المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌ ‌ ‌القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤه: {الشَّيْطَانُ - تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي - جـ ٥

[ابن جرير الطبري]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

‌القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤه: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} .

يعنى بذلك تعالى ذكرُه: الشيطانُ يعدُكم أيها الناسُ بالصدقة وأدائكم الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم، أن تَفْتقروا، {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ}. يعنى: ويأمُرُكم بمعاصى الله، وترك [الصلاة، و]

(1)

طاعتِه، {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ} . يعنى أن الله تبارك وتعالى يَعدُكم أيُّها المؤمنون أن يستُرَ عليكم فحشاءَكم، بصفحه لكم عن عقوبتكم عليها، فيغفرَ لكم ذنوبَكم بالصدقة التي تتصدَّقون، {وَفَضْلًا}. يعنى: ويَعِدُكم أن يُخْلِفَ عليكم من صَدقاتِكم، فَيُفْضِلَ عليكم من عطاياه، ويُسبغَ عليكم في أرزاقكم.

كما حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: اثنان من الله، واثنانِ من الشيطانِ، {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ}. يقولُ: لا تُنفق مالك وأمسِكْه عليك؛ فإنك تحتاجُ إليه، {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ} على هذه المعاصى، {وَفَضْلًا} في الرزق

(2)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 530، 531 (2811، 2816، 2819) من طريق الحسين بن واقد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 348 إلى ابن المنذر.

ص: 5

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} . يقولُ: مغفرةً لفحشائِكم، وفضلًا لفقرِكم

(1)

.

حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ للشيطانِ لَمَّةً من ابن آدم، وللملَكِ لمةً، فأما لمةُ الشيطان، فإيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لمةُ الملكِ فإيعادٌ [بالخير وتصديقٌ بالحقِّ]

(2)

، فمن وجَد ذلك فليعلَمْ أَنَّه من الله، وليحمَدِ الله، ومن وجَد الأخرى فلْيتعوَّذُ بالله من الشيطان". ثم قرأ:" {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} "

(3)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الحَكمُ بنُ بَشير بن سلمانَ، قال: ثنا عمرٌو، عن عطاء بن السائبِ، عن مُرَّةَ، عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: إن للإنسان من الملكِ لمةً، ومن الشيطان لمةً، فاللَّمَّةُ من المَلكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، واللَّمَّةُ من الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ. وتلا عبدُ الله:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} . قال عمرٌو: وسمِعْنا في هذا الحديث أنه كان يقالُ: إذا أحسَّ أحدُكم من لمة الملك شيئًا، فلْيحمَدِ الله، ولْيسألْه من فضلِه، وإذا أحسَّ من لمةِ الشيطان شيئًا، فليَسْتغفر الله، وليتعوَّذْ

(4)

من الشيطان.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 530 (2817) من طريق سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 348 إلى عبد بن حميد.

(2)

في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3:"بالحق وتصديق بالخير".

(3)

أخرجه الترمذى (2988)، والنسائى في الكبرى (11051)، وأبو يعلى (4999)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 529 (2810)، وابن حبان (997) من طريق هناد بن السرى به، وأخرجه البيهقي في الشعب (4506) من طريق أبي الأحوص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 348 إلى ابن المنذر.

(4)

في الأصل: "يتعوذ".

ص: 6

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائب، عن أبي الأحوصِ، أو عن مرَّةَ، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: ألا إن للملكِ لمةً، وللشيطان لمةً، فلمَّةُ الملك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، ولمةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، ذلكم بأن الله عز وجل يقولُ:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . فإذا وجدتم من هذه شيئًا فاحْمَدوا الله عليه، وإذا وجَدتم من هذه شيئًا فتعوَّذوا باللهِ من الشيطانِ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعود في قوله:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} . قال: إن للمَلَكِ لمةً، وللشيطان لمةً، فلمَّةُ الملكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وجَدها فلْيَحمَدِ الله، ولمةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، فمن وجَدها فلْيستعِذْ باللَّهِ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمة، قال: أخبَرنا عطاءُ بنُ السائب، عن مرةَ الهَمْدانيِّ، أن ابنَ مسعودٍ قال: إن للملك لمةً، وللشيطانِ لمَّةً، فلمَّةُ الملَكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، ولمةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، فمن أحسَّ من لمةِ المَلَكِ شيئًا، فليحمد الله عليه، ومن أحسَّ من لمة الشيطان شيئًا

(2)

، فليتعوَّذُ بالله منه. ثم تلا هذه الآية:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المبارك، عن فِطْرِ، عن

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 109، وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 1/ 475 من طريق الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود مرفوعًا نحوه.

(2)

سقط من: الأصل.

ص: 7

المسيَّبِ بن رافعٍ، عن عامرِ بن عَبْدةً، عن عبدِ اللهِ بنحوه.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن مُرةَ بن شَراحيل، عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: إن للشيطان لمةً، وللملَكِ لمةً، فأما لمةُ الشيطانِ فتكذيبٌ بالحقِّ وإيعادٌ بالشرِّ، وأما لمةُ الملكِ فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وجَد ذلك فلْيعلَمْ أنه من الله، ولْيَحْمَدِ الله عليه، ومن وجد الأُخرى فَلْيَتعوَّذْ من الشيطان الرجيم. ثم قرأ:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .

‌القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)} .

يعني تعالى ذكرُه بذلك: والله واسعُ الفَضْلِ

(1)

الذي يَعِدُكم أن يُعْطِيَكموه من فضلِه وسَعَةِ خزائنِه، عليمٌ بنفقاتِكم وصدقاتكِم التي تُنْفِقون وتتصدقون بها، يُحْصِيها لكم حتى يجازيَكم بها عندَ مَقْدَمِكم عليه في آخرتكم.

‌القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤُه: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يُؤتى الله الإصابة في القول والفعل من يشاءُ من عباده، ومن يُؤْتَ الإصابة في ذلك منهم فقد أُوتى خيرًا كثيرًا.

واخْتَلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: الحكمةُ التي ذكرها الله تبارك وتعالى في هذا الموضع هي القرآنُ والفقهُ به.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن

(1)

في الأصل: "للفضل".

ص: 8

ابن عباس في قوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} : يعنى المعرفةَ بالقرآن؛ ناسخِه ومنسوخِه، ومُحْكمِه ومتشابهِه، ومُقدَّمه ومؤخَّرِه، وحلالِه وحرامِه، وأمثاله

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} . قال: الحكمةُ القرآنُ والفقهُ في القرآن

(2)

.

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} : والحكمةُ الفقهُ في القرآن

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الهلاليُّ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا مهديُّ بنُ ميمونٍ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الحَبْحابِ، عن أبي العالية:{وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} . قال: الكتابُ والفهمُ به

(4)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قوله:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} الآية. قال: ليست بالنبوَّةِ، ولكنه القرآنُ والعلمُ والفقهُ

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 531 (2822) والنحاس في ناسخه ص 50 من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 348 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 109.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 348 إلى عبد بن حميد.

(4)

في م: "فيه".

والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 476، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 348 إلى المصنف.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 231، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 531 (2823)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (106) من طريق جرير به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 292، والخطيب (105، 107) من طريق ليث به.

ص: 9

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الفقهُ في القرآنِ

(1)

.

وقال آخرون: معنى الحكمة الإصابةُ في القول والفعل.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا قال: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} . قال: الإصابةُ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله تبارك وتعالى:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} . قال: يُؤْتى إصابتَه من يشاءُ

(3)

.

وحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} . قال: الكتابُ، يُؤتِى إصابتَه [منْ يشاءُ]

(4)

.

وقال آخرون: هي العلمُ بالدين.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الحكمةُ العقلُ في

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 348 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 532 (2825) من طريق سفيان به.

(3)

تفسير مجاهد ص 245، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 348 إلى عبد بن حميد.

(4)

سقط من: م.

ص: 10

الدينِ. وقرأ: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}

(1)

.

وحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قلتُ لمالكٍ: ما الحكمةُ؟ قال: المعرفةُ بالدين، والفقهُ فيه، والاتباعُ له.

وقال آخرون: الحكمةُ الفَهمُ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حمزةَ، عن إبراهيم، قال: [هو الفهمُ. يعنى

(2)

الحكمة]

(3)

.

وقال آخرون: هي الخشيةُ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} الآية. قال: الحكمةُ الخشيةُ؛ لأن رأسَ كلِّ شيءٍ خشيةُ الله. وقرأ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}

(4)

[فاطر: 28].

وقال آخرون: هي النبوَّةُ.

(1)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حدَّثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد الحكمة العقل". وتقدم هذا الأثر والأثر بعده في 2/ 576.

(2)

في ص، ت 1:"بمعنى".

(3)

في م: "الحكمة هي الفهم".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 532 (2826) من طريق سفيان به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 531 (2824) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 476 عن أبي العالية، وذكره القرطبي في تفسيره 3/ 330 عن الربيع مختصرًا بلفظ: الحكمة الخشية.

ص: 11

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قوله:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} الآية. قال: الحكمةُ هي النبوَّةُ

(1)

.

وقد بيَّنا فيما مضَى معنى "الحكمة"، وأنها مأخوذةٌ من الحُكم وفصل القضاء، وأنها الإصابةُ، بما دلَّ على صحَّتِه، فأَغْنى ذلك عن تكريره في هذا الموضع

(2)

.

وإذا كان ذلك

(3)

معْناه، كان جميعُ الأقوالِ التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولَهم في ذلك، داخلًا فيما قُلنا من ذلك؛ لأن الإصابة في الأمور إنما تكونُ عن فَهم بها وعلم ومعرفةٍ، وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيبُ عن فَهْم منه بمواضع الصوابِ في أموره، فَهِمًا خاشيًا للهِ، فقيهًا عالمًا، وكانت النبوَّةُ من أقسامه؛ لأن الأنبياءَ مُسَدَّدون مُفَهَّمُون مُوَفَّقون لإصابة الصواب في الأمور، فالنبوَّةُ بعضُ معاني الحكمة.

فتأويلُ الكلام: يُؤتى الله إصابة الصواب في القول والفعل مَن يَشَاءُ، ومَن يؤته الله ذلك فقد آتاه خيرًا كثيرًا.

‌القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)} .

يعْنى جلَّ ثناؤُه بذلك: وما يتعظُ بما وعَظه به ربُّه في هذه الآياتِ التي وعظ فيها المُنْفِقين أموالَهم، بما [وعظَهم به وغيرَهم]

(4)

فيها وفي غيرها من آي كتابه،

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 532 (2828) من طريق عمرو به.

(2)

ينظر ما تقدم في 2/ 577.

(3)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"كذلك".

(4)

في م "وعظ به غيرهم".

ص: 12

فيَذَّكَّرُ وعدَه ووعيده فيها، فينزجرُ عمَّا زجَره عنه ربُّه، ويُطيعُه فيما أمَره به {إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}. يعنى: إلَّا أُولو العقول الذين عقَلوا عن الله أمرَه ونهيَه.

فأَخْبَر جلَّ ثناؤُه أن المواعظَ غيرُ نافعةٍ إلّا أُولى الحِجا والحُلُوم، وأن الذِّكرَى غيرُ ناهيةٍ إلا أهلَ النُّهَى والعقول.

‌القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)} .

يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: وأيَّ نفقةٍ أَنْفَقتُم. يعني: أيَّ صدقةٍ تصدَّقُتُم، أو أيَّ نَذْرٍ نذَرتم. يعْنى بالنذرِ ما أَوْجَبه المرءُ على نفسِه، تبرُّرًا في طاعةِ اللهِ، وتقرُّبًا به إليه من صدقةٍ أو عمل خير، {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} أي: إنَّ جميع ذلك بعلم الله، لا يعزُبُ عنه منه شيءٌ، ولا يَخْفَى عليه منه قليلٌ ولا كثيرٌ، ولكنه يُحْصِيه أيها الناسُ عليكم، حتى يُجازِى

(1)

جميعَكم على جميع ذلك، فمن كانت نفقتُه منكم وصدقتُه ونذرُه ابتغاءَ مرضاة الله وتثبيتًا من نفسه، جازاه بالذي وعَده من التضعيف، ومن كانت نفقتُه وصدقتُه رياءَ الناس، ونذورُه للشيطان، جازاه بالذي أوْعَده من العقاب وأليم العذاب.

كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ} . قال

(2)

: فإن الله يَعْلَمُه ويُحْصِيه

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

(1)

في ص. م، ت 1، ت 2، ت 3 "يجازيكم".

(2)

سقط من: م.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 535 (2841) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 350 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 13

ثم أوْعَد جلَّ ثناؤُه من كانت نفقتُه رياءً، ونذورُه طاعةً للشيطان، فقال:{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} . يعنى: وما لمن أَنْفَق ماله رياءَ الناس وفي معصية الله، وكانت نذورُه للشيطان وفى طاعته، {مِنْ أَنْصَارٍ} وهم جمعُ نصيرٍ، كما الأشرافُ جمعُ شريفٍ.

ويعنى بقوله: {مِنْ أَنْصَارٍ} : مَن ينصُرُهم من الله يوم القيامة، فيدفَعُ عنهم عقابَه يومَئِذٍ بقُوَّةٍ وشدَّةِ بطشٍ، ولا بفديةٍ [ولا حيلةٍ]

(1)

.

وقد دلَّلْنا على أن الظالم هو الواضعُ الشيء في غير موضعه

(2)

، وإنما سمَّى اللهُ المنفقَ ماله رياءَ الناس، والناذرَ في غير طاعته ظالمًا؛ لوضعه إنفاق ماله في غيرِ موضِعِه، ونَذْرَه في غير ما له وضعُه فيه، فكان ذلك ظلمَه.

فإن قال قائلٌ: فكيف قال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} . ولم يقل: يعلَمُهما. وقد ذكر النذر والنفقة؟

قيل: إنما قال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} لأنه أراد: فإِن الله يعلَمُ ما أَنْفَقتم أو نذَرتم. فلذلك وحَّد الكناية.

‌القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)} .

يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ} : إِن تُعْلِنُوا الصدقات، فتُعطوها من تصدَّقُتُم بها عليه، {فَنِعِمَّا هِيَ}. يقولُ: فنِعْمَ الشيءُ هي، {وَإِنْ تُخْفُوهَا}. يقولُ: وإن تَسْتُروها فلم

(3)

تُعْلِنُوها، {وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ}. يعنى:

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 559، 560.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فلن".

ص: 14

وتعطوها الفقراء في السرِّ، {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. يقولُ: فإخفاؤُكم إيَّاها خيرٌ لكم من إعلانها، وذلك في صدقة التطوُّع.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله:{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} : كلٌّ مقبولٌ إذا كانت النيةُ صادقةً، وصدقةُ السرِّ أفضلُ، وذُكر لنا أن الصدقة تطفئُ الخطيئة كما يُطفئُ الماءُ النار

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله:{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . قال: كلٌّ مقبولٌ إذا كانت النيةُ صادقةً، والصدقةُ في السرِّ أفضلُ. وكان يقولُ: إنّ الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئُ الماءُ النار

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} : فجعل الله صدقةَ السرِّ في التطوُّع تفضُلُ علانيتها بسبعِينَ ضِعْفًا، وجعَل صدقةَ الفريضةِ علانيتَها أفضلَ مِن سرِّها. يقالُ: بخمسةٍ وعشرين ضِعْفًا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل و

(3)

الأشياء كلِّها

(4)

.

حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ، قال: أخبرنا

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 353/ 1 إلى المصنف وعبد بن حميد. وقوله: الصدقة تطفئ الخطيئة

أخرجه الترمذى (614) مرفوعًا من حديث كعب بن عجرة، وينظر ما أخرجه أحمد 22/ 332 (14441) من حديث جابر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 537 (2849) من طريق ابن أبي جعفر به.

(3)

في الأصل، م:"في".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 536 (2847) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 353 إلى ابن المنذر.

ص: 15

عبد الله بنُ المبارك، قال: سمعت سفيانَ يقولُ في قوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . قال: يقولُ: هو سوى الزكاة

(1)

.

وقال آخرون: إنما على الله عز وجل بقوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} : إن تُبْدُوا الصدقات على أهل الكتابين من اليهود والنصارى، فنِعِمَّا هي، وإن تُخْفُوها وتُؤْتُوها فقراءَهم، فهو خيرٌ لكم. قالوا: وأما ما أُعطى فقراءُ المسلمين من زكاةٍ وصدقة تطوُّع، فإخفاؤُه أفضلُ من إعلانه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ شُريحٍ، أنه سمع يزيد بن أبي حبيبٍ يقولُ: إنما نزَلت هذه الآيةُ: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} في الصدقة على اليهود والنصارى

(2)

.

حدَّثني عبدُ الله بنُ محمدٍ الحنفيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ عثمان، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ المبارك، قال: أخبرنا ابن لهيعةَ، قال: كان يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ يأمرُ بقَسْم الزكاة في السرِّ. قال عبدُ اللهِ: أُحبُّ أَن تُعْطَى في العلانية. يعنى الزكاةَ.

ولم يَخْصُصِ الله جلّ ثناؤُه من قوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} . [صدقةً دونَ صدقةٍ]

(3)

، فذلك على العموم، إلَّا ما كان من زكاةٍ واجبةٍ،

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 536 (2845) من طريق ابن المبارك به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 539 (2863) عن يونس بن عبد الأعلى به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 16

فإنَّ الواجبَ من الفرائض قد أَجْمَع الجميعُ على أن الفضل في إعلانِه وإظهاره، سوى الزكاة التي ذكَرنا اختلافَ المختلفين فيها، مع إجماع جميعهم على أنها واجبةٌ، فحكمُها في أن الفضل في أدائِها علانيةً حكمُ سائر الفرائض غيرها.

‌القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} .

اختلفت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فرُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه: (وتُكفِّرَ عنكم) بالتاء

(1)

. ومن قرأه كذلك، فإنه يعنى به: وتُكفِّرُ الصدقاتُ عنكم من سيئاتكم.

وقرأ آخَرون: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ} . بالياء

(2)

. بمعنى: ويكفِّرُ الله عنكم بصدقاتِكم، على ما ذكر في الآية من سيئاتِكم.

وقرأ ذلك بعدُ عامّة قرأَةِ أهل المدينة والكوفة والبصرة: (وَنُكَفِّرْ عنكم). بالنون وجَزْمِ الحرفِ

(3)

، بمعنى: وإن تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفقراء، نكفِّر عنكم من سيئاتكم. بمعنى مجازاةِ اللهِ عز وجل مُخْفِيَ الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها.

وأولى القراءاتِ في ذلك عندَنا بالصواب قراءة من قرأ: (وَنُكَفِّرْ عنكم). بالنون وجزم الحرف، على معنى الخبر من الله جلّ ثناؤه عن نفسه أنه يُجازي المخفي صدقتَه التطوُّع؛ ابتغاء وجهه من صدقته، بتكفير سيئاته. وإذا قُرِئ كذلك فهو مجزومٌ على [النَّسْقِ على]

(4)

موضع الفاء في قوله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . لأن الفاء هنالك حلَّت محَلَّ جوابِ الجزاء.

فإن قال لنا قائلٌ: وكيف اخترتَ الجزمَ على النَّسْق على موضع الفاء، وتركت

(1)

ينظر البحر المحيط 2/ 325، وهى قراءة شاذة، لم يقرأ بها أحد من العشرة.

(2)

وهى قراءة ابن عامر وحفص. حجة القراءات ص 148.

(3)

وهى قراءة نافع وحمزة والكسائي، ولم يذكر المصنف قراءة من قرأ بالنون ورفع الراء، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبى بكر. المصدر السابق ص 147، 148.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 17

اختيار نسْقه على ما بعدَ الفاءِ، وقد علمتَ أن الأفصحَ من الكلامِ في النسْق على جوابِ الجزاءِ الرفع وإنما الجزمُ تجويزٌ؟

قيل: اخترنا ذلك ليُؤْذِنَ بجزمه أن التكفير - أعنى تكفيرَ اللهِ مِن سيئاتِ المُتصَدِّقِ - لا محالة داخلٌ فيما وعَد اللهُ المُصَّدِّقَ أن يُجازيه به على صدَقتِه؛ لأن ذلك إذا جُزم مُؤذِنٌ بما قُلنا لا محالة، ولو رُفع كان قد يَحْتَمَلُ أن يكونَ داخلًا فيما وعَده الله أن يُجازيَه به، وأن يكونَ خبرًا مستأنفًا، أنه يكفِّرُ من سيئاتِ عبادِه المؤمنين، على غيرِ المجازاة لهم بذلك على صدقاتِهم؛ لأن ما بعدَ الفاء في جوابِ الجزاء استئنافٌ، فالمعطوفُ على الخبر المستأنَف في حكم المعطوف عليه، في أنه مُسْتأنفٌ

(1)

غيرُ داخلٍ في الجزاء، ولذلك من العلَّةِ اخترنا جزمَ (نُكَفِّرْ) عطفًا به على موضعِ الفاءِ مِن قوله:{فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . وقراءته بالنون.

فإن قال قائلٌ: وما وجهُ دخول (من) في قوله: (ونُكفِّر عنكم من سيئاتكم)؟

قيل: وجهُ دخولِها في ذلك بمعْنى: ونكفِّرْ عنكم من سيئاتكم ما نشاءُ تكفيرَه منها دون جميعها؛ ليكونَ العبادُ على وَجَلٍ من الله فلا يَتَّكِلُوا على وعدِه ما وعَدَ على الصدقات التي يُخْفِيها المتصدِّقُ، فيَجْترئُوا على حدودِه ومعاصِيه.

وقد قال بعضُ نحويِّى البصرة: معْنى {مِن} الإسقاطُ في هذا الموضع.

وتأوَّل معنى ذلك: ونكفِّرْ عنكم سيئاتكم.

‌القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: والله بما تعملون في صدقاتكم، من إخفائها وإعلان وإسرارٍ بها وجهارٍ، وفى غير ذلك من أعمالكم، {خَبِيرٌ} يعنى بذلك: ذو خبرةٍ وعلم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، فهو بجميعه محيطٌ، ولِكُلِّه محصٍ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 18

على أهله، حتى يوفِّيَهم ثوابَ جميعه، وجزاءَ قليله وكثيره.

‌القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)} .

يعني تعالى ذكرُه بذلك: ليس عليك يا محمدُ هُدَى المشركين إلى الإسلام، فتمنَعَهم الصدقةَ التطوُّع، ولا تُعطيَهم منها؛ ليدخلوا في الإسلام حاجةً منهم إليها، ولكنَّ الله هو يَهْدى من يشاءُ مِن خلقه إلى الإسلام فيوفِّقُهم له، فلا تمنَعْهم الصدقة.

كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أَشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ

(1)

، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يتصدَّقُ على المشركين، فنزلت:{وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} . فَتَصَدَّقَ عليهم

(2)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو داود، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا لا يرْضَخُون

(3)

لقراباتهم من المشركين، فنزلت:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}

(4)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كانوا يتَّقون أن يرضَخوا لقراباتِهم من المشركين حتى نزلت: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} .

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"شعبة".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

الرضخ: العطية القليلة. اللسان (ر ض خ).

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 537 (2852) من طريق أبي داود به، وأخرجه النسائي في الكبرى (11052)، والطبراني (12453)، والحاكم 2/ 285، والبيهقى 4/ 191، من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء.

ص: 19

حدَّثنا محمدُ بنُ بشار وأحمدُ بنُ إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا لا يرضخون لأنسبائِهم من المشركين، فنزلت:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} الآية. فرخَّص لهم

(1)

.

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان أناسٌ من الأنصار لهم أنسباءُ وقرابةٌ من قريظة والنَّضير، وكانوا يتَّقون أن يتصدَّقوا عليهم، ويُريدونهم أن يُسْلِموا، فنزلت:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} الآية

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: وذُكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالوا: أنتصدَّقُ على من ليس من أهل ديننا؟ فَأَنزل الله عز وجل في ذلك القرآنَ: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}

(3)

.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} . قال: كان الرجلُ من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابةٌ وهو محتاجٌ، فلا يتصدَّقُ عليه، يقولُ: ليس من أهل ديني. فأَنزل اللهُ عز وجل: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} . الآية (2)

حدثني [موسى بن هارون]

(4)

، قال: ثنا عمرو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن

(1)

أخرجه البزار (2193 - كشف)، والحاكم 4/ 156 من طريق أبي أحمد الزبيرى به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى المصنف.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(4)

في ص، م:"محمد".

ص: 20

السُّديِّ قول: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} : أَمَّا {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} فيعنى المشركين، وأما النفقة فبيَّن أهلها

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: كانوا يتصدَّقون [على فُقَراءِ أَهلِ الذِّمَّةِ، فلمَّا كثر فقراء المسلمين، قالوا: لا نُعْطِيها إِلَّا المسلمين، فنزلت:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} . قال: فكانوا بعد يُعْطُونهم

(2)

.

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} . قال: يقول: إنما لها ثواب نفقتها، وليس لها من عمله شيءٌ، لو كان خير أهلِ الأرْضِ لم يكن لها مِن عمله شيءٌ، إنما لها أجر نفقتها، ولا تُسأَلُ عمَّن تريد تضعُ نفقتها فيه، فليس لها من عمله شيءٌ، إنما لها ثواب نفَقَتِها، {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} .

حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا أبو أحمد، قال: حدَّثنا جرير بن عبد الحميد، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدَّقُوا إلا على أهل دينكم". فأنزل الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} الآية إلى قوله: {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}

(3)

]

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 538 (2856) من طريق عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى ابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357 إلى ابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 177 عن جرير به.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 21

[وأما قوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} . فإنه يعنى جلَّ ثناؤه: وما تتصدَّقون به من مال - والمالُ هو الخيرُ الذي ذكره الله جلَّ ثناؤه في هذه الآية.

وقوله: {فَلِأَنْفُسِكُمْ} تنفقون؛ ليكونَ لكم ذُخْرًا عند الحاجة إليه في مَعَادِكم.

وأما قوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} فإنه يعنى جل جلاله: وما تتصدَّقوا به من مالٍ فإنكم تُوَفَّوْنَه، فيرجع إليكم جزاؤه تامًّا وافيًا، فلا تَمُنُّوا على أحدٍ بما تصدَّقتم به عليه، ولا تمتنعوا من إعطائها من امتنعتم من إعطائه إياها من مشركي أهل الكتاب وغيرهم من أهل الإسلام، فإنكم لا تُظْلَمُون أَجْرَها فَتُبْخَسُوه، ولا تُنْقَصُونَه، بل على الله أن يوفِّيكم أجوركم وجزاءكم عليها]

(1)

.

كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} . قال: هو مردودٌ عليك، فما لك ولهذا تُؤذيه وتمنُّ عليه؟ إنما نفقتك لنفسك، وابتغاء وجه الله، واللهُ يَجْزيك

(2)

.

‌القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ} .

أما قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ} . فبيانٌ من الله تعالى ذكره عن سبيل النفقة ووجهها. ومعنى الكلام: وما تُنفِقُوا من خيرٍ فلأنفسكم، تُنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.

واللام التي في "الفقراء" مردودةٌ على موضع اللام من قوله: {فَلِأَنْفُسِكُمْ} . كأنه قال: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} يعنى به: وما تتصدَّقوا به من مالٍ فللفقراء الذين أُحْصِروا في سبيلِ اللهِ. فلمّا اعْتَرض في الكلام بقوله: {فَلِأَنْفُسِكُمْ} . فَأَدْخَل الفاء التي هي جواب الجزاء فيه، تُرِكت إعادتها في قوله:

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 357، 358 إلى المصنف.

ص: 22

{لِلْفُقَرَاءِ} . إذ كان الكلام مفهومًا معناه.

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ قوله:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} : أَمَّا {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} . فيعنى المشركين، وأما النفقة فبيَّن أهلها، فقال:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}

(1)

.

وقيل: إنَّ هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية هم فقراء المهاجرين خاصَّةً

(2)

دونَ غيرِهم من الفقراء.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : مهاجرى قريشٍ بالمدينة مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أُمر بالصدقة عليهم

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية. قال: هم فقراءُ المهاجرين بالمدينة

(4)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . قال: فقراء المهاجرين

(5)

.

(1)

تقدم تخريجه في ص 21.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عامة".

(3)

تفسير مجاهد ص 245، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 540 (2865).

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 358 إلى المصنف من قول الربيع.

(5)

ينظر المحرر الوجيز 2/ 261، وتفسير القرطبي 3/ 399.

ص: 23

‌القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} .

يعنى بذلك تعالى ذكره: الذين جعلهم جهادهم عدوَّهم يُحْصِرون أنفسهم، فيحبسونها عن التصرُّف، فلا يستطيعون تصرُّفًا.

وقد دلَّلنا فيما مضى قبلُ على أنّ معنى الإحصارِ تصييرُ الرجلِ المُحْصِرِ مرَضُه أو فاقتُه أو جهادُه عدوَّه، وغيرُ ذلك من عليه، إلى حالة يحبس فيها نفسه عن التصرُّف في أسبابه، بما فيه الكفاية فيما مضى قبلُ

(1)

.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله:{الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . قال: حصروا أنفسَهم في سبيل الله للغزو

(2)

.

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . قال: كانت الأرض كلُّها كفرًا، لا يستطيعُ أحدٌ أن يخرُجَ يبتغى من فضلِ اللهِ، فإذا خرج خرج في كفرٍ. وقيل: كانت الأرضُ كلُّها حربًا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجَّهون جهةً إلَّا لهم فيها عدوٌّ، فقال الله تبارك وتعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي

(1)

ينظر ما تقدم في 3/ 342 وما بعدها.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 109، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 540 (2867) عن الحسن بن يحيى به.

ص: 24

سَبِيلِ اللَّهِ}. الآية. كانوا ههنا في سبيل الله

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين حَصَرهم المشركون فمنعوهم التصرُّفَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : حصرهم المشركون في المدينة

(2)

.

ولو كان تأويل الآية على ما تأوَّله السُّديُّ، لكان الكلام: للفقراء الذين حُصِروا في سبيل الله. ولكنه {أُحْصِرُوا} . فدل ذلك على أن خوفهم من العدوِّ الذي صيَّر هؤلاء الفقراء إلى الحالِ التي حَبَسوا - وهم في سبيل الله - أنفسهم، لا أن العدوَّ هم كانوا الحابِسيهم، وإنما يقال لمن حبسه العدوُّ: حصره العدوُّ. وإذا كان الرجلُ المُحْبَسُ من خوف العدوِّ، قيل: أَحْصَره خوفُ العدوِّ.

‌القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: لا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلادِ؛ ابتغاء المعاش، وطلب المكاسب، فيستغنوا به

(3)

عن الصدقات، رهبة العدوِّ، وخوفًا على أنفسهم منهم.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 358 إلى المصنف إلى قوله: خرج في كفر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 540 (2868) من طريق عمرو به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 25

كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ:{لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} : حصَروا

(1)

أنفسهم في سبيل اللهِ للغزو

(2)

، فلا يستطيعون تجارةً

(3)

.

حدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ:{لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} يعنى: التجارة

(4)

.

وحدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد، في قوله:{لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} : كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغى من فضل الله

(5)

.

‌القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} .

يعنى بذلك: يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعفُّفهم عن المسألة، وتركهم التعرُّضَ لما في أيدى الناس؛ صبرًا منهم على البأساء والضرَّاء.

كما حدَّثنا [بشرٌ بن معاذ، قال: حدَّثنا]

(6)

يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله:{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} . يقولُ: يحسبُهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفُّف.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حبسوا".

(2)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"للعدو".

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 109.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 358 إلى المصنف.

(5)

تقدم في ص 24.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 26

ويعني بقولِه: {مِنَ التَّعَفُّفِ} : من تَرِك مسألةِ الناسِ، وهو "التفعُّلُ" من العفَّةِ عن الشيءِ، والعفَّةُ عن الشيءِ تركُه، كما قال رُؤْبةُ

(1)

:

فعَفَّ عن أسرارِها بعدَ العسَقْ

(2)

يعنى: ترَك

(3)

وتجنَّب.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: تعرِفُهم يا محمدُ {بِسِيمَاهُمْ} ، يعْني: بعلامتِهم وآثارِهم، من قولِ اللَّهِ عز وجل:{سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]. وهذه لغةُ قريشٍ، ومِن العربِ مَن يقولُ: بسيمائِهم. فيمُدُّها، وأمَّا ثَقيفٌ وبعضُ أَسَدٍ فإنهم يقولون: بسيميائِهم، ومن ذلك قولُ الشاعرِ

(4)

.

غُلامٌ رمَاه اللهُ بالحُسْنِ يافعًا

له سِيمِياءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرُ

وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في السِّيما التي أَخْبر اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أَنَّها لهؤلاءِ الفقراءِ الذين وصَف

(5)

صفتَهم، وأنهم يُعرَفون بها؛ فقال بعضُهم: هو التخشُّعُ والتواضعُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ،

(1)

تقدم البيت في 4/ 279.

(2)

في ص، م:"الغسق"، وفي ت 2:"العشق".

(3)

في ص، م، ت 2، "برئ"، وفي ت 1:"يروى".

(4)

هو ابن عنقاء الفزاري، والبيت في الكامل 1/ 22، وأمالي القالى 1/ 237، والمؤتلف والمختلف للآمدى ص 238، والأغانى 19/ 208.

(5)

في ص، م، ت 2:"وصفت".

ص: 27

عن مجاهدٍ في قولِه: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} . قال: التخشُّعُ

(1)

.

وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنى المُثَنَّى، [قال: حدثنا إسحاقُ]

(2)

، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، قال: كان مجاهدٌ يقولُ: هو التخشُّعُ.

وقال آخرون: يعْنِى بذلك: تعرِفُهم بسيما الفقرِ وجَهدِ الحاجةِ في وجوهِهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} : بسيما الفقرِ عليهم

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه:{تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} . يقولُ: تعرِفُ في وجوهِهم الجَهْدَ من الحاجةِ

(4)

.

وقال آخرون: يعنى بذلك: تعرِفُهم برَثاثةِ ثيابِهم. وقالوا: الجوعُ خفيٌّ.

(1)

تفسير مجاهد ص 245، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 541 (2872)، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 109 عن معمر، عن مجاهد.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، وفى الأصل:"قال: حدثنا أبو إسحاق"، وهو إسناد دائر، وتقدم على الصواب في ص 23.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 541 (2873) من طريق عمرو به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 541 (2874) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 28

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} . قال: السيما: رَثاثةُ ثيابِهم، والجوعُ خفيٌّ على الناسِ، ولم تستطعِ الثيابُ التي يَخْرُجون فيها تَخْفَى على الناسِ

(1)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله عز وجل أَخْبر نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنه يعرِفُهم بعلاماتِهم وآثارِ الحاجةِ فيهم، وإنما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُدرِكُ تلك العلاماتِ والآثارَ منهم عندَ المشاهدةِ بالعِيانِ، فيعرِفُهم وأصحابُه بها، كما يُدرَكُ المريضُ فيُعلَمُ أنه مريضٌ بالمعاينةِ.

وقد يجوزُ أن تكونَ تلك السيما كانت تخشُّعًا منهم، وأن تكونَ كانت أثرَ الحاجةِ والضُّرِّ، وأن تكونَ كانت رَثاثةَ الثيابِ، وأن تكونَ كانت جميعَ ذلك، وإنما تُدرَكُ علاماتُ الحاجةِ وآثارُ الضُّرِّ في الإنسانِ، ويُعلَمُ أنها من الحاجةِ والضُّرِّ، بالمعاينةِ دونَ الوصفِ، وذلك أن المريضَ قد يصيرُ به في بعضِ أحوالِ مرضِه من المرضِ، نظيرُ آثارِ المجهودِ من الفاقةِ والحاجةِ، وقد يلبَسُ الغنيُّ ذو المالِ الكثيرِ الثيابَ الرَّثَّةَ، فيتزيَّا بزيِّ أهلِ الحاجةِ، فلا يكونُ في شيءٍ من ذلك دَلالةٌ بالصفةِ على أن الموصوفَ به مختلٌّ ذو فاقةٍ، وإنما يُدْرَكُ

(2)

ذلك عندَ المعاينةِ بسيماه، [كما وصَفهم اللهُ به، نظيرَ ما يُعرَفُ المريضُ بأنه مريضٌ]

(3)

عند المعاينةٍ، دونَ وصفِه بصفتِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} .

[يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: لا يسألون الناسَ إلحاحًا]

(4)

. يقالُ: قد أَلْحَف السائلُ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 358 إلى المصنف.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يدرى".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 29

في مسألتِه، إذا ألحَّ، فهو يُلحِفُ فيها إلحافًا.

فإن قال قائلٌ: أفكان هؤلاء القومُ يسألون الناسَ غيَر إلحافٍ؟

قيل: غيُر جائزٍ أن يكونوا كانوا يسألون الناسَ شيئًا على وجهِ الصدقةِ إلحافًا [وغيَر الحافٍ]

(1)

، وذلك أن الله عز وجل وصَفهم بأنهم كانوا أهلَ تعفُّفٍ، وأنهم إنما كانوا يُعرَفون بسيماهم، فلو كانت المسألةُ من شأنِهم لم تكنْ صفتُهم التعفُّفَ، ولم [تكنْ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى معرفتِهم بالأدلةِ والعلاماتِ حاجةٌ، إذ كانت]

(2)

المسألةُ الظاهرةُ تُنْبِئُ على حالِهم وأمرِهم.

وفي الخبرِ الذي حدَّثنا به بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدُ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن هلالِ بن حصنِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: أَعْوَزْنا مرةً، فقيل لى: لو أتيتَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسألتَه. فانطلقتُ إليه مُعْنِقًا

(3)

، فكان أوَّلَ ما واجَهنى به. "مَن استعفَّ أعفّه اللَّهُ، ومن اسْتَغنَى أَعْناه اللَّهُ، ومَن سأَلَنا لم ندَّخِرُ عنه شيئًا نجِدُه". قال: فرجَعتُ إلى نفسي، فقلتُ: أَلا أستعِتُّ فيُعِفَّنى اللهُ! فرجَعتُ، فما سألتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم شيئًا بعدَ ذلك من أمرِ حاجةٍ، حتى مالت علينا الدنيا فغرَّقتنا، إلا مَن عصَم اللهُ

(4)

- الدلالةُ الواضحةُ على أن التعفُّفِ معنًى ينفِي معنَى المسألةِ من الشخصِ الواحدِ، وأنّ مَن كان موصوفًا بالتعفُّفِ، فغيرُ موصوفٍ بالمسألةِ إلحافًا وغيرَ الحافٍ] (1).

(1)

كذا في النسخ، ولعل الصواب:"ولا غير إلحاف". ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 181، وما سيأتي في الصفحة التالية.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ولم يكن بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى علم معرفتهم بالأدلة"، وكذا في م، وزاد:"والعلامة حاجة وكانت".

(3)

أي: مسرعا. النهاية 3/ 310.

(4)

أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار 2/ 16 من طريق يزيد به، وأخرجه أبو يعلى (1129، 1267) من طريق قتادة به، وأخرجه أحمد 17/ 488 (11401) من طريق هلال به.

ص: 30

فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ على ما وصَفتَ، فما وجهُ قولِه:{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} . وهم لا يسألون الناسَ إلحافًا ولا

(1)

غيرَ إلحافٍ؟

قيل له: وجهُ ذلك أن الله تعالى ذكرُه لمّا وصَفهم بالتعفُّفِ، وعرَّف عبادَه أنهم ليسوا أهلَ مسألةٍ بحالٍ، بقولِه:{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} . وأنهم إنما يُعْرَفون بالسيما، زاد عبادَه إبانةً لأمرِهم، وحُسْنَ ثناءٍ عليهم، بنَفْى الشَّرَةِ والضَّراعةِ التي تكونُ في المُلحِّين من السُّؤَّالِ عنهم، [وقد كان بعضُ القائلين يقولُ في ذلك: هو نظيرُ قولِ القائلِ]

(2)

: قلَّما رأيتُ مثلَ فلانٍ. ولعلَّه لم يرَ مثله أحدًا ولا له (1) نظيرًا.

وبنحوِ الذي قُلنا في معْنى "الإلحافِ" قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} . قال: لا يُلْحِفون في المسألةِ.

وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} : هو الذي يُلِحُّ في المسألةِ

(3)

.

وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} : ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما كان يقولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الحليمَ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وقال كاد بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل". وفى م: "وقال كان بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 359 إلى المصنف.

ص: 31

الَحِييَّ

(1)

الغنِيَّ المتعفِّفَ، ويُبْغِضُ الغنيَّ الفاحشَ البَذيءَ السائلَ المُلْحِفَ"

(2)

. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "إنَّ اللهِ كرِه لكم ثلاثًا؛ [قيلَ وقالَ]

(3)

، وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السؤالِ"

(4)

. فإذا شئتَ رأيتَه في قيلَ وقالَ يومَه أجمعَ وصدرَ ليلتِه، حتى يُلقَى جِيفةً على فراشِه، لا يجعَلُ اللهُ له من نهارِه ولا ليلتِه نصيبًا، وإذا شئتَ رأيتَه ذا مالٍ يُنْفِقُه

(5)

في شهوتِه ولذَّاتِه ومَلَاعبه، ويعدِلُه عن حقِّ اللهِ، [وكَبُرت بتلك]

(6)

إضاعةُ المالِ، وإذا شئتَ رأيتَه باسطًا ذراعَيْه، يسألُ الناسَ في كفَّيه، فإِنْ أُعطِيَ أَفْرَط في حَمْدِهم

(7)

، وإن مُنِع أَفْرَط في ذمِّهم.

وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن أيمنَ بن نابلٍ*، قال: حدَّثني صالحُ بنُ سُويدٍ، عن أبي هريرةَ، قال:"ليس المسكينُ بالطَّوَّافِ الذي تردُّه الأكْلَةُ والأكلتان، ولكنَّ المسكِينَ المُتَعفِّفُ في بيْتِه، لا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيئًا، تُصيبُه الحاجةُ". اقرَءوا إن شئْتم: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}

(8)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)} .

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 359، 363 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"قيلا وقالا".

(4)

وأصل الحديث عند البخارى (1477)، ومسلم (1715) من حديث المغيرة بن شعبة.

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وكثرت بذلك"، وفى م:"فذلك".

(7)

في م: "مدحهم".

*من هنا خرم في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3 إلى ص 35.

(8)

ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 480 عن المصنف، وفيه: الحسن بن ماتك. مكان: أيمن بن نابل. وأصل الحديث في البخارى (4539)، ومسلم (1039).

ص: 32

يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وما تُنْفِقُوا أيها الناسُ مِن مالٍ، فتَصَّدَّقوا على أهلِ ذمَّتِكم تطوعًا منكم، أو تُعْطُوه مَن أمَركم ربُّكم بإعْطائِه مِن الفُقَرَاءِ الذين أُحْصِرُوا في سبيلِ اللهِ ممّا فرَضه اللهُ لهم في أموَالِكم، فإِنَّ الله بكلِّ ذلك عليمٌ، يُحْصِيه لكم، ويدَّخِرُ ثَوابَه عندَه لكم، حتى يُوفِّيَكم على جَميعِ ذلك أُجُورَكم، ويُعْظِمَ لكم عليه في المَعادِ جزاءَكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)} .

يعْنى جلَّ ثناؤه بذلك: مَن يُنْفِقُ مالَه باللَّيلِ والنَّهارِ في السرِّ والعَلانيةِ، فيتصدَّقُ به ابتغاءَ اللهِ وطلَبَ ثَوابِه، فله أجْرُ صَدَقتِه مَذْخُورًا له عند ربِّه حتى يُوفِّيَه إيَّاه في مَعَادِه يومَ بعْثِه، ولا خوفٌ عليه يومَ القيامةِ مِن عِقابِه وعَذابِه، ولا في أهوالِ قِيامَتِه، ولا هو يحْزَنُ عِندَ مَقْدَمِه عليه بمُعَايِنَتِهِ مِن عَظيمِ كَرامةِ اللهِ التي أعدَّها له على ما خلَّف وراءَه في الدنيا.

ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعْنى الذي أُنْزِلت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: أُنزلت في عليّ بن أبي طالبٍ رحمه الله.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الوهابِ بنُ مجاهدٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} قال: نزلت في عليٍّ؛ كانت معه أربعةُ درَاهمَ، فأنفق بالليلِ درهمًا، وبالنهارِ، درهمًا، وسرًّا درهمًا، وعلانيةً درهمًا

(1)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 108، ومن طريقه الطبراني في الكبير (11164)، والواحدى في أسباب النزول ص 64، وابن عساكر في تاريخ دمشق 12/ 306 (مخطوط)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 543 =

ص: 33

حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} قال: كان لرجُلٍ أربعةُ دراهمَ، فأنفَق درهمًا باللَّيلِ، ودرهمًا بالنَّهارِ، ودرهمًا سرًّا، ودرهمًا عَلانيةً

(1)

.

وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في النَّفقةِ على الخَيْلِ في سبيلِ اللهِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهْبٍ، قال: حدَّثني رجالٌ

(2)

مِن أهلِ العلمِ، منهم عبدُ الرحمنِ بنُ شُريحٍ، عن قيْسٍ بن الحجاجِ، عن حَنَشِ بن عبدِ اللهِ، قال بعضُهم عن ابنٍ عباسٍ في هذه الآيةِ:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} الآية: إنها في عَلْفِ الخَيْلِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ - يعْنى ابنَ شُريحٍ - عن عبدِ اللهِ بن بشرٍ الغافقيِّ، أنه أشار إلى بعضِ خَيْلٍ كانت في الَجبَّانَةِ، فأشار إلى عِتَاقِ تلك الخَيْلِ، فقال: أصحابُ هؤلاءِ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} .

قال - يعْنى عبدَ الرحمنِ بنَ شُرَيحٍ -: وحدَّثني يعقوبُ بنُ عمرٍو المَعَافِريُّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ بنحوِ ذلك

(4)

.

وحدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن رجاءِ بن أبي سلمةَ،

= (2883)، والواحدى في أسباب النزول ص 64، وابن عساكر في الموضع السابق من طريق عبد الوهاب عن مجاهد قوله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 363 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 3/ 347.

(2)

في الأصل: "رجل". ولعل المثبت هو الصواب.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 543 (2881)، والواحدى في أسباب النزول ص 63 من طريق عبد الرحمن بن شريح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 363 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 268، والقرطبي في تفسيره 3/ 346.

ص: 34

عن العجلانِ بن سُهيلٍ، عن أبي أمامةَ في تفسيرِ هذه الآيةِ:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} . قال: نزلت في أصحابِ الخَيْلِ في مَن لم يَرْتَبِطْهَا لخُيلاءَ ولا مِضْمارٍ

(1)

.

وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُميُّ، عن سعيدٍ، عن الحسَنِ، عن الأوزاعيِّ:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} . قال: هم الذين يَرْتَبِطون الخَيْلَ خاصةً في سبيلِ اللهِ، يُنفقون عليها باللَّيلِ والنَّهارِ

(2)

.

وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني أبو شُريحٍ عبدُ الرحمنِ بن شريحٍ المعَافريُّ، عن قيسِ بن الحجاجِ، عن حَنَشٍ الصَّنْعانيِّ أنه قال: حدَّث ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} قال: في عَلْفِ الخَيْلِ

(3)

.

* وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن رِشدين بن سعدٍ، قال: أخبرني شيخٌ من غافقٍ

(4)

، أنَّ أبا الدرداءِ كان ينظُرُ إلى الخيلِ مَرْبوطةً بينَ

(1)

المضمار: المكان تضمر فيه الخيل أو تتسابق.

والأثر أخرجه ابن عساكر في تاريخه 11/ 456 - مخطوط من طريق ضمرة بن ربيعة به، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 64، وابن عساكر 11/ 457 - مخطوط من طريق زيد بن الحباب عن رجاء بن أبي سلمة عن سليمان بن موسى عن عجلان به.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 1/ 340، والقرطبي في تفسيره 3/ 346.

(3)

أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 63 من طريق عبد الله بن صالح به

* هنا نهاية الخرم المشار إليه في ص 32.

(4)

غافق بن الشاهد: بطن من عك من الأزد، من القحطانية، وهم بنو غافق بن الشاهد بن عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد. وإليهم تنسب الحصن ولهم خطة بمصر، وكان منهم في الإسلام رؤساء وأمراء. معجم قبائل العرب 3/ 875 تاج العروس (غ ف ق).

ص: 35

البَراذينِ والهُجْنِ، فيقولُ: أهلُ هذه - يعنى الخيلَ - من {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

(1)

.

وقال آخرون: عنَى بذلك قومًا أنفقوا في سبيلِ اللهِ، في غيرِ إسرافٍ ولا تقتيرٍ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} إلى قولِه: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : هؤلاءِ أهلُ الجنةِ

(2)

. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "المُكْثِرون هم الأسفلون". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ قال:"المُكْثِرون هم الأَسْفَلون". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ قال:"المُكْثِرون هم الأَسْفَلون". قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟ حتى خَشُوا أن تكونَ قد مضَت فليس لها رَدٌّ، حتى قال:"إلَّا مَن قال بالمالِ هكذا وهكذا، عن يمينِه وعن شِمالِه، وهكذا بينَ يدَيْه، وهكذا خلْفَه، وقليلٌ ما هم"

(3)

. هؤلاء قومٌ أَنْفَقوا في سبيلِ اللهِ التي افْتَرض وارْتَضى، في غيرِ سَرَفٍ ولا إمْلاقٍ، ولا تبذيرٍ ولا فسادٍ

(4)

.

وقد قيل: إن هذه الآياتِ من قولِه: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} .

إلى قولِه: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} . كان مما يُعمَلُ به قبلَ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 363 إلى المصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 543 (2885) من طريق يزيد به.

(3)

أخرجه أحمد 15/ 322 (9526)، وابن ماجه (4131) من حديث أبى هريرة مرفوعًا.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 363 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 36

نزولِ ما في سورةِ "براءة" من تفصيلِ الزكواتِ

(1)

، فلما نزَلت "براءة" قصَروا عليها.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} إلى قولِ {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} : فكان هذا يُعملُ به قبلَ أنْ تَنزِلَ "بَراءة"، فلمَّا نزَلتْ "براءة" بفرائضِ الصدقاتِ وتفصيلِها انتهتِ الصدقاتُ إليها

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} .

يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: الذين يُرْبُون.

والإرْباءُ: الزِّيادة على الشيءِ، يقالُ منه: أَرْبَى فلانٌ على فلانٍ، إذا زادَ عليه، يُرْبى إرْباءً، والزِّيادةُ هي الرَّبا. ورَبا الشيءُ، إذا زادَ على ما كان عليه فعَظُمَ، فهو يَرْبُو رَبْوًا. وإنما قيلَ للرابيةِ: رَابيةٌ

(3)

؛ لزيادتِها في العِظم والإشْرافِ على ما استوى مِن الأرضِ ممَّا حَولَها، مِن قولِهم: رَبَا يَرْبُو. ومِن ذلك قيلَ: فلانٌ في رِبا قومِه. يُرادُ به أنه في رفِعَةٍ وشرفٍ منهم، فأصْلُ الرِّبا الإناقَةُ والزِّيادَةُ، ثم يُقالُ: أرْبَى فلانٌ. أيْ: أنافَ [غيرَه و]

(4)

صَيَّره زائدًا. وإنّما قِيلَ للمُرْبى مُرْيبًا؛ لتضْعِيفِه المالَ

(1)

يشير إلى الآية 60 من سورة التوبة.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 535 (2843) عن محمد بن سعد به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 37

الذي كان له على غريِمه حلالًا

(1)

، أو لزيادتِه عليه فيه بسَبَبِ الأَجَلِ الذي يُؤخِّره إليه، فيَزِيدُه إلى أجَلِه الذي كان له قبلَ حَلِّ دَيْنِه عليه. ولذلك قال جلَّ ثناؤُه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 131].

وبمثلِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال في الرِّبا الذي نَهى اللهُ عنه: كانوا في الجاهليةِ يكونُ للرجلِ على الرجلِ الدَّيْنُ، فيقولُ: لكَ كذا وكذا، وتُؤَخِّرُ عنِّى. فيُؤخِّرُ عنه

(2)

.

وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.

وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ أَنّ رِبَا أَهْلِ

(3)

الجاهليةِ؛ يبيعُ الرجلُ البيعَ إلى أجلٍ مُسمًّى، فإذا حَلَّ الأجلُ ولم يكنْ عندَ صاحبِه قضاءٌ زادَ وأَخَّرَ عنه.

فقال جلَّ ثناؤُه: الذين يُرْبونَ الرِّبا الذي وصَفْنا صِفَتَه، في الدنيا، {لَا يَقُومُونَ} في الآخرةِ مِن قُبورِهم {إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}. يَعْنِى بذلك: يَتَخَبَّلُه الشيطانُ في الدنيا، وهو الذي يتخنَّقُه

(4)

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"حالا".

(2)

تفسير مجاهد ص 245، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 548 (2912)، والبيهقى 5/ 275.

(3)

سقط من: م.

(4)

في م: "يتخبطه".

ص: 38

فيصْرَعُه، {مِنَ الْمَسِّ} اللَّه يَعنِي: مِن الجنونِ.

وبمثلِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قالَ ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} : يومَ القيامةِ، في أكلِ الرِّبا في الدنيا

(1)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، عن شبلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} . قال: ذلك حينَ يُبعَثُ من قبرِه

(2)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثومٍ، قال: ثنى أبى، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُقالُ يومَ القيامةِ لآكلِ الرِّبا: خُذْ سلاحَكَ للحَرْبِ. وقرأ: {لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} . قال: ذلك حين يُبعثُ مِن قبرِه

(3)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 245.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 364 إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 550 (2920) من طريق ربيعة به، دون آخره.

ص: 39

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن أشْعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبير:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} الآية. قال: يُبعث آكلُ الرِّبا يومَ القيامةِ مجنونًا يُخْنَقُ

(1)

.

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} : وتلك علامة أهلِ الرِّبا يومَ القيامةِ، بُعِثُوا وبهم خَبَلٌ من الشيطانِ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادَةَ في قولِه:{لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} . قال: هو التخْبيلُ الذي يَتَخَبَّلُه الشيطانُ مِن الجنونِ

(2)

.

حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} . قال: يُبعثُون يومَ القيامةِ وبهم خَبَلٌ مِن الشيطانِ، وهي في بعضِ القراءةِ:(لا يقُومُون يومَ القيامةِ)

(3)

.

حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} . قال: مَن مات وهو يأكلُ الرِّبا، بُعِثَ يومَ القيامةِ مُتخبِّطًا، كالذي يَتَخَبَّطُه الشيطانُ مِن المسِّ.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 562 عن جرير به.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 110.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 364 إلى المصنف. وهذه القراءة ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 270 عن ابن مسعود.

ص: 40

حدَّثنى موسىَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ} [يومَ القيامةِ]

(1)

{إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} . يعْنى: مِن

(2)

الجنونِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} . قال: هذا مَثلُهم يومَ القيامةِ، لا يقُومُون يومَ القيامةِ مع الناسِ، إلَّا كما يَقومُ الذي يُخْنقُ مع الناسِ، يقومُ

(4)

يومَ القيامةِ كأنه خُنِقَ، كأنه مَجنونٌ.

ومعْنى قولِه: {يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} : يَتَخَبَّلُه مِن مَسَّهِ إِيَّاه. يقالُ منه: قد مُسَّ الرجلُ [وأُلِيسَ]

(5)

وأُلِقَ، فهو مَمسوسٌ [ومألُوسٌ]

(6)

ومَأْلُوقٌ. كلُّ ذلك إذا ألمَّ به اللَّمَمُ فجُنَّ. ومنه قولُ اللهِ عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا} [الأعراف:201]، ومنه قولُ الأعشَى

(7)

:

وتُصْبحُ عن

(8)

غِبِّ السُّرَى وكأنما

ألَمَّ بها مِن طائفِ الجنِّ أَوْلَقُ

فإن قال لنا قائلٌ: أفرأيتَ مَن عَمِلَ ما نهَى اللهُ عنه مِن الرِّبا في تجارته ولم يأكُلْه، أيَستحِقُّ هذا الوعيدَ مِن اللهِ؟

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

سقط من: الأصل.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 544 عقب الأثر (2889) من طريق عمرو به.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

سقط من: م.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(7)

ديوانه ص 221.

(8)

في الديوان: "من".

ص: 41

قيل: نعم، وليس المقصودُ مِن الرِّبا في هذه الآيةِ [النهيَ عن أكلِه خاصةً، دونَ النهيِ عن العملِ به، وإنما خصَّ اللهُ وصْفَ العاملين به في هذه الآيةِ]

(1)

بالأكلِ

(2)

؛ لأن

(3)

؛ لأن الذين نزَلتْ فيهم هذه الآياتُ يومَ نزَلتْ، كانت طُعْمَتُهم ومَأكلُهم مِن الرّبا، فَذَكَرَهم بصِفَتِهم، مُعظِّمًا بذلك عليهم أَمْرَ الرِّبا، ومُقَبِّحًا إليهمِ الحالَ التي هم عليها في مَطاعِمِهم. وفى قولِه جلَّ ثناؤُه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية. ما يُنْبِيءُ

(4)

عن صحةِ ما قُلنا في ذلك، وأنّ التحريمَ مِن اللهِ في ذلك كان لكلِّ معانِى الرِّبا، وأن سواءً العملُ به وأكلُه وأخْذُه وإعطاؤُه، كالذى تظاهَرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من قولِه: "لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا، ومُؤْكِلَه، وكاتِبَه، وَشاهِدَيْهِ إِذا عَلِمُوا

(5)

بِهِ"

(6)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} .

يَعْنى بقولِه

(7)

: {ذَلِكَ} : الذي وصَفَهم اللهُ به مِن قيامِهم يومَ القيامة مِن قبورِهم، كقيامِ الذي يتخبَّلُه

(8)

الشيطانُ

(9)

مِن الجنونِ، فقال: هذا الذي ذَكَرْنا أنه

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في م: "الأكل".

(3)

في م: "إلا أن".

(4)

في الأصل، ص، ت 1:"بين".

(5)

في ص: "عملوا".

(6)

أخرجه البخاري (2086) من حديث أبي جحيفة، ومسلم (1597)، وأبو داود (3333)، والترمذى (1206)، وابن ماجه (2777)، وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود.

(7)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بذلك جل ثناؤه".

(8)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يتخبطه".

(9)

بعده في م: "من المس".

ص: 42

يُصيبُهم يومَ القيامةِ من قُبحِ حالِهم، ووَحْشَةِ قيامِهم مِن قُبورِهم، وسوءِ ما حَلَّ بهم، مِن أجلِ أنهم كانوا في الدنيا يَكْذبون فيَفْتَرون ويقُولون:{إِنَّمَا الْبَيْعُ} الذي أحَلَّه اللهُ لعباده {مِثْلُ الرِّبَا} . وذلك أنّ الذين كانوا يأكلونَ الرِّبا مِن أَهلِ الجاهليةِ، كان إذا حَلَّ مالُ أحدِهم على غَريمهِ يقولُ الغريمُ لصاحبِ

(1)

الحقِّ: زِدْنى في الأجلِ وأزيدَك في مالِكَ. فكان يُقالُ لهُما إذا فَعلَا ذلك: هذا ربًا لا يَحِلُّ. فإذا قِيلَ لهما ذلك قالَا: سواءٌ علينا زِدْنا في أوَّل البيع أو عندَ مِحلِّ المالِ. فكذَّبَهم اللهُ في قِيلِهم، فقال جلّ ثناؤُه:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)} .

يعْنى [بقولِه: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}: وأحلَّ]

(2)

الأرْباحَ في التجارةِ والشراءِ والبيعِ، {وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، يَعنى الزِّيادَةَ التي يُزادُها ربُّ المالِ بسببِ زيادَتِه غريمَه في الأجلِ وتأخيرِه دَيْنَه عليه. يقولُ تعالى ذكرُه: فليست الزيادتان اللتان إحْداهما من وَجْهِ البيعِ والأخْرَى مِن وَجهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ في الأجلِ، سواءً، وذلكَ أَنَّي حرَّمت إحدَى الزيادتينِ - وهى التي مِن وَجْهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ في الأجلِ - وأحْلَلتُ الأخرَى منهما - وهى التي مِن وَجْهِ الزيادةِ على رأسِ المالِ الذي ابتاع به البائعُ سِلْعَتَه التي يَبيعُها فيسْتفْضِلُ فضْلَها - فقال اللهُ جلّ ثناؤه لهم

(3)

: ليست الزيادةُ من وجْهِ البيعِ نظيرَ الزِّيادةِ مِن وجهِ الرِّبا؛ لأنِّى أحْلَلْتُ البيعَ وحَرَّمتُ الرِّبا،

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"لغريم".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"جل ثناؤه وأحل الله".

(3)

زيادة من: الأصل.

ص: 43

والأمرُ أمْرِى، والخَلَقُ خَلْقِي، أقْضِى فيهم ما أشاءُ، وأسْتَعْبِدُهم بما أريدُ، ليسَ لأحدٍ منهم أنْ يَعترضَ في حُكْمِيِ، ولا أنْ يُخالفَ أمْرِى، وإنما عليهم طاعتِى والتَّسْليمُ الحكمِي.

ثم قال جلّ ثناؤُه: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى} . يعْنى بالموعظَةِ التذكيرَ والتخويفَ الذي ذكَّرهم وخوَّفَهم به في آيِ القرآنِ، وأوْعدَهُم على أكلِهم الرِّبا مِن العقابِ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن جاءَه ذلكَ، {فَانْتَهَى} عن أكْلِ الرِّبا، وارْتَدعَ عن العملِ به، وانزَجرَ عنه، {فَلَهُ مَا سَلَفَ} ، يعْني: ما أكلَ وأخذَ، فمضَى قبلَ مجيءِ الموعظةِ والتحريمِ من ربِّه في ذلك، {وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} ، يَعنى: وأمْرُ آكلِه [إلى اللهِ]

(1)

بعد مَجيئِه الموعظةُ من ربِّه والتحريمُ، وبعدَ انتهاءِ آكِلِه عن أكْلِه، {إِلَى اللَّهِ} في عِصْمتِه وتوفيقِه، إن شاءَ عصَمه عن أكْلِه، وثَبَّتَه في انتهائِه عنه، وإِن شاءَ خَذَله ذلك، {وَمَنْ عَادَ} ، يقولُ: ومن عادَ لأكْل الرِّبا بعدَ التحريمِ، وقال ما كان يقولُه قَبلَ مجيءِ الموعظةِ من اللهِ بالتحريمِ من قولِه:{إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} ، {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: يعْنى ففاعِلُو ذلك وقائِلُوه هم أهلُ النارِ، يعْنى نارَ جهنم، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، [يعني: دائمو البقاءِ فيها، لا يموتون فيها ولا يَخرُجون منها]

(1)

.

وبنحوِ ما قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذِكرُ مَن قالَ ما قلنا في قولِه: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى} .

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 44

أسباطُ، عن السُّدِّي:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} : أما الموعظةُ فالقرآنُ، وأما {مَا سَلَفَ}: فلَه ما أكَلَ من الرِّبا

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)} .

يَعنِي بقولِه جلَّ ثناؤه: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} : يَنقُصُ اللهُ الرِّبا فيذْهِبُه.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} . قال: يَنقُصُ

(2)

.

وهذا نَظِيرُ الخبر الذي رُوى عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الرِّبا وإن كَثُرَ فإلى قُلٍّ"

(3)

.

وأما قولُه جل ثناؤه: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} . فإنه تعالى ذكرُه يعْنى: أنه يُضاعِفُ أجرَها لرَبِّها، ويُنمِّيها له.

وقد بيَّنا معنَى الرِّبا قَبلُ، والإرباءِ، وما أصلُه، بما فيه الكفايةُ من إعادَتِه.

فإن قال قائلٌ: وكيفَ إرباءُ اللهِ الصدقاتِ؟

قيل: إضعافُه الأَجْرَ، لربِّها، كما قال:{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ}

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 545، 546 (2894)، عقب الأثر (2898) من طريق عمرو بن حماد به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 365 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

القل: القلة، كالذل والذلة، أي أنه وإن كان زيادة في المال عاجلا فإنه يؤول إلى نقص. ينظر النهاية 4/ 104.

والحديث أخرجه أحمد 6/ 297، 7/ 126 (3754، 4026)، وابن ماجه (2279)، والحاكم 2/ 37، 4/ 317، والطبراني (10538، 10539).

ص: 45

[البقرة: 261]، وكما قال:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} .

وكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ، عن القاسِم، أنه سمعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصدقةَ ويَأخُذُها بِيمينِه، فيُرْبيها لأحَدِكُمْ كَمَا يُرْبى أحدُكم مُهْرَه، حتى إنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ"

(1)

. [وتَصْديقُ ذلك في كتابِ اللهِ: [وهو الذي يَقْبَلُ التوبةَ عن عبادِه ويَأْخُذُ الصدقاتِ]

(2)

، {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}

(3)

.

حدَّثني سليمانُ بنُ عُمرَ بن خالدِ بن

(4)

الأقطعِ الرَّقيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن عَبَّادِ بن منصورٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، ولا أُراه إلّا قد رَفعَه، قال: "إنّ الله عز وجل يقبلُ الصَّدقةَ، ولا يقبلُ منها

(5)

إلّا الطَّيبَ

(6)

".

(1)

أخرجه الترمذى (662) عن أبي كريب به. وأخرجه ابن أبي شيبة 3/ 111، وأحمد 16/ 105 (10088)، وابن خزيمة (2427)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 547 (2908)، 6/ 1877 من طريق وكيع به. وأخرجه أبو عبيد في الأموال ص 437 (896)، وأحمد 15/ 138 (9245)، 16/ 105 (10088)، وابن زنجويه في الأموال 2/ 759 (1302) - ومن طريقه البغوي في شرح السنة (1630) - وابن خزيمة (2427) من طريق عباد بن منصور به.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات"، واضطرب فيها ناسخ النسخة ت 2، والمثبت من الأصل، وهو موافق لرواية المسند والترمذى كما في تحفة الأحوذي، وهو خلط بين الآية 104 من سورة التوبة وبين الآية 25 من سورة الشورى، وليست هذه الآية موضع استشهاد في الحديث ههنا. وهذا الخطأ الذي ثبت في الأصل هنا وفى هذه المصادر خطأ قديم، فقد ثبت هذا الخطأ في جامع المسانيد 7/ 320 (نقلا عن الشيخ شاكر)، وقال عنه العراقي - كما في تحفة الأحوذي 2/ 23 - : في هذا تخليط من بعض الرواة، والصواب

وقد رويناه في كتاب الزكاة ليوسف القاضي على الصواب.

(3)

لعل هذه الزيادة إدراج في متن هذا الحديث. وقد أدرجت هذه الزيادة أيضًا - دون لفظ آية التوبة - في الحديث الذي رواه القاسم عن عائشة.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

زيادة من: ت 2، ت 3.

(6)

جزء من الحديث السابق، وسيأتي بالإسناد نفسه في سورة التوبة الآية (104).

ص: 46

وحدَّثني محمدُ بنُ عمرَ

(1)

بن

(2)

عليٍّ المقدَّميُّ، قال: ثنا رَيْحانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبادٌ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إنّ اللّهَ يَقْبَلُ و الصدَقاتِ

(3)

، وَلا يَقْبَلُ منها إلا الطَّيِّبَ، ويُرْبيها لصاحِبِها

(4)

كما يُرْبى أَحَدُكُم مُهْرَهُ أَوْ فَصيلَه، حتى إن اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ"، وتَصْديقُ ذلك في كتابِ اللهِ:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن أيوبَ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ العَبْدَ إذا تصَدَّقَ مِن طَيِّبٍ، تَقَبَّلَها

(6)

اللهُ منه، ويَأخُذُها بيَمِينِهِ، وَيُرْبيها كَمَا يُرْبِي أَحَدُكم مُهْرَه أَوْ فَصِيلَه، وإِنَّ الرجلَ ليَتَصَدَّقُ باللُّقْمَةِ فَتَرْبُو فِي يَدِ اللهِ - أو قال: في كفِّ اللهِ - حتى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ، فَتَصَدَّقُوا"

(7)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المُعْتمِرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ يونسَ، عن صاحبٍ له، عن القاسمِ بن محمدٍ، قال: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِه، ولا يَقْبَلُ منها إلَّا ما كان طَيِّبًا، واللهُ يُرْبِى لأحَدِكم لُقْمَتَه، كما يُرْبى أحدُكُمْ مُهْرَهُ وفَصِيلَه، حتى يُوافَى بها يَوْمَ القِيامَة - وهي أَعْظَمُ مِن أُحدٍ".

(1)

في ص، م، ت 2، ت 3: ت: "عمرو".

(2)

في الأصل: "قال نا". وفى الحاشية: "في الأم: قال: عمر بن علي المقدمة". وينظر: تهذيب الكمال 26/ 147.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"الصدقة".

(4)

في الأصل: "لصاحبه".

(5)

أخرجه أحمد 6/ 251 (الميمنية) من طريق القاسم به.

(6)

في الأصل، ت 1:"يقبلها".

(7)

أخرجه معمر في جامعه (20050) عن أيوب به، وأخرجه أحمد 13/ 73 (7634)، وابن خزيمة (2426) من طريق عبد الرزاق به.

ص: 47

وأما قولُه: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} . فإنه يعنِى به: واللهُ لا يحبُّ كُلَّ مُصِرٍّ على كُفرٍ

(1)

، مُقيمٍ عليه، مُستحلٍّ أكْلَ الرِّبا وإطْعامَه، {أَثِيمٍ}: مُتَمَادٍ في الإثِم برَبِّه

(2)

فيما نَهاهُ عنه من أكْلِ الرِّبا والحرامِ وغيرِ ذلك من معاصِيه، لا يزجِرُ عن ذلك، ولا يرْعوِى عنه، ولا يتعِظُّ بموعظةِ ربِّه التي وعظَه بها في تنزيلِه وأي كتابِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)} .

وهذا خبرٌ من اللهِ جلّ ثناؤُه بأنّ {الَّذِينَ آمَنُوا} ، يعْني: الذين صَدَّقُوا باللهِ وبرسولِه، وبما جاء به مِن عندِ ربِّه

(3)

، من تحريم الرِّبا وأكْلِه وغيرِ ذلك من سائرِ شَرائعِ دِينِهِ، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الله التي أمَرَهُم اللهُ بها، والتي نَدَبَهم إليها، {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} من المفروضَةَ بحدودِها، وأدَّوها بِسُنَّتِها

(4)

، {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} المفروضةَ عليهم في أموالِهم، بعدَ الذي سلَف منهم من أكْلِ الرِّبا، قبل مَجيءِ الموعظةِ فيه مِن عندِ ربِّهم، {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} ، يَعنِي ثوابَ ذلك مِن أعمالِهم وإيمانِهم وصَدَقتِهم {عِنْدَ رَبِّهِمْ} يومَ حاجَتِهم إليه في مَعادِهم، {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يومئذٍ مِن عقابِه على ما كان سلَفَ منهم في جاهِليتِهم وكُفْرِهم، قبلَ مجيئِهم موعظةُ رَبِّهم، من أكلِ ما كانوا أكلوا مِن الرِّبا، بما كان من إنابَتِهم، وتوبَتِهم إلى اللهِ مِن ذلك عندَ مَجِيئِهم الموْعِظَةُ مِن ربِّهم، وتَصْدِيقِهم بوعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِه، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} على تركِهم ما كانوا تركُوا

(5)

في الدنيا، من أكْلِ

(1)

بعده في م: "بربه".

(2)

سقط من: م.

(3)

في م: "ربهم".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2:"بسننها".

(5)

بعده في ت 2: "من ذلك".

ص: 48

الرِّبا والعَمِل به، إذ عايَنُوا جزِيلَ ثوابِ اللهِ لهم

(1)

على تَركِهم ما تَرَكُوا مِن ذلك في الدنيا، ابتغاءَ رضْوانِه في الآخرةِ، فوصَلوا إلى ما وُعِدُوا على تَرْكِه.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)} .

يَعنى جَلَّ ثناؤه

(2)

: يأيها الذين

(3)

صَدَّقُوا باللهِ وبرسولِه، {اتَّقُوا اللَّهَ}. يقولُ: خافوا الله على أنفُسِكم، فاتقوه بطاعتِه فيما أمَرَكم به، والانتهاءِ عما نَهاكم عنه، {وَذَرُوا}. يَعنى: ودَعُوا {مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} . يقولُ: اترُكوا طلبَ ما بقِىَ لكم مِن فَضْلٍ على رءوسِ أموالِكم التي كانتْ لكم قبلَ أن تُرْبُوا عليها، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: إِنْ كنتم مُحقِّقِينَ إيمانَكم قوْلًا، وتَصْدِيقَكم بأَلْسِنَتِكم بأفْعالِكم.

وذُكِرَ أن هذه الآيةَ نَزلتْ في قومٍ أسلَموا، ولهم على قومٍ أموالٌ من ربًا كانوا أَرْبَوه عليهم، وكانوا قد اقتضَوا

(4)

بعضَه منهم، وبَقىَ بعضٌ، فعفا اللهُ عز وجل لهم عما كانوا قد اقتضَوه قبلَ نزولِ هذه الآيةِ، وحرَّم عليهم اقتضاءَ ما بَقِيَ منه.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} إلى {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} . قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في العباسِ بن عبدِ المطلبِ ورجلٍ مِن بنى المغيرةِ، كانا شريكَين في الجاهِليةِ، يُسْلِفان

(5)

في الرِّبا إلى ناسٍ مِن

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2:"وهم".

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2:"بذلك".

(3)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2:"آمنوا".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2:"قبضوا".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2:"سلفا".

ص: 49

ثقيفٍ، مِن بني غيرةَ

(1)

، وهم بنو عَمرِو بن عُميرٍ، فجاء الإسلامُ ولهما أموالٌ عظيمةٌ في الرِّبا، فأنزلَ اللهُ:{وَذَرُوا مَا بَقِيَ} مِن فَضْلٍ كان في الجاهليةِ {مِنَ الرِّبَا}

(2)

.

وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . قال: كانت ثَقيفٌ قد صالَحَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم على أنّ ما لهم مِن ربًا على الناسِ [فهو لهم]

(3)

، وما كان للناسِ عليهم من ربًا فهو مَوْضوعٌ، فلمَّا كان الفتحُ، استعمَلَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ على مكةَ، وكانت بنو عَمرِو بن عُميرِ بن عَوْفٍ يأخذون الرِّبَا مِن بنى المغيرةِ، وكانت بنو المغيرةِ يُرْبُون لهم في الجاهليةِ، فجاء الإسلامُ ولهم عليهم مالٌ كثيرٌ، فأتاهم بنو عَمرٍو يطلُبون رِبَاهم، فأبَى بنو المغيرةِ أنْ يُعطُوهم في الإسلامِ، ورَفَعوا ذلك إلى عَتَّابِ بن أَسِيدٍ، فَكَتَب عتَّابٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فنزلَتْ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، إلى {وَلَا تُظْلَمُونَ} ، فكتَبَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى عتَّابٍ، وقال:"إِنْ رَضُوا وَإِلَّا فَآذِنْهُمْ بِحَرْبٍ". قال ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه:{اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} . [يقولُ: لبنى عمرِو بن عميرٍ]

(4)

. قال: كانوا يأخذون الرِّبا على بنى المغيرةِ، يزْعُمون أنهم مَسعودٌ وعبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعةُ؛ بنو عَمرِو بن عُميرٍ، فهم الذين كان لهم الرِّبا على بنى المغيرةِ، فأسلَم عبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعة وهلالٌ ومسعودٌ

(5)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"عمرة"، وفى م:"عمرو". وينظر جمهرة أنساب العرب ص 267، 268.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 548 (2913) من طريق عمرو بن حماد به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ومكانه بياض في ت 2.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2.

(5)

ذكره الحافظ في الإصابة 6/ 551، 552، والسيوطى في الدر المنثور 1/ 366، وعزياه إلى المصنف.

وقال الحافظ: وفي ذكر مصالحة ثقيف قبل قوله: فلما كان الفتح. نظر، ذكرت توجيهه في أسباب النزول.

ص: 50

وحدَّثني يحيى

(1)

بن أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه:{اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . قال: كان ربًا يَتَبايَعُون به في الجاهليةِ، فلمَّا أَسْلَموا أُمِرُوا أَنْ يأخذوا رُءوسَ أموالِهم

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ جلّ ثناؤُه: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} .

يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} : فإِن لمْ تَذَرُوا ما بقِىَ من الرِّبا.

واختلفَ القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: {فَأْذَنُوا} ؛ فقرأَتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ: {فَأْذَنُوا} بقصرِ ألفِ

(3)

{فَأْذَنُوا} ، وفتح ذَالِها، بمعنَى: كونوا على علمٍ وإذْنٍ.

وقرأَهُ آخرون - وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الكوفيين -: (فآذِنوا) بمدِّ الألفِ مِن قولِه: (فآذنوا) وكسرِ ذالِها، بمعنى: فآذِنُوا غيركَم: أعْلِموهم وأخْبِرُوهم بأنكم على حَرْبِهم

(4)

.

وأوْلَى القراءتين بالصَّوابِ في ذلك قراءَةُ مَن قرأَ: {فَأْذَنُوا} بقصر ألِفِها وفتحِ ذالِها، بمعنى: اعْلَمُوا ذلكَ واستيقِنوه، وكونوا على إذنٍ مِن اللهِ لكم بذلك.

وإنما اخْتَرْنا ذلكَ لأنَّ الله جل ثناؤُه إنما أمَرَ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أَن يَنْبِذَ إِلَى مَن أَقامَ على

(1)

في م، ت 1، ت 2، س:"على".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 551 (2929) من طريق جويبر به بنحوه وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 366 إلى عبد بن حميد.

(3)

في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3:"الألف"، وفى م، ت 3:"الألف من".

(4)

بقصر الألف وفتح الذال قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وابن عامر، وكذا روى حفص والمفضل عن عاصم، وبمد الألف وكسر الذال قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وحمزةُ، ومن طريق أبي يوسف الأعشى عن أبي بكر عن عاصم بالوجهين. السبعة لابن مجاهد ص 192.

ص: 51

شركِه، الذي لا يُقَرُّ على المُقامِ عليه، وأنْ يَقْتُلَ المرتدَّ عن الإسلامِ منهم بكلِّ حالٍ، إلا أنْ يُراجِعَ الإسلامَ، آذَنَه المشركون بأنهم على حزْبِه أو لمْ يُؤذِنُوه، فإذْ كان المأمورُ بذلك لن يَخلُوَ مِن أحدِ أمريْن؛ إما أنْ يكونَ كان مُشركًا مُقيمًا على شركِه الذي لا يُقَرُّ عليه، أو يكونَ كان مسلمًا فارْتدَّ [عن إسلامِهِ]

(1)

فَأُذِن بحربٍ، فأيُّ الأمريْن كان، فإِنَّما نُبِذَ إليه بحربٍ، لا أنّه أُمِرَ بالإيذانِ

(2)

بها إن عزَم على ذلك؛ لأنَّ الأمرَ إِنْ كان إليه، فأقام على أكْلِ الرِّبا مُستحِلًّا له، ولمْ يُؤْذِنِ المسلمين

(3)

بالحربِ، لم يَلْزمْهم حَرْبُه، وليس ذلكَ حُكمَه في واحدةٍ من الحالتين، فقد علِم أنه المأذونُ بالحربِ لا الآذِنُ بها. وعلى هذا التأويلِ تأوَّله أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} إلى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} : فمن كان مقيمًا على الرِّبا لا يَنْزِعُ عنه، فحقٌّ على إمامِ المسلمينَ أنْ يَسْتَتِيبَه، فإِنْ نَزَع، وإِلَّا ضرَب عُنقَه

(4)

.

وحدَّثني المثنى، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كلثومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يقالُ يومَ القيامةِ لآكِلِ الرِّبا: خُذْ سِلاحكَ للحرْبِ

(5)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.

(2)

في ص، ت 1، س:"بالإنذار".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"المسلمون".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 550 (2919) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 366 إلى ابن المنذر.

(5)

تقدم تخريجه في ص 39.

ص: 52

وحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلثُومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه:{وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} : أَوْعدَهُم اللهُ بالقتلِ كما تَسْمَعونَ، فجعلَهم بَهْرَجًا

(1)

أينما ثقِفُوا

(2)

.

وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبَةَ، عن قَتادةَ مثلَه.

وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ} قال: أَوْعدَ

(3)

آكلَ الرِّبا بالقتلِ

(4)

.

وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ} : فاسْتَيقنوا بحربٍ منِ اللهِ ورسولِه

(5)

.

وهذه الأخبارُ كُلُّها تُنبئُ عن أنّ قولَه: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ} إيذانٌ مِن اللهِ لهم بالحربِ والقتلِ، لا أَمْرٌ لهم بإيذانِ غَيْرِهم بذلك

(6)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} .

(1)

البهرج: الشيء المباح، يقال: بهرج دمه: أهدره. التاج (بهرج).

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 550 (2922) من طريق شيبان عن قتادة به.

(3)

بعدها إحالة غير واضحة في الأصل.

(4)

عزاه ابن كثير في تفسيره 1/ 490 إلى المصنف.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 366 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 550 عقب الأثر (2922) معلقًا عن ابن جريج، عن ابن عباس.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.

ص: 53

يَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: {وَإِنْ تُبْتُمْ} فتركتُم أَكْلَ الرِّبا، وأَنَبتُم إِلى اللَّهِ عز وجل {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} . يعْنى

(1)

: من الديونِ التي لكم على الناسِ دونَ الزَّيادَةِ التي أحدثْتُمُوها

(2)

على ذلك رِبًا منكم.

كما حدَّثنا ابن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} : [والمالُ]

(3)

الذي لهم على ظهورِ الرجالِ، جَعَلَ لهم رُءُوسَ أموالهِم حينَ نزَلتْ هذه الآيةُ، فأمّا الرِّبحُ والفضْلُ فليس لهم، لا ينْبغى لهم أنْ يأخُذوا منه شيئًا

(4)

.

وحدَّثني المثنى، قال: ثنى عَمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشيمٌ

(5)

، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: وضَعَ اللهُ الرَّبَا، وجعلَ لهم رُءُوسَ أموالِهم

(6)

.

وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن أَبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ في قولِه:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} . قال: ما كان لهم من دَينٍ، فجعَل لهم أن يأخُذوا رُءُوسَ أموالِهم، لا يزْدادُوا عليه شيئًا.

وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدّيِّ:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} : التي

(7)

أَسْلَفْتُم، وسَقَطَ الرِّبا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.

(2)

في س: "أخذتموها".

(3)

في م: "المال".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 551 (2926) من طريق يزيد به.

(5)

في الأصل: "هشام".

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 550 (2923) من طريق جويبر به بنحوه.

(7)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"الذي".

ص: 54

اللهِ صلى الله عليه وسلم قال في خُطْبَتِه يومَ الفتْحِ: "أَلَا إِنَّ رَبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ كُلُّه، وأَوّلُ رِبًا أَبْتَدِئُ بِهِ رِبَا العَبَّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ"

(1)

.

وحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال في خُطْبتِه بِمنى

(2)

: "إِنَّ كُلَّ ربًا [في الجَاهِليَّةِ]

(3)

مَوْضُوعٌ، وأَوَّلُ رِبًا يُوضَعُ رِبَا

(4)

العَبَّاسِ".

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)} .

يَعنى بذلك

(5)

: {لَا تَظْلِمُونَ} بأخْذِكم رُءُوسَ أموالِكم التي كانت لكم قبلَ الإِرْباءِ على غُرَمَائِكم منهم، دونَ أَرْباحِها التي زِدْتُمُوها ربًا على

(6)

مَن أخذْتُم ذلك منه مِن غُرَمائِكم، فتأخُذُوا منهم ما ليس لكم أخْذُه، أوْ لمْ يكنْ لكم قبلُ، {وَلَا تُظْلَمُونَ} يقولُ: ولا الغريمُ الذي يُعطِيكم ذلك دونَ الربحِ

(7)

الذي كنتم ألزَمْتمُوه من أجل الزِّيادةِ في الأجلِ، يَبخَسُكم حقًّا لكم عليه، فيمْنعُكموه؛ لأنَّ ما زادَ على رءوسِ أموالِكم لْم يكنْ حقًّا لكم عليه، فيكونَ بمنعِه إيّاكم ذلكَ ظالمًا لكم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان ابن عباسٍ يقولُ فيه وغيرُه مِن أهلِ التأويلِ.

(1)

لم نقف عليه بهذا الإسناد، وأصل الحديث عند مسلم (1218) من حديث جابر رضي الله عنه، وغيره.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.

(4)

في ت 2: "ما".

(5)

في ص، م، ت 2، س:"بقوله"، وفي ت 1:"قوله".

(6)

زيادة من: م.

(7)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"الربا".

ص: 55

‌ذِكرُ مَن قالَ ذلك

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ} : فَتُرْبون، {وَلَا تُظْلَمُونَ} فتَنْقَصُون

(1)

.

وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} . قال: لا تُنقَصُونَ مِن أموالِكم، ولا تأخُذونَ باطِلًا لا يَحِلُّ لكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} .

يَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: {وَإِنْ كَانَ} ممن تَقبِضون منه مِن غُرمائِكم رُءُوسَ أموالِكم {ذُو عُسْرَةٍ} ، يعْنى مُعسرًا برءُوسِ أموالِكم التي كانت لكم عليهم قَبلَ الإرْباءِ، فأَنْظِروهُم إلى مَيْسرَتِهم.

وقولُه: هو {ذُو عُسْرَةٍ} مرفوعُ بـ {كَانَ} ، والخبرُ متروكٌ، وهو ما ذَكرْنا. وإنما صلَح تركُ خبرِها من أجلِ أنّ النكراتِ تُضمِرُ لها العربُ أخبارَها. ولَوْ وُجِّهَتْ {كَانَ} في هذا الموضعِ إلى أنها بمعنَى الفعلِ المُكْتَفِي بنفْسِه التامِّ، لكان وجْهًا صحيحًا، ولمْ تكنْ بها حاجةٌ حينئذٍ إلى خبرٍ، فيكونُ تأويلُ الكلامِ عندَ ذلك: وإن وُجِد ذُو عُسْرَةٍ مِن غُرَمائِكم برءُوسِ أموالِكم، فنَظِرةٌ إلى مَيسرَةٍ.

وقد ذُكرَ أن ذلك في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ: (وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ)

(2)

بمعنى: وإِنْ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 551 (2930) من طريق أبي صالح به.

(2)

ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 186، وذكر أنها قراءة ابن مسعود أيضا.

ص: 56

كان الغريمُ ذَا عُسْرَةٍ، فنَظِرَةٌ إلى مَيسرَةٍ. وذلك وإنْ كان في العربيةِ جائزًا، فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به عندَنا؛ لخلافِه خطوطَ مَصاحفِ المسلمين.

وأما قولُه: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . فإنه يَعنِي: فعليكم أن تُنْظرُوه إلى مَيسرَتِه، كما قال:{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} . وقد ذَكرْنا وجْهَ رفعِ ما كان مِن نَظائِرِ هذا فيما مضَى قَبلُ

(1)

، فأغْنَى ذلك عن تكرِيرِه.

والميسَرةُ: المفْعَلةُ من اليُسرِ، مثلُ المرْحمةِ والمشْأمةِ.

ومعنى الكلامِ: وإنْ كان مِن غُرمائِكم ذُو عُسرَةٍ، فعليكم أن تُنظِرُوه حتى يُوسِرَ بما

(2)

لكم، فيصيرَ مِن أهلِ اليُسرِ به.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلَ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قوله:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: نَزَلَتْ في الرِّبا

(3)

.

وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، أنَّ رجلًا خاصَم رجلًا إلى شُريحٍ، فقضَى عليه وأمَر بحبْسِه، قال:

(1)

ينظر ما تقدم في (3/ 357، 358).

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، س:"ليس".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 522)(2934) من طريق محمد بن فضيل به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - 454) من طريق يزيد بن أبي زياد به.

ص: 57

فقال رجلٌ عندَ شُريحٍ: إنه مُعسِرٌ، واللهُ يقولُ في كتابِه:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: فقال شُريحٌ: إنما ذلك في الرِّبا، وإن الله قال في كتابِه:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]. ولَا يَأْمُرُنا اللهُ بشيءٍ ثم يُعذِّبُنا عليه

(1)

.

وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: ذلك في الرِّبا

(2)

.

وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن الحسنِ

(3)

، أنّ الربيعَ بنَ خُثَيْمٍ

(4)

كان له على رجلٍ حقٌّ، فكان يأتِيه، فيقومُ على بابِه، ويقولُ: أَثَمَّ

(5)

فلانٌ؟ إنْ كنتَ مُوسرًا فأَدِّ، وإِنْ كنتَ مُعسِرًا فإلى مَيسرَةٍ

(6)

.

وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: جاء رجلٌ إلى شُرَيْحٍ، فكلَّمه، فجعَل يقولُ: إنه مُعْسِرٌ

(7)

، قال: فظَننتُ أنه يُكَلِّمُه في محبوسٍ، فقال شُرَيْحٌ: إن الرِّبا كان في هذا الحيِّ من الأنصارِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . وقال اللهُ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (453 - تفسير) من طريق هشيم عن هشام وعن يونس معًا، دون قوله بعد الآية.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (452 - تفسير) عن هشيم به.

(3)

كذا في الأصل، م، وفي ص، ت 2، س:"الحسي"، وفي ت 1:"الخشني"، ورجح الشيخ شاكر أنها الشعبي، وذكر محقق تفسير سعيد بن منصور أن رسمها عنده: الحجبى، واستشكلها ثم قال: ولم أجد الحديث عند غيرهما حتى أتمكن من حل هذا الإشكال.

(4)

في الأصل: "جبير"، وفى م، ت 1، ت 2، س:"خيثم".

(5)

في م: "أي".

(6)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (452 - تفسير) عن هشيم به، وفيه الإشكال المتقدم في الراوى عن الربيع.

(7)

بعده في ص، م، ت 1، س:"إنه معسر".

ص: 58

الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}. فما كان اللهُ ليَأْمُرَنا بأمرٍ ثم يُعَذِّبَنا عليه، أدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها

(1)

.

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: فنَظِرةٌ إلى ميسرةٍ برأسِ مالِه

(2)

.

وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} : إنما أُمِر في الرِّبا أن يُنْظَرَ المعسِرُ، وليست النظِرةُ في الأمانةِ، ولكن تُؤدَّى

(3)

الأمانةُ إلى أهلِها

(4)

.

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ} برأسِ المالِ {إِلَى مَيْسَرَةٍ} . يقولُ: إلى غنًى

(5)

وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} : هذا في شأنِ الرِّبا

(6)

.

حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ في قولِه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} : هذا في شأنِ الربا، وكان أهلُ الجاهليةِ بها يتبايَعون، فلمَّا أَسْلَم مَن أَسْلَم

(1)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (8/ 305)(15309)، ووكيع في أخبار القضاة (2/ 360)، والنحاس في ناسخه ص 263 من طريق أيوب به بنحوه.

(2)

تقدم بمعناه في ص 54.

(3)

في ص، ت 2:"مؤدى"، وفى م، ت 1، س:"يؤدى".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 552)(2935) عن محمد بن سعد به.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553)(2940) من طريق عمرو بن حماد به.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 368) إلى ابن المنذر.

ص: 59

منهم، أُمِروا أن يأخُذوا رءوسَ أموالِهم

(1)

.

وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} : يعْنى المطلوبَ

(2)

.

وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ في قولِه:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: الموت

(3)

.

وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، [عن محمدِ بن]

(4)

عليٍّ مثلَه.

وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبيصَةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: هذا في الربا.

وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في الرجلِ يَتَزَوَّجُ إلى ميسرةٍ، قال: إلى الموتِ أو إلى فُرقةٍ.

وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْم، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: ذلك في الربا

(5)

.

وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 368) إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 552)(2932) من طريق أبي صالح به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553)(2939) من طريق وكيع به.

(4)

في الأصل: "بن محمد عن".

(5)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (452 - تفسير) عن هشيم به.

ص: 60

{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ عليه، وكان إذا حلَّ دَيْنُ بعضِهم فلم يَجِدْ ما يُعْطِيه، زاد عليه وأخَّره.

وحدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ عليه.

وقال آخرون: بل هذه الآيةُ عامٌّ

(1)

في كلِّ مَن كان له قِبَلَ رجلٍ مُعْسرٍ حقٌّ، من أيِّ وجهٍ كان ذلك الحقُّ، مِن دَينٍ حلالٍ أو ربًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

[حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: ذلك في الرِّبا والدَّيْنِ، في كلِّ ذلك]

(2)

.

حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُوَيْبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: مَن كان ذا عُسرةٍ {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} . قال: وكذلك كلُّ دَينٍ على مسلمٍ، فلا يَحِلُّ لمسلمٍ له دينٌ على أخيه يعْلَمُ منه عُسرةً أن يَسْجُنَه، ولا يَطْلُبَه منه حتى يُيَسِّرَه اللهُ عليه، وإنما جَعَل النظِرةَ في الحلالِ فمِن أجلِ ذلك كانت الديونُ على ذلك

(3)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن

(1)

في م: "عامة".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 552)(2937) من طريق ابن جريج به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 368) إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 61

مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . قال: نزَلت في الدَّيْنِ

(1)

.

والصوابُ من القولِ في قولهِ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} . أنه يَعْنى به غُرَماءَ الذين كانوا أسْلَموا على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولهم عليهم ديونٌ قد أربَوا فيها في الجاهليةِ، فأدركهم الإسلامُ قبلَ أن يَقْبِضوها منهم، فأمَر اللهُ بوضعِ ما بَقِى من الربا بعدَ ما أسْلَموا، واقتضاءِ

(2)

رءوسِ أموالِهم ممن كان منهم مِن غُرَمائِهم مُوسِرًا، وإنظارِ مَن كان منهم مُعْسِرًا برءوسِ أموالِهم إلى ميسرتِهم، فذلك حكمُ كلِّ مَن أَسْلَم وله ربًا قد أَرْبَى على غريمٍ له، فإن إسلامَه يُبْطِلُ عن غريمِه ما كان له عليه مِن قبلِ الربا - ويُلْزِمُه أداءَ رأسِ مالِه الذي كان أخَذ منه، أو لزِمه من قبلِ الإرباءِ - إليه إن كان مُوسرًا، وإن كان معسرًا كان مُنْظَرًا برأسِ مالِ صاحبِه إلى ميسرتِه، وكان الفضلُ على رأسِ المالِ مُبْطَلًا عنه، غيرَ أن الآيةَ وإن كانت نزَلت في من ذكَرْنا، وإيَّاهم عنَى بها، فإن الحكمَ الذي حكَم اللهُ به في إنظارِ المعسِرِ برأسِ مالِ المُرْبى بعد بُطولِ الربا عنه حكمٌ واجبٌ لكلِّ مَن كان عليه دَيْنٌ لرجلٍ قد حلَّ عليه، وهو بقضائِه معسرٌ، في أنه به مُنْظَرٌ إلى ميسرتِه؛ ولأن دَيْنَ كلِّ ذى دَينٍ في مالِ غريمهِ، وعلى غريمه قضاؤُه منه، لا في رقبتِه، فإذا عُدِم مالُه، فلا سبيلَ على رقبتِه بحبسٍ ولا بيعٍ، وذلك أن مالَ رَبِّ الدَّينِ لن يَخْلُوَ من أحدِ وجوهٍ ثلاثةٍ؛ إِمَّا أَن يكونَ في رقبةِ غريمِه، أو في ذمتِه يَقْبِضُه

(3)

من مالِه، أو في مالٍ له بعينِه؛ فإن يكنْ في مالٍ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 552)(2934) من طريق ابن فضيل به، وأخرجه سعيد بن منصور (454 - تفسير) من طريق يزيد بن أبي زياد به وعندهما بلفظ: الربا. وينظر الدر المنثور (1/ 368) فقد عزاه إلى ثلاثتهم بلفظ: الربا.

(2)

في م: "بقبض".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2:"يقضيه".

ص: 62

له بعينِه، فمتى بطَل ذلك المالُ وعُدِم، فقد بطلَ دَينُ ربِّ المالِ، وذلك ما لا يقولُه أحدٌ، أو يكونُ في رقبتِه فإن يكنْ ذلك كذلك فمتى عُدِمت نفسُه فقد بطَل دينُ رَبِّ الدَّيْنِ وإن خلَّف الغريمُ وفاءً بحقِّه وأضعافَ ذلك، وذلك أيضًا ما لا يقولُه أحدٌ، فقد تبيَّن إذًا إذ كان ذلك كذلك، أن دَيْنَ ربِّ المالِ في ذمةِ غريمِه، يقضيه من مالِه، فإذا عُدِم مالُه فلا سبيلَ له على رقبتِه؛ لأنه قد عُدِم ما كان له عليه أن يُؤَدِّيَ منه حقَّ صاحبِه لو كان موجودًا، وإذا لم يكنْ على رقبتِه سبيلٌ، لم يكنْ إلى حبسِه وهو مُعْدِمٌ

(1)

بحقِّه سبيلٌ؛ لأنه غيرُ مانعِه حقًّا له إلى قضائِه سبيلٌ، فيعاقَبَ بظلمِه إيَّاه بالحبسِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)} .

يعنى جلّ ثناؤه بذلك: وأن تَتصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على هذا المعسِرِ، {خَيْرٌ لَكُمْ} أيُّها القومُ من أن تُنْظِروه إلى ميسرتِه لتَقْبِضوا رءوسَ أموالِكم منه إذا أَيْسَر، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} موضعَ الفضلِ في الصدقةِ، وما أوْجَب اللهُ من الثوابِ لَمَن وضَع عن غريمِه المعسرِ دَينَه.

واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على الغنيِّ والفقيرِ منهم خيرٌ لكم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} : والمالُ الذي لهم على ظهورِ الرجالِ،

(1)

في م: "معدوم".

ص: 63

جَعَل لهم رءوسَ أموالِهم حينَ نزَلت هذه الآيةُ، فأمَّا الربحُ والفضلُ فليس لهم، لا يَنبغى لهم أن يأخذوا منه شيئًا، {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}. يقولُ: وأن تَصَدَّقوا بأصلِ المالِ خيرٌ لكم

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ:{وَأَنْ تَصَدَّقُوا} أي: برأسِ المالِ، فهو خيرٌ لكم.

وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:{وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} . قال: من رءوسِ أموالِكم.

وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ بمثِله.

وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبيصَةُ بنُ عُقْبَةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:{وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} : قال: [برءوسِ الأموالِ

(2)

.

وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:{وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} . قال]

(3)

: أن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم.

وقال آخَرون: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا به على المعسِرِ خيرٌ لكم. نحوَ ما قلنا في ذلك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:

(1)

تقدم تخريجه في ص 54 دون آخره، وعلقه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553) عقب الأثر (2941).

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553)(2941) من طريق سفيان به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.

ص: 64

{وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} . قال: وأن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على الفقيرِ، فهو خيرٌ لكم. فتصدَّق به العباسُ

(1)

.

وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} . يقولُ: وإن تصدَّقتَ عليه برأسِ مالِك فهو خيرٌ لك

(2)

.

وحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال أَخبَرَنَا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعتُ الضحَّاكَ في قولِه: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} : يعْنى على المعسِرِ، فأمَّا الموسِرُ فلا، ولكن يُؤْخَذُ منه رأسُ المالِ، والمعسِرُ الأخذُ منه حلالٌ، والصدقةُ عليه أفضلُ.

وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ:{وَأَنْ تَصَدَّقُوا} [من رءوسِ]

(3)

أموالِكم {خَيْرٌ لَكُمْ} من نَظِرةٍ إلى ميسرةٍ، فاختار اللهُ عز وجل الصدقةَ على النِّظَارةِ.

وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} قال: من النَّظِرةِ، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

وحدَّثنى يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أَخبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ:{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} : والنظِرةُ واجبةٌ،

(1)

أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553) عقب الأثر (2941) من طريق عمرو به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553) عقب الأثر (2941) من طريق ابن أبي جعفر به.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"برءوس".

ص: 65

وخيَّر

(1)

اللهُ الصدقةَ على النظِرةِ، والصدقةُ لكلِّ معسرٍ، فأما الموسرُ فلا.

وأَوْلَى التأويليِن بالصوابِ تأويلُ مَن قال: معناه: وأن تَصَدَّقوا على المعسرِ برءوسِ أموالِكم خيرٌ لكم. لأنه يَلِى ذكرَ حكمِه في المُعْسرِ

(2)

، وإلحاقُه بالذي يَلِيه أوْلى

(3)

من إلحاقِه بالذي بَعُد منه.

وقد قيل: إن هذه الآياتِ في أحكامِ الربا هنَّ آخرُ آياتٍ نزَلت من القرآنِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، وحدَّثنى يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: كان آخرَ ما أَنزَل اللهُ من القرآنِ آيةُ الربا، وإن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُبِض قبلَ أن يُفَسِّرَها، فدَعُوا الربا والرِّيبةَ

(4)

.

وحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، أن عمرَ رضي الله عنه قام، فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنه واللهِ ما أدرى، لعلَّنا نأمُرُكم بأمرٍ لا يَصْلُحُ لكم، وما أدرى لعلَّنا نَنْهاكم عن [أُمورٍ تَصْلُحُ]

(5)

لكم، وإنه كان مِن آخِر القرآنِ تنزيلًا آياتُ الربا، فتُوفِّي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قبلَ أن يُبَيِّنَه لنا، فدَعُوا ما يَرِيبُكم إلى ما لا يَرِيبُكم

(6)

.

(1)

خيَّر: فضل. ينظر النهاية (2/ 91).

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"المعنيين".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"أحب إلى".

(4)

أخرجه ابن ماجه (2276) من طريق سعيد به.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"أمر يصلح".

(6)

عزاه الحافظ في الفتح (8/ 205) إلى المصنف.

ص: 66

حدَّثني أبو زيدٍ عُمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا قَبيصَةُ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الشَّعْبيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: آخرُ ما أُنْزِل على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم آيةُ الربا، وإنَّا لنَأْمُرُ بالشيءِ لا نَدْرِى لعلَّ به بأسًا، ونَنْهَى عن الشيءِ لعلَّه ليس به بأسٌ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)} .

وقيل أيضًا: إِنَّ هذه الآيةَ آخِرُ آيةٍ نزَلت من القرآنِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: آخرُ آيةٍ أُنزِلت على النبيِّ صلى الله عليه وسلم: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}

(2)

.

وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} الآية: فهى آخرُ آيةٍ من الكتابِ أُنْزِلت

(3)

.

(1)

أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص 223، 224، والبخارى (4544)، والبيهقي في الدلائل (7/ 138) من طريق قبيصة به، وعند البخارى إلى قوله: آية الربا. وقال الحافظ في الفتح (8/ 205): المراد بالآخرية في الربا تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة، وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة، على ما يدل عليه قوله تعالى في آل عمران في أثناء قصة أحد:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} . الآية.

(2)

أخرجه النسائي (11057، 11058 - كبري)، والطبراني (12040)، والبيهقي في دلائل النبوة (7/ 137) من طريق الحسين به.

(3)

أخرجه الطبراني (12357) بسند آخر إلى ابن عباس.

ص: 67

وحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا

(1)

سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عطيةَ، قال: آخرُ آيةٍ أنزِلت: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}

(2)

.

وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن السُّدِّيِّ، قال: أخرُ آيةٍ نزَلت: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} الآية

(3)

.

وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميْلَةَ، عن عُبَيْدِ بن سليمانَ، عن الضحَّاكِ، عن ابن عباسٍ، وحجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: آخرُ آيةِ نزَلت من القرآنِ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} قال ابن جُريجٍ: يقولون: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم مكَث بعدَها تسعَ ليالٍ، وبُدِئ

(4)

يومَ السبتِ، ومات يومَ الاثنينِ

(5)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرَنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، أنه بلَغه أن أحدثَ القرآنِ بالعرشِ آيةُ الدَّيْنِ

(6)

.

يعنى بذلك جلّ ثناؤه: واحْذَروا أيُّها الناسُ يومًا تُرْجِعُون فيه إلى اللهِ، فَتَلْقَوْنه

(1)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، س:"إسماعيل بن".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (10/ 541، 14/ 105) من طريق مالك به.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (10/ 540،14/ 104) من طريق وكيع به.

(4)

في النسخ: "بدا". والمثبت من فضائل القرآن، وتفسير ابن كثير (1/ 494). وبُدئ فلان: مرض. النهاية (1/ 104).

(5)

أخرجه الواحدى في تفسيره (1/ 399) من طريق الضحاك به، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 224 عن حجاج به.

(6)

ذكره ابن كثير (1/ 495) عن المصنف بسنده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 370) إلى المصنف، وأخرجه أبو عبيد في الفضائل ص 224 من طريق عقيل عن ابن شهاب قوله.

وقال الحافظ في الفتح (8/ 205): وطريق الجمع بين هذين القولين أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا، إذ هي معطوفة عليهن.

ص: 68

فيه، أي

(1)

ترِدوا عليه بسيئاتٍ تُهْلِكُكم، أو بمخْزياتٍ تُخْزِيكم، أو بفَاضِحاتٍ

(2)

تَفْضَحُكم، فتَهْتِكُ أستارَكم، أو بموبقاتٍ تُوبقُكم، فتُوجبُ لكم من عقابِ اللهِ ربِّكم ما لا قِبَلَ لكم به، فإنه يومُ مجازاةٍ بالأعمالِ، لا يومَ استعتابٍ، ولا يومُ استقالةٍ وتوبةٍ وإنابةٍ، ولكنه يومُ جزاءٍ وثوابٍ ومحاسبةٍ، تُوَفَّى فيه

(3)

كلُّ نفسٍ أجرَها على ما قدَّمت واكْتَسَبت من سييءٍ وصالحٍ، لا يُغادَرُ فيه صغيرةٌ ولا كبيرةٌ من خيرٍ وشرٍّ إلا أُحضِرت فوُفِّيَت

(4)

جزاءَها بالعدلِ من ربِّها، {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} ، كيف يُظْلَمُ مَن جُوزِىَ بالإساءةِ مثلَها، وبالحسنةِ عشرَ أمثالِها؟ كلا بل عدَل عليك أيُّها المُسِئُ، وتكرَّم عليك، فأفْضَل وأسْبَغ أيُّها المحسنُ، فاتقَى امروٌ ربَّه، وأَخَذ منه حِذرَه، وراقبه قبلَ

(5)

أن يهجُمَ عليه يومُه، وهو من الأوزارِ ظَهرُه ثقيلٌ، ومن صالحاتِ الأعمالِ خفيفٌ، فإنه تعالى ذكرُه قد حذَّر فأَعْذَر

(6)

، ووعَظ فأبْلَغ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} .

يعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه {إِذَا تَدَايَنْتُمْ} يعنى: إذا تبايَعْتم بدَيْنٍ أو اشْتَريتم به، أو تعاطَيْتم، أو أخَذتم به، {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}. يقولُ: إلى وقتٍ معلومٍ وقَّتُّموه بينكم، وقد يَدْخُلُ في ذلك القَرْضُ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"أن".

(2)

في م: "بفضيحات".

(3)

سقط من: الأصل.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س:"فتوفيت"، وفى م:"فتوفى".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.

(6)

في س: "فأنذر".

ص: 69

والسَّلَمُ في كلِّ ما جاز السَّلَمُ [فيه؛ لأنَّ السَّلمَ]

(1)

شراءٌ أُجِّل بِنَقْدٍ

(2)

يَصيرُ دَينًا على بائعِ ما أسلم إليه فيه. ويَحْتَمِلُ بيعَ الحاضرِ الجائزِ بيعُه من الأملاكِ بالأثمانِ المُؤَجَّلةِ، كلُّ ذلك من الديونِ المُؤَجَّلةِ إلى أجلٍ مُسَمًّى، إذا كانت آجالُها معلومةً بحدٍّ موقوفٍ عليه. وكان ابن عباسٍ يقولُ: نزَلت هذه الآيةُ في السَّلَمِ خاصَّةً.

‌ذكرُ الروايةِ عنه بذلك

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى الرَّمْليُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: قال ابن عباسٍ في: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} . قال: السَّلَمُ في الحِنْطةِ، في كَيْلٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّميُّ

(4)

، قال: ثنا يحيى بنُ الصَّامتِ

(5)

، قال: ثنا ابن المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن أبي حيَّانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن ابن عباسٍ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} قال: نزَلت في السَّلَمِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ

(6)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ

(7)

بنُ أبي الزرقاءِ، عن سفيانَ، عن أبي

(1)

سقط من ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، "بيعه"، وفى س:"معه".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 495) عن سفيان به. وأصله في الصحيحين وغيرهما من رواية سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس. البخارى (2239، 2253)، ومسلم (1604).

(4)

في الأصل: "المخزومي".

(5)

في م: "الصامح".

(6)

عزاه السيوطي في الدر (1/ 370) إلى عبد بن حميد والمصنف.

(7)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يزيد". ينظر تهذيب الكمال (10/ 70).

ص: 70

حيَّانَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} في السَّلَفِ

(1)

في الحِنْطَةِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حيانَ التَّيْميِّ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} في السَّلفِ في الحنطةِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن أبي حسَّانَ

(3)

، عن ابن عباسٍ، قال: أشْهَدُ أن السلَفَ المضمونَ إلى أجلٍ مُسَمًّى، أنّ الله عز وجل قد أحلَّه، وأذِن فيه. ويتلُو هذه الآيةَ:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}

(4)

.

فإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: {بِدَيْنٍ} وقد دلَّ بقولِه: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ} عليه، وهل تكونُ مُداينةٌ بغيرِ دَينٍ فاحْتيج إلى أن يقالَ:{بِدَيْنٍ} ؟

قيل: إن العربَ لمَّا كان مقولًا عندَها "تدايَنَّا"، بمعنى: تجازَيْنا. وبمعنى: تعاطَيْنا الأخذَ والإعطاءَ بدَيْنٍ - أبان اللهُ جلّ ثناؤه بقولِه: {بِدَيْنٍ} المعنَى الذي قصَد [تعريفَ عبادِه]

(5)

من قولِه: {تَدَايَنْتُمْ} حُكْمَه، وأَعْلَمهم أنه [عنى به]

(6)

(1)

في ص، م، س:"السلم".

(2)

أخرجه البيهقى (6/ 18) من طريق سفيان به.

(3)

في م: "حيان".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 554)(2948) من طريق هشام الدستوائي به.

(5)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"تعريفه".

(6)

سقط من: ص، م، س.

ص: 71

حُكْمَ الدَّينِ دونَ حكمِ المُجازاةِ.

وقد زعَم بعضُهم أن ذلك تأكيدٌ، كقولِه:{فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30، ص: 73]، ولا معنى لما قال من ذلك في هذا الموضعِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {فَاكْتُبُوهُ} .

يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: {فَاكْتُبُوهُ} : فاكْتُبوا الدَّينَ الذي تدايَنتُموه إلى أجلٍ مُسَمًّى، مِن بيعٍ كان ذلك أو قرضٍ.

واخْتَلف أهلُ العلمِ في اكتتابِ الكتابِ بذلك على مَن هو عليه

(1)

، هل هوـ واجبٌ أو هو نَدْبٌ؟ فقال بعضُهم: هو حقٌّ واجبٌ، وفرضٌ لازمٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} قال: مَن باع إلى أجلٍ مُسَمًّى أمَره اللهُ أن يَكْتُبَ، صغيرًا كان أو كبيرًا، إلى أجلٍ مُسَمًّى

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} قال: فمَن ادَّان دَينًا فَلْيَكْتُبْ، ومَن باع فَلْيُشْهِدْ

(3)

.

(1)

سقط من: الأصل.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم (2/ 555)(2952) من طريق جويبر به بنحوه.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 496).

ص: 72

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} : فكان هذا واجبًا

(1)

.

وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثِله، وزاد فيه: قال: ثم جاءت الرُّخْصةُ والسَّعَةُ، قال:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}

(2)

.

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن أبا سليمانَ المَرْعَشِيَّ

(3)

كان رجلًا صحِب كعبًا، فقال ذاتَ يومٍ لأصحابِه: هل تعلمون مظلومًا دعا ربَّه فلم يَسْتَجِبْ له؟ قالوا: وكيف يكونُ ذلك؟ قال: رجلٌ باع [بيعًا إلى أجلٍ مسمًّى]

(4)

، فلم يَكْتُبْ ولم يُشْهِدْ، فلمَّا حلَّ مالُه جحَده صاحبُه، فدعا ربَّه، فلم يَسْتَجِبْ له؛ لأنه قد عصَى ربَّه

(5)

.

وقال آخرون: كان اكتتابُ الكتابِ بالدَّيْنِ فرضًا، فنسَخه قولُه:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} .

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا الثوريُّ [ومعمرٌ]

(6)

، عن ابن شُبْرُمَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: لا بأسَ إِذا أَمِنْتَه ألا تَكْتُبَ ولا تُشْهِدَ، لقولِه:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} قال ابن عُيينةَ: قال ابن شُبْرُمَةَ، عن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 555)(2953) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز (2/ 286)، وأبو حيان في البحر المحيط (2/ 343).

(3)

في الأصل: "المرعش"، وفى ص:"المدعس"، وفى ت 1، س:"المرعس".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"شيئا".

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 496) عن قتادة به.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 73

الشَّعْبيِّ: إلى هذا انتُهِى

(1)

.

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} حتى بلَغ هذا المكانَ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} قال: رُخِّص في ذلك، فمَن شاء أن يأْتَمِنَ صاحبَه فَلْيَأْتَمِنْه

(2)

.

حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَمرٍو، عن عاصمٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: إن ائْتَمنه فلا يُشْهِدْ عليه ولا يَكْتُبْ.

حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: فكانوا يَرَوْن أن هذه الآيةَ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} نسَخت ما قبلَها من الكتابةِ والشهودِ، رُخْصَةً ورحمةً من اللهِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال غيرُ عطاءٍ: نسَخت الكتابَ والشهادةَ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: نسَخ ذلك قولُه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} قال: فلولا هذا الحرفُ لم ينبغِ

(5)

لأحدٍ أن يَدَّانَ بدَيْنٍ إلا بكتابٍ وشهداءَ، أو برَهْنٍ، فلمَّا جاءت هذه

(1)

تفسير عبد الرزاق (1/ 111)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 570)(3042) عن الحسن به.

(2)

أخرجه البيهقى (10/ 145) من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 373) إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه بنحوه الثورى في تفسيره ص 73، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 571)(3046)، وابن الجوزي في النواسخ ص 221 من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.

(4)

ينظر النواسخ ص 222.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يبح".

ص: 74

نسَخت هذا كلَّه، وصار إلى الأمانةِ

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سليمانَ التيميِّ، قال: سألتُ الحسنَ قلتُ: كلُّ مَن باع بيعًا يَنْبَغِى له أَن يُشْهِدَ؟ فقال: أَلم تَرَ أَن اللَّهَ عز وجل يقولُ: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}

(2)

.

[حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} حتى بلَغ هذا المكانَ: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} قال: رُخِّص في ذلك، فمَن شاء أن يَأتَمِنَ صاحبَه فَلْيأْتَمِنْه]

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشَّعْبِيِّ في قولِه:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} قال: إن أَشْهَدتَ فَحَزْمٌ، وإن لم تُشْهِدْ ففي حِلٍّ وسَعَةٍ

(4)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، قال: قلتُ للشَّعْبيِّ: أرأيتَ الرجلَ يَسْتَدِينُ

(5)

من الرجلِ الشيءَ، أحتمٌ عليه أن يُشْهِدَ؟ فقال:[ألا ترى]

(6)

إلى قولِه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} ؟ قد نسَخ ما كان قبلَه.

حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ العُقَيْليُّ، قال: ثنا عبدُ الملكِ

(1)

ينظر تفسير ابن كثير (1/ 496).

(2)

أخرجه ابن الجوزى في النواسخ ص 220، 221 من طريق سليمان التيمى به.

(3)

تقدم هذا الأثر في الصفحة السابقة، وشيخ المصنف هناك المثنى وهنا محمد بن المثنى.

(4)

أخرجه البيهقى (10/ 145) من طريق داود به.

(5)

في الأصل: "يشترى".

(6)

في م، ت 2:"فقرًا" ومكانها بياض في ص، ت 1، ت 3، س.

ص: 75

ابن

(1)

أبى نَضْرَةَ، [عن أبيه]

(2)

، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ أنه قرَأ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} قال: فقرأ إلى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} قال: هذه نسَخت ما قبلَها

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} .

يعني بذلك جل ثناؤه: ولْيكتُبْ كتابَ الدَّينِ إلى الأجلِ المسمَّى بينَ الدائنِ والمدِين {كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} الله يعنى: بالحقِّ والإنصافِ في كتابِه الذي يَكْتُبُه بينهما، بما لا يتحيَّفُ ذا الحقِّ حقَّه، ولا يَبْخَسُه، ولا يُوجِبُ له حُجَّةً على مَن عليه دينُه فيه بباطلٍ، ولا يُلْزِمُه ما ليس عليه.

كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} قال: اتَّقَى الله كاتبٌ في كتابِه، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يَزِيدَنَّ فيه باطلًا

(4)

.

وأمَّا قولُه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} فإنه يعنى: ولا يَأْبَيَنَّ كاتبُ اسْتُكْتِب ذلك أن يَكْتُبَ بينهم كتابَ الدَّيْنِ، كما علَّمه اللهُ كتابتَه فخصّه بعلمِ ذلك، وحرَمه كثيرًا مِن خَلقِه.

وقد اخْتَلف أهلُ العلمِ في وجوبِ الكتابةِ

(5)

على الكاتبِ إذا

(1)

بعده في ت 1، س:"فضالة".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س، وينظر الجرح والتعديل (5/ 370).

(3)

أخرجه ابن الجوزى في النواسخ ص 222 من طريق عمرو بن علي به. وأخرجه البخاري في التاريخ (1/ 232)، وابن ماجه (2365)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 570)(3041)، والنحاس في ناسخه ص 267، 268، والطبرانى في الأوسط (1558)، وابن عدى (6/ 2267)، والبيهقى (10/ 145)، والمزى (18/ 428) من طريق محمد بن مروان العقيلى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 373) إلى أبي نعيم.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 558)(2969) من طريق يزيد بن زريع به.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"الكتاب".

ص: 76

اسْتُكْتِب ذلك، نظيرَ اختلافِهم في وجوبِ الكتابِة

(1)

على الذي له الحقُّ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} قال: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} أواجبٌ ألا يَأْبَي أَن يَكْتُب؟ قال: نعم. قال ابن جُريجٍ: وقال مجاهدٌ: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} بمثلِه

(4)

.

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ وعطاءٍ قولَه:{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} قالا: إذا لم يَجِدوا كاتبًا فدُعِيتَ، فلا تأبَ أن تَكْتُبَ لهم

(5)

.

‌ذكرُ مَن قال: هي منسوخةٌ

قد ذكَرْنا جماعةً ممن قال: كلُّ ما في هذه الآيةِ من الأمرِ بالكتابةِ والإشهادِ والرهنِ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"الكتاب".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 556)(2959) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 370) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15560) عن ابن جريج به.

(4)

سقط من: الأصل، ص، س.

(5)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 556) عقب الأثر (2960) معلقا.

ص: 77

منسوخٌ بالآيةِ التي في آخرِها. وأَذْكُرُ قولَ مَن ترَكْنا ذكرَه هنالك لبعضِ

(1)

المعاني.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ:{وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ} قال: كانت عزيمةً فنسَختها: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:{وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} : فكان هذا واجبًا على الكُتَّابِ

(3)

.

وقال آخَرون: هو على الوجوبِ، ولكنه واجبٌ على الكاتبِ في حالِ فراغِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه:{وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} يقولُ: لا يأبَ كاتبٌ أن يَكْتُبَ إن كان فارغًا

(4)

.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الله تبارك وتعالى أمَر المتداينينَ إلى أجلٍ مسمًّى باكتتابِ كُتبِ الدَّينِ بينهم، وأمَر الكاتبَ أن يَكْتُبَ ذلك بينهم بالعدلِ، وأمرُ اللهِ فرضٌ لازمٌ، إلا أن تقومَ حُجَّةٌ بأنه إرشادٌ ونَدْبٌ، ولا دَلالَةَ تَدُلُّ على أن أمَره جلّ ثناؤه باكتتابِ الكتبِ في ذلك، وأن تقدُّمَه إلى الكاتبِ ألا يَأْبَى كتابةَ ذلك -

(1)

في ص، م:"ببعض"، وفى س:"ببعض".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 370) إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم (2/ 557)(2965) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 370) إلى ابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 557)(2962) من طريق عمرو بن حماد به.

ص: 78

ندبٌ وإرشادٌ، فذلك فرضٌ عليهم لا يَسَعُهم تضْيِيعُه، ومَن ضيَّعه منهم كان حرِجًا بتضيِيعِه.

ولا وجهَ لاعتلالِ مَن اعتلَّ بأن الأمرَ بذلك منسوخٌ بقولِه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ؛ لأن ذلك إنما أَذِن اللهُ تعالى ذكرُه به حيثُ لا سبيلَ إلى الكتابِ أو إلى الكاتبِ، فأمَّا والكتابُ والكاتبُ موجودان، فالفرضُ - إذا كان الدَّينُ إلى أجلٍ مُسَمًّى - ما أمرَ اللهُ تعالى ذكرُه به في قولِه:{فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} وإنما يكونُ الناسخُ ما لم يَجُزْ اجتماعُ حكمِه وحكمِ المنسوخِ في حالٍ واحدةٍ، على السبيلِ التي قد بيَّنَّاها، فأمَّا ما كان أحدُهما غيرَ نافٍ حكمَ الآخَرِ، فليس من الناسخِ والمنسوخِ في شيءٍ.

ولو وجَب أن يكونَ قولُه: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ} ناسخًا قولَه: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} . لوجَب أن يكونَ قولُه: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] ناسخًا الوضوءَ بالماءِ في الحَضَرِ عندَ وجودِ الماءِ فيه، وفى السفرِ الذي فرَضه اللهُ عز وجل بقولِه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} . وأن يكونَ قولُه في كفَّارةِ الظِّهارِ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [المجادلة: 4] ناسخًا قولَه: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3]. فيُسْأَلُ القائلُ: إن قولَ اللهِ عز وجل: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ناسخٌ قولَه:

ص: 79

{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} - الفرقَ

(1)

بينَه وبينَ قائلٍ في التيممِ وما ذكَرنا قولَه فزعَم أن كلَّ ما أُبِيح في حالِ الضرورةِ لعلَّةِ الضرورةِ، ناسخٌ حكمُه في حالِ الضرورةِ حكمَه في

(2)

كلِّ أحوالِه، نظيرَ قولِه في أن الأمرَ باكتتابِ كتبِ الديونِ والحقوقِ منسوخٌ بقولِه:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} .

فإن قال: الفرقُ بينى وبينه أن قولَه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} كلامٌ منقطعٌ عن قولِه: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} وقد انتهى الحكمُ في السفرِ إذا عُدِم فيه الكاتبُ بقولِه: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} وإِنما عنَى بقولِه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} : إذا تدايَنْتم بدَيْنٍ إلى أجلٍ مسمًّى فأمِن بعضُكم بعضًا فَلْيُؤَدِّ الذي اؤْتُمِن أمانتَه.

قيل له: وما البرهانُ على ذلك من أصلٍ أو قياسٍ، وقد انقضى الحكمُ في الدَّيْنِ الذي فيه إلى الكَاتبِ

(3)

والكتابِ سبيلٌ بقولِه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ؟

وأمَّا الذين زعَموا أن قولَه: {فَاكْتُبُوهُ} وقولَه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} . على وجهِ النَّدْبِ والإرشادِ، فإنهم يُسْأَلُون البرهانَ على دعواهم في ذلك، ثم يُعارَضون بسائرِ أمرِ اللهِ عز وجل الذي أمَر في كتابِه، ويُسْأَلُون الفرقَ بينَ ما ادَّعَوْا في ذلك، وأنْكَروه في غيرِه، فلن يقولوا في شيءٍ من ذلك قولًا إلا أُلْزِموا في الآخَرِ مثلَه.

(1)

في م: "ما الفرق"، وفى ص، ت 1، ت 2، س:"والفرق".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"و".

(3)

في الأصل: "الكتاب".

ص: 80

‌ذكرُ مَن قال: العدلُ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} : الحقُّ

[حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} يقولُ: بالحَقِّ]

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} .

يعنى بذلك: فَلْيَكْتُبِ الكاتبُ، ولْيُمْلِلِ الذي عليه الحقُّ، وهو الغريمٌ المَدِينُ، يقولُ: ليَتَوَلَّ المَدِينُ إملالَ كتابِ ما عليه من دَيْنِ ربِّ المالِ على الكاتبِ، ولْيَتَّقِ ربَّه المُمْلِى الذي عليه الحقُّ، فَلْيَحْذَرْ عقابَه في بخْسِ الذي له الحقُّ مِن حقِّه شيئًا، أن يَنْقُصَه منه ظلمًا، أو يذهبَ به منه تعدِّيًا، فيُؤْخَذَ به حيث لا يَقْدِرُ على قضائِه إلا من حسناتِه، أو أن يَتَحَمَّلَ من سيئاتِه.

كما حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} : فكان هذا واجبًا {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} يقولُ: لا يَظْلِمْ منه شيئًا

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} . قال: لا يَنْقُصْ من حقِّ هذا الرجلِ شيئًا إِذا أَمَلَّ

(3)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 556)(5958) من طريق عمرو به.

(2)

تقدم تخريج أوله في ص 73، وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 558) عقب الأثر (2971) من طريق ابن أبي جعفر به.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أملى".

ص: 81

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} .

يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا} : فإن كان المَدِينُ الذي عليه المالُ {سَفِيهًا} . يعني جاهلًا بالصوابِ في الذي عليه أن يُمِلَّه على الكاتبِ.

كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} . قال: أمَّا السفيهُ فالجاهلُ بالإملاءِ والأمورِ

(1)

.

وقال آخَرون: بل السفيهُ في هذا الموضعِ الذي عناه اللهُ: الطفلُ الصغيرُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسىُ بن هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال:{فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} : أمَّا السفيهُ فهو الصغيرُ

(2)

.

حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه:{فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا} قال: هو الصبيُّ الصغيرُ، فَلْيُمْلِلْ وليُّه بالعدلِ

(3)

.

وأوْلَى التأويلينِ بالآيةِ تأويلُ مَن قال: السفيهُ في هذا الموضعِ الجاهلُ بالإملاءِ وموضعِ صوابِ ذلك من خطئِه. لما قد بيَّنَّا قبلُ من أن معنى السفَهِ في كلامِ العربِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 559)(5973) من طريق أبي حذيفة به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 559)(2974) من طريق عمرو به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 237) إلى المصنف.

ص: 82

الجهلُ

(1)

.

وقد يَدْخُلُ في قولِه: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} كلُّ جاهلٍ بصوابِ ما يُمِلُّ من خطئِه، من صغيرٍ وكبيرٍ، وذكَرٍ وأنثى. غيرَ أن الذي هو أوْلَى بظاهرِ الآيةِ أن يكونَ مرادًا بها كلُّ جاهلٍ بموضعٍ خطأَ ما يُمِلُّ وصوابِه، مِن بالِغِى الرجالِ الذين لا يُوَلَّى عليهم، والنساءِ؛ لأنه جل ذكرُه ابْتَدأ الآيةَ بقولِه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . والصبيُّ ومَن يُوَلَّى عليه لا يجوزُ مداينتُه، وأن الله عز وجل قد اسْتَثنى مِن الذين أمَرهم بإملالِ كتابِ الدَّينِ معَ السفيهِ الضعيفَ ومَن لا يستطيعُ إملالَه، ففى فصلِه جلّ ثناؤه الضعيفَ مِن السفيهِ ومَن لا يستطيعُ إملالَ الكتابِ، [في الصفةِ]

(2)

التي وصَف بها كلَّ واحدٍ منهم - ما أَنْبَأ عن أن كلَّ واحدٍ من الأصنافِ الثلاثةِ الذين بيَّن صفاتِهم، غيرُ الصنفينِ الآخَرينِ.

وإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن الموصوفَ بالسَّفَهِ منهم دونَ الضعفِ، هو ذو القُوَّةِ على الإملالِ، غيرَ أنه وُضِع عنه فرضُ الإملالِ بجهلِه بموضعِ صوابِ ذلك مِن خطئِه، وأن الموصوفَ بالضعفِ منهم، هو العاجزُ عن إملالِه، وإن كان سديدًا

(3)

رشيدًا، إما لعِيِّ لسانِه أو خَرَسٍ به، وأن الموصوفَ بأنه لا يستطيعُ أن يُملَّ، هو الممنوعُ من إملالِه، إمَّا بالحبسِ الذي لا يَقْدِرُ معَه على حضورِ الكاتبِ الذي يَكْتُبُ الكتابَ فيُمِلُّ عليه، وإِمَّا لغَيْبتِه عن موضعِ الإملالِ، فهو غيرُ قادرٍ مِن أجلِ غَيبتِه عن إملالِ الكتابِ، فوضَع اللهُ عز وجل عنهم فرضَ إملالِ ذلك؛ للعللِ التي وصَفنا إذا كانت بهم، وعذَرهم بتركِ الإملالِ من أجلِها، وأمَر عندَ سقوطِ فرضِ ذلك عنهم

(4)

وليَّ الحقِّ بإملالِه، فقال: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ

(1)

ينظر ما تقدم في 1/ 302، 2/ 615.

(2)

زيادة من: م.

(3)

في ص، م، ت 2، س:"شديدا".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"عليهم".

ص: 83

ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}: يعنى وليَّ الحقِّ.

ولا وجهَ لقولِ مَن زعَم أن السفيهَ في هذا الموضعِ هو الصغيرُ، وأن الضعيفَ هو الكبيرُ الأحمقُ؛ لأن ذلك - إن كان كما قال - يُوجِبُ أن يكونَ قولُه:{أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ} هو العاجزَ من الرجالِ العقلاءِ - الجائزى الأمرِ في أموالِهم وأنفسِهم - عن الإملالِ، إمَّا لعلةٍ بلسانِه، من خَرَسٍ أو غيرِه من العللِ، وإما لغَيبتِه عن موضعِ الكتابِ. وإذا كان كذلك معناه، بطَل معنى قولِه:{فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} ؛ لأن العاقلَ الرشيدَ لا يُوَلَّى عليه في

(1)

مالِه وإن كان أخرسَ أو غائبًا، ولا يجوزُ حكمُ أحدٍ في مالِه إلا بأمرِه، وفى صحةِ معنى ذلك ما يَقْضِى على فسادِ قولِ مَن زعَم أن السفيهَ في هذا الموضعِ هو الطفلُ الصغيرُ، أو الضعيفُ

(2)

الكبيرُ الأحمقُ.

‌ذكرُ مَن قال في ذلك ما قلناه

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:{فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} يقولُ: وليُّ الحقِّ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} قال: يقولُ: فإن عيِىَ عن ذلك، أملَّ

(1)

زيادة من: م.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

ذكره القرطبي في تفسيره 3/ 388.

ص: 84

صاحبُ الدَّينِ بالعدلِ

(1)

.

‌ذكرُ مَن قال: عُنِى بالضعيفِ في هذا الموضعِ: الأحمقُ. وبقولِه: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} : وليُّ السفيهِ والضعيفِ

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ:{فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} . قال: أُمِر وليُّ السفيهِ أو الضعيفِ أن يُمِلَّ بالعدلِ

(1)

.

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدَّيّ: أما الضعيفُ فهو الأحمقُ

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: أمَّا الضعيفُ فالأحمقُ

(3)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا} : لا يَعْرِفُ، فيُثْبِتُ لهذا حقَّه، ويَجْهَلُ ذلك، فوليُّه بمنزلتِه، حتى يَضَعَ لهذا حقَّه.

وقد دَلَّلنا على أَوْلَى القولين

(4)

بالصوابِ في ذلك.

وأمَّا قولُه: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} فإنه يعنى: بالحقِّ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 371) إلى المصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 559) عقب الأثر (2975) من طريق عمرو بن حماد به.

(3)

في الأصل: "الحَمِق".

والأثر ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 559) عقب الأثر (2975) معلقًا.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"القراءتين"، وفى م:"التأويلين".

ص: 85

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واسْتَشْهِدوا على حقوقِكم شاهدينِ.

يقالُ: فلانٌ شهيدى على هذا المالِ، وشاهدِى عليه.

وأمَّا قولُه: {مِنْ رِجَالِكُمْ} . فإنه يعنى: من أحرارِكم المسلمين، دونَ عبيدِكم، ودونَ أحرارِكم الكفَّارِ.

كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} . قال: الأحرارُ

(1)

.

وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا عليُّ بنُ سعيدٍ

(2)

، عن هُشَيْمٍ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} .

يعنى بذلك: فإن لم يكونا رجلين فليكُنْ رجلٌ وامرأتان على الشهادةِ عليه

(4)

.

ورفْعُ "الرجلِ" و "المرأتين" بالردّ على "الكونِ". وإن شِئتَ قلتَ: فإن لم يكونا رجلين فليشهَدْ رجلٌ وامرأتان على ذلك. وإن شِئتَ: فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان يَشْهَدون عليه. وإن قلتَ: فإن لم يكونا رجلين [فهو رجلٌ]

(5)

(1)

تفسير سفيان ص 73، ومن طريقه سعيد بن منصور في سننه (456 - تفسير)، والبيهقى (10/ 161)، وأخرجه ابن أبي شيبة (6/ 78) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 560)(2984) من طريق ليث، عن مجاهد وفيه زيادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 371) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في الأصل: "معبد".

(3)

أخرجه سعيد بن منصور (457 - تفسير) - ومن طريقه البيهقى (10/ 161) - عن هشيم به نحوه.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"فرجل".

ص: 86

وامرأتان. كان صوابًا، كلُّ ذلك جائزٌ. ولو كان:[فرجلًا وامرأتين]

(1)

. نصبًا، كان جائزًا، على تأويلِ: فإن لم يكونا رجلين فاسْتَشْهدوا رجلًا وامرأتين.

وقولُه: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} . يعنى: من العدولِ المُرتَضَى دِينُهم وصلاحُهم.

كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} . يقولُ: في الدَّينِ، {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} وذلك في الدَّينِ، {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} يقولُ: عدولٌ

(2)

.

وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} : أَمَرَ اللهُ أَن تُشْهدوا

(3)

ذَوَى عدلٍ من رجالِكم

(4)

، {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} .

اختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأةِ أهلِ الحجازِ والمدينةِ وبعضُ أهلِ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فرجل وامرأتان".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 371 إلى المصنف مقتصرا على آخره، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 561 (2987) من طريق ابن أبي جعفر به مقتصرا على قوله: وذلك في الدين.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"يشهدوا".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"رجالهم".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 561 (2986) من طريق إسحاق به.

ص: 87

العراقِ: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} بفتحِ الألفِ مِن {أَنْ} ، ونصبِ {تَضِلَّ} و {فَتُذَكِّرَ}

(1)

. بمعنى: فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان، كي تُذَكِّرَ إحداهما الأخرى إن ضلَّت. وهو عندَهم من المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ؛ لأن التذكيرَ عندَهم هو الذي يَجبُ أن يكونَ مكانَ {تَضِلَّ}؛ لأن المعنى ما وصَفنا في قولِهم. وقالوا: إنما نصَبنا {فَتُذَكِّرَ} ؛ لأن الجزاءَ لمَّا تقدَّم اتَّصل

(2)

بما قبلَه، فصار جوابُه مردودًا عليه، كما تقولُ في الكلامِ: إنه ليُعْجِبُني أن يَسألَ السائلُ فيُعْطَى. بمعنى: إنه ليُعْجِبُني أن يُعْطَى السائلُ إن سأل. أو: إذا سأل. فالذي يُعْجِبُك هو الإعطاءُ دونَ المسألةِ، ولكن قولَه: أن يَسألَ. لمَّا تقدَّم اتَّصل بما قبلَه، وهو قولُه: يُعْجِبُنى

(3)

. ففتَحَ "أن"

(4)

ونصَب بها، ثم أتْبَع ذلك قولَه: فيُعْطَى. فنصَبه بنصبِ قولِه: ليُعجبُنى أن يسألَ. نَسْقًا عليه، وإن كان في معنى الجزاءِ.

وقرَأ ذلك آخَرون كذلك، غيرَ أنهم كانوا يقرءونه بتسكينِ الذالِ من (تُذْكِرَ) وتخفيفِ كافِها

(5)

.

وقارئو ذلك كذلك مختلفون فيما بينهم في تأويلِ قراءتِهم إيَّاه كذلك، وكان بعضُهم يُوَجِّهُه إلى أن معناه: فتُصَيِّرُ إحداهما الأخرى ذكرًا باجتماعِهما. بمعنى أن شهادتَها إذا اجْتَمعت وشهادةَ صاحبتِها، جازت كما تجوزُ شهادةُ الواحدِ من الذكورِ في الدَّينِ؛ لأن شهادةَ كلِّ واحدةٍ

(6)

منهما منفردةً غيرُ جائزةٍ فيما جازت فيه من الدُّيونِ، إلا باجتماعِ اثنتين على شهادةِ واحدٍ، وتصيرُ شهادتُهما حينئذٍ بمنزلةِ

(1)

وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 194.

(2)

في ص، س، ت 1، ت 2، ت 3:"أن تضل".

(3)

في م: "ليعجبني".

(4)

سقط من: الأصل: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. المصدر السابق.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"واحد".

ص: 88

شهادةِ واحدٍ من الذكورِ. فكأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما - في قولِ مُتَأَوِّلى ذلك بهذا المعنى - صيَّرتْ صاحبتَها معها ذَكَرًا، وذهَب إلى قولِ العربِ: لقد أذْكَرتُ بفلانٍ أمُّه، أي: ولَدته ذَكَرًا، فهي تُذْكِرُ به، وهى امرأةٌ مُذكِرٌ

(1)

، إذا كانت تَلِدُ الذُّكورَ مِن الأولادِ. وهذا قولٌ يُرْوَى عن سفيانَ بن عُيَيْنَةَ أنه كان يقولُه.

حُدِّثتُ بذلك عن أبي عُبيدٍ القاسمِ بن سلَّامِ أنه قال: حُدِّثتُ عن سفيانَ بن عُيَيْنَةَ أنه قال: ليس تأويل قولِه: {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} . من الذِّكْرِ بعدَ النسيانِ، إنما هو من الذَّكَرِ، بمعنى أنها إذا شهِدت مع الأخرى صارت شهادتُهما كشهادةِ الذَّكَرِ

(2)

.

وكان

(3)

آخَرون منهم يُوَجِّهونه إلى أنه بمعنى الذِّكْرِ بعدَ النسيانِ.

وقرَأ ذلك آخرون

(4)

: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} . بكسرِ (إن) مِن قولِه: (إِنْ تَضِلَّ)، ورفعِ (تُذَكِّرُ)[وتشديدِ كَافِه]

(5)

، بمعنى ابتداءِ الخبرِ عمَّا تَفْعَلُ المرأتان إن نسِيت إحداهما شهادتَها [وذكَّرتها]

(6)

الأخرى، من تثبيتِ الذاكرةِ الناسيةَ [وتذكيرِها]

(7)

ذلك، وانقطاعِ ذلك عما قبلَه.

ومعنى ذلك

(8)

عندَ قارئى ذلك كذلك: واسْتَشْهِدوا شهيدين من رجالِكم،

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"مذكرة".

(2)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 293، والقرطبي في تفسيره 3/ 397.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"قال".

(4)

هو حمزة. ينظر السبعة الموضع السابق.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3 س:"وتشديده كأنه".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت:"وذكرها"، وفى م:"تذكرها".

(7)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وتنكيرها".

(8)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"الكلام".

ص: 89

فإن لم يكونا رجلين، فرجلٌ وامرأتان ممَّن تَرْضَوْن من الشهداءِ، فإنَّ إحداهما إن ضلَّت ذَكَّرتها الأخرى. على استئنافِ الخبرِ عن فعلِهما

(1)

إن نسِيت إحداهما شهادتَها، مِن تذكيرِ الأخرى منهما صاحبتَها الناسيةَ.

وهذه قراءةٌ كان الأعمشُ يَقْرَؤُها

(2)

ومَن أخَذها عنه، وإنما نصَب الأعمش (تَضِلَّ)؛ لأنها في محلِ جزمٍ بحرفِ الجزاءِ، وهو (إن). فتأويلُ

(3)

الكلامِ على قراءتِه: إن تَضْلِلْ. فلمَّا انْدَغَمت إحدى اللاميْنِ في الأخرى، حرَّكَها إلى أخفِّ الحركاتِ، ورفَع

(4)

(تذكِّرُ) بالتاءِ

(5)

؛ لأنه جوابُ الجزاءِ بالفاءِ

(6)

.

والصوابُ من القراءةِ عندَنا في ذلك قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ {أَنْ} من قولِه: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} . وبتشديدِ الكافِ من قولِه: {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} . ونصبِ الراءِ منه، بمعنى: فإن لم يكونا رجلين، فَلْيَشْهَدْ رجلٌ وامرأتان، كي إن ضلَّت إحداهما ذكَّرتها الأخرى.

وأمَّا نصبُ {فَتُذَكَّرَ} فبالعطفِ على {تَضِلَّ} ، وفُتِحت {أَنْ} لحُلُولِها

(7)

محلَّ "كى"، وهي في موضعِ جزاءٍ، والجوابُ بعده، اكتفاءً بفتحِها، أعنى بفتح {أَنْ} من "كى"، ونسَق بالثاني، أعنى {فَتُذَكِّرَ} على

(1)

في ص، م، ت 2، ت 3، س:"فعلها".

(2)

ينظر البحر المحيط 2/ 348.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"تأويله".

(4)

في ت 1، ت 2، ت 3، س:"وقع".

(5)

في م: "بالفاء".

(6)

سقط من: م.

(7)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"بحلولها".

ص: 90

{تَضِلَّ} ؛ ليُعْلَمَ أن الذي قام مقامَ ما كان يَعْمَلُ فيه وهو ظاهرٌ، قد دلَّ عليه وأدَّى عن معناه وعملِه، أعنى

(1)

عن "كى".

وإنما اخترنا ذلك في القراءةِ لإجماعِ الحجَّةِ من قُدَماءِ القَرَأةِ والمتأخرين على ذلك، وانفرادِ الأعمشِ ومَن قرَأ قراءتَه في ذلك بما انْفَرد به عنهم، ولا يجوزُ تركُ قراءةٍ جاء بها المسلمون مستفيضةً بينهم إلى غيرِها.

وأمَّا اختيارُنا {فَتُذَكِّرَ} بتشديدِ الكافِ؛ فلأنه بمعنى ترديدِ

(2)

الذِّكْرِ من إحداهما على الأخرى، وتعريفِها إيَّاها

(3)

ذلك لتَذْكُرَ، فالتشديدُ به أوْلى من التخفيفِ.

وأمَّا ما حُكِى عن ابن عُيَيْنَةَ من التأويلِ الذي ذكَرناه، فتأويلٌ خطأٌ لا معنى له؛ لوجوهٍ شتى: أحدُها: أنه خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ.

والثاني: أنه معلومٌ أنَّ ضلالَ إحدى المرأتين في الشهادةِ التي شهِدت عليها، إنما هو ذهابُها

(4)

عنها ونسيانُها إيَّاها، كضلالِ الرجلِ في دينِه، إذا تحيَّر فيه فعدَل عن الحقِّ، وإذا صارت إحداهما بهذه الصفةِ، فكيف يجوزُ أن تُصيِّرَها

(5)

الأخرى ذَكَرًا معها، مع نسيانِها شهادتها وضلالِها فيها، والضالَّةُ منهما في شهادتِها حينئذٍ لا شكَّ أنها إلى التذكيرِ أحوجُ منها إلى الإذكارِ. إلا أن يكونَ أراد أن الذاكرةَ إذا ضعُفت صاحبتُها عن ذكر شهادتِها، شحَذَتها

(6)

على ذكرِ ما ضعُفت عن ذكرِه فنسِيته،

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أي".

(2)

في ص، ت 2، ت 3:"تودية"، وفى م:"تأدية"، وفى س:"درية".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"بإنهاء".

(4)

في ص، ت 1، س:"خطابها"، وفى م:"خطؤها".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"تصير".

(6)

في م: "ستجرئها"، وفى ت 1:"ستجدها". وشحذتها: قوتها. التاج (ش ح ذ).

ص: 91

فقوَّتها

(1)

بالذكرِ، حتى صيَّرتها كالرجلِ في قوَّتِها في ذكرِ ما ضعُفت عن ذكرِه من ذلك، كما يقالُ للشيءِ القويِّ في عملِه: ذَكَرٌ. وكما يقالُ للسيفِ الماضي في ضربتِه: سيفٌ ذَكَرٌ. ورجُلٌ ذَكَرٌ، يُرادُ به ماضٍ في عملِه، قويُّ البطشِ، صحيحُ العزمِ. فإن كان ابن عُيينةَ هذا أراد، فهو مذهبٌ من مذاهبِ تأويلِ ذلك، إلا أنه إذا تُؤوِّل كذلك، صار تأويلُه إلى نحوِ تأويلِنا الذي تَأَوَّلْناه فيه، وإن خالَفت القراءةُ بذلك المعنى القراءةَ التي اخْتَرناها، بأن تصيرَ

(2)

القراءةُ حينئذٍ الصحيحَ

(3)

بالذي اختار قراءتَه من تخفيفِ الكافِ من قولِه: (فَتُذْكِرَ). ولم نَعْلَمْ أحدًا تأوَّل ذلك كذلك، فنسْتَجِيزَ

(4)

قراءتَه كذلك بذلك المعنى.

فالصوابُ في قراءتِه

(5)

إذا كان الأمرُ على ما وصفنا ما اخْتَرْنا

(6)

.

‌ذكرُ من تأوَّل قولَه: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} . نحوَ تأويلنِا الذي قلنا فيه

حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} : علِم اللهُ أن ستكونُ حقوقٌ، فأخَذ لبعضِكم

(7)

من بعضٍ الثقةَ، فخُذوا بثقةِ اللهِ، فإنه أطوعُ لربِّكم،

(1)

في ص، ت 1:"فقوته".

(2)

في ص: "يعين"، وفى م، ت 1:"تغير".

(3)

في ص، م، ت 2، س:"الصحيحة".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3 س:"ويستحب".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"قوله".

(6)

في الأصل: "أخبرناه"، وفى س:"أخذناه".

(7)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"لبعضهم".

ص: 92

وأدرَكُ لأموالِكم، ولعَمْرِي لئن كان تقيًّا لا يَزِيدُه الكتاب إلا خيرًا، وإن كان فاجرًا فبالحَرَى أن يُؤَدِّيَ إذا علم أن عليه شُهودًا.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} . يقولُ: أن تنسى إحداهما فتُذَكِّرَها الأخرى

(1)

.

حدَّثني موسىُ بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} . يقولُ: تنسى إحداهما الشهادةَ، فَتُذكِّرَها الأخْرَى

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:{أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} . يقولُ: أن تَنْسَى إحداهما فَتُذَكِّرَها الأخرى

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} . قال: [إن أخطأتِ الشهادةَ فذكَّرتها الأُخرى. قال: و (تُذَكِّرُ)، فـ (تُذكِرُ) قال]

(4)

: كلاهما لغةٌ، وهما سواءٌ، ونحن نَقْرَأُ:{فَتُذَكِّرَ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي نَهى اللهُ الشهداءَ عن إباءِ الإجابِة إذا دُعوا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 562 عقب الأثر (2992) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 562 عقب الأثر (2992) من طريق عمرو بن حماد به.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 562 عقب الأثر (2992) معلقا.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 93

بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: معناه: ولا يَأْبَ الشهداءُ أَن يُجيبوا إِذا دُعُوا لِيَشْهَدُوا على الكتابِ والحقوقِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} : كان الرجلُ يَطُوفُ في الحِواءِ

(1)

العظيمِ فيه القومُ، فيَدْعُوهم إلى الشهادةِ، فلا يَتْبَعُه أحدٌ منهم. قال: وكان قتادةُ يَتَأَوَّلُ هذه الآيةَ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . ليَشْهَدُوا لرجلٍ على رجلٍ

(2)

.

حدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: كان الرجلُ يَطُوفُ في القومِ الكثيرِ، يَدْعُوهم ليُشْهِدَهُم

(3)

، فلا يَتْبَعُه أحدٌ منهم، فأنْزَل الله عز وجل:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: لا تَأْبَ أَن تَشْهَدَ إِذا دُعِيت إلى شهادة

(5)

.

وقال آخرون بمثلِ معنى هؤلاءِ، إلا أنهم قالوا: إنما

(6)

يجِبُ فرضُ ذلك على مَن دُعِى للإشهادِ على الحقوقِ إذا لم يُوجَدْ غيرُه، فأما إذا وجِد غيرُه، فهو في الإجابةِ إلى

(1)

الحواء: بيوت مجتمعة من الناس على ماء، والجمع: أحوية. النهاية 1/ 465.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى عبد بن حميد.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"ليشهدوا".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 563 (3001) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 110.

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 94

ذلك مُخَيرٌ، إن شاء أجاب وإن شاء لم يُجِبْ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، قال:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: إن شاء شهدِ، وإن شاء لم يَشْهَدْ، فإذا لم يوجَدْ غيرُه شهِد

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ إذا ما دُعُوا للشهادةِ على مَن أراد الداعي إشهادَه عليه، وللقيامِ بما عندَه من الشهادةِ من الإجابةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن الحسنِ:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: قال الحسنُ: الإقامةُ والشهادةُ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} : كان الحسنُ يَقُولُ: جَمَعَت أمرين: لا تَأْبَ إِذا كانت عندَك شهادةٌ أن تَشْهَدَ، ولا تَأبَ إذا دُعيتَ إلى شهادةٍ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . يَعْنى: مَن احتيج إليه من المسلمين شهِد على شهادةٍ، أو

(3)

كانت عنده شهادةٌ

(4)

، فلا يَحِلُّ له أن

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 72 من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 563 (2999) من طريق جابر به

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 110.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"إن".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 95

يَأبى إذا ما دُعِى

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، عن يُونسَ، عن الحسنِ:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: لإقامتِها [ولابتدائِها]

(2)

، إذا دعَاه ليُشْهِدَه، وإذا دعاه ليُقيمها

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ إذا ما دُعُوا للقيامِ بالشهادةِ التي عندَهم للداعى، من إجابتِه إلى القيامِ بها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: إذا شهِد.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: إذا كانوا قد شهِدوا قبل ذلك

(4)

.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . يَقُولُ: إذا كانوا قد شهِدُوا

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 563 (3002)، والبيهقى 10/ 160 من طريق عبد الله بن صالح به.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ولا يبدأ بها"، وفى م:"ولا يبذأ بها"، وفى س:"ولا تبدأ بها".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 71 من طريق يونس به.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 73 من طريق ابن أبي نجيح به.

(5)

في الأصل، ص، م، ت 1:"أشهدوا".

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 73 عن وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 110 عن سفيان به.

ص: 96

حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: إذا كانت عندَك شهادةٌ فدُعيتَ

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: إذا كانت عندَك

(2)

شهادةٌ فأقِمْها، فإذا دُعيت لتَشْهَدَ، فإن شئْتَ فاذْهَبْ، وإِن شِئْتَ فلا تَذْهَبْ

(3)

.

حدثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاح، عن عمرانَ بن حُدَيرٍ

(4)

، قال: قُلْتُ لأبي مِجْلَرٍ: ناسٌ يَدْعُونَنى لأشْهَدَ بينَهم، وأنا أَكْرَهُ أَن أَشْهَدَ بينَهم؟ قال: دَعْ ما تَكْرَهُ، فإذا أُشْهِدْتَ

(5)

فأجِبْ إذا دُعِيت

(6)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: الشاهدُ بالخيارِ ما لم يُشْهَدْ

(7)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: لإقامةِ الشهادةِ

(8)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن أبي

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (462 - تفسير)، وابن أبي شيبة 7/ 70 عن ابن علية به، ولفظ ابن أبي شيبة: فقد دعيت.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 563 عقب الأثر (2999) معلقًا.

(4)

في ت 1، ت 2، ت 3، س:"جرير".

(5)

في م: "شهدت".

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 71، 72 من طريق عمران به.

(7)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 72 عن وكيع به وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 563 (3000) من طريق جابر به.

(8)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (460 - تفسير) عن هشيم به.

ص: 97

عامرٍ، عن عطاءٍ، قال: في إقامةِ الشهادةِ

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا أبو عامرٍ المزنيُّ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: ذلك في إقامةِ الشهادةِ. يعنى قولَه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} .

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا أبو حُرَّةً

(2)

، أخبرَنا عن الحسنِ أنه سأَله سائلٌ قال: أُدْعَى إلى الشهادةِ وأنا أكْرَهُ أن أَشْهَدَ عليها؟ قال: فلا تُحِبْ إِن شِئتَ

(3)

.

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةً، قال: سأَلتُ إبراهيم قلتُ: أُدْعَى إلى الشهادةِ وأنا أخافُ أن أنسى؟ قال: فلا تَشْهَدْ إن شِئْتَ

(4)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن عطاءٍ، قال: للإقامةِ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَريكٍ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: إذا كانوا قد شَهِدوا

(5)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بن نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: هو الذي عندَه

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (459 - تفسير) عن هشيم به.

(2)

في م، س:"مرة".

(3)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (465 - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15562) من طريق أبي حرة به.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15561)، وسعيد بن منصور في سننه (464 - تفسير) عن هشيم به.

(5)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (461 - تفسير) عن شريك به.

ص: 98

الشهادةُ

(1)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . يقولُ: لا يَأْبَ الشاهدُ أن يَتَقدمَ فَيَشْهَدَ إذا كان فارِغًا

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: هم الذين قد شهدوا. قال: ولا يَضُرُّ إنسانًا أن يأبى أن يَشْهَدَ إن شاء. قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ما شأنُه إِذا دُعِى أَن يَكْتُبَ وجَب عليه ألا يأبى، وإذا دُعِى أن يَشْهَدَ لم يَجِبْ عليه أن يشهد إن شاء؟ قال: كذلك يَجِبُ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ، ولا يَجِبُ على الشاهِدِ أَن يَشْهَدَ إِن شاء، الشهداءُ كثيرٌ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: إذا شهِد فلا يَأْبَ إِذا دعِى أَن يَأْتِيَ يُؤَدِّي شَهادتَه ويُقيمُها

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ} . قال: كان الحسنُ يتأوَّلُها: إذا كانت عنده شهادةٌ فدُعِى ليُقيمَها

(5)

.

حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} ، قال: إذا كتب الرجلُ شهادَتَه،

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 7/ 72، والبغوى في الجعديات (2181) من طريق شريك به.

(2)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 2/ 350 بنحوه.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15560) عن ابن جريج به مختصرًا.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 562 (2997) من طريق ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد، عن زيد بن أسلم بنحوه.

(5)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - 463) من طريق يونس، عن الحسن بنحوه.

ص: 99

أو أُشْهِدَ الرجلُ فشهِد، والكاتبُ الذي يَكْتُبُ الكتابَ، إذا دُعُوا إلى مقطعِ الحقِّ، فعليهم أن يُجيبوا، وأن يَشْهَدوا بما أُشْهدُوا عليه

(1)

.

وقال آخرون: هو أمرٌ مِن اللهِ عز وجل الرجلَ والمرأةَ بالإجابة إذا دُعِى ليَشْهَدَ على ما لم يُشْهَدْ عليه من الحقوقِ ابتداءً، لا لإقامةِ الشهادةِ، ولكنه أمرُ ندْبٍ لا فرضٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو العالية العبديُّ إسماعيلُ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ العوفيِّ في قولِه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . قال: أمِرت أن تَشْهَدَ، فإن شِئتَ فاشْهَدْ، وإن شئت فلا تَشْهَدْ.

حدَّثني أبو العاليةِ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، عن محمدِ بن ثابتٍ العبديِّ

(2)

، عن عطاءٍ بمثلِه

(3)

.

وأولى هذه الأقوالِ بالصواب قولُ مَن قال: معنى

(4)

ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ مِن الإجابةِ إذا دُعُوا لإقامةِ الشهادةِ وأدائِها عندَ ذى سلطانٍ أو حاكمٍ، يَأْخُذُ مِن الذي عليه ما عليه للذي هو له.

وإنما قُلْنا: هذا القولُ بالصوابِ أولى في ذلك مِن سائرِ الأقوالِ غيرِه؛ لأن الله تعالى ذكرُه قال: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . فإنما أمَرهم بالإجابةِ للدعاءِ

(1)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 2/ 350.

(2)

في النسخ: "العصرى". والمثبت من سنن سعيد بن منصور. وينظر تهذيب الكمال 24/ 554.

(3)

أخرجه سعيد بن منصور في سنته (458 - تفسير)، وابن أبي شيبة 7/ 72 من طريق محمد بن ثابت به.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 100

للشهادةِ، وقد ألزَمهم اسمَ الشهداءِ، وغيرُ جائزٍ أن يُلْزِمَهم اسمَ الشهداءِ إلا وقد اسْتُشهدوا قبلَ ذلك، فشهِدوا على ما لزِمَهم بشهادتِهم عليه اسمُ الشهداءِ، فأما قبلَ أن يُسْتَشْهَدُوا فيشهَدوا

(1)

[على شيءٍ]

(2)

، فغيرُ جائزٍ أن يُقَالَ لهم: شهداءُ، لأن ذلك الاسمَ لو كان يَلْزَمُهم ولمَّا يُسْتَشْهَدُوا على شيءٍ يَسْتَوجِبُون بشهادتِهم عليه هذا الاسمَ، لم يكنْ على الأرضِ أحدٌ له عقلٌ صحيحٌ إلا وهو مُسْتَحِقٌّ أن يُقالَ له

(3)

: شاهدٌ. بمعنَى أنه سيَشْهَدُ، أو أنه يَصْلُحُ لأنْ يَشْهَدَ، فَإِنْ كان خطأً أن يُسَمَّى بذلك الاسمِ إلا مَن عنده شهادةٌ لغيرِه، أو مَن قد قام بِشهادةٍ فلزِمه لذلك هذا الاسمُ، كان معلومًا أن المعنيَّ بقولِه:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} مَن وصَفْنا صفته، ممن قد اسْتُرعِىَ شهادةً أو شهِد فدُعِى إلى القيامِ بها؛ لأن الذي لم يُسْتَشْهَدْ ولم يُسْتَرعَ شهادةً قبلَ الإشهادِ، غيرُ مستحقٍّ اسمَ شهيدٍ ولا شاهدٍ؛ لما قد وصَفنا قبلُ.

مع أنّ في دخُولِ الألفِ واللامِ في {الشُّهَدَاءُ} دلالةً واضحةً على أنَّ المعْنِيَّ

(4)

بالنهيِ عن تركِ الإجابةِ للشهادةِ، أشخاصٌ معلُومُون قد عُرِفوا بالشهادةِ، وأنهم الذين أمَر اللهُ عز وجل أهلَ الحقوق باستشهادِهم بقولِه:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} . وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أنهم إنما أُمِرُوا بإجابةِ داعيهم لإقامةِ شهادتِهم بعدَ ما اسْتُشْهِدُوا فشَهِدوا، ولو كان ذلك أمرًا لمن اعْتُرِض مِن الناسِ، فدُعِى إلى الشهادةِ يَشْهَدُ

(5)

عليها، لقيل: ولا يَأْبَ شاهدٌ إذا ما دُعِى.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

في س: "قبل".

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"المسمى".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"فشهد".

ص: 101

غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن الذي نقولُ به في الذي يُدْعَى لِشهادةٍ يَشْهَدُ عليها إذا كان بموضعٍ ليس به سواه ممّن يَصْلُحُ للشهادةِ، فإن الفرضَ عليه إجابةُ داعِيه إليها، كما فَرْضٌ على الكاتبِ إذا اسْتُكتب بموضعٍ لا كاتبَ به سواه، ففَرْضٌ عليه أن يَكْتُبَ، كما فَرْضٌ على مَن كان بموضعٍ لا أحدَ به سواه يَعْرِفُ الإيمانَ وشرائعَ الإسلامِ، فحضَره جاهلٌ بالإيمان وبفرائضِ اللهِ، فسأله تعليمَه وبيانَ ذلك له أن يُعَلِّمَه وبيِّنَه له. ولم نُوجبْ ما أوجَبْنا على الرجلِ مِن الإجابةِ للشهادةِ إذا دُعى ابتداءً لِيَشهد على ما يُسْتَشهدُ

(1)

عليه بهذه الآيةِ، ولكن بأدلةٍ سواها، وهى ما ذكَرْنا. [وإنَّ]

(2)

فرضًا

(3)

على الرجلِ إحياءُ ما قدَر على إحيائِه من حقِّ أخيه المسلمِ.

والشهداءُ جمعُ شهيدٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ولا تَسْأموا أيّها الذين تُداينون الناسَ إلى أجلٍ أن تَكْتُبوا صغيرَ الحقِّ، يعْني قليلَه، أو كبيرَه، يَعْني: أو كثيرَه، {إِلَى أَجَلِهِ} ، يعنى

(4)

: إلى أجلِ الحقِّ، فإن الكتابَ أحْصَى

(5)

للأجلِ والمالِ.

كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شَريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} . قال: هو [الحَقُّ الذي بينَهما]

(6)

، الدَّينُ.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أشهد".

(2)

في م: "وقد".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"فرضنا".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.

(5)

في حاشية الأصل: "في الأم: إحصاء".

(6)

سقط من: م.

ص: 102

ومعنى قولِه: {وَلَا تَسْأَمُوا} : لا تَمَلُّوا. يقالُ منه: سئِمتُ فأنا أَسْأَمُ سآمةً وسَأْمةٌ، ومنه قولُ لَبيدٍ

(1)

:

ولقد سَئِمْتُ مِن الحياةِ وطُولِها

وسؤالِ هذا الناسِ: كيف لَبيدُ

يعْني: ملَلتُ.

وقولُ زهيرٍ

(2)

:

سَئِمْتُ تكاليف الحياة ومن يَعِشْ

ثمانينَ حَوْلًا

(3)

لا أبا لَكَ يَسْأَمِ

وقال بعضُ نحويِّى البصريين: تأويلُ قولِه: {إِلَى أَجَلِهِ} : إلى أجلِ الشاهِدِ. ومعْناه: إلى الأجلِ الذي لا

(4)

تجُوزُ شهادتُه فيه.

وقد بينَّا القولَ [في ذلك]

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} .

يعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {ذَلِكُمْ} : اكتتابُ كتابِ الدَّيْنِ إلى أجلِه. ويعنى بقولِه: {أَقْسَطُ} : أعدلُ عندَ اللهِ. يُقال منه: أقسَط الحاكمُ فهو يُقْسِطُ إقساطًا وهو مُقْسِطٌ. إذا عدَل في حكمِه، وأصاب الحقَّ فيه. فإذا جار، قيل: قسَط فهو يَقْسِطُ قُسوطا؛ ومنه قولُ اللهِ جل ثناؤُه: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15]. يعنى الجائرين.

(1)

ديوانه ص 35.

(2)

شرح ديوانه ص 29.

(3)

في ص، ت 1، س:"عاما".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3، س:"فيه" وينظر ما تقدم في ص 69 وما بعدها.

ص: 103

وبمثل ما قُلْنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله:{ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} . يقولُ: أعدلُ عندَ اللهِ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأصوبُ للشهادةِ. وأصلُه مِن قولِ القائلِ: أقمتُه مِن عِوَجه. إذا سوَّيتَه فاستوَى.

وإنما كان الكتابُ أعدلَ عندَ اللهِ، وأصوبَ لشهادةِ الشهودِ على ما فيه؛ لأنه يَحْوِى الألفاظَ التي أقرَّ بها البائعُ والمشترى وربُّ الدَّينِ، والمستدينُ على نفسِه، فلا يَقَعُ بين الشهودِ اختلافٌ في ألفاظِهم بِشهاداتِهم؛ لاجتماعِ شهاداتِهم على ما حواه الكتابُ، وإذا اجتمَعت شهاداتُهم على ذلك، كان فصلُ الحكمِ بينَهم أبْيَن لمن احْتُكِم إليه مِن الحكامِ، مع غيرِ ذلك مِن الأسبابِ، وهو أعدلُ عندَ اللهِ؛ لأنه قد أمرَ، به، واتباعُ أمرِ اللهِ لا شكَّ أنه عندَ اللهِ أقسطُ وأعدلُ مِن تركِه والانحرافِ عنه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} .

يعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {وَأَدْنَى} : وأقربُ، من الدُّنُوِّ وهو القربُ.

ويَعْنى بقولِه: {أَلَّا تَرْتَابُوا} : مِن ألا تَشُكُّوا في الشهادةِ.

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ذلك {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} . يقولُ: ألا تشكُّوا في الشهادةِ

(2)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 564 (3007) من طريق عمرو به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 565 عقب الأثر (3012) من طريق عمرو بن حماد به.

ص: 104

وهو "تفتعلوا"

(1)

من الرِّيبةِ.

ومعنى الكلامِ: ولا تمَلُّوا أيُّها القومُ أن تَكْتُبوا الحقَّ الذي لكم قِبَلَ مَن دايَنتُموه مِن الناسِ إلى أجلٍ، صغيرًا كان ذلك الحقُّ [أو كبيرًا]

(2)

، فإن كتابَكم ذلك أعدلُ عندَ اللهِ، وأصوبُ لشهادةِ شهودِكم عليه، وأقربُ لكم ألا تشكُّوا فيما يشهدُ به شهودُكم عليكم مِن الحقِّ والأجلِ إذا كان مكتوبًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ [تِجَارَةً حَاضِرَةً]

(3)

تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا}.

ثم استثنى جلَّ ثناؤه مما نهاهم أن يَسْأَموه من اكتتابِ كتبِ حقوقِهم على غرمائِهم من الحقوقِ التي لهم عليهم، ما وجَب لهم قِبَلَهم من حقٍّ، عن مبايعةٍ بالنقودِ الحاضرةِ يدًا بيدٍ، فرخَّص لهم في تركِ اكتتابِ الكتبِ بذلك؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم، أعنى مِن الباعةِ والمشترين، يَقْبِضُ إذا كان التواجبُ بينهم فيما تبايعوه

(4)

نقدًا

(5)

، ما وجَب له قِبَلَ مُبايعيه قبلَ المفارقةِ، فلا حاجةَ بهم في ذلك إلى اكْتِتابِ أحدِ الفريقَين على الفريقِ الآخرِ كتابًا بما وجَب لهم قِبلَهم، وقد تقابَضوا الواجبَ لهم عليهم، فلذلك قال تعالى ذكرُه:{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} . لا أجلَ فيها ولا تأخيرَ ولا ثُنيا

(6)

، {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا}. يقولُ: فلا حرجَ عليكم ألا تَكْتُبوها. يعنى التجارةَ الحاضرةَ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.

(1)

في ص، س:"تفعيل"، وفى م:"تفتعل".

(2)

في الأصل، ص، م، ت 1، ت 2 ت 3:"قليلًا أو كثيرًا"، وكتب مقابله في حاشية الأصل:"كبيرًا".

(3)

ضبطها في الأصل: "تجارةُ حاضرةٌ". بالرفع، وهى القراءة التي اختارها المصنف كما سيأتي.

(4)

في ص، م، ت 2، ت 3:"يتبايعونه"، وفى ت 1، س:"يبايعونه".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3 س:"بعد".

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت:"نساء"، وفى س:"شيا".

ص: 105

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه:{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} . يقولُ: معكم بالبلدِ تديرونها

(1)

، فتأخُذُ وتُعطِى، فليس على هؤلاء جناحٌ ألا يَكْتُبوها

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ:{وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} إلى قولِه: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} . قال: أَمَر اللهُ أَلا تَسْأَموا أن تَكْتُبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجلِه، وأمَر ما كان يدًا بيد أن يُشْهدَ عليه؛ صغيرًا كان أو كبيرًا، ورخَّص لهم ألا يَكْتُبوه

(3)

.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته قرأةُ الحجازِ والعراقِ وعامةُ القرأةِ: (إلا أن تَكُونَ تجارَةٌ حَاضِرَةٌ) بالرفعِ

(4)

. وانْفَرد بعضُ قرأةِ الكوفيين بقراءتِه

(5)

بالنصبِ، [فقرأ:{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً} ]

(6)

. وذلك وإن كان جائزًا في العربيةِ، إذ كانت العربُ تَنْصِبُ النكراتِ المَنْعوتاتِ

(7)

مع "كان"، وتُضْمِرُ معها في "كان" مجهولًا، فتقولُ: إن كان طعامًا طيبًا فأتِنا به. وتَرْفَعُها فتَقولُ: إن كان طعامٌ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2 ت 3:"ترونها".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 565 (3015) من طريق عمرو به مختصرا.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 566 عقب الأثر (3020) معلقًا.

(4)

زيادة من: م.

وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 194.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3 "فقرأته"، وفى م:"فقرأه".

(6)

سقط من: م، س.

وقراءة النصب هي قراءة عاصم. المصدر السابق.

(7)

في ص: "المبعوثان"، وفى م، ت 2:"والمنعوتات"، وفى س:"المتبوعات".

ص: 106

طيبٌ فأْتِنا به. فتُتْبِعُ النكرةَ خبرَها بمثلِ إعرابِها - فإن الذي أخْتارُ من القراءةِ، ثم لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بغيرِه، الرفعُ في "التجارة الحاضرة"؛ لإجماع القرأةِ على ذلك، وشذوذِ مَن قرَأ ذلك نَصْبًا عنهم، ولا يُعْتَرَضُ بالشاذِّ على الحُجَّةِ

(1)

. ومما جاء نصبًا

(2)

قولُ الشاعرِ

(3)

:

أعَينيَّ هَلَّا تَبْكيانِ عِفَاقَا

(4)

إذا كان طَعْنًا بينَهم وعِنَاقا

وقولُ الآخرِ

(5)

:

وللَّهِ قَومى أَيُّ قَوْمِ لِحُرَّةٍ

إذا كان يَوْمًا ذا كواكبَ أَشْنَعا

وإنما تَفْعَلُ العرب ذلك في النكراتِ؛ لما وصَفْنا من إتْباعِ أخبارِ النكِراتِ أسماءها، و"كان" من حكمِها أن يَكونَ معها مرفوعٌ ومنصوبٌ، فإذا رفَعوهما جميعًا

(6)

تذَكَّروا إتْباعَ النكرةِ خبرَها، وإذا نصبوها

(7)

تذكَّروا صُحبة "كان" مرفوعٍ ومنصوبٍ، ووجَدوا النكرةَ يَتْبَعُها خبرُها، فنصَبوا النكرةَ وأتبعوها خبرها]

(8)

، وأضْمَروا في "كان" مجهولًا؛ لاحتمالها الضميرَ.

(1)

قراءة النصب متواترة كقراءة الرفع.

وقد قال أبو جعفر النحاس: السلامة عند أهل الدين أنه إذا صحت القراءتان عن الجماعة ألا يقال: أحدهما أجود؛ لأنهما جميعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيأثم من قال ذلك، وكان رؤساء الصحابة رضي الله عنهم ينكرون مثل هذا. البرهان للزركشى 1/ 340.

(2)

بعده في ص: "في ذلك".

(3)

معاني القرآن للفراء 1/ 186.

(4)

عفاق: اسم رجل أكلته باهلة في قحط أصابهم. اللسان (ع ف ق).

(5)

معاني القرآن للفراء 1/ 186، ونسبه سيبويه في الكتاب 1/ 47 إلى عمرو بن شأس، ورواية الشطر الأول مختلفة عما هنا، ونسبه في اللسان (ك و ن) إلى مقاس العائذى باختلاف أيضًا في الشطر الأول، والشطر الثاني بالرفع.

(6)

في ص: "جميعها"، وفى م:"جميعهما".

(7)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"نصبوهما"

(8)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 107

وقد ظنَّ بعضُ الناسِ أن مَن قرَأ ذلك: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً} . إنما قرَأه على معنَى: إلا أن يَكونَ الدَّيْنُ

(1)

تجارةً حاضرةً. فزعَم أنه كان يَلْزَمُ قارئ ذلك أن يَقْرأ: يكون بالياءِ، وأغْفَل موضعَ صوابِ قراءتِه مِن جهةِ الإعرابِ، وألْزَمه غيرَ ما يَلْزَمُه. وذلك أن العربَ إذا ذكروا

(2)

مع "كان" نكرةً مؤنثًا بنعتِها أو خبرِها، أنَّثوا "كان" مرةً، وذكَّروها أخرى، فقالوا: إن كانت جاريةٌ صغيرةٌ فاشترُوها، وإن كان جاريةٌ صغيرةٌ فاشْتَرُوها، [وإن كانت جاريةً صغيرةً فاشترُوها، وإن كان جاريةً صغيرةً فاشترُوها]

(3)

. تُذَكَّرُ "كان" - وإن نُصبت النكرةُ المنعوتةُ أو رُفِعت - أحيانا، وتُؤنَّثُ أحيانا.

وقد زعم بعضُ نحويى البصرةِ أن قولَه: (إلا أنْ تَكونَ تجارَةٌ حاضرةٌ). مرفوعةٌ فيه التِّجارةُ الحاضِرةُ لأنَّ "تكون" بمعنى التَّمامِ، ولا حَاجةَ بها إلى الخَبرِ، بمعنى: إلا أن تُوجد أو تقع أو تحدُثَ. فألزَم نفسه ما لم يكنْ لها لازمًا؛ لأنه إنما ألزَم نفسَه ذلك، إذ لم يكنْ يجدُ لـ "كان" منصُوبًا، ووجَد التجارةَ الحاضرةَ مرفُوعةً، وأغفَلَ جَوازَ قولِه:{تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} أن يكون خبرًا لـ"كان"، فيسْتَغْنى بذلك عن إلزام نفسه ما ألزم.

والذي قال مَن حَكَيْنا قولَه من البصريين غيرُ خطأ في العربيَّةِ، غير أنَّ الذي قلناه بكلامِ العرب أشبهُ، وفى المعنى أصَحُّ، وهو أن يكونَ في قولِه:{تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} . وجهان؛ أحدُهما، [أنه في موضع نصبٍ على]

(4)

أنه حَلَّ محلَّ خبرِ "كان"، والتجارةُ الحاضرةُ اسمُها. والآخرُ، أنه في موضعِ رَفْعٍ على إتْباعِ التجارةِ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"جعلوا".

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(4)

سقط من: الأصل.

ص: 108

الحاضرةِ؛ لأنَّ خبرَ النكرةِ يتبعُها، فيكونُ تأويلُه: إلا أن تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ دائرةٌ بينكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} .

يعنى بذلك جل ثناؤه: وأشْهِدوا على صغيرِ ما تَبايَعْتُم وكبيرِه مِن حقوقِكم؛ عاجلِ ذلك وآجلِه، ونقدِه ونَسائِه، فإنّ إرْخاصى لكم في تركِ اكْتِتابِ الكتبِ بينَكم، فيما كان مِن حقوقٍ تَجْرِى بينكم لبعضِكم مِن قِبَلِ بعضٍ، عن تجارةٍ حاضرةٍ دائرةٍ بينَكم يدًا بيد ونقدًا، ليس بإرخاصٍ منى لكم في تركِ الإشهادِ منكم على مَن بِعْتُموه شيئًا، أو ابْتَعْتُم منه؛ لأن في تركِكم الإشهادَ على ذلك خوفَ المَضَرَّةِ على كلا الفريقَين؛ أما ما على المُشْتَرى فأن يَجْحَد البائعُ البيعَ، وله بينةٌ على مُلْكِه ما قد باع، ولا بينةَ للمشترِى منه على الشراءِ منه، فيكونَ القولُ حينئذٍ قولَ البائعِ مع يمينِه ويُقْضَى له به، فيَذْهَبَ مالُ المشترِى باطلًا. وأما ما على البائعِ يَجْحَدَ المشترِى الشراءَ، وقد زال ملكُ البائعِ عما باع، ووجَب له قِبَلَ المُبتاعِ ثمنَ ما باع، فيُحْلِفَ على ذلك، ويبْطُلَ حقُّ البائعِ قِبَلَ المشترِى مِن ثمنِ ما باعه، فأمَر اللهُ عز وجل الفريقَين بالإشهادِ؛ لئلا يَضِيعَ حقٌّ أحدِ الفريقين قِبَلَ الفريقِ الآخرِ.

ثم اخْتَلَفوا في معنى قولِه: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} . أهو أمرٌ مِنَ اللهِ واجبٌ بالإشهادِ عندَ المُبايَعةِ أم هو ندبٌ؟ فقال بعضُهم: هو ندبٌ، إن شاء أَشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ، وسفيانَ

(1)

، عن رجلٍ، عن الشعبيِّ في قولِه:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} . قالا

(2)

: إِن شَاء أَشْهَد،

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"شقيق".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"قال".

ص: 109

وإن شاء لم يُشْهِدْ، ألم تَسْمَعْ إلى قولِه:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}

(1)

؟

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا الربيعُ بنُ صبيحٍ، قال: قلتُ للحسنِ: أرأَيْتَ قولَ اللهِ عز وجل: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ؟ قال: إن أشْهَدْتَ عليه فهو ثقةٌ للذى لك، وإن لم تُشْهد عليه فلا بأسَ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنا ابن المباركِ، عن الربيعِ بن صبيحٍ، قال: قلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، قولُ اللهِ عز وجل:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} . قلتُ: أبيعُ الرجلَ بنَقْدٍ

(2)

، وأنا أَعْلَمُ أنه لا يَنْقُدُنى

(3)

شهرين ولا ثلاثةً، أتَرَى بأسًا ألا أُشْهِدَ عليه؟ قال: إن أشْهَدْتَ فهو ثقةٌ للذى لك، وإن لم تُشْهِدْ فلا بأسَ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن داودَ، عن الشعبيِّ:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} . قال: إن شاءوا أَشْهَدوا، وإن شاءوا لم يُشْهِدوا.

وقال آخَرون: الإشهادُ على ذلك واجبٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، [قال: ثنا إسحاقُ]

(4)

، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا

(1)

ينظر ما تقدم في ص 95، 97.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

في م: "ينقد"، وفى س:"ينفذ".

(4)

سقط من: الأصل.

ص: 110

تَكْتُبُوهَا}: ولكن أشْهِدوا عليها إذا تَبايَعْتُم، أمرَ اللهُ ما كان يدًا بيدٍ أن تُشْهدَ

(1)

عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا

(2)

.

حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ، قال: ما كان مِن بيعٍ حاضرٍ، فإن شاء أشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ، وما كان مِن بيعٍ إلى أجَلٍ، فأمَر اللهُ تبارك وتعالى أن يُكْتَبَ وأَن يُشْهدَ عليه، وذلك في المُقامِ.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن الإشهادَ على كلِّ مَبيعٍ ومُشْتَرى حقٌّ واجبٌ، وفرضٌ لازمٌ؛ لِمَا قد بَيَّنَّا مِن أن كلَّ أمرٍ للهِ ففرضٌ، إلا ما قامَت حُجَّتُه مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له بأنه ندبٌ أو إرشادٌ.

وقد دلَّلْنا على وَهْي

(3)

قولِ مَن قال: إنه منسوخٌ بقولِه: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} . فيما مضَى، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} .

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك نَهىٌ مِنَ اللهِ الكاتبَ الكتابَ بين أهلِ الحقوقِ وشهيدَه أن يُضارَّ أهلَه، فيَكْتُبَ هذا ما لم يُملِله المُمِلُّ، ويَشْهَدَ هذا بما لم يَسْتَشْهِده المستَشْهِدُ

(5)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعمرٌ، عن ابن

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يشهد"، وفى م:"يشهدوا".

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 566 عقب الأثر (3020) معلقا.

(3)

سقط من: م، ت 2، ت 3، وفى ص، ت 1:"وهاء".

(4)

ينظر ما تقدم في ص 73 - 81.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"الشهيد".

ص: 111

طاوسٍ، عن أبيه في قولِه:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} : لا يُضَارُ كاتبٌ فيَكْتُب ما لم يُمَلَّ عليه، ولا شهيدٌ بما لم يُسْتَشْهَدْ

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةً، عن يونُسَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ} فَيَزِيدَ شيئًا أو يُحَرِّفَ، {وَلَا شَهِيدٌ} قال: لا يَكْتُمِ الشهادةَ، ولا يَشْهَدْ إلا بحقٍّ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: حدَّثنا سعيدٌ]

(3)

، عن قَتادةَ، قال: اتَّقَى الله شاهدٌ في شهادتِه، لا يَنْقُصْ منها حقًّا، ولا يَرِدْ

(4)

فيها باطلًا، اتَّقَى الله كاتبٌ في كتابِه، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يَزِيدَنَّ فيه باطلًا

(5)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . قال: لا يُضارَّ كاتبٌ فيَكْتُبَ ما لم يُملَل عليه، ولا شَهِيدٌ فيَشْهَدَ بما لم يَشْهَدْ

(6)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ نحوه.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 1/ 352.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 (3023) من طريق ابن علية به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 2، ت 3، س.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 3:"يزيد".

(5)

أخرجه البيهقى 10/ 161 من طريق سعيد به نحوه.

(6)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يستشهد".

والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 110، وفي مصنفه (15563)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 (3026).

ص: 112

يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. قال: لا يُضارَّ كاتبٌ فيَكْتُبَ غيرَ الذي أُمْليَ عليه. قال: والكتَّابُ يومَئذٍ قليلٌ، ولا يَدْرُون أيَّ شيءٍ يُكْتَبُ، فيُضَارَّ فيَكْتُبَ غيرَ الذي أُمْلِي عليه فيُبطِلَ حقَّهم. قال: والشهيدُ يُضَارُ فَيُحَوِّلُ شهادتَه، فيُبْطِلُ حقَّهم

(1)

.

فأصلُ الكلمةِ على تأويلِ من ذكَرْنا قولَه مِن هؤلاءِ: ولا يُضارِرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ. ثم أُدْغِمَت الراءُ في الراءِ؛ لأنهما من جنسٍ، وحُرِّكَت إلى الفتحِ، وموضعُها جزمٌ؛ لأن الفتحَ أخفُّ الحركاتِ.

وقال آخرون ممَّن تأوَّل هذه الكلمةَ هذا التأويلَ: معنى ذلك: ولا يُضَارِرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ، بالامتناعِ على مَن دعاهما إلى أداءِ ما عندَهما مِن العلمِ والشهادةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . يقولُ: أن يُؤَدِّيا ما قِبْلَهما

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} قال: لا يُضارًا أن يُؤَدِّيا ما عندهما مِن العلمِ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أَخْبَرَنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا

(1)

ذكره الطوسى في التبيان 2/ 376، وابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 298 عن ابن زيد بنحوه.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 111 ومصنفه (15564)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 (3024) عن الحسن به.

ص: 113

شَهِيدٌ}. قال: أن يَدْعُوَهما فيقولا: إن لنا حاجةً

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . قالا: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ، {وَلَا شَهِيدٌ}. قالا: إذا كان قد شهِد قِبَلَهُ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يُضَارَّ المُسْتَكْتِبُ والمُسْتَشْهدُ الكاتبَ والشهيدَ.

وتأويلُ الكلمةِ على مذهبِهم: ولا يُضارَرْ. على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: كان عمرُ يَقْرَأُ: (ولا يُضارَرْ

(3)

كاتب ولا شهيدٌ)

(4)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أَخْبَرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ، قال: كان ابن مسعودٍ يَقْرَأُ: (ولا يُضارَرْ)

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقرؤُها:(ولا يُضارَرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ)

(6)

. وأنه كان يقولُ في تأويلِها: يَنْطَلِقُ الذي له الحقُّ، فَيَدْعُو

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 657 (3022)، والبيهقي 10/ 160 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

مصنف عبد الرزاق (15560).

(3)

في ت 2، س:"يضار".

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 111، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (466 - تفسير)، والبيهقى 10/ 161 من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى سفيان وعبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى المصنف. وينظر البحر المحيط 2/ 354.

(6)

وهى شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة. النشر 2/ 227، 228.

ص: 114

كاتبَه وشاهدَه إلى أن يَشْهَدَ، ولعله أن يَكونَ في شُغْلٍ أو حاجةٍ؛ لِيُؤَثِّمَه إن ترَك ذلك حينَئذٍ لشغلِه وحاجتِه. وقال مجاهدٌ: لا يُقَمْ عن شغلِه وحاجتِه، فيَجِدَ في نفسِه أو يحرجَ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} : والضِّرارُ أن يقولَ الرجلُ للرجلِ وهو عنه غنيٌّ: إن الله قد أمَرَك أَلا تَأبى إذا ما دُعِيتَ. فَيُضَارَّه بذلك، وهو مُكْتَفٍ بغيرِه، فنهاه اللهُ عز وجل عن ذلك وقال:{وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . يقولُ: إنه يكون للكاتبِ أو الشاهدِ حاجةٌ ليس منها بُدٌّ، فيقولُ: خَلُّوا سبيلَه.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ، عن عكرمةَ في قوله:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . قال: تكونُ به العِلَّةُ، أو يكونُ مَشْغُولًا، يقولُ: فلا يُضارَّه

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . يقولُ: لا تأتِ الرجلَ فتقولَ: انْطَلِق فاكتُبْ لى، واشْهَدْ لى. فيَقولُ: إن لى حاجةً فالتَمِسْ غيرى.

(1)

أخرجه البيهقى 10/ 161 من طريق ابن جريج، عن مجاهد.

(2)

أخرجه البيهقى 10/ 160 من طريق عبد الله بن صالح به.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 عقب الأثر (3022) معلقًا.

ص: 115

فيقولُ: اتقِ الله، فإنك قد أمِرتَ أن تَكْتُبَ لى. فهذه المضارَّةُ، ويَقُولُ: دَعْه والْتَمِسْ غيرَه، والشاهدُ بتلك المنزلةِ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . يقولُ: يَدْعُو الرجلُ الكاتبَ أو الشهيدَ، فيَقُولُ الكاتبُ أو الشهيدُ: إن لنا حاجةً. فَيَقُولُ الذي يَدْعُوهما: إن الله عزَّ ذكرُه أمَرَكما أن تُجيبَا في الكتابةِ والشهادةِ. يقولُ اللهُ جل ثناؤُه: لا يضارَّهما

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ في قولِه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} : هو الرجلُ يَدْعو الكاتبَ والشاهدَ وهما على حاجةٍ مهمةٍ، فيَقُولان: إِنَّا على حاجةٍ مهمةٍ فاطْلُبْ غيرَنا. فيَقُولُ: [واللهِ لقد أمَركما اللهُ أن تُجِيبا]

(2)

. فأمَره أن يَطْلُبَ غيرَهما ولا يُضارَّهما، يَعْنى: ولا يَشْغَلهما عن حاجتِهما المهمةِ وهو يَجِدُ غيرَهما

(3)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . يقولُ: ليس يَنْبَغِى أَن تَعْتَرِضَ رجلًا له حاجةٌ فتُضارَّه، فتقولَ له: اكْتُبْ لى. فلا تتْرُكُه حتى يكتبَ لك، وتُفَوِّته حاجتَه، ولا شاهدًا مِن شهودِك وهو مشغولٌ، فتَقُولُ: اذْهَبْ فَاشْهَدْ لى. فتحبِسُه عن حاجتِه وأنت تَحِدُ غيرَه

(4)

.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 عقب الأثر (3022) معلقًا.

(2)

في م: "الله أمركما أن تجيبا".

(3)

في الأصل: "غيرها".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 عقب الأثر (3022) من طريق عمرو بن حماد به.

ص: 116

حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . قال: لما نزَلت: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} . كان أحدُهم يَجِيءُ إلى الكاتب فيَقُولُ: اكْتُبْ لي. فَيَقُولُ: إنى مَشْغولٌ، أو: لى حاجةٌ، فَانْطَلِقُ إلى غيرى. فيَلْزَمُه ويقول: إنك قد أمرت أن تَكْتُبَ لى. فلا يَدَعُه، ويُضَارُّه بذلك وهو يَجِدُ غيرَه، ويأتى الرجلُ فيقولُ: انْطَلِقْ معى فأُشْهِدَك

(1)

. فيقولُ: انطلقْ إلى غيرِى، فإني مَشْغولٌ، أو: لى حَاجةٌ. فيَلْزَمُه ويَقُولُ: قد أمِرتَ أن تتَّبِعَني. فيُضَارُّه بذلك وهو يَجِدُ غيرَه، فأنزَل اللَّهُ عز وجل:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرَنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . يقولُ: إِنَّ لى حاجةً فدَعْنى. فيَقُولُ: لا

(3)

، اكْتُبْ لى. ولا شهيدٌ كذلك

(4)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا يضارَرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ. بمعنى: ولا يُضَارِرُهما مَن استَكْتَب هذا أو استشهَد هذا؛ بأن يأبى على هذا إلا أن يَكْتُبَ له وهو مشغولٌ بأمرِ نفسِه، ويَأبى على هذا إلا أن يُجِيبَه إلى الشهادةِ، وهو غيرُ فارغٍ، على ما قاله قائلو ذلك، من القول الذي قد ذكَرناه قبلُ.

وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ من غيرِه؛ لأن الخطابَ مِن اللَّهِ عز وجل في هذه الآيةِ مِن مُبْتَدئِها إلى انقضائِها على وجهِ: افعَلوا أو لا تفعَلوا. وإنما هو

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 567 عقب الأثر (3022) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى المصنف.

(3)

سقط من: م.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 111، وفي مصنفه (15563) عن معمر بنحوه مختصرًا.

ص: 117

خطابٌ به لأهلِ الحقوقِ، والمكتوبِ بينَهم الكتابُ، والمشهودِ لهم أو عليهم بالذي تَدايَنوه بينَهم مِن الدُّيونِ. فأمَّا ما كان مِن أمرٍ أو نهيٍ فيها لغيرِهم، فإنما هو على وجهِ الأمرِ والنهيِ للغائبِ غيرِ المخاطَبِ كقولِه:{وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ} . وكقولِه: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} . وما أشبَهَ ذلك. فالواجبُ إذ كان المأمورون فيها مخاطَبين بقولِه: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} . [أن يكونَ بالرَّد على قولِه: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. ولا تضارُّوا كاتبًا ولا شهيدًا، {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}]

(1)

. أشبَهُ منه بأن يَكُونَ مردودًا على الكاتبِ والشهيدِ. ومع ذلك أن الكاتبَ والشهيدَ لو كانا هما المنهييْن عن الضِّرارِ لقيل: وإن يفعلا فإنه فسوقٌ بهما؛ لأنهما اثنان، وأنهما غيرُ مخاطَبَين بقوله:{وَلَا يُضَارَّ} . بل النهيُ بقوله: {وَلَا يُضَارَّ} . نهىٌ للغائبِ غيرِ المخاطَبِ. فتوجيهُ الكلامِ إلى ما كان نظيرًا لما في سياقِ الآيةِ، أولى من توجيهِه إلى ما كان مُنْعَدِلًا عنه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} .

يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: وإن تُضارُّوا الكاتبَ أو الشاهدَ، وما نُهِيتم عنه مِن ذلك، {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}. يعنى: إثمٌ بكم ومعصيةٌ.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه بنحوِ الذي قلنا فيه.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:{وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} . يقولُ: إِن تَفْعَلُوا غيرَ الذي

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 118

آمرُكم به، فإنه فُسوقٌ بكم

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ:{وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} : والفسوقُ المعصيةُ

(2)

.

حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:{وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} : والفسوقُ العصيانُ

(3)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يُضَارَّ كاتبٌ فيكتبَ غيرَ الذي أمْلَى المُمْلِي، ويضارَّ شهيدٌ، فيحوِّلَ شهادتَه ويُغَيِّرَها، {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ}. يَعْنى: فإنه كَذِبٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} : الفسوقُ الكذبُ. قال: هذا فسوقٌ؛ لأنه كذَب الكاتبُ

(4)

فحوَّل كتابَه فكذَب، وكذَب الشاهدُ فحوَّل شهادتَه، فأخبَرهم اللَّهُ عز وجل أنه كذِبٌ.

وقد دلَّلنا فيما مضَى على أن المعنيَّ بقولِه: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} . إنما معناه: [لا يُضارَّهما]

(5)

المستكتِبُ والمستشهِدُ - بما فيه الكفايةُ. فقولُه: {وَإِنْ تَفْعَلُوا} . إنما هو إخبارٌ منه جل ثناؤه مُضَارَّهما بحكمِه فيهما، وأنه بضرَارِهما قد

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 372 إلى المصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 568 (3029)، والبيهقي 10/ 160 من طريق أبي صالح به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 568 عقب الأثر (3029) من طريق ابن أبي جعفر به.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت، س:"الكاذب".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت، س:"يضرهما".

ص: 119

عصى ربَّه وأثِم به، وركِب ما لا يَحِلُّ له، وخرَج عن طاعةِ ربِّه في ذلك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)} .

يعنى جل ثناؤُه بقولِه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} : وخافوا اللَّهَ أيها المتداينون في الكتّابِ والشهودِ أن تُضارُّوهم، وفى غيرِ ذلك من حدودِه أن تُضَيِّعوها.

ويعنى بقولِه: {وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} : ويُبَيِّنُ اللَّهُ لكم الواجب لكم وعليكم فاعمَلوا به، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. يعنى: مِن أعمالِكم وغيرِها، يُحْصيها عليكم فيجَازِيكم بها.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ قولَه:{وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} . قال: هذا تعليمٌ علَّمكُموه فخُذوا به.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .

اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته القرأةُ في الأمصارِ جميعًا: {وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا} . بمعنى: ولم تَجِدُوا مَن يَكْتُبُ لكم كتابَ الدينِ الذي تَدايَنتُموه إلى أجلٍ مسمًّى، {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} .

وقرَأه جماعةٌ من المتقدِّمين: (ولم تَجِدُوا كِتَابًا)

(1)

. بمعنى: ولم يَكُنْ لكم إلى

(1)

في الأصل، ت 2:"كاتبا". والمثبت قراءة أُبيّ وابن عباس ومجاهد وأبي العالية - كما سيذكر المصنف - وقرأ ابن عباس أيضًا: "كُتّابًا" وهى شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة. وينظر البحر المحيط 2/ 355.

ص: 120

اكتِتابِ كتابِ الدَّينِ سبيلٌ؛ إما بتَعَذُّرِ الدَّواةِ والصحيفةِ، وإما بتَعَذُّرِ الكاتبِ وإن وجَدتم الدواةَ والصحيفةَ.

والقراءةُ التي لا يَجُوزُ غيرُها عندَنا هي قراءةُ قرأةِ الأمصارِ: {وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا} . بمعنى: مَن يَكْتُبُ؛ لأن ذلك كذلك في مصاحفِ المسلمين، [وغيرُ جائزَةٍ القراءةُ بغيرِ ما في مصاحفِ المسلمين مُثْبَتٌ من القراءاتِ.

فإذا كان ذلك كذلك فتأويلُ الكلامِ]

(1)

: وإن كنتم أيُّها المُدَاينون

(2)

في سفرٍ بحيثُ لا تَجِدُون كاتبًا يَكْتُبُ لكم، ولم يكنْ لكم إلى اكتتابِ كتابِ الدينِ الذي تَدايَنْتُموه إلى أجلٍ مسمًى بينَكم، الذي أمَرتُكم باكتتابِه والإشهادِ عليه - سبيلٌ، فارتهِنوا بدُيونِكم التي تَدايَنتُموها إلى الأجلِ المسمَّى رُهونًا تَقْبِضُونها ممن تُدايِنونه كذلك؛ ليكونَ ثقةً لكم بأموالِكم.

‌ذكرُ مَن قال ما قُلْنا في ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاك قولَه:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} : فمن كان على سفرٍ فبايَع بيعًا إلى أجلٍ فلم يَجِدْ كاتبًا، فرُخِّص له في الرهان المقبوضةِ، وليس له إن وجَد كاتبًا أَن يَرْتَهِنَ

(3)

.

حُدِّثتُ عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا} . يقولُ: كاتبًا يَكْتُبُ لكم، {فَرِهَانٌ

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت، ت، س.

(2)

في م: "المتداينون".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 569 (3039) من طريق جويبر به بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 373 إلى المصنف.

ص: 121

مَقْبُوضَةٌ}.

حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيد، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، قال: ما كان مِن بيعٍ إلى أجلٍ، فأمَر اللَّهُ عز وجل أن يُكْتَبَ ويُشْهَدَ عليه، وذلك في المُقامِ، فإن كان القومُ على سفرٍ فبايعوا إلى أجلٍ فلم يَجِدوا كاتبًا

(1)

، فرهانٌ مقبوضةٌ.

‌ذكرُ مَن تأوَّل ذلك على القراءةِ الأُخرَى

(1)

التي التي حكَيناها

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا يزيدُ بنُ أَبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ:(فإن لم تَجِدُوا كتابًا): يعنى بالكتابِ الكاتبَ والصحيفةَ والدواةَ والقلمَ

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، قال: أخبَرني أبي، عن ابن عباس أنه قرَأ:(فإن لم تَجِدوا كتابًا). قال: ربما وجَد الرجلُ الصحيفةَ ولم يَجِدْ كاتبًا

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا ابنَ أبي نجيحٍ، أن مجاهدًا كان يَقْرَؤُها:(فإن لم تَجِدُوا كتابًا). ويقولُ: ربما وُجِد الكُتَّابُ

(4)

ولم تُوجَدِ الصحيفةُ والمدادُ. ونحو هذا مِن القولِ

(5)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت، س.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (468 - تفسير) عن هشيم به.

(3)

ينظر فضائل القرآن لأبي عبيد ص 167.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت:"الكاتب"، وفى س:"المكاتب".

(5)

أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 167 عن ابن علية به.

ص: 122

مجاهدٍ: (وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كتابًا) يقولُ: مِدادًا. يَقْرَؤُها كذلك، يقولُ: فإن لم تَجِدوا مِدادًا، فعند ذلك تكونُ الرُّهونُ المقبوضةُ. (فرُهُنٌ

(1)

مقبوضةٌ). قال: لا تَكُونُ الرُّهُنُ إلا في السَّفَرِ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ

(3)

، عن شعيبِ بن الحُبَّحابِ، أن أبا العاليةِ كان يَقْرَؤُها:(فإن لم تَجِدُوا كتابًا). قال أبو العاليةِ: قد تُوجَدُ الدواةُ ولا تُوجَدُ الصحيفةُ، [وربما وُجد الكاتبُ ولا توجدُ الصحيفةُ]

(4)

.

واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الحجاز والعراقِ: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}

(5)

. بمعنى جِماعِ رَهْنٍ، كما الكِبَاشُ جمعُ كَبْشٍ، والبِغالُ جمعُ بَغْلٍ، والنِّعالُ جمعُ نَعلٍ.

وقرَأ ذلك جماعةٌ آخرون: (فَرُهُنٌ مقبوضة)

(6)

. على معنى جَمع رِهانٍ، ورُهُنٌ جمعُ الجمعِ. وقد وجَّهه بعضُهم إلى أنها جمعُ رَهْنٍ، مثلُ سَقْفٍ وسقُفٍ.

وقرَأه آخرون: (فَرُهْنٌ). مخففةُ الهاءِ، على معنى جِماع رَهْنٍ، كما يُجْمَعُ السَّقْفُ سُقْفًا. قالوا: ولا نَعْلَمُ اسمًا على فَعْلٍ يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ وفُعْلٍ، إِلا الرُّهُنَ والرُّهْنَ، والسُّقُفَ والسُّقْفَ.

والذي هو أولى بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأه: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ؛ لأن ذلك الجمعُ المعروفُ لما كان مِن اسمٍ على فَعْلٍ، كما يقال: حَبْلٌ وحِبالٌ، وكَعْبٌ

(1)

في ص، م، س:"فرهان". وهما قراءتان، وسيذكرهما المصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 569 (3038) من طريق أبي حذيفة به مقتصرا على آخره بنحوه.

(3)

في الأصل: "يزيد". وينظر تهذيب الكمال 7/ 239 - 243.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 569 عقب الأثر (3035) من طريق الربيع عن أبي العالية.

(5)

وهي قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 194.

(6)

وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، على خلاف عنهما في ضم الهاء وتسكينها. المصدر السابق.

ص: 123

وكِعابٌ، ونحوُ ذلك مِن الأسماءِ. فأما جمعُ الفَعْلِ على الفُعُلِ أو الفُعْلِ، فشاذٌّ قليلٌ، إنما جاء في أحرفٍ يسيرةٍ، وقيل: سَقْفٌ وسُقُفٌ وسُقْفٌ، و: قَلْبٌ وقُلُبٌ وقُلْبٌ، مِن قَلْبِ النخلِ، وجَدٌّ وجُدٌّ، للجَدِّ الذي هو بمعنى الحظِّ. وأما ما جاء مِن جمعِ فَعْلٍ على فُعْلٍ فـ "ثَطٌ وثُطٌّ"، ووَرْدٌ ووُرْدٌ، و [جَوْنٌ وجُونٌ]

(1)

.

وإنما دعا الذي قرَأ ذلك: (فَرُهُنٌ). إلى قراءتِه - فيما أظُنُّ - كذلك، مع شُذوذِه

(2)

في جمعِ فَعْلٍ، أنه وجَد الرِّهانَ مستعملةً في رِهانِ الخيلِ، فأحبَّ صرفَ لفظِ ذلك عن اللفظِ المُلتبِسةِ برهانِ الخيلِ، الذي هو بغيرِ معنى الرِّهانِ، الذي هو جمعُ رَهْنٍ، ووجد الرُّهُنَ مَقُولًا في جمعِ رَهْنٍ، كما قال قَعْنبٌ

(3)

:

بانَتْ سُعادُ وأَمْسَى دُونَها عَدَنُ

وغُلِّقَتْ

(4)

عِنْدَها مِن قَلْبِكَ الرُّهُنُ

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فإن كان المَدينُ أمينًا عندَ رَبِّ المالِ والدَّينِ، فلم يَرْتَهِنْ منه في سفرِه رَهْنًا بدينِه؛ لأمانته عندَه على مالِه وثِقَتِه به، فليتقِ اللَّهَ المَدينُ {رَبَّهُ}. يَقُولُ: فليَخَفِ اللَّهَ رَبَّه في الذي عليه مِن دينِ صاحبِه أن

(5)

يَجْحَدَه، أو يَلُطَّ

(6)

دُونَه به، أو يُحاوِلَ الذهابَ به، فيَتَعَرَّضَ مِن عقوبةِ اللَّهِ ما لا قِبَلَ له به، وليؤدِّ دينه الذي ائْتَمَنَه عليه إليه.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"خود وخود".

(2)

وليست قراءة من قرأ: (رُهُنٌ). شاذة، بل هي متواترة، وليست قواعد النحو والصرف أصلا للقرآن، بل القرآن أصل لهما.

(3)

البيت في اللسان (ر هـ ن) وفيه: قبلك. بدلا من: قلبك.

(4)

غلق الرهن في يد المرتهن: استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط. اللسان (غ ل ق).

(5)

في س: "أو".

(6)

لط الغريم بالحق: دافع ومنع، ولط حقه ولط عليه: جحده. اللسان (ل ط ط).

ص: 124

وقد ذكَرنا قولَ مَن قال: هذا الحكمُ مِن اللَّهِ ناسخُ الأحكامِ التي في الآيةِ قبلَها، مِن أمرِ اللَّهِ بالشهودِ والكتابِ، ودلَّلنا على أولى ذلك بالصوابِ مِن القولِ فيه، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(1)

.

وقد حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} : إِنما يعنى بذلك في السَّفَرِ، فأما الحضَرُ، فلا، وهو واجدٌ كاتبًا، فليس له أن يَرْتَهِنَ ولا يَأْمَنَ بعضُهم بعضًا.

وهذا الذي قاله الضحاكُ مِن أنه ليس لربِّ الدَّينِ ائتمانُ المدينِ وهو واجدٌ إلى الكاتبِ والكتابِ والإشهادِ عليه سبيلًا، وإن كانا في سَفَرٍ، فكما قال؛ لما قد دلَّلنا على صحتِه فيما مضَى قبلُ.

وأما ما قال، مِن أنّ الأمرَ في الرَّهن أيضًا كذلك مثلُ الائتمانِ، في أنه ليس لربِّ الحقِّ الارتهانُ بمالِه إذا وجَد إلى الكاتبِ والشهيدِ سبيلًا في حضَرٍ أو سفرٍ - فإنه قولٌ لا معنى له؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنه اشترَى طعامًا نَساءً، ورهَن به دِرْعًا له

(2)

. فجائزٌ للرجلِ أن يَرْهَنَ

(3)

بما عليه، ويَرْتَهِنَ بما لَهُ مِن حقٍّ في السفرِ والحضَرِ؛ لصحة الخير بما ذكَرنا عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأن معلومًا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكنْ حينَ رهَن ما

(4)

ذكَرنا غيرَ واجدٍ كاتبًا ولا شهيدًا؛ لأنه لم يكنْ مُتَعذِّرًا عليه ما بمدينتِه في وقتٍ مِن الأوقاتِ الكاتبُ والشاهدُ، غيرَ أنهما إذا تبايعا برَهْنٍ، فالواجبُ

(1)

ينظر ما تقدم في ص 73 - 81.

(2)

أخرجه البخارى (2068، 2096، 2200)، ومسلم (1603).

(3)

في ص، ت 1، س:"يرتهن".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"من".

ص: 125

عليهما إذا وجَدا سبيلًا إلى كاتبٍ وشهيدٍ، وكان البيعُ أو الدَّينُ إلى أجلٍ مسمًّى، أن يَكْتُبا ذلك ويُشْهدا على المالِ والرهنِ، وإنما يَجُوزُ تركُ الكتابِ والإشهادِ في ذلك، حيث لا يَكُونُ لهما إلى ذلك سبيلٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)} .

وهذا خطابٌ مِن اللَّهِ، جلَّ ثناؤُه، الشهودَ الذين أمَر المُستدينَ وربَّ المالِ بإشهادِهم، فقال لهم:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} ، ولا تَكْتُمُوا أَيُّها الشهودُ بعدَ ما شهِدتم شهادتَكم عندَ الحاكمِ، كما شهِدتم على ما شهِدتم عليه، ولكن أجيبوا مَن شهِدتم له، إذا دعاكم لإقامةِ شهادتِكم على خَصمِه على حقِّه عندَ الحاكمِ الذي يأخُذُ له بحقِّه، ثم أخبرَ الشاهدَ جلَّ ثناؤُه ما عليه في كتمانِ شهادتِه، وإبائِه مِن أدائِها والقيامِ بها عندَ حاجةِ المُسْتَشْهِدِ إلى قيامِه بها عندَ حاكمٍ أو ذى سلطانٍ، فقال:{وَمَنْ يَكْتُمْهَا} . يعنى: ومن يَكْتُمْ شهادتَه، {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}. يقولُ: فاجرٌ قلبُه، مُكتَسِبٌ بكتمانِه إياها معصيةَ اللَّهِ.

كما حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} . فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَكْتُم شهادةً هي عندَه، وإن كانت على نفسه والوَالدَين، ومَن كتَمها فقد ركب إثمًا عظيمًا

(1)

.

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه:{وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} ، يقولُ: فاجرٌ قلبُه

(2)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 571 (3050) من طريق ابن أبي جعفر به نحوه.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 572 (3053) من طريق عمرو به.

ص: 126

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللَّهِ؛ لأن اللَّهَ عز وجل يَقُولُ: {مَنْ

(1)

يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72]. وشهادةُ الزورِ، وكِتمانُ الشهادةِ؛ لأن الله يقولُ:{وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}

(2)

.

وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقولُ: على الشاهدِ أن يَشْهَدَ حيثما اسْتُشِهدَ، ويُخْبِرَ بها حيثما اسْتُخْبِر.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال أخبَرنا ابن المباركِ، عن محمدِ بن مسلمٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا كانت عندَك شهادةٌ، فسألك عنها، فأخْبره بها، ولا تَقُلْ: أُخْبِرُ بها عندَ الأميرِ. أخبِرْه بها، لعله يَرجِعُ أَو يَرْعَوِى

(3)

.

وأما قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} . فإنه يَعْنى بذلك: بما تَعْمَلون في شهادتِكم، مِن إقامتِها والقيامِ بها، أو كتمانِكم إياها عندَ حاجةِ مَن اسْتَشْهَدَكم إليها، وبغيرِ ذلك مِن سرائرِ أعمالِكم وعلانِيتِها، {عَلِيمٌ} يُحْصِيه عليكم ليَجْزِيَكم بذلك كلِّه جزاءَكم؛ إما خيرًا وإما شرًّا، على قدرِ استحقاقِكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} .

يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} : للَّهِ ملكُ كلِّ ما

(1)

في النسخ: "ومن".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 571 (3051)، والطبراني في الكبير 12/ 252 (13023) من طريق أبي صالح به، وهو عند الطبراني مطول.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15559) عن محمد بن مسلم به، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد 17/ 301.

ص: 127

في السماواتِ وما في الأرضِ، مِن صغيرٍ وكبيرٍ، [وقليلٍ وكثيرٍ]

(1)

، وإليه تدبيرُ جميعِه، وبيدِه صَرْفُه وتَقْلِيبُه، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ؛ لأنه مدبرُه ومالكُه ومصرِّفُه.

وإنما عنى بذلك جلَّ ثناؤُه كِتمانَ الشهودِ الشهادةَ، يقولُ: لا تَكْتُموا الشهادةَ أيُّها الشُّهودُ، فإنه مَن يَكْتُمُها يَفْجُرْ قلبُه، ولن يَخْفَى عليَّ كِتمانُه ذلك؛ لأنى بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وبيَدى صرفُ كلِّ شيءٍ في السماواتِ والأرضِ وملْكُه، أعلمُ

(2)

خفيَّ ذلك وجَليَّه، فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادةَ. وعيدًا مِن اللَّهِ بذلك مَن كتَمها، وتخويفًا منه له به.

ثم أخبَرهم عما هو فاعلٌ بهم في آخرتِهم، وبمَن كان مِن نُظَرائِهم ممن انْطَوى كَشْحًا على معصيةٍ فأضمَرَها، أو أظهَر مُوبِقةً فأبداها مِن نفسِه، مِن المحاسبةِ عليها، فقال:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} . يقولُ: وإِن تُظهِرُوا فيما عندَكم مِن الشهادةِ على حقِّ ربِّ المالِ الجحودَ والإنكارَ، أو تُخْفوا ذلك فتُضْمِروه في أنفسِكم، وغيرَ ذلك مِن سيِّئ أعمالكم، {يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ}. يَعْنى بذلك: يَحْتَسبْ به عليه مِن أعمالِه، فمجازٍ مِن شاء منكم مِن المسيئين سوءَ عملِه، وغافرٌ لمن شَاء منكم مِن المسيئين.

ثم اختلَف أهلُ التأويلِ فيما عنَى بقولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ؛ فقال بعضُهم بما قلنا، مِن أنه عنى به الشهودَ في كِتمانِهم الشهادةَ، وأنه لاحقٌ بهم كلُّ مَن كان مِن نُظرائِهم ممن أضْمَر معصيةً أو أبداها.

(1)

سقط مِن: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت، س:"أعلمه".

ص: 128

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو زائدةَ زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا [ابن فُضيلٍ]

(1)

، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . قال: يَعْنى في الشهادةِ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} . قال: في الشهادةِ

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: سئِل داودُ عن قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . فحدَّثنا عن عكرمةَ، قال: هي الشهادةُ إذا كتَمتَها.

حدَّثنا المثنى

(4)

، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو

(5)

أبي سعيدٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه في هذه الآيةِ:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} . قال: في الشهادةِ

(6)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدِّيِّ، عن الشعبيِّ في قولِه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} . قال: في الشهادةِ

(7)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أبو نفيل". وينظر تهذيب الكمال 26/ 293.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 572 (3056) من طريق ابن فضيل به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (473 - تفسير) من طريق يزيد بن أبي زياد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 373 إلى ابن المنذر.

(3)

أخرجه الطحاوى في المشكل 4/ 315 عقب الحديث (1629) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 373، 374 إلى ابن المنذر.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"ابن المثنى".

(5)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"و".

(6)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 394، وابن الجوزي في النواسخ ص 234 من طرق عن عكرمة.

(7)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 572 عقب الأثر (3056) معلقًا.

ص: 129

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال أخبَرنا يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . قال: نزَلت في كِتمانِ الشهادةِ وإقامتِها

(1)

.

حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . يعنى: كِتمانَ الشهادةِ وإقامتَها على وجهِها.

وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ إعلامًا مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عباده أنه مُؤاخذُهم بما كسَبته أيديهم، وحدَّثتهم به أنفسُهم مما لم يَعْمَلوه.

ثم اختلف متأوِّلو ذلك كذلك؛ فقال بعضُهم: ثم نسخ اللَّهُ ذلك بقولِه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} .

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مصعبِ بن ثابتٍ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: لما نزَلت: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . فاشتدَّ ذلك على القومِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنا لمُؤاخَذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا! هلَكنا. فأنزَل الله عز وجل:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} الآية، إلى قوله:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قال اللَّهُ: نعم". {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} إلى آخرِ الآيةِ. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قال الله: نعم"

(2)

.

(1)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 393، وابن الجوزى في النواسخ ص 234، وابن الجوزي في النواسخ ص 234 من طريق هشيم به.

(2)

أخرجه أحمد 15/ 198 - 200 (9344)، ومسلم (125)، وأبو عوانة 1/ 76، 77، والطحاوي =

ص: 130

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا [أبي، عن](1) سفيانَ، عن آدمَ بن سليمانَ، مولى خالدِ بن خالدٍ، قال: سمِعت سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحدِّث، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} . دخَل قلوبَهم منها شيءٌ لم يدخُلْها من شيءٍ، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قولوا

(2)

: سمِعْنا وأطعْنا وسلَّمْنا". قال: فألقى اللَّهُ الإيمانَ في قلوبِهم. قال: فأَنزَلَ اللَّهُ عز وجل: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} - [وقال ابن وكيعٍ: إلى قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}](1) - قال: فقال: قد فعَلتُ. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ مَا عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . قال: قد فعلتُ

(3)

. {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال: قد فعَلتُ

(4)

.

حدَّثني أبو الردَّادِ المصريُّ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ السلامِ، قال: ثنا أبو زرعةَ وهبُ اللَّهِ بن راشدٍ، عن حَيْوةَ بن شريحٍ، قال: سمِعت يزيدَ بنَ أبي حبيبٍ يقولُ: قال ابن شهابٍ: حدَّثني سعيدُ بنُ مَرْجانةَ، قال: جئتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، فتلا هذه الآيةَ:

= في المشكل (1629)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 574، 575، 579، 580، 581، 582 (3060، 3061، 3094، 3099، 3103، 3111)، وابن حبان (139)، والبيهقي في الشعب (327)، والواحدي في أسباب النزول ص 66، وابن الجوزي في النواسخ ص 226، 227 من طريق العلاء بن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 374 إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر (1 - 1) سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

بعده في ص، م، ت، ت 2، ت 3، س:"ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال قد فعلت".

(4)

أخرجه مسلم (126) عن أبي كريب به بنحوه، وأخرجه أحمد 3/ 497 (2070)، ومسلم (126)، والترمذي (2992)، والنسائي في الكبرى (11059)، وأبو عوانة 1/ 75، وابن حبان (5069)، والحاكم 2/ 286، والبيهقي في الأسماء والصفات (453)، وفى الشعب (2407، 2408)، والواحدي في أسباب النزول ص 66، 67 من طريق وكيع به، وأخرجه أبو عوانة 1/ 75 من طريق سفيان به، وعزاه =

ص: 131

{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} . ثم قال ابن عمرَ: لئن آخَذَنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ. ثم بكَى ابن عمرَ حتى سالت دُموعُه. قال: ثم جئتُ عبد اللَّهِ بنَ العباسِ، فقلت: يا أبا العباسِ، إني جئتُ ابنَ عمرَ، فتلا هذه الآيةَ:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآية. ثم قال: لئن واخذنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ. ثم بكَى حتى سالت دُموعُه، فقال ابن عباسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لعبدِ اللَّهِ بن عمرَ، لقد فَرِق أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منها كما فرِق ابن عمرَ منها، فأنزَل اللَّهُ:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} . فنسَخ اللَّهُ الوَسْوَسَةَ، وأثبَت القولَ والفعلَ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن مَرْجانَةَ يُحَدِّثُ أنه بينَا هو جالسٌ مع

(2)

عبدِ اللَّهِ بن عمرَ تلا هذه الآيةَ: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآية. فقال: واللَّهِ لئن أخَذَنا اللَّهُ بهذا لنَهْلِكُنَّ. ثم بكَى ابن عمرَ حتى سُمِع نَشِيجُه. فقال ابن مَرْجانةَ: فقُمْت حتى أَتَيْتُ ابن عباس، فذكَرتُ له ما تلا ابن عمرَ، وما فعَل حينَ تلاها، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأبي عبدِ الرحمنِ، لَعَمْرِي لقد وجَد المسلمون منها حين أُنْزِلَت مثلَ مَا وَجَدَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، فأنزَل الله:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} إلى آخرِ السورةِ. قال ابن عباسٍ: له فكانت هذه الوَسْوَسَةُ مما لا طاقةَ للمسلمين بها، وصار الأمرُ إلى أن قضَى اللَّهُ أن للنَفْس ما كسَبت، وعليها ما اكتَسَبَت في القولِ والفعلِ

(3)

.

= السيوطي في الدر المنثور 1/ 374 إلى ابن المنذر.

(1)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 396، والطبراني في الكبير (10769) من طريق يزيد بن أبي حبيب به بنحوه.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت، س:"سمع".

(3)

أخرجه الطحاوى في المشكل (1627) عن يونس به، وأخرجه الفسوى في المعرفة والتاريخ 1/ 404، والطحاوي في المشكل (1626)، وابن أبي حاتم في تفسيره مفرقًا 2/ 578، 579 (3087، 3090)، والطبراني (10770)، والبيهقى في الشعب (329) من طريق الزهري به، وعزاه السيوطي في الدر =

ص: 132

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: سمعت الزهريَّ يَقُولُ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} . قال: قرَأها ابن عمرَ، فبكَى وقال: إنا لمَأخُوذون بما نحدِّثُ به أَنفُسَنا. فبكى حتى سُمِع نشيجُه، فقام رجلٌ مِن عندِه، فأتى ابنَ عباسٍ، فذكَر ذلك له، فقال: يرحَمُ اللَّهُ ابنَ عمرَ، لقد وجَد المسلمون نحوًا مما وجَد، حتى نزَلت:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثني إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: كُنْتُ عندَ ابن عمرَ فقال: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآية. فبكَى، حتى دَخلتُ على ابن عباسٍ، فذكَرتُ له ذلك، فضحِك ابن عباسٍ فقال: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَمرَ، أَوَمَا يَدْرِى فيم أنْزِلَت [وكيف أنزلت]

(2)

؟ إن هذه الآيةَ حينَ أُنْزِلَت غَمَّت أصحابَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَمًّا شديدًا، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هلَكنا. فقال لهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا". فنسَختها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} إلى قولِه: {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} . فتُجُوِّزَ لهم مِن حديثِ النفسِ وأُخِذوا بالأعمالِ

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ أن أباه قرَأ:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . فدمَعت عَيْناه، فبلغ صنيعُه ابنَ عباسٍ، فقال: يَرْحَمُ

= المنثور 1/ 374 إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه.

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 112.

(2)

سقط مِن: ص، م، ت 1، ت، ت، س.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 113، 114. ومن طريقه أحمد 5/ 194، 195 (3070)، وابن الجوزي في النواسخ ص 229.

ص: 133

الله أبا عبدِ الرحمنِ، لقد صنَع كما صنَع أصحابُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حينَ أُنْزِلَت، فنسَختها الآيةُ التي بعدَها:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: نسَخت هذه الآيةَ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} ، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ مولى خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه

(3)

]

(4)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} قالوا: أنُؤاخَذُ بما حدَّثنا به أنفسَنا ولم تَعْمَلْ به جَوارِحُنا؟ قال: فنزَلت هذه الآيةُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . قال: ويقولُ: قد فَعَلْت. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . قال: ويقولُ: فَعَلْتُ]

(3)

. قال: فأُعطِيَتْ هذه الأمةُ خواتيمَ سورةِ "البقرةِ"، لم تُعْطَها الأممُ قبلَها.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال ثنا إسماعيلُ، عن عامرٍ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 7، والنحاس في ناسخه 275، 276، والحاكم 2/ 287، وابن الجوزي في ناسخه ص 229 من طريق يزيد بن هارون به.

(2)

أخرجه ابن الجوزي في ناسخه ص 230 من طريق سفيان به بنحوه.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 574 عقب الأثر (3061) معلقًا.

(4)

سقط مِن: ص، م، 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 134

يَشَاءُ}، قال: فنسَختها التي بعدَها؛ قوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} .

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . قال: نسَختها الآيةُ التي بعدَها: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وقولُه: {وَإِنْ تُبْدُوا} . قال: يُحَاسَبُ بما أبَدى مِن سرٍّ أو أخْفى مِن سرٍّ، فنسَختها التي بعدَها.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا سيارٌ، عن الشعبيِّ، قال: لما نزَلت هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} . قال: فكان فيها شدةٌ، حتى نزَلت هذه الآيةُ التي بعدَها:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} . قال: فنسَخَت ما كان قبلَها

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ابن عونٍ، قال: ذكَروا عندَ الشعبيِّ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} . حتى بلغ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} . قال: فقال الشعبيُّ: إلى هذا صار، رجَعتْ إلى آخرِ الآيةِ.

حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، في قولِه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} . قال: فقال ابن مسعودٍ: كانت المحاسبةُ قبل أن تَنْزِلَ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} . فلما

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (480 - تفسير)، والنحاس في ناسخه ص 276، وابن الجوزي في النواسخ ص 231 من طريق هشيم به. وعند النحاس: شيبان. وعند ابن الجوزي: يسار، والصواب: سيار، هو أبو الحكم الواسطى العنزي. ينظر تهذيب الكمال 12/ 313.

ص: 135

نزَلت نسَخت الآيةَ التي كانت قبلَها

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يَذْكُرُ عن ابن مسعودٍ نحوَه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: نسَخت: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} ، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبيدة، عن محمدِ بن كعبٍ، وسفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، وعن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، قال: نسَخت هذه الآيةُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} الآية

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ وعامرٍ بمثلِه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن

(4)

حميدٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} إلى آخرِ الآية. قال: نسَختها

(5)

: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (482 - تفسير)، والطبراني في الكبير (9030) من طريق جويبر به بنحوه.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (479 - تفسير) من طريق بيان به بنحوه.

(3)

أخرجه بن الجوزي في النواسخ ص 230 من طريق سفيان به بنحوه.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"بن".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"محتها".

ص: 136

اكْتَسَبَتْ}

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه قال: نسَخت هذه الآيةُ - يعنى قولَه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} - الآيةَ التي قبلَها: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}

(2)

.

حدَّثنا [الحسن بن يحيى]

(3)

، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . قال: نسَخَتْها قولُه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} إلى آخرِ الآيةِ: اشتدَّت على المسلمين، وشقَّت مشقةً شديدةً، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، لو وقَع في أنفسِنا شيءٌ لم نَعْمَلْ به، واخَذنا اللَّهُ به؟ قال:"فلعلكم تقولُون كما قالت بنو إسرائيلَ لموسى: سمِعنا وعصَينا". قالوا: بل سمِعنا وأطعْنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: فنزل القرآنُ يُفَرِّجُها عنهم: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} إلى قولِه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ} . قال: فصيَّره إلى الأعمالِ، وترَك ما يَقَعُ في القلوبِ.

(1)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 397 عن الحجاج به بنحوه. وأخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص 230 من طريق حماد بن سلمة به.

(2)

أخرجه ابن الجوزي في ناسخه ص 230، 231 من طريق سعيد به بمعناه.

(3)

في الأصل: "ابن حسين قال أخبَرنا يحيى".

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 111.

ص: 137

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سيّارٍ

(1)

أبي الحكمِ، عن الشعبيِّ، عن أبي عُبَيدةَ بن

(2)

عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . قال: نسَخت هذه الآية التي بعدَها: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}

(3)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرقو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . قال: يومَ نزَلت هذه الآيةُ كانوا يؤاخَذون بما وَسْوسَت به أنفسُهم وما عمِلوا، فشَكَوا ذلك إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن عمِل أحَدُنا وإن لم يعملْ أُخِذنا به! واللَّهِ ما نملِكُ الوَسْوسَةَ. فنسَخها اللَّهُ بهذه الآيةِ التي بعدَها بقولِه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} . فكان حديثُ النفسِ مما لم يُطِيقُوا. الآية.

حدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه قتادةَ، أن عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: نسَخها قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}

(4)

.

وقال آخَرون - ممن قال: معنى ذلك الإعلامُ من اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عبادَه أنه مؤاخِذُهم بما كسَبته أيديهم وعمِلته جوارحُهم، وبما حدَّثَتهم به أنفسُهم مما لم يَعْمَلُوه -: هذه الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، واللَّهُ محاسبٌ خلقَه على ما عمِلوا مِن عمَلٍ وما لم يَعْمَلوه مما أضمَروه في أنفسهم ونوَوه وأَرَادُوه، فيَغْفِرُه للمؤمنين، ويُؤاخِذُ به أهلَ الكفرِ والنفاقِ.

(1)

بعده في م: "عن".

(2)

في ت 1، س، ونواسخ القرآن:"عن".

(3)

أخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص 225، 226 من طريق حجاج به بنحوه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 578 (3089) من طريق هشيم به.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 374 إلى المصنف.

ص: 138

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} : فإنها لم تُنْسَخُ، ولكنَّ الله عز وجل إذا جمَع بين الخلائقِ يومَ القيامةِ، يقولُ: إنى أخْبِرُكم بما أخفَيتم في أنفسِكم، مما لم تَطَّلِعْ عليه ملائكتي. فأما المؤمنون فيُخْبِرُهم ويَغْفِرُ لهم ما حدَّثوا به أنفسَهم، وهو قولُه:{يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} . يقولُ: يُخْبِرُكم. وأما أهلُ الشكِّ والرَّيبِ فيُخْبِرُهم بما أخْفَوا مِن التكذيبِ، وهو قولُه:{فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} . وهو قولُه: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] من الشكِّ والنفاقِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} : فذلك سرُّ عملك وعلانيَتُه، يحاسبُك به اللَّهُ، فليس مِن عبدٍ مؤمنٍ يُسِرُّ في نفسه خيرًا ليَعْمَلَ به، فإن عمل به كُتِبَت له به عَشْرُ حسناتٍ، وإن هو لم يُقَدَّرْ له أن يَعْمَلَ به كُتِبَت له به حسنةٌ من أجلِ أنه مؤمنٌ، واللَّهُ يَرْضَى سرَّ المؤمنين وعلانيَتَهم، وإن كان سوءًا حدَّث به نفسَه اطَّلَعِ اللَّهُ عليه، أخبَرهَ به يومَ تُبْلَى السرائرُ، وإن هو لم يَعْمَلْ به لم يُؤاخِذْه اللَّهُ به حتى يَعْمَلَ به، فإن عمِل به تجاوَز اللَّهُ عنه، كما قال:{أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ}

(2)

[الأحقاف: 16].

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 572، 575 (3057، 3066، 3068)، وابن الجوزي في النواسخ ص 232 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 375 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 573 (3058) عن محمد بن سعد به.

ص: 139

حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} الآية. قال: قال ابن عباسٍ: إن الله تبارك وتعالى يقولُ يومَ القيامةِ: إِنَّ كُتَّابي لم يَكْتُبُوا من أعمالِكم إلا ما ظهَر منها، فأما ما أَسْرَرْتُم في أنفسِكم فأنا أُحاسبُكم به اليوم؛ فأَغْفِرُ لمن شئِتُ، وأُعَذِّبُ مَن شِئتُ.

حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا عليُّ بن عاصمٍ، قال: أخبَرنا بيانٌ، عن بشرٍ، عن قيسِ بن أبي حازمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ قال اللَّهُ تبارك وتعالى يُسمِعُ الخلائقَ: إنما كان كُتّابى يكْتُبون عليكم ما ظهرَ منكم، فأما ما أَسْرَرْتُم فلم يَكُونُوا يَكْتُبُونه ولا يَعْلَمُونه، أنا اللَّهُ أَعْلَمُ بذلك كلِّه منكم، فأَغْفِرُ لمن شِئْتُ، وأعَذِّبُ مَن شِئْتُ.

حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال سمِعت أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ عن سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} : كان ابن عباسٍ يقولُ: إذا دُعِى الناسُ للحسابِ، أخبَرهم اللَّهُ بما كانوا يُسِرُّون في أنفسِهم مما لم يَعْمَلوه، فيقولُ: إنه كان لا يَعْزُبُ عنى شيءٌ، وإنى مخبِرُكم بما كنتم تُسِرُّون من السوء، ولم تَكُنْ حَفَظَتى عليكم يطَّلِعون عليه. فهذه المحاسبةُ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن عُبَيدِ بن سليمانَ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ نحوَه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قوله:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . قال: هي مُحْكَمةٌ لم يَنْسَحُها شيءٌ، يقولُ:{يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . يقولُ: يُعَرِّفُه اللَّهُ

ص: 140

يومَ القيامةِ أنَّك أخفَيت في صدرِك كذا وكذا؛ لا يُؤَاخِذُه

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن عمرِو بن عُبَيدٍ، عن الحسنِ، قال: هي مُحْكمةٌ لم تُنْسَخُ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . قال: مِن الشكِّ واليقينِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . يَقُولُ: في اليقينِ والشكِّ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

فتأويلُ هذه الآيةِ على قولِ ابن عباسٍ الذي رَواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ: وإن تُبْدوا ما في أُنفسِكم مِن سيِّئِ

(3)

الأعمالِ، فتُظْهِروه بأبدانِكم وجَوارِحِكم، أو تُخفوه فتُسِرُّوه في أنفسِكم، فلم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ مِن خلقى، أُحاسِبْكم به، فأَغْفِرُ كلَّ ذلك لأهلِ الإيمانِ بي، وأُعَذِّبُ أهلَ الشكِّ والنفاقِ في ديني.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 572، 574 (3005، 3065)، وابن الجوزي في النواسخ ص 232 من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

تفسير مجاهد ص 247، ومن طريقه ابن الجوزي في النواسخ ص 234، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 573 (3059)، والنحاس في ناسخه ص 274، وابن الجوزي في النواسخ ص 234 من طريق ابن علية به.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"شيء من".

ص: 141

وأما على الروايةِ التي رَواها عنه الضحاكُ مِن روايةِ عُبيدِ بن سليمانَ عنه، وعلى ما قاله الربيعُ بن أنسٍ، فإن تأويلَها: إن تُظْهِروا ما في أنُفْسِكم فتَعْمَلوه مِن المعاصي، أو تُضْمِروا إرادتَه في أنفسِكم فتُخْفُوه، يُعْلِمْكم اللَّهُ به يومَ القيامةِ، فيَغْفِرُ لمن يشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ.

وأما قولُ مجاهدٍ فشبيهٌ معناه بمعنى قولِ ابن عباسٍ الذي رَواه عنه عليُّ بن أبي طلحةَ.

وقال آخرون ممن قال: هذه الآيةُ محكمةٌ، وهي غيرُ منسوخةٍ. ووافَقوا الذين قالوا: معنى ذلك أن اللَّهَ أعلَمَ عبادَه به

(1)

ما هو فاعلٌ بهم، فيما أبدَوا وأخفَوا مِن أعمالِهم -: معناها أن اللَّهَ محاسبٌ خلقَه بجميعِ ما أبدَوه مِن سيِّئِ أعمالِهم وجميعِ ما أسروه، ومعاقبُهم عليه، غيرَ أن عقوبتَه إياهم على ما أخفَوه مما لم يَعْمَلوه، ما يَحْدُثُ لهم في الدنيا مِن المصائبِ والأمورِ التي يَحْزَنون عليها ويألَمون لها

(2)

.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه:{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} الآية. قال: كانت عائشةُ تقولُ: مَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها أرسل اللَّهُ عليه مِن الهمِّ والحزنِ مثلَ الذي همَّ به مِن السيئةِ فلم يَعْمَلُها فكانت كفارتَه

(3)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س. وبه أي بقوله.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"منها".

(3)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (481 - تفسير) من طريق جويبر به بنحوه.

ص: 142

حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} . قال: كانت عائشةُ تقولُ: كلُّ عبدٍ يَهُمُّ بمعصيةٍ أو يُحَدِّثُ بها نفسَه، حاسَبه اللَّهُ بها في الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَهْتَمُّ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو تُمَيلةَ، عن عُبيدٍ، عن الضحاكِ، قال: قالت عائشةُ في ذلك: كلُّ عبدٍ همَّ بسوءٍ ومعصيةٍ، وحدَّث بها نفسَه، حاسَبه اللَّهُ بها في الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَشْتَدُّ همُّه، لا يَنَالُه مِن ذلك شيءٌ، كما همَّ بالسوءِ ولم يَعْمَلْ منه شيئًا.

حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أَسَدُ بنُ موسى، قال: ثنا حمادَ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أميةَ

(1)

أنها سألَت عائشةَ هذه الآيةِ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ، و {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]. فقالت: ما سألني عنها أحدٌ مُذ سألتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا عائشةُ، هذه متابعةُ اللَّهِ العبدَ بما يُصيبُه مِن الحمَّى والنكْبةِ والشَّوكةِ، حتى البِضاعةِ يَضَعُها في كمِّه يَفْقِدُها، فيُرَوَّعُ لها، فيجدُها في ضِبْنِه

(2)

، حتى إن المؤمنَ ليَخْرُجُ مِن ذُنوبِه كما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحمرُ مِن الكِيرِ"

(3)

.

وأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرناها بتأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: إنها مُحْكمةٌ

(1)

في ص، م:"أمه"، وفى س:"أبيه". وهي أمية بنت عبد الله، وينظر تهذيب الكمال 35/ 132.

(2)

الضبن: الإبط وما يليه. اللسان (ض ب ن).

(3)

أخرجه الطيالسي (1689)، وأحمد 6/ 218 (الميمنية)، والترمذي (2991)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 574 (3062)، والبيهقى في الشعب (9809) من طريق حماد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 375 إلى ابن المنذر.

ص: 143

وليست بمنسوخةٍ، وذلك أن النسخَ لا يكونُ في حكمٍ إلا يَنْفِيه بآخرَ له نافٍ من كلِّ وجوهِه، وليس في قولِه جلَّ ثناؤُه:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} نفيُ الحكمِ الذي أعلَم عبادَه بقولِه: {أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ؛ أن المحاسبةَ ليست بموجبةٍ عقوبةَ اللَّهِ، ولا مُؤاخذةً بما حُوسِب عليه العبدُ مِن ذُنوبِه، وقد أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عن المجرمين أنهم حينَ تُعْرَضُ عليهم كُتبُ أعمالِهم يومَ القيامةِ يَقُولون:{يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 49]. فأخبرَ أن كتبَهم مُحصِيةٌ عليهم صغائرَ أعمالِهم وكبائرَها، فلم تَكُن الكتبُ - وإن أحصَت صغائرَ الذنوبِ وكبائرَها - بموجِبٍ إحصاؤُها على أهلِ الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه وأهلِ الطاعةِ له، أن يَكُونوا بكلِّ ما أحصَته الكتبُ مِن الذنوبِ معاقَبين؛ لأنه عز وجل وعدهم العفوَ عن الصغائرِ باجتنابِهم الكبائرَ، فقال في تنزيلِه:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]. فكذلك

(1)

محاسبةُ اللَّهِ عبادَه المؤمنينَ بما هو محاسبُهم به من الأمورِ التي أخْفَتها أنفسُهم، غيرُ موجِبةٍ لهم منه عقوبةً، بل محاسبتُه إياهم، إن شاء اللَّهُ، عليها ليُعرِّفَهم بفَضْلِه عليهم بعفوِه لهم عنها، كما بلَغنا عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الخبرِ الذي حدَّثني به أحمدُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا المُعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت أبي، عن قتادةَ، عن صفوانَ بن مُحرِزٍ، عن ابن عمرَ، عن نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال: "يُدْنِي اللَّهُ عز وجل عبدَه المؤمنَ يومَ القيامةِ حتى يَضَعَ عليه كنَفَه، فيُقَرِّرُه بسيئاتِه، يَقولُ: هل تَعْرِفُ؟ فيَقُولُ: نعم. فيَقُولُ: ستَرتُها في الدنيا وأغْفِرُها اليومَ. ثم يُظْهِرُ له حسناتِه، فَيَقُولُ:{هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19] - أو كما قال - وأما الكافرُ فإنه يُنادَى به على

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"فذلك"، وفى م:"فدل أن".

ص: 144

رُءوسِ الأشهادِ"

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدَيٍّ، عن

(2)

سعيدٍ وهشامٍ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا هشامٌ، قالا جميعًا في حديثِهما: عن قتادةَ، عن صفوانَ بن مُحرِزٍ، قال: بينما نحن نَطُوفُ بالبيتِ مع عبدِ اللهِ بن عمرَ وهو يَطُوفُ، إذ عرَض له رجلٌ، فقال: يابنَ عمرَ، ما سمِعتَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ في النَّجْوَى؟ فقال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "يَدْنُو المؤمنُ مِن ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه، فيُقَرِّرُه بذُنوبه، فيَقُولُ: هل تَعْرِفُ كذا؟ فيقولُ: ربِّ، أعرِفُ

(3)

. مرتين، حتى إذا بلَغ به ما شاء اللَّهُ أَن يَبْلُغَ به، قال: فإني قد ستَرتُها عليك في الدنيا وأنا أغْفِرُها لك اليومَ". قال: "فيُعْطَى صحيفةَ حسناتِه أو كتابَه بيمينِه. وأما الكفارُ والمنافقون، فينادَى بهم على رُءوسِ الأشهادِ:{هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}

(4)

.

قال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه يَفْعَلُ بعبدِه المؤمنِ مِن تعريفِه إياه سيئاتِ، أعمالِه، حتى يُعرِّفَهُ تَفَضُّلَه عليه بعفوه له عنها، فكذلك فعلُه، تعالى ذكرُه، في محاسبتِه إياه بما أبداه من نفسه وبما أخفاه مِن ذلك، ثم يَغْفِرُ له كلَّ ذنبٍ

(5)

بعدَ

(1)

أخرجه أحمد 9/ 318 (5436)، والبخارى (2441)، وفى خلق أفعال العباد (248 - 250)، وابن أبي عاصم في السنة (604، 605)، والآجرى في الشريعة (619)، وغيرهم من طرق عن قتادة به.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"و".

(3)

في ص، م:"اغفر".

(4)

أخرجه مسلم - كما في التحفة 5/ 437 - عن محمد بن بشار به، ومن طريق ابن أبي عدى عن سعيد وحده به. وأخرجه البخارى (4685)، وفى خلق أفعال العباد (251)، وابن منده في الإيمان (790) من طريق سعيد وهشام به، وأخرجه مسلم (2768)، وعبد الله بن أحمد في السنة (437)، والنحاس في ناسخه ص 277، وفى القطع والائتناف ص 386، والآجرى في الشريعة (618)، وابن منده (790) من طريق ابن علية به، وأخرجه ابن منده (1077) من طريق هشام به.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"ذلك".

ص: 145

تعريفِه بفَضْلِه وبكَرَمِه عليه، فيَسْتُرُه عليه. وذلك هو المغفرةُ التي قد وعَد عبادَه المؤمنين، فقال:{فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} .

فإن قال قائلٌ: فإن قوله عز وجل: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ينبئُ عن أن جميعَ الخلقِ غير مؤاخَذين إلا بما كسَبَتْه أنفسُهم مِن ذنبٍ، ولا مثابين إلا بما اكتسبته مِن خيرٍ. قيل: إن ذلك كذلك، وغيرُ مؤاخذٍ العبدُ بشيءٍ من ذلك إلا بفعلِ ما نُهى عن فعلِه، أو تركِ ما أُمِر بفعلِه.

فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما معنى وعيدِ اللَّهِ عز وجل إيانا على ما أخْفَته أنفسُنا بقولِه:{وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} إن كان {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ، وما أضمرته قلوبُنا وأخْفَته أنفسُنا؛ من همٍّ بذنبٍ، أو إرادةٍ لمعصيةٍ، لم تَكْتَسِبْه جَوارحُنا؟

قيل له: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد وعَد المؤمنين أن يعفوَ لهم عما هو أعظمُ من همٍّ همَّ به أحدُهم مِن المعاصى فلم يَفْعَلْه، وهو ما ذكرنا من وعْدِه إياهم العفوَ عن صغائرِ ذُنوبِهم إذا هم اجْتَنَبوا كبائرَها، وإنما الوعيدُ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه بقولِه:{وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} على ما أخفَته نفوسُ الذين كانت أنفسُهم تُخْفِى الشكَّ في اللَّهِ والمريةَ في وحدانيتِه، أو في نبوّةِ نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، أو في المَعَادِ والبعثِ من المنافقين، على نحوِ ما قال ابن عباسٍ ومجاهدٌ، ومَن قال بمثلِ قولِهما؛ من أن تأويلَ قولِه:{أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} على الشكِّ واليقينِ، غيرَ أنَّا نقولُ: إن المُتوعَّدَ بقولِه: {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ} . هو مَن كان إخفاءُ نفسِه ما تُخْفِيه الشكَّ والمِرْيةَ في اللَّهِ، وفيما يكونُ الشكُّ فيه باللَّهِ كفرًا، والموعودَ الغُفْران بقولِه:{فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} هو الذي إخفاؤه

(1)

ما يُخْفِيه الهمَّةُ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت، س:"أخفى و".

ص: 146

بالتقدمِ على بعضِ ما نهاه اللهُ عنه، مِن الأمورِ التي كان جائزًا ابتداءُ تحليلِه وإباحتِه، فحرَّمه على خلقِه جل ثناؤُه، أو على تركِ بعض ما أمَره اللهُ بفعلِه، مما كان جائزًا ابتداءُ إباحةِ تركِه، فأوْجَب فعلَه على خلقِه. فإن الذي يَهِمُّ بذلك مِن المؤمنين إذا هو لم يُصَحِّحْ همَّه بما يَهِمُّ به، ويُحَقِّقْ ما أخْفَتْه نفسُه مِن ذلك بالتقدمِ عليه، لم يَكُنْ مأخوذًا، كما رُوى عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"مَن همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلُها كُتِبَت له حسنةٌ، ومَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ عليه"

(1)

. فهذا الذي وصَفْنا هو الذي يُحاسِبُ اللهُ تبارك وتعالى به مؤمنى عبادِه، ثم لا يُعاقِبُهم عليه.

فأما مَن كان ما أَخْفَتْه نفسُه شكًّا في اللهِ، وارْتِيابًا في نبوةِ أنبيائِه، فذلك هو الهالكُ المُخَلَّدُ في النارِ، الذي أوْعَده جلَّ ثناؤُه أن يعذِّبَه العذاب الأليمَ بقولِه:{وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} .

فتأويلُ الآيةِ إذنْ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} أَيُّهَا النَّاسُ فَتُظْهِروه {أَوْ تُخْفُوهُ} فتَنْطَوِى عليه نفوسُكم {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ، فيُعرِّفُ مؤمنكم

(2)

تفَضُّلَه بعفوِه عنه ومغفرتَه له، فيَغْفِرُه له، ويُعَذِّبُ مُنافقِكم

(3)

على شكِّه

(4)

الذي انْطَوَت عليه نفسُه في وَحْدانيةِ خالقِه ونبوةِ أنبيائِه.

‌القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)}

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: والله على العفوِ عما أخْفَتْه نفسُ هذا المؤمنِ مِن الهِمَّةِ بالخَطيئةِ، وعلى عقابِ هذا الكافرِ على ما أخْفَتْه نفسُه مِن الشكِّ في توحيدِ

(1)

أخرج نحوه مسلم (206، 207) من حديث أبى هريرة وابن عباس. وينظر ما تقدم في 2/ 411.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"مؤمنيكم".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"منافقيكم".

(4)

في ص: "شك"، وفى م، س:"الشك".

ص: 147

اللهِ ونبوةِ أنبيائِه، ومُجازاةِ كلِّ واحدٍ منهما على ما كان منه، وعلى غيرِ ذلك مِن الأمور - قادرٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} .

يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: صدَّق الرسولُ، يعني: رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأقرَّ {بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ} يعنى: بما أُوحِى إليه من عندِ ربِّه من الكتابِ وما فيه من حلالٍ وحرامٍ، ووعدٍ ووَعيدٍ، وأمْرٍ ونهيٍ، وغيرِ ذلك مِن سائرِ ما فيه من المعانى التي حوَاها.

وذُكِر أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لما نزَلَت هذه الآيةُ عليه قال: "يحقُّ

(1)

له".

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: هو {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} : ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم لما نَزَلت هذه الآيةُ قال: "ويحقُّ

(1)

له أن يُؤْمِنَ"

(2)

.

وقد قيل: إنها نزَلَت بعدَ قولِه: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ؛ لأن المؤمنين برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن أصحابه شقَّ عليهم ما توَعَّدَ اللهُ به مِن محاسبتِهم على ما أخْفَتْه نفوسُهم، فشكَوْا ذلك إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال لهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لعلكم تقولون: سمِعْنا وعصَيْنا كما قالت بنو إسرائيلَ". فقالوا: [بل نقولُ]

(3)

: سمِعْنا وأطَعْنا. فأَنْزَلَ اللهُ لذلك مِن قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقولِ أصحابِه:

(1)

في الأصل: "لحق".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 576 (3071) من طريق يزيد به.

(3)

سقط من: الأصل.

ص: 148

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} . يقولُ: وصدَّق المؤمنون أيضًا مع نبيِّهم عليه السلام باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، الآيتين. وقد ذكَرْنا قائلى ذلك قبلُ

(1)

.

واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَكُتُبِهِ} فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ المدينةِ وبعضُ قرَأَةِ أهلِ العراِق {وَكُتُبِهِ}

(2)

على وجهِ جمعِ الكتابِ، على معنى: والمؤمنون كلٌّ آمَن باللهِ وملائكتِه وجميعِ كتبِه التي أنْزَلَها على أنبيائِه ورسلِه.

وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (وكتابِه)

(3)

. بمعنى: والمؤمنون كلٌّ آمَن باللهِ وملائكتِه وبالقرآنِ الذي أنْزَلَه على نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وكتابِه)

(4)

. ويقولُ: الكتابُ أكثرُ مِن الكتبِ. وكان ابن عباسٍ يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى نحوِ قولِه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1، 2]. يعني جنسَ الناسِ وجنسَ الكتابِ، كما يقالُ: ما أكثرَ درهمَ فلانٍ ودينارَه. ويُرادُ به جنسُ الدراهمِ والدنانيرِ.

وذلك وإن كان مذهبًا من المذاهبِ معروفًا، فإن الذي هو أَعْجَبُ إليَّ مِن القراءةِ في ذلك أن يُقْرَأَ بلفظِ الجمعِ؛ لأن الذي قبلَه جمعٌ، والذي بعدَه كذلك - أعْنِى بذلك:{وَمَلَائِكَتِهِ} {وَرُسُلِهِ} - فالْحاقُ "الكتبِ" في الجمعِ لفظًا به أعجبُ إليَّ مِن توحيدِه وإخراجِه في اللفظِ به بلفظِ الواحدِ؛ ليكونَ لاحقًا في اللفظِ والمعنى بلفظِ ما قبلَه وما بعدَه وبمعناه.

(1)

ينظر ما تقدم ص 130 - 138.

(2)

وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو السبعة لابن مجاهد ص 195، 196.

(3)

وهى قراءة الكسائي وحمزة. المصدر السابق.

(4)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (477 - تفسير) من طريق عكرمة، عن ابن عباس.

ص: 149

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} .

وأما قولُه: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} . فإنه أَخْبَرَ جَلَّ ثناؤُه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك. ففى الكلامِ في قراءةِ مَن قرأَ: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} بالنون، متروكٌ قد استُغْنِى بدلالةِ ما ذُكِر عنه، وذلك المتروكُ هو "يقولون".

وتأويلُ الكلامِ: والمؤمنون كلٌّ آمن باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، يقولون: لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ مِن رسلِه. وترَك ذكْرَ "يَقُولُون" لدلالةِ الكلامِ عليه، كما ترَك ذكْرَه في قولِه:{وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد: 23، 24]. بمعنى: يقولُون: سلامٌ عليكم.

وقد قرَأ ذلك جماعةٌ من المُتقدِّمين: (لا يُفَرِّقُ بينَ أحدٍ من رسلِه) بالياءِ

(1)

، بمعنى: والمؤمنون كلُّهم آمَن باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، لا يُفَرِّقُ الكلُّ منهم بينَ أحدٍ من رسلِه، فيُؤْمِنَ ببعضٍ ويَكْفُرَ ببعضٍ، ولكنهم يُصَدِّقون بجميعِهم، ويُقِرُّون أن ما جاءوا به كان مِن عندِ اللهِ، وأنهم دَعَوْا إلى اللهِ وإلى طاعتِه، ويُخالِفون في فعلِهم ذلك اليهودَ الذين أقَرُّوا بموسى وكذَّبوا بعيسى، والنصارى الذين أقَرُّوا بموسى وعيسى وكذَّبوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وجحدوا نبوتَه، ومَن أَشْبَهَهم مِن الأممِ الذين كذَّبوا بعضَ رُسُلِ اللهِ وأَقَرُّوا ببعضٍ.

كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} : كما صنع القومُ - يعنى بني إسرائيلَ - قالوا: فلانٌ نبيٌّ وفلانٌ ليس نبيًّا، وفلانٌ نُؤْمِنُ به وفلانٌ لا نُؤْمِنُ به.

(1)

وهي قراءة ابن جبير وابن يعمر وأبي زرعة بن عمرو بن جرير، ويعقوب، ونص رواة أبي عمرو على أنها بالياء. البحر المحيط 2/ 365. ويعقوب من القراء العشرة الذين تواترت قراءاتهم عند الجمهور.

ص: 150

والقراءةُ التي لا نسْتَجِيزُ غيرَها في ذلك عندَنا بالنونِ: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} ؛ لأنها القراءةُ التي قامَت حجتُها بالنقلِ المُستفيضِ الذي يَمْتَنِعُ معه التَّشاعُرُ

(1)

والتَّواطُؤُ والسهوُ والغَلَطُ، بمعنى ما وصَفْنا من: يقولون: لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ مِن رسلِه. ولا يُعْتَرَضُ بشاذٍّ مِن القراءةِ على ما جاءَت به الحجةُ نقلًا وراثةً

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه: وقال الكلُّ مِن المؤمنين: سمِعنا قولَ ربِّنا وأمْرَه إِيَّانا بما أمَرَنا به، ونهيَه عما نهانا عنه {وَأَطَعْنَا}. يعنى: أطَعْنا رَبَّنا فيما أَلْزَمنَا مِن فرائضِه واسْتَعْبَدَنا به مِن طاعتِه، وسلَّمْنا له.

وقولُه: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} . يعني: وقالوا: غفرانَك ربَّنا. بمعنى: اغْفِرْ لنا ربَّنَا غُفْرَانَك. كما يُقالُ: سبحانَك. بمعنى: نُسَبِّحُك سبحانَك.

وقد بيَّنَّا فيما مضَى أن الغفرانَ والمغفرةَ السترُ مِن اللهِ عز وجل على ذنوبِ مَن غُفِر له، وصَفْحُه له عن هَتْكِ سترِه بها في الدنيا والآخرةِ، وعفوُه عن العقوبةِ عليه

(3)

.

وأما قولُه: {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} . فإنه يعنى جل ثناؤُه أنهم قالوا: وإليك يا ربَّنا مَرْجِعُنا ومَعادُنا، فاغْفِرْ لنا ذنوبَنا.

فإن قال لنا قائلٌ: فما الذي نصَب: {غُفْرَانَكَ} ؟

قيل له: وقوعُه وهو مصدرٌ موقعَ الأمرِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ بالمصادرِ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"التشاغر". والتشاعر: التعالم. من "شعر" بمعنى: علم.

(2)

في ص، م، س:"ورواية".

(3)

ينظر ما تقدم 1/ 720، 721.

ص: 151

والأسماءِ إذا حلَّت محلَّ الأمرِ وأدَّت عن معنى الأمرِ نصَبَتها، فيقولون: شكرًا للهِ يا فلانُ، وحمدًا له. بمعنى: اشْكُرِ الله واحْمَدْه. والصلاةَ الصلاةَ، بمعنى: صَلُّوا. ويَقُولُون في الأسماءِ: الله الله يا قومِ. ولو رُفِع بمعنى: هو اللهُ، أو هذا اللهُ. ووُجِّه إلى الخبرِ وفيه تأويلُ الأمرِ، كان جائزًا، كما قال الشاعرُ

(1)

:

إن قومًا منهم عُمَيرٌ وأشبا

هُ عُمَيْرٍ ومنهمُ السَّفَّاحُ

لجَدِيرون بالوفاءِ إذا قا

ل أخو النَّجْدةِ السِّلاحُ السلاحُ

ولو كان قولُه: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} جاء رفعًا في القراءةِ لم يكنْ خطأً، بل كان صوابًا على ما وصَفنا.

وقد ذُكر أن هذه الآيةَ لما نزَلَت على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثناءً مِن الله عليه وعلى أمتِه، قال له جبريلُ صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قد أحْسَن عليك وعلى أمتِك الثناءَ، فسَلْ ربَّك.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن بَيانٍ، عن حَكيمِ بن جابرٍ، قال: لمَّا أُنْزِلَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} . قال جبريلُ عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى قد أحْسَن الثناءَ عليك وعلى أمتِك، فسَلْ تُعْطَهْ. فسأل:" {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} " إلى آخرِ السورةِ

(2)

.

‌القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} .

(1)

البيتان في معاني القرآن للفراء 1/ 188، والخصائص 3/ 102، والدرر اللوامع 1/ 146.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 575 (3070) من طريق جرير به. وأخرجه سعيد بن منصور (478 - تفسير)، وابن أبي شيبة 11/ 501 من طريق بيان به.

ص: 152

يعنى بذلك جل ثناؤُه: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا فيَتَعَبَّدُها إلا بما يَسَعُها، فلا يُضَيِّقُ عليها ولا يَجْهَدُها.

وقد بيَّنا فيما مضَى قبلُ أن الوُسْعَ اسمٌ مِن قولِ القائلِ: وَسِعنى هذا الأمرُ

(1)

. مثلُ الجُهْدِ والوُجْدِ، مِن: جَهَدنى هذا الأمرُ، ووجَدْتُ منه.

كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} . قال: هم المؤمنون، وسَّع اللهُ عليهم أمرَ دينِهم، فقال اللهُ جل ثناؤُه:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. وقالَ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

(2)

[التغابن: 16].

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الزهريِّ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، قال: لما نزَلَت ضجَّ المؤمنون منها ضجةً، وقالوا: يا رسولَ اللهِ، هذا نَتوبُ من عملِ اليدِ والرِّجْلِ واللسانِ، فكيف نتوبُ مِن الوَسْوسةِ؟ كيف نَمْتَنِعُ منها؟ فجاء جبريلُ عليه السلام بهذه الآيةِ:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} . إنكم لا تَسْتَطِيعون أن تَمْتَنِعوا مِن الوَسْوسةِ

(3)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} : ووسعُها طاقتُها، فكان حديثُ النفسِ مما لم يُطِيقوا

(4)

.

(1)

ينظر ما تقدم في 4/ 213.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 577 (3080) من طريق عبد الله بن صالح به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 376 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 578 عقب الأثر (3084) من طريق عمرو بن حماد به.

ص: 153

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} .

يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {لَهَا} : للنفسِ التي أخْبَر أنه لا يُكَلِّفُها إلا وسعَها. يَقُولُ: لكلِّ نفسٍ ما اجْترَحَت وعمِلَت مِن خيرٍ. {وَعَلَيْهَا} . يعنى: وعلى كلِّ نفسٍ {مَا اكْتَسَبَتْ} : ما عَمِلَت مِن شَرٍّ.

كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ} أَيْ: مِن خيرٍ، {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} أي: من شرٍّ. أو قال: مِن سُوءٍ.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ:{لَهَا مَا كَسَبَتْ} . يقولُ: ما عمِلَت مِن خيرٍ، {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}. يقولُ: وعليها ما عمِلَت مِن شرٍّ.

حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن الزهريِّ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ، عملُ اليدِ والرِّجْلِ واللسانِ

(1)

.

فتأويلُ الآيةِ إذنْ: لا يُكَلِّفُ اللهُ نفسًا إلا ما يَسَعُها فلا يَجْهَدُها ولا يُضَيِّقُ عليها في أمرِ دينِها، فيُؤاخِذها بهِمَّةٍ إن همَّت، ولا بوَسْوَسةٍ إن عَرَضَت لها، ولا بخَطْرَةٍ إِن خَطَرَت بقلبِها، [ولكنه يؤاخذُها بما عمِلت فتعمَّدت وقصَدت عملَه من خيرٍ أو شرٍّ]

(2)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 578، 579 (3087، 3090) من طريق سعيد بن مرجانة، عن ابن عباس.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 154

‌القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} .

وهو تعليمٌ مِن اللهِ عبادَه المؤمنين دعاءَه؛ كيف يَدْعُونه، وما يقولون في دعائِهم إياه، ومعناه: قولوا: ربَّنا لا تُؤاخِذْنا إِن نَسِينا شيئًا فرَضْتَ علينا عملَه فلم نَعْمَلُه، أو أَخْطَأْنا في فعلِ شيءٍ نهيْتَنا عن فعلِه ففعَلْناه على غيرٍ قصدٍ منا إلى معصيتِك، ولكن على جَهالةٍ منا به وخطإٍ.

كما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} : إن نَسِينا شيئًا مما افْتَرَضْتَه علينا، أو أَخْطَأْنا شيئًا مما حَرَّمْتَه علينا.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . قال: بلَغَنى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تبارك وتعالى تَجاوَز لهذه الأُمَّةِ عن نسيانِها وما حدَّثَت به أنفسَها"

(1)

.

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، قال: زعَم السديُّ أن هذه الآيةَ حين نزَلَت: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . قال له جبريلُ صلى الله عليه وسلم: فعل

(2)

ذلك يا محمدُ

(3)

.

فإن قال لنا قائلٌ: وهل يَجوزُ أن يُؤاخِذَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عبادَه بما نَسُوا أو أَخْطَئوا، فيَسْأَلُوه ألا يُؤاخِذَهم بذلك؟

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 112 والحديث أصله في البخارى (2528، 5269، 6664)، ومسلم (127) من حديث أبي هريرة.

(2)

في م: "فقل".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.

ص: 155

قيل: إن النسيانَ على وجهين؛ أحدُهما: على وجهِ التَّضْييعِ من العبدِ والتَّفْريطِ. والآخرُ: على وجهِ عجزِ الناسى عن حفظِ ما اسْتُحْفِظ ووُكِّل به، وضعفِ عقلِه عن احتمالِه.

فأما الذي يكونُ من العبدِ على وجهِ التَّضْييعِ منه والتفريطِ، فهو تركٌ منه لما أُمِر بفعلِه، فذلك الذي يَرْغَبُ العبدُ إلى اللهِ في تركِه مُؤاخَذتَه به، وهو النسيانُ الذي عاقَب اللهُ به آدمَ صلواتُ اللهِ عليه، فأَخْرَجَه مِن الجنةِ، فقال في ذلك:{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]. وهو النسيانُ الذي قال جلّ ثناؤُه: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51]. فرغبةُ العبدِ إلى اللهِ عز وجل بقولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} فيما إليه مِن نسيانٍ منه لما أُمِر بفعلِه، على هذا الوجهِ الذي وصَفْنا، ما لم يكنْ تركُه ما ترَك من ذلك تَفْريطًا منه فيه وتَضْييعًا، كفرًا باللهِ، فإن ذلك إذا كان كفرًا باللهِ، فإن الرغبةَ إلى اللهِ في تركِه المؤاخذةَ به غيرُ جائزةٍ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عبادَه أنه لا يَغْفِرُ لهم الشركَ به، فمسألتُه فِعْلَ ما قد أَعْلَمَهم أنه لا يَفْعَلُه خطأٌ، وإنما تجوزُ

(1)

مسألتُه المغفرةَ فيما كان

(2)

مثلَ نسيانِه القرآنَ بعدَ حفظِه بتَشاغُلِه عنه وعن قراءتِه، وبمثلِ نسيانِه صلاةً أو صيامًا، باشتغالِه عنهما بغيرِهما حتى ضيَّعهما.

وأما الذي العبدُ به غيرُ مُؤاخَذٍ لعجزِ بِنْيَتِه عن حفظِه، وقلةِ احتمالِ عقلِه ما وُكِّل بمراعاتِه، فإن ذلك مِن العبدِ غيرُ معصيةٍ، وهو به غيرُ آثمٍ، فذلك الذي لا وجهَ لمسألةِ العبدِ ربَّه أن يغفِرَه له؛ لأنه مسألةٌ منه له أن يَغْفِرَ له ما ليس له بذنبٍ، وذلك مثلُ الأمرِ يَغْلِبُ عليه وهو حَريصٌ على تذكُّرِه وحفظِه، كالرجلِ يَحْرِصُ على حفظِه

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يكون".

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"من".

ص: 156

القرآنَ بجِدٍّ منه، فيَقْرَؤُه ثم يَنْساه بغيرِ تَشاغُلٍ منه بغيرِه عنه، ولكن لعجزِ بِنْيَتِه عن حفظِه، وقلَّةِ احتمالِ عقلِه ذكْرَ ما أَوْدَع قلبَه منه، وما أشْبَهَ ذلك من النسيانِ، فإن ذلك مما لا تجوزُ مسألةُ الربِّ مغفرتَه؛ لأنه لا ذنب للعبدِ فيه فيُغْفَرَ له باكتسابِه.

وكذلك للخطإِ وجهان؛ أحدُهما: مِن وجهِ ما نُهِى عنه العبدُ، فيَأْتِيه بقصدٍ منه وإرادةٍ، فذلك خطأٌ منه وهو به مأخوذٌ، يُقالُ منه: خَطِئ فلانٌ وأَخْطَأَ. فيما أَتَى مِن الفعلِ، وأثِم، إذا أتَى ما يأثمُ فيه وركِبه، ومنه قولُ الشاعرِ

(1)

:

الناسُ يَلْحَوْن

(2)

الأميرَ إذا هم

خطِئوا الصوابَ ولا يُلامُ المُرْشَدُ

بمعنى: أخْطَئوا الصوابَ. وهذا الوجهُ الذي يَرْغَبُ العبدُ إلى ربِّه في صَفْحِ ما كان منه مِن إثمٍ عنه، إلا ما كان مِن ذلك كفرًا.

والآخرُ منهما: ما كان منه على وجهِ الجهلِ به، والظنِّ منه بأن له فِعْلَه، كالذي يَأْكُلُ في شهرِ رمضانَ ليلًا وهو يَحْسَبُ أن الفجرَ لم يَطْلُعْ، أو يُؤَخِّرُ صلاةً في يومٍ غَيْمٍ وهو يَنْتَظِرُ بتأخيرِه إياها دخولَ وقتِها، فيَخْرُجُ وقتُها وهو يَرَى أَن وقتَها لم يَدْخُلْ، فإن ذلك من الخطإِ الموضوعِ عن العبدِ الذي وضَع اللهُ عز وجل عن عبادِه الإثمَ فيه، فلا وجهَ لمسألةِ العبدِ ربَّه ألا يُؤاخِذَه به.

وقد زعَم قومٌ أن مسألةَ العبدِ ربَّه ألا يُؤاخِذَه بما نسِى أو أخْطَأ، إنما هو فعلٌ منه لما أمرَه به ربُّه تبارك وتعالى، أولمَا ندَبه إليه مِن التذلُّلِ له، والخضوعِ بالمسألةِ، فأما على وجهِ مسألتِه الصَّفْحَ عنه، فما لا وجهَ له عندَهم.

وللبيانِ على

(3)

هؤلاء كتابٌ سنأتى فيه إن شاء اللهُ على ما فيه الكفايةُ لمن وُفِّق لفهمه.

(1)

هو عبيد بن الأبرص الأسدى، والبيت في ديوانه ص 42.

(2)

يلحون: يلومون.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"عن".

ص: 157

‌القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه: قولوا: ربَّنا ولا تَحْمِلْ علينا إصرًا. ويعنى بالإصْرِ العهدَ، كما قال جلَّ ثناؤُه:{قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} [آل عمران: 81]. وإنما عنَى بقولِه: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} : ولا تَحْمِلْ علينا عهدًا نَعْجِزُ عن القيامِ به ولا نَسْتَطِيعُه. {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . يعني: على اليهودِ والنصارى الذين كُلِّفوا أعمالًا، وأُخِذت عهودُهم ومَواثيقُهم على القيامِ بها، فلم يَقُوموا بها، فعُوجِلوا بالعقوبةِ، فعلَّم اللهُ عزَّ جلَّ أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم الرغبةَ إليه بمسألتِه ألا يَحْمِلَهم مِن عهودِه ومَواثيقِه على أعمالٍ - إن ضَيَّعوها أو أخْطَئوا فيها أو نَسُوها - مثلَ الذي حَمَل مَن قبلَهم، فيُحِلُّ بهم بخطئِهم فيه وتَضْييعِهم إياه مثلَ الذي أحَلَّ بمَن قبلَهم.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه:{وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} . قال: لا تَحْمِلْ علينا عهدًا وميثاقًا {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . يقولُ: كما غُلِّظ على مَن قبلَنا

(1)

.

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن قيسٍ الحَضْرميِّ، عن مُجاهدٍ في قولِه:{وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} . قال: عهدًا

(2)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 112.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى عبد بن حميد.

ص: 158

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه:{إِصْرًا} . قال: عهدًا.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{إِصْرًا} . يقولُ: عهدًا

(1)

.

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} : والإصرُ العهودُ التي كانت على مَن قبلَنا مِن اليهودِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه:{وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} . قال: عهدًا لا نُطِيقُه ولا نَسْتَطيعُ القيامَ به، {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} ، اليهودَ والنصارى، فلم يَقُوموا به، فأَهْلَكْتَهم

(3)

.

حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أَخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ:{إِصْرًا} . قال: المَواثيقَ

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: الإصرُ العهدُ، {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} [آل عمران: 81]. قال: عهْدي.

[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه]

(5)

(1)

ذكره الحافظ في التغليق 4/ 187 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 580 (3097) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 580 عقب الأثر (3097) من طريق عمرو بن حماد به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 580 عقب الأثر (3097) معلقا.

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 159

[{وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} . قال: عهدى

(1)

]

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} . قال: عهدى

(3)

.

وقال آخَرون: معنى ذلك: ولا تَحْمِلْ علينا ذنوبًا وإثْمًا كما حَمَلْتَ ذلك على مَن قبلَنَا مِن الأممِ، فتَمْسَخنا قِرَدةً وخَنازيرَ كما مسَخْتَهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا بَقِيةُ بنُ الوليد، عن عليِّ بن هارونَ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءِ بن أبي رَباحٍ في قولِه:{وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . قال: لا تَمْسَخْنا قردةً وخنازيرَ

(4)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: قولُه: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . لا تَحْمِلْ علينا ذنبًا ليس فيه توبةٌ ولا كفارةٌ

(4)

.

وقال آخَرون: معنى الإصْرِ بكسرِ الألفِ: الثِّقْلُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ

(1)

ينظر المحرر الوجيز 2/ 320.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 695 (3765) عن محمد بن سعد به.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.

ص: 160

قَبْلِنَا}. يقولُ: التشديدُ الذي شدَّدْتَه على مَن قبلَنَا مِن أهلِ الكتابِ

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سألْتُ - يعني مالكًا - عن قولِه: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} . قال: الإصرُ الأمرُ الغَليظُ

(2)

.

فأما الأصْرُ بفتحِ الألفِ فهو ما عطَف به الرجلُ على غيرِه مِن رَحِمٍ أو قَرابةٍ، يقولُ: قد أصَرَتْنى رحِمى بينى وبينَ فلانٍ عليه. بمعنى: عطَفَتْني عليه، و: ما يَأْصِرُني عليه، أيْ: ما يَعْطِفُنى عليه. و: بينى وبينَه آصِرَةُ رحِمٍ تَأصِرُني عليه أصْرًا. يعني به: عاطفةُ رحمٍ تَعْطِفُنى عليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه: وقولوا أيضًا: ربَّنا لا تُكَلِّفْنا مِن الأعمالِ ما لا نُطِيقُ القيامَ به لثِقَلِ حملِه علينا.

وكذلك كانت جماعةُ أهلِ التأويلِ يَتَأَوَّلونه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} : تشديدٌ تُشَدِّدُ به، كما شدَّدتَ على مَن كان قبلنا

(3)

.

حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ قولَه:{وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} . قال: لا تُحَمِّلْنَا مِن الأعمالِ ما لا نُطِيقُ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 580 (3098) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

ينظر البحر المحيط 2/ 369.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 112 عن معمر، عن قتادة بمعناه.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.

ص: 161

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} : لا تَفْتَرِضْ علينا مِن الدين ما لا طاقةَ لنا به فنَعْجِزَ عنه

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ:{وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} : مَسْخُ القِرَدةِ والخَنازيرِ

(2)

.

حدَّثني سَلَّامُ بنُ سالمٍ الخُزاعيُّ، قال: ثنا أبو حفصٍ عمرُ بنُ سعيدٍ التَّنُوخيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ شُعيبِ بن شابورَ

(3)

، عن [سلّامِ بن سابورَ]

(4)

في قولِه: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} . قال: الغُلْمةُ

(5)

.

حدثني موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ:{رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} : مِن التغليظِ والأغْلالِ التي كانت عليهم من التحريمِ

(6)

.

وإنما قلنا: إن تأويلَ ذلك: ولا تُكَلِّفْنا من الأعمالِ ما لا نُطِيقُ القيامَ به. على نحوِ الذي قلنا في ذلك؛ لأنه عَقيبَ مسألةِ المؤمنين ربَّهم ألا يُؤَاخِذَهم إن نَسُوا أو أَخْطَئوا، ولا يَحْمِلَ عليهم إصرًا كما حمَله على الذين من قبلِهم،

(1)

ينظر المحرر الوجيز 2/ 321، والبحر المحيط 2/ 369.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 581 عقب الأثر (3104) معلقا.

(3)

في م: "سابور".

(4)

في ص: "سلام بن سابورا"، وفى م:"سالم بن شابور".

(5)

الغلمة: هيجان شهوة النكاح من المرأة والرجل. اللسان (غ ل م).

والأثر ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 321، وأبو حيان في البحر المحيط 2/ 369، عن سلام بن سابور، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 581 (3107) من طريق عمرو به.

ص: 162

فكان إلحاقُ ذلك بمعنى ما قبلَه من مسألتِهم التَّيْسيرَ في الدِّينِ، أَوْلَى مما خالَف ذلك المعنى.

[فإن قال قائلٌ: أو كان جائزًا أن يُكَلِّفَهم ما لا طاقةَ لهم به فيَسْأَلُوه ألا يُكَلِّفَهم ذلك؟

قيل: إن تَكْليفَ ما لا يُطاقُ على وجْهَين:

أحدُهما: ما ليس في بِنْيةِ المُكَلَّفِ احْتِمالُه، فذلك ما لا يَجوزُ تَكْليفُ الربِّ عبدَه بحالٍ، وذلك كتَكْليفِ الأعْمَى النَّظَرَ، وتكليفِ المُقْعَدِ العَدْوَ، فهذا النوعُ من التكليفِ هو الذي لا يَجوزُ أن يُضافَ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ، ولا تَجُورُ مسَأَلْتُه صرفَه وتَخْفِيفَه عنه؛ لأن ذلك مسألةٌ مِن العبدِ ربَّه - إن سأله - ألا يَفْعَلَ ما قد أَعْلَمَه أَنه لا يَفْعَلُه به.

والوجه الثاني: ما في بِنْيةِ المكلَّفِ احْتِمالُه، غيرَ أنه يَحْتَمِلُه بمشقةٍ شَديدةٍ وكُلْفةٍ عظيمةٍ، مَخُوفٍ على مُكَلَّفِه التَّضْيِيعُ والتَّفْريطُ؛ لغلَظِ مِحْنتِه عليه فيه، وذلك كتكْليفِ قَرْضٍ مَن أصاب جسدَه بولٌ موضعَ البولِ الذي أصابه بمِقْراضٍ، وكإقامةِ خمسين صلاةً في اليومِ والليلةِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأعمالِ التي وإن كانت الأبْدانُ لها مُحْتَمِلةً؛ فإن الأغْلَبَ مِن أمرِها خوفُ التَّضْييعِ عليها والتَّقْصيرِ، فذلك هو الذي سأَل المؤمنون ربَّهم ألا يُحَمِّلَهم، ورغِبوا إليه في تَخْفيفِه وتَيْسيرِه عليهم؛ لأن ذلك من الأمورِ التي لو أمَر اللهُ تعالى ذكرُه بها عبادَه وتعَبَّدهم بها كان عدْلًا منه، وتَخفيفُه ذلك عنهم فضلٌ منه تفَضَّل به عليهم، ورحمةٌ منه بهم، فرغِب المؤمنون إلى ربِّهم في تَعَطُّفِه عليهم بفضلِه ورحمتِه، وإن كانت المنزلةُ الأخرى عدلًا منه، إذ كان في تفَضُّلِه عليهم التخفيفُ، وفى عدلِه عليهم التشديدُ الذي لا يُؤْمَنُ معه هَلاكُهم]

(1)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 163

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا} .

وفى هذا أيضًا من قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه خبرًا عن المؤمنين من مسألتِهم إياه ذلك، الدلالةُ الواضحةُ أنهم سألوه تَيْسيرَ فرائضِه عليهم بقولِه:{وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} . لأنهم عقَّبوا ذلك بقولِهم: {وَاعْفُ عَنَّا} . مسألةً منهم ربَّهم أن يعفوَ لهم عن تقصيرٍ إن كان منهم في بعض ما أمَرَهم به مِن فرائضِه، فيَصْفَحَ لهم عنه، ولا يُعاقِبَهم عليه، وإن خفَّ ما كلَّفهم مِن فرائضِه على أبدانِهم.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَاعْفُ عَنَّا} . قال: اعْفُ عنا إن قصَّرْنا عن شيءٍ مِن أَمرِك مما أَمَرْتَنا به

(1)

.

وكذلك قولُه: {وَاغْفِرْ لَنَا} . يعنى: واسْتُرْ علينا زَلَّةً إن أتَيْناها فيما بينَنا وبينَك، فلا تَكْشِفْها ولا تَفْضَحْنا بإظهارِها.

وقد دلَّلْنا على معنى "المغفرةِ" فيما مضَى قبلُ

(2)

.

كما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {وَاغْفِرْ لَنَا} : إِن انْتَهَكْنا شيئًا مما نهَيْتَنا عنه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَارْحَمْنَا} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه: تغَمَّدْنا منك برحمةٍ تُنْجِينا بها من عقابِك، فإنه ليس

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف. وستأتي بقيته فيما يأتي.

(2)

تقدم في 1/ 720، 721.

ص: 164

بناجٍ مِن عقابِك أحدٌ إلا برحمتِك إياه دونَ عملِه، وليست أعمالُنا مُنْجِيتَنا إن أنت لم تَرْحَمْنَا فوفِّقْنا لما يُرْضِيك عنا.

كما حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَارْحَمْنَا} . قال: يقولُ: لا تَنالُ العملَ بما أَمَرْتَنا به، ولا نَتْرُكُ ما نهَيْتَنا عنه إلا برحمتِك. قال: ولم يَنْجُ أحدٌ إلا برحمتِك

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)} .

يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: {أَنْتَ مَوْلَانَا} : أنت وليُّنا تَلِينا بنصرِك دونَ مَن عاداك وكفَر بك؛ لأنا مؤمنون بك ومُطِيعوك فيما أمَرْتَنَا ونَهَيْتَنا، فأنت وليُّ مَن أطاعك، وعدُوُّ مَن كفَر بك فعَصَاك {فَانْصُرْنَا} ؛ لأنا حِزْبُكَ {عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} الذين جحَدوا وحدانيتَك، وعبَدوا الآلهةَ والأنْدادَ دونَك، وأطاعوا في معصيتِك الشيطانَ.

والمَوْلَى في هذا الموضعِ "المَفْعَلُ"، مِن: ولِى فلانٌ أمرَ فلانٍ، فهو يَلِيه ولايةً، وهو وليُّه ومولاه. وإنما صارَت الياءُ مِن "مولى" ألفًا لانفتاحِ اللامِ قبلَها التي هي عينُ الاسمِ.

وقد ذُكِر أن الله جلَّ ثناؤُه لما أَنْزَل هذه الآيةَ على رسولِه صلى الله عليه وسلم فتلاها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، استَجاب اللهُ له في ذلك كلِّه.

‌ذكرُ الأخبارِ التي جاءَت بذلك

حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ خلفٍ العسقلانيُّ، قالا: ثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن

(1)

تقدم أوله في ص 164.

ص: 165

عباسٍ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} . قال: قرَأَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلما انتَهَى إلى قولِه:{غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} . قال اللهُ: قد غَفَرْتُ لكم. فلما قرَأ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . قال اللهُ عز وجل: [لا أواخذُكم. فلما قرَأ: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}. قال جلَّ ثناؤُه: لا أحمِلُ عليكم. فلما قرَأ: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. قال اللهُ عز وجل]

(1)

: لا أحَمِّلُكم. فلما قرَأ: [{وَاعْفُ عَنَّا}. قال الله عز وجل: قد عفوت عنكم. فلما قرَأ]

(1)

: {وَاغْفِرْ لَنَا} . قال اللهُ عز وجل: قد غفَرت لكم. فلما قرَأ: {وَارْحَمْنَا} . قال اللهُ عز وجل: قد رحِمْتُكم. فلما قرَأ: {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} . قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: قد نصَرْتُكم عليهم

(2)

.

حدَّثني يحيَى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ، قال: أتَى جبريلُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهما وسلَّم فقال: يا محمدُ، قلْ:{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . فقالها، فقال جبريلُ عليه السلام: قد فعَل. وقال له: قلْ: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . فقالها، فقال جبريلُ صلى الله عليه وسلم: قد فعَل. فقال: قلْ: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} . فقالها، فقال جبريلُ: قد فعل. فقال: قلْ: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} . فقالها، فقال له جبريلُ صلى الله عليه وسلم: قد فعَل

(3)

.

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

أخرجه أبو عوانة في مسنده 1/ 76، والطحاوى في المشكل (1630)، والطبراني في الأوسط (9308)، والبيهقى في الشعب 2/ 463 من طريق آدم به.

(3)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (483 - تفسير)، والبيهقى في الشعب (2410) من طرق عن الضحاك بنحوه.

ص: 166

السديِّ أن هذه الآيةَ حين نزَلَت: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} ، فقال له جبريلُ صلى الله عليهما وسلم: فعَل ذلك يا محمدُ. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} . فقال جبريلُ في كلِّ ذلك: فعَل ذلك يا محمدُ

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن آدمَ بن سليمانَ مولى خالدٍ، قال: سَمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أنْزَل اللهُ عز وجل: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} إلى قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . فقرَأ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . قال: فقال: قد فعَلْتُ. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . فقال. قد فعَلْتُ. {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: قد فعلتُ. {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال: قد فعَلْتُ

(2)

.

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مُصْعَبِ بن ثابتٍ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: أنْزَل اللهُ تبارك وتعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قال اللهُ: نعم". [{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} إلى آخرِ الآيةِ. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قال اللهُ عز وجل: نعم]

(3)

"

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.

(2)

تقدم تخريجه في ص 131.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(4)

تقدم تخريجه في ص 130، 131.

ص: 167

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ

(1)

، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: نزلت هذه الآيةُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: ويقولُ: قد فعَلْتُ. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . قال: ويقولُ: قد فعَلْتُ. فأُعْطِيَت هذه الأمةُ خَواتيمَ سورةِ "البقرة"، ولم تُعْطَها الأممُ قبلَها.

حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ المَوْصليُّ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، قال: ثنا عَطَاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ جَلَّ وعزَّ:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} إلى قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} . قال: قد غَفَرْتُ لكم. {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} إلى قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . قال: لا أؤاخِذُكم. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} . قال: لا أحْمِلُ عليكم. إلى قولِه: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا} إلى آخرِ السورةِ. قال: قد عَفَوْتُ عنكم، وغفَرْتُ لكم، ورَحِمْتُكم، ونَصَرْتُكم على القومِ الكافرين

(2)

.

ورُوِى عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ أن إجابةَ اللهِ [تبارك وتعالى في هذه الآيةِ كانت]

(3)

للنبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصّةً.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"حميد".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 577، 579، 581، 582 (3078، 3093، 3096، 3108، 3110، 3113) عن علي بن حرب به.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 168

أَخْطَأْنَا} إلى آخرِ السورةِ: فإن جبريلَ عليه السلام أقرَأَها نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فسألها نبيُّ اللهِ ربَّه جلَّ ثناؤُه، فأعطاها إيّاه، فكانت للنبيِّ صلى الله عليه وسلم خاصّةً

(1)

.

حدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ أن مُعاذًا كان إذا فرَغ من هذه السورةِ:{فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} . قال: آمينَ

(2)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 378 إلى المصنف.

(2)

أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 125، وابن أبي شيبة 2/ 426 من طريق سفيان به، وفى إسنادهما:"عن أبي إسحاق عن رجل عن معاذ".

وإلى هنا انتهى الجزء الثامن من المخطوط الأصل. وآخره: "آخر تفسير سورة البقرة والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وصلى الله على محمد وآله. تم السفر الثامن من جامع البيان عن تأويل أي الفرقان بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله الطيبين وسلم تسليما يتلوه إن شاء الله أول تفسير آل عمران". وسيجد القارئ أرقام أوراق المخطوط ت 1 بين معكوفين.

ص: 169

‌سورةُ آلِ عمرانَ

بسم الله الرحمن الرحيم

ربِّ يسِّر

أخبَرنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرِ بن يزيدَ:

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} .

قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: {الم} . فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(1)

،

وكذلك البيانِ عن قولِه: {اللَّهُ}

(2)

.

وأما معنى قولِه: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} . فإنه خبرٌ من اللهِ عز وجل أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا

(3)

مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو

(1)

ينظر ما تقدم في 1/ 204 - 228.

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 121 - 124.

(3)

في النسخ: "معرف" والصواب ما أثبتنا، والسياق: "أخبر عباده أن الألوهة خاصة به دون ما سواه احتجاجا منه

ومعرفًا من كان من خلقه

أنه مقيم على ضلالة".

ص: 170

صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]

(1)

، ومُتَّخذَه

(2)

دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.

وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ عز وجل في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ

(3)

، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها صلى الله عليه وسلم منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ تبارك وتعالى بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه صلى الله عليه وسلم بينَه وبينَهم.

‌ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى

حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عبادته وإلاهته".

(2)

سقط من: س، وفى م:"متخذته".

(3)

في س: "الإسلام".

ص: 171

ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم

(1)

وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ

(2)

بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم]

(3)

وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم

(4)

.

وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم

(5)

.

قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ

(6)

جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ]

(7)

بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.

(1)

الثمال: الغياث الذي يقوم بأمر قومه. تاج العروس (ث م ل).

(2)

في م: "أخو". وينظر سيرة ابن هشام 1/ 573.

(3)

في س: "أشيبهم وخيرهم".

(4)

المدراس: الموضع الذي يدرسون فيه كتابهم.

(5)

في م: "دينه".

(6)

الحِبَرَةُ: ضرب من برود اليمن مُنَمَّرة. تُجمع على: حِبَر وحِبَرات. يقال: برد حَبير، وبرد حِبَرة.

(7)

سقط من النسخ، والمثبت من سيرة ابن هشام.

ص: 172

قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو

(1)

بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و

(2)

عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم

(3)

من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ

(4)

لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ عز وجل: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال:"كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ عز وجل وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن

(1)

كذا في السيرة وجميع النسخ، وتقدم في الصفحة السابقة "أحد". وهما واحد.

(2)

في النسخ: "ابن". والمثبت من سيرة ابن هشام.

(3)

في النسخ: "هو". والمثبت من سيرة ابن هشام.

(4)

في م: "بشيء"، وفي السيرة:"وهذا".

ص: 173

أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} . فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه

(1)

نفسَه تبارك وتعالى مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي ليس معه شريكٌ في أمرِه

(2)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه:{الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} . قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله عز وجل لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء"

(3)

. قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ

(1)

في: م: "بتبرئة". وفى س، والسيرة:"بتنزيه".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 573 - 576، وأخرجه البيهقى في الدلائل 5/ 382 من طريق يونس، عن ابن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 3 إلى ابن المنذر. وسيذكر المصنف بقيته مفرقة فيما سيأتي.

(3)

بعده في م: "فهل تعلمون ذلك؟ قالوا: بلى".

ص: 174

الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ عز وجل:{الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ

(2)}.

اختلفت القَرَأَةُ في ذلك؛ فقرأتْه قَرَأَةُ الأمصارِ: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} .

وقرَأ ذلك عمرُ بنُ الخَطَّابِ وابنُ مسعودٍ، فيما ذُكِر عنهما:(الحيُّ القيَّامُ)

(2)

.

وذُكِر عن عَلْقمةَ بن قيسٍ أنه كان يقرأُ: (الحَيُّ القَيِّمُ).

حدَّثنا بذلك أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثّامُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعْمَرٍ، قال: سَمِعْتُ عَلقمةَ يقرأُ: (الحَيُّ القَيِّمُ). قلت: أنتَ سَمِعْتَه؟ قال: لا أَدْرِى

(3)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عَلْقمةَ مثلَه.

وقد رُوى عن عَلْقمةَ خلافُ ذلك، وهو ما حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: حدَّثنا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 585 (3124) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

تنظر قراءة عمر في فضائل القرآن لأبي عبيد ص 168، وسنن سعيد بن منصور (486 - تفسير)، وقراءة ابن مسعود في سنن سعيد بن منصور (489 - تفسير)، والمعجم الكبير (8690)، والمصاحف لابن أبي داود ص 59.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 2 إلى المصنف وابن الأنباري.

ص: 175

عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عَلْقمةَ أنه قرَأ:(الحَيُّ القَيَّامُ)

(1)

.

والقراءةُ التي لا يجوزُ غيرُها عندَنا في ذلك ما جاءت به قراءةُ المسلِمين نقلًا مستفيضًا، عن غيرِ تَشاعُرٍ

(2)

ولا تَواطؤٍ، وِراثةً، وما كان مُثْبَتًا في مصاحفِهم؛ وذلك قراءةُ من قرَأ:{الْحَيُّ الْقَيُّومُ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الْحَيُّ} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {الْحَيُّ} ، فقال بعضُهم: معنى ذلك مِن اللهِ تعالى ذكرُه أنه وصَف نفسَه بالبقاءِ، ونفَى الموتَ الذي يجوزُ على مَن سواه مِن خلقِه عنها.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{الْحَيُّ} : الذي لا يموتُ، وقد مات عيسى وصُلِب في قولِهم. يعنى في قولِ الأحبارِ الذين حاجُّوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من نَصارَى أَهلِ نَجْرانَ

(3)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ:{الْحَيُّ} . قال: يقولُ: حيٌّ لا يموتُ

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 2 إلى المصنف وابن الأنبارى.

(2)

في م: "تشاغر".

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 576.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 486 (2571) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 176

وقال آخرون: معنى "الحيِّ" الذي عَناه اللهُ عز وجل في هذه الآيةِ، ووصَف به نفَسه، أنه المُتَيَسِّرُ له تدبير كلِّ ما أراد وشاء، لا يَمتنعُ عليه شيءٌ أراده، وأنه ليس كمن لا تدبيرَ له من الآلهةِ والأندادِ.

وقال آخرون: معنى ذلك أن له الحياةَ الدائمةَ التي لم تَزَلْ له صفةً، ولا تزالُ كذلك. وقالوا: إنما وصَف نفسَه بالحياةِ لأن له حياةً، كما وصَفها بالعلمِ لأن لها علمًا، وبالقُدْرة لأن لها قدرةً.

ومعنى ذلك عندى أنه وصَف نفسَه بالحياةِ الدائمةِ التي لا فَناء لها ولا انقطاعَ، ونفَى عنها ما هو حالٌّ بكلِّ ذى حياةٍ من خلقِه؛ من الفَناءِ وانقطاعِ الحياةِ عندَ مجئِ أجله، فأخبرَ عبادَه أنه المُستوجِبُ على خلقِه العبادةَ والألُوهةَ، والحيُّ الذي لا يموتُ ولا يَبِيدُ، كما يموتُ كلُّ مَن اتَّخِذَ مِن دونِه ربًّا، ويَبيدُ كُلُّ مَن ادُّعِي مِن دونِه إلهًا، واحتجَّ على خلِقه بأنَّ مَن كان يَبيدُ فيزولُ ويموتُ فيَفْنَى، فلا يكونُ إلَهَا يَستوجبُ أن يُعْبَدَ دونَ الإله الذي لا يَبِيدُ ولا يموتُ، وأنَّ الإلهَ هو الدائم الذي لا يموتُ ولا يَبيدُ ولا يَفْنَى، وذلك اللهُ الذي لا إلَهَ إلا هو.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الْقَيُّومُ} .

قد ذكَرْنا اختلافَ القرأةِ في ذلك، والذي نختارُ منه، وما العِلّةُ التي مِن أجلِها اخترْنا ما اخترنا من ذلك.

فأمّا تأويلُ جميعِ الوجوهِ التي ذكَرْنا أن القرأةَ قرأتْ بها، فمتقارِبٌ، ومعنى ذلك كلِّه: القَيِّمُ بحفظِ كلِّ شيءٍ ورَزْقِه وتدبيرِه، وتصريفه فيما شاء وأحبَّ، من تغييرٍ وتبديلٍ، وزيادةِ ونقصٍ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى

ص: 177

ابن ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه:{الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قال: القائمُ على كلِّ شيءٍ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ:{الْقَيُّومُ} : قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ؛ يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرزُقُه

(3)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: القَيّامُ على مكانه. ووجَّهوه إلى القيامِ الدائمِ، الذي لا زوالَ معه ولا انتقالَ، وأنَّ اللَّهَ عز وجل إنما نفَى عن نفسِه - بوَصْفِها بذلك - التغيُّرَ والتنقُّلَ من مكانٍ إلى مكانٍ، وحدوثَ التبدُّلِ الذي يَحدُثُ في الآدميِّين وسائر خلقه غيرِهم.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن محمدِ

(4)

بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{الْقَيُّومُ} : القَيَّامُ على مكانِه، مَن سلطانَه في خلقِه لا يزولُ، وقد زال عيسى في قولِهم - يعنى في قولِ الأحبارِ الذين حاجُّوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم من أهلِ نجرانَ في عيسى - عن مكانِه الذي كان به، وذهَب عنه إلى غيرِه

(5)

.

وأولى التأويلَين بالصوابِ ما قاله مجاهدٌ والرَّبيعُ، وأن ذلك وصفٌ من الله

(1)

تفسير مجاهد ص 248، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 486 (2573).

(2)

أخرجه أبو الشيخ في العظمة (96) من طريق أبي حذيفة به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 486 (2572) من طريق ابن أبي جعفر به.

(4)

في النسخ: "عمر".

(5)

سيرة ابن هشام 1/ 576، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 586 (3129) من طريق ابن إسحاق قوله.

ص: 178

تعالى ذكرُه نفسَه بأنَّه القائمُ بأمرِ كلِّ شيءٍ في رَزْقه والدفْعِ عنه، وكِلائِه وتدبيرِه، وصَرْفِه في قدرتِه، مِن قولِ العربِ: فلانٌ قائمٌ بأمرِ هذه البلدةِ. تَعْنى بذلك: المتُوَلِّى تدبيرَ أمرها. فـ "القيُّومُ" - إذ كان ذلك معناه - "الفَيْعُولُ"، من قولِ القائلِ: اللهُ يقومُ بأمرِ خلقِه. وأصلُه "القَيْوُومُ"، غير أنَّ الواوَ الأولى من "القَيْوُومِ"، لما سبَقتْها ياءٌ ساكنةٌ وهى متحرِّكةٌ، قُلِبَتْ ياءً، فجُعِلَتْ هي والياءُ التي قبلَها ياءً مشدّدةً؛ لأن العرب كذلك تفعَلُ بالواوِ المتحرِّكةِ إذا تقدَّمَتْها ياءٌ ساكنةٌ.

وأما "القَيّامُ"، فإن أصلَه "القيوامُ"، وهو "الفَيْعَالُ"، مِن: قام يقومُ، سَبَقت الواو المتحرِّكةَ مِن "قَيْوامٍ" ياءٌ ساكنةٌ، فجُعِلَنا جميعًا ياءً مشدّدةً.

ولو أنَّ القَيُّومَ "فَعُولٌ"، كان "القَيُّومَ"، ولكنَّه "الفَيْعُولُ". وكذلك "القَيَّامُ "لو كان "الفَعَّال" لكان "القَوَّامَ"، كما قيل: الصَّوامُ والقَوَّامُ. وكما قال جلَّ ثناؤُه: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 8]. ولكنَّه "الفَيْعالُ"، فقال: القَيَّامُ.

وأمَّا "القَيِّمُ" فهو "الفَيْعِلُ"، من: قامَ يقومُ، سَبَقَت الواوَ المتحرِّكةَ ياءٌ ساكنةٌ، فجُعِلَتا ياءً مُشدَّدةً، كما قيل: فلانٌ سيِّدُ قومِه. من: سادَ يَسُودُ، وهذا طعامٌ جيِّدٌ، من: جادَ يجودُ، وما أشبهَ ذلك.

وإنما جاء ذلك بهذه الألفاظِ؛ لأنه قصَد به قَصْدَ المبالغةِ في المدحِ، فكان "القَيُّومُ" و "القَيَّامُ" و "القَيِّمُ" أبلغَ في المدحِ من القائمِ. وإنما كان عمرُ رضي الله عنه يختارُ قراءته، إن شاء اللهُ:"القَيَّام"؛ لأن ذلك الغالبُ على مَنطِقِ أهلِ الحجازِ، في ذواتِ الثلاثةِ من الياءِ والواوِ، فيقولون للرجلِ الصَّوّاغِ: الصَّيَّاغُ. ويقولون للرجلِ الكثيرِ الدَّوَرانِ: الدَّيَّارُ. وقد قيل: إن قول الله جلَّ ثناؤُه: {لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]. إنما هو: "دَوَّارًا"، "فَعَّالا"، مِن: دارَ

ص: 179

يَدُورُ. ولكنَّها نزَلتْ بلغةِ أهلِ الحجازِ، وأُقِرَّتْ كذلك في المصحفِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} .

يقولُ جلَّ ثناؤه: يا محمدُ، إنَّ ربَّك وربَّ عيسى وربَّ كلِّ شيءٍ، هو الربُّ الذي أنزل عليك الكتابَ، يعني بـ "الكتاب": القرآنَ، {بِالْحَقِّ} يَعنى بالصِّدْقِ فيما اختلَف فيه أهلُ التوراةِ والإنجيلِ، وفيما خالَفك فيه مُحاجُّوكَ مِن نَصَارَى أَهْلِ نَجْرانَ، وسائرِ أهلِ الشركِ غيرِهم، {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} ، يَعنى بذلك القرآنَ أنه مُصَدِّقٌ لما كان قبلَه مِن كتبِ اللهِ التي أنزلَها على أنبيائِه ورسلِه، ومُحَقِّقٌ ما جاءتْ به رسلُ اللهِ مِن عنده؛ لأنَّ مُنَزَّل جميعِ ذلك واحدٌ، فلا يكونُ فيه اختلافٌ، ولو كان من عندِ غيرِه لكان فيه اختلافٌ كثيرٌ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} . قال: لِما قبلَه من كتابٍ أو رسولٍ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} : لما قبلَه من كتابٍ أو رسولٍ.

حدَّثني محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} أي:

(1)

تفسير مجاهد ص 248، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 587 (3135).

ص: 180

بالصِّدْقِ فيما اختلَفوا فيه

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يقولُ: القرآنَ مُصَدِّقًا لما بينَ يَدَيْهِ من الكتبِ التي قد خلَتْ قبله

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثني ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه:{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} : يقولُ: مُصَدِّقًا لما قبلَه من كتابٍ ورسولٍ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأنزلَ التوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، {مِنْ قَبْلُ}. يقولُ: من قبلِ الكتابِ الذي نزَّله عليك.

ويعنى بقولِه: {هُدًى لِلنَّاسِ} : بيانًا للناس من اللهِ فيما اختلَفوا فيه من توحيدِ اللهِ، وتصديقِ رسلِه، ونعتِك

(4)

يا محمدُ بأنك نبيِّى ورسولى، وفى غيرِ ذلك من شرائعِ دينِ اللهِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ} : هما كتابان أنزلهَما اللهُ، فيهما بيانٌ

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 576.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 587 (3132) من طريق يزيد به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 3 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 587، عقب الأثر 3136) من طريق ابن أبي جعفر به.

(4)

سقط من س، وفى ص:"حفيك"، وفى م:"مفيدًا، وفى ت 1، ت 2: "حفيد" والمثبت أقرب إلى الصواب.

ص: 181

من اللهِ، وعِصْمةٌ لمن أخَذ به، وصدَّق به، وعمل بما فيه

(1)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} : التوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، كما أنزلَ الكتبَ على مَن كان قبلَه

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} .

يَعنى جلَّ ثناؤه بذلك: وأنزلَ الفَصْلَ بين الحقِّ والباطلِ فيما اختلَفتْ فيه الأحزابُ وأهلُ المِلَلِ في أمرِ عيسى وغيرِه.

وقد بَيَّنَّا فيما مضَى أن الفُرقانَ إنما هو الفُعْلانُ، من قولِهم: فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ؛ يَفْصِلُ بينهما بنصرِه الحقَّ على الباطل، إِمَّا بالحُجَّةِ البالغة، وإِمَّا بالقَهْرِ والغَلَبة بالأيْدِ والقُوَّةِ

(3)

.

وبما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أنَّ بعضَهم وجَّه تأويلَه إلى أنه فصلٌ بينَ الحقِّ والباطلِ في أمرِ عيسى، وبعضُهم إلى أنه فصلٌ بينَ الحقِّ والباطلِ في أحكامِ الشرائعِ.

‌ذكرُ مَن قال: معناه: الفصلُ بينَ الحقِّ والباطلِ في أمرِ عيسى والأحزابِ

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ:{وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} . أي: الفصلَ بينَ الحقِّ والباطلِ، فيما اختلَف فيه

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 588 (3141، 3142) من طريق شيبان، عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 3 إلى عبد بن حميد.

(2)

في م: "قبلهما". والأثر في سيرة ابن هشام 1/ 576.

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 93 وما بعدها.

ص: 182

الأحزابُ من أمرِ عيسى وغيرِه

(1)

.

‌ذكرُ من قال: معنى ذلك: الفصلُ بينَ الحقِّ والباطل في الأحكامِ وشرائعِ الإسلامِ

حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} : هو القرآنُ، أنزَله على محمدٍ، وفرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ، فأحلَّ فيه حلالَه، وحرَّم فيه حرامَه، وشرَّع فيه شرائعَه، وحدَّ فيه حدودَه، وفرَض فيه فرائضه، وبيَّن فيه بيانَه، وأمرَ بطاعتِه، ونهَى عن معصيتِه

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ:{وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} . قال: الفرقانُ القرآنُ، فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ

(3)

.

والتأويلُ الذي ذكَرْناه عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ في ذلك أوْلَى بالصّحةِ من التأويلِ الذي ذكَرْناه عن قتادةَ والربيعِ، وأن يكونَ معنى الفرقان في هذا الموضعِ فصلَ اللَّهِ بين نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم والذين حاجُّوه في أمرِ عيسى وفي غيرِ ذلك من أمورِه، بالحُجّةِ البالغةِ القاطعةِ عذرَهم وعذرَ نُظَرائهم من أهلِ الكفرِ باللهِ.

وإنما قلْنا: هذا القولُ أوْلَى بالصوابِ؛ لأن إخبارَ اللهِ عن تنزيلِه القرآنَ قبلَ إخبارِه عن تنزيلِه التوراةَ والإنجيلَ في هذه الآيةِ، قد مضَى بقولِه:{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} . ولا شكَّ أن ذلك الكتابَ هو القرآنُ لا غيرُه، فلا

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 576.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 588 (3146) من طريق شيبان، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر 2/ 3 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 588 (3145) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 183

وَجْهَ لتكريرِه مَرَّةً أخرى، إذ لا فائدةَ في تكريرِه، ليست في ذكرِه إيّاه وخبرِه عنه ابتداءً.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ

(4)}.

يَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الذين جَحَدُوا أعلامَ اللَّهِ وأدلَّتَه على توحيدِه وألوهتِه، وأن عيسى عبدٌ له، واتَّخَذُوا المسيحَ إلها وربًّا، أو ادَّعَوْه للهِ ولَدًا، لهم عذابٌ من اللهِ شديدٌ يوم القيامةِ.

و "الذين كفروا": هم الذين جحَدوا آياتِ اللَّهِ. و "آياتُ اللهِ": أعلامُ اللَّهِ وأدلّتُه وحُجَجُه.

وهذا القولُ من اللَّهِ عز وجل يُنْبِيءُ عن معنى قولِه: {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} . أنه مَعنيٌّ به الفصلُ

(1)

الذي هو حُجّةٌ لأهلِ الحقِّ على أهلِ الباطلِ؛ لأنه عقَّب ذلك بقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} يعني: إن الذين جحَدوا ذلك الفصلَ والفرقانَ الذي أنزله فرقًا بينَ المُحِقِّ والمُبْطلِ، {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} وعِيدٌ من اللهِ لمن عاند الحقَّ بعدَ وُضوحِه له، وخالَف سبيلَ الهُدَى بعدَ قيامِ الحُجةِ عليه، ثم أخبَرهم أنه عزيزٌ في سلطانِه، لا يمنعُه مانعٌ ممن أراد عذابَه منهم، ولا يحولُ بينَه وبينَه حائلٌ، ولا يستطيع أن يُعاندَه فيه أحدٌ، وأنه ذو انتقامٍ ممن جحَد حُجَجَه وأدلَّتَه بعد ثبوتِها عليه، وبعد وُضوحِها له ومعرِفتِه بها.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاق، عن محمدِ بن

(1)

بعده في النسخ: "عن". ولا يستقيم بها الكلام.

ص: 184

جعفرِ بن الزُّبيرِ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام} . أي: إن الله منتقمٌ ممن كفَر بآياتِه، بعدَ علمِه بها، ومعرِفتِه بما جاء منه فيها

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام}

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله لا يخفَى عليه شيءٌ هو في الأرضِ، ولا شيءٌ هو في السماءِ، يقولُ: فكيف يخفَى على يا محمدُ، وأنا علامُ [جميعِ الأشياءِ]

(3)

. ما يُضَاهِى به هؤلاء الذين يُجادِلُونك في آياتِ اللَّهِ مِن نَصَارَى نَجْرانَ في عيسى ابن مريمَ، في مقالتِهم التي يقولونها فيه؟

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} .

أي: قد عَلِم ما يُريدون وما يكيدون وما يُضاهون بقولِهم في عيسى، إذ جعَلوه ربًّا وإلهًا، وعندَهم من علِمه غيرُ ذلك، غِرَّةً بالله وكفرًا به

(4)

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 576، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 589 (3153) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(2)

هكذا في النسخ، لم يذكر المصنف نص الأثر، وسيتكرر ذلك فيما سيأتي، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 589 (3149) من طريق ابن أبي جعفر به بلفظ: يعنى النصارى.

(3)

في س: "الغيوب".

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 576، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 590 (3155) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

ص: 185

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} .

يَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: اللَّهُ الذي يُصَوِّرُكم فيَجعلُكم صُوَرًا أَشْبَاحًا في أرحامِ أمّهاتِكم كيف شاء وأحبَّ، فيَجعلُ هذا ذكَرًا وهذا أنثَى، وهذا أسودَ وهذا أحمرَ. يُعرِّفُ عبادَه بذلك أن جميعَ منَ اشتملَتْ عليه أرحامُ النساءِ فممن

(1)

صَوَّره وخَلَقه كيف شاء، وأن عيسى ابنَ مريمَ ممن صَوَّره في رَحِمِ أمِّه، وخلَقه فيها كيف شاء وأحبَّ، وأنه لو كان إلهًا لم يكنْ ممن اشتملَتْ عليه رَحِمُ أُمَّه؛ لأَنَّ خَلاقَ ما في الأرحامِ لا تكونُ الأرحامُ عليه مشتمِلةً، وإنما تشتمِلُ على المخلوقِين.

كما حدَّثني ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ:{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} : قد كان عيسى ممن صُوِّر في الأرحامِ، لا يدفَعون ذلك ولا يُنكِرونه، كما صُوِّر غيرُه من بنى آدمَ، فكيف يكونُ إلهًا وقد كان بذلك المنزِلِ

(2)

.

حدَّثنا المثنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ:{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} . أي: أَنَّه صوَّر عيسى في الرَّحِيمِ كيف شاءَ

(3)

.

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قولَه:{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} . قال: إذا وقَعت النطفةُ في

(1)

في م: "ممن".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 576.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 590 (3157) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 186

الأرحامِ، طارتْ في الجسدِ أربعين يومًا، ثم تكونُ علقةً أربعين يومًا، ثم تكونُ مضغة أربعين يومًا، فإذا بلغ أن يُخْلَقَ، بعث اللهُ مَلَكًا يصوِّرُها، فيأتى الملَكُ بترابٍ بين إصبعَيْه، فيخلِطُه في المضغةِ، ثم يعجِنُه بها، ثم يصوِّرُها كما يؤمرُ، فيقولُ: أذكرٌ أو أنثَى؟ أشقيٌّ أو سعيدٌ؟ وما رزقُه؟ وما عمرُه؟ وما أَثَرُه؟ وما مصائبُه؟ فيقولُ اللهُ، ويكتبُ المَلَكُ، فإذا مات ذلك الجسدُ، دُفِن حيث أَخِذ ذلك الترابُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} : قادرٌ واللَّهِ ربُّنا أن يصوِّرَ عبادَه في الأرحامِ كيف يشاءُ؛ من ذكرٍ أو أنثَى، أو أسودَ أو أحمرَ، تامٍّ خَلْقُه وغيرِ تامٍّ]

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)} .

وهذا القولُ تنزيهٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نفسَه أن يكونَ له في ربوبيَّتِه نِدٌّ أو مِثلٌ، أو أن تجوزَ الألُوهةُ لغيرِه، وتكذيبٌ منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا، من وفدِ نَجْرانَ الذين قَدِموا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وسائرِ مَن كان على مثل الذي كانوا عليه من قولِهم في عيسى، والجميعِ مَن ادَّعى مع اللهِ معبودًا، أو أَقَرَّ بِرُبُوبيَّةٍ غيرِه. ثم أخبرَ جلَّ ثناؤُه خلقه بصفتِه، وعيدًا منه لمن عبَد غيرَه، أو أشركَ في عبادتِه أحدًا سواه، فقال: هو العزيزُ الذي لا ينصُرُ مَن أراد الانتقامَ منه أحدٌ، ولا يُنْجِيه منه وَأَلٌ ولا لَجَأٌ

(3)

، وذلك لعِزَّتِه التي يَذِلُّ لها كلُّ مخلوقٍ، ويخضَعُ لها كلُّ موجودٍ. ثم أعْلَمهم أنه

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 4 إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 590 (3156) من طريق عمرو به من قول السدى. وأصل الحديث في البخارى (3208)، ومسلم (2643) من حديث ابن مسعود مرفوعًا.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 590، 591 (3159) من طريق شيبان، عن قتادة نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 4 إلى عبد بن حميد.

(3)

الوأْلُ والموئل: الملجأ. واللجأُ والوأْلُ بمعنى. اللسان (ل ج أ، و أ ل).

ص: 187

الحكيمُ في تدبيرِه، وإعذارِه إلى خلِقه، ومتابعةِ حُجَجه عليهم؛ ليَهْلِكَ من هَلَك منهم عن بَيِّنةٍ، ويَحْيا من حَيَّ عن بَيِّنةٍ.

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ، قال: ثم قال - يَعنى الربَّ عز وجل إنْزاهًا لنفسِه، وتوحيدًا لها مما جعَلوا معه:{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . قال: العزيزُ في نُصْرته

(1)

ممن كفَر به إذا شاء، والحكيمُ في عُذْرِه وحُجَّتِه إلى عبادِه

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ:{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . يقولُ: عزيزٌ في نَقمتِه، حكيمٌ في أمرِه

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} .

يَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} أن الله الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ هو الذي أنزَل عليك الكتابَ. يَعنى بالكتابِ القرآنَ.

وقد أتَيْنا على البيانِ فيما مضَى عن السببِ الذي من أجلِه سُمِّىَ القرآنُ كتابًا، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضعِ

(4)

.

وأما قولُه: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} . فإنه يَعنى: من الكتابِ آياتٌ. يَعنِي بالآياتِ آياتِ القرآنِ. وأمَّا المحكماتُ، فإنهنَّ اللواتي قد أُحْكمْنَ بالبيانِ والتفصيلِ،

(1)

كذا في النسخ، وعند ابن أبي حاتم يريد "في انتصاره ممن كفر". كما في سيرة ابن هشام.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 576، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 591 (3161، 3163) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 591 (3162، 3164) من طريق ابن أبي جعفر، عن أبي العالية قوله.

(4)

ينظر ما تقدم في 1/ 89، 95، 96.

ص: 188

وأُثْبِتَتْ حُجَجهنَّ وأدلَّتُهنَّ على ما جُعِلْنَ أدلّةً عليه؛ من حلالٍ وحرامٍ، ووعدٍ ووعيدٍ، وثوابٍ وعقابٍ، وأمرٍ وزَجْرٍ، وخبرٍ ومَثَلٍ، وعِظَةٍ وعِبَر، وما أشبهَ ذلك.

ثم وصَف جلَّ ثناؤُه هؤلاء الآياتِ المحكماتِ بأنهنَّ أُمُّ

(1)

الكتابِ، يَعْنى بذلك أنهنَّ أصلُ الكتابِ الذي فيه عمادُ الدينِ والفرائضُ والحدودُ، وسائرُ ما بالخلْقِ إليه الحاجةُ من أمرِ دينِهم، وما كُلِّفُوا من الفرائضِ [والحدودِ، وسائرِ ما يحتاجون إليه]

(2)

في عاجلِهم وآجلِهم، وإنما سَمّاهنَّ أُمَّ الكتابِ لأنهنَّ مُعْظَمُ الكتابِ، ومَوضِعُ مَفْزَعِ أهلِه عندَ الحاجةِ إليه، وكذلك تفعلُ العرب، تُسَمِّى الجامعَ مُعْظَمَ الشيءِ أمًّا له، فتُسَمِّي رايةَ القومِ التي تجمعُهم في العساكرِ أمَّهم، والمُدَبِّرَ مُعْظَمَ أمرِ القريةِ والبلدةِ أمَّها. وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى بما أَغْنَى عن إعادتِه

(3)

.

ووحَّد {أُمُّ الْكِتَابِ} ، ولم يَجْمَع فيقولُ: هنَّ أمَّهاتُ الكتابِ. وقد قال: {هُنَّ} ؛ لأنَّه أراد: جميعُ الآياتِ المُحْكَماتِ أمُّ الكتابِ. لا أنَّ كلَّ آيةٍ منهنَّ أمُّ الكتابِ، ولو كان معنى ذلك أن كلَّ آية منهنَّ أمُّ الكتابِ، لكان لا شكَّ قد قِيل: هنّ أمّهاتُ الكتابِ. ونظيرُ قولِ اللهِ عز وجل: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} - على التأويلِ الذي قلْنا في توحيدِ الأُمِّ، وهى خبرٌ [لِـ {هُنَّ}]

(4)

- قولُه تعالى ذكره: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50]. ولَم يقُلْ: آيتَيْن. لأنَّ معناه: وجَعَلْنا جميعَهما آيةً. إذ كان المعنى [واحدًا فيما جيلا]

(5)

فيه للخَلْقِ عبرةً، ولو كان مرادُه الخبرَ عن كلِّ واحدٍ منهما على انفرادِه بأنه جُعِل للخَلْق عبرةً، لقيل: وجعَلْنا ابنَ مريمَ

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"من"، وفى م:"هن أم".

(2)

سقط من: الأصل، ص، م، ت 1، ت 2.

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 105، 106.

(4)

في ص، س، ت 1، ت 2:"لهم".

(5)

في م: "وإحداثهما جعلنا".

ص: 189

وأمَّه آيتَين. لأنَّه قد كان في كلِّ واحدٍ منهما لهم عِبرةٌ؛ وذلك أن مريمَ ولَدتْ من غيرِ رجلٍ، ونطَق ابنُها، فتكلَّم في المهدِ صبيًّا، فكان في كلِّ واحدٍ منهما للناسِ آيةٌ.

وقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إنما قيل: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} . ولم يقُلْ: هنّ أمهاتُ الكتابِ. على وجهِ الحكايةِ، كما يقولُ الرجلُ: ما لي أنصارٌ. فتقولُ: أنا أنصارُك، أو: ما لي نظيرٌ. فتقولُ: نحن نظيرُك. قال: وهو شَبيهُ: دَعْنى مِن تمرتان. وأنشد لرجلٍ من فَقْعَسٍ

(1)

:

تَعَرَّضَتْ لي [بمكانِ حَلِّ]

(2)

تَعَرُّضَ المُهرَةِ في الطِّوَلِّ

(3)

تَعَرُّضًا لم تَأْلُ عَنْ [قَتْلًا لى]

(4)

[قتلًا لى]

(5)

، يَحْكِي به على الحكايةِ؛ لأنه كان منصوبًا قبل ذلك، كما يقولُ: نُودِيَ: الصلاةَ الصلاةَ، يَحْكي قولَ القائلِ: الصلاةَ الصلاةَ. وقال: قال

(1)

هو منظور بن مرثد الفقعسى الأسدى، ويعرف بـ: منظور بن حبة. وحبة أمه. والرجز في مجالس ثعلب 2/ 602، واللسان (ط) و ل، ق ت ل، ع رض).

(2)

في ت 1 ت 2: "بمكان خلى". وفى المجالس: "بمجازٍ حِلِّ"، وفى اللسان:"بمكان حِلِّ". ومكان الحَلِّ: مكان الحلول والنزول. وينظر اللسان (ح ل ل).

(3)

الطَّوَلُ: حبل طويل تشد به قائمة الدابة، وقيل: هو الحبل تشد به ويمسك صاحبه بطرفه ويرسلها ترعى. وشدد الراجز الطِّولّ للضرورة. اللسان (طول).

(4)

في ص، ت 1، ت 2:"قتال"، وفى اللسان:"قتل لى"، وفى المجالس واللسان (ط و ل، ق ت ل)"قَتْلِلَّى" كأنه أدغم "قتل لى"، ولا شاهد في كل ذلك. قال في اللسان: ويروى: "عن قتلًا لى" على الحكاية، أي: عن قولها: قتلًا له.

والرواية التي أشار إليها صاحب اللسان هي رواية سر صناعة الإعراب، كما ذكر ذلك محقق المجالس.

(5)

في النسخ: "كل أي"، وهى عبارة مضطربة، ولعلها تحريف ما أثبتناه، إذ لا يخفى أن الكلام منصب على مجيء "قتلًا". على وجه الحكاية.

ص: 190

بعضُهم: إنما هي: أَنْ قَتْلًا لى. ولكنّه جعَله "عينًا"

(1)

؛ لأنَّ "أنْ" في لغتِه تُجعَلُ موضعَها "عن"، والنصبُ على الأمرِ، كأنك قلتَ: ضربًا لزيدٍ.

وهذا قولٌ لا معنَى له؛ لأنَّ كلَّ هذه الشَّواهدِ التي استشْهدها

(2)

، لا شكَّ أنهنَّ حكاياتُ حاكيهنَّ

(3)

بما حَكَى عن قولِ غيرِه وألفاظِه التي نطَق بهنَّ، وأن معلومًا أن الله جلَّ ثناؤُه لم يَحْكِ عن أحدٍ قولَه: أمُّ الكتابِ. فيجوزَ أن يقالَ: أَخْرَج ذلك مُخْرَجَ الحكايةِ عمَّن قال ذلك كذلك.

وأمّا قولُه: {وَأُخَرُ} فإنها جمعُ أُخْرَى

(4)

.

ثم اختلَف أهلُ العربيةِ في العلَّةِ التي من أجلِها لم يُصْرَفْ "أُخَرُ"؛ فقال بعضُهم: لم يُصْرَفْ "أُخَرُ"

(5)

، من أجلِ أنها نَعْتٌ، واحدتُها "أُخْرَى"، كما لم تُصْرَفْ جُمَعُ" و "كُتَعُ"؛ لأنهنَّ نُعوتٌ.

وقال آخرون: إنما لم تُصْرَف "الأُخَرُ"، لزيادةِ الياءِ التي في واحدتِها، وأن جَمْعَها مبنيٌّ على واحدِها في تركِ الصرفِ. قالوا: وإنما تُرِكَ صرفُ "أُخْرَى"، كما تُرِك صرفُ "حمراءَ" و "بيضاءَ" في النكرةِ والمعرفةِ؛ لزيادةِ المدَّةِ فيها والهمزةِ بالواوِ

(6)

، ثم افترَق جمعُ "حمراءَ" و "أُخْرَى"، فبُنَي جمعُ "أُخرى" على واحدتِه،

(1)

في م: "عن".

(2)

في م: "استشهد بها"

(3)

في م: "حالتهن".

(4)

في ص، ت 1، ت 2:"آخر"

(5)

سقط من: ص، ت 1.

(6)

الضمير في كلمة "فيها" يرجع إلى "حمراء وبيضاء"؛ إذ القياس في همزتها عند التثنية أن تقلب واوًا تقول: حمراوان وبيضاوان. ينظر ما لا ينصرف للزجاج ص 32 وشرح ابن عقيل 2/ 445، 446.

ص: 191

فقيل: فُعَلُ "أُخَرُ"، فتُرِك صرفُها كما تُرِك صرفُ "أخرى"، وبُنِيَ جمعُ "حمراءَ" و "بيضاءَ" على خلافِ واحدتِه، فصُرِف، فقيل: حُمْرٌ وبِيضٌ. فلاختلافِ حالتَيْهما في الجمعِ، اختلَف إعرابُهما عندهم في الصرفِ، ولاتِّفاق حالتَيْهما في الواحدةِ، اتفقتْ حالتاهما فيها.

وأمّا قولُه: {مُتَشَابِهَاتٌ} . فإنَّ معناه: متشابهاتٌ في التلاوةِ، مختلِفاتٌ

(1)

في المعنىَ، كما قال جلَّ ثناؤُه:{وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25]. يعني: في المَنْظَرِ، مختلفًا في المَطْعَم. وكما قال مُخبِرًا عمَّن أخبر عنه من بني إسرائيلَ أنه قال:{إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 70]. يعنون بذلك: تشابهَ علينَا في الصفة وإنِ اختلَفتْ أنواعُه.

فتأويلُ الكلامِ إذنْ: إن الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، هو الذي أنزَل عليك يا محمدُ القرآنَ، {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} بالبيانِ، هنَّ أَصلُ الكتابِ الذي عليه عمِادُك وعِمادُ أُمَّتِك في الدِّينِ، وإليه مَفْزَعُك ومَفْزَعُهم فيما افترضْتُ عليك وعليهم مِن شرائعِ الإسلامِ، وآياتٌ أُخَرُهِنَّ متشابهاتٌ في التلاوةِ، مختلِفاتٌ في المعاني.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} . وما

(2)

المُحْكَمُ من آي الكتاب؟ وما المتشابهُ منه؟ فقال بعضُهم: المُحْكماتُ مِن آيِ القرآن: المعمولُ بهنَّ، وهنَّ الناسخاتُ، أو المُثْبتَاتُ الأحكامِ، والمتشابهاتُ من آيهِ: المتروكُ العملُ بهنَّ المنسوخاتُ.

(1)

في ت 2: "مختلفة".

(2)

في ت 2: "أما".

ص: 192

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عمَّن حدَّثَه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} قال: هي الثلاثُ الآياتِ التي ههنا {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] إلى ثلاثِ آياتٍ، والتي في بني إسرائيلَ {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء:23] إلى آخرِ الآياتِ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال:[ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ]

(2)

، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} : المحكماتُ: ناسخُه، وحلالُه، وحرامُه، وحُدُودُه، وفرائضُه، وما يُؤْمَنُ به ويُعْمَلُ به. به قال:{وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} : والمتشابهاتُ منسوخُه، ومُقدَّمُه، ومُؤخَّرُه، وأمثالُه، وأقسامُه، وما يُؤْمَنُ به ولا يُعْمَلُ به

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ}

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الآية".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 592 (3169) من طريق هشيم به. وعزاه السيوطي في الد المنثور 2/ 4 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

سقط من: ت 1.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 592، 593 (3167، 3174) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 4 إلى ابن المنذر.

ص: 193

إلى {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} : فالمُحْكَماتُ التي هي أمُّ الكتابِ: الناسخُ الذي يُدانُ به ويُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: هنّ المنسوخاتُ التي لا يُدانُ بهنَّ

(1)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} إلى قولِه: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} : أما الآياتُ المُحَكَماتُ، فهنّ الناسخاتُ التي يُعْمَلُ بهنّ، وأما المتشابهاتُ، فهنَّ المنسوخاتُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} : والمُحْكَماتُ: الناسخُ الذي يُعْمَلُ به ما أحلَّ اللهُ فيه حلالَه، وحرَّم فيه حرامَه، وأمَّا المتشابهاتُ: فالمنسوخُ الذي لا يُعْمَلُ به ويُؤْمَنُ به

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} قال: المُحْكَمْ: ما يُعْمَلُ به

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 4 إلى المصنف.

(2)

ينظر تفسير البغوي 2/ 335، والمحرر الوجيز 2/ 8، وتفسير القرطبي 4/ 10.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 115.

ص: 194

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} قال: المُحْكَماتُ: الناسخُ الذي يُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: المنسوخُ الذي لا يُعْمَلَ به، ويُؤْمَنُ به

(1)

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه:{آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} الله قال: الناسخاتُ. {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} قال: ما نُسِخ وتُرِك يُتْلَى

(2)

.

حدَّثني ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضَّحَّاكِ بن مُزاحِمٍ، قال: المُحْكَمُ ما لم يُنْسَخُ، وما تشابهَ منه: ما نُسِخ

(2)

.

حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه:{آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} قال: الناسخُ {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} قال: المنسوخ

(2)

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعْتُ أبا مُعاذٍ يحدِّثُ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ

(4)

، قال: سمعتُ الضّحّاكَ يقولُ في قولِه: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ}

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 592، 593 عقب الأثر (3167، 3174) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

تفسير سفيان الثورى ص 75 عن سلمة بن نبيط أو جويبر به.

(3)

بعده في م: "حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} قال: المُحْكَماتُ: الذي يعمل به".

(4)

في ت 2: "سلمان".

ص: 195

يَعنى الناسخَ الذي يُعْمَلُ به {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} ، يَعنى المنسوخَ، يُؤْمَنُ به ولا يُعْمَلُ به.

حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن الضّحّاكِ:

{مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} قال: ما لم يُنسَخْ، {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} قال: ما قد نُسِخ.

وقال آخرون: المُحْكَماتُ من أيِ الكتابِ ما أحكمَ اللهُ فيه بيانَ حلالِه وحرامِه، والمتشابِهُ منها ما أَشبَه بعضُه بعضًا في المعاني، وإن اختلَفتْ ألفاظُه.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} : ما فيه من الحلالِ والحرامِ، وما سوى ذلك، فهو متشابهٌ يُصَدِّقُ

(1)

بعضُه بعضًا، وهو مثلُ قولِه:{وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26]. ومثلُ قولِه: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125]. ومثلُ قولِه: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}

(2)

[محمد: 17].

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(3)

.

(1)

في ص: "يصرف".

(2)

تفسير مجاهد ص 248.

(3)

أخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في تغليق التعليق 4/ 190 - من طريق شبل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 4 إلى الفريابي.

ص: 196

وقال آخرون: المُحْكَماتُ من آيِ الكتابِ ما لم يَحْتَمِلُ من التأويلِ غيرَ وجهٍ واحدٍ؛ والمتشابهُ منها: ما احتمَل من التأويلِ أوجهًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاق، قال: ثنى محمدُ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} : فيهِنَّ الله حُجَّةُ الرَّبِّ، وعِصْمةُ العبادِ، ودفعُ الخصومِ والباطلِ، ليس لها تَصْرِيفٌ ولا تَحْريفٌ عما وُضِعتْ عليه، {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ

(1)

} في الصِّدْقِ، لهنَّ تصريفٌ وتحريفٌ وتأويلٌ، ابتَلَى اللهُ فيهنَّ العبادَ، كما ابتلاهم في الحلالِ والحرامِ، لا يُصَرَّفْنَ إلى الباطلِ ولا يُحرِّفَنَ عن الحقِّ

(2)

.

وقال آخرون: معنى المُحْكَم ما أَحْكَم اللهُ فيه مِن أي القرآنِ، وقَصَصِ الأممِ ورسلِهم الذين أُرْسِلُوا إليهم، ففَصَّله ببيانِ ذلك لمحمدٍ وأُمَّتِه. والمتشابهُ هو ما اشْتَبَهتِ الألفاظُ به من قِصَصِهم، عندَ التكريرِ في السور، بقصِّه

(3)

باتفاقِ الألفاظِ واختلافِ المعانى، وبقصَّه

(4)

باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعاني.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ وقرَأ: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] قال: وذكر حديثَ رسولِ

(1)

في م: "متشابهة".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 576، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 592، 594 (3171، 3177، 3178) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(3)

في م: "فقصة".

(4)

في م: "قصة".

ص: 197

اللهِ صلى الله عليه وسلم في أربعٍ وعشرين آيةً منها، وحديثَ نوحٍ في أربعٍ وعشرين آيةً منها، ثم قال:{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} [هود: 49]، ثم ذكر:{وَإِلَى عَادٍ} [هود: 50] فقرَأ حتى بلَغ {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ}

(1)

، ثم مضَى، ثم ذكَر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا، وفرغ من ذلك، وهذا يقينٌ، ذلك يقينُ {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}

(2)

. قال: والمتشابِهُ ذكر موسى في أمكنةٍ كثيرةٍ، وهو متشابِهٌ، وهو كلُّه معنًى واحدٌ، [وهو مُتشابهٌ]

(3)

: {فَاسْلُكْ فِيهَا} [المؤمنون: 27]، {احْمِلْ فِيهَا} [هود: 40]، {اسْلُكْ يَدَكَ} [القصص: 32]، {وَأَدْخِلْ يَدَكَ} [النمل: 12] {حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه: 20]، {ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الشعراء: 32].

قال: ثم ذكر هُودًا في عشرِ آياتٍ منها، وصالحًا في ثماني آياتٍ منها، وإبراهيمَ في ثماني آياتٍ أُخْرَى، ولوطًا في ثمانِي آياتٍ منها، وشعيبًا في ثلاثَ عشرةَ آيةً، وموسى في أربعِ آياتٍ، كلُّ هذا يَقْضِى بين الأنبياءِ وبين قومِهم في هذه السورةِ، فانتهى ذلك إلى مائةِ آيةٍ من سورة هودٍ، ثم قال:{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود: 100]. وقال في المتشابِهِ من القرآنِ: مَن يُرِدِ اللَّهُ به البلاءَ والضّلالةَ يقولُ: ما شأنُ هذا [لا يكون هكذا]

(4)

وما شأنُ هذا لا يكونُ هكذا

(5)

؟

(1)

في النسخ: "واستغفروا ربكم. وأثبتناه بدون الواو لما ذكر بعده قال: "ثم مضى ثم ذكر صالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا". فبين أنه أراد التي من قول هود: "يا قوم استغفروا ربكم"، لا التي من قول شعيب: "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه".

(2)

اليقين: تحقيق الأمر. ويقينُ {أُحْكِمَتْ

} تحقيقها. ينظر اللسان (ي ق ن).

(3)

في م: "ومتشابهه".

(4)

سقط من: ت 2.

(5)

في ت 2: "هذا".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1995 من طريق أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد به.

ص: 198

وقال آخرون: بل المُحْكَمُ من آي القرآنِ ما عرَف العلماءُ تأويلَه، وفَهِمُوا معناه وتفسيرَه. والمتشابِهُ ما لم يكنْ لأحدٍ إلى علمِه سبيلٌ مما اسْتَأْثَرَ اللهُ بعلمِه دونَ خلقِه، وذلك نحوُ الخبرِ عن وقتِ

(1)

مَخْرَجِ عيسى ابن مريمَ، ووقتِ طلوعِ الشمسِ من مغرِبِها، وقيامِ الساعةِ، وفناءِ الدنيا، وما أشبهَ ذلك، فإن ذلك لا يَعْلَمُه أحدٌ. وقالوا: إنما سَمَّى اللَّهُ من أيِ الكتابِ المتشابهَ الحروفَ المقطَّعة التي في أوائلِ بعضِ سورِ القرآنِ، من نحوِ {لم]، و {المص} [الأعراف: 1]، و {الر} [الرعد: 1] و {الر} وما أشْبَه ذلك؛ لأنهنَّ متشابهاتٌ في الألفاظِ، وموافقاتٌ حروفَ حسابِ الجُمَّلِ

(2)

، وكان قومٌ من اليهودِ على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم طمِعوا أَن يُدْرِكُوا مِن قِبَلها معرفةَ مدةِ الإسلامِ وأهلِه، ويَعْلَمُوا نهايةً أُكْلِ

(3)

محمدٍ وأُمَّتِه، فأَكذَبَ اللهُ أُحْدوثَتهم بذلك، وأَعلَمهم أن ما ابْتَغَوْا علمه من ذلك من قِبَلِ هذه الحروفِ المتشابهةِ لا يُدْرِكُونه، ولا مِن قِبَلِ غيرِها، وأن ذلك لا يَعلمُه إلا اللهُ. وهذا قولٌ ذُكر عن جابرِ بن عبدِ اللهِ بن رِئابٍ

(4)

أن هذه الآيةَ نزَلتْ فيه، وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك عنه وعن غيرِه ممن قال نحوَ مقالتِه في تأويلِ ذلك في تفسيرِ قولِه:{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 1، 2].

وهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن جابر بن عبدِ اللهِ أشبه بتأويلِ الآيةِ، وذلك أَنَّ جميعَ ما أَنزلَ اللهُ عز وجل من آيِ القرآنِ على رسولِه صلى الله عليه وسلم فإنّما أنزَله عليه بيانًا له ولأمتِه، وهدًى للعالمين، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ فيه ما لا حاجةَ بهم إليه، ولا أن يكونَ

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 210.

(3)

في م: "أجل". والأُكلُ: الرزق، والحظُّ من الدنيا. ويقال: انقطع أُكْلُه: إذا مات. ينظر أساس: البلاغة، واللسان (أ ك ل).

(4)

في م: "رباب". وينظر أسد الغابة، 1/ 306، 307، والإصابة 1/ 433.

ص: 199

فيه ما بهم إليه الحاجةُ، ثم لا يكونَ لهم إلى علمِ تأويلِه سبيلٌ.

فإذ

(1)

كان ذلك كذلك، فكلُّ ما فيه لخلقِه

(2)

إليه الحاجةُ، وإن كان في بعضِه ما بهم عن بعضِ معانيه الغِنَى، وإن اضْطَرَّتْه الحاجةُ إليه في معانٍ كثيرةٍ، وذلك كقولِ اللهِ عز وجل:{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]. فأَعلمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَه أن تلك الآيةَ التي أخبرَ الله جلَّ ثناؤُه عباده أنها إذا جاءتْ لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنتُ من قبلِ ذلك، هي طلوعُ الشمسِ من مغرِبيها، فإنَّ الذي كانت بالعبادِ إليه الحاجةُ من علمِ ذلك هو العلمُ منهم بوقتِ نفعِ التوبةِ بصفتِه، بغيرِ تحديدِه [بعدِّ السنينَ]

(3)

والشهورِ والأيامِ، فقد بيَّن اللهُ ذلك لهم بدَلالةِ الكتابِ، وأوضَحه لهم على لسانِ رسولِه صلى الله عليه وسلم مفسَّرًا، والذي لا حاجةَ بهم إلى علمِه منه هو العلمُ بمقدارِ المدةِ التي بين وقتِ نزولِ هذه الآية، ووقتِ حدوثِ تلك الآيةِ، فإن ذلك مما لا حاجةَ بهم إلى علمِه في دينٍ ولا، دنيا، وذلك هو العلمُ الذي استأثَر اللهُ جلَّ ثناؤُه به دونَ خلقِه، فحجَبه عنهم، وذلك وما أَشبهَه هو المعنى الذي طلَبتِ اليهودُ معرفتَه في مدةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأُمَّتِه من قِبَلِ قولِه:{لم} ، {المص} ، و {الر} ، و {المر} ، ونحوِ ذلك من الحروفِ المقطَّعةِ المتشابهاتِ، التي أخبرَ اللهُ، جلّ ثناؤُه، أنهم لا يُدْرِكون تأويلَ ذلك من قِبَلِه، وأنه لا يَعلَمُ تأويلَه إلا الله.

فإذ كان المتشابِهُ هو ما وصفْنا، فكلُّ ما عدَاه فمُحْكَمٌ؛ لأنه لن يخلُوَ من أن

(1)

في م: "فإذا".

(2)

في ص: "محلقه". بغير نقط.

(3)

في م: "بعد بالسنين".

ص: 200

يكونَ مُحْكَمًا، بأنه بمعنًى واحدٍ، لا تأويلَ له غير تأويل واحدٍ، وقد استُغْنىَ بسماعِه عن بيانِ مُبيِّنه، [أو يكونَ مُحْكَمًا]

(1)

، وإن كان ذا وجوهٍ وتأويلاتٍ وتَصَرُّفٍ في معانٍ كثيرةٍ، بالدّلالةِ

(2)

على المعنى المرادِ منه، إما من بيانِ اللَّهِ تعالى ذكرُه عنه، أو بيانِ رسولِه صلى الله عليه وسلم الأُمّته، ولن يذهَبَ علمُ ذلك عن علماءِ الأُمَّةِ؛ لما قد بَيَّنَا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} .

قد أتيْنا على البيانِ عن تأويلِ ذلك، بالدَّلالة الشاهدةِ على صحةِ ما قلْنا فيه، ونحن ذاكرُو اختلافِ أهل التأويل فيه، وذلك أنهم اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} : هنّ الآىُ

(3)

فيهنَّ الفرائضُ والحدودُ والأحكامُ. نحوَ قولِنا الذي قلْنا فيه.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا عِمْرانُ بن موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بن سُوَيدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ أنه قال في هذه الآيةِ:{مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} قال يحيى: هنَّ اللاتى فيهنَّ الفرائضُ والحدودُ وعمادُ الدينِ. وضرَب لذلك مَثلًا، فقال: أُمُّ القُرَى مَكَةُ، وأُمُّ خُراسانَ مَرْوُ، وأُمُّ المسافِرِين الذي يَجْعَلُون إليه أمرَهم، ويُعْنَى بهم في سفرِهم. قال: فذاك أُمُّهم

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {هُنَّ أُمُّ

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

في م: "فالدلالة".

(3)

في م: "اللائي".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 593 (3172) من طريق إسحاق بن سويد، به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 4 إلى عبد بن حميد وابن الضريس.

ص: 201

الْكِتَابِ} قال: هنَّ جماعُ الكتاب

(1)

.

وقال آخرون: بل يَعنى

(2)

بذلك فواتح السورِ التي منها يُسْتَخْرَجُ القرآنُ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُويدٍ، عن أبي فاخِتةَ أنه قال في هذه الآيةِ:{مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} قال: أمُّ الكتابِ فواتحُ السور، منها يُسْتَخْرَجُ القرآنُ {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} منها اسْتُخْرِجَتِ "البقرة"، {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} منها اسْتُخْرِجَتْ "آلُ عِمْرانَ".

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} .

يَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فأمّا الذين في قلوبهم مَيْلٌ عن الحقِّ وانحرافٌ عنه، يقالُ منه: زاغَ فلانٌ عن الحقِّ، فهو يَزِيغُ عنه زَيْغًا وَزَيَغَانًا وزَيْغُوغَةً وزُيُوغًا، وأَزَاغَه اللهُ، إذا أماله، فهو يُزِيغُه. ومنه قوله جلَّ ثناؤُه:{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} . لا تُمِلْها عن الحقِّ {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، عن محمدِ بن جعفرِ

(1)

ينظر المحرر الوجيز 2/ 336.

(2)

في م: "معنى". وفى ت 2: " المعنى".

ص: 202

ابن الزُّبيرِ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي: مَيْلٌ عن الهُدَى

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله:{فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ، قال: شَكٌّ

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قال: مِن أَهلِ الشّكِّ

(4)

.

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباس، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} : أما الزَّيغُ فَالشَّكُّ

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 577، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 595 (3183) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(2)

تفسير مجاهد ص 248.

(3)

أخرجه عبد بن حميد - كما في تغليق التعليق 4/ 190 - من طريق شبل به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 595 (3181) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 5 إلى ابن المنذر.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 5 إلى المصنف.

ص: 203

مجاهدٍ، قال:{زَيْغٌ} : شَكٌّ. قال ابن جُريجٍ: {الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} : المنافقون

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} .

يَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} : ما تشابَهتْ ألفاظُه وتَصَرَّفَتْ معانيه بوجوهِ التأويلاتِ؛ ليُحَقِّقُوا بادِّعائهم الأباطيلَ من التأويلاتِ في ذلك ما هم عليه من الضّلالةِ والزَّيْغِ عن مَحَجّةِ

(2)

الحقِّ، تلبيسًا منهم بذلك على مَن ضَعُفَتْ معرفتُه بوجوهِ تأويلِ ذلك وتصاريفِ معانيه.

كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} : فيَحْمِلُون المُحْكَمَ على المتشابِهِ، والمتشابِهَ على المُحْكَمِ، ويُلبسون، فلبَّس اللهُ عليهم

(3)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} أي: ما تَحَرَّفَ منه وتَصَرَّفَ؛ ليُصَدِّقُوا به ما ابتدَعُوا وأَحدَثُوا، ليكونَ لهم حُجّةً على ما قالوا وشَبْهةً

(4)

.

(1)

تقدم قول مجاهد في الصفحة السابقة، وقول ابن جريج عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 5 إلى المصنف.

(2)

في ت 2: "الحجة".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 595 (3185) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 5 إلى ابن المنذر.

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 577، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 596 (3188) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

ص: 204

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} قال: البابُ الذي ضَلُّوا منه وهلكُوا فيه ابتغاءُ تأويلِه

(1)

.

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه:{فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} : يَتَّبِعُون المنسوخَ والناسخَ، فيقولون: ما بالُ هذه الآيةِ عُمِل بها كذا وكذا مكانَ

(2)

هذه الآيةِ، فتُركَتِ الأولى وعُمِل بهذه الأُخْرَى! هلّا كان العملُ بهذه الآيةِ قبلَ أن تَجيءَ الأولى التي نُسِخت؟ وما بالُه يَعِدُ العذابَ مَن عمِل عملًا يُعَذِّبُه

(3)

النارَ، [وفي]

(4)

مكانٍ آخرَ مَن عَمِله فإنه لم يُوجب له

(5)

النارَ؟

(6)

واختلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنى به الوفدُ مِن نَصارَى نَجْرانَ الذين قَدِمُوا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فحاجُّوه بما حاجُّوه به وخاصَموه، بأن قالوا: ألستَ تزعُمُ أَنَّ عيسى رُوحُ اللَّهِ وكلمتُه؟ وتأوَّلُوا

(7)

في ذلك ما يقولون فيه من الكفرِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 5 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"مجاز". وصواب قراءة ما في "ص" هو ما أثبتنا.

(3)

في م: "يَعِدُ به".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت، س:"في".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 595، 596 (3186) من طريق عمرو بن حماد.

(7)

في ت 2: "قالوا".

ص: 205

قال: عمَدوا - يَعنى الوفدَ الذين قدِموا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من نَصَارَى نَجْرانَ - فخاصَمُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ألستَ تزعُمُ أنه كلمةُ اللهِ ورُوحٌ منه؟ قال: "بلى". قالوا: فحَسْبُنا. فأنزلَ اللهُ عز وجل: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} . ثم إِنَّ الله جلَّ ثناؤُه أَنزَل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] الآية

(1)

.

وقال آخرون: بل أُنزِلتُ هذه الآية في أبى ياسرِ بن أَخْطَبَ، وأخيه حُيَيِّ بن أَخْطَبَ، والنَّفَرِ الذين ناظَروا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في قَدْرِ مدةٍ [أُكْلِه وأُكُلِ]

(2)

أُمَّتِه، وأرادُوا عِلْمَ ذلك من قِبَلِ قولِه:{الم} و {المص} ، و {المر} ، و {الر} ، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه فيهم:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} : يَعنى هؤلاء اليهودَ الذين قلوبُهم مائلةٌ عن الهُدَى والحقِّ، {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}: يعني معانيَ هذه الحروفِ المقطَّعة، المحتمِلةِ التَّصْرِيفَ في

(3)

الوجوه المختلِفةِ

(4)

التأويلاتِ؛ ابتغاءَ الفتنةِ.

وقد ذَكرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى قبلُ في أولِ السورةِ التي يُذْكَرُ فيها البَقرةُ.

وقال آخرون: بل عنَى اللهُ عز وجل بذلك كلَّ مبتدِعٍ في دينِه بدعةً مخالِفةً لما ابتُعِث به رسولُه محمدٌ صلى الله عليه وسلم، بتأويلٍ

(5)

يتأوَّلُه مِن

(6)

بعضِ آيِ القرآنِ المحتملةِ التأويلاتِ، وإن كان اللهُ قد أَحْكَمَ بيانَ ذلك، إمّا في كتابِه، وإما على لسانِ رسولِه.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 596 (3187) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أجله وأجل". وتقدم في ص 199.

(3)

سقط من: ت 2.

(4)

في ت 2: "المحتملة".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"تأويل".

(6)

في ت 2: "في".

ص: 206

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} . وكان قتادةُ إذا قرَأ هذه الآيةَ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قال: إن لم يكونوا الحَرُوريَّةَ

(1)

والسبائيَّةَ

(2)

، فلا أَدْرِى مَن هم؟ ولَعَمْرِي لقد كان في أهلِ بدرٍ والحدَيْبِيَّةِ الذين شَهِدوا معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيعةَ الرِّضْوانِ مِن المهاجرِين والأنصارِ، خبرٌ لمن استَخْبَر، وعِبرةٌ لمن استَعْبَرَ، لمن كان يَعْقِلُ أو يُبْصِرُ. إن الخوارجَ خرَجوا وأصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومئذٍ كثيرٌ بالمدينةِ والشامِ والعراقِ، وأزواجُه يومئذٍ أحياءٌ، واللهِ إنْ خرَج منهم ذكَرٌ ولا أُنْثَى حَرُوريًّا قطُّ، ولا رَضُوا الذي هم عليه، ولا مالَئُوهم فيه، بل كانوا يُحدِّثون بعيبِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إيّاهم

(3)

، ونعتِه الذي نعَتَهم به، وكانوا يُبْغِضُونهم بقلوبِهم، ويُعادُونهم بألسنتِهم وتَشْتَدُّ واللهِ عليهم أيديهم إذا لَقُوهم، ولَعَمْرِى، لو كان أمرُ الخوارجِ هُدًى لاجْتَمَع، ولكنّه كان ضلالًا فتفرَّق، وكذلك الأمرُ إذا كان مِن عندِ غيرِ اللهِ وجَدْتَ فيه اختلافًا كثيرًا، فقد ألاصُوا

(4)

هذا الأمرَ منذ

(1)

الحرورية: هم فرقة الخوارج، وسمُّوا بهذا الاسم لأنهم بعد خروجهم على عليٍّ رضي الله عنه ورفضهم التحكيم، نزلوا بموضع قرب الكوفة يقال له: حروراء. ينظر مقالات الإسلاميين 1/ 207، ومعجم البلدان 2/ 336.

(2)

في م: "السبئية".

والسبائية: إحدى فرق الشيعة الغالية، وهي تنسب إلى عبد الله بن سبأ، قبحه الله، ومن جهالاتهم زعمهم أن عليا لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملأُ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وأن عليًّا في السحاب، والرعد صوته، والبرق سوطه

إلى غير ذلك من ترهاتهم. ينظر مقالات الإسلاميين 1/ 86، والملل والنحل 1/ 365 وما بعدها.

(3)

في م: "إياه".

(4)

ألاص الأمر: أداره، وألاص فلانًا على الأمر: أداره عليه وأراده منه، ويقال: ألصتُ أن آخذ عنه شيئًا: أردت. التاج (ل و ص).

ص: 207

زمانٍ طويلٍ، فهل أَفْلَحُوا فيه يومًا أو أَنْجَحُوا؟ يا سبحانَ اللهِ! كيف لا يَعْتَبِرُ آخِرُ هؤلاء القومِ بأوَّلِهم! لو

(1)

كانوا على هُدًى قد أَظهَره اللهُ وأَفَلَجه

(2)

ونَصَره، ولكنَّهم كانوا على باطلٍ أَكذبَه اللهُ وأدحضَه، فهم كما رأيتَهم، كلَّما خرج لهم قَرْنٌ أَدحضَ اللهُ حُجَّتَهم، وأَكذبَ أَحْدُوثتَهم، وأَهْراقَ دماءَهم، وإن كَتَمُوا كان قَرْحًا في قلوبِهم، وغَمًّا عليهم، وإن أَظْهَرُوه، أَهْراقَ اللهُ دماءَهم، ذاكم، واللهِ، دِينُ سوءٍ فَاجتَنِبُوه، واللهِ إن اليهوديةَ

(3)

لبِدْعةٌ، وإن النصرانيةَ لبدعةٌ، وإن الحَرُوريَّة لبدعةٌ، وإن السبائيّةَ

(4)

لبدعةٌ، مانزَل بهنّ كتابٌ، ولا سَنَّهنَّ نبيٌّ

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} : طَلَبَ القومُ التأويلَ فأَخْطَئُوا التأويلَ، وأصابُوا الفتنةَ، فاتَّبعوا ما تشابَه منه، فهلَكوا مِن ذلك، لَعَمْرِي لقد كان في أصحابِ بدرٍ والحديبيةِ الذين شهدوا بيعةَ الرِّضْوانِ. وذكَر نحوَ حديثِ عبدِ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عنه.

حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِدَاشٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن أبى مُلَيْكَةَ، عائشةَ قالت: قرَأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} إلى قولِه: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} . فقال: "فإذَا رأَيْتُم الذين يُجادِلون فيه، فهمُ الذين عَنَى اللهُ

(1)

في ت:2: "ولو".

(2)

في النسخ: "أفلحه". وأفلجه: أظفَره وغلَّبه وفضَّله، وأفلج الله برهانه: قوّمه وأظهره. التاج (ف ل ج).

(3)

في م: "اليهود".

(4)

في س: "الصابئة"

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 115، 116.

ص: 208

فاحذَرُوهم"

(1)

.

حدَّثنا ابن

(2)

عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، أنها قالت: قرأ نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} إلى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} . قالت: فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأَيتم الذين يُجادِلُون فيه - أو قال: يَتَجادَلُون فيه - فهم الذين عَنَى اللهُ فاحذَرُوهُمْ". قال مَطَرٌ، عن أيوبَ أنه قال:"فلا تُجالِسُوهم، فهم الذين عَنَى اللهُ فاحْذَرُوهم"

(3)

.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوِ معناه

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَه

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنا الحارثُ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ عائشةَ زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالت: قرَأَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} الآية كلها. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُون ما تَشابَهَ منه والذين يُجادِلُون فيه، فهم الذِين عَنَى اللهُ، أولئك الذِين قال اللهُ، فلا

(1)

أخرجه ابن ماجه (47) عن محمد بن خداش به. وأخرجه أحمد 6/ 48 (الميمنية) عن إسماعيل ابن علية به.

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

أخرجه ابن حبان (76) من طريق المعتمر به.

(4)

أخرجه ابن ماجه (47) والآجرى في الشريعة (769) ومحمد بن يحيى العبدي - كما في تفسير ابن كثير 2/ 6 - من طريق عبد الوهاب به.

(5)

سقط من: ت 2. والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 116.

ص: 209

تُجالِسُوهم"

(1)

.

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يُحَدِّثُ عن عائشةَ، قالت: تلا النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} . ثم قرَأ إلى آخرِ الآياتِ، فقال:"إذَا رأيْتُم الذين يَتَّبِعُون ما تَشابَهَ مِنه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحْذَرُوهم"

(2)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن حَمَّادِ بن سلَمةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَع

(3)

رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قد حذَّرَكم اللهُ، فإذا رأيتُموهم فاعْرِفوهم"

(4)

.

حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، عن نافعِ بن

(5)

عمرَ، عن [ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، قال: حدَّثتني]

(6)

عائشةُ، قالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إذَا رأَيْتُمُوهُمْ فَاحْذَرُوهُمْ". ثم

(1)

أخرجه الهروى في ذم الكلام (1/ 36 / ب - 37/ أ) من طريق الحارث بن نبهان به.

(2)

أخرجه الطيالسي (1536) وأحمد 6/ 256 (الميمنية)، والدارمي 1/ 54، 55، والبخارى (4547)، ومسلم (2665)، وأبو داود (4598)، والترمذى (2993، 2994)، والطحاوي في المشكل (2517)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 595 (3184)، وابن حبان (73) من طريق يزيد بن. إبراهيم به.

(3)

انتزع بالآية والشعر: تمثل. ويقال للرجل إذا استنبط معنى آية: قد انتزع معنى جيدًا. وهو مجاز. التاج (ن ز ع).

(4)

أخرجه الآجرى في الشريعة (771) من طريق على بن سهل به.

وأخرجه الطبراني في الأوسط (6304) من طريق الوليد بن مسلم به.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 3، س:"عن". وفى ت 2: "عن ابن". والمثبت من شرح المشكل، وينظر تهذيب الكمال 29/ 287.

(6)

سقط من النسخ، والمثبت من شرح المشكل.

ص: 210

نزَعَ: " {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}، ولا يَعْمَلُون بمُحْكَمِه"

(1)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمِّى، قال: أخبرَني شَبيبُ بنُ سعيدٍ، عن رَوْحِ بن القاسمِ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِل عن هذه الآيةِ:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} . فقال

(2)

: "فَإِذَا رأيْتُمُ الذِين يُجادِلُون فيه، فهم الذين عَنَى اللهُ، فاحْذَرُوهم"

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا خالدُ بنُ

(4)

نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ في هذه الآيةِ:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} الآية يَتَّبِعُها يَتْلُوها، ثم يقولُ:"فإذا رأيتمُ الذِين يُجادِلُون فيه فاحْذَرُوهم، فهم الذين عَنَى اللهُ".

حدثنا ابن

(4)

وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حَمّادِ بن سلَمةَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذه الآيةِ:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} إلى آخرِ الآيةِ. قال: "هم الذين سمّاهمُ اللهُ، فإذا رأيْتُموهم فاحْذَرُوهم"

(5)

.

قال أبو جعفرٍ: والذي يَدُلُّ عليه ظاهرُ هذه الآيةِ أنَّها نزلت في الذين

(1)

أخرجه الطحاوى في شرح مشكل الآثار (2515) من طريق الوليد بن مسلم به.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2.

(3)

ينظر تفسير ابن كثير 2/ 6.

(4)

سقط من: ت 2.

(5)

أخرجه الطيالسي (1535)، وأحمد 6/ 124، 132 (الميمنية)، والدارمي 1/ 55، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 595 (3184)، والآجرى في الشريعة (770)، وأبو نعيم في الحلية 2/ 185 من طرق عن حماد به.

ص: 211

جادَلُوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمتشابِهِ ما أُنزِلَ إليه من كتابِ اللهِ؛ إمّا في أمرِ عيسى، وإمّا في مُدَّةٍ [أُكْلِه وأُكُل]

(1)

أُمَّتِه، وهو بأن يكونَ في الذين جادَلُوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم متشابِهِه

(2)

في مدتِه ومدةِ أمتِه أَشبَهُ؛ لأنّ قولَه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} . دالٌّ على أن ذلك إخبارٌ عن المدةِ التي أرادُوا عِلْمَها مِن قِبَلِ المتشابِهِ الذي لا يَعْلَمُه إِلا اللهُ، فأَمّا أَمرُ عيسى وأسبابُه

(3)

، فقد أَعلمَ اللهُ ذلك نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأُمَّتَه، وبيَّنَه لهم، فمعلومٌ أنه لم يَعْنِ

(4)

إلا ما كان

(5)

خفيًّا عن الآحادِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ابتغاءَ الشِّرْكِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} قال: إرادةَ الشِّرْكِ

(6)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه:{ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} : يعنى الشِّرْكَ

(7)

.

(1)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"أجله وأجل".

(2)

في ت 2. "في متشابهه".

(3)

في ت 2: "أشباهه".

(4)

في ص، ت 2:"يعره".

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عليه". ولعل صوابها: "علمه".

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 596 (3191) من طريق عمرو بن حماد به.

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 596 عقب الأثر (3191) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 212

وقال آخرون: معنى ذلك: ابتغاءَ الشُّبُهَاتِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو

(1)

عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} قال: الشُّبُهَاتِ، بها أُهْلِكوا

(2)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} : الشُّبُهَاتِ. قال: هلَكوا به.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ:{ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} قال: الشُّبُهَاتِ. قال: والشُّبهاتُ ما أُهْلِكُوا به.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أي: اللَّبْسِ

(3)

.

وأَوْلَى القولَيْن في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إرادةَ الشُّبُهاتِ واللَّبْسِ.

فمعنى الكلامِ إذنْ: فأمّا الذين في قلوبِهم مَيْلٌ عن الحقِّ وحَيْفٌ عنه، فيَتَّبِعُون مِن آيِ الكتابِ ما تشابَهَتْ ألفاظُه واحْتُمِل صَرْفه في وجوهِ التأويلاتِ، باحتمالِه المعانيَ المختلِفةَ؛ إرادةَ اللَّبْسِ على نفسِه وعلى غيرِه، احتجاجًا به على باطلِه الذي مال إليه قلبُه، دون الحقِّ الذي أبانه اللهُ، فأَوضَحه

(1)

في ت 2: "ابن".

(2)

تفسير مجاهد ص 249، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 596 (3190).

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 577.

وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 597 (3192) من طريق سلمة به، عن ابن إسحاق قوله.

ص: 213

بالمُحْكَماتِ من آيِ كتابِه.

وهذه الآيةُ وإن كانت نزَلَتْ في من ذكَرْنا أنّها نزَلَتْ فيه مِن أهلِ الشِّرْكِ، فإنه معنيٌّ بها كلُّ مُبتدعٍ في دينِ اللهِ بدعةً، فمالَ قلبُه إليها، تأويلًا منه لبعضِ متشابِهِ آيِ القرآنِ، ثم حاجَّ به وجادَل به أهل الحقِّ، وعدَلَ عن الواضحِ من أدلَّةِ آيِه المُحْكَماتِ؛ إرادةً منه بذلك اللَّبْسَ على أهلِ الحقِّ من المؤمنين، وطلبًا لعِلْمِ تأويلِ ما تشابَهَ عليه مِن ذلك، كائنًا مَن كان، وأيَّ أصنافِ البَدَعة

(1)

كان؛ من أهلِ النصرانيةِ كان، أو اليهوديّةِ، أو المجوسيّةِ، أو كان سَبَئِيًّا، أو حَرُورِيًّا، أو قَدَريًّا، أو جَهْمِيًّا، كالذي قال صلى الله عليه وسلم:"فإذا رأيتُم الذين يُجادِلون به، فهم الذين عَنَى اللهُ فاحْذَروهم".

وكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن مَعْمَرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، وذُكِر عندَه الخوارجُ وما يَلْقَون عندَ القرآنِ

(2)

، فقال: يُؤْمِنون بمُحْكَمِه، ويَهْلِكُون عندَ متشابِهِه. وقرَأ ابن عباسٍ:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} الآية

(3)

.

وإنما قلْنا القولَ الذي ذكَرْنا أنَّه أَوْلَى التأويلَين بقولِه: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} ؛ لأنَّ الذين نزَلتْ فيهم هذه الآيةُ كانوا أهلَ شِرْكٍ، وإنما أرادوا بطلبِ تأويلِ ما طلبوا تأويلَه - اللَّبْسَ على المسلِمين، والاحتجاجَ به عليهم، ليَصُدُّوهم عمّا هم عليه من الحقِّ، فلا معنَى لأَنْ يُقالَ: فعلوا ذلك إرادةَ الشِّرْكِ. وهم قد

(1)

البَدَعَةُ، فَعَلَةٌ: المبتدعة.

(2)

في النسخ: "الفرار". والمثبت من مصادر التخريج.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 15/ 313، والآجرى في الشريعة (45) من طريق سفيان به.

ص: 214

كانوا مشرِكين.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} .

اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى "التأويل" الذي عنَى اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: الأَجَلُ الذي أرادت اليهودُ أن تَعْرِفَه مِن انقضاءِ مُدَّةِ أمرِ

(1)

محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأمرِ أُمّتِه من قِبَلِ الحروفِ المقطَّعةِ من حسابِ الجُمَّلِ كـ {الم} ، و {والمص} ، و {الر} ، و {المر} ، وما أَشبهَ ذلك من الآجالِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: أمّا قولِه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} ، يعنى: تأويلَه يومَ القيامةِ، إلا اللهُ

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: عواقبُ القرآنِ. وقالوا: إنما أرادُوا أن يَعْلَمُوا متى يَجِيءُ ناسخُ الأحكامِ التي كان اللهُ جل ثناؤُه شرَعها لأهلِ الإسلامِ قبلَ مجيئِه، فنسَخ ما قد كان شرَعه قبلَ ذلك.

‌ذكر من قال ذلك

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَابْتِغَاءَ

(1)

سقط من: ت 2.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 597 (3197) من طريق عبد الله بن صالح به.

ص: 215

تَأْوِيلِهِ}: أرادُوا

(1)

أن يَعْلَمُوا تأويلَ القرآنِ، وهو عواقبُه، قال اللهُ:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} . وتأويلُه: عواقبُه؛ [متى يأتى]

(2)

الناسخُ منه فَيَنْسَخَ المنسوخَ

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وابتغاء [تأويلِ ما تَشابَهَ]

(4)

من آيِ القرآنِ يتأوَّلُونه، إذ كان ذا وجوهٍ وتصاريفَ في التأويلاتِ، على ما في قلوبِهم من الزَّيْغِ، وما رَكِبوه من الضَّلالةِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} : وذلك على ما رَكبوا من الضّلالةِ في قولِهم

(5)

: خلَقْنا وقَضَيْنا

(6)

.

والقولُ الذي قاله ابن عباسٍ، من أن ابتغاءَ التأويلِ الذي طلَبه القومُ من المتشابِهِ هو معرفةُ انقضاءِ المدةِ، ووقتِ قيامِ الساعةِ، والذي ذكَرْنا عن السديِّ مِن أنَّهم طلَبوا وأرادُوا معرفةَ وقتِ هوَ جاءٍ قبل مجيئِه، أَوْلَى بالصوابِ، وإن كان السديُّ قد أَغفَل

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"وأن أرادوا".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"حتى ينسخ".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 597، 598 (3193، 3200) من طريق عمرو بن حماد به.

(4)

في ت 2: "تأويله".

(5)

في م: "قوله".

(6)

سيرة ابن هشام 1/ 577، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 597 (3196) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله بمعناه.

ص: 216

معنى ذلك من وجهِ صرَفَه إلى حَصْرِه على أن معناه أنَّ القومَ طلَبوا معرفةَ وقتِ مجئِ الناسخِ لما قد أُحْكِمَ قبلَ ذلك.

وإنما قلْنا: إنَّ طَلَبَ القومِ معرفةَ الوقتِ الذي هو جاءٍ قبلَ مجيئِه، المحجوبِ عِلْمُه عنهم وعن غيرِهم بمتشابِهِ آيِ القرآنِ، أَوْلَى بتأويلِ قولِه:{وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} ؛ لما قد دلَّلْنا عليه قبلُ مِن إخبارِ اللهِ جل ثناؤُه أنَّ ذلك التأويلَ لا يَعلمُه إلا اللهُ، ولا شكَّ أن معنى قولِه: وقَضَيْنا وفَعَلْنا. قد عَلِم تأويلَه كثيرٌ من جَهَلةِ أهلِ الشركِ، فضلًا عن أهلِ الإيمانِ وأهلِ الرُّسوخِ في العلمِ منهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} .

يعنى جل ثناؤُه بذلك: وما يَعلَمُ وقتَ قيامِ الساعةِ، وانقضاءِ مدةِ أُكْلِ محمدٍ وأُمَّتِه، وما هو كائنٌ، إلا اللهُ، دون مَن سواه مِن البشرِ، الذين أمَّلُوا إدراك علمِ ذلك من قِبَلِ الحسابِ والتنجيمِ والكَهانةِ، وأمّا الرّاسخون في العلمِ فيقولون: آمنّا به كلٌّ من عند ربنا. لا يَعْلَمون ذلك، ولكنَّ فضلَ عليهم في ذلك على

(1)

غيرِهم، العلم

(2)

بأنَّ الله بأنَّ الله هو العالمُ بذلك، دون مَن سواه مِن خلقِه.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، وهل "الرّاسخون" معطوفون

(3)

على اسمِ "اللهِ"، بمعنى إيجابِ العلمِ لهم بتأويلِ المتشابِهِ، أم هم مُستأنفٌ ذِكْرُهم بمعنى الخبرِ عنهم أنَّهم يقولون: آمنَّا بالمتشابِهِ، وصدَّقْنا أنَّ علمَ ذلك لا يعلمُه إلا اللهُ؟ فقال

(1)

في ت 2: "إلى".

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

في م: "معطوف".

ص: 217

بعضُهم: معنى ذلك: وما يعلمُ تأويلَ ذلك إلا اللهُ وحدَه منفرِدًا بعلمِه، وأمّا الرّاسخون في العلمِ فإنهم ابْتُدِئَ الخبرُ عنهم بأنَّهم يقولون: آمنَّا بالمتشابِهِ والمُحْكَمِ، وأن جميعَ ذلك من عندِ اللهِ.

‌ذكر من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا خالدُ بن نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ قولَه:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} . قالت: كان من رسوخِهم في العلمِ أنْ آمَنُوا بمُحْكَمِه ومتشابِهِه، ولم يَعْلَمُوا تأويلَه

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: كان ابن عباسٍ يقولُ

(2)

: (وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلَّا اللهُ [ويَقُولُ الراسِخون في العِلْمِ]

(3)

آمَنَّا به)

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن أبي الزنادِ، قال: قال

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 599 (3208) من طريق نافع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 6 إلى ابن المنذر.

(2)

كذا في النسخ. وفى مصادر التخريج: "يقرؤها". ويقول هنا بمعنى: يقرأ.

(3)

في النسخ: "يقول الراسخون". وأثبتنا نص قراءة ابن عباس كما في مصادر التخريج، وينظر تفسير البحر المحيط 2/ 384.

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 116، ومن طريقه ابن أبي داود في المصاحف ص 75، وأخرجه ابن الأنباري في الأضداد (ص 426) من طريق الحسن بن يحيى به، وأخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 289، من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 6 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 218

هشامُ بنُ عُرُوةَ: كان أبي يقولُ في هذه الآيةِ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} : إنَّ الراسخين [في العلم]

(1)

لا يَعْلَمون تأويلَه، ولكنهم يقولون:{آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}

(2)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن أبي نَهِيكِ الأسَديِّ قولَه:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} . فيقولُ

(3)

: إنكم تَصِلُون هذه الآيةَ، وإنها مقطوعةٌ:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} - {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، فانتهى عِلْمُهم إلى قولِهم الذي قالوا

(4)

.

حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا ابن دُكَينٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عثمانَ بن عبدِ اللهِ بن مَوْهَبٍ

(5)

، قال: سمِعتُ عمرَ بن عبد العزيز يقولُ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} : انتهى عِلْمُ الراسخين في العلمِ بتأويلِ القرآنِ إلى أن قالوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}

(6)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أَشْهَبُ، عن مالكٍ في قولِه:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} ، قال: ثم ابتدَأ فقال: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} . وليس يَعْلَمون تأويلَه

(7)

.

(1)

سقط من: ص.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 599 (3207) عن يونس به.

(3)

في ت 1، ت 2:"فيقولون".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 599 (3206) من طريق يحيى بن واضح به.

(5)

في ت 1، ت 2:"وهب". وينظر تهذيب الكمال 22/ 150.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 6، 7 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 7 إلى المصنف.

ص: 219

وقال آخَرون: بل معنى ذلك: وما يَعلَمُ تأويلَ ذلك إلا اللهُ والراسخون في العلمِ، وهم - مع عِلْمِهم بذلك ورسوخِهم في العلمِ - يقولون:{آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} .

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال: أنا ممن يَعْلَمُ تأويلَه

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} : [يَعْلَمون تأويلَه، و]

(2)

يقولون: آمنَّا به

(3)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نِجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} : يَعْلَمُون تأويلَه، ويقولون: آمَنَّا به

(4)

.

حُدِّثْتُ عن عمّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} : يَعْلَمون تأويلَه، ويقولُون: آمنَّا به

(5)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبير:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ} [الذي أرادَ، ما أراد]

(6)

! {إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

(1)

أخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص 424 من طريق أبي عاصم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 7 إلى ابن المنذر.

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

تفسير مجاهد ص 249، وأخرجه ابن الأنبارى في الأضداد ص 424 من طريق أبي عاصم به.

(4)

أخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في التغليق 4/ 190 - من طريق شبل به.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 7 إلى المصنف.

(6)

في ت 2: "الذي أراد". وفي سيرة ابن هشام: "الذي به أرادوا ما أرادوا". والمثبت موافق لما في تفسير ابن كثير.

ص: 220

يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}

(1)

. ثم رَدُّوا تأويلَ المتشابِهِ

(2)

على ما عرَفوا من تأويلِ المُحْكَمةِ التي لا تأويلَ لأحدٍ فيها إلا تأويلٌ واحدٌ، فاتَّسق بقولِهم الكتابُ، وصدَّق بعضُه بعضًا، فنَفَذتْ به الحُجّةُ، وظهَر به العذرُ، وزاح

(3)

به الباطلُ، ودُمِغ به الكفرُ

(4)

.

فمن قال القولَ الأولَ في ذلك، وقال: إِنَّ الراسخين لا يَعْلَمون تأويلَ ذلك، وإنما أخبَر اللهُ عنهم بإيمانِهم وتصديقِهم بأنَّه مِن عندِ اللهِ، فإنه يَرْفَعُ "الرَّاسخين في العلمِ" بالابتداءِ في قولِ

(5)

البصريِّين، ويَجعَلُ خبره {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ}. وأمّا في قولِ بعضِ الكوفيِّين فبالعائِدِ مِن ذكرِهم في:{يَقُولُونَ} . وفى قولِ بعضِهم بجملةِ الخبرِ عنهم وهى {يَقُولُونَ} . ومَن قال القولَ الثانيَ، وزعَم أنَّ الراسخين في العلمِ يَعلَمُون تأويلَه، عطَف بـ"الرَّاسخين" على اسمِ "اللهِ"، فرفعَهم

(6)

بالعطفِ عليه.

والصوابُ عندنا في ذلك أنهم مرفوعون بجملةِ خبرِهم بعدَهم، وهو:{يَقُولُونَ} ؛ لما قد بَيَّنَّا قبلُ مِن أنهم لا يَعلَمون تأويلَ المتشابِهِ الذي ذكَره اللهُ عز وجل في هذه الآيةِ، وهو فيما بلَغنى مع ذلك في قراءةِ أُبَيٍّ: (ويقولُ

(7)

الرَّاسِحُونَ في العِلْمِ)

(8)

. كما ذكَرْناه عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه. وفي قراءةِ عبدِ اللهِ: (إِنْ

(1)

بعده في سيرة ابن هشام: "فكيف يختلف وهو قول واحد من رب واحد".

(2)

في م: "المتشابهة".

(3)

زاح الشيء: بعُد وذهب، كانزاح بنفسه، تقول: أزحتُ علته فراحت. التاج (ز ي ح).

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 577، وذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 8 عن ابن إسحاق به.

(5)

في ت 2: "قولى".

(6)

في ت 2: "فعرفهم".

(7)

في ت 2: "يقولون".

(8)

ينظر المحرر الوجيز 2/ 342، وتفسير البحر المحيط 2/ 384.

ص: 221

تأْوِيلُهُ إِلَّا عندَ اللهِ، والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ)

(1)

.

وأمّا معنى التأويلِ في كلامِ العربِ، فإنَّه التفسيرُ والمَرْجِعُ والمَصِيرُ، وقد أَنشَدَ بعضُ الرواةِ بيتَ الأَعْشَى

(2)

:

على أنَّها كانت تَأَوَّلُ حُبِّها

تَأَوَّلَ

(3)

رِبْعِيِّ السِّقابِ

(4)

فَأَصْحَبَا

وأصلُه: مِن آلَ الشيءُ إلى كذا، إذا صارَ إليه ورجَع، يَئُولُ أَوْلًا، وأَوَّلْتُه أَنا صيَّرْتُه إليه.

وقد قيل: إِنَّ قولَه: {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] أي: جَزاءً، وذلك أن الجزاءَ هو المعنى

(5)

الذي آل إليه أمرُ القومِ، وصار إليه.

ويَعنِى بقولِه: تَأَوُّلُ حُبِّها: تفسيرُ حبِّها ومرجعُه. وإنما يُريدُ بذلك أنَّ حبَّها كان صغيرًا في قلبِه، فآلَ مِن الصِّغَرِ إلى العِظَمِ، فلم يَزَلْ يَنْبُتُ حتى أَصْحَبَ

(6)

فصار قديمًا، كالسَّقْب الصغيرِ الذي لم يَزَلْ يَشِبُّ حتى أَصْحَبَ فصار كبيرًا مثلَ أُمِّه.

وقد يُنْشَدُ هذا البيتُ

(7)

:

(1)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 342، وأبو حيان في البحر المحيط 2/ 384، وفي المصاحف لابن أبي داود ص 59: "وإن حقيقة تأويله

".

(2)

ديوانه ص 113.

(3)

في م: "توالي".

(4)

في ت 2: "السقات". والسِّقاب: جمع السَّقْب، وهو ولد الناقة الذكر ساعة يولد، ولا يقال للأنثى: سقبة. ينظر التاج (س ق ب).

(5)

سقط من: م، س.

(6)

أصحب: ذَلَّ وانقاد. التاج (ص ح ب).

(7)

رواية اللسان (ر ب ع، و ل ي):

ولكنها كانت نَوًى أَجْنَبِيّةً

توالىَ رِبْعيِّ السِّقابِ فأصحبا =

ص: 222

على أنَّها كانتْ تَوَابَعُ حُبِّها

تَوَالِيَ رِبْعِيِّ السِّقابِ فَأَصْحَبَا

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} .

يعنى بالرَّاسخين في العلمِ العلماءَ الذين قد أَتْقَنُوا عِلْمَهِم، ووَعَوْه فَحَفِظُوه حِفْظًا لا يَدْخُلُهم في معرفتِهم وعلمِهم بما علِموه شكٌّ ولا لَبْسٌ، وأصلُ ذلك مِن رُسوخِ الشيءِ في الشيءِ، وهو ثبوتُه ووُلُوجُه فيه، يقالُ منه: رسَخ الإيمانُ في قلبِ فلانٍ، فهو يَرْسَخُ رَسْخًا ورُسُوخًا.

وقد رُوِيَ في نعتِهم خبرٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهو ما حدَّثنا موسى بنُ سَهْلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا فَيَّاضُ بنُ محمدٍ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن يزيدَ بن آدمَ، عن أبي الدَّرْداءِ وأبى أُمامةَ، قالا: سُئِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَن الراسخُ في العلمِ؟ قال: "مَن بَرَّتْ يمينُه، وصدَق لسانُه، واستقام به قلبُه، وعفَّ بطنُه، فذلك الراسخُ في العلمِ"

(1)

.

حدَّثني المثنَّى وأحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قالا: ثنا نُعيم بنُ حمّادٍ، قال

(2)

: ثنا فَيَاضٌ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ الأَوْدِيُّ - قال: وكان أَدركَ أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم - قال: حدَّثنا أنسُ بن مالكٍ وأبو أُمامةَ وأبو

= قال الأزهرى: هكذا سمعت العرب تنشده، وفسروا لى توالى السقاب أنه من الموالاة، وهو تمييز شيء من شيء. يقال: والينا الفصلانَ عن أمهاتها فتوالت، أي: فصلناها عنها عند تمام الحول ويشتد الموالاة ويكثر حنينها في أثر أمهاتها ويتخذ لها خندق تحبس فيه، وتسرَّح الأمهات في وجه من مراتعها، فإذا تباعدت عن أولادها سرِّحت الأولاد في جهة غير جهة الأمهات، فترعى وحدها فتستمر على ذلك، وتُصحب بعد أيام؛ أخبر الأعشى أن نوًى صاحبته اشتدت عليه فحنّ إليها حنين ربعي السقاب إذا وولى عن أمه. تهذيب اللغة 2/ 377.

(1)

أخرجه الطبراني (7658) من طريق عبد الله بن يزيد به، بزيادة أنس ووائلة.

(2)

في ت 2: "قالا".

ص: 223

الدَّرْداءِ، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الراسخين في العلمِ، فقال:"مَن بَرَّتْ يمينُه، وصدَق لسانُه، واستقام به قلبه، وعفَّ بطنُه وفرجُه، فذلك الراسخُ في العلمِ"

(1)

.

وقد قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ: إنما سمَّى اللهُ عز وجل هؤلاء القومَ الراسخين في العلمِ، بقولِهم:{آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} .

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} قال: الراسخون الذين يقولون: آمنًّا به كلٌّ من عندِ ربِّنا

(2)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} : هم المؤمنون، فإنهم يقولون:{آمَنَّا بِهِ} بناسخِه ومنسوخِه {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} : وعِلْمُهم قولهم. قال ابن جُريجٍ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} وهم

(1)

أخرجه ابن عساكر 39/ 326 - 327 (طبعة مجمع اللغة بدمشق) من طريق نعيم به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 599 (3205) من طريق نعيم به عن أبي الدرداء وحده. وأخرجه ابن عساكر 15/ 917 (مخطوط) من طريق عبد الله بن يزيد الأودى، عن أنس وحده.

(2)

ينظر تفسير البغوي 2/ 11.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 600 (3212)، وعقب الأثر (3214) من طريق عمرو به.

ص: 224

الذين يقولون: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} ويقولون: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} الآية.

وأما تأويل قوله: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} . فإنه يعنى أن الراسخين في العلمِ يقولون: صدَّقْنا بما تشابَهَ من آيِ الكتابِ، وأنَّه حقٌّ وإن لم نَعْلَمْ تأويلَه.

وقد حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ نُبَيْطٍ، عن الضّحّاكِ:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} قال: المُحْكَمُ والمتشابِهُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} .

يعنى بقولِه جل ثناؤُه: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} : كلُّ المُحْكَمِ من الكتابِ والمتشابِهِ منه من عندِ ربِّنا، وهو تنزيلُه ووَحْيُه إلى نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [قال: يعنى ما نُسِخ منه وما لم يُنْسَخُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} : والراسخون في العلم قالوا: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ]

(2)

آمَنُوا بمتشابِهِه، وعمِلوا بمُحْكَمِه

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 600 (3214) من طريق وكيع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 7 إلى ابن المنذر.

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 600 (3215) من طريق شيبان، عن قتادة، وفيه زيادة.

ص: 225

حُدِّثْتُ عن عمّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه:{كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} يقولون: المُحْكَمُ والمتشابِهُ من عندِ اللهِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} : نُؤْمِنُ بالمُحْكَمِ ونَدِينُ به، ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَدِينُ به، وهو من عندِ اللهِ كلُّه

(2)

.

حدَّثنا يحيى بن أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} : يَعْمَلُونَ

(3)

به، يقولون: نَعْمَلُ بالمُحْكَمِ ونُؤْمِنُ به، ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَعْمَلُ به، وكلٌّ من عندِ ربِّنا

(4)

.

واختلَف أهلُ العربيةِ في حكمِ "كلّ" إذا أُضْمِرَ فيها؛ فقال بعضُ نحويِّي البصريِّين: إنما

(5)

جاز حذفُ المرادِ الذي كان معها، الذي "الكُلُّ" إليه مضافٌ في هذا الموضعِ؛ لأنها اسمٌ، كما قال:{إِنَّا كُلٌّ فِيهَا} [غافر: 48] بمعنى: إِنَّا كلُّنا فيها. قال: ولا يكونُ "كلٌّ" مُضْمَرًا [فيها وهي صفةٌ، لا يقالُ: مَرَرْتُ بالقومِ كلٍّ. وإنما يكونُ فيها مُضْمَرٌ]

(6)

إذا جعلْتَها اسمًا، لو كان: إنّا كلًّا فيها، على الصفةِ، لم يَجُز؛ لأنَّ الإضمارَ فيها

(7)

ضعيفٌ، لا يَتَمَكَّن في كلِّ مكانٍ.

وكان بعضُ نحويِّي الكوفيِّين يَرَى الإضمارَ فيها وهي صفةٌ أو اسمٌ سواءً؛ لأنه غيرُ جائزٍ أَن يُحْذَفَ ما بعدَها عندَه إلا وهى كافيةُ بنفسها عمّا كانت تُضاف إليه من

(1)

في م: "ربنا".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 601 (3217) عن محمد بن سعد به.

(3)

في ت 1، ت 2، س:"يعلمون".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 600 (3216) من طريق جويبر به.

(5)

في م: "إذا".

(6)

سقط من: ت 2.

(7)

في ت 2: "فيه".

ص: 226

المُضْمَرِ، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ كافيةً منه في حالٍ، ولا تكونَ كافيةً في أُخْرَى. وقال: سبيلُ "الكلِّ" و"البعضِ" في الدَّلالةِ على ما بعدَهما بأنفسِهما وكفايتِهما منه بمعنًى واحدٍ في كلِّ حالٍ، صفةً كانت أو اسمًا.

وهذا القولُ الثاني أَوْلَى بالقياسِ؛ لأنها إذا كانت كافيةً بنفسِها مما حُذِف منها في حالٍ لدلالتها عليه، فالحكم فيها أنها كلَّما وُجدَتْ دالَّةً على ما بعدها، فهى كافيةٌ منه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه: وما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ ويَنزَجِرُ عن أن يقولَ في متشابِهِ آي كتابِ اللهِ ما لا علمَ له به، إلا أولو العقولِ والنُّهَى.

وقد حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} يقولُ: وما يَذَّكَّرُ في مثل هذا، يعني: في ردِّ تأويلِ المتشابِهِ إلى ما قد عُرِف من تأويلِ المُحْكَمِ، حتى يَتَّسِقا على معنًى واحدٍ، إلا أولو الألبابِ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)} .

يَعنى بذلك جل ثناؤُه أن الرَّاسخين في العلمِ يقولون: آمَنَّا بما تشابَهَ من آي كتابِ اللهِ، وإنه هو

(2)

والمُحْكَمُ من آيِه من تنزيلِ ربِّنا ووَحْيِه. ويقولون أيضًا:

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 577، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 601 (3219) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(2)

سقط من: ص، م، ت 2، ت 3.

ص: 227

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} يعنى أنهم يقولون - رغبةً منهم إلى ربِّهم في أن يَصْرِفَ عنهم ما ابْتُلي به الذين زاغَتْ قلوبُهم من اتِّباعِ متشابهِ آيِ القرآنِ؛ ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِه الذي لا يعلمُه غيرُ اللهِ -: يا ربَّنا، لا تجعلْنا مثلَ هؤلاء الذين زاغَتْ قلوبُهم عن الحقِّ، فَصَدُّوا عن سبيلِك؛ {لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا}: لا تُمِلها فتَصْرِفَها عن هُداك، {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} له، فوفَّقْتَنا للإيمانِ بمُحكَمِ كتابِك ومتشابِهِه، {وَهَبْ لَنَا} يا ربَّنَا، {مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} يعني: من عندِك رحمةً. يعنى بذلك: هَبْ لنا من عندِك توفيقًا وثباتًا للذى نحن عليه مِن الإقرارِ بمُحكَمِ كتابِك ومتشابِهِه، {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} يعنى: إِنَّك أنت المُعْطِى عبادَك التوفيقَ والسدادَ للثباتِ على دينِك، وتصديقِ كتابِك ورسلِك.

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} . أي: لا تُمِلْ قلوبَنا وإن مِلْنا بأحداثِنا

(1)

، {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً}

(2)

.

وفي مدحِ اللهِ جل ثناؤُه هؤلاء القومَ بما مدَحهم به - مِن رغبتِهم إليه في ألا يُزِيغَ قلوبَهم، وأن يُعْطِيَهم رحمةً منه؛ معونةً لهم للثباتِ على ما هم عليه من حسنِ البصيرةِ بالحقِّ الذي

(3)

هم عليه مُقيمون - ما أبان عن خطأِ قولِ الجهَلةِ من القَدَريّةِ: إنَّ إزاغةَ اللهِ قلبَ مَن أَزاغَ قلبَه مِن عبادِه عن طاعتِه، وإمالتَه

(4)

له عنها، جوْرٌ؛ لأن

(1)

في م: "بأجسادنا".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 577، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 601 (3221) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(3)

في ت 2: "الذين".

(4)

في ت 1: "لا بامنه"، وفى ت:2 "لا نامنه"، وفى س:"بامنه"، وكذا في ص ولكن غير منقوطة.

ص: 228

ذلك لو كان كما قالوا لكان الذين قالوا: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} بالذمِّ أَوْلَى منهم بالمدحِ؛ لأن القولَ لو كان كما قالوا، لكان القومُ إنما سأَلوا ربَّهم بمسألتِهم

(1)

إيَّاه ألَّا يُزِيغَ قلوبَهم، ألا يَظْلِمَهم ولا يجورَ عليهم، وذلك من السائلِ

(2)

جَهْلٌ؛ لأن الله جل ثناؤُه لا يَظْلِمُ عبادَه، ولا يجورُ عليهم، وقد أَعلمَ عبادَه ذلك، ونفاه عن نفسِه بقولِه:{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]. ولا وجْهَ لمسألتِه أن يكونَ بالصفةِ التي قد أخبرَهم أنه بها. وفي فسادِ ما قالوا من ذلك الدليلُ الواضحُ على أنَّ عَدْلًا من اللهِ عز وجل إزاغةُ مَن أَزَاغ قلبَه من عبادِه عن طاعتِه، فلذلك استحقَّ المدحَ مَن رَغِب إليه في أن لا يُزِيغَه، لتوجيهِه

(3)

الرغبةَ إلى أهلِها، ووضعِه مسألتَه مَوْضِعَها، مع تظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم برغبتِه إلي ربِّه في ذلك، مع محَلِّه منه وكرامتِه عليه.

حدَّثنا أبو كرُيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بن بَهْرامَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أُمِّ سلَمةَ، أن رسولَ اللِه صلى الله عليه وسلم قال:"يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبي على دِينِك". ثم قرَأ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} إلى آخرِ الآيةِ

(4)

.

"حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن عبدِ الحميدِ بن بَهْرامَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن أسماءَ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بنحوِه.

حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ

(1)

في م، ت 2، س:"مسألتهم".

(2)

في ص: "المسائل".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س:"لتوجهه".

(4)

أخرجه أحمد 6/ 294 (الميمنية)، وابن أبي حاتم 2/ 601 - 602 (3222) من طريق وكيع به.

ص: 229

الفَزاريُّ، قال: ثنا شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سَمِعْتُ أَمَّ سلمةَ تحدِّثُ أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يُكْثِرُ في دعائِه أن يقولَ: "اللهمَّ مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبى على دينِك". قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، وإنَّ القلبَ لَيُقَلَّبُ؟ قال: "نعم، ما خَلَقَ اللهُ من بشرٍ من بنى آدمَ إِلَّا إِنَّ

(1)

: قلبَه بين إِصْبَعَين مِن أصابِعه، فإن شاء أقامَه، وإن شاء أَزاغَه، فنسألُ الله رَبَّنا ألا يُزِيغَ قلوبَنا بعدَ إِذْ هَدَانا، ونسألُه أَن يَهَبَ لنا من لَدُنْهُ رحمةً، إنه هو الوَهّابُ". قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ألا تُعَلِّمُني دعوةً أدعو بها لنفسِى؟ قال: "بلى

(2)

، قوله: اللهمَّ رَبَّ النبيِّ محمدٍ، اغفِرْ لي ذنبي، وأَذْهِبْ غيظَ قلبي، وأَجرْنِى من مُضِلَّاتِ الفِتَنِ"

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسي، قال: ثنا محمد بن عبدِ اللهِ الزُّبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أن يقولَ: "يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلبي على دينِك". فقال له بعضُ أهله: تَخافُ علينا وقد آمنَّا بك وبما جِئْتَ به؟ قال: "إنَّ القلبَ بين إِصْبَعَين مِن أَصَابِعِ الرحمنِ تبارك وتعالى، يقولُ بهما

(4)

هكذا". وحرَّك أبو أحمدَ إصْبَعَيْه. قال أبو جعفرٍ: وإنَّ الطُّوسيَّ

(5)

وسَقَ

(6)

بين إِصْبَعَيْه

(7)

.

(1)

في م، ومعجم الطبراني:"و".

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س:"قال".

(3)

أخرجه الطبراني 23/ 338 (785) من طريق حجاج بن المنهال به. وأخرجه أحمد 6/ 301، 302 (الميمنية)، وعبد بن حميد (1532 - منتخب)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير 2/ 10 - من طريق عبد الحميد بن بهرام به. وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 209، 210، وأحمد 6/ 315 (الميمنية)، والترمذي (3522)، والطبراني 23/ 334 (772) من طريق شهر بن حوشب به.

(4)

في م: "به".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س:"أبا الطوسي".

(6)

الوشق: ضم الشيء إلى الشيء. اللسان (و س ق).

(7)

أخرجه أبو يعلى (2318)، والبيهقى في الشعب (756) من طريق سفيان به.

ص: 230

حدَّثني سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبي سفيانَ، عن أنسٍ، قال: كان رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يقولُ: "يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قلبى على دينِك". قلنا: يا رسولَ اللهِ، قد آمنَّا بك، وصدَّقْنا بما جئتَ به، فتَخافُ علينا؟ قال: "نعم، إِنَّ القُلوبَ بين إِصْبَعَين من أصابعِ اللهِ، يُقَلِّبُها

(1)

تبارك وتعالى"

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكَمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، وحدثنى عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا [أيوبُ بنُ بشرٍ، جميعًا]

(3)

عن ابن جابرٍ، قال: سَمِعْتُ بُسْرَ

(4)

بنَ عُبيدِ اللهِ، قال: سَمِعْتُ أبا إدريسَ الخَوْلانيَّ يقولُ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بنَ سَمعَانَ الكِلابيَّ، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "ما من قلبٍ إلا بين إصْبَعَين مِن أصابعِ الرحمنِ، إن شاءَ أقامَه، وإن شاءَ أزاغَه". وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "يا مُقَلِّبَ القلوبِ ثَبِّتْ قلوبنَا على دينِك، والميزانُ بيدِ الرحمنِ، يَرْفَعُ أقوامًا ويَخْفِضُ آخرين إلى يومِ القيامةِ"

(5)

.

حدَّثني عمرُ بنُ عبدِ الملكِ الطائيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدةَ، قال: ثنا الجرَّاحُ

(1)

بعده في ص، ت 2:"الله".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 209، وفى الإيمان (55)، وأحمد 19/ 160 (12107)، والترمذى (2140)، وأبو يعلى (3687، 3688)، وابن أبي عاصم في السنة (225)، والحاكم 1/ 526 من طريق أبى معاوية به.

(3)

سقط من: س، وفى ص، ت 2:"بن جميعا"، وفي ت 1:"بن" وبعده بياض بمقدار كلمتين.

(4)

في م: "بشر".

(5)

أخرجه الحاكم 4/ 321 من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم به. وأخرجه أيضًا 1/ 525، والبيهقى في الأسماء والصفات (299) من طريق بشر بن بكر به.

وأخرجه أحمد 29/ 178 (17630)، وابن ماجه (199)، والنسائى في الكبرى (7738)، وابن أبي عاصم في السنة (219)، وابن خزيمة في التوحيد (54)، وابن حبان (943)، والبيهقي في الأسماء والصفات (741)، من طريق ابن جابر به.

ص: 231

ابن مليحٍ البَهْرانيُّ، عن الزُّبَيْدِيُّ، عن جُبَيْرٍ

(1)

، عن سَمُرَةَ بن فاتكٍ الأسَديِّ، وكان من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الموازين بيدِ اللهِ، يَرْفَعُ قومًا

(2)

ويضَعُ قومًا

(2)

، وقلبُ ابن آدمَ بين إصْبَعَين من أصابعِ الرحمنِ، إذا

(3)

شاء أزاغَه، وإذا

(3)

شاء أقامَه"

(4)

.

حدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن حَيْوَةَ بن شُرَيحٍ، قال: أخبَرني أبو هانئٍ الخَوْلانيُّ، أنه سمِع أبا عبد الرحمنِ الحُبُلِّيَّ يقولُ: سمِعْتُ عبد اللهِ بنَ عمرِو بن العاصِ يقولُ: سمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إن قلوبَ بني آدمَ كلَّها بين إصْبَعَين مِن أصابعِ الرحمنِ كقَلْبٍ واحدٍ، يُصَرَّفُ كيف يَشاءُ

(5)

". ثم يقولُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللهمَّ مُصَرّفَ القلوبِ صَرِّفْ قلوبَنا إلى طاعتِك"

(6)

.

حدَّثنا الربيعُ بن سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ، قال: ثنا شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سَمِعْتُ أَمَّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يُكْثِرُ في دعائِه أن يقولَ: "اللهمَّ ثَبِّتْ قلبي على دينِك". قالت: قلتُ:

(1)

في م: "جويبر"، وغير واضحة في ت 2. وينظر تهذيب الكمال 4/ 509.

(2)

في م: "أقوامًا".

(3)

في م: "إن".

(4)

أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (220)، وفى الآحاد والمثانى (1041، 1042)، والطبراني (6557) من طريق جبير به.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س:"شاء".

(6)

أخرجه النسائي في الكبرى (7739) من طريق عبد الله بن المبارك به. وأخرجه أحمد 11/ 130 (6569)، ومسلم (2654)، وابن أبي عاصم في السنة (222، 231)، والبيهقي في الأسماء والصفات (298، 740) من طريق حيوة بن شريح به.

ص: 232

يا رسولَ اللهِ، وإنَّ القلوبَ لَتُقَلَّبُ؟ قال: "نعم، ما مِن خلقِ اللهِ مِن بني آدمَ بشرٌ إلا أن قلبَه بين إصْبَعَين من أصابعِ اللهِ، إن شاء أقامَه، وإن شاء أزاغَه، فنَسألُ الله رَبَّنَا أَلا يُزِيغَ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألُه أنْ يَهَب لنا من لَدُنْه رحمةً، إنه هو الوهّابُ

(1)

".

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)} .

يَعنى بذلك جل ثناؤُه أنهم يقولون أيضًا - مع قولِهم: آمنَّا بما تشابَهَ من آيِ

(2)

كتابِ ربِّنا؛ كلُّ

(3)

المُحْكَمِ والمتشابِهِ الذي فيه من عندِ ربِّنا -: يا {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} .

وهذا من الكلامِ الذي اسْتُغْنى بذكرِ ما ذُكِرَ منه عمّا تُرِك ذكرُه. وذلك أن معنَى الكلامِ: ربَّنا إِنَّك جامعُ الناسِ ليومِ القيامة، فاغفِرْ لنا يومئذٍ، واعفُ عنَّا، فإنك لا تُخْلِفُ وَعْدَك أنَّ مَن آمَن بك، واتَّبع رسولَك، وعمِل بالذي أمرْتَه به في كتابِك، أنَّك غافرُه يومئذٍ.

وإنما هذا من القومِ مسألةٌ ربَّهم أن يُثَبِّتَهم على ما هم عليه من حُسْنِ نُصْرَتِهم

(4)

بالإيمانِ باللهِ ورسولِه، وما جاءهم به من تنزيلِه، حتى يَقْبِضَهم على أحسنِ أعمالِهم وإيمانِهم، فإنه إذا فعَل ذلك بهم وجَب لهم الجنةُ؛ لأنه قد وعَد مَن فعَل ذلك به من عبادِه

(5)

أنَّه يُدْخِلُه الجنةَ. فالآيةُ وإن كانت قد خرَجتْ مَخْرَجَ الخبرِ، فإنَّ تأويلَها من

(1)

في ت 1، س:"التواب". وينظر ما تقدم في ص 229، 230.

(2)

بعده في س: "القرآن".

(3)

في س: "كله".

(4)

كذا في م، ت 1، ت 2، س، وغير منقوطة في ص، ولعل الصواب: بصيرتُهم.

(5)

في ص، ت 1:"عبادته".

ص: 233

القومِ مسألةٌ ودعاءٌ ورغبةٌ إلى ربِّهم.

وأمّا معنى قولِه: {لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} . فإنه: لا شَكَّ فيه.

وقد بَيَّنَّا ذلك بالأدلةِ على صحتِه فيما مضَى قبلُ

.

ومعنى قولِه: {لِيَوْمٍ} : في يومٍ. وذلك يومٌ يَجْمَعُ اللهُ فيه خلقَه لفصلِ القضاءِ بينهم في موقفِ العَرْضِ والحسابِ.

والميعادُ: المِفْعالُ، من الوعدِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10)} .

يعنى جل ثناؤُه بقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} : إِنَّ الذين جحَدوا الحقَّ الذي قد عرَفوه من نُبُوَّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، من يهودِ بني إسرائيلَ ومنافِقِيهم، ومنافِقِى العربِ وكفارِهم، الذين في قلوبِهم زَيْغٌ، فهم يَتَّبِعُون من كتابِ اللهِ المتشابِهَ ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِه، {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} . يعنى بذلك أنَّ أموالَهم وأولادَهم لن تُنْجِيَهم من عقوبةِ اللهِ إنْ أحلَّها بهم عاجلًا، في الدنيا على تكذيبِهم بالحقِّ بعد تَبَيُّنِهم

(2)

، واتباعِهم المتشابِهَ طلبَ اللَّبْسِ، فتَدْفَعَها عنهم، ولا يُغْنِي [ذلك عنهم منها]

(3)

شيئًا، وهم في الآخرةِ {وَقُودُ النَّارِ} يعنى بذلك: حَطَبَها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)} .

ينظر ما تقدم في 1/ 231 - 233.

(2)

في م: "تثبيتهم"، وفى س:"نثبتهم".

(3)

في ت 2: "عنهم من ذلك".

(1)

ص: 234

يعْنى بذلك جلّ ثناؤه: إنَّ الذين كفَروا لن تُغْنِىَ عنهم أموالُهم ولا أولادُهم مِن اللهِ شيئًا عندَ حُلولِ عقوبتِنا بهم، كسُنَّةِ آلِ فرعونَ وعادتِهم

(1)

، والذين مِن قبلِهم مِن الأممِ الذين كذَّبوا بآياتِنا، فأخذْناهم بذنوبِهم، فأَهْلَكْناهم حين كذَّبوا بآياتِنا، [فلم تُغنِ]

(2)

عنهم أموالُهم ولا أولادُهم مِن اللهِ شيئًا حينَ جاءَهم بأسُنا كالذين عُوجِلُوا بالعقوبةِ على تكذيبِهم ربَّهم مِن قَبلِ آلِ فرعونَ، مِن قومِ نوحٍ وقوم هودٍ وقومِ لوطٍ وأمثالِهم.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} ؛ فقال بعضُهم: معناه: كسُنَّتِهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحَجّاجِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه:{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} . يقولُ: كسُنَّتِهم

(3)

.

وقال بعضُهم: معْناه: كعَمَلِهم

(4)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، جميعًا عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ:{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} . قال: كعملِ آلِ فرعونَ

(5)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س:"دعائهم". وينظر مجاز القرآن 1/ 87.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فلن تغن"، وفى م، س:"فلن تغنى"، وأثبتنا ما يناسب السياق.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 9 إلى المصنف.

(4)

في ت 2: "كعلمهم".

(5)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 603، 5/ 1718 عقب الأثر (3230، 9177) معلقًا.

ص: 235

حدَّثنا يحيَى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه:{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} . قال: كعملِ آلِ فرعونَ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} قال: كأعمالِهم

(1)

، كفعلِهم، كتَكْذيبِهم حينَ كذَّبوا الرسلَ. وقرأ قولَ اللهِ:{مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ} [غافر: 31]. أن يُصيبَكم مثلُ الَّذى أصابَهم عليه مِن عذابِ اللهِ. قال: الدَّأْبُ العملُ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ يحيَى بنُ واضحٍ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ في قولِه:{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} . قال: كفعلِ آلِ فرعونَ، كشَأْنِ آلِ فرعونَ

(2)

.

حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} . قال: كصُنْعِ آلِ فرعونَ

(3)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: كتَكْذيبِ آلِ فرعونَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ: عن السديِّ: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} : ذكَر الذين كفَروا فقال

(4)

: تكذيبُهم كمثلِ تكذيبِ الذين مِن قبلِهم في الجُحودِ والتَّكذيبِ

(5)

.

(1)

سقط من: م.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 603، 5/ 1718 عقب الأثر (3230، 9177) معلقًا.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 603، 5/ 1718 (3230، 9177) من طريق المنجاب به.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2:"وأفعال".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 603 (3231) من طريق عمرو به.

ص: 236

وأصلُ الدَّأْبِ مِن: دأَبْتُ في الأمرِ دأْبًا، إذا أدْمَنْتَ العملَ والتعبَ فيه. ثم إن العربَ نقَلَت معناه إلى الشأنِ والأمرِ والعادةِ، كما قال امرُؤُ القيسِ بنُ حُجْرٍ

(1)

:

وإن شِفائى عَبْرَةٌ مُهَرَاقةٌ

(2)

فهل عندَ رسمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ

(3)

كدَأْبِك

(4)

مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قبلَها

وجارتِها أُمِّ الرَّبابِ بمَأْسَلِ

يَعْنى بقولِه: كدأْبِك. كشأنِك

(5)

وأمرِك وفعلِك. يقالُ منه: هذا دأْبى ودأبُك أبدًا. يَعْنى به: فِعْلى وفِعْلُك، وأمْرِى وأمْرُك، وشأنِى وشأنُك. يقالُ منه: دأَبْتُ دُؤوبًا ودأْبًا. وحُكِى عن العربِ سَماعًا: دأَبْتُ دَأَبًا. مُثقلةً مُحرَّكةَ الهمزةِ، كما قيل: هذا شَعَرٌ ونَهَرٌ

(6)

. فتُحَرِّكُ ثانيَه؛ لأنه حرفٌ مِن الحروفِ الستةِ

(7)

، فأُلْحق الدأَبُ إذ كان ثانِيه مِن الحروفِ الستةِ، كما قال الشاعرُ

(8)

:

[له نَعَلٌ لا تطَّبِى]

(9)

(10)

الكلبَ ريحُها

وإن وُضِعَت [بينَ المَجالِسِ]

(11)

شُمَّتِ

وأما قولُه: {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} . فإنه يعْنى به: واللهُ شديدٌ عقابُه لَمن كفَر به وكذَّب رُسلَه، بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليه.

(1)

ديوانه ص 9.

(2)

في الديوان: "إن سفحتها".

(3)

معول: قيل: مَبْكًى، وقيل: مستغاث، وقيل: مَحْمل ومعْتمَد. اللسان (ع و ل).

(4)

في الديوان: "كدينك".

(5)

في ص، ت 2:"كنابك"، وفى ت 1:"كفابك".

(6)

في م: "بهر".

(7)

الحروف الستة: هي حروف الحلق.

(8)

هو كثير عزة، والبيت في ديوانه (مجموع) ص 324.

(9)

في الديوان: "إذا طرحت لم تطب".

(10)

طباه يطبوه ويطبيه: إذا دعاه. اللسان (ط ب ى).

(11)

في الديوان: "في مجلس القوم".

ص: 237

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)} .

اخْتَلَفَتِ القَرَأةُ في ذلكَ؛ فقرأه بعضهم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} بالتاءِ، على وجهِ الخطابِ للذين كفَروا بأنهم سيُغْلَبون

(1)

. واحتجُّوا لاختيارِهم قراءةَ ذلك بالتَّاءِ بقولِه: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ} . قالوا: ففِى ذلك دليلٌ على أن قولَه: {سَتُغْلَبُونَ} . كذلك خطابٌ لهم، وذلك هو قراءةُ عامَّةِ قرأَةِ الحجازِ والبصرةِ وبعضِ الكوفييِّنَ. وقد يَجوزُ لَمن كانت نيَّتُه في هذه الآيةِ أن المَوْعُودينَ بأن يُغلَبُوا هم الذين أُمِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأن يقولَ ذلك لهم، أن يَقْرَأَه بالتاءِ واليَّاءِ؛ لأن الخِطابَ بالوَحْى حينَ نزَل لغيرِهم، فيَكونُ نظيرَ قولِ القائلِ في الكلامِ: قلتُ للقومِ: إنكم مَغْلُوبون. وقلتُ لهم: إنهم مغلُوبون.

وقد ذُكِر أنّ في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (قُلْ للذين كفَروا إِن تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لكم)

(2)

. وهى في قراءتِنا: {إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ} [الأنفال: 38].

وقرأَتْ ذلكَ جماعةٌ مِن قرأةٍ أهلِ الكوفةِ: (سَيُغْلَبون ويُحشَرون). على معْنى: قُلْ لليهودِ: سيُغْلَبُ مُشرِكو العربِ، ويُحْشَرون إلى جهنمَ. ومَن قرَأ ذلك كذلك على هذا التأويلِ، لمْ يَجُزْ في قراءَتِه غيرُ الياءِ.

والذي نَخْتارُ مِن القِراءةِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأَه بالتَّاءِ، بمعنى: قلْ يا محمدُ للذين كفَروا مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، الذين يَتَّبِعون ما تَشابَه مِن آى الكتابِ الذي أنْزَلْتُه إليك ابْتِغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِه: {سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ

(1)

هي قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائى بالياء، وسيأتي. السبعة لابن مجاهد ص 203.

(2)

ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 192.

ص: 238

الْمِهَادُ}.

وإنما اخْتَرْنا قراءةَ ذلك كذلك، على قراءتِه بالياءِ، لدلالةِ قولِه:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ} . على أنهم بقولِه: {سَتُغْلَبُونَ} مُخاطَبُون خطابَهم بقولِه: {قَدْ كَانَ لَكُمْ} . فكان إلحْاقُ الخطابِ بمثلِه مِن الخطابِ أوْلى مِن الخطابِ بخلافِه مِن الخبرِ عن غائبٍ.

وأخْرَى: أن أبا كُرَيْبٍ حَدَّثَنا، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولَى زيدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا أصابَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قريشًا يومَ بدرٍ، فقدِم المدينةَ، جمَع يهودَ في سوقِ بنى قَيْنُقاعَ فقال:"يا مَعْشَرَ يَهودَ، أسْلِمُوا قبلَ أن يُصِيبَكم مثلُ ما أصابَ قريشًا". فقالوا: يا محمدُ، لا تَغُرَّنَّك نفْسُك أنكَ قَتَلْتَ نفرًا مِن قريشٍ كانوا أعْمارًا لا يَعْرِفُون القِتالَ، إنك واللهِ لو قاتَلْتَنا لعرَفْتَ أنا نحن الناسُ، وأنك لم تَأْتِ

(1)

مثلَنا. فأنْزَل اللهُ عز وجل في ذلك مِن قولِهم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} إلى قولِه: {لِأُولِي الْأَبْصَارِ}

(2)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، قال: لما أصابَ اللهُ قريشًا يومَ بدرٍ، جمَع رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يهودَ في سوقِ بنى قَيْنُقاعَ حينَ قدِم المدينةَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبى كُريْبٍ، عن يونُسَ

(3)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان مِن أمْرِ بنِى

(1)

في سنن أبى داود: "تلق".

(2)

أخرجه أبو داود (3001)، والبيهقى في الدلائل 3/ 173، 174 من طريق يونس به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 604 (3234) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 9، 10 إلى ابن إسحاق.

ص: 239

قَيْنُقاعَ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جمعَهم بسوقِ بنى قَيْنُقاعَ، ثم قال:"يا معشرَ اليهودِ، احذَرُوا مِن اللهِ مثلَ ما نزَل بقريشٍ مِن النِّقْمةِ، وأسْلِمُوا، فإنكم قد عرَفْتُم أنى نبيٌّ مُرْسَلٌ، تَجِدُون ذلكَ في كتابِكم، وعَهْدِ اللهِ إليكم". فقالوا: يا محمدُ، إنك تَرَى أنَّا كقومِك

(1)

! لا يَغُرَّنَّك أنك لقِيتَ قومًا لا عِلْمَ لهم بالحربِ، فأصَبْتَ فيهم فُرْصةً، إنَّا واللهِ لَئنْ حارَبْناك لَتَعْلَمَنَّ أنا نحن الناسُ

(2)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولَى آلِ زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما نزَلَتْ هؤلاء الآياتُ إلا فيهم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} إلى {لِأُولِي الْأَبْصَار}

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} . قال فِنْحاصُ اليهوديُّ في يومِ بدرٍ: لا يَغُرَّنَّ محمدًا أنْ غلَب قريشًا وقتَلهم، إنّ قريشًا لا تُحْسِنُ القتالَ. فنزَلَت هذه الآيةُ:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}

(4)

.

قال أبو جعفرٍ: فكلُّ هذه الأخبارِ تُنْبِئُ

(5)

عن أن المخاطَبِين بقولِه: {سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} هم اليهودُ المَقولُ لهم:

(1)

في سيرة ابن هشام: "قومك".

(2)

سيرة ابن إسحاق ص 294 (496)، وسيرة ابن هشام 2/ 47، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 479.

(3)

ابن إسحاق ص 294 (497)، وسيرة ابن هشام 2/ 47.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 10 إلى المصنف وابن المنذر.

(5)

في س: "تبين".

ص: 240

{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ} الآية، وتَدُلُّ على أن قراءةَ ذلك بالتاءِ أوْلَى مِن قراءتِه بالياءِ.

ومعْنى قولِه: {وَتُحْشَرُونَ} : وتُجْمَعون فتُجْلَبون

(1)

{إِلَى جَهَنَّمَ} .

وأما قولُه: {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} : وبئسَ الفِراشُ جهنمُ التي تُحْشَرون إليها.

وكان مجاهدٌ يقولُ كالذى حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَبِئْسَ الْمِهَادُ} . قال: بئسما مَهَدوا لأنفسِهم

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} .

يَعنى بذلك جلّ ثناؤُه: قُلْ يا محمدُ للذين كفَروا مِن اليهودِ، الذين بين ظَهْرانَىْ بلدِك:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} ، يعْنى: علامةٌ ودَلالةٌ على صدقِ ما أَقولُ

(3)

: إنكم ستُغْلَبون. وعِبْرةٌ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} : عِبْرةٌ وتفَكُّرٌ

(4)

.

(1)

في ت 1: "فيجلبون"، وفى س:"فيلجئون".

(2)

تفسير مجاهد ص 249، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 604 (3235).

(3)

بعده في س: "لكم".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 10 إلى المصنف.

ص: 241

حدَّثني المثنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه، إلا أنه قال: ومُتَفَكَّرٌ

(1)

.

{فِي فِئَتَيْنِ} . يعْنى: في فِرْقَتَين وحِزْبَين. والفِئةُ الجَماعةُ مِن الناسِ، {الْتَقَتَا} للحربِ، وإحدَى الفئتين رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ومَن كان معه ممَّن شهِد وَقْعَةَ بدرٍ، والأخرى مُشْرِكو قريشٍ، {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}: جَماعةٌ تُقاتِلُ في طاعةِ اللهِ وعلى دينِه، وهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ}: وهم مُشْرِكو قريشٍ.

كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ببدرٍ، {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ}: فئةُ قريشٍ الكفارُ

(2)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : محمدٌ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ}: قريشٌ يومَ بدرٍ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 604 (3236) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

ينظر ما تقدم في ص 239، 240.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 605 (3237) من طريق سلمة به.

ص: 242

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ} . قال: في محمدٍ وأصحابِه ومُشْرِكى قريشٍ يومَ بدرٍ

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا الثَّورِيُّ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . قال: ذلك يومُ بدرٍ، الْتَقَى المسلمون والكفارُ

(2)

.

ورُفِعَت: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وقد قيل قبلَ

(3)

ذلك: {فِي فِئَتَيْنِ} . بمعنى: إحداهما تقاتلُ في سبيلِ اللهِ. على الابتداءِ، كما قال الشاعر

(4)

:

فكنتُ كذِى رِجْلَين رِجْلٌ صَحيحةٌ

ورِجُلٌ رَمَى فيها الزَّمانُ فشَلَّتِ

وكما قال ابن مُفَرِّغٍ

(5)

:

فكنتُ كذِى رِجْلَيْن رِجْلٌ صَحيحةٌ

ورِجْلٌ بها رَيْبٌ مِن الحَدَثانِ

فأمَّا التي صحَّتْ فأزْدُ شَنُوءةٍ

وأمَّا التي شَلَّتْ فأَزْدُ عُمَانِ

وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ مُكَرَّرٍ على نظيرٍ له قد تقَدَّمه، إذا كان مع المُكَرَّرِ

(1)

تفسير مجاهد ص 249.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 117، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 605 (3239) عن الحسن بن يحيى به.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س.

(4)

هو كثير عزة، والبيت في ديوانه (مجموع) ص 99.

(5)

البيتان للنجاشى الحارثى في الوحشيات ص 113، والنوادر ص 10، والخزانة 2/ 386.

ص: 243

خبرٌ، تَرُدُّه على إعرابِ الأولِ مرةً، وتَسْتَأْنِفُه ثانيةٌ بالرفعِ، وتَنْصِبُه في التامِّ مِن الفعلِ والناقصِ، وقد جُرَّ ذلك كلُّه، فخُفِض على الردِّ على أولِ الكلامِ، كأنه

(1)

يعنى إذا خفَض ذلك:

(2)

فكنتُ كذى رِجْلَينِ: كذِى رجلٍ صحيحةٍ ورجلٍ سقيمةٍ. وكذلك الخفضُ في قولِه: {فِئَةٌ} جائزٌ على الردِّ على قولِه: {فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} : في فئةٍ تُقاتِلُ في سبيلِ اللَّهِ.

وهذا وإن كان جائزًا في العربيةِ، فلا أَسْتَجِيزُ القراءةَ به؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرَأةِ علَى خلافِه. ولو كان قولُه:{فِئَةٌ} جاء نصبًا كان جائزًا أيضًا على قولِه: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} : مُخْتَلِفَتَين.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} .

اختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه قرأةُ أهلِ المدينةِ: (تَرَوْنَهم) بالتاءِ

(3)

، بمعنى: قد كان لكم أيُّها اليهودُ آيةٌ في فئتَينْ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللَّهِ والأخْرى كافرةٌ، تَرَوْن المشركين مِثْلَى المسلمين رأْىَ العينِ. يُرِيدُ بذلك عِظَتَهم، يقولُ: إن لكم عِبْرةً أيُّها اليهودُ فيما رأيْتُم مِن قلةِ عددِ المسلمينَ وكثرةِ عددِ المشركينَ، وظَفَرِ هؤلاء مع قلةِ عددِهم، بهؤلاء مع كثرةِ عددِهم.

وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ وبعضُ المَكِّيِّين: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ} بالياءِ، بمعْنى: يَرَى المسلمون الذين يُقاتِلون في سبيلِ اللهِ الجماعةَ الكافرةَ مِثْلَى المسلمينَ في القَدْرِ. فتأويلُ الآيةِ على قراءتِهم: قد كان لكم يا مَعشرَ اليهودِ عِبْرةٌ

(1)

في ص: "لأنه".

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س:"يعنى".

(3)

وهى قراءة نافع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر والكسائى وحمزة بالياء، وحكى أبان عن عاصم بالتاء كالوجه الأول. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 201.

ص: 244

ومُتَفَكَّرٌ في فئتينِ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللهِ، وأخْرى كافرةٌ، يَرَى هؤلاء المسلمونَ

(1)

مع قلةِ عددِهم هؤلاء المشركينَ

(2)

في كثرةِ عددِهم.

فإن قال قائلٌ: وما وجهُ تأويلِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالياءِ؟ وأيُّ الفئتَين رأَت صاحبتَها مثلَيْها، الفئةُ المسلمةُ هي التي رأَتِ المشركةَ مثلَيْها، أم المشركةُ هي التي رأَتِ المسلمةَ كذلك، أم غيرُهما

(3)

رأَتْ إحداهما كذلك؟

قيل: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: الفئةُ التي رأَتِ الأخْرى مثلَىْ أنفسِها الفئةُ المسلمةُ، رأَتْ عددَ الفئةِ المشركةِ مثلَىْ عددِ الفئةِ المسلمةِ، قلَّلها اللهُ عز وجل في أعينِها حتى رأَتْها مِثْلَىْ عددِ أنفسِها، ثم قلَّلها في حالٍ أخْرى فرأَتْها

(4)

مثلَ عددِ أنفسِها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا موسَى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، في خبرٍ ذكَرَه عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} . قال: هذا يومُ بدرٍ. قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: وقد نظَرْنا إلى المشركينَ، فرأَيْناهم يُضْعِفون علينا، ثم نظَرْنا إليهم فما رأَيْناهم يَزِيدُون علينا رجلًا واحدًا، وذلك قولُ الله عز وجل: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي

(1)

في ت 1، ت 2، ت 3:"المسلمين".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"المشركون".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"غيرها".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"رأتها".

ص: 245

أَعْيُنِهِمْ}

(1)

[الأنفال: 44].

فمعْنى الآيةِ على هذا التأويلِ: قد كان لكم يا مَعشرَ اليهودِ آيةٌ في فئتين التَقَتا؛ إحداهما مسلمةٌ والأخْرى كافرةٌ، كثيرٌ عددُ الكافرةِ، قليلٌ عددُ المسلمةِ، تَرَى الفئةُ القليلُ عددُها الكثيرَ عددُها أمثالًا

(2)

، إنما

(3)

تَكْثُرُها مِن العددِ بمِثْلِ واحدٍ، فهم يَرَوْنَهم مِثْلَيْهم. فيكونُ أحدُ المِثْلَيْن عندَ ذلك العددَ الذي هو مثلُ عددِ الفئةِ التي رأَتْهم، والمثلُ الآخرُ الضِّعْفَ الزائدَ على عددِهم. فهذا أحدُ معْنيَى التَّقليلِ الذي أخْبَرَ اللهُ عز وجل المؤمنينَ أنه قلَّلهم في أعينِهم.

والمعنى الآخرُ منه: التَّقليلُ الثاني على ما قاله ابن مسعودٍ، وهو أن أراهم عددَ المشركين مثلَ عددِهم لا يَزِيدُون عليهم، فذلك التقليلُ الثاني الذي قال اللهُ جلّ ثناؤُه:{وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا} .

وقال آخَرون مِن أهلِ هذه المَقالةِ: إن الذين رأَوُا المشركين مثلى أنفسِهم هم المسلمون، غيرَ أن المسلمين رَأَوْهم على ما كانوا به مِن عددِهم، لم يُقلَّلوا في أعينِهم، ولكنَّ اللَّهَ أيَّدَهم بنصرِه. قالوا: ولذلك قال اللهُ عز وجل لليهودِ: قد كان لكم فيهم عِبْرةٌ. يُخَوِّفُهم بذلك أن يُحِلُّ بهم منهم مثلَ الذي أحَلَّ بأهلِ بدرٍ على أيْدِيهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 606 (3244) من طريق عمرو بن حماد به، دون ذكر مرة الهمدانى.

(2)

بعده في م: "لها".

(3)

سقط من: م.

ص: 246

سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ}. أُنْزِلَت في التَّخْفِيفِ يومَ بدرٍ، فإنَّ

(1)

المؤمنين كانوا يومَئذٍ ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ رجلًا، وكان المشركون مثلَيْهم، فأنْزَلَ اللَّهُ عز وجل:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} وكان المشركون ستةً وعشرين وستَّمائةٍ، فأيَّد اللهُ المؤمنين، فكان هذا الذي في التَّخْفِيفِ على المؤمنين

(2)

.

وهذه الروايةُ خِلافُ ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن عِدَّةِ المشركين يومَ بدرٍ، وذلك أن الناسَ إنما اخْتَلَفوا في عددِهم على وجهين؛ فقال بعضُهم: كان عددُهم ألفًا. وقال بعضُهم: ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ.

‌ذكرُ مَن قال: كان عددُهم ألفًا

حدَّثني هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانيُّ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن عليٍّ، قال: سار رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى بدرٍ، فسبَقْنا المشركين إليها، فوجَدْنا فيها رَجُلين، منهم رجلٌ مِن قريشٍ، ومولًى لعُقْبةَ بن أبى مُعَيْطٍ، فأما القرشيُّ فانْفَلَت، وأما مولًى عُقْبةَ فأخَذْناه، فجعَلْنا نَقولُ: كم القومُ؟ فيقولُ: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجعَل المسلمون إذا قال ذلك ضرَبوه

(3)

، حتى انْتَهَوْا به إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال له:"كم القومُ؟ ". فقال: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجهَد النبيُّ صلى الله عليه وسلم

(4)

أن يُخْبِرَه كم هم فأبَى، ثم إن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سأَله:"كم يَنْحَرُون مِن الجُزُرِ؟ ". قال: عشرةً كلَّ يومٍ. قال

(1)

في النسخ: "كأن". وهو تصحيف. والمثبت هو الصواب.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 606 (3245) عن محمد بن سعد به مقتصرا على قوله: كان هذا في التخفيف على المؤمنين.

(3)

في النسخ: "صدقوه". والمثبت من مصادر التخريج.

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، ومصنف ابن أبي شيبة:"على".

ص: 247

رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "القومُ ألفٌ"

(1)

.

حدَّثني أبو سعيدِ بنُ

(2)

يُوشَعَ البغداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أسَرْنا رجلًا منهم - يعنى مِن المشركين - يومَ بدرٍ، فقلْنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا.

‌ذكرُ مَن قال: كان عددُهم ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، قال: بَعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم نفرًا مِن أصحابِه إلى ماءِ بدرٍ يَلْتَمِسون الخبرَ له عليه، فأصابُوا رَاوِيةٌ مِن قريشٍ فيها أسْلَمُ غلامُ بنى الحَجَّاجِ، وعَرِيضٌ أبو يَسارٍ غلامُ بنى العاصِ، فأتَوْا بهما رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لهما:"كمِ القومُ؟ ". قالا: كثيرٌ. قال: "ما عِدَّتُهم؟ ". قالا: لا نَدْرِى. قال: "كم يَنْحَرُون كلَّ يومٍ؟ ". قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"القومُ ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ"

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} . ذلكم يومُ بدرٍ، ألفٌ المشركون أو قارَبُوا، وكان أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثلاثَمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا

(4)

.

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 424. وأخرجه أحمد 2/ 259 (948)، وابن أبي شيبة 14/ 362، والبزار (719) من طرق عن إسرائيل به.

(2)

في ت 1: "أن".

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 616، 617، أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 436، 437.

(4)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 433.

ص: 248

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ} إلى قولِه: {رَأْيَ الْعَيْنِ} . قال: يُضْعِفون عليهم، فقتَلوا منهم سبعين وأسَروا سبعينَ يومَ بدرٍ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} . قال: كان ذلك يومَ بدرٍ، كان المشركون تسعَمائةٍ وخمسين، وكان أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ

(2)

.

حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثلاثَمائةٍ وبضعةَ عشَرَ، والمشركون ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ.

فكلُّ هؤلاء الذين ذكَرْنا مُخالِفون القولَ الذي روَيْناه عن ابن عباسٍ في عددِ المشركين يومَ بدرٍ. فإذ كان ما قاله مَن حكَيْناه - ممَّن ذكَر أن عددَهم كان زائدًا على التسعِمائةِ - فالتأويلُ الأولُ الذي قلْناه، على الروايةِ التي روَيْنا عن ابن مسعودٍ، أولَى بتأويلِ الآيةِ.

وقال آخرون: كان عددُ المشركين زائدًا على التسعِمائةٍ، فرأَى المسلمون عددَهم على غيرِ ما كانوا به مِن العددِ. وقالوا: أَرَى اللهُ المسلمين عددَ المشركين قليلًا، آيةً للمسلمين. قالوا: وإنما عنَى اللهُ عز وجل بقولِه: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ}

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 116، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 606 (3243) عن الحسن بن يحيى به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 605 (3238) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 249

المخاطَبِين بقولِه: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ} . قالوا: وهم اليهودُ، غيرَ أنه رجَع مِن المخاطَبةِ إلى الخبرِ عن الغائبِ؛ لأنه أمْر مِن اللهِ جلّ ثناؤُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم أن يَقولَ ذلك لهم، فحَسُن أن يُخاطِبَ مَرَّةً، ويُخْبِرَ عنهم على وجهِ الخبرِ مرةً

(1)

أخرى، كما قال:{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22].

وقالوا: فإن قال لنا قائلٌ: فكيف قيل: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} وقد علِمْتُم أن المشركينَ كانوا يومَئذٍ ثلاثةَ أمثالِ المسلمين؟. قلْنا لهم: كما يقولُ القائلُ وعندَه عبدٌ: أحْتاجَ إلى مثلِه. فأَنت

(2)

مُحتاجٌ إليه وإلى مثلِه. ثم يقولُ: أَحْتاجُ إلى مِثلَيْه. فيَكونُ ذلك خبرًا عن حاجتِه إلى مثلِه، وإلى مثلَىْ ذلك المثلِ. وكما يقولُ الرجلُ: معى ألفٌ، وأحْتاجُ إلى مثلَيْه. وهو مُحتاجٌ إلى ثلاثةٍ .. فلمَّا نوَى أن يَكونَ الألفُ داخلًا في معْنى المثلِ، صار المثلُ اثنين

(3)

، والاثنان ثلاثةً. قال

(4)

: ومثلُه في الكلامِ: أَراكم مثلَكم. [كأنه قال: أراكم]

(5)

ضِعْفَكم، و: أَراكم مثلَيْكم. يعنى: أَراكم ضِعْفَيْكم

(6)

. قالوا: فهذا على معْنى ثلاثةِ أمثالِهم

(7)

.

وقال آخَرون: بل معنى ذلك أن اللَّهَ أَرَى الفئةَ الكافرةَ عددَ الفئةِ المسلمةِ مثلَىْ عددِهم.

(1)

سقط من: س، وفى ص:"عن عانه" غير منقوطة، وفى ت 1، ت 2، ت 3:"عن غاية".

(2)

في م: "فأنا".

(3)

في النسخ: "أشرف". والمثبت من معاني القرآن للفراء 1/ 194.

(4)

أي: الفراء، وينظر الموضع السابق من معاني القرآن.

(5)

في النسخ: "كما يقال إن لكم". والمثبت كما في معاني القرآن.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"ضعفكم".

(7)

قال القرطبي في تفسيره 4/ 27: وهو بعيد غير معروف في اللغة، قال الزجاج: وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس؛ لأنا إنما نعقل مثل الشئ مساويا له، ونعقل مثليه ما يساويه مرتين.

ص: 250

وهذا أيضًا خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ لأن الله جل ثناؤُه قال في كتابِه: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} [الأنفال: 44]. فأخبَرَ أن كُلًّا مِن

(1)

الطائفتَيْن قليلٌ عددُها في مرْأَى الأخْرى.

وقرَأ آخَرون ذلك: (تُرَوْنَهم) بضمِّ التاءِ، بمعنى: يُرِيكُمُوهم اللهُ مثلَيْهم

(2)

.

وأوْلَى هذه القراءاتِ بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: {يَرَوْنَهُمْ} بالياءِ، بمعنى: وأخرى كافرةٌ، يَرَاهم المسلمون مثلَيْهم، يعنى: مِثْلَى عددِ المسلمين؛ لتقليلِ اللهِ إياهم في أعينِهم في حالٍ، فكان حَزْرُهم إياهم كذلك، ثم قلَّلَهم في أعينِهم عن التَّقْليلِ الأولِ، فحزَرُوهم مثْلَ

(3)

عددِ المسلمين، ثم تَقْليلًا ثالثًا، فحزَرُوهم أقلَّ مِن عددِ المسلمين.

كما حدَّثني [ابن بَزيعٍ]

(4)

البغداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد قُلِّلوا في أعينِنا يومَ بدرٍ حتى قلْتُ لرجلٍ إلى جَنْبى: تَرَاهم سبعين؟ قال: أَرَاهم مائةً. قال: فأسَرْنا رجلًا منهم، فقلْنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا

(5)

.

وقد رُوِى عن قتادةَ أنه كان يقولُ: لو كانَت (تَرَوْنَهم)، لكانت "مِثْلَيْكم".

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في ص، س:"مثلهم"، وفى ت 2:"مثليكم". وبضم التاء قراءة ابن عباس وطلحة. ينظر المحتسب 1/ 154، والبحر المحيط 2/ 394.

(3)

في النسخ: "مثلى". والمثبت هو الصواب.

(4)

في النسخ: "أبو سعيد". وسيأتي على الصواب في تفسير الآية (44) من سورة الأنفال، 26/ 66، 27/ 49 من المطبوع.

(5)

أخرجه البيهقى في الدلائل 3/ 67 من طريق إسحاق بن منصور به، وابن سعد في الطبقات 2/ 22، وابن أبى شيبة 14/ 374 من طريق إسرائيل به، وعند ابن سعد ببعضه، وأخرجه أيضًا ابن سعد 2/ 21 من طريق أبى إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 189 إلى أبى الشيخ وابن مردويه.

ص: 251

حدَّثني المثنى، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ، عن ابن المباركِ

(1)

، عن معمرٍ، عن قتادةَ بذلك.

ففى الخبرَيْن اللذين روَيْنا عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، ما أبان عن اختلافِ حَزْرِ المسلمين يومَئذٍ عددَ المشركين في الأوقاتِ المختلفةِ، فأخْبَر اللهُ عز وجل عمّا كان من اختلافِ أحوالِ عددِهم عندَ

(2)

المسلمين - اليهودَ على ما كان به عندَهم، مع علمِ اليهودِ بمبلغِ عددِ الفئتين، إعلامًا منه لهم أنه مُؤَيِّدُ

(3)

المؤمنين بنصرِه؛ لئلا يَغْتَرُّوا بعددِهم

(4)

وبأسِهم، وليَحْذَروا منه أن يُحِلَّ بهم مِن العقوبةِ على أيدِى المؤمنين، مثلَ الذي أحَلَّ بأهلِ الشركِ به مِن قريشٍ على أيدِيهم ببدرِهم

(5)

.

وأما قولُه: {رَأْيَ الْعَيْنِ} . فإنه مَصْدرُ "رأيتُه"، يُقالُ: رأيْتُه رأْيًا ورُؤْيةً، ورأيْتُ في المنامِ رُؤْيَا حسنةً. غيرَ مُجرْاةٍ، يقالُ: هو منى رَأْىَ العينِ، ورأىُ العينِ، بالنصبِ والرفعِ، يُرادُ به

(6)

: حيثُ يَقَعُ عليه بَصَرِى، وهو مِن الرائى مثلُه، والقومُ رِئاءٌ

(7)

: إذا جلَسوا حيث يَرَى بعضُهم بعضًا.

فمعنى ذلك: يرَوْنَهم - حيثُ تَلْحَقُهم أبصارُهم وترَاهم عيونُهم - مثلَيْهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)} .

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"المسرك"، وفى م:"المعرك".

(2)

في ص، ت 1:"عرم"، وفى ت 2، ت 3:"عزم"، وفى س:"عدد".

(3)

في ت 1، ت 2، ت 3، س:"يؤيد".

(4)

في ت 1، س:"بعدوهم".

(5)

في س: "بعدوهم".

(6)

سقط من: ص، م، ت 2، ت 3.

(7)

سقط من: ت 1، س، وفى م:"رأوا"، وفى ت 2، ت 3:"رأى".

ص: 252

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ} : يقوِّى، {بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ} مِن قولِ القائلِ: قد أيَّدْتُ فلانًا بكذا. إذا قوَّيْتَه وأعَنْتَه، فأنا أُؤَيِّدُه تَأْيِيدًا. وفَعَلْتُ منه: إدْتُه، فأنا أَئِيدُه أيْدًا. ومنه قولُ اللهِ عز وجل:{وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} [ص: 17] يعنى: ذا القوةِ.

وتأويل الكلامِ: قد كان لكم آيةٌ - يا مَعْشَرَ اليهودِ، في فئتين الْتَقَتا؛ إحداهما تُقاتِلُ في سبيلِ اللهِ، وأخرى كافرةً، تَراهم المسلمةُ مثلَيْهم رأىَ أعينِهم، فأيَّدْنا المسلمةَ وهم قليلٌ عددُهم، على الكافرةِ وهم كثيرٌ عددُهم، حتى ظفِروا بهم - مُعْتَبَرٌ ومُتَفَكَّرُ

(1)

، واللهُ يُقَوِّى بنصرِه مَن يَشاءُ.

وقال جل ثناؤُه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} . يعنى: إن فيما فعَلْنا بهؤلاء الذين وصَفْنا أمرَهم، مِن تأييدِنا الفئةَ المسلمةَ مع قلةِ عددِها، على الفئةِ الكافرةِ مع كثرةِ عددِها، {لَعِبْرَةً} يعنى: لمُتَفَكَّرًا ومُتَّعظًا لمن عقَل وادّكَر فأبْصَر الحقَّ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} . يقولُ: لقد كان لهم في هؤلاء عبرةٌ وتفكُّرٌ، أيَّدهم

(2)

اللهُ ونصَرهم على عدوِّهم.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} .

(1)

هذا تفسير قوله: "آية" المتقدم في أول كلامه.

(2)

في س: "فعزهم".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 606 (3246) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 253

يعنى تعالى ذكرُه: [زُيَّن للناسِ]

(1)

مَحَبةُ ما يَشْتَهُون مِن النساءِ والبَنينَ وسائرِ ما عَدَّ. وإنما أراد بذلك تَوْبيخَ اليهودِ الذين آثَرُوا الدنيا وحُبَّ الرَّياسةِ فيها، على اتِّباعِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، بعدَ علمِهم بصدقِه.

وكان الحسنُ يقولُ: مَن زَيَّنها؟ ما أحدٌ أَشدَّ لها ذَمًّا مِن خالقِها.

حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا أبو الأشْهَبِ

(2)

عنه

(3)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي بكرِ بن حفصِ بن

(4)

عمرَ بن سعدٍ، قال: قال عمرُ: لما نزَلت {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} ، قلتُ: الآن يا ربِّ حينَ زيَّنْتَها لنا، فنزَلَت:{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} الآية

(5)

.

وأما القَناطيرُ فإنها جمعُ القِنْطارِ.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَبْلَغِ القِنْطارِ؛ فقال بعضُهم: هو ألفٌ ومائتا أُوقِيَّة.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مُعاذِ بن جبلٍ، قال: القِنطارُ ألفٌ ومائتا أُوقِيَّةٍ

(6)

.

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: ثنا أبو حَصِينٍ، عن سالمِ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"ومن الناس".

(2)

في النسخ: "الأشعث". والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 5/ 22 - 25.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 607 (3249) من طريق أبى نعيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 10 إلى عبد بن حميد.

(4)

في س: "عن".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 606 (3247) من طريق جرير به.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى عبد بن حميد.

ص: 254

ابن أبي الجَعْدِ، عن معاذٍ مثلَه

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرَنا، يعنى حفصَ بنَ مَيْسَرَةَ، عن أبي مَرْوانَ، عن أبي طَيْبةَ، عن ابن عمرَ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا أُوقيةٍ

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ مالكٍ المُزَنيُّ، قال: أخْبَرَنى العَلاءُ بنُ المسيبِ، عن عاصمِ بن أبى النَّجُودِ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا أُوقيةٍ

(3)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عاصمِ بن بَهْدَلَةَ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ مثلَه

(4)

.

حدَّثني زكريا بنُ يحيى الضَّرِيرُ

(5)

قال: ثنا شَبَابِةُ، قال: ثنا مَخْلَدُ بنُ عبدِ الواحدِ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن عطاءِ بن أبى مَيْمونةَ، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "القِنْطارُ ألفُ أُوقيةٍ ومائتا أُوقِيةٍ"

(6)

.

وقال آخرون: القِنْطارُ ألفُ دينارٍ ومائتا دينارٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "القِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ"

(7)

.

(1)

أخرجه الدارمى 2/ 468، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 608، 3/ 906 (3254، 5055)، والبيهقى 7/ 233، من طريق أبى بكر بن عياش به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى المصنف.

(3)

ينظر المحرر الوجيز 2/ 352.

(4)

أخرجه البيهقى 7/ 233 من طريق حماد بن زيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى عبد بن حميد.

(5)

في النسخ: "الصديق". وينظر تاريخ بغداد 8/ 457، وتفسير ابن كثير 2/ 15.

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 15 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 10 إلى المصنف.

(7)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 10 إلى المصنف.

ص: 255

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: القِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ، ومِن الفضةِ ألفٌ ومائتا مِثْقالٍ

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سُلَيْمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ: {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} : يعنى المالَ الكثيرَ مِن الذهبِ والفضةِ، والقِنْطارُ ألفٌ ومائتا دينارٍ، ومِن الفِضةِ ألفٌ ومائتا مِثْقالٍ

(3)

.

وقال آخرون: القِنْطارُ اثنا عشَرَ ألفَ درهمٍ، أو ألفُ دينارٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: القنطارُ اثنا عشَرَ ألفَ درهمٍ، أو ألفُ دينارٍ

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عَن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ، قال: القِنْطارُ ألفُ دينارٍ، ومِن الوَرِقِ اثنا عشَرَ ألفَ درهمٍ

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 609، 3/ 907 (3263، 5059) من طريق يزيد به.

(2)

ذكره البيهقى 7/ 233 عن عطية العوفى معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى المصنف.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى المصنف.

(4)

أخرجه البيهقى 7/ 233 من طريق أبى صالح به.

(5)

ذكره في المحرر الوجيز 2/ 353 عن الضحاك.

ص: 256

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن القِنطارَ اثنا عشَرَ ألفًا

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا عوفٌ، عن الحسنِ: القِنْطارُ اثنا عشَرَ ألفًا.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا

(2)

عوفٌ، عن الحسنِ: اثنا عشَرَ ألفًا.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ بمثلِه.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرَنا هُشَيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: القِنْطارُ ألفُ دينارٍ، دِيَةُ أحدِكم

(3)

.

وقال آخرون: هو ثمانون ألفًا مِن الدَّراهمِ، أو مائةُ رَطْلٍ مِن الذهبِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: القِنْطارُ ثمانون ألفًا

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرَنا هُشَيْمٌ، عن عليّ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: القِنْطارُ ثمانون ألفًا

(4)

.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 609، 3/ 907 عقب الأثر (3260، 5061) معلقًا.

(2)

بعده في ص، ت 2، ت 3:"قال أخبرنا". وهنا سقط في هذا الإسناد، وشيخ ابن بشار في مثل هذا الإسناد إما أن يكون حماد بن مسعدة، أو ابن أبي عدى، أو يحيى بن سعيدة، أو هوذة، أو محمد بن جعفر، أو عبد الأعلى، أو عثمان بن عمر. ينظر 1/ 59، 226، 455، 2/ 521، 4/ 301، 415، 15/ 264.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسير 2/ 608، 3/ 906 (3257، 5056) من طريق يحيى بن سعيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى عبد بن حميد.

(4)

أخرجه الدارمى 2/ 467 من طريق هشيم، بلفظ: أربعون ألفا.

ص: 257

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: كنا نُحَدَّثُ أن القِنْطارَ مائةُ رَطْلٍ مِن ذهبٍ، أو ثمانون ألفًا مِن الوَرِقِ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: القِنْطارُ مائةُ رَطْلٍ مِن ذهبٍ، أو ثمانون ألفَ درهمٍ مِن وَرِقٍ

(2)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: القنطارُ مائةُ رَطْلٍ

(3)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: القِنْطارُ يَكونُ مائةَ رَطْلٍ، وهو ثمانيةُ آلافِ مِثْقالٍ

(4)

.

وقال آخرون: القِنْطارُ سبعون ألفًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} . قال: القِنْطارُ سبعون ألف دينارٍ

(5)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 123.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 608، 3/ 907 (3258، 5060) من طريق سفيان به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 608، 3/ 907، عقب الأثر (3258، 5060) من طريق عمرو به.

(5)

تفسير مجاهد ص 249 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 609 (3262).

ص: 258

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا عمرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سَمِعْتُ عطاءً الخُراسانيَّ، قال: سُئِل ابن عمرَ عن القِنْطارِ، فقال: سبعون ألفًا

(1)

.

وقال آخَرون: هي مِلءُ مَسْكِ

(2)

ثَوْرِ ذهبًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا سعيدٌ الجُرَيْريُّ، عن أبي نَضْرةً، قال: ملءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذهبًا

(3)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا أبو الأشْهَبِ

(4)

، عن أبي نَضْرةَ: مِلءُ مَسْكِ ثَوْرِ ذهبًا

(5)

.

وقال آخرون: هو المالُ الكثير.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: القناطيرُ المُقْنطرَةُ المالُ الكثيرُ بعضُه على بعضٍ

(6)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 123. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 609، 3/ 907 (3261، 5058) عن الحسن بن يحيى به.

(2)

المَسْك: الجلد. اللسان (م س ك).

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 608، 3/ 906 (3259، 5057)، والبيهقى 7/ 233 من طريق الجريرى، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدرى.

(4)

في النسخ: "الأشعث". وينظر ما تقدم في ص 254.

(5)

أخرجه الدارمى 2/ 467 من طريق أبى الأشهب به.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى المصنف.

ص: 259

وقد ذكَر بعضَ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ

(1)

أن العربَ لا تَحُدُّ القِنْطارَ بمقدارٍ معلومٍ مِن الوزنِ، ولكنها تقولُ: هو قدرُ وزنٍ

(2)

.

وقد يَنْبَغِى أن يَكونَ ذلك كذلك؛ لأن ذلك لو كان مَحْدودًا قدْرُه عندَها، لم يكنْ بينَ مُتَقَدِّمي أهلِ التأويلِ فيه كلُّ هذا الاخْتِلافِ.

فالصوابُ في ذلك أن يُقالَ: هو المالُ الكثيرُ. كما قال الربيعُ بنُ أنسٍ، ولا يُحَدُّ قدْرُ وزنِه بحَدٍّ على تَعَنُّفٍ

(3)

، وقد قيل ما قيل مما روَيْنا.

وأمَّا المُقَنْطَرةُ فهى المُضَعَّفةُ، وكأن القناطيرَ ثلاثةٌ، والمُقَنْطرةَ تسعةٌ. وهو كما قال الربيعُ بنُ أنسٍ: المالُ الكثيرُ بعضُه على بعضٍ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} : والمقنطرةُ: المالُ الكثيرُ بعضُه على بعضٍ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ في قولِه: {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} : يعنى المالَ الكثيرَ مِن الذهبِ والفضةِ

(4)

.

وقال آخَرون: معنَى المقنطرةِ: المَضْروبةُ دَراهمَ أو دَنانيرَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: أما قولُه:

(1)

يعنى أبا عبيدة في مجاز القرآن 1/ 88.

(2)

في م: "ووزن".

(3)

كذا في النسخ، ولعلها:"تعسف".

(4)

تقدم في ص 256.

ص: 260

{الْمُقَنْطَرَةِ} فيقولُ: المَضْروبةُ حتى صارت دَنانيرَ أو دراهمَ

(1)

.

وقد رُوِى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قولِه: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: 20]، خيرٌ لو صحَّ سندُه لم نَعْدُه إلى غيرِه، وذلك ما حدَّثنا به ابن [عبدِ الرحيمِ]

(2)

البَرْقيُّ، قال: ثنى عمرُو بنُ أبى سَلَمةَ، قال: ثنا زُهَيرُ بنُ محمدٍ، قال: ثنى أبانُ بنُ أبى عَيَّاشٍ وحُمَيدٌ الطويلُ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا}. قال: "ألفا مِئينَ

(3)

". يعنى ألفين

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} .

اخْتَلَف أهلُ تأويلِ في معنَى: {الْمُسَوَّمَةِ} ؛ فقال بعضُهم: هي الرَّاعيةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ:{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} . قال: الراعيةُ التي تَرْعَى

(5)

.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 609 (3265) من طريق عمرو به.

(2)

في النسخ: "عبد الرحمن". والمثبت كما تقدم في 1/ 63، وتفسير ابن أبي حاتم.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"ومين"، وفى الموضع الأول من تفسير ابن أبي حاتم:"ألف دينار"، وفى الموضع الثاني:"ألفا دينار"، وفى المستدرك:"ألفا أوقية". وفى الدر المنثور: "ومائتين".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 608، 3/ 906 (3256، 5053) عن أحمد بن عبد الرحيم به، والحاكم 2/ 178 من طريق عمرو بن أبى سلمة به.

(5)

تفسير سفيان ص 75. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 610 (3269) من طريق وكيع وأبى نعيم به.

ص: 261

حدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلُه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا سفيانُ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: هي الراعيةُ، يعنى السائمةَ

(1)

.

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن طلحةَ القَنَّادِ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى يقولُ: الراعيةُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} . قال: الراعيةُ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ:{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} : المُسَرَّحةُ في الرَّعْى.

حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قوله:{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} . قال: الخيلُ الراعيةُ

(4)

.

حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ أنه كان يقولُ: الخيلُ الراعيةُ.

وقال آخرون: المُسَوَّمَةُ الحِسانُ.

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 117.

(2)

ينظر تغليق التعليق 4/ 188، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 601 عقب الأثر (3269) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى معلقا.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 16 عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى المصنف.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 610 عقب الأثر (3269) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 262

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، قال: قال مُجاهدٌ: المسومةُ المُطَهَّمةُ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا الثوريُّ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن مجاهدِ في قولِه:{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} . قال: المُطَهَّمةُ الحِسانُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه:{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} . قال: المُطَهَّمةُ حُسْنًا

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبٍ، عن مُجاهدٍ: المُطَهَّمةُ

(4)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرئُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبى أيوبَ، عن بَشيرٍ

(5)

بن أبى عمرٍو الخَوْلانيِّ، قال: سألْتُ عكرمةَ عن {وَالْخَيْلِ

(1)

المطهم من الناس والخيل: الحسن التام، كل شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال. اللسان (ط هـ م).

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 117.

(3)

تفسير مجاهد ص 249. ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 610 (3270).

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 610 (3271) من طريق أبى نعيم ووكيع به.

(5)

في النسخ: "بشر". والصواب ما أثبتنا، وينظر تهذيب الكمال 4/ 171.

ص: 263

الْمُسَوَّمَةِ}. قال: تَسويُمها حُسْنُها

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبَرَنى سعيدُ بنُ أبى أيوبَ، عن بَشيرِ

(2)

بن أبى عمرٍو الخَوْلانيِّ، قال: سمِعْتُ عكرمةَ يقولُ: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} . قال: تسويُمها الحُسْنُ.

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ:{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ} : الرائعةُ.

وقد حدَّثني بهذا الحديثِ عن عمرِو بن حمادٍ غيرُ موسى، قال: الراعيةُ

(3)

.

وقال آخرون: الخيلُ المسوَّمةُ: المُعْلَمةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} ، يعنى: المُعْلَمةَ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} ، وسِيماها شِيَتُها.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن قَتادة في قولِه:{وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} . قال: شِيَةُ الخيلِ في وُجوهِها

(5)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى المصنف، وعبد بن حميد.

(2)

في النسخ: "بشر".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 610 عقب الأثر (3269) من طريق عمرو به.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 11 إلى المصنف.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 117، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 611 (3272) عن الحسن بن يحيى به.

ص: 264

وقال غيرُهم: المسوَّمةُ المُعَدَّةُ للجهادِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} . قال: المُعَدَّةُ للجهادِ.

قال أبو جعفرٍ: أوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ قولِه: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} المُعْلَمةُ بالشِّياتِ الحسانِ الرائعةُ حُسْنًا مَن رآها؛ لأن التسويمَ في كلامِ العربِ هو الإعلامُ، فالخيلُ الحِسانُ مُعلَمةٌ بإعلامِ اللهِ إياها بالحسنِ مِن ألوانِها وشِيَاتِها وهيئاتِها، وهى المُطَهَّمةُ أيضًا. ومِن ذلك قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ في صفةِ الخيل

(1)

:

[وضُمْرٍ]

(2)

كالقِداحِ

(3)

مُسوَّماتٍ

عليها مَعْشَرٌ أَشْباهُ جِنِّ

يعنى بالمسوَّماتِ: المُعْلَماتِ. وقولُ لَبيدٍ

(4)

:

وغَداةَ قاعِ القُرْنَتَين

(5)

أَتَيْنَهم

(6)

زُجَلًا

(7)

يَلُوحُ خِلالَها التَّسْوِيمُ

فمعنى تأويلِ مَن تأَوَّل ذلك المُطَهَّمةَ، والمُعْلمةَ، والرائعةَ، واحدٌ.

(1)

ديوانه ص 128.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بسمر"، وفى س:"شيم". والمثبت من الديوان.

(3)

القداح، جمع قِدْح: السهم قبل أن يراش وينصل. القاموس المحيط (ق د ح).

(4)

شرح ديوان لبيد ص 133.

(5)

قال في شرح الديوان: القرنتين موضع. وقال ياقوت: يوم القرنتين كانت فيه وقعة لغطفان على بنى عامر. معجم البلدان. 4/ 70. ولكن لبيدا يفخر به، فلعله كان لبنى عامر.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س:"أتيتهم"، وفى رواية الديوان:"أتتهم".

(7)

في الديوان: "زهوا". وزُجَلًا: جماعات. اللسان (ز ج ل).

ص: 265

وأما قولُ مَن تأوَّله بمعنى الراعيةِ، فإنه ذهَب إلى قولِ القائلِ: أَسَمْتُ الماشيةَ، فأنا أُسِيمُها إسامةً. إذا أرْعَيْتَها الكَلأَ والعُشْبَ، كما قال اللهُ عز وجل:{وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10]. بمعنى تُرْعُون. ومنه قولُ الأخطلِ

(1)

:

مثلِ [ابن بَزْعةَ]

(2)

أو كآخَرَ مِثْلِه

أوْلَى لك

(3)

ابنَ مُسِيمةِ الأجْمالِ

يعنى بذلك: راعيةَ الأجْمالِ.

فإذا أُرِيد أن الماشيةَ هي التي رعَتْ، قيل: سامَتِ الماشيةُ تَسومُ سَوْمًا. ولذلك قيل: إبلٌ سائمةٌ. بمعنى: راعية، [غيرَ أنه غيرُ]

(4)

مُسْتَفيضٍ في كلامِهم: سوَّمْتُ الماشيةَ. بمعنى: أرْعَيْتُها، وإنما يُقالُ إذا أُرِيد ذلك: أسَمْتُها. فإذ كان ذلك كذلك، فتوجيهُ تأويلِ المسوَّمةِ إلى أنها المُعْلَمةُ بما وصَفْنا مِن المعانى التي تقَدَّم ذكرُناها أصَحُّ.

وأما الذي قاله ابن زيدٍ مِن أنها المُعَدَّةُ في سبيلِ اللَّهِ، فتأويلٌ مِن معنى المسوَّمةِ بمَعْزِلٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} .

فالأنْعامُ جمعُ نَعَمٍ، وهى الأزْواجُ الثَّمانيةُ التي ذكَرَها في كتابِه

(5)

، مِن الضَّأْنِ والمَعْزِ والبقرِ والإبلِ. وأمَّا الحَرْثُ فهو الزَّرعُ.

وتأويلُ الكلامِ: زُيِّن للناسِ حبُّ الشَّهواتِ مِن النساءِ، ومِن البنينَ، ومِن كذا

(1)

شرح ديوانه ص 249.

(2)

في ص، ت 2، ت 3:"ابن برعة"، وفى س:"أبى برعة".

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(4)

سقط من: ت 2، ت 3، س، وفى م، ت 1:"أنه".

(5)

يشير إلى الآيات 142 - 144 من سورة "الأنعام".

ص: 266

و

(1)

كذا، ومِن الأنعامِ والحَرْثِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)} .

يعنى بقولِه جل ثناؤُه: {ذَلِكَ} جميعَ ما ذَكَر في هذه الآيةِ مِن النساءِ والبنينَ، والقَناطيرِ المقنطرةِ مِن الذهبِ والفضةِ، والخيلِ المسوَّمةِ، والأنعامِ والحرثِ، فكنَى بقولِه:{ذَلِكَ} عن جميعِهن، وهذا يَدُلُّ على أن "ذلك" يَشْتَمِلُ على الأشياءِ الكثيرةِ المختلفةِ المعاني، ويُكْنَى به عن جميعِ ذلك.

وأما قولُه: {مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . فإنه خبرٌ مِن اللَّهِ عن أن ذلك كلَّه مما يَسْتَمْتِعُ به في الدنيا أهلُها أحْياءً، فيَتَبَلَّغون به فيها، ويَجْعَلونه وُصْلةً

(2)

في معايِشِهم، وسببًا لقَضاءِ شَهواتِهم، التي زُيِّن لهم حبُّها

(3)

في عاجلِ دنياهم، دونَ أن يَكونَ عُدَّةً لمَعادِهم، وقُرْبةً لهم إلى ربِّهم، إلا ما أُسْلِك في سبيلِه، وأُنْفِق منه فيما أمرَ به.

وأما قولهُ: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} . فإنه يعنى بذلك جل ثناؤُه: وعندَ اللهِ حُسْنُ المَآبِ، يعني: حسنُ المَرْجِعِ.

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ:{وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} . يقولُ: حسنُ المُنقَلبِ، وهى الجنةُ

(4)

.

وهو مصدرٌ على مثالِ مَفْعَلٍ، مِن قولِ القائلِ: آبَ الرجلُ إلينا، إذا رجَع، فهو يَئُوبُ إيابًا وأَوْبةً وأَيْبةً ومَآبًا. غيرَ أن موضعَ الفاءِ منها مَهْموزٌ، والعينُ مُبْدَلَةٌ مِن الواوِ

(1)

بعده في م، ت 1، س:(من).

(2)

الوُصْلةُ: الذريعة. اللسان (و ص ل).

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"حملها".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 612)(3278) من طريق عمرو بن حماد به.

ص: 267

إلى

(1)

الألفِ بحركتِها

(2)

إلى الفتحِ، فلما كان حظُّها الحركةَ إلى الفتحِ، وكانت حركتُها مَنْقولةً إلى الحرفِ الذي قبلَها - وهو فاءُ الفعلِ - انْقَلَبت فصارَت ألفًا، كما قيل: قال. فصارَت عينُ الفعلِ ألفًا؛ لأن حظَّها الفتحُ. والمآبُ مثلُ المَقالِ والمَعادِ والمَحالِ، كلُّ ذلك مَفْعَلٌ، مَنْقولةٌ حركةُ عينِه إلى فائِه، فَمُصَيَّرةٌ

(3)

واؤه أو ياؤُه ألفًا؛ لفتحةِ ما قبلَها.

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} وقد عَلِمْتَ ما عندَه يومئذٍ مِن أليمِ العذابِ وشديدِ العقابِ؟

قيل: إن ذلك معنيٌّ به خاصٌّ مِن الناسِ، ومعنى

(4)

ذلك: واللهُ عندَه حسنُ المآبِ للذين اتَّقَوْا رَبَّهم، وقد أَنْبَأَنا عن ذلك في هذه الآيةِ التي تَلِيها.

فإن قال: وما حسنُ المآبِ؟ قيل: هو

(5)

ما وصَفه به جل ثناؤُه، وهو المَرْجِعُ إلى جناتٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ، مُخَلَّدًا فيها، وإلى أزواجٍ مُطَهَّرةٍ، ورِضْوانِ مِن اللهِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)} .

يعني جل ثناؤُه: قلْ يا محمدُ للناسِ الذين زُيِّن لهم حبُّ الشَّهواتِ مِن النساءِ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"التي".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"تحركها".

(3)

في م: "فتصير"، وفى س:"فصيرت".

(4)

في ت 1، س:"يعني"، وفي ت 2، ت 3:"يبقى"، وغير منقوطة في ص.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"و".

ص: 268

والبنينَ، وسائرِ ما ذكَر ربُّنا جل ثناؤُه:{أَؤُنَبِّئُكُمْ} : أَأُخْبِرُكم وأُعْلِمُكم، {بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ} يعنى: بخيرٍ وأفضلَ لكم، {مِنْ ذَلِكُمْ} يعني: مما زُيِّن لكم في الدنيا حُبُّ شهوتِه مِن النساءِ والبنينَ والقناطيرِ المقنطرةِ مِن الذهبِ والفضةِ، وأنواعِ الأموالِ، التي هي مَتاعُ الدنيا.

ثم اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في المَوضعِ الذي تَناهَى إليه الاستفهامُ مِن هذا الكلامِ؛ فقال بعضُهم: تَناهَى ذلك عندَ قولِه: {مِنْ ذَلِكُمْ} ثم ابتدأ الخبرَ عما للذين اتَّقوا عند ربِّهم، فقيل:{لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} فلذلك رفعَ الجناتِ.

ومَن قال هذا القولَ لم يُجِزْ في قولَه: {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} ، إلا الرفعَ، وذلك أنه خبرٌ مبتدأٌ، غيرُ مَردودٍ على قولِه:{بِخَيْرٍ} . فيكونُ الخفضُ فيه جائزًا. وهو وإن كان خبرًا مبتدأً عندَهم، ففيه إبانةٌ عن معنى "الخير" الذي أمرَ اللَّهُ عز وجل نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يَقولَ للناسِ: أَوُنَبِّئُكم به. و "الجنات" على هذا القولِ مرفوعةٌ باللامِ التي في قولِه: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ} .

وقال آخَرون منهم بنحوٍ مِن هذا القولِ، إلا أنهم قالوا: إن جعَلْتَ اللامَ التي في قولِه: {لِلَّذِينَ} مِن صلةِ الإنباءِ، جاز في "الجنات" الخفضُ والرفعُ؛ الخفضُ على الردِّ على "الخير"، والرفعُ على أن يَكونَ قولُه:{لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} خبرَ مبتدأ. على ما قد بيَّنَّاه قبلُ.

وقال آخَرون: بل مُنْتَهَى الاسْتفِهامِ قولُه: {عِنْدَ رَبِّهِمْ} ثم ابْتَدَأَ: {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} . وقالوا: تأويلُ الكلامِ: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ} . ثم كأنه قيل: ماذا لهم؟ أو ما ذاك؟ أو على أنه يقالُ: ماذا لهم؟ أو ما ذاك؟ فقال: هو {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} الآية.

ص: 269

وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن جعَل الاستفهامَ مُتَناهِيًا عندَ قولِه: {بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ} . والخبرَ بعدَه مبتدأً عمَّن له الجناتُ بقولِه: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ} . فيَكونُ مَخْرَجُ ذلك مَخْرَجَ الخبرِ، وهو إبانةٌ عن معنى "الخير" الذي قال: أَؤُنَبِّئُكُم

(1)

به؟ فلا يَكونُ بالكلامِ حينَئذٍ حاجةٌ إلى ضميرِ.

قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جَريرٍ الطبريُّ: وأما قولُه: {خَالِدِينَ فِيهَا} . فمنصوبٌ على القطع.

ومعنى قولِه: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} : للذين خافوا الله فأطاعوه، بأداءِ فَرائضه، واجْتِنابِ مَعاصِيه، {عِنْدَ رَبِّهِمْ} يعنى بذلك: لهم جناتٌ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ عندَ ربِّهم.

والجناتُ البساتينُ، وقد بيَّنا ذلك بالشواهدِ فيما مضَى، وأن قولَه:{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} . يعني به: مِن تحتِ الأشْجارِ. وأن الخلودَ فيها دَوامُ البقاءِ فيها، وأن الأزواجَ المُطَهَّرةَ من نساءُ الجنةِ اللَّواتى طُهَّرْنَ مِن كُلِّ أَذًى يَكونُ بنساءِ أهلِ الدنيا، مِن الحيضِ والمنيِّ والبولِ والنِّفاسِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأذى، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

وقولُه: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} . يعني: ورضا اللهِ. وهو مصدرٌ مِن قولِ القائل: رضِى اللهُ عن فلانٍ، فهو يَرْضَى عنه رِضًا، منقوصٌ، ورِضْوانًا ورُضْوانًا ومَرْضاةً. فأما الرُّضْوانُ بضمِّ الراءِ فهو لغةُ قيسٍ، وبه كان عاصمٌ يَقْرِأٌ

(3)

.

(1)

في ص، م، ت 2، ت 3:"أنبئكم".

(2)

ينظر ما تقدم في (1/ 406 - 408، 419 - 422).

(3)

في رواية أبي بكر عنه، وروى حفص عنه بالكسر كقراءة الباقين. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 202.

ص: 270

وإنما ذكَر اللهُ جل ثناؤُه فيما ذكَر للذين اتَّقَوْا عندَه مِن الخيرِ رِضْوانَه؛ لأن رِضْوانَه أعلى منازلِ كرامةِ أهلِ الجنةِ.

كما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثني أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بن المُنكَدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا دخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ، قال اللَّهُ تبارك وتعالى: أُعْطِيكم أفضلَ مِن هذا؟ فيقولون: أَيْ ربَّنَا، أَيُّ شيءٍ أَفضلُ مِن هذا؟ قال: رِضْوانِي

(1)

.

وقولُه: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} . يعنى بذلك: واللهُ ذو بصرٍ بالذي يَتَّقِيه مِن عبادِه، فيَخافُه فيُطِيعُه، ويُؤْثِرُ ما عندَه، مما ذكَر أنه أعَدَّه للذين اتَّقَوْه على حُبِّ ما زُيِّن له في عاجلِ الدنيا مِن شَهَواتِ النساءِ والبنينَ وسائرِ ما عدَّد منها تعالى ذِكرُه، وبالذى لا يَتَّقِيه فيَخافُه، ولكنه يَعْصِيه ويُطِيعُ الشيطانَ، ويُؤْثِرُ ما زُيِّن له في الدنيا مِن حُبِّ شهوةِ النساءِ والبنينَ والأموالِ، على ما عندَه مِن النَّعيمِ المُقيمِ، عالمٌ تعالى ذِكرُه بكلِّ فريقٍ منهم، حتى يُجازِىَ كلَّهم عندَ مَعادِهم إليه جزَاءَهم؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16)} .

ومعنى ذلك: قلْ هل أُنَبِّئُكم بخيرٍ مِن ذلكم؟ للذين اتَّقَوْا يقولون: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .

وقد يَحْتَمِلُ

(2)

{الَّذِينَ يَقُولُونَ} وجْهين مِن الإعرابِ؛ الخفضُ على الردِّ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 613)(3287) من طريق سفيان به بنحوه، ومن طريقه مرفوعا أخرجه ابن حبان (2647 - موارد)، والحاكم (1/ 82، 83) بنحوه.

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"المعنى كذلك".

ص: 271

على "الذين" الأولى، والرفعُ على الابْتِداءِ، إذ كان في مبتدأَ آيةٍ أخرى غيرِ التي فيها "الذين" الأولى، فيكونُ

(1)

رفعُها نظيرَ قولِ اللَّهِ عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} . [التوبة:111]. ثم قال في مبتدأ الآيةِ التي بعدَها: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} [التوبة: 112]. ولو كان جاء ذلك مخفوضًا كان جائزًا.

ومعنى قولِه: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} : الذين يقولون: إننا صدَّقنا بك وبنبيِّك، وما جاء به مِن عندِك، {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} يقولُ: فَاسْتُرْ علينا ذنوبَنا

(2)

بعفوِك عنها، وتركِك عقوبتَنا عليها، {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}: ادْفَعْ عنا عذابَك إيَّانا بالنارِ أن تُعَذِّبَنا بها. وإنما معنى ذلك: لا تُعَذِّبْنا يا ربَّنا بالنارِ. وإنما خَصُّوا المسألةَ بأن يَقِيَهم عذابَ النارِ؛ لأن مَن زُحْزِح يومَئذٍ عن النارِ، فقد فاز بالنجاةِ مِن عذابِ النارِ

(3)

، وحسُنَ مآبُه.

وأصلُ قولِه: {وَقِنَا} . مِن قولِ القائلِ: وقَى اللهُ فلانًا كذا، يُرادُ به: دفَع عنه، فهو يَقِيه. فإذا سأَل بذلك سائلٌ قال: قِنِي كذا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ} .

يعنى بقولِه: {الصَّابِرِينَ} : الذين صبَروا في البأساءِ والضَّرَّاءِ وحينَ البأسِ.

ويعني به {وَالصَّادِقِينَ} : الذين صدَقوا الله في قولِهم بتحقيقِهم الإقرارَ به وبرسوله، وما جاء به مِن عندِه، بالعملِ بما أمَره به، والانتهاءِ عما نهاه عنه.

ويعني به {وَالْقَانِتِينَ} : المُطِيعِين له. وقد أتَيْنا على الإبانةِ عن كلِّ هذه

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"في".

(2)

سقط من: م.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"الله".

ص: 272

الحروفِ ومَعانِيها بالشَّواهِدِ على صحةِ ما قلْنا فيها، وبالإخْبارِ عمَّن قال فيها قولًا، فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(1)

.

وقد كان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه:{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ} : "الصادقين": قومٌ صدَقَت أفْواهُهم

(2)

، واسْتَقامَت قلوبُهم وألْسنتُهم، وصدَقوا في السرِّ والعَلانيِة، و "الصابرين": قومٌ

(3)

صبَروا على طاعةِ اللهِ، وصبَروا عن مَحارمِه، والقانِتون: هم المُطِيعون للهِ

(4)

.

وأما المُنْفِقون: فهم المُؤْتُونَ زَكَواتِ

(5)

أموالِهم، وواضِعوها على ما أمَرهم اللهُ بإيتائها

(6)

، والمُنْفِقون أموالَهم في الوجوهِ التي أذِن اللهُ لهم جل ثناؤُه بإنفاقِها فيها.

وأما {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ} وسائرُ هذه الحروفِ، فمخفوضٌ ردًّا على قولِه:{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} . والخفضُ في هذه الحروفِ يَدُلُّ على أن قولَه: {الَّذِينَ يَقُولُونَ} . خفضٌ ردًّا على قولِه: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)} .

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في القومِ الذين هذه الصفةُ صفتُهم؛ فقال بعضُهم: هم المُصَلُّون بالأسْحارِ.

(1)

ينظر ما تقدم في 2/ 461، 4/ 375 وما بعدهما.

(2)

في س: "أقوالهم".

(3)

في ص، ت 1:"يوم".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 614)(3292، 3294) من طريق يزيد به دون آخره، وعلق آخره في (2/ 615) عقب الأثر (3297).

(5)

في س: "زكاة".

(6)

في م: "بإتيانها".

ص: 273

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا: بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ:{وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} : هم أهلُ الصلاةِ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ:{وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} . قال: يُصَلُّون بالأَسْحَارِ

(2)

.

وقال آخَرون: هم المُسْتَغْفِرون.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن حُرَيْثِ بن أَبي مَطَرٍ، عن إبراهيمَ بن حاطبٍ، عن أبيه، قال: سمِعْتُ رجلًا في السَّحَرِ في ناحيةِ المسجدِ وهو يقولُ: ربِّ أَمَرْتَنى فَأَطَعْتُك، وهذا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لى. فنظَرْتُ فإذا ابن مسعودٍ

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ يزيدَ بن جابرٍ عن قولِ اللهِ عز وجل: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} . قال: حدَّثني سليمانُ بنُ موسى، قال: ثنا نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان يُحْيِي الليلَ صَلاةً، ثم يقولُ: يا نافعُ أَسْحَرْنا؟ فيقولُ: لا. فيُعاوِدُ الصلاةَ، فإذا قلتُ: نعم. قعَد يَسْتَغْفِرُ ويَدْعُو حتى يُصْبِحَ

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (2/ 11) إلى عبد بن حميد.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 615) عقب الأثر (3300) معلقًا.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره (2/ 18) عن المصنف.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 616)(3302)، وابن عساكر (37/ 48) من طريق الوليد بن مسلم به. وينظر مختصر قيام الليل ص 34.

ص: 274

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن بعضِ البَصْريِّين، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: أُمِرْنا أَن نَسْتَغْفِرَ بالأَسْحارِ سبعينَ استغفارةً

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسْحاقُ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنا أبو يعقوبَ الضَّبِّيُّ، قال: سمِعْتُ جعفرَ بنَ محمدٍ يقولُ: مَن صلَّى مِن الليلِ، ثم اسْتَغْفَر في آخرِ الليلِ سبعين مرةً، كُتِب مِن المستغفرين بالأسحارِ

(2)

.

وقال آخَرون: هم الذين يَشْهَدون الصبحَ في جماعةٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَسْلَمةَ أخو القَعْنَبيِّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: قلتُ لزيدِ بن أَسْلَمَ: مَن {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} ؟ قال: هم الذين يَشْهَدون الصبحَ

(3)

.

وأوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ قولِه: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} قولُ مَن قال: هم السائلون ربَّهم أن يَسْتُرَ عليهم فَضيحتهم بها؛ {بِالْأَسْحَارِ} وهى جمعُ سَحَرٍ. وأظْهَرُ مَعانى ذلك أن تكونَ مَسْألتُهم إياه بالدُّعاءِ. وقد يَحْتَمِلُ أن يَكونَ معناه تَعرُّضَهم لمغفرتِه بالعملِ والصلاةِ، غيرَ أن أظْهَرَ معانيه ما ذكَرْنا مِن الدعاءِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)} .

(1)

عزاه ابن كثير في تفسيره (2/ 18) إلى ابن مردويه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (2/ 11، 12) إلى المصنف وابن مردويه، بلفظ: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم به. وينظر مختصر قيام الليل ص 38.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (2/ 12) إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 615)(3301) من طريق إسماعيل بن مسلمة به، وأخرجه ابن أبي شيبة (13/ 498) من طريق عقبة بن أبى يزيد القرشي، عن زيد بن أسلم.

ص: 275

يَعنى بذلك جل ثناؤُه: شهِد اللهُ أنه لا إلهَ إلا هو، وشهِدَت الملائكةُ، وأولو العلمِ.

فالملائكةُ معطوفٌ بهم على اسمِ اللهِ، و {أَنَّهُ} مَفتوحةٌ بـ {شَهِدَ} .

وكان بعضُ البصرِيين

(1)

يَتَأَوَّلُ قولَه: {وشَهِدَ اللهُ} : قضَى اللهُ، ويَرْفَعُ الملائكةَ بمعنى: والملائكةُ شهودٌ وأولو العلمِ.

وهكذا قرَأت قرأةُ أهلِ الإسلامِ بفتحِ الألفِ مِن {أَنَّهُ} على ما ذكَرْتُ مِن إعمالِ و {شَهِدَ} في {أَنَّهُ} الأُولى، وكسرِ الألفِ مِن {إِنَّ} الثانيةِ وابتدائِها. سوى أن بعضَ المتأخرين مِن أهلِ العربيةِ كان يَقْرَأُ ذلك جميعًا بفتحِ ألفَيْهما

(2)

، بمعنى: شهِد اللهُ أنه لا إلهَ إلا هو وأن الدينَ عندَ اللَّهِ الإسلامُ. فعَطف بـ "أن الدينَ" على {أَنَّهُ} الأُولى، ثم حذَف واوَ العطفِ وهي مُرادةٌ في الكلامِ. واحْتَجَّ في ذلك بأن ابنَ عباسٍ قرَأ ذلك:(شهِد اللهُ إنه لا إلهَ إلا هو) الآية. ثم قال: (أن الدِّينَ). بكسرِ "إن" الأولى، وفتحِ "أن" الثانيةِ بإعمالِ {شَهِدَ} فيها، وجعْلِ "إن" الأُولى اعْتِراضًا في الكلامِ، غيرَ عاملٍ فيها {شَهِدَ} ، وأن ابنَ مسعودٍ قرَأ: (شهِد اللهُ أن

(3)

لا إلهَ إلا هو) بفتحِ "أن"، وكسرِ "إن"، مِن:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} على معنى إعمالِ الشهادةِ في "أن" الأولى، و "إن" الثانيةُ مُبْتَدَأَةٌ. فرعَم أنه أراد بقراءتِه إياهما بالفتحِ جمعَ قراءةِ ابن عباسِ وابنِ مسعودِ. فخالَف بقراءتِه ما قرَأ مِن ذلك على ما وصَفْتُ، جميعَ قرأةِ أهلِ الإسلامِ المتقدمين

(1)

يعنى أبا عبيدة في مجاز القرآن (1/ 89). وسيردُّ المصنف قوله فيما بعد.

(2)

هو الكسائي، ينظر السبعة لابن مجاهد ص 202 - 203.

(3)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أنه". وينظر البحر المحيط (2/ 403). وعزا السيوطي في الدر المنثور (2/ 12) هذه القراءة إلى أبى بكر بن أبى داود في المصاحف، وفى المصاحف ص 59:"أنه". خطأ.

ص: 276

منهم والمتأخرين، بدَعْوَى تأويلٍ على ابن عباسٍ وابن مسعودٍ، زعَم أنهما قالاه وقرَأَ به، وغيرُ معلومٍ ما ادُّعِى عليهما بروايةٍ صحيحةٍ ولا سقيمةٍ. وكفَى شاهدًا على خطأَ قراءةٍ

(1)

خروجُها مِن قرأةِ

(2)

أهلِ الإسلامِ. فالصوابُ إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا مِن قراءةِ ذلك، فتحُ الألفِ مِن "أنه" الأولى، وكسرُ الألفِ مِن "إن" الثانيةِ، أعْنِى مِن قولِه:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} . ابْتِداءً. وقد رُوِى عن السُّديِّ في تأويلِ ذلك قولٌ كالدالِّ على تصحيحِ ما قرَأ به في ذلك مَن ذكَرْنا قولَه مِن أهلِ العربيةِ، في فتحِ أن مِن قولِه:(أن الدينَ). وهو ما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ} إلى {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} : فإن الله يَشْهَدُ هو والملائكةُ والعلماءُ مِن الناسِ أن الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ

(3)

.

فهذا التأويلُ يَدُلُّ على أن الشهادةَ إنَّما هي عاملةٌ في "أن" الثانيةِ، التي في قولِه:(أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ). فعلى هذا التأويل جائزٌ في "أن"

(4)

الأُولى وجْهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أن تكونَ الأولى منصوبةً على وجهِ الشَّرطِ، بمعنى: شهِد اللهُ بأنه واحدٌ. فتكون مَفْتوحةً بمعنى الخفضِ في مذهبِ بعضِ أهلِ العربيةِ، وبمعنى النصبِ في مذهبِ بعضِهم، والشهادةُ عاملةٌ في "أن" الثانيةِ، كأنك قلتَ: شهِد اللهُ أن الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ؛ لأنه واحدٌ. ثم تقَدَّم "لأنه واحدٌ"، فتفتَحُها على ذلك التأويلِ.

(1)

في م: "قراءته".

(2)

في م: "قراءة".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 616، 617)(3304، 3308) من طريق عمرو به.

(4)

كتب فوقها في ص: "في"، وفى ت 2، س:"أن في".

ص: 277

والوجهُ الثاني: أن تكونَ "إن" الأولى مَكْسورةً بمعنى الابتداءِ؛ لأنها مُعْتَرَضٌ بها، والشهادةُ واقعةٌ على "أن" الثانيةِ. فيَكونُ معنى الكلامِ: شهِد اللهُ - فإنه لا إلهَ إلا هو - والملائكةُ أن الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ. كقولِ القائلِ: أَشْهَدُ - فإنى مُحِقٌّ - أنك مما تُعابُ به بَرِئٌ. فـ "إن" الأولى مَكسورةً؛ لأنها مُعْتَرِضةٌ، والشهادةَ واقعةٌ على "أن" الثانيةِ.

وأما قولُه: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} . فإنه بمعنَى أنه الذي يَلِى العَدْلَ

(1)

بيَن خلقِه

(2)

.

والقِسْطُ هو العدْلُ، مِن قولِهم: هو مُقْسِطٌ، وقد أَقْسَط، إذا عدَل.

ونُصِب {قَائِمًا} على القطعِ.

وكان بعضُ نحويى أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أنه حالٌ مِن "هو" التي في: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} .

وكان بعضُ نحويى الكوفةِ يَزْعُمُ أنه حالٌ مِن اسمِ "الله" الذي مع قولِه: {شَهِدَ اللَّهُ} فكان معناه: شهِد اللهُ القائمُ

(2)

بالقِسْطِ أَنه لا إله إلا هو. وقد ذُكِر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ كذلك: (وأولو العلمِ القائمُ بالقِسْطِ) ثم حُذِفَت الألفُ واللامُ مِن القائمِ، فصار نكرةً، وهو نعتٌ لمعرفةٍ فنُصِب

(3)

.

وأولى القولين بالصوابِ في ذلك عندى قولُ مَن جَعَله قَطْعًا على أنه مِن نعتِ اللهِ جل ثناؤُه؛ لأن الملائكةَ وأُولى العلمِ مَعْطُوفون عليه، فكذلك الصحيحُ أن يكونَ قولُه:{قَائِمًا} حالًا منه.

وأما تأويلُ قولِه: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فإنه نفْىٌ أن يَكونَ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"القسط".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"العالم".

(3)

ينظر معاني القرآن للفراء (1/ 200).

ص: 278

شيءٌ يَسْتَحِقُ العُبودَةَ غيرَ الواحدِ الذي لا شَريكَ له في مُلْكِه.

ويعنى بـ "العزيز": الذي لا يَمْتَنِعُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَنْتَصِرُ منه أحدٌ عاقَبَه أو انْتَقَم منه، "الحكيم" في تدبيرِه، فلا يَدْخُلُه خَلَلٌ.

وإنما عنَى جل ثناؤُه بهذه الآيةِ نَفْىَ ما أضافَت النصارَى الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في عيسى مِن البُنُوَّةِ، وما نسَب إليه سائرُ أهلِ الشركِ مِن أَنَّ له شَريكًا، واتخاذِهم دونَه أربابًا، فَأَخْبَرَهم اللهُ عن نفسِه، أنه الخالقُ كلَّ ما سواه، وأنه ربُّ كلَّ ما اتَّخَذه كلُّ كافرٍ وكلُّ مشركٍ ربًّا، دونَه، وأن ذلك مما يَشْهَدُ به هو وملائكتَه وأهلُ العلمِ به مِن خلقِه، فبدَأ جل ثناؤُه بنفسِه تَعْظيمًا لنفسِه، وتَنْزيهًا لها عما نسَب الذين ذكَرْنا أمرَهم مِن أهلِ الشركِ به ما نسَبوا إليها، كما سنَّ لعبادِه أن يَبْدَءوا في أمورِهم بذكرِه قبلَ ذِكْرِ غيرِه، مُؤَدِّبًا خلقَه بذلك.

والمرادُ مِن الكلامِ الخبرُ عن شهادةِ مَن ارْتَضاهم مِن

(1)

خلقِه فقدَّموه؛ مِن ملائكتِه وعُلماءِ، عبادِه، فأعْلَمَهم أن ملائكتَه - التي يُعَظِّمُها العابدون غيرَه مِن أهلِ الشركِ، ويَعْبُدُها

(2)

الكثيرُ منهم - وأهلَ العلمِ منهم، مُنْكِرون ما هم عليه مُقِيمون من كُفْرِهم، وقولِهم في عيسى، وقولَ مَن اتَّخَذ ربًّا غيرَه مِن سائرِ الخلقِ، فقال: شهِدتِ الملائكةُ وأولو العلمِ أنّه لا إلهَ إلا هو، وأن كلَّ مَن اتَّخَذ ربًّا دونَ اللَّهِ فهو كاذِبٌ. احتِجاجًا منه لنبيِّه عليه السلام، على الذين حاجُّوه مِن وفدِ نَجْرانَ في عيسى.

واعتُرِض بذكْرِ اللَّهِ وصفتِه، على ما بيَّنْتُ

(3)

، كما قال جلّ ثناؤه: {وَاعْلَمُوا

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يعبده".

(3)

في م: "نبينه"، وفى س:"بينه".

ص: 279

أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41]. افتتاحًا باسمِه الكلامَ، فكذلك افتَتَح باسمِه والثناءِ على نفسِه الشهادةَ بما وصَفنا من نَفْي الألوهةِ عن غيرِه، وتَكْذيبِ أهلِ الشركِ به.

فأما ما قال الذي وصَفْنا قولَه مِن أنّه عنَى بقولِه: {شَهِدَ} : قَضَى. فمِمَّا لا يُعرَفُ في لغةِ العربِ ولا العَجَمِ؛ لأن الشهادةَ معنىً، والقضاءَ غيرُها.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك رُوِى عن بعضِ المُتقدِّمِين القولُ في ذلك.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} : بخلافِ ما قالوا، يعنى بخلافِ ما قال وَفْدُ نَجْرانَ مِن النصارَى، {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} أَي: بالعدل

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بِالْقِسْطِ} : بالعدلِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} .

ومعْنى الدِّينِ في هذا الموضعِ: الطاعةُ والذِّلَّةُ، من قولِ الشاعرِ

(2)

:

ويوم الحَزْنِ إِذْ حَشَدَت مَعَدٌّ

وكان الناسُ إلا نحنُ دِينَا

يعنى بذلك: مُطِيعينَ على وَجْهِ الذُّلِّ. ومنه قولُ القُطَامِيِّ

(3)

:

(1)

سيرة ابن هشام (1/ 577)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 616)(3305) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله، مقتصرًا على: بخلاف ما قالوا.

(2)

أنشده الفراء في معاني القرآن (3/ 81) عن المفضل، والشطر الثاني منه في اللسان (د ى ن).

(3)

ديوانه ص 58.

ص: 280

كانت نَوَارُ

(1)

تَدِينُكَ الأَدْيانا

يَعْنى: تُذِلُّكَ. وقولُ الأعشَى ميمونِ بن قَيسٍ

(2)

:

هو دانَ الرِّبابَ إِذْ كَرِهوا الدِّيـ

ـنَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيالِ

يَعنى بقولِه

(3)

: دانَ. ذَلَّل، وبقولِه: كرِهوا الدِّينَ. الطاعةَ.

وكذلك الإسلامُ، وهو الانْقِيادُ بالتَّذَلُّلِ والخشوعِ، والفعلُ منه "أسلَم"، بمعْنى: دخَل في السِّلْمِ، كما يقالُ: أقحَط القومُ. إذا دخَلوا في القَحْطِ، وأربَعوا، إذا دخَلوا في الربيعِ، فكذلك: أسلَموا، إذا دخَلوا في السِّلْمِ، وهو الانْقِيادُ بالخضوعِ وتَرْكُ المُمَانَعةِ.

فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويلُ قولِه:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} . إِنَّ الطاعةَ للهِ [- التي هي الطاعةُ له]

(4)

عندَه - [الطاعةُ له]

(5)

، وإقرارُ الألسنِ والقلوبِ له بالعُبودَةِ والذِّلَّةِ، وانقيادُها له بالطاعةِ فيما أمَر ونهَى، وتَذَلُّلُها له بذلك، من غيرِ استكبارٍ عليه، ولا انحرافٍ عنه، دونَ إشراكِ غيرِه من خَلْقِه معه في العبودةِ والألوهَةِ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {إِنَّ الدِّينَ

(1)

في الديوان: "جنوب"، وفى نسخة منه:"ظلوم".

(2)

تقدم في (3/ 301).

(3)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"إن".

(4)

سقط من: م.

(5)

زيادة من: م.

ص: 281

عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}: والإسلامُ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، والإقرارُ بما جاء به مِن عندِ اللهِ، وهو دينُ اللهِ الذي شرَع لنفسِه، وبعَث به رُسُلَه، ودلَّ عليه أولياءَه، لا يَقْبَلُ غيرَه، ولا يَجْزِى إلا به

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ثنا أبو العاليةِ في قولِه: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} . قال: الإسلامٌ الإخلاصُ للهِ وحدَه، وعبادتُه لا شريكَ له، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وسائرُ الفرائضِ لهذا تَبَعٌ

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]. قال: دخَلنا في السِّلْمِ، وترَكنا الحربَ

(3)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} : أي ما أنت عليه يا محمدُ مِن التوحيدِ للربِّ والتَّصْديقِ للرسلِ

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} .

يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: وما اختَلف الذين أُوتُوا الإنجيلَ - وهو الكتابُ الذي ذكَره اللهُ في هذه الآيةِ - في أمرِ عيسى، وافترائِهم على اللهِ فيما قالُوه فيه مِن الأقوالِ التي كَثُر بها اختلافُهم بينَهم، وتَشتَّتَتْ بها كلمتُهم، وبايَن بها بعضُهم بعضًا،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (2/ 12) إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 617، 618)(2313) من طريق ابن أبي جعفر به.

(3)

سيأتي هذا الأثر في تفسير سورة الحجرات بأطول مما هنا.

(4)

سيرة ابن هشام (1/ 577).

ص: 282

حتى استَحلَّ بها بعضُهم دماءَ بعضٍ، {إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} يعنى: إلا مِن بعدِ ما عَلِموا الحقَّ فيما اختَلَفوا فيه مِن أَمْرِه، وأيقَنوا أنهم فيما يقولون فيه مِن عظيمِ الفِرْيةِ مُبْطلون، فأخبرَ اللَّهُ عبادَه أَنهم أَتَوْا مَا أَتَوْا مِن الباطلِ، وقالوا ماقالُوا مِن القولِ الذي هو كفرٌ باللهِ، على علمٍ منهم بخطأَ ما قالوه، وأنهم لم يقولوا ذلك جهلًا منهم بخَطئِه، ولكنّهم قالُوه واختَلَفوا فيه الاختلافَ الذي هم عليه؛ تَعَدِّيًا من بعضِهم على بعضٍ، وطلبَ الرياساتِ والملكِ والسلطانِ.

كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} . قالُ: قال أبو العاليةِ إلا من بعدِ ما جاءهم الكتابُ والعلمُ {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} يقولُ: بَغْيًا علَى الدنيا، وطلبَ مُلْكِها وسُلطانِها، فقَتَل بعضُهم بعضًا على الدنيا، مِن بعدِ ما كانوا علماءَ الناسِ

(1)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن ابن عمرَ أنه كان يُكْثِرُ تلاوةَ هذه الآيةِ:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} . يقولُ: بَغْيًا على الدنيا، وطلبَ مُلْكِها وسُلطانِها، من قِبَلِها واللهِ

(2)

أُتِينا، ما كان علينا مَن يكونُ علينا

(3)

، بعدَ أن يأخُذَ فينا كتابَ اللَّهِ وسنةَ نَبيِّه! ولكنَّا أُتِينَا مِن قِبَلِها.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 618)(3316، 3319) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

بعده في م: "ما".

(3)

سقط من: م.

ص: 283

الربيعِ، قال: إنّ موسى لمَّا حضَره الموتُ دَعا سبعينَ حَبْرًا مِن أحبارِ بني إسرائيلَ، فاستَودَعهم التوراةَ، وجعَلهم أُمَناءَ عليه، كلَّ حَبْرٍ جَزءًا منه، واستخلَف موسى يوشعَ بنَ نونٍ، فلما مضَى القرنُ الأوَّلُ ومضَى الثانِى ومضَى الثالثُ، وقَعَت الفُرقةُ بينَهم؛ وهم الذين أُوتوا العلمَ مِن أبناء أولئك السبعينَ، حتى أَهْرَاقوا بينَهم الدماءَ، ووَقَع الشَّرُّ والاختلافُ، وكان ذلك كلُّه مِن قِبَلِ الذين أُوتوا العلمَ بَغْيًا بينَهم على الدنيا، طلبًا لسلطانِها ومُلْكِها وخزائنها وزُخْرفِها، فسَلَّط اللهُ عليهم جَبابِرتَهم، فقال اللهُ:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} . إلى قولِه: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}

(1)

.

فقولُ

(2)

الربيعِ بن أنسٍ هذا يدُلُّ على أنه كان عندَه أنه معنِيٌّ بقولِه: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ، دونَ النصارَى منهم ومن غيرِهم.

وكان غيرُه يُوَجِّهُ ذلك إلى أن المعنِيَّ به النصارى

(3)

الذين أُوتوا الإنجيلَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} : الذي جاءك، أي أنّ اللَّهَ الواحدُ الذي ليس له شريكٌ، {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} . يَعنى بذلك النصارَى

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (2/ 12) إلى المصنف، إلى قوله: جبابرتهم.

(2)

في النسخ: "يقول". والصواب ما أثبتنا.

(3)

بعده في س: "منهم".

(4)

سيرة ابن هشام (1/ 577).

ص: 284

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)} .

يَعنى بذلك جل ثناؤُه: ومَن يَجحَدْ حُجَجَ اللَّهِ وأعلامَه التي نصَبها ذكرَى لمن عَقَل، وأدلةً لمن اعتَبَر وتَذكَّر، فإنّ اللَّهَ مُحْصٍ عليه أعمالَه التي كان يعمَلُها في الدنيا، فمُجازِيه بها في الآخرةِ، فإنه جلّ ثناؤه سريعُ الحسابِ، يَعنى: سريعُ الإحصاءِ. وإنما معْنى ذلك، أنه حافظٌ على كلِّ عاملٍ عَمَلَه، لا حاجةَ به إلى عَقْدٍ، كما يَعْقِدُه خلقُه بأَكُفِّهم، أو يعونَه بقلوبِهم، ولكنه يحفَظُ ذلك عليهم بغيرِ كُلْفةٍ ولا مَئونةٍ، ولا معاناةٍ لِما يُعانيه غيرُه مِن الحُسّابِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في معنَى: {سَرِيعُ الْحِسَابِ} . كان مجاهدٌ يقولُ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} . قال: إحصاؤُه عليهم.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} : إحصاؤُه

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ}

(2)

.

يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: فإن حاجَّك يا محمدُ النَّفَرُ مِن نصارَى أهلِ نَجْرانَ في أمرِ عيسى صلواتُ اللهِ عليه، فخاصَمُوك فيه بالباطلِ، فقُلْ: انقَدْتُ للهِ وحدَه،

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 619)(3320) من طريق أبي حذيفة به.

(2)

في م، س:"اتبعن". وبإثبات الياء، قرأ نافع وأبو عمرو في الوصل، ووقف أبو عمرو بغير ياء، واختلف عن نافع في الوقف، وقرأ الباقون وصلا ووقفا بغير ياء. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 222.

ص: 285

بلسانِي وقلبِي وجميعِ جَوارحِي.

وإنما خصَّ جلّ ذكرُه بأمرِه بأن يقولَ: {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} . لأن الوَجْهَ أكرمُ جَوارح ابن آدمَ عليه، وفيه بهاؤُه وتَعْظيمُه، فإذا خضَع وجهُه لشيءٍ

(1)

، فقد خضَع له الذي هو دونَه في الكرامِة عليه مِن جَوارحِ بدنِه.

وأمَّا قولُه: {وَمَنِ اتَّبَعَنِ} . فإنه يَعنى: وأسلَم مَن اتَّبَعنى أيضًا وجهَه للهِ معِي، و {وَمَنِ} معطوفٌ بها على التاءِ في {أَسْلَمْتُ} .

كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرٍ:{فَإِنْ حَاجُّوكَ} أي: بما يأتُونك به مِن الباطلِ مِن قولِهم: خلَقنا، وفعَلنا، وجعَلنا، وأمَرنا. فإنما هي شُبَهٌ باطِلةٌ، قد عرَفوا ما فيها مِن الحقِّ، {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ}

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} .

يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: {وَقُلْ} يا محمدُ {لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} من اليهودِ والنصارَى، {وَالْأُمِّيِّينَ} الذين لا كتابَ لهم من مشركي العربِ:{أَأَسْلَمْتُمْ} ؟ يقولُ: قل لهم: هل أفرَدْتم التوحيدَ، وأخلَصتُم العبادةَ والألوهةَ لربِّ العالمينَ، دونَ سائرِ الأندادِ والأشراكِ

(3)

التي تُشْرِكونها معه في عبادتِكم إيَّاهم، وإقرارِكم بربوبيتِهم، وأنتم تعلَمون أنه لا ربَّ غيرُه،

(1)

في ص، ت 1:"بشيء".

(2)

ينظر سيرة ابن هشام (1/ 577).

(3)

الأشراك: جمع شريك. تهذيب اللغة (10/ 17).

ص: 286

ولا إلهَ سواه؟ {فَإِنْ أَسْلَمُوا} . يقولُ: فإن انقادُوا لإفرادِ الوحدانيةِ للهِ، وإخلاصِ العبادةِ والألوهِة له، {فَقَدِ اهْتَدَوْا} ، يَعنى: فقد أصابُوا سبيلَ الحقِّ، وسلَكوا مَحَجَّةَ الرُّشْدِ.

فإن قال قائلٌ: وكيفَ قيل: {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} عَقِيبَ الاستفهامِ؟ وهل يجوزُ على هذا في الكلامِ أن يقالَ لرجلٍ: هل تقومُ؟ فإن تَقُمْ أُكرِمْك؟.

قيل: ذلك جائزٌ إذا كان الكلامُ مُرادًا به الأمرُ، وإن خرَج مَخْرجَ الاستفهامِ، كما قال جلّ ثناؤه:{وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91]. يَعنى: انتَهُوا. وكما قال جلّ ثناؤه مُخْبِرًا عن الحَواريِّين أنهم قالوا لعيسى: {يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 112]. وإنما هو مسألةٌ، كما يقولُ الرجلُ: هل أنت كافٌّ عَنَّا؟ بمعنى: اكفُفْ عنَّا. وكما يقولُ الرجلُ للرجلِ: أين أين؟ بمعنَى: أَقِمْ فَلا تَبْرَحْ. ولذلك جُوزِي في الاستفهامِ كما جُوزِى في الأمرِ في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (هل أدُلُّكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليمٍ * آمِنوا)

(1)

. ففَسَّرها بالأمرِ

(2)

، وهي في قراءتِنا على الخبرِ، فالمُجازاةُ في قراءتِنا على قولِه:{هَلْ أَدُلُّكُمْ} . وفي قراءةِ عبدِ اللَّهِ على قولِه: (آمِنُوا) على الأمرِ؛ لأنه هو التفسيرُ.

و [بنحوِ معنَى]

(3)

ما قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.

(1)

من الآية 10، 11 من سورة الصف، وهذه القراءة ذكرها الفراء في معاني القرآن (1/ 202) وأبو حيان في البحر المحيط (8/ 263) وهي قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"بالأمن".

(3)

في س: "بمعنى".

ص: 287

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرٍ:{وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ} الذين لا كتابَ لهم: {أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} . الآية

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ} . قال: الأُمَّيُّون الذين لا يَكْتُبون

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)} .

يَعنى جلّ ثناؤه بقولِه: {وَإِنْ تَوَلَّوْا} : وإن أدبَروا مُعْرِضين عمَّا تَدْعوهم إليه مِن الإسلامِ، وإخلاصِ التوحيدِ للهِ ربِّ العالمين، فإنما أنت رسولٌ مُبَلِّغٌ، وليس عليك غيرُ إبلاغِ الرسالةِ إلى مَن أرسَلتُك إليه مِن خلقِي، وأداءِ ما كلَّفْتُك مِن طاعتى، {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}. يَعنى بذلك: واللهُ ذو علمٍ بمن يَقبَلُ مِن عبادِه ما أرسَلتُك به إليه، فيُطِيعُك

(3)

بالإسلامِ، وبمَن يَتولَّى منهم عنه مُعْرِضًا، فيَرُدُّ عليك ما أرسَلتُك به إليه، فيَعْصِيك بإبائِه الإسلامَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} .

يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} . أَيْ: يَجْحَدُونَ

(1)

سيرة ابن هشام (1/ 577، 578).

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 620)(3327) من طريق ابن جريج به.

(3)

في ص، س:"فيعطيك".

ص: 288

حُجَجَ اللَّهِ وأعلامَه، فيُكَذِّبون بها مِن أهلِ الكتابَين؛ التوارةِ والإنجيلِ.

كما حدَّثني ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرٍ، قال: ثم جمَع أهلَ الكتابَين جميعًا، وذكَر ما أحدَثوا وابتَدَعوا، مِن اليهودِ والنصارَى، فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} . إلى قولِه: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ}

(1)

[آل عمران: 26].

وأما قولُه: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} . فإنه يَعنى بذلك أنهم كانوا يَقْتُلُون رُسُلَ اللَّهِ الذين كانوا يُرْسَلون إليهم بالنَهْى عما يَأْتون مِن معاصِى اللَّهِ، وركوبِ ما كانوا يَرْكَبونه مِن الأمورِ التي قد تَقَدَّم اللهُ إليهم في كتبِهم بالزَّجْرِ عنها، نحوَ زكريا وابنِه يحيى وما أشبَهَهما مِن أنبياءِ اللَّهِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} .

اختَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه عامَّةُ أهلِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ والكوفةِ وسائرُ قرأةِ الأمصارِ: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ} . بمْعنى القتلِ.

وقرَأه بعضُ المُتأخِّرين مِن قرأةِ الكوفةِ: (وَيُقَاتِلُونَ)

(2)

. بمعنى القتالِ، تأوُّلًا منه قراءةَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، وادَّعى أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللَّهِ:(وقاتَلوا)

(3)

، فقَرَأَ الذي وصَفنا أمرَه مِن القرأةِ بذلك التأويلِ:(ويُقَاتِلُونَ).

(1)

سيرة ابن هشام (1/ 578).

(2)

هي قراءة حمزة، وقرأ الباقون بالوجه الأول. السبعة لابن مجاهد ص 203.

(3)

المصاحف لابن أبي داود ص 59 وهى قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة.

ص: 289

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا

(1)

قراءةُ مَن قرَأه: {وَيَقْتُلُونَ} ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ عليه به، مع مجيءِ التأويلِ مِن أهلِ التأويلِ بأنّ ذلك تأويلُه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مَعْقِلِ بن أبى مِسْكينٍ في قولِ اللَّهِ:{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} . قال: كان الوَحْىُ يأتى إلى بنى إسرائيلَ فيُذَكِّرون قومَهم

(2)

- ولم يكنْ يأتيهم كتابٌ - فيُقْتَلون، فيقومُ رجالٌ ممن اتَّبَعهم وصَدَّقهم فيُذَكِّرون قومَهم، فيُقْتَلون، فهم الذين يأمُرون بالقسطِ من الناسِ

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه:{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} . قال: هؤلاء أهلُ الكتابِ، كان

(4)

أتباعُ الأنبياءِ يَنْهَونَهم ويُذَكِّرونهم، فيَقْتُلُونهم

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ في

(1)

القراءتان متواترتان، فكلتاهما صواب.

(2)

سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور.

(3)

تفسير مجاهد ص 250 بنحوه.

وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 621)(3334)، وفيه: عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن معقل. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (2/ 13) إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"كانوا".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 621)(3333) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 290

قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} . قال: كان ناسٌ مِن بني إسرائيلَ ممّن لم يَقْرَأُ الكتابَ، كان الوحْىُ يأتِي إليهم، فيُذَكِّرون قومَهم، فيُقْتَلون على ذلك، فهم الذين يأمُرون بالقسطِ مِن الناسِ.

حدَّثني أبو عُبيدٍ الوَصَّابيُّ

(1)

محمدُ بنُ حفصٍ

(2)

، قال: ثنا ابن حِمْيرٍ

(3)

، قال: ثنا أبو الحسنِ مولَى بني أسدٍ، عن مكحولٍ، عن قَبِيصةَ بن ذُؤيبٍ الخُزَاعيِّ، عن أبي عُبيدةَ بن الجَرَّاحِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الناسِ أشدُّ عذابًا يومَ القيامةِ؟ قال:"رَجلٌ قتَل نَبيًّا، أو رجلٌ أمَر بالمُنْكرِ ونهَى عن المعروفِ". ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {وَ

(4)

يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ}. إلى أن انتهَى إلى: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} . ثم قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يا أبا عُبَيدةَ، قتَلت بنو إسرائيلَ ثلاثةً وأربعين نبيًّا مِن أولِ النهارِ، في ساعةٍ واحدةٍ، فقام مائةُ رجلٍ واثنا عشَرَ رجلًا مِن عُبَّادِ بني إسرائيلَ، فأمَروا مَن قتَلهم بالمعروفِ، ونَهَوهم عن المنكرِ، فَقُتِلوا جميعًا مِن آخرِ النهارِ في ذلك اليومِ، وهم الذين ذكَر اللهُ عز وجل

(5)

.

فتأويلُ الآيةِ إذن: إنّ الذين يكفُرون بآياتِ اللهِ، ويقتُلون النَّبِيِّين بغيرِ حقٍّ، ويقتُلون أمِرِيهم بالعدلِ في أمرِ اللهِ ونَهْيِه، الذين يَنْهَوْنهم عن قتلِ أنبياءِ اللَّهِ

(1)

في النسخ: "الوصافي".

(2)

في النسخ: "جعفر".

(3)

في النسخ: "حميد".

(4)

في النسخ: "الذين".

(5)

أخرجه البزار في مسنده (1285)، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 620)(3332)، والبغوي في تفسيره (2/ 20، 21) من طريق محمد بن حمير به.

ص: 291

وركوبِ معاصِيه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)} .

يَعنى بقولِه جلّ ثناؤه: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} : فأَخْبِرْهم يا محمدُ، وأعلِمْهم أن لهم عندَ اللهِ عذابًا مُؤلِمًا لهم، وهو المُوجِعُ.

وأما قولُه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} . فإنه يَعنى بقولِه: {أُولَئِكَ} : الذين يكفُرون بآياتِ اللهِ. ومعْنى ذلك: إنّ الذين ذكَرناهم هم الذين حَبِطَت أعمالُهم. يَعنى: بطَلت أعمالُهم في الدنيا والآخرةِ. فأما قولُه: {فِي الدُّنْيَا} . فلم يَنالُوا بها مَحْمَدةً ولا ثناءً مِن الناسِ؛ لأنهم كانوا على ضَلالٍ وباطلٍ، ولم يَرْفَعِ اللهُ لهم بها ذِكْرًا، بل لعَنهم وهتَك أستارَهم

(1)

، وأبدَى ما كانوا يُخْفُون مِن قبائحِ أعمالِهم، على ألسُنِ أنبيائِه ورسلِه في كُتُبِه التي أنزَلها عليهم، فأبقَى لهم ما بقِيت الدنيا مَذَمَّةً، فذلك حُبوطُها في الدنيا. وأما في الآخرةِ؛ فإنه أعَدَّ لهم فيها مِن العقابِ ما وصَف في كتابِه، وأعلَم عبادَه أن أعمالَهم تصيرُ بُورًا لا ثوابَ لها؛ لأنها كانت كُفْرًا باللَّهِ، فَجَزاءُ أَهلِها الخلودُ في الجحيم.

وأما قولُه: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} . فإنه يَعنى: وما لهؤلاء القومِ مِن ناصِرٍ يَنْصُرُهم مِن اللهِ، إذا هو انتَقَم منهم بما سَلَف مِن إجْرامِهم واجترائِهم عليه، فيَسْتَنقِذَهم منه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى

(1)

في س: "أسرارهم".

ص: 292

كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)}

يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: {أَلَمْ تَرَ} يا محمدُ {إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} . يقولُ: الذين أُعْطُوا حظًّا من الكتابِ، {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} .

واخْتَلف أهلُ التأويلِ في الكتابِ الذي عنَى اللهُ بقولِه: {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} ؛ فقال بعضُهم: هو التوراةُ، دعاهم إلى الرِّضا بما فيها، إذ كانت الفِرَقُ المُنْتَحِلةُ الكتبَ تُقِرُّ بها وبما فيها، أنها كانت أحكامَ اللهِ قبلَ أن يُنْسَخَ منها ما نُسِخ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنِي محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ وعكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: دخَل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيتَ المِدْرَاسِ على جماعةٍ مِن يهودَ، فدَعاهم إلى اللهِ، فقال له

(1)

نُعَيمُ

(2)

بنُ عمرٍو والحارثُ بنُ زيدٍ: على أيِّ دِينٍ أنت يا محمدُ؟ فقال: "على مِلَّةِ إبراهيمَ ودينِه". فقالا: فإن إبراهيمَ كان يهوديًا. فقال لهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فَهَلُمُّوا إلى التوارةِ، فَهى بينَنا وبينَكم". فأبَيا

(3)

عليه، فأنزَل اللهُ عز وجل:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} . إلى قولِه: {مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}

(4)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"لهم". وكتب فوقها في ص: "ط". علامة أنها خطأ.

(2)

وكذا ورد اسمه في أسباب النزول، وتفسير البغوي، وفى تفسير ابن أبي حاتم (2/ 622)(3340)، وسيرة ابن هشام، والدر المنثور:"نعمان".

(3)

في م: "فأبوا".

(4)

سيرة ابن هشام (1/ 552)، وذكره الزيلعي في تخريج الكشاف (1/ 179، 180) عن المصنف، وينظر أسباب النزول للواحدي ص 70، وتفسير البغوي (21/ 2، 22)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (2/ 14) إلى ابن المنذر.

ص: 293

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولى آلِ زيدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أو عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: دخَل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيتَ المِدْرَاسِ، فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: فقال لهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فَهَلُمَّا إلى التَّوارةِ". وقال أيضًا: فأنزَل اللهُ فيهما: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} . وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ أبى كُرَيبٍ

(1)

.

وقال بعضُهم: بل ذلك كتابُ اللهِ الذي أنزَله على محمدٍ، وإنما دُعِيَت طائفةٌ منهم إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِيَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ، فَأَبَتْ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} : أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ، دُعُوا إلى كتابِ اللهِ ليَحكُمَ بينَهم، وإلى نبيِّه ليَحكُمَ بينَهم، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ

(2)

، ثم تَوَلُّوا عنه وهم مُعْرِضون

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} الآية. قال: هم اليهودُ، دُعُوا إلى كتابِ اللهِ وإلى نبيِّه، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم، ثم يَتَولَّون وهم مُعْرِضون

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 622)(3340) من طريق سلمة به عن عكرمة مرسلا.

(2)

بعده في م: "والإنجيل".

(3)

أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 266)(3342) من طريق يزيد به قوله: {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} . قال: عن كتاب الله.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 622، 623)(3343) من طريق ابن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (2/ 14) إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

ص: 294

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} . قال: كان أهلُ الكتابِ يُدْعَون إلى كتابِ اللَّهِ ليَحكُمَ بينَهم بالحقِّ يكونُ، وفي الحدودِ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُوهم إلى الإسلامِ فيَتَولُّون ذلك

(1)

.

وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك عندى بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله جل ثناؤه أخبَر عن طائفةٍ من اليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في عهدِه، ممن قد أُوتى عِلْمًا بالتوراةِ، أنهم دُعُوا إلى كتابِ اللَّهِ الذي كانوا يُقِرُّون به

(2)

أنه من عندِ اللَّهِ - وهو

(3)

التوراةُ - في بعضِ ما تَنازَعوا فيه هم ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقد يجوزُ أن يكونَ تَنازعُهم الذي كانوا تَنازَعوا فيه، ثم دُعُوا إلى حُكْمِ التوراةِ فيه، فامتَنَعوا من الإجابةِ إليه - كان أمْرَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأمرَ نُبوَّتِه، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كان أمرَ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ ودينَه، ويجوزُ أن يكونَ ذلك ما دُعُوا إليه من أمرِ الإسلامِ والإقرارِ به، ويجوزُ أن يكونَ ذلك كان في حَدٍّ، فإن كلَّ ذلك مما قد كانوا نازَعوا فيه رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَدَعاهم فيه إلى حُكْمِ التوراةِ، فأبَى الإجابةَ فيه وكَتَمه بعضُهم.

ولا دلالةَ في الآيةِ على أيِّ

(4)

ذلك كان [مِن أيٍّ]

(5)

، فيجوزَ أن يقالَ

(6)

: هو

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور (2/ 14) إلى المصنف.

(2)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

بعده في م: "في".

(4)

في النسخ: "أن". وهو تعبير للمصنف تقدم مرارا، ينظر مثلا (1/ 556)، (2/ 439).

(5)

في م: "ممن أبى".

(6)

في س: "يكون".

ص: 295

هذا دونَ هذا. ولا حاجةَ بنا إلى معرفةِ ذلك؛ لأن المعنى الذي دُعوا إليه

(1)

، هو مما كان فرضًا عليهم الإجابةُ إليه في دينِهم، فامتَنَعوا منه، فأخبرَ اللهُ جل ثناؤه عنهم برِدَّتِهم، وتكذيبِهم بما في كتابِهم، وجُحودِهم ما قد أخَذ عليهم عُهودَهم ومَواثيقَهم بإقامتِه والعملِ به، فلن يَعْدُوا أن يكونوا في تَكْذيبِهم محمدًا صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحقِّ، مِثْلَهم في تكذيبِهم موسى وما جاء به، وهم يَتَولَّونه ويُقِرُّون به.

ومعنى قولِه: {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} : ثم يَسْتدبِرُ عن كتابِ اللَّهِ الذي دَعا إلى حُكْمِه، مُعْرِضًا عنه مُنصرِفًا، وهو بحقيقتِه وحجتِه عالِمٌ.

وإنما قُلنا: إن ذلك الكتابَ هو

(2)

التوراةُ؛ لأنهم كانوا بالقرآنِ مُكَذِّبِين، وبالتوراةِ بزَعْمِهم مُصَدِّقِين، فكانت الحجةُ عليهم بتَكذيبِهم بما هم به في زَعْمِهم مُقِرُون، أبلغَ، وللعُذْرِ أقطعَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)} .

يعنى جل ثناؤه بقولِه: {بِأَنَّهُمْ قَالُوا} : بأن هؤلاء الذين دُعُوا إلى كتابِ اللهِ ليَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ فيما نازَعوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إنما أبَوُا الإجابةَ إلى

(3)

حُكْمِ التوراةِ وما فيها من الحقِّ، من أجلِ قولِهم:{لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} . وهى أربعون يومًا، وهن الأيامُ التي عبَدوا فيها العِجْلَ، ثم يُخْرِجُنا منها ربُّنا، اغْتِرَارًا منهم بما كانوا يفتَرون، يعني: بما كانوا يَخْتَلِقون من الأكاذيبِ والأباطيلِ، في ادِّعائِهم أنهم أبناءُ اللهِ وأحِبَّاؤُه، وأن الله قد وَعَد أباهم يعقوبَ أن لا يُدْخِلَ أحدًا مِن ولدِه

(1)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"جملته".

(2)

سقط من: ت 1، س.

(3)

في م: "في".

ص: 296

النار إلا تَحِلَّةَ القَسَم، فأكْذَبهم الله على ذلك كُلِّه مِن أقوالهم، وأخبَر نَبِيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهلُ النار هم فيها خالدون، دونَ المؤمنين باللهِ ورسلِه وما جاءوا به من عنده.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} . قالوا: لن تَمَسَّنا النارُ إِلا تَحِلَّةَ القَسَم التي نَصَبْنا فيها العِجْلَ، ثم يَنْقطِعُ القَسَمُ والعذابُ عَنَّا، قال الله عز وجل:{وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18]

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} الآية. قال: قالوا: لن نُعَذَّبَ في النارِ إلا أربعين يومًا. قال: يعني اليهود. قال: وقال قتادةُ مثله. وقال: هي الأيامُ التي نصَبوا فيها العِجْلَ، يقولُ اللَّه عز وجل:{وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} حين قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ قوله: {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} . قال: غَرَّهم قولهم: هو {لَنْ

(1)

تقدم في 2/ 171، 172.

(2)

أخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 623 (3346) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 297

تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ}

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)} .

يعنى بقوله جل ثناؤه: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ} : فأَيَّ حالٍ يكونُ حالُ هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القولَ، وفعلوا ما فعلوا من إعراضِهم عن كتاب الله، واغتِرارِهم بربِّهم، وافترائهم الكذبَ؟ وذلك من الله عز وجل وعيدٌ لهم شديدٌ، وتهديدٌ غَلِيظٌ.

وإنما يعنى بقوله: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ} الآية: فما أعظمَ ما يلقون من عقوبة الله وتنكيلِه بهم، إذا جمَعهم ليومٍ يُوَفَّى كلُّ عامل جزاءَ عملِه على قَدْرِ استحقاقه، غيرَ مظلومٍ فيه! لأنه لا يُعاقَبُ فيه إلا على ما اجتَرَم، ولا يُؤاخَذُ إلا بما عمِل، يُجْزَى المحسنُ بإحسانِه، والمسيءُ بإساءته، لا يخافُ أحدٌ مِن خلقِه يومئذٍ منه

(2)

ظُلْمًا ولا هَضْمًا.

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} . ولم يُقَل: في يومٍ لا ريب فيه؟

قيل: لمُخالفةِ معنى

(3)

اللامِ في هذا الموضعِ معنَى "في"، وذلك أنه لو كان مكانَ اللام "في" لكان معنى الكلامِ: فكيف إذا جمَعناهم في يومِ القيامةِ، ماذا يكون لهم من العذاب والعقاب؟ وليس ذلك المعنى في دخول اللام، ولكنَّ معناه مع اللام: فكيف إذا جمَعناهم لِما يَحْدُثُ في يومٍ لا ريب فيه، ولما يكونُ في ذلك

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 623 (3347) من طريق حجاج به. وفىه عن ابن جريج، عن خالد بن الحارث، عن مجاهد.

(2)

سقط من م، ت 2، ت 3، س.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"بمعنى".

ص: 298

اليومِ من فَصْلِ اللَّهِ القضاءَ بينَ خَلْقِه، ماذا لهم حينَئذٍ من العقابِ وأليمِ العذاب؟ فمع اللام في:{لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} نيةُ

(1)

فعلٍ، وخبرٌ مطلوبٌ، قد تُرك ذكرُه اجتِزاءً

(2)

بدَلالةِ دخول اللام في "اليوم" عليه منه، وليس ذلك مع "في"؛ فلذلك اختيرت اللامُ، فأُدْخِلت في "اليوم" دونَ "في".

وأمَّا تأويلُ قوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} . فإنه: لا شكَّ في مَجيئِه.

وقد دلَّلنا على أنه كذلك بالأدلة الكافيةِ، مع ذكرِ مَن قال ذلك في تأويله، فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه

(3)

.

وعَنَى بقوله: {وَوُفِّيَتْ} : وَوَفَّى الله، {كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ}. يعني: ما عملت من خيرٍ وشرٍّ، {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} . يعنى أنه لا يَبْخَسُ المُحسِنَ جزاءَ إحسانِه، ولا يُعاقِبُ مُسِيئًا بغير جُرْمِه.

‌القولُ في تأويل قولِه: {قُلِ اللَّهُمَّ} .

أما تأويلُ: {قُلِ اللَّهُمَّ} . فإنه: قُلْ يا محمد: يا الله.

واختلف أهلُ العربيةِ في نَصْبِ ميمِ {اللَّهُمَّ} وهو مُنادى، وحكمُ المنادى المفردِ غيرِ المضافِ الرفعُ، وفى دخول الميم فيه، وهو في الأصلِ "اللَّهُ" بغيرِ ميمٍ؛ فقال بعضُهم: إنما زِيدَت فيه الميمان

(4)

؛ لأنه لا يُنادَى بـ "يا"، كما يُنادَى الأسماءُ التي لا ألف فيها [ولا لام]

(5)

، وذلك أن الأسماءَ التي لا أَلِفَ ولا لامَ فيها، تُنادَى بـ

(1)

في س: "فيه منه".

(2)

في م: "أخيرًا".

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 231 - 233

(4)

في س: "الميمات".

(5)

سقط من: م.

ص: 299

"يا"، كقولِ القائلِ: يا زيدُ، ويا عمرُو. قال: فجُعِلت الميمُ فيه خَلَفًا مِن "يا"، كما قالوا: فمٌ ودمٌ

(1)

وهمٌ وزُرْقُمْ

(2)

وسُتْهُمٌ

(3)

، وما أشبَهَ ذلك من الأسماءِ والنعوتِ التي يُحْذَفُ منها الحرفُ، ثم يُبْدلُ مكانَه ميمٌ. قال: فكذلك حُذِفَتْ مِن "اللهمَّ""يا" التي يُنَادَى بها الأسماءُ التي على ما وَصَفْنا، وجُعلت الميمُ خلفًا منها مما

(4)

في آخر الاسم

(5)

.

وأنكَر ذلك من قولِهم آخرون

(6)

، وقالوا: قد سمِعنا العربَ تُنادِى "اللهمَّ" بـ "يا" كما تُنادِيه ولا ميمَ فيه. قالوا: فلو كان الذي قال هذا القولَ مُصيبًا في دعواه، لم تدخله العربُ "يا"، وقد جاءوا بالخَلَفِ منها. وأنشَدوا في ذلك سماعًا من العرب

(7)

:

وما عليكِ أن تَقُولى كُلَّما

[صلَّيْتِ أَوْ كَبَّرْتِ]

(8)

يا [اللَّهمَّ ما]

(9)

ارْدُدْ علينا

(10)

شيخَنا

(11)

مُسَلَّما

(1)

كذا وردت هذه الكلمة في هذا الموضع، وستأتى على الصواب بعد ذلك:"ابنم".

(2)

كذا في النسخ، ومعاني القرآن للفراء 1/ 203، ولم نجد هذه الكلمة والتي قبلها فيما زيدت فيه الميم آخرا. وينظر شرح تصريف المازنى لابن جنى 1/ 151، والمزهر للسيوطى 2/ 257.

الزرقم: الشديد الزرق، للمذكر والمؤنث. التاج (زرق).

(3)

الستهم: العظيم الاست. اللسان (س ت هـ).

(4)

سقط من: م، ت 2، ت 3.

(5)

وهذا رأى الخليل، نقله عنه سيبويه في الكتاب 2/ 196.

(6)

هو قول الفراء، ينظر معاني القرآن 1/ 203.

(7)

معاني القرآن 1/ 203، واللسان (أ ل هـ)، والخزانة 2/ 296.

(8)

في معاني القرآن، واللسان:"صليت أو سبحت"، وفى الخزانة:"سبحت أو صليت".

(9)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، واللسان:"أللهُمَا".

(10)

في م: "إلينا".

(11)

الشيخ هنا: الأب أو الزوج.

ص: 300

ويُرْوَى: سَبَّحتِ أو كَبَّرتِ. قالوا: ولم نرَ العرب زادَتْ مِثْلَ هذه الميم إلا مُخففةً في نواقصِ الأسماءِ، مثل [الفم وابنم]

(1)

وهم. قالوا: ونحن نرَى أنها كلمةٌ ضُمَّ إليها "أُمَّ"، بمعنى: يا اللهُ أُمَّنا يا بخيرٍ، فكثُرت في الكلامِ فاختَلَطت به. قالوا: فالضمةُ

(2)

التي في الهاء من همزة "أم" لمَّا تُركت انتَقلت إلى ما قبلَها. قالوا: ونرَى أن قولَ العرب: هَلُمَّ إلينا مِثْلُها، إنما كانت

(3)

"هَلُمَّ": "هل"، ضُمَّ إليها "أُمَّ" فتُرِكَت على نصبها. قالوا: ومِن العربِ من يقولُ إِذا طرَح الميمَ: يا أَللَّهُ اغْفِرْ لى، ويا اللهُ اغْفِرْ لى، بهمزِ

(4)

الألف مِن "اللَّهِ" مرةً، ووَصْلِها أُخْرَى. فمن حذَفها أجراها على أصلِها؛ لأنها ألفٌ ولامٌ، مثلُ الألفِ واللام اللتين تَدْخُلان في الأسماءِ المعارفِ زائِدَتين، ومَن [هَمَزها تَوَهَّم أنها من الحرف]

(5)

، إذ كانت لا تَسْقُطُ منه، وأنْشَدُوا في همزِ الألفِ منها

(6)

:

مُبارَكٌ هُوَ وَمَنْ سَمَّاهُ

على اسْمِكَ اللَّهُمَّ يا الله

قالوا: وقد كَثُرَت "اللهم" في الكلام حتى خُفِّفَت ميمُها في بعض اللغات. وأنشُدوا

(7)

:

(1)

في م: "فم ودم".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"فالهمزة".

(3)

في م: "كان".

(4)

في ص، ت 2، ت 3، س:"بهمزة".

(5)

في ص، ت 1، س:"وصلها وحذف الهمزة وتوهم أنها من الحروف"، ومثله في ت 2، ت 3، إلا أن فيهما:"وصله" بدلا من: "وصلها".

(6)

الرجز في معاني القرآن للفراء 1/ 204، واللسان (أ ل هـ).

(7)

كذا أنشده الفراء في معاني القرآن 1/ 204، وهو للأعشى في ديوانه ص 283، والشطر الثاني فيه كالرواية الآتية.

ص: 301

كحَلْفَةٍ مِنْ أبى رياحٍ

يَسْمَعُها اللَّهُم

(1)

الكُبارُ

والرواة تُنشِدُ ذلك

(2)

:

* يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبَارُ *

وقد أنشَده بعضُهم

(3)

:

* يَسْمَعُها الله [واللَّهُ كُبارُ]

(4)

*

‌القول في تأويل قوله: {مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} .

يعنى بذلك: يا مالك المُلكِ، يا مَن له مُلكُ الدنيا والآخرةِ خالصًا دونَ غيرِه.

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمد بن جعفرِ بن الزُّبير قولَه:{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} . أي: ربَّ العبادِ الملك

(5)

، لا يَقْضِى فيهم غيرُك

(6)

.

وأما قولُه: {وتُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء} . فإنه يعنى: تُعْطِى الملك من تشاءُ، فتمَلكُه وتُسَلِّطُه على مَن

(7)

تَشَاءُ.

(1)

في م: "لاهم".

(2)

وهى رواية الديوان كما تقدم.

(3)

هو الكسائى كما قال الفراء.

(4)

في النسخ: "والكبار". والمثبت من معاني القرآن.

(5)

في سيرة ابن هشام: "والملك".

(6)

في سيرة ابن هشام 1/ 578: "غيره".

(7)

في ص: "ما".

ص: 302

وقولُه: {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} . [يعنى: وتنزعُ الملكَ ممن تشاء]

(1)

أن تَنْزِعَه منه، فترك ذِكْرَ: أَن تَنْزِعَه منه؛ اكتفاءً بدلالةِ قولهِ: {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} عليه، كما يُقالُ: خُذْ ما شئتَ، وكُن فيما شئت. يرادُ: خُذْ ما شئتَ أن تأخذه، وكُن فيما شئت أن تكون فيه، وكما قال جلَّ ثناؤُه:{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 8] يعنى: في أيِّ صورةٍ شاء أن يُركِّبَك فيها رَكَّبك.

وقيل: إن هذه الآية نَزَلت على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم جوابًا لمسألتِه ربَّه أن يجعَلَ مُلكَ فارس والرومِ لأمتِه.

‌ذِكْرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: وذُكِرَ لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم سأل ربَّه جل ثناؤُه أن يَجْعَلَ له مُلكَ فارسَ والرومِ في أمتِه، فأنزل الله عز وجل:{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} إلى {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة، قال: ذُكر لنا - والله أعلمُ - أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم سأل ربَّه عز وجل أن يَجْعَلَ مُلكَ فارسَ والرومِ في أمتِه. ثم ذكَر مثله

(3)

.

ورُوى عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: معنى المُلكِ في هذا الموضعِ النُّبوةُ.

(1)

سقط من: م، ت 1، س.

(2)

أخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 70، 71 من طريق سعيد به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 624 (3352) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 303

‌ذِكْرُ الرواية عنه بذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه جلّ ثناؤه:{تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} . قال: النُّبوةُ

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)} .

يعني جل ثناؤُه: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ} بإعطائه المُلك والسُّلطان، وبسط القدرة له، {وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} بِسَلْبِك مُلْكَه، وتَسْليط عدوِّه عليه، {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} أي: كلُّ ذلك بيدِك وإليك، لا يقدِرُ على ذلك أحدٌ؛ لأنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، دونَ سائرِ خلقِك، ودونَ مَن اتَّخذه المشركون من أهل الكتابِ والأُمِّيينَ مِن العرب إلهًا وربًّا يعبُدونه مِن دونِك، كالمسيحِ والأندادِ التي اتَّخَذَها الأمِّيُّون ربًّا.

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبير قولَه:{تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} الآية. أي: إن ذلك بيدِك لا إلى غيرك، {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أَي: لا يَقْدِرُ على هذا غيرُك بسلطانِك وقدرتِك

(2)

.

‌القولُ في تأويل قولِه: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} .

يعنى بقوله جل ثناؤه: {تُولِجُ} : تُدْخِلُ. يُقالُ منه: قد ولَج فلانٌ منزلَه، إذا

(1)

تفسير مجاهد ص 284.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 578.

ص: 304

دخَله، فهو يَلِجُه وَلْجًا ووُلوجًا ولِجَةً. وأَوْلَجَتُه أنا إذا أَدْخَلتَه.

ويعنى بقوله: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} : تُدْخِلُ ما نَقَصْتَ مِن ساعاتِ الليل في ساعاتِ النهارِ، فتَزيدُ مِن نُقصانِ هذا في زيادة هذا، {وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ}: وتُدْخِلُ ما نقصتَ

(1)

مِن ساعاتِ النهارِ في ساعاتِ الليلِ، فتزيدُ في ساعات الليلِ ما نقَصتَ من

(2)

ساعاتِ النهارِ.

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} : حتى يكون الليلُ خمس عشرَةَ ساعةً، والنهارُ تِسعَ ساعاتٍ، وتُدْخِلُ النهارَ في الليلِ، حتى يكون النهارُ خمسَ عشرةَ ساعةً، والليلُ تِسعَ ساعاتٍ

(3)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ

(4)

عمرَ، عن الحكَم بن أبانٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ما نقَص من النهارِ يَجْعَلُه في الليل، وما نقَص مِن الليلِ يَجْعَلُه في النهار

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . قال: ما يَنْقُصُ مِن أحدهما

(6)

في الآخرِ، متعاقبان

(7)

أو يتعاقبان - شكَّ أبو عاصمٍ - ذلك من

(1)

في ت 1: "نقصته".

(2)

في ت 1: "في".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 625 (3359) من طريق عمرو به.

(4)

في النسخ: "عن". وتقدم في 1/ 415.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 15 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 625 (3358) من طريق حفص بن عمر، عن الحكم، عن عكرمة قوله.

(6)

بعده في م: "يدخل".

(7)

في ص، ت 1:"متعقبان"، وفى ت 2:"متعقبات".

ص: 305

الساعاتِ

(1)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} : ما يَنْقُصُ مِن أحدِهما في الآخر، يتعاقبان ذلك من الساعات.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ قولَه:{تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} : نُقْصانُ الليلِ في زيادةِ النهارِ، ونُقصانُ النهارِ في زيادةِ الليلِ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله:{تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . قال: هو نُقْصانُ أحدهما في الآخرِ

(2)

.

حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه:{تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . قال: يَأخذُ الليلُ من النهارِ، ويأخذُ النهارُ من الليلِ. يقولُ: نقصانُ الليلِ في زيادة النهارِ، ونقصانُ النهارِ في زيادةِ الليل.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . يعنى أنه يأخذُ أحدُهما مِن الآخرِ، فيكونُ الليلُ أحيانًا أطولَ من النهارِ، والنهارُ أحيانًا

(1)

تفسير مجاهد ص 250 بنحوه.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 117.

ص: 306

أطول من الليل

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} . قال: هذا طويلٌ وهذا قصيرٌ، أخَذ من هذا فأوْلَجه في هذا، حتى صار هذا طويلًا وهذا قصيرًا.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} .

اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك أنه يُخرجُ الشئَ الحيَّ مِن النُّطفةِ المَيِّتةِ، ويُخرِجُ النُّطفة الميِّتةَ من الشئ الحيِّ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبد الله في قولِه:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . قال: هي النُّطفةُ تَخْرجُ من الرجلِ وهى ميّتةٌ وهو حيٌّ، ويَخْرجُ الرجلُ منها حيًّا وهى ميِّتةٌ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله عز وجل:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . قال: الناسُ الأحياءُ من النُّطَفِ والنَّطَفُ ميتةً، ويُخْرِجُها مِن الناس الأحياءِ والأنعام

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 15 إلى عبد بن حميد.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 626، 627 (3364، 3368) من طريق الأعمش به بنحوه، وهو في تفسير سفيان ص 76 عن الأعمش عن إبراهيم قوله.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 627 (3369) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وزاد في آخره: والنبات كذلك أيضا. وأشار ابن أبي حاتم إلى أنه ليس عند ورقاء وشبل ذكر النبات. وينظر تفسير مجاهد ص 250، 251.

ص: 307

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلَمةَ بن نُبيطٍ، عن الضَّحاكِ في قولِه:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} ، فذكر نحوه

(1)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . فالنُّطفةُ ميتةٌ تكونُ، [تَخرُجُ مِنْ]

(2)

إنسانٍ حيٍّ، ويَخرُجُ إنسانٌ حَيٌّ مِن نطفةٍ ميتةٍ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ [عمر بن عليّ بن]

(4)

عطاءٍ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا أَشْعَثُ السِّجستانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ في قولِه: أبى خالد في قوله: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . قال: تُخْرِجُ النُّطفة من الرجلِ، والرجلَ من النطفةِ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . قال: تُخْرِجُ الحيَّ من هذه النطفة المَيتةِ، وتُخرجُ هذه النطفةَ المَيتةَ من الحيِّ

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} الآية.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 626، 627 معلقًا عقب الأثر (3364، 3368).

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يخرج منها".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 627 عقب الأثر (3368) من طريق عمرو به.

(4)

في ص، ت 1، س:"عمرو بن علي عن"، وفى م، ت 2، ت 3:"عمرو، وابن علي عن". وتقدم على الصواب.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 117.

ص: 308

قال: الناسُ الأحياءُ مِن النُّطْفِ، والنُّطفُ ميتةٌ مِن الناسِ الأحياءِ، ومن الأنعامِ والنَّبْتِ كذلك. قال ابن جُريجٍ: وسمِعتُ يزيدَ بن عُوَيْمِرٍ يُخْبرُ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، قال: إخراجُه النطفةَ من الإنسانِ، وإخراجُه الإنسانَ مِن النطفة

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} قال: النطفةُ ميتةٌ فتُخْرِجُ منها أحياءٌ، {وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}: تُخْرِجُ النطفَ مِن هؤلاء الأحياءِ، والحبُّ ميتٌ تُخْرِجُ منه حيًّا، {وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}: تُخْرِجُ مِن هذا الحبِّ

(2)

الحيِّ حبًّا ميتًا.

وقال آخَرون: معنى ذلك أنه يُخْرِجُ النخلةَ النواةِ، والنواةِ من النخلة، والسُّنْبلَ مِن الحبِّ، والحبَّ مِن السُّنْبُلِ، والبَيْضَ من الدجاجِ، والدجاجَ مِن البيضِ.

‌ذِكْرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا عُبَيدُ

(3)

اللَّهِ، عن عكرمة قوله:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} . قال: هي البيضةُ تَخرُجُ مِن الحيِّ وهى ميتةٌ، ثم يَخرُجُ منها الحيُّ

(4)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بن

(1)

ينظر ما تقدم تخريجه عن مجاهد في ص 307. وقول سعيد ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 626، 627، عقب الأثر (3364، 3368) معلقًا.

(2)

سقط من: م.

(3)

في النسخ: "عبد". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 19/ 80.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 627، 628 (3366، 3371) من طريق أبى تميلة به.

ص: 309

أبان، عن عِكرمةَ في قوله:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . قال: النخلةُ من النواة، والنواةُ من النخلةِ، والحَبةُ من السُّنبُلةِ، والسُّنبُلةُ من الحبَّة

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك أنه يُخرِجُ المؤمنَ مِن الكافرِ، والكافرَ من المؤمنِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قوله:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} ، يعنى: المؤمِنَ مِن الكافرِ، والكافرَ من المؤمنِ، والمؤمنُ عبدٌ حيُّ الفؤادِ، والكافرُ عبدٌ مَيِّتُ الفؤادِ

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، قال: قال الحسنُ في قوله: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . قال: يُخرِجُ المؤمنَ مِن الكافِرِ، ويُخرِجُ الكافرَ مِن المؤمن

(3)

.

حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارث [بنُ سعيدٍ، عن عمرٍو]

(4)

، عن الحسنِ قرَأ:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . قال: تُخرِجُ المؤمنَ من الكافرِ، وتُخرج الكافرَ من المؤمنِ.

حدَّثنى حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا سليمانُ التيميُّ، عن أبي عثمان، عن سلمان، أو عن ابن مسعودٍ - وأكبرُ

(5)

ظنِّي أنه عن سلمانَ -

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 15 إلى المصنف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 15 إلى المصنف وأبى الشيخ.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 117.

(4)

في النسخ: "عن سعيد بن عمرو".

(5)

في س: "أكثر".

ص: 310

قال: إن الله عز وجل خَمَّر طينةَ آدمَ أربعينَ ليلةً - أو قال: أربعين يومًا - ثم قال [بيده فيه]

(1)

، فخرج كلُّ طَيِّبٍ في يمينِه، وخرَج كلُّ خَبِيثٍ في يده الأُخرى، ثم خلَط بينهما. [وقال:]

(2)

فمِن ثَمَّ يُخرِجُ

(3)

الحيَّ مِن الميتِ، ويُخرِجُ الميتَ مِن الحيِّ

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخَل على بعضِ نسائِه، فإذا بامرأةٍ حَسَنة النعمة

(5)

، فقال:"مَن هذه؟ " قالت: إحدى خَالاتِك. قال: "إن خَالاتى بهذه البلدةِ لغَرائبُ، وأيُّ خالاتِى هذه؟ " قالت: خالدةُ

(6)

ابنهُ الأسودِ بن عبدِ يَغُوثَ. قال: "سُبحانَ الذي يُخرج الحيَّ من الميت! " وكانت امرأةً صالحةً، وكان أبوها كافرًا

(7)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادُ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . قال: هل علمتم أن الكافرَ يَلِدُ مؤمنًا، وأن المؤمنَ يَلِدُ كافرًا؟ فقال: هو كذلك.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"بعده فيه"، وفى س:"بعده".

(2)

في م، وتفسير ابن أبي حاتم:"ثم خلق منها آدم"، وليست في بقية مصادر التخريج.

(3)

بعده في ت 2، ت 3:"قال".

(4)

بعده في م، وتفسير ابن أبي حاتم:"يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن".

والأثر أخرجه الآجرى في الشريعة 2/ 854 (431، 432)، وأبو الشيخ في العظمة ص 369 (1018)، والبيهقى في الأسماء والصفات ص (717) من طريق سليمان التىمى عن أبي عثمان عن سلمان وحده.

وأخرجه ابن أبي حاتم أيضا في تفسيره 2/ 627 (3367) من طريق سليمان به كلفظ المطبوعة.

(5)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"النغمة"، وفى مصادر التخريج:"الهيئة".

(6)

في النسخ: "خلدة" بدون ألف.

(7)

تفسير عبد الرزاق 1/ 117. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 626 (3362) عن الحسن بن يحيى به.

وأخرجه ابن سعد 8/ 248، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 626 (3360) من طريق معمر به نحوه وعند ابن أبى حاتم عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله. وينظر الإصابة 5/ 597.

ص: 311

وأوْلَى التأويلات التي ذَكرناها في هذه الآيةِ بالصوابِ تأويلُ مَن قال: يُخرِجُ الإنسان الحيَّ

(1)

والأنعامَ والبهائمَ الأحياءَ من النُّطْفِ المَيتةِ، وذلك إخراجُ الحيِّ من الميتِ، ويُخرِجُ النُّطفة المَيتةَ من الإنسانِ الحيِّ والأنْعامِ والبهائم الأحياءِ، وذلك إخراجُ المَيتِ منِ الحيِّ. وذلك أن كلَّ حيٍّ فارقه شيءٌ من جسدِه، فذلك الذي فارَقه منه ميتٌ، فالنُّطفةُ مَيتةٌ لمُفارقتِها جسدَ مَن خرَجت منه، ثم يُنْشِئُ اللَّهُ منها إنسانًا حيًّا وبهائمَ وأنعامًا أحياءَ، وكذلك حُكْمُ كلِّ شيءٍ حيٍّ زايَله شيءٌ منه، فالذي زايَله منه مَيِّتٌ. وذلك هو نَظيرُ قولِه:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)} .

وأما تأويلُ مَن تأوَّله بمعنى الحَبَّةِ مِن السُّنبلة، والسُّنبلة من الحبةِ، والبَيضةِ مِن الدَّجاجةِ، والدَّجاجة من البيضةِ، والمؤمنِ من الكافرِ، والكافرِ من المؤمنِ، فإن ذلك وإن كان له وجهٌ مفهومٌ، فليس ذلك الأغلبَ الظاهرَ في استعمالِ الناسِ في الكلامِ. وتوجيهُ معاني كتاب الله عز وجل إلى الظاهرِ المُسْتَعمل في الناسِ، أَوْلَى من توجيهِها إلى الخفيِّ القليلِ في الاستعمالِ.

واختلفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته جماعةٌ منهم: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} ، بالتشديد وتَثقيلِ الياءِ من "الميت"

(2)

، بمعنى أنه يُخرجُ الشئ الحَيَّ مِن الشئِ الذي قد مات ومما لم يَمُت.

وقرأت جماعةٌ أخرى منهم: (تُخْرِجُ الحيَّ منَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيْتَ من الحيِّ) بتخفيف الياءِ من "الميت"، بمعنى أنه يُخرِجُ الشئَ الحَيَّ مِن الشئِ الذي قد مات،

(1)

سقط من: ت 1.

(2)

وهى قراءة نافع وعاصم - في رواية حفص - وحمزة والكسائى، وقرأ ابن كثير وعاصم - في رواية أبى بكر - وأبو عمرو وابن عامر، بالتخفيف، وسيذكره المصنف. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 204.

ص: 312

دونَ الشئِ الذي لم يَمُت، ويُخرجُ الشئَ الميتَ دونَ الشئِ الذي لم يَمُت من الشئِ الحيِّ.

وذلك أن الميِّتَ مُثقلَ الياءِ عندَ العربِ، ما لم يَمُت وسيموتُ، وما قد مات. وأما الميْتُ مُخفّفًا،

(1)

فهو الذي قد مات، فإذا أرادوا النعت قالوا: إنك مائتٌ غدًا، وإنهم مائِتون. وكذلك كلُّ ما لم يَكُنْ، بعدُ، فإِنه يَخْرُجُ على هذا المثالِ الاسمُ منه. يقالُ: هو الجائدُ بنفسه، والطائبةُ نفسُه بذلك. وإذا أُريد معنى الاسمِ قيل: هو الجوادُ بنفسِه، والطيبةُ نفسُه.

فإذ كان ذلك كذلك، فأوْلَى القراءتين في هذه الآية بالصواب

(2)

قراءةُ من شدَّدَ الياءَ مِن "الميِّتِ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه يُخرِجُ الحيَّ مِن النطفةِ التي قد فارقت الرجلَ، فصارت ميِّتةً، وسيُخرجُه منها بعدَ أن تُفارِقَه وهى في صُلبِ الرجلِ، ويُخرِجُ الميِّتَ من الحيِّ؛ النطفةَ التي تصيرُ بخروجِها من الرجل الحيِّ ميِّتًا، وهى قبل خروجِها منه حيةٌ، فالتشديدُ أبلغُ في المدحِ وأكملُ في الثناء.

‌القولُ في تأويل قولِه: {وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه أنه يُعطى مَن يشاءُ مِن خلقِه، فيَجودُ عليه بغير محاسبةٍ منه لمَن أعطاه؛ لأنه لا يخافُ دخولَ انتقاصٍ في خزائنِه، ولا الفناءَ على ما بيده.

كما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله:{وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . قال: يُخرجُ الرزق من عنده بغير حسابٍ، لا يخافُ أن يَنْقُصَ ما عنده تبارك وتعالى

(3)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"مخفف"، وفى س:"فيخفف".

(2)

كلتا القراءتين صواب.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 628 (3373) من طريق ابن أبي جعفر به نحوه.

ص: 313

فتأويلُ الآية إذن: اللهمَّ يا مالكَ الملكِ، تُؤتى الملكَ من تشاءُ، وتَنزِعُ الملكَ ممن تشاءُ، وتُعِزُّ مَن تشاءُ، وتُذِلُّ مَن تشاءُ، بيدِك الخيرُ، إنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، دونَ مَن ادَّعَى المُلْحِدون أنه لهم إلهٌ وربٌّ، وعبَدوه دونَك، أو

(1)

اتَّخَذوه شريكًا معَك، أو أنه لك ولدٌ. وبيدِك القدرةُ التي تفعلُ هذه الأشياءَ، وتَقْدِرُ بها على كلِّ شيءٍ، تُولِجُ الليلَ في النهارِ، وتُولجُ النهارَ في الليلِ، فتَنْقُصُ مِن هذا وتَزيدُ في هذا، وتَنْقُصُ مِن هذا [وتَزيدُ]

(2)

في هذا، وتُخرِجُ من مَيِّتٍ حَيًّا، ومن حيٍّ ميِّتًا، وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بغيرِ حسابٍ من خلقِك، لا يَقْدِرُ على ذلك أحدٌ سواك، ولا يَسْتطيعُه غيرُك.

كما حدَّثني ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبير:{تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} . أي: بتلك القدرةِ، يعنى بالقدرة التي تُؤتى الملكَ بها مَن تَشاءُ وتَنزِعُه

(3)

ممن تَشاءُ، وتَرْزُقُ مَن تشاءُ بغير حسابٍ، لا يَقْدِرُ على ذلك غيرُك، ولا يَصْنَعُه إلا أنت. أي: فإن كُنْتُ سَلَّطتُ عيسى على الأشياء التي بها يَزْعُمون أنه إلهُ؛ مِن إحياءِ الموتى، وإبراء الأسقامِ، والخَلْقِ للطير من الطينِ، والخَبَرِ عن الغيوب؛ [لأجعله آيةً]

(4)

للناسِ، وتصديقًا له في نبوَّته التي بعثتُه بها إلى قومه، فإن من سلطانى وقدرتى ما لم أُعْطِه؛ تمليك

(5)

الملوك، [وأمر النبوةِ ووضعها]

(6)

حيثُ

(1)

في م، ت 2، ت 3:"و".

(2)

في ص: "فتزيد".

(3)

في ص، ت 1، س:"تنزعها".

(4)

في ص، م، ت 2، س:"لتجعله"، وفى س، ت:1: "ليجعله"، وغير منقوطة في ص، والمثبت من سيرة ابن هشام، وبعده فيها أيضًا:"به".

(5)

في م: "كتمليك"، والمثبت موافق لما في سيرة ابن هشام.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يأمر النبوة ووصفها".

ص: 314

شئتُ، وإيلاجَ الليلِ في النهارِ والنهارِ في الليلِ، وإخراج الحيِّ مِن المَيِّتِ والمَيِّتِ مِن الحيِّ، ورزقَ مَن شِئْتُ مِن برٍّ أو فاجرٍ بغير حسابٍ، فكلُّ ذلك لم أُسَلِّطْ عيسى عليه، ولم أُمَلِّكه إياه، فلم

(1)

يَكُنْ لهم في ذلك عبرةٌ وبيِّنةٌ أن

(2)

لو كان إلهًا لكان ذلك كلُّه إليه، وهو في علمِهم يَهرُبُ مِن الملوكِ، وينتقِلُ منهم في البلادِ مِنْ

(3)

بلد إلى بلدٍ

(4)

!

‌القولُ في تأويل قولِه: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} .

وهذا نهىٌ مِن الله عز وجل المؤمنين أن يَتَّخِذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا، ولذلك كسَر {يَتَّخِذِ} ؛ لأنه في موضع جزمٍ بالنهى، ولكنه كسر الذالَ منه للساكن الذي لقيَه وهى ساكنةٌ.

ومعنى ذلك: لا تَتَّخِذوا أيها المؤمنون الكفار ظَهْرًا وأنصارًا، تُوالونهم على ديِنهم، وتُظاهرونهم على المسلمين من دونِ المؤمنين، وتَدلُّونهم على عوراتهم، فإنه مَن يَفْعَلْ ذلك {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} ، يعنى بذلك: فقد برِئَ مِن الله، وبَرِئَ الله منه، بارتدادِه عن دينِه، ودخولِه في الكفرِ، {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}: إلا أن تَكُونوا في سُلطانهم فتخافوهم على أنفسِكم، فتظهروا لهم الوَلايةَ بألسنتِكم، وتُضْمِروا لهم العداوةَ، ولا تُشايعوهم

(5)

على ما هم عليه مِن الكفرِ، ولا

(1)

في سيرة ابن هشام: "أفلم" وفى نسخة منها كالمثبت.

(2)

في م: "إذ".

(3)

في ص، ت 1:"ومن"، وفى س:"أو من".

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 578.

(5)

في ت 2 ت 3: "تتابعوهم"، وفى س:"تسابقوهم".

ص: 315

تُعينوهم على مُسْلمٍ بفعلٍ.

كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاوية بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: نهى الله سبحانه المؤمنين أن يُلاطِفوا الكفار، أو يَتَّخِذوهم وَليجةً مِن دونِ المؤمنين، إلا أن يكون الكفارُ عليهم ظاهرين، فيُظهروا لهم اللطف، ويُخالفوهم في الدين، وذلك قوله:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}

(1)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عِكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان الحَجَّاجُ بنُ عمرٍو، حليفُ كعب بن الأشرف، وابنُ أبى الحُقيقِ، وقيسُ بنُ زيدٍ، قد بطَنُوا

(2)

بنفرٍ من الأنصارِ ليفتِنوهم عن دينِهم، فقال رِفاعةُ بنُ المُنْذرِ بن زَنْبَرٍ

(3)

، وعبدُ الله بنُ جُبيرٍ، وسعدُ بنُ خَيثمةَ، لأولئك النفرِ: اجتنبُوا هؤلاء اليهودَ، واحْذَروا لُزومهم ومُباطنَتهم، لا يَفْتِنوكم عن دينكِم. فأبَى أولئك النفرُ إلا مُباطنتَهم ولُزومهم، فأنزل الله عز وجل:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} إلى قوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 628 (3375) من طريق عبد الله بن صالح به.

(2)

بطن فلان بفلان: إذا كان خاصا به داخلا في أمره. اللسان (ب ط ن).

(3)

سقط من: س، وغير منقوطة في ص، ت 1، وفى م:"زبير"، وفى ت 2، ت 3:"زهير". وينظر المؤتلف والمختلف 3/ 1140، وتبصير المنتبه لابن حجر ص 640.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 629 (3377) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن على محمد بن أبى محمد قوله. وذكره الواحدى في أسباب النزول ص 72، 73 عن ابن عباس ولم يسنده.

ص: 316

حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ. عن الحسن في قوله: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} . يقولُ: لا يَتَّخذ المؤمنُ كافرًا وليًّا مِن دونِ المؤمنين.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ} . إلى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} : أمَّا {أَوْلِيَاءَ} ، فيواليهم في دينهم، ويُظْهِرُهم على عورةِ المؤمنينَ، فمن فعَل هذا فهو مُشْرِكٌ، فقد برئ الله منه، إلا أن يَتَّقِى منهم تُقاةً، فهو يُظهِرُ الوَلاية لهم في دينِهم والبراءةَ من المؤمنين

(1)

.

حدَّثني المُثنَى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عُقْبَةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيجٍ، عمّن حدَّثه عن ابن عباسٍ:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} . قال: التَّقاةُ التَّكَلمُ باللسان وقلبُه مُطْمئنٌّ بالإيمان

(2)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمة في قوله:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} . قال: ما لم يُهَرِقْ دَمَ مسلمٍ، وما لم يَسْتَحِلَّ ماله

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِه:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} : إلا مصانعةً في الدنيا ومُخالقةٌ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 629 (3376، 3378، 3379) من طريق عمرو به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 629 (3382) من طريق سفيان، عن ابن عباس بنحوه.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 629 (3380) من طريق حفص به.

(4)

غير منقوطة في ص، وفى ت 1:"مخالفة". وخالقه مخالفة: إذا عاشره على أخلاقه. التاج (خ ل ق).

والأثر في تفسير مجاهد ص 251، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 630 (3385)، من طريق ابن أبى نجيح به. وليس في تفسير مجاهد: ومخالفة.

ص: 317

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} إلى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} . قال: قال أبو العاليةِ: التَّقيَّةُ باللسانِ، وليس بالعملِ

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخْبرَنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحّاكَ يقولُ في قولِه: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} . قال: التَّقِيةُ باللسانِ، مَن حُمِل على أمرٍ يَتَكَلَّمُ به وهو للهِ معصيةٌ، فتَكَلَّم مَخافةً على نفسِه وقلبُه مُطْمئنٌّ بالإيمانِ، فلا إثمَ عليه، إنما التَّقيةُ باللسانِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} : فالتَّقيةُ باللسانِ، مَن حُمِل على أمرٍ يَتَكلَّمُ به وهو معصيةٌ للَّهِ، فيَتكلمُ به مخافةَ الناسِ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ، فإن ذلك لا يضرُّه، إنما التقيةُ باللسانِ

(3)

.

وقال آخرون: معنى

(4)

{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} : إلا أن يكونَ بينك وبينه قرابةٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لَا يَتَّخِذِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 630 (3383) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 630 عقب الأثر (3384) معلقًا.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 629 (3381) عن محمد بن سعد به.

(4)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"ذلك".

ص: 318

الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} إلى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً

(1)

}: نهى الله المؤمنينَ أن يُوادُّوا الكفارَ، أو يَتَولُّوهم دونَ المؤمنين، وقال الله: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً

(1)

}، الرَّحِمُ مِن المشركينَ، مِن غيرِ أن يَتَوَلُّوهم في دينِهم، إلا أن يَصِلَ رحمًا له في المشركين.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} . قال: لا يَحِلُّ المؤمنٍ أن يَتخذَ كافرًا وليًّا في دينِه، وقولُه:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} . قال: أن يكونَ بينَك وبينَه قرابةٌ، فتَصِلَه لذلك

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال ثنا عبَّادُ بنُ منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه:{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} . قال: صاحِبْهم في الدنيا معروفًا، الرَّحِمَ

(3)

وغيرَه، فأَمَّا في الدِّينِ فلا.

وهذا الذي قاله قتادةُ تأويلٌ له وجهٌ، وليس بالوجهِ الذي يَدُلُّ عليه ظاهرُ الآيةِ: إلَّا أن تتقوا [من الكافرين]

(4)

تُقاةً. فالأغلبُ من معاني هذا الكلامِ: إلا أن تَخافوا منهم مَخافةً. فالتَّقيَّةُ التي ذكَرها الله في هذه الآيةِ إنما هي تَقِيةٌ مِن الكفارِ لا مِن غيرِهم. ووَجَّهَه قتادةُ إلى أن تأويلَه: إلا أن تَتَّقوا الله مِن أجلِ القَرابةِ التي بينكم وبينهم تُقاةً، فتَصِلون رَحِمَها. وليس ذلك الغالبَ على معنَى الكلامِ، والتأويلُ في القرآنِ على الأغلبِ الظاهرِ من معروفِ كلامِ العربِ، المستعملِ فيهم.

(1)

في ص، ت 1، ت 3:"تقية". قراءة، وسيذكرها المصنف بعد قليل.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 118. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 630 (3386) عن الحسن بن يحيى به.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"والرحم".

(4)

في س: "منهم".

ص: 319

وقد اخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} ؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ الأمصارِ {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} على تقديرِ فُعَلَةٍ مثل: تُخَمَةٍ، وتُؤَدَةٍ، وتُكَأَةٍ، مِن "اتَّقَيْت".

وقرَأ ذلك آخَرون: (إلَّا أنْ تَتَّقُوا منهم تَقِيَّةً). على مثالِ فَعِيلَةٍ

(1)

.

والقراءةُ التي هي القراءةُ عندَنا قراءةُ مَن قرأها: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} ؛ لثُبوتِ حُجَّةِ ذلك بأنه القراءةُ الصحيحةُ، بالنقلِ المُستفيضِ الذي يَمْتنِعُ معه

(2)

الخطأُ.

‌القولُ في تأويلِ قوله عز وجل: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)} .

يَعنى تعالى ذِكْرُه بذلك: ويُخَوِّفُكم الله مِن نفسِه أن تَرْكَبُوا معاصِيَه، أو تُوالُوا أعداءَه، [فإلى اللهِ]

(3)

مَرْجِعُكُم ومصيرُكم بعدَ مماتِكم، ويومُ حشرِكم لموقفِ الحسابِ. يَعنى بذلك: متى صِرْتُم إليه وقد خالَفْتُم ما أمرَكم به، وأتَيْتُم ما نهاكم عنه من اتخاذِ الكافرينَ أولياءَ مِن دونِ المؤمنين نالكم مِن عقابِ ربِّكم ما لا قِبَلَ لكم به. يقولُ: فاتَّقُوه واحْذَروه أن ينالَكم ذلك منه، فإنه شديدُ العقابِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)} .

(1)

وهي رواية المفضل عن عاصم، وبها قرأ يعقوب - وهو من العشرة - ووافقه الحسن، وقرأ الباقون بالوجه الأول. ينظر البحر المحيط 2/ 424، وإتحاف فضلاء البشر ص 104.

(2)

في النسخ: "منه". وهو تصحيف. والصواب ما أثبت.

(3)

في ص، ت 1، س:"فإن الله"، وفى م:"فإن الله".

ص: 320

يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: قل يا محمدُ للذين أمَرْتُهم ألا يتَّخِذوا الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين: {إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ} مِن مُوالاةِ الكفارِ فتُسِرُّوه

(1)

، أو تُبْدوا ذلكم مِن نفوسِكم بألسنتِكم وأفعالِكم فتُظهِروه، {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} ، فلا يَخْفَى عليه. يقولُ: فلا تُضْمِرُوا لهم مودَّةً ولا تُظْهِرُوا لهم مُوالاةً، فيَنالَكم مِن عُقوبةِ ربِّكم ما لا طاقةَ لكم به؛ لأنه يعلمُ سِرَّكم وعَلانيتَكم، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، وهو مُحْصِيه عليكم، حتى يُجازيَكم عليه بالإحسانِ إحسانًا، وبالسيئةِ مثلَها.

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أخبرهم أنه يَعْلَمُ ما أَسَرُّوا مِن ذلك وما أعلنوا، فقال

(2)

: {إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ}

(3)

.

وأمَّا قولُه: {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فإنه

(4)

يَعنى أنه إذا

(5)

كان لا يَخْفَى عليه شيءٌ هو في سماءٍ أو أرضٍ أو حيثُ كان، فكيف يَخْفَى عليه - أيُّها القومُ الذين يَتَّخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين - ما في صدورِكم من المَيْلِ إليهم بالمودةِ والمحبةِ، أو ما تُبْدُونه لهم بالمعونةِ فعلًا وقولًا؟

وأمَّا قولُه: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فإنه يعنى: والله قديرٌ على مُعاجَلتِكم بالعقوبةِ

(6)

على مُوالاتِكم إياهم، ومُظاهرتِكموهم على المؤمنين، وعلى ما يشاءُ من الأمورِ كلِّها، لا يَتَعذَّرُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَمْتنِعُ عليه شيءٌ طلَبه.

(1)

في س: "فتستروه".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"قال".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 631 (3389) من طريق عمرو به.

(4)

في ت 1، س:"فإنما".

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"إذ".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"والعقوبة".

ص: 321

‌القولُ في تأويل قوله عز وجل: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} .

يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ويُحَذِّرُكم اللهُ نَفْسَه في يوم تَجِدُ كلُّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ مُحْضَرًا مُوفَّرًا، {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا}. يعنى: غايةً بعيدةً، فإنَّ مصيركم أيها القومُ يومئذٍ إليه، فاحْذَرُوه على أنفسكم من ذنوبكم.

وكان قتادةُ يقولُ في معنَى قولِه: {مُحْضَرًا} . ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} . يقولُ: مُوَفَّرًا

(1)

.

وقد زعم بعضُ

(2)

أهل العربيةِ أن معنَى ذلك: واذْكُرُ

(3)

يومَ تَجِدُ. وقال: إن ذلك إنما جاء كذلك؛ لأن القرآنَ إنما نزَل للأمرِ والذِّكْرِ، كأنه قيل لهم: اذكُروا كذا وكذا؛ لأنه في القرآنِ في غيرِ موضعٍ: واتَّقُوا يوم كذا، وحينَ كذا.

وأما {مَا} التي مع {عَمِلَتْ} فبمعنى "الذي"، ولا يجوزُ أن تكونَ جزاءً، لوقوع {تَجِدُ} عليه

(4)

.

وأمَّا قولُه: {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} . فإنه معطوفٌ على قولِه: {مَا} الأُولَى، و {عَمِلَتْ} صِلةٌ بمعنَى الرفعِ، لمَّا

(5)

قيل: {تَوَدُّ} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 631 (3392) من طريق يزيد به.

(2)

زيادة يقتضيها السياق.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س.

(4)

الوقوع: التعدى.

(5)

في النسخ: "كما". والمثبت ما يقتضيه السياق. وينظر معاني القرآن للفراء 1/ 206.

ص: 322

فتأويلُ الكلامٍ: يومَ تَجِدُ كلُّ نفسٍ الذي عمِلت من خيرٍ مُحضرًا، والذي عمِلت مِن سُوءٍ تَوَدُّ لو أن بينَها وبينَه أمدًا.

والأمدُ

(1)

الغايةُ التي يُنْتَهَى إليها، ومنه قولُ الطِّرِمَّاح

(2)

:

كُلُّ حيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْـ

ــرِ ومُودٍ

(3)

إِذا انْقَضَى أَمَدُهُ

(4)

يعنى: غايةُ أجلِه.

وقد حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه:{وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} : مكانًا بعيدًا

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ:{أَمَدًا بَعِيدًا} . قال: أجلًا

(6)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ منصورٍ، عن الحسن في قوله:{وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} . قال: يَسُرُّ أحدهم ألا يَلْقَى عمله ذاك أبدًا، يكون ذلك مُناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئتُه يَسْتَلِذُّها

(7)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)} .

يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويُحَذِّرُكم الله نفسَه أن تُسْخِطُوها عليكم برُكوبِكم ما

(1)

في ص: "فإن".

(2)

ديوانه ص 197.

(3)

مود: هالك.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أجله"، وفى الديوان:"عدده".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 632 (339) من طريق عمرو به.

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 17 إلى المصنف.

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 631 (3394) من طريق أبى بكر الحنفى به.

ص: 323

يُسْخِطُه عليكم، فتوافُوه

(1)

يومَ تجدُ كلُّ نفسٍ ما عمِلت من خيرٍ محضرًا، وما عمِلت من سوءٍ تودُّ لو أن بينَها وبينَه أمدًا بعيدًا، وهو عليكم ساخطٌ، فيَنالَكم من أليمِ عقابِه ما لا قِبَلَ لكم به.

ثم أخبر عز وجل أنه رءوفٌ بعباده رحيمٌ بهم، ومن رأفته بهم تَحذِيرُه إيَّاهم نفسه، وتخويفُهم عقوبتَه، ونَهيُه إيَّاهم عما نهاهم عنه مِن معاصيه.

كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن

(2)

الحسنِ في قولِه: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} . قال

(3)

: مِن رأفتِه بهم أن حذَّرهم نفسَه

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)} .

اختلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي أُنزِلتْ هذه الآيةُ فيه؛ فقال بعضُهم: أُنزِلت في قومٍ قالوا على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا. فَأَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعزَّ نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقولَ لهم: إن كُنتم صادِقين فيما تَقولون فاتَّبعونى، فإنَّ ذلك علامةُ صِدْقِكم فيما قُلْتُم مِن ذلك.

(1)

في م: "فتوافونه".

(2)

في النسخ: "بن". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 22/ 123.

(3)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س:"هو".

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 118، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 632 (3398) من طريق الفضيل بن عياض، عن الحسن.

ص: 324

‌ذِكْرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن بكرِ بن الأسودِ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: قال قومٌ على عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: يا محمدُ، إنَّا نُحِبُّ ربَّنا. فأنزل الله عز وجل:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} . فجعَل اتِّباع نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَمَّا لُحبِّه، وعذابِ مَن خالَفه

(1)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عليُّ بنُ الهَيثمِ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّاب، عن أبي عُبيدةَ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: قال أقوامٌ على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمدُ، إنّا لنُحِبُّ ربَّنا. فأَنزَل الله جلَّ وعزَّ بذلك قرآنًا:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} ، فجعَل اللَّهُ اتِّباع نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَمًا لحُبِّه، وعذابِ مَن خالَفه

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:{إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} . قال: كان قومٌ يَزعُمون أنهم يُحِبُّون الله، يقولُون: إنَّا نُحِبُّ ربَّنا. فأمرهم الله أن يَتَّبِعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وجعل اتِّباعَ محمدٍ عَلَمًا لحُبِّه

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ

(4)

، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادُ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه:{إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} الآية. قال: إنَّ أقوامًا كانُوا على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يَزعُمون أنهم يُحِبُّون الله، فأراد الله أن يَجعلَ لقولِهم تصديقًا

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 17 إلى المصنف.

(2)

أخرجه الآجرى في الشريعة (254) من طريق عبد الوهاب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 17 إلى ابن المنذر.

(3)

عزاه في الدر المنثور 2/ 17 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

في النسخ: "سفيان". وتقدم في ص 323.

ص: 325

من عملٍ، فقال:{إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} الآية. كان اتِّباعُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم تصديقًا لقولهم

(1)

.

وقال آخرون: بل هذا أمرٌ من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لوفدِ نَجْرانَ الذين قَدِموا عليه من النصارَى، إن كان الذي يقولونه في عيسى من عظيمِ القولِ إنما يقولُونه تعظيمًا لله وحبًّا له، فاتَّبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم.

‌ذِكْرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ بن الزبُّيرِ:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} أي: إن كان هذا مِن قولِكم - يَعنى في عيسى - حبًّا لله وتعظيمًا له {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} أي: ما مضَى مِن كفركم، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(2)

.

قال أبو جعفر: وأَوْلَى القولينِ بتأويلِ الآيةِ قولُ محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ؛ لأنه لم يَجْرِ لغيرِ وفد نَجرانَ في هذه السورة ولا قَبْلَ هذه الآية ذِكْرُ قومٍ ادَّعوا أنهم يُحِبُّون الله ولا أنهم يُعظِّمونه، فيكون قولُه:{إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} جوابًا لقولِهم على ما قاله الحسنُ.

وأمَّا ما روَى الحسنُ في ذلك مما قد ذكَرناه، فلا خبرَ به عندَنا يَصِحُّ فيَجوز أن يُقال: إن ذلك كذلك. وإن لم يكن في السورةِ دَلالةٌ على أنه كما قال، إلا أن يكونَ الحسنُ أراد بالقومِ الذين ذكَر أنهم قالوا ذلك على عهد رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَفدَ نَجْرانَ مِن النصارَى، فيكونَ ذلك من قوله نَظِيرَ إخبارنا.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 633 (3402) من طريق أبى بكر الحنفى.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 578/ 579.

ص: 326

فإذا لم يكن بذلك خبرٌ على ما قُلنا، ولا في الآية دليلٌ على ما وصَفْنا، فأَوْلَى الأمور بنا أن نُلْحِقَ تأويلَه بالذي عليه الدَّلالةُ مِن أي السورة، وذلك هو ما وَصَفْنا؛ لأن ما قبلَ هذه الآية من مُبْتَدأ هذه السورة وما بعدَها خبرٌ عنهم، واحْتِجاجٌ مِن اللَّهِ لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ودليلٌ على بُطول قولِهم في المسيحِ. فالواجبُ أن تكون هي أيضًا مَصْروفةَ المعنَى إلى نحو ما قبلَها ومعنَى ما بعدَها.

فإذ كان الأمرُ على ما وَصَفْنا، فتَأْوِيلُ الآية: قلْ يا محمدُ للوفد من نصارَى نَجْرانَ: إِن كُنتُم تَزْعُمُون أنكم تُحِبُّون الله، وأنكم تُعَظِّمون المسيحَ، وتقولون فيه ما تقولون، حُبًّا منكم ربَّكم، فحَقِّقُوا قولكم الذي تقولونه، إن كُنتم صادقين، باتِّباعكم إيايَ، فإنكم تعلمون أنى للَّهِ رسولٌ إليكم، كما كان عيسى رسولًا إلى من أُرْسِلَ إليه، فإنه إن اتَّبَعتُموني وصدَّقْتُمونى على ما آتَيْتُكم به مِن عندِ اللَّهِ، يَغْفِرُ لكم ذُنوبَكم، فيَصْفحُ لكم عن العقوبة عليها، ويعفو لكم عمَّا مضى منها، فإنه غفورٌ لذنوب عبادِه المؤمنين، رحيمٌ بهم وبغيرهم من خلقه.

‌القولُ في تأويل قوله: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قل يا محمدُ لهؤلاء الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ: أَطِيعُوا الله والرسول محمدًا، فإنكم قد عَلِمتم يقينًا أنه رسُولِى إلى خلقِي، ابْتَعثتُه بالحقِّ، تَجدونه مكتوبًا عندكم في الإنجيل، فإن تولَّوْا فاستدْبَروا عمَّا دَعوتهم إليه من ذلك وأعْرَضُوا عنه، فأَعْلِمُهم أن اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كفر، بجَحْدِ مَا عَرَف مِن الحَقِّ وأنكره بعدَ علمِه، وأنهم منهم بجُحودِهم نُبُوَّتك وإنكارهم الحقَّ الذي أنت عليه، بعد علمِهم بصِحَّةِ أمرك وحقيقة نُبوَّتِك.

ص: 327

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبيرِ:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} : فأنتم تعرفُونه - يعنى الوفدَ من نصارَى نجرانَ - وتَجِدونه في كتابِكم، {فَإِنْ تَوَلَّوْا} على كفرهم، {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}

(1)

.

‌القولُ في تأويل قولِه: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله اجْتَبَى آدم ونوحًا، واختارَهما لدينِهما، وآل إبراهيم وآلَ عِمرانَ لدينِهم الذي كانوا عليه؛ لأنهم كانوا أهل الإسلام. فأَخْبَر الله عز وجل أنه اختار دينَ مَن ذكَرْنا على سائر الأديان التي خالَفَتْه. وإنما عنى بـ "آل إبراهيم وآل عمران" المؤمنين.

وقد دَلَّلْنا على أن آل الرجلِ أتْباعُه وقومُه ومَن هو على دينه.

وبالذي قلنا في ذلك رُوِيَ القولُ عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُه.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} . قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسينَ وآل محمدٍ، يقولُ الله عز وجل:{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} [آل عمران: 68]. وهم المؤمنون

(2)

.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 579.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 635 (3414)، من طريق عبد الله بن صالح به دون آخره.

ص: 328

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} : رجلانِ نَبيَّانِ اصْطَفاهما الله على العالمين.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادة في قوله:{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} . قال: ذكر الله أهلَ بَيْتَيْن صالحَين، ورجُليْن صالحين، ففَضَّلهم على العالمين، فكان محمدٌ صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قوله:{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ} . إلى قوله: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . قال: فَضَّلَهم الله على العالمين بالنبوَّة على الناس كلِّهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المُصْطَفَيْنَ

(2)

لربِّهم

(3)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)} .

يعنى بذلك أن الله اصْطَفى آل إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ ذُرِّيةٌ بعضُها من بعضٍ. فالذُّرِّيةُ منصوبةٌ على القطعِ مِن "آلِ إبراهيمَ وَآلِ عمران"؛ لأن "الذُّرِّيةَ" نكرةٌ، و "آل عمران" معرفةٌ.

ولو قيل: نُصِبَتْ على تكرير "الاصْطِفاءِ". لكان صوابًا؛ [لأن المعنى]

(4)

:

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 118، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 635 (3413) عن الحسن بن يحيى به.

(2)

في م، س:"المطيعين".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 634 (3411) من طريق أبي بكر الحنفى به.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س:"لمعنى".

ص: 329

اصطَفى ذُرِّيَّةٌ بعضُها مِن بعضٍ.

وإنما جعَل بعضَهم من بعضٍ في المُوالاة في الدين، والمؤازَرَة على الإسلام والحقِّ، كما قال جلَّ ثناؤُه:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]. وقال في مَوْضِعٍ آخرَ: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} [التوبة: 67]. يعنى: أنَّ دينَهم واحدٌ، وطريقَتَهم واحدةٌ، فكذلك قولُه:{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} . إنما معناه: ذُرِّيةً دِينُ بعضها دِينُ بعضٍ، وكَلِمَتُهم واحدةٌ، ومِلَّتُهم واحدةٌ في توحيد الله وطاعته.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} . يقولُ: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له

(1)

.

وقوله: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . يعنى بذلك: واللهُ ذو سَمْعٍ لقول امرأة عمران، وذو علْمٍ بما تُضْمِرُه في نفسِها، إذ نَذَرتْ له ما في بطنها مُحَرَّرًا.

‌القولُ في تأويل قوله: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)} .

يعنى [بذلك بقولِه جلَّ ثناؤُه: والله سميعٌ عليمٌ]

(2)

{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي} . فـ {إِذْ} مِن صِلَةِ {سَمِيعٌ} . وأما امرأة عمران، فهى أمُّ مَريمَ ابنة عِمرانَ أُمِّ عيسى ابن مريمَ، صلوات الله عليه، وكان اسمُها، فيما ذُكِرَ لنا، حَنَّةَ ابنةَ فاقوذَ

(3)

ابن قبيلٍ

(4)

.

كذلك حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاق في

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 635 (3418) من طريق شيبان، عن قتادة.

(2)

في النسخ: "بقوله جل ثناؤه". والمثبت هو ما جرت عليه عادة المصنف في تفسيره، وسيأتي في ص 392.

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"قابود".

(4)

في م في هذا الموضع والموضع بعده: "قتيل".

ص: 330

نَسَبِه

(1)

. وقال غيرُ ابن حُميدٍ: ابنةُ فاقودَ - بالدالِ - ابن قبيلٍ.

فأما زوجُها، فإنه عِمرانُ بنُ ياشهمَ

(2)

بن أمونَ بن منشا بن حزقيا بن أحزيقَ

(3)

ابن يوثم

(4)

بن عزاريا

(5)

بن أمصيا بن ياوشَ بن أحزيهو

(6)

بن يارم

(7)

بن يهفاشاط

(8)

ابن أيشا

(9)

بن أبيا

(10)

بن رحبعمَ بن سليمانَ بن داودَ بن أيشا.

كذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ في نسبه

(11)

.

وأما قولُه: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} . فإن معناه: إنى جَعَلتُ لك يا ربِّ نذرًا؛ أن لك الذي في بطنى مُحرَّرًا لعبادتِك. يعنى بذلك: حَبَستُه على خدمتِك وخدمةِ قُدُسِكَ في الكَنيسةِ، عَتِيقةً مِن خِدمة كلِّ شيءٍ سواك، مُفَرَّغةً لك خاصَّةً.

ونصب {مُحَرَّرًا} على الحال [مما في الصفةِ مِن ذِكْرِ]

(12)

"الذي".

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 586، وينظر البداية والنهاية 2/ 418.

(2)

في ت 1، ت 2، س، والبداية والنهاية:"باشم".

(3)

في النسخ: "أحريق"، والمثبت من تاريخ المصنف والبداية والنهاية.

(4)

في تاريخ المصنف: "يوثام"، وفى البداية والنهاية:"موثم"، وأثبتناه بالثاء ليوافق ما فيهما.

(5)

في تاريخ المصنف: "عزريا".

(6)

في النسخ: "أحريهو"، والمثبت من تاريخ المصنف والبداية والنهاية.

(7)

في النسخ: "يارم"، والمثبت من تاريخ المصنف والبداية والنهاية.

(8)

في تاريخ الطبري: "يهشافاظ".

(9)

في م: "أشا"، وفى تاريخ الطبرى:"أسا"، وفى البداية والنهاية:"أيش".

(10)

في النسخ: "أبان". والمثبت من تاريخ المصنف.

(11)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 585، 586. وينظر البداية والنهاية 2/ 417.

(12)

في م: "من ما التي بمعنى".

ص: 331

{فَتَقَبَّلْ مِنِّي} . أي: فتَقبلْ منى ما نَذَرْتُ لك يا ربِّ {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} . يعنى: إنك أنت يا ربِّ السميعُ لما أقولُ وأَدْعُو، العليمُ لما أَنْوِى في نفسِى وأُرِيدُ، لا يَخْفَى عليك سِرُّ أَمْرِى وعلانيتُه.

وكان سببَ نذرِ حَنَّةَ ابنة فاقوذ

(1)

امرأةِ عِمرانَ، الذي ذكره الله في هذه الآية، فيما بَلَغَنا، ما حدَّثنا به ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، قال: حدثنا محمدُ بنُ إسحاق، قال: تَزَوَّج زكريا وعمرانُ أُخْتَين، فكانت أمُّ يحيى عند زكريا، وكانت أمُّ مريم عند عِمرانَ، فهلَك عِمرانُ وأمُّ مريم حاملٌ بمريمَ، فهى جَنينٌ في بطنِها. قال: وكانت فيما يَزْعُمون قد أُمْسِك عنها الولدُ حتى أَسَنَّتْ، وكانوا أهل بيتٍ مِن الله جلَّ ثناؤُه بمكانٍ، فبينا هي في ظلِّ شجرةٍ، نَظَرتْ إلى طائرِ يُطْعِمُ فَرْخًا له، فتَحَرَّكَتْ نفسُها للولدِ، فَدَعَتِ الله أن يَهَبَ لها ولدًا، فحمَلَتْ بمريمَ، وهَلَكَ عِمرانُ، فلمَّا عَرَفتْ أَن في بطنِها جنينًا، جَعَلته للهِ نَذيرةً. والنَّذيرةُ أن تُعَبِّدَه للهِ، فتَجْعَلَه حبسًا في الكنيسة، لا يُنْتَفعُ به بشيءٍ مِن أمور الدنيا.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفر بن الزُّبير، قال: ثم ذكر امرأةَ عِمرانَ وقولها: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} أي: نَذَرْتُه، تقولُ: جَعَلتُه عتيقًا لعبادة الله، لا يُنْتَفَعُ به بشيءٍ مِن أُمورِ الدنيا، {فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}

(2)

.

حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ الأسودِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ رَبيعةَ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عربيٍّ، عن مجاهدٍ في قوله:{مُحَرَّرًا} . قال: خادمًا للبيعة

(3)

.

(1)

في ص: "قاقود".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 579.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 636 (3423) من طريق النضر بن عربي به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 18 إلى عبد بن حميد.

ص: 332

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن النَّصْرِ بن عربيٍّ، عن مُجاهدٍ، قال: خادمًا للكَنِيسةِ.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ، عن الشَّعْبيِّ في قوله:{إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} . قال: فرَّغْتُه للعبادةِ

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، في قولِه:{إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} . قال: جَعَلْتُه في الكنيسة، وفرَّغْتُه للعبادة

(1)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن إسماعيل، عن الشعبيِّ نحوَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} . قال: للكنيسة

(2)

يَخْدِمُها.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ:{إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} . قال: خالصًا لا يُخالِطُه شيءٌ مِن أمرِ الدنيا

(3)

.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 636 عقب الأثر (3422) معلقًا.

(2)

في ص، ت 1:"الكنيسة".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 636 (3422) من طريق وكيع به.

ص: 333

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ:{إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} . قال: للبيعة والكَنيسةِ

(1)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ:{إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} . قال: مُحَرَّرًا للعبادة

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} الآية: كانت امرأةُ عمران حرَّرتْ لله ما في بطنِها، وكانوا إنما يُحَرِّرون الذكورَ، وكان المحرَّرُ إِذا حُرِّر جُعِلَ في الكَنيسة

(3)

لا يَبْرَحُها، يقومُ عليها ويَكْنُسُها

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله:{إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} . قال: نَذَرتْ ولدها للكَنيسة

(5)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} . قال: وذلك أن امرأةَ عِمرانَ حَمَلَت، فظَنَّت أن ما في بطنها غلامٌ،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 19 إلى عبد بن حميد، ولفظه: جعلته لله والكنيسة، فلا يحال بينه وبين العبادة.

(2)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ص 344 (تراجم النساء) من طريق شريك به، بلفظ: للعبادة لا يشغله عنها.

(3)

بعده في ص، ت 1:"أن".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 19 إلى المصنف وعبد بن حميد مطولًا.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 118، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه ص 347 (تراجم النساء).

ص: 334

فوَهَبَتْه للهِ مُحررًا، لا يَعْمَلُ في الدنيا

(1)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: كانت امرأةُ عِمرانَ حَرَّرتْ لله ما في بطنها. قال: وكانوا إنما يُحَرِّرون الذُّكور، فكان المحرَّرُ إذا حُرِّر جُعِلَ في الكنيسة لا يَبْرَحُها، يقومُ عليها ويَكْنُسُها

(2)

.

حُدِّثْتُ عن الحُسين بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ في قولِه: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} . قال: جَعَلتْ ولدَها لله وللذين يَدْرُسون الكتابَ ويَتَعلَّمونه

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، أنه أخبره عن عِكرمةَ، وأبي بكرٍ، عن عكرمة، أن امرأةَ عِمرانَ كانت عجوزًا عاقرًا تُسَمَّى حَنَّةً، وكانت لا تَلِدُ، فَجَعَلتْ تَغْبِطُ النِّساءَ لأولادهن، فقالت: اللهمَّ إنَّ عليَّ نذرًا شُكْرًا، إن رَزَقْتَنى ولدًا أن أَتَصَدَّقَ به على بيتِ المَقْدسِ، فيكونَ مِن سَدَنَتِه وخُدَّامِه. قال: وقولُه: {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} : إنها لَلحُرَّةُ ابنةُ الحرائر {مُحَرَّرًا} للكنيسة يَخْدِمُها

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عَبَّادِ بن منصورٍ، عن الحسن في قوله:{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ} الآية كلّها. قال: نَذَرتْ ما في بطنها، ثم سَيَّبَتْها.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 636 عقب الأثر (3422) من طريق عمرو به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 636 عقب الأثر (3423) من طريق ابن أبي جعفر.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 19 إلى ابن المنذر.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 19 إلى المصنف وابن المنذر مطولًا.

ص: 335

‌القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} .

يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} : فلما وَضَعَتْ حَنَّةُ النَّذِيرةَ. ولذلك أنَّثَ، ولو كانت الهاءُ عائدةً على {مَا} ، التي في قوله:{إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} . لكان الكلامُ: فلما وَضَعتْه قالت: ربِّ إنى وَضَعتُه أُنثَى.

ومعنى قوله: {وَضَعَتْهَا} : ولَدَتْها. يُقالُ منه: وَضَعَت المرأةُ تَضَعُ وَضْعًا. {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} أي: ولَدْتُ النَّذيرةَ أُنثَى. {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} .

واخْتَلَف القَرأَةُ في قراءة ذلك؛ فقَرأَتْه عامةُ القَرأَةِ: {وَضَعَتْ}

(1)

. خبرًا من الله عز وجل عن نفسِه أنه العالمُ بما وَضَعَتْ، مِن غير قبلها:{رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} .

وقرأ ذلك بعضُ المُتقدِّمين: (والله أعلمُ بما وضَعْتُ)

(2)

. على وجه الخبر بذلك عن أمِّ مريمَ أنها هي القائلةُ: والله أعلمُ بما ولدتُ، منى.

وأولى القراءتين بالصواب ما نَقَلَتْه الحُجةُ مُسْتَفِيضَةً فيها قراءتُه بينَها، لا يَتَدافعون صحتَها، وذلك قراءةُ من قرأ:{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} . ولا يُعْتَرَضُ بالشاذِّ عنها عليها

(3)

.

فتأويلُ الكلام إذن: والله أعلمُ من كلِّ خَلْقِه بما وَضَعتُ. ثم رجَع جلَّ ذكْرُه إلى الخبر عن قولِها، وأنها قالت - اعتذارًا إلى ربِّها مما كانت نَذَرت

(1)

وهى قراءة نافع وابن كثير وحفص عن عاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص 160.

(2)

وهى قراءة أبي بكر عن عاصم، وابن عامر. المصدر السابق.

(3)

القراءتان متواترتان، لا شذوذ في إحداهما.

ص: 336

في حَمْلها فحرَّرَتْه لخدمة ربَّها -: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} ؛ لأن الذكر أقوى على الخدمة وأَقْوَمُ بها، وأن الأنثى لا تَصْلُحُ في بعض الأحوالِ لدُخول القُدُسِ، والقيام بخدمة الكَنيسة؛ لمَا يَعْتريها من الحَيْضِ والنِّفاس، {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} .

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزُّبير:{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} . أي: لِمَا جَعَلْتُها له محرَّرةً

(1)

نذيرةً

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} : لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} : كانت المرأةُ لا يُسْتَطاعُ

(3)

أن يُصْنَعَ بها ذلك - يعنى أن تُحَرَّرَ للكنيسة فتُجْعلَ فيها، تَقُومُ عليها وتَكْنُسُها، فلا تَبْرَحُها - مما يُصِيبُها مِن الحَيْض والأذَى، فعندَ ذلك قالت:{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} .

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة:{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} : وإنما كانوا يُحرِّرون الغِلْمانَ، قالتْ

(4)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"محررا لك".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 579، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 220 (419 - تحقيق الدكتور حكمت بشير ياسين) من طريق عبد الرحمن بن سلمة، عن ابن إسحاق قوله بزيادة المتن الآتى.

(3)

في ص: "تستطاع"، وفى م:"يستطيع".

(4)

في النسخ: "قال"، والمثبت من مصدرى التخريج.

ص: 337

{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ}

(1)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: كانت امرأةُ عِمرانَ حَرَّرتْ للهِ ما في بطنِها، وكانت على رجاءِ أَن يَهَبَ لها غُلامًا؛ لأن المرأة لا تَسْتطيعُ ذلك - يعنى القيام على الكنيسة لا تَبْرَحُها وتَكْنُسُها - لما يُصِيبُها مِن الأذى

(2)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، أن امرأةَ عِمرانَ ظَنَّتْ أن ما في بطنِها غلامٌ، فوهَبَتْه للهِ، فلمَّا وَضَعَتْ إذا هي جاريةٌ، فقالت تَعْتَذِرُ إلى الله:{رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} - {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} تقولُ: إنما يُحرَّرُ الغِلمانُ. يقولُ الله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} . فقالت

(3)

: {إِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ}

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن القاسم بن أبي بَزَّةً، أنه أخبَره عن عِكرمةً، وأبي بكرٍ، عن عكرمة:{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} يعنى: في المَحيضِ، ولا يَنْبغِى لامرأةٍ أن تكونَ مع الرجالِ. أُمُّها تقولُ ذلك

(5)

.

(1)

تقدم تخريجه في ص 334.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 637 (3427) من طريق ابن أبي جعفر به مختصرا.

(3)

في ص: "فقال".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 637 (3425) من طريق عمرو به، مختصرا. بلفظ: فلما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلى الله:{رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} .

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 637 (3428) من طريق ابن جريج به نحوه مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 19 إلى ابن المنذر.

ص: 338

‌القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)} .

تعنى بقولها: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا} : وإنى أجْعَلُ مَعَاذَها ومَعَاذَ ذُرِّيتها من الشيطان الرجيم بك.

وأصلُ المَعاذِ المَوئِلُ والمَلْجأُ والمَعْقِلُ.

فاسْتَجاب الله لها، فأعاذَها اللهُ وذُرِّيتها من الشيطان الرجيم، فلم يَجْعَلْ له عليها سبيلًا.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِن نَفْسِ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا والشيطانُ يَنالُ منه تلك الطَّعْنَةَ، وبها

(1)

يَسْتَهِلُ الصَّبِيُّ، إلا ما كان من مريم ابنة عِمرانَ، فإنها لَمَّا وَضَعَتْها قالت: رَبِّ إِنِّي أُعيدها بك وذُرِّيَّتها من الشيطان الرجيمِ. فضُرِبَ دُونَها حِجابٌ، فطعن فيه"

(2)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن الله بن قُسَيطٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مَوْلُودٍ مِن وَلَدِ آدَمَ له طَعْنَةٌ من الشيطان، وبها يَسْتَهِلُ الصَّبيُّ، إلا ما كان من مريم ابنة عِمرانَ، وولدِها، فإنّ أمَّها قالت حين وضعتها:{وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . فضُرِبَ دُونَهما حِجَابٌ، فطعَن

(1)

في ص: "لها".

(2)

أخرجه الحاكم 2/ 594 من طريق يزيد بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، وينظر تهذيب الكمال 32/ 177.

ص: 339

في الحجاب".

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيطٍ، عن أبي هريرةَ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المُغيرة، عن عمرٍو، عن شُعَيبِ بن خالدٍ، عن الزُّهْريِّ

(1)

، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "ما من بني آدمَ مولودٌ يُولَدُ إلا قد مَسَّه الشيطانُ حينَ يُولَدُ، فيَسْتَهِلُّ صَارِحًا بمَسِّه إياه، غيرَ مريم وابنها". فقال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتُم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن أبي ذئبٍ، عن عَجْلانَ مَوْلَى الْمُشْمَعِلِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ مولودٍ يُولَدُ من بنى آدمَ يَمسُّه الشيطانُ بإصْبَعِه، إلا مريم وابنها"

(3)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وَهْبٍ، قال: ثنى عمِّى عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارث، أن أبا يُونسَ سُليمًا

(4)

مولى أبى هريرة، حدَّثه عن

(1)

في م: "الزبير". وينظر تهذيب الكمال 12/ 521.

(2)

أخرجه البخارى (3431)، ومسلم (146/ 2366)، والبغوى في تفسيره 2/ 30 من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهرى به.

(3)

أخرجه أحمد 13/ 263، 278، 7/ 14 (7879، 7902، 8254) من طريق ابن أبي ذئب به.

(4)

في م: "سليمان"، وفى ت 1:"سلمان". وينظر تهذيب الكمال 11/ 343.

ص: 340

أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كلُّ بني آدمَ يَمَسُّه الشيطانُ يومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه، إلا مريم وابنها"

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عمرٌو

(2)

، أن أبا يُونس حدَّثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.

حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزهريِّ، عن ابن المُسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا يَمَسُّه الشيطانُ، فيَسْتَهلَّ صَارِخًا مِن مَسَّةِ الشيطانِ، إلا مريم وابنها". ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءوا إن شئتُم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}

(3)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا الحِمانِيُّ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولودٍ يُولَدُ إلا وقد عَصَره الشيطانُ عَصْرَةً أو عَصْرَتَيْنِ، إلا عيسى ابن مريم ومريم". ثم قرَأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}

(4)

.

(1)

أخرجه مسلم (2366)، وابن حبان (6234)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 14/ 31 (مخطوط) من طريق ابن وهب به.

(2)

في النسخ: "عمران". وتقدم في الإسناد قبله، وينظر ما تقدم في 2/ 406، 555.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 119، ومن طريق أحمد (7709)، والبخارى (4548)، ومسلم 146/ (2366)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 638 (3432)، وأخرجه ابن أبي شيبة 11/ 385، وأحمد (7182)، ومسلم 146/ (2366)، وابن حبان (6235) من طريق معمر به.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 27 عن المصنف.

ص: 341

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المُغيرة، عن عمرِو بن أبى قيسٍ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: ما وُلِدَ مولودٌ إلا وقد اسْتَهَلَّ، غير المسيح ابن مريمَ، لم يُسَلَّطْ عليه الشيطانُ ولم يَنْهَزْه

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا المُنذِرُ بنُ النُّعمانِ الأَفْطَسُ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: لما وُلِدَ عيسى، أتت الشياطينُ إبليسَ، فقالوا: أصْبَحتِ الأصنامُ قد نُكِسَتْ رءوسُها. فقال: هذا في حادثٍ حدَث. فقال: مكانَكم. فطار حتى جاء خافِقَي الأرضِ، فلم يَجِدْ شيئًا، ثم جاء البحارَ، فلم يَجدْ شيئًا، ثم طار أيضًا، فوجَد عيسى قد وُلِدَ عندَ مذْوَدِ

(2)

حمارٍ، وإذا الملائكةُ قد حَفَّت حولَه، فرجَع إليهم فقال: إن نبيًّا قد وُلِدَ البارحةَ، ما حَمَلَت أُنثَى قَطُّ ولا وَضَعت إلا أنا بحَضْرتها إلا هذه، فَأيَسُوا أَن تُعْبَد الأصنامُ بعدَ هذه الليلةِ، ولكن ائْتوا بني آدمَ مِن قبل الخِفَّةِ والعَجَلةِ

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} : وذُكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "كلُّ بنى آدمَ طعَن الشيطانُ في جَنْبِه، إلا عيسى ابنَ مريمَ وأُمَّه، جُعِلَ بينَهما وبينَه حِجابٌ، فأصابت الطَّعْنَةُ الحِجابَ، ولم يَنْفُذُ إليهما شيءٌ". وذُكِرَ لنا

(1)

ذكره السيوطي في الدر المنثور 2/ 19 وعزاه إلى المصنف.

(2)

المذود: معلف الدابة.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 119 عن المنذر بن النعمان به، وابن عساكر في تاريخ دمشق 14/ 31 (مخطوط)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 19 إلى ابن المنذر.

ص: 342

أنهما كانا لا يُصيبان الذنوبَ كما يُصِيبُها سائرُ بني آدم. وذُكِرَ لنا أن عيسى كان يَمشِى على البحر كما يَمشى على البرِّ، مما أعطاه الله تعالى من اليقين والإخلاص"

(1)

.

حدَّثني المُثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:{وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} قال: إن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلُّ آدميٍّ طعن الشيطانُ في جَنْبِه، غير عيسى وأُمِّه، كانا لا يُصِيبان الذُّنُوبَ كما يُصِيبُها بَنُو آدمَ". قال: "وقال عيسى صلى الله عليه وسلم فيما يُثْنِي على ربِّه: وأعاذَنى وأُمِّى من الشيطان الرجيم، فلم يكُنْ له علينا سبيلٌ"

(2)

.

حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا شُعيبُ بنُ الليث، قال: ثنا الليثُ، عن جعفر بن ربيعة، عن عبدِ الرحمنِ بن هُرمزَ أنه قال: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كلُّ بني آدمَ يَطْعُنُ الشيطانُ في جَنبه حينَ تَلِدُه أُمُّه، إلا عيسى ابن مريم، ذهَب يَطْعُنُ فطعَن في الحجابِ"

(3)

.

حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا شُعَيبٌ، قال: أخبرنا الليثُ، عن جعفر بن ربيعة، عن عبدِ الرحمنِ بن هُرْمُزَ أنه قال: قال أبو هريرةَ: أرأيتَ هذه الصَّرخةَ التي يَصْرُخُها

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 19 إلى المصنف وابن المنذر. وأخرج آخره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 638 (3436) من طريق شيبان، عن قتادة.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 19، 20 إلى المصنف.

(3)

أخرجه الحميدى (1042)، وأحمد 16/ 451 (10773)، والبغوى في تفسيره 2/ 30 من طريق عبد الرحمن بن هرمز به.

ص: 343

الصبيُّ حين تَلِدُه أُمُّه؟ فإنها منها.

حدَّثني أحمدُ بنُ الفرَج، قال: ثنا بَقِيةُ بنُ الوليد، قال: ثنا الزُّبيديُّ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةً، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من بنى آدم مَوْلُودٌ إِلا يَمَسُّه الشَّيطانُ حِينَ يُولَدُ يَسْتَهِلُّ صارخًا"

(1)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} .

يعنى بذلك [أن الله]

(2)

جلَّ ثناؤُه تَقَبَّل مريمَ مِن أُمِّها حَنَّةَ؛ تَحريرها

(3)

إياها للكَنيسة وخِدْمتَها وخِدْمَةَ ربِّها، بقبولٍ حَسنٍ.

والقبولُ، مصدرٌ: من قَبِلَها ربُّها. فأَخْرَج المصدر على غير لفظ الفعل. ولو كان على لفظِه لكان: فَتَقَبَّلها ربُّها تَقَبُّلًا حَسَنًا. وقد تَفْعلُ العربُ ذلك كثيرًا؛ أن يَأْتوا بالمصادر على أصول الأفعال، وإن اخْتَلَفَتْ أَلْفاظُها في الأفعالِ بالزيادة، وذلك كقولهم: تَكَلَّم فلانٌ كلامًا. ولو أُخرج المصدرُ على الفعل لقيلَ: تَكلَّم فلانٌ تكَلُّمًا. ومنه قوله: {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} . ولم يقل: إنباتًا حَسَنًا.

وذُكِرَ عن أبي عمرو بن العلاءِ

(4)

، أنه قال: لم نَسْمَعِ العربَ تَضُمُّ القاف في "قَبُولٍ"، وكان القياسُ الضمَّ؛ لأنه مَصْدرٌ مثلُ الدُّخُولِ والخُرُوج. قال: ولم أسْمَعْ بحرفٍ آخر في كلام العربِ يُشْبِهُه.

حُدِّثْتُ بذلك عن أبي عبيدٍ، قال: أخبرني اليَزيديُّ، عن أبي عمرٍو.

(1)

أخرجه أبو يعلي (5971)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 14/ 30، 31 (مخطوط)، من طريق الزهري به نحوه، وذكره الحافظ في الفتح 6/ 469 عن الزبيدى به، ووقع في الفتح "السدى" بدل "الزبيدي".

(2)

سقط من: م، س.

(3)

في ص، م:"بتحريرها".

(4)

ينظر اللسان (ق ب ل).

ص: 344

وأما قولُه: {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} . فإن معناه: وأنْبَتها ربُّها في غِذائِه ورزقه نباتًا حَسَنًا حتى تَمَّتْ فكَمَلَتِ امرأةً بالغةً تامةً.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال الله عز وجل:{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} . قال: تَقَبَّل مِن أُمِّها ما أرادت بها للكَنيسة، وأجَرَها فيها، {وَأَنْبَتَهَا} ، قال: نَبتت في غذاءِ اللهِ

(1)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} .

اختلفت القَرأَةُ في قراءة قوله: {وَكَفَّلَهَا} ؛ فقرَأَتُه عامةُ قَرَأَةِ أَهل الحجاز والمدينة والبصرة: (وكفلها) مُخَفَّفَةَ الفاءِ

(2)

، بمعنى: ضَمَّها زكريا إليه. اعتبارًا بقولِ اللهِ عز وجل: {يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44].

وقرأ ذلك عامةُ قَرأَةِ الكوفيين: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}

(3)

. بمعنى: وكَفَّلها الله زكريا.

وأوْلَى القراءتين بالصواب في ذلك عندى قراءةُ مَن قرأَ: {وَكَفَّلَهَا} . مُشَدَّدةً، الفاء

(4)

، بمعنى: وكَفَّلَها الله زكريا. بمعنى: وضمَّها الله إليه. لأن زكريا أيضًا ضَمَّها إليه بإيجاب الله له ضَمَّها إليه، بالقُرْعَةِ التي أَخْرَجها الله له، والآية التي أظْهَرها لخصومِه فيها، فجعَله بها أَوْلَى منهم، إذ قرَع فيها مَن شَاحَّه

(5)

فيها. وذلك أنه بلَغنا أن زكريا وخُصُومَه في مريمَ إذ تَنازَعوا فيها، أَيُّهم تكونُ عندَه، تساهَموا

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 20 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. ينظر حجة القراءت ص 161.

(3)

وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائي. المصدر السابق.

(4)

كلتا القراءتين صواب.

(5)

قَرَع أصحابه: إذا كانت له القُرعة دونهم. =

ص: 345

بقدَاحِهم، فرَمَوْا

(1)

بها في نهرِ الأُرْدُنِّ، فقال بعضُ أهل العلم: ارْتَزَّ

(2)

قِدْحُ زكريا، فقام فلم يَجْرِ به الماءُ، وجرى بقِداحِ الآخرين الماءُ، فجعل اللهُ ذلك لزكريا عَلَمًا

(3)

أنه أحقُّ المُتنازعين فيها بها

(3)

.

وقال آخرون: بل صعد

(4)

قِدْحُ زكريا في النهر، وانْحَدَرت قداحُ الآخرين مع جرْيَة الماءِ و

(5)

ذَهَبت، فكان ذلك له علمًا مِنَ اللهِ في أَنه أَوْلَى القومِ بها.

وأيُّ الأمْرَيْن كان من ذلك، فلا شكَّ أن ذلك كان قضاءً من الله بها لزكريا على خصومِه بأنه أولاهم بها. وإذا كان ذلك كذلك، فإنما ضَمَّها زكريا إلى نفسه بضَمِّ الله إياها إليه، بقضائِه له بها على خُصومه عندَ تَشاحِّهم فيها، واخْتِصامِهم في أَوْلاهم بها.

وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن أوْلَى القِراءتَين بالصواب ما اخْتَرْنا مِن تشديد {وَكَفَّلَهَا} .

وأما ما اعْتَلَّ به القارئون ذلك بتَخْفيف الفاءِ مِن قولِ اللهِ: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44]. وأن ذلك مُوجِبٌ صِحَّةَ اختيارهم التَّخفيف في قوله: {وَكَفَّلَهَا} ، فحُجةٌ دالةٌ على ضَعْفِ احتيال

(6)

المُحتجِّ بها، وذلك أنه غيرُ مُمْتَنِعٍ ذو

= وشاحه فيها: مثل قولهم: تشاحَّا على الأمر. أي تنازعاه. وفلان يُشاحُ على فلان. أي يضنُّ به. تاج العروس (ش ح ح، ق ر ع).

(1)

في م، ت 1:"رموا".

(2)

في م: "رتب". وارْتَزّ: من رزَّ الشيءَ في الأرض وفى الحائط يَرُزُّه رَزًّا فارتزّ: أثبته فثَبَت. وأما رتب فمن: رتب الشيء، أي: ثبت فلم يتحرك. اللسان (ر ت ب، ر ز ز).

(3)

سقط من: م، ت 1، ت 2.

(4)

في ص: "صاعد". ولعل صوابها: اصاعد.

(5)

في ص كلمة غير واضحة، وفي ت 1، ت 2:"هي".

(6)

في م: "اختيار".

ص: 346

عقلٍ من أن يقولَ قائلٌ: كفَّل فلانٌ فلانًا فكَفَله فلانٌ. فكذلك القولُ في ذلك: ألْقَى القومُ أقلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مريمَ بتَكْفيل الله إياه بقضائه الذي يَقْضِي بينَهم فيها، عندَ إلقائِهم الأقلام.

وكذلك اخْتَلَفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ {زَكَرِيَّا} ؛ فقرأَتْه عامةُ قرأة المدينة بالمدِّ، وقَرأَتْه عامةُ قَرأةِ الكوفة بالقصْر

(1)

. وهما لُغَتان مَعْروفتان وقراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ المسلمين، وليس في القراءة بإحداهما خلافٌ لمعنى القراءةِ الأُخْرَى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فهو مُصِيبٌ.

غير أن الصوابَ عندَنا إذا مُدَّ "زكريا"، أن يُنْصَبَ بغيرِ تَنْوينِ؛ لأنه اسمٌ مِن أسماءِ العَجَم لا يُجْرَى

(2)

، ولأن قراءتنا في {وَكَفَّلَهَا} بالتشديد وتَثْقيل الفاءِ، فـ "زكرياءُ" مَنصوبٌ بالفعل الواقع عليه.

وفى "زكريا" لغةٌ ثالثةٌ لا تَجوزُ القراءةُ بها؛ لخلافِها مصاحفَ المسلمين، وهو "زَكَرِيٌّ"، بحذف المَدَّةِ والياء الساكنة، تُشَبِّهُه العربُ بالمنسوب من الأسماء، فتُنَوِّنُه وتُجْريه في أنواع الإعرابِ مَجارِيَ ياءِ النِّسبةِ.

فتأويلُ الكلام: وضَمَّها الله إلى زكريا. من قول الشاعر

(3)

:

* فَهْوَ لِضُلَّالِ الهَوَامِ

(4)

كافِلُ *

(1)

قرأ حفص وحمزة والكسائى وخلف بالقصر من غير همز في جميع القرآن، ووافقهم الحسن والأعمش، والباقون بالهمز والمد. إتحاف فضلاء البشر ص 104.

(2)

لا يجرى. أي: لا يصرف. مصطلحات النحو الكوفى ص 98.

(3)

مجاز القرآن 2/ 14.

(4)

هوامى الإبل: ضوالُّها. وقال أبو عبيدة: الهوامى: الإبل المهملة بلا راع، وقد هَمَت تَهمى فهى هاميةٌ؛ إذا ذهبت على وجهها. وكل ذاهب وجار من حيوان أو ماء فهو هام. النهاية 5/ 276، واللسان (هـ م ي).

ص: 347

يرادُ به

(1)

: لما ضَلَّ مِن مُتَفَرِّقِ النَّعَمِ ومُنْتَشِرِه ضامٌّ إلى نفسه وجامِعٌ.

وقد رُوى:

* فهْوَ لِضُلَّالِ الهَوافِى

(2)

كَافِلُ *

بمعنى أنه لما نَدَّ فهرَب من النَّعَم ضَامٌّ. من قولِهم: هَفَا الظَّلِيمُ. إذا أَسْرَع الطيرانَ.

يقالُ منه للرجل: ما لك تَكْفُلُ كلَّ ضالَّةٍ؟ يعنى به: تَضُمُّها إليك وتَأْخُذُها.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

‌ذِكْرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ الأسودِ الطُّفاوِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ رَبيعةَ، عن النَّضْرِ بن عربيٍّ، عن عكرمة في قوله:{إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44]. قال: ألْقَوا أقلامَهم، فجَرَت بها الجرْيَةُ، إلا قلم زكريا اصَّاعَدَ

(3)

، فكَفَلها زكريا

(4)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قوله:{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} قال: ضَمَّها إليه. قال: أَلقوا أقلامَهم، يقولُ: عِصِيَّهم. قال: فأَلْقَوْها تلقاءَ جِرْيَةِ الماءِ، فاسْتَقْبَلَت عصا زكريا حِرْيَةَ الماءِ، فَقَرَعَهم

(5)

.

(1)

في م: "أنه".

(2)

الهوافى: الإبل الضوال، واحدتها هافية، من: هَفَا الشيءُ يهفو. إذا ذهب. وهذا الطائر، إذا طار. والريح، إذا هبت. اللسان (هـ ف و).

(3)

في النسخ: "صاعدا". ولا يستقيم المعنى إلا بما أثبتناه، وينظر ما تقدم في ص 346.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 649 (3503)، من طريق النضر به نحوه.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 639، 650 (3439، 3507) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 348

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: قال الله عز وجل: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} فَانْطَلَقَتْ بها أمُّها في خِرَقِها - يعنى أمَّ مريمَ بمريمَ - حينَ وَلَدتْها إلى المحراب - وقال بعضُهم: انْطَلَقَتْ حين بَلَغَتْ إلى المحراب - وكان الذين يَكتُبون التوراة إذا جاءوا إليهم بإنسانٍ يُحَرِّرونه

(1)

، اقْتَرعوا عليه أَيُّهم يَأْخُذُه فيُعَلِّمُه. وكان زكريا أفْضَلَهم يومَئذٍ، وكان نَبيَّهم

(2)

، وكانت خالةُ

(3)

مريمَ تحتَه، فلما أَتَوا بها اقْتَرعوا عليها، وقال لهم زكريا: أنا أحَقُّكم بها تَحتى أُختُها

(4)

. فأبَوْا، فخَرَجوا إلى نهرِ الأُرْدُنِّ، فَأَلْقَوْا أَقلامَهم التي يَكْتُبون بها أَيُّهم يَقومُ قَلَمُه فيَكْفُلُها. فجرَتِ الأقلامُ وقام قلمُ زكريا على قُرنَتِه

(5)

، كأنه في طينٍ، فأخَذ الجارية، وذلك قولُ اللهِ عز وجل:{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} . فجعَلَها زكريا معه في بيته، وهو المحرابُ

(6)

.

حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ:{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} . يقولُ: ضَمَّها إليه.

(1)

وفي ص: "يجرنونه"، وفى م، ت 2:"يجربونه"، وفى ت 1:"يحرمونه". والمثبت من تاريخ دمشق.

(2)

في م، ت 2، وسنن البيهقى:"بينهم".

(3)

في تفسير ابن أبي حاتم وسنن البيهقى وتاريخ دمشق: "أخت". قال ابن كثير في البداية والنهاية 2/ 421: وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، قد أراد أن يستبد بها دونهم - يعنى: بمريم - من أجل أن زوجته أختُها أو خالتُها، على القولين. وينظر ص 332.

(4)

في م: "خالتها".

(5)

القُرْنة: حدُّ السيف والنصل. المحيط (ق ر ن). والمقصود بها هنا حد القلم.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 639 (3440، 3442) من طريق عمرو بن حماد به، من قوله: كان زكريا ....

وأخرجه البيهقى 10/ 286، 287، وابن عساكر في تاريخه (ص 348 - تراجم النساء) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السديِّ، بإسناده المعروف، من قوله: كان الذين يكتبون

فأخذ الجارية.

ص: 349

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قوله:{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} . قال: سَهَمَهُم

(1)

بقلمِه

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قَتادةَ، قال: كانت مريمُ ابنةَ سَيِّدِهم وإمامِهم. قال: فتَشاحَّ عليها أحبارُهم، فاقْتَرعوا فيها بسهامِهم أيُّهم يَكْفُلُها. قال قتادةُ: وكان زكريا زوجَ أختِها فكَفَلَها، وكانت عندَه وحَضَنَها

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، أنه أخْبره عن عكرمة، وأبى بكرٍ، عن عِكرمة، قال: ثم خَرَجت بها - يعنى أمَّ مريمَ بمريمَ - في خِرَقِها تَحْمِلُها إلى بنى الكاهن بن هارون، أخى موسى بن عمرانَ. قال: وهم يومَئِذٍ يَلُون مِن بيت المَقدسِ ما يَلَى الحَجَبَةُ مِن الكعبة، فقالت لهم: دونَكم هذه النذيرةَ، فإني حَرَّرتُها، وهى ابنتى، ولا يَدْخُلُ الكنيسة حائضٌ، وأنا لا أرُدُّها إلى بيتي. فقالوا: هذه ابنهُ إمامنا. وكان عمرانُ

(1)

سهم فلانًا سهمًا: قَرَعه في المساهمة. يقال: ساهَمَه فَسَهَمَه: باراه ولاعبه فغَلَبه. الوسيط (س هـ م).

(2)

تفسير مجاهد ص 251 - ومن طريق البيهقى 10/ 287، وابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 348، 349 - تراجم النساء)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 639 (3438) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 20 إلى ابن أبي إياس وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرج آخره عبد الرزاق في تفسيره 1/ 121 عن معمر، عن قَتادةَ، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 650 (3510) من طريق شيبان، عن قَتادةَ دون آخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 20 إلى عبد بن حميد. وفيه: زوج خالتها.

ص: 350

يَؤمُّهم في الصلاة، وصاحبَ قُرْبانِهم

(1)

. فقال زكريا: ادْفَعوها إليَّ، فإن خالتَها عندى. قالوا: لا تَطِيبُ أنفسُنا، هي ابنةُ إمامنا. فذلك حين اقْتَرَعوا، فاقْتَرَعوا بأقلامِهم عليها - بالأقلام التي يَكْتُبون بها التوراةَ - فقَرَعهم زكريا فكَفَلَها

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني يَعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جعَلها زكريا معه في مِحرابه. قال الله عز وجل: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} . قال حَجاجٌ: قال ابن جُريجٍ: الكاهنُ في كلامِهم العَالِمُ

(3)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} : بعد أبيها وأمِّها، يُذكِّرُها باليُتْمِ، ثم قَصَّ خبرَها وخبرَ زكريا

(4)

.

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ قوله:{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} . قال: كانت عنده.

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن يَعْلى بن مسلمٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ قوله:{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} ، قال: جعلها زكريا معه في مِحْرابه.

(1)

مكانها بياض بقدر كلمتين في ص، ت 1، ت 2.

(2)

تقدم تخريجه في ص 338.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 20 إلى المصنف دون قول ابن جريج.

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 579، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 639 (3441) من طريق سلمة عن ابن إسحاق قوله.

ص: 351

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عَبَّادٍ، عن الحسن في قوله:{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} : وتَقارَعها القومُ، فقرَع زكريا، فكَفَلَها زكريا

(1)

.

وقال آخرون: بل كان زكريا بعدَ ولادةِ حَنَّةَ ابنتَها مريمَ، كَفَلها بغيرِ اقْتِراعٍ ولا اسْتِهامٍ عليها، ولا مُنازَعةِ أحدٍ إياه فيها، وإنما كَفَلها لأن أُمَّها ماتت بعد موت أبيها وهى طِفْلةٌ، وعند زكريا خالتُها أيشاعُ

(2)

ابنةُ فاقوذ. وقد قيل: إن اسم أمِّ يحيى خالة عيسى: أشْيَعُ.

حدَّثنا بذلك القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني وَهْبُ بنُ سليمانَ، عن شُعيبٍ الجَبَئيِّ

(3)

، أن اسم أمِّ يحيى: أشْيَعُ

(4)

.

فضَمَّها إلى خالتها أمِّ يحيى، فكانت إليهم ومعهم، حتى إذا بلَغَتْ أَدْخَلوها الكَنيسة، لنَذْر أمِّها التي نَذَرَتْ فيها.

قالوا: والاقتراعُ فيها بالأقلام إنما كان بعد ذلك بمدةٍ طويلةٍ؛ لشدَّةٍ أصابَتْهم، ضَعُفَ زكريا عن حَمْلِ مُؤنَتِها، فتَدافعوا حَمْلَ مُؤنتِها، لا رغبةً منهم، ولا تَنافُسًا عليها وعلى احتمال مُؤنتِها.

وسنذكُرُ قصَّتَها على قول من قال ذلك إذا بلغنا إليها إن شاء الله تعالى.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 638 (3437) من طريق أبي بكر الحنفى به.

(2)

في ص، ت 1:"الاسباع" وفي ت 2: "الاشياع"، وفي تاريخ الطبرى 1/ 585:"الأشباع"، وفي البداية والنهاية 2/ 413، 418:"أشياع". والمثبت موافق لما في تاريخ دمشق 18/ 79 مخطوط.

(3)

في ص: "الحباى"، وفى م، ت 2:"الحياني". وينظر الأنساب 2/ 17، والإكمال 3/ 65.

(4)

في ص، ت 2:"أسبع"، وفى العلل:"الأشبع". والأثر أخرجه أحمد في العلل (رواية عبد الله) 1/ 100 (404) عن حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 22 إلى المصنف وابن أبي حاتم.

ص: 352

حدَّثنا بذلك ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق

(1)

.

فعلى هذا التأويل تَصِحُّ قراءةُ مَن قرأَ: (وكفَلها زكريا). بتخفيف الفاء، لو صحَّ التأويلُ، غير أن القولَ مُتظاهِرٌ من أهل التأويل بالقول الأول. أن استهام القومِ فيها كان قبلَ كَفالة زكريا إياها، وأن زكريا إنما كفلها بإخراج سَهْمِه منها فالجًا

(2)

على سهام خُصومه فيها، فلذلك كانت قراءتُه بالتشديدِ عندَنا أَوْلَى مِن قراءته بالتخفيف.

‌القولُ في تأويل قوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: أن زكريا كان كلَّما دخل عليها المحْراب بعدَ إدخاله إياها المحرابَ، وجَد عندَها رزقًا من الله لغِذائِها.

فقيل: إن ذلك الرزقَ الذي كان يَجِدُه زكريا عندَها، فاكهةُ الشتاء في الصيف، وفاكهةُ الصيف في الشتاء.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطية، عن شَرِيكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ:{وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} قال: وجَد عندَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ

(3)

في غير حينه

(4)

.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 580.

(2)

فَلَج: ظَفِر وفاز. القاموس المحيط (ف ل ج).

(3)

المِكْتَل، والمكتلة: الزنبيل الذي يحمل فيه التمر والعنب. والزنبيل: الوعاء يحمل فيه. اللسان (ك ت ل)، (ز ب ل).

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 640 من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 20 =

ص: 353

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ في قوله:{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} . قال: العِنَبُ في غيرِ حِينِه

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيم في قوله:{وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} . قال: فاكهةٌ في غير حينها

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا أبو إسحاق الكوفيُّ، عن الضحاكِ أنه كان يَجِدُ عندَها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. يعنى في قوله:{وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا}

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سَلَمةَ بن نُبيطٍ، عن الضَّحاكِ مثله.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: [أخبرنا هُشَيمٌ، عن بعض أشياخه، عن الضحاك مثله.

حدَّثنا القاسمُ، قال]

(3)

: ثنا الحسينُ

(4)

، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ مثله.

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا من سمع الحكمَ بن عُتَيبةَ يحدِّثُ عن مجاهدٍ قال: كان يَجِدُ عندَها العِنَبَ في غير حينه.

= إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(1)

تفسير مجاهد ص 251 من طريق عطاء به.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 640 عقب الأثر (3446) معلقًا.

(3)

في س: "ثنا أسباط".

(4)

في ت 2: "الحسن".

ص: 354

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} ، قال: عِنَبًا وجده زكريا عند مريم في غير زمانه

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عَرَبِيٍّ، عن مجاهدٍ في قوله:{وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} . قال: فاكهةُ الصيف في الشتاء، وفاكهةُ الشتاء في الصيف

(2)

.

حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله:{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} . قال: كُنَّا نُحَدَّثُ أنها كانت تُؤْتَى بفاكهة الشتاءِ في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة:{وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} قال: وجَد عندَها ثمرةً في غير زمانِها

(3)

.

(1)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 352 - تراجم النساء) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 20 إلى عبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 20 إلى المصنف، وينظر تفسير ابن أبي حاتم 2/ 640 (3445).

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 120، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 352 - تراجم النساء).

ص: 355

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: جعَل زكريا دونَها عليها سبعة أبوابٍ، فكان يَدْخُلُ عليها فيَجِدُ عندها فاكهة الشتاءِ في الصيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاءِ

(1)

.

حدَّثني موسى بنُ

(2)

عبد الرحمن، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: جعَلها زكريا معه في بيتٍ - وهو المحرابُ - فكان يدخُلُ عليها في الشتاءِ، فيَجِدُ عندَها فاكهة الصيف، ويدخُلُ في الصيف، فيَجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاء

(3)

.

حُدِّثتُ عن الحسين

(4)

، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} . قال: كان يَجِدُ عندَها فاكهة الصيف في الشتاء.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني [يَعْلى بنُ]

(5)

مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس:{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} . قال: وجَد عندَها ثمارَ الجنة، فاكهةَ الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف

(6)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 640 عقب الأثر (3446) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

في ت 1: "قال حدَّثنا".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 640 عقب الأثر (3446) من طريق عمرو بن حماد به.

(4)

بعده في ت 1: "قال حدَّثني حجاج عن ابن جريجٍ".

(5)

في س: "يعني ابن".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 20 إلى المصنف.

ص: 356

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ثنى بعضُ أهلِ العلم أن زكريا كان يَجِدُ عندَها ثمرة الشتاءِ في الصيف، وثمرةَ الصيف في الشتاء

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ قال: كان زكريا إذا دخَل عليها - يعنى على مريمَ المِحْرابَ - وجد عندَها رِزْقًا مِن السماءِ من اللهِ، ليس من عندِ الناسِ. وقالوا: لو أن زكريا كان يَعْلَمُ أن ذلك الرزقَ من عندِه لم يَسْأَلها عنه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أن زكريا كان إذا دخَل إليها المِحْرابَ وجَد عندَها من الرزقِ فضلًا عما كان يأتيها به الذي كان يَمُونُها في تلك الأيام.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق، قال: كَفَلها زكريا

(2)

بعددَ هَلاكِ أمِّها، فضَمَّها إلى خالتِها أمِّ يحيى، حتى إذا بلَغَت، أدخَلوها الكنيسة، لنَذْرِ أمِّها الذي نَذَرَت فيها، فجعَلَت تَنْبُتُ وتَزِيدُ. قال: ثم أصابت بنى إسرائيلَ أَزْمَةٌ، وهى على ذلك مِن حالِها، حتى ضَعُف زكريا عن حَمْلِها، فخَرَج على بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيلَ، أتعلمون، واللهِ لقد ضَعُفتُ عن حَمْل ابنة عمران. فقالوا: ونحن لقد جُهِدْنا، وأصابَنا من هذه السَّنةِ ما أصابَكم. فتَدافَعوها بينَهم، وهم لا يَرَون لهم من حَمْلِها بُدًّا، حتى تَقَارعوا بالأقلامِ، فخَرَج السهمُ

(1)

ينظر التبيان 2/ 447.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

ص: 357

بحَمْلِها على رجلٍ من بنى إسرائيلَ نَجَّارٍ، يقالُ له: جُرَيجٌ. قال: فعَرَفَت مريم في وَجْهِه شِدَّةَ مَئُونَةِ ذلك عليه، فكانت تقول له: يا جُرَيجُ، أَحسِنْ باللهِ الظَّنَّ، فإن الله سَيَرْزُقُنا. فَجَعَل جُرَيجُ يُرْزَقُ بَمَكانِها، فيأتيها كلَّ يومٍ من كَسْبِه بما يُصْلِحُها، فإذا أدخَلَه عليها وهى في الكَنيسةِ، أنْماه اللهُ وكَثَّره، فيَدْخُلُ عليها زكريا فيرَى عندَها فَضْلًا من الرزقِ، وليس بقَدْرِ ما يأتيها به جُرَيجٌ، فيقولُ: يا مريمُ أَنَّى لكِ هذا؟ فتقولُ: هو من عندِ اللهِ، إن الله يرزقُ مَن يَشَاءُ بغيرِ حسابٍ

(1)

.

وأما المحرابُ، فهو مُقَدَّمُ

(2)

كلِّ مجلسٍ ومُصَلًّى، وهو سيدُ المجالسِ وأشرفُها وأكرمها، وكذلك هو مِن المساجدِ، ومنه قولُ عَدِيٍّ بن زيدٍ

(3)

:

كَدُمَى

(4)

العَاجِ في المحاريبِ أو كالـ

ــــــبَيْض في الرَّوْضِ زَهْرُهُ

(5)

مُسْتَنيرُ

(6)

والمحَاريبُ جمعُ مِحْرابٍ، وقد يُجمَعُ على

(7)

مَحَارِبَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: {قَالَ} زكريا: {يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} ؟ من أيِّ

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 580 بنحوه مختصرا، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 349 تراجم النساء) من طريق إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله الليثي بنحوه.

(2)

بعده في ص، ت 2:"علي".

(3)

الاختيارين للأخفش الأصغر ص 704.

(4)

الدمى: الصور، واحدتها دُمْيَة.

(5)

سقط من: ص، ت 2، وفى الاختيارين:"زهوه".

(6)

بعده في ص: "وهو مشتق"، وبعده في ت 2:"وهو مشتق متسر".

(7)

زيادة من: م.

ص: 358

وَجْهٍ لك هذا الذي أرَى عندَكِ من الرزقِ؟ قالت مريمُ مُجِيبَةٌ له: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} . تعنى أن الله هو الذي رزَقَها ذلك، فَساقَه إليها وأعطاها.

وإنما كان زكريا يقولُ ذلك لها؛ لأنه كان - فيما ذُكر لنا - يُغْلِقُ عليها سبعةَ أبوابٍ، ويَخْرُجُ ثم يدخُلُ عليها، فيَجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ، وفاكهةَ الصيفِ في الشتاء، فكان يَعْجَبُ مما يرى من ذلك، ويقولُ لها تَعَجُّبًا مما يرَى: أَنَّى لكِ هذا؟ فتقولُ: مِن عندِ اللهِ.

حدَّثني بذلك المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى بعضُ أهل العلمِ. فذَكَر نحوه.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} . قال: فإنه وَجَد عندَها الفاكهة الغَضَّةَ حينَ لا تُوجَدُ الفاكهةُ عند أحدٍ، فكان زكريا يقولُ: يا مريمُ أَنَّى لكِ هذا

(2)

؟

وأما قولُه: {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . فخبرٌ من اللهِ أنه يسوقُ إلى مَن يَشَاءُ مِن خَلْقِهِ رِزْقَه بغير إحصاءٍ ولا عددٍ يُحاسِبُ عليه عبدَه؛ لأنَّه جلَّ ثناؤه لا يَنْقُصُ سَوْقُه ذلك إليه كذلك خَزائنه، ولا يَزِيدُ إعطاؤُه إياه ومُحاسَبَتُه

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 640 عقب الأثر (3446) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 640 (3449) عن محمد بن سعد به.

ص: 359

عليه في مُلْكِه وفيما لَديه شيئًا، ولا يَعْزُبُ عنه علمُ ما يَرْزُقُه. وإنما يُحاسبُ مَن يُعْطِى ما يُعْطِيهِ، مَن يَخْشَى النُّقصان من مُلْكِه

(1)

، بخُروج ما خرَج من عندِه بغيرِ حسابٍ معروفٍ، ومَن كان جاهلًا بما يُعطى على غيرٍ حسابٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)} .

أما قولُه: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} . فمعناه: عند ذلك - أي: عندَ رؤيةِ زكريا ما رأى عندَ مريمَ من رزقِ اللهِ الذي رَزَقها، وفَضْلِه الذي آتاها من غيرِ تَسَبُّبِ أحدٍ من الآدَميِّين في ذلك لها، ومُعايَنَتِه عندها الثمرةَ الرَّطْبة التي لا تكونُ في حين رؤيته إياها عندها في الأرض - طمع [في الولد]

(2)

مع كِبَر سِنِّه، من المرأةِ العاقرِ، فرَجا أن يَرْزُقه اللهُ منها الولدَ مع الحالِ التي هما بها، كما رزَق مريمَ على تَخَلِّيها من الناسِ ما رَزَقها؛ من ثمرةِ الصيفِ في الشتاءِ، وثمرة الشتاءِ في الصيفِ، وإن لم يكنْ مثلُه مما جَرَتْ بوجوده - في مثل ذلك الحين - العاداتُ في الأرضِ، بل المعروفُ في الناسِ غيرُ ذلك، كما أن ولادةَ العاقرِ غيرُ الأمرِ الجاريةِ به العاداتُ في الناسِ، فرَغِب إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه في الولدِ، وسأَله ذُرِّيَّةً طيبةً، وذلك أن أهلَ بيتِ زكريا - فيما ذُكر لنا - كانوا قد انقَرَضوا في ذلك الوقتِ.

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: فلمَّا رأى زكريا من حالها ذلك - يعنى فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، وفاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ - قال: إن رَبًّا أعطاها هذا في غيرِ حِينِه، لقادرٌ على أن يرزُقَنى ذُرِّيَّةً طيبةً.

(1)

بعده في ص: "ودخول" وبعده بياض بقدر كلمتين. ولعل سياقه هكذا "ودخول النفاد عليه بخروج

".

(2)

في ص: "بالولد".

ص: 360

ورَغِب في الولدِ، فقام فصلَّى، ثم دعا رَبَّه سرًّا، فقال:{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)} [مريم: 4 - 6]. وقال

(1)

: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} . وقال: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}

(2)

[الأنبياء: 89].

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرَني يعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فلما رأى ذلك زكريا - يعنى فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، وفاكهة الشتاءِ في الصيفِ عندَ مريم - قال: إن الذي يأتى بهذا مريمَ في غيرِ زمانِه، قادرٌ أن يرزُقَنى وَلَدًا. قال الله عز وجل:{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} . قال: فذلك حين دَعا

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عِكْرمة، قال: فدَخَل المحْرابَ، وغَلَّق الأبوابَ، وناجَى رَبَّه، فقال:{رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} إلى قوله: {رَبِّ رَضِيًّا} . {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} الآية [آل عمران: 39].

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعض أهل

(1)

النسخ: "قوله". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 641 (3450) من طريق عمرو به مختصرًا.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 20 إلى المصنف.

ص: 361

العلمِ، قال: فَدَعا زكريا عندِ ذلك بعد ما أسَنَّ، ولا ولدَ له، وقد انْقَرَض أهلُ بيتِه، فقال:{رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} . ثم شَكا إلى رَبِّه، فقال:{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} إلى {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} . {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} الآية.

وأما قولُه: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} . فإنه يعنى بالذُّرِّيَّةِ النَّسلَ، وبالطَّيبةِ المباركةَ.

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} . يقولُ: مباركةً

(1)

.

وأما قوله: {مِنْ لَدُنْكَ} . فإنه يعنى: مِن عندِك.

وأما الذُّرِّيةُ، فإنها جَمْعٌ، وقد تكون في معنى واحدٍ

(2)

، وهي في هذا الموضعِ واحدٍ

(2)

. وذلك أن الله عز وجل قال في موضعٍ آخَرَ مُخْبِرًا عن دعاءِ زكريا: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5]. ولم يَقُلْ: أولياءَ. فدلَّ على أنه سأل واحدًا، وإنما أَنَّثَ {طَيِّبَةً} لتأنيثِ الذُّرِّيةِ، كما قال الشاعرُ

(3)

:

أبوك خَلِيفةٌ وَلَدَتْه أُخْرى

وأنت خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ

فقال: وَلَدَتْه أُخْرَى. فأَنَّث وهو ذكرٌ؛ لتأنيث لفظ "الخليفة"، كما قال الآخر

(4)

:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 641 (3451) من طريق عمرو به.

(2)

في م: "الواحد".

(3)

معاني القرآن للفراء 1/ 208، واللسان (ف ل ح، خ ل ف).

(4)

معاني القرآن للفراء 1/ 208، واللسان (س ك ت).

ص: 362

فما

(1)

تَزْدَرِى

(2)

مِن حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ

سُكاتٍ

(3)

إذا ما عَضَّ ليس بأَدْرَدَا

(4)

فأَنَّثَ الجَبَلِيَّة لتأْنيثِ لفظِ الحَيَّة، ثم رجَع إلى المعنى فقال: إذا ما عَضُ؛ لأنه كان أراد حَيَّةً ذَكَرًا. وإنما يجوزُ هذا فيما لم يقع عليه: "فلانٌ" من الأسماءِ، كالدَّابةِ والذُّرِّيةِ والخَليفةِ، فأما إذا سُمِّي رجلٌ بشيءٍ من ذلك، فكان في معنى "فلان" لم يَجُزْ تأنيثُ فعله ولا نَعْتِه.

وأما قولُه: {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} . فإن معناه: إنك سامعٌ الدعاءَ. غيرَ أن {سَمِيعُ} أمْدَحُ، وهو بمعنى: ذو سَمْعٍ له.

وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرة أن معناه: إنك تَسْمَعُ مَا تُدْعَى به.

فتأويلُ الآية: فعند ذلك دعا زكريا رَبَّه فقال: ربِّ هَبْ لى من عندِك ولدًا مبارَكًا، إنك ذو سمعٍ دُعاءَ مَن دَعاك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} .

اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ، وبعضُ أهل الكوفة والبصرةِ:{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} على التأنيثِ بالتاءِ

(5)

، يرادُ بها جمعُ

(6)

الملائكةِ. وكذلك تَفعَلُ العرب في جماعةِ الذُّكور إذا تَقَدَّمَت أَفعالها، أَنَّثَت أفعالها، ولا سيما الأسماءُ التي في ألفاظِها التأنيثُ، كقولهم: جاءَت الطَّلْحاتُ.

(1)

في النسخ: "كما". والمثبت من مصدرى التخريج.

(2)

في م، ت 1، س:"يزدري".

(3)

في م: "سكاب"، وفى س:"سكان". وحية سكات وسَكُوت: إذا لم يشعر به الملسوع حتى يلسعه. اللسان (س ك ت).

(4)

الأدرد: الذي ليس في فمه سنٌّ. واللسان (درد).

(5)

وهى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبي عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد 205.

(6)

في ص، س:"جميع".

ص: 363

وقد قرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الكوفةِ بالياءِ

(1)

، بمعنى: فَناداه جبريلُ. فذَكَّروه للتأويل، كما قد ذكَرنا آنفًا أنهم يُؤنِّثون فعلَ الذَّكَرِ لِلَّفظ، فكذلك يذكِّرون فعلَ المؤنثِ أيضًا لِلَّفظِ.

واعتَبَروا ذلك فيما أرَى بقراءةٍ يُذكَرُ أنها قراءةُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ.

وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بن الحَجَّاج، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أَبي حَمَّادٍ، أن قراءةَ ابن مسعودٍ:(فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وهو قَائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرَابِ)

(2)

.

وكذلك تَأوَّلَ قوله: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} . جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني، موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ}

(3)

: وهو جبريل - أو: قالت الملائكة: وهو جبريلُ: - {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى}

(4)

.

فإن قال قائلٌ: وكيف جاز أن يقالَ على هذا التأويلِ: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} والملائكةُ جمعٌ لا واحدٌ؟

قيل: ذلك جائزٌ في كلامِ العربِ، بأن تُخْبِرَ عن الواحدِ، بمذهبِ الجمعِ، كما يقالُ في الكلامِ: خَرَج فلانٌ على بغالِ البُرُدِ. وإنما رَكِب بغلًا واحدًا، ورَكب

(1)

وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص 205.

(2)

ينظر المحرر الوجيز 2/ 400، وينظر البحر المحيط 2/ 446.

(3)

في ص، ت 1:"فناداه الملائكة".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 641 (3453) من طريق عمرو بن حماد به.

ص: 364

السُّفُن. وإنما رَكِب سفينةً واحدةً، وكما يقالُ: ممن سمِعْتَ هذا الخبرَ؟ فيقالُ: من الناسِ. وإنما سَمِعه من رجلٍ واحدٍ. وقد قيل: إن منه قولَه: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173]. والقائلُ كان فيما ذُكِر واحدًا، وقولَه:{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ} [الروم: 33]. والناسُ بمعنَى واحدٍ، وذلك جائزٌ عندهم فيما لم يُقْصَدْ فيه قَصْدُ واحدٍ.

وإنما الصوابُ من القولِ عندى في قراءةِ ذلك أنهما قراءتان معروفتان - أعنى التاء والياءَ - فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمُصِيبٌ؛ وذلك أنه لا اختلافَ في معنى باختلافِ القراءتَين، وهما جميعًا فَصِيحتان عندَ العربِ، وذلك أن الملائكةَ إن كان مُرَادًا بها جبريل، كما رُوِى عن عبدِ اللهِ، فإن التأنيثَ في فعلِها فصيحٌ في كلامِ العرب، لِلَفْظِها إن تَقدَّمَها الفعلُ، وجائزٌ فيه التذكيرُ لمعناها، وإن كان مُرادًا بها جمعُ الملائكةِ، فجائزٌ في فعلِها التأنيثُ وهو

(1)

قَبلَها لِلفْظها، وذلك أن العربَ إذا قدَّمت على الكثيرِ من الجماعةِ فعْلَها أَنَّثَتْه، فقالت: قالت النساءُ. وجائزٌ التذكيرُ في فعلِها بناءً على الواحدِ إذا تقَدَّم فعله، فيقال: قال الرجالُ.

وأما الصوابُ من القولِ في تأويلِه، فأنْ يقال: إن الله جلَّ ثناؤه أخبرَ أن الملائكةَ نادَته، والظاهرُ من ذلك أنها جماعةٌ من الملائكةِ دونَ الواحدِ، وجبريلُ واحدٌ، فلن يجوزَ أن يُحْمَلَ تأويلُ القرآنِ إلا على الأظهرِ الأكثرِ من الكلامِ المُستعملِ في أَلْسُنِ العربِ دونَ الأقلِّ، ما وُجد إلى ذلك سبيلٌ، ولم تَضْطَرَّنا حاجةٌ إلى صَرْفِ ذلك إلى أنه بمعنى واحدٍ، فيُحْتاج له إلى طَلَبِ المَخْرَجِ بالخفيِّ من الكلامِ والمعانى.

وبما قُلنا في ذلك من التأويلِ قال جماعةٌ من أهل العلم؛ منهم قتادةُ والربيع ابن

(1)

بعده في م: "من".

ص: 365

أنسٍ وعِكرمةُ ومجاهدٍ وجماعةٌ غيرُهم، وقد ذكَرنا ما قالوا من ذلك فيما مَضَى.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} .

وتأويلُ قوله: {وَهُوَ قَائِمٌ} : فنادَته الملائكةُ في حالِ قِيامِهِ مُصَلِّيًّا. فقوله: {وَهُوَ قَائِمٌ} خبرٌ عن وقتِ نداء الملائكةِ زكريا.

وقوله: {يُصَلِّي} . في موضعِ نصبٍ على الحالِ من "القيام"، وهو رَفْعٌ بالياء.

وأما المِحْرابُ، فقد بَيَّنا معناه وأنه مُقَدَّمُ المسجدِ

(1)

.

واختلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} ؛ فقرأته عامةُ القَرَأَةِ: {أَنَّ اللَّهَ} بفتحِ الألفِ من {أَنَّ}

(2)

، بوقوعِ النداءِ عليها، بمعنى: فنادَته الملائكةُ بذلك.

وقرَأه بعضُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ: (إن الله يَبْتُركَ) بكَسْرِ الألف

(3)

، بمعنى: قالت الملائكةُ: إن الله يُبَشِّرُكَ. لأن النداء قولٌ، وذكروا أنها في قراءة عبدِ اللهِ:(فنادته الملائكةُ وهو قائمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ: يا زكريا إن الله يُبَشِّرُك)

(4)

. قالوا: وإذا بَطَل النداءُ أن يكون عاملًا في قوله: (يا زكريا). فباطلٌ أيضًا أن يكون عاملًا في "إنَّ".

والصوابُ من القراءة في ذلك عندنا

(5)

: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} بفتح {أَنَّ} ، بوقوعِ النداء عليه، بمعنى: فَنَادَته الملائكة بذلك.

(1)

ينظر ما تقدم في ص 358.

(2)

قرأ بها عاصم والكسائي وأبو عمرو ونافع وابن كثير. السبعة لابن مجاهد ص 205.

(3)

قرأ بها حمزة وابن عامر. المصدر السابق.

(4)

ينظر المصاحف لابن أبي داود ص 59.

(5)

كلتا القراءتين صواب متواتر.

ص: 366

وليست العلَّةُ التي اعتلَّ بها القارِئون بكسرِ "إن"، مِن أَنَّ عبد الله كان يقرَؤُها كذلك، [فقرَءُوها كذلك]

(1)

؛ وذلك أنَّ عبدَ اللهِ إن كان قرَأ ذلك كذلك، فإنما قرَأها - بزعمهم - وقد اعتَرَض [بـ (يا]

(2)

زكريا) بين (إن)، وبينَ قوله {فَنَادَتْهُ} وإذا اعتُرِض به بينهما، فإن العربَ تُعْمِلُ حينئذٍ النداء في "أن"، وتُبْطِلُه عنها. أما الإبطالُ؛ فلأنّه

(3)

بطل عن العمل في المُنادى قبله، فأسْلكوا الذي بعدَه مَسْلكَه في بُطولِ عملِه. وأمّا الإعمالُ؛ فلأنَّ النداءَ فعلٌ واقعٌ

(4)

كسائرِ الأفعالِ.

وأما قراءتُنا، فليس نداءُ زكريا بـ (يا زكريا) مُعْتَرَضًا به بينَ {أَنَّ} وبين قوله:{فَنَادَتْهُ} ، وإذ لم يكن ذلك بينهما، فالكلام الفصيح من كلام العربِ إذا

(5)

نصَبَت بقول: ناديت. اسمَ المنادى وأوقعوه عليه، أن يوقِعوه كذلك على "أن" بعده، وإن كان جائزًا إبطالُ عمله. فقولُه:{فَنَادَتْهُ} قد وقع على مَكْنِيِّ "زكريّا"، فكذلك الصوابُ أن يكون واقعًا على {أَنَّ} وعاملًا فيها، مع أن ذلك هو القراءةُ المُستفيضة في قرأة أمصارِ الإسلام، ولا يُعتَرضُ بالشاذِّ على الجماعة التي تجيءُ مَجِيءَ الحُجَّةِ

(6)

.

وأما قوله: {يُبَشِّرُكَ} . فإن القرأَةَ اختلَفت في قراءتِهِ؛ فَقَرَأَته عامةُ قَرَأَةِ أهل المدينةِ والبصرة: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} بتَشْدِيدِ الشينِ وضَمِّ الياءِ

(7)

، على وَجْهِ

(1)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، س. ولعل صواب السياق أن يكون بعدها: لهم بعلة.

(2)

في ص، ت 1، س:"بهذا"، وفي ت 2:"بهتا".

(3)

في م: "فإنه".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س:"رافع". والفعل الواقع هو الفعل المتعدى.

(5)

في م: "إذ".

(6)

تقدم أن القراءتين متواترتان.

(7)

قرأ بها نافع وابن عامر وعاصم وابن كثير وأبو عمرو. السبعة لابن مجاهد ص 205، 206.

ص: 367

تَبْشيرِ اللهِ زكريّا بالولد، من قولِ الناسِ: بَشَّرَتْ فلانًا البُشْرَى بكذا وكذا. أي: أتَتْه بشاراتُ البُشَرَاءِ

(1)

بذلك.

وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قَرأَةِ الكوفة وغيرُهم: (إِنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ) بفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشين وتخْفيفِها

(2)

، بمعنى أن الله يَسُرُّكَ بولدٍ يَهَبُهُ لك، من قول الشاعرِ

(3)

:

بَشَرْتُ عِيالى إِذْ رأيتُ صَحِيفةً

أَتَتْكَ مِن الحَجاجِ يُتْلَى كِتابُها

وقد قيل: إِنَّ "بَشَرْتُ" لغةُ أهلِ تِهامةَ مِن كِنانةَ وغيرهم من قريشٍ، وأنهم يقولون: بَشَرْتُ فلانًا بكذا، فأنا أبشُرُه بَشْرًا. و: هل أنتَ باشِرٌ بكذا؟ ويُنشَدُ لهم البيت في ذلك

(4)

:

وإذا رأيتَ الباهِشِين

(5)

إلى العُلا

غُبْرًا أَكُفُّهُمُ بِقاعٍ مُمْحِلِ

فَأَعِنْهُمُ وَابْشُرْ بَمَا بَشَرُوا به

وإذا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلِ

فإذا صارُوا إلى الأمر، فالكلامُ الصحيحُ من كلامِهم [بلا ألفٍ]

(6)

فيقالُ: ابشُرْ فلانًا بكذا. ولا يَكادُون يقولون: بشِّرْه بكذا. ولا: أبشِرْه.

وقد رُوِى عن حُمَيدِ بن قيسٍ أنه كان يقرأُ: (يُبْشِرُكَ) بضمِّ الياء، وكَسْرِ الشين وتخفيفها

(7)

.

(1)

النسخ: "البشرى"، والمثبت من معاني القرآن للفراء 1/ 212.

(2)

وهى قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 206.

(3)

معاني القرآن للفراء 1/ 212.

(4)

البيت لعبد قيس بن خقاف البرجمى، وهو في معاني القرآن للفراء 1/ 212. والمفضليات ص 385، والأصمعيات ص 230.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س:"الناهشين". والبَهْش: المسارعة إلى أخذ الشيء. تاج العروس (ب هـ ش).

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"بالألف".

(7)

مختصر الشواذ لابن خالويه ص 26.

ص: 368

وقد حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حَمَّادٍ، عن مُعاذٍ الكُوفيِّ، قال: مَن قرَأ: {يُبَشِّرُهُمْ} [التوبة: 21]. مُثَقَّلَةً، فإنه من البِشارةِ. ومَن قرَأ:(يَبشُرُهم). مُخَفَّفَةٌ بنَصْبِ الياء، فإنه من السرور يَسُرُّهم

(1)

.

والقراءةُ التي هي القراءةُ عندنا في ذلك ضَمُّ الياء وتشديدُ الشين، بمعنى التَّبشير؛ لأن ذلك هي اللغةُ السائرةُ والكلامُ المستفيضُ المعروفُ في الناسِ، مع أنّ جميعَ قرأةِ الأمصارِ مُجْمِعون في قراءة:{فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الحجر: 54]. على التشديدِ.

والصوابُ في سائرِ ما في القرآنِ مِن نظائرِه أن يكونَ مثلَه في التشديدِ وضَمِّ الياء.

وأما ما رُوى عن معاذٍ الكوفيِّ مِن الفرق بينَ معنى التخفيفِ والتشديدِ في ذلك، فلم نَجِدْ أهلَ العلمِ بكلامِ العربِ يَعْرِفونه من وجهٍ صحيحٍ، فلا معنَى لما حُكِى من ذلك عنه، وقد قال جريرُ بنُ عطيةَ

(2)

:

يا بِشْرُ حُقَّ لوجْهِكَ

(3)

التَّبْشِيرُ

هَلَّا غَضبتَ لنا وأنت أميرُ

فقد عُلِم أنه أراد بقوله: التبشيرُ. الجمالَ والنَّضارة والسرور. فقال: التبشيرُ. ولم يقل: البِشْرُ. فقد بيَّن ذلك أن معنَى التخفيفِ والتثقيلِ في ذلك واحدٌ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قوله:{أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} . قال: شافَهَتْه

(4)

الملائكةُ بذلك

(5)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 21 إلى المصنف.

(2)

ديوانه 1/ 366.

(3)

في م: "لبشرك"

(4)

في ص، ت 2:"سا" وبعده بياض بقدر نصف كلمة، وفى م، ت 3:"بشرته"، وفى ت 1:"قال"، وفى س:"ثنا بذا"، والمثبت مما سيأتي في ص 386، وهى كذلك في تفسير عبد الرزاق.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 120.

ص: 369

وأما قولُه: {بِيَحْيَى} . فإنه اسمٌ أَصلُه

(1)

"يَفْعَلُ"، مِن قولِ القائلِ: حَيِيَ فلانٌ فهو يَحْيَا، وذلك إذا عاش. فـ"يَحْيى""يَفْعَلُ"، من قولِهم: حَيِىَ. وقيل: إن الله جلَّ ثناؤُه سمّاه بذلك لأنه يُتأَوَّلُ اسمُه: أحياه بالإيمانِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} . يقولُ: عبدٌ أحياه الله بالإيمان

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ قولَه:{أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} . قال: إنَّما سُمِّي يَحْيَى

(3)

لأن الله أحياه بالإيمانِ

(4)

.

‌القولُ في تأويلُ قولِه: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} .

يعنى بذلك

(5)

جلَّ ثناؤُه: إن الله يُبَشِّرُك يا زكريا بيحيى ابنًا لك، مصدِّقًا بكلمةٍ من الله. يعْني: بعيسى ابن مريمَ.

ونُصِب قولُه: {مُصَدِّقًا} على القطع من "يحيَى"؛ لأنّ {مُصَدِّقًا} نعتٌ له وهو نكرةٌ، و "يحيَى" غيرُ نكرةٍ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، قال: ثنا

(1)

في م: "صلة".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 641 (6455) من طريق شيبان، عن قتادة.

(3)

بعده في ص، ت 2:"قال".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 642 (3457) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.

(5)

في م، ت 2، ت 3، س:"بقوله".

ص: 370

النَّضْرُ بنُ عَربيٍّ، عن مجاهدٍ، قال: قالت امرأةُ زكريا لمريمَ: إني أَجِدُ الذي في بطنِي يَتَحَرَّكُ للذى في بطنِك. قال: فوضَعت امرأةُ زكريا يحيَى، ومريمُ عيسى؛ ولذا قال:{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . قال: يحيَى مُصَدِّقٌ بعيسى

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن الرَّقاشيِّ في قولِ اللهِ:{يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . قال: مُصَدَّقًا بعيسى ابن مريمَ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله

(3)

.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قَتادةُ في قولِه: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . قال: مُصَدِّقًا بعيسى.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . يقولُ: مُصَدِّقٌ بعيسى ابن مريمَ، وعلى سُنَّتِه

(4)

ومِنهاجه.

حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنَا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قوله:{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . يعْنى: بعيسى ابن مريمَ

(5)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة:{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . يقولُ: مصدقًا بعيسى ابن مريم. يقولُ: على

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 21 إلى المصنف.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 642 عقب الأثر (3458) معلقا.

(3)

تفسير مجاهد ص 251.

(4)

في م: "سننه".

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 120، ومن طريقه ابن عساكر 64/ 175.

ص: 371

سَنَنِه

(1)

ومنهاجه.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع:{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . قال: كان أَوَّلَ رجلٍ صدَّقَ عيسى، وهو كلمةٌ من الله ورُوحٌ

(2)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} : يُصَدِّقُ بعيسى

(3)

.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} : كان يحيى أولَ مَن صدَّق بعيسى، وشهِد أنه كلمةٌ مِن اللهِ، وكان يحيى ابنَ خالةِ عيسى، وكان أكبرَ مِن عيسى

(4)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباسٍ قوله:{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . قال: عيسى ابن مريمَ هو الكلمةُ من اللهِ، اسمُه المسيحُ

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبرني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . قال: كان عيسى ويحيى ابنَىْ خالةٍ، وكانت أمُّ يحيَى تقول لمريم: إنى أَجِدُ الذي في بطنى يَسْجُدُ للذي في

(1)

السَّنَن: الطريقة. اللسان (س ن ن).

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 642 عقب الأثر (3458) من طريق ابن أبي جعفر به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 642 عقب الأثر (3458) من طريق عمرو بن حماد به.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 21 إلى المصنف.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 642 (3458) من طريق وكيع به.

ص: 372

بطنِك، فذلك تصديقُه بعيسى، سجودُه

(1)

في بطنِ أمِّه، وهو أولُ من صدَّق بعيسى وكلمةِ عيسى، ويحيَى أكبرُ مِن عيسى

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . قال: الكلمةُ

(3)

التي صدَّق بها عيسى

(4)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لقِيتْ أمُّ يحيى أمَّ عيسى، وهذه حاملٌ بيحيى وهذه حاملٌ بعيسى، فقالت امرأةُ زكريا: يا مريمُ، أُشْعِرْتُ أنى حُبْلى. قالت مريم: أُشْعِرْتُ أني أيضًا حُبْلى. قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطنى يَسْجُدُ لما في بطنك. فذلك قولُه: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ}

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ بَشَّارٍ

(6)

، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ في قول الله:{أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} . قال: مُصدِّقًا بعيسى ابن مريمَ

(7)

.

وقد زعم بعضُ أهل العلم بلغاتِ العربِ مِن أهل البصرة

(8)

، أن معنى قوله:

(1)

في تفسير ابن كثير: "تصديقه له".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 30 عن ابن جريج، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 21 إلى المصنف.

(3)

سقط من: س، وفى ص، ت 1، ت 2:"كلمة".

(4)

ينظر تفسير ابن كثير 2/ 30.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 21 إلى المصنف.

(6)

في: "سنان".

(7)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 642 عقب الأثر (3458) معلقا.

(8)

هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 91.

ص: 373

{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} : بكتابٍ من الله. من قولِ العرب: أنشَدني فلانٌ كلمة كذا. يُرادُ به قصيدة كذا. جهلًا منه بتأويل الكلمة، واجتراءً على ترجمة القرآن برأيه.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَسَيِّدًا} .

يَعْنى بقوله جلَّ ثناؤُه: {وَسَيِّدًا} : وشريفًا في العلم والعبادة.

ونصِب "السيدُ" عطفًا على قوله: {مُصَدِّقًا} .

وتأويل الكلام، أنّ الله يُبشِّرُكَ بيحيى مصدِّقا بهذا وسيِّدًا.

والسيِّدُ الفَيْعِلُ

(1)

، مِن قول القائل: ساد يَسُودُ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَسَيِّدًا} : إى والله، لسيّدٌ في العبادةِ والحِلْم والعلم والوَرَعِ

(2)

.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمان

(3)

، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادة في قوله: {وَسَيِّدًا} . قال: السيّد - لا أَعْلَمُه إلا قال -: في العلم والعبادة

(3)

.

حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قال: السيّد الحليمُ

(4)

.

حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن شريك، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيد بن جُبيرٍ:{وَسَيِّدًا} . قال: الحليمُ

(5)

.

(1)

في ت 1، س:"الفعيل".

(2)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 404.

(3)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 404، والقرطبي في تفسيره 4/ 77، وابن كثير في تفسيره 2/ 30.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 642 عقب الأثر (3459) معلقا.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 8/ 337، 11/ 562، وابن عساكر في تاريخه 64/ 176 من طريق وكيع به.

ص: 374

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{وَسَيِّدًا} قال: السيدُ التقِيُّ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَسَيِّدًا} . قال: السيّدُ الكريمُ على الله

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: زعَمَ الرَّقاشِيُّ أن السيدَ الكريمُ على الله

(3)

.

حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَسَيِّدًا} ، قال: السيد الحليم التقيُّ

(4)

.

حدِّثت عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعت الضحّاكَ يَقُولُ في قوله: {وَسَيِّدًا} . قال: يقول: تقيًّا حليمًا

(5)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهديٍّ، عن سفيان في قولِه:{وَسَيِّدًا} . قال: حليمًا تقيًّا

(6)

.

(1)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 64/ 176 من طرق عن شريك به بألفاظ مختلفة.

(2)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 64/ 176 من طريق ابن أبي نجيح به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 643 (3462) من طريق ابن أبي نجيح، عن الرقاشي.

(4)

أخرجه الخرائطى في المنتقى (266) من طريق هشيم به.

(5)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 64/ 178 من طريق جوبير، عن الضحاك.

(6)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 64/ 179 من طريق سعيد بن عبد الرحمن، عن سفيان.

ص: 375

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، عن ابن زيدٍ في قوله:{وَسَيِّدًا} . قال: السيد الشريفُ

(1)

.

حدَّثني سعيد بن عمرو السَّكُونيُّ

(2)

، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليد، عن عبدِ الملكِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب في قولِ اللهِ عز وجل:{وَسَيِّدًا} . قال: السيدُ الفقيهُ العالمُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَسَيِّدًا} . قال: يقولُ: حليمًا تقيًّا

(3)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عِكْرمة:{وَسَيِّدًا} . قال: السيد الذي لا يَغْلبه الغضبُ

(4)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)} .

يعنى بذلك مُمْتَنِعًا مِن جِماعِ النساء، مِن قول القائل: حَصِرْتُ مِن كذا أحْصَرُ. إذا امْتَنَع منه، ومنه منه قولُهم: حَصِر فلانٌ في قراءتِه. إذا امتنع من القراءة فلم يَقْدِرْ عليها، وكذلك حَصْرُ العدوِّ: حبْسُهم الناسَ ومَنْعُهم إياهم التصرُّف. ولذلك قيل للذى لا يُخْرِجُ مع نُدَمائه

(5)

شيئًا: حَصُورٌ. كما قال الأخطلُ

(6)

:

(1)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 404.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"السكرى". وينظر تهذيب الكمال 11/ 17.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 642 (3459) عن محمد بن سعد به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 642 (3460)، والخرائطى في المنتقى (265)، وابن عساكر في تاريخه 64/ 177، 178 من طريق أبي بكر الهذلي به.

(5)

الندماء: جمع نديم، وهو الجالس على الشراب. اللسان (ن د م).

(6)

شرح ديوانه ص 79.

ص: 376

وَشارِبٍ مُرْبحٍ

(1)

بالكأس نادَمَنى

لا بالحَصُورِ ولا فيها بسَوَّارِ

(2)

ويُرْوَى: بسَآرِ

(3)

. ويقالُ أيضًا للذى لا يُخْرِجُ سرَّه ويَكْتُمُه: حَصُورٌ. لأنه يَمْنَعُ سِرَّه أَن يَظْهَرَ، كما قال جريرٌ

(4)

:

ولقد تَسَقَّطَنى

(5)

الوُشاةُ فصادَفوا

حصِرًا بسرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِينَا

وأصل جميع ذلك واحدٌ، وهو المنعُ والحبسُ.

وبمثل الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن خلَفٍ، قال: ثنا حماد بنُ شُعَيبٍ، عن عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ في قوله:{وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} ، قال:[الحصورُ الذي لا يأتى النساء]

(6)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب أنه قال: ثنى ابن العاصِ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلُّ بنى آدم يأتى يوم القيامة وله ذنبٌ، إلا ما كان من يحيى بن زكريَّا". قال: ثم دلَّى رسول

(1)

في ص، ت 1، ت 2:"مرجح"، وفى س:"مزجج".

(2)

السَّوَّار: الذي تسور الخمر في رأسه سريعًا. تاج العروس (س و ر).

(3)

اسم فاعل على غير قياس عن: سأر وأسأر. وأسأر منه شيئًا: أبقاه وأفضله. التاج (س أ ر).

(4)

ديوانه 1/ 387.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"تساقطني"، وفى س:"ساقطنى". وتَسَقَّطَنى: طلب الوشاة سَقَطَه. التاج (س ق ط).

(6)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، وفى ص بياض بقدر كلمة.

والأثر أخرجه البيهقى 7/ 83 - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 64/ 175 - من طريق عاصم به.

ص: 377

الله صلى الله عليه وسلم يدَه إلى الأرضِ، فأخَذ عُويدًا صغيرًا، ثم قال:"وذلك أنه لم يَكُنْ له ما للرجال إلا مثل هذا العودِ، وبذلك سمّاه الله سيّدًا وحصورًا"

(1)

.

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا أَنسُ بنُ عِياض، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيَّبِ يقولُ: ليس أحدٌ إلا يَلْقَى الله يوم القيامة ذا ذَنْبٍ، إلا يحيى بن زكريا، كان حصورًا معه مثلُ الهَدْبة.

حدَّثنا أحمد بن الوليد القرشيُّ، قال: [ثنا محمدُ

(2)

بن جعفرٍ، قال]

(3)

: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيَّب، قال:[قال ابن العاص - إمّا عبدُ الله وإمّا أبوه -: ما أحدٌ يَلْقَى الله إلا وهو ذو ذنبٍ، إلا يحيى بن زكريا. قال: وقال سعيدُ بن المسيَّب]

(3)

: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} . قال: الحَصُورُ الذي لا يَغْشَى

(4)

النساءَ، ولم يَكُنْ ما معه إلا مثلُ هُدْبةِ الثوبِ

(5)

.

حدَّثني سعيد بن عمرو السَّكونيُّ، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ في قوله:{وَحَصُورًا} . قال: الحَصُورُ الذي لا يشتهى النساء. ثم ضرَب بيدِه إلى الأرضِ، فأخذ نواةً فقال: ما كان معه إلا مثل هذه.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (1913) من طريق سلمة به، وأخرجه الحاكم 2/ 373، وابن عساكر في تاريخه 64/ 174 من طريق ابن إسحاق به.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"عمر". وتقدم على الصواب في 3/ 489.

(3)

سقط من: س.

(4)

في س: "يشتهى".

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 11/ 561، 562، وأحمد في الزهد ص 90، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 643 (3465) من طريق يحيى بن سعيد به نحوه.

ص: 378

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: الحَصُورُ الذي لا يَأْتى النساءَ

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ مثله

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ مثلَه.

حدَّثني عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعة، قال: ثنا النَّضْرُ بن عَربيٍّ، عن مجاهدٍ:{وَحَصُورًا} . قال: الذي لا يَأْتى النساء

(3)

.

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحَصُورُ الذي

(4)

لا يَقْرَبُ النساء

(5)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شبلٌ، قال: زعم الرَّقاشيُّ: الحصورُ الذي لا يَقْرَبُ النساء.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحّاكِ: الحَصُورُ الذي لا يُولَدُ له، وليس له ماءٌ

(6)

.

حُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال سمعت أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ

(1)

تفسير سفيان ص 76، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 64/ 177.

(2)

تفسير مجاهد ص 252 عن عطاء به.

(3)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 64/ 178 من طريق سفيان، عن رجل، عن مجاهد.

(4)

سقط من: ص، م.

(5)

تفسير مجاهد ص 251 ومن طريقه البيهقى 7/ 83، وابن عساكر في تاريخه 64/ 177.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 644 (3468) من طريق جويبر به.

ص: 379

سليمان، قال: سمعت الضحّاك يقولُ في قوله: {وَحَصُورًا} . قال: هو الذي لا ماء له.

[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ

(1)

، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{وَحَصُورًا} : كنا نُحَدَّثُ أن الحصورَ الذي لا يَقْرَبُ النساء.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال]

(2)

: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} . قال: الحَصُورُ الذي لا يَأْتى النساء.

حُدِّثتُ عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة مثله.

حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه

(3)

.

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن قابوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الحصورُ الذي لا يُنْزِلُ الماءَ

(4)

.

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، عن ابن زيدٍ:{وَحَصُورًا} . قال: الحَصُورُ الذي لا يَأْتى النساءَ.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أسباط، السُّدِّيِّ:

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"سويد". وهو إسناد دائر.

(2)

سقط من: س.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 120، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 64/ 175.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 643 (3467)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 64/ 175 من طريق جرير به.

ص: 380

{وَحَصُورًا} . قال: الحصورُ الذي لا يُريدُ النساء.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنَانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسن:{وَحَصُورًا} . قال: الذي

(1)

لا يَقْرَبُ النساءَ

(2)

.

وأمَّا قوله: {وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} . فإنه يعنى: رسولًا لربِّه إلى قومه، يُنْبِئُهم عنه بأمرِه ونهيه، وحلالِه وحرامه، ويُبَلِّغُهم عنه ما أَرْسَله به إليهم.

ويعنى بقوله: {مِنَ الصَّالِحِينَ} : من أنبيائه الصالحين.

وقد دلَّلْنا فيما مضى على معنى "النبوَّةِ" وما أصلُها، بشواهدِ ذلك والأدلة الدالَّة على الصحيح من القول فيه بما أغْنَى عن إعادته

(3)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} .

يعنى أن زكريَّا قال إذ نادته الملائكةُ {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} -: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} . يعنى: مَن بلغ مِن السِّنِّ ما بلغتُ لم يُولَدْ له، {وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} والعاقرُ من النساء التي لا تَلِدُ. يقال منه: امرأَةٌ عاقرٌ، ورجلٌ عاقرٌ. كما قال عامر ابن الطُّفَيْل

(4)

:

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2.

(2)

ينظر التبيان 2/ 452.

وقال القاضي في الشفا 1/ 116: اعلم أن ثناء الله على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم: إنه كان هَيُوبا، أولا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا نليق بالأنبياء، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها، كأنه حصر عنها

وينظر تفسير ابن كثير 2/ 31.

(3)

ينظر ما تقدم في 2/ 30، 31.

(4)

مجاز القرآن 1/ 92.

ص: 381

لَبِئْسَ الفتَى إن كنتُ أعورَ عاقرًا

جبَانًا فما عُذْرِى لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ

وأمَّا "الكِبَرُ" فمصدرُ: كبِر فلانٌ فهو يَكْبَرُ كِبَرًا.

وقيل: {بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} . وقد قال في موضعٍ آخر: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ} [مريم: 8]؛ لأنّ ما بلغك فقد بلَغتَه، وإنما معناه: قد كَبِرْتُ. وهو كقول القائل: قد بلَغني الجهدُ. بمعنى: إني في جَهْدٍ.

فإن قال قائلٌ: وكيف قال زكريا، وهو نبيُّ الله:{رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} . وقد بشَّرَتْه الملائكةُ بما بشَّرَتْه به عن أمرِ اللهِ إيَّاها به؟ أشَكَّ في صدقهم؟ فذلك ما لا يجوز أن يُوصَفَ به أهلُ الإيمان باللهِ، فكيف الأنبياء والمرسلون؟ أم كان ذلك منه استنكارًا لقدرة ربِّه، فذلك أعظمُ في البَلِيَّةِ؟

قيل: كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم على غير ما ظننت، بل كان قيلُه ما قال من ذلك كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: لمَّا سمِع النداءَ - يعني زكريا لمّا سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيَى - جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطانِ يَسْخَرُ بك، ولو كان من الله أوحاه إليك كما يُوحى إليك في غيرِه مِن الأمرِ. فشكَّ مكانه وقال:{أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} ذَكَرٌ؟ يقولُ: مِن أينَ {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ}

(1)

؟

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عِكْرمة، قال: فأتاه الشيطانُ، فأراد أن يُكَدِّر

(2)

عليه نعمة ربِّه، فقال: هل تدرى

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 644 (3473) من طريق عمرو به.

(2)

في ت 2، ت 3:"يكذب".

ص: 382

من ناداك؟ قال: نعم، نادَتْني

(1)

ملائكةُ ربِّي. قال: بل ذلك الشيطانُ، لو كان هذا

(2)

من ربِّك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءَك. فقال: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً}

(3)

.

فكان قوله ما قال من ذلك، ومراجعته ربَّه فيما راجَعَ فيه بقوله:{أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} . للوسوسة التي خالطت قلبه من الشيطان، حتى خَيَّلت إليه أن النداء الذي سمعه كان نداءً مِن غير الملائكة فقال:{أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} . مُسْتَثْبتًا فِي أمرِه، ليَتَقَرَّرَ عندَه بآيةٍ، يُرِيه اللهُ في ذلك أنه بشارةٌ مِن الله على ألسن ملائكته، ولذلك قال:{رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} .

وقد يجوز أن يكونَ قِيلُه ذلك مسألةً منه ربَّه: من أيِّ وجهٍ يكون الولدُ الذي بُشِّر به، أمِن زوجته؟ فهى عاقرٌ، أم من غيرها من النساء؟ فيكونُ ذلك على غير الوجه الذي قاله عكرمةُ والسُّدِّيُّ ومَن قال مثل قولهما.

‌القولُ في تأويل قوله: {كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} .

يعنى جلّ ثناؤه بقوله: {كَذَلِكَ اللَّهُ} : أيْ هو: ما وصَف به نفسَه أنه هيِّنٌ عليه أن يَخْلُقَ ولدًا من الكبير الذي قد يئِس من الولد، ومن العاقرِ التي لا يُرْجَى من مثلها الولادةُ، كما خلقك يا زكريا من قبل خلق الولد منك ولم تك شيئًا؛ لأنه الله الذي لا يَتَعَذَّرُ عليه خلق شيءٍ أراده، ولا يمتنع عليه فعلُ شيءٍ شاءه؛ لأن قدرته القدرة التي لا يُشْبهها قدرةٌ.

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ، قال:

(1)

في م، ت 1، س:"ناداني".

(2)

في س: "نداء".

(3)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 408، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 22 إلى المصنف.

ص: 383

{كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} ، {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9]

(1)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} .

يعْنى بذلك جلّ ثناؤُه - خبرًا عن زكريا -: قال زكريا: ربِّ إن كان هذا النداءُ الذي نُودِيتُه، والصوتُ الذي سمِعته صوت ملائكتك، وبشارةً منك لى، فاجعل لى {آيَةً} ، يقولُ: علامةً أن ذلك كذلك؛ لِيَزُولَ عنِّي ما قد وَسْوَسَ إليَّ الشيطانُ فألقاه في قلبي، من أن ذلك صوتُ غير الملائكة، وبشارةٌ مِن [عندِ غيرك]

(2)

.

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} قال: قال

(3)

- يعني زكريا -: يا ربِّ، فإن كان هذا الصوتُ منك فاجعلْ لى آية

(4)

.

وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى "الآية" وأنها العلامةُ، بما أغْنَى عن إعادتِه

(5)

.

وقد اخْتلف أهلُ العربية في سبب ترك العرب همزَها، ومن شأنها همزُ كلِّ ياءٍ جاءت بعد ألفٍ ساكنةٍ؛ فقال بعضُهم: تُرِك همزها لأنها كانت "أَيَّةً"، فثقُل عليهم التشديدُ، فأبْدَلوه ألفًا؛ لانفتاح ما قبلَ التشديد، كما قالوا: أيْما فلانٌ فأخزاه الله.

وقال آخرون منهم: بل هي "فاعلةٌ" منقوصةٌ. فسُئلوا، فقيل لهم: فما بالُ العرب تُصَغِّرُها "أُيَيَّةً"، ولم يقولوا:"أُويَّةً"؟ فقالوا: قيل ذلك كما قيل في

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 644 (3473) من طريق عمرو به.

(2)

في س: "عندك".

(3)

سقط من: س.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 645 (3475) من طريق عمرو به.

(5)

ينظر ما تقدم في 1/ 104.

ص: 384

فاطمةَ: هذه فُطَيمة. فقيل لهم: فإنهم إنما

(1)

يُصغِّرون "فاعلةٌ" على "فُعَيْلةٍ"، إذا كان اسمًا في معنى فلانٍ وفلانةً، فأمَّا في غير ذلك، فليس من تصغيرهم "فاعلة" على "فُعَيْلَةٍ".

وقال آخرون: إنه "فَعْلَةٌ"، صُيِّرت ياؤُها الأُولى ألفًا كما فعل بـ "حاجةٍ" و "قامةٍ". فقيل لهم: إنما تَفْعَلُ العرب ذلك في أولاد الثلاثة

(2)

.

وقال مَن أنْكر ذلك من قبلهم: لو كان كما قالوا لقيل في نواةٍ: "نايةٌ". وفى حياةٍ: "حايَةٌ".

‌القولُ في تأويلِ قوله: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} .

فعاقبه

(3)

الله عز وجل فيما ذُكر لنا - بمسألته الآيةَ، بعد مشافهة الملائكةِ إيَّاه بالبِشارةِ، فجعَل آيته على تَحْقيقِ

(4)

ما سمِع مِن البشارةِ من الملائكةِ بيحيى أنه مِن عندِ الله، آيةً مِن نفسه، جمَع تعالى ذكرُه بها العلامة التي سألها ربَّه، على ما يُبَيِّنُ له حقيقة البِشارةِ أنها من عندِ اللهِ، وتمحيصًا له من هَفْوتِه، وخطأ قيله ومسألته.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {رَبِّ اجْعَلْ لِي

(1)

سقط من: م.

(2)

أولاد الثلاثة وبنات الثلاثة: الاسم الثلاثى. وينظر الكتاب لسيبويه 3/ 426، وشرح المفصل لابن يعيش 5/ 122، واللسان (أ ي ا).

(3)

في س: "فعاتبه".

(4)

في م، ت 2، ت 3، س:"تخصيص".

ص: 385

آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا}: إنما عُوقب بذلك لأن الملائكة شافَهَتْه مُشافهةً بذلك فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إيَّاه، فأُخذ عليه بلسانه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلام إلا ما أؤمأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره كما تسْمعون:{آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} .

حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله:{أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} . قال: شافَهَتْه الملائكةُ، فقال:{رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} . يقول: إلا إيماءً، وكانت عقوبةً عُوقِب بها، إذ سأَل الآيةَ مع مشافهةِ الملائكةِ إيَّاه بما بشَّرتْه به

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله:{رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} . قال: ذُكِر لنا - والله أعلم - أنه عوقب لأن الملائكة شافَهَتْه مُشافهةً فبشَّرَتْه بيحيي، فسأل الآيةَ بعدُ فأُخِذ بلسانه

(2)

.

حُدِّثتُ عن عَمّار بن الحسن، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: ذُكر لنا - والله أعلم - أنه عُوقِب لأن الملائكة شَافَهَتْه فبشَّرَتُه بيحيى، قالت:{أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} . فسأَل بعد كلامِ الملائكة إيَّاه الآيةَ، فأُخِذ عليه لسانه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلامِ {إِلَّا رَمْزًا} يقولُ: يُومِنُ إيماءً.

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 120، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 23/ 645 (3478) عن الحسن به، وتقدم أوله في ص 369.

(2)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 410.

ص: 386

حدَّثني أبو عُبيد الوَصَّابِيُّ

(1)

، قال: ثنا محمدُ بنُ حِمْيَرٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عمرو، عن [جبير بن نُفَيْر]

(2)

في قوله: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} . قال: رَبَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاث

(3)

.

وإنما اختارت القَرَأَةُ النصبَ في قوله: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ} . لأن معنى الكلام: قال: آيتُك ألا تُكَلِّمَ الناسَ فيما يُسْتَقْبَلُ ثلاثة أيام. فكانت "أن" هي التي تَصْحَبُ الاستقبال

(4)

دونَ التي تَصْحَبُ الأسماء، فتَنْصِبُها، ولو كان المعنى فيه: آيتُك أنك لا تُكَلِّمُ الناس ثلاثة أيام. أي: أنك على هذه الحال ثلاثة أيامٍ - كان وجهُ الكلام الرفع؛ لأن "أن" كانت تكونُ

(5)

حينئذ بمعنى الثقيلة خُفِّفت، ولكن لم يكن ذلك جائزًا؛ لِما وصفتُ من أن ذلك بالمعنى الآخرِ.

وأمَّا الرمز، فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يُسْتَعْمَلُ في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وذلك غيرُ كثير فيهم، وقد يُقالُ للخَفِيِّ من الكلام الذي هو مثلُ الهَمْسِ بخفض الصوتِ: الرمز. ومنه قولُ جُؤَيَّةَ بن عائذٍ

(6)

:

(1)

في ص: "الوضافي"، وفى م:"الرصافي"، وفى ت 1، س:"الوصافى". وتقدم في ص 291.

(2)

في م: "جويبر بن نصير".

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 646 (3482) معلقا عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، وستأتى رواية صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن، عن أبيه في تفسير الآية (74) من سورة الفرقان، وتفسير الآية (10) من سورة الأحقاف.

(4)

في س: "الأفعال". ويقصد بالاستقبال أفعال المضارعة إشارة إلى الدلالة الزمانية. مصطلحات النحو الكوفى ص 74.

(5)

سقط من: س.

(6)

في م، ت 1:"عابد". وينظر بغية الوعاة 1/ 490. والبيت في التبيان للطوسى، 2/ 2455، والمحرر الوجيز 2/ 411.

ص: 387

وكان تَكَلَّمُ

(1)

الأبطال رَمْزًا .... وهَمْهَمةً

(2)

لَهُمْ مِثْلَ الهَدِيرِ

(3)

يُقال منه: رمز فلانٌ فهو يَرْمُزُ، ويَرْمِزُ رَمْزًا، ويَتَرَمَّزُ تَرَمزًا. ويُقالُ: ضربه ضربةً فارْتَمَزَ منها. أي: اضْطَرب للموت، قال الشاعرُ

(4)

:

* خَرَرْتُ مِنها لَقَفَايَ أَرْتَمِزُ *

وقد اختلف أهلُ التأويل في المعنى الذي عنى الله عز وجل به في إخباره عن زكريا من قوله: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} . وأيِّ معاني الرمز عنَى بذلك؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك: آيتُك أَلَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثة أيام إلا تحريكًا بالشفتين، من غيرِ أَن تَرْمُزَ بلسانكِ الكلام.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، عن النَّضْرِ بن عَربيٍّ، عن مجاهدٍ في قوله:{إِلَّا رَمْزًا} . قال: تحريك الشفتين

(5)

.

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ:{ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} . قال: إيماؤُه بشفتيه

(6)

.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن

(1)

في م: "يكلم".

(2)

في مصدرى التخريج: "وغمغمة".

(3)

في مصدري التخريج: "الهرير". والهدير: تردد صوت البعير في حنجرته، والهرير: صوت الكلب، وهو دون النباح من قلة صبره على البرد. اللسان (هـ در، هـ ر ر).

(4)

هو صائد الضَّبِّ، وهذا عجز بيت صدره: ثم اعتمدت فجبَذتُ جَبْذَةً. والبيت في اللسان (ق ن ز)، وعجزه في اللسان (ر م ز).

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 646 (3480) من طريق النضر بن عربي به نحوه.

(6)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 19/ 52 من طريق ابن أبي نجيح به.

ص: 388

مجاهد مثله

وقال آخرون: بل عنَى الله بذلك الإيماء والإشارة.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاك:{إِلَّا رَمْزًا} . قال: الإشارة

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفَرحِ، قال: سمعت أبا مُعاذ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قوله: {إِلَّا رَمْزًا} . قال: الرمز أن يُشيرَ بيده أو رأسِه ولا يَتَكَلَّمَ

(2)

.

حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{إِلَّا رَمْزًا} . قال: الرمزُ: أن أُخِذ بلسانه، فجعَل يُكَلِّمُ الناس بيده

(2)

.

حدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق:{إِلَّا رَمْزًا} . قال: والرمز الإشارةُ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} الآية. قال: جعَل آيتَه ألا يُكَلِّمَ الناسَ ثلاثة أيام إلا رمزًا، إلا أنه يَذْكُرُ الله، والرمز الإشارة، يُشيرُ إليهم.

(1)

تفسير سفيان ص 77، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 19/ 52 من طريق سلمة بن نبيط به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 23 إلى المصنف.

ص: 389

حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادة:{إِلَّا رَمْزًا} : إلا إيماءً

(1)

.

حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثلَه

(2)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ:{إِلَّا رَمْزًا} . يقول: إشارةً

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عبد الله بن كثير: {إِلَّا رَمْزًا} : إلا إشارةً

(4)

حدَّثني محمدُ بنُ

(5)

سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ في قوله:{قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} . قال: أُمْسِكَ بلسانه، فجعَل يُومِيء بيدهِ إلى قومِه أن سبِّحوا بكرةً وعَشِيًّا

(6)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)} .

يعنى بذلك: قال الله جل ثناؤُه لزكريا: يا زكريا، آيتُك أَلَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثةَ أيام إلا رمزًا بغيرِ خَرَسٍ، ولا عاهةٍ، ولا مرضٍ، واذكرْ ربَّك كثيرًا، فإنك لا تُمْنَعُ ذكرَه، ولا يُحَالُ بينكَ

(7)

وبينَ تسبيحِه وغير ذلك مِن ذكرِه.

(1)

تقدم تخريجه في ص 386.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 646 عقب الأثر (3481) من طريق ابن أبي جعفر به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 646 عقب الأثر (3481) من طريق عمرو به.

(4)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 411.

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س:"عمر بن".

(6)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 411.

(7)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س:"وبينه".

ص: 390

وقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: لو كان الله رَخَّص لأحدٍ في ترك الذِّكرِ، لرخَّص لزكريا حيثُ قال:{آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا} أيضًا

(1)

.

وأمَّا قولُه: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ} . فإنه يعنى: عظِّمْ ربُّك بعبادتِه بالعشيِّ، والعشيُّ: من حين تَزولُ الشمسُ إلى أن تَغِيبَ، كما قال الشاعرُ

(2)

:

فلا الظِّلَّ مِن بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ .... ولا الفَيْء مِن بردِ العشيِّ تَذُوقُ

فالفيءُ إِنما تَبْتَدِئُ أَوْبَتُه من عندِ زوالِ الشمسِ، وتَتَناهَى بمَغِيبِها.

وأمَّا الإبكارُ، فإنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أبْكَر فلانٌ في حاجةٍ، فهو يُبْكِرُ إبكارًا. وذلك إذا خرَج فيها من بين مطلَعِ الفجرِ إلى وقتِ الضحى، فذلك إبكارٌ. يقالُ فيه: أبْكَر

(3)

فلانٌ، وبكَر يَبْكُرُ بُكُورًا، فمن الإبكارِ قولُ عمرَ بن أبي ربيعةَ

(4)

:

* أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنتَ عَادٍ فَمُبْكِرُ *

ومن البُكُورِ قولُ جريرٍ

(5)

:

ألا بكَرَتْ سلمى فجدَّ بُكورُها

وشقَّ العصا بعدَ اجتماعٍ أميرُها

(1)

أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 215، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 646 (3484)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 19/ 52 من طريق أبي معشر به.

(2)

هو حميد بن ثور الهلالى، والبيت في ديوانه ص 40.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"بكر".

(4)

شرح ديوانه ص 92 وهو صدر بيت عجزه:

"غَداةَ غدٍ أم رائحٌ فَمُهَجِّر"

(5)

ديوانه 2/ 890.

ص: 391

ويقالُ من ذلك: بكر النخلُ يَنكُرُ بُكورًا، وأبْكَر يُنْكِرُ إبكارًا، والباكورُ مِن الفواكه: أَوَّلُها إدراكًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} . قال: الإبكارُ أَوَّلُ الفجرِ، والعشيُّ ميلُ الشمسِ حتى تَغِيبَ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه: والله سميعٌ عليمٌ إذ قالت امرأة عمران ربِّ إنى نذرتُ لك ما في بطنى مُحررًا، وإذ قالت الملائكةُ يا مريمُ إِنَّ الله اصطفاكِ.

ومعنى قوله: {اصْطَفَاكِ} : اختاركِ واجْتَباكِ لطاعته وما خصَّكِ به من كرامته

وقولُه: {وَطَهَّرَكِ} . يعنى: طهَّر دِينَكَ مِن الرِّيَبِ والأَدْناسِ التي في أديانِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 646، 647 (3486، 3487)، من طريق ابن أبي نجيح به، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 19/ 52 من طريق أبي يحيى، عن مجاهد، وهو في تفسير مجاهد ص 252 مقتصرًا على تفسير العشي.

ص: 392

نساءِ بنى آدمَ، {اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} يعني: اختاركِ على نساءِ العالمين في زمانِك بطاعتِك إياه، ففضَّلك عليهم.

كما رُوِى عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيرُ نسائِها مريمُ بنتُ عمرانَ، وخيرُ نسائِها خديجة بنتُ خُوَيْلِدٍ" يعنى بقوله: "خيرُ نسائها": خيرُ نساءِ أهلِ الجنةِ.

حدَّثني بذلك الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا مُحاضِرُ بنُ المُوَرِّعِ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفرٍ، قال: سمعتُ عليًّا بالعراق يقولُ: سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خيرُ نسائها مريمُ بنتُ عِمرانَ، وخيرُ نسائِها خديجةُ"

(1)

.

حدَّثني يونس، قال: أخبَرَنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني المُنْذِرُ بنُ عبدِ اللهِ الحزاميُّ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن جعفرِ بن أبي طالبٍ، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:"خيرُ نساءِ الجنةِ مريمُ بنتُ عِمرانَ، وخيرُ نساءِ الجنةِ خديجةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ"

(2)

.

حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} :

(1)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 383 - تراجم النساء) من طريق محاضر بن المورع به، وأخرجه عبد الرزاق (14006)، وابن أبي شيبة 12/ 134، وأحمد 2/ 70، 253، 338، 387 (640، 938، 1109، 1212)، والبخارى (3432، 3815)، ومسلم (2430)، والترمذى (3877)، والبزار (467، 468)، وأبو يعلى (522)، والبغوى (3954)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 370 - 373 - تراجم النساء) من طريق هشام بن عروة به.

(2)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه (ص 373 - تراجم النساء) من طريق يونس، به، وفيه: المنذر بن عبيد، وفيه: عن جعفر عبد الله بن جعفر، عن علي.

ص: 393

ذُكِر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "حَسْبُكَ

(1)

بمريمَ بنْتِ عمرانَ، وامرأةِ فرعونَ، وخديجةَ بنتِ خُوَيْلِدٍ، وفاطمةَ بنتِ محمدٍ مِن نساء العالَمِين"

(2)

. قال قتادةُ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "خيرُ نساءٍ رَكِبْنَ الإبلَ صوالحُ نساء قريشٍ؛ أحْنَاهُ على ولدٍ في صِغَرِه، وأَرْعَاه على زوجٍ في ذاتِ يدِه"

(3)

. قال قتادةُ: وذُكر لنا أنه كان يقولُ: "لو علمتُ أن مريمَ ركِبت الإبلَ ما فضَّلتُ عليها أحدًا".

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} . قال: كان أبو هريرةَ يُحَدِّثُ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "خيرُ نساءٍ ركِبْنَ الإبلَ صالِحُ

(4)

نساءِ قريشٍ؛ أحْنَاه على ولدٍ، وأَرْعَاهُ لِزَوْجٍ في ذاتِ يدِه". قال أبو هريرةَ: ولم تَرْكَبُ مريُم بعيرًا قط

(5)

.

حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه قوله:{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} . قال: كان ثابتٌ البُنانيُّ يُحَدِّثُ عن أنس بن مالكٍ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "خيرُ

(1)

بعده في س: "من نساء الدنيا".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (20919)، والترمذى (3878)، وأحمد 3/ 135 (12414) موصولًا من حديث أنس.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 12/ 174، وابن أبي عاصم في السنة (1533)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 381 - تراجم النساء) موصولًا من حديث أبي هريرة.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2:"صلح".

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 120، والبخارى (3434)، ومسلم (201/ 2527)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 674 (3488) من طريق الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعا.

ص: 394

نساء العالَمِينَ أربعٌ، مريم بنت عمران، وآسية بنتُ مُزَاحِمٍ امرأَةُ فرعونَ، وخديجةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطمة بنتُ محمد"

(1)

.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شُعبةُ، قال: ثنا عَمرُو بنُ مُرَّةَ، قال: سمِعتُ مُرَّةَ الهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كمَل من الرجال كثيرٌ، ولم يَكْمُلْ مِن النساء إلا مريم، وآسِيَةُ امرأة فرعون، وخديجةُ بنتُ خُوَيلدٍ، وفاطمة بنت محمدٍ"

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو الأسود المِصريُّ، قال: ثنا ابن لَهِيعَةَ، عَن عُمارَةَ بن غَزِيَّةَ، عن محمد بن [عبد الله]

(3)

بن عمرو بن عثمان، أن فاطمة بنتَ حسينِ بن عليٍّ حدَّثتْه، أن فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالت: دخَل رسولُ الله يومًا وأنا عندَ عائشةَ، فناجاني فبكَيتُ، ثم ناجانى فضحكتُ، فسألتني عائشةُ عن ذلك، فقلتُ: لقد عجِلتِ، أُخْبِرُكِ بسرِّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟! فتَرَكَتْني، فلمَّا تُوُفِّي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، سألتها عائشةُ، فقالت: نعم، ناجاني فقال: "جبريلُ كان يُعارِضُ القُرآنَ كلَّ عامٍ مَرَةً، وإنه قد عارض القرآن مرتين، وإنه ليس من نبيٍّ إلا عُمِّر نصف عُمْرِ الذي كان قبله، وإن عيسى أخى كان عمرُه عشرين ومائةَ سنةٍ، وهذه

(1)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 378 - تراجم النساء) من طريق أبي جعفر به، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 9/ 404، وابن عساكر ص 377، 378 من طريق أبي جعفر عن محمد بن سعيد عن ثابت به.

(2)

أخرجه البخاري (3433، 3769) من طريق آدم به، وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 128، وأحمد 4/ 394، 409 (الميمنية)، والبخارى (3411، 5418)، ومسلم (2431)، وابن ماجه (3280)، والترمذى (1834)، والطحاوى في المشكل (150)، وابن حبان (7114)، والطبرانى 23/ (106)، والبغوى (3962) من طريق شعبة به.

(3)

في النسخ: "عبد الرحمن". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 25/ 516.

ص: 395

لى سِتُّون، وأحْسَبُنى ميِّتًا في عامى هذا، وإنه لم تُرْزَأ امرأَةٌ من نساء العالمين بمثلِ ما رُزِئْتِ، ولا تكونى دونَ امرأة صبرًا". قالت: فبكَيتُ، ثم قال:"أَنْتِ سيدةُ نساءِ أهل الجنةِ إلا مريمَ البَتُولَ". فتُوُفِّي عامه ذلك

(1)

.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عن عَمرِو بن الحارثِ، أن أبا زيادٍ الحِمْيَرِيَّ حدَّثه أنه سمِع عمار بن سعدٍ يقولُ: قال رسولُ: اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فُضِّلت خديجة على نساءِ أُمَّتى، كما فُضَّلت مريم على نساء العالمين"

(2)

.

وبمثل الذي قلنا في معنى قوله: {وَطَهَّرَكِ} - أنه: وطَهَّرَ دِينَكِ مِن الدَّنَسِ والرِّيَب - قال مجاهدٌ.

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللهِ:{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ} قال: جعَلك طيبةً إيمانًا

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى الحَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ:{وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} قال: ذلك للعالمين يومئذٍ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (2965، 2970)، والدولابي في الذرية الطاهرة (194)، والطحاوى في المشكل (146، 1937)، والطبراني 22/ 417، 418 (1031)، والبيهقي في الدلائل 7/ 165، والخطيب في الكفاية 1/ 331، وابن عساكر في تاريخ دمشق 47/ 481 من طريق ابن غزية به.

(2)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 416 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 23 إلى المصنف.

(3)

تفسير مجاهد ص 252 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 647 (3489).

(4)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 415، والقرطبي في تفسيره 4/ 82.

ص: 396

وكانت الملائكة - فيما ذكر ابن إسحاق - تقولُ ذلك لمريمَ شِفاهًا.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: كانت مريمُ حَبيسًا في الكنيسة، ومعها في الكنيسةِ غلامٌ اسمُه يوسفُ، وقد كان أمُّه وأبوه جعَلاه نذيرًا حَبيسًا، فكانا في الكنيسة جميعًا، وكانت مريمُ إذا نفد ماؤها وماء يوسفَ، أخَذا قُلتيْهما، فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماءُ الذي يَسْتَعْذِبان منه، فيملآن قُلَّتيهما، ثم يرجِعان

(1)

إلى الكنيسة، والملائكة في ذلك مقبلةٌ على مريمَ:{يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} . فإذا سمع ذلك زكريا، قال: إن لابنة عمران لشَأنًا

(2)

.

‌القول في تأويل قوله: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} .

يعنى جل ثناؤُه بقوله - خبرًا عن قيل ملائكتِه لمريمَ -: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} : أخْلِصى الطاعةَ لربِّك وحدَه.

وقد دلَّلْنا على معنى "القُنوتِ" بشواهدِه فيما مضَى قبلُ، والاختلافُ بينَ أهلِ التأويل فيه في هذا الموضع نحوُ اختلافِهم فيه هنالك

(3)

.

وسَنَذْكُرُ قول بعضهم أيضًا في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معنى {اقْنُتِي} : أطيلى الركود

(4)

.

(1)

بعده في ص، ت 2:"بها"

(2)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 593 مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 23، 24 إلى المصنف.

(3)

ينظر ما تقدم في 2/ 461، 464.

(4)

في س، ت 2:"الركوع".

ص: 397

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} قال: أطِيلى الركود. يعنى القنوتَ

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ:{اقْنُتِي لِرَبِّكِ} قال: قال مجاهدٌ: أطِيلى الركودَ في الصلاةِ. يعنى القنوتَ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد اللهِ بن إدريسَ، عن لَيثٍ، عن مجاهدٍ، قال: لمَّا قيل لها: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} . قامت حتى ورِم كعباها

(2)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: لمَّا قيل لها: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} قامت حتى ورمت قدماها

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبَرَنا الثوريُّ، عن ابن أبي ليلى، عن مجاهدٍ:{اقْنُتِي لِرَبِّكِ} . قال: أطيلى الركودَ

(4)

.

حُدِّثت عن عمّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: {يَامَرْيَمُ

(1)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 369 - تراجم النساء) من طريق ابن أبي نجيج به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 648 (3494) من طريق ابن إدريس به. وأخرجه ابن أبي الدنيا في التهجد وقيام الليل (218) من طريق ابن إدريس، عن أبيه، مجاهد.

(3)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 368 - تراجم النساء) من طريق ابن إدريس به نحوه.

(4)

تفسير سفيان ص 77، وتفسير عبد الرزاق 1/ 120، ومن طريق سفيان ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 368 - تراجم النساء) وعندهم: عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مجاهد، وأخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 298 من طريق سفيان به بدون ذكر الحكم.

ص: 398

اقْنُتِي لِرَبِّكِ} الله قال: القنوتُ الركود، يقولُ: قومى لربِّك في الصلاة. يقولُ: ارْكُدى لربِّك، أي: انتصبى له في الصلاةِ، {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيان، عن لَيثٍ، عن مجاهد:{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} قال: كانت تصلِّى حتى تَرِمَ قدماها

(2)

.

حدَّثني ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا الْأَوْزَاعِيُّ: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} الله قال: كانت تقومُ حتى يَسِيلَ القَيحُ مِن قدميها

(3)

.

وقال آخرون: معناه: أخلصى لربِّك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا ابن المُباركِ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ:{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} قال: أخلصى لربِّك

(4)

.

وقال آخَرون: معناه: أطيعى ربَّك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن

(1)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 417 بنحوه.

(2)

تفسير الثورى ص 77، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 368 - تراجم النساء).

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 648 (3496، 3497) من طريق الوليد، عن الأوزاعي بنحوه.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 24 إلى المصنف.

ص: 399

قتادة في قوله: {اقْنُتِي لِرَبِّكِ} قال: أطيعى ربَّك

(1)

.

حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{اقْنُتِي لِرَبِّكِ} : أطيعي ربَّكِ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حَربٍ، قال: ثنا ابن لَهِيعَةَ، عن درَّاجٍ، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد الخُدْريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"كُلُّ حرفٍ يُذْكَرُ فيه القنوتُ من القرآن، فهو طاعةٌ لله"

(2)

.

حدَّثني محمد بن سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحَنَفيُّ، عن عبَّادِ بن منصورٍ، عن الحسن في قوله:{يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} . قال: يقول: اعبدى ربَّك

(3)

.

قال أبو جعفر: وقد بيَّنَّا أيضًا معنى "الركوع" و "السجودِ" بالأدلَّة الدالَّةِ على صحته، وأنهما بمعنى الخشوع لله، والخضوع له بالطاعة والعبودة

(4)

.

فتأويلُ الآية إذن: يا مريمُ أخلِصى عبادةَ ربِّك لوجهه خالصًا، واخشَعى لطاعته وعبادتِه، مع مَن خشَع له مِن خَلْقِه، شكرًا له على ما أكرَمِك به مِن الاصطفاءِ والتطهيرِ من الأدناسِ، والتفضيلِ على نساءِ عالَم دهرِك.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} .

يعنى جل ثناؤه بقوله: {ذَلِكَ} : الأخبارَ التي أخْبَر بها عبادَه عن امرأةِ عمرانَ وابْنتِها مريمَ، وزكريا وابنِه يحيى، وسائرِ ما قصَّ في الآياتِ مِن قولِه:

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 121.

(2)

تقدم تخريجه في 4/ 382

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 648 (3495) من طريق أبي بكر الحنفى به.

(4)

ينظر ما تقدم في 1/ 613، 714، 715.

ص: 400

{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} [آل عمران: 33]. ثم جمَع جميعَ ذلك تعالى ذكرُه بقوله {ذَلِكَ} . فقال: هذه الأنباءُ {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} . أي: مِن أخبار الغيبِ. ويعني بـ "الغيب"، أنها من خفيِّ أخبارِ القومِ التي لم تَطَّلِعْ أنت يا محمدُ عليها ولا قومُك، ولم يَعْلَمُها إلا قليلٌ مِن أحبارِ أهلِ الكتابَين ورُهبانهم.

ثم أخبر تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه أوْحَى ذلك إليه حُجَّةً على نبوَّته، وتحقيقًا لصدقِه، وقطعًا منه به عذرَ مُنْكِرِى رسالتِه من كفَّارِ أهل الكتابَين الذين يعلَمون أن محمدًا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها، ولم يُدْرِكْ معرفتها معَ خمولِها

(1)

عندَ أهلها، إلا بإعلامِ الله ذلك إيَّاه، إذ كان معلومًا عندَهم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ فيقْرَأَ الكتبَ، فيَصِلَ إلى علمِ ذلك من قِبَل الكتبِ، ولا صاحَب أهل الكتب فيأخُذَ علمَه مِن قِبَلِهم.

وأمَّا "الغيبُ" فمصدرٌ مِن قولِ القائلِ: غاب فلانٌ عن كذا، فهو يَغِيبُ عنه غَيْبًا وغَيْبَةٌ.

وأمَّا قولُه: {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} . فإن تأويله: نُنَزِّلُه إليك.

وأصلُ الإيحاء إلقاء المُوحِى إلى المُوحَى إليه، وذلك قد يكونُ بكتابٍ، وإشارةٍ وإيماءٍ، وبإلهامٍ، وبرسالةٍ، كما قال جل ثناؤه:{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] بمعنى: ألقَى ذلك إليها فألهَمها. وكما قال: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ} [المائدة: 111] بمعنى: ألقيتُ إليهم عِلمَ ذلك إلهامًا، وكما قال الراجز

(2)

:

(1)

في س: "شمولها".

(2)

هو العجاج، والرجز في ديوانه ص 266.

ص: 401

أَوْحَى

(1)

لها القَرارَ فَاسْتَقَرَّتِ

بمعنى: ألقى إليها ذلك أمرًا. وكما قال جلّ ثناؤُه: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 11] بمعنى: فألقى ذلك إليهم إيماءً

(2)

.

والأصلُ فيه ما وصَفتُ مِن إلقاءِ ذلك إليهم، وقد يكونُ إلقاؤه ذلك إليهم إيماءً، ويكونُ بكتابٍ، ومِن ذلك قولُه:{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} [الأنعام: 121]: يُلْقُون إليهم ذلك وسوسةً. وقوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]: أُلْقِى إليَّ بمجيءِ جبريلَ عليه السلام به إليَّ من عندِ اللهِ عز وجل.

وأمَّا الوحيُ، فهو الواقعُ مِن المُوحِى إلى المُوحَى إليه، ولذلك سمَّت العربُ الخَطَّ والكتابَ وحيًا؛ لأنه واقعٌ فيما كُتِب ثابتٌ فيه، كما قال كعبُ بنُ زُهيرٍ

(3)

:

أتى العُجم والآفاقَ منه قَصائدٌ

بَقِينَ بَقَاءَ الوَحْيِ فِي الحَجَرِ الْأَصَمّ

يعنى به الكتابَ الثابتَ في الحَجَرِ. وقد يقالُ في الكتابِ خاصَّةً إذا كتَبه الكاتبُ: "وَحَى"، بغير ألفٍ، ومنه قولُ رُؤْبَةَ

(4)

:

كأنه بَعْدَ رِياحٍ تَدْهَمُهُ

ومُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ

(5)

تَثِمُهْ

(6)

(1)

في الديوان: "وحى".

(2)

في النسخ: "أيضًا". والمثبت هو الصواب.

(3)

ديوانه ص 64.

(4)

ديوانه ص 149.

(5)

مرثعنات الدجون: المطر الكثير الدائم. اللسان (ر ث ع ن، د ج ن).

(6)

الوَثْم: الضرب. اللسان (و ث م).

ص: 402

إنجيلُ أحبارٍ

(1)

وَحَى مُنَمْنِمُهُ

(2)

‌القول في تأويل قوله: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} .

يعني جل ثناؤه بقوله: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ} : وما كنت يا محمدُ عندَهم فتَعْلَمَ ما نُعَلِّمُكَه مِن أخبارِهم التي لم تَشْهَدْها، ولكنك إنما تُعَلَّمُ ذلك فتُدْرِكُ معرفتَه بتعريفِناكَه.

ومعنى قوله: {لَدَيْهِمْ} : عندَهم.

ومعنى قوله: {إِذْ يُلْقُونَ} : حينَ يُلْقون أقلامهم.

وأمَّا "أقلامهم" فسهامُهم التي اسْتَهَم بها المستهِمون مِن بني إسرائيلَ على كَفالةِ مريمَ، على ما قد بيَّنَّا قبلُ في قولِه:{وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا}

(3)

[آل عمران: 37].

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن

(4)

عمرٍو، عن

(5)

سعيدٍ، عن قتادة في قوله:{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ} . يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم

(6)

.

حدَّثني محمد بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد:{يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} : زكريا وأصحابُه اسْتَهَموا بأقلامِهم

(1)

في ص، س:"توراة".

(2)

النَّمْنَمَة: خطوط متقاربة قصار شبه ما تُنَمْنِم الريح دُقاق التراب، وكتاب مُنَمْنَم: مُنَقَّش. اللسان (ن م م).

(3)

تقدم في ص 345، 346.

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"بن". وسيأتي على الصواب في 5/ 318، 9/ 181، 11/ 80.

(5)

في س: "بن".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 24 إلى المصنف.

ص: 403

على مريمَ حينَ دخَلت عليهم

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه:{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} : كانت مريمُ ابنةَ إمامِهم وسيِّدِهم، فتشاحَّ عليها بنو إسرائيلَ، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يَكْفُلُها، فقرَعهم زكريا، وكان زوج أختها، فكفَلها زكريا، يقولُ: ضمَّها إليه

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} . قال: تساهَموا على مريمَ أيُّهم يَكْفُلُها، فقرعهم زكريا

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} : وإن مريم لمَّا وُضِعت في المسجدِ، اقْتَرع عليها أهلُ المُصَلَّى وهم يكتُبون الوحىَ، فاقْتَرعوا بأقلامِهم أيُّهم يَكْفُلُها، فقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم:{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}

(4)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 252، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص 348، 349 - تراجم النساء).

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 650 (3510) من طريق شيبان، عن قتادة.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 121، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 649 (3502) عن الحسن بن يحيى به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 649 (3501) عن محمد بن سعد به.

ص: 404

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أَخبَرَنَا عُبَيْدٌ، قال: سمعتُ الضحَّاك يقولُ في قوله: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} : اقْتَرعوا بأقلامِهم أيُّهم يَكْفُلُ مريمَ، فقرَعهم زكريا.

حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفِيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} . قال: حيثُ اقترَعوا على مريمَ، وكان غيبًا عن محمدٍ صلى الله عليه وسلم حين أخبرَه الله.

وإنما قيل: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} . لأن إلقاءَ المستهمين أقلامَهم على مريمَ إنما كان لِيَنْظُروا أيُّهم أوْلَى بكفالتِها وأحقُّ. ففى قولِه عز وجل: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} . دَلالةٌ على محذوفٍ من الكلامِ، وهو: لينظُروا أَيُّهم يَكْفُلُ، ولِيَتَبَيَّنوا ذلك ويَعْلَموه.

فإن ظنَّ ظانٌّ أن الواجبَ في {أَيُّهُمْ} النصبُ، إذ كان ذلك معناه، فقد ظنَّ خطأً، وذلك أن النظرَ والتبيُّنَ والعلمَ مع "أيّ" يَقْتَضِى استفهامًا واستخبارًا، وحظُّ "أي" في الاستخبار الابتداءُ، وبُطولُ عمَلِ المسألةِ والاستخبارِ عنه. وذلك أن معنى قولِ القائلِ: لأَنْظُرَنَّ أَيُّهم قام: لأَسْتَخْبِرَنَّ الناسَ أيُّهم قام. وكذلك قولُهم: لأَعْلَمَنَّ.

وقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ أن معنى "يَكْفُلُ": يَضُمُّ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضع

(1)

‌القولُ في تأويل قولِه: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)} .

(1)

ينظر ما تقدم في ص 345 وما بعدها.

ص: 405

يعنى بذلك جل ثناؤُه: وما كنتَ يا محمدُ عندَ قومِ مريمَ إذ يَخْتَصِمون فيها أيُّهم أحقُّ بها وأَوْلَى. وذلك من الله عز وجل وإن كان خطابًا لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، فتوبيخٌ منه عز وجل للمكذِّبين به مِن أهلِ الكتابَين. يقولُ: كيفَ يَشُكُّ أهل الكفرِ بك منهم وأنت تُنْبِئُهم هذه الأنباءَ ولم تَشْهَدْهم

(1)

، ولم تكنْ معَهم يومَ فعَلوا هذه الأمورَ، ولستَ ممّن قرَأ الكتبَ فعلِم نبأَهم، ولا جالَس أهلَها فسمِع خبرَهم.

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبَيْرِ:{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} أَي: ما كنتَ معَهم إذ يختصِمون فيها. يُخْبِرُه بخفيِّ ما كتَموا منه مِن العلمِ عندَهم؛ لتحقيق نبوَّتِه، والحُجَّةِ عليهم لما يأتيهم به ممّا منه

(2)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} .

يعنى بقوله جل ثناؤه: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} : وما كنتَ لديهم إذ يَخْتَصِمون، وما كنتَ لديهم أيضًا إذ قالت الملائكةُ: يا مريم إِنَّ الله يُبشِّرُك. والتبشيرُ: إخبارُ المرء بما يَسُرُّه من خيرٍ.

وقوله: {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} . يعنى: برسالةٍ مِن اللهِ وخبرٍ مِن عندِه. وهو مِن قولِ القائل: ألقى فلانٌ إلى كلمةً سرَّني بها. بمعنى: أخبرَني خبرًا فرِحتُ به. كما قال جل ثناؤه: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء: 171] يعني: بُشْرَى الله مريمَ بعيسى ألقاها إليها.

(1)

في م: "تشهدها".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 581، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 650 (3511) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

ص: 406

فتأويلُ الكلامِ: وما كنتَ يا محمدُ عندَ القومِ إذ قالت الملائكةُ لمريمَ: يا مريمُ إن الله يُبَشِّرُكِ ببُشْرَى مِن عندِه، هي ولدٌ لكِ اسمُه المسيحُ عيسى ابن مريمَ.

وقد قال قومٌ - وهو قولُ قتادةَ -: إن الكلمةَ التي قال الله عز وجل: {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} . هو قوله: "كُنْ".

حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه:{بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} قال: قولُه: "كنْ"

(1)

.

فسمَّاه اللهُ عز وجل كلمتَه لأنه كان عن كلمتِه، كما يقالُ لِما قدَّر اللهُ مِن شيءٍ: هذا قدرُ اللهِ وقضاؤُه. يعني به: هذا عن قدرِ اللهِ وقضائه حدَث. وكما قال جلّ ثناؤُه: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47، والأحزاب: 37] يعنى به: ما أمَر اللهُ به، وهو المأمورُ الذي كان عن أمرِ الله عز وجل.

وقال آخرون: بل هي اسمٌ لعيسى، سمَّاه الله بها كما سمَّى سائرَ خلقِه بما شاء مِن الأسماءِ.

ورُوى عن ابن عباسٍ أنه قال: الكلمةُ هي عيسى.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} .

قال: عيسى هو الكلمةُ مِن اللهِ

(2)

.

وأقربُ الوجوه إلى الصواب عندى القولُ الأوّلُ، وهو أن الملائكةَ بشَّرت مريمَ بعيسى عن الله عز وجل برسالته وكلمته التي أمرها أن تُلْقِيَها إليها، أن

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 177.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 651 (3514) من طريق سماك به نحوه.

ص: 407

الله خالقٌ منها وَلدًا من غيرِ بَعْل ولا فَحْلٍ؛ ولذلك قال عز وجل: {اسْمُهُ الْمَسِيحُ} . فذكَّر، ولم يقلْ: اسمُها. فيُؤَنَّثَ، و "الكلمةُ" مونثةٌ؛ لأن الكلمةَ غيرُ مقصودٍ بها قصدُ الاسم الذي هو بمعنى "فلانٍ" وإنما هي بمعنى البِشارةِ، فذُكِّرت كنايتُها كما تُذَكَّرُ كنايةُ "الذُّرِّيَّةِ" و "الدابَّةِ" و "الألقابِ"، على ما قد بيّنَّاه قبلُ فيما مضَى

(1)

.

فتأويل ذلك كما قلنا آنفًا من أن معنى ذلك: إن الله يُبَشِّرُكِ بِبُشْرَى. ثم بيَّن عن البشرى أنها ولدٌ اسمُه المسيحُ.

وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنه إنما ذكَّر فقال: {اسْمُهُ الْمَسِيحُ} . وقد قال: {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} . والكلمةُ عندَه هي عيسى؛ لأنه في المعنى كذلك، كما قال جلّ ثناؤُه:{أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا} [الزمر: 56] ثم قال: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا} [الزمر: 59] وكما يقالُ: ذو الثُّدَيَّةِ

(2)

. لأن يدَه كانت قصيرةً قريبةً من ثَديَيْه، فجعلها كأن اسمَها ثَدْيَةٌ، ولولا ذلك لم تَدْخُلِ الهاءُ في التصغيرِ.

وقال بعضُ نحويِّى الكوفِة نحوَ قولِ مَن ذكَرنا مِن نحويِّى البصرةِ، في أن الهاءَ مِن ذِكرِ "الكلمةِ"، وخالفه في المعنى الذي مِن أجلِه ذُكِّر قولُه:{اسْمُهُ} . و"الكلمةُ" متقدمةٌ قبلَه، فزعَم أنه إنما قيل:{اسْمُهُ} . وقد قُدِّمت "الكلمةُ"، ولم يقلِ:"اسمُها". لأن مِن شأنِ العربِ أن تَفْعَلَ ذلك فيما كان مِن النُّعوتِ والألقابِ والأسماءِ التي لم تُوضَعْ لتعريفِ المُسَمَّى به؛ كفلانٍ وفلانٍ، وذلك مثلُ الذُّرِّيَّةِ والخليفةِ والدابَّةِ، ولذلك جاز عندَه أن يقالَ: ذريةً طيبةً، وذُرِّيَّةً طيبًا. ولم

(1)

ينظر ما تقدم في 1/ 332، 333، وفى ص 363، 364 من هذا الجزء.

(2)

في س: "اليدين". وينظر مسند الطيالسي (160)، وسنن أبى داود السجستاني (4770). قال ابن الأثير في النهاية 1/ 208 ويُروى ذو اليُدَيَّة بالياء بدل الثاء، تصغير اليد، وهي مؤنثة.

ص: 408

يَجُزْ أن يقالَ: طلحةُ أقبلَت، ومغيرةُ قامت.

وأنكر بعضُهم اعتلالَ مَن اعتَلَّ في ذلك بذى الثُّدَيَّةِ، وقالوا: إنّما أُدخِلت الهاءُ في ذى الثُّدَيَّةِ لأنه أُريد بذلك القطعةُ من الثَّدْي، كما قيل: كنَّا في لحمةٍ ونَبيذة. يُرادُ به القطعةُ منه.

وهذا القولُ نحو قولِنا الذي قلناه في ذلك.

وأمَّا قولُه: {اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} . فإنه جل ثناؤُه أنبَأ عبادَه عن نسبةٍ عيسى، وأنه ابن أمِّه مريمَ، ونفَى بذلك عنه ما أضاف إليه المُلْحِدون في اللهِ جل ثناؤُه مِن النصارى، مِن إضافتهم بُنُوَّتَه إلى الله عز وجل، وما قرَفت

(1)

أمَّه به المُفْتَرِيةُ عليها من اليهود.

كما حدَّثني به ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} أي: هكذا كان أمرُه، لا ما يقولون فيه

(2)

.

وأمَّا "المسيحُ"، فإنه فَعِيلٌ، صُرِف مِن مفعولٍ إلى فعيلٍ. وإنما هو ممسوحٌ، يعنى: مسَحه الله فطهَّره من الذنوبِ. ولذلك قال إبراهيمُ: المسيحُ الصدِّيقُ.

وقال آخرون: مُسِح بالبركةِ.

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيم مثلَه

(3)

.

(1)

في م: "قذقت"، وفى س:"فرقت". وقرفت: اتهمت ورمت. تاج العروس (ق ر ف).

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 580.

(3)

تفسير سفيان ص 77، 78 - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 47/ 359 - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 651 (3516)، وابن عساكر 47/ 359 من طريق وكيع به.

ص: 409

حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا ابن المُباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.

حدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أَبي سَلَمةَ، قال: قال سعيدٌ: إنما سُمِّى المسيحَ لأنه مُسح بالبركةِ

(1)

.

‌القولُ في تأويل قولِه: {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)}

يعني بقوله: {وَجِيهًا} : ذا وجهٍ ومنزلةٍ عاليةٍ عندَ اللهِ وشرَفٍ وكَرامةٍ. ومنه يقالُ للرجل الذي يَشْرفُ وتُعَظِّمُه الملوك والناسُ: وجيهٌ. يقالُ منه: ما كان فلانٌ وجيهًا، ولقد وَجُهَ وَجاهةٌ، وإن له لوَجهًا عندَ السلطانِ وجَاهًا ووَجَاهةً. و "الجاه" مقلوبٌ، قلبت واؤه من أوَّلِه إلى موضعِ العينِ منه، منه، فقيل: جاه. وإنما هو وجهٌ، "وفَعَلَ" مِن الجاهِ: جاهَ يَجُوهُ، مسموعٌ مِن العربِ: أخافُ أَن يَجُوهَني بأكثرَ مِن هذا. بمعنَى: أن يَسْتَقْبِلَني في وجهي بأعظمَ منه.

وأمَّا نصبُ "الوَجيهِ" فعلَى القطعِ مِن "عيسى"؛ لأن "عيسى" معرفةٌ، و "وجيه" نَكِرةٌ، وهو من نعتِه، ولو كان مخفوضًا على الرَّدِّ على "الكلمةِ" كان جائزًا.

وبما

(2)

قلنا مِن أن تأويلَ ذلك: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله. قال - فيما بلغنا - محمدُ بنُ جعفرٍ.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ،، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبير:{وَجِيهًا} قال: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 25 إلى المصنف.

(2)

في م: "كما".

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 580، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 651 (3519) من طريق سلمة، عن =

ص: 410

وأمَّا قولُه {وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} . فإنه يعنى أنه ممن يُقَرِّبُه اللهُ يومَ القيامة، فيُسْكِنُه في جواره ويُدْنيه منه.

كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} . يقولُ: مِن المُقَرَّبين عند الله يومَ القيامة

(1)

.

حُدِّثت عن عمَّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبِيه، عن الربيعِ قوله:{وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} . يقولُ: مِن المُقَرَّبين عندَ الله يومَ القيامةِ

(2)

.

حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرِ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)} .

أما قوله: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} . فإنّ معْناه أن الله يُبَشِّرُكِ بكلمةٍ منه اسمُه المسيحُ عيسى ابن مريمَ، وجيهًا عندَ اللهِ، ومُكَلِّمًا الناسَ في المهدِ. فـ {يُكَلِّمُ} الله وإن كان مرفوعًا؛ لأنه في صورة "يَفْعَل" بالسلامةِ من العواملِ فيه، فإنه في موضعِ نصبٍ، وهو نظيرُ قولِ الشاعرِ

(3)

:

= ابن إسحاق قوله.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 652 عقب الأثر (3520) معلقا.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 652 (3520) من طريق ابن أبي جعفر به.

(3)

البيت في معاني القرآن للفراء 1/ 213، وأمالي ابن الشجرى 2/ 167 ولسان العرب (ك هـ ل، ع ش ى)، وخزانة الأدب 5/ 140 - 143.

ص: 411

بِتُّ أُعَشِّيها بعَضْبٍ

(1)

باتِرِ

يَقْصِدُ في أَسْوقِها وجَائِرِ

وأمَّا "المَهْدُ" فإنه يعنى به مَضْجَعَ الصبيِّ في رَضاعه.

كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباس: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} قال: مَضْجَعُ الصَّبيِّ في رَضَاعِه

(2)

.

وأما قوله: {وَكَهْلًا} . فإنه: ومُحْتَنِكًا فوقَ الغُلُومةِ ودونَ الشيخوخة، يقالُ منه: رجُلٌ كَهْلٌ، وامرأَةٌ كَهْلَةٌ. كما قال الراجزُ

(3)

:

ولا أعُودُ بعدها كَريّا

أُمَارِسُ الكَهْلَةَ وَالصَّبيَّا

وإنما عَنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} : ويُكَلِّمُ الناسَ طفلًا في المهدِ - دَلالةً على براءةِ أُمِّه مما [قرفها به]

(4)

المُفتَرون عليها، وحجةً له على نُبُوَّتِه - وبالغًا كبيرًا بعدَ احتناكِه، بوحي الله الذي يُوحيه إليه، وأمره ونهيِه، وما يُنزلُ

(5)

عليه مِن كتابِه، وإنما أخبرَ الله عز وجل عبادَه بذلك مِن أمرِ المسيحِ، وأنه كذلك كان، وإن كان الغالبُ مِن أمرِ الناسِ أنهم يَتَكَلَّمون كُهولًا وشُيوخًا، احتجاجًا به على القائلينَ فيه - مِن أهلِ الكفر بالله مِن النصارى - الباطلَ، وأنه

(1)

العَضْب: السيف. تاج العروس (ع ض ب).

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 25 إلى المصنف، وابن المنذر.

(3)

هو عذافر الكِندى، والرجز في أمالي القالي 2/ 215، وسمط اللآلى 2/ 836، واللسان (ك هـ ل، أم م، ك ر ى).

(4)

في س: "رمى بها" وفى م: "قذفها به".

(5)

في م: "تقول"، وفى س:"يعول".

ص: 412

كان في معاناةِ

(1)

أشياءَ، مولودًا طفلًا ثم كهْلًا، يَتَقَلَّبُ في الأحداثِ، ويَتَغَيَّرُ بمرور الأزمنةِ عليه والأيامِ، مِن صِغَر إلى كبرٍ، ومِن حالٍ إلى حالٍ، وأنه لو كان كما قال الملحِدون فيه، كان ذلك غيرَ جائزٍ عليه، فكذَّب بذلك ما قاله الوفدُ مِن أهلِ نَجرانَ، الذين حاجُّوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فيه، واحتَجَّ به عليهم لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأعلمَهم أنه كان كسائرِ بني آدمَ، إلا ما خصَّه اللهُ به مِن الكَرامةِ التي أبانَه

(2)

بها منهم.

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} : يُخْبُرهم بحالاتِه التي يَتَقَلَّبُ بها في عُمُرِه، كتَقَلُّبِ بني آدمَ في أعمارِهم صغارًا وكبارًا، إلا أنّ الله خصَّه بالكلامِ في مهدِه آيةً لنُبوَّته، وتعريفًا للعبادِ مواقعَ قدرتِه

(3)

.

حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} يقولُ: يُكَلِّمُهم صغيرًا وكبيرًا

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيعِ:{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} قال: يُكَلِّمُهم صغيرًا وكبيرًا

(5)

.

(1)

في ص، ت 2، س:"معاينة".

(2)

في س: "أنابه".

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 580، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 653 (3527) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 25 إلى المصنف، وعبد بن حميد.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 652 عقب الأثر (3523) من طريق أبي جعفر به.

ص: 413

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ:{وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} قال: الكَهْلُ الحليمُ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: كلَّمهم صغيرًا وكبيرًا وكهلًا. وقال ابن جريج، وقال مجاهدٌ: الكَهْلُ الحليم.

حدَّثني محمد بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} قال: كلَّمهم في المَهْدِ صَبِيًّا، وكلَّمهم كبيرًا

(2)

.

وقال آخرون: معنى قوله: {وَكَهْلًا} : أنه سيُكَلِّمُهم إذا ظهَر.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعتُه، يعني ابنَ زيدٍ، يقولُ في قوله:{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} . قال: قد كلَّمهم عيسى في المَهْدِ، وسيُكَلِّمُهم إذا قتل الدجال، وهو يومَئِذٍ كَهْلٌ

(3)

.

ونصب {وَكَهْلًا} عطفًا على موضع: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ} .

وأما قوله: {وَمِنَ الصَّالِحِينَ} . فإنه يَعْنى: مِن عِدادِهم وأوليائهم؛ لأن أهلَ الصلاح بعضُهم من بعض في الدِّينِ والفَضْلِ.

(1)

أخرجه الفريابي - كما في التغليق 4/ 35، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 652 (3525) من طريق ابن أبي نجيح به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 652 (3523) من طريق أبي بكر الحنفى.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 25 إلى المصنف.

ص: 414

‌القول في تأويل قوله: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)} .

يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قالت مريمُ - إذْ قالت لها الملائكةُ: {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} -: {رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ} مِن أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ لى ولَدٌ؟ أمِن قِتَل زوجٍ أَتَزَوَّجُه وَبَعْلٍ أَنكِحُه؟ أو تَبْتَدِيءُ فِيَّ خَلْقَهُ مِن غَيرِ بَعْلٍ ولا فَحْلٍ، ومن غير أن يمسَّنى بَشرٌ؟ فقال الله لها:{كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} . يعنى: هكذا يَخْلُقُ الله منكِ ولدًا لك من غير أن يَمَسَّكِ بَشرٌ، فيَجْعَلُه آيةً للناسٍ وعِبرةً، فإِنه يَخْلُقُ ما يَشاءُ، ويَصْنَعُ ما يُريدُ، فيُعْطِي الولَدَ مَن يَشَاءُ مِن غيرِ فَحْلٍ ومِن فَحْلٍ، ويَحرِمُ ذلك مَن يَشَاءُ مِن النساء وإن كانت ذاتَ بَعْل؛ لأنه لا يَتَعَذَّرُ عليه خَلْقُ شَيءٍ أَراد خَلْقَه، إنما هو أن يَأْمُرَ إذا أراد شيئًا ما أراد، فيَقُولَ له: كُنْ. فيَكُونَ ما شاء مما يَشاءُ وكيفَ شاء.

كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاق، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبَيرِ:{قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} : يَصْنَعُ ما أراد، ويَخْلُقُ مَا يَشاءُ، مِن بشرٍ أو غيرِ بشرٍ

(1)

، {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ

(2)

} مما يَشاءُ، وكيف يَشاءُ، فيَكُونُ ما أراد

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)} .

اختلفت القرأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الحجاز والمدينة وبعضُ قرأَةِ الكوفيين: {وَيُعَلِّمُهُ} بالياءِ

(4)

، ردًّا على قوله:{كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} .

(1)

بعده في النسخ: "أي". والمثبت من مصادر التخريج.

(2)

بعده في النسخ: "فيكون".

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 580، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 653 (3529، 3530) من طريق سلمة عن ابن إسحاق.

(4)

وهى قراءة نافع وعاصم. السبعة لابن مجاهد ص 206.

ص: 415

{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} فَالْحَقُوا الخبر في قوله: {وَيُعَلِّمُهُ} بنظير الخبرِ في قولِه: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} . وقوله: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيِّين وبعضُ البصريِّين: (وَنُعَلِّمُهُ) بالنونِ

(1)

، عطفًا به على قوله:{نُوحِيهِ إِلَيْكَ} كأنه قال: ذلك مِن أنباءِ الغيبِ نوحِيه إليك، ونُعَلِّمُه الكتابَ. وقالوا: ما بعد {نُوحِيهِ} في صِلتِه إلى قولِه: {كُنْ فَيَكُونُ} . ثم عطَف بقوله: (ونُعَلِّمُه) عليه.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان مختلفتان غيرُ مختلفتَي المعانى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ الصوابَ في ذلك؛ لاتفاقِ مَعْنَيِي القراءتين في أنه خبرٌ عن الله بأنه يُعَلِّمُ عيسى الكتابَ وما ذكَر أنه يُعلِّمُه.

وهذا ابتداءُ خبرٍ من الله عز وجل لمريمَ ما هو فاعلٌ بالولدِ الذي بشَّرها به من الكرامةِ ورفعةِ المنزلةِ والفضيلةِ، فقال: كذلك اللهُ يَخْلُقُ منكِ ولدًا مِن غيرِ فَحلٍ ولا بَعلٍ فيُعَلِّمه الكتابَ، وهو الخطُّ الذي يخطُّه بيده، والحكمةَ، وهى السنةُ التي نوحِيها إليه في غيرِ كتابٍ، والتوراةَ، وهي التوراةُ التي أُنْزِلت على موسى، كانت فيهم من عهدِ موسى، والإنجيلَ، إنجيلُ عيسى ولم يكنْ قَبلَه، ولكنَّ الله أخبَر مريمَ قبلَ خلقِ عيسى أنه مُوحيه إليه، وإنما أخبَرَها بذلك، فسمّاه لها؛ لأنها قد كانت علِمت فيما نزَل مِن الكتبِ أن الله باعثٌ نبيًّا يُوحِى إليه كتابًا اسمُه الإنجيلُ، فأخبَرها اللهُ عز وجل أن ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم الذي سمِعتْ بصفتِه الذي وعَد أنبياءَه مِن قَبْلُ أنه مُنزِّلٌ عليه الكتاب الذي سُمِّى إنجيلًا، هو الولدُ الذي وهبَه لها وبشَّرها به.

(1)

وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق.

ص: 416

وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهل التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} . قال: بيدِه

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} قال: الحكمةُ السنةُ

(2)

.

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه:{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} . قال: الحكمةُ السنةُ، {وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ}. قال: كان عيسى يَقْرأُ التوراةَ والإنجيلَ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ:{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} . قال: الحكمةُ السنةُ.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ، قال: أخبَرها - يعنى أخبَر اللهُ مريمَ - ما يُريدُ به، فقال:{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ} التي كانت فيهم مِن عهدِ موسى، {وَالْإِنْجِيلَ} ، كتابًا آخرَ أحدَثه إليه لم يَكُنْ عندَهم علمُه إلا ذِكْرُه أَنه كائنٌ من الأنبياءِ قبلَه

(4)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 25 إلى المصنف.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 654 عقب الأثر (3533) معلقا.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 654 (3536) من طريق ابن أبي جعفر به مختصرا.

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 581، وفيه: بعده. مكان: قبله.

ص: 417

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} .

يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {وَرَسُولًا} : [ونَجْعَلُه رسولًا]

(1)

إلى بني إسرائيلَ.

فتُرِك ذكرُ "ونجعَلُه"؛ لدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قال الشاعرُ

(2)

:

ورأيت زوجَكِ في الوَغَى

مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحًا

وقولُه: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} . بمعنى: ونَجْعَلُه رسولًا إلى بنى إسرائيلَ [بأنه نبيِّى وبشيري ونذيرى]

(3)

، وحجَّتي على صدقِي في

(4)

ذلك {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} . يعنى: بعلامةٍ مِن ربِّكُم تُحَقِّقُ قولى، وتُصَدِّقُ خبرى أني رسولٌ مِن ربِّكم إليكم.

كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبَيرِ:{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} . أي يُحَقِّقُ بها نبوَّتى، وأنى رسولٌ منه إليكم

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ورسولًا إلى بني إسرائيلَ أني قد جِئتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم، ثم بيَّن عن الآيةِ ما هي، فقال:{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} .

(1)

سقط من: ص، ت 2، ت 3، س.

(2)

تقدم في 1/ 140.

(3)

في م: "نبى وبشير ونذير".

(4)

في النسخ: "على". والصواب ما أثبت

(5)

سيرة ابن هشام 1/ 581، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 654 (3538، 3539) من طريق سلمة عن ابن إسحاق قوله.

ص: 418

فتأويلُ الكلامِ: ورسولًا إلى بني إسرائيلَ بأني قد جئْتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم بأن أخْلُقَ لكم مِن الطينِ كهيئةِ الطيرِ.

والطيرُ جمعُ طائرٍ.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ أهل الحجازِ: (كهيئةِ الطائرِ فأَنْفُخُ فيه فيَكُونُ طائرًا). على التوحيدِ

(1)

.

وقرَأه آخرون: {كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا} ، على الجماعِ فيهما

(2)

.

وأعجب القراءاتِ إليَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: {كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا} . على الجِماعِ فيهما جميعًا؛ لأن ذلك كان مِن صفةِ عيسى أنه يَفْعَلُ ذلك بإذنِ اللهِ، وأنه الموافقُ لخطِّ المصحفِ. واتِّباعُ خطِّ المصحفِ مع صحةِ المعنى واستِفاضة القراءةِ به، أعجبُ إليَّ مِن خلافِ المُصحفِ.

وكان خلقُ عيسى ما كان يَخْلُقُ مِن الطيرِ كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه جلَس يومًا مع غِلمانٍ مِن الكُتّابِ، فأَخَذ طينًا، ثم قال: أَجْعَلُ لكم مِن هذا الطينِ طائرًا؟ قالوا: وتَستطيعُ ذلك؟! قال: نعم بإذن ربي. ثم هيَّأَه حتى إذا جعَله في هيئةِ الطائرِ نفَخ فيه، ثم قال: كن طائرًا بإذنِ اللهِ. فخرَج يَطِيرُ بينَ كفَّيْهِ، فخرَج الغلمانُ بذلك مِن أمرِه، فذكَروه لمعلِّمِهم، فأفشَوه في الناسِ، وتَرَعْرَعَ، فهمَّت به بنو إسرائيلَ، فلمّا خافت أمُّه عليه، حُمَيِّرٍ على حُميِّرٍ لها، ثم خرَجت به هاربةً

(3)

.

(1)

وهى قراءة نافع. السبعة لابن مجاهد ص 206.

(2)

في النسخ: "كليهما". والصواب ما أثبت.

وبالجماع فيهما قرأ باقى السابعة غير نافع. المصدر السابق.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 32 إلى المصنف.

ص: 419

وذُكر أنه لمّا أراد أن يَخْلُقَ الطيرَ من الطينِ سألهم: أيُّ الطيرِ أشدُ خلقًا؟ فقيل له: الخُفّاشُ.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قوله: {كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا} . قال: أيُّ الطيرِ أَشدُّ خلقًا؟ قالوا: الخُفاشُ، إنما هو لحمٌ. قال: ففعَل

(1)

.

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {فَأَنْفُخُ فِيهِ} وقد قيل: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر} ؟

قيل: لأن معنى الكلام: فأَنْفُخُ في الطيرِ. ولو كان ذلك: فأَنْفُخُ فيها. كان صحيحًا جائزًا، كما قال في المائدةِ:{فَتَنْفُخُ فِيهَا} [المائدة: 110]. يريدُ: فتَنْفُخُ في الهيئةِ.

وقد ذُكِر أن ذلك في إحدى القراءتين: (فأنْفُخُها) بغير "في"

(2)

. وقد تَفْعَلُ العربُ مثلَ ذلك، فتقولُ: رُبَّ ليلةٍ قد بتُّها، وبتُّ فيها. قال الشاعرُ

(3)

:

ما شُقَّ جَيْبٌ ولا قامَتْكَ نائحةٌ

ولا بكَتْكَ جِيادٌ عندَ أَسْلابِ

بمعَنى: ولا قامت عليك. وكما قال آخَرُ:

إحدَى بَنِي عَيِّذِ اللهِ

(4)

اسْتَمَرَّ بها

حُلْوُ العُصارةِ حتى يُنْفَخَ الصُّوَرُ

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ} .

يَعنى بقولِه: {وَأُبْرِئُ} : وأَشْفِى. يُقالُ منه: أَبْرَأ اللهُ المريضَ [من مرضِه]

(5)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 32 إلى المصنف.

(2)

ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 214. وقال أبو حيان في البحر المحيط 2/ 466: هي قراءة شاذة نقلها الفراء.

(3)

ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 214، والأغانى 18/ 287.

(4)

بنو عيِّذ الله: حى من اليمن. تاج العروس (ع و ذ).

(5)

زيادة يستقيم بها السياق.

ص: 420

إذا شفاه منه، فهو يُبْرئُه إبراءً، وبرَأ المريضُ فهو يَبْرأُ بَرْءًا. وقد يقالُ أيضًا: بَرِئَ المريضُ فهو يَبْرأُ، لغتانِ معْروفتانِ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنَى الأَكْمَةِ؛ فقال بعضُهم: هو الذي لا يُبْصِرُ بالليلِ ويُبْصِرُ بالنهارِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ} . قال: الأكمهُ الذي يُبْصِرُ بالنهارِ ولا يُبْصِرُ بالليلِ، فهو يَتَكَمَّهُ

(1)

.

حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقال آخرون: هو الأعمى الذي ولَدتْه أمُّه كذلك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: كُنا نُحَدَّثُ أَن الأكمةَ الذي وُلِد وهو أعمَى، مضمومَ

(2)

العَينينِ

(3)

.

حدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قَتادةَ

(1)

تفسير مجاهد ص 252 وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 655 (3544) من طريق أبي عاصم به، وأخرجه الفريابي - كما في التعليق 4/ 35 - من طريق ابن أبي نجيح به.

(2)

كذا في النسخ، ولعلها:"مغموم". وكل مغطى فإن العرب تسميه مغمومًا. ينظر ما تقدم في 1/ 698.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 655 عقب أثر (3542) معلقا بنحوه.

ص: 421

في قولِه: {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ} قال: كُنا نُحدَّثُ أن الأكمهَ الذي وُلِد وهو أعمَى، مضمومَ العينينِ.

حُدِّثتُ عن المِنجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ

(1)

عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحّاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الأكمهُ الذي يُولَد وهو أعمَى

(2)

.

وقال آخرون: بل هو الأعمَى.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ:{وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ} : هو الأعمى

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الأعمَى

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ} قال: الأَكْمَهُ الأعمَى

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، عن عبّادِ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ} قال: الأعمَى

(6)

.

(1)

في النسخ: "عن"، وهو إسناد دائر، وينظر ما تقدم في 1/ 121.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 655 (3542) من طريق المنجاب به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 655 عقب الأثر (3542) من طريق عمرو به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 655 (6542، 6543) من طريقين، عن ابن عباس.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 121.

(6)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 655 عقب الأثر (3542) معلقا.

ص: 422

وقال آخرون: هو الأعمشُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حَفْصُ بْنُ عمرَ، عن الحكَمِ بن أَبَانٍ، عن عِكْرمةَ في قولِه:{وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ} قال: الأعمشُ

(1)

.

والمعروفُ عندَ العربِ مِن معنَى الكَمَه العمَى، يُقالُ منه: كَمِهَت عينُه، فهى تَكمَهُ كمَهًا، وكمَّهْتُها

(2)

، أنا، إذا أعميتَها، كما قال سويدُ بنُ أبى كاهلٍ

(3)

:

[كمَّهَتْ عَيْنَيه]

(4)

حتى ابْيضَّتا

فهْو يَلْحَى نَفْسَهُ لمَّا نَزَعْ

ومنه قول رؤبة

(5)

:

هَرَّجْتُ

(6)

فَارْتَدَّ ارتِدادَ الأكمَهِ

في غائلاتِ

(7)

الحائِرِ

(8)

المُتَهْتِهِ

(9)

وإنما أخبَر اللهُ عز وجل عن عيسى صلواتُ اللهِ عليه أنه يَقُولُ ذلك لبنى إسرائيلَ؛ احتجاجًا منه بهذه العِبَرِ والآياتِ عليهم في نبوَّتِه، وذلك أن الكَمَةَ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 655 (3545)، وابن الأنبارى في الأضداد ص 378 من طريق حفص بن عمر به.

(2)

في م: "أكميتها".

(3)

الأضداد لابن الأنبارى ص 378، والمفضليات ص 200، وشرح اختيار المفضل 2/ 910، واللسان (ك م هـ).

(4)

في م، ت 1، ت:"كمِهتْ عيناه".

(5)

ديوانه ص 166.

(6)

هرجت: صِحْت به.

(7)

في س، ت 1، ت 3:"عاملات". والغائلات: المهلكات الدواهي.

(8)

في الديوان: "الخائب".

(9)

المتهته: المتردد في الباطل.

ص: 423

والبَرَصَ لا علاجَ لهما فيَقْدرَ على إبرائِه ذو طبٍّ بعلاجٍ

(1)

، فكان ذلك مِن أدلتِه على صِدقِ قيلِه: إنه للهِ رسولٌ؛ لأنه مِن المعجزاتِ، مع سائرِ الآياتِ التي أعطاه اللهُ إياها دَلالةً على نبوَّتِه.

فأمَّا ما قال عكرمةُ، من أن الكَمَهَ العَمَشُ، وما قاله مجاهدٌ مِن أنه سوءُ البصرِ بالليلِ، فلا معنَى لهما؛ لأن الله لا يَحْتَجُّ على خلقِه بحجةٍ تَكُونُ لهم السبيلُ إلى معارضتِه فيها، ولو كان مما احْتَجَّ به عيسى على بني إسرائيلَ في نبوّتِه أنه يُبْرِئُ الأعْمَشَ، أو الذي يبصِرُ بالنهارِ ولا يبصرُ بالليلِ، لقَدَروا على معارضتِه بأن يَقُولوا: وما في هذا لك من الحُجةِ، وفينا خَلْقٌ ممن يُعَالِجُ ذلك وليسوا للهِ أنبياءَ ولا رسلًا؟ ففى ذلك دَلالةٌ بيِّنَةٌ على صحةِ ما قلنا مِن أن الأكمَهَ هو الأعمَى الذي لا يُبْصِرُ شيئًا، لا ليلًا ولا نهارًا، وهو بما قال قتادةُ من أنه المولودُ كذلك أشبهُ؛ لأن عِلاجَ مثلِ ذلك لا يدَّعيه أحدٌ مِن البشرِ إلا مَن أعطاه اللهُ مثلَ الذي أعطَى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرصِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} .

وكان إحياءُ عيسى الموتَى بدعاءِ اللهِ، يَدْعُو لهم، فيَسْتَجِيبُ له.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سَهلِ بن عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: لمّا صار عيسى ابنَ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ سَنةً، أَوْحَى اللهُ إلى أمِّه وهى بأرضِ مصرَ، وكانت هرَبت مِن قومِها حينَ ولَدته إلى أرضِ مصرَ: أن اطلُعى به إلى الشامِ. ففعَلت الذي أُمِرت به، فلم

(1)

في س: "يعالج".

ص: 424

تَزَلْ بالشامِ حتى كان ابنَ ثلاثين سنةً، وكانت نبوَّتُه ثلاثَ سنينَ، ثم رفَعه اللهُ إِليه. قال: وزعَم وَهْبٌ أنه ربما اجتمَع على عيسى مِن المرضَى في الجماعةِ الواحدةِ خمسون ألفًا، مَن أطاق منهم أن يَبْلُغَه بلَغه، ومَن لم يُطِقْ منهم ذلك أتاه عيسى يَمْشِى إليه، وإنما كان يُداوِيهم بالدعاءِ إلى اللهِ

(1)

.

وأما قولُه: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ} . فإنه يَعْنى: وأُخبِرُكم بما تأْكلون ممّا لم أُعاينْه وأشاهدْه معكم

(2)

في وقتِ أكلِكُمُوه، {وَمَا تَدَّخِرُونَ}. يعْنى بذلك: وما تَرْفَعونه فتُخَبِّئُونه ولا تَأْكُلُونه. يُعْلِمُهم أن مِن حُجَّتِه أيضًا على نبوّتِه - مع المعجزاتِ التي أعلَمهم أنه يأتى بها حُجّةٌ على نُبُوَّتِه وصدقِه في خبَرِه أن الله أرسلَه إليهم؛ مِن خلقِ الطيرِ مِن الطينِ، وإبراءِ الأكْمَهِ والأبرصِ، وإحياءِ الموتَى بإذنِ اللهِ، التي لا يُطِيقُها أحدٌ مِن البشرِ إلا مَن أعطاه اللهُ ذلك؛ عَلَمًا له على صدقِه، وآيةً له على حقيقةِ قولِه، مِن أنبيائِه ورسلِه، ومَن أحِبَّ مِن خلقِه - إنباءَه عن الغيبِ الذي لا سبيلَ لأحدٍ من البشرِ الذين سبيلُهم سبيلُه، عليه.

فإن قال قائلٌ: وما كان في قولِه لهم: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} مِن الحجةِ له على صدقِه، وقد رأَينا المتَنَجِّمةَ والمُتَكَهنةَ تخبرُ بذلك كثيرًا فتصيبُ؟

قيل: إن المُتَنَجِّمَ والمُتَكَهِّنَ معلومٌ منهما عندَ مَن يُخْبِرانِه

(3)

بذلك أنهما يُنَبِّئانِ به عن استخراجٍ له ببعضِ الأسبابِ المؤديةِ إلى علمِه، ولم يَكُنْ ذلك كذلك مِن عيسى صلواتُ اللهِ عليه، ومِن سائرِ أنبياءِ الله ورسُلِه، وإنما كان عيسى يُخْبِرُ به عن

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 598.

(2)

في س: "منكم".

(3)

في النسخ: "يخبره". والسياق يقتضى ما أثبت.

ص: 425

غيرِ استخراجٍ ولا طلبٍ لمعرفتِه باحتيالٍ، ولكن ابتدَاءً بإعلامِ اللهِ إياه، مِن غيرِ أصلٍ تقدَّم ذلك احْتَذَاه، أو بنَى عليه أو فزِع إليه، كما يَفْزَعُ المتنجِّمُ إلى حسابِه، والمتكهِّنُ إلى رَئِيِّه، فذلك هو الفصلُ بينَ عِلمِ الأنبياءِ بالغيوبِ وإخبارِهم عنها، وبينَ علمِ سائرِ المتكذِّبةِ على اللهِ، أو المدَّعيةِ علمَ

(1)

ذلك.

كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما بلَغ عيسى تسعَ سنينَ أو عَشْرًا أو نحوَ ذلك، أدْخَلَتْه أُمُّه الكُتَّابَ، فيما يَزْعُمون، فكان عندَ رجلٍ مِن المُكْتِبينَ يُعَلِّمُه كما يُعَلِّمُ الغِلمانَ، فَلَا يَذْهَبُ يُعَلِّمُه شَيئًا مما يُعَلِّمُه الغلمانَ إلا بَدَره إلى علمِه قبلَ أن يُعَلِّمَه إياه، فيَقُولُ: ألا تَعْجَبون لابنِ هذه الأرملةِ، ما أَذْهَبُ أُعَلِّمُه شيئًا إلا وجَدتُه أعلمَ به منّى

(2)

.

حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: لمّا كَبِر عيسى أسلَمته أمُّه يَتَعَلَّمُ التَّوْراةَ، فكان يَلْعَبُ مع الغِلمانِ، غِلمانِ القريةِ التي كان فيها، فيُحَدِّثُ العلمانَ بما يَصْنَعُ آباؤُهم

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه:{وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} قال: كان عيسى ابن مريمَ إذْ كان في الكُتّابِ يُخْبِرُهم بما يَأْكُلون في بُيوتِهم وما يَدِّخِرون.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"علي".

(2)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 433.

ص: 426

تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} قال: إنّ عيسى ابنَ مريمَ كان يَقولُ للغلامِ في الكُتّاب: يا فلانُ، إنْ أهْلُك قد خبَّئوا لك كذا وكذا مِن الطعامِ، فتُطْعِمُنى منه؟

(1)

فهكذا فِعْلُ الأنبياءِ وحُجَجُها، إنما تَأْتِى بما أتتْ به مِن الحُجَجِ بما قد يُوصَلُ إليه ببعضِ الحِيَلِ، على غيرِ الوجهِ الذي يَأْتى به غيرُها، بل مِن الوجهِ الذي يَعْلَمُ الخَلْقُ أنه لا يُوصَلُ إليه مِن ذلك الوجهِ بحيلةٍ إلا مِن قِبَلِ اللهِ.

وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} . قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} قال: بما أكَلْتم البارحةَ، وما خبَّأْتم منه. عيسى ابن مريمَ يَقُولُه

(2)

.

حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جرَيجٍ، قال: قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، يعنى قولَه: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا

(1)

أخرجه سعيد بن منصور (499 - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 656 (3550) من طريق إسماعيل به.

(2)

تفسير مجاهد ص 253، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 656 (3546، 3549).

ص: 427

تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} قال: الطعامُ والشيءُ يَدَّخِرونه في بيوتِهم، غَيْبًا عَلَّمه اللهُ إياه

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} ، قال:{بِمَا تَأْكُلُونَ} : ما أكَلتم البارحةَ مِن طعامٍ وما خبَّأتم منه.

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان - يَعْنى عيسى ابنَ مريمَ - يُحَدِّثُ الغِلمانَ وهو معهم في الكُتّابِ بما يَصْنَعُ آباؤُهم، وبما يَرْفَعون لهم، وبما يَأْكُلون، ويَقُولُ للغلامِ: انْطَلِقْ فقد رفَع لك أهلُك كذا وكذا، وهم يَأْكُلون كذا وكذا. فيَنْطَلِقُ الصبيُّ، فيَبْكي على أهلِه حتى يُعْطُوه ذلك الشيءَ، فيقولون له: مَن أخبَرك بهذا؟ فيَقُولُ: عيسى. فذلك قولُ اللهِ عز وجل: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} فحبَسوا صبيانَهم عنه وقالوا: لا تَلْعَبوا مع هذا الساحرِ. فجمَعوهم في بيتٍ، فجاء عيسى يَطْلُبُهم فقالوا: ليس هم ههنا. فقال: ما في هذا البيتِ؟ فقالوا: خنازيرُ. قال عيسى: كذلك يكُونون، ففتَحوا عنهم فإذا هم خنازيرُ، فذلك قولُه:{عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}

(2)

[المائدة: 78].

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} . قال: ما تُخَبِّئون، مخافةَ الذي يُمسِكُ [أن يُخْلفَه]

(3)

.

(1)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 433.

(2)

ذكره الثعلبي في قصص الأنبياء ص 349، والبغوى في تفسيره ص 40، 41.

(3)

في م: "أن لا يخلفه شيء".

ص: 428

وقال آخرون: إنما عنَى بقولِه: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} : ما تَأْكُلون من المائدةِ التي تَنْزِلُ عليكم، وما تَدَّخِرون منها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} : فكان القومُ لمّا سأَلوا المائدةَ، فكانت خِوانًا

(1)

يُنْزِلُ عليه أينما كانوا ثمرًا من ثمارِ الجنةِ، فأمَر القومَ أَلا يَخُونُوا فيه ولا يُخَبِّئوا ولا يَدَّخِروا لغدٍ. بلاءٌ ابتلاهم اللهُ به، فكانوا إذا فعَلوا مِن ذلك شيئًا أنبأَهم به عيسى ابن مريمَ، فقال:{وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} .

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ} قَالَ: أُنَبِّئُكم بما تَأْكُلُونَ مِن المائدةِ وما تَدَّخِرون منها. قال: وكان أخَذ عليهم في المائدةِ حينَ نَزَلت، أن يَأْكُلوا ولا يَدَّخِروا. فادَّخَروا وخانوا، فجُعِلوا خنازيرَ حينَ ادَّخَروا وخانوا، فذلك قولُه {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 115].

قال ابن يحيى: قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ، عن قتادةَ، عن خِلاسِ بن عمرٍو، عن عمارِ بن ياسرٍ

(2)

.

وأصلُ {تَدَّخِرُونَ} مِن الفعلِ "تَفْتَعِلون"، مِن قولِ القائلِ: ذخَرت

(1)

في م: "جرابا".

(2)

بعده في م: "ذلك".

والأثر في تفسير عبد الرزاق، 1/ 121، 122، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 656 (3547، 3548) عن الحسن به، وأخرجه الترمذى (3061) من طريق قتادة عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

ص: 429

الشيءَ. بالذال، فأنا أَذْخَرُه، ثم قيل: يَدَّخِرُ. كما قيل: يَدَّكِرُ. مِن. ذَكَرْتُ الشيءَ. يُرادُ به يَذْتَخِرُ، فلما اجتمَعت الذالُ والتاءُ وهما مُتَقارِبتا المخرجِ، ثَقُل إظهارُهما على اللسانِ، فأُدْغِمت إحداهما في الأخرى، وصُيِّرَتا دالًا مشدَّدةً، صيَّروها عَدْلًا بين الذالِ والتاءِ، ومِن العربِ مَن يُغَلِّبُ الذالَ على التاءِ، فَيُدْغِمُ التاءَ في الذالِ، فَيَقُولُ: وما تَذَّخِرون، وهو مُذَّخَرٌ لك، وهو مُذَّكِرٌ. واللغةُ التي بها القراءةُ الأُولى، وذلك إدغامُ الذالِ في التاءِ، وإبدالُهما دالًا مشددةً، لا يَجُوزُ القراءةُ بغيرِها؛ لتظاهرِ النقلِ مِن القرأةِ بها، وهى اللغةُ الجُودَى، كما قال زُهيرٌ

(1)

:

[إن الكريمَ]

(2)

الذي يُعْطِيكَ نائلَهُ

عَفُوًا وَيُظْلَمُ أحيانا فَيَطَّلِمُ

يُروى بالظاءِ، يريدُ: فيَفْتَعِلُ. مِن الظلمِ، ويُرْوى بالطاءِ أيضًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إِنَّ في خَلْقى من الطينِ الطيرَ بإذنِ اللهِ، وفي إبرائى الأكْمَهَ والأبرصَ، وإحيائى الموتى، وإنبائى إيّاكم بما تَأْكُلون وما تَدَّخرون في بيوتِكم، ابتداءً من غيرِ حسابٍ وتَنْجِيمٍ، ولا كهانةٍ وعرافةٍ - لعبرةً لكم ومتفَكَّرًا تتفكَّرون في ذلك، فتَعْتَبِرون به أنى محقٌّ في قولى لكم: إنى رسولٌ مِن ربِّكم إليكم. وتَعْلَمون به أنى فيما أدْعُوكم إليه مِن أمرِ اللهِ ونهيِه صادقٌ. {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . يعنى: إن كنتم مُصَدِّقين حُجَجَ اللهِ وآياتِه، مُقرِّين بتوحيدِه، ونبيِّه موسى والتوراةِ التي جاءَكم بها.

‌القولٌ في تأويلِ قولِه: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ

(1)

شرح ديوانه ص 152.

(2)

في الديوان: "هو الجواد".

ص: 430

بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}.

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وبأني قد جئْتُكم بآيةٍ من ربِّكم، وجئْتُكم مصدِّقًا لما بينَ يَدَيَّ من التوراةِ. ولذلك نصَب {مُصَدِّقًا} على الحالِ مِن {جِئْتُكُمْ}. والذي يَدُلُّ على أنه نُصِب على قولِه:{وَجِئْتُكُمْ} دونَ العطفِ على قولِه: {وَجِيهًا} قوله: {لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} ولو كان عطْفًا على قولِه: {وَجِيهًا} ، لكان الكلامُ: ومصدِّقًا لما بينَ يديْه مِن التَّوْرَاةِ، ولِيُحِلَّ لكم بعض الذي حُرِّم عليكم.

وإنما قيل: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} . لأن عيسى صلواتُ اللهِ عليه كان مؤمنًا بالتوراةِ مقِرًّا بها، وأنها مِن عندِ اللهِ، وكذلك الأنبياءُ، كلُّهم يُصَدِّقون بكلِّ ما كان قبلَهم من كتبِ اللهِ ورسلِه، وإن اختلَف بعضُ شرائعِ أحكامِهم؛ لمخالفةِ اللهِ بينهم في ذلك، مع أنَّ عيسى كان - فيما بلَغَنا - عاملًا بالتوراةٍ لم يخالفْ شيئًا مِن أحكامِها، إلا ما خفَّف اللهُ عن أهلِها في الإنجيلِ ممَّا كان مشدَّدًا عليهم فيها.

كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنبِّهٍ يقولُ: إن عيسى كان على شريعةِ موسى، صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وكان يَسْبِتُ ويَسْتَقبِلُ بيتَ المقدسِ، فقال لبني إسرائيلَ: إني لم أدْعُكم إلى خلافِ حرفٍ مما في التوراةِ، إلا لأُحِلَّ لكم بعضَ الذي حُرِّم عليكم، وأَضَعَ عنكم مِن الآصارِ

(1)

.

حدَّثني بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 35 إلى المصنف.

ص: 431

يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}: كان الذي جاء به عيسى أَلْيَنَ مما جاء به موسى، وكان قد حُرِّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبلِ والثُّروبُ

(1)

، وأشياءُ مِن الطيرِ والحِيتانِ

(2)

.

حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه:{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} قال: كان الذي جاء به عيسى ألينَ مما جاء به موسى. قال: وكان حُرِّم عليهم فيما جاء به موسى مِن التوراةِ لحومُ الإبلِ والثُّروبُ، فأحَلَّها لهم على لسانِ عيسى - وحُرِّمَت عليهم الشحومُ، وأُحِلَّت لهم فيما جاء به عيسى - وفى أشياءَ مِن السمكِ، وفى أشياءَ من الطيرِ، مما لا صِيصِيَة

(3)

له، وفي أشياءَ حرَّمها عليهم، وشدَّدها عليهم، فجاءَهم عيسى بالتَّخفيفِ منه في الإنجيلِ، فكان الذي جاء به عيسى ألْينَ مِن الذي جاء به موسى صلواتُ اللهِ عليه

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:{وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} ، قال: لحومُ الإبلِ والشحومُ، لمَّا بُعِث عيسى أحَلَّها لهم، وبُعِث إلى اليهودِ فاخْتَلَفوا وتفَرَّقوا

(5)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ:{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} . أي: لِما سبَقَنى منها،

(1)

الثُّروب: جمع الثَّرْب، وهو شحم رقيق يُغَشَّى الكَرِش والأمعاء، وقيل: هو الشحم المبسوط على الأمعاء والمصارين. تاج العروس (ث ر ب).

(2)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 435.

(3)

في ت 2، س:"صيصة". والصِّيصِيَة: شوكة الديك التي في رجليه. تاج العروس (ص ى ص).

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 657، 658 (3557) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.

(5)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 435.

ص: 432

{وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} . أي: أُخْبِرُ كم أنه كان حرامًا عليكم فترَكْتُموه، ثم أُحِلُّه لكم تَخْفيفًا عنكم، فتُصِيبون يُسْرَه، وتَخْرُجون مِن تِباعَتِه

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحَنفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسن:{وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} قال: كان حُرِّم عليهم أشياءُ، فجاءَهم عيسى ليُحِلَّ لهم الذي حُرَّم عليهم، يَبْتَغِي بذلك شُكْرَهم

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} .

يعنى بذلك: وجئتُكم بحُجَّةٍ وعِبْرةٍ مِن ربِّكم، تَعْلَمون بها حقيقةَ ما أقولُ لكم.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} قال: ما بيَّن لهم عيسى مِن الأشياءِ كلَّها، وما أعطاه ربُّه

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ:{وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} : ما بيَّن لهم عيسى مِن الأشياءِ كلِّها.

ويعنى بقولِه: {مِنْ رَبِّكُمْ} : مِن عِندِ رَبِّكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ

(1)

التبعة والتباعة. ما فيه إثم يُتبع به. يقال: ما عليه من الله في هذا تبعة ولا تباعة. ينظر تاج العروس (ت ب ع).

والأثر في سيرة ابن هشام 1/ 581، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 657 (3555) من طريق سلمة عن ابن إسحاق قوله.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 657 (3556) من طريق أبي بكر الحنفى به.

(3)

تفسير مجاهد ص 253 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 658 (3558).

ص: 433

فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)}.

يعنى بذلك: وجئتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم تَعْلَمون بها يقينًا صدقى فيما أقولُ، فاتَّقُوا الله يا معْشرَ بني إسرائيلَ فيما أمَرَكم به ونهاكم عنه في كتابِه الذي أنْزَله على موسى، فأَوْفُوا بعهدِه الذي عاهَدْتُموه فيه، وأطيعوني فيما دعَوْتُكم إليه مِن تَصْدِيقي فيما أَرْسَلَنى به إليكم ربي وربُّكم، فاعْبُدوه، فإنه بذلك أَرْسَلَني إليكم، وبإحْلالِ بعضِ ما كان مُحَرَّمًا عليكم في كتابِكم، وذلك هو الطريقُ القَويمُ، والهَدْىُ المتينُ الذي لا اعْوِجاجَ فيه.

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} : تَبَرِّيًا مِن الذي يَقولون فيه - يعنى: ما يَقولُ فيه النصارى - واحْتِجاجًا لربِّه عليهم. {فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} أي: هذا الذي قد حمَلْتكم عليه وجئْتُكم به

(1)

.

واخْتَلَفَ القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} ؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأَةِ الأمصارِ: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} بكسرِ ألفِ {إِنَّ} . على ابتداءِ الخبرِ.

وقرَأَه بعضُهم: (أَنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُم). بفتحِ ألفِ (أنَّ)

(2)

، بتأويلِ: وجئتكم بآيةٍ مِن ربِّكم أن الله ربي وربُّكم. على ردّ "أن" على "الآيةِ"، والإبدالِ منها.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 581، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 658 (3560، 3562)، من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(2)

قال ابن خالويه في مختصر الشواذ ص 27: بالفتح، الأخفش عن بعض القراء. وينظر المحرر الوجيز لابن عطية 2/ 436، والبحر المحيط 2/ 469.

ص: 434

والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا ما عليه قَرأَةُ الأمصارِ، وذلك كسرُ ألفِ {إِنَّ} . على الابتداءِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ على صحةِ ذلك، وما اجْتَمَعَت عليه فحُجَّةٌ، وما انْفَرَد به المنفَرِدُ عنها فرأىٌ، ولا يُعْتَرَضُ بالرأيِ على الحُجَّةِ.

وهذه الآيةُ، وإن كان ظاهرُها خبرًا، ففيه الحجةُ البالغةُ مِن اللهِ لرسولِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، على الوفدِ الذين حاجُّوه مِن أهلِ نَجْرانَ، بإخبارِ اللهِ عز وجل عن أن عيسى كان بريئًا مما نسَبه إليه مَن نسَبه إلى غيرِ الذي وصَف به نفسَه، مِن أنه للهِ عبدٌ كسائرِ عبيدِه مِن أهلِ الأرضِ، إلا ما كان اللهُ جلَّ ثناؤُه خصَّه به مِن النبوةِ والحُجَجِ التي آتاه دليلًا على صدقِه - كما آتَي

(1)

سائرَ المرسَلين غيرِه مِن الأعلامِ والأدلةِ على صدقِهم - [وحُجَّةً على نبوتِه]

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)} .

يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} : فلمَّا وجَد عيسى منهم الكفرَ.

و "الإحساسُ" هو الوجودُ، ومنه قولُ اللهِ عز وجل:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} [مريم: 98].

فأما "الحسُّ" بغير ألفٍ، فهو: الإفناءُ والقتلُ، ومنه قولُه:{إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152]. و "الحسُّ أيضًا: العطفُ والرِّقةُ. ومنه قولُ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س:"أن".

(2)

في م: "الحجة على نبوتهم".

ص: 435

الكُمَيْتِ

(1)

:

هل مَن بَكَى الدارَ رَاجٍ أَن تَحِسَّ له

أو يُبْكِىَ الدارَ ماءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ

(2)

يعنى بقولِه: أن تَحِسَّ له: أن تَرِقَّ له.

فتأويلُ الكلامِ: فلمَّا وجَد عيسى مِن بنى إسرائيلَ الذين أرْسَله اللهُ إليهم، جحودًا لنبوتِه، وتكذيبًا لقولِه، وصدًّا عمّا دعاهم إليه مِن أمرِ اللهِ، قال:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} يعنى بذلك: قال عيسى: مَن أعْواني على المكذِّبين بحجةِ اللهِ والمُوَلِّين عن دينِه، والجاحدِين نبوةَ نبيِّه، إلى اللهِ عز وجل؟

ويعنى بقولِه: {إلَى اللهِ} : مع اللهِ.

وإنما حَسُن أن يُقالَ: {إلَى اللهِ} . بمعنى: مع اللهِ؛ لأن مِن شأنِ العربِ إذا ضمُّوا الشيءَ إلى غيرِه، ثم أرادوا الخبرَ عنهما بضمِّ أحدِهما مع الآخرِ إِذا ضُمَّ إليه، جعلوا مكانَ "مع""إلى" أحيانًا، وأحيانًا تُخبِرُ عنهما بـ"مع"، فتقولُ: الذَّوْدُ

(3)

إلى الذودِ إبلٌ. بمعنى: إذا ضمَمْتَ الذَّوْدَ إلى الذودَ صارت إبلًا. فأما إذا كان الشيءُ مع الشيءٍ لم يَقُولوه بـ"إلى"، ولم يَجْعَلوا مكانَ "مع""إلى"، غيرُ جائزٍ أن يُقال: قدِم فلانٌ وإليه مالٌ. بمعنى: ومعه مالٌ.

وبمثلِ ما قلْنا في تأويلِ قولِه: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} قال جماعةٌ

(1)

شعر الكميت بن زيد الأسدى 2/ 12.

(2)

الخضل: كل شيء نَدٍ يَتَرَشَّش من نداه فهو خضل، وقد خضل الثوبَ دمعُه: بَلَّه. اللسان (خ ض ل).

(3)

الذَّود: ثلاثة أبعرة إلى التسعة. وقيل: إلى العشرة. وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة. وقيل: من ثلاث إلى العشرين وفويق ذلك. وقيل: ما بين الثلاث إلى الثلاثين أو ما بين الثنتين إلى التسع. تاج العروس (ذ و د).

ص: 436

مِن أهلِ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} يقولُ: مع اللهِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} يقولُ: مع اللهِ

(1)

.

وأما سببُ استِنْصارِ عيسى عليه السلام من اسْتَنْصَرَ مِن الحَوَارِيِّين، فإِنَّ بينَ أهلِ العلمِ فيه اختلافًا؛ فقال بعضُهم: كان سببَ ذلك ما حدَّثني به موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: لما بعَث اللهُ عيسى، فأمَرَه بالدعوةِ، نفَتْه بنو إسرائيلَ وأَخْرَجوه، فخرَج هو وأمُّه يَسِيحون في الأرضِ، فنزَل في قريةٍ على رجلٍ، فضافَهم وأحْسَن إليهم، وكان لتلك المدينةِ ملكٌ جبارٌ مُعْتَدٍ، فجاء ذلك الرجلُ يومًا وقد وقَع عليه هَمٌ وحُزْنٌ، فدخَل منزلَه ومَرْيَمُ عندَ امرأتِه، فقالت مريمُ لها: ما شأنُ زوجِك؟ أراه حَزينًا! قالت: لا تَسْأَلى، قالت: أخْبِرينى لعل الله يُفَرِّجُ كُرْبتَه. قالت: فإن لنا مَلِكًا يَجْعَلُ على كلِّ رجلٍ منا يومًا يُطْعِمُه هو وجنودَه، ويَسْقِيهم مِن الخمرِ، فإن لم يَفْعَلْ عاقَبَه، وإنه قد بلَغت نَوبتُه اليومَ الذي يُرِيدُ أن يَصْنَعَ له فيه، وليس لذلك عندَنا سَعَةٌ. قالت: فقولي له: لا يَهْتَمُّ، فإنى آمُرُ ابنى فيَدْعُو له فيُكْفَى ذلك. قالت مريمُ لعيسى في ذلك، قال عيسى: يا أُمَّهْ، إنى إن فعَلْتُ كان في ذلك شَرٌّ. قالت: فلا تُبالِ، فإنه قد أحْسَن إلينا وأكْرَمَنا. قال عيسى: فقولي له: إذا اقْتَرَب ذلك،

(1)

ينظر المحرر الوجيز 2/ 437.

ص: 437

فامْلأْ قُدورَك وخَوابيَك

(1)

ماءً، ثم أَعْلِمْنى

(2)

. فلمَّا مَلأهن أَعْلَمه، فدعا الله، فتحوَّل ما في القدورِ لحمًا ومَرَقًا وخبزًا، وما في الخَوابي [خمرًا، لم يَرَ الناسُ مثلَه قطُّ، وآتاه طعامًا]

(3)

، فلمَّا جاء المَلِكُ أكَل، فلما شرِب الخمرَ سأل: مِن أين هذا الخمرُ؟ قال له: هي مِن أرض كذا وكذا. قال المَلِكُ: فإن خمرى أُوتَى بها مِن تلك الأرضِ، فليس هي مثلَ هذه. قال: مثل هذه. قال: هي مِن أرضِ أُخرى. فلما خلَّط على المَلكِ، اشْتَدَّ عليه، قال: فأنا أُخْبِرُك، عندى غلامٌ لا يَسْأَلُ الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله، فجعَل الماءَ خمرًا. قال الملكُ، وكان له ابنٌ يريدُ أن يَسْتَخْلِفَه، فمات قبلَ ذلك بأيامٍ، وكان أحبَّ الخلقِ إليه، فقال: إن رجلًا دعا الله حتى جعَل الماءَ خمرًا، لَيُسْتَجابَنَّ له حتى يُحْيىَ ابنى. فدعا عيسى فكلَّمه، فسأَله أن يَدْعُوَ الله فيُحْيِيَ ابنَه، فقال عيسى: لا تَفْعَلْ، فإنه إن عاش كان شرًّا. فقال الملكُ: لا أُبالى أليس أراه؟ فلا أُبالى ما كان. فقال عيسى عليه السلام: فإن أحْيَيْتُه تَتْرُكونى أنا وأمى نَذْهَبُ أينما شِئْنا؟ قال الملكُ: نعم. فدعا الله، فعاش الغلامُ. فلمَّا رآه أهلُ مَمْلكتِه قد عاش، تَنادَوْا بِالسِّلاحِ. وقالوا: أَكَلَنا هذا، حتى إذا دنا موتُه يريدُ أن يَسْتَخْلِفَ ابنَه، فيَأْكُلَنا كما أَكَلَنا أبوه! فاقْتَتَلُوا. وذهَب عيسى وأمُّه، وصحِبهما يَهوديٌّ، وكان مع اليهوديِّ رَغيفان، ومع عيسى رغيفٌ، فقال له عيسى: شارِكْني. فقال اليهوديُّ: نعم. فلما رأَى أنه

(1)

الخَوَابي، جمع خابية، وهي الجَرَّة الكبيرة، تركوا همزتها كما تركوا همزة البَريَّة، والذُّرية تخفيفا لكثرة الاستعمال. تاج العروس (خ ب أ).

(2)

بعده في ص، م، ت 1، س:"قال".

(3)

سقط من: ت 1، س.

ص: 438

ليس مع عيسى إلا رغيفٌ نَدِم. فلمَّا ناما جعَل اليهوديُّ يريدُ أن يَأْكُلَ الرغيفَ، فلما أكَل لُقمةً قال له عيسى: ما تَصْنَعُ؟ فيقولُ: لا شيءَ. فيَطْرَحُها، حتى فرَغ من الرغيفِ كلِّه. فلما أصْبَحا قال له عيسى: هَلُمَّ طعامَك. فجاء برغيفٍ، فقال له عيسى: أين الرغيفُ الآخرُ؟ قال: ما كان معى إلا واحدٌ. فسكت عنه عيسى. فانْطَلَقوا، فمرُّوا براعي غنمٍ، فنادَى عيسى: يا صاحبَ الغنم، أَجْزِرْنا شاةً مِن غنمِك. قال: نعم، أرْسِلْ صاحبَك يَأْخُذْها. فأَرْسَل عيسى اليهوديَّ، فجاء بالشاةِ، فذبَحوها وشوَوْها، ثم قال لليهوديِّ: كلْ ولا تَكْسِرُ عظمًا. فأكَلا، فلما شبِعوا قذَف عيسى العظامَ في الجلدِ، ثم ضرَبها بعصاه، وقال: قومى بإذنِ اللهِ. فقامت الشاةُ تَثْغُو

(1)

، فقال: يا صاحبَ الغنمِ، خُذْ شاتَك. فقال له الراعى: مَن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريمَ. قال: أنت الساحرُ! وفرَّ منه. قال عيسى لليهوديِّ: بالذي أحيا هذه الشاةَ بعد ما أكَلْناها، كم كان معك رغيفًا؟ فحلَف ما كان معه إلا رغيفٌ واحدٌ. فمرُّوا بصاحبِ بقرٍ، فنادَى عيسى، فقال: يا صاحبَ البقرِ، أجْزِرْنا مِن بقرِك هذه عِجْلًا. قال: ابْعَثْ صاحبَك يَأْخُذْه. قال: انْطَلِق يا يهوديُّ فجِئْ به. فانْطَلَق فجاء به. فذبَحه وشوَاه، وصاحبُ البقرِ يَنْظُرُ، فقال له عيسى: كُلْ ولا تَكْسِرُ عظمًا. فلمَّا فرَغوا قذَف العِظامَ في الجلدِ، ثم ضرَبه بعصاه، وقال: قُمْ بإذنِ اللهِ. فقام وله خُوارٌ. قال: خُذْ عجلَك. قال: ومَن أنت؟ قال: أنا عيسى. قال: أنت السَّحَّارُ! ثم فرَّ منه. قال اليهوديُّ: يا عيسى أحْيَيْتَه بعدَ ما أكَلْناه! قال عيسى: فبالذي أحْيَا الشاةَ بعد ما أكَلْناها، والعجلَ بعدَ ما أكَلْناه، كم كان معك رغيفًا؟ فحلَف

(1)

الثُّغاء: صوت الشاء والمعز وما شاكلها، وقد ثَغا يثغو وثَغَت تَثْغو ثُغاء: أي صاحت. اللسان (ث غ و).

ص: 439

باللهِ ما كان معه إلا رغيفٌ واحدٌ. فَانْطَلَقا حتى نزَلا قريةً، فنزل اليهوديُّ أعلاها، وعيسى في أسفلِها، وأخَذ اليهوديُّ عصا مثلَ عصا عيسى

(1)

، وقال: أنا الآن أُحْيى الموتى. وكان مَلِكُ تلك المدينةِ مريضًا شديدَ المرضِ، فانْطَلَق اليهوديُّ يُنَادِى: مَن يَبْتَغِى طبيبًا. حتى أتى مَلِكَ تلك القريةِ، فأُخْبِر بوَجَعِه، فقال: أدْخِلونى عليه، فأنا أُبْرِئُه، وإن رأيْتُموه قد مات فأنا أُحْيِيه. فقيل له: إن وجَعَ الملكِ قد أعْيا الأطِباءَ قبلَك، ليس مِن طبيبٍ يُداوِيه ولا يُفِيءُ

(2)

دواؤُه شيئًا إلا أُمِر به فصُلِب. قال: أَدْخِلونى عليه، فإني سأبرئُه. فأُدْخِل عليه، فأَخَذ برِجْلِ المَلِكِ،، فضرَبه بعصاه حتى مات، فجعَل يَضْرِبُه بعصاهُ وهو ميتٌ، ويقولُ: قُمْ بإذنِ اللهِ. فأُخِذ ليُصْلَبَ، فبلَغ عيسى، فأقْبَل إليه، وقد رُفِع على الخشبةِ، فقال: أرأيْتُم إِن أَحْيَيْتُ لكم صاحبَكم أتَتْرُكون لي صاحبي؟ قالوا: نعم. فأحْيا اللهُ المَلِكِ لعيسى، فقام وأُنْزِل اليهوديُّ، فقال اليهوديُّ

(3)

: يا عيسى، أنت أعْظَمُ الناسِ على مِنَّةً، واللهِ لا أفارِقُك أبدًا

(4)

.

قال عيسى - فيما حدَّثنا به محمدُ بنُ الحسينِ بن موسى، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ - لليهوديِّ: أَنْشُدُك بالذي أحْيَا الشاةَ والعِجلَ بعدَ ما أكَلْناهما، وأحْيَا هذا بعدَ ما مات، وأَنْزَلَك مِن الجِذْعِ بعدَ ما رُفِعْتَ

(5)

عليه لتُصْلَبَ، كم كان معك رغيفًا؟ قال: فحلَف بهذا كلِّه، ما كان معه

(1)

في س: "موسى".

(2)

في مصدر التخريج: "يغنى". وأصل الفَئْ: الرجوع، وقيده بعضهم بالرجوع إلى حالة حسنة. تاج العروس (ف ى أ).

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 3، س.

(4)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 47/ 396، 397 من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدى، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس.

(5)

في ص، ت 2:"رفعك".

ص: 440

إلا رغيفٌ واحدٌ. قال: لا بأسَ. فانْطَلَقا حتى مرَّا على كَنْزٍ قد حفَرَتْه السِّباعُ والدوابُّ، فقال اليهوديُّ: يا عيسى، لِمَن

(1)

هذا المالُ؟ قال عيسى: دَعْه، فإن له أهلًا يَهلِكون عليه. فجعَلَت نفسُ اليهوديِّ تَطَلَّعُ إلى المالِ، ويَكْرَه أَن يَعْصِيَ عيسى، فانْطَلَق مع عيسى، ومرَّ بالمالِ أربعةُ نفرٍ. فلمَّا رأَوْهِ اجْتَمَعوا عليه، فقال اثنان لصاحِبَيْهما: انْطَلِقا فابْتاعا لنا طعامًا وشرابًا ودوابَّ نَحْمِلُ عليها هذا المالَ. فانْطَلَق الرجلان فابْتاعا دوابَّ وطعامًا وشرابًا، وقال أحدُهما لصاحبِه: هل لك أن نَجْعَلَ لصاحبَيْنا في طعامِهما سُمًّا، فإذا أكَلا ماتا، فكان المالُ بينى وبينَك؟ فقال الآخَرُ: نعم. ففعَلا، وقال الآخَران: إذا ما أَتَيَانا بالطعامِ، فَلْيَقُمْ كُلُّ واحدٍ إلى صاحبِه فيَقْتُله، فيكونَ الطعامُ والدوابُّ بينى وبينَك. فلما جاءا بطعامَهما قاما فقتَلاهما، ثم قعَدا على الطعامِ فأكَلا منه منه فماتا، وأُعْلِم ذلك عيسى،، فقال لليهوديِّ: أخْرِجْه حتى نَقْتَسِمَه. فَأَخْرَجه، فقسَمه عيسى بينَ ثلاثةٍ، فقال اليهوديُّ: يا عيسى، اتَّقِ الله ولا تَظْلِمْنى، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثةُ؟ قال له عيسى: هذا لي، وهذا لك، وهذا الثلُثُ لصاحبِ الرغيفِ. قال اليهوديُّ: فإن أخْبَرْتُك بصاحبِ الرَّغيفِ تُعْطِيني هذا المالَ؟ فقال عيسى: نعم. قال: أنا هو. قال عيسى: خُذْ حظى وحظَّك وحظَّ صاحبِ الرغيفِ، فهو حظُّك مِن الدنيا والآخرةِ. فلمَّا حمَله مشَي به شيئًا، فخُسِف به، وانْطَلَق عيسى ابن مريمَ، فمرَّ بالحَوارِيِّين وهم يَصْطادون السمكَ، فقال: ما تَصْنَعون؟ فقالوا: نَصْطادُ السمكَ. فقال: أفلا تَمْشون حتى نَصْطادَ الناسَ؟ قالوا: ومَن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريمَ. فآمنوا به، وانْطَلَقوا معه، فذلك قولُ اللهِ عز وجل:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} .

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س.

ص: 441

حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادِ بن منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} الآية. قال: اسْتَنْصَر فنصَره الحَوارِيون، وظهَر عليهم

(1)

.

وقال آخَرون: كان سبب اسْتِنْصارِ عيسى مَن اسْتَنْصَر؛ لأن مَن اسْتَنْصَر الحَوارِيين عليه كانوا أرادوا قتلَه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} قال: كفروا وأرادُوا قتلَه، فذلك حينَ اسْتَنْصَر قومَه، قال:{مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ}

(2)

.

والأنصارُ جمعُ نَصِيرٍ، كما الأشْرافُ جمعُ شَريفٍ، والأشهادُ جمعُ شَهيدٍ.

وأما "الحواريُّون"، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في السببِ الذي مِن أجلِه سُمُّوا حَواريِّين؛ فقال بعضُهم: سُمُّوا بذلك لبياضِ ثيابِهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحارِبيُّ، قال: مما روَى أبي، قال: ثنا قيسُ بنُ الرَّبيعِ، عن مَيْسرةَ، عن المِنْهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: إنما سُمُّوا الحواريين لبياضِ ثِيابهم

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 659 (3567) من طريق أبي بكر الحنفى به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 659 (3564) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج قوله. وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور 2/ 35 إلى ابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 659 (3568) من طريق ميسرة به من قول ابن عباس.

ص: 442

وقال آخَرون: سُمُّوا بذلك لأنهم كانوا قَصَّارِين يُبيِّضون الثيابَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن أبي أَرْطَاةَ، قال: الحواريُّون الغسَّالون الذين يحورُون الثيابَ؛ يَغْسِلونها

(1)

.

وقال آخرون: هم خاصةُ الأنبياءِ وصَفُوتُهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن رَوْحِ بن القاسمِ، أن قتادةَ ذكَر رجلًا مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: كان مِن الحواريِّين. فقيل له: مَن الحَوارِيُّون؟ قال: الذين تصْلُحُ لهم الخِلافةُ

(2)

.

حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ [بن الحارثِ]

(3)

قال: ثنا بشرُ بنُ

(4)

عُمَارَةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه:{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} [المائدة: 112]. قال: أصْفياءُ الأنبياء

(5)

.

وأشبه الأقوالِ التي ذكَرْنا في معنى الحواريِّين قولُ مَن قال: سُمُّوا بذلك لبياضِ ثيابِهم، ولأنهم كانوا غسَّالين.

وذلك أن الحَوَرَ عندَ العربِ شدةُ البياضِ، ولذلك سُمِّيَ الحُوَّارَى مِن

(1)

تفسير مجاهد ص 253 من طريق ورقاء، عن ابن أبي أرطاة.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 659 (3570) من طريق ابن علية به مختصرًا.

(3)

في النسخ: "قال ثنا الحسين". وهو إسناد دائر لا ذكر للحسين فيه.

(4)

في م، ت 1، س:"عن".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 660 (3572) من طريق المنجاب به.

ص: 443

الطعامِ: حُوَّارَى؛ لشدةِ بياضِه، ومنه قيل للرجلِ الشديدِ البياضِ مُقْلةِ العينَيْن: أحورُ. وللمرأةِ: حوراءُ.

وقد يَجوزُ أن يكونَ حواريُّو عيسى كانوا سُمُّوا بالذي ذكَرْنا مِن تبييضِهم الثيابَ، وأنهم كانوا قَصَّارِين، فعُرِفوا بصحبةِ عيسى، واخْتيارِه إيَّاهم لنفسِه أصحابًا وأنصارًا، فجرَى ذلك الاسمُ لهم، واسْتُعْمِل حتى صار كلُّ خاصةٍ للرجلِ مِن أصحابِه وأنصارِه حَوَارِيَّه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لكلِّ

(1)

نبيٍّ حَوارِيٌّ، وحَوارِيَّ الزبيرُ"

(2)

. يعنى خاصتُه، وقد تُسَمِّي العربُ النساء اللَّواتي مَساكنُهن القرَى والأمصارُ:"حَوَارِيَّاتٍ"، وإنما سُمِّينَ بذلك لغلبةِ البياضِ عليهن، ومن ذلك قولُ أبي جَلْدةَ اليَشْكُريِّ

(3)

:

فقلْ للحَواريَّاتِ

(4)

يَبْكِين غيرَنا

ولا تَبْكِنا إلا الكلابُ النَّوابِحُ

ويعنى بقولِه: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} : قال هؤلاء الذين صفتُهم ما ذكَرْنا مِن تبْيِيضِهم الثيابَ: {آمَنَّا بِاللَّهِ} : صدَّقْنا باللهِ واشهَد أنت يا عيسى بأننا مسلمُون.

وهذا خبرٌ من اللهِ عز وجل أن الإسلامَ دينُه الذي ابْتَعَث به عيسى والأنبياءَ قبلَه، لا النصرانيةَ ولا اليهوديةَ، وتَبْرِئَةٌ مِن اللهِ لعيسى ممَّن انْتَحَل النصرانيةَ، ودان بها، كما برَّأ إبراهيمَ من سائرِ الأديانِ غيرِ الإسلامِ، وذلك احْتِجاجٌ مِن اللهِ تعالَى ذكرُه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم على وفدِ نَجْرانَ.

(1)

في ص، ت 2، س:"إن لكل" وهو لفظ بعض الروايات.

(2)

أخرجه أحمد 22/ 200، 201 (14297)، والبخارى (2847، 3719، 4113، 7261)، ومسلم (2415) من حديث جابر.

(3)

البيت في الوحشيات ص 29 والمؤتلف والمختلف للآمدى ص 107 ولسان العرب (ح و ر).

(4)

في الوحشيات، والمؤتلف والمختلف:"لنساء المِصر".

ص: 444

كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} والعُدْوانَ {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ} وهذا قولُهم الذي أصابُوا به الفضلَ مِن ربِّهم، {وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} لا كما يقولُ هؤلاء الذين يُحاجُّونك فيه - يعنى وفدَ نصارَى نَجْرانَ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)} .

وهذا خبرٌ مِن اللهِ عز وجل عن الحَواريِّين أنهم قالوا: {رَبَّنَا آمَنَّا} أَي: صدَّقْنا {بِمَا أَنْزَلْتَ} يعنى: بما أنْزلتَ على نبيِّك عيسى مِن كتابِك، {وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} يعنى بذلك: صِرْنا أتباعَ عيسى، على دينِك الذي ابْتَعَثْتَه به، وأعوانَه على الحقِّ الذي أرْسَلْتَه به إلى عبادِك.

وقولُه: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} يقولُ: فأَثْبِتْ أسماءَنا مع أسماءِ الذين شهِدُوا بالحقِّ، وأَقَرُّوا لك بالتوحيدِ، وصدَّقوا رُسُلَك، واتَّبعوا أمرَك ونهيَك، فاجْعَلنا في عِدادِهم ومعهم، فيما تُكْرِمُهم به مِن كَرامتِك، وأَحِلَّنا مَحَلَّهم، ولا تَجْعَلْنا ممَّن كفَر بك، وصدَّ عن سبيلِك، وخالَف أمرَك ونهيَك.

يُعَرِّفُ خلقَه جلَّ ثناؤُه بذلك سبيلَ الذين رضِىَ أقوالَهم وأفعالَهم، ليَحْتَذوا طريقَهم، ويَتَّبِعُوا مِنْهاجَهم، فيَصِلوا إلى مثلِ الذي وصَلوا إليه مِن درجاتِ كرامتِه، ويُكَذِّبُ بذلك الذين انْتَحَلوا مِن المِلَلِ غيرَ الحَنيفيَّةِ المسلمةِ، في دَعْواهم على أنبياءِ اللهِ، أنهم كانوا على غيرِها، ويَحْتَجُ به على الوفدِ الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 582، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 658، 660 (3563، 3574، 3575) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

ص: 445

أهلِ نَجْرانَ، بأنَّ قِيلَ مَن رضي الله عنه مِن أتْباعِ عيسى، كان خلافَ قِيلِهم، ومِنْهاجَهم غيرُ مِنْهاجِهم.

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} . أي: هكذا كان قولُهم وإيمانُهم

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)} .

يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومكَر الذين كفَروا من بني إسرائيلَ. وهم الذين ذكَر اللهُ أن عيسى أحَسَّ منهم الكفرَ.

وكان مكرُهم الذي وصَفَهم اللهُ به مُواطَأةَ بعضِهم بعضًا على الفَتْكِ بعيسى وقتلِه، وذلك أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه بعدَ إخْراجِ قومِه إيَّاه وأمَّه مِن بين أظهُرِهم، عاد إليهم، فيما حدَّثنا محمدُ بنَ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ثم إن عيسى سار بهم، يعْنى بالحَوارِيِّين الذين كانوا يَصْطادون السمكَ، فآمَنوا به واتَّبَعوه إذ دعاهم، حتى أتَى بنى إسرائيلَ ليلًا فصاح فيهم، فذلك قولُه:{فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ} الآية [الصف: 14].

وأما مكرُ اللهِ بهم، فإنه - فيما ذكَر السُّدِّيُّ - إلقاؤُه شَبَهَ عيسى على بعضِ أتْباعِه، حتى قتَله الماكِرون بعيسى، وهم يَحْسَبونه عيسى، وقد رفَع اللهُ عز وجل عيسى قبلَ ذلك.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 582، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 660 (3576) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

ص: 446

كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ثم إن بني إسرائيلَ حصَروا عيسى وتسعةَ عشَرَ رجلًا من الحَوارِيِّين في بيتٍ، فقال عيسى لأصحابِه: مَن يَأْخُذُ صُورتي فيُقْتَلَ وله الجنةُ؟ فأخَذها رجلٌ منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماءِ، فذلك قولُه:{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} . فلمَّا خرَج الحَوَارِيُّون أبْصَروهم تسعةَ عشرَ، فأخْبَروهم أن عيسى قد صُعِد به إلى السماءِ، فجعَلوا يَعُدُّون القومَ، فيَجِدُونهم يَنْقُصون رجلًا مِن العِدَّةِ، ويَرَوْن صورة عيسى فيهم، فشكُّوا فيه، وعلى ذلك قتَلوا الرجلَ، وهم يُرَوْنَ أنه عيسى، وصلَبوه، فذلك قول الله عز وجل:{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157].

وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معْنى مَكْرِ اللهِ بهم اسْتِدْراجَه إياهم؛ ليَبْلُغَ الكتابُ أجلَه، كما قد بيَّنا ذلك في قولِ اللهِ:{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}

(1)

[البقرة: 15].

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومكَر اللهُ بالقومِ الذين حاوَلوا قتلَ عيسى مع كفرِهم باللهِ، وتكذيبِهم عيسى فيما أتاهم به مِن عندِ ربِّهم، إذ قال اللهُ جل ثناؤُه: إنى مُتَوَفِّيك. فهو {إِذْ} صلةٌ مِن قولِه: {وَمَكَرَ اللَّهُ} يعنى: ومكَر اللهُ بهم حينَ قال اللهُ لعيسى: إنى مُتوفِّيك ورافِعُك إلى فتوَفَّاه ورفَعه إليه.

ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنَى "الوفاةِ" التي ذكَرها اللهُ عز وجل في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هي وفاةُ نومٍ. وكان معنَى الكلامِ على مَذْهَبِهِم: إني مُنِيمُك

(1)

ينظر ما تقدم في 1/ 312 - 318.

ص: 447

ورافعُك في نومِك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} . قال: يعنى وفاةَ المنَامِ؛ رفَعه اللهُ في مَنامِه. قال الحسنُ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لليهودِ: "إن عيسَى لم يَمُتْ، وإنه راجِعٌ إليكم قبلَ يومِ القيامةِ"

(1)

.

وقال آخَرون: معنى ذلك: إنى قابضُك مِن الأرضِ فرافِعُك إليَّ. قالوا: ومعنَى الوفاةِ القبضُ. كما يُقالُ: تَوفَّيْتُ مِن فلانٍ مالىَ عليه. بمعنى: قبَضْتُه واسْتَوْفَيْتُه. قالوا: فمعنَى قولِه: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} . أي: قابضُك مِن الأرض حيًّا إلى جِوارِى، وآخِذُك إلى ما عندِى بغيرِ موتِ، ورافعُك مِن بين المشركين وأهلِ الكفرِ بك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذَبٍ، عَن مَطَرٍ الوَرَّاقِ في قولِ اللهِ:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} . قال: مُتَوفِّيك مِن الدنيا، وليس بوفاةِ موتٍ

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعمرٌ، عن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (بتحقيق حكمت بشير ياسين) 2/ 296 (642) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به، عن الحسن قوله. وينظر تفسير ابن كثير 2/ 38.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (بتحقيق حكمت بشير ياسين) 2/ 296 (641)، وأبو نعيم في الحلية 6/ 130 من طريق ضمرة به.

ص: 448

الحسنِ في قولِه: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} . قال: مُتَوَفِّيكَ مِن الأرضِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} . قال: فرَفْعُه إياه إليه تَوَفِّيه إياه، وتَطْهيرُه مِن الذين كفرُوا

(2)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، أن كعبَ الأحْبارِ قال: ما كان اللهُ عز وجل لِيُمِيتَ عيسى ابنَ مريمَ، إنما بعَثه اللهُ داعيًا ومُبَشِّرًا يَدعو إليه وحدَه، فلما رأَى عيسى قلَّةَ مَن اتَّبَعه، وكثرةَ مَن كذَّبه، شكَا ذلك إلى اللهِ عز وجل، فأَوْحَى اللهُ إليه:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} . وليس مَن رفَعْتُه عندى ميِّتا، وإنى سأَبْعَثُك على الأعورِ الدجالِ، فتَقْتُلُه، ثم تَعِيشُ بعدَ ذلك أربعًا وعشرين سنةً، ثم أُمِيتُك مِيتةَ الحيِّ. قال كعبُ الأحبارِ: وذلك يُصَدِّقُ حديثَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حيثُ قال: "كيف تَهْلِكُ أمةٌ أنا في أوَّلِها، وعيسى في آخرها؟ "

(3)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} . أي: قابضُك.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنِّي

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 122، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 661 (3582) عن الحسن بن يحيى به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 662 (3586) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج ببعضه.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 36 إلى المصنف، والمرفوع أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 5/ 394، 395 من حديث ابن عباس.

ص: 449

مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ}. قال: {مُتَوَفِّيكَ} قابضُك. قال: و {مُتَوَفِّيكَ} و {وَرَافِعُكَ} واحدٌ. قال: ولم يَمُتْ بعدُ حتى يَقْتُلَ الدجالَ، وسيَموتُ. وقرَأ قولَ اللهِ عز وجل:{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} . قال: رفَعه اللهُ إليه قبلَ أن يكونَ كهْلًا. قال: ويَنْزِلُ كَهْلًا

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ، في قولِ اللهِ عز وجل:{يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} الآية كلّها. قال: رفَعه اللهُ إليه، فهو عندَه في السماءِ

(2)

.

وقال آخَرون: معنى ذلك: إنِّي مُتَوَفِّيك وفاةَ موتٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنَى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} . يقولُ: إني مُمِيتُك

(3)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ اليَمانيِّ أنه قال: توَفَّى اللهُ عيسى ابنَ مريمَ ثلاثَ ساعاتٍ مِن النهارِ، حتى رفَعه إليه

(4)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: والنصارَى يَزْعُمون

(1)

ذكره الطوسى في التبيان 2/ 478، والقرطبي في تفسيره 4/ 100.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 661 (3584) من طريق أبي بكر الحنفى به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 661 (3580) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 36 إلى ابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 661 (3581) من طريق سلمة به.

ص: 450

أنه توَفَّاه سبعَ ساعاتٍ مِن النهارِ، ثم أحْياه اللهُ

(1)

.

وقال آخَرون: معنى ذلك: إذْ قال اللهُ: يا عيسى إني رافعُك إليَّ ومُطَهِّرُكَ مِن الذين كفَروا، ومُتَوَفِّيك بعدَ إنْزالى إياك إلى الدنيا. وقالوا

(2)

: هذا مِن المُقَدَّمِ الذي معْناه التأخيرُ، والمؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ.

قال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه الأقوالِ بالصحةِ عندَنا قولُ مَن قال: معنى ذلك: إنى قابضُك من الأرضِ ورافعُك إليَّ. لتَواتُرِ الأخْبارِ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يَنْزِلُ عيسى ابن مريمَ، فيَقْتُلُ الدجالَ، ثم يَمْكُثُ في الأرضِ - مدةً ذكَرَها، [اخْتَلَف الرواةُ]

(3)

في مَبْلَغِها - ثم يَموتُ، فيُصَلِّي عليه المسلمون ويَدْفِنونه".

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن مسلمٍ الزهريِّ، عن حَنْظلةَ بن عليٍّ الأسْلَميِّ، عن أبي هريرةَ قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "لَيُهْبِطَنَّ اللهُ عيسى ابنَ مريمَ حَكَمًا عَدْلًا، وإمامًا مُقْسِطًا، يَكْسِرُ الصَّليبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزيرَ، ويَضَعُ الجزيةَ، ويُفيضُ المالَ حتى لا يَجِدَ مَن يَأْخُذُه، ولَيَسْلُكَنَّ الرَّوْحاءَ حاجًا أو معتمرًا، أو لَيُثَنِّيَنَّ

(4)

بهما جميعًا"

(5)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن دينارٍ، عن

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 38.

(2)

في م: "قال".

(3)

في م: "اختلفت الرواية".

(4)

في م: "يدين". وينظر مصادر التخريج الآتية.

(5)

أخرجه عبد الرزاق (20842)، والحميدى (1005)، وأحمد 12/ 217، 13/ 109، 280، 281، 16/ 387، 571 (7273، 7903، 7681، 10661، 10974)، ومسلم (1252)، وابن حبان (6820)، والبيهقى 5/ 2، والبغوى (4278) من طريق الزهرى به.

ص: 451

قتادةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن آدمَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الأنبياءُ إخْوةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهم شَتَّى، ودينُهم واحدٌ، وأنا أوْلَى الناسِ بعيسى ابن مريمَ؛ لم يَكُنْ بينى وبينَه نبيٌّ، وإنه خَليفتي على أمَّتي، وإنه نازلٌ، فإذا رأيْتُموه فاعْرِفوه، فإنه رجلٌ مَرْبوعُ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَياضِ، سَبْطُ الشعَرِ كأن شعَرَه يَقْطُرُ، وإن لم يُصِبْه بَلَلٌ، بينَ مُمَصَّرَتين

(1)

، يَدُقُّ الصليبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَفِيضُ المالُ، ويُقاتِلُ الناسَ على الإسلامِ حتى يُهْلِكَ اللهُ في زمانِه المِلَلَ كلَّها، ويُهْلِكُ اللهُ في زمانِه مَسيحَ الضَّلالةِ الكذَّابَ الدجالَ، وتَقَعُ في الأرضِ الأَمَنةُ، حتى تَرْتَعَ الأسودُ مع الإبلِ، والنَّمِرُ مع البقرِ، والذئابُ مع الغنَمِ، وتَلْعَبَ الغِلمانُ بالحَيَّاتِ، لا يَضُرُّ بعضُهم بعضًا، فيَثْبُتُ في الأرضِ أربعين سنةً، ثم يُتَوَفَّى، ويُصَلِّي المسلمون عليه ويَدْفِنُونه"

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: ومعلومٌ أنه لو كان قد أماته اللهُ عز وجل لم يَكُنْ بالذي يُمِيتُه مِيتةً أُخرى، فيَجْمَعَ عليه مِيتَتَيْن؛ لأن الله عز وجل إِنما أَخْبَر عِبادَه أَنه يَخْلُقُهم ثم يُمِيتُهم، ثم يُحْيِيهم، كما قال جلَّ ثناؤُه:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الروم: 40].

فتأويلُ الآيةِ إذن: قال اللهُ لعيسى: يا عيسى إنى قابِضُك مِن الأرضِ، ورافعُك إليَّ، ومُطَهِّرُك من الذين كفَروا فجحَدوا نبوَّتَك.

وهذا الخبرُ وإن كان مخرجُه مخرجَ خبرٍ، فإن فيه مِن الله عز وجل احْتجاجًا على الذين حاجُّوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في عيسى مِن وفدِ نَجْرانَ، بأن عيسى لم يُقْتَلْ ولم

(1)

الممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة. النهاية 4/ 336.

(2)

أخرجه أحمد 15/ 153، 154 (9270)، وأبو داود (4324)، وابن حبان (6821)، والحاكم 2/ 595 من طريق قتادة به، وسيأتي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به في 7/ 674.

ص: 452

يُصْلَبْ، كما زعَموا، وأنهم واليهودَ - الذين أقَرُّوا بذلك، وادَّعَوْا على عيسى - كَذَبَةٌ في دَعواهم وزعمِهم.

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ بن الزبيرِ: ثم أَخْبَرَهم - يعنى الوفدَ مِن نَجْرانَ - وردَّ عليهم فيما أَخْبَروا هم

(1)

واليهودُ

(2)

بصلبِه، كيف رفَعه وطهَّره منهم، فقال:{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}

(3)

.

{وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} . فإنه يعنى: مُنَظِّفُك فمُخَلِّصُك ممَّن كفَر بك وجحَد ما جئتَهم به مِن الحقِّ، مِن اليهودِ وسائرِ المِلَلِ غيرِها.

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} . قال: إذ همُّوا منك بما همُّوا

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} . قال: طهَّره مِن اليهودِ والنصارى والمَجوسِ، ومِن كفارِ قومِه

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى

(1)

سقط من: ص، ت 2، س.

(2)

في ص، ت 2:"لليهود".

(3)

سيرة ابن هشام في 1/ 582.

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 582، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 662 (3585) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 662 (3587) من طريق أبي بكر الحنفى به.

ص: 453

يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك على مِنْهاجِك ومِلَّتِكَ مِن الإسلامِ وفِطْرتِه، فوقَ الذين جحَدوا نبوَّتَك، وخالَفوا بسبيلِهم جميعَ أهلِ المللِ، فكذَّبوا بما جئتَ به، وصدُّوا عن الإقرارِ به، فمُصَيِّرُهم فوقَهم ظاهِرِين عليهم.

كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} : هم أهلُ الإسلامِ الذين اتَّبَعوه على فطْرتِه وملتِه وسُنَّتِه، فلا يزَالون ظاهِرِين على مَن ناوَأَهم إلى يومِ القيامةِ

(1)

.

حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . ثم ذكَر نحوَه

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ:{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، ثم ذكَر نحوَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ:{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، قال: ناصرُ مَن اتَّبَعك على الإسلامِ على الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 37 إلى المصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 662، 663 (3589، 3592) من طريق ابن أبي جعفر به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 662 (3588) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج بنحوه.

ص: 454

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ

(1)

، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} : أما {الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ} ، فيُقالُ: هم المؤمنون. [ويقال: بل]

(2)

هم الرُّومُ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ:{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . قال: جعل الذين اتَّبَعوه فوقَ الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ. قال: المسلمون من فوقِهم، وجعَلهم أعلى ممَّن ترك الإسلامَ إلى يومِ القيامةِ

(4)

.

وقال آخَرون: معنَى ذلك: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك مِن النصارى فوقَ اليهودِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} . قال: الذين كفَروا مِن بني إسرائيلَ، {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ} قال: الذين آمَنوا به مِن بنى إسرائيلَ وغيرِهم {فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} النصارى فوقَ اليهودِ إلى يومِ القيامةِ. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى إلا وهم فوقَ يهودَ في شرقٍ ولا غربٍ، هم في البُلْدانِ كلِّها مُسْتَذَلُّون

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ

(1)

في ص: "الفضل".

(2)

في م: "وليس".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 662 (3590) من طريق أحمد بن المفضل به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 663 (3593) من طريق آخر عن الحسن بنحوه.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 37 إلى المصنف.

ص: 455

تَخْتَلِفُونَ (55)}.

يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: {ثُمَّ إِلَيّ} : ثم إلى اللهِ أيُّها المختلِفون في عيسى {مَرْجِعُكُمْ} . يعنى: مَصيرُكم يومَ القيامةِ، {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ}. يقولُ: فأَقْضِى حينَئذٍ بينَ جميعِكم في أمرِ عيسى بالحقِّ {فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} مِن أمرِه.

وهذا مِن الكلامِ الذي صُرِف مِن الخبرِ عن الغائبِ إلى المُخاطَبةِ، وذلك أن قولَه:{ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} . إنما قُصِد به الخبرُ عن مُتَّبِعى عيسى والكافِرين به.

وتأويلُ الكلامِ: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك فوقَ الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ، ثم إليَّ مَرْجِعُ الفريقَيْن؛ الذين اتَّبَعوك والذين كفَروا بك، فأَحْكُمُ بينَهم فيما كانوا فيه يَخْتَلِفون. ولكن ردَّ الكلامَ إلى الخطابِ لسبوقِ

(1)

القولِ، على سبيل ما ذكَرْنا مِنَ الكلامِ الذي يَخْرُجُ على وجهِ الحكايةِ، كما قال:{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22].

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)} .

يعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} : فأما الذين جحَدوا نبوَّتَك يا عيسى، وخالَفوا مِلَّتَك، وكذَّبوا بما جئتَهم به مِن الحقِّ، وقالوا فيك الباطلَ، وأضافوك إلى غيرِ الذي يَنْبَغِى أن يُضِيفوك إليه، مِن اليهودِ والنصارَى، وسائرِ أصنافِ الأديانِ، فإني أُعَذِّبُهم عذابًا شديدًا، أمَّا في الدنيا فبالقتلِ والسِّباءِ والذِّلَّةِ

(1)

في م، ت 1:"السوق".

ص: 456

والمَسْكنة، وأما في الآخِرةِ فبنارِ جهنمَ خالِدين فيها أبدًا. {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}. يقولُ: وما لهم مِن عذابِ اللهِ مانعٌ، ولا عن أليمِ عقابِه لهم دافعٌ، بقوةٍ ولا شَفاعةٍ؛ لأنه العزيزُ ذو الانتقامِ.

وأما قولُه: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . فإنه يعْنى تعالى ذكرُه: وأما الذين آمَنوا بك يا عيسى - يقولُ: صدَّقوك - فأَقَرُّوا بنبوَّتِك وبما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِى، ودانُوا بالإسلامِ الذي بعَثْتُك به، وعمِلوا بما فرَضْتُ مِن فَرائضِى على لسانِك، وشرَعْتُ مِن شَرائعي، وسنَنْتُ مِن سُننى.

كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} . يقولُ: أَدَّوْا فَرائضِى

(1)

.

{فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} يقولُ: فيُعْطِيهم جزاءَ أعمالِهم الصالحةِ كامِلًا، لا يُبْخَسون منه شيئًا ولا يُنْقَصُونه.

وأما قولُه: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} . فإنه يعْنى: واللهُ لا يُحِبُّ مَن ظَلَم غيرَه حقًّا له، أو وضَع شيئًا في غير موضعِه.

فنفَى جلَّ ثناؤُه عن نفسِه بذلك أن يَظْلِمَ عبادَه، فيُجازِىَ المسيءَ ممَّن كفَر جزاءَ المحسنين ممَّن آمَن به، أو يُجازِىَ المحسِنَ مُمَّن آمَن به واتَّبَع أمرَه، وانْتَهى عما نهاه عنه فأطاعَه، جزاءَ المُسِيئين ممَّن كفَر به، وكذَّب رسلَه، وخالَف أمرَه ونهيَه، فقال: إنى لا أُحِبُّ الظالمينَ، فكيف أَظْلِمُ خَلْقى؟

وهذا القولُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه وإن كان خرَج مَخرجَ الخبر، فإنه

(2)

وعيدٌ منه

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 37 إلى المصنف.

(2)

في م: "كأنه".

ص: 457

للكافرين به وبرسلِه، ووعدٌ منه للمؤمنينَ به وبرسلِه؛ لأنه أعْلَمَ الفريقين جميعًا أنه لا يَبْخَسُ هذا المؤمنَ حقَّه ولا يَظْلِمُ كرامتَه فيضَعَها في من كفَر به وخالَف أمرَه ونهيَه، فيكونَ لها بوضعِها في غيرِ أهلِها ظالمًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} .

يعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {ذَلِكَ} : هذه الأنْباءُ التي أَنْبَأ بها نبيَّه عن عيسى وأمِّه مريمَ، وأمِّها حَنَّةَ، وزكريا وابنِه يحيَى، وما قصَّ مِن أمرِ الحَوارِيِّين واليهودِ مِن بنى إسرائيلَ - نتلوها عليك يا محمدُ. يقولُ: نَقْرَؤُها عليك يا محمدُ، على لسانِ جبريلَ بوحْيِناها إليك. {مِنَ الْآيَاتِ}. يقولُ: مِن العِبَرِ والحُجَجِ على مَن حاجَّك مِن وفدِ نَصارَى نَجْرانَ ويهودِ بني إسرائيلَ، الذين كذَّبوك وكذَّبوا ما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِى. {وَالذِّكْرِ}. يعنى: والقرآنِ {وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} . يعني ذا الحِكْمةِ الفاصلةِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وبينَك وبينَ ناسبِى المسيحِ إلى غيرِ نسَبِه.

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} : القاطعِ الفاصلِ الحقِّ، الذي لم يَخْلِطه الباطلُ، من الخبرِ عن عيسى، وعما اخْتَلَفوا فيه مِن أمرِه، فلا تَقْبَلَنَّ خبرًا غيرَه

(1)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ:{ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} قال: القرآنُ

(2)

.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 582، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 665 (3605) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 37 إلى المصنف.

ص: 458

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالذِّكْرِ} . يقولُ: القرآنُ الحكيمُ الذي قد كمَل في حكمتِه

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} .

يعْنى جلَّ ثناؤُه: إِن شَبَهَ عيسى في خَلْقِى إياه مِن غيرِ فَحْلٍ - فأخْبِرْ به يا محمدُ الوفدَ مِن نصارَى نَجْرانَ - عندِى كشَبَهِ آدمَ، الذي خلَقْتُه مِن ترابٍ، ثم قلتُ له: كنْ. فكان، مِن غيرِ فَحْلٍ، ولا ذكَرٍ، ولا أُنثى. يقولُ: فليس خَلْقى عيسى مِن أمِّه، مِن غيرِ فحلٍ، بأَعْجَبَ مِن خَلْقِى آدمَ مِن غيرِ ذكرٍ ولا أُنثى، فكان لحمًا، يقولُ: وأَمْرى إذ أمَرْتُه أن يكونَ فكان، فكذلك خَلْقِى عيسى، أَمَرْتُه أن يكونَ فكان.

وذكَر أهلُ التأويلِ أن الله عز وجل أنْزَل هذه الآيةَ احْتِجاجًا لنبيِّه صلى الله عليه وسلم على الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ الذين حاجُّوه في عيسى.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ

(2)

، عن مُغيرةَ، عن عامرٍ، قال: كان أهلُ نَجْرانَ أعظمَ قومٍ من النصارَى في عيسى قولًا، فكانوا يُجادِلون النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأَنْزَلَ اللهُ عز وجل هذه الآيةَ في سورةِ آلِ عِمْرانَ:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} إلى قولِه: {فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى

(1)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 447، وأبو حيان في البحر المحيط 2/ 476.

(2)

في س: "جويبر". وينظر تهذيب الكمال 4/ 540.

ص: 459

الْكَاذِبِينَ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . وذلك أن رَهْطًا مِن أهلِ نَجْرانَ، قَدِموا على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وكان فيهمُ السيدُ والعاقِبُ، فقالوا لمحمدٍ: ما شأنُكَ تَذْكُرُ صاحبَنا؟ فقال: "مَن هو؟ ". قالوا: عيسى، تَزْعُمُ أنه عبدُ اللهِ. فقال محمدٌ:"أجل، إنه عبدُ اللهِ". قالوا له: فهل رأيْتَ مَثَلَ عيسى، أو أُنْبِئْتَ به؟ ثم خرَجُوا مِن عندِه، فجاءه جبريلُ عليه السلام بأمرِ ربِّنا السميعِ العليمِ، فقال: قلْ لهم إذا أتَوْك: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} إلى آخرِ الآيةِ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} : ذُكر لنا أن سيِّدَى أهلِ نَجْرانَ وأُسْقُفَّيهم السيدَ والعاقبَ، لقِيا نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسأَلاه عن عيسى؟ فقالا: كل آدميٍّ له أبٌ، فما شأنُ عيسى لا أبَ له؟ فأنْزَل اللهُ عز وجل فيه هذه الآيةَ:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أَسْبَاطُ، عن

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 12/ 98، 14/ 549 من طريق جرير به مختصرًا، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (500 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 667 (3616) من طريق مغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 39 إلى عبد بن حميد وأبي نعيم.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 665 (3606) عن محمد بن سعد به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 37 إلى المصنف.

ص: 460

السُّدِّيِّ: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} : لمَّا بُعِث رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وسمِع به أهلُ نَجْرَانَ، أتاه منهم أربعةُ نفرٍ مِن خِيارِهم؛ منهم العاقبُ، والسيدُ، ومَاسَرْجِسُ، وماريحزُ

(1)

، فسأَلوه ما يقولُ في عيسى؟ فقال:"هو عبدُ اللهِ ورُوحُه وكلمتُه". قالوا هم: لا، ولكنه هو اللهُ، نزَل مِن مُلْكِه، فدخَل في جوفِ مَرْيمَ، ثم خرَج منها، فأرانا قدرتَه وأمْرَه، فهل رأيْتَ قطُّ إنسانًا خُلِق مِن غَيرِ أبٍ؟ فأَنْزَل اللهُ عز وجل:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قولَه:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . قال: نزَلَت في العاقبِ والسيدِ مِن أهلِ نَجْرانَ، وهما نصرانيَّان

(3)

.

قال ابن جُرَيْجٍ: بلَغَنا أن نصارَى أهلِ نَجْرانَ قدِم وفدُهم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيهم السيدُ والعاقبُ، وهما يومَئِذٍ سيدا أهلِ نَجْرانَ، فقالوا: يا محمدُ، فيم تَشْتُمُ صاحبَنا؟ قال:"من صاحبكما؟ ". قالا: عيسى ابن مريمَ، تَزْعُمُ أنه عبدٌ. قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أجلْ، إنه عبدُ اللهِ وكلمتُه ألْقاها إلى مريمَ [ورُوحٌ منه]

(4)

". فغضِبوا وقالوا: إن كنتَ صادقًا، فأرِنا عبدًا يُحْيى الموْتَى، ويُبْرِئُ الأَكْمَهَ، ويَخْلُقُ

(1)

في ت 1، س:"مار بحر"، وفي م:"ماريجز".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 37 إلى المصنف.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 37 إلى المصنف.

(4)

سقط من: ص، ت 2.

ص: 461

مِن الطِّينِ كهيئةِ الطيرِ، فيَنْفُخُ فيه - الآيةَ - لكنه اللهُ. فسكَت حتى أتاه جبريلُ، فقال: يا محمدُ: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17، 72] الآية. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "يا جبريلُ، إنهم سألونى أن أُخْبِرَهم بمَثَلِ عيسى". قال جبريلُ: مَثَلُ عيسى كمثلِ آدمَ خلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له: كُنْ. فيكونُ. فلمَّا أَصْبَحوا عادوا، فقرَأ عليهم الآياتِ

(1)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ} فاسمَعْ {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} . فإن قالوا: خُلِق عيسى مِن غيرِ ذكَرٍ. فقد خلَقْتُ آدمَ مِن ترابٍ بتلك القُدْرةِ، مِن غيرِ أنثى ولا ذكَرٍ، فكان كما كان عيسى لحمًا ودمًا وشعَرًا وبَشَرًا، فليس خَلْقُ عيسى مِن غيرِ ذَكَرٍ بأعجَبَ مِن هذا

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ عز وجل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} . قال: أَتَى نَجْرانيَّان إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالا له: هل علِمْت أن أحدًا وُلِد مِن غيرِ ذكرٍ فيكونَ عيسى كذلك؟ قال: فأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، أكان لآدمَ أبٌ أو أمٌ! كما خلَقْتُ هذا في

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 37، 38 إلى المصنف وابن المنذر.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 582 وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 665 (3607) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق قوله.

ص: 462

بطنِ هذه.

فإن قال قائلٌ: فكيفَ قال: {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ} . و "آدم" معرفةٌ، والمَعارِفُ لا تُوصَلُ؟

قيل: إن قولَه: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} . غيرُ صلةٍ لآدمَ، وإنما هو بيانٌ عن أمرِه، على وجهِ التفسيرِ عن المَثَلِ الذي ضرَبه، وكيف كان.

وأما قولُه: {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . فإنما قال: {فَيَكُونُ} . وقد ابْتَدَأ الخبرَ عن خَلْقِ آدمَ، وذلك خبرٌ عن أمرٍ قد تقَضَّى، وقد أَخْرَج الخبرَ عنه مُخْرَجَ الخبرِ عمَّا قد مضَى، فقال جلَّ ثناؤُه:{خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . لأنه بمعنى الإعلامِ من اللهِ نبيِّه أن تَكْوينَه الأشياءَ بقولِه: {كُنْ} . ثم قال: {فَيَكُونُ} . خبرًا مُبْتَدَأً، وقد تَناهَى الخبرُ عن أمرِ آدمَ عندَ قولِه:{كُنْ} .

فتأويلُ الكلامِ إذنْ: إن مثلَ عيسى عند اللهِ كمثلِ آدمَ خلَقه من ترابٍ ثم قال له: كنْ. واعْلَمْ يا محمدُ أنَّ ما قال له ربُّك: كنْ. فهو كائنٌ.

فلما كان في قولِه: {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} . دَلالةٌ على أن الكلامَ يُراد به إعلامُ نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وسائرِ خلقِه أنه كائنٌ ما كوَّنه ابتداءً مِن غيرِ أصلٍ ولا أولٍ ولا عُنْصُرٍ، اسْتُغْنِى بدَلالةِ الكلامِ على المعنى، وقيل:{فَيَكُونُ} . فعطَف بالمستقبلِ على الماضِي، على ذلك المعنى.

وقد قال بعضُ أهلِ العربيةِ: {فَيَكُونُ} رُفِعَ على الابْتداءِ، ومعناه: كُنْ فكان. فكأنه قال: فإذا هو كائنٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)} .

ص: 463

يعني بذلك جلّ ثناؤُه: الذي أنْبَأْتُك به مِن خبرِ عيسى، وأَنَّ مَثَلَه كَمَثَلِ آدمَ خلقه من ترابٍ، ثم قال له ربُّه:{كُن} . هو {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} يقولُ: هو الخبرُ الذي هو مِن عندِ ربِّك، {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} يعنى: فلا تَكُنْ مِن الشاكِّين في أن ذلك كذلك.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} يعنى: فلا تكنْ في شكٍّ مِن عيسى أنه كمثَلِ آدمَ عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمةُ اللهِ ورُوحُه

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} . يقولُ: فلا تكنْ في شكٍّ مما قصَصْنا عليك أن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأن مَثَلَه عندَ اللهِ كمَثَلِ آدمَ خلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له:{كُنْ} فيكونُ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} : ما جاءَك مِن الخبرِ عن عيسى. {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} ، أي: قد جاءَك الحقُّ مِن ربِّك فلا تَمْتَرِ فيه

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} . قال: والمُمْتَرُون الشاكُّون.

والمِرْيةُ والشكُّ والرَّيْبُ واحدٌ سواءٌ، كهيئة ما تقولُ: أعْطِنى، وناوِلْني،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 38 إلى المصنف.

(2)

سيرة ابن هشام 10/ 582 وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 666 (3610، 3612) من طريق عبد الله بن إدريس وسلمة، عن ابن إسحاق قوله.

ص: 464

وهَلُمَّ. فهذا مختلِفٌ في الكلامِ، وهو واحدٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)} .

يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} : فمَن جَادَلَك يا محمدُ في المسيح عيسى ابن مريمَ.

والهاءُ في قولِه: {فِيهِ} عائدةٌ على ذكرِ {عِيسَى} ، وجائزٌ أن تَكونَ عائدةً على "الحقِّ" الذي قال تعالى ذكرُه:{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} .

ويعنى بقولِه: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} : مِن بعدِ ما جاءَك مِن العلمِ الذي قد بيَّنْتَه لك في عيسى أنه عبدُ اللهِ، {فَقُلْ تَعَالَوْا}: هَلُمُّوا، فَلْنَدْعُ {أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ} يقولُ: ثم نَلْتَعِنْ.

يقالُ في الكلامِ: ما له؟ بهَلَه اللهُ! أي: لعَنه اللهُ. وما له؟ عليه بُهلةُ اللهِ! يُرِيدُ اللعنَ. وقال لَبِيدٌ، وذكَر قوما هلَكوا، فقال

(1)

:

* نظَر الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ *

يعني: دعا عليهم بالهلاكِ.

{فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} منا ومنكم في أنه

(2)

عيسى.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَمَنْ

(1)

شرح ديوان لبيد ص 197، وعجز البيت: في قروم سادة من قومه.

(2)

في م: "آية".

ص: 465

حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ}: أي في عيسى أنه عبدُ اللهِ ورسولُه، مِن كلمةِ اللهِ ورُوحِه، {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} إلى قولِه:{عَلَى الْكَاذِبِينَ}

(1)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} : أَي: مِن بعدِ ما قصَصْتُ عليك مِن خبرِه، وكيفَ كان أمرُه، {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} الآية

(2)

.

حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} . يقولُ: مَن حاجَّك في عيسى مِن بعدِ ما جاءَك فيه مِن العلمِ

(3)

.

حدَّثنا يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين} . قال: منا ومنكم.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: وثنى ابن لَهيعةَ، عن سليمانَ بن زيادٍ الحَضْرميِّ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ بن جَزْءٍ الزُّبَيديِّ، أنه سمِع النبي صلى الله عليه وسلم يقولُ:"ليت بينى وبينَ أهلِ نجرانَ حجابًا، فَلا أراهم ولا يَرَوْنى". مِن شدةِ ما كانوا يُمارُون النبي صلى الله عليه وسلم

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 666 (3613) من طريق شيبان عن قتادة نحوه.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 582، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 666 (3614) من طريق ابن إدريس عن ابن إسحاق قوله.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 666 عقب الأثر (3613) من طريق ابن أبي جعفر به.

(4)

أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص 301 والبزار (3786) من طريق ابن لهيعة به.

ص: 466

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)} .

يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: إن هذا الذي أنْبَأَتُك به يا محمدُ مِن أمرِ عيسى، فقصَصْتُه عليك مِن أنبائِه، وأنه عبدِى ورسُولى، وكلِمتى ألْقَيْتُها إلى مريمَ، ورُوحٌ منى، لَهو القَصَصُ والنبأُ الحقُّ، فاعْلَمْ ذلك، واعْلَمْ أنه ليس للخلقِ معبودٌ يَسْتَوْجِبُ عليهم العبادةَ بمُلْكِه إياهم، إلا معبودُك الذي تَعْبُدُه، وهو اللهُ العزيزُ الحكيمُ.

ويعنى بقولِه: {الْعَزِيزُ} : العزيزُ في انتقامِه ممَّن عصاه، وخالَف أَمْرَه، وادَّعَى معه إلهًا غيرَه، أو عبَدَ ربًّا سواه، {الْحَكِيمُ} في تدبيرِه، لا يَدْخُلُ ما دَبَّرَه وَهَنٌ، ولا يَلْحَقُه خَلَلٌ.

{فَإِنْ تَوَلَّوْا} . يعنى: فإن أدْبَر هؤلاء الذين حاجُّوك في عيسى عما جاءَك مِن الحقِّ مِن عندِ ربِّك، في عيسى وغيرِه مِن سائرِ ما آتاك اللهُ مِن الهُدَى والبَيانِ، فأعْرَضوا عنه، ولم يَقْبَلُوه، {فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ}. يقولُ: فإِن الله ذو علمٍ بالذين يَعْصُون ربَّهم، ويَعْمَلون في أرضِه وبلادِه بما نهاهم عنه، وذلك هو إفسادُهم. يقولُ تعالى ذِكرُه: فهو عالمٌ بهم وبأعمالِهم، يُحْصِيها عليهم ويَحْفَظُها، حتى يُجازِيَهم عليها جَزاءَهم.

وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} : أيْ: إن هذا الذي جئتُ به مِن الخبرِ عن

ص: 467

عيسى، {لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} مِن أمرِه

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ}: إن هذا الذي قلنا في عيسى {لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ}

(2)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} . قال: إن هذا القصصَ الحقُّ في عيسى، ما يَنْبَغى لعيسى أن يَتَعَدَّى هذا ولا يُجاوِزَه

(3)

؛ أن يَتَعَدَّى أن يكونَ كلمةَ اللهِ ألْقاها إلى مريمَ، ورُوحًا منه، وعبدَ اللهِ ورسولَه

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} : إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحقُّ، {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} الآية

(5)

.

فلمَّا فصَل جل ثناؤُه بينَ نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم وبينَ الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ بالقضاءِ الفاصلِ والحُكْمِ العادلِ، [وأمرَه]

(6)

- إن هم توَلَّوْا عما دَعاهم إليه مِن الإقْرارِ بوحْدانيةِ اللهِ، وأنه لا ولدَ له ولا صاحبةَ، وأن عيسى عبدُه ورسولُه، وأبَوْا إلا الجَدَلَ

(7)

والخُصومةَ - أن يَدْعُوَهم إلى المُلاعَنةِ، ففعَل ذلك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 583.

(2)

المحرر الوجيز 2/ 453 بنحوه.

(3)

في ت 2، ت 3:"يتجاوزه".

(4)

المحرر الوجيز 2/ 453.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 668 (3624) عن محمد بن سعد.

(6)

كذا في النسخ، والصواب: أمره. بحذف الواو.

(7)

في س: "الجدال".

ص: 468

فعَل ذلك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم انْخَزَلوا

(1)

فامْتَنَعُوا مِن المُلاعَنةِ، ودَعَوْا إلى المُصالَحَةِ.

كالذى حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن عامرٍ، قال: فأُمِر - يعنى النبيَّ صلى الله عليه وسلم بمُلاعنتِهم - يعني بمُلاعنةِ أهلِ نَجْرانَ - بقولِه: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} الآية. فتَواعَدوا أن يُلاعِنوه، وواعَدوه الغدَ، فانْطَلَقوا إلى السيدِ والعاقبِ، و [كانا أعقلَهم]

(2)

فتابَعاهم، فانْطَلَقوا إلى رجلٍ منهم عاقلٍ، فذكَروا له ما فارَقوا عليه رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: ما صنَعْتُم! وندَّمَهم، وقال لهم: إن كان نبيًّا، ثم دعا عليكم، لا يُغْضِبُه اللهُ فيكم أبدًا، ولئن كان مَلِكًا، فظهَر عليكم لا يَسْتَبْقِيكم

(3)

أبدًا. قالوا: فكيف لنا وقد واعَدَنا؟ فقال لهم: إذا غدَوْتُم إليه، فعرَض عليكم الذي فارِقْتُموه عليه، فقولوا: نَعوذُ باللهِ. فإن دعاكم أيضًا، فقولوا

(4)

: نَعوذُ باللهِ. ولعلَّه أن يُعْفِيَكم مِن ذلك. فلما غدَوْا، غدا النبيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْتَضِنًا حَسَنًا، آخِذًا بيدِ الحسينِ، وفاطمةُ تَمْشِى خلفَه، فدَعاهم إلى الذي فارَقُوه عليه بالأمسِ، فقالوا: نَعوذُ باللهِ. ثم دعاهم، فقالوا: نَعوذُ باللهِ، مِرارًا، قال:"فإن أبَيْتُم فأَسْلِمُوا، ولكم ما للمُسْلِمين، وعلَيْكم ما علَى المسْلِمين كما قال اللهُ عز وجل، فإن أبَيْتُم فأعْطُوا الجِزْيةَ عن يدٍ وأنتم صاغرون كما قال اللهُ عز وجل". قالوا: ما نَمْلِكُ إلا أنفسَنا. قال: "فإن أبَيْتُم فإنى أنْبِذُ إليكم على سواءٍ كما قال اللهُ عز وجل". قالوا: ما لنا طاقةٌ بحربِ العربِ، ولكن نُؤَدِّى الجزيةَ. قال: فجعَل عليهم في كلِّ سنةٍ ألفَى

(5)

حُلَّةٍ؛ ألفًا في رجبٍ، وألفًا في صَفَرٍ. فقال

(1)

في س: "انجذبوا".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"كان أعقلهما"، وفى س:"كانا أعقلهما".

(3)

في ص، ت 1، س:"يسبقنكم".

(4)

بعده في م: "له".

(5)

في س: "ألف ألف".

ص: 469

النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَقَد أتانيَ البَشيرُ بهَلَكةِ أهلِ نَجْرانَ، حتى الطيرُ على الشجرِ - أو العصافيرُ على الشجرِ - لو تَمُّوا على الملاعنةِ"

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، قال: فقلتُ للمغيرةِ: إن الناسَ يَرْوُون في حديثِ أهلِ نَجْرانَ أن عليًّا كان معهم

(2)

. فقال: أما الشعبيُّ فلم يَذْكُرْه، فلا أَدْرِى لسُّوءِ رأى بني أميةَ في عليٍّ، أولم يَكُنْ في الحديثِ.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} إلى قولِه: {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} : فدعاهم إلى النَّصَفِ

(3)

، وقطَع عنهم الحُجَّةَ، فلما أتَى رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم الخبرُ مِن اللهِ عنه، والفصلُ مِن القَضاءِ بينَه وبينَهم، وأمَره بما أمَره به مِن ملاعنتِهم، [إن ردُّوا]

(4)

عليه، دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دَعْنا نَنْظُرْ في أمرِنا، ثم نَأْتِيك بما

(5)

نُرِيدُ أن نَفْعَلَ فيما دعَوْتَنا إليه. فانْصَرَفوا عنه، ثم خلَوْا بالعاقبِ، وكان ذا رأيِهم، فقالوا: يا عبدَ المسيحِ، ما تَرَى؟ قال: واللهِ يا معشرَ النصارى، لقد عرَفْتُم أن محمدًا لنَبيٌّ مرسَلٌ، ولقد جاءَكم بالفصلِ مِن خبرِ صاحبِكم، ولقد علِمْتُم ما لاعَن قومٌ نبيًّا قطُّ، فبقِى كبيرُهم، ولا نبَت صغيرُهم، وإنه للاستئصالُ منكم إن فعَلْتُم، فإن كنتم قد أبَيْتُم إلا إلْفَ دينِكم، والإقامةَ على ما أنتم عليه مِن القولِ في صاحبِكم، فوادِعوا الرجلَ، ثم انْصَرِفوا إلى بلادِكم حتى يُرِيَكُم زَمَنٌ رَأيَهِ. فَأَتَوْا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسمِ، قد رأيْنا ألا نُلاعِنَك، وأن نَتْرُكَك على

(1)

تقدم تخريجه في ص 459، 460.

(2)

أي: كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة والحسن والحسين، كما سيأتي.

(3)

النصف، الاسم من الإنصاف، وهو أن تعطيه من الحق كالذي تستحقه لنفسك. التاج (ن ص ف).

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"أوردوا"، وفى ت 1، س:"إذ ردوا".

(5)

في ص، ت 2:"فما".

ص: 470

دينِك، ونَرْجِعَ على دينِنا، ولكن ابْعَثْ معنا رجلًا مِن أصحابِك تَرْضاه لنا، يَحْكُمُ بينَنا في أشياءَ قد اخْتَلَفْنا فيها مِن أموالِنا، فإنكم عندَنا رِضًى

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا عيسى بنُ فَرْقَدٍ، عن أبي الجارودِ، عن زيدِ بن عليٍّ في قولِه:{تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} الآية. قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} الآية، فأخَذ - يعنى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بيدِ الحسنِ والحسينِ وفاطمةَ، وقال لعليٍّ:"اتْبَعْنا". فخرَج معهم، فلم يَخْرُجُ يومئذٍ النصارى، وقالوا: إنا نَخافُ أن يكونَ هذا هو النبيَّ

(2)

، وليس دعوةُ النبيِّ كغيرِها. فتخَلَّفوا عنه يومَئذٍ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لو خرَجوا لَاحْتَرَقوا". فصالَحوه على صلحٍ، على أن له عليهم ثمانين ألفًا، فما عجِزَت الدَّراهمُ ففى العُروضِ؛ الحُلَّةُ بأربعين، وعلى أن له عليهم ثلاثًا وثلاثين درعًا، وثلاثًا وثلاثين بعيرًا، وأربعةً وثلاثين فرسًا غازيةً كلَّ سنةٍ، وأن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ضامنُ لها حتى نُؤَدِّيَها إليهم

(3)

.

حدَّثنا بشرُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم دعا وفدًا مِن وفدِ نَجْرانَ مِن النصارى، وهم الذين حاجُّوه في عيسى، فنكَصوا عن ذلك، وخافوا. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "والذي نفسُ محمدِ بيدِه، إن كان العذابُ لقد تَدَلَّى على أهلِ نَجْرانَ، ولو فعَلوا لَاسْتُؤْصِلوا عن

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 583، 584.

(2)

بعده في النسخ: "صلى الله عليه وسلم"، وليس في تفسير ابن أبي حاتم، والنصارى أيضا لا تقوله.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 667 (3618) من طريق أحمد بن المفضل به مختصرًا.

ص: 471

جَديدِ

(1)

الأرضِ"

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} . قال: بلَغَنا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرَج ليُداعىَ

(3)

أهلَ نَجْرانَ، فلمَّا رأوْه خرَج، هابوا وفرِقوا، فرجَعوا. قال معمرٌ: قال قتادةُ: لمَّا أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم [أَن يُباهِلَ]

(4)

أَهْلَ نَجْرانَ أخَذ بيدِ حسنٍ وحسينٍ، وقال لفاطمةَ:"اتْبَعِينا". فلما رأى ذلك أعداءُ اللهِ رجَعوا

(5)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن عبدِ الكريم الجَزَريِّ، عن عكرمةَ عن ابن عباسٍ قال: لو خرَج الذين يُباهِلون النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَرجَعوا لا يَجِدون أهلًا ولا مالًا

(6)

.

حدَّثنا أبو كُريْبٍ، قال: ثنا زكريا بنُ

(7)

عَدِيٍّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمرٍو، عن عبدِ الكَريمِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه

(8)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيدِه لو لاعَنُونى ما حال الحولُ وبحَضْرتِهم منهم أحدٌ إلا أهْلَك اللهُ الكاذبين".

(1)

جديد الأرض: وجهها. اللسان (ج د د).

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 39 إلى المصنف.

(3)

في م: "ليلاعن".

(4)

سقط من النسخ، والمثبت من تفسير عبد الرزاق.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 122.

(6)

تفسير عبد الرزاق 1/ 123، ومن طريقه البخارى (4958) مختصرًا، والترمذى (3348)، والنسائي في الكبرى (11685)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 668 (3620) من طريق الحسن بن يحيى به.

(7)

في النسخ: "عن"، وسيأتي على الصواب في 10/ 591، 11/ 561.

(8)

أخرجه البزار (2189 - كشف) من طريق زكريا بن عدى به، وأخرجه أحمد 4/ 99 (2226).=

ص: 472

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنا ابن زيدٍ، قال: قيل لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لو لاعَنْتَ القومَ، بمن كنتَ تَأتى حينَ قلتَ:{أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} ؟ قال: "حسنٌ وحسينٌ".

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا [أبو بكرٍ]

(1)

الحنفيُّ، قال: ثنا المنذرُ بنُ ثعلبةَ، قال: ثنا عِلْباءُ بنُ أحمرَ اليَشْكُريُّ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ} الآية. قال

(2)

: أَرْسَل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى [عليٍّ وفاطمةَ وابنَيْهما]

(3)

الحسنِ والحسينِ، ودعا اليهودَ ليُلاعنَهم، فقال شابٌّ مِن اليهودِ: ويْحَكم، أليس عهدُكم بالأمسِ

(4)

إخْوانَكم الذين مُسِخوا قِرَدةً وخَنازيرَ! لا تُلاعِنوا. فانتهوا

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} .

يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: {قُلْ} يا محمدُ لأهلِ الكتابِ، وهم أهلُ التوراةِ والإنجيل:{تَعَالَوْا} : هَلُمُّوا {إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} . يعنى: إلى كلمةٍ عَدْلٍ

= والنسائي (11061 - كبرى)، وأبو يعلى (2604) من طريق عبيد الله به، وأخرجه أحمد 4/ 98 (2225) من طريق عبد الكريم به.

(1)

في ص، ت 1:"أبو كريب".

(2)

سقط من: م، ت 2، ت 3، س.

(3)

في س: "فاطمة وابنها".

(4)

بعده في س: "من".

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 39، 40 إلى المصنف.

ص: 473

بينَنا وبينَكم. والكلمةُ العَدْلُ هي أن نُوَحِّدَ

(1)

الله فلا نَعْبُدَ

(2)

غَيرَه، ونَبْرَأ

(3)

مِن كُلِّ معبودٍ سواه، فلا نُشْرِكَ

(4)

به شيئًا.

وقولُه: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا} . يقولُ: ولا يَدِينُ بعضُنا لبعضٍ بالطاعةِ فيما أمَر به مِن مَعاصِى اللهِ، ويُعَظِّمُه بالسجودِ له، كما يَسْجُدُ لربِّه، {فَإِنْ تَوَلَّوْا}. يقولُ: فإن أعْرَضوا عما دعَوْتَهم إليه مِن الكلمةِ السواءِ التي أمَرْتُك بدعائِهم إليها، فلم يُجِيبوك إليها، {فَقُولُوا} أيها المؤمنون

(5)

للمُتَوَلِّين عن ذلك: {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} .

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن نزَلَت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلَت في يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا حوالَىْ مدينةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى الكلمةِ السَّواءِ، وهم الذين حاجُّوا في إبراهيمَ

(6)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم دعا اليهودَ إلى الكلمةِ

(7)

السَّواءِ (6).

(1)

في ص، ت:1: "يوحد"، وفى س:"توحد".

(2)

في ص، ت 1:"يعبد".

(3)

في ص: "تتبرأ"، وفى ت 1:"يبرأ". وفى س: "تبرأ".

(4)

في ت:1: "يشرك"، وفى س:"تشرك".

(5)

بعده في س: "فقولوا".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 40 إلى المصنف.

(7)

في ص، م، ت 2 ت 3:"كلمة".

ص: 474

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: بلَغَنا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى ذلك، فأبَوْا عليه، فجاهَدَهم. قال: دعاهم إلى قولِ اللهِ عز وجل: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم} الآية

(1)

.

وقال آخَرون: بل نَزَلَت في الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبيرِ:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم} الآية إلى قولِه: {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} . قال: فدعاهم إلى النَّصَفِ، وقطَع عنهم الحُجَّةَ. يعنى وفد نَجْرانَ

(2)

.

حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ثم دعاهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يعنى الوفدَ من نصارَى نَجْرانَ - فقال: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية

(3)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنا ابن زيدٍ، قال: قال - يعني جلّ ثناؤُه -: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} في عيسى - على ما قد بيَّناه فيما مضَى

(4)

- قال: فأبَوْا - يعنى الوفدَ مِن نَجْرانَ - فقال: ادْعُهم إلى أَيْسَرَ مِن هذا، قُلْ:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 669 (3628) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج بنحوه.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 583، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 670 (3631) من طريق سلمة عن ابن إسحاق قوله.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 40 إلى المصنف.

(4)

ينظر الأثر المتقدم في ص 462، 463.

ص: 475

{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم} . فقَرأ حتى بلَغ {أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، فأبَوْا أن يَقْبَلوا هذا ولا الآخَرَ.

وإنما قلنا: عنَى بقولِه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} أهلَ الكتابَيْن؛ لأنهما جميعًا مِن أهِل الكتابِ، ولم يَخْصُصْ جلّ ثناؤُه بقولِه:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} بعضًا دونَ بعضٍ، فليس بأن يَكونَ مُوَجَّهًا ذلك إلى أنه مقصودٌ به أهلُ التوراهِ بأولى منه بأن يَكونَ مُوَجَّهًا إلى أنه مقصودٌ به أهلُ الإنْجيلِ، ولا أهل الإنجيلِ بأولى أن يكونوا مَقْصودين به دونَ غيرِهم مِن أهلِ التوراةِ. وإذ لم يَكُنْ أحدُ الفريقين بذلك أولى مِن الاخَرِ؛ لأنه لا دلالةَ على أنه المخصوصُ بذلك من الاخرِ، ولا أثرَ صحيحٌ، فالواجبُ أن يكونَ كلُّ كتابيٍّ معنيًا به؛ لأن إفرادَ العبادةِ للهِ وحدَه، وإخلاصَ التوحيدِ له، واجبٌ على كلِّ مأمورٍ مَنْهيٍّ

(1)

من خَلْقِ اللهِ، واسمُ

(2)

أهلِ الكتابٍ يلزَمُ

(3)

أهلَ التواةِ وأهلَ الإنجيلِ، فكان معلومًا بذلك أنه عُنِى به الفريقان جميعًا.

وأما تأويلُ قولِه: {تَعَالَوْا} فإنه: أقْبِلوا وهَلُمُّوا. وإنما هو "تَفاعَلوا" مِن العلوِّ، فكان القائلَ لصاحبِه: تعالَ إليَّ. قائلٌ

(4)

: تَفاعَل. مِن العُلُوِّ، كما يقالُ: تَدانَ منى من الدُّنُوِّ، وتَقارَبْ منى. مِن القربِ.

وقولُه: {إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} فإنها الكلمهُ العَدْلُ. والسواءُ مِن نعتِ "الكلمةِ".

وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ إتباعِ {سَوَاءٍ} في الإعرابِ "الكلمة"،

(1)

بعده في س: "عنه".

(2)

سقط من: م، وفى ص، ت 1، ت 3، س:"أنتم"، وهو غير واضح في ت 2 والصواب ما أثبتنا.

(3)

في م: "يعم".

(4)

في م: "فإنه"، وفى ت 1، ت 2، ت 3:"فإنك".

ص: 476

وهو اسمٌ لا صفةٌ؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: جُرَّ {سَوَاءٍ} ؛ لأنها مِن صفةِ الكلمةِ، وهى العدلُ، وأراد مُسْتَويةً. قال: ولو أراد اسْتِواءً كان النصبُ، وإن شاء أن يَجْعَلَها على الاستواءِ ويَجُرَّ جاز، ويَجْعَلَهُ مِن صفةِ الكلمةِ، مثلَ الخَلْقِ؛ لأن الخلقَ هو المخلوقُ، والخلق قد يكونُ صفةً واسمًا، ويَجْعَلُ الاستواءَ مثلَ المُسْتَوِى، قال عز وجل:{الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25]. لأن السَّواءَ للآخِرِ، وهو اسمٌ ليس بصفةٍ، فيُجْرَى على الأولِ، وذلك إذا أراد به الاسْتِواءَ، فإن أراد به مُسْتَوِيًا جاز أن يُجْرَى على الأولِ. والرفعُ في ذا المعنى جيِّدٌ؛ لأنها لا تُغيَّرُ عن حالِها، ولا تُثَنَّى، ولا تُجْمَعُ، ولا تُؤَنَّثُ، فَأَشْبَهَت الأسماءَ التي هي مثلُ عَدْلٍ ورضًى وجُنُبٍ، وما أشْبَهَ. ذلك، وقالوا - (أن نجعلَهم كالذين آمنوا وعمِلوا الصالحات سواءٌ محياهم ومماتُهم)

(1)

-: فالسواءُ للمَحْيا، والمماتُ بهذا

(2)

المبتدأُ.

وإن شئْتَ أَجْرَيْته على الأولِ، وجَعَلْتَه صفةً مُقَدَّمةً، كأنها مِن سببِ الأولِ، فجَرَت عليه، وذلك إذا جَعَلْتَه في معنى مُسْتَوٍ. والرفعُ وجهُ الكلامِ كما فسَّرْتُ لك.

وقال بعضُ نحويى الكوفةِ: {سَوَاءٍ} : مصدرٌ وُضِع مَوْضِعَ الفعلِ

(3)

، يعنى موضعَ مُتساويةٍ ومتساوٍ؛ فمرةً يَأتى على الفعلِ، ومرةً على المصدرِ، وقد يقالُ في {سَوَاءٍ} بمعنى عَدْلٍ: سِوًى وسُوًى. كما قال جل ثناؤُه: {مَكَانًا سُوًى} [طه: 58]. وسُوىً يُرادُ به عدْلٌ ونَصَفٌ بيننا وبينَك. وقد رُوِى عن ابن مسعودٍ أنه كان

(1)

تأتى هذه القراءة عند تفسير الآية 21 من سورة الجاثية.

(2)

في س: "فهذا".

(3)

يعنى بالفعل هنا الوصف المشتق مثل فاعل ومفعول. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص 52.

ص: 477

يَقْرَأُ ذلك: (إلى كلمةٍ عَدْلٍ بينَنا وبينَكم)

(1)

.

وبمثلِ الذي قْلنا في تأويلِ قولِه: {إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [وأَن]

(2)

السواءَ هو العدلُ، قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} : عَدْل بينَنا وبينَكم، {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} الآية

(3)

.

حدَّثني المثنى: قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} . بمثلِه

(4)

.

وقال آخرون: هو قولُ لا إلهَ إلا اللهُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال أبو العاليةِ: كلمةُ السواءِ لا إلهَ إلا اللهُ

(5)

.

(1)

هذا قول الفراء في معاني القرآن 1/ 220 ونسب هذه القراءة إلى ابن مسعود. وينظر المحرر الوجيز 2/ 454.

(2)

في م: "بأن"، وفي ت 1، س:"فإن".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 40 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

في ص، ت 1:"الآية".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 670 (3632) من طريق ابن أبي جعفر به.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 669 (3629) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 478

وأما قولُه: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} . فإن "أن" في موضعِ خفضٍ، على معنى: تعالَوْا إِلى أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله.

وقد بيَّنا معنى "العبادةِ" في كلامِ العربِ فيما مضَى، ودلَّلْنا على الصحيحِ مِن معانِيه بما أغنى عن إعادتِه

(1)

.

وأما قولُه: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا} . فإن اتخاذَ بعضهم بعضًا

(2)

ما كان بطاعةِ الأتْباعِ الرؤساءَ فيما أمَروهم به مِن مَعاصِي اللهِ، وَتَرْكِهِم مَا نَهَوْهم عنه مِن طاعةِ اللهِ، كما قال جل ثناؤُه:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} [التوبة: 31].

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، يقولُ: لا يُطِعْ بعضُنا بعضًا في معصيةِ اللهِ، ويقالُ: إنّ تلك الربوبيةَ أن يُطِيعَ الناسُ سادتَهم وقادتَهم في غيرِ عبادةٍ، وإنْ لم يُصَلُّوا لهم

(3)

.

وقال آخَرون: اتخاذُ بعضِهم بعضًا أربابًا سجودُ بعضِهم لبعضٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ

(4)

، عن الحكمِ بن

(1)

ينظر ما تقدم في 1/ 159، 160.

(2)

بعده في م: "هو".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 40 إلى المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 670 (3634) من طريق ابن ثور عن ابن جريج مقتصرًا على آخره.

(4)

في س: "عمرو".

ص: 479

أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} . قال: سجودُ بعضِهم لبعضٍ

(1)

.

وأما قولُه: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} . فإنه يعْنى: فإن توَلَّى الذين تَدْعُونهم إلى الكلمةِ السواءِ عنها وكفَروا، فقولوا أنتم أيُّها المؤمنون لهم: اشْهَدوا علينا بأنّا بما تولَّيْتُم عنه؛ مِن توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ العُبودةِ له، وأنه الإلهُ الذي لا شَريكَ له، {مُسْلِمُونَ} ، يعني: خاضِعون للهِ به، مُتَذَلِّلون له بالإقرارِ بذلك، بقلوبِنا وألسنتِنا.

وقد بيَّنا معنَى "الإسلامِ" فيما مضَى، ودلَّلْنا عليه بما أغْنَى عن إعادتِه

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65)} .

قال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} : يا أهلَ التوراةِ والإنجيلِ. {لِمَ تُحَاجُّونَ} : لم تُجادِلون {فِي إِبْرَاهِيمَ} ، وتُخاصِمون فيه؟ يعني: في إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ صلواتُ اللهِ عليه.

وكان حِجاجُهم فيه ادِّعاءَ كلِّ فريقٍ مِن أهلِ هذين الكتابين أنه كان منهم، وأنه كان يَدِينُ دينَ أهلِ نِحْلته

(3)

، فعابَهم اللهُ عز وجل بادِّعائِهم ذلك، ودلَّ على مُناقضتِهم ودَعْواهم، فقال: وكيف تَدَّعون أنه كان على ملَّتِكم ودينِكم، و

(4)

دينُكم إما يهوديةٌ أو نصرانيةٌ، واليهوديُّ منكم يَزْعُمُ أَن دينَه إقامةُ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 670 (3635) من طريق حفص بن عمر به.

(2)

ينظر ما تقدم في 2/ 432.

(3)

في س: "ملته".

(4)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أما"، وبعده في س:"ما".

ص: 480

التوراةِ والعملُ بما فيها، والنصرانيُّ منكم يَزْعُمُ أن دينَه إقامةُ الإنجيلِ وما فيه، وهذان

(1)

كتابان لم يَنْزِلا إلا بعدَ حينٍ مِن مَهْلِكِ إبراهيمَ ووفاتِه، فكيف يَكونُ منكم

(2)

؟ فما

(3)

وجهُ اخْتِصامِكم فيه، وادِّعائكم أنه منكم، والأمرُ فيه على ما قد علِمْتُم؟

وقيل: نزَلَت هذه الآيةُ في اختصامِ اليهودِ والنصارَى في إبراهيمَ، وادِّعاءِ كلِّ فريقٍ منهم أنه كان منهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: اجْتَمَعَت نصارَى نَجْرانَ وأخبارُ يهودَ عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَنازَعُوا عندَه، فقالت الأحبارُ: ما كان إبراهيمُ إلّا يهوديًّا. وقالت النصارَى: ما كان إبراهيمُ إلا نصرانيًّا. فأنْزَل اللهُ عز وجل فيهم: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} . قالت النصارى: كان نصرانيًّا. وقالت اليهودُ: كان يهوديًّا. فأَخْبَرَهم اللهُ أن التوارةَ والإنجيلَ [إِنما أُنْزِلا]

(4)

من بعده، وبعدَه كانت اليهوديةُ والنصرانيّةُ

(5)

.

(1)

في ص، ت 1:"هذا".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"منهم".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أما".

(4)

في م: "ما أنزلا إلا".

(5)

سيرة ابن هشام 1/ 553، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة 5/ 384 من طريق يونس بن بكير به بأطول مما هنا.

ص: 481

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ} . يقولُ: لم تُحاجُّون في إبراهيمَ وتَزْعُمون أنه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، {وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} - فكانت اليهوديةُ بعدَ التوراةِ، وكانت النصرانيةُ بعدَ الإنجيلِ - {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}

(1)

؟

وقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في دَعْوَى اليهود إبراهيمَ أنه منهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى كلمةِ السواءِ، وهم الذين حاجُّوا في إبراهيمَ، [وزعَمُوا أنه مات]

(2)

يهوديًّا، فأكْذَبَهم اللهُ عز وجل، ونفاهم منه، فقال:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}

(3)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 41 إلى المصنف.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(3)

ينظر المحرر الوجيز 2/ 456، والبحر المحيط 2/ 482.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 41 إلى المصنف.

ص: 482

إِبْرَاهِيمَ}. قال: اليهودُ

(1)

، برَّأَه

(2)

اللهُ عز وجل منهم

(3)

حينَ ادَّعَى كلُّ أمةٍ أنه منهم، وألْحَق به المؤمنين مَن كان مِن أهلِ الحَنِيفيةِ

(4)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.

وأما قولُه: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} . فإنه يعْنى: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} : أفلا

(5)

تَفْقَهون

(6)

خطأَ قِيلِكم: إنّ إبراهيمَ كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، وقد علِمْتُم أن اليهوديةَ والنصرانيةَ حدَثَت مِن بعدِ مَهْلِكه بحينٍ؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)} .

يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ها أنتم

(7)

القومُ الذين خاصَمْتُم وجَادَلْتُم {فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} مِن أَمرِ دينِكم الذي وجدتمُوه في كُتبِكم، وأتتكم به رسلُ اللهِ من عندِه، ومن غيرِ ذلك ممّا أوتيتُمُوه وثبَتت عندَكم صحَّتُه، {فَلِمَ تُحَاجُّونَ} يقولُ: فلم تجادلَون وتُخاصمُون {فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} ، يعني: في

(8)

الذي لا علمَ

(1)

بعده في م، ومصدرى التخريج:"والنصارى". والمصنف إنما ذكر هذا الأثر والأثر قبله في ذكر من قال: إن الآية نزلت في اليهود، وعلى إثباتها لا يكون فرق بين هذا القول والقول قبله.

(2)

في ص، ت 2، ت 3، س:"برأهم".

(3)

في ص، ت 2، ت 3، س:"منه".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 671 (3638) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 41 إلى عبد بن حميد.

(5)

سقط من: ص م، ت 1، س.

(6)

سقط من: س، وفى ص:"تتفقهون".

(7)

بعده في م: "هؤلاء".

(8)

سقط من: م.

ص: 483

لكم به من أمر إبراهيمَ ودينِه، ولم تَجِدُوه في كتبِ اللهِ، ولا أتَتْكم به أنبياؤُكم، ولا شاهَدتُموه فتعْلَموه.

كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} : أمّا الذي لهم به علمٌ، فما حُرِّم عليهم وما أمِروا به، وأمّا الذي ليس لهم به علمٌ، فشأنُ إبراهيمَ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} . يقولُ: فيما شهِدتُم، ورأيتُم، وعاينتُم، {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} ، فيما لم تُشاهِدوا، ولم تَرَوا، ولم تُعايِنوا، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(3)

.

وقولُه: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . يقولُ: واللهُ يعلَمُ ما غاب عنكم فلم تُشاهِدُوه ولم تَرَوْه، ولم تَأْتِكم به رسلُه، مِن أمرِ إبراهيمَ وغيرِه مِن الأمورِ ومما تُجادِلون فيه؛ لأنه لا يَغِيبُ عنه شيءٌ، ولا يعزُبُ عنه علمُ شيء في السماواتِ ولا في الأرضِ، وأنتم لا تعلَمُون مِن ذلك إلا ما عايَنْتُم فشاهَدتم، أو أدْرَكتم علمَه بالإخبارِ والسَّماعِ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 672 (3643، 3646) من طريق أحمد بن المفضل به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 41 إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 672 (3642) من طريق ابن أبي جعفر به من قول أبي العالية.

ص: 484

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)} .

وهذا تكذيبٌ من اللهِ عز وجل دَعْوَى الذين جادَلُوا في إبراهيمَ ومَلَّتِه من اليهودِ والنصارَى، وادَّعَوْا أنه كان على ملتِهم، وتَبْرِئَةٌ

(1)

لهم منه، وأنهم لدينِه مُخالفون، وقَضاءٌ منه

(2)

عز وجل لأهلِ الإسلامِ ولأمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهلُ دينِه، وعلى مِنْهاجِه وشَرائعِه، دونَ سائرِ أهلِ المللِ والأدْيانِ غيرِهم.

يقولُ اللهُ عز وجل: ما كان إبراهيمُ يهوديًّا ولا نصْرانيًّا، ولا

(3)

كان مِن المشركين الذين يعبُدون الأوثانَ والأصنامَ، أو

(4)

مخلوقًا دونَ خالقِه الذي هو إلهُ الخلقِ وبارئُهم، {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا}. يعنى: متَّبِعًا أمرَ اللهِ وطاعتَه، مستقيمًا على محجَّةِ الهُدَى التي أُمِر

(5)

بلزومِها، {مُسْلِمًا}. يعنى: خاشعًا للهِ بقلبِه، متذلِّلًا له بجوارحِه، مُذعنًا لما فرَض عليه وأَلْزَمه مِن أحكامِه.

وقد بيَّنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في معنَى الحنيفِ فيما مضَى، ودلَّلْنا على القولِ الذي هو أولَى بالصحةِ مِن أقوالِهم، بما أغْنى عن إعادتِه [في هذا الموضعِ]

(6)

.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك مِن التأويلِ قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ص، ت 1، س:"تنزيه". وكتب فوقها في ص: "ط".

(2)

في س: "لله".

(3)

في م، ت 1، س:"لكن كان حنيفا مسلما وما".

(4)

في ص، ت 2، ت 3، س:"أن".

(5)

بعده في ت 2، ت 3:"الله".

(6)

سقط من: ص، م، ت 1، س. وينظر ما تقدم في 2/ 591 - 594.

ص: 485

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ الواسطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: قالت اليهودُ: إبراهيمُ على ديننِا. وقالت النصارى: هو على دينِنا. فأنزل اللهُ عز وجل: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} الآية. فأكْذَبَهم اللهُ، وأدْحَض حُجّتَهم. يعنى اليهودَ الذين ادَّعَوْا أن إبراهيمَ مات يهوديًّا

(1)

.

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(2)

.

حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبَرَني يعقوبُ بن عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، عن موسى بن عُقْبَةَ، عن سالمِ بن عبدِ اللهِ - لا أُراه إلا يُحَدِّثُه عن أبيه - أن زيدَ بنَ عمرِو بن نُفَيلٍ خرَج إلى الشامِ يسألُ عن الدينِ ويَتْبَعُه، فلقِى عالمًا من اليهودِ، فسأله عن دينِه، وقال: إنى لعلِّى أن أدِينَ دينَكم، فأخبِرْني عن دينِكم. فقال له اليهوديُّ: إنك لن تَكونَ على دينِنا حتى تأخُذَ بنصيبِك مِن غضبِ اللهِ. قال زيدٌ: ما أَفِرُّ إلا من غضبِ اللهِ، ولا أَحْمِلُ مِن غضبِ اللهِ شيئًا أبدًا، وأنا

(3)

أستطيعُ، فهل تدُلُّني على دينٍ ليس فيه هذا؟ قال: ما أعلَمُه إلا أن يكونَ

(4)

حَنِيفًا. قال: وما الحنيفُ؟ قال: دينُ إبراهيمَ، لم يَكُ يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وكان لا يعبُدُ إلا الله. فخرَج من عندِه، فلقِى عالمًا من النصارَى، فسأَله عن دينِه،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 41 إلى المصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 673 (3649) من طريق ابن أبي جعفر به من قول أبي العالية.

(3)

بعده في م، ت 1، س:"لا".

(4)

في م، ت 1:"تكون".

ص: 486

فقال: إِنّى لعلِّى أن أدِينَ دينَكم، فأخبرْني عن دينِكم. قال: إنك لن تكونَ على دينِنا حتى تأخُذَ بنصيبِك من لعنةِ اللهِ. قال: لا أحتمِلُ من لعنةِ اللهِ شيئًا، ولا من غضبِ اللهِ شيئًا أبدًا، وأنا

(1)

أستطيعُ، فهل تَدُلُّنى على دينٍ ليس فيه هذا؟ فقال له [نحوَ ما]

(2)

قاله اليهوديُّ: لا أعلَمُه إلا أن يكونَ

(3)

حَنيفًا. فخرَج مِن عندِهم

(4)

وقد رضِى الذي أخبراه والذي اتَّفقا عليه مِن شأنِ إبراهيمَ، [فلم يزلْ رافعًا يديْه إلى اللهِ]

(5)

، وقال: اللَّهمَّ إنى أُشْهِدُك أني على دينِ إبراهيمَ

(6)

.

‌القول في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)} .

يعنى جل ثناؤُه بقولِه: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} : إن أحقَّ الناسِ بإبراهيمَ ونُصْرتِه وولايتِه، {لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} ، يعني: الذين سلَكوا طريقَه ومنهاجَه، فوحَّدوا الله مخلِصينَ له الدينَ، وسنُّوا سنّتَه

(7)

، وشرَعوا شرائعَه، وكانوا للهِ حُنفاءَ

(1)

بعده في م، ت 1، س:"لا".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"نحو مما"، وفى م:"نحوا مما".

(3)

في م، ت 1:"تكون".

(4)

في م: "عنده".

(5)

في صحيح البخاري: "فلما برز رفع يديه". وفى تاريخ دمشق: "فلما توفى رفع يديه".

(6)

أخرجه البخارى (3827)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 19/ 503 من طريق موسى بن عقبة به. وبعده في ص: "يتلوه القول في تأويل قوله عز وجل {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} . والحمد لله على (؟!) محمد وآله وسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر، أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان، قال: حدَّثنا محمد بن جرير الطبري".

وبعده في ت 2، ت 3، س:"بسم الله الرحمن الرحيم، أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان، قال: حدَّثنا محمد بن جرير الطبري" ويظهر من هذا أن الراوى للقسم المقبل من التفسير رجل آخر غير أبي محمد الفرغاني وينظر ترجمتهما في 1/ 37، 39 من المقدمة.

(7)

في م: "سننه".

ص: 487

مسلمين، غيرَ مشركين به، {وَهَذَا النَّبِيُّ} يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، {وَالَّذِينَ آمَنُوا} ، يعني: والذين صدَّقوا محمدًا وبما جاءَهم به مِن عندِ اللهِ، {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} ، يقولُ: واللهُ ناصرُ المؤمنين بمحمدٍ، المُصَدِّقِين له في نبوَّتِه وفيما جاءَهم

(1)

به مِن عندِه، على مَن خالَفهم مِن أهلِ المللِ والأدْيانِ.

وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} . يقولُ: الذين اتَّبَعوه على ملتِه وسنتِه ومنهاجِه وفطرتِه، {وَهَذَا النَّبِيُّ} وهو نبيُّ اللهِ محمدٌ، {وَالَّذِينَ آمَنُوا} معه، وهم المؤمنون الذين صدَّقوا نبيَّ اللهِ واتَّبَعوه. كان محمدٌ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم والذين معه من المؤمنين أولَى الناس بإبراهيمَ

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع مثلَه

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وجابرُ بنُ الكُرْديِّ والحسنُ بنُ أبى يحيى المَقْدسيُّ، قالوا: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إن لكلِّ نبيٍّ وُلاةً مِن النَّبِيِّين، وإن

(1)

في س: "جاء".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 42 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 674، 675 (3658، 3659، 3661) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 488

وَلِيِّيَ منهم أبى

(1)

وخليلُ ربِّي". ثم قرَأ: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}

(2)

.

حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، عن عبدِ اللهِ، أَرَاه قال: عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. فذكَر نحوَه

(3)

.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: يقولُ اللهُ سبحانَه: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ}

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69)} .

يعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {وَدَّتْ} : تمَنَّت، {طَائِفَةٌ} يعني: جماعةٌ، {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} ، وهم أهلُ التوراةِ من اليهودِ، وأهلُ الإنجيلِ من النصارَى، {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} ، يقولُ: لو يَصُدُّونكم أيُّها المؤمنونَ عن الإسلامِ، ويَرُدُّونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفرِ، فيُهْلِكونكم بذلك.

والإضلالُ في هذا الموضعِ الإهلاكُ، من قولِ اللهِ عز وجل: {وَقَالُوا أَإِذَا

(1)

بعده في س: "بكر".

(2)

أخرجه البزار في مسنده (1973) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه الترمذى (2995)، والطحاوي في مشكل الآثار (1009)، وابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق حكمت بشير ياسين) 2/ 326، 327 (731) 2/ 326، وابن عساكر في تاريخ دمشق 6/ 221 من طريق أبي أحمد به، وأخرجه الحاكم 2/ 292، 553 من طريق سفيان به.

(3)

أخرجه الترمذى عقب (2995) من طريق أبي نعيم به، وأخرجه أحمد 6/ 348 (3800)، 7/ 167 (4088)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 674 (3656)، والواحدى في أسباب النزول ص 79، وابن عساكر في تاريخ دمشق 6/ 221 من طريق سفيان به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 674 (3657)، من طريق عبد الله بن صالح به.

ص: 489

ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة: 10]. يعنى: إذا هلَكْنا. ومنه قولُ الأخْطَلِ في هجاءِ جَريرٍ

(1)

:

كنتَ القَذَى في موجِ أَكْدَرَ مُزْيدٍ

قذَف الأَتِيُّ به فضَلَّ ضَلَالًا

يعني: هلَك هَلاكًا. وقولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ

(2)

:

فآبَ مُضِلُّوه بعَيْنٍ جَلِيَّةٍ

(3)

وغُودِر بالجَوْلانِ

(4)

حَزْمٌ ونائلُ

يعني: مُهْلِكوه.

{وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} : وما يُهْلِكون - بما يَفْعَلُون من محاولتِهم صدَّكم عن دينِكم - أحدًا غير أنفسِهم. يعنى بـ {أَنْفُسَهُمْ} تُبَّاعَهم

(5)

وأشياعَهم على ملتِهم وأديانِهم. وإنما أهْلَكوا أنفسَهم وتُبَّاعَهم

(5)

بما حاوَلوا مِن ذلك؛ لاسْتِيجابِهم مِن اللهِ بفعلِهم ذلك سخَطَه، واسْتحقاقِهم به غضبَه ولعنتَه؛ لكفرِهم باللهِ، ونقضِهم الميثاقَ الذي أخَذ اللهُ

(6)

عليهم في كتابِهم، في اتِّباعِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وتصديقِه، والإقرارِ بنبوَّتِه. ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم يفعَلون ما يفعَلون، مِن مُحاولةِ صدِّ المؤمنين عن الهدى إلى الضلالةِ والرَّدَى، على جهلٍ منهم بما اللهُ بهم مُحِلٌّ مِن عقوبتِه، ومُدَّخِرٌ لهم مِن أليمِ عذابِه، فقال تعالى ذكرُه:{وَمَا يَشْعُرُونَ} أنهم لا يُضِلُّون إلا أنفسَهم، [في محاولتِهم]

(7)

إضْلالَكم أيُّها المؤمنون.

(1)

تقدم تخريجه في 2/ 416.

(2)

ديوانه ص 119.

(3)

جلية الأمر: حقيقته. اللسان (ج ل ى) والبيت فيه.

(4)

الجولان: جبل من نواحى دمشق، من عمل حوران. معجم البلدان 2/ 159.

(5)

في م: "أتباعهم".

(6)

سقط من: ص، ت 2، ت 3.

(7)

في م: "بمحاولتهم".

ص: 490

ومعنى قولِه: {وَمَا يَشْعُرُونَ} : وما يَدْرُون ولا يَعْلَمون.

وقد بيّنّا تأويلَ ذلك بشواهدِه في غيرِ

(1)

هذا الموضعِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} ، من اليهودِ والنصارَى، {لِمَ تَكْفُرُونَ}. يقولُ: لم تَجْحَدون، {بِآيَاتِ اللَّهِ}. يعني: بما في كتابِ اللهِ الذي أنْزَله إليكم على ألسنِ أنبيائِكم من آيه وأدلَّته، {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أنه حقٌّ مِن عندِ ربِّكم!

وإنما هذا مِن اللهِ عز وجل تَوبيخٌ لأهلِ الكتابَيْن على كفرِهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وجُحودِهم نبوَّتَه، وهم يَجِدونه في كتبِهم، مع شهادتِهم أنّ ما في كتبِهم حقٌّ، وأنه من عندِ اللهِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} . يقولُ: تَشْهَدون أن نعتَ محمدٍ نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم في كتابِكم، ثم تَكْفُرون به وتُنْكرونه ولا تُؤْمِنون به، وأنتم تَجِدونه مكتوبًا عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ، النبيَّ الأميَّ الذي يُؤْمِنُ باللهِ وكلماتِه

(3)

.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 285، 286.

(3)

يشير إلى قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ =

ص: 491

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} . يقولُ: تَشْهَدون أن نعتَ محمدٍ في كتابِكم، ثم تَكْفُرون به ولا تُؤْمِنون به، وأنتم تَجِدونه عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ؛ النبيَّ الأميَّ

(1)

.

حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} : آياتُ اللهِ: محمدٌ، وأما {تَشْهَدُونَ}: فيَشْهَدون

(2)

أنه الحقُّ يَجِدونه

(3)

مكتوبًا عندَهم

(4)

.

[حدَّثنا القاسمُ، قال]

(5)

: حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أن الدينَ عِندَ الله الإسلامُ، ليس للهِ دينٌ غيرُه

(6)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} .

يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أهلَ التوراةِ والإنجيلِ، {لِمَ تَلْبِسُونَ}. يقولُ: لِمَ تَخْلِطُونَ {الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} . وكان خَلْطُهم الحقَّ بالباطلِ إظهارَهم بألسنتِهم مِن

= وَالْإِنْجِيلَ} الآية 157 من سورة الأعراف.

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 42 إلى المصنف وابن المنذر.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 676، 677 (3669) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

في ت 1، س، وتفسير ابن أبي حاتم:"فتشهدون".

(3)

في ت 1، س:"تجدونه".

(4)

في س: "عندكم".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 676 (3666، 3668) من طريق أحمد به.

(5)

سقط من النسخ، وتقدم هذا الإسناد كثيرًا، وسيأتي على الصواب بعد قليل.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 677 (3672) من طريق ابن ثور، عن ابن جريح.

ص: 492

التصديقِ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عندِ اللهِ، غيرَ الذي في قلُوبِهم مِن اليهوديةِ والنَّصْرانيةِ.

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ الصَّيْفِ، وعديُّ بنُ زيدٍ، والحارثُ بنُ عوفٍ، بعضُهم لبعضٍ: تعالَوْا نؤمنْ بما أُنْزِل على محمدٍ وأصحابِه غُدْوةً، ونكفُرْ به عشيَّةً، حتى نَلبِسَ عليهم دينَهم، لعلَّهم يصنَعون كما نصنَعُ، فيَرْجِعُوا عن دينِهم. فأَنْزَلَ اللهُ عز وجل فيهم:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} . إلى قولِه: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} . يقولُ: لِمَ تَلْبِسُون اليهوديةَ والنصرانيّةَ بالإسلامِ، وقد علِمْتُم أن دينَ اللهِ الذي لا يقبَلُ غيرَه الإسلامُ، ولا يَجْزِى إلا به

(2)

.

حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه، إلا أنه قال: الذي لا يقبَلُ مِن أحدٍ غيرَه الإسلامُ. ولم يقُلْ

(3)

: ولا يَجْزِى [إلا به]

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه:

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 553، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 677، 678 (3675) من طريق سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبى محمد قوله. وعزاه السيوطي أيضا في الدر المنثور 2/ 42 إلى ابن إسحاق وابن المنذر، وفيه: عبد الله بن الضيف. بالضاد المعجمة، وهو رواية في اسمه.

(2)

في ص، ت 1:"للذى"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 42 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يقبل".

(4)

في ص: "الآية".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 677 (3674) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 493

{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} : الإسلامَ باليهوديةِ والنصرانيةِ

(1)

.

وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ عز وجل: {لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} . قال: الحقُّ: التوراةُ التي أنْزَل اللهُ على موسى، والباطلُ: الذي كتبُوه بأَيديهم

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنَّا معنى "اللَّبْسِ" فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولم تَكْتُمون يا أهلَ الكتابِ الحقَّ؟ والحقُّ الذي كتَموه: ما في كتبِهم من نعتِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ومبعثِه ونبوَّتِه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} : كتَموا شأنَ محمدٍ وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ، يَأْمُرُهم بالمعروفِ ويَنْهاهم عن المنكرِ

(4)

.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:{وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . يقولُ: يَكْتُمون شأنَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ، يَأْمُرُهم بالمعروفِ ويَنْهاهم عن المنكرِ

(5)

.

(1)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 463.

(2)

المصدر السابق 2/ 362.

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 605 - 607.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 678 عقب الأثر (3676) معلقًا.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 678 عقب الأثر (3676) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 494

حدثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ:{وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ} : الإسلامَ، وأمرَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَن محمدًا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأن الدينَ الإسلامُ

(1)

.

وأما قولُه: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . فإنه يعنى به: وأنتم تَعْلَمون أن الذي تَكْتُمونه مِن الحقِّ حقٌّ، وأنه مِن عندِ اللهِ.

وهذا القولُ مِن اللهِ عز وجل خبرٌ عن تَعَمُّدِ أهلِ الكتابِ الكفرَ به، وكتمانِهم ما قد علِموا من نبوةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ووجَدوه في كتبِهم، وجاءَتهم به أنبياؤُهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)} .

اختلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ المعنى الذي أمَرَت به هذه الطائفةُ مَن أَمَرَت به، من الإيمانِ وَجْهَ النهارِ وكفرٍ

(2)

آخرَه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك أمرًا منهم إياهم بتصديقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في نبوتِه، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، وأنه حقٌّ في الظاهرِ، مِن غيرِ تصديقِه في ذلك بالعزمِ واعتقادِ القلوبِ على ذلك، وبالكفرِ به، وجُحود ذلك كلِّه في آخرِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} . فقال بعضُهم لبعضٍ: أَعْطُوهم الرضا بدينِهم أولَ النهارِ، واكْفُروا آخرَه، فإنه أجدرُ

(1)

ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 463.

(2)

في م: "الكفر".

ص: 495

أن يُصَدِّقوكم، ويَعْلَموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تَكْرَهون، وهو أجدرُ أن يَرْجِعوا عن دينِهم

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه:{آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . قال: قالت اليهودُ: آمِنوا معَهم أولَ النهارِ، واكْفُروا آخرَه لعلهم يَرْجِعون معَكم

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ:{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} : كان أخبارُ قُرَى عربيَّةَ

(3)

اثْنَيْ عَشَرَ حبرًا، فقالوا لبعضِهم: ادْخُلوا في دينِ محمدٍ أولَ النهارِ وقولوا: نَشْهَدُ أن محمدًا حقٌّ صادقٌ. فإذا كان آخرُ النهارِ فاكْفُروا وقولوا: إنا رجَعْنا إلى علمائِنا وأخْبارِنا فسأَلْناهم، فحدَّثونا أن محمدًا كاذبٌ، وأنكم لستم على شيءٍ، وقد رجَعْنا إلى دينِنا فهو أعجبُ إلينا مِن دينِكم. لعلهم يَشُكُّون؛ يقولون: هؤلاء كانوا معَنا أولَ النهارِ، فما بالُهم؟ فأخْبَر اللهُ عز وجل رسولَه صلى الله عليه وسلم بذلك

(4)

.

حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ الغِفاريِّ، قال: قالت اليهودُ بعضُهم لبعضٍ: أسْلِموا أولَ النهارِ وارْتَدُّوا آخرَه

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 123، بأطول منه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 679 (3682) عن الحسن به ببعضه.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (502 - تفسير) عن خالد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 679 (3681) من طريق السندى، عن أبي مالك نحوه.

(3)

قرى عربية: قرى بالحجاز معروفة. معجم ما استعجم 3/ 929، 930.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 42، 43 إلى المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق حكمت بشير ياسين) 2/ 337 (764) من طريق أحمد بن المفضل به. قال: كان أحبار قرى عربية اثنى عشر حبرًا.

ص: 496

لعلهم يَرْجِعون. فأطلَع اللهُ على سرِّهم، فأَنْزَلَ اللهُ عز وجل:{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} إلى آخرِ الآيةِ.

وقال آخرون: بل الذي أمَرَت

(1)

به من الإيمانِ الصلاةُ، وحضورُها معهم أولَ النهارِ، وبتركِ

(2)

ذلك آخرَه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} : يهودُ تقولُه، صلَّت مع محمدٍ صلاةَ الصبحِ، وكفَروا آخرَ النهارِ؛ مَكْرًا منهم، ليُرُوا الناسَ أن قد بَدَت لهم منه الضلالةُ بعدَ أن كانوا اتَّبَعوه

(3)

.

حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} الآية: وذلك أن طائفةً من اليهودِ قالوا: إذا لقِيتُم أصحابَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أولَ النهارِ فآمِنوا، وإذا كان آخرَه فصلُّوا صلاتَكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهلُ الكتابِ، وهم أعلمُ منا. لعلهم ينقلبون عن دينِهم، ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبِع دينَكم

(4)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أمرته".

(2)

في م، س:"ترك"، وفي ت 2:"نترك".

(3)

تفسير مجاهد ص 253، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 679 (3684).

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 680 (3686، 3689) عن محمد بن سعد به دون قوله: =

ص: 497

فتأويلُ الكلامِ إذن: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} . يعنى: من اليهودِ الذين يَقْرَءون التوراةَ: {آمِنُوا} : صَدِّقوا، {بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} ، وذلك ما جاءهم به محمدٌ صلى الله عليه وسلم مِن الدينِ الحقِّ وشَرائعِه وسننِه، {وَجْهَ النَّهَارِ}. يعنى: أوَّل النهار.

وسُمِّى أولُه وجهًا له؛ لأنه أحسنُه، وأولُ ما يُواجِهُ الناظرَ فيراه منه، كما يقالُ لأولِ الثوبِ: وجهُه. وكما قال ربيعُ بنُ زِيادٍ

(1)

:

من كان مَسْرُورًا بمقْتَلِ مالكٍ

فَلْيَأْتِ نِسوتَنا بوَجْهِ نهارِ

وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَجْهَ النَّهَارِ} : أوَّلَ النهارِ

(2)

.

حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ:{وَجْهَ النَّهَارِ} : أولَ النهارِ، {وَاكْفُرُوا آخِرَهُ}. يقولُ: آخرَ النهارِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

= {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} .

(1)

البيت في مجاز القرآن 1/ 97، وحماسة أبي تمام 1/ 494.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 43 إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 679 عقب الأثر (3683) من طريق ابن أبي جعفر به بنحوه مقتصرًا على الجزء الأول، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 43 إلى المصنف.

ص: 498

مُجاهدٍ: {آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} . قال: قالوا

(1)

: صلُّوا معهم الصبحَ، ولا تُصَلُّوا معهم آخرَ النهارِ، لعلكم تَسْتَزِلُّونهم بذلك.

وأما قولُه: {وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} . فإنه يعنى به أنهم قالوا: واجْحَدوا ما صدَّقْتُم به من دينِهم في وجهِ النهارِ، في آخرِ النهارِ، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. يعنى بذلك: لعلهم يَرْجِعُون عن دينِهم معكم ويَدَعُونه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . يقولُ: لعلهم يَدَعُون دينَهم، ويَرْجِعون إلى الذي أنتم عليه

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} : لعلهم ينقلِبون عن دينِهم

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} : لعلهم يَشُكُّون

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

(1)

في النسخ، "قال". والمثبت ما يقتضيه السياق.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 680 عقب الأثر (3689) معلقا.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 680 عقب الأثر (3690) من طريق ابن أبي جعفر به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 680 (3689) عن محمد بن سعد به.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 680 عقب الأثر (3689) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.

ص: 499

مُجاهِدٍ قولَه: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . قال: يرجعون عن دينِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولا تُصَدِّقوا إلا من تبِع دينَكم فكان يهوديًّا.

وهذا خبرٌ مِن اللهِ عن قولِ الطائفةِ الذين قالوا لإخْوانِهم مِن اليهودِ: {آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} .

واللامُ التي في قولِه: {لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} . نظيرةُ اللامِ التي في قولِه: {عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ} [النمل: 72]. بمعنى: ردِفَكم

(1)

.

وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك، قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} : هذا قولُ بعضِهم لبعضٍ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} . قال: لا تُؤْمِنوا إلا لمَن تبِع اليهوديةَ

(3)

.

(1)

بعده في م: "بعض الذي تستعجلون".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 42 إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 681 (3692) من طريق أحمد بن مفضل به.

ص: 500

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} . قال: لا تُؤْمِنوا إلا لمَن آمَن بدينِكم

(1)

؛ من خالَفه، فلا تُؤْمِنوا به.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} .

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} . اعتراضٌ

(2)

به في وسطِ الكلامِ، خبرًا

(3)

مِن اللهِ عن أن البيانَ بيانُه، والهدَى هداه. قالوا: وسائرُ الكلامِ بعدَ ذلك مُتَّصلٌ بالكلامِ الأولِ، خبرًا

(3)

عن قِيلِ اليهودِ بعضِها لبعضٍ. فمعنى الكلامِ عندَهم: ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تُؤْمِنوا أن يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أوتيتُم، أو أن يُحاجُّوكم عندَ ربِّكم. أي: ولا تُؤْمِنوا أن يُحاجَّكم أحدٌ عندَ ربِّكم. ثم قال اللهُ عز وجل لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمدُ: إن الفضلَ بيدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ، وإن الهدَى هدَى اللهِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه:{أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} : حسدًا من يهودَ أن تكونَ

(1)

بعده في م: "لا".

(2)

في م: "اعترض".

(3)

في م: "خبر".

ص: 501

النبوةُ في غيرهم، وإرادةَ أن يُتَّبعوا

(1)

على دينِهم

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقال آخرون: تأويلُ ذلك: {قُلْ} يا محمدُ: {إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} : إن البيانَ بيانُ اللهِ. {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ} ، قالوا: ومعناه: لا يُؤْتَى أَحدٌ مِن الأممِ {مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} ، كما قال:{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176]. بمعنى: لا تَضِلُّون. وكقولِه: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الشعراء: 200، 201]. بمعنى: ألا يؤمنوا. {مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} يقولُ: مثلَ ما أُوتِيتَ أنت يا محمدُ وأُمَّتُك من الإسلامِ والهدَى، {أَوْ

(3)

يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ}. قالوا: ومعنى {أَوْ} : إلا. أيْ: إلا أن يُحاجُّوكم. يعنى: إلا أن يُجادِلوكم عندَ ربِّكم، عندَ

(4)

ما فعل بهم ربُّكم

(5)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: قال اللهُ عز وجل لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} . يقولُ: مثلَ ما أُوتِيتُم يا أمةَ محمدٍ. {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} ،

(1)

في س: "ينقلبوا".

(2)

تفسير مجاهد ص 254، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 681 (3697).

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أن".

(4)

سقط من: ت 2، وفى س:"بمعنى".

(5)

في س: "وبكم".

ص: 502

يقولُ

(1)

اليهودُ: فعَل اللهُ بنا

(2)

كذا وكذا مِن الكرامةِ، حتى أَنْزَل علينا المنَّ والسَّلْوَى.

فإن الذي أعْطَيْتُكم

(3)

أفضلُ، فقولوا:{إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} الآية

(4)

.

فعلى هذا التأويلِ جميعُ هذا الكلامِ مِن اللهِ [نبيَّه محمدًا]

(5)

صلى الله عليه وسلم أن يقولَه لليهودِ، وهو مُتلاصِقٌ

(6)

بعضُه ببعضٍ لا اعْتراضَ فيه. والهُدَى الثاني ردٌّ على الهُدَى الأولِ، {أَنْ} في موضعِ رفعٍ على أنه خبرٌ عن الهدَى.

وقال آخَرون: بل هذا أمرٌ مِن اللهِ نبيَّه أن يقولَه لليهودِ. وقالوا: تأويلُه: {قُلْ} يا محمدُ: {إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ} مِن الناسِ {مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} . يقولُ: مثلَ الذي أُوتِيتُموه أنتم يا معشرَ اليهودِ من كتابِ اللهِ، ومثلَ نبيِّكم، لا تَحْسُدوا المؤمنين على ما أعْطَيْتُهم مثلَ الذي أعْطَيْتُكم مِن فضلى، فإن الفضلَ بيدى أُوتِيه من أَشَاءُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} . يقولُ: لمَّا أنْزَل اللهُ كتابًا مثلَ كتابِكم، وبعَث نبيًّا مثلَ نبيِّكم، حسْدْتُموهم على ذلك، {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} الآية

(7)

.

(1)

في م، س:"تقول".

(2)

في س: "بكم".

(3)

في س: "أعطيكم".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم مفرقا في تفسيره 2/ 681 (3696)، 2/ 682 (3698) من طريق أحمد بن المفضل به.

(5)

في م: "لنبيه محمد".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"مثل".

(7)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 682 عقب الأثر (3700) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 43 إلى المصنف.

ص: 503

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(1)

.

وقال آخرون: بل

(2)

تأويلُ ذلك: {قُلْ} يا محمدُ: {إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} أنتم يا معشرَ اليهودِ من كتابِ اللهِ. قالوا: وهذا آخِرُ القولِ الذي أمَر اللهُ به نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقولَه لليهودِ من هذه الآيةِ. قالوا: وقولُه: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ} . مردودٌ على قولِه: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} .

وتأويلُ الكلامِ على قولِ أهلِ هذه المَقالةِ: ولا تُؤْمِنوا إلا لمَن تبع دينَكم فتَتْرُكوا الحقَّ، أن يُحاجُّوكم به عندَ رَبِّكم مَن اتَّبَعْتم دينَه، فأَخْبَرْتُموه

(3)

أنه مُحِقٌّ، وأنكم تَجِدون نعتَه في

(4)

كتابِكم. فيَكونُ حينَئذٍ قولُه: {أَوْ

(5)

يُحَاجُّوكُمْ}. مردودًا على جوابِ نهيٍ

(6)

متروكٍ على قولِ هؤلاء.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه:{إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} . يقولُ: هذا الأمرُ الذي أنتم عليه، {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ}. قال: قال بعضُهم لبعضٍ: لا تُخبِروهم بما بيَّن اللهُ لكم في كتابِه ليُحاجُّوكم. قال: ليُخاصِموكم به

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 682 (3700) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"فاخترتموه".

(4)

في س: "من".

(5)

في ص، ت 1:"أن".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"النهى".

ص: 504

عند ربِّكم، {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} .

[قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يكونَ قوله: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ}]

(1)

مُعْتَرضًا

(2)

به، وسائرُ الكلامِ مُتَّسِقًا

(3)

على سياقِ واحدٍ.

فيكونُ تأويلُه حينَئذٍ: ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبِع

(4)

دينكم، ولا تُؤْمِنوا أن يُؤْتَى أَحدٌ مثلَ ما أُوتِيتُم. بمعنى: لا يُؤْتَى أحدٌ مثلَ

(5)

ما أُوتِيتُم، {أَوْ

(6)

يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} بمعنى: أو أن يُحاجَّكم

(7)

عندَ ربِّكم أحد بإيمانِكم؛ لأنكم أكْرَمُ على اللهِ منهم، بما فضَّلَكم به عليهم.

فيكون الكلامُ كلُّه خبرًا عن قولِ الطائفةِ التي قال اللهُ عز وجل: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} . سوى قولِه: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} . ثم يكونُ الكلامُ

(8)

مُبتدَأً بتكذيبِهم في قولِهم

(9)

: {قُلْ} يا محمدُ للقائلين ما قالوا، مِن الطائفةِ التي وصَفْتُ لك قولَها لتُبَّاعِها مِن اليهودِ:{إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} . إن التوفيقَ توفيقُ اللهِ، والبيانَ بيانُه، وإن الفضلَ بيدِه يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، لا ما تمَنَّيْتُموه أنتم يا معشرَ اليهودِ.

(1)

سقط من النسخ، واستظهرناه من عادة المصنف في تفسيره، ويؤيده ما سيأتي.

(2)

في م: "معترض".

(3)

في م: "متسق".

(4)

في م: "اتبع".

(5)

في م: "بمثل".

(6)

في ص، ت 2، ت 3:"أن".

(7)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"يحاجوكم".

(8)

بعده في س: "متنه".

(9)

في س: "قوله".

ص: 505

وإنما اخْتَرْنا ذلك مِن سائرِ الأقوالِ التي ذكَرْناها؛ لأنه أصحُّها معنًى، وأحسنُها استقامةً على معنى كلامِ العربِ، وأشدُّها اتساقًا على نَظْمِ الكلامِ وسياقِه، وماعدا ذلك مِن القولِ فانتزاعٌ يَبْعُدُ مِن الصحةِ، على اسْتِكراهٍ شديدٍ للكلامِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: {قُلْ} يا محمدُ لهؤلاء اليهودِ الذين وصَفْتُ

(1)

قولَهم لأوليائِهم: {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} . إن

(2)

التوفيقَ للإيمانِ والهدايةَ للإسلامِ بيدِ اللهِ، وإليه دونَكم ودونَ سائرِ خلقِه، {يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} ، من خلقِه، يعني: يُعْطِيه من أراد من عبادِه. تَكْذيبًا مِن اللهِ عز وجل لهم في قولهم لتُبَّاعهم: لا يُؤْتَى أحدٌ

(3)

مثلَ ما أُوتِيتم. فقال اللهُ عز وجل لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: ليس ذلك إليكم، إنما هو إلى الله الذي بيدِه الأشياءُ كلُّها، وإليه الفضلُ وبيدِه، يُعْطِيهِ مَن يَشَاءُ. {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. يعنى: واللهُ ذو سَعَةٍ بفضلِه على مَن يَشَاءُ أَن يَتَفَضَّلَ عليه. {عَلِيمٌ} : ذو علمٍ بمَن هو منهم للفضلِ أهلٌ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرَنا ابن المُبارَكِ قراءةً، عن ابن جريجٍ في قولِه:{قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} . قال: الإسلامُ

(4)

.

(1)

بعده في س: "لك".

(2)

في س: "أي".

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 43 إلى المصنف.

ص: 506

‌القولُ في تأويلِ قوله: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)} .

يعنى بقولِه: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} : "يفتعل"، مِن قولِ القائلِ: خصَصْتُ فلانًا بكذا، أخُصُّه به.

وأما "رحمته" في هذا الموضعِ، فالإسلامُ والقرآنُ، مع النبوةِ.

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} . قال: النبوةُ، يختصُّ

(1)

بها مَن يَشَاءُ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} . قال: يختصُّ بالنبوةِ مَن يشاءُ

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنَا ابن المبارَكِ قراءةً، عن ابن جريجٍ:{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} . قال: القرآنُ والإسلامُ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ مثلَه.

{وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} . يقولُ: ذو فضلٍ يتفضَّلُ به على مَن أَحَبَّ وشاء مِن خلْقِه. ثم وصَف فضلَه بالعِظَمِ

(4)

، فقال: فضلُه عظيمٌ؛ لأنه غيرُ

(1)

في م: "يخص".

(2)

تفسير مجاهد ص 254، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 682 (3702).

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 682 عقب الأثر (3702) من طريق ابن أبي جعفر به.

(4)

في ت 1، س:"بالعظيم".

ص: 507

مُشْبهِه

(1)

في عِظَم موقعِه - ممَّن أفْضَلَه

(2)

عليه

(3)

- إفضالُ خلقِه، ولا يُقارِبُه في جَلالةِ خَطَرِه ولا يُدانِيه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} .

وهذا خبرٌ مِن اللهِ عز وجل أن مِن أهلِ الكتابِ - وهم اليهودُ مِن بني إسرائيلَ - أهلَ أمانةٍ يُؤَدُّونها ولا يَخُونُونها، ومنهم الخائنُ أمانتَه، الفاجرُ في يمينِه، المُسْتَحِلُّ.

فإن قال قائلٌ: وما وجهُ إخبارِ اللهِ عز وجل بذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وقد علِمْتَ أن الناسَ لم يَزالُوا كذلك، منهم المُؤَدِّى أمانتَه والخائنُها؟

قِيل: إنما أراد جلّ وعزّ بإخبارِه المؤمنين خبرَهم - على ما بيَّنه في كتابِه بهذه الآياتِ - تحذيرَهم أن يَأْتَمِنوهم على أموالِهم، وتَخْويفَهم الاغْتِرارَ بهم؛ لاسْتِحْلالِ كثيرٍ منهم أموالَ المؤمنين.

فتأويلُ الكلامِ: ومن أهلِ الكتابِ الذي إن تَأْمَنْه يا محمدُ على عظيمٍ من المالِ كثيرٍ يُؤَدِّه إليك، ولا يَخُنْك فيه، ومنهم الذي إن تَأْمَنْه على دينارٍ يَخُنْك فيه، فلا يُؤَدِّه إليك إلا أن تُلِحَّ عليه بالتَّقاضِي والمطالبةِ.

والباءُ في قولِه: {بِدِينَارٍ} . و "علَى" يَتَعاقَبان في هذا الموضِعِ، هذا كما يقالُ: مرَرْتُ به، ومرَرْتُ عليه.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} ؛ فقال بعضُهم: إلا ما دُمْتَ له مُتَقاضيًا.

(1)

في م: "مشبه".

(2)

في ت 1: "فضله".

(3)

بعده في ص، ت 2، ت 3:"من".

ص: 508

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} : إلا ما طلَبْتَه واتَّبَعْتَه

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، قتادةَ في قولِه:{إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} . قال: تَقْتَضِيه إياه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه:{إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} . قال: مُواكِظًا

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما دُمْتَ

(4)

قائمًا على رأسِهِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 683 عقب الأثر (3708) معلقًا.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 123.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"مواكصا"، وفى، م، وتفسير مجاهد، ومطبوعة الدر المنثور:"مواظبا"، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم، ونسخة مخطوطة من الدر المنثور، وهو صواب ما في النسخ الأولى عندنا، وواكظ وواظب بمعنى، ينظر النهاية 5/ 220، والتاج (و ك ظ)، ونص أن قول مجاهد: مواكظا.

والأثر في تفسير مجاهد ص 254، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره (تحقيق حكمت بشير ياسين) 2/ 347 (804)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 44 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"عليه".

ص: 509

السديِّ قولَه: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} . يقولُ: يَعْتَرِفُ بأمانتِه ما دُمْتَ قائمًا على رأسِه، فإذا قُمْتَ ثم جئتَ تَطْلُبُه، كافَرَك

(1)

الذي يُؤَدَّي والذي يَجْحَدُ

(2)

.

وأولى القَولَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إلا ما دُمْتَ عليه قائمًا بالمطالبةِ والاقْتِضاءِ. مِن قولِهم: قام فلانٌ بحقى على فلانٍ

(3)

حتى اسْتَخْرجه لي. أي: عمِل في تخليصِه، وسعَى في استخراجِه منه حتى اسْتَخْرَجَه؛ لأن اللَّهَ عز وجل إنما وصَفَهم باستحلالِهم أموالَ الأُمِّيِّين، وأن منهم مَن لا يَقْضِى ما عليه إلا بالاقْتِضاءِ الشديدِ والمُطالَبةِ، وليس القيامُ على رأسِ الذي عليه الدَّيْنُ بمُوجبٍ له النُّقْلَةَ عما هو عليه مِن اسْتِحلالِ ما هو له مُسْتَحِلٌّ، ولكن قد يكونُ - مع - استحلالِه الذَّهابَ بما عليه لربِّ الحقِّ - إلى اسْتِخْراجِه السبيلُ بالاقتضاءِ والمحاكمةِ والمُخاصَمةِ، فذلك الاقْتِضاءُ هو قيامُ ربِّ المالِ باسْتِخراجِ حقِّه ممَّن هو عليه.

‌القولُ في تأويل قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه أن مَن اسْتَحَلَّ الخِيانةَ مِن اليهودِ، وجُحودَ حقوقِ العربيِّ التي هي له عليه، فلم يُؤَدِّ ما ائْتَمَنَه العربيُّ عليه إليه إلا ما دام له مُتَقاضِيًا مُطالِبًا، مِن أجلِ أنه يقولُ: لا حرَجَ علينا فيما أصْبْنا مِن أموالِ العربِ ولا إِثمَ؛ لأنهم على غير الحقِّ، وأنهم مُشْركون.

واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ قولِنا فيه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا

(1)

كافره حقَّه: جحده. اللسان (ك. ف. ر).

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 683 (3709) من طريق أحمد بن المفضل به.

(3)

بعده في س: "إلى سنة".

ص: 510

لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} الآية. قالت اليهودُ: ليس علينا فيما أصَبْنا مِن أموالِ العربِ سبيلٌ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه:{لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} . قال: ليس علينا في المشركين سبيلٌ. يَعْنون مَن ليس مِن أهلِ الكتابِ

(2)

.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} . قال: يُقال له: ما بالُك لا تُؤَدِّي أمانتَك؟ فيقولُ: ليس علينا حرَجٌ في أموالِ العربِ، قد أحَلَّها اللهُ لنا

(3)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ نزَلَت: لمَّا نَزَلَت: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} . قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "كذَب أعداءُ اللهِ، ما من شيءٍ كان في الجاهليةِ إلا وهو تحتَ قدميَّ، إلا الأمانةُ، فإنها مُؤَدَّاةٌ إلى البَرِّ والفاجرِ"

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُبِيدِ اللَّهِ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: لما قالت اليهودُ: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 44 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 123، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 685 (3715) عن الحسن بن يحيى به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 684 (3713) من طريق أحمد بن المفضل به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 684 (3712) من طريق يعقوب القمى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 44 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 511

الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}: يَعْنون أخْذَ أموالِهم، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال:"إلا وهو تحتَ قَدَمَيَّ هاتين، إلا الأمانةُ، فإنها مُؤَدَّاةٌ". ولم يَزِدْ على ذلك.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} : وذلك أن أهلَ الكتابِ كانوا يقولون: ليس علينا جُناحٌ فيما أصَبْنا من هؤلاء؛ لأنهم أُمِّيُّون.

فذلك قولُه: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} . إلى آخرِ الآيةِ.

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} . قال: بايَع اليهودَ رجالٌ مِن المسلمين في الجاهليةِ، فلما أسلَموا تَقاضَوهم ثمنَ بُيوعِهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانةٌ، ولا قضاءَ لكم عندنا؛ لأنكم ترَكتم دينكم الذي كنتم عليه، قال: وادَّعَوا أنهم وجدوا ذلك في كتابِهم، فقال اللهُ عز وجل:{وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن صَعْصَعةَ، قال: قلتُ لابن عباسٍ: [إنا نغزُو]

(2)

أهل الكتابِ، فنُصيبَ من ثمارِهم؟

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 684 (3714) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 44 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أنأتمن"، وفى س:"إناقن"، وفى الأموال وتفسير ابن أبي حاتم:"إنا نسير في أرض". وصواب ما في النسخ الأخرى: إنا نمر بأهل الكتاب. لما أخرجه أبو عبيد في الأموال (414) من طريق آخر، عن ابن عباس: إنا نمر بأهل الذمة

ص: 512

قال: وتقولون كما قال أهلُ الكتاب: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}

(1)

!

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاقَ الهمْدانيِّ، عن صعصعةَ، أن رجلًا سأَل ابنَ عباسٍ، فقال: إنا نُصيبُ في العُرْفِ

(2)

أو العَذْقِ - الشكُّ مِن الحسن - مِن أموالِ أهلِ الذِّمَّةِ الدَّجاجة والشاةَ. فقال ابن عباسٍ: فتقولون ماذا؟ قال: نقولُ: ليس علينا بذلك بأسٌ. قال: هذا كما قال أهلُ الكتاب: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} . إنهم إذا أدَّوُا الجزيةَ لم تَحِلَّ لكم أموالُهم إلا بطِيب أنفسِهم

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه أن القائلين منهم: ليس علينا في أموالِ الأمِّيِّين من العرب حَرَجٌ أَن نَخْتانَهم إياه. يقولون - بقِيلِهم: إن الله جلَّ ثناؤه أحَلَّ لنا ذلك، فلا حرجَ علينا في خيانتِهم إياه، وتركِ قضائِهم - الكذبَ على اللَّهِ، عَامِدِينَ الإِثْمَ بقيلِ الكذبِ على اللهِ، أنه أحلَّ ذلك لهم، وذلك قولُه عز وجل:{وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .

كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: فيقولُ على اللهِ الكذبَ وهو يَعْلَمُ - يعنى الذي يقولُ منهم - إذا قيل له: ما لَك لا تُؤَدِّي

(1)

أخرجه أبو عبيد في الأموال ص 197 (415)، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 684 (3711) من طريق سفيان الثورى به.

(2)

في ت 3: "العرب"، وفى تفسير عبد الرزاق، والدر المنثور:"الغزو". والعُرْفُ: ضرب من النخل في كلام أهل البحرين، تسمى البُرْشُوم. التاج (ع ر ف). ويدل على صواب ما في النسخ أنه قال: أو العذق. والعذق النخلة، وقيل: النخلة بحملها.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 123، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (624)، والبيهقى 9/ 198 من طريق أبي إسحاق به. ووقع عند البيهقى زيد بن صعصعة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 44 إلى ابن المنذر.

ص: 513

أمانتك؟ -: ليس علينا حرَجٌ في أموالِ العربِ، قد أحَلَّها اللهُ لنا

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ:{وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} : يعنى ادِّعاءهم أنهم وجدوا في كتابِهم قولَهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)} .

وهذا إخبارٌ مِن الله عز وجل [عمَّا لمن]

(3)

أدَّى أمانته إلى مَن ائْتَمَنه عليها؛ اتِّقاء اللَّهِ ومُراقبته، عندَه

(4)

، فقال جل ثناؤُه: ليس الأمرُ كما يقولُ هؤلاء الكاذبون على اللهِ مِن اليهودِ، مِن أنه ليس عليهم في أموالِ الأميين حرجٌ ولا إثمٌ. ثم قال:{بَلَى} . ولكن {مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} يعنى: ولكن الذي أوْفَى بعهدِه. وذلك وصيتُه إيَّاهم التي أوْصاهم بها في التوراةِ، مِن الإيمانِ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وما جاءَهم به. والهاءُ في قولِه:{وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ} . عائدةٌ على اسمِ "الله" في قولِه: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} . يقولُ: بلى مَن أَوْفَى بِعَهْدِ اللَّهِ الذي عاهَدَه في كتابِه، فآمَنَ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وصدَّق به وبما جاءَ به مِن اللَّهِ، مِن أداء الأمانةِ إلى مَن ائْتَمَنه عليها، وغيرِ ذلك مِن أمرِ الله ونهيِه، {وَاتَّقَى}. يقولُ: واتَّقَى ما نهاه اللهُ عنه من الكفرِ به، وسائرِ مَعاصيه التي حرَّمها عليه، فاجْتَنَب ذلك؛ مُراقبةَ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 685 (3716) من طريق أحمد بن المفضل به.

(2)

تقدم تخريجه في ص 512.

(3)

في م: "عمن".

(4)

في م: "وعيده". وسياق الكلام: "وهذا إخبار من الله عز وجل عما عنده لمن أدى أمانته إلى من ائتمنه عليها؛ اتقاء الله ومراقبته".

ص: 514

وعيدِ اللهِ، وخوفَ عقابِه، {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}. يعنى: فإن اللَّهَ يُحِبُّ الذين يَتَّقونه، فيَخافون عقابَه، ويَحْذَرون عذابَه، فيَجْتَنِبون ما نهاهم عنه وحرَّمه عليهم، ويُطيعونه فيما أمَرَهم به.

وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ: هو اتِّقاءُ الشرْكِ.

حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} . يقولُ: اتَّقَى الشرْكَ، {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}. يقولُ: الذين يتَّقُون الشرْكَ

(1)

.

وقد بيَّنَّا اختلافَ أهلِ التأويلِ في ذلك، والصوابَ مِن القولِ فيه بالأدلةِ الدالةِ عليه فيما مضَى مِن كتابِنا، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه: إن الذين يَسْتَبْدِلون بترْكِهم عهدَ اللهِ الذي عهِد إليهم، ووصيتَه التي أَوْصاهم بها في الكتبِ التي أنْزَلها اللهُ إلى أنبيائِه، باتِّباعِ محمدٍ وتصديقِه، والإقرارِ به، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، وبأيمانِهم الكاذبةِ التي يَسْتَحِلُّون بها ما حرَّم اللهُ عليهم مِن أموالِ الناسِ التي ائْتُمِنوا عليها، {ثَمَنًا}. يعنى: عِوَضًا وبَدَلًا، [{قَلِيلًا}. يقولُ]

(3)

: خَسيسًا مِن عَرَضِ الدنيا وحُطامِها، {أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ}. يقولُ: فإن الذين يَفْعَلُون ذلك لا حظَّ لهم في خَيْراتِ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 44، إلى المصنف.

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 237، 238، 386.

(3)

سقط من: م.

ص: 515

الآخرة، ولا نَصيبَ لهم مِن نعيمِ الجنةِ، وما أَعَدَّ اللَّهُ لأهلِها فيها دونَ غيرِها.

وقد بَيَّنَّا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيما مضَى في معنى "الخَلاقِ"، ودلَّلْنا على أوْلَى أقوالِهم في ذلك بالصوابِ بما فيه الكفايةُ

(1)

.

وأما قولُه: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} . فإنه يعنى: ولا يُكَلِّمُهم الله بما يَسُرُّهم، {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} يقولُ: ولا يَعْطِفُ عليهم بخيرٍ؛ مَقْتًا مِن اللهِ لهم

(2)

. كقولِ القائلِ لآخرَ: انْظُرْ إليَّ نظَرَ اللهُ إليك. بمعنى: تعَطَّفْ عليَّ تعطَّف اللهُ عليك بخيرٍ ورحمةٍ. وكما يقالُ للرجلِ: لا سمِعَ اللهُ لك دعاءَك. يُرادُ: لا اسْتَجاب اللهُ لك. واللهُ لا يَخْفَى عليه خافيةٌ، وكما قال الشاعرُ

(3)

:

دعَوْتُ اللَّهَ حتى خِفْتُ أَلَّا

يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أَقولُ

وقولُه: {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} . يعنى: ولا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ ذنوبِهم وكفرِهم، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. يعني: ولهم عذابٌ مُوجِعٌ.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه أُنْزِلَت هذه الآيةُ، ومَن عُنِى بها؟ فقال بعضُهم: نزَلَت في أخبارٍ من أحْبارِ اليهودِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمة، قال: نزَلَت هذه الآيةُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} في أبى رافعٍ، وكِنانةَ بن أبى الحُقَيْقِ، وكعبِ بن الأَشْرفِ، وحُيَيِّ

(1)

ينظر ما تقدم في 2/ 365 - 367.

(2)

أي لا ينظر إليهم نظر رحمة. فالنظر هنا على حقيقته، صفة لله جل وعز كما يليق به سبحانه.

(3)

هو شمير - ويقال: سمير - بن الحارث الضبي، والبيت في النوادر ص 124، والأضداد ص 137.

ص: 516

ابن أَخْطَبَ

(1)

.

وقال آخَرون: بل نزَلَت في الأشعثِ بن قيسٍ وخَصْمٍ له.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَن حلَف على يمينٍ هو فيها فاجرٌ ليَقْتَطِعَ بها مالَ امرئ مسلمٍ، لقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبانُ". فقال الأشعثُ بنُ قيسٍ: فيَّ واللهِ كان ذلك، كان بينى وبينَ رجلٍ مِن اليهودِ، أرضٌ، فجَحَدني، فقدَّمْتُه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال لى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"ألك بيِّنَةٌ؟ " قلتُ: لا. فقال لليهوديِّ: "احْلِفْ". قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إذنْ يَحْلِفَ فَيَذْهَب مالى. فأنْزَل اللهُ عز وجل:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الآية

(2)

.

حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، عن عديِّ بن عديٍّ، عن رَجاءِ بن حَيْوةَ والعُرْسِ

(3)

، أنهما حدَّثاه، عن أبيه عديِّ بن عَمِيرَةً

(4)

، قال: كان بينَ امرئ القيس

(5)

ورجلٍ مِن حَضْرَموتَ خُصومةٌ، فارْتَفَعا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال للحضرميِّ:"بيِّنتَك وإلَّا فيمينُه". قال:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 45 إلى المصنف، وذكره الواحدى في أسباب النزول ص 82.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (503)، وأحمد 6/ 81 (3597)، 7/ 140 (4049)، والبخارى (2416، 2417، 2666، 2667)، ومسلم (138)، وأبو داود (3243)، والترمذى (1269)، وابن ماجه (2323)، وأبو يعلى (5197)، وابن منده (566) من طريق أبي معاوية به.

(3)

هو العُرْسُ بن عَميرةَ أخو عدى بن عَميرةَ. وينظر الإصابة 5/ 269، 271.

(4)

في ص، س، ت 1، ت 2، ت 3:"عمير".

(5)

هو امرؤ القيس بن عابس بن المنذر، كان على كردوس يوم اليرموك. ينظر الإصابة 1/ 112، 113.

ص: 517

يا رسولَ اللَّهِ، إن حلَفَ ذهَبَ بأرضى. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مَن حلَف على يمينٍ كاذبةٍ ليَقْتَطِعَ بها حقَّ أخيه، لقِىَ الله وهو عليه غَضْبانُ". فقال امرُؤُ القيس: يا رسولَ اللهِ، فما لمِن ترَكَها وهو يَعْلَمُ أنها حقٌّ؟ قال:"الجنةُ". قال: فإني أُشْهِدُك أني قد ترَكْتُها. قال جَريرٌ: فكنتُ مع أيوبَ السَّخْتِيانيِّ حينَ سمِعْنا هذا الحديثَ مِن عديٍّ، فقال أيوبُ: إن عديًّا قال في حديثِ العُرْسِ بن عَمِيرةَ: فنزَلَت هذه الآيةُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إلى آخرِ الآيةِ. قال جَريرٌ: ولم أحْفَظْ يومئذٍ يومئذٍ من عديٍّ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال آخَرون: إن الأشعثَ بنَ قيسٍ اخْتَصَم هو ورجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في أرضٍ كانت في يدِه لذلك الرجلِ، أخَذَها لتَعزُّزِه في الجاهليةِ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أقِمْ بينتَك". قال الرجلُ: ليس يَشْهَدُ لى أحدٌ على الأشعثِ. قال: "فلك يَمينُه". [فقام الأشعثُ ليَحْلِفَ]

(2)

، فأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل هذه الآيةَ، فنكَل الأشعثُ، وقال: إنى أُشْهِدُ الله وأُشْهِدُكم أن خَصْمِي صادقٌ. فردَّ إليه أرضَه، وزاده مِن أرضِ نفسِه زيادةً كثيرةً؛ مَخافَةَ أن يَبْقَى فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِن حَقِّه، فهى لعَقِبِ ذلك الرجل بعده

(3)

.

(1)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (657)، وأحمد 29/ 257 (17718)، والنسائي في الكبرى (5996)، من طريق يزيد بن هارون به. وأخرجه أحمد 29/ 254 (17716)، والطبراني في الكبير 17/ 108 (265)، والبيهقى 10/ 254، وفى الشعب (4840) من طريق جرير بن حازم به.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"فقام الأشعث فحلف"، وفى الدر:"فقال الأشعث: نحلف".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 44 إلى المصنف، إلى قوله: زيادة كثيرة.

ص: 518

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: مَن حلَف على يمينٍ يَسْتَحِقُ بها مالًا، هو فيها فاجر، لقى الله، وهو عليه غَضْبانُ. ثم أَنْزَلَ اللهُ تصديقَ ذلك:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} ، الآية، ثم إن الأشعثَ بنَ قيسٍ خرَج إلينا فقال: ما حدَّثكم أبو عبدِ الرحمنِ؟ فحدَّثْناه بما قال: فقال: صدَق، لَفَيَّ أُنْزِلَت؛ كانت بينى وبين رجلٍ خُصومةٌ في بئرٍ، فاخْتَصَمْنا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبيُّ: صلى الله عليه وسلم "شاهِداك أو يمينُه". فقلت: إذن يَحْلِفَ ولا يُبالِىَ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: صلى الله "مَن حلَف على يمينٍ يَسْتَحِقُ بها مالًا هو فيها فاجرٌ، لقِى الله وهو عليه غضبانُ". ثم أَنْزَل اللهُ عز وجل تصديقَ ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إلى آخرِ الآيةِ

(1)

.

وقال آخَرون بما حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: أخْبَرَنى داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، أن رجلًا أقام سِلْعته أولَ النهارِ، فلما كان آخرُه جاء رجلٌ يُساوِمُه، فحلَف لقد مَنَعها أولَ النهارِ مِن كذا

(2)

، ولولا المساءُ ما باعَها به. فأنْزَل اللهُ عز وجل:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}

(3)

.

حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن

(1)

أخرجه البخارى (2515، 2669)، ومسلم (221/ 138)، والنسائي في الكبرى (5993) من طريق جرير به، كما أخرجه أحمد 5/ 211 (الميمنية)، والبخارى (6659، 7183) من طريق منصور به.

(2)

بعده في م، ت 1:"وكذا".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 44، 45 إلى المصنف.

ص: 519

مجاهدٍ نحوَه

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الآية إلى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : أَنْزَلَهم اللَّهُ بمنزلةِ السَّحَرة.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عمرانَ بن حُصَينٍ كان يقولُ: مَن حلَف على يمينٍ فاجرةٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ أخيه، فلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه مِن النارِ. فقال له قائلٌ: شيءٌ سمِعْتَه مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قال لهم: إنكم لَتَجَدون ذلك. ثم قرَأ هذه الآيةَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الآية.

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدةَ، عن هشام، قال: قال محمدٌ، عن

(2)

عمرانَ بن حُصينٍ: مَن حلَف على يمينٍ مَصْبورةٍ

(3)

، فليَتَبَوَّأْ بوجهِه مقعدَه مِن النارِ. ثم قرَأ هذه الآيةَ كلَّها:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}

(4)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ قال: إن اليمينَ الفاجِرةَ مِن الكبائرِ. ثم تلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}

(5)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 45 إلى المصنف.

(2)

في النسخ: "بن".

(3)

اليمين المصبورة، أو يمين الصبر: هي التي يلزم بها صاحبها ويحبس عليها، وكانت لازمة له من جهة الحكم. ينظر النهاية 3/ 8.

(4)

أخرجه أحمد 4/ 436، 441 (الميمنية)، وأبو داود (3242)، والبزار (3611)، والطبراني 18/ 188 (446)، والحاكم 4/ 294 من طريق هشام به مرفوعًا. وأخرجه الطبراني 18/ 187 (445) من طريق محمد بن سيرين به.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 124، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 46 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 520

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ كان يقولُ: كنا نَرَى ونحن مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّ مِن الذنبِ الذي لا يُغْفَرُ يمينَ الصَّبرِ، إِذا فَجَر فيها صاحبُها

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)} .

يعنى بذلك جَلَّ ثناؤُه: وإن مِن أهلِ الكتابِ، وهم اليهودُ الذين كانوا حَوَالَىْ مدينةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على عهْدِه، من بني إسرائيل.

والهاءُ والميمُ في قولِه: {مِنْهُمْ} . عائدةٌ على "أهلِ الكتابِ" الذين ذكَرَهم في قولِه: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} .

وقولُه: {لَفَرِيقًا} . يعنى: جماعةً، {يَلْوُونَ}. يعنى: يُحرِّفون {أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ} . يعنى: لِتَظُنُّوا أن الذي يُحرِّفونه بكلامِهم من كتابِ اللهِ وتنْزيلِه. يقول اللهُ عز وجل: وما ذلك الذي لوَوا به ألسنتهم فحَرَّفوه وأحدَثوه مِن كتابِ اللهِ، ويَزعمُون أنّ مَا لَوَوْا بِه أَلسِنتَهم من التَّحْرِيفِ والكذبِ والباطلِ، فألْحَقوه في كتابِ اللهِ، {وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. يقولُ: مما أنزله الله على أنبيائِه، {وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. يقولُ: وما ذلكَ الذي لَوَوْا به ألسِنَتَهم فأَحْدَثوه، مما أنزَله اللهُ إلى أحدٍ من أنبيائِه، ولكنه مما أحدَثوه مِن قِبَل أنفُسِهم، افتراءً على اللهِ. يقولُ عز وجل:{وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . يعنى بذلك أنهم يتَعمَّدُون قِيلَ الكذبِ على اللَّهِ، والشهادةَ عليه بالباطلِ، والإلحاقَ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 46 إلى المصنف.

ص: 521

بكتابِ اللهِ ما ليس منه، طلبًا للرياسةِ والخسيسِ مِن حُطامِ الدنيا.

وبنحوِ ما قلنا في معنى: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} . قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قَالَ ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ:{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} . قال: يُحرِّفونَه

(1)

.

حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} حتى بلَغ: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} : هم أعداءُ اللَّهِ اليهودُ، حرَّفوا كتابَ اللَّهِ، وابتدَعوا فيه، وزعَموا أنه مِن عندِ اللَّهِ

(2)

.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(3)

.

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ} : وهم اليهودُ، كانوا يَزيدُون في كتابِ اللَّهِ ما لم يُنْزِلِ اللهُ

(4)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 254، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 689 (3734). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 46 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 689 عقب الأثر (3734) معلقًا.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 689 (3736) من طريق ابن أبي جعفر به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 689 (3733) عن محمد بن سعد به.

ص: 522

حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ:{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} . قال: فريقٌ مِن أهلِ الكتابِ يَلْوُون ألسنَتَهم، وذلك تَحريفُهم إيَّاه عن مَوضِعِه

(1)

.

وأصلُ اللَّيِّ الفَتْلُ والقَلْبُ، مِن قولِ القائلِ: لَوَى فلانٌ يدَ فلانٍ. إذا فَتَلها وقلَبها. ومنه قولُ الشاعرِ

(2)

:

* لَوَى يَدَهُ اللَّهُ الذي هُوَ غالبُهْ *

يقالُ منه: لَوَى يدَه ولسانَه، يَلْوِى ليًّا، وما لَوَى ظهرَ فلانٍ أحدٌ، إذا لم يصْرَعُه أحدٌ، ولم يَفتِلْ ظَهْرَه إنسانٌ. وإنه لأَلْوَى بَعيدُ المستَمَرِّ، إذا كان شديدَ الخصومَةِ، صابرًا عليها، لا يُغلَبُ فيها. قال الشاعرُ

(3)

:

فلو كان في لَيْلَى شَدًا

(4)

من خُصُومَةٍ

للَوَّيْتُ أعناقَ الخُصومِ

(5)

المَلاوِيا

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} .

يَعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وما ينْبَغى لأحدٍ من البشرِ. والبشرُ جمعُ بني آدم، لا

(1)

ذكره الطوسي في التبيان 2/ 508.

(2)

هو فرعان بن الأعرف أبو منازل، والبيت في عيون الأخبار 3/ 87، ومعجم الشعراء ص 189، وشرح ديوان الحماسة 3/ 1445.

(3)

هو قيس بن الملوح (مجنون ليلى)، والبيت في الأغانى 2/ 38، واللسان (ش د ي، ش ذ ى، ل و ى).

(4)

هذا الحرف يروى بالدال المهملة، وبالذال المعجمة، والشدا البقية، والشذا من الأذى. وأكثر الناس على أنه بالدال. اللسان (ش د ى، ش ذ ى)

(5)

في اللسان: "المطى". وكانت في أصول الأغاني: "الخصوم". وغيرها ناشروه كرواية اللسان.

ص: 523

واحدَ له مِن لفظِه، مثلَ القومِ والخلقِ، وقد يكون اسمًا لواحدٍ. {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ}. يقولُ: أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ عليه كتابَه، {وَالْحُكْمَ}. يعنى: ويُعَلِّمَه فصْلَ الحكمةِ، {وَالنُّبُوَّةَ}. يقولُ: ويُعْطِيَه النبوَّةَ، {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ}. يعنى: ثم يدعوَ الناسَ إلى عبادِة نفْسِه دونَ اللَّهِ، وقد آتاه اللهُ ما آتاه مِن الكتابِ والحكْمِ والنبوَّةِ، ولكنه إذا آتاه اللهُ ذلك، فإنما يدْعُوهم إلى العلمِ باللهِ، ويَحدُوهم على معرفةِ شرائعِ دينِه، وأن يكونوا رؤساءَ في المعرفةِ بأمرِ اللَّهِ ونَهيه، وأَئِمةً في طاعتِه وعبادَتِه، بكونِهم مُعلِّمى الناسِ الكتابَ، وبكونِهم دارسيه.

وقيلَ: إنّ هذه الآية نزلتْ في قومٍ مِن أهلِ الكتابِ قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أتدْعونَا إلى عبادَتِك؟

كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ، عن عِكرمةَ، أو سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال أبو رافعٍ القُرَظِيُّ حينَ اجتمعت الأحْبارُ من اليهودِ والنصارَى من أهلِ نَجْرانَ، عندَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلامِ: أتريدُ يا محمدُ أن نعبُدَك كما تَعْبدُ النصارى عيسى ابنَ مريمَ؟ فقال رجلٌ من أهل نجرانَ نَصرانيٌّ، يُقالُ له الرِّبِّيسُ

(1)

: أو ذاكَ تريدُ مِنَّا يا محمدُ، وإليه تدْعونَا؟ أو كما قال، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَعْبُدَ غيرَ اللَّهِ، أو نأمُرَ بعِبادةِ غيره، ما بذلك بعثَني، ولا بذلك أمَرنى". أو كما قال.

(1)

في م، وتفسير ابن أبي حاتم:"الرئيس"، وفى س:"الريس"، وبعده في سيرة ابن هشام:"ويروى: الريس، والرئيس".

والرِّبِّيس: رِبِّيس السامرة، خذلهم الله تعالى، وهو كبيرهم، تبصير المنتبه 2/ 617.

ص: 524

فأنزلَ اللهُ عز وجل في ذلك مِن قولِهم: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} الآية، إلى قولِه:{بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

(1)

.

حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولَي زيدِ بن ثابت، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: قال [أبو رافعٍ]

(2)

القُرْظِيُّ. فذكَر نحوَه

(3)

.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} . يقولُ: ما كان يَنْبَغى لبشرٍ أن يؤتيَه اللهُ الكتابَ والحُكمَ والنبوَّةَ يَأْمُرُ عبادَه أنْ يَتخذُوه ربّا مِن دونِ اللَّهِ.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(4)

.

حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: كان ناسٌ مِن يهود يَتعبَّدون الناسَ مِن دونِ ربَّهم، بتحْريفهم كتابَ اللهِ عن موضِعِه، فقال اللهُ عز وجل:{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} . ثم يأمرَ الناسَ بغيرِ ما

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 554، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 693 (3756) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، قال محمد بن أبي محمد: وقال أبو نافع .... فذكره.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، وتفسير ابن أبي حاتم - كما مر -:"أبو نافع".

(3)

أخرجه البيهقى في دلائل النبوة 5/ 384 من طريق يونس بن بكير به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 691 (3744) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 525

أنزَل اللهُ في كتابِه

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} .

يعني جلّ ثناؤُه بذلك: ولكن يقولُ لهم: كونوا ربَّانيِّين. فترَك القولَ استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه.

وأما قولُه: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: كونوا حُكماءَ عُلماءَ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينِ:{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . قال: حُكماءَ عُلماء

(2)

.

حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ:{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . قال: حُكماءَ علماءَ.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ مثله.

حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ:{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} : حكماءَ علماءَ

(3)

.

حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسن في قوله:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 691 (3745) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج.

(2)

تفسير سفيان ص 78.

(3)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (504 - تفسير) عن جرير به بلفظ: فقهاء علماء.

ص: 526

{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . قال: كونوا فقهاءَ علماءَ

(1)

.

حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . قال: فقهاءَ

(2)

.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني القاسمُ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} قال: فقهاء.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . قال: كونوا فقهاءَ علماءَ (1).

حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن منصورِ بن المعتمرِ، عن أبي رَزِينٍ في قولِه:{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . قال: علماءَ حكماءَ

(3)

. قال مَعمرٌ: وقال قتادةُ

(4)

.

حدثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ،

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 692 عقب الأثر (3749) معلقًا.

(2)

تفسير مجاهد ص 254.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 125 بلفظ: حلماء علماء. وقال ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 691 عقب الأثر (3747): وروى عن أبي رزين: علماء حلماء.

(4)

كذا في النسخ، وينظر المحرر الوجيز 2/ 484، وفى البحر المحيط 2/ 506: والرباني: الحكيم العالم، قاله قتادة وأبو رزين

أو العالم الحليم، قاله قتادة وغيره.

ص: 527

عن السُّديِّ في قوله: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} : أما الرّبانيون فالحكماءُ الفقهاءُ

(1)

.

حدثني يونسُ، [قال: أخبرنا ابن وهبٍ]

(2)

، قال: أخبرنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الربانيون الفقهاءُ العلماءُ، وهم فوقَ الأحْبار

(3)

.

حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . يقولُ: كونوا حكماء فقهاء.

حُدثتُ عن المِنجابِ، قال: ثنا، قال: ثنا بِشرُ بن عمارةَ، عن أبي حمزةَ الثُّماليِّ، عن يحيى بن عقيلٍ في قولِه:{الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} [المائدة: 63،44]. قال: الفقهاءُ العلماءُ.

حُدثتُ عن المنجاب، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ مثلَه

(4)

.

حدثني ابن سنانٍ القزازُ، قال: ثنا الحسينُ بن الحسنِ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله:{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . قال: كونوا حُكماء فقهاء

(5)

.

(1)

في ت 2: "والفقهاء".

(2)

سقط من ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

تفسير مجاهد ص 254.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 692 (3749) من طريق المنجاب به.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 691 (3746) من طريق عطاء به، بلفظ: هم الفقهاء المعلمون.

ص: 528

حُدثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . يقول: كونوا فُقهاءَ علماءَ

(1)

.

وقال آخرون: بل هم الحكماءُ الأنقياءُ.

‌ذِكرُ مَن قَالَ ذلك

حدثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قوله:{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . قال: حُكماءَ أتقياءَ

(2)

.

وقال آخرون: بل هم ولاةُ الناسِ وقادتُهم.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثني يونسُ بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سمعتُ ابن زيدٍ يقولُ في قولِه: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . قال: الرَّبانيون الذين يَرُبُّونَ الناسَ، ولاةُ هذا الأمْرِ، يَرُبُّونَهم: يلُونَهم. وقرأ: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} [المائدة: 63] قال: الربانيون الولاة، والأحْبارُ العلماءُ

(3)

.

قال أبو جعفر: وأوْلى الأقوال عندى بالصواب في الربَّانيِّين، أنهم جمعُ ربانيٍّ، وأنَّ الرّبانيَّ المنسوب إلى الرَّبَّانِ، الذي يَرُبُّ الناس، وهو الذي يُصْلِحُ أَمورَهم، ويَرُبُّها، ويقومُ بها، ومنه قولُ علقمة بن عَبَدَةَ

(4)

:

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 692 عقب الأثر (3749) معلقا.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى المصنف.

(4)

تقدم تخريجه في 1/ 143.

ص: 529

وكنتَ امْرَأً أَفْضَتْ إليكَ رِبابَتِي

وَقَبْلَكَ رَبَّتْني - فَضِعْتُ - رُبُوبُ

يعنى بقوله: ربتنى: وَلىَ أمرى والقيامَ به قبلَك مَن يربُّه ويُصلحه، فلم يُصلِحوه، ولكنهم أضاعوني فَضِعتُ.

يقالُ منه: ربَّ أمرى فلانٌ، فهو يَرُبُّه رَبًّا، وهو رابُّه. فإذا أريد به المبالغةُ في مدْحِه قيل: هو رَبَّانُ. كما يقالُ: هو نَعْسانُ. من قولِهم: نعَس يَنْعُسُ. وأكثرُ ما يجيءُ من الأسماء على "فَعْلان" ما كان من الأفعالِ ماضيه على "فَعِل" مثل قولِهم: هو سكرانُ وعطشانُ وريَّانُ، من: سكِر يَسْكُرُ، وعطِش يَعْطشُ، ورَوِى يرْوَى. وقد يجيءُ مما

(1)

كان ماضيه على "فَعَل يَفْعُلُ"، نحوَ ما قلنا من: نعَس يَنْعُسُ، و: ربَّ يَرُبُّ.

فإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، وكان الرَّبانُ ما ذكرنا، والرَّبانيُّ هو المنسوب إلى مَن كان بالصِّفة التي وصَفْتُ، وكان العالمُ بالفقهِ

(2)

والحِكْمةِ من المصْلِحين

(3)

أمورَ الناس بتعليمِه إياهم الخير، ودعائِهم إلى ما فيه مصلَحتُهم، وكان كذلك الحكيمُ التقيُّ للهِ، والوالى الذي يَلى أمورَ الناسِ، على المنْهاجِ الذي وَلِيَه المُقْسِطون من المصْلِحين أمورَ الخلق بالقيامِ فيهم، بما فيه صلاحُ عاجِلِهم وآجِلِهم، وعائدةُ النفْعِ عليهم في دينِهم ودنياهم، كانوا جميعًا [مُستحقينَ أَنَّهم]

(4)

ممّن دخل في قولِه عز وجل: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} .

(1)

في ص، ت 1:"ما".

(2)

في ص، س:"دون الفقه".

(3)

بعده في م: "يرب".

(4)

في ص، ت 1، س:"مستحقون أن".

ص: 530

فالربانيون إذنْ هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمورِ الدينِ والدنيا؛ ولذلك قال مجاهدٌ: وهم فوقَ الأحْبار. لأنَّ الأحبارَ هم العلماءُ، والربانيُّ الجامعُ إلى العلمِ والفقه البصرَ بالسياسةِ والتدْبير، والقيامِ بأمورِ الرَّعية، وما يُصلحُهم في دنياهم ودينِهم.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)} .

اختلفت القرأةُ في قراءَةِ ذلك؛ فقرَأه عامَّةُ قرأة أهلِ الحجازِ وبعضُ البَصْريين: (بما كنتم تَعْلَمون). بفتح التاءِ وتخفيف اللّام

(1)

، بمعنى: بعلْمِكم الكتاب، ودراسَتِكم إياه وقراءتكم. واعتلُّوا لاختيارِهم قراءة ذلك كذلك، بأنَّ الصوابَ لو كان التشديد في اللَّام وضمَّ التاءِ، لكان الصوابُ في:{تَدْرُسُونَ} . بضمِّ التاءِ وتشديد الراء.

وقرأَ ذلك عامَّة قرأةِ الكوفيين: {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} . بضمِّ التاءِ

من: {تُعَلِّمُونَ} وتشديد اللَّام

(2)

، بمعنى: بتعليمِكم الناس الكتاب، ودرَاستِكم إيَّاه. واعتلُّوا لاختيارِهم ذلك بأنّ من وصَفهم بالتعليم فقد وصَفهم بالعلْم، إذ لا يُعلِّمون إلا بعدَ عِلْمِهِم بما يُعَلِّمون.

قالوا: ولا موصوفَ بأنه يُعَلِّمُ إِلَّا وهو موصوفٌ بأنه عالمٌ. قالوا: فأما الموصوفُ بأنه عالمٌ، فغيرُ موصوفٍ بأنه مُعلِّمُ غيره. قالوا: فأوْلى القراءتينِ بالصّوابِ أبلَغُهما في مدحِ القوم، وذلك وصْفُهم بأنهم كانوا يُعلِّمون الناسَ الكتابَ.

(1)

وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص 213.

(2)

وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. المصدر السابق.

ص: 531

كما حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يحيى بنُ آدم، عن ابن عُيَيْنةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن مجاهدٍ أنه قرأ:(بما كُنْتُم تَعْلَمُونَ الكِتابَ وبما كُنْتُم تَدْرُسون). مُخفَّفَةً بنصبِ التاءِ

(1)

، وقال ابن عُيَينةَ: ما عَلَّموه حتى عَلِموه

(2)

.

وأوْلَى القراءتَيْن بالصوابِ في ذلك

(3)

قراءةُ مَن قرأَه بضمِّ التاءِ وتشديدِ اللَّامِ؛ لأنَّ اللَّهَ عز وجل وصف القومَ بأنهم أهلُ عمادٍ للناس في دينِهم ودنياهم، وأهلُ إصلاحٍ لهم ولأمورِهم، وتربيةٍ، يقول جل ثناؤه:{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} . على ما بَيَّنَّا قَبلُ مِن معنى الربانيِّ، ثم أخبرَ تعالى ذِكرُه عنهم أنهم صاروا أهلَ إصلاحٍ للناسِ وتربيةٍ لهم، بتعليمهم إيَّاهم كتاب ربِّهم.

ودِراستهم إيَّاه تلاوتُه. وقد قيل: دِراستُهم الفقهُ.

وأشبه التأويلينْ بالدراسةِ ما قلنا مِن تلاوةِ الكتاب؛ لأنه عطفٌ على قولِه: تُعَلِمُونَ الْكِتَب. والكتاب هو القرآنُ، فلأن تكون الدراسة مَعنيًّا بها دراسةُ القرآنِ، أَوْلَى مِن أنْ يكونَ معنيًّا بها دراسةُ الفقه الذي لم يجرِ له ذكرٌ.

(1)

كذا قال المصنف، وقد نص في المحرر الوجيز 2/ 486، والبحر المحيط 2/ 506، أن قراءته بفتح التاء والعين واللام المشددة، أي: تتعلمون.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 692 (3751) من طريق يحيى بن آدم به، قال:{بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ} : حقيقة ما علموه حتى علموا.

ثم أورد في الأثر (3753) بسند آخر إلى سفيان بن عيينة، قال: من قرأها {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ} قال: يقول: علِموا وعمِلوا ثم علَّموا.

وأورده السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 كالذى عندنا أيضًا سواء، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

قال أبو حيان في البحر المحيط 2/ 506: وتكلموا في ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، وقد تقدم أنى لا أرى شيئًا من هذه التراجيح؛ لأنها كلها منقولة متواترة قرآنا، فلا ترجيح في إحدى القراءتين على الأخرى.

ص: 532

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: قال يحيى بنُ آدم: قال أبو بكر

(1)

: كان عاصمٌ يقرؤها: {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} . قال: القرآنَ، {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}. قال: الفقهُ

(2)

.

فمعنى الآية: ولكن يقولُ لهم: كونوا أيها الناسُ سادةَ الناسِ وقادتَهم، في أمْر دينِهم ودنياهم، رَبانيِّينَ بتعليمِكم إياهم كتابَ الله، وما فيه من حلالٍ وحرامٍ، وفرضٍ وندبٍ، وسائرِ ما حَواه مِن مَعانى أمور دينِهم، وبتلاوتِكم إياه، ودراستِكموه.

‌القولُ في تأويلِ قوله عز وجل: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)} .

اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ قوله: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} ؛ فقرأتْه عامَّةُ قَرأَةِ الحجازِ والمدينة: (ولا يأمُرُكُمْ)

(3)

. على وجهِ الابتداءِ من اللهِ بالخبرِ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأْمُرُكم أيها الناسُ أنْ تَتَّخِذُوا الملائكة والنبيِّينَ أَرْبَابًا.

واستشْهد قارئو ذلك كذلك بقراءةٍ ذكَروها عن ابن مسعودٍ

(4)

أنه كان يَقرؤُها

(5)

: (وَلَنْ يأْمُرَكُم). فاستدَلُّوا بدخولِ "لن" على انقطاعِ الكلامِ عما قبلَه،

(1)

في النسخ: "زكريا". وتقدم على الصواب في 2/ 620.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 213.

(4)

في س: "عباس". وينظر قراءة ابن مسعود في الكشف عن وجوه القراءات السبع 1/ 350، 351، المحرر الوجيز، 2/ 486، والبحر المحيط 2/ 507.

(5)

بعده في ص، ت 2، ت 3:"وهو"، وبعده في م، ت 1:"وهى".

ص: 533

وابتداءِ خبرٍ مستأنفٍ. قالوا: فلمَّا صيَّر مكانَ "لَنْ" في قراءتِنا: {لَا} وجبتْ قراءتُه بالرفعِ.

وقرأَه بعضُ الكوفيين والبَصْريين {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} بنصبِ الراءِ

(1)

، عطفًا على قوله:{ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ} . وكان تأويلُه عندهم: ما كان لبشرٍ أنْ يُؤتيه الله الكتابَ ثم يقولَ للناسِ، ولا أن يأْمُرَكم، بمعنى: ولا كان له أن يَأمرَكم أن تَتخِذوا الملائكةَ والنبيين أربابًا.

وأوْلى القراءَتينْ بالصوابِ في ذلك: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} . بالنصب على الاتصال بالذي قبله، بتأوُّل: ما كان لبشرٍ أن يُؤتيَه الله الكتاب والحُكْمَ والنبوةَ، ثم يقول للناس كونوا عبادًا لى مِنْ دُونِ اللَّهِ، ولا أنْ يأمُرَكم أن تتخذوا الملائكة والنبييِّن أربابًا. لأنَّ الآية نزلتْ في سببِ

(2)

القومِ الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدُ أن نَعبُدَك؟ فأَخْبَرهم اللهُ جلَّ ثناؤُه أنه ليس لنبيِّه صلى الله عليه وسلم أن يدْعُو الناسَ إلى عبادةِ نفْسِه، ولا إلى اتخاذِ الملائكةِ والنبييِّن، أربابًا، ولكن الذي له أن يدْعوَهم إلى أن يكونوا رَبانييِّنَ.

فأما الذي ادَّعَى مَن قرأ ذلك رفعًا أنه في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (ولن يأمرَكم). اسْتِشهادًا لصحةِ قراءتِه بالرفع، فذلك خبرٌ غير صحيحٍ سَنَدُه، وإنما هو خبرٌ رواه حجاجٌ، عن هارون الأعورِ

(3)

أنّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ كذلك، ولو كان ذلك خبرًا صحيحًا سَندُه، لم يكن فيه لمحتجٍّ حجةٌ؛ لأنّ ما كان على صحته من القراءة من

(1)

وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص 213.

(2)

في م: "سب".

(3)

في م: "لا يجوز". ورسمه في باقى النسخ أقرب إلى المثبت. ينظر غاية النهاية 2/ 348، وتهذيب الكمال 30/ 115.

ص: 534

الكتابِ الذي قد جاء به المسلمون وِراثة عن نبيِّهم صلى الله عليه وسلم لا يجوزُ تركُه، لتأويلٍ على

(1)

قراءةٍ أضِيفت إلى بعض الصحابة، بنقل من يجوز في نقله الخطأُ والسهو.

فتأويلُ الآية إذن: وما كان للنبيِّ أنْ يأمُر

(2)

الناس أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا - يعنى بذلك: آلهةً يُعبدون مِن دونِ اللَّهِ - كما ليس له أن يقول لهم: كونوا عبادًا لى مِن دونِ اللهِ. ثم قال جل ثناؤه نافيًا عن نبيِّه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عبادَه بذلك: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ} أيها الناسُ، نَبيُّكم، بجُحود وحْدانية اللهِ، {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. يعني: بعد إذ أنتم له مُنقادون بالطاعة، مُتذَلِّلُونَ له بالعبودةِ. أي: إِنَّ ذلك غيرُ كائنٍ منه أبدًا.

وقد حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: ولا يأمرُكم النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذوا الملائكةَ والنبيِّين أربابًا

(3)

.

‌القولُ في تأويل قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واذْكروا يا أهلَ الكتابِ إذ أخذ اللهُ ميثاق النبيين. يعنى: حين أخَذ اللهُ ميثاقَ النبيين. وميثاقُهم: ما وثَّقوا به على أنفُسِهم طاعةَ اللَّهِ فيما أمرَهم ونَهاهم.

وقد بيَّنا أصلَ الميثاقِ باختلافِ أهل التأويلِ فيه بما فيه الكفايةُ

(4)

.

(1)

في م: "نحو".

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: كما نهى".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

ينظر ما تقدم في 1/ 439، 2/ 46.

ص: 535

{مَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} . فاختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ الحجاز والعراقِ: {لَمَا آتَيْتُكُمْ} . بفتحِ اللامِ من: {لَمَا} . ألا أنَّهم اختلفوا في قراءةِ: {آتَيْتُكُمْ} ؛ فقرأه بعضُهم: {آتَيْتُكُمْ} . على التوحيد، وقرَأه آخرونَ:(آتَيْنَاكم). على الجمعِ

(1)

.

ثم اختَلف أهلُ العربية إذا قُرِئ ذلك كذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: اللامُ التي مع "ما" في أوَّلِ الكلام لامُ الابتداء، نحوَ قولِ القائلِ: لَزِيدٌ أفضلُ مِنك. لأن "ما"

(2)

اسمٌ، والذي بعدها صلةٌ لها، واللامُ التي في:{لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} . لامُ القسم، كأنه قال: والله لتُؤمِنُنَّ بِه. يُؤكِّدُ في أول الكلامِ وفى آخرِه، كما يقالُ: أما

(3)

والله أن لو جِئْتَنى لكان كذا وكذا. وقد يُسْتَغْنَى عنها، فوكَّد في:{لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} . باللامِ في آخرِ الكلام، وقد يُستغْنَى عنها، ويُجعلُ خبرُ:{لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} مثلُ: لعبدُ اللهِ والله لتأْتِيَنَّه. قال: وإنْ شئتَ جعلتَ خبرَ "ما"{مِنْ كِتَابٍ} . يريدُ: لما آتيتكم كتابٌ وحكمةٌ. وتكون {مِنْ} زائدةً.

وخطَّأ بعضُ نحويِّي الكوفيين ذلك كلَّه، وقال: اللامُ التي تدخُلُ في أوائل الجزاء [تُجابُ بجواباتِ الأيمانِ، يقالُ: لمن قامَ لآتينَّه. و]

(4)

: لمن قامَ ما أحسن. فإذا وقع في جوابها "ما"، و"لا"، عُلم أن اللام ليست بتوكيدٍ للأولى؛ لأنه يُوضعُ مَوضعَها "ما" و "لا"، فتكونُ كالأولى، وهى جوابٌ للأولى. قال: وأمَّا قوله:

(1)

قرأ حمزة وحده بكسر اللام من (لما). وقرأ الباقون بالفتح، وقرأ نافع وحده:(آتيناكم). وقرأ الباقون: {آتَيْتُكُمْ} . السبعة لابن مجاهد ص 214.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"لما".

(3)

في س: "لما".

(4)

في م: "لا تجاب بما ولا لا، فلا يقال: لمن قام لا تتبعه، ولا".

ص: 536

{لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} . بمعنى إسقاط {مِنْ} غلطٌ؛ لأنّ "مِن" التي تدخلُ وتخرجُ لا تقعُ مواقع الأسماءِ. قال: ولا تقعُ في الخبرِ أيضًا، إنما تقعُ في الجَحْدِ والاستفهامِ والجزاءِ.

وأوْلى الأقوالِ في تأويلِ هذه الآيةِ - على قراءةِ مَن قرَأ ذلك بفتحِ اللامِ - بالصَّوابِ: أن يكونَ قولُه: {لَمَا} بمعنى: لمهما. وأن تكونَ "ما" حرفَ جزاءٍ أُدخِلتْ عليها اللامُ، وصُيِّر الفعلُ معها على "فَعَلَ"، ثم أُجيبتْ بما تجابُ به الأيمانُ، فصارت اللامُ الأولى يَمِينًا، إِذْ تُلُقِّيت بجوابِ اليمينِ.

وقرأَ ذلك آخرونَ: (لما آتَيْتُكُم). بكسرِ اللامِ مِن "لما"، و ذلك قراءةُ جماعةٍ مِن أهلِ الكوفةِ.

ثم اختلفَ قارئو ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه إذا قُرئ كذلك: وإِذْ أخذَ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ للذى آتيتُكم. فـ "ما" على هذه القراءةِ بمعنَى "الذي" عندهم. وكان تأويلُ الكلامِ: وإذْ أخذَ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ من أجلِ الذي أتاهم مِن كتابٍ وحِكْمةٍ، {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ}. يعنى: ثُم إِنْ جاءكم رسولٌ، يَعنى ذِكْرَ محمدٍ في التوراةِ - {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ}. أي: لَيكونَنَّ إيمانُكم به للذى عندَكم في التوراةِ مِن ذِكرِه.

وقال آخرون منهم: تأويلُ ذلك إذا قُرئ بكسرِ اللام من (لِما): وإذْ أخَذ اللهُ ميثاقَ النبيينَ للذى آتاهم من الحِكْمةِ. ثم جعَل قولَه: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} . من الأَخْذِ، أخْذِ الميثاقِ، كما يقالُ في الكلامِ: أخذتُ ميثاقَك لَتفعلَنَّ. لأنّ أَخْذَ الميثاقِ بمنزلةِ الاستِخْلافِ. فكان تأويلُ الكلامِ عندَ قائلِ هذا القولِ: وإذ استَخْلف اللهُ النّبيينَ للذى آتاهم مِن كتابٍ وحكمةٍ، متى جاءَهم رسولٌ مُصدِّقٌ لما معهم لَيَؤْمِنُنَّ به ولَينصُرنَّه.

ص: 537

وأوْلى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} . بفتحِ اللامِ؛ لأنَّ الله عز وجل أخَذ ميثاقَ جميعِ الأنبياءِ بتصْديقِ كلِّ رسولٍ له ابتَعثَه إلى خلْقِه، فيما ابتَعثَه به إلَيهم، كان ممن آتاه كتابًا، أو مِمن لم يؤْتِه كتابًا، وذلك أنه غيرُ جائزٍ وصفُ أحدٍ مِن أنبياءِ اللَّهِ عز وجل ورسُلِه، بأنه كان ممن أُبِيحَ له التكذيبُ بأحدٍ مِن رسلِه؛ فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنَّ منهم مَن أُنزِل عليه الكتابُ، وأنّ منهم مَن لم يَنْزِلُ عليه الكتابُ، كان بيِّنًا أنَّ قراءةَ مَن قرَأ ذلك:(لِمَا آتَيْتُكُم). بكسرِ اللامِ، بمعنى: من أجلِ الذي آتَيْتُكم مِن كتابٍ. لا وجْهَ له مفهومٌ إلا على تأويلٍ بعيدٍ، وانتزاعٍ عميقٍ.

ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في من أُخِذَ ميثاقُه بالإيمانِ بمن جاءه مِن رُسلِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لما معه؛ فقال بعضُهم: إنما أخَذ اللهُ بذلك ميثاقَ أهلِ الكتابِ دونَ أنبيائِهم. واستَشْهدوا لصحةِ قولِهم بذلك بقولِه: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} . قالوا: فإنما أمَر الذين أُرسلتْ إليهم الرسلُ مِن الأممِ بالإيمانِ برسُلِ اللَّهِ، ونُصْرَتِها على مَن خالفَها، وأما الرسلُ، فإنه لا وجْهَ لأمْرِها بنُضرةِ أحدٍ؛ لأنها المحتاجةُ إلى المعونةِ على مَن خالفَها مِن كفرةِ بنى آدمَ، فأما هي، فإنها لا تُعينُ الكفرةَ على كفرِها ولا تَنْصُرُها. قالوا: وإذا لم يكنْ غيرُها وغيرُ الأُمَمِ الكافرةِ، فَمن الذي يَنْصُرُ النبيَّ فيؤْخذَ ميثاقُه بنُصْرَتِهِ؟

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} . قال: هي خطأٌ مِن الكاتبِ

(1)

، وهى في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وإذْ أَخَذَ

(1)

في تفسير مجاهد والدر المنثور: "الكُتَّاب". قال أبو حيان في البحر المحيط 2/ 508: وهذا لا يصح عنه؛ =

ص: 538

اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ)

(1)

.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} . يقولُ: وإِذ أَخَذَ اللَّهُ ميثاقَ الذين أُوتُوا الكتابَ. وكذلك كان يقرؤُها الربيعُ: (وإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الذين أوتوا الكتابَ). إنما هي أهلُ الكتابِ. قال: وكذلك كان يقرؤُها أبيُّ بنُ كعبٍ. قال الربيعُ: ألا تَرى أنه يقولُ: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} . يقولُ: لتَؤْمِنُنَّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولَتنصُرنَّه. قال: هم أهلُ الكتابِ

(2)

.

وقال آخرون: بل الذين أُخِذَ ميثاقُهم بذلك الأنبياءُ دونَ أُممِها.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثني المثنى وأحمدُ بنُ حازمٍ، قالا: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما أخَذ اللهُ ميثاقَ النبييَن على قومِهم

(3)

.

= لأن الرواة الثقات نقلوا عنه أنه قرأ النبيين كعبد الله بن كثير وغيره، وإن صح ذلك عن غيره فهو خطأ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان.

(1)

تفسير مجاهد ص 254، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى عبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 693 (3757)، من طريق أبي نعيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى ابن المنذر.

ص: 539

حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} : أن يُصدِّقَ بعضُهم بعضًا

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} الآية. قال: أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الأُوَلِ مِن الأنبياءِ لِيُصَدِّقُنَّ ولَيَؤْمِنُنَّ بما جاء به الآخِرُ منهم

(2)

.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ هاشمٍ، قال: أخبرنا سَيْفُ بنُ عمرَ

(3)

، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليّ بن أبي طالبٍ، قال: لم يَبْعَثِ اللَّهُ عز وجل نبيًّا؛ آدمَ فمنْ بعدَه، إلا أخَذ عليه العهدَ في محمدٍ، لئن بُعِثَ وهو حيٌّ، لَيَؤْمِنَنَّ به ولَيَنصُرَنَّه، ويأْمره فيأخذُ العهدَ على قومِه، فقال:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} الآية

(4)

.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ} الآية: هذا ميثاقٌ أخَذه الله على النبييَن أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضًا، وأن يُبلِّغوا كتابَ اللهِ ورسالاتِه، فبَلَّغتِ الأنبياءُ كتابَ اللَّهِ ورسالاتِه إلى قومِهم، وأخَذ عليهم فيما بَلَّغَتْهم رُسُلُهم أنْ يؤمِنوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم،

(1)

سيأتي تخريجه بتمامه في ص 543.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في م: "عمرو". وينظر تهذيب الكمال 12/ 324.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى المصنف.

ص: 540

ويُصَدِّقوه وينصُرُوه

(1)

.

حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} الآية. قال: لم يَبْعثِ اللهُ عز وجل نبيًّا قطُّ من لَدنْ نوحٍ إلا أخَذ ميثاقَه لَيَؤْمِنَنَّ بمحمدٍ ولَيَنْصُرَنَّه إن خرَج وهو حيٌّ، وإلا أخَذ على قومِه أن يؤمنوا به، ولَيَنصُرُنَّه إن خرَج وهم أحياءٌ

(2)

.

حدثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا عبدُ الكبيرِ

(3)

بنُ عبدِ المجيدِ أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} من الآية كلّها. قال: أخَذ اللهُ ميثاقَ النبيِّيَن لَيبلِّغَنَّ آخرَكم أولُكم ولا تَختلِفوا

(4)

.

وقال آخرونَ: معنى ذلك أنه أخَذ مِيثاقَ النبيِّينَ وأُممِهم، فاجْتَزأَ بذكر الأنبياءِ عن ذكرٍ أُمَمِها؛ لأنَّ في ذكرِ أَخْذِ الميثاقِ على المتبوعِ دلالةً على أخْذهِ على التُّبَّاعِ؛ لأنَّ الأُمَمَ تُبَّاعُ الأنبياءِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ثم ذكَر ما أُخِذَ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 694 (3761)، من طريق أحمد بن مفضل به.

(3)

في س: "الكريم". وينظر تهذيب الكمال 18/ 243.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى المصنف.

ص: 541

عليهم - يعنى: على أهلِ الكتابِ - وعلى أنبيائِهم مِن الميثاقِ بتصْديقِه - يعنى: بتصديق محمدٍ صلى الله عليه وسلم - إذا جاءَهم، وإقرارِهم به على أنفُسِهم، فقال:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} إلى آخرِ الآيةِ

(1)

.

حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ مثلَه

(2)

.

وأوْلَى هذه الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك الخبرُ عن أَخْذِ اللهِ الميثاقَ مِن أنبيائِه، بتصديقِ بعضِهم بعضًا، وأخْذِ الأنبياءِ على أُممِها وتُباعِها الميثاقَ بنحوِ الذي أخَذ عليها رَبُّها، مِن تَصْدِيقِ أنبياءِ اللَّهِ ورسلِه بما جاءتها به؛ لأنَّ الأنبياءَ عليهم السلام بذلك أُرسلَتْ إلى أُمَمِها، ولم يَدَّعِ أحدٌ ممِن صدَّق المرسليَن أنَّ نبيًّا أُرسِلَ إلى أُمَّةٍ بتكذيبِ أحدٍ مِن أنبياءِ اللَّهِ عز وجل وحُجَجِه في عبادِه، بل كلُّها - وإن كذَّب بعضُ الأُمَمِ بعضَ أنبياءِ اللهِ بجحودِها نبوَّتَه - مُقِرَةٌ بِأَنَّ مَن ثَبَتَتْ صحةُ نُبوَّتِه، فعليها الدَّيْنونَةُ بتصديقِه، فذلك ميثاقٌ مُقِرٌّ به جَميعُهم. ولا مَعنى لقولِ مَن زعم أنّ الميثاقَ إنما أُخِذَ على الأممِ دونَ الأنبياءِ؛ لأنَّ اللَّهَ عز وجل قد أخبَر أنه أخَذ ذلك مِن النَّبيينَ، فسواءٌ قال قائلٌ: لَم يأخذ ذلك منها ربُّها. أو قال: لم يأمرْها ببلاغِ ما أُرْسِلتْ. وقد نصَّ اللهُ عز وجل أنه أمرَها بتبليغِه؛ لأنهما جميعًا خَبرانِ مِن اللهِ عنها؛ أحدُهما أنه أخَذ منها، والآخرُ منهما أنه أمرَها، فإن جازَ الشكُّ في أحدِهما جازَ في الآخرِ. وأمَّا ما اسْتَشْهدَ به الربيعُ بنُ أنسٍ، على أنَّ المعنيَّ بذلك أهلُ

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 555. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 694، 695 (3764) من طريق سلمة، عن محمد بن إسحاق قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه البيهقى في دلائل النبوة 5/ 384 من طريق يونس بن بكير به.

ص: 542

الكتابِ، مِن قولِه:{لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} . فإنَّ ذلك غيرُ شاهدٍ على صحةِ ما قال؛ لأنَّ الأنبياءَ قد أُمِرَ بعضُها بتصديقِ بعضٍ، وتصديقُ بعضِها بعضًا نُصْرةٌ مِن بعضِها بعضًا.

ثم اختلَفوا في الذين عُنوا بقولِه: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} ؛ فقال بعضُهم: الذين عُنوا بذلك هم الأنبياءُ، أُخذتْ مواثيقُهم أن يُصدِّق بعضُهم بعضًا، وأن ينصرُوه. وقد ذكرْنا الروايةَ بذلك عمن قالَه.

وقال آخرون: هم أهلُ الكتابِ، أُمروا بتصْديقِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم إذا بعثَه اللهُ، وبنُصرَتِه، وأُخِذ ميثاقُهم في كتبِهم بذلك. وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك أيضًا عمن قالَه.

وقال آخرونَ - مِمن قال: الذين عُنوا بأخْذِ اللَّهِ ميثاقَهم منهم في هذه الآيةِ هم الأنبياءُ -: قولُه: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} مَعْنِيٌّ به أهلُ الكتابِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، قال: أخبَرنا ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} . قال: أخذَ اللهُ ميثاقَ النبيينَ أن يُصدِّقَ بعضُهم بعضًا، ثم قال:{ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} . قال: فهذه الآيةُ لأهلِ الكتابِ، أخَذ اللهُ ميثاقَهم أنْ يؤمنوا بمحمدٍ ويُصدِّقوه

(1)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 124، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 693، 694 (3758، 3762) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 47 إلى ابن المنذر مختصرًا.

ص: 543

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثني ابن أبي جعفَرٍ، عن أبيه، قال: قال قتادةُ: أخَذ اللهُ على النبيين ميثاقَهم أن يُصدِّقَ بعضُهم بعضًا، وأن يُبلِّغوا كتابَ اللَّهِ ورسالتَه إلى عبادِه، فبلَّغتِ الأنبياءُ كتابَ اللهِ ورسالاتِه إلى قومِهم، وأخذوا مواثيقَ أهلِ الكتابِ في كتابِهم فيما بلَّغَتْهم رسلُهم أن يؤمنوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ويُصدِّقوه ويَنصُرُوه

(1)

.

وأوْلى الأقوالِ بالصوابِ عندَنا في تأويلِ هذه الآيةِ أنَّ جميعَ ذلك خبرٌ مِنَ اللَّهِ عز وجل عن أنبيائِه، أنه أَخَذَ مِيثَاقَهم به، وأَلْزَمَهم دعاءَ أُمَمِها إليه، والإِقرارَ به؛ لأنَّ ابتداءَ الآيةِ خبرٌ مِن اللهِ عز وجل عن أنبيائِه أنه أخَذ ميثاقهم، ثم وصَف الذي أخَذ به ميثاقَهم، فقال: هو كذا، كذا.

وإنما قلنا: إنَّ ما أخبَر الله أنه أخَذ به مواثيقَ أنبيائِه مِن ذلك، قد أخَذَت الأنبياءُ مواثيقَ أُمَمِها به؛ لأنَّها أُرْسلتْ لِتدعوَ عبادَ اللَّهِ إلى الدَّيْنُونِةِ بما أُمِرَت بالديْنُونِةِ به في أنفُسِها مِن تصديقِ رُسل اللهِ، على ما قدَّمنا البيانَ قَبْلُ.

فتأويلُ الآيةِ: واذْكروا يا معشرَ أهلِ الكتابِ إذْ أخَذ اللهُ ميثاقَ النبيينَ، لَمهْمَا آتيتُكم أيُّها النَّبيونَ من كتابٍ وحكمةٍ، ثم جاءكم رسولٌ مِن عندِى مُصدِّقٌ لما معكم، {لَتُؤْمِنُنَّ} به - يقولُ: لَتُصدِّقُنَّهُ - {وَلَتَنْصُرُنَّهُ} .

وقد قال السُّديُّ في ذلك بما حدثنا به محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه:{لَمَا آتَيْتُكُمْ} . يقولُ لليهودِ: أخذتُ ميثاقَ النَّبييَن بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ذُكِرَ في الكتابِ عندَكم

(2)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 693، 694 (3759) من طريق أحمد بن المفضل به. وفيه: أخذت ميثاق الناس لمحمد.

ص: 544

فتأويلُ ذلك على قولِ السُّديِّ الذي ذَكرناه: واذْكروا يا معشرَ أهلِ الكتابِ إذْ أخَذَ اللَّهُ ميثاقَ النبييَن، لما آتيتُكم أيها اليهودُ مِن كتابٍ وحكمةٍ. وهذا الذي قاله السُّديُّ، كان تأويلًا لا وجْهَ غيرُه

(1)

لو كان التنزيلُ: (بما آتيتُكم). ولكنَّ التنزيلَ باللَّامِ {لَمَا آتَيْتُكُمْ} . وغيرُ جائزٍ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ أن يقالَ: أَخَذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ لما آتيتُكم. بمعنى: بما آتيتُكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا} .

يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وإذْ أَخَذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ بما ذكَر، فقال لهم تعالى ذِكرُه: أأقرَرْتُم بالميثاقِ الذي واثَقْتُمونى عليه، مِن أنكم مَهمَا أتاكم رسولٌ مِن عندى مُصدِّقٌ لما معكم، لَتُؤْمِنُنَّ بِه ولَتَنْصُرُنَّهُ؟ {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} يقولُ: وأخذْتُم على ما واثَقْتُمونِى عليه مِن الإيمانِ بالرسلِ التي تأتِيكم بتصديقِ ما معكم مِن عندِى، والقيامِ بنُصْرتِهم - {إِصْرِي}. يعنى: عهدِى ووصيَّتِي، وقَبِلتُم في ذلك مِنِّي ورَضِيتُموه.

والأخْذُ هو القبولُ في هذا الموضعِ والرِّضا، مِن قولِهم: أخَذ الوالى عليه البيعةَ. بمعنى: بايعَه، وقَبلَ ولايتَه، ورَضِيَ بها.

وقد بيَّنا معنى "الإصرِ" باختلافِ المختلفينَ فيه، والصحيحَ مِن القولِ في ذلك، فيما مضَى قَبلُ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

وحُذفتِ الفاءُ من قولِه: {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ} . لأنه ابتداءُ كلامٍ، على نحوِ ما قد بيَّنَّا في نظائرِه فيما مضَى

(3)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"له".

(2)

ينظر ما تقدم في ص 158 - 163.

(3)

ينظر ما تقدم في 2/ 76.

ص: 545

وأما قولُه: {قَالُوا أَقْرَرْنَا} . فإنه يعنى به: قال النبيُّون الذين أخَذ اللهُ ميثاقَهم بما ذُكِرَ في هذه الآيةِ: أَقْرَرْنا بما ألزَمْتَنا مِن الإيمانِ برسُلِك الذين تُرسِلُهم مُصدِّقين لما معنا مِن كُتُبِك وبنُصْرَتِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين (81)} .

يَعنى بذلك جلّ ثناؤُه: قال اللهُ: فاشْهدوا أيها النَّبيون بما أخذتُ به ميثاقَكم - من الإيمانِ بتصديقِ رُسُلِى التي تأْتِيكم بتصديقِ ما معكم من الكتابِ والِحكمةِ، ونُصْرتِهم - على أنفُسِكم، وعلى أَتباعِكم مِن الأُمَم، إذ أنتم أخذْتم ميثاقَهم على ذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم بذلك.

كما حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخبرنا سَيفُ بنُ عمرَ

(1)

، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليّ بن أبى طالبٍ في قولِه:{قَالَ فَاشْهَدُوا} . يقولُ: فاشْهدوا على أُمَمِكم بذلك، {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} عليكم وعليهم

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)} .

يَعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فمن أعرَض عن الإيمانِ برُسُلِي الذين أرسلْتُهم بتصديقِ ما كانَ مع أنبيائى مِن الكُتبِ والِحكمةِ، وعن نُصرتِهم، فأَدْبرَ

(3)

ولم يُؤْمِنْ بذلك، ولم يَنْصُرُ، ونكَث عهدَه وميثاقَه، {بَعْدَ ذَلِكَ}. يعنى: بعْدَ العهدِ و الميثاقِ الذي أخذَه اللهُ عليه

(4)

، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . يعنى بذلك أنّ

(1)

في م: "عمرو".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 48 إلى المصنف.

(3)

في ص، ت 1:"فأدبروا".

(4)

بعده في ص، ت 1:"به".

ص: 546

المتولِّين عن الإيمانِ بالرسلِ الذين وصَف اللهُ

(1)

أمرَهم ونُصرتهَم، بعدَ العهدِ والميثاقِ اللذَيْنِ أُخِذَا عليهم بذلك، {هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، يعنى بذلك: الخارجون من دينِ اللهِ وطاعةِ رَبِّهم.

كما حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخبرنا سَيْفُ بنُ عمرَ، عن أبي رَؤقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ:{فَمَنْ تَوَلَّى} عنك يا محمدُ بعدَ هذا العهدِ من جميعِ الأممِ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}: هم العاصُونَ في الكفرِ

(2)

.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه - قال أبو جعفرٍ: يَعنى الرازِيَّ -: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} . يقولُ: بعدَ العهدِ والميثاقِ الذي أُخِذَ عليهم {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .

حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، [عن أبيه]

(3)

، عن الربيعِ مثلَه.

وهاتان الآيتان وإنْ كان مَخرَجُ الخبرِ فيهما مِن اللَّهِ عز وجل بما أخبرَ أنه أَشْهَدَ وأخَذ به ميثاقَ مَن أخَذ ميثاقَه به عن أنبيائِه ورُسلِه؛ فإنه مقصودٌ به إخبارُ مَن كان حوالَىْ مُهاجَرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِن يِهودِ بني إسرائيلَ أيامَ حياتِه صلى الله عليه وسلم، عَمَّا للهِ عليهم من العهدِ في الإيمانِ بنبوَّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وَمعنيٌّ تذْكيرُهم ما كان اللهُ آخذًا على آبائِهم وأسلافِهم مِن المواثيقِ والعهودِ، وما كانت أنبياءُ اللَّهِ عرَّفتْهم، وتقدَّمتْ إليهم في تصديقِه واتباعه ونُصرتِه على مَن خالَفَه وكذَّبه - وتعريفُهم ما في كُتبِ اللَّهِ التي أنزلَها إلى أنبيائِه، التي ابتَعثَهم إليهم، مِن صِفتِه وعلامتِه.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 48 إلى المصنف.

(3)

سقط من النسخ.

ص: 547

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)} .

اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الحجازِ من مكةَ والمدينةِ، وقَرأةِ الكوفةِ:(أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) على وجهِ الخطابِ

(1)

. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} ، بالياء كِلْتَيْهما على وجْهِ الخبرِ عن الغائبِ

(2)

. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ: (أفغيرَ دينِ اللهِ يَبْغون) على وجْهِ الخبرِ عن الغائبِ، (وإليه تُرجعون) بالتاء على وجْهِ المخاطبةِ

(3)

.

وأوْلى ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ) على وَجْهِ الخطابِ، (وإليه تُرْجَعون) بالتاءِ؛ لأنَّ الآيةَ التي قبلَها خطابٌ لهم، فإتباعُ الخطابِ نَظِيرَه أوْلى من صَرْفِ الكلامِ إلى غيرِ نَظِيرِه، وإن كانَ الوجْهُ الآخر جائزًا؛ لما قد ذَكرْنا فيما مضَى قَبلُ، مِن أنّ الحكايةَ يَخرُجُ الكلامُ معها أحيانًا على الخطابِ كلِّه، وأحيانًا على وجْهِ الخبِر عن الغائبِ، وأحيانًا بعضُه على الخطابِ، وبعضُه على الغَيْبةِ، فقولُه:(تَبْغُونَ)

(4)

، (وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) في هذه الآيةِ من ذلك.

وتأويلُ الكلامِ

(5)

: يا معشرَ أهلِ الكتابِ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ) يقولُ: أَفَغَيرَ

(1)

هذه قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى بكر عن عاصم وحمزة والكسائي. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 214.

(2)

هذه قراءة حفص عن عاصم. المصدر السابق.

(3)

هذه قراءة أبي عمرو وحده. المصدر السابق.

(4)

في ص: "يبغون".

(5)

بعده في ص، س، ت 1:"أفغير الله".

ص: 548

طاعةِ اللهِ تلتمسونَ وتريدونَ. {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، يقولُ: وله خشَع مَن في السماواتِ والأرضِ، فخضَع له بالعبودةِ، وأقرَّ له بإفرادِ الرُّبوبيةِ، وانقَاد له بإخلاصِ التوحيدِ والألوهةِ. {طَوْعًا وَكَرْهًا}. يقولُ: أسلَمَ للهِ طائعًا، مَن كان إسلامُه منهم له طائعًا، وذلك كالملائكةِ والأنبياءِ والمرسلين، فإنهم أسلَموا للهِ طائعينَ، {وَكَرْهًا}: مَن كان منهم كارِهًا.

واختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى إسلامِ الكارهِ الإسلامَ وصِفَتِه؛ فقال بعضُهم: إسلامُه إقرارُه بأنّ الله خالقُه وربُّه، وإنْ أشْرَك معه في العبادةِ غيرَه.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ

(1)

: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} . قال: هو كقولِه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}

(2)

[الزمر: 38].

حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه:(وله أسلمَ من في السماواتِ والأرضِ طوعًا وكرهًا وإليه تُرجعونَ). قال: كلُّ آدميٍّ قد

(3)

أقرَّ على نفْسِه بأنَّ الله ربِّي وأنا عبدُه، فمَنْ أَشْرَك في عبادتِه، فهذا الذي أسلَم كَرهًا، ومَن أخلَص للهِ

(4)

العبودةَ، فهو الذي أسلمَ

(1)

بعده في ت 2: "عن ابن عباس".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 48 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

سقط من: ت 1، س.

(4)

في ص، م:"له".

ص: 549

طوعًا

(1)

.

وقال آخرونَ: بل إسلامُ الكارهِ منهم كان حيَن أُخِذَ منه

(2)

الميثاقُ فأقرَّ به.

‌ذِكرُ من قال ذلك

حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} قال: حينَ أخَذ الميثاقَ

(3)

.

وقال آخرون: عنَى بإسلامِ الكارهِ منهم سجودَ ظلِّه.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثنا سَوّارُ

(4)

بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} . قال: الطائعُ: المؤمنُ، وكَرْهًا: ظِلُّ الكافِرِ

(5)

.

حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِه:{طَوْعًا وَكَرْهًا} . قال: سجودُ المؤمنِ طائعًا، وسجودُ الكافرِ وهو كارِهٌ

(6)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 696، 697 (3776) من طريق أبي جعفر به.

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، س.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 48 إلى المصنف.

(4)

في ت 2: "سويد". وينظر تهذيب الكمال 12/ 238، 239.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 54 إلى أبى الشيخ.

(6)

تفسير مجاهد ص 255، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 697 (3777).

ص: 550

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَكَرْهًا} . قال: سجودُ المؤمنِ طائعًا، وسجودُ ظِلِّ الكافرِ وهو كارِةٌ

(1)

.

حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: سجودُ وجهِه وظِلِّه طائعًا.

وقال آخرونَ: بل إسلامُه بقلبِه في مشيئةِ اللهِ واستقادتِه لأمرِه، وإنْ أنكَر أُلوهتَه بلسانِه.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن

(2)

عامرٍ: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} قال: استَقاد كلَّهم له

(3)

.

وقال آخرونَ: عنَى بذلك: إسلامَ مَن أسلَم مِن الناسِ كَرْهًا، حَذَرَ السَّيفِ على نفْسِه.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} الآية كلّها. فقال: أُكْرِهَ أقوامٌ على الإسلامِ، وجاء أقوامٌ

(1)

تفسير مجاهد ص 255، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 53 إلى ابن المنذر.

(2)

في النسخ: "بن". وجابر هو الجعفى، وتقدم في 4/ 266، 275.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 696 (3772) من طريق وكيع به.

ص: 551

طائعين

(1)

.

حدثني الحسنُ بنُ قَزَعَةَ الباهليُّ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عطاءٍ، عن مطرٍ الورَّاقِ في قولِ اللَّهِ عز وجل:(وله أسلمَ من في السماواتَ والأرضِ طوعًا وكرهًا وإليه تُرْجَعُونَ). قال: الملائكةُ طَوْعًا، والأنصارُ طَوْعًا، وبنو سليمٍ وعبدُ القيسِ طوْعًا، والناسُ كلُّهم كَرْهًا

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك أنَّ أهلَ الإيمانِ أسلَموا طوعًا، وأنَّ الكافرَ أسلَم في حالِ المعاينةِ حينَ لا يَنفُعُه [إسلامٌ كَرهًا]

(2)

.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:(أفغيرَ دينِ الله تَبْغُونَ) الآية: فأما المؤمنُ فأسلَم طائعًا، فنفَعه ذلك وقُبِلَ منه، وأما الكافرُ فأسلَم كارهًا، حينَ لا يَنْفَعُه ذلك، ولا يُقْبلُ.

حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} . قال: أما المؤمنُ فأسلَم طائعًا، وأما الكافرُ فأسلَم حينَ رأَى بِأسَ اللَّهِ:{فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}

(3)

[غافر: 85].

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 48 إلى المصنف.

(2)

في ص، ت 1:"الإسلام"، وفى ت 2:"إسلام".

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 125، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 697 (3778) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 48 إلى عبد بن حميد.

ص: 552

وقال آخرون: معنى ذلك أن

(1)

عبادةَ الخلقِ للهِ عز وجل.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:(أفغيَر دينِ اللَّهِ تَبغُون وله أسلمَ مَن في السَّمَاواتِ والأرضِ طوعًا وكرهًا). قال: عِبادتهُم لى أجمعين طَوْعًا وكَرْهًا، وهو قولُه:{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا}

(2)

[الرعد: 15].

وأما قولُه: (وإليه تُرجعونَ). فإنه يعنى: وإليه يا معشرَ مَن يَبْتَغِي غيرَ الإسلامِ دِينًا من اليهودِ والنصارى وسائرِ الناسِ (تُرْجَعون)

(3)

. يقولُ: إليه تَصِيرُون بعدَ مَماتِكم، فَمُجازِيكم بأعمالِكم؛ المُحْسِنَ مِنكم بإحسانِه، والمُسِيءَ بإساءتِه.

وهذا من اللهِ عز وجل تحذيرٌ خَلْقَه أن يَرْجِعَ إليه أحدٌ منهم، فيُصِيرَ إليه بعدَ وفاتِه على غيرِ ملَّةِ الإسلامِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)} .

(1)

في م: "في".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 696 (3775) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 48 إلى ابن المنذر.

(3)

في ت 1، ت 2، س:"يرجعون".

ص: 553

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: أفغيرَ دينِ اللهِ تَبْغُون يا معشرَ اليهودِ، وله أسلَم مَن في السماواتِ والأرضِ طَوْعًا وكَرْهًا، وإليه تُرْجَعون، فإن ابتَغَوا غيَر دينِ اللهِ يا محمدُ، فقُلْ لهم: آمنَّا باللهِ. فتَرَك ذِكْرَ قولِه: فإن قالوا: نعم. و

(1)

ذِكرَ قولِه: فإن ابتَغَوا غيرَ دينِ اللهِ. لدَلالةِ ما ظهرَ من الكلامِ عليه.

وقولُه: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ} . يعنى به: قل لهم يا محمدُ: صَدَّقنا باللهِ أنه ربُّنا وإلُهنا، لا إلهَ غيرُه، ولا نَعبُدُ أحدًا سِواه. {وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا}. يقولُ: وقُلْ: وصَدَّقْنا أيضًا بما أُنزِل علينا من وَحْيهِ وتنزيلِه، فأَقرَرْنا به. {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}. يقولُ: وصَدَّقنا أيضًا بما أُنزِل على إبراهيمَ خليلِ اللَّهِ، وعلى ابْنَيْهِ إسماعيلَ وإسحاقَ، وابنِ ابنِه يعقوبَ، وبما أُنزِل على الأسباطِ، وهم ولدُ يعقوبَ الاثنا عشرَ. وقد بيَّنّا أسماءَهم بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

. {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} . يقولُ: وصَدَّقنا أيضًا مع ذلك بالذي أنزَل اللهُ على موسى وعيسى من الكُتُبِ والوَحْيِ، وبما أُنزِل على النبيِّين من عندِه.

والذي آتَى اللهُ موسى وعيسى - مما أمَر اللهُ عز وجل محمدًا بتَصْديقِهما فيه والإيمانِ به - التوراةُ

(3)

التي آتاها موسى، والإنجيلُ الذي آتاه عيسى.

{لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} . يقول: لا نُصَدِّقُ بعضَهم ونُكَذِّبُ بعضَهم، ولا نؤمِنُ ببعضِهم ونكفُرُ ببعضِهم، كما كفَرَت اليهودُ والنصارى ببعضِ أنبياءِ اللَّهِ،

(1)

في ت 1: "أو".

(2)

ينظر ما تقدم في 2/ 597 - 599.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س:"والتوراة".

ص: 554

وصَدَّقَت بعضًا، ولَكِنَّا نؤمنُ بجميعِهم ونُصَدِّقُهم.

{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يعنى: ونحن نَدِينُ للهِ

(1)

بالإسلامِ، لا نَدِينُ غيرَه، بل نَتَبَرَّأُ إليه من كلِّ دِينِ سوَاه، ومن كلِّ مِلَّةٍ غيرِه.

ويعنى بقولِه: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} : ونحن له مُنْقادون بالطاعةِ، مُتَذلِّلون بالعبودةِ، مُقِرُّون له بالأُلوهةِ والرُّبوبيةِ، وأنه لا إلهَ غيُره.

وقد ذكَرنا الروايةَ بمعنى ما قلنا في ذلك فيما مضَى

(2)

، وكَرِهنا إعادتَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ومَن يَطلُبْ دِينًا غيَر دينِ الإسلامِ لِيدينَ به، فلن يَقْبَلَ اللهُ منه، {وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. يقولُ: من الباخِسين أنفسَهم حظوظَها

(3)

من رحمةِ اللهِ عز وجل.

وذُكر أن أهلَ كلَّ مِلَّةٍ ادَّعَوا أنهم هم المسلمون لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ، فأمَرهم اللهُ بالحَجِّ إن كانوا صادِقِين؛ لأن مِن سُنَّةِ الإسلامِ الحَجَّ، فامتَنَعوا، فأَدْحَضَ اللَّهُ بذلك حُجَّتَهم.

‌ذكرُ الخبرِ بذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذَيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجَيحٍ، قال: زعَم عكرمةُ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا} . فقالت المِلَلُ: نحن المسلمون.

(1)

سقط من: ت 1، س.

(2)

ينظر ما تقدم في 2/ 596، 597.

(3)

في ت 1، س:"حظوظهم".

ص: 555

فأنزَل اللهُ عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]. فَحَجَّ المسلمون وقعَد

(1)

الكفارُ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا القَعْنَبِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عِكْرمةَ، قال:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} : قالت اليهودُ: فنحن مسلمون

(3)

. فأنزَل اللهُ عز وجل لنَبِيِّه صلى الله عليه وسلم يَحُجُّهِم

(4)

أَنَّ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عِكْرمةَ، قال: لمَّا نزَلت: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا} . إلى آخرِ الآيةِ، قالت اليهودُ: فنحن مُسلمون. قال اللهُ عز وجل لنَبِيِّه صلى الله عليه وسلم: قلْ لهم: إنَّ {لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ} من أهلِ الملَلِ {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}

(6)

.

وقال آخرون في هذه الآيةِ بما حدَّثنا به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا

(1)

في ت 1، ت 2:"فقد".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 699 (3788) من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 57 إلى عبد بن حميد.

(3)

في م، ت 1:"المسلمون".

(4)

في ص، ت 1، س:"فحجهم".

(5)

أخرجه الشافعي في الأم 2/ 93، وسعيد بن منصور في سننه (506 - تفسير)، والبيهقى 4/ 324 عن سفيان به بنحوه.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 716 (3875) عن يونس وابن المقرئ به.

ص: 556

وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. إلى قولِه: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]. فأنزَل اللهُ عز وجل بعدَ هذا: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)} .

اختلف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِي بهذه الآيةِ، وفى مَن نزَلَت؛ فقال بعضُهم: نزَلَت في الحارثِ بن سُوَيدٍ الأنصاريِّ، وكان مسلمًا فارتدَّ بعدَ إسلامِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ البَصْرِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رجلٌ من الأنصارِ أسلَم، ثم ارتدَّ ولَحقِ بالشركِ، ثم نَدِم، فأرسَل إلى قومِه: أرسِلوا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، هل لى مِن توبةٍ؟ قال: فنَزَلَت: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} ، إلى قولِه:{وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . فأرسل إليه قومُه فأسلَم

(2)

.

(1)

تقدم تخريجه في 2/ 46.

(2)

أخرجه النسائي (4079)، وفى الكبرى (11065) عن محمد بن عبد الله به، وأخرجه ابن حبان (4477) من طريق يزيد بن زريع به.

ص: 557

حدَّثني ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرمةَ بنحوِه، ولم يَرفَعْه إلى ابن عباسٍ، إلا أنه قال: فكتَب إليه قومُه، فقال: ما كَذَبَني قومي. فرجَع

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا حكيمُ بنُ جُمَيعٍ، عن عليّ بن مُسْهِرٍ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ارتدَّ رجلٌ من الأنصارِ. فذكَر نحوَه

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: أخبرَنا حُمَيدٌ الأعرجُ، عن مجاهدٍ، قال: جاء الحارثُ بنُ سويدٍ، فأسلَم مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم كفَر الحارثُ، فرجَع إلى قومِه، فأنزَل اللهُ عز وجل فيه القرآنَ:{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} . إلى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . قال: فحَمَلها إليه رجلٌ من قومِه فقَرَأها عليه، فقال الحارثُ: إنك واللهِ ما عَلِمتُ لَصَدوقٌ، وإن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأصدقُ مِنك، وإن الله عز وجل لأصدقُ الثلاثةِ. قال: فرجَع الحارثُ فأسلَم، فَحَسُن إسلامُه

(3)

.

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} . قال:

(1)

سقط من: ت 1، س. وينظر الإصابة 1/ 577.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 700 (3795) من طريق على بن مسهر به، وأخرجه أحمد بن منيع. - كما في الإتحاف بذيل المطالب 8/ 543 - والحاكم 2/ 142، 4/ 366، والواحدى في أسباب النزول ص 83 من طريق داود به، وأخرجه الواحدى ص 83 من طريق عكرمة به.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 125، وأخرجه مسدد، كما في المطالب العالية (3928) - ومن طريقه الواحدى في أسباب النزول ص 83 - عن جعفر به.

ص: 558

أُنزِلَت في الحارثِ بن سُوَيدٍ الأنصاريِّ، كفَر بعدَ إيمانِه، فأَنزَلَ اللَّهُ عز وجل فيه هذه الآياتِ

(1)

، ثم تاب وأسلَم، فنَسَخها اللهُ عنه، فقال:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} ، قال: رجلٌ من بني عمرِو بن عَوفٍ كفرَ بعدَ إيمانِه

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةّ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو رجلٌ من بنى عمرِو من عَوفٍ كفَر بعدَ إيمانِه

(4)

.

قال ابن جُرَيجٍ: أخبرَنى عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: لَحقِ بأرضِ الرومِ فتَنَصَّر، ثم كتَب إلى قومِه: أرسِلوا، هل لى من تَوْبَةٍ؟ قال: فَحَسِبتُ أنه آمَن ثم رجَع

(4)

.

(1)

بعده في ص، ت 2:{أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} "، وبعده في م، ت 1، ت 3، س: "إلى {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ".

ولعله أراد: "إلى قوله: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} ". والله أعلم.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 49 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

عزاه الحافظ في الإصابة 1/ 577 إلى عبد بن حميد والفريابى من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 49 إلى المصنف وابن المنذر.

ص: 559

قال ابن جُرَيجٍ: قال عِكْرمةُ: نزَلَت في أبي عامرٍ الرَّاهِبِ، والحارثِ بن سُويدِ بن الصَّامتِ، ووَحْوَحِ بن الأَسْلَتِ

(1)

، في اثنى عشَرَ رجلًا رجَعوا عن الإسلامِ، ولَحِقوا بقريشٍ، ثم كتَبوا إلى أهلِهم: هل لنا من تَوبةٍ؟ فنزَلَت: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} الآيات

(2)

.

وقال آخرون: عُنِى بهذه الآيةِ أهلُ الكتابِ، وفيهم نزَلَتْ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} : فهم أهلُ الكتابِ، عرَفوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، ثم كفَروا به

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه:{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} الآية كلّها. قال: اليهودُ والنصارى

(4)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} الآية: هم أهلُ

(1)

في ت 1، س:"الأسلب". وهو وحوح (عامر) بن الأسلت بن جشم بن وائل، أخو أبي قيس. ينظر الإصابة 6/ 601، وجمهرة أنساب العرب ص 645.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 49 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 699 (3790) عن محمد بن سعد به.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 49 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 560

الكتابِ من اليهودِ والنصارى، رَأَوْا نَعْتَ

(1)

محمدٍ صلى الله عليه وسلم في كتابِهم، وأقَرَّوا

(2)

به، وشَهِدوا أنه حقٌّ، فلمَّا بُعِث من غيرِهم حَسَدوا العربَ على ذلك، فأنكَروه وكفَروا بعدَ إقرارِهم، حسدًا للعربِ، حينَ بُعِث من غيرِهم

(3)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه:{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} . قال: هم أهلُ الكتابِ، كانوا يَجِدون محمدًا صلى الله عليه وسلم في كتابِهم، ويَستَفْتِحون به، فكفَروا بعد إيمانِهم

(4)

.

قال أبو جعفرٍ: وأشبهُ القولَين بظاهرِ التنزيلِ ما قال الحسنُ، من أن هذه الآيةَ مَعْنِيٌّ بها أهلُ الكتابِ، على ما قاله، غيَر أن الأخبارَ بالقولِ الآخرِ أكثرُ، والقائلين به أعلمُ بتأويلِ القرآنِ. وجائزٌ أن يكونَ اللَّهُ عز وجل أَنزَل هذه الآياتِ بسببِ القومِ الذين ذُكِر أنهم كانوا ارتدُّوا عن الإسلامِ، فجمَع قِصَّتَهم وقصةَ مَن كان سبيلُه سبيلَهم في ارتِدادِه عن الإيمانِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم في هذه الآياتِ. ثم عَرَّف عبادَه سُنَّتَه فيهم، فيكونُ داخلًا في ذلك كلُّ مَن كان مؤمنًا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم قبلَ أن يُبْعَثَ، ثم كفرَ به بعدَ أن بُعِث، وكلُّ مَن كان كافرًا ثم أسلَم على عهدِه صلى الله عليه وسلم، ثم ارتدَّ وهو حيٌّ عن إسلامِه. فيكونُ مَعْنِيًّا بالآيةِ جميعُ هذيْن الصِّنْفَين وغيرُهما، [ممن كان بمثلِ معناهما]

(5)

، بل ذلك كذلك إن شاءَ اللَّهُ.

فتأويلُ الآيةِ إذن: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} . يعنى: كيف يُرْشِدُ اللهُ للصوابِ، ويُوَفِّقُ للإيمانِ، قومًا جَحَدُوا نُبُوَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، {بَعْدَ

(1)

في ص: "بعث".

(2)

في ص، ت 1:"أقرا".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 49 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 125 وفيه: "ويستخفون به".

(5)

في ت 1: "من كان بمعناهما".

ص: 561

إِيمَانِهِمْ}. أي: بعدَ تَصْديقِهم إيَّاه، وإقرارِهم به فيما جاءَهم به من عندِ ربِّه، {وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ}. يقولُ: وبعدَ أن أقَرُّوا أن محمدًا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى خَلْقِهِ حَقًّا. {وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} . يعنى: وجاءهم الحُجَجُ من عندِ اللَّهِ، والدلائلُ بصحةِ ذلك. {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. يقولُ: واللهُ لا يُوَفِّق

(1)

للحَقِّ والصوابِ الجماعةَ الظَّلَمَةَ، وهم الذين بَدَّلوا الحقَّ إلى الباطلِ، فاختاروا الكفرَ على الإيمانِ.

وقد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على معنى "الظُّلْمِ"، وأنه وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوضعِه، بما أغنَى عن إعادتِه

(2)

.

{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ} . يعنى: هؤلاءِ الذين كفَروا بعدَ إيمانِهم، وبعدَ أن شَهِدوا أن الرسولَ حقٌّ. {جَزَاؤُهُمْ}: ثوابُهم من عملِهم الذي عَمِلوه. {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ} . يعنى: أن يَحِلَّ

(3)

بهم من اللهِ الإقصاءُ والبُعْدُ، ومن الملائكةِ والناسِ ما

(4)

يَسوءُهم من العقابِ. {أَجْمَعِينَ} . يعنى: من جميعِهم، لا من

(5)

بعضِ مَن سمَّاه جلَّ ثناؤه من الملائكةِ والناسِ، ولكن مِن جميعِهم. وإنما جعَل ذلك جلَّ ثناؤه ثوابَ عملِهم؛ لأن عملَهم كان باللهِ كُفْرًا.

وقد بَيَّنا صفةَ لعنةِ الناسِ الكافرَ في غيرِ هذا الموضع، بما أغنَى عن إعادتِه

(6)

.

(1)

في ت 1: "يوقف".

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 559، 560.

(3)

في ص، م:"حل".

(4)

في ص، م:"إلا مما"، وفى ت 1، ت 3، س:"إلا ما"، وفى ت 2:"مما". والمثبت ما يستقيم به السياق.

(5)

سقط من: م.

(6)

ينظر ما تقدم في 2/ 232، 733.

ص: 562

{خَالِدِينَ فِيهَا} . يعنى: ماكِثينِ. و {فيها} . يعني: في عقوبةِ اللهِ. {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} : لا يُنقصون من العذابِ شيئًا في حالٍ من الأحوالِ، ولا يُنَفَّسون فيه. {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}. يعنى: ولا هم يُنْظُرُون لَمَعْذِرةٍ يَعْتَذِرون. وذلك كلُّه أَعْنَى

(1)

الخلودِ في العقوبةِ في الآخرةِ.

ثم استَثْنَى جلَّ ثناؤه الذين تابُوا من هؤلاء الذين كفَروا بعدَ إيمانِهم، فقال تعالى ذكرُه:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} . يعنى: إلا الذين تابُوا من بعدِ ارتدادِهم عن إيمانِهم، فراجَعوا الإيمانَ باللهِ وبرسولِه، وصَدَّقوا بما جاءهم به نبيُّهم صلى الله عليه وسلم من عندِ ربِّهم. {وَأَصْلَحُوا}. يعنى: وعمِلوا الصالحاتِ من الأعمالِ. {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . يعنى: فإن اللَّهَ لِمن فعَل ذلك بعدَ كفرِه {غَفُورٌ} . يعنى: ساتِرٌ عليه ذنبَه الذي كان منه من الرِّدَّةِ، فتارِكٌ عقوبتَه عليه، وفَضِيحتَه به يومَ القيامةِ، غيرُ مُؤاخِذِه به إذا مات على التوبةِ منه. {رَحِيمٌ}: مُتَعَطِّفٌ عليه بالرحمةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)} .

اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عنَى اللَّهُ عز وجل بقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} ببعضِ أنبيائِه الذين بُعِثوا قبْلَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم بعدَ إيمانِهم، {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} بِكُفْرِهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، و {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} عندَ حُضورِ الموتِ، وحَشْرَجتِه بنفسِه.

(1)

أعنى الخلود: أشده نصبا وتعبا. وينظر اللسان (ع ن ي).

ص: 563

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ منصورٍ، عن الحسنِ في قوله:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} ، قال: اليهودُ والنصارى لن تُقْبَلَ توبتُهم عندَ الموتِ

(1)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} : أولئك أعداءُ اللهِ اليهودُ، كفَروا بالإنجيلِ وبعيسى، ثم ازدادوا كُفْرًا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم والفُرْقانِ

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} . قال: ازدادوا كُفْرًا حتى حضَرهم الموتُ، فلم تُقْبَلْ تَوبتُهم حينَ حضَرهم الموتُ. قال مَعْمَرٌ: وقال مثلَ ذلك عطاءٌ الخُرَاسانيُّ

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} . وقال: هم اليهودُ، كفروا بالإنجيل، ثم ازدادوا كفرًا حينَ بَعَث اللهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فأنكَروه وكذَّبوا به

(4)

.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 702 عقب الأثر (3804) معلقًا.

(2)

ذكره الواحدى في أسباب النزول ص 84، والبغوى في تفسيره 2/ 64، 65.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 125، 126، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 702 (3804) عن الحسن بن يحيى به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 701 (3801) من طريق شيبان، عن قتادة. وعزاه السيوطي في=

ص: 564

وقال آخرون: معنى ذلك: إن الذين كفَروا من أهلِ الكتابِ بمحمدٍ بعد إيمانِهم بأنبيائِهم، {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا}. يعنى: ذُنوبًا، {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ}: مِن ذنوبِهم، وهم على الكفرِ مُقِيمون.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} : ازدادوا ذُنوبًا وهم كفارٌ، {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} . من تلك الذنوبِ ما كانوا على كفرِهم وضَلالتِهم

(1)

.

حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، قال: سألتُ أبا العاليةِ، قال: قلتُ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} . قال: إنما هم هؤلاء النصارى واليهودُ الذين كفَروا، ثم ازدادوا كفرًا بذنوبٍ أصابوها، فهم يَتوبون منها في كفرِهم

(2)

.

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ السُّكَّريُّ

(3)

، قال: أخبرَنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن داودَ، قال: سألتُ أبا العاليةِ عن الذين آمَنوا ثم كفَروا، فذكَر نحوًا منه.

حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، قال: سألتُ أبا العاليةِ عن هذه الآيةِ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} . قال: هم اليهودُ والنصارى والمجوسُ، أصابوا ذُنوبًا في

= الدر المنثور 2/ 49 إلى عبد بن حميد.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 702 (3805) من طريق داود به بمعناه.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 701 (3799) من طريق داود بن أبى هند به بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 49 إلى ابن المنذر.

(3)

في م: "اليشكرى". وينظر تهذيب الكمال 16/ 413.

ص: 565

كفرِهم، فأرادوا أن يَتوبوا منها، ولن يَتوبوا من الكفرِ، ألَا تَرَى أنه يقولُ:{وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} ؟

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن أبى العاليةِ في قولِه:{لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} . قال: تابوا من بعضٍ ولم يَتوبوا من الأصلِ

(1)

.

حُدِّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن أبى العاليةِ قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} . قال: هم اليهودُ والنصارى، يُصِيبون الذنوبَ، فيقولون: نَتوبُ. وهم مُشْرِكون، قال اللهُ عز وجل: لن تُقْبَلَ التوبةُ في الضلالةِ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الذين كفَروا بعدَ إيمانِهم بأنبيائِهم

(2)

، {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} . يعنى بزيادتِهم الكُفْرَ تمامَهم

(3)

عليه حتى هَلَكوا وهم عليه مُقِيمون. {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} : لن تَنْفَعَهم توبتهم الأولى وإيمانُهم، لكُفْرِهم الآخِرِ ومَوْتهِم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك:

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ

(4)

قولَه: {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} . قال: تمُّوا

(5)

على كُفْرِهم. قال ابن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 702 (3803) من طريق أبي عاصم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 50 إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.

(2)

في ص: "بإنبائهم".

(3)

ف م، س:"بما هم". وتم على الشيء أقام عليه واستمر. التاج (ت م م).

(4)

في م، ت 1:"عكرمة".

(5)

في ص، م:"نموا".

ص: 566

جُرَيجٍ: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} . يقولُ: إيمانهم أوَّل مرةٍ لن يَنْفَعَهم

(1)

.

وقال آخرون: معنى قولِه: {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} : ماتوا كفارًا، فكان ذلك هو زيادتَهم من كُفْرِهم. وقالوا: معنى: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} : لن تُقْبَلَ توبتُهم عندَ موتِهم.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} : أما: {ازْدَادُوا كُفْرًا} ؛ فماتوا وهم كفارٌ، وأما:{لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} ؛ فعندَ موتِه إذا تاب لم تُقْبَلْ تَوْبتُه

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: عَنى بها اليهودَ. وأن يكونَ تأويلُه: إن الذين كفَروا من اليهودِ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم عندَ مَبْعَثِه، بعد إيمانِهم به قبلَ مَبْعَثِه، ثم ازدادوا كُفْرًا بما أصابوا من الذنوبِ في كُفْرِهم ومُقامِهم على ضَلالتِهم، لن تُقْبَلَ توبتُهم من ذنِوبهم التي أصابوها في كُفْرِهم، حتى يَتوبوا من كفرِهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، ويُراجِعوا التوبةَ منه، بتَصْديقِ

(3)

ما جاء به من عندِ اللهِ.

وإنما قُلنا: ذلك أولى الأقوالِ في هذه الآيةِ بالصوابِ؛ لأن الآياتِ قبلَها وبعدَها فيهم نزَلت، فأولى أن تكونَ هي في معنى ما قبلَها

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 50 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 701 (3800) من طريق أحمد بن مفضل به بشطره الأول.

(3)

في ص، ت 2:"بتصديقه".

ص: 567

وما بعدَها إذ

(1)

كانت في سياقٍ واحدٍ.

وإنما قلنا: معنى ازديادِهم الكفرَ ما أصابوا في كفرِهم من المعاصي؛ لأنه جلَّ ثناؤه قال: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} . فكان معلومًا أن معنى قولِه: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} . إنما هو مَعْنِيٌّ به: لن تُقْبَلَ توبتُهم مما ازدادوا

(2)

من الكفر على كفرِهم بعدَ إيمانِهم، لا مِن كفرِهم؛ لأن الله تعالى ذكرُه وعَد أن يَقْبَل التوبةَ من عبادِه، فقال:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25]. فمُحالٌ أن يقولَ عز وجل: أَقْبَلُ، ولا أقبَلُ. في شيءٍ واحدٍ. وإذ كان ذلك كذلك - وكان من حُكْمِ اللهِ في عبادِه أنه قابِلٌ توبةَ كلِّ تائبٍ من كلِّ ذنبٍ، وكان الكفرُ بعدَ الإيمانِ أحدَ تلك الذنوبِ التي وَعَدَ قَبولَ التوبةِ منها بقولِه:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} - عُلِم أن المعنَى الذي لا يَقْبَلُ التوبةَ منه غيرُ المعنى الذي يَقْبَلُ التوبةَ منه. وإذ كان ذلك كذلك، فالذي لا يَقْبَلُ منه التوبةَ هو الازديادُ على الكفرِ بعدَ الكفرِ، لا يَقْبَلُ اللهُ

(3)

توبةَ صاحبِه ما أقام على كفرِه؛ لأن الله لا يَقْبَلُ من مُشْرِكٍ عملًا ما أقام على شِرْكِه وضَلالِه، فأمَّا إن تابَ من شِرْكِه وكفرِه وأصلَح، فإن الله - كما وصَف به نفسَه - غفورٌ رحيمٌ.

فإن قال قائلٌ: وما يُنكَرُ أن يكونَ معنى ذلك كما قال مَن قال: فلن تُقْبَلَ تَوْبتُهم من كفرِهم عندَ حُضورِ [أجلِه، و

(4)

تَوْبَتُه الأولى]

(5)

؟

(1)

في ص، ت 2:"إذا".

(2)

في ص: "أرادوا".

(3)

بعده في ص، ت 2، س:"منه".

(4)

في ص، س:"أو".

(5)

لعل صواب السياق: "أجلهم وتوبتهم الأولى".

ص: 568

قيل: أنكَرنا ذلك لأن التوبةَ من العبدِ غيرُ كائنةٍ إلا في حالِ حياتِه، فأما بعدَ مماتِه فلا توبةَ، وقد وَعَد اللهُ عز وجل عبادَه قَبولَ التوبةِ منهم ما دامتْ أرواحُهم في أجسادِهم، ولا خلافَ بينَ جميعِ الحُجَّةِ في أن كافرًا لو أسلَم قبلَ خُروجِ نفسِه بطَرْفةِ عينٍ، أن حُكْمه حكمُ المسلمين في الصلاةِ عليه والمُوَارَثة، وسائرِ الأحكامِ غيرهما

(1)

. فكان معلومًا بذلك أن توبتَه في تلك الحالِ لو كانت غيرَ مَقْبولةٍ، لم يَنتقِلْ حُكْمُه من حكمِ الكفارِ إلى حكمِ أهلِ الإسلامِ، ولا منزلةَ بينَ الموت والحياةِ يجوزُ أن يقالَ: لا يَقْبَلُ اللهُ فيها توبةَ الكافرِ. فإذ صَحَّ أنها في حال حياتِه مَقْبولةٌ، ولا سبيلَ بعدَ المماتِ إليها، بطَل قولُ الذي زعَم أنها غيرُ مقبولةٍ عندَ حُضورِ الأجلِ.

وأما قولُ مَن زعَم أن معنى ذلك: التوبةُ التي كانت قبلَ الكفرِ. فقولٌ لا معنَى له؛ لأن الله عز وجل لم يَصِفِ القومَ بإيمانٍ كان منهم بعدَ كُفْرٍ، ثم كُفْرٍ بعدَ إيمانٍ، بل إنما وَصَفهم بكُفْرٍ بعدَ إيمانٍ، فلم يَتَقَدَّمْ ذلك الإيمانَ كفرٌ كان للإيمانِ لهم توبةٌ منه، فيكونَ تأويلُ ذلك على ما تأوَّله قائلُ ذلك. وتأويلُ القرآنِ على ما كان موجودًا في ظاهرِ التلاوةِ - إذا لم تكُنْ حُجَّةٌ تدلُّ على باطنٍ خاصٍّ - أولى من غيرِه وإن أمكَن تَوْجيهُه إلى غيرِه.

وأما قولُه: {وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} . فإنه يعنى بذلك: وهؤلاء الذين

كَفروا بعدَ إيمانِهم ثم ازدادوا كُفْرًا، هم الذين

(2)

ضَلُّوا

(3)

سبيلَ الحقِّ، فَأَخْطَئُوا مَنْهَجه، وترَكوا نَصَفَ

(4)

السبيلِ وهدَى اللهِ

(5)

، [حَيْرةً منهم، وعمًى عنه]

(6)

.

(1)

في ص، ت 1، س:"غيرها".

(2)

بعده في ت 2: "كفروا".

(3)

في ص، ت 1، س:"أضلوا".

(4)

في م: "منصف". ونصف السبيل عدله وجادته.

(5)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، وبعده في م:"الذي".

(6)

في ص: "خبرهم منهم"، وفى م:"أخبرهم عنه فعموا عنه".

ص: 569

وقد بَيَّنَّا فيما مضى معنى "الضلال" بما فيه الكفايةُ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)} .

يعنى بذلك جلّ ثناؤه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: جحَدوا نُبوَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولم يُصَدِّقوا به وبما جاء به من عندِ اللهِ مِن أَهلِ كلَّ مِلَّةٍ؛ يهودِها ونَصاراها ومجوسِها وغيرِهم، {وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ}. يعنى: وماتوا على ذلك من جُحودِ نُبوَّتِه وجُحودِ ما جاء به، {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ}. يقولُ: فلن يُقْبَلَ ممن كان بهذه الصفةِ في الآخرةِ جَزاءٌ ولا رِشُوةٌ على تَرْكِ عُقوبتِه على كُفْرِه، ولا جُعْلٌ على العَفْوِ عنه، ولو كان له من الذهبِ قَدْرُ ما يَملأُ الأَرضَ من مَشْرِقِها إلى مَغْرِبِها، فَرَسًا وَجَزَى

(2)

على تركِ عقوبتِه، وفى العفوِ عنه على كفرِه، عِوَضًا مما اللهُ مُحِلٌّ به من عذابِه

(3)

؛ لأن الرِّشا إنما يَقْبَلُها مَن كان ذا حاجةٍ إلى ما رُشِى

(4)

، فأمَّا مَن له الدنيا والآخرةُ، فكيف يَقْبَلُ الفِدْيَةَ وهو خَلَّاقُ كُلِّ فِدْيَةٍ افتدَى بها مُفْتَدٍ من

(5)

نفسِه أو غيرِه؟

وقد بَيَّنا أن معنى "الفِدْيَةِ": العِوَضُ والجزاءُ من المُفْتَدِى منه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(6)

.

ثم أخبر عز وجل عمالهم عندَه، فقال:{وَأُولَئِكَ} . يعنى: هؤلاء الذين

(1)

ينظر ما تقدم في 1/ 197 - 199.

(2)

في ص، ت 1:"جزاء".

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"عباده"، وفى س:"عقابه".

(4)

في ت 1، س:"رشا".

(5)

في م: "عن".

(6)

ينظر ما تقدم في 3/ 180.

ص: 570

كفَروا وماتوا وهم كفارٌ، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. يقولُ: لهم عندَ اللهِ في الآخرةِ عذابٌ مُوجِعٌ، {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}. يعنى: وما لهم من قريبٍ ولا حميمٍ ولا صديقٍ يَنْصُرُه فيَسْتَنقِذَه من اللهِ ومن عذابِه، كما كانوا يَنْصُرونه في الدنيا على مَن حاول أذَاه ومَكْرُوهَه.

وقد حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا أَنسُ بنُ مالكٍ، أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ:"يُجَاءُ بالكافرِ يومَ القيامةِ فيُقالُ له: أرأيتَ لو كان لكَ مِلءُ الأرضِ ذَهَبًا، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا به؟ فيقولُ: نعم، قال فيُقالُ: لقد سُئِلتَ ما هو أيسَرُ مِن ذلك". فذلك قولُه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ، قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا} . قال: هو كلُّ كافرٍ

(2)

.

ونُصِب قولُه: {ذَهَبًا} على الخروجِ من المقدارِ الذي قبلَه والتفسيرِ

(3)

منه، وهو قولُه:{مِلْءُ الْأَرْضِ} . كقولِ القائلِ: عندى قَدْرُ زِقٍّ سَمْنًا، وقَدْرُ رَطْلٍ عَسَلًا. فالعسلُ

(4)

مُبَيَّنٌ

(5)

به ما

(6)

ذُكِر من المقدارِ، وهو نكرةٌ منصوبةٌ على التفسيرِ

(1)

أخرجه أحمد 21/ 17، 471 (13288، 14107)، وعبد بن حميد (1179)، والبخارى (6538)، ومسلم (2805)، وأبو يعلى (2926، 2976، 3021)، وابن حبان (7351)، والبيهقي في البعث (91، 92) من طريق سعيد بن أبي عروبة به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 702 (3806) من طريق أبي بكر الحنفى به.

(3)

التفسير: التمييز. وينظر ما تقدم في 2/ 243.

(4)

في ص، ت 1، ت 2:"بالعسل".

(5)

في ت 1، س:"يبين". والمبين: المميز. ينظر شرح التسهيل 1/ 379.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س:"عما".

ص: 571

للمقدارِ، والخروجِ منه.

وأما نحويو البصرةِ، فإنهم زعَموا أنه نَصَب الذهبَ لاشتغالِ

(1)

الملءِ

(2)

بالأرضِ، ومجئِ الذهبِ بعدَهما، فصار نصبُها نظيرَ نصبِ الحالِ، وذلك أن الحالَ يَجِيءُ بعدَ فعلٍ قد شُغِل بفاعله فيُنْصَبُ، كما يُنْصَبُ المفعولُ الذي يأتى بعدَ الفعلِ الذي قد شُغِل بفاعلِه. قالوا: ونظيرُ قولِه: {مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا} . في نَصْبِ الذهبِ في الكلامِ: لى مِثْلُك رجلًا. بمعنى: لى مِثْلُك من الرجالِ. وزعَموا أن نَصْبَ الرجلِ لاشتغالِ الإضافةِ بالاسمِ، فنُصِب كما يُنْصَبُ المفعولُ به؛ لاشتغالِ

(3)

الفعلِ بالفاعلِ.

وأُدخِلَت الواوُ في قولِه: {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} . لمحذوفٍ من الكلامِ بعدَه، دلَّ عليه دخولُ الواوِ، [كالواوِ في قولِه:{وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} ]

(4)

[الأنعام: 75]. وتأويلُ الكلامِ: وليكونَ من الموقنين

(5)

أرَيْناه ملكوتَ السماواتِ والأرضِ. فكذلك ذلك في قولِه: {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} . ولو لم يكنْ في الكلامِ واوٌ لكان الكلامُ صحيحًا، ولم يكنْ هناك متروكٌ، وكان: فلن يُقبلَ من أحدِهم ملءُ الأرضِ ذهبًا لو افتدي به.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ

(1)

في ت 1، س:"لاستعمال".

(2)

في ت 2: "الملل".

(3)

في ت 1، س:"لاستثقال".

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2.

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2:"لمتروك من الكلام دل عليه دخول الواو وتأويل الكلام وليكون من الموقنين".

ص: 572

فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)}.

يعنى بذلك جلّ ثناؤه: لن تُدْرِكوا أَيُّها المؤمنون البِرَّ، وهو البِرُّ من اللهِ الذي يَطْلُبونه منه بطاعتِهم إيّاه، وعبادتِهم له، ويَرْجونه منه، وذلك تَفَضُّلُه عليهم بإدخالِهم جنتَه، وصَرْفِ عذابِه عنهم. ولذلك قال كثيرٌ من أهلِ التأويلِ: البِرُّ الجنةُ؛ لأن بِرَّ الرَّبِّ بعبدِه في الآخرةِ إكرامُه

(1)

إيَّاه بإدخالِه الجنةَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، في قولِه:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} . قال: الجنةُ

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ في قولِه:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} . قال: البِرُّ الجنةُ.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} : أما البِرُّ فالجنةُ

(3)

.

فتأويلُ الكلامِ: لن تَنالوا أيُّها المؤمنون جنةَ ربِّكم {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . يقولُ: حتى تَتَصَدَّقوا مما تُحِبُّون [وتَهْوَون]

(4)

أن يكونَ لكم من نَفيسِ أموالِكم.

كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لَنْ تَنَالُوا

(1)

في م: "وإكرامه".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 424 عن شريك به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 703 عقب الأثر (3809) من طريق عمرو، عن أسباط به.

(4)

في ص، ت 1، ت 2:"فتهوون".

ص: 573

الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}. يقولُ: لن تَنالوا [بِرَّ رَبِّكم]

(1)

حتى تُنْفِقوا مما يُعْجِبُكم، ومما تَهْوَوْن من أموالِكم

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عَبَّادٍ، عن الحسنِ قولَه:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . قال: من المالِ.

وأما قولُه: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} . فإنه يعنى به: ومهما تُنْفِقوا من شيءٍ فتَتَصَدَّقوا به من أموالِكم، فإن الله تعالى ذكرُه بما يَتَصَدَّقُ به المُتَصَدِّقُ منكم، فيُنْفِقُه مما يُحِبُّ من مالِه في سبيلِ اللهِ، وغيرِ ذلك {عَلِيمٌ}. يقولُ: هو ذو علمٍ بذلك كلِّه، لا يَعْزُبُ عنه شيءٌ منه، حتى يُجازِىَ صاحبَه عليه جزاءَه في الآخرةِ.

كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} . يقولُ: محفوظٌ لكم ذلك، اللهُ به عليمٌ، شاكرٌ له

(3)

.

وبنحوِ التأويل الذي قلنا تأوَّل هذه الآيةَ جماعةٌ من الصحابةِ والتابعين.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . قال: كتب عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبي موسى الأشعريِّ أن يَبْتاعَ له جاريةً من

(1)

في ص: "بربكم"، وفي ت 2:"بيركم"، وفي ت 1، س:"بركم".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 51 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 704 (3815) من طريق شيبان، عن قتادة.

ص: 574

جَلُولاءَ

(1)

يومَ فُتِحَت مدائنٌ كسرى في قتالِ سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ، فدَعا بها عمرُ بنُ الخطابِ، فقال: إن الله يقولُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . فَأَعْتَقَها عمرُ. وهى مِثْلُ قولِ اللهِ عز وجل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان 8]. {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

(2)

[الحشر: 9].

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه سواءً.

حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حُمَيدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . أو هذه الآيةُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245/ الحديد: 11]. قال أبو طلحة: يا رسولَ اللهِ، حائِطى الذي بكذا وكذا صدقةً، ولو استطعتُ أن أجعَلَه سِرًّا لم أجعَلْه علانيةً، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"اجْعَلْها في فُقراءِ أهلِكَ"

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ بن مالكٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . قال أبو طلحةَ: يا رسولَ اللهِ، إن الله يسألُنا من أموالِنا، اشْهَدْ أَنِّي قد

(1)

أي من سبى جلولاء. وجلولاء اسم للوقعة التي كانت بين المسلمين والفرس في صفر من سنة ست عشرة، وفيها انتصر المسلمون بعد قتال لم يسمع بمثله، وقتل من الفرس يومئذ مائة ألف، حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء. ينظر تاريخ المصنف 4/ 24 - 34، والبداية والنهاية 10/ 20 - 24.

(2)

تفسير مجاهد ص 255، 256، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 50 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه أحمد 19/ 191، 20/ 179، 21/ 295 (12144، 12781، 13767)، وعبد بن حميد (1413)، والترمذى (2997)، وأبو يعلى (3865)، وابن خزيمة (2458، 2459)، والطحاوى، 3/ 289، 4/ 386، والدارقطني 4/ 191 من طريق حميد به.

ص: 575

جعَلتُ أرضِى بأَرْيَحَا

(1)

للهِ. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اجعَلها في قَرابتِك". فَجَعَلها بينَ حسانَ بن ثابتٍ وأبيِّ بن كعبٍ

(2)

.

حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا ليثٌ، عن ميمونِ بن مِهْرَانَ، أن رجلًا سأل أبا ذرٍّ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: الصلاةُ عمادُ الإسلامِ، والجهادُ سَنامُ العملِ، والصدقةُ شيءٌ عَجَبٌ

(3)

. فقال: يا أبا ذرٍّ، لقد ترَكتَ شيئًا هو أوثَقُ عملى في نفسى لا أراك ذكَرْتَه. قال: ما هو؟ قال: الصيامُ. فقال: قُرْبةٌ، وليس هنا

(4)

. وتلا هذه الآيةَ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَنى داودُ بنُ عبدِ الرحمنِ المكيُّ، عن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبى حسينٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . جاء زيْدٌ بفرسٍ له، يقالُ لها: سَبْلٌ

(6)

. إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: تَصَدَّق بهذه يا رسولَ اللهِ. فأعطاها

(1)

كذا في النسخ، وسنن أبى داود. ويقال أيضًا: بيرحاء. بالمد والقصر، بفتح الراء وضمها، مصروف وممنوع. قال الزمخشري: هو بوزن "فَيْعَلى" من البراح، وهى الأرض الظاهرة، وهو اسم مال وموضع بالمدينة. ينظر الفائق 1/ 93، ومشارق الأنوار 1/ 115، 116، والنهاية 1/ 114، وعون المعبود 2/ 58.

(2)

أخرجه أحمد 21/ 431 (14036)، ومسلم 43/ (998)، وأبو داود (1689)، والنسائي (3604)، وابن خزيمة (2460)، وابن حبان (7183)، والدارقطني 4/ 191، والبيهقى 6/ 165، 285، وفي الشعب (3423)، وابن عبد البر في التمهيد 1/ 216 من طريق حماد بن سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 50 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(3)

في م: "عجيب".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 3:"هناك". والمثبت موافق لما في الدر المنثور.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 50 إلى المصنف.

(6)

في م: "سيل". والمثبت موافق لما في كتاب الخيل لأبي عبيدة ص 179. وينظر تاج العروس (س ب ل).

ص: 576

رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ابنه أسامةَ بن زيدِ بن حارثةَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنما أردتُ أن أَتصَدَّقَ به. فقال رسولُ اللهِ:"قد قُبِلَت صَدَقَتُك"

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ وغيرِه أنها حينَ نزَلَت:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} . جاء زيدُ بنُ حارثةَ بفرسٍ له كان يُحِبُّها، فقال: يا رسولَ اللهِ، هذه في سبيلِ اللهِ. فحَمَل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليها أسامةَ بنَ زيدٍ، فكأنَّ زيدًا وَجَد في نفسِه، فلما رأى ذلك منه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، قال:"أمَا إِنَّ الله قَدْ قَبلها"

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه أنه لم يَكُنْ حرَّم على بني إسرائيلَ - وهم ولَدُ يعقوبَ ابن إسحاقَ بن إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ - شيئًا من الأطعمةِ من قبل أن تُنزَّلَ التوراةُ، بل كان ذلك كلُّه لهم حلالًا، إلا ما كان يعقوبُ حرَّمه على نفْسِه، فإِنَّ ولدَه حَرَّموه استنانًا بأبيهم يعقوبَ، من غيرِ تحريمِ اللهِ ذلك عليهم في وَحْيٍ، ولا تنزيلٍ، ولا على لسانِ رسولٍ له إليهم، من قبلِ نزولِ التوراةِ.

ثم اختلف أهلُ التأويلِ في تحريمِ ذلك عليهم: هل نزَل في التوراةِ أم لا؟ فقال بعضُهم: لمَّا أَنْزَل اللهُ عز وجل التوراةَ حرَّم عليهم مِن ذلك ما كانوا يُحرِّمونه قبلَ نزولِها.

(1)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 19/ 367 من طريق ابن وهب به.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 126.

ص: 577

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . قالت اليهودُ: إنما نُحرِّمُ ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، وإنما حرَّم إسرائيلُ العُرُوقَ، كان يأخُذُه عِرْقُ النَّسَا

(1)

، كان يأخُذُه بالليلِ، ويترُكُه بالنهارِ، فحلَف لئنِ اللهُ عافاه منه لا يأكلُ عِرْقًا أبدًا. فحرَّمه اللهُ عليهم. ثم قال:{قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . ما حرَّم هذا عليكم غيرى؛ ببغيِكم، فذلك قولُه:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}

(2)

[النساء: 160].

فتأويلُ الآية على هذا القولِ: كلُّ الطعامِ كان حِلًّا لبنى إسرائيلَ، إلا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبلِ أن تُنزَّلَ التوراةُ، فإن الله حَرَّم عليهم من ذلك ما كان إسرائيلُ حرَّمه على نفسِه في التوراةِ؛ ببغيِهم على أنفسِهم وظلمِهم لها. قل يا محمدُ: فأتوا أيُّها اليهودُ - إن أَنْكَرتم ذلك - بالتوراةِ، فاتْلُوها إن كنتم صادقين أنَّ الله لم يُحرِّمْ ذلك عليكم في التوراةِ، وأنكم إنما تحرِّمونه لتحريمِ

(1)

عرق النسا: وجع يبتدئ من الوَرِك من خَلْف، وينزل إلى الركبة، وربما بلغ الكعب، وكلما طال زمانُه زاد نزولُه، فربما امتدَّ إلى الأصابع بحسب كثرة مادته وقلَّتها، ويَهْزُل معه الرِّجل، والفخِذ، ويصعب الانكباب وتسوية القامة، وربما انخلع بسببه طرَف الفَخِد. ينظر الموجز في الطب لابن النفيس ص 267.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 62 عن المصنف. وينظر تفسير البغوي 2/ 68، وتفسير القرطبي 4/ 134، 135.

والعروق المقصودة هي العروق التي تكون في اللحم، جمع عِرْق وهو الأجوف الذي يكون فيه الدم، والعصب: غير الأجوف. ينظر تفسير البغوي 2/ 68، والنهاية 3/ 219.

ص: 578

إسرائيلَ إيَّاه على نفسِه.

وقال آخرون: ما كان شيءٌ من ذلك عليهم حرامًا، ولا حرَّمه اللهُ عليهم في التوراةِ، وإنما هو شيءٌ حرَّموه على أنفسِهم، اتِّباعًا لأبيهم، ثم أَضافوا تحريمَه إلى اللهِ، فكذَّبهم اللهُ عز وجل في إضافتِهم ذلك إليه، فقال اللهُ عز وجل لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمدُ: إن كنتم صادقين، فأْتُوا بالتوراةِ فاتْلُوها حتى ننظُرَ هل ذلك فيها أم لا؟ فيتبيَّنَ

(1)

كَذِبُهم لمن يَجْهَلُ أمرَهم.

‌ذكرُ من قال ذلك

حُدِّثت عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} : إسرائيلُ هو يعقوبُ، أخَذه عِرْقُ النَّسَا، فكان لا يَبِيتُ

(2)

الليلَ مِن وجَعِه، وكان لا يُؤْذِيه بالنهارِ، فحلَف لئن شَفاه اللهُ لا يأكُلُ عِرْقًا أبدًا. وذلك قبلَ نزولِ التوراةِ على موسى، فسأل نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم اليهودَ: ما هذا الذي حرَّم إسرائيلُ على نفسِه؟ فقالوا: نَزَلَتِ التوراةُ بتحريمِ الذي حرَّم إسرائيلٌ. فقال اللهُ لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} إلى قولِه: {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . وكذبوا وافْتَرَوْا؛ لم تُنزَّلِ التوراةُ بذلك

(3)

.

وتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: كلُّ الطعامِ كان حِلًّا لبني إسرائيل من قبلِ أن

(1)

في م، ت 1، ت 2، س:"ليتبين".

(2)

في ص، م:"يثبت".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 706، 707 (3825) من طريق أبي معاذ به مقتصرًا على آخره.

ص: 579

تُنزَّل التوراةُ وبعدَ نزولِها، إلا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبلِ أن تُنَزَّلَ التوراةُ. بمعنى: لكنَّ إسرائيلَ حرَّم على نفسِه من قبلِ أن تُنَزَّلَ التوراةُ بعضَ ذلك. وكأنَّ الضحَّاكَ وَجَّه قولَه: {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} . إلى الاستثناءِ الذي يُسمِّيه النحْويون الاستثناءَ المنقطعَ.

وقال آخرون: تأويلُ ذلك: كلُّ الطعامِ كان حِلًّا لبنى إسرائيلَ إلا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبل أن تنزَّلَ التوراةُ، فإنَّ ذلك حرامٌ على ولدِه، بتحريمِ إسرائيلَ إيَّاه على ولدِه، من غيرِ أن يكونَ اللهُ حرَّمه على إسرائيلَ ولا على ولدِه.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} : فإنه حرَّم على نفسِه العروقَ، وذلك أنه كان يشْتَكى عِرقَ النَّسَا، فكان لا ينامُ الليلَ، فقال: واللهِ لئن عافاني اللهُ منه لا يأكُلُه لى ولدٌ، وليس مكتوبًا في التوراةِ. وسأَل محمدٌ صلى الله عليه وسلم نفرًا من أهلِ الكتابِ، فقال:"ما شأنُ هذا حرامًا"؟ فقالوا: هو حرامٌ علينا من قبلِ الكتابِ. فقال اللهُ عز وجل: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} إلى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: أخَذه - يعني إسرائيلَ - عِرْقُ النَّسَا، فكان لا يَبِيتُ

(2)

بالليلِ مِن شدةِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 706 (3722) عن محمد بن سعد به، من قوله: سأل محمد صلى الله عليه وسلم.

(2)

في م، ت 2:"يثبت".

ص: 580

الوجعِ، وكان لا يُؤْذيه بالنهارِ، فحلَف لكن شفاه اللهُ لا يأكلُ عرقًا أبدًا. وذلك قبلَ أن تُنزَّلَ التوراةُ، فقال اليهودُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: نَزَلَتِ التوراةُ بتحريمِ الذي حرَّم إسرائيلُ على نفسِه. قال اللهُ لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . وكذَبوا، ليس في التوراةِ

(1)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ

(2)

: قولُ من قال: معنى ذلك: كلُّ الطعامِ كان حِلًّا لبنى إسرائيلَ مِن قبلِ أن تنزَّلَ التوراةُ، إِلَّا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، من غيرِ تحريمِ اللهِ ذلك عليه، فإنه كان حرامًا عليهم بتحريمِ أبيهم إسرائيلَ ذلك عليهم، من غيرِ أن يُحَرِّمَه اللهُ عليهم في تنزيلٍ، ولا بوحيٍ قبلَ التوراةِ، حتى نَزَلَتِ التوراةُ، فحرَّم اللهُ عليهم فيها ما شاء، وأحلَّ لهم فيها ما أَحبَّ. وهذا قولٌ قالتْه جماعةٌ من أهلِ التأويلِ، وهو معنى قولِ ابن عباسٍ الذي ذكَرْناه قبلُ.

‌ذكرُ بعض مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} : وإسرائيلُ هو يعقوبُ، {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. يقولُ: كلُّ الطعامِ كان حِلًّا لبنى إسرائيلَ مِن قبل أن تُنزَّلَ التوراةُ، إلا ما حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، فلمّا أَنْزَل اللهُ التوراةَ حرَّم عليهم فيها [ما شاء]

(3)

، وأحلَّ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 706 (3823) من طريق ابن جريج عن ابن عباس ببعضه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 52 إلى ابن المنذر، مطولًا.

(2)

بعده في ص، ت 1، س:"أن".

(3)

في ص، ت 1، س:"أشياء".

ص: 581

لهم ما شاء

(1)

.

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ بنحوِه.

واخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذي كان إسرائيلُ حرَّمه على نفسِه؛ فقال بعضُهم: كان الذي حرَّمه إسرائيلُ على نفسِه العُرُوقَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن يوسفَ بن ماهَكَ، قال: جاء أعرابيٌّ إلى ابن عباسٍ، فقال: إنه جعَل امرأتَه عليه حرامًا. قال: ليست عليك بحرامٍ. قال: فقال الأعرابيُّ: ولمَ؟ واللهُ يقولُ في كتابِه: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} . قال: فضَحِك ابن عباسٍ وقال: وما يُدْريك ما كان إسرائيلُ حرَّم على نفسِه؟ قال: ثم أَقْبَل على القومِ يُحدِّثُهم، فقال: إسرائيلُ عَرَضتُ له الأَنْساءُ

(2)

فَأَضْنَتْه، فجعَل للهِ عليه، إن شفاه اللهُ منها لا يَطْعَمُ عِرقًا. قال: فلذلك اليهودُ تَنْزِعُ العروقَ من اللحمِ

(3)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، قال: سمِعتُ يوسفَ بنَ ما هَكَ، يُحدِّثُ أن أعرابيًّا أتَى ابنَ عباسٍ، فذكَر رجلًا حرَّم امرأتَه، فقال: إنها ليست بحرامٍ. فقال الأعرابيُّ: أرأيتَ قولَ اللهِ عز وجل: {كُلُّ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 706 (3821) من طريق شيبان عن قتادة دون أوله.

(2)

الأنساء: جمع نَسَا. وتقدم تعريف عرق النسا في ص 578.

(3)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (508 - تفسير) من طريق أبي بشر به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 51 إلى عبد بن حميد.

ص: 582

الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ}. فقال: إن إسرائيلَ كان به عِرقُ النَّسَا، فحلَف لئن عافاه اللهُ ألا يأكُلَ العروقَ من اللحمِ. وإنها ليست عليك بحرامٍ.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} . قال: إن يعقوبَ أخَذه وجعُ عِرقِ النَّسَا، فجعَل اللهِ عليه، أو

(1)

أَقْسَم، أو قال: لا يَأْكُلُه من الدوابِّ. قال: والعروقُ كلُّها تبع لذلك العرقِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن الذي حرَّم إسرائيلُ على نفسِه، أن الأَنْساءَ أَخَذَتْه ذاتَ ليلةٍ، فَأَسْهَرتْه، فتأَلَّى

(2)

، إن اللهُ شفَاه لا يَطْعَمُ نَسًا أبدًا. فتَتَبَّعَتْ بنوه العروقَ بعدَ ذلك، يُخْرِجونها مِن اللحمِ.

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ بنحوِه. وزاد فيه: قال: فتألَّى؛ لئن شفاه اللهُ لا يَأْكلُ عِرقًا أبدًا. فجعَل بنوه بعدَ ذلك يَتتبَّعون العروقَ فيُخْرِجونها من اللحمِ، وكان الذي حرَّم على نفسِه مِن قبلِ أن تُنزَّلَ التوراةُ، العروقَ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} . قال: اشتكَى إسرائيلُ عِرقَ النَّسَا، فقال: إنِ اللهُ شفانى لأُحَرِّمَنَّ العروقَ. فحرَّمها

(3)

.

(1)

في ت 1، ت 2، س:"أن".

(2)

أي: حلف.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 126.

ص: 583

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا سفيانُ الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباس، قال: كان إسرائيل أخَذه عِرقُ النَّسَا، فكان يَبِيتُ له زُقاءٌ، فجعَل اللهِ عليه إن شفاه ألَّا يَأكُلَ العروقَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} . قال سفيانُ: له زُقاءٌ، يعني: صياحٌ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه:{إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} . قال: كان يشتكى عِرقَ النَّسَا، فحرَّم العروقَ

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} . قال: كان إسرائيلُ يَأْخُذُه عِرقُ النَّسَا، فكان يَبيتُ وله زُقاءٌ، فحرَّم على نفسِه أن يأكُلَ عِرقًا.

وقال آخرون: بل الذي كان إسرائيلُ حرَّم على نفسِه لحومُ الإبلِ وألبانُها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثيرٍ، قال: سمِعنا أنه اشتكى شكوى، فقالوا: إنه عرقُ النَّسَا. فقال:

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 126.

(2)

تفسير مجاهد ص 256.

ص: 584

ربِّ، إنَّ أحبَّ الطعامِ إليَّ لحومُ الإبلِ وألبانُها، فإن شَفَيْتَنى فإنى أُحرِّمُها عليَّ

(1)

. قال ابن جُريجٍ: وقال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: لحومُ الإبلِ وألبانُها حرَّم إسرائيلُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولهِ:{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} . قال: كان إسرائيلُ حرَّم على نفسِه لحومَ الإبلِ، وكانوا يزعُمون أنهم يجِدون في التوراةِ تحريمَ إسرائيلَ على نفسِه لحومَ الإبلِ، وإنما كان حرَّم إسرائيلُ على نفسِه لحومَ الإبلِ قبل أن تُنزَّلَ التوراةُ، فقال اللهُ:{قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . فقال: لا تجدون في التوراةِ تحريمَ إسرائيلَ على نفسِه، أي

(3)

لحمَ الإبلِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، قال: ثنا سعيدٌ. عن ابن عباسٍ، أن إسرائيلَ أَخَذه عِرقُ النَّسَا، فكان يَبِيتُ بالليلِ له زُقاءٌ. يعني: صياحٌ. قال: فجعَل على نفسِه لئن شَفَاه اللهُ منه لا يَأكُلُه، يعنى لحومَ الإبلِ. قال: فحرَّمه اليهودُ. وتلا هذه الآيةَ: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . أَي: إِنَّ هذا قبلَ التوراةِ

(4)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن حَبيبٍ، عن

(1)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 3/ 3 عن عبد الله بن كثير.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 52 إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء.

(3)

في النسخ: "إلا". وهو ما لا يستقيم مع السياق المذكور في بقية الأثر قبل هذه اللفظة، والمثبت ما يستقيم به السياق. وهو صنيع الشيخ شاكر رحمه الله.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 705 (3818)، والحاكم 2/ 292، والبيهقي 10/ 8 من طريق يحيى بن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 51 إلى عبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.

ص: 585

سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في:{إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} . قال: حرَّم العروقَ ولحومَ الإبلِ. قال: كان به عِرقُ النَّسَا، فأكَل مِن لحومِها، فبات بليلةٍ يَزْقو، فحلَف ألَّا يأكُلَه أبدًا

(1)

.

حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} . قال: حرَّم لحومَ

(2)

الأنعامِ

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ ابن عباسٍ الذي رواه الأعمشُ، عن حبيبٍ، عن سعيدٍ عنه، أن ذلك العروقُ ولحومُ الإبلِ؛ لأن اليهودَ مُجمِعةٌ إلى اليومِ على ذلك من تحريمِهما، كما كان عليه من ذلك أوائلُها.

وقد روى عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بنحوِ ذلك خبرٌ، وهو ما حدَّثنا به أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن عبد الحميدِ بن بَهْرامَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ، أن عِصابةً من اليهودِ حَضَرتْ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسمِ، أخبرْنا أيَّ الطعامِ حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبلِ أن تُنزَّلَ التوراةُ؟ فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أَنْشُدُكم بالذي أَنْزَل التوراةَ على موسى، هل تَعْلَمون أن إسرائيلَ يعقوبَ مَرِض مرضًا شديدًا، فطال سُقْمُه منه، فنَذَر للهِ نَذْرًا؛ لئن عافاه اللهُ من سُقْمِه، لَيُحَرِّمَنَّ أَحبَّ الطعامِ والشرابِ إليه، وكان أحبَّ الطعام إليهِ لُحْمانُ الإبلِ، وأحبَّ الشرابِ إليه ألبانُها"؟ فقالوا: اللَّهمَّ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 705 (3818) من طريق الأعمش.

(2)

في ص: "لحم".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 705 (3820) من طريق وكيع به.

ص: 586

نعم

(1)

.

وأمَّا قولُه: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . فإن معناه: قل يا محمدُ للزاعمين من اليهودِ أن الله حرَّم عليهم في التوراةِ العروقَ ولحومَ الإبلِ وألبانَها {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا} . يقولُ: قل لهم: جِيئوا بالتوراةِ فاتْلُوها، حتى يتبيَّنَ لمن خفِى عليه كَذِبُهم، وقيلُهم الباطلَ على اللهِ من أمرِهم، أن ذلك ليس مما أَنْزَلتُه في التوراةِ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. يقولُ: إن كنتم محقِّين في دَعْواكم أن الله أَنْزَل تحريمَ ذلك في التوراة، فَأْتُونا بها، فاتْلُوا تحريمَ ذلك علينا منها.

وإنما ذلك خبرٌ من اللهِ عن كَذِبِهم؛ لأنهم لا يَجيئون بذلك أبدًا على صحَّتِه، فأَعْلَمَ اللهُ بكذِبهم عليه نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وجعل إعلامه إيَّاه ذلك حجَّةً له عليهم؛ لأن ذلك إذ كان يَخْفى على كثيرٍ من أهلِ ملَّتِهم، فمحمدٌ صلى الله عليه وسلم وهو أُميٌّ من غير ملَّتِهم، لولا أن الله أَعْلَمَه ذلك بوحيٍ من عندِه - كان أَحْرَى أَلا يَعْلَمَه، فكان في ذلك له صلى الله عليه وسلم من أعظمِ الحجَّةِ عليهم بأنه نبيٌّ للهِ إليهم؛ لأن ذلك من أخبارِ أوائلِهم، كان من خَفِيِّ علومِهم الذي لا يعلَمُه غيرُ خاصَّةٍ منهم، إِلَّا من أَعْلَمَه الذي لا يَخْفَى عليه خافيةٌ؛ مِن نبيٍّ أو رسولٍ، أو مَن أَطْلَعه اللهُ على علمِه ممَّن شَاء مِن خَلْقِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 705،704 (3816)، والطبراني في الكبير (13012) من طريق عبد الحميد بن بهرام به.

ص: 587

يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: فمَن كذب على اللهِ منَّا ومنكم، مِن بعدِ مجيئِكم بالتوراةِ، وتلاوتِكم إيَّاها، وعَدَمِكم ما ادَّعَيْتُم من تحريمِ اللهِ العروقَ ولحومَ الإبلِ وألبانَها فيها، {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} يعنى: فمن فعَل ذلك منهم {فَأُولَئِكَ} . يعنى: فهؤلاء الذين يَفعلون ذلك {هُمُ الظَّالِمُونَ} . يعنى: فهم الكافرون القائلون على اللهِ الباطلَ.

كما حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن زكريا، عن الشعْبيِّ:{فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . قال: نَزَلَتْ في اليهودِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قل يا محمدُ: صدَق اللهُ فيما أَخْبَرنا به من قولِه: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} . وأن الله لم يُحرِّمْ على إسرائيلَ ولا على ولدِه العروقَ ولا لحومَ الإبلِ، وألبانَها وأن ذلك إنما كان شيئًا حرَّمه إسرائيلُ على نفسِه وولدِه بغيرِ تحريمِ اللهِ إيَّاه عليهم في التوراةِ، وفي كلِّ ما أَخْبَر به عبادَه من خبرٍ، دونَكم أنتم يا معشرَ اليهودِ الكَذَبةِ في إضافتِكم تحريمَ ذلك إلى اللهِ عليكم في التوراةِ، المفتريةِ على اللهِ الباطلَ في دعْوَاكم عليه غيرَ الحقَّ. {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}. يقولُ: فإن كنتم أيُّها اليهودُ محقِّين في دعْوَاكم أنكم على الدينِ الذي ارْتَضاه اللهُ لأنبيائِه ورسلِه، فاتبعُوا ملةَ إبراهيمَ خليلِ اللهِ، فإنكم تعلَمون أنه الحقُّ الذي ارْتَضاه اللهُ من خلقِه دينًا، وابْتَعَث به أنبياءَه، وذلك الحنيفيَّةُ، يعني: الاستقامةَ على الإسلامِ وشرائعِه، دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ والمُشْرِكةِ.

ص: 588

وقولُه: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يقولُ: لم يكنْ يُشْرِكُ في عبادتِه أحدًا من خلقِه، فكذلك أنتم أيضًا أيها اليهودُ، فلا يتَّخِذْ بعضُكم بعضًا أربابًا من دونِ اللهِ، تُطيعونهم كطاعةِ إبراهيمَ ربَّه. وأنتم يا معشرَ عَبَدةِ الأوثانِ، فلا تتَّخذوا الأوثانَ والأصنامَ أربابًا، ولا تعبُدوا شيئًا من دونِ اللهِ؛ فإن إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ كان دينُه إخلاصَ العبادةِ لربِّه وحدَه، من غيرِ إشراكِ أحدٍ معه فيه، فكذلك أنتم أيضًا، فأَخْلِصوا له العبادةَ، ولا تشرِكوا معه في العبادةِ أحدًا، فإن جميعَكم مُقرُّون بأن إبراهيمَ كان على حقٍّ وهَدْيٍ مستقيمٍ، فاتَّبِعوا ما قد أَجْمَع جميعُكم على تَصْويبِه من ملَّتِه الحنيفيَّةِ، ودَعُوا ما اخْتَلَفتم فيه من سائرِ الملل غيرِها، أيها الأحزابُ، فإنها بِدَعٌ ابْتَدَعْتُموها، إلى ما قد أَجْمَعتم عليه أنه حقٌّ، فإن الذي أَجْمَعتم عليه أنه صوابٌ وحقٌّ من ملةِ إبراهيمَ، هو الحقُّ الذي ارْتَضَيْتُه، وابْتَعثتُ به أنبيائِى ورسلي، وسائرُ ذلك هو الباطلُ الذي لا أقبَلُه من أحدٍ مِن خَلْقى جاءني به يومَ القيامةِ.

وإنما قال جلَّ ثناؤُه: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . يعنى به: وما كان من عَدَدِهم وأوليائِهم. وذلك أن المشركين بعضُهم من بعضٍ في التَّظاهُرِ على كفرِهم، ونُصْرةِ بعضِهم بعضًا، فبرَّأ اللهُ إبراهيمَ خليلَه أن يكونَ منهم، أو من

(1)

نُصرائِهم وأهلِ ولايتِهم. وإنما عنَى جلَّ ثناؤُه بالمشركين: اليهودَ والنصارى وسائرَ الأديانِ غيرِ الحنيفيَّةِ. قال: لم يكنْ إبراهيمُ من أهلِ هذه الأديانِ المشركةِ، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)} .

(1)

زيادة يقتضيها السياق.

ص: 589

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: إن أولَ بيتٍ وُضِع للناسِ يُعْبَدُ اللهُ فيه مُبارَكًا وهدًى للعالمين الذي ببكَّةَ. قالوا: وليس هو أولَ بيتٍ وُضِع في الأرضِ؛ لأنه قد كانت قبلَه بيوتٌ كثيرةٌ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بن عُرْعُرةَ، قال: قام رجلٌ إلى عليٍّ، فقال: ألا تُخْبرُني عن البيتِ، أهو أولُ بيتٍ وُضِع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنَّه أول بيتٍ وُضِع فيه

(1)

البركةُ، مَقامُ إبراهيمَ، ومَن دخَلَه كان آمنًا

(2)

.

حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عُرْعُرةَ، قال: سمِعتُ عليًّا وقيل له: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} : هو أولُ بيتٍ كان في الأرضِ؟ قال: لا. قال: فأين كان قومُ نوحٍ، وأين كان قومُ هُودٍ؟ قال: ولكنه أولُ بيتٍ وُضِع للناسِ مباركًا وهُدًى

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةً، عن أبي رَجاءٍ، قال: سأَل حفصٌ الحسنَ وأنا أسمَعُ، عن قولِه:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} . قال: هو أولُ مسجدٍ عُبِد اللهُ فيه في الأرضِ.

حدَّثنا عبدُ الجبَّارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ، عن ابن شَوْذَبٍ، عَن مَطَرٍ

(1)

في النسخ: "في". والمثبت مما تقدم في 2/ 561.

(2)

تقدم تخريجه في 2/ 562، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 710 (3839) من طريق سماك به.

ص: 590

في قولِه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} . قال: قد كانت قبلَه بيوتٌ، ولكنه أولُ بيتٍ وُضِع للعبادةِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنفيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن الحسنِ قولَه:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} : يُعبَدُ اللهُ فيه {لَلَّذِي بِبَكَّةَ}

(1)

.

حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} قال: وُضِع للعبادةِ.

وقال آخرون: بل هو أولُ بيتٍ وُضِع للناسِ. ثم اخْتَلَف قائلو ذلك في صفةِ وضعِه أولَ؛ فقال بعضُهم: خُلِق قبلَ جميعِ الأَرَضين، ثم دُحِيَتِ الأَرَضون من تحتِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأَسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا شيبانُ، عن الأعمشِ، عن بُكيرِ بن الأَخْنسِ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: خلقَ اللهُ البيتَ قبلَ الأرضِ بألفيْ سنةٍ، وكان - إذ كان عرشُه على الماءِ - زَبْدَةً بيضاءَ، فدُحيت الأرضُ من تحتِه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بن أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: إن أولَ ما خلَق اللهُ الكعبةُ، ثم

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 52 إلى المصنف.

(2)

أخرجه الحاكم 2/ 518، والبيهقي في دلائل النبوة 2/ 44، وفى الشعب (3983) من طريق مجاهد به. نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 52 إلى ابن المنذر والطبراني.

ص: 591

دحَا الأرضَ مِن تحتِها

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} : كقولِه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}

(2)

[آل عمران: 110].

حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} : أَمَّا {أَوَّلَ بَيْتٍ} ، فإنه يومَ كانت الأرضُ ماءً، كان زَبْدَةً على الأرضِ، فلما خلَق اللهُ الأَرضَ خلَق البيتَ معها، فهو أولُ بيتٍ وُضِع في الأرضِ

(3)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} . قال: أولُ بيتٍ وضَعه اللهُ عز وجل فطاف به آدمُ ومَن بعدَه

(4)

.

وقال آخرون: موضعُ الكعبةِ موضعُ أولِ بيتٍ وضَعه اللهُ في الأرضِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن البيتَ هَبَط

(1)

ذكره البغوي في تفسيره بنحوه 2/ 70.

(2)

أخرجه الأزرقى في أخبار مكة 1/ 40 من طريق آخر، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 52 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 707 (3828) من طريق أحمد بن المفضل به نحوه، وعنده: على البحر. بدل: على الأرض.

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 126، 127.

ص: 592

مع آدمَ حينَ هبَط. قال: أُهْبِطُ معك بَيْتى يُطافُ حولَه، كما يطافُ حولَ عرشي. فطاف حولَه آدمُ، ومن كان بعدَه من المؤمنين، حتى إذا

(1)

كان زمنُ الطُّوفانِ - زمنَ أَغْرَق اللهُ قومَ نوحٍ - رفَعه اللهُ وطهَّره من أن يُصِيبَه عقوبةُ أهلِ الأرضِ، فصار معمورًا في السماءِ، ثم إن إبراهيمَ تَتَبَّع منه أثرًا بعد ذلك، فبناه على أساسٍ قديمٍ كان قبلَه

(2)

.

والصوابُ من القولِ في ذلك ما قال جلَّ ثناؤُه فيه: إن أولَ بيتٍ مباركٍ وهُدًى وُضع للناسِ للَّذى ببكَّةَ. ومعنى ذلك: إن أولَ بيتٍ وُضِع للناسِ؛ أي لعبادةِ اللهِ فيه، {مُبَارَكًا وَهُدًى} ، يعنى بذلك: ومآبًا لنُسُكِ الناسِكين، وطَوافِ الطائِفين. تعظيمًا للهِ، وإجلالًا له، للَّذى ببكَّةَ؛ لصحَّةِ الخبر بذلك عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

وذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبَةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ مسجدٍ وُضِع أوَّلَ؟ قال:"المسجدُ الحرامُ". قال: ثم أيٌّ؟ قال: "المسجدُ الأقْصَى". قال: كم بينَهما؟ قال: "أربعون سنةً"

(3)

.

فقد بيَّن هذا الخبرُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن المسجدَ الحرامَ هو أولُ مسجدٍ وضَعه اللهُ في الأرضِ، على ما قلنا. فأمَّا في مَوْضِعِه

(4)

بيتًا بغيرِ معنى بيتٍ للعبادةِ والهُدى والبركةِ، ففيه من الاختلافِ ما قد ذكرتُ بعضه في هذا الموضعِ، وبعضَه في سورةِ

(1)

في م: "إذ".

(2)

أخرجه الأزرقى في أخبار مكة 1/ 12 من طريق معمر، عن قتادة بنحوه مختصرًا.

(3)

أخرجه ابن حبان (1598) من طريق ابن أبي عدى به، وأخرجه الطيالسي (464)، وأحمد 5/ 160، 166، 167 (الميمنية)، وأبو عوانة 1/ 392 من طريق شعبة به.

(4)

في م، ت 2:"وضعه". والمثبت هو لفظ المصنف الذي ذكره في 2/ 552.

ص: 593

"البقرةِ"

(1)

وغيرِها مِن سُورِ القرآنِ، وبيَّنتُ الصوابَ من القولِ عندَنا في ذلك، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.

وأما قولُه: {لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} . فإنه يعنى: لَلْبيتُ الذي بمُزْدَحَمِ الناسِ؛ لطوافِهم في حَجِّهم وعُمَرِهم.

وأصلُ البَكِّ الزَّحْمُ. يقالُ منه: بكَّ فلانٌ فلانًا. إذا زحَمه [وصدَمه]

(2)

. فهو يَبُكُّه بَكًّا. وهم يَتَباكُّون فيه. يَعْنى به: يَتَزاحَمون ويَتَصادَمون فيه. فكأَنَّ "بكَّةَ" فَعْلَةٌ، مِن: بكَّ فلانٌ فلانًا: زَحَمه

(3)

. سُمِّيت البقعةُ بفعلِ المُزْدَحِمِين بها.

فإذ كانت بكَّةُ ما وَصَفْنا، وكان موضعَ ازْدِحامِ الناسِ حولَ البيتِ، وكان لا طَوافَ يجوزُ خارجَ المسجدِ، كان معلومًا بذلك أَنْ يكونَ ما حولَ الكعبةِ مِن داخلِ المسجدِ، وأنَّ ما كان خارجَ المسجدِ فـ "مكةُ" لا لا "بكةُ"؛ لأنه لا معنى خارجَه يُوجبُ على الناسِ التَّباكَّ فيه. وإذ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا بذلك فسادُ قولِ مَن قال: بكةُ اسمٌ لبطنِ مكةَ. ومكةُ اسمٌ للحَرَمِ

(4)

.

(1)

ينظر ما تقدم في 2/ 549 - 556.

(2)

في ص، س:"صدمةً أو زحمةً".

(3)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"من زحمة".

(4)

بعده في ص: "يتلوه ذكر من قال في ذلك ما قلنا، من أن بكة موضع مزدحم الناس للطواف. والحمد لله على عونه وإحسانه - وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليما. بسم الله الرحمن الرحيم. رب يسر. أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان البغدادى قال: حدثنا محمد بن جرير". وبعده في ت 1، س:"أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان البغدادي، قال: حدثنا محمد بن جرير رحمه الله".

ص: 594

‌ذكرُ مَن قال في ذلك ما قلنا؛ مِن أن بكَّةَ موضعُ مُزْدَحَمِ النَّاسِ للطوافِ

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ الغِفَاريِّ في قولِه:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} . قال: بكَّةُ موضعُ البيتِ، ومكةُ ما سوى ذلك

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ مثلَه

(2)

.

حدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: مرَّتِ امرأةٌ بينَ يَدْى رجلٍ وهو يصلِّى وهى تطوفُ بالبيتِ، فدَفَعها. قال أبو جعفرٍ: إنها بكَّةُ، يَبُكُّ بعضُها بعضًا

(3)

.

حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن مجاهدٍ، قال: إنما سُمِّيت بكَّةَ لأن الناسَ يَتَباكُّون فيها؛ الرجالُ والنساءُ

(4)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن سعيدٍ، قال: قلتُ: لأيِّ شيءٍ سمِّيت بكَّةَ؟ قال: لأنهم يَتَباكُّون فيها. قال: يعنى:

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 290 (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 709 (3836)، من طريق حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 53 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (509 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 709 (3838) من طريق مغيرة به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 708 (3832) من طريق عمرو به، وفيه: بعضهم بعضا.

(4)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (514 - تفسير)، والبيهقى في الشعب (4016) من طريق شعبة به بلفظ آخر، وأخرجه ابن أبي شيبة ص 290، 291 (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق الحكم عن مجاهد.

ص: 595

يَزْدَحِمون

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأسودِ بن قيسٍ، عن أخيه، عن ابن الزُّبيرِ، قال: إنما سُمِّيت بكَّة لأنهم يَأْتونها حُجَّاجًا

(2)

.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} : فإن الله بكَّ به الناسَ جميعًا، فيصلِّى النساءُ قُدَّامَ الرجالِ، ولا يَصْلُحُ ببلدٍ غيرِه

(3)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ:"بكَّةُ"؛ بكَّ الناسُ بعضُهم بعضًا، الرجالُ والنساءُ يصلِّى بعضُهم بينَ يَدَىْ بعضٍ، لا يَصْلُحُ ذلك إلا بمكةَ

(4)

.

حدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن فُضيلٍ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، قال: بكَّةُ به موضعُ البيتِ، ومكَّةُ ما حولَها

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ أَزْهَرَ، عن غالبِ بن عُبيدِ اللهِ، أنه سأَل ابن شهابٍ عن بكَّةَ، قال: بكَةُ البيتُ والمسجدُ. وسأَله

(1)

في م: "يتزاحمون".

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة ص 290 (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به، وأخرجه سعيد بن منصور (511 - تفسير) من طريق سفيان به، دون آخره.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 290 (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 708 (3830) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 53 إلى ابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 709 (3833)، والبيهقى في الشعب (4015) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 53 إلى عبد بن حميد.

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 126، 127.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 291 (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.

ص: 596

عن مكَّةَ، فقال ابن شِهابٍ: مكَّةُ الحرمُ كلَّه

(1)

.

حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ، قالا: بكَّةُ بكَّ فيها الرجالُ والنساءُ

(2)

حدَّثني عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: قال ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ: بكَّةُ المسجدُ، ومكَّةُ البيوتُ

(3)

.

وقال بعضُهم بما حدَّثني به يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} . قال: هي مكَّةُ

(4)

.

وقيل: {مُبَارَكًا} ؛ لأن الطوافَ به مغفرةٌ للذنوب.

فأما نصبُ قولِه: مُبَارَكًا. فإنه على الخروجِ

(5)

من قولِه: {وُضِعَ} ؛ لأن في {وُضِعَ} ذِكْرًا مِن "البيتِ" هو به مشغولٌ، وهو معرفةٌ، و "مبارك" نكرةٌ لا يَصْلُحُ أَن يَتْبَعَه في الإعرابِ

(6)

.

وأَمَّا على قولِ مَن قال: هو أَوَّلُ بيتٍ وُضِع للناسِ - على ما ذَكَرْنا في ذلك قولَ مَن ذكَرْنا قوله - فإنه نَصْبٌ على الحال من قولِه: {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} ؛ لأن معنى الكلامِ على قولِهم: إن أوَّلَ بيتٍ وُضِع للناس البيتُ

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 53 إلى المصنف.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 535 عقب الأثر (3833) عن مجاهد معلقا.

(3)

ذكره الطوسى في التبيان 2/ 535.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 53 إلى المصنف.

(5)

الخروج: النصب على الحال. مصطلحات النحو الكوفي ص 59.

(6)

ينظر ما تقدم في ص 572.

ص: 597

الذي

(1)

ببكَّةَ مباركًا. فـ "البيت" عندَهم من صفتِه

(2)

"الذي ببكَّةَ"، و "الذي" بصِلَتِه معرفةٌ، و"المباركُ" نكرةٌ، فنُصِب على القطعِ منه في قولِ بعضُهم، وعلى الحالِ في قولِ بعضِهم، {وَهُدًى} في موضعِ نصبٍ على العطفِ على قولِه:{مُبَارَكًا} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ}

اخْتَلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه قرأةُ الأمصارِ: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} على جِماعِ "آيةٍ"، بمعنى: فيه علاماتٌ بيِّناتٌ.

وقرأ ذلك ابن عباسٍ: (فِيهِ آيَةٌ بيِّنةٌ). يعنى بها: مقام إبراهيمَ. يُراد بها علامةٌ واحدةٌ

(3)

.

ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} . وما تلك الآياتُ؟ فقال بعضُهم: مَقامُ إبراهيمَ والمَشْعرُ

(4)

، ونحوُ ذلك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} : مَقامُ إبراهيمَ والمَشْعرُ

(5)

حدَّثنا الحسنُ

(6)

بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ ومجاهدٍ:{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} قالا: مقامُ إبراهيمَ من الآياتِ

(1)

زيادة لابد منها ليستقيم السياق.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، س:"صفة".

(3)

ينظر تفسير ابن أبي حاتم 3/ 710 (3844)، والتبيان 2/ 537.

(4)

بعده في م، ت 2:"الحرام".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 710 (3844) عن محمد بن سعد به.

(6)

في النسخ: "إسحاق". وهو خطأ، وتقدم مرارًا.

ص: 598

البيِّناتِ

(1)

.

وقال آخرون: الآياتُ البيِّناتُ مقامُ إبراهيمَ، {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} .

‌ذكر من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه:{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} . قال: مَقامُ إبراهيمَ، {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}

(2)

.

وقال آخرون: الآياتُ البيِّناتُ هو مقامُ إبراهيمَ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه:{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} : أما "الآياتُ البيناتُ" فمقامُ إبراهيمَ.

وأما الذين قرَءوا ذلك: (فيه آيةٌ بينةٌ)

(3)

على التوحيدِ، فإنهم عَنَوا بالآيةِ البيِّنةِ مقامَ إبراهيمَ.

‌ذكر من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 127.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 54 إلى عبد بن حميد.

وقال الزمخشري: ويجوز أن تذكر فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله؛ لأن الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة، ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما. الكشاف 1/ 447.

(3)

وهى قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة.

ص: 599

أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} . قال: قدَماه في المقامِ آيةٌ بيِّنةٌ. يقولُ: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} . قال: هذا شيءٌ آخرُ

(1)

.

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:(فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ مَقامُ إِبْرَاهِيمَ) قال: أثرُ قدميْه في المقامِ آيةٌ بيِّنةٌ.

وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الآياتُ البَيِّنَاتُ منهن مقامُ إبراهيمَ. وهو قولُ قتادةَ ومجاهدٍ، الذي رَواه معمرٌ عنهما، فيكونُ الكلامُ مرادًا فيه

(2)

"منهن"، فترك ذِكْرَه اكتفاء بدَلالة الكلامِ عليها.

فإن قال قائلٌ: فهذا المقامُ من الآياتِ البيِّناتِ، فما سائرُ الآياتِ التي من أجلِها قيل:{آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} ؟

قيل: منهن المقامُ، ومنهن الحجَرُ، ومنهن الحّطِيمُ.

وأصحُّ القراءتين في ذلك قراءةُ من قرَأ: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} . على الجِماع؛ لإجماعِ قرأَةِ أمصاِر المسلمين على أن ذلك هو القراءةُ الصحيحةُ دونَ غيرِها.

وأما اختلافُ أهلِ التأويلِ في تأويلِ: {مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} . فقد ذكَرناه في سورِة "البقرةِ"، وبيَّنَّا أولى الأقوالِ بالصوابِ فيه هنالك، وأنه عندَنا المَقامُ المعروفُ به

(3)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 256، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 711 (3845)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 54 إلى عبد بن حميد والأزرقى وابن المنذر.

(2)

في م: "فيهن"

(3)

ينظر ما تقدم في 2/ 525 - 529.

ص: 600

فتأويلُ الآيةِ إذن: إن أوَّلَ بيتٍ وُضِع للناسِ مباركًا وهدًى للعالمين، للذى ببكَّةَ، فيه علاماتٌ بيِّناتٌ من قدرةِ اللهِ، وآثارِ خليلِه إبراهيمَ، منهن أثرُ قدمِ خليلِه إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم في الحجَرِ الذي قام عليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} .

اخْتَلف أهلِ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه الخبرُ عن أن كلَّ مَن جرَّ في الجاهليةِ جَريرةً، ثم عاذ بالبيتِ، لم يكنْ بها مأخوذًا.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} : وهذا كان في الجاهليةِ؛ كان الرجل لو جَرَّ كلَّ جَريرةٍ على نفسِه، ثم لَجَأ إلى حرَمِ اللهِ، لم يُتناوَلْ ولم يُطلَبْ، فأما في الإسلامِ، فإنه لا يَمنَعُ مِن حدودِ اللَّهِ؛ مَن سرَق فيه قُطِع، ومن زنَى فيه أُقيم عليه الحدُّ، ومن قتَل فيه قُتِل.

وعن قتادةَ أن الحسنَ كان يقولُ: إنَّ الحرَمَ لا يَمنَعُ من حدِّ

(1)

اللَّهِ؛ لو أصاب حدًّا في غيرِ الحرَمِ، فلجأ إلى الحرِمِ، لم يمنَعْه ذلك أن يُقام عليه الحدُّ. ورأَى قتادةُ ما قاله الحسنُ

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} . قال: كان ذلك في الجاهلية، فأما اليومَ

(1)

في م، س:"حدود".

(2)

أخرجه الأزرقى في أخبار مكة 1/ 368 من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 54 إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

ص: 601

فإن سرَق فيه أحدٌ قُطِع، وإن قتَل فيه قُتِل، ولو قُدِر فيه على المشركين قُتِلوا

(1)

.

حدَّثنا سعيدٌ بنُ يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، قال: ثنا خُصيفٌ.، عن مجاهدٍ في الرجلِ يقتُلُ، ثم يدخُلُ الحَرَمَ، قال: يُؤخَذُ فيُخرَجُ من الحرَمِ، ثم يُقام عليه الحدُّ. يقولُ: القتلُ.

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن حمادٍ مثلَ قولِ مجاهدٍ.

حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسٍ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن الحسنِ وعطاءٍ، في الرجلِ يُصيبُ الحدَّ، ويَلْجَأُ إلى الحَرَمِ: يُخرَجُ من الحرَمِ فيُقامُ عليه الحدُّ.

فتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: فيه آياتٌ بيِّناتٌ مقامَ إبراهيمَ، والذي دخَله من الناسِ كان آمنًا بها في الجاهليةِ.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن يدخُلْه يكنْ آمِنًا بها. بمعنى الجزاءِ. كنحوِ قولِ القائلِ: من قام لى أكرمتُه. بمعنى: مَن يَقُمْ لى أُكرِمه. وقالوا: هذا أمرٌ كان في الجاهليةِ، كان الحرَمُ مَفْزَعَ كُلِّ خائفٍ، ومَلْجَأَ كلِّ جانٍ؛ لأنه لم يكنْ يُهاجُ به ذو جَريرةٍ، ولا يَعْرِضُ الرجلُ فيه لقاتل أبيه وابنِه بسوءٍ. قالوا: وكذلك هو في الإسلامِ؛ لأن الإسلامَ زاده تعظيمًا وتكريمًا.

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 127، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 712 (3851) عن الحسن بن يحيى به. وأخرجه الأزرقى في أخبار مكة 1/ 368 من طريق معمر، عن قتادة ومجاهد.

ص: 602

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملك بن أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: ثنا مجاهدٌ، قال: قال ابن عباسٍ: إذا أصاب الرجلُ الحدَّ؛ قتل أو سرَق، فدخَل الحرَمَ، لم يُبايَعْ ولم يُؤْوَ، حتى يَتَبَرَّمَ فيَخْرُجَ من الحرَمِ، فيُقامَ عليه الحدُّ. قال: فقلتُ لابنُ عباسٍ: ولكني لا أرى ذلك، أرى أن يُؤخَذَ بِرُمَّتِه

(1)

، ثم يُخرَجَ من الحرَمِ، فيقامَ عليه الحدُّ، فإن الحَرَمَ لا يزيده إلا شدةً

(2)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: أخَذ ابن الزُّبيرِ سعدًا مولى معاويةَ - وكان في قلعةٍ بالطائفِ - فأَرْسَل إلى ابن عباسٍ [مَن يُشاوِرُه فيهم: إنهم لنا عدوٌّ

(3)

. فأرسل إليه ابن عباسٍ: لو وجدتُ قاتلَ أبى لم أَعْرِضْ له. قال: فأرسل إليه ابن الزُّبير]

(4)

: ألَا نُخرجهم من الحرَمِ؟ قال: فأرسل إليه ابن عباسٍ: أفلا قبلَ أن تُدْخِلَهم الحرَمَ؟ زاد أبو السائبِ في حديثه: فأَخْرَجهم فصلَبهم، ولم يُصْغِ

(5)

إلى قول ابن عباسٍ

(6)

.

(1)

الرُّمَّة: قطعة حبل يُشَدُّ بها الأسير أو القاتل الذي يُقاد إلى القصاص. ينظر اللسان (ر م م).

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 54 دون آخره إلى عبد بن حميد، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (17306، 17307)، والأزرقى في أخبار مكة 1/ 367 من طريق طاوس، عن ابن عباس بنحوه.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"عرق" وفى م: "عين"، وفى س:"عون".

(4)

سقط من: ت 2.

(5)

في ص، ت 1 ت 2:"تنطق"، وفى س:"يحق".

(6)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (9225) عن عبد الملك بن جريج به. وعنده: سعدًا مولى عتبة. =

ص: 603

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: من أَحْدَث حدَثًا في غيرِ الحَرَم ثم لَجَأ إلى الحرَمِ، لم يُعرَضُ له، ولم يُبايَعْ، ولم يُكلَّم، ولم يُؤْوَ، حتى يخرُجَ من الحرمِ، فإذا خرَج من الحرَمِ أُخِذ فأُقيم عليه الحدِّ. قال: ومن أَحْدَث في الحرَمَ حدثًا أُقيم عليه الحدِّ

(1)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بن نصرٍ السُّلَميُّ، عن ابن أبي حَبيبةَ، عن داودَ بن حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قال: مَن أَحْدَث حدَثًا ثم اسْتَجار بالبيت، فهو آمِنٌ، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيءٍ إلى أن يَخْرُجَ، فإذا خرج أقاموا عليه الحدَّ

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابن عمرَ، قال: لو وجدتُ قاتلَ عمرَ في الحرمِ ما هِجْتُه

(3)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن عطاءٍ، أن الوليدَ بنَ عُتْبَةَ أراد أن يُقيمَ الحدَّ في الحرمِ، فقال له عُبَيْدُ بنُ عُميرٍ: لا تُقِمْ عليه الحدِّ في الحرمِ، إلَّا أن يكونَ أصابه فيه

(4)

.

= وأصله عند الأزرقى في أخبار مكة 1/ 368 من طريق ابن جريج به. وعنده: سعدًا مولى عقبة.

(1)

سقط من: ص.

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 55 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 55 إلى المصنف.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (9229)، والأزرقى في أخبار مكة 1/ 369 من طريق أبي الزبير عن ابن عمر، عندهما:"ندهته"، بدل "هجته".

(4)

ينظر البحر المحيط 3/ 10.

ص: 604

حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسٍ، قال: أخبَرنا مُطَرِّفٌ، عن عامرٍ، قال: إذا أصاب الحدَّ ثم هرب إلى الحرمِ فقد أمِن، فإذا أصابه في الحرمِ، أُقيم عليه الحدُّ في الحرمِ

(1)

.

حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن فرَاسٍ، عن الشَّعْبي، قال: مَن أصاب حدًّا في الحرمِ أُقيم عليه في الحرمِ، ومن أصابه خارجًا من الحرمِ ثم دخَل الحرَمَ، لم يُكلَّم، ولم يُبايعْ، حتى يخرُجَ من الحرمِ فيُقامَ عليه.

حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، قال: ثنا عطاءُ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، وعن عبدِ الملكِ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، في الرجلِ يقتُلُ، ثم يدخُلُ الحرمَ، قال: لا يبيعُه أهلُ مكةَ، ولا يَشْتَرون منه، ولا يَسْقونه ولا يُطْعِمونه، ولا يُؤونه - عدَّ أشياء كثيرةً - حتى يخرُجَ من الحرمِ فيُؤْخذ بذنبِه

(2)

.

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن عطاءٍ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنَّ الرجلَ إذا أصاب حدًّا ثم دخَل الحرمَ، أنه لا يُطعَمُ، ولا يُسْقى، ولا يُؤْوَى، ولا يُكلَّم، ولا يُنكَحُ، ولا يُبايَعُ، فإذا خرَج منه أُقِيم عليه الحدُّ

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثني حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن

(1)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (17308) من طريق مطرف، بنحوه مطولًا.

(2)

ينظر البحر المحيط 3/ 10.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 11 (3850) من طريق عطاء بن السائب به نحوه.

ص: 605

ابن عباسٍ، قال: إذا أَحْدَث الرجلُ حدثًا، ثم دخَل الحرمَ، لم يُؤْوَ، ولم يُجالَسْ، ولم يُبايَعْ، ولم يُطعَمْ، ولا يُسْقَ، حتى يخرُجَ من الحرمِ.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن عطاءٍ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أمَّا قولَه: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} . فلو أن رجلًا قتَل رجلًا، ثم أَتَى الكعبةَ، فعاذ بها، ثم لَقِيَه أخو المقتولِ، لم يَحِلَّ له أبدا أن يقتُلَه

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن ومن دخَله يكنْ آمِنًا من النارِ.

‌ذكر من قال ذلك

حدَّثنا عليُّ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا

(2)

زُرَيْقُ

(3)

بنُ مسلمٍ المخزوميُّ، قال: ثنا زيادُ بنُ أبي عَيَّاشٍ

(4)

، عن يحيى بن جَعْدةَ في قولِه:{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} . قال: آمِنًا من النارِ

(5)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ ابن الزُّبير ومجاهدٍ والحسنِ ومَن قال: معنى ذلك: ومَن دخَله مِن غيرِه ممن لَجَأ إليه عائذًا به، كان آمِنًا ما كان فيه،

(1)

ينظر البحر المحيط 3/ 10.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س:"هذا أخبرناه".

(3)

في ص: "رريق"، وفى م:"رزيق".

(4)

في ص، ت 2، ت 3:"عباس"، وفى م، ت 1، س:"عياض". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم وتفسير ابن كثير.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 712 (3856) من طريق أبي عاصم به، وذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 66 عن ابن أبي حاتم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 55 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 606

ولكنه يُخرج منه، فيُقامُ عليه الحدُّ إن كان أصاب ما يَسْتَوجِبُه في غيرِه ثم لَجَأَ إِليه، وإن كان أصابه فيه أُقِيم عليه فيه.

فتأويلُ الآية إذن: فيه آياتٌ بيِّناتٌ مَقامُ إبراهيمَ، ومَن يدخُلْه مِن الناسِ مستجيرًا به، يكنْ آمِنًا مما استجار منه ما كان فيه، حتى يُخرَجَ منه.

فإن قال قائلٌ: وما مَنَعك من إقامةِ الحدِّ عليه فيه؟

قيل: لاتفاق جميعِ السَّلَفِ على أن مَن كانت جَريرتُه في غيرِه ثم عاذ به فإنه لا يُؤخَذُ بجريرته فيه. وإنما اخْتَلفوا في صفةِ إخراجِه منه لأخْذِه بها؛ فقال بعضُهم: صفةُ ذلك منعُه المعانى التي يُضْطَرُّ مع مَنْعِه وفَقْدِه إلى الخروجِ منه.

وقال آخرون: لا صفةَ لذلك غيرُ إخراجِه منه بما أَمْكَن إخراجُه من المعاني التي تُوصَّلُ إلى إقامةِ حدِّ اللهِ عليه معها. فلذلك قلنا: غيرُ جائزٍ إقامةُ الحدِّ عليه فيه إلَّا بعد إخراجِه منه. فأمَّا مَن أصاب الحدَّ فيه، فإنه لا خلافَ بينَ الجميعِ في أنه يُقامُ عليه فيه الحدُّ، فكلتا المسألتين أصلٌ مُجْمَعٌ على حكمِهما على ما وَصفْنا.

فإن قال لنا قائلٌ: وما دَلالتُك على أن إخراجَ العائذِ بالبيتِ إذا أتاه مستجيرًا به مِن جَريرةٍ جَرَّها، أو مِن حدٍّ أصابه، من الحرمِ جائزٌ لإقامةِ الحدِّ عليه، وأخْذِه بالجريرةِ، وقد أَقْرَرتَ بأنَّ اللَّهَ عز وجل قد جعَل مَن دَخَله آمنًا، ومعنى الآمن غيرُ معنى الخائفِ، فبما

(1)

هما فيه مُخْتَلِفانِ؟

(1)

في م: "فيما".

ص: 607

قيل: قلنا ذلك لإجماعِ الجميعِ من المتقدِّمين والمتأخِّرين من علماءِ الأمةِ على أن إخراجَ العائذِ به من جريرةٍ أصابها أو فاحشةٍ أتاها، وَجَبَتْ عليه بها عقوبةٌ، منه ببعضِ معاني الإخراجِ؛ لأخْذه بما لَزِمَه، واجبٌ على إمامِ المسلمين وأهلِ الإسلامِ معه.

وإنما اخْتَلفوا في السببِ الذي يُخْرَجُ به منه؛ فقال بعضُهم: السببُ الذي يجوزُ إخراجُه به منه تركُ جميعِ المسلمين مبايعَتَه وإطعامَه وسَقْيَه وإيواءَه وكلامَه، وما أَشْبَه ذلك من المعانى التي لا قرارَ للعائذِ به فيه مع بعضِها، فكيف مع جميعِها!

وقال آخرون منهم: بل إخراجُه لإقامة من لَزِمَه من العقوبةِ واجبٌ، بكلِّ معاني الإخراجِ.

فلمَّا كان إجماعًا من الجميعِ، على أن حكمَ اللهِ في من عاذ بالبيتِ، من حدٍّ أصابه، أو جَريرةٍ جَرَّها - إخراجه منه؛ لإقامةِ ما فرَض اللهُ على المؤمنين إقامته عليه، ثم اختلفوا في السببِ الذي يجوزُ إخراجُه به منه - كان اللازمُ لهم ولإمامِهم إخراجَه منه بأى معنى أمْكَنَهم إخراجه منه، حتى يُقيموا عليه الحدِّ الذي لَزِمَه خارجًا منه إذا كان لَجَأ إليه من خارج، على ما قد بَيَّنَّا قبلُ.

وبعدُ، فإن الله عز وجل لم يضع حدًّا من حدودِه عن أحدٍ من خلقِه، من أجلِ بقعةٍ وموضعٍ صار إليها مَن لَزِمَه ذلك، وقد تَظاهَرَتِ الأخبارُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنى حَرَّمتُ المدينةَ كما حرَّم إبراهيمُ مكَّةَ"

(1)

. ولا خلافَ بينَ جميعِ الأمةِ،

(1)

أخرجه أحمد 26/ 374 (16446)، والبخارى (2129)، ومسلم (1360) من حديث =

ص: 608

أن عائذًا لو عاذ من عقوبةِ لَزِمَته بحرِمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، يُؤاخَذُ بالعقوبةِ فيه. ولولا ما ذكَرتُ من إجماعِ السلفِ على أن حرمَ إبراهيمَ لا يقامُ فيه على مَن عاذ به مِن عقوبةٍ لَزِمَتْه حتى يخرُجَ منه ما لَزِمَه

(1)

، لكان أحقُّ البقاع أن تُؤَدَّى فيه فرائضُ اللَّهِ التي أَلْزَمَها عباده - مِن قتلٍ أو غيرِه - أعظمَ البقاعِ إلى اللهِ؛ كحرَمِ الله، وحرمِ رسولِه صلى الله عليه وسلم، ولَكِنَّا أُمِرْنا بإخراجِ مَن أُمِرنا بإخراجِه من حرمِ اللهِ لإقامةِ الحدِّ؛ لما ذكَرْنا من فعلِ الأمةِ ذلك وِراثةً.

فمعنى الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وَصَفْنا: ومَن دخَله كان آمِنًا ما كان فيه. فإذ كان ذلك كذلك، فمَن لَجَأ إليه من عقوبة لَزِمَتْه عائذًا به، فهو آمِنٌ ما كان به حتى يَخرُجَ منه، وإنما يَصيرُ إلى الخوفِ بعد الخروجِ أو الإخراجِ منه، فحينَئذٍ هو غيرُ داخلِه، ولا هو فيه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وفرض واجبٌ للَّهِ على مَن استطاع مِن أهلِ التكليفِ السبيلَ إلى حَجَّ بيتِه الحرامِ، الحِجُّ إليه.

وقد بيَّنَّا فيما مضى معنى الحجِّ، ودَلَّلْنا على صحَّةِ ما قلنا من معناه، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه عز وجل: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، وما

= عبد الله بن زيد بن عاصم.

(1)

ما لزمه: يعني ما بقى فيه.

(2)

ينظر ما تقدم في 2/ 711، 721.

ص: 609

السبيلُ التي يجبُ مع استطاعتِها فرضُ الحجِّ؟ فقال بعضُهم: هي الزادُ والراحلةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، قال: الزادُ والراحلةُ

(1)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ: الزادُ والراحلةُ

(2)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي جَنَابٍ

(3)

، عن الضحَّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} قال: الزادُ والبعيرُ

(4)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} : والسبيلُ أن يَصِحَّ بدنُ العبدِ ويكونَ له ثمنُ زادٍ وراحلةٍ من غيرِ أن يُجحَفَ به

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 90 من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عمر.

(2)

ذكره ابن عبد البر في الاستذكار 12/ 61.

(3)

في م، ت 1:"خباب"، وفى ت 2:"حيان"، وفى س:"حباب"، وغير منقوطة في ص. وهو أبو جَنَاب الكلبى. ينظر تهذيب الكمال 31/ 284.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 90 عن وكيع به، وأخرجه الترمذى (3316) من طريق أبي جناب به مطولًا، وأخرجه البيهقى 4/ 331 من طريق عكرمة، عن ابن عباس.

(5)

أخرجه البيهقى 4/ 331 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 56 إلى ابن المنذر.

ص: 610

حدَّثنا خلَّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي عبدِ اللَّهِ البَجَليِّ، قال: سألتُ سعيدِ بن جُبيرٍ عن قولِه: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . قال: قال ابن عباسٍ: من ملَك ثلاثَمائةِ درهمٍ، فهو السبيلُ إليه

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن إسحاقَ بن عثمانَ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: السبيلُ الزادُ والراحلةُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} فإن ابن عباسٍ قال: السبيلُ: راحلةٌ وزادٌ.

حدَّثني المُثَنَّى وأحمدُ بنُ حازمٍ، قالا: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بن سُوقَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . قال: الزادُ والراحلةُ

(3)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: أخبَرنا الرَّبيعُ بنُ صَبِيحٍ، عن الحسنِ، قال: الزادُ والراحلةُ

(4)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، قال: قرَأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 91 من طريق النزال بن عمار، عن ابن عباس.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 91 من طريق داود عن عطاء.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 89 من طريق محمد بن سوقة به نحوه.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 90 من طريق يونس وهشام، عن الحسن.

ص: 611

فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ما السبيلُ؟ قال:"الزادُ والراحلةُ"

(1)

.

واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأخبارٍ رُوِيَتْ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بنحوِ ما قالوا في ذلك.

‌ذكرُ الرواية بذلك عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

-

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بن يزيدَ الخُوزيُّ، قال: سَمِعتُ محمد بن عَبَّادِ بن جعفرٍ، يحدِّثُ عن ابن عمرَ، قال: قام رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: ما السبيلُ؟ قال: "الزادُ والراحلةُ"

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ الخُوزيِّ، عن محمدِ بن عَبَّادٍ، عن ابن عمرَ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في قولِه عز وجل:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . قال: "السبيلُ إلى الحجِّ الزادُ والراحلةُ"

(3)

.

حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرٌ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا يونسُ، وحدثَّني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ، عن

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه - كما في نصب الراية 8/ 3 - من طريق منصور به.

(2)

أخرجه الترمذى (2998) عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق به.

(3)

أخرجه البيهقى 4/ 327، وفى الشعب (3974) من طريق أبي حذيفة به، وأخرجه الدارقطني 2/ 217 (10) من طريق سفيان به، وأخرجه الشافعي 1/ 283، 284 وابن أبي شيبة 4/ 90، وابن ماجه (2896)، والترمذى (813)، وابن عدى 1/ 228، والبيهقى 4/ 330، والبغوى (1847) من طريق إبراهيم بن يزيد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 713 (3860)، والدارقطني 2/ 217، 218 (11، 12) من طريق محمد بن عباد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 55، 56 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 612

الحسنِ، قال: قرَأ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ؟ قال:"الزادُ والراحلةُ"

(1)

.

حدَّثنا أبو عثمانَ المُقَدَّمى والمُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هلالُ بنُ [عبدِ اللَّهِ]

(2)

مولى ربيعةَ بن عمرِو بن مسلمٍ الباهليُّ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "مَن مَلَك زادًا وراحلةً تُبلِّغُه إلى بيتِ اللَّهِ، فلم يَحُجَّ، فلا عليه أن يموتَ يهوديًا أو نصرانيًّا، وذلك أن اللهً عز وجل يقولُ في كتابِه:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} الآية

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسنِ، قال: بلَغنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال له قائلٌ، أو رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ إليه؟ قال:"مَن وجَد زادًا وراحلةً"

(4)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قال: ثنا شَاذُ بنُ فَيَّاضٍ البصريُّ، قال: ثنا هلالٌ [أبو هاشم]

(5)

، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ بن أبى طالبٍ، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَن مَلَك زادًا وراحلةً فلم

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (518 - تفسير)، وابن أبي شيبة 4/ 90، والدارقطني 2/ 218، والبيهقى 4/ 327 من طريق يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 56 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في ص، م، ت 1:"عبيد الله". وينظر تهذيب الكمال 30/ 342.

(3)

أخرجه الترمذى (812)، والبيهقي في الشعب (3978) من طريق مسلم بن إبراهيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 56 إلى ابن مردويه.

(4)

أخرجه البيهقى 4/ 330 من طريق سعيد به.

(5)

في ص، م، ت 1، س:"بن هشام"، وفى ت 2:"بن إسحاق بن هشام".

ص: 613

يَحُجَّ، مات يهوديًا أو نصرانيًّا، وذلك أن الله يقولُ في كتابِه:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} " الآية

(1)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن قتادةَ وحُميدٍ، عن الحسنِ، أن رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ إليه؟ قال:"الزادُ والراحلةُ".

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلَه.

وقال آخرون: السبيلُ التي إذا استطاعها المرءُ كان عليه الحجُّ، الطاقةُ للوصولِ إليه.

قال: وذلك قد يكونُ بالمشيِ وبالركوبِ، وقد يكونُ مع وجودِهما العجزُ عن الوصولِ إليه، بامتناعِ الطريقِ مِن العدوِّ الحائلِ، وبقلةِ الماءِ، وما أَشْبَه ذلك.

قالوا: فلا بيان في ذلك أبْيَنُ مما بيَّنه اللهُ عز وجل، بأن يكونَ مستطيعًا إليه السبيلَ؛ وذلك الوصولُ إليه بغيرِ مانعٍ ولا حائلٍ بينَه وبينَه، وذلك قد يكونُ بالمشيِ وحدَه، وإن أَعْوَزه المَرْكَبُ، وقد يكونُ بالمركبِ وغيرِ ذلك.

‌ذكرَ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 713 (3859)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير 2/ 70 - من طريق هلال أبي هاشم به.

ص: 614

خالدِ بن أبي كَريمةَ، عن رجلٍ، عن ابن الزُّبير قولَه:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . قال: على قَدْرِ القوَّةِ

(1)

.

حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحّاك في قولِه:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . قال: الزادُ والراحلةُ، فإن كان شابًّا صحيحًا ليس له مالٌ، فعليه أن يُوَاجِرَ نفسَه بأكلِه وعَقِبه حتى يقضِىَ حَجَّتَه. فقال له قائلٌ: كلَّف اللهُ الناسَ أن يَمْشُوا إلى البيتِ؟ فقال: لو أن لبعضِهم ميراثًا بمكةَ، أكان تاركَه؟ واللهِ لَانْطَلَقَ إليه ولو حَبْوًا، كذلك يجبُ عليه الحجُّ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال عطاءً: من وجد شيئًا يُبلغه فقد وجَد سبيلًا، كما قال اللَّهُ عز وجل:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .

حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا أبو هانئ، قال: سُئِل

(3)

عامرٌ عن هذه الآيةِ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . قال: السبيلُ ما يَسَّرَه اللهُ.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 90 عن ابن مهدى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 56 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 714 (3863) من طريق جويبر عن الضحاك قال: إن كان فقيرا وهو صحيح شاب، فليؤاجر نفسه بالأكلة والعقبة حتى يحج.

وقوله: بأكله وعقبه: يعنى: يعنى أن يجعل القاصد للحج - وليس معه نفقة وظهر يبلغه - نفسه أجيرا عند غيره، مقابل أن يطعمه ويحمله حتى يبلغ حجته ويقضيها.

(3)

في النسخ: "ثنا سهل بن". وسيأتي على الصواب في ص 622.

ص: 615

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ، عن الحسنِ: مَن وجد شيئًا يبلِّغُه فقد اسْتَطاعَ إِليه سبيلًا

(1)

.

وقال آخرون: السبيلُ إلى ذلك الصحَّةُ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ حُميد ومحمد بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ والمُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قالوا: حدَّثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ، قال: ثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرِيحٍ وابنُ لَهِيعَةَ، قالا: أخبَرنا شُرَحْبيلُ بنُ شَريكٍ المَعَافريُّ، أنه سمِع عكرمةَ مولى ابن عباسٍ يقولُ في هذه الآيةِ:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . قال: السبيلُ الصحَّةُ

(2)

.

وقال آخرون بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ الله عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، قال: مَن وجدَ قوةً في النفقةِ والجسدِ والحَمْلانِ. قال: وإن كان في جسدِه ما لا يستطيعُ الحَجَّ، فليس عليه الحجُّ، وإن كان له قوةٌ في مالٍ، كما إذا كان صحيحَ الجسدِ ولا يجدُ مالًا ولا قوةً، يقولون: لا يُكَلَّفُ أن يَمْشِيَ.

وأولى الأقوالِ في ذلك عندنا بالصوابِ قولُ مَن قال بقولِ ابن الزُّبير وعطاءٍ: إن ذلك على قَدْرِ الطاقةِ؛ لأن السبيلَ في كلامِ العربِ الطريقُ. فمن كان واجدًا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 713 (3858) من طريق أبي بكر الحنفى به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 714 (3861) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ به.

ص: 616

طريقًا إلى الحجِّ لا مانعَ له منه؛ مِن زَمانَةٍ، أو عجزٍ، أو عدوٍّ، أو قِلَّةِ ماءٍ في طريقه، أو زادٍ، وضعفٍ عن المشيِ، فعليه فرضُ الحج، لا يُجْزِئُه إِلَّا أَداؤُه. فإن لم يكنْ واجدًا سبيلًا - أعنى بذلك: فإن لم يكن مُطيقًا الحجِّ بتَعَذُّرِ بعضِ هذه المعانى التي وَصَفْناها عليه - فهو ممن لا يجدُ إليه طريقًا ولا يستطيعُه؛ لأن الاستطاعةَ إلى ذلك هو القدرةُ عليه كان عاجزًا عنه ببعضِ الأسبابِ التي ذَكَرْنا أو بغيرِ ذلك، فهو غيرُ مطيقٍ ولا مُستَطِيع إليه السبيلَ.

وإنما قلنا: هذه المقالةُ أولى بالصحَّةِ مما خالَفها؛ لأن الله عز وجل لم يَخصُص إذ أَلْزم الناسَ فرضَ الحجِّ - بعضَ مستطيعى السبيلِ إليه، بسقوطِ فَرْضِ ذلك عنه. فذلك على كلِّ مستطيعٍ إليه سبيلًا بعمومِ الآيةِ.

فأمَّا الأخبارِ التي رُويَتْ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في ذلك بأنه الزادُ والراحلةُ، فإنها أخبارٌ في أسانيدِها نظرٌ، لا يجوزُ الاحتجاجُ بمثلِها في الدينِ.

واخْتَلف القرَأَةُ في قراءةِ "الحجِّ"، فقرَأ ذلك جماعةٌ من قرأةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ بالكسرِ:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}

(1)

.

وقرَأ ذلك جماعةٌ أُخرى منهم بالفتحِ: (وللهِ على النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ)

(2)

.

وهما لغتان معروفتان للعربِ، فالكسرُ لغةُ أهلِ نَجْدٍ، والفتحُ لغةُ أهلِ العاليةِ، ولم نرَ أحدًا مِن أهل العربيةِ ادَّعى فرقًا بينَهما في معنًى ولا غيرِه، غيرَ ما ذَكَرْنا من اختلافِ اللغتين، إلَّا ما حدَّثنا به أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: قال

(1)

وهى قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص 214.

(2)

وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وأبى بكر عن عاصم، وابن عامر. المصدر السابق.

ص: 617

حسينٌ

(1)

الجعفى: الحَجُّ مفتوحٌ اسمٌ والحِجُّ مكسورٌ: عَملٌ.

وهذا قولٌ لم أَرَ أهلَ المعرفةِ بلغاتِ العربِ ومعاني كلامِهم يَعْرِفونه، بل رأيتُهم مُجْمِعِين على ما وصَفتُ من أنهما لغتان بمعنَى واحدٍ.

والذي نقولُ به في قراءةِ ذلك: إن القراءتين إذ كانتا مستفيضتين في قرأةِ أهلِ الإسلامِ، ولا اختلافَ بينَهما في معنًى ولا غيرِه، فهما قراءتان قد جاءتا مجئَ الحُجَّةِ، فبأيِّ القراءتين - أعنى بكسرِ الحاءِ من الحجِّ أو فتحِها - قرَأ القارئُ، فمصيبٌ الصوابَ في قراءتِه.

وأما {مَنِ} التي مع قولِه: {مَنِ اسْتَطَاعَ} . فإنه في موضعِ خفضٍ على الإبدالِ من {النَّاسِ} . لأن معنى الكلامِ: واللهِ على مَن استطاعِ مِن الناسِ سبيلًا إلى حجِّ البيتِ، حجُّه. فلما تقدَّم ذكرُ {النَّاسِ} قبلَ {مَنِ} ، بيَّن بقولِه:{مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، الذي عليه فرضُ ذلك منهم؛ لأنَّ فَرْضَ ذلك على بعضِ الناسِ دونَ جميعِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن جحَد ما أَلْزَمه اللَّهُ مِن فرضِ حجِّ بيتِه، فأَنْكَره وكفَر به، فإن الله غنيٌّ عنه وعن حجِّه وعملِه، وعن سائرِ خلقِه مِن الجنِّ والإنسِ.

كما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن الحجَّاجِ بن أَرْطَاةَ، عن محمدِ بن أبي المُجالِدِ، قال: سَمِعتُ

(1)

في النسخ: "حسن". وتقدم في 1/ 172.

ص: 618

مِقْسمًا، عن ابن عباسٍ في قولِه:{وَمَنْ كَفَرَ} . قال: مَن زعَم أنه ليس بفرضٍ عليه

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا الحجَّاجُ، عن عطاءٍ، وجُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، في قولِه:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} . قالا: من جحَد الحجَّ وكفَر به

(2)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن الحَجَّاجِ بن أَرْطَاةَ، عن عطاءٍ، قال: مَن جحد به.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عمرانُ القطَّانُ، يقولُ: مَن زعَم أن الحجَّ ليس عليه

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ في قولِه:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} ، قال: مَن أَنْكَرَه، ولا يرى أن ذلك عليه حقًّا، فذلك كفرٌ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَمَنْ كَفَرَ} قال: من كفَر بالحجِّ.

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن أبي بشرٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} . قال: مَن كفَر بالحجِّ كفَر باللهِ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 715 (3871) من طريق عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس بنحوه.

(2)

ينظر البحر المحيط 3/ 12.

(3)

ينظر تفسير البغوي، 2/ 74، والبحر المحيط 3/ 12.

(4)

ينظر تفسير البغوي 2/ 74.

ص: 619

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ أَسَدٍ، قال: ثنا خالد، عن هشامِ بن حسَّانِ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ عز وجل:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ} . قال: من لم يَرَه عليه واجبًا

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَمَنْ كَفَرَ} قال: بالحجِّ.

وقال آخرون: معنى ذلك ألّا يكونَ معتقدًا في

(2)

حجِّه أن له الأجرَ عليه، ولا أن عليه بتركِه إثمًا، ولا عقوبةً.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بن مسلمٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} قال: هو ما إن حجّ لم يَرَه بِرًّا، وإن قعد لم يَرَه مأثمًا.

حدَّثنا عبد الحميد بن بيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو ما إن حجّ لم يَرَه بِرًّا، وإن قعد لم يَرَه مأثمًا

(3)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا فِطْرٌ

(4)

، عن أبي داودَ نُفيعٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (517 - تفسير) من طريق هشام بن حسان به.

(2)

بعده في ص: "عمله و"، وبعده في ت 2:"عمله".

(3)

أخرجه الشافعي 2/ 93، والبيهقى في معرفة السنن والآثار 3/ 469 من طريق ابن جريج به، أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 128، وسعيد بن منصور في سننه (516 - تفسير)، والبيهقى 4/ 324 من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد.

(4)

في م: "مطر".

ص: 620

سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}. فقام رجلٌ من هُذيلٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، من ترَكه كفَر؟ قال:"من ترَكه ولا يخافُ عقوبتَه، ومن حجَّ ولا يرجو ثوابَه، فهو ذاك"

(1)

.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} . يقولُ: مَن كفَر بالحجِّ، فلم يرَ حَجَّه بِرًا، ولا تَرْكَه مأثمًا

(2)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: سألته عن قولِه: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} . ما هذا الكفرُ؟ قال: من كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ

(3)

.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَمَنْ كَفَرَ} . قال: قال: من كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ

(4)

.

حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٍ، عن

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 57 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 715 (3872)، والبيهقى 4/ 324، من طريق أبي صالح.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 57 إلى عبد بن حميد.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 715 (3868) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به.

ص: 621

الضحَّاكِ في قولِه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . قال: لما نَزَلت آيةُ الحجِّ جمَع رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أهلَ الأديانِ كلهم، فقال:"يا أيُّها الناسُ، إنَّ الله عز وجل كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا". فآمنت به ملةٌ واحدةٌ، وهى مَن صدَّق النبيَّ صلى الله عليه وسلم وآمَن به، وكَفَرتْ به خمسُ مِلَلٍ، قالوا: لا نؤمنُ به، ولا نصلِّي إليه، ولا نَسْتَقْبِلُه. فَأَنْزَل الله عز وجل:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}

(1)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أخبَرنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا أبو هانئ، قال: سُئل عامرٌ عن قولِه: {وَمَنْ كَفَرَ} . قال: مَن كفَر من الخلقِ، فإن الله غنيٌّ عنه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنان، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيم، عن محمدِ بن عَبَّادٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قولِ اللهِ:{وَمَنْ كَفَرَ} قال: "مَن كفَر باللهِ واليومِ الآخرِ"

(3)

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا} [آل عمران:85]. فقالت المللُ: نحن مسلمون. فَأَنْزَل اللهُ عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (515 - تفسير) من طريق جُويبرٍ به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 57/ 2 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ينظر تفسير القرطبي 4/ 148.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 714 (3867)، والبيهقى في الشعب (3974) من طريق أبي حذيفة به.

ص: 622

الْعَالَمِينَ}. فحجَّ المؤمنون وقعَد الكفارُ

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن كفَر بهذه الآياتِ التي في مَقامِ إبراهيم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} . فقرأ: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} [آل عمران: 96]. فقرَأ حتى بلغ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ} . قال: مَن كفَر بهذه الآياتِ: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} . ليس كما يقولون: إذا لم يحُجَّ، وكان غنيًّا، وكانت له قوةٌ، فقد كفَر بها. وقال قومٌ من المشركين: فإنا نكفُرُ بها ولا نفعَلُ. فقال اللهُ عز وجل: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}

(2)

.

وقال آخرون بما حدَّثنى إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن مسلم، قال: أخبَرنا أبو عمرَ الضريرُ، قال: ثنا حمادٌ، عن حبيبِ بن أبي بقيَّةَ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ في قولِه:{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} . قال: مَن كفَر بالبيتِ

(3)

.

وقال آخرون: كفرُه به تركُه إيَّاه حتى يموتَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أحمد بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن

(1)

أخرجه البيهقى 4/ 324، ومعرفة السنن والآثار 3/ 468، 469 (2652) من طريق ابن أبي نجيح. بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 57 إلى المصنف، وعبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 57 إلى المصنف مختصرًا.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 57 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 623

السُّديِّ: أما {وَمَنْ كَفَرَ} فمَن وجَد ما يحجُّ به، ثم لا يحجُّ، فهو كافرٌ

(1)

.

وأولى التأويلاتِ بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: معنى {وَمَنْ كَفَرَ} : ومن جحَد فرْضَ ذلك وأَنْكَر وجوبَه فإن اللَّهَ غنيٌّ عنه وعن حجِّه، وعن العالمين جميعًا.

وإنما قلنا ذلك أولى به؛ لأن قولهَ: {وَمَنْ كَفَرَ} . بِعَقِبِ قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . بأن يكونَ خبرًا عن الكافرَ بالحجِّ، أحقُّ منه بأن يكونَ خبرًا عن غيره، مع أن الكافرَ بفرضِ الحجِّ على من فرَضه اللَّهُ عليه، باللَّهِ كافرٌ، وأن الكفرَ أَصْلُه الجحودِ، ومن كان له جاحدًا، ولفرضِه منكرًا، فلا شكّ إِنْ حجَّ لم يَرْجُجُ بحجِّه بِرًّا، وإن تَرَكَه فلم يَحُجَّ لم يَرَهُ مأثمًا.

فهذه التأويلاتُ، وإن اخْتَلَفَت العباراتُ بها، فمتقارباتُ المعانى.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98)} .

يعنى بذلك: يا معشرَ يهودِ بني إسرائيلَ وغيرِهم من سائرِ مَن يَنْتَحِلُ الدِّيانةَ بما أَنْزل الله عز وجل من كتبِه، ممن كفَر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وجحَد نبوَّته: لمَ تَجْحدون {بِآيَاتِ اللَّهِ} يقولُ: لمَ تجحَدون حُججَ اللهِ التي آتاها محمدًا صلى الله عليه وسلم في كتبِكم وغيرها، التي قد ثَبَتَتْ عليكم بصدقِه ونبوته حُجَّتُه. وأنتم تعلَمون

(2)

. يقولُ: لم تجحَدون ذلك من أمرِه وأنتم تعلَمون صدقه؟ فَأَخْبر جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 2/ 74 بنحوه، وذكره أبو حيان في البحر المحيط 3/ 12 وفيه، فهذا كفر معصية.

(2)

ليس هذا من الآية، فتمام الآية:{وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} . ويمكن أن يكون المصنف أورد هذه العبارة من عنده، أو اقتباسًا من الآيات الأخرى؛ لاعتباره ذلك متسقا مع علم اليهود بصدق النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 624

متعمِّدون الكفرَ باللهِ وبرسولِه، على علمٍ منهم ومعرفةٍ من كفرِهم.

وقد حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} : أما آياتُ اللهِ فمحمدٌ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} . قال: هم اليهودُ والنصارَى

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا معشرَ يهودِ بني إسرائيلَ وغيرِهم ممن يَنْتَحِلُ التصديقَ بكتبِ اللهِ، {لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ} يقولُ: لم تُضِلُّون عن طريقِ اللهِ ومَحَجَّتِه التي شرَعها لأنبيائه وأوليائِه وأهلِ الإيمانِ {مَنْ آمَنَ} يَقولُ: من صدَّق باللهِ ورسولِه وما جاء به من عندِ اللهِ، {تَبْغُونَهَا عِوَجًا} يعنى: تبغُون لها عوجًا.

والهاءُ والألفُ اللتان في قولِه: {تَبْغُونَهَا} عائدتان على {سَبِيلِ} ، وأنَّثها لتأنيثِ السبيلِ.

ومعنى قولِه: [تَبْغون لها عِوَجًا]

(2)

. من قولِ الشاعرِ، وهو سُحيمٌ عبدُ بنى الحَسْحاسِ

(3)

:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 716 (3880) من طريق أبي بكر به.

(2)

كذا في النسخ، ولعل الصواب: تبغونها عوجا: تطلبون لها عوجا.

(3)

تقدم تخريجه في 3/ 502.

ص: 625

بغَاك وما تَبْغِيه حتى وجَدْتَهُ

كأنك قد وَاعَدْتَه أَمسِ مَوْعِدَا

يعنى: طَلَبَك وما تطلبه

يقالُ: ابْغِنى كذا. يُرادُ: ابْتَغِه لى. فإذا أرادوا: أَعِنِّي على طلبِه وابْتَغِه معى. قالوا: أَبْغِنى. بفتحِ الألفِ. وكذلك يقالُ: احْلِبْنى. بمعنى: اكْفِني الحَلْبَ. وأَحْلِبْني: أعنِّى عليه. وكذلك جميعُ ما ورَد من هذا النوعِ فعلى هذا.

وأما العِوَجُ فهو الأَوَدُ والمَيْلُ. وإنما يعنى بذلك الضلالَ عن الهدَى. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لمَ تصدُّون عن دينِ اللَّهِ مَن صَدَّق الله ورسولَه، تَبْغون دينَ اللَّهِ اعوجاجًا عن سَنَنِه واستقامته.

وخرج الكلامُ على "السبيل" والمعنى لأهلِه. كأن المعنى: تَبْغون لأهلِ دينِ اللهِ ولمن هو على سبيلِ الحقِّ، {عِوَجًا}. يقولُ: ضلالًا عن الحقِّ، وزَيْغًا عن الاستقامةِ على الهدى والمحجَّةِ.

والعِوَجُ بكسرِ أولِه: الأودُ في الدينِ والكلامِ. والعَوَجُ بفتحِ أولِه: المَيْلُ في الحائطِ والقناةِ وكلِّ شيءٍ منتصبٍ قائمٍ.

وأمَّا قولُه: {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} . فإنه يعنى: شهداءَ على أن الذي تصُدُّون عنه من السبيل حقٌّ، تعلَمونه وتجدونه في كتبِكم. {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. يقولُ: ليس اللهُ بغافلٍ عن أعمالِكم التي تَعْمَلونها مما لا يَرْضاه لعبادِه، وغيرِ

(1)

ذلك من أعمالِكم، حتى يُعاجلَكم بالعقوبِة عليها مُعجَّلةً، أو يُؤخِّرَ ذلك لكم حتى تَلْقَوه فيُجازيكم عليها.

وقد ذُكر أن هاتين الآيتين من قولِه {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ

(1)

في ص، ت 1:"عن".

ص: 626

اللَّهُ} والآياتِ بعدَهما

(1)

، إلى قولِه: {[وَأُولَئِكَ]

(2)

لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. نَزَلَتْ في رجلٍ من يهودَ، حاوَل الإغراءَ بين الحيَّيْن من الأوسِ والخزرجِ بعدَ الإسلامِ، ليُراجِعوا ما كانوا عليه في جاهليَّتِهم من العداوةِ والبغضاءِ، فعَنَّفَهُ اللَّهُ بفعلِه ذلك، وقبَّح له ما فعَل، ووَبَّخه عليه، ووعَظ أيضا أصحابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن الافتراق والاختلافِ، وأمَرهم بالاجتماعِ والائْتلافِ.

‌ذكرُ الروايةِ بذلك

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى الثقةُ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: مرَّ شَأْسُ بن قيسٍ - وكان شيخًا قد عسَا

(3)

في الجاهليَّةِ، عظيمَ الكفرِ، شديدَ الضِّغْنِ على المسلمين، شديدَ الحسَدِ لهم - على نفرٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن الأوسِ والخزرجِ، في مجلسٍ قد جَمَعَهم يتحدَّثون فيه، فغاظَه ما رأى من جماعتِهم وأُلْفَتِهم، وصلاحِ ذاتِ بَيْنِهم على الإسلامِ، بعدَ الذي كان بينَهم من العداوةِ في الجاهليةِ، فقال: قد اجْتَمع مَلأُ بني قَيْلَةَ

(4)

بهذه البلادِ، لا

(5)

واللَّهِ ما لنا معهم إذا اجْتَمع مَلَؤُهم بها من قرارٍ. فأمرَ فتًى شابًّا مِن يَهودَ، وكان معه

(6)

، فقال: اعمِدْ إليهم، فاجْلِسْ معهم، وذكِّرْهم يومَ بُعاثٍ وما كان قبلَه، وأَنْشِدْهم بعضَ ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعارِ. وكان يومُ بُعاتٍ يومًا اقْتَتَلَتْ

(1)

في ت 1: "بعدها".

(2)

في النسخ: "فأولئك". والمثبت قراءة الآية.

(3)

في ص، ت 1:"عتا". وعسا وعتا: أسن وكبِر وولَّى. اللسان (ع ت و، ع س و).

(4)

بنو قيلة: الأنصار من الأوس والخزرج، وقيلة اسم أم لهم قديمة، وهي قيلة بنت كاهل، قضاعية، ويقال: بنت جفنة. غسانية. ينظر اللسان والتاج (ق ى ل)، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 332.

(5)

سقط من: م، ت 1، ت، ت 3، ص.

(6)

في سيرة ابن هشام: "معهم".

ص: 627

فيه الأوسُ والخزرجُ، وكان الظَّفَرُ فيه للأوسِ على الخزرجِ، فَفَعَلَ. فتَكَلَّم القومُ عندَ ذلك، فتنازعوا وتفاخروا، حتى تَوَاثَبَ رجلان من الحيَّيْن على الرُّكَبِ؛ أَوْسُ بنُ قَيْظِيٍّ، أحدُ بني حارثةَ بن الحارثِ، من الأوسِ، وجَبَّارُ بنُ صخرٍ، أحدُ بني سَلِمةَ من الخزرجِ، فتقاولا، ثم قال أحدُهما لصاحبِه: إن شئتم واللَّهِ رَدَدْناها الآنَ جَذَعةً

(1)

. وغضِب الفريقان، وقالوا: قد فعَلْنا، السلاحَ السلاحَ، موعدُكم الظاهِرةُ. والظاهرةُ الحَرَّةُ. فخرَجوا إليها، وتَحَاوَزَ

(2)

الناسُ، فَانْضَمَّتِ الأُوسُ بعضُها إلى بعضٍ، والخزرجُ بعضُها إلى بعضٍ، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهليةِ، فبلَغ ذلك رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فخرَج إليهم في مَن معه مِن المهاجرين من أصحابِه، حتى جاءهم، فقال:"يا معشرَ المسلمين، اللَّهَ اللَّهَ، أبِدعوَى الجاهليةِ وأنا بينَ أَظْهُرِكم، بعدَ إذ هداكم اللَّهُ إلى الإسلام، وأَكْرَمَكم به، وقطَع به عنكم أمرَ الجاهليةِ، واسْتَنْقَذكم به من الكفرِ، وألَّف به بينَكم، تَرْجِعون إلى ما كنتم عليه كفارًا"؟ فعرَف القومُ أَنها نَزْعَةٌ من الشيطانِ، وكيدٌ من عدوِّهم، فأَلْقَوُا السلاحَ من أيدِيهِم، وبكَوْا، وعانَق الرجالُ من الأوسِ والخزرجِ بعضُهم بعضًا، ثم انْصَرَفوا مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أَطْفأ اللَّهُ عنهم كيدَ عدوِّ اللَّهِ شأْسِ بن قيسٍ وما صنَع، فأَنْزَلَ اللَّهُ في شأْسِ بن قيسٍ وما صنَع:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا} الآية. وأَنزل اللَّهُ عز وجل في أوسِ بن قَيْظيٍّ وجَبَّارِ بن

(1)

أعدتُ الأمر جذعًا جديدًا كما بدأ. التاج (ج ذ ع).

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت:"تحاور"، وقد سقط هذا الحديث بطوله وفقرة بعده من "س". وتحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم، وتجادلوا. وتَحَاوَز الفريقان في الحرب: انحاز كل واحد منهما عن الآخر. وواضح من هنا بُعدُ معنى التحاور - بالراء - عن السياق وغرابته، لذا أثبتناها بالزاى. وينظر التاج (ح و ر، ح و ز).

ص: 628

صخرٍ، ومَن كان معهما من قومِهما، الذين صنَعوا ما صنَعوا عَمَّا

(1)

أَدْخَل عليهم شأْسُ بنُ قيسٍ من أمرِ الجاهليةِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} . إلى قوله: {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

(2)

.

وقيل: إنه عَنَى بقولِه: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} جماعةَ يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا بينَ أظْهُرِ مدينةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أيامَ نزَلت هذه الآياتُ، والنصارى، وأن صدَّهم عن سبيلِ اللَّهِ كان بإخبارهم مَن سأَلهم عن أمرِ نبيِّ اللَّهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: هل يجدون ذكرَه في كتبِهم؟ أنهم لا يجدون نَعْتَه في كتبِهم.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا} : كانوا إذا سأَلهم أحدٌ: هل تجدون محمدًا؟ قالوا: لا. فصدُّوا عنه الناسَ. وبَغَوْا محمدًا عِوَجًا: هلاكًا

(3)

.

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {يَاأَهْلَ

(1)

في م: "مما".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 555 - 557، - 557، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 716، 718 (3878، 3893) من طريق سلمة به مختصرًا جدًّا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 57، 58 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 717 (3884) من طريق أحمد بن المفضل به.

ص: 629

الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}. يقول: لم تَصُدُّون عن الإسلامِ وعن نبيِّ اللَّهِ من آمن باللَّهِ، وأنتم شهداءُ فيما تَقْرَءون من كتابِ اللَّهِ أن محمدًا رسولُ اللَّهِ، وأن الإسلامَ دينُ اللَّهِ الذي لا يقبَلُ غيرَه، ولا يَجْزِى إلَّا به، تجدونه

(1)

مكتوبًا عندَكم

(2)

في التوراةِ والإنجيلِ

(3)

؟

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ نحوَه

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بن سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه:{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} . قال: هم اليهودُ والنصارى، نَهاهم أن يَصُدُّوا المسلمين عن سبيلِ اللَّهِ، ويريدون أن يَعْدِلُوا الناسَ إلى الضلالةِ

(5)

.

فتأويلُ الآيةِ على ما قاله

(6)

السُّدِّيُّ: يا معشرَ اليهودِ، لم تصُدُّون عن محمدٍ، وتَمْنَعون مِن اتِّباعِه المؤمنين به؛ بكتمانِكم صفتَه التي تَجِدونها في كتبِكم. ومحمدٌ على هذا القولِ هو السبيلُ. {تَبْغُونَهَا عِوَجًا}: تبغون محمدًا. هلاكًا.

وأما سائرُ الرواياتِ غيرِه، والأقوالِ في ذلك، فإنه نحوُ التأويلِ الذي بيَّنَّاه

(1)

في ت 2، والدر المنثور:"يجدونه".

(2)

في ت،1 ت،2 ت، والدر المنثور:"عندهم".

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 717 عقب الأثر (3883) معلقا مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 58 إلى عبد بن حميد.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 717 (3883) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به نحوه مختصرا.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 717 من طريق أبي بكر الحنفى به مختصرًا.

(6)

في ص، ت 2:"قال".

ص: 630

قبلُ، مِن أن معنى السبيلِ التي ذكَرها في هذا الموضعِ الإسلامُ، وما جاء به محمدٌ من الحقِّ من عندِ اللَّهِ.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)} .

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في من عنَى بذلك؛ فقال بعضُهم: عنَى بقولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} من الأوسَ والخزرجَ، وبـ {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}: شَأْسَ بن قيسٍ اليهوديَّ. على ما قد ذكَرْنا قبلُ من خبرِه عن زيدِ بن أسلمَ

(1)

.

وقال آخرون في مَن عنَى بـ {الَّذِينَ آمَنُوا} مثلَ قولِ زيدِ بن أسلمَ، غيرَ أنهم قالوا: الذي جرَى الكلامُ بينَه وبينَ غيرِه من الأنصارِ حتى همُّوا بالقتالِ، ووجَد اليهوديُّ به مَغْمَزًا فيهم، ثعلبةُ بن عَنَمَة

(2)

الأنصاريُّ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} : قال: نَزَلَتْ في ثعلبة بن عَنَمةَ

(2)

الأنصاريِّ؛ كان بينَه وبينَ أناسٍ من الأنصارِ كلامٌ، فمشى بينَهم يهوديٌّ من قَيْنُقَاعَ، فحمَل بعضَهم على بعضٍ

(3)

، حتى همَّت الطائفتان من الأوسِ والخزرجِ أن يَحْمِلُوا السلاحَ فيُقاتِلوا، فأَنْزل اللَّهُ عز وجل: هو {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ

(1)

هو الأثر المتقدم في الصفحة السابقة.

(2)

في م، ت 1، ت 2، ت 3 س:"غنمة". بالغين. وينظر أسد الغابة 1/ 291، والإصابة 1/ 406.

(3)

حملت على بنى فلان: إذا أرشتَ بينهم. التاج (ح م ل). والمعنى هنا: الإيقاع والإفساد بينهم.

ص: 631

كَافِرِينَ}. يقولُ: إن حمَلتم السلاحَ فاقْتَتَلْتُم كَفَرْتم

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا جعفرُ

(2)

بنُ سليمانَ، عن حُميدٍ الأعرِج، عن مجاهدٍ في قولهِ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} قال: كان جِماعُ قبائلِ الأنصارِ بَطْنَيْنِ؛ الأوسَ والخزرجَ، وكان بينَهما في الجاهليةِ حربٌ ودماءٌ وشَنآنٌ، حتى منَّ اللَّهُ عليهم بالإسلامِ وبالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأَطْفَأ اللَّهُ الحربَ التي كانت بينَهم، وألَّف بينَهم بالإسلامِ. قال: فبَيْنَا رجلٌ مِن الأوسِ ورجلٌ من الخزرجِ قاعدان يَتَحَدَّثان، ومعهما يهوديٌّ جالسٌ، فلم يَزَلْ يُذَكِّرُهما أيامهما، والعداوةَ التي كانت بينَهم، حتى اسْتَبَّا، ثم اقْتَتَلا. قال: فنادَى هذا قومَه، وهذا قومَه، فخرَجوا بالسلاحِ، وصفَّ بعضُهم لبعض. قال: ورسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شاهدٌ يومَئذٍ بالمدينةِ، فجاء رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فلم يزلْ يمشى بينَهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء؛ ليُسَكِّنَهم

(3)

، حتى رَجَعوا ووَضَعوا السلاحَ، فأَنْزَل اللَّهُ عز وجل القرآنَ في ذلك:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} إلى قوله: {عَذَابٌ عَظِيمٌ}

(4)

.

فتأويلُ الآية: يا أيها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأَقَرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم صلى الله عليه وسلم من عندِ اللَّهِ، إن تُطيعوا جماعةً ممن يَنْتَحِلُ الكتابَ من أهلِ التوراةِ والإنجيلِ، فتَقْبَلوا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 718، 719 (3892، 3897) من طريق أحمد بن المفضل به مختصرًا.

(2)

في تفسير عبد الرزاق: "معمر" خطأ. وينظر تهذيب الكمال 5/ 43.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"فيسكنهم"، وفى تفسير عبد الرزاق:"يسكنهم". والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 128، 129. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 719 (3894) عن الحسن به.

ص: 632

منهم ما يأمُرونكم به، يُضِلُّوكم فيَرُدُّوكم بعدَ تصديقِكم رسولَ ربِّكم، وبعدَ إقرارِكم بما جاء به من عندِ ربِّكم {كَافِرِينَ}. يقولُ: جاحِدِين لما قد آمنتم به وصَدَّقْتُموه من الحقِّ الذي جاءكم من عندَ ربِّكم. فنهاهم جلَّ ثناؤُه أن يَنْتَصِحوهم ويَقْبَلُوا منهم رَأْيًا أو مَشُورةً، ويُعْلَمُهم تعالى ذكرُه أنهم لهم مُنْطَوون على غِلٍّ وغشٍّ وحسدٍ وبَغْضاءَ

(1)

.

كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} : قد تقدَّم اللَّهُ إليكم فيهم كما تَسْمَعون، وحذَّركم وأَنْبأكم بضلالتِهم، فلا تَأْمَنوهم على دينِكم، ولا تَنْتَصِحوهم على أنفسِكم، فإنهم الأعداءُ الحَسَدةُ الضُّلَّالُ، كيف تَأْتَمِنون قومًا كفَروا بكتابِهم، وقتَلوا رسلَهم، وتَحَيَّروا في دينِهم، وعجَزوا عن أنفسِهم؟ أولئك واللَّهِ هم أهلُ التُّهَمةِ والعداوةِ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه

(3)

‌القولُ في تأويلِ قوله عز وجل: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} أيها المؤمنون بعدَ إيمانِكم باللَّهِ وبرسولِه، فتَرْتدُّوا على أعقابِكم، {وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ}. يعنى: حُججَ

(1)

في م: "بغض".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 58 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 719 (3895) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.

ص: 633

اللَّهِ عليكم التي أَنْزلها في كتابِه على نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} حُجَّةٌ أُخرى عليكم للَّهِ، مع أي كتابِه، يدعوكم جميعُ ذلك إلى الحقِّ، ويُبصِّرُكم الهدَى والرشادَ، ويَنْهاكم عن الغَيِّ والضلالِ. يقولُ لهم تعالى ذكرُه: فما [وجهُ عذرِكم]

(1)

عندَ ربِّكم في جحودِكم نبوَّةَ نبيِّكم، وارتدادِكم على أعقابِكم، ورجوعِكم إلى أمرِ جاهليتِكم، إن أنتم رَاجَعْتم ذلك وكفَرْتم، وفيه هذه الحُججُ الواضحةُ، والآياتُ

(2)

البينةُ على خطأَ فعلِكم ذلك إن فَعَلْتُموه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ} الآية: عَلَمان بيِّنان؛ وِجدانُ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وكتابُ اللَّهِ؛ فأما نبيُّ اللَّهِ فمَضَى صلى الله عليه وسلم، وأما كتابُ اللَّهِ فأبقاه اللَّهُ بينَ أظْهُرِكم رحمةً مِن اللَّهِ ونعمةً، فيه حلالُه وحرامُه، وطاعتُه ومعصيتُه

(3)

.

وأما قولُه: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} . فإنه يعنى: ومَن يَتَعلَّق بأسباب الله، ويَتَمَسَّك بدينِه وطاعتِه، {فَقَدْ هُدِيَ}. يقولُ: فقد وُفِّق الطريقٍ واضحٍ، ومحجةٍ مستقيمةٍ غيرِ مُعوَجَّةٍ، فَيَسْتَقِيمُ به إلى رضا اللَّهِ، وإلى النجاةِ من عذابِ اللَّهِ، والفوزِ بجنتِه.

كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه:{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ} . قال: يؤمن باللَّهِ

(4)

.

(1)

في ص: "وحد عدوكم"، وفى ت 1:"وجد عدوكم".

(2)

في ص، ت 1:"الأيام".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 720 (3899) من طريق شيبان، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 58 إلى عبد بن حميد.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 720 (3901) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 58 إلى ابن المنذر.

ص: 634

وأصلُ العَصْم المنعُ. فكلُّ مانِعٍ شيئًا فهو عاصِمُه، والمُمْتَنِعُ به مُعْتَصِمٌ به. ومنه قولُ الفَرَزْدَقِ

(1)

:

أنا ابن العاصِمِينَ بنى تَمِيمٍ

إذا ما أَعْظَمُ الحَدَثانِ نَابَا

ولذلك قيل للحبلِ: عِصامٌ. وللسببِ الذي يَتَسَبَّبُ به الرجلُ إلى حاجتِه: عِصامٌ. ومنه قولُ الأعشى

(2)

:

إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرَى

(3)

وأخُذُ من كلِّ حَيٍّ عُصُمْ

يعنى بالعُصْمِ الأسبابَ؛ أسبابَ الذِّمةِ والأمانِ. يقالُ منه: اعْتَصَمْتُ بحَبْلٍ مِن فلانٍ، واعتصمتُ حبلًا من منه، واعتصمتُ به، واعتصمتُه. وأفصحُ اللغتين إدخالُ الباءِ، كما قال عز وجل:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} . وقد جاء: اعتصمته. كما قال الشاعر:

(4)

إذا أنتَ جازَيْتَ الإخاءَ بمثلِهِ

وآسَيْتَنى ثُمَّ اعتصمتَ حِبالِيَا

فقال: اعتصمتَ حِباليَا. ولم يُدخِل الباءَ. وذلك نظيرُ قولِهم: تناولتُ الخِطامَ، وتناولتُ بالخطامِ، وتعلَّقتُ به، وتعلَّقتُه. كما قال الشاعرُ

(5)

:

تَعَلَّمْتَ هندًا ناشئًا

(6)

ذاتَ مِئْزَرٍ

وأنت وقد قارَفْتَ

(7)

لم تَدْرِ ما الحِلْمُ

(1)

ديوانه ص 115.

(2)

ديوانه ص 37.

(3)

السُّرَى: سيرُ الليل عامته، وقيل: سير الليل كله. يُذكَّر ويُؤنَّث. اللسان (س ر ى).

(4)

معاني القرآن للفراء 1/ 228.

(5)

معاني القرآن للفراء 1/ 228.

(6)

الناشئ: فويق المحتلم، وقيل: هو الغلام والجارية وقد جاوزا حد الصغر، وكذلك الأنثى ناشئ. التاج (ن ش أ).

(7)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"فارقت". وقارفت: قاربْتَ. التاج (ق ر ف).

ص: 635

وقد بيَّنَّا

(1)

معنى "الهدى" و "الصراطِ"، وأنه معنيٌّ به الإسلامُ، فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضعِ

(2)

.

وقد ذُكِر أن الذي نزَل في سببٍ تَجاوُزِ

(3)

القَبِيلَيْنِ

(4)

؛ الأوسِ والخزرجِ، كان مِنْ

(5)

قولِه: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ} .

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا قيسُ بنُ الرَّبيعِ، عن الأغَرَّ بن الصَّبَّاحِ، عن خَليفةَ بن حُصينٍ، عن أبي نَصرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت الأوسُ والخزرجُ بينَهم حربٌ في الجاهليةِ [كلَّ شهرٍ]

(6)

، فبينما هم جلوسٌ إذ ذكَروا ما كان بينَهم حتى غضِبوا، فقام بعضُهم إلى بعضٍ بالسلاحِ، فنَزَلتْ هذه الآيةُ:{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} إلى آخرِ الآيتين، {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ} إلى آخرِ الآيةِ

(7)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)}

(1)

في م، ت 1، ت 2، ت 3 س:"بينت".

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 165 وما بعدها.

(3)

في النسخ: "تحاور". وينظر ما تقدم في ص 628.

(4)

في م: "القبيلتين". والقبيل: كالقبيلة. ينظر اللسان (ق ب ل).

(5)

في م: "منه".

(6)

كذا في النسخ، وفى تفسير ابن أبي حاتم:"كل شيء"، وفي تفسير القرطبي:"قتال وشر"، وفي الدر المنثور:"بينهم شر".

(7)

أخرجه الفريابي ومن طريقه الطبراني (12666)، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 720 (3898) من =

ص: 636

يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا معشرَ مَن صدَّق اللَّهَ ورسولَه {اتَّقُوا اللَّهَ} : خافوا اللَّهَ وراقِبوه بطاعتِه واجتنابِ معاصيه، {حَقَّ تُقَاتِهِ}: حقَّ خوفِه، وهو أن يُطاعَ فلا يُعْصَى، ويُشكَرَ فلا يُكفَرَ، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى، {وَلَا تَمُوتُنَّ} أيها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه {إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} لربِّكم، مُذعِنون له بالطاعةِ، مخلصون له الأُلُوهَةَ

(1)

والعبادةَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنَ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن زُبَيْدٍ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} . قال: أن يُطاعَ فلا يُعْصَى، ويُذكَرَ فلا يُنسَى، ويُشكَرَ فلا يُكْفَرَ

(2)

.

حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه

(3)

.

= طريق قيس بن الربيع به نحوه، وأخرجه البخاري في الكبير 9/ 76، والطبراني (12667) من طريق الأغر بن الصباح به بلفظ: كان بين الأوس والخزرج. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 58 إلى ابن المنذر. وينظر تفسير القرطبي 5/ 156.

(1)

في م: "الألوهية".

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 129. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 722 (3908) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه الطبراني (8502)، وابن مردويه في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 2/ 72 من طريق الفريابي وابن وهب عن الثورى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 59 إلى عبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 722 (3908) من طريق عبد الرحمن به، وابن المبارك في الزهد (22) عن شعبة به.

ص: 637

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ الهَمْدانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.

حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعتُ ليثًا، عن زُبيدٍ، عن مرةَ بن شَرَاحِيلَ البَكيلِيِّ

(1)

، عن عبدِ اللَّهِ، عن عبد الله بن مسعودٍ مثلَه

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنَهالِ، قال: ثنا جريرٌ، عن زُبيدٍ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا مِسْعرٌ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بن عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن المَسْعوديِّ، عن زُبيدٍ الإياميِّ

(4)

، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه

(5)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن زُبيدٍ، عن مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ مثلَه.

حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا يحيى، عن

(6)

سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} . قال: أن يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشكَرَ

(1)

في م، ت 2، ت 3 س:"الهمداني". وكلتاهما صواب، ينظر تهذيب الكمال 27/ 379.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 297، 298 عن ابن إدريس به.

(3)

أخرجه الطبراني (8501)، والحاكم 2/ 294 من طريق أبي نعيم به.

(4)

في ت 2: "اليامي". وكلتاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال 9/ 289.

(5)

أخرجه النحاس في ناسخه ص 281 من طريق المسعودى به.

(6)

في النسخ: "بن". وينظر تهذيب الكمال 25/ 323، 31/ 245.

ص: 638

فلا يُكفَرَ، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ نحوَه.

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا عمرُو بنُ مرةَ، [عن مرةَ]

(2)

، عن الرَّبيعِ بن خُثَيْمٍ

(3)

قال: أن يطاعَ فلا يُعْصَى، ويُشكَرَ فلا يُكفَرُ، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى

(4)

.

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرةَ، قال: سمِعتُ مرةَ الهَمْدانيَّ يُحدِّثُ عن الرِّبيعِ بن خُثَيْمٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} . فذكَر نحوَه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن طاوسٍ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} : أن يُطاعَ فلا يُعْصَى

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} . قال: حقُّ تقاتِه أن يُطاعَ

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 722 عقب الأثر (3908) معلقًا، وينظر تفسير ابن كثير 2/ 72.

(2)

سقط من: م.

(3)

في م: "خيثم".

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 722 عقب الأثر (3908) معلقًا.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 723 (3913) من طريق أبي حذيفة به.

ص: 639

فلا يُعْصَى

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ثم تقدَّم إليهم - يعنى إلى المؤمنين من الأنصارِ - فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} : أما حقُّ تقاتِه؛ يُطاعُ فلا يُعصى، ويُذكَرُ فَلا يُنْسَى، ويُشكَرُ فلا يُكفَرُ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا همَّامٌ، عن قتادةَ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} : أن يُطاعَ فلا يُعْصَى. قال: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

(3)

.

وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك كما حدثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} . قال: حقُّ تقاتِه أن يجاهِد

(4)

في

(5)

اللَّهِ حقَّ جهادِه، ولا يَأْخُذَهم

(6)

في اللَّهِ لومةُ لائمٍ، ويقوموا

(7)

للَّهِ بالقسطِ ولو على [أنفسِهم وآبائِهم وأبنائِهم]

(8)

.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 722 عقب الأثر (3908).

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 722 عقب الأثر (3908) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.

(3)

أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ص 281، 282 من طريق شيبان عن قتادة به.

(4)

في م، والدر المنثور:"يجاهدوا"، وفى ت:1: "تجاهدوا"، والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم والناسخ والمنسوخ، وينظر الأثر الآتي فهو نفسه.

(5)

بعده في م، وتفسير ابن أبي حاتم:"سبيل".

(6)

في الناسخ والمنسوخ: "تأخذكم"، وفى الدر المنثور:"تأخذهم".

(7)

في الناسخ والمنسوخ: "وتقوموا".

(8)

في الناسخ والمنسوخ: "آبائكم وأبنائكم"، وفى الدر المنثور:"أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم". =

ص: 640

ثم اخْتلف أهلُ التأويلِ في هذه الآيةِ؛ هل هي مَنْسوخَةٌ أم لا؟ فقال بعضُهم: هي مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخةٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} : إنها لم تُنْسَخْ، ولكن حقّ تقاتِه أن يُجاهدَ

(1)

في اللَّهِ حقَّ جهادِه. ثم ذكَر تأويلَه الذي ذكَرناه عنه آنفًا.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن قيس بن سعدٍ، عن طاوسٍ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} : فإن لم تَفْعَلوا ولم تَسْتَطيعوا فلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأنتم مُسْلِمُونَ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال طاوسٌ: قولُه: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . يقولُ: إن لم تَتَّقوه، فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون.

وقال آخرون: هي منسوخةٌ، نسَخها قولُه:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

= والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 722 (3910)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص 283، وابن الجوزى في نواسخه ص 244 من طريق أبي صالحٍ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 59 إلى ابن المنذر.

(1)

في م: "تجاهد".

(2)

تتمة الأثر المتقدم في ص 639، وليس في الإسناد ذكر ابن أبي نجيح، وكذا فيما سيأتي في ص 643، وهو الموافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.

ص: 641

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} : ثم أَنْزَل التخفيفَ واليُسرَ، وعاد بعائِدَتِه ورحمتِه على ما يَعْلَمُ مِن ضَعْفِ خَلْقِه، فقال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . فجاءتْ هذه الآيةُ فيها تخفيفٌ وعافيةٌ ويسرٌ

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ الأَنْماطيُّ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . قال: نَسَختْها هذه الآيةُ التي في "التَّغابُنِ": {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} . وعليها بايَعَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ على السمعِ والطاعةِ فيما اسْتطاعوا.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع بن أنسٍ، قال: لما نَزَلَتْ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ، ثم نَزَل بعدَها:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . فَنَسَخَتْ هذه الآيةُ التي في "آل عِمْرانَ"

(2)

.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} : فلم يُطق الناسُ هذا،

(1)

تفسير عبد الرزاق 2/ 295 عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 59 إلى عبد بن حميد وأبى داود في ناسخه والمصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 722 عقب الأثر (3911) من طريق ابن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 59 إلى المصنف.

ص: 642

فنَسَخه الله عنهم، فقال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}

(1)

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} . قال: جاء أمرٌ شديدٌ، قالوا

(2)

: ومَن يَعْرِفُ قَدْرَ هذا أو يَبْلُغُه؟ فلما عَرَف أنه قد اشْتَدَّ ذلك عليهم، نسَخها عنهم، وجاء بهذه الأُخرَى، فقال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فنسَخها.

وأما قولُه: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . فإن تأويلَه كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن طاوسٍ:{وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} . قال: على الإسلامِ وعلى حُرمةِ الإسلامِ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وتعلَّقوا بأسبابِ اللَّهِ جميعًا. يريدُ بذلك تعالى ذكرُه: وَتَمسَّكوا بدينِ الله الذي أمَرَكم به، وعهْدِه الذي عهِده إليكم في كتابِه إليكم، مِن الأُلْفةِ والاجتماعِ على كلمةِ الحقِّ، والتسليمِ لأمرِ اللَّهِ.

وقد دَلَّلْنا فيما مضى قبلُ على معنى الاعتصامِ.

وأما الحبلُ؛ فإنه السببُ الذي يُوصَلُ به إلى البُغْيَةِ والحاجةِ. ولذلك سُمِّى الأمانُ حبلًا؛ لأنه سببٌ يُوصَلُ به إلى زَوالِ الخوف، والنجاة من الجَزَعِ والذعرِ. ومنه قولُ أعشى بنى ثَعْلبةَ

(4)

:

(1)

أخرجه ابن الجوزى في نواسخه ص 243 من طريق أحمد بن المفضل به، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 722 عقب الأثر (3911) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت:"قال"، وفى س:"فقال".

(3)

تتمة الأثر المتقدم في ص 639، وينظر ص 641.

(4)

ديوانه ص 29.

ص: 643

وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلةٍ

أخَذَتْ مِن الأُخرَى إليك حبالَها

(1)

ومنه قولُ اللَّهِ عز وجل: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112].

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عن الشَّعْبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه قال في قولِه:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} . قال: الجماعةُ

(2)

.

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن العَوَّامِ، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ في قوله:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} . قال: حبلُ اللَّهِ الجماعةُ.

وقال آخرون: عنّى بذلك القرآنَ والعهدَ الذي عهِد فيه.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} : حبلُ اللَّهِ المتين الذي أمرَ أَن يُعتصَمَ به هذا

(1)

كان من عادة العرب أن يُخيف بعضُها بعضًا في الجاهلية، فكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيد كل قبيلة، فيأمن به ما دام في تلك القبيلة حتى ينتهى إلى الأخرى، فيأخذ مثل ذلك أيضًا، يريد به الأمان. اللسان (ح ب ل) والبيت فيه.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (520 - تفسير)، والطبراني (9033) من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 60 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 644

القرآنُ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} . قال: بعهدِ اللَّهِ وأمرِه

(2)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إن الصراطَ مُحْتَضَرٌ، تَحْضُرُه الشياطيُن، ينادُون: يا عبدَ اللَّهِ، هلمَّ، هذا الطريقُ؛ ليَصُدُّوا عن سبيلِ اللَّهِ، فاعْتَصِموا بحبل الله، فإِنَّ حبلَ اللَّهِ هو كتابُ اللَّهِ

(3)

.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، عن أسباطَ، عن السُّديِّ:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} : أمَّا حبلُ اللَّهِ، فكتابُ اللَّهِ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{بِحَبْلِ اللَّهِ} : بعهد اللَّهِ

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ:{بِحَبْلِ اللَّهِ} . قال: العهدُ

(6)

.

(1)

أخرجه البغوي في تفسيره 2/ 78 من طريق شيبان ومعمر عن قتادة به.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 129، وأخرجه ابن حاتم في تفسيره 3/ 724 (3919) عن الحسن به.

(3)

أخرجه الطبراني (9031) من طريق سفيان عن منصور به، وأخرجه الدارمي 2/ 432، وابن الضريس في فضائله ص 50 (74)، والبيهقي في الشعب (2025) من طرق عن الأعمش عن شقيق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 60 إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن الأنبارى في المصاحف وابن مردويه.

(4)

أخرجه البغوي في تفسيره 2/ 78 من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.

(5)

أخرجه البغوي في تفسيره 2/ 78 من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن ابن أبي نجيح به.

(6)

أخرجه البغوي في تفسيره 2/ 78 من طريق ابن جريج به.

ص: 645

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} . قال: حبلُ اللَّهِ القرآنُ

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} . قال: القرآنُ.

حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن عبدِ الملكِ بن أبى سليمانَ العَرْزَميِّ، [عن عطيةَ]

(2)

، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "كتابُ اللَّهِ، هو حبلُ اللَّهِ المَمْدودُ من السماءِ إلى الأرضِ"

(3)

.

وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاصُ التوحيدِ اللَّهِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} . يقولُ: اعْتَصِموا بالإخلاصِ للَّهِ وحدَه

(4)

.

حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} . قال: الحبلُ الإسلامُ. وقرأ: {وَلَا

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (519 - تفسير)، والطبراني (9032) من طريق أبي وائل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 60 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(2)

سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن كثير 2/ 73 ومصادر التخريج.

(3)

ذكره ابن كثير 2/ 73 عن المصنف، وأخرجه أحمد 17/ 308 (11211)، وابن أبي عاصم في السنة (1553)، وأبو يعلى (1140)، والطبراني (2678) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان به، وأخرجه ابن أبى شيبة 10/ 506 - ومن طريقه ابن أبي عاصم في السنة (1554) من طريق عطيه به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 724 (3918) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 646

تَفَرَّقُوا}

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {وَلَا تَفَرَّقُوا} .

يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَلَا تَفَرَّقُوا} : ولا تتفرَّقوا عن دينِ اللَّهِ وعهدِه الذي عهِد إليكم في كتابِه، من الائْتلافِ والاجتماعِ على طاعتِه وطاعةِ لرسولِه صلى الله عليه وسلم، والانتهاءِ إلى أمرِه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} : إن اللَّهَ عز وجل قد كرِه لكم الفُرْقةَ، وقدَّم إليكم فيها، وحَذَّرَكموها، ونهاكم عنها، ورضِى لكم السمعَ والطاعةَ، والأُلْفةَ والجماعةَ، فارْضَوْا لأنفسِكم ما رضِى اللَّهُ لكم إن استطعْتم، ولا قوةَ إلا باللَّهِ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ:{وَلَا تَفَرَّقُوا} : لا تَعادَوْا عليه. يقولُ: على الإخلاصِ للَّهِ، وكونوا

(3)

عليه إخوانًا

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، أن الأوزاعيَّ حدَّثه، أن يزيدَ الرَّقَاشيَّ حدَّثه، أنه سمِع أنسَ بنَ مالكٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيلَ افْتَرَقتْ على إحدى وسبعين فِرْقةً، وإِن أُمَّتى ستَفْتَرِقُ على اثنتْين وسبعين فرقةً، كلُّهم في النارِ إلَّا واحدةً". قال: فقيل: يا رسولَ اللَّهِ،

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 61 إلى المصنف.

(2)

ينظر التبيان 2/ 546.

(3)

في ص، ت 1:"تكونوا".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 724 (3921) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.

ص: 647

وما هذه الواحدةُ؟ قال: فقبَض يدَه وقال: "الجماعةُ، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} "

(1)

.

حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سَمِعتُ الأوزاعيَّ يُحدِّثُ عن يزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَه

(2)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن ابن أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن ثابتِ بن قُطْبةَ

(3)

المُزَنِيِّ

(4)

، عن عبدِ اللَّهِ، أنه قال: يا أيها الناسُ، عليكم بالطاعةِ والجماعةِ، فإنها

(5)

حبلُ اللَّهِ الذي أمَر به، وإنَّ ما تَكْرَهون في الجماعةِ والطاعةِ، هو خيرٌ مما تَسْتَحِبُّون في الفُرْقةِ

(6)

.

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ السكريُّ

(7)

، قال: أخبَرنا محمدُ بن يزيدَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن ثابتِ بن قُطْبَةَ (3)، قال: سَمِعتُ ابْنَ مسعودٍ وهو يَخْطُبُ، وهو يقولُ: يا أيها الناسُ. ثم ذكَر نحوَه

(8)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 723 (3915) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح به.

(2)

أخرجه ابن ماجه (3993) من طريق الوليد بن مسلم عن أبي عمرو الأوزاعي عن قتادة عن أنس به.

(3)

في م، س:"قطنة". وينظر التاريخ الكبير 2/ 168.

(4)

في ص: "المرنى"، وفى م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"المرى". والمثبت موافق لما في طبقات ابن سعد 6/ 197، وثقات ابن حبان، 4/ 92، ونسبه في التاريخ الكبير:"المدنى".

(5)

في م، ت 2، ت 3، وتفسير ابن أبي حاتم:"فإنهما". وينظر الأثر بعد الآتى.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 723 (3916) من طريق إسماعيل - وهو ابن أبي خالد - به.

(7)

في م: "اليشكري".

(8)

أخرجه اللالكائى في شرح أصول الاعتقاد 1/ 108 من طريق محمد بن يزيد به.

ص: 648

حدَّثنا إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأُبُلِّيُّ

(1)

، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ أبو هشامٍ، قال: ثنا مجالدُ بنُ سعيدٍ، عن عامرٍ، عن ثابتِ بن قُطْبَةَ

(2)

المُزَنِيِّ

(3)

، قال: قال عبدُ اللَّهِ: عليكم بالطاعةِ والجماعةِ، فإنها حبلُ اللَّهِ الذي أمَر به. ثم ذكَر نحوَه

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} .

يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} : واذكُروا ما أنعَم اللَّهُ به عليكم مِن الأُلْفَةِ والاجتماعِ على الإسلامِ.

واختلَف أهلُ العربيةِ في قولِه: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ في ذلك: انقطَع الكلامُ عندَ قولِه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} . ثم فُسِّر بقولِه: {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} . وأخبَرَ بالذي كانوا فيه قبلَ التأليفِ، كما تقولُ: أمسِكِ الحائطَ

(5)

أن يَمِيلَ.

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: قولُه: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} تابع قوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} . غيرُ مُنْقَطِعةٍ منها.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن قولَه: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} . متصلٌ بقولِه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} . غيرُ منقطعٍ عنه.

وتأويلُ ذلك: واذكُروا أيها المؤمنون نعمةَ اللَّهِ عليكم التي أنعَم بها عليكم حينَ

(1)

في م: "الآملي"، وفى س:"الايلى". وينظر تهذيب الكمال 3/ 62.

(2)

في م، س:"قطنة"

(3)

في ص: "المرنى"، وفى م، ت 1، ت 2، ت، س:"المرى".

(4)

أخرجه الآجرى في الشريعة (17) من طريق مجالد به، وأخرجه الحاكم 4/ 555 من طريق أبي حصين عن عامر.

(5)

بعدها في ت 1: "قبل".

ص: 649

كنتُم أعداءً، أي بشركِكم

(1)

، يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا عصبيةً، في غيرِ طاعةِ اللَّهِ ولا طاعةِ رسولِه، فألَّف اللَّهُ بالإسلامِ بينَ قلوبِكم، فجعَل بعضَكم لبعضٍ إخوانًا - بعدَ أن

(2)

كنتم أعداءً - تَتَواصلون بأُلْفَةِ الإسلامِ، واجتماعِ كلمتِكم عليه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} : كنتم تَذابَحون فيها، يَأْكُلُ شديدُكم ضعيفَكم، حتى جاء اللَّهُ بالإسلامِ، فآخَى به بينَكم وألَّف به بينَكم، أما واللَّهِ الذي لا إلهَ إلا هو، إِنَّ الأُلْفةَ لرحمةٌ، وإِنَّ الفُرقةَ لعذابٌ

(3)

.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه:{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً} : يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا، ويَأْكُلُ شديدُكم ضعيفَكم، حتى اللَّهُ بالإسلامِ، فألَّف به بينكم، وجمَع جمعَكم عليه، وجعَلكم عليه إخوانًا

(4)

.

فالنعمةُ التي أنعَم اللَّهُ على الأنصارِ، التي أمَرهم تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ أن يَذْكُروها، هي أُلْفةُ، الإسلامِ، واجتماعُ كلمتِهم عليها، والعداوةُ التي كانت بينَهم، التي قال اللَّهُ عز وجل:{إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً} . فإنها عداوةُ الحروبِ التي كانت بينَ الحيين مِن الأوسِ والخزرجِ في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، يَزْعُمُ العلماءُ بأيامِ العربِ أنها تطاوَلت بينَهم عشرين ومائةَ سنةٍ.

(1)

في ص: "شرككم".

(2)

في م: "إذ"

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 61 إلى ابن المنذر وفيه زيادة مرسلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 725 (3925) من طريق ابن أبي جعفر به مختصرًا.

ص: 650

كما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: كانت الحربُ بينَ الأوسِ والخزرجِ عشرين ومائةَ سنةٍ، حتى قام الإسلامُ وهم على ذلك، فكانت حربُهم بينَهم وهم أخوان لأبٍ وأمٍّ، فلم يُسمَعْ بقومٍ كان بينَهم مِن العداوةِ والحربِ ما كان بينَهم، ثم إن اللَّهَ عز وجل أطفَأ ذلك بالإسلامِ، وألَّف بينَهم برسولِه محمد صلى الله عليه وسلم

(1)

.

فذكَّرهم جلَّ ثناؤه إذ وعظَهم، عظيمَ ما كانوا فيه في جاهليتِهم مِن البلاءِ والشقاءِ، بمعاداةِ بعضِهم بعضًا، وقتلِ بعضِهم بعضًا، وخوفِ بعضِهم مِن بعضٍ، وما صاروا إليه بالإسلامِ، واتباعِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماعِ، وأمْنِ بعضِهم مِن بعضٍ، ومصيرِ بعضِهم لبعضٍ إخوانًا.

وكان سببَ ذلك ما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: ثنا عاصمُ بنُ عمرَ بن قتادةَ المدنيُّ

(2)

، عن أشياخٍ مِن قومِه، قالوا: قدِم سُويدُ بنُ صامتٍ، أخو بني عمرِو بن عوفٍ، مكةَ حاجًّا أو معتمِرًا. قال: وكان سويدٌ إنما يُسَمِّيه قومُه فيهم الكاملَ: الجَلَدِه وشِعْرِه ونسبِه وشرفِه. قال: فتَصدَّى له رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حينَ سمع به، فدعاه إلى اللَّهِ عز وجل وإلى الإسلامِ، قال: فقال له سُويدٌ: فلعلَّ الذي معك مثلُ الذي معى. قال: فقال له رسولُ الله: "وما الذي معك؟ " قال: مَجَلَّةُ لُقمانَ - يعني حكمةَ لقمانَ - فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اعْرِضْها عليَّ". فعرَضها عليه، فقال: "إن هذا الكلامٌ

(3)

حسَنٌ، معى أفضلُ مِن

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 61 إلى المصنف مختصرًا.

(2)

في ص، ت 1، ت 3، س:"الكفرى"، وفي ت 2:"الكفوى".

(3)

في م: "الكلام".

ص: 651

هذا، قرآنٌ أنزَله اللَّهُ عليَّ، هدًى ونورٌ". قال: فتلا عليه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم القرآنَ، ودعاه إلى الإسلامِ، فلم يَبْعُد

(1)

منه، وقال: إن هذا القولَ حسنٌ، ثم انصرَف عنه، وقدِم المدينةَ، فلم يَلْبَثْ أن قَتَلَتْه الخزرجُ، فإن كان قومُه لَيَقُولُون: قد قتِل وهو مسلمٌ. وكان قتلُه قبلَ يومِ بُعاثٍ

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثني الحُصَينُ

(3)

بنُ عبدِ الرحمنِ بن عمرو بن سعد بن مُعاذٍ، أحدُ بني عبدِ الأشهلِ، أن محمودَ بنَ لَبِيدٍ

(4)

، أحدَ بني عبدِ الأشهلِ، قال: لما قدِم أبو الحَيْسَرِ

(5)

أَنسُ بنُ رافعٍ مكةَ، ومعه فتيةٌ مِن بنى عبدِ الأشهلِ، فيهم

(6)

إياسُ بنُ معاذٍ، يلتمِسون الحِلْفَ مِن قريشٍ على قومٍ مِن الخزرجِ، سمِع بهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فأتاهم، فجلَس إليهم، فقال:"هل لكم إلى خيرٍ مما جِئْتُم له؟ " قالوا: وما ذاكَ؟ قال: "أنا رسولُ اللَّهِ، بعَثني إلى العبادِ، أدْعُوهم إلى اللَّهِ، أن يَعْبُدُوا

(7)

اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا

(8)

به شيئًا، وأَنْزَل عليَّ الكتابَ". ثم ذكَر لهم الإسلامَ، وتلا عليهم القرآنَ، فقال إياسُ بنُ معاذٍ، وكان غلامًا حدثًا: أي قومُ، هذا واللَّهِ خيرٌ مما جِئْتُم له. قال: فأخَذ

(9)

أبو الحيسرِ

(10)

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت:"يبعده"، وفى س:"يتعده".

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 425 - 427، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 351، 352.

(3)

في م، ت 1 س:"الحسين". وينظر تهذيب الكمال 6/ 517.

(4)

في م: "أسد".

(5)

في ص، م، ت 1:"أبو الجيش"، وفى ت،2 ت 3:"الحسين"، والمثبت من تاريخ المصنف، وسيرة ابن هشام.

(6)

في س: "منهم".

(7)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يعبدون"

(8)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يشركون".

(9)

في تاريخ المصنف، وسيرة ابن هشام:"فيأخذ".

(10)

في ص، م، س:"الجيش"، وفى ت 1:"الحسن"، وفى ت 2، ت 3:"الحسين".

ص: 652

أَنسُ بنُ رافعٍ حَفْنةٌ مِن البطحاءِ فضرَب بها وجهَ إياسِ بن معاذٍ، وقال: دَعْنا منك، فلَعَمْرى لقد جِئْنا لغيرِ هذا، قال: فصمَت إياسُ بنُ مُعاذٍ، وقام رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرَفوا إلى المدينةِ، وكانت وقعةُ بُعاثٍ بينَ الأوسِ والخزرجِ. قال: ثم لم يَلْبَثْ إياسُ بنُ معاذٍ أن هلَك. قالَ: فلمَّا أراد اللَّهُ إظهارَ دينِه، وإعزازَ نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وإنجازَ موعدِه له، خرَج رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في

(1)

الموسمِ الذي لقِى فيه النفَرَ مِن الأنصارِ، فعرَض

(2)

نفسَه على قبائلِ العربِ، كما كان يَصْنَعُ في كلِّ موسمٍ، فبينا هو عندَ العقبةِ، إذ لقِى رهطًا من الخزرجِ أراد اللَّهُ لهم

(3)

خيرًا، قال ابن حميدٍ: قال سلمةُ: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: فحدَّثنى عاصمُ بنُ عمرَ بن قتادةَ، عن أشياخٍ مِن قومِه، قالوا: لما لقِيَهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال لهم: "مَن أنتم؟ " قالوا: نفرٌ مِن الخزرجِ. قال: "أَمِنْ مَوَالى يَهُودَ؟ " قالوا: نعم. قال: "أفلا تجلسون حتى أُكَلِّمكم؟ " قالوا: بلى. قال: فجلَسوا معه، فدعاهم إلى اللَّهِ، وعرَض عليهم الإسلامَ، وتلا عليهم القرآنَ. قال: وكان مما صنَع اللَّهُ لهم به في الإسلامِ، أن يَهُودَ كانوا معهم ببلادِهم، وكانوا أهلَ كتابٍ، وعلمٍ، وكانوا أهلَ شركٍ أصحابَ أوثانٍ، وكانوا قد عزُّوهم

(4)

ببلادِهم، فكانوا إذا كان بينَهم شيءٌ قالوا لهم: إن نبيًّا الآنَ مبعوثٌ قد أظلَّ زمانُه، نَتَّبِعُه ونَقْتُلُكم معه قتلَ عادٍ وإرَمَ، فلما كلَّم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أولئك النفرَ، ودعاهم إلى اللَّهِ عز وجل، قال بعضُهم لبعضٍ: يا قومُ،

(1)

سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت:"يعرض". وهو صحيح أيضا، والمثبت موافق لما في مصدرى التخريج.

(3)

في تاريخ المصنف، وسيرة ابن هشام:"بهم".

(4)

في م، وسيرة ابن هشام:"غزوهم". وعزُّوهم: غلبوهم اللسان (ع ز ز).

ص: 653

تعلمون

(1)

واللَّهِ إنه للنبيُّ الذي توعَّدُكم به يهودُ، فلا

(2)

يَسْبِقُنَّكم إليه. فأجابوه فيما

(3)

دعاهم إليه بأن صدَّقوه، وقبِلوا منه ما عرَض عليهم مِن الإسلامِ، وقالوا له: إنا قد ترَكنا قومَنا ولا قومَ بينَهم من العداوةِ والشرِّ ما بينَهم، وعسى [اللَّهُ أَن يَجْمَعَهم]

(4)

بك، وسنَقْدَمُ

(5)

عليهم فنَدْعُوهم

(6)

إلى أمرِك، ونعرِضُ

(7)

عليهم

(8)

الذي أجَبْناك إليه

(9)

مِن هذا الدينِ، فإن يَجْمَعْهم اللَّهُ عليه فلا رجلَ أعزُّ منك. ثم انصَرَفوا عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم راجعِين إلى بلادِهم، قد آمَنوا وصدَّقوا، وهم فيما ذكِر لى ستةُ نفرٍ. قال: فلما قدِموا المدينةَ على قومِهم ذكَروا لهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ودعَوهم إلى الإسلامِ حتى فشا فيهم، فلم يَبقَ دارٌ من دورِ الأنصارِ إلا وفيها ذِكرٌ من رسولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان العامُ المقبلُ، وافى

(10)

الموسمَ مِن الأنصارِ اثنا عشَرَ رجلًا، فلقُوه بالعقبةِ، وهى العقبةُ الأولى، فبايَعوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على بيعةِ النساءِ، وذلك قبلَ أن يُفْتَرَضَ عليهم الحربُ

(11)

.

(1)

في م، وسيرة ابن هشام:"تعلموا"، وفى تاريخ المصنف:"تعلمن".

(2)

في النسخ: "ولا". والمثبت من تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام.

(3)

في س: "إلى ما".

(4)

في م: "أن يجمعهم الله".

(5)

في ص، ت 1:"ستقدم".

(6)

في ت 1: "فتدعوهم"

(7)

في ص، ت 1، وسيرة ابن هشام:"تعرض".

(8)

بعده في ت 2: "الإسلام".

(9)

في س: "عليه".

(10)

في ص، ت 1:"واتى".

(11)

سيرة ابن هشام 1/ 427 - 431، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 352 - 355.

ص: 654

حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، أنه لقِي النبيَّ صلى الله عليه وسلم ستةُ نفرٍ مِن الأنصارِ، فآمَنوا به وصدَّقوه، فأراد أن يَذْهَبَ معهم، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إن بينَ قومِنا حربًا، وإنا نَخَافُ إن جئتَ على حالِك هذه ألَّا يتهيأَ الذي تُريدُ. فواعَدوه

(1)

العامَ المقبلَ، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ نَذْهَبُ، فلعل

(2)

اللَّهَ أن يُصْلِحَ تلك الحربَ. قال: فذهَبوا ففعَلوا، فأصلَح اللَّهُ عز وجل تلك الحربَ، وكانوا يُرَوْنَ أَنها لا تصْلحُ، وهو يومُ بُعاثٍ، فلقُوه مِن العامِ المقبلِ سبعين رجلًا قد آمنوا، فأخذ عليهم

(3)

النقباءَ اثْنَيْ عشرَ رجلًا

(4)

نقيبًا، فذلك حين يقولُ:{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً} : ففى حربِ سُمَيْرٍ

(6)

، {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} . بالإسلام

(7)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ بنحوِه، وزاد فيه: فلما كان مِن أمرِ عائشةَ ما كان، فتَثَاوَر

(8)

الحَيَّانِ،

(1)

في م: "فوعدوه".

(2)

في س، وتفسير عبد الرزاق:"لعل".

(3)

في تفسير عبد الرزاق، والدر المنثور:"منهم".

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 129. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 61 إلى ابن المنذر.

(6)

سقط من النسخ، والمثبت مما سيأتي في الصفحة التالية. وينظر ما تقدم في 2/ 208.

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 725 (397) من طريق أحمد بن المفضل به مقتصرًا على آخره.

(8)

تثاورا: تواثبا. ينظر التاج (ث و ر).

ص: 655

فقال بعضُهم لبعضٍ: موعدُكم الحَرَّةُ. فخرَجوا إليها، فنزَلت هذه الآيةُ:{وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} الله الآية. فأتاهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فلم يَزَلْ يَتْلُوها عليهم حتى اعتَنَق بعضُهم بعضًا، وحتى إن لهم لخَنِينًا

(1)

، يعنى البكاءَ

(2)

.

وسُمَيرٌ الذي زعَم السديُّ أن قولَه: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً} . عنى به حربَه، هو سُمَيرُ بنُ زيدِ

(3)

بن مالكٍ، أحدُ بني عمرِو بن عوفٍ، الذي ذكَره مالكُ بنُ العجلانِ في قولِه

(4)

:

إِنَّ سُميرًا أَرَى عَشِيرَتَهُ

قد حدِبوا

(5)

دونَه وقد أَنِفوا

(6)

إِنْ يَكُنِ الظَّنُّ صادِقى ببنى

النجّارِ لم يَطْعَمُوا الذي عُلِفوا

(7)

وقد ذكَر علماءُ الأنصارِ أن مبدأَ العداوةِ التي هيَّجت

(8)

الحروبَ التي كانت بينَ قبيلتَيها الأوسِ والخزرجِ وأولَها، كان بسببِ قتلِ

(9)

مولًى لمالكِ بن العجلانِ الخزرجيِّ، يقالُ له: الحُرُّ

(10)

بنُ سُميرٍ. مِن مُزَيْنَةَ، وكان حليفًا لمالكِ بن

(1)

في م، ت 1، ت 2، ت 3:"لحنينا"، وفى س:"لنحيبا".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 61 إلى المصنف.

(3)

ذكره أبو الفرج في الأغانى 3/ 40: "يزيد"، وكذا ذكر أخاه درهم بن يزيد، وفي نسخ منه في اسم أخيه "زيد".

(4)

جمهرة أشعار العرب، 2/ 637، والأغانى 3/ 20، والخزانة 4/ 279.

(5)

حدب: تعطَّف وحنا. ينظر التاج (ح د ب).

(6)

في م: "أبقوا".

(7)

في ص، م، ت 2، ت 3، س:"علقوا". وقال أبو الفرج في الأغانى: يقال: عُلِفوا الضيم: إذا أقروا به. أي: ظني أنهم لا يقبلون الضيم.

(8)

في ص، ت 1، س:"هاجت".

(9)

في ص، ت 1:"قتلة"، وفى س:"قبيلة".

(10)

كذا في النسخ، وفى خزانة الأدب:"بجير"، وفى شرح ديوان حسان ص 81 نقلا عن ابن الكلبي وغيره:"أبجر".

ص: 656

العجلان، ثم اتصلت تلك العداوةُ بينهم، إلى أن أطفاها الله بنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم. فذلك معنى قول السديِّ: حربُ سميرٍ

(1)

.

وأما قولُه: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} . فإنه يعنى: فأصبَحتم بتأليف الله عز وجل بينكم بالإسلام وكلمة الحقِّ، والتعاون على نصرةِ أهل الإيمانِ، والتآزر على مَن خالَفكم مِن أهلِ الكفرِ، إخوانًا متصادقين، لا ضغائن بينَكم ولا تحاسدَ.

كما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه:{فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} : ذُكر

(2)

لنا أن رجلًا قال لابن مسعودٍ: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمةِ الله إخوانًا.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} .

يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ} : وكنتم يا معشرَ المؤمنين مِن الأوسِ والخزرجِ، على حرفِ حفرةٍ من النارِ. وإنما ذلك مَثَلٌ لكفرِهم الذي كانوا عليه قبل أن يَهْدِيَهم الله للإسلام، يقولُ تعالى ذكرُه: وكنتم على طرْفِ جهنمَ بكفرِكم الذي كنتم عليه قبل أن يُنْعِمَ الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافِكم عليه إخوانًا، ليس بينَكم وبين الوُقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفرِكم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقَذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له.

وشفا الحفرة طرفُها وحرفُها، مثلُ شفا الرَّكيَّة والبئرِ، ومنه قولُ الراجزِ:

نحن حفرنا للحجيج سَجْلَهْ

نابتةٌ فوقَ شفاها بَقْلَهْ

(3)

(1)

في م: "ابن سمير".

(2)

في م، ت 2، ت 3:"وذكر".

(3)

لم نجد هذا الرجز، وأقرب ما ورد إليه ما ذكره أبو عبيد البكرى في معجم ما استعجم 3/ 724. تعريف =

ص: 657

يعني: فوقَ حرفِها. يقالُ: هذا شفَا هذه الرَّكيِّةِ، مَقصورٌ، وهما شفَواها.

وقال: {فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} . يعنى

(1)

: فأنقَذكم من الحفرة. فردَّ الخبرَ إلى الحفرةِ، وقد ابتدَأ الخبرَ عن الشَّفَا؛ لأن الشَّفا من الحفرةِ، فجاز ذلك، إذ كان الخبرُ عن الشفا على السبيل التي ذكَرَها في هذه الآية خبرًا عن الحفرةِ، كما قال جريرُ بنُ عطية

(2)

:

رَأَتْ مرَّ السنينَ أَخَذْنَ منى

كما أخَذ السّرارُ

(3)

من الهلالِ

فذكر "مرَّ السنين"، ثم رجَع إلى الخبرِ عن السنينَ، وكما قال العجاجُ

(4)

:

طُولُ اللَّيالي أَسْرَعَتْ في نَقْضِى

طَوَيْنَ طُولى وطوين عرضى

وقد بيَّنتُ العلةَ التي مِن أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل

(5)

.

وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل قال أهلُ التأويل.

= سجلة فقال: بئر احتفرها قصى بمكة، وقال:

أنا قصى وحفرت سَجْلَهْ

تُرْوى الحَجيج زُغْلَةً فَزُغْلَهُ

وقيل: بل حفرها هاشم، ووهبها أسد بن هاشم لعدى بن نوفل، وفى ذلك تقول خالدة بنت هاشم:

نحن وهبنا لعدى سَجْلَهْ

تُرْوِى الحجيجَ زُغْلَةً فَزُغْلَهْ

(1)

بعده في ص: "فأنقذكم منها".

(2)

شرح ديوان جرير ص 546. وتفسير الآية 33 من سورة الرعد.

(3)

السرار بكسر السين وفتحها: آخر ليلة من الشهر، يستمر الهلال بنور الشمس. وينظر التاج (س ر ر) والمراد في البيت نقصان القمر حتى يبلغ أن يكون هلالا.

(4)

وكذا نسبه إليه سيبويه في الكتاب 1/ 53، ونسبه أبو حاتم في المعمرين ص 108، وأبو الفرج في الأغانى 21/ 28 إلى الأغلب العجلى، وفى روايته اختلاف، وينظر الخزانة 4/ 224 - 226.

(5)

ينظر ما تقدم في 4/ 247، 248.

ص: 658

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} : كان هذا الحيُّ من العربِ أذلَّ الناسِ ذلًّا، وأشقاه عيشًا، وأبينَه ضلالةً، وأعْراهُ جلودًا، وأجوعَه بطونًا، مَكْعُومين

(1)

على رأسِ حجرٍ بين الأسدَين فارسَ والرومِ، لا والله، ما في بلادِهم يومئذٍ مِن شيءٍ يُحْسَدُون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات رُدِّى في النار، يُؤكلون ولا يأكُلون، والله ما نَعْلَمُ قبيلًا يومئذٍ من حاضرِ الأرض كانوا فيها أصغَرَ حظًّا وأدقَّ فيها شأنًا منهم، حتى جاء اللَّهُ عز وجل بالإسلام، فورَّثكم به الكتابَ، وأحلَّ لكم به دارَ الجهادِ، ووضَع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقابِ الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكُروا نعمه

(2)

، فإن ربَّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشاكرين، وإن أهلَ الشكر في مزيدِ اللهِ، فتعالى ربُّنا وتبارَك

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قوله:{وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ} . يقولُ: كنتم على الكفر باللهِ، {فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}: من ذلك وهداكم إلى الإسلام.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} : محمد صلى الله عليه وسلم. يقولُ:

(1)

في م: "معكومين"، وكعم البعير: شدَّ فاه في هياجه لئلا يعض أو يأكل، وكعمه الخوف: أمسك فاه. اللسان (ك ع م).

(2)

في س: "نعمة الله".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 581 عن قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 177 إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 659

كنتم على طرف النارِ، من مات منكم أُوبق

(1)

في النارِ، فبعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم فاستنَقَذكم به من تلك الحفرة

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا حسنُ بنُ حيٍّ

(3)

: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} . قال: عصبيةٌ.

‌القولُ في تأويل قوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)} .

يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {كَذَلِكَ} : كما بيَّن لكم ربُّكم في هذه الآياتِ أَيُّها المؤمنون مِن الأوسِ والخزرجِ، من غلِّ

(4)

اليهود الذي يُضْمِرونه لكم، وغشِّهم لكم، وأمره

(5)

إياكم بما أمَركم به فيها، ونهيِه لكم عما نهاكم عنه، والحالِ التي كنتم عليها في جاهليتِكم والتي صِرتم إليها في إسلامِكم، مُعَرِّفكم

(6)

في كلِّ ذلك مواقع نعمِه قِبَلكم وصنائعَه لديكم - فكذلك يبينُ

(7)

سائرَ حُجَجِه لكم في تنزيله، وعلى لسانِ رسوله صلى الله عليه وسلم، {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} يَعْنِي: لتَهْتَدُوا إلى سبيل الرشادِ وتَسْلُكوها فلا تَضِلُّوا عنها.

‌القول في تأويل قوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)} .

يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ} أيها المؤمنون {أُمَّةٌ} . يقولُ:

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وبقى".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 726 (3930، 3931) من طريق أحمد بن المفضل به.

(3)

في م: "يحيى". وينظر تهذيب الكمال 6/ 177.

(4)

في م: "علماء".

(5)

في ص، ت 1، س:"أمرهم".

(6)

في م: "يعرفكم".

(7)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"لكم".

ص: 660

جماعةٌ {يَدْعُونَ} الناس {إِلَى الْخَيْرِ} يعنى: إلى الإسلام وشرائعِه التي شرَعها الله لعباده، {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} يقولُ: يأمُرون الناسَ باتباعِ محمدٍ [رسول الله]

(1)

صلى الله عليه وسلم، دينِه الذي جاء به مِن عندِ اللَّهِ، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} يَعْنى: ويَنْهون عن الكفر بالله، والتكذيب بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله، بجهادِهم بالأيدى والجوارح حتى ينقادوا لكم بالطاعة.

وقولُه: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . يعنى: المُنجِحون عند الله، الباقون في جنانه

(2)

ونعيمه.

وقد دلَّلنا

(3)

على معنى الإفلاح في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته هاهنا

(4)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عمر القارئُ، عن أبي عونٍ الثقفيِّ، أنه سمع صُبَيحًا، قال: سمعتُ عثمانَ يَقْرأُ: (ولْتَكُنْ منكم أُمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهَون عن المنكرِ ويَسْتَعينون الله على ما أصابهم)

(5)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سمعتُ ابنَ الزبيرِ يَقْرَأُ

(6)

. فذكر مثل قراءة عثمان التي ذكرناها قبلُ

(1)

سقط من: م، س، ت 1، ت 2، ت 3.

(2)

في م: "جناته".

(3)

بعده في م: "فيما مضى".

(4)

ينظر ما تقدم في 1/ 256 - 258.

(5)

أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص 39 من طريق عيسى بن عمر، به، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 4/ 449 في ترجمة صبيح، وفيه: يهدون. بدلا من: يدعون. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 62 إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى، وهذه القراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة، وهى مخالفة لرسم المصحف.

(6)

في ت 1: "يقول".

ص: 661

سواءً

(1)

.

حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاك:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . قال: هم خاصَّةُ أصحاب [رسولِ اللهِ]

(2)

، وهم خاصَّةُ الرواة

(3)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} .

يعنى بذلك عز وجل: ولا تكونوا يا معشرَ الذين آمنوا {كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا} مِن أهل الكتاب، {وَاخْتَلَفُوا} في دينِ اللهِ وأمره ونهيه، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} مِن حُجَج الله، فيما اختلفوا فيه وعلموا الحقَّ فيه فتعمَّدُوا خلافَه، وخالفوا أمرَ اللَّهِ ونقضُوا عهده وميثاقَه جراءةً على الله، {وَأُولَئِكَ لَهُمْ} يعنى: ولهؤلاء الذين تفرَّقوا واختلفوا مِن أهل الكتابِ مِن بعدِ ما جاءهم {عَذَابٌ}

(4)

عندَ اللَّهِ {عَظِيمٌ} .

يقولُ جلَّ ثناؤه: فلا تَتَفَرَّقوا

(5)

يا معشرَ المؤمنين في ديِنكم تَفَرُّقَ هؤلاء في ديِنهم، ولا تَفْعَلُوا فعلَهم، وتَسْتَنُّوا في دينِكم بسنتِهم، فيكونَ لكم من عذابِ اللَّهِ العظيم مثلُ الذي لهم.

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (521 - تفسير)، وابن أبي داود في المصاحف ص 82، 83 من طريق ابن عيينة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 61، 62 إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"الرسول".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 62 إلى المصنف وابن المنذر.

(4)

بعده في م، س:"من".

(5)

في م: "تفرقوا".

ص: 662

كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قوله:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} . قال: هم أهلُ الكتابِ، نهَى الله أهلَ الإسلام أن يَتَفَرَّقوا ويَخْتَلِفوا كما تَفَرَّق واختلف أهلُ الكتاب، قال الله عز وجل:{وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس قولَه:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} . ونحو هذا في القرآن: أمر الله جلَّ ثناؤه المؤمنين بالجماعةِ، ونهاهم عن الاختلافِ والفُرْقةِ، وأخبَرهم أنما هلَك من كان قبلَهم بالمراءِ والخُصومات في دينِ الله

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسن في قولِه:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . قال: هم اليهودُ والنصارى

(3)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)} .

يَعْنِى بذلك جلَّ ثناؤه: أولئك لهم عذابٌ عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوهٌ.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 62 إلى المصنف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 728 (3945) من طريق عبد الله بن صالح به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 728 (3946) من طريق أبى بكر الحنفى به.

ص: 663

وأما قولُه: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} . فإن معناه: فأما الذين اسودَّت وجوهُهم فيقالُ لهم: أَكَفَرْتُم بعد إيمانِكم فَذُوقُوا العذابَ بما كنتم تكفُرُون.

ولا بدَّ لـ "أمّا" من جوابٍ بالفاءِ، فلما أسقط الجوابُ سقَطت الفاءُ معه، وإنما جاز تركُ ذكرِ "فيقالُ"، لدلالةِ ما ذكِر مِن الكلامِ عليه.

وأما معنى قولِه جلَّ ثناؤه: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} . فَإِنَّ أهلَ التأويلِ اختلفوا في مَن عُنى به؛ فقال بعضُهم: عُنى به أهلُ قبلتِنا من المسلمين.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} الآية: لقد كفَر أقوامٌ بعد إيمانِهم كما تسمَعون، ولقد ذُكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "والذي نفس محمدٍ بيده، لَيَرِدَنَّ عليَّ الحوضَ ممن صحِبنى أقوامٌ، حتى إذا رُفعوا إلى ورأيتُهم، اخْتُلِجوا

(1)

دُونِى، فَلأَقُولَنَّ: ربِّ، أصحابي، أصحابي. فَلَيْقالنَّ: إنك لا تَدْرِى ما أحدَثوا بعدَك".

وقولُه: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} : هؤلاء أهلُ [طاعة الله]

(2)

والوفاء بعهدِ الله، قال الله عز وجل:{فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ ُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ

(1)

اختلجوا: اجتذبوا واقتطعوا. التاج (خ ل ج).

(2)

في س: "الطاعة".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 730 (3960) من طريق يزيد به، مقتصرًا على آخره. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 63 إلى المصنف وعبد بن حميد. دون المرفوع. والمرفوع أخرجه البخارى (6576)، ومسلم (2297) من حديث ابن مسعود.

ص: 664

إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}: فهذا مَن كفَر مِن أهلِ القبلةِ حينَ اقتتلوا

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حماد بن سلمةَ والربيع بن صَبيحٍ، عن أبي غالبٍ

(2)

، عن أبي أمامةَ:{فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} . قال: هم الخوارجُ

(3)

.

وقال آخرون: عُنى بذلك كلُّ مَن كفَر بالله بعدَ الإيمانِ الذي آمن، حينَ أَخَذ الله من صلب آدم ذريته، وأشهدهم على أنفسهم

(4)

بما بيَّن في كتابه

(5)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عليُّ بن الهَيثمِ، قال: أخْبرَنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيِّ بن كعبٍ في قولِه:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} . قال: صاروا يومَ القيامةِ فريقين؛ فقال لمن اسودَّ وجهُه وعَيَّرَهم: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} . قال: هو الإيمانُ الذي كان قبل الاختلافِ في زمانِ آدمَ، حينَ أخَذ منهم عهدَهم وميثاقَهم، وأقرُّوا

(1)

في س: "اختلفوا". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 730 (3958) من طريق أحمد بن المفضل به.

(2)

في النسخ: "مجالد". والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 34/ 170.

(3)

أخرجه الطبراني (8034، 8037) من طريق حماد والربيع به مرفوعا.

وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 329 (3955) من طريق أبى غالب به مرفوعًا أيضًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 63 إلى عبد بن حميد.

(4)

في ص، ت 2، ت 3، س:"نفسه".

(5)

يشير المصنف إلى قوله جل وعز: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} . الآية [الأعراف: 172].

ص: 665

كلُّهم بالعبوديةِ، وفطَرهم على الإسلام، فكانوا أمةً واحدةً مسلمين، يقولُ:{أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} . يقولُ: بعد ذلك الذي كان في زمان آدم. وقال في الآخرين: الذين استقاموا على إيمانهم ذلك، فأخلصوا

(1)

له الدينَ والعملَ، فبيَّض اللَّهُ وُجوهَهم، وأدخلَهم في رضوانِه وجنتِه

(2)

.

وقال آخرون: بل الذين عُنوا بقوله: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} . المنافقون.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبّادٍ، عن الحسن:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} الآية. قال: هم المنافقون، كانوا أعطَوا كلمةَ الإيمان بألسنتهم وأنكَروها بقلوبِهم وأعمالهم

(3)

.

وأولى الأقوال التي ذكَرناها في ذلك بالصواب القولُ الذي ذكَرناه عن أبيِّ بن كعبٍ، أنه عُنى بذلك جميعُ الكفار، وأن الإيمان الذي يُوَبَّخون على ارتدادهم عنه هو الإيمانُ الذي أقَرُّوا به يومَ قيل لهم:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172]. وذلك أن الله جلَّ ثناؤه جعَل جميعَ أهل الآخرة فريقين؛ أحدُهما سودًا

(4)

وجوهُه، والآخرُ بيضًا

(5)

وجوهُه، فمعلومٌ إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان، أن جميعَ الكفارِ داخلون في فريقِ مَن سُوِّد وجهُه، وأن جميعَ المؤمنين داخلون في فريق من بُيِّض وجهُه، فلا وجهَ إذن لقولِ قائلٍ: عُنِى بقوله: {أَكَفَرْتُمْ

(1)

في ص، ت 1، س:"وأخلصوا".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 730 (3956، 3959) من طريق أبى جعفر به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 729 (3953) من طريق أبى بكر الحنفى به.

(4)

في م: "سوداء".

(5)

في م: "بيضاء".

ص: 666

بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} بعضُ الكفارِ دونَ بعضٍ. وقد عمَّ الله جلَّ ثناؤه الخبرَ عنهم جميعِهم، وإذا دخل جميعُهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالةٌ آمنوا فيها ثم ارْتَدُّوا كافرين بعد إلا حالةً واحدةً كان معلومًا أنها المرادُ بذلك.

فتأويل الآيةِ إذن: أولئك لهم عذابٌ عظيم في يومٍ تَبْيَضُّ وجوهُ قومٍ

(1)

، وتسودُّ وجوُه آخرين؛ فأما الذين اسوَدَّت وجوهُهم فيقالُ: أجحَدتم توحيدَ الله وعهده وميثاقَه الذي واثقْتُمُوه عليه، بألَّا تشرِكوا به شيئًا، وتُخلصوا له العبادةَ {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}. يعنى: بعد تصديقكم به، {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}. يقولُ: بما كنتم تَجْحَدون في الدنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقَكم بالإقرار به والتصديقِ.

{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} ممن ثبت على عهدِ اللهِ وميثاقه، فلم يُبَدِّلْ دينَه، ولم يَنْقَلِبْ على عَقِبَيْه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادةِ لربِّه بالأُلوهة، وأنه لا إله غيرُه، {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ}. يَقُولُ: فهمْ في رحمةِ اللَّهِ. يعني: في جنتِه ونعيمِها، وما أعدَّ اللهُ لأهلها فيها، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غايةٍ.

‌القول في تأويل قوله: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)} .

يعنى بقوله

(2)

جل ثناؤه: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ} : هذه آياتُ اللَّهِ.

وقد بيَّنَّا كيف وضعت العربُ "تلك" و"ذلك" مكان "هذا" و"هذه" في غير هذا الموضع فيما مضى قبلُ، بما أغنى عن إعادته

(3)

.

(1)

سقط من: ص، ت 1، س.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"بذلك".

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 228 - 231.

ص: 667

وقولُه: {آيَاتُ اللَّهِ} . يعني مواعظَ اللَّهِ وعِبرَه وحُجَجَه، {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ}: نَقْرَؤُها عليك ونَقُصُّها {بِالْحَقِّ} . يعنى بالصدق واليقينِ.

وإنما يَعنى بقولِه: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ} : هذه الآياتُ التي ذكر فيها أمورَ المؤمنين من أنصارِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأمور يهود بني إسرائيلَ وأهل الكتابِ، وما هو فاعلٌ بأهلِ الوفاءِ بعهدِه، وبالمبدِّلين دينَه، والناقضين عهدَه بعدَ الإقرارِ به. ثم أخبَر عز وجل نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه يَتلو ذلك عليه بالحقِّ، وأعلمه أن مَن عاقَبَ

(1)

مِن خلقِه بما أخبَر أنه معاقبُه؛ من تسويدِ وجهِه، وتخليدِه في أليمِ عذابِه، وعظيمِ عقابِه، ومَن جازاه منهم بما جازاه؛ من تبييضِ وجهِه، وتكريمِه، وتشريفِ منزلتِه

(2)

لديه، بتَخليدِه في دائمِ نعيمِه، فبغيرِ ظلمٍ منه لفريقٍ منهم، بل بحقٍّ

(3)

استوجَبوه، وأعمالٍ لهم سلَفت، جازاهم عليها، فقال تعالى ذكرُه:{وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} . يعني بذلك: وليس الله يا محمدُ بتسويدِ وجوه هؤلاء، وإذاقَتِهم العذابَ العظيم، وتبييضه

(4)

وجوهَ هؤلاءِ، وتنعيمِه إياهم في جنَّتِه، طالبًا وضعَ شيءٍ مما فعَل مِن ذلك في

(5)

غيرِ موضعِه الذي هو موضعُه. إعلامًا بذلك عبادَه أنه لن يَصْلُحَ في حكمته بخلقِه غيرُ ما وعَد أهلَ طاعتِه والإيمانِ به، وغيرُ ما أوعد

(6)

أهل معصيتِه والكفرِ به، وإنذارًا منه هؤلاء، وتبشيرًا منه هؤلاء.

(1)

في م: "عاقبه".

(2)

في ص، ت 1:"متوليه".

(3)

في م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"لحق".

(4)

في م: "تبييض".

(5)

زيادة من: م.

(6)

في ص: "وعد".

ص: 668

‌القولُ في تأويل قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)} .

يَعنى بذلك جلَّ ثناؤه أنه يُعاقِبُ الذين كفَروا بعد إيمانِهم، بما ذكَر أنه معاقبُهم به، من العذاب العظيم وتسويدِ الوجوه، ويُثِيبُ

(1)

أهل الإيمان به الذين ثبتوا على التصديقِ والوفاء بعُهودهم التي عاهَدوا عليها، بما وصَف أنه مثيبهم به، من الخلودِ في جنانه

(2)

، من غيرِ ظلمٍ منه لأحد الفريقَين فيما فعل؛ لأنه لا حاجةَ به إلى الظلمِ، وذلك أن

(3)

الظالمَ إنما يَظْلِمُ غيرَه لِيَزْدادَ إلى عزِّه

(4)

عزةً بظلمِه إياه، وإلى سلطانِه سلطانًا، أو

(5)

إلى مُلكه مُلكًا؛ [أو إلى نقصانٍ]

(6)

في بعضِ أسبابِه، يُتَمِّمُ بها

(7)

ظلمَ غيرِه فيه ما كان ناقصًا من أسبابه عن التمامِ، فأما مَن كان له جميعُ ما بينَ أقطار المشارقِ والمغاربِ، وما في الدنيا والآخرة، فلا معنى لظلمه أحدًا، فيجُوز

(8)

أن يَظْلِمَ شيئًا؛ لأنه ليس من أسبابه شيءٌ ناقصٌ يَحْتاجُ إلى تمامٍ، فيتمَّ ذلك بظلمِ غيرِه، تعالى اللَّهُ عُلُوًّا كبيرًا. ولذلك قال جلَّ ثناؤه عَقِيبَ قولِه:{وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} .

(1)

في ص: "يثبت"، وفى ت 1، ت 2، ت 3:"تثبت"، وفى س:"تثبيت".

(2)

في ت 1، ت 2، ت 3:"جناته".

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(4)

في م: "عزته".

(5)

في م: "و".

(6)

في م: "لنقصان".

(7)

في م: "بما".

(8)

في س: "فلا يجوز".

ص: 669

واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ تكريرِ اللهِ تعالى ذكرُه اسمَه مع قوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} . ظاهرًا، وقد تقدَّم اسمُه ظاهرًا مع قوله:{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ؛ فقال بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ البصرةِ: ذلك نظيرُ قولِ العربِ: أمَّا زيدٌ فذهَب زيد. وكما قال الشاعرُ

(1)

:

لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ

نغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا

فأظهر في موضعِ الإضمارِ.

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: ليس ذلك نظيرَ هذا البيتِ؛ لأن موضع الموتِ الثاني في البيتِ موضعُ كناية؛ لأنه كلمةٌ واحدةٌ، وليس ذلك كذلك في الآية؛ لأن قوله:{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} . خبرٌ ليس من قوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} في شيءٍ، وذلك أن كلَّ واحدةٍ

(2)

من القصتين مفارقٌ معناها معنى الأخرى، مكتفيةٌ كلُّ واحدة منهما بنفسها، غيرُ محتاجةٍ إلى الأخرى، كما

(3)

قال الشاعرُ: لا أرى الموت. محتاجٌ إلى تمامِ الخبرِ عنه.

وهذا القولُ الثاني عندنا أولى بالصواب؛ لأن كتابَ اللهِ عز وجل لا تُوجَّه

(4)

معانيه وما فيه من البيان إلى الشواذِّ من الكلامِ والمعاني، وله في الفصيحِ من المنطقِ والظاهرِ مِن المعانى المفهوم وجهٌ صحيحٌ موجودٌ.

(1)

البيت لعدى بن زيد، كما في أمالي ابن الشجرى 1/ 243، والخزانة 1/ 381. ونسبه في الكتاب 1/ 62، واللسان (ن غ ص) إلى ابنه سوادة. وفى نسخة من الكتاب: سواد. والصحيح أنه لعدى بن زيد، فهو في ديوانه ص 65، كما في حاشية النكت للأعلم 1/ 198.

(2)

في ص، ت 1، س:"واحد".

(3)

كذا في النسخ، ولعل الصواب:"وما".

(4)

في م، ت 2، ت 3:"تؤخذ"، وفى ت 1، س:"يوجد"، وغير منقوطة في ص. والمثبت ما يقتضيه السياق.

ص: 670

وأما قولُه: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} . فإنه يعنى تعالى ذكره: إلى الله مصيرُ أمرِ جميعِ خلقِه؛ الصالحِ منهم والطالحِ، والمحسن والمسيء، فيجازى كلًّا على قدر استحقاقهم منه الجزاءَ، بغير ظلمٍ منه أحدًا منهم.

‌القول في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} .

اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ؛ فقال بعضُهم: هم الذين هاجَروا مع رسولِ الله من مكةَ إلى المدينة، وخاصةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن سماكٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال في:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قال: هم الذين خرجوا معه من مكة

(1)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن علية

(2)

، عن قيسٍ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قال: هم الذين هاجَروا من مكةَ إلى المدينةِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} .

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 12/ 155، وأحمد 4/ 272 (2463)، والنسائى في الكبرى (11072)، والطبراني (12303)، والحاكم 2/ 294 من طريق إسرائيل، عن سماك به.

(2)

في النسخ: "عطية". وقد تقدم مرارًا.

ص: 671

قال عمرُ بنُ الخطابِ: لو شاء الله لقال: أنتم. فكنا

(1)

كلُّنا، ولكن قال

(2)

: {كُنْتُمْ} . في خاصةٍ مِن أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ومَن صنَع مثل صنيعهم

(3)

، كانوا خير أمةٍ أُخْرِجت للناسِ، يَأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال: عكرمةُ: نزَلت في ابن مسعودٍ وسالمٍ مولى أبى حذيفةً وأُبيِّ بن كعبٍ ومعاذِ بن جبلٍ

(5)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدام، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عمن حدَّثه، قال عمرُ:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قال: تكُونُ لأولنا ولا تكونُ لآخرنا

(6)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا إسرائيلُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قال: هم الذين هاجروا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

(7)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذكِر لنا أن عمرَ ابن الخطابِ قال في حَجّةٍ حجَّها ورأى من الناسِ رِعةً سيئةً

(8)

، فقرأ هذه: {كُنْتُمْ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"وكنا".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"ما صنعتم".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 732 (3970) من طريق أحمد بن المفضل به.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 63 إلى المصنف وابن المنذر.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 732 (3969) من طريق إسرائيل به.

(7)

تفسير عبد الرزاق 1/ 130، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 732 (3968) عن الحسن بن يحيى به.

(8)

الرعة هاهنا: الاحتشام والكف عن سوء الأدب، أي: لم يحسنوا ذلك. النهاية 5/ 175.

ص: 672

خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الآية. ثم قال: يا أيها الناسُ، مَن سرَّه أن يكون مِن تلكم

(1)

الأمةِ، فليؤدِّ شرطَ اللَّهِ منها

(2)

.

حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاك في قوله:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قال: هم

(3)

أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً. يعنى: وكانوا هم الرواةَ الدعاةَ الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم

(4)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خيرَ أمةٍ أُخرِجت للناس، إذا

(5)

كنتم بهذه الشروطِ التي وصَفهم جلَّ ثناؤه بها. فكان تأويلُ ذلك عندَهم: كنتم خيرَ أمةٍ تأمُرون بالمعروفِ وتَنهَون عن المنكرِ وتُؤْمِنون بالله، أُخْرِجوا للناسِ في زمانكم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ عز وجل:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . يقولُ: على هذا الشرطِ؛ أن تأمُروا بالمعروفِ وتَنْهَوا عن المنكرِ وتُؤْمِنوا بالله. يقولُ: لمن أنتم بين ظهرانيه، كقولِه:{وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}

(6)

[الدخان: 32].

(1)

في م: "تلك"، وفى س:"هذه".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 63 إلى المصنف.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(4)

تقدم في ص 662.

(5)

في م، ت 2، ت 3، س:"إذ".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 64 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 673

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قال: يقولُ: كنتم خيرَ الناسِ للناسِ، على هذا الشرطِ؛ أن تأمُروا بالمعروفِ وتَنْهَوا عن المنكرِ وتُؤْمِنوا بالله. يقولُ: لمن بين ظهريه، كقولِه:{وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان: 32].

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ميسرةَ، عن أبي حازمٍ، عن أبى هريرةَ:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قال: كنتم خير الناسِ للناسِ، تجيئون بهم في السلاسل تُدْخِلُونهم

(1)

في الإسلام

(2)

.

حدَّثنا عُبيدُ بنُ أسباطَ، قال: ثنا أبى، عن فُضيل بن مرزوقٍ، عن عطيةَ في قوله:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قال: خيرُ الناسِ للناسِ

(3)

.

وقال آخرون: إنما قيل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ؛ لأنهم أكثرُ الأممِ استجابةً للإسلام.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثت عن عمَّارِ بن الحسن، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قوله:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . قال: لم تكن أمةٌ أكثر استجابةً في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثمَّ

(1)

في ت 1، ت 2، ت 3، س:"فتدخلوا بهم"، وفى صحيح البخاري:"حتى يدخلوا".

(2)

أخرجه البخارى (4557)، والنسائى في الكبرى (11071)، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 732 (3971)، والحاكم 4/ 84 من طريق سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 64 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 733 (3975) من طريق عيسى بن موسى عن عطية به، وعقب الأثر (3972) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 64 إلى عبد بن حميد.

ص: 674

قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}

(1)

.

وقال بعضُهم: عنى بذلك أنهم كانوا خير أمةٍ أُخْرِجت للناس.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسن في قوله:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . قال: قد كان ما تَسْمَعُ مِن الخير في هذه الأمة.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: نحن آخرُها وأكرمُها على الله.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآيةِ ما قال الحسنُ؛ وذلك أن يعقوب بن إبراهيم حدَّثني قال: ثنا ابن عليةَ، عن بهزِ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "ألا إنكم وفَّيتم سبعين أمةً، أنتم خيرُها

(2)

وأكرمُها على الله

(3)

".

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا

(1)

بعدها في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"والله أعلم".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 733 (3973) من طريق ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبى العالية، عن أبي بن كعب.

(2)

في ص، م، والمسند، والمنتخب، والموضع الثاني من سنن ابن ماجه:"آخرها".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"الناس".

والحديث أخرجه ابن ماجه (4288) من طريق ابن علية به.

وأخرجه أحمد 5/ 3، 5 (الميمنية)، والدارمي 2/ 313، وعبد بن حميد (409 - منتخب)، وابن ماجه (4287)، والطبراني 19/ 422 (1023) من طرق عن بهز به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 64 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 675

معمرٌ، عن بهزِ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنه سمِع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ في قولِه:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قال: "أنتم تُتِمُّون سبعين أمةً، أنتم خيرُها وأكرمُها على الله"

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يومٍ وهو مُسندٌ ظهره إلى الكعبة: "نحن نُكْمِلُ يومَ القيامة سبعين أمةً، نحن آخرُها وخيرُها"

(2)

.

وأما قوله: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} . فإنه يعنى: تَأْمُرون بالإيمان بالله ورسوله والعمل بشرائعه، {وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}. يعنى: وتَنْهَون عن الشرك بالله وتكذيبِ رسولِه، وعن العملِ بما نهى عنه.

كما حدَّثنا عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . يقولُ: تَأْمُرونهم بالمعروف؛ أن يَشْهَدوا ألا إله إلا الله، والإقرارُ بما أنزَل الله، وتُقَاتِلونهم عليه، ولا إله إلا الله هو أعظمُ المعروفِ، وتَنْهَونهم عن المنكرِ، والمنكرُ هو التكذيبُ، وهو أنكرُ المنكر

(3)

.

وأصل المعروف كلُّ ما كان معروفًا [فعله، جميلًا مستحسنًا]

(4)

، غير مستقبَحٍ في أهل الإيمان بالله، وإنما سُمِّيَت طاعةُ اللَّهِ معروفًا؛ لأنه مما يَعْرِفُه أهلُ الإيمان ولا

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 130، ومن طريقه الترمذى (3001)، والحاكم 4/ 84، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 731 (3967) عن الحسن بن يحيى به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 64 إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 733، 734 (3977، 3978)، والبيهقي في الأسماء والصفات (206)، من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 64 إلى ابن المنذر.

(4)

في م: "ففعله جميل مستحسن".

ص: 676

يستنكرون فعلَه، وأصلُ المنكر ما أنكره اللهُ، ورأوه قبيحًا فعلُه، ولذلك سُمِّيت معصيةُ الله منكرًا؛ لأن أهلَ الإيمان باللهِ يَسْتَنكرون فعلها، ويَسْتَعْظِمون رُكوبَها.

وقولُه: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . يعنى: وتُصَدِّقون بالله، فتُخْلِصون له التوحيدَ والعبادةَ.

فإن سأل سائلٌ فقال: وكيف قيل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} . وقد زعَمتَ أن تأويلِ الآية أن هذه الأمة خيرُ الأممِ التي مضَت، وإنما يُقالُ: كنتم خير أمةٍ. لقومٍ كانوا خيارًا فَتَغَيَّروا عما كانوا عليه؟

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهَبتَ إليه، وإنما معناه: أنتم خيرُ أمةٍ. كما قيل: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ} [الأنفال: 26]. وقد قال في موضعٍ آخر: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86]، فإدخال "كان" في مثل هذا وإسقاطُها بمعنًى واحدٍ؛ لأن الكلامَ معروفٌ معناه.

ولو قال أيضًا في ذلك قائلٌ: {كُنْتُمْ} بمعنى التمامِ. كان تأويلُه: خُلِقْتم خيرَ أمةٍ، أو: وُجِدْتم خيرَ أمةٍ، كان معنًى صحيحًا.

وقد زعَم بعضُ أهل العربيةِ أن معنى ذلك: كنتم خيرَ أمةٍ عند اللهِ في اللوحِ المحفوظِ، أُخرِجت للناسِ.

والقولان الأولان اللذان قلنا أشبهُ بمعنى الخبرِ الذى رَوَيناه قبلُ.

وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خيرَ أهلِ طريقةٍ. وقال: الأُمَّةُ الطريقةُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)} .

يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولو صدَّق أهلُ التوراة والإنجيلِ، مِن اليهودِ

ص: 677

والنصارى، بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ، {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} عِندَ اللَّهِ في عاجلِ دنياهم وآجلِ آخرتِهم، {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ}. يعنى: مِن أهلِ الكتابِ من اليهودِ والنصارى، المؤمنون المصدِّقون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ، وهم عبدُ اللَّهِ بن سلامٍ وأخوه، وثعلبةُ بنُ سَعْيَةً

(1)

وأخوه، وأشباهُهم ممن آمنوا

(2)

بالله، وصدَّقوا [برسوله محمدٍ]

(3)

صلى الله عليه وسلم، واتبعوا ما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} يعنى: الخارجون عن دينِهم؛ وذلك أن مِن دينِ اليهودِ اتِّباعَ ما في التوراةِ والتصديق بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، ومِن دينِ النصارى اتباعَ ما في الإنجيلِ والتصديقَ به وبما في التوراةِ، وفى

(4)

الكتابين صفةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ونعتُه ومبعثُه، وأنه نبىُّ الله. وكلتا الفرقتين -أعنى اليهودَ والنصارى- مكذبةٌ، فذلك فسقُهم وخروجُهم عن دينِهم الذي يَدَّعُون أنهم يَدِينون به، الذي قال جلَّ ثناؤه:{وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} .

وقال قتادةُ بما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} : ذمَّ اللهُ أكثرَ الناسِ

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله جلَّ وعزَّ: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} .

قال أبو جعفر: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: لن يَضُرَّكم

(6)

يا أهلَ الإيمانِ باللَّهِ

(1)

في م: "سعيد". وينظر سيرة ابن هشام 2/ 238، 245.

(2)

في ص، ت 1، س:"آمن".

(3)

في ص: "رسوله محمدًا".

(4)

بعده في ص، م:"كل".

(5)

أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره 3/ 734 (3982) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 64 إلى عبد بن حميد.

* من هنا تبدأ قطعة من مخطوط جامعة القرويين ولعلها الجزء الحادى عشر، وسيجد القارئ أرقام صفحاتها بين معقوفين.

(6)

في ت 1، ت 2، ت 3، س:"يضروكم".

ص: 678

ورسولِه، هؤلاء الفاسقون من أهلِ الكتابِ شيئًا، بكفرِهم وتكذيبِهم نبيَّكم محمدًا صلى الله عليه وسلم، {إِلَّا أَذًى}. يعنى بذلك: ولكنهم يُؤْذُونَكم بشركِهم وإسماعِكم كفرَهم، وقولِهم في عيسى وأمِّه وعُزَيرٍ، ودعائِهم إياكم إلى الضلالةِ، ولا يَضُرُّونكم

(1)

بذلك.

وهذا مِن الاستثناءِ المنقطعِ الذي هو مخالفٌ معنى ما قبلَه، كما قيل: ما أشتكى شيئًا إلا خيرًا. وهذه كلمةٌ محكيةٌ عن العربِ سماعًا.

وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ:{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} . يقولُ: لن يَضُرُّوكم إلا أذًى تَسْمَعونه منهم

(2)

.

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} . قال: أَذًى تَسْمَعونه منهم

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه:{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} . قال: إشراكُهم في عُزَيرٍ وعيسى والصليبِ

(4)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفىُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يضروكم".

(2)

عزاه السيوطى في الدر المنثور 2/ 64، إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره 3/ 734 عقب الأثر (3984) من طريق ابن أبى جعفر به.

(4)

أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره 3/ 735 (3985) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج.

ص: 679

قولِه: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} الآية. قال: تَسْمَعون منهم كذبًا على اللَّهِ، يَدْعُونكم إلى الضلالة

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)} .

يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه

(2)

: وإن يُقَاتِلْكم أهلُ الكتابِ مِن اليهودِ والنصارى يُهْزَموا عنكم، فيُوَلُّوكم أدبارَهم انهزامًا.

فقولُه

(3)

: {يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} . كنايةٌ عن انهزامِهم؛ لأن المنهزمَ يُحَوِّلُ ظهرَه إلى قِرنِه

(4)

الطالبِ هرَبًا إلى مَلْجأً وموئلٍ يَئِلُ إليه منه، خوفًا على نفسِه، والطالبُ في أثَرِه. فدُبُرُ المطلوبِ حينئذٍ يكونُ مُحاذِىَ وجهِ الطالبِ الهازمِه.

{ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} . يَعْنى: ثم لا يَنْصرُهم الله أيها المؤمنون عليكم؛ لكفرِهم باللهِ ورسولِه، وإيمانِكم بما آتاكم نبيُّكم محمدٌ صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تبارك وتعالى قد ألقى الرعبَ في قلوبِهم

(5)

، فأيدكم

(6)

أيها المؤمنون بنصرِكم. وهذا وعدٌ مِن الله تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأهلَ الإيمانِ نَصْرَهم على مَن كفرَ به مِن أهلِ الكتابِ.

وإنما رفَع قولَه: {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} . وقد جزَم قولَه: {يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} . على جوابِ الجزاءِ، ائتنافًا للكلامِ؛ لأن رُءوسَ الآياتِ قبلَها بالنونِ، فألْحَق هذه بها، كما قال:{وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 36]. رفعًا، وقد

(1)

أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره 3/ 734 (3984) من طريق أبى بكر الحنفى به.

(2)

بعده في ت 1، ت 2، ت 3:"وإن يقاتلوكم".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"وأما قوله".

(4)

في م: "جهة". والقِرن: الكفء والنظير في الشجاعة والحرب. اللسان (ق ر ن).

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"قلوب".

(6)

في م: "كائدكم".

ص: 680

قال في موضعٍ آخرَ

(1)

: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} [فاطر: 36]. إذ لم يَكُنْ رَأْسَ آيةٍ.

‌القولُ فى تأويلِ قولِه: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} .

يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤه: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} : أُلْزِموا الذلةَ. والذلةُ الفِعْلةُ من الذُّلِّ.

وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فى غيرِ هذا الموضعِ

(2)

.

{أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} . يعنى: حيثما لُقُوا. يقولُ جلَّ ثناؤه: أُلْزِم اليهودُ المكذِّبون بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم الذلَة أينما

(3)

كانوا مِن الأرضِ، وبأىِّ مكانٍ كانوا مِن بقاعِها، مِن بلادِ المسلمين والمشركين، {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} .

كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْدَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ فى قولِه:{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} . قال: أدركتهم هذه الأمةُ وإن المجوسَ لَتَجبيهم الجزيةَ

(4)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفىُّ، قال: ثنا عبادٌ، عن الحسنِ فى قولِه: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ

(1)

بعدها فى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"وقد قال".

(2)

ينظر ما تقدم فى 2/ 26.

(3)

فى ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أين".

(4)

أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 3/ 735 (3987) من طريق هوذة به. وعزاه السيوطي فى الدر المنثور 2/ 64 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 681

النَّاسِ}. قال: أذلَّهم اللهُ، فلا منَعةَ لهم، وجعَلهم الله تحت أقدامِ المسلمين

(1)

.

وأما الحبلُ الذي ذكَره الله فى هذا الموضعِ، فإنه السببُ الذي يَأْمَنون به على أنفسِهم مِن المؤمنين، وعلى أموالِهم وذراريِّهم، من عهدٍ وأمانٍ تَقَدَّم لهم عقدُه قبلَ أن يُثْقَفوا فى بلادِ الإسلامِ.

كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه جلَّ وعزَّ:{إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} . قال: بعهدٍ، {وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ}. قال: بعهدِهم

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} . يقولُ: إلا بعهدٍ مِن الله وعهدٍ مِن الناسِ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه

(3)

.

حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ، عن عثمانَ بنِ غياثٍ

(4)

، قال عكرمةُ: يقولُ: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} . قال: بعهدٍ من الله وعهدٍ من الناسِ

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 3/ 735 (3988) من طريق أبى بكر الحنفى به.

(2)

تفسير مجاهد ص 257.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 130.

(4)

فى ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"عتاب".

(5)

ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره 3/ 735 عقب الأثر (3990) معلقًا.

ص: 682

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:{إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} . يقولُ: إلا بعهدٍ مِن الله وعهدٍ مِن الناسِ

(1)

.

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:{إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} . يقولُ: إلا بعهدٍ مِن اللهِ وعهدٍ مِن الناسِ

(2)

.

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} : فهو عهدٌ مِن اللهِ وعهدٌ مِن الناسِ، كما يَقُولُ الرجلُ: ذمةُ اللهِ وذمةُ رسولِه صلى الله عليه وسلم. فهو الميثاقُ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: {أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} . قال: بعهدٍ مِن وعهدٍ مِن الناسِ لهم

(4)

. قال ابنُ جريجٍ: وقال عطاءٌ: العهدُ حبلُ اللهِ

(5)

.

حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} . قال: إلا بعهدٍ، وهم يهودُ. قال: والحبلُ العهدُ. قال: وذلك قولُ أبى الهيثمِ بنِ التَّيِّهانِ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم حين أتَتْه الأنصارُ فى العقبةِ: أيُّها الرجلُ، إنا قاطعون فيك حبالًا بينَنا وبيَن الناسِ. يقولُ: عهودًا. قال: واليهودُ لا يَأْمَنون فى أرضٍ مِن أرضِ الله إلا بهذا الحبلِ الذى قال

(1)

أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 3/ 735 عقب الأثر (3990) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.

(2)

أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 3/ 735 عقب الأثر (3990) من طريق ابن أبى جعفر به.

(3)

أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره 3/ 735 (3990،3991) من طريق هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 64 إلى ابن المنذر.

(4)

تفسير مجاهد ص 257.

(5)

ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره 3/ 735 عقب الأثر (3990) معلقًا.

ص: 683

الله عز وجل. وقرَأ: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55]. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ مِن النصارى إلا وهم فوق يهودَ فى [شرقٍ ولا غربٍ]

(1)

، هم فى البلدانِ كلِّها مُسْتَذَلُّون، قال الله:{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا} [الأعراف: 168]. قال: يهودُ

(2)

.

حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ فى قولِه: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} . يقولُ: بعهدٍ مِن الله وعهدٍ مِن الناسِ

(3)

.

حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جويبرٌ، عن الضحاكِ مثلَه.

واختلَف أهلُ العربيةِ فى المعنى الذى جلَب الباءَ فى قولِه: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} ؛ فقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: الذى جلَب الباءَ فى ذلك

(4)

فعلٌ مضمَرٌ قد تُرِك ذكرُه. قال: ومعنى الكلامِ: ضُرِبت عليهم الذلةُ أينما ثُقِفوا إلا أن يَعْتَصِموا بحبلٍ مِن الله. فأُضْمِرَ ذلك. واسْتَشْهَد لقولِه ذلك بقولِ الشاعر

(5)

:

رأتْني بحَبْلَيْها فَصَدَّت مخافةً

وفى الحبلِ رَوْعاءُ الفؤادِ

(6)

فَرُوقُ

(1)

فى ص، ت 1، ت 3، س:"فسوق ولا غيرهم"، وفى ت 2:"فوق ولا غيرهم".

(2)

ينظر ما تقدم فى ص 455.

(3)

ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره 3/ 735 عقب الأثر (3991) معلقًا.

(4)

فى ص: "بحبل فقال بعضهم ذلك"، وفى م:"قوله بحبل"، وفى ت 1، ت 2، ت 3، س:"قوله بحبل فقال بعضهم فى ذلك".

(5)

هو حميد بن ثور الهلالى، والبيت فى ديوانه ص 35. ورواية البيت فيه هكذا:

فجئت بحبليها فردت مخافة

إلى النفس روعاء الجنان فروق

(6)

روعاء الفؤاد: ذكية الفؤاد. ينظر اللسان (روع).

ص: 684

وقال: أراد: أَقْبَلَتْ بحَبْلَيها

(1)

. وبقولِ الآخرِ

(2)

:

حَنَتْنى حانِياتُ الدهرِ حتى

كأنِّى خايِلٌ

(3)

أدنو

(4)

لصيدِ

[قريبُ الخطوِ يَحْسَبُ من رآني

-ولستُ مُقَيَّدًا- أنى بقَيْدِ]

(5)

[يريدُ: مقيدًا بقيدٍ]

(6)

.

فأوجَب إعمالَ فعلٍ محذوفٍ وإظهارَ صلتِه

(7)

وهو متروكٌ.

وذلك فى مذاهبِ العربيةِ ضعيفٌ، ومِن كلامِ العربِ بعيدٌ. وأما ما اسْتَشْهدَ به لقولِه مِن الأبياتِ، فغيرُ دالٍّ على صحةِ دعواه؛ لأن فى قولِ الشاعرِ: رَأَتْنِي بحَبْلَيها. دلالةً بينةٌ فى أنها رأَتْه بالحبلِ مُمْسِكًا. ففى إخبارِه عنها أنها رَأَتُه بحَبْلَيها، إخبارٌ منه أنها رَأَتْه مُمْسِكًا بالحَبْلَين، فكان فيما ظهَر مِن الكلامِ مُسْتَغْنًى عن ذكرِ الإمساكِ، وكانت الباءُ صلةً

(8)

لقولِه: رَأَتني. كما

(9)

قولُ القائلِ: أنا باللَّهِ. مكتفٍ بنفسِه ومعرفةِ السامعِ معناه، أن تكونَ الباءُ محتاجةً إلى كلامٍ يكونُ لها جالبًا غيرَ الذى ظهَر، وأن

(10)

المعنى: أنا بالله مستعينٌ.

وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قولُه: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} . استثناءٌ

(1)

فى ص، س:"بحبلها".

(2)

هو أبو الطمحان القينى حنظلة بن الشرقى، كما فى المعمرين ص 72، والمعاني الكبير 3/ 1214، وقال أبو الفرج فى الأغانى 2/ 357: يقال: إنه لعدى بن زيد.

(3)

المخاتلة: مشى الصياد قليلا قليلا فى خفية لئلا يسمع الصيد حسه. اللسان (خ ت ل) والبيت فيه.

(4)

فى النسخ: "أحنو". والمثبت من معانى القرآن للفراء 1/ 230، فهذه مقالته، وفى مصادر التخريج الأخرى:"يدنو".

(5)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.

(6)

سقط من النسخ، والمثبت من معانى القرآن.

(7)

الصلة هنا: الجار والمجرور.

(8)

فى م: "وصلة".

(9)

بعده فى م: "فى".

(10)

بعده فى الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3:"كان".

ص: 685

خارجٌ مِن أولِ الكلامِ. قال: وليس ذلك بأشدَّ مِن قولِه: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا} [مريم: 62].

وقال آخرون مِن نحويِّى الكوفةِ: هو استثناءٌ متصلٌ. والمعنى: ضُرِبت عليهم الذلةُ أينَما تُقفوا. أى: بكلِّ مكانٍ، إلا بموضعِ حبلٍ مِن الله. كما تقولُ: ضُرِبت عليهم الذلةُ فى الأمكنةِ إلا فى هذا المكانِ.

وهذا أيضًا طلَبَ الحزَّ

(1)

، فأخطأ المَفْصِلَ، وذلك أنه زعَم أنه استثناءُ مُتَّصلٌ، ولو كان متصلًا كما زعَم، لوجَب أن يكونَ القومُ إذا ثُقِفوا بحبلٍ مِن الله وحبلٍ مِن الناسِ غيرَ مضروبةٍ عليهم الذلةُ

(2)

. وليس ذلك صفةَ اليهودِ؛ لأنهم أينما ثُقِفُوا بحبلٍ مِن الله وحبلٍ مِن الناسِ، أو بغيرِ حبلٍ مِن الله وغيرِ حبلٍ مِن الناسِ، فالذلةُ مضروبةٌ عليهم، على ما ذكَرنا عن أهلِ التأويلِ قبلُ

(3)

. فلو كان قولُه: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} . استثناءً متصلًا، لوجَب أن يكونَ القومُ إذا ثُقِفوا بعهدٍ وذمةٍ، ألا تكون الذلةُ مضروبةً عليهم، وذلك خلافُ ما وصَفهم الله به مِن صفتِهم، وخلافُ ما هم به من الصفةِ، فقد تبينَّ أيضًا بذلك فسادُ قولِ هذا القائلِ أيضًا.

ولكنَّ القولَ عندَنا أن الباءَ فى قولِه: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} . أُدْخِلت لأن الكلامَ الذى قبلَ الاستثناءِ مُقتضٍ فى المعنى الباءَ. وذلك أن

(4)

معنى قولِه: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} : ضرِبت عليهم الذلةُ بكلِّ مكانٍ ثُقِفُوا. ثم قال: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} . على غيرِ وجهِ الاتصالِ بالأولِ، ولكنه على

(1)

فى ص، م، ت 1، ت 2، س:"الحق". وهو من قولهم: إنك لتكثر الحزَّ وتخطئ المفصل. مثل يضرب لمن يجتهد فى السعى ثم لا يظفر بالمراد. ينظر نهاية الأرب 3/ 11، ومجمع الأمثال 1/ 96.

(2)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"المسكنة".

(3)

فى ص، ت 1:"قيل".

(4)

فى ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"هو".

ص: 686

الانقطاعِ عنه، ومعناه: ولكن قد

(1)

يُثْقَفون بحبلٍ مِن اللهِ وحبلٍ مِن الناسِ، كما قيل:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} [النساء: 92]. فالخطأُ وإن كان منصوبًا بما عمل فيما قبلَ الاستثناءِ، فليس قولُه باستثناءٍ متصلٍ بالأول بمعنى: إلا خطأً فإن له قتلَه كذلك. ولكنّ معناه: ولكن قد يَقْتُلُه خطأً. فكذلك قولُه: {أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} . وإن كان الذي جلب الباءَ التي بعد {إِلَّا} الفعلُ الذي يَقْتَضِيها قبلَ {إِلَّا} ، فليس الاستثناءُ بالاستثناءِ المتصلِ بالذى قبلَه، بمعنى أن القومَ إذا لُقُوا فالذلةُ زائلةٌ عنهم، بل الذلةُ ثابتةٌ لهم

(1)

بكلِّ حالٍ، ولكن معناه ما بيَّنا آنفًا

‌القولُ في تأويلِ قوله: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} .

يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} : وتَحمَّلوا غضبَ اللهِ فانصرَفوا به مستحقِّيه. وقد بيّنا أصلَ ذلك بشواهدِه، ومعنى المسكنةِ، وأنها ذُلُّ الفاقةِ والفقرِ وخُشوعُهما، ومعنى الغضبِ مِن اللهِ، فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ

(2)

.

وقولُه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} . يعني جلَّ ثناؤه بقولِه: {ذَلِكَ} أى: بَوْءُهم الذى باءوا به مِن غضبِ اللَّهِ، وضَرْبُ الذلةِ عليهم، بَدَلٌ مما كانوا يَكْفُرون بآياتِ اللهِ. يقولُ: مما كانوا يَجْحَدُون أعلامَ اللَّهِ وأدلتَه على صدقِ أنبيائِه، وما فُرِض عليهم مِن فرائضِه، {وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْر

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

ينظر ما تقدم فى 1/ 189، 190، 2/ 26، 27.

ص: 687

حَقٍّ}. يقولُ: وبما كانوا يَقْتُلون أنبياءَهم ورُسُلَ اللَّهِ إليهم، اعتداءً على اللَّهِ، وجراءةً عليه بالباطلِ، وبغيرِ حقٍّ استحقُّوا منهم القتلَ.

فتأويلُ الكلامِ: أُلزِموا الذلةَ بأىِّ مكانٍ لُقُوا، إلا بذمةٍ مِن اللهِ وذمةٍ مِن الناسِ، وانصرَفوا بغضبٍ مِن اللَّهِ مُتَحَمِّليه

(1)

، وأُلزِموا ذُلَّ الفاقةِ وخشوعَ الفقرِ، بدلًا مما كانوا يَجْحَدُون بآياتِ اللهِ وأدلتِه وحججِه، ويَقْتُلون أنبياءَه بغيرِ حقٍّ ظلمًا واعتداءً.

‌القولُ فى تأويلِ قولِه: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)} .

يعنى

(2)

تعالى ذكرُه: فعَلنا بهم ذلك بكفرِهم وقَتْلِهم الأنبياءَ ومعصيتِهم ربَّهم واعتدائِهم أمرَه.

وقد بيَّنّا معنى "الاعتداءِ" في غيرِ موضعٍ فيما مضَى مِن كتابنا بما

(3)

فيه الكفايةُ عن إعادتِه

(4)

.

فأعلَم ربُّنا جلَّ ثناؤُه عبادَه ما فعَل بهؤلاء القومِ مِن أهلِ الكتابِ؛ مِن إحلالِ الذلةِ والخزى بهم في عاجلِ الدنيا، مع ما ذخَر لهم في الآجلِ مِن العقوبةِ والنكالِ وأليمِ العذابِ، إذ تعدَّوا حدودَه واستحَلُّوا محارمَه؛ تذكيرًا منه تعالى ذكرُه لهم، وتنبيهًا على موضعِ البلاءِ الذى مِن قِبَلِه أُتوا، ليُنيبوا ويَذَّكَّروا، وعِظةً منه لأمتِنا ألا يَسْتَنُّوا بسنتهم ويَرْكَبوا منهجَهم

(5)

، فيَسْلُك بهم مسالِكَهم، ويُحِلَّ بهم مِن نقمِ اللَّهِ ومَثُلاتِه

(6)

ما أحلَّ بهم.

(1)

في الأصل: "محتمليه".

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يقول"

(3)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"مما".

(4)

ينظر ما تقدم في 2/ 32.

(5)

في ص: "مناهجهم"، وفى م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"منهاجهم".

(6)

في س: "بلائه".

ص: 688

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} : اجْتَنِبوا المعصيةَ والعُدوانَ، فإن بهما أُهْلِك مِن أُهْلِك مِن

(1)

قبلِكم مِن الناسِ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)} .

يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤه: {لَيْسُوا سَوَاءً} : ليس فريقَا أهلِ الكتابِ؛ أهلُ الإيمانِ منهم والكفرِ، سواءً. يعنى بذلك أنهم غيرُ متساوين

(3)

. يَقُولُ: ليسوا مُتَعادِلين، ولكنهم مُتفاوِتون فى الصلاحِ والفسادِ، والخيرِ والشرِّ.

وإنما قيل: {لَيْسُوا

(4)

}؛ لأن فيه ذكرَ الفريقين مِن أهلِ الكتابِ اللذيْن ذكَرهما اللهُ فى قولِه: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} ثم أخبَر جلَّ ثناؤُه عن حالِ الفريقين عندَه؛ المؤمنةِ منهما والكافرةِ، فقال:{لَيْسُوا سَوَاءً} . أى: ليس هؤلاء سواء؛ المؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدَأ الخبرَ جلَّ ثناؤه عن صفةِ الفرقةِ المؤمنةِ مِن أهلِ الكتابِ، ومدَحهم وأثنى عليهم، بعدَ ما وصَف الفرقةَ الفاسقةَ منهم بما وصَفها به؛ مِن الهَلَع ونَخْبِ الجَنانِ، ومحالفةِ الذلِّ والصَّغارِ، وملازمةِ الفاقةِ والمسكنةِ، وتَحَمُّلِ خزي الدنيا وفضيحةِ الآخرةِ، فقال:{مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} . الآيات الثلاث إلى قولِه: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} .

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

فى ت 1، ت 2، ت 3، س:"المسلمين".

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 337 (3999) من طريق يزيد به.

(3)

فى ت 2، س:"متساويين".

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"سواء".

ص: 689

فقولُه

(1)

: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} . مرفوعةٌ بقولِه: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.

وقد توهَّم جماعةٌ مِن نحويِّى الكوفةِ والبصرةِ والمتقدَّمين منهم في صناعتِهم

(2)

، أن ما بعدَ {سَوَاءً} فى هذا الموضعِ مِن قولِه:{أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} . ترجمةٌ عن {سَوَاءً} وتفسيرٌ عنه، بمعنى: لا يستوى مِن أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمةٌ يَتْلون آياتِ اللَّهِ آناءَ الليلِ، وأخرى كافرةٌ. وزعَموا أن ذكرَ الفرقةِ الأخرى تُرِك اكتفاءً بذكرِ إحدى الفِرقَتين، وهى الأمةُ القائمةُ، ومثَّلوه بقولِ أبي ذُؤيبٍ

(3)

:

عصَيتُ إليها القلبَ إنِّي لأمرِها

سميعٌ فما أدْرى أرُشْدٌ طِلابُها

ولم يَقُلْ: أم غيرِ رشدٍ. اكتفاءً بقولِه: أرُشْدٌ. مِن ذِكرِ: أم غيرُ رشدٍ. وبقولِ الآخرِ

(4)

:

أرَاك

(5)

فلا أُدْرِى أَهَمِّ هَمَمْتُه

وذو الهَمِّ قِدْمًا خاشعٌ متضائلُ

وهو مع ذلك خطأٌ عندَهم قولُ القائلِ المريدِ أن يَقُول: سواءٌ أَقُمْتَ أَم وَقعَدْتَ: سواءٌ أَقُمْتَ. حتى يَقُول: أم قعَدت. وإنما يُجيزون حذفَ الثاني فيما كان مِن الكلامِ مكتفيًا بواحدٍ، دونَ ما كان ناقصًا عن ذلك، وذلك نحوُ: ما أُبالى. أو: ما أدرى. فأجازوا في ذلك: ما أبالي أقُمْتَ. وهم يريدون: ما أُبالي أقمْتَ أم قعَدت. لاكتفاءِ: ما أبالى. بواحدٍ، وكذلك فى

(6)

: ما

(7)

أدرى. وأبَوا الإجازةَ في

(1)

فى م، ت 2، ت 3، س:"قوله".

(2)

ينظر معانى القرآن للفراء 1/ 230، 231.

(3)

تقدم تخريج البيت في 1/ 344.

(4)

معانى القرآن للفراء 1/ 231.

(5)

فى م: "أزال".

(6)

بعده في ت 2: "ما أبالي أو".

(7)

بعده في الأصل: "لا".

ص: 690

"سواء"، مِن أجلِ نقصانِه، وأنه غيرُ مكتفٍ بواحدٍ. فأغفَلوا في توجيهِهم قولَه:{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} . على ما حكَينا عنهم إلى ما وجَّهوه إليه - مذاهبَهم فى العربيةِ، إذ أجازوا فيه مِن الحذفِ ما هو غيرُ جائزٍ عندَهم في الكلامِ مع "سواء". وأخطَئوا تأويلَ الآيةِ، فـ {سَوَاءً} فى هذا الموضعِ بمعنى التمامِ والاكتفاءِ، لا بالمعنى الذى تأوَّله مِن حكَينا قولَه.

وقد ذُكر أن قولَه: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} . الآياتُ الثلاثُ نزَلت في جماعةٍ مِن اليهودِ أسلَموا فحُسن إسلامُهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أَسلَم عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ، وثعلبةُ بنُ سَعْيةَ

(1)

، وأُسَيدُ بنُ سَعيةَ، وأسدُ بنُ عبيدٍ، ومَن أسلَم مِن يهودَ معهم، فآمَنوا وصدَّقوا، ورغِبوا في الإسلامِ، وتنحَّوا

(2)

فيه، قالت أحبارُ يهودَ وأهلُ الكفرِ منهم: ما آمَن بمحمدٍ ولا اتَّبَعه إلَّا أشرارُنا، ولو كانوا مِن خيارِنا ما تَرَكوا دينَ آبائِهم وذهَبوا إلى غيرِه. فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى في ذلك مِن قولِهم:{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} إلى قولِه: {وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}

(3)

.

(1)

في ص، ت 2، س:"سعيد".

(2)

فى الأصل: "تنخوا"، وبدون نقط فى ص، وفى ت 1، ت 3:"منجوا"، وفي ت 2:"محرا"، وفى م، وتفسير ابن أبي حاتم:"منحوا"، وفى سيرة ابن هشام:"رسخوا". وتنحوا فيه: توجهوا له، وصاروا في ناحيته، وقصدوه. ينظر النهاية 5/ 30، والتاج "ن ح و".

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 557، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 737 (4003) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 64 إلى ابن المنذر.

ص: 691

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ

(1)

بكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} الآية. يَقُولُ: ليس كلُّ القومِ هلَك، قد كان للهِ فيهم بقيةٌ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} : عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ، وثعلبةُ بنُ سَلَامٍ أخوه، وسَعيةُ ومُبَشِّرٌ، وأَسَيدٌ وأسَدٌ ابنا كعبٍ

(4)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: ليس أهلُ الكتابِ وأمةُ محمدٍ القائمةُ بحقِّ اللهِ سواءً عندَ اللهِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنً عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن الحسنِ بنِ يزيدَ

(5)

العجلىِّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه كان يَقُولُ في قولِه:{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} . قال: لا يَسْتوى أهلُ الكتابِ

(1)

في النسخ: "عن".

(2)

أخرجه الطبراني (1388) من طريق أبى كريب به، وأخرجه البيهقى فى الدلائل 2/ 533 - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 29/ 115 - من طريق يونس به.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 64 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(4)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 65 إلى المصنف.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أبي يزيد"، وفى س:"أبي زيد". وينظر التاريخ الكبير 2/ 308، والجرح 3/ 42.

ص: 692

وأمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ:{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} الآية. يقولُ: ليس هؤلاءِ اليهودُ كمثَلِ هذه الأمةِ التى هى قائمةٌ

(2)

.

وقد بيَّنّا أن أوْلى القولين بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: قد تمَّت القصةُ عند قولِه: {لَيْسُوا سَوَاءً} . عن إخبارِ اللَّهِ بأمرِ مؤمنى أهلِ الكتابِ وأَهلِ الكفرِ منهم، وأن قولَه:{مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} . خبرٌ مبتدأٌ عن مدحِ مؤمنيهم، ووصفِهم بصفتِهم، على ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ وابنُ جريجٍ.

ويَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} : جماعةٌ ثابتةٌ على الحقِّ. وقد دلَّلنا على معنَى "الأمةِ" فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه

(3)

.

وأما القائمة"، فإن أهل التأويلِ اختلفوا فى تأويله؛ فقال بعضُهم: معناها العادلةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} . قال: عادلةٌ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 737 (4000) من طريق ابن أبي نجيح به، وستأتي بقيته في ص 697.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 737 (4001) من طريق أحمد بن المفضل به، وفيه: قانتة لله.

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 224.

(4)

تفسير مجاهد ص 258 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 486 (1223 - تحقيق حكمت بشير)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 65 إلى عبد بن حميد.

ص: 693

وقال آخرون: بل معنَى ذلك أنها قائمةٌ على كتابِ اللهِ وما أمَر به فيه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} . يقولُ: قائمةٌ على كتابِ اللهِ وفرائضِه وحدودِه.

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:{أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} يقولُ: قائمةٌ على كتابِ اللهِ وحدودِه وفرائضِه

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} . يقولُ: أمّةٌ مهتديةٌ، قائمةٌ على أمرِ اللَّهِ، لم تنزِعْ عنه وتترُكْه، كما ترَكه الآخرون وضيَّعوه

(2)

.

وقال آخرون: بل معنَى {قَائِمَةٌ} : مُطيعةٌ.

ذكرُ مِن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ:{أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} الآية. يقولُ: ليس هؤلاءِ اليهودُ كمثَلِ هذه الأمةِ التي هي قائمةٌ

(3)

للهِ، والقائمةُ

(4)

المطيعةُ

(5)

.

وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويلِ ذلك ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ ومَن قال

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 738 (4006) من طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 738 (4004، 4005) عن محمد بن سعد به.

(3)

في م، وتفسير ابن أبي حاتم:"قانتة".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3:"القانتة".

(5)

تقدم فى الصفحة السابقة، إلى قوله: قائمة.

ص: 694

بقولِهما، على ما روَينا عنهم، وإن كان سائرُ الأقوالِ الأُخَرِ متقاربةَ المعنى مِن معنى ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ في ذلك، وذلك أن معنى قولِه:{قَائِمَةٌ} : مستقيمةٌ على الهُدَى وكتابِ اللهِ وفرائضِه وشرائِع دينِه، بالعدلِ والطاعةِ، وغير ذلك مِن أسبابِ الخيرُ مِن اللَّهِ صفةِ أهل الاستقامةِ على كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. ونظيرُ ذلك الخبرُ الذى رواه النعمانُ بنُ بشيرٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"مثَلُ القائم على حدودِ اللَّهِ والواقعِ فيها كمثَلِ قومٍ ركِبوا سفينةً"

(1)

. ثم ضرَب لهم مثلًا، فالقائمُ على حدودِ اللهِ هو الثابتُ على التمسكِ بما أمرَه اللهُ به واجتنابِ ما نهاه اللَّهُ عنه.

فتأويلُ الكلامِ: مِن أهلِ الكتابِ جماعةٌ معتصمةٌ بكتابِ اللَّهِ مُتَمسكةٌ به، ثابتةٌ على العملِ بما فيه وبما

(2)

سنَّ لهم

(3)

رسولُه صلى الله عليه وسلم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)} .

يعنى بقولِه: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ} : يَقْرَءون كتابَ اللَّهِ آناءَ الليلِ. ويَعْنى بقولِه: {آيَاتِ اللَّهِ} .. ما أنزَل اللهُ فى كتابِه مِن العبَرِ والمواعظِ. يقولُ: يَتْلُون ذلك آناءَ الليلِ

(4)

فيتدبرونه ويَتَفَكَّرون فيه.

وأمّا {آنَاءَ اللَّيْلِ} . فساعاتُ الليلِ، واحدُها إنيٌ، كما قال الشاعرُ

(5)

:

حُلْوٌ ومُرٌّ كعَطْفِ القِدْح مرَّتُه

في

(6)

كلِّ إِنِّي حَذَاه

(7)

الليلُ يَنْتَعِلُ

(8)

(1)

أخرجه الحميدي (919)، وأحمد 30/ 31 (18361)، والبخاري (2493، 2686)، والترمذى (2173).

(2)

سقط مِن: ص، ت 1، ت 2، ت 3، وفى م:"ما".

(3)

فى النسخ: "له". والمثبت ما يقتضيه السياق

(4)

بعده فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يقول في ساعات الليل".

(5)

هو المتنخل الهذلي، والبيت فى ديوان الهذليين 2/ 35.

(6)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"من".

(7)

فى م: "قضاه".

(8)

كعطف القدح: يريد: طُوِى كما يطوى القدح. ومرتُه: فَتْلته. ينتعل: يسرى في كل ساحة من الليل =

ص: 695

وقد قيل إن واحدَ الآناءِ: إنًى مقصورٌ، كما واحدٌ الأمعاءِ معًى.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ساعاتُ الليلِ. كما قلنا.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ} : أى ساعات الليلِ

(1)

.

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: آناءُ الليلِ ساعاتُ الليلِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: سمِعنا العربَ تقولُ: آناءُ الليلِ ساعاتُ الليلِ.

وقال آخرون: آناءُ الليلِ جوفُ الليلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا: ثنا أسباطُ،، عن السدىِّ:{يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ} : أمَّا {آنَاءَ اللَّيْلِ} : فجوفُ الليلِ

(3)

.

وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ كانوا يُصَلُّون العشاءَ الآخِرَةَ

(4)

.

= من هدايته. ينظر شرح أشعار الهذليين 3/ 1283.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 739 عقب الأثر (4013) معلقا

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 739 عقب الأثر (4013) من طريق ابن أبي جعفر به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 738 عقب الأثر (4010) من طريق عمرو، عن أسباط به.

(4)

في م:"الأخيرة".

ص: 696

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن الحسنِ بنِ يزيدَ

(1)

العجليِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ في قولِه:{يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ} : صلاةُ العَتَمةِ هم يُصَلُّونها، ومَن سِواهم مِن أهلِ الكتابِ لا يُصَلِّيها

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني يحيى بنُ أيوبَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ زَحْرٍ، عن سليمانَ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: احتَبس علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ، كان عندَ بعضِ أهلِه أو

(3)

نسائِه، فلم يَأْتِنا لصلاةِ العشاءِ حتى ذهَب ليلٌ، فجاء ومنّا المصلِّى ومنّا المضطجعُ، فبشَّرنا وقال:"إنه لا يُصَلِّى هذه الصلاةَ أحدٌ مِن أهلِ الكتابِ". فأنزَل اللهُ: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: ثنا علىُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن [أبي يحيى]

(5)

الخراسانيِّ، عن نصرِ ابنِ طَريفِ، عن عاصمٍ، عن زرِّ بن حُبَيش، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: خرَج علينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ونحن نَنْتَظِرُ العِشاء -يُريدُ العَتَمةَ- فقال لنا: "ما على الأرضِ أحدٌ مِن أهلِ الأديانِ يَنْتَظِرُ هذه الصلاةَ في هذا الوقتِ غيرُكم". قال:

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3:"أبي يزيد".

(2)

أخرجه البخارى فى التاريخ الكبير 2/ 308، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 739 (4014) مِن طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 65 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر. وتقدم أوله في ص 692، 693.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"و".

(4)

أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص 88 من طريق يونس به، وأخرجه الطبراني في الكبير (10209)، وأبو نعيم في الحلية 4/ 187 من طريق يحيى بن أيوب به.

(5)

فى س: ابن أبي نجيح.

ص: 697

فنزلت: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}

(1)

.

وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ كانوا يُصَلُّون فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، قال: بلَغنى أنها نزَلت -: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} - فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ

(2)

.

وهذه الأقوالُ التي ذكَرتُها على اختلافِها متقاربةُ المعاني، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه وصَف هؤلاءِ القومَ بأنهم يَتْلُون آياتِ اللَّهِ فى ساعاتِ الليلِ، وهى آناؤُه، وقد يكونُ تالِيها في صلاةِ العشاءِ تاليًا لها آناءَ الليلِ، وكذلك مَن تلاها فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ، ومَن تلاها جوفَ الليلِ، فكلٌّ تالٍ لها

(3)

ساعاتِ الليلِ. غيرَ أن أوْلى الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنى بذلك تلاوتُه

(4)

القرآنَ في صلاةِ العشاءِ؛ لأنها صلاةٌ لا يُصَلِّيها أحدٌ مِن أهلِ الكتابِ، فوصَف اللهُ جل ثناؤه أمّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم بأنهم يُصَلُّونها دونَ أهلِ الكتابِ الذين كفَروا باللهِ ورسولِه.

وأما قولُه: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} . فإن بعضَ أهلِ العربيةِ

(5)

زعَم أن معنى

(1)

أخرجه أحمد 6/ 304 (3760)، والنسائى فى الكبرى (11073)، والبزار (375)، وأبو يعلى (5306)، وابن أبي حاتم 3/ 738 (4008، 4009)، وابن حبان (1530)، والواحدى في أسباب النزول ص 87، 88 من طريق عاصم به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 65 إلى ابن المنذر.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 131، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 739 (4012) من طريق الثورى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 65 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"له".

(4)

فى م، ت 2، ت 3، س:"تلاوة".

(5)

هو الفراء في معانى القرآن 1/ 231.

ص: 698

السجودِ في هذا الموضعِ اسمٌ للصلاةِ لا للسجودِ؛ لأن التلاوةَ لا تكونُ في السجودِ ولا في الركوعِ، فكأنَّ معنى الكلامِ كان

(1)

عندَه: يتلون آياتِ اللهِ آناءَ الليلِ وهم يُصلُّون.

وليس المعنى على ما ذهَب إليه، وإنما معنى الكلامِ: مِن أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمةٌ يَتْلُون آياتِ اللَّهِ آناءَ الليلِ في صلاتِهم، وهم مع ذلك يَسْجُدون فيها. فالسجودُ هو السجودُ المعروفُ في الصلاةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)} .

يعنى بقولِه: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} : يُصَدِّقون باللهِ وبالبعثِ بعدَ المماتِ، ويَعْلَمون أن اللهَ مُجازِيهم بأعمالِهم، وليسوا كالمشركين الذين يَجْحَدُون وحدانيةَ اللَّهِ، ويَعْبُدون معه غيرَه، ويُكَذِّبون بالبعثِ بعدَ المماتِ، ويُنكرون المجازاةَ على الأعمالِ، والثوابَ والعقابَ.

وقولُه: {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} . يقولُ: ويَأْمُرون الناسَ بالإيمانِ باللهِ ورسولِه وتصديقِ محمدٍ [وما]

(2)

جاءهم به. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} . يَقُولُ: ويَنْهونَ الناسَ عن الكفرِ باللهِ وتكذيبِ محمدٍ وما جاءهم به مِن عندِ اللهِ. يعني بذلك أنهم ليسوا كاليهودِ والنصارى الذين يَأمُرون الناسِ بالكفرِ باللهِ وتكذيبِ محمدٍ فيما جاءهم به، ويَنْهونَهم عن المعروفِ مِن الأعمالِ، وهو تصديقُ محمدٍ فيما أتاهم به مِن عندِ اللَّهِ، {وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}. يقولُ: ويَبْتَدِرون فعلَ الخيراتِ؛ خشيةَ أن يَفُوتَهم ذلك قبلَ معاجَلتهم مَنَاياهم.

(1)

سقط من: م، ت 2، ت 3.

(2)

في الأصل: "بما".

ص: 699

ثم أخبرَ جلَّ ثناؤه أنَّ هؤلاءِ الذين هذه صفتُهم مِن أهلِ الكتابِ، هم مِن عِدادِ الصالحين؛ لأن مَن كان منهم فاسقًا قد باء بغضبٍ مِن اللهِ؛ لكفرِه باللهِ وآياتِه، وقتلهم الأنبياء بغيرِ حقٍّ، وعصيانه ربَّه، واعتدائِه في حدودِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)} .

اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} . بالياءِ

(1)

جميعًا، ردًّا على صفةِ القومِ الذين وصَفهم جلَّ ثناؤه بأنهم يَأمُرون بالمعروفِ ويَنْهونَ عن المنكرِ.

وقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ، بالتاءِ في الحرفين جميعًا:(ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ)

(2)

. بمعنى: وما تَفْعَلوا أنتم أيُّها المؤمنون مِن خيرٍ فلن يَكْفُرْكُمُوه ربُّكم.

وكان بعضُ قرأةِ أهل البصرةِ يَرَى القراءتين فى ذلك جائزًا بالياءِ والتاءِ في الحرفين.

والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} . بالياءِ في الحرفين كليهما، يَعْنى بذلك الخبرَ عن الأمةِ القائمةِ، التاليةِ آياتِ اللَّهِ. وإنما اختَرنا ذلك لأن ما قبلَ هذه الآية مِن الآياتِ خبرٌ عنهم،، فإلحاقُ هذه الآيةِ -إذ كان لا دلالةَ فيها تدلُّ على الانصرافِ عن صفتِهم- بمعاني الآياتِ

(1)

سقط مِن: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س، وهى قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص. ينظر حجة القراءات ص 170.

(2)

وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو البصرى وعاصم في رواية أبي بكر عنه. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 215.

ص: 700

قبلَها أولى مِن صرفِها عن معانى ما قبلَها.

وبالذى اختَرنا مِن القراءة كان ابن عباس يَقْرأُ.

حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ التَّغْلِبيُّ، قال ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أبي عمرِو بنِ العلاءِ، قال: بلَغنى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُهما جميعًا بالياءِ

(1)

.

فتأويلُ الآيةِ إذن على ما اخترنا مِن القراءةِ: وما تَفْعَلْ هذه الأمةُ مِن خيرٍ وتعملْ مِن عملٍ للهِ فيه رضًا، فلن يَكْفُرَهم اللهُ ذلك. يَعْنى بذلك: فلن يُبْطِلَ اللَّهُ ثوابَ عملهم ذلك، ولا يَدَعَهم بغيرِ جزاءٍ منه لهم عليه، ولكنَّه يُجْزِلُ لهم الثوابَ عليه، ويُسْنى

(2)

لهم الكرامةَ والجزاءَ.

وقد دلَّلنا على معنى "الكفرِ" فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، وأن أصلَه تغطيةُ الشيءِ

(3)

. فكذلك ذلك في قولِه: {فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} : فلن يُغَطَّى على ما فعَلوا مِن خيرٍ، فيُتْرَكُوا بغيرِ مجازاةٍ، ولكنهم يُشْكَرون على ما فعَلوا مِن ذلك، فيُجْزَلُ لهم الثوابُ منه.

وبنحوِ ما قلنا

(4)

مِن التأويلِ تأوَّل مَن تأوَّل ذلك مِن أهلِ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فلن تُكْفَرُوهُ). يقولُ: لن يُضَلَّ عنكم

(5)

.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 65 إلى المصنف.

(2)

يعني: يزيد.

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 262.

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"في ذلك".

(5)

عزاه السيوطى فى الدر 2/ 65 إلى المصنف وعبد بن حميد.

ص: 701

حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(1)

.

وأما قولُه: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} . فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ ذو علمٍ بمن اتَّقاه بطاعتِه واجتنابِ معاصِيه، وحافظٌ أعمالَهم الصالحةَ حتى يُثيبهم عليها، ويجازِيَهم بها؛ تبشيرًا منه لهم جلَّ ذكرُه في عاجلِ الدنيا، وحضًّا لهم على التمسكِ بالذي هم عليه مِن صالحِ الأخلاقِ التى ارتَضاها لهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116)} .

وهذا وعيدٌ مِن اللهِ جل ثناؤه للأُمةِ الأُخرى الفاسقة مِن أهلِ الكتابِ، الذين أخبَر عنهم بأنهم فاسقون، وأنهم قد باءُوا بغضبٍ منه، ولمن كان مِن نُظَرائِهم مِن أهلِ الكفرِ باللهِ ورسولِه، وما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم من عندِ اللهِ. يقولُ تعالى ذكرُه:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} . يَعْنى: الذين جَحَدوا نبوَّةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وكذَّبوا به، وبما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} ، يعنى: لن تَدْفَعَ أموالُه التي جمَعها في الدنيا، وأولادُه الذين رَبَّاهم فيها، شيئًا مِن عقوبةِ اللهِ يومَ القيامةِ، إن أَخَّرَها لهم إلى يومِ القيامةِ، ولا في الدنيا إن عَجَّلَها لهم فيها.

وإنما خَصَّ أمواله وأولاده؛ لأن أولادَ الرجلِ أقربُ أنْسِبَائِه إليه، وهو على مالِه أقدرُ

(2)

منه على مالِ غيرِه، وأمره فيه أجوزُ مِن أمرِه في مالِ غيرِه، فإذا لم يُغْنِ عنه ولدُه لصُلْبِه، ومالُه الذى هو نافِذُ الأمرِ فيه، فغيرُ ذلك مِن أقربائِه وسائرِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 740 (4020) مِن طريق ابن أبي جعفر به.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أقرب".

ص: 702

أنسِبائِه وأموالِهم، أبعدُ مِن أن تُغنى عنه مِن اللهِ شيئًا.

ثم أخبَر جلّ ذكرُه أنهم هم أهلُ النارِ الذين هم أهلُها بقولِه: {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} . وإنما جعَلَهم أصحابَها؛ لأنهم أهلُها الذين لا يخرُجون منها ولا يُفارقونها، كصاحبِ الرجلِ الذى لا يُفارِقُه، وقَرينِه الذي لا يُزايلُه، ثم وَكَّدَ ذلك بإخبارِه عنهم أنهم فيها خالدون: إنَّ

(1)

صُحْبَتَهم إيَّاها صحبةٌ لا انقِطاعَ لها، إِذْ كان مِن الأشياءِ ما يُفارِقُ صاحبَه فى بعضِ الأحوالِ، ويُزايله في بعضِ الأوقاتِ، وليس كذلك صحبةُ الذين كفروا بالله النارِ التى أُصْلُوها، ولكنها صحبةٌ دائمةٌ لا نهايةَ لها ولا انقطاعَ، نعوذُ باللهِ منها، ومما قرَّب منها مِن قولٍ وعملٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} .

يَعْنى بذلك جلّ ثناؤُه: شَبَهُ ما يُنْفِقُ الذين كفروا -أي: شَبَهُ ما يَتَصدَّقُ به الكافرُ مِن مالِه، فيُعْطِيه مَن يُعْطِيه على وَجْهِ القُرْبةِ إِلى رَبِّه، وهو لوحدانيةِ اللهِ جاحدٌ، ولمحمدٍ نبيِّه صلى الله عليه وسلم مُكَذِّبٌ، في أنَّ ذلك غيرُ نافِعِه مع كُفْرِه، وأنه مُضْمَحِلٌ عندَ حاجتِه إليه، ذاهبٌ بعد الذى كان يَرْجو مِن عائدةِ نَفْعِه عليه- كشَبَهِ {رِيحٍ فِيهَا [صِرٌّ} يعنى: فيها]

(2)

بَرْدٌ شديدٌ، {أَصَابَتْ} هذه الريحُ التي فيها البَرْدُ الشديدُ:{حَرْثَ قَوْمٍ} . يعنى: زرعَ قومٍ، قد أَمَّلُوا إدراكَه، ورَجَوا رَيْعَه، وعائدةَ نَفْعِه، {ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}. يعنى: أصحابَ الزرعِ، عَصَوا اللَّهَ وتَعَدُّوا حدودَه؛ {فَأَهْلَكَتْهُ} ، يقولُ: فأهلَكَت الريحُ التي فيها الصِّرُّ زرعَهم ذلك، بعدَ الذى كانوا عليه مِن الأملِ، ورجاءِ عائدةِ نَفْعِه عليهم.

(1)

سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

سقط من: م.

ص: 703

يقولُ تعالى ذكرُه: فكذلك فِعْلُ اللَّهِ بنفقةِ الكافرِ وصدقتِه في حياتِه حينَ يَلْقاه، يُبْطِلُ ثَوابَها، ويُخيبُ رجاءَه منها.

وخَرَج المثَلُ للنفقةِ، والمرادُ بالمثَلِ صنيِعُ اللهِ بالنفقةِ، يُبَيِّنُ ذلك قولُه:{كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} . فهو كما قد بَيَّنَّا فى مثلِه مِن قولِه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17]. وما أشبَه ذلك.

فتأويلُ الكلامِ: مَثَلُ إبطالِ اللَّهِ أَجرَ ما يُنْفِقون في هذه الحياةِ الدنيا، كمثلِ ريحٍ فيها صِرٌّ. وإنما جاز تَرْكُ ذِكْرِ إبطالِ اللهِ أجرَ ذلك لدلالةِ آخِرِ الكلامِ عليه، وهو قولُه:{كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} . والمعرفةِ السامعِ ذلك معناه.

واختلف أهلُ التأويلِ في معنى "النفقةِ" التي ذكَرها في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هي النَّفقة المعروفة في الناسِ.

ذكر مِن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول الله عز وجل {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. قال: نَفَقةُ الكافر في الدنيا

(1)

.

وقال آخرون: بل

(2)

الذى يقولُه بلسانه مما لا يُصَدِّقُه قلبه

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 741 (4024) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 65 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

بعده فى ص، م، ت 1، ت 2، س:"ذلك قوله".

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"بقلبه".

ص: 704

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثني أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} . يقولُ: مَثَلُ ما يُنْفِقُ

(1)

فَلا يُقْبَلُ منه كمثلِ هذا الزرعِ إذا زَرَعه القومُ الظالمون، فأصابَتْه ريحٌ فيها صِرٌّ، أصابَته فأهلَكَته، فكذلك أنفَقوا، فأهلَكَهم شِرْكَهم

(2)

.

وقد بَيَّنَّا أولى ذلك بالصوابِ قبلُ.

وقد تقدَّم بيَانُنا تأويلَ: {الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه في هذا الموضعِ

(3)

.

وأما الصِّرُّ فإنه شدةُ البَرْدِ، وذلك بعُصُوفٍ مِن الشمالِ في إعصارِ الطَّلِّ والأنْدَاءِ، في صبيحةٍ مغيمةٍ

(4)

بعَقِبِ ليلةٍ مُصْحِيَّة.

كما حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ، عن عثمانَ بنِ غِيَاثٍ، قال: سمعتُ عِكرمة يقولُ: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} . قال: بَرْدٌ شَديدٌ

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال لي ابنُ جُرَيجٍ: قال ابنُ عباسٍ: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} . قال: بَرْدٌ شَديدٌ وزَمْهَرِيرٌ.

(1)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"يقول".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 741 (4028) من طريق أحمد بن مفضل به.

(3)

ينظر ما تقدم في 2/ 216، 3/ 605.

(4)

فى م: "معتمة". ومعنى الكلام في صبيحة لا يرى فيها شمس من شدة الدَّجن، تعقب ليلة انقشع عنها الغيم. اللسان (غ ي م، ص ح و).

(5)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 741 عقب الأثر (4025) معلقًا.

ص: 705

حدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ عن ابنِ عباسٍ قوله:{رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} . يقولُ: بَرْدٌ.

حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: الصِّرُ البَرْدُ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ} . أى بَرْدٌ شديدٌ

(2)

.

حُدِّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(3)

.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ:(الصِّرُّ): البردُ

(4)

.

حدَّثنا محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ} . يقولُ: ريحٌ فيها بَرْدٌ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} . قال: صِرٌّ باردةٌ أهلَكَت حَرْثَهم. قال: والعربُ تَدْعوها الضَّرِيب. تأتى الريحُ باردةً، فتُصبحُ ضَريبًا قد اخْتَرق الزرعُ. تقولُ: ضُرِب الليلةَ. أصابه ضَريبٌ، تلك الصِّرُّ التي أصابَته.

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (522 - تفسير)، وابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 741 (4025) من طريق عنترة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 65 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 741 عقب الأثر (4025) معلقا.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 741 عقب الأثر (4025) من طريق ابن أبي جعفر به.

(4)

بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"الشديد". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 741 عقب الأثر (4025) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.

ص: 706

حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ:{رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} . قال: رِيحٌ فيها بَرْدٌ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)} .

يَعْنى بذلك جلّ ثناؤه: وما فعَل اللهُ بهؤلاء الكفارِ ما فعَل بهم، مِن إحباطِه ثوابَ أعمالهم وإبطالِه أجورَها؛ ظُلْمًا منه لهم، يعنى: وَضْعًا منه لِما فعَل بهم من ذلك في غيرِ مَوْضِعِه، وعند غيرِ أهلِه، بل وَضَع فعله ذلك في مَوْضِعِه، وفعَل بهم ما هم أهلُه؛ لأن عَمَلَهم الذي عَمِلوه لم يكنْ للهِ وهم له بالوحدانيةِ دائِنون، ولأمرِه مُتَّبِعون، ولرسلِه مُصَدِّقون، بل كان ذلك منهم وهم به مشركون، ولأمرِه مخالِفون، ولرسلِه مُكذِّبون، بعدَ تَقَدُّم منه إليهم أنه لا يَقْبَلُ عملًا مِن عاملٍ، إلا مع إخلاصِ التوحيدِ له، والإقرار بنُبوّةِ أنبيائِه، وتصديقِ ما جاءوهم به، وتوكيدِه الحُجَجَ بذلك عليهم، فلم يكنْ بفعلِه ما فعل بمَن كفَر به، وخالَف أمرَه في ذلك، بعدَ الإعذارِ إليه، مِن إحباطِ أجرِ

(2)

عملِه، له ظالمًا، بل الكافرُ

(3)

هو الظالمُ نفِسه، لإكسابِها مِن معصيةِ اللهِ، وخلافِ أمرِه، ما أورَدها به نارَ جهنَم، وأصلَاها به سعيرَ سَقَرَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} .

يَعْنى بذلك جل ذكرُه: يا أيها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأقرُّوا بما جاءهم به بَبِيَّهم مِن عندِ ربِّهم، {لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً}. يقولُ: لا تتخذوا أولياءَ وأصدقاءَ

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 741 عقب الأثر (4025) معلقًا.

(2)

في ص: "وفر"، وفى م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"وافر".

(3)

بعده في الأصل: "و".

ص: 707

لأنفسِكم {مِنْ دُونِكُمْ} . يقولُ: مِن دونِ أهلِ دينِكم ومِلَّتِكم. يعنى: مِن غيرِ المؤمنين. وإنما جعَل البطانةَ مَثَلًا لخليلِ الرجلِ، فَشَبَّهَه بما وَلِى بطنَه مِن ثيابِه؛ لحلولِه

(1)

منه فى اطِّلاعِه على أسرارِه وما يَطْويه عن أباعدِه وكثيرٍ مِن أقاربِه، مَحِلَّ ما وَلِى جَسَدَه مِن ثيابِه.

فَنهَى اللهُ المؤمنين به أن يتِخذوا مِن الكفارِ به أخِلَّاءَ وأصفياءَ، ثم عَرَّفهم ما هم عليه لهم مُنْطَوون، مِن الغِشِّ والخيانةِ، وبُغْيَتِهم

(2)

إيَّاهم الغَوائلَ، مُحَذِّرهم بذلك منهم ومن

(3)

مُخَالَّتِهم، فقال تعالى ذكرُه:{لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} . يعني: لا يستطيعونكم شَرًّا. مِن: أَلُوتُ آلُو أَلْوا. يقال: ما أَلا فلانٌ كذا. أى: ما استطاع، كما قال الشاعرُ

(4)

:

جَهْراءُ لا تَأْلُو إذا هي أظهَرَت

بَصَرًا ولا مِن عَيْلَةٍ تُغْنِينى

يعني: تستطيعُ عندَ الظهرِ إبصارًا.

وإنما يعنى جلّ ذكرُه بقولِه: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} . البِطانةَ التي نهَى المؤمنين عن اتخاذِها مِن دونِهم، فقال: إن هذه البِطانةَ لا تَتْرُكُكم طاقتَها خبالًا. أى: لا تَدَعُ جهدَها فيما أورَثَكم الخبالَ.

وأصلُ الخَبَّلِ والخَبَالِ الفسادُ، ثم يُستَعملُ في معان كثيرة، يدُلُّ على ذلك الخبرُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"مَن أُصيب بحَبْلٍ أو جِرَاحٍ"

(5)

(1)

في الأصل: "لجلوله"

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"بغيهم".

(3)

في الأصل: "عن".

(4)

هو أبو العيال الهذلي، والبيت فى ديوان الهذليين 2/ 263.

(5)

أخرجه أحمد 26/ 296، 297 (16375)، والدارمي 2/ 188، وأبو داود (4496)، وابن ماجه (2623) من حديث أبي شريح الخزاعي.

ص: 708

وأما قولُه: {وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} . فإنه يعنى: وَدُّوا عَنَتَكم. يقولُ: يَتَمَنَّون لكم العَنَتَ والشَّرَّ في دينِكم، وما يسوءَكم ولا يَسُرُّكم.

وذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في قومٍ من المسلمين كانوا يُخالِطون حلفاءَهم مِن اليهودِ وأهلِ النفاقِ منهم، ويُضافونهم المودَّةَ، بالأسبابِ التي كانت بينَهم في جاهليتِهم قبلَ الإسلامِ، فَنَهاهم اللهُ عن ذلك، وأن يَسْتَنصِحوهم في شيءٍ مِن أمورِهم.

ذكرُ [الخبر بذلك]

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: قال محمدُ ابنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رجالٌ مِن المسلمين يواصلون رجالًا مِن يهودَ؛ لما كان بينَهم مِن الجوارِ والحِلْفِ في الجاهليةِ، فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى فيهم، يَنْهاهم عن مُباطَنتِهم؛ تَخَوَّفَ الفتنةِ عليهم منهم:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} . إلى قولِه: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ}

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تبارك وتعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} : فى المنافقين مِن أهل المدينة، نهَى اللهُ جل ثناؤه المؤمنين أن يَتَولُّوهم

(3)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"من قال ذلك".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 558، وذكره الواحدى فى أسباب النزول ص 88 عن ابن عباس معلقًا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 743 (4037) من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبى محمد قوله. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 66 إلى ابن المنذر.

(3)

تفسير مجاهد ص 258 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 742 (4034)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 66 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 709

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} : نهَى اللَّهُ جلّ ثناؤُه المؤمنين أن يَسْتدخِلوا المنافِقين أو يُؤاخوهم، أو

(1)

يَتَولُّوهم مِن دونِ المؤمنين

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن، أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} : هم المنافِقون

(3)

.

حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه عن الربيعِ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} . يقولُ: لا تسْتدخِلوا المنافِقين، فتَولَّوْهم دونَ المؤمنينَ

(4)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوب بن إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ بنُ حَوشبٍ، عن الأزهرِ بنِ راشدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تَسْتَضيئوا بنارِ أهلِ الشِّرْكِ، ولا تَنْقُشوا فى خَواتيمِكم عَرَبِيًّا". قال: فلم يَدْرُوا ما ذلك حتى أتَوا الحسنَ فسألوه، فقال: نعم، أما قولُه:"لا تَنْقُشوا في خَواتيمِكم عَرَبيًّا". فإنه يقولُ: لا تَنْقُشوا فى خَواتيمكم محمدًا. وأما قولُه: "ولا تَسْتَضيئوا بنارِ أهلِ الشركِ". فإنه يَعْنى به المشركين، يقولُ لاتَسْتَشيروهم في شيءٍ من أمورِكم. قال: وقال الحسنُ: وتصديقُ ذلك فى كتابِ اللهِ. ثم تَلا هذه الآيةَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ}

(5)

.

(1)

فى ص، ت 2:"أن"، وفى م، ت 1، س:"أى".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 743 (4035) من طريق شيبان، عن قتادة.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 742 (4033) عن محمد بن سعد به.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 743 عقب الأثر (4035) من طريق ابن أبي جعفر به،

(5)

أخرجه بتمامه أبو يعلى -كما في تفسير ابن كما في تفسير ابن كثير 2/ 89، ومسدد- كما في المطالب العالية (2479) - والبيهقى 10/ 127، وفى الشعب (9375) من طريق هشيم به، وأخرجه أحمد =

ص: 710

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} : أما البَطانةُ، فهم المنافِقون

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيج قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} الآية. قال: لا يَسْتدخِلُ المؤمنُ المنافقَ دونَ أخيه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} الآية. قال: هؤلاء المنافِقون، وقرَأ قولَه:{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} الآية.

واختَلفوا في تأويلِ قولِه: {وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} ؛ فقال بعضُهم: معناه: وَدُّوا ما ضَلَلْتم عن دينكم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، السُّدِّيِّ:{وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} . يقولُ: ما ضَلَلْتم

(2)

.

وقال آخرون بما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ:{وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} . يقولُ: في دينِكم، يَعْنى أنهم يَوَدُّون أن تَعْنَتوا في دينِكم.

فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: {وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} . فجاء بالخبرِ عن البِطانةِ

= 19/ 18 (11954)، والنسائى (5224) وغيرهما من طريق هشيم به -بدون ذكر تفسير الحسن- وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 66 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 743 عقب الأثر (4035) من طريق عمرو بن حماد، أسباط به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 743 (4040) من طريق أسباط به.

ص: 711

بلفظِ الماضي في مَحِلِّ الحالِ والقَطْعِ، بعدَ تَمامِ الخبرِ، والحالاتُ لا تكونُ إلا بصُورِ الأسماء أو الأفعالِ المستقبَلةِ، دونَ الماضية منها؟

قيل: ليس الأمرُ في ذلك على ما ظَنَنتَ مِن أن قولَه: {وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} حالٌ للبِطانةِ

(1)

، وإنما هو خبرٌ عنهم ثانٍ، منقطع عن الأَوَّلِ، غيرُ مُتَّصِلٍ به.

وإنما تأويلُ الكلامِ: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتَّخِذوا بطانةً صِفَتُهم كذا، صِفَتُهم كذا. فالخبرُ عن الصفةِ الثانيةِ غيرُ مُتَّصِلٍ بالصفةِ الأولى، وإن كانَتا جميعًا مِن صفةِ شخصٍ واحدٍ.

وقد زعمَ بعضَ أهلِ العربيةِ أن قولَه: {وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} . مِن صلةِ البِطانةِ، [وأن معنى ذلك: لا تَتَّخِذوا بطانةٌ ودُّوا -أي: أَحَبُّوا- ما عنِتُّم.

وليس لهذا القولِ الذى قاله صاحبُ هذه المقالة وجهٌ معروفٌ؛ وذلك أن البِطانةِ]

(2)

قد وُصِلَت بقولِه: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} . فلا وَجْهَ لصلةٍ أخرى بعدَ تَمامِ البِطانةِ بصِلتِه، ولكنّ القولُ في ذلك كما بَيَّنا قبل مِن أن قولَه:{وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ} .

خبرٌ مبتدأٌ عن البِطانةِ غيرُ الخبرِ الأولِ، وغيرُ حالٍ مِن البِطانةِ ولا قَطْعٍ منها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} .

يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: قد بَدَت بَغْضاءُ هؤلاء الذين نَهَيتُكم أيُّها المؤمنون أن تتَّخِذوهم بِطانةً مِن دونكم، لكم بأفواهِهم، يعني: بألسنتِهم، والذي بَدا لهم منهم بألسنتِهم، إقامتُهم على كُفْرِهم، وعداوتُهم مَن خالف ما هم عليه مُقِيمون مِن الضَّلالة، فذلك مِن أوكدِ الأسبابِ فى مُعاداتهم أهلَ الإيمانِ؛ لأن ذلك

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"من البطانة"

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، وفى م:"و".

ص: 712

عداوةٌ على الدِّين، والعداوةُ على الدينِ العداوةُ التى لا زَوالَ لها إلا بانتقالِ أحدِ المُتعادِيَين إلى مِلَّةِ الآخرِ منهما، وذلك انتقالٌ مِن هدًى إلى ضلالةِ، كانت عندَ المُنْتقِل إليها ضَلالةً قبل ذلك، فكان في إبدائِهم ذلك للمؤمنين ومُقامهم عليه، أبْيَنُ الدلالةِ لأهلِ الإيمانِ على ماهم عليه لهم

(1)

مِن البَغْضاءِ والعَداوةِ.

وقد قال بعضُهم: معنى قولِه: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} : قد بَدَت بغضاؤُهم لأهلِ الإيمانِ إلى أوليائِهم مِن المنافِقين وأهلِ الكفرِ، بإطلاعِ بعضِهم بعضًا على ذلك

وزعَم قائِلو هذه المقالةِ أن الذين عُنُوا بهذه الآيةِ أهلُ النفاقِ، دونَ مَن كان مُصَرِّحًا بالكفر مِن اليهودِ وأهلِ الشِّرْكِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} . يقولُ: قد بَدَت البغضاء مِن أفواه المنافِقين إلى إخوانِهم من الكفارِ، مِن غِشِّهم للإسلامِ وأهلِه، وبُغْضِهم إياهم

(2)

.

حُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:{قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} . يقولُ: مِن أفواهِ المنافِقين

(3)

.

وهذا القولُ الذي ذكرناه عن قتادةَ قولٌ لا معنى له، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه إنما نهَى المؤمنين أن يَتَّخِذوا بِطانةً ممن قد عَرَفوه بالغِشِّ للإسلامِ وأهلِه والبَغْضاءِ؛ إما

(1)

سقط من: م.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 744 (4042) من طريق شيبان، عن قتادةَ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 66 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 744 عقب الأثر (4042) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 713

بأدلةٍ ظاهرة دَالَّةٍ على أن ذلك مِن صِفَتِهم، وإما بإظهارِ الموصوفين بذلك العداوةَ والشَّنآنَ وبالمُناصَبةِ لهم، فأما مَن لم يُثْبِتوه

(1)

معرفةً أنه الذي نَهاهم اللهُ عز وجل عن مُخالَّتِه ومُباطنته، فغيرُ جائزٍ أن يكونوا نُهُوا عن مُخالَّتِه ومُصادقتِه، إلا بعدَ تعريفِهم إياهم، إما بأعيانِهم وأسمائِهم، وإما بصفاتٍ قد عرَفوهم بها.

وإذ كان ذلك كذلك، وكان إبداءُ المنافِقين بألسنتِهم ما في قلوبهم من بَعْضاءِ المؤمنين إلى إخوانِهم من الكفارِ، غيرَ مُدْرِكٍ به المؤمنون معرفةَ ما هم عليه لهم، مع إظهارِهم الإيمانَ بألسنتِهم لهم، والتَّوَدُّدِ إليهم، كان بَيِّنًا أن الذى نهَى اللَّهُ المؤمنين عن اتِّخاذِهم لأنفسِهم بِطانةً دونَهم، هم الذين قد ظهَرَت لهم بَغْضاؤُهم بألسنتِهم، على ما وصَفهم اللهُ تبارك وتعالى به، فعَرَفهم المؤمنون بالصفةِ التي نَعَتَهم اللهُ بها، وأنهم هم الذين وصَفهم تعالى ذكرُه بأنهم أصحابُ النارِ هم فيها خالدون، ممن كان له ذِمَّةٌ وعهدٌ مِن رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مِن أهلِ الكتابِ؛ لأنهم لو كانوا المنافِقين، لكان الأمرُ فيهم على ما قد بَيَّنا، ولو كانوا الكفارَ ممن قد ناصَب المؤمنين الحربَ، لم يكن المؤمنون مُتَّخِذِيهم لأنفسهم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين مع اختلافِ بلادِهم، وافتراقِ أمصارِهم، ولكنهم الذين كانوا بينَ أَظْهُرِ دُورِ

(2)

المؤمنين مِن أهلِ الكتابِ، أيامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ممن كان له مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عهدٌ وعقدٌ، مِن يهودِ بني إسرائيلَ.

والبَغْضاءُ مصدرٌ، وقد ذُكِر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ

(3)

: (قَدْ بَدَا البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ). على وَجْهِ التذكير، وإنما جاز ذلك بالتَّذكيرِ ولَفْظُه لَفْظُ المؤنثِ؛ لأن المصادرَ تأنيتُها ليس بالتأنيثِ اللازمِ، فيجوزُ تذكيرُ ما خرج منها على لفظِ

(1)

لم يثبتوه: لم يعرفوه حق المعرفة.

(2)

سقط من: م.

(3)

معانى القرآن للفراء 1/ 231، البحر المحيط 3/ 38.

ص: 714

المؤنثِ وتأنيتُه، كما قال اللهُ جل ثناؤه:{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 67]. وكما قال: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأنعام: 157]. وفي موضع آخَرَ: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 94]، و {جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 73، 85].

وقال: {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} وإنما بدا ما بَدا مِن البغضاءِ منهم

(1)

بألسنتِهم؛ لأن المعنىَّ به الكلامُ الذى ظهَر للمؤمنين منهم مِن أفواهِهم، فقال: قد بَدَتِ البغضاءُ بألسنتِهم مِن أفواهِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} .

يَعْنى جل ثناؤه بذلك: والذى تُخْفِي {صُدُورُهُمْ} . . يعنى: صدورُ هؤلاء الذين نَهاهم عن اتخاذِهم بِطانةً، فتَخْبِنُه

(2)

عنكم أيُّها المؤمنون، {أَكْبَرُ}. يقولُ: أكبرُ مما قد بَدا لكم بألسنتِهم مِن أفواههم مِن البَغْضاءِ وأعظمُ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} . يقولُ: وما تُخْفِى صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتِهم

(3)

.

حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:{وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} . يقولُ: ما تُكِنُّ صدورُهم أكبرُ مما قد أبدَوا بألسنتِهم

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)} .

يَعْنى بذلك جلّ ثناؤه: قد بَيَّنا لكم أيها المؤمنون {الْآيَاتِ} . يعني بالآيات

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(2)

فى م، ت 2، ت 3، س:"فتخفيه".

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 66 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 744 (4043) من طريق ابن أبي جعفر به.

ص: 715

العبَرَ. يقولُ: قد بَيَّنا لكم من أمرِ هؤلاء اليهودِ الذين نَهَيناكم أن تتَّخِذوهم بِطانةً من دونِ المؤمنين، ماتعتبرون وتتَّعظون به من أمْرِهم {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}. يعنى: إن كنتم تَعْقِلُون عن اللهِ مَواعظه، وأمره ونهيَه، وتعرِفون مواقعَ نَفْعِ ذلك منكم، ومَبْلَغَ عائدتِه عليكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} .

يَعْنى بذلك جلّ ثناؤه: ها أنتم أيها المؤمنون الذين {تُحِبُّونَهُمْ} . يقولُ: تُحبون هؤلاء الكفارَ الذين نَهَيتُكم عن اتِّخاذهم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين، فَتَوَدُّونهم وتُواصلونهم، وهم لا يُحِبُّونكم، بل يَنْطَرُون

(1)

لكم على

(2)

العداوةِ والغِشِّ، {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} .

ومعنى الكتابِ في هذا الموضعِ معنى الجمعِ، كما يقالُ: كثُر الدِّرْهَمُ في أيدى الناسِ. بمعنى: الدَّراهم. فكذلك قولُه: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} ، إنما معناه: بالكُتُبِ كلِّها؛ كتابكم الذى أنزَله اللهُ تبارك وتعالى إليكم، وكتابِهم الذى أنزَله إليهم، وغيرِ ذلك مِن الكتبِ التى أنزَلها اللهُ تعالى ذكرُه على عبادِه.

يقولُ جل ثناؤُه: فأنتم -إذ كنتم أيُّها المؤمنون تُؤمنون بالكُتُبِ كُلَّها، وتعلَمون أن الذين نَهَيتُكم عن أن تَتَّخِذوهم بِطانةً مِن دونكم، كفارٌ بذلك كلِّه؛ بجُحودهم [ما في]

(3)

ذلك كلِّه، مِن عُهودِ اللهِ إليهم، وتَبْديلِهم ما فيه مِن أمرِ اللَّهِ ونَهْيِه- أولى بعَداوتِكم إياهم، وبَغْضائهم وغِشِّهم، منهم بِعَداوَتِكم وبَغْضائكم، مع جُحودِهم بعضَ الكتبِ، وتكذيبِهم ببعضِها.

(1)

في، م، ت 2، ت 3، س:"ينتظرون"، وفى ت 1:"ينظرون".

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

سقط من م، س، وفى ص، ت 1، ت 2، ت 3:"فى".

ص: 716

كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ} . أى: بكتابِكم وكتابِهم، وبما مضَى من الكتبِ قبلَ ذلك، وهم يكفُرون بكتابِكم، فأنتم أحقُّ بالبَغْضاءِ لهم، منهم لكم

(1)

.

وقال: {هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ} . ولم يَقُلْ: هؤلاء

(2)

أنتم. ففَرَّق بينَ "ها" و "أولاءِ"، بكنايةِ اسمِ المخاطَبين؛ لأن العربَ كذلك تفعَلُ في "هاذا"، إذا أرادَت به التقريبَ ومَذْهَبَ النُّقْصانِ الذى يَحتاجُ إلى تَمامِ الخبرِ، وذلك مثلُ أن يقالَ لبعضِهم: أين أنت؟ فيجيبُ المقولُ ذلك له: ها أنا ذا. فَتُفَرِّقُ بين التَّنبيهِ، و "ذا"

(3)

بمَكْنِيِّ اسمِ نفسِه، ولا يَكادون يقولون: هذا أنا. ثم يُثَنَّى ويُجْمَعُ على ذلك، وربما أعادوا حرفَ التَّنْبيهِ مع "ذا"، فقالوا: ها أنا هذا. ولا يفعَلون ذلك إلا فيما كان تقريبًا، فأما إذا كان على غيرِ التَّقريبِ والنقصانِ، قالوا: هذا هو، وهذا أنت. وكذلك يفعَلون مع الأسماءِ الظاهرةِ، يقولون: هذا عمرٌو قائمًا وإن كان "هذا" تَقْريبًا. وإنما فعَلوا ذلك فى المكْنيِّ مع التقريبِ؛ تَفْرقةً بين "هذا" إذا كان بمعنى الناقصِ الذى يحتاجُ إلى تَمامٍ، وبينَه إذا كان بمعنى الاسمِ الصحيحِ.

وقولُه: {تُحِبُّونَهُمْ} خبرٌ للتقريبِ.

وفى هذه الآية إبانةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن حالِ الفريقَين -أعنى المؤمنين والكافرين- ورحمةِ أهلِ الإيمانِ ورَأْفتِهم بأهلِ الخلافِ لهم، وقَساوةِ قلوبِ أهلِ الكفرِ وغِلْظتِهم على أهلِ الإيمانِ.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 558، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 66 إلى ابن المنذر.

(2)

في الأصل، ص، ت 1:"هذا".

(3)

في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3، س:"أولاء".

ص: 717

كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} : فواللهِ، إن المؤمنَ ليُحِبُّ المُنافِق، ويَأْوِى له ويَرْحَمُه، ولو أن المنافقَ يَقْدِرُ على ما يقدِرُ عليه المؤمنُ منه، لأَباد خضراءَه

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: المؤمنُ خيرٌ للمنافقِ من المنافقِ للمؤمنِ، يَرحَمُه، ولو يَقدِرُ المنافقُ من المؤمنِ على مثلِ ما يَقدِرُ المؤمنُ عليه منه، لأبادَ خضراءَه

(2)

.

وكان مجاهدٌ يقولُ: نزَلت هذه الآيةُ في المنافِقين.

حدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} .

يعنى بذلك جل ثناؤُه أن هؤلاء الذين نهَى اللهُ تبارك وتعالى المؤمنين أن يَتَّخِذوهم بطانةً من دونِهم، ووصَفهم بصفتِهم، إذا لَقُوا المؤمنين من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أعطَوهم بألسنتِهم تَقِيَّةً؛ حَذرًا على أنفسِهم منهم، فقالوا لهم: قد آمَنَّا وصَدَّقنا بما جاء به محمدٌ. وإذا هم خَلَوا فَصاروا في خَلاءٍ حِيثُ لا يَراهم المؤمنون، عَضُّوا - على ما يَرَون من ائتلافِ المؤمنين واجتماعِ كلمتِهم وصلاحِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 745 (4047) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 66 إلى عبد بن حميد.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 66 إلى المصنف وابن المنذر.

(3)

تفسير مجاهد ص 258.

ص: 718

ذاتِ بينِهم - أنامِلَهم، وهى أطرافُ أصابعِهم؛ تَغَيُّظًا مما بهم من المَوْجِدَةِ عليهم، وأَسًى على ظَهْرٍ يستندون إليه؛ لمُكاشَفتِهم العداوةَ، ومُناجَزتِهم المُحاربةَ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} : إذا لَقُوا المؤمنين قالوا: آمَنَّا. ليس بهم إلا مَخافةٌ على دمائِهم وأموالِهم، فَصانَعوهم بذلك، {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ}. يقولُ: مما يَجِدون في قلوبِهم من الغَيْظِ والكَراهةِ للذى هم عليه، لو يَجِدون رِيحًا

(1)

لكانوا على المؤمنين، فهم كما نَعَت اللهُ تبارك وتعالى

(2)

.

حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه، إلا أنه قال: من الغيظِ لكراهيةِ الذى هم عليه. ولم يَقُلْ: لو يَجِدون رِيحًا. وما بعدَه

(3)

.

حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثني يحيى بنُ عمرِو ابنِ مالكٍ النُّكْرِيُّ

(4)

، قال: ثنا أبي، قال: كان أبو الجَوزاءِ إذا تَلا هذه الآيةَ: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} . قال: هم الإباضِيَّةُ

(5)

.

(1)

الريح هنا بمعنى الغلبة والقوة.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 746 (4056) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 66 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 3/ 745 عقب الأثر (4052) من طريق ابن أبي جعفر به.

(4)

فى م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"البكرى". وينظر الأنساب 5/ 522.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 745، 746 (4051، 4055) من طريق يحيى بن عمرو بن مالك به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 2/ 66 إلى عبد بن حميد.

ص: 719

‌القولُ في تأْويلِ قولِه: {الْأَنَامِلَ}

والأناملُ جمعُ أَنْمُلَةٍ، ويقالُ: أُنْمُلةٌ. وربما جُمِعَت أَنْمُلًا، قال الشاعرُ

(1)

:

أُوفِّيكما

(2)

ما بَلَّ حَلْقِيَ رِيقَتِي

وما حَمَلَت كَفَّايَ أَنْمُلِيَ العَشْرَا

وهي أطرافُ الأصابعِ.

كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الأناملُ أطرافُ الأصابعِ

(3)

.

حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، [عن ابنِ أبي]

(4)

جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ} : الأصابعُ

(6)

.

حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، [عن أبي إسحاقَ]

(7)

، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ قولَه:{عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغيْظِ} . قال: عَضُّوا

= والإباضية: فرقة من الخوارج، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، الذي خرج في أيام مروان بن محمد، ومن معتقداتهم أن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، ودار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إلا معسكر السلطان، فإنه دار بغى، ومرتكبى الكبائر موحدون لا مؤمنون. ينظر الملل والنحل 1/ 244.

(1)

البيت في اللسان والتاج (ك ف ف).

(2)

في الأصل: "أودبكما"، وفى ص:"أودكها"، وفى م:"أودكما"، وفى ت 1:"أوديكها"، وفي ت 2:"أودفكما"، وفى س:"أوذيلها". والمثبت موافق لما في اللسان والتاج، وما في هذه النسخ تحريف عنه.

(3)

ذكره ابن كثير 2/ 90.

(4)

في الأصل: "قال: ثنا أبو".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 746 عقب الأثر (4054) من طريق ابن أبي جعفر به.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 746 عقب الأثر (4054) من طريق عمرو عن أسباط به.

(7)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س. وينظر تهذيب الكمال 22/ 102.

ص: 720

على أصابِعهم

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)} .

يعنى بذلك جلّ ثناؤه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء اليهودِ الذين وصَفتُ لك صفتَهم، وأخبَرتُك أنهم إذا لَقُوا أصحابَك قالوا: آمَنَّا. وإذا خَلَوا عَضُّوا عليكم الأناملَ من الغيظِ -: {مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} . [أى: موتُوا بالغَيظِ]

(2)

الذى بكم على المؤمنين؛ لاجتماعِ كلمتِهم، وائتلافِ جماعتِهم.

وخَرَج هذا الكلامُ مَخْرجَ الأمرِ، وهو دعاءٌ مِن اللهِ تبارك وتعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يَدْعُوَ عليهم بأن يُهْلِكَهم اللهُ عز وجل كَمَدًا مما بهم من الغَيْظِ على المؤمنين، قبل أن يَرَوا فيهم ما يَتَمَنَّون لهم من العَنَتِ في دينِهم، والضلالةِ بعدَ هُداهم، فقال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمدُ: اهلِكوا بغَيْظِكم، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. يعنى بذلك: إن اللهَ ذو علمٍ بالذي في صُدورِ هؤلاءِ الذين إذا لَقُوا المؤمنين قالوا: آمَنَّا. وما يَنْطَوون عليه لهم من الغِلِّ والغِمْرِ

(3)

، ويَعْتَقِدون لهم من العَداوةِ والبَغْضاءِ، وبما في صدورِ جميعِ خلقِه، حافِظٌ على جميعِهم ما هو عليه مُنْطَوِ من خيرٍ وشَرٍّ، حتى يُجازِىَ جميعَهم على ما قدَّم من خيرٍ وشرٍّ، واعتقد من إيمانٍ وكفرٍ، وانطَوى عليه لرسولِه وللمؤمنين من نصيحةٍ أو غِلٍّ وغمْرٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)} .

يعني بقولِه جل ثناؤه: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} : إِن تَنالُوا أَيُّها

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 3/ 746 (4054) من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 66 إلى ابن المنذر.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

الغمر، بكسر الغين: الحقد. النهاية 3/ 384.

ص: 721

المؤمنون سرورًا بظُهورِكم على عدوٍّ لكم، وتَتابُعِ الناسِ في الدخولِ في دينِكم وتَصْديقِ نبيِّكم، ومُعاونتِكم على أعدائِكم، يَسُؤْهم

(1)

[فيَحْزَنُوا لذلك، ويكتئبوا له، {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا}. يقولُ]

(2)

. وإِنْ تَنَلْكُم مَسَاءةٌ بإخفاقِ سَرِيَّةٍ لكم، أو بإصابةِ عدوٍّ لكم منكم، أو اختلافٍ يكونُ بينَ جماعتِكم، يفرَحوا بها.

كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} : فإذا رَأَوا من أهلِ الإسلام أُلْفةً وجماعةً وظُهورًا على عدوِّهم، غاظَهم ذلك وساءَهم، وإذا رَأَوا من أهلِ الإسلامِ فُرْقةً واختلافًا، أو أُصيب طَرَفٌ من أطرافِ المسلمين، سَرَّهم ذلك وأُعْجِبوا به وابتَهَجوا به، [فهو دَأبُهم]

(3)

، كلَّما خرَج منهم فِرْقٌ

(4)

أكذب اللهُ أُحْدوثته، وأوطَأ، مَحِلَّتَه، وأبطَل حُجَّتَه، وأظهَر عَوْرَتَه، فذاك قضاءُ اللهِ فِي مَن مضَى منهم، وفى مَن بقِى إلى يومِ القيامةِ

(5)

.

حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه:{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} . قال: هم المنافِقون، إذا رَأَوا من أهلِ الإسلامِ جماعةً وظُهورًا على عدوِّهم، غاظَهم ذلك غَيْظًا شديدًا وساءَهم، وإذا رَأَوا من أهلِ الإسلامِ فُرْقةً واختلافًا، أو أُصِيب طَرَفٌ من أطرافِ المسلمين، سَرَّهم ذلك وأُعْجِبوا به، قال اللهُ عز وجل: {إوَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا

(1)

سقط من: ص، ت 2، س.

(2)

سقط من ص، ت 1، ت 2، ت 3، س.

(3)

في م، ت 2، ت 3، س:"فهم".

(4)

في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س:"قرن". والفرق: الطائفة من الناس. اللسان (ف ر ق).

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 747 (4060، 4062) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى أيضا في الدر المنثور 2/ 66 إلى عبد بن حميد.

ص: 722

يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيجٍ قولَه:{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} . قال: إذا رَأَوا من المؤمنين جماعةً وأُلْفةً ساءَهم ذلك، وإذا رَأَوا منهم فُرْقةً واختلافًا فَرِحوا

(1)

.

وأما قولُه: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} . فإنه يعنى بذلك جلّ ثناؤه: وإن تَصْبِروا أيُّها المؤمنون على طاعةِ اللهِ واتِّباع أمرِه فيما أمَركم به، واجتنابِ ما نَهاكم عنه، من اتخاذِ بطانةٍ لأنفسِكم من هؤلاء اليهودِ الذين وَصَف اللهُ جلَّ ثناؤه صفتَهم من دونِ المؤمنين، وغيرِ ذلك من سائرِ ما نَهاكم، وتَتَّقوا ربَّكم، فَتَخافوا التَّقدُّمَ بينَ يَديه فيما ألزَمكم وأوجَب عليكم من حقِّه وحَقِّ رسولِه {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}. أى: كَيْدُ هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم.

ويعني بـ {كَيْدُهُمْ} غوائلَهم التي [يَبْتَغونها للمسلمين]

(2)

، ومَكْرَهم بهم؛ لِيَصُدُّوهم عن الهُدى وسبيلِ الحقِّ.

واختَلفت القرأةُ فى قراءةِ قوله: {لَا يَضُرُّكُمْ} ؛ فقَرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الحجازِ وبعضُ البَصْريين: (لَا يَضِرْكُمْ). مخففةً بكَسْرِ الضادِ

(3)

، من قولِ القائلِ: ضَارَنى فلانٌ، فهو يَضِيرُنى ضَيْرًا. وقد حُكِى سَماعًا من العربِ: ما يَنْفَعُنى ذاك

(4)

ولا يَضُورُني. فلو كانت قُرِئت على هذه اللغةِ لقيل: لَا يَضُرْكُمْ كيدُهم شَيْئًا. ولكني لا أعلمُ أحدًا قرَأ به.

(1)

ينظر البحر المحيط 3/ 43.

(2)

في ص: "تنعوبها المسلمين".

(3)

وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص 215.

(4)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.

ص: 723

وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهلِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} . بضَمِّ الضادِ وتشديدِ الراءِ

(1)

، من قولِ القائلِ: ضَرَّني فلانٌ فهو يَضُرُّني ضَرًّا.

وأما الرفعُ فى قولِه: {لَا يَضُرُّكُمْ} . فمن وجهَين؛ أحدُهما على إتْباعِ الراءِ في حركتِها -إذ كان الأصلُ فيها الجزمَ، ولم يُمْكِنْ جَزْمُها؛ لتَشْدِيدِها- أقربَ حركاتِ الحروفِ التي قبلَها، وذلك حركةُ الضَّادِ وهى الضمةُ، فأُلْحِقَت بها حركةُ الراءِ لقُرْبِها منها، كما قالوا: مُدُّ ياهذا، والوجهُ الآخرُ من وجهى الرفعِ في ذلك، أن تكونَ مرفوعةً على صحةٍ، وتكونَ "لا" بمعنى "ليس"، وتكون الفاءُ التي هي جوابُ الجَزاءِ متروكةً؛ لعلمِ السامعِ بموضعِها.

·وإذا كان ذلك معناه، كان تأويلُ الكلامِ: وإن تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فليس يَضُرُّكم كَيْدُهم شيئًا. ثم تُرِكَت الفاءُ من قولِه: {لَا

(2)

يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ}. وَوُجِّهَت "لا" إلى معنى "ليس"، كما قال الشاعرُ

(3)

:

فإن كان لا يُرْضِيكَ حتى تَرُدَّنى

إلى قَطَرِيٍّ لَا إِخَالُكَ رَاضِيَا

ولو كانت الراءُ مُحَرَّكَةً إلى الخفضِ والنصبِ كان جائزًا، كما قيل: مُدِّ ياهذا، ومُدَّ.

وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} . يقولُ جل ثناؤه: إن اللهَ تبارك وتعالى بما يعمَلُ هؤلاء الكفارُ في عبادِه وبلادِه من الفسادِ، والصَّدِّ عن سبيلِه،

(1)

وهى قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 215.

(2)

في الأصل: "فلا".

(3)

هو سوار بن المضرب السعدى، والبيت فى النوادر لأبي زيد ص 45 ومعاني القرآن للفراء 1/ 332 والكامل للمبرد 2/ 102.

ص: 724

والعَداوةِ لأهلِ دينِه، وغيرِ ذلك من معاصى اللهِ جَلَّ وعزَّ، مُحِيطٌ بجميعِه، حافظٌ له، لا يَعْرُبُ عنه شيءٌ منه، حتى يُوَفِّيَهم جَزاءَهم على ذلك كلِّه، ويُذِيقَهم عقوبتَه عليه.

ص: 725