواة: من الجزية، بدل قوله: الصدقة، أو يحمل [على أنه]

(5)

بعد كفاية من في اليمن، وإلا فما كان معاذ ليخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: (من مخلاف

(6)

إلخ)، فيه دليل على أن من انتقل من بلد إلى بلد كان زكاة ماله لأهل البلد الذي انتقل منه مهما أمكن إيصال ذلك إليهم.

8/ 1571 - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ إِلى اليَمَنِ فَقَالَ: "خُذِ الحَبَّ مِنَ الحبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ البَقَرِ"، رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ

(7)

وابْنِ مَاجَهْ

(8)

. [ضعيف]

والجُبْرَانَاتُ المُقَدَّرَةُ في حَدِيث أَبي بَكْرٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ القِيمَةَ لا تُشْرَعُ وَإِلَّا كَانَتْ تِلْكَ الجُبْرَانَاتُ عَبَثًا).

الحديث صححه الحاكم على شرطهما

(9)

، وفي إسناده عطاء عن معاذ، ولم يسمع منه لأنه ولد بعد موته أو في سنة موته أو بعد موته بسنة.

(1)

في السنن الكبرى (4/ 113).

(2)

في صحيحه (3/ 311 رقم الباب 33 - مع الفتح) وقال الحافظ في الفتح (3/ 312): "هذا التعليق صحيح إلى طاوس، لكن طاوس لم يسمع من معاذ فهو منقطع" اهـ.

(3)

لأن طاوس لم يسمع من معاذ كما تقدم.

(4)

حكاه الحافظ في "التلخيص" عنه (2/ 242).

(5)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(6)

المخلاف في اليمن كالرَّستاق في العراق، وجمعه المخاليف، أراد أنَّه يؤدي صدقته إلى عشيرته التي كان يؤدي إليها. النهاية (2/ 70).

(7)

في سننه رقم (1599).

(8)

في سننه رقم (1814).

(9)

في المستدرك (1/ 388) وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل فإني لا أتقنه"، وقال الذهبي:"لم يلقه".

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

ص: 122

وقال البزار

(1)

: لا نعلم أن عطاء سمع من معاذ.

وقد استدل بهذا الحديث من قال: إنها تجب الزكاة من العين ولا يعدل عنها إلى القيمة إلا عند عدمها وعدم الجنس، وبذلك قال الهادي

(2)

والقاسم (2) والشافعي

(3)

والإمام يحيى (2).

وقال أبو حنيفة

(4)

والمؤيد بالله: إنها تجزئ مطلقًا، وبه قال الناصر والمنصور بالله وأبو العباس وزيد بن علي

(5)

.

واستدلوا بقول معاذ: "ائتوني بكل خميس ولبيس"، فإن الخميس واللبيس ليس إلا قيمة عن الأعيان التي تجب فيها الزكاة، وهو مع كونه فعل صحابي لا حجة فيه، فيه انقطاع وإرسال كما قدمنا ذلك في الشرح للحديث الذي قبل هذا

(6)

.

فالحق أن الزكاة واجبة من العين لا يعدل عنها إلى القيمة إلا لعذر.

قوله: (والجبرانات)

(7)

بضم الجيم جمع جبران: وهو ما يجبر به الشيء.

وذلك نحو قوله في حديث أبي بكر السابق

(8)

: ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهمًا".

فإن ذلك ونحوه يدل على أن الزكاة واجبة في العين، ولو كانت القيمة هي الواجبة لكان ذكر ذلك عبثًا لأنها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فتقدير الجبران بمقدار معلوم لا يناسب تعلق الوجوب بالقيمة، وقد تقدمت الإشارة إلى طرف من هذا.

9/ 1572 - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أعْطِيتُمُ الزَّكَاةَ

(1)

حكاه الحافظ في "التلخيص"(2/ 330) عنه.

(2)

البحر الزخار (2/ 144).

(3)

الأم (4/ 57) والمعرفة (6/ 86).

(4)

شرح فتح القدير، لابن الهمام (2/ 199 - 200).

(5)

البحر الزخار (2/ 144 - 145).

(6)

رقم (7/ 1570) من كتابنا هذا.

(7)

النهاية (2/ 236).

(8)

تقدم تخريجه برقم (1534) من كتابنا هذا.

ص: 123

فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابها أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا، ولا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)

(1)

. [موضوع]

10/ 1573 - (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَةٍ قَالَ: "اللهُمَّ صلّ عَلَيْهِمْ"، فأتاهُ أَبِي، أبُو أَوْفَىَ بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ صَلّ علَى آل أبي أوفى"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

(2)

. [صحيح]

الحديث الأول إسناده في سنن ابن ماجه

(3)

هكذا: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا الوليد بن مسلم عن البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة فذكره، والبختري بن عبيد الطابخي

(4)

متروك، وسويد بن سعيد

(5)

فيه مقال.

وفي الباب عن وائل بن حجر عند النسائي

(6)

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة: اللهم بارك فيه وفي إبله".

(1)

في سننه رقم (1797).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 52 رقم 643/ 1797):

"هذا إسناد ضعيف البختري متفق على تضعيفه، والوليد مدلس".

قال الألباني رحمه الله في "الضعيفة" رقم (1096): "قلت: إنما علة الحديث البختري هذا، فإنه عند ابن عساكر من طريق أخرى عنه، فانتفت التهمة عن الوليد وسعيد وانحصرت في البختري وهو متهم

" اهـ.

وخلاصة القول: أن الحديث موضوع، والله أعلم.

(2)

أحمد (4/ 355) والبخاري رقم (1497) ومسلم رقم (176/ 1078).

قلت: وأخرجه أبو داود رقم (1590) والنسائي رقم (2459) وابن ماجه رقم (1796).

(3)

رقم (1797).

(4)

البَخْتَري بن عبيد، ضعفه أبو حاتم وغيره تركه، فأما أبو حاتم فأنصف فيه، وأما أبو نعيم الحافظ فقال: روى عن أبيه موضوعات.

[الميزان (1/ 299 رقم الترجمة 1133)].

(5)

سويد بن سعيد الحدثاني، الأنباري أبو محمد، احتج به مسلم، وروى عنه البغوي وابن ناجية وخلق. كان صاحب حديث. قال أبو حاتم: صدوق كثير التدليس، وقال الدارقطني: ثقة، وكذبه ابن معين وسبه.

[الميزان (2/ 248) والجرح والتعديل (4/ 240) والتقريب (1/ 340)].

(6)

في السنن رقم (2458) بإسناد صحيح.

ص: 124

قوله: (فلا تنسوا ثوابها حتى تقولوا)، كأنه جعل هذا القول نفس الثواب لما كان له دخل في زيادة الثواب.

قوله: (اللهم صل عليهم)، في رواية:"على آل فلان"، وفي

أخرى: "على فلان".

قوله: (على آل أبي أوفى) يريد أبا أوفى نفسه؛ لأن الآل يطلق على ذات الشيء، كقوله في قصة أبي موسى:"لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود"

(1)

.

وقيل: لا يقال ذلك إلّا في حقّ الرجل الجليل القدر.

واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، شهد هو وابنه عبد الله بيعة الرضوان تحت الشجرة.

واستدل بهذا الحديث على جواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور

(2)

.

قال ابن التين

(3)

: وهذا الحديث يعكر عليه.

وقد قال جماعة من العلماء: يدعو أخذ الصدقة للتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث.

وأجيب عنه بأن أصل الصلاة الدعاء

(4)

إلا أنه يختلف بحسب المدعو له، فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه دعاء له بزيادة

(1)

أخرجه البخاري رقم (5048) ومسلم رقم (236/ 793) من حديث أبي موسى.

(2)

المجموع شرح المهذب (6/ 146 - 147).

(3)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 362).

(4)

قال الراغب الأصفهاني في "مفرداته"(ص 490 - 491): قال كثير من أهل اللغة: الصلاة، هي الدعاء والتبريك والتمجيد.

وصلا الله للمسلمين هو في التحقيق: تزكيته إيّاهم. وقال: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157].

ومن الملائكة هي الدعاءُ والاستغفار كما هي من الناس، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56].

والصلاة التي هي العبادة المخصوصة، أصلها الدعاء، وسميت هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه.

ص: 125

القربة والزلفى، ولذلك [كانت لا تليق]

(1)

بغيره.

وفيه دليل على أنه يستحب الدعاء عند أخذ الزكاة لمعطيها، وأوجبه بعض أهل الظاهر وحكاه [الحنّاطي]

(2)

وجهًا لبعض الشافعية

(3)

.

وأجيب بأنه لو كان واجبًا لعلمه النبي صلى الله عليه وسلم السعاة، ولأن سائر ما يأخذه الإمام من الكفارات والديون وغيرها لا يجب عليه فيه الدعاء فكذلك الزكاة.

وأما الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصًّا به، لكون صلاته صلى الله عليه وسلم سكنًا لهم بخلاف غيره

(4)

.

(1)

في المخطوط (ب): (كان لا يليق).

(2)

في المخطوط (أ) و (ب): (الخياطي) وهو خطأ. والصواب ما أثبتناه كما في مراجع الترجمة الآتية.

الحنّاطي: هو الإمام أبو عبد الله، الحسين بن محمد بن عبد الله الحنّاطي الطبري.

قال القاضي أبو الطيب الطبري: كان الحنّاطي رجلًا حافظًا لكتب الشافعي ولكتب أبي العباس.

وقال النووي: وله مصنفات كثيرة الفوائد والمسائل الغريبة المهمة.

قال ابن السبكي: ووفاته فيما يظهر بعد الأربعمائة بقليل أو قبلها بقليل، والأول أظهر.

[طبقات ابن السبكي (4/ 367) وتهذيب الأسماء واللغات (2/ 254) وتاريخ بغداد (8/ 103) واللباب (1/ 394)].

(3)

في "روضة الطالبين" للنووي (2/ 211) واعتبره النووي وجهًا شاذًا حيث قال: " .. ولنا وجه شاذ: أنه يجب الدعاء، حكاه الحنّاطي .. " اهـ.

(4)

قال النووي في "الروضة"(2/ 211): "قال الأئمة: وينبغي أن لا يقول: اللهم صل عليه، وإن وردت في الحديث؛ لأن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. وكما أن قولنا: عز وجل صار مخصوصًا بالله تعالى. فكما لا يقال: محمد عز وجل، وإن كان عزيزًا جليلًا، لا يقال: أبو بكر، أو علي، صلى الله عليه، وإن صح المعنى.

وهل ذلك مكروه كراهة تنزيه، أم هو مجرد ترك أدب؟ فيه وجهان: الصحيح الأشهر أنه مكروه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم والمكروه: هو ما ورد فيه نهي مقصود، ولا خلاف أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعًا لهم، فيقال: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وأصحابه وأزواجه، وأتباعه؛ لأن السلف لم يمتنعوا منه.

وقد أمرنا به في التشهد وغيره.

قال الشيخ أبو محمد: والسلام في معنى الصلاة، فإن الله تعالى قرن بينهما، فلا يفرد به غائب غير الأنبياء. ولا بأس به على سبيل المخاطبة للأحياء والأموات من المؤمنين.

فيقال: سلام عليكم. =

ص: 126

[الباب الرابع] باب من دفع صدقته إلى من ظنه من أهلها فبان غنيًا

11/ 1574 - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَالَ رَجُلٌ: لأتصَدقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ على سارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ على سارِقٍ، لأتصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ فَأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: لأتصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلى زَانِيَةٍ وَعَلَى سَارِقٍ وَعَلَى غَنيٍّ، فَأُتي فَقِيلَ لَهُ: أمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهِ مِنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ السَّارِقَ أَنْ يَسْتَعِفَّ بِهِ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَلَعَلَّ الغَنِيَّ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا آتاهُ الله عز وجل"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

(1)

. [صحيح]

قوله: (قال رجل) وقع عند أحمد

(2)

من طريق ابن لهيعة عن الأعرج في هذا الحديث أنه كان من بني إسرائيل.

قوله: (لأتصدقن)، زاد في رواية متفق عليها

(3)

"الليلة"، وهذا اللفظ من باب الالتزام كالنذر مثلًا، والقسم فيه كأنه قال: والله لأتصدقن.

قوله: (في يد سارق)، أي وهو لا يعلم أنه سارق، وكذلك على زانية، وكذلك على غني.

قوله: (تصدق) بضم أوله على البناء للمجهول.

= قلت: قوله: لا بأس به: ليس بجيد، فإنه مسنون للأحياء والأموات بلا شك، وهذه الصيغة لا تستعمل في المسنون، وكأنه أراد: لا منع منه في المخاطبة، بخلاف الغيبة، وأما استحبابه في المخاطبة فمعروف. والله أعلم" اهـ.

(1)

أحمد في المسند (2/ 322) والبخاري رقم (1421) ومسلم رقم (78/ 1022).

(2)

في المسند (2/ 322).

(3)

أحمد في المسند (2/ 322) والبخاري رقم (1421) ومسلم رقم (78/ 1022).

ص: 127

قوله: (لك الحمد) أي لا لي؛ لأن صدقتي وقعت في يد من لا يستحقها فلك الحمد حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، قال الطيبي

(1)

: لما عزم أن يتصدق على مستحق فوضعها بيد سارق حمد الله على أن لم يقدر له أن يتصدق على من هو أسوأ حالًا، أو أجرى الحمد مجرى التسبيح في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه تعظيمًا لله تعالى، فلما تعجبوا من فعله تعجب هو أيضًا فقال:"اللهم لك الحمد على سارق"، أي تصدقت عليه، فهو متعلق بمحذوف.

قال الحافظ

(2)

: ولا يخفى بعد هذا الوجه.

وأما الذي قبله فأبعد منه، والذي يظهر الأول وأنه سلم وفوض ورضي بقضاء الله، فحمد الله سبحانه على تلك الحال لأنه المحمود على جميع الأحوال لا يحمد على المكروه سواه.

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما لا يعجبه قال: "الحمد لله على كل حال"

(3)

.

(1)

حكاه الحافظ في "الفتح"(3/ 290).

(2)

في "الفتح"(3/ 290).

(3)

أخرج ابن ماجه في سننه رقم (3803) والطبراني في الدعاء رقم (1769) والبيهقي في شعب الإيمان رقم (4375) وفي الآداب رقم (1032) والدعوات الكبير رقم (325) والحاكم (1/ 499) وابن السني في عمل اليوم والليلة رقم (378) والطبراني في الأوسط رقم (6663) من حديث عائشة من طرق.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

قال الألباني رحمه الله في "الصحيحة" رقم (265): "وأقرَّه الذهبي فلم يتعقبه بشيء، وفي ذلك نظر؛ لأن زهير بن محمد هذا - وهو التميمي الخراساني ثم الشامي - متكلم فيه. فقال الحافظ في "التقريب" رقم (2049)؛ "رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة؛ فضعِّف بسببها. قال البخاري عن أحمد: كأن زهيرًا الذي يروي عنه الشاميون آخر، وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه؛ فكثر غلطه".

قلت: وهذا من رواية الشاميين عنه، وهو الوليد بن مسلم القرشي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية "التقريب" رقم (7456) ولم يصرح بالتحديث في بقية رجال السند فهذه علة أخرى.

وللحديث شواهد:

(الأول): حديث علي:

أخرجه البزار في مسنده رقم (533) وأبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم " رقم (146) و (195) والبغوي في شرح السنة رقم (1380). =

ص: 128

قوله: (فأتي فقيل له)، في رواية الطبراني

(1)

: "فساءه ذلك فأتي في منامه"، وكذلك أخرجه أبو نعيم والإسماعيلي، وفيه تعيين أحد الاحتمالات التي ذكرها ابن التين

(2)

وغيره.

قال الكرماني

(3)

: قوله: "أتي" أي أري في المنام أو سمع هاتفًا ملكًا أو غيره، أو أخبره نبيّ، أو أفتاه عالم. وقال غيره: أو أتاه ملك فكلمه، فقد كان الملائكة تكلم بعضهم في بعض الأمور، وقد ظهر بما سلف أن الواقع هو الأول دون غيره.

قوله: (أما صدقتك فقد قبلت)، في رواية للطبراني

(4)

: "إن الله قد قبل صدقتك"، في الحديث دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير ولهذا تعجبوا.

وفيه أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع.

واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض، ولا دلالة

= وإسناده ضعيف؛ لأن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع مجهول الحال، لكن لا بأس به في الشواهد.

(الثاني): حديث ابن عباس:

أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (3/ 131) والنسفي في "القند في ذكر علماء سمرقند"(ص 149).

قال الألباني رحمه الله: "وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات، لولا أنه منقطع؛ الضحاك لم يلق ابن عباس، بينهما سعيد بن جبير؛ كما ذكروا، لكنه شاهد حسن لما قبله، والله أعلم" اهـ.

(الثالث): حديث أبي هريرة:

أخرجه أبو نعيم في الحلية (3/ 157) وفي إسناده الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو ضعيف.

[المجروحين (2/ 210) والجرح والتعديل (7/ 64) والميزان (3/ 356)].

وخلاصة القول: أن الحديث حسن بشواهده والله أعلم.

(1)

أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (4/ 286 رقم 3315).

(2)

حكاه الحافظ في "الفتح"(3/ 290).

(3)

في شرحه لصحيح البخاري (7/ 192).

(4)

أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (4/ 286 رقم 3315).

ص: 129

في الحديث على الإجزاء ولا [على]

(1)

المنع.

ولهذا ترجم البخاري

(2)

على هذا الحديث بلفظ الاستفهام فقال: باب إذا تصدّق على غني وهو لا يعلم ولم يجزم بالحكم.

قال في الفتح

(3)

: فإن قيل: إن الخبر إنما تضمن قصة خاصة وقع الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقية. فمن أين يقع تعميم الحكم؟

فالجواب: أن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف هو الدال على تعدية الحكم، فيقتضي ارتباط القبول بهذه الأسباب انتهى.

[الباب الخامس] باب براءة رب المال بالدفع إلى السلطان مع العدل والجور وأنه إذا ظلم بزيادة لم يحتسب به عن شيء

12/ 1575 - (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إِذَا أَدَّيْتُ الزَّكَاةَ إِلى رَسُولِكَ فَقَدْ بَرِئتُ مِنْهَا إلى الله وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا أَدَّيْتَهَا إِلى رَسُولِي فَقَدْ بَرِئْتَ مِنْهَا إِلى الله وَرَسُولهِ، فَلَكَ أَجْرُهَا وَإِثْمُهَا عَلى مَنْ بَدَّلَهَا"، مُخْتَصَرٌ لأَحْمَدَ

(4)

. [إسناد صحيح منقطع]

وَقَدِ احْتَجَّ بِعُمُومِهِ مَنْ يَرَى المُعَجَّلَةَ إلى الإمَامِ إِذَا هَلَكَت عِنْدَهُ مِنْ ضَمَانِ الفُقَرَاءِ دُونَ المُلَّاكِ).

(1)

زيادة من المخطوط (ب).

(2)

في صحيحه (3/ 290 رقم الباب (14) - مع الفتح).

(3)

(3/ 291).

(4)

في المسند (3/ 136) ورجاله ثقات رجال الشيخين.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 63) وقال: "رجاله رجال الصحيح".

وأخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 360 - 361) وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

قلت: لكنه منقطع بين سعيد بن أبي هلال وأنس. وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب"(2/ 48): "روى عن: جابر وأنس مرسلًا".

وتابع ليثًا: عبد الله بن لهيعة عند البيهقي في السنن الكبرى (4/ 97).

وخلاصة القول: أن إسناد الحديث صحيح منقطع، والله أعلم.

ص: 130

13/ 1576 - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنَّها سَتَكُونُ بَعْدِي أثَرَةٌ وأمُورٌ تُنْكِرُونها"، قَالُوا: يا رَسُولَ الله فَمَا تَأمُرُنا؟ قَالَ: "تُؤَدُّونَ الحَقَّ الذي عَلَيْكُمْ، وَتَسألُونَ الله الّذِي لَكُمْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

(1)

[صحيح]

14/ 1577 - (وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَمْنَعُونَا حَقَّنَا ويَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ؟ فَقَالَ: "اسْمَعُوا وَأطِيعُوا فَإنَّما عَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(2)

وَالتِّرمِذيُّ وَصَحَّحَهُ)

(3)

. [صحيح]

الحديث الأول أخرجه أيضًا الحارث

(4)

، وابن وهب

(5)

، وأورده الحافظ في التلخيص

(6)

وسكت عنه.

وفي الباب عن جابر بن عتيك مرفوعًا عند أبي داود

(7)

بلفظ: "سيأتيكم

(1)

أحمد في المسند (1/ 384، 428، 433). والبخاري رقم (7052) ومسلم رقم (45/ 1843).

(2)

في صحيحه رقم (49، 50/ 1846).

(3)

في سننه رقم (2199) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وهو حديث صحيح.

(4)

كما في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (1/ 385 رقم 288) ورجاله ثقات.

وأورده الحافظ في "المطالب العالية"(5/ 521 رقم 906) وعزاه للحارث وسكت عليه.

(5)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 319).

تنبيه: في كل طبعات "النيل" جاءت العبارة كالتالي (الحارث بن وهب) وهو خطأ وتصحيف مخل. والصواب: (الحارث، وابن وهب).

• فالحارث بن محمد بن أبي أسامة - واسم أبي أسامة داهر - بن يزيد ابن عدي

انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (8/ 218) والميزان (1/ 442) وسير أعلام النبلاء (13/ 388).

• أما ابن وهب، هو عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد المصري، القرشي الفهري بالولاء

انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (9/ 223) والميزان (2/ 521) وشذرات الذهب (1/ 347)

(6)

(2/ 319).

(7)

في سننه رقم (1588) وهو حديث ضعيف. =

ص: 131

ركب مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم".

وعن سعد بن أبي وقاص عند الطبراني في الأوسط

(1)

مرفوعًا: "ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس".

وعن ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وأبي سعيد عند سعيد بن منصور

(2)

وابن أبي شيبة

(3)

: "أن رجلًا سألهم عن الدفع إلى السلطان، فقالوا: ادفعها إلى السلطان".

وفي رواية أنه قال لهم: هذا السلطان يفعل ما ترون فأدفع إليه زكاتي؟ قالوا: نعم"، ورواه البيهقي

(4)

عنهم وعن غيرهم أيضًا.

وروى ابن أبي شيبة

(5)

من طريق قزعة قال: قلت لابن عمر: "إن لي مالًا فإلى من أدفع زكاته؟ قال: ادفعها إلى هؤلاء القوم: يعني الأمراء، قلت: إذًا يتخذون بها ثيابًا وطيبًا، قال: وإن".

وفي رواية

(6)

: "أنه قال: ادفعوا صدقة أموالكم إلى من ولاه الله أمركم، فمن بر فلنفسه ومن أثم فعليها".

= قال المنذري في "المختصر"(2/ 202) "وفي إسناده: أبو الغُصْن، وهو ثابت بن قيس المدني الغفاري، مولاهم، وقيل: مولى ابن عفان.

قال الإمام أحمد: ثقة، وقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال مرة: ليس بذاك صالح، وقال مرة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم محمد بن حِبَّان البُستي: كان قليل الحديث، كثير الوهم فيما يرويه، لا يحتج بخبره، إذا لم يتابعه عليه غيره.

وفي الرواة خمسة كل منهم اسمه ثابت بن قيس لا يعرف فيهم من تكلم فيه غيره".

(1)

رقم (343).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 80) وقال: فيه هانئ بن المتوكل وهو ضعيف.

(2)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 318).

(3)

في المصنف (3/ 156).

(4)

في السنن الكبرى (4/ 115).

(5)

في المصنف (3/ 156). وهو أثر صحيح.

(6)

في المصنف (3/ 156) قلت: وأخرجه البيهقي (4/ 115). وهو أثر صحيح.

ص: 132

وفي الباب أيضًا عند البيهقي

(1)

عن أبي بكر الصديق، والمغيرة بن شعبة، وعائشة.

وأخرج البيهقي

(2)

أيضًا عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه قال: "ادفعوها إليهم وإن شربوا الخمور".

وأخرج

(3)

أيضًا من حديث أبي هريرة: "إذا أتاك المصدق فأعطه صدقتك، فإن اعتدى عليك فوله ظهرك ولا تلعنه وقل: اللهم إني أحتسب عندك ما أخذ مني".

قوله: (أثرة) بفتح الهمزة والثاء المثلثة: هي اسم لاستئثار الرجل على أصحابه

(4)

.

والأحاديث المذكورة في الباب استدل بها الجمهور على جواز دفع الزكاة إلى سلاطين الجور وإجزائها.

وحكى المهدي في البحر

(5)

عن العترة وأحد قولي الشافعي

(6)

أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الظلمة ولا يجزئ، واستدلوا بقوله تعالى:{لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}

(7)

.

ويجاب بأن هذه الآية على تسليم صحة الاستدلال بها على محل النزاع عموم مخصص بالأحاديث المذكورة في الباب.

وقد زعم بعض المتأخرين أن الأدلة المذكورة لا تدل على مطلوب المجوزين لأنها في المصدق، والنزاع في الوالي وهو غفلة عن حديث ابن مسعود

(8)

وحديث وائل بن حجر

(9)

المذكورين في الباب.

(1)

في السنن الكبرى (4/ 115).

(2)

في السنن الكبرى (4/ 115) وهو أثر صحيح.

(3)

في السنن الكبرى (4/ 115).

(4)

القاموس المحيط (ص 436).

(5)

البحر الزخار (2/ 191).

(6)

المجموع (6/ 135 - 136).

(7)

سورة البقرة: الآية (124).

(8)

تقدم برقم (13/ 1576) من كتابنا هذا.

(9)

تقدم برقم (14/ 1577) من كتابنا هذا.

ص: 133

وقد حكى في "التقرير"

(1)

عن أحمد بن عيسى

(2)

والباقر مثل قول الجمهور، وكذلك عن المنصور وأبي مضر.

وقد استدل للمانعين أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة

(3)

عن خيثمة قال: سألت ابن عمر عن الزكاة فقال: ادفعها إليهم، ثم سألته بعد ذلك فقال: لا تدفعها إليهم فإنهم قد أضاعوا الصلاة.

وهذا مع كونه قول صحابي ولا حجة فيه ضعيف الإسناد لأنه من رواية جابر الجعفي.

ومن جملة ما احتج به صاحب البحر

(4)

للقائلين بالجواز: بأنها لم تزل تؤخذ كذلك ولا تعاد، وبأن عليًا لم يثن على من أعطى الخوارج، وأجاب عن

(1)

التقرير في شرح التحرير، للأمير الحسين بن محمد بدر الدين الحسني (662).

في أربع مجلدات. (فقه) مؤلفات الزيدية (1/ 320).

(2)

شفاء الأوام (1/ 584) حيث قال: "واختلفوا فيما يأخذه السلطان الجائر كرهًا فذهب أكثر أهل البيت عليهم السلام إلى أنه لا يجزئ عن الزكاة لأن ذلك يرجع إلى الولاية، ولا ولاية للجائر بدليل قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)} [البقرة: 124]، ولأن السلطان الجائر غير عدل فلم يجز ما أخذه كما لو أخذه اللصوص قطاع الطريق، وذهب بعضهم إلى أنه يجزئ وبه قال أحمد بن عيسى رواه عنه في كتاب العلوم" اهـ.

وتعقب الإمام الشوكاني في "وبل الغمام على شفاء الأوام"(1/ 461 - 462) بتحقيقي، على الأمير الحسين: "أقول: إذا كانت العلة ما ذكره المصنف رحمه الله من أنه لا ولاية للجائر - فالأحاديث المتواترة تدفعه، وقد تقدم بعضها قريبًا، والأمر بالطاعة فرعُ ثبوت الولاية، وثبوتها يستلزم الإجزاء، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من الصحابة، فمن بعدهم، ويؤيد ذلك حديث جابر بن عتيك عند أبي داود - رقم (1588) وهو حديث ضعيف -

وأخرج الطبراني في الأوسط رقم (343) وفيه هانئ بن المتوكل وهو ضعيف -

ويغني عن جميع هذا التكليف بطاعة سلاطين الجور ما أقاموا الصلاة.

وفي بعض الأحاديث الأمر بالطاعة للظلمة ما لم يظهروا كفرًا، فمن طلب الزكاة منهم لم تتم الطاعة له - التي كلَّفنا الله بها - إلا بالدفع إليه، والله أعدل من أن يجمع على رب المال في ماله زكاتين؛ زكاة للظالم المأمور بطاعته، وزكاة أخرى تصرف إلى غيره" اهـ.

(3)

في المصنف (3/ 158) بسند ضعيف.

(4)

البحر الزخار (2/ 191).

ص: 134

الأول بأنه ليس بإجماع وعن الثاني بأن ذلك كان لعذر أو مصلحة إذ لا تصريح بالإجزاء، ولا يخفى ضعف هذا الجواب.

والحق ما ذهب إليه الجمهور من الجواز والإجزاء

(1)

.

15/ 1578 - (وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ الخَصَاصِيَةِ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ قَوْمًا مَنْ أَصْحَابِ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا، أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ: "لا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(2)

. [ضعيف]

الحديث أخرجه أيضًا عبد الرزاق

(3)

وسكت عنه أبو داود

(4)

والمنذري

(5)

، وفي إسناده ديسم السدوسي، ذكره ابن حبان في الثقات

(6)

.

وقال في التقريب

(7)

: مقبول.

وفي الباب عن جرير بن عبد الله وأبي هريرة عند البيهقي

(8)

.

والحديث استدل به على أنه لا يجوز كتم شيء عن المصدقين وإن ظلموا وتعدوا.

وقد عورض ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "من سئل فوق ذلك فلا يعطه"، كما تقدم في حديث أنس الطويل

(9)

الذي رواه عن كتاب أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وتقدم الجمع بين هذا الحديث وبين ذلك هنالك.

قال ابن رسلان: لعل المراد بالمنع من الكتم أن ما أخذه الساعي ظلمًا يكون في ذمته لرب المال، فإن قدر المالك على استرجاعه منه استرجعه وإلا استقر في ذمته.

(1)

المجموع شرح المهذب (6/ 135 - 136).

والمدونة (2/ 285).

(2)

في سننه رقم (1586).

(3)

في المصنف رقم (2818).

(4)

في السنن (2/ 345).

(5)

في المختصر (2/ 201).

(6)

في الثقات (4/ 220).

(7)

رقم الترجمة (1833) وقال المحرران: بل مجهول، تفرد بالرواية عنه أيوب السختياني، ولم يوثقه سوى ابن حبان. وقال الذهبي في "الميزان": لا يُدرى من هو.

والخلاصة: أن الحديث ضعيف.

(8)

في السنن الكبرى (4/ 137).

(9)

تقدم تخريجه برقم (1575) من كتابنا هذا.

ص: 135

[الباب السادس] باب أمر الساعي أن يعد الماشية حيث ترد الماء ولا يكلفهم حشدها إليه

16/ 1579 - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ المُسْلِمِينَ عَلى مِيَاهِهِمْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

.

وفي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ

(2)

وَأَبِي دَاوُدَ

(3)

: "لا جَلَبَ وَلا جَنَبَ، وَلا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُم إِلَّا فِي دِيَارِهِمْ"). [صحيح]

الحديث سكت عنه أبو داود

(4)

والمنذري

(5)

والحافظ في التلخيص

(6)

، وفي إسناده محمد بن إسحق وقد عنعن

(7)

.

وفي الباب عن عمران بن حصين عند أحمد

(8)

وأبي داود

(9)

والنسائي

(10)

والترمذي

(11)

وابن حبان

(12)

وصححاه بمثل حديث الباب.

(1)

في المسند (2/ 185) بسند حسن.

(2)

في المسند (2/ 180).

(3)

في السنن رقم (1591).

(4)

في السنن (2/ 250).

(5)

في المختصر (2/ 205).

(6)

(2/ 315).

(7)

قلت: وإن كان محمد بن إسحاق رواه هنا بالعنعنة، فقد صرح بالتحديث عند أحمد (2/ 216) والبغوي في شرح السنة رقم (2542).

وقد توبع عند أحمد في المسند (2/ 215).

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(8)

في المسند (4/ 429)، (4/ 439)، (4/ 443).

(9)

في سننه رقم (2581).

(10)

في سننه رقم (3335).

(11)

في سننه رقم (1123) وقال: حديث حسن صحيح.

(12)

في صحيحه رقم (3267).

قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (838) وابن أبي شيبة في المصنف (4/ 381) والبيهقي (10/ 21) والدارقطني (4/ 303) من طرق.

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

ص: 136

وعن أنس عند أحمد

(1)

والبزار

(2)

وابن حبان

(3)

وعبد الرزاق

(4)

وأخرجه النسائي

(5)

عنه من وجه آخر.

قوله: (لا جلب) بفتح الجيم واللام (ولا جنب) بفتح الجيم والنون.

قال ابن إسحق: معنى لا جلب: أن تصدق الماشية في موضعها ولا تجلب إلى المصدق.

ومعنى لا جنب: أن يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فتجنب إليه، فنهوا عن ذلك.

وفسر مالك الجلب: بأن تجلب الفرس في السباق فيحرك وراءه الشيء يستحث به فيسبق.

والجنب: أن يجنب مع الفرس الذي سابق به فرسًا آخر حتى إذا دنا تحول الراكب على الفرس المجنوب فسبق.

قال ابن الأثير

(6)

: له تفسيران فذكرهما، وتبعه المنذري

(7)

في حاشيته.

والحديث يدل على أن المصدق هو الذي يأتي للصدقات ويأخذها على مياه أهلها؛ لأن ذلك أسهل لهم.

[الباب السابع] باب سمة الإمام المواشي إذا تنوعت عنده

17/ 1580 - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَدَوْتُ إِلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بعَبْدِ الله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبلَ الصَّدَقَةِ. أَخْرَجَاهُ

(8)

. وَلِأَحْمَدَ

(9)

وَابْنِ مَاجَهْ

(10)

: دَخَلْتُ عَلى النبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا في آذَانِهَا). [صحيح]

(1)

في المسند (3/ 162)، (3/ 197).

(2)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 315).

(3)

في صحيحه رقم (4154).

(4)

في المصنف رقم (10437).

(5)

في سننه رقم (3336).

وهو حديث صحيح.

(6)

النهاية (1/ 281).

(7)

في المختصر (2/ 206).

(8)

البخاري رقم (5542) ومسلم رقم (111/ 2119).

(9)

في المسند (3/ 169).

(10)

في سننه رقم (3565). =

ص: 137

18/ 1581 - (وَعَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: إِنَّ فِي الظَّهْرِ نَاقَةً عَمْيَاءَ، فَقَالَ: أَمِنْ نَعَم الصَّدَقَةِ، أَوْ مِنْ نَعَمِ الجِزْيَةِ؟ قَالَ أَسْلَمُ: مِنْ نَعَمِ الجِزْيَةِ، وَقَالَ: إِنَّ عَلَيْهَا مِيسَمَ الجِزْيَةِ. رَوَاهُ الشَّافَعِيُّ)

(1)

. [موقوف بسند صحيح]

قوله: (والميسم)

(2)

بكسر الميم وسكون الياء التحتية وفتح السين المهملة، وأصله موسم لأن فاءه واو، لكنها لما سكنت وكسر ما قبلها قلبت ياء، وهي الحديدة التي يوسم بها: أي يعلم بها، وهو نظير الخاتم.

وفيه دليل على جواز وسم إبل الصدقة، ويلحق بها غيرها من الأنعام، والحكمة في ذلك تمييزها، وليردها من أخذها ومن التقطها وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلًا لئلا يعود في صدقته.

قال في الفتح

(3)

: ولم أقف على تصريح بما كان مكتوبًا على ميسم النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ابن الصباغ من الشافعية نقل إجماع الصحابة على أنه يكتب في ميسم الزكاة زكاة أو صدقة

(4)

.

وقد كره بعض الحنفية

(5)

الوسم بالميسم لدخوله في عموم النهي عن

= قلت: وأخرجه أبو داود رقم (2563) وابن خزيمة رقم (2283) وابن حبان رقم (5629) والبغوي رقم (2791) والبيهقي (7/ 36) ضمن قصة تحنيك الصبي، عدا مسلم وابن ماجه فأخرجاه بدونها.

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

(1)

في مسنده رقم (650 - ترتيب) وفي الأم (3/ 154 رقم 855) وهو موقوف بسند صحيح.

(2)

النهاية (5/ 186) والقاموس المحيط (ص 1506).

(3)

(3/ 367).

(4)

قال الشافعي في الأم (3/ 153 - 154): "

ثم يأخذ ما وجب عليه بعد ما يسأل رب المال: هل له من غنم غير ما أحضره؟ فيذهب بما أخذ إلى المِيسَم فيوسم بميسَم الصدقة وهو كتاب "الله" عز وجل، وتوسم الغنم في أصول آذانها، والإبل في أفخاذها، ثم تصير إلى الحظيرة حتى يُحصى ما يؤخذ من المجمع، ثم يفرقها بقدر ما يرى.

قال الشافعي رحمه الله: وهكذا أحب أن يفعل المصدق" اهـ.

ثم قال الشافعي في "الأم"(3/ 154) عقب أثر عمر: "وهذا يدل على أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يَسِمُ وسمين: وسم جزية، ووسم صدقة، وبهذا نقول" اهـ.

(5)

قال النووي في "المجموع"(6/ 152 - 153): "قال الشافعي والأصحاب: يستحب وسم الماشية التي للزكاة والجزية، وهذا الاستحباب متفق عليه عندنا. =

ص: 138

المثلة، وحديث الباب يخصص هذا العموم فهو حجة عليه.

وفي الحديث اعتناء الإمام بأموال الصدقة وتوليها بنفسه، وجواز تأخير القسمة لأنها لو عجلت لاستغني عن الوسم.

قوله: (إن عليها ميسم الجزية إلخ)، فيه دليل على أن وسم إبل الجزية كان يفعل في أيام الصحابة كما كان يوسم إبل الصدقة.

= ونقل صاحب الشامل وغيره أنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم، قال العبدري: وبه قال أكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة: يكره الوسم لأنه مثلة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة، ولأنه تعذيب للحيوان، وهو منهي عنه.

واحتج أصحابنا بحديث أنس - رقم (1580) من كتابنا هذا - وبآثار كثيرة عن عمر بن الخطاب - رقم (1581) من كتابنا هذا - وغيره من الصحابة رضي الله عنهم.

ولأن الحاجة تدعو إلى الوسم لتمييز إبل الصدقة من إبل الجزية وغيرها.

ولأنها ربما شردت فيعرفها واجدها بعلامتها فيردها

وأما احتجاج أبي حنيفة بالمثلة والتعذيب فهو عام، وحديثنا والآثار خاصة باستحباب الوسم، فخصصت ذلك العموم ووجب تقديمها عليه، والله أعلم" اهـ.

• أما الوسم في الوجه فمنهي عنه باتفاق العلماء، للأحاديث الآتية:

1 -

أخرج مسلم في صحيحه رقم (106/ 2116).

عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه".

2 -

وأخرج مسلم في صحيحه رقم (107/ 2117).

عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه حمار قد وسم في وجهه، فقال:"لعن الله الذي وسمه".

3 -

وأخرج مسلم في صحيحه رقم (108/ 2118).

عن ابن عباس قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارًا موسوم الوجه فأنكر ذلك؛ قال: فوالله لا أسمُهُ إلا في أقصى شيء من الوجه. فأمر بحمار له فكوى في جاعرتيه، فهو أول من كوى الجاعرتين.

قال القاضي عياض في "إكمال المعلم بفوائد مسلم"(6/ 644 - 645): قائل هذا هو العباس والده لا ابنه عبد الله صاحب الحديث، وكذا بينه في كتاب أبي داود، وكذا ذكره البخاري في التاريخ - الكبير (1/ 187) - مفسرًا، وهو في كتاب مسلم مشكل ليس فيه ذكر لقائله، وتوهم أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم وبيانه ما تقدم" اهـ.

قال النووي في "المجموع"(6/ 153): "واختلفت عبارات أصحابنا في كيفية النهي عن الوسم في الوجه فقال البغوي: لا يجوز الوسم. وقال صاحب العدة الوسم على الوجه منهي عنه بالاتفاق، وهو من أفعال الجاهلية؛ وقال الرافعي: يكره. والمختار التحريم.

كما أشار إليه البغوي، وهو مقتضى اللعن. وقد ثبت اللعن في الحديث كما ذكرناه. والله أعلم" اهـ.

ص: 139

[ثالثًا] أبواب الأصناف الثمانية

[الباب الأول] باب ما جَاء في الفقير والمسكين والمسألة والغني

1/ 1582 - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّما المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ:{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}

(1)

(2)

. [صحيح]

وفي لَفْظ: "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلى النَّاس، تَرَدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلكِن الْمِسْكِينُ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلا يُفْطَنَ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيسْأَل النَّاسَ"

(3)

. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا). [صحيح]

قوله: (ولا اللقمة واللقمتان)، في رواية للبخاري

(4)

: "الأكلة والأكلتان".

قوله: (يغنيه) هذه صفة زائدة على الغنى المنفي، إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر. وكأن [المعنى]

(5)

نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار.

وفي الحديث دليل على أن المسكين هو الجامع بين عدم الغنى وعدم تفطن الناس له لما يظن به لأجل تعففه وتظهره بصورة الغني من عدم الحاجة، ومع هذا فهو مستعف عن السؤال.

وقد استدل به من يقول: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وإن المسكين الذي له شيء لكنه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له، ويؤيده قوله تعالى: {أَمَّا

(1)

سورة البقرة: الآية (273).

(2)

أحمد (2/ 395) والبخاري رقم (4539) ومسلم رقم (102/ 1039).

(3)

أحمد (2/ 260) والبخاري رقم (1479) ومسلم رقم (101/ 1039).

(4)

في صحيحه رقم (1476).

(5)

في المخطوط (ب): (الغنى).

ص: 140

السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ}

(1)

، فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها.

وإلى هذا ذهب الشافعي

(2)

والجمهور

(3)

كما قال في الفتح

(4)

.

وذهب أبو حنيفة

(5)

والعترة

(6)

إلى أن المسكين دون الفقير، واستدلوا بقوله تعالى:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)}

(7)

.

قالوا: لأن المراد أنه يلصق التراب بالعرى.

وقال ابن القاسم

(8)

: وأصحاب مالك (8): إنهما سواء.

وروي عن أبي يوسف ورجحه الجلال

(9)

قال: لأن المسكنة لازمة للفقر، إذ ليس معناها الذل والهوان، فإنه ربما كان بغنى النفس أعز من الملوك الأكابر، بل معناها: العجز عن إدراك المطالب الدنيوية، والعاجز ساكن عن الانتهاض إلى مطالبه، انتهى.

وقيل: الفقير الذي يسأل، والمسكين الذي لا يسأل، حكاه ابن بطال.

وظاهره أيضًا أن المسكين من اتصف بالتعفف وعدم الإلحاف في السؤال، لكن قال ابن بطال

(10)

معناه: المسكين الكامل، وليس المراد نفي أصل المسكنة بل هو كقوله:"أتدرون من المفلس"

(11)

الحديث، وقوله تعالى:{لَيْسَ الْبِرَّ}

(12)

، الآية، وكذا قرره القرطبي

(13)

وغير واحد.

(1)

سورة الكهف: الآية (79).

(2)

المجموع (6/ 177 - 178).

(3)

المغني (4/ 122 - 123) والبناية في شرح الهداية (4/ 527).

(4)

(2/ 343).

(5)

البناية في شرح الهداية (3/ 526).

(6)

البحر الزخار (2/ 177).

(7)

سورة البلد: الآية (16).

(8)

الاستذكار (9/ 210 رقم 13016).

(9)

في ضوء النهار (2/ 322).

(10)

في شرحه لصحيح البخاري (3/ 516 - 517).

(11)

أخرجه مسلم في صحيحه رقم (59/ 2581) والترمذي رقم (2418) وقال: حديث حسن صحيح.

وأحمد (2/ 303) من حديث أبي هريرة. وهو حديث صحيح.

(12)

سورة البقرة: الآية (177).

(13)

في المفهم (3/ 84).

ص: 141

ومن جملة حجج القول الأول قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أحيني مسكينًا"

(1)

، مع تعوذه من الفقر.

والذي ينبغي أن يعوَّل عليه أن يقال: المسكين من اجتمعت له الأوصاف المذكورة في الحديث، والفقير من كان ضد الغني كما في الصحاح

(2)

والقاموس

(3)

وغيرهما من كتب اللغة، وسيأتي تحقيق الغنى فيقال لمن عدم الغنى: فقير، ولمن عدمه مع التعفف عن السؤال وعدم تفطن الناس له: مسكين.

وقيل: إن الفقير من يجد القوت، والمسكين من لا شيء له.

وقيل: الفقير: المحتاج، والمسكين: من أذله الفقر، حكى هذين صاحب القاموس

(4)

.

2/ 1583 - (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "الْمَسْأَلةُ لا تَحِلُّ إِلَّا لِثَلَاثةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمِ مُوجِعٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(5)

وَأَبُو دَاوُدَ

(6)

. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الغَارِمَ لَا يَأخذُ مَعَ الْغِنَىَ). [حسن لغيره]

3/ 1584 - (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍّ، وَلَا لِذِي مِرةٍ سَوِيّ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَالنَّسَائيَّ

(7)

. [صحيح]

(1)

أخرجه الترمذي برقم (2352) من حديث أنس وهو حديث صحيح.

وتمامه قالت عائشة إلى آخره. ضعيف جدًّا.

وأخرجه ابن ماجه برقم (4126) من حديث أبي سعيد وهو حديث صحيح.

(2)

للجوهري (2/ 782).

(3)

في القاموس المحيط (ص 588).

(4)

القاموس المحيط (ص 588).

(5)

في المسند (3/ 126 - 127).

(6)

في السنن رقم (1641).

قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (2145) ومن طريقه الضياء في المختارة رقم (2262).

والترمذي رقم (1218)، وابن ماجه رقم (2198).

وهو حديث حسن لغيره، والله أعلم.

(7)

أخرجه أحمد (1/ 192) والترمذي رقم (652) وأبو داود رقم (1634).

قلت: وأخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (7155) والطيالسي رقم (2271) والدارمي رقم (1/ 386) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 14) وابن الجارود في المنتقى رقم (363) والدارقطني (3/ 119) والحاكم (1/ 407) والبغوي في شرح السنة رقم (1599) والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 13) من طرق. =

ص: 142

لَكِنَّهُ لَهُمَا

(1)

مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلأَحْمَدَ الحَدِيثَانِ)

(2)

. [صحيح]

4/ 1585 - (وَعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَدِيّ بْنِ الخِيَارِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسألانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا البَصَرَ وَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ:"إِن شِئْتُمَا أَعْطَيْتُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيّ وَلا لِقَوِيّ مُكْتَسبٍ"، رَوَاهُ أحْمَدُ

(3)

وأبُو دَاوُدَ

(4)

والنَّسَائِيُّ

(5)

. وَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا أجْوَدها إسْنادًا). [صحيح]

حديث أنس أخرجه أيضًا ابن ماجه

(6)

والترمذي

(7)

وحسنه

(8)

وقال: لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان، انتهى.

والأخضر بن عجلان

(9)

قال يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه.

= قال الترمذي: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن.

والخلاصة: أن حديث عبد الله بن عمرو حديث صحيح، والله أعلم.

(1)

أي لابن ماجه رقم (1839) والنسائي رقم (2597).

قلت: وأخرجه أحمد (2/ 377)، (2/ 389) وابن الجارود رقم (364) وأبو يعلى رقم (6401) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 14) وابن حبان رقم (3290) والدارقطني (2/ 118) وأبو نعيم في الحلية (8/ 308) والبيهقي (7/ 14) والحاكم (1/ 407) من طرق.

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

(2)

حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (2/ 192) وقد تقدم.

وحديث أبي هريرة عند أحمد (2/ 377، 389) وقد تقدم.

(3)

في المسند (4/ 224) و (5/ 362).

(4)

في سننه رقم (1633).

(5)

في سننه رقم (2598).

قلت: وأخرجه الدارقطني (2/ 119 رقم 7) والبيهقي (7/ 14) وغيرهم.

قال الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 401): "قال صاحب "التنقيح": حديث صحيح ورواته ثقات. قال الإمام أحمد رضي الله عنه: ما أجوده من حديث، وهو أحسنها إسنادًا" اهـ.

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، كما قال صاحب التنقيح، والألباني في الإرواء رقم (876).

(6)

في السنن رقم (2198) وقد تقدم.

(7)

في السنن رقم (1218) وقد تقدم.

(8)

في السنن (3/ 522).

(9)

الأخضر بن عجلان الشيباني البصري، قال ابن معين: صالح، وقال مرة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال النسائي: ثقة. =

ص: 143

وحديث عبد الله بن عمرو حسنه الترمذي

(1)

، وذكر أن شعبة لم يرفعه

(2)

.

وفي إسناده ريحان بن يزيد

(3)

وثقه يحيى بن معين. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ مجهول. وقال بعضهم: لم يصح إسناد هذا الحديث وإنما هو موقوف على عبد الله بن عمرو.

وقال أبو داود

(4)

: الأحاديث الأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم بعضها لذي مرة سويّ وبعضها لذي مرّة قويّ.

وحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أخرجه أيضًا الدارقطني

(5)

.

وروي عن أحمد

(6)

أنه قال: ما أجوده من حديث.

وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه المصنف أخرجه أيضًا ابن حبان

(7)

والحاكم

(8)

.

وفي الباب عن طلحة عند الدارقطني

(9)

.

وعن ابن عمر عند ابن عدي

(10)

.

= وفي "العلل الكبير" للترمذي أن البخاري قال: أخضر: ثقة، وذكره ابن حبان وابن شاهين في الثقات".

تهذيب التهذيب (1/ 100). والتقريب رقم (291).

(1)

في سننه (3/ 42).

(2)

بل رفعه شعبة مرة فيما ذكره البخاري في "التاريخ الكبير"(3/ 329).

وأخرجه الحاكم (1/ 407)، ومن طريقه البيهقي (7/ 13). فيكون شعبة قد رفعه مرة، ووقفه أخرى. وقد قال البيهقي (7/ 13) وفي رواية من رفعه كفاية.

(3)

ريحان بن يزيد العامري البدوي. قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة.

وقال حجاج، عن شعبة، عن سعيد بن إبراهيم: سمع ريحان بن يزيد، وكان أعرابيًا صدوقًا.

وقال أبو حاتم: شيخ مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات.

"تهذيب التهذيب"(1/ 618) والتقريب رقم (1975) وقال عنه الحافظ: "مقبول". وقال المحرران: "بل: صدوق حسن الحديث

".

(4)

في السنن (2/ 286).

(5)

في سننه (2/ 119 رقم 7) وقد تقدم.

(6)

حكاه الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 401).

(7)

في صحيحه رقم (3290) وقد تقدم.

(8)

في المستدرك (1/ 407) وقد تقدم.

(9)

لم أقف عليه في السنن.

(10)

في "الكامل"(6/ 178).

ص: 144

وعن حبشي بن جنادة عند الترمذي

(1)

.

وعن جابر عند الدارقطني

(2)

.

وعن أبي زميل عن رجل من بني هلال عند أحمد

(3)

.

وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عند الطبراني

(4)

.

قوله: (مدقع)

(5)

بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف: وهو الفقر الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء: وهي الأرض التي لا نبات بها.

قوله: (أو لذي غرم مفظع)، الغرم

(6)

بضم الغين المعجمة وسكون الراء: هو ما يلزم أداؤه تكلفًا لا في مقابلة عوض.

والمفظع

(7)

بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة وبالعين المهملة: وهو الشديد الشنيع الذي جاوز الحد.

قوله: (أو لذي دم موجع)

(8)

، هو الذي يتحمل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول، وإن لم يدفعها قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه.

والحديث يدل على جواز المسألة لهؤلاء الثلاثة.

قوله: (لا تحل الصدقة لغني)، قد اختلفت المذاهب في المقدار الذي يصير به الرجل غنيًا، فذهبت الهادوية

(9)

والحنفية

(10)

إلى أن الغني من ملك النصاب فيحرم عليه أخذ الزكاة.

(1)

في سننه رقم (653). وهو حديث ضعيف.

(2)

في السنن (2/ 119 رقم 6).

(3)

في المسند (4/ 62) و (5/ 375) بسند صحيح.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 92) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

(4)

في المعجم الكبير كما في "مجمع الزوائد"(3/ 92) وقال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة وفيه كلام.

(5)

القاموس المحيط (ص 924).

(6)

القاموس المحيط (ص 1475)، والنهاية (3/ 363).

(7)

القاموس المحيط (ص 965)، والنهاية (3/ 459).

(8)

النهاية (5/ 157).

(9)

شفاء الأوام (1/ 578).

(10)

البناية في شرح الهداية (3/ 545).

ص: 145

واحتجوا بما تقدم في حديث معاذ

(1)

من قوله صلى الله عليه وسلم: "تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم"، قالوا: فوصف من تؤخذ منه الزكاة بالغنى، وقد قال:"لا تحلّ الصدقة لغنيّ"، وقال بعضهم: هو من وجد ما يغديه ويعشيه، حكاه الخطابي

(2)

.

واستدل بما أخرجه أبو داود

(3)

وابن حبان

(4)

وصححه عن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار، قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه" وسيأتي

(5)

.

وقال الثوري

(6)

وابن المبارك (6) وأحمد

(7)

وإسحاق

(8)

وجماعة من أهل العلم: هو من كان عنده خمسون درهمًا أو قيمتها.

واستدلوا بحديث ابن مسعود عند الترمذي

(9)

وغيرها

(10)

مرفوعًا: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: "خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب" وسيأتي

(11)

.

وقال الشافعي

(12)

وجماعة: إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة.

(1)

تقدم برقم (1530) من كتابنا هذا.

(2)

في معالم السنن (2/ 281 - مع السنن).

(3)

في السنن رقم (1629).

(4)

في صحيحه رقم (3394).

(5)

برقم (1588) من كتابنا هذا، وهو حديث صحيح.

(6)

حكاه عنه العيني في "البناية في شرح الهداية"(3/ 546) وابن قدامة في المغني (4/ 118).

(7)

المغني (4/ 118) حيث قال: "ونقل عن أحمد فيه روايتان: أظهرهما، أنه مَلكَ خمسين درهمًا، أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام؛ من كسب، أو تجارة، أو أجر عقارٍ، أو نحو ذلك.

ولو مَلك من العُروض، أو الحبوب، أو السائمة، أو العَقار، ما لا تحصل به الكفاية، لم يكن غنيًا، وإن ملكَ نصابًا، هذا الظاهِرُ من مذهبه.

وهو قول: الثوري، والنخعي، وابن المبارك، وإسحاق

" اهـ.

(8)

انظر: التعليقة السابقة.

(9)

في سننه رقم (650) وقال: حديث حسن.

(10)

كأحمد (1/ 441) وأبو داود رقم (1626) والنسائي رقم (2592) وابن ماجه رقم (1840).

(11)

برقم (1589) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.

(12)

انظر: المجموع (6/ 174).

ص: 146

وروي عن الشافعي

(1)

أن الرجل قد يكون غنيًا بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام

(2)

: هو من وجد أربعين درهمًا، واستدل بحديث أبي سعيد الآتي

(3)

بلفظ: "وله قيمة أوقية"، لأن الأربعين الدرهم قيمة الأوقية.

وقيل: هو من لا يكفيه غلة أرضه للسنة، حكاه في البحر

(4)

عن أبي طالب والمرتضى.

قوله: (ولا لذي مرة سويّ)، المِرّة بكسر الميم وتشديد الراء، قال الجوهري

(5)

: المرّة: القوة وشدّة العقل أيضًا، ورجل [قوي]

(6)

مرير: أي قوي ذو مِرَّة.

وقال غيره: المِرّة: القوّة على الكسب والعمل، وإطلاق المِرَّة هنا وهي القوة مقيد بالحديث الذي بعده، أعني قوله:"ولا لقوي مكتسب"، فيؤخذ من الحديثين أن مجرد القوة لا يقتضي عدم الاستحقاق إلا إذا قرن بها الكسب.

وقوله: "سويّ" أي مستوي الخلق، قاله الجوهري

(7)

، والمراد استواء الأعضاء وسلامتها.

قوله: (جلْدين) بإسكان اللام: أي قويين شديدين.

قال الجوهري

(8)

: الجلْد بفتح اللام: هو الصلابة والجلادة، تقول منه: جلُد الرجل بالضم فهو جلْد، يعني بإسكان اللام، وجليد بين الجلد والجلادة.

قوله: (مكتسب) أي يكتسب قدر كفايته.

وفيه دليل على أنه يستحب للإمام أو المالك: الوعظ والتحذير وتعريف الناس بأن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي قوة على الكسب كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون ذلك برفق.

(1)

في الأم (3/ 186).

(2)

في غريب الحديث (1/ 189).

(3)

برقم (1587) من كتابنا هذا.

(4)

البحر الزخار (2/ 186).

(5)

في الصحاح (2/ 815).

(6)

زيادة من المخطوط (ب).

(7)

في الصحاح (6/ 2385).

(8)

في الصحاح (2/ 458).

ص: 147

5/ 1586 - (وَعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَأَبُو دَاوُدَ

(2)

، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي قَبُولِ قَوْلِ السَّائِلِ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفٍ وَإِحْسَانِ الظَّن بِهِ). [ضعيف]

6/ 1587 - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَأَل وَلَهُ قِيمَةُ أُوقيَّةٍ فَقَدْ ألحَفَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(3)

وَأَبُو دَاوُدَ

(4)

والنَّسائيُّ)

(5)

. [حسن]

(1)

في المسند (1/ 201).

(2)

في السنن رقم (1665) و (1666).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (2468) وأبو يعلى رقم (6784) وابن أبي شيبة (3/ 113) وأبو نعيم في الحلية (8/ 379) وابن عبد البر في "التمهيد"(5/ 296).

والبخاري في "التاريخ الكبير"(8/ 416) معلقًا والطبراني في الكبير رقم (2893) والبيهقي (7/ 23) من طرق.

وانظر ما قاله السخاوي في المقاصد الحسنة رقم الحديث (873) عنه.

وخلاصة القول: إن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(3)

في المسند (3/ 7).

(4)

في سننه رقم (1628).

(5)

في سننه رقم (2595).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (2447) وابن حبان رقم (3390).

وحديث أبي سعيد حديث حسن.

• وله شاهد من حديث رجل من بني أسد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سأل وله أوقية أو عَدْلها، فقد سأل إلحافًا".

أخرجه أحمد في المسند (4/ 36) وأبو عبيد في الأموال رقم (1733) ومالك في الموطأ (2/ 999) مطولًا ومن طريقه أبو داود رقم (1627) والنسائي (5/ 98 - 99) والطحاوي في شرح مشكل الآثار رقم (487) وفي شرح معاني الآثار (2/ 21) والبغوي في شرح السنة رقم (1601) وحديث الرجل من بني أسد حديث صحيح لأن جهالة الصحابي لا تضر.

• وفي الباب حديث سهل بن الحنظلية الآتي برقم (7/ 1588) من كتابنا هذا.

• وحديث سمرة بن جندب، بلفظ:"إنما المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان، أو يسأل في الأمر لا يجد منه بدًا".

أخرجه أحمد (5/ 19، 22) والترمذي رقم (681) والنسائي رقم (2600) والبغوي في شرح السنة رقم (1624) وأبو داود رقم (1639) والطيالسي رقم (889) وابن حبان رقم (3397) والطبراني في الكبير رقم (6766) و (6767) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 197) وفي الشعب رقم (3511) من طرق. =

ص: 148

7/ 1588 - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ سَأَل وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: "مَا يُغَذِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَاحْتَجَّ بِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ

(2)

وَقَالَ: "يُغَذّيهِ وَيُعَشِّيهِ"). [صحيح]

8/ 1589 - (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَأَل وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا أَوْ كُدُوشًا فِي وَجْهِهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا غِنَاهُ؟ قَالَ: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ حِسَابُهَا مِنَ الذَّهَبِ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ

(3)

، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ

(4)

وَابْنُ مَاجَهْ

(5)

وَالتّرْمِذِيُّ

(6)

، فَقَالَ رَجُلٌ لِسُفْيَانَ: إِنَّ شُعْبَةَ لَا يُحَدّثُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ

= وحديث سمرة بن جندب حديث صحيح، والله أعلم.

• وحديث أبي هريرة، بلفظ:"من سأل الناس من أموالهم فإنما يسأل جمرًا فليستقل منهم، أو ليستكثر".

أخرجه أحمد (2/ 231) ومسلم رقم (1041) وابن ماجه رقم (1838) وأبو يعلى رقم (6087) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 20) وابن حبان رقم (3393) والبيهقي (4/ 196).

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

• وحديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الرجل يأتيني منكم ليسألني فأعطيه، فينطلق وما يحمل في حضنه إلا النار".

أخرجه ابن حبان رقم (3392) وعبد بن حميد رقم (1113) بسند صحيح.

(1)

في المسند (4/ 180).

(2)

في سننه رقم (1629).

وهو حديث صحيح.

(3)

أحمد في المسند (1/ 388) وأبو داود رقم (1626) والترمذي رقم (650) وقال: حديث حسن. والنسائي رقم (2592) وابن ماجه رقم (1840).

قلت: وأخرجه الدارمي (1/ 386) وأبو يعلى رقم (5217) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 20) و (4/ 372) والدارقطني (2/ 122) والحاكم (1/ 407) والبيهقي (7/ 24) والخطيب في تاريخ بغداد (3/ 205) وابن أبي شيبة (3/ 180) من طرق.

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

(4)

في سننه رقم (1626) وقد تقدم.

(5)

في سننه رقم (1840) وقد تقدم.

(6)

في سننه رقم (651).

ص: 149

جُبَيْرٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثْنَاهُ زَبِيدٌ عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ). [صحيح]

أَما حديث الحسن بن عليّ فالذي وقفنا عليه في النسخ الصحيحة من هذا الكتاب أن الراوي للحديث الحسن بن عليّ. وفي سنن أبي داود

(1)

وغيرها أن الراوي للحديث الحسين بن علي.

وهذا الحديث في إسناده يعلى بن أبي يحيى

(2)

، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: مجهول.

وقال أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن: قد روي من وجوه صحاح حضور الحسين بن عليّ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعبه بين يديه وتقبيله إياه.

فأما الرواية التي يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم فكلها مراسيل.

وقال أبو القاسم البغوي في معجمه

(3)

نحوًا من ذلك.

وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآه، ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن بن علي إلا طهر واحد.

وحديث أبي سعيد سكت عنه أبو دَاود

(4)

والمنذري

(5)

، ورجال إسناده ثقات.

وعبد الرحمن بن محمد بن أبي الرجال المذكور في إسناده قد وثقه أحمد

(6)

والدارقطني وابن معين

(7)

، وذكره ابن حبان في الثقات

(8)

وقال: ربما أخطأ.

(1)

في سننه رقم (1665).

(2)

قال الحافظ في "التقريب"(رقم 7851) عنه بأنه مجهول.

(3)

معجم الصحابة. البغوي [أبو القاسم، عبد الله بن محمد بن عبد العزيز (ت 317)] معجم المصنفات (ص 259 رقم 772) و (ص 395 رقم 1272).

(4)

في السنن (2/ 280).

(5)

في المختصر (2/ 228).

(6)

في العلل رواية عبد الله (3122) وعنه في الجرح والتعديل (2/ 2/ 281).

(7)

حكاه عنه في الميزان (2/ 560).

(8)

(7/ 91).

قلت: وانظر ترجمته في: التاريخ الكبير (3/ 1/ 346) والكاشف (3/ 163) والتقريب (1/ 479).

ص: 150

وحديث سهل أخرجه ابن حبان

(1)

وصححه.

وحديث ابن مسعود حسنه الترمذي

(2)

وقال: وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث.

قوله: (وإن جاء على فرس) فيه الأمر بحسن الظن بالمسلم الذي امتهن نفسه بذل السؤال فلا يقابله بسوء الظن به واحتقاره، بل يكرمه بإظهار السرور له، ويقدر أن الفرس التي تحته عارية، أو أنه ممن يجوز له أخذ الزكاة مع الغنى كمن تحمل حمالة أو غرم غرمًا لإصلاح ذات البين.

قوله: (وله قيمة أوقية)، قال أبو داود

(3)

: زاد هشام في روايته: وكانت الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين درهمًا.

قوله: (فقد ألحف)، قال الواحدي

(4)

: الإلحاف في اللغة: هو الإلحاح في المسألة.

قال أبو الأسود الدؤلي

(5)

: ليس للسائل الملحف مثل الرد.

قال الزجاج

(6)

: معنى ألحف: شمل بالمسألة؛ والإلحاف في المسألة: هو أن يشتمل على وجوه الطلب بالمسألة كاشتمال اللحاف في التغطية.

وقال غيره: معنى الإلحاف في المسألة مأخوذ من قولهم: ألحف الرجل: إذا مشى في لحف الجبل وهو أصله كأنه استعمل الخشونة في الطلب.

قوله: (فإنما يستكثر) أي يطلب الكثرة.

قوله: (ما يغديه) بفتح الغين المعجمة وتشديد الدال المهملة: أي من الطعام بحيث يشبعه.

قوله: (ويعشيه) بفتح العين أيضًا. فعلى رواية التخيير يكون المعنى: أن الإنسان إذا حصل له أكلة في النهار غداء أو عشاء كفته واستغنى بها.

وعلى رواية الجمع أن يكون المعنى: أنه إذا حصل له في يومه أكلتان كفتاه.

(1)

رقم (3394) بسند صحيح.

(2)

في السنن (3/ 41).

(3)

في السنن (2/ 280).

(4)

في "الوسيط في تفسير القرآن المجيد"(1/ 390).

(5)

انظر: الصحاح للجوهري (4/ 1426).

(6)

في معاني القرآن وإعرابه (1/ 357).

ص: 151

قوله: (خدوشًا)، بضم الخاء المعجمة جمع خدش: وهو خمش الوجه بظفر أو حديدة أو نحوهما

(1)

.

قوله: (أو كدوشًا)، بضم الكاف والدال المهملة وبعد الواو شين معجمة جمع كدش وهو الخدش.

قوله: (أو حسابها من الذهب) هذه رواية أحمد

(2)

، ورواية أبي داود

(3)

: "أو قيمتها من الذهب".

وهذه الأحاديث الثلاثة قد استدل بكل واحد منها طائفة من المختلفين في حد الغنى، وقد تقدم بيان ذلك، ويجمع بينها بأن القدر الذي يحرم السؤال عنده هو أكثرها، وهي الخمسون عملًا بالزيادة.

9/ 1590 - (وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إن المَسْأَلةَ كَدٌّ يَكِدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ إلا أنْ يَسْأَل الرَّجُلُ سُلْطَانًا أَوْ فِي أَمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(4)

وَالنَسَائِيُّ

(5)

وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ)

(6)

. [صحيح]

10/ 1591 - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لأنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ على ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ، ويسْتَغْنيَ بِهِ عَنِ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ"، مُتفَق عَلَيْهِ

(7)

. [صحيح]

وَعَنْهُ أيضًا عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَأَل النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تكَثُّرًا فَإنَّمَا يَسأل جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيسْتَكْثِرْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(8)

وَمُسْلِمٌ

(9)

وَابْنُ مَاجَهْ)

(10)

. [صحيح]

(1)

النهاية (2/ 14).

(2)

في المسند (1/ 388) وقد تقدم.

(3)

في سننه رقم (1626) وقد تقدم.

(4)

في سننه رقم (1639).

(5)

في سننه رقم (2600).

(6)

في سننه رقم (681) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وقد تقدم تخريجه آنفًا، وهو حديث صحيح.

(7)

أحمد في المسند (2/ 475) والبخاري رقم (1470) ومسلم رقم (106/ 1042).

(8)

في المسند (2/ 231).

(9)

في صحيحه رقم (105/ 1041).

(10)

في سننه رقم (1838).

وهو حديث صحيح.

ص: 152

قوله: (كدّ)، هذا لفظ الترمذي

(1)

وابن حبان في صحيحه

(2)

، ولفظ أبي داود

(3)

: "كدح"، وهي آثار الخموش.

قوله: (إلا أن يسأل الرجل سلطانًا)، فيه دليل على جواز سؤال السلطان من الزكاة أو الخمس أو بيت المال أو نحو ذلك، فيُخَصُّ به عموم أدلة تحريم السؤال.

قوله: (أو في أمر لا بد منه)، فيه دليل على جواز المسألة عند الضرورة، والحاجة التي لا بد عندها من السؤال، نسأل الله السلامة.

قوله: (وعن أبي هريرة الخ)، فيه الحث على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها.

وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط، ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل.

وأما قوله: (خير له)، فليست بمعنى أفعل التفضيل، إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب.

والأصح عند الشافعية

(4)

أن سؤال من هذا حاله حرام.

ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسمية الذي يعطاه خير وهو في الحقيقة شر.

قوله: (تكثرًا)، فيه دليل على أن سؤال التكثر محرم، وهو السؤال لقصد الجمع من غير حاجة.

(1)

في سننه رقم (681) وقال: حديث حسن صحيح.

(2)

في صحيحه (3397).

(3)

في سننه رقم (1639).

(4)

قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (7/ 127): "مقصود الباب وأحاديثه النهي عن السؤال واتفق العلماء عليه إذا لم تكن ضرورة.

واختلف أصحابنا - الشافعية - في مسألة القادر على الكسب على وجهين: (أصحهما): أنها حرام لظاهر الأحاديث. و (الثاني): حلال مع الكراهة بثلاث شروط: أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسؤول. فإن فقد أحد هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق، والله أعلم" اهـ.

ص: 153

قوله: (فإنما يسأل جمرًا إلخ)، قال القاضي عياض

(1)

: معناه: أنه يعاقب بالنار.

قال: ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرًا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة.

11/ 1592 - (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ عَدِيّ الجُهَنِيّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ وَلا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ وَلا يَرُدّهُ فإنّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ الله إِلَيْهِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ)

(2)

. [إسناده صحيح]

12/ 1593 - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سِمَعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعْطِينِي العَطَاءَ فأقُول: أعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنّي، فَقَالَ: "خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَال شَيْء وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَك"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

(3)

[صحيح]

حديث خالد بن عدي أخرجه أيضًا أبو يعلى

(4)

والطبراني في الكبير

(5)

.

قال في مجمع الزوائد

(6)

: ورجال أحمد رجال الصحيح.

قوله: (ولا إشراف نفس) الإشراف

(7)

بالمعجمة: التعرّض للشيء والحرص عليه، من قولهم: أشرف على كذا إذا تطاول له، وقيل: للمكان المرتفع مشرف لذلك.

(1)

في "إكمال المعلم بفوائد مسلم"(3/ 575).

(2)

في المسند (4/ 220 - 221).

قلت: وأخرجه أبو يعلى رقم (925) وابن حبان رقم (3404) و (5108) والطبراني في المعجم الكبير رقم (4124) والحاكم (2/ 62) والبيهقي في الشعب رقم (3551).

وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وقال الهيثمي في "المجمع"(3/ 100): ورجال أحمد رجال الصحيح.

وقال الحافظ في الإصابة (2/ 208 رقم الترجمة 2186) عن هذا الحديث بأن إسناده صحيح.

(3)

أحمد في المسند (1/ 17) والبخاري رقم (1473) ومسلم رقم (110/ 1045).

وهو حديث صحيح.

(4)

في المسند رقم (925).

(5)

في المعجم الكبير رقم (4124).

(6)

في مجمع الزوائد (3/ 100).

(7)

النهاية (2/ 462).

ص: 154

قال أبو داود

(1)

: سألت أحمد عن إشراف النفس فقال: بالقلب.

وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إلي فلان بكذا.

وقال الأثرم

(2)

: يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك.

قوله: (يعطيني)، سيأتي ما يدل على أن عطية النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بسبب العمالة كما في حديث ابن السعدي

(3)

.

ولهذا قال الطحاوي

(4)

: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال، وليست هي من جهة الفقر، ولكن شيء من الحقوق، فلما قال عمر: أعطه من هو أفقر إليه مني لم يرض بذلك لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر.

قال: ويؤيده قوله في رواية شعيب: "خذه فتموله"

(5)

، فدل على أنه ليس من الصدقات.

واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قَبوله أم يندب على ثلاثة مذاهب، حكاه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بعد إجماعهم على أنه مندوب.

قال النووي

(6)

: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه مستحب في غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان يعني الجائر فحرمها قوم وأباحها آخرون وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطى من لا يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ.

وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره.

(1)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 337).

(2)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 338).

(3)

سيأتي برقم (13/ 1594) من كتابنا هذا، وهو حديث صحيح.

(4)

في شرح معاني الآثار (2/ 22).

(5)

أخرجه مسلم في صحيحه رقم (111/ 1045).

(6)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 135).

ص: 155

وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره. وحديث خالد بن عدي

(1)

يرده.

قال الحافظ

(2)

: ويؤيده حديث سمرة في السنن

(3)

إلا أن يسأل ذا سلطان. قال: والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالًا فلا تردّ عطيته، ومن علم كون ماله حرامًا فتحرم عطيته، ومن شكّ فيه فالاحتياط ردّه وهو الورع. ومن أباحه أخذ بالأصل، انتهى.

قال ابن المنذر: واحتجّ من رخص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}

(4)

، وقد رهن الشارع صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي

(5)

مع علمه بذلك. وكذا أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة.

قال الحافظ

(6)

: وفي حديث الباب أن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهًا وإن كان غيره أحوج إليه منه، وأن ردّ عطية الإمام ليس من الأدب ولا سيما من الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}

(7)

.

قوله: (من هو أفقر إليه مني)، ظاهره أن عمر لم يكن غنيًا لأن صيغة أفعل تدل على الاشتراك في الأصل وهو الافتقار إلى المال، ولكن ظاهر أمره صلى الله عليه وسلم له بالأخذ إذا لم يكن مستشرفًا ولا سائلًا أنه لا فرق بين كونه غنيًا أو فقيرًا، [وهكذا في قبول المال من غير السلطان لا فرق فيه بين الغني والفقير]

(8)

على

(1)

تقدم برقم (1592) من كتابنا هذا. وإسناده صحيح.

(2)

في "الفتح"(3/ 338).

(3)

تقدم تخريجه برقم (1590) من كتابنا هذا، وهو حديث صحيح.

(4)

سورة المائدة: الآية (42).

(5)

أخرج البخاري في صحيحه رقم (2068) ومسلم في صحيحه رقم (1603) عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل، ورهنه درعًا من حديد".

(6)

في "الفتح"(3/ 338).

(7)

سورة الحشر: الآية (7).

(8)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

ص: 156

ظاهر حديث خالد بن عديّ

(1)

، وسيكرر المصنف [ذكر]

(2)

حديث خالد بن عديّ هذا في كتاب الهبة

(3)

، ونذكر بقية الكلام عليه هنالك [إن شاء الله]

(4)

.

[الباب الثاني] باب العاملين عليها

13/ 1594 - (عنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ ابْنَ السَّعْدِيّ المَالِكِيّ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُها إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنّمَا عَمِلْتُ لله، فَقَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي عَمِلْتُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَل فَكُلْ وَتَصَدَّقَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

(5)

. [صحيح]

قوله: (أن ابن السعدي)، هو أبو محمد عبد الله بن وقدان

(6)

بن عبد الله بن عبد ودّ بن نضر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ بن غالب. وإنما قيل له السعدي لأن أباه استرضع في بني سعد بن هوازن، وقد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قديمًا وقال:"وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، والمالكي نسبة إلى مالك بن حِسْل.

قوله: (بعمالة) قال الجوهري

(7)

: العُمالة بالضم: رزق العامل على عمله.

(1)

تقدم تخريجه برقم (1592) من كتابنا هذا.

(2)

زيادة من المخطوط (ب).

(3)

الباب الأول عند الحديث رقم (3/ 2468) من كتابنا هذا.

(4)

سقط من المخطوط (ب).

(5)

أحمد (1/ 52) والبخاري رقم (7163) ومسلم رقم (112/ 1045).

(6)

الإصابة رقم (5038) والاستيعاب رقم (1700) وأسد الغابة رقم (3243) والجرح والتعديل (5/ 187) وتجريد أسماء الصحابة (1/ 314).

الوافي بالوفيات (17/ 193) وتهذيب التهذيب (2/ 344).

• تنبيه: في طبعات "النيل" كلها: (مالك بن حنبل) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه (مالك بن حِسْل).

(7)

في "الصحاح"(5/ 1775).

ص: 157

قوله: (فعمَّلني) بتشديد الميم: أي أعطاني أجرة عملي وجعل لي عمالة.

قوله: (من غير أن تسأل)، فيه دليل على أنه لا يحل أكل ما حصل من المال عن مسألة.

وفي الحديث دليل على أن عمل الساعي سبب لاستحقاقه الأجرة كما أن وصف الفقر والمسكنة هو السبب في ذلك، وإذا كان العمل هو السبب اقتضى قياسَ قواعد الشرع أن المأخوذ في مقابلته أجرة، ولهذا قال أصحاب الشافعي

(1)

تبعًا له: إنه يستحق أجرة المثل، وفيه أيضًا دليل على أن من نوى التبرع يجوز له أخذ الأجرة بعد ذلك، ولهذا قال المصنف

(2)

رحمه الله: وفيه دليل على أن نصيب العامل يطيب له وإن نوى التبرع أو لم يكن مشروطًا. اهـ.

14/ 1595 - (وَعَنِ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ وَالْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ انْطَلَقَا إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله جِئْنَاكَ لِتُؤَمِّرَنا على هَذِهِ الصَّدَقَات، فَنُصِيبَ مَا يُصِيبُ النَّاس مِنَ المَنْفَعَةِ، وَنُؤَدّي إِلَيْكَ مَا يُؤَدّى النَّاسُ، فَقَالَ:"إِن الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ"، مُخْتَصَرٌ لِأَحْمَدَ

(3)

وَمُسْلِمَ

(4)

. [صحيح]

وفي لَفْظٍ لَهُمَا

(5)

: "لَا تَحِلّ لِمُحَمَّدِ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ"). [صحيح]

قوله: (أوساخ الناس)، هذا بيان لعلة التحريم والإرشاد إلى تنزه الآل عن أكل الأوساخ. وإنما سميت أوساخًا لأنها تطهرة لأموال الناس ونفوسهم كما قال تعالى:{تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}

(6)

، فذلك من التشبيه.

وفيه إشارة إلى أن المحرم على الآل إنما هو الصدقة الواجبة التي يحصل بها تطهير المال. وأما صدقة التطوّع فنقل الخطابي

(7)

وغيره

(8)

الإجماع على أنها

(1)

المجموع شرح المهذب (6/ 169).

(2)

ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 147).

(3)

في المسند (4/ 166).

(4)

في صحيحه رقم (167/ 1072).

(5)

أي لأحمد في المسند (4/ 166) ولمسلم في صحيحه رقم (168/ 1072).

(6)

سورة التوبة: الآية (103).

(7)

في معالم السنن (2/ 299 - مع السنن).

(8)

كابن قدامة في المغني (4/ 109).

ص: 158

محرّمة على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وللشافعي

(1)

قول أنها تحلّ، وتحل للآل على قول الأكثر، وللشافعي (1) قول بالتحريم، وسيأتي الكلام في تحريم الصدقة الواجبة على بني هاشم

(2)

.

وظاهر هذا الحديث أنها لا تحل لهم، ولو كان أخذهم لها من باب العمالة، وإليه ذهب الجمهور

(3)

.

وقال أبو حنيفة

(4)

والناصر

(5)

: العمالة معاوضة بمنفعة، والمنافع مال، فهي كما لو اشتراها بماله، وهذا قياس فاسد الاعتبار لمصادمته للنصّ.

قال النووي

(6)

: وهذا ضعيف أو باطل، وهذا الحديث صريح في ردّه.

قال المصنّف

(7)

رحمه الله بعد أن ساق هذا الحديث ما لفظه: وهو يمنع جعل العامل من ذوي القربى، انتهى.

وتعقب بأن الحديث إنما يمنع دخول ذوي القربى في سهم العامل ولا يمنع من جعلهم عمالًا عليها

(8)

ويعطون من غيرها فإنه جائز بالإجماع. وقد استعمل علي عليه السلام بني العباس رضي الله عنه.

(1)

قال النووي في المجموع (6/ 220): "فالزكاة حرام على بني هاشم وبني المطلب بلا خلاف، إلا ما سبق فيما إذا كان أحدهم عاملًا، والصحيح تحريمه.

وفي مواليهم وجهان (أصحهما) التحريم. ودليل الجميع في الكتاب.

ولو منعت بنو هاشم، وبنو المطلب حقهم من خمس الخمس هل تحل الزكاة؟ فيه الوجهان المذكوران في الكتاب (أصحهما) عند المصنف والأصحاب: لا تحل. (والثاني) تحل، وبه قال الإصطخري، قال الرافعي: وكان محمد بن يحيى صاحب الغزالي يفتي بهذا. ولكن المذهب الأول.

وموضع الخلاف إذا انقطع حقهم من خمس الخمس لخلو بيت المال من الفيء والغنيمة أو لاستيلاء الظلمة واستبدادهم بهما، والله تعالى أعلم.

هذا مذهبنا، وجوز أبو حنيفة صرف الزكاة إلى بني المطلب، ووافق على تحريمها على بني هاشم، ودليلنا ما ذكره المصنف، والله تعالى أعلم" اهـ.

وانظر: "البناية في شرح الهداية"(3/ 554 - 555)، والمغني (4/ 117).

(2)

الباب الثامن عند الحديث رقم (29/ 1610 - 32/ 1613) من كتابنا هذا.

(3)

المغني (4/ 117).

(4)

البناية في شرح الهداية (3/ 529).

(5)

البحر الزخار (2/ 178 - 179).

(6)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 179).

(7)

ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 147).

(8)

المغني (4/ 112 - 113).

ص: 159

15/ 1596 - (وَعَنْ أَبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الخَازِنَ المُسْلِمَ الْأَمِينَ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَقَّرًا طَيبَةً بِهِ نَفْسُهُ، حَتى يَدْفَعَهُ إلى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

(1)

. [صحيح]

قوله: (طيبة به نفسه)، هذه الأوصاف لا بدّ من اعتبارها في تحصيل أجرة الصدقة للخازن، فإنه إذا لم يكن مسلمًا لم تصح منه نية التقرّب، وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة، وإن لم تكن نفسه بذلك طيبة لم يكن له نية فلا يؤجر.

قوله: (أحد المتصدقين)، قال القرطبي (2): لم نروه إلا بالتثنية، ومعناه أن الخازن بما فعل متصدق وصاحب المال متصدق آخر فهما متصدقان.

قال

(2)

: ويصح أن يقال على الجمع فتكسر القاف ويكون معناه أنه متصدّق من جملة المتصدّقين.

والحديث يدل على أن المشاركة في الطاعة توجب المشاركة في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما أن لصاحبه أجرًا.

وليس معناه أنه يزاحمه في أجره، بل المراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه، فإذا أعطى المالك خازنه مائة درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحق للصدقة على باب داره فأجر المالك أكثر.

وإن أعطاه رمانة أو رغيفًا أو نحوهما حيث ليس له كثير قيمة ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل ذهاب الماشي إليه أكثر من الرمانة ونحوها فأجر الخازن أكثر.

وقد يكون الذهاب مقدار الرمانة فيكون الأجر سواء.

قال ابن رسلان: ويدخل في الخازن من يتخذه الرجل، على عياله من وكيل وعبد وامرأة وغلام، ومن يقوم على طعام الضيفان.

(1)

أحمد (4/ 394، 409) والبخاري رقم (2260) ومسلم رقم (79/ 1023).

(2)

في "المفهم"(3/ 68).

ص: 160

16/ 1597 - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْد ذَلِكَ فَهْوَ غُلُولٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(1)

. [صحيح]

الحديث سكت عنه أبو داود

(2)

والمنذري

(3)

ورجال إسناده ثقات.

وفيه دليل على أنه لا يحل للعامل زيادة على ما فرض له من استعمله، وأن ما أخذه بعد ذلك فهو من الغلول، وذلك بناء على أنها إجارة ولكنها فاسدة يلزم فيها أجرة المثل، ولهذا ذهب البعض إلى أن الأجرة المفروضة من المستعمل للعامل تؤخذ على حسب العمل فلا يأخذ زيادة على ما يستحقه.

وقيل: يأخذ ويكون من باب الصرف.

وفي الحديث أيضًا دليل على أنه يجوز للعامل أن يأخذ حقه من تحت يده.

ولهذا قال المصنف

(4)

رحمه الله: وفيه تنبيه على جواز أن يأخذ العامل حقه من تحت يده، فيقبض من نفسه لنفسه، انتهى.

[الباب الثالث] باب المؤلفة قلوبهم

17/ 1598 - (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يُسْألُ شَيْئًا عَلى الْإِسْلَامِ إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَأتَاهُ رَجُل فَسَألَهُ، فَأمَرَ لَهُ بِشَاءٍ كَثِيرٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ شَاءِ الصَّدَقَةِ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لا يَخْشَى الفَاقَةَ. رَوَاهُ أحْمَدُ

(5)

بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ). [صحيح]

18/ 1599 - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ

(1)

في سننه رقم (2943)، وهو حديث صحيح.

(2)

في السنن (2/ 353).

(3)

في المختصر (2/ 200).

(4)

ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 147).

(5)

في المسند (3/ 108) بسند صحيح.

قلت: وأخرجه مسلم رقم (2312) وأبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم "(ص 51) والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 19) من طرق، وهو حديث صحيح.

ص: 161

فَقَسَمَهُ، فَأعْطَى رِجالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:"أَمَّا بَعْدُ فَوَالله إِنِّي لأُعْطِي الرجُلَ، وَأَدَع الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَع أَحَبُّ إِلي مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنِّي أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وأكِلُ أَقْوَامًا إلى ما جُعِلَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِب"، فَوَالله مَا أُحِبُّ أن لي بِكَلِمَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حُمْرَ النَّعَمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَالْبُخَارِيُّ)

(2)

. [صحيح]

الحديثان يدلان على جواز التأليف لمن لم يرسخ إيمانه من مال الله عز وجل.

وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة:

(منها): إعطاؤه صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصين والأقرع بن حابس وعباس بن مرداس كل إنسان منهم مائة من الإبل

(3)

.

وروي أيضًا: "أنه أعطى علقمة بن علاثة مائة

(4)

، ثم قال للأنصار لما عتبوا عليه: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ ثم قال لما بلغه أنهم قالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا: إنما فعلت ذلك لأتالفهم"، كما في صحيح مسلم

(5)

.

وقد ذهب إلى جواز التأليف: العترة

(6)

والجبائي والبلخي وابن مبشر.

وقال الشافعي

(7)

: لا نتألف كافرًا، فأما الفاسق فيعطى من سهم التأليف.

وقال أبو حنيفة

(8)

وأصحابه: قد سقط بانتشار الإسلام وغلبته.

(1)

في المسند (5/ 69).

(2)

في صحيحه رقم (923) و (3145) و (7535).

وهو حديث صحيح.

(3)

أخرجه مسلم في صحيحه رقم (137/ 1060)، من حديث رافع بن خديج.

(4)

أخرجه مسلم في صحيحه رقم (138/ 1060)، من حديث رافع بن خديج.

(5)

في صحيحه رقم (139/ 1061) من حديث عبد الله بن زيد.

قلت: وأخرجه البخاري رقم (433).

(6)

البحر الزخار (2/ 179).

(7)

الأم (4/ 190، 212).

(8)

البناية في شرح الهداية (3/ 522).

ص: 162

واستدلوا على ذلك بامتناع أبي بكر من إعطاء أبي سفيان وعيينة والأقرع وعباس بن مرداس.

والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإذا كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب فله أن يتألفهم ولا يكون لفشوّ الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة

(1)

.

وقد عد ابن الجوزي أسماء المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد فبلغوا نحو الخمسين نفسًا.

[الباب الرابع] باب قول الله تعالي {وَفِي الرِّقَابِ}

19/ 1600 - (وَهُوَ يَشْمَلُ بِعُمُومِهِ المُكَاتَبَ وَغَيْرَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأسَ أَنْ يَعْتِقَ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، ذَكَرَهُ عَنْهُ أَحْمَدُ

(2)

وَالْبُخَارِي)

(3)

.

20/ 1601 - (وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: دُلَّنِي على عَمَلٍ يُقَرّبُنِي مِنَ الجَنَّةِ، وَيُبْعِدُنِي مِنَ النَّارِ، فَقَالَ:"أَعْتِق النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: "لا؛ عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تُفْرَدَ بِعِتْقِهِا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(4)

وَالدَّارَقُطْنِيُّ)

(5)

. [صحيح]

(1)

وهذا ما رجحه أيضًا الشوكاني في "السيل الجرار"(1/ 801 - 802) بتحقيقي.

(2)

في مسائل أحمد رواية ابنه عبد الله (ص 147).

(3)

في صحيحه (3/ 331 رقم الباب 49 - مع الفتح) معلقًا.

(4)

في المسند (4/ 299).

(5)

في سننه (2/ 135 رقم 1).

قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (739) ومن طريقه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار رقم (2743) والبيهقي (10/ 272 - 273) والبخاري في الأدب المفرد رقم (69).

وابن حبان رقم (374) والحاكم (2/ 217) وفي الشعب رقم (4335) والبغوي في شرح السنة رقم (2419) من طرق.

وهو حديث صحيح.

ص: 163

21/ 1602 - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "ثلَاثة كُلُّهُمْ حَقٌّ على الله عَوْنُهُ: الغازي في سَبِيلِ الله، والمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأدَاءَ، وَالنَّاكِحُ المُتَعَفِّفُ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا أَبا دَاوُدَ)

(1)

. [حسن]

حديث البراء بن عازب قال في مجمع الزوائد

(2)

: رجاله ثقات.

وحديث أبي هريرة قال الترمذي

(3)

: حسن صحيح.

قوله: (المكاتب وغيره)، قد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى:{وَفِي الرِّقَابِ}

(4)

، فروي عن عليّ بن أبي طالب

(5)

، وسعيد بن جبير (5)، والليث (5) والثوري (5)، والعترة

(6)

والحنفية

(7)

والشافعية

(8)

وأكثر أهل العلم أن المراد به المكاتبون يعانون من الزكاة على الكتابة.

وروي عن ابن عباس

(9)

، والحسن البصري (9)، ومالك

(10)

وأحمد بن حنبل

(11)

وأبي ثور (9) وأبي عبيد

(12)

، وإليه مال البخاري وابن المنذر أن المراد بذلك أنها تشترى رقاب لتعتق.

واحتجوا بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين لأنه غارم، وبأن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعانة المكاتب لأنه قد يعان ولا يعتق؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولأن الشراء يتيسر في كل وقت بخلاف الكتابة.

(1)

أخرجه أحمد (2/ 437) والترمذي رقم (1655) والنسائي رقم (3218) وهو حديث حسن.

(2)

(4/ 240).

(3)

في السنن (4/ 184) وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

(4)

سورة التوبة: الآية (60).

(5)

حكاه عنه النووي في "المجموع"(6/ 184).

(6)

البحر الزخار (2/ 180).

(7)

البناية في شرح الهداية (3/ 531).

(8)

المجموع (6/ 184).

(9)

حكاه عنه النووي في المجموع (6/ 184).

(10)

التسهيل (3/ 753).

(11)

انظر: المستوعب (3/ 351، 352) والمغني (4/ 124) والإنصاف (3/ 228).

(12)

في الأموال (ص 539).

ص: 164

وقال الزهري: إنه يجمع بين الأمرين، وإليه أشار المصنف وهو الظاهر لأن الآية تحتمل الأمرين، وحديث البراء المذكور فيه دليل على أن فك الرقاب غير عتقها، وعلى أن العتق وإعانة المكاتبين على مال الكتابة من الأعمال المقرّبة من الجنة والمبعدة من النار.

قوله: (حقّ على الله)، فيه دليل على أن الله يتولى إعانة هؤلاء الثلاثة ويتفضل عليهم بأن لا يحوجهم لكن بشرط أن يكون الغازي غازيًا في سبيل الله، والمكاتب مريدًا للأداء والناكح متعففًا.

وقد اختلف في المكاتب إذا كان فاسقًا هل يعان على الكتابة أم لا؟ فذهبت الهادوية

(1)

إلى أنه لا يعان، قالوا: لأنه لا قربة في إعانته. وقال الشافعي والإمام يحيى والمؤيد بالله: إنَّه يعان، وهو الظاهر

(2)

.

(1)

البحر الزخار (2/ 180 - 181).

(2)

قال النووي في "المجموع"(6/ 184): "قال الشافعي والأصحاب: يصرف سهم الرقاب إلى المكاتبين.

هذا مذهبنا وبه قال أكثر العلماء.

كذا نقله عن الأكثرين البيهقي في السنن الكبير، والمتولي. وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسعيد بن جبير، والزهري، والليث بن سعد، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.

وقالت طائفة: المراد بالرقاب: أن يشتري بسهمهم عبيد ويعتقون.

وبهذا قال مالك، وهو أحد الروايتين عن أحمد؛ وحكاه ابن المنذر وغيره عن ابن عباس، والحسن البصري، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وأبي ثور.

واحتج أصحابنا بأن قوله عز وجل: {وَفِي الرِّقَابِ} كقوله تبارك وتعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60]، وهناك يجب الدفع إلى المجاهدين، فكذا يجب هنا الدفع إلى الرقاب، ولا يكون دفعًا إليهم إلا على مذهبنا.

وأما من قال يشتري به عبيد فليس يدفع إليهم وإنما هو دفع إلى ساداتهم، ولأن في جميع الأصناف يسلَّم السهم إلى المستحق ويملكه إياه، فينبغي هنا أن يكون كذلك لأن الشرع لم يخصهم بقيد يخالف غيرهم. ولأن ما قالوه يؤدي إلى تعطيل هذا السهم في حق كثير من الناس؛ لأن من الناس من لا يجب عليه من الزكاة لهذا السهم ما يشتري به رقبة يعتقها، وإن أعتق بعضها قوم عليه الباقي، ولا يلزمه صرف زكاة الأموال الباطنة إلى الإمام بالإجماع فيؤدي إلى تفويته.

وأما على مذهبنا فيمكنه صرفه إليهم ولو كان درهمًا" اهـ.

ص: 165

[الباب الخامس] باب الغارمين

22/ 1603 - (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ المَسْأَلةَ لا تَحِل إلَّا لِثَلَاثةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمِ مُوجِعٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَأَبُو دَاوُدَ)

(2)

. [حسن لغيره]

23/ 1604 - (وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الهِلَالِيّ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمالةً، فأتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أسأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ:"أَقِمْ حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَةَ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا"، ثُمَّ قَالَ:"يا قَبِيصَةُ إِنَّ المَسْأَلةَ لَا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلَاثةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِك، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَة اجْتاحَتْ مالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ المَسأَلةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُل أَصَابَتْهُ فَاقَة، حَتى يَقُولَ ثَلاثةُ مِنْ ذَوِي الحجا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ المَسأَلةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلةِ يَا قَبِيصَةُ فَسُحْتٌ يَأكلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(3)

وَمُسْلِمٌ

(4)

وَالنَّسَائِي

(5)

وأَبُو دَاوُدَ)

(6)

. [صحيح]

(1)

في المسند (3/ 126 - 127).

(2)

في سننه رقم (1641).

وهو حديث حسن لغيره.

(3)

في المسند (5/ 60).

(4)

في صحيحه رقم (109/ 1044).

(5)

في سننه رقم (2580).

(6)

في سننه رقم (1640).

قلت: وأخرجه عبد الرزاق رقم (2008) والطبراني في الكبير (ج 18 رقم 946) والبغوي في شرح السنة رقم (1625) والحميدي رقم (819) والدارمي (1/ 396) وابن خزيمة رقم (2360) وابن حبان رقم (3291) والدارقطني (2/ 119 - 120) وابن الجارود في المنتقى رقم (367) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 17 - 18، 19) وابن أبي شيبة (3/ 210 - 211) وأبو عبيد في الأموال رقم (1721)، (1722) من طرق.

وهو حديث صحيح.

ص: 166

حديث أنس قد تقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين والمسألة

(1)

، وتقدم الكلام عليه هنالك.

قوله: (حمالة)

(2)

بفتح الهاء المهملة، وهو ما يتحمله الإنسان ويلتزمه في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين، وإنما تحل له المسألة بسببه ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية.

وإلى هذا ذهب الحسن البصري والباقر والهادي وأبو العباس وأبو طالب

(3)

.

وروي عن الفقهاء الأربعة

(4)

والمؤيد بالله أنه يعان لأن الآية لم تفصل، وشرط بعضهم أن الحمالة لا بد أن تكون لتسكين فتنة، وقد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق، وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته أو أعطوه ما تبرأ به ذمته، وإذا سأل لذلك لم يعد نقصًا في قدره بل فخرًا.

قوله: (فنأمر لك) بنصب الراء.

قوله: (لرجل)، يجوز فيه الجر على البدل والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.

قوله: (جائحة)

(5)

هي ما اجتاح المال وأتلفه إتلافًا ظاهرًا كالسيل والحريق.

قوله: (قوامًا)

(6)

بكسر القاف: هو ما تقوم به حاجته ويستغني به، وهو بفتح القاف: الاعتدال.

(1)

عند الحديث رقم (1583) من كتابنا هذا. وهو حديث حسن لغيره.

(2)

الحمالة: بالفتح، ما يتحمله الإنسان عن غيره من ديةٍ أو غرامة، مثل أن يقع حرب بين فريقين تُسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين، والتَّحمُّل: أن يحملها عنهم على نفسه. النهاية (1/ 442).

(3)

البحر الزخار (2/ 181).

(4)

المجموع (6/ 191 - 192) والبناية في شرح الهداية (3/ 533 - 534).

(5)

الجائحة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكلّ مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة، جائحة، والجمع جوائح.

النهاية (1/ 312).

(6)

النهاية لابن الأثير (4/ 124).

ص: 167

قوله: (سدادًا) هو بكسر السين: ما تسد به الحاجة والخلل.

وأما السداد بالفتح فقال الأزهري

(1)

: هو الإصابة في النطق والتدبير والرأي، ومنه سداد من عوز.

قوله: (من ذوي الحجا)، بكسر الحاء المهملة مقصور العقل، وإنما جعل العقل معتبرًا لأن من لا عقل له لا تحصل الثقة بقوله، وإنما قال:"من قومه" لأنهم أخبر بحاله وأعلم بباطن أمره، والمال مما يخفى في العادة ولا يعلمه إلا من كان خبيرًا بحاله وظاهره اعتبار شهادة ثلاثة على الإعسار.

وقد ذهب إلى ذلك ابن خزيمة

(2)

وبعض أصحاب الشافعي.

وقال الجمهور

(3)

: تقبل شهادة عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب.

قوله: (فاقة) قال الجوهري

(4)

: الفاقة: الفقر والحاجة.

قوله: (فسحت)

(5)

بضم السين وسكون الحاء المهملتين، وروي بضم الحاء: وهو الحرام، وسمي سحتًا لأنه يسحت: أي يمحق.

وهذا الحديث مخصص بما في حديث سمرة

(6)

من جواز سؤال الرجل للسلطان وفي الأمر الذي لا بد منه، فيزادان على هذه الثلاثة ويكون الجميع خمسة.

[الباب السادس] باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل

24/ 1605 - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيّ إِلَّا فِي سَبِيلِ اللهِ، أوِ ابْنِ السَّبِيلِ، أَوْ جَارٍ فَقِيرٍ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيُهْدِي لَكَ أَوْ يَدْعُوكَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(7)

. [صحيح]

(1)

في "تهذيب اللغة"(12/ 277).

(2)

في صحيحه (4/ 65).

(3)

المغني (14/ 128).

(4)

في الصحاح (4/ 1547).

(5)

القاموس المحيط (ص 196).

(6)

تقدم برقم (1590) من كتابنا هذا.

(7)

في سننه رقم (1635). =

ص: 168

وَفِي لَفْظٍ: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدّقَ عَلَيْهِ بِهَا فَأَهْدَى مِنْهَا لِغنيّ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(1)

وَابْنُ مَاجَهْ)

(2)

. [صحيح]

الحديث [أيضًا]

(3)

أخرجه أحمد

(4)

ومالك في الموطأ

(5)

والبزار

(6)

وعبد بن حميد

(7)

وأبو يعلى

(8)

والبيهقي

(9)

والحاكم وصححه

(10)

.

وقد أعلّ بالإرسال لأنه رواه بعضهم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه رواه الأكثر عنه عن أبي سعيد، والرفع زيادة يتعين الأخذ بها.

قوله: (لغني)، قد قدمنا الكلام عليه في باب ما جاء في الفقير والمسكين.

قوله: (إلا في سبيل الله)، أي للغازي في سبيل الله كما في الرواية الآخرة.

قوله: (أو ابن السبيل)، قال المفسرون

(11)

: هو المسافر المنقطع يأخذ من

= قلت: وأخرجه مالك في الموطأ (1/ 268 رقم 29) ومن طريقه أبو داود، والحاكم (1/ 408) والبيهقي (7/ 15) وابن عبد البر في "التمهيد"(5/ 96) والبغوي في شرح السنة رقم (1604).

عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لإرسال مالك بن أنس إياه، عن زيد بن أسلم

ثم قال: وهذا - يعني الحديث - من شرطي في خطبة الكتاب، أنه صحيح، فقد يرسل مالك الحديث ويصله أو يُسنده ثقة، والقول فيه قول الثقة الذي يصله ويسنده".

ووافقه الذهبي.

قلت: وهو كما قالا.

(1)

في سننه رقم (1636).

(2)

في سننه رقم (1841).

(3)

زيادة من المخطوط (ب).

(4)

في المسند (3/ 56).

(5)

في الموطأ (1/ 268 رقم 29) مرسلًا وقد تقدم.

(6)

لم أقف عليه.

(7)

في المنتخب رقم (895).

(8)

في المسند رقم (1202).

(9)

في السنن الكبرى (7/ 15).

(10)

في المستدرك (1/ 407 - 408).

قلت: وأخرجه عبد الرزاق رقم (7151) وابن خزيمة (4/ 71 رقم 2374) والدارقطني (2/ 121) وابن عبد البر في التمهيد (5/ 96 - 97).

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(11)

تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير (7/ 224).

ص: 169

الصدقة وإن كان غنيًا في بلده. وقال مجاهد: هو الذي قطع عليه الطريق. وقال الشافعي

(1)

: وابن السبيل المستحق للصدقة هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة.

قوله: (لعامل عليها)، قال ابن عباس: ويدخل في العامل: الساعي والكاتب والقاسم والحاشر الذي يجمع الأموال، وحافظ المال والعريف وهو كالنقيب للقبيلة وكلهم عمال، لكن أشهرهم الساعي والباقي أعوان له، وظاهر هذا أنه يجوز الصرف من الزكاة إلى العامل عليها، سواء كان هاشميًا أو غير هاشمي

(2)

.

ولكن هذا مخصص بحديث المطلب بن ربيعة المتقدم

(3)

، فإنه يدل على

(1)

قال النووي في "المجموع"(6/ 203): "قال الشافعي والأصحاب: ابن السبيل ضربان:

(أحدهما): من أنشأ سفرًا من بلد كان مقيمًا به سواء وطنه وغيره. و (الثاني): غريب مسافر يجتاز بالبلد.

فالأول يعطى مطلقًا بلا خلاف. و (أما الثاني): فالمذهب الصحيح الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي رضي الله عنه، وقطع به العراقيون وغيرهم أنه أيضًا يعطى مطلقًا.

وحكى جماعات من الخراسانيين فيه وجهين:

(الصحيح) هذا. و (الثاني): لا يعطى من صدقة بلد يجتاز به إذا منعنا نقل الصدقة، وهذا ضعيف أو غلط" اهـ.

ثم قال النووي في "المجموع"(2/ 203): "قال أصحابنا: فإن كان سفره طاعة كحج وغزو وزيارة مندوبة ونحو ذلك دفع إليه بلا خلاف.

وإن كان معصية كقطع الطريق ونحوه لم يدفع إليه بلا خلاف.

وإن كان مباحًا كطلب آبق وتحصيل كسب، أو استيطان في بلد أو نحو ذلك فوجهان مشهوران: ذكر المصنف دليلهما (أصحهما): يدفع إليه.

ولو سافر لتنزه أو تفرج فطريقان مشهوران (المذهب) أنه كالمباح فيكون على الوجهين.

و (الثاني): لا يعطى قطعًا لأنه نوع من الفضول.

وإذا أنشأ سفر معصية ثم قطعه في أثناء الطريق وقصد الرجوع إلى وطنه أعطى من حينئذٍ من الزكاة لأنه الآن ليس سفر معصية. وممن صرح به القاضي أبو الطيب في "المجرد" وغيره من أصحابنا.

وحكى ابن كج فيه وجهين: (الصحيح) هذا. و (الثاني): لا يعطى، قال: وهو غلط" اهـ.

وانظر: "البناية في شرح الهداية"(3/ 537 - 538).

(2)

المجموع (6/ 168 - 169).

(3)

تقدم برقم (1595) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.

ص: 170

تحريم الصدقة على العامل الهاشمي، ويؤيده حديث أبي رافع الآتي

(1)

في باب تحريم الصدقة على بني هاشم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجوز له أن يصحب من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة لكونه من موالي بني هاشم.

قوله: (أو رجل اشتراها بماله)، فيه إنه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها ويجوز لآخذها بيعها ولا كراهة في ذلك.

وفيه دليل على أن الزكاة والصدقة إذا ملكها الآخذ تغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها.

قوله: (أو غارم)، هو من غرم لا لنفسه بل لغيره، كإصلاح ذات البيت بأن يخاف وقوع فتنة بين شخصين أو قبيلتين فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالًا لتسكين الثائرة، فيجوز له أن يقضي ذلك من الزكاة وإن كان غنيًا.

قال المصنف

(2)

رحمه الله: ويحمل هذا الغارم على من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين كما في حديث قبيصة

(3)

لا لمصلحة نفسه لقوله في حديث أنس

(4)

: "أو ذي غرم مفظع"، انتهى.

قوله: (فأهدى منها لغني)، فيه جواز إهداء الفقير الذي صرفت إليه الزكاة بعضًا منها إلى الأغنياء، لأن صفة الزكاة قد زالت عنها.

وفيه أيضًا دليل على جواز قَبول هدية الفقير للغني.

وفي هذا الحديث دليل على أنها لا تحل الصدقة لغير هؤلاء الخمسة من الأغنياء، وما ورد بدليل خاص كان مخصصًا لهذا العموم كحديث عمر المتقدم

(5)

في باب: ما جاء في الفقير والمسكين.

25/ 1606 - (وَعَنِ ابْنِ لَاسِ الخُزَاعِيّ قَالَ: حَمَلَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على إبلٍ مِنَ

(1)

سيأتي برقم (1611) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.

(2)

ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 150).

(3)

تقدم برقم (1604) من كتابنا هذا.

(4)

تقدم برقم (1583) من كتابنا هذا.

(5)

تقدم برقم (1593) من كتابنا هذا.

ص: 171

الصَّدَقَةِ إِلَى الْحَجِّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا)

(2)

. [حسن]

26/ 1607 - (وَعَنْ أُمّ مَعْقِلٍ الأَسَدِيَّةِ أَنَّ زَوْجَهَا جَعَلَ بَكْرًا فِي سَبِيلِ الله وَأنها أرَادَتْ العُمْرَةَ، فَسَأَلَتْ زَوْجَهَا البَكْرَ فأبى، فأتَتِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيهَا، وَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الحَجُّ وَالعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ الله"، رَوَاهُ أَحْمَدُ)

(3)

. [صحيح بشواهده بدون "العمرة" وأما بها فشاذ]

27/ 1608 - (وَعَنْ يُوسُف بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامِ عَنْ جَدَّتِهِ أُمّ مَعْقِلِ قَالَتْ: لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الوَدَاعِ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ الله، وَأَصَابَنَا مَرَضٌ وَهَلَكَ أَبُو مَعْقل وَخَرَجَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حُجَّتِهِ جِئْتُهُ، فَقَال: "يَا أمّ مَعْقِلٍ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي؟ "، قَالَتْ: لَقَدْ تَهَيَّأنا فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ وَكَانَ لنَا جَمَلُ هُوَ الَّذِي نَحُجُّ عَلَيْهِ فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقِلِ فِي سَبِيلِ الله، قَالَ: "فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللهِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(4)

. [صحيح بشواهده]

(1)

في المسند (4/ 221) بسند حسن، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.

(2)

في صحيحه (3/ 331 رقم الباب 49 - مع الفتح) معلقًا بصيغة التمريض.

وقال الحافظ في "الفتح"(3/ 332): ابن لاس: خزاعي اختلف في اسمه، فقيل: زياد، وقيل: عبد الله بن عَنَمة، وقيل: غير ذلك.

له صحبة وحديثان، هذا أحدهما.

وقد وصله أحمد (4/ 221) وابن خزيمة رقم (2377، 2543) والحاكم (1/ 444) وغيرهم - كأبي عاصم في "الآحاد والمثاني" رقم (2328) والدولابي في الكنى (1/ 62) والطبراني في المعجم الكبير (ج 22 رقم 837) والبيهقي (5/ 252) وفي الآداب رقم (801) وابن عبد البر في التمهيد (5/ 302).

وهو حديث حسن.

(3)

في المسند (6/ 405 - 406) وهو حديث صحيح بشواهده بلفظ:

"الحج في سبيل الله" بدون ذكر "العمرة" وأما بها فشاذ.

(4)

في سننه رقم (1989).

وتمام الحديث: "فأما إذ فاتتك هذه الحجة معنا؛ فاعتمري في رمضان؛ فإنها كحجة".

(فكانت تقول: الحج حجة، والعمرة عمرة، وقد قال لي هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما أدري ألي خاصة؟!).

وهو حديث صحيح بشواهده، دون قوله: (فكانت تقول:

ألي خاصة؟!) لتعرِّيه عن الشاهد. وسوف يأتي مزيد كلام على هذا الحديث قريبًا.

ص: 172

حديث ابن لاس سيأتي الكلام عليه.

وحديث أمّ معقل أخرجه بنحوه الرواية الأولى أبو داود

(1)

والنسائي

(2)

والترمذي

(3)

وابن ماجه

(4)

، وفي إسناده رجل مجهول

(5)

. وفي إسناده أيضًا إبراهيم بن مهاجر

(6)

عن جابر البجلي الكوفي وقد تكلم فيه غير واحد.

وقد اختلف على أبي بكر بن عبد الرحمن فيه، فروى عنه عن رسول مروان الذي أرسله إلى أمّ معقل عنها

(7)

.

وروي عنه عن أم معقل بغير واسطة

(8)

.

وروي عنه عن أبي معقل

(9)

.

والرواية الثانية التي أخرجها أبو داود

(10)

في إسنادها محمد بن إسحق وفيه مقال معروف

(11)

.

(1)

في سننه رقم (1988) و (1989).

(2)

في السنن الكبرى (4/ 238 رقم 4214).

(3)

في سننه رقم (939).

(4)

في سننه رقم (2993).

وهو حديث صحيح بشواهد، وانظر: الإرواء رقم (869).

(5)

وهو رسول مروان، فإنه لم يسمَّ.

(6)

إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي. قال ابن عدي: يكتب حديثه في الضعفاء.

وقال الحافظ: "صدوق لين الحفظ".

التقريب رقم (254) والتاريخ الكبير (1/ 328) والمجروحين (1/ 108) والجرح والتعديل (2/ 133) والمغني (1/ 27) والميزان (1/ 67) والخلاصة (ص 22).

(7)

أخرجه أبو داود رقم (1988) وقد تقدم.

(8)

أخرجه النسائي في الكبرى (4/ 237 رقم 4213).

(9)

أخرجه النسائي في الكبرى (4/ 238 رقم 4214).

(10)

تقدم في الصفحة السابقة رقم الحاشية (4).

(11)

وابن إسحاق مدلس وقد عنعنه. وقد خولف شيخه في إسناده كما يأتي.

وفيه أيضًا عيسى بن معقل لم يوثقه غير ابن حبان.

ويوسف بن عبد الله بن سلام صحابي صغير.

والحديث أخرجه الدارمي (2/ 51 - 52) أخبرنا أحمد بن خالد

به.

وأخرجه أحمد (4/ 35) والحميدي رقم (870) فقالا: ثنا سفيان بن عيينة قال: ثنا ابن المنكدر قال: سمعت يوسف بن عبد الله بن سلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار وامرأته: "اعتمرا في رمضان، فإن عمرة في رمضان لكما حجَّةً". =

ص: 173

قوله: (ابن لاس) هكذا في نسخ الكتاب الصحيحة [بلفظ]

(1)

ابن، والذي في البخاري

(2)

أبي لاس، وكذا في التقريب

(3)

في ترجمة عبد الله بن عَنَمة، ولاس بسين مهملة: خزاعي اختلف في اسمه فقيل: زياد، وقيل: عبد الله بن عنمة بمهملة ونون مفتوحتين، وقيل غير ذلك.

له صحبة وحديثان هذا أحدهما، وقد وصله مع أحمد

(4)

ابن خزيمة

(5)

والحاكم

(6)

وغيرهما

(7)

من طريقه.

قال الحافظ

(8)

: ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق

(9)

، ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته.

= وهذا إسناد صحيح مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة حجة.

(صحيح أبي داود (6/ 230) للمحدث الألباني رحمه الله.

(1)

زيادة من المخطوط (أ).

(2)

في صحيحه (3/ 331 رقم الباب 49 - مع الفتح).

(3)

رقم الترجمة (3518).

قال المحرران: "هكذا نسبه المؤلف - الحافظ في التقريب - مزينًا، والذي في "تهذيب الكمال": "عبد الله بن عنمة" غير منسوب، بل قال المؤلف نفسه في "تهذيب التهذيب" (5/ 346): "قال ابن يونس في تاريخ مصر" عبد الله بن عنمة المزني، صحابي شهد فتح الإسكندرية. قال ابن منده: له صحبة ولا نعرف له رواية، والظاهر أنه غير المترجم، أولًا لجزم ابن منده بأن لا رواية له، وذاك له رواية. وأما الضبي فآخر مخضرم، وهو الذي رثى بسطام بن قيس.

أما قوله: "يقال له صحبة" فليس هناك شيء تثبت به صحبته، فقد بيَّنا أنه ليس بالمزني، ولا بالضبي الشاعر.

ولم يذكر له مرتبة على عادته في المختلف في صحبتهم وهو عندنا مجهول الحال.

لتفرد اثنين بالرواية عنه، وعدم توثيقه" اهـ.

(4)

في المسند (4/ 221) وقد تقدم.

(5)

في صحيحه رقم (2377، 2543) وقد تقدم.

(6)

في المستدرك (1/ 444) وقد تقدم.

(7)

كأبي عاصم في "الآحاد والمثاني" رقم (2328). والدولابي في الكنى (1/ 62) والطبراني في الكبير (ج 22 رقم 837) والبيهقي (5/ 252) وفي الآداب رقم (801) وابن عبد البر في التمهيد (5/ 302).

والخلاصة. أن الحديث حسن، والله أعلم.

(8)

في "الفتح"(3/ 332).

(9)

قلت: بل صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد.

ص: 174

وأحاديث الباب تدل على أن الحج والعمرة من سبيل الله، وأن من جعل شيئًا من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج والمعتمرين، وإذا كان شيئًا مركوبًا جاز حمل الحاجّ والمعتمر عليه.

وتدل أيضًا على أنه يجوز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة إلى قاصدين الحجّ والعمرة.

[الباب السابع] باب ما يذكر في استيعاب الأصناف

28/ 1609 - (عَنْ زِيادِ بن الحارِثِ الصُّدَائِيّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْتُهُ، فَأَتى رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الله لَمْ يَرْضَ بِحُكْمٍ نَبِيّ وَلا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(1)

. [ضعيف]

ويُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرِ: "اذْهَبْ إِلى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُريقٍ فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ")

(2)

. [حسن]

حديث زياد بن الحارث الصدائي في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي

(3)

، وقد تكلم فيه غير واحد.

وحديث سلمة بن صخر له طرق وروايات يأتي ذكر بعضها في الصيام

(4)

وهذه إحداها.

(1)

في سننه رقم (1630) وهو حديث ضعيف.

(2)

أخرجه أبو داود رقم (2213) والترمذي رقم (3299) وقال: هذا حديث حسن، وهو كما قال.

(3)

عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي: ضعيف.

التقريب (1/ 480) والميزان (2/ 561) والجرح والتعديل (5/ 234).

(4)

الباب الثامن عند الحديث رقم (22/ 1663) وشرحه من كتابنا هذا.

ص: 175

وقد أخرجها بهذا اللفظ أحمد في مسنده

(1)

بإسناد فيه محمد بن إسحق ولم يصرح بالتحديث، ومع هذا فهذه الرواية تعارض ما سيأتي من الروايات الصحيحة

(2)

: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعانه بعرق من تمر من طريق جماعة من الصحابة".

وإنما أورد المصنف هذه الرواية ههنا للاستدلال بها على أن الصرف في من لزمته كفارة من الزكاة جائز.

قوله: (فجزَّأها) بتشديد الزاي.

وهذا الحديث مع الآية يرد على المزني وأبي حفص بن الوكيل من أصحاب الشافعي

(3)

حيث قالا: إنه يصرف خمس الزكاة إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة.

ويرد أيضًا على أبي حنيفة (4) والثوري والحسن البصري حيث قالوا: يجوز صرفها إلى بعض الأصناف الثمانية حتى قال أبو حنيفة

(4)

: [إنه]

(5)

يجوز صرفها إلى الواحد.

(1)

(4/ 37) بسند ضعيف، محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، وسليمان بن يسار لم يسمع من سلمة بن صخر. وبقية رجاله ثقات.

وقد أخرج الحديث الترمذي رقم (3299) وابن الجارود في المنتقى رقم (744) وابن خزيمة رقم (2378) والحاكم (2/ 203) والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 390).

قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. مع العلم أن محمد بن إسحاق روى له مسلم متابعة.

وللحديث طرق أخرى، وشاهد من حديث ابن عباس أخرجه أبو داود رقم (2223) والترمذي رقم (1199) والنسائي (6/ 167) وابن ماجه رقم (2065) وابن الجارود في المنتقى رقم (747) والحاكم (2/ 204) والبيهقي (7/ 386).

وحديث ابن عباس حديث حسن، والله أعلم.

وخلاصة القول: أن حديث سلمة بن صخر حديث صحيح بطرقه وشاهده.

(2)

ستأتي برقم (1663) من كتابنا هذا، وهو حديث صحيح.

وحديث عائشة عند البخاري رقم (6822) ومسلم رقم (85/ 1112).

(3)

حكاه عنهم الإمام النووي في "المجموع"(6/ 166).

(4)

البناية في شرح الهداية (3/ 538) وحاشية ابن عابدين (3/ 262 - 263).

(5)

زيادة من المخطوط (ب).

ص: 176

وعلى مالك

(1)

حيث قال: يدفعها إلى أكثرهم حاجة، [أي]

(2)

لأن كل الأصناف يدفع إليهم للحاجة فوجب اعتبار أمسهم حاجة.

[الباب الثامن] باب تحريم الصدقة على بني هاشم ومواليهم دون موالي أزواجهم

29/ 1610 - (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"كَخْ كَخْ، أَمَا عَلِمْتَ أنَّا لا نأكُل الصَّدَقَةَ؟ "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(3)

. وَلمُسْلِمٍ

(4)

: "إِنَّا لا تَحِلُّ لنَا الصَّدَقَةُ"). [صحيح]

قوله: (فجعلها في فيه) زاد في رواية

(5)

: "فلم يفطن له النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام ولعابه يسيل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم شدقيه".

قوله: (كخ كخ)

(6)

بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة مثقلًا ومخففًا وبكسرها منونة وغير منوّنة

(7)

، فيخرج ذلك ستّ لغات.

والثانية تأكيد للأولى وهي كلمة تقال لردع الصبي عند مناولة ما يستقذر، قيل: إنها عربية، وقيل: أعجمية، وزعم الداودي

(8)

أنها معرّبة. وقد أوردها البخاري في باب: من تكلم بالفارسية

(9)

.

قوله: (ارم بها)، في رواية لأحمد

(10)

: "ألقها يا بني ألقها يا بني"، وكأنه

(1)

عيون المجالس (2/ 597) والتسهيل (3/ 758).

(2)

زيادة من المخطوط (أ).

(3)

أخرجه أحمد في المسند (2/ 409 - 410) والبخاري رقم (1491) ومسلم رقم (161/ 1069).

(4)

في صحيحه رقم (161/ 1069).

(5)

قال الحافظ في "الفتح"(3/ 355): "زاد أبو مسلم الكجي من طريق الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد" فذكرها.

(6)

في المخطوط (ب): (كخ) مفردة. والمثبت من المخطوط (أ) ومن الصحيحين.

(7)

النهاية (4/ 154).

(8)

حكاه الحافظ في "الفتح"(3/ 355) عنه.

(9)

البخاري في صحيحه (6/ 183 رقم الباب 188 - مع الفتح).

(10)

في المسند (2/ 406) بسند صحيح.

ص: 177

كلمه أولًا بهذا فلما تمادى قال له: كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك، ويحتمل العكس.

قوله: (لا تحل لنا الصدقة)، وفي رواية

(1)

: "لا تحلّ لآل محمد الصدقة"، وكذا عند أحمد

(2)

والطحاوي

(3)

من حديث الحسن بن عليّ نفسه.

قال الحافظ

(4)

: وإسناده قويّ.

وللطبراني

(5)

والطحاوي

(6)

من حديث أبي ليلى الأنصاري نحوه.

والحديث يدلّ على تحريم الصدقة عليه صلى الله عليه وسلم.

واختلف ما المراد بالآل هنا، فقال الشافعي

(7)

وجماعة من العلماء: إنهم بنو هاشم وبنو المطلب.

واستدلّ الشافعي على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى ولم يعط أحدًا من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عوض عوّضوه بدلًا عما حرموه من الصدقة.

كما أخرج البخاري

(8)

من حديث جبير بن مطعم قال: "مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خُمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد".

وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضًا عن الصدقة.

(1)

لأحمد في المسند (2/ 476) بسند صحيح.

(2)

في المسند (1/ 200) بسند صحيح.

(3)

في شرح معاني الآثار (2/ 6) و (3/ 297).

(4)

في "الفتح"(3/ 355).

(5)

في المعجم الكبير رقم (6418).

(6)

في شرح معاني الآثار (2/ 10) و (3/ 297 - 298) و (3/ 298).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 284) وقال الهيثمي: "رواه أحمد - (4/ 384) - والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات".

(7)

المجموع (6/ 219 - 220).

(8)

في صحيحه رقم (3502).

ص: 178

وقال أبو حنيفة

(1)

ومالك

(2)

والهادوية

(3)

: هم بنو هاشم فقط.

وعن أحمد

(4)

في (بني المطلب) روايتان.

وعن المالكية

(5)

فيما بين هاشم وغالب بن فهر قولان: فعن أصبغ منهم هم بنو قصي، وعن غيره بنو غالب بن فهر، كذا في الفتح

(6)

.

والمراد ببني هاشم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس وآل الحرث، ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب لما قيل: من أنه لم يسلم أحد منهم في حياته صلى الله عليه وسلم.

ويردّه ما في جامع الأصول

(7)

أنه أسلم عتبة، ومعتب ابنا أبي لهب عام

(1)

البناية في شرح الهداية (3/ 554) وحاشية ابن عابدين (3/ 270).

(2)

التسهيل (3/ 747).

(3)

البحر الزخار (2/ 184 - 185).

(4)

في "المغني"(4/ 111 - 112).

• فائدة وتنبيه: وقع في بعض طبعات (نيل الأوطار): (بني عبد المطلب) وهو خطأ؛ لأن بني عبد المطلب لا يجوز دفع الزكاة لهم اتفاقًا، لأنهم بنو هاشم.

والخلاف إنما هو في بني المطلب، وهم بنو المطلب بن عبد مناف.

(5)

التسهيل (3/ 748).

(6)

(3/ 354).

(7)

لم أقف عليه في جامع الأصول. وقد وردت ترجمة "عتبة" في "الاستيعاب"(3/ 149 رقم 1785) وأسد الغابة (3/ 562 رقم 3558) والإصابة (4/ 365 رقم 5429) والإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة لمغلطاي (2/ 53 رقم 726) وطبقات ابن سعد (4/ 59 - 60).

كما وردت ترجمة "معتب" في "الاستيعاب"(3/ 483 رقم 2488).

و"أسد الغابة"(5/ 217 رقم 5018) والإصابة (6/ 138 رقم 8138) وطبقات ابن سعد (4/ 61).

قال الحافظ في الإصابة (4/ 365) في ترجمة "عتبة": "روى ابن سعد - في الطبقات (4/ 60) - من طريق ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح قال لي:

"يا عبَّاسُ، أين ابْنَا أخيكَ: عُتبةُ ومُعَتبٌ"؟ قلت: تنحَّيا فيمن تنحى. قال: "ائتني بهما" قال: فركبتُ إليهما إلى عرفة، فأقبلا مسرعين وأسلما وبايعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني استوهبتُ ابني عمِّي هذين من ربي فوهبهما لي".

إسناده ضعيف.

وللمرفوع طريق أخرى تأتي في ترجمة معتب إن شاء الله" اهـ.

وقال الحافظ في الإصابة (6/ 138) في ترجمة معتب: "وأخرج الطبراني من وجه آخر =

ص: 179

الفتح وسرّ صلى الله عليه وسلم بإسلامهما ودعا لهما، وشهدا معه حنينًا والطائف، ولهما عقب عند أهل النسب

(1)

.

قال ابن قدامة

(2)

: لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، وكذا قال أبو طالب من أهل البيت، حكي ذلك عنه في البحر

(3)

، وكذا حكى الإجماع ابن رسلان.

وقد نقل الطبري

(4)

الجواز عن [أبي حنيفة

(5)

]

(6)

.

وقيل: عنه: تجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربى، حكاه الطحاوي

(7)

ونقله بعض المالكية عن الأبهري منهم.

قال في الفتح

(8)

: وهو وجه لبعض الشافعية، وحكى فيه أيضًا عن أبي يوسف أنها تحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم.

وحكاه في البحر

(9)

عن زيد بن عليّ والمرتضى وأبي العباس والإمامية.

وحكاه في الشفاء

(10)

عن ابني الهادي والقاسم العياني.

قال الحافظ

(11)

: وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، المنع، وجواز التطوّع دون الفرض، عكسه.

= إلى علي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح بين عتبة ومعتب يقول للناس: هذان أخواي وابنا عمي، فرحًا بإسلامهما، استوهبتهما من الله فوهبهما لي"، ويجمع بأنه دخل المسجد بينهما بعد أن أحضرهما العباس.

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (3/ 149) في ترجمة عتبة: "

أسلم هو وأخوه معتب يوم الفتح، وكانا قد هربا، فبعث العباس فيهما، فأتي بهما فأسلما، فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهما ودعا لهما، وشهدا معه حنينًا والطائف ولم يخرجا عن مكة ولم يأتيا المدينة. ولهما عقبٌ عند أهل النسب رضي الله عنهما" اهـ.

(1)

انظر: التعليقة السابقة.

(2)

في المغي (4/ 109).

(3)

البحر الزخار (2/ 184).

(4)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 354).

(5)

البناية في شرح الهداية (3/ 554).

(6)

في المخطوط (أ) مكررة.

(7)

في شرح معاني الآثار (2/ 3).

(8)

(3/ 354).

(9)

البحر الزخار (2/ 184 - 185).

(10)

شفاء الأوام (1/ 575 - 576).

(11)

في الفتح (3/ 354).

ص: 180

والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع.

وقد قيل: إنها متواترة تواترًا معنويًا، ويؤيد ذلك قوله تعالى:{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}

(1)

، وقوله:{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا}

(2)

، ولو أحلها لآله أوشك أن يطعنوا فيه، ولقوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}

(3)

.

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم: "أن الصدقة أوساخ الناس"، كما رواه مسلم

(4)

.

وأما ما استدلّ به القائلون بحلها للهاشمي من الهاشمي من حديث العباس الذي أخرجه الحاكم في النوع السابع والثلاثين من "علوم الحديث"

(5)

بإسناد كله من بني هاشم: "أن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله إنك حرمت علينا صدقات الناس، هل تحلّ لنا صدقات بعضنا لبعض؟ قال: نعم".

فهذا الحديث قد اتهم به بعض رواته، وقد أطال صاحب الميزان

(6)

الكلام على ذلك، فليس بصالح لتخصيص تلك العمومات الصحيحة.

وأما قول العلامة محمد بن إبراهيم الوزير

(7)

بعد أن ساق الحديث ما

(1)

سورة الشورى: الآية (23).

(2)

سورة الفرقان: الآية (57).

(3)

سورة التوبة: الآية (103).

(4)

في صحيحه رقم (167/ 1072).

(5)

بل في النوع التاسع والثلاثين من علوم الحديث (ص 175).

(6)

قال الذهبي في "الميزان"(1/ 521) في ترجمة الحسن بن محمد بن يحيى العلوي: "روى بقلّة حياء عن الدَّبَرِيّ عن عبد الرزاق بإسناد كالشمس: "عليٌّ خير فإنه قال في ترجمته: - تاريخ بغداد (7/ 421) - أخبرنا الحسن بن أبي طالب. - وساق الحديث - ثم قال: هذا حديث منكر، ما رواه سوى العلوي بهذا الإسناد وليس بثابت. قلت: - القائل الذهبي -: فإنما يقول الحافظُ: ليس بثابت في مثل خبر القُلَّتين، وخبر: الخال وارث، لا في مثل هذا الباطل الجَلِيّ، نعوذ بالله من الخذلان".

وقد ذكر الذهبيُّ له حديثًا آخر، وقال: "فهذان دالّان على كذبه وعلى رَفْضِهِ عفا الله عنه.

وقال: "ولولا أنه متهم لازدحم عليه المحدِّثون فإنَّهُ معَمَّر".

وقد ترجم له الحافظ في "لسان الميزان"(2/ 252 - 253) مقرًّا لما جاء عن الذهبي في "ميزانه".

وخلاصة القول: إن حديث العباس بن عبد المطلب حديث ضعيف جدًّا.

(7)

حكاه عنه محمد بن إسماعيل الأمير في "منحة الغفار على ضوء النهار"(2/ 342).

• وتعقبه ابن الأمير بقوله: "قلت: لكن رواته فيهم من لا يعرف بالتوثيق وكونهم =

ص: 181

لفظه: وأحسب له متابعًا لشهرة القول به. قال: والقول به قول جماعة وافرة من أئمة العترة وأولادهم وأتباعهم، بل ادّعى بعضهم أنه إجماعهم، ولعلّ توارث هذا بينهم يقوّي الحديث، انتهى. فكلام ليس على قانون الاستدلال؛ لأن مجرّد الحسبان أن له متابعًا، وذهاب جماعة من أهل البيت إليه لا تدلّ على صحته.

وأما دعوى أنهم أجمعوا عليه فباطل باطل، ومطوّلات مؤلفاتهم ومختصراتها شاهدة لذلك

(1)

.

وأما قول الأمير في المنحة

(2)

: إنها سكنت نفسه إلى هذا الحديث بعد وجدان سنده، وما عضده من دعوى "الإجماع فقد عرفت بطلان دعوى الإجماع، وكيف يصح إجماع لأهل البيت والقاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله وجماعة من أكابرهم بل جمهورهم خارجون عنه

(3)

.

أما مجرد وجدان السند للحديث بدون كشف عنه فليس مما يوجب سكون النفس.

= هاشميين كما قاله الحاكم لا يفيد توثيقهم. وقول السيد محمد رحمه الله تعالى: وأحسب أن له متابعًا حسبان لا وجود لما حسبه فلا ينهض لتخصيص أدلة التحريم" اهـ.

(1)

كشفاء الأوام (1/ 574 - 576).

(2)

لم أقف على هذا القول في "منحة الغفار على ضوء النهار"، بل كلامه الآنف الذكر يدل على عدم ثبوت هذا الكلام عنه رحمه الله. والله أعلم.

(3)

قال الإمام الحسين في شفاء الأوام (1/ 576): "والأولى عندنا تحريم الزكوات أجمع على بني هاشم، سواء كانت الزكاة منهم أو من غيرهم لعموم الأخبار، وهو يجب إجراؤها على عمومها إلا لمخصص، ولا مخصص هاهنا فوجب إجراؤها على عمومه" اهـ.

ثم قال الإمام الشوكاني في "وبل الغمام على شفاء الأوام"(1/ 456) مؤيدًا ذلك: "أقول: هذا هو الحق، وما استروح إليه من قال بجواز صدقة بعضهم لبعض، من حديث العباس بن عبد المطلب - وذكر الحديث - ثم قال: فليس بصالح للاحتجاج به، لما فيه من المقال، حتى قيل: إنه اتُهم به بعض رواته كما حققه صاحب الميزان - (1/ 521) الحسن بن محمد بن يحيى العلوي - وقد عرفتَ عموم أحاديث التحريم فلا يجوز تخصيصها بمخَصِّص غير ناهض.

وما زعمه بعضهم من أنه قد أجمع أهل البيت عليهم السلام على جواز صرف صدقات بعضهم لبعض - فزعم باطلٌ؛ فهذه مؤلفاتهم على ظهر البسيطة مُصرِّحةٌ بأن القائل بالتحريم هم الجمهور منهم، فمن أين هذا الإجماع؟ " اهـ.

ص: 182

والحاصل أن تحريم الزكاة على بني هاشم معلوم من غير فرق أن يكون المزكي هاشميًا أو غيره، فلا يتفق من المعاذير عن هذا [المحرّم]

(1)

المعلوم إلا ما صحّ عن الشارع؛ لا ما لفَّقه الواقعون في هذه الورطة من الأعذار الواهية التي لا تخلص، ولا ما لم يصحّ من الأحاديث المروية في التخصيص، ولكثرة أكلة الزكاة من آل هاشم في بلاد اليمن خصوصًا أرباب الرياسة، قام بعض العلماء منهم في الذب عنهم، وتحليل ما حرم الله عليهم مقامًا لا يرضاه الله ولا نقاد العلماء، فألف في ذلك رسالة هي في الحقيقة كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا وصار يتسلَّى بها أرباب النباهة منهم.

وقد يتعلل بعضهم بما قاله البعض منهم: إن أرض اليمن خراجية، وهو لا يشعر أن هذه المقالة مع كونها من أبطل الباطلات ليست مما يجوز التقليد فيه على مقتضى أصولهم، فالله المستعان، ما أسرع الناس إلى متابعة الهوى وإن خالف ما هو معلوم من الشريعة المطهرة.

واعلم أن ظاهر قوله: "لا تحل لنا الصدقة"، عدم حل صدقة الفرض والتطوّع، وقد نقل جماعة منهم الخطابي

(2)

الإجماع على تحريمها عليه صلى الله عليه وسلم. وتُعقِّب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوّع قولًا. وكذا في رواية عن أحمد.

وقال ابن قدامة

(3)

: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة.

(1)

زيادة من المخطوط (أ).

(2)

في "معالم السنن"(2/ 299 - مع السنن).

(3)

في "المغني"(4/ 113).

قال ابن قدامة: "ويجوزُ لذوي القُربى الأخذ من صدقة التطوع. قال أحمد: في رواية ابن القاسم: إنما لا يُعطَوْنَ من الصدقةِ، فأمَّا التطوع، فلا.

وعن أحمد رواية أخرى: أنهم يُمنعون صدقة التطوع أيضًا؛ لعموم قولِه صلى الله عليه وسلم: "إنا لا تحلُّ لنا الصدقة". والأول أظهر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المعروفُ كُلّه صدقة"، متفق عليه. وقال الله تعالى:{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45]، وقال تعالى:{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)} [البقرة: 280].

ولا خلاف في إباحة المعروف إلى الهاشمي، والعفو عنه، وإنظارِه. وقال إخوةُ يوسف:{وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} [يوسف: 88]. والخبر أريد به صدقةُ الفرض؛ لأن الطلب كان لها، والألف واللَّام تعود إلى المعهود. =

ص: 183

وأما آل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أكثر الحنفية

(1)

وهو المصحح عن الشافعية

(2)

والحنابلة

(3)

وكثير من الزيدية

(4)

: إنها تجوز لهم صدقة التطوّع دون الفرض، قالوا: لأن المحرّم عليهم إنما هو أوساخ الناس وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوّع.

وقال في البحر

(5)

: إنه خصَّص صدقةَ التطوع القياس على الهبة والهدية والوقف، وقال أبو يوسف وأبو العباس: إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض لأن الدليل لم يفصِّل.

30/ 1611 - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي

= وروى جعفر بن محمد، عن أبيه أنه كان يشربُ من سقاياتٍ بين مكةَ والمدينةَ.

فقلت له: أتشربُ من الصدقةِ؟ فقال: إنما حُرِّمت علينا الصدقة المفروضة.

أخرجه الشافعي في الأم (3/ 201 رقم 883) والبيهقي في السنن الكبرى (6/ 183) - ويجوز أن يأخذوا من الوصايا للفقراء، ومن النذور؛ لأنها تطوعٌ، فأشبه ما لو وُصِّيَ لهم.

وفي الكفارة وجهان: (أحدهما)، يجوز؛ لأنها ليست بزكاة، ولا هي أوساخ الناس، فأشبهت صدقة التطوع. (والثاني): لا يجوزُ؛ لأنها واجبة، أشبهت الزكاة" اهـ.

(1)

قال العيني في "البناية"(3/ 555): "يجوز صرف صدقة التطوع إلى بني هاشم (لأن المال هاهنا كالماء يتدنس بإسقاط الفرض) أراد أن حكم المال في هذا الباب كحكم الماء، فإنه يصير مستعملًا بإسقاط الفرض.

(أما التطوع): أي صدقة التطوع. (فبمنزلة التبرد بالماء) حيث لا يتدنس المؤدي به بمنزلة الماء المستعمل، وفي التنفل يتبرع بما ليس عليه فلا يتدنس به المؤدي كمن تبرد بالماء أو نقول الماء في التطهير فوق الماء؛ لأن المال يطهر حكمًا، والماء حقيقة وحكمًا، فيكون المال مطهرًا من وجه دون وجه، فجعله متدنسًا في الفرض دون النفل عملًا بالشبهين، وأجيب بالوجه الثاني عن اعتراض من يقول بأن التشبيه بالوضوء على الوضوء كان السبب باعتبار وجود القربة بهما" اهـ.

(2)

قال النووي في "المجموع"(6/ 237): "الرابعة" هل تحل صدقة التطوع لبني هاشم وبني المطلب؟! فيه طريقان: (أصحهما): وبه قطع المصنف والأكثرون: تحل. و (الثاني): حكاه البغوي وآخرون من الخراسانيين فيه قولان:

(أصحهما): تحل. و (الثاني): تحرم" اهـ.

(3)

المغني (4/ 113 - 114).

(4)

البحر الزخار (2/ 185).

(5)

البحر الزخار (2/ 185).

ص: 184

مَخْزُومٍ على الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِع: اصْحَبْنِي كَيما تُصِيب مِنْهَا، قالَ: لا، حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فأسألَهُ، وَانْطَلَقَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ:"إِن الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لَنَا، وَإن مَوَالِيَ القَوْم مِنْ أَنْفُسِهِمْ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا ابْنَ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ)

(1)

. [صحيح]

الحديث أخرجه أيضًا ابن خزيمة

(2)

وابن حبان

(3)

وصححاه.

وفي الباب عن ابن عباس عند الطبراني

(4)

.

قوله: (من أنفسهم) بضم الفاء، ولفظ الترمذي

(5)

: "مولى القوم منهم"، أي حكمه كحكمهم.

الحديث يدلّ على تحريم الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم وتحريمها على آله، وقد تقدم الكلام على ذلك [قريبًا]

(6)

.

ويدل على تحريمها على موالي آل هاشم

(7)

، ولو كان الأخذ على جهة العمالة وقد سلف ما فيه.

(1)

أخرجه أحمد (6/ 8 - 9) وأبو داود رقم (1650) والنسائي رقم (2612) والترمذي رقم (657) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (2344) وابن حبان رقم (3293) والطيالسي رقم (972) وابن أبي شيبة في المصنف (3/ 214) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 8) والحاكم (1/ 404) والبيهقي (7/ 32) والبغوي في شرح السنة رقم (1607).

وهو حديث صحيح.

(2)

في صحيحه رقم (2344) وقد تقدم.

(3)

في صحيحه رقم (3293) وقد تقدم.

(4)

في المعجم الكبير (ج 11 رقم 12059).

وأروده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 90 - 91) وقال: وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام". قلت: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: صدوق ولكنه سيء الحفظ جدًّا.

قلت: وأخرجه أبو يعلى في المسند (5/ 113 - 114) رقم (40/ 2728) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 7) بسند ضعيف.

ويشهد له حديث أبي رافع المتقدم برقم (30/ 1611) من كتابنا هذا فهو به صحيح.

(5)

في سننه برقم (657) وقد تقدم.

(6)

زيادة من المخطوط (ب).

(7)

شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 544).

ص: 185

قال الشافعي

(1)

: حرم على مواليه من الصدقة ما حرّم على نفسه، وبه قال أبو حنيفة

(2)

وأصحابه، وإليه ذهب المؤيد

(3)

بالله وأبو طالب (3)، وهو مروي عن الناصر (3) وابن الماجشون (3).

وقال مالك

(4)

والإمام يحيى: وهو مرويّ أيضًا عن الناصر والشافعي في قول له إنها تحلّ لهم.

قال في البحر

(5)

: لأن علة التحريم مفقودة وهي الشرف.

قلنا: الخبر يدفع ذلك، انتهى.

ونصب هذه العلة في مقابل هذا الدليل الصحيح من الغرائب التي يعتبر بها المتيقظ.

31/ 1612 - (وَعَنْ أُمّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثْتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا بِشَيْءٍ؛ فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "هَلْ عِنْدَكمْ مِنْ شَيْءٍ؟ "، فَقَالَتْ: لَا إِلَّا أَنَّ نُسَيْبَةَ بَعَثَتْ إِلَيْنَا مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتُمْ بِهَا إِلَيْهَا، فَقَالَ: "إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا"، مُتَّفقٌ عَلَيْهِ)

(6)

. [صحيح]

32/ 1613 - (وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ "، فَقَالَتْ: لَا وَالله مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ إِلَّا عَظْمٌ مِنْ شَاةٍ أَعْطَيْتُهَا مَوْلَاتِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَال:"قَدِّمِيهَا فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(7)

وَمُسْلِمٌ)

(8)

. [صحيح]

قوله: (هل عندكم من شيء) أي من الطعام.

قوله: (نُسيبة)، قال في الفتح

(9)

: بالنون والمهملة والموحدة مصغرًا: اسم أم عطية، انتهى.

(1)

المجموع (6/ 219).

(2)

البناية في شرح الهداية (4/ 578 - 579).

(3)

البحر الزخار (2/ 185).

(4)

التسهيل (3/ 748).

(5)

البحر الزخار (2/ 185).

(6)

أحمد في المسند (6/ 407 - 408) والبخاري رقم (1494) ومسلم رقم (174/ 1076).

(7)

في المسند (6/ 429 - 430).

(8)

في صحيحه رقم (169/ 1073).

(9)

(3/ 357).

ص: 186

وأما نسيبة بفتح النون وكسر السين فهي أم عمارة.

قوله: (بلغت محلها)، أي أنها لما تصرفت فيها بالهدية لصحة ملكها لها انتقلت عن حكم الصدقة فحلت محل الهدية وكانت تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف الصدقة كما تقدم، كذا قال ابن بطال

(1)

.

قال في الفتح

(2)

: وضبطه بعضهم بكسرها من الحلول: أي بلغت مستقرها، والأول أولى، انتهى.

والحديث الثاني يدل على أن موالي أزواج بني هاشم ليس حكمهم كحكم موالي بني هاشم فتحل لهم الصدقة.

وقد نقل ابن بطال

(3)

اتفاق الفقهاء على عدم دخول الزوجات في ذلك وفيه نظر؛ لأن ابن قدامة

(4)

ذكر أن الخلَّال أخرج من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة أنها قالت: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة"

(5)

.

قال

(6)

: وهذا يدلّ على تحريمها.

قال الحافظ

(7)

: وإسناده إلى عائشة حسن.

وأخرجه ابن أبي شيبة (5) أيضًا وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال، وذكر ابن المنير أنها لا تحرم الصدقة على الأزواج قولًا واحدًا.

ولا يقال إن قول البعض بدخولهن في الال يستلزم تحريم الصدقة عليهنّ، فإن ذلك غير لازم.

وفي الحديثين أيضًا دليل على أنه يجوز لمن تحرم عليه الصدقة الأكل منها بعد مصيرها إلى المصرف وانتقالها عنه بهبة أو هدية أو نحوهما.

(1)

في شرحه لصحيح البخاري (3/ 545).

(2)

(3/ 357).

(3)

في شرحه لصحيح البخاري (3/ 543).

(4)

في المغني (4/ 112).

(5)

وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 214).

(6)

أي الحافظ ابن حجر في "الفتح"(3/ 356).

(7)

في الفتح (3/ 356).

ص: 187

وفي الباب عن عائشة عند البخاري

(1)

وغيره

(2)

: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلحم، فقالت له: هذا ما تصدّق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة ولنا هدية".

[الباب التاسع] باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به

33/ 1614 - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ على فَرَسٍ فِي سَبِيل الله فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَريَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرِخَصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صدَقَتِهِ كَالعَائِدِ في قَيْئِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

(3)

. [صحيح]

34/ 1615 - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَس فِي سَبِيلِ الله. وَفِي لَفْظٍ: تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيل الله، ثمَّ رآها تُباعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيهَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ يَا عُمَرُ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ

(4)

. زَادَ البُخَارِيُّ

(5)

: فَبِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً). [صحيح]

قوله: (عن عمر) هذا يقتضي أن الحديث من مسند عمر، والرواية الأخرى تقتضي أنه من مسند ابن عمر. ورجح الدارقطني الثاني.

قوله: (حملت على فرس)، المراد أنه ملكه إياه ولذلك ساغ له بيعه.

ومنهم من قال عمر قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه؛ لأنه حصل فيه هزال عجز بسببه عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك، وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به؛ ويرجِّح الأوّل.

(1)

في صحيحه رقم (1495) و (2577).

(2)

كمسلم في صحيحه رقم (1074).

(3)

أحمد (1/ 25) والبخاري رقم (2623) ومسلم رقم (2/ 1620).

(4)

أحمد (2/ 7) والبخاري رقم (2971) ومسلم رقم (4/ 1621) وأبو داود رقم (1593) والترمذي رقم (668) والنسائي رقم (2616) وابن ماجه رقم (2392).

وهو حديث صحيح.

(5)

في صحيحه رقم (1489).

ص: 188

قوله: "لا تعد في صدقتك" ولو كان حبسًا لعلله به.

قوله: (فأضاعه)، أي لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته وخدمته.

وقيل: لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته.

وقيل معناه: استعمله في غير ما جعل له، والأول أظهر.

قوله: (وإن أعطاكه بدرهم)، هو مبالغة في تنقيصه وهو الحامل له على شرائه.

قوله: (لا تعد) إنما سمي شراؤه برخص عودًا في الصدقة من حيث إن الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة فيصير راجعًا في ذلك المقدار الذي سومح فيه.

قوله: (كالعائد في قيئه)، استدل به على تحريم ذلك لأن القيء حرام

(1)

.

قال القرطبي:

(2)

وهذا هو الظاهر من سياق الحديث.

ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة لكون القيء مما يستقذر وهو قول الأكثر.

ويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات.

قوله: (لا يترك أن يبتاع إلخ)، أي [كان]

(3)

إذا اتفق له أن يشتري شيئًا مما تصدَّق به لا يتركه في ملكه حتى يتصدق به، فكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملكها لا لمن يردها صدقة.

والحديث يدل على كراهة الرجوع عن الصدقة وأن شراءها برخص نوع من الرجوع فيكون مكروهًا.

وقد قيل: إنه يعارض هذا الحديث المتقدِّم عن أبي سعيد

(4)

في حل الصدقة لرجل اشتراها بماله.

وجمع بينهما بحمل هذا على كراهة التنزيه.

(1)

أي استرجاع القيء وأكله حرام.

(2)

في "المفهم"(4/ 579).

(3)

زيادة من المخطوط (أ).

(4)

تقدم برقم (1605) من كتابنا هذا.

ص: 189

ولهذا قال المصنف

(1)

رحمه الله: وحمل قوم هذا على التنزيه، واحتجوا بعموم قوله:"أو رجل اشتراها بماله" في خبر أبي سعيد

(2)

، ويدل عليه ابتياع ابن عمر وهو راوي الخبر، ولو فهم منه التحريم لما فعله وتقرّب بصدقة تستند إليه، انتهى.

والظاهر أنه لا معارضة بين هذا وبين حديث أبي سعيد المتقدم (2) لأن هذا في صدقة التطوع وذاك في صدقة الفريضة.

فيكون الشراء جائزًا في صدقة الفريضة لأنه لا يتصور الرجوع فيها حتى يكون الشراء مشبهًا له، بخلاف صدقة التطوّع فإنه يتصوّر الرجوع فيها، فكره ما يشبهه وهو الشراء.

نعم يعارض حديث الباب في الظاهر ما أخرجه مسلم

(3)

وأبو داود

(4)

والترمذي

(5)

والنسائي

(6)

وابن ماجه

(7)

: "أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت تصدّقت على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة، قال:[قد]

(8)

وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث".

ويجمع بجواز تملك الشيء المتصدّق به بالميراث؛ لأن ذلك ليس مشبهًا للرجوع عن الصدقة دون سائر المعاوضات

(9)

.

(1)

ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 153).

(2)

تقدم برقم (1605) من كتابنا هذا.

(3)

في صحيح رقم (157/ 1149).

(4)

في سننه رقم (1656).

(5)

في سننه رقم (667) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(6)

في السنن الكبرى رقم (6281، 6282، 6283).

(7)

في سننه رقم (2394).

وهو حديث صحيح.

(8)

زيادة من المخطوط (ب).

(9)

قال النووي في "المجموع"(6/ 239): "فرع: قال البندنيجي والبغوي وسائر أصحابنا في مواضع متفرقة: يكره لمن تصدق بشيء صدقة تطوع أو دفعه إلى غيره زكاة، أو كفارة، أو عن نذر، وغيرها من وجوه الطاعات أن يتملكه من ذلك المدفوع إليه بعينه بمعاوضة أو هبة. ولا يكره ملكه منه بالإرث. ولا يكره أيضًا أن يتملكه من غيره إذا انتقل إليه.

واستدلوا في المسألة بحديث عمر رضي الله عنه تقدم برقم (1614) من كتابنا هذا -. =

ص: 190

[الباب العاشر] باب فضل الصدقة على الزوج والأقارب

35/ 1616 - (عَنْ زينَبَ امْرأة عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ"، قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتَ اليَدِ، وإنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَرَنا بالصَّدَقَةِ فَأتِهِ فاسأَلْهُ، فإنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِئ عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلى غَيْرِكُمْ؛ قَالَتْ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: بَلِ ائْتيهِ أَنْتَ، قَالَت: فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا امْرَأة مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ المَهابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ يَسْألَانِكَ: أَتُجْزِئ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَام فِي حُجُورِهِما، وَلَا تُخْبِرْ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلالٌ فَسَأَلَهُ، قَالَ لَهُ:"مَنْ هُمَا؟ "، فَقَالَ: امْرأةٌ مِنَ الْأنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ:"أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ "، فَقَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ:"لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. وَفي لَفْظ الْبُخَارِيّ (2): أَيُجْزِئُ عَني أنْ أُنْفِقَ عَلى زَوْجِي، وَعَلى أيْتَامٍ لي في حِجْري؟). [صحيح]

قوله: (إنك رجل خفيف ذات اليد) هذا كناية عن الفقر.

وفي لفظ للبخاري

(2)

: "إن زينب كانت تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، فقالت لعبد الله: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجزئ عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ الحديث.

= وحديث بريدة - تقدم برقم (1615) من كتابنا بهذا -.

واتفق أصحابنا على أنه لو ارتكب المكروه واشتراها من المدفوع إليه صح الشراء وملكها؛ لأنها كراهة تنزيه، ولا يتعلق النهي بعين المبيع" اهـ.

وانظر: المغني (4/ 102 - 106) والأم (3/ 150 - 151).

(1)

أحمد (6/ 363) والبخاري رقم (1466) ومسلم رقم (45/ 1000).

(2)

في صحيحه رقم (1466).

ص: 191

قوله: (فإذا امرأة من الأنصار)، زاد النسائي

(1)

والطيالسي

(2)

: "يقال لها زينب"، وفي رواية للنسائي (1):"انطلقت امرأة عبد الله، يعني ابن مسعود وامرأة أبي مسعود، يعني عقبة بن عمرو الأنصاري".

استدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة أن تدفع زكاتها إلى زوجها، وبه قال الثوري

(3)

والشافعي

(4)

وصاحبا أبي حنيفة

(5)

وإحدى الروايتين عن مالك

(6)

، وعن أحمد

(7)

، وإليه ذهب الهادي (8) والناصر (8) والمؤيد بالله

(8)

.

وهذا إنما يتم دليلًا بعد تسليم أن هذه الصدقة صدقة [واجبة]

(9)

، وبذلك جزم المازري

(10)

.

ويؤيد ذلك قولها: "أيجزئ عني".

وتعقبه عياض

(11)

بأن قوله: "ولو من حليكن"، وكون صدقتها كانت من صناعتها يدلان على التطوّع، وبه جزم النووي

(12)

.

وتأوّلوا قولها: "أيجزئ عني"، أي في الوقاية من النار، كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا يحصل لها المقصود.

وما أشار إليه من الصناعة احتج به الطحاوي

(13)

لقول أبي حنيفة

(14)

: إنها لا تجزئ زكاة المرأة في زوجها.

(1)

في سننه رقم (2583).

(2)

في المسند رقم (1653).

(3)

حكاه ابن قدامة في المغني (4/ 101) عنه.

(4)

المجموع (6/ 223).

(5)

البناية في شرح الهداية (3/ 550) وبدائع الصنائع (2/ 40) واللباب (1/ 403 - 405).

(6)

التسهيل (3/ 752).

(7)

المغني (4/ 101).

(8)

البحر الزخار (2/ 186).

(9)

في المخطوط (ب): (واجب).

(10)

في المعلم بفوائد مسلم (2/ 15 - 16).

(11)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 520).

(12)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 86 - 87).

(13)

في شرح معاني الآثار (2/ 23 - 24).

قلت: وأخرجه أحمد (3/ 503) وابن حبان رقم (4247) والطبراني في الكبير (ج 24 رقم 667) و (ج 24 رقم 668) و (ج 24 رقم 670) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 178 - 179).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 118) وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس، ولكنه ثقة، وقد توبع".

وخلاصة القول: إن حديث رائطة حديث صحيح، والله أعلم.

(14)

اللباب (1/ 403 - 405).

ص: 192

فأخرج

(1)

من طريق رائطة امرأة ابن مسعود أنها كانت امرأة [صنعاء]

(2)

اليدين، فكانت تنفق عليه وعلى ولده، [وقال]

(3)

فهذا يدل على أنها صدقة تطوّع.

واحتجوا أيضًا على أنها صدقة تطوّع بما في البخاري

(4)

من حديث أبي سعيد: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: زوجك وولدك أحقّ من تصدّقت عليهم"، قالوا: لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر

(5)

والمهدي في البحر

(6)

وغيرهما.

وتعقب [هذا]

(7)

بأن الذي [يمتنع]

(8)

إعطاؤه من الصدقة الواجبة من تلزم المعطي نفقته، والأم لا يلزمها نفقة ابنها مع وجود أبيه.

قال المصنف

(9)

رحمه الله بعد أن ساق الحديث: وهذا عند أكثر أهل العلم في صدقة التطوّع، انتهى.

والظاهر أنه يجوز للزوجة صرف زكاتها إلى زوجها:

أما أولًا: فلعدم المانع من ذلك، ومن قال إنه لا يجوز فعليه الدليل.

وأما ثانيًا: فلأن ترك استفصاله صلى الله عليه وسلم لها ينزل منزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوّع أو واجب فكأنه قال: يجزي عنك فرضًا كان أو تطوّعًا.

وقد اختلف في الزوج هل يجوز له أن يدفع زكاته إلى زوجته؟

فقال ابن المنذر

(10)

: أجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة

(1)

أي الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 23).

(2)

كذا في المخطوط (أ) و (ب) وفي شرح المعاني للطحاوي. ولعل الصواب (صناع).

• في القاموس المحيط (ص 954): "امرأة صناع اليدين - كسحاب - حاذقة ماهرة بعمل اليدين. وامرأتان صناعان، ونسوة صُنعُ - ككتب".

(3)

زيادة من المخطوط (ب).

(4)

في صحيحه رقم (1462).

(5)

في كتابه "الإجماع"(ص 51 رقم 118).

(6)

البحر الزخار (2/ 187).

(7)

زيادة من المخطوط (أ).

(8)

في المخطوط (ب): (تمتنع).

(9)

ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 154).

(10)

في كتابه "الإجماع"(ص 52 رقم 119).

ص: 193

شيئًا لأن نفقتها واجبة عليه

(1)

.

ويمكن أن يقال إن التعليل بالوجوب على الزوج لا يوجب امتناع الصرف إليها لأن نفقتها واجبة عليه غنية كانت أو فقيرة، فالصرف إليها لا يسقط عنه شيئًا.

وأما الصدقة على الأصول والفصول

(2)

، وبقية القرابة

(3)

فسيأتي الكلام عليها.

36/ 1617 - (وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(4)

وَابْنُ مَاجَه

(5)

وَالتِّرْمِذِيُّ

(6)

. [صحيح لغيره]

37/ 1618 - (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أفضَلَ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الكَاشِحِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(7)

. [صحيح لغيره]

(1)

المغني (4/ 100 - 102) المسألة رقم (425).

(2)

المغني (4/ 98 - 99) المسألة (424).

(3)

المغني (4/ 99 - 100).

(4)

في المسند (4/ 17).

(5)

في سننه رقم (1844).

(6)

في سننه رقم (658) وقال: حديث حسن.

قلت: وأخرجه النسائي (5/ 92) وابن حبان رقم (3344) والحاكم (1/ 407) والطبراني في الكبير رقم (6211) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 174).

وابن خزيمة رقم (2385) والدارمي (1/ 397) وابن أبي شيبة (3/ 192) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (1136) من طرق.

وإسناده ضعيف لجهالة الرباب الضبية، وهي بنت صُلَيْع أم الرائح.

تفردت بالرواية عنها: حفصة بنت سيرين. ولم يوثقها إلا ابن حبان في ثقاته: (4/ 244 - 245).

قال الحافظ في "تهذيب التهذيب"(4/ 672 - 673): "الرباب بنت صُلَيْع الضبية البصرية. روت عن: عمها سلمان بن عامر الضبي في العقيقة، والفطر على التمر، والصدقة على ذي القربي.

وعنها: حفصة بنت سيرين.

قلت: - القائل الحافظ - ذكرها ابن حبان في الثقات" اهـ.

وخلاصة القول: إن الحديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(7)

في المسند (5/ 416) وفيه الحجاج بن أرطاة مدلس وقد عنعن.

قلت: وأخرجه الطبراني في الكبير رقم (4015) وفي الأوسط رقم (3279) وهو حديث صحيح لغيره.

ص: 194

وَلَهُ

(1)

مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ). [صحيح لغيره]

38/ 1619 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا كَانَ ذَوُو قَرَابَةٍ لا تَعُولُهُمْ فأعْطِهِمْ مِنْ زَكاةِ مَالِكَ، وَإِنْ كُنْتَ تَعُولُهُمْ فَلا تُعْطِهِمْ وَلَا تَجْعَلْهَا لِمَنْ تَعُولُ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ).

حديث سلمان أخرجه أيضًا النسائي

(2)

وابن حبان

(3)

والدارقطني

(4)

والحاكم

(5)

وحسنه الترمذي

(6)

.

قال الحافظ

(7)

: وفي الباب عن أبي طلحة

(8)

وأبي أمامة

(9)

عند الطبراني.

قوله: (الكاشح)

(10)

هو المضمر للعداوة.

(1)

أي لأحمد في المسند (3/ 402).

قلت: وأخرجه الطبراني في الكبير رقم (3126) وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان"(2/ 13) وأورده الهيثمي في المجمع (3/ 116) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير وإسناده حسن.

وهو حديث صحيح لغيره.

• وللحديث شاهد من حديث أم كلثوم بنت عقبة: أخرجه الحميدي رقم (328) ومن طريقه الحاكم (1/ 406) والبيهقي (7/ 27) وابن خزيمة رقم (2386) من طريق أحمد بن عبده، كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، به.

وقد صرح الحميدي بأن سفيان لم يسمع هذا الحديث من الزهري.

لكن تابع سفيان معمر فيما أخرجه عنه الحاكم في المستدرك (1/ 406) ومن طريقه البيهقي (7/ 27). عن أبي عبد الله محمد بن علي الصنعاني، عن إسحاق بن إبراهيم الصنعاني، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، به.

قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.

وخلاصة القول: إن حديث أم كلثوم بنت عقبة حديث صحيح، والله أعلم.

(2)

في سننه (5/ 92) وقد تقدم.

(3)

في صحيحه رقم (3344) وقد تقدم.

(4)

لم أقف عليه في سننه.

(5)

في المستدرك (1/ 407) وقد تقدم.

(6)

في السنن (3/ 47).

(7)

في "التلخيص الحبير"(3/ 245).

(8)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ج 5 رقم 4723).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 116) وقال: إسناده حسن.

(9)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ج 8 رقم 7834).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 117) وقال: فيه عبيد الله بن زحر وهو ضعيف.

(10)

النهاية (4/ 175).

ص: 195

وقد استدل بالحديثين على جواز صرف الزكاة إلى الأقارب سواء كانوا ممن تلزم لهم النفقة أم لا، لأن الصدقة المذكورة فيهما لم تقيد بصدقة التطوّع.

ولكنه قد تقدّم عن ابن المنذر

(1)

وصاحب البحر

(2)

أنهما حكيا الإجماع على عدم جواز صرف الزكاة إلى الأولاد، وكذا سائر الأصول والفصول كما في البحر

(3)

فإنه قال: (مسألة) ولا تجزئ في أصوله وفصوله مطلقًا إجماعًا.

وقال صاحب ضوء النهار

(4)

: إن دعوى الإجماع وهم، قال: وكيف ومحمد بن الحسن ورواية عن العباس أنها تجزئ في الآباء والأمهات ثم قال: قلت: والمسألة في البحر (3) لم تنسب إلى قائل فضلًا عن الإجماع.

وهذا وهم منه رحمه الله.

فإن صاحب البحر (2) صرح بنسبتها إلى الإجماع كما حكيناه سالفًا، فقد نسبت إلى قائل وهم أهل الإجماع، إلا أنه يدل لما روي عن أبي العباس ومحمد بن الحسن ما في البخاري

(5)

وأحمد

(6)

عن معن بن يزيد قال: "أخرج أبي دنانير يتصدق بها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها، فقال: والله ما إياك أردت فجئت فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن". وسيأتي هذا الحديث في كتاب الوكالة

(7)

.

ولكنه يحتمل أن تكون الصدقة صدقة تطوع بل هو الظاهر.

وقد روي عن مالك

(8)

أنه يجوز الصرف في بني البنين وفيما فوق الجدّ والجدة.

وأما غير الأصول والفصول من القرابة الذين تلزم نفقتهم فذهب الهادي (9) والقاسم (9) والناصر (9) والمؤيد بالله

(9)

: ومالك

(10)

والشافعي

(11)

إلى أنه لا يجزي الصرف إليهم.

(1)

في كتابه "الإجماع"(ص 51 رقم 118) وقد تقدم.

(2)

البحر الزخار (2/ 187) وقد تقدم.

(3)

البحر الزخار (2/ 186).

(4)

(2/ 345).

(5)

في صحيحه رقم (1422).

(6)

في المسند (3/ 470).

(7)

برقم (2352) من كتابنا هذا.

(8)

التسهيل (3/ 752).

(9)

البحر الزخار (2/ 186).

(10)

التسهيل (3/ 752).

(11)

المجموع (6/ 222 - 223).

ص: 196

وقال أبو حنيفة

(1)

وأصحابه والإمام يحيى

(2)

: يجوز ويجزئ إذ لم يفصل الدليل لعموم الأدلة المذكورة في الباب.

وقال الأولون: إنها مخصصة بالقياس ولا أصل له.

وأما الأثر المروي عن ابن عباس فكلام صحابي ولا حجة فيه لأن للاجتهاد في ذلك مسرحًا.

ويؤيد الجواز والإجزاء الحديث الذي تقدم عند البخاري

(3)

بلفظ: "زوجك وولدك أحق من تصدّقت عليهم"، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزَّل منزلة العموم في المقال

(4)

كما سلف، ثم الأصل عدم المانع، فَمَن زعم أن القرابة أو وجوب النفقة مانعان فعليه الدليل ولا دليل.

[الباب الحادي عشر] باب زكاة الفطر

39/ 1620 - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ علَى الْعَبْدِ وَالْحُرّ، وَالذَكَّرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ

(5)

.

وَلأَحْمَدَ

(6)

وَالْبُخَارِيّ

(7)

وَأَبِي دَاوُدَ

(8)

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ إلا عامًا وَاحِدًا أعْوَزَ التَّمرُ فَأَعْطَى الشَّعِيرَ.

(1)

البناية في شرح الهداية (3/ 550).

(2)

البحر الزخار (2/ 186).

(3)

في صحيحه رقم (1462) وقد تقدم.

(4)

وهو قول الشافعي، فقد قال:"ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يُنزّل منزلة العموم في المقال".

وانظر: "إرشاد الفحول"(ص 452) بتحقيقي. والبحر المحيط (3/ 148).

(5)

أخرجه أحمد (2/ 63) والبخاري رقم (1503) ومسلم رقم (12/ 984) وأبو داود رقم (1611) والترمذي رقم (676) والنسائي (5/ 47) وابن ماجه رقم (1826).

(6)

في المسند (2/ 63).

(7)

في صحيح رقم (1511).

(8)

في سننه رقم (1615).

ص: 197

وَللْبُخَارِيّ

(1)

: وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ). [صحيح]

40/ 1621 - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زكاة الفِطْرِ صاعًا مِنْ طَعَامٍ، أوْ صاعًا مِنْ شَعِير، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبِ. أخرجاه

(2)

.

وفي رِوَايَة: كُنَّا نُخْرِجُ زكاة الفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ المَدِينَةَ، فَقَالَ: إني لأَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ يَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ؛ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ

(3)

.

لكِنِ البُخَارِيُّ

(4)

لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَلَا أَزَالُ إلخ.

وَابْنُ مَاجَهْ

(5)

لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَةَ: أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ.

وللنَّسائيّ

(6)

عَنْ أَبي سَعِيدٍ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أقِطٍ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي أَنْ الأقِطَ أَصْلٌ. [صحيح]

وللدارَقُطْنِيّ

(7)

عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةُ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ الله عَن أبي

(1)

في صحيحه رقم (1511).

(2)

أي البخاري رقم (1506) ومسلم رقم (17/ 985).

(3)

أحمد (3/ 98) والبخاري رقم (1508) ومسلم رقم (18/ 985) وأبو داود رقم (1616) والترمذي رقم (673) والنسائي رقم (2513) وابن ماجه رقم (1829).

(4)

في صحيحه رقم (1508) وقد تقدم.

(5)

في سننه رقم (1829) وقد تقدم.

(6)

في سننه رقم (2513) وقد تقدم.

(7)

في سننه (2/ 146 رقم 33).

قلت: وأخرجه أبو داود رقم (1618) والنسائي رقم (2514) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 172).

كلهم من طريق سفيان عن ابن عجلان عن عياض، عنه. =

ص: 198

سَعِيدٍ قَالَ: ما أخْرَجْنَا على عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إلا صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، فَقَالَ ابْنُ المَدِينِي لسُفْيَانَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إن أحَدًا لا يَذْكُرُ فِي هَذَا الدقِيقِ، فَقَالَ: بَلَى هُوَ فِيهِ. رَوَاهُ الدارَقُطْنِيُّ

(1)

واحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ على إِجْزَاءِ الدَّقِيقِ). [شاذ]

قوله: (فرض)، فيه دليل على أن صدقة الفطر من الفرائض، وقد نقل ابن المنذر

(2)

وغيره الإجماع على ذلك، ولكن الحنفية

(3)

يقولون بالوجوب دون الفرضية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب، قالوا: إذ لا دليل [قاطع]

(4)

تثبت به الفرضية.

ثم قال الحافظ

(5)

: وفي نقل الإجماع نظر؛ لأن إبراهيم بن علية وأبا بكر بن كيسان الأصمّ قالا: إن وجوبها نسخ.

واستدل لهما بما روى النسائي

(6)

وغيره

(7)

عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله".

= قال الدارقطني: "قال أبو الفضل: فقال له عليُّ بن المديني وهو معنا: يا أبا محمد، أحَدٌ لا يذكر في هذا الدقيقَ، قال: بَلَى هو فيه".

وقال أبو داود: "هذا حديث يحيى، وزاد سفيان أو صاعًا من دقيق.

قال حامد: فأنكروا عليه فتركه سفيان".

وقال النسائي: "ثم شك سفيان فقال: "دقيق أو سلت".

وخلاصة القول: أن الحديث شاذ بهذا اللفظ، والله أعلم.

(1)

تقدم في الصفحة السابقة رقم الحاشية (7).

(2)

في كتابه "الإجماع"(ص 49 رقم 105).

(3)

البناية في شرح الهداية (3/ 566 - 567) وفتح القدير (2/ 285).

(4)

زيادة من المخطوط (أ).

(5)

في "الفتح"(3/ 368).

(6)

في سننه رقم (2507).

(7)

كابن ماجه في سننه رقم (1828).

وهو حديث صحيح.

ص: 199

قال: وتعقب بأن في إسناده راويًا مجهولًا

(1)

.

وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر.

ونقل المالكية

(2)

عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر

(3)

وابن اللبان من الشافعية

(4)

.

قالوا: ومعنى قوله في الحديث "فرض"، أي قدّر وهو أصله في اللغة كما قال ابن دقيق العيد

(5)

، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى.

وقد ثبت أن قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)}

(6)

نزلت في زكاة الفطر كما روى ذلك ابن خزيمة

(7)

.

قوله: (زكاة الفطر)، أضيفت الزكاة إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان، كذا قال في الفتح

(8)

. وقال ابن قتيبة: والمراد بصدقة الفطر صدقة النفوس، مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة. قال الحافظ

(9)

: والأول أظهر.

ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث: "زكاة الفطر في رمضان"

(10)

.

(1)

يقصد به (عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي المدني) لم يوثقه غير ابن حبان في "الثقات"(7/ 225).

(2)

التسهيل (3/ 769) وعيون المجالس (2/ 555).

(3)

المحلى (6/ 118).

(4)

قال النووي في "المجموع"(6/ 61): "حكى صاحب "البيان" وغيره عن ابن اللبان من أصحابنا أنها سنة وليست واجبة. قالوا: وهو قول الأصم وابن علية.

وقال أبو حنيفة: هي واجبة، وليست بفريضة بناء على أصله أن الواجب ما ثبت بدليل مظنون، والفرض ما ثبت بدليل مقطوع.

ومذهبنا - أي الشافعية - أنه لا فرق وتسمى واجبة وفرضًا

" اهـ.

(5)

في إحكام الأحكام (2/ 197).

(6)

سورة الأعلى: الآية (14).

(7)

في صحيحه رقم (2420) بسند ضعيف جدًّا، فكثير بن عبد الله متروك الحديث.

المجروحين (2/ 221) والميزان (3/ 406) والخلاصة (ص 320).

(8)

(3/ 367).

(9)

في "الفتح"(3/ 367).

(10)

أخرجه مسلم رقم (12/ 984) والترمذي رقم (676) والنسائي رقم (2503) وقد تقدم قريبًا.

ص: 200

وقد استدل بقوله: "زكاة الفطر"، على أن وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر من رمضان.

وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن الليل ليس محلًا للصوم، وإنما يتبين الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر.

والأول قول الثوري وأحمد

(1)

وإسحق، والشافعي في الجديد

(2)

وإحدى الروايتين عن مالك

(3)

.

والثاني قول أبي حنيفة

(4)

والليث والشافعي في القديم

(5)

. والرواية الثانية عن مالك (3)، وبه قال الهادي (6) والقاسم (6) والناصر (6) والمؤيد بالله

(6)

.

ويقويه قوله في حديث ابن عمر الآتي

(7)

: أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولكنها لم تقيد القبلية بكونها في يوم الفطر.

قال ابن دقيق العيد

(8)

: الاستدلال بقوله: "زكاة الفطر" على الوقت ضعيف لأن الإضافة إلى الفطر لا تدلّ على وقت الوجوب بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان. وأما وقت الوجوب فيطلب من أمر آخر.

قوله: (صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير)، قال في الفتح

(9)

: انتصب صاعًا على التمييز أو أنه مفعول ثان.

قوله: (على العبد والحرّ)، ظاهره يدلّ على أن العبد يخرج عن نفسه، ولم يقل به إلا داود

(10)

فقال: يجب على السيد أن يمكن عبده من الاكتساب لها.

(1)

المغني (4/ 298).

كما حكاه عن الثوري وإسحاق.

(2)

المجموع (6/ 84).

(3)

المدونة (1/ 289) والتسهيل (3/ 770) وعيون المجالس (2/ 566).

(4)

شرح فتح القدير (2/ 303) والبناية في شرح الهداية (3/ 592).

(5)

المجموع (6/ 84 - 85).

(6)

البحر الزخار (2/ 196).

(7)

برقم (41/ 1622) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.

(8)

في "إحكام الأحكام"(2/ 198).

(9)

(3/ 368).

(10)

قال ابن حزم في "المحلى"(6/ 140 - 141 رقم المسألة 714): "مسألة: وتجب زكاة الفطر على السيد عن عبده المرهون والآبق والغائب والمغصوب؛ لأنهم رقيقه. ولم يأت نص بتخصيص هؤلاء. =

ص: 201

ويدلّ على ما ذهب إليه الجمهور من كون الوجوب على السيد حديث: "ليس على المرء في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر"

(1)

، ولفظ مسلم

(2)

: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر".

قوله: (والذكر والأنثى)، ظاهره وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثوري

(3)

وأبو حنيفة

(4)

وابن المنذر

(5)

.

وقال مالك

(6)

والشافعي

(7)

والليث

(8)

وأحمد

(9)

وإسحاق

(10)

: تجب على زوجها تبعًا للنفقة.

= وللسيد إن كان للعبد مال أو كسب أن يكلفه إخراج زكاة الفطر من كسبه أو ماله؛ لأن له انتزاع ماله متى شاء، وله أن يكلفه الخراج بالنص والإجماع.

فإذا كان له ذلك فله أن يأمره بأن يصرف ما كلفه من ذلك فيما شاء" اهـ.

(1)

أخرجه أحمد (2/ 249، 470) والبخاري رقم (1464) وأبو داود رقم (1595) والترمذي رقم (628) والنسائي رقم (2467) وابن ماجه رقم (1812).

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

(2)

في صحيحه رقم (10/ 982).

(3)

قال سفيان الثوري في "الموسوعة"(ص 474): "ب - ولا يجب على المسلم إخراج زكاة الفطر عن زوجته؛ ولا عن أبيه، ولا عن أمه، ولا عن ولده الكبار ولا عن أحد ممن تلزمه نفقته" اهـ.

المحلى (6/ 137) وحلية العلماء (3/ 103) والمجموع (6/ 107).

وعيون المجالس (2/ 564) والإنصاف (3/ 166).

(4)

شرح فتح القدير (2/ 290).

(5)

في كتابه "الإقناع"(1/ 182) وحكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 369).

(6)

عيون المجالس (2/ 563).

(7)

"قال الشافعي والأصحاب: ويستحب للحرة أن تخرج الفطرة عن نفسها للخروج من الخلاف ولتطهيرها. وإذا قلنا: يلزم الحرة الموسرة فطرتها فأخرجتها ثم أيسر الزوج لم ترجع بها عليه هذا هو المذهب.

وهو مقتضى إطلاق المصنف والجمهور.

وقال صاحب "الحاوي": ترجع عليه بها كما ترجع عليه بالنفقة إذا أيسر.

وهذا النقل شاذ مردود، والاستدلال له ضعيف، فإن المعسر ليس أهلًا لوجوب الفطرة بخلاف نفقة الزوجة" اهـ.

المجموع شرح المهذب للنووي (6/ 84).

(8)

حكاه عنه العيني في "البناية في شرح الهداية"(3/ 574).

(9)

المغني (4/ 302).

(10)

حكاه عنه العيني في "البناية"(3/ 574) وابن قدامة في المغني (4/ 302).

ص: 202

قال الحافظ

(1)

: وفيه نظر، لأنهم قالوا: إن أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا.

واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه، وإنما احتج الشافعي

(2)

بما رواه من طريق محمد بن علي الباقر مرسلًا: "أدوا صدقة الفطر عمن تموِّنون"، وأخرجه البيهقي

(3)

من هذا الوجه، فزاد في إسناده ذكر علي وهو منقطع.

وأخرجه

(4)

من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف. وأخرجه أيضًا عنه الدارقطني

(5)

.

(1)

في "الفتح"(3/ 369).

(2)

في الأم (3/ 161 - 162 رقم 861).

قلت: وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 161) وقال: "هو مرسل".

وإن رواية محمد بن علي بن الحسين بن علي عن جده علي مرسلة؛ لأن ولادته سنة (60 هـ) بعد وفاة علي رضي الله عنه بعشرين سنة.

"تهذيب التهذيب"(3/ 650 - 651).

وقال البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(6/ 187 رقم 8430):

"قال أحمد: ورواه حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل صغير أو كبير، أو حرّ أو عبد ممن تمونون

" الحديث.

- وهو أيضًا منقطع.

(3)

في السنن الكبرى (4/ 161) وفي معرفة السنن والآثار (6/ 187).

(4)

أي البيهقي في السنن الكبرى (4/ 161) وقال البيهقي: إسناده غير قوي.

(5)

في السنن (2/ 141 رقم 12) وقال الدارقطني: رفعه القاسم وليس بقوي، والصواب: موقوف.

وقال العظيم آبادي في "التعليق" المعني (2/ 141): (القاسم، وعمير، لا يعرفان بجرح ولا تعديل. ونقل عن التنقيح: أن الأبيض بن الأغر له مناكير).

• قلت: وأخرج البيهقي في معرفة السنن والآثار (6/ 187) والدارقطني في سننه (2/ 140 رقم 11) عن علي بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن جده، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث

قلت: وهو مرسل أيضًا حيث إن جد علي بن موسى هو جعفر الصادق، وهو من تابعي التابعين. "تهذيب التهذيب"(1/ 310 - 311).

والحديث من رواية أبناء جعفر عنه. قال ابن حبان في الثقات (6/ 131): =

ص: 203

قوله: (والصغير والكبير)، وجوب فطرة الصغير في ماله والمخاطب بإخراجها وليه إن كان للصغير مال، وإلا وجبت على من تلزمه النفقة وإلى هذا ذهب الجمهور

(1)

.

وقال محمد بن الحسن

(2)

: هي على الأب مطلقًا، فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه.

وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري

(3)

: لا تجب إلا على من صام.

واستدل لهما بحديث ابن عباس الآتي

(4)

بلفظ: "صدقة الفطر طهرة للصائم".

قال في الفتح

(5)

: وأجيب بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب كما أنها تجب على من لا يذنب كمتحقق الصلاح أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة.

قال فيه

(6)

: ونقل ابن المنذر

(7)

الإجماع على أنها لا تجب على الجنين، وكان أحمد

(8)

يستحبه ولا يوجبه.

= يحتج بروايته ما كان من غير رواية أولاده عنه؛ لأن في حديث ولده عنه مناكير كثيرة".

وفيه إسماعيل بن همام ذكر الحافظ في "لسان الميزان"(1/ 441) أن الكشي وابن النجاشي ذكراه في رجال الشيعة. ولم ينقل الحافظ توثيقه عن أحد.

وقال ابن حبان في "الثقات"(8/ 456) في ترجمة علي بن موسى الرضا: يجب أن يعتبر حديثه إذا روى عنه غير أولاده وشيعته.

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف لا تقوم به الحجة.

(1)

الفقه الإسلامي وأدلته (3/ 2038 - 2040).

(2)

كتاب الحجة على أهل المدينة له (1/ 528 - 529).

(3)

موسوعة فقه الحسن البصري (2/ 489 - 490).

(4)

برقم (42/ 1623) من كتابنا هذا.

(5)

(3/ 369).

(6)

أي قال الحافظ في "الفتح"(3/ 369).

(7)

في كتابه "الإجماع"(ص 50 رقم 110).

(8)

حكاه عنه ابن المنذر في الإجماع (ص 50).

وقال أبو داود: سمعت أحمد ذكر حديث عثمان أنه كان يعطي صدقة الفطر عن الحبل إذا تبين؟ فقال أحمد: ما أحسن ذلك إذا تبين صار ولدها.

(مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص 86). =

ص: 204

قوله: (من المسلمين)، فيه دليل على اشتراط الإسلام في وجوب الفطرة فلا تجب على الكافر.

قال الحافظ

(1)

: وهو أمر متفق عليه، وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة؟ نقل ابن المنذر

(2)

فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعية

(3)

ورواية عن أحمد

(4)

، وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ قال الجمهور

(5)

: لا، خلافًا لعطاء والنخعي والثوري والحنفية وإسحق

(6)

.

واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر"

(7)

.

وأجاب الجمهور بأنه يبنى عموم قوله: "في عبده" على خصوص قوله: "من المسلمين" في حديث الباب.

ولا يخفى أن قوله: "من المسلمين" أعم من قوله: "في عبده" من وجه، وأخص من وجه، فتخصيص أحدهما بالآخر تحكم.

ولكنه يؤيد اعتبار الإسلام ما عند مسلم

(8)

بلفظ: "على كل نفس من المسلمين حرّ أو عبد".

= وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: يعطى زكاة الفطر عن الحمل إذا تبين.

(مسائل أحمد لابنه عبد الله ص 17).

(1)

في "الفتح"(3/ 369).

(2)

حكاه النووي في "المجموع"(6/ 107) عنه.

(3)

المجموع (6/ 107).

(4)

المغني (4/ 283).

(5)

المغني (4/ 283 - 285) والمجموع (6/ 107).

(6)

قال ابن قدامة في المغني (4/ 283 - 284): "فصل: ولا تجب على كافرٍ حُرًا كان أو عبدًا. ولا نعلم بينهم خلافًا في الحُرِّ البالغ، وقال إمامنا - أي أحمد - ومالك، والشافعي، وأبو ثور: لا تجب على العبد أيضًا ولا على الصغير.

ويروى عن عمر بن عبد العزيز، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والنخعي، والثوري، وأصحاب الرأي، أن على السيد المسلم أن يخرج الفطرة عن عبده الذمي.

وقال أبو حنيفة: يخرج عن ابنه الصغير إذا ارتد .. " اهـ.

(7)

وهو حديث صحيح تقدم قريبًا.

(8)

في صحيحه رقم (12/ 984) وقد تقدم برقم (39/ 1620) من كتابنا هذا.

ص: 205

واحتجّ بعضهم على وجوب إخراجها عن العبد بأن [ابن]

(1)

عمر راوي الحديث كان يخرج عن عبده الكافر وهو أعرف بمراد الحديث.

وتعقبه بأنه لو صحّ حمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعًا ولا مانع منه.

وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين أهل البادية وغيرهم، وإليه ذهب الجمهور

(2)

.

قال الزهري وربيعة والليث: إن زكاة الفطر تختص بالحاضرة ولا تجب على أهل البادية.

قوله: (أعوز التمر)

(3)

بالمهملة والزاي: أي احتاج، يقال: أعوزني الشيء: إذا احتجت إليه فلم أقدر عليه.

وفيه دليل على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر.

قوله: (بيوم أو يومين)، فيه دليل على جواز تعجيل الفطرة قبل يوم الفطر.

وقد جوزه الشافعي

(4)

من أول رمضان،

(1)

سقط من المخطوط (ب).

(2)

قال النووي في "المجموع"(6/ 110): "مسألة: تجب الفطرة على أهل البادية كغيرهم، وبه قال العلماء كافة إلا ما حكاه ابن المنذر وأصحابنا: عن عطاء، وربيعة والزهري أنهم قالوا: لا تجب عليهم.

قال الماوردي: شذوا بهذا عن الإجماع، وخالفوا النصوص الصحيحة العامة في كل صغير وكبير، ذكر وأنثى، حر وعبد، من المسلمين. قال: وينقض مذهبهم بزكاة المال فقد وافقوا مع الإجماع على وجوبها على أهل البادية" اهـ.

وقال ابن قدامة في "المغني"(4/ 289 - 290): "أكثر أهل العلم يوجبون صدقة الفطر على أهل البادية، رُوِيَ ذلك عن ابن الزبير، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.

وقال عطاء، والزهري، وربيعة: لا صدقة عليهم. ولنا، عموم الحديث، ولأنها زكاة فوجبت عليهم كزكاة المال، ولأنهم مسلمون، فيجب عليهم صدقة الفطر كغيرهم" اهـ.

(3)

القاموس المحيط (ص 663).

(4)

قال النووي في "المجموع"(6/ 109): "مسألة: يجوز عندنا الفطرة في جميع رمضان لا قبله، هذا هو المذهب وفيه خلاف سبق.

وجوزها أبو حنيفة قبله.

وقال أحمد: تجوز قبل يوم العيد بيوم أو يومين فقط، كذا نقل الماوردي عنهما. =

ص: 206

وجوزه الهادي

(1)

والقاسم (1) وأبو حنيفة

(2)

وأبو العباس (1) وأبو طالب (1) ولو إلى عامين عن البدن الموجود.

وقال [الكرخي]

(3)

وأحمد بن حنبل

(4)

: لا تقدم على وقت وجوبها إلا ما يغتفر كيوم أو يومين.

وقال مالك

(5)

والناصر (1) والحسن بن زياد (1): لا يجوز التعجيل مطلقًا كالصلاة قبل الوقت. وأجاب عنهم في البحر

(6)

بأن ردها إلى الزكاة أقرب.

وحكى الإمام [يحيى]

(7)

إجماع السلف على جواز التعجيل.

قوله: (صاعًا من طعام إلخ)، ظاهره المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده.

وقد حكى الخطابي

(8)

أن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه اسم خاصّ له.

قال هو وغيره: قد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام، فهم منه سوق القمح.

وإذا غلب العرف نُزِّل اللفظ عليه؛ لأنه لما غلب استعمال اللفظ فيه كان [حضوره]

(9)

عند الإطلاق أغلب.

= وقال العبدري: أجمعوا على أن الأفضل أن يخرجها يوم الفطر قبل صلاة العيد.

وقال: وجوز مالك وأحمد والكرخي الحنفي، تقديمها قبل الفطر بيوم ويومين.

وعن الحسن عن أبي حنيفة: تقديم سنة أو سنتين.

وقال داود: لا يجوز تقديمها قبل فجر يوم العيد، ولا تأخيرها إلى أن يصلي الإمام العيد

" اهـ.

(1)

البحر الزخار (2/ 196).

(2)

بدائع الصنائع (2/ 74).

(3)

سقط من المخطوط (ب).

(4)

المغني (4/ 300 - 301).

(5)

قال القاضي عبد الوهاب بن علي البغدادي المالكي في "عيون المجالس"(2/ 566): "مسألة: اختلف قول مالك رحمه الله في وقت وجوب صدقة الفطر، فقال: تجب برؤية الهلال لشوال، أو كمال عدة رمضان، فإذا دخل الليل وجبت.

وقال: تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر.

فهذا قول أبي حنيفة رحمه الله.

وبالأول: قال الشافعي رحمه الله" اهـ.

(6)

البحر الزخار (2/ 196).

(7)

سقط من المخطوط (أ).

(8)

في معالم السنن (2/ 267 - 268 - مع السنن).

(9)

في المخطوط (ب): (خطوره).

ص: 207

قال في الفتح

(1)

: وقد ردّ ذلك ابن المنذر وقال: ظن بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد

(2)

: "صاعًا من طعام" حجة لمن قال: صاع من حنطة، وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره.

ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاري

(3)

وغيره أن أبا سعيد قال: "كنا نخرج في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعًا من طعام"، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر، وهي ظاهرة فيما قال.

وأخرج الطحاوي

(4)

نحوه من طريق أخرى.

وأخرج ابن خزيمة

(5)

والحاكم

(6)

في صحيحيهما أن أبا سعيد قال لما ذكروا عنده صدقة رمضان: "لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها".

قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد هذا غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم، ويدلّ على أنه خطأ.

قوله: (فقال رجل إلخ)، إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها

(7)

صاعًا لما قال الرجل: "أو مدّين من قمح"، وقد أشار أيضًا أبو داود

(8)

إلى أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ.

قوله: (حتى قدم معاوية)، زاد مسلم

(9)

: (حاجًا أو معتمرًا وكلم الناس على المنبر).

وزاد ابن خزيمة

(10)

"وهو يومئذ خليفة".

(1)

(3/ 373).

(2)

تقدم تخريجه رقم (1621) من كتابنا هذا.

(3)

في صحيحه رقم (1506).

(4)

في شرح معاني الآثار (2/ 41 - 42).

(5)

في صحيحه رقم (2458).

(6)

في المستدرك (1/ 411) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

(7)

أي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(8)

في السنن (2/ 269).

(9)

في صحيحه رقم (18/ 984).

(10)

في صحيحه رقم (2408).

ص: 208

قوله: (من سمراء الشام) بفتح السين المهملة وإسكان الميم، وبالمدّ هي القمح الشامي.

قال النووي

(1)

: تمسك بقول معاوية من قال بالمدّين من الحنطة، وفيه نظر لأنه فعل صحابي قد خالف فيه أبو سعيد وغيره [من الصحابة (2)] ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد صرّح [معاوية]

(2)

بأنه رأي رآه لا أنه سمعه من النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه.

فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من الشعير وهم الأئمة، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان

(3)

وعليّ وأبي هريرة

(4)

وجابر

(5)

وابن عباس

(6)

وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر

(7)

بأسانيد.

(1)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 61).

(2)

زيادة من (ب).

(3)

أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 46 - 47).

عن أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال في خطبته:"أدوا زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، ذكر وأنثى".

(4)

أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 45).

عن أبي هريرة، قال: زكاة الفطر عن كل حر وعبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، صاع من تمر، أو نصف صاع من قمح".

(5)

أخرج الدارقطني (2/ 151) عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "صدقة الفطر على كل مسلم صغير وكبير، عبد أو حر، مدان من قمح أو صاع من تمر أو شعير".

وهو أثر صحيح.

(6)

أخرج النسائي (5/ 37) والدارقطني (2/ 144) والبيهقي (4/ 168) عن ابن عباس قال في صدقة الفطر: صاع من طعام على الصغير والكبير، والحر والمملوك، من أدى برًا قبل منه، ومن أدى شعيرًا قبل منه، ومن أدى تمرًا قبل منه، ومن أدى زبيبًا قبل منه، ومن أدى سلتًا قبل منه.

وهو أثر صحيح.

(7)

أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 43). عن عروة أن أسماء بنت أبي بكر =

ص: 209

قال الحافظ

(1)

: صحيحة، أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع قمح، انتهى.

وهذا مصير منه إلى اختيار [ما ذهب]

(2)

إليه الحنفية

(3)

، لكن حديث أبي سعيد

(4)

دالّ على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر

(5)

فلا إجماع في المسألة.

قوله: (لم يذكر لفظة أو)، يعني لم يذكر حرف التخيير في شيء من أطراف الحديث.

قوله: (أو صاعًا من أَقِط) بفتح الهمزة وكسر القاف، وهو لبن يابس غير منزوع الزبد.

وقال الأزهري

(6)

: يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى ينصل.

وقد اختلف في إجزائه على قولين: أحدهما [أنه]

(7)

لا يجزئ لأنه غير مقتات، وبه قال أبو حنيفة

(8)

، إلا أنه [أجاز]

(9)

إخراجه بدلًا عن القيمة على قاعدته.

والقول الثاني أنه يجزئ، وبه قال مالك

(10)

وأحمد (11)، وهو الراجح لهذا الحديث الصحيح من غير معارض.

وروي عن أحمد

(11)

أنه يجزئ مع عدم وجدان غيره.

= أخبرته أنها كانت تخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهلها، الحر منهم والمملوك، مُدَّين من حنطة، أو صاعًا من تمر بالمد، أو بالصاع الذي يتبايعون به.

(1)

في "الفتح"(3/ 374).

(2)

في المخطوط (ب): (ما ذهبت).

(3)

البناية في شرح الهداية (3/ 582).

(4)

تقدم برقم (1621) من كتابنا هذا.

(5)

تقدم برقم (1620) من كتابنا هذا.

(6)

في "تهذيب اللغة"(9/ 241).

(7)

سقط من المخطوط (ب).

(8)

البناية في شرح الهداية (3/ 586 - 587).

(9)

في المخطوط (ب): (اختار).

(10)

التسهيل (2/ 569 - 570).

(11)

قال ابن قدامة في المغني (4/ 290): "

فإنه يجزئُ أهلَ البادية إخراجُ الأَقِط إذا كان قوتهم. وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه؛ لحديث أبي سعيد - تقدم رقم (1621) من كتابنا هذا - الذي ذكرناه. =

ص: 210

وزعم الماوردي

(1)

أنه يجزئ عن أهل البادية دون أهل الحاضرة فلا يجزئ عنهم بلا خلاف.

وتعقَّبه النووي

(2)

فقال: قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع.

قوله: (إلا صاعًا من دقيق)، ذكر الدقيق ثابت في سنن أبي داود

(3)

من حديث أبي سعيد أيضًا، ولكنه قال أبو داود

(4)

: إن ذكر الدقيق وهم من ابن عيينة.

وقد روى ذلك ابن خزيمة

(5)

من حديث ابن عباس قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤدَّى زكاة رمضان صاعًا من طعام عن الصغير والكبير والحرّ والمملوك، من أدى سلتًا قُبِلَ منه، وأحسبه قال: من أدّى دقيقًا قُبِلَ منه، ومن أدّى سويقًا قبل منه".

ورواه الدارقطني

(6)

ولكن قال ابن أبي حاتم

(7)

: سألت أبي عن هذا

= وفي بعض ألفاظه قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفِطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أَقِط. أخرجه النسائي - رقم (2512) وهو حديث صحيح -.

والثانية: لا يجزِئُه؛ لأنه جنسى لا تجب الزكاة فيه، فلا يجزئ إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها، كاللحم.

ويحمل الحديث على من هو قوت له، أو لم يقدر على غيره، فإن قدر على غيره مع كونه قوتًا له، فظاهر كلام "الخِرَقيِّ" جواز إخراجه وإن قدر على غيره، سواء كان من أهل البادية أو لم يكن؛ لأن الحديث لم يفرق" اهـ.

(1)

في "الحاوي الكبير"(3/ 384 - 385).

(2)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 60 - 61).

(3)

رقم الحديث (1618) وهو حديث شاذ. وقد تقدم الكلام عليه في الحديث رقم (1621) من كتابنا هذا.

(4)

في السنن (2/ 269).

(5)

في صحيحه رقم (2415) بسند صحيح إلا أنه منقطع كما سيأتي.

(6)

في السنن (2/ 144 رقم 25).

"قال في "التنقيح": رجاله ثقات غير أن فيه انقطاعًا. قال أحمد وابن المديني وابن معين والبيهقي: محمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس شيئًا.

وقال ابن أبي حاتم في علله - (1/ 216) -: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: حديث منكر" اهـ. من التعليق المغني على الدارقطني (2/ 144).

(7)

العلل (1/ 216).

ص: 211

الحديث فقال: منكر لأن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس.

وقد استدل بذلك على جواز إخراج الدقيق كما يجوز إخراج السويق، وبه قال أحمد

(1)

وأبو القاسم الأنماطي

(2)

، لأنه مما يكال وينتفع به الفقير، وقد كفي فيه الفقير مؤنة الطحن.

وقال الشافعي

(3)

ومالك

(4)

: إنه لا يجزئ إخراجه لحديث ابن عمر المتقدم

(5)

، ولأن منافعه قد نقصت، والنصّ ورد في الحبّ وهو يصلح لما لا يصلح له الدقيق والسويق.

قوله: (من سلت) بضم السين المهملة وسكون اللام بعدها مثناة فوقية: نوع من الشعير وهو كالحنطة في ملاسته وكالشعير في برودته وطبعه.

والروايات المذكورة في الباب تدلّ على أن الواجب من هذه الأجناس المنصوصة في الفطرة صاع ولا خلاف في ذلك إلا في البرّ والزبيب.

وقد ذهب أبو سعيد

(6)

وأبو العالية (6) وأبو الشعثاء والحسن البصري (6)

(1)

المغني (4/ 294).

(2)

قال النووي في "المجموع"(6/ 94): "قال الشافعي والأصحاب: ولا يجزئ الدقيق، ولا السويق كما لا تجزئ القيمة.

وحكى المصنف والأصحاب: عن أبي القاسم الأنماطي: أن الدقيق يجزئ لأنه روي ذلك في حديث أبي سعيد الخدري: "أو صاعًا من دقيق"، رواه سفيان بن عيينة. وغلَّط الأصحاب الأنماطي في هذا، قالوا: وذكر الدقيق في الحديث ليس بصحيح.

قال أبو داود السجستاني في سننه: ذكر الدقيق وهم من ابن عيينة.

وروى أبو داود أن ابن عيينة أنكروا عليه ذكر الدقيق فتركه.

قال البيهقي: أنكروا على ابن عيينة الدقيق فتركه. قال: وقد روى جوازه عن ابن سيرين عن ابن عباس منقطعًا موقوفًا على طريق التوهم. قال: وليس بثابت.

قال: وروي من أوجه ضعيفة لا تساوي ذكرها

" اهـ.

(3)

المجموع (6/ 94).

(4)

المدونة (1/ 357).

(5)

برقم (1620) من كتابنا هذا.

(6)

قال ابن قدامة في المغني (4/ 285): "

الواجب في صدقة الفطر عن كل إنسان، لا يجزئ أقل من ذلك - أي صاع - من جميع أجناس المخرج.

وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق.

ورُوي ذلك عن أبي سعيد الخدري، والحسن، وأبي العالية. =

ص: 212

وجابر بن زيد

(1)

والشافعي

(2)

ومالك

(3)

وأحمد

(4)

وإسحق (4) والهادي

(5)

والقاسم (5) والناصر (5) والمؤيد بالله (5) إلى أن البرّ والزبيب كذلك يجب من كل واحد منهما صاع.

وقال من تقدم ذكره من الصحابة في كلام ابن المنذر، وزاد في البحر

(6)

: أبا بكر، وإليه ذهب أبو حنيفة

(7)

وأصحابه وزيد بن علي (5) والإمام يحيى (5) أن الواجب نصف صاع منهما.

والقول الأول أرجح؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعًا من طعام، والبرّ مما يطلق عليه اسم الطعام إن لم يكن غالبًا فيه كما تقدم، وتفسيره بغير البر إنما هو لما تقدم من أنه لم يكن معهودًا عندهم فلا يجزئ دون الصاع منه.

ويمكن أن يقال: إن البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام مخصص بما أخرجه الحاكم

(8)

من حديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "صدقة الفطر مدّان من قمح".

= ورُوي عن عثمان بن عفان، وابن الزبير، ومعاوية، أنه يجزئ نِصْفُ صاع من البر خاصَّةً. وهو مذهبُ سعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، وأصحاب الرأي.

واختلفتِ الروايةُ عن علي، وابن عباس، والشعبي، فروِيَ صاعٌ، وروي نصف صاع.

وعن أبي حنيفة في الزبيب روايتان: (إحداهما): صاع، و (الأخرى): نصف صاع" اهـ.

(1)

فقه الإمام جابر بن زيد. لـ (يحيى محمد بكوش)(ص 273).

(2)

المجموع (6/ 89).

(3)

في المدونة (1/ 357).

(4)

المغني (4/ 285).

(5)

البحر الزخار (2/ 201 - 202).

(6)

البحر الزخار (2/ 201).

(7)

شرح فتح القدير (2/ 286).

(8)

لم أقف عليه في المستدرك بهذا اللفظ.

والذي في المستدرك (1/ 410) عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر صارخًا ببطن مكة ينادي:"إنَّ صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حرٍّ أو مملوك، حاضرٍ أو باب، صاع من شعير أو تمر".

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه الألفاظ.

وقال الذهبي في تلخيصه: خبر منكر جدًّا. =

ص: 213

وأخرج نحوه الترمذي

(1)

من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا أيضًا.

وأخرج نحوه الدارقطني

(2)

من حديث عصمة بن مالك وفي إسناده الفضل بن المختار

(3)

وهو ضعيف.

وأخرج أبو داود

(4)

والنسائي

(5)

عن الحسن مرسلًا بلفظ: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة صاعًا من تمر أو من شعير أو نصف صاع من قمح".

وأخرج أبو داود

(6)

من حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صُعَيْرٍ بلفظ: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقة الفطر صاع من برّ أو قمح عن كل اثنين".

وأخرج سفيان الثوري في جامعه

(7)

عن علي عليه السلام موقوفًا بلفظ: "نصف صاع بر"، وهذه تنتهض بمجموعها للتخصيص.

= قال العقيلي في "الضعفاء الكبير"(4/ 416): حديث يحيى بن عباد عن ابن جريج يدل على الكذب.

(1)

في سننه رقم (674) وقال: هذا حديث حسن غريب.

قلت: بل هو ضعيف الإسناد.

(2)

في السنن (2/ 149 رقم 49) بسند ضعيف جدًّا.

(3)

الفضل بن المختار، أبو سهل البصري، عن أبي ذئب وغيره. قال أبو حاتم: أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل. وقال الأزدي: منكر الحديث جدًّا. وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة، عامتها لا يتابع عليها.

وأورد الذهبي في الميزان (3/ 358 - 359 رقم 6750) في ترجمته بعض الأحاديث وهذا منها، وتعقبها بقوله:"فهذه أباطيل وعجائب".

(4)

في سننه رقم (1622).

قال المنذري في "المختصر"(2/ 221): "قال النسائي: الحسن لم يسمع من ابن عباس.

وهذا الذي قاله النسائي قاله: الإمام أحمد وعلي بن المديني وغيرهما من الأئمة. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: الحسن لم يسمع من ابن عباس" اهـ.

(5)

في سننه رقم (2508).

وهو حديث ضعيف، والله أعلم.

(6)

في سننه رقم (1620) وهو حديث صحيح.

(7)

جامع سفيان الثوري: (سفيان بن سعيد بن مسروق، ت: 161 هـ) ذكره له الذهبي، في "السير"(7/ 230)، (8/ 272، 515) وذكر ابن النديم في الفهرست (225) أن له جامعان: كبير وصغير.

(معجم المصنفات ص 154 رقم (384).

ص: 214

وحديث أبي سعيد

(1)

الذي فيه تصريح بالحنطة قد تقدم ما فيه، على أنه لم يذكر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك

(2)

.

41/ 1622 - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ)

(3)

. [صحيح]

قوله: (قبل خروج الناس إلى الصلاة)، قال ابن التين

(4)

: أي قبل خروج الناس إلى صلاة العيد وبعد صلاة الفجر.

قال ابن عيينة في تفسيره

(5)

عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإن الله تعالى يقول:{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)}

(6)

.

ولابن خزيمة

(7)

من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال: "نزلت في زكاة الفطر".

(1)

تقدم برقم (1620) من كتابنا هذا.

(2)

قلت: الراجح كما قال النووي في "روضة الطالبين"(2/ 301): "الواجب في الفطرة صاع من أي جنس أخرجه" اهـ.

(3)

أخرجه أحمد (2/ 67، 151) والبخاري رقم (1503)، ومسلم رقم [22/ 986] وأبو داود رقم (1610) والترمذي رقم (677) والنسائي رقم (2521).

(4)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(3/ 375).

(5)

صرح الحافظ ابن حجر أنه رأى نسخة منه بخط الضياء المقدسي، وبرواية سعيد بن عبد الرحمن عن ابن عيينة به.

وانظر: السير (17/ 149)، والأنساب (5/ 439 ط: حيدرآباد).

وقد جمع تفسير ابن عيينة وحققه: أحمد صالح محايري: نشره المكتب الإسلامي ومكتبة أسامة في الرياض. سنة (1403 هـ).

(معجم المصنفات ص 121 رقم 279).

• ولم أقف على قول ابن عيينة هذا في الكتاب الذي جمعة أحمد صالح محايري.

(6)

سورة الأعلى: الآية (14، 15).

(7)

في صحيح رقم (2420) بسند ضعيف جدًّا لاتهام كثير بن عبد الله بالكذب.

وانظر ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف هذا في: المجروحين (2/ 221)، والميزان (3/ 406) والجرح والتعديل (7/ 154).

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 80): "رواه البزار وفيه كثير بن عبد الله وهو ضعيف".

ص: 215

وصل الشافعي التقييد بقبل صلاة العيد على الاستحباب لصدق اليوم على جميع النهار.

وقد رواه أبو معشر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "كان يأمرنا أن نخرجها قبل أن نصلي فإذا انصرف قسمه بينهم وقال: أغنوهم عن الطلب"، أخرجه سعيد بن منصور

(1)

، ولكن أبو معشر

(2)

ضعيف. ووهم ابن العربي في عزو هذه الزيادة لمسلم.

وقد استدل بالحديث على كراهة تأخيرها عن الصلاة وحمله ابن حزم على التحريم

(3)

.

42/ 1623 - (وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطْرِ

(1)

قلت: وأخرجه الدارقطني في سننه (2/ 152 رقم 67)، والحاكم في "معرفة علوم الحديث"(ص 131)، والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 175).

قال البيهقي عقبه: "أبو معشر هذا نجيح السندي المديني، غيره أوثق منه".

وقال الحافظ في "التقريب" رقم الترجمة (7100): "ضعيف".

وكذا قال ابن الملقن في "خلاصة البدر المنير"(1/ 313 رقم 1083).

وقال النووي في "المجموع"(6/ 85) والحافظ في بلوغ المرام رقم الحديث (2/ 588) بتحقيقي: "إسناده ضعيف".

• وذكر له الحافظ في "التلخيص الحبير"(2/ 352) طريقًا أخرى عن نافع فقال: "قال ابن سعد في "الطبقات" (1/ 248):

حدثنا محمد بن عمر، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي، عن الزهري عن عروة، عن عائشة، وعن عبد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر وعن عبد العزيز بن محمد عن بريح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن جده قالوا:

"فرض صوم رمضان

إلى قوله: "أغنوهم - يعني المساكين - عن طواف هذا اليوم".

وفي سنده محمد بن عمر الواقدي متروك متهم بالكذب.

وقال ابن عدي في "الكامل"(6/ 2247): وهذه الأحاديث التي أمليتها للواقدي، والتي لم أذكرها كلها غير محفوظة. ومن يروي عن الواقدي من الثقات فتلك الأحاديث غير محفوظة عنهم إلا من رواية الواقدي والبلاء منه. ومتون أخبار الواقدي غير محفوظة وهو بيِّن الضعف" اهـ.

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(2)

انظر التعليقة السابقة.

(3)

المحلى (6/ 142 - 143 رقم المسألة 718).

ص: 216

طُهْرَةً للصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفْثِ، وَطُعْمَةً للمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدّاها بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(1)

وَابْنُ مَاجَهْ)

(2)

. [حسن]

الحديث أخرجه أيضًا الدارقطني

(3)

والحاكم

(4)

وصححه.

قوله: (طهرة) أي تطهيرًا لنفس من صام رمضان من اللغو، وهو ما لا ينعقد عليه القلب من القول والرفث.

قال ابن الأثير

(5)

: الرفث هنا: هو الفحش من الكلام.

قوله: (وطُعمة) بضم الطاء وهو الطعام الذي يؤكل.

وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة كما ذهب إليه الهادي (6) والقاسم (6) وأبو طالب (6). وقال المنصور (6) بالله: هي كالزكاة فتصرف في مصارفها، وقواه المهدي

(6)

.

قوله: (من أدّاها قبل الصلاة)، أي قبل صلاة العيد.

قوله: (فهي زكاة مقبولة)، المراد بالزكاة صدقة الفطر.

قوله: (فهي صدقة من الصدقات)، يعني التي يتصدق بها في سائر الأوقات، وأمر القبول فيها موقوف على مشيئة الله تعالى.

والظاهر أن من أخرج الفطرة بعد صلاة العيد كان كمن لم يخرجها باعتبار اشتراكهما في ترك هذه الصدقة الواجبة.

(1)

في سننه رقم (1609).

(2)

في سننه رقم (1827).

(3)

في السنن (2/ 138 رقم 1) وقال: ليس فيهم مجروح.

(4)

في المستدرك (1/ 409).

قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

وقال الشيخ في "الإمام": لم يخرج الشيخان لأبي يزيد - الخولاني - ولا لسيار - بن عبد الرحمن الصدفي - شيئًا. (التعليق المغني).

وهو حديث حسن.

(5)

النهاية (2/ 241).

(6)

البحر الزخار (2/ 203).

ص: 217

وقد ذهب الجمهور

(1)

إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط، وجزموا بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر، والحديث يردّ عليهم.

وأما تأخيرها عن يوم العيد فقال ابن رسلان: إنه حرام بالاتفاق لأنها زكاة، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم كما في إخراج الصلاة عن وقتها.

وحُكِي في البحر

(2)

عن المنصور بالله أن وقتها إلى آخر اليوم الثالث من شهر شوال.

43/ 1624 - (وَعَنْ إسْحقَ بْنِ سُلَيْمَانَ الرَّازِي قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: أبا عَبْدِ الله كَمْ قَدْرُ صَاعِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالعِرَاقِيّ، أنا حَزَرْتُهُ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ اللهِ خَالَفْتَ شَيْخَ القَوْمِ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لِجُلَسَائِنَا: يَا فُلَانُ هَاتِ صَاعَ جَدّكَ، يَا فُلَانُ هَاتِ صَاعَ عَمِّكَ، يَا فُلَانُ هَاتِ صَاعَ جَدَّتِكَ؛ قَالَ إِسْحقَ: فاجْتَمَعَتْ آصُعٌ، فَقَالَ: ما تَحْفَظُونَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ هَذَا: حَدَّثَنِي أَبي عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَدّي بِهَذَا الصَّاعِ إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم؛ وَقَالَ هَذَا: حَدَّثَنِي أَبي عَنْ أَخِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي بِهَذَا الصَّاعِ إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم؛ وَقَالَ الآخَرُ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا أَدَّتْ بِهَذَا الصَّاعِ إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم؛ فَقَالَ مَالِكٌ: أنا حَزَرْتُ هَذِهِ فَوَجَدْتُهَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ)

(3)

. [إسناده مظلم]

(1)

المغني (4/ 297 - 298).

(2)

البحر الزخار (2/ 196).

(3)

في السنن (2/ 151 رقم 58).

قال ابن عبد الهادي في "التنقيح"(2/ 254) عقب هذا الحديث: "هذا إسناد مظلم، وبعض رجاله غير مشهور.

والمشهور ما رواه البيهقي (4/ 171) من حديث الحسين بن الوليد القرشي - وهو ثقة مأمون - قال: قدم علينا أبو يوسف من الحج، فقال: إني أريد أن أفتح عليكم بابًا من العلم أهمني. ففحصت عنه، فقدمت المدينة، فسألت عن الصاع فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت لهم: ما حجتكم في ذلك؟ فقالوا: نأتيك بالحجة غدًا.

فلما أصبحت أتاني نحو من خمسين شخصًا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظرت فإذا هي سواء. =

ص: 218

هذه القصة مشهووة أخرجها أيضًا البيهقي

(1)

بإسناد جيد.

وقد أخرج ابن خزيمة

(2)

والحاكم

(3)

من طريق عروة عن أسماء بنت أبي بكر: "أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدّ الذي يقتات به أهل المدينة".

وللبخاري

(4)

عن مالك عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان يعطي زكاة رمضان عند النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدّ الأوّل".

ولم يختلف أهل المدينة في الصاع وقدره من لدن الصحابة إلى يومنا هذا أنه كما قال أهل الحجاز: خمسة أرطال وثلث بالعراقي

(5)

.

= قال: فعيّرته، فإذا هو خمسة أرطال وثلث ينقصان معه يسير فرأيت أمرًا قويًا، فقد تركت قول أبي حنيفة في الصاع، وأخذت بقول أهل المدينة.

هذا هو المشهور من قول أبي يوسف رحمه الله.

وقد روى أن مالكًا ناظره في ذلك، واستدل عليه بالصيعان التي جاء بها أولئك الرهط فرجع أبو يوسف إلى قوله.

وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سمعت علي بن المديني يقول: عيّرت صاع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل بالتمر" اهـ.

(1)

في السنن الكبرى (4/ 171) بسند جيد. وقد تقدم في التعليقة السابقة.

(2)

في صحيحه رقم (2401) قال محققه: إسناده حسن لغيره محمد بن عزيز: ضعيف وتكلموا في سماعه عن سلامة إلا أن له متابعًا عند البيهقى (4/ 170) برواية الليث عن عقيل.

(3)

في المستدرك (1/ 412). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.

(4)

في صحيحه رقم (6713).

(5)

الصاع = 4 أمداد.

المد = 1 و 1/ 3 رطلًا بغداديًا.

الرطل البغدادي = 128 و 4/ 7 درهمًا = 128.57142 درهمًا.

الدرهم = 3.17 غرامًا.

وزن الرطل البغدادي = 128.57142 × 3.17 × 408 غرامًا.

إذًا المد = 1 و 1/ 3 رطلًا × 408 غرامًا وزن الرطل = 544 غرامًا وزن المد من القمح.

إذًا الصاع = 4 أمداد × 544 غرامًا وزن المد = 2176 غرامًا وزن الصاع من القمح.

أو = 2.176 كيلو غرام وزن الصاع من القمح. [انظر: الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية. للمحقق].

ص: 219

وقال العراقيون منهم أبو حنيفة

(1)

: إنه ثمانية أرطال، وهو قول مردود، تدفعه هذه القصة المسندة إلى صيعان الصحابة التي قررها النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقد رجع أبو يوسف

(2)

يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة بعد هذه الواقعة إلى قول مالك وترك قول أبي حنيفة.

قوله: (أنا حزرته)، بالحاء المهملة المفتوحة بعدها زاي مفتوحة ثم راء ساكنة: أي قدرته.

قوله: (آصع) جمع صاع. قال في البحر

(3)

: والصاع أربعة أمداد إجماعًا.

(فائدة) قد اختلف في القدر الذي يعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة، فقال الهادي (4) والقاسم (4) وأحد قولي المؤيد بالله

(4)

أنه يعتبر أنه يملك قوت عشرة أيام فاضلًا عما استثنى للفقير، وغير الفطرة.

لما أخرجه أبو داود

(5)

في حديث ابن أبي صعير عن أبيه في رواية بزيادة "غنيّ أو فقير" بعد "حرّ أو عبد".

ويجاب عن هذا الدليل بأنه وإن أفاد عدم اعتبار الغنى الشرعي فلا يفيد اعتبار ملك قوت عشر.

وقال زيد بن عليّ

(6)

وأبو حنيفة

(7)

وأصحابه: إنه يعتبر أن يكون المخرج غنيًا غنًى شرعيًا. واستدل لهم في البحر

(8)

بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الصدقة [ما كان]

(9)

عن ظهر غِنًى"

(10)

وبالقياس على زكاة المال.

(1)

البناية في شرح الهداية (3/ 588).

(2)

كما في السنن الكبرى للبيهقي (4/ 171) بسند جيد.

(3)

البحر الزخار (2/ 203).

(4)

البحر الزخار (2/ 198).

(5)

في سننه رقم (1619) وهو حديث ضعيف.

(6)

البحر الزخار (2/ 197 - 198).

(7)

ذكره صاحب البحر الزخار (2/ 197 - 198).

(8)

(2/ 198).

(9)

في المخطوط (أ): (ما كانت) وما أثبتناه من المخطوط (ب) ومصادر الحديث.

(10)

أخرجه أحمد في المسند (2/ 476) والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 466) والبغوي في شرح السنة رقم (1674) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كان عن ظهرِ غِنًى

".

وهو حديث صحيح.

ص: 220

ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب لأنه بلفظ: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى"، كما أخرجه أبو داود

(1)

.

ومعارض أيضًا بما أخرجه أبو داود

(2)

والحاكم

(3)

من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصدقة: جَهْدُ المُقِلّ".

وما أخرجه الطبراني

(4)

من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "أفضل الصدقة سرّ إلى فقير وجهد من مقلّ"، وفسره في النهاية

(5)

بقدر ما يحتمل حال قليل المال.

وما أخرجه النسائي

(6)

وابن خزيمة

(7)

وابن حبان في صحيحه

(8)

واللفظ له والحاكم

(9)

وقال: على شرط مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبق درهم مائة ألف درهم، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدّق بها، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدّق به، فهذا تصدّق بنصف ماله" الحديث.

(1)

في سننه رقم (1676) وكان الأجدر بالإمام الشوكاني أن يُعزه للإمام البخاري، فقد أخرجه في صحيحه رقم (1426).

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيرُ الصدقةِ ما كان عن ظهرِ غنًى

".

(2)

في سننه رقم (1677).

(3)

في المستدرك (1/ 414) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

ووافقه الذهبي.

قلت: وأخرجه أحمد (2/ 358) وابن حبان رقم (3346) وابن خزيمة رقم (2444) والبيهقي (4/ 180).

وهو حديث صحيح.

(4)

وهو جزء من حديث أبي أمامة عند الطبراني في الكبير رقم (7871).

قلت: وأخرجه أحمد (5/ 265 - 266).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 115) وقال: "رواه أحمد في حديث طويل والطبراني في الكبير، وفيه علي بن زيد وفيه كلام" اهـ.

قلت: إسناده ضعيف جدًّا، والله أعلم.

(5)

النهاية (4/ 104).

(6)

في سننه رقم (2527، 2528).

(7)

في صحيحه رقم (2443).

(8)

رقم (3347).

(9)

في المستدرك (1/ 416) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

ووافقه الذهبي.

وهو حديث حسن، والله أعلم.

ص: 221

وأما الاستدلال بالقياس فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، إذ وجوب الفطرة متعلق بالأبدان، والزكاة بالأموال.

وقال مالك والشافعي

(1)

وعطاء

(2)

وأحمد بن حنبل

(3)

وإسحق

(4)

والمؤيد بالله

(5)

في أحد قوليه: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا لقوت يوم وليلة لما تقدم من أنها طهرة للصائم. ولا فرق بين الغني والفقير في ذلك.

ويؤيد ذلك ما تقدم من تفسيره صلى الله عليه وسلم من لا يحل له السؤال بمن: يملك ما يغدّيه ويعشيه، وهذا هو الحق؛ لأن النصوص أطلقت ولم تخص غنيًا ولا فقيرًا، ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا له، لا سيما العلة التي شرعت لها الفطرة موجودة في الغني والفقير، وهي التطهرة من اللغو والرفث، واعتبار كونه واجدًا لقوت يوم وليلة أمر لا بد منه.

لأنه المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم كما أخرجه البيهقي

(6)

(1)

قال النووي في "المجموع"(6/ 67): "ذكرنا أن مذهبنا - الشافعية - أنه يشترط أن يملك فاضلًا عن قوته وقوت من يلزمه نفقته ليلة العيد ويومه.

حكاه العبدري عن أبي هريرة، وعطاء، والشعبي، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور.

وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من يملك نصابًا من الذهب أو الفضة، أو ما قيمة نصاب فاضلًا عن مسكنه وأثاثه الذي لا بد منه.

قال العبدري: ولا يحفظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة.

قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من لا شيء له فلا فطرة عليه" اهـ.

(2)

انظر: التعليقة السابقة والتعليقة اللاحقة.

(3)

قال ابن قدامة في "المغني"(4/ 307):

"إن صدقة الفِطر واجبة على من قدر عليها، ولا يُعتبر في وجُوبها نصاب.

وبهذا قال أبو هريرة، وأبو العالية، والشعبي، وعطاء، وابن سيرين، والزُّهري، ومالك، وابن المبارك والشافعي، وأبو ثور.

وقال أصحاب الرأي: لا تجب إلا على من يملك مائتي درهم، أو ما قيمتُه نصاب فاضلًا عن مسكنه

" اهـ.

(4)

انظر: التعليقة السابقة.

(5)

البحر الزخار (2/ 198).

(6)

في السنن الكبرى (4/ 175) وقد تقدم في نهاية شرح الحديث (41/ 1622) من كتابنا هذا.

ص: 222

والدارقطني

(1)

عن ابن عمر قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر وقال: أغنوهم في هذا اليوم".

وفي رواية البيهقي

(2)

: "أغنوهم عن طواف هذا اليوم".

وأخرجه أيضًا ابن سعد في الطبقات

(3)

من حديث عائشة وأبي سعيد.

فلو لم يعتبر في حق المخرج ذلك لكان ممن أمرنا بإغنائه في ذلك اليوم لا من المأمورين بإخراج الفطرة وإغناء غيره.

وبهذا يندفع ما اعترض به صاحب البحر

(4)

عن أهل هذه المقالة من أنه يلزمهم إيجاب الفطرة على من لم يملك إلا دون قوت اليوم ولا قائل به.

* * *

(1)

في السنن (2/ 152 رقم 67) وقد تقدم في نهاية شرح الحديث (41/ 1622) من كتابنا هذا.

(2)

في السنن الكبرى (4/ 175) وقد تقدم في نهاية شرح الحديث (41/ 1622) من كتابنا هذا.

(3)

(1/ 248) وقد تقدم في نهاية شرح الحديث (41/ 1622) من كتابنا هذا.

والخلاصة: أنه حديث ضعيف.

(4)

البحر الزخار (2/ 198).

ص: 223

[الكتاب الخامس] كتاب الصيام

[أولًا: أبواب ما يثبت به الصوم والفطر. وعلى من يجب الصوم وممن يصح]

قال النووي في شرح مسلم

(1)

، والحافظ في الفتح

(2)

: الصيام في اللغة: الإمساك.

وفي الشرع: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، بشرائط مخصوصة، انتهى.

وكان فرض صوم [شهر]

(3)

رمضان في السنة الثانية من الهجرة.

(1)

(7/ 186).

(2)

(4/ 102).

(3)

زيادة من المخطوط (أ).

• واعلم أنه لا كراهة في قول القائل: جاء (رمضان) وذهب (رمضان)، وهو مذهب الجمهور.

لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا جاء (رمضان) فُتحت أبوابُ الجنَّةِ، وغلِّقت أبوابُ النار، وصُفِّدَتِ الشياطين".

أخرجه البخاري مختصرًا رقم (1898) ومسلم رقم (1079).

وأشباه هذا في الصحيحين غير منحصرة.

ولأنَّ الكراهة لا تثبت إلا بنهي شرعي، ولم يثبت من الشارع نهي بذلك.

أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان".

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 201) وابن عدي في "الكامل"(7/ 2517) والذهبي في الميزان (4/ 247).

قال الإمام النووي في "المجموع"(6/ 248): "هذا حديث ضعيف، ضعفه البيهقي وغيره، والضعف فيه بيّن، فإن من رواته: نجيح السندي وهو ضعيف سيء الحفظ" اهـ.

والخلاصة: أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة، والله أعلم.

وأسماء الله توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح (فتح الباري 4/ 112 - 115).

ص: 224

[الباب الأول] باب ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود

1/ 1625 - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الهِلالَ فأخْبَرْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَني رَأيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيامِهِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ

(1)

وَالذَارَقُطْنِي

(2)

وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَهُوَ ثِقةٌ). [صحيح]

2/ 1626 - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِني رَأيْتُ الهِلَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ، فَقَالَ:"أتشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:"أتَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:"يَا بِلَالُ أَذّن فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غدًا"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا أَحْمَدَ

(3)

.

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(4)

أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سِمَاكِ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: فَأمَرَ بِلالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ أَنْ يَقُومُوا وَأَنْ يَصُومُوا). [ضعيف]

(1)

في سننه رقم (2342).

(2)

في سننه (2/ 156 رقم 1).

قلت: وأخرجه ابن حبان رقم (3447) والحاكم في المستدرك (1/ 423) والدارمي (2/ 4) والبيهقي (4/ 212).

قال الدارقطني: تفرّد به مروان بن محمد، عن ابن وهب وهو ثقة فيه نظر، فقد تابعه هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب، عند الحاكم والبيهقي.

وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

وخلاصة القول: إن حديث ابن عمر حديث صحيح، والله أعلم.

(3)

أخرجه أبو داود رقم (2340) والنسائي رقم (2113) والترمذي رقم (691) وابن ماجه رقم (1652).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (1923) وابن حبان رقم (3446) وابن أبي شيبة (3/ 68) وأبو يعلى رقم (2529) والدارمي (2/ 5) والطحاوي في مشكل الآثار رقم (482) و (483) و (484) وابن الجارود رقم (379) و (380) والحاكم (1/ 424) والبيهقي (4/ 211) والدارقطني (2/ 158) والبغوي في شرح السنة رقم (1724) من طرق.

(4)

في سننه رقم (2341) من طريق حماد. قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (3/ 67 - 68) من طريق إسرائيل. وعبد الرزاق رقم (7342) والنسائي (4/ 132) والطحاوي رقم (485) والدارقطني (2/ 159) من طريق سفيان ثلاثتهم عن سماك، عن عكرمة مرسلًا.

قال النسائي: إنه أولى بالصواب. (نصب الراية: 2/ 443).

وخلاصة القول: إن حديث ابن عباس حديث ضعيف، والله أعلم.

ص: 225

الحديث الأول أخرجه أيضًا الدارمي

(1)

وابن حبان

(2)

والحاكم وصححاه

(3)

والبيهقي

(4)

وصححه ابن حزم

(5)

، كلهم من طريق أبي بكر بن نافع عن نافع عنه.

والحديث الثانني أخرجه أيضًا ابن حبان

(6)

والدارقطني

(7)

والبيهقي

(8)

والحاكم

(9)

.

قال الترمذي

(10)

: روي مرسلًا.

وقال النسائي

(11)

: إنه أولى بالصواب وسماك بن حرب إذا تفرد بأصل لم يكن حجة.

وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر أيضًا عند الدارقطني

(12)

والطبراني في الأوسط

(13)

من طريق طاوس قال: "شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس، فجاء رجل إلى واليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يجيزه وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين".

قال الدارقطني

(14)

: تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف.

والحديثان المذكوران في الباب يدلان على أنها تقبل شهادة الواحد في دخول رمضان.

(1)

في السنن (2/ 4) وقد تقدم.

(2)

في صحيحه رقم (3447) وقد تقدم.

(3)

في المستدرك (1/ 423) وقد تقدم.

(4)

في السنن الكبرى (4/ 212) وقد تقدم.

(5)

في المحلى (6/ 236) حيث قال: "وهذا خبر صحيح".

(6)

في صحيح رقم (3446) وقد تقدم.

(7)

في السنن (2/ 158) وقد تقدم.

(8)

في السنن الكبرى (4/ 211) وقد تقدم.

(9)

في المستدرك (1/ 424) وقد تقدم.

(10)

في السنن (2/ 75).

(11)

في السنن (2/ 132).

(12)

في السنن (2/ 165 رقم 3) وقال: تفرد به حفص بن عمر الأيلي أبو إسماعيل، وهو ضعيف الحديث.

(13)

في الأوسط رقم (5353).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 146) وقال: فيه حفص بن عمر الأيلي، وهو ضعيف.

والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(14)

في سننه (2/ 156).

ص: 226

وإلى ذلك ذهب ابن المبارك

(1)

وأحمد بن حنبل

(2)

والشافعي

(3)

في أحد قوليه.

قال النووي

(4)

: وهو الأصح، وبه قال المؤيد بالله

(5)

.

وقال مالك

(6)

والليث (7) والأوزاعي

(7)

والثوري

(8)

والشافعي

(9)

في أحد قوليه والهادوية

(10)

: إنه لا يقبل الواحد بل يعتبر اثنان.

واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الآتي

(11)

، وفيه:"فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا".

وبحديث أمير مكة الآتي

(12)

، وفيه:"فإن لم نره وشهد شاهدا عدل"، وظاهرهما اعتبار شاهدين.

وتأولوا الحديثين المتقدمين باحتمال أن يكون قد شهد عند النبي صلى الله عليه وسلم غيرهما.

وأجاب الأولون بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم.

(1)

انظر: التعليقة الآتية.

(2)

قال ابن قدامة في المغني (4/ 416 - 417): "المشهور عن أحمد، أنه يقبل في هلال رمضان قول واحدٍ عدلٍ. ويلزم الناس الصيام بقوله.

وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن المبارك والشافعي في الصحيح عنه".

وروى عن أحمد أنه قال: اثنين أعجب إليَّ

" اهـ.

(3)

قال الشافعي في "الأم"(3/ 232): "

وبهذا نقول، فإن لم تر العامة هلال شهر رمضان، ورآه رجل عدل، رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط " اهـ.

(4)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 190).

(5)

البحر الزخار (2/ 245).

(6)

عيون المجالس (2/ 614 - 615) والمنتقى للباجي (2/ 36).

(7)

انظر: المجموع (6/ 282) والشرح الكبير مع المغني (3/ 8).

(8)

موسوعة فقه سفيان الثوري (ص 591).

(9)

قال الشافعي في الأم (3/ 232): "قال الشافعي بعدُ: لا يجوز على هلال رمضان إلا شاهدان.

قال الشافعي رحمه الله: وقد قال بعض أصحابنا: لا أَقبل عليه إلا شاهدين، وهذا القياس على كل مُغَيَّب استدل عليه ببينة. وقال بعضهم: جماعة

" اهـ.

(10)

البحر الزخار (2/ 245).

(11)

برقم (4/ 1628) من كتابنا هذا.

(12)

برقم (5/ 1629) من كتابنا هذا

ص: 227

وحديثا الباب يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح

(1)

.

وأما التأويل بالاحتمال المذكور فتعسف وتجويز لو صح اعتبار مثله لكان مفضيًا إلى طرح أكثر الشريعة.

وحكي في البحر

(2)

عن الصادق وأبي حنيفة وأحد قولي المؤيد بالله أنه يقبل الواحد في الغيم لاحتمال خفاء الهلال عن غيره لا الصحو فلا يقبل إلا جماعة لبُعد خفائه.

واختلف أيضًا في شهادة خروج رمضان، فحكي في البحر

(3)

عن العترة جميعًا والفقهاء أنه لا يكفي الواحد في هلال شوال.

وحكي عن أبي ثور

(4)

أنه يقبل.

قال النووي في شرح مسلم

(5)

: لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل، انتهى.

واستدل الجمهور بحديث ابن عمر

(6)

وابن عباس

(7)

المتقدم، وهو مما لا تقوم به حجة لما تقدم من ضعف من تفرد به.

وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب

(8)

وحديث أمير مكة

(9)

الآتيان فهما واردان في شهادة دخول رمضان.

أما حديث أمير مكة (9) فظاهر لقوله فيه: "نسكنا بشهادتهما".

وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (8) ففي بعض ألفاظه: "إلا أن

(1)

انظر. "إرشاد الفحول"(ص 587) والبحر المحيط (4/ 8).

(2)

البحر الزخار (2/ 245 - 246).

(3)

البحر الزخار (2/ 246).

(4)

"ذهب الإمام أبو ثور: إلى أن هلال الفطر من رمضان - أي هلال شوال - يثبت بشهادة الشاهد الواحد العدل، نقل ذلك عنه ابن جزيء وغيره.

هذا وقد خالف الإمام أبو ثور - فيما ذهب إليه - من قبول خبر الواحد العدل لثبوت هلال شهر شوال، الأئمة الأربعة، ولم يقل برأيه إلا ابن المنذر

"، فقه الإمام أبي ثور (ص 309 - 310).

(5)

(7/ 190).

(6)

تقدم برقم (1625) من كتابنا هذا، وهو حديث صحيح.

(7)

تقدم برقم (1626) من كتاينا هذا، وهو حديث ضعيف.

(8)

برقم (4/ 1628) من كتابنا هذا.

(9)

برقم (5/ 1629) من كتابنا هذا

ص: 228

يشهد شاهدا عدل"، وهو مستثنى من قوله: "فأكملوا عدة شعبان"، فالكلام في شهادة دخول رمضان.

وأما اللفظ الذي سيذكره المصنف، أعني قوله:"فإن شهد مسلمان فصوموا وأفطروا"، فمع كون مفهوم الشرط قد وقع الخلاف في العمل به هو أيضًا معارض بما تقدم من قبوله صلى الله عليه وسلم لخبر الواحد في أول الشهر، وبالقياس عليه في آخره لعدم الفارق فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به، وإذا لم يرد ما يدل على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلة الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه واحد قياسًا على الاكتفاء به في الصوم.

وأيضًا التعبد بقبول خبر الواحد

(1)

يدل على قبوله في كل موضع إلا ما ورد الدليل بتخصيصه بعدم التعبد فيه بخبر الواحد، كالشهادة على الأموال ونحوها، فالظاهر ما قاله أبو ثور.

ويمكن أن يقال: إن مفهوم حديث عبد الرحمن بن زيد

(2)

قد عورض في أول الشهر بما تقدم.

وأما في آخر الشهر فلا ينتهض ذلك القياس لمعارضته لا سيما مع تأيده بحديث ابن عمر

(3)

وابن عباس

(4)

المتقدم، وهو إن كان ضعيفًا فذلك غير مانع من صلاحيته للتأييد، فيصلح ذلك المفهوم المعتضد بذلك الحديث لتخصص ما ورد من التعبد بأخبار الآحاد والمقام بعد محل نظر.

(1)

انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي (ص 401 - 461) تحت عنوان: "الحجةُ في تثبيت خبر الواحد" و"فتح الباري" 13/ (231 - 244) تحت عنوان، "كتاب أخبار الآحاد" ففيهما الحجة البالغة.

• وقال الحافظ في "الفتح"(13/ 235): "واحتج بعض الأئمة بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67]، مع أنّه كان رسولًا إلى الناس كافة، ويجب عليه تبليغهم، فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة لتعذر خطاب جميع الناس شفاهًا. وكذا تعذّر إرسال عدد التواتر إليهم، وهو مسلك جيد ينضم إلى ما احتج به الشافعي رحمه الله تعالى. ثم البخاري رحمه الله تعالى" اهـ.

(2)

سيأتي برقم (4/ 1628) من كتابنا هذا.

(3)

تقدم برقم (1625) من كتابنا هذا وهو حديث صحيح.

(4)

تقدم برقم (1626) من كتابنا هذا وهو حديث ضعيف.

ص: 229

ومما يؤيد القول بقبول الواحد مطلقًا أن قوله في أول رمضان يستلزم الإفطار عند كمال العدة استنادًا إلى قوله.

وأجيب عن ذلك بأنه يجوز الإفطار بقول الواحد ضمنًا لا صريحًا، وفيه نظر.

3/ 1627 - (وَعَنْ رِبْعِيّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آخِرِ يَوْم مِنْ رَمَضَانَ، فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا

(1)

عِنْدَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بالله لأهَلَّ الهِلالُ أمْسِ عَشِيَّة، فَأمَرَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا). رَوَاهُ أَحْمَدُ

(2)

وَأَبُو دَاوُدَ (3). وَزَاد فِي رِوَايَةٍ

(3)

: (وَأَنْ يَغْدُو إِلى مُصَلَّاهُمْ). [صحيح]

الحديث سكت عنه أبو داود

(4)

والمنذري

(5)

، ورجاله رجال الصحيح، وجهالة الصحابي غير قادحة.

وفي الباب عن عبيد الله أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له: "أن ركبًا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم". أخرجه أحمد

(6)

وأبو داود

(7)

والنسائي

(8)

وابن ماجه

(9)

، وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم

(10)

.

(1)

هنا لفظ (بالله) زيادة من المخطوط (ب) وهو مكرر.

(2)

في المسند (5/ 362 - 363).

(3)

في السنن رقم (2339).

قلت: وأخرجه الدارقطني (2/ 161) وابن الجارود رقم (396) كلهم من طريق منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

فذكره.

قال الدارقطني: "كلهم ثقات" أي رجاله.

والخلاصة: أن الحديث صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر.

(4)

في السنن (2/ 754).

(5)

في المختصر (3/ 226).

(6)

في المسند (5/ 57، 58).

(7)

في سننه رقم (1157).

(8)

في سننه (3/ 180).

(9)

في سننه رقم (1653).

قلت: وأخرجه الدارقطني (2/ 170) والبيهقي (4/ 250) وابن حزم في المحلى (5/ 92).

قال ابن حزم: "هذا مسند صحيح، وأبو عمير مقطوع على أنه لا يخفى عليه من أعمامه من صحت صحبته ممن لم تصح صحبته، وإنما يكون هذا علة ممن يمكن أن يخفى عليه هذا. والصحابة كلهم عدول رضي الله عنهم، لثناء الله تعالى عليهم" اهـ.

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(10)

في المحلى (5/ 92) وقد تقدم.

ص: 230

ورواه ابن حبان في صحيحه

(1)

عن أنس "أن عمومة له" وهو وهم كما قال أبو حاتم في العلل

(2)

.

والحديث يدل على قبول شهادة الأعراب وأنه يكتفي بظاهر الإسلام كما تقدم في حديث الأعرابي في أول الباب

(3)

: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم" الحديث.

وقد استدل بحديث الباب على اعتبار شهادة الاثنين في الإفطار، وغير خاف أن مجرد قبول شهادة الاثنين في واقعة لا يدل على عدم قبول الواحد.

قوله: (فأمر الناس أن يفطروا)، فيه ردّ على من زعم أن أمره صلى الله عليه وسلم بالإفطار خاص بالركب كما فعل الجلال في رسالة له، وقد نبهنا على ذلك في الاعتراضات التي كتبناها عليها وسميناها:"اطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال"

(4)

.

(1)

في صحيح رقم (3456).

قلت: وأخرجه البزار رقم (972 - كشف) والبيهقي (4/ 249) من طريق يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن عمومة له شهدوا

ثم ذكره.

قال البزار: أخطأ فيه سعيد بن عامر، وإنما رواه شعبة عن أبي بشر عن أبي عمير بن أنس، أن عمومة له شهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن عامر عن شعبة، وغلط فيه، إنما رواه شعبة عن أبي بشر.

(2)

في "العلل" رقم (683) حيث قال: "أخطأ فيه سعيد بن عامر إنما هو: شعبة، عن أبي بشر، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومته، عن النبي صلى الله عليه وسلم " اهـ.

(3)

تقدم برقم (1626) من كتابنا هذا.

(4)

ذكرها تلميذ الشوكاني العلامة محمد بن الحسن الشجني الذماري في كتابه الموسوم "حياة الإمام الشوكاني المسمى: كتاب التقصار في جيد زمان علَّامة الأقاليم والأمصار شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني (ص 102).

كما ذكرها: د. محمد حسن الغماري في كتابه: "الشوكاني مفسرًا"(ص 82). وذكرها: د. عبد الغني قاسم الشرجبي في كتابه: "الإمام الشوكاني: حياته وفكره"(ص 204 رقم 6).

وذكرها المؤرخ عبد الله الحبشي في ثبت بمؤلفات العلامة: محمد بن علي الشوكاني رقم (19)(ص 67) وقال: ذكرها صاحب كشف الظنون (1/ 95).

كما أنني راجعت فهرس المخطوطات في الجامع الكبير الشرقية والغربية، =

ص: 231

4/ 1628 - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ زيدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَالَ: ألا إِني جَالَسْتُ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَسَألْتُهُمْ، وَأَنَّهُمْ حَدَّثُونِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفطِرُوا لِرُؤْيتِهِ، وَانْسُكُوا لَهَا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأتمُّوا ثَلاِثينَ يَوْمًا، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مُسْلِمَانِ فَصُومُوا وَأفطِرُوا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

، وَرَوَاهُ النَّسَائِي

(2)

وَلَمْ يَقُلْ فِيه مُسْلِمَان). [صحيح]

5/ 1629 - (وَعَنْ أَمِيرِ مَكَّةَ الحارِثِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَنْسُكَ للرُّويَةِ، فَإنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(3)

وَالدَّارَقُطْنيُّ

(4)

وَقَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ). [صحيح]

الحديث الأول ذكره الحافظ في التلخيص

(5)

ولم يذكر فيه قدحًا، وإسناده لا بأس به على اختلاف فيه

(6)

.

والحديث الثاني سكت عنه أبو داود

(7)

والمنذري

(8)

، ورجاله رجال الصحيح إلا الحسين بن الحارث الجدلي وهو صدوق. وصححه الدارقطني (4) كما ذكر المصنف.

= وفهرس المخطوطات الخاصة فلم أقف على ذكر لها في هذه الفهارس، وبعد أن طبع "الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني"(1 - 12) بتحقيقي بدونها، قدمها لي أحد الإخوة وهي بخط المؤلف رحمه الله ولله الحمد والمنة، وستطبع في ملحق للفتح الرباني مع غيرها من الرسائل المفقودة إن شاء الله.

(1)

في المسند (4/ 321).

(2)

في المجتبى رقم (2116) وفي الكبرى (3/ 99 رقم 2437) قلت: وأخرجه البيهقي (2/ 167 - 168) والمزي في "تهذيب الكمال"(17/ 122).

وهو حديث صحيح لغيره.

(3)

في سننه رقم (2338).

(4)

في سننه (2/ 167) وقال: هذا إسناد متصل صحيح.

وهو حديث صحيح.

(5)

في "التلخيص"(2/ 358).

(6)

في إسناد أحمد والدارقطني والمزي: الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف.

وأما النسائي في المجتبى والكبرى لم يذكر الحجاج بن أرطاة في إسناده، وقد قال المزي في "تهذيب الكمال" (17/ 123): والصواب ذكره.

(7)

في السنن (2/ 754).

(8)

في المختصر (3/ 226).

ص: 232

والحارث بن حاطب

(1)

المذكور له صحبة، خرج مع أبيه مهاجرًا إلى أرض الحبشة وهو صغير.

وقيل: ولد بأرض الحبشة هو وأخوه محمد بن حاطب، واستعمل على مكة سنة ست وستين.

قوله: (وانسكوا لها)، وهو أعم من قوله:"صوموا لرؤيته"، لأن النسك في اللغة: العبادة وكلّ حقّ لله تعالى، كذا في القاموس

(2)

.

قوله: (فأتموا ثلاثين يومًا)، فيه الأمر بإتمام العدّة، وسيأتي الكلام على ذلك.

قوله: (مسلمان)، فيه دليل على أنها لا تقبل شهادة الكافر في الصيام والإفطار.

وقد استدل بالحديثين على اشتراط العدد في شهادة الصوم والإفطار، وقد تقدم الجواب عن ذلك الاستدلال.

قوله: (شاهدا عدل)، فيه دليل على اعتبار العدالة في شهادة الصوم، وعارض ذلك من لم يشترط العدالة بحديث الأعرابي المتقدم، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يختبره بل اكتفى بمجرد تكلمه بالشهادتين.

وأجيب بأنه أسلم في ذلك الوقت، والإسلام يجبُّ ما قبله، فهو عدل بمجرّد تكلمه بكلمة الإسلام وإن لم ينضم إليها عمل في تلك الحال.

[الباب الثاني] باب ما جاء في يوم الغيم والشك

6/ 1630 - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وإذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأفطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ"، أخْرَجَاهُ هُمَا

(3)

وَالنَّسَائِيُّ

(4)

وَابْنُ مَاجَهْ

(5)

.

(1)

تجريد أسماء الصحابة، للذهبي (1/ 97 رقم 919).

(2)

القاموس المحيط (ص 1233).

(3)

البخاري رقم (1900) ومسلم رقم (8/ 1080).

(4)

في السنن رقم (2123).

(5)

في سننه رقم (1654، 1655).

ص: 233

وَفِي لَفْظٍ: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاِثينَ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(1)

.

وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ: "الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا"، ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ:"صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا ثَلَاِثينَ"، رَوَاهُ مِسْلِمٌ

(2)

.

وفي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تَفْطُرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(3)

وَأَحْمَدُ

(4)

وَزَادَ: قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ، فَإِنْ رَأى فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإن حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أوْ قَتَرٌ أصبَحَ صَائِمًا). [صحيح]

قوله: (إذا رأيتموه)، أي الهلال هو عند الإسماعيلي

(5)

بلفظ: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهلال رمضان: إذا رأيتموه فصوموا"، وكذا أخرجه عبد الرزاق

(6)

.

وظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلًا أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل وهو ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها.

ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله:"فإن غمّ عليكم فاقدروا له"، فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو؛ وأما الغيم فله حكم آخر.

(1)

في صحيحه رقم (1907).

(2)

في صحيحه رقم (10/ 1080).

(3)

في صحيحه رقم (9/ 1080).

(4)

في المسند (1/ 258) و (2/ 13).

وهو حديث صحيح.

(5)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 115).

(6)

في المصنف (6/ 154 رقم 7304).

ص: 234

ويحتمل أن لا تفرقة، ويكون الثاني مؤكدًا للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة

(1)

، وإلى الثاني ذهب الجمهور

(2)

فقالوا: المراد بقوله: "فاقدروا له"، أي: قدروا أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين.

ويرجح هذه الروايات المصرحة بإكمال [العدة]

(3)

ثلاثين.

قوله: (فإن غم) بضم المعجم وتشديد الميم: أي حال بينه وبينكم سحاب أو نحوه.

قوله: (فاقدروا له) قال أهل اللغة

(4)

: يقال: قدرت الشيء أقدِره، وأقدُره

بكسر الدال وضمها، وقدرته وأقدرته كلها بمعنى واحد، وهي من التقدير كما قال

الخطابي

(5)

.

ومعناه عند الشافعية

(6)

والحنفية

(7)

وجمهور السلف والخلف

(8)

: فاقدروا له تمام الثلاثين يومًا.

لا كما قال أحمد بن حنبل

(9)

وغيره: إن معناه فذروه تحت السحاب، فإنه يكفي في رد ذلك الروايات المصرحة بالثلاثين كما تقدَّم.

ولا كما قال جماعة منهم: ابن شريح ومطرف بن عبد الله وابن قتيبة أن معناه قدّروه بحساب المنازل

(10)

.

قال في الفتح

(11)

: قال ابن عبد البر

(12)

: لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا.

(1)

الروض المربع شرح زاد المستقنع (4/ 266 - 267) والإنصاف (3/ 269).

(2)

حلية العلماء (3/ 178) والمجموع (6/ 276 - 277) وبدائع الصنائع (2/ 78) وتبيين الحقائق (1/ 317) والإشراف (1/ 195).

(3)

في المخطوط (ب): (العدد).

(4)

النهاية (4/ 22 - 23).

(5)

في أعلام الحديث له (2/ 944).

(6)

المجموع شرح المهذب (6/ 279).

(7)

شرح فتح القدير (2/ 319).

(8)

قال النووي في المجموع (6/ 279): "وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف، معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا" اهـ.

(9)

انظر: المغني (4/ 331).

(10)

المجموع (6/ 276) والفتح (4/ 122).

(11)

في الفتح (4/ 122).

(12)

في التمهيد (7/ 156).

ص: 235

ولا كما نقله ابن العربي

(1)

عن ابن شريح أن قوله: "فاقدروا له"، خطاب لمن خصّه الله بهذا العلم، وقوله:"فأكملوا العدة" خطاب للعامة.

لأنه كما قال ابن العربي

(2)

أيضًا: يستلزم اختلاف وجوب رمضان، فيجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، قال: وهذا بعيد عن النبلاء.

قوله: (الشهر تسع وعشرون)، ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين.

والمعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين، أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه.

ويؤيد الأول ما وقع في رواية لأم سلمة من حديث الباب

(3)

بلفظ: "الشهر يكون تسعة وعشرين".

ويؤيد الثاني قول ابن مسعود: "صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين"، أخرجه أبو داود

(4)

والترمذي

(5)

، ومثله عن عائشة عند أحمد

(6)

بإسناد جيد.

قوله: (فلا تصوموا حتى تروه)، ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في كل أحد، بل المراد بذلك رؤية البعض، إما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأي غيرهم. وقد تقدم الكلام على ذلك.

وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، وسيأتي تحقيقه.

(1)

في عارضة الأحوذي (3/ 207).

(2)

في عارضة الأحوذي (3/ 208).

(3)

تقدم برقم (1630) من كتابنا هذا.

(4)

في السنن رقم (2322).

(5)

في السنن رقم (689).

وهو حديث صحيح.

(6)

في المسند (9/ 273 رقم 57 - الفتح الرباني).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 147) وقال: "رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح".

ص: 236

قوله: (الشهر هكذا وهكذا .. ) إلخ. قال النووي

(1)

: حاصله أن الاعتبار بالهلال؛ لأن الشهر قد يكون تامًّا ثلاثين، وقد يكون ناقصًا تسعة وعشرين، وقد لا يرى الهلال فيجب إكمال العدة ثلاثين.

قال: قالوا: وقد يقع النقص متواليًا في شهرين وثلاثة وأربعة، ولا يقع أكثر من أربعة.

وفي هذا الحديث جواز اعتماد الإشارة.

قوله: (قتر) بفتح القاف والتاء الفوقية وبعدها راء: هو الغبرة على ما في القاموس

(2)

.

قوله: (أصبح قائمًا)، فيه دليل على أن ابن عمر كان يقول بصوم الشك، وسيأتي بسط الكلام في ذلك.

7/ 1631 - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فإنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ فكمِلُوا عِدةَ شَعْبَانَ ثَلاِثينَ"، رَوَاه البُخاريُّ

(3)

وَمُسْلِمٌ

(4)

وَقَالَ: "فإنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدوا ثَلاِثينَ".

وفي لفظ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَعُدوا ثَلَاِثينَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(5)

.

وفي لَفْظٍ: "إذَا رأيْتُمُ الهِلالَ فَصُومُوا، وَإذَا رأيْتُمُوهُ فأفْطِرُوا، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدوا ثَلاثينَ يَوْمًا"، رَوَاهُ أحْمَدُ

(6)

وَمُسْلِمٌ

(7)

وَابْنُ ماجَهْ

(8)

وَالنَّسائي

(9)

.

(1)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 190).

(2)

القاموس المحيط (ص 590).

"القتر: جمع قترة وهي الغبار، ومنه قوله تعالى: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} [عبس: 41]، وقال ابن زيد: "الفرق بين الغبرة والقترة، أن القترة: ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض" اهـ.

المطلع على المقنع: ص 146 ط: المكتب الإسلامي.

(3)

في صحيح رقم (1909).

(4)

في صحيح رقم (19/ 1081).

(5)

في المسند (2/ 287).

(6)

في المسند (2/ 287).

(7)

في صحيح رقم (17/ 1081).

(8)

في سننه رقم (1655).

(9)

في سننه رقم (2121).

ص: 237

وفي لَفْظٍ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلاثِينَ ثُمّ أفْطِرُوا"، رَوَاهُ أحْمَدُ

(1)

وَالتِّرْمِذِيُّ

(2)

وَصَحَّحَهُ). [صحيح]

قوله: (صوموا لرؤيته) اللام للتأقيت لا للتعليل، وسيأتي الكلام على ذلك في باب ما جاء في استقبال رمضان باليوم واليومين

(3)

.

قوله: (فإن غبي)

(4)

بفتح الغين المعجمة وكسر الباء الموحدة مخففة، وهي بمعنى غمّ مأخوذة من الغباوة وهي عدم الفطنة استعار ذلك لخفاء الهلال.

قوله: (فإن غمي عليكم)، بضم الغين المعجمة وتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم وهو بمعنى غم

(5)

.

ونقل ابن العربي

(6)

أنه روي عمي بالعين المهملة من العمى وهو بمعناه؛ لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات أو البصيرة عن المعقولات.

والحديث يدل على أنه يجب على من لم يشاهد الهلال ولا أخبره من شاهده أن يكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا ثم يصوم.

ولا يجوز له أن يصوم يوم الثلاثين من شعبان خلافًا لمن قال بصوم يوم الشك، وسيأتي ذكرهم ويكمل عدة رمضان ثلاثين يومًا ثم يفطر ولا خلاف في ذلك.

(1)

في المسند (2/ 438).

(2)

في السنن رقم (684) وقال: حديث حسن صحيح.

وهو حديث صحيح.

(3)

الباب الحادي عشر عند الحديث رقم (44/ 1748) من كتابنا هذا.

(4)

القاموس المحيط ص (1697).

(5)

القاموس المحيط (ص 1476).

وقال ابن الأثير في "النهاية"(3/ 388): (غمم): في حديث الصَّوم: "فإن غُمّ عليكم فأكملوا العِدَّة"، يقال: غُمَّ علينا الهلالُ إذا حالَ دُون رُؤيته غَيْم أو نَحوه، من غَمَمْتُ الشيءَ إذا غطَّيْتَه.

وفي "غُمَّ" ضمير الهلال. ويجوز أن يكون "غُمَّ" مُسْندًا إلى الظَّرف: أي فإنْ كنتُم مَغْمُومًا عليكم فأكملوا، وتركَ ذِكْر الهلال للاستِغْناء عنه.

(6)

في عارضة الأحوذي (3/ 205).

ص: 238

8/ 1632 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صُومُوا لِرُؤيتِهِ وأفْطِرُوا لرُؤْيَتِهِ، فإنْ حالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَكَمِّلُوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ، وَلا تَسْتَقبِلُوا الشهْرَ اسْتِقْبالًا". رَوَاهُ أحْمَدُ

(1)

والنَّسائي

(2)

وَالتِّرْمِذِيُّ

(3)

بِمَعْنَاهُ وَصححَهُ.

وَفِيهِ في لَفْظٍ للنَّسائيّ

(4)

: "فأكمِلُوا العِدةَ عدةَ شَعْبانَ"، رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أبي يُونُس عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ.

وفي لَفْظٍ: "لا تُقَدِّمُوا الشهْرَ بِصيام يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ، إلا أنْ تكونَ شَيْئًا يَصُومُهُ أحَدُكُمْ، وَلا تَصُومُوا حتَّى تَرَوْهُ ثُم صُومُوا حتَّى تَرَوْهُ، فإنْ حال دُونَهُ غَمامَة فأتِمُّوا العدَّةَ ثَلاِثينَ ثُم أفْطِرُوا"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ)

(5)

. [صحيح].

9/ 1633 - (وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَحَفَّظُ مِنْ هِلالِ شَعْبانَ ما لا يتَحَفَّظُهُ مِنْ غَيْرِهِ، يَصُومُ لِرُويَةِ رَمَضَانَ، فإنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَد ثَلاثِينَ يَوْمًا ثُم صَامَ. رَوَاهُ أحْمَدُ

(6)

وأبُو دَاوُدَ

(7)

وَالدارَقُطْنِيُّ

(8)

وَقالَ: إسْنادٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). [صحيح]

10/ 1634 - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حتَّى تَرَوُا الهِلالَ أوْ تُكمِلُوا العِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حتى تَرَوْا الهِلالَ أوْ تكمِلُوا العِدَّة" رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ

(9)

وَالنَّسائيُّ)

(10)

. [صحيح]

(1)

في المسند (1/ 226).

(2)

في سننه رقم (2129).

(3)

في سننه رقم (688) وقال: حسن صحيح. وهو حديث صحيح.

(4)

في سننه رقم (2130). وهو حديث صحيح.

(5)

في سننه رقم (2327). وهو حديث صحيح. وخلال الشرح يأتي بقية تخريج حديث ابن عباس.

(6)

في المسند (6/ 149).

(7)

في سننه رقم (2325).

(8)

في السنن (2/ 156 - 157 رقم 4) وقال: هذا إسناد صحيح.

وهو حديث صحيح.

(9)

في سننه رقم (2326).

(10)

في سننه رقم (2126).

وهو حديث صحيح.

ص: 239

11/ 1635 - (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فيه فَقَد عَصَى أبا القاسِمِ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا أحْمَدَ

(1)

وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ

(2)

وَهُوَ للبُخارِيّ تَعْلِيقًا)

(3)

. [صحيح]

حديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن حبان

(4)

وابن خزيمة

(5)

والحاكم

(6)

وهو من صحيح حديث سماك بن حرب لم يدلس فيه ولم يلقن أيضًا فإنه من رواية شعبة عنه، وكان شعبة لا يأخذه عن شيوخه ما دلسوا فيه ولا ما لقنوا.

وحديث عائشة صححه أيضًا الحافظ

(7)

.

وحديث حذيفة أخرجه أيضًا ابن حبان

(8)

من طريق جابر عن منصور عن ربعي عن حذيفة.

وحديث عمار أخرجه أيضًا ابن حبان

(9)

وابن خزيمة

(10)

وصححاه

(1)

أبو داود رقم (2334) والترمذي رقم (686) والنسائي رقم (2188) وابن ماجه رقم (1645).

(2)

في السنن (3/ 70).

(3)

في صحيحه (4/ 19 رقم الباب (11) - مع الفتح).

قلت: وصححه ابن خزيمة رقم (1914) وابن حبان رقم (3585).

وأخرجه الدارقطني (2/ 157) والحاكم (1/ 423 - 424) والبيهقي (4/ 258) وابن أبي شيبة (3/ 72) وعبد الرزاق رقم (7318) وأبو يعلى رقم (43/ 1644) من طرق.

وهو حديث صحيح.

(4)

في صحيحه رقم (3590) و (3594).

(5)

في صحيحه رقم (1912).

(6)

في المستدرك (1/ 424 - 425) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ووافقه الذهبي.

قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (2671) وابن أبي شيبة رقم (3/ 20).

وأبو يعلى رقم (2355) والطبراني في الكبير رقم (11755) و (11756) و (11757) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 208) من طرق عن سماك بن حرب، عن عكرمة عن ابن عباس، به.

وهو حديث صحيح.

(7)

في "التلخيص الحبير"(2/ 379).

(8)

في صحيحه رقم (3458) بسند صحيح على شرط الشيخين.

(9)

في صحيحه رقم (3585) وقد تقدم.

(10)

في صحيحه رقم (1914) وقد تقدم.

ص: 240

والحاكم

(1)

والدارقطني

(2)

والبيهقي

(3)

من حديث صلة بن زفر قال: "كنا عند عمار" فذكره، وعلقه البخاري في صحيحه

(4)

عن صلة وليس هو عند مسلم. وقد وهم من عزاه إليه.

قال ابن عبد البر

(5)

: هذا مسند عندهم مرفوع لا يختلفون في ذلك، وزعم أبو القاسم الجوهري أنه موقوف ورد عليه.

ورواه إسحق بن راهويه

(6)

عن وكيع عن سفيان عن سماك عن عكرمة.

ورواه الخطيب

(7)

وزاد فيه ابن عباس.

وفي الباب عن أبي هريرة عند ابن عدي

(8)

في ترجمة علي القرشي وهو ضعيف.

وعنه أيضًا حديث آخر عند النسائي

(9)

بلفظ: إ لا تستقبلوا الشهر بصوم يوم أو يومين إلا أن يوافق ذلك صيامًا كان يصومه أحدكم".

وعنه أيضًا حديث آخر عند البزار

(10)

بلفظ: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام ستة أيام أحدها اليوم الذي يشك فيه". وفي إسناده عبد الله بن سعيد المقبري

(11)

عن جده وهو ضعيف.

(1)

في المستدرك (1/ 423 - 424).

(2)

في سننه (2/ 157).

(3)

في السنن الكبرى (4/ 208).

(4)

في صحيح البخاري (4/ 119 رقم الباب (11) - مع الفتح) وقد تقدم.

(5)

انظر: الاستذكار (10/ 234 رقم 14693) فقد قال: "والحجة في ذلك من طريق الأثر حديث عمار

". وحكاه عن ابن عبد البر الحافظ في "التلخيص" (2/ 377).

(6)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 377 - 378).

(7)

في تاريخ بغداد (2/ 397) في ترجمة محمد بن عيسى الآدمي.

(8)

في "الكامل"(5/ 184) في ترجمة علي القرشي وهو ضعيف.

(9)

في سننه رقم (2173) وهو حديث صحيح.

(10)

في المسند (رقم (1066 - كشف).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 203) وقال: وفيه عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف".

(11)

انظر: ترجمته في الميزان (2/ 429) والمجروحين (2/ 9) والتقريب (1/ 419).

ص: 241

وأخرجه أيضًا الدارقطني

(1)

وفي إسناده الواقدي.

وأخرجه أيضًا البيهقي

(2)

، وفي إسناده [أبو]

(3)

عبّاد وهو عبد الله بن سعيد المقبري المتقدم، وهو منكر الحديث كما قال أحمد بن حنبل

(4)

.

وقد استدل بهذه الأحاديث على المنع من صوم يوم الشك.

قال النووي

(5)

: وبه قال مالك والشافعي والجمهور

(6)

.

وحكى الحافظ في الفتح

(7)

عن مالك وأبي حنيفة: أنه لا يجوز صومه عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك.

قال ابن الجوزي في التحقيق

(8)

ولأحمد في هذه المسألة وهي إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو غيره ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال:

(أحدها): يجب صومه على أنه من رمضان.

(وثانيها): لا يجوز فرضًا ولا نفلًا مطلقًا، بل قضاء وكفارةً ونذرًا ونفلًا يوافق عادة.

(وثالثها): المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر.

وذهب جماعة من الصحابة إلى صومه، منهم: علي، وعائشة، وعمر، وابن عمر، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وأبو هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وغيرهم (9).

وجماعة من التابعين، منهم: مجاهد، وطاوس، وسالم بن عبد الله، وميمون بن مهران، ومطرِّف بن الشِّخِّير، وبكر بن عبد الله المزني، وأبو عثمان النَّهْدي

(9)

.

(1)

في سننه (2/ 157 رقم 6).

(2)

في السنن الكبرى (4/ 207).

(3)

سقط من المخطوط (أ) و (ب) ومن كل طبعات "نيل الأوطار".

وقد أثبته من مصادر ترجمة عبد الله بن سعيد المقبري حيث قال الذهبي: في الميزان (2/ 429): "

يكنى أبا عباد

"، وفي مسائل الإمام أحمد كتاب العلل ومعرفة الرجال (2/ 484 رقم 3183): أبو عبّاد عبد الله بن سعيد المقبري؟

(4)

انظر: العلل رواية المروزي (113) والعلل رواية عبد الله (3183) و (5269).

(5)

في المجموع (6/ 455).

(6)

المغني (4/ 326 - 327).

(7)

(4/ 122).

(8)

(5/ 287 رقم المسألة 350).

(9)

حكاه عنهم ابن الجوزي في "التحقيق في مسائل الخلاف"(5/ 287). =

ص: 242

وقال جماعة من أهل البيت باستحبابه، وقد ادعى المؤيد بالله أنه أجمع على استحباب صومه أهل البيت.

وهكذا قال الأمير الحسين في الشفاء

(1)

والمهدي في البحر

(2)

.

وقد أسند ابن القيم في الهدي

(3)

الرواية عن الصحابة المتقدم ذكرهم القائلين بصومه.

= وقال النووي في "المجموع"(6/ 455 - 456): "فرع: في مذاهب العلماء في صوم يوم الشك: قد ذكرنا أنه لا يصح صومه بنية رمضان عندنا - أي الشافعية - وحكاه ابن المنذر: عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، وعمار، وحذيفة، وأنس، وأبي هريرة، وأبي وائل، وعكرمة، وابن المسيب، والشعبي، والنخعي، وابن جريج، والأوزاعي.

قال: وقال مالك: سمعت أهل العلم ينهون عنه. هذا كلام ابن المنذر.

وممن قال به أيضًا: عثمان بن عفان، وداود الظاهري، قال ابن المنذر: وبه أقول.

وقالت عائشة وأختها أسماء: نصومه من رمضان، وكانت عائشة تقول:"لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان".

وروي هذا عن علي أيضًا. قال العبدري: ولا يصح عنه.

وقال الحسن، وابن سيرين: إن صام الإمام صاموا، وإن أفطر أفطروا.

وقال ابن عمر، وأحمد بن حنبل: إن كانت السماء مصحية لم يجز صومه، وإن كانت مغيمة وجب صومه عن رمضان.

وعن أحمد روايتان كمذهبنا ومذهب الجمهور، وعنه رواية ثالثة كمذهب الحسن.

هذا بيان مذاهبهم في صوم يوم الشك عن رمضان.

فلو صامه تطوعًا بلا عادة، ولا وصله، فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز، وبه قال الجمهور.

وحكاه العبدري عن عثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة، وعمار، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، والأوزاعي، ومحمد بن مسلمة المالكي وداود.

وقال أبو حنيفة: لا يكره صومه تطوعًا ويحرم صومه عن رمضان" اهـ.

وانظر: "الاستذكار"(10/ 233 - 234 رقم 14690، 14691، 14692).

وانظر: الآثار في "مصنف ابن أبي شيبة"(3/ 71 - 73) ومصنف عبد الرزاق (4/ 155 - 158) وسنن البيهقي الكبرى (4/ 209).

وانظر: المحلى لابن حزم (7/ 23 - 25 رقم المسألة 798).

(1)

شفاء الأوام (1/ 623).

(2)

البحر الزخار (2/ 248).

(3)

قال ابن قيم الجوزية في "زاد المعاد في هدي خير العباد"(2/ 40 - 47) ساردًا =

ص: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= لروايات من صام يوم الغيم من الصحابه ومبينًا ضعفها وذاكرًا أن من صامه منهم على سبيل التحري لا الوجوب:

"فإن قيل: فإذا كان هذا هديه صلى الله عليه وسلم، فكيف خالفه عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاري، وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر.

وخالفه سالم بن عبد الله، ومجاهد، وطاووس، وأبو عثمان النَّهْدي، ومطرِّف بن الشِّخِّير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد الله المزني.

وكيف خالفه إمامُ أهل الحديث والسنة: أحمد بن حنبل.

ونحن نُوجدكم أقوال هؤلاء مسندة؟.

• فأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال الوليد بن مسلم: أخبرنا ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، أن عمر بن الخطاب كان يصوم إذا كانت السماء في تلك الليلة مغيمة.

ويقول: ليس هذا بالتقدم ولكنه التحرِّي.

- مكحول لم يدرك عمر بن الخطاب فالأثر منقطع.

• وأما الرواية عن علي رضي الله عنه فقال الشافعي: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت حسين، أن علي بن أبي طالب قال:"لأن أصوم يومًا من شعبان، أحبُّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان".

- أخرجه الشافعي في المسند رقم (721 - ترتيب) بسند منقطع.

• وأما الراوية عن ابن عمر، ففي كتاب عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب عن ابن عمر قال: كان إذا كان سحابٌ أصبحَ صائمًا، وإن لم يكن سحاب أصبح مفطرًا.

- المصنف رقم (7323) بسند صحيح.

• وأما عن أنس رضي الله عنه: فقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق، قال: رأيتُ الهلال إما الظهرَ، وإما قريبًا منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك، فأخبرناه برؤية الهلال، وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون يومًا، وذلك لأن الحكم بن أيوب، أرسل إليَّ قبلَ صيام الناس: إني صائم غدًا، فكرهت الخلاف عليه، فصمت وأنا مُتِمٌّ يومي هذا إلى الليل.

• وأما الرواية عن معاوية: فقال أحمد: حدثنا المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: حدثني مكحول ويونس بن ميسرة بن حَلْبَس، أن معاوية بن أبي سفيان كان يقول: لأن أصومَ يومًا من شعبان، أحبُّ إليَّ من أن أفطِرَ يومًا من رمضان.

- وهي رواية منقطعة.

• وأما الرواية عن عمرو بن العاص، فقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هُبيرة، عن عمرو بن العاص، أنه كان يصومُ اليومَ الذي يُشَك فيه من رمضان. - وهي رواية منقطعة وفيها ابن لهيعة. =

ص: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= • وأما الرواية عن أبي هريرة، فقال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاويةُ بن صالح، عن أبي مريم مولى أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: لأن أتعجل في صَوْمِ رمضان بيوم، أحبُّ إليَّ من أن أتأخر، لأني إذا تعجلتُ لم يَفُتني، وإذا تأخرت فاتني.

- وهي رواية لا تدل على الوجوب، بل على الاحتياط والاستحباب.

• وأما الرواية عن عائشة رضي الله عنها، فقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو عوانة عن يزيد بن خُمير عن الرسول الذي أتى عائشة في اليوم الذي يُشك فيه من رمضان قال: قالت عائشة: لأن أصُوم يومًا من شعبان، أحبُّ إليَّ من أفطِرَ يومًا من رمضان.

• وأما الرواية عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، فقال سعيد أيضًا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن هشامٍ بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، قالت: ما غُمَّ هلالُ رمضان إلا كانت أسماءُ متقَدِّمة بيوم، وتأمرُ بتقدُّمه.

وكل ما ذكرناه عن أحمد فمن مسائل الفضل بن زياد عنه.

وقال في رواية الأثرم: إذا كان في السماء سحابةٌ أو عِلَّةٌ أصبح صائمًا، وإن لم يكن في السماء عِلَّة، أصبح مفطرًا، وكذلك نقل عنه ابناه صالح، وعبد الله، والمروزي، والفضل بن زياد، وغيرهم.

فالجواب من وجوه:

(أحدهما): أن يقال: ليس فيما ذكرتم عن الصحابة أثر صالح صريح في وجوب صومه حتى يكون فعلهم مخالفًا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما غاية المنقول عنهم صومُه احتياطًا.

وقد صرح أنس بأنه إنما صامه كراهةً للخلاف على الأمراء، ولهذا قال الإمام أحمد في رواية: الناس تبعٌ للإمام في صومه وإفطاره.

والنصوص التي حكيناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله، إنما تدل على أنه لا يجب صومُ يوم الإغمام، ولا تدلُّ على تحريمه، فمَن أفطره أخذ بالجواز، ومن صامه أخذ بالاحتياط.

(الثاني): أن الصحابة كان بعضهم يصومُه كما حكيتم، وكان بعضهم لا يصُومه، أصحُّ وأصرحُ من روي عنه صومه: عبد الله بن عمر. قال ابن عبد البر: وإلى قوله ذهب طاووس اليماني، وأحمد بن حنبل.

وروي مثل ذلك عن عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر. ولا أعلم أحدًا ذهب مذهب ابن عمر غيرهم.

قال: وممن روي عنه كراهةُ صوم يوم الشَّكِ: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة، وابن عباسَ، وَأبو هريرة، وأنس بن مالك رضي الله عنهم.

قلت: المنقول عن علي، وعمر، وعمار، وحذيفة، وابن مسعود، المنع من صيام آخر يوم من شعبان تطوعًا - لحديث عمار المتقدم برقم (1635).

فأما صوم يوم الغيم احتياطًا على أنه إن كان من رمضان فهو فرضُه وإلا فهو تطوع، =

ص: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فالمنقول عن الصحابة، يقتضي جوازه، وهو الذي كان يفعلُه ابنُ عمر، وعائشة. هذا مع رواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غُمَّ هلال شعبان، عدَّ ثلاثين يومًا ثم صام.

وقد رُدَّ حديثُها هذا، بأنه لو كان صحيحًا، لما خالفته، وجعل صيامها علةً في الحديث، وليس الأمر كذلك، فإنها لم توجب صيامه، وإنما صامته احتياطًا، وفهمت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن الصيامَ لا يجبُ حتى تكمل العدة، ولم تفهم هي ولا ابن عمر أنه لا يجوز.

وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وبه تجتمع الأحاديث والآثار

ويدل على أنهم إنما صاموه استحبابًا وتحرِّيًا، ما رُوي عنهم من فطره بيانًا للجواز، فهذا ابن عمر قد قال حنبل في مسائله: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال: سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السنة كلَّها لأفطرتُ اليوم الذي يُشكُّ فيه.

- إسناده صحيح -.

قال حنبل: وحدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبيدة بنُ حُميد قال: أخبرنا عبد العزيز بن حكيم قال: سألوا ابن عمر قالوا: نَسْبِقُ قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء؟ فقال: أُفٍّ، أُفٍّ، صوموا مع الجماعة.

- إسناده صحيح -.

فقد صح عن ابن عمر، أنه قال: لا يتقدمَنَّ الشهر منكم أحدٌ.

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صوموا لرؤية الهلال، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدُّوا ثلاثين يومًا".

• وكذلك قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا رأيتم الهلال، فصوموا لرؤيته، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم، فأكملوا العدَّة".

• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يومًا".

فهذه الآثار إن قُدِّر أنها معارضة لتلك الآثار التي رُويت عنهم في الصوم، فهذه أولى لموافقتها النصوص المرفوعة لفظًا ومعنى.

وإن قُدِّرَ أنها لا تعارض بينها، فهاهنا طريقتان من الجمع:

(إحداهما): حملها على غيرِ صورة الإغمام، أو على الإغمام في آخر الشهر كما فعله الموجبون للصوم.

(والثانية): حملُ آثار الصوم عنهم على التحري والاحتياط استحبابًا لا وجوبًا، وهذه الآثار صريحة في نفي الوجوب. وهذه الطريقة أقربُ إلى موافقة النصوص وقواعد الشرع، وفيها السلامة من التفريق بين يومين متساويين في الشك، فيُجعلُ أحدهما يوم شك، والثاني يومَ يقين، مع حصولِ الشك فيه قطعًا، وتكليف العبد اعتقاد كونه من رمضان قطعًا، مع شكِّه هل هو منه، أم لا؟ تكليفٌ بما لا يُطاق وتفريق بين المتماثلين، والله أعلم" اهـ.

ص: 246

وحكى القوم بصومه عن جميع من ذكرنا منهم ومن التابعين وقال: وهو مذهب إمام [أهل]

(1)

الحديث والسنّة أحمد بن حنبل.

واستدل المجوِّزون لصومه بأدلة: (منها) ما أخرجه ابن أبي شيبة

(2)

والبيهقي

(3)

عن أم سلمة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه".

وأجيب عنه بأن مرادها أنه كان يصوم شعبان كله، لما أخرجه أبو داود

(4)

والترمذي

(5)

والنسائي

(6)

من حديثها قالت: "ما رأيته يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان"، وهو غير محل النزاع.

لأن ذلك جائز عند المانعين من صوم يوم الشك لما في الحديث الصحيح المتفق عليه

(7)

من قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه".

وأيضًا قد تقرر في الأصول

(8)

أن فعله صلى الله عليه وسلم يعارض القول الخاص بالأمة ولا العام له ولهم؛ لأنه يكون فعله مخصصًا له من العموم.

ومنها ما أخرجه الشافعي

(9)

عن علي قال: "لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يومًا من رمضان".

وأجيب بأن ذلك من رواية فاطمة بنت الحسين عن علي وهي لم تدركه، فالرواية منقطعة.

ولو سلم الاتصال فليس ذلك بنافع؛ لأن لفظ الرواية: "أن رجلًا شهد عند علي على رؤية الهلال فصام وأمر الناس أن يصوموا، ثم قال: لأن أصوم .. " إلخ. فالصوم لقيام شهادة واحد عنده لا لكونه يوم شك.

(1)

سقط من المخطوط (ب).

(2)

في المصنف (3/ 22 - 23).

(3)

في السنن الكبرى (4/ 210).

(4)

في سننه رقم (2336).

(5)

في سننه رقم (736). وقال: هذا حديث حسن.

(6)

في سننه رقم (2175).

وهو حديث صحيح.

(7)

أخرجه أحمد (2/ 438) والبخاري رقم (1914) ومسلم رقم (21/ 1082) وهو حديث صحيح.

(8)

إرشاد الفحول (ص 169 - 172) والبحر المحيط (4/ 197 - 199).

(9)

في مسنده رقم (721 - ترتيب) موقوفًا بسند منقطع.

ص: 247

وأيضًا الاحتجاج بذلك على فرض أنه عليه السلام استحب صوم يوم الشك من غير نظر إلى شهادة الشاهد إنما يكون حجة على من قال بأن قوله حجة على أنه قد روي عنه القول بكراهة صومه، حكى ذلك عنه صاحب الهدي

(1)

.

قال ابن عبد البر

(2)

: وممن روي عنه كراهة صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمار وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك.

والحاصل أن الصحابة مختلفون في ذلك، وليس قول بعضهم بحجة على أحد، والحجة ما جاءنا عن الشارع وقد عرفته.

وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في الأبحاث التي كتبتها على رسالة الجلال

(3)

.

وسيأتي الكلام استقبال رمضان بيوم أو يومين في آخر الكتاب

(4)

.

[الباب الثالث] باب الهلال إذا رآه أهل بلدة هل يلزم بقية البلاد الصوم

12/ 1636 - (عَنْ كُرَيْبٍ أن أُمَّ الفَضْلِ بَعَثَتْهُ إلى مُعاوِيَةَ بالشَّامِ، فَقالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حاجَتها، وَاسْتُهِلَّ عليَّ رَمَضَانُ وأنا بالشَّامِ فَرأيْتُ الهِلالَ لَيْلَةَ الجمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ فَسألَنِي عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الهِلالَ فَقالَ: مَتَى رأيْتُمُ الهِلالَ؟ فَقُلْتُ: رأيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: أنْتَ رَأيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، ورآه النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيةُ، فَقَالَ: لَكنَّا رأيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلا نَزَالُ نَصُومُ حتَّى نُكْمِلَ ثَلاثِينَ أوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أفلا تَكْتَفِي بِرُؤَيةِ مُعاوِيةَ وَصِيامِهِ؟ فَقال: لا، هَكَذَا أمَرَنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وَابْنَ ماجَهْ)

(5)

. [صحيح]

(1)

زاد المعاد (2/ 44).

(2)

في الاستذكار (10/ 221 - 222).

(3)

تقدم التعريف بها.

(4)

الباب الحادي عشر عند الحديث رقم (44/ 1748 - 46/ 1750) من كتابنا هذا.

(5)

أخرجه أحمد (1/ 306) ومسلم رقم (28/ 1087) وأبو داود رقم (2332) والترمذي =

ص: 248

قوله: (واستُهِلَّ عليَّ رمضان) هو بضمّ التاء من استهلَّ، قاله النووي

(1)

.

قوله: (أفلا تكتفي)، شك أحد رواته هل [هو]

(2)

بالخطاب لابن عباس أو بنون الجمع للمتكلم.

وقد تمسك بحديث كريب هذا من قال: إنه لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد غيرها.

وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب ذكرها صاحب الفتح

(3)

:

(أحدها): أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم ولا يلزمهم رؤية غيرهم [و]

(4)

حكاه ابن المنذر

(5)

عن عكرمة والقاسم بن محمد وسالم وإسحق.

وحكاه الترمذي

(6)

عن أهل العلم ولم يحك سواه.

وحكاه الماوردي

(7)

وجهًا للشافعية.

(وثانيها): أنه لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم، لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد، إذ حكمه نافذ في الجميع، قاله ابن الماجشون

(8)

.

(وثالثها): أنها إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا وإن تباعدت فوجهان؛ لا يجب عند الأكثر، قاله بعض الشافعية.

واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب، وحكاه البغوي

(9)

عن الشافعي.

وفي ضبطه البعد أوجه:

(أحدها): اختلاف المطالع، قطع به العراقيون والصيدلاني

(10)

، وصححه

= رقم (693) والنسائي رقم (2111).

وهو حديث صحيح.

(1)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 197).

(2)

سقط من المخطوط (ب).

(3)

(4/ 123).

(4)

زيادة من المخطوط (ب).

(5)

ذكره البغوي في شرح السنة (6/ 346).

(6)

في السنن (3/ 77).

(7)

في كتابه "الحاوي"(3/ 409).

(8)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 123).

(9)

في شرح السنة (6/ 245).

(10)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 123).

ص: 249

النووي في الروضة

(1)

وشرح المهذب

(2)

.

(ثانيها): مسافة القصر، قطع به البغوي

(3)

، وصححه الرافعي والنووي

(4)

.

(ثالثها): باختلاف الأقاليم، حكاه في الفتح

(5)

.

(رابعها): أنه يلزم أهل كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم، حكاه السَّرخسي

(6)

.

(خامسها): مثل قول ابن الماجشون

(7)

المتقدم.

(سادسها): أنه لا يلزم إذا اختلفت الجهتان ارتفاعًا وانحدارًا، كأن يكون أحدهما سهلًا والآخر جبلًا، أو كان كل بلد في إقليم، حكاه المهدي في البحر

(8)

عن الإمام يحيى والهادوية.

وحجة أهل هذه الأقوال حديث كريب هذا.

ووجه الاحتجاج أن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام، وقال في آخر الحديث: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر.

واعلم أن الحُجَّة إنما هي في المرفوع، منْ روايةِ ابن عباس، لا في اجتهاده الذي فَهِمَهُ عَنهُ الناسُ، والمشارُ إليه بقولِهِ: "هكذا أمرنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هو قولُهُ: فلا نزالُ نصومُ حتى نُكمِلَ ثلاثينَ.

والأمرُ الكائن من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما أخرجه الشيخان

(9)

وغيرهما

(10)

(1)

روضة الطالبين للنووي (2/ 328).

(2)

المجموع شرح المهذب (6/ 280).

(3)

في شرح السنة (6/ 245).

(4)

بل ضعفه النووي في "المجموع"(6/ 281).

(5)

(4/ 123).

(6)

المبسوط له (3/ 140).

(7)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 123).

(8)

البحر الزخار (2/ 244 - 245).

(9)

البخاري في صحيحه رقم (1906) ومسلم رقم (3/ 1080).

(10)

كالنسائي في سننه رقم (2121).

من حديث ابن عمر، وهو حديث صحيح، والله أعلم.

ص: 250

بلفظ: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".

وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين.

فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم.

لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم.

ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر لكان عدم اللزوم مقيدًا بدليل العقل.

وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع، وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد وليس بحجة.

ولو سلم عدم لزوم التقييد بالعقل فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض، وشهادته في جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها.

وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا فلا يقبل التخصيص إلا بدليل.

ولو سلم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص إن كان النص معلومًا، أو على المفهوم منه إن لم يكن معلومًا لوروده على خلاف القياس.

ولم يأت ابن عباس بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بمعنى لفظه حتى ننظر في عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملة أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد.

ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصًا لذلك العموم، فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس وعدم الإلحاق به.

ص: 251

فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم.

ويمكن أن يكون في ذلك حكمة لا نعقلها.

ولو سلم صحة الإلحاق وتخصيص العموم به فغايته أن يكون في المحلات التي بينها من البعد ما بين المدينة والشام أو أكثر.

وأما في أقل من ذلك فلا، وهذا ظاهر، فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد في المنع من العمل بالرؤية.

والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهبت إليه المالكية

(1)

وجماعة من الزيدية، واختاره المهدي

(2)

منهم وحكاه القرطبي

(3)

عن شيوخه أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها.

ولا يلتفت إلى ما قاله ابن عبد البر

(4)

من أن هذا القول خلاف الإجماع.

قال: لأنهم قد أجمعوا على أنه لا تُراعى الرؤية فيما بَعُد من البلدان كخراسان والأندلس، وذلك لأن الإجماع لا يتم والمخالف مثل هؤلاء الجماعة

(5)

.

(1)

التسهيل (3/ 783).

(2)

البحر الزخار (2/ 245).

(3)

المفهم (3/ 143).

(4)

في التمهيد (7/ 159 - 160).

(5)

إذا رأى الهلال أهلُ بلدٍ لزِمَ الناسَ كلَّهُمُ الصومُ إذا اتفقت المطالع، وهذا لا خلاف فيه في المذهب الحنبلي، وكذلك الصحيح من المذهب إذا اختلفت المطالع.

انظر: "المغني"(4/ 328 - 329) والشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (2/ 5) والفروع (3/ 12) والإنصاف (3/ 273) والمبدع (3/ 7).

وقال بعض الأصحاب: تلزم من قارب أهل البلد الذي رُؤي فيه الهلال دون من بَعُد.

انظر: "الفروع"(3/ 12) والإنصاف (3/ 273).

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية عدم لزوم الصوم عند اختلاف المطالع.

انظر: الاختيارات (ص 106).

وقالت الشافعية: إذا رأى الهلال أهل بلد لزم أهل البلاد المقاربة للبلد الذي حصلت فيه رؤية الهلال الصوم. ولهم في البلاد البعيدة وجهان:

(الأول): لا يجب عليهم الصوم. وهو الصحيح عندهم.

(والثاني): يجب.

انظر: حلية العلماء (3/ 180 - 181) وروضة الطالبين (2/ 348) ومغني المحتاج =

ص: 252

[الباب الرابع] باب وجوب النية من الليل في الفرض دون النفل

13/ 1637 - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: "مَنْ لَمْ يُجْمِع الصّيامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلا صِيامَ لَهُ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ)

(1)

. [حسن]

= (1/ 422) والمجموع شرح المهذب (6/ 280 - 282).

قلت: والراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، والله أعلم.

(1)

أحمد (6/ 286) وأبو داود رقم (2454) والنسائي رقم (2333) والترمذي رقم (730).

قلت: وأخرجه الدارقطني (2/ 172) وابن خزيمة (3/ 212 رقم 1933) والطبراني في المعجم الكبير (ج 23 رقم 337) والبيهقي (4/ 202) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 54).

كلهم من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له".

قال الترمذي في السنن (3/ 108): "حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وقد روي عن نافع، عن ابن عمر قوله وهو أصح. وهكذا أيضًا روي هذا الحديث عن الزهري موقوفًا ولا نعلم أحدًا رفعه إلا يحيى بن أيوب" اهـ.

وأخرجه ابن ماجه رقم (1700) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد القطواني، عن إسحاق بن حازم، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن سالم، عن ابن عمر، عن حفصة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يفرضه من الليل".

قال ابن أبي حاتم في العلل رقم (654): سألت أبي عن حديث رواه معن القزاز عن إسحاق بن حازم، عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قلت لأبي: أيهما أصح؟ فقال: لا أدري، لأن عبد الله بن أبي بكر قد أدرك سالمًا، وروى عنه ولا أدري هذا الحديث مما سمع من سالم أو سمعه من الزهري عن سالم" اهـ.

وكذا نقل ابن عبد الهادي في "التنقيح"(2/ 282) عن أبي حاتم وزاد في آخره: "فقد روى الزهري عن حمزة، عن حفصة غير مرفوع وهذا عندي أشبه" اهـ.

وأخرجه ابن خزيمة رقم (1933) والترمذي رقم (730) والنسائي رقم (2333) والطبراني =

ص: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= في الكبير (ج 23 رقم 337) كلهم من طريق يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم

كما تقدم.

وأخرجه عن يحيى بن أيوب كلًّا من: عبد الله بن وهب، وابن أبي مريم، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وعبد الله بن عبد الحكم، وأشهب.

وخالفهم الليث بن سعد، فقد أخرجه النسائي رقم (2331) من طريق سعيد بن شرحبيل، عن الليث، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن سالم، به.

فلم يذكر الزهري.

واختلف فيه على الليث، فرواه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وعبد الله بن عبد الحكم، وشعيب بن الليث، كلهم عن الليث، عن يحيى عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم، به.

وفيه ذكر الزهري، ومنهم من رواه موقوفًا.

فقد أخرج النسائي رقم (2336) والدارقطني (2/ 173) كلاهما من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قالت حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم

فذكر مثله موقوفًا.

- صحيح موقوف -.

وأخرجه النسائي رقم (2338) من طريق سفيان عن معمر عن الزهري، به. موقوفًا.

- صحيح موقوف -.

ومنهم من جعله من مسند عائشة وحفصة:

فقد أخرجه النسائي رقم (2341) والبيهقي (4/ 202) كلاهما من طريق مالك عن ابن شهاب، عن عائشة وحفصة، وفيه: لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر" - صحيح لغيره -.

ومنهم من جعله في مسند ابن عمر، فقد أخرجه النسائي رقم (2343) والبيهقي (4/ 202). كلاهما من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، به. موقوفًا. وتابع مالك عبد الله كما عند النسائي. - صحيح موقوف -.

وقال النسائي في السنن الكبرى (3/ 172 بإثر الحديث 2661): "قال أبو عبد الرحمن: والصواب عندنا موقوف، ولم يصح رفعه - والله أعلم - لأنَّ يحيى بن أيوب ليس بذلك القوي، وحديث ابن جريج، عن الزهري غير محفوظ. - والله أعلم - " اهـ.

قلت: وهناك خلاف بين العلماء في رفع هذا الحديث ووقفه. فذهب فريق إلى أنه مرفوع، وبه قال الحاكم، والدارقطني، وابن خزيمة، وابن حزم، وابن حبان.

وذهب فريق آخر إلى أنه موقوف ولا يصح رفعه، وبه قال البخاري، وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد.

انظر: "نصب الراية"(2/ 433 - 435) والتلخيص الحبير (2/ 361 - 362 رقم 882/ 2) =

ص: 254

الحديث أخرجه أيضًا ابن خزيمة

(1)

وابن حبان

(2)

وصححاه مرفوعًا.

وأخرجه أيضًا الدارقطني

(3)

.

قال في التلخيص

(4)

: واختلف الأئمة في رفعه ووقفه.

فقال ابن أبي حاتم عن أبيه

(5)

: لا أدري أيهما أصح، يعني رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم، أو رواية إسحق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر عن سالم بغير واسطة الزهري، لكن الوقف أشبه.

وقال أبو داود

(6)

: لا يصح رفعه.

وقال الترمذي

(7)

: الموقوف أصح.

ونقل في العلل

(8)

عن البخاري أنه قال: هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب. والصحيح عن ابن عمر موقوف.

وقال النسائي

(9)

: الصواب عندي موقوف ولم يصح رفعه.

وقال أحمد: ما له عندي ذلك الإسناد

(10)

، وقال الحاكم في الأربعين

(11)

:

= وفتح الباري (4/ 142) وإرواء الغليل (4/ 25 رقم 914) و"تنقيح تحقيق أحاديث التعليق" لابن عبد الهادي (2/ 279 - 284) والمجموع للنووي (6/ 301).

وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(1)

في صحيحه رقم (1933) وقد تقدم.

(2)

في المجروحين (2/ 46).

(3)

في سننه (2/ 172 رقم 2 - 3).

(4)

(2/ 361).

(5)

في "العلل" رقم (654).

(6)

في السنن (2/ 824).

(7)

في السنن (3/ 108).

(8)

في علل الترمذي الكبير (1/ 348 - 350).

(9)

في السنن الكبرى (3/ 172 بإثر الحديث 2661).

(10)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 361).

(11)

الأربعين. الحاكم (أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حمدويه النيسابوري (ت: 405 هـ).

ذكره له الذهبي في "السير"(20/ 197) والسمعاني في "التحبير"(1/ 180)

ومنه اقتباسات في "نصب الراية"(1/ 241) و (2/ 433).

وذكر السبكي في "طبقات الشافعية"(4/ 167) أنه رآه، فقال:"رأيته عقد في كتاب "الأربعين" بابًا لتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، واختصهم من بين الصحابة رضي الله عنهم". =

ص: 255

صحيح على شرط الشيخين. وقال في المستدرك

(1)

: صحيح على شرط البخاري.

وقال البيهقي

(2)

: رواته ثقات إلا أنه روي موقوفًا.

وقال الخطابي

(3)

: أسنده عبد الله بن أبي بكر، والزيادة من الثقة مقبولة.

وقال ابن حزم

(4)

: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة.

وقال الدارقطني

(5)

: كلهم ثقات. انتهى كلام التلخيص

(6)

.

وقد تقرر في الأصول وعلم الاصطلاح أن الرفع من الثقة زيادة مقبولة.

وإنما قال ابن حزم (4): إن الاختلاف يزيد الخبر قوة لأن من رواه مرفوعًا فقد رواه موقوفًا باعتبار الطرق.

وفي الباب عن عائشة عند الدارقطني

(7)

وفيه عبد الله بن عباد وهو مجهول،

= وللكتاب ذكر في "الدرر الكامنة"(1/ 113)، ففيه:"وسمع أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن عمر المقدسي (682 - 773 هـ) من التقي الواسطي "أربعين الحاكم"، وله ذكر في فهرس ألمانيا (قسم الحديث ص 187، رقم 1535) وفيه تعريف بموضوعاته.

[معجم المصنفات (ص 52 رقم 55)].

(1)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 361).

(2)

في السنن الكبرى (4/ 202).

(3)

في معالم السنن (2/ 824 - مع السنن).

(4)

في المحلى (6/ 162).

(5)

في السنن (2/ 172).

(6)

التلخيص الحبير (2/ 361).

(7)

في السنن (2/ 171 - 172 رقم 1) قال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن عبّاد عن المفضل بهذا الإسناد وكلهم ثقات.

وأسنده البيهقي (4/ 203) عن الدارقطني ولم يتعقبه.

وتعقب الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 434) الدارقطني بقوله: "وفي ذلك نظر، فإن عبد الله بن عبّاد غير مشهور، ويحيى بن أيوب ليس بالقوي.

وقال ابن حبان - في المجروحين (2/ 46) - عبد الله بن عباد البصري يقلب الأخبار، روى عن المفضل بن فضالة عن يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة حديث: "من لم يبيت الصيام

"، وهذا مقلوب إنما هو عن يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة، وروى عنه روح بن الفرج نسخة موضوعة" اهـ.

وكذلك تعقب ابن التركماني في "الجوهر النقي"(4/ 203 - مع السنن الكبرى) الدارقطني بقوله: كيف يكون كذلك وفي كتاب الضعفاء للذهبي، عبد الله بن عباد عن المفضل بن فضالة واه" اهـ. =

ص: 256

وقد ذكره ابن حبان في الضعفاء

(1)

.

وعن ميمونة بنت سعد عند الدارقطني

(2)

أيضًا بلفظ: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أجمع الصيام من الليل فليصم، ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم"، وفي إسناده الواقدي

(3)

.

والحديث فيه دليل على وجوب تبييت النية وإيقاعها في جزء من أجزاء الليل.

وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر

(4)

، وجابر بن زيد

(5)

، من الصحابة،

= وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح"(2/ 280): عقب حديث عائشة المرفوع: غريب لا يثبت مرفوعًا.

(1)

في المجروحين (2/ 46) وقد تقدم.

(2)

في سننه (2/ 173 رقم 5) وفي إسناده الواقدي وهو متروك وبه أعله ابن الجوزي في التحقيق (5/ 279) وذكر ذلك الزيلعي في نصب الراية (2/ 435) وكذلك ابن حجر في "التلخيص"(2/ 362).

(3)

محمد بن عمر بن واقد الواقدي الأسلمي، أبو عبد الله المدني، قاضي بغداد قال البخاري: الواقدي مديني سكن بغداد، متروك الحديث، تركه أحمد، وابن نمير، وابن المبارك، وإسماعيل بن زكريا.

وقال معاوية بن صالح: قال لي أحمد بن حنبل: هو كذاب.

وقال مسلم: متروك الحديث.

وقال النسائي: ليس بثقة.

وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث.

الضعفاء للعقيلي (4/ 107) والجرح والتعديل (8/ 20) والمجروحين (2/ 290) والميزان (3/ 662) والتقريب (2/ 194) والتاريخ الكبير (1/ 178).

(4)

أخرج مالك في الموطأ (1/ 288 رقم 18) والشافعي في الأم (2/ 234 رقم 910) والبيهقي (4/ 202).

عن عبد الله بن عمر؛ أنه كان يقول: لا يصوم إلا مَنْ أجْمَعَ الصِّيامَ قبلَ الفجر. بسند صحيح.

(5)

روي عن الإمام جابر بن زيد أن صوم التطوع لا يصح إلا بتبييت النية من الليل كالفرض.

(فقه الإمام جابر بن زيد. تقديم وجمع وتخريج يحيى محمد بكوش ص 315).

• تنبيه: في كل طبعات "نيل الأوطار": (جابر بن يزيد) وهو خطأ. والمثبت من المخطوط (أ) و (ب) وهو الصواب. =

ص: 257

والناصر

(1)

، والمؤيد بالله (1)، ومالك

(2)

، والليث

(3)

، وابن أبي ذئب، ولم يفرقوا بين الفرض والنفل.

وقال أبو طلحة

(4)

، وأبو حنيفة

(5)

، والشافعي

(6)

، وأحمد بن حنبل

(7)

، والهادي (8)، والقاسم

(8)

: إنه لا يجب التبييت في التطوع.

= • وجابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري، من قبيلة اليحمد العمانية، والجوفي نسبة إلى درب الجوف بالبصرة حيث استقر جابر مع أسرته، وإليه ينسب حيان الأعرج الجوفي الذي حدَّث عن أبي الشعثاء - معجم البلدان (2/ 187) - ولم تحدد كتب السيرة تاريخ مولده، ولكن يمكن تحديده بين عامي (18) و (22) للهجرة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

واختلف في تاريخ وفاته، إذ يذكر لبعض الرواة أنه توفي في نفس الأسبوع الذي توفي فيه أنس بن مالك، وقد مات هذا الأخير في عام (93 هـ).

[انظر مقدمة كتاب: فقه الإمام جابر بن زيد ص 11 - 17].

(1)

البحر الزخار (2/ 236 - 239).

(2)

الاستذكار (10/ 34 - 35 رقم 13824): قال أبو عمر: روى ابنُ القاسم وغيره عن مالك قال: لا يصوم إلا من بيت من الليل.

[13825]

: قال: ومن أصبحَ لا يريدُ الصيام ولم يصبْ شيئًا من الطعام حتى تعالى النهارُ ثم بدا له أن يصوم لم يجز لى صيام ذلك اليوم.

[13826]

: وقال مالك: من بيت الصيام أوَّل ليلةٍ من رمضان أجزأه ذلك عن سائر الشهر.

[13827]

: وقال مالك: من كان شأنه صيام يوم من الأيام لا يدعهُ فإنه لا يحتاج إلى التبييت لما قد أجمعَ عليه من ذلك.

[13828]

: قال: ومن قال: لله علي أن أصوم شهرًا متتابعًا، فصامَ أول يوم بنية ذلك أجزأهُ ذلك عن باقي أيام الشهر" اهـ.

(3)

قال ابن عبد البر في الاستذكار (10/ 35 رقم 13829):

ومذهب الليث في هذا كله كمذهب مالك.

(4)

أخرج عبد الرزاق (4/ 273) وابن أبي شيبة (3/ 31) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 57) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 204) عن قتادة وحميد الطويل، عن أنس:"أن أبا طلحة كان يأتي أهله من الضحى، فيقول: هل عندكم من غداء؟ فإن قالوا: لا، صام ذلك اليوم، وقال: إني صائم". وإسناده صحيح.

(5)

البناية في شرح الهداية (3/ 605).

(6)

الأم (3/ 234 - 235).

(7)

في المغني (4/ 333).

(8)

في البحر الزخار (2/ 237): =

ص: 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قلت: وفي الباب: عن أبي الدرداء، وعن أبي أيوب الأنصاري، وعن ابن عباس، وعن حذيفة، وعن ابن مسعود، وعن أنس، ومعاذ بن جبل، وعن أبي هريرة، وابن عمر، وعثمان بن عفان.

• أما أثر أبي الدرداء، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 31) وعبد الرزاق في المصنف (4/ 272) والبيهقي (4/ 204) والطحاوي في شرح المعاني (2/ 57) عن أبي قلابة، عن أم الدرداء:"أن أبا الدرداء كان يجيء بعد ما يصبح، فيقول: أعندكم غداء؟ فإن لم يجده؛ قال: فأنا إذًا صائم" إسناده صحيح.

• وأما أثر أبي أيوب الأنصاري، فقد أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 57) من طريق عبد الله بن عتبة: أن أبا أيوب كان يفعل ذلك. وأحال الطحاوي لفظه على الذي قبله، وهو:"أنه كان يجيء فيقول: هل عندكم من طعام؟ فإن قالوا: لا، قال: إني صائم".

إسناده صحيح.

• وأما أثر ابن عباس، فقد أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 56) من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان يصبح حتى يظهر، ثم يقول:"والله؛ لقد أصبحت وما أريد الصوم، وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم، ولأصومن يومي هذا".

إسناده حسن.

• وأما أثر حذيفة، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 29) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 204) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 56) من طريق سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي:"أن حذيفة بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس، فصام".

إسناده صحيح.

• وأما أثر ابن مسعود، فقد أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 56) عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال:"متى أصبحت يومًا، فأنت على أحد النظرين، ما لم تطعم أو تشرب، إن شئث فصم، وإن شئت فأفطر".

إسناده صحيح.

• وأما أثر أنس، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 28) عن معتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس قال: من حدث نفسه بالصيام فهو بالخيار ما لم يتكلم حتى يمتد النهار".

إسناده صحيح.

• وأما أثر معاذ بن جبل، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/ 31) من طريق العلاء بن الحارث عن معاذ أنه كان يأتي أهله بعد الزوال فيقول: عندكم غداء، فيعتذرون إليه، فيقول: إني صائم بقية يومي. فيقال له: تصوم آخر النهار؟ فيقول: من لم يصم آخره لم يصم أوله".

إسناد حسن لكنه منقطع. =

ص: 259

وروي عن عائشة

(1)

أنها تصح النية بعد الزوال.

وروي عن علي، والناصر، وأبي حنيفة (2)، وأحد قولي الشافعي

(2)

، أنها لا تصح النية بعد الزوال.

وقالت الهادوية

(3)

: وروي عن عليّ، وابن مسعود، والنخعيّ، أنه لا يجب التبييت إلا في صوم القضاء والنذر المطلق والكفارات.

وأن وقت النية في غير هذه من غروب شمس اليوم الأول إلى بقية من نهار اليوم الذي صامه.

وقد استدل القائلون بأنه لا يجب التبييت بحديث سلمة بن الأكوع، والربيع، عند الشيخين

(4)

: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا من أسلم أن أذن في الناس إذ

= • وأما أثر أبي هريرة، فقد أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 204) من طريق عثمان بن نجيح، عن سعيد بن المسيب؛ قال:"رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق، ثم يأتي أهله فيقول: أعندكم شيء؟ فإن قالوا: لا، قال: فأنا صائم".

إسناده متصل ورجاله ثقات غير عثمان بن نجيح، فقد ذكره ابن حبان في الثقات. فالسند لا بأس به.

وله شاهد أخرجه عبد الرزاق في المصنف (4/ 274) بمعناه.

• وأما أثر ابن عمر فقد أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 29) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 277).

عن ابن عمر قال: الرجل بالخيار ما لم يطعم إلى نصف النهار، فإن بدا له أن يطعم طعم، وإن بدا له أن يجعله صومًا كان صائمًا".

إسناده صحيح.

• وأما أثر عثمان رضي الله عنه، فقد أخرجه ابن سعد في الطبقات (3/ 74 - 75) عن نافع قال: أصبح عثمان بن عفان يوم قُتِل يقُص رؤيا على أصحابه رآها، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة، فقال لي: يا عثمان أفطر عندنا، قال: فأصبح صائمًا وقتل في ذلك اليوم رحمه الله.

إسناده صحيح.

(1)

فقد أخرج مسلم في صحيحه رقم (170/ 1154) عنها مرفوعًا، بلفظ:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني، فيقول: "أعندك غداء؟ "، فأقول: لا، فيقول: "إني صائم"

الحديث.

(2)

المغني (4/ 341).

(3)

البحر الزخار (2/ 237).

(4)

البخاري رقم (2007) ومسلم رقم (135/ 1135) من حديث سلمة بن الأكوع.

والبخاري رقم (1960) ومسلم رقم (136/ 1136) من حديث الربيع بنت معوذ.

ص: 260

فرض صوم [يوم]

(1)

عاشوراء: ألا كل من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم".

وأجيب بأن خبر حفصة

(2)

متأخر فهو ناسخ لجوازها في النهار، ولو سلم عدم النسخ فالنية إنما صحت في نهار عاشوراء، لكن الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدورًا فيخص الجواز بمثل هذه الصورة.

أعني من ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وكمن انكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان.

واستدلوا أيضًا بحديث عائشة الآتي

(3)

وسيأتي الجواب عنه.

والحاصل أن قوله: "لا صيام"، نكرة في سياق النفي فيعم كل صيام

(4)

، ولا يخرج عنه إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه التبييت.

والظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة لأنها أقرب المجازين إلى الذات.

أو متوجه إلى نفي الذات الشرعية فيصلح الحديث للاستدلال به على عدم صحة صوم من لا يبيّت النية إلا ما خص كالصورة المتقدمة.

والحديث أيضًا يرد على الزهري وعطاء وزفر لأنهم لم يوجبوا النية في صوم رمضان، وهو يدل على وجوبها.

وأيضًا يدل على الوجوب حديث: "إنما الأعمال بالنيات"

(5)

.

والظاهر وجوب تجديدها لكل يوم لأنه عبادة مستقلة مسقطة لفرض وقتها.

وقد وهم من أقاس أيام رمضان على أعمال الحج باعتبار التعدد للأفعال؛ لأن الحج عمل واحد لا يتم إلا بفعل ما اعتبره الشارع من المناسك، والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه.

(1)

ما بين الخاصرتين زيادة من (ب).

(2)

تقدم برقم (1637) من كتابنا هذا، وهو حديث حسن.

(3)

برقم (1638) من كتابنا هذا.

(4)

النكرة في سياق النفي والنهي يفيد العموم.

انظر: "إرشاد الفحول"(ص 405) وجمع الجوامع (1/ 413).

(5)

أخرجه البخاري رقم (1) ومسلم رقم (1907) وأحمد (1/ 25) وأبو داود رقم (2201) والترمذي رقم (1647) والنسائي رقم (75) وابن ماجه رقم (4227) وهو حديث صحيح. من حديث عمر بن الخطاب.

ص: 261

قوله: (يجمع) أي يعزم، يقال: أجمعت على الأمر: أي عزمت عليه.

قال المنذري

(1)

: يُجمع بضم الياء آخر الحروف وسكون الجيم من الإجماع وهو إحكام النية والعزيمة، يقال: أجمعت الرأي وأزمعت بمعنى واحد.

14/ 1638 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: دَخَلَ عَليَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْء؟ "، فقلنا: لا، فَقالَ:"فإني إذَنْ صَائِمٌ"، ثُمَّ أتانا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ الله أُهْدِيَ لنَا حَيْسٌ، فَقالَ:"أرِنيهِ فَلَقَدْ أصْبَحْتُ صَائِمًا" فأكَلَ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا البُخارِيَّ

(2)

. [صحيح]

وَزَادَ النَّسائيُّ

(3)

؛ ثُمَّ قالَ: "إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ المتَطَوّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مالِهِ الصَّدَقَةَ، فإنْ شاءَ أمْضَاها، وَإنْ شاءَ حَبَسَها". [حسن]

وفي لَفْظٍ له

(4)

أيْضًا قالَ: "يا عَائِشَةُ إنَّمَا مَنْزِلَةُ مَنْ صَامَ في غَيْرِ رَمَضَانَ أوْ في التَّطَوُّعِ بمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أخْرَجَ صَدَقَةَ مالِهِ فَجادَ مِنْها بِما شاءَ فأمْضَاهُ، وَبَخِلَ مِنْها بِمَا شاءَ فأمْسَكَهُ". [حسن]

قالَ في البُخارِيُّ

(5)

: وَقالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: كانَ أبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعامٌ؟ فإنْ قُلْنا: لا، قالَ: فإني صَائِمٌ يَومي هَذَا.

(1)

في "مختصر السنن"(3/ 331).

(2)

أخرجه أحمد (6/ 207) ومسلم رقم (169/ 1154) وأبو داود رقم (2455) والترمذي رقم (734) والنسائي رقم (2322، 2323) وابن ماجه رقم (1701). وهو حديث صحيح.

(3)

في سننه رقم (2322) وهو حديث حسن.

(4)

أي للنسائي رقم (2323) وهو حديث حسن.

(5)

في صحيحه (4/ 140 رقم الباب (21) - مع الفتح) معلقًا.

• وأما أثر أبي الدرداء، فقد أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 31) وعبد الرزاق (4/ 272) والبيهقي (4/ 204) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 57) بسند صحيح وقد تقدم قريبًا ص 259.

ص: 262

قالَ: وَفَعَلَهُ أبُو طَلْحَةَ

(1)

وأبو هُرَيْرَةَ

(2)

وَابْنُ عَبَّاسٍ

(3)

وَحُذَيْفَةُ

(4)

رضي الله عنهم.

الرواية الأولى أخرجها أيضًا الدارقطني

(5)

والبيهقي

(6)

.

وفي لفظ لمسلم

(7)

: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: هل من غداء؟ فإن قالوا: لا، قال: فإني صائم"، وله ألفاظ عنده.

ورواه أبو داود

(8)

وابن حبان

(9)

والدارقطني

(10)

بلفظ: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يأتينا فيقول: هل عندكم من غداء؟ فإن قلنا: نعم، تغدى، وإن قلنا: لا، قال: إني صائم، وإنه أتانا ذات يوم وقد أهدي لنا حيس" الحديث.

قوله: (حَيْس) بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية بعدها سين مهملة: هو طعام يتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق والفتيت، قاله في النهاية

(11)

.

وقد استدل بحديث عائشة من قال: إنه لا يجب تبييت النية في صوم التطوع وهم الجمهور كما قال النووي

(12)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 31) وعبد الرزاق (4/ 273) والبيهقي (4/ 204) والطحاوي (2/ 57).

بسند صحيح وقد تقدم آنفًا ص 258.

(2)

أخرجه البيهقي (4/ 204) بسند لا بأس به.

وله شاهد عند عبد الرزاق (4/ 274) بمعناه. وقد تقدم قريبًا ص 260.

(3)

أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 56) بسند حسن وقد تقدم قريبًا ص 259.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 29) وعبد الرزاق (4/ 274) والبيهقي (4/ 204) والطحاوي (2/ 56) بسند صحيح وقد تقدم آنفًا ص 259.

(5)

في سننه (2/ 176 - 177 رقم 21).

(6)

في السنن الكبرى (4/ 203).

(7)

في صحيحه رقم (170/ 1154).

(8)

في سننه رقم (2455).

(9)

في صحيحه رقم (3630).

(10)

في سننه (2/ 176 رقم 21).

وهو حديث حسن، والله أعلم.

(11)

في غريب الحديث لابن الأثير (1/ 467).

(12)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 35).

ص: 263

وأجيب عنه بأنه صلى الله عليه وسلم قد كان نوى الصوم من الليل، وإنما أراد الفطر لما ضعف عن الصوم، وهو محتمل لا سيما على رواية:"فلقد أصبحت صائمًا"، ولو سلم عدم الاحتمال كان غايته تخصيص صوم التطوع من عموم قوله:"فلا صيام له".

قوله: (إنما مثل صوم المتطوع .. ) إلخ. فيه دليل على أنه يجوز للمتطوع بالصوم أن يفطر ولا يلزمه الاستمرار على الصوم وإن كان أفضل بالإجماع.

وظاهره أن من أفطر في التطوع لم يجب عليه القضاء وإليه ذهب الجمهور

(1)

.

وقال أبو حنيفة

(2)

ومالك

(3)

والحسن البصري ومكحول والنخعي: إنه لا يجوز للمتطوع الإفطار ويلزمه القضاء إذا فعل.

واستدلوا على وجوب القضاء بما وقع في رواية للدارقطني

(4)

والبيهقي

(5)

من حديث عائشة بلفظ: "واقضي يومًا مكانه" ولكنهما قالا: هذه الزيادة غير محفوظة.

قوله: (كان أبو الدرداء)، هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة (6) وعبد الرزاق

(6)

.

قوله: (وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة).

أما أثر أبي طلحة (7) فوصله عبد الرزاق (7) وابن أبي شيبة

(7)

.

وأما أثر أبي هريرة (8) فوصله البيهقي (8) وعبد الرزاق

(8)

.

(1)

المغني (4/ 349) والمجموع (6/ 447).

(2)

البناية في شرح الهداية (3/ 638).

(3)

التسهيل (3/ 816).

(4)

في سننه (2/ 174 - 175 رقم 12).

(5)

في السنن الكبرى (4/ 278). من حديث أم هانئ.

وقال الحافظ في "التلخيص"(2/ 363): قالا - أي الدارقطني والبيهقي وهذه الزيادة غير محفوظة.

(6)

تقدم تخريجه ص 259.

(7)

تقدم تخريجه ص 258. رقم الحاشية (4).

(8)

تقدم تخريجه ص 260.

ص: 264

وأما أثر ابن عباس

(1)

فوصله الطحاوي (1).

وأما أثر حذيفة

(2)

فوصله عبد الرزاق (2) وابن أبي شيبة (2) أيضًا.

[الباب الخامس] باب الصبي إذا أطاق وحكم من وجب عليه الصوم في أثناء الشهر أو اليوم

15/ 1639 - (عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قالَتْ: أرْسَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ عاشُورَاءَ إلى قُرَى الأنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ المَدِينَةِ: "مَنْ كَانَ أصْبَحَ صائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كانَ أصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ". فَكُنَّا بعد ذلكَ نصومُهُ وَنُصَوِّمُهُ صِبْيانَنا الصّغارَ مِنْهُمْ وَنَذْهَبُ إلى المَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهنِ، فإذَا بَكَى أحَدُهُمْ مِنَ الطَّعَامِ أعْطَيْنَاها إيَّاهُ حتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإفْطارِ. أخْرَجَاهُ

(3)

. [صحيح]

قالَ البُخارِيُّ

(4)

: وَقالَ عُمَرُ لِنَشْوَانَ في رَمَضَانَ: ويلَكَ وَصِبْيانُنَا صِيامٌ، وَضَرَبَهُ).

قوله: (الربيِّع) بتشديد الياء مصغرًا، ومعوّذ بكسر الواو المشددة: وهو ابن عوف ويعرف بابن عفراء.

قوله: (اللعبة) بضم اللام المشددة بعدها عين مهملة ساكنة ثم باء موحدة ثم تاء تأنيث: وهي الشيء الذي يلعب به الصبيان.

قوله: (من العهن) أي الصوف، [و]

(5)

قيل: هو المصبوغ منه.

(1)

أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 56) بسند حسن وقد تقدم قريبًا ص 259.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 29) وعبد الرزاق (4/ 274) والبيهقي (4/ 204) والطحاوي (2/ 56) بسند صحيح وقد تقدم آنفًا ص 259.

(3)

البخاري في صحيحه رقم (1960) ومسلم في صحيحه رقم (136/ 1136).

(4)

في صحيحه (4/ 200 رقم الباب (47) - مع الفتح) معلقًا.

وقال الحافظ: "وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور، والبغوي في "الجعديات" - (1/ 195 رقم 598) - " اهـ.

(5)

زيادة من المخطوط (ب).

ص: 265

قوله: (أعطيناها إياه حتى يكون عند الإفطار)، وقع في [رواية]

(1)

مسلم

(2)

: "أعطيناه إياه عند الإفطار" وهو مشكل.

ورواية البخاري

(3)

توضح أنه سقط منه شيء.

وقد رواه مسلم

(4)

أيضًا من وجه آخر فقال فيه: "فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم".

قوله: (لنشوان)، هو بفتح النون وسكون المعجمة كسكران وزنًا ومعنًى، وجمعه نشاوى كسكارى.

قال ابن خالويه

(5)

: سكر الرجل فانتشى وثمل بمعنى.

وقال صاحب المحكم

(6)

: نشا الرجل وانتشى وتنشى: كله بمعنى سكر.

وقال ابن التين (5): النشوان: السكران سكرًا خفيفًا.

وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور والبغوي في الجعديات

(7)

بلفظ: "إن عمر بن الخطاب أُتي برجل شرب الخمر في رمضان، فلما دنا منه جعل يقول للمنخرين والفم".

وفي رواية البغوي (7): "فلما رفع إليه عَثَر، فقال عمر: على وجهك ويحك وصبياننا صيام، ثم أمر به فضرب ثمانين سوطًا ثم سيره إلى الشام".

الحديث استدل به على أن عاشوراء كان [صومه](1) فرضًا قبل أن يفرض رمضان، وعلى أنه يستحب أمر الصبيان بالصوم للتمرين عليه إذا أطاقوه، وقد قال باستحباب ذلك جماعة من السلف منهم: ابن سيرين

(8)

والزهري

(9)

(1)

زيادة من المخطوط (ب).

(2)

في صحيحه رقم (136/ 1136).

(3)

في صحيحه رقم (1960).

(4)

في صحيحه رقم (137/ 1136).

(5)

حكاه عنه الحافظ في الفتح (4/ 201).

(6)

ابن سيده في المحكم (8/ 124).

(7)

في "الجعديات"(1/ 195 رقم 598) لأبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي (134 - 230 هـ).

(8)

أخرج عبد الرزاق في "المصنف"(4/ 153 رقم 7290) عن أيوب، عن ابن سيرين قال: يؤمر الصبي بالصلاة إذا عرف يمينه من شماله، وبالصوم إذا أطاقه".

(9)

أخرج عبد الرزاق في "المصنف"(4/ 153 رقم 7292) عن معمر عن الزهري وقتادة مثله - أي مثل أثر ابن سيرين المتقدم -.

ص: 266

والشافعي

(1)

وغيرهم.

واختلف أصحاب الشافعي (1) في تحديد السن التي يؤمر الصبي عندها بالصيام، فقيل: سبع سنين، وقيل: عشر، وبه قال أحمد (2). وقيل: اثنتا عشرة سنة، وبه قال إسحق (2). وقال الأوزاعي

(2)

: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهن حمل على الصوم.

والمشهور عن المالكية

(3)

أن الصوم لا يشرع في حق الصبيان.

والحديث يرد عليهم لأنه يبعد كل البعد أن لا يطلع النبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك.

وأخرج ابن خزيمة

(4)

من حديث رَزِينة بفتح الراء وكسر الزاي: "أن

(1)

قال النووي في "المجموع"(6/ 254): "لا يجب صوم رمضان على الصبي، ولا يجب عليه قضاء ما فات قبل البلوغ بلا خلاف

قال المصنف والأصحاب: وإذا أطاق الصوم وجب على الولي أن يأمره به لسبع سنين، بشرط أن يكون مميزًا. ويضربه على تركه لعشر

والصبية كالصبي في هذا كله بلا خلاف" اهـ.

(2)

قال ابن قدامة في "المغني"(511 - مسألة؛ قال: (وإذا كان للغلام عشر سنين، وأطاق الصيام أُخذ به).

يعني أنه يلزم الصيام ويؤمر به، ويضرب على تركه ليتمرَّن عليه، ويتعوَّده كما يلزم الصلاة ويؤمر بها.

وممن ذهب إلى أنه يؤمر بالصيام إذا أطاقه: عطاء، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وقتادة والشافعي.

وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا، ولا يخورُ فيهنَّ ولا يضعف حُمِّل صومَ شهر رمضان.

وقال إسحاق: إذا بلغ اثنتي عشرةَ أحبُّ أن يكلَّف الصوم للعادة، واعتباره بالعشر أولى

" اهـ.

(3)

المدونة (1/ 209).

(4)

في صحيحه رقم (2089) إسناده ضعيف.

قلت: وأخرجه أبو يعلى في المسند رقم (3/ 7162) والطبراني في المعجم الكبير (ج 24 رقم 704) والبيهقي في "دلائل النبوة"(6/ 226) وغيرهم.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 186) وقال: رواه أبو يعلى، والطبراني في الكبير والأوسط

وعليلة ومن فوقها لم أجد من ترجمهن، وسمى الطبراني فقال: عليلة بنت الكميت، عن أمها أمينة".

ص: 267

النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر برضعائه ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهم أن لا يرضعن إلى الليل"، وقد توقف ابن خزيمة في صحته.

قال الحافظ

(1)

: وإسناده لا بأس به، وهو يرد على القرطبي

(2)

قوله: لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بذلك ويبعد أن يكون أمر بذلك لأنه تعذيب صغير بعبادة شاقة غير متكررة في السنة. انتهى.

مع أن الصحيح عند أهل الأصول

(3)

والحديث أن الصحابي إذا قال: فعلنا كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حكمه الرفع.

لأن الظاهر اطلاعه عليه مع توفر دواعيهم إلى سؤالهم إياه عن الأحكام مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه لأنه إيلام لغير مكلف إلا بدليل.

ومذهب الجمهور أنه لا يجب الصوم على من دون البلوغ.

وذكر الهادي في "الأحكام"

(4)

أنه يجب على الصبي الصوم بالإطاقة لصيام ثلاثة أيام.

واحتج على ذلك بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام الشهر كله".

وهذا الحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير

(5)

، وقال: أخرجه

(1)

في "الفتح"(4/ 201).

(2)

في "المفهم"(3/ 195) بالمعنى.

(3)

انظر: "إرشاد الفحول"(ص 797) وإحكام الأحكام للآمدي (4/ 155 - 161).

ومقدمة شرح صحيح مسلم للنووي (1/ 30).

(4)

واسمه: (الأحكام الجامع لقواعد دين الإسلام)، تأليف: الهادي يحيى بن الحسين الهاشمي اليمني. (مؤلفات الزيدية (1/ 80).

(5)

رقم (3238) وعزاه السيوطي للموهبي في كتاب فضل العلم. ورمز السيوطي لضعفه.

وقال المناوي في "فيض القدير"(3/ 229): "وفيه جويبر بن سعيد الأزدي. قال ابن معين: لا شيء. والنسائي - في الضعفاء والمتروكين رقم (106) - متروك، وساق له - الذهبي - في الميزان - (1/ 427) - هذا الخبر".

قلت: وأخرج الحديث أيضًا ابن عدي في "الكامل"(2/ 545 - 546) من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا. وقال ابن عدي: جويبر: الضعف على حديثه ورواياته بيِّن. =

ص: 268

الموهبي

(1)

عن ابن عباس، ولفظه:"تجب الصلاة على الغلام إذا عقل، والصوم إذا أطاق، والحدود والشهادة إذا احتلم".

وقد حمل المرتضى كلام الهادي على لزوم التأديب، وحمله السادة الهارونيون على أنه يؤمر بذلك [تعويدًا]

(2)

وتمرينًا.

16/ 1640 - (وَعَنْ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: حَدَّثَنا وَفْدُنا الَّذِينَ قَدِمُوا على رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بإسْلامِ ثَقِيفٍ، قالَ: وَقَدِمُوا عَلَيْهِ في رَمَضَانَ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ قُبَّةً في المَسْجِدِ، فَلَمَّا أسْلَمُوا صَامُوا ما بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّهْرِ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ)

(3)

. [ضعيف]

17/ 1641 - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ عَمِّهِ أن أسْلَمَ أتَتْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: "صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا؟ "، قالُوا: لا، قالَ: "فأتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوا". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ)

(4)

. [ضعيف]

الحديث الأول إسناده في سنن ابن ماجه (3) هكذا: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي، حدثنا محمد بن إسحق عن عيسى بن عبد الله بن

= وقال الألباني في "الضعيفة" رقم (3386): والضحاك - وهو ابن مزاحم - لم يسمع من ابن عباس. وقال الألباني أيضًا في "ضعيف الجامع" رقم (2393) ضعيف جدًّا.

• تنبيه: في "كل طبعات النيل التي وقفت عليها وهي تربو على السبعة تحرفت كلمة (الموهبي) إلى (المرهبي) وهو خطأ بين.

(1)

قال المناوي في "فيض القدير"(3/ 229): "الموهبي: بفتح الميم وسكون الواو، وكسر الهاء، وباء موحدة. نسبة إلى موهب بطن من المغافر وهو: عمارة بن الحكم بن عباد المغافري الإسكندراني، كان فاضلًا صالحًا صاحب تآليف" اهـ.

(2)

في المخطوط (ب): (تعودًا).

(3)

في سننه رقم (1760).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 40 رقم 632/ 1760): "هذا إسناد ضعيف، لتدليس محمد بن إسحاق، عن عيسى بن عبد الله، قال ابن المديني: وتفرد بالرواية عن عيسى. قال: وعيسى بن عبد الله مجهول".

والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(4)

في سننه رقم (2447) وهو حديث ضعيف.

ص: 269

مالك عن عطية بن سفيان بن عبد الله فذكره، ورجال إسناده فيهم الثقة والصدوق ومن لا بأس به، وفيه عنعنة محمد بن إسحق.

وهذا الحديث هو طرف من حديث قدوم ثقيف على النبيّ صلى الله عليه وسلم وإنزاله لهم في المسجد.

والحديث الثاني أخرجه الترمذي

(1)

أيضًا من طريق قتادة عن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه فذكره.

الحديث الأول يدل على وجوب الصيام على من أسلم في رمضان ولا أعلم فيه خلافًا

(2)

.

والحديث الثاني فيه دليل على أنه يجب الإمساك على من أسلم في نهار رمضان، ويلحق به من تكلف أو أفاق من الجنون أو زال عذره المانع من الصوم، وأنه يجب عليه القضاء لذلك اليوم وإن لم يكن مخاطبًا بالصوم في أوله.

قال في الفتح

(3)

: وعلى تقدير أن لا يثبت هذا الحديث في الأمر بالقضاء فلا يتعين القضاء؛ لأن من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء، كمن بلغ أو أسلم في أثناء النهار.

قال المصنف

(4)

رحمه الله تعالى بعد أن ساق حديث الربيع وما بعده ما لفظه: وهذا حجة في أن صوم عاشوراء كان واجبًا، وأن الكافر إذا أسلم أو بلغ الصبيّ في أثناء يَومه لزمه إمساكه وقضاؤه، ولا حجة فيه على سقوط تبييت النية لأن صومه إنما لزمهم في أثناء اليوم، انتهى.

وقد قدمنا الكلام على جميع هذه الأطراف.

* * *

(1)

في سننه بإثر الحديث (752).

(2)

انظر: المغني لابن قدامة (4/ 414 - 415).

(3)

(4/ 126).

(4)

ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 165).

ص: 270

[ثانيًا] أبواب ما يبطل الصوم وما يكره وما يستحب للصائم

[الباب الأول] باب ما جاء في الحجامة

1/ 1642 - (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: (أفْطَرَ الحاجِمُ وَالمَحْجُومُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ

(1)

وَالتّرْمِذِيُّ

(2)

. [صحيح]

ولأحْمَدَ

(3)

وَأَبِي دَاوُدَ

(4)

وَابْنِ مَاجَهْ

(5)

مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ. [صحيح]

وَحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ

(6)

مِثْلَهُ. [صحيح]

(1)

في المسند (3/ 465) بسند صحيح.

(2)

في سننه رقم (774) وقال: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح.

وأخرجه الترمذي في علله (1/ 360) وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: غير محفوظ.

قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (1964) وابن حبان رقم (3535) والطبراني في الكبير رقم (4257) والحاكم (1/ 428) والبيهقي (4/ 265) وعبد الرزاق في المصنف رقم (7523).

قال ابن خزيمة: سمعتُ العباس بن عبد العظيم العنبري، يقول: سمعت علي بن عبد الله - المديني - يقول: لا أعلم في "أفطر الحاجم والمحجوم" حديثًا أصح من ذا.

وخلاصة القول: أن حديث رافع بن خديج حديث صحيح.

(3)

في المسند (5/ 276) و (5/ 282) بسند ضعيف لضعف شهر بن حوشب.

(4)

في سننه رقم (2367).

(5)

في سننه رقم (1680). قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (1984) وابن حبان رقم (3532) والحاكم (1/ 427).

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

(6)

في المسند (4/ 122 - 123) بسند صحيح.

قلت: وأخرجه أبو داود رقم (2368) وابن ماجه رقم (2368) والنسائي في السنن الكبرى رقم (3126) وابن ماجه رقم (1681) وابن حبان رقم (3533) والدارمي (2/ 14) والبيهقي (4/ 265) وعبد الرزاق في المصنف رقم (7519) وابن أبي شيبة =

ص: 271

ولأحْمَدَ

(1)

وَابْنِ مَاجَهْ

(2)

مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ. [صحيح لغيره]

ولأحْمَدَ

(3)

مِنْ حَدِيثِ عائِشَةَ. [صحيح لغيره]

وَحَدِيثِ أسامَةَ بْنِ زَيْدٍ مِثْلُهُ)

(4)

. [صحيح لغيره]

2/ 1643 - (وَعَنْ ثَوْبَانَ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أتى على رَجُلٍ يَحْتَجِمُ في رَمَضَانَ فَقالَ: "أفْطَرَ الحاجِمُ وَالمَحْجُومُ".)

(5)

. [صحيح]

3/ 1644 - (وَعَنِ الحَسَنِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ سِنانٍ الأشْجَعِيّ أنَّهُ قَالَ: مَرَّ عَليَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحْتَجِمُ في ثَمانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ: "أفْطَرَ الحاجِمُ وَالمَحْجُومُ"، رَوَاهُمَا أحْمَدُ

(6)

. [صحيح لغيره]

= (3/ 49 - 50) والطبراني في الكبير رقم (7149 - 7154) من طرق.

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

(1)

في المسند (2/ 364) بسند صحيح إلا أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة.

قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 50) والبخاري في التاريخ الكبير (2/ 180) والنسائي في السنن الكبرى رقم (3160) وأبو يعلى رقم (6239) من طرق عن عبد الوهاب الثقفي، عن يونس عن الحسن عن أبي هريرة، به.

ولحديث أبي هريرة طرق أخرى سيأتي بعضها أثناء الشرح.

وخلاصة القول: أن حديث أبي هريرة حديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(2)

لم أقف عليه عند ابن ماجه.

(3)

في المسند (2/ 157) و (2/ 258) والنسائي في السنن الكبرى رقم (3180) بسند ضعيف، لضعف ليث بن أبي سليم. وأما الحديث فهو حديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(4)

في المسند (5/ 210) بسند رجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من أسامة بن زيد شيئًا.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 168) وقال: الحسن مدلس. وقيل: لم يسمع من أسامة".

وهو حديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(5)

وهو حديث صحيح تقدم تخريجه في الحديث رقم (1/ 1642) من كتابنا هذا.

(6)

في المسند (3/ 474) بسند منقطع، الحسن البصري لم يسمع من معقل بن سنان.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 169) وقال: "رواه البزار - (رقم: 1001 - كشف) - والطبراني في الكبير - (ج 20 رقم 482) - وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط" اهـ.

ص: 272

وَهُما دَلِيلُ على أن منْ فَعَلَ ما يُفْطِرُ جاهِلًا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِخلافِ النَّاسِي.

قالَ أحْمَدُ

(1)

: أصَحُّ حَدِيثٍ في هَذَا البابِ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.

وَقالَ ابْنُ المَدِينِي

(2)

: أصَحّ شَيْء في هَذَا البابِ حَدِيث ثَوْبانَ وَشَدَّادِ بْنِ أوْسٍ).

حديث رافع أخرجه ابن حبان

(3)

والحاكم

(4)

وصححاه.

قال الترمذي (2): ذُكِرَ عن أحمد أنه قال: هذا أصح شيء في هذا الباب.

وبالغ أبو حاتم

(5)

فقال: هو عندي من طريق رافع باطل.

ونقل عن يحيى بن معين

(6)

: أنه قال: هو أضعف أحاديث الباب.

وحديث ثوبان أخرجه أيضًا النسائي

(7)

وابن حبان

(8)

والحاكم

(9)

. ورويَ حمد

(10)

أنه قال: هو أصح ما روي في الباب.

وكذا قال الترمذيّ عن البخاري وصححه البخاري تبعًا لعلي بن

= والحديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(1)

قال الترمذي في السنن (3/ 145): "وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج".

(2)

قال الترمذي في السنن (3/ 145): "وذكر عن علي بن عبد الله - المديني - أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشدَّاد بن أوس؛ لأنَّ يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعًا، حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس" اهـ.

(3)

في صحيحه رقم (3535) وقد تقدم.

(4)

في المستدرك (1/ 428) وقد تقدم.

(5)

في "العلل"(1/ 249 رقم 732).

(6)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 369).

(7)

في السنن الكبرى رقم (3125).

(8)

في صحيحه رقم (3532) وقد تقدم.

(9)

في المستدرك (1/ 427) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

(10)

قال ابن تيمية في كتاب الصيام من شرح العمدة (1/ 411): "وقال أحمد في رواية عبد الله: من أصح حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أفطر الحاجم والمحجوم"؟ حديث شداد بن أوس، وثوبان؛ لأن شيبان جمع الحديثين جميعًا".

وقال الأثرم: ذكرت لأبي عبد الله حديث ثوبان، وشداد بن أوس: صحيحان هما عندك؟

قال: نعم.

وقال ابن إبراهيم: قيل لأبي عبد الله: أي حديث أقوى عندك في الحجامة؟

قال: حديث ثوبان" اهـ.

ص: 273

المديني، نقله الترمذي [في]

(1)

العلل

(2)

.

وحديث شداد بن أوس أخرجه أيضًا النسائي

(3)

وابن خزيمة

(4)

وابن حبان

(5)

وصححاه، وصححه أيضًا أحمد

(6)

والبخاري

(7)

وعلي بن المديني

(8)

.

وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا النسائي

(9)

من طريق عبد الله بن بشر

(10)

عن الأعمش عن أبي صالح عنه.

وله

(11)

طريق أخرى عن شقيق بن ثور عن أبيه عنه.

وحديث عائشة أخرجه أيضًا النسائي

(12)

، وفيه ليث بنُ أبي سليم

(13)

وهو ضعيف.

(1)

في المخطوط (ب): (عن).

(2)

في العلل الكبير رقم (1/ 362 - 364).

(3)

في السنن الكبرى رقم (3126) وقد تقدم.

(4)

لم أقف عليه عند ابن خزيمة في المطبوع.

(5)

في صحيحه رقم (3533) وقد تقدم.

(6)

في رواية عبد الله كما في شرح العمدة لابن تيمية (1/ 411).

(7)

في العلل الكبير للترمذي (1/ 362 - 363).

(8)

المرجع السابق (1/ 364).

(9)

في السنن الكبرى رقم (3164).

قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (1679) من طريق عبد الله بن بشر الرقي عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعًا.

وأورده البخاري في التاريخ الكبير (2/ 179) وإسناده منقطع، عبد الله بن بشر لم يسمع من الأعمش.

وقال الحاكم - كما في "تهذيب التهذيب"(2/ 308) - "يُحدِّث عن الأعمش مناكير. ثم غفل فأخرج له في "المستدرك" وزعم أن مسلمًا أخرج له، وليس كما قال" اهـ.

وذكر البخاري أنه روي عن أبي هريرة موقوفًا، من طريق إبراهيم بن طهمان عن الأعمش، عن أبي صالح، عنه. وابن طهمان أوثق من عبد الله بن بشر الرقي" اهـ.

(10)

في المخطوط (أ): (عبد الله بن بشير) وهو خطأ. والصواب ما أثبتناه من المخطوط (ب).

وسنن النسائي الكبرى رقم (3164) وابن ماجه رقم (1679) والتاريخ الكبير (2/ 179) وتهذيب التهذيب (2/ 308).

(11)

أي للنسائي في السنن الكبرى رقم (3166).

(12)

في السنن الكبرى رقم (3180) وقد تقدم.

(13)

ليث بن أبي سليم ضعيف. انظر: الميزان (3/ 420) وقد تقدم أكثر من مرة.

ص: 274

وحديث أسامة أخرجه أيضًا النسائي

(1)

وفيه اختلاف.

وحديث ثوبان الآخر أخرجه أيضًا النسائي

(2)

وهو أحد ألفاظ حديثه المشار إليه أولًا.

وحديث معقل بن سنان في إسناده عطاء بن السائب، وقد اختلط. ورواه الطبراني في الكبير

(3)

، وأخرجه أيضًا النسائي

(4)

وذكر الاختلاف فيه.

وفي الباب عن أبي موسى عند النسائي

(5)

والحاكم

(6)

وصححه علي بن المديني.

وقال النسائي (5): رفعه خطأ.

والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة

(7)

وعلقه البخاري

(8)

ووصله أيضًا بدون ذكر: "أفطر الحاجم والمحجوم له".

وعن بلال عند النسائي

(9)

.

وعن علي عند النسائي

(10)

أيضًا. قال علي بن المديني: اختلف فيه على الحسن.

(1)

في السنن الكبرى رقم (3153)، وقد تقدم الكلام عليه.

(2)

في السنن الكبرى رقم (3121)، وقد تقدم الكلام عليه.

(3)

(ج 20 رقم 482) وقد تقدم.

(4)

في السنن الكبرى رقم (3154) ورقم (3155) وقال عقبه: "قال أبو عبد الرحمن: عطاءُ بنُ السائب كانَ قد اختلطَ، ولا نعلم أن أحدًا روى هذا الحديث عنه غير هذين على اختلافهما عَليه فيه. والله أعلم" اهـ.

(5)

في السنن الكبرى رقم (3195) وقال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، وقد وقَفَه حفصٌ.

(6)

في المستدرك (1/ 429 - 430) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وقال الذهبي: وصححه ابن المديني.

(7)

في المصنف (3/ 50).

(8)

في صحيحه (4/ 174 - مع الفتح).

(9)

في السنن الكبرى رقم (3144).

قلت: وأخرجه أحمد في المسند (6/ 12) وابن أبي شيبة في المصنف (3/ 50) والشاشي رقم (980) والطبراني في الكبير رقم (1122) والبزار رقم (1008 - كشف) بسند ضعيف لضعف شهر بن حوشب، وهو لم يلق بلالًا.

وهو حديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(10)

في السنن الكبرى رقم (3149) ورقم (3152). =

ص: 275

وعن أنس

(1)

، وجابر

(2)

، وابن عمر

(3)

، وسعد بن أبي وقاص

(4)

، وأبي زيد الأنصاري

(5)

، وابن مسعود

(6)

، عند ابن عديّ في الكامل والبزار وغيرهما.

= قلت: وأخرجه البزار رقم (996 - كشف) والطبراني في الأوسط رقم (5238) وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 169) وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه الحسن وهو مدلس ولكنه ثقة" اهـ.

قلت: بل الحسن البصري لم يسمع من علي بن أبي طالب، فهو منقطع.

والصحيح أنه موقوف على علي رضي الله عنه.

(1)

أخرجه العقيلي في "الضعفاء"(4/ 172 - 173) من طريق - مالك - بن سليمان النهشلي، قال: حدثنا ثابت عن أنس، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل يحتجم في شهر رمضان، فقال:"أفطر الحاجم والمحجوم".

وقال العقيلي: ليس لمالك بن سليمان النهشلي من حديث ثابت أصل، والمتن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذا الوجه.

(2)

أخرجه البزار في المسند رقم (995 - كشف) والطبراني في الأوسط رقم (9394) عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".

قال البزار: تفرد به سلام عن مطر.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 169) وقال: "رواه البزار والطبراني في الأوسط، وقال: تفرد به سلام أبو المنذر عن مطر".

(3)

أخرجه ابن عدي في "الكامل"(2/ 719) والطبراني في الأوسط رقم (6139) من طريق الحسن بن أبي جعفر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفطر الحاجم والمحجوم".

قلت: وهو منكر بهذا الإسناد لتفرد الحسن بن أبي جعفر به، وقد اتفقوا على ضعفه، وكان رجلًا صالحًا. انظر: الكامل (2/ 719).

(4)

أخرجه ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" رقم (409) وابن عدي في "الكامل"(3/ 963).

من طريق داود بن الزبرقان، عن محمد بن جحادة، عن عبد الأعلى، عن مصعب بن سعد عن أبيه مرفوعًا.

وسنده واه، داود بن الزبرقان متروك وقد انفرد به.

(5)

أخرجه ابن عدي في "الكامل"(3/ 964) من طريق داود بن الزبرقان، ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي زيد الأنصاري مرفوعًا.

وهو حديث منكر بهذا الإسناد، فإن داودًا متروك الحديث.

• تنبيه: وقع في المخطوط (أ) و (ب) وفي كل طبعات "نيل الأوطار" المحققة وغير المحققة (أبو يزيد الأنصاري) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من مصدر الحديث، وكتب الرجال كالتقريب رقم (2272) وتهذيب التهذيب (2/ 6).

(6)

أخرج العقيلي في "الضعفاء الكبير"(4/ 184 رقم الترجمة 1760). =

ص: 276

وقد استدل بأحاديث الباب القائلون بفطر الحاجم والمحجوم له ويجب عليهما القضاء وهم: عليّ، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحق، وأبو ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان، حكاه عن هؤلاء الجماعة صاحب الفتح

(1)

، وصرح بأنهم يقولون: إنه يفطر الحاجم والمحجوم له.

وهو يرد ما قاله المهدي في البحر

(2)

، وتبعه المغربي

(3)

في شرح بلوغ المرام

(4)

،

= من طريق معاوية بن عطاء، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجلين يحجم أحدهما الآخر، فاغتاب أحدهما، ولم ينكر عليه الآخر، فقال:"أفطر الحاجم والمحجوم".

قال عبد الله: لا للحجامة، ولكن للغيبة.

وهو حديث باطل لا أصل له.

فقد قال العقيلي: عن معاوية بن عطاء أن في حديثه مناكير ولا يتابع على أكثره. وأورد له عدة أحاديث وهذا منها ثم قال بعدها: "وهذه كلها بواطيل لا أصول لها".

وذكر الذهبي في "الميزان"(4/ 136) في ترجمة معاوية بن عطاء، هذا الحديث بهذا الإسناد واعتبره من منكراته.

(1)

الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(4/ 174).

وقال النووي في "المجموع"(6/ 390): "

وقال جماعة من العلماء: الحجامة تفطر: وهو قول علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعائشة، والحسن البصري، وابن سيرين، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وابن خزيمة.

قال الخطابي: قال أحمد وإسحاق: يفطر الحاجم والمحجوم وعليهما القضاء دون الكفارة.

وقال عطاء: يلزم المحتجم في رمضان القضاء والكفارة

" اهـ.

وانظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 350).

(2)

البحر الزخار (2/ 252).

(3)

هو الحسين بن محمد بن سعيد بن عيسى اللَّاعي، نسبة إلى بلاد لاعة من أعمال بلاد كوكبان، المعروف بـ"المغربي" قاضي صنعاء وعالمها ومحدثها. ولد سنة (1048 هـ) وجدَّ في طلب العلم حتى برع في عدة علوم. وتولى القضاء للإمام المهدي: أحمد بن الحسن، واستمر قاضيًا إلى أيام الإمام المهدي: محمد بن أحمد. وتوفي سنة (1119 هـ) وقيل سنة (1115 هـ). [البدر الطالع (1/ 230 - 231 رقم 153)].

(4)

وهو "البدر التمام شرح بلوغ المرام"، وهو شرح حافلٌ نقلَ ما في "التلخيص" من الكلام على متون الأحاديث وأسانيدها. ثم إذا كان الحديث في البخاري نقل شرحه من "فتح الباري". وإذا كان في "صحيح مسلم" نقل شرحه من "شرح النووي". وتارة ينقل من "شرح السنن" لابن رسلان. ولكنه لا ينسب هذه الأقوال إلى أهلها غالبًا مع كونه يسوقُها =

ص: 277

وصاحب "ضوء النهار"

(1)

من أنه لم يقل أحد من العلماء بأن الحاجم يفطر.

ومن القائلين بأنه يفطر الحاجم والمحجوم له أبو هريرة وعائشة.

قال الزعفراني: إن الشافعي

(2)

علق القول به على صحة الحديث، وبذلك قال الداودي من المالكية

(3)

.

وذهب الجمهور إلى أن الحجامة لا تفسد الصوم، وحكاه في البحر

(4)

عن جماعة من الصحابة منهم: عليّ وابنه الحسن وأنس وأبو سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وعن العترة وأكثر الفقهاء والحسن البصري وعطاء والصادق.

قال الحازمي

(5)

: "ممن روينا عنه ذلك من الصحابة سعد بن أبي وقاص، والحسن بن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن أرقم، وابن عمر، وأنس، وعائشة وأم سلمة.

ومن التابعين والعلماء: الشعبي، وعروة، والقاسم بن محمد، وعطاء بن يسار، وزيد بن أسلم، وعكرمة، وأبو العالية وإبراهيم وسفيان ومالك، والشافعيّ وأصحابه إلا ابن المنذر".

وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنها منسوخة بالأحاديث التي ستأتي.

وأجيب عن ذلك بما سنذكره في شرحها.

وأجابوا أيضًا بما أخرجه الطحاوي

(6)

وعثمان الدارمي

(7)

والبيهقي في

= باللفظ. وينقل الخلافات من "البحر الزخار" للإمام المهدي: أحمد بن يحيى، وفي بعض الأقوال من "نهاية ابن رشد". ويترك التعرض للترجيح في غالب الحالات، وهو ثمرة الاجتهاد. وعلى كل حال فهو شرح مفيد، وقد اختصره السيد العلامة: محمد بن إسماعيل الأمير. وسمَّى المختصر "سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام"، وقد طبع بتحقيقي ولله الحمد والمنة.

وأما "البدر التمام شرح بلوغ المرام"، لا يزال مخطوطًا أعانني الله على تحقيقه ونشره.

(1)

(2/ 437).

(2)

في "الأم"(3/ 242).

(3)

حكاه الحافظ في "الفتح"(4/ 174) عنه.

(4)

البحر الزخار (2/ 253).

(5)

في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار (ص 354).

(6)

في شرح معاني الآثار (2/ 98، 99).

(7)

في مسنده المعروف بسنن الدارمي (2/ 14، 15).

ص: 278

المعرفة

(1)

عن ثوبان أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" لأنهما كانا يغتابان، وردَّ بأن في إسناده يزيد بن ربيعة

(2)

وهو متروك، وحكم ابن المديني

(3)

بأنه حديث باطل.

قال ابن خزيمة

(4)

: "جاء بعضهم بأعجوبة، فزعم أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال: أفطر الحاجم والمحجوم" لأنهما كانا يغتابان، فإذا قيل له: فالغيبة تفطر الصائم؟ قال: لا، فعلى هذا لا يخرج من مخالفة الحديث بلا شبهة".

وأجابوا أيضًا بأن المراد بقوله [صلى الله عليه وسلم]

(5)

: "أفطر الحاجم والمحجوم"، أنهما سيفطران باعتبار ما يؤول الأمر إليه كقوله تعالى:{إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}

(6)

.

قال الحافظ

(7)

: ولا يخفى تكلف هذا التأويل.

وقال البغوي في شرح السنة

(8)

: معنى "أفطر الحاجم والمحجوم" أي تعرَّضا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر، وهذا أيضًا جواب متكلف وسيأتي التصريح بما هو الحق.

4/ 1645 - (وَعَنِ ابْنِ عباسٍ: أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ

(1)

بل في السنن الكبرى (4/ 268).

(2)

يزيد بن ربيعة الرحبي الدمشقي، يكنى أبا كامل.

قال البخاري: أبو كامل الرحبي الدمشقي الصنعاني، عن أبي أسماء، حديثه مناكير.

وقال أبو حاتم وغيره: ضعيف. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.

وقال النسائي: متروك الحديث.

التاريخ الكبير (8/ 320) والمجروحين (3/ 104) والجرح والتعديل (9/ 261) والمغني (2/ 748) والميزان (4/ 422) ولسان الميزان (6/ 286).

(3)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 178).

(4)

في صحيحه (3/ 230).

وقد ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 178) وعزاه لابن خزيمة.

ولكن قد قاله أبو الأشعث الصنعاني كما في شرح معاني الآثار (2/ 99).

(5)

زيادة من المخطوط (ب).

(6)

سورة يوسف: الآية (36).

(7)

في "الفتح"(4/ 177).

(8)

(6/ 304).

ص: 279

وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ أحْمَدُ

(1)

والبُخارِيُّ

(2)

. [صحيح]

وفي لَفْظٍ: احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ

(3)

وَابْنُ مَاجَهْ

(4)

وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ)

(5)

. [ضعيف]

5/ 1646 - (وَعَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيّ أنَّهُ قالَ لأنَسِ بْنِ مالِكٍ: أكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجامَةَ للصَّائِمِ على عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: "لا إلَّا مِنْ أجْلِ الضَّعْفِ. رَوَاهُ البُخارِيّ)

(6)

. [صحيح]

6/ 1647 - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبي لَيْلَى عَنْ بَعْضِ أصْحابِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الوِصَالِ في الصّيام وَالحجامَةِ للصَّائِمِ إبْقاءً على أصْحابِهِ وَلَمْ يُحَرّمْهُما. رَوَاهُ أحْمَدُ

(7)

وَأبُو دَاوُدَ)

(8)

. [صحيح]

7/ 1648 - (وَعَنْ أنَسٍ قالَ: أوَّلُ ما كُرِهَتِ الحِجَامَةُ للصَّائِمِ أن جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقالَ:"أفْطَرَ هَذَانِ". ثُمَّ رَخصَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ في الحِجامَةِ للصائِمِ. وكانَ أنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ

(9)

وَقالَ: كُلُّهُمْ ثِقاتٌ وَلا أعْلَمُ لَهُ عِلَّةً). [حسن]

(1)

أحمد في المسند (1/ 215، 222، 248، 286).

(2)

في صحيحه رقم (1938). وهو حديث صحيح.

(3)

في سننه رقم (2373).

(4)

في سننه رقم (1682).

(5)

في سننه رقم (775) وقال: هذا حديث صحيح.

وهو حديث ضعيف.

(6)

في صحيحه رقم (1940).

(7)

في المسند (4/ 314).

(8)

في سننه رقم (2374)، وقال الحافظ في "الفتح" (4/ 178) عقب الحديث:"إسناده صحيح، والجهالة بالصحابي لا تضر"، وهو حديث صحيح.

(9)

في السنن (2/ 182 رقم 7) وقال: كلهم ثقات، ولا أعلم له علّة.

قلت: وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 268) من طريق الدارقطني، به.

وقال الحافظ في "الفتح"(4/ 178) عقب الحديث: "ورواته كلهم من رجال البخاري .. " اهـ.

قلت: وبعضهم ضعف هذا الحديث للخلاف في "خالد بن مخلد القطواني"، وعبد الله بن المثنى"، وهما من رجال الصحيح. =

ص: 280

حديث ابن عباس ورد على أربعة أوجه كما حكاه في التلخيص عن بعض الحفاظ.

(الأول): احتجم وهو محرم.

(الثاني): احتجم وهو صائم.

(الثالث): كالرواية الأولى التي [ذكرها]

(1)

المصنف.

(الرابع): كالرواية الثانية التي ذكرها.

وقد أخرج اللفظ (الأول) من الأربعة الشيخان

(2)

من حديث عبد الله بن بحينة، وله طرق شتى عند النسائي وغيره من حديث أنس

(3)

وجابر

(4)

.

و (الثاني): رواه أصحاب السنن من طريق الحكم عن مقسم

(5)

عن ابن عباس، لكن أعلّ بأنه ليس من مسموع الحكم عن مقسم، وله طرق أخرى.

و (الثالث): أخرجه من ذكر المصنف وكذلك (الرابع)، وأعله أحمد وعلي بن المديني وغيرهما، فقال أحمد

(6)

: ليس فيه صائم إنما هو محرم عند أصحاب ابن عباس.

وقال أبو حاتم

(7)

: هذا خطأ، أخطأ فيه شريك.

= وخلاصة القول في "خالد بن مخلد القطواني": صدوق يتشيع وله أفراد.

كما قال الحافظ في "التقريب" رقم الترجمة (1677).

"وعبد الله بن المثنى" صدوق كثير الغلط. كما في "التقريب" رقم الترجمة (3571).

وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(1)

في المخطوط (ب): (حكاها).

(2)

البخاري رقم (1836) ومسلم رقم (1203).

(3)

أخرجه النسائي في سننه رقم (2849)، وهو حديث صحيح.

(4)

أخرجه النسائي في سننه رقم (2848)، وهو حديث صحيح.

(5)

أخرجه النسائي في السنن الكبرى رقم (3211) و (3212) من هذا الطريق.

وقد أخرجه أبو داود رقم (2372) والترمذي رقم (776) والنسائي في السنن الكبرى رقم (3202) من طريق آخر عن ابن عباس بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم.

(6)

انظر: "نصب الراية" للزيلعي (2/ 478).

(7)

في العلل (1/ 230 رقم 668).

ص: 281

وقال الحميدي

(1)

: إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن محرمًا صائمًا لأنه خرج في رمضان في غزاة الفتح ولم يكن محرمًا. انتهى.

وإذا صح فينبغي أن يحمل على أن كل واحد من الصوم والإحرام وقع في حالة مستقلة، وهذا لا مانع منه.

وقد صح "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام في رمضان وهو مسافر"

(2)

، وزاد الشافعي

(3)

وابن عبد البر

(4)

وغير واحد: "أن ذلك في حجة الوداع".

قال الحافظ

(5)

: وفيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفطرًا كما صح "أن أم الفضل أرسلت إليه بقدح لبن فشربه وهو واقف بعرفة"

(6)

.

وعلى تقدير وقوع ذلك قد قال ابن خزيمة

(7)

: هذا الخبر لا يدل على أن الحجامة لا تفطر الصائم؛ لأنه إنما احتجم وهو صائم محرم في سفر لا في حضر، لأنه لم يكن قط محرمًا مقيمًا ببلد.

قال

(8)

: وللمسافر أن يفطر ولو نوى الصوم ومضى عليه بعض النهار، خلافًا لمن أبى ذلك ثم احتج له.

(1)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 368).

(2)

أخرج البخاري رقم (1944) ومسلم رقم (88/ 1113) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أخبره أن رسول الله خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد فأفطر، وكان صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره.

(3)

انظر: "المجموع"(6/ 392).

(4)

انظر: الاستذكار (10/ 125 رقم 14227).

(5)

في "التلخيص"(2/ 368).

(6)

أخرج البخاري رقم (1658) ومسلم رقم (111/ 1123).

عن أم الفضل: شك الناس يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فبعثْتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشراب فشربَهُ".

وأخرج البخاري رقم (1661) ومسلم رقم (110/ 1123).

عن أم الفضل بنت الحارث: أنَّ ناسًا اختلفوا عندها، يومَ عرفة، في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره فشربَهُ.

(7)

في صحيحه (3/ 228).

(8)

أي ابن خزيمة في صحيحه (3/ 228).

ص: 282

لكن تعقب عليه الخطابي

(1)

بأن قوله: وهو صائم دال على بقاء الصوم.

قال الحافظ

(2)

: قلت: ولا مانع من إطلاق ذلك باعتبار ما كان عليه حالة الاحتجام لأنه على هذا التأويل إنما أفطر بالاحتجام. انتهى.

وحديث أنس الأول

(3)

اعترض على البخاري فيه بأنه سقط من إسناده حميد ما بين شعبة وثابت البناني.

وقال الحافظ

(4)

: إن الخلل وقع فيه من غير البخاري وبيَّن وجه ذلك.

وحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه أيضًا عبد الرزاق

(5)

.

قال في الفتح

(6)

: وإسناده صحيح، والجهالة بالصحابي لا تضر.

وقوله: "إبقاء على أصحابه" يتعلق بقوله: نهى.

وقد رواه ابن أبي شيبة

(7)

عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا، ولفظه:"عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف"، أي لئلا يضعف.

وحديث أنس الآخر

(8)

قال في الفتح

(9)

: رواته كلهم من رجال البخاري.

وفي الباب عن أبي سعيد الخدري قال: "رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة [للصائم]

(10)

". أخرجه النسائي

(11)

وابن خزيمة

(12)

والدارقطني

(13)

، قال الحافظ

(14)

: إسناده صحيح ورجاله ثقات، لكن اختُلِفَ في رفعه ووقفه،

(1)

في "معالم السنن"(2/ 773 - مع السنن).

(2)

في "التلخيص"(2/ 368).

(3)

تقدم برقم (5/ 1646) من كتابنا هذا.

(4)

في "التلخيص"(2/ 368).

(5)

في المصنف رقم (7535).

(6)

في "الفتح"(4/ 178).

(7)

في المصنف (3/ 52).

(8)

تقدم برقم (7/ 1648) من كتابنا هذا.

(9)

في "الفتح"(4/ 178).

(10)

ما بين الخاصرتين زيادة من المخطوط (ب).

(11)

في السنن الكبرى رقم (3228).

(12)

في صحيحه رقم (1969).

(13)

في سننه (2/ 182 رقم 9).

(14)

في "التلخيص"(2/ 371).

والخلاصة: أن إسناد الحديث صحيح، وهو من قبيل المرفوع، والله أعلم.

راجع التقييد والإيضاح (ص 69) لابن الصلاح.

ص: 283

واستُشهد له بحديث أنس المذكور

(1)

.

وله حديث آخر عند الترمذي

(2)

والبيهقي

(3)

أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يفطرن: القيء، والحجامة، والاحتلام"، وفي إسناده عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم وهو ضعيف.

وقال الترمذي

(4)

: هذا الحديث غير محفوظ.

وقد رواه الدراوردي

(5)

وغير واحد عن زيد بن أسلم مرسلًا، ورواه أبو داود

(6)

عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ورجحه

(1)

تقدم برقم (7/ 1648) من كتابنا هذا.

(2)

في سننه رقم (719).

(3)

في السنن الكبرى (4/ 220).

قلت: وأخرجه أبو يعلى في مسنده رقم (66/ 1039) وعبد بن حميد في مسنده رقم (959 - المنتخب) وأبو نعيم في الحلية (8/ 400) وابن خزيمة رقم (1972) وابن عدي في الكامل (5/ 444) وابن حبان في المجروحين (2/ 23) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (888) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، به.

قال الترمذي: "حديث أبي سعيد الخدري حديث غير محفوظ.

وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم، وعبد العزيز بن محمد، وغير واحد، هذا الحديث عن زيد بن أسلم مرسلًا، ولم يذكروا فيه عن أبي سعيد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث" اهـ.

وقال ابن خزيمة في صحيحه (3/ 233): "هذا الإسناد غلط، ليس فيه عطاء بن يسار ولا أبو سعيد، وعبد الرحمن بن زيد ليس هو ممن يحتج أهل التثبت بحديثه لسوء حفظه للأسانيد، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف والموعظة والزهد ليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الأسانيد" اهـ.

وانظر: العلل للدارقطني (11/ 267).

والخلاصة: أن حديث أبي سعيد حديث ضعيف، والله أعلم.

(4)

في السنن (3/ 97).

(5)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 371) والدارقطني في العلل (11/ 269).

(6)

في سننه رقم (2376).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم (1974، 1975) ومن طريق أبي داود البيهقي في السنن الكبرى (4/ 220).

كلهم من طريق سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أصحابه، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرفعه.

ص: 284

أبو حاتم (1) وأبو زرعة

(1)

وقال: إنه أصح وأشبه بالصواب، وتبعهما البيهقي

(2)

.

وقال الدارقطني

(3)

: رواه كامل بن طلحة عن مالك عن زيد موصولًا ثم رجع عنه، وليس هو من حديث مالك قال: ورواه هشام بن سعد عن زيد موصولًا ولا يصح، وأخرجه في السنن

(4)

.

وفي الباب عن ابن عباس عند البزار

(5)

وهو معلول.

وعن ثوبان عند الطبراني

(6)

وسنده ضعيف.

(1)

في العلل (1/ 239 - 240) حيث قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة مرة أخرى عن هذا الحديث، قال أبي: هذا أشبه بالصواب والله أعلم. وقال أبو زرعة: هذا أصح" اهـ.

(2)

في السنن الكبرى (4/ 220) حيث قال: "والمحفوظ عن زيد بن أسلم هو الأول - يعني: رواية سفيان" اهـ.

(3)

في العلل (1/ 2681).

(4)

في سننه (2/ 182 رقم 9).

(5)

في مسنده رقم (1016 - كشف) من طريق: محمد بن عبد العزيز عن هشام عن عروة، عن عطاء بن يسار عن ابن عباس يرفعه.

وأخرجه أيضًا في مسنده رقم (1017 - كشف) من طريق: محمد بن عبد العزيز، ثنا سليمان بن حيان، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا.

قال البزار: "وهذا رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد. وعبد الرحمن لين الحديث.

ورواه غيره عن زيد عن عطاء مرسلًا.

ورواه سليمان بن حيان، عن هشام بن سعد عن زيد عن عطاء عن ابن عباس، وهذا من أحسنها إسنادًا وأصحها؛ لأن محمد بن عبد العزيز لم يكن بالحافظ" اهـ.

وقال الحافظ في "التلخيص"(2/ 372): "وفي الباب عن ابن عباس عند البزار وهو معلول" اهـ.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 170) وقال: "رواه البزار بإسنادين وصحح أحدهما وظاهره الصحة" اهـ.

والخلاصة: أن حديث ابن عباس حديث ضعيف، والله أعلم.

(6)

في المعجم الأوسط رقم (6673) وفي المعجم الكبير (ج 2 رقم 1438).

• أما سند الأوسط فضعيف، لضعف يزيد بن عياض بن يزيد بن جعدَبَةَ الليثي.

والقاسم بن عبد الرحمن الشامي، أبو عبد الرحمن الدمشقي.

• وأما سند الكبير فضعيف أيضًا، لضعف عبد الله بن صالح أبو صالح المصري، =

ص: 285

وقد استدل الجمهور

(1)

بالأحاديث المذكورة على أن الحجامة لا تفطر.

ولكن حديث ابن عباس لا يصلح لنسخ الأحاديث السابقة.

(أما أولًا): فلأنه لم يعلم تأخره لما عرفت من عدم انتهاض تلك الزيادة، أعني قوله في حجة الوداع.

(وأما ثانيًا): فغاية فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم الواقع بعد عموم يشمله أن يكون مخصصًا له من العموم لا رافعًا لحكم العام.

نعم حديث ابن أبي ليلى

(2)

، وأنس

(3)

وأبي سعيد

(4)

يدل على أن الحجامة غير محرمة ولا موجبة لإفطار الحاجم ولا المحجوم.

فيجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون سببًا للإفطار.

ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها، وعلى كل حال تجنب الحجامة للصائم أولى، فيتعين حمل قوله:"أفطر الحاجم والمحجوم"

(5)

على المجاز، لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي

(6)

.

= كاتب الليث. ويزيد بن عبد الله بن خصيفة الكندي المدني.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 170) وقال: "وإسنادهما ضعيف".

وقال الحافظ في "التلخيص"(2/ 372): "وعن ثوبان أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط بسند ضعيف، في ترجمة محمد بن الحسين بن قتيبة" اهـ.

وخلاصة القول: أن حديث ثوبان حديث ضعيف، والله أعلم.

(1)

انظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 350).

(2)

تقدم برقم (1647) من كتابنا هذا.

(3)

تقدم برقم (1646) من كتابنا هذا.

(4)

تقدم خلال شرح الحديث (1648) من كتابنا هذا.

(5)

تقدم برقم (1642) من كتابنا هذا.

(6)

قال الشوكاني رحمه الله في "السيل الجرار"(2/ 41) بتحقيقي: "قوله: "وتكره الحجامة". أقول: "بمجرد كراهة التنزيه يُجمع بين الأحاديث الواردة في أن الحجامة يفطر بها الصائم، وبما ورد من الترخيص في ذلك

" اهـ.

ص: 286

[الباب الثاني] باب ما جاء في القيء والاكتحال

8/ 1649 - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَنْ ذَرَعَهُ القَىْء فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْض". رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ)

(1)

. [صحيح]

الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان

(2)

والدارقطني

(3)

والحاكم

(4)

وله ألفاظ.

قال النسائي: وقفه عطاء على أبي هريرة.

وقال الترمذي

(5)

: لا نعرفه إلا من [حديث]

(6)

هشام عن محمد عن أبي هريرة تفرد به عيسى بن يونس.

وقال البخاري

(7)

: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه ولا يصح إسناده.

وقال أبو داود

(8)

وبعض الحفاظ: لا نراه محفوظًا.

قال الحافظ

(9)

: وأنكره أحمد وقال في روايته: ليس من ذا شيء، يعني أنه

(1)

أخرجه أحمد (2/ 498) وأبو داود رقم (2380) والترمذي رقم (725) وابن ماجه رقم (1676) والنسائي في الكبرى رقم (3117).

قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 14) وابن خزيمة (رقم 1965، 1961). وابن حبان رقم (3518).

والبيهقي (4/ 219) والبغوي في شرح السنة رقم (1755) والدارقطني في سننه (2/ 184 رقم 20) وقال: رواته ثقات كلهم. والحاكم في المستدرك (1/ 426 - 427) وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي وهو كما قالا.

وقال أبو داود عقب حديث (2380): "رواه أيضًا حفص بن غياث عن هشام مثله. وهذه الرواية وصلها ابن ماجه رقم (1676) وابن خزيمة رقم (1961) والحاكم (1/ 426) والبيهقي (4/ 219) من طرق عن حفص بن غياث عن هشام، به.

وخلاصة القول: أن حديث أبي هريرة حديث صحيح، والله أعلم.

(2)

في صحيحه رقم (3518) وقد تقدم.

(3)

في سننه (2/ 184 رقم 20) وقد تقدم.

(4)

في المستدرك (1/ 426) وقد تقدم.

(5)

في السنن (3/ 99).

(6)

في المخطوط (ب): (طريق).

(7)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 363).

(8)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 1363).

(9)

في "التلخيص"(2/ 363).

ص: 287

غير محفوظ كما قال الخطابي

(1)

، وصححه الحاكم

(2)

على شرطهما.

وفي الباب عن ابن عمر موقوفًا عند مالك في الموطأ

(3)

والشافعي

(4)

بلفظ: "من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء".

قوله: (من ذرعه) قال في التلخيص

(5)

: هو بفتح الذال المعجمة: أي غلبه.

قوله: (من استقاء عمدًا) أي استدعى القيء وطلب خروجه تعمدًا.

والحديث يدل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء ولا يجب عليه القضاء، ويبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه ويجب عليه القضاء.

وقد ذهب إلى هذا عليّ وابن عمر وزيد بن أرقم وزيد بن عليّ والشافعي

(6)

والناصر والإمام يحيى حكي ذلك عنهم في البحر

(7)

.

وحكى ابن المنذر

(8)

الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام.

وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة والهادي والقاسم: إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبًا أو مستخرجًا ما لم يرجع منه شيء باختيار.

واستدلوا بحديث أبي سعيد المتقدم (9) في الباب الذي قبل هذا بلفظ: "ثلاث لا يفطرن: القيء، والحجامة، والاحتلام".

وأجيب بأنه فيه المقال المتقدم فلا ينتهض معه للاستدلال. ولو سلم صلاحيته لذلك فهو محمول كما قال البيهقي على من ذرعه القيء، وهذا لا بد منه؛ لأن ظاهر حديث أبي سعيد

(9)

أن القيء لا يفطر مطلقًا، وظاهر حديث أبي هريرة

(10)

أنه يفطر نوع منه خاص، فيبنى العام على الخاص.

(1)

في "معالم السنن"(2/ 777 - مع السنن).

(2)

في المستدرك (1/ 427).

(3)

في "الموطأ"(1/ 304 رقم 47).

(4)

في "الأم"(3/ 253 رقم 927).

وإسناده صحيح.

(5)

في "التلخيص"(2/ 364).

(6)

الأم (3/ 242).

(7)

البحر الزخار (2/ 252).

وانظر: "المغني" لابن قدامة (4/ 368 - 369).

(8)

في كتابه "الإجماع"(ص 53 رقم 125).

(9)

وهو حديث ضعيف تقدم تخريجه في نهاية شرح الحديث رقم (7/ 1648) من كتابنا هذا.

(10)

برقم (8/ 1649) من كتابنا هذا.

ص: 288

ويؤيد حديث أبي هريرة ما أخرجه أحمد

(1)

وأبو داود

(2)

والترمذي

(3)

والنسائي

(4)

وابن الجارود

(5)

وابن حبان

(6)

والدارقطني

(7)

والطبراني

(8)

والبيهقي

(9)

وابن منده

(10)

والحاكم

(11)

.

ومن حديث أبي الدرداء: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر"، قال معدان بن أبي طلحة الراوي له عن أبي الدرداء:"فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فقلت له: إن أبا الدرداء أخبرني، فذكره، فقال: صدق أنا صببت عليه وضوءه"

(12)

.

(1)

في المسند (2/ 498) وقد تقدم.

(2)

في سننه رقم (2380) وقد تقدم.

(3)

في سننه رقم (720) وقد تقدم.

(4)

في السنن الكبرى رقم (3117) وقد تقدم.

(5)

في المنتقى رقم (385).

(6)

في صحيحه رقم (3518) وقد تقدم.

(7)

في سننه (2/ 184 رقم 20) وقد تقدم.

(8)

في الأوسط رقم (4806).

(9)

في السنن الكبرى (4/ 219) وقد تقدم.

(10)

لم أقف عليه؟!

(11)

في المستدرك (1/ 426) وقد تقدم.

كلهم من حديث أبي هريرة. وهو حديث صحيح وقد تقدم آنفًا برقم (8/ 1649) من كتابنا هذا.

(12)

أخرجه أحمد في المسند (6/ 443) وأبو داود رقم (2381) والترمذي رقم (87) وفي العلل (1/ 166 - 167) والنسائي في السنن الكبرى رقم (3108) والدارمي (1/ 346) والدارقطني في الخلافيات رقم (660) وفي السنن (1/ 158) وابن الجارود رقم (8) وابن خزيمة رقم (1957) والطحاوي في شرح مشكل الآثار رقم (1675) وفي شرح معاني الآثار (2/ 96) والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 144) وابن حبان رقم (1097) والحاكم (1/ 426) والبغوي في شرح السنة رقم (160) من طرق

قال الترمذي في العلل الكبير (1/ 168): "سألت محمدًا - أي البخاري - عن هذا الحديث، فقال: جوَّد حسين المعلم هذا الحديث.

وقال الترمذي في السنن: وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب.

وقال البيهقي في السنن الكبرى (1/ 144): "وإسناد هذا الحديث مضطرب، واختلفوا فيه اختلافًا شديدًا والله أعلم" اهـ.

فتعقّبه ابن التركماني في "الجوهر النقي" فقال: "أخرجه الترمذي، - ثم نقل كلام الترمذي المتقدم - وقال ابن منده: هذا إسناد متصل صحيح، ثم قال ابن التركماني: وإذا أقام ثقة إسنادًا اعتُمد، ولم يبال بالاختلاف، وكثير من أحاديث الصحيحين لم تسلم من مثل هذا الاختلاف.

وخلاصة القول: أن حديث أبي الدرداء حديث صحيح، والله أعلم.

ص: 289

قال ابن منده

(1)

: إسناده صحيح متصل، وتركه الشيخان لاختلاف في إسناده.

قال الترمذي

(2)

: جوَّده حسين المعلم، وهو أصح شيء في هذا الباب.

وكذلك قال أحمد: قال البيهقي

(3)

: هذا حديث مختلف في إسناده، فإن صح فهو محمول على القيء عامدًا، وكأنه كان صلى الله عليه وسلم صائمًا تطوّعًا.

وقال

(4)

في موضع آخر: إسناده مضطرب ولا تقوم به حجة

(5)

.

(1)

حكاه عنه الحافظ في التلخيص (2/ 364) وابن التركماني في "الجوهر النقي" بهامش السنن الكبرى (1/ 144).

(2)

في "العلل الكبير"(1/ 168): قال الترمذي: سألت محمدًا - أي البخاري - عن هذا الحديث فقال: "جوَّد حسين المعلم إسناده" اهـ.

وقال الترمذي في السنن (1/ 146): "وقد جوَّد حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب" اهـ.

(3)

في السنن الكبرى (4/ 220).

(4)

أي البيهقي في السنن الكبرى (1/ 144).

(5)

قال النووي في "المجموع"(6/ 344 - 345): فرع في مذاهب العلماء في القيء: قد ذكرنا أن مذهبنا - أي الشافعية - أن من تقايأ عمدًا أفطر ولا كفارة عليه إن كان في رمضان.

قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تقايأ عمدًا أفطر.

قال: ثم قال علي، وابن عمر، وزيد بن أرقم، وعلقمة، والزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: لا كفارة عليه كأنما عليه القضاء.

قال: وقال عطاء، وأبو ثور: عليه القضاء والكفارة. قال: وبالأول أقول.

- قلت: وهو الراجح -.

قال: وأما من ذرعه القيء فقال: علي، وابن عمر، وزيد بن أرقم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي: لا يبطل صومه.

قال: وهذا قول كل من يحفظ عنه العلم وبه أقول.

- قلت: وهو الراجح -

قال: وعن الحسن البصري روايتان: الفطر وعدمه. هذا نقل ابن المنذر.

وقال العبدري: نقل عن ابن مسعود، وابن عباس، أنه لا يفطر بالقيء عمدًا.

قال: وعن أصحاب مالك في فطر من ذرعه القيء خلاف.

قال: وقال أحمد: إن تقايأ فاحشًا أفطر فخصه بالفحش.

دليلنا على الجميع حديث أبي هريرة السابق، والله تعالى أعلم" اهـ.

ص: 290

9/ 1650 - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ النُّعْمانِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ هَوْذَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ أمَرَ بالإثْمِدِ المُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقالَ:"لِيَتَّقِهِ الصَّائمُ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ

(1)

وَالبُخارِيُّ في تارِيخِه

(2)

، وفي إسْنَادِهِ مَقالٌ قَرِيبٌ. [ضعيف]

قالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدُ الرَّحْمنِ هَذَا ضَعِيفٌ. وَقَالَ أبُو حَاتِمٍ الرَّازِي: هُوَ صَدُوقٌ)

(3)

.

الحديث قال ابن معين أيضًا: هو منكر

(4)

.

وقال الذهبي: إنه روي عن سعيد بن إسحق فقلب اسمه أولًا فقال: عن إسحق بن سعيد بن كعب، ثم غلط في الحديث فقال: عن أبيه عن جده، ثم النعمان بن معبد

(5)

غير معروف.

وقد استدل بهذا الحديث ابن شبرمة

(6)

وابن أبي ليلى

(7)

فقالا: إن الكحل يفسد الصوم، وخالفهم العترة

(8)

والفقهاء

(9)

وغيرهم فقالوا: إن الكحل لا يفسد الصوم.

(1)

في سننه رقم (2377) قلت: وأخرجه ابن الجوزي في التحقيق (2/ 315 رقم 1170) قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر، يعني حديث الكحل.

(2)

في التاريخ الكبير (7/ 398).

قلت: وأخرجه الدارمي رقم (1774) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 262) ورواية أبي داود الأولى، ورواية البخاري الثانية، من طريق عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة عن أبيه عن جده النعمان بن معبد والد عبد الرحمن "مجهول" لم يوثقه معتبر.

وقد ترجم له البخاري في "الكبير"(8/ 78) وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"(8/ 445) ولم يوردا فيه جرحًا ولا تعديلًا.

وذكره ابن حبان في "الثقات"(7/ 530).

وقال الذهبي في "الميزان"(4/ 266): "غير معروف، تفرد عنه ابنه عبد الرحمن"، وقال الحافظ في "التقريب" رقم الترجمة (7161):"مجهول".

(3)

الميزان (2/ 954 رقم 4991).

والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(4)

نقله عنه أبو داود في السنن (2/ 776).

(5)

مجهول كما تقدم في التقريب رقم (7161) والميزان (4/ 266).

(6)

و

(7)

حكاه عنهما النووي في "المجموع"(6/ 388).

(8)

البحر الزخار (2/ 253).

(9)

قال النووي في "المجموع"(6/ 387 - 388): "فرع في مذاهب العلماء في الاكتحال: =

ص: 291

وأجابوا عن الحديث بأنه ضعيف لا ينتهض للاحتجاج به.

واستدل ابن شبرمة وابن أبي ليلى بما أخرجه البخاري

(1)

تعليقًا، ووصله البيهقي

(2)

والدارقطني

(3)

وابن أبي شيبة

(4)

من حديث ابن عباس بلفظ: "الفطر مما دخل والوضوء مما خرج"، قال: وإذا وجد طعمه فقد دخل.

ويجاب بأن في إسناده الفضل بن مختار

(5)

وهو ضعيف جدًّا. وفيه أيضًا شعبة مولى ابن عباس وهو ضعيف.

وقال ابن عدي

(6)

: الأصل في هذا الحديث أنه موقوف.

وقال البيهقي: لا يثبت مرفوعًا، ورواه سعيد بن منصور موقوفًا من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عنه.

ورواه الطبراني

(7)

من حديث أبي أمامة. قال الحافظ: وإسناده أضعف من الأول.

= ذكرنا أنه جائز عندنا - الشافعية - ولا يكره، ولا يفطر به، سواء وجد طعمه في حلقه أم لا.

وحكاه ابن المنذر عن: عطاء، والحسن البصري، والنخعى، والأوزاعى، وأبى حنيفة، وأبي ثور.

وحكاه غيره عن: ابن عمر، وأنس، وابن أبي أوفى الصحابيين رضي الله عنهم. وبه قال داود.

وحكى ابن المنذر عن سليمان التيمي، ومنصور بن المعتمر وابن شبرمة وابن أبي ليلى أنهم قالوا: يبطل به صومه.

وقال قتادة: يجوز بالإثمد، ويكره بالصبر.

وقال الثوري وإسحاق: يكره.

وقال مالك وأحمد: يكره وإن وصل إلى الحلق أفطر

" اهـ.

وانظر: "المغني"(4/ 353 - 354) و"التسهيل"(3/ 810).

(1)

في صحيحه (4/ 173 رقم الباب 32 - مع الفتح) معلقًا.

(2)

في السنن الكبرى (4/ 261).

(3)

في سننه (1/ 151 رقم 1).

(4)

في المصنف (3/ 51).

(5)

الفضل بن المختار، أبو سهل البصري، عن أبي ذئب وغيره.

قال أبو حاتم: أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل، وقال الأزدي: منكر الحديث جدًّا.

وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة، عامَّتُها لا يتابع عليها.

[الميزان (3/ 358 - 359 رقم الترجمة 6750)].

(6)

الكامل (4/ 25).

(7)

في المعجم الكبير (ج 8 رقم 7848). =

ص: 292

ومن حديث ابن عباس مرفوعًا.

واحتج الجمهور على أن الكحل لا يفسد الصوم بما أخرجه ابن ماجه

(1)

عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتحل في رمضان وهو صائم"، وفي إسناده بقية عن الزبيدي عن هشام عن عروة، والزبيدي المذكور اسمه سعيد بن أبي سعيد، ذكره ابن عدي

(2)

وأورد هذا الحديث في ترجمته، وكذا قال البيهقي

(3)

وصرح به في روايته، وزاد أنه مجهول.

وقال النووي في شرح المهذب

(4)

: "رواه ابن ماجه (1) بإسناد ضعيف من رواية بقية عن سعيد بن أبي سعيد وهو ضعيف. وقال: وقد اتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين مردودة". انتهى.

قال الحافظ

(5)

: "وليس سعيد بن أبي سعيد بمجهول بل هو ضعيف واسم أبيه عبد الجبار على الصحيح، وفرق ابن عدي بين سعيد بن أبي سعيد الزبيدي فقال: هو مجهول، وسعيد بن عبد الجبار فقال: هو ضعيف، وهما واحد".

ورواه البيهقي

(6)

من طريق محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتحل وهو صائم". قال ابن أبي حاتم عن

= وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 254) وقال: فيه عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، وهما ضعيفان لا يحل الاحتجاج بهما".

(1)

في سننه رقم (1678).

وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 13): هذا إسناد ضعيف، لضعف الزبيدي واسمه سعيد بن عبد الجبار، بينه أبو بكر بن أبي داود".

وهو حديث صحيح.

(2)

في "الكامل"(3/ 406).

(3)

في السنن الكبرى (4/ 262).

(4)

المجموع (6/ 388).

(5)

في "التلخيص"(2/ 365).

(6)

في السنن الكبرى (4/ 262).

قلت: وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ج 1 رقم 939).

وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد" (3/ 167) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير من رواية حبان بن علي عن محمد بن عبيد الله بن رافع وقد وثقا، وفيهما كلام كثير".

وقال النووي في "المجموع"(6/ 388): "رواه البيهقى وضعفه؛ لأن راويه محمد هذا ضعيف".

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

ص: 293

أبيه

(1)

: هذا حديث منكر، وقال في محمد: إنه منكر الحديث، وكذا قال البخاري

(2)

.

ورواه ابن حبان في الضعفاء

(3)

من حديث ابن عمر، قال في التلخيص

(4)

: وسنده مقارب.

ورواه ابن أبي عاصم في كتاب "الصيام"

(5)

له من حديث ابن عمر أيضًا بلفظ: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه مملوءتان من الإثمد وذلك في رمضان وهو صائم"، ورواه الترمذي

(6)

من حديث أنس في الإذن فيه لمن اشتكت عينه.

وقال

(7)

: إسناده ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء.

ورواه أبو داود

(8)

من فعل أنس،

(1)

في الجرح والتعديل (8/ 2).

(2)

في التاريخ الكبير (1/ 170).

(3)

في "المجروحين"(1/ 320) في ترجمة سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد مولى لآل جرير بن حازم من أهل البصرة، كنيته: أبو الحسن.

قال النووي في "المجموع"(6/ 388): في إسناده من اختلف في توثيقه.

(4)

(2/ 365).

(5)

"الصيام" ابن أبي عاصم. (أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك الشيباني، ت (287 هـ).

ذكره له: السمعاني في "التحبير"(1/ 352) وابن حجر في "المعجم المفهرس".

[معجم المصنفات (ص 274 - 275 رقم 817)].

(6)

في السنن رقم (726).

(7)

أي الترمذي في السنن (3/ 77).

قال ابن الجوزي في "التحقيق"(2/ 316): "قلت: (القائل ابن الجوزي) اسم أبي عاتكة: طريف بن سلمان. قال البخاري: منكر الحديث.

وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الرازي: ذاهب الحديث" اهـ.

وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح"(2/ 316 - 317): "وقد انفرد به الترمذي، وإسناده واه جدًّا، وأبو عاتكة مجمع على ضعفه، والحسين بن عطية هو ابن نجيح القرشي أبو علي الكوفي البزار صدقه أبو حاتم" اهـ.

(8)

في سننه رقم (2378) موقوفًا على أنس من فعله.

قال النووي في "المجموع"(6/ 387): "وأما الأثر المذكور عن أنس في الاكتحال فرواه =

ص: 294

قال الحافظ

(1)

: ولا بأس بإسناده.

قال: وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني

(2)

.

وعن ابن عباس في شعب الإيمان للبيهقي

(3)

.

والظاهر ما ذهب إليه الجمهور

(4)

لأن البراءة الأصلية [لا تنتقل]

(5)

عنها إلا بدليل، وليس في الباب ما يصلح للنقل لا سيما بعد أن شد هذا الحديث من عضدها، وعلى فرض صلاحية حديث الفطر مما دخل للاحتجاج به يكون اكتحال النبي صلى الله عليه وسلم مخصصًا للكحل.

وكذلك على فرض صلاحية حديث الباب يكون محمولًا على الأمر باجتناب الكحل المطيب؛ لأن المروح هو المطيب فلا يتناول ما لا طيب فيه.

ويمكن أن يقال: حديث الاكتحال صارف للأمر عن حقيقته، أعني الوجوب، فيكون الاكتحال مكروهًا، ولكنه يبعد أن يفعل صلى الله عليه وسلم ما هو مكروه.

قوله: (بالإثمد) بكسر الهمزة: وهو حجر للكحل كما في القاموس

(6)

.

= أبو داود بإسناد كلهم ثقات إلا رجلًا مختلفًا فيه، ولم يبين الذي ضعفه سبب تضعيفه، مع أن الجرح لا يقبل إلا مفسرًا" اهـ.

قلت: في إسناده عتبة بن حميد الضبي، أبو معاذ أو أبو معاوية، البصري: صدوق له أوهام. [التقريب رقم (4429)].

والخلاصة: أن الأثر حسن، والله أعلم.

(1)

في "التلخيص"(2/ 365).

(2)

في المعجم الأوسط رقم (6911).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 167): وقال: "فيه جماعة لم أعرفهم".

(3)

في شعب الإيمان رقم (6426) بسند حسن.

قلت: وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 261) و (9/ 346) وفي الآداب رقم (905) بنفس الإسناد.

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

(4)

انظر: المجموع (6/ 387 - 388) والمغني (4/ 353 - 354) والتسهيل (3/ 810).

(5)

في المخطوط (ب): (لا ينتقل).

(6)

القاموس المحيط (ص 345).

ص: 295

[الباب الثالث] باب من أكل أو شرب ناسيًا

10/ 1651 - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فأكَلَ أوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فإنَّمَا الله أطْعَمَهُ وَسَقَاهُ". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ

(1)

. [صحيح]

وفِي لَفْظٍ: "إذَا أَكَلَ الصَّائمُ ناسِيًا، أوْ شَرِبَ نَاسِيًا، فإنَّمَا هُوَ رِزْقٌ ساقَهُ الله إلَيْهِ وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ

(2)

وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

وَفِي لَفْظٍ آخر

(3)

: "مَنْ أفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَةَ". قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَهُوَ ثِقَةٌ عَنِ الأَنْصَارِيّ).

لفظ الدارقطني الأول (2) أخرجه من رواية محمد بن عيسى بن الطباع عن ابن علية عن هشام عن ابن سيرين عنه وقال بعد قوله: إسناده صحيح إن رواته كلهم ثقات.

واللفظ الثاني (3) أخرجه أيضًا ابن خزيمة

(4)

وابن حبان

(5)

والحاكم

(6)

.

قال الحافظ في بلوغ المرام

(7)

: وهو صحيح.

وقد تُعقب قول الدارقطني أنه تفرد به محمد بن مرزوق عن الأنصاري بأن ابن خزيمة أيضًا أخرجه

(8)

عن إبراهيم بن محمد الباهلي عن الأنصاري وبأن

(1)

أخرجه أحمد في المسند (2/ 425) والبخاري رقم (1933) ومسلم رقم (171/ 1155) وأبو داود رقم (2398) والترمذي رقم (721) وابن ماجه رقم (1673). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وهو حديث صحيح.

(2)

في سننه (2/ 178 رقم 27) وقال: إسناد صحيح. وكلهم ثقات.

(3)

في سننه (2/ 178 رقم 28) وقال: تفرد به محمد بن مرزوق: وهو ثقة عن الأنصاري.

(4)

في صحيحه رقم (1990).

(5)

في صحيحه رقم (3521).

(6)

في المستدرك (1/ 430) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه السياقة، ووافقه الذهبي.

(7)

بأثر الحديث رقم (20/ 629) بتحقيقي.

(8)

أي ابن خزيمة رقم (1990).

ص: 296

الحاكم أخرجه

(1)

من طريق أبي حاتم الرازي عن الأنصاري أيضًا، فالأنصاري هو المتفرد به، كما قال البيهقي

(2)

وهو ثقة.

قال في الفتح

(3)

: والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط لا بتعيين رمضان.

وقد أخرج الدارقطني

(4)

من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "من أكل في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه".

قال الحافظ

(5)

: وإسناده وإن كان ضعيفًا لكنه صالح للمتابعة، فأقل درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنًا فيصلح للاحتجاج به، وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوة.

ويعتضد أيضًا بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير مخالف لهم كما قال ابن المنذر

(6)

وابن حزم

(7)

وغيرهما، منهم: عليّ، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}

(8)

.

(1)

في المستدرك (1/ 430).

(2)

في "المعرفة"(6/ 272 رقم 8710): تفرد به الأنصاري، عن محمد بن عمرو وكلهم ثقة.

(3)

في "فتح الباري"(4/ 157): إسناده صحيح.

(4)

في السنن (2/ 178 رقم 25) وقال الدارقطني: الفزاري هو محمد بن عبيد الله العرزمي.

وهو ضعيف وقد تقدم.

قال البخاري: تركه ابن المبارك ويحيى.

وقال ابن معين: لا يكتب حديثه.

التاريخ الكبير (1/ 171) والمجروحين (2/ 246) والجرح والتعديل (1/ 8) والميزان (3/ 635).

ولهذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 157): "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف".

قلت: وشيخه في هذا الإسناد هو عطية العوفي. وهو ضعيف أيضًا.

(5)

في "الفتح"(4/ 157).

(6)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 157).

(7)

في المحلى (6/ 220 - 226).

(8)

سورة البقرة: الآية (225).

ص: 297

فالنسيان ليس من كسب القلوب وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه. انتهى.

وقد ذهب إلى هذا الجمهور

(1)

فقالوا: من أكل ناسيًا فلا يفسد صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة.

وقال مالك

(2)

وابن أبي ليلى والقاسمية: إن من أكل ناسيًا فقد بطل صومه ولزمه القضاء. واعتذر بعض المالكية عن الحديث بأنه خبر واحد مخالف للقاعدة وهو اعتذار باطل.

والحديث قاعدة مستقلة في الصيام، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا القليل ولرد من شاء ما شاء.

وأجاب بعضهم أيضًا بحمل الحديث على التطوع، حكاه ابن التين

(3)

عن ابن شعبان، وكذا قاله ابن القصار

(4)

واعتذر بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان وهو حمل غير صحيح واعتذار فاسد يرده ما وقع في حديث الباب من التصريح بالقضاء.

ومن الغرائب تمسك بعض المتأخرين في فساد الصوم ووجوب القضاء بما وقع في حديث المجامع

(5)

بلفظ: "واقض يومًا مكانه". قال: ولم يسأله هل جامع عامدًا أو ناسيًا؟

(1)

قال النووي في "المجموع"(6/ 352 - 353): "فرع في مذاهب العلماء في الأكل وغيره ناسيًا:

ذكرنا أن مذهبنا - أي الشافعية - أنه لا يفطر بشيء من المنافيات ناسيًا للصوم، وبه قال: الحسن البصري، ومجاهد، وأبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وغيرهم.

وقال عطاء والأوزاعي والليث: يجب قضاؤه في الجماع ناسيًا دون الأكل.

وقال ربيعة ومالك: يفسد صوم الناسي في جميع ذلك، وعليه القضاء دون الكفارة.

وقال أحمد: يجب بالجماع ناسيًا: القضاء والكفارة، ولا شيء في الأكل.

دليلنا على الجميع الأحاديث السابقة. والله أعلم" اهـ.

(2)

التسهيل (3/ 813).

(3)

و

(4)

حكاه عنهما الحافظ في "الفتح"(4/ 157).

(5)

سيأتي تخريجه برقم (1663) من كتابنا هذا.

ص: 298

وهذا يرده ما وقع في أول الحديث، فإنه عند سعيد بن منصور

(1)

بلفظ: "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تب إلى الله واستغفره وتصدق واقض يومًا مكانه"، والتوبة والاستغفار إنما يكونان عن العمد لا عن الخطأ، وأيضًا بعد تسليم تنزيل ترك الاستفصال منزلة العموم يكون حديث الباب مخصصًا له فلم يبق ما يوجب ترك العمل بالحديث.

وأما اعتذار ابن دقيق العيد

(2)

عن الحديث بأن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات، والقاعدة أن النسيان لا يؤثر في المأمورات، فيجاب عنه بأن غاية هذه القاعدة المدعاة أن تكون بمنزلة الدليل فيكون حديث الباب مخصصًا لها.

قوله: (فإنما الله أطعمه وسقاه) وهو كناية عن عدم الإثم؛ لأن الفعل إذا كان من الله كان الإثم منتفيًا.

قوله: (من أفطر يومًا من رمضان) ظاهر يشمل المجامع.

وقد اختلف فيه، فبعضهم لم ينظر إلى هذا العموم وقال: إنه ملحق بمن أكل أو شرب، وبعضهم منع من الإلحاق لقصور حالة المجامع عن حالة الآكل والشارب.

وفرق بعضهم بين الأكل والشرب القليل والكثير، وظاهر الحديث عدم الفرق.

ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد

(3)

عن أمّ إسحق: "أنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم،

(1)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 397).

(2)

في "إحكام الأحكام"(2/ 212).

(3)

في المسند (6/ 367) من طريق عبد الصمد، قال: حدثنا بشَّار بن عبد الملك، قال: حدثتني أمُّ حكيم بنتُ دينار عن مولاتها أُمِّ إسحاق، أنها كانت عندَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتي بقصعةٍ من ثريدٍ، فأكلتْ معه، ومعه ذو اليدين، فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم عرقًا، فقال:"يا أمَّ إسحاق، أصيبي من هذا"، فذكرتُ أني كنتُ صائمة، فَبَرَدَتْ يدي، لا أقدمها ولا أُوْخِّرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما لكِ؟ "قالت: كنت صائمةً فنسيتُ، فقال ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أتمي صومَكِ، فإنما هو رزقٌ ساقه الله إليك".

قلت: وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (ج 25 رقم 411). =

ص: 299

فاتي بقصعة من ثريد فأكلت [معه]

(1)

ثم تذكرت أنها صائمة، فقال لها ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك".

[الباب الرابع] باب التحفظ من الغيبة واللغو وما يقول إذا شتم

11/ 1652 - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا كانَ يَوْمَ صَوْمِ أحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثُ يَوْمَئِذٍ وَلا يَصْخَبُ، فَإنْ شاتَمَهُ أحَدٌ أوْ قاتلَهُ فَلْيَقُلْ: إني امْرؤ صَائِمٌ؛ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ، وَللصَّائمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُما: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَومِهِ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ)

(2)

. [صحيح]

12/ 1653 - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وَشَرَابَهُ". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا مُسْلِمًا

(3)

وَالنَّسائِيَّ)

(4)

. [صحيح]

= وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 157) وقال: رواه أحمد والطبراني، وفيه أمُّ حكيم لم أجد لها ترجمة".

قلت: وأخرجه عبد بن حميد في "المنتخب" رقم (1590) ومن طريقه الحافظ في "الإصابة" في ترجمة أم إسحاق (8/ 355) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" رقم (3306) من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن بشار، به.

إسناده ضعيف؛ لجهالة أم حكيم بنت دينار، وضعف بشار بن عبد الملك.

• أما قوله: "أتمي صومَكِ فإنما هو رزق ساقه الله إليك".

فله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "إذا صام أحدكم يومًا فنسي، فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه".

أخرجه أحمد (2/ 395) والبخاري رقم (6669) والترمذي رقم (722) وابن ماجه رقم (1673) وغيرهم. وهو حديث صحيح.

(1)

في المخطوط (ب): (منه) وما أثبتناه من المخطوط (أ) وهو موافق لما في مسند أحمد.

(2)

أحمد (2/ 273، 443) والبخاري رقم (1894) ومسلم رقم (163/ 1151).

(3)

أحمد (2/ 452 - 453، 505) والبخاري رقم (1903) وأبو داود رقم (2362) والترمذي رقم (707) وابن ماجه رقم (1689).

(4)

بل أخرجه النسائي في الكبرى (10/ 308 - تحفة الأشراف). =

ص: 300

قوله: (فلا يرفث)

(1)

بضم الفاء وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد به هنا الكلام الفاحش، وهو لهذا المعنى بفتح الراء والفاء، وقد يطلق على الجماع وعلى مقدماته، وعلى ذكر ذلك مع النساء أو مطلقًا.

قال في الفتح

(2)

: ويحتمل أن يكون النهي لما هو أعم منها.

وفي رواية

(3)

: "ولا يجهل" أي لا يفعل شيئًا من أفعال الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك.

قوله: (ولا يصخب) الصخب

(4)

: هو الرجة واضطراب الأصوات للخصام.

قال القرطبي

(5)

: لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم.

قوله: (أو قاتله) يمكن حمله على ظاهره، ويمكن أن يراد بالقتل اللعن، فيرجع إلى معنى الشتم، ولا يمكن حمل قاتله وشاتمه على المفاعلة

(6)

؛ لأن الصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك فكيف يقع ذلك.

وإنما المعنى إذا جاء متعرضًا لمقاتلته أو مشاتمته كأن يبدأه بقتل أو شتم اقتضت العادة أن يكافئه عليها.

= قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (1995) والبغوي في شرح السنة رقم (1746) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 270). وهو حديث صحيح.

(1)

النهاية (2/ 241).

(2)

في الفتح (4/ 104).

(3)

عند البخاري رقم (1894).

(4)

النهاية (3/ 14).

(5)

في "المفهم"(3/ 214).

(6)

قال الحافظ في "الفتح"(4/ 104 - 105): "وقد استشكل ظاهره بأنَّ المفاعلة تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، والصائم لا تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصًا المقاتلة، والجواب عن ذلك أن المراد بالمفاعلة التهيؤ لها، أي إن تهيأ أحد لمقاتلته أو مشاتمته فليقل إني صائم، فإنه إذا قال ذلك أمكن أن يكف عنه، فإن أصر دفعه بالأخف فالأخف كالصائل.

هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله:"قاتله" شاتمه لأن القتل يطلق على اللعن، واللعن من جملة السب - ويؤيد ما ذكرت من الألفاظ المختلفة فإن حاصلها يرجع إلى الشتم - فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله بل يقتصر على قوله:"إني صائم"

" اهـ.

ص: 301

فالمراد بالمفاعلة إرادة غير الصائم ذلك من الصائم، وقد تطلق المفاعلة على وقوع الفعل من واحد كما يقال: عالج الأمر وعاناه.

قال في الفتح

(1)

: وأبعدَ من حمله على ظاهره فقال: المراد إذا بدرت من الصائم مقابلة الشتم بشتم على مقتضى الطبع فلينزجر عن ذلك.

ومما يبعد ذلك ما وقع في رواية

(2)

: "فإن شتمه أحد".

قوله: (وإني امرؤ صائم)، في رواية لابن خزيمة

(3)

بزيادة: "وإن كنت قائمًا فاجلس"، ومن الرواة من ذكر قوله:"إني امرؤ صائم مرتين".

واختلف في المراد بقوله: "إني صائم"، هل يخاطب بها الذي يشتمه ويقاتله أو يقولها في نفسه.

وبالثاني جزم المتولي

(4)

ونقله الرافعي عن الأئمة.

ورجح النووي في الأذكار

(5)

لأول.

وقال في شرح المهذب

(6)

: كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعها لكان حسنًا.

وقال الروياني

(7)

: إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقله في نفسه. وادعى ابن العربي

(8)

أن موضع الخلاف في التطوع، وأما في الفرض فليقله بلسانه قطعًا.

قوله: (والذي نفس محمد بيده)، هذا القسم لقصد التأكيد.

قوله: (لخلوف) بضم المعجمة واللام وسكون الواو بعدها فاء.

قال عياض

(9)

: هذه الرواية الصحيحة وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء.

قال الخطابي

(10)

: وهو خطأ، وحكي عن القابسي الوجهين، وبالغ النووي في شرح المهذب فقال: لا يجوز فتح الخاء.

(1)

(4/ 105).

(2)

عند أحمد في المسند (2/ 462).

(3)

في صحيحه رقم (1994) بإسناد صحيح.

(4)

حكاه عنه النووي في "المجموع"(6/ 398).

(5)

في كتاب "الأذكار"(ص 314).

(6)

المجموع شرح المهذب (6/ 398).

(7)

في بحر المذهب (4/ 329).

(8)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 105).

(9)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 111).

(10)

في أعلام الحديث (2/ 94).

ص: 302

واحتج غيره لذلك بأن المصادر التي جاءت على فعول بفتح أوله قليلة، ذكرها سيبويه

(1)

وغيره وليس هذا منها، والخلوف: تغير رائحة الفم.

قوله: (أطيب عند الله من ريح المسك)، اختلف في معناه، فقال المازري

(2)

: هو مجاز لأنها جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك لتقريب الصائم من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم: أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر

(3)

.

وإنما جعل من باب المجاز لأن الله تعال منزّه عن استطابة الروائح؛ لأن ذلك من صفات الحيوان، والله يعلم الأشياء على ما هي عليه

(4)

.

وقيل: المعنى: إن حكم الخلوف والمسك عند الله على خلاف ما عندكم.

وقيل: المراد أن الله يجازيه في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي: "المكلوم وريح جرحه يفوح مسكًا"

(5)

. قاله القاضي

(1)

في "الكتاب" له (4/ 153).

(2)

في المعلم بفوائد مسلم (2/ 41).

قال ابن القيم: "وأما قوله: لخلوف فم الصائم حين يخلف"؛ فهذا الظرف تحقيق للمبتدأ، أو تأكيدًا له، وبيان إرادة الحقيقة المفهومة منه، لا مجازه، ولا استعارته، وهذا كما تقول: جهاد المؤمن حين يجاهد، وصلاته حين يصلي، يجزيه الله - تعالى - بها يوم القيامة، ويرفع بها درجته يوم القيامة.

["صحيح الوابل الصيب من الكلم الطيب" ص 61].

(3)

الاستذكار (10/ 248 - 249).

(4)

هذا الكلام للحافظ في "الفتح"(4/ 105 - 106) ثم ذكر الحافظ ستة أقوال نقلًا عن بعض العلماء في معنى هذه العبارة، وكل ذلك على خلاف ظاهر الحديث.

وقد علَّق الشيخ الدرويش رحمه الله على كلام الحافظ في هذا الحديث، فقال:"كل هذا تأويل لا حاجة إليه، وإخراج اللفظ عن حقيقته. والصواب أنّ نسبة الاستطابة إليه سبحانه كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه، فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه، وغضبه، وفرحه، وكراهته، وحبّه، وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أنّ ذاته سبحانه وتعالى لا تشبه ذوات المخلوقين. وصفاته لا تشبه صفاتهم، وأفعاله لا تشبه أفعالهم؛ قاله العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في "الوابل الصيب"، والله أعلم".

[منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة من خلال كتابه "فتح الباري" (2/ 949 - 950)].

(5)

أخرجه أحمد في المسند (2/ 391) والبخاري في صحيحه رقم (5533) ومسلم في صحيحه رقم (103/ 1876).

ص: 303

عياض

(1)

، [والمراد]

(2)

أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك، حكاه القاضي عياض (1) أيضًا.

وقال الداودي

(3)

من المغاربة المعنى: إن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك حيث ندب إليه في الجمع والأعياد ومجالس الذكر، ورجحه النووي

(4)

.

وقد اختلف هل ذلك في الدنيا أو في الآخرة، فقال بالأول ابن الصلاح

(5)

، وبالثاني ابن عبد السلام

(6)

.

واحتج ابن الصلاح بما أخرجه ابن حبان

(7)

بلفظ: "فم الصائم حين يخلف من الطعام"، وكذا أخرجه أحمد

(8)

.

وبما أخرجه أيضًا الحسن بن سفيان في مسنده

(9)

والبيهقي في الشعب

(10)

من

(1)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 112).

(2)

في المخطوط (ب): (فالمراد).

(3)

ذكره النووي في شرح صحيح مسلم (8/ 30).

والحافظ في "الفتح"(4/ 106).

(4)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 30).

(5)

في شرح مشكل الوسيط (2/ 537 - 538 - مع الوسيط).

(6)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 106).

(7)

في صحيحه رقم (3424).

(8)

في المسند (2/ 443، 477).

قلت: أخرجه البخاري رقم (7492) ومسلم رقم (1151) وابن ماجه رقم (1638) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 304) والبغوي في شرح السنة رقم (1710).

وهو حديث صحيح.

(9)

لم أقف عليه في مسند الحسن بن سفيان.

وقد أخرجه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (11/ 40 رقم 1009).

عن أحمد بن منيع، والحارث بن أبي أسامة، بسند ضعيف، من حديث أبي هريرة.

وأورده الهيثمي في "بغية الباحث"(1/ 410 رقم 319) بسند ضعيف جدًّا.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 140) وقال: "رواه أحمد - في المسند (2/ 292) - والبزار - (رقم 963 - كشف) وفيه هشام أبو المقدام وهو ضعيف" اهـ.

وله شاهد من حديث جابر عند البيهقي في شعب الإيمان رقم (3603) بسند ضعيف.

لضعف زيد بن الحواري العمي.

(10)

في الشعب رقم (3603) وقد تقدم بسند ضعيف.

ص: 304

حديث جابر بلفظ: "فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك".

قال المنذري

(1)

: إسناده مقارب.

واحتج ابن الصلاح أيضًا بأن ما قاله هو ما ذهب إليه الجمهور.

واحتج ابن عبد السلام على ما قاله بما في مسلم

(2)

وأحمد

(3)

والنسائي

(4)

: "أطيب عند الله يوم القيامة"، وأخرج أحمد

(5)

هذه الزيادة من وجه آخر.

ويترتب على هذا الخلاف القول بكراهة السواك للصائم، وقد تقدم البحث عنه في موضعه.

قوله: (للصائم فرحتان إذا أفطر .. ) إلخ.

قال القرطبي

(6)

: معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي وهو السابق إلى الفهم.

وقيل: إن فرحه لفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه وخاتمة عبادته.

قال في الفتح

(7)

: ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر، ففرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحًا وهو الطبيعي، ومنهم من يكون مستحبًا وهو أن يكون لتمام العبادة.

والمراد بالفرح إذا لقي ربه أنه يفرح بما يحصل له من الجزاء والثواب.

قوله: (الزور والعمل به)، زاد البخاري

(8)

في رواية: "والجهل".

وأخرج الطبراني

(9)

من حديث أنس: "من لم يدع الخنى

(1)

في الترغيب والترهيب (2/ 20 - 21 رقم 1456) وقال: "وإسناده مقارب أصلح مما قبله - برقم (1455) - " اهـ.

(2)

في صحيحه رقم (163/ 1151).

(3)

في المسند (2/ 273).

(4)

في السنن رقم (2216)، وهو حديث صحيح.

(5)

في المسند (2/ 516).

(6)

في "المفهم"(3/ 216).

(7)

(4/ 106).

(8)

في صحيحه رقم (1894).

(9)

في الأوسط رقم (3622) وفي الصغير (1/ 170). =

ص: 305

والكذب". قال الحافظ

(1)

: ورجاله ثقات.

والمراد بالزور: الكذب.

قوله: (فليس لله حاجة .. ) إلخ. قال ابن بطال

(2)

: ليس معناه أنه يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما التحذير من قول الزور وما ذكر معه.

قال في الفتح

(3)

: ولا مفهوم لذلك، فإن الله لا يحتاج إلى شيء وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة.

وقال ابن المنير في حاشيته على البخاري

(4)

: بل هو كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئًا طلبه منه فلم يقم به لا حاجة لي في كذا.

وقال ابن العربي

(5)

: مقتضى هذا الحديث أنه لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه.

واستدلّ بهذا الحديث على أن هذه الأفعال تنقص ثواب الصوم، وتعقب بأنّها صغائر تكفر باجْتناب الكبائر.

[الباب الخامس] باب الصائم يتمضمض أو يغتسل من الحر

13/ 1654 - (عَنْ عُمَرَ قالَ: هَشِشْتُ يَوْمًا فَقَبَّلْتُ وأنا صَائِمٌ، فأتَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: صَنَعْتُ اليَوْمَ أمْرًا عَظيمًا، قَبَّلْتُ وأنا صَائِمٌ، فَقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أرأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وأنْتَ صَائِم؟ "، قُلْتُ: لا بأسَ بِذَلِكَ، فَقالَ صلى الله عليه وسلم:"فَفِيم؟ ". رَوَاهُ أحْمَدُ

(6)

وأبُو دَاوُدَ)

(7)

. [صحيح]

= وأورده الهيثمي في، مجمع الزوائد" (3/ 171): وقال: "وفيه من لم أعرفه".

قلت: رجال الإسناد كلهم معروفون ومترجمون، إلا أن شيخ الطبراني لين، فالحديث بهذا الإسناد ضعيف.

(1)

في "الفتح"(4/ 117).

(2)

في شرحه لصحيح البخاري (4/ 23).

(3)

(4/ 117).

(4)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 117).

(5)

في عارضة الأحوذي (3/ 229).

(6)

في المسند (1/ 21).

(7)

في سننه رقم (2385). =

ص: 306

14/ 1655 - (وَعَنْ أبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَصُبُّ المَاءَ على رأسِهِ مِنَ الحر وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ أحْمَدُ

(1)

وأبُو دَاوُدَ)

(2)

. [صحيح]

الحديث الأول أخرجه أيضًا النسائي

(3)

وقال: إنه منكر.

وقال أبو بكر البزار

(4)

: لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، وصححه ابن خزيمة

(5)

وابن حبان

(6)

والحاكم

(7)

.

والحديث الثاني أخرجه النسائي

(8)

ورجال إسناده رجال الصحيح.

= قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 60) وعبد بن حميد رقم (21) والدارمي رقم (1765) والبزار رقم (236) وابن خزيمة رقم (1999) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 89) وابن حبان رقم (3544) والحاكم (1/ 431) والنسائي في السنن الكبرى رقم (3036) من طرق.

وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وتعقب بأن عبد الملك بن سعيد لم يخرج له البخاري شيئًا.

وهو حديث صحيح.

(1)

في المسند (4/ 63).

(2)

في سننه رقم (2365).

قلت: وأخرجه مالك في الموطأ (1/ 294) والنسائي في السنن الكبرى رقم (3017) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 66) والحاكم (1/ 432) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 242).

وأورده ابن عبد البر في "التمهيد" ط: ابن تيمية (22/ 47) وقال: هذا حديث مسند صحيح، ولا فرق بين أن يسمي التابعُ الصاحب الذي حدثه أو لا يسميه في وجوب العمل بحديثه؛ لأن الصحابة كلهم عدول مرضيون، ثقات أثبات، وهذا أمر مجتمع عليه عند أهل الحديث.

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(3)

في السنن الكبرى (3/ 293 رقم 3036).

قال أبو عبد الرحمن: "وهذا حديث منكرٌ، وبُكيرٌ مأمون، وعبدُ الملك بن سعيد رواه عنه غير واحد، ولا ندري ممن هذا".

(4)

في المسند (1/ 353).

(5)

في صحيحه رقم (1999) وقد تقدم.

(6)

في صحيحه رقم (3544) وقد تقدم.

(7)

في المستدرك (1/ 431) وقد تقدم.

(8)

في السنن الكبرى (3/ 288 رقم 3017) وقد تقدم.

ص: 307

قوله: (هششت) بشينين معجمتين أي نشطت وارتحت، والهشاش في الأصل: الارتياح والخفة والنشاط، كذا في القاموس

(1)

.

قوله: (أرأيت لو تمضمضت .. ) إلخ؟ فيه إشارة إلى فقه بديع وهو أن المضمضة لا تنقض الصوم وهي أول الشرب ومفتاحه، فكذلك القبلة لا تنقضه وهي من دواعي الجماع وأوائله التي تكون مفتاحًا له، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، فكما ثبت عن عمر أن أوائل الشرب لا تفسد الصيام كذلك أوائل الجماع لا تفسده.

وسيأتي الخلاف في التقبيل.

قوله: (يصب الماء على رأسه من الحر .. ) إلخ، فيه دليل على أنه يجوز للصائم أن يكسر الحر بصب الماء على بعض بدنه أو كله.

وقد ذهب إلى ذلك الجمهور

(2)

، ولم يفرقوا بين الأغسال الواجبة والمسنونة والمباحة.

وقالت الحنفية

(3)

: إنه يكره الاغتسال للصائم، واستدلوا بما أخرجه عبد الرزاق

(4)

عن عليّ من النهي عن دخول الصائم الحمام، وهو مع كونه أخص من محل النزاع في إسناده ضعف كما قال الحافظ

(5)

.

واعلم أنه يكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق لحديث الأمر بالمبالغة في ذلك إلا أن يكون صائمًا وقد تقدم

(6)

.

واختلف إذا دخل من ماء المضمضة والاستنشاق إلى جوفه خطأ، فقالت

(1)

القاموس المحيط (ص 787).

(2)

المجموع (6/ 386 - 387) والفتح (4/ 153) والمغني (4/ 357).

(3)

شرح فتح القدير (2/ 334) والبناية في شرح الهداية (3/ 644).

(4)

لم أقف عليه في "مصنف" عبد الرزاق، بل أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 65) بسند ضعيف.

(5)

في "الفتح"(4/ 153).

(6)

تقدم برقم (174) من كتابنا هذا.

ص: 308

الحنفية

(1)

والقاسمية ومالك

(2)

والشافعي

(3)

في أحد قوليه والمزني

(4)

: إنه يفسد الصوم.

وقال أحمد بن حنبل

(5)

وإسحق

(6)

والأوزاعي (6) والناصر (7) والإمام يحيى

(7)

وأصحاب الشافعي

(8)

: إنه لا يفسد الصوم كالناسي.

وقال زيد بن عليّ: يفسد الصوم بعد الثلاث المرّات. وقال الصادق: يفسد إذا كان التمضمض لغير قربة. وقال الحسن البصري

(9)

والنخعي (9): إنه يفسد إن لم يكن لفريضة.

[الباب السادس] باب الرخصة في القبلة للصائم إلا لمن يخاف على نفسه

15/ 1656 - (عَنْ أُمّ سَلَمَةَ: أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُقَبّل وَهُوَ صَائمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

(10)

[صحيح]

16/ 1657 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُباشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، ولَكِنَّهُ كانَ أمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا النَّسائيَّ

(11)

. [صحيح]

وفي لَفْظٍ: كانَ يُقَبِّلُ في رَمَضَانَ وَهُوَ صَائمٌ. رَوَاهُ أحْمَدُ

(12)

وَمُسْلِمٌ)

(13)

. [صحيح]

(1)

في البناية في شرح الهداية (3/ 651).

(2)

التسهيل (3/ 827).

(3)

المجموع (6/ 357).

(4)

حكاه عنه النووي في "المجموع"(6/ 357).

(5)

المغني (4/ 356).

(6)

حكاه عنه ابن قدامة في المغني (4/ 356).

(7)

البحر الزخار (2/ 241).

(8)

المجموع (6/ 357).

(9)

حكاه عنه النووي في "المجموع"(6/ 357).

(10)

أحمد (6/ 319) والبخاري رقم (1929) ومسلم رقم (74/ 1108).

(11)

أحمد (6/ 42) والبخاري رقم (1927) ومسلم رقم (65/ 1106) وأبو داود رقم (2382) والترمذي رقم (729) وابن ماجه رقم (1684).

وهو حديث صحيح.

(12)

في المسند (6/ 130).

(13)

في صحيحه رقم (71/ 1106).

وهو حديث صحيح.

ص: 309

17/ 1658 - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ: أنَّهُ سألَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم: أيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقالَ لَهُ: "سَلْ هَذِهِ" لأمّ سَلَمَةَ، فَأخْبَرَتْهُ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ الله قدْ غَفَرَ الله لكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تأخَّرَ، فَقالَ لَهُ:"أمَا والله إني لأتْقاكُمْ لله وأخْشاكُمْ لَهُ" رَواهُ مُسْلِمٌ

(1)

، وفيه أن أفْعَالَهُ حُجَّةٌ). [صحيح]

18/ 1659 - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ: أن رَجُلًا سألَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ المُباشَرَةِ للصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وأتاهُ آخَرٌ فَنَهاهُ عَنْها، فَإذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَإذَا الَّذِي نَهَاهُ شابّ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ)

(2)

. [صحيح لغيره]

حديث أبي هريرة سكت عنه أبو داود

(3)

والمنذري

(4)

والحافظ في التلخيص

(5)

، وفي إسناده أبو العنبس الحارث بن عبيد سكتوا عنه. وقال في التقريب

(6)

: مقبول.

وقد أخرجه ابن ماجه

(7)

من حديث ابن عباس ولم يصرح برفعه.

والبيهقي

(8)

من حديث عائشة مرفوعًا.

وأخرج نحوه أحمد

(9)

من حديث عبد الله بن عمرو.

(1)

في صحيحه رقم (74/ 1108).

(2)

في السنن رقم (2387). وهو حديث صحيح لغيره.

(3)

في السنن (2/ 781).

(4)

في المختصر (3/ 264).

(5)

في "التلخيص الحبير"(2/ 373).

(6)

رقم الترجمة (1032).

(7)

في سننه رقم (1688).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 17 رقم 611/ 1688): "هذا إسناد ضعيف: عطاء بن السائب اختلط بأخرة، وخالد بن عبد الله الواسطي سمع منه بعد الاختلاط، ومحمد بن خالد ضعيف أيضًا" اهـ.

وهو حديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(8)

في السنن الكبرى (4/ 231، 232).

(9)

في المسند (2/ 185).

وأورده الهيثمي في "المجمع"(3/ 166) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير. وفيه ابنُ لهيعة، وحديثه حسن، وفيه كلام".

ص: 310

قوله: (كان يقبلها [وهو صائم])

(1)

، فيه دليل على أنه يجوز التقبيل للصائم ولا يفسد به الصوم.

قال النووي

(2)

: ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم إلا إن أنزل بها، ولكنه متعقب بأن ابن شبرمة أفتى بإفطار من قبَّل. ونقله الطحاوي

(3)

عن قوم ولم يسمِّهم.

وقد قال بكراهة التقبيل والمباشرة على الإطلاق قوم وهو المشهور عند المالكية

(4)

.

وروى ابن أبي شيبة

(5)

بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة والمباشرة.

ونقل ابن المنذر

(6)

وغيره عن قوم تحريمهما، وأباح القبلة مطلقًا قوم

(7)

.

(1)

زيادة من المخطوط (ب).

(2)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 215).

(3)

في شرح معاني الآثار (2/ 88).

(4)

التسهيل (3/ 803).

(5)

في المصنف (61/ 3، 62) بسند صحيح.

(6)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 150) وابن قدامة في المغني (4/ 361).

• أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 62) قال: حدثنا شبابة، عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعير، قال: رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ينهون عن القبلة للصائم.

إسناده صحيح. وعبد الله بن ثعلبة له رؤية كما قال الحافظ في "التقريب" رقم الترجمة (3242).

• أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 61): حدثنا عباد بن العوام عن الشيباني - سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني - قال: سألت ابن مفضل - عن القبلة للصائم - فكرهها.

إسناده صحيح.

• أخرج عبد الرزاق في "المصنف"(4/ 186) عن الثوري، عن عمران بن مسلم عن زادان قال: سئل ابن عمر رضي الله عنهما: أيقبل الرجل وهو صائم؟

قال: أفلا يقبل جمرة.

إسناده حسن، وعمران بن مسلم لا بأس به.

(7)

منهم: أبو سعيد:

أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 59 - 60): حدثنا ابن المبارك عن خالد الحذاء عن أبي المتوكل عن أبي سعيد أنه سئل عن القبلة للصائم؟ فقال: لا بأس بها ما لم يعد ذلك. =

ص: 311

قال في الفتح

(1)

: وهو المنقول صحيحًا عن أبي هريرة

(2)

، قال سعيد

(3)

وسعد بن أبي وقاص

(4)

وطائفة وبالغ بعض الظاهرية

(5)

فقال: إنها مستحبة.

وفرق آخرون بين الشاب والشيخ، فأباحوها للشيخ دون الشاب تمسكًا بحديث أبي هريرة المذكور في الباب

(6)

وما ورد في معناه، وبه قال ابن عباس وأخرجه عنه مالك

(7)

وسعيد بن منصور وغيرهما.

= إسناده صحيح.

ومنهم: أبو هريرة.

أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 60) حدثنا ابن علية عن حبيب بن شهاب عن أبيه، عن أبي هريرة قال: سئل عن القبلة للصائم فقال: لا بأس إني أحب أن أرشفها وأنا صائم.

إسناده صحيح.

ومنهم: ابن عباس.

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 60) حدثنا حفص عن عاصم عن مورق قال: سألت ابن عباس عن القبلة للصائم فرخص فيها.

إسناده صحيح.

(1)

في "الفتح"(4/ 150).

(2)

في المصنف لابن أبي شيبة (3/ 60) بسند صحيح وقد تقدم آنفًا.

(3)

في حاشية المخطوط (أ): (أي ابن منصور).

وفي حاشية المخطوط (ب): (لعله ابن منصور).

قلت: بل هو سعيد بن أبي سعيد المقبري.

أخرج مسدد كما في المطالب العالية (11/ 133 رقم 1068).

حدثنا يحيى عن ابن عجلان، حدثني سعيد بن أبي سعيد قال: إن رجلًا سأل أبو هريرة رضي الله عنه، فقال: أقبل امرأتي وأنا صائم؟ قال: لا بأس، قال: فأقبل امرأة غيرها، قال: أف.

قال: وسألت سعد بن مالك فقال: لا بأس.

قال البوصيري (4/ 270): "رواه مسدد موقوفًا، ورواته ثقات".

(4)

أخرج مالك في الموطأ (1/ 292 رقم 17) عن زيد بن أسلم؛ أن أبا هريرة، وسعد بن أبي وقاص، كانا يرخصان في القبلة للصائم؟.

إسناده صحيح.

(5)

في المحلى (6/ 194).

(6)

برقم (18/ 1659) من كتابنا هذا.

(7)

في الموطأ (1/ 293 رقم 19) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن عباس سئل عن القبلة للصائم؟ فأرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب.

إسناده صحيح.

ص: 312

وفرق آخرون بين من يملك نفسه ومن لا يملك. واستدلوا بحديث عائشة المذكور في الباب

(1)

وبه قال سفيان والشافعي

(2)

، ولكنه ليس إلا قول لعائشة، نعم نهيه صلى الله عليه وسلم للشاب وإذنه للشيخ يدل على أنه لا يجوز التقبيل لمن خشي أن تغلبه الشهوة وَظَنَّ أنه لا يملك نفسه عند التقبيل، ولذلك ذهب قوم إلى تحريم التقبيل على من كان تتحرك به شهوته، والشاب مظنة لذلك.

ويعارض حديث أبي هريرة (1) ما أخرجه النسائي

(3)

عن عائشة قالت: "أهوى النبيّ صلى الله عليه وسلم ليقبلني، فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم فقبَّلني"، وعائشة كانت شابة حينئذ.

إلا أن يكون حديث أبي هريرة مختصًا بالرجال ولكنه بعيد؛ لأن الرجال والنساء سواء في هذا الحكم.

ويمكن أن يقال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم علم من حال عائشة أنها لا تتحرك شهوتها بالتقبيل.

وقد أخرج ابن حبان في صحيحه

(4)

: "أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يمس شيئًا من وجهها وهي صائمة"، فدل على أنه كان يجنبها ذلك إذا صامت تنزيهًا منه لها عن تحرك الشهوة لكونها ليست مثله.

وقد دل حديث عمرو بن أبي سلمة

(5)

المذكور على جواز التقبيل للصائم من غير فرق بين الشاب وغيره.

(1)

برقم (16/ 1657) من كتابنا هذا.

(2)

قال الشافعي في "الأم"(4/ 247): "وهذا عندي - والله أعلم - على ما وصفت، ليس اختلافًا منهم، لكن على الاحتياط، لئلا يشتهي فيُجامع، وبقدر ما يُرَى من السائل أو يُظَنُّ به" اهـ.

(3)

في السنن الكبرى (3/ 293 رقم 3038).

(4)

في صحيحه رقم (3546).

قلت: وأخرج أحمد في المسند (6/ 162) و (6/ 213).

عن عائشة أم المؤمنين قالت: ما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يمتنعُ من شيء من وجهي وهو صائم.

وهو حديث صحيح.

(5)

تقدم برقم (1658) من كتابنا هذا.

ص: 313

وحديث أبي هريرة

(1)

أخص منه فيبنى العامّ على الخاص.

واحتج من قال بتحريم التقبيل والمباشرة مطلقًا بقوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}

(2)

، قالوا: فمنع من المباشرة في هذه الآية نهارًا.

وأجيب عن ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين عن الله تعالى، وقد أباح المباشرة نهارًا، فدلّ على أن المراد بالمباشرة في الآية: الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها.

وغاية ما في الآية أن تكون عامة في كل مباشرة مخصصة بما وقع منه صلى الله عليه وسلم وما أذن به.

والمراد بالمباشرة المذكورة في الحديث ما هو أعم من التقبيل ما لم يبلغ إلى حد الجماع، فيكون قوله:"كان يقبّل ويباشر" من ذكر العامّ بعد الخاصّ؛ لأن المباشرة في الأصل التقاء البشرتين.

ووقع الخلاف فيما إذا باشر الصائم أو قبّل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون

(3)

والشافعي

(4)

: يقضي إذا أنزل في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء.

(1)

تقدم برقم (1659) من كتابنا هذا.

(2)

سورة البقرة: الآية (187).

(3)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 151).

(4)

قال النووي في "المجموع"(6/ 349 - 350):

(الرابعة): إذا نظر إلى امرأة ونحوه وتلذذ فأنزل لم يفطر، سواء كرر النظر أم لا، وهذا لا خلاف فيه عندنا - أي الشافعية - إلا وجهًا شاذًا حكاه السرخسي في الأمالي أنه إذا كرر النظر فأنزل بطل صومه، والمذهب الأول.

وبه قال أبو الشعثاء جابر بن زيد التابعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وأبو ثور.

وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري هو كالجماع، فيجب القضاء والكفارة، ونحوه عن الحسن بن صالح. وعن مالك روايتان:(إحداهما): كالحسن. و (الثانية): إن تابع النظر فعليه القضاء والكفارة، وإلا فالقضاء.

قال ابن المنذر: لا شيء عليه، ولو احتاط فقضى يومًا فحسن.

قال صاحب الحاوي: أما إذا فكر بقلبه من غير نظر فتلذذ فأنزل فلا قضاء عليه، ولا كفارة بالإجماع. قال: وإذا كرر النظر فأنزل أثم، وإن لم يجب القضاء.

(فرع): لو قبل امرأة وتلذذ فأمذى ولم يمنِ لم يفطر عندنا - أي الشافعية - بلا خلاف. =

ص: 314

وقال مالك

(1)

وإسحق: يقضي في كل ذلك ويكفر إلا في الإمذاء فيقضي فقط.

واحتج له بأن الإنزال أقصى ما يطلب في الجماع من الالتذاذ في كل ذلك.

وتعقِّب بأن الأحكام علقت بالجماع فقط.

وروى ابن القاسم عن مالك

(2)

أنه يجب القضاء على من باشر أو قبَّل فأنعظ، أنزل أو لم ينزل، أمذى أم لم يمذ، وأنكره غيره عن مالك.

وروى عبد الرزاق

(3)

عن حذيفة أن من تأمل خَلْقَ امرأة وهو صائم بطل صومه. قال في الفتح

(4)

: وإسناده ضعيف.

قال: وقال ابن قدامة

(5)

: إن قبّل فأنزل أفطر بلا خلاف، كذا قال وفيه نظر، فقد حكى ابن حزم

(6)

أنه لا يفطر ولو أنزل، وقوى ذلك وذهب إليه.

قوله: (لأربه) بفتح الهمزة والراء وبالموحدة: أي حاجته، ويروى بكسر الهمزة وسكون الراء: أي عضوه.

قال في الفتح

(7)

: والأول أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من التفسير. انتهى.

وفي الباب عن عائشة عند أبي داود

(8)

: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقبّلها ويمصّ

= وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري، والشعبي، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور.

قال: وبه أقول.

وقال مالك وأحمد: يفطر.

دليلنا أنه خارج لا يوجب الغسل فأشبه البول" اهـ.

وانظر كتاب: "الأم"(4/ 252).

(1)

المدونة (1/ 195).

(2)

المنتقى للباجي (2/ 45 - 48) والتسهيل (3/ 803).

(3)

في المصنف (4/ 193) رقم (7452).

(4)

في "الفتح"(4/ 151).

(5)

في "المغني"(4/ 360).

(6)

في "المحلى"(6/ 194).

(7)

(4/ 151).

(8)

في سننه رقم (2386). =

ص: 315

لسانها". قال الحافظ

(1)

: وإسناده ضعيف، ولو صحّ فهو محمول على أنه لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها.

وعن رجل من الأنصار عند عبد الرزاق

(2)

بإسناد صحيح: "أنه قبّل امرأته وهو صائم، فأمر امرأته فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: إني أفعل ذلك، فقال زوجها: يرخص الله لنبيه في أشياء، فرجعت فقال: أنا أعلمكم بحدود الله وأتقاكم"، وأخرجه مالك

(3)

لكنه أرسله.

[الباب السابع] باب من أصبح جنبًا وهو صائم

19/ 1660 - (عَنْ عَائِشَةَ أن رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ الله تُدْرِكُنِي الصلاةُ وأنا جُنُبٌ فأصُومُ؟ فَقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا تُدْرِكُنِي الصَّلاةُ وأنا جُنُبٌ فأصُومُ". فَقالَ: لَسْتَ مِثْلَنا يا رَسُولَ الله، قَدْ غَفَرَ الله لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تأخَّرَ، فَقالَ:"وَالله إني لأرْجُو أنْ كُونَ أخْشاكُمْ لله وأعْلَمَكُمْ بِمَا أتَّقِي". رَوَاهُ أحْمَدُ

(4)

وَمُسْلِمٌ

(5)

وَأبُو دَاوُدَ)

(6)

. [صحيح]

= • قال الحافظ المنذري في "المختصر"(3/ 264): "في إسناده محمد بن دينار الطاحِي البصري، قال يحيى بن معين: ضعيف. وفي رواية: ليس به بأس.

ولم يكن له كتاب، وقال غيره: صدوق. وقال ابن عدي الجرجاني: قوله: "ويمص لسانها" في المتن، لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذي رواه.

وفي إسناده أيضًا سعد بن أوس، قال ابن معين: بصري ضعيف.

• وقال ابن قيم الجوزية في تهذيبه على مختصر سنن أبي داود للمنذري (3/ 263 - 264): (2281) - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقال عبد الحق: لا تصح هذه الزيادة في مص اللسان لأنها من حديث محمد بن دينار عن سعد بن أوس، ولا يحتج بهما.

وقد قال ابن الأعرابي: بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا الحديث ليس بصحيح" اهـ.

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(1)

في "التلخيص الحبير"(2/ 372).

(2)

في "المصنف"(4/ 184 رقم 8412).

(3)

في الموطأ (1/ 291 رقم 13) مرسلًا. وقد وصلها عبد الرزاق كما تقدم بإسناد صحيح.

(4)

في المسند (6/ 67).

(5)

في صحيحه رقم (79/ 1110).

(6)

في سننه رقم (2389).

وهو حديث صحيح.

ص: 316

20/ 1661 - (وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمّ سَلَمَةَ: أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جماع غَيرِ احْتِلامٍ ثُمَّ يَصُومُ في رَمَضَانَ. مُتَّفَق عَلَيْهِ)

(1)

. [صحيح]

21/ 1662 - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِماع لا حُلُمٍ ثُمَّ لا يُفْطِرُ وَلا يَقْضِي. أخْرَجاه)

(2)

. [صحيح]

هذه الأحاديث استدل بها من قال: إن من أصبح جنبًا فصومه صحيح ولا قضاء عليه من غير فرق أن تكون الجنابة عن جماع أو غيره، وإليه ذهب الجمهور

(3)

، وجزم النووي

(4)

بأنه استقر الإجماع على ذلك.

قال ابن دقيق العيد

(5)

: إنه صار ذلك إجماعًا أو كالإجماع.

وقد ثبت من حديث أبي هريرة ما يخالف أحاديث الباب، فأخرج الشيخان

(6)

عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من أصبح جنبًا فلا صوم له"، وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة هذا بعض التابعين كما نقله الترمذي

(7)

.

ورواه عبد الرزاق

(8)

عن عروة بن الزبير، وحكاه ابن المنذر

(9)

عن طاوس.

قال ابن بطال

(10)

: وهو أحد قولي أبي هريرة.

قال الحافظ

(11)

: ولم يصح عنه لأن ابن المنذر رواه عنه من طريق أبي المهزم وهو ضعيف.

وحكى ابن المنذر (9) أيضًا عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر أنه يتمّ صومه ثم يقضيه.

(1)

أحمد (6/ 34) والبخاري رقم (1926) ومسلم رقم (78/ 1109).

وهو حديث صحيح.

(2)

البخاري رقم (1932) ومسلم رقم (77/ 1109).

(3)

المغني (4/ 391 - 392) المسألة رقم (500).

والمجموع شرح المهذب (6/ 327) المسألة الخامسة.

(4)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 222).

(5)

في إحكام الأحكام (2/ 210).

(6)

البخاري رقم (1926) ومسلم رقم (75/ 1109).

(7)

في السنن (3/ 149).

(8)

في "المصنف"(4/ 182 رقم 8405).

(9)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 147).

(10)

في شرحه لصحيح البخاري (4/ 49).

(11)

في "الفتح"(4/ 147).

ص: 317

وروى عبد الرزاق

(1)

عن عطاء مثل قولهما.

قال في الفتح

(2)

: ونقل بعض المتأخرين عن الحسن بن صالح بن حي إيجاب القضاء، والذي نقله عنه الطحاوي

(3)

استحبابه.

ونقل ابن عبد البرّ

(4)

عنه، وعن النخعي

(5)

إيجاب القضاء في الفرض دون التطوّع.

ونقل الماوردي

(6)

أن هذا الإختلاف كله إنما هو في حقّ الجنب، وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يجزئه.

وتعقبه الحافظ بما أخرجه النسائيّ

(7)

بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه أفتى من أصبح جنبًا من احتلام أن يفطر.

وفي رواية أخرى عنه عند النسائيّ

(8)

أيضًا: "من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم".

وأجاب القائلون بأن من أصبح جنبًا يفطر عن أحاديث الباب بأجوبة.

(منها): أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم. ورد الجمهور بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وبأن حديث عائشة

(9)

المذكور في أول الباب يقتضي عدم اختصاصه صلى الله عليه وسلم بذلك.

وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل، فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز، ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز.

وقد نقل النووي

(10)

هذا الجمع عن أصحاب الشافعي.

(1)

في "المصنف"(4/ 181 رقم 8400) بسند صحيح.

(2)

(4/ 147).

(3)

في شرح معاني الآثار (2/ 106 - 107).

(4)

في التمهيد (7/ 192).

(5)

حكاه عنه ابن قدامة في المغني (4/ 392).

(6)

في الحاوي (3/ 418).

(7)

في السنن الكبرى (3/ 261 رقم 2939).

(8)

في السنن الكبرى (3/ 261 رقم 2940).

(9)

تقدم برقم (1660) من كتابنا هذا.

(10)

في شرحه لصحيح مسلم (7/ 222).

ص: 318

وتعقبه الحافظ

(1)

بأن الذي نقله البيهقي وغيره عن أصحاب الشافعي هو سلوك [طريق]

(2)

الترجيح.

وعن ابن المنذر وغيره سلوك النسخ، وبالنسخ قال الخطابي

(3)

.

وقواه ابن دقيق العيد

(4)

بأن قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}

(5)

، يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيلزم إباحة الجماع فيه، ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبًا ولا يفسد صومه.

ويقوي ذلك أن قول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: "قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"، يدلّ على أن ذلك كان بعد نزول الآية، وهي إنما نزلت عام الحديبية سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية.

ويؤيد دعوى النسخ رجوع أبي هريرة عن الفتوى بذلك كما في رواية للبخاري

(6)

: "أنه لما أخبر بما قالت أمّ سلمة وعائشة فقال: هما أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم ".

وفي رواية ابن جريج فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك، وكذا وقع عند النسائي

(7)

أنه رجع، وكذا عند ابن أبي شيبة

(8)

.

وفي رواية للنسائي

(9)

: أن أبا هريرة أحال بذلك على الفضل بن عباس، ووقع نحو ذلك في البخاري

(10)

وقال: إنه حدثه بذلك الفضل.

وفي رواية

(11)

أنه قال: حدثني بذلك أسامة.

(1)

في "الفتح"(4/ 148).

(2)

في المخطوط (ب): (طريقة).

(3)

معالم السنن (2/ 781 - 782 - مع السنن)، وانظر: الاعتبار (ص 343 - 347).

(4)

في إحكام الأحكام (2/ 211).

(5)

سورة البقرة: الآية (187).

(6)

في صحيحه رقم (1931، 1932).

(7)

في السنن الكبرى (3/ 265 رقم 2946) و (3/ 266 رقم 2947).

(8)

في المصنف (3/ 81 - 82).

(9)

في السنن الكبرى (3/ 264 رقم 2944) و (3/ 265 رقم 2945).

(10)

في صحيحه رقم (1925، 1926).

(11)

عند النسائي في الكبرى (3/ 262 رقم 2942) و (3/ 263 رقم 2943).

ص: 319

وأما ما أخرجه ابن عبد البر

(1)

عن أبي هريرة أنه قال: "كنت حدثتكم من أصبح جنبًا فقد أفطر، وأن ذلك من كيس أبي هريرة". فقال الحافظ

(2)

: لا يصح ذلك عن أبي هريرة لأنه من رواية عمر بن قيس

(3)

وهو متروك.

ومن حجج من سلك طريق الترجيح ما قاله ابن عبد البر

(4)

: إنه صحّ وتواتر حديث عائشة وأمّ سلمة.

وأما حديث أبي هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي بذلك.

وأيضًا رواية اثنين مقدمة على رواية واحد، ولا سيما وهما زوجتان للنبي صلى الله عليه وسلم، والزوجات أعلم بأحوال الأزواج.

وأيضًا روايتهما موافقة للمنقول، وهو ما تقدم من مدلول الآية وللمعقول، وهو أن الغسل شيء وجب بالإنزال وليس في فعله شيء يحرم على الصائم، فإن الصائم قد احتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ولا يفسد صومه بل يتمه إجماعًا.

قوله: (ولا يقضي)، عزاه المصنف إلى البخاري ومسلم ولم نجده في البخاري، بل [هو]

(5)

مما انفرد به مسلم

(6)

فينظر في ذلك

(7)

.

[الباب الثامن] باب كفارة من أفسد صوم رمضان بالجماع

22/ 1663 - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: هَلَكْتُ يا رَسُولَ الله، قالَ:"وَما أهْلَكَك؟ "، قالَ: وَقَعْتُ على امْرأتِي في رَمَضَانَ، قالَ:"هَلْ تَجِدُ ما تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ "، قالَ: لا، قالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ

(1)

في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"(7/ 200) بسند ضعيف جدًّا.

(2)

في "الفتح"(4/ 146).

(3)

عمر بن قيس المكي. قال البخاري: منكر الحديث، تركه أحمد والدارقطني وقال يحيى: ليس بثقة. وقال أحمد أيضًا: أحاديثه بواطيل.

[التاريخ الكبير (6/ 187) والمجروحين (2/ 85) والجرح والتعديل (6/ 129) والميزان (3/ 218) والتقريب (2/ 62) والخلاصة ص 285].

(4)

في "التمهيد"(7/ 191).

(5)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(6)

في صحيحه رقم (77/ 1109).

(7)

قلت: لفظة "ولا يقضي" لم يخرجها البخاري، والله أعلم.

ص: 320

مُتَتابِعَيْنِ؟ "، قالَ: لا، قالَ: "فَهَلْ تَجِدُ ما تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكينًا؟ "، قالَ؟ لا، قالَ: ثُمَّ جَلَسَ فأُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، قالَ: "تَصَدَّقْ بِهَذَا"، قالَ: فَهَلْ على أفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لابَتَيْها أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَقالَ: "اذْهَبْ فأطْعِمْهُ أهْلَكَ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ

(1)

. [صحيح]

وفي لَفْظِ ابْنِ مَاجَهْ

(2)

قالَ: "أعْتِقْ رَقَبَةً"، قالَ: ألا أجِدُها،

(3)

، قالَ:"صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ"، قالَ: لا أطِيقُ، قالَ:"أطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا". وَذَكَرَهُ. [صحيح]

وَفِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ على التَّرْتِيبِ.

وَلابْنِ ماجَهْ

(4)

وأبي دَاوُدَ

(5)

في رِوَايَةٍ: "وَصُمْ يَوْمًا مَكانَهُ" .. [صحيح]

وفي لَفْظٍ للدَّارَقُطْنِيّ

(6)

فيه فَقالَ: هَلَكْتُ وأهْلَكْتُ، فَقالَ:"ما أهْلَكَكَ؟ " قالَ: وَقَعْتُ على أهْلي. وَذَكَرَهُ. [رجاله ثقات]

وَظاهِرُ هَذَا أنَّها كانَتْ مُكْرَهَةً).

في الباب عن عائشة عند الشيخين

(7)

.

ولفظ الدارقطني (6) الذي ذكره المصنف قال الخطابي

(8)

: إنه تفرد به

(1)

أحمد (2/ 241) والبخاري رقم (1936) ومسلم رقم (81/ 1111) وأبو داود رقم (2390 و 2393) والترمذي رقم (724) وابن ماجه رقم (1671). وهو حديث صحيح.

(2)

في سننه رقم (1671) وانظر: مصباح الزجاجة (2/ 10 - 11 رقم 605/ 1671).

(3)

كذا في المخطوط (أ) و (ب) ومصباح الزجاجة (2/ 10). وفي سنن ابن ماجه: (لا أجد).

(4)

في سننه رقم (1671).

(5)

في سننه رقم (2393).

(6)

في السنن (9/ 202 - 210 رقم 23) قال الدارقطني: تفرَّد به أبو ثور عن مُعلَّى بن منصور عن ابن عُيينة بقوله: وأهلكتُ. وكلهم ثقات.

وذكر البيهقي في السنن الكبرى (4/ 227) أن الحاكم نظر في كتاب مُعلّى بن منصور فلم يجد هذه اللفظة: يعني هلكتُ وأهلكتُ. وأخرجها (4/ 227) من رواية الأوزاعي وذكر أنها أدخلت على بعض الرواة في حديثه، وأن أصحابه لم يذكروها.

وحديث أبي هريرة في هذه القصة أخرجه الأئمة الستة. البخاري رقم (2600) و (6710) ومسلم رقم (1111) وأبو داود رقم (2390) و (2391) وابن ماجه رقم (1671) والترمذي رقم (724) والنسائي في الكبرى رقم (3102) بألفاظ متقاربة.

(7)

البخاري رقم (6822) ومسلم رقم (85/ 1112).

(8)

في معالم السنن (2/ 785 - مع السنن).

ص: 321

معلى بن منصور عن ابن عيينة، وذكر البيهقي

(1)

أن الحاكم نظر في كتاب معلى بن منصور فلم يجد هذه اللفظة، يعني "هلكت وأهلكت"، وأخرجها من رواية الأوزاعي وذكر أنها أدخلت على بعض الرواة في حديثه وأن أصحابه لم يذكروها.

قال الحافظ

(2)

: وقد رواه الدارقطني من رواية سلامة بن روح عن عقيل عن ابن شهاب.

قوله: (جاء رجل)، قال عبد الغني في "المبهمات"

(3)

: إن اسمه سلمان أو سلمة بن صخر البياضي.

ويؤيده ما وقع عند ابن أبي شيبة

(4)

عن سلمة بن صخر أنه ظاهر من امرأته.

وأخرج ابن عبد البرّ في التمهيد

(5)

عن سعيد بن المسيب أنه: [سلمان]

(6)

بن قول: (هلكت) استدلّ به على أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك مجاز عن

(1)

في السنن الكبرى (4/ 227).

(2)

في "التلخيص الحبير"(2/ 396).

(3)

"المبهمات" عبد الغني بن سعيد الأزدي (ت 409 هـ) واسمه "الغوامض والمبهمات"، ذكره له جماعة، كما بينه الأخ مشهور حسن في مقدمته لكتاب "المتوارين"(17).

وانتهى محمد عزيز شمس، من تحقيقه، كما جاء في نشرة "أخبار التراث العربي" الصادرة عن معهد المخطوطات العربية. العدد التاسع والعشرون سنة 1407 هـ.

[معجم المصنفات (ص 345 رقم 1097)].

• وذكر ذلك الحافظ في "الفتح"(4/ 164).

(4)

لم أقف عليه!

(5)

في "التمهيد"(7/ 266).

وقال ابن عبد البر: "أظن هذا وهمًا؛ لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته ثم وقع عليها، لا أنه كان ذلك منه في رمضان، والله أعلم.

وقال محققه: "لعل مستند من قال أنه سلمة بن صخر ما رواه الحاكم (2/ 204) وغيره "أنه ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان، ثم وطئها في المدة

" الحديث.

والذي يؤيد ما ذكره ابن عبد البر أن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائمًا.

وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان في رمضان ولكنه ليلًا. وانظر: "الفتح"(4/ 194).

(6)

كذا في المخطوط (أ) و (ب) والتمهيد. والصواب: (سلمة).

ص: 322

عصيان المؤدي إلى ذلك، فكأنه جعل المتوقع كالواقع مجازًا، فلا يكون في الحديث حجة على وجوب الكفارة على الناسي، وبه قال الجمهور

(1)

.

وقال أحمد

(2)

وبعض المالكية

(3)

: إنها تجب على الناسي، واستدلوا بتركه صلى الله عليه وسلم للاستفصال وهو ينزل منزلة العموم.

قال في الفتح

(4)

: والجواب أنه قد تبين حاله بقوله: "هلكت واحترقت"، وأيضًا وقوع النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد.

قوله: (وقعت على امرأتي)، في رواية

(5)

: "أن رجلًا أفطر في رمضان"، وبها استدلت المالكية

(6)

على وجوب الكفارة على من أفطر في رمضان بجماع أو غيره، والجمهور حملوا المطلق على المقيد وقالوا: لا كفارة إلا في الجماع.

قوله: (رقبة)، استدلت الحنفية بإطلاق الرقبة على جواز إخراج الرقبة الكافرة.

وأجيب عن ذلك بأنه يحمل المطلق على المقيد في كفارة القتل، وبه قال الجمهور، والخلاف في المسألة مبسوط في الأصول

(7)

.

قوله: (ستين مسكينًا)، قال ابن دقيق العيد

(8)

: أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين فلا يكون ذلك موجودًا في حقّ من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلًا، وبه قال الجمهور.

وقالت الحنفية

(9)

: إنه لو أطعم الجميع مسكينًا واحدًا في ستين يومًا كفى،

(1)

"المجموع شرح المهذب"(6/ 352).

(2)

المغني (4/ 367 - 368).

(3)

المدونة (1/ 185) وعيون المجالس (2/ 631).

(4)

(4/ 164).

(5)

لمسلم رقم (84/ 1111) وأبو داود رقم (2392).

وهو حديث صحيح.

(6)

عيون المجالس (2/ 629).

(7)

انظر: "إرشاد الفحول"(ص 541 - 544) بتحقيقي.

(8)

في "إحكام الأحكام"(2/ 216).

(9)

البناية في شرح الهداية (3/ 666 - 670).

ص: 323

ويدل على قولهم قوله: "فأطعمه أهلك". [وفي ذلك دليل]

(1)

على أن الكفارة تجب بالجماع خلافًا لمن شذ فقال: لا تجب، مستندًا إلى أنها لو كانت واجبة لما سقطت بالإعسار.

وتعقب بمنع السقوط كما سيأتي، وفيه دليل على أنه يجزئ التكفير بكل واحدة من الثلاث الخصال.

وروي عن مالك

(2)

أنه لا يجزئ إلا الإطعام والحديث يردّ عليه، وظاهر الحديث أنه لا يجزئ التكفير بغير هذه الثلاث.

وروي عن سعيد بن المسيب أنه يجزئ إهداء البدنة كما في الموطأ

(3)

عنه مرسلًا.

وقد روى سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب أنه كذّب من ثقل عنه ذلك.

وظاهر الحديث أيضًا أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب [المذكور]

(4)

.

قال ابن العربي

(5)

: لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم نقله من أمر بعد عدمه إلى أمر آخر، وليس هذا شأن التخيير، ونازع عياض

(6)

في ظهور دلالة الترتيب في السؤال عن ذلك، فقال: إن مثل هذا السؤال قد يستعمل فيما هو على التخيير، وقرره ابن المنيِّر

(7)

.

وقال البيضاوي (6): إن ترتيب الثاني على الأول والثالث على الثاني بالفاء يدلّ على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط، وإلى القول بالترتيب ذهب الجمهور

(8)

.

(1)

في المخطوط (ب): (وفيه دليل).

(2)

المدونة (1/ 218) والتسهيل (3/ 821).

(3)

(1/ 297 رقم 29).

قال ابن عبد البر: هكذا هذا الحديث عند جماعة رواه الموطأ مرسلًا.

وهو متصل بمعناه في وجوه صحاح.

إلا قوله: "أن تهدي بدنة" فغير محفوظ.

(4)

زيادة من المخطوط (ب).

(5)

في عارضة الأحوذي (3/ 252 - 253).

(6)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 57).

(7)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 167).

(8)

المجموع شرح المهذب (6/ 382) والمغني (4/ 380).

ص: 324

وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير والذين رووا الترتيب أكثر ومعهم الزيادة.

وجمع المهلب

(1)

والقرطبي

(2)

بين الروايات بتعدد الواقعة.

قال الحافظ

(3)

: وهو بعيد لأن القصة واحدة والمخرج متحد، والأصل عدم التعدد وجمع بعضهم بحمل الترتيب على الأولوية والتخيير على الجواز وعكسه بعضهم.

قوله: (فأتي النبي صلى الله عليه وسلم) بضم الهمزة للأكثر على البناء للمجهول والرجل الآتي لم يسم.

ووقع في رواية البخاري

(4)

: "فجاء رجل من الأنصار"، وفي أخرى للدارقطني

(5)

: "رجل من ثقيف".

قوله: (بعرق) بفتح المهملة والراء بعدها قاف، وفي رواية القابسي

(6)

بإسكان الراء، وقد أنكر ذلك عليه، والصواب الفتح كما قال عياض

(7)

.

وقال الحافظ

(8)

: الإسكان ليس بمنكر وهو الزنبيل، والزنبيل: هو المكتل.

قال في الصحاح

(9)

: المكتل يشبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعًا.

ووقع عند الطبراني في الأوسط

(10)

: "أنه أتي بمكتل فيه عشرون صاعًا

(1)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 168).

(2)

في "المفهم"(3/ 174).

(3)

في "الفتح"(4/ 168).

(4)

في صحيحه رقم (6710).

(5)

قال الحافظ في "الفتح"(4/ 168): "

وعند الدارقطني من طريق داود ابن أبي هند عن سعيد بن المسيب مرسلًا، فأتى رجل من ثقيف "فإنه لم يحمل على أنه كان حليفًا للأنصار، أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعم، وإلا فرواية الصحيح أصح

".

(6)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 168).

(7)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 56).

(8)

في "الفتح"(4/ 168).

(9)

للجوهري (5/ 1809).

(10)

في الأوسط رقم (1787).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 168) وقال: وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس".

ص: 325

فقال: تصدّق بهذا"، وفي إسناده ليث بن أبي سليم

(1)

.

[ووقع]

(2)

مثل ذلك عند ابن خزيمة

(3)

من حديث عائشة، وفي مسلم

(4)

عنها: "فجاءه عرقان فيهما طعام".

قال في الفتح

(5)

: ووجهه أن التمر كان [قدر]

(6)

عرق لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة ليكون أسهل، فيحتمل أن الآتي به لما وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال عرقان أراد إبتداء الحال، ومن قال عرق أراد ما آل عليه.

وقد ورد في تقدير الإطعام حديث عليّ عند الدارقطني

(7)

بلفظ: "يطعم ستين مسكينًا لكل مسكين مدّ"، وفيه:"فأتي بخمسة عشر صاعًا فقال: أطعمه ستين مسكينًا".

وكذا عند الدارقطني

(8)

من حديث أبي هريرة، قال الحافظ

(9)

: من قال عشرون أراد أصل ما كان عليه، ومن قال خمسة عشر أراد قدر ما يقع به الكفارة.

قوله: (تصدق بهذا)، استدلّ به وبما قبله من قال: إن الكفارة تجب على الرجل فقط، وبه قال الأوزاعي

(10)

وهو الأصحّ من قولي الشافعي

(11)

.

وقال الجمهور

(12)

: تجب على المرأة على اختلاف بينهم في الحرّة والأمة والمطاوعة والمكرهة، وهل هي عليها أو على الرجل؟

(1)

وهو ضعيف. انظر: الميزان (3/ 420) والتقريب (2/ 138).

(2)

في المخطوط (ب): (وقع).

(3)

في صحيحه رقم (1947) بسند حسن.

(4)

في صحيحه رقم (85/ 1112).

(5)

(4/ 169).

(6)

زيادة من المخطوط (ب).

(7)

في السنن (2/ 208 رقم 21) وفيه المنذر بن محمد ليس بقوي، وهذا إسناد علوي.

وقال في "التلخيص": في إسناده من لا تعرف عدالته.

(8)

في السنن (2/ 190 رقم 50).

(9)

في "الفتح"(4/ 169).

(10)

حكاه عنه ابن قدامة في المغني (4/ 376).

(11)

المجموع (6/ 366).

(12)

المجموع (6/ 363 - 369).

ص: 326

واستدل الشافعي

(1)

بسكوته عن إعلام المرأة في وقت الحاجة وتأخير البيان عنها لا يجوز، وردّ بأنها لم تعترف ولم تسأل فلا حاجة، ولا سيما مع احتمال أن تكون مكرهة كما يرشد إلى ذلك قوله في رواية الدارقطني

(2)

: "هلكت وأهلكت".

قوله: (فهل على أفقر منا)، هذا يدلّ على أنه فهم من الأمر له بالتصدق أن يكون المتصدق عليه فقيرًا.

قوله: (فما بين لابتيها) بالتخفيف تثنية لابة: وهي الحرة، والحرة الأرض التي فيها حجارة سود، يقال: لابة

(3)

ولوبة، ونوبة

(4)

بالنون، حكاهن الجوهري، وجماعة من أهل اللغة

(5)

، والضمير عائد إلى المدينة: أي ما بين حرتي المدينة.

قوله: (فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم) قيل: سبب ضحكه ما شاهده من حال الرجل حيث جاء خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها مهما أمكنه، قلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه في الكفارة.

وقيل: ضحك من بيان الرجل في مقاطع كلامه وحسن بيانه وتوسله إلى مقصوده.

وظاهر هذا أنه وقع منه ضحك يزيد على التبسم، فيحمل ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم أن ضحكه كان التبسم على غالب أحواله.

قوله: (فأطعمه أهلك) استدلّ به على سقوط الكفارة بالإعسار لما تقرّر من أنها لا تصرف في النفس والعيال، ولم يبين له صلى الله عليه وسلم استقرارها في ذمته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشافعي

(6)

، وجزم به عيسى بن دينار من المالكية

(7)

.

وقال الجمهور

(8)

: لا تسقط بالإعسار، قالوا: وليس في الخبر ما يدلّ على سقوطها عن المعسر، بل فيه ما يدلّ على استقرارها عليه.

(1)

في الأم (3/ 251 - 252).

(2)

في السنن (2/ 209 - 210 رقم 23) وقد تقدم.

(3)

الصحاح للجوهري (1/ 220).

(4)

الصحاح للجوهري (1/ 229).

(5)

النهاية (4/ 274).

(6)

الأم (3/ 250).

(7)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 171).

(8)

المغني (4/ 385) والفتح (4/ 171).

ص: 327

قالوا: أيضًا: والذي أذن له في التصرّف فيه ليس على سبيل الكفارة.

وقيل: المراد بالأهل المذكورين من لا تلزمه نفقتهم، وبه قال بعض الشافعية [وردّ]

(1)

بما وقع من التصريح في رواية: بالعيال، وفي أخرى: من الإذن له بالأكل.

وقيل: لما كان عاجزًا عن نفقة أهله جاز له أن يفرق الكفارة فيهم.

وقيل غير ذلك، وقد طوّل الكلام عليه في الفتح

(2)

.

قوله: (وصم يومًا مكانه) يعني مكان اليوم الذي جامع فيه.

قال الحافظ

(3)

: وقد ورد الأمر بالقضاء في رواية أبي أويس وعبد الجبار وهشام بن سعد كلهم عن الزهري.

وأخرجه البيهقي

(4)

من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزهري.

وحديث إبراهيم بن سعد في الصحيح

(5)

عن الزهري نفسه بغير هذه الزيادة.

وحديث الليث عن الزهري في الصحيحين

(6)

بدونها، ووقعت الزيادة أيضًا في مرسل سعيد بن المسيب ونافع بن جبير والحسن ومحمد بن كعب. وبمجموع هذه الطرق الأربع يعرف أن لهذه الزيادة أصلًا.

وقد حكي [عن]

(7)

الشافعي

(8)

أنه لا يجب عليه القضاء، واستدل له بأنه لم يقع التصريح في الصحيحين بالقضاء، ويجاب بأن عدم الذكر له في الصحيحين لا يستلزم العدم، وقد ثبت عند غيرهما كما تقدم. وظاهر إطلاق اليوم عدم اشتراط الفورية

(9)

.

(1)

في المخطوط (ب): (يرد).

(2)

فتح الباري (4/ 172).

(3)

في "الفتح"(4/ 172).

(4)

في السنن الكبرى (4/ 226).

(5)

مسلم رقم (83/ 1111).

(6)

البخاري رقم (6821).

(7)

زيادة من المخطوط (أ).

(8)

قال النووي في "المجموع"(6/ 382): "الثانية: يجب على المكفر مع الكفارة قضاء اليوم الذي جامع فيه. هذا هو المشهور من مذهبنا وفيه خلاف سبق

" اهـ.

(9)

قال النووي في "المجموع"(6/ 381 - 383): "فرع في مذاهب العلماء في كفارة الجماع في صوم رمضان وما يتعلق بها وفيه مسائل: =

ص: 328

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= (إحداها): قد ذكرنا أن مذهبنا - أي الشافعية - أن من أفسد صوم يوم من رمضان بجماع تام أثم به، بسبب الصوم لزمته الكفارة.

وبهذا قال (مالك) و (أبو حنيفة) و (أحمد) و (داود) والعلماء كافة إلا ما حكاه العبدري وغيره من أصحابنا عن الشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعي، وقتادة أنهم قالوا: لا كفارة عليه، كما لا كفارة عليه بإفساد الصلاة.

دليلنا حديث أبي هريرة - المتقدم برقم (1663) من كتابنا هذا - في قصة الأعرابي، ويخالف الصلاة فإنه لا مدخل للمال في جبرانها.

(الثانية): يجب على المكفر مع الكفارة قضاء اليوم الذي جامع فيه.

هذا هو المشهور من مذهبنا وفي خلاف سبق.

قال العبدري: وبإيجاب قضائه قال جميع الفقهاء سوى الأوزاعي فقال: إن كفر بالصوم لم يجب قضاؤه، وإن كفر بالعتق أو الإطعام قضاه.

(الثالثة): قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أنه لا يجب على المرأة كفارة أخرى وبه قال أحمد.

وقال مالك وأبو حنيفة، وأبو ثور، وابن المنذر: عليها كفارة أخرى وهي رواية عن أحمد.

(الرابعة): هذه الكفارة على الترتيب فيجب عتق رقبة، فإن عجز فصوم شهرين متتابعين فإن عجز فإطعام ستين مسكينًا.

وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد في أصح الروايتين عنه.

وقال مالك: هو مخير بين الخصال الثلاث وأفضلها عنده الإطعام.

وعن الحسن البصري أنه مخير بين عتق رقبة ونحر بدنة، واحتجا بحديثين على وفق مذهبيهما.

دليلنا حديث أبي هريرة - المتقدم - وأما حديث الحسن فضعيف جدًّا.

وحديث مالك يجاب عنه بجوابين:

(أحدهما): حديثنا أصح وأشهر. و (الثاني): أنه محمول على الترتيب جمعًا بين الروايات.

(الخامسة): يشترط في صوم هذه الكفارة عندنا - أي الشافعية - وعند الجمهور التتابع، وجوز ابن أبي ليلى تفريقه لحديث في صوم شهرين من غير ذكر الترتيب.

دليلنا حديث أبي هريرة السابق وهو مقيد بالتتابع فيحمل المطلق عليه.

(السادسة): إذا كفر بالإطعام فهو إطعام ستين مسكينًا كل مسكين مد، سواء البر والزبيب والتمر وغيرها.

وقال أبو حنيفة: يجب لكل مسكين مدان من حنطة، أو صاع من سائر الحبوب، وفي الزبيب عنه روايتان: رواية صاع، ورواية مدان.

(السابعة): لو جامع في صوم غير رمضان من قضاء أو نذر أو غيرهما، فلا كفارة كما سبق، وبه قال الجمهور.

وقال قتادة: تجب الكفارة في إفساد قضاء رمضان" اهـ.

ص: 329

[الباب التاسع] باب كراهية الوصال

23/ 1664 - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهى عَنِ الوِصَالِ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْعَلُهُ، فَقَالَ: "إِني لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إِني أظَلُّ يُطْعِمُني رَبي وَيَسْقِيني")

(1)

. [صحيح]

24/ 1665 - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالوِصَالَ"، فَقِيلَ: إِنَكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: "إِني أَبيتُ يُطْعِمُني رَبي وَيَسْقِيني، فاكْلُفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ")

(2)

. [صحيح]

25/ 1666 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، فَقَالُوا:[إِنَّكَ]

(3)

تُوَاصِلُ، فَقَالَ:"إني لَسْتُ كهَيْئَتِكُمْ إِني يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيني"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ)

(4)

. [صحيح]

26/ 1667 - [وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرَ"، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ:"لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِني أبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُني وَسَاقٍ يَسْقِينِي"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(5)

وَأَبُو دَاوُدَ)

(6)

. [صحيح]

وفي الباب عن أنس عند الشيخين

(7)

.

وعن بشير بن الخصاصية عند أحمد

(8)

بلفظ: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال وقال: إنما يفعل ذلك النصارى".

(1)

أحمد (2/ 23) والبخاري رقم (1962) ومسلم رقم (55/ 1102).

(2)

أحمد (2/ 496) والبخاري رقم (1966) ومسلم رقم (58/ 1103).

(3)

في المخطوط (ب): (فإنك).

(4)

أحمد (6/ 242) والبخاري رقم (1964) ومسلم رقم (61/ 1105).

(5)

في صحيحه رقم (1963).

(6)

في سننه رقم (2361).

(7)

البخاري رقم (1961) ومسلم رقم (59/ 1104).

قلت: وأخرجه الترمذي رقم (778).

(8)

في المسند (5/ 225).

ص: 330

وأخرجه أيضًا الطبراني

(1)

وسعيد بن منصور وعبد بن حميد

(2)

.

قال في الفتح

(3)

: إسناده صحيح.

وعن أبي ذر عند الطبراني في الأوسط

(4)

.

وعن رجل من الصحابة عند أبي داود

(5)

وغيره

(6)

.

قال في الفتح

(7)

: وإسناده صحيح بلفظ: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما"، وقد تقدم

(8)

.

قوله: (يطعمني ربي ويسقيني)، قال في الفتح

(9)

: اختلف في معناه، فقيل هو على حقيقته، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه.

وتعقبه ابن بطال

(10)

ومن تبعه بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا، وبأن قوله:"أظلّ" يدلّ على وقوع ذلك في النهار.

وأجيب بأن الراجح من الروايات لفظ "أبيت" دون "أظلّ"، وعلى تقدير الثبوت فليس حمل الطعام والشراب على المجاز بأولى من حمل لفظ [أظل]

(11)

على المجاز وعلى التنزل فلا يضر شيء من ذلك؛ لأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا يجري عليه أحكام المكلفين [فيه]

(12)

.

= قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (1125) وعبد بن حميد رقم (429) والطبراني في الكبير رقم (1231) بسند صحيح.

(1)

في المعجم الكبير رقم (1231).

(2)

في المنتخب رقم (429).

(3)

(4/ 202).

(4)

في الأوسط رقم (3138).

وأورده الهيثمي في المجمع (3/ 158) وقال الهيثمي: ولم أعرف عبد الملك، وبقية رجاله رجال الصحيح.

(5)

في سننه رقم (2374).

(6)

كأحمد في المسند (4/ 314).

(7)

في "الفتح"(4/ 203).

(8)

برقم (1647) من كتابنا هذا.

(9)

(4/ 207).

(10)

في شرحه لصحيح البخاري (4/ 111).

(11)

في المخطوط (أ): (ظل) وهو خطأ.

(12)

زيادة من المخطوط (ب).

ص: 331

وقال الزين بن المنير

(1)

: هو محمول على أن أكله وشرابه في تلك الحال كحالة النائم الذي يحصل له الشبع والريّ بالأكل والشرب، ويستمر له ذلك حتى يستيقظ فلا يبطل بذلك صومه ولا ينقطع وصاله ولا ينقص من أجره.

وقال الجمهور

(2)

: هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوّة، فكأنه قال: يعطيني قوّة الآكل والشارب، وهذا هو الظاهر.

قوله: (إياكم والوصال)، وقع في رواية لأحمد

(3)

مرتين، وفي رواية لمالك

(4)

ثلاث مرّات، وإسنادها صحيح.

قوله: (فاكلفوا) بسكون الكاف وبضم اللام: أي احملوا من المشقة في ذلك ما تطيقون.

وحكى عياض

(5)

عن بعضهم أنه قال: هو بهمزة قطع، ولا يصح لغة.

قوله: (رحمة لهم) استدلّ به من قال: إن الوصال مكروه غير محرّم وذهب الأكثر إلى تحريم الوصال

(6)

.

وعن الشافعية

(7)

وجهان: التحريم، والكراهة، وأحاديث الباب تدلّ على ما ذهب إليه الجمهور.

(1)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 207).

(2)

المجموع (6/ 401).

(3)

في رواية أحمد (2/ 231) قال: "حدثنا محمد بن فضيل ثنا عمارة به.

بلفظ: إياكم والوصال، قالها ثلاث مرات

" اهـ.

(4)

في رواية مالك في الموطأ (1/ 301 رقم 39) عن أبي الزَّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والوصال، إياكم والوصال"

".

(5)

في مشارق الأنوار على صحاح الآثار (1/ 341).

(6)

قال النووي في المجموع (6/ 402): "فرع في مذاهب العلماء في الوصال: ذكرنا أن مذهبنا أنه منهي عنه، وبه قال الجمهور.

وقال العبدري: هو قول العلماء كافة إلا ابن الزبير، فإنه كان يواصل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن المنذر: كان ابن الزبير وابن أبي نعيم يواصلان.

دليلنا - الأحاديث المتقدمة في الباب -" اهـ.

(7)

المجموع (6/ 399 - 400).

ص: 332

وأجابوا بأن قوله: "رحمة" لا يمنع التحريم، فإن من رحمته لهم أن حرّمه عليهم.

ومن أدلة القائلين بعدم التحريم ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم "أنه واصل بأصحابه لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا"، هكذا في البخاري

(1)

وغيره

(2)

.

وأجاب الجمهور عن ذلك بأن مواصلته صلى الله عليه وسلم بعد نهيه لهم فلم يكن تقريرًا بل تقريعًا وتنكيلًا.

واحتمل ذلك منهم لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروا ظهرت لهم حكمة النهي، وكان ذلك أدعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك.

ومن الأدلة على أن الوصال غير محرم حديث الرجل من الصحابة

(3)

الذي قدمنا ذكره، فإنه صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم الوصال.

ومنها ما رواه البزار

(4)

والطبراني

(5)

من حديث سمرة قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال وليس بالعزيمة".

(1)

في صحيحه رقم (1965).

(2)

كمسلم رقم (57/ 1103) وأحمد (2/ 281).

(3)

تقدم برقم (1647) من كتابنا هذا.

(4)

في المسند رقم (1024 - كشف).

قال البزار عقبه: لا نعلمه بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه.

قلت: إسناده واه لأن فيه يوسف بن خالد بن عمير السمتي.

قال البخاري: سكتوا عنه. وقال ابن معين وعمرو بن علي: يوسف يكذب.

[المجروحين (3/ 131) والجرح والتعديل (9/ 221) والميزان (4/ 463) والتقريب (2/ 380) والكاشف (3/ 260)].

(5)

في المعجم الكبير (ج 7 رقم 7011)، وفي هذه الرواية تابع سليمان بن موسى الزهري، يوسف بن خالد.

أما سليمان بن موسى هذا فقد قال عنه الحافظ في التقريب رقم (2617) فيه لين.

وأخرجه أيضًا الطبراني في المعجم الكبير (ج 7 رقم 7512) وفي هذه الرواية تابع =

ص: 333

ومنها إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي، فإن ذلك يدلّ على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم كما قال الحافظ

(1)

.

وقد ذهب إلى جوازه مع عدم المشقة عبد الله بن الزبير

(2)

.

وروى ابن أبي شيبة

(3)

عنه بإسناد صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا.

وذهب إليه من الصحابة [أيضًا]

(4)

أخت أبي سعيد.

ومن التابعين [عبد الرحمن بن أبي أنعم]

(5)

وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبو الجوزاء كما في الفتح

(6)

وهو الظاهر.

فلا أقل من أن تكون هذه الأدلة التي ذكروها صارفة للنهي عن الوصال عن حقيقته.

وذهبت الهادوية

(7)

إلى كراهة الوصال مع عدم النية وحرمته مع النية.

وذهب أحمد

(8)

وإسحاق (8) وابن المنذر (9) وابن خزيمة

(9)

وجماعة من المالكية

(10)

إلى جواز الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد

(11)

المذكور في الباب.

= محمد بن إبراهيم بن حبيب، يوسف بن خالد.

ومحمد بن إبراهيم بن حبيب هذا ذكره ابن حبان في الثقات (9/ 58) وقال: لا يعتبر بما انفرد به من الإسناد.

قلت: ومدار الحديث على جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب الفزاري.

قال عنه ابن حزم في "المحلى"(5/ 234) مجهول. وانظر: التقريب (1/ 130) والمغني (1/ 133) والميزان (1/ 407).

وخلاصة القول: أن حديث سمرة بن جندب حديث ضعيف، والله أعلم.

(1)

في "الفتح"(4/ 204).

(2)

حكاه عنه النووي في المجموع (6/ 402) والاستذكار (10/ 151 رقم 14330، 14331).

(3)

في المصنف (3/ 83، 84) بسند صحيح.

(4)

زيادة من المخطوط (ب).

(5)

في المخطوط (ب): (عبد الرحمن بن زياد بن أنعم).

(6)

(4/ 204).

(7)

البحر الزخار (2/ 242).

(8)

الاستذكار (10/ 151 رقم 14333).

(9)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 153).

(10)

المنتقى للباجي (2/ 42).

(11)

تقدم برقم (1667) من كتابنا هذا.

ص: 334

ومثله ما أخرجه الطبراني

(1)

من حديث جابر: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يواصل من سحر إلى سحر".

وأخرجه أحمد

(2)

وعبد الرزاق

(3)

من حديث عليّ، فإن كان اسم الوصال إنما يصدق على إمساك جميع الليل فلا معارضة بين الأحاديث، وإن كان يصدق على أعمّ من ذلك فيبنى العام على الخاص ويكون المحرم ما زاد على الإمساك إلى ذلك الوقت.

[الباب العاشر] باب آداب الإفطار والسحور

27/ 1668 - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأدْبَرَ النَّهارُ وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفطَرَ الصَّائِمُ")

(4)

. [صحيح]

28/ 1669 - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ"، مُتَّفَقٌ عَلْيِهِما)

(5)

. [صحيح]

29/ 1670 - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَقُولُ الله عز وجل: إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِي إِليَّ أعْجَلُهُمْ فِطْرًا"، رَوَاهُ أحْمَدُ

(6)

وَالتِّرْمِذِيُّ)

(7)

. [حسن لغيره]

(1)

في الأوسط رقم (3756).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 158) وقال: حديث حسن.

قلت: بل إسناده ضعيف لأن في إسناده شريك بن عبد الله بن أبي شريك الكوفي القاضي في حفظه شيء ويخطئ كثيرًا.

(2)

في المسند (1/ 91، 141).

بسند ضعيف لضعف عبد الأعلى بن عامر الثعلبي.

(3)

في المصنف رقم (7752) إلا أنه لم يذكر فيه عليًا.

وله شواهد تقويه فهو بها حسن لغيره.

(4)

أحمد (1/ 48) والبخاري (1954) ومسلم (51/ 1100).

(5)

أحمد (5/ 331) والبخاري رقم (1957) ومسلم رقم (48/ 1098).

قلت: وأخرجه الترمذي رقم (699) وابن ماجه رقم (1697) ومالك (1/ 288 رقم 6).

(6)

في المسند (2/ 329).

(7)

في السنن رقم (700).

وهو حديث حسن لغيره.

ص: 335

حديث أبي هريرة قال الترمذي

(1)

: حديث حسن غريب.

وفي الباب عن عائشة عند الترمذي

(2)

وصححه: "إنها سئلت عن رجلين من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، فقالت: أيهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ فقيل لها: عبد الله بن مسعود، قالت: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم"، والآخر أبو موسى.

وعن أبي هريرة حديث آخر عند أبي داود

(3)

والنسائي

(4)

وابن ماجه

(5)

بلفظ: قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخّرون".

وعن سهل بن سعد حديث آخر عند ابن حبان

(6)

والحاكم

(7)

بلفظ: "لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم".

وعن أبي ذر عند أحمد

(8)

وسيأتي

(9)

.

(1)

في السنن (3/ 83).

(2)

في السنن رقم (702) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(3)

في سننه رقم (2353).

(4)

في السنن الكبرى (3/ 370 رقم 3299).

(5)

في سننه رقم (1698).

قلت: وأخرجه أحمد (2/ 450) والحاكم (1/ 431) والبيهقي (4/ 237) وابن خزيمة رقم (2060) وابن حبان رقم (3503) وابن أبي شيبة في المصنف (3/ 11). وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

وهو حديث حسن، والله أعلم.

(6)

في صحيحه رقم (3510).

(7)

في المستدرك (1/ 434). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما خرجا بهذا الإسناد للثوري:"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" فقط. ووافقه الذهبي.

قلت: وهذه الرواية التي ذكرها الحاكم أخرجها مسلم رقم (1098) والترمذي رقم (699) وأحمد (5/ 331، 334، 336) وابن أبي شيبة (3/ 13) وعبد الرزاق رقم (7592) والدارمي (2/ 7) وابن خزيمة رقم (2059) والطبراني في المعجم الكبير (5962) وأبو نعيم في "الحلية"(7/ 136).

(8)

في المسند (5/ 147).

(9)

برقم (1674) من كتابنا هذا.

ص: 336

وعن ابن عباس وأنس أشار إليهما الترمذي

(1)

.

قال ابن عبد البر

(2)

: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة.

وأخرج عبد الرزاق

(3)

وغيره

(4)

بإسناد قال الحافظ

(5)

: صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: "كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا".

قوله: (إذا أقبل الليل)، زاد البخاري

(6)

في رواية: "من هاهنا، وأشار بأصبعيه قبل المشرق" والمراد [به]

(7)

وجود الظلمة.

قوله: (وأدبر النهار)، زاد البخاري

(8)

في رواية: "من هاهنا"، يعني من جهة المغرب.

قوله: (وغابت الشمس)، في رواية للبخاري

(9)

: "وغربت الشمس"، ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور وهي وإن كانت متلازمة في الأصل لكنها قد تكون في الظاهر غير متلازمة، فقد يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود أمر يغطي ضوء الشمس، وكذلك إدبار النهار، فمن ثم قيد بغروب الشمس.

قوله: (فقد أفطر الصائم)، أي دخل في وقت الفطر، كما يقال: أنجد، إذا أقام بنجد، وأتهم: إذا أقام بِتهامة.

ويحتمل أن يكون معناه فقد صار مفطرًا في الحكم لكون الليل ليس ظرفًا للصيام الشرعي.

(1)

في سننه (3/ 82).

(2)

انظر: "التمهيد"(7/ 181 - 185) والاستذكار (10/ 40 - 42).

وذكر الحافظ في "الفتح"(4/ 199) عبارة ابن عبد البر هذه.

(3)

في المصنف رقم (7591).

(4)

كالبيهقي في السنن الكبرى (4/ 238).

(5)

في "الفتح"(4/ 199).

(6)

في صحيحه رقم (1956).

(7)

زيادة من المخطوط (ب).

(8)

في صحيحه رقم (1955).

(9)

في صحيحه رقم (1954).

ص: 337

وقال ابن خزيمة

(1)

: هو لفظ خبر ومعناه الأمر: أي فليفطر، ويرجح الأول ما وقع في رواية عند البخاري

(2)

: "فقد حل الإفطار".

قوله: (ما عجلوا الفطر)، زاد أبو ذرّ في حديثه:"وأخروا السحور"، أخرجه أحمد

(3)

وسيأتي

(4)

.

وما ظرفية: أي مدة فعلهم ذلك امتثالًا للسنة ووقوفًا عند حدّها.

قال المهلّب

(5)

: والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة اهـ.

وأيضًا في تأخيره تشبه باليهود فإنهم يفطرون عند ظهور النجوم، وقد كان الشارع يأمر بمخالفتهم في أفعالهم وأقوالهم.

واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين أو عدل، وقد صرح الحديث القدسي بأن معجل الإفطار أحب عباد الله إليه، فلا يرغب عن الاتصاف بهذه الصفة إلا من كان حظه من الدين قليلًا كما تفعله الرافضة.

ولا يجب تعجيل الإفطار لما تقدم في الباب الأول من إذنه صلى الله عليه وسلم بالمواصلة إلى السحر كما في حديث أبي سعيد

(6)

.

30/ 1671 - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم على رُطبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَباتٌ فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسا حَسَوَات مِنْ مَاءٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(7)

وَأَبُو دَاوُدَ

(8)

وَالتِّرْمِذِيّ)

(9)

. [صحيح]

(1)

في صحيحه (3/ 274).

(2)

قال الحافظ في "الفتح"(4/ 197): "ويرجح الأول أيضًا رواية شعبة أيضًا بلفظ: "فقد حل الإفطار".

(3)

في المسند (5/ 147).

(4)

برقم (1674) من كتابنا هذا.

(5)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 199).

(6)

تقدم برقم (1667) من كتابنا هذا.

(7)

في المسند (3/ 164).

(8)

في سننه رقم (2356).

(9)

في سننه رقم (696) وقال: هذا حديث حسن غريب. =

ص: 338

31/ 1672 - (وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبّي قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أفطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلى تَمْرٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا النَّسائيَّ)

(1)

. [ضعيف]

32/ 1673 - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْت"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(2)

. [ضعيف]

حديث أنس حسنه الترمذي

(3)

.

وقال أبو بكر البزار: لا يعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا جعفر بن سليمان.

وقال أيضًا

(4)

: رواه النشيطي فأنكروا عليه وضعف حديثه. وقال ابن عدي

(5)

: تفرد به جعفر عن ثابت. والحديث مشهور بعبد الرزاق، تابعه عمار بن هارون وسعيد بن سليمان النشيطي.

قال الحافظ

(6)

: وأخرج أبو يعلى

(7)

: عن إبراهيم بن الحجاج عن

= قلت: وأخرجه الدارقطني (2/ 185) والحاكم (1/ 432) والبيهقي (4/ 239) والبغوي في شرح السنة رقم (1742).

وهو حديث صحيح.

(1)

أخرجه أحمد (4/ 17) وأبو داود رقم (2355) والترمذي رقم (695) وابن ماجه رقم (1699).

إسناده ضعيف لجهالة الرّباب الضّبية، وهي بنت صُلَيْع أم الرائح، فقد تفردت بالرواية عنها حفصة بنت سيرين، ولم يوثقها إلا ابن حبان في ثقاته (4/ 244) كعادته في توثيق المجاهيل.

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(2)

في سننه رقم (2358).

قال الحافظ المنذري في "المختصر"(3/ 236): هذا مرسل.

والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(3)

في السنن (3/ 161).

(4)

أي البزار كما في "التلخيص الحبير"(2/ 381).

(5)

في "الكامل"(2/ 571).

(6)

في "التلخيص الحبير"(2/ 381).

(7)

في مسنده رقم (3305) بسند ضعيف لضعف عبد الواحد بن ثابت.

ص: 339

عبد الواحد بن ثابت عن أنس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار"، وعبد الواحد قال البخاري

(1)

: منكر الحديث.

وروى الطبراني في الأوسط

(2)

من طريق يحيى بن أيوب عن حميد عن أنس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان صائمًا لم يصل حتى نأتيه برطب وماء فيأكل ويشرب، وإذا لم يكن رطب لم يصلّ حتى نأتيه بتمر وماء"، وقال: تفرّد به مسكين بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أيوب وعنه زكريا بن عمر.

وأخرج أيضًا [الترمذي

(3)

والحاكم

(4)

وصححه]

(5)

عن أنس مرفوعًا: "من وجد التمر فليفطر عليه، ومن لم يجد التمر فليفطر على الماء فإنه طهور".

وحديث سليمان بن عامر أخرجه أيضًا ابن حبان

(6)

والحاكم

(7)

وصححاه، وصححه أبو حاتم الرازي

(8)

.

وروى ابن عديّ

(9)

عن عمران بن حصين بمعناه، وإسناده ضعيف.

وحديث معاذ مرسل لأنه لم يدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم.

(1)

كما في "الميزان"(2/ 671 رقم الرجمة 5282).

(2)

في المعجم الأوسط رقم (3861).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 155 - 156) وقال: فيه من لم أعرفه.

قلت: زكريا بن يحيى بن أبان لم أقف على ترجمته فيما لدي من المصادر والهيثمي يشير إلى عدم معرفته.

أما مسكين بن عبد الرحمن التجيبي من أهل مصر، ذكره ابن حبان في "ثقاته"(9/ 194) وأخرج له هذا الحديث.

(3)

في السنن رقم (694).

(4)

في المستدرك (1/ 431) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

ووافقه الذهبي.

(5)

في المخطوط (ب): (أحمد وأصحاب السنن).

(6)

في صحيحه رقم (3515).

(7)

في المستدرك (1/ 431 - 432) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

(8)

نقله عنه الحافظ في "التلخيص الحبير"(2/ 381).

(9)

في "الكامل"(2/ 148 - 149).

ص: 340

وقد رواه الطبراني في الكبير

(1)

والدارقطني

(2)

من حديث ابن عباس بسند ضعيف.

ورواه أبو داود

(3)

والنسائي

(4)

والدارقطني

(5)

والحاكم

(6)

وغيرهم من حديث ابن عمر، وزاد:"ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله"، قال الدارقطني

(7)

: إسناده حسن.

وعند الطبراني

(8)

عن أنس قال: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: بسم الله اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت"، وإسناده ضعيف لأنه فيه داود بن الزبرقان

(9)

وهو متروك.

ولابن ماجه

(10)

عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إن للصائم دعوة لا ترد"، وكان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي.

(1)

في المعجم الكبير (ج 12 رقم 12720).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 156) وقال: فيه عبد الملك بن هارون وهو ضعيف".

(2)

في السنن (2/ 185 رقم 26) بسند ضعيف.

(3)

في السنن رقم (2357).

(4)

في السنن الكبرى (3/ 374 رقم 3315).

(5)

في السنن (2/ 185 رقم 25) وقال: تفرد به الحسين بن واقد، وإسناده حسن.

(6)

في المستدرك (1/ 422) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

وهو حديث حسن، والله أعلم.

(7)

في سننه (2/ 185 رقم 25).

(8)

في الأوسط رقم (7549).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 156) وقال: فيه داود بن الزبرقان وهو ضعيف".

(9)

داود بن الزبرقان، أبو عمرو الرقاشي البصري، نزل بغداد. قال البخاري: حديثه مقارب، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: متروك.

التاريخ الكبير (3/ 243) والمجروحين (1/ 292) والجرح والتعديل (3/ 412 - 413) والتقريب (1/ 231) ولسان الميزان (7/ 211) والخلاصة (ص 109).

(10)

في سننه رقم (1753).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 38 رقم 630/ 1753): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات

".

وقد حكم المحدث الألباني على هذا الحديث بالضعف.

ص: 341

وحديثا أنس

(1)

وسلمان

(2)

يدلان على مشروعية الإفطار بالتمر، فإن عدم فبالماء، ولكن حديث أنس فيه دليل على أن الرطب من التمر أولى من اليابس فيقدم عليه إن وجد، وإنما شرع الإفطار بالتمر لأنه حلو، وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم، وهذا أحسن ما قيل في المناسبة وبيان وجه الحكمة.

وقيل: لأن الحلو يوافق الإيمان ويرق القلب، وإذا كانت العلة كونه حلوًا، والحلو له ذلك التأثير فيلحق به الحلويات كلها، أما ما كان أشد منه في الحلاوة فبفحوى الخطاب

(3)

، وما كان مساويًا له فبلحنه

(4)

.

وحديث معاذ بن زهرة فيه دليل على أنه يشرع للصائم أن يدعو عند إفطاره بما اشتمل عليه من الدعاء، وكذلك سائر ما ذكرناه في الباب.

قوله: (حسا

(5)

حسوات) أي شرب شربات، [والحسوة]

(6)

: المرة الواحدة

(7)

.

33/ 1674 - (وَعَنْ أَبِي ذَرّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: "لَا تَزَالُ أمَّتِي بِخَيْرٍ مَا أَخَّروا السُّحُورَ وَعَجَّلُوا الفِطْر"، رَوَاهُ أَحْمَدُ)

(8)

. [صحيح لغيره]

34/ 1675 - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تَسَحَّرُوا فإنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ)

(9)

. [صحيح]

(1)

تقدم برقم (1671) من كتابنا هذا.

(2)

تقدم برقم (1672) من كتابنا هذا.

(3)

إن كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق فهو فحوى الخطاب.

نحو: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، فإنه يدل على تحريم الضرب بالأَولى.

(4)

إن كان الحكم المسكوت عنه مساويًا لحكم المنطوق به فهو لحن الخطاب.

نحو: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10]، فالإحراق مساوي للأكل بواسطة الإتلاف في الصورتين.

إرشاد الفحول (ص 589) بتحقيقي.

(5)

النهاية (1/ 387).

(6)

في المخطوط (ب): (الحسو).

(7)

انظر: المجموع (6/ 407) والتسهيل (3/ 791 - 794).

(8)

في المسند (5/ 147) و (5/ 172) بسند ضعيف، لكن الحديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(9)

أخرجه أحمد في المسند (3/ 99، 215، 229، 243، 258، 281) والبخاري =

ص: 342

35/ 1676 - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الكِتَابِ أكْلَةُ السَّحَرِ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلَّا البُخَارِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ)

(1)

. [صحيح]

حديث أبي ذرّ إسناده سليمان بن أبي عثمان، قال أبو حاتم

(2)

: مجهول.

وفي الباب عن [ابن]

(3)

أبي ليلى الأنصاري عند النسائي

(4)

وأبي عوانة في صحيحه

(5)

بنحو حديث أنس.

وعن ابن مسعود عند النسائي

(6)

والبزار

(7)

بنحوه أيضًا.

وعن أبي هريرة عند النسائي

(8)

بنحوه أيضًا.

= رقم (1923) ومسلم رقم (45/ 1095) والترمذي رقم (708) والنسائي رقم (2146) وابن ماجه رقم (1692).

قلت: وأخرجه ابن الجارود رقم (383) وأبو نعيم في الحلية (3/ 35) و (6/ 339) وعبد الرزاق في المصنف رقم (7598) وابن خزيمة رقم (1937) والطيالسي رقم (882 - منحة) والطبراني في "الصغير" رقم (60 - الروض الداني) والدولابي في الكنى (1/ 120) وأبو يعلى رقم (93/ 2848) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 236) والبغوي في شرح السنة رقم (1727) والدارمي (2/ 6) والقضاعي في مسند الشهاب (1/ 395 رقم 677) والبزار رقم (976 - كشف) من طرق كثيرة عنه.

(1)

أحمد (4/ 197) ومسلم رقم (46/ 1096) وأبو داود رقم (2343) والترمذي رقم (709) والنسائي رقم (2166).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (1940) والطحاوي في شرح مشكل الآثار رقم (477) وابن حبان رقم (3477) والبيهقي (4/ 236) والبغوي في شرح السنة رقم (1729) وعبد بن حميد رقم (293) والدارمي رقم (1739) وعبد الرزاق في المصنف رقم (7602) والخطيب في تاريخه (7/ 264) من طرق عنه.

(2)

في الجرح والتعديل (4/ 134).

(3)

سقط من (أ) و (ب) وأثبته من مصادر التخريج.

(4)

في سننه رقم (2149) و (2150) من طريق ابن أبي ليلى عن عطاء عن أبي هريرة، به.

(5)

(2/ 179 رقم 2751). وهو حديث صحيح.

(6)

في سننه رقم (2144) و (2145).

(7)

في المسند رقم (1821) و (1822).

وانظر ما قاله الدارقطني في "العلل"(5/ 67 - 68 س 712).

(8)

في السنن برقم (2149) و (2150) وقد تقدم.

ص: 343

وعن قرة بن إياس المزني عند البزار

(1)

نحوه أيضًا.

وعن ابن عباس عند ابن ماجه

(2)

والحاكم

(3)

بلفظ: "استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبقيلولة النهار على قيام الليل".

وله شاهد في علل ابن أبي حاتم

(4)

وعنه

(5)

، وتشهد [له]

(6)

رواية لابن داسة في سنن أبي داود

(7)

.

وأخرجه ابن حبان

(8)

بلفظ: "نِعم سَحُورُ المؤمنِ التَّمْرُ".

وعن ابن عمر عند ابن حبان

(9)

بلفظ: "إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين".

(1)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص الحبير"(2/ 382) وسكت عنه.

(2)

في سننه رقم (1693).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 19 رقم 613/ 1693): "هذا إسناد فيه زمعة بن صالح وهو ضعيف".

(3)

في المستدرك (1/ 425) وقال: "زمعة بن صالح وسلمة بن وهرام ليسا بالمتروكين اللذين لا يحتج بهما"، ووافقه الذهبي على ما قال.

والخلاصة: أن حديث ابن عباس هذا ضعيف، والله أعلم.

(4)

في "العلل"(1/ 241 رقم 701).

سألت أبي عن حديث رواه مروان الفزاري عن علي بن عبد العزيز عن يزيد بن أبي يزيد الجزري عن المور عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استعينوا بالقيلولة على القيام، وبالسحور على الصيام".

قال أبي: هؤلاء مجهولان.

(5)

لفظ "عنه" أي عن ابن عباس. وليس كذلك، فقد قال الحافظ في "التلخيص" (2/ 382):"وشاهده في العلل لابن أبي حاتم عن أبي هريرة".

كما تقدم في التعليقة المتقدمة.

(6)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(7)

في سننه رقم (2345).

(8)

في صحيحه رقم (3475).

وهو حديث صحيح.

(9)

في صحيحه رقم (3467).

وهو حديث صحيح.

ص: 344

وفي رواية له

(1)

عنه

(2)

: "تسحروا ولو بجرعة من ماء".

وعن زيد بن ثابت عند الشيخين

(3)

: "إنه كان بين تسحره صلى الله عليه وسلم ودخوله في الصلاة قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية".

وعن أنس عند البخاري

(4)

بنحوه.

وعن أبي سعيد عند أحمد

(5)

بلفظ: "السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعةً من ماء، فإنَّ الله وملائكته يصلون على المتسحِّرين".

ولسعيد بن منصور

(6)

من طريق أخرى: "تسحروا ولو بلقمة".

قوله: (مما أخروا السحور) أي مدة تأخيرهم.

وفيه دليل على مشروعية تأخير السحور. وقد تقدم قول ابن عبد البر أن أحاديث تأخير السحور صحاح متواترة.

قوله: (فإن في السحور بركة) بفتح السين وضمها.

قال في الفتح

(7)

: لأن المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم لأنه مصدر، أو البركة كونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح لأنه اسم لما يتسحر به.

(1)

أي لابن حبان في صحيحه برقم (3476) بسند حسن.

(2)

أي عن عبد الله بن عمر، ولعل الصواب عن عبد الله بن عمرو، كما في صحيح ابن حبان في التعليقة المتقدمة.

(3)

البخاري رقم (1921) ومسلم رقم (47/ 1097).

(4)

في صحيحه رقم (576).

(5)

في المسند (3/ 12) إسناده ضعيف.

وأروده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 150) وقال: رواه أحمد وفيه أبو رفاعة، ولم أجد من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله رجال الصحيح".

قلت: لكن الحديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(6)

عزاه الحافظ في "فتح الباري"(4/ 140) له من طريق أخرى مرسلة: "تسحروا ولو بلقمة".

(7)

(4/ 140).

ص: 345

وفيه دليل على مشروعية التسحر، وقد نقل ابن المنذر الإجماع

(1)

على ندبية السحور، انتهى.

وليس بواجب لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه أنهم واصلوا. ومن مقويات مشروعية السحور ما فيه من المخالفة لأهل الكتاب، فإنهم لا يتسحرون كما صرح بذلك حديث عمرو بن العاص

(2)

.

وأقل ما يحصل به التسحر ما يتناوله المؤمن من مأكول أو مشروب ولو جرعة من ماء كما تقدم في الأحاديث.

* * *

(1)

في "الإجماع"(ص 52 رقم 123).

(2)

تقدم برقم (1676) من كتابنا هذا.

ص: 346

[ثالثًا] أبواب ما يبيح الفطر وأحكام القضاء

[الباب الأول] باب الفطر والصوم في السفر

1/ 1677 - (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأسْلَمِيَّ قَالَ للنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ)

(1)

. [صحيح]

2/ 1678 - (وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاء قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ على رَأسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَعَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ)

(2)

. [صحيح]

3/ 1679 - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: "لَيْسَ مِنَ البِرّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ")

(3)

. [صحيح]

4/ 1680 - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ على المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ)

(4)

. [صحيح]

5/ 1681 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشْرَةُ

(1)

أخرجه أحمد في المسند (6/ 193) والبخاري رقم (1943) ومسلم رقم (103/ 1121) وأبو داود رقم (2402) والترمذي رقم (711) والنسائي رقم (2305) وابن ماجه رقم وهو حديث صحيح.

(2)

أحمد في المسند (5/ 194) والبخاري رقم (1945) ومسلم رقم (108/ 1122).

(3)

أحمد في المسند (3/ 317) والبخاري رقم (1946) ومسلم رقم (92/ 1115).

(4)

أحمد في المسند (3/ 50) والبخاري رقم (1947) ومسلم رقم (98/ 1118).

ص: 347

آلاف وَذلِكَ على رَأسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ، فَسَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الكَدِيدَ، وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيدٍ، أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالآخِرِ فَالآخِرِ

(1)

. [صحيح]

متفقٌ عَلى هَذِهِ الأَحَادِيثَ، إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَهُ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَشْرَةِ آلافٍ وَلَا تَارِيخِ الخُرُوج).

6/ 1682 - (وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرِو الْأَسْلَمِيّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَجِدُ مِنِّي قُوَّةً عَلى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُناحٌ؟ فَقَالَ: "هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ تَعالَى، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ،، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(2)

والنَّسائيُّ

(3)

، وَهُوَ قَوِيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى فَضِيلَةِ الفِطْرِ). [صحيح]

7/ 1683 - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ قَالا: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَيَصُومُ الصَّائِمُ وَيُفْطِرُ المُفْطِرُ فَلَا يَعِيبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض. رَوَاهُ مُسْلِمٌ)

(4)

. [صحيح]

8/ 1684 - (وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ قَالَ: سافَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أقْوَى لَكُمْ"، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ:"إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوى لَكُمْ فَأفْطِرُوا"، فَكَانَتْ

(1)

أحمد في المسند (1/ 325) والبخاري رقم (4276) ومسلم رقم (88/ 1113).

(2)

في صحيحه رقم (107/ 1121).

(3)

في سننه رقم (2303).

قلت: وأخرجه مالك في الموطأ (1/ 295 رقم 24) والطيالسي (رقم 907 - منحة المعبود) وأحمد (3/ 494) والحاكم (1/ 433) والبيهقي (4/ 243) وأبو داود رقم (2402).

• وأصله في المتفق عليه من حديث عائشة أن حمزة بن عمرو سأل:

أخرجه البخاري رقم (1943) ومسلم رقم (1121) وأحمد (6/ 46) والترمذي رقم (711) والنسائي (4/ 187) وابن ماجه رقم (1662) والدارمي (2/ 8 - 9) والبيهقي (4/ 243).

(4)

في صحيحه رقم (97/ 1117).

ص: 348

عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فِي السَّفَرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَمُسْلِمٌ

(2)

وَأَبُو دَاوُدَ)

(3)

. [صحيح]

قوله: (أأصوم) قال ابن دقيق العيد

(4)

: ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان فلا يكون فيه حجة على من منع صوم رمضان في السفر.

قال الحافظ

(5)

: هو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في رواية [لمسلم]

(6)

أنه أجابه بقوله: "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"، وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة، لأن الرخصة إنما تطلق في مقابل ما هو واجب.

وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود

(7)

والحاكم

(8)

عنه أنه قال: "يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأجد لي أن الصوم أهون عليّ من أن أؤخره فيكون دينًا، فقال: أي ذلك شئت".

وفي هذا الحديث

(9)

دلالة على استواء الصوم والإفطار في السفر.

قوله: (في شهر رمضان) هذا لفظ مسلم

(10)

. وفي البخاري

(11)

: "خرجنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره".

(1)

في المسند (3/ 35 - 36).

(2)

في صحيحه رقم (102/ 1120).

(3)

في سننه رقم (2406).

وهو حديث صحيح.

(4)

في إحكام الأحكام (2/ 223).

(5)

في "الفتح"(4/ 180).

(6)

في المخطوط (ب): (مسلم).

أخرجها مسلم في صحيحه برقم (107/ 1121).

(7)

في سننه رقم (2403).

(8)

في المستدرك (1/ 433)، وسكت عنه هو والذهبي.

وهو حديث ضعيف، والله أعلم.

(9)

هنا كلمة (دليل) في المخطوط (أ): شطب عليها. وفي المخطوط (ب) مثبتة. وهي زائدة.

(10)

في صحيحه رقم (108/ 1122).

(11)

في صحيحه رقم (1945).

ص: 349

وبرواية مسلم يتم المراد من الاستدلال، ويتوجه بها الرد على ابن حزم

(1)

حيث زعم أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعًا.

وقد قيل: إن هذا السفر هو غزوة الفتح، وهو وهم؛ لأن أبا الدرداء ذكر أن عبد الله بن رواحة كان صائمًا في هذا السفر، وهو استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف. وإن كانتا جميعًا في سنة واحدة.

وأيضًا الذين صاموا في غزوة الفتح جماعة من الصحابة، ولم يستثن أبو الدرداء في هذه الرواية مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا عبد الله بن رواحة [وحده]

(2)

.

وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يكره الصوم لمن قوي عليه.

قوله: (في سفر) في رواية للبخاري

(3)

وابن خزيمة

(4)

أنها غزوة الفتح.

قوله: (ورجلًا قد ظلل عليه)، زعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك إلى مبهمات الخطيب

(5)

ولم يقل ذلك في هذه القصة، وإنما قاله في قصة الذي نذر أن يصوم ويقوم في الشمس، وكان ذلك يوم الجمعة والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب.

قال الحافظ

(6)

: لم نقف على اسم هذا الرجل.

قوله: (ليس من البر إلخ)، قد أشار البخاري

(7)

إلى أن السبب في قوله صلى الله عليه وسلم هذه المقالة هو ما ذكر من المشقة التي حصلت للرجل الذي ظلل عليه.

وفي ذلك دليل على أن الصيام في السفر لمن كان يشق عليه ليس بفضيلة.

وقد اختلف السلف في هذه المسألة، أعني صوم رمضان في السفر،

(1)

في المحلى (6/ 250).

(2)

ما بين الخاصرتين زيادة من المخطوط (ب).

(3)

البخاري في صحيحه رقم (4276).

(4)

في صحيحه رقم (2034).

(5)

واسمه "الأسماء المبهمة والأنباء المحكمة" للخطيب (ص 273 - 274) حديث (134) قيس أبو إسرائيل العامري. ولم يقل ذلك في هذه القصة بل قالها في قصة الذي نذر أن يصوم ويقوم في الشمس كما قال الشوكاني.

(6)

في "الفتح"(4/ 185).

(7)

في صحيحه برقم (1946).

ص: 350

فقالت طائفة: لا يجزئ الصوم عن الفرض [في السفر]

(1)

، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، وهو قول بعض الظاهرية

(2)

.

وحكاه في البحر

(3)

عن أبي هريرة وداود والإمامية.

قال في الفتح

(4)

: وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم، انتهى.

واحتجُّوا بقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}

(5)

.

قالوا: لأن ظاهر قوله: {فَعِدَّةٌ} : أي فالواجب عليه عدة، وتأوله الجمهور بأن التقدير فأفطر فعدّة.

واحتجوا أيضًا بما في حديث ابن عباس المذكور في الباب

(6)

أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في السفر.

وكان ذلك آخر الأمرين، وأن الصحابة كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من فعله، فزعموا أن صومه صلى الله عليه وسلم في السفر منسوخ.

وأجاب الجمهور عن ذلك بأن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهري كما جزم بذلك البخاري في الجهاد

(7)

، وكذلك وقعت عند مسلم

(8)

مدرجة.

وبأن النبي صلى الله عليه وسلم صام بعد هذه القصة كما في حديث أبي سعيد المذكور في آخر الباب

(9)

بلفظ: "ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر".

واحتجوا أيضًا بما أخرجه مسلم

(10)

عن جابر: "أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء

(1)

ما بين الخاصرتين زيادة من المخطوط (ب).

(2)

المحلى (6/ 243)

(3)

البحر الزخار (2/ 256).

(4)

(4/ 183)

(5)

سورة البقرة: الآية (184).

(6)

برقم (1681) من كتابنا هذا.

(7)

رقم (2953) وفي المغازي رقم (4276)

(8)

في صحيحه برقم (88/ 1113).

(9)

برقم (1684) من كتابنا هذا.

(10)

في صحيحه رقم (90/ 1114).

ص: 351

فرفعه حتى نظر الناس ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة".

وفي رواية له: "إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر" الحديث، وسيأتي

(1)

.

وأجاب عنه الجمهور بأنه إنما نسبهم إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا.

واحتجوا أيضًا بما في حديث جابر المذكور في الباب

(2)

من قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصوم في السفر".

وأجاب عنه الجمهور بأنه صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك في حق من شق عليه الصوم كما سبق بيانه [في الفطر]

(3)

.

ولا شك أن الإفطار مع المشقة الزائدة أفضل، وفيه نظر لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب

(4)

، ولكن قيل: إن السياق والقرائن تدل على التخصيص

(5)

.

قال ابن دقيق العيد

(6)

: وينبغي أن يُتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب، فإن بين المقامين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مجرى واحدًا لم يصب، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص

(7)

به كنزول آية السرقة في

(1)

برقم (1685) من كتابنا هذا.

(2)

برقم (1679) من كتابنا هذا.

(3)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(4)

انظر: إرشاد الفحول (ص 454) بتحقيقي، والبحر المحيط (3/ 698).

(5)

قال الشوكاني في "إرشاد الفحول"(ص 535): "والحق أن دلالة السياق إن قامت مقام القرائن القوية المقتضية لتعيين المراد كان المخصص هو ما اشتملت عليه من ذلك، كان لم يكن السياق بهذا المنزلة ولا أفاد هذا المفاد فليس بمخصص" اهـ.

(6)

في "إحكام الأحكام"(2/ 225).

(7)

قال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام كما في "البحر المحيط"(3/ 380): "نص بعض أكابر الأصوليين على أن العموم يُخصُّ بالقِران، قال: ويشهد له مخاطبات الناس بعضهم بعضًا، حيث يقطعون في بعض المخاطبات بعدم العموم بناء على القرينة، والشرع يخاطب الناس بحسب تعارفهم. =

ص: 352

قصة رداء صفوان

(1)

.

وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة إلى بيان المجملات كما في حديث الباب.

وأيضًا نفي البر لا يستلزم عدم صحة الصوم.

وقد قال الشافعي

(2)

: يحتمل أن يكون المراد ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم.

وقال الطحاوي

(3)

: المراد بالبر هنا البر الكامل الذي هو أعلى المراتب، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًا؛ لأن الإفطار قد يكون أَبر من الصوم إذا كان للتقوي على لقاء العدو.

وقال الشافعي (2): نفي البر المذكور في الحديث محمول على من أبى قبول الرخصة.

وقد روى الحديث النسائي

(4)

بلفظ: "ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله لكم فاقبلوا"، قال ابن القطان

(5)

: إسنادها حسن متصل، يعني الزيادة.

ورواها الشافعي

(6)

ورجح ابن خزيمة

(7)

الأول.

= وقال: ولا يشتبه عليك التخصيص بالقِران بالتخصيص بالسبب، كما اشتبه على كثير من الناس، فإن التخصيص بالسبب غير مختار، فإن السبب وإن كان خاصًّا فلا يمنع أن يورد لفظ عام يتناوله وغيره، كما في قوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، ولا ينتهض السبب بمجرده قرينة لرفع هذا بخلاف السياق فإن به يقع التبيين والتعيين، أما التبيين ففي المجملات، وأما التعيين ففي المحتملات".

(1)

انظر: "سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام"، لمحمد بن إسماعيل الأمير (7/ 156 - 158 رقم الحديث 12/ 1160) بتحقيقي.

(2)

في الأم (3/ 258).

(3)

في شرح معاني الآثار (2/ 64).

(4)

في سننه رقم (2258 و 2259) من حديث جابر. وهو حديث صحيح.

(5)

في بيان الوهم والإيهام (2/ 576 - 578 رقم 584).

(6)

في المسند برقم (718).

(7)

في صحيحه (3/ 254 - 255).

ص: 353

واحتجوا أيضًا بما أخرجه ابن ماجه

(1)

عن عبد الرحمن [بن]

(2)

عوف مرفوعًا: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر".

ويجاب عنه بأن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف

(3)

.

ورواه الأثرم

(4)

من طريق أبي سلمة عن أبيه مرفوعًا.

قال الحافظ

(5)

: والمحفوظ عن أبى سلمة عن أبيه موقوفًا، كذلك أخرجه النسائي

(6)

وابن المنذر.

ورجح وقفه ابن أبي حاتم

(7)

والبيهقي

(8)

والدارقطني

(9)

، ومع وقفه فهو منقطع لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه.

وعلى تقدير صحته فهو محمول على الحالة التي يكون الفطر فيها أولى من الصوم كحالة المشقة جمعًا بين الأدلة.

واحتجوا أيضًا بما أخرجه أحمد

(10)

والنسائي

(11)

والترمذي

(12)

وحسنه عن أنس بن مالك الكعبي بلفظ: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة".

(1)

في السنن رقم (1666).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 8 رقم 604/ 1666): "هذا إسناد ضعيف، ومنقطع، رواه أسامة بن زيد: هو ابن أسلم ضعيف، وأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئًا، قاله ابن معين، والبخاري .... " اهـ.

وهو حديث ضعيف، والله أعلم.

• حُرِّف (ابن أسلم) إلى (ابن أسامة) في مصباح الزجاجة المطبوع. والتصويب من (مخطوطة مصباح الزجاجة التي بحوزتي) ومراجع ترجمة أسامة بن زيد، الميزان (1/ 174 رقم 705) والمغني (1/ 66).

(2)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(3)

تقدم مرارًا.

(4)

عزاه إليه الحافظ في "الفتح"(4/ 184).

(5)

في "الفتح"(4/ 184).

(6)

في سننه رقم (2284) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن عوف، قال: يُقال: "الصيام في السفر كالإفطار في الحضر" وهو حديث ضعيف.

(7)

في العلل (1/ 238 - 239 رقم 694).

(8)

في السنن الكبرى (4/ 244).

(9)

في "العلل"(4/ 281 س 564).

(10)

في المسند (5/ 29).

(11)

في سننه رقم (2276).

(12)

في سننه رقم (715).

وهو حديث حسن.

ص: 354

ويجاب [عنه]

(1)

بأنه مختلف فيه كما قال ابن أبي حاتم، وعلى تسليم صحته فالوضع لا يستلزم عدم صحة الصوم في السفر وهو محل النزاع.

وذهب الجمهور منهم مالك

(2)

والشافعي

(3)

وأبو حنيفة

(4)

إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق به، وبه قالت العترة

(5)

.

وروي عن أنس

(6)

، وعثمان بن أبي العاص

(7)

.

وقال الأوزاعي وأحمد

(8)

وإسحاق؛ إن الفطر أفضل عملًا بالرخصة وروي عن ابن عباس

(9)

وابن عمر

(10)

.

(1)

ما بين الخاصرتين سقط من (ب).

(2)

المنتقى للباجي (2/ 48، 49) والتسهيل (3/ 795).

(3)

المجموع شرح المهذب (6/ 266).

(4)

البناية في شرح الهداية (3/ 688 - 689).

(5)

البحر الزخار (2/ 231).

(6)

أخرج الطبري في "تهذيب الآثار" مسند ابن عباس (1/ 127 رقم 181) وابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 15).

عن عاصم الأحول، قال: سئل أنس بن مالك عن الصوم في السفر؟ فقال: من أفطر فرخصة، ومن صام فالصوم أفضل".

وهو أثر صحيح.

(7)

أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" مسند ابن عباس (1/ 130 رقم 190) عن عثمان بن أبي العاص قال: الفِطر في السفر رُخصةٌ، والصوم أفضل".

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 162) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات".

وهو أثر صحيح.

(8)

قال ابن قدامة في "المغني"(4/ 407 - 408): "فصل: والأفضل عند إمامنا - أي أحمد بن حنبل رحمه الله، الفطر في السفر، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والأوزاعي، وإسحاق.

وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، الصوم أفضل لمن قوي عليه، ويروى ذلك عن أنس، وعثمان بن أبي العاص" اهـ.

(9)

أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(3/ 14) عن أبي جمرة قال: "سألت ابن عباس عن الصوم في السفر؟ فقال: عسر ويسر، خذ بيسر الله عليك"، وهو أثر صحيح.

(10)

أخرج مالك في الموطأ (1/ 295) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يصوم في السفر، وهو أثر صحيح.

ص: 355

وقال عمر بن عبد العزيز

(1)

واختاره ابن المنذر: أفضلهما أيسرهما، فمن يسهل عليه حينئذٍ ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل.

وقال آخرون: وهو مخير مطلقًا، والأولى أن يقال: من كان يشق عليه الصوم ويضره، وكذلك من كان معرضًا عن قبول الرخصة فالفطر أفضل.

أما الطرف الأول فلما قدمنا من الأدلة في حجج القائلين بالمنع من الصوم.

وأما الطرف الثاني فلحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه"، وقد تقدم

(2)

.

ولحديث: "من رغب عن سنتي فليس مني"

(3)

.

وكذلك يكون الفطر أفضل في حق من خالف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام في السفر.

وقد روى الطبراني

(4)

عن ابن عمر أنه قال: "إذا سافرت فلا تصم، فإنك إن تصم قال أصحابك: اكفوا الصائم ادفعوا للصائم وقاموا بأمرك وقالوا: فلان صائم، فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك".

وأخرج

(5)

نحوه أيضًا من طريق أبي ذر.

(1)

قال ابن قدامة في "المغني"(4/ 408):

وقال عمر بن عبد العزيز، ومجاهد وقتادة: أفضل الأمرين أيسرهما، لقوله تعالى:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185]

" اهـ.

(2)

برقم (1161) من كتابنا هذا.

(3)

أخرجه أحمد (2/ 158) والبخاري رقم (5063) ومسلم رقم (5/ 1401) من حديث أنس.

(4)

لم أجده عند الطبراني ولعله الطبري. أخرج الطبري في "تهذيب الآثار"(مسند ابن عباس)(1/ 138 - 139 رقم 213) بسند صحيح عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: فذكره.

وأخرجه الطبري أيضًا في "تهذيب الآثار" مسند ابن عباس (1/ 140 - 141 رقم 220) من طريق آخر بسند ضعيف. عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: يا مجاهد. فذكره.

(5)

أي الطبري في "تهذيب الآثار" مسند ابن عباس (1/ 141 رقم 221) بسند صحيح إلا أن (جنادة بن أبي أمية الأزدي) مختلف في صحبته، وأن الحافظ في "تهذيب التهذيب" (1/ 317) قال:"قلت: هما اثنان أحدهما صحابي والآخر تابعي، قد بينت ذلك بأدلته في "معرفة الصحابة" أي (الإصابة)(1/ 607 - 608 رقم 1204) فانظره.

ص: 356

ومثل ذلك ما أخرجه البخاري

(1)

في الجهاد عن أنس مرفوعًا: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمفطرين لما خدموا الصائمين: ذهب المفطرون اليوم بالأجر"، وما كان من الصيام خاليًا عن هذه الأمور فهو أفضل من الإفطار.

ومن أحب الوقوف على حقيقة المسألة فليراجع: (قَبول البشرى في تيسير اليسرى)

(2)

للعلامة محمد بن إبراهيم

(3)

.

قوله: (الكديد)

(4)

بفتح الكاف وكسر الدال المهملة.

قوله: (وقديد)

(5)

بضم القاف مصغرًا، وبين الكديد ومكة مرحلتان.

قال عياض

(6)

: اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر فيه النبي صلى الله عليه وسلم والكل في قضية واحدة، وكلها متقاربة والجميع من عمل عسفان.

قوله: (أجد مني قوة)، ظاهره أن الصوم لا يشق عليه ولا يفوت به حق، وفي رواية لمسلم

(7)

: "إني رجل أسرد الصوم".

(1)

في صحيحه رقم (2890).

(2)

لا يزال مخطوطًا. وله مخطوطتان الأولى نسخت عام (1158 هـ) والثانية نسخت عام (1166 هـ).

(3)

انظر ترجمته في المقدمة للكتابة: "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان، بتحقيقي على ثلاثة مخطوطات.

(4)

الكديد: عين جارية عليها نخل على اثنين وأربعين من مكة.

[إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 64)].

الكديدُ: فيه روايتان رفع أوله، وكسر ثانيه، وياء، وآخره دال أُخرى، وهو التراب الدقاق المركّل بالقوائم، وقيل: الكديد ما غلظ من الأرض، وقال أبو عبيدة: الكديد من الأرض خلق الأودية أو أوسع منها، ويقال فيه الكُدَيدُ، تصغيره تصغير الترخيم: وهو موضع بالحجاز، ويوم الكديد: من أيام العرب، وهو موضع على اثنين وأربعين ميلًا من مكة.

وقال ابن إسحاق: سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة في رمضان فصام وصام أصحابه حتى إذا كان بالكديد بين عُسفان وأمج أفْطَرَ".

[معجم البلدان (4/ 442)].

(5)

القُدَيْد: تصغير القد أو القد أو القِدد، وهو اسم موضع قرب مكة، وقيل: ينسب إلى قديد بن حزام بن هشام من أهل الرَّقَم بادية بالحجاز.

[معجم البلدان (4/ 314)].

(6)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 65).

(7)

في صحيحه رقم (104/ 1121).

ص: 357

وقد جعل المصنف رحمه الله تعالى هذا الحديث قوي الدلالة على فضيلة الفطر لقوله صلى الله عليه وسلم: "فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح".

فأثبت للأخذ بالرخصة الحسن، وهو أرفع من رفع الجناح.

وأجاب الجمهور

(1)

: بأن هذا فيمن يخاف ضررًا أو يجد مشقة كما هو صريح في الأحاديث، وقد أسلفنا تحقيق ذلك.

قوله: (إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم)، فيه دليل على أن الفطر لمن وصل في سفره إلى موضع قريب من العدو أولى؟ لأنه ربما وصل إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو، ولهذا كان الإفطار أولى ولم يتحتم.

وأما إذا كان لقاء العدو متحققًا فالإفطار عزيمة؛ لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران ولا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان، ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين.

فائدة: المسافة التي يباح الإفطار فيها هي المسافة التي يباح القصر فيها، والخلاف هنا كالخلاف هنالك، وقد قدمنا تحقيق ذلك في باب القصر فليرجع إليه.

[الباب الثاني] باب من شرع في الصوم ثم أفطر في يومه ذلك

9/ 1685 - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِم الصِّيَامُ، وَإِنَ النَّاسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاس يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ ناسًا صَامُوا فَقَالَ:

(1)

المغني (4/ 408 - 409) والمجموع (6/ 269).

ص: 358

"أُولَئِكَ الْعُصَاةُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

وَالنَّسَائِيُّ

(2)

وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ)

(3)

. [صحيح]

10/ 1686 - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَتى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم على نَهْرٍ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَالنَّاسُ صِيَامٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ مُشَاةٌ وَنَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، فَقَالَ: "اشْرَبُوا أَيُّهَا النَّاسُ"، قَالَ: فَأَبَوْا، قَالَ: "إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِني أَيْسَرُكُمْ، إِني رَاكِبٌ"، فَأبَوْا، فَثَنَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَخِذَهُ فَنَزَلَ فَشَرِبَ وَشَرِبَ النَّاسُ، وَمَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَشْرَبَ)

(4)

. [إسناده صحيح]

11/ 1687 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عامَ الفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى مَرَّ بِغَدِيرٍ فِي الطَّرِيقِ وَذَلِكَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ: فَعَطِشَ النَّاسُ، وَجَعَلُوا يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ وَتَتُوقُ أَنْفُسُهُمْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَأَمْسَكَهُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ، ثُمَّ شَرِبَ فَشَرِب النَّاس

(5)

، رَوَاهُمَا أَحْمَدُ). [إسناده صحيح]

حديث ابن عباس أخرج نحوه البخاري في المغازي

(6)

من طريق خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان والناس صائم ومفطر؛ فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته ثم نظر الناس"، وسيأتي

(7)

.

وزاد في رواية أخرى

(8)

من طريق طاوس عن ابن عباس: "ثم دعا بماء فشرب نهارًا".

(1)

في صحيحه رقم (90/ 1114).

(2)

في سننه رقم (2263).

(3)

في سننه رقم (710).

قلت: وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 65) والبيهقي (4/ 241).

وهو حديث صحيح.

(4)

في المسند (3/ 46).

قلت: وأخرجه أبو يعلى رقم (1080) وابن حبان رقم (3550) و (3556) وابن خزيمة رقم (1966) بسند صحيح.

(5)

في المسند (1/ 366) بسند صحيح.

(6)

في صحيحه رقم (4277).

(7)

برقم (12/ 1688) من كتابنا هذا.

(8)

أي للبخاري في صحيحه رقم (4279).

ص: 359

وأخرجه

(1)

من طريق أبي الأسود عن عكرمة أوضح من سياق خالد، ولفظه:"فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس شق عليهم الصيام، فدعا بقدح من لبن فأمسكه بيده حتى رآه الناس وهو على راحلته، ثم شرب فأفطر فناوله رجلًا إلى جنبه فشرب".

والأحاديث في هذا المعنى يشهد بعضها لبعض.

قوله: (كُراع الغميم)

(2)

هو بضم الكاف، والغميم بفتح الغين المعجمة وهو اسم واد أمام عسفان وهو من أموال أعالي المدينة.

وفيه دليل على أنه يجوز للمسافر أن يفطر بعد أن نوى الصيام من الليل وهو قول الجمهور.

قال في الفتح

(3)

: وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، فأما لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه الجمهور

(4)

.

وقال أحمد

(5)

وإسحاق بالجواز، واختاره المزني وهذا هو الحق لحديث جابر المذكور في الباب

(6)

لما تقدم من أن كراع الغميم من أموال أعالي المدينة.

ولحديث ابن عباس الذي سيأتي

(7)

في الباب بعد هذا: "أنه صلى الله عليه وسلم أفطر حين استوى على راحلته".

وهذا الحديث أيضًا يرد ما روي عن بعض السلف أن من استهل رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر

(8)

.

(1)

أي البخاري في صحيحه رقم (1944).

(2)

النهاية (4/ 165). وانظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 64).

(3)

(4/ 181).

(4)

وهو قول مكحول، والزهري، ويحيى الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، رواية أخرى عن أحمد

المغني (4/ 347).

(5)

في رواية عن أحمد، وهو قول عمرو بن شرحبيل، والشعبي، وإسحاق، وداود، وابن المنذر .. المغني (4/ 346).

(6)

رقم (1685) من كتابنا هذا.

(7)

برقم (12/ 1688) من كتابنا هذا.

(8)

قال النووي في "المجموع"(6/ 268): "إذا دخل على الإنسان شهر رمضان، وهو مقيم =

ص: 360

وقد روي عن عليّ عليه السلام نحو ذلك بإسناد ضعيف، والجمهور على الجواز وهو الحقّ.

واستدل المانع من الإفطار بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}

(1)

.

قوله: (فشرب إلخ)، فيه دليل على أن فضيلة الفطر لا تختص بمن أجهده الصوم أو خشي العجب والرياء أو ظن به الرغبة عن الرخصة بما يلتحق بذلك من يقتدي به ليتابعه من وقع له شيء من هذه الأمور الثلاثة، ويكون الفطر في تلك الحال في حقه أفضل لفضيلة البيان.

ويدل على هذا قوله في حديث أبي سعيد

(2)

: "وما كان يريد أن يشرب".

قوله: (أولئك العصاة)، استدل به من قال بأن الفطر في السفر متحتم ومن قال بأنه أفضل، وقد تقدم الجواب عن ذلك.

[قوله]

(3)

: (في يوم صائف) فيه أن الإفطار عند اشتداد الحر [كما]

(4)

يكون في أيام الصيف أفضل لأنه مظنة المشقة، وأنه يشرع لمن مع المسافرين من إمام أو عالم أن يفطر ليقتدي به الناس وإن لم يكن محتاجًا إلى الإفطار لما تقدم.

قوله: (إني أيسركم إني راكب)، يعني أني أيسركم مشقَّة، ثم بين ذلك بقوله:"إني راكب".

قوله: (في نحر الظهيرة) أي في أوّل الظهيرة.

قال في القاموس

(5)

: نحر النهار والشهر أوله، الجمع نحور، انتهى.

قوله: (تتوق أنفسهم) أي تشتاق.

= جاز له أن يسافر ويفطر. هذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة، والثوري والأوزاعي، وأحمد والعلماء كافة، إلا ما حكاه أصحابنا عن أبي مخلد التابعي أنه لا يسافر، فإذا سافر لزمه الصوم وحرم الفطر".

(1)

سورة البقرة: الآية (185).

(2)

تقدم برقم (1686) من كتابنا هذا.

(3)

في المخطوط (ب): مكررة.

(4)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (أ).

(5)

القاموس المحيط (ص 617).

ص: 361

قال في القاموس

(1)

: تاق إليه توقًا وتؤقًا وتياقةً وتوقانًا: اشتاق، انتهى.

قوله: (فأمسكه على يده)، في رواية للبخاري

(2)

: "فرفعه إلى يده"، قال الحافظ

(3)

: وهذه الرواية مشكلة لأن الرفع إنما يكون باليد.

وأجاب الكرماني

(4)

بأن المعنى يحتمل أن يكون رفعه إلى أقصى طول يده: أي انتهى الرفع إلى أقصى غايتها.

وفي رواية لأبي داود

(5)

"فرفعه إلى فيه".

قوله: (حتى رآه الناس) في رواية للبخاري (2): "ليراه الناس".

وفيه رواية للمستملي

(6)

"ليريه الناس" بضم أوله وكسر الراء وفتح التحتانية، والناس بالنصب على المفعولية.

[الباب الثالث] باب من سافر في أثناء يوم هل يفطر فيه، ومتى يفطر؟

12/ 1688 - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ إلى حُنَيْنٍ، وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ، فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى على رَاحِلَتِهِ دَعا بإناءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ، فَوَضَعَهُ على رَاحِلَتِهِ أَوْ رَاحَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ [إلى] (*) النَّاسِ فَقَالَ المُفْطِرُونَ للصُّوَّامِ أَفْطِرُوا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)

(7)

. [صحيح]

هذا أحد ألفاظ حديث ابن عباس، وقد ورد بألفاظ مختلفة في البخاري وغيره، وقد تقدم ذكر بعضها، وذكره المصنف ههنا للاستدلال به على أنه يجوز للمسافر الإفطار عند ابتداء السفر لقوله فيه:"فلما استوى على راحلته إلخ".

وقال الشافعي

(8)

: من أصبح في حضر مسافرًا فليس له أن يفطر إلا أن يثبت حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفطر يوم الكديد

(9)

، انتهى.

(1)

القاموس المحيط (ص 1124).

(2)

في صحيحه رقم (1948).

(3)

في "الفتح"(14/ 67).

(4)

في شرحه لصحيح البخاري (17/ 19).

(5)

في سننه رقم (2404) وهو حديث صحيح.

(6)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 187).

(*) زيادة من صحيح البخاري.

(7)

في صحيحه رقم (4277).

(8)

في الأم (3/ 256).

(9)

أخرج حديث الكديد البخاري رقم (1944) ومسلم رقم (1113) من حديث ابن عباس.

ص: 362

والحديث المذكور قد ثبت كما تقدم ولكنها لا تقوم به الحجة على إفطار من أصبح في حضر مسافرًا؛ لأن بين الكديد والمدينة ثمانية أيام، بل هو حجة على أنه يجوز لمن صام أيامًا في سفره أن يفطر، وقد ترجم البخاري

(1)

عليه باب: إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر.

والذي تقوم به الحجة على جواز إفطار من أصبح في حضر مسافرًا هو حديث الباب

(2)

.

وكذلك حديث جابر

(3)

المتقدم في الباب الأول كما تقدم تحقيق ذلك.

قال المصنف

(4)

رحمه الله بعد أن ساق الحديث: قال شيخنا عبد الرزاق بن عبد القادر: صوابه خيبر أو مكة لأنه قصدهما في هذا الشهر، فأما حنين فكانت بعد الفتح بأربعين ليلة، انتهى.

والفتح كان لعشر بقين من رمضان، وقيل: لتسع عشرة ليلة خلت منه.

قال في الفتح

(5)

: وهو الذي اتفق عليه أهل السير، وكان خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة في عاشر رمضان، فإذا كانت حنين بعده بأربعين ليلة لم يستقم أن يكون السفر إليها في رمضان.

13/ 1689 - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ ثُمَّ رَكِبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)

(6)

. [صحيح لغيره]

14/ 1690 - (وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: رَكِبْتُ مَعَ أَبي بُصْرَةَ الغِفَارِيّ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ فَدَفَعَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: اقْتَربَ، فَقُلْتُ:

(1)

في صحيحه (4/ 180 رقم الباب (34) - مع الفتح).

(2)

برقم (12/ 1688) من كتابنا هذا.

(3)

برقم (1685) من كتابنا هذا.

(4)

ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 184).

(5)

فتح الباري (4/ 181).

(6)

في سننه رقم (799) وهو حديث صحيح لغيره.

ص: 363

أَلَسْتَ بَيْنَ البُيُوتِ؟ فَقَالَ أَبُو بُصْرَةَ: أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَأَبُو دَاوُدَ)

(2)

. [صحيح لغيره]

الحديث الأول ذكره الحافظ في التلخيص

(3)

وسكت عنه، وفي إسناده عبد الله بن جعفر

(4)

والد عليّ بن المديني وهو ضعيف.

والحديث الثاني سكت عنه أبو داود

(5)

والمنذري

(6)

والحافظ في التلخيص

(7)

ورجال إسناده ثقات.

وأخرج البيهقي

(8)

عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أنه كان يسافر وهو صائم فيفطر من يومه.

قوله: (من الفسطاط) هو اسم علم لمصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص.

والحديثان يدلان على أنه يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه.

قال ابن العربي في العارضة

(9)

: هذا صحيح، ولم يقل به إلا أحمد

(10)

، أما علماؤنا فمنعوا منه، لكن اختلفوا إذا أكل هل عليه كفارة؟ فقال مالك

(11)

: لا، وقال أشهب

(12)

: هو متأول. وقال غيرهما: يكفِّر، ونحب أن لا يكفِّر

(1)

في المسند (6/ 398) بسند ضعيف.

(2)

في سننه رقم (2412).

وهو حديث صحيح لغيره.

(3)

(2/ 391).

(4)

عبد الله بن جعفر بن نَجيح، والد علي بن المديني، قال البخاري: قال ابن أبي الأسود: مات سنة ثمانٍ وسبعين ومائة. متفق على ضعفه. التاريخ الكبير (5/ 62) والصغير رقم (183) والمجروحين (2/ 14) والميزان (2/ 401) والتقريب (1/ 406) والخلاصة (ص 193).

(5)

في السنن (3/ 800).

(6)

في المختصر (3/ 291).

(7)

في "التلخيص"(2/ 391).

(8)

في السنن الكبرى (4/ 247).

(9)

عارضة الأحوذي (4/ 13 - 14).

(10)

المغني (4/ 346).

(11)

المدونة (1/ 201 - 202).

(12)

المدونة (1/ 202).

ص: 364

لصحة الحديث ولقول أحمد: عذر يبيح الإفطار فطر بأنه على الصوم يبيح الفطر كالمرض، وفرق بأن المرض لا يمكن دفعه بخلاف السفر.

قال ابن العربي

(1)

: وأما حديث أنس فصحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر، ثم ذكر أن قوله من السنة لا بد من أن يرجع إلى التوقيف، والخلاف في ذلك معروف في الأصول.

والحق أن قول الصحابي من السنة ينصرف إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد صرح هذان الصحابيان بأن الإفطار للمسافر قبل مجاوزة البيوت من السنة.

[الباب الرابع] باب جواز الفطر للمسافر إذا دخل بلدًا ولم يجمع إقامة

15/ 1691 - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَزَا غَزْوَةَ الفَتْحِ فِي رَمَضَانَ وَصَامَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الكَدِيدَ المَاء الَّذِي بَيْنَ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ أَفْطَرَ فَلَمْ يَزَلْ مُفْطِرًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ

(2)

. [صحيح]

وَوَجْهُ الحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّ الفَتْحَ كَانَ لِعَشْرٍ بَقَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، هَكَذَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ)

(3)

. [صحيح]

الكديد وقديد قد تقدم

(4)

ضبطهما وتفسيرهما.

والحديث يدل على أن المسافر إذا أقام ببلد مترددًا جاز له أن يفطر مدة تلك الإقامة.

(1)

في عارضة الأحوذي (4/ 14 - 16).

(2)

في صحيحه رقم (4275).

وهو حديث صحيح.

(3)

أحمد في المسند (1/ 261) والبخاري رقم (2953) ومسلم رقم (1113).

وهو حديث صحيح

(4)

في نهاية شرح الحديث رقم (8/ 1684) من كتابنا هذا.

ص: 365

كما يجوز له أن يقصر، وقد عرَّفناك في باب قصر الصلاة أن من حط رحله في بلد وأقام به يتم صلاته لأن مشقة السفر قد زالت عنه ولا يقصر إلا إلى مقدار المدة التي قصر فيها [النبي]

(1)

صلى الله عليه وسلم مع إقامته، ولا شك أن قصره صلى الله عليه وسلم في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، ولكن ملاحظة الأصل منعت من مجاوزتها لأن القصر للمقيم لم يشرعه الشارع فلا يثبت له إلا بدليل، وقد دل الدليل على أنه يقصر في مثل المدة التي أقام فيها صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم الخلاف في مقدارها فيقتصر على ذلك.

وهكذا يقال في الإفطار: الأصل في المقيم أن لا يفطر لزوال مشقة السفر عنه إلا لدليل يدل على جوازه له، وقد دل الدليل على أن من كان مقيمًا ببلد وفي عزمه السفر يفطر مثل المدة التي أفطرها صلى الله عليه وسلم بمكة وهي عشرة أيام أو أحد عشر على اختلاف الروايات، فيقتصر على ذلك ولا يجوز الزيادة عليه إلا بدليل.

فإن قيل: الاعتبار بإطلاق اسم المسافر على المقيم المتردد، وقد أطلقه عليه صلى الله عليه وسلم فقال:"إنا قوم سفر"، كما تقدم

(2)

في القصر لا بالمشقة، لعدم انضباطها، قلنا: قد تقدم الجواب عن ذلك في القصر فليرجع إليه.

[الباب الخامس] باب ما جاء في المريض والشيخ والشيخة والحامل والمرضع

16/ 1692 - (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الكَعْبِيّ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الله عز وجل وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلاةِ، وَعَنِ الحُبْلَى وَالمُرْضِعِ الصَّوْمَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ

(3)

، وَفِي لَفْظِ بَعْضِهِمْ:"وَعَنْ الحامِلِ وَالمُرْضِعِ"). [حسن]

(1)

ما بين الخاصرتين زيادة من المخطوط (ب).

(2)

برقم (1167) من كتابنا هذا.

(3)

أخرجه أحمد (4/ 347) وأبو داود رقم (2408). والترمذي رقم (715) والنسائي رقم (2277) وابن ماجه رقم (1667).

قلت: رجاله ثقات، غير أبي هلال الراسبي، واسمه محمد بن سليم مولى بني سلمة بن لؤي فيه كلام يسير، ولعل الصواب أن حديثه حسن. =

ص: 366

الحديث حسنه الترمذي

(1)

وقال: [ولا يعرف]

(2)

لابن مالك هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد، انتهى.

وقال ابن أبي حاتم في علله

(3)

: سألت أبي عنه، يعني الحديث فقال: اختلف فيه، والصحيح عن أنس بن مالك القشيري، انتهى.

قال المنذري

(4)

: ومن يسمى بأنس بن مالك من رواة الحديث خمسة: صحابيان هذا وأبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنس بن مالك والد الإمام مالك بن أنس روي عنه حديث في إسناده نظر، والرابع شيخ حمصي حدث، والخامس كوفي حدث عن حماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهما، انتهى.

وينبغي أن يكون أنس بن مالك القشيري الذي ذكره ابن أبي حاتم سادسًا إن لم يكن هو الكعبي.

= انظر: التاريخ الكبير (1/ 105) والمجروحين (2/ 283) والجرح والتعديل (7/ 273) والكاشف (3/ 43) والميزان (3/ 574) والتقريب (2/ 166). وقال الترمذي: حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن، ولا نعرف لأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد.

وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(1)

في السنن (3/ 95).

(2)

في المحفوظ (ب): (ولا نعرف).

(3)

في العلل (1/ 266 رقم 784).

(4)

في المختصر (3/ 289).

والمتسمون بأنس بن مالك خمسة، هم:

1 -

أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المراد في أكثر الأحاديث عند إطلاق اسم أنس.

2 -

أنس بن مالك الكعبي وهو الذي في حديثنا.

وهذان صحابيان.

3 -

أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، والد الإمام مالك بن أنس وهو تابعي.

4 -

أنس بن مالك الصيرفي، شيخ خلاد بن يحيى.

5 -

أنس بن مالك شيخ لأبي داود الطيالسي.

وهذان متأخران يرويان عن التابعين.

[جامع الأصول (6/ 407) التعليقة (2) تحقيق وتخريج الشيخ عبد القادر الأرنؤوط].

ص: 367

والحديث يدل على أن المسافر لا صوم عليه، وقد تقدم البحث عن ذلك وأنه يصلي قصرًا وقد تقدم تحقيقه.

وأنه يجوز للحبلى والمرضع الإفطار، وقد ذهب إلى ذلك العترة

(1)

والفقهاء

(2)

إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين وقالوا: إنها تفطر حتمًا.

قال أبو طالب

(3)

: ولا خلاف في الجواز.

وقال الترمذي

(4)

: العمل على هذا عند أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران ويقضيان ويطعمان وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد. وقال بعضهم: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا طعام عليهما، وبه يقول إسحاق اهـ.

وقد قال بعدم وجوب الكفارة مع القضاء الأوزاعي والزهري والشافعي

(5)

في أحد أقواله. وقال مالك

(6)

والشافعي

(7)

في أحد أقواله: إنها تلزم المرضع لا الحامل إذ هي كالمريض

(8)

.

(1)

البحر الزخار (2/ 256).

(2)

المغني (4/ 393 - 394).

(3)

شفاء الأوام (1/ 648).

(4)

في السنن (3/ 95).

(5)

المجموع شرح المهذب (6/ 272 - 273).

(6)

التسهيل (3/ 829).

(7)

المجموع (6/ 273).

(8)

قال النووي في "المجموع"(6/ 274 - 275): فرع: في مذاهب العلماء في الحامل والمرضع إذا خافتا فأفطرتا:

"قد ذكرنا أن مذهبنا - أي الشافعية - أنهما إن خافتا على أنفسهما لا غير، أو على أنفسهما وولدهما، أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما بلا خلاف.

وإن أفطرتا للخوف على الولد أفطرتا وقضتا والصحيح وجوب الفدية.

قال ابن المنذر: وللعلماء في ذلك أربعة مذاهب:

قال ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير: يفطران ويطعمان، ولا قضاء عليهما.

وقال عطاء بن أبي رباح، والحسن، والضحاك، والنخعي، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يفطران ويقضيان، ولا فدية كالمريض.

وقال الشافعي وأحمد: يفطران ويقضيان ويفديان، وروي ذلك عن مجاهد.

وقال مالك: الحامل تفطر وتقضي ولا فدية، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي.

قال ابن المنذر: وبقول عطاء أقول" اهـ.

ص: 368

17/ 1693 - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}

(1)

، كانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْطرَ وَيفْتَدِيَ حَتَّى أُنْزِلَتْ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلا أَحْمَدُ)

(2)

. [صحيح]

18/ 1694 - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ سَلَمَةَ وَفِيهِ: ثُمَّ أَنْزَلَ الله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}

(3)

، فأثْبَتَ الله صِيَامَهُ على المُقِيمِ الصَّحِيحِ، وَرَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَثَبَتَ الإِطْعَامُ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصّيامَ. مُخْتَصَرٌ لأحْمَدَ

(4)

وَأَبِي دَاوُدَ)

(5)

. [ضعيف]

19/ 1695 - (وَعَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأْ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (1)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةً، هِيَ للشَّيْخِ الكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الكَبِيرَةِ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ)

(6)

. [صحيح]

20/ 1696 - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أُثْبِتَتْ لِلْحُبْلَى والمُرْضِع. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(7)

. [صحيح]

حديث معاذ قد اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا.

(1)

سورة البقرة: الآية (184)

(2)

أخرجه البخاري رقم (4507) ومسلم رقم (149/ 1145) وأبو داود رقم (2315) والترمذي رقم (798) والنسائي رقم (2316) وهو حديث صحيح.

(3)

سورة البقرة: الآية (185).

(4)

في المسند (5/ 246).

(5)

في سننه رقم (507).

قلت: وأخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 301) والبيهقي (4/ 200) كلهم من طريق المسعودي عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى عن معاذ، به.

قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

قلت: ليس كما قالا: لأن فيه المسعودي وقد اختلط.

وقال البيهقي: هذا مرسل عبد الرحمن لم يدرك معاذ.

وقال النووي في "المجموع"(6/ 250): "

فإن معاذًا لم يدركه ابن أبي ليلى".

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(6)

في صحيحه رقم (4505).

(7)

في سننه رقم (2317). وهو صحيح.

ص: 369

قوله: (الآية التي بعدها) هي الآية المذكورة في حديث معاذ الذي بعده.

قوله: (فنسختها)، قد روي عن ابن عمر كما روي عن سلمة من النسخ ذكر ذلك البخاري عنه معلقًا

(1)

وموصولًا

(2)

.

وقد أخرج أبو نعيم في المستخرج

(3)

والبيهقي

(4)

"أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل رمضان فاستكثروا ذلك وشق عليهم، فكان من يطعم مسكينًا كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه رخص لهم في ذلك، ثم نسخه قوله تعالى:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}

(5)

، فأمروا بالصيام".

وهذا الحديث أخرجه أيضًا أبو داود

(6)

من طريق شعبة والمسعودي عن الأعمش مطولًا، وقد اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا، وإذا تقرر أن الإفطار والإطعام كان رخصة ثم نسخ لزم أن يصير الصيام حتمًا واجبًا، فكيف يصح الاستدلال على ذلك بقوله:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} (5)، والخيرية لا تدل على الوجوب لدلالة قوله:{خَيْرٌ لَكُمْ} على المشاركة في أصل الخير.

وأجاب عن ذلك الكرماني

(7)

جوابًا متكلفًا حاصله أن المراد أن الصوم خير من التطوع بالفدية والتطوع بها كان سنة والخير من السنة لا يكون واجبًا: أي لا يكون شيء خيرًا من السنة إلا الواجب، كذا قال.

فالأولى ما روي عن سلمة بن الأكوع

(8)

وابن عمر

(9)

أن الناسخ قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}

(10)

، وإلى النسخ في حق غير الكبير ممن يطيق الصيام ذهب الجمهور

(11)

، قالوا: وحكم الإطعام باق في حق من لم يطق الصيام.

(1)

في صحيحه (8/ 179 رقم الباب (25) - مع الفتح) معلقًا.

(2)

في صحيحه رقم (4506).

(3)

عزاه إليه الحافظ في "الفتح"(4/ 188).

(4)

في السنن الكبرى (4/ 200).

(5)

سورة البقرة: الآية (184).

(6)

في سننه رقم (507).

(7)

في شرحه لصحيح البخاري (9/ 119).

(8)

تقدم تخريجه برقم (1693) من كتابنا هذا.

(9)

تقدم، وقد أخرجه البخاري معلقًا وموصولًا برقم (4506).

(10)

سورة البقرة: الآية (185).

(11)

المغني (4/ 393، 394، 395).

ص: 370

وقال جماعة من السلف منهم مالك

(1)

وأبو ثور

(2)

وداود أن جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير إذا لم يطق إطعام.

وقال قتادة

(3)

: كانت الرخصة لكبير يقدر على الصوم ثم نسخ فيه وبقي فيمن لا يطيق.

وقال ابن عباس

(4)

: إنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير كما وقع في الباب عنه.

وقال زيد بن أسلم والزهري ومالك: هي محكمة نزلت في المريض يفطر ثم يبرأ فلا يقضي حتى يدخل رمضان آخر فيلزمه صومه ثم يقضي بعده ويطعم عن كل يوم مدًا من حنطة، فإن اتصل مرضه برمضان الثاني فليس عليه إطعام، بل عليه القضاء فقط.

وقال الحسن البصري وغيره: الضمير في "يطيقونه" عائد على الإطعام لا على الصوم ثم نسخ بعد ذلك.

قوله: (سمع ابن عباس يقرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ})

(5)

، هكذا في هذا الكتاب، وهو لا يناسب قوله آخر الكلام: هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما إلا أن يكون مراد ابن عباس أن ذلك من مجاز الحذف كما روي عن بعض العلماء، والأصل وعلى الذين لا يطيقونه.

وقد روي عن ابن عباس

(6)

أنه كان يقرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} (5): أي يكلَفُونه ولا يطيقونه، وهو المناسب لآخر الكلام

(7)

.

(1)

الموطأ (1/ 307 رقم 51).

(2)

الاستذكار (10/ 214 رقم 14603).

(3)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (7584) والطبري في "جامع البيان"(2/ ج 2/ 135 - 136) بسند صحيح.

(4)

أخرجه البخاري رقم (4505) والدارقطني (2/ 205 رقم 7) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 271) بسند صحيح.

(5)

سورة البقرة: الآية (184).

(6)

أخرجه الدارقطني في السنن (2/ 205 رقم 4) بسند صحيح.

(7)

معجم القراءات (1/ 250 - 251).

ص: 371

وقد روي عن ابن عباس أنه قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليه. رواه الدارقطني

(1)

والحاكم

(2)

وصححاه.

وفيه مع ما في الباب عنه وعن معاذ دليل على أنه يجوز للشيخ الكبير العاجز عن الصوم أن يفطر ويكفِّر.

وقد اختلف في قدر إطعام المسكين، فقيل: نصف صاع عن كل يوم من أي قوت، وبه قال أبو طالب وأبو العباس وغيرهما من الهادوية

(3)

.

وقيل: صاع من غير البر ونصف صاع منه، وبه قال أبو حنيفة

(4)

والمؤيد بالله (3).

وقيل: مد من بر أو نصف صاع من غيره، وبه قال الشافعي

(5)

وغيره، وليس في المرفوع ما يدل على التقدير.

قوله: (أثبتت للحبلى والمرضع)، لفظ أبي داود

(6)

أن ابن عباس قال في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}

(7)

قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا يعني على أولادهما أفطرتا وأطعمتا.

وأخرجه البزار

(8)

كذلك، وزاد في آخره: وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذي لا يطيقه فعليك الفداء ولا قضاء عليك، وصحح الدارقطني

(9)

إسناده.

(1)

في سننه (2/ 205 رقم 6) بسند صحيح.

(2)

في المستدرك (1/ 440) وصححه ووافقه الذهبي.

(3)

الروض النضير (3/ 50).

(4)

البناية في شرح الهداية (3/ 696 - 697).

(5)

المجموع شرح المهذب (6/ 263).

(6)

في سننه رقم (2317) وقد تقدم.

(7)

سورة البقرة: الآية (184).

(8)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 400).

(9)

في سننه (2/ 206 رقم 8) وقال: إسناده صحيح.

ص: 372

[الباب السادس] باب قضاء رمضان متتابعًا ومتفرقًا وتأخيره إلى شعبان

21/ 1697 - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَضَاءُ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ فَرَّقَ، وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ

(1)

. [إسناده ضعيف]

قال البُخَارِيُّ

(2)

: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا بأسَ أَنْ يُفَرّقَ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} )

(3)

.

22/ 1698 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَزَلَتْ {فعدة من أيام آخر متتابعات} ، فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتٍ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ

(4)

: وَقَالَ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ). [إسناده صحيح]

حديث ابن عمر في إسناده سفيان بن بشر

(5)

وقد تفرد بوصله.

قال الدارقطني

(6)

: ورواه عطاء عن عبيد بن عمير مرسلًا. قال الحافظ

(7)

: وفي إسناده ضعف أيضًا.

وقد صحح الحديث ابن الجوزي

(8)

وقال: ما علمنا أحدًا طعن في سفيان بن بشر.

(1)

في سننه (2/ 193 رقم 74) وقال الدارقطني: لم يسنده غير سفيان بن بشر.

قلت: وهو مجهول كما سيأتي قريبًا.

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 188 - 189 رقم الباب (40) - مع الفتح) معلقًا.

(3)

سورة البقرة: الآية (184).

(4)

في سننه (2/ 192 رقم 60) وقال الدارقطني: هذا إسناد صحيح.

(5)

سفيان بن بشر الأنصاري بصري، روى عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو:"تكون فتنة"، وروى عن عطاء بن أبي رباح.

روى عنه معاوية بن صالح سمعت أبي يقول ذلك.

الجرح والتعديل (4/ 228 رقم 975).

قلت: لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا كما رأيت.

وذكره ابن حبان في "الثقات"(6/ 403) ومعروف عنه توثيق المجاهيل.

وفد ضعف حديثه الحافظ في "التلخيص"(2/ 394).

(6)

في سننه (2/ 193 رقم 75) مرسلًا بسند ضعيف.

(7)

في "التلخيص"(2/ 394).

(8)

في "التحقيق"(5/ 393). =

ص: 373

ورواه الدارقطني

(1)

أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو، وفي إسناده الواقدي وابن لهيعة.

ورواه

(2)

من حديث محمد بن المنكدر قال: "بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع قضاء شهر رمضان فقال: ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ والله أحق أن يعفو".

وقال

(3)

: هذا إسناد حسن لكنه مرسل، وقد روي موصولًا ولا يثبت.

وفي الباب عن أبي عبيد

(4)

، ومعاذ بن جبل

(5)

، وأنس

(6)

، وأبي هريرة

(7)

، ورافع بن خديج

(8)

، أخرجها البيهقي

(9)

.

وهذه الطرق وإن فينت كل واحدة منها لا تخلو عن مقال فبعضها يقوي بعضًا فتصلح للاحتجاج به على جواز التفريق وهو قول الجمهور.

وحكاه في البحر

(10)

عن علي وأبي هريرة وأنس ومعاذ، ونقل ابن

= وتعقب المحدث الألباني ابن الجوزي في "الضعيفة"(2/ 137) حيث قال: "فهو تصحيح قائم على حجة لا تساوي سماعها، فإن كل راوٍ مجهول عند المحدثين يصح أن يقال فيه: "ما علمنا أحدًا طعن فيه"! فهل يلزم من ذلك تصحيح حديث المجهول!؟ اللهم لا. وإنها لزلة من عالم يجب اجتنابها" اهـ.

(1)

في سننه (2/ 192 رقم 62) وقال الدارقطني: الواقدي ضعيف.

(2)

أي الدارقطني في سننه (2/ 194 رقم 77) وقال الدارقطني: إسناد حسن إلا إنه مرسل، وقد وصله غير أبي بكر عن يحيى بن سليم إلَّا أنه جعله عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر، ولا يثبت متصلًا.

(3)

أي الحافظ ابن حجر في "التلخيص"(2/ 395).

(4)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 258) عن أبي عبيدة بن الجراح بسند حسن.

(5)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 258) عن معاذ بن جبل.

(6)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 258) عن أنس بسند صحيح.

(7)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 258) عن أبي هريرة.

(8)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 258) عن رافع بن خديج.

(9)

في السنن الكبرى (4/ 258) وأوردها الحافظ في "التلخيص"(2/ 395).

(10)

البحر الزخار (2/ 259).

ص: 374

المنذر

(1)

عن علي وعائشة وجوب التتابع قال [في]

(2)

الفتح

(3)

: وهو قول بعض أهل الظاهر

(4)

.

وروى عبد الرزاق

(5)

بإسناده عن ابن عمر أنه قال: يقضيه تباعًا.

وحكاه في البحر

(6)

عن النخعي والناصر وأحد قولي الشافعي

(7)

.

وتمسكوا بالقراءة المذكورة، أعني قوله:{متتابعات} قال في الموطأ

(8)

: هي قراءة أبي بن كعب

وأجيب عن ذلك بما تقدم عن عائشة

(9)

أنها سقطت، على أنه قد اختلف في الاحتجاج بقراءة الآحاد كما تقرر في الأصول

(10)

.

وإذا سلم أنها لم تسقط فهي منزلة عند من قال بالاحتجاج بها منزلة أخبار الآحاد، وقد عارضها ما في الباب من الأحاديث.

وقال القاسم بن إبراهيم

(11)

: إن فرق أساء وأجزأ.

وحكى في البحر

(12)

عن داود أن القاضي يطابق وقت الفوات من أول الشهر وآخره ووسطه.

ومما احتج به للتتابع ما أخرجه الدارقطني

(13)

عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه"، لكنه قال البيهقي

(14)

: لا يصح.

(1)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 189).

(2)

ما بين الخاصرتين ساقط من المخطوط (ب).

(3)

(4/ 189).

(4)

المحلى (6/ 200).

(5)

في "المصنف" رقم (7658).

(6)

البحر الزخار (2/ 259).

(7)

المجموع (6/ 413).

(8)

الموطأ (1/ 305 رقم 49).

(9)

تقدم برقم (22/ 1698) من كتابنا هذا.

(10)

انظر: "إرشاد الفحول"(ص 137 - 138).

(11)

حكاه عنه صاحب البحر الزخار (2/ 259).

(12)

البحر الزخار (2/ 259).

(13)

في سننه (2/ 191 - 192 رقم 58).

(14)

في السنن الكبرى (4/ 259).

ص: 375

وفي إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم

(1)

القاضي وهو مختلف فيه. قال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي روى حديثًا منكرًا. قال عبد الحق: يعني هذا، وتعقبه ابن القطان بأنه لم ينص عليه فلعله غيره، قال: ولم يأت من ضعفه بحجة، والحديث حسن.

قال الحافظ

(2)

: قد صرح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبد الرحمن.

قوله: (قال ابن عباس) وصله عبد الرزاق

(3)

وأخرجه الدارقطني

(4)

عنه من وجه آخر.

23/ 1699 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، وَذلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ

(5)

. [صحيح]

ويُرْوَى بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي رَجُلٍ مَرِضَ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ، ثُمَّ صَحَّ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَقَالَ: "يَصُومُ الَّذِي أدْرَكَهُ، ثُمَّ يَصُومُ الشَّهْرَ الَّذِي أفطَرَ فِيهِ، وَيُطْعِمُ [مَكَانَ]

(6)

كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا"

(7)

. [ضعيف]

(1)

انظر: التاريخ الكبير (3/ 1/ 257) والجرح والتعديل (5/ 211) والمجروحين (2/ 62) والكامل (4/ 1617) والميزان (2/ 545) واللسان (3/ 402).

(2)

في "التلخيص الحبير"(2/ 395).

(3)

في "المصنف" رقم (7665).

(4)

في سننه (2/ 192 رقم 65).

قلت: وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 258).

كلهم من طريق معمر عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، به.

وهو أثر صحيح، والله أعلم.

(5)

أخرجه أحمد (6/ 131) والبخاري رقم (1950) ومسلم رقم (151/ 1146) وأبو داود رقم (2399) والترمذي رقم (783) والنسائي رقم (2319) وابن ماجه رقم (1669) وهو حديث صحيح.

(6)

سقط من (أ) و (ب) وأثبته من سنن الدارقطني.

(7)

أخرجه الدارقطني في سننه (2/ 197 رقم 89) وقال الدارقطني: إبراهيم بن نافع، - وعمر بن موسى - بن وجيه: ضعيفان.

• وإبراهيم بن نافع الجلاب، بصري. روى عن مقاتل. =

ص: 376

وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ

(1)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ، وَقَالَ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ).

[إسناد صحيح موقوف]

24/ 1700 - (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ"، وإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ)

(2)

. [ضعيف]

25/ 1701 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ نَذَرَ قَضَى عَنْهُ وَليُّهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(3)

. [صحيح]

حديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني

(4)

، وفي إسناده عمر بن موسى بن

= قال أبو حاتم: كان يكذب، كتبت عنه، وذكر له ابن عدي مناكير، ولعل بعضها من مقاتل بن سليمان ونحوه.

[الميزان (1/ 69 رقم 234)].

• قلت: والذي في كتاب ابن أبي حاتم - الجرح والتعديل (2/ 141) -: "إبراهيم بن نافع الجلاب البصري الناجي من بني ناجية أبو إسحاق، روى عن مبارك بن فضالة، وعمر بن موسى الوجيهي كتب عنه أبي، سمعت أبي يقول: وسألته عنه فقال: لا بأس به كان حدث عن عمر بن موسى الوجيهي بواطيل، وعمر متروك الحديث".

• وقال ابن عدي في "الكامل"(1/ 265 - 266): "إبراهيم بن نافع أبو إسحاق الجلّاب: أظنه بصري منكر الحديث عن الثقات وعن الضعفاء. ثم ذكر ابن عدي له أحاديث

ثم قال: ولم أرَ لإبراهيم بن نافع هذا أوحش من هذه الأحاديث، ولعل هذه الأحاديث من جهة من رواه هو عنه؛ لأنه روى عن ضعافٍ مثل: مقاتل بن سليمان، وعمر بن موسى، وجميعًا ضعيفين" اهـ.

وانظر: لسان الميزان (1/ 116).

وستأتي ترجمة عمر بن موسى قريبًا.

(1)

في سننه (2/ 197 رقم 90) قال الدارقطني: إسناده صحيح.

(2)

أخرجه الترمذي في سننه رقم (718) وقال الترمذي: حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. والصحيح عن ابن عمر موقوف قوله.

وأخرجه ابن ماجه في سننه رقم (1757).

وهو حديث ضعيف، والله أعلم.

(3)

في سننه رقم (2401). وهو حديث صحيح.

(4)

في سننه (2/ 197 رقم 89) وقد تقدم.

ص: 377

وجيه

(1)

وهو ضعيف جدًّا، والراوي عنه إبراهيم بن نافع

(2)

وهو أيضًا ضعيف.

وروى

(3)

عنه موقوفًا وصححه الدارقطني كما ذكر المصنف وغيره.

وحديث ابن عمر أخرجه الترمذي

(4)

عن قتيبة عن عبثر بن القاسم عن أشعث عن محمد عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا.

وقال

(5)

: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر.

قال (5): وأشعث هو ابن سوار، ومحمد هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى.

قال الحافظ

(6)

ورواه ابن ماجه

(7)

من هذا الوجه ووقع عنده عن محمد بن سيرين بدل محمد بن عبد الرحمن وهو وهم منه أو من شيخه.

وقال الدارقطني

(8)

: المحفوظ وقفه على ابن عمر، وتابعه البيهقي

(9)

على ذلك.

وأثر ابن عباس صححه الحافظ

(10)

وأخرجه الدارقطني

(11)

وسعيد بن منصور والبيهقي

(12)

وعبد الرزاق

(13)

موصولًا، وعلقه البخاري

(14)

.

(1)

عمر بن موسى بن وجيه المِيتَمِي الوجيهي الحمصي. قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال ابن عدي: هو ممن يضع الحديث متنًا وإسنادًا

[الميزان (3/ 224 رقم 6222)].

(2)

تقدمت ترجمته آنفًا.

(3)

أي الدارقطني عن ابن عمر موقوفًا (2/ 197 رقم 90) بسند صحيح. قاله الدارقطني.

(4)

في سننه رقم (718) وهو حديث ضعيف تقدم آنفًا.

(5)

أي الترمذي في السنن (3/ 97).

(6)

في "التلخيص"(2/ 399).

(7)

في سننه رقم (1757) وهو حديث ضعيف وقد تقدم.

(8)

و

(9)

حكاه عنهما الحافظ في "التلخيص"(2/ 399).

(10)

في "الفتح"(4/ 189).

(11)

في سننه (2/ 192 رقم 65) وقد تقدم.

(12)

في السنن الكبرى (4/ 258) وقد تقدم.

(13)

في المصنف رقم (7665) وقد تقدم.

(14)

في صحيحه (4/ 188 - 189 رقم الباب (40) - مع الفتح) معلقًا وقد تقدم.

وهو أثر صحيح.

ص: 378

قال عبد الحق في أحكامه: لا يصح في الإطعام شيء، يعني مرفوعًا، وكذا قال في الفتح

(1)

.

قوله: (فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان)، استدل بهذا على أن عائشة كانت لا تتطوع بشيء من الصيام ولا في عشر ذي الحجة ولا عاشوراء ولا غير ذلك، وهذا الاستدلال إنما يتم بعد تسليم أنها كانت ترى أنه لا يجوز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان، ومن أين لقائله ذلك؟

قوله: (وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم) هذا لفظ مسلم

(2)

. وفي لفظ البخاري

(3)

: "الشغل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية للترمذي

(4)

وابن خزيمة

(5)

أنها قالت: "ما قضيت شيئًا مما يكون علي من رمضان إلا في شعبان حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر لأن الزيادة، أعني قوله:"وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد جزم بأنها مدرجة جماعة من الحفاظ كما في الفتح

(6)

.

ولكن الظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك لا سيما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية، فيكون ذلك، أعني جواز التأخير مقيدًا بالعذر المسوغ لذلك.

قوله: (ويطعم كل يوم مسكينًا)، استدل به وبما ورد في معناه من قال: بأنها تلزم الفدية من لم يصم ما فات عليه من رمضان حتى حال عليه رمضان آخر وهم الجمهور

(7)

.

وروي عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر

(8)

................. ...........

(1)

أي الحافظ (4/ 191).

(2)

في صحيحه رقم (

/ 1146).

(3)

في صحيحه رقم (1950).

(4)

في سننه رقم (783).

(5)

في صحيحه رقم (2051).

(6)

(4/ 191).

(7)

المجموع شرح المهذب (6/ 412).

(8)

أخرج الدارقطني في سننه (2/ 196 رقم 85).

عن يونس، قال: سأل سعيد بن يزيد نافعًا مولى ابن عمر عن رجل مرض فطال عليه =

ص: 379

وابن عباس

(1)

وأبو هريرة

(2)

.

وقال الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم مخالفًا.

وقال النخعي

(3)

وأبو حنيفة وأصحابه

(4)

: إنها لا تجب الفدية لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (5)، ولم يذكرها.

وأجيب بأنها قد ذكرت في الحديث كما تقدم، ويدل على ثبوتها قوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}

(5)

.

قال في البحر (6): ونسخ التخيير لا ينسخ وجوبها على من أفطر مطلقًا إلا ما خصه الإجماع.

وقال أبو العباس: إن ترك الأداء لغير عذر وجبت وإلا فلا.

وحكي في البحر

(6)

عن الشافعي أنه إن ترك القضاء حتى حال لغير عذر لزمه وإلا فلا.

= مرضه، حتى مر به رمضانان أو ثلاثة؟ فقال نافع: كان ابن عمر يقول: من أدركه رمضان ولم يكن صام رمضان الخالي، فليطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا من حنطة ثم ليس عليه قضاء.

وهو أثر صحيح.

(1)

أخرج البغوي في مسند ابن الجعد (1/ 104 رقم 238).

عن ميمون بن مِهْرَان قال: سئل ابن عباس عن رجل دخل في رمضان وعليه رمضان آخر لم يصمه، قال: يصوم هذا الذي أدركه، ويصوم الذي عليه، ويطعم كل يوم مسكينًا نصف صاع.

وهو أثر صحيح.

(2)

أخرج الدارقطني في سننه (2/ 196 - 197 رقم 87).

عن أبي هريرة في رجل مرض في رمضان. ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر، قال: يصوم الذي أدركه، ويطعم عن الأول لكل يوم مدًا من حنطة لكل مسكين. فإذا فرغ من هذا صام الذي فرط فيه. إسناد صحيح موقوف.

وهو أثر صحيح.

(3)

حكاه عنه النووي في "المجموع"(6/ 412) وابن قدامة في المغني (4/ 400).

(4)

البناية في شرح الهداية (3/ 692 - 693).

(5)

سورة البقرة: الآية (184).

(6)

البحر الزخار (2/ 257).

ص: 380

وأجيب عن هذين القولين بأن الحديث لم يفرق، وقد بينا أنه لم يثبت في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، وأقوال الصحابة لا حجة فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق، والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها ولا دليل ههنا، فالظاهر عدم الوجوب.

وقد اختلف القائلون بوجوب الفدية هل يسقط القضاء بها أم لا؟ فذهب الأكثر منهم إلى أنه لا يسقط.

وقال ابن عباس وابن عمر وقتادة وسعيد بن المسيب: إنه يسقط

(1)

.

والخلاف في مقدار الفدية ههنا كالخلاف في مقدارها في حق الشيخ العاجز عن الصوم وقد تقدم بيانه.

قوله: (إذا مرض الرجل في رمضان إلخ)، استدل به على وجوب الإطعام من تركة من مات في رمضان بعد أن فات عليه بعضه، وفيه خلاف، والظاهر عدم الوجوب لأن قول [الصحابة]

(2)

لا حجة فيه

(3)

.

(1)

قال النووي في شرح المهذب (6/ 412 - 413): "فرع في مذاهب العلماء فيمن آخر قضاء رمضان بغير عذر حتى دخل رمضان آخر: قد ذكرنا أن مذهبنا - أي الشافعية - أنه يلزمه صوم رمضان الحاضر ثم يقضي الأول، ويلزمه عن كل يوم فدية، وهي مد من طعام. وبهذا قال ابن عباس، وأبو هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والقاسم بن محمد، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والثوري، وأحمد وإسحاق.

إلا أن الثوري قال: الفدية مدَّان عن كل يوم.

وقال الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وأبو حنيفة، والمزني وداود: يقضيه ولا فدية عليه.

أما إذا دام سفره ومرضه ونحوهما من الأعذار حتى دخل رمضان الثاني فمذهبنا - أي الشافعية - أنه يصوم رمضان الحاضر ثم يقضي الأول ولا فدية عليه لأنه معذور. وحكاه ابن المنذر عن طاوس، والحسن البصري، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مذهب أبي حنيفة، والمزني، وداود.

قال ابن المنذر: وقال ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وقتادة: يصوم رمضان الحاضر عن الحاضر، ويفدي عن الغائب، ولا قضاء عليه" اهـ.

(2)

في المخطوط (ب): (الصحابي).

(3)

قال النووي في "المجموع"(4/ 421): "فرع من مذاهب العلماء فيمن مات وعليه صوم =

ص: 381

ووقع التردد فيمن مات آخر شعبان، وقد رجح في البحر

(1)

عدم الوجوب؛ لأن الأصل البراءة.

قوله: (وإن نذر قضى عنه وليه)، سيأتي البحث عن هذا قريبًا.

[الباب السابع] باب صوم النذر عن الميت

26/ 1702 - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرأةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أفَأصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "أرأيْتِ لَوْ كَانَ على أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذلِكَ عَنْهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ:"فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ" أخْرَجَاهُ

(2)

. [صحيح]

وَفِي رِوَايَةٍ: أن امْرَأَةً رَكِبَتِ البَحْرَ فَنَذَرَتْ إِن الله نَجَّاها أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فأنجاها الله فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ، فَجَاءَتْ قَرَابَةٌ لَهَا إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ ذَلِكَ، فَقَالَ:"صُومِي عَنْهَا"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ

(3)

وَالنَّسَائِيُّ

(4)

وَأَبُو دَاوُدَ)

(5)

. [صحيح]

27/ 1703 - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

(6)

. [صحيح]

= فاته بمرض، أو سفر، أو غيرهما من الأعذار، ولم يتمكن من قضائه حتى مات: ذكرنا أن مذهبنا - أي الشافعية - أنه لا شيء عليه، ولا يصام عنه، ولا يطعم عنه بلا خلاف عندنا. وبه قال أبو حنيفة ومالك والجمهور.

قال العبدري: وهو قول العلماء كافة إلا طاوسًا وقتادة فقالا: يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين؛ لأنه عاجز فأشبه الشيخ الهرم

" اهـ.

(1)

البحر الزخار (2/ 256).

(2)

البخاري رقم (1953) ومسلم رقم (156/ 1148).

(3)

في المسند (6/ 211، 338).

(4)

في السنن رقم (3816).

(5)

في السنن رقم (3308).

وهو حديث صحيح.

(6)

أحمد (6/ 69) والبخاري رقم (1952) ومسلم رقم (153/ 1147).

ص: 382

28/ 1704 - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنا جالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ: "وَجَبَ أجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفأصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: "صُومِي عَنْهَا"، قَالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "حُجِّي عَنْهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَمُسْلِمٌ

(2)

وَأَبُو دَاوُدَ

(3)

وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ

(4)

.

وَلمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ

(5)

: صَوْمُ شَهْرَيْنِ). [صحيح]

قوله: (إن امرأة) هي من جهينة كما في البخاري.

قوله: (وعليها نذر صوم)، في رواية للبخاري

(6)

: "وعليها صوم شهر"، وفي أخرى له:"أنه أتى رجل فسأل"، وفيه رواية

(7)

له أيضًا: "وعليها خمسة عشر يومًا"، وفي رواية له أيضًا:"وعليها صوم شهرين متتابعين".

قال في الفتح

(8)

: وقد ادعى بعضهم أن هذا اضطراب من الرواة، والذي يظهر تعدد الواقعة، وأما الاختلاف في كون السائل رجلًا أو امرأة والمسؤول عنه أختًا أو أمًا فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث.

قوله: (أرأيت) إلخ، فيه مشروعية القياس وضرب الأمثال ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه.

وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه.

وفيه أنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل إذا ترتب على ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه، وسيأتي مثل هذا في الحج إن شاء الله.

(1)

في المسند (5/ 359).

(2)

في صحيحه رقم (157/ 1149).

(3)

في سننه رقم (2877).

(4)

في سننه رقم (667).

(5)

في صحيحه رقم (158/ 1149).

وهو حديث صحيح.

(6)

في صحيحه رقم (1953).

(7)

أي للبخاري رقم (1953).

(8)

في "الفتح"(4/ 195).

ص: 383

قوله: (فجاءت قرابة لها)، هذه الرواية مطلقة فينبغي أن تحمل على الرواية المقيدة بذكر البنت.

قوله: (من مات وعليه صيام)، هذه الصيغة عامة لكل مكلف.

وقوله: (صام عنه وليه)، خبر بمعنى الأمر تقديره فليصم.

وفيه دليل على أنه يصوم الولي عن الميت إذا مات وعليه صوم أيّ صوم كان.

وبه قال أصحاب الحديث

(1)

وجماعة من محدثي الشافعية

(2)

وأبو ثور

(3)

.

ونقل البيهقي

(4)

عن الشافعي أنه علق القول به على صحة الحديث وقد صح.

وبه قال الصادق والناصر والمؤيد بالله

(5)

والأوزاعي

(6)

وأحمد بن حنبل

(7)

والشافعي في أحد قوليه

(8)

.

قال البيهقي في الخلافيات

(9)

: هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها، والجمهور على أن صوم الولي عن الميت ليس بواجب، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك.

وتعقب بأن بعض أهل الظاهر

(10)

يقول بوجوبه.

وذهب مالك

(11)

وأبو حنيفة

(12)

والشافعي في الجديد

(13)

إلى أنه لا يصام عن الميت مطلقًا، وبه قال زيد بن علي والهادي والقاسم

(14)

.

(1)

"بداية المجتهد ونهاية المقتصر" لابن رشد (2/ 174 - 175) بتحقيقي.

(2)

الأم (3/ 262).

(3)

حكاه عنه ابن قدامة في "المغني"(4/ 398).

(4)

في المعرفة (6/ 309).

(5)

البحر الزخار (2/ 257).

(6)

حكاه عنه ابن قدامة في "المغني"(4/ 398).

(7)

المغني (4/ 398).

(8)

المجموع شرح المهذب (6/ 414).

(9)

في مختصر الخلافيات (3/ 70).

(10)

المحلى (7/ 2).

(11)

الاستذكار لابن عبد البر (10/ 167).

(12)

شرح فتح القدير (2/ 364) والبناية في شرح الهداية (3/ 698).

(13)

المجموع شرح المهذب (6/ 415).

(14)

البحر الزخار (2/ 257).

ص: 384

وقال الليث (1) وأحمد وإسحاق وأبو عبيد

(1)

: إنه لا يصام عنه إلا النذر.

وتمسك المانعون مطلقًا بما روي عن ابن عباس أنه قال: "لا يصل أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد"، أخرجه النسائي

(2)

بإسناد صحيح من قوله.

وروى مثله عبد الرزاق

(3)

عن ابن عمر من قوله، وبما أخرجه عبد الرزاق

(4)

عن عائشة أنها قالت: "لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم".

قالوا: فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه.

قال في الفتح

(5)

: وهذه قاعدة لهم معروفة، إلا أن الآثار عن عائشة وابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع من الصيام إلا الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جدًّا، انتهى.

وهذا بناء من صاحب الفتح، على أن لفظ حديث ابن عباس

(6)

باللفظ الذي ذكره هنالك وهو أنه قال: كان لا يصوم أحد عن أحد، ولكنه ذكره في التلخيص

(7)

باللفظ الذي ذكرناه سابقًا.

والحق أن الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما رآه، والكلام في هذا مبسوط في الأصول

(8)

.

(1)

حكاه عنه ابن قدامة في المغني (4/ 398).

(2)

في السنن الكبرى (3/ 257 رقم 2930) موقوفًا.

وهو أثر صحيح.

(3)

لم أقف عليه عند عبد الرزاق في المصنف.

وقد أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 254) وفي المعرفة (6/ 311).

وهو أثر صحيح.

(4)

لم أقف عليه عند عبد الرزاق في المصنف.

(5)

(4/ 194).

(6)

أخرجه النسائي في السنن الكبرى رقم (2930) وهو أثر صحيح وقد تقدم.

(7)

التلخيص الحبير (2/ 399).

(8)

انظر: "إرشاد الفحول"(ص 235)

والبحر المحيط (4/ 380 - 381).

ص: 385

والذي روي مرفوعًا صريح في الرد على المانعين، وقد اعتذروا بأن المراد بقوله:"صام عنه وليه"، أي فعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام، وهذا عذر بارد لا يتمسك به منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة.

ومن جملة أعذارهم أن عمل أهل المدينة على خلاف ذلك، وهو عذر أبرد من الأول.

ومن أعذارهم أن الحديث مضطرب، وهذا إن تم لهم في حديث ابن عباس

(1)

لم يتم في حديث عائشة

(2)

، فإنه لا اضطراب فيه بلا ريب، وتمسك القائلون بأنه يجوز في النذر دون غيره بأن حديث عائشة مطلق وحديث ابن عباس مقيد فيحمل عليه، ويكون المراد بالصيام صيام النذر.

قال في الفتح

(3)

: وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس (1) صورة مستقلة يسأل عنها من وقعت له. وأما حديث عائشة (2) فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قال في آخره:"فدين الله أحق أن يقضى"، انتهى.

وإنما قال: إن حديث، بن عباس صورة مستقلة، يعني أنه من التنصيص على بعض أفراد العام، فلا يصلح لتخصيصه ولا لتقييده كما تقرر في الأصول

(4)

.

قوله: (صام عنه وليه)، لفظ البزار

(5)

: "فليصم عنه وليه إن شاء"، قال في مجمع الزوائد

(6)

: وإسناده حسن.

قال في الفتح

(7)

: اختلف المجيزون في المراد بقوله: "وليه"، فقيل كل قريب.

وقيل: الوارث خاصة.

وقيل: عصبته.

(1)

تقدم برقم (1702) من كتابنا هذا.

(2)

تقدم برقم (1703) من كتابنا هذا.

(3)

(4/ 193).

(4)

"إرشاد الفحول"(ص 460 - 462) والبحر المحيط (3/ 222 - 223).

(5)

في المسند (رقم 1023 - كشف).

(6)

(3/ 179).

(7)

(4/ 194).

ص: 386

والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها.

قال: واختلفوا هل يختص ذلك بالولي لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية ولأنها عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة، فكذلك في الموت إلا ما ورد فيه الدليل، فيقتصر على ما ورد ويبقى الباقي على الأصل وهذا هو الراجح.

وقيل: لا يختص بالولي، فلو أمر أجنبيًا بأن يصوم عنه أجزأ.

وقيل: يصح استقلال الأجنبي بذلك وذكر الولي لكونه الغالب.

وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبري

(1)

، وقوَّاه بتشبيهه صلى الله عليه وسلم ذلك بالدَّين، والدَّين لا يختص بالقريب، انتهى.

وظاهر الأحاديث أنه يصوم عنه وليه، وإن لم يوص بذلك، وأن من صدق عليه اسم الولي لغة أو شرعًا أو عرفًا صام عنه، ولا يصوم عنه من ليس بولي، ومجرد التمثيل بالدَّين لا يدل على أن حكم الصوم كحكمه في جميع الأمور.

قوله: (وردها عليك الميراث)، فيه دليل على أنه يجوز لمن ملك قريبًا له عينًا من الأعيان ثم مات القريب بعد ذلك وورثه أن يتملك تلك العين، وقد سبق الكلام على هذا في كتاب الزكاة.

قوله: (قال حجي عنها)، فيه دليل على أنه يجوز للابن أن يحج عن أمه أو أبيه وإن لم يوص، وسيأتي الكلام على ذلك في الحج.

* * *

(1)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 194).

ص: 387

[رابعًا] أبواب صوم التطوع

[الباب الأول] باب صوم ست من شوال

1/ 1705 - (عَنْ أبي أَيُّوبَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيَّ

(1)

. [صحيح]

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ

(2)

مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. [صحيح لغيره]

2/ 1706 - (وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السُّنَةِ، مَنْ جَاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)

(3)

. [صحيح]

(1)

أخرجه مسلم رقم (204/ 1164) وأبو داود رقم (2433) والترمذي رقم (759) وابن ماجه رقم (1716) وأحمد (5/ 417).

قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 21) والبيهقي (4/ 292) والطيالسي كما في منحة المعبود (1/ 197 رقم 948) والبغوي في شرح السنة رقم (1780).

وقد أعل هذا الحديث بأنه من رواية سعد بن سعيد الأنصاري أخي يحيى بن سعيد وقد ضعف لسوء حفظه. ولكن تابعه أخوه يحيى بن سعيد الأنصاري عند النسائي في السنن الكبرى (3/ 240 رقم 2879) وكذلك تابعه أخوه الآخر عبد ربه بن سعيد عند النسائي في الكبرى (3/ 240 رقم 2878).

وانظر: علل الدارقطني (6/ س 1009).

وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(2)

في المسند (3/ 308).

قلت: وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 292) والعقيلي في الضعفاء الكبير (3/ 263) كلهم من طريق سعيد بن أبي أيوب، حدثني عمرو بن جابر الحضرمي. قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صام رمضان وستًا من شوال فكأنما صام السنة كلها".

إسناده ضعيف لضعف عمرو بن جابر الحضرمي أبو زرعة كما في التقريب رقم الترجمة (4996). لكن الحديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(3)

في سنته رقم (1715). =

ص: 388

حديث ثوبان أخرجه أيضًا النسائي

(1)

وأحمد

(2)

والدارمي

(3)

والبزار

(4)

.

وفي الباب عن جابر عند أحمد

(5)

وعبد بن حميد

(6)

والبزار

(7)

وهو الذي أشار إليه المصنف

(8)

، وفي إسناده عمرو بن جابر وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد

(9)

.

وعن أبي هريرة عند البزار

(10)

وأبي نعيم

(11)

والطبراني

(12)

.

وعن ابن عباس عند الطبراني في الأوسط

(13)

.

وعن البراء بن عازب عند الدارقطني

(14)

.

= قلت: وأخرجه أحمد في المسند (5/ 280) والدارمي (2/ 21) والنسائي في السنن الكبرى (3/ 238 - 239 رقم 2873) والطحاوي في مشكل الآثار (9/ 113 - 120)

وابن حبان رقم (3635) والبيهقي (4/ 293) والخطيب في تاريخ بغداد (2/ 362).

وهو حديث صحيح.

(1)

في السنن الكبرى (3/ 238 - 239 رقم 2873) وقد تقدم.

(2)

في المسند (5/ 280) وقد تقدم.

(3)

في السنن (2/ 21) وقد تقدم.

(4)

لم أقف عليه عند البزار.

(5)

في المسند (3/ 308) وقد تقدم.

(6)

في المنتخب رقم (1116).

(7)

في المسند رقم (1062 - كشف).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 183) وقال: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وفيه عمرو بن جابر وهو ضعيف".

(8)

عقب الحديث (1/ 1705) من كتابنا هذا.

(9)

(3/ 183) وقد تقدم.

(10)

في المسند رقم (1060 - كشف).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 183) وقال: "رواه البزار وله طرق رجال بعضها رجال الصحيح".

(11)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 409).

(12)

في الأوسط رقم (7607).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 184) وقال: وفيه من لم أعرفه.

وانظر: علل الدارقطني (10/ س 1957).

(13)

في الأوسط رقم (4642).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 184): وقال: وفيه يحيى بن سعيد المازني، وهو متروك.

(14)

لم أجده في سنن الدارقطني، بل وجدته في علله (6/ 107).

ص: 389

وقد استدلّ بأحاديث الباب على استحباب صوم ستة أيام من شوّال، وإليه ذهب الشافعي

(1)

وأحمد

(2)

وداود وغيرهم، وبه قالت العترة.

وقال أبو حنيفة

(3)

ومالك

(4)

: يكره صومها.

واستدلَّا على ذلك بأنه ربما ظن وجوبها وهو باطل لا يليق بعاقل فضلًا عن عالم نصب مثله في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة، وأيضًا يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها ولا قائل به.

واستدلّ مالك على الكراهة بما قال في الموطأ

(5)

من أنه ما رأى أحدًا من أهل العلم يصومها، ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلًا تردّ به السنة.

قال النووي في شرح مسلم

(6)

: قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستّ متوالية عقب يوم الفطر، قال: فإن فرَّقها أو أخَّرها عن أوائل شوّال إلى آخره حصلت فضيلة المتابعة لأنه يصدق أنه أتبعه ستًا من شوّال.

قال

(7)

: قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر لأن الحسنة بعشر

(1)

المجموع شرح المهذب (6/ 426).

(2)

المغني (4/ 438).

(3)

بدائع الصنائع (2/ 78).

(4)

التسهيل (3/ 801).

قال ابن عبد البر في "الاستذكار"(10/ 259 رقم 14782، 14783): "قال أبو عمر: لم يبلغ مالكًا حديث أبي أيوب على أنه حديث مدني، والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه، والذي كرهه له مالك أمرٌ قد بينه وأوضحه، وذلك خشية أن يُضاف إلى فرض رمضان وأن يستبين ذلك إلى العامة. وكان رحمه الله متحفظًا كثير الاحتياط للدين.

وأما صيام الستة الأيام من شوال على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان رضي الله عنه، فإن مالكًا لا يكره ذلك إن شاء الله؛ لأن الصوم جُنَّة وفضله معلوم لمن ردّ طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى، وهو عملُ بر وخير. وقد قال الله عز وجل: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ

} [الحج: 77]، ومالك لا يجهل شيئًا من هذا، ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك، وخشي أن يعدوه من فرائض الصيام مضافًا إلى رمضان

" اهـ.

(5)

(1/ 311).

(6)

(8/ 56).

(7)

أي النووي في شرحه لصحيح مسلم (8/ 56).

ص: 390

أمثالها فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء هذا في حديث مرفوع في كتاب النسائي

(1)

.

قوله: (ستًا من شوّال) على صيغة المؤنث، ولو قال ستة بالهاء لكان صحيحًا؛ لأن المعدود المميز إذا كان غير مذكور لفظًا جاز تذكير مميزه وتأنيثه، يقال: صمنا ستًا وستة وخمسًا وخمسة، وإنما يلزم إثبات الهاء مع المذكر إذا كان مذكورًا لفظًا، وحذفها مع المؤنث إذا كان كذلك، وهذه قاعدة مسلوكة صرح بها أهل اللغة

(2)

وأئمة الإعراب.

قوله: (بعد الفطر) أي بعد اليوم الذي يفطر فيه وهو يوم عيد الإفطار فيحمل المطلق على المقيد، ويكون المراد بالست ثاني الفطر إلى آخر سابعه، ولكنه يبقى النظر في البعدية المذكورة هل يلزم أن تكون متصلة بيوم الفطر بلا فصل، أو يجوز إطلاقها على كل يوم من أيام شوّال لكونها بعد يوم الفطر.

وهكذا يقال في قوله: "ثم أتبعه ستًا"، لأن الاتباع يحتمل أن يكون بلا فاصل بين التابع والمتبوع إلا بما لا يصلح للصوم وهو يوم الفطر، ويحتمل أن يجوز إطلاقه مع الفاصل وإن كثر مهما كان التابع في شوّال.

[الباب الثاني] باب صوم عشر ذي الحجة وتأكيد يوم عرفة لغير الحاج

3/ 1707 - (عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: صِيَامُ عَاشُورَاءَ، وَالْعَشْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلّ شَهْرٍ، وَالرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(3)

وَالنَّسَائِيُّ

(4)

. [ضعيف دون "الركعتين قبل الغداة" فصحيح]

(1)

في السنن الكبرى (3/ 238 - 239 رقم 2873)، وهو حديث صحيح تقدم تخريجه.

(2)

انظر: شرح كافية ابن الحاجب (3/ 382).

(3)

في المسند (6/ 287).

(4)

في المجتبى (4/ 220) وفي السنن الكبرى (3/ 197 رقم 2737).

قلت: وأخرجه أبو يعلى رقم (7041) و (7048) و (7049) وابن حبان رقم (6422) والطبراني في الكبير (ج 23 رقم 354، 396).

وهو حديث ضعيف دون قوله: "والركعتين قبل الغداة" فصحيح.

ص: 391

4/ 1708 - (وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ مَاضِيَةً وَمُسْتَقْبَلِيَّةً، وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلَّا البُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ)

(1)

. [صحيح]

5/ 1709 - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ)

(2)

. [ضعيف]

6/ 1710 - (وَعَنْ أُمّ الفَضْلِ: أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي صَوْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِعَرَفَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

(3)

. [صحيح]

7/ 1711 - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَوْمُ عَرَفَةَ ويوْمُ النَّحْرِ وَأيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أكَل وَشُرْبٍ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ)

(4)

. [صحيح]

حديث حفصة أخرجه أبو داود

(5)

ولكنه لم يسمها، بل قال عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظه:"قالت: كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وأول اثنين من الشهر والخميس".

(1)

أخرجه أحمد (5/ 311) ومسلم رقم (196/ 1162) وأبو داود رقم (2425) وابن ماجه رقم (1730) والنسائي في الكبرى (2185).

وهو حديث صحيح.

(2)

أخرجه أحمد (2/ 446) وابن ماجه رقم (1732).

قلت: وأخرجه أبو داود رقم (2440) والنسائي في الكبرى رقم (2843) وابن خزيمة رقم (2101) والحاكم في المستدرك (1/ 434) والبيهقي (4/ 284).

قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

قلت: وهذا وهم لأن حوشب بن عقيل، وشيخه مهدي لم يخرج لهما البخاري.

ومهدي بن حرب الهجري ويقال ابن هلال. مجهول [المحلى (7/ 18) والميزان (4/ 195)].

وخلاصة القول: أن حديث أبي هريرة حديث ضعيف، والله أعلم.

(3)

أحمد في المسند (6/ 340) والبخاري رقم (1988) ومسلم رقم (110/ 1231).

(4)

أخرجه أحمد في المسند (4/ 152) وأبو داود رقم (2419) والترمذي رقم (773) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي رقم (3004).

وهو حديث صحيح.

(5)

في سننه رقم (2437) وهو حديث صحيح. =

ص: 392

وقد اختلف فيه على هنيدة بن خالد: فرواه عن امرأته عن بعض أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم

وروي عنه عن حفصة

(1)

.

وروي عنه عن أمّ سلمة

(2)

.

وقد تقدم في كتاب العيدين أحاديث تدلّ على فضيلة العمل في عشر ذي الحجة

(3)

على العموم والصوم مندرج تحتها.

وأما ما أخرجه مسلم

(4)

عن عائشة أنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائمًا في العشر قط".

وفي رواية

(5)

: "لم يصم العشر قط"، فقال العلماء: المراد أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أن عدم رؤيتها له صائمًا لا يستلزم العدم، على أنه قد ثبت من قوله ما يدلّ على مشروعية صومها كما في حديث الباب فلا يقدح في ذلك عدم الفعل.

وحديث أبي قتادة روي من طريق جماعة من الصحابة.

منهم زيد بن أرقم

(6)

، وسهل بن سعد

(7)

، وقتادة بن النعمان

(8)

، وابن عمر

(9)

عند الطبراني.

(1)

أخرجه أبو داود في سننه رقم (2451) وهو حديث حسن.

(2)

أخرجه أبو داود في سننه رقم (2452) وهو حديث منكر.

(3)

عند الحديث رقم (1307 - 1309) من كتابنا هذا.

(4)

في صحيحه رقم (9/ 1176).

(5)

في صحيحه رقم (10/ 1761).

(6)

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(ج 5 رقم 5089).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 190) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه رشدين بن سعد وفيه كلام وقد وثق.

(7)

أخرجه الطبراني في الكبير (ج 6 رقم 5923) وأبو يعلى رقم (7548).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 189) وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى، والطبراني في الكبير ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.

(8)

أخرجه الطبراني في الكبير (ج 17 رقم 6، 8).

(9)

أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (3910) عن سعيد بن جبير، قال: سأل رجل عبد الله بن عمر

الحديث.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 190) وقال الهيثمي: وهو حديث حسن.

ص: 393

ومن حديث عائشة عند أحمد

(1)

.

وفي الباب عن أنس وغيره

(2)

.

وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا أبو داود

(3)

والنسائي

(4)

والحاكم

(5)

والبيهقي

(6)

وصححه ابن خزيمة

(7)

والحاكم

(8)

، وفي إسناده مهدي الهجري

(9)

وهو مجهول.

ورواه العقيلي في الضعفاء

(10)

من طريقه وقال: لا يتابع عليه.

قال

(11)

: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد جياد أنه لم يصم يوم عرفة بها، ولا يصح عنه النهي عن صيامه

(12)

.

(1)

في المسند (6/ 128) بسند ضعيف، عطاء بن أبي مسلم الخراساني لم يسمع من عائشة.

قال الحافظ في "الأطراف"(9/ 188): هو مرسل، ويحتمل أن يكون رواه عن عبد الرحمن لكنه لم يسمع منه، فيكون مرسلًا أيضًا.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 189): وقال الهيثمي: رواه أحمد، وعطاء لم يسمع من عائشة، بل قال ابن معين:"لا أعلمه لقي أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبقية رجاله رجال الصحيح". اهـ.

(2)

كابن عباس.

أخرج عبد الرزاق في المصنف (4/ 283 رقم 7820) عن ندبة قالت: "سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: من صحبني من ذكر وأنثى فلا يصومنَّ يوم عرفة، فإنه يوم أكل وشرب وذكر الله تعالى".

نُدْبة هي مولاة ميمونة مقبولة الرواية (التقريب: رقم الترجمة: 8692) وباقي رجال الإسناد ثقات.

(3)

في سننه رقم (2440).

(4)

في السنن الكبرى رقم (2843) وقد تقدم.

(5)

في المستدرك (1/ 434) وقد تقدم.

(6)

في السنن الكبرى (4/ 284) وقد تقدم.

(7)

في صحيحه رقم (2101) وقد تقدم.

(8)

مكررة.

(9)

مهدي بن حرب الهجري: مجهول. الميزان (4/ 195) وقد تقدم.

(10)

في "الضعفاء الكبير"(1/ 298).

(11)

أي العقيلي في المرجع السابق (1/ 298).

(12)

وقد ورد عن ابن عباس الإفطار يوم عرفة بعرفة:

• أخرج أحمد في المسند (6/ 338، 340) وابن خزيمة رقم (2102) والبيهقي (4/ 284) وابن حبان رقم (3605) وابن حزم في المحلى (7/ 18) والطبري في "تهذيب =

ص: 394

وحديث أمّ الفضل أخرج نحوه الشيخان

(1)

من حديث ميمونة.

وأخرجه النسائي

(2)

والترمذي

(3)

وابن حبان

(4)

من حديث ابن عمر بلفظ: "حَججْتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصم ومع أبي بكر كذلك ومع عمر كذلك ومع عثمان فلم يصم، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه".

وأخرجه النسائي

(5)

من حديث ابن عباس.

وحديث عقبة في معناه أحاديث يأتي ذكر بعضها في باب النهي عن "صوم العيدين وأيام التشريق"

(6)

.

قوله: (صيام عاشوراء) سيأتي البحث عنه

(7)

، وكذلك يأتي الكلام على قوله:"وثلاثة أيام من كل شهر"

(8)

.

= الآثار - مسند عمر - (1/ 353 رقم 576، 577، 578).

عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برمان يوم عرفة فأكل. قال: وحدثثني أم الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي يوم عرفة بلبن فشرب منه.

وهو حديث صحيح.

• كما ورد عن ابن عباس النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة:

أخرج أحمد (1/ 321) وعبد الرزاق رقم (7817) وأبو يعلى رقم (2744) والطبراني في الكبير (ج 18 رقم 693) والطبري في تهذيب الآثار - مسند عمر - (1/ 347 رقم 564).

عن عطاء، أن عبد الله بن عباس دعا الفضل بن عباس يوم عرفة إلى طعام فقال: إني صائم، فقال عبد الله: لا تصم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قُرِّب إليه حِلابٌ فيه لبن فشرب منه هذا اليوم، وإن الناس يستنون بكم".

(1)

البخاري في صحيحه رقم (1989) ومسلم رقم (112/ 1124).

(2)

في السنن الكبرى رقم (2840).

(3)

في سننه رقم (750) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

(4)

في صحيحه رقم (3604).

وهو حديث صحيح.

(5)

في السنن الكبرى رقم (2847). وهو حديث صحيح.

قلت: وأخرجه البخاري رقم (2004) و (3397) و (3943) و (4680) و (4737) ومسلم رقم (127، 128/ 1130) وأبو داود رقم (2444) وابن ماجه رقم (1734) وغيرهم.

(6)

الباب الثاني عشر عند الحديث رقم (47/ 1751 - 50/ 1754) من كتابنا هذا.

(7)

في الباب الثالث عند الحديث رقم (8/ 1712 - 12/ 1716) من كتابنا هذا.

(8)

في الباب السابع عند الحديث رقم (31/ 1735 - 34/ 1738) من كتابنا هذا.

ص: 395

قوله: (والعشر)، فيه دليل على استحباب صوم عشر ذي الحجة، وعلى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم عرفة.

ورواية أبي داود

(1)

التي قدمنا بلفظ: "تسع ذي الحجة".

قوله: (صوم يوم عرفة يكفر سنتين إلخ)، في بعض ألفاظ الحديث أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده.

وقد استشكل [تكفيره]

(2)

السنة الآتية؛ لأن التكفير: التغطية، ولا تكون إلا لشيء قد وقع.

وأجيب بأن المراد يكفره بعد وقوعه، أو المراد أنه يلطف به فلا يأتي بذنب فيها بسبب صيامه ذلك اليوم.

وقد قيد ذلك جماعة من المعتزلة وغيرهم بالصغائر.

قال النووي

(3)

: فإن لم تكن صغائر كفر من الكبائر، كان لم تكن كبائر كان زيادة في رفع الدرجات.

والحديث يدلّ على استحباب صوم [يوم]

(4)

عرفة، وكذلك الأحاديث الواردة في معناه التي قدمنا الإشارة إليها.

وإلى ذلك ذهب عمر، وعائشة، وابن الزبير، وأسامة بن زيد، وعثمان بن أبي العاص، والعترة

(5)

، وكان ذلك يعجب الحسن، ويحكيه عن عثمان.

وقال قتادة: إنه لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء

(6)

، ونقله البيهقي في

(1)

في سننه رقم (2446). وهو حديث صحيح.

(2)

في المخطوط (ب): تكفير.

(3)

المجموع شرح المهذب (6/ 432).

(4)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(5)

شفاء الأوام (1/ 664 - 665).

(6)

قال النووي في "المجموع"(6/ 429 - 430) فرع: في مذاهب العلماء في صوم عرفة بعرفة:

"ذكرنا أن مذهبنا - أي الشافعية - استحباب فطره، ورواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم.

ونقله الترمذي والماوردي وغيرهما عن أكثر العلماء.

ونقله العبدري عن عامة الفقهاء غير ابن الزبير وعائشة. =

ص: 396

المعرفة

(1)

عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولي من الشافعية.

وحكي في الفتح

(2)

عن الجمهور أنه يستحب إفطاره، حتى قال عطاء

(3)

: من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري

(4)

: إنه يجب فطر يوم عرفة للحاج.

واعلم أن ظاهر حديث أبي قتادة

(5)

المذكور في الباب أنه يستحب صوم يوم عرفة مطلقًا.

وظاهر حديث عقبة بن عامر

(6)

المذكور في الباب أيضًا أنه يكره صومه مطلقًا لجعله قريبًا في الذكر ليوم النحر وأيام التشريق، وتعليل ذلك بأنها عيد وأنها أيام أكل وشرب.

وظاهر حديث أبي هريرة

(7)

أنه لا يجوز صومه بعرفات فيجمع بين الأحاديث بأن صوم هذا اليوم مستحب لكلّ أحد، مكروه لمن كان بعرفات حاجًا.

والحكمة في ذلك أنه ربما كان مؤديًا إلى الضعف عن الدعاء والذكر يوم عرفة هنالك والقيام بأعمال الحجّ.

= ونقله ابن المنذر عن مالك والثوري.

وحكى ابن المنذر عن ابن الزبير، وعثمان بن العاص الصحابي، وعائشة، وإسحاق بن راهويه: استحباب الصوم.

واستحبه عطاء في الشتاء، والفطر في الصيف.

وقال قتادة: لا بأس بالصوم إذا لم يضعف عن الدعاء.

وحكى صاحب البيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: يجب الفطر بعرفة. ودليلنا ما سبق" اهـ.

وانظر: "المغني"(4/ 444 - 445) وفتح الباري (4/ 237 - 238).

(1)

معرفة السنن والآثار (6/ 347 رقم 8956).

(2)

(4/ 238).

(3)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (7822) عنه.

(4)

حكاه عنه العمراني في "البيان"(3/ 550).

(5)

تقدم برقم (1708) من كتابنا هذا.

(6)

تقدم برقم (1711) من كتابنا هذا.

(7)

تقدم برقم (1709) من كتابنا هذا.

ص: 397

وقيل: الحكمة أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده حديث أبى قتادة

(1)

.

وقيل: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما أفطر فيه لموافقته يوم الجمعة، وقد نهي عن إفراده بالصوم كما سيأتي

(2)

، ويردّ هذا حديث أبي هريرة

(3)

المصرّح بالنهي عن صومه مطلقًا.

قوله: (فشرب وهو يخطب)، فيه دليل على جواز الأكل والشرب في المحافل من غير كراهة.

وفي رواية للبخاري

(4)

من حديث ميمونة: "أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم شربه والناس ينظرون إليه".

قوله: (عيدنا أهل الإسلام)، فيه دليل على أن يوم عرفة وبقية أيام التشريق التي بعد يوم النحر أيام عيد.

[الباب الثالث] باب صوم المحرم وتأكيد عاشوراء

8/ 1712 - (قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَيُّ الصّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ أَفْضلُ؟ قَالَ: "شَهْرُ الله المُحَرَّمُ")

(5)

. [صحيح]

9/ 1713 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسُئِلَ عَنْ صوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلى الأَيَّامِ إِلَّا هَذَا اليَوْمَ، وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِي رَمَضَانَ)

(6)

. [صحيح]

(1)

تقدم برقم (1708) من كتابنا هذا.

(2)

في الباب السادس عند الحديث رقم (24/ 1728 - 28/ 1732) من كتابنا هذا.

(3)

تقدم برقم (1709) من كتابنا هذا.

(4)

في صحيحه رقم (1989).

(5)

أخرجه أخمد في المسند (2/ 342) ومسلم رقم (202/ 1163) وأبو داود رقم (2429) والترمذي رقم (740) والنسائي في الكبرى رقم (2919).

وابن ماجه رقم (1742). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(6)

أخرجه أحمد في المسند (1/ 367) والبخاري رقم (2006) ومسلم رقم (131/ 1132).

ص: 398

10/ 1714 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ؛ "فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ النَّاس بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ: "مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ")

(1)

. [صحيح]

11/ 1715 - (وَعَنْ سَلَمَة بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أذّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ)

(2)

[صحيح]

12/ 1716 - (وَعَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الله وَهُوَ يُطْعَمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمنِ إِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ فَإنْ كُنْتَ مُفْطِرًا فاطْعَمْ)

(3)

. [صحيح]

13/ 1717 - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَهْلَ الجاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم صَامَهُ وَالْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ؛ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءِ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللهِ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَصُومُهُ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صِيَامَهُ)

(4)

. [صحيح]

14/ 1718 - (وَعَنْ أبي مُوسَى قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تُعَظِّمُهُ اليَهُودَ وَتَتَّخِذُهُ عِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صُومُوهُ أَنْتُمْ")

(5)

. [صحيح]

15/ 1719 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ:"مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: يَوْمٌ صَالِحٌ نَجَّى الله فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، فَقَالَ:"أَنا أحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ"، فَصَامَهُ

(1)

أخرجه أحمد في المسند (6/ 50) والبخاري رقم (2002) ومسلم رقم (113/ 1125).

(2)

أخرجه أحمد في المسند (4/ 50) والبخاري رقم (2007) ومسلم رقم (135/ 1135).

(3)

أخرجه أحمد في المسند (1/ 424) والبخاري رقم (4503) ومسلم رقم (125/ 1128).

(4)

أخرجه أحمد في المسند (2/ 143) والبخاري رقم (4501) ومسلم رقم (117/ 1126).

(5)

أخرجه أحمد في المسند (4/ 409) والبخاري رقم (2005) ومسلم رقم (129/ 1131).

ص: 399

وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ)

(1)

. [صحيح]

16/ 1720 - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ وأنا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ")

(2)

. [صحيح]

مُتَّفقٌ على هذهِ الأحاديثِ كُلِّها، وأكْثرُها يَدُلُّ على أَنَّ صَوْمَهُ واجبٌ ثمَّ نُسِخَ، ويُقالُ: لم يجبْ بحالٍ بدليلِ خبرِ معاويةَ، وإنَّما نُسِخَ تأكيدُ استحبَابِهِ.

قوله: (قد سبق أنه صلى الله عليه وسلم سئل إلخ)، هذا الحديث ذكره المصنف رحمه الله تعالى في باب ما جاء في قيام الليل من أبواب صلاة التطوع

(3)

وهو للجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة.

وفيه دليل على أن أفضل صيام التطوّع صوم شهر المحرّم، ولا يعارضه حديث أنس عند الترمذي

(4)

قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: "شعبان لتعظيم رمضان"، لأن في إسناده صدقة بن موسى

(5)

وليس بالقويّ.

ومما يدلّ على فضيلة الصيام في المحرّم ما أخرجه الترمذي

(6)

عن علي،

(1)

أخرجه أحمد في المسند (1/ 291) والبخاري رقم (2004) ومسلم رقم (127/ 1130).

(2)

أخرجه أحمد في المسند (4/ 97 - 98) والبخاري رقم (2003) ومسلم رقم (126/ 1129).

(3)

عند الحديث رقم (949) من كتابنا هذا.

(4)

في السنن رقم (663) وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوي.

وهو حديث ضعيف.

(5)

صدقة بن موسى الدقيقي، أبو المغيرة، أو أبو محمد، السُّلُمي، البصري: صدوق له أوهام .... التقريب رقم الترجمة (2921).

وقال المحرران: بل ضعيف. ضعفه يحيى بن معين، وأبو داود، والنسائي والترمذي، وأبو بشر الدولابي، وقال أبو حاتم: ليِّنُ الحديث، يكتب حديثه، ولا يُحتج به، ليس بالقوي.

وقال ابن حبان: كان شيخًا صالحًا إلا أن الحديث لم يكن من صناعته، فكان إذا روى قلبَ الأخبار حتى خرج عن حدِّ الاحتجاج به.

وقال الدارقطني: متروك .... ".

(6)

في سننه رقم (741) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وهو حديث ضعيف.

ص: 400

وحسنه: "أنه سمع رجلًا يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد فقال: يا رسول الله أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ فقال: إن كنت صائمًا بعد شهر رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله، فيه يوم تاب فيه على قوم ويتوب فيه على قوم".

وقد استشكل قوم إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان دون المحرم مع كون الصيام فيه أفضل من غيره.

وأجيب عن ذلك بجوابين:

(الأول): أنه صلى الله عليه وسلم إنما علم فضل المحرم في آخر حياته.

(والثاني): لعله كان يعرض له فيه سفر أو مرض أو غيرهما.

قوله: (عن صوم عاشوراء)، قال في الفتح

(1)

: هو بالمدّ على المشهور، وحكي فيه القصر.

وزعم ابن دريد

(2)

أنه اسم إسلامي وأنه لا يعرف في الجاهلية.

وردّ ذلك ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، [كذا في الفتح

(3)

]

(4)

.

وبحديث عائشة المذكور في الباب

(5)

: "إن [أهل]

(6)

الجاهلية كانوا يصومونه"، ولكن صومهم له لا يستلزم أن يكون مسمى عندهم بذلك الاسم.

قال في الفتح (1) أيضًا: واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر: هو اليوم العاشر.

قال القرطبي

(7)

: عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة الليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما

(1)

(4/ 245).

(2)

في جمهرة اللغة (2/ 343).

(3)

(4/ 245).

(4)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(5)

برقم (1714) من كتابنا هذا.

(6)

ما بين الخاصرتين زيادة من المخطوط (ب).

(7)

في "المفهم"(3/ 190).

ص: 401

عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فامتنعوا عن الموصوف فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ عَلَمًا على اليوم العاشر.

وذكر أبو منصور الجواليقي

(1)

أنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا، وضاروراء وساروراء وذالولاء من الضارّ والسارّ والذال.

قال الزين ابن المنيِّر (1): الأكثر على أن عاشور هو اليوم العاشر من شهر الله المحرّم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية.

وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول اليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلة الآتية.

وقيل إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا: وردنا عِشرًا بكسر العين.

وروى مسلم

(2)

من حديث الحكم بن الأعرج: "انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرّم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا، فقلت: أهكذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصوم؟ قال: نعم".

وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو التاسع انتهى كلام الفتح.

وقد تأول قول ابن عباس هذا الزين ابن المنير بأن معناه أنه ينوي الصيام في الليلة المتعقبة للتاسع، وقواه الحافظ

(3)

بحديث ابن عباس الآتي

(4)

: "أنه صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع"، فلم يأت العام المقبل حتى توفي، قال: فإنه ظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم العاشر وهمَّ بصوم التاسع فمات قبل ذلك.

وأقول: الأولى أن يقال: إن ابن عباس أرشد السائل له إلى اليوم الذي يصام فيه وهو التاسع ولم يجب عليه بتعيين يوم عاشوراء أنه اليوم العاشر؛ لأن ذلك مما لا يُسأل عنه ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة، فابن عباس لمّا فهم من

(1)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 245).

(2)

في صحيحه رقم (133/ 1132).

(3)

في "الفتح"(4/ 245).

(4)

برقم (17/ 1721) من كتابنا هذا.

ص: 402

السائل أن مقصوده تعيين اليوم الذي يصام فيه أجاب عليه بأنه التاسع.

وقوله: "نعم" بعد قول السائل: "أهكذا كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصوم؟ "، بمعنى نعم هكذا كان يصوم لو بقي؛ لأنه قد أخبرنا بذلك ولا بد من هذا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مات قبل صوم التاسع.

وتأويل ابن المنير في غاية البعد لأن قوله: "وأصبح يوم التاسع صائمًا لا يحتمله".

وسيأتي لكلام ابن عباس تأويل آخر.

قوله: (ما علمت إلخ) هذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصيام بعد رمضان، ولكن ابن عباس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره.

وقد تقدم أن أفضل الصوم بعد رمضان على الإطلاق صوم المحرّم

(1)

، وتقدم أيضًا في الباب الذي قبل هذا أن صوم يوم عرفة يكفر سنتين

(2)

وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة (2)، وظاهره أن [صيام]

(3)

يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء.

قوله: (فلما قدم المدينة صامه)، فيه تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء، وهو أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول.

وحينئذٍ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى المتطوع.

قوله: (من شاء صامه ومن شاء تركه)، هذا يرد على من قال ببقاء فرضية صوم عاشوراء، كما نقله القاضي عياض

(4)

عن بعض السلف.

ونقل ابن عبد البر

(5)

الإجماع على أنه ليس الآن بفرض، والإجماع على

(1)

تقدم برقم (1712) من كتابنا هذا.

(2)

تقدم برقم (1708) من كتابنا هذا.

(3)

في المخطوط (ب): (صوم).

(4)

في إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 82 - 83).

(5)

الاستذكار (10/ 133 رقم 14260).

ص: 403

أنه مستحب. وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انعقد الإجماع بعده على الاستحباب.

قوله: (وعن سلمة بن الأكوع)، قد تقدم شرح الحديث في باب الصبي يصوم

(1)

إذا أطاق.

قوله: (إن أهل الجاهلية كانوا يصومون إلخ)، في حديث عائشة

(2)

أنها كانت تصومه قريش.

قال في الفتح

(3)

: وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة وغير ذلك.

قال الحافظ (3): ثم رأيت في المجلس الثالث من "مجالس الباغندي الكبير" عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك انتهى.

قوله: (فرأى اليهود تصوم عاشوراء)، في رواية لمسلم

(4)

: "فوجد اليهود صيامًا"، وقد استشكل ظاهر هذا الخبر لاقتضائه أنه صلى الله عليه وسلم حين قدومه المدينة وجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء.

وإنما قدم المدينة في ربيع الأول.

وأجيب بأن المراد أن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة أو يكون في الكلام حذف وتقديره: قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صيامًا.

ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي [قدم فيه صلى الله عليه وسلم المدينة]

(5)

.

(1)

الباب الخامس خلال شرح الحديث رقم (1639) من كتابنا هذا.

(2)

تقدم برقم (1714) من كتابنا هذا.

(3)

(4/ 246).

(4)

في صحيحه رقم (128/ 1130).

(5)

في المخطوط (أ): (قدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم).

ص: 404

قوله: (فصامه وأمر بصيامه)، قد استشكل رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى اليهود في ذلك.

وأجاب المازري

(1)

باحتمال أن يكون أوحي إليه بصدقهم أو تواتر عنده الخبر بذلك.

[زاد عياض]

(2)

أو خبَّره به من أسلم منهم كابن سلام، ثم قال: ليس في الخبر أنه إبتداء الأمر بصيامه، بل في حديث عائشة

(3)

التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك.

فغاية ما في القصة أنه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم، ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة أن أهل الجاهلية كانوا يصومون كما تقدم.

إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك.

قال القرطبي

(4)

: وعلى كل حال فلم يَصُمه اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه.

قوله: (ولم يكتب عليكم صيامه إلخ) هذا كله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما بيَّنه النسائي، واستدلّ به على أنه لم يكن فرضًا قط كما قال المصنف

(5)

.

قال الحافظ

(6)

: ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد: ولم يكتب عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه.

ويؤيد ذلك أن معاوية إنما صحب النبي صلى الله عليه وسلم من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أول العام الثاني.

ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكيد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال.

(1)

في المعلم بفوائد مسلم (2/ 38).

(2)

شطب عليها في المخطوط (أ).

(3)

تقدم برقم (1714) من كتابنا هذا.

(4)

في "المفهم"(3/ 192).

(5)

ابن تيمية الجد رحمه الله في المنتقى عقب الحديث (1720) من كتابنا هذا.

(6)

في "الفتح"(4/ 247).

ص: 405

ومقول ابن مسعود الثابت في مسلم

(1)

: لما فرض رمضان ترك عاشوراء مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق، فدلّ على أن المتروك وجوبه.

وأما قول بعضهم: المتروك تأكيد استحبابه والباقي مطلق الاستحباب فلا يخفى ضعفه بل تأكُّد استحبابه باق ولا سيما مع استمرار الاهتمام به، حتى في عام وفاته صلى الله عليه وسلم حيث قال:"لئن بقيت لأصومن التاسع" كما سيأتي

(2)

، ولترغيبه فيه وإخباره بأنه يكفر سنة

(3)

، فأي تأكيد أبلغ من هذا؟

17/ 1721 - (وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا صَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَاشُورَاءَ وأمَرَ بِصيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ: " [فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ]

(4)

إِنْ شَاءَ الله صُمْنَا اليَوْمَ التَّاسِعَ"، قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ العامُ المُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم. رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(5)

وَأَبُو دَاوُدَ

(6)

. [صحيح]

وفِي لَفْظٍ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَئِنْ بَقِيتُ إِلى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ"، يَعْنِي يَوْمَ عاشُورَاءَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(7)

وَمُسْلِمٌ

(8)

. [صحيح]

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا اليَهُودَ، صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا وَبَعْدَهُ يَوْمًا" رَوَاهُ أَحْمَدُ)

(9)

. [ضعيف]

(1)

في صحيحه رقم (124/ 1127).

(2)

برقم (1721) من كتابنا هذا.

(3)

تقدم برقم (1708) من كتابنا هذا.

(4)

في المخطوط (أ): (إذا كان عام المقبل).

والمثبت من المخطوط (ب) وهو موافق لرواية مسلم.

(5)

في صحيحه رقم (133/ 1134).

(6)

في سننه رقم (2445).

وهو حديث صحيح.

(7)

في المسند (1/ 345).

(8)

في صحيحه رقم (134/ 1134).

وهو حديث صحيح.

(9)

في المسند (1/ 241).

قلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (2095) وابن عدي في الكامل (3/ 956) والبيهقي (4/ 287).

بسند ضعيف. لسوء حفظ ابن أبي ليلى - محمد بن عبد الرحمن - وداود بن علي لم =

ص: 406

رواية أحمد هذه ضعيفة منكرة من طريق داود بن علي

(1)

عن أبيه عن جده، رواها عنه ابن أبي ليلى

(2)

.

قوله: (تعظِّمه اليهود والنصارى)، استشكل هذا بأن التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون مما يدلّ على اختصاص ذلك بموسى واليهود.

وأجيب باحتمال أن يكون سبب تعظيم النصارى له أن عيسى كان يصومه، وهو مما لم يُنْسَخْ من شريعة موسى؛ لأن كثيرًا منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله تعالى:{وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}

(3)

، وأكثر الأحكام الشرعية إنما يتلقاها النصارى من التوراة

(4)

.

= يوثقه إلا ابن حبان وخطأه، وقال الذهبي: ليس بحجة.

وهو حديث ضعيف، والله أعلم.

(1)

داود بن علي الهاشمي عم المنصور. ليس بحجة.

الميزان (2/ 13 - 14 رقم الترجمة 2633).

والثقات لابن حبان (6/ 281).

(2)

محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي. صدوق إمام، سيئ الحفظ، وقد الميزان (3/ 613 - 616 رقم الترجمة 7825).

(3)

سورة آل عمران: الآية (50).

(4)

التوراة:

كلمة عبرية معناها الشريعة، وتسمى الناموس أي القانون، كما تسمى أيضًا (البانتاتيك) وهي كلمة يونانية تعني الأسفار الخمسة، وهي:

1 -

سفر التكوين: يقع في (50) إصحاحًا، وسمي بذلك لاشتماله على قصة خلق العالم، ثم قصص آدم وذريته ونوح وإبراهيم وذريته، وينتهي هذا السفر باستقرار بني إسرائيل وموت يوسف عليه السلام.

2 -

سفر الخروج: ويقع في (40) إصحاحًا. وسمي بذلك نسبة إلى حادثة خروج بني إسرائيل من مصر إلى أرض سيناء بقيادة موسى عليه السلام، وفيه يذكر الحوادث التي جرت لبني إسرائيل في أرض التيه، والوصايا العشر والكثير من الأحكام والتشريعات.

3 -

سفر اللاويين: ويقع في (27) إصحاحًا، ويحتوي على شؤون العبادات وخاصة القرابين والطقوس الكهنوتية، وكانت الكهانة موكولة إلى سبط لاوي بن يعقوب فلذلك سمي السفر نسبة إليهم.

4 -

سفر العدد: ويقع في (36) إصحاحًا، وسمي بذلك لأنه حافل بالعد والإحصاء =

ص: 407

وقد أخرج أحمد عن ابن عباس أن السفينة استوت على الجوديّ فيه، فصامه ونوح وموسى شكرًا لله تعالى، وكأنَّ ذكر موسى دون غيره [هنا]

(1)

لمشاركته له في الفرح باعتبار نجاتهما وغرق أعدائهما.

قوله: (صمنا اليوم التاسع) يحتمل أن المراد أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر، إما احتياطًا له وإما مخالفة لليهود والنصارى.

ويحتمل أن المراد أن يقتصر على صومه، ولكنه ليس في اللفظ ما يدل على ذلك.

ويؤيد الاحتمال الأول قوله في آخر الحديث: "صوموا قبله يومًا وبعده يومًا"

(2)

، فإنه صريح في مشروعية ضم اليومين إلى يوم عاشوراء.

وقد أخرج الحديث المذكور - بمثل اللفظ الذي رواه أحمد (2) -

= لأسباط بني إسرائيل، ومما يمكن إحصاؤه من شئونهم ويتخلل ذلك بعض الأحكام والتشريعات.

5 -

سفر التثنية: ويقع في (34) إصحاحًا، وسمي بذلك لإعادة ذكر الوصايا العشر وتكرار الشريعة والتعاليم مرة ثانية على بني إسرائيل عند خروجهم من أرض سيناء.

وهذا السفر ينهي التوراة المنسوبة إلى موسى عليه السلام، ورد في آخرها النص الآتي: "فمات هناك موسى، عبد الرب في أرض مؤاب بأمر الرب وتم دفنه في الوادي في أرض مؤاب تجاه بيت فاعور، ولم يعرف إنسان قبره إلى اليوم، وكان موسى ابن مائة وعشرين حين مات

".

وتذكر دائرة المعارف الفرنسية (معجم لاروس) تحت عنوان: توراة: أن العلم العصري ولا سيما النقد الألماني قد أثبت بعد دراسات مستفيضة في الآثار القديمة والتاريخ وعلم اللغات أن التوراة لم يكتبها موسى وإنما كتبها أحبار لم يذكروا اسمهم عليها ألقوها على التعاقب معتمدين على روايات سماعية سمعوها قبل أسر بابل.

وصرح بذلك أيضًا الفيلسوف اليهودي باروخ سبينوزا (ت: 1677 م) ذكر فيه كلام عالم يهودي شك في نسبة الأسفار الخمسة ونسبتها إلى موسى - في كتابه: رسالة في اللاهوت والسياسة (ص 266 - 271). حيث ذكر ملاحظات ابن عزرا - وأضاف إليها ملاحظات شخصية فقال: يبدو واضحًا وضوح النهار أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة بل كتبها شخص عاش بعد موسى بقرون عديدة.

وقد ذكر هذه النتيجة المؤرخ ول ديورانت في موسوعته قصة الحضارة (2/ 367).

علمًا بأن التوراة تعتبر جزءًا رئيسًا من (الكتاب المقدس) عند اليهود - والذي يسميه النصارى بالعهد القديم وينقسم إلى: التوراة، الأسفار التاريخية، أسفار الأناشيد، أسفار الأنبياء.

(1)

زيادة من المخطوط (ب).

(2)

أخرجه أحمد (1/ 241) وغيره وهو حديث ضعيف وقد تقدم.

ص: 408

البيهقي

(1)

وذكره في التلخيص

(2)

وسكت عنه.

وقال بعض أهل العلم: إن قوله: "صمنا التاسع"، يحتمل أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع، وأنه أراد أن يضيفه إليه في الصوم،. فلما توفي قبل ذلك كان الاحتياط صوم اليومين، انتهى.

والظاهر أن الأحوط صوم ثلاثة أيام التاسع والعاشر والحادي عشر، فيكون صوم عاشوراء على ثلاث مراتب:

الأولى: صوم العاشر وحده.

والثانية: صوم التاسع معه.

والثالثة: صوم الحادي عشر معهما، وقد ذكر معنى هذا الكلام صاحب الفتح

(3)

.

قوله: (يعني يوم عاشوراء) قد تقدم تأويل كلام ابن عباس بأن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، وتأوله النووي

(4)

بأنه مأخوذ من إظماء الإبل، فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيامه رابعًا، وكذا باقي الأيام، وعلى هذه النسبة فيكون التاسع عاشرًا.

قال

(5)

: وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، ممن قال بذلك سعيد بن المسيب

(6)

والحسن البصري (6) ومالك

(7)

وأحمد (6) وإسحاق (6) وخلائق.

قال (5): وهذا ظاهر الأحاديث ومقتضى اللفظ، وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد، انتهى.

(1)

في السنن الكبرى (4/ 287).

(2)

(8/ 402).

(3)

الحافظ ابن حجر في الفتح (4/ 246).

(4)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 12).

(5)

أي النووي في المرجع السابق (8/ 12).

(6)

قال ابن قدامة في "المغني"(4/ 441): "

فإن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وهذا قول سعيد بن المسيب، والحسن؛ لما روى ابن عباس، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

وروي عن ابن عباس، أنه قال: التاسع. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم التاسع. أخرجه مسلم بمعناه. وروى عنه عطاء، أنه قال:"صوموا التاسع والعاشر، ولا تشبهوا باليهود"، إذا ثبت هذا فإنه يستحب صوم التاسع والعاشر لذلك. نصَّ عليه أحمد. وهو قول إسحاق .... " اهـ.

(7)

التسهيل (3/ 797 - 798).

ص: 409

[الباب الرابع] باب ما جاءَ في صوم شعبان والأشهر الحرم

18/ 1722 - (عَنْ أُمّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تامًّا إلَّا شَعْبَانَ يَصِلُ بِهِ رَمَضَانَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةَ

(1)

.

وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ

(2)

: كَانَ يَصُومُ شَهْرَيْ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ). [صحيح]

19/ 1723 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ

(3)

. [صحيح]

وفي لَفْظ: ما كانَ يَصُومُ فِي شَهْرٍ، ما كَانَ يَصُومُ فِي شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ

(4)

. [صحيح]

وفي لَفْظٍ: ما رأيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَما رأيْتُهُ في شَهْرٍ أكْثَرَ مِنْهُ صِيامًا في شَعْبان

(5)

. مُتَّفَقٌ على ذلكَ كُلِّهِ). [صحيح] حديث أم سلمة حسّنه الترمذي

(6)

.

قوله: (شهرًا تامًّا إلا شعبان)، وكذا قول عائشة:"فإنه كان يصومه كله".

وقولها: "بل كان يصومه كله"، ظاهره يخالف قول عائشة:"كان يصومه إلا قليلًا"، وقد جمع بين هذه الروايات بأن المراد بالكل والتمام الأكثر.

وقد نقل الترمذي

(7)

عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلامِ العرب، إذا

(1)

أحمد في المسند (6/ 311) وأبو داود رقم (2336) والترمذي رقم (736) وقال: هذا حديث حسن. والنسائي رقم (2353) وابن ماجه رقم (1648). وهو حديث صحيح.

(2)

في سننه رقم (1648) ولفظه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل شعبان برمضان".

(3)

أخرجه أحمد (6/ 128) والبخاري رقم (1970) ومسلم رقم (177/ 782).

(4)

أخرجه أحمد (6/ 165) والبخاري رقم (1970) ومسلم رقم (176/ 782).

(5)

أخرجه أحمد (6/ 107) والبخاري رقم (1969) ومسلم رقم (175/ 1156).

(6)

في السنن (3/ 114) عقب الحديث (736).

(7)

في السنن (3/ 114) عقب الحديث (737).

ص: 410

صامَ أكثرَ الشهرِ أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره.

قال الترمذي

(1)

: كأنَّ ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك.

وحاصله أن رواية الكل والتمام مفسرة برواية الأكثر ومخصصة بها، وأن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال.

واستبعده الطيبي

(2)

قال: لأن لفظ كل تأكيد لإرادة الشمول ورفع التجوز، فتفسيره بالبعض مناف له.

قال: فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان.

وقيل: المراد بقولها: "كله" أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طورًا فلا يخلي شيئًا منه من صيام ولا يخص بعضًا منه بصيام دون بعض.

وقال الزين بن المنير

(3)

: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها:"إنه كان يصومه كله" متأخر عن قولها: "إنه كان يصوم أكثره"، وأنها أخبرت عن أول الأمر ثم أخبرت عن آخره.

ويؤيد الأول قولها: "ولا صام شهرًا كاملًا قط منذ قدم المدينة غير رمضان" أخرجه مسلم

(4)

والنسائي

(5)

.

واختلف في الحكمة في إكثاره صلى الله عليه وسلم من صوم شعبان فقيل: كان يشتغل عن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال

(6)

.

(1)

في السنن (3/ 114) عقب الحديث (737).

(2)

في شرحه على مشكاة المصابيح (4/ 211).

(3)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 314).

(4)

في صحيحه رقم (174/ 1156).

(5)

في السنن رقم (2349). وهو حديث صحيح.

(6)

في شرحه لصحيح البخاري (4/ 115).

ص: 411

ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الأوسط

(1)

عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخّر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان"، ولكن في إسناده ابن أبي ليلى وهو ضعيف.

وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان.

ويؤيده ما أخرجه الترمذي

(2)

عن أنس قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ فقال: شعبان لتعظيم رمضان"، ولكن إسناده ضعيف لأن فيه صدقة بن موسى

(3)

وليس بالقويّ.

وقيل: الحكمة في ذلك أن نساءه كنّ يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان، فكان يصوم معهن.

وقيل: الحكمة أنه يتعقبه رمضان وصومه مفترض، فكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره لما يفوته من التطوع الذي يعتاده بسبب صوم رمضان.

والأولى أن الحكمة في ذلك غفلة الناس عنه لما أخرجه النسائي

(4)

وأبو داود

(5)

وصححه ابن خزيمة

(6)

من حديث أسامة قال: "قلت: يا رسول الله لم

(1)

في الأوسط رقم (2098).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 192): وقال: وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام.

قلت: صدوق إمام سيء الحفظ وقد وثق. تقدم قريبًا.

(2)

في سننه رقم (663) وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك.

وهو حديث ضعيف تقدم قريبًا.

(3)

ضعيف تقدم الكلام عليه قريبًا.

(4)

في سننه رقم (2357).

(5)

في سننه رقم (2436).

(6)

في صحيحه رقم (2119) من طرق.

قلت: وأخرجه أحمد (5/ 201) والضياء في المختارة رقم (1356) والبزار في المسند رقم (2617) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن ثابت بن قيس، عن أبي سعيد المقبري، عن أسامة، به.

وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 103) وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على =

ص: 412

أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم"، ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى

(1)

.

ولا تعارض بين ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من صوم كل شعبان أو أكثره ووصله برمضان، وبين أحاديث النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينها ظاهر بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام يعتاده، وقد تقدم تقييد أحاديث النهي عن التقدم بقوله صلى الله عليه وسلم:"إلا أن يكون شيئًا يصومه أحدكم"

(2)

.

فائدة: ظاهر قوله في حديث أسامة

(3)

: "إن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان" أنه يستحب صوم رجب؛ لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم كما يعظمون رمضان ورجبًا به.

ويحتمل أن المراد غفلتهم عن تعظيم شعبان بصومه كما يعظمون رجبًا بنحر النحائر فيه، فإنه كان يعظم بذلك عند الجاهلية وينحرون فيه العتيرة

(4)

كما ثبت في الحديث.

= الجهمية (ص 29). وأبو القاسم البغوي في "مسند أسامة" رقم (49) والضياء في "المختارة" رقم (1319) و (1320) وابن عدي في الكامل (2/ 915) من طرق عن ثابت بن قيس، به.

والخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.

(1)

في المسند رقم (4911).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 192) وقال: رواه أبو يعلى وفيه مسلم بن خالد الزنجي وفيه كلام وقد وثق" اهـ.

قلت: الجمهور على تضعيفه. فقد قال البخاري: منكر الحديث.

وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وضعفه أبو داود والنسائي.

التاريخ الكبير (7/ 260) والجرح والتعديل (8/ 183) والميزان (7/ 385).

(2)

سيأتي تخريجه برقم (1748) من كتابنا هذا.

(3)

تقدم تخريجه آنفًا.

(4)

العتيرة: هي الشاة التي كانوا يذبحونها في رجب لآلهتهم.

وانظر: "فتح الباري"(9/ 596 - 597).

ص: 413

والظاهر الأول المراد بالناس الصحابة، فإن الشارع قد كان إذ ذاك محا آثار الجاهلية، ولكن غايته التقرير لهم على صومه، وهو لا يفيد زيادة على الجواز.

وقد ورد ما يدل على مشروعية صومه على العموم والخصوص.

أما العموم، فالأحاديث الواردة في الترغيب في صوم الأشهر الحرم وهو منها بالإجماع، وكذلك الأحاديث الواردة في مشروعية مطلق الصوم.

وأما على الخصوص، فما أخرجه الطبراني

(1)

عن سعيد بن أبي راشد مرفوعًا بلفظ: "من صام يومًا من رجب فكأنما صام سنة، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام منه عشرة لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ومن صام منه خمسة عشر يومًا نادى مناد من السماء قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله"، ثم ساق

(2)

حديثًا طويلًا في فضله.

وأخرج الخطيب

(3)

عن أبي ذر: "فمن صام يومًا من رجب عدل صيام شهر"، وذكر نحو حديث سعيد بن أبي راشد.

(1)

في المعجم الكبير (ج 6 رقم 5538).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 188) وقال: فيه عبد الغفور وهو متروك.

قلت: وفي سنده عثمان بن مطر كذبه ابن حبان في المجروحين (2/ 99) وضعفه النسائي وأبو داود وابن معين. الجرح والتعديل (6/ 169) والميزان (3/ 53) والتقريب (2/ 14).

والخلاصة: أن الحديث موضوع، والله أعلم.

(2)

أي الطبراني في المعجم الكبير الحديث الطويل في فضل صوم رجب (ج 6 رقم 5538) وهو الحديث المتقدم في التعليقة المتقدمة.

• أما حديث سعيد بن أبي راشد، فقد أخرجه الطبراني في الكبير (ج 6 رقم 5537) ولكن بلفظ:"إن في أمتي خسفًا ومسخًا وقذفًا".

(3)

في "تاريخ بغداد"(8/ 331) في ترجمة خَلَف بن الحسن بن جُوَان الواسِطي.

بسند ضعيف جدًّا.

قلت: وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (2/ 207) من طريق الخطيب في تاريخه، وتعقبه السيوطي في اللآلئ (2/ 116) فقال: هذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في "أماليه" ولم يَسِمْهُ بوضع، بل قال: هذا حديث غريب اتفق على روايته عن فرات =

ص: 414

وأخرج نحوه أبو نعيم وابن عساكر من حديث ابن عمر مرفوعًا. وأخرج أيضًا نحوه البيهقي في شعب الإيمان

(1)

عن أنس مرفوعًا.

وأخرج الخلال

(2)

عن أبي سعيد مرفوعًا: "رجب من شهور الحرم، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يومًا وجدد صومه بتقوى الله نطق الباب ونطق اليوم وقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفرا له، وقيل: خدعتك نفسك".

= ابن السائب وهو ضعيف، رشدين بن سعد، والحكم بن مروان وهما ضعيفان أيضًا.

لكن اختلف في اسم الصحابي، ففي رواية رشدين عن أبي ذر، وفي رواية الحكم عن ابن عباس، فلا أدري الغلط من أحدهما أو من شيخهما؟. وميمون بن مهران قد أدرك ابن عباس، ولم يدرك أبا ذر" اهـ.

ولا قيمة لهذا التعقيب حيث أن الحافظ ابن حجر أورد حديث أبي الدرداء هذا في كتابه "تبيين العجب" ضمن الأحاديث التي نبه على بطلانها (ص 39 رقم 22).

(1)

في شعب الإيمان رقم (3813) من حديث أنس بن مالك.

بسند ضعيف جدًّا. فيه نوح بن أبي مريم أبو عصمة المروزي: كذبوه، فقال مسلم وغيره: متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث.

وقال الحاكم: وضع أبو عصمة حديث فضائل القرآن الطويل ....

الجرح والتعديل (8/ 484) والميزان (4/ 279) والكامل (7/ 2505 - 2508) وفيه أيضًا: زيد العمي، ويزيد الرقاشي وهما ضعيفان.

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا.

(2)

أخرجه أبو محمد الخلال في "فضائل رجب" عن ابن عباس - كما في "الكشف الإلهي عن شديد الضعف والموضوع والواهي"(1/ 430 رقم 490/ 5).

وهو حديث ضعيف جدًّا.

وعزاه لأبي محمد الخلال في "فضائل رجب" السيوطي في الجامع الصغير رقم (5051) عن ابن عباس ورمز السيوطي لضعفه.

وقال المناوي في "فيض القدير"(4/ 210): "حديث ضعيف جدًّا.

قال ابن الصلاح وغيره: لم يثبت في صوم رجب نهي ولا ندب، وأصل الصوم مندوب في رجب وغيره، وقال ابن رجب: لم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه.

وأمثل ما ورد في صومه خبر البيهقي في الشعب "في الجنة قصر لصوّام رجب" اهـ.

قلت: أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (3802) عن عامر بن شبل قال: سمعت أبا قلابة يقول: "في الجنة قصر لصُوّام رجب". =

ص: 415

وأخرج أبو الفتح بن أبي الفوراس في "أماليه"

(1)

عن الحسن مرسلًا أنه قال صلى الله عليه وسلم: "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي".

وحكى ابن السبكي عن محمد بن منصور السمعاني أنه قال: لم [يرد]

(2)

في استحباب صوم رجب على الخصوص سنة ثابتة، والأحاديث التي تروى فيها واهية لا يفرح بها عالم.

وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه

(3)

أن عمر كان يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه [أهل]

(4)

الجاهلية.

وأخرج أيضًا

(5)

من حديث زيد بن أسلم قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم رجب فقال: أين أنتم من شعبان؟

وأخرج [عن]

(6)

ابن عمر

(7)

ما يدلّ على أنه كان يكره صوم رجب.

ولا يخفاك أن الخصوصات إذا لم تنتهض للدلالة على استحباب صومه انتهضت العمومات، ولم يرد ما يدلّ على الكراهة حتى يكون مخصصًا لها.

وأما حديث ابن عباس عند ابن ماجه

(8)

بلفظ: "إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن

= وهو موقوف على أبي قلابة وهو من التابعين، وفي سنده من لم أعرفه.

• وقال ابن قيم الجوزية في "المنار المنيف"(ص 96): "وكل حديث في ذكر صوم رجب، وصلاة بعض الليالي فيه: فهو كذب مفترى .. " اهـ.

• وأخرجه الأصفهاني في كتاب "الترغيب والترهيب"(2/ 393 رقم 1850) من حديث أبي سعيد. وعزاه صاحب كنز العمال رقم (35165) للخلال عن أبي سعيد،

(1)

عزاه إليه السيوطي في "الجامع الصغير" رقم (4411) ورمز السيوطي لضعفه.

قال المناوى في "فيض القدير"(4/ 18): "قال الحافظ الزين العراقي في شرح الترمذي: حديث ضعيف جدًّا، هو من مرسلات الحسن - البصري - رويناه في كتاب "الترغيب والترهيب" للأصفهاني - (2/ 396 رقم 1857) - ومرسلات الحسن - البصري - لا شيء عند أهل الحديث، ولا يصح في فضل رجب" اهـ.

• وعزاه صاحب الكنز رقم (35164) لأبي الفتح بن أبي الفوارس عن الحسن مرسلًا.

(2)

في المخطوط (ب): (ترد).

(3)

في المصنف (3/ 102).

(4)

زيادة من المصنف.

(5)

أي ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 102).

(6)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(7)

أي ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 102).

(8)

في سننه رقم (1743). =

ص: 416

صيام رجب"، ففيه ضعيفان: زيد بن عبد الحميد، وداود بن عطاء.

20/ 1724 - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ باهِلَةَ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أنا الرَّجُلُ الَّذِي أتَيْتُكَ عامَ الأوَّل، فَقالَ:"فَمَا لي أرَى جِسْمَكَ ناحِلًا؟ "، قالَ: يا رَسُولَ الله ما أكَلْتُ طَعامًا بالنَّهارِ ما أكَلْتُهُ إلَّا باللَّيْلِ، قالَ:"مَنْ أمَرَكَ أنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟ "، قُلْتُ: يا رَسُولَ الله إني أقْوَى، قالَ:"صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَيَوْمًا بَعْدَهُ"، قُلْتُ: إني أقْوَى، قالَ:"صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ ويَوْمَينِ بَعْدَهُ"، قلت: إني أقوى، قال: صم شهر الصبر وَثَلَاثةَ أيَّامٍ بَعْدَهُ، وَصُمْ أشْهُرَ الحُرُمِ". رَوَاهُ أحْمَدُ

(1)

وأبُو دَاوُدَ

(2)

وَابْنُ مَاجَهْ

(3)

وَهذا لَفْظُهُ). [ضعيف]

الحديث أخرجه أيضًا النسائي

(4)

.

وقد اختلف في اسم الرجل الذي من باهلة، فقال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة

(5)

: إن اسمه عبد الله بن الحرث، وقال: سكن البصرة وروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديثًا ولم يسمه، وذكر في موضع آخر هذا الحديث.

وكذلك قال ابن قانع في معجم الصحابة

(6)

: إن اسمه عبد الله بن الحرث،

= وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 32 رقم 624/ 1743):

"هذا إسناد فيه داود بن عطاء المدني وهو متفق على تضعيفه. وأورده ابن الجوزي في "العلل المتناهية" من طريق داود وضعف الحديث به.

قلت: وانظر لترجمة داود بن عطاء هذا: المجروحين (1/ 289) والميزان (2/ 12) والجرح والتعديل (1/ 2/ 420 - 421).

وخلاصة القول: أن حديث ابن عباس حديث ضعيف جدًّا.

(1)

في المسند (5/ 28).

(2)

في السنن رقم (2428).

(3)

في السنن رقم (1741).

(4)

في السنن الكبرى رقم (2756).

بسند ضعيف لجهالة مجيبة، فإنه لم يرو عنها غير أبي السَّليل، وقيل: إن مجيبة رجل، وقيل. فيه: أبو مجيبة كما ذكره ابن حبان في "الثقات"(3/ 456).

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(5)

لا يزال مخطوط فيما أعلم، وقد تقدم الكلام عليه.

(6)

(2/ 93 رقم 538).

ص: 417

والراوي عنه مجيبة الباهلية بضم الميم وكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء موحدة مفتوحة وتاء تأنيث.

ففي رواية أبي داود

(1)

عن أبيها أو عمها: يعني هذا الرجل، وهكذا قال أبو القاسم البغوي أنها قالت: حدثني أبي أو عمي.

وفي رواية النسائي

(2)

مجيبة الباهلي عن عمه، وقد ضعف هذا الحديث بعضهم لهذا الاختلاف.

قال المنذري

(3)

: وهو متوجه وفيه نظر؛ لأن مثل هذا الإختلاف لا ينبغي أن يعد قادحًا في الحديث.

قوله: (صم شهر الصبر) يعني شهر رمضان.

قوله: (ويومًا بعده) إلى قوله: "وثلاثة أيام بعده"، فيه دليل على استحباب صوم يوم أو يومين أو ثلاثة بعد شهر رمضان، وقد تقدم أنه يستحب صيام ستة أيام [فلا]

(4)

منافاة لأن الزيادة مقبولة.

قوله: (وصم أشهر الحرم) هي شهر القعدة والحجة ومحرم ورجب.

وفيه دليل على مشروعية صومها.

أما شهر محرم ورجب، فقد قدمنا ما ورد فيهما على الخصوص، وكذلك العشر الأول من شهر ذي الحجة.

وأما شهر القعدة وبقية شهر الحجة، فلهذا العموم، ولكنه ينبغي أن لا يستكمل صوم شهر منها ولا صوم جميعها، ويدل على ذلك ما عند أبي داود

(5)

من الحديث بلفظ: "صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم منه الحرم واترك".

(1)

في السنن رقم (2428).

(2)

تقدم في الصفحة السابقة رقم الحاشية (5).

(3)

في المختصر (3/ 306 - 307).

(4)

في المخطوط (ب): (ولا).

(5)

في سننه رقم (2428) وهو حديث ضعيف.

ص: 418

[الباب الخامس] باب الحث على صوم الاثنين والخميس

21/ 1725 - (عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: إنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَتَحَرى صِيامَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ

(1)

إلا أبا دَاوُدَ. [صحيح]

لكِنَّهُ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ أُسامَةَ بْنِ زيدٍ)

(2)

. [المرفوع صحيح بطرقه وشواهده]

22/ 1726 - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قالَ: "تُعْرَض الأعْمالُ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ فأُحِبُّ أنْ يُعْرَض عَمَلِي وأنَا صَائِمٌ". رَوَاهُ أحْمَدُ

(3)

وَالتِّرْمِذِيُّ

(4)

، وَلابْنِ ماجَهْ

(5)

مَعْناهُ. [صحيح لغيره]

(1)

أخرجه أحمد في المسند (6/ 89) والترمذي رقم (745). والنسائي رقم (2361) وابن ماجه رقم (1739).

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

قلت: وأخرجه أبو يعلى رقم (4751) وابن حبان رقم (3643).

وقال الحافظ في "التلخيص"(2/ 410): "وأعله ابن القطان بالراوي عنها وأنه مجهول، وأخطأ في ذلك فهو صحابي".

ولما ذكر عبد الحق الحديث في "أحكامه" تعقبه ابن القطان في "كتاب الوهم والإيهام (4/ 270) وقال: سكت عنه مصححًا له والحديث إنما هو عند الترمذي حسن

".

وانظر: "العلل" لابن أبي حاتم رقم (750).

قلت: وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(2)

أخرجه أبو داود رقم (2436) وأحمد في المسند (5/ 205) كلاهما من طريق أبان العطار، ثنا يحيى عن عمر بن أبي الحكم بن ثوبان، عن مولى قُدامة بن مظعون، عن مولى أسامة بن زيد أنه انطلق مع أسامة بن زيد إلى وادي القرى في طلب مال له، فكان يصوم الاثنين ويوم الخميس فقال له مولاه: لِمَ تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير؟ فقال: إنَّ نبي الله كان يصوم، يوم الاثنين ويوم الخميس، وسئل عن ذلك فقال: إنَّ أعمال العباد تعرض يوم الاثنين والخميس، واللفظ لأبي داود.

بسند ضعيف لجهالة مولى قدامة، وجهالة مولى أسامة، والمرفوع منه صحيح بطرقه وشواهده. والله أعلم.

(3)

في المسند (2/ 268).

(4)

في سننه رقم (747) قال الترمذي: حديث حسن غريب.

(5)

في سننه رقم (1740). =

ص: 419

ولأحْمَدَ

(1)

وَالنَّسَائِيِّ

(2)

هَذَا المَعْنَى مِنْ حَدِيث أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ). [صحيح بطرقه وشواهده]

23/ 1727 - (وَعَنْ أبي قَتادَةَ: أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ صَوْم يَوْمِ الاثْنَيْنِ فَقالَ: "ذلكَ يَوْمٌ وَلِدْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ". رَوَاهُ أحْمَدُ

(3)

وَمُسْلِمٌ

(4)

وَأبُو دَاوُدَ)

(5)

. [صحيح]

حديث عائشة أخرجه أيضًا ابن حبان وصححه

(6)

وأعله ابن القطان

(7)

بالراوي عنها وهو ربيعة الجرشي وإنه مجهول.

قال الحافظ

(8)

: وأخطأ في ذلك فهو صحابي.

قال الترمذي

(9)

: حديث عائشة هذا حسن صحيح.

وحديث أسامة أخرجه أيضًا النسائي

(10)

وفي إسناده رجل مجهول ولكنه صحح الحديث ابن خزيمة

(11)

.

= وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 31 رقم 623/ 1740).

هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.

قلت: في إسناده محمد بن رفاعة بن ثعلبة ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (7/ 254) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في الثقات.

وقال الألباني في "الإرواء"(4/ 104 - 105): "محمد بن رفاعة، في عداد المجهولين عندي

".

وخلاصة القول: أن حديث أبي هريرة حديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(1)

في المسند (5/ 201) بسند حسن.

(2)

في السنن الكبرى رقم (2794).

وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.

(3)

في المسند (5/ 599).

(4)

في صحيحه رقم (198/ 1162).

(5)

في سننه رقم (2426).

وهو حديث صحيح.

(6)

في صحيحه رقم (3643) وقد تقدم.

(7)

حكاه عنه ابن حجر في "التلخيص"(2/ 410) وقد تقدم.

(8)

في "التلخيص"(2/ 410).

(9)

في السنن (3/ 121).

(10)

في السنن الكبرى رقم (2797، 2798).

(11)

في صحيحه رقم (2119) بسند ضعيف.

ص: 420

وحديث أبي هريرة قال الترمذي

(1)

: حديث غريب، وأورده الحافظ في التلخيص

(2)

وسكت عنه.

وحديث أبي قتادة أخرجه من ذكر المصنف.

وفي الباب عن حفصة عند أبي داود

(3)

.

وأحاديث الباب تدلّ على استحباب صوم يوم الاثنين والخميس لأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال.

قوله: (فقال ذلك يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه)، الولادة والإنزال إنما كانا في يوم الاثنين كما جاء في الأحاديث

(4)

.

(1)

في السنن (3/ 122).

(2)

(2/ 411).

(3)

في سننه رقم (2451) وهو حديث حسن.

(4)

أخرج أحمد في المسند (1/ 277) والطبراني في المعجم الكبير رقم (12984) والبيهقي في "دلائل النبوة"(7/ 233، 234) من طريق عبد الله بن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنَشٍ الصَّنعاني عن ابن عباس، قال:"وُلدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستنبئَ يومَ الاثنينِ، وخرَج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينةَ يوم الاثنين، وتوفي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ورفع الحجرَ الأسودَ يومَ الاثنين".

إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(1/ 196) وقال: فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح.

• وأخرج مسلم في صحيحه رقم (197/ 1162) وأبو داود رقم (2426).

عن أبي قتادة، وفيه: وسئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال: "ذاكَ يوم وُلدْتُ فيه، ويومٌ بُعِثتُ - أو أُنزل عليَّ فيه".

وهو حديث صحيح.

• وأخرج البخاري في صحيحه رقم (1387).

عن عائشة، وفيه:"وقال لها - أبو بكر - في أي يوم توفيَ رسولُ صلى الله عليه وسلم؟ قالت: يوم الاثنين"

• وأخرج أحمد في المسند (4/ 215) والترمذي في السنن رقم (3619) والحاكم (2/ 603) والطبراني في الكبير (ج 18 رقم 872) و (873).

وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(1/ 478) والبيهقي في الدلائل (1/ 76، 77) والطحاوي في شرح مشكل الآثار رقم (5968) و (5969) وابن قانع في "معجم الصحابة"(2/ 349) من طرق عن ابن إسحاق، قال: فحدثني المطَّلبُ بن عبد الله بن =

ص: 421

[الباب السادس] باب كراهة إفراد يوم الجمعة ويوم السبت بالصوم

24/ 1728 - (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قالَ: سألْتُ جابِرًا: أنَهَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنْ صَوْم يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: نَعَمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

.

وَللْبُخَارِيِّ

(2)

في رِوَايَة: أنْ يُفْرَدَ بِصَوْمٍ). [صحيح]

25/ 1729 - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَصُومُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ إلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ، أوْ بَعْدَهُ يَوْمٌ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا النَّسائيَّ

(3)

. [صحيح]

وَلِمُسْلمٍ

(4)

: "وَلا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيالي، وَلا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيامٍ مِنْ بَيْنِ الأيَّام إلَّا أنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يَصُومُهُ أحَدُكُمْ". [صحيح]

وَلأحْمَدَ

(5)

: "يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ فَلا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيامِكُمْ إلا أنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ"). [إسناده حسن]

26/ 1730 - (وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْها في يَوْمِ الجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقالَ [لها]

(6)

: "أصُمْتِ أمْس؟ "، قَالَتْ: لا، قالَ:

= قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، عن أبيه، عن جده، قيس بن مخرمة، قال: ولدتُ أنا ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم عامَ الفيل، فنحن لِدَانِ ولدْنا مَولدًا واحدًا".

إسناده ضعيف من أجل المطلب بن عبد الله، فلم يرو عنه غير ابن إسحاق، وذكره ابن حبان في "الثقات"(7/ 506). وقد توبع.

وخلاصة القول: أن حديث قيس بن مخرمة حديث حسن، والله أعلم. وقد ثبتت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفيل عن غير واحد من الصحابة وغيرهم.

انظر: "طبقات ابن سعد"(1/ 150 - 101) والسنن الكبرى للبيهقي (1/ 75 - 79).

(1)

أحمد في المسند (3/ 312) والبخاري رقم (1984) ومسلم رقم (146/ 1143).

(2)

في صحيحه رقم (1984).

(3)

أحمد (2/ 495) والبخاري (1985) ومسلم رقم (147/ 1144) وأبو داود رقم (2420) والترمذي رقم (743) وابن ماجه رقم (1723).

(4)

في صحيحه رقم (148/ 1144).

(5)

في المسند (2/ 532) بسند حسن.

(6)

ما بين الخاصرتين زيادة من المخطوط (أ).

ص: 422

"تَصُومِينَ غَدًا؟!، قا لَتْ: لا، قالَ: "فافْطِرِي". رَوَاهُ أحْمَدُ

(1)

وَالبُخارِيُّ

(2)

وَأبُو دَاوُدَ

(3)

. [صحيح]

وَهُوَ دَلِيلٌ على أن التَّطَوُّعَ لا يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ).

27/ 1731 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا تَصُومُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَحْدَهُ")

(4)

. [حسن لغيره]

28/ 1732 - (وَعَن جُنَادَةَ الأزْدِيِّ قالَ: دَخَلْتُ على رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في يَوْمِ جُمُعَةٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأزْدِ أنا ثامِنُهُمْ وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَقالَ:"هَلُمُّوا إلى الغَدَاءِ"، فَقُلْنا: يا رَسُولَ الله: إنَّا صِيامٌ، فَقالَ:"أصُمْتُمْ أمْس؟ "، قُلْنا: لا، قالَ:"أفَتَصُومُونَ غَدًا؟ "، قُلْنا: لا، قالَ:"فأفْطِرُوا"، فأكَلْنَا مَعَهُ؟ فَلَمَّا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلى المِنْبَرِ دَعا بإناءٍ مِنْ ماءٍ فَشَرِبَ وَهُو على المِنْبَرِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ يُرِيهِم أنَّهُ لا يَصُومُ يَوْمَ الجُمُعة

(5)

. رَوَاهُمَا أحْمَدُ). [صحيح لغيره]

(1)

في المسند (6/ 324).

(2)

في صحيحه رقم (1986).

(3)

في سننه رقم (2422).

وهو حديث صحيح.

(4)

أخرجه أحمد في المسند (1/ 288) بسند ضعيف لضعف حسين بن عبد الله بن عبيد الله.

ولكن الحديث حسن لغيره، والله أعلم.

(5)

قال الحافظ ابن حجر في "إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي" تحقيق د. زهير بن ناصر الناصر. (2/ 208).

72 -

ومن مسند جُنادة بن أبي أمية الأزدي:

حديث في خامس عشر مسند الأنصار.

وقد قيل: إنه تابعي، وقيل: إنهما اثنان، وهو الراجح.

2115 -

حديث (س) دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم جمعة في سبعة من الأزد أنا ثامنهم وهو يتغدى فقال: هلمّوا إلى الغداء

الحديث. (لم أجده) حدثنا يزيد بن هارون، أنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرشد بن عبد الله اليزني، عن حذيفة الأزدي، عنه. ["تحفة" 2/ 438 حديث 3248].

قلت: وقد أخرجه النسائي في السنن الكبرى رقم (2786) و (2787) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 79).

والطبراني في الكبير (ج 2 رقم 2173 - 2176) وابن أبي شيبة في المصنف (3/ 44). =

ص: 423

حديث ابن عباس

(1)

هو مثل حديث أبي هريرة

(2)

المتقدم، وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد

(3)

الله. وثقه ابن معين وضعفه الأئمة.

وحديث جنادة

(4)

الأزدي هو مثل حديث جويرية

(5)

، وأخرجه أيضًا الحاكم

(6)

، وأخرجه أيضًا النسائي

(7)

بإسناد رجاله رجال الصحيح إلا حذيفة البارقي

(8)

وهو مقبول.

قوله: (قال: نعم)، زاد مسلم

(9)

وأحمد

(10)

وغيرهما قالا: نعم ورب هذا البيت. وفي رواية النسائي

(11)

: "ورب الكعبة" ووهم صاحب العمدة

(12)

فعزاها إلى مسلم

(13)

.

= وقال الحافظ في "الفتح"(2/ 234): حديث جنادة بن أبي أمية عند النسائي بإسناد صحيح. بمعنى حديث جويرية. وهو حديث صحيح لغيره، والله أعلم.

(1)

تقدم رقم (27/ 1731) من كتابنا هذا.

(2)

تقدم رقم (25/ 1729) من كتابنا هذا.

(3)

حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي، قال ابن معين: ضعيف.

وقال مرة: ليس به بأس يكتب حديثه.

[المجروحين (1/ 242) والجرح والتعديل (3/ 57) والميزان (1/ 537)].

(4)

تقدم برقم (28/ 1732) من كتابنا هذا.

(5)

تقدم برقم (26/ 1730) من كتابنا هذا.

(6)

في المستدرك (3/ 608) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.

(7)

في سننه الكبرى رقم (2786).

(8)

قال الحافظ في "التقريب" رقم الترجمة (1157) حذيفة البارقي: مقبول.

وقال المحرران: بل: مجهول. تفرد بالرواية عنه مرشد بن عبد الله اليزني ولم يوثقه أحد. وقال الذهبي في كتبه: مجهول.

(9)

في صحيحه رقم (146/ 1143).

(10)

في المسند (3/ 312).

(11)

في السنن الكبرى رقم (2763) وفيه: "ورب الكعبة".

وفي السنن الكبرى أيضًا رقم (2757) وفيه: "ورب هذا البيت".

قلت: وأخرجه الحميدي في مسنده رقم (1017) وفيه: "ورب هذا البيت".

وابن خزيمة في صحيحه رقم (2157) وفيه: "ورب الكعبة".

وعبد الرزاق في "المصنف" رقم (7807) وفيه: "ورب هذا البيت".

(12)

في "عمدة الأحكام"(1/ 453 رقم 195 - مع تيسير العلام) بتحقيقي.

(13)

في صحيحه رقم (146/ 1143).

ص: 424

قوله: (أن يفرد بصوم)، فيه دليل على أن النهي المطلق في الرواية الأولى مقيد بالإفراد لا إذا لم يفرد الجمعة بالصوم كما يأتي في بقية الروايات.

قوله: (إلا وقبله يوم أو بعده يوم)، أي إلا أن تصوموا قبله يومًا أو تصوموا بعده يومًا.

وبهذا وقع في رواية الإسماعيلي

(1)

فقال: "إلا أن تصوموا قبله أو بعده".

وفي رواية لمسلم

(2)

: "إلا أن تصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا"، وهذه الروايات تقيد مطلق النهي أيضًا.

قوله: (ولا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي)، فيه دليل على عدم جواز تخصيص ليلة الجمعة بقيام أو صلاة من بين الليالي.

قال النووي في شرح مسلم

(3)

: وهذا متفق على كراهته.

قال: واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب

(4)

قاتل الله واضعها ومخترعها، فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة وفيها منكرات ظاهرة.

وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها

(5)

وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلائل قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن تحصر، والله أعلم. انتهى.

واستدلّ بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام. وقد حكاه ابن المنذر

(6)

وابن حزم

(7)

عن عليّ وأبي هريرة وسلمان وأبي ذرّ.

(1)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 233).

(2)

في صحيحه رقم (147/ 1144).

(3)

(8/ 20).

(4)

تقدم الكلام عليها في الجزء (5)(صفحة 315) من كتابنا هذا في الحاشية تحت عنوان: صلوات مبتدعة: صلاة الرغائب. فانظرها لزامًا.

(5)

منها: مساجلة علمية بين الإمامين العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب.

(6)

ذكره النووي في "المجموع"(6/ 481).

(7)

في المحلى (7/ 20).

ص: 425

قال ابن حزم

(1)

: ولا نعلم لهم مخالفًا في الصحابة.

ونقله أبو الطيب الطبري

(2)

عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية.

وقال ابن المنذر (2): ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد وهذا يشعر بأنه يرى تحريمه.

وقال أبو جعفر الطبري: ويفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد، ولو صام قبله أو بعده، وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه.

وقال مالك

(3)

وأبو حنيفة

(4)

: لا يكره، واستدلا بحديث ابن مسعود الآتي

(5)

: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قلّ ما كان يفطر يوم الجمعة".

قال في الفتح

(6)

: وليس فيه حجة لأنه يحتمل أنه كان لا يتعمّد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعًا بين الخبرين.

قال: ومنهم من عدّه من الخصائص وليس بجيد لأنها لا تثبت بالاحتمال. انتهى.

ويمكن أن يقال: بل دعوى اختصاص صومه به صلى الله عليه وسلم جيدة لما تقرر في الأصول من أن فعله صلى الله عليه وسلم لما نهى عنه نهيًا يشمله يكون مخصصًا له وحده من العموم، ونهيًا يختص بالأمة لا يكون فعله معارضًا له، إذا لم يقم دليل يدل على التأسِّي به في ذلك الفعل لخصوصه لا مجرد أدلة التأسِّي العامة فإنها مخصصة بالنهي للأمة لأنه أخص منها مطلقًا.

ومن غرائب المقام ما احتج به بعض المالكية على عدم كراهة صوم يوم

(1)

في المحلى (7/ 21).

(2)

ذكر الحافظ في "الفتح"(4/ 234).

(3)

الاستذكار (10/ 260 رقم 14784).

"وقال مالك: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه، ومن يُقتدى به يَنْهى عن صيام يوم الجمعة. وصيامه حسن. وقد رأيتُ بعض أهل العلم يصومه. وأراه كان يتحرَّاه".

(4)

بدائع الصنائع (2/ 79).

(5)

برقم (1734) من كتابنا هذا.

(6)

في الفتح (4/ 234).

ص: 426

الجمعة، فقال: يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، وهذا قياس فاسد الاعتبار لأنه منصوب في مقابلة النصوص [الصحيحة]

(1)

.

وأغرب من ذلك قول مالك في الموطأ

(2)

: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعضهم يصومه وأراه كان يتحراه.

قال النووي

(3)

: والسنَّة مقدَّمة على ما رآه هو وغيره. وقد ثبت النهي عن صوم الجمعة فيتعين القول به، ومالك معذور فإنه لم يبلغه.

قال الداودي

(4)

من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه.

وقد اختلف في سبب كراهة إفراد يوم الجمعة بالصيام على أقوال ذكرها صاحب الفتح

(5)

:

(منها): لكونه عيدًا، ويدلّ على ذلك رواية أحمد

(6)

المذكورة في الباب، واستشكل التعليل بذلك بوقوع الإذن من الشارع بصومه مع غيره.

وأجاب ابن القيم

(7)

وغيره بأن [تشبيهه]

(8)

بالعيد لا يستلزم الاستواء من كل وجه، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم.

(ومنها): لئلا يضعف عن العبادة، ورجحه النووي

(9)

.

قال في الفتح

(10)

: وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه.

وأجاب النووي (9) بأنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل به يوم صومه من فتوى أو تقصير.

(1)

في المخطوط (ب): (الصريحة).

(2)

في الموطأ (1/ 311) وفي الاستذكار (10/ 260 رقم 14784) وقد تقدم قريبًا.

(3)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 91).

(4)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 234).

(5)

(4/ 235).

(6)

في المسند (2/ 532) بسند حسن.

(7)

في زاد المعاد (2/ 81 - 82).

(8)

في المخطوط (أ): (شبهه).

(9)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 19).

(10)

(4/ 235).

ص: 427

قال الحافظ

(1)

: وفيه نظر، فإن الجبر لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع أفعال الخير، فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرًا كثيرًا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن أعتق رقبة فيه مثلًا ولا قائل بذلك، وأيضًا فكأنَّ النهي يختصّ بمن يُخْشى عليه الضعف لا من يتحقق منه القوة.

ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه.

(ومنها): خوف المبالغة في تعظيمه، فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت.

قال في الفتح

(2)

: وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام، (ومنها) خوف اعتقاد وجوبه.

قال في الفتح (2) أيضًا: وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس.

(ومنها): خشية أن يفرض عليهم كما خشي صلى الله عليه وسلم من قيام الليل ذلك، قاله المهلب

(3)

.

قال في الفتح (2): وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره، وبأنه لو كان السبب ذلك لجاز صومه بعده صلى الله عليه وسلم لارتفاع الخشية.

(ومنها): مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم.

قال في الفتح (2): وهو ضعيف.

وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب الأول لما تقدَّم من حديث أبي هريرة

(4)

، وقد أخرجه الحاكم

(5)

أيضًا.

ولما أخرجه ابن أبي شيبة

(6)

بإسناد حسن عن عليّ عليه السلام قال: "من

(1)

في "الفتح"(4/ 235).

(2)

(4/ 235).

(3)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 235).

(4)

أخرجه أحمد في المسند (2/ 532) بسند حسن.

(5)

في المستدرك (1/ 437)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه".

وقال الذهبي: بشر مجهول وشاهده في الصحيح.

(6)

في المصنف (3/ 44) بسند حسن.

ص: 428

كان منكم متطوعًا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر".

29/ 1733 - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ عَنْ أُخْتهِ وَاسْمُها الصَّمَّاءُ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فإنْ لَمْ يَجِدْ أحَدُكُمْ إلَّا عُودَ عِنَبٍ أوْ لِحاءَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضِغْهُ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائِيَّ)

(1)

. [صحيح]

30/ 1734 - (وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ: أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَلَّما كانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا أبا دَاوُدَ

(2)

. [حسن]

ويُحْمَلُ [هَذا]

(3)

على أنَّهُ كانَ يَصومُهُ مَعَ غَيْرِهِ).

الحديث الأول أخرجه أيضًا ابن حبان

(4)

والحاكم

(5)

والطبراني

(6)

والبيهقي

(7)

وصححه ابن السكن

(8)

.

قال أبو داود في السنن

(9)

: قال مالك: هذا الحديث كذب، وقد أعلّ

(1)

أخرجه أحمد في المسند (6/ 368) وأبو داود رقم (2421) وقال: هذا الحديث منسوخ. والترمذي رقم (744) وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه رقم (1726).

قلت: وأخرجه الدارمي (2/ 19) والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(2/ 80) وابن خزيمة رقم (2162) والحاكم (1/ 435) والبيهقي (4/ 302) والبغوي في شرح السنة رقم (1806) من طرق.

وهو حديث صحيح.

(2)

أخرجه أحمد في المسند (1/ 406) والترمذي رقم (742) وقال: هذا حديث حسن.

والنسائي رقم (2368) وابن ماجه رقم (1725).

وهو حديث حسن.

(3)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(4)

في صحيحه رقم (3615) بسند صحيح.

(5)

في المستدرك (1/ 435) وصححه الحاكم على شرط البخاري وأقره الذهبي.

(6)

في المعجم الكبير (ج 24/ رقم 816).

(7)

في السنن الكبرى (4/ 302).

(8)

حكاه عنه الحافظ في "التلخيص"(2/ 413).

(9)

في السنن (2/ 807).

ص: 429

بالاضطراب كما قال النسائي

(1)

لأنه روي كما ذكر المصنف.

وروي عن عبد الله بن بسر وليس فيه عن أخته كما وقع لابن حبان

(2)

.

قال الحافظ

(3)

: وهذه ليست بعلة قادحة فإنه أيضًا صحابي، وقيل: عنه عن أبيه بسر، وقيل: عنه عن أخته الصماء عن عائشة.

قال الحافظ (3): ويحتمل أن يكون عند عبد الله عن أبيه وعن أخته، وعند أخته بواسطة، قال: ولكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتخاذ المخرج يوهن الرواية وينبئ عن قلة ضبطه إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالًا على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا بل اختلف فيه أيضًا على الراوي عبد الله بن بسر. وقد ادعى أبو داود

(4)

أن هذا الحديث منسوخ.

قال في التلخيص (3): ولا يتبين وجه النسخ فيه، ثم قال: يمكن أن يكون أخذه من كون النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحبّ موافقة أهل الكتاب في أوّل الأمر ثم في آخر الأمر، قال: خالفوهم. والنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية، وهذه صورة النسخ والله أعلم. انتهى.

وقد أخرج النسائي

(5)

والبيهقي

(6)

وابن حبان

(7)

والحاكم

(8)

عن كريب: "أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعثوه إلى أم سلمة يسألها عن الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر لها صيامًا، فقالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها، فقالت: صدق، وكان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم. وصحح الحاكم (8) إسناده

(1)

قلت: ظاهر صنيع النسائي في سننه الكبرى (3/ 209 - 213). رقم الحديث (2772 - 2785) حيث عقد بابًا رقم (55) في النهي عن صيام يوم السبت. ثم عقد بابًا رقم (56) فقال: الرخصة في صيام يوم السبت ثم أسند حديث جنادة الأزدي رقم (2786) و 2787) يدل على النسخ، والله أعلم.

(2)

في صحيحه رقم (3615) بسند صحيح.

(3)

في "التلخيص"(2/ 414).

(4)

في السنن (2/ 807).

(5)

في السنن الكبرى رقم (2788).

(6)

في السنن الكبرى (2/ 303).

(7)

في صحيحه رقم (3616) ورقم (3646).

(8)

في المستدرك (1/ 436) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

ص: 430

وصححه أيضًا ابن خزيمة

(1)

.

وروى الترمذي

(2)

من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس"، وسيأتي

(3)

.

وقد جمع صاحب البدر المنير بين هذه الأحاديث فقال: النهي متوجه إلى الإفراد والصوم باعتبار انضمام ما قبله أو بعده إليه

(4)

.

ويؤيد هذا ما تقدم من إذنه صلى الله عليه وسلم لمن صام الجمعة أن يصوم السبت بعدها والجمع مهما أمكن أولى من النسخ.

(1)

في صحيحه رقم (2167) بسند ضعيف.

قلت: وأخرجه أحمد (6/ 323 - 324) والطبراني في الكبير (ج 23) رقم (616) و (964) والحديث إسناده حسن، والله أعلم.

(2)

في سننه رقم (746) وقال: حديث حسن، وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه. والخلاصة: أن حديث عائشة حديث ضعيف.

(3)

برقم (33/ 1737) من كتابنا هذا.

(4)

وهذا المسلك هو طريقة كثير من أهل العلم.

• قال الترمذي في سننه (3/ 112): "ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأن اليهود تعظم يوم السبت".

• وقال ابن خزيمة في صحيحه (3/ 316): باب النهي عن صوم يوم السبت تطوعًا إذا أفرد بالصوم، بذكر خبر مجمل غير مفسر، بلفظ عام مراده خاص، وأحسب أن النهي عن صيامه، إذ اليهود تعظمه، وقد اتخذته عيدًا بدل الجمعة

(ثم ذكر الحديث).

- ثم عقد بابًا آخر فقال: (3/ 317): باب ذكر الدليل عن أن النهي عن صوم يوم السبت تطوعًا، إذا أفرد بصوم، لا إذا صام صائم يومًا فبله أو يومًا بعده

(ثم أسند حديث أبي هريرة).

- ثم عقد بابًا آخر فقال (3/ 318): فقال: باب الرخصة في يوم السبت إذا صام يوم الأحد بعده

(ثم أسند حديث أم سلمة).

• وقال ابن حبان في صحيحه (8/ 379): ذكر الزجر عن صوم يوم السبت مفردًا

(ثم أسند حديث عبد الله بن بسر).

- ثم عقد بابًا (8/ 381) فقال: ذكر العلة التي من أجلها نهي عن صيام يوم السبت مع البيان إذا قرن بيوم آخر جاز صومه.

• وقال البغوي في شرح السنة (6/ 361): باب كراهية صوم يوم السبت وحده".

• وقال البيهقي في السنن الكبرى (4/ 302): باب ما ورد من النهي عن تخصيص يوم السبت بالصوم.

ص: 431

والحديث الثاني حسّنه الترمذي

(1)

. وقال ابن عبد البر

(2)

: هو صحيح، ولا مخالفة بينه وبين الأحاديث السابقة وأنه محمول على أنه كان يصله بيوم الخميس.

وروي بسنده إلى أبي هريرة أنه قال: "من صام الجمعة كتب له عشرة أيام، من أيام الآخرة لا يشاكلهن أيام الدنيا".

وروى ابن أبي شيبة

(3)

عن ابن عباس قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مفطرًا يوم الجمعة قط".

وقد تقدم الكلام على صوم [يوم]

(4)

الجمعة.

قوله: (أو لحاء شجرة) اللحاء بكسر اللام بعدها حاء مهملة: قشر الشجر

(5)

.

[الباب السابع] باب صوم أيام البيض وصوم ثلاثة أيام من كل شهر وإن كانت سواها

31/ 1735 - (عَنْ أبي ذَرّ قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذَرّ إذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ فَصُمْ ثَلاثَ عَشَرَةَ وَأرْبَعَ عَشَرَةَ وَخَمْسَ عَشَرَةَ". رَوَاهُ أحْمَدُ

(6)

وَالنَّسائيُّ

(7)

وَالتِّرْمِذِيُّ)

(8)

. [حسن]

(1)

في السنن (3/ 119).

(2)

في الاستذكار (10/ 260 رقم 14786).

قلت: بل هو حديث ضعيف كما تقدم.

(3)

في المصنف (3/ 46).

(4)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

(5)

النهاية لابن الأثير (4/ 243).

(6)

في المسند (5/ 162).

(7)

في السنن رقم (2424).

(8)

في السنن رقم (761) وقال: حديث حسن.

قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (475) وابن خزيمة رقم (2128) وتمام في "فوائده" رقم (587) والبيهقي (4/ 294) وهو حديث حسن.

ص: 432

32/ 1736 - (وَعَنْ أبي قَتَادَةَ قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ". رَوَاهُ أحْمَدُ

(1)

وَمُسْلِمٌ

(2)

وأبُو دَاوُدَ

(3)

[صحيح]

33/ 1737 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالأحَدَ وَالاثْنَيْنِ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ الثَلاثاءَ وَالأرْبِعَاءَ وَالخَمِيسَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

(4)

وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [ضعيف]

34/ 1738 - (وَعَنْ أبي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ مِنْ كُلّ شَهْر ثَلاثَةَ أيَّام فَذَلِكَ صيامُ الدَّهْرِ، فأنْزَلَ الله تَصْدِيق ذلكَ في كتابِهِ {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}

(5)

اليَوْمُ بِعَشَرَةِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ

(6)

وَالتِّرْمِذِيُّ)

(7)

. [صحيح]

حديث أبي ذر الأول أخرجه أيضًا ابن حبان وصححه

(8)

. ولفظه عند النسائي

(9)

والترمذي

(10)

قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.

وأخرجه أيضًا النسائي

(11)

وابن حبان وصححه

(12)

من حديث أبي هريرة.

(1)

في المسند (5/ 296 - 297).

(2)

في صحيحه رقم (196/ 1162).

(3)

في سننه رقم (2425).

وهو حديث صحيح.

(4)

في سننه رقم (746). وقال: حديث حسن. وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه.

وخلاصة القول: أن حديث عائشة حديث ضعيف.

(5)

سورة الأنعام: الآية (160).

(6)

في سننه رقم (1708).

(7)

في سننه رقم (762) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وقال الألباني في "الإرواء"(4/ 102): "قلت: وإسناده على شرط الشيخين".

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(8)

في صحيحه رقم (3656).

(9)

في سننه رقم (2423).

(10)

في سننه رقم (761) وقال: هذا حديث حسن وهو كما قال.

(11)

في سننه رقم (2421).

(12)

في صحيحه رقم (3650). =

ص: 433

ورواه النسائي

(1)

من حديث جرير مرفوعًا، قال الحافظ

(2)

: وإسناده صحيح.

ورواه ابن أبي حاتم في العلل

(3)

عن جرير موقوفًا، وصُحِّح عن أبي زرعة وقفه.

وأخرجه أبو داود

(4)

والنسائي

(5)

من طريق ابن ملحان القيسي عن أبيه.

وأخرجه البزار

(6)

من طريق ابن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر.

وحديث عائشة روي موقوفًا، قال في الفتح

(7)

: وهو أشبه.

وحديث أبي ذر الآخر حسّنه الترمذي

(8)

.

وفي الباب عن ابن مسعود عند أصحاب السنن

(9)

وصححه ابن خزيمة

(10)

أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر.

وعن حفصة عند أبي داود

(11)

والنسائي

(12)

: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى.

= قلت: وأخرجه أحمد في المسند (2/ 336، 346) بسند صحيح.

(1)

في سننه رقم (2420) وهو حديث حسن.

(2)

في "الفتح"(4/ 226).

(3)

في العلل (2/ 266، 267 رقم 785).

(4)

في سننه رقم (2449).

(5)

في سننه رقم (2432).

وهو حديث ضعيف.

(6)

نسبه إلى البزار الحافظ ابن كثير في "جامع المسانيد والسنن"(8/ 411 رقم 874) من طريق محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صام نوح أيام البيض، وهي ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة".

(7)

(4/ 227).

(8)

في السنن (3/ 135).

(9)

أبو داود رقم (2450) والترمذي رقم (742) وقال: هذا حديث حسن. والنسائي رقم (2368)، وابن ماجه رقم (1725).

وهو حديث حسن.

(10)

في صحيحه رقم (2129).

(11)

في سننه رقم (2451).

(12)

في سننه رقم (2366).

وهو حديث حسن.

ص: 434

وعن عائشة غير حديث الباب عند مسلم

(1)

قالت: "كان صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي الشهر صام".

وعن أبي هريرة غير حديثه الأول عند الشيخين

(2)

بلفظ: "أوصاني خليلي بصيام ثلاثة أيام".

وعن ابن عباس عند النسائي

(3)

بلفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر" وسيأتي

(4)

.

وعن قرة بن إياس المزني

(5)

، وأبي عقرب

(6)

، وعثمان بن أبي العاص

(7)

(1)

في صحيحه رقم (194/ 1160).

(2)

البخاري رقم (1981) ومسلم رقم (85/ 721).

(3)

في سننه رقم (2345) بسند ضعيف.

(4)

برقم (1743) من كتابنا هذا.

(5)

أخرج أحمد في المسند (3/ 435) و (4/ 19) و (5/ 35) والدارمي رقم (1788) والطبراني في الكبير (ج 19/ رقم 53) والبزار في المسند (رقم 1059 - كشف) من طرف عن شعبة، عن معاوية بن قُرَّة المزني عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في صيام ثلاثة أيام من الشهر: "صوم الدَّهر وإفطاره".

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 196) وقال: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح".

وأخرجه ابن حبان في صحيحه رقم (3652) من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة، به.

بلفظ: "صوم الدَّهر وقيامه".

وأخرجه ابن حبان برقم (3653) من طريق وكيع، عن شعبة، به. بلفظ: "

صيام الدهر وإفطاره".

قال أبو حاتم: قال وكيع، عن شعبة في هذا الخبر:"وإفطاره". وقال يحيى القطان عن شعبة: "وقيامه" وهما جميعًا حافظان متقنان.

والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.

(6)

لينظر من أخرجه.

(7)

أخرجه أحمد في المسند (4/ 22) والنسائي في سننه رقم (2411) وابن خزيمة رقم (2125) وابن حبان رقم (3649) والطبراني في المعجم الكبير رقم (8360) من طرق عن ليث بن سعد، قال حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند، أن مطرفًا من بني عامر بن صعصعة حدثه، أن عثمان بن أبي العاصي الثقفي دعا له بلبن ليسقيه فقال مطرِّف إني صائم. فقال عثمان:

وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "صيام حسن ثلاثة أيام من الشهر".

وهو حديث صحيح، والله أعلم. =

ص: 435

أشار إلى ذلك الترمذي

(1)

.

قوله: (فصم ثلاثة عشرة .. ) إلخ، فيه دليل على استحباب صوم أيام البيض وهي الثلاثة المعينة في الحديث.

وقد وقع الاتفاق بين العلماء على أنه يستحب أن تكون الثلاث المذكورة في وسط الشهر كما حكاه النووي

(2)

.

واختلفوا في تعيينها، فذهب الجمهور إلى أنها ثالثءعشر، ورابع عشر، وخامس عشر.

وقيل: هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر.

وحديث أبي ذر المذكور في الباب

(3)

وما ذكرناه من الأحاديث الواردة في معناه يرد ذلك.

قوله: (ثلاث من كل شهر .. ) إلخ، اختلفوا في تعيين هذه الثلاثة الأيام المستحبة من كل شهر، ففسرها عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبو ذر، وغيرهم من الصحابة وجماعة من التابعين وأصحاب الشافعي

(4)

بأيام البيض.

• وقد جمعت كتابًا بعنوان "اللباب في تخريج المباركفوري لقول الترمذي: وفي الباب" وطبع في دار إحياء التراث سنة 1419 هـ - 1999 م.

كما بدأت في تأليف كتاب آخر بعنوان "لب اللباب في قول الترمذي وفي الباب" وحاولت أن أجمع الأحاديث في الباب الواحد، وأقوم بتخريجها تخريجًا متوسطًا مستدركًا معظم الأحاديث التي فاتت من كتب قبلي في هذا الموضوع أعانني الله على إتمامه.

(1)

في السنن (3/ 135).

(2)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 49).

(3)

تقدم برقم (1735) من كتابنا هذا.

(4)

قال النووي في "المجموع"(6/ 436): "واتفق أصحابنا على استحباب صوم أيام البيض، قالوا هم وغيرهم: وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيره، وفيه وجه لبعض أصحابنا حكاه الصيمري والماوردي والبغوي وصاحب البيان وغيرهم أنها الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر، وهذا شاذ ضعيف يرده الحديث السابق في تفسيرها، وقول أهل اللغة أيضًا وغيرهم.

وأما سبب تسمية هذه الليالي بيضًا، فقال ابن قتيبة والجمهور: لأنها تبيض بطلوع الفمر من أولها إلى آخرها، وقيل: غير ذلك" اهـ.

ص: 436

ويشكل على هذا قول عائشة المتقدم

(1)

: "لا يبالي من أي الشهر صام".

وأجيب عن ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز وكل ذلك في حقه أفضل والذي أمر به قد أخبر به أمته ووصاهم به وعينه لهم، فيحمل مطلق الثلاث على الثلاث المقيدة بالأيام المعينة.

واختار النخعي وآخرون أنها آخر الشهر واختار الحسن البصري وجماعة أنها من أوله.

واختارت عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من عدة شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي بعده للحديث المذكور في الباب

(2)

عنها.

وقال البيهقي

(3)

: "كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي الشهر صام، كما في حديث عائشة

(4)

، قال: فكل من رآه فعل نوعًا ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك فأطلقت.

وقال الروياني

(5)

: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحب. وفي حديث رفعه ابن عمر

(6)

: "أول اثنين في الشهر وخميسان بعده". وروي عن مالك

(7)

أنه يكره تعيين الثلاث.

قال في الفتح

(8)

: وفي كلام غير واحد من العلماء: إن استحباب صيام أيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. انتهى.

وهذا هو الحقّ، لأن حمل المطلق على المقيد ههنا متعذر.

(1)

أخرجه مسلم رقم (194/ 1160) وقد تقدم.

(2)

برقم (1737) من كتابنا هذا.

(3)

في السنن الكبرى (4/ 295).

(4)

عند مسلم في صحيحه رقم (194/ 1160).

(5)

في "بحر المذهب"(4/ 343).

(6)

لم أقف عليه من حديث ابن عمر. بل أخرجه البيهقي في السنن الكبرى من حديث أم سلمة (4/ 295) بهذا اللفظ.

(7)

التسهيل (3/ 800).

(8)

(4/ 227).

ص: 437

وكذلك استحباب السبت والأحد والاثنين من شهر، والثلاثاء والأربعاء والخميس من شهر غير استحباب ثلاثة أيام من كل شهر.

وقد حكى الحافظ في الفتح

(1)

في تعيين الثلاثة الأيام المطلقة عشرة أقوال، وقد ذكرنا أكثرها.

والحق أنها تبقى على إطلاقها فيكون الصائم مخيرًا، وفي أي وقت صامها فقد فعل المشروع لكن لا يفعلها في أيام البيض.

فالحاصل من أحاديث الباب استحباب صيام تسعة أيام من كل شهر: ثلاثة مطلقة، وأيام البيض، والسبت والأحد والاثنين في شهر، والثلاثاء والأربعاء والخميس في شهر.

قوله: (فذالك صيام الدهر)، وذلك لأن الحسنة بعشرة أمثالها، فيعدل صيام الثلاثة الأيام من كل شهر صيام الشهر كله، فيكون كمن صام الدهر.

[الباب الثامن] باب صيام يوم وفطر يوم وكراهة صوم الدهر

35/ 1739 - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "صُمْ في كُلّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أيَّامِ"، قُلْتُ: أني أقْوَى مِنْ ذلكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُنِي حتَّى قالَ: "صُمْ يَوْمًا وأفْطر يَوْمًا فإنَّهُ أفْضَل الصّيامُ، وَهُوَ صَوْمُ أخِي دَاوُدَ عليه السلام")

(2)

. [صحيح]

36/ 1740 - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا صَامَ مَنْ صَامَ الأبَدَ"

(3)

. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما). [صحيح]

37/ 1741 - (وَعَنْ أبي قَتَادَةَ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ الله كَيْفَ بِمَنْ صَامَ

(1)

(4/ 227).

(2)

أخرجه أحمد في المسند (2/ 187، 188) والبخاري رقم (1979) ومسلم رقم (193/ 1159). وهو حديث صحيح.

(3)

أخرجه أحمد في المسند (2/ 164) والبخاري رقم (1977) ومسلم رقم (186/ 1159).

وهو حديث صحيح.

ص: 438

الدَّهْرَ؟ قالَ: "لا صَامَ وَلا أفْطَرَ"، أوَ:"لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وَابْنَ ماجَهْ)

(1)

. [صحيح]

38/ 1742 - (وَعَنْ أبِي مُوسَى عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَن صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمَ هَكَذَا" وَقَبَضَ كَفَّهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ

(2)

. [صحيح]

ويُحْمَل هَذا على مَنْ صَامَ الأيَّامَ المَنْهِي عَنْها).

حديث أبي موسى أخرجه أيضًا ابن حبان

(3)

وابن خزيمة

(4)

والبيهقي

(5)

وابن أبي شيبة

(6)

، ولفظ ابن حبان:"ضيقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين".

وأخرجه أيضًا البزار

(7)

والطبراني

(8)

. قال في مجمع الزوائد

(9)

: ورجاله رجال الصحيح.

وفي البابِ عن عبد الله بن الشخير عن أحمد

(10)

وابن حبان

(11)

بلفظ: "من صام الأبد فلا صام ولا أفطر".

(1)

أخرجه أحمد في المسند (5/ 296، 297، 299) ومسلم رقم (196/ 1162) وأبو داود رقم (2425) والترمذي رقم (767) والنسائي رقم (2387).

قلت: وأخرجه الحاكم (1/ 435) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وابن خزيمة رقم (2150) وابن أبي شيبة في المصنف (3/ 78) وعبد الرزاق في المصنف رقم (7865).

وهو حديث صحيح.

(2)

في المسند (4/ 414).

(3)

في صحيحه رقم (3584).

(4)

في صحيحه رقم (2154) و (2155).

(5)

في السنن الكبرى (4/ 300).

(6)

في المصنف (3/ 78).

(7)

في المسند (رقم 1040 - كشف).

(8)

في الأوسط رقم (2562) وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 193) للطبراني في الكبير.

(9)

(3/ 193).

وهو حديث صحيح.

(10)

في المسند (4/ 24، 25، 26).

(11)

في صحيحه رقم (3583).

قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (1147) والنسائي رقم (2381). وابن ماجه رقم (1705) وابن خزيمة رقم (2150) والحاكم (1/ 435) من طرق.

وهو حديث صحيح.

ص: 439

وعن عمران بن حصين أشار إليه الترمذي

(1)

.

قوله: (فإنه أفضل الصيام) مقتضاه أن الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة، وسيأتي البحث عن ذلك.

قوله: (لا صام من صام الأبد)، استدل به على كراهية صوم الدهر.

قال ابن التين

(2)

: استدل على الكراهة من وجوه نهيه صلى الله عليه وسلم عن الزيادة، وأمر بأن يصوم ويفطر، وقوله:"لا أفضل من ذلك"، ودعاؤه على من صام الأبد.

وقيل: معنى قوله: "لا صام"، النفي، أي ما صام كقوله تعالى:{فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31)}

(3)

.

ويدلّ على ذلك ما عند مسلم

(4)

من حديث أبي قتادة بلفظ: "ما صام وما أفطر".

وما عند الترمذي

(5)

بلفظ: "لم يصم ولم يفطر".

قال في الفتح

(6)

: والمعنى أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته، ولم يفطر لأنه أمسك.

وإلى كراهة صوم الدهر مطلقًا ذهب إسحق وأهل الظاهر

(7)

وهو رواية عن أحمد

(8)

.

(1)

في سننه (3/ 138).

قلت: حديث عمران بن حصين أخرجه أحمد (4/ 426، 431) والنسائي رقم (2379) وابن خزيمة رقم (2151) والحاكم (1/ 435).

وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وانظر: العلل لابن أبي حاتم رقم (679).

وهو حديث صحيح.

(2)

حكاه عنه ابن حجر في "الفتح"(4/ 222).

(3)

سورة القيامة: الآية (31).

(4)

في صحيحه رقم (197/ 1162) وقد تقدم.

(5)

في سننه رقم (767) وقد تقدم.

(6)

(4/ 222).

(7)

المحلى (7/ 12 رقم المسألة 790).

(8)

المغني (4/ 430).

ص: 440

وقال ابن حزم

(1)

: يحرم، ويدلّ للتحريم حديث أبي موسى

(2)

المذكور في الباب لما فيه من الوعيد الشديد.

وذهب الجمهور كما في الفتح

(3)

إلى استحباب صومه.

وأجابوا عن حديث ابن عمرو

(4)

وحديث أبي قتادة

(5)

بأنه محمول على من كان يدخل على نفسه مشقة أو يفوت حقًّا، قالوا: ولذلك لم ينه صلى الله عليه وسلم حمزة بن عمرو الأسلمي، وقد قال له:"يا رسول الله إني أسرد الصوم".

ويجاب عن هذا بأن سرد الصوم لا يستلزم صوم الدهر، بل المراد أنه كان كثير الصوم كما وقع في رواية الجماعة المتقدمة

(6)

في باب الفطر والصوم في السفر.

ويؤيد عدم الاستلزام ما أخرجه أحمد

(7)

من حديث أسامة: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسرد الصوم مع ما ثبت أنه لم يصم شهرًا كاملًا إلا رمضان.

وأجابوا عن حديث أبي موسى (2) بحمله على من صامه جميعًا ولم يفطر في الأيام المنهي عنها كالعيدين وأيام التشريق، وهذا هو اختيار ابن المنذر وطائفة.

وأجيب عنه بأن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "لا صام ولا أفطر لمن سأله عن صوم الدهر أن معناه: أنه لا أجر له ولا إثم عليه، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه أثم بصومها بالإجماع.

وحكى الأثرم عن مسدد أنه قال: معنى حديث أبي موسى (2): "ضيقت عليه جهنم فلا يدخلها".

وحكى مثله ابن خزيمة

(8)

عن المزني ورجحه الغزالي

(9)

. والملجئ إلى هذا التأويل أن من ازداد لله عملًا صالحًا ازداد عنده رفعة وكرامة.

(1)

المحلى (7/ 16).

(2)

تقدم برقم (1742) من كتابنا هذا.

(3)

(4/ 222).

(4)

تقدم برقم (1740) من كتابنا هذا.

(5)

تقدم برقم (1741) من كتابنا هذا.

(6)

تقدم برقم (1677) في الباب الأول من كتابنا هذا.

(7)

في المسند (5/ 201) بسند حسن.

(8)

في صحيحه (3/ 313).

(9)

في إحياء علوم الدين له (1/ 238).

ص: 441

قال في الفتح

(1)

: وتعقب بأن ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربًا، بل ربّ عمل صالح إذا ازداد منه ازداد بعدًا كالصلاة في الأوقات المكروهة. انتهى.

وأيضًا لو كان المراد ما ذكروه لقال: ضيقت عنه. واستدلوا على الاستحباب بما وقع في بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو

(2)

بلفظ: "فإن الحسنة بعشرة أمثالها"، وذلك مثل صيام الدهر.

وبما تقدم في حديث

(3)

: "من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوّال فكأنما صام الدهر".

وبما تقدم

(4)

في صيام أيام البيض أنه مثل صوم الدهر.

قالوا: والمشبه به أفضل من المشبه، فكان صيام الدهر أفضل من هذه المشبهات فيكون مستحبًا وهو المطلوب.

قال الحافظ

(5)

: وتعقب بأن التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جواز المشبه به فضلًا عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلثمائة وستين يومًا.

ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام جميع السَّنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه.

واختلف المجوِّزون لصيام الدهر، هل هو الأفضل، أو صيام يوم وإفطار يوم؟

فذهب جماعة منهم إلى أن صوم الدهر أفضل، واستدلوا على ذلك بأنه أكثر عملًا فيكون أكثر أجرًا.

وتعقبه ابن دقيق العيد

(6)

بأن زيادة الأجر بزيادة العمل ههنا معارضة باقتضاء

(1)

(4/ 223).

(2)

أخرجه البخاري رقم (1976) ومسلم رقم (181/ 1159).

(3)

تقدم برقم (1705) من كتابنا هذا.

(4)

تقدم برقم (1736) من كتابنا هذا.

(5)

في "الفتح"(4/ 223).

(6)

في إحكام الأحكام (2/ 239).

ص: 442

العادة التقصير في حقوق أخرى، فالأولى التفويض إلى حكم الشارع. وقد حكم بأن صوم يوم وإفطار يوم أفضل الصيام، هذا معنى كلامه.

ومما يرشد إلى أن صوم الدهر من جملة الصيام المفضل عليه صوم يوم وإفطار يوم: "أن ابن عمرو

(1)

طلب أن يصوم زيادة على ذلك المقدار، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أفضل الصيام".

[الباب التاسع] باب تطوع المسافر والغازي بالصوم

39/ 1743 - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يُفْطِرُ أيَّامَ البِيض في حَضَرٍ وَلا سَفَر. رَوَاهُ النَّسائيُّ)

(2)

. [حسن]

40/ 1744 - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَامَ يَوْمًا في سَبِيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا أبا دَاوُدَ)

(3)

. [صحيح]

الحديث الأول في إسناده يعقوب بن عبد الله القُمِّي

(4)

، وجعفر بن أبي المغيرة القمي

(5)

، وفيهما مقال.

(1)

تقدم برقم (1739) من كتابنا هذا.

(2)

في سننه رقم (2345) وهو حديث حسن.

(3)

أخرجه أحمد في المسند (3/ 26) والبخاري رقم (2840) ومسلم رقم (168/ 1153) والترمذي رقم (1623) والنسائي رقم (2245) وابن ماجه رقم (1717).

وهو حديث صحيح.

(4)

قال الحافظ في "التقريب"(رقم الترجمة: 7822): يعقوب بن عبد الله بن سعد الأشعري، أبو الحسن القُمِّي، صدوق يهم، من الثامنة

وقال المحرران: صدوق حسن الحديث، فقد وثقه الطبراني، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات" والذهبي في كتابه "من تُكُلِّم فيه وهو موثق" وقال: صالح الحديث، وأثنى عليه أبو نعيم الأصبهاني، وقال الدارقطني وحده: ليس بالقوي.

قلت: حديثه حسن للاختلاف فيه.

(5)

قال الحافظ في "التقريب"(رقم الترجمة: 960): جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي، القمي، قيل: اسم أبي المغيرة: دينار: صدوق يهم من الخامسة

=

ص: 443

وفيه دليل على استحباب صيام أيام البيض في السفر، ويلحق بها صوم سائر التطوعات المرغب فيها.

والحديث الثاني يدل على استحباب صوم المجاهد؛ لأن المراد بقوله في سبيل الله: الجهاد.

قال النووي

(1)

: وهو محمول على من لا يتضرر به ولا يفوِّت به حقًّا ولا يختل قتاله ولا غيره من مهمات غزوه. ومعناه المباعدة عن النار والمعافاة منها مسيرة سبعين سنة

(2)

.

[الباب العاشر] باب في أن صوم التطوع لا يلزم بالشروع

41/ 1745 - (عَنْ أبي جُحَيْفَةَ قالَ: آخَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمانَ وأبي الدَّرْدَاء، فَزَارَ سَلْمَانُ أبا الدَّرْدَاء، فَرأى أُمَّ الدَّرْدَاء مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: ما شأنُكِ؟ قالَتْ: أخُوكَ أبُو الدَّرْدَاء لَيْسَ لَهُ حاجَةٌ في الدُّنْيا، فَجاءَ أبُو الدَّرْدَاء فَصَنَعَ لَهُ طَعامًا، فَقالَ: كُلْ فإني صَائِمٌ، فَقالَ: ما أنا بِآكِلٍ حتَّى تأكُلَ فأكَلَ، فَلَمَّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدَّرْدَاء يَقُومُ، قالَ: نَمْ فَنامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقالَ: نَمْ؛ فَلَمَّا كانَ

= وقال المحرران: بل ثقة، وثقة أحمد بن حنبل فيما نقله عنه ابن شاهين في "ثقاته"، وذكره ابن حبان في "الثقات" وروى عنه جمع، ولا نعلمُ أحدًا تكلم فيه سوى قول ابن منده فيما نقله مغلطاي: ليس بالقوي في سعيد بن جبير وهو قولٌ انفرد به.

(1)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 33).

(2)

قال النووي في "المجموع"(6/ 443 - 444): فرع في تسمية بعض الأعلام من السلف والخلف ممن صام الدهر، غير أيام النهي الخمسة - العيدين والتشريق فمنهم عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو طلحة الأنصاري، وأبو أمامة وامرأته، وعائشة رضي الله عنهم.

وذكر البيهقي ذلك عنهم بأسانيده - وحديث أبي طلحة في صحيح البخاري.

ومنهم سعيد بن المسيب، وأبو عمرو بن حِماس، وسعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف التابعي، سرده أربعين سنة، والأسود بن يزيد صاحب ابن مسعود. ومنهم البويطي، وشيخنا أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد المقدسي الفقيه الإمام الزاهد".

ص: 444

مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. قالَ سَلْمانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيا، فَقالَ لهُ سَلْمانُ: إنَّ لِربّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقّ حَقَّهُ؛ فأتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ لَهُ ذلكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"صَدَقَ سَلْمَانُ". رَوَاهُ البُخارِيُّ

(1)

وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ)

(2)

. [صحيح]

قوله: (متبذلة)

(3)

بفتح المثناة الفوقية والموحدة بعدها وتشديد الذال المعجمة المكسورة. أي لابسة ثياب البذلة - بكسر الموحدة وسكون الذال - وهي المهنة وزنًا ومعنًى، والمراد أنها تاركة للبس ثياب الزينة.

وفي رواية للكشميهني

(4)

: "مبتذلة" بتقديم الموحدة وتخفيف الذال المعجمة والمعنى واحد.

قوله: (ليست له حاجة في الدنيا)، زاد ابن خزيمة

(5)

: "يصوم النهار ويقوم الليل".

قوله: (فقال: كُلْ)، القائل أبو الدرداء على ظاهر هذه الرواية وهي لفظ الترمذي

(6)

، ولفظ البخاري

(7)

: "فقال: "كُلْ، قال: فإني صائم"، فيكون القائل سلمان.

قوله: (فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل)[و]

(8)

في رواية للبزار

(9)

: "فقال: أقسمت عليك لتفطرن"، وكذا رواه ابن خزيمة

(10)

والدارقطني

(11)

والطبراني

(12)

وابن حبان

(13)

.

(1)

في صحيحه رقم (1968).

(2)

في سننه رقم (2413) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وهو حديث صحيح.

(3)

النهاية لابن الأثير (1/ 111).

(4)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 210).

(5)

في صححه رقم (2144).

(6)

في سننه رقم (2413) وقد تقدم.

(7)

في صحيحه رقم (1968) وقد تقدم.

(8)

زيادة من المخطوط (ب).

(9)

لم أقف عليه في المسند المطبوع.

(10)

في صحيحه رقم (2144).

(11)

في سننه (2/ 176 رقم 20).

(12)

في المعجم الكبير (ج 6 رقم 6056).

(13)

في صحيحه رقم (320).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 199 - 200) وقال: رواه الطبراني في الكبير وهو مرسل ورجاله رجال الصحيح.

ص: 445

قوله: (فلما كان من آخر الليل)، [و]

(1)

في رواية ابن خزيمة

(2)

: "فلما كان عند السحر"، وعند الترمذي

(3)

: "فلما كان عند الصبح"، وللدارقطني

(4)

: "فلما كان في وجه الصبح".

قوله: (ولأهلك عليك حقًّا)، زاد الترمذي (3) وابن خزيمة (2):"ولضيفك عليك حقًّا"، وزاد الدارقطني (4):"فصم وأفطر وصل ونم وائت أهلك".

قوله: (صدق سلمان)، فيه دليل على مشروعية النصح للمسلم وتنبيه من غفل.

وفضل قيام آخر الليل.

وثبوت حق المرأة على الزوج في حسن العشرة.

وجواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة، وكراهة الحمل على النفس في العبادة، وجواز الفطر من صوم التطوع

(5)

، وسيأتي الكلام عليه.

42/ 1746 - (وَعَنْ أُمّ هانئ: أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْها فَدَعا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، أما إني كُنْتُ صَائمةً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"الصَّائِمُ المُتَطَوّعُ أمِيرُ نَفْسِهِ، إنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(6)

والتِّرْمِذِيُّ

(7)

. [إسناده ضعيف]

وفي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم شَرِبَ شَرَابًا، فَنَاوَلَها لتَشْرَبَ، فَقَالَتْ: إني

(1)

زيادة من المخطوط (ب).

(2)

في صحيحه رقم (2144).

(3)

في سننه رقم (2413) وقد تقدم.

(4)

في سننه (2/ 176 رقم 20).

(5)

وهناك فوائد أخرى للحديث: الفتح (4/ 211 - 212).

(6)

في المسند (6/ 341) بسند ضعيف لجهالة جعدة، وضعف مولى أم هانئ باذام.

(7)

في سننه رقم (732) وقال: حديث أم هانئ في إسناده مقال.

قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (1618) والنسائي في السنن الكبرى رقم (3288) وقال أبو عبد الرحمن: لم يسمعه جعدة من أمِّ هانئ.

والعقيلي في "الضعفاء"(1/ 206) وابن عدي في الكامل (2/ 601) والدارقطني (2/ 174 رقم 9) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 276 - 277) وفي معرفة السنن والآثار (6/ 338 - 339).

ص: 446

صَائَمةٌ وَلَكنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فَقَالَ: يَعْنِي "إنْ كَانَ قَضَاءً مِنْ رَمَضَانَ فاقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوّعًا، فَإِنْ شِئْتِ فاقْضِي، وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِي"، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَأَبُو دَاوُدَ

(2)

بِمَعْناهُ). [إسناده ضعيف]

43/ 1747 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "أُهْدِيَ لحَفْصَةَ طَعامٌ وَكُنَّا صَائِمَتَيْنِ فأفْطَرْنا ثُمَّ دَخَل رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْنا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا أُهْدِيتْ لَنَا هَدِيَّةٌ وَاشْتَهَيْنَاها فَأَفْطَرْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا عَلَيْكُمَا صُومَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ

(3)

. وَهَذَا أَمْرُ نَدْبٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "لا عَلَيْكُمَا"). [ضعيف]

حديث أم هانئ أخرجه أيضًا الدارقطني

(4)

والطبراني

(5)

والبيهقي

(6)

وفي إسناده سماك وقد اختلف عليه فيه.

وقال النسائي

(7)

: سماك ليس يعتمد عليه إذا انفرد.

وقال البيهقي: في إسناده مقال، وكذلك قال الترمذي

(8)

.

وفي إسناده أيضًا هارون ابن أم هانئ. قال ابن القطان

(9)

: لا يعرف.

(1)

في المسند (6/ 342، 343 - 344) بسند ضعيف.

(2)

في سننه رقم (2456). قلت: وأخرجه الترمذي رقم (731).

والنسائي في السنن الكبرى (3291) والطبراني في الكبير (ج 24/ رقم 991) والبغوي في شرح السنة رقم (1813) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 308) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، رقم (3153) وغيرهم.

(3)

في سننه رقم (2457) وهو حديث ضعيف.

(4)

في سننه (2/ 174 رقم 9) وقد تقدم.

(5)

في المعجم الكبير (ج 24/ رقم 991) وقد تقدم.

(6)

في السنن الكبرى (4/ 276 - 277) وفي معرفة السنن والآثار (6/ 338 - 339) وقد تقدم.

(7)

انظر: السنن الكبرى (3/ 368).

(8)

في السنن (3/ 110).

(9)

في الوهم والإيهام (3/ 434 رقم 1185) ولفظه: "

إلا أن العلة لم يبينها، وهي الجهل بحال هارون بن أم هانئ، أو ابن ابنة أم هانئ، فكل ذلك قيل فيه، وهو لا يعرف أصلًا".

قلت: وفيه علة أخرى: وهي اضطراب سماك بن حرب فيه كما قال النسائي وغيره.

ص: 447

وفي إسناده أيضًا يزيد بن أبي زياد الهاشمي. قال ابن عدي

(1)

: يكتب حديثه.

وقال الذهبي

(2)

: صدوق رديء الحفظ.

وقد غلط سماك في هذا الحديث فقال في بعض الروايات: إن ذلك كان يوم الفتح وهي عند النسائي

(3)

والطبراني

(4)

، ويوم الفتح كان في رمضان فكيف يتصور أن تكون صائمة قضاء أو تطوعًا.

وحديث عائشة أخرجه أيضًا النسائي

(5)

، وفي إسناده زميل

(6)

. قال النسائي: ليس بالمشهور. وقال الخطابي: لا يعرف لزميل سماع من عروة ولا ليزيد، يعني يزيد بن الهاد سماع من زميل ولا تقوم به الحجة. وقال الخطابي

(7)

: إسناده ضعيف وزميل مجهول.

وأخرج الحديث الترمذي

(8)

بلفظ: "اقضيا يومًا آخر مكانه".

(1)

في "الكامل"(7/ 2730).

(2)

في "الكاشف"(3/ 243 رقم الترجمة 6417).

قلت: وانظر: "تهذيب التهذيب"(4/ 413 - 414).

(3)

في السنن الكبرى رقم (3288).

(4)

في الأوسط رقم (1612).

(5)

في السنن الكبرى (3277).

قلت: وأخرجه أحمد (6/ 263) والترمذي رقم (735).

قال الترمذي: ورواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلًا ولم يذكروا فيه "عن عروة" وهذا أصح.

قلت: رواية مالك في الموطأ (1/ 306) ومن طريقه أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 108).

ورواية معمر عند عبد الرزاق في المصنف رقم (7790).

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

(6)

زميل عن مولاه عروة بن الزبير، وعنه يزيد بن الهاد، قال البخاري: لا تقوم به الحجة.

وقواه ابن حبان.

الميزان (2/ 81 رقم الترجمة 2905) والثقات (6/ 347).

(7)

في معالم السنن (2/ 826 - مع السنن).

(8)

في السنن رقم (735) وهو حديث ضعيف.

ص: 448

وقال

(1)

: رواه ابن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا يعني مرفوعًا.

ورواه مالك بن أنس

(2)

ومعمر

(3)

وعبيد الله بن عمر

(4)

وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلًا، ولم يذكروا فيه عروة وهذا أصح.

لأنه روي عن ابن جريج

(5)

قال: سألت الزهري قلت له: أحدثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من أناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث فذكره، ثم أسنده كذلك.

وقال النسائي

(6)

: هذا خطأ.

وقال ابن عيينة في روايته (7): سئل الزهري عنه أهو عن عروة؟ فقال: لا.

وقال الخلال

(7)

: اتفق الثقات على إرساله، وتوارد الحفاظ على الحكم بضعفه، وضعفه أحمد والبخاري

(8)

والنسائي

(9)

بجهالة زميل.

وفي الباب عن عائشة غير الحديث المذكور "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟ فقدمت له حيسًا، فقال: لقد أصبحت صائمًا فأكل منه"، وقد تقدم

(10)

في باب وجوب النية، وزاد النسائي

(11)

: "فأكل وقال:

(1)

أي الترمذي في السنن (3/ 112 - 113).

(2)

في الموطأ (1/ 306) ومن طريقه أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 108).

(3)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (7790) وإسحاق بن راهويه رقم (659) والنسائي في السنن الكبرى (3283).

(4)

أخرجه النسائي في السنن الكبرى رقم (3284).

(5)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (7791).

(6)

في السنن الكبرى (3/ 363).

(7)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 212).

(8)

قال الترمذي في "العلل الكبير"(1/ 352): سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: لا يصح حديث الزهري عن عروة عن عائشة.

(9)

في السنن الكبرى (3/ 362 - 363).

(10)

تقدم تخريجه برقم (1638) من كتابنا هذا.

(11)

في السنن الكبرى رقم (3286). =

ص: 449

أصوم يومًا مكانه". قال النسائي

(1)

: هي خطأ: يعني الزيادة، ونسب الدارقطني الوهم فيها إلى محمد بن عمرو الباهلي، ولكن رواها النسائي

(2)

من غير طريقه وكذا الشافعي

(3)

.

وفي الباب أيضًا عن أبي سعيد عند البيهقي

(4)

بإسناد قال الحافظ

(5)

: حسن، قال:"صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا، فلما وضع قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر فصم مكانه إن شئت".

والأحاديث المذكورة في الباب تدل على أنه يجوز لمن صام تطوعًا أن يفطر لا سيما إذا كان في دعوة إلى طعام أحد من المسلمين.

ويدل على أنه يستحب للمتطوع القضاء لذلك اليوم. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور من أهل العلم

(6)

.

وحكى الترمذي

(7)

عن قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا عليه القضاء إذا أفطر، قال: وهو قول مالك بن أنس

(8)

، واستدلوا بحديث عائشة

= قال أبو عبد الرحمن: هذا اللفظ خطأ، قد روى هذا الحديث جماعة عن طلحة، فلم يذكر أحدًا منهم:"ولكن أصومُ يومًا مكانه".

(1)

في السنن الكبرى (3/ 364).

(2)

في السنن الكبرى رقم (3278).

(3)

في الأم (2/ 649 رقم 722).

(4)

في السنن الكبرى (4/ 279) وهو منقطع.

(5)

في "الفتح"(4/ 210).

(6)

قال النووي في "المجموع"(6/ 447): فرع في مذاهب العلماء في الشروع في صوم التطوع

قد ذكرنا أن مذهبنا - أي الشافعية - أنه يستحب البقاء فيهما، وأن الخروج منهما بلا عذر ليس بحرام، ولا يجب قضاؤهما.

وبهذا قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وسفيان الثوري، وأحمد وإسحاق.

وقال أبو حنيفة: يلزمه الإتمام، فإن خرج منهما لعذر لزمة القضاء ولا إثم، وإن خرج بغير عذر لزمه القضاء وعليه الإثم.

وقال مالك وأبو ثور: يلزمه الإتمام، فإن خرج بلا عذر لزمه القضاء، وإن خرج بعذر فلا قضاء

" اهـ.

(7)

في السنن (3/ 110).

(8)

قال القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي في "عيون المجالس"(2/ 667) مسألة: إذا =

ص: 450

المذكور

(1)

، وبحديث أبي سعيد

(2)

في الباب.

وأجيب عن ذلك بما في حديث أم هانئ

(3)

من التخيير، فيجمع بينه وبين حديث عائشة، وأبي سعيد بحمل القضاء على الندب.

ويدل على جواز الإفطار وعدم وجوب القضاء حديث أبي جحيفة المتقدم

(4)

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرر ذلك ولم يبين لأبي الدرداء وجوب القضاء عليه.

وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز

(5)

.

قال ابن المنير

(6)

: ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}

(7)

إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان (4).

وقال ابن عبد البر

(8)

: من احتج في هذا بقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (7)، فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله.

وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرض الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب وهم لا يقولون بذلك

(9)

، انتهى.

= شرع إنسان في صوم تطوع لزمه إتمامه، وإن خرج منه لغير عذر فعليه القضاء. وإن خرج منه لعذر فلا قضاء عليه.

(1)

تقدم برقم (1747) من كتابنا هذا. وهو حديث ضعيف.

(2)

المتقدم آنفًا أخرجه البيهقي (4/ 279) وهو منقطع.

(3)

تقدم برقم (1746) من كتابنا هذا. بإسناد ضعيف.

(4)

تقدم برقم (1745) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.

(5)

انظر: البحر المحيط (3/ 501) والإحكام للآمدي (3/ 49 - 55).

(6)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 213).

(7)

سورة محمد: الآية (33).

(8)

في الاستذكار (10/ 208 رقم 14574 - 14576).

(9)

انظر: "جامع البيان"(13/ ج 26/ 63) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (13/ 81 - 82).

ص: 451

ولا يخفى أن الآية عامة، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول

(1)

.

فالصواب ما قال ابن المنير.

قوله: (لا عليكما) فيه دليل على أنه يجوز لمن كان صائمًا عن قضاء أن يفطر ولا إثم عليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل هل الصوم قضاء أو تطوع؟ ويؤيد ذلك قوله في حديث أم هانئ

(2)

: "إن كان قضاء من رمضان فاقضي يومًا مكانه".

قوله: (يعني)، هذه اللفظة ليست في متن الحديث.

[الباب الحادي عشر] باب ما جاء في استقبال رمضان باليوم واليومين وغير ذلك

44/ 1748 - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ)

(3)

. [صحيح]

45/ 1749 - (وَعَنْ مُعَاوَيةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ على المِنْبَرِ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ: "الصيام يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَنَحْنُ مَتَقَدِّمون فَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَقَدَّمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَأخَّرْ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ

(4)

. [ضعيف]

(1)

تقدم الكلام على هذه المسألة، ولمزيد من المعرفة انظر:"إرشاد الفحول" ص 454 بتحقيقي، وتيسير التحرير (1/ 257) والبحر المحيط (3/ 198).

(2)

تقدم برقم (1746) من كتابنا هذا.

(3)

أخرجه أحمد (2/ 521) والبخاري رقم (1914) ومسلم رقم (21/ 1082) وأبو داود رقم (2327) والترمذي رقم (684) والنسائي رقم (2173) وابن ماجه رقم (1650).

وهو حديث صحيح.

(4)

في سننه رقم (1647).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 6): "هذا إسناد رجاله موثقون لكن قيل إن القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن لم يسمع من أحد من الصحابة سوى أبي أمامة.

قاله المزي في "التهذيب" والذهبي في "الكاشف".

وهو حديث ضعيف.

ص: 452

ويُحْمَلُ هَذَا على التَّقَدُّمِ بأكْثَر مِنْ يَوْمَيْنِ).

46/ 1750 - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُلٍ: "هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ "، قَالَ: لا، فَقَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"فإذَا أفْطَرْتَ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَينِ مَكانَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

وفي رِوَايَةٍ

(2)

لَهُمْ: "مِنْ سَرَرِ شَعْبان". [صحيح]

ويُحْمَلُ هَذَا على أن الرَّجُلَ كانَتْ لَهُ عادَةٌ بِصِيامِ سَرَرِ الشَّهْرِ أَوْ قَدْ نَذَرَهُ).

حديث معاوية في إسناده القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن مولى بني أمية

(3)

وفيه مقال، والهيثم بن حميد

(4)

وفيه أيضًا مقال.

قوله: (لا يتقدمن أحدكم إلخ).

قال العلماء: معنى الحديث: "لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان".

(1)

أحمد في المسند (4/ 428) والبخاري رقم (1983) ومسلم رقم (200/ 1161).

(2)

أحمد في المسند (4/ 443، 444) والبخاري رقم (1983) ومسلم رقم (201/ 1161).

(3)

القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي، وأبو عبد الرحمن، صاحب أبي أمامة: صدوق يُغرب كثيرًا من الثالثة

التقريب (رقم 5470).

قال المحرران: بل ثقة. وثقه البخاري، وابن معين، ويعقوب بن سفيان والترمذي، والجوزجاني، وأبو حاتم الرازي، ويعقوب بن شيبة السدوسي، وأبو إسحاق الحربي.

وضعفه المفضل بن غسان الغلابي، وابن حبان.

وقد أبان غير واحد من العلماء الجهابذة، مثل البخاري، وأبو حاتم، وابن معين: أن المناكير، في حديثه إنما تجيء من رواية بعض الضعفاء عنه مثل: جعفر بن الزبير، وعلي بن يزيد، وبشر بن نمير، ونحوهم.

على أن روايته عن كثير من الصحابة مرسلة، فقد قيل: إنه لم يسمع من أحد من الصحابة سوى أبي أمامة" اهـ.

(4)

الهيثم بن حميد الغساني مولاهم، أبو أحمد أو أبو الحارث: صدوق رمي بالقدر من السابعة. التقريب (رقم 7362).

قال المحرران: بل ثقة. وثقه ابن معين، ودحيم، وأبو داود، وابن شاهين والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات.

وانفرد أبو مسهر بتضعيفه، ولعل ذلك بسبب قوله بالقدر، ولا يُعتد بمثل هذا التضعيف".

ص: 453

قال الترمذي

(1)

: لما أخرج هذا الحديث العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان بمعنى رمضان، انتهى.

وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب فيمن يقصد ذلك.

وقد قطع كثير من الشافعية

(2)

بأن ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان.

واستدلوا بحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"، أخرجه أصحاب السنن

(3)

وصححه ابن حبان

(4)

وغيره.

وقال الروياني

(5)

من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث الباب، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر.

وقال جمهور العلماء

(6)

: يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان، وضعفوا الحديث الوارد في النهي عنه.

وقد قال أحمد

(7)

وابن معين: إنه منكر.

وقد استدل البيهقي

(8)

على ضعفه بحديث الباب، وكذا صنع قبله الطحاوي

(9)

واستظهر بحديث أنس مرفوعًا: "أفضل الصيام بعد رمضان شعبان" لكن إسناده ضعيف كما تقدم.

(1)

في سننه (3/ 69).

(2)

انظر: المجموع شرح المهذب (6/ 453 - 454).

(3)

أبو داود رقم (2337) والترمذي رقم (738) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

والنسائي في الكبرى رقم (2923) وابن ماجه رقم (1651).

(4)

في صحيح رقم (3589).

وهو حديث صحيح.

(5)

في بحر المذهب (4/ 266).

(6)

المغني (4/ 325 - 327 رقم المسألة 483).

(7)

كما في المغني (4/ 327) والسنن الكبرى للبيهقي (4/ 209).

(8)

في السنن الكبرى (4/ 209).

(9)

في شرح معاني الآثار (2/ 83).

ص: 454

واستظهر أيضًا بحديث عمران بن حصين

(1)

المذكور في الباب لقوله فيه "من سرر شعبان".

والسِرر بفتح السين المهملة ويجوز كسرها وضمها، ويقال أيضًا: سَرار بفتح أوله وكسره، ورجح الفراء

(2)

الفتح وهو من الاستسرار.

قال أبو عبيدة (2) والجمهور المراد بالسرر هنا آخر الشهر، سميت بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين.

ونقل أبو داود

(3)

عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله.

ونقل الخطابي

(4)

عن الأوزاعي كالجمهور.

وقيل: السرر وسط الشهر، حكاه أبو داود أيضًا ورجحه بعضهم.

ووجهه بأن السرر جمع سرة، وسرة الشيء: وسطه.

ويؤيده الندب إلى صيام البيض وهي وسط [الشهر]

(5)

، وإنه لم يرد في صيام آخر الشهر ندب، بل ورد فيه نهي خاص بآخر شعبان لمن صامه لأجل رمضان.

ورجحه النووي

(6)

بأن مسلمًا أفرد الرواية التي فيها سرة هذا الشر عن بقية الروايات، وأردف بها الروايات التي فيها الحض على صيام البيض وهي وسط الشهر كما تقدم.

وقد قال الخطابي (4): إن بعض أهل العلم قال: [إن رسول الله صلى الله عليه وسلم (سؤاله) عن ذلك]

(7)

سؤال زجر وإنكار، لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين.

وتعقب بأنه لو أنكر ذلك لم يأمره بقضائه.

(1)

تقدم برقم (1750) من كتابنا هذا.

(2)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 231).

(3)

في السنن (2/ 747).

(4)

في معالم السنن (2/ 747 - مع السنن).

(5)

ما بين الخاصرتين زيادة من المخطوط (ب).

(6)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 49).

(7)

في "الفتح"(4/ 231): [سؤاله صلى الله عليه وسلم عن ذلك].

ص: 455

وأجاب الخطابي

(1)

باحتمال أن يكون الرجل أوجبها على نفسه، فلذلك أمره بالوفاء وأن يقضي ذلك في شوال.

وقال آخرون: فيه دليل على أن النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إنما هو لمن يقصد به التحري لأجل رمضان.

وأما من لم يقصد ذلك فلا يتناوله النهي، وهو خلاف ظاهر حديث النهي لأنه لم يستثن منه إلا من كانت له عادة.

وقال القرطبي

(2)

: الجمع بين الحديثين ممكن بحمل النهي على من ليست له عادة بذلك، وحمل الأمر على من له عادة، وهذا هو الظاهر، وقد استثنى من له عادة في حديث النهي بقوله:"إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصمه" فلا يجوز صوم النفل المطلق الذي لم تجر به عادة.

وكذلك يحمل حديث معاوية

(3)

المذكور في الباب بعد ثبوته على من كان معتادًا للصوم في ذلك الوقت.

وأما قول المصنف

(4)

: إنه يحمل على المتقدم بأكثر من يومين، فغير ظاهر؛ لأن حديث العلاء بن عبد الرحمن المتقدم

(5)

يدل على المنع من صوم النصف الآخر من شعبان.

وقد جمع الطحاوي

(6)

بين حديث النهي وحديث العلاء بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم. وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان.

قال في الفتح

(7)

: وهو جمع حسن.

وقد اختلف في الحكمة في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين،

(1)

في معالم السنن (2/ 746 - مع السنن).

(2)

في "المفهم"(3/ 234).

(3)

تقدم برقم (1749) من كتابنا هذا. وهو حديث ضعيف.

(4)

ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 201).

(5)

تقدم آنفًا أخرجه أصحاب السنن وابن حبان وهو حديث صحيح.

(6)

في شرح معاني الآثار (2/ 84).

(7)

(4/ 231).

ص: 456

فقيل: هي التقوي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وفيه نظر لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام أو أربعة أيام جاز.

وقيل: الحكمة خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر لأنه يجوز لمن له عادة كما تقدم.

وقيل: لأن الحكم معلق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم.

قال في الفتح

(1)

: وهذا هو المعتمد، ولا يرد عليه صوم من اعتاد ذلك لأنه قد أذن له فيه، وليس من الاستقبال في شيء، ويلحق به القضاء والنذر لوجوبهما.

قال بعض العلماء: يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعي بالظني.

وفي حديث أبي هريرة بيان لمعنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الماضي

(2)

: "صوموا لرؤيته"، فإن اللام فيه للتأقيت لا للتعليل

(3)

.

قال ابن دقيق العيد

(4)

: ومع كونها محمولة على التأقيت فلا بد من ارتكاب مجاز؛ لأن وقت الرؤية وهي الليل لا يكون محل الصوم.

وتعقبه الفاكهي

(5)

بأن المراد بقوله: "صوموا" انووا الصيام، والليل كله ظرف للنية.

قال الحافظ

(6)

: فوقع في المجاز الذي فر منه؛ لأن الناوي ليس صائمًا حقيقة، [بدليل أنه]

(7)

يجوز له الأكل والشرب بعد النية إلى أن يطلع الفجر.

(1)

(4/ 128).

(2)

تقدم برقم (1631) من كتابنا هذا.

(3)

مغني اللبيب لابن هشام (1/ 213).

(4)

في إحكام الأحكام (2/ 205).

(5)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 128).

(6)

في "الفتح"(4/ 128).

(7)

في المخطوط (ب): (لأنه).

ص: 457

[الباب الثاني عشر] باب النهي عن صوم العيدين وأيام التشريق

47/ 1751 - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنْ صَوْم يَوْمَيْن: يَوْمِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(1)

.

وفِي لَفْظٍ لأحْمَدَ

(2)

وَالبُخارِي

(3)

: "لا صَوْمَ في يَوْمَيْنِ".

وَلِمُسْلِمٍ

(4)

: "لا يَصِح الصِّيامُ في يَوْمَيْنِ"). [صحيح]

وفي الباب عن عمر بن الخطاب

(5)

وأبي هريرة

(6)

وابن عمر

(7)

بنحو حديث الباب، وهي في صحيح البخاري ومسلم، وتفرد به مسلم

(8)

من حديث عائشة.

قال النووي في شرح صحيح مسلم

(9)

: وقد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك.

ولو نذر صومهما متعمدًا لعينهما، قال الشافعي

(10)

والجمهور: لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما.

وقال أبو حنيفة

(11)

: ينعقد ويلزمه قضاؤهما، قال: فإن صامهما أجزأه، وخالف الناس كلهم في ذلك، انتهى.

وبمثل قول أبي حنيفة قال المؤيد بالله (12) والإمام يحيى

(12)

.

(1)

أخرجه أحمد (3/ 96) والبخاري رقم (1991) ومسلم رقم (141/ 827).

(2)

في المسند (3/ 51 - 52).

(3)

في صحيحه رقم (1995).

(4)

في صحيحه رقم (140/ 827).

(5)

أخرجه البخاري (1990) ومسلم رقم (138/ 1137).

(6)

أخرجه البخاري رقم (1993) ومسلم رقم (139/ 1138).

(7)

أخرجه البخاري رقم (1994) ومسلم رقم (142/ 1139).

(8)

في صحيحه رقم (143/ 1140).

(9)

(8/ 15).

(10)

المجموع (6/ 483).

(11)

البناية في شرح الهداية (3/ 733 - 734) وشرح فتح القدير لابن الهمام (2/ 389).

(12)

البحر الزخار (2/ 260).

ص: 458

وقال زيد بن علي

(1)

والهادوية (1): يصح النذر بصيامهما ويصوم في غيرهما، ولا يصح صومه فيهما، وهذا إذ نذر صومهما بعينهما كما تقدم.

وأما إذا نذر صوم يوم الاثنين مثلًا فوافق يوم العيد، فقال النووي

(2)

: لا يجوز له [صوم]

(3)

العيد بالإجماع.

قال

(4)

: وهل يلزمه القضاء؟ فيه خلاف للعلماء، وفيه للشافعي

(5)

قولان: أصحهما لا يجب قضاؤه؛ لأن لفظه لم يتناول القضاء، [وإنما]

(6)

يجب قضاء الفرائض بأمر جديد على المختار عند الأصوليين اهـ.

والحكمة في النهي عن صوم العيدين أن فيه إعراضًا عن ضيافة الله تعالى لعباده كما صرح بذلك أهل الأصول.

48/ 1752 - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ وأوْسَ بْنَ الحَدَثانَ أيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَيا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَأَيَّامُ مِنى أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(7)

وَمُسْلِمٌ)

(8)

. [صحيح]

49/ 1753 - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ أُنادِيَ أيَّامَ مِنى إِنَّهَا أَيَّامُ أكلٍ وَشَرَابٍ وَلا صَوْمَ فِيها، يَعْنِي أيَّام التَّشْرِيقِ. رَوَاهُ أحْمَدُ)

(9)

. [صحيح لغيره]

(1)

البحر الزخار (2/ 260).

(2)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 16).

(3)

في المخطوط (ب): (أن يصوم).

(4)

أي النووي في شرحه لصحيح مسلم (8/ 16).

(5)

الأم (3/ 262 - 263).

(6)

في المخطوط (ب): (وكذا).

(7)

في المسند (3/ 460).

(8)

في صحيحه رقم (145/ 1142).

قلت: وأخرجه الطبراني في الكبير (ج 19 رقم 191) وفي الصغير رقم (81 - الروض الداني) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 260) وعبد بن حميد في المنتخب رقم (374).

وهو حديث صحيح.

(9)

في المسند (1/ 169) بسند ضعيف لضعف محمد بن أبي حميد.

قلت: وأخرجه البزار في المسند (رقم 1067 - كشف).

• وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب، أخرجه أحمد في المسند (1/ 76) بسند صحيح.

وخلاصة القول: أن حديث سعد بن أبي وقاص حديث صحيح لغيره.

ص: 459

50/ 1754 - (وَعَنْ أنَس: أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ صَوْم خَمْسَةِ أَيّامٍ في السَّنَةِ: يَوْمِ الفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ، وَثَلاثَةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. رَوَاهُ الدارَقُطْنِيُّ

(1)

. [إسناده ضعيف]

وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلا لمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ

(2)

. [صحيح]

وَلَهُ

(3)

عَنْهُما أنهُما قالا: الصّيامُ لِمْن تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجّ إلى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أيَّامَ مِنى). [صحيح]

حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه أيضًا البزار

(4)

. قال في مجمع الزوائد

(5)

: ورجالهما يعني أحمد والبزار رجال الصحيح.

وحديث أنس في إسناده محمد بن خالد الطحان

(6)

وهو ضعيف.

وفي الباب عن عبد الله بن حذافة السهمي عند الدارقطني

(7)

بلفظ: "لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال"، يعني أيام منى، وفي إسناده الواقدي

(8)

.

وعن أبي هريرة عند الدارقطني

(9)

، وفي إسناده سعد بن سلام وهو قريب من الواقدي، وفيه أن المنادي بديل بن ورقاء.

(1)

في السنن (2/ 212 رقم 34) وقال: قال عثمان: ما كتبناه إلا عن محمد بن خالد - الطحان -.

قلت: محمد بن خالد الطحان ضعيف جدًّا.

(2)

في صحيحه رقم (1997، 1998).

(3)

أي: للبخاري في صحيحه رقم (1999).

(4)

في المسند (رقم 1067 - كشف).

(5)

(3/ 202).

(6)

محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي الطحان، عن أبيه.

قال يحيى: كان رجل سوء. وقال مرة: لا شيء.

وقال ابن عدي: أشد ما أنكر عليه أحمد ويحيى روايته عن أبيه، عن الأعمش. ثم له مناكير غير ذلك.

وقال أبو زرعة: ضعيف. توفي سنة أربعين ومائتين.

[الميزان (3/ 533 رقم الترجمة 7467)].

(7)

في سننه (2/ 212 رقم 32) وقال: الواقدي ضعيف.

(8)

ضعيف تقدم مرارًا.

(9)

لم أقف عليه في سنن الدارقطني، والله أعلم.

ص: 460

وأخرجه أيضًا ابن ماجه

(1)

من وجه آخر وابن حبان

(2)

.

وعن ابن عباس عند الطبراني

(3)

بنحو حديث عبد الله بن حذافة، وفيه:"والبعال وقاع النساء".

وفي إسناده [إبراهيم بن

(4)

] إسماعيل بن أبي [حبيبة]

(5)

وهو ضعيف

(6)

.

وعن عمر بن خلدة عن أبيه

(7)

عند أبي يعلى، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه بنحوه، وفي إسناده موسى بن عبيدة الرَّبْذِي، وهو ضعيف.

وعن ابن مسعود بن الحكم عن أمه عند النسائي

(8)

: "أنها رأت وهي بمنى

(1)

في سننه رقم (1719).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 26): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".

(2)

في صحيحه رقم (3651) بسند حسن.

وهو حديث حسن، والله أعلم.

(3)

في المعجم الكبير (ج 11 رقم 11587).

وحسن الهيثمي إسناده في "مجمع الزوائد"(3/ 203).

مع ما ستعلم من حال إبراهيم بن إسماعيل، وداود بن الحصين، وذلك للشواهد.

(4)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (أ) و (ب). وأثبتته من معجم الطبراني الكبير رقم (11587).

(5)

في المخطوط (أ)(حبيب) والمثبت من المخطوط (ب).

(6)

إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، أبو إسماعيل. قال النسائي: ضعيف.

وقال أحمد: ثقة. وقال ابن معين مرة: صالح الحديث. ومرة: ليس بشيء.

وقال الدارقطني: ليس بالقوي.

[المجروحين (1/ 109) والجرح والتعديل (2/ 83) والميزان (1/ 19)].

(7)

لم أقف على حديث عمر بن خلدة عن أبيه، وكذلك لم أقف على من أخرجه.

• قلت: بل ورد من حديث عمر بن الخطاب عند البخاري رقم (1990) و (5571) ومسلم رقم (1137) وأبو داود رقم (2416) وابن ماجه رقم (1722) وأبو يعلى رقم (150، 232، 238) وابن الجارود في المنتقى رقم (401) وابن خزيمة رقم (2959) وابن حبان رقم (3600) والبغوي في شرح السنة رقم (1795) والحميدي رقم (8) وابن أبي شيبة (3/ 103، 104) ومالك في الموطأ (1/ 178) وأحمد في المسند (1/ 24) من طرق.

وهو حديث صحيح.

(8)

في السنن الكبرى رقم (2892). =

ص: 461

في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبًا يصيح يقول: يا أيها الناس إنها أيام أكل وشرب ونساء وبعال وذكر الله، قالت فقلت: من هذا؟ فقالوا: علي بن أبي طالب".

وأخرجه البيهقي

(1)

من هذا الوجه لكن قال: إن جدَّته حدَّثته.

وأخرجه ابن يونس في تاريخ مصر من طريق يزيد بن الهاد عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قال يزيد: فسألت عنها، فقيل: إنها جدته.

وعن نبيشة الهذلي عند مسلم في صحيحه

(2)

بلفظ: "أيام التشريق أيام أكل وشراب".

وأخرجه ابن حبان

(3)

عن أبي هريرة بنحوه.

وأخرجه النسائي

(4)

عن بشر بن سحيم بنحوه.

وعن عقبة بن عامر عند أصحاب السنن

(5)

وابن حبان

(6)

= قلت: وأخرجه أبو يعلى رقم (461) وابن خزيمة رقم (2147) والحاكم (1/ 534 - 535) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وهو حديث صحيح لغيره.

(1)

في السنن الكبرى (4/ 298).

(2)

في صحيحه رقم (144/ 1141).

قلت: وأخرجه أحمد في المسند (5/ 75) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 245) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 297) وغيرهم.

وهو حديث صحيح.

(3)

في صحيحه رقم (3602).

قلت: وأخرجه أحمد في المسند (2/ 229) وأبو يعلى رقم (6023) والطحاوي في شرح معاني الآثار (2/ 245).

وهو حديث صحيح لغيره.

(4)

في السنن الكبرى رقم (2904).

قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (4/ 20 - 21) وابن ماجه رقم (1720) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" رقم (996) وغيرهم.

وهو حديث صحيح.

(5)

أبو داود رقم (2419) والترمذي رقم (773) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في "المجتبى" رقم (3004) وفي الكبرى رقم (2832).

(6)

في صحيحه رقم (3603).

ص: 462

والحاكم

(1)

والبزار

(2)

بلفظ: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيام التشريق أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومها أحد".

وعن عمرو بن العاص عند أبي داود

(3)

: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يأمر بإفطارها وينهى عن صيامها".

وقد استدل بهذه الأحاديث على تحريم أيام التشريق، وفي ذلك خلاف بين الصحابة فمن بعدهم.

قال في الفتح

(4)

: وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقًا.

وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقًا، وهو المشهور عن الشافعي

(5)

.

وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك

(6)

والشافعي

(7)

في القديم.

وعن الأوزاعي

(8)

وغيره أيضًا يصومها المحصر والقارن، انتهى.

واستدل القائلون بالمنع مطلقًا بأحاديث الباب التي لم تقيد بالجواز للمتمتع.

(1)

في المستدرك (1/ 434) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

(2)

عزاه إليه الحافظ في "التلخيص"(2/ 376 - 377).

قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 104) و (3/ 21) والطبري في "تهذيب الآثار" في مسند عمر رقم (562) وابن خزيمة رقم (2100) والبغوي في شرح السنة رقم (1796) وغيرهم.

وهو حديث صحيح والله أعلم.

(3)

في سننه رقم (2418).

قلت: وأخرجه أحمد (4/ 197) والحاكم (1/ 435) والبيهقي (4/ 297 - 298) وابن خزيمة رقم (2961) وغيرهم.

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

(4)

(4/ 242).

(5)

المجموع (6/ 485).

(6)

التسهيل (3/ 831).

(7)

المجموع (6/ 485).

(8)

حكاه الحافظ في "الفتح"(4/ 242).

ص: 463

واستدل القائلون بالجواز للمتمتع بحديث عائشة وابن عمر المذكور في الباب

(1)

، وهذه الصيغة لها حكم الرفع.

وقد أخرجه الدارقطني

(2)

والطحاوي

(3)

بلفظ: "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق"، وفي إسناده يحيى بن سلام وليس بالقويّ، ولكنه يؤيد ذلك عموم الآية.

قالوا: وحمل المطلق على المقيد واجب

(4)

، وكذلك بناء العام على الخاص، وهذا أقوى المذاهب.

وأما القائل بالجواز مطلقًا فأحاديث الباب جميعًا ترد عليه.

قال في الفتح

(5)

: وقد اختلف في كونها، يعني أيام التشريق يومين أو ثلاثة.

قال: وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرَّق فيها: أي تنشر في الشمس.

وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.

وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس.

وقيل: التشريق: التكبير دبر كل صلاة، انتهى.

وحديث أنس

(6)

المذكور في الباب يدل على أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر.

* * *

(1)

تقدم بإثر الحديث رقم (1754) من كتابنا هذا.

(2)

في سننه (2/ 186 رقم 29) وقال: يحيى بن سلام ليس بالقوي.

(3)

في شرح معاني الآثار (2/ 243).

(4)

انظر: "إرشاد الفحول"(ص 542) والبحر المحيط (3/ 417).

(5)

(4/ 242).

(6)

تقدم برقم (1754) من كتابنا هذا.

ص: 464

[خامسًا][أبواب]

(1)

الاعتكاف

[الباب الأول الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وأحكام المعتكف]

1/ 1755 - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله عز وجل

(2)

. [صحيح]

2/ 1756 - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا

(3)

.

ولمُسْلِمٍ

(4)

: قَالَ نافِعٌ: وَقَدْ أرَانِي عَبْدُ الله المَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم). [صحيح]

3/ 1757 - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ العَشْرَة الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ فِي العامِ المُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرينَ. رَوَاهُ أحْمَدُ

(5)

وَالتِّرْمِذِيُّ

(6)

وَصححَهُ. [صحيح]

(1)

في المخطوط (أ) و (ب): (كتاب) وأبدلتها لضرورة التبويب.

(2)

أخرجه أحمد في المسند (6/ 232) والبخاري رقم (2026) ومسلم رقم (5/ 1172).

(3)

أخرجه أحمد في المسند (2/ 133) والبخاري رقم (2025) ومسلم رقم (1/ 1171).

(4)

في صحيحه رقم (2/ 1171).

(5)

في المسند (3/ 104).

(6)

في سننه رقم (803). قلت: وأخرجه ابن حبان رقم (3662، 3664) وابن خزيمة رقم (2226، 2227) والحاكم (1/ 439) والبيهقي (4/ 314) والبغوي في شرح السنة رقم (1834).

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الحاكم على شرط الشيخين.

وهو حديث صحيح.

ص: 465

ولأحْمَدَ

(1)

وأَبي دَاوُدَ

(2)

وَابْنِ مَاجَهْ

(3)

هَذَا المَعْنَى مِنْ رِوَايةِ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ). [صحيح]

هذه الأحاديث فيها دليل على مشروعية الاعتكاف، وهو متفق عليه كما قال النووي

(4)

وغيره.

قال مالك

(5)

: فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، انتهى.

ومن كلام مالك هذا أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي

(6)

وقال: إنه سنة مؤكدة.

وكذا قال ابن بطال

(7)

في مواظبة النبيّ ما يدل على تأكده.

وقال أبو داود

(8)

عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون.

وتعقب الحافظ في الفتح

(9)

قول مالك: إنه لم يعتكف من السلف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن وقال: لعله أراد صفة مخصوصة وإلا فقد حكي عن غير واحد من الصحابة أنه اعتكف.

(1)

في المسند (5/ 141).

(2)

في سننه رقم (2463).

(3)

في سننه رقم (1770).

قلت: وأخرجه النسائي في الكبرى رقم (3330) وعبد بن حميد رقم (181) وابن خزيمة رقم (2225) والحاكم (1/ 439) والبيهقي (4/ 314) والضياء في المختارة رقم (1271) من طرق.

وهو حديث صحيح.

(4)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 67) والمجموع (6/ 550).

(5)

في الاستذكار (10/ 304 رقم 14963).

(6)

في عارضة الأحوذي (4/ 2).

(7)

في شرحه لصحيح البخاري (4/ 181).

(8)

حكاه الحافظ في "الفتح"(4/ 272) عنه.

(9)

(4/ 272).

ص: 466

واعلم أنه لا خلاف في عدم وجوب الاعتكاف إلا إذا نذر به.

قوله: (يعتكف) الاعتكاف في اللغة

(1)

: هو الحبس واللزوم والمكث والإقامة والاستدارة. قال العجاج:

فَهُنَّ يَعْكِفْنَ بِهِ إِذَا حَجَا

عَكْفَ النَّبِيْط يَلْعَبُوْنَ الفَنْزَجَا

والنبيط

(2)

: قوم من العجم، والفنزج

(3)

بالفاء والنون والزاي والجيم: لعبة للعجم يأخذ كل واحد منهم بيد صاحبه ويستديرون راقصين.

قوله: (حَجَا) أي: أقام بالمكان.

وفي الشرع

(4)

: المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة.

قول: (العشر الأواخر من رمضان)، فيه دليل على استحباب مداومة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان لتخصيصه صلى الله عليه وسلم ذلك الوقت بالمدوامة على اعتكافه.

قوله: (اعتكف عشرين)، فيه دليل على أن من اعتاد اعتكاف أيام ثم لم يمكنه أن يعتكفها أنه يستحب له قضاؤها، وسيأتي أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف لما لم يعتكف العشر الأواخر من رمضان العشر الأواخر من شوال

(5)

.

4/ 1758 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا أَرَادَ أنْ يَعْتَكِف صَلَّى الفَجْرَ ثُم دَخَل مُعْتَكَفَهُ، وَأنَّهُ أمَرَ بِخِباء فَضُرِبَ لَمَّا أرادَ الاعْتِكَافَ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فأمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبائها فَضُرِبَ وَأمَرَتْ غيرها مِنْ أزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِخِبائها فَضُرِبَ؛ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الفَجْرَ نَظَرَ، فَإذَا الأخْبِيَةُ، فَقَالَ:"آلبِرَّ يُرِدْنَ؟ "، فأمَرَ "بِخِبائِهِ فَقُوّضَ وَتَرَكَ الاعْتِكافَ في شَهْرِ رَمَضَانَ

(1)

الصحاح للجوهري (4/ 1406).

(2)

القاموس المحيط (ص 890).

(3)

القاموس المحيط (ص 259).

(4)

المجموع شرح المهذب (6/ 500) والمغني (4/ 455).

(5)

كما سيأتي في الحديث رقم (4/ 1758).

ص: 467

حتَّى اعْتَكَفَ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ شَوال. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ

(1)

إلا التِّرْمِذِي

(2)

، لَكِنْ لَهُ مِنْهُ: كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ ثُم دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ). [صحيح]

قوله: (صلى الفجر ثم دخل معتكفه)، استُدِلَّ به على أن أوّل وقت الاعتكاف من أوّل النهار، وبه قال الأوزاعي

(3)

والليث والثوري.

وقال الأئمة الأربعة وطائفة

(4)

: يدخل قبيل غروب الشمس، وأوَّلوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما يخلو بنفسه في المكان الذي أعده الاعتكاف بعد صلاة الصبح.

قوله: (بخباء) بخاء معجمة [مكسورة]

(5)

ثم باء موحدة.

قوله: (وأمرت غيرها إلخ)، هذا يقتضي تعميم الأزواج وليس كذلك، فقد فسر قوله:"من أزواج النبي" بعائشة وحفصة وزينب فقط.

ويؤيد ذلك ما وقع في رواية للبخاري

(6)

بلفظ: "أربع قباب"، وفي رواية للنسائي

(7)

: "فلما صلى الصبح إذا هو بأربعة أبنية، قال: لمن هذه؟ قالوا: لعائشة وحفصة وزينب"[الحديث]

(8)

، والرابع خباؤه صلى الله عليه وسلم.

قوله: (آلبر) بهمزة استفهام ممدوة وبغير مد وبنصب الراء.

(1)

أحمد في المسند (6/ 226) والبخاري رقم (2033) ومسلم رقم (6/ 1173) وأبو داود رقم (2464) والنسائي رقم (709) وابن ماجه رقم (1771).

(2)

في سننه رقم (791).

وهو حديث صحيح.

(3)

قال ابن الملقن في "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"(5/ 434 - 435): "الثامن: استدل به الأوزاعي، والثوري، والليث في أحد قوليه: على ابتداء الاعتكاف والدخول فيه في أول النهار، وليس فيه دلالة عليه، فإن اعتكافه عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون قبل ذلك، ومجيئه إلى مكانه بعد صلاة الغداة للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة. لا أنه ابتدأ دخول المعتكف، ويكون المراد بمكانه الذي اعتكف فيه الموضوع الذي خصه بالاعتكاف من المسجد وأعده له، كيف ولفظه يشعر بذلك" اهـ.

(4)

المجموع شرح المهذب (6/ 516) والمغني (4/ 489 - 490).

(5)

زيادة من المخطوط (ب).

(6)

في صحيحه رقم (2041).

(7)

في سننه الكبرى رقم (3333).

(8)

ما بين الخاصرتين سقط من المخطوط (ب).

ص: 468

قوله: (يردن) بضم أوله وكسر الراء وسكون الدال ثم نون النسوة.

وفي رواية للبخاري

(1)

: "انزعوها فلا أراها".

قوله: (فقوض) بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة: أي نقض.

قوله: (وترك الاعتكاف) كأنَّ الحامل له صلى الله عليه وسلم على ذلك خشية أن يكون الحامل للزوجات المباهاة [و]

(2)

التنافس الناشئ عن الغيرة حرصًا على القرب منه خاصة، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه.

أو الحامل له على ذلك أنه يكون باعتبار اجتماع النسوة عنده يصير كالجالس في بيته، وربما يشغله ذلك عن التخلي لما قصد من العبادة فيفوت مقصوده بالاعتكاف.

قوله: (في العشر الأواخر من شوال)، في رواية في البخاري

(3)

: "حتى اعتكف في العشر الأول من شوال".

ويجمع بينه وبين الرواية الأولى بأن المراد بقوله: في العشر الأواخر من شوال انتهاء اعتكافه.

قال الإسماعيلي

(4)

: فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام، وسيأتي الكلام عليه.

وقال غيره: في اعتكافه في شوال دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضى.

قال المصنف

(5)

رحمه الله: وفيه أن النذر لا يلزم بمجرد النية، وأن السنن تقضى، وأن للمعتكف أن يلزم من المسجد مكانا بعينه، وأن من التزم اعتكاف أيام معينة لم يلزمه أول ليلة لها، انتهى.

واستدل به أيضًا على الجواز الخروج من العبادة بعد الدخول فيها.

(1)

في صحيحه رقم (2041).

(2)

في المخطوط (ب): (أو).

(3)

في صحيحه رقم (2041).

(4)

حكاه عنه الحافظ في الفتح (4/ 276).

(5)

ابن تيمية الجد في "المنتقى"(2/ 203 - 204).

ص: 469

وأجيب عن ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور فتركه فيكون دليلًا على جواز ترك العبادة إذا لم يحصل إلا مجرد النية كما قال المصنف.

5/ 1759 - (وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشُهُ أوْ يُوضَعَ لَهُ سَرِيرُهُ وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ. رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ)

(1)

. [ضعيف]

الحديث رجال إسناده في سنن ابن ماجه ثقات. وقد ذكره الحافظ في الفتح

(2)

عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا اعتكف إلخ"، ولم يذكر أنه مرفوع.

وفي صحيح مسلم

(3)

عن نافع أنه قال: وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف فيه من المسجد".

وفيه دليل على جواز طرح الفراش ووضع السرير للمعتكف في المسجد، وعلى جواز الوقوف في مكان معين من المسجد في الاعتكاف، فيكون مخصصًا للنهي عن إيطان المكان في المسجد، [يعني]

(4)

ملازمته، وقد تقدم الحديث في الصلاة.

6/ 1760 - (وَعَنْ عَائِشَةَ أنَّهَا كانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ وَهِيَ في حُجْرَتِها يُناوِلُها رأسَهُ، وَكَانَ لا يَدْخُل البَيْتَ إلَّا لحاجَةِ الإنْسانِ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا)

(5)

. [صحيح]

7/ 1761 - (وَعَنْها أيْضًا قَالَتْ: إنْ كُنْتُ لأدْخُلُ البَيْتَ للحاجَةِ وَالمَرِيضُ

(1)

في سننه رقم (1774).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 43 رقم 635/ 1774): "هذا إسناد صحيح رجاله موثقون". وذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 272) موقوفًا.

وهو حديث ضعيف.

(2)

في "الفتح"(4/ 272).

(3)

في صحيحه رقم (2/ 1171).

(4)

في المخطوط (ب): (أي).

(5)

أحمد في المسند (6/ 32، 50، 81، 86، 230، 235) والبخاري رقم (2046) ومسلم رقم (6/ 297).

ص: 470

فيه فَمَا أسألُ عَنْهُ إلَّا وأنا مارَّةٌ)

(1)

. [صحيح]

8/ 1762 - (وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيّ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفًا، فأتَيْتُهُ أزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ ثُم قُمْتُ لأنْقَلِبَ، فَقَام مَعِي ليَقْلِبَنِي، وَكَان مَسْكنُها في دَارِ أسامَةَ بْنِ زَيْدٍ

(2)

. مُتَّفَقٌ عَلَيْهنَّ). [صحيح]

قوله: (ترجل)، الترجيل

(3)

بالجيم: بالمشط والدهن.

فيه دليل على أنه يجوز للمعتكف التنظيف والطيب والغسل والحلق والتزيين إلحاقًا بالترجيل.

والجمهور

(4)

على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد.

وعن مالك

(5)

: يكره الصنائع والحرف حتى طلب العلم.

وفيه دليل على أن من أخرج بعض بدنه من المسجد لم يكن ذلك قادحًا في صحة الاعتكاف.

(1)

أحمد في المسند (6/ 81) والبخاري رقم (2046) ومسلم رقم (7/ 297).

(2)

أحمد في المسند (6/ 337) والبخاري رقم (2035) ومسلم رقم (24/ 2175).

(3)

النهاية لابن الأثير (2/ 203).

(4)

المغني لابن قدامة (4/ 483 - 484) والمجموع (6/ 563).

والتسهيل (3/ 839 - 840).

(5)

قال الشيخ مبارك بن علي التميمي المالكي في كتابه "التسهيل"(3/ 842): "وكره اشتغاله: بـ كتدريس، أي بأن يُعلِّم غيره علمًا غير عيني أو يتعلم هو علمًا غير عيني أيضًا، ولا يكره العيني متعلمًا أو معلمًا.

فإن قيل: الاشتغال بالعلم غير العيني أفضل من صلاة النافلة فلِمَ كره هنا واستحبت هي والذكر والقرآن؟ قيل: لأنه يحصل بالصلاة والذكر والقراءة والدعاء والتفكر في آلاء الله ما شرع الاعتكاف له من رياضة النفس، وتهذيبها، وتخلصها من صفاتها المذمومة غالبًا، وذلك لا يحصل بالاشتغال بالتعلم والتعليم.

ودخل بالكاف الكتابة ولو مصحفًا ما لم تكن لمعاشه.

ومحل الكراهة إن كثر ما ذكر من التعلم والتعليم والكتابة بأن يشغله عما ندب له فيه وإلا فلا.

وإذا كره التعليم ونحوه مما فيه الثواب ويتعدى نفعه للغير، فغيره من الصنائع الدنيوية والكلام المباح ونحوهما أولى

" اهـ.

ص: 471

قوله: (إلا لحاجة الإنسان) فسَّرها الزهري

(1)

بالبول والغائط، وقد وقع الإجماع على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ويلحق بالبول والغائط: القيء والفصد والحجامة لمن احتاج إلى ذلك، وسيأتي الكلام على الخروج للحاجات ولغيرها.

قوله: (فما أسأل عنه)، سيأتي الكلام على الخروج لزيارة المريض.

قوله: (ثم [قمت]

(2)

لأنقلب)، أي ترجع إلى بيتها.

قوله: (ليقلبني) بفتح أوله وسكون القاف: أي يردها إلى منزلها.

وفيه دليل على جواز خروج المعتكف من مسجد اعتكافه لتشييع الزائر.

قوله: (في دار أسامة بن زيد)، أي التي صارت له بعد ذلك؛ لأن أسامة إذ ذاك ليس له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية، وكانت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم حوالي أبواب المسجد.

9/ 1763 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَمُرُّ بالمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ وَلا يُعَرّجُ يَسْألُ عَنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(3)

. [ضعيف]

10/ 1764 - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: السُّنَّةُ على المُعْتَكِفِ أن لا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلا يَشْهَدَ جَنازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرأةً وَلا يُباشِرَها، وَلا يَخْرُجَ لِحاجَةٍ إلا لِمَا لا بُدَّ مِنْهُ، ولا اعْتِكافَ إلا بِصَوْمٍ، وَلا اعْتِكافَ إلا في مَسْجِدٍ جامِعٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

(4)

. [إسناده حسن]

(1)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 273).

(2)

في المخطوط (أ): (فقمت).

(3)

في سننه رقم (2472). وهو حديث ضعيف.

(4)

في سننه رقم (2473).

قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: "قالت السنة". قال أبو داود: جعله قول عائشة.

وقال الحافظ في "بلوغ المرام" عقب الحديث (6/ 659) بتحقيقي: "ولا بأس برجاله إلا أنّ الراجح وقف آخره".

وحسن الألباني إسناده.

ص: 472

الحديث الأول في إسناده ليث بن أبي سليم

(1)

وفيه مقال.

قال الحافظ

(2)

: والصحيح عن عائشة من فعلها أخرجه مسلم

(3)

وغيره.

وقال

(4)

: صح ذلك عن علي.

والحديث الثاني أخرجه أيضًا النسائي

(5)

وليس فيه "قالت السنة"، وأخرجه أيضًا من حديث مالك

(6)

وليس فيه ذلك.

قال أبو داود

(7)

: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه "قالت السنة".

وجزم الدارقطني

(8)

بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: لا يخرج، وما عداه ممن دونها، انتهى.

وكذلك رجح ذلك البيهقي

(9)

، ذكره ابن كثير في الإرشاد

(10)

.

وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو القرشي المدني يقال له: عباد

(11)

، قد أخرج له مسلم في صحيحه ووثقه يحيى بن معين وأثنى عليه غيره وتكلم فيه بعضهم.

الحديثان استدل بهما على أنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج من معتكفه لعيادة المريض ولا لما يماثلها من القرب كتشييع الجنازة وصلاة الجمعة.

(1)

ليث بن أبي سليم: ضعيف.

الميزان (3/ 420) والتقريب (2/ 138) والخلاصة (ص 323).

(2)

في "التلخيص"(2/ 419).

(3)

في صحيحه رقم (7/ 297). عن عروة، وعمرة بنت عبد الرحمن أنَّ عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قالت: إنْ كنتُ لأدخلُ البيت للحاجة والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارةٌ

".

(4)

أي ابن حزم: صح ذلك عن علي. كما في "التلخيص"(2/ 419).

(5)

في السنن الكبرى رقم (3357).

عن عائشة؛ أنها كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض إلا وهي تمشي، ولا تقف.

(6)

في الموطأ (1/ 312 رقم 2).

(7)

في السنن (2/ 837).

(8)

في سننه (2/ 201 رقم 11).

(9)

في السنن الكبرى (4/ 317).

(10)

(1/ 298). وانظر ما قاله النووي في المجموع (6/ 540).

(11)

عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة المدني نزيل البصرة، ويقال له: عماد، صدوق رمي بالقدر. من السادسة (بخ م 4)[التقريب رقم الترجمة (3800)، وانظر: "تهذيب التهذيب" (2/ 487 - 488)].

ص: 473

قال في الفتح

(1)

: وروينا عن عليّ عليه السلام والنخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضًا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة.

وقال الثوري والشافعي

(2)

وإسحاق: إن شرط شيئًا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد

(3)

، انتهى.

وعند الهادوية

(4)

أنه يجوز الخروج لتلك الأمور ونحوها ولكن في وسط النهار قياسًا على الحاجة المذكورة في حديث عائشة المتقدم

(5)

وهو فاسد الاعتبار لأنه في مقابلة النص.

قوله: (ولا يمس امرأة ولا يباشره (1)(1)، المراد بالمباشرة هنا الجماع بقرينة ذكر المس قبلها.

وقد نقل ابن المنذر الإجماع

(6)

على ذلك، ويؤيده ما روى الطبري

(7)

وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية، يعني قوله تعالى:{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}

(8)

، أنهم كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء فنزلت.

قوله: (ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه)، فيه دليل على المنع من الخروج لكل حاجة من غير فرق بين ما كان مباحًا أو قربة أو غيرهما، إلا الذي لا بد منه كالخروج لقضاء الحاجة وما في حكمها.

قوله: (ولا اعتكاف إلا بصوم)، فيه دليل على أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم، وأنه شرط، حكاه في البحر

(9)

عن العترة جميعًا، وابن عباس

(10)

وابن

(1)

(4/ 273).

(2)

المجموع (6/ 524 - 531).

(3)

المغني (4/ 465 - 468، 477، 478، 485، 487، 488).

وانظر: الإفصاح عن معاني الصحاح (3/ 199).

(4)

البحر الزخار (2/ 270).

(5)

تقدم برقم (1764) من كتابنا هذا.

(6)

الإجماع (ص 54) رقم (132).

(7)

في "جامع البيان"(2/ ج 2/ 180).

(8)

سورة البقرة: الآية (187).

(9)

البحر الزخار (2/ 267).

(10)

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 87) عن ابن عباس.

ص: 474

عمر

(1)

ومالك

(2)

والأوزاعي والثوري

(3)

وأبو حنيفة

(4)

.

وحكي في البحر

(5)

أيضًا عن ابن مسعود والحسن البصري والشافعي

(6)

وأحمد

(7)

وإسحاق أنه ليس بشرط، قالوا: يصح اعتكافه ساعة واحدة ولحظة واحدة.

واستدلوا بما تقدم

(8)

من "أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من شوال ومن جملتها يوم الفطر"، وبحديث عمر الآتي

(9)

.

وأجابوا عن حديث عائشة

(10)

المذكور في الباب ما تقدم من الكلام عليه وهذا هو الحق، لا كما قال ابن القيم

(11)

: إن الراجح الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف.

وقد روي عن عليّ وابن مسعود

(12)

أنه ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه.

ويدل على ذلك حديث ابن عباس الآتي

(13)

.

ويؤيد قول من قال بجواز الاعتكاف ساعة أو لحظة حديث: "من اعتكف فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة"، رواه العقيلي في الضعفاء

(14)

من حديث عائشة وأنس.

(1)

أخرج الطحاوي كما في "المحلى"(5/ 182) عن ابن عباس وابن عمر قالا: لا اعتكاف إلا بصوم. وهو أثر صحيح.

(2)

التسهيل (3/ 836).

(3)

حكاه عنه ابن قدامة في المغني (4/ 459).

(4)

البناية في شرح الهداية (3/ 745).

(5)

البحر الزخار (2/ 267).

(6)

المجموع (6/ 511).

(7)

المغني (4/ 459).

(8)

أخرجه البخاري رقم (2041) وقد تقدم.

(9)

برقم (1765) من كتابنا هذا.

(10)

تقدم برقم (1764) من كتابنا هذا.

(11)

زاد المعاد في هدي خير العباد (2/ 830).

(12)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 87) عنهما بسند ضعيف.

(13)

برقم (12/ 1766) من كتابنا هذا.

(14)

(1/ 22) من حديث أنس بن عبد الحميد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، بلفظ:"من رابط" بدل "اعتكف"، وأنس منكر الحديث.

ص: 475

قال في البدر المنير

(1)

: هذا حديث غريب لا أعرفه بعد البحث الشديد عنه.

وقال الحافظ

(2)

: هو منكر؛ ولكنه أخرجه الطبراني في الأوسط

(3)

.

قال الحافظ

(4)

: لم أر في إسناده ضعفًا إلا أن فيه وجادة

(5)

وفي المتن نكارة شديدة.

وذهبت العترة

(6)

وأبو حنيفة

(7)

إلى أن أقل مدة الاعتكاف يوم.

قوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع)، فيه دليل على أن المسجد شرط للاعتكاف.

قال في الفتح

(8)

: واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي، فأجازه في كل مكان.

وأجاز الحنفية

(9)

للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة. وفيه قول للشافعي

(10)

قديم.

(1)

البدر المنبر لم تكتمل طباعته بعد. وقد قال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (1/ 338): غريب (أي لا أصل له).

(2)

في "التلخيص الحبير"(2/ 416).

قلت: هذا لا أصل له، والله أعلم.

(3)

رقم (7326) عن ابن عباس.

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(8/ 192) وقال: إسناده جيد.

(4)

في "التلخيص الحبير"(2/ 416).

(5)

الوِجَادَة: بكسر الواو، مصدر "وجَدَ" وهذا المصدر مُوَلَّد غير مسموع من العرب.

أ - صورتها: أن يَجِدَ الطالبُ أحاديثَ بخط شيخ يرويها، يعرفه ذلك الطالب، وليس له سماع منه ولا إجازة.

ب - حكم الرواية بها: الرواية بالوجادة من باب المنقطع. لكن فيها نوع اتصال.

جـ - ألفاظ الأداء: يقول الواجِدُ: "وجدتُ بخط فلان أو قرأت بخط فلان كذا"، ثم يسوق الإسناد والمتن" اهـ.

[تيسير مصطلح الحديث. د. محمود الطحان. (ص 165)].

(6)

البحر الزخار (2/ 267).

(7)

البناية في شرح الهداية (3/ 745).

(8)

الفتح (4/ 272).

(9)

المبسوط للسرخسي (3/ 119) وبدائع الصنائع (2/ 113).

(10)

المجموع (6/ 507).

ص: 476

وفي وجه لأصحابه وللمالكية: يجوز للرجال والنساء، لأن التطوع في البيوت أفضل.

وذهب أبو حنيفة

(1)

وأحمد

(2)

إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات. وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد.

وقال الجمهور

(3)

بعمومه في كل مسجد، انتهى كلام الفتح.

وسيأتي قول من قال: إنه يختص بالمساجد الثلاثة.

11/ 1765 - (وَعَنِ ابْن عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ سأَل النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: "فأوْفِ بِنَذْرِكَ" متَّفَقٌ عَلَيْهِ

(4)

، وَزَادَ البُخارِيُّ

(5)

: "فاعْتَكِفْ لَيْلَةً"). [صحيح]

12/ 1766 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيْسَ على المُعْتَكِفِ صِيامٌ إلا أنْ يَجْعَلَهُ عَلى نَفْسِهِ"، رَوَاهُ الدَّارَقطْنِيُّ

(6)

وَقَال: رَفَعَهُ أبُو بَكْرٍ السُّوسِي وَغَيْرُهُ لا يَرْفَعُهُ). [ضعيف]

(1)

البناية في شرح الهداية (3/ 746).

(2)

المغني (4/ 461).

(3)

قال النووي في المجموع (6/ 507): فرع في مذاهب العلماء في مسجد الاعتكاف: قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط المسجد لصحة الاعتكاف، وأنه يصح في كل مسجد. وبه قال مالك، وداود.

وحكى ابن المنذر عن سعيد بن المسيب أنه قال: أنه لا يصح إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وما أظن أن هذا يصح عنه.

وحكى هو وغيره عن حذيفة بن اليمان الصحابي أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والأقصى.

وقال الزهري والحكم وحماد: لا يصح إلا في الجامع.

وقال أبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: يصح في كل مسجد يصلى فيه الصلوات كلها، وتقام فيه الجماعة" اهـ.

(4)

أحمد في المسند (2/ 20) والبخاري رقم (2042) ومسلم رقم (27/ 1656).

(5)

في صحيحه رقم (2542).

(6)

في سننه (2/ 199 رقم 3).

قال ابن الجوزي في "التحقيق"(2/ 374): "قالوا: قد قال الدارقطني: رفعه السوسي، وغيره لا يرفعه. =

ص: 477

الحديث الثاني رجح الدارقطني

(1)

والبيهقي

(2)

وقفه. وأخرجه الحاكم

(3)

مرفوعًا وقال: صحيح الإسناد.

قوله: (إن عمر سأل) لم يذكر مكان السؤال.

وفي رواية للبخاري

(4)

أن ذلك كان بالجعرانة لما رجعوا من حنين.

ويستفاد منه الرد على من زعم أن اعتكاف عمر كان قبل المنع من الصيام في الليل؛ لأن غزوة حنين متأخرة عن ذلك.

قوله: (نذرت في الجاهلية) زاد مسلم

(5)

: "فلما أسلمت سألت"، وفي ذلك رد على من زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل فتح مكة وإنه إنما نذر في الإسلام.

وأصرح من ذلك ما أخرجه الدارقطني

(6)

بلفظ: "نذر أن يعتكف في الشرك".

قوله: (أن اعتكف ليلة)، استدلّ به على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن الليل ليس بوقت صوم، وقد أمره صلى الله عليه وسلم أن يفي بنذره على الصفة التي أوجبها.

= قلنا: السوسي ثقة؛ قال أبو بكر الخطيب: دخل بغداد وحدَّث أحاديث مستقيمة".

وتعقبه ابن عبد الهادي في "التنفيح"(2/ 375): "قال شيخنا الحافظ: هذا الحديث رفعه وهم، والصواب أنه موقوف، وإن كان السوسي قد تابعه غيره.

وروى البيهقي - (4/ 319) - أيضًا عن أبي سهيل عم مالك بن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه".

وكان ابن عباس لا يرى على المعتكف صيامًا إلا أن يجعله على نفسه. قال عطاء: ذاك رأي، هذا هو الصحيح. إنه موقوف، ورفعه وهم" اهـ.

(1)

في السنن (2/ 199).

(2)

في السنن الكبرى (4/ 318، 319).

(3)

في المستدرك (1/ 439) وصححه. وقال الذهبي: "وعارض هذا ما لم يصح".

وخلاصة القول: أن حديث ابن عباس ضعيف، والله أعلم.

(4)

في صحيحه رقم (2032).

(5)

في صحيحه رقم (28/ 1656).

(6)

في سننه (2/ 201 رقم 13) قال الدارقطني: هذا إسناد حسن تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير عن عبيد الله.

قال البيهقي: ذكر الصوم فيه غريب. وقال عبد الحق تفرد به سعيد بن بشير وهو مختلف فيه، وضعف ابن الجوزي في "التحقيق" هذا الحديث من أجله، كذا في "التلخيص"(2/ 418).

وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.

ص: 478

وتعقب بأن في رواية لمسلم

(1)

"يومًا" بدل ليلة.

وقد جمع ابن حبان

(2)

وغيره بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته.

وقد ورد الأمر بالصوم في رواية أبي داود

(3)

والنسائي (4) بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: اعتكف وصم"، أخرجه أبو داود (3) والنسائي

(4)

من طريق عبد الله بن بديل ولكنه ضعيف.

وقد ذكر ابن عدي

(5)

والدارقطني

(6)

أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار.

قال في الفتح

(7)

: ورواية من روى يومًا شاذة، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاري

(8)

: "فاعتكف ليلة".

فدّل على أنه لم يزد على نذره شيئًا، وأن الاعتكاف لا صوم فيه، وأنه لا يشترط له حدٌّ معين.

قوله: (ليس على المعتكف صيام)، استدلّ به القائلون بأنه لا يشترط الصوم في الاعتكاف، وقد تقدم ذكرهم

(9)

.

وقد استدلّ بعض القائلين بأن الصوم شرط في الاعتكاف بقوله تعالى:

(1)

في صحيحه (رقم 28/ 1656).

(2)

قال أبو حاتم: ألفاظ أخبار ابن عمر مصرحة أن عمر نذر اعتكافَ ليلةٍ إلا هذا الخبر، فإن لفظه أن عمر نذر اعتكاف يومٍ، فإن صحت هذه اللفظةُ يشبهُ أن يكون ذلك يومًا أراد به بليلة، وليلةً أراد بها بيومها، حتى لا يكون بين الخبرين تضاد" اهـ. [صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (10/ 226 - 227)].

(3)

في سننه رقم (2474).

(4)

في سننه الكبرى رقم (3341).

(5)

في "الكامل"(4/ 213).

(6)

في سننه (2/ 200 رقم 8)، وقال الدارقطني: تفرد به ابن بديل عن عمرو، وهو ضعيف الحديث.

وخلاصة القول: أن حديث عمر حديث ضعيف، والله أعلم.

(7)

(4/ 274).

(8)

في صحيحه رقم (2042).

(9)

انظر: "المغني"(4/ 459 - 461) والمجموع (6/ 511) والبناية في شرح الهداية (3/ 743) وعيون المجالس (2/ 671) والاستذكار (10/ 290 - 292).

ص: 479

{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}

(1)

، قال: فذكر الاعتكاف عقب الصوم.

وتعقب بأنه ليس فيها ما يدل على تلازمهما، وإلا لزم ألَّا صوم إلا باعتكاف ولا قائل به.

وفي حديث عمر المذكور في الباب

(2)

رد على من قال: إن أقل الاعتكاف عشرة أيام.

وفيه أيضًا دليل على أن النذر من الكافر لا يسقط عنه بالإسلام، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك.

13/ 1767 - (وَعَنْ حُذَيْفَة أنَّهُ قَالَ لابْنِ مَسْعُودٍ: لَقَدْ عَلِمْتَ أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لا اعْتِكافَ إلا فِي المَساجِدِ الثَّلاثَةِ" أَوْ قَالَ: "في مَسْجِدِ جَماعَةٍ"، رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ)

(3)

. [صحيح]

(1)

سورة البقرة الآية (187).

(2)

برقم (1765) من كتابنا هذا.

(3)

أخرجه الإسماعيلي في "المعجم"(2/ 720 - 721 رقم 336) عن شيخه العباس بن أحمد الوشا: حدثنا محمد بن الفرج، والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 316) من طريق محمد بن آدم المروزي. كلاهما عن سفيان بن عينية، عن جامع بن أبي شداد عن أبي وائل، قال: قال حذيفة - بن اليمان - لعبد الله - بن مسعود -: قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى - الأشعري - لا تغير (وفي رواية) لا تنهاهم)؟! وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره؟! فقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا.

قال الألباني في "الصحيحه"(6/ 667/1): "وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقول ابن مسعود ليس نصًا في تخطئته لحذيفة في روايته للفظ الحديث بل لعله خطأه في استدلاله به على العكوف الذي أنكره حذيفة؛ لاحتمال أن يكون معنى الحديث عند ابن مسعود: لا اعتكات كاملًا، كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" اهـ.

وأخرج الحديث الطحاوي في "مشكل الآثار"(2/ 20) من الوجه المذكور، وادعى نسخه! وكذلك أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" رقم (8016) وعنه الطبراني في المعجم الكبير (ج 9 رقم 9511) عن ابن عيينة به إلا أنه لم يصرح برفعه.

وأخرجه سعيد بن منصور: نا سفيان بن عيينة، به؛ إلا أنه شك في رفعه واختصره فقال: عن شقيق بن سلمة قال: قال حذيفة لعبد الله بن مسعود: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أو قال: مسجد جماعة". =

ص: 480

14/ 1768 - (وَعَنْ عَائِشَةَ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسائِهِ وَهِي مُسْتَحاضَةٌ تَرَى الدَّمَ، فَرُبَّما وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَها مِنَ الدَّم. رَوَاهُ البُخارِي

(1)

.

وفِي رِوَايَةٍ: اعْتَكَفَ مَعَهُ امْرأةٌ مِنْ أزْوَاجِهِ وَكانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَها وَهِي تُصَلِّي. رَوَاهُ أحْمَدُ

(2)

وَالبُخارِي

(3)

وأبُو دَاوُدَ)

(4)

. [صحيح]

الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة

(5)

ولكن لم يذكر المرفوع منه، واقتصر

= ذكره ابن حزم في "المحلى"(5/ 195) ثم رد الحديث بهذا الشك. وهو معذور لأنه لم يقف على رواية الجماعة عن ابن عيينة مرفوعًا دون أي شك.

وهم:

1 -

محمد بن الفرج - عند الإسماعيلي.

2 -

محمود بن آدم المروزي - عند البيهقي.

3 -

هشام بن عمار - عند الطحاوي. وكلهم ثقات.

وأخرجه الفاكهي في "أخبار مكة"(2/ 149 رقم 1334) حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي عمر، قالا: ثنا سفيان، به. إلا أنهما لم يشكا، وهذه فائدة هامة. وهما ثقتان أيضًا.

قال الألباني: "وبالجملة: فاتفاق هؤلاء الثقات الخمسة على رفع الحديث دون أي تردد فيه لبرهان قاطع على أن الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم، وأن تردد سعيد بن منصور في رفعه لا يؤثر في صحته

" اهـ.

ثم قال الألباني: "واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية المسجد للاعتكاف وصفته

وليس في ذلك ما يصح الاحتجاج به سوى قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، وهذا الحديث الصحيح.

والآية عامة، والحديث خاص، ومقتضى الأصول أن يحمل العام على الخاص، وعليه فالحديث مخصص للآية ومبين لها

" اهـ.

• وقد عمل بعض السلف بهذا الحديث، فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (3/ 91) وابن حزم (5/ 194) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه قال:"لا اعتكاف إلا في مسجد نبي".

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" رقم (8019) عن عطاء بسند صحيح.

قال: لا جِوَارَ إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة.

وقد قال ابن حزم في المحلى (5/ 194): وقد صح عن عطاء أن الجوار هو الاعتكاف.

(1)

في صحيحه رقم (309).

(2)

في المسند (6/ 131).

(3)

في صحيحه رقم (2037).

(4)

في سننه رقم (2476)، وهو حديث صحيح.

(5)

في المصنف (3/ 91).

ص: 481

على المراجعة التي فيه بين حذيفة وابن مسعود ولفظه: "إن حذيفة جاء إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قوم عكوف بين دارك ودار الأشعري، يعني المسجد، قال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت".

فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

وعلى أن عبد الله يخالفه ويجوز الاعتكاف في كل مسجد، ولو كان ثم حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما خالفه. وأيضًا الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج بأحد شقيه.

وقد استشهد لحديث حذيفة بحديث أبي سعيد

(2)

، وأبي هريرة

(3)

وغيرهما مرفوعًا بلفظ: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى"، وهو متفق عليه.

ولكن ليس فيه ما يشهد لحديث حذيفة؛ لأن أفضلية المساجد الثلاثة واختصاصها بشد الرحال إليها لا تستلزم اختصاصها بالاعتكاف.

وقد حكي في الفتح

(4)

عن حذيفة أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة، ولم يذكر هذا الحديث.

وحكي عن عطاء

(5)

أنه يختص بمسجد مكة، وعن ابن المسيب

(6)

بمسجد المدينة.

(1)

بل صح حديث حذيفة. انظر تخريجه برقم (13/ 1767) من كتابنا هذا.

(2)

وهو حديث صحيح متفق عليه.

أخرجه أحمد في المسند (3/ 7) والبخاري رقم (1197) ومسلم رقم (415/ 827) من حديث أبي سعيد.

(3)

وهو حديث صحيح متفق عليه.

أخرجه أحمد في المسند (2/ 234) والبخاري رقم (1198) ومسلم رقم (511/ 1397) من حديث أبي هريرة.

(4)

الفتح (4/ 272).

(5)

أخرج عبد الرزاق في المصنف (رقم 8018) عن عطاء، قال: لا جوار إلا في مسجد الجامع ثم قال: "لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة".

بسند صحيح. وقد تقدم.

(6)

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 91) وعبد الرزاق رقم (8008) عن ابن المسيب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي" بسند صحيح.

ص: 482

وقوله: (أو قال: في مسجد جماعة)، قيل: فيه دليل لمذهب أبي حنيفة

(1)

وأحمد

(2)

المتقدم.

قوله: (بعض نسائه)، قال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من كانت مستحاضة. قال: والظاهر أن عائشة أشارت بقول: من نسائه، أي من النساء المتعلقات به، وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب.

ولكنه يرد عليه ما وقع في البخاري

(3)

في كتاب الاعتكاف بلفظ: "امرأة مستحاضة من أزواجه"، ووقع في رواية سعيد بن منصور عن عكرمة أن أمّ سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وهذه الرواية تفيد تعيينها.

وقد حكى ابن عبد البر

(4)

أن بنات جحش الثلاث كن مستحاضات: زينب وحمنة وأم حبيبة.

ويدل على ذلك ما وقع عند أبي داود

(5)

عن عائشة أنها قالت: "استحيضت زينب بنت جحش"، وقد عد مغلطاي

(6)

في المستحاضات: سودة بنت زمعة، وقد روى ذلك أبو داود

(7)

تعليقًا، وذكر البيهقي

(8)

أن ابن خزيمة أخرجه موصولًا، فهذه ثلاث مستحاضات من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم.

قوله: (من الدم)، أي: لأجل الدم.

والحديث يدل على جواز مكث المستحاضة في المسجد وصحة اعتكافها وصلاتها وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث، ويلحق بها دائم الحدث ومن به جرح يسيل، وقد تقدم البحث عن ذلك.

(1)

البناية في شرح الهداية (3/ 746).

(2)

المغني (4/ 461).

(3)

في صحيحه رقم (2037) من حديث عائشة.

(4)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(1/ 411).

(5)

في سننه رقم (292) وهو حديث صحيح.

(6)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(1/ 411).

(7)

أخرجه أبو داود بإثر الحديث رقم (292) حيث قال الألباني: صحيح دون قوله: زينب بنت جحش، والصواب أم حبيبة بنت جحش.

(8)

في السنن الكبرى (1/ 335).

ص: 483

[الباب الثاني] باب الاجتهاد في العشر الأواخر وفضل قيام ليلة القدر وما يدعى به فيها وأي ليلة هي؟

15/ 1769 - (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ الأوَاخِرُ أحْيا اللَّيْلَ وَأيْقَظَ أهْلَهُ وَشدَّ المِئْزَرَ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ

(1)

. [صحيح]

ولأحْمَدَ

(2)

وَمُسْلِمٍ

(3)

: كَانَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ ما لَا يَجْتَهِدُ في غَيْرِه (1). [صحيح]

[قوله: (أحيا الليل)، فيه استعارة الإحياء للاستيقاظ: أي سهره فأحياه بالطاعة وأحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت]

(4)

.

قوله: (وأيقظ أهله) أي: للصلاة. وفي الترمذي

(5)

عن أم سلمة: "لم يكن صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه".

قوله: (وشد المئزر)، أي: اعتزل النساء كما رواه عبد الرزاق

(6)

عن الثوري وابن أبي شيبة

(7)

عن أبي بكر بن عياش.

وحكى في الفتح

(8)

عن الخطابي

(9)

أنه يحتمل أن يراد به الجد في العبادة كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري: أي شمرت له.

ويحتمل أن يراد التشمير والاعتزال معًا.

ويحتمل أن يراد حقيقته، والمجاز كمن يقول: طويل النجاد لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقة.

(1)

أخرجه أحمد في المسند (6/ 41) والبخاري رقم (2024) ومسلم رقم (7/ 1174).

(2)

في المسند (6/ 256).

(3)

في صحيحه رقم (8/ 1175).

(4)

ما بين الخاصرتين من المخطوط (ب) موافق لشرح الحديث في الترتيب، بينما تأخر في المخطوط (أ) عن موضعه هنا إلى نهاية شرح الحديث، بعد قوله:"كما قال الحافظ" فليعلم.

(5)

لم أقف عليه في السنن.

(6)

في المصنف رقم (7702).

(7)

في المصنف (3/ 77).

(8)

الفتح (4/ 269).

(9)

في إعلام الحديث له (2/ 981).

ص: 484

يعني شد مئزره حقيقة واعتزل النساء وشمر للعبادة، يعني فيكون كناية وهو يجوز فيها إرادة اللازم والملزوم.

وقد وقع في رواية: "شد مئزره واعتزل النساء"، فالعطف بالواو يقوي الاحتمال الأول كما قال الحافظ

(1)

.

والحديث فيه دليل على مشروعية الحرص على مداومة القيام في العشر الأواخر من رمضان وإحيائها بالعبادة واعتزال النساء وأمر الأهل بالاستكثار من الطاعة فيها.

16/ 1770 - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا وَاحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلا ابْنَ ماجَهْ)

(2)

. [صحيح]

17/ 1771 - (وَعَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إنْ عَلِمْتُ أيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ ما أقُولُ فِيها؟ قَالَ:"قُولي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِي"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ

(3)

، وَأحْمَدُ

(4)

وَابْنُ مَاجَهْ

(5)

وَقَالا فِيهِ: أَرَأَيْتَ إنْ وافَقْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ). [صحيح]

الحديث الأول قد تقدم مع شرحه في باب صلاة التراويح، وأورده المصنف ههنا للاستدلال به على مشروعية قيام ليلة القدر.

(1)

الفتح (4/ 270).

(2)

أخرجه أحمد في المسند (2/ 241) والبخاري رقم (2014) ومسلم (175/ 760) وأبو داود رقم (1372) والترمذي رقم (683) والنسائي (2207).

وهو حديث صحيح.

(3)

في سننه رقم (3513) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

(4)

في المسند (1/ 176، 182، 208، 258).

(5)

في سننه رقم (3850).

قلت: وأخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (872) والحاكم في المستدرك (1/ 530) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي وابن السني في "عمل اليوم والليلة" رقم (767).

وهو حديث صحيح، والله أعلم.

ص: 485

والحديث الثاني صححه الترمذي

(1)

كما ذكر المصنف.

وفيه دليل على إمكان معرفة ليلة القدر وبقائها، وسيأتي الكلام على ذلك.

قوله: (ليلة القدر) اختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة، فقيل: هو التعظيم، لقوله تعالى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}

(2)

، والمعنى أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها، أولما يقع فيها من نزول الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر.

وقيل القدر هنا: التضييق، لقوله تعالى:{وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}

(3)

، ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها.

وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال: الذي هو مؤاخي القضاء.

والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)}

(4)

، وبه صدر النووي

(5)

كلامه فقال: قال العلماء: سميت ليلة القدر لما يكتب فيها الملائكة من الأقدار لقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ}

(6)

الآية.

ورواه عبد الرزاق

(7)

وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم.

وقال التوربشتي

(8)

: إنما جاء القدر بسكون الدال، وإن كان الشائع في القدر الذي يؤاخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقدارًا بمقدار.

قوله: (إنك عفو) بفتح العين وضم الفاء وتشديد الواو، صيغة مبالغة، وفيه دليل على استحباب الدعاء في هذه الليلة بهذه الكلمات.

(1)

في سننه (5/ 534).

(2)

سورة الأنعام: الآية (91).

(3)

سورة الطلاق: الآية (7).

(4)

سورة الدخان: الآية (4).

(5)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 57).

(6)

سورة الدخان: الآية (4).

(7)

في تفسير القرآن العزيز. المسمى: تفسير عبد الرزاق (2/ 314) رقم (3666) و (3667).

(8)

حكاه الحافظ في "الفتح"(4/ 255).

ص: 486

18/ 1772 - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كانَ مُتَحَرّيَها فَلْيَتَحَرّها لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ"، أوْ قَالَ: "تحَرُّوها لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ"، يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ. رَوَاهُ أحْمَدُ بإسْنَادٍ صَحِيحٍ)

(1)

. [بسند صحيح]

19/ 1773 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أن رَجُلًا أتى نَبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله إِني شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلِيلٌ يَشُقُّ عَليَّ القيامُ، فأمُرْنِي بِلَيْلةٍ لَعَلَّ الله يُوَفِّقُنِي فِيها للَيْلَةِ القَدْرِ، فَقَال: "عَلَيْكَ بالسَّابِعَةِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ)

(2)

. [بسند صحيح].

20/ 1774 - (وَعَنْ مُعاوَيةَ بْنِ أبي سُفْيانَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في لَيْلَةِ القَدْرِ قَالَ: "لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ)

(3)

. [صحيح]

21/ 1775 - (وَعَنْ زِرّ بْنِ حُبَيْش قَالَ: سَمِعْتُ أبيّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ قامَ السَّنَةَ أصَابَ لَيْلَةَ القَدْرِ، فَقَالَ أُبَيٌّ: وَالله الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ إِنَّها لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ ما يَسْتَثْنِي، وَوَالله إِني لأَعْلَمُ أيَّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أمَرَنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِقِيامِها، هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِين، وأمارَتُها أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ في صَبِيحَةِ يَوْمِها بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(4)

وَمُسْلِمُ

(5)

وأَبُو دَاوُدَ

(6)

وَالترمِذِي

(7)

وَصَحَّحَهُ). [صحيح]

(1)

في المسند (2/ 27) بسند صحيح.

وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 91) من طريق آدم بن أبي إياس، ومن طريق وهب بن جرير. كلاهما عن شعبة، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، به.

(2)

في المسند (1/ 240) بسند صحيح.

قلت: وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير رقم (11836) والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 312 - 313).

(3)

في سننه رقم (1386). وهو حديث صحيح.

(4)

في المسند (5/ 131).

(5)

في صحيحه رقم (179/ 762).

(6)

في سننه رقم (1378).

(7)

في سننه رقم (3351) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وهو حديث صحيح.

ص: 487

حديث ابن عباس أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير

(1)

. قال في مجمع الزوائد

(2)

: ورجال أحمد رجال الصحيح.

وقد أخرج نحوه عبد الرزاق

(3)

عن ابن عمر مرفوعًا، والمراد بالسابعة: إما لسبع بقين، أو لسبع مضين بعد العشرين.

وحديث معاوية سكت عنه أبو داود

(4)

والمنذري

(5)

. ورجال إسناده رجال الصحيح. -

وفي الباب عن جابر بن سمرة عند الطبراني في الأوسط

(6)

بنحو حديث ابن عمر.

وعن ابن مسعود عند الطبراني

(7)

قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال: أيكم يذكر ليلة الصهبا؟ قلت: أنا، وذلك ليلة سبع وعشرين".

ورواه ابن أبي شيبة

(8)

عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة.

وروى عبد الرزاق

(9)

عن ابن عباس قال: "دعا عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر.

(1)

في المعجم الكبير رقم (11836) وقد تقدم.

(2)

مجمع الزوائد (3/ 176).

(3)

في المصنف رقم (7688).

(4)

في السنن (2/ 112).

(5)

في "المختصر"(2/ 112).

(6)

قلت: بل أخرجه الطبراني في الكبير رقم (1962) من طريق خلاد بن يزيد، عن شريك، عنه، به.

وأخرجه البزار رقم (1031 - كشف) ورقم (1033 - كشف) من طريقين عن عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن سماك، عنه، به. بسند ضعيف.

عبد الرحمن بن شريك واهي الحديث، وشريك بن عبد الله النخعي سيء الحفظ.

(7)

في المعجم الكبير (ج 10 رقم 10289).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 174 - 175) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وزاد: وذلك ليلة سبع وعشرين وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه.

قلت: وأخرجه أحمد في المسند (1/ 376) وأبو يعلى رقم (5393) والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 93).

إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، وباقي رجاله ثقات.

(8)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 75 - 77) عن ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد وغيرهم.

(9)

في المصنف رقم (7679).

ص: 488

قال ابن عباس: فقلت لعمر: إني لأعلم أو أظن أي ليلة هي، قال عمر: أي ليلة هي؟ فقلت: سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر، فقال: من أين علمت ذلك؟ فقلت: خلق الله سبع سموات وسبع أرضين وسبعة أيام والدهر يدور في سبع، والإنسان خلق من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف والجمار وأشياء ذكرها،. فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنا له".

وقد أخرج نحو هذه القصة الحاكم

(1)

، وإلى أن ليلة القدر ليلة السابع والعشرين ذهب جماعة من أهل العلم، وقد حكاه صاحب الحلية

(2)

من الشافعية عن أكثر العلماء.

وقد اختلف العلماء فيها على أقوال كثيرة ذكر منها في فتح الباري

(3)

ما لم يذكره غيره، وسنذكر ذلك على طريق الاختصار فنقول:

(القول الأول): أنها رفعت، حكاه المتولي عن الروافض

(4)

، والفاكهاني (5) عن الحنفية.

(الثاني): أنها خاصة بسنة واحدة وقعت في زمنه صلى الله عليه وسلم، حكاه الفاكهاني

(5)

.

(الثالث): أنها خاصة بهذه الأمة، جزم به جماعة من المالكية

(6)

، ونقله صاحب العمدة

(7)

عن الجمهور من الشافعية

(8)

؛ واعترض بحديث أبي ذر عند النسائي

(9)

قال: "قلت: يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ فقال: بل هي باقية".

(1)

في المستدرك (1/ 438) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

(2)

ذكره النووي في "المجموع"(6/ 494) عنه.

(3)

(4/ 263 - 264).

(4)

ذكره النووي في "المجموع"(6/ 493) عنهم.

(5)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 263) عنهم.

(6)

المنتقى للباجي (2/ 89).

(7)

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (5/ 407 - 408).

(8)

المجموع شرح المهذب (6/ 488).

(9)

في السنن الكبرى رقم (3413).

قلت: وأخرجه أحمد في المسند (5/ 171) والبزار في مسنده رقم (4068) وابن خزيمة =

ص: 489

واحتجوا بما ذكره مالك في الموطأ

(1)

بلاغًا: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تقالَّ أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية، فأعطاه الله ليلة القدر".

قال الحافظ

(2)

: وهذا محتمل للتأويل، فلا يدفع التصريح في حديث أبي ذر.

(والرابع): أنها ممكنة في جميع السنة، وهو المشهور عن الحنفية

(3)

وحكي عن جماعة من السلف، وهو مردود بكثير من أحاديث الباب المصرحة باختصاصها برمضان.

(الخامس): أنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه. وروي عن ابن عمر، وأبي حنيفة

(4)

، وبه قال ابن المنذر وبعض الشافعية

(5)

ورجحه السبكي.

(السادس): أنها في ليلة معينة مبهمة، قاله النسفي في منظومته

(6)

.

(السابع): أنها أول ليلة من رمضان، حكي عن أبي رزين العقيلي الصحابي

(7)

.

= رقم (2170) والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/ 85) والحاكم (1/ 437) و (2/ 530 - 531) والبيهقي (4/ 307).

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

قلت: في سنده مرثد بن عبد الله الزماني لم يرو عنه سوى ابنه مالك، وقال الذهبي في "الميزان" (4/ 87): فيه جهالة وذكره ابن حبان في الثقات (5/ 440).

(1)

في الموطأ (1/ 321 رقم 15) بلاغًا.

(2)

في "الفتح"(4/ 263).

(3)

حاشية ابن عابدين (3/ 397) بتحقيقنا.

(4)

المرجع السابق (3/ 396).

(5)

المجموع شرح المهذب (6/ 490).

(6)

"المنظومة" للنسفي أبي حفص عمر بن محمد بن أحمد، (ت 537 هـ).

منظومته هذه في الخلاف، رتبها على عشرة أبواب، أبياتها ألفان وستون وست مئة، لها شروح كثيرة.

راجع: "كشف الظنون"(2/ 1867).

[معجم المصنفات (ص 416) رقم (1345)].

ومنها:

وليلة القدر بكل الشهر

دائرة وعيناها فادر

الفتح (4/ 263).

(7)

نسب هذا القول إلى ابن رزين رضي الله عنه: ابن كثير في تفسيره (14/ 410) والقرطبي =

ص: 490

وروى ابن أبي عاصم

(1)

من حديث أنس قال: "ليلة القدر أول ليلة من رمضان"، قال ابن أبي عاصم: لا نعلم أحدًا قال ذلك غيره.

(الثامن): "أنها ليلة النصف من رمضان"، حكاه ابن الملقن في شرح العمد"

(2)

.

(التاسع): أنها ليلة النصف من شعبان، حكاه القرطبي في المفهم

(3)

، وكذا نقله السروجي

(4)

عن صاحب الطراز

(5)

.

(العاشر): أنها ليلة سبع عشرة من رمضان، ودليله ما رواه ابن أبي شيبة

(6)

والطبراني

(7)

من حديث زيد بن أرقم قال: بلا شك ولا امتراء: "إنها ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة أنزل القرآن".

وأخرجه أبو داود

(8)

عن ابن مسعود.

(الحادي عشر): أنها مبهمة في العشر الوسط، حكاه النووي

(9)

وعزاه الطبري إلى عثمان بن أبي العاص والحسن البصري، وقال به بعض الشافعية.

= في "الجامع لأحكام القرآن"(20/ 135) والبغوي في "معالم التنزيل"(4/ 510) والحافظ في "الفتح"(4/ 263).

(1)

عزاه إليه الحافظ في "الفتح"(4/ 263).

(2)

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (5/ 404).

(3)

المفهم لما أشكل من تخليص كتاب مسلم (3/ 251).

(4)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 263).

(5)

الطراز: كذا لم ينسبه لأحد.

وطبع "الطراز" ليحيى بن حمزة (ت 745 هـ) بتصحيح: سيد بن علي المرصفي في القاهرة.

عن دار الكتب المصري سنة 1913 في "3 مجلدات" فلعله هو.

[معجم المصنفات (ص 281 رقم 834)].

(6)

في المصنف (3/ 76).

(7)

في المعجم الكبير (ج 5 رقم 5079).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(3/ 177 - 178) وقال: وحوط قال البخاري حديثه هذا منكر.

(8)

في سننه رقم (1384) وهو حديث ضعيف.

(9)

المجموع (6/ 494).

ص: 491

(الثاني عشر): أنها ليلة ثمان عشر، ذكره ابن الجوزي في مشكله

(1)

.

(الثالث عشر): ليلة تسع عشرة، ورواه عبد الرزاق

(2)

عن علي، وعزاه الطبري إلى زيد بن ثابت، ووصله الطحاوي عن ابن مسعود.

(الرابع عشر): أول ليلة من العشر الآخر، وإليه مال الشافعي وجزم به جماعة من أصحابه

(3)

.

(الخامس عشر): مثل الذي قبله إن كان الشهر تامًّا، وإن كان ناقصًا فليلة إحدى وعشرين، وهكذا في جميع العشر، وبه جزم ابن حزم

(4)

، ودليله حديث أبي سعيد

(5)

، وعبد الله بن أنيس

(6)

، وأبي بكرة

(7)

وستأتي.

(السادس عشر): ليلة اثنين وعشرين، ودليله ما أخرجه أحمد

(8)

من حديث عبد الله بن أنيس: "أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر وذلك صبيحة إحدى وعشرين، فقال: كم الليلة؟ قلت: ليلة اثنين وعشرين، فقال: هي الليلة أو القابلة".

(السابع عشر): ليلة ثلاث وعشرين، ودليله حديث عبد الله بن أنيس (6) الآتي، وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة والتابعين.

(الثامن عشر): أنها ليلة الرابع وعشرين، ودليله ما رواه الطيالسي

(9)

عن أبي سعيد مرفوعًا: "ليلة القدر ليلة أربع وعشرين".

(1)

في "كشف المشكل"(2/ 69).

(2)

في "المصنف" رقم (7696).

(3)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 263).

(4)

في "المحلى"(7/ 33).

(5)

سيأتي برقم (22/ 1776) من كتابنا هذا.

(6)

سيأتي برقم (23/ 1777) من كتابنا هذا.

(7)

سيأتي برقم (24/ 1778) من كتابنا هذا.

(8)

في المسند (3/ 495) إسناده ضعيف لانقطاعه. أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، لم يسمع من عبد الله بن أنيس، بينهما عبد الرحمن بن كعب بن مالك كما يأتي، وبقية رجاله ثقات، رجال الصحيح. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 86) والبيهقي (306/ 9) وابن عبد البر في "التمهيد" (21/ 212) ط: ابن تيمية. من طريق يحيى بن أيوب المصري، عن يزيد بن الهاد عن أبي بكر بن حزم، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن أنيس، به.

وهو حديث حسن، والله أعلم.

(9)

في المسند رقم (2167) إسناده صحيح.

ص: 492

وما رواه أحمد

(1)

من حديث بلال بنحوه، وفيه ابن لهيعة؛ وروى ذلك عن ابن مسعود والشعبي والحسن وقتادة.

(التاسع عشر): ليلة خمس وعشرين. حكاه ابن الجوزي في المشكل

(2)

عن أبي بكرة.

(العشرون): ليلة ست وعشرين، قال الحافظ

(3)

: وهو قول لم أره صريحًا إلا أن عياضًا

(4)

قال: ما من ليلة من ليالي العشر الأخيرة إلا وقد قيل فيها: إنها ليلة القدر.

(الحادي والعشرون): ليلة سابع وعشرين، وقد تقدم دليله ومن قال به.

(الثاني والعشرون): ليلة الثامن والعشرين، وهذا لم يذكره صاحب الفتح، ولكن ظاهر قول عياض المتقدم أنه قد قيل: إنها ليلة القدر، قد أسقط في الفتح القول الثاني والعشرين. وذلك الثالث والعشرين بعد الحادي والعشرين، فلعله سقط عليه حكاية هذا القول، [وقد ثبت ذلك في بعض النسخ]

(5)

.

(الثالث والعشرون): أنها ليلة تسع وعشرين، حكاه ابن العربي

(6)

.

(الرابع والعشرون): أنها ليلة الثلاثين، حكاه عياض

(7)

ورواه محمد بن نصر عن معاوية، وأحمد عن أبي هريرة.

(الخامس والعشرون): أنها في أوتار العشر الأخيرة، ودليله حديث عائشة الآتي

(8)

في آخر الباب، وكذلك حديث ابن عمر

(9)

.

قال في الفتح

(10)

: وهو أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمزني وابن خزيمة وجماعة من علماء المذاهب، انتهى.

(1)

في المسند (6/ 12) بسند ضعيف لسوء حفظ عبد الله بن لهيعة.

(2)

(2/ 69).

(3)

في "الفتح"(4/ 264).

(4)

إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 145).

(5)

زيادة من المخطوط (أ).

(6)

عارضة الأحوذي (3/ 8 - 9).

(7)

إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 146).

(8)

سيأتي برقم (28/ 1782) من كتابنا هذا.

(9)

سيأتي برقم (27/ 1781) من كتابنا هذا.

(10)

(4/ 265).

ص: 493

(القول السادس والعشرون): مثله بزيادة الليلة الأخيرة، ويدل عليه حديث أبي بكرة

(1)

الآتي.

وقد أخرج أحمد

(2)

من حديث عبادة بن الصامت ما يدلّ على ذلك.

(السابع والعشرون): تنتقل في العشر الأواخر كلها، قاله أبو قلابة

(3)

، ونصّ عليه مالك

(4)

والثوري وأحمد وإسحاق، وزعم الماوردي

(5)

أنه متفق عليه.

ويدلّ عليه حديث أبي سعيد الآتي

(6)

.

(الثامن والعشرون): مثله إلا أن بعض ليالي العشر أرجى من بعض؛ قال الشافعي

(7)

: أرجاها ليلة إحدى وعشرين.

(التاسع والعشرون): مثل السابع والعشرين إلا أن أرجاها ليلة ثلاث وعشرين، ولم يذكر في الفتح

(8)

قائله.

(الثلاثون): كذلك، إلا أن أرجاها ليلة سبع وعشرين، ولم يحك صاحب الفتح (8) من قاله.

(الحادي والثلاثون): أنها تنتقل في جميع السبع الأواخر، ويدل عليه حديث ابن عمر

(9)

الآتي، وقد اختلف أهل [هذا القول]

(10)

هل المراد السبع من آخر الشهر أو آخر سبعة تعد من الشهر؟ قال في الفتح

(11)

: ويخرج من ذلك القول الثاني والثلاثون، (القول الثالث والثلاثون): أنها تنتقل في النصف الأخير،

(1)

سيأتي برقم (24/ 1778) من كتابنا هذا.

(2)

في المسند (5/ 313) بسند صحيح.

قلت: وأخرجه البخاري رقم (49) و (2023) و (6049) وابن خزيمة رقم (2198) وابن حبان رقم (3679) والبغوي في شرح السنة رقم (1821) والبيهقي (4/ 311).

(3)

حكاه ابن الجوزي في زاد المسير عنه (9/ 189).

(4)

المنتقى للباجي (2/ 89).

(5)

الحاوي الكبير (3/ 484).

(6)

سيأتي برقم (22/ 1776) من كتابنا هذا.

(7)

المجموع (6/ 489).

(8)

الفتح (4/ 265).

(9)

سيأتي برقم (27/ 1781) من كتابنا هذا.

(10)

في المخطوط (ب): (هذه الأقوال).

(11)

(4/ 265).

ص: 494

ذكره صاحب المحيط عن أبي يوسف ومحمد، وحكاه إمام الحرمين عن صاحب التقريب.

(الرابع والثلاثون): ليلة ست عشرة أو سبع عشرة، رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث عبد الله بن الزبير.

(الخامس والثلاثون): ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين، رواه سعيد بن منصور من حديث أنس بإسناد ضعيف.

(السادس والثلاثون): أول ليلة من رمضان أو آخر ليلة منه، رواه ابن أبي عاصم من حديث أنس بإسناد ضعيف.

(السابع والثلاثون): [ليلة تاسع عشرة أو إحدى عشرة أو ثلاث وعشرين]

(1)

رواه أبو داود

(2)

من حديث ابن مسعود بإسناد فيه مقال، وعبد الرزاق

(3)

من حديث عليّ بسند منقطع أيضًا.

(الثامن والثلاثون): أول ليلة أو تاسع ليلة أو سابع عشرة أو إحدى وعشرين أو آخر ليلة، رواه ابن مردويه

(4)

في تفسيره عن أنس بإسناد ضعيف.

(التاسع والثلاثون): ليلة ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، ودليله حديث ابن عباس الآتي

(5)

.

ولأحمد

(6)

نحوه من حديث النعمان بن بشير.

(القول الأربعون): ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس

(1)

كذا في المخطوط (أ) و (ب) وفي سنن أبي داود رقم (1384): (ليلة سبع عشرة، وإحدى وعشرين، وثلاث وعشرين).

(2)

في سننه رقم (1384) وهو حديث ضعيف.

(3)

في المصنف رقم (7696).

(4)

الدر المنثور (8/ 572).

(5)

برقم (26/ 1780) من كتابنا هذا.

(6)

في المسند (4/ 272) بسند صحيح.

قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/ 394 - 395).

والنسائي رقم (1606) وابن خزيمة رقم (2204)

وهو حديث صحيح.

ص: 495

وعشرين، ويدل عليه حديث ابن عباس الآتي

(1)

، وأخرج البخاري

(2)

نحوه من حديث عبادة بن الصامت.

(الحادي والأربعون): أنها منحصرة في السبع الأواخر، ويدل عليه حديث ابن عمر

(3)

الآتي، وفي الفرق بينه وبين القول الحادي والثلاثين خفاء.

(الثاني والأربعون): ليلة اثنين وعشرين أو ثلاث وعشرين، ويدلّ عليه حديث عبد الله بن أنيس عند أحمد

(4)

.

(الثالث والأربعون): أنها في أشفاع العشر الوسط والعشر الأواخر. قال الحافظ

(5)

: قرأته بخط مغلطاي.

(الرابع والأربعون): أنها الليلة الثالثة من العشر الأواخر أو الخامسة منه، رواه أحمد

(6)

من حديث معاذ.

قال في الفتح

(7)

: والفرق بينه وبين ما تقدم أن الثالثة تحتمل ليلة ثلاث وعشرين وتحتمل ليلة سبع وعشرين.

(الخامس والأربعون): أنها في سبع أو ثمان من أول النصف الثاني، رواه الطحاوي

(8)

من حديث عبد الله بن أنيس، [هذا]

(9)

جملة ما ذكره الحافظ في الفتح

(10)

، أوردناه مختصرًا مع زوائد مفيدة.

ومما ينبغي أن يعد قولًا خارجًا عن هذه الأقوال قول الهادوية

(11)

: إنها في تسع عشرة، وفي الإفراد بعد العشرين من رمضان.

(1)

برقم (26/ 1780) من كتابنا هذا.

(2)

في صحيحه رقم (2023) وقد تقدم.

(3)

برقم (27/ 1781) من كتابنا هذا.

(4)

في المسند (3/ 495) بسند ضعيف منقطع، وقد تقدم.

ولكن الحديث حسن، والله أعلم.

(5)

في "الفتح"(4/ 265).

(6)

في المسند (5/ 234) بسند ضعيف. لكن الحديث صحيح لغيره.

(7)

(4/ 266).

(8)

في شرح معاني الآثار (3/ 86).

(9)

في المخطوط (ب): (هذه).

(10)

(4/ 263 - 266).

(11)

في شفاء الأوام (1/ 678).

ص: 496

واستدلوا على أنها في الإفراد بعد العشرين بما استدل به أهل القول الخامس والعشرين.

وعلى أنها قد تكون في ليلة تسع عشرة بما أخرجه الطبراني

(1)

من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التمسوا ليلة القدر في سبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين".

قال الهيثمي

(2)

بعد أن ساقه في مجمع الزوائد: فيه أبو الهزم وهو ضعيف، فيكون هذا القول هو السادس والأربعين.

وينبغي أن يجعل ما اشتمل عليه هذا الحديث القول السابع والأربعين. وأما كونها مبهمة في جميع السنة فلا ينبغي أن يجعل قولًا خارجًا عن هذه الأقوال لأنه عين القول الرابع منها.

وأرجح هذه الأقوال هو القول الخامس والعشرون، أعني أنها في أوتار العشر الأواخر.

قال الحافظ

(3)

: وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين.

قوله: (وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها)، قد ورد لليلة القدر علامات أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضي.

(منها) طلوع الشمس على هذه الصفة.

وروى ابن خزيمة

(4)

من حديث ابن عباس مرفوعًا: "ليلة القدر طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة".

ولأحمد

(5)

من حديث عبادة: "لا حر فيها ولا برد، وإنها ساكنة صاحية

(1)

في الأوسط رقم (1284).

(2)

في "مجمع الزوائد"(3/ 176).

(3)

في "الفتح"(4/ 266).

(4)

في صحيحه رقم (2192) وهو حديث صحيح لغيره.

(5)

في المسند (5/ 324) بسند ضعيف.

ويشهد لشطره الثاني - وهو محل الشاهد - حديث جابر عند ابن خزيمة رقم (2190) وابن حبان رقم (3688) بسند حسن في المتابعات والشواهد.

والشطر الثاني للحديث حسن بشواهده.

ص: 497

وقمرها ساطع"، وفي علامتها أحاديث، (منها) عن جابر بن سمرة عند ابن أبي شيبة

(1)

وعن جابر بن عبد الله عند ابن خزيمة

(2)

.

وعن أبي هريرة عنده

(3)

. وعن ابن مسعود عند ابن أبي شيبة

(4)

وعن غيرهم.

22/ 1776 - (وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ العَشْرَ الأولَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ العَشْرَ الأوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلى سُدَّتِها حَصِيرٌ، فَأَخَذَ الحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا في نَاحِيةِ القُبَّةِ، ثُمَّ أطْلَعَ رَأسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ:"إِنِّي اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأولَ ألْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأوْسَطَ، ثُمَّ أتيتُ فَقِيلَ لِي إِنَّهَا فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ"، فاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ، قَالَ:"وإني أريتُها ليلةَ وتْرٍ وإني أسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ"، فأصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَدْ قَامَ إلى الصبْحِ فَمَطَرَتِ السَّماءُ فَوَكَفَ المَسْجِدُ فَأبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ؛ فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أنْفِهِ فِيهَا الطِّينُ وَالْمَاء، وإذا هي لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

(5)

، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْبُخَارِيّ

(6)

: اعْتِكَافَ العَشْرِ الأولِ). [صحيح]

قوله: (العشر الأوسط) هكذا وقع في أكثر الروايات، والمراد به العشر الليالي، وكان القياس أن يوصف بلفظ التأنيث؛ لأن مرجعها مؤنث، لكن وصفت بالمذكر على إرادة الوقت أو الزمان، والتقدير الثلث كأنه قال: الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط من الشهر.

ووقع في الموطأ

(7)

العشر الوسط بضم الواو والسين جمع وُسْطَى، ويروى بفتح السين مثل كبر وكبر.

(1)

في المصنف (3/ 76).

(2)

في صحيحه رقم (2190) تقدم.

(3)

في صحيحه رقم (2194) بسند حسن.

(4)

في المصنف (3/ 75، 76).

(5)

أحمد في المسند (3/ 24) والبخاري رقم (2040) ومسلم رقم (215/ 1167).

(6)

في صحيحه رقم (2040).

(7)

مالك في الموطأ (1/ 319 رقم 9).

ص: 498

ورواه الباجي

(1)

في الموطأ بإسكانها على أنه جمع واسط كبازل وبزل، وهذا يوافق رواية الأوسط.

قوله: (في قبة تركية) أي قبة صغيرة من لبود.

قوله: (فأصبح من ليلة إحدى وعشرين)، في رواية للبخاري

(2)

: "فخرج في صبيحة عشرين" وظاهرها يخالف رواية الباب.

وقد قيل: إن المراد بقوله: فأصبح من ليلة إحدى وعشرين: أي من الصبح الذي قبلها وهو تعسف.

وقد وقع في البخاري

(3)

ما هو أوضح من ذلك بلفظ: "فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه".

قوله: (وروثة

(4)

أنفه) بالثاء المثلثة: وهي طرفه، ويقال لها أيضًا: أرنبة الأنف كما جاء في رواية أخرى. والحديث فيه دليل على أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، وقد تقدم بسط الكلام في ذلك.

23/ 1777 - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ ثُم أُنْسِيتُها، وَأَرَانِي أسْجُدُ صَبِيحَتها في ماءٍ وطِينٍ"، قَالَ: فَمُطِرْنَا فِي لَيْلَةِ ثَلاثِ وَعِشْرِينَ، فَصَلّى بِنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَانْصَرَفَ وَإِنْ أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ على جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ

(5)

وَمُسْلِمٌ

(6)

، وَزَادَ: وكَانَ عَبْدُ الله بْنِ أُنَيس يَقُولُ: ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ). [صحيح]

وفي الباب عن رجل من بني بياضة له صحبة مرفوعًا عند إسحاق في مسنده

(7)

قال: "قلت: يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها، فمرني بليلة القدر، فقال: انزل ليلة ثلاث وعشرين".

(1)

في "المنتقى"(2/ 87).

(2)

في صحيحه رقم (2036).

(3)

في صحيحه رقم (2027).

(4)

النهاية في غريب الحديث (2/ 271).

(5)

في المسند (3/ 495).

(6)

في صحيحه رقم (218/ 1168).

وهو حديث صحيح.

(7)

مسند إسحاق بن راهويه (إسحاق بن إبراهيم بن مخلد (ت 238 هـ). يوجد الجزء الرابع =

ص: 499

وعن ابن عمر

(1)

مرفوعًا: "من كان متحريها فليتحرها ليلة سابعة"، قال: فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس الطيب.

وعن ابن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين.

وروى عبد الرزاق

(2)

من طريق يونس بن سيف، سمع سعيد بن المسيب يقول: استقام كلام القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين.

وروي

(3)

نحو ذلك من طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة.

ومن طريق مكحول أنه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين

(4)

، كذا في الفتح

(5)

.

وقد استدل بحديث الباب من قال: إنها ليلة ثلاث وعشرين كما تقدم.

قوله: (ويقول ثلاث وعشرين)، هكذا في معظم النسخ من صحيح مسلم، وفي بعضها ثلاث وعشرون.

قال النووي

(6)

: وهذا ظاهر، والأول جائز على لغة شاذة أنه يجوز حذف المضاف ويبقى المضاف إليه مجرورًا: أي ليلة ثلاث وعشرين.

24/ 1778 - (وَعَنْ أبي بَكْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الْتَمِسُوها

= منه في دار الكتب المصرية (2/ 1/ 146 حديث 454). ويقع في (306 ورقات)، وفي الظاهرية عام (941) تسع أوراق منه.

راجع: تاريخ الأدب العربي (3/ 1157). وتاريخ التراث العربي (1/ 298).

وأفاد المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي (1/ 333) أن منه نسخة كاملة مكتوبة بخط السيوطي، موجودة في الخزانة الجرمنية. وللحافظ الذهبي تصنيف في نقد رجال هذا الكتاب، نقله السيوطي على هامش هذه النسخة.

وقد طبع مسند عائشة منه في مجلدين سنة (1410 هـ) بتحقيق البلوشي ويقوم بعض الطلبة في قسم أصول الدين في الجامعة الأردنية بتحقيقه لنيل درجة الماجستير.

[معجم المصنفات (ص 373 رقم 1189)].

(1)

تقدم تخريجه رقم (1772) من كتابنا هذا.

(2)

في المصنف رقم (7687).

(3)

المصنف لعبد الرزاق رقم (7695).

(4)

المصنف لعبد الرزاق رقم (7693).

(5)

(4/ 264).

(6)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 64).

ص: 500

في تِسْعٍ بَقَيْنَ أَوْ سَبْعٍ بَقَيْنَ أَوْ خَمْسٍ بَقَيْن أو ثَلَاثٍ بَقَيْنَ أَو آخِر لَيْلَةٍ". قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ يُصَلِّي فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَلَاتَهُ فِي سَائِرِ السَّنَةِ، فَإِذَا دَخَلَ العَشْرُ اجْتَهَدَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ)

(2)

. [صحيح]

وفي الباب عن عبادة بن الصامت عند أحمد

(3)

.

والحديث يدلّ على أن ليلة القدر [تُرجى]

(4)

مصادفتها لتسع ليال بقين من الشهر أو سبع أو خمس أو ثلاث أو آخر ليلة، وهو أحد الأقوال المتقدمة.

قال الترمذي في جامعه

(5)

: وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر أنها ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين وآخر ليلة من رمضان.

قال: قال الشافعي

(6)

: كان هذا عندي والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل عنه، يقال له: نلتمسها في ليلة كذا؟ فيقول: التمسوها ليلة كذا.

قال الشافعي: وأقوى الروايات عندي فيها ليلة إحدى وعشرين، انتهى.

25/ 1779 - (وَعَنْ أبي نَضْرَةَ عَنْ أبي سَعِيدٍ في حَدِيثٍ لَهُ: أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم خَرَجَ على النَّاسِ فقَالَ: "يَا أَيُّها النَّاسُ إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لي لَيْلَةُ القَدْر، وَإني خَرَجْتُ لأخْبِرَكُمْ بِهَا، فَجَاءَ رَجُلان يَحْتَقَّانِ مَعَهُما الشَّيْطَانُ فَنَسِيتُها، فالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةَ وَالسَابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ"؛ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بَالعَدَدِ مِنَّا، فَقَالَ: أَجَلْ، نَحْنُ أَحَقُّ بِذَاكَ مِنْكُمْ،

(1)

في المسند (5/ 39).

(2)

في سننه رقم (794) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وهو حديث صحيح.

(3)

في المسند (5/ 318) بسند ضعيف.

ولكن الحديث حسن لغيره وقد تقدم.

(4)

في المخطوط (ب): (يُرجى).

(5)

في السنن (3/ 159).

(6)

المجموع شرح المهذب (6/ 489).

ص: 501

قَالَ: قْلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ والسابعة وَالْخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا اثْنَانِ وَعِشْرُونَ فَهِيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الخَامِسَةُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ

(1)

وَمُسْلِمٌ)

(2)

. [صحيح]

قوله: (يحتقان)

(3)

بالحاء المهملة وبعدها مثناة فوقية ثم قاف مشددة، ومعناها يطلب كل واحد منهما حقه ويدعي أنه المحق، وفيه أن المخاصمة والمنازعة مذمومة وأنها سبب للعقوبة المعنوية.

قوله: (فإذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنان وعشرون)، هكذا في بعض نسخ مسلم، وفي أكثرها:"ثنتين وعشرين" بالياء.

قال النووي

(4)

: وهو أصوب، والنصب بفعل محذوف تقديره: أعني ثنتين وعشرين، انتهى.

وجعل النصب على الاختصاص أصوب من الرفع بتقدير مبتدأ لأجل قوله بعد ذلك فهي التاسعة لأنه يصير تقدير الكلام: فالتي تليها هي اثنان وعشرون فهي التاسعة، ولا يخفى أنها عبارة ثانية بخلاف النصب على الاختصاص فإنه يصير التقدير: فالتي تليها أعني ثنتين وعشرين فهي التاسعة فإنها عبارة خالية عن ذلك.

والحديث يدل على أن ليلة القدر يرجى وجودها في تلك الثلاث الليالي.

26/ 1780 - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ القَدْرِ فِي تاسِعَةٍ تَبْقَى، في سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى" رَوَاهُ أَحْمَدُ

(5)

وَالْبُخَارِيُّ

(6)

وأبُو دَاوُدَ

(7)

.

(1)

في المسند (3/ 10، 11).

(2)

في صحيحه رقم (217/ 1167).

وهو حديث صحيح.

(3)

النهاية لابن الأثير (1/ 414).

(4)

في شرحه لصحيح مسلم (8/ 63 - 64).

(5)

في المسند (1/ 231).

(6)

في صحيحه رقم (2021).

(7)

في سننه رقم (1381).

وهو حديث صحيح.

ص: 502

وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هِيَ فِي الْعَشْرِ [الْأَوَاخِرِ]

(1)

فِي سَبْعِ يَمْضِينَ أَوْ فِي تِسْعٍ يَبْقَيْنَ"، يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)

(2)

. [صحيح]

قوله: (في تاسعة تبقى)، يعني ليلة اثنين وعشرين.

قوله: (في خامسة تبقى)، يعني ليلة ست وعشرين.

قوله: (في سبع يمضين أو تسع يبقين)، هكذا رواية المصنف رحمه الله بتقديم السين في الأول والتاء في الثانية.

قال في الفتح

(3)

: الأكثر بتقديم السين في الثاني وتأخيرها في الأول، وبلفظ المضي في الأول والبقاء في الثاني.

وللكشميهني

(4)

بلفظ المضي فيهما وفي رواية الإسماعيلي بتقديم السين في الموضعين، انتهى.

والمراد في سبع ليال تمضي من العشر الأواخر، أو في تسع ليال تبقى منها، فتكون في ليلة سبع وعشرين أو ليلة اثنين وعشرين، [وقد]

(5)

تقدم الخلاف في ذلك.

27/ 1781 - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أن رِجالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كانَ مُتَحَرّيًا فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأوَاخِرِ". أخْرَجَاهُ

(6)

. [صحيح]

وَلِمُسْلِمٍ

(7)

قَالَ: أُرِي رَجُلٌ أن لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَرَى رُؤْيَاكُمْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فاطْلُبُوهَا فِي الوِتْرِ مِنْهَا"). [صحيح]

(1)

زيادة من المخطوط (أ).

(2)

في صحيحه رقم (2022).

(3)

(4/ 261).

(4)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 261).

(5)

في المخطوط (ب): (و).

(6)

البخاري رقم (2015) ومسلم رقم (205/ 1165).

(7)

في صحيحه رقم (207/ 1165).

ص: 503

28/ 1782 - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تَحَرُّوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1)

وَالْبُخَارِيُّ

(2)

، وَقَالَ

(3)

: "فِي الوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأوَاخِرِ"(1). [صحيح]

قوله: (أروا ليلة القدر) أروا بضم أوله على البناء للمجهول، أي قيل لهم في المنام: إنها في السبع الأواخر.

قال في الفتح

(4)

: والظاهر أن المراد به أواخر الشهر.

وقيل: المراد به السبع التي أولها ليلة الثاني والعشرين وآخرها ليلة الثامن والعشرين، فعلى الأول لا تدخل ليلة إحدى وعشرين ولا ثلاث وعشرين، وعلى الثاني تدخل الثانية فقط ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين.

ويدلّ على الأول ما في البخاري

(5)

في كتاب التعبير من صحيحه: "أن ناسًا أرُوا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن ناسًا رأوا أنها في العشر الأواخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: التمسوها في السبع الأواخر"، وكأنه صلى الله عليه وسلم نظر إلى المتفق عليه من الروايتين فأمر به.

وقد رواه أحمد

(6)

عن ابن عيينة عن الزهري بلفظ: "رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "التمسوها في العشر البواقي منها في الوتر".

ورواه أحمد

(7)

من حديث عليّ مرفوعًا: "إن غلبتم فلا تغلبوا في [التسع]

(8)

البواقي".

قوله: (أرى) بفتحتين أي أعلم.

(1)

في صحيحه رقم (219/ 1169).

(2)

في صحيحه رقم (2020).

(3)

أي البخاري في صحيحه رقم (2017).

(4)

(4/ 256).

(5)

في صحيحه رقم (6991).

(6)

في المسند (5/ 40).

(7)

في المسند (1/ 133).

(8)

في المخطوط (ب): (السبع).

ص: 504

قوله: (رؤياكم) قال عياض

(1)

: كذا جاء بإفراد الرؤيا، والمراد مرائيكم لأنها لم تكن رؤيا واحدة وإنما أراد الجنس.

قال ابن التين

(2)

: كذا روي بتوحيد الرؤيا وهو جائز لأنها مصدر.

قوله: (تواطأت) بالهمز: أي توافقت وزنًا ومعنى.

وقال ابن التين (2): بغير همز، والصواب بالهمز، وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطء صاحبه.

وفي الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية، هكذا في الفتح

(3)

.

قوله: (تحروا ليلة القدر)، في رواية للبخاري

(4)

: "التمسوا"، وفي حديث عائشة دليل على أن ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر. وقد تقدم أنه القول الراجح.

فائدة: قال الطبري

(5)

: في إخفاء ليلة القدر دليل على كذب من زعم أنه يظهر في تلك الليلة للعيون ما لا يظهر في سائر السنة، إذ لو كان حقًّا لم يخف على كل من قام ليالي السنة فضلًا عن ليالي رمضان.

وتعقبه ابن المنير

(6)

بأنه لا ينبغي إطلاق القول بالتكذيب لذلك، بل يجوز أن يكون ذلك على سبيل الكرامة

(7)

لمن شاء الله من عباده فيختص بها قوم دون قوم، والنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يحصر العلامة ولم ينف الكرامة.

(1)

قال القاضي عياض في "مشارق الأنوار"(ص 277): "وقوله أرى رؤياكم قد تواطأت كذا جاء على الإفراد والمراد به رُؤاكم لأنها لم تكن رؤيا واحدة ولكنه أراد الجنس".

(2)

حكاه الحافظ في "الفتح"(4/ 257).

(3)

(4/ 256 - 257).

(4)

في صحيحه رقم (2022).

(5)

حكاه عنه الحافظ في "الفتح"(4/ 267).

(6)

ذكره الحافظ في "الفتح"(4/ 267).

(7)

انظر: معنى الكرامة لغة وشرعًا، والفرق بين المعجزة والكرامة في تحقيقنا للرسالة رقم (26) من كتابنا الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني (2/ 1067 - 1075).

ص: 505

قال: ومع ذلك فلا يعتقد أن ليلة القدر لا ينالها إلا من رأى الخوارق، بل فضل الله واسع.

وربّ قائم تلك الليلة لم يحصل منها إلا على العبادة من غير رؤية خارق، وآخر رأى الخوارق من غير عبادة والذي حصل على العبادة أفضل، والعبرة إنما هي بالاستقامة بخلاف الخارق فقد تقع كرامة وقد تقع فتنة.

وقيل: إن المطلع على ليلة القدر يرى كل شيء ساجدًا.

وقيل: يرى الأنوار ساطعة في كل مكان حتى في المواضع المظلمة.

وقيل: يسمع سلامًا أو خطابًا من الملائكة.

وقيل: علامتها استجابة دعاء من وُفِّق لها.

* * *

تمَّ ولله الحمد والمنَّة الجزء الثامن

من

"نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار"

ويليه الجزء التاسع منه

وأوله

الكتاب السادس: كتاب المناسك

ص: 506