المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر   ‌ ‌القول في تفسير السورة التي يُذكر - تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي - جـ ١١

[ابن جرير الطبري]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

رب يسر

‌القول في تفسير السورة التي يُذكر فيها الأنفال

‌القول في تأويل قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} .

اختلف أهل التأويل في معنى الأنفال التي ذكرها الله في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هي الغنائم. وقالوا: معنى الكلام: يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي غَنِمتَها أنت وأصحابك يوم بدر لمن هي؟ فقلْ: هي لله ولرسوله.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدثنا ابن وكيع

(1)

، قال: ثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن عكرمةَ:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: الأنفالُ الغنائم

(2)

.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: الأنفالُ الغنائم

(3)

.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، قال: الأنفالُ المغنم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:

(1)

بعده في م: "قال ثنا وكيع".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 545.

(3)

تفسير مجاهد ص 351.

ص: 5

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: الغنائم

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {الْأَنْفَالِ} . قال: يعني الغنائم.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس قوله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: الأنفالُ الغنائم

(2)

.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . [والأنفال]

(3)

الغنائم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: الأنفالُ الغنائم

(4)

.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الأنفال الغنائم

(5)

.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن جُريجٍ، عن عطاء:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: الغنائمُ

(6)

.

وقال آخرون: هي أنفالُ السَّرايا.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1649 معلقا.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1649 من طريق عبد الله بن صالح به.

(3)

في م: "الأنفال".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 251 عن معمر عن قتادة.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 545.

(6)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (757) - وعنه ابن زنجويه في الأموال (1127) - عن حجاج عن ابن جريج به، وزاد أبو عبيد ذكر ابن عباس.

ص: 6

‌ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عليُّ بن صالح بن حيٍّ، قال: بلغنى في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: السَّرايا

(1)

.

وقال آخرون: الأنفال ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين من عبد أو دابَّة أو

(2)

ما أشبه ذلك.

‌ذكر من قال ذلك

حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابر بن نوحٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاء في قوله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} . قال: هو ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتالٍ؛ دابَّةٌ أو عبد أو متاعٌ، ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء

(3)

.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن عبد الملك، عن عطاء:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} .

قال: هي ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو أمة أو متاعٍ أو نَفَل

(4)

، فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء

(5)

.

قال: ثنا عبد الأعلى، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن ابن عباس سُئل عن الأنفال،

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 546 عن المصنف.

(2)

في م، ت 2:"و".

(3)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (762)، وابن زنجويه في الأموال (1132) من طريق عبد الملك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 161 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(4)

كذا في النسخ، ولعل صوابها:"ثَقَل"، والثَّقَل: متاع المسافر وحشمه، وكل شيء خطير نفيس مصون له قدر ووزن ثقل عند العرب. التاج (ث ق ل).

(5)

أخرجه النحاس في ناسخه ص 457، 458 من طريق ابن نمير وأسباط عن عبد الملك به.

ص: 7

فقال: السلب والفرسُ.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ويقال: الأنفالُ ما أُخِذ مما سقط من المتاعِ بعدما تُقسم الغنائم، فهي نَفَلٌ لله ولرسوله.

حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريج: أخبرني عثمان بن أبي سليمانَ، عن محمد بن شهاب، أن رجلا قال لابن عباس: ما الأنفالُ؟ قال: الفرسُ، [الدِّرع، الرمح]

(1)

.

حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: قال ابن جُريجٍ: قال عطاءٌ: الأنفال: الفرسُ الشاذُّ، والدِّرعُ، والثوبُ.

حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن الزهريِّ، عن ابن عباس، قال: كان يُنفَّلُ الرجلُ [سلَبَ الرجل وفرَسَه]

(2)

.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهابٍ، عن القاسم بن محمدٍ، قال: سمعت رجلا سأل ابن عباس عن الأنفالِ، فقال ابن عباس: الفرسُ من النَّفَل، والسَّلَبُ من النفَلِ. ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضًا، ثم قال الرجلُ: الأنفالُ التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُخْرِجُه

(3)

، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَلُ هذا؟

(1)

في م: "والدرع والرمح".

والأثر أخرجه أبو عبيد في الأموال (758) - وعنه ابن زنجويه في الأموال (1128) - عن حجاج به.

(2)

في م، ت 1، ت 2، س، ف:"فرس الرجل وسلبه".

والأثر ذكره ابن عبد البر في الاستذكار 14/ 155 عن معمر به.

(3)

في ت 1، ت 2، س، ف، وبعض مصادر التخريج:"يخرجه".

ص: 8

مَثَلُ صَبِيغٍ الذي ضرَبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه

(1)

.

حدثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمر، عن الزهرى، عن القاسم بن محمد، قال: قال ابن عباس: كان عمر رضي الله عنه إذا سُئل عن شيءٍ قال: لا آمرُك ولا أنهاكَ. ثم قال ابن عباس: واللَّهِ ما بَعَثَ اللَّهُ نبيَّه عليه السلام إلا زاجرًا أمرًا مُحِلًّا

(2)

محرِّمًا. قال القاسم: فسُلِّط على ابن عباس رجلٌ يسأله عن الأنفال، فقال ابن عباسٍ: كان الرجلُ يُنَفَّلُ فرسَ الرجل وسلاحَه، فأعادَ عليه الرجلُ، فقال له مثل ذلك، ثم أعادَ عليه حتى أغْضَبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَلُ هذا؟ مَثَلُ صَبِيغٍ الذي ضرَبه عمر حتى سالت الدماء على عِقبيْه، أو على رجليه. فقال الرجلُ: أمّا أنت فقد انتقم اللَّهُ لعمر منك

(3)

.

حدثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن المباركِ، عن عبد الملك، عن عطاء:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: يسألونك فيما شذَّ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابَّةٍ أو عبدٍ

(4)

، فهو نفَلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم

(5)

.

وقال آخرون: النفَلُ: الخُمُسُ الذي جعله الله لأهلِ الخُمُسِ.

(1)

أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار 3/ 230، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1561 عن يونس به، وأخرجه مالك 4552، ومن طريقه أبو عبيد في الأموال (760، 761)، ومسدد في مسنده - كما في المطالب العالية (3989) - وابن زنجويه في الأموال (1130)، والطحاوى 3/ 230، والنحاس في ناسخه ص 456، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 161 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

(2)

في م: "محللا".

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 249، وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 427 من طريق معمر به مختصرا.

(4)

بياض في: ص، ت 1، ت 2، س، وفى ف:"أمة".

(5)

أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار 3/ 278 من طريق ابن المبارك به.

ص: 9

‌ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: هو الخُمُسُ، قال المهاجرون: لِمَ يُرفَعُ عنا

(1)

هذا الخُمُسُ؟ لم يُخرج منا؟ فقال الله: هو لله والرسول

(2)

.

حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبادُ بنُ العوَّامِ، عن الحجاجِ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، أنهم سألوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة الأخماسِ، فنزلتْ:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ}

(3)

.

قال أبو جعفر: وأوْلى هذه الأقوال بالصواب في معنى الأنفال قولُ مَن قال: هي زياداتٌ يزيدُها الإمامُ بعض الجيش أو جميعهم، إمّا مِن سَلَبِه

(4)

على حقوقهم من القسمةِ، وإمَّا مما وصَل إليه بالنفَلِ أو ببعض أسبابه؛ ترغيبا له، وتحريضا لمن معه من جيْشِه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين. وقد يدخُلُ في ذلك ما قال ابن عباسٍ من أنه الفرسُ والدرع ونحو ذلك، ويدخُلُ فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرسٍ؛ لأن ذلك أمره إلى الإمام، إذا لم يكن ما وصَلوا إليه لغلبةٍ وقهرٍ، يفعَل ما فيه صلاح أهل الإسلام، وقد يدخُلُ فيه ما غلب عليه الجيش بقهرٍ.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال بالصوابِ؛ لأن النَّفَل في كلام العرَبِ، إنما هو الزيادة على الشيء، يقال منه: نفَّلتُك كذا وأَنْفَلْتُك: إِذا زِدْتُك.

(1)

في ص، ت 1، س، ف:"هنا"، وفي ت 2:"منا".

(2)

ذكره الطوسى في التبيان 5/ 72.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 546 عن ابن أبي نجيح به.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"سلمه".

ص: 10

والأنفالُ: جمعُ نَفَلٍ، ومنه قولُ لبيد بن ربيعةَ

(1)

:

إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ

وبإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ

فإذ كان معناه ما ذكَرْنا، فكلُّ مَن زِيدَ مِن مُقَاتِلَةِ الجيش على سهمه من الغنيمة، إن كان ذلك لبلاءٍ أبلَاه أو لغَناءٍ كان منه عن المسلمين، بتنفيل الوالي ذلك إيَّاه، [أو بتصيير]

(2)

حكم ذلك له، كالسَّلَبِ الذي يَسْلُبُه القاتِلُ - فهو مُنَفَّلٌ ما زيد مِنْ ذلك؛ لأنَّ الزيادةَ الفَضْلُ

(3)

، وإن كان

(4)

مُسْتَوجِبَه

(5)

في بعض الأحوال لحقٍّ

(6)

، [ليس هو]

(7)

من الغنيمة التي تقعُ فيها القسمة. وكذلك كلُّ ما رُضِخَ

(8)

لمن لا سهمَ له في الغنيمة فهو نَفَلٌ؛ لأنَّه وإن كان مغلوبًا عليه، فليس مما وقعت عليه القسمةُ.

فالفصلُ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا - بين الغنيمة

(9)

والنفَلِ، أن

(10)

الغنيمة هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبةٍ وقهرٍ، نُفِّل منه مُنَفَّلٌ أو لم يُنفَّلْ، والنَّفَلُ: هو ما أعطِيَه المرءُ

(11)

على البلاء والغَنَاءِ عن الجيش على غيرِ قسمةٍ.

(1)

شرح ديوان لبيد ص 174.

(2)

في م: "فيصير".

(3)

سقط من: م، وفى ت 1:"اتصل"، والتاء غير منقوطة في: ص، ف، وفى ت 2، س:"أفضل"، والمثبت أقرب إلى الصواب ويؤيده السياق بعده.

(4)

في م، ت 2:"كانت".

(5)

في م: مستوجبة".

(6)

في م، ت 1، ف:"بحق".

(7)

في م: "فليست".

(8)

الرَّضْخ: العطية القليلة. النهاية 2/ 228.

(9)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"القسمة".

(10)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(11)

في م: "الرجل".

ص: 11

وإذْ كان ذلك معنى النَّفَلِ، فتأويل الكلام: يسألُكَ أصحابك يا محمد عن الفضلِ من المال الذي تقعُ فيه القِسْمة من غنيمة كفار قريش الذين قتلوا ببدرٍ لمنْ هوَ؟ قل لهم يا محمد: هو لله ولرسوله دونَكم، يجعله

(1)

حيث شاءَ.

واختُلِف في السببِ الذي من أجله نزلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلت في غنائم بدرٍ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان نفَّل أقوامًا على بلاءٍ، فأبلى أقوام وتخلَّف آخرُون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختلفوا فيها بعد انقضاء

(2)

الحربِ، فأنزل الله هذه الآيةَ على رسولِه، يُعْلِمُهم أن ما فعل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فماضٍ جائزٌ.

‌ذِكرُ من قال ذلك

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمرُ بن سليمان، قال: سمعتُ داود بن أبي هند يحدِّثُ عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَتَى مَكانَ كَذَا وَكَذَا

(3)

، أَوْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا". فتسارع إليه الشبَّانُ، وبقى الشيوخ عند الرايات، فلمَّا فتَح الله عليهم، جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم الأشياخ: لا تذهَبوا به دونَنا. فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}

(4)

.

(1)

في ص، ت 1، ف:"فجعله".

(2)

في ص، ت 1، ت 2:"تقض" غير منقوطة، وفى س:"بعض"، وفى ف:"تفض". وتَقَضَّى الشيء: فنى وانقطع. الوسيط (ق ض ى).

(3)

بعده في م: "فله كذا وكذا".

(4)

أخرجه ابن حبان (5093) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه النَّسَائِي في الكبرى (11197)، والحاكم 2/ 326، والبيهقى 6/ 315 من طريق معتمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 356، وأبو داود (2738، 2739)، وابن المنذر في الأوسط 11/ 146، والطحاوى في شرح معاني الآثار 3/ 232، 279، والحاكم 2/ 221، والبيهقي في سننه 6/ 292، 315، وفى الدلائل 3/ 136 من طريق داود به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 159 إلى أبى الشيخ وابن مردويه.

ص: 12

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، وحدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدرٍ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ صَنَعَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا". قال: فتسارع في ذلك شبَّانُ الرجالِ، وبقيت الشيوخ تحت الراياتِ، فلما كانت

(1)

الغنائم، جاءوا يطلبون الذي جُعِل لهم، فقالت الشيوخ: لا تسْتأثِرُوا علينا؛ فإنا كنا رِدْءًا لكم، وكنا تحتَ الرايات، ولو انكشفتم انكشفتم

(2)

إلينا. فتنازَعُوا، فأنزَلَ اللَّهُ:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُل الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}

(3)

.

حدثني إسحاق بن شاهينَ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر، قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا مِن النَّفَلِ". قال: فتقدّم الفتيانُ، ولزم المشيخة الرايات فلم يبرَحوا

(4)

، فلما فُتِحَ عليهم قالت المشيخةُ: كنا ردءًا لكم، فلو انهزمتم انحزتُم إلينا، لا تذهَبوا بالمغنم دونَنا. فأبى الفتيانُ، وقالوا: جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا. فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول} . قال: فكان ذلك خيرًا لهم، وكذلك أيضًا أطيعوني فإني أعلمُ

(5)

(6)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"كان".

(2)

في م: "لفئتم".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 356 عن عبد الأعلى به.

(4)

في مصادر التخريج: "يبرحوها".

(5)

بعده في مصادر التخريج: "بعاقبة هذا منكم"، وينظر شرح معاني الآثار 3/ 232، وعون المعبود 3/ 30.

(6)

أخرجه أبو داود (2737)، والحاكم 2/ 131، 132، والبيهقي في سننه 6/ 291، وفى الدلائل 3/ 135 من طريق خالد به.

ص: 13

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} . قال: لما كان يوم بدر، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"مَنْ صَنَعَ كَذَا فَلَهُ مِن النَّفَل كَذَا". فخرج شبَّانُ

(1)

الرجال فجعَلوا يصنَعونَه، فلما كان عند القسمةِ، قال الشيوخ: نحن أصحابُ الراياتِ، وقد كنا رِدْءًا لكم. فأنزل الله في ذلك:{قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب الزهريُّ

(2)

، قال: ثنى المغيرةُ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن سليمان بن موسى، عن مكحولٍ مولَى هُذَيلٍ، عن أبي سلَّامٍ

(3)

الباهليِّ، عن أبي أمامة، عن عُبادةَ بن الصامتِ، قال: أَنزَلَ اللَّهُ حِينَ اختلَف القومُ في الغنائم يومَ بدرٍ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . إلى قوله: {إن كُنتُم مُؤْمِنِينَ} ، فقسمه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بينهم عن بَوَاء

(4)

.

حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن محمد، قال: ثنى عبد الرحمن بنُ الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى الأشدقِ، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهليِّ، قال: سألتُ عبادة بن الصامتِ عن الأنفال، فقال: فينا معشر أصحاب بدرٍ نزَلتْ، حين اختلفنا في النَّفَل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من

(1)

بعده في م: "من".

(2)

في م، س:"الزبيرى"، وينظر تهذيب الكمال 32/ 367.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"سلامة". وينظر تهذيب الكمال 28/ 484.

(4)

في م: "سواء".

والأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (982 - تفسير)، والطحاوى في شرح معاني الآثار 3/ 228، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1653، وابن حبان (4855)، والحاكم 1352، والواحدى في أسباب النزول ص 173، والبيهقى 6/ 292، 9/ 57 من طريق عبد الرحمن بن الحارث والد المغيرة به مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 159 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

ص: 14

أيدينا، فجعَله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسَمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بَوَاءٍ

(1)

- يقولُ: على السواءِ - فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وصلاح ذات البينِ

(2)

.

وقال آخرون: بل

(3)

إنما نزلت هذه الآيةُ؛ لأن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله من المغنم شيئًا قبلَ قِسْمَتِها، فلم يُعْطِه إيَّاه، إذ كان شركًا بين الجيشِ، فجعَل الله جميعَ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

‌ذكر من قال ذلك

حدثني إسماعيل بن موسى السُّديُّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ بسيفٍ، فقلت: يا رسولَ اللهِ، هذا السيفُ قد شفَى الله به من المشركين، فسألته إيَّاه، فقال:"ليسَ هذا لي ولا لك". قال: فلما ولَّيتُ، قلتُ: أخافُ أن يُعطيه من لم يُبل بلائي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلْفِى. قال: فقلتُ: أخافُ أن يكونَ نزَل فيَّ شيءٌ. قال: "إن السيف قد صار لي". قال: فأعطانيه، ونزلت:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} .

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد سعد بن مالكٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ جئتُ بسيفٍ. قال: فقلتُ: يا

(1)

في م: "سواء".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 642، 666، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 458 بهذا الإسناد، وأخرجه أحمد 5/ 322، 323 (الميمنية)، والحاكم 2/ 136، والبيهقى 6/ 292، 315، 9/ 57 من طريق محمد بن إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 159 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ وابن مردويه.

وقد اختلف في إسناد هذا الأثر اختلافا كثيرا، ينظر التعليق على سنن سعيد بن منصور (982 - تفسير).

(3)

سقط من: م، ت 1، س، ف.

ص: 15

رسولَ الله، إن الله قد شفَى صدرى من المشركين - أو نحو هذا - فهبْ لي هذا السيفَ، فقال لي:"هَذَا لَيْسَ لِي ولَا لَكَ". فرجعتُ فقلتُ: عسى أن يُعطَى هذا من لم يُبْل بلائِى، فجاءنى الرسولُ، فقلتُ: حدّث فيَّ حَدَثٌ! فلما انتهيتُ، قال:"يا سَعْدُ، إِنَّكَ سألْتَنى السَّيْفَ ولَيْسَ لي، وَإِنَّهُ قَدْ صَارَ لي فَهُوَ لَكَ". ونزَلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} "

(1)

.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: أصبتُ سيفًا يومَ بدر فأعجبنى، فقلت: يا رسولَ الله، هبْه لي، فأَنزَلَ اللَّهُ:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} "

(2)

.

حدثنا ابن المثنى وابن وكيعٍ، قال ابن المثنى: ثني

(3)

[أبو معاويةُ، وقال ابن وكيعٍ: ثنا]

(4)

أبو معاوية، قال: ثنا الشيباني، عن محمدِ بن عُبيدِ اللهِ، عن سعد بن أبى وقاصٍ، قال: فلما

(5)

كان يومُ بدرٍ قُتِل أخى عُمَيْرٌ، وقتلتُ [سعيدَ بن العاص]

(6)

وأخَذتُ سيفَه، وكان يُسمَّى

(7)

ذا الكَتِيفةِ

(8)

، فجئتُ به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:

(1)

أخرجه الترمذى (3079) عن أبي كريب به، وأخرجه أحمد 3/ 117 (1538)، وأبو داود (2740)، والنسائى في الكبرى (11196)، وأبو يعلى (735)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1650، والحاكم 2/ 132، وأبو نعيم في الحلية 3/ 312، والبيهقى 6/ 291 من طريق أبي بكر به، وليس عند ابن أبي حاتم ذكر مصعب.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 364، وأبو يعلى (729)، وابن حبان (5349) من طريق وكيع به، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (24) من طريق إسرائيل به.

(3)

سقط من: م، ت 1، ت 3، س، ف.

(4)

سقط من: ت 2.

(5)

في م: "لما".

(6)

كذا في هذا الخبر، وقال أبو عبيد في الأموال (756) في أثناء الخبر: وقال غيره: العاص بن سعيد. قال أبو عبيد: هذا عندنا هو المحفوظ؛ قتل العاص. وقال الحافظ في الإصابة 4/ 726: الصواب: العاص بن سعيد بن العاص.

(7)

في س: "يسميه".

(8)

في ت 1، ت 2، س، ف، وبعض المصادر:"الكثيفة". والكتيفة: حديدة طويلة عريضة، وربما =

ص: 16

"اذْهَبْ فَاطْرَحْهُ في القَبَض

(1)

". فطرحْتُه ورجعتُ، وبي ما لا يعلمه إلا اللَّهُ مِن قتل أخى وأخْذِ سَلبى. قال: فما جاوزتُ إلا قريبا حتى نزلت عليه سورة الأنفال، فقال: "اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَك". ولفظ الحديث لابن المثنى

(2)

.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بُكَيْرٍ، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، جميعًا عن محمد بن إسحاق، قال: ثنى عبد الله بن أبي بكرٍ، عن [بعضِ بني]

(3)

ساعدة، قال: سمعت أبا أُسَيدٍ

(4)

مالك بن ربيعة يقولُ: أصبتُ سيفَ ابن

(5)

عائذ

(6)

يوم بدرٍ، وكان السيفُ يُدعَى المَرْزُبانَ، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردُّوا ما في أيديهم من النَّفَل، أقبلتُ به فألقيتُه في النَّفَل، وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئًا يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزوميُّ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاه إياه

(7)

.

= كانت كأنها صفيحة، ويقال للسيف الصفيح: كتيف. ينظر التاج (ك ت ف).

والكثيف: السيف، عن كُراع، قال ابن سيده: ولا أدرى ما حقيقته، والأقرب أن يكون تاء؛ لأن الكتيف من الحديد. التاج (ك ث ف).

(1)

القبض بالتحريك: الذي تجمع عنده الغنائم. وقيل: هو بمعنى المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم. ينظر الأموال لأبي عبيد (756)، والنهاية 4/ 6.

(2)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (756)، وسعيد بن منصور في سننه 2/ 256، (983 - تفسير)، ومن طريقه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 9 - وابن أبي شيبة 12/ 370، وأحمد 3/ 129 (1556)، وأحمد بن منيع في مسنده - كما في الإتحاف بذيل المطالب 8/ 580 - وابن زنجويه في الأموال (1126)، والبزار (1239)، وابن المنذر في الأوسط 11/ 114، والواحدى في أسباب النزول ص 172، والحازمي في الاعتبار ص 176 من طريق أبي معاوية به.

وأخرجه ابن علي في الكامل 6/ 2115 من طريق الحارث بن نبهان عن محمد بن عبيد الله عن مصعب بن سعد عن سعد، بزيادة مصعب في إسناده.

(3)

في م: "قيس بن".

(4)

بعده في م: "بن"، وينظر تهذيب الكمال 27/ 138.

(5)

في سيرة ابن هشام، والروض الأنف 5/ 182:"بني".

(6)

في ص: بغير همز ونقط، وفى م، ت 1، ت 2، س، ف:"عائد"، وفى الروض الأنف:"عابد"، والمثبت موافق لما في سيرة ابن هشام.

(7)

سيرة ابن هشام 1/ 642، وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 547 عن محمد بن إسحاق به.

ص: 17

حدَّثني يحيى بن جعفرٍ، قال: ثنا أحمد بن أبى بكر، عن يحيى بن عمرانَ، عن جَدِّه عثمان بن الأرقم، عن

(1)

عمِّه، عن جدِّه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ: "رُدُّوا ما كان مِن الأَنْفالِ". فوضع أبو أُسَيْدِ الساعدى سيفَ ابن عائذٍ

(2)

المَرْزُبانَ، فعرفه الأرقمُ، فقال: هبْهُ لي يا رسول الله. قال: فأعطاه إيّاه.

حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن سماك ابن حربٍ، عن مصعب بن سعدٍ، عن أبيه، قال: أصبتُ سيفا. قال: فأتى به النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ نَفِّلْنيه. فقال: "ضَعْهُ". ثم قام فقال: يا رسولَ اللهِ نفِّلنيه، قال:"ضَعْهُ". قال: ثم قام فقال: يا رسولَ اللهِ نفِّلنيه، أأُجعَلُ كمَن لا غَنَاء له؟! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ". فنزلت هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول}

(3)

.

حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن سعد، قال: أخَذتُ سيفًا من المغنم، فقلتُ: يا رسول الله، هب لي هذا، فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} .

حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مُهاجرٍ، عن مجاهد في قوله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: قال سعد: كنتُ أخَذتُ سيف سعيد بن العاص بن أمية، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ:

(1)

كذا في النسخ، ولعل الصواب:"وعن"، ويكون يحيى بن عمران رواه عن جده مباشرة وبواسطة. ينظر الجرح والتعديل 9/ 177، 178 (737)، وتعجيل المنفعة 2/ 362.

(2)

في النسخ: "عائد"، وينظر التعليق على الأثر السابق.

(3)

أخرجه مسلم (1748/ 34)، والبزار (1149) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد 3/ 163 (1614)، وابن حبان (6992) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (205)، وابن زنجويه في الأموال (1125)، والطحاوى في شرح معاني الآثار 3/ 279، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1649، والبيهقى 6/ 291 من طريق شعبة به.

ص: 18

أعطنِى هذا السيف يا رسول الله، فسكت فنزلتْ:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} إلى قولِه: {إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . قال: فأعطانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل نزَلَتْ لأنَّ أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سألوا قسمةَ الغنيمة بينهم يومَ بدرٍ، فأعلَمَهم الله أن ذلك لله ولرسوله دونَهم، ليس لهم فيه شيءٌ. وقالوا: معنى "عن" في هذا الموضع "مِن"، وإنما معنى الكلام: يسألونك من الأنفال. وقالوا: قد كان ابن مسعودٍ يقرؤه: (يَسْأَلُونَكَ الأنْفالَ)

(1)

على هذا التأويلِ.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، قال: كان أصحاب عبد الله يقرءونها: (يَسئلُونَكَ الأَنْفالَ)

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاك، قال: هي في قراءة ابن مسعودٍ (يَسْئلُونَكَ الأَنْفال)

(3)

.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} . قال: الأنفال المغانمُ، كانت لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم خالصة

(4)

، ليس لأحدٍ منها شيءٌ، ما أصاب سرايا المسلمين من شيءٍ أَتَوْه به، فمَنْ حبَس

(5)

منه إبرة أو سِلْكًا فهو غُلولٌ، فسألوا

(1)

وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 161 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 161 إلى المصنف.

(4)

في ت 2: "خاصة".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"حبسه".

ص: 19

رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم منها، قال الله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ} لِي جعلتها لرسولي، ليس لكم فيها شيءٌ، {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. ثم أنزل الله:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41]. ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمن سمَّى في الآية

(1)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا. قال: واختلفوا فكانوا أثلاثا. قال: فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} . وملَّكه الله رسوله

(2)

، يَقْسِمُه

(3)

كما أراه الله

(4)

.

حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عباد بن العوَّام، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم بدر، فنزلت:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ}

(5)

.

قال: ثنا عبادُ بن العوامِ، عن جويبر، عن الضحاك:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: يسألونك أن تُنَفِّلَهم

(6)

.

حدَّثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن عكرمة في

(1)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 311، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1653، والبيهقى 6/ 293 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 160 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

في ت 1: "لرسوله".

(3)

في م، س، ف:"فقسمه".

(4)

ذكره في التبيان 5/ 73 عن ابن جريج.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 159 إلى المصنف وابن مردويه.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1649 من طريق جويبر به نحوه.

ص: 20

قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} . قال: يسألونك الأنفال

(1)

.

قال أبو جعفر: وأوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصواب أن يُقالَ: إِن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبر في هذه الآية عن قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنفال أن يُعطِيهُمُوها، فأخبرهم الله أنها لله، وأنَّه جعلها لرسوله.

وإذا كان ذلك معناه، جاز أن يكونَ نزولها كان من أجل اختلاف أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وجائزٌ أن يكونَ كان من أجل مسألة من سأله السيفَ الذى ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه، وجائزٌ أن يكون من أجل مسألة من سأل

(2)

قسْمَ ذلك بين الجيش.

واختلفوا فيها، أمنسوخة [أم هي]

(3)

غيرُ منسوخةٍ؟

فقال بعضُهم: هى منسوخةٌ، وقالوا: نسخها قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الآية [الأنفال: 41].

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن جابر، عن مجاهدٍ وعكرمة، قالا: كانت الأنفال لله وللرسول، فنسختها:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ}

(4)

.

حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن

(1)

ذكره البغوى في تفسيره 3/ 325.

(2)

في م، ت 2:"سأله".

(3)

في م: "هي أم".

(4)

أخرجه ابن أبى شيبة 12/ 426، والنحاس في ناسخه ص 452، 453، وابن الجوزي في ناسخه ص 343 من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 161 إلى أبى الشيخ.

ص: 21

السديِّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: أصاب سعد بن أبي وقاص يومَ بدرٍ سيفًا، فاختصم فيه وناسٌ معه، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فقال اللَّهُ:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} الآية، فكانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم خاصةً، فنسخها الله بالخُمُسِ

(1)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: أخبَرني سليمٌ مولى أُمّ محمد

(2)

، عن مجاهد في قوله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ} . قال: نسَختْها: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}

(3)

.

حدَّثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريكٌ، عن جابر، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، أو عكرمةَ وعامرٍ، قالا: نسخت الأنفالَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} .

وقال آخرون: هى محكَمةٌ وليست منسوخةً، وإنما معنى ذلك: {قُلِ

(4)

الْأَنفَالُ لِلَّهِ} وهى لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة، وللرسول يضعها في مواضعها التى أمره الله بوضعها فيه.

ذكر من قال ذلك

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قوله:

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 549 عن السدي.

(2)

كذا في النسخ، وفى الناسخ والمنسوخ للنحاس ومصادر ترجمته:"مولى أم على". ينظر الجرح والتعديل 4/ 213، وتهذيب الكمال 11/ 347، وتهذيب التهذيب 4/ 167.

وقد وقع في الأموال لأبي عبيد: "سليم" غير منسوب، وفى ناسخه:"ليث بن أبي سليم"، وفي الأموال لابن زنجويه من طريق أبي عبيد:"سليمان".

(3)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 310، 311، وفى الأموال (764)، وابن زنجويه في الأموال (1134)، والنحاس في ناسخه ص 452 من طريق حجاج به.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"قال".

ص: 22

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} ، فقرَأ حتَّى بَلَغ:{إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} : فسَلِّموا للهِ ولرسوله يحكُمان فيها بما شاءَا

(1)

، ويضعانها حيثُ أرادا، فقالوا: نعم. ثم جاء بعدَ الأربعين: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الآية [الأنفال: 41]، ولكم أربعة أخماس. وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبَرٍ:"وَهَذَا الخُمُسُ مَرْدُودٌ على فُقَرائِكُمْ". يَصْنَعُ اللَّه ورسوله في ذلكَ الخُمْسِ مَا أَحَبَّا، ويَضَعَانِه حَيْثُ أحَبَّا. ثم أخبرنا

(2)

الله [بالذى يحِبُّ]

(3)

من ذلك، ثم قرأ الآيةَ:{وَلِذِي الْقُرْبَى والْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ}

(4)

[الحشر: 7].

قال أبو جعفر: والصوابُ من القول في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ أنه جعَل الأنفال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، يُنفِّلُ مَن شاء، فنفّل القاتل السَّلَبَ، وجعَل للجيشِ في البدْأَةِ الرُّبعَ، وفي الرجعةِ الثُّلثَ بعدَ الخُمُسِ، ونفّل قوما بعد سُهمانِهم

(5)

بعيرا بعيرا في

(6)

بعض المغازى، فجعَل الله تعالى ذكره حكم الأنفالِ إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم، يُنفِّلُ على ما يرَى مما فيه صلاح المسلمين، وعلى من بعده من الأئمةِ أَنْ يَستَنُّوا بسُنَّتِهِ في ذلك. وليس في الآية دليلٌ على أن حكمها منسوخ؛ لاحتمالها ما ذكَرتُ من المعنى الذى وصَفتُ، وغير جائز أن يُحكَمَ بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخٌ إلا بحجة يجب التسليم لها، فقد دَلَّلْنا في غير موضع من كُتُبنا

(7)

على أن لا منسوخ إلَّا ما أبطل حكمه حادث حكم بخلافه، ينفيه من كلِّ معانيه، أو يأتى خبرٌ يوجِبُ

(1)

في م: "شاء".

(2)

في ت 1، س:"اختبرنا".

(3)

في م: "الذي يجب".

(4)

ذكره البغوى في تفسيره 3/ 325 مختصرا.

(5)

في ت 1، س، ف:"سهامهم".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"وفي".

(7)

في ت 1، س، ف:"كتابنا".

ص: 23

الحجةَ أن أحدهما ناسخٌ الآخرَ.

وقد ذُكِر عن سعيد بن المسيب أنه كان ينكرُ أن يكونَ التَّنفيلُ لأحدٍ بعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: [تأويلًا منه لقولِ]

(1)

الله تعالى: {قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} .

حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدَةُ بن سليمانَ، عن محمد بن عمرو، قال: أرسَل سعيد بن المسيبِ غلامَه إلى قومٍ سألوه عن شيء، فقال: إنكم أرسلتم إليَّ تسألونى عن الأنفال، فلا نَفَل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم

(2)

.

وقد بيَّنا أن للأئمة

(3)

أن يتأسَّوْا برسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيهم بفعلِه، فيُنفِّلوا على ما كان يُنَفِّلُ، إذا كان التنفيلُ صلاحًا للمسلمين.

‌القول في تأويل قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

(1)}.

يقول تعالى ذكره: فخافوا اللهَ أيها القومُ، واتقوه بطاعته واجتناب معاصيه، وأصلحوا الحال بينكم.

واختلف أهل التأويل في الذى عنى

(4)

بقوله: {وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} ؛ فقال بعضُهم: هو أمرٌ من الله الذين غنموا الغنيمة يوم بدر، وشهدوا الوقعةَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ اختلفوا في الغنيمة، أن يَرُدَّ

(5)

ما أصابوا منها بعضُهم على بعض.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بأولى من قول".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 457 عن عبدة بن سليمان به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 161 إلى أبى الشيخ.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الأئمة".

(4)

بعده في ت 2، ف:"به".

(5)

في م: "يردوا".

ص: 24

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} . قال: كان نبىُّ اللهِ يُنفِّلُ الرجل من المؤمنين سَلَبَ الرجل من الكفار إذا قتله، ثم أنزل اللَّهُ:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} . أمرهم أن يردَّ بعضُهم على بعض

(1)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: بلغنِي أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان ينفِّلُ الرجل على قَدْرِ جِدِّه وغَنَائِه على ما رأى، حتى إذا كان يوم بدرٍ وملأ الناسُ أيديهم غنائمَ، قال أهل الضعف من الناسِ: ذهَب أهلُ القوّة بالغنائمِ. فذكرُوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلتْ:{قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} : ليردَّ أهل القوّةِ على أهل الضعفِ.

وقال آخرون: هذا تحريجٌ من الله على القوم، ونهىٌ لهم عن الاختلاف فيما اختلفوا فيه من أمر الغنيمة وغيره.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمد بن عمارةَ، قال: ثنا خالد بن يزيد، وحدثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا: ثنا أبو إسرائيل، عن فضيل، عن مجاهد في قول الله:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكمْ} . قال: حرَّج عليهم.

حدَّثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا عباد بن العوّامِ، عن سفيان بن حسين، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} .

(1)

ذكر آخره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1654.

ص: 25

قال: هذا تحريجٌ من الله على المؤمنين، أن يتقوا ويصلحوا ذاتَ بينهم. قال عباد

(1)

: قال سفيان: هذا حين اختلفوا في الغنائم يومَ بدرٍ

(2)

.

حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} : أَي

(3)

لا تَسْتَبُّوا

(4)

.

واختلف أهل العربية في وجهِ تأنيثِ (البين)؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أضاف "ذاتَ" إلى "البينِ" وجعله "ذاتَ

(5)

"؛ لأن بعض الأشياء يُوضَعُ عليه اسمٌ مؤنثٌ وبعضًا يُذَكَّرُ، نحو "الدّارِ" و "الحائط"، أُنِّثَ "الدارُ" وذُكِّر "الحائطُ".

وقال بعضُهم: إنما أراد بقوله: {ذَاتَ بَيْنِكُمْ} . الحالَ التي للبينِ، فقال

(6)

: وكذلك "ذاتُ العِشاءِ"، يريد الساعة التي فيها العِشاءُ. قال: ولم يضَعُوا مذكرًا لمؤنث ولا مؤنثًا لمذكَّر إلا لمعنًى.

قال أبو جعفر: وهذا القولُ أولى القولين بالصواب، للعلة التي ذكرتها له.

وأما قوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . فإن معناه: وانتهوا أيُّها القوم الطالبون الأنفال

(7)

إلى أمرِ اللهِ وأمرِ رسوله فيما أفاء الله عليكم، فقد بيَّن لكم وجوهَهُ

(8)

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"عبادة".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 371، والبخارى في الأدب المفرد (392)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1653، والبيهقى في شعب الإيمان (11084) من طريق عباد عن سفيان عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس، بزيادة الحكم في إسناده، وأخرجه ابن أبي الدنيا في مداراة الناس (150) من طريق عباد عن سفيان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 161 إلى ابن مردويه.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"و".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1654 من طريق أحمد بن مفضل به.

(5)

في م: "ذاتا".

(6)

سقط من: ت 2.

(7)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الأفعال".

(8)

في ت 2: "وجهه".

ص: 26

وسُبُلَه، {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. يقولُ: إن كنتم مصدّقين رسولَ اللهِ فيما آتاكُم به من عند ربِّكم.

كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} : فَسَلِّمُوا للَّهِ ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا

(1)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

(2)}.

يقول تعالى ذكره: ليس المؤمنُ بالذى يخالِفُ اللَّهَ ورسولَه، ويتركُ اتِّباعَ ما أنزله إليه في كتابه من حدوده وفرائضه والانقياد لحكمه، ولكنَّ المؤمنَ هو الذي إذا ذُكِر اللَّهُ وَجِلَ قلبه، وانقاد لأمره، وخضَع لذكره، خوفًا منه وفَرَقًا من عقابه، وإذا قُرِئ

(2)

عليه آيات كتابه

(3)

صدَّق بها، وأيقَن أنها من عند الله، فازداد بتصديقه بذلك إلى تصديقه بما كان قد بلَغه منه قبل ذلك تصديقًا، وذلك هو زيادة ما تُلىَ عليهم

(4)

من آياتِ اللهِ إِيَّاهُم إيمانًا، {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. يقولُ: وباللَّهِ يوقنون في أنّ قضاءَه فيهم ماضٍ فلا يرجون غيره، ولا يرهبون سواه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1655 من طريق أصبغ عن ابن زيد به.

(2)

في م: "قرئت".

(3)

في ت 2: "ربه".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"عليه".

ص: 27

قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهمْ} . قال: المنافقون لا يدخُلُ قلوبهم شيءٌ من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيءٍ من آياتِ اللهِ، ولا يتوكَّلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدّون زكاة أموالهم، فأخبر الله سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} : فَأدَّوْا فرائضَه، {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَنتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا}. يقولُ: تصديقًا، {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. يقول: لا يرجون غيره

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبد الله، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثير، عن مجاهد:{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} . قال: فَرِقَتْ.

قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السُّدى:{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم} . قال: إذا ذكر اللَّه عندَ الشيءِ وجِلَ قلبُه

(2)

.

حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، [عن السُّديِّ]

(3)

: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} . يقولُ: إذا ذكَر الله وجل قلبه.

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللهِ:{وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} . قال: فَرِقَت

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} : فَرِقتْ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1655، 1656 من طريق أبي صالح به مفرقا.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1655، والخلال في السنة (1675) من طريق وكيع به.

(3)

سقط من: ص، ت 1، س.

(4)

تفسير مجاهد ص 351.

ص: 28

قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المبارك، عن سفيان، قال: سمعتُ السُّديَّ يقولُ في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} . قال: هو الرجلُ يريد أن يَظْلِمَ -أو قال: يَهُمُّ بمعصية الله

(1)

- أحسَبه قال: فينْزِعُ عنه

(2)

.

حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوري، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمان بن خُثيم، عن شهرِ بنِ حَوشَبٍ، عن أبي الدرداء في قوله:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} . قال: الوجَلُ في القلب كإحراق

(3)

السَّعَفةِ

(4)

، أما تجد له قُشَعْرِيرَةً؟ قال: بلى. قال: إذا وجدت ذلك في القلبِ فادعُ اللَّهَ؛ فإن الدعاء يذهَبُ بذلك

(5)

.

حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} . قال: فَرَقًا من الله تبارك وتعالى، ووَجَلًا من الله، وخوفًا من الله تبارك وتعالى

(6)

.

وأما قوله: {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} . فقد ذكرتُ قول ابن عباس فيه.

وقال غيره فيه ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع:{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} . قال:

(1)

سقط من: م.

(2)

تفسير الثورى ص 115، وعنه ابن المبارك في الزهد (139 - زوائد نعيم) وطمس أول إسناده، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1655، وأخرجه البيهقي في الشعب (737) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 162 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

في ت 1، س، ف:"كاختراق".

(4)

السعفة: واحدة السعف، وهى أغصان النخلة، وقيل: السعفة النخلة نفسها. ينظر اللسان (س ع ف).

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 162 إلى المصنف والحكيم الترمذى وأبى الشيخ.

(6)

ذكر أوله ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1655 معلقا.

ص: 29

خشية

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ:{وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} . قال: هذا نعتُ أهل الإيمان

(2)

، فأثبَت نعتَهم، ووصفهم فأثبت صِفَتَهم

(3)

.

‌القول في تأويل قوله: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} .

يقول تعالى ذكره: الذين يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها، وينفقون مما رزقهم الله من الأموال فيما أمرهم الله أن ينفقوها فيه، من زكاة وجهادٍ وحج وعمرة ونفقة على من تجب عليهم

(4)

نفقته، فيؤدُّون حقوقهم، {أُوْلَئِكَ}. يقول: هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال {هُمُ الْمُؤْمِنُونَ} ، لا الذين يقولون بألسنتهم: قد آمنا. وقلوبهم منطَوِيةٌ على خلافه نفاقًا، لا يقيمون صلاةً، ولا يؤدُّون زكاةً.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} . يقول: الصلوات الخمسَ،

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1656 من طريق عبد الله بن أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 162 إلى أبي الشيخ.

(2)

بعده عند ابن أبي حاتم: "نعتهم".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1656 من طريق يزيد به.

(4)

في ص، س، ف:"عليه".

ص: 30

{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} . يقولُ: زكاة أموالهم، {أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}. يقولُ: برِئوا من الكفرِ. ثم وصف الله النفاقَ وأهلَه فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ} إلى قوله: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا} [النساء: 150، 151]. فجعل الله المؤمن مؤمنًا حقًّا، وجعل الكافرَ كافرًا حقًّا، وهو قوله:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}

(1)

[التغابن: 2].

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} . قال: استحقُّوا الإيمان بحقٍّ، فأحقَّه الله لهم

(2)

.

‌القول في تأويل قوله: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ

(4)}.

يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ} : لهؤلاء المؤمنين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم درجاتٌ، وهى مراتب رفيعةٌ.

ثم اختلف أهلُ التأويل في هذه الدرجاتِ التى ذكر الله أنها لهم عنده ما هي؟

فقال بعضُهم: هى أعمال رفيعةٌ، وفضائل قدَّموها في أيامِ حياتِهم.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثني أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي يحيى القتاتِ، عن مجاهد:{لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} . قال: أعمالٌ رفيعةٌ

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1656، 1657 من طريق أبي صالح به مفرقًا، إلى قوله: أولئك هم الكافرون حقا.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1658 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 162 إلى أبي الشيخ.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1658 من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 163 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.

ص: 31

وقال آخرون: بل ذلك مراتب في الجنة.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن [هشامٍ، عن جبلةَ بن عطيةَ]

(1)

، عن ابن محيريز:{لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} . قال: الدرجات سبعون درجةً، كلُّ درجةٍ حُضْرُ

(2)

الفرس الجواد المضمَّرِ سبعين سنةً

(3)

.

وقوله: {وَمَغْفِرَةٌ} . يقولُ: وعفوٌ عن ذنوبِهم، وتغطيةٌ عليها، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. قيل: الجنةُ. وهو عندى ما أعدَّ اللَّهُ في الجنة لهم من مزيد المآكل والمشارب، وهنئِ العيش.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، عن هشام، عن عمرو، عن سعيدٍ، عن قتادة:{وَمَغْفِرَةٌ} . قال: لذنوبهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. قال: الجنة

(4)

.

‌القول في تأويل قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6)} .

اختلف أهل التأويل في الجالبِ لهذه الكافِ التي في قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ} . وما الذى شُبِّه بإخراج اللهِ نبيَّه صلى الله عليه وسلم من بيتِه بالحقِّ؛ فقال بعضُهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربَّهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم الله ورسولَه. وقالوا: معنى ذلك: يقولُ اللَّهُ: وأَصْلِحوا ذات بينكم، فإن ذلك خيرٌ

(1)

في النسخ: "هشام بن جبلة عن عطية" والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 4/ 500.

(2)

الحُضْر: بالضم: العَدْوُ. النهاية 1/ 398.

(3)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (193) من طريق هشام بن حسان به.

(4)

أخرجه الطبراني 23/ 162 (259) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 36 إلى عبد بن حميد.

ص: 32

لكم، كما إخراج

(1)

اللهِ محمدا صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق

(2)

كان خيرا له.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهابِ، قال: ثنا داود، عن عكرمة:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} . . . {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} [الآية: أيْ إن هذا خير لكم، كما كان إخراجُك من بيتِك بالحقِّ]

(3)

خيرًا لك

(4)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: كما أخرَجك ربُّك يا محمد من بيتك بالحقِّ على كُرْهٍ من فريقٍ من المؤمنين، كذلك هم يكرهون القتالَ، فهم يُجادِلُونَك فيه بعد ما تبيَّن لهم.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن نجيحٍ، عن مجاهد:{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} . قال: كذلك يُجادِلونك في الحقِّ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} : كذلك يُجادِلونك في الحقِّ؛ القتال.

(1)

في م، ف:"أخرج".

(2)

في ص، ف:"الحق".

(3)

سقط من: ف.

(4)

عزاه ابن كثير في تفسيره 3/ 554 إلى المصنف عن عكرمة.

ص: 33

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن أبى جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} . قال: كذلك أخرجك ربُّك

(1)

.

حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: أَنزَلَ اللَّهُ في خروجِه -يعنى خروجَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدرٍ- ومجادلتهم إيَّاه، فقال:{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} لطَلَبِ المشركين، {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ}

(2)

.

و

(3)

اختلف أهل العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفيين: ذلك أمرٌ من الله لرسولِه صلى الله عليه وسلم أن يمضىَ لأمرِه في الغنائمِ، على كُرْه من أصحابه، كما مضَى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير

(4)

وهم كارهون.

وقال آخرون منهم: معنى ذلك: يسألونك عن الأنفال مجادلةً كما جادَلوك يوم بدرٍ، فقالوا: أخرجْتنا للعير

(5)

، ولم تُعلمنا قتالا فنستعدَّ له.

وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: يجوز أن يكونَ هذا الكافُ في {كَمَا أَخْرَجَكَ} على قوله: {أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} . . . {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ

(1)

تفسير مجاهد ص 351، 352 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1659 (8803) مختصرا.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1659 (8804) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 163 إلى أبى الشيخ.

(3)

سقط من: م.

(4)

في ص، ف:"الغير".

(5)

في ص، ف:"للغير".

ص: 34

بَيْتِكَ بِالْحَقِّ}. وقال

(1)

: الكافُ بمعنى علَى.

وقال آخرُ

(2)

منهم: هى بمعنى القسَمِ. قال: ومعنى الكلام: والذي أخرجك ربُّك.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوال عندى بالصوابِ قولُ مَن قال في ذلك بقولِ مجاهدٍ، وقال: معناه: كما أخرجك ربُّك بالحقِّ، على كُرْه من فريق من

(3)

المؤمنين، كذلك يُجادِلونك في الحقِّ بعدما تبيَّنَ؛ لأن كلا الأمرين قد كان، أعنى خروج بعض من خرَج من المدينةِ كارهًا، وجدالهم في لقاء العدوِّ عند دنوِّ القومِ بعضهم من بعض، فتشبيه بعض ذلك ببعض مع قرب أحدهما من الآخر، أولَى من تشبيهه بما بعُد عنه.

وقال مجاهد في الحق الذى ذُكر

(4)

أنهم يجادلون فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما تبيَّنوه: هو القتال.

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهد:{يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ} . قال: القتالُ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ الله، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد

(1)

في م: "قيل".

(2)

في م، ت 1، س، ف:"آخرون".

(3)

سقط من: ص، ف.

(4)

في ص، ف:"ذكره".

ص: 35

مثله

(1)

.

وأما قولُه: {مِن بَيْتِكَ} . فإن بعضهم قال: معناه: من المدينةِ.

ذكر من قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي بزَّةَ:{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ} : المدينة إلى بدرٍ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني محمد بن عبّادِ بن جعفر في قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} . قال: من المدينة إلى بدرٍ.

وأما قوله: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} ، فإن كراهتهم كانت كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمَةُ، عن ابن إسحاق، قال: ثنى محمد بن مسلم الزهريُّ وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ويزيد بن رومانَ، عن عروة بن الزبير -وغيرهم من علمائنا- عن عبدِ اللهِ بنِ عباس، قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيانَ مقبلًا من الشام، ندَب إليهم المسلمين، وقال:"هذه عيرُ قريش فيها أموالهم، فاخْرُجوا إليها لعلَّ اللَّه أن يُنفِّلَكُموها". فانتدَب الناس، فخفَّ بعضُهم، وثقُل بعضُهم

(2)

، وذلك أنهم لم يظُنُّوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا

(3)

.

حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن

(1)

تفسير مجاهد ص 352، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1659، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 63 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 606، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 427 بهذا الإسناد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 68 إلى ابن المنذر.

ص: 36

السُّديِّ: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} لطلب المشركين

(1)

.

ثم اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بقوله: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} ؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك أهلُ الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه حين توجَّه إلى بدرٍ للقاء المشركين.

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما شاوَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم في لقاء القوم، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدرٍ؛ أمر الناسَ، فتعبَّوْا

(2)

للقتال، وأمرهم بالشوكة، وكَرِه ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله:{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ}

(3)

.

حدَّثني ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ثم ذكر القوم، يعنى أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسيرهم مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حين عرف القومُ أَن قريشًا قد سارت إليهم، وأنهم إنما خرجوا يريدون العِيرَ؛ طمعًا في الغنيمة، فقال:{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} إلى قوله: {لَكَارِهُونَ} . أي كراهية للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذُكرُوا لهم

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1659 من طريق أحمد بن مفضل به.

(2)

يقال: عبأت الجيش عبئًا وعبيتهم تعبية؛ أي رتبتهم في مواضعهم وهيأتهم للحرب. ينظر التاج (ع ب أ).

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 163 إلى المصنف.

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 667 وهو جزء من الأثر الذى سبق تخريجه في الصفحة السابقة.

ص: 37

وقال آخرون: عُنى بذلك المشركون.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} . قال: هؤلاء المشركون جادَلوك

(1)

في الحقِّ كأنما يُساقون إلى الموتِ حين يُدعَوْن إلى الإسلامِ، وهم ينظرون. قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفةٌ مبتدأةٌ لأهل الكفر

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يعقوب بن محمدٍ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ بن محمد، عن ابن أخى الزُّهريِّ، عن عمِّه، قال: كان رجلٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسِّرُ: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} : خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العير

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس وابنُ إسحاقَ، من أن ذلك خبرٌ من الله عن فريق من المؤمنين أنهم كرِهُوا لقاء العدوِّ، وكان جدالهم نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم أن قالوا: لم يُعلِمْنا أنّا نَلْقَى العدوَّ فنستعدَّ لقتالِهم، وإنما خرجنا للعير. ومما يدلُّ على صحّة

(4)

قوله: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} ، ففى ذلك الدليل الواضح لمن فهِم عن الله أن القوم قد كانوا للشَّوْكَةِ كارِهين، وأن جدالهم كان في القتال، كما

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"جادلوه".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1660 من طريق أصبغ عن ابن زيد به.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 164 إلى المصنف.

(4)

في م، ت 1، ت 2، ف:"صحة". والصح بالضم، والصحة بالكسر، والصحاح بالفتح، الثلاثة بمعنًى. التاج (ص ح ح).

ص: 38

قال مجاهدٌ؛ كراهةً

(1)

منهم له، وأن لا معنى لما قال ابنُ زيدٍ؛ لأن الذى قَبْلَ

(2)

قولِه: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ} خبرٌ عن أهل الإيمانِ، والذى يتلوه خبرٌ عنهم، فأن يكونَ خبرا عنهم

(3)

أولى منه بأن يكون خبرًا عمن لم يَجْرِ له ذكرٌ.

وأما قوله: {بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا في تأويله.

فقال بعضُهم: معناه: بعد ما تبيَّنَ لهم أنك لا تفعَلُ إلا ما أمرك الله.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} أنك لا تصنَعُ إلا ما أمرك الله به

(4)

.

وقال آخرون: معناه يجادلونَك في القتال بعد ما أُمِرتَ به.

ذكرُ من قال ذلك

روى الكلبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس

(5)

.

وأما قوله: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} . فإن

(6)

معناه: كأنّ هؤلاءِ الذين يجادلونَك في لقاء العدوِّ من كراهتهم للقائهم إذا دُعوا إلى لقائهم للقتال - يُساقُونَ إلى الموتِ.

(1)

في م: "كراهية".

(2)

في ص، ف:"قيل".

(3)

في م: "عم".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1659 من طريق أحمد بن مفضل به.

(5)

كذا في النسخ بدون ذكر متن هذا الإسناد، ولعله إسناد القول المتقدم.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"وأن".

ص: 39

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} . أي كراهةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريشٍ حينَ ذُكِرُوا لهم

(1)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} .

يقول تعالى ذكرُه: واذكرُوا أيها القومُ: {إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} . يعنى: إحدى الفرقتين

(2)

؛ فرقة أبي سفيانَ بن حرب والعِيرِ، وفرقةِ المشركين الذى نَفَروا من مكة لمنع عيرِهم.

وقوله: {أَنَّهَا لَكُمْ} . يقولُ: أنَّ ما معهم غنيمةٌ لكم، {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}. يقولُ: وتحبُّونَ أن تكون تلك

(3)

الطائفةُ التي ليست لها شوكةٌ، يقول: ليس لها حدٌّ، ولا فيها [قتالٌ - أن تكونَ لكم. يقول: تودُّون أن تكونَ لكم العِيرُ التي ليس فيها]

(4)

قتالٌ لكم، دون جماعة قريش الذين جاءُوا لمنع عِيرِهم

(5)

، الذين في لقائهم القتالُ والحربُ.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 667.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الفريقين".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ذلك".

(4)

سقط من: ف.

(5)

في ف: "غيرهم".

ص: 40

وأصلُ الشوكة من الشَّوْكِ.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عليُّ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارث بنُ عبدِ الصمد، قالا:[ثنا عبد الصمد بنُ عبد الوارث]

(1)

، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشام بن عروةَ، عن عروة، أن أبا سفيانَ أقبَل ومن معه من رُكبانِ قريشٍ مقبِلين من الشامِ، فسلكوا طريق الساحل، فلمّا سمِع بهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم ندب أصحابَه، وحدَّثهم بما معهم من الأموال، وبقلة عددهم، فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيانَ والرَّكب معه، لا يُرَونها إلا غنيمةً لهم، لا يظنون أن يكونَ كبير قتال إذا رأَوْهُم، وهى ما أنزَل الله:{وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}

(2)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاقَ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ الزهريِّ وعاصم بن عمر بن قتادة وعبدِ اللهِ بن أبي بكرٍ ويزيد بن رومان عن عروةَ بن الزبير -وغيرهم من علمائنا- عن عبدِ اللهِ بنِ عباس، كلٌّ قد حدَّثني بعضَ هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقتُ من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيانَ مقبِلًا من الشام ندَب

(3)

المسلمينَ إليهم، وقال:"هذه عيرُ قريش، فيها أموالهم، فاخْرُجوا إليها، لعلَّ اللهَ أن ينفِّلَكُموها". فانتدَب الناسَ، فخفَّ بعضُهم، وثَقُل بعضٌ، وذلك أنهم لم يظنوا أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يلقَى حربًا،

(1)

سقط من: ف.

(2)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 421 بهذا الإسناد.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"وندب".

ص: 41

وكان أبو سفيانَ

(1)

حين دنَا من الحجازِ يتحسَّسُ

(2)

الأخبارَ، ويسألُ مَن لَقِيَ مِن الركبان تخوُّفًا [من الناس]

(3)

، [حتى أصاب خبرًا من بعض الرُّكبان]

(4)

أن محمدا قد استنفَر أصحابَه لكَ ولعيرِك. فحذِرَ عند ذلك، واستأجر ضَمضم بن عمرو الغفاريَّ، فبعثه إلى مكةَ، وأمره أن يأتى قريشًا يستنفِرُهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضمُ بن عمرو سريعًا إلى مكةَ، وخرج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في أصحابِه، حتى بلغ واديًا يقال له: ذَفِرَانُ. فخرج منه، حتى إذا كان ببعضِه، نزل، وأتاه الخبرُ عن قريش بمسيرهم، ليمنعُوا عِيرَهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ، وأخبرهم عن قريشٍ، فقام أبو بكر، رضي الله عنه، فقال فأحسَن، ثم قام عمر، رضي الله عنه، فقال فأحسَن، ثم قام المقداد بن عمرٍو، فقال: يا رسولَ اللهِ، امضِ إلى حيثُ أمرك الله فنحنُ معكَ، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى:{اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا إنا معَكُما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحقِّ لئن سِرْتَ بنا إلى بَرْكِ الغماد

(5)

-يعنى مدينة الحبشةِ- لجالَدْنا معكَ مَنْ دونَه، حتى تبلغه. فقال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خيرا، [ثم دعا له بخير]

(6)

، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أَشْيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ"(1).

(1)

بعده في ت 1، ت 2، ف:"يستيقن"، وفى ص:"استيقن".

(2)

في ص: "يحسس" وفى م: "يتجسس". وفى ف: "تجسيس" والتجسس والتحسس قيل: إنهما بمعنى. وقيل: بالجيم البحث عن العورات. وبالحاء الاستماع. وقيل: التجسس أن يطلبه لغيره. والتحسس: أن يطلبه لنفسه. ينظر النهاية 1/ 272.

(3)

كذا في النسخ، ولعل الصواب:"على أموال الناس".

(4)

سقط من: ت 1، س، ف.

(5)

برك الغماد بكسر الغين وضمها، والكسر أشهر: موضع إلى الجنوب من مكة، على نحو مائتي كيلو متر مما يلى البحر. وقيل: موضع بأقاصى أرض هجر. وقد كانوا يكنون به عن المكان البعيد جدا. ينظر معجم البلدان 1/ 589، والمعجم الكبير 2/ 259.

(6)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

ص: 42

وإنما يريد الأنصارَ، وذلك أنهم كانوا عدَدَ الناس، وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنا برآءُ من ذمامك

(1)

حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصَلْتَ إلينا، فأنتَ في ذمَّتنا، نمنعك مما نمنَعُ منه أبناءنا ونساءَنا. فكأنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خاف

(2)

ألَّا تكونَ الأنصارُ ترى عليها نُصرتَه إِلَّا ممن دَهَمَهُ بالمدينة من عدوِّه، وأن ليس عليهم أن يسيرَ بهم إلى عدوٍّ من بلادِهم، قال: فلما قال ذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قال له سعدُ بنُ معاذٍ: لكأنك تريدنا يا رسولَ اللهِ؟ قال: "أَجَلْ": قال: فقد آمنا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحقُّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردتَ، فوالذي بعثك بالحقِّ إن استعرضت بنا هذا البحر فخُضْتَه لخضْناه معك ما تخلَّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكْرَهُ أن [تَلقى بنا]

(3)

عدوَّنا غدًا، إنا لصُبُرٌ

(4)

عندَ الحربِ، صُدُقٌ عندَ اللّقاءِ، لعلَّ اللَّهَ أَن يُريَك منا ما تَقَرُّ به عينُك، فسرْ بنا على بركة الله. فسُرَّ

(5)

رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعدٍ، ونشَّطه ذلك، ثم قال:"سِيرُوا على بَرَكَةِ اللهِ وأَبْشِرُوا؛ فإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللَّهِ لكأنى أنْظُرُ الآنَ إِلَى مَصَارِعِ القَوْمِ غَدًا"

(6)

.

حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا: ثنا أسباط عن السُّديِّ أن أبا سفيان أقبل في عِيرٍ من الشام فيها تجارةُ قريشٍ، وهى اللَّطيمة

(7)

، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قد أقبلت فاستنْفَر الناسَ، فخرجوا معه ثلاثمائة وبضعة عشَرَ

(1)

الذمام: العهد والأمان. اللسان (ذ م م).

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

في م: "يلقانا".

(4)

في ف: "لنصبر".

(5)

في ت 1، ت 2، س، ف:"فسار".

(6)

سيرة ابن هشام 1/ 607، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 427 بهذا الإسناد.

(7)

اللطيمة: الجمال التي تحمل العطر والبزّ، غير الميرة. ولطائم المسك: أوعيته. النهاية 4/ 251.

ص: 43

رجلًا، فبَعَث عينًا له من جُهينةَ، حليفا للأنصارِ يُدعى ابنَ الأُرَيْقِطِ، فأتاهُ بخبرِ القومِ، وبلغ أبا سفيان خروج محمد صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى أهل مكةَ يستعينُهم، فبعث رجلا من بني غفارٍ يُدعى [ضمضَمَ بن عمرو]

(1)

، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشعُرُ بخروجِ قريش، فأخبره الله بخروجِهم، فتخوّف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا: إنَّا عاهَدْنا أن نمنعَك إن أرادَك أحدٌ ببلَدنا. فأقبل على أصحابه فاستشارهم في طلب العِيرِ، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: إني قد سلَكتُ هذا الطريق، فأنا أعلم به، وقد فارَقهم الرجلُ بمكان كذا وكذا. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد فشاورهم، فجعلوا يُشيرون عليه بالعِير؛ فلما أكثرَ المشورةَ، تكلَّم سعد بن معاذ فقال: يا رسولَ اللهِ، أَراك تُشاورُ أصحابَك فيُشيرون عليك، وتعودُ فتشاورهم، فكأنك لا ترضى ما يشيرون عليك، وكأنك تتخوَّفُ أن تتخلَّفَ عنك الأنصارُ، أَنتَ رسولُ اللهِ، وعليك أُنزل الكتابُ، وقد أمرَك اللَّهُ بالقتال ووعدك النصرَ، والله لا يخلِفُ الميعادَ، امْضِ لما أُمِرْتَ به، فوالذي بعثك بالحقِّ، لا يتخلَّفُ عنك رجل من الأنصارِ. ثم قام المقدادُ بنُ الأسودِ الكِنْدِيُّ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى:{اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون} [المائدة: 24]. ولكنّا نقولُ: أقدِمْ فقاتلْ إنا معك مقاتلون، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال:"إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي القَوْمَ وَقَدْ خرجوا فَسِيرُوا إليهم". فساروا

(2)

.

حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قوله:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} . قال: الطائفتان إحداهما أبو سفيانَ بن حربٍ إذْ أقبَل بالعِيرِ من الشام،

(1)

في ص، م:"عمرو بن ضمضم".

(2)

ينظر تفسير البغوى 3/ 328.

ص: 44

والطائفة الأخرى أبو جهل معه نفرٌ من قريش، فكره المسلمون الشوكة والقتال، وأحبُّوا أن يَلقَوُا العيرَ، وأراد الله ما أراد

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباس، قولَه:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} . قال: أقبلت عِيرُ أهل مكةَ، يريدُ: من

(2)

الشامِ فبلَغ أهل المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يريدون العيرَ، فبلَغ ذلك أهلَ مكَّةَ، فسارعوا السيرَ إليها؛ لا يغلب عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين، فكانوا أنْ يلقَوُا العِير أحبُّ إليهم، وأيسرُ شوكةً، وأحضر مغنما؛ فلما سبقتِ العيرُ، وفاتَتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين، يريد القوم، فكرهَ القومُ مسيرهم لشوكة في القوم

(3)

.

حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} . قال: أرادوا العيرَ. قال: ودخل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المدينة في شهر ربيع الأوَّلِ، فأغار كُرْزُ بن جابر الفهريُّ

(4)

يريدُ سرْحَ

(5)

المدينة

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1661 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 169 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

أخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 16، 17، وأبو نعيم في الدلائل (400)، والبيهقى في الدلائل 3/ 78، 79 من طريق عبد الله بن صالح به مطولا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 169 إلى ابن المنذر.

(4)

في ص، ف:"القرشى". وكلاهما صواب، فهو فهرى قرشى وقد أسلم وحسن إسلامه وقتل يوم الفتح. ينظر أسد الغابة 4/ 468.

(5)

السرح: المال يسام في المرعى من الأنعام. التاج (س ر ح).

ص: 45

حتى بلغ الصفراء

(1)

، فبلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فركب في أثَرِه، فسبقه كُرْزُ بنُ جَابِرٍ، فرجع النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأقام سنتَه، ثم إن أبا سفيانَ أقبَل من الشام في عِيرٍ لقريشٍ، حتى إذا كان قريبا من بدر، نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، فأوحى إليه:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} ، فَنَفَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بجميعِ المسلمين، وهم يومئذ ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رجلًا، منهم سبعون ومائتان من الأنصارِ، وسائرُهم من المهاجرين، وبلغ أبا سفيان الخبر وهو بالبطمِ

(2)

، فبعث إلى جميع قريشٍ وهم بمكةَ، فنفرت قريشٌ وغضبت.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج:{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} . قال: كان جبريل عليه السلام قد نزل، فأخبره بمسيرِ قريشٍ، وهى تريدُ عِيرَها، ووعده: إمَّا العير، وإما قريشًا، وذلك كان ببدر، وأخذوا السُّقاةَ وسألوها، فأخبروهم، فذلك قوله:{وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} . هم أهل مكة.

حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} إلى آخر الآية: خرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى بدرٍ وهم يريدون يعترضون [عِيرًا لقريش]

(3)

، قال: وخرج الشيطان في صورة سُراقةَ بن جُعشُمٍ، حتى أتَى أهل مكةَ، فاستغواهم وقال: إن محمدًا

(1)

الصفراء: قرية فوق ينبع، كثيرة المزارع والنخل، وبينها وبين بدر مرحلة. ينظر معجم ما استعجم للبكرى 3/ 836، ومعجم البلدان 3/ 399.

(2)

كذا بالنسخ ولم نجد من ذكره ممن كتب في البلدان والأماكن، وقد رجح الشيخ شاكر 13/ 404 أن هذه الكلمة تحريف (إضمَ) واد بجبال تهامة وهو الوادى الذي فيه المدينة، فالله أعلم.

(3)

في ف: "غير الفرس".

ص: 46

وأصحابَه قد عرضوا

(1)

لعِيرِكم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناسِ، مَن مثلُكم؟! وإنى جارٌ لكم أن تكونوا على ما يكره الله. فخرجوا ونادوا أن لا يتخلَّفَ منا أحد إلا هدَمنا داره واستبحْناه. وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالرَّوحاء

(2)

عينًا للقوم، فأخبره بهم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الله قد وَعَدكُمُ العِير أو القومَ". فكانت العيرُ أحبَّ إلى القوم [من القوم]

(3)

؛ كان القتالُ في الشوكةِ، والعيرُ ليس فيها قتال، وذلك قول الله عز وجل:{وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} . قال: الشوكةُ: القتالُ، وغيرُ الشوكة: العِيرُ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يعقوب بن محمد الزهرى، قال: ثنا عبد الله بن وهبٍ، عن ابن لَهِيعَةَ، عن ابن أبي حبيب، عن أبي عمران، عن أبي أيوبَ، قال: أنزل الله جلَّ وعزَّ: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} . فلمّا وعدنا إحدى الطائفتين أنها لنا طابتْ أنفُسُنا، والطائفتان: عِيرُ أبي سفيان، أو قريش

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لَهِيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أسلم أبى عمران الأنصاريِّ، أحسبه قال: قال أبو أيوبَ: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ

(1)

في ص، ت 1، س، ف:"عزموا".

(2)

الروحاء: قرية جامعة لمزينة على ليلتين من المدينة، بينهما أحد وأربعون ميلا. معجم ما استعجم 2/ 681.

(3)

في ف: "و".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1661 من طريق ابن وهب به، وفى 5/ 1660، 1661، والطبراني في الكبير (4056) من طريق ابن لهيعة مطولا.

ص: 47

الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}. قالوا: الشوكةُ: القوم، وغيرُ الشوكة: العِيرُ، فلمَّا وعدنا الله إحدى الطائفتين؛ إما العِيرَ، وإما القومَ، طابَت أنفسنا.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى يعقوب بن محمدٍ، قال: ثنى غيرُ واحدٍ في قوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} : أن الشوكةَ قريش.

حُدِّثت عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لكُمْ} : هي عِيرُ أبي سفيان، ودّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العِيرَ كانت لهم، وأن القتالَ صُرف عنهم

(1)

.

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاقَ:{وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} . أي: الغنيمةَ دونَ الحربِ

(2)

.

وأما قوله: {أَنَّهَا لَكُمْ} ففُتحت على تكرير "يَعِدُ"، وذلك أن قولَه:{يَعِدُكُمُ اللَّهُ} قد عمل في {إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} .

فتأويل الكلام {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} : يعدكم أن إحدى الطائفتين لكم، كما قال:{فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً} [محمد: 18]. قال: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} . فأنَّثَ "ذات" لأنَّه مرادٌ بها الطائفة.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1661 من طريق أبي معاذ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 169 إلى أبي الشيخ.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 667.

ص: 48

ومعنى الكلام: وتودُّون أن الطائفة التى هى غيرُ ذاتِ الشوكة تكون لكم، دون الطائفةِ ذاتِ الشوكة.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)} .

يقول تعالى ذكرُه: ويريدُ الله أن يُحقَّ الإسلام ويُعليَه

(1)

: {بِكَلِمَاتِهِ} . يقولُ: بأمره إيَّاكم أيها المؤمنون بقتال الكفار، وأنتم تريدون الغنيمة والمال.

وقوله: {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} . يقولُ: ويريد أن يَجُبَّ

(2)

أصلَ الجاحدين توحيدَ الله.

وقد بيَّنا فيما مضَى معنى "دابر"، وأنَّه المتأخرُ، وأن معنى قطعه: الإتيان على الجميع منهم

(3)

.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد، في قول الله:{وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} : أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطعَ دَابِرَهم، هذا خيرٌ لكم من العِيرِ.

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاق {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ

(1)

غير منقوطة في: ص، وفى ف:"يغلبه".

(2)

في ص، ف:"يخيب".

(3)

تقدم في 9/ 250.

ص: 49

بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}. أي: الوقعة التي أوقعَ بصناديد قريش وقادتهم

(1)

يوم بدرٍ

(2)

.

‌القول في تأويل قوله: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)} .

يقول تعالى ذكرُه: ويريد الله أن يقطَعَ دابر الكافرين كيما يُحقُّ الحق، كيما يُعبد الله وحده دونَ الآلهة والأصنام، ويُعَزَّ الإسلام، وذلك هو تحقيق الحقِّ:{وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} . يقولُ: ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر

(3)

، ولو كره ذلك الذين أجرَموا، فاكتسبوا المآثم والأوزار من الكفار.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} : هم المشركون.

وقيل: إن الحقَّ في هذا الموضعِ اللهُ عز وجل.

‌القول في تأويل قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)} .

يقول تعالى ذكره: ويُبطل الباطل حين تستغيثونَ ربَّكم، فـ {إذْ} مِن صلة

(4)

{يُبْطِلَ} .

ومعنى قوله: {تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} : تستجِيرون به من عدوِّكُم، وتدعُونَه للنصرِ عليهم، {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}. يقولُ: فأجاب دعاءَكُم بأَنِّي مُمِدُّكم بألفٍ

(1)

في ف: "قائدهم".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 667.

(3)

في ص، ف:"الكفرة".

(4)

بعده في م: "من".

ص: 50

من الملائكةِ يُردِفُ بعضُهم بعضًا، ويتلو بعضهم بعضًا.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ، وجاءت الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكرُ الأخبار بذلك

حدَّثني محمد بن عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن عكرمة بن عمار، قال: ثنى سماك الحنفيُّ، قال: سمعتُ ابن عباس يقولُ: ثني عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر ونظَر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وعِدَّتِهم، ونظر إلى أصحابه نيِّفًا على ثلاثمائة، فاستقبل القبلة، فجعل يدعو ويقولُ:"اللهمَّ أنجِز لي ما وَعدتَنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تُعبَدْ في الأرض". فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤُه، وأخذه أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه، فوضع رداءَه عليه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: كذاك

(1)

يا نبيَّ الله، بأبي وأمِّى مناشدتَك ربَّكَ، فإنه سيُنجِزُ لك ما وعدك، فأنزل الله:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُردِفِينَ}

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس، قال: لما اصطفَّ القومُ، قال أبو جهل: اللهمَّ، أولانا بالحقِّ فانصره. ورفع

(1)

في م: "كفاك". وقد روى الخبر بالوجهين جميعا، قال النووى: هكذا وقع لجماهير رواة مسلم (كذاك) بالذال: ولبعضهم (كفاك) بالفاء، وفي رواية البخارى: حسبك مناشدتك ربك. وكلٌّ بمعنى. صحيح مسلم بشرح النووى 12/ 85.

(2)

أخرجه مسلم (1763) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 350، 14/ 365، وأحمد 1/ 334 - 336 (208)، وعبد بن حميد (31)، وأبو داود (2690)، والترمذى (3081)، وأبو عوانة (6692 - 6695)، والطحاوى في المشكل (3309)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1662، 1730، وابن حبان (4793)، وأبو نعيم في الدلائل (408)، والبيهقى 6/ 321، وفى الدلائل 3/ 51 - 53 من طريق عكرمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 69 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.

ص: 51

رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَه، فقال:"يا ربِّ، إن تَهلِك هذه العصابة فلن تُعبَدَ في الأرضِ أبدًا"

(1)

.

حدَّثني محمد بن سعد، [قال: ثني أبي]

(2)

، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"اللهمَّ ربنا أنزلتَ علىَّ الكتاب، وأمَرتَنى بالقتال، ووعدتَنى بالنَّصرِ، ولا تُخلِفُ الميعادَ". فأتاه جبريل عليه السلام، فأنزل اللَّهُ {أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ (124) بَلَى إن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَورِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 124، 125].

حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي

(3)

إسحاق، عن زيد بن نُفيعٍ

(4)

، قال: كان أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على

(5)

العريش، فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعو، يقول: "اللهمَّ انصُرْ هذه العِصابَةَ، فإِنَّكَ إن لم تفعل لم

(6)

تُعبَد في الأرضِ". قال: فقال أبو بكرٍ: بعض مناشدَتِك، مُنجِزَكَ ما وعدَك

(7)

.

حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 559.

(2)

سقط من: م.

(3)

في م: "ابن". وهو خطأ.

(4)

كذا في النسخ، وصوابه:"يشيع"، ووقع في مصدر التخريج على الصواب. وينظر تهذيب الكمال 10/ 115.

(5)

في م: "في".

(6)

في م، ت 1، ت 2، س:"لن".

(7)

أخرجه ابن أبى شيبة 14/ 369 عن أبى معاوية به.

ص: 52

السُّدىِّ، قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله ويستغيثه ويستنصِرُه، فأنزل الله عليه الملائكة

(1)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} . قال: دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم]

(1)

.

حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} . أي: بدعائكم. حين

(2)

نظروا إلى كثرة عدوِّهم وقلة عددهم، {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} بدعاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائكم معه

(3)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن أبي حصينٍ، عن أبي صالح، قال: لما كان يومُ بدرٍ، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يناشِد ربَّه أَشدَّ النِّشدةِ يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسولَ اللهِ، بعض نشدَتِك؛ فواللهِ لَيَفِينَّ الله لكَ بما وعدَك

(4)

.

وأمَّا قولُه: {أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} . فقد بينا معناهُ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

ذكر من قال ذلك

حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْف مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} . يقولُ: المزيد،

(1)

ينظر تفسير ابن كثير 3/ 559.

(2)

في ص، ت 1، س، ف:"حتى".

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 667، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1663 من طريق ابن إدريس عن ابن إسحاق.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 559 عن أبي بكر بن عياش به.

ص: 53

كما تقولُ: ائتِ الرجل فزِدْه كذا وكذا

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أحمد بن بشيرٍ، عن هارون بن عنترةَ، عن أبيه، عن ابن عباس:{مُرْدِفِينَ} . قال: متتَابِعين

(2)

.

قال: ثني أبي، عن سفيان، عن هارون بن عنترة

(3)

، عن ابن عباسٍ مثله

(2)

.

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينَةَ، عن قابوسَ، عن أبيه عن ابن عباسٍ:{مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} . قال: وراء كلِّ ملَكٍ ملَكٌ

(4)

.

حدَّثني ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي كُدينة يحيى بن المهلبِ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{مُردِفِينَ} . قال: متتابعين

(5)

.

قال: ثنا هانئُ بن سعيدٍ، عن حجاج بن أرطاة، عن قابوسَ، قال: سمعت أبا ظبيان يقولُ: {مُرْدِفِينَ} . قال: الملائكةُ بعضُهم على إثرِ بعضٍ

(5)

.

قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبر، عن الضحاك، قال:{مُردِفِينَ} . قال: بعضُهم على إثرِ بعضٍ

(5)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاءَ، عن ابن أبي

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 560، لكن بلفظ:"المدد" بدل "المزيد".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1663 من طريق هارون به.

(3)

كذا في النسخ "هارون بن عنترة عن ابن عباس"، وليس له عن ابن عباس رواية، وقد سبق في الأثر قبله ذكر الواسطة بينهما، فلعل هاهنا سقطًا. وينظر تهذيب الكمال 30/ 100.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 560، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 170 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 560.

ص: 54

نجيحٍ، عن مجاهد مثلَه

(1)

.

حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد قوله:{مُرْدِفِينَ} . قال: مُمدِّين. قال ابنُ جُرَيج: عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ قال: {مُرْدِفِينَ} . الإرْدافُ: الإمداد بهم

(2)

.

حدَّثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} . أي متتابعين

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ [. . . . . . .]

(4)

.

[قال: حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى]

(5)

، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُردِفِينَ} . يتبع بعضُهم بعضًا

(6)

.

حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {مُرْدِفِينَ} . قال: المرْدِفِين: بعضُهم على إثْرِ بعضٍ، يتبَعُ بعضُهم بعضًا

(7)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 352، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 171 إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 560.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 255 عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 171 إلى عبد بن حميد.

(4)

سقط من النسخ بقية الإسناد، وهو: عن معمر عن قتادة، مثله. وهو في تفسير عبد الرزاق 1/ 255 عن معمر به.

(5)

كذا في: ص، ت 1، ت 2، س، ف، وسقط من: م. وصوابه: حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل به، وهو إسناد دائر.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1663 من طريق أسباط به.

(7)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1663 معلقًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 171 إلى أبى الشيخ.

ص: 55

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيد بن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} . يقولُ: متتابعين يوم بدرٍ

(1)

.

واختلفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأتْه عامة قرأة أهل المدينة: (مردَفين) بنصب الدال

(2)

.

وقرأه بعضُ المكيِّين وعامَّةُ قرأةِ الكوفيين والبصريين: {مُرْدِفِينَ}

(3)

وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك، ويقولُ فيما ذُكِر عنه: هو من أردف بعضهم بعضًا"، وأنكر هذا القول من قول أبي عمرٍو بعضُ أهل العلم بكلام العرب، وقال: إنما الإرْدافُ: أَن يَحمِلَ الرجلُ صاحبَه خلْفه، قال: ولم يُسْمَعْ هذا في نَعْتِ الملائكة يومَ بدرٍ.

واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى ذلك إذا قُرِئ بفتح الدال أو بكسرها.

فقال بعضُ البصريين والكوفيين: معنى ذلك إذا قُرِئ بالكسرِ: أن الملائكة جاءت يتبَعُ بعضها بعضًا، على لُغةِ مَن قال: أرْدفْتُه. وقالوا: العربُ تقول: أرْدفْتُه وردِفْتُه، بمعنى: تبِعْتُه وأتْبَعْتُه، واستُشهِد لصحةِ قولهم ذلك بما قال الشاعر

(4)

:

إذا الجَوْزَاءُ أرْدِفَتِ الثُّريَّا

ظنَنْتُ بَآلِ فاطِمةَ الظُّنُونا

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1663 معلقًا.

(2)

هي قراءة نافع. ينظر السبعة ص 304، والتيسير ص 95.

(3)

هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. ينظر المصدرين السابقين.

(4)

هو حَزِيمة بن نهد، والبيت في لسان العرب (ر د ف)، (ق ر ظ) والأغاني 13/ 78، وسمط اللآلي ص 100.

ص: 56

قالوا: فقال الشاعرُ: أردفَتْ. وإنما أراد: رَدِفتْ؛ جاءت بعدها؛ لأن الجوزاءَ تجيءُ بعد الثُّريا. وقالوا: معناه: إذا قُرِئ (مُرْدَفِينَ) أنه مفعولٌ بهم، كأن معناه: بألفٍ من الملائكةِ يُردِفُ اللَّهُ بعضهم بعضًا.

وقال آخرون: معنى ذلك إذا كُسِرَت الدالُ: أردفَت الملائكةُ بعضها بعضًا، وإذا قُرِئَ بفتحها: أردف الله المسلمين بهم.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأَ: {بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} بكسرِ الدَّالِ

(1)

؛ لإجماعِ أهل التأويل على ما ذَكَرتُ من تأويلهم، أن معناه: يتبَعُ بعضُهم بعضًا ومتتابِعِين، ففى إجماعهم على ذلك من التأويل الدليلُ الواضح على أنّ الصحيحَ من القراءة ما اخْتَرْنا في ذلك من كسر الدال، بمعنى: أردف بعض الملائكة بعضًا، ومسموعٌ من العربِ: جئتُ مُرْدِفًا لفُلانٍ: أَى جِئْتُ بعده.

وأما قولُ من قال: معنى ذلك إذا قرئِ (مردَفين) بفتح الدال، أن الله أردَف المسلمين بهم، فقولٌ لا معنى له؛ إذ الذكر الذي في (مردَفين) من الملائكة دون المؤمنين.

وإنما معنى الكلام: أن يُمدَّكم بألفٍ من الملائكةِ يُردَفُ بعضُهم ببعض، ثم حذَف ذكر الفاعلِ، وأخرج الخبر غير مسمًّى فاعله، فقيل:(مردفين) بمعنى: مردفٌ بعضُ الملائكة ببعضٍ. ولو كان الأمر على ما قاله من ذكَرنا قوله، وجب أن يكون في (المردَفين) ذكر المسلمين لا ذكر الملائكة، وذلك خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ القرآن.

وقد ذُكر في ذلك قراءةٌ أخرى، وهى ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: قال عبد الله بن يزيدَ (مُردِّفين)، و (مُرِدِّفينَ)، و (مُرُدِّفين)، مثقَّلٌ على

(1)

القراءتان كلتاهما صواب.

ص: 57

معنى: مُرْتَدِفين

(1)

.

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب بن محمد الزهرى، قال: ثني عبد العزيز بن عمران عن الزَّمْعِي

(2)

، عن أبي الحُويرث، عن محمدِ بنِ جُبيرٍ، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: نزل جبريلُ في ألف من الملائكة عن ميمنةِ النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أبو بكر رضي الله عنه، ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا فيها

(3)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)} .

يقول تعالى ذكرُه: لم يجعَلِ اللَّهُ إرداف الملائكة بعضها بعضًا، وتتابعها بالمصير إليكم أيها المؤمنون مددًا لكم، {إلَّا بُشْرَى} لكم. أي: بشارةً لكم، تُبشِّرُكم بنصر الله إياكم على أعدائكم، {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ}. يقولُ: ولتسكُن قلوبكم بمجيئها

(4)

إليكم، وتُوقِنَ بنصرِ

(5)

اللهِ لكم، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ}. يقولُ: وما تُنصرون على عدوّكم أيها المؤمنون إلا أنْ ينصرَكم الله عليهم، لا بشدة بأسكم وقواكُم، بل بنصر الله لكم؛ لأن ذلك بيده وإليه، ينْصُرُ من يشاءُ من خلقِه، {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. يقول: إن الله الذى ينصركم وبيده نصرُ من يشاءُ من خلقه {عَزِيزٌ} لا يقهرُه شيءٌ، ولا يغْلِبُه غالبٌ،

(1)

ينظر المحتسب 1/ 273، وتفسير القرطبي 7/ 371.

(2)

في م، ت 1، ت 2، س، ف:"الربعي". والزمعى: موسى بن يعقوب. ينظر تهذيب الكمال 29/ 171.

(3)

نقله ابن كثير في تفسيره 3/ 560 عن المصنف، وعزاه إليه السيوطي في الدر المنثور 3/ 70.

(4)

في ص، ت 1، س، ف:"لمجيئها".

(5)

في م: "بنصرة".

ص: 58

بل يَقْهَرُ

(1)

كلَّ شيءٍ ويَغْلِبُه؛ لأنه خَلْقُهُ: {حَكِيمٌ} . يقولُ: حكيمٌ في تدبيرِه ونصرِه من نصَر، وخذْلانِه من خَذَل مِن خلقِه، لا يدخُلُ تدبيرَه وهنٌ ولا خلَلٌ.

ورُوى عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرنى ابنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ما مُدَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مما ذكَر الله غيرَ ألفٍ من الملائكةِ مُرْدِفينَ، وذكرَ "الثلاثةَ" و "الخمسةَ" بشرَى، ما مُدُّوا بأكثرَ من هذه الألفِ الذي ذكَر اللهُ عز وجل فى الأنفالِ. وأما "الثلاثةُ" و "الخمسة"، فكانت بُشرَى

(2)

.

وقد أتينا على ذلك في سورةِ "آل عمرانَ" بما فيه الكفايةُ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} .

يقول تعالى ذكرُه: ولتطمئنَّ به قلوبُكم إذْ يُغَشِّيكم

(4)

النعاسَ، ويعنى بقولِه: {يُغَشِّيكُمُ

(4)

النُّعَاسَ}: يُلقِى عليكم النعاسَ، {أَمَنَةً}. يقولُ: أمانًا من اللهِ لكم من عدوِّكم أن يغلِبَكم، وكذلك النعاسُ في الحربِ أمنةٌ من اللهِ عز وجل.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ،

(1)

في ت 1، س، ف:"يدبر".

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 170 إلى سنيد وأبى الشيخ.

(3)

ينظر ما تقدم في 6/ 20، وما بعدها.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يغشاكم"، وسيأتي أنها قراءة.

ص: 59

عن عبدِ اللهِ، قال: النعاسُ فى القتالِ أمنةٌ مِن الله عز وجل، وفى الصلاةِ من الشيطانِ

(1)

.

حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، في قولِه:(يغشاكم النعاسُ أمنةً منه)، عن عاصمٍ، عن أبى رَزِينٍ

(2)

، قال: قال عبدُ اللهِ. فذكَر مثلَه

(3)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه. والأمنةُ مصدرٌ من قولِ القائلِ: أمِنتُ من كذا أَمَنَةً وأمانًا وأمْنًا. وكلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ.

وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَمَنَةً مِنْهُ} : أمانًا من اللهِ عز وجل

(4)

.

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{أَمَنَةً} . قال: أَمْنًا من اللهِ

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 256، وفي المصنف (4219)، وابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1664 من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة 5/ 311 لكن عاصم عن زر عن عبد الله، ينظر تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 15.

(2)

بعده فى م، س:"عن عبد الله بنحوه".

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 256.

(4)

تفسير مجاهد ص 352 ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1665، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 171 إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ص: 60

{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} . قال: أنزَل اللهُ عز وجل النعاسَ أمنةً من الخوفِ الذى أصابَهم يومَ أُحدٍ. فقرأ: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} [آل عمران: 154].

واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} ؛ فقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (يُغْشِيكُمُ النُّعاسَ) بضمِّ الياءِ وتخفيفِ الشينِ ونصبِ النعاسِ، من أغشاهمُ اللهُ النعاسَ، فهو يُغشِيهم

(1)

.

وقرأتْه عامةُ قرأةِ الكوفيين: {يُغَشِّيكُمُ} بضم الياءِ وتشديدِ الشينِ من غشَّاهمُ اللهُ النعاسَ، فهو يُغشِّيهم

(2)

.

وقرأ ذلك بعضُ المكيِّين والبصريِّين (يَغْشاكُم النُّعاسُ) بفتحِ الياءِ ورفعِ النعاسِ، بمعنى غَشِيهم النعاسُ، فهو يَغْشاهُم

(3)

، واسْتشْهدَ هؤلاء لصحةِ قراءتِهم كذلك بقولِه فى آلِ عمرانَ:{يَغْشَى طَائِفَةً} [آل عمران: 154].

وأوْلَى ذلك بالصوابِ: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ}

(4)

. على ما ذكرتُ من قراءةِ الكوفيين لإجماعِ جميعِ القرأةِ على قراءةِ قولِه: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} بتوجِيه ذلك إلى أنه من فعلِ اللهِ عز وجل، فكذلك الواجبُ أن يكون كذلك:{يُغَشِّيكُمُ} ، إذْ كان قولُه:{وَيُنَزِّلُ} عطفًا على يُغَشِّى؛ ليكون الكلامُ متَّسِقًا على نحوٍ واحدٍ.

وأما قولُه عز وجل: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} ، فإن

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س:"يغشاكم". وهى قراءة نافع. ينظر السبعة ص 304، والكشف 1/ 489، 490.

(2)

هي قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر المصدرين السابقين.

(3)

هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. ينظر المصدرين السابقين.

(4)

القراءات كلها صواب ومقروء بها.

ص: 61

ذلك مطرٌ أنزله اللهُ من السماءِ يومَ بدرٍ؛ ليُطهِّرَ به المؤمنين

(1)

لصلاتِهم؛ لأنهم كانوا أصبحوا يومَئِذٍ مُجْنِبين على غيرِ ماءٍ؛ فلما أنزَل اللهُ عليهم الماءَ، اغتسلوا وتطهَّرُوا، وكان الشيطانُ [قد وسْوس إليهم]

(2)

بما حزَنهم به، من إصْباحِهم مُجنِبين على غيرِ ماءٍ، فأذْهب اللهُ ذلك من قلوبِهم

(3)

بالمطرِ، فذلكَ ربْطُه على قلوبِهم وتقويتُه أسبابَهم وتَثْبيتُه بذلك المطرِ [أقدامَهم؛ لأنهم كانوا التَقَوْا مع عدوِّهم على رَمْلةٍ ميثاءَ

(4)

، فلبَّدَها المطرُ]

(5)

حتى صارت الأقدامُ عليها ثابتةً لا تسوخُ فيها؛ توطئةً من اللهِ عز وجل لنبيِّه عليه الصلاة والسلام وأوليائِه - أسبابَ التمكُّنِ من عدوِّهم والظفَرِ بهم.

وبمثلِ الذي قلنا، تتابعت الأخبارُ عن [رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وغيرِه]

(6)

من أهلِ العلمِ.

ذكرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك

حدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا مُصعبُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: أصابَنا من الليلِ طشٌّ

(7)

من المطرِ، يعنى الليلةَ التي كانت في صبيحتِها وقعةُ بدرٍ، فانطلَقنا تحتَ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"المؤمنون".

(2)

في م: "وسوس لهم".

(3)

بعده في ت 1، س، ف:"وتقويته ذلك من قلوبهم".

(4)

في م: "هشاء"، وفى ت 2:"تثبتا". وأرض ميثاء: لينة سهلة. الوسيط (م ى ث).

(5)

سقط من: ت 1، س، ف.

(6)

كذا في النسخ ولعل صواب العبارة "أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم".

(7)

الطش: المطر الضعيف وهو فوق الرذاذ. القاموس المحيط (ط ش ش).

ص: 62

الشجَرِ

(1)

والحجَفِ

(2)

، نَسْتظلُّ تحتَها من المطرِ، وباتَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدعو ربَّه:"اللَّهُمَّ إنْ تهلِكْ هذه العِصابَةُ لا تُعْبَدْ فى الأرضِ". فلما أن طلَع الفجرُ نادى: "الصَّلاةَ عِبادَ اللهِ". فجاء الناسُ من تحتِ الشجرِ والحجَفِ، فصلَّى بنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وحرَّض على القتالِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ وأبو خالدٍ، عن داودَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ:{مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} . قال: طشٌّ يومَ بدرٍ

(4)

.

حدَّثنى الحسنُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا حفصٌ، عن داودَ، عن سعيدٍ، بنحوِه

(4)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن داودَ، عن الشعبيِّ وسعيدِ بن المسيّبِ، قالا: طشٌّ يومَ بدرٍ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ وسعيدِ بنِ المسيّبِ فى هذه الآيةِ:{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} . قالا: طَشٌّ كان يومَ بدرٍ، فثبَّت اللهُ به الأقدامَ

(5)

.

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:(إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) الآية، ذُكِر لنا أنهم مُطِرُوا يومَئذٍ حتى سالَ الوادى ماءً،

(1)

في ص، ف:"الشجرة".

(2)

الحجفة: الترس. النهاية (ح ج ف).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 362، وأحمد 2/ 259 (948)، وأبو داود (2665)، والبزار (719)، والبيهقى 3/ 276، 9/ 331 من طريق إسرائيل به مطولا.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1665 من طريق حفص به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 171 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 359 عن ابن أبى عدى به.

ص: 63

واقتتلوا على كَثيبٍ أعْفَرَ، فلبَّده اللهُ بالماءِ، وشرِبَ المسلمون وتوضَّئوا وسقَوْا، وأذهبَ اللهُ عنهم وَسْواسَ الشيطانِ

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزل النبيُّ صلى الله عليه وسلم، يعنى حينَ سارَ إلى بدرٍ، والمسلمون بينَهم وبين الماءِ رملةٌ دعْصَةٌ

(2)

، فأصابَ المسلمين

(3)

ضعفٌ شديدٌ، وألقى الشيطانُ في قلوبِهُم الغيظَ، فوسوَس بينهم: تزعمون أنكم أولياءُ اللهِ وفيكمْ رسولُه، وقد غلبكم المشركون على الماءِ وأنتم تُصلُّون مُجْنِبينَ! فأمطَر اللهُ عليهم مطرًا شديدًا، فشرِب المسلمون وتطهَّروا، وأذهَب اللهُ عنهم رِجْزَ الشيطانِ، وثَبَتَ الرملُ حين أصابه المطرُ، ومشى الناسُ عليه والدوابُّ، فسارُوا إلى القومِ، وأمدَّ الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بألفٍ من الملائكةِ، فكان جبريلُ عليه السلام في خمسِمائةٍ من الملائكةِ مُجنِّبةً، وميكائيلُ في خمسِمائةٍ مجنِّبةً

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:(إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) إلى قولِه: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} . وذلك أن المشركين من قريشٍ لما خرَجوا لينصُروا العِيرَ ويقاتلوا عنها، نزَلوا على الماءِ يومَ بدرٍ، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصابَ المؤمنين الظمأُ، فجعلوا يُصَلُّون مجنِبينَ مُحدِثينَ، حتى تعاظم ذلك في صدورِ أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأنزَل اللهُ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1665 من طريق سعيد بن بشير عن قتادة مطولًا بنحوه.

(2)

في اللسان (د ع ص) الدعصاء: أرض سهلة فيها رملة تحمى عليها الشمس فتكون رمضاؤها أشدَّ من غيرها.

(3)

في ص، ت 1، س:"المسلمون".

(4)

مجنبة الجيش: هي التي تكون فى الميمنة والميسرة، وهما مجنبتان. النهاية 1/ 303. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 563.

ص: 64

من السماءِ ماءً حتى سال الوادِى، فشرِب المسلمون وملئُوا الأَسْقِيةَ، وسقَوُا الرِّكابَ واغتسلوا من الجنابةِ، فجعَل الله فى ذلك طُهورًا، وثبَّتَ الأقدامَ، وذلك أنه كانت بينَهم وبينَ القومِ رمْلةٌ فبعَث اللهُ عليها المطرَ، فضربَها حتى اشْتدتْ، وثبتَتْ عليها الأقدامُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: بينَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم والمسلمون، فسبقهم المشركون إلى ماءِ بدرٍ، فنزَلُوا عليه، وانصرَف أبو سفيانَ وأصحابُه تلقاءَ البحرِ، فانطلقُوا. قال: فنزلُوا على أعلَى الوادِى، ونزَل محمدٌ صلى الله عليه وسلم في أسفلِه، فكان الرجلُ من أصحابِ محمدٍ عليه الصلاة والسلام يُجنِبُ فلا يقدرُ على الماءِ، فيصلِّى جُنُبًا، فألقَى الشيطانُ في قلوبِهم، فقال: كيف ترجُون أن تظْهَروا عليهم، وأحدُكم يقومُ إلى الصلاةِ جُنُبًا على غيرِ وضوءٍ؟! قال: فأرسَل اللهُ عليهم المطرَ، فاغتسَلوا وتوضئُوا وشرِبوا، واشتدَّتْ لهم الأرضُ، وكانت بطحاءَ تدخلُ فيها أرجلُهم، فاشْتدَّت لهم من المطرِ واشْتدُّوا عليها

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال: ابنُ عباسٍ: غلَب المشركون المسلمين فى أوَّلِ أمرِهم على الماءِ فظمِئَ المسلمون، وصلَّوا مُجْنبين، محدِثينَ، وكانت بينَهم رمالٌ، فألقى الشيطانُ في قلوبِ المسلمين

(3)

الحزَنَ، فقال: تزعمون أن فيكم نبيًّا، وأنكم أولياءُ اللهِ، وقد غُلِبْتُم على الماءِ، وتصلُّون مُجنِبين محدِثين! قال: فأنزَل اللهُ ماءً من السماءِ، فسال كلُّ وادٍ،

(1)

أخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 16، 17 - وأبو نعيمٍ في الدلائل (400)، والبيهقى فى الدلائل 3/ 78، 79 من طريق عبد الله بن صالح به نحوه.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 563.

(3)

في م: "المؤمنين".

ص: 65

فشِرب المسلمون وتطهَّروا، وثبتتْ أقدامُهم، وذهبتْ وسْوسةُ الشيطانِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه:{مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} . قال: المطرُ أنزَله عليهم قبلَ النعاسِ، {رِجْزَ الشَّيْطَانِ}. قال: وسْوستَه، قال: فأطفَأ بالمطرِ الغبارَ، والتَبدتْ به الأرضُ، وطابت به أَنفُسُهم، وثبَتتْ به أَقدامُهم

(2)

.

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} : أنزلَه عليهم قبلَ النُّعاسِ، طَبَّق بالمطرِ الغبارَ، ولبَّدَ به الأرضَ، وطابتْ به أنفُسُهم، وثبَّت به أقدامَهم

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} . قال: القَطْرُ، {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ}: وساوِسَه، أطفأَ بالمطرِ الغُبارَ، ولبَّد به الأرضَ، وطابتْ به أنفُسُهم، وثبتَتْ به أقدامُهم

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، {رِجْزَ الشَّيْطَانِ}: وسْوسَتَه

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} . قال: هذا يومَ بدرٍ أنزَل عليهم القطرَ، {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ}: الذى ألقَى في قلوبِكم

(4)

ليس لكم بهؤلاء

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 171 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

تفسير مجاهد ص 352، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1665.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 171 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ. وينظر التخريج السابق.

(4)

في ص، ف:"قلوبهم".

ص: 66

طاقةٌ، {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} .

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه) إلى قولِه: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} . أن المشركين نزلوا بالماءِ يومَ بدرٍ، وغلَبوا المسلمين عليه، فأصابَ المسلمين الظمأُ، وصلَّوْا محدِثين مُجْنِبين، فألقَى الشيطانُ في قلوبِ المؤمنين الحزَنَ، ووسْوَس فيها: إنكم تزعمون أنكم أولياءُ اللهِ، وأن محمدًا نبيُّ اللهِ وقد غُلِبْتُم على الماءِ، وأنتم تُصلُّون محدِثين مجْنِبين. فأمطَر اللهُ السماءَ حتى سالَ كلُّ وادٍ، فشرِبَ المسلمون وملئُوا أسقِيتَهم، وسقَوْا دوابَّهم، واغتسَلوا من الجنابةِ، وثبَّت اللهُ به الأقدامَ، وذلك أنهم كان بينهم وبينَ عدوِّهم رملةٌ لا تجوزُها الدوابُّ، ولا يمشى فيها الماشى إلا

(1)

بجَهدٍ، فضربَها اللهُ بالمطرِ حتى اشتَدَّتْ وثبتتْ فيها الأقدامُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:(إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه). أى أَنزَلتُ عليكم الأمنةَ حتى نِمْتُمْ لا تخافون، [ونزَّلتُ

(3)

عليكم من السماءِ المطرَ؛ الذي أصابَهم تلك الليلةَ]

(4)

، فحُبِسَ المشركون أن [يسبقُوا إلى]

(5)

الماءِ، وخُلِّى سبيلُ المؤمنين إليه، {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}: ليُذهبَ عنهم شكَّ الشيطانِ بتخويفِه إيَّاهُم

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 563.

(3)

في م: "نزل".

(4)

في سيرة ابن هشام: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} للمطر الذي أصابهم تلك الليلة.

(5)

في ت 2، ف:"يستقوا".

ص: 67

عدوَّهم، واستجلادِ

(1)

الأرضِ لهم، حتى انتهَوْا إلى منزِلِهم الذى سبَقوا

(2)

إليه عدوَّهم

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ثم ذكر ما ألقى الشيطانُ في قلوبِهم من شأنِ الجنابةِ، وقيامِهم يُصلُّون بغيرِ وضوءٍ، فقال:(إذ يغشاكم النعاسُ أمنةً منه وينزلُ عليكم من السماءِ ماءً ليطهرَكم به ويذهبَ عنكم رجزَ الشيطانِ وليربطَ على قلوبِكم ويُثبِّتَ به الأقدامَ) حتى

(4)

تشتدُّون على الرملِ، وهو كهيئةِ الأرضِ

(5)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا داودُ بن أبي هندٍ، قال: قال رجلٌ عندَ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، وقال مرَّةً: قرأ {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ

(6)

}. فقال سعيدٌ: إنما هى (ويُنْزِلُ عليكُمْ مِن السَّمَاءِ مَاءً لِيُطْهِرَكم بِهِ)

(7)

. قال: وقال الشعبيُّ: كان ذلك طشًّا يومَ بدرٍ

(8)

.

وقد زعَم بعضُ أهلِ العلمِ بالغريبِ مِن أهلِ البصرةِ، أنَّ مجازَ قولِه:{وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} : ويُفْرِغَ عليهم الصبرَ وينزِّلَه عليهم، فيثبتون لعدوِّهم

(9)

. وذلك قولٌ

(1)

استجلاد الأرض: شدتها، واشتقاقها من الجَلَد، وهى الأرض الصلبة. ينظر تاج العروس (ج ل د).

(2)

فى م: "سبق.

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 667، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1666 من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عروة بن الزبير قوله.

(4)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"حين".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1667 من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 171 إلى أبى الشيخ.

(6)

فى ص، م، ف:"بها".

(7)

كذا هي قراءة سعيد، وهى قراءة شاذة. ينظر مختصر شواذ القرآن لابن خالويه ص 54.

(8)

أثر الشعبي تقدم ص 63 حاشية (5).

(9)

ينظر مجاز القرآن 1/ 242.

ص: 68

خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ من الصحابةِ والتابعين، وحسْبُ قولٍ خطأً أن يكونَ خلافًا لقولِ مَن ذَكَرْنا. وقد بيَّنا أقوالَهم فيه، وأن معناه: ويُثبِّتُ أقدامَ المؤمنين بتلبيدِ المطرِ الرملَ حتى لا تسوخَ فيه أقدامُهم وحوافِرُ دوابِّهم.

وأما قولُه: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} : أَنصرُكُم، {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا}. يقولُ: قَوُّوا عزمَهم، وصحِّحُوا نيّاتِهم في قتالِ عدوِّهم من المشركين.

وقد قيلَ: إنَّ تثبيتَ الملائكةِ المؤمنين كان حضورَهم حربَهم معهم. وقيل: كان ذلك معونتَهم إيَّاهم بقتالِ أعدائِهم. وقيل: كان ذلك بأن الملَكَ يأتى الرجلَ من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويقولُ: سمِعتُ هؤلاءِ القومَ -يعنى المشركين- يقولون: واللهِ لئن حمَلُوا عليْنا لنَنْكشِفنَّ. فيحدِّثُ المسلمون بعضُهم بعضًا بذلك، فتقوَى أنفُسُهم. قالوا: وذلك كان وحيَ الله إلى ملائكتِه.

وأما ابنُ إسحاقَ، فإنه قال بما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} . أى فآزِرُوا الذين آمنوا

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} .

يقولُ تعالى ذكرُه: سأُرعِبُ قلوبَ الذين كفروا بي، أيها المؤمنون، منكم، وأملؤُها فَرَقًا حتى ينهزِموا عنكم، {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} .

واختلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} ؛ فقال بعضُهم:

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 667، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1667 من طريق سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قوله.

ص: 69

معناه: فاضربوا الأعناقَ.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ:{فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} . قال: اضربِوا الأعناقَ

(1)

.

قال: ثنا أبي، عن المسعودِيِّ، عن القاسمِ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّى لمْ أُبْعَثْ لأُعَذِّبَ بعذابِ اللهِ، إِنَّمَا بُعِثْتُ لِضَرْبِ الأَعْناقِ، وشدِّ الوَثَاقِ"

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} . يقولُ: اضرِبوا الرقابَ

(3)

.

واحتجَّ قائلو هذه المقالةِ بأن العربَ تقولُ: رأيتُ نفْسَ فلانٍ. بمعنى رأيتُه، قالوا: فكذلك

(4)

قولُه: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} . إنما معناه: فاضربوا الأعناقَ.

وقال آخرون: بل

(5)

معنى ذلك: فاضرِبوا الرؤوس.

ذِكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: وحدثنا الحسينُ، عن يزيدَ،

(1)

عزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 172 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 12/ 390 من طريق وكيع به. وهو ضعيف الإسناد.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1668 من طريق أبي معاذ به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 172 إلى أبي الشيخ.

(4)

في ص، ت 1، س، ف:"فذلك".

(5)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"قيل".

ص: 70

عن عكرمةَ: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} . قال: الرءوسَ

(1)

.

واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأن الذى فوقَ الأعناقِ [الرءوسُ. قالوا: وغيرُ جائزٍ أن تقولَ: فوقَ الأعناقِ]

(2)

. فيكونَ معناه: الأعناقَ. قالوا: ولو جازَ ذلك كان أن يُقالَ: تحتَ الأعناقِ. فيكون معناه: الأعناق. قالوا: وذلك خلافُ المعقولِ من الخطابِ، وقلبُ معانى الكلامِ.

وقال آخرون: معنى ذلك: فاضرِبوا على الأعناقِ. وقالوا: "على" و "فوقَ" معناهما مُتقارِبان، فجاز أن يُوضَعَ أحدُهُما مكانَ الآخرِ.

والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إن اللهَ أمَر المؤمنينَ مُعلِّمَهم كيفيةَ قتلِ المشركين وضرِبهم بالسيفِ، أن يضرِبوا فوقَ الأعناقِ منهم والأيديَ والأرجلَ. وقولُه:{فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} . مُحتملٌ أن يكونَ مرادًا به الرءوسُ، ومحتملٌ أن يكونَ مرادًا به: مِن

(3)

فوقِ جلدةِ الأعناقِ، فيكونَ معناه: على الأعناقِ، وإذا احتَمل ذلك صحَّ قولُ من قال: معناه: الأعناقُ. وإذا كان الأمرُ محتمِلًا ما ذكرنا من التأويلِ، لم يكنْ لنا أن نوجِّهَه إلى بعضِ معانيه دونَ بعضٍ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، ولا حجةَ تدلُّ على خصوصِه، فالواجبُ أن يُقالَ: إن اللهَ أمر بضربِ رءوسِ المشركينِ وأعناقِهم وأيدِيهم وأرجلِهم، أصحابَ نبيِّه صلى الله عليه وسلم الذين شهِدوا معه بدرًا.

وأما قولُه: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} . فإن معناه: واضرِبوا، أيها المؤمنون، من عدوِّكم كلَّ طَرَفٍ ومَفْصِلٍ من أطرافِ أيدِيهم وأرجلِهم.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1668 من طريق الحسين به.

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

ليس في: م، ت 1، ت 2.

ص: 71

والبنانُ: جمعُ بنَانَةٍ، وهى أطرافُ أصابعِ اليدَيْن والرجليْن، ومن ذلك قولُ الشاعرِ

(1)

:

ألا ليْتنِي قطَّعْتُ منِّى

(2)

بنانةً

ولاقيْتُهُ في البَيْتِ يقْظانَ حاذِرا

يعنى بالبنانةِ: واحدةَ البنانِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ

ذِكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ:{وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} . قال: كلَّ مَفْصِلٍ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ:{وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} . قال: المفاصِلَ

(3)

.

قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ:{وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} . قال: كلَّ مَفْصلٍ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسنُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ:{وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} . قال: الأطرافَ. ويقالُ: كلَّ مَفصِلٍ

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ

(1)

هو عباس بن مرداس، والبيت فى مجاز القرآن 1/ 242، واللسان (ب ن ن).

(2)

في م: "منه"، وينظر مجاز القرآن وتفسير ابن كثير 3/ 566.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1668 من طريق ابن إدريس به.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1668 معلقًا، وابن كثير في تفسيره 3/ 566.

ص: 72

عباسٍ: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} . يعنى بالبنانِ الأطرافَ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه:{وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} . قال: الأطرافَ

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} . يعنى الأطرافَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13)} .

يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} هذا الفعلُ مِن ضرْبِ هؤلاء الكفرةِ فوقَ الأعناقِ، وضربِ كلِّ بنانٍ منهم

(3)

- جزاءٌ لهم بشقاقِهم اللهَ ورسولَه، وعقابٌ لهم عليه.

ومعنى قولِه: {شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : فارَقوا أمرَ اللهِ ورسولِه وعصوْهُما، وأطاعوا أمرَ الشيطانِ.

ومعنى قولِه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : ومَن يخالفْ أمرَ اللهِ وأمرَ رسولِه، وفارقَ طاعتَهما، {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} له، وشدَّةُ عقابِه له فى الدنيا: إحلالُه به ما كان يُحِلُّ بأعدائِه من النِّقمِ، وفي الآخرةِ الخلودُ في نارِ جهنمَ، وحذفَ (له) من الكلامِ لدلالةِ الكلامِ عليها.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1668 من طريق أبي صالح به.

(2)

ذكره البغوى في تفسيره 3/ 335.

(3)

بعده في ص، ت 1، س، ف:"بأنهم".

ص: 73

‌القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: هذا العقابُ الذى عجَّلْتُه لكم أيها الكافرون، المشاقُّون للهِ ورسولِه في الدنيا، من الضربِ فوقَ الأعناقِ منكم، وضربِ كلِّ بنانٍ بأيدى أوليائى المؤمنين، فذوقوه عاجلًا، واعلَموا أن لكم فى الآجلِ والمعادِ عذابَ النارِ. ولفتحِ "أنّ" من قولِه:{وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} من الإعرابِ وجهان: أحدُهما الرفعُ، والآخرُ النصبُ.

فأما الرفعُ فبمعنى: ذلكم فذُوقوه ذلكُم وأن للكافرين عذابَ النارِ، بنيَّةِ تكريرِ "ذلكُم"، كأنه قيل: ذلكُم الأمرُ وهذا.

وأما النصبُ فمن وجهَيْن: أحدُهما: ذلكم فذوقوه واعلموا -أو وأيقِنوا- أن للكافرين، فيكونُ نصبُه بنيةِ فعلٍ مضمرٍ، قال الشاعرُ

(1)

:

ورأيْتِ زَوْجَكِ في الوغى

مُتقَلِّدًا سَيفًا وَرُمْحا

بمعنى: وحاملًا رُمْحًا.

والآخرُ بمعنى: ذلكم فذوقوه، وبأن للكافرين عذابَ النارِ. ثم حُذفتِ الباءُ فنُصِبتْ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)} .

(1)

سبق تخريجه في 1/ 140، 271، 5/ 418، 8/ 517.

ص: 74

يعني تعالى ذكرُه: يا أيها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه {إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} في القتال، {زَحْفًا}. يقولُ: متزاحفًا بعضُكم إلى بعضٍ، والتزاحُفُ: التدانِي والتقاربُ، {فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ}. يقولُ: فلا تولُّوهم ظهورَكُم فتنهزمُوا عنهم، ولكن اثْبُتوا لهم، فإنّ اللهَ معكُم عليهم، {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}. يقولُ: ومن يولِّهم منكم ظهرَه، {إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ}. يقولُ: إلا مُسْتطرِدًا لقتالِ عدوِّه بطلبِ عَوْرةٍ له يمكنُه إصابتُها، فيكُرُّ عليه، {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} . أو إلَّا أن يولِّيَهم ظهرَه، {مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ}. يقولُ: صائرًا إلى حيزِ المؤمنين الذين يفيئون

(1)

به معهم إليهم لقتالِهم، ويَرْجِعون به إليهم معهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ:{إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} . قال: المتحرِّفُ: المتقدِّمُ من أصحابِه؛ ليرى عورةً

(2)

من العدوِّ فيُصيبَها. قال: والمتحيِّزُ: الفارُّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، وكذلك من فرَّ اليومَ إلى أميرِه وأصحابِه. قال الضحَّاكُ: وإنما هذا وعيدٌ من اللهِ لأصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ألا يفروا، وإنما كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأصحابُه

(3)

فئَتَهم

(4)

.

(1)

في ف: "يعنون".

(2)

في ف: "غرة".

(3)

سقط من: م، ت 2.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1670، 1671 من طريق أبي خالد الأحمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 173 إلى ابن المنذر.

ص: 75

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} : أمَّا المتحرِّفُ، يقولُ: الاستطرادُ

(1)

، يريدُ العورةَ

(2)

، {أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ}. قال: المتحيِّزُ إلى الإمامِ وجندِه

(3)

إن هو كرَّ فلم يكنْ له بهم طاقةٌ، ولا يُعْذَرُ الناسُ وإن كثُروا أن يولُّوا عن الإمامِ

(4)

.

واخْتَلف أهلُ العلمِ في حكمِ قولِ اللهِ عز وجل: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} ، هل هو خاصٌّ فى أهلِ بدرٍ، أم هو فى المؤمنين جميعًا؟ فقال قومٌ: هو لأهلِ بدرٍ خاصَّةً؛ لأنه لم يكنْ لهم أن يترُكوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مع عدوِّه وينهزموا عنه، [فأَمَّا اليومَ فلهم]

(5)

الانهزامُ؟

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبي نَضْرةَ فى قولِ اللهِ عز وجل:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . قال: ذاك يومَ بدرٍ، لم يكنْ لهم أن ينحازوا، ولو انحاز أحدٌ لم ينحزْ إلَّا إلى. قال أبو موسى: يعنى إلى المشركين

(6)

.

(1)

في ت 1، ت 2، س، ف:"إلا منتظرا"، وفى م:"إلا مستطردا". فى كلٍّ مصحفة، وما أثبتناه موافق لما سبق ومصدر التخريج.

(2)

في م: "العودة".

(3)

فى ت 1، ت 2، س، ف:"حيده".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1670 من طريق أسباط به مختصرا بنحوه.

(5)

فى م: "فاليوم أفلهم".

(6)

أخرجه ابن أبى شيبة 14/ 380 عن عبد الأعلى به.

ص: 76

حدَّثنا إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبى سعيدٍ قولَه عز وجل:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين ولم يكنْ يومَئذ مسلمٌ في الأرضِ غيرُهم

(1)

.

حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا داودُ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ، قال: نزَلت في يومِ بدرٍ: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى وعليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسيُّ، قال ابنُ المثنى: ثنى عبدُ الصمدِ، وقال عليٌّ: ثنا عبُد الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن داودَ -يعني

(3)

ابن أبي هندٍ- عن أبى نضرةَ، عن أبي سعيدٍ:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . قال: يومَ بدرٍ. قال أبو موسى: حُدِّثت أن فى كتابِ غُنْدَرٍ هذا الحديثَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن أبي سعيدٍ

(4)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبى نضرةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: إنما كان ذلك يومَ بدرٍ، ولم يكنْ للمسلمين فئةٌ إلَّا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأما بعدَ ذلك، فإن المسلمين بعضُهم

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1670 من طريق داود به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 5/ 173 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

(2)

أخرجه النسائي في الكبرى (11204) عن حميد بن مسعدة به، وأخرجه أبو داود (2648) من طريق بشر به.

(3)

فى ف: "عن".

(4)

أخرجه النسائى فى الكبرى (11203) -وعنه النحاس في ناسخه ص 460 - والحاكم 2/ 327 من طريق شعبة به. وأخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص 345 من طريق غندر به.

ص: 77

فئةٌ لبعضٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى عن داودَ، عن أبي نضرةَ:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . قال: هذه نزلَت فى أهلِ بدرٍ

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: كتبتُ إلى نافعٍ أسألُه عن قولِه: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} : أكان ذلك اليومَ أم هو بعدُ؟ قال: وكتبَ إليَّ: إنما كان ذلك يومَ بدرٍ

(3)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ، عن سفيانَ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: إنما كان الفِرارُ يومَ بدرٍ

(4)

، لم يكن لهم ملجأٌ يلجئون إليه، فأما اليومَ فليس فِرارٌ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . قال: كانت هذه يومَ بدرٍ خاصَّةً، ليس الفرارُ من الزحفِ من الكبائرِ

(6)

.

قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحَّاكِ:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . قال: كانت هذه يومَ بدرٍ خاصَّةً

(7)

.

(1)

ذكره البغوى في تفسيره 3/ 337 عن أبي سعيد.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1670 معلقا.

(3)

أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (231) عن ابن عون به.

(4)

بعده في م: "و".

(5)

أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (9521) عن الثورى به نحوه.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 386، والنحاس في ناسخه ص 460 من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 173 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(7)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 386 عن وكيع به.

ص: 78

قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن حبيبِ بنِ الشهيدِ، عن الحسنِ:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . قال: نزَلت فى أهلِ بدرٍ

(1)

.

حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . قال: ذلكم يومُ بدرٍ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن المباركِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . قال: ذلك يومُ بدرٍ، فأما اليومَ فإنِ انحازَ إلى فئةٍ أو مِصرٍ، أحسَبُه قال: فلا بأسَ به

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عقبةَ، قال: قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ عونٍ، قال: كتبت إلى نافعٍ: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . قال: إنما هذا يومُ بدرٍ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ لَهِيعةَ قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، قال: أَوْجب اللهُ لمن فرَّ يومَ بدرٍ النارَ. قال: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} . فلما كان يومُ أحدٍ بعدَ ذلك قال: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155]. ثم كان حُنينٌ بعدَ ذلك بسبعِ

(4)

سنينَ، فقال:{ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} - {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ}

(5)

[التوبة: 25 - 27].

(1)

أخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص 345 من طريق روح بن عبادة به.

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (9520) عن معمر به، بلفظ أطول من هذا. وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 173 إلى عبد بن حميد.

(3)

أخرجه ابن المبارك فى كتاب الجهاد (232)، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1671 من طريق المبارك بن فضالة به.

(4)

فى ف: "بتسع".

(5)

ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1670 معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر 3/ 173 إلى ابن المنذر.

ص: 79

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن محمدٍ، [أن عمرَ]

(1)

رضي الله عنه بلَغه قتلُ أبي عُبيدٍ، فقال:[لو انحاز إليَّ إن كنتُ له لفئةً]

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن جريرِ بنِ

(3)

حازمٍ، قال: ثني قيسُ بنُ سعدٍ

(4)

، قال: سألت عطاءَ بنَ أبي رباحٍ عن قولِه: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} . قال: هذه منسوخةٌ بالآية التي في الأنفالِ: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 66]. قال: وليس لقومٍ أن يفرُّوا من مِثْلَيهم

(5)

. قال: [ونسِخَت تلك إلا]

(6)

هذه العِدَّةَ

(7)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سليمانَ التَّيْميِّ. عن أبي عثمانَ، قال: لما قُتِل أبو عُبيدٍ جاء الخبرُ إلى عمرَ، فقال: يا أيُّها الناسُ أنا

(1)

فى ص: "أبى عمر". وفى ف: "أبي عمرو".

(2)

فى م: "لو تحيز إلى لكنت له فئة".

والأثر أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (233)، وابن أبى شيبة 12/ 536 من طريق ابن عون به، وأخرجه ابن المبارك (234)، وعبد الرزاق في مصنفه (9522)، والبيهقى 9/ 77 من طرق عن عمر.

(3)

بعده في ف: "أبي".

(4)

في النسخ: "سعيد". والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 24/ 47 - 50.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س:"مثلهم".

(6)

فى الجهاد لابن المبارك: "نسخت هذه الآية"، والمراد من قول المصنف: ونُسخت تلك -أى {ومن يولهم يومئذ دبره} - إلا هذه العدة -أى {مائة يغلبوا مائتين} - فلا يجوز لمسلم أن يفر من مثليه.

(7)

الجهاد لابن المبارك (236). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 174 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وقد روى عبد الرزاق فى المصنف (9519) عن ابن جريج عن عطاء ما يفيد أنه أثبت معناها ولم يقل بنسخها.

ص: 80

فئتُكم

(1)

.

قال ابنُ المباركِ، عن معمرٍ وسفيانَ الثوريِّ وابنِ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال عمرُ رضي الله عنه: أنا فئةُ كلِّ مسلمٍ

(2)

.

وقال آخرون: بل هذه الآيةُ حكمُها عامٌّ فى كلِّ من ولَّى الدُّبُرَ عن العدوِّ منهزمًا.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ: الإشراكُ باللهِ، والفرارُ يومَ الزحفِ؛ لأن اللهَ عز وجل يقولُ:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}

(3)

.

وأولى التأويلين فى هذه الآيةِ بالصوابِ عندى: قولُ من قال: حكمُها مُحْكَمٌ، وأنها نزَلت فى أهلِ بدرٍ، وحكمُهما ثابتٌ في جميعِ المؤمنين، وأن اللهَ حرَّم على المؤمنين إذا لَقُوا العدوَّ أن يُولُّوهم الدُّبُرَ منهزمين، إلَّا لتحرُّفٍ لقتالٍ، أو لتحيُّزٍ إلى فئةٍ من المؤمنين حيثُ كانت من أرضِ الإسلامِ، وأن من ولَّاهم الدُّبُرَ بعدَ

(1)

أخرجه ابن المبارك فى كتاب الجهاد (233)، وابن أبى شيبة 12/ 538 من طريق التيمي به.

(2)

أخرجه ابن المبارك فى كتاب الجهاد (262)، وتفسير الثورى ص 116، ومن طريقه عبد الرزاق في مصنفه (9524)، وابن أبى شيبة 12/ 536، وأخرجه عبد الرزاق أيضًا والبيهقى 9/ 77 من طريق معمر وابن عيينة به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (2540)، (986 - تفسير) من طريق ابن أبي نجيح به، وأخرجه عبد الرزاق (9523)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1670 من طرق عن عمر.

(3)

أخرجه النحاس في الناسخ ص 461، والطبراني (13023) مطولًا، من طريق أبي صالح به.

ص: 81

الزحفِ لقتالٍ، منهزمًا بغيرِ نيةِ إحدى الخَلَّتين اللتين أباح اللهُ التوليةَ بهما

(1)

، فقد اسْتَوجَب من اللهِ وعيدَه، إلَّا أن يتفضَّلَ عليه بعفوِه.

وإنما قلنا: هي مُحْكَمةٌ غير منسوخةٍ؛ لما قد بيَّنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا وغيرِه، أنَّه لا يجوزُ أن يُحْكَمَ لحكمِ آيةٍ بنسخٍ، وله في غيرِ النسخِ وجهٌ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، من خبرٍ يقطعُ العذرَ، أو حُجَّةِ عقلٍ، ولا حجةَ من هذين المعنيين تدلُّ على نسخِ حكمِ قولِ اللهِ عز وجل:{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} .

وأما قولُه: {فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} . يقولُ: فقد رجَع بغضبٍ من اللهِ، {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ}. يقولُ: ومصيرُه الذي يصيرُ إليه في مَعادِه يومَ القيامةِ جهنمُ {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . يقولُ: وبئس الموضعُ الذى يصيرُ إليه ذلك المصيرُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)} .

يقولُ تعالى ذكرُه -للمؤمنين به وبرسولِه ممن شهِد بدرًا مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقاتَل أعداءَ دينِه معه من كفارِ قريشٍ- فلم تقتُلوا المشركين أيُّها المؤمنون أنتم، ولكنَّ اللهَ قتَلهم. وأضاف جلَّ ثناؤُه قتلَهم إلى نفسِه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتَلوا المشركين؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه هو مسبِّبَ قتلِهم، وعن أمرِه كان قتالُ المؤمنين إيَّاهم، ففى ذلك أدلُّ الدليلِ على فسادِ قول المنكِرين أن يكونَ للهِ فى أفعالِ خلقِه

(1)

في ت 1، ت 2، س، ف:"بها".

ص: 82

صُنعٌ

(1)

به وصلوا إليها، وكذلك قولُه لنبيِّه عليه الصلاة والسلام:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فأضاف الرميَ إلى نبيِّ اللهِ، ثم نفاه عنه، وأَخْبَر عن نفسِه أنه هو الرامى؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه هو المُوصِلَ المرميَّ به إلى الذين رُموا [به من]

(2)

المشركين، والمسبِّبَ الرميةَ لرسولِه، فيقالُ للمنكرين

(3)

ما ذكَرنا: قد علمتم إضافةَ اللهِ رميَ نبيِّه صلى الله عليه وسلم المشركين إلى نفسه، بعدَ وصفِه نبيَّه به، وإضافتُه إليه ذلك فعلٌ واحدٌ كان من اللهِ بتسبيبِه وتسديدِه، ومن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الحذفُ والإرسالُ، فما تُنْكِرون أن يكونَ كذلك سائرُ أفعالِ الخلقِ المكتسبةِ من اللهِ؛ الإنشاءُ والإنجازُ بالتسبيبِ، ومن الخلقِ الاكتسابُ بالقُوَى، فلن يقولوا في أحدِهما قولًا إلَّا أُلْزِموا في الآخَرِ مثلَه.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدٌ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عز وجل:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} لأصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، حين قال هذا: قتَلتُ. وهذا: قتَلتُ. {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} . قال لمحمدٍ حينَ حصَب الكفارَ

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

(1)

فى ف: "صنيع".

(2)

في م: "من به".

(3)

في ص، ف، م:"للمسلمين".

(4)

تفسير مجاهد ص 352. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1672 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 174 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.

ص: 83

مجاهدٍ بنحوِه.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} . قال: رماهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالحَصْباءِ يومَ بدرٍ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، قال: ما وقَع منها شيءٌ إلا في عينِ رجلٍ

(2)

.

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبانٌ العطَّارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، قال: لما ورَد رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بدرًا قال: "هذه مصارِعُهم". ووجَد المشركون النبيَّ صلى الله عليه وسلم. قد سبَقهم إليه ونزَل عليه، فلما طلَعوا عليه زعَموا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "هذه قريشٌ قد جاءت بجَلْبَتِها

(3)

وفخرِها، تُحادُّك وتُكذِّبُ رسولَك، اللهمَّ إنى أسألُك ما وعَدتنى". فلما أَقْبَلوا استقبلهم، فحثَا في وجوهِهم، فهزَمهم اللهُ عز وجل

(4)

.

حدَّثنا

(5)

أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عِمْرانَ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ زَمْعَةَ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبي بكرِ بنِ سليمانَ بنِ أبي حَثْمةَ

(6)

، عن حَكيمِ بنِ حزامٍ، قال: لما كان يومُ بدرٍ،

(1)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 1/ 255، 256 عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر 3/ 174 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1674 من طريق محمد بن عبد الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 256 من طريق معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 174 إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.

(3)

في م: "بخيلائها".

(4)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 421 عن عبد الوارث به مطولا، وذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 18 عن المصنف، وقد تقدم بعضه في ص 41.

(5)

قبله فى ف: "حدَّثنا ابن حميد قال".

(6)

فى ف: "خيثمة".

ص: 84

سمِعنا صوتًا وقَع من السماءِ كأنه صوتُ حَصاةٍ وقَعت في طَسْتٍ، ورمَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تلك الرَّمْيةَ، فانهزمنا

(1)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ ومحمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قالا: لما دنا القومُ بعضُهم من بعضٍ، أخَذ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبضْةً من ترابٍ، فرمَى بها في وجوهِ القومِ، وقال: "شاهتِ

(2)

الوجوهُ". فدخَلت في أعينِهم كلِّهم، وأقْبَل أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم [يقتلونهم ويأسِرونهم]

(3)

، وكانت هزيمتُهم في رميةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأَنْزل اللهُ:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} الآية إلى: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}

(4)

.

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} الآية. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم أخَذ يومَ بدرٍ ثلاثةَ أحجارٍ، ورمَى بها

(5)

وجوهَ الكفارِ، فهُزِموا عندَ الحجرِ الثالثِ

(6)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ التقى الجمعانِ يومَ بدرٍ لعليٍّ: "أَعْطِنى

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1672، والطبراني (3128) من طريق موسى بن يعقوب به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 174 إلى ابن مردويه. وينظر أسباب النزول للواحدى ص 174.

(2)

أي: قَبُحت.

(3)

في ص، ف:"يقتلوهم ويأسروهم".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 571 عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 175 إلى المصنف.

(5)

بعده فى م: "فى".

(6)

ذكره البغوى في تفسيره 3/ 340.

ص: 85

حصًى

(1)

من الأرْضِ"، فناوله حصًى

(1)

عليه ترابٌ، فرمي به وجوهَ القومِ، فلم يبقَ مشركٌ إلَّا دخَل في عينِه

(2)

من ذلك الترابِ شيءٌ، ثم ردِفهم

(3)

المؤمنون يقتُلونهم ويأسِرونهم، فذكَر رميةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}

(4)

.

حدَّثني يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} . قال: هذا يومُ بدرٍ، أَخَذ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثلاثَ حَصَياتٍ، فرمَى بحصاةٍ في ميمنةِ القومِ، وحصَاةٍ في ميسرةِ القومِ، وحصَاةٍ بينَ أظهرِهم وقال:"شاهَتِ الوجوهُ". فانهزموا، فذلك قولُ اللهِ عز وجل:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}

(5)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رفَع رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يدَه يومَ بدرٍ، فقال:"ياربِّ إن تَهْلِك هذه العصابةُ فلن تُعْبَدَ في الأرضِ أبدًا". فقال له جبريلُ عليه السلام: خُذْ قبضةً من الترابِ، فرمَى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحدٍ إلَّا أصاب عينيه ومَنْخِرَيه وفمَه ترابٌ من تلك القبضةِ، فولَّوْا مدبرين

(6)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: قال اللهُ عز وجل في

(1)

في تفسير ابن كثير: "حصبا".

(2)

فى م، وتفسير ابن كثير:"عينيه".

(3)

ردفه: تبعه. الصحاح (ر د ف).

(4)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 20 عن المصنف.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1673 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1673، وابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعي- من طريق عبد الله بن صالح به.

ص: 86

رمي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم المشركين بالحَصْباءِ

(1)

من يدِه حينَ رماهم: {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} . أى

(2)

لم يكنْ ذلك برميتِك، لولا الذى جعَل اللهُ فيها من نصرِك، وما أَلْقَى في صدورِ عدوِّك منها حينَ هزَمهم

(3)

.

ورُوِى عن الزُّهْريِّ فى ذلك قولٌ خلافُ هذه الأقوالِ، وهو ما حدَّثنا الحسنُ ابنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهْريِّ:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} . قال: جاء أُبيُّ بنُ خلفٍ الجُمَحيُّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعظمٍ حائلٍ، فقال: اللهُ محيى هذا يا محمدُ وهو رميمٌ؟! وهو يفتُّ العظمَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"يُحْييه اللهُ، ثم يُميتُك، ثم يُدْخِلُك النارَ". قال: فلما كان يومُ أحدٍ، قال: واللهِ لأَقتُلنَّ محمدًا إذا رأيتُه. فبلَغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"بل أنا أقتُلُه إن شاء اللهُ"

(4)

.

وأما قولُه: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} . فإن معناه: وكى يُنْعِمَ على المؤمنين باللهِ ورسولِه بالظَّفَرِ بأعدائِهم، ويَعِدَهم

(5)

ما معهم، ويَكْتُبَ

(6)

لهم أجور أعمالِهم وجهادِهم مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وذلك هو

(7)

البلاء الحسنُ رميُ اللهِ

(1)

فى ت 1، ت 2، س، ف:"بالحصى"، والحصباء: صغار الحصى. اللسان (ح ص ب).

(2)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"إن".

(3)

في م: "هزمتهم". والأثر فى سيرة ابن هشام 2/ 668، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1674 من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد عن عروة، قوله.

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 256، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1673 من طريق يونس عن ابن شهاب، أخبرنى ابن المسيب. بلفظ آخر مطولًا، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 173 من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبيه، مثل رواية ابن أبي حاتم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 175 إلى ابن المنذر.

(5)

في م: "يغنمهم".

(6)

في م: "يثبت".

(7)

سقط من: م.

ص: 87

هؤلاء المشركين، ويعنى بالبلاءِ الحسنِ: النعمةَ الحسنةَ الجميلةَ، وهى ما وصَفتُ، وما في معناه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال في قولِه:{وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} . أى ليعرِّفَ المؤمنين من نعمِه عليهم في إظهارِهم على عدوِّهم مع كثرةِ عددِهم، وقلةِ عددِهم؛ ليعرِفوا بذلك حقَّه؛ وليشكُروا بذلك نعمتَه

(1)

.

وقولُه: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . يعنى: إن اللهَ سميعٌ أيُّها المؤمنون لدعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومناشدتِه ربَّه، ومسألتِه إيَّاه إهلاكَ عدوِّه وعدوِّكم، ولقيلِكم وقيلِ جميعِ خلقِه، عليمٌ بذلك كلِّه، وبما فيه صلاحُكم، وصلاحُ عبادِه، وغيرِ ذلك من الأشياءِ، محيطٌ به، فاتقوه وأطيعوا أمرَه، وأمرَ رسولِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)} .

يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {ذَلِكُمْ} هذا الفعلُ من قتلِ المشركين ورميِهم، حتى انهزموا، وابتلاءِ المؤمنين البلاءَ الحسنَ بالظَّفَرِ بهم، وإمكانِهم من قتلِهم، وأسرِهم -فعلُنا الذي فعَلنا. {وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ}. يقولُ: واعلَموا أن اللهَ مع ذلك مُضْعِفُ كيدِ الكافرين، يعنى مكرَهم، حتى يذِلُّوا وينقادوا للحقِّ أو

(2)

يَهْلِكوا.

وفى فتحِ "أنَّ" من الوجوهِ ما فى قولِه: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ

(1)

سيرة ابن هشام 2/ 206، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1674 من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد، عن عروة قوله.

(2)

فى النسخ: "و". والمثبت ما يقتضيه السياق.

ص: 88

لِلْكَافِرِينَ} [الأنفال: 14] وقد بيَّنتُه هنالك

(1)

.

وقد اختلفتِ القرأة فى قراءةِ قوله: {مُوهِنُ} ؛ فقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ المكيين والبصريين: (مُوَهِّنُ). بالتشديدِ

(2)

من وهَّنتُ الشيءَ: ضعَّفته. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: {مُوهِنُ}

(3)

. من أَوْهنته فأنا مُوهِنُه، بمعنى: أَضْعَفتُه.

والتشديدُ في ذلك أعجبُ إليَّ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه كان يَنْقُضُ ما يُبْرِمُه المشركون لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، عقدًا بعدَ عقدٍ، وشيئا بعدَ شيءٍ، وإن كان الآخرُ وجهًا صحيحًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين الذين حاربوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ببدرٍ: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} . يعنى: إن تَسْتَحكموا اللهَ على أقطعِ الحزبين للرحم وأظلمِ الفئتين، وتَسْتَنصروه عليه، فقد جاءَكم حكمُ اللهِ ونصرُه المظلومَ على الظالمِ، والمحقَّ على المُبْطلِ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحَاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ: {إِنْ

(1)

تقدم ص 74.

(2)

قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو. ينظر السبعة في القراءات ص 304.

(3)

قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائى وأبو بكر وعاصم. السابق ص 305.

ص: 89

تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ}. قال: إن تَسْتَقضوا فقد جاءكم القضاءُ.

قال: ثنا سويدُ بنُ عمرٍو الكَلْبيُّ، عن حمادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ، عن عكرمةَ:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} . قال: إِن تَسْتَقضوا فقد جاءَكم القضاءُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} . يعنى بذلك: المشركين، إن تَسْتَنصروا فقد جاءَكم المددُ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أَخْبَرنى عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا} . قال: إن تَسْتَقضوا القضاءَ. وإنه كان يقولُ: {وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا} . قلت: للمشركين؟ قال: لا نعلَمُ إلا ذلك.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} . قال

(3)

: كفارُ قريشٍ في قولِهم: ربَّنا افتَحْ بينَنا وبينَ محمدٍ وأصحابِه. ففتَح بينَهم يومَ بدرٍ

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

(1)

ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1675 معلقا، والواحدى فى أسباب النزول ص 175، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 176 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1675 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 175 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(3)

زيادة من: م.

(4)

تفسير مجاهد ص 353، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 175 إلى عبد بن حميد.

ص: 90

مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهْريِّ:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} . قال: استفتح أبو جهلٍ، قال: اللهمَّ [أيُّنا -يعني محمدًا ونفسَه]

(1)

- كان أفجرَ بك

(2)

، اللهمَّ وأقطعَ للرحمِ، فَأَحِنْه

(3)

اليومَ. قال اللهُ: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} .

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهْريِّ فى قولِه:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} . قال: استفتح أبو جهلِ بنُ هشامٍ، فقال: اللهمَّ أيُّنا كان أفجرَ لك وأقطعَ للرحمِ، فأَحِنْه اليومَ. يعنى محمدًا عليه الصلاة والسلام ونفسَه. قال اللهُ عز وجل:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} . فضرَبه ابنا عَفْراء؛ عوفٌ ومعوَّذٌ، وأجاز

(4)

عليه ابنُ مسعودٍ

(5)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبَرنى عبدُ اللهِ بنُ ثَعْلبةَ بنِ صُعيرٍ العدويُّ حليفُ بني زُهْرةَ، أن المستفتِحَ يومَئذ أبو جهلٍ، وأنه قال حينَ التقى القومُ: أيُّنا أقطعُ للرحمِ، [وآتَى لما لا نَعْرِفُ]

(6)

، فَأَحِنْه الغداةَ، فكان ذلك استفتاحَه، فأَنْزل اللهُ في ذلك: {إِنْ

(1)

الذى في النسخ: "يعنى محمدا ونفسه أينا" بتقديم وتأخير، والمثبت أوفق للسياق.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف. وفى م:"لك". والمثبت من مصدر التخريج.

(3)

أي: أمته. من قولهم: حان الرجل: هلك. وأحانه الله. اللسان (ح) ى ن).

(4)

فى ص، ف:"أجهز". وينظر النهاية 1/ 315.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 256، وفى المصنف 5/ 347 (9725).

(6)

فى م: "آتانا بما لا يعرف".

ص: 91

تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} الآية

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} الآية. يقولُ: قد كانت بدرٌ قضاءً وعِبرةً لمن اعتبر.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان المشركون حينَ خرَجوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم من مكةَ، أخَذوا بأستارِ الكعبةِ، واستنصروا اللهَ، وقالوا: اللهمَّ انصرْ أعزَّ الجندين، وأكرمَ الفئتين، وخيرَ القبيلتين، فقال اللهُ:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} . يقولُ: قد نصرتُ ما قلتم، وهو محمدٌ صلى الله عليه وسلم

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} إلى قولِه: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} . وذلك حينَ خرَج المشركون ينظرون عِيرَهم، وإن أهلَ العِيرِ؛ أبا سفيانَ وأصحابَه أَرْسَلوا إلى المشركين بمكةَ يستنصرونهم، فقال أبو جهلٍ: أيُّنا كان خيرًا عندَك فانصره، وهو قولُه:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا} . يقولُ: تستنصروا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} . قال: إن تستفتحوا العذابَ، فعُذِّبوا يومَ بدرٍ، قال: وكان استفتاحُهم بمكةَ، قالوا:{اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32].

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1675 من طريق الليث به.

(2)

ذكره الواحدى ص 175، وابن كثير في تفسيره 3/ 573.

ص: 92

قال: فجاءهم العذابُ يومَ بدرٍ، وأَخْبرهم

(1)

عن

(2)

يومِ أحدٍ: {وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}

(3)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن مطرِّفٍ، عن عطيةَ، قال: قال أبو جهلٍ يومَ بدرٍ: اللهمَّ انصُرْ أهدى الفئتين، وخيرَ الفئتين وأفضلَ، فنزلَت:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ}

(4)

.

قال: ثنا عبد الأعلى، عن معمرٍ، عن الزّهْريِّ، أن أبا جهلٍ هو الذي استفتح يومَ بدرٍ، وقال: اللهمَّ أيُّنا كان أفجرَ وأقطعَ لرحمِه، فَأَحِنْه اليومَ، فَأَنْزل اللهُ:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ}

(5)

.

قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن ابن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ ثعلبةَ بنِ صُعَيرٍ، أن أبا جهلٍ قال يومَ بدرٍ: اللهمَّ أقطعُنا لرحمِه، وآتانا بما لا نعرِفُ، فأَحِنْه الغداةَ

(6)

. وكان ذلك استفتاحًا منه، فنزَلت:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} الآية

(7)

.

(1)

فى م: "أخبر".

(2)

زيادة من: م.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 573.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1675 من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 175 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 365 عن عبد الأعلى به.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"العذاب".

(7)

سيرة ابن هشام 1/ 628، وأخرجه ابن أبى شيبة 14/ 359، وأحمد 5/ 431، والحاكم 2/ 328 من طريق يزيد به، وأخرجه البيهقي في الدلائل 3/ 74 من طريق ابن إسحاق به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 175 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه وابن منده.

ص: 93

قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن صالحِ بنِ كَيْسانَ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ اللهِ بن ثعلبةَ بنِ صُعَيرٍ، قال: كان المستفتِحَ يومَ بدرٍ أبو

(1)

جهلٍ، قال: اللهمَّ أقطعُنا للرحمِ، وآتانا بما لا نعرِفُ، فَأَحِنْه الغداةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ}

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ مسلمٍ الزُّهْرِيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ ثعلبةَ بنِ صُعيرٍ حليفِ بني زُهْرةَ، قال: لما الْتَقى الناسُ، ودنا بعضُهم من بعضٍ، قال أبو جهلٍ: اللهمَّ أقطعُنا للرحمِ، وآتانا بما لا نَعرِفُ، فأَحِنْه الغداةَ

(3)

. فكان هو المستفتحَ على نفسِه

(4)

.

قال ابنُ إسحاقَ: فقال اللهُ: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} ؛ لقولِ أبي جهلٍ: اللهمَّ أقطعُنا للرحمِ، وآتانا لما

(5)

لا نعرِفُ، فأحنْه الغداةَ. قال: والاستفتاحُ: الإنصافُ فى الدعاءِ

(6)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن يزيدَ

(7)

بنِ رُومانَ وغيرِه: قال أبو جهلٍ يومَ بدرٍ: اللهمَّ انصُرْ أحبَّ الدِّينين إليك؛ دينِنا العتيقِ، أم دينِهم الحديثِ. فَأَنْزل اللهُ عز وجل:{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} إلى

(1)

في م: "أبا".

(2)

أخرجه النسائى فى الكبرى (11201)، والحاكم 2/ 328، والواحدى في أسباب النزول ص 174، من طريق إبراهيم به.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"العذاب".

(4)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 449 بهذا الإسناد.

(5)

في م: "بما".

(6)

سيرة ابن هشام 1/ 628، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1675 من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد عن عروة قوله.

(7)

في ف: "زيد".

ص: 94

قولِه: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} .

وأما قولُه: {وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ، فإنه يقولُ: وإن تنتُهوا يا معشرَ قريشٍ وجماعةَ الكفارِ عن الكفرِ باللهِ ورسولِه، وقتال نبيِّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، فهو خيرٌ لكم في دنياكم وآخرِتكم. {وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ}. يقولُ: وإن تعودُوا لحربِه وقتالِه وقتالِ أتباعِه المؤمنين، {نَعُدْ} أى بمثلِ الوقعةِ

(1)

التي أوْقعَتُ بكم يومَ بدرٍ.

وقولُه: {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ} . يقولُ: وإن تعودوا نَعُدْ لهلاكِكم بأيدى أوليائى وهزيمتِكم، ولن تُغنِى عنكم عندَ عَوْدى لقتلِكم بأيديهم وسبيِكم وهزمِكم - {فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ}. يعنى: جندَهم وجماعتَهم من المشركين، كما لم يُغْنوا عنهم يومَ بدرٍ مع كثرةِ عددِهم، وقلةِ عددِ المؤمنين، شيئًا. {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}. يقولُ جلَّ ذكرُه: وأن اللهَ مع من آمن به من عبادِه على من كفَر به منهم، ينصرُهم عليهم، أو يُظْهِرُهم

(2)

كما أَظْهَرهم يومَ بدرٍ على المشركين.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن أبي إسحاقَ فى قولِه:{وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} . قال: يقولُ لقريشٍ: وإن تعودُوا نَعُدْ لمثلِ الوقعةِ

(3)

التي أصابتْهم

(4)

يومَ بدرٍ: {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ

(1)

في ف، م:"الواقعة".

(2)

فى ف: "يظفرهم".

(3)

في م: "الواقعة".

(4)

في م: "أصابتكم".

ص: 95

الْمُؤْمِنِينَ} أى وإنَّ كُثْرَ عَددِكم في أنفسِكم لن

(1)

يُغنِيَ عنكم شيئًا، وأن اللهَ مع المؤمنين ينصرُهم

(2)

على من خالَفهم

(3)

.

وقد قيل: إن معنى قولِه: {وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ} : وإن تعودوا للاستفتاح نَعُدْ لفتحِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم. [وهذا القولُ لا معنى له]

(4)

؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد كان ضمِن لنبيِّه عليه الصلاة والسلام حينَ أذِن له فى حربِ أعدائِه

(5)

- إظهارَ دينِه، وإعلاءَ كلمتِه من قبلِ أن يستفتحَ أبو جهلٍ وحزبُه، فلا وجهَ لأن يُقالَ -والأمرُ كذلك-: إن تنتهُوا عن الاستفتاحِ، فهو خيرٌ لكم، وإن تعودوا نَعُدْ؛ لأن اللهَ قد كان وعَد نبيَّه صلى الله عليه وسلم الفتحَ بقولِه:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]، اسْتَفْتَح المشركون أو لم يستفتحوا.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ} : إن تستفتحوا الثانيةَ نفتَحْ لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، {وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}: محمدًا

(6)

وأصحابَه

(7)

.

واخْتَلفت القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} ؛ ففتَحها عامةُ قرأَةِ

(1)

في ص: "لمن".

(2)

في ص، ف:"انصرهم".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1676 من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد عن عروة قوله.

(4)

زيادة من: م.

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2، ف:"و".

(6)

في م: "محمد".

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم أوله في تفسيره 5/ 1676 من طريق أسباط به وأخرج آخره 5/ 1676 من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 176 إلى أبى الشيخ.

ص: 96

أهلِ المدينةِ

(1)

بمعنى: ولن تُغنيَ عنكم فئتُكم شيئًا ولو كثُرت، وأن اللهَ مع المؤمنين. فعطَف بـ "أن" على موضعِ "ولو كثُرت" كأنه قال: لكثرتِها، ولأن اللهَ مع المؤمنين. ويكونُ موضعُ "أن" حينئذٍ نصبًا على هذا القولِ.

وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن فتحَها إذا فُتحت على: {وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} ، {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} عطفًا بالأخرى على الأولى.

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين والبصريين: (وإن اللهَ) بكسرِ الألفِ على الابتداءِ

(2)

، واعتلوا بأنها في قراءة عبدِ اللهِ [(واللهُ مع المُؤمِنينَ)]

(3)

.

وأولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن كسَر "إن" على الابتداءِ

(4)

؛ لتقضِّى الخبرِ قبل ذلك عمَّا يَقْتضى قولُه: (وَإِنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ).

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه {أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما أمرَكم به، وفيما نهاكم عنه، {وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ}. يقولُ: ولا تُدْبِروا عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مخالفين أمرَه ونهيَه، {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} أمرَه إيَّاكم ونهيَه، وأنتم به مؤمنون.

كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

(1)

قرأ بها نافع وابن عامر وحفص عن عاصم. السبعة في القراءات ص 305.

(2)

قرأ بها ابن كثير وعاصم -في رواية أبي بكر- وأبو عمرو وحمزة والكسائي. ينظر السابق.

(3)

في م ومعاني القرآن 1/ 407: "وإن الله لمع المؤمنين"، وينظر كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 62، والبحر المحيط 4/ 479.

(4)

القراءتان كلتاهما صواب.

ص: 97

آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ}. أى لا تُخالفوا أمرَه وأنتم تسمَعون لقولِه وتزعُمون أنكم منه

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين باللهِ ورسولِه من أصحابِ نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا أيُّها المؤمنون في مخالفةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كالمشركين الذين إذا سمِعوا كتابَ اللهِ يُتْلى عليهم، قالوا: قد سمِعنا بآذانِنا، {وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}. يقولُ: وهم لا يعتبرون ما يسمَعون بآذانِهم، و

(2)

لا ينتفعون به لإعراضِهم عنه، وتركِهم أن يُوعوه قلوبَهم ويتدبَّروه، فجعَلهم اللهُ؛ أن

(3)

لم ينتفعوا بمواعظِ القرآنِ وإن كانوا قد سمِعوها بآذانِهم، بمنزلِة من لم يسمَعْها. يقولُ جلَّ ثناؤُه لأصحابِ رسولِه: لا تكونوا

(4)

أنتم في الإعراضِ عن أمرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وتركِ الانتهاءِ إليه، وأنتم تسمَعونه بآذَانِكم كهؤلاء المشركين الذين يسمَعون مواعظَ كتابِ اللهِ بآذَانِهم، ويقولون: قد سمِعنا وهم [عن الاستماعِ لها]

(5)

والاتعاظِ بها مُعْرِضون، كمن

(6)

لا يسمَعُها.

وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} . أى كالمنافقين

(1)

فى م: "مؤمنون". والأثر فى سيرة ابن هشام 1/ 628، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1677 من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد عن عروة قوله.

(2)

زيادة من: م.

(3)

في م: "لما".

(4)

بعده فى ت 1، ف:"كالذين".

(5)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"لاستعمالها".

(6)

في م: "لم".

ص: 98

الذين يُظهرون له الطاعةَ، ويُسِرُّون المعصيةَ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ:{وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} . قال: عاصون

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا [إسحاقُ، ثنا]

(3)

عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وللذي

(4)

قال ابنُ إسحاقَ وجهٌ، ولكنْ قولُه:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} فى سياقِ قَصصِ المشركين، ويتلوه الخبرُ عنهم بذمِّهم، وهو قولُه:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} ، فَلَأَنْ يكونَ ما بينَهما خبرًا عنهم أَوْلى من أن يكونَ خبرًا عن غيرِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إن شرَّ ما دبَّ على الأرضِ من خلقِ اللهِ عندَ اللهِ، الذين يَصْغُون

(5)

عن الحقِّ لئلا يستمعوه فيعتبروا به ويتَّعِظوا به، ويَنْكُصون عنه إن نطَقوا به، الذين لا يعقلِون عن اللهِ أمرَه ونهيَه، فيستعملوا بهما أبدانَهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

سيرة ابن هشام (1/ 669)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1677 من طريق سلمة به.

(2)

تفسير مجاهد ص 353، ومن طريقه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1677، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 176 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

سقط من: م.

(4)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الذي".

(5)

في س: "يصمون". ويصغون: يميلون. اللسان (ص غ ى).

ص: 99

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ} . قال: الدوابُّ الخلقُ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ، عن عكرمةَ، قال: وكانوا يقولون: إنا صُمٌّ بُكْمٌ عما يدعو

(2)

إليه محمدٌ، لا نسمعُه منه، ولا نُجيبُه به بتصديقٍ. فقُتِلوا جميعًا بأحدٍ، و

(3)

كانوا أصحابَ اللواءِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} . قال

(4)

: لا يتَّبِعون الحقَّ

(5)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} : وليس بالأصمِّ في الدنيا ولا بالأبكمِ، ولكنْ صمُّ القلوبِ وبُكْمُها وعُمْيُها. وقرَأ:{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}

(6)

[الحج: 46].

واخْتُلِف فى من عُنِيَ بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها نفرٌ من المشركين.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1677 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(2)

فى م: "يدعونا".

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(4)

بعده في م: "الذين".

(5)

تفسير مجاهد ص 353، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1678.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1678 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

ص: 100

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: {الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} : نفرٌ من بنى عبدِ الدارِ، لا يتَّبعون الحقَّ

(1)

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} . قال: لا يتَّبعون الحقَّ. قال: قال ابنُ عباسٍ: هم نفرٌ من بنى

(2)

عبدِ الدارِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

وقال آخرون: عُنِى بها المنافقون.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} . [أى: المنافقون الذين نهيتُكم أن تكونوا مثلَهم، بُكْمٌ عن الخيرِ، صُمٌّ عن الحقِّ]

(4)

، {لَا يَعْقِلُونَ}: لا يعرِفون ما عليهم في ذلك من [النِّقمةِ والتِّباعةِ]

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1678 من طريق أبي حذيفة به، دون قوله: نفر من بنى عبد الدار، وينظر الفتح 8/ 307.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

تفسير مجاهد ص 353، وأخرجه الفريابي -كما في الدر المنثور 3/ 76، وعنه البخارى (4646) - وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1677 من طريق ورقاء به، دون قول مجاهد، وعزاه السيوطى إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، دون قول مجاهد أيضًا.

(4)

سقط من النسخ، والمثبت من سيرة ابن هشام.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"النعمة والساعة"، وفى م:"النعمة والسعة". والمثبت من =

ص: 101

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ من قال بقولِ ابنِ عباسٍ، وأنه عُنِى بهذه الآيةِ مشركو قريشٍ؛ لأنها في سياقِ الخبرِ عنهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)} .

اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من عُنِى بهذه الآيةِ وفى معناها؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها المشركون. وقال: معناها أنهم لو رزَقهم اللهُ الفَهمَ لما

(1)

أَنْزَله على نبيِّه صلى الله عليه وسلم لم يؤمنوا به؛ لأن اللهَ قد حكَم عليهم أنهم لا يؤمنون.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ قولَه: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} : ولو أسْمَعَهم لقالوا: ائتِ بقرآنٍ غيرِ هذا. ولقالوا: لولا اجْتَبيتَها. ولو جاءهم بقرآنٍ غيرِه لتولَّوا وهم مُعْرِضون.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} . قال: لو أَسْمَعهم بعد أن يعلَمَ ألا

(2)

خيرَ فيهم، ما انتفَعوا بذلك، ولتولَّوا وهم معْرضون.

وحدَّثني به مرَّةً أخرى، فقال: لو علِم اللهُ فيهم خيرًا لأسمعهم، [ولو أسمعهم]

(3)

بعد أن

(4)

يعلَم ألا خيرَ فيهم ما نفَعهم، بعد أن نفَذ علمه بأنهم لا

= سيرة ابن هشام، والأثر فيها 1/ 669.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بما".

(2)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"لا".

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ألا".

ص: 102

ينتفعِون به

(1)

.

وقال آخرون: بل عُنى بها المنافقون. قالوا: ومعناه ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} . أى

(2)

: لأَنْفَذ لهم قولَهم الذى قالوا بألسنتِهم، ولكنَّ القلوبَ خالفت ذلك منهم، ولو خرَجوا معكم لتولَّوا وهم معرضون، [ما وفَوا]

(3)

لكم بشيءٍ

(4)

مما خرَجوا عليه

(5)

.

وأولى القولين

(6)

في تأويلِ ذلك بالصوابِ عندى ما قال ابنُ جُريجٍ وابنُ زيدٍ؛ لما قد ذكَرنا قبلُ من العلةِ، وأن ذلك ليس من صفةِ المنافقين.

فتأويلُ الآيةِ إذن: ولو علِم اللهُ فى هؤلاء القائلين [خيرًا لأَسْمَعهم]

(7)

مواعظَ القرآن وعبرَه، حتى يعقِلوا عن اللهِ عز وجل حُججَه منه، ولكنه قد علِم أنه لا خيرَ فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاءَ فهم لا يؤمنون، ولو أَفْهَمهم ذلك حتى يعلَموا ويفهَموا لتولَّوا عن اللهِ وعن رسولِه وهم معرضون عن الإيمانِ بما دلَّهم على حقيقتِه

(8)

مواعظُ الله وعبرُه وحُجَجُه، معاندون للحقِّ بعدَ العلمِ به.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1679 من طريق أصبغ عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 176 إلى أبي الشيخ.

(2)

سقط من: م، وفى ص، ت 1، ت 2، ف:"أن".

(3)

فى النسخ: "فأوفوا". والمثبت من سيرة ابن هشام.

(4)

في النسخ: "بشر". والمثبت من سيرة ابن هشام.

(5)

سيرة ابن هشام 1/ 669.

(6)

في م: "القول".

(7)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"سمعنا".

(8)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"حجته".

ص: 103

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ

(1)

قولِه: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ؛ فقال بعضُهم: معناه: اسْتَجِيبوا للهِ وللرسولِ إذا دعاكم للإيمانِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} . قال: أمَّا {يُحْيِيكُمْ} فهو

(2)

الإسلامُ، أحْيَاهم بعدَ موتِهم؛ بعدَ كفرِهم

(3)

.

وقال آخرون: للحقِّ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{لِمَا يُحْيِيكُمْ} . قال: الحقِّ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} . قال: الحقِّ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبسةُ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ

(1)

سقط من ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

في مصدر التخريج: "ففى".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1680 من طريق أحمد بن مفضل به.

(4)

تفسير مجاهد ص 353. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1679.

ص: 104

وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}. قال: للحقِّ.

وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم [إلى ما]

(1)

في القرآنِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} . قال: هو هذا القرآنُ، فيه الحياةُ والثِّقَةُ

(2)

[والنجاةُ]

(3)

والعصمةُ فى الدنيا والآخرةِ

(4)

.

وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى الحربِ وجهادِ العدوِّ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} . أى: للحربِ الذى أعزَّكم اللهُ بها بعدَ الذُّلِّ، وقوَّاكم بعدَ الضَّعْفِ، ومنعَكم بها من عدوِّكم بعدَ القهرِ منهم لكم

(5)

.

وأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: معناه: استجِيبوا للهِ وللرسولِ بالطاعةِ إذا دعاكم الرسولُ لما يُحييكم من الحقِّ. وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان

(1)

فى ت 1، ت 2، س، ف:"لما".

(2)

في م: "العفة".

(3)

سقط من: م.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1680 من طريق يزيد به.

(5)

سيرة ابن هشام 1/ 669. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1680 من طريق ابن إدريس عن ابن إسحاق. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1679 من طريق سلمة عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة من قوله. وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 176 إلى ابن إسحاق وابن أبي حاتم من قول عروة أيضًا.

ص: 105

داخلًا فيه الأمرُ بإجابتِهم

(1)

لقتالِ العدوِّ والجهادِ، والإجابةِ إذا دعاكم إلى حكمِ القرآنِ، وفى الإجابةِ إلى كلِّ ذلك حياةُ المجيبِ. أما في الدنيا، فيقالُ

(2)

: الذكرُ الجميلُ. وذلك له فيه

(3)

حياةٌ. وأما في الآخرةِ، فحياةُ الأبدِ فى الجِنانِ والخلودُ فيها.

وأما قولُ من قال: معناه: الإسلامُ. فقولٌ لا معنى له؛ لأن اللهَ قد وصفَهم بالإيمانِ بقولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} . فلا وجهَ لأن يقالَ للمؤمنِ: اسْتَجِبْ للهِ وللرسولِ إذا دعاك

(4)

إلى الإسلامِ والإيمانِ.

وبعدُ، ففيما حدَّثنا أحمدُ بنُ المقدامِ العِجْليُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ القاسمِ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: خرَج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على أُبَيٍّ وهو يُصلِّى، فدعاه:"أى أُبَيُّ". فالتفت إليه أُبَيٌّ ولم يُجِبْه، ثم إن أُبيًّا خفَّف الصلاةَ، ثم انصرَف إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: السلامُ عليك، أَيْ رسولَ اللهِ. قال:"وعليك، ما منَعك إذْ دعوتُك أن تُجيبَنى؟ " قال: يا رسولَ اللهِ، كنتُ أُصلِّى. قال: "أفلم تجِدْ فيما أُوحِيَ إِليَّ أَن

(5)

{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ؟ ". قال: بلى يا رسولَ اللهِ، لا أعودُ

(6)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلدٍ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ، عن العلاءِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: مرَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على أُبَيٍّ وهو قائمٌ يصلِّى، فصرَخ

(1)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بإجابته".

(2)

كذا في النسخ، ورجح الشيخ شاكر أن يكون صوابها:"فبقاء".

(3)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فيها".

(4)

فى ص، ت 1، ت 2، س:"دعا".

(5)

سقط من: م.

(6)

أخرجه ابن خزيمة (861) عن أحمد بن المقدام به، وأخرجه النسائى (1205 - كبرى)، والبيهقي في جزء القراءة (106) من طريق يزيد به.

ص: 106

به [فلم يُجِبْه، ثم جاء فقال]

(1)

: "يا أُبَيُّ، ما منَعك أن تُجيبَنى إذ دعوتُك، أليس اللهُ يقولُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} "؟ قال أُبَيٌّ: لا جَرَمَ يا رسولَ اللهِ، لا تدعونى إلَّا أجبتُ وإن كنتُ أُصلى

(2)

.

ما

(3)

يُبِينُ عن أن

(4)

المَعنيَّ بالآيةِ هم الذين يدعوهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى ما فيه حياتُهم بإجابتِهم

(5)

إليه من الحقِّ بعدَ إسلامِهم

(6)

؛ لأن أبيًّا كان

(7)

لا شكَّ أنه كان مسلمًا في الوقتِ الذى قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما ذكَرنا في هذين الخبرين.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)} .

اختلف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: يحولُ بينَ الكافرِ والإيمانِ، وبينَ المؤمنِ والكفرِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ الرازيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"قال".

(2)

أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 20/ 218 من طريق أبى كريب به مختصرًا، وأخرجه البيهقى 2/ 375، 376 وفي جزء القراءة (105)، والبغوى (1188) من طريق خالد بن مخلد به، وأخرجه أحمد 15/ 200 (9345)، والترمذى (2875)، وابن خزيمة (861)، وابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 21 - من طريق العلاء به.

(3)

مبتدأ تقدم خبره فى الصفحة السابقة، وسياق الكلام: وبعد ففيما حدَّثنا. . . . ما يبين.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بإجابته".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س:"إسلامه".

(7)

سقط من: م.

ص: 107

{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: بينَ الكافرِ أن يؤمنَ، وبينَ المؤمنِ أن يكفُرَ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: ثنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الله الرازيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ بنحوِه

(2)

.

حدَّثني أبو زائدةَ زكريا بنُ أبي زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ عبدِ اللهِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه.

حدَّثني أبو السائبِ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: يحولُ بينَ المؤمنِ وبينَ الكفرِ، وبينَ الكافر وبينَ الإيمانِ.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ الرازيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} : يحولُ بيَن الكافرِ والإيمانِ وطاعةِ اللهِ

(3)

قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: يحولُ بينِ المؤمنِ والكفرِ، وبينَ الكافرِ والإيمانِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ

(1)

تفسير الثورى ص 117 عن عبد الله الرازي بدون ذكر الأعمش!

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 257 دون ذكرُ عبد الله الرازي.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1680 من طريق ابن فضيل به. وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 176 إلى ابن أبي شيبة وحشيش بن أصرم فى الاستقامة وابن المنذر وأبى الشيخ. وأوله عندهم: يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصى الله.

(4)

أخرجه الحاكم 2/ 328 من طريق الأعمش به.

ص: 108

وعبدُ العزيزِ بنُ أبي روَّادٍ، عن الضحَّاكِ فى قولِه:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: يحولُ بينَ الكافرِ وطاعتِه، وبينَ المؤمنِ ومعصيتِه

(1)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاك بن مُزاحِمٍ بنحوِه.

قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: يحولُ بينَ المرءِ وبينَ أن يكفُرَ، وبينَ الكافرِ وبينَ أن يؤمنَ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبى روَّادٍ، عن الضحَّاكِ بنِ مزاحمٍ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: يحولُ بينَ الكافِرِ وبينَ طاعةِ اللهِ، وبينَ المؤمنِ ومعصيةِ اللهِ

(2)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا ابنُ أبي روَّادٍ، عن الضحَّاكِ نحوَه.

وحُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ. فذكَر نحوَه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عبدَ العزيزِ بنَ أبى روَّادٍ يحدِّثُ، عن الضحَّاكِ بنِ مُزاحمٍ في قولِه:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: يحولُ بينَ المؤمنِ ومعصيتِه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . يقولُ: يحولُ بينَ

(1)

ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1681 معلقًا.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 257.

ص: 109

المؤمنِ وبينَ الكفرِ، ويحولُ بينَ الكافرِ وبينَ الإيمانِ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . يقولُ: يحولُ بينَ الكافرِ وبينَ طاعتِه، ويحولُ بينَ المؤمنِ وبينَ معصيتِه.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحَاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: يحولُ بينَ المؤمنِ وبينَ الكفرِ، وبينَ الكافرِ وبينَ الإيمانِ

(1)

.

قال: ثنا أبي، عن ابن أبى روَّادٍ، عن الضحَّاكِ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . يقولُ: يحولُ بينَ الكافرِ وبينَ طاعتِه، وبينَ المؤمنِ وبينَ معصيتِه.

قال: ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} : يحولُ بينَ المؤمنِ والمعاصى، وبينَ الكافرِ والإيمانِ.

قال: ثنا عُبيدةُ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: يحولُ بينَه وبينَ المعاصى

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يحولُ بينَ المرءِ وعقلِه فلا يَدْرى ما يعمَلُ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا عبدُ المجيدِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: يحولُ بينَ المرءِ وعقلِه.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1681 معلقًا. وهو في تفسير الثورى ص 117 عن ليث به بلفظ: إذا حال بين المرء وقلبه هلك.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1681 معلقًا بلفظ: يحول بين المؤمن أن يكفر وبين الكافر أن يؤمن.

ص: 110

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} : حتى يترُكَه لا يعقِلُ

(1)

.

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: [هو كقولِه: حال حتى ترَكه]

(2)

لا يعقِلُ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عبيدِ اللهِ، عن حُميدٍ، عن مجاهدٍ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: إذا حال بينك وبين قلبِك كيف تعمَلُ!

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: يحولُ بينَ قلبِ الكافرِ وأن يعمَلَ خيرًا

(3)

.

وقال آخرون: معناه: يحولُ بين المرءِ وقلبِه أن يقدِرَ على إيمانٍ أو كفرٍ إلا بإذنِه.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: يحولُ بينَ

(1)

تفسير مجاهد ص 353، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1681.

(2)

في م: "هى يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه".

(3)

أخرجه البغوى في الجعديات (2239) من طريق شريك به، دون قوله: وأن يعمل خيرًا.

ص: 111

الإنسانِ وقلبِه فلا يستطيعُ أن يؤمنَ ولا يكفرَ إلا بإذنِه

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك أنه قريبٌ من قلبِه لا يَخفَى عليه شيءٌ أَظْهَره أَو أَسرَّه.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . قال: هي كقولِه: {أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}

(2)

[ق: 16].

وأولى الأقوالِ بالصوابِ عندى فى ذلك أن يقالَ: إن ذلك خبرٌ من اللهِ عز وجل أنه أملكُ لقلوبِ عبادِه منهم

(3)

، وأنه يحولُ بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدِرَ ذو قلبٍ أن يدرِكَ به شيئًا من إيمانٍ أو كفرٍ، أو أن يعىَ به شيئًا، أو أن يفهمَ، إلا بإذنِه ومشيئتِه، وذلك أن الحولَ بينَ الشيءِ والشيءِ إنما هو الحجزُ بينهما، وإذا حجَز جلَّ ثناؤُه بين عبدٍ وقلبِه في شيءٍ أن يُدْركَه أو يفهَمَه، لم يكنْ للعبدِ إلى إدراكِ ما قد منَع اللهُ قلبَه إدراكَه سبيلٌ. وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك قولُ من قال: يحولُ بينَ المؤمنِ والكفرِ، وبين الكافرِ والإيمانِ، وقولُ من قال: يحولُ بينَه وبينَ عقله. وقولُ من قال: يحولُ بينَه وبينَ قلبِه حتى لا يستطيعَ أن يؤمنَ ولا يكفرَ إلا بإذنِه؛ لأن اللهَ عز وجل إذا حال بينَ عبدٍ وقلبِه، لم يفهَمِ العبدُ بقلبِه الذي قد حِيل بينَه وبينَه ما مُنِع إدراكَه به، على ما بيَّنتُ. غيرَ أنه ينبغي أن يقالَ: إن اللهَ عمَّ بقولِه: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} . عن الخبرِ أنه يحولُ بينَ العبدِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1681 من طريق أسباط به بنحوه.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 575 عن قتادة. وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 1/ 257 عن معمر من قوله.

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"منه".

ص: 112

وقلبِه، ولم يَخْصُصْ من المعانى التى ذكَرنا شيئًا دونَ شيءٍ، والكلامُ مُحْتَمِلٌ كُلَّ هذه المعانى، فالخبرُ على العمومِ حتى يخُصَّه ما يجبُ التسليمُ له.

وأما قولُه: {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} . فإن معناه: واعلَموا أيُّها المؤمنون أيضًا مع العلم بأن اللهَ يحولُ بين المرءِ وقلبِه، أن اللهَ الذي يقدِرُ على قلوبِكم وهو أملَكُ بها منكم، إليه مصيرُكم ومرجِعُكم في القيامةِ، فيوفِّيكم جزاءَ أعمالِكم، المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه، فاتَّقوه وراقِبوه فيما أمَركم ونهاكم هو ورسولُه أن تُضيِّعوه، وألا تستجيبوا لرسولِه إذا دعاكم لما يُحييكم، فيُوجِبَ ذلك سَخَطَه، وتستحِقوا به أليمَ عذابِه حينَ تُحْشرون إليه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه: اتَّقوا أَيُّها المؤمنون {فِتْنَةً} . يقولُ: اختبارًا من اللهِ يختبِرُكم، وبلاءً يَبتليكم، {لَا تُصِيبَنَّ} هذه الفتنةُ التي حذَّرْتُكموها {الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، وهم الذين فعَلوا ما ليس لهم فعلُه، إما أجرامٌ أصابوها، وذنوبٌ بينهم وبين اللهِ رَكبوها. يحذّرُهم جلَّ ثناؤُه أن يَرْكَبوا له معصيةً، أو يأتُوا مأثمًا يستحِقُّون بذلك منه عقوبةٌ.

وقيل: إن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهم الذين عُنوا بها.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ أبى جعفرٍ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الحسنِ في قولِه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ

ص: 113

الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}. قال: نزَلت في عليٍّ وعثمانَ وطلحةَ والزُّبيرِ، رحمةُ اللهِ عليهم

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} . قال قتادةُ: قال الزُّبيرُ بنُ العوَّامِ: لقد نزَلت وما نرى أحدًا منا يقعُ

(2)

بها، ثم خُلِّفْنا

(3)

حتى

(4)

أصابتْنا خاصَّةً

(5)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا زيدُ بنُ عوفٍ أبو ربيعةَ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، عن الحسنِ أن الزبيرَ بنَ العوَّامِ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} . وما نظنُّنا أهلَها، ونحن عُنينا بها

(6)

.

قال: ثنا قبيصةُ، عن سفيانَ، عن الصَّلْتِ بن دينارٍ، عن ابنِ صُهْبانَ

(7)

، قال: سمِعت الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ يقولُ: قرأتُ هذه الآيةَ زمانًا، وما أُرانا من أهلِها، فإذا نحن المعنيُّون بها:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}

(8)

.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 177 إلى المصنف وابن المنذر. وأخرجه ابن أبي شيبة 15/ 277 من طريق عوف، عن الحسن، قال: فلان وفلان.

(2)

بعده في تفسير عبد الرزاق: "أو".

(3)

في م: "خصتنا".

(4)

في النسخ: "فى". والمثبت من تفسير عبد الرزاق.

(5)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 1/ 257 عن معمر به.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 11/ 115، وأحمد 3/ 47 (1438)، والنسائى فى الكبرى (11206)، ونعيم ابن حماد في الفتن (193)، وابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1681 من طريق الحسن به. وأخرجه أحمد 3/ 31 (1414)، والبزار (976)، وابن عساكر في تاريخه 18/ 405 من طريق مطرف، عن الزبير. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 177 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

(7)

في ف: "صهيان"، وفى م:"صبهان". وينظر تهذيب الكمال 20/ 200.

(8)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1682 من طريق قبيصة به، وأخرجه الطيالسي (189) عن =

ص: 114

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} . قال: هذه نزَلت فى أهلِ بدرٍ خاصَّةً، فأصابتْهم يومَ الجملِ فاقْتَتلوا

(1)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابنِ أبي خالدٍ، عن السُّدِّيِّ:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} . قال: أصحابُ الجملِ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} . قال: أَمَرَ اللهُ المؤمنين ألا يُقِرُّوا المنكرَ بينَ أَظْهُرِهم فيعُمَّهم اللهُ بالعذابِ

(3)

.

قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} . قال: هى أيضًا لكم

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} . قال: الفتنةُ الضلالةُ

(5)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن القاسمِ، قال: قال

= الصلت، عن عقبة بن صهبان وأبى رجاء، عن الزبير وهو فى تفسير الثورى ص 118 قال: حدَّثني من سمع عقبة بن صهبان.

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 177 إلى المصنف وأبى الشيخ.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 15/ 276 عن وكيع به. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1682 من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 177 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1682 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 177 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 578.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1681 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

ص: 115

عبدُ اللهِ: ما منكم من أحدٍ إِلَّا وهو مشتملٌ على فتنةٍ؛ إن اللهَ يقولُ: {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 28]. فليستعِذْ باللهِ من مُضِلَّات الفتنِ

(1)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ، قال: قال الزبيرُ: لقد خُوِّفْنا بها. يعنى قولَه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}

(2)

.

واختَلف أهلُ العربيةِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: تأويلُه

(3)

: اتَّقُوا فتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظلَموا. [وأما]

(4)

قولُه: {لَا تُصِيبَنَّ} . ليس بجوابٍ، ولكنه نهيٌ بعدَ أمرٍ

(5)

، ولو كان جوابًا ما دخَلت النونُ.

وقال بعضُ نحويى الكوفةِ

(6)

: قولُه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا} . أمرهم ثم نهاهم، وفيه

(7)

طَرَفٌ من الجزاءِ وإن كان نهيًا. قال: ومثلُه قولُه: {يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ} [النمل: 18]. أمَرهم ثم نهاهم، وفيه تأويلُ الجزاءِ. وكأن معنى الكلامِ عنده: اتقوا فتنةً إن لم تتقوها أصابتْكم.

وأما قولُه: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} . فإنه تحذيرٌ من اللهِ ووعيدٌ لمن واقَع الفتنةَ التى حذَّره إيَّاها بقولِه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً} . يقولُ: اعلَموا أَيُّها

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1685 من طريق المسعودى به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 178 إلى أبى الشيخ.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 577 عن المصنف.

(3)

سقط من: م.

(4)

سقط من: م.

(5)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"نهى".

(6)

هو الفراء فى معاني القرآن 1/ 407.

(7)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"منه"، وفى م:"منكم". والمثبت من معاني القرآن.

ص: 116

المؤمنون أن ربَّكم شديدٌ عقابُه لمن افْتَتن بظلمِ نفسِه وخالَف أمرَه فأثِم به.

‌القول في تأويلِ قولِه: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)} .

وهذا تذكيرٌ من اللهِ عز وجل أصحابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ومناصحةٌ

(1)

. يقولُ أطيعوا اللهَ ورسولَه أيُّها المؤمنون، واستجِيبوا له إذا دعاكم لما يُحييكم، ولا تخالِفوا أمرَه وإن أمرَكم بما فيه عليكم المشقّةُ والشدّةُ، فإن اللهَ مُهوِّنُه

(2)

عليكم بطاعتِكم إيَّاه، ومُعجِّلٌ

(3)

لكم منه ما تُحِبُّون، كما فعَل بكم إذ آمنتُم به واتَّبَعْتُموه وأنتم قليلٌ يَسْتَضْعفُكم الكفارُ فيفتِنُونكم

(4)

عن دينِكم، وينالُونكم

(5)

بالمكروهِ في أنفسِكم وأعراضِكم، تخافون منهم أن يتخطَّفوكم فيقتُلوكم، ويَصْطَلِموا جميعَكم، {فَآوَاكُمْ}. يقولُ: فجعَل لكم مَأْوًى تأوون إليه منهم، {وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ}. يقولُ: وقوَّاكم بنصرِه عليهم حتى قتَلتم منهم من قتَلتم يبدرٍ، {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ}. يقولُ: وأَطْعَمكم غنيمتَهم حلالًا طيِّبًا، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. يقولُ: لكى تشكُروا

(6)

على ما رزَقكم

(7)

وأَنْعَم به عليكم من ذلك وغيرِه من نعمِه عندَكم.

واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى {النَّاسُ} الذين عُنوا بقولِه: {أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ

(1)

فى ص: "مناصحيه"، وفى ت 1، ت 2، س:"مناصحته".

(2)

في م: "يهونه".

(3)

فى م: "يعجل".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فيفتنوكم".

(5)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ينالوكم".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"تشكرون".

(7)

بعده فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"من ذلك".

ص: 117

النَّاسُ}؛ فقال بعضُهم: كفارُ قريشٍ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه:{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} . قال: يعنى بمكةَ، مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ومن تبِعه من قريشٍ وحلفائِها ومواليها قبلَ الهجرةِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكَلْبيِّ، أو قتادةَ، أو كلاهما

(1)

: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ} : إنها نزَلت في يومِ بدرٍ، كانوا يومَئذٍ يخافون أن يتخطَّفَهم الناسُ، فآواهم اللهُ وأيَّدهم بنصرِه

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه.

وقال آخرون: بل عُنِى به غيرُ

(3)

قريشٍ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرني أبي، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ في قولِه عز وجل: {تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ

(1)

فى م: "كليهما".

(2)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 1/ 258 عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1682 من طريق محمد ابن عبد الأعلى به. وفيه: عن قتادة، أو رجل نسيه أو كلاهما.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

ص: 118

النَّاسُ}. قال: فارسُ

(1)

.

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ - وقرَأ:{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} : والناسُ إذ ذاك فارسُ والرومُ

(2)

.

قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ} . قال: كان هذا الحىُّ من العربِ أذلَّ الناسِ ذُلًّا، وأشقاه عيشًا، وأجوعَه بطونًا

(3)

، وأعراه جلودًا، وأبينَه ضلالًا

(4)

، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومَن مات منهم رُدِّى فى النارِ، يُؤْكَلون ولا يأكُلون، واللهِ ما نعلَمُ قبيلًا من حاضرِ

(5)

أهلِ الأرضِ يومَئذٍ كانوا أشرَّ منهم منزلًا، حتى جاء اللهُ بالإسلامِ، فمكّن به في البلادِ، ووسَّع به فى الرزقِ، وجعَلكم به ملوكًا على رقابِ الناسِ، فبالإسلامِ أَعْطَى اللهُ ما رأيتم، فاشكُروا [لله نعمتَه]

(6)

، فإن ربَّكم مُنْعِمٌ يحِبُّ الشكرَ، وأهلُ الشكرِ في مزيدٍ من اللهِ تبارك وتعالى.

وأولى القولين فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بذلك مشركو قريشٍ؛ لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسِهم قبلَ الهجرةِ من غيرهم؛ لأنهم كانوا أدنى الكفارِ منهم إليهم، وأشدَّهم عليهم يومَئذٍ، مع كثرةِ عددِهم، وقلِة عددِ

(1)

تفسير عبد الرزاق 12/ 258 وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 177 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1683 من طريق إسماعيل به.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بطنًا".

(4)

لم يرد فى هذا الأثر موضع الشاهد على الترجمة وهو قوله -كما تقدم في 5/ 659 - : مَكْعومين على رأس حجر بين الأسدين فارس والروم.

(5)

بعده فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"من".

(6)

في م: "الله على نعمه".

ص: 119

المسلمين.

وأما قولُه: {فَآوَاكُمْ} . فإنه يعنى: آواكم المدينةَ. وكذلك قولُه: {وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ} : بالأنصارِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{فَآوَاكُمْ} . قال: إلى الأنصارِ بالمدينةِ، {وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ}: وهؤلاءِ أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أيَّدهم بنصرِه يومَ بدرٍ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عكرمةَ:{فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} : يعنى المدينةَ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين باللهِ ورسولِه من أصحابِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه {لَا تَخُونُوا اللَّهَ} . وخيانتُهم اللهَ ورسولَه كانت بإِظهارِ مَن أَظْهَر منهم لرسولِ اللهِ-صلى الله عليه وسلم والمؤمنينَ الإيمانَ فى الظاهرِ والنصيحةَ، وهو يستسِرُّ الكفرَ والغِشَّ لهم فى الباطنِ، يَدُلُّون المشركين على عَوْرتِهم، ويخبِرونهم بما خفِي عنهم من خبرِهم

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1683 من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 177 إلى أبي الشيخ.

(2)

في م: "بالمدينة".

ص: 120

وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من نزَلت هذه الآيةُ وفى السببِ الذي نزَلت فيه؛ فقال بعضُهم: نزَلت في منافقٍ كتَب إلى أبي سفيانَ يُطْلِعُه على سرِّ المسلمين.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ بنُ بشرِ بنِ معروفٍ، قال: ثنا شَبَابةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنا محمدٌ

(1)

المُحْرِمُ، قال: لقيتُ عطاءَ بنَ أبي رَباحٍ فحدَّثني، قال: ثني جابرُ بنُ عبدِ اللهِ أن أبا سفيانَ خرَج من مكةَ، فأتى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أبا سفيانَ في مكانِ كذا وكذا. فقال النبىُّ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: "إن أبا سفيانَ في مكان كذا وكذا، فاخرُجوا إليه واكتُموا". قال: فكتَب رجلٌ من المنافقين [إلى أبي سفيانَ أن محمداً]

(2)

يريدُكم فخُذوا حِذْرَكم. فأنْزَل اللهُ عز وجل: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ}

(3)

.

وقال آخرون: بل نزَلت في أبي لُبابةَ، للذى

(4)

كان من أمرِه وأمرِ بنى قُريظةَ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزُّهْرىِّ قولَه:{لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} . قال: نزَلت في أبي لُبابةَ، بعَثه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فأشار إلى حلقِه أنه الذبحُ. قال الزُّهْرىُّ: فقال أبو لُبابةَ: لا واللهِ، لا أذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ أو يتوبَ اللهُ علىَّ. قال: فمكَث سبعةَ أيامٍ لا

(1)

بعده فى م: "بن". وينظر الجرح والتعديل 8/ 19.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"أن النبي صلى الله عليه وسلم".

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 178 إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ، وذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 582 عن المصنف ثم قال: هذا حديث غريب جدا، وفي سنده وسياقه نظر.

(4)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الذي".

ص: 121

يذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى خرَّ مغشيًّا عليه، ثم تاب اللهُ عليه، فقيل له: يا أبا لُبابةَ قد تيب عليك. قال: واللهِ لا أحُلُّ نفسى حتى يكونَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هو الذي يحُلُّني. فجاءه فحلَّه بيدِه، ثم قال أبو لُبابةَ: إن من توبتي أن أهجُرَ دارَ قومى التي أصبتُ فيها

(1)

الذنبَ، وأن أنخلِعَ من مالي، قال: "يُجزئك الثلثُ أن تصدَّقَ به

(2)

".

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابنِ عُيينةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، قال: سمِعت عبدَ اللهِ بنَ أبي قتادةَ يقولُ: نزَلَت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} في أبي لُبابةَ

(3)

.

وقال آخرون: بل نزَلت فى شأنِ عثمانَ رضي الله عنه.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يونسُ بنُ الحارثِ الطائفيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيْدِ

(4)

اللهِ بن عونٍ الثقفىُّ، عن المغيرةِ بن شعبةَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ فى قتلِ عثمانَ رضي الله عنه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} . الآية

(5)

.

وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ نهى المؤمنين عن خيانتِه

(1)

في م: "بها".

(2)

سيأتى تخريجه في 11/ 657.

(3)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (987 - تفسير)، وابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1684 من طريق سفيان به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 178 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(4)

فى ص، ف، م:"عبد". والمثبت من تفسير ابن كثير، وينظر الجرح والتعديل 8/ 1.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 581 عن المصنف. ويونس بن الحارث ضعيف، ولو صح فالمراد أن ذلك نوع خيانة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقتل عثمان رضي الله عنه كان بعد نزول القرآن.

ص: 122

وخيانةِ رسولهِ وخيانةِ أمانتِه، وجائزٌ أن تكونَ نزَلت في أبي لُبابةَ، وجائزٌ أن تكونَ نزَلت في غيرِه، ولا خبرَ عندَنا بأىِّ ذلك كان يجبُ التسليمُ له بصحتِه، فمعنى الآيةِ وتأويلُها ما قدَّمنا ذكرَه.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} . قال: نهاهم

(1)

أن يخونوا اللهَ والرسولَ كما صنَع المنافقون

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} الآية. قال: كانوا يسمَعون من النبىِّ الله صلى الله عليه وسلم الحديثَ فيُفْشُونه حتى يبلُغَ المشركين.

واخْتَلفوا في تأويلِ قولِه: {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ؛ فقال بعضُهم: لا تخونوا اللهَ والرسولَ، فإن ذلك خيانةٌ لأماناتِكم

(3)

وهلاكٌ لها.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} : فإنهم إذا خانوا اللهَ والرسولَ فقد خانوا أماناتِهم.

(1)

سقط من: ت 1، وفى ص، م، ت 2، س:"نهاكم".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1684 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"لأمانتكم".

ص: 123

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: لا تُظهِروا للهِ من الحقِّ ما يَرْضَى به منكم، ثم تخالِفوه فى السرِّ إلى غيرِه، فإن ذلك هلاكٌ لأماناتِكم، وخيانةٌ لأَنفُسِكم

(1)

.

فعلى هذا التأويلِ، قولُه:{وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} . في موضعِ نصبٍ على الصرفِ

(2)

، كما قال الشاعرُ

(3)

:

لا تَنَه عن خُلُقٍ وتأتىَ مثلَهُ

عارٌ عليكَ إِذَا فعَلتَ عظيمُ

ويُرْوى: وتأتِى مثلَه.

وقال آخرون: معناه: لا تخونوا اللهَ والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكم وأنتم تعلَمون.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} . يقولُ: لا تخونوا. يعنى: لا تَنْقُصوها.

فعلى هذا، التأويلُ

(4)

: لا تخونوا اللهَ والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكم.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 662. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1684 من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد، عن عروة من قوله.

(2)

فى ص: "الطرف". وفى م، ت 1، ت 2، س، ف:"الظرف". والمثبت هو الصواب. وينظر تعريف المصنف للصرف فى 6/ 92، وينظر أيضا 1/ 608.

(3)

تقدم البيت وتخريجه في 1/ 608.

(4)

بعده في ص، ت 1، ف:"قوله".

ص: 124

واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى معنى الأمانةِ التي ذكَرها اللهُ فى قولِه: {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} ؛ فقال بعضُهم: هى ما يخفى عن أعينِ الناسِ من فرائضِ اللهِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} : والأمانةُ: الأعمالُ التي أمِن اللهُ عليها العبادَ، يعنى الفريضةَ. يقولُ: ولا تخونوا. يعنى: لا تَنْقُصوها.

حدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ} . يقولُ: بتركِ فرائضِه، {وَالرَّسُولَ}. يقولُ: بتركِ سنتِه

(1)

وارتكابِ معصيتِه. قال: وقال مرَّةً أخرى: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} : والأمانةُ: الأعمالُ. ثم ذكَر

(2)

نحوَ حديث المثنى

(3)

.

وقال آخرون: معنى الأماناتِ هاهنا الدِّينُ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} : دينَكم {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} . قال: قد فعَل ذلك المنافقون، وهم يعلَمون أنهم كفارٌ، يُظْهِرون الإيمانَ. وقرَأ: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا

(1)

في ص، م، ف:"سننه".

(2)

سقط من: م.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1683، 1684 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 178 إلى ابن المنذر.

ص: 125

كُسَالَى} [النساء: 142]. الآية. قال: هؤلاء المنافقون، اتَّمنَهم

(1)

اللهُ ورسولُه على دينِه فخانوا، أَظْهروا الإيمانَ وأسرُّوا الكفرَ

(2)

.

فتأويلُ الكلامِ إذن: يا أيُّها الذين آمَنوا لا تَنْقُصوا اللهَ حقوقَه عليكم من فرائضِه، ولا رسولَه من واجبِ طاعتِه عليكم، ولكن أطِيعوهما فيما أمراكم به ونهياكم عنه، لا تَنْقُصوهما، {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ}: وتَنْقُصوا أديانَكم وواجبَ أعمالِكم ولازمَها لكم، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنها لازمةٌ عليكم

(3)

، واجبةٌ بالحججِ التي قد ثبَتَتْ للهِ عليكم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين: واعْلَموا أيُّها المؤمنون أنما أموالُكم

(4)

التي خوَّلكموها اللهُ، وأولادُكم التى وهَبها اللهُ لكم، اختبارٌ وبلاءٌ أعطاكموها؛ ليختبِرَكم بها ويبتليَكم لينظُرَ كيف أنتم عاملون من أداءِ حقِّ اللهِ عليكم فيها، والانتهاءِ إلى أمرِه ونهيهِ فيها، {وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. يقولُ: واعْلَموا أن اللهَ عندَه خيرٌ وثوابٌ عظيمٌ، على طاعتِكم إيَّاه فيما أمرَكم ونهاكم في أموالِكم وأولادِكم، التي اختبركم بها في الدنيا، وأطيعوا اللهَ فيما، كلَّفكم فيها تنالوا به الجزيلَ من ثوابِه فى مَعادِكم.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا المسعودىُّ، عن القاسمِ، عن

(1)

في م: "أمنهم".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1685 من طريق أصبغ، عن ابن زيد إلى قوله: يظهرون الإيمان.

(3)

بعده فى م: "و".

(4)

بعده فى ص، ت 1، ت 2:"لا".

ص: 126

عبدِ الرحمنِ، عن ابن مسعودٍ في قولِه:{أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} . قال: ما منكم من

(1)

أحدٍ إلَّا [وهو مشتمِلٌ]

(2)

على فتنةٍ، فمن استعاذ منكم، فليستعِذْ باللهِ من مُضلَّاتِ الفتنِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} . قال: {فِتْنَةٌ} : الاختبارُ؛ اختبارُهم. وقرَأ: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}

(4)

[الأنبياء: 35].

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، إن تَتَّقوا اللهَ بطاعتِه وأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه، وتركِ خيانتِه وخيانةِ رسولِه وخيانةِ أماناتِكم، {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}. يقولُ: يجعَلْ لكم فَصْلًا وفَرْقًا بين حقِّكم وباطلِ من يَبْغِيكم السوءَ من أعدائِكم المشركين، بنُصرتِه

(5)

إيَّاكم عليهم، وإعطائِكم الظُّفَرَ بهم، {وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}. يقولُ: ويمحو عنكم ما سلَف من ذنوبِكم بينكم وبينه، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ}. يقولُ: ويغطِّيها فيسترُها عليكم، فلا يؤاخذُكم بها، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. يقولُ: واللهُ الذى يفعلُ ذلك بكم، له الفضلُ العظيمُ عليكم وعلى غيرِكم من خلقِه بفعلِه

(1)

سقط من ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"مشتملًا".

(3)

تقدم تخريجه في ص 116.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1685 من طريق أصبغ، عن ابن زيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 178 إلى أبي الشيخ.

(5)

في م: "بنصره".

ص: 127

ذلك وفعلِ أمثالِه، وإنَّ فعلَه جزاءٌ منه لعبدِه

(1)

على طاعتِه إيَّاه؛ لأنه الموفِّقُ عبدَه لطاعتِه التي اكتسَبها، حتى استحقَّ من ربِّه الجزاءَ الذي وعَده عليها.

وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى العبارةِ عن تأويلِ قولهِ: {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ؛ فقال بعضُهم: مخرجًا.

وقال بعضُهم: نجاةً.

وقال بعضُهم: فَصْلًا

(2)

.

وكلُّ ذلك متقاربُ المعنى وإن اخْتَلفت العباراتُ عنها، وقد بيَّنت صحةَ ذلك فيما مضَى قبلُ بما أَغْنى عن إعادتِه

(3)

.

‌ذكرُ من قال: معناه المخرجُ

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} . قال: مخرجًا

(4)

.

قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} . قال: مخرجًا

(5)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ:{فُرْقَانًا} : مخرجًا.

(1)

فى ص، ت 1، ت 2، س:"لعبيده".

(2)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"نصرًا".

(3)

ينظر ما تقدم في 1/ 94، 95.

(4)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (989 - تفسير) عن جرير به.

(5)

تفسير الثورى ص 118.

ص: 128

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فُرْقَانًا} . قال: مخرجًا في الدنيا والآخرةِ

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا هانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجَّاجٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ:{فُرْقَانًا} . قال: الفرقانُ المخرجُ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{فُرْقَانًا} . يقولُ: مخرجًا

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{فُرْقَانًا} : مخرجًا

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ البصرىُّ، قال: ثنا زائدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاك:{فُرْقَانًا} . قال: مخرجًا

(4)

.

حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ قال: سمِعت عُبيدًا يقولُ: سمِعتُ الضحَّاك يقولُ: {فُرْقَانًا} : مخرجًا.

(1)

تفسير مجاهد ص 354، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 179 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1686 من طريق أبي صالح به.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 258، وليس فيه: عن منصور.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1686 معلقًا.

ص: 129

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حُميدٌ، عن زُهيرٍ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، قال: الفرقانُ المخرجُ

(1)

.

‌ذكرُ من قال: معناه النجاةُ

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ:{إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} . قال: نجاةً

(2)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ فى قولِه:{يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} . قال عكرمةُ: المخرجُ. وقال مجاهدٌ: النجاةُ.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} . قال: نجاةً

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ:{يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} . يقولُ: يجعَلْ لكم نجاةً

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} أي: نجاةً.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1686 معلقًا.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 179 إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1686 من طريق أسباط به.

(4)

عزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 179 إلى ابن المنذر، وذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1686 معلقًا.

ص: 130

‌ذكرُ من قال: فصلًا

. . . . . . . . . . . . . .

(1)

{إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} .

قال: فرقانًا يَفْرُقُ في قلوبِهم بين الحقِّ والباطلِ حتى يعرِفوه ويهتدُوا بذلك الفرقانِ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ، أي: فصلًا بين الحقِّ والباطلِ، يُظهِرُ به حقَّكم، ويُطْفِئُ

(2)

به باطلَ مَن خالفكم

(3)

.

والفرقانُ فى كلامِ العربِ مصدرٌ من قولِهم: فرَقتُ بينَ الشيءِ والشيءِ، أفرُق بينهما فَرْقًا [وفُروقًا]

(4)

وفُرْقانًا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم مذكِّرَه نعمه عليه: واذْكُرْ يا محمدُ إذ يمكُرُ بك الذين كفَروا من مشركي قومِك كي يُثْبِتُوك.

واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {لِيُثْبِتُوكَ} فقال بعضُهم: معناه: ليُقَيِّدوك.

(1)

سقط إسناد هذا الأثر من النسخ التي بين أيدينا، وقد جاء الكلام متصلا فى م، ت 1، ت 2، س، ف، ومكان الإسناد بياض في ص.

(2)

في م: "يخفى".

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 669، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1686 من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد، عن عروة قوله.

(4)

سقط من: م.

ص: 131

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} . يعني: ليُوثِقوك

(1)

.

قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{لِيُثْبِتُوكَ} : ليُوثِقوك.

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} الآية. يقولُ: ليشدُّوك وَثاقًا، وأرادوا بذلك نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يومَئذٍ بمكةَ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ومِقْسمٍ، قالا: قالوا: أَوْثِقوه بالوَثاقِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{لِيُثْبِتُوكَ} . قال: الإثباتُ هو الحبسُ والوَثاقُ

(2)

.

وقال آخرون: بل معناه: الحبسُ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1688 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 180 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1688 من طريق أسباط به.

ص: 132

سألتُ عطاءً عن قولِه: {لِيُثْبِتُوكَ} . قال: يَسْجُنوك. وقالها عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ

(2)

: قالوا: اسْجُنوه.

وقال آخرون: بل معناه: ليسحَروك

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ البصرىُّ المعروفُ بالوَساوِسىِّ، قال: ثنا عبدُ المجيدِ بنُ أبى روَّادٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عبيدِ بنِ عُميرٍ، عن

(4)

المُطَّلِبِ بنِ أبى وَداعةَ، أن أبا طالبٍ قال لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ما يأتمرُ به قومُك؟ قال: "يريدون أن يسحَرونى ويقتُلوني ويُخرجونى". فقال: من أَخْبَرك هذا

(5)

؟ قال: "ربي". قال: نِعْم الربُّ ربُّك، فاستوصِ به خيرًا. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أنا أَسْتَوْصِى به؟ بل هو يَسْتَوْصِي بي خيرًا". فنزَلت: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} الآية

(6)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال عطاءٌ: سمِعت عبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: لما ائْتَمَروا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ليقتُلوه أو يُثْبِتوه أو

(7)

يُخْرِجوه، قال له أبو طالبٍ: هل تَدْرِى ما ائتمَروا بك؟ قال: "نعم". قال: فأَخْبَره. قال: من أَخْبَرك؟ قال: "ربِّى". قال: نعْمَ الربُّ ربُّك، استوصِ به خيرًا. قال: "أنا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1688 من طريق حجاج به.

(2)

بعده في ص، ف:"في قوله".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يسحروك".

(4)

في النسخ: "بن"، وينظر تهذيب الكمال 19/ 223، 28/ 86.

(5)

في م: "بهذا".

(6)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 179 إلى المصنف.

(7)

في ص، ت 2، س:"و".

ص: 133

أَسْتَوْصِى به أو هو يَسْتَوْصِي بي؟ "

(1)

.

وكان معنى مَكْرِ قومِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم به ليُثْبِتوه كما حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُموىُّ، قال: ثني أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: وحدَّثنى الكَلْبِيُّ، عن باذانَ

(2)

مَوْلى أمِّ هانئٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن نفرًا من قريشٍ من أشرافِ كلِّ قبيلةٍ، اجْتمعوا ليدخُلوا دارَ الندوةِ، فاعترَضهم إبليسُ في صورةِ شيخٍ جليلٍ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخٌ من نَجْدٍ، سمِعْتُ أنكم اجْتَمعتم، فأردتُ أن أحضُرَكم ولن يعدَمَكم منى رأىٌ ونصحٌ. قالوا: أجلْ، ادخُلْ. فدخَل معهم، فقال: انظُروا

(3)

شأنَ هذا الرجلِ، واللهِ ليُوشِكنَّ أن يواثبَكم

(4)

في أمورِكم بأمرِه. قال: فقال قائلٌ: احْبِسوه في وَثاقٍ، ثم تربَّصوا به ريبَ

(5)

المنونِ حتى يَهْلِكَ كما هلَك من كان قبلَه من الشعراءِ؛ زهيرٌ والنابغةُ، إنما هو كأحدِهم. قال: فصرَخ عدوُّ اللهِ الشيخُ النَّجْدىُّ، فقال: واللهِ ما هذا لكم برأيٍ، واللهِ [ليُخْرِجَنَّه ربُّه]

(6)

من مَحْبِسِه إلى أصحابِه، فليُوشِكُنَّ أن يَثِبوا عليه حتى يأَخُذوه من أيديكم فيمنَعوه منكم، فما آمنُ عليكم أن يُخرجوكم من بلادِكم. قالوا: فانظُروا في غيرِ هذا. قال: فقال قائلٌ: أَخْرِجوه من بينِ أظهرِكم تستريحوا منه، فإنه إذا خرَج لن يضرَّكم ما صنَع وأين وقَع، إذا غاب عنكم أذاه

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1688 من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 179 إلى سنيد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

فى النسخ، والدلائل للبيهقى:"زاذان". وينظر ما تقدم في 9/ 88.

(3)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"إلى"

(4)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يواتيكم".

(5)

زيادة من: م.

(6)

كذا في النسخ، وفى سيرة ابن هشام:"ليخرجن أمره"، وفى تاريخ المصنف، ودلائل أبي نعيم:"لخرج أمره". وفى تفسير ابن أبي حاتم، والدر المنثور:"ليخرجن رأيه".

ص: 134

واسترحتم، وكان أمرُه فى غيرِكم. فقال الشيخُ النَّجْدىُّ: واللهِ ما هذا لكم برأىٍ، ألم تروا حلاوةَ قولِه، وطلاقةَ لسانهِ، وأخْذَ القلوبِ ما تسمَعُ من حديثِه، واللهِ لئن فعَلتم ثم استعرض العربَ، لتجتمعَنَّ عليكم، ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرِجَكم من بلادِكم ويقتُلَ أشرافَكم. قالوا: صدَق واللهِ، فانظُروا رأيًا غيرَ هذا. قال: فقال أبو جهلٍ: واللهِ لأُشيرنَّ عليكم برأىٍ ما أراكم أبصرتُموه بعدُ، ما أرى غيرَه. قالوا: وما هو؟ قال: نأخُذُ من كلِّ قبيلةٍ غلامًا وسيطًا

(1)

شابًا نهْدًا

(2)

، ثم يُعْطَى كلُّ غلامٍ منهم سيفًا صارمًا، ثم يضرِبونه

(3)

ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فإذا قتَلوه تفرَّق دمُه في القبائلِ كلِّها، فلا أظنُّ هذا الحىَّ من بنى هاشمٍ يقدِرون على حربِ قريشٍ كلِّها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبِلوا العَقْلَ

(4)

واسترَحنا، وقطَعنا عنَّا أذاه. فقال الشيخُ النَّجْدىُّ: هذا واللهِ الرأىُ، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيرَه. قال: فتفرَّقوا على ذلك وهم مُجْمِعون له. قال: فأتى جبريلُ النبىَّ صلى الله عليه وسلم فأمَره ألا يبيتَ في مضجعِه الذي كان يبيتُ فيه تلك الليلةَ، وأذِن اللهُ له عندَ ذلك بالخروجِ، وأَنْزَل عليه بعد قدومِه المدينةَ "الأنفالَ" يُذَكِّرُه نعمَه عليه، وبلاءَه عندَه:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} . وأَنْزَل في قولِهم: تَرَبَّصوا به رَيْبَ المنونِ حتى يَهْلِكَ كما هلَك من كان قبلَه من الشعراءِ: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: 30]. وكان يُسمَّى ذلك اليومُ يومَ الزحمةِ. للذى اجتمعوا عليه من الرأيِ

(5)

.

(1)

فى م: "وسطًا". والوسيط: الحسيب في قومه. النهاية 5/ 184.

(2)

النهد: القوى الضخم. النهاية 5/ 135.

(3)

في ص: "يضربوه"، وفى ت 1:"يضربه"، وفى ت 2، س، ف:"نضربه".

(4)

العقل: الدية. الصحاح (ع ق ل).

(5)

سيرة ابن هشام 1/ 480.=

ص: 135

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ومِقْسمٍ في قولِه:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} . قالا: تشاوروا فيه ليلةً وهم بمكةَ، فقال بعضُهم: إذا أصبح فأوثِقوه بالوَثاقِ. وقال بعضُهم: بل اقتُلوه. وقال بعضُهم: بل أَخْرِجوه. فلما أصبحوا رأوا عليًّا رضي الله عنه، فردَّ اللهُ مكرَهم

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرني أبي، عن عكرمةَ، قال: لما خرَج النبىُّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ إلى الغارِ، أمَر علىَّ بنَ أبي طالبٍ فنام فى مضجَعِه، فبات المشركون يحرُسونه، فإذا رأوه نائمًا حسِبوا أنه النبىُّ صلى الله عليه وسلم فترَكوه، فلما أصبَحوا ثاروا إليه وهم يحسَبون أنه النبىُّ صلى الله عليه وسلم، فإذا هم بعلىٍّ، فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أَدْرى. قال: فركِبوا الصَّعْبَ والذَّلولَ في طلبِه

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، قال: أخبَرنى عثمانُ الجَزَرىُّ

(3)

، أن مِقْسمًا مولى ابنِ عباسٍ أَخْبَره، عن ابنِ عباسٍ في قولِه:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} . قال: تشاورت قريشٌ ليلةً بمكةَ، فقال بعضُهم: إذا أصبح فأثبِتوه بالوَثاقِ. يريدون النبيَّ صلى الله عليه وسلم. وقال بعضُهم: بل اقتُلوه. وقال بعضُهم: بل أَخْرِجوه. فَأَطْلَع اللهُ نبيَّه على ذلك، فبات علىٌّ رضي الله عنه

= وأخرجه البيهقى فى الدلائل 2/ 468 من طريق سعيد بن يحيى الأموى به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1686 من طريق يحيى بن سعيد الأموى، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي ليلى، عن مجاهد، عن ابن عباس. وأخرجه المصنف فى تاريخه 2/ 370، وأبو نعيم فى الدلائل (154)، من طريق سلمة عن ابن إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 179 إلى ابن المنذر.

(1)

أخرجه عبد الرزاق 1/ 258 في تفسيره عن معمر عن قتادة، وعن عثمان الجزرى عن مقسم.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 259.

(3)

في م: "الجريرى". وينظر الجرح والتعديل 6/ 174.

ص: 136

على فراشِ النبىِّ صلى الله عليه وسلم تلك الليلةَ، وخرَج النبىُّ صلى الله عليه وسلم حتى لحِق بالغارِ، وبات المشركون يحرُسون عليًّا، يحسَبون أنه النبىَّ صلى الله عليه وسلم، فلما أصبَحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليًّا رضي الله عنه، ردَّ اللهُ مكرَهم، فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أَدْرِى. فاقتصُّوا أَثَرَه، فلما بلَغوا الجبلَ ومرُّوا بالغارِ، فرأوا على بابِه نَسْجَ العنكبوتِ، قالوا: لو دخَل هاهنا لم يكنْ نسجٌ على بابِه. فمكَث فيه ثلاثًا

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} . قال: اجتمَعت مشيخةُ قريشٍ يتشاورون في النبىِّ صلى الله عليه وسلم بعدَما أَسْلَمت الأنصارُ، وفرِقوا أن يتعالى أمرُه إذ وجَد ملجأً لجأ إليه. فجاء إبليسُ فى صورةِ رجلٍ من أهلِ نَجْدٍ، فدخَل معهم فى دارِ الندوةِ، فلما أنْكَروه قالوا: من أنت، فواللهِ ما كلُّ قومِنا أعلمناهم مجلسَنا هذا؟ قال: أنا رجلٌ من أهلِ نجدٍ أسمَعُ من حديثِكم وأُشيرُ عليكم. فاستحْيُوا فخلَّوا عنه، فقال بعضُهم: خُذوا محمدًا إذا اضْطجَع

(2)

على فراشِه، فاجعَلوه في بيتٍ نتربَّصُ به رَيْبَ المنونِ -والرَّيبُ هو الموتُ، والمَنونُ هو الدهرُ- قال إبليسُ: بئسما قلت، تجعَلونه في بيتٍ فيأتي أصحابُه فيخرجونه، فيكونُ بينكم قتالٌ؟ قالوا: صدَق الشيخُ. قال: أخرِجوه من قريتِكم. قال إبليسُ: بئسما قلت، تُخرِجونه من قريتِكم وقد أَفْسَد سفهاءَكم، فيأتى قريةً أُخرى فيفسدُ سفهاءَهم، فيأتيكم بالخيلِ والرجالِ؟ قالوا: صدَق الشيخُ. قال أبو جهلٍ -وكان أولاهم بطاعةِ إبليسَ-: بل نعمِدُ إلى كلِّ بطنٍ من بطونٍ قريشٍ

(1)

أخرجه أحمد 5/ 301 (3251)، والخطيب في تاريخ بغداد، 13/ 191، والطبراني (12155) من طريق عبد الرزاق به. وهو في تفسير عبد الرزاق 1/ 258، والمصنف 5/ 389 تحت (9743) لكن عن مقسم قوله.

(2)

فى م: "اصطبح".

ص: 137

فنُخْرِجُ منهم رجلًا فنعطيهم السلاحَ، فيشُدُّون على محمدٍ جميعًا فيضرِبونه ضربةَ رجلٍ واحدٍ، فلا يستطيعُ بنو عبدِ المطلبِ أن يقتُلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدِّيةُ. قال إبليسُ: صدَق هذا

(1)

الفتى: هو أجودُكم رأيًا. فقاموا على ذلك، وأَخْبَر اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم، فنام على الفراشِ، وجعَلوا عليه العيونَ. فلما كان في بعضِ الليلِ، انطلَق هو وأبو بكرٍ إلى الغارِ، ونام علىُّ بنُ أبى طالبٍ على الفراشِ، فذلك حينَ يقولُ اللهُ {لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}. والإثباتُ هو الحبسُ والوَثاقُ. وهو قولُه:{وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 76]. يقولُ: يُهْلِكُهم. فلما هاجر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ لقِيه عمرُ، فقال له: ما فعَل القومُ؟ وهو يرى أنهم قد أُهْلِكوا حين خرَج النبيُّ صلى الله عليه وسلم من بينِ أَظْهُرِهم، وكذلك كان يصنَعُ بالأممِ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أُخِّروا بالقتالِ"

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ} . قال: كفارُ قريشٍ أرادوا ذلك بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرُجَ من مكةَ

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثني ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا هانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجاجٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: فعَلوا ذلك بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم

(1)

فى م: "وهذا".

(2)

تقدم تخريج قوله: الإثبات هو الحبس والوثاق. في ص 132.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1688 من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 180 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.

ص: 138

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ} الآية: هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكَروا به وهو بمكةَ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} إلى آخر الآيةِ. قال: اجتمَعوا فتشاوَروا في رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: اقتُلوا هذا الرجلَ. فقال بعضُهم: لا يقتُلُه رجلٌ إلا قُتِل به. قالوا: خُذوه فاسجُنوه واجعَلوا عليه حديدًا. قالوا: فلا يدعُكم أهلُ بيتِه. قالوا: أخرِجوه. قالوا: إِذَن يَسْتَغْوِىَ الناسَ عليكم. قال: وإبليسُ معهم في صورةِ رجلٍ من أهلِ نجدٍ، واجتَمع رأيُهم أنه إذا جاء يطوفُ البيتَ ويَسْتَلِمُ أن يجتمِعوا عليه فيغمُّوه

(1)

ويقتُلوه، فإنه لا يَدْرِى أهلُه من قتَله، فيرضَوْن بالعَقْلِ، فنقتُلُه ونستريحُ ونعقِلُه. فلما أن جاء يطوفُ بالبيتِ اجتمعوا عليه فغمُّوه

(2)

، فأتى أبو بكرٍ، فقيل له ذاك، فأتى فلم يجِدْ مدخلًا، فلما أن لم يجدْ مدخلًا، قال:{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} ؟ قال: ثم فرَّجها اللهُ عنه، فلما أن كان

(3)

الليلُ أتاه جبريلُ عليه السلام، فقال: من أصحابُك؟ فقال: "فلانٌ وفلانٌ وفلانٌ". فقال: لا

(4)

، نحن أعلمُ بهم منك يا محمدُ، هم ناموسُ

(5)

ليلٍ. قال: وأُخِذ أولئك من مضاجعِهم وهم نيامٌ، فأُتِى بهم النبىُّ صلى الله عليه وسلم، فقدِّم أحدُهم إلى جبريلَ فكحَله، ثم أَرْسَله، فقال:"ما صورتُه يا جبريلُ؟ ". قال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللهِ. ثم

(1)

في النسخ: "فيعموه".

(2)

في النسخ: "فعموه".

(3)

فى ص، ت 2، س، ف:"حبط"، وفى ت 1:"حنط".

(4)

بعده فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فقال جبريل عليه السلام".

(5)

الناموس: المكر والخداع، والناموس: دويبة أغبر كهيئة الذرة. اللسان (ن م س).

ص: 139

قدِّم آخرُ فنقَر فوقَ رأسِه بعصًا نَقْرةً، ثم أَرْسَله فقال:"ما صورتُه يا جبريلُ؟ ". فقال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللهَ. ثم [أُتى بآخرَ]

(1)

فنقَر في ركبتِه، فقال:"ما صورتُه يا جبريلُ؟ ". قال: كُفِيتَه. ثم أُتى بآخرَ، فسقاه مَذْقةً

(2)

، فقال:"ما صورتُه يا جبريلُ؟ ". قال: كُفِيتَه يا نبيَّ اللهِ. وأُتى بالخامسِ، فلما غدا من بيتِه مرَّ بنبالٍ فتعلَّق مِشْقصٌ

(3)

بردائِه فالتوى، فقطَع الأكحلَ

(4)

من رجلِه، وأما الذى كُحِلت عيناه فأصبح وقد عمِى، وأما الذى سُقِى مَذْقةً فأصبح وقد استَسقى بطنُه، وأما الذي نُقِر فوق رأسِه، فأخذته النُّقْرةُ

(5)

-والنُّقْرَةُ

(6)

قُرْحةٌ عظيمةٌ أخَذته في رأسِه- وأما الذي طُعِن في ركبتِه، فأصبح وقد أُقعِد، فذلك قولُ اللهِ:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} .

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ قولَه:{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} أي: فمكَرتُ لهم

(7)

بكيدى المتينِ حتى خلَّصتُك منهم

(8)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن

(1)

فى ف: "قدم آخر".

(2)

المذقة: الشربة من اللبن إذا خلط بالماء. اللسان (م ذ ق).

(3)

المشقص: نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. النهاية 2/ 490.

(4)

الأكحل: عرق في اليد يفصد، وقيل: هو عرق الحياة، يدعى نهر البدن، وفي كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع فى اليد لم يرقأ الدم. ينظر اللسان (ك ح ل).

(5)

فى ص، م، ت 1، ف:"النقدة".

(6)

فى ص، م، ت 1، ت 2، ف:"النقدة".

(7)

في سيرة ابن هشام، وتفسير ابن أبي حاتم:"بهم". وستأتى أيضًا في كلام المصنف ص 144: مكرت لهم.

(8)

سيرة ابن هشام 1/ 669. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1688 من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عروة من قوله.

ص: 140

عكرمةَ قولَه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} . قال: هذه مكيةٌ. قال ابنُ جُريجٍ: قال مجاهدٌ: هذه مكيةٌ.

فتأويلُ الكلامِ إذن: واذكُرْ يا محمدُ نعمتى عندَك بمكرى بمن حاول المكرَ بك من مشركي قومِك، بإثباتِك، أو قتلِك، أو إخراجِك من وطنِك، حتى استنقذتُك منهم وأهلكتُهم، فامضِ لأمرى فى حربِ من حارَبك من المشركين، وتولَّى عن [إجابتِك إلى]

(1)

ما أَرْسَلتُك به من الدينِ القيِّم، ولا يُرْعِبنَّك كثرةُ عددِهم، فإن ربَّك خيرُ الماكرين بمن كفَر به، وعبَد غيرَه، وخالَف أمرَه ونهيَه. وقد بيَّنا معنى المكرِ فيما مضى بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا تُتْلَى على هؤلاء الذين كفَروا آياتِ كتابِ اللهِ الواضحةَ لمن شرَح اللهُ صدرَه لفَهْمِه، قالوا - جهلًا منهم، وعنادًا للحقِّ، وهم يعلَمون أنهم كاذبون فى قيلِهم:{لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} ، الذي تُلِيَ علينا، {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}. يعنى أنهم يقولون: ما هذا القرآنُ الذي يُتْلَى عليهم إلا أساطيرُ الأوَّلين.

والأساطيرُ جمعُ أَسْطُرٍ، وهو جمعُ الجمعِ؛ لأن واحدَ الأَسْطُرِ سَطْرٌ، ثم يُجْمَعُ السطرُ: أَسْطُرٌ وسطورٌ، ثم تُجْمَعُ الأسطرُ: أساطيرُ وأساطرُ.

وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ

(3)

يقولُ: واحدُ الأساطيرِ أُسْطُورةٌ.

(1)

في م، ف:"إجابة".

(2)

ينظر ما تقدم في 9/ 539.

(3)

هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن 1/ 189 وينظر ما تقدم في 9/ 200.

ص: 141

وإنما عَنى المشركون بقولِهم: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : إنْ هذا القرآنُ الذي تتلُوه علينا يا محمدُ إلا ما سطَّره الأوّلون وكتَبوه من أخبارِ الأممِ. كأنهم أضافوه إلى أنه أُخِذ عن بني آدمَ، وأنه لم يُوحِه اللهُ إليه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ قولَه: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} . قال: كان النضرُ بنُ الحارثِ يختلِفُ تاجرًا إلى فارسَ، فيمرُّ بالعِبادِ

(1)

وهم يقرَءون الإنجيلَ ويركَعون ويسجُدون، فجاء مكةَ، فوجَد محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أُنْزِل عليه وهو يركَعُ ويسجُدُ، فقال النَّضْرُ: قد سمِعنا، لو نشاءُ لقلنا مثلَ هذا. للذى سمِع من العِبادِ. فنزَلت:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} . قال: فقصَّ ربُّنا ما كانوا قالوا بمكةَ، وقصَّ قولَهم:{إِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} الآية.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُدِّيِّ، قال: كان النضرُ بنُ الحارثِ بنِ علقمةَ أخو بني عبدِ الدارِ يختلِفُ إلى الحيرةِ فيسمَعُ سجعَ أهلِها وكلامَهم، فلما قدِم مكةَ سمِع كلامَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والقرآنَ، فقال:{قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .

(1)

العباد: قوم من قبائل شتَّى من بطون العرب، نزلوا الحيرة واجتمعوا على النصرانية، فأنفوا أن يتسموا بالعبيد، وقالوا: نحن العباد. اللسان (ع ب د).

ص: 142

يقولُ: أساجيعُ أهلِ الحيرةِ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قتَل النبىُّ صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ صَبْرًا عقبةَ بنَ أبي مُعَيْطٍ، وطُعَيمةَ بنَ عَدىٍّ، والنضرَ بنَ الحارثِ، وكان المِقْدادُ أسَر النضرَ، فلما أمَر بقتلِه، قال المِقْدادُ:[يا رسولَ اللهِ]

(2)

أسيرى. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إنه كان يقولُ في كتابِ اللهِ ما يقولُ". فأمَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقتلِه، فقال المقدادُ: أسيرى. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "اللهمَّ أَغْنِ المقدادَ من فضلِك". فقال المقدادُ: هذا الذي أردتُ. وفيه أُنْزِلت هذه الآيةُ: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} الآية

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قتَل يومَ بدرٍ ثلاثةَ رَهْطٍ من قريشٍ صَبْرًا؛ المُطْعِمَ بنَ عَدىٍّ

(4)

، والنضرَ بنَ الحارِثِ، وعقبةَ بنَ أبى مُعَيْطٍ. قال: فلما أمَر بقتلِ النضرِ، قال المقدادُ بنُ الأسودِ: أسيرى يا رسولَ اللهِ. قال: "إنه كان يقولُ في كتابِ اللهِ وفي رسولِه ما كان يقولُ". قال: فقال ذلك مرَّتين أو ثلاثًا، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"اللهمَّ أَغْنِ المقدادَ من فضلِك". وكان المقدادُ أسَر النَّضْرَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1689 من طريق أحمد بن المفضل به.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 587 عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 180 إلى المصنف وابن مردويه.

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 588 عن هشيم به وقال -عن ذكر المطعم فى هذا الخبر-: وهو غلط؛ لأن المطعم بن عدى لم يكن حيًّا يوم بدر، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ:"لو كان المطعم حيا، ثم سألني في هؤلاء النتنى، لوهبتهم له". وينظر صحيح البخارى (3139).

ص: 143

يقولُ تعالى ذكرُه: واذكُرْ يا محمدُ أيضًا ما حلَّ بمن قال: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} . إذ مكَرت لهم

(1)

، فأتيتُهم بعذابٍ أليمٍ، وكان ذلك العذابُ قتلَهم بالسيفِ يومَ بدرٍ.

وهذه الآيةُ أيضًا ذُكِر أنها نزَلت في النضرِ بنِ الحارثِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه:{وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} . قال: نزَلت فى النضرِ بنِ الحارثِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} . قال: قولُ النضرِ بنِ الحارثِ - [أو ابنِ الحارثِ]

(3)

بنِ كَلَدةَ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} : قولُ النضرِ بنِ الحارثِ ابنِ علقمةَ بنِ كَلَدةَ من بنى عبدِ الدارِ.

قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن

(1)

ينظر ما تقدم فى ص 140.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور (990 - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1689 من طريق أبي بشر به

(3)

فى م: "بن علقمة".

ص: 144

مجاهدٍ في قولِه: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} . قال: هو النضرُ بنُ الحارثِ بنِ كَلَدةَ

(1)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ، قال: قال رجلٌ من بنى عبدِ الدارِ يقالُ له: النضرُ بنُ كَلَدةَ: اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندِك فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتِنا بعذابٍ أليمٍ. فقال اللهُ: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: 16]. وقال: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94]. وقال: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ} [المعارج: 1، 2]. قال عطاءٌ: لقد نزَل فيه بِضْعَ عَشْرَةَ آيةً من كتابِ اللهِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: فقال -يعنى النضرَ بنَ الحارثِ: اللهمَّ إن كان ما يقولُ محمدٌ هو الحقَّ من عندِك، فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتِنا بعذابٍ أليمٍ. قال اللهُ:{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ}

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} الآية. قال: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ} .

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} الآية. قال: قال ذلك سَفَهةُ

(4)

هذه

(1)

تفسير مجاهد ص 453.

(2)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 181 إلى المصنف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1690 من طريق أحمد بن المفضل به.

(4)

فى ص، ت 2، ف:"سفه"، وفى ت 1، س:"سفيه".

ص: 145

الأمةِ وجَهَلتُها، فعاد اللهُ بعائدتِه ورحمتِه على سفهةِ هذه الأمةِ وجهلتِها.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثم ذكَر غِرَّةَ

(1)

قريشٍ واستِفتاحَهم على أنفسِهم: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} . أى: ما جاء به محمدٌ، {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} كما أمطرتَها على قومِ لوطٍ، {أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. أى: ببعضِ ما عذَّبت به الأممَ قبلَنا

(2)

.

واخْتَلف أهلُ العربيةِ

(3)

فى وجهِ دخولِ {هُوَ} في الكلامِ؛ فقال بعضُ البصريين نُصِب {الْحَقَّ} ؛ لأن {هُوَ} ، واللهُ أعلمُ، حُوِّلت زائدةً في الكلامِ صلةَ توكيدٍ كزيادةِ "ما"، ولا تُزادُ إلا فى كلِّ فعلٍ لا يستغنى عن خبرٍ، ليست

(4)

{هُوَ} بصفةِ {هَذَا} ؛ لأنك لو قلت: رأيتُ هذا هو. لم يكنْ كلامًا، ولا تكونُ "هذه" المضمر من صفةِ الظاهرةِ، ولكنها تكونُ من صفةِ المضمرةِ نحوَ قولِه:{وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76]، و {تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20]. لأنك تقولُ: وجَدته هو وإياى. فتكون "هو" صفةً، وقد تكونُ فى هذا المعنى أيضًا غير صفةٍ، ولكنها تكونُ زائدةً كما كان في الأوَّلِ، وقد تُجْرَى في جميعِ هذا مُجْرَى الاسمِ، فيُرْفَعُ ما بعدَها إن كان ما

(5)

بعدَها ظاهرًا أو

(1)

فى م، ت 1، ت 2، س، ف:"غيرة". والغرة: الغفلة والاغترار. ينظر اللسان (غ ر ر).

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 670. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1690، 1691. من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عروة من قوله.

(3)

بعده فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فى قوله و"، ولعله سقط من هذه النسخ قوله:"هو الحق". ويكون السياق: في قوله: هو الحق. ووجه دخول: هو في الكلام.

(4)

فى م: "ليس".

(5)

سقط من: م.

ص: 146

مضمرًا في لغةِ بني تميمٍ، يقولون في قولِه:(إِن كان هذا هو الحقُّ من عندك)

(1)

.

و (لَكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالمونَ

(2)

). و (تَجِدُوه عِندَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ

(3)

وَأَعْظَمُ أجْرًا). كما تقولُ: كانوا آباؤُهم الظالمون. جعَلوا هذا المضمرَ نحو "هو" و "هما" و "أنت" زائدًا فى هذا المكانِ، ولم تُجْعَلْ مواضعَ الصفةِ؛ لأنه فصلٌ أراد أن يبِّينَ به أنه [ليس ما بعدَه صفةً]

(4)

لما قبلَه، ولم يُحتَجْ إلى هذا في الموضعِ الذى لا يكونُ له خبرٌ.

وكان بعضُ الكوفيين يقولُ: لم تدخُلْ "هُوَ" التى هى عمادٌ

(5)

في الكلامِ إلا لمعنًى صحيحٍ. وقال: كأنه قال: زيدٌ قائمٌ. فقلتَ أنت: بل عمرٌو هو القائمُ. فـ "هو" لمعهودِ الاسمِ، والألفُ واللامُ لمعهودِ الفعلِ [والألفُ واللامُ]

(6)

التي هي صلةٌ في الكلامِ مخالفةٌ لمعنى "هو"؛ لأن دخولَها وخروجَها واحدٌ في الكلامِ، وليست كذلك "هو"، وأما التى تدخُلُ صلةً فى الكلامِ، فتوكيدٌ شبيهٌ بقولِهم: وجدتُه نفسَه. تقولُ ذلك وليست بصفةٍ كالظريفِ والعاقلِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

(1)

وهي قراءة الأعمش وزيد بن على. مختصر الشواذ لابن خالويه ص 54، والبحر المحيط 4/ 488.

(2)

في م، ت 1، ت 2، س، ف:"الظالمين". وقراءة الرفع هى قراءة عبد الله وأبي زيد النحويين. مختصر الشواذ لابن خالويه ص 136، والبحر المحيط 8/ 27.

(3)

في النسخ: "خيرا". والمثبت هو صواب استشهاد المصنف، وبالرفع قرأ أبو السمال وابن السميفع. مختصر الشواذ لابن خالويه ص 164، والبحر المحيط 8/ 367.

(4)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ليس بصفة ما بعده".

(5)

تقدم معنى العماد في 2/ 214.

(6)

سقط من: م. ومكانه بياض فى ص، ت 1، ت 2، س، ف. والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.

ص: 147

اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} : أى؛ وأنت مقيمٌ بينَ أَظْهُرِهم. قال: وأُنْزِلت هذه على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو مقيمٌ بمكةَ. قال: ثم خرَج النبىُّ صلى الله عليه وسلم من بينِ أظْهُرِهم، فاستَغفر من بها من المسلمين، فأَنْزَل اللهُ

(1)

بعدَ خروجِه عليه حينَ استَغفر أولئك بها: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . قال: ثم خرَج أولئك البقيةُ من المسلمين من بينِهم فعذَّب الكفارَ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرِ بنِ أبي المغيرةِ، عن ابنِ أَبْزَى، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم بمكةَ، فأنْزَل اللهُ

(2)

: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} . قال: فخرج النبىُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فأنزلَ اللهُ:{وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . قال: فكان أولئك البقيةُ من المسلمين الذين بقُوا فيها يستغفِرون، يعنى بمكةَ، فلما خرَجوا أنْزَل اللهُ عليه:{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} . قال: فأذِن اللهُ له في فتحِ مكةَ، فهو العذابُ الذى وعَدهم

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} : يعنى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يعنى من بها من المسلمين، {وَمَا لَهُمْ

(1)

زيادة ليست في: الأصل، ص، م، ت 1، ت 2، س.

(2)

بعده في ص، ت 2، س، ف:"عليه".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1693 من طريق يعقوب به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 181 إلى أبى الشيخ.

ص: 148

أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ}: يعني

(1)

مكةَ وفيها

(2)

الكفارُ

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِ اللهِ:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} : يعنى أهلَ مكةَ [وأنت فيهم]

(4)

{وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ} وفيهم المؤمنون يستغفِرون، يغفرُ لمن فيهم من المسلمين

(5)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الرازيُّ وأبو داودَ الحَفْرىُّ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أَبْزَى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . قال: بقيةُ من بَقِىَ من المسلمين منهم، فلما خرَجوا قال:{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} .

قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيينةَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} . قال: أهلُ مكةَ.

وأخبرنا أبي، عن سَلَمةَ بنِ نُبيطٍ، عن الضحَّاكِ:{وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . قال: المؤمنون من أهلِ مكةَ، {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُم اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}. قال: المشركون من أهلِ مكةَ

(6)

.

قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ

(1)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بغير".

(2)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فيهم".

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 181 إلى المصنف وعبد بن حميد، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (991 - تفسير) من طريق حصين به بلفظ آخر مختصرا.

(4)

سقط من: م، وفى ص، ت 1، س، ف:"واىىعهم". بدون نقط.

(5)

ذكر آخره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1692 معلقا بلفظ آخر.

(6)

أخرجه النحاس في الناسخ ص 465 من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1691 من طريق سلمة بن نبيطٍ به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 182 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.

ص: 149

مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. قال: المؤمنون يستغفِرون بينَ ظهرانَيهم

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . يقولُ: الذين آمَنوا معَك يستغفِرون بمكةَ حتى أخرَجك والذين آمنوا معك.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: لم يعذِّبْ قريةً حتى يُخْرِجَ النبيَّ منها والذين آمنوا معه ويُلْحِقَهُ

(2)

بحيث أُمِر، {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}: يعنى المؤمنين، ثم عاد إلى المشركين فقال:{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ}

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} . قال: يعنى أهلَ مكةَ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك

(4)

: وما كان اللهُ ليعذِّب هؤلاء المشركين من قريشٍ بمكةَ وأنت فيهم يا محمدُ حتى أخْرجك من بينِهم، وما كان اللهُ معذِّبَهم وهؤلاء المشركون يقولون: يا ربِّ غُفرانَك. وما أشْبَه ذلك من معانى الاستغفارِ بالقولِ. قالوا: وقولُه: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} في الآخرةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّمادىُّ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا عكرمةُ، عن

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1692 معلقا.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يلحق".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1693 من طريق حجاج، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس مقتصرا على آخره بلفظ آخر.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

ص: 150

أبي زُميلٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن المشركين كانوا يطوفون بالبيتِ يقولون:[لبَّيْكَ لبَّيْكَ، لا شريكَ]

(1)

لك. فيقولُ النبىُّ صلى الله عليه وسلم: "قَدْ قَدْ

(2)

". فيقولون

(3)

: إلا شريكٌ هو لك، تملِكُه وما ملَك. ويقولون: غفرانَك غفرانَك، فَأَنْزَلَ اللهُ:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . فقال ابنُ عباسٍ: كان فيهم أمانان، نبىُّ اللهِ والاستغفارُ. قال: فذهَب النبيُّ صلى الله عليه وسلم وبقِى الاستغفارُ. {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} . قال: فهذا عذابُ الآخرةِ. قال: وذاك عذابُ الدنيا

(4)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ ومحمدِ بنِ قيسٍ، قالا: قالت قريشٌ بعضُها لبعضٍ: محمدٌ أَكْرَمه اللهُ من بينِنا {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا} الآية. فلما أَمْسَوا ندِموا على ما قالوا، فقالوا: غُفْرانَك اللهمَّ. فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . إلى قولِه: {لَا يَعْلَمُونَ}

(5)

.

حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كانوا يقولون -

(1)

فى م: "لبيك لا شريك لك لبيك".

(2)

أى حسب. وتكرارها لتأكيد الأمر. النهاية 4/ 19.

(3)

بعده فى م: "لا شريك لك".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1691، والبيهقى 5/ 45 من طريق أبي حذيفة به، وأخرجه مسلم (1185) من طريق عكرمة بن عمار به مختصرا دون قولهم: غفرانك. إلى آخره، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 181 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

(5)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 181 إلى المصنف.

ص: 151

يعنى المشركين-: واللهِ إن اللهَ لا يعذِّبُنا ونحن نستغفِرُ، ولا يعذِّبُ أمةً ونبيُّها معها حتى يُخْرِجَه عنها. وذلك من قولِهم ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بينَ أظهرِهم، فقال اللهُ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم يذكُرُ له جهالتَهم وغِرَّتَهم واستفتاحَهم على أنفسِهم إذ قالوا:{اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} كما أمطرتَها على قومِ لوطٍ. وقال

(1)

حين نعَى عليهم سوءَ أعمالِهم: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} : أى لقولِهم

(2)

: [إِنَّا نَسْتَغْفِرُ ومحمدٌ بينَ أظهُرِنا. ثم قال: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} وإن كنتَ بينَ أظهرِهم]

(3)

، وإن كانوا يستغفِرون كما قال:{وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أى: من آمن باللهِ وعبَده، أي: أنت ومن تبِعك

(4)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ الصبَّاح البزَّارُ

(5)

، قال: ثنا أبو

(6)

بردةَ، عن أبي موسى، قال: إنه كان فيكم

(7)

أمانان؛ قولُه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . قال: أما النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقد مضَى

(8)

، وأما الاستغفارُ فهو دائرٌ فيكم إلى يومِ القيامةِ

(9)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"كان".

(2)

فى م: "بقولهم".

(3)

سقط من النسخ، والمثبت من سيرة ابن هشام.

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 670. وهو تمام الأثر المتقدم ص 146.

(5)

سقط من هذا الإسناد راو أو أكثر.

(6)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(7)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فيك".

(8)

في ص، ت 2، س، ف:"تقضى"، وفي ت 1: يقضى".

(9)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 17/ 4 من طريق عباد بن يوسف عن أبي بردة به، وأخرجه الحاكم في 1/ 542 من طريق عبيد بن أبي أيوب، عن أبي موسى. وأخرجه الترمذى (3082) من طريق أبي بردة، عن أبيه مرفوعًا. وقال: هذا حديث غريب، وإسماعيل بن مهاجر يضعف فى الحديث، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 182 إلى أبى الشيخ والطبراني وابن مردويه.

ص: 152

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، عن عامرٍ أبى الخطَّابِ الثورىِّ، قال: سمِعت أبا العلاءِ يقولُ: كان لأمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أمَنَتانِ، فذهَبت إحداهما، وبقِيت الأُخرى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} الآية.

وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وأنت فيهم يا محمدُ، وما كان اللهُ معذِّبَ المشركين وهم يستغفِرون، أن

(1)

لو استغفَروا. قالوا: ولم يكونوا يستغفِرون، فقال جلَّ ثناؤُه إذ لم يكونوا يستغفِرون:{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} .

قال: إن القومَ لم يكونوا يستغفِرون، ولو كانوا يستغفِرون ما عُذِّبُوا، وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: هما أمانان أَنْزَلهما اللهُ، فأما أحدُهما فمضى؛ نبيُّ اللهِ، وأما الآخرُ فأبقاه اللهُ رحمةً بينَ أظهرِكم؛ الاستغفارُ والتوبةُ.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: قال اللهُ لرسولِه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . يقولُ: ما كنت أعذِّبُهم وهم يستغفِرون، و

(2)

لو استغفروا وأقرُّوا بالذنوبِ لكانوا مؤمنين، وكيف لا أعذِّبُهم وهم لا يستغفِرون؟

(1)

كذا في النسخ، ولعل الصواب:"أى".

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، س، ف.

ص: 153

وما لهم ألا يعذِّبَهم اللهُ وهم يصُدُّون عن محمدٍ وعن المسجدِ الحرامِ

(1)

؟

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . قال: يقولُ: لو استغفَروا لم أعذِّبْهم

(2)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وهم يُسْلِمون. قالوا: واستغفارُهم كان في هذا الموضعِ إسلامَهم.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصبَّاحِ، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ حُديرٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . قال: سألوا العذابَ، فقال: لم يكنْ ليعذِّبَهم وأنت فيهم، ولم يكنْ ليعذِّبَهم وهم يدخُلون فى الإسلامِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَأَنْتَ فِيهِمْ} . قال: بينَ أظهرِهم. وقولُه: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . قال: [وهم]

(4)

يُسْلِمون

(5)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1692، 1693، 1694 من طريق أحمد بن المفضل به.

(2)

ذكره النحاس في الناسخ ص 467 معلقًا.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 181 إلى المصنف وعبد بن حميد.

(4)

سقط من: م، ت 1، ت 2، س، ف.

(5)

تفسير مجاهد ص 354. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 181 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 154

مجاهدٍ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} : بينَ أظهرِهم، {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. قال: وهم يسلمون

(1)

، {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ}: قريشٌ

(2)

، {عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدِ اللهِ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} . قال: بينَ أظهرِهم، {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. قال: دخولُهم في الإسلامِ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيهم مَن قد سبَق له من اللهِ الدخولُ في الإسلامِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} . يقولُ: ما كان اللهُ سبحانَه يعذِّبُ قومًا وأنبياؤُهم بينَ أظهرِهم حتى يُخرِجَهم. ثم قال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . يقولُ: ومنهم من قد سَبَقَ له من اللهِ الدخولُ في الإيمانِ، وهو الاستغفارُ. ثم

(3)

قال: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} . فعذَّبهم يومَ بدرٍ بالسيفِ

(4)

.

(1)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"مسلمون".

(2)

زيادة من: م.

(3)

سقط من: ص، ف.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1692، والنحاس في الناسخ ص 464، والبيهقي في دلائل النبوة 3/ 76 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 182 إلى ابن المنذر.

ص: 155

وقال آخرون: بل معناه: وما كان اللهُ معذِّبَهم وهم يُصَلُّون.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . يعنى: يُصلُّون. يعنى بهذا أهلَ مكةَ

(1)

.

حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقىُّ، قال: ثنا حسينٌ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . قال: يصلُّون

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ في قولِه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} : يعنى أهلَ مكةَ. يقولُ: لم أكنْ لأعذِّبَكم وفيكم محمدٌ، ثم قال:{وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . يعنى: يؤمنون ويصلُّون.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . قال: وهم يصلُّون.

وقال آخرون: بل

(3)

معنى ذلك: وما كان اللهُ ليعذِّبَ المشركين وهم يستغفرون. قالوا: ثم نُسِخ ذلك بقولِه: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

(1)

في تفسير ابن أبي حاتم من تمام الأثر قبله.

(2)

تفسير مجاهد ص 354.

(3)

زيادة من: م.

ص: 156

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: قال فى "الأنفال": {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . فنسَختها الآيةُ التي تليها: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} . إلى قولِه: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} . فقوتلوا بمكةَ، وأصابهم فيها الجوعُ والحَصْرُ

(1)

.

وأولى هذه الأقوالِ عندى فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال: تأويلُه: وما كان اللهُ ليعذِّبَهم وأنت فيهم يا محمدُ، وبينَ أظهرِهم مقيمٌ، حتى أُخرِجَك من بينِ أظهرِهم؛ لأنى لا أُهْلِكُ قريةً وفيها نبيُّها، وما كان اللهُ معذِّبَهم وهم يستغفِرون من ذنوبِهم وكفرِهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك، بل هم مصرُّون عليه، فهم للعذابِ مستحقُّون، كما يقالُ: ما كنتُ لِأُحْسِنَ إليك وأنت تسيءُ إلىَّ. يرادُ بذلك: لا أُحْسِنُ إليك إذا أسأت إلىَّ. أو:

(2)

لو أسأْتَ إلىَّ لم أحسنْ إليك، ولكن أُحسنُ إليك لأنك لا تسئُ إلىَّ. وكذلك ذلك، ثم قيل:{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} . بمعنى: وما شأنُهم وما يمنَعُهم أن يعذِّبَهم اللهُ وهم لا يستغفِرون اللهَ من كفرِهم فيؤمنوا به، وهم يصُدُّون المؤمنين باللهِ ورسولِه عن المسجدِ الحرامِ.

وإنما قلنا: هذا القولُ أَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ؛ لأن القومَ، أعنى

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1693 من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح به.

(2)

في م: "و".

ص: 157

مشركي مكةَ، كانوا اسْتَعْجلوا العذابَ، فقالوا: اللهمَّ إن كان ما جاء به محمدٌ هو الحقَّ، فأمطِرْ علينا حجارةً من السماءِ أو ائتنا بعذابٍ أليمٍ. فقال اللهُ لنبيِّه: ما كنتُ لأعذِّبَهم وأنتَ فيهم، وما كنتُ لأعذِّبَهم لو استغفروا، وكيف لا أعذِّبُهم بعدَ إخراجِك منهم وهم يصُدُّون عن المسجدِ الحرامِ. فأَعْلَمه جلَّ ثناؤُه أن [الذي استَعْجلوه مِن]

(1)

العذابِ حائقٌ بهم ونازلٌ، وأَعْلَمهم حالَ نزولِه بهم، وذلك بعد إخراجِه إياه من بينِ أظهرِهم. ولا وجهَ لإيعادِهم العذابَ في الآخرةِ وهم مستعجِلوه فى العاجلِ، ولا شكَّ أنهم في الآخرةِ إلى العذابِ صائرون، بل في تعجيلِ اللهِ لهم ذلك يومَ بدرٍ الدليلُ الواضحُ على أن القولَ فى ذلك ما قلنا.

وكذلك لا وجهَ لقولِ من وجَّه قولَه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . إلى أنه عُنِى به المؤمنون، وهو في سياقِ الخبرِ عنهم، وعما اللهُ فاعلٌ بهم، ولا دليلَ على أن الخبرَ عنهم قد تقضَّى، وعلى أن ذلك به عُنوا

(2)

، وألا

(3)

خِلافَ في تأويلِه من أهلِه موجودٌ.

وكذلك أيضًا لا وجهَ لقولِ من قال: ذلك منسوخٌ بقولِه: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآية؛ لأن قولَه جلَّ ثناؤُه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} . خبرٌ، والخبرُ لا يجوزُ أن يكونَ فيه نسخٌ، وإنما يكون النسخُ للأمرِ أو

(4)

النهيِ.

واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ دخولِ "أن" فى قولِه: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ

(1)

فى م: "الذين استعجلوا"، وفى ف:"الذين استعجلوه من".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"عنهم"

(3)

في م، ف:"لا".

(4)

فى م: "و".

ص: 158

اللَّهُ}؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هي زائدةٌ هاهنا. قال

(1)

: وقد عمِلت كما عمِلت "لا" وهي زائدةٌ وجاء في الشعرِ

(2)

:

لو لم تكنْ غَطَفانُ لا ذُنوبَ لها

إلىَّ لامت

(3)

ذوُو أحسابِها عُمرا

وقد أَنْكر ذلك من قولِه بعضُ أهلِ العربيةِ، وقال: لم تدخلْ "أن" إلَّا لمعنًى صحيحٍ؛ لأن معنى {وَمَا لَهُمْ} : ما يمنَعُهم من أن يُعَذَّبوا. قال: فدخَلت "أن" لهذا المعنى، وأُخرِج بـ "لا"، ليُعلمَ أنه بمعنى الجَحدِ؛ لأن المنعَ جَحْدٌ. قال: و "لا" في البيتِ صحيحٌ معناها؛ لأن الجحدَ إذا وقَع عليه جَحْدٌ صار خبرًا. وقال: ألا ترى إلى قولِك: ما زيدٌ ليس قائمًا. فقد أوْجَبت القيامَ

(4)

؟ قال: وكذلك "لا" في هذا البيتِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وما لهؤلاء المشركين ألا يعذِّبَهم اللهُ وهم يصُدُّون عن المسجدِ الحرامِ، ولم يكونوا أولياءَ اللهِ. {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ} ، يقولُ: ما أولياءُ اللهِ {إِلَّا الْمُتَّقُونَ} . يعنى: الذين يتَّقون اللهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصِيه. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}. يقولُ: ولكنَّ أكثرَ المشركين لا يعلَمون أن أولياءَ اللهِ المتقون، بل يحسَبون أنهم أولياءُ اللهِ.

وبنحوِ ما قلنا [في ذلك]

(5)

قال أهلُ التأويلِ.

(1)

سقط من: م.

(2)

تقدم في 4/ 445.

(3)

في م، ف:"لام".

(4)

لأن النفى للنفى إثبات.

(5)

ليس في الأصل، ص، م، ت 1، ت 2، س.

ص: 159

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} : هم أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} : من كانوا وحيثُ كانوا

(2)

.

حدَّثنى المُثَّنَى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} : الذين يخرجون منه، ويقِيمون الصلاةَ عندَه، أى أنت، يعنى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ومن آمن بك، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وما لهؤلاء المشركين ألَّا يعذِّبَهم اللهُ وهم يصُدُّون عن المسجدِ الحرامِ الذى

(4)

يصلُّون للهِ فيه ويعبُدونه، ولم يكونوا للهِ أولياءَ، بل أولياؤُه

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1694 من طريق أحمد بن المفضل به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1694 من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 183 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1694، 1695 من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير.

(4)

فى ت 1، ت 2، س، ف:"الذين".

ص: 160

الذين يصدُّونهم عن المسجدِ الحرامِ، وهم لا يصلون في المسجدِ الحرامِ، {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ} ، يعنى بيتَ اللهِ العتيقَ {إِلَّا مُكَاءً} ، وهو الصَّفيرُ، يقالُ منه: مكَا يَمْكُو مَكْوًا ومُكاءً. وقد قيل: إن المَكْوَ: أن يجمَعَ الرجلُ يديه ثم يُدْخِلَهما في فِيه، ثم يصيحَ. ويقالُ منه: مكَتِ استُ الدابَّةِ مُكاءً، إذا نَفَخت بالريحِ. ويقالُ: إنه لا يَمْكُو إلَّا استٌ مكشوفةٌ، ولذلك قيل للاستِ: المَكْوةُ، سمِّيت بذلك، ومن ذلك قولُ عنترةَ:

وحَليلِ

(1)

غانيةٍ

(2)

تركتُ مُجدَّلًا

(3)

تَمْكُو فَريصتُه

(4)

كشِدْقِ الأَعْلمِ

(5)

وقولُ الطَّرِمَّاحِ

(6)

:

فنَحا

(7)

لأُولَاها

(8)

بطعنةِ مُحْفَظٍ

تَمْكُو جوانبُها من الإنْهارِ

(9)

بمعنى: تصوِّتُ.

وأما التصديةُ، فإنها التصفيقُ، يقالُ منه: صدَّى يُصَدِّى تَصْدِيةً، وصفَّق

(1)

في ص، ت 1، س:"خليل"، وفي ت 2 "حسل". والحليل والحليلة: الزوجان. اللسان (ح ل ل).

(2)

في ص، ت 1، س:"عايبة"، وفي ت 2:"عاينه".

(3)

المجدل: الصريع على الجدالة، وهى الأرض. اللسان (ج د ل).

(4)

الفريصة: اللحمة التي بين الجنب والكتف، والفريصة هى التى ترعد من الدابة إذا فزعت. التاج (ف ر ص).

(5)

الأعلم: الشق في المشفر الأعلى للبعير. اللسان (ع ل م).

والبيت في سيرة ابن هشام 1/ 670، وصدره:

*ولرب قرن قد تركت مجدلا*

والمعاني الكبير 2/ 981، واللسان (ح ل ل). وشطره الأول فى المعانى الكبير 1/ 338، واللسان (م ك و).

(6)

ديوانه ص 226.

(7)

في ت 1: "صحا".

(8)

في الديوان: "لأولها".

(9)

الإنهار: من قولهم: أنهر الطعنة إذا وسعها. التاج (ن هـ ر).

ص: 161

وصفَّح بمعنًى واحدٍ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن موسى بنِ قيسٍ، عن حُجْرِ

(1)

بنِ عَنْبسٍ: {إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: [المُكاءُ التصفيرُ، و]

(2)

التصديةُ التصفيقُ

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} : المكاءُ التصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . يقولُ: كانت صلاةُ المشركين عندَ البيتِ مُكاءً، يعني: التصفيرَ. وتصديةً، يقولُ: التصفيقُ

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرنا فُضيلٌ، عن عطيةَ:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} ، قال: التصفيقُ والصَّفيرُ

(6)

.

(1)

في ت 1: "مجير"، وفى س:"حجير"، وينظر تهذيب الكمال 5/ 473.

(2)

سقط من: ت 2.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1695، 1696 معلقا.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1695 معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 183 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.

(5)

تنظر الحاشية السابقة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 183 إلى ابن المنذر.

(6)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1696 معلقا.

ص: 162

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن قُرَّةَ بنِ خالدٍ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ، قال: المكاءُ التصفيقُ، والتصديةُ الصفيرُ. قال: وأمال ابنُ عمرَ خدَّه إلى

(1)

جانبٍ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن قرةَ بنِ خالدٍ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: المكاءُ والتصديةُ: الصفيرُ والتصفيقُ

(2)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: سمعت محمدَ بنَ الحسينِ

(3)

يحدِّثُ عن قرةَ بنِ خالدٍ، عن عطيةَ العَوْفىِّ، عن ابنِ عمرَ، قال: المكاءُ الصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ، في قولِه:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: المكاءُ الصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ. وقال قرةُ: وحكى لنا عطيةُ فعلَ ابنِ عمرَ فصفَّر، وأمال خدَّه، وصفَّق بيديه

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني بكرُ بنُ مُضَرَ

(4)

، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، قال: سمعت أبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ يقولُ في قولِ اللهِ: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال بكرٌ: فجمَع لى

(1)

فى ص، ت 1، ت 2، ف:"فى".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1695 من طريق عطية العوفى به بالشطر الأول بلفظ: المكاء: الصفير. وذكره ابن أبي حاتم فى 5/ 1696 بشطره الثانى وفعل ابن عمر معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 183 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

(3)

في ص، ت 2:"الحسن".

(4)

فى ت 1: "نصر"، وينظر تهذيب الكمال 4/ 227، 228.

ص: 163

جعفرٌ كفَّيْه ثم نفَخ فيهما صفيرًا، كما قال له أبو سَلَمةَ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المكاءُ الصَّفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ.

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سَلَمةُ بنُ سابورَ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} ، قال: تصفيرٌ وتصفيقٌ.

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ

(1)

مرزوقٍ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويَهْ أبو يزيدَ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت قريشٌ يطوفون بالبيتِ وهم عراةٌ يصفِّرون ويصفِّقون، فَأَنْزَل اللهُ:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32]. فأُمِروا بالثيابِ

(2)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، قال: كانت قريشٌ يعارضون النبىَّ صلى الله عليه وسلم فى الطوافِ يستهزئون به، يصفِّرون به ويصفِّقون، فنزلت:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}

(3)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَّا مُكَاءً} . قال: كانوا ينفُخون في أيدِيهم، والتصديةُ التصفيقُ.

(1)

فى ت 1: "عن". وينظر تهذيب الكمال 23/ 305، 306.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1696، والضياء فى المختارة 10/ 117 من طريق يعقوب به، وعند الضياء زيادة فى آخره، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 183 إلى أبى الشيخ وابن مردويه.

(3)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 183 إلى عبد بن حميد.

ص: 164

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: المكاءُ: إدخالُ أصابعِهم في أفواهِهم، والتصديةُ التصفيرُ

(1)

، يخلِطون بذلك على محمدٍ صلى الله عليه وسلم صلاتَه

(2)

.

حدَّثنا المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه لم يقلْ: صلاتَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ

(3)

، عن مجاهدٍ، قال: المكاءُ: إدخالُ أصابعِهم فى أفواهِهم، والتصديةُ التصفيقُ. قال: نفرٌ من بني عبدِ الدارِ كانوا يخلِطون بذلك كلِّه على محمدٍ صلاتَه.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: من بينِ الأصابعِ. قال أحمدُ: سقَط علىَّ حرفٌ وما أُراه إلا الحَذْفَ

(4)

، والنفخُ والصفيرُ منها، وأرانى سعيدُ بنُ جبيرٍ حيث كانوا يَمْكُون من ناحيةِ أبي قُبَيْسٍ.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، قال: أخبرَنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: المكاءُ: كانوا يُشبِّكون بينَ أصابعِهم ويصفِّرون بها، فذلك المكاءُ. قال: وأرانى سعيدُ بنُ جبيرٍ المكانَ الذى كانوا يَمْكُون فيه نحوَ أبي قُبَيْسٍ

(5)

.

(1)

فى م: "التصفيق"، وفى تفسير مجاهد:"والتصفيق".

(2)

تفسير مجاهد ص 354. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1695، 1696، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 183 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(3)

في ت 2: "أبي نجيح".

(4)

فى م: "الخذف"، وفى ف:"الحرف".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1696 من طريق إسحاق بن سليمان به، وعزاه السيوطى في الدر المنشور 3/ 184 إلى أبى الشيخ.

ص: 165

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ في قولِه:{مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: المكاءُ النفخُ، وأشار بكفِّه

(1)

قِبلَ فيه، والتصديةُ التصفيقُ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: المُكاءُ الصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: كنا نُحَدَّثُ أن المكاءَ التصفيقُ بالأيدى، والتصديةَ صياحٌ كانوا يعارضون به القرآنَ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: المكاءُ التصفيرُ، والتصديةُ التصفيقُ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . والمكاءُ: الصفيرُ على نحوِ طيرٍ أبيضَ يقالُ له: المَكَّاءُ، يكونُ بأرضِ الحجازِ، و

(4)

التصديةُ: التصفيقُ

(5)

.

(1)

في ت 1، ت 2:"بكفيه".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الصفير".

(3)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 1/ 259 عن معمر به.

(4)

سقط من: م، ف.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1695 من طريق أحمد بن المفضل به دون قوله: والتصدية التصفيق.

ص: 166

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: المكاءُ: صفيرٌ كان أهلُ الجاهليةِ يعلنون به، قال: وقال فى المكاءِ أيضًا: صفيرٌ في أيديهم ولعبٌ

(1)

.

وقد قيل في التصديةِ: إنها الصدُّ عن بيتِ اللهِ الحرامِ. وذلك قولٌ لا وجهَ له؛ لأن التصديةَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: صدَّيْتُ تصديةً. وأما

(2)

الصَّدُّ فلا يقالُ منه: صدَّيْتُ، إنما يقالُ منه: صَدَدْتُ، فإن شدَّدت منها الدالَ على معنى تكريرِ الفعلِ، قيل: صدَّدْتُ تصديةً، إلا أن يكونَ صاحبُ هذا القولِ وجَّه التصديةَ إلى أنه من صددتُ، ثم قلبت إحدى دالَيْه ياءً، كما يقال: تظنَّيْتُ من ظَنَنْتُ، وكما قال الراجزُ

(3)

:

تَقَضِّىَ البازي إذا البازى كَسَرْ

يعني: تقضُّضَ البازى، فقلَب إحدى ضادَيه ياءً. فيكونُ ذلك وجهًا يُوجَّهُ إليه.

‌ذكرُ مَن قال ما ذكَرنا في تأويلِ التصديةِ

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} : صدُّهم عن بيتِ اللهِ الحرامِ.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1695 معلقا.

(2)

بعده فى ص، ت 1، ت 2، س:"من".

(3)

هو العجاج، وتقدم البيت في 2/ 48.

ص: 167

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ

(1)

سليمانَ، قال: أخبرنا طلحةُ بنُ

(2)

عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ:{وَتَصْدِيَةً} . قال: التصديةُ: صدُّهم الناسَ عن البيتِ الحرامِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَتَصْدِيَةً} . قال: التصديةُ عن سبيلِ اللهِ، وصدُّهم عن الصلاةِ، وعن دينِ اللهِ

(4)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} . قال: ما كان صلاتُهم التي يزعُمون أنها يُدْرَأُ

(5)

بها عنهم إلا مُكاءً وتصديةً، وذلك ما لا يَرْضَى اللهُ، ولا يحبُّ، ولا ما افترض عليهم، ولا ما أمرهم به

(6)

.

وأما قولُه: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} . فإنه يعنى العذابَ الذي وعَدهم به بالسيفِ يومَ بدرٍ، يقولُ للمشركين الذين قالوا:{اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} الآية. حين أتاهم بما اسْتَعْجلوه من العذابِ: {فَذُوقُوا} ، أى اطْعَموا. وليس بذوقٍ بفمٍ، ولكنه ذَوقُ بالحسِّ، ووجودُ طعمٍ ألمِه بالقلوبِ، يقولُ لهم: فذوقوا العذابَ بما

(1)

فى ص، ت 1، ت 2، س:"قال حدثنا".

(2)

في ص، ت 2، س، ف:"عن"، وينظر تهذيب الكمال 13/ 427.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1697 من طريق إسحاق بن سليمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 184 إلى أبى الشيخ.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1697 من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"تدوم".

(6)

سيرة ابن هشام 1/ 671.

ص: 168

كنتم تجْحَدون أن اللهَ معذِّبُكم به على جحودِكم توحيدَ ربِّكم ورسالةَ نبيِّكم صلى الله عليه وسلم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} . أى: [ما أَوْقع اللهُ]

(1)

بهم يومَ بدرٍ من القتلِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ:{فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} . قال: هؤلاءِ أهلُ بدرٍ يومَ عذَّبهم اللهُ.

حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} . يعنى: أهلَ بدرٍ، عذَّبهم اللهُ يومَ بدرٍ بالقتلِ والأسرِ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين كفَروا باللهِ ورسولِه ينفقون أموالَهم، فيعطونها

(1)

في سيرة ابن هشام: "لما أوقع".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 671.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1697 من طريق أبى معاذ به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 184 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 169

أمثالَهم من المشركين ليتقوَّوا بها على قتالِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، ليصدُّوا المؤمنين باللهِ ورسولِه عن الإيمانِ باللهِ ورسولهِ، فسينفقون أموالَهم في ذلك، {ثُمَّ تَكُونُ} نفقتُهم تلك {عَلَيْهِمْ حَسْرَةً}. يقولُ: تصيرُ ندامةً عليهم؛ لأن أموالَهم تذهَبُ، ولا يظفَرون بما

(1)

يأمُلون ويطمَعون فيه من إطفاءِ نورِ اللهِ، وإعلاءِ كلمةِ الكفرِ على كلمةِ اللهِ؛ لأن اللهَ مُعْلى كلمتِه، وجاعلُ كلمةِ الكفرِ السفلى، ثم يغلِبُهم المؤمنون، ويحشُرُ اللهُ الذين كفَروا به وبرسولِه إلى جهنمَ، فيُعَذَّبون فيها، فأَعْظِمْ بها حسرةً وندامةً لمن عاش منهم ومن هلَك، أما الحىُّ فحُرِب

(2)

مالُه، وذهَب باطلًا فى غيرِ دَرَكِ

(3)

نَفْعٍ، ورجَع مغلوبًا

(4)

مقهورًا

(5)

مَحروبًا

(6)

مسلوبًا. وأما الهالكُ فقُتِل وسُلِب، وعُجِّل به إلى نارِ اللهِ يخلُدُ فيها، نعوذُ باللهِ من غضبِه.

وكان الذى تولَّى النفقةَ التى ذكرها اللهُ فى هذه الآيةِ -فيما ذُكر- أبا سفيانَ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}. قال: نزَلت في أبي سفيانَ بنِ حَرْبٍ، استأجر يومَ أحدٍ ألفين من الأحابيشِ من بني كِنانة، فقاتَل بهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم. وهم الذين يقولُ فيهم كعبُ بنُ مالكٍ:

(1)

في ص: "كما"، وفي ت 1:"مما".

(2)

في ف: "فحرم". والحَرِب: أن يُسلب الرجلُ مالَه. التاج (ح ر ب).

(3)

في ت 1: "منزل". وبعده في م: "ولا".

(4)

في ص، ت 2، ف:"مغلولًا"، وفي ت 1، س:"معلولا".

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س:"رفعه" هكذا بدون نقط.

(6)

فى م: "محزونًا"، وفي ت 1:"محزوبا".

ص: 170

و

(1)

جئنا إلى مَوْجٍ من البحرِ وَسْطَهُ

أحابيشُ

(2)

منهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ

ثلاثةُ آلافٍ ونحن نَصِيَّةٌ

(3)

ثلاثُ مئينَ إِن كثُرنا

(4)

فَأَرْبَعُ

(5)

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، عن يعقوبَ القُمِّىِّ، عن جعفرٍ، عن ابنِ أَبْزَى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} قال: نزَلت في

(6)

أبي سفيانَ، استأجر يومَ أحدٍ ألفين ليقاتلَ بهم رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، سوى من استجاش من العربِ

(7)

.

قال: أخبرنا أبى، عن خطَّابِ بنِ عثمانَ العُصْفُريِّ، عن الحكمِ بنِ عُتيبةَ

(8)

: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} . قال: نزَلت في أبي سفيانَ، أنْفَق على المشركين يومَ أحدٍ أربعين

(9)

أوقيَّةً [من ذهبٍ]

(10)

، وكانت الأوقيَّةُ يومَئذٍ اثنين وأربعين مِثْقالًا

(11)

.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2 س، ف. وفى طبقات ابن سلام وسيرة ابن هشام:"فجئنا".

(2)

الأحابيش: هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة. ينظر نسب قريش ص 9، والمحبر ص 246، 267.

(3)

النصية من القوم: خيارهم وأشرافهم. اللسان (ن ص ى).

(4)

في تفسير ابن أبي حاتم: "كثرن".

(5)

في ت 2، س، ف، وسيرة ابن هشام، وطبقات ابن سلام:"وأربع". والبيتان في سيرة ابن هشام 2/ 134، وطبقات ابن سلام 2/ 220. والبيت الأول فقط في نسب قريش ص 9.

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1697، وابن عساكر 23/ 438 من طريق يعقوب القمى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 184 إلى ابن سعد وعبد بن حميد وأبي الشيخ.

(6)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ابن".

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1697 من طريق يعقوب القمى عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، فلعله تصحف من سعيد بن أبزى.

(8)

في ت 2: "عيينة".

(9)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(10)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(11)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1697 من طريق خطاب بن عثمان العصفرى به، وعزاه =

ص: 171

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الآية. قال: لما قَدِم أبو سفيانَ بالعيرِ إلى مكةَ، أَشَّب

(1)

الناسَ ودعاهم إلى القتالِ حتى غزا نبيَّ اللهِ من العامِ المقبلِ، وكانت بدرٌ في رمضانَ يومَ الجمعةِ، صبيحةَ سابعَ عشرةَ من شهرِ رمضانَ، وكانت أحدٌ في شوَّالٍ يومَ السبتِ لإحدى عَشْرةَ خلَت منه في العامِ الرابعِ.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: قال اللهُ - فيما كان المشركون، و

(2)

منهم أبو سفيانَ، يستأجرون الرجالَ يقاتلون محمدًا بهم-:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : وهو محمدٌ صلى الله عليه وسلم. {فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} . يقولُ: ندامةً يومَ القيامةِ وويلًا، {ثُمَّ يُغْلَبُونَ}

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ:{يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} الآية، حتى قولِه:{أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} . قال: في نفقةِ أبي سفيانَ على الكفارِ يوم أحدٍ

(4)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

= السيوطى فى الدر المنثور 3/ 184 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(1)

في ص: "اىسب" غير منقوطة، وفى م:"أنشد"، وفى ت 1:"أنشب"، وفى س:"أنسب"، وفي ف:"أسب"، والصواب ما أثبتنا. والتأشيب: التحريش بين القوم، والتجمع من هنا ومن هنا. تاج العروس (أ ش ب).

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1698 من طريق أحمد بن مفضل به مفرقًا دون أوله، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 184 إلى أبي الشيخ.

(4)

تفسير مجاهد ص 355، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 184 إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.

ص: 172

مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال

(1)

: ثنى محمدُ بنُ مسلمِ بنُ عبيدِ اللهِ بنِ شهابٍ الزُّهْرىُّ ومحمدُ بنُ يَحيى بنِ حِبَّانَ

(2)

وعاصمُ بنُ عمرَ

(3)

ابنِ قتادةَ، والحُصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ

(4)

عمرِو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ

(5)

، قالوا: لما أُصيب

(6)

يومَ بدرٍ من كفارِ قريشٍ من أصحابِ القَليبِ، ورجَع فلُّهم إلى مكةَ، ورجَع أبو سفيانَ بعيرِه، مشى عبدُ اللهِ بنُ أبي

(7)

ربيعةَ، وعكرمةُ بنُ أبي جهلٍ، وصفوانُ بنُ أميةَ، في رجالٍ من قريشٍ أصيب آباؤُهم وأبناؤُهم وإخوانُهم ببدرٍ، فكلَّموا أبا سفيانَ ابنَ حربٍ، ومن كانت له فى تلك العيرِ من قريشٍ تجارةٌ، فقالوا: يا معشرَ قريشٍ، إن محمدًا قد وَتَرَكم

(8)

وقتَل خيارَكم، فأعينونا بهذا المالِ على حربِه لعلنا أن ندركَ منه ثأرًا بمن أُصِيب منا. ففعَلوا. قال: ففيهم -كما ذُكِر عن ابنِ عباسٍ- أَنْزَلَ اللهُ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم} ، إلى قولِه:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}

(9)

.

(1)

في ص، م، ف:"قالا".

(2)

فى ت 1، ت 2، وتفسير ابن أبي حاتم:"حيان". وينظر تهذيب الكمال 26/ 605، 607.

(3)

فى ت 2: "عمير".

(4)

في النسخ: "و". والمثبت من مصادر التخريج.

(5)

بعده في تفسير ابن أبي حاتم وسيرة ابن هشام: "وغيرهم من علمائنا". وسياقة ابن هشام بعد ذلك مختلفة قليلا عما هاهنا.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"أصيبت قريش أو من قاله منهم"، وفي م:"أصابت المسلمون". وسياق ابن أبي حاتم: "لما أصيب أصحاب بدر أصحاب القليب. . ."، والمثبت من السيرة.

(7)

سقط من: م، ف.

(8)

الوَتَر: الفزع وكل من أدركه بمكروه فقد وتره. التاج (و ت ر).

(9)

سيرة ابن هشام 2/ 60 بنحو هذا. وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1698، والبيهقي في الدلائل 3/ 224 من طريق ابن إسحاق به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 184 إلى ابن المنذر.

ص: 173

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ، إلى قولِه:{يُحْشَرُونَ} . يعني: النفرَ الذين مشَوا إلى أبى سفيانَ، وإلى من كان له مالٌ مِن قريشٍ في تلك التجارةِ، فسألوهم أن يُقَوُّوهم

(1)

على حربِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ففعلوا

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال

(3)

: أخبرني سعيدُ بنُ أبي

(4)

أيوبَ، عن عطاءِ بنِ دينارٍ، فى قولِ اللهِ:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية: نزَلت في أبي سفيانَ بنِ حربٍ.

وقال بعضُهم: عنَى بذلك المشركين من أهلِ بدرٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} . الآية. قال: هم أهلُ بدرٍ.

والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى ما قلنا، وهو أن يقالَ: إن اللهَ أخبر عن الذين كفَروا به من مشركي قريشٍ أنهم ينفقون أموالَهم ليصدُّوا عن سبيلِ اللهِ، لم يخبرْنا بأىِّ أولئك عنَى، غيرَ أنه عمَّ بالخبرِ الذين كفَروا. وجائزٌ أن يكونَ عنى المُنْفِقين أموالَهم لقتالِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه بأُحُدٍ. وجائزٌ أن يكون عنَى المُنْفِقين

(1)

في ص: "يقوهم"، وفى م:"يعينوهم"، وفى ت 1، ف:"يقروهم"، وفى س:"يغزوهم". والمثبت من مصدرى التخريج.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 671، وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1699 من طريق سلمة به.

(3)

بعده فى ص: "قال ابن زيد". وينظر تهذيب الكمال 10/ 342.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2. وينظر تهذيب الكمال 10/ 342.

ص: 174

منهم ذلك ببدرٍ. وجائزُ أن يكونَ عنَى الفريقين.

وإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ فى ذلك أن يَعُمَّ كما عمَّ جلَّ ثناؤُه الذين كفروا من قريشٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يحشُرُ اللهُ هؤلاء الذين كفَروا بربِّهم، وينفقون أموالَهم للصدِّ عن سبيلِ اللهِ إلى جهنمَ، ليفرِّقَ بينَهم، وهم أهلُ الخُبْثِ، كما قال وسمَّاهم {الْخَبِيثَ} ، وبين

(1)

المؤمنين باللهِ وبرسولِه، وهم الطيبون كما سمَّاهم جلَّ ثناؤُه، فميَّز جلَّ ثناؤُه بينَهم بأن أسْكَن أهلَ الإيمانِ به وبرسولِه جناتِه، وأَنْزَل أهلَ الكفرِ نارَه.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} . فميَّز أهلَ السعادةِ مِن أهلِ الشقاوةِ.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ثم ذكَر المشركين وما يصنَعُ بهم يومَ القيامةِ، فقال: {لِيَمِيزَ اللهُ

(1)

في ص، ف:"ميز".

ص: 175

الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}. يقولُ: يميزَ المؤمنَ من الكافرِ، فيجعلَ الخَبيثَ بعضَه على بعضٍ

(1)

.

ويعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {[وَيَجْعَلَ]

(2)

الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ}: فيجعَلَ الكفارَ بعضَهم فوقَ بعضٍ، {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا}. يقولُ: فيجعَلَهم رُكامًا، وهو أن يجمَعَ بعضَهم إلى بعضٍ حتى يكثُروا، كما قال جلَّ ثناؤُه في صفةِ السحابِ:{ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} [النور: 43]، أي: مجتمِعًا كثيفًا.

وكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا} . قال: فيجمَعَه جميعًا بعضَه على بعضٍ

(3)

.

وقولُه: {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمْ} . يقولُ: فيجعَلَ الخبيثَ جميعًا في جهنمَ.

فوحَّد الخبرَ عنهم لتوحيدِ قولِه: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ} . ثم قال: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ، فجمَع ولم يقلْ: ذلك هو الخاسرُ. فردَّه إلى أوَّلِ الخبرِ. ويعنى بـ {أُولَئِكَ} : الذين كفَروا، وتأويلُه: هؤلاء الذين ينفقون أموالَهم ليصدُّوا عن سبيلِ اللهِ هم الخاسرون. ويعنى بقولِه: {الْخَاسِرُونَ} . الذين غُبِنت صفقتُهم وخسِرت تجارتُهم، وذلك أنهم شرَوْا بأموالِهم عذابَ اللهِ فى الآخرةِ، وتعجَّلوا بإنفاقِهم إيَّاها، فيما أنفقوا من قتالِ نبىِّ اللهِ والمؤمنين به، الخزىَ والذُّلَّ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قل يا محمدُ للذين كفَروا من مشركي

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1699 من طريق أحمد بن مفضل به.

(2)

في النسخ: "فيجعل".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1699 من طريق أصبغ ابن زيد.

ص: 176

قومِك: إن ينتهوا عما هم عليه مقيمون من كفرِهم باللهِ ورسولِه، وقتالِك وقتالِ المؤمنين، فيُنيبوا

(1)

إلى الإيمانِ، يغفِرِ اللهُ لهم ما قد خلا ومضَى من ذنوبِهم قبلَ إيمانِهم وإنابتِهم إلى طاعةِ اللهِ وطاعةِ رسولِه، بإيمانِهم وتوبتهِم، {وَإِنْ يَعُودُوا} يقولُ: وإن يَعُدْ هؤلاء المشركون لقتالِك بعدَ الوقعةِ التي أوقعتُها بهم يومَ بدرٍ، فقد مضَت سنتى فى الأوَّلين منهم ببدرٍ، ومن غيرِهم من القرونِ الخاليةِ، إذ طَغوا وكذَّبوا رسلى ولم يقبَلوا نُصْحَهم، من إحلالِ عاجلِ النَّقَمِ بهم، فأُحلُّ بهؤلاء إن عادوا لحربِك وقتالِك مثلَ الذين أَحْلَلتُ بهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} : في قريشٍ يومَ بَدْرٍ، وغيرِها من الأممِ قبلَ ذلك

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا

(3)

ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

(1)

في ت 1: "فيثبتوا"، وفى ف:"فثبتوا".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1700 من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 185 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

في م: "حدثني المثنى قال ثنا". وينظر تهذيب الكمال 11/ 201.

ص: 177

مجاهدٍ: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} . قال: في قريشٍ وغيرِها من الأممِ قبلَ ذلك.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال في قولِه:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا} لحربِك {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} ، أي: من قُتِل منهم يومَ بدرٍ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{وَإِنْ يَعُودُوا} لقتالِك، {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} من أهلِ بدرٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه: وإن يعُدْ هؤلاء لحربِك، فقد رأيتم سنتى فيمن قاتَلكم منهم يومَ بدرٍ، وأنا عائدٌ بمثلِها فيمن حاربكم منهم، فقاتِلوهم حتى لا يكونَ شِركٌ، ولا يُعبدَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، فيرتفعَ البلاءُ عن عبادِ اللهِ من الأرضِ وهو الفتنةُ، {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}. يقولُ: و

(2)

حتى تكونَ الطاعةُ والعبادةُ كلُّها للهِ خالصةً دونَ غيرِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1700 من طريق سلمة عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد عن أبيه.

(2)

سقط من: م، ف.

ص: 178

قولَه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} . يعنى: حتى لا يكونَ شركٌ

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} . قال: الفتنةُ: الشِّركُ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} . يقولُ: [قاتِلوهم حتى لا يكونَ شركٌ]

(3)

، {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} ، حتى يقالَ: لا إلهَ إلا اللهُ، عليها قاتَل نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وإليها دعا

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} . قال: حتى لا يكونَ شِركٌ

(5)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضَالةَ، عن الحسنِ، فى قولِه:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} . قال: حتى لا يكونَ بلاءٌ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} ، أي: لا يُفتنَ

(6)

مُؤمنٌ عن دينِه، ويكونَ التوحيدُ للهِ خالصًا ليس فيه شِركٌ، ويُخلعَ ما دونَه مِن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1701 من طريق الضحاك عن ابن عباس.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1701 معلقا.

(3)

سقط من: ت 2.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1701 معلقا، كما أخرجه أيضًا في نفس الصفحة من طريق سعيد به بشطره الثانى فقط دون قوله: عليها قاتل النبي. . .

(5)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1701 من طريق أسباط به.

(6)

فى م: "يفتر".

ص: 179

الأندادِ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} . قال: حتى لا يكونَ كفرٌ {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} : لا يكونَ مع دينِكم كفرٌ

(1)

.

حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصَّمَدِ، قال: ثني أبي، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُروةَ، [عن أبيه]

(2)

، أن عبدَ الملكِ بنَ مروانَ كتَب إليه يسألُه عن أشياءَ، فكتَب إليه عروةُ: سلامٌ عليك، فإنى أحمدُ اللهَ إليك، الذى لا إله إلا هو، أما بعدُ: فإنك كتبتَ إلىَّ تَسألُنِي عن مخرَجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن مكةَ، وسأُخبرُك به، ولا حَولَ ولا قوّةَ إلَّا باللهِ:

كان من شأنِ خروجِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن مكةَ، أَنَّ اللهَ أعطاه النُّبَّوةَ، فنِعم النبيُّ ونِعمَ السيدُ، ونِعمَ العشيرةُ، فجزاه اللهُ خيرًا، وعرَّفَنا وجهَه في الجنةِ، وأحيانا على مِلَّتِه، وأماتَنا عليها، وبعثَنا عليها، وإنه لمَّا دعا قومَه لما بعثَهُ اللهُ له مِن الهُدى والنورِ الذى أَنزَل عليه، لم يَبعُدوا

(3)

منه أوَّلَ ما دَعاهم إليه، وكادوا

(4)

يَسمعون له حتى ذكَرَ طواغيتَهم، وقَدِم ناسٌ مِن الطائفِ من قريشٍ لهم أموالٌ - [أنكَر ذلك عليه

(5)

ناسٌ]

(6)

واشتدُّوا عليه، وكَرِهوا ما قال، وأغرَوا به مَن أطاعَهم، فانصَفَق

(7)

عنه

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1701 معلقا.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

في ص، م، س، ف:"ينفروا". وفي ت 1: "يتعدوا".

(4)

في م: "كانوا".

(5)

زيادة من: م.

(6)

في التاريخ: "أنكروا ذلك عليه".

(7)

فى م: "فانعطف". وانصفق عنه: رجع. اللسان (ص ف ق).

ص: 180

عامةُ

(1)

الناسِ فترَكوه، إلا من حفِظه اللهُ منهم وهم قليلٌ، فمكَث بذلك ما قدَّر اللهُ أن يمكثَ، ثم ائْتَمرت رءوسُهم بأن يَفتِنوا من اتَّبَعه عن دينِ اللهِ من أبنائِهم وإخوانِهم وقبائِلهم، فكانت فتنةٌ شديدةُ الزلزالِ، فافتُتِن من افتُتِن، وعصَم اللهُ مَن شاء منهم، فلما فُعِل ذلك بالمسلمينَ أمَرهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يَخرُجوا إلى أرضِ الحبَشةِ، وكان بالحبشةِ مَلِكٌ صالحٌ يقال له: النَّجَاشِيُّ. لا يُظْلَمُ أحدٌ

(2)

بأرضِه، وكان يُثْنَى عليه، مع ذلك صلاحٌ

(3)

، وكانت أرضُ الحبشةِ مَتْجَرًا لقريشٍ يتَّجِرون فيها، ومساكنَ لتجارتهم يجدون فيها رَفاغًا

(4)

مِن الرزقِ، وأمنًا ومتجرًا

(5)

حَسَنًا، فأمَرهم بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فذهَب إليها عامتُهم لمَّا قُهِروا بمكةَ، وخافوا عليهم الفَتْنَ، ومكَث هو فلم يَبرَحْ، فمكَث بذلك

(6)

سنواتٍ يَشتدُّون على من أسلمَ منهم، ثم إنه فشا الإسلامُ فيها، ودخَل فيه رجالٌ من

(7)

أشرافِهم ومنعتِهم؛ فلما رَأوا ذلك استَرْخَوا استرخاءةً عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعن أصحابِه، وكانت الفِتنةُ الأولى هي أخرجت مَن خرح مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قِبَل أرضِ الحبشةِ مخافتَها، وفرارًا مما كانوا فيه من الفَتْنِ والزلزالِ، فلما استُرخِى عنهم ودخَل فى الإسلامِ من دخَل منهم، تُحُدِّث بهذا الاسترخاءِ عنهم، فبلَغ ذلك من كان بأرضِ الحبشةِ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أنه قد استُرخِى عمن كان منهم بمكةَ، وأنهم لا يُفْتَنون، فرجَعوا إلى مكةَ، وكادوا

(1)

في ت 1: "طاعة".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

زيادة من التاريخ.

(4)

فى م، ف:"رتاعا"، وفى ت 1، س:"رباعا"، وفى ت 2:"رقاعا"، والمثبت من التاريخ. والرَّفْغ: السعة من العيش. تاج العروس (ر ف غ).

(5)

فى ص: "منحرا".

(6)

في النسخ: "ذلك". والمثبت من التاريخ.

(7)

بعده فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ذوى".

ص: 181

يَأْمنون بها، وجعَلوا يزدادون ويكثُرون، وأنه أسلَم من الأنصارِ بالمدينةِ ناسٌ كثيرٌ، وفشا بالمدينةِ الإسلامُ، وطَفِق أهلُ المدينةِ يَأتون رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمكة؛ فلما رأت قريشٌ ذلك، تَوامَرتْ

(1)

على أن يَفْتِنوهم ويَشْتَدُّوا

(2)

عليهم، فأخَذوهم وحَرِصوا على أن يَفْتِنوهم، فأصابَهم جَهْدٌ شديدٌ، وكانت الفِتنةَ الآخِرةَ، فكانت ثِنتين؛ فتنةً أخرَجت من خرَج منهم إلى أرضِ الحبشةِ، حينَ أمَرهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بها وأذِن لهم في الخروجِ إليها، وفتنةً لمَّا رجَعوا ورَأوا من يأتيهم مِن أهلِ المدينةِ، ثم إنه جاء رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن المدينةِ سبعون نَقِيبًا

(3)

رءوسُ الذين أسلَموا، فوافَوه بالحجِّ، فبايَعوه بالعَقَبةِ، وأعطَوه على: أنا منك وأنت منا، وعلى أن مَن جاء من أصحابِك، أو جِئْتَنا، فإنا نمنَعُك مما نَمْنَعُ منه أنفسَنا. فاشتَدَّت عليهم قريشٌ عندَ ذلك، فأمَر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أصحابَه أن يَخرُجوا إلى المدينةِ، وهى الفتنةُ الآخرةُ التي أخرَج فيها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أصحابَه وخرَج هو، وهى التى أَنزَلَ اللهُ فيها:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ الرحمنِ بنُ أبى الزِّنادِ، عن أبيه، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، أنه كتَب إلى الوليدِ: أما بعد، فإنك كتبت إلىَّ تَسألُنى عن مخرَج رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن مكةَ، وعندى بحمدِ اللَّهِ من ذلك علمٌ بكلِّ ما كتَبتَ تسألُنى عنه، وسأُخبِرُك إن شاءَ اللهُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ، ثم ذكر نحوه

(5)

.

(1)

في تفسير ابن كثير: "تآمرت": وهما بمعنى واحد.

(2)

فى م، ف:"يشدوا".

(3)

في م، ف:"نفسا".

(4)

ذكره المصنف في تاريخه 2/ 238، 329 عن عبد الوارث بن عبد الصمد به إلى قوله:"أشرافهم". وذكره ابن كثير كاملا في تفسيره 3/ 598، 599 نقلا عن المصنف.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 599.

ص: 182

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} . قال: يِسافُ ونائلةُ صَنمانِ كانا يُعبدانِ.

وأمّا قولُه: {فَإِنِ انْتَهَوْا} فإنَّ معناه: فإنِ انتَهَوا عن الفتنةِ، وهى الشركُ باللهِ، وصاروا إلى الدينِ الحقِّ معكم، {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِير} ، يقولُ: فإنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عليه ما يَعملون

(1)

من تركِ الكفرِ، والدخولِ في دينِ الإسلامِ؛ لأنه يُبصرُهم

(2)

، ويُبصرُ

(3)

أعمالَهم

(4)

، والأشياءُ كلُّها مُتَجَلِّيَةٌ له، لا تَغيبُ عنه، و {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [سبأ: 3].

وقد قال بعضُهم: معنى ذلك: فإنِ انتَهَوا عن القتالِ.

والذى قُلنا في ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ المشركينَ وإنِ انتَهَوا عن القتالِ، فإنه كان فرضًا على المؤمنين قتالهم حتى يُسلموا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإنْ أدْبرَ هؤلاء المشركون عما دعوتُموهم إليه أيها المؤمنون من الإيمانِ باللهِ ورسولِه، وتركِ قتالِكم على كفرِهم، [فأبَوا إلا الإصرارَ]

(5)

على

(1)

فى ص، س، ف:"تعملون".

(2)

فى ص: "ينصرهم"، وفى م:"يبصركم".

(3)

في ص: "ينصر".

(4)

في م: "أعمالكم".

(5)

في ت 1: "فأتوا الإضرار".

ص: 183

الكفرِ وقتالِكم، فقاتِلوهم وأيْقِنوا أن اللهَ مُعينُكم عليهم وناصركُم، {نِعْمَ الْمَوْلَى} -هو لكم- يقولُ: نِعمَ المعينُ لكم ولأوليائِه، {وَنِعْمَ النَّصِيرُ}: وهو الناصرُ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{وَإِنْ تَوَلَّوْا} عن أمرِك إلى ما هم عليه من كفرِهم، فإنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاكُمْ الذى أعزَّكم ونصَركم عليهم يومَ بدرٍ، في كثرةِ عددِهم وقلةِ عُدَدِكم، {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} .

قال أبو جعفرٍ: وهذا تعليمٌ من اللهِ عز وجل المؤمنين قسْمَ غنائمِهم إذا غنِموها، يقولُ تعالى ذِكرُه: واعْلموا أيها المؤمنون أن ما غنِمتم من غنيمةٍ.

واختلف أهلُ العلمِ في معنى الغنيمةِ والفَيْءِ؛ فقال بعضُهم: فيهما معنيان كلُّ واحدٍ منهما غيرُ صاحبِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ

(2)

بنُ عبدِ الرحمنِ، عن الحسنِ بنِ صالحٍ، قال: سألتُ عطاءَ بنَ السائبِ عن هذه الآيةِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} . وعن هذه الآيةِ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [الحشر: 7]. قال:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1702 من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه، إلى قوله: من كفرهم، كما أخرجه في 5/ 1702 من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق بالشطر الثاني بنحوه.

(2)

في ف: "عبيد".

ص: 184

قلتُ

(1)

: ما الفَىْءُ وما الغنيمةُ؟ قال: إذا ظهَر المسلمون على المشركين وعلى أرضِهم، وأخذوهم عَنوةً، فما أخذوا من مالٍ ظهَروا عليه فهو غنيمةٌ، وأما الأرضُ فهو في سوادِنا هذا فَيْءٌ

(2)

.

وقال آخرون: الغنيمةُ: ما أُخِذَ عَنْوةً، والفَيْءُ: ما كان عن صلحٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ الثوريِّ، قال: الغنيمةُ: ما أصاب المسلمون عَنوةً بقتالٍ؛ فيه الخُمُسُ وأربعةُ أخماسٍ لمن شهِدها، والفيءُ: ما صُولِحوا عليه بغيرِ قتالٍ، وليس فيه خمسٌ، هو لمن سمَّى اللهُ

(3)

.

وقال آخرون: الغنيمةُ والفَيْءُ بمعنًى واحدٍ. وقالوا: هذه الآيةُ التي في الأنفالِ ناسخةٌ قولَه: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الآية [الحشر: 7].

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر: 7]. قال: كان الفئُ فى هؤلاء، ثم نُسِخَ ذلك فى سورةِ "الأنفالِ": {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى

(1)

بعده في م: "غنمتم".

(2)

أخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه 12/ 433 عن حميد به.

(3)

أخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه 12/ 434 عن وكيع به بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (9715) عن سفيان بمعناه.

ص: 185

وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ}. فنسَخت هذه ما كان قبلَها في سورةِ "الحشرِ"، وجُعِلَ الخُمُسُ لمن كان له الفئُ فى سورةِ "الحشرِ"، وسائرُ ذلك لمن قاتل عليه

(1)

.

وقد بيَّنا فيما مضَى الغنيمةَ، وأنها المالُ يُوصلُ إليه من مالِ من خوَّل اللهُ مالَه أهلَ دينِه، بغلبةٍ عليه وقهرٍ بقتالٍ

(2)

.

فأما الفيءُ فإنه ما أفاءه اللهُ على المسلمين من أموالِ أهلِ الشركِ، وهو ما ردَّه عليهم منها بصُلْحٍ من غيرِ إيجافِ

(3)

خيلٍ ولا ركابٍ. وقد يجوزُ أَن يُسَمَّى ما رَدَّتْه عليهم منها سيوفُهم ورماحُهم وغيرُ ذلك من سلاحِهم فيئًا، لأن الفيءَ إنما هو مصدرٌ من قولِ القائلِ: فاء الشيءُ يفئُ فيئًا. إذا رجَع، وأفاءه اللهُ: إذا ردَّه.

غيرَ أن الذى ردَّ

(4)

حُكْمَ اللهِ فيه من الفيءِ بحُكْمِه

(5)

في سورةِ "الحشرِ"، إنما هو ما وصفتُ صفتَه من الفيءِ دونَ ما أُوجِفَ عليه منه بالخيلِ والركابِ؛ لعللٍ قد بَيَّنْتُها في كتابِنا "كتابِ لطيفِ القولِ فى أحكامِ شرائعِ الدينِ) وسَنُبيِّنُه أيضًا في تفسيرِ سورةِ "الحشرِ" إذا انتهينا إليه إن شاء اللهُ تعالى.

وأما قولُ مَن قال: الآية فى سورةِ "الأنفالِ" ناسخةٌ الآيةَ في سورةِ "الحشرِ"، فلا معنَى له، إذ كان لا معنَى في إحدى الآيتين يَنْفِى حُكْمَ الأخرى. وقد بيَّنا أن معنَى النسخِ هو نفىُ حكمٍ قد ثبَت بحكمٍ خلافُه في غيرِ موضعٍ بما أغنَى عن إعادتِه

(1)

عزاه السيوطى فى الدر المنثور 6/ 192، 193 إلى عبد بن حميد، وينظر الناسخ والمنسوخ ص 703.

(2)

تقدم ص 5 - 12.

(3)

أوجفه: حثّه. والإيجاف: التحريك والإسراع. التاج (و ج ف).

(4)

فى م: "ورد".

(5)

في م: "يحكيه".

ص: 186

في هذا الموضعِ

(1)

.

وأما قولُه: {مِنْ شَيْءٍ} فإنه مرادٌ به كلُّ ما وقَع عليه اسمُ شيءٍ مما خوَّله اللهُ المؤمنين من أموالِ من غلَبوا على مالِه من المشركين مما وقَع فيه القَسْمُ حتى الخيطِ والمخْيطِ. كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قوله:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} . قال: المِخْيَطُ من الشيءِ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه

(3)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} .

اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} ، مِفتاحُ كلامٍ، وللهِ الدنيا والآخرةُ وما فيهما، وإنما معنى الكلامِ: فأن للرسولِ

(5)

خمسَه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ،

(1)

تقدم في 2/ 388 - 390.

(2)

تفسير سفيان ص 119، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 5/ 242 (9495)، وابن أبي حاتم 5/ 1702 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 185 إلى أبى الشيخ.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 12/ 434 عن وكيع به.

(4)

أخرجه ابن زنجويه فى الأموال (1237) عن أبي نعيم به.

(5)

في ت 2: "لله".

ص: 187

قال: سألتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} . قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ الدنيا والآخرةُ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ بنَ محمدٍ عن قولِه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} . قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ الدنيا والآخرةُ.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: ثنا أبو شِهابٍ، عن وَرْقاءَ، عن نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا بعث سريةً، فغنِموا خمَّس الغنيمةَ، فضرَب ذلك الخمسَ فى خمسةٍ، ثم قرَأ:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} . قال: وقولُه: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} . مِفْتاحُ كلامٍ، للهِ ما في السماواتِ وما فى الأرضِ، فجعَل اللهُ سهمَ اللهِ وسهمَ الرسولِ واحدًا"

(2)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ:{فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} . قال: للهِ كلُّ شيءٍ

(3)

.

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ فى قولِه:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} . قال: اللهِ

(4)

كلُّ شيءٍ، وخُمُسٌ للهِ ورسولِه، ويُقسَمُ ما سوى ذلك على أربعةِ أسهمٍ

(5)

.

(1)

سيأتى تخريجه في ص 196.

(2)

أخرجه الطبراني (12660) من طريق أحمد بن يونس به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 185 إلى أبي الشيخ وابن مردويه.

(3)

أخرجه ابن أبى شيبة 12/ 431 عن جرير به، وأخرجه أبو يوسف فى الخراج ص 102 عن مغيرة به.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(5)

أخرجه ابن زنجويه في الأموال (76)، وعبد بن حميد، ومن طريقه ابن حزم في المحلى 7/ 533 من طريق =

ص: 188

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت الغنيمةُ تُقْسَمُ خمسةَ أخماس، فأربعةُ أخماسٍ لمَن قاتَل عليها، ويُقْسَمُ الخُمُس الباقى على خمسةِ أخماسٍ، فخُمُسٌ للهِ والرسولِ

(1)

.

حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا أبانٌ، عن الحسنِ، قال: أوْصَى أبو بكرٍ رضي الله عنه بالخُمُسِ مِن مالِه، وقال: أَلا أَرْضَى مِن مالى بما رضِي اللهُ لنفسِه

(2)

!

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} . قال: حُمُسُ اللَّهِ وخُمُسُ رسولِه واحدٌ، كان النبىُّ صلى الله عليه وسلم يَحْمِلُ منه، ويَصْنَعُ

(3)

فيه ما شاء

(4)

.

حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن أصحابِه، عن إبراهيمَ:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} . قال: كلُّ شيءٍ للهِ، الخمُسُ للرسولِ ولذى القُرْبى واليَتامَى والمساكينِ وابن السبيلِ.

وقال آخَرون: معنى ذلك: فإن لبيتِ اللَّهِ خُمُسَه وللرسولِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجرَّاحِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ

= ابن عون به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه 2/ 254 (2677)، ومن طريقه البيهقى 6/ 338 عن هشيم به.

(1)

أخرجه عبد بن حميد ومن طريقه ابن حزم في المحلى 7/ 533 من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 185 إلى عبد الرزاق بنحوه، وسيأتى بتمامه في سورة الحشر آية 7.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 4 نقلًا عن المصنف.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يضع".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1703، والبيهقى 6/ 338 من طريق ابن فضيل به، وأخرجه أبو عبيد في =

ص: 189

ابنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ الرِّياحيِّ، قال: كان رسولُ اللَّهِ يُؤْتَى بالغنيمة، فيَقْسِمُها على خمسةٍ، تكونُ أربعةُ أخماسٍ لمن شهِدها، ثم يَأْخُذُ الخمسَ فيَضْرِبُ بيدِه فيه، فيَأْخُذُ منه الذى قبَض كفُّه فيَجْعَلُه للكعبةِ، وهو سهمُ اللَّهِ، ثم يَقْسِمُ ما بقى على خمسةِ أسهمٍ، فيكونُ سهمٌ للرسولِ، وسهمٌ لذوى القُرْبى: وسهمٌ لليَتامَى، وسهمٌ للمساكينِ، وسهمٌ لابن السبيلِ

(1)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} إلى آخرِ الآيةِ. قال: فكان يُجاءُ بالغَنيمةِ، فتُوضَعُ فَيَقْسِمُها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خمسةَ أسهمٍ، فيَجْعَلُ أربعةً بينَ الناسِ، ويَأْخُذُ سهمًا، ثم يَضْرِبُ بيدِه فى جميعِ ذلك السهمِ، فما قبَض عليه مِن شيءٍ جعَله للكعبةِ، فهو الذى سُمِّى للَّهِ، ويقولُ:"لا تَجْعَلوا للهِ نصيبًا، فإن للَّهِ الدنيا والآخرةَ". ثم يَقْسِمُ نصيبَه

(2)

على خمسةِ أسهمٍ؛ سهمٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وسهمٍ لذَوِى القُرْبى، وسهمٍ لليَتامَى، وسهمٍ للمساكينِ، وسهمٍ لابنِ السبيلِ.

وقال آخرون: ما سُمِّى لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن ذلك فإنما هو مرادٌ به قرابتُه، وليس للهِ ولا لرسولِه منه شيءٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ

= الأموال (838)، وابن أبي شيبة 12/ 431، وابن زنجويه فى الأموال (1230)، والنسائي (4153)، والطحاوي في معانى الآثار 3/ 281 من طريق عبد الملك به نحوه.

(1)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 31 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 429 عن وكيع به، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (836)، وابن زنجويه فى الأموال (71، 1227)، وأبو داود في المراسيل ص 128، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1703، والطحاوى فى شرح معاني الآثار 3/ 276 من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 185 إلى ابن المنذر.

(2)

فى م: "بقيته".

ص: 190

عباسٍ، قال: كانت

(1)

الغنيمةُ تُقْسَمُ على خمسةِ أخْماسٍ، فأربعةٌ منها لمَن قاتلَ عليها، وحُمُسٌ واحدٌ يُقْسَمُ على أربعةٍ، فرُبعٌ للهِ والرسولِ ولذِى القُرْبى -يعنى قرابةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم- فما كان للهِ والرسولِ فهو لقرابةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يَأْخُذِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن الخُمُسِ شيئًا، والربُعُ

(2)

الثانى لليَتامَى، والربعُ

(2)

الثالثُ للمَساكينِ، والربعُ

(2)

الرابعُ لابنِ السبيلِ

(3)

.

وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: قولُه: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} افتتاحُ كلامٍ، وذلك لإجماعِ الحجَّةِ على أن الخُمُسَ غيرُ جائزٍ قَسْمُه على ستةِ أسهمٍ، ولو كان للهِ فيه سهمٌ، كما قال أبو العاليةِ، لوجَب أن يكونَ خمسُ الغَنيمةِ مَقْسومًا على ستةِ أسهمٍ. وإنما اختَلَف أهلُ العلمِ في قسمِه على خمسةٍ فما دونَها، فأما على أكثرَ مِن ذلك، فما لا نَعْلَمُ قائلًا قاله غيرَ الذي ذكَرْنا مِن الخبرِ عن أبى العاليةِ. وفى إجماعِ مَن ذكَرْتُ الدلالةُ الواضحةُ على صحةِ ما اخْتَرْنا.

فأما مَن قال: سهمُ الرسولِ كان لذوِى القربى. فقد أوْجَب للرسولِ سهمًا وإن كان صلى الله عليه وسلم صرَفه إلى ذَوِى قَرابتِه، فلم يَخْرُجْ مِن أن يكونَ القَسْمُ كان على خمسةِ أسهمٍ.

وقد حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الآية. كان نبيُّ

(1)

فى ص، ت 1، ت 2، س:"ما كانت".

(2)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الخمس".

(3)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (37، 835)، وابن زنجويه فى الأموال (77، 1225)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1704 - 1706، والطحاوى فى شرح معانى الآثار 3/ 276 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 185 إلى ابن المنذر.

ص: 191

اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا غنِم غَنيمةً جُعِلَت أَخْماسًا، فكان خمسٌ للهِ ولرسولِه، ويَقْسِمُ المسلمون ما بقى، وكان الخمسُ الذى جُعِل للهِ ولرسولِه - لرسولِه

(1)

ولذوِي القربَى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ، فكان هذا الخمسُ خمسةَ أخماسٍ؛ خمسٌ للَّهِ ورسولِه، وخمسٌ لذوى القربي، وخمسٌ لليتامى، وخمسٌ للمساكينِ، وخمسٌ لابنِ السبيلِ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبى عائشةَ، قال: سأَلْتُ يحيى بنَ

(2)

الجَزَّارِ عن سهمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: هو خمسُ الخمسِ

(3)

.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ وجريرٌ، عن موسى بنِ أبى عائشةَ، عن يحيى بنِ الجزارِ مثلَه

(4)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن يحيى بنِ الجزارِ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ:{فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} . قال: أربعةُ أخماسٍ لمن حضَر البَأْسَ، والخمسُ الباقِي للهِ

(1)

سقط من النسخ، وقد أثبتها الشيخ شاكر مِن مطبوعته، وهي زيادة يقتضيها السياق.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (35، 833) عن عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (9486)، وابن أبى شيبة 12/ 430، وابن زنجويه فى الأموال (74، 1223)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 281 من طريق سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (2678)، وابن زنجويه في (1222)، والنسائى (4155) من طريق موسى بن أبى عائشة به.

(4)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (34، 832)، وابن أبى شيبة 12/ 430، والبيهقى 6/ 338 من طريق جرير به.

ص: 192

وللرسولِ؛ خمسُه يَضَعُه حيث رأَى، وخمسُه لذوي القربي، وخمسُه لليتامى، وخمسُه للمساكين، ولابنِ السبيلِ خمسُه

(1)

.

وأما قولُه: {وَلِذِي الْقُرْبَى} . فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فيهم؛ فقال بعضُهم: هم قرابةُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن بنى هاشمٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن شَرِيكٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان آلُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ، فجُعِل لهم خمسُ الخمسِ

(2)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأهلُ بيتِه لا يَأْكُلون الصدقةَ، فجُعِل لهم خمسُ الخمسِ.

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: قد علِم اللهُ أن فى بنى هاشمٍ الفقراءَ، فجعَل لهم الخمسَ مكانَ الصدقةِ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بنُ يحيى المُزَنىُّ، عن السدىِّ، عن [أبي الديلمِ]

(4)

، قال: قال علىُّ بنُ الحسينِ رحمةُ اللَّهِ

(1)

ذكره ابن المنذر فى الأوسط 11/ 103.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 215، 12/ 435 عن وكيع به، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (72) من طريق شريك به.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 7 عن خصيف به، وعزاه إلى المصنف.

(4)

فى م: "ابن الديلمي". وهو أبو الديلم حذلم بن بشير. الإكمال 2/ 405.

ص: 193

عليه لرجلٍ مِن أهلِ الشأْمِ: أما قرَأْتَ فى "الأنفال": {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الآيةَ؟ قال: نعم. قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم

(1)

.

حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: هؤلاء قَرابةُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الذين لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن نَجْدةَ كتب إليه يَسْأَلُه [عن ذَوِى القُرْبى]

(2)

، فكتَب إليه:[كُنَّا نَزْعُمُ]

(3)

أنا نحن هم، فأبَى ذلك علينا قومُنا

(4)

.

قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ:{فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} . قال: أربعةُ أخْماسٍ لمن حضَر البَأْسَ، والخمسُ الباقى للهِ وللرسولِ، خمسُه يَضَعُه حيثُ رأَى، وخمسٌ لذوى القربى، وخمسٌ لليتامى، وخمسٌ

(5)

للمساكين، ولابنِ السبيلِ خمسُه.

وقال آخرون: بل هم قريشٌ كلُّها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ نافعٍ، عن أَبي مَعْشَرٍ،

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 7 عن على بن الحسين، وعزاه إلى المصنف. وينظر ما سيأتي في 14/ 563، 19/ 106، 20/ 498، 499.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س:"عنه".

(3)

في م: "كتابا نزعم". وفى ت 1، س، ف:"كتابا يزعم". وما أثبتناه هو مقتضى ما في مصدرى التخريج.

(4)

أخرجه أحمد 3/ 432 (1967) عن أبى معاوية مطولًا، وأبو يعلى 5/ 41 (3630) من طريق عطاء به بنحو حديث أحمد.

(5)

سقط مِن: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

ص: 194

عن سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، قال: كتَب نَجْدَةُ إلى ابنِ عباسٍ يَسْأَلُه عن ذى القربي، قال: فكتَب إليه ابنُ عباسٍ: قد كنا نقولُ: إنا هم. فأبَى ذلك علينا قومُنا، وقالوا: قريشٌ كلُّها ذوو قربي

(1)

.

وقال آخرون: سهمُ ذى القربى كان لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثم صار مِن بعدِه لولىِّ الأمر مِن بعدِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه سُئِل عن سهمِ ذى القربى، فقال: كان طُعْمةً لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما كان حيًّا، فلما تُوُفِّيَ جُعِل لولىِّ الأمر مِن بعدِه.

وقال آخرون: بل سهمُ ذى القربى كان لبنى هاشمٍ وبنى المطَّلبِ خاصةً.

وممن قال ذلك الشافعىُّ، وكانت علَّتُه فى ذلك ما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونُسُ بن بكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني الزهرىُّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن جبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، قال: لما قسَم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سهمَ ذى القربي مِن خيبرَ علي بني هاشمٍ وبنى المطلبِ مشَيْتُ أنا وعثمانُ بنُ عفانَ رضي الله عنه، فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، هؤلاء إخوتُك بنو هاشمٍ، لا نُنْكِرُ فضلَهم؛ لمكانِك الذى جعَلك اللهُ به منهم، أرأَيْتَ إخوانَنا بنى المطلبِ، أعْطَيْتَهم وتَركْتَنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلةِ

(1)

أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (851)، وابن أبي شيبة 12/ 472 من طريق أبي معشر به، وأخرجه الحميدى (532)، وأحمد 5/ 310 (3264)، ومسلم (1812/ 139)، والنسائي في الكبرى (8617)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1704، والطبراني (10832)، وابن حزم في المحلى 7/ 532، والبيهقي 6/ 435 مِن طريق إسماعيل بن أمية عن سعيد المقبري عن يزيد بن هرمز عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (9455) من طريق إسماعيل بن أمية أن نجدة كتب إلى ابن عباس. . .، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 186 إلى الشافعى وابن المنذر وابن مردويه. وينظر الشافعي 7/ 342.

ص: 195

واحدةٍ. فقال: "إنهم لم يُفارِقونا فى جاهليةٍ ولا إسلامٍ، إنما بنو هاشمٍ وبنو المطلبِ شيءٌ واحدٌ". ثم شبَّك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يديه إحداهما بالأخرى

(1)

.

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: سهمُ ذى القربي كان لقَرابةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن بنى هاشمٍ وحلفائِهم مِن بنى المطلبِ؛ لأن حليفَ القومِ منهم، ولصحةِ الخبرِ الذي ذكَرْناه بذلك عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

واخْتَلَف أهلُ العلمِ في حكمِ هذين السهمين -أعنى سهمَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وسهمَ ذى القربي- بعدَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ فقال بعضُهم: يُصْرَفان في مَعونةِ الإسلامِ وأهلِه.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يُونُسَ، قال: ثنا أبو شِهابٍ، عن وَرْقاءَ، عن نَهْشَلٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جُعِل سهمُ اللهِ

(2)

وسهمُ الرسولِ واحدًا، ولذى القربى، فجُعِل هذان السهمان في الخيلِ والسلاحِ، وجُعِل سهمُ اليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ، لا يُعْطَى غيرَهم

(3)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ.

(1)

أخرجه البيهقى 6/ 341 من طريق يونس بن بكير به، وأخرجه أبو يوسف في الخراج ص 102، 103، والشافعي في الأم 4/ 146، 147، وأبو عبيد في الأموال (843)، وابن أبي شيبة 14/ 460، وأحمد 27/ 304 (16741)، وأبو داود (2980)، والنسائى (4148)، وأبو يعلى (7399)، وابن المنذر في الأوسط 11/ 98، والطحاوى 3/ 283، ومحمد بن نصر المروزى فى السنة ص 50 رقم (158)، والطبراني (1591، 1592، 1593) مِن طريق ابن إسحاق به، وأخرجه أحمد 27/ 338 (16782)، وابن زنجويه (1242، 1243)، والبخاري (3140، 3502، 4229)، وأبو داود (2978، 2979)، والنسائى (4147)، وابن ماجه (2881)، والبيهقى 2/ 149، 150، 6/ 340 - 342، والبغوى (2736) من طريق ابن شهاب به.

(2)

بعده في ف: "له".

(3)

هو بقية الأثر المتقدم ص 188.

ص: 196

قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِ اللَّهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} . قال: هذا مِفْتاحُ كلامٍ؛ للَّهِ الدنيا والآخرةُ. ثم اختلف الناسُ في هذين السهمين بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال قائلون: سهمُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لقرَابةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وقال قائلون: سهمُ القرابةِ لقرابةِ الخليفةِ. واجْتَمَع رأيُهم أن يَجْعَلوا هذين السهمين في الخيلِ والعُدَّةِ في سبيلِ اللَّهِ، فكانا على ذلك في خلافةِ أبي بكرٍ [وعمرَ رضي الله عنهما]

(1)

(2)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ بنَ محمدٍ، فذكر نحوَه.

حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرُ

(3)

بنُ عبيدٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما يَجْعَلان سهمَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فى الكُرَاعِ والسلاحِ، فقلتُ لإبراهيم: ما كان علىٌّ رضي الله عنه يقولُ فيه؟ قال: كان علىٌّ أشدَّهم فيه

(4)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي

(1)

في ص: "رحمة الله عليه". وفي ت 1، ت 2، س، ف:"رضي الله عنه". وينظر مصادر التخريج.

(2)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (39، 837، 847)، والحاكم 2/ 128، والبيهقي في السنن 6/ 338، 342 من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (9382)، وابن أبي شيبة 12/ 431، 471، 472، وابن زنجويه فى الأموال (75، 1247)، والنسائي (4154)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1702، والطحاوى فى شرح معانى الآثار 3/ 234، 277 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 185 إلى أبى الشيخ.

(3)

فى ف: "عمرو".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 6 عن المصنف.

ص: 197

الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} الآية. قال ابنُ عباسٍ: فكانت الغَنيمةُ تُقْسَمُ على خمسةِ أخماسٍ؛ أربعةٍ بينَ مَن قاتَل عليها، وخمسٍ واحدٍ يُقْسَمُ على أربعةٍ؛ للَّهِ وللرسولِ، ولذى القربى -يعنى قرابةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم- فما كان للهِ وللرسولِ فهو لقَرابةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يَأْخُذِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن الخمسِ شيئًا، فلما قبَض اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم، ردَّ أبو بكرٍ رضي الله عنه نصيبَ القرَابةِ فى المسلمين، فجعَل يَحْمِلُ به في سبيلِ اللَّهِ، لأن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ"

(1)

.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أنه سُئِل عن سهمِ ذى القربى، فقال: كان طُعمةً لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلما تُوُفِّى حمَل عليه أبو بكرٍ وعمرُ في سبيلِ اللهِ صدقةً على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: سهم ذوي القربى مِن بعدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مع سهمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى والى

(2)

أمرِ المسلمين.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن عمرانَ بنِ ظَبْيان، عن حُكَيمِ بنِ سعدٍ، عن علىٍّ رضي الله عنه، قال: يُعْطَى كُلُّ إنسانٍ نصيبه مِن الخمسِ، ويلى الإمامُ سهمَ اللهِ ورسولِه.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أنه سُئِل عن

(1)

تقدم في ص 191 دون قوله: "فلما قبض. . ." إلخ -وينظر الأثر السابق- ودون المرفوع منه. وقد أخرج المرفوع البخاري (3093، 3712، 4036، 5358، 6726، 6727، 7305) من حديث أبي بكر وعائشة وغيرهما. وأخرجه مسلم [(1757/ 49، 50) 1758، 1759] من حديث عائشة ومالك ابن أوس.

(2)

فى م: "ولي".

ص: 198

سهمِ ذوِي القربي، فقال: كان طُعْمةً لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما كان حيًّا، فلما تُوُفِّى جُعِل لولىِّ الأمرِ مِن بعدِه.

وقال آخرون: سهمُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مردودٌ في الخمسِ، والخمسُ مَقْسومٌ على ثلاثةِ أسهمٍ؛ على اليتامى، والمساكينِ، وابنِ السبيلِ، وذلك قولُ جماعةٍ مِن أهلِ العراقِ.

وقال آخرون: الخمسُ كلُّه لقَرابةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الغَفَّارِ، قال: ثنا المِنْهَالُ بنُ عمرٍو، قال: سأَلْتُ عبد الله بنَ محمدِ بنِ علىٍّ، وعلىَّ بنَ الحسينِ عن الخمسِ، فقال: هو لنا. فقلتُ لعلىٍّ: إن الله يقولُ: {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} . فقال: يتامانا ومَساكينُنا

(1)

.

والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن سهمَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مردودٌ في الخمسِ، والخمسُ مقسومٌ على أربعة أسهمٍ، على ما رُوِى عن ابنِ عباسٍ؛ للقَرابةِ، سهمٌ، ولليتامى سهمٌ، وللمساكين سهمٌ، ولابنِ السبيلِ سهمٌ؛ لأن اللَّهَ أَوْجَب الخمسَ لأقوامٍ موصوفين بصفاتٍ، كما أوْجَب الأربعةَ الأخماسِ لآخرين، وقد أجْمَعوا أن حقَّ الأربعةِ الأخماسِ لن يَسْتَحِقَّه غيرُهم، فكذلك حقُّ أهلِ الخمسِ لن يَسْتَحِقَّه غيرُهم، فغيرُ جائزٍ أن يَخْرُجَ عنهم إلى غيرِهم، كما غيرُ جائزٍ أن تَخْرُجَ بعضُ السُّهمانِ التي جعَلها اللهُ لمن سماه في كتابِه بفقدِ بعضِ مَن يَسْتَحِقُه إلى غيرِ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 6 وعزاه إلى المصنف.

ص: 199

أهلِ السُّهمانِ الأُخَرِ.

وأما اليتامى فهم أطفالُ المسلمين الذين قد هلَك آباؤُهم، والمساكينُ هم أهلُ الفاقةِ والحاجةِ مِن المسلمين، وابنِ السبيلِ المُجْتازُ سفرًا قد انقُطِع به.

كما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الخمسُ الرابعُ لابنِ السبيلِ، وهو الضيفُ

(1)

الفقيرُ الذي يَنْزِلُ بالمسلمين

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: أيْقِنوا أيُّها المؤمنون أنما غنِمْتُم مِن شَيءٍ فمقسومٌ القَسْمَ الذي بيَّنْتُه، وصدِّقوا به إن كنتم أقْرَرْتُم بوَحْدانية اللهِ، وبما أَنْزَلَ اللهُ على عبدِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم يومَ فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ ببدرٍ، فأبان فَلَجَ المؤمنين وظهورَهم على عدوِّهم، وذلك {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} ؛ جمعُ المؤمنين، وجمعُ المشركين، واللهُ على إهلاكِ أهلِ الكفرِ وإذْلالِهم بأيدى المؤمنين، وعلى غيرِ ذلك مما يَشاءُ {قَدِيرٌ} ، لا يمتنعُ عليه شيءٌ أراده.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ

(1)

فى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الضعيف". وينظر مصادر التخريج.

(2)

تقدم أوله في ص 190، 191.

ص: 200

عباسٍ قولَه: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} . يعنى بالفرقانِ يومَ بدرٍ، فرَق اللهُ فيه بينَ الحقِّ والباطلِ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(2)

.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزبير. [وإسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ]

(3)

-يَزيدُ أحدُهما على صاحبِه- في قولِه: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} : يومَ فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ، وهو يومُ بدرٍ، وهو أولُ مَشْهَدٍ شهِده رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكان رأسَ المشركين عتبةُ بنُ ربيعةَ، فالْتَقَوْا يومَ الجمعةِ لتسعَ عشْرةَ ليلةً مضَتْ مِن شهرِ رمضانَ، وأصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثلاثُ مائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا، والمشركون ما بينَ الألفِ والتسعِ مائةٍ، فهزَم اللهُ يومَئذٍ المشركين، وقُتِل منهم زيادةٌ على سبعين، وأُسِر منهم مثلُ ذلك

(4)

.

حدَّثنا محمد بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن مِقْسَمٍ:{يَوْمَ الْفُرْقَانِ} . قال: يومَ بدرٍ، فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1706 (9101)، والحاكم في المستدرك 3/ 23، والبيهقي في دلائل النبوة 3/ 120 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 187، 188 إلى أبي الشيخ وابن مردويه.

(2)

تفسير مجاهد ص 355، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1706 معلقًا.

(3)

سقط مِن: ت 2، س، ف.

(4)

مصنف عبد الرزاق (9726).

ص: 201

عثمانَ الجزريِّ، عن مِقْسَمٍ فى قولِه:{يَوْمَ الْفُرْقَانِ} . قال: يومَ بدرٍ، فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} : يومَ بدرٍ، وبدرٌ بينَ المدينةِ ومكةَ

(2)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثني يحيى بنُ يعقوبَ أبو طالبٍ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّهِ الثَّقفيِّ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمىِّ عبدِ اللهِ بنِ حَبيبٍ، قال: قال الحسنُ بنُ علىِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه: كانت ليلةُ الفرقانِ يومَ الْتَقَى الجمعان لسبعَ عشْرةَ مِن شهرِ رمضانَ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ:{يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} . قال ابنُ جريجٍ: قال ابن كثيرٍ: يومَ بدرٍ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابنِ إسحاقَ:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} . أَىْ: يومَ فُرِق

(4)

بينَ الحقِّ والباطلِ بقدرتى

(5)

، يومَ الْتَقَى الجمعان منكم ومنهم

(6)

.

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 259.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1706 بهذا الإسناد، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 187 إلى أبي الشيخ وابن مردويه.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 9 عن المصنف، وقال: إسناد جيد قوى، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 188 إلى المصنف.

(4)

في سيرة ابن هشام: "فرقت".

(5)

في م: "ببدر أي".

(6)

سيرة ابن هشام 1/ 672.

ص: 202

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} : وذاكم يومُ بدرٍ، يومَ فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: أيْقِنوا أيُّها المؤمنون، واعْلَموا أَن قَسْمَ الغَنيمة على ما بيَّنه لكم ربُّكم، إن كنتم آمَنْتُم باللهِ وما أَنْزَل على عبدِه يومَ بدرٍ، إذ فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ، مِن نصرِ رسولِه، {إِذْ أَنْتُمْ} حينئذٍ {بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا}. يقولُ: بشَفيرِ الوادى الأدنَى إلى المدينةِ، {وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى}. يقولُ: وعدوُّكم مِن المشركين نزولٌ بشَفيرِ الوادى الأقصى إلى مكةَ، {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ}. يقولُ: والعِيرُ فيه أبو سفيانَ وأصحابُه في موضعٍ أسفلَ منكم إلى ساحلِ البحرِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا} . قال: شَفيرِ الوادى الأدنى، وهم بشَفيرِ الوادى الأقْصَى. {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ}. قال: أبو سفيانَ وأصحابُه أسفلَ منهم

(2)

.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1706 معلقًا، وابن كثير في تفسيره 4/ 9.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1707 من طريق محمد بن عبد الأعلى ببعضه، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 259 عن معمر به.

ص: 203

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} : وهما شَفيرا الوادى، كان نبيُّ اللهِ أعلى الوادى، والمشركون بأسفلِه، {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} . يعنى أبا سفيانَ، انجَذَم

(1)

بالعيرِ على حَوْزِيَّته

(2)

حتى قدِم بها مكةَ.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} : مِن الوادى إلى مكةَ، {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ}. أي: عيرُ أبي سفيانَ التي خرَجْتُم لتَأْخُذوها وخرَجوا ليَمنَعوها عن غيرِ مِيعادٍ منكم ولا منهم

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} . قال: أبو سفيانَ وأصحابُه مُقْبِلون مِن الشامِ تُجَّارًا، لم يَشْعُروا بأصحابِ بدرٍ، ولم يَشْعُرْ محمدٌ صلى الله عليه وسلم بكفارِ قريشٍ، ولا كفارُ قريشٍ بمحمدٍ وأصحابِه، حتى الْتَقى

(4)

على ماءِ بدرٍ مَن يَسْتَقِى لهم كلِّهم، فاقْتَتَلوا، فغلبهم أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأسَرُوهم.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

(1)

في ص: "اتخذم". وفى م: "انحدر". وفى ت 1، ت 2، س، ف:"اىحدم" قال ابن الأثير: ومنه حديث قتادة في قوله تعالى: {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} قال:"انجذم أبو سفيان بالعير". أي: انقطع بها من الركب وسار. اهـ. النهاية 1/ 252.

(2)

في ص، ت 2، س، ف:"حورىىه" وفى م: "حوزته" وفى ت 1: "حوريته". والحوزِيَّة المنحازة عن الإبل لا تخالطها. وقيل: بل التي عندها سير مذخور من سيرها مصون لا يدرك. اللسان (ح و ز).

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 672.

(4)

في م: "التقيا".

ص: 204

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: ذكرَ منازلَ القومِ والعيرِ، فقال:{إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} ، والرَّكبُ هو أبو سفيانَ

(2)

{أَسْفَلَ مِنْكُمْ} . على شاطئ البحرِ.

واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ} . فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدنيين والكوفيين: {بِالْعُدْوَةِ} ، بضمِّ العينِ

(3)

. وقرَأَه بعضُ المكيين والبصريين: (بالعِدْوَةِ) بكسرِ العينِ

(4)

. وهما لغتان مشهورتان بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

يُنْشَدُ بيتُ الراعي

(5)

:

وعينان حُمْرٌ

(6)

مآقِيهما

كما نظَر العِدْوةَ الجُؤْذَرُ

(7)

بكسرِ العينِ مِن العِدْوةِ، وكذلك يُنْشَدْ بيتُ أوسِ بنِ حَجَرٍ

(8)

:

(1)

تفسير مجاهد ص 355. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 188 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

بعده في م: "وعيره".

(3)

هى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 306، والتيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الداني ص 94.

(4)

هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص 306، والتيسير ص 94.

(5)

ديوانه ص 118.

(6)

كذا في النسخ، ولعله خطأ من النساخ. والذى فى الديوان "حُرٍّ". يريد أن عينيها جميلتان واسعتان تتحركان يمينًا وشمالًا.

(7)

الجؤذر: ولد البقرة الوحشية. التاج (ج ذ ر).

(8)

ديوانه ص 104.

ص: 205

وفارِسٍ [لو تَحُلُّ الخيلُ]

(1)

عِدْوَتَه

ولَّوْا سِراعًا وما هَمُّوا بإقْبالِ

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} .

يعنى تعالى ذكرُه: ولو كان اجْتماعُكم في الموضعِ الذى اجْتَمَعْتُم فيه أنتم

(2)

أيُّها المؤمنون، وعدوُّكم مِن المشركين عن مِيعادٍ منكم ومنهم، {لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} ؛ لكثرةِ عددِ عدوِّكم، وقلةِ عددِكم، ولكنَّ اللهَ جمَعَكم على غيرِ مِيعادٍ بينَكم وبينَهم؛ {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} ، وذلك القضاءُ مِن اللهِ كان نصرَه أولياءَه مِن المؤمنين بالله ورسولِه، وهلاكَ أعدائِه وأعدائهم ببدرٍ؛ بالقتلِ والأسْرِ.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} : ولو كان ذلك عن مِيعادٍ منكم ومنهم، ثم بلَغَكم كثرةُ عددِهم وقلةُ عددِكم ما لقِيتُموهم، {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}. أى: ليَقْضِيَ اللهُ ما أراد بقدرتِه مِن إعزازِ الإسلامِ وأهلِه، وإذلالِ الشركِ وأهلِه، عن غيرِ ملأٍ

(3)

منكم، ففعَل ما أراد مِن ذلك بلطفِه

(4)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال

(5)

: أَخْبَرنى يونُسُ عن

(6)

ابنِ

(1)

في الديوان: "لا يحل الحى"

(2)

في م: "أنتما".

(3)

في م، ف:"بلاء".

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 672.

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ابن زيد قال"، وفى م:"قال ابن زيد". وسيأتي على الصواب في 12/ 58.

(6)

سقط من: م.

ص: 206

شهابٍ، قال: أخبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن كعبِ بنِ مالكٍ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ كعبٍ، قال: سَمِعْتُ كعبَ بنَ مالكٍ يقولُ في غزوةِ بدرٍ: إنما خرَج

(1)

رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم والمسلمون يُريدون عِيرَ قريشٍ، حتى جمَع اللهُ بينَهم وبينَ عدوِّهم على غيرِ مِيعادٍ

(2)

.

حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابنِ عونٍ، عن عميرِ

(3)

بنِ إسحاقَ، قال: أقْبَل أبو سفيانَ فى الركْبِ مِن الشامِ، وخرَج أبو جهلٍ ليَمْنَعَه مِن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، فالْتَقَوْا ببدرٍ، ولا يَشْعُرُ هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى الْتَقَت السُّقاةُ، قال: ونهَد

(4)

الناسُ بعضُهم لبعضٍ

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: ولكنَّ الله جمَعَهم هنالك ليَقْضِىَ أمرًا كان مفعولًا؛ {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} .

وهذه اللامُ فى قولِه: {لِيَهْلِكَ} . مكرَّرةٌ على اللامِ في قولِه: {لِيَقْضِيَ} . كأنه قال: ولكن ليَهْلِكَ مَن هلَك عن بينةٍ، جمَعكم.

ويعنى بقولِه: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} : ليموتَ مَن مات مِن

(1)

في ص، ت 1، ف:"يخرج". وفي س: "مخرج".

(2)

سيأتي بطوله في 12/ 58.

(3)

فى ص، م، ت 1:"عمر"، وفى ف:"عمرو"، والمثبت مِن مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 22/ 369.

(4)

فى م: "نظر". ونهد القوم لعدوهم: إذا صمدوا له وشرعوا في قتاله. التاج (ن هـ د).

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 10 عن المصنف.

ص: 207

خلقِه عن حُجَّةٍ للهِ قد أُثْبِتَت له، وقطَعَت عُذرَه، وعبرةٍ قد عايَنها ورآها، {وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}. يقولُ: ولِيعِيشَ

(1)

مَن عاش منهم عن حُجَّةٍ للهِ قد أُثْبِتَت له، وظهَرَت لعينِه، فعلِمها، جمَعَنا بينَكم وبينَ عدوِّكم هنالك.

وقال ابنُ إسحاقَ فى ذلك بما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} [أي: لِيَكْفُرَ مِن كَفَر بعدَ الحُجَّةِ]

(2)

؛ لما رأَى مِن الآياتِ والعبر، ويُؤْمِنَ مَن آمن على مثلِ ذلك

(3)

.

وأما قولُه: {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} . فإن معناه: {وَإِنَّ اللَّهَ} أيُّها المؤمنون {لَسَمِيعٌ} لقولِكم وقولِ غيرِكم حينَ يُرِى اللهُ نبيَّه في منامِه، ويُرِيكم عدوَّكم في أعينِكم قليلًا، وهم كثيرٌ، ويرَاكم عدوُّكم في أعينِهم قليلًا

(4)

، {عَلِيمٌ} بما تُضْمِرُه نفوسُكم، وتَنْطَوِى عليه قلوبُكم حينئذٍ، وفي كلِّ حالٍ.

يقولُ جلَّ ثناؤُه لهم ولعبادِه: واتَّقُوا ربَّكم أيُّها الناسُ في مَنْطِقِكم أن تَنْطِقوا بغيرِ حقٍّ، وفى قلوبِكم أن تَعتَقِدوا فيها غيرَ الرُّشْدِ، فإن اللهَ لا يَخْفَى عليه خافيةٌ مِن ظاهرٍ أو باطنٍ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43)} .

يقولُ تعالى ذِكرُه: وإن اللهَ يا محمدُ سميعٌ لما يقولُ أصحابُك، عليمٌ بما

(1)

في ص، س، ف:"ليعسن".

(2)

سقط من النسخ. والمثبت من سيرة ابن هشام، وهو ما يقتضيه السياق.

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 672، 673.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"كثيرًا".

ص: 208

يُضْمِرونه، إذ يُرِيك اللهُ عدوّكم وعدوَّهم {فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا}. يقولُ: يُرِيكهم في نومِك قليلًا فتُخْبِرُهم بذلك، حتى قوِيَت قلوبُهم، واجْتَرءوا على حربِ عدوِّهم، ولو أراك ربُّك عدوَّك وعدوَّهم كثيرًا لفَشَل أصحابُك، فجبُنوا وخاموا

(1)

، ولم يَقْدِروا على حربِ القومِ، ولَتَنازعوا في ذلك، ولكنَّ اللَّهَ سلَّمهم مِن ذلك بما أراك فى منامِك من الرؤيا، إنه عليمٌ بما تُجِنُّه

(2)

الصدورُ، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مما تُضْمِرُه القلوبُ.

وقد زعَم بعضُهم أن معنى قولِه: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} . أي: في عينِك التى تنامُ بها، فصيَّر المنامَ هو العينَ، كأنه أراد: إذ يُرِيكهم اللهُ في عينِك قليلًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} . قال: [أراه اللهُ إياهم]

(3)

في منامِه قليلًا، فأخبرَ

(4)

النبىُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه بذلك، فكان تَثْبيتًا لهم

(5)

.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

(1)

في م: "خافوا". وخام: نكص وجبن، وخام عن القتال: جبن عنه. اللسان (خ ى م).

(2)

فى ص: "تجنيه"، وفى م:"تخفيه". وفى ت 2: "تحفظه". وتجنه: تخفيه وتستره.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"أراهم الله إياه".

(4)

فى ص، ت 1، ف:"وأخبر".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1709 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 259، 260 عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 188 إلى ابن المنذر.

ص: 209

مجاهدٍ بنحوِه.

وقال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} الآية: فكان أولُ ما أراه مِن ذلك نعمةً مِن نعمِه عليهم، شجَّعهم بها على عدوِّهم، و [كَفَّ بها عنهم]

(1)

ما تُخُوِّف عليهم مِن ضعفِهم؛ لعلمِه بما فيهم

(2)

.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} ؛ فقال بعضُهم: معناه: ولكنَّ اللهَ سلَّم للمؤمنين أمرَهم حتى أظْهَرهم على عدوِّهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه:{وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} . يقولُ: سلَّم اللهُ لهم أمرَهم حتى أظْهَرهم على عدوِّهم

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولكن اللهَ سلَّم أمرَه فيهم.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ:{وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} . قال: سلَّم أمرَه فيهم

(4)

.

(1)

فى ص، ت 1، ت 2، س:"كفها عنهم"، وفى م:"كفاهم بها". والمثبت مِن سيرة ابن هشام.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 673.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 5/ 1709 عن محمد بن سعد به.

(4)

أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره 1/ 260 عن معمر به.

ص: 210

وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندى ما قاله ابنُ عباسٍ، وهو أن اللهَ سلَّم القومَ -بما أَرَى نبيَّه صلى الله عليه وسلم فى منامِه- مِن الفشلِ والتَّنازُعِ، حتى قوِيَت قلوبُهم، واجْتَرَأوا على حربِ عدوِّهم، وذلك أن قولَه:{وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} . عَقِيبُ قوله: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} . فالذى هو أولى بالخبرِ عنه، أنه [سلَّمَهم منه]

(1)

جلَّ ثناؤُه ما كان مَخُوفًا منه، لو لم يُرِ نبيَّه صلى الله عليه وسلم مِن قلةِ القومِ في منامِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)} .

يقول تعالى ذكره: {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} إذ يُرِى الله نبيَّه في منامِه المشركين قليلًا، وإذ يُرِيهم اللهُ المؤمنين إذ لَقُوهم في أعينِهم قليلًا، وهم كثيرٌ عددُهم، ويُقَلِّلُ المؤمنين فى أعينِهم؛ ليَتْرُكوا الاستعدادَ لهم فيَهُونَ على المؤمنين شوكتُهم.

كما حدَّثني ابنُ بَزيعٍ البَغْداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد قُلِّلوا في أعينِنا يومَ بدرٍ حتى قلتُ لرجلٍ إلى جنبى: تُراهم سبعين؟ قال أُراهم مائةً. قال: فأَسَرْنا رجلًا منهم، فقلنا: كم هم؟ قال

(2)

: ألفًا

(3)

.

(1)

في ف: "سلمه منهم".

(2)

بعده فى م: "كنا". والمثبت مِن النسخ موافق لما في دلائل البيهقى.

(3)

تقدم تخريجه 5/ 251، وأخرجه ابن مردويه -كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 31، 32 - مِن طريق إسرائيل به.

ص: 211

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنحوِه

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه:{وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا} . قال ابنُ مسعودٍ: قُلِّلوا في أعينِنا حتى قلتُ لرجلٍ: أتُراهم يكونون مائةً؟

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قال ناسٌ مِن المشركين: إن العيرَ قد انصرَفَت فارْجِعوا. فقال أبو جهلٍ: الآن إذ برَز لكم محمدٌ وأصحابُه! فلا تَرْجِعوا حتى تَسْتَأْصِلوهم. وقال: يا قومِ، لا تَقْتُلوهم بالسلاحِ، ولكن خُذوهم أخْذًا، فارْبُطوهم بالحبال. يَقولُه مِن القدرةِ فى نفسِه.

وقولُه: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: قلَّلْتُكم أيُّها المؤمنون فى أعينِ المشركين وأَرَيْتُكموهم في أعينِكم قليلًا حتى يَقْضِيَ الله بينَكم ما قضَى مِن قتالِ بعضِكم بعضًا، وإظهارِكم أيُّها المؤمنون على أعدائِكم مِن المشركين، والظَّفَرِ بهم؛ لتكونَ كلمةُ الله هى العليا، وكلمةُ الذين كفَروا السفلى، وذلك أمرٌ كان اللهُ فاعلَه، وبالغًا فيه أمرَه.

كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}. أى: ليُؤَلِّفَ بينَهم على الحربِ للنِّقْمةِ ممَّن أراد الانتقامَ منه، والإنعامِ على مَن أراد إتمامَ النعمةِ عليه مِن أهلِ ولايتِه

(2)

.

(1)

أخرجه أحمد بن منيع -كما في المطالب العالية (4723) - وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1710 من طريق أبي أحمد به.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 673.

ص: 212

{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: مصيرُ الأمورِ كلِّها إليه في الآخرةِ، فيُجازِى أهلَها على قدرِ اسْتحقاقِهم؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)} .

وهذا تعريفٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه أهلَ الإيمانِ به السيرةَ فى حربِ أعدائِه مِن أهلِ الكفرِ به، والأفعالَ التي يُرْجَى

(1)

لهم باستعمالها عندَ لقائِهم النصرةُ عليهم، والظَّفَرُ بهم. ثم يقولُ جلَّ ثناؤُه لهم:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، إذا لقيتُم جماعةً مِن أهلِ الكفرِ باللهِ للحربِ والقتالِ، فاثْبُتوا لقتالهم، ولا تَنْهَزِموا عنهم، ولا تُوَلُّوهم الأدبار هارِبين إلا مُتَحَرِّفًا لقتالٍ، أو مُتَحَيِّزًا إلى فئةٍ منكم، {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}. يقولُ: وادْعُوا الله بالنصرِ عليهم، والظَّفَرِ بهم، وأشْعِروا قلوبَكم وألسنتكم ذكرَه، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. يقولُ: كيما تَنْجَحوا فتَظْفَروا بعدوِّكم، ويَرْزُقَكم الله النصرَ والظفَرَ عليهم.

كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . افْتَرَض اللهُ ذكرَه عندَ أشْغَلِ ما تَكونون

(2)

، عندَ الضِّرابِ بالسيوفِ

(3)

(1)

فى م، ت 1، ت 2، س، ف:"ترجى"، وغير منقوطة في: ص.

(2)

في ص، س، ف:"يكونوا"، وفي ت 1:"يكون".

(3)

في ص، ف:"والسيوف". والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 15، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 189 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.

ص: 213

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} : يُقاتِلونكم فى سبيلِ اللهِ: {فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} : اذْكُروا اللهَ الذى بذَلْتُم له أنفسَكم والوفاءَ بما أعْطَيْتُموه مِن بَيْعتِكم، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به: أطِيعوا أيُّها المؤمنون ربَّكم ورسولَه فيما أمَرَكم به ونهاكم عنه، ولا تُخالِفوهما في شيءٍ، {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا}. يقولُ: ولا تَخْتَلِفوا فتفَرَّقوا وتَخْتَلِفَ قلوبُكم، {فَتَفْشَلُوا}. يقولُ: فتَضْعُفوا وتجبُنوا، {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} . وهذا مَثَلٌ يقالُ للرجلِ إذا كان مُقْبِلًا

(2)

ما يُحِبُّه ويُسَرُّ به: الريحُ مقبلةٌ عليه. يعنى بذلك ما يُحِبُّه، ومِن ذلك قولُ عَبيد بن الأبْرصِ

(3)

.

كما حَمَيْناك يومَ النَّعْفِ

(4)

مِن شَطَبٍ

(5)

والفضلُ للقومِ مِن رِيحٍ ومِن عَدَدِ

يعنى: مِن البأسِ والكثرةِ.

وإنما يُراد به فى هذا الموضعِ: وتَذْهَبَ قوتُكم وبأسُكم فتَضْعُفوا، ويَدْخُلَكم الوَهَنُ والخَلَلُ.

{وَاصْبِرُوا} . يقولُ: اصْبِروا مع نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم عندَ لقاءِ عدوِّكم، ولا

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 673.

(2)

بعده في م: "عليه".

(3)

ديوانه ص 59.

(4)

النعف: ما انحدر من حزونة الجبل وارتفع عن منحدر الوادى. تاج العروس (ن ع ف).

(5)

شطب: جبل في ديار بني أسد معجم البلدان 3/ 289.

ص: 214

تَنْهَزِموا عنه وتَتْرُكوه، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. يقولُ: اصْبِروا فإني معكم.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} . قال: نصْرُكم. قال: وذَهَبت ريحُ أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم حين نازَعوه يومَ أُحدٍ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ نُمَيْرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} . فذكَر نحوَه

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: ريحُ أصحابِ محمدٍ حينَ ترَكوه يومَ أحدٍ.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ:{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} . قال: حِدَّتُكم

(3)

وجِدُّكم

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} . قال: ريحُ الحربِ

(5)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

(1)

تفسير مجاهد ص 356، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1712 من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 189 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(2)

أخرجه الفريابي -كما فى الدر المنثور 3/ 189 - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1712 من طريق ورقاء به.

(3)

فى م، ت 1، ت 2، س، ف:"حربكم". والحدة: القوة. الوسيط (ح د د).

(4)

غير منقوطة فى: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، 1/ 260، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1712 من طريق معمر عن قتادة.

ص: 215

{وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} . قال: الريحُ: النصرُ، لم يَكُنْ نصرٌ قَطُّ إِلا بريحٍ يَبْعَثُها اللهُ تضْرِبُ وجوهَ العدوِّ، فإذا كان ذلك لم يَكُنْ لهم قِوَامٌ

(1)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ:{وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} أى: لا تَخْتَلِفوا فيَتَفَرَّقَ، أمرُكم، {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}: فيَذْهَبَ حَدُّكم

(2)

، {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} أي: إني معكم إذا فعَلْتُم ذلك

(3)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} . قال: الفشلُ: الضعفُ عن جهادِ عدوِّه والانكسارُ لهم، فذلك الفشلُ

(4)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)} .

وهذا تقدُّمٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه إلى المؤمنين به وبرسولِه ألا

(5)

يَعْمَلُوا عملًا إلا للهِ خاصةً، وطلَبِ ما عندَه، لا رِئَاءَ الناسِ، كما فعل القومُ مِن المشركين في مسيرِهم إلى بدرٍ طلبَ رئاءِ الناسِ، وذلك أنهم أُخْبِروا بفَوْتِ

(6)

العِيرِ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه، وقيل لهم: انْصَرِفوا فقد سلِمَت العيرُ التي جئْتم لنصْرتِها. فأبَوْا وقالوا: نَأْتِي بدرًا، فَنَشْرَبُ بها الخمرَ، وتَعْزِفُ علينا القِيانُ، وتَتَحَدَّثُ بنا العربُ

(7)

فيها.

(1)

قِوام كل شيء وقَوامه: عماده ونظامه. الوسيط (ق و م).

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1712 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(2)

فى م: "جدكم"، وفى سيرة ابن هشام:"حدتكم". والحد: البأس. ينظر الوسيط (ح د د).

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 673.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1712 من طريق أصبغ عن ابن زيد به.

(5)

في م: "لا".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بقرب".

(7)

بعده في م: "لمكانتنا".

ص: 216

فَسُقُوا مكانَ الخمرِ كُئوسَ المَنايا.

كما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثني أبي، قال: ثنا أبانٌ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ قال: كانت قريشٌ قبلَ أن يَلْقاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ قد جاءهم راكبٌ مِن أبى سفيانَ والركبِ الذين معه: إنا قد أجَزْنا القومَ [وأن ارجِعُوا]

(1)

. فجاء الركبُ الذين بعَثهم أبو سفيانَ الذين يَأْمُرُون قريشًا بالرَّجْعةِ بالجُحْفة، فقالوا: واللهِ لا نَرْجِعُ حتى نَنْزِلَ بدرًا، فنُقِيمَ به

(2)

ثلاثَ ليالٍ، ويَرانا مَن غَشِيَنا مِن أهلِ الحجازِ، فإنه لن يرانا أحدٌ مِن العربِ وما جمَعْنا فيُقاتِلَنا. وهم الذين قال اللهُ:{كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} . والْتَقَوْا هم والنبيُّ صلى الله عليه وسلم، ففتَح اللهُ على رسولِه، وأخْزَى أئمة الكفرِ، وشفَى صدورَ المؤمنين منهم

(3)

.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ في حديثٍ ذكَره، قال: ثنى محمدُ بنُ مسلمٍ، وعاصمُ بنُ عُمرَ

(4)

، وعبدُ اللَّهِ بنُ أَبي بكرٍ، ويزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِه

(5)

مِن علمائِنا، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا رأَى أبو سفيانَ أنه أحْرَز عِيرَه، أرْسَل إلى قريشٍ: إنكم إنما خرَجْتم لتَمْنَعوا عيرَكم ورجالكم وأموالَكم، فقد نجَّاها اللهُ فارْجِعوا. فقال أبو جهلِ بنُ هشامٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ حتى نَرِدَ بدرًا -وكان بدرٌ مَوْسمًا مِن مَواسمِ العربِ، يَجْتَمِعُ لهم بها سُوقٌ كلَّ عامٍ- فنُقِيمَ عليه ثلاثًا، ونَنْحَرَ الجُزُرَ، ونُطْعِمَ الطعامَ، ونَسْقِيَ الخمورَ، وتَعْزِفَ علينا

(1)

في م: "فارجعوا".

(2)

في م: "فيه".

(3)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 424 عن عبد الوارث به.

(4)

في النسخ: "عمرو"، وهو خطأ. وهو عاصم بن عمر بن قتادة، وقد سبق مرارا.

(5)

في ص: "غيرهم".

ص: 217

القِيانُ، وتَسْمَعَ بنا العربَ فلا يَزالون يَهابُوننا أبدًا، فامْضُوا

(1)

.

قال ابن حميدٍ: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} ، أي: لا تكونوا كأبي جهلٍ وأصحابِه الذين قالوا: لا تَرْجِعُ حتى نَأْتىَ بدرًا، ونَنْحَرَ بها الجُزُرَ، ونَسْقِى بها الخمرَ، وتَعْزِفَ علينا القِيانُ، وتَسْمَعَ بنا العربُ فلا يَزالون يَهابُوننا. أي: لا يَكُونَنَّ أمرُكم رياءً ولا سُمْعةً ولا الْتماسَ ما عندَ الناسِ، وأخْلِصوا اللهِ النيةَ والحِسْبةَ في نصرِ دينِكم، ومُؤازَرةِ نبيِّكم. أي: لا تَعْمَلُوا إلا للهِ، ولا تَطْلُبوا غيرَه

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسَديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أَخْبرَنا إسرائيلُ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} . قال: أصحابُ بدرٍ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي، نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} . قال: أبو جهلٍ وأصحابُه يومَ بدرٍ

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 618، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 438 بهذا الإسناد.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 673، 674، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1713، 1714 من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قوله.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1714 من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 190 إلى ابن المنذر.

(4)

تفسير مجاهد ص 356 مطولًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 190 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

ص: 218

مجاهدٍ مثلَه. قال ابن جُريج: وقال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: هم مشركو قريشٍ، وذلك خروجُهم إلى بدرٍ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} . يعني: المشركين الذين قاتَلوا رسولَ صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} . قال: هم قريشٌ وأبو جهلٍ وأصحابُه الذين خرَجوا يومَ بدرٍ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} . قال: كان مشركو قريشٍ الذين قاتَلوا نبيَّ الله يومَ بدرٍ خرَجوا، ولهم بَغْىٌ وفخرٌ، وقد قيل لهم يومَئِذٍ: ارْجِعوا، فقد انْطَلَقَت عِيرُكم وقد ظفِرْتُم. قالوا: لا واللهِ حتى يَتَحَدَّثَ أهلِ الحجازِ بمسيرِنا وعددِنا. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال يومَئِذٍ: "اللهم إن قريشًا أَقْبَلَت بفخرِها وخُيَلائِها لتُحادَّك ورسولَك"

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ذكَر المشركين وما يُطْعِمون على المياهِ فقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1713 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 189، 190 إلى ابن مردويه.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 260 عن معمر به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1714 من طريق يزيد به، ولم يذكر فيه الجزء المرفوع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 190 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وينظر تفسير مجاهد ص 356.

ص: 219

خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا} . قال: هم المشركون خرَجوا إلى بدرٍ أَشَرًا وبَطَرًا

(1)

.

حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، قال: لما خرَجَت قريشٌ مِن مكةَ إلى بدرٍ، خرَجوا بالقِيانِ والدفوف، فأنْزَل اللهُ:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}

(2)

.

فتأويلُ الكلامِ إذن: ولا تكونوا أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه في العملِ بالرياءِ والسُّمعةِ، وتركِ إخلاصِ العملِ للهِ واحْتِسابِ الأجرِ فيه كالجيش مِن أهلِ الكفرِ باللهِ ورسولِه الذين خرَجوا مِن منازِلهم بطَرًا ومُراءاة الناسِ بزِيِّهم وأموالِهم وكثرةِ عددِهم، وشدةِ بِطانتِهم، {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}. يقولُ: ويَمْنَعون الناسَ مِن دينِ اللهِ والدخولِ في الإسلامِ بقتالِهم إياهم، وتعذيبِهم مِن قدَرُوا عليه مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ، {وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ} مِن الرياءِ، والصدِّ عن سبيلِ اللهِ، وغيرِ ذلك مِن أفعالِهم، {مُحِيطٌ}. يقولُ: عالمٌ بجميعِ ذلك، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، وذلك أن الأشياءَ كلَّها له مُتَجَلِّيةٌ، لا يَعْزُبُ عنه منها شيءٌ، فهو لهم بها مُعاقِبٌ، وعليها معذِّبٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ

(1)

ذكر نحوه ابن كثير في تفسيره 4/ 16.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 190 إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 16.

ص: 220

لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48)}.

يعنى تعالى ذكرُه بقوله: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} : وحينَ زيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم.

وكان تزيينُه ذلك لهم كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء إبليسُ يومَ بدرٍ في جُنْدٍ مِن الشياطينِ معه رايتُه، [والشيطانُ]

(1)

في صورةِ رجلٍ مِن بني مُدْلِجٍ؛ في صورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ، فقال الشيطانُ للمشركين:{لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} . فلما اصْطَفَّ الناسُ، أخذ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قبضةً مِن الترابِ، فرَمى بها

(2)

وجوهَ المشركين، فولُّوا مُدْبِرِين، وأقْبَل جبريلُ إلى إبليسَ، فلما رآه، وكانت يدُه في يدِ رجلٍ مِن المشركين، انْتَزَع إبليسُ يدَه، فولَّى مدبرًا

(3)

وشِيعتُه، فقال الرجلُ: يا سُراقةُ، أَتَزْعُمُ أنك لنا جارٌ؟! قال:{إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} . وذلك حين رأى الملائكةَ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

(1)

سقط من: م.

(2)

بعده في م: "في".

(3)

بعده في م: "هو".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1715، والبيهقى مطولًا في دلائل النبوة 3/ 78، 79 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 190 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 221

السدِّى، قال: أتَى المشركين إبليسُ في صورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ الكِنانيِّ الشاعرِ، ثم المُدْلجِيِّ، فجاء على فرسٍ، فقال للمشركين:{لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ} . فقالوا: ومَن أنت؟ قال: أنا جارُكم سُراقةُ، وهؤلاء كِنانةُ قد أتَوْكم.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ، ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، قال: لمَّا أجْمَعَت قريشٌ المسيرَ ذكَرَت الذي بينَها وبينَ بني

(1)

بكرٍ - يعنى مِن الحرب - فكاد ذلك أن يَثْنِيَهم

(2)

، فتَبَدَّى لهم إبليسُ في صورةِ سُراقةَ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ - وكان مِن أشرافِ بني كِنانةَ - فقال: أنا جارٌ لكم مِن أن تَأْتِيَكُم كِنانةُ بشيءٍ تَكْرَهونه، فخرَجوا سِراعًا

(3)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ في قوله: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} . فذكَر اسْتِدراجَ إبليسَ إياهم وتشَبُّهَه بسراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ لهم

(4)

، حينَ ذكَروا ما بينَهم وبينَ بني (1) بكرِ بن عبدِ مَناةَ بن كِنانةَ في

(5)

الحربِ التي كانت بينَهم، يقولُ اللهُ:{فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ} ، ونظرَ عدوُّ اللهِ إلى جنودِ اللَّهِ مِن الملائكةِ، قد أيَّد اللهُ بهم رسولَه والمؤمنين على عدوِّهم، {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} ، وصدَق عدوُّ الله، إنه رأَى ما لا يَرَوْن، وقال:{إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} . فأَوْرَدَهم ثم أَسْلَمَهم. قال:

(1)

سقط مِن: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

في م: "يثبطهم".

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 612، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 431 عن ابن حميد به.

(4)

سقط مِن: م.

(5)

في م: "من".

ص: 222

فذُكِر لى أنهم كانوا يَرَوْنه في كلِّ منزلٍ في صورةِ سُراقةُ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ لا يُنْكِرونه، حتى إذا كان يومُ بدرٍ، والْتَقَى الجمعان، كان الذي رآه حينَ نكَص الحارثُ بنُ هشامٍ أو عميرُ بنُ وهبٍ الجُمَحيُّ، فذُكِر أحدُهما، فقال

(1)

: أين [أي سُراقَ؟ مثَلَ]

(2)

عدوُّ الله وذهَب

(3)

.

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} إلى قولِه: {شَدِيدُ الْعِقَابِ} . قال: ذُكِر لنا أنه رأَى جبريلَ تَنْزِلُ معه الملائكةُ، فزعَم عدوُّ اللهِ أنه لا يَدَانِ

(4)

له بالملائكةِ، وقال:{إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ} . وكذَب واللهِ عدوُّ اللهِ، ما به مخافةُ اللهِ، ولكن علِم أن لا قوةَ له ولا مَنَعةَ له، وتلك عادةُ عدوِّ اللهِ لمن أطاعَه [واستقاد له]

(5)

، حتى إذا الْتَقَى الحقُّ والباطلُ، أَسْلَمَهم شرَّ مُسْلَم، وتبَرَّأ منهم عندَ ذلك

(6)

.

حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباس: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} الآية. قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ، سار إبليسُ برايتِه وجنودِه مع المشركين، وأَلْقَى في قلوبِ المشركين: إن أحدًا لن يَغْلِبَكم، وإنى جارٌ لكم. فلمَّا الْتَقَوْا ونظر الشيطانُ إلى أمدادِ الملائكةِ، {نَكَصَ

(1)

سياق العبارة في سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق: وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام قد ذُكِر لى أحدهما الذي رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر، فقال ....

(2)

في م: "سراقة، أسلمنا". ومثل: من الأضداد، يقال للقائم: ماثل. وللاصق بالأرض: ماثل. ويقال: رأيت شخصا ثم مثل أي غاب عن عيني. ينظر الأضداد ص 288.

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 663.

(4)

في النسخ: "يدى". والمثبت مِن مصدرى التخريج. وما لى بفلان يدان: أي طاقة. اللسان (ى د ى).

(5)

في م: "واستعاذ به".

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1716 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 190 إلى أبي الشيخ.

ص: 223

عَلَى عَقِبَيْهِ} - قال: رجَع مُدْيرًا - وقال: {إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} الآية

(1)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ الفرجِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بن الماجشونِ، قال: ثنا مالكٌ، عن إبراهيمَ بن أبي عَبْلةَ، عن طلحةَ بن عُبيدِ اللَّهِ بن كَرِيزٍ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:"ما رُؤى إبليسُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أَحْقَرُ ولا أَدْحَر ولا أَغْيَظُ مِن يومِ عرفةَ، وذلك مما يَرَى مِن تنزيلِ الرحمةِ والعفوِ عن الذنوبِ، إلا ما رأَى يومَ بدرٍ". قالوا: يا رسولَ اللِه، وما رأَى يومَ بدرٍ؟ قال: وأمَا إنه رأَى جبريلَ يَزْعُ الملائكةَ

(2)

"

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن حميدٍ بن هلالٍ، عن الحسنِ في قولِه:{إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} . قال: رأَى جبريلَ مُعْتَجِرًا

(4)

بِبُرْدٍ، يَمْشِى بين يديِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي يدِه اللِّجامُ، ما ركِب

(5)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا هاشم بنُ القاسمِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن حُميدِ بن هلالٍ، قال: قال الحسنُ: وتلا هذه الآيةَ: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} الآية، قال: سار إبليسُ مع المشركين ببدرٍ برايتِه وجنودِه، وألْقَى في

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 16 عن ابن جريج به.

(2)

نزع. الملائكة: يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب. تاج العروس (وزع).

(3)

الموطأ 1/ 422، ومن طريقه أخرجه عبد الرزاق في المصنف (8832)، والبيهقي في شعب الإيمان (4069)، والبغوى (1930)، وفى تفسيره 3/ 367 عن إبراهيم بن أبي عبلة، وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه. وقد رواه البيهقى موصولًا في شعب الإيمان (4070) من طريق ابن أبي عبلة عن طلحة، عن أبي الدرداء.

(4)

الاعتجار: ليُّ الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك، تاج العروس (ع ج ر).

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1716 من طريق سليمان بن المغيرة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 190 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 224

قلوبِ المشركين: إن أحدًا لن

(1)

يَغْلِبَكم وأنتم تُقاتِلون على دينِ آبائِكم، ولن تُغلبوا كثرةً. فلمَّا الْتَقَوْا {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ}. يقولُ: رجع مُدْبرًا وقال: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} . يعنى الملائكةَ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: لمَّا أجمعت قريشٌ على السيرِ، قالوا: إنما نَتَخَوَّفُ مِن بنى بكرٍ. فقال لهم إبليس في صُورةِ سُراقةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ: أنا جارٌ لكم مِن بنى بكرٍ، ولا غالبَ لكم اليومَ مِن الناسِ.

فتأويلُ الكلامِ: {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} في هذه الأحوالِ وحين زيَّن لهم الشيطانُ خروجَهم إليكم أيُّها المؤمنون الحربِكم وقتالِكم، وحسَّن ذلك لهم، وحثَّهم عليكم، وقال لهم: لا غالبَ لكم اليومَ مِن بنى آدمَ، فَاطْمَئِنوا وأَبْشِرُوا، {وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} مِن كِنانةَ أن تَأْتِيَكم مِن ورائِكم فتُغِيرَكم؛ أُجِيرُكم وأَمْنَعُكم منهم، فلا تَخافوهم، واجْعَلوا حدَّكم

(2)

وبأسَكم على محمدٍ وأصحابِه، {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ}. يقولُ: فلما تزاحَفَت جنودُ اللهِ مِن المؤمنين وجنودُ الشيطانِ مِن المشركين، ونظَر بعضُهم إلى بعضٍ، {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ}. يقولُ: رجعَ القَهْقَرَى على قَفاه هاربًا. يقالُ منه: نكَص يَنْكُصُ ويَنْكِصُ نُكوصًا.

ومنه قولُ زُهَيْرٍ

(3)

:

هم يَضْرِبون حَبِيكَ البَيْضِ

(4)

إذ لَحِقوا

لا يَنْكُصون إذا ما اسْتُلْحِموا وحَمُوا

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"لا".

(2)

في م، ف:"جدكم".

(3)

ديوانه ص 159.

(4)

البيض: جمع البيضة أي المغفر، وهو الخوذة، وحبيك البيض: طرائق حديده جمع حبيكة. ينظر اللسان (ح ب ك)، و (ب ي ض).

ص: 225

وقال للمشركين: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} يعنى أنه يَرَى الملائكةَ الذين بعَثهم اللهُ مَدَدًا للمؤمنين، والمشركون لا يَرَوْنهم، إنى أخافُ عقابَ اللهِ، وكذَب عدُّو الله، {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} في هذه الأحوالِ

(1)

{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} وكرَّ

(2)

بقوله: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} على قولِه: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} .

{وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} . يعنى: شكٌّ في الإسلام، لم يَصِحُّ يقينُهم، ولم تُشْرَحْ بالإيمانِ صدورهم، {غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ}. يقولُ: غَرَّ هؤلاء الذين يُقاتِلون المشركين مِن أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم مِن أنفسِهم - دينُهم وذلك الإسلامُ.

وذُكِر أن الذين قالوا هذا القولَ كانوا نفرًا ممن كان قد تكَلَّم بالإسلامِ مِن مشركي قريشٍ، ولم يَسْتَحْكمِ الإسلامُ في قلوبُهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ

(1)

بعده في م: "و".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"كرر".

ص: 226

دِينُهُمْ}. قال: كان ناسٌ مِن أهلِ مكةَ تكَلَّموا بالإسلامِ، فخرَجوا مع المشركين يومَ بدرٍ، فلمَّا رأَوْا قلةَ المسلمين، قالوا:{غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ}

(1)

.

حدَّثني إسحاقُ

(2)

بنُ شاهينَ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرِ مثلَه.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} . قال: فئةٌ مِن قريشٍ؛ [أبو قيسِ بنُ]

(3)

الوليدِ بن المغيرِة، وأبو قيسِ بنُ الفاكهِ بن المغيرةِ، والحارثُ بنُ زَمْعَةَ بن الأسودِ بن المطلبِ، وعليُّ بنُ أميةَ بن خلفٍ، والعاصى بنُ مُنَبِّهِ بن الحجاجِ، خرَجوا مع قريشٍ مِن مكةَ، وهم على الارْتيابِ، فحبَسهم ارْتيابُهم، فلمَّا رأَوْا قلةَ أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالوا {غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} حتى [قدِموا على ما]

(4)

قدِموا عليه مع قلةِ عددِهم وكثرةِ عدوِّهم

(5)

. [فشرد بهم مِن خلفَهم]

(6)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ:{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} . قال: هم قومٌ لم يَشْهَدوا القتالَ يومَ بدرٍ، فسُمُّوا منافقين. قال معمرٌ: وقال بعضُهم: قومٌ كانوا أقَرُّوا بالإسلامِ، وهم بمكةَ، فخرَجوا مع المشركين يومَ بدرٍ،

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 19، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 191 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"أبو إسحاق".

(3)

في م: "قيس بن". ومكانه بياض في: ص، ت 1، ت 2، س، ف. وتنظر سيرة ابن هشام 1/ 641.

(4)

سقط من: ت 1، س، ف

(5)

في ت 1، ت 2، ف:"عددهم".

(6)

سقط مِن: م. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 19.

ص: 227

فلمَّا رأَوْا قلةَ المسلمين قالوا: {غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ}

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ، إلى قولِه:{فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . قال: رأَوْا عِصابةً مِن المؤمنين شرَدتْ

(2)

لأمرِ اللهِ. وذُكِر لنا أن أبا جهلٍ عدوَّ اللَّهِ لمَّا أشْرَف على محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأصحابِه، قال: واللَّهِ لا يُعْبَدُ اللَّهُ بعدَ اليومَ. قَسْوةً

(3)

وعُتُوًّا

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} . قال: ناسٌ كانوا مِن المنافقين بمكةَ، قالوه يومَ بدرٍ، وهم يومَئذٍ ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا

(5)

.

قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه:{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} . قال: لمَّا دنا القومُ بعضُهم مِن بعضٍ، فقلَّل اللهُ المسلمين في أعينِ المشركين، وقلَّل المشركين في أعينِ المسلمين، فقال المشركون:{غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} . وإنما قالوا ذلك مِن قلتهم في أعينِهم، وظنُّوا أنهم سيَهْزِمونهم لا يَشْكُّون في ذلك، فقال اللهُ:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

(1)

أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1716 أثر الحسن وحده من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 260، 261 عن معمر به وسمى المجهول الكلبى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 191 إلى ابن المنذر.

(2)

في م، ومصدرى التخريج:"تشددت". وفى ف: "سردب". وشرد القوم: ذهبوا. التاج (ش رد).

(3)

في ت 1، ف:"فسبوه".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1717 من طريق يزيد به.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 19، وليس فيه:" وهم يومئذ".

ص: 228

وأما قولُه: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} . فإن معناه: ومَن يُسْلِمُ أمره إلى الله ويَثِق به، ويَرْضَ بقضائِه، فإن الله حافظُه وناصره؛ لأنه عزيزٌ لا يَغْلِبُه شَيءٌ، ولا يَفْهَرُه أَحدٌ، فجارُه مَنيعٌ، ومَن يَتَوَكَّلْ عليه مكفيٌّ

(1)

.

وهذا أمرٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وغيرِهم أن يُفَوِّضوا أمرَهم إليه، ويُسَلِّموا لقضائه، كيما يكفيهم أعداءهم، ولا يَسْتَذِلَّهم مَن ناوَأَهم؛ لأنه عزيزٌ غيرُ مغلوبٍ، فجارُه غير مَقْهورٍ، {حَكِيمٌ} يقولُ: هو فيما يُدَبِّرُ مِن أمرِ خلقِه، حكيمٌ لا يَدْخُلُ تدبيره خَلَلٌ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ولو تُعايِنُ يا محمدُ حينَ يَتَوَفَّى الملائكةُ أرواحَ الكفارِ، فتَنزعُها مِن أجسادِهم، تَضْرِبُ الوجوهَ منهم والأسْتاهَ، ويقولون لهم: ذُوقوا عذابَ النارِ التي تُحرِقُكم يومَ وُرودِكم جهنمَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابِن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} . قال: يومُ بدرٍ

(3)

.

(1)

في م: "يكفه"، وفى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يكفى".

(2)

بعده في ف: "أبدا".

(3)

تفسير مجاهد ص 356، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1718.

ص: 229

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سليمٍ

(1)

، عن إسماعيلَ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ:{يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} . قال: وأَسْتاهَهم، ولكنَّ الله كريمٌ يَكُنِى

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه:{يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} . قال: وأستاههم، ولكنه كريمٌ يَكْنِى:

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله:{يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} . قال: إن الله كنَى، ولو شاء لقال: أسْتاهَهم، وإنما عنى بأدبارِهم أستاهَهم

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أستاهَهم يومُ بدرٍ.

قال ابن جريجٍ: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوهِهم إلى المسلمين ضرَبوا وجوهَهم بالسيوفِ، وإذا ولَّوْا أدْرَكَتهم الملائكةُ، فضرَبوا أدبارَهم

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ، عن الحسنِ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، إني رأيتُ بظهرِ أبي جهل مثلَ الشِّراكِ!

(1)

في م، ت 2، ف:"أسلم"، وينظر تهذيب الكمال 31/ 365.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (997 - التفسير) عن يحيى بن سليم به.

(3)

تفسير سفيان ص 119 وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1718 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 191 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1718 معلقًا.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 20.

ص: 230

قال: ما ذاك؟ قال: "ضربُ الملائكةٍ"

(1)

.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، أن رجلًا قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: إلى حمَلْتُ على رجلٍ مِن المشركين، فذهَبْتُ لأضْرِبَه، فندَر

(2)

رأسه! فقال: "سبَقك إليه المَلَكُ".

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى حَرْملة، أنه سمِع عمرَ مولى غُفْرة

(3)

يقولُ: إذا سمِعْتَ الله يقولُ: {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} . فإنما يُرِيدُ أستاهَهم

(4)

.

قال أبو جعفرٍ: وفى الكلامِ محذوفٌ اسْتغْنِى بدلالةِ الظاهرِ عليه مِن ذكرِه، وهو قوله: ويقولون: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} . حُذفت "يقولون"، كما حُذِفَت مِن قولِه:{وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} [السجدة: 12]. بمعنى: يقولون: ربَّنا أَبْصَرْنا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51)} .

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الملائكةِ لهؤلاء المشركين الذين قُتِلوا ببدرٍ، أنهم يقولون لهم، وهم يَضْرِبون وجوهَهم وأدبارَهم: ذُوقوا عذابَ اللَّهِ الذي يُحْرِقُكم، هذا العذابُ لكم {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}. أي: بما كسَبَت أيديكم

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 20 عن الحسن البصرى، وقال: رواه ابن جرير، وهو مرسل.

(2)

ندر رأسه: سقط ووقع. النهاية 5/ 35.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"عفرة".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1718 معلقًا.

ص: 231

مِن الآثامِ، والأوْزارِ، واجْتَرَحْتُم

(1)

مِن معاصى اللهِ أيامَ حياتِكم، فذُوقوا اليومَ العذاب، وفى مَعادِكم عذابَ الحريق، وذلك لكم بأن اللَّهَ {لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}: لا يُعاقِبُ أحدًا مِن خلقه إلا بجُرْمٍ اجْتَرَمه، ولا يُعَذِّبُه إِلا بمعصيتِه إياه؛ لأن الظلمَ لا يَجوزُ أن يكونَ منه.

وفى فتحِ "أن" مِن قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ} ، وجهان مِن الإعرابِ؛ أحدُهما: النصبُ، وهو للعطفِ

(2)

على "ما" التي في قولِه: {بِمَا قَدَّمَتْ} بمعنى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} و بـ {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} في قولِ بعضِهم، والخفضُ في قولِ بعضٍ.

والآخرُ: الرفعُ على: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} وذلك أن الله

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فعَل هؤلاء المشركون مِن قريشٍ الذين قُتِلوا ببدرٍ كعادةِ قومِ فرعوَن وصَنيعهم وفعلِهم، وفعل مِن كذَّب بحُجَجِ اللهِ ورسلهِ مِن الأمم الخاليةِ قبلَهم، ففعَلْنا

(4)

. بهم كفعلِنا بأولئك.

وقد بيَّنا فيما مضَى أن الدَّأْبَ هو الشأنُ والعادةُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(5)

.

(1)

في ص، ف:"اخترتم". واجترح الشيء: كسبه. ينظر اللسان (ج رح).

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"العطف".

(3)

ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 413.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س:"فعلنا".

(5)

تقدم في 5/ 237.

ص: 232

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شَيْبانُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ ومجاهدٍ وعطاءٍ:{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} : كفعلِ آِل فرعونَ، كسُننِ آلِ فرعونَ.

وقولُه: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} . يقولُ: فعاقَبَهم اللهُ بتكذيبِهم حججَه ورسلَه، ومعصيتِهم ربَّهم، كما عاقبَ أشكالَهم، والأممَ الذين قبلَهم، {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ}: لا يَغْلِبُه غالبٌ، ولا يَرُدُّ قضاءَه رادٌّ، يَنْفُذُ أَمرُه، ويَمْضِى قضاؤه في خلقِه شديدٌ عقابُه لمن كفَر بآياتِه، وجحَد حُجَجَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وأخَذْنا هؤلاء الذين كفَروا بآياتِنا مِن مشركي قريشٍ بيدرٍ بذنوبِهم، وفعَلْنا ذلك بهم، بأنهم غيَّروا ما أنْعَم اللهُ عليهم به مِن ابتعاثِه رسولَه منهم وبينَ أظهرِهم، بإخْراجِهم إياه مِن بينِهم، وتكذيبِهم له، وحربِهم إياه، فغيَّرنا نعمتَنا عليهم بإهلاكنا إياهم، كفعلِنا ذلك في الماضِين قبلَهم، ممن طغَى علينا وعصَى أمرَنا.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} . يقولُ: نعمةُ اللهِ محمدٌ صلى الله عليه وسلم، أنْعَم به على قريشٍ وكفَروا، فنقَله إلى الأنصارِ

(1)

.

(1)

في ص، ت 1، ف:"الأمصار". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1718 من طريق أحمد بن =

ص: 233

وقولُه: {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . يقولُ: لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن كلامِ خلقِه، يَسْمَعُ كلامَ كلِّ ناطقٍ منهم، بخيرٍ نطَق أو بشرٍّ، {عَلِيمٌ} بما تُضْمِرُه صدورُهم، وهو مُجازِيهم ومُثيبُهم على ما يقولون ويَعْمَلون، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: غيَّر هؤلاء المشركون باللهِ، المقتولون ببدرٍ، نعمةَ ربِّهم التي أنْعَم بها عليهم، بابتعاثِه محمدًا منهم، وبينَ أظهرِهم، داعيًا لهم إلى الهدى، بتكذيبِهم إياه، وحربِهم له، {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ}: كسُنَّةِ آلِ فرعونَ وعادتِهم، وفعلِهم بموسى نبيِّ اللهِ في تكذيبِهم إياه، وقَصْدِهم

(1)

لحربِه، وعادةِ مَن قبلهم مِن الأممِ المكذِّبةِ رسلَها وصَنيعهم، {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} بعضًا بالرَّجفة، وبعضًا بالخَسْفِ، وبعضًا بالريحِ، {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} في اليَمِّ، {وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ}. يقولُ: كلُّ هؤلاء الأممِ التي أهْلَكْناها كانوا فاعلِين ما لم يَكُن لهم فعلُه مِن تكذيبهم رسلَ اللهِ والجحودِ لآياتِه، فكذلك أهْلَكْنا هؤلاء الذين أهْلَكْناهم ببدرٍ، إذ غيَّروا نعمةَ اللَّهِ عندَهم، بالقتلِ بالسيفِ

(2)

، وأذْلَلْنا بعض! هم بالإسارِ والسِّباءِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55)} .

= المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 191 إلى أبي الشيخ.

(1)

في م: "تصديهم"، وفى ف:"قصده".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س:"والسيف".

ص: 234

يقولُ تعالى ذكرُه: إن شرَّ ما دبَّ على الأرضِ عندَ اللهِ الذين كفَروا بربِّهم، فجحَدوا وَحْدانيتَه، وعبَدوا غيره، {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}. يقولُ: فهم لا يُصَدِّقون رسلَ اللهِ، ولا يُقرُّون بوحيِه وتنزيلِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ} يا محمدُ، يقولُ: أخَذْتَ عهودَهم ومَواثيقِهم أن لا يُحاربوك، ولا يُظاهِروا عليك محاربًا لك، كقُرَيظةَ ونُظِرائهم ممَّن كان بينَك وبينَهم عهدٌ وعقدٌ، ثم ينقُضون عهودَهم ومَواثيقَهم، كلما عاهَدوا دافعَوك

(1)

وحارَبوك وظاهَروا عليك، وهم لا يَتَّقُون الله، ولا يَخافون في فعلِهم ذلك أن يُوقِعَ بهم وَقْعةً تَجْتاحُهم وتهلِكُهم.

كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ} . قال: قريظةُ مالَئوا على محمدٍ يومَ الخندق أعداءَه

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ

(1)

في ص: "وانصوك" غير منقوطة وفى ت 1: "وافقوك". وفى ف: "فقول".

(2)

تفسير مجاهد ص 357، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1719، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 191 إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 235

يَذَّكَّرُونَ (57)}.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فإما تَلْقَيَنَّ في الحربِ هؤلاء الذين عاهَدْتهم، فنقضُوا عهدَك مرةً بعد مرة مِن قُرَيظَةَ فتَأْسِرْهم، {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ}. يقولُ: فافْعَلْ بهم فعلًا يكونُ مُشَرِّدًا مِن خلفَهُم مِن نظرائهم ممَّن بينَك وبينَه عهدٌ وعقدٌ.

والتشريدُ: التطريدُ والتبديدُ والتفريقُ.

وإنما أُمِر بذلك نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يَفْعَلَ بالناقضِ العهد بينَه وبينَهم، إذا قدَر عليهم، فعلًا يكونُ إخافةً لمن وراءَهم ممن كان بينَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وبينَه عهدٌ، حتى لا يَجْتَرِئوا على مثل الذي اجْتَرَأ عليه هؤلاء الذين وصَف اللهُ صفتَهم في هذه الآية مِن نقضِ العهدِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} يعني: نكِّلْ بهم مِن بعدَهم

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} . يقولُ: نكِّلْ بهم مَن وراءَهم

(2)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1720 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 191 إلى ابن المنذر.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 191 إلى المصنف.

ص: 236

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} . يقولُ: عِظْ بهم مَن سِواهم مِن الناسِ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّى:{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} . يقولُ: نَكِّلْ بهم مَن خلفهم، مِن بعدهم مِن العدوِّ، لعلهم يَحْذَرون أن يَنْكُثوا، فتَصْنَعَ بهم مثلَ ذلك

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ:{فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} . قال: أنْذِرْ بهم مَن خلفَهم

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: نكِّلْ بهم مَن خَلفَهم؛ مَن بعدهم. قال ابن جُريجٍ: قال عبد الله بن كثيرٍ: نَكِّلْ بهم مِن وراءَهم.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} . أي: نكِّلْ بهم مَن وراءَهم لعلهم يَعْقِلُون

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1719، 1720 من طريق يزيد به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1719، 1720 من طريق أسباط به مفرقا.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1719 من طريق محمد بن الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 261 عن معمر به.

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 674، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1720 من طريق ابن إدريس عن ابن إسحاق به.

ص: 237

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ بنَ مُزاحم يقولُ في قوله: {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} . يقولُ: نكِّلْ بهم مِن بعدَهم

(1)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} . قال: أخِفْهم بما تَصْنَعُ بهؤلاء. وقرَأ: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60].

وأما قوله: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} . فإن معناه: كي يَتَّعِظوا بما فعَلْتَ بهؤلاء الذين وصَفْتُ صفتَهم، فيَحْذَروا نقضَ العهدِ الذي بينَك وبينَهم؛ خوفَ أَن يَنْزِلَ منك ما نزَل بهؤلاء إذا هم نقَضوه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإما تخافنَّ يا محمدُ مِن عدوٍّ لك، بينَك وبينَه عهدٌ وعقدٌ، أَن يَنْكُثَ عهدَه ويَنْقُضَ عقدَه ويَغْدِرَ بك، وذلك هو الخيانةُ والغدرُ، {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}. يقولُ: فناجِزْهم بالحربِ، وأعْلِمْهم قبلَ

(2)

حربِك إياهم أنك قد فسَخْتَ

(3)

العهدَ بينَك وبينَهم بما كان منهم؛ مِن ظهورِ أمارِ

(4)

الغدرِ والخيانةِ منهم، حتى تَصِيرَ أنت وهم على سَواءٍ في

(5)

العلمِ بأنك لهم محاربٌ، فيَأْخُذوا للحربِ آلتَها، وتَبْرَأَ مِن الغدرِ. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}: الغادرين

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1720 معلقا، وابن كثير في تفسيره 4/ 22.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"مثل".

(3)

في ت 1، ت 2، س:"نسخت".

(4)

في م، ف:"آثار". وأمار: قيل: هي العلامة. وقيل: جمع أمارة، وهى العلامة أيضًا. ينظر التاج (أ م ر).

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"من".

ص: 238

بمَن كان منه في أمانٍ وعهدٍ بينَه وبينَه أن يَغْدِرَ به، فيُحارِبَه قبلَ إعلامِه إياه أنه له حربٌ، وأنه قد فاسَخه العقدَ.

فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ نقضُ العهدِ بخوفِ الخيانةِ، والخوفُ ظنٌّ لا يقينٌ؟

قيل: إن الأمرَ بخلافِ ما إليه ذهبْتَ، وإنما معناه: إذا ظهَرَت أمارُ

(1)

الخيانةِ مِن عدوِّكِ، وخِفْتَ وقوعَهم بك، فألْقِ إليهم مقاليدَ السَّلْمِ، وآذِنْهم بالحربِ، وذلك كالذي كان مِن بنى قُريظةَ، إذ أجابوا أبا سفيانَ ومَن معه مِن المشركين إلى مظاهرتِهم على رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ومحاربتِهم معه بعدَ العهدِ الذي كانوا عاهَدوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على المُسالَمةِ، ولن يُقاتِلوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فكانت إجابتُهم إياه إلى اللَّهِ ذلك مُوجِبًا لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خوفَ الغدرِ به وبأصحابِه منهم، فكذلك حكمُ كلَّ قومٍ أهلِ مُوادَعةٍ للمؤمنين، ظهَر لإمامِ المسلمين منهم مِن دلائلِ الغدرِ مثلُ الذي ظهَر لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه مِن قريظةَ منها، فحقٌّ على إمامِ المسلمين أن يَنْبِذَ إليهم على سَواءٍ، ويُؤْذِنَهم بالحربِ.

ومعنى قوله: {عَلَى سَوَاءٍ} . أي: حتى يَسْتَوى علمُك وعلمُهم بأن كلَّ فريقٍ منكم حربٌ لصاحبِه لا سِلْمٌ.

وقيل: نزَلَت الآيةُ في قريظةَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} . قال: قريظةَ

(2)

.

(1)

في ت 1، م، س، ف:"آثار".

(2)

تفسير مجاهد ص 357، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1721 من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 191 إلى ابن المنذر.

ص: 239

وقد قال بعضُهم: السَّواءُ في هذا الموضعِ المَهَلُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: إنه مما تبَيَّن لنا أن قولَه: {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} . أنه على مَهَلٍ؛ كما حدَّثنا بكيرٌ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ في قولِ اللَّهِ:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 1، 2].

وأما أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ، فإنهم في معناه مُخْتَلِفون، فكان بعضُهم يقولُ: معناه: فانْبِذْ إليهم على عَدْلٍ. يعنى: حتى يَعْتَدِلَ علمُك وعلمُهم بما عليه بعضُكم لبعضٍ مِن المحاربةِ، واسْتَشْهَدوا لقولِهم ذلك بقولِ الراجزِ

(1)

:

واضْرِبْ وُجوهَ الغُدُرِ الأعْداءِ

حتى يُجِيبُوك إلى السَّواءِ

يعني: إلى العدلِ.

وكان آخرون يقولون: معناه الوسَطُ. مِن قول حسَّانَ

(2)

:

يا وَيْحَ أنصارِ الرسولِ ورَهْطِه

بعدَ المغيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ

بمعنى: في وسَطِ المُلْحَدِ

(3)

.

وكذلك هذه المعانى مُتَقارِبةٌ؛ لأن العَدْلَ وسَطٌ لا يَعْلُو فوق الحقِّ،

(1)

التبيان 5/ 145.

(2)

تقدم في 2/ 416.

(3)

في م: "اللحد".

ص: 240

ولا يَقْصُرُ عنه، وكذلك الوسَطُ عَدْلٌ، وكذلك الوسَطُ عَدْلٌ، واسْتواءُ علمِ

(1)

الفريقين فيما عليه بعضُهم لبعضٍ بعدَ

(2)

المُهادَنةِ، عدلٌ مِن الفعلِ ووسَطٌ، وأما الذي قاله الوليدُ بنُ مسلمٍ مِن أن معناه المَهَلُ، فما لا أَعْلَمُ له وجهًا في كلامِ العربِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)} .

اخْتَلَفَت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: (ولا تَحْسَبَنَّ الذين كَفَروا سَبَقُوا إنهم). بكسرِ الألف من "إنهم" وبالتاءِ في: "تحسبن"، بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ الذين كفَروا سبَقونا، ففاتونا بأنفسِهم، ثم ابْتُدِئ الخبرُ عن قدرةِ اللَّهِ عليهم، فقيل: إن هؤلاء الكفَرةَ لا يُعْجِزون ربَّهم إذا طلَبَهم وأراد تعذيبَهم وإهلاكَهم بأنفسِهم، فيَفُوتوه بها.

وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بالياءِ في "يَحْسَبَنَّ"، وكسرِ الألفِ من {إِنَّهُمْ}

(3)

. وهي قراءةٌ غيرُ حميدةٍ لمعنيين؛ أحدُهما: خروجُها

(4)

مِن قراءةِ القرأةِ وشذوذُها عنها، والآخرُ: بُعْدُها مِن فصيحِ كلامِ العربِ، وذلك أن "يَحْسَبُ": يَطْلُبُ في كلامِ العربِ منصوبًا وخَبَرَه كقولِه: عبدُ

(5)

اللَّهِ يَحْسَبُ

(6)

أخاك قائمًا ويقومُ وقام. فقارئُ هذه القراءةِ أَصْحَبَ

(1)

سقط من: م. وفى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"على". والصواب ما أثبتناه.

(2)

في م: "بعض".

(3)

القراءة بالتاء هي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي. والقراءة بالياء هي قراءة ابن عامر وحمزة، وعاصم في رواية حفص، إلا أن ابن عامر قرأ بفتح الهمزة من "أنهم". السبعة لابن مجاهد ص 307، والتيسير لأبي عمرو ص 96.

(4)

في م: "خروجهما".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"عند".

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"تحتسب".

ص: 241

"يَحْسَبُ" خبرًا الغير مُخبَرٍ عنه مذكورٍ، وإنما كان مراده - ظنِّي

(1)

-: ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفَروا سبَقوا إنهم لا يُعْجِزوننا، فلم يُفَكِّرْ في صوابِ مَخْرَجِ الكلامِ وسُقْمِه، واسْتَعْمَل في قراءتِه ذلك كذلك ما ظهَر له مِن مفهومِ الكلامِ، وأحْسَبُ أن الذي دعاه إلى ذلك الاعتبارُ بقراءةِ عبدِ اللَّهِ، وذلك أنه فيما ذُكر في مصحفِ عبدِ اللَّهِ:(ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنهم سبقوا إنهم لا يعجزون)

(2)

. وهذا فصيحٌ صحيحٌ إذا أُدْخِلَت "أنهم" في الكلامِ؛ لأن "يَحْسَبَنَّ" عاملةٌ في "أنهم". وإذا لم يَكُنْ في الكلام "أنهم" كانت خاليةً من اسمٍ تَعْمَلُ فيه.

وللذى قرَأ

(3)

ذلك مِن القرأةِ وجهانِ في كلامِ العربِ، وإن كانا بعيدَيْن مِن فصيحِ كلامِهم؛ أحدُهما: أن يَكونَ أُرِيدَ به: ولا يَحْسَبَنَّ الذين كفَروا أن سبَقوا، أو أنهم سبَقوا. ثم حذَف "أن وأنهم"، كما قال جلَّ ثناؤُه:{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الروم: 24]. بمعنى: أن يُرِيَكم. وقد يُنْشَدُّ في نحوِ ذلك بيتٌ لذي الرُّمَّةِ

(4)

:

أَظَنَّ

(5)

ابن طُرْثُوثٍ عُتَيْبَةُ

(6)

ذاهبًا

بعادِيَّتِي

(7)

تَكْذابه وجَعَائِلهْ

(8)

بمعنى: أَظَنَّ ابْنُ طُرْثُوثٍ أَن يَذْهَبَ بِعادِيَّتى تكذابه وجَعائِلُه؟ وكذلك قراءةُ

(1)

في م: "بطى". والمراد: في ظنى.

(2)

الذي في كتاب المصاحف لابن أبي داود أن قراءة عبد الله: (ولا يحسب الذين كفروا سبقوا). المصاحف ص 62، وينظر البحر المحيط 4/ 510.

(3)

بعده في م: "من".

(4)

ديوان ذي الرمة ص 2/ 1264.

(5)

في ديوانه: "لعل".

(6)

في النسخ: "عيينة". والمثبت من مصدر التخريج. وينظر معاني القرآن للفراء 1/ 415.

(7)

العادية: البئر القديمة. وهى بئر اختصموا فيها. ينظر الديوان 2/ 1264، واللسان (ع و د)

(8)

جعائله: ما جعَل للسلطان ورشاد. الديوان 2/ 1264.

ص: 242

مَن قرَأ ذلك بالياء، يُوَجِّهُ "سبقوا" إلى "سابقين" على هذا [المعنى.

والوجهُ الثاني: على أنه أراد إضْمارَ منصوبٍ بـ "يحسب" كأنه قال: ولا يَحْسَبُ الذين كفَروا أنهم سبَقوا. ثم حذَف "أنهم"

(1)

وأضْمَرَ.

وقد وجَّه بعضُهم معنى قوله: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175]. إنما ذلكم الشيطانُ يُخَوِّفُ المؤمنَ مِن أوليائه، وأن ذِكْرَ المؤمنِ مُضْمَرٌ في قوله:{يُخَوِّفُ} . إذ كان الشيطانُ عنده لا يُخَوِّفُ أولياءه.

وقرَأ ذلك بعضُ أهل الشام: (ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا) بالتاءِ مِن "تحسين"، (سبَقوا أنهم لا يُعْجِزون) بفتحِ الألفِ مِن "أنهم"

(2)

، بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفَروا أنهم لا يُعْجِزون.

ولا وجهَ لهذه القراءةِ يُعْقَلُ إلا أن يَكونَ أراد القارئ بـ "لا" التي في {يُعْجِزُونَ} "لا" التي تَدْخُلُ في الكلامِ حَشْوًا وصِلَةً، فيكونَ معنى الكلامِ حينئذٍ: ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا سبَقوا أنهم يُعْجِزون

(3)

. ولا وجهَ لتوجيهِ حرفٍ في كتابِ اللَّهِ إلى التطويلِ بغيرِ حُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، وله في الصحةِ مَخْرَجٌ.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأ: (ولا تَحْسَبَنَّ) بالتاء، (الذين كفَروا سبَقوا إنهم) بكسر الألف مِن {إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ}. بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ أنت يا محمدُ الذين جحَدوا حججَ اللَّهِ، وكذَّبوا بها سبَقونا بأنفسِهم]

(4)

،

(1)

في م، ت 1، ت 2، س، ف:"الهمز"، والصواب ما أثبتناه، وينظر تفسير الطبري بتحقيق الشيخ شاكر.

(2)

هذه قراءة ابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 308، والكشف 12/ 494، والتيسير ص 96.

(3)

في ت 1، ت 2، س، ف:"لا يعجزون".

(4)

سقط من: ص.

ص: 243

[ففاتونا، إنهم لا يُعْجِزوننا أي: يَفُوتوننا بأنفسِهم، ولا يَقْدِرون على الهربِ منا.

كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ:(وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنهُمْ لا يُعْجِزُون). يقولُ: لا يَفُوتون

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} .

يقول تعالى ذكره: {وَأَعِدُّوا} لهؤلاء الذين كفروا بربِّهم الذين بينَكم]

(2)

وبينَهم عهدٌ

(3)

، إذا خِفْتُم خيانتَهم وغدرَهم أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه، {مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}. يقولُ: ما أَطَقْتُم أن تَعُدُّوه لهم مِن الآلاتِ التي تكونُ قوةً لكم عليهم مِن السلاحِ والخيلِ، {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}. يقولُ: تُخِيفون بإعدادِكم ذلك عدوَّ اللَّهِ وعدوَّكم مِن المشركين.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا [ابن إدريسَ]

(4)

، قال: سمِعْتُ أسامةَ بنَ زيدٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ، عن رجلٍ مِن جُهَيْنةَ يَرْفَعُ الحديثَ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} : "ألا إن الرمْىَ هو القوةُ، ألا إن الرمْىَ هو القوةُ".

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1721 من طريق أسباط به.

(2)

سقط من: ص.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(4)

في النسخ: "أبو إدريس". والصواب ما أثبتناه. وتقدم هذا الإسناد كثيرًا.

ص: 244

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا سعيدُ بن شُرَحْبِيلَ، قال: ثنا ابن لهيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ وعبدِ الكريمِ بن الحارثِ، عن أبي عليٍّ الهَمْدانيِّ، أنه سمع عقبةَ بنَ عامرٍ على المنبرِ يقولُ: قال اللَّهُ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} . ألا وإنى سمِعْتُ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ على المنبرِ: "قال اللَّهُ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ألا إن القوةَ الرميُ، ألا إن القوةَ الرميُ". ثلاثًا

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محبوبٌ وجعفرُ بنُ عَوْنٍ ووكيعٌ وأبو أسامةَ وأبو نُعَيْمٍ، عن أسامةَ بن زيدٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ، عن رجلٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: قرَأ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على المنبرِ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} . فقال: "ألَا إن القوةَ الرميُ، ألا إن القوةَ الرميُ". ثلاثَ مراتٍ

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أسامةَ بن زيدٍ، عن صالحِ بن كَيْسانَ، عن رجلٍ، عن عقبةَ بن عامرٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم اقرأ هذه الآيةَ على المنبرِ، فذكرَ نحوَه.

حدَّثنا أحمدَ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أسامةُ بنُ زيدٍ، عن صالحِ بن كيسانَ، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوَه

(3)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدةَ، عن أخيه محمدِ بن عُبيدة، عن أخيه عبدِ اللَّهِ بن عُبيدةَ، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2448)، وأحمد 28/ 642 (17432)، ومسلم (1918)، وأبو داود (2514)، وابن ماجه (2813)، وأبو يعلى (1743)، وأبو عوانة (7488 - 7493)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1722، وابن حبان (4709)، والطبراني 17/ 911 (16225)، والبيهقى 10/ 13 طريق أبى على ثمامة بن شفى به.

(2)

أخرجه الترمذى (3083) من طريق وكيع.

(3)

أخرجه سفيان الثورى في تفسيره ص 120 عن أسامة به.

ص: 245

النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قولِه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} : "ألا إن القوةَ الرميُ"

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن شعبةَ بن دينارٍ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} . قال: الحصونِ، {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ}. قال: الإناثِ

(2)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن رجاءِ بن أبي سلمةَ، قال: لقِى رجلٌ مجاهدًا بمكةَ، ومع مجاهدٍ جُوَالِقٌ

(3)

، قال: فقال مجاهدٌ: هذا القوةِ. ومجاهدٌ يَتَجَهَّزُ للغزوِ

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} : مِن سلاحٍ

(5)

.

وأما قوله: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} . فقال ابن وكيعٍ: حدَّثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن عثمانَ بن المغيرةِ الثَّقَفيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} . قال: تُخْزُون به عدوَّ اللَّهِ وعدوَّكم

(6)

.

(1)

أخرجه إسحاق بن إبراهيم القراب في الرمي (11) من طريق موسى ابن عبيدة به، وينظر علل ابن أبي حاتم (1696)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 192 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

(2)

تفسير سفيان ص 120، ومن طريقه البيهقى في الشعب (4307). وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 483، وابن أبي حاتم 5/ 1722 من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 192 إلى أبي الشيخ.

(3)

الجوالق: وعاء كبير منسوج من صوف أو شعر. وهو الذي يسميه العامة "شوال". ينظر المعرب للجواليقي ص 158.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1722 عن علي بن سهل به.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1772 من طريق أسباط به.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1723 من طريق وكيع به.

ص: 246

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عثمانَ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمة وسعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ:{تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} . قال: تُخْزُون به عدوَّ اللَّهِ وعدوَّكم، وكذا كان يقرؤها

(1)

: (تُخْزُونَ)

(2)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عثمانَ بن المغيرةِ وخُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ:{تُرْهِبُونَ بِهِ} تُخْزُون به.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

يقالُ منه: أَرْهَبْتُ العدوَّ ورهَّبْتُه، فأنا أُرْهِبُه [وأُرَهْبُه]

(3)

إِرْهابًا وتَرْهيبًا

(4)

، وهو الرَّهَبُ والرُّهْبُ، ومنه قولُ طُفَيْلٍ الغَنَويِّ

(5)

:

وَيْلُ أُمِّ حَيٍّ دَفَعْتُم فِي نُحورِهمُ

بني كِلابٍ غَداةَ الرُّعْبِ والرَّهَبِ

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} .

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في هؤلاء الآخرين مَن هم وما هم؟ فقال بعضُهم: هم بنو قُريظةَ.

(1)

في م: "يقرأ بها".

(2)

في النسخ: "ترهبون" وما أثبتناه هو الصواب، وقراءة (تخزون) قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف، وينظر الكشاف 2/ 166 والبحر المحيط 4/ 512.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(4)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س:"وأرهبته".

(5)

ديوانه ص 96.

ص: 247

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ} . يعنى: مِن بني قُرَيظةَ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ} . قال: قريظةَ.

وقال آخرون: مِن فارسَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدَ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} : هؤلاء أهلُ فارسَ

(2)

.

وقال آخرون: هم كلُّ عدوٍّ للمسلمين غيرِ الذي أُمِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُشَرِّدَ بهم مَن خلفَهم، قالوا: وهم المنافقون.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} . قال: أخِفْهم بهم لما تَصْنَعُ بهؤلاء. وقرأ: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}

(3)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 357، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1723، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 348، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 198 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1724 من طريق أحمد بن المفضل به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1720 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

ص: 248

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} . قال: هؤلاء المنافقون لا تَعْلَمونهم؛ لأنهم معكم يقولون: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ويَغْرُون معكم.

وقال آخرون: هم قومٌ مِن الجنِّ.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ أمَر المؤمنين بإعدادِ الجهادِ وآلةِ الحربِ وما يَتَقَوَّون به على جهادِ عدوِّه وعدوِّهم مِن المشركين مِن السلاحِ والرمِي وغيرِ ذلك ورباطِ الخيلِ، ولا وجهَ لأن يقالَ: عُنِى بالقوةِ معنًى دونَ معنًى مِن معاني القوةِ، وقد عمَّ اللَّهُ الأمرَ بها.

فإن قال قائلٌ: فإن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قد بيَّن أن ذلك مرادٌ به الخصوصُ بقولِه: "ألا إن القوةَ الرميُ"؟

قيل له: إن الخبرَ، وإن كان قد جاء بذلك فليس في الخبرِ ما يَدلُّ على أنه مرادٌ بها الرميُ خاصةً دونَ سائرِ معاني القوةِ عليهم، فإن

(1)

الرميَ أحدُ معاني القوةِ؛ لأنه إنما قيل في الخبرِ: "ألا إن القوةَ الرمىُ". ولم يُقَلْ: دونَ غيرِها. ومن القوةِ أيضًا السيفُ والرمحُ والحربةُ، وكلُّ ما كان مَعونةً على قتالِ المشركين، كمعونةِ الرميِ أو أبْلَغَ مِن الرميِ فيهم وفى النِّكايةِ منهم، هذا مع وَهَاءِ سندِ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

(2)

.

وأما قولُه: {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ} . فإن قولَ مَن قال: عُنِى به الجنُّ. أقربُ وأشبهُ بالصوابِ؛ لأنه جلَّ ثناؤُه قد أدْخَل بقولِه: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} . الأمرَ بارتباطِ الخيلِ لإرهابِ كلِّ عدوٍّ

(1)

بعده في ص، ف:"كان".

(2)

أخرجه أحمد 28/ 642 (17432)، ومسلم (1918) وغيرهما من حديث عقبة بن عامر بهذا اللفظ، ولعل المصنف قصد الرواية الأخرى وهى:"ألا إن الرمي هو القوة".

ص: 249

للَّهِ وللمؤمنين يَعْلَمونهم، ولا شكَّ أن المؤمنين كانوا عالمِين بعَداوةِ قريظةَ وفارسَ لهم؛ لعلمِهم بأنهم مشركون، وأنهم لهم حربٌ، ولا معنى لأن يقالَ: وهم يَعْلَمونهم لهم أعداءً {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ} ، ولكن معنى ذلك - إن شاء اللَّهُ - تُرْهِبون بارْتِباطِكم أيُّها المؤمنون الخيلَ عدوَّ اللَّهِ وأعداءَكم مِن بني آدمَ، الذين قد علِمْتُم عداوتَهم لكم لكفرِهم باللَّهِ ورسولِه، وتُرْهِبون بذلك جنسًا آخرَ مِن غيرِ بني آدمَ، لا تَعْلَمون أماكنَهم وأحوالَهم اللَّهُ يَعْلَمُهم دونَكم؛ لأن بني آدمَ لا يَرَوْنهم. وقيل: إن صهيلَ الخيلِ يُرْهِبُ الجنَّ، وإن الجنَّ لا تَقْرَبُ دارًا فيها فرسٌ.

فإن قال قائلٌ: فإن المؤمنين كانوا لا يَعْلَمون ما عليه المنافقون، فما تُنْكِرُ أن يكونَ عُنِى بذلك المنافقون؟ قيل: فإن المنافقين لم يَكُنْ تَرُوعهم خيلُ المسلمين ولا سلاحُهم، وإنما كان يَرُوعهم أن يَظْهَرَ المسلمون على سرائرِهم التي كانوا يَسْتَسِرُّون من الكفر، وإنما أُمِر المؤمنون بإعدادِ القوةِ لإرهابِ العدوِّ، فأَما مَن لم يُرْهِبه ذلك، فغيرُ داخلٍ في معنى مَن أُمِر بإعدادِ ذلك له المؤمنون، وقيل:{لَا تَعْلَمُونَهُمُ} . فاكْتُفِى للعلمِ بمنصوبٍ واحدٍ في هذا الموضعِ؛ لأنه أُرِيد لا تَعْرِفونهم، كما قال الشاعرُ

(1)

:

فإن اللَّهَ يَعْلَمُنى ووَهْبًا

وأنَّا سَوفَ يَلْقَاهُ كِلانا

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)} .

يقول تعالى ذكره: وما أَنْفَقْتُم أيُّها المؤمنون مِن نفقةٍ في شراءِ آلةِ حربٍ مِن سلاحٍ أو حِرابٍ

(2)

، أو كُرَاعٍ، أو غيرِ ذلك من النفقاتِ في جهادِ أعداءِ اللَّهِ مِن

(1)

هو النمر بن تولب، والبيت في ديوانه (مجموع) ص 122.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"حرب". والحراب: جمع حربة، وهى آلة من آلات الحرب دون =

ص: 250

المشركينَ يُخْلِفْه اللَّهُ عليكم في الدنيا، ويَدَّخِرْ لكم أُجورَكم على ذلك عندَه، حتى يُوَفِّيَكموها يومَ القيامة، {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}. يقولُ: يَفْعَلُ ذلك بكم ربُّكم، فلا يُضِيعُ أجورَكم عليه.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} . أي: لا يَضِيعُ لكم عندَ اللَّهِ أجرُه في الآخرةِ، وعاجلُ خَلَفِه في الدنيا

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: وإما تخافَنَّ مِن قومٍ خِيانَةً وغدرًا، فانْبِذْ إليهم على سواءٍ، وآذِنْهم بالحربِ، {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}: وإن مالوا إلى مسالمَتِك، ومُتارَكتِك الحربَ، إما بالدخولِ في الإسلامِ، وإما بإعطاءِ الجزيةِ، وإما بموادَعَةٍ، ونحوِ ذلك من أسبابِ السَّلْمِ والصلحِ، {فَاجْنَحْ لَهَا} ، يقولُ: فمِلْ إليها، وابْذُل لهم ما مالوا إليه مِن ذلك وسألوكه.

يقالُ منه منه: جنَح الرجلُ إلى كذا يَجْنَحُ إليه جُنوحًا، وهى لتَميمٍ، وقيسٍ فيما ذُكِر عنها تقولُ: يَجْنُحُ، بضمِّ النونِ. وآخرون: يقولون: يَجْنِحُ بكسرِ النونِ، وذلك إذا مال. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ

(2)

:

= الرمح. التاج (ح ر ب).

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 674، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1724 من طريق سلمة به.

(2)

ديوانه ص 57.

ص: 251

جَوانِحَ قَدْ أَيْقَنَّ أَن قَبِيلَه

إذا ما الْتَقَى الجَمْعَانِ أولُ غالِبِ

جوانحُ: مَوائلُ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} . قال: للصلحِ، ونسَخها قولُه:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}

(1)

[التوبة: 5].

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} : إلى الصلحِ، {فَاجْنَحْ لَهَا}. قال: وكانت هذه قبلَ "براءة"؛ كان نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُوادِعُ القومَ إلى أجلٍ، فإما أن يُسْلِموا، وإما أن يُقاتِلَهم

(2)

، ثم نُسِخ ذلك بعدُ في "براءة"، فقال:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وقال: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36]. ونبَذَ

(3)

إلى كلِّ ذى عهدٍ عهدَه

(4)

، وأمَره

(5)

بقتالِهم، حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّهُ، ويُسْلِموا، وأن لا يَقْبَل منهم إلا ذلك، وكلُّ عهدٍ كان في هذه السورةِ وفي غيرِها، وكلُّ صلحٍ يُصالِحُ به

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 261، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص 468 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 199 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

في م: "يقاتلوا".

(3)

في ص، ت 2، س، ف:"نبذوا".

(4)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"في براءة".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"أمرهم".

ص: 252

المسلمون المشركين يَتَوادَعون به

(1)

، فإن "براءةَ" جاءَت بنسخِ ذلك، فأُمِر بقتالِهم على كلِّ حالٍ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ

(2)

، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} : نسَخَتها الآيةُ التي في "براءةَ"؛ قولُه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، إلى قولِه:{وَهُمْ صَاغِرُونَ}

(3)

[التوبة: 29].

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} . يقولُ: وإن أرادوا الصلحَ فأرِدْه

(4)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} ، أي: إن دعَوْك إلى السَّلْمِ، إلى الإسلامِ، فصالِحْهم عليه

(5)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} . قال: فصالِحْهم، قال: وهذا قد نسَخَه الجهادُ

(6)

.

فأما ما قاله قتادةُ ومَن قال مثلَ قولِه مِن أن هذه الآيةَ منسوخةٌ، فقولٌ لا دَلالةَ

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

في النسخ: "الحسن". وتقدم هذا الإسناد كثيرا.

(3)

أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 346 من طريق الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1725 من طريق أحمد بن مفضل به.

(5)

سيرة ابن هشام 1/ 674.

(6)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 27.

ص: 253

عليه مِن كتابٍ ولا سنةٍ ولا فِطْرةِ عقلٍ.

وقد دلَّلْنا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا وغيرِه، على أن الناسخَ لا يكونُ إلا ما نفَى حكمَ المنسوخِ مِن كلِّ وجهٍ، فأما ما كان بخلافِ ذلك فغيرُ كائنٍ ناسخًا.

وقولُ اللَّهِ في "براءةَ": {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . غيرُ نافٍ حكمُه حكمَ قولِه: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} ؛ لأن قولَه: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} . إنما عُنِى به بنو قريظةَ، وكانوا يهودًا أهلَ كتابٍ، وقد أذِن اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه للمؤمنين بصلحِ أهلِ الكتابِ، ومُتارَكتِهم الحربَ، على أخْذِ الجزيةِ منهم.

وأما قولُه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . فإنما عُنِى به مشركو العربِ مِن عَبَدة الأوثانِ الذين لا يَجوزُ قبولُ الجزيةِ منهم، فليس في إحدى الآيتين نفيُ حكمِ الأخرى، بل كلُّ واحدةٍ منهما مُحْكَمةٌ فيما أُنْزِلَت فيه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} . قال: قريظةُ

(1)

.

وأما قولُه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} . يقولُ: فوِّضْ إلى اللَّهِ يا محمدُ أمرَك، واسْتَكْفِه واثقًا به أنه يَكْفِيك.

كالذي حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} : إن الله كافيك

(2)

.

وقولُه: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} . يعنى بذلك: إن اللَّهَ الذي تَتَوَكَّلُ عليه

(1)

تفسير مجاهد ص 357، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1725، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 198 إلى ابن المنذر.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 674.

ص: 254

سميعٌ لما تَقولُ أنت ومَن تُسالِمُه وتُتارِكُه الحربَ مِن أعداءِ اللَّهِ وأعدائِك، عندَ عقدِ السَّلْمِ بينَك وبينَه، وبشرطِ

(1)

كلِّ فريقٍ منكم على صاحبِه مِن الشروطِ، و {الْعَلِيمُ} بما يُضْمِرُه كلُّ فريقٍ منكم للفريقِ الآخرِ مِن الوفاءِ بما عاقَدَه عليه، ومَن المُضْمِرُ ذلك منكم في قلبه، والمُنْطَوِى على خلافِه لصاحبِه

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن يُرِدْ يا محمدُ هؤلاء الذين أمَرْتُك بأن تَنْبِذَ إليهم على سَواءٍ، إن خِفْتَ منهم خيانةً، وبمُسالمَتِهم إن جنَحوا للسَّلْمِ - خَداعَك والمكرَ بك، {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ}. يقولُ: فإن الله كافِيكهم وكافيك خداعَهم إياك؛ لأنه مُتَكَفِّلٌ بإظهارِ دينِك على الأديانِ، ومُتَضَمِّنٌ أَن يَجْعَلَ كلمتَه العليا وكلمةَ أعدائِه السُّفْلى، {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ}. يقولُ: اللَّهُ الذي قوَّاك بنصرِه إياك على أعدائِه، {وَبِالْمُؤْمِنِينَ}. يعنى: بالأنصارِ.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ} . قال: قريظةُ

(3)

.

(1)

في ص، ت 2:"يشترط"، وفى م، ت 1، س:"يشرط".

(2)

بعده في ت 1، س، ف:"لا رب غيره ولا معبود سواه".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1726 من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 199 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 255

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق:{وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} : هو مِن وراءِ ذلك

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} . قال: بالأنصارِ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)} .

يُريدُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} : وجمعَ بينَ قلوبِ المؤمنين مِن الأوسِ والخزرجِ، بعدَ التفرقِ والتَّشَتُّتِ، على دينِه الحقِّ، فصيَّرهم به جميعًا بعدَ أن كانوا أشْتاتًا، وإخْوانًا بعدَ أن كانوا أعداءً.

وقوله: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: لو أنْفَقْتَ يا محمدُ ما في الأرضِ جميعًا من ذهبٍ ووَرِقٍ وعَرَضِ، ما جَمعْتَ أنت بينَ قلوبِهم بحِيَلِك، ولكنَّ اللَّهَ جَمعها على الهدى، فائْتَلَفَت

(3)

واجْتَمَعَت؛ تقوية مِن اللَّهِ لك وتأييدًا منه، ومعونةً على عدوِّك، يقولُ جلَّ ثناؤُه: والذي فعَل ذلك وسبَّبه لك، حتى

(4)

صاروا لك أعوانًا وأنصارًا ويدًا واحدةً على مَن بَغاك سُوءًا هو الذي إن رام عدوٌّ منك مرامًا يَكْفِيك كيدَه، ويَنْصُرُك عليه، فثِقْ به، وامْضِ لأمرِه، وتوَكَّلْ عليه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 675، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1726 من طريق سلمة به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1726 من طريق أحمد بن المفضل به.

(3)

في ص، ف:"فانقلبت".

(4)

في ت 2: "حين".

ص: 256

‌ذكر مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} قال: هؤلاء الأنصارُ ألَّف بينَ قلوبِهم مِن بعدِ حربٍ فيما كان بينَهم.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن بَشيرِ بن ثابتٍ - رجلٍ من الأنصارِ - أنه قال في هذه الآيةِ:{لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} : يعنى: الأنصارَ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} على الهُدَى الذي بعَثك به إليهم، {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} بدينِه الذي جمَعهم عليه، يعني: الأوسَ والخزرجَ

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن إبراهيمَ الخُوزيِّ

(2)

، عن الوليدِ بن أبى مُغيثٍ، عن مجاهدٍ قال: إذا الْتَقَى المسلمان فتصَافحا، غُفِر لهما. قال: قلتُ لمجاهدٍ: بمُصافحةٍ

(3)

يُغفَرُ لهما

(4)

؟ فقال مجاهدٌ: أما سمِعْتَه يقولُ: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} ؟ فقال الوليدُ لمجاهدٍ: أنت أعلمُ منى

(5)

.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 675.

(2)

في ص، ف:"الحررى"، وفى م، ت 1:"الجزرى"، وفى ت 2:"الحرزى"، وينظر تهذيب الكمال 32/ 56.

(3)

في ف: "بمصافحتهم".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ف.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 29 عن المصنف.

ص: 257

حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ أبي عُميرٍ، قال: ثني الوليدُ، عن أبي عمرٍو، قال: ثنى عَبْدةُ بنُ أبي لُبابةَ، عن مجاهدٍ، ولقيتُه وأَخَذ بيدى، فقال: إذا تَراءَى المتحابَّانِ في اللَّهِ، فأَخَذ أحدُهما بيدِ صاحبِه وضحِك إليه، تحاتَّت خَطاياهما كما يَتَحاتُّ ورقُ الشجرِ، قال عَبْدةُ: فقلتُ له: إن هذا لَيسيرٌ

(1)

. قال: لا تَقُل ذلك، فإن اللَّهَ يقولُ:{لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} . قال عَبْدةُ: فَعَرَفْتُ أنه أفقه مني

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ غَزْوانَ، قال: أَتَيْتُ أبا إسحاقَ فسلَّمتُ عليه، فقلتُ: أَتَعْرِفُني؟ فقال فُضَيْلٌ: نعم، لولا الحياءُ منك لقبَّلتك. حدَّثني أبو الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في المتحابِّين في اللَّهِ: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}

(3)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن غُليةَ، قال: أخْبرَنا ابن عونٍ، عن عُميرِ

(4)

بن إسحاقَ، قال: كنا نَتَحَدَّثُ أن أولَ ما يُرْفَعُ مِن الناس - أو قال: عن الناسِ - الألفةُ

(5)

.

(1)

في ف: "ليسر".

(2)

أخرجه ابن وهب في جامعه 1/ 240 (159) عن الأوزاعي به، وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 567، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1727، وأبو نعيم في الحلية 3/ 297 من طريق ابن مصرف عن مجاهد بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 199 إلى أبى الشيخ.

(3)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (363)، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان (14)، والبزار في البحر الزخار (2077)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1727، والحاكم 2/ 329 من طريق فضيل ابن غزوان به.

(4)

في ت 2: "عمرو".

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 29 عن ابن عون به.

ص: 258

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سويدٍ، عن الأوزاعيِّ، قال ثنى عبدُة بنُ أبي لُبابةَ، عن مجاهدٍ، ثم ذكَر نحوَ حديثِ عبدِ الكريمِ عن الوليدِ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [أبو أسامةَ]

(1)

وابنُ نُمَيْرٍ وَحَفصُ مِنْ غِيَاثٍ، عن فُضَيلِ بن غَزْوانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوصِ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ يقولُ: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} الآية، قال: هم المُتَحابُّون في اللَّهِ

(2)

.

وقوله: {إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . يقولُ: إن اللَّهَ الذي ألَّفَ بينَ قلوبِ الأوسِ والخزرجِ بعدَ تَشَتُّتِ كلمتِها و

(3)

تَعادِيها، وجَعَلهم لك أنصارًا {عَزِيزٌ}: لا يقْهَرُه شيءٌ، ولا يَرُدُّ قضاءَه رادٌّ، ولكنه يَنْفُذُ في خلقِه حكمُه. يقولُ: فعليه فتوكَّلْ، وبه فثِقْ، {حَكِيمٌ}: في تَدْبيرِه خلقَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: يا أيُّها النبيُّ حَسْبُك اللَّهُ، وحَسْبُ مَن اتَّبَعَك من المؤمنين اللَّهُ. يقولُ لهم جلّ ثناؤه: ناهِضوا عدوَّكم فإن اللَّهَ كافِيكم أمرَهم، ولا يَهُولَنَّكم كثرةُ عَددِهم وقلةُ عَددِكم، فإن اللَّهَ مُؤيِّدُكم بنَصرِه.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ت 1: "أسامة".

(2)

أخرجه النسائي في الكبرى (11210)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1727 من طريق حفص به.

(3)

في ص، ت 1، س، ف:"أو".

ص: 259

‌ذكر مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن شَوْذبٍ أبي

(1)

معاذٍ، عن الشعبيِّ في قولِه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: حسبُك اللَّهُ، وحسبُ مَن اتَّبعك مِن المؤمنين اللَّهُ

(2)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ بن حكيمٍ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن شَوْذَبٍ، عن الشعبيِّ في قولِه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: حسبُك اللَّهُ وحسبُ مَن معك

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن سفيانَ، عن شَوْذبٍ، عن عامر بنحوِه، إلا أنه قال: حسبُك اللَّهُ، وحسبُ من شَهِد معك.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، عن ابن زيدٍ في قولِه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: يا أيُّها النبيُّ حسبُك اللَّهُ وحسبُ مَن اتَّبَعَك مِن المؤمنين، إن حسبَك أنت وهم اللَّهُ.

فـ "من" من قوله: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، على هذا التأويلِ الذي ذَكَرناه عن الشعبيِّ، نُصِبَ عطفًا على معنى الكافِ في قولِه:{حَسْبُكَ اللَّهُ} . لا على لفظِه؛ لأنها في محلِّ خفضٍ في الظاهرِ، وفي محلِ نصبٍ في المعنى؛ لأن

(1)

في م: "بن". وفرق البخارى بين شوذب أبى معاذ، وشوذب الذي يروى عن الشعبي. ينظر التاريخ الكبير 4/ 261، والجرح والتعديل 4/ 377، 378.

(2)

تفسير سفيان ص 121، وأخرجه البخاري في تاريخه 4/ 261 من طريق مؤمل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 200 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1727 من طريق عبيد الله بن موسى به.

ص: 260

معنى الكلامِ: يَكْفيك اللَّهُ ويَكْفِى مَن اتَّبعك مِن المؤمنين.

وقد قال بعضُ أهلِ العربيةِ في "مَن": إنها في موضعِ رفعٍ على العطف على اسمِ اللَّهِ، كأنه قال: حَسْبُك اللَّهُ ومُتَّبعوك إلى جهادِ العدوِّ مِن المؤمنين، دونَ القاعِدين عنك منهم. واسْتشْهدَ على صحةِ قولهِ ذلك بقولهِ:{حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} .

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} يقول

(1)

: حُثَّ مُتَّبِعيك ومُصَدِّقيك على ما جئتهم به من الحقِّ؛ على قتالِ مَن أَدْبَرَ وتَوَلَّى عن الحقِّ مِن المشركين، {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ} رجلًا {صَابِرُونَ} عندَ لقاءِ العدوِّ، يَحْتَسِبون أنفسَهم ويَثْبُتون لعدوِّهم {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} من عدوِّهم ويَقْهَروهم، {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ} عندَ ذلك {يَغْلِبُوا} منهم {أَلْفًا} - {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ}. يقولُ: مِن أجلِ أن المشركين قومٌ يُقاتلون على غيرِ رجاءِ ثوابٍ، ولا لطلبِ أجرٍ ولا احْتسابٍ؛ لأنهم لم يَفْقَهوا أن اللَّهَ مُوجِبٌ لمَن قاتَلَ احْتسابًا، وطلب موعودَ الله في المعادِ - ما وعَد المجاهدين في سبيلهِ، فهم لا يَثْبتُون إِذا صَدَقوا في اللقاءِ؛ خشيةَ أن يُقتلوا فتذهَبَ

(1)

سقط من: م.

ص: 261

دُنياهم.

ثم خَفَّفَ تعالى ذكرُه عن المؤمنين إذ عَلِمَ ضَعْفَهم، فقال لهم:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} ، يعنى: أن في الواحدِ منهم عن لقاءِ العشرةِ مِن عدوِّهم ضعفًا، {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ} عندَ لقائِهم للثباتِ لهم {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} منهم، {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} منهم، {بِإِذْنِ اللَّهِ}. يعنى: بتَخْليةِ اللَّهِ إيَّاهم لغَلَبَتِهم، ومَعونته إياهم، {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} لعدوِّهم وعدوِّ اللَّهِ، احتسابًا في صَبْرِه، وطلبًا الجزيلِ الثوابِ مِن ربِّه، بالعَوْنِ منه له، والنصرِ عليه.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن لَيْثٍ، عن عطاءٍ في قولِه:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} . قال: كان الواحدُ لعشرةٍ، ثم جُعِلَ الواحدُ باثْنين، لا ينبغى له أَن يَفِرَّ منهما

(1)

.

حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن جريجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ، قال: جُعِل على المسلمين على الرجلِ عشرةٌ مِن الكفارِ، فقال:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فخُفِّفَ ذلك عنهم، فجُعِلَ على الرجلِ رجلان. قال ابن عباسٍ: فما أحبُّ أن يعلمَ الناسُ تَخْفيفَ ذلك عنهم

(2)

:

(1)

تفسير الثوري ص 121، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 262، وابن الجوزي في نواسخه ص 351.

(2)

أخرجه الشافعي في الأم 4/ 92، وعبد الرزاق في مصنفه (9525)، وسعيد بن منصور في سننه (1000 - تفسير)، والبخاري (4652)، وابن الجارود (1049)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1728، والطبراني (11211)، والبيهقي 9/ 76، وفي الشعب (4001) من طريق عمرو بن دينار به.

ص: 262

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ، ثنى عبدُ اللَّهِ بن أبي نجيحٍ المكيُّ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، قال: لمَّا نَزَلت هذه الآيةُ، ثقُلَت على المسلمين، وأعْظَموا أن يُقاتِلَ عشرون مائتين، ومئةٌ ألفًا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عنهم، فنَسَخها بالآيةِ الأخرى فقال:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} . قال: وكانوا إذا كانوا على الشَّطْرِ من عدوِّهم لم يَنْبغِ لهم أن يَفِرُّوا منهم، وإن كانوا دونَ ذلك لم يَجِبْ عليهم أن يُقاتِلوا، وجازَ لهم أن يَتَحوَّزوا عنهم

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ، قال: كان لكلِّ رجلٍ مِن المسلمين عشرَةٌ، لا ينبغى له أن يَفِرَّ منهم، فكانوا كذلك حتى أنزلَ اللَّهُ:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ، فَعَبَّأ لكلِّ رجلٍ مِن المسلمين رجلين مِن المشركين، فنسَخ الأمرَ الأَوَّلَ. وقال مرَّةً أخرى في قولِه:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} . فأمَر اللَّهُ الرجلَ مِن المؤمنين أن يُقاتِلَ عشرةً مِن الكفارِ، فَشَقَّ ذلك على المؤمنين، ورَحِمَهم اللَّهُ فقال: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ

(1)

في ف: "عليهم". والحديث في سيرة بن هشام 1/ 675، 676، وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في الدر المنثور 3/ 200 - ومن طريقه الطبراني في الأوسط (8107)، وابن مردويه - كما في الدر - ومن طريقه الضياء في المختاره (489) - وابن حبان (4773)، والطبراني (11396) من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه ابن المبارك في كتاب الجهاد (235)، وسعيد بن منصور في سننه (1001 - تفسير)، والبيهقى 9/ 76 من طريق ابن أبي نجيح به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1728 من طريق عطاء به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 263

يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}. فأمرَ اللَّهُ الرجلَ مِن المؤمنين أن يُقاتِلَ رجلين مِن الكفار.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} ، إلى قولِه:{بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} : وذلك أنه كان جعَل على كلِّ رجلٍ من المسلمين عشرةً من العدوِّ يُؤشِّبُهم - يعنى: يُغْرِيهم - بذلك، ليُوَطِّنوا أنفسَهم على الغزوِ

(1)

، وأن اللَّهَ ناصِرُهم على العدوِّ، ولم يكنْ أمرًا عَزَمَه اللَّهُ عليهم ولا أوجَبَه، ولكن كان تَحْريضًا ووصيةً أمَرَ اللَّهُ بها نبيَّه، ثم خَفَّفَ عنهم فقال:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} ، فجَعَل على كلِّ رجلٍ رجلين بعدَ ذلك تخفيفًا؛ ليعلمَ المؤمنون أن اللَّهَ بهم رحيمٌ، فَتَوَكَّلوا على اللَّهِ، وصبَروا

(2)

وصَدَقوا

(3)

. ولو كان عليهم واجبًا، كفَّروا

(4)

إذنْ: كلُّ

(5)

رجلٍ مِن المسلمين [نكَل]

(6)

عمن لَقِىَ مِن الكفار إذ

(7)

كانوا أكثرَ منهم فلم يُقاتِلوهم، فلا يَغُرَّنَّك قولُ رجالٍ، فإني قد سَمِعتُ رجالًا يقولون: إنه لا يَصلُحُ لرجلٍ من المسلمين أن يُقاتِلَ حتى يكونَ على كلِّ رجلٍ رجلان، وحتى يكونَ على كلِّ رجلين أربعةٌ، ثم بحسابِ ذلك، وزَعَموا أنهم يَعْصُون اللَّهَ إن قاتلوا حتى يَبْلُغوا عِدَّةَ ذلك، وأنه لا

(1)

في ص، ت 2:"العزو"، وفي ت 1، س، ف:"العدو".

(2)

في م: "اصبروا".

(3)

في م: "اصدقوا".

(4)

في م: "الغزو".

(5)

بعده في م: "بعد".

(6)

زيادة يقتضيها السياق، وينظر تفسير الطبرى بتحقيق الشيخ شاكر 14/ 53.

(7)

في ص، م، ت 1، س، ف:"إذا".

ص: 264

حَرَج عليهم أن لا يُقاتِلوا حتى يَبْلُغوا عدَّةَ أن يكونَ على كلِّ رجلٍ رجلان، وعلى كلِّ رجلين أربعةٌ، وقد قال اللَّهُ:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]، وقال الله:{فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 84]، فهو التحريضُ الذي أنزلَ الله عليهم في "الأنفال"، فلا تعجزنَّ

(1)

، قاتلْ

(2)

، قد سَقَطتَ بينَ ظَهْرَى أَناسٍ كما شاء اللَّهُ أن يكونوا.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ

(3)

، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ، قالا: قال في "سورة الأنفال": {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} ، ثم نسَخ فقال:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} ، إلى قولِه:{وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}

(4)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةً، عن عكرمةَ قولَه:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} . قال: واحدٌ من المسلمين وعَشَرةٌ من المشركين، ثم خَفَّفَ عنهم، فجعَل عليهم أن لا يَفِرَّ رجلٌ مِن رجلين

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} ، إلى قولِه: {وَإِنْ

(1)

في ت 2: "يعجزك".

(2)

في ت 2: "قائل".

(3)

في م: "الحصين". وهو الحسين بن واقد. ينظر تهذيب الكمال 32/ 23.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1729 عن عكرمة والحسن معلقًا، وأخرجه ابن الجوزي في النواسخ ص 351 من طريق الحسين بن واقد عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس.

(5)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1729 معلقًا.

ص: 265

يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ}. قال: هذا

(1)

لأصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ، جعَل على الرجل منهم قتالَ

(2)

عشرةٍ مِن الكفارِ، فضجُّوا مِن ذلك، فجَعَل على الرجلِ قتالَ

(3)

رجلين، تَخْفيفًا مِن اللَّهِ

(4)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال ثنا إبراهيمُ بنُ

(5)

يزيدَ، عن عمرِو بن دينارٍ وأبي معبدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما أُمِر الرجلُ أن يُصَبِّرَ نفسَه لعشرةٍ، والعشرةُ لمائةٍ، إذ المسلمون قليلٌ، فلما كثُر المسلمون خفَّف اللَّهُ عنهم، فأمَر الرجلَ أن يَصْبِرَ لرجلين، والعشرةَ للعشرين، والمائةَ المائتين.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} . قال: كان فُرِضَ عليهم إذا لَقِىَ عشرون مائتين أن لا يَفِرُّوا، فإنهم إن لم يَفِرُّوا غَلَبُوا، ثم خَفَّفَ اللَّهُ عنهم وقال:{فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} ، فيقولُ: لا ينبغى أن يَفِرَّ ألفٌ من ألفين، فإنهم إن صَبَروا لهم غَلَبُوهم.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} : جَعَلَ اللَّهُ على كلِّ رجلٍ رجلين، بعدَ ما كان على كلِّ

(1)

زيادة من: م.

(2)

سقط من: ص، م.

(3)

سقط من: م.

(4)

تفسير مجاهد ص 357، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 201 إلى أبى الشيخ.

(5)

في ت 2: "عن".

ص: 266

رجلٍ عشرةٌ. وهذا الحديثُ عن ابن عباسٍ

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن الزبيرِ [بن الخرِّيتِ]

(2)

، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: كان فُرِضَ على المؤمنين أن يُقاتِلَ الرجلُ منهم عشرةً من المشركين؛ قولُه: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا} . فشَقَّ ذلك عليهم، فأنزلَ اللَّهُ التخفيفَ، فجَعَلَ على الرجلِ أن يُقاتِلَ الرجلين، قولُه:{فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ، فخَفَّفَ اللَّهُ عنهم، ونُقِصوا مِن النّصرِ

(3)

بقَدْرِ ذلك

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} . يقولُ: يُقاتِلوا مائتين، فكانوا أضعفَ من ذلك، فنَسَخَها اللَّهُ عنهما، فَخَفَّفَ فقال:{فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} . فجَعَلَ أولَ مرةٍ الرجلَ لعشَرةٍ

(5)

، ثم جَعَلَ الرجلَ لاثنين.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن ابن

(1)

عزاء السيوطي في الدر المنثور 3/ 200 إلى أبي الشيخ وابن مردويه.

(2)

في في ف: "أبي الحرية".

(3)

في م: "العصير"، وفي ف:"البصر".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 5/ 724 والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص 470 من طريق يزيد بن هارون به، وابن المبارك في الجهاد ص 179 (137)، والبخاري (4652)، وأبو داود (2646)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1729، والبيهقى 9/ 76 من طريق جرير بن حازم به.

(5)

في ص، ت 1، ت، س، ف:"بعشرة".

ص: 267

أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} . قال: كان فُرِض عليهم إذا لَقِيَ عشرون مائتين أن لا يَفِرُّوا، فإنهم إن لم يَفِرُّوا غَلَبوا، ثم خَفَّفَ اللَّهُ عنهم فقال:{فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ} ، فيقولُ: لا ينبغي أن يَفِرَّ ألفٌ مِن ألفين، فإنهم إن صَبَروا لهم غَلَبوهم

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: كان هذا واجبًا أن لا يَفِرَّ واحدٌ من عشرةٍ

(2)

.

وبه قال: أخبرنا الثوريُّ، عن لَيْثٍ، عن عطاءٍ مثلَ ذلك

(3)

.

وأما قوله: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} فقد بَيَّنَّا تأويلَه

(4)

.

وكان ابن إسحاق يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} ، أي: لا يُقاتِلون على نيةٍ

(5)

، ولا حقٍّ فيه، ولا معرفةٍ بخيرٍ

(6)

ولا شرٍّ

(7)

.

وهذه الآيةُ، أعنى قولَه:{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ، وإن كان مخرجُها مخرجَ الخبرِ، فإن معناها الأمرُ، يدلُّ على ذلك قولُه: {الْآنَ

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 261، وتفسير مجاهد 357، 358 بنحوه.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 261، وفي مصنفه (9526).

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 262، وفي مصنفه (9527)، وتفسير الثوري ص 121 عن ابن جريج عن عطاء.

(4)

تقدم في ص 261

(5)

في ص، ت 2، ت 2، س، ف:"بينة".

(6)

في م، ف، وتفسير ابن أبي حاتم:"لخير".

(7)

سيرة ابن هشام 1/ 675، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1729 من طريق سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد عن أبيه.

ص: 268

خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ}. فلم يكن التخفيفُ إلا بعدَ التثقيلِ، ولو كان ثبوتُ العشرةِ منهم للمائةِ مِن عدوِّهم، كان غيرَ فرضٍ عليهم قبلَ التخفيفِ، وكان ندبًا، لم يكنْ للتخفيفِ وجهٌ؛ لأن التخفيفَ إنما هو ترخيصٌ في تركِ الواحدِ من المسلمين الثبوتَ للعشرَةِ من العدوِّ، وإذا لم يكن التشديدُ قد كان له مُتقدِّمًا، لم يكنْ للترخيصِ وجهٌ، إذ كان المفهومُ مِن الترخيصِ إنما هو بعدَ التشديدِ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن حكمَ قولِه:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} ناسخٌ لحكم قوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} . وقد بَيَّنَّا في كتابِنا

(1)

"لطيفِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ"، أن كلَّ خبرٍ مِن اللَّهِ وَعَدَ فيه عبادَه على عملٍ ثوابًا وجزاءً، وعلى تَرْكِه عقابًا وعذابًا، وإن لم يكنْ خارجًا ظاهرُه مخرجَ الأمرِ، ففى معنى الأمرِ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.

واختلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} .

فقرأه بعضُ المدنيِّين وبعضُ البصريِّين: (وَعَلِمَ أنَّ فيكم ضُعْفًا). بضَمِّ الصَادِ في جميعِ القرآنِ، وتنوينِ الضعفِ على

(2)

المصدرِ من: ضَعُفَ الرجلُ ضُعْفًا

(3)

.

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيِّين: {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} ، بفتحِ الضادِ على المصدر أيضًا مِن ضَعُف

(4)

.

(1)

في ص، ت 2، س، ف:"كتاب".

(2)

في ت 2: "من".

(3)

هذه قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير والكسائي وابن عامر. السبعة ص 308، 309.

(4)

قرأ بذلك عاصم وحمزة. وخالف حفص عاصمًا فقرأ عن نفسه لا عن عاصم في الروم: (ضُعفٍ

ضعفًا) بالضم جميعًا. السبعة لابن مجاهد ص 309.

ص: 269

وقرأه بعضُ المدنيِّين: (ضُعفَاء)

(1)

، على تقديرِ "فُعلاء"

(2)

، جُمِعَ ضعيفٌ على ضُعفاءَ، كما يُجمعُ الشريكُ شركاءَ، والرحيمُ رُحماءَ.

وأَولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ قِراءةُ مَن قرأه: {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} ، و:(ضُعْفًا)، بفتحِ الضادِ أو ضمِّها؛ لأنهما القراءتان المعروفتان، وهما لغتان مشهورتان في كلامِ العربِ فصيحتان، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قَرأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ.

فأما قراءةُ مَن قرأ ذلك: (ضعفاءَ)، فإنها عن قراءة القرأةِ شاذةٌ، وإن كان لها في الصحةِ مخرجٌ، فلا أحبُّ لقارئٌ القراءةَ بها

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)} .

يقولُ تعالى ذكرهُ: ما كان لنبيٍّ أن يَحْتَبِسَ كافرًا قَدَرَ عليه وصار في يَدِه، من عَيْدَةِ الأُوثَانِ للفداءِ أو للمَنِّ.

والأسْرُ في كلامِ العربِ: الحبسُ

(4)

، يقالُ منه: مأسورٌ. يرادُ به: محبوسٌ. ومسموعٌ منهم: أَنَالَه

(5)

اللَّهُ أُسْرًا.

(1)

هذه قراءة أبي جعفر المدني. النشر في القراءات العشر 2/ 208.

(2)

بعده في ص، ت 2، س:"بمعنى".

(3)

تقدم قبل قليل أن هذه القراءة قراءة أبي جعفر المدني، أحد العشرة، وهي متواترة.

(4)

سقط من: ص، ت 2، س، ف.

(5)

في ص، ت 2، ص، ف:"أبي" والمثبت موافق لما في اللسان والتاج (أس ر)، وفي أساس البلاغة (أ س ر):"وفي أدعيتهم: أبى لك الله أسرا".

ص: 270

وإنما قال اللَّهُ جلّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم يُعرِّفُه أن قتلَ المشركين الذين أَسَرَهم صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ ثم فادَى بهم، كان أوْلي بالصوابِ من أَخْذِ الفِدية منهم وإطْلاقِهم.

وقوله: {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} . يقولُ: حتى يُبالغَ في قتلِ المشركين فيها، ويَقْهَرَهم غَلَبةً وقَسْرًا.

يقال منه: أَثْخَنَ فلانٌ في هذا الأمرِ. إذا بالَغَ فيه. وحُكِى: أَنْخَنتُه معرفةً. بمعنى: قتلتُه معرفةً.

{تُرِيدُونَ} . يقولُ للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تُريدون أيُّها المؤمنون {عَرَضَ الدُّنْيَا} بأسْرِكمُ المشركين، وهو ما عَرضَ للمرءِ

(1)

منها مِن مالٍ ومتاعٍ. يقولُ: تُرِيدون بأَخْذِكم الفداءَ مِن المشركين متاعَ الدنيا وطُعْمَها، {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}. يقولُ: واللَّهُ يريدُ لكم زينةَ الآخرةِ وما أعدَّ للمؤمنين وأهلِ ولايتهِ في جناتِه، بقَتْلِكم إياهم وإثْخانِكم في الأرضِ. يقولُ لهم: واطلُبوا ما يريدُ اللَّهُ لكم وله اعمَلوا، لا ما تَدْعوكم إليه أهواءُ أنفسِكم مِن الرغبةِ في الدنيا وأسبابِها، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ}. يقولُ: إن أنتم أردتُم الآخرةَ لم يَغْلبْكم [عدوٌّ لكم]

(2)

؛ لأن اللَّهَ عزيزٌ لا يُقْهَرُ ولا يُغلَبُ، وأنه {حَكِيمٌ} في تَدْبِيرِه أَمرَ خلقِه.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن

(1)

سقط من: ت 2. وفي س: في: "للمشركين".

(2)

في ت 2: "عدوكم".

ص: 271

ابن عباسٍ قولَه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} : وذلك يومَ بدرٍ، والمسلمون يومَئذٍ قليلٌ، فلما كَثُروا واشتدَّ سلطانُهم، أنزلَ اللَّهُ تبارك وتعالى بعدَ هذا في الأُسارى:{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4]، فجعَلَ اللَّهُ النبيَّ والمؤمنين في أمرِ الأُسارى بالخيارِ؛ إن شاءوا قَتَلوهم، وإن شاءوا اسْتَعْبَدوهم، وإن شاءوا فادَوْهم

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ

(2)

لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} الآية. قال: أرادَ أصحابُ نبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ الفداءَ، ففادَوْهم بأربعةِ آلافٍ [أربعةٍ آلافٍ]

(3)

، ولعَمْرى ما كان أَثْخنَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يومئذٍ، وكان أوَّلَ قتالٍ قاتلَه المشركين

(4)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن حبيبِ بن أبي عمرةَ، عن مجاهدٍ، قال: الإثخانُ: القتلُ

(5)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} . قال: إِذا أَسَرْتُموهم فلا تُفادوُهم حتى تُثْخِنوا فيهم القتلَ

(6)

.

(1)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 299، 300، وفي الأموال (342)، وابن زنجويه في الأموال (530)، وابن المنذر في الأوسط 11/ 225، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1732، والنحاس في ناسخه ص 472 من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 203 إلى ابن مردويه.

(2)

غير منقوطة في ص، وفي م، ت 1، ت 2، س، ف، وما بعدها:"تكون". وهي قراءة أبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص 309.

(3)

سقط من: م، ت 1، ت 2، س، ف.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 203 إلى ابن المنذر.

(5)

في ت 2، س:"الفصل". وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 420 عن ابن فضيل به، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1732 من طريق حبيب بن أبى عمرة، وابن المنذر في الأوسط 11/ 229.

(6)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 301، وفي الأموال (341) - وابن زنجويه في الأموال (528، =

ص: 272

قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} الآية: نَزَلت الرخصةُ بعدُ؛ إن شِئْتَ فمُنَّ، وإن شئتَ فَفادِ

(1)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} . يعنى: الذين أُسِروا ببدرٍ

(2)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} مِن عدوِّه {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} ، أي: يُثْخِنَ عدوَّه حتى يَنْفِيَهم مِن الأرضِ، {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} ، أي: المتاعَ والفداءَ بأخذِ الرجالِ، {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} بقَتْلِهِم، لظُهُورِ الدينِ الذي يُريدون إطفاءَه، الذي به تُدْرَكُ الآخرةُ

(3)

.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن عمرِو بن مُرَّةً، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لمَّا كان يومُ بدرٍ وجيء بالأَسْرى، قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"ما تقولون في هؤلاء الأَسْرى؟ ". فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللَّهِ، قومُك وأهلُك، اسْتَبْقِهم واسْتأنِهم

(4)

لعلَّ اللَّهَ أن يتوبَ عليهم. وقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ، كَذَّبوك وأخْرجوك، قَدِّمْهم فاضرِبْ أعناقَهم. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ رواحةَ: يا رسولَ اللَّهِ، انظُرْ واديًا كثيرَ الحَطَبِ، فأدخِلْهم فيه، ثم أضْرمْه عليهم

= 529)، تفسير مجاهد ص 358 من طريق شريك عن سالم عن سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 46 إلى عبد بن حميد وابن المنذر بنحوه.

(1)

أخرجه ابن المنذر في الأوسط 11/ 229 عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 203 إلى ابن أبي شيبة.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1732 من طريق أبي معاذ به.

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 676، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1733 من طريق سلمة به.

(4)

في م، والمسند:"استأن بهم". واستأنهم: أي انتظرهم. ينظر النهاية 1/ 78.

ص: 273

نارًا. قال: فقال له العباسُ: قَطَعتَ رَحِمَكَ. قال: فسَكتَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فلم يُجبْهم، ثم دخَل. فقال ناسٌ: يأخُذُ

(1)

بقَوْلِ أبي بكرٍ. وقال ناسٌ: يَأخُذُ

(2)

بقَولِ عمرَ. وقال ناسٌ: يأخُذُ بقَولِ عبدِ اللَّهِ بن رَواحةَ. ثم خَرَجَ عليهم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن اللَّهَ لَيُلَيِّنُ قلوبَ رجالٍ حتى تكونَ ألينَ من اللَّبَنِ، وإن اللَّهَ لَيُشَدِّدُ قلوبَ رجالٍ حتى تكونَ أشدَّ من الحجارةِ، وإن مَثَلَك يا أبا بكرٍ مَثَلُ إبراهيمَ، قال:{فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36]، ومَثَلَك يا أبا بكرٍ مَثَلُ عيسى، قال:{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية [المائدة: 118]، ومَثَلَك

(3)

مَثَلُ نوحٍ، قال:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، ومَثَلَك

(3)

كمَثَلِ موسى، قال:{رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 88]". قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أنتم اليومَ عالةٌ، فلا يَنْفَلِتَنَّ أحدٌ منهم إلا بفِداءٍ أو ضَرْبٍ عُنُقٍ". قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: إلا سُهيلَ ابنَ بيضاءَ؛ فإني سمعتُه يذكُرُ الإسلامَ. فَسَكَتَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فما رأيتُني في يوم أخوفَ أن تقَعَ عليَّ الحجارةُ مِن السماءِ منى في

(4)

ذلك اليومِ، حتى قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إلا سُهيلَ ابنَ بيضاءَ". قال: فأنزلَ اللَّهُ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} ، إلى آخرِ الثلاثِ الآياتِ

(5)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"تأخذ".

(2)

في ص، ت 2:"نأخذ".

(3)

بعده في م: "يا ابن رواحة".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"من".

(5)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 476 بهذا الإسناد، وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 417، 14/ 370، وأحمد 6/ 138 (3632)، والترمذى (1714، 3084)، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 35 - 37، وأبو نعيم في الحلية 4/ 207، 208، والبيهقى 6/ 321، والواحدى في أسباب النزول ص 236، 237 من طريق أبي معاوية به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1731، والطبراني (10258، 10259)، والحاكم 3/ 21، والبيهقي في الدلائل 3/ 138 من طريق الأعمش به.

ص: 274

حدَّثنا ابن بشارٍ، [ثنا عمرُ بنُ يونُسَ اليماميُّ]

(1)

، قال: ثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا أبو زُمَيلٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ، قال: لمَّا أسَروا الأُسارى، يعنى يومَ بدرٍ، قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أينَ أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ؟ ". قال: "ما تَرون في الأُسارى؟ ". فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللَّهِ، هم بنو العمِّ والعشيرةِ، وأرى أن تأخذَ منهم فِديةً تكونُ لنا قوةً على الكفارِ، وعسى اللَّهُ أن يَهْدِيَهم للإِسلامِ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"ما ترَى يا بنَ الخطابِ؟ ". فقال: لا والذي لا إلهَ إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، يا نبيَّ اللَّهِ، ولكن أرى أن تُمَكَّنَنا منهم، فتُمَكِّنَ عَليًّا مِن عَقِيلٍ فيَضْرِبَ عنُقَه

(2)

، وتُمَكِّنَنى من فلانٍ - نسيبٍ لعمرَ - فأضربَ عُنُقَه، فإن هؤلاء أئمةُ الكفرِ وصَناديدُها. فهَوِى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قلتُ. قال عمرُ: فلما كان من الغدِ جئتُ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فإذا هو وأبو بكرِ قاعدان يَبْكيان، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أخبرْني من أيِّ شيءٍ تَبْكى أنت وصاحبُك، فإن وَجَدتُ بكاءً بكَيتُ، وإن لم أجِدْ بكاءً تَباكَيتُ لبُكائِكما

(3)

. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أبكِي للذى عَرَضَ [عليَّ أصحابُك]

(4)

من

(5)

أخذِهم

(6)

الفداءَ، ولقد عليَّ عذابُكم

(7)

أَدْني هذه الشجرةٍ" - شجرةٍ

(8)

قريبةٍ من رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فأنزلَ اللَّهُ عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي

(1)

سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 21/ 534.

(2)

بعده في م: "وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه"، وفي المسند:"وتمكن حمزة من فلان أخيه".

(3)

زيادة من مسلم والترمذي وأحمد وابن أبي حاتم. وعند البيهقي: "بيكائكما".

(4)

في م، ت 2، س:"لأصحابي".

(5)

في ص: "في".

(6)

في ص: "أحدهم".

(7)

في صحيح مسلم وسنن البيهقي: "عذابهم".

(8)

في م، ومسند أحمد:"لشجرة".

ص: 275

الْأَرْضِ}، إلى قوله:{حَلَالًا طَيِّبًا} ، وأحلَّ اللَّهُ الغنيمة لهم

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لأهلِ بدرٍ الذين غَنِموا وأخَذوا من الأَسْرى الفداءَ: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} . يقولُ: لولا قضاءٌ من اللَّهِ سَبَقَ لكم، أهلَ بدرٍ، في اللوحِ المحفوظِ - بأن اللَّهَ مُحِلٌّ لكم الغنيمةَ، وأن اللَّهَ قَضَى فيما قَضَى أنه لا يُضِلُّ قومًا بعدَ إذ هَداهم حتى يُبَيِّنَ لهم ما يَتَّقون، وأنه لا يُعذِّبُ أحدًا شَهِدَ المشهدَ الذي شَهِدتُموه ببدرٍ مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ناصرًا دينَ اللَّهِ - لنالَكم مِن اللَّهِ، بأخْذِكم الغنيمةَ والفِداءَ، عذابٌ عظيمٌ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكر مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} الآية. قال: إن اللَّهَ كان مُطْعِمَ هذه الأمةِ الغنيمةَ، وإنهم أَخَذوا الفداءَ من أُسارى بدرٍ قبلَ أن يُؤمَروا به. قال فعاب اللَّهُ ذلك عليهم، ثم أحلَّه اللَّهُ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، عن عَوفٍ، عن

(1)

أخرجه الترمذى (3081) عن ابن بشار به، وأخرجه مسلم (1763)، والطحاوي في المشكل (3309) وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1662، 1730، وابن حبان (4793)، وأبو نعيم في الدلائل (408)، والبيهقى 6/ 321 وفي الدلائل 3/ 51 - 53 من طريق عمر بن يونس به. وتقدم من طريق ابن المبارك عن عكرمة بن عمار ص 51.

(2)

أخرجه الطحاوى في المشكل 8/ 364 تحت (3312) من طريق عوف به.

ص: 276

الحسنِ في قولِ اللَّهِ: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} الآية، وذلك يومَ بدرٍ، أَخَذَ أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم المغانمَ والأُسارى قبلَ أن يُؤمَروا به، وكان اللَّهُ، تبارك وتعالى، قد كتَب في أمِّ الكتابِ: المغانمُ والأُسارى حلالٌ لمحمدٍ وأمتِه. ولم يكنْ أحَلَّه لأمةٍ قبلَهم، فأَخذوا المغانَم، وأَسَروا الأُسارى قبلَ أن يُنزَّلَ إليهم في ذلك، قال اللَّهُ:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} . يعنى: في الكتابِ الأولِ أن المغانمَ والأُسارى حلالٌ لكم {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال ثني عمِّي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} الآية، وكانت الغنائمُ قبلَ أن يُبْعَثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الأممِ إذا أصابوا مَغْنمًا جَعَلوه للقربانِ، وحرَّمَ اللَّهُ عليهم أن يأكُلوا منه قليلًا أو كثيرًا، حُرِّمَ ذلك على كلِّ نبيٍّ وعلى أمته، فكانوا لا يأكلون منه، ولا يَغُلُّون منه، ولا يأخُذون منه قليلًا ولا كثيرًا إلا عَذَّبَهم اللَّهُ عليه، وكان اللَّهُ حرَّمَه عليهم تحريمًا شديدًا، فلم يُحِلُّه لنبيٍّ إلا لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وكان قد سبَق من الله في قضائِه أن المغنمَ له ولأمتِه حلالٌ، فذلك قولُه يومَ بدرٍ، في أخذِ الفداءِ من الأُسارى:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوف

(2)

، عن الحسنِ:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} . قال: إن اللَّهَ كان مُعْطِىَ هذه الأمةِ الغنيمةَ، وفعَلوا الذي فَعَلوا قبل أن تَحِلَّ الغنيمةُ

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 204 إلى ابن مردويه.

(2)

في النسخ: عروة. وينظر هذا الإسناد في 6/ 19، 12/ 231، 13/ 45، 14/ 171، كما في مصدر التخريج.

(3)

أخرجه الطحاوى في المشكل 8/ 364، 365 تحت (3312) من طريق عوف به.

ص: 277

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، قال: قال الأعمشُ في قولِه: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} ، سبَق من الله أن أحلَّ لهم الغنيمةَ

(1)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، عن بشيرِ بن مَيمونٍ، قال: سمعتُ سعيدًا يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ، قال: قرأ هذه الآيةَ: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . قال: يعنى: لولا أنه سبَقَ في عِلْمى أنى سأُحِلَّ الغنائمَ، لَمَسَّكم فيما أَخَذْتُم من الأُسارى عذابٌ عظيمٌ

(2)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ وأبو مُعاويةَ بنحوِه، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما أَحلَّتِ الغنائمُ لأحدٍ سُود الرءوسِ من قَبْلِكم، كانت تَنْزلُ نارٌ من السماءِ [وتأكُلُها]

(3)

". حتى كان يومُ بدرٍ، فوقَع الناسُ في الغنائمِ، فأنزلَ اللَّهُ:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ} حتى بلغَ: {حَلَالًا طَيِّبًا}

(4)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوه، قال: فلما كان يومُ بدرٍ أسرع الناسُ في الغنائمِ.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسير 1/ 262 عن معمر به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1734، 1735 من طريق بشير بن ميمون أبي صيفى به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (2907) وفي (1002 - تفسير) من طريق سعيد بن أبي سعيد قوله.

(3)

في ص، ف:"تأكلها".

(4)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2906)، وابن أبي شيبة 14/ 387، 388 (18587)، وأحمد 12/ 403، 404 (7433)، والنسائي في الكبرى (11209)، وابن الجارود (1071)، والبيهقي 6/ 290، وابن عبد البر في التمهيد 6/ 457 من طريق أبي معاوية به، وأخرجه أبو داود الطيالسي (2551) ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1733، والترمذى (3085)، والطحاوي في المشكل (3310 - 3312)، وابن حبان (4806)، والبيهقى 6/ 290 من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 203 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.

ص: 278

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: أَسَر المسلمون من المشركين سبعين، وقَتَلوا سبعين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اختاروا أن تأخُذُوا منهم الفداءَ فتقَووا بهِ على عَدُوَّكُم، وإن قَبِلْتُموُه قُتِلَ منكم سبعونَ، أو تَقْتُلوهم". فقالوا: بل نأخذُ الفِديةَ منهم. وقُتِل منهم سبعون. قال عَبيدةُ: وطَلَبوا الخِيَرتين كلتيهما

(1)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن أشعثَ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: كان فِداءُ أُسارى بدرٍ مائةَ أوقيَّةٍ، والأوقيَّةُ أربعون درهمًا، ومن الدنانيرِ ستَّةُ دنانيرَ.

حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ، أنه قال في أسارى بدرٍ: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إن شئتم قَتَلتُموهُم، وإن شِئتم فاديتمُوهُم واستُشهِدَ منكُم بِعِدَّتهم". فقالوا: بلى، نأخُذُ الفداءَ فنستمتعُ

(2)

به ويُستَشهدُ منا بعدَّتِهم

(3)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنَا هَمَّامُ بنُ يحيى، قال ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن سعودٍ، قال: أمَر عمرُ، رضي الله عنه، بقَتْلِ الأُسارى، فأنزل اللَّهُ:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفَرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ،

(1)

شكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف 2/ 37 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 368 من طريق أشعث به، وأخرجه ابن سعد 2/ 22 من طريق ابن سيرين.

(2)

في م: "فتستمتع".

(3)

أخرجه البزار في مسنده 2/ 177 عقب الحديث (551) من طريق ابن عون به. وينظر علل الدارقطني 4/ 30 (418).

ص: 279

قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} . قال: كان المَغْنَم مُحرَّمًا على كلِّ نبيٍّ وأُمَّتِه، وكانوا إذا غَنِموا يَجْعَلون المغنم للَّهِ قُربانًا تأكُلُه النارُ، وكان سَبَقَ في قضاءِ اللَّهِ وعلمِه أن يُحِلَّ المغنمَ لهذه الأمةِ يأكلُونه في بطونِهم.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ في قولِ اللَّهِ:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . قال: كان في علمِ اللَّهِ أن تَحِلَّ لهم الغنائمُ، فقال:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} بأنه أحلَّ لكم الغنائمَ {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: لولا كتابٌ من اللَّهِ سبَق لأهلِ بدرٍ ألَّا يُعَذِّبَهم: لمَسَّهم عذابٌ عظيمٌ.

‌ذكر مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيد:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} . قال: لأهلِ بدرٍ مِن السعادةِ

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا ابن نُمِيرٍ، عن وَرقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} لأهلِ بدرٍ مَشْهدَهم

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن الحسنِ:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} . قال: سَبَقَ من اللَّهِ خيرٌ لأهلِ بدرٍ

(4)

.

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1734 معلقًا.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1735 من طريق شريك به.

(3)

تفسير مجاهد ص 358.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 262 عن معمر به.

ص: 280

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} : كان سبَق لهم من اللَّهِ خيرٌ، وأَحَلَّ لهم الغنائمَ

(1)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، عن عمرِو بن عُبيدٍ، عن الحسنِ:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} . قال: سبَق أن لا يُعذِّبَ أحدًا من أهلِ بدرٍ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} . لأهلِ بدرٍ ومشهدَهم إيَّاه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} : لمسَّكم فيما أخذتُم من الغنائم يومَ بدرٍ قبلَ أن أُحِلَّها لكم. فقال: سبَق من اللَّهِ العَفْوُ عنهم، والرحمةُ لهم، سبَق أنه لا يُعذِّبُ المؤمنين؛ لأنه لا يعذِّبُ رسولَه، ومن آمن به، وهاجَر معه ونَصَره

(3)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} أن لا يؤاخذَ أحدًا بفعلٍ أتاه على جهالةٍ؛ {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} لأهل بدرٍ ومشهدَهم إياه. قال: كتابٌ سبَق؛ لقولِه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1734 معلقًا.

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1735 معلقًا.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1735 من طريق أصبغ عن ابن زيد بنحوه.

ص: 281

يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] سبَق ذلك وسبَق أن لا يُؤاخِذَ قومًا فَعَلُوا شيئًا بجهالةٍ {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: {فِيمَا أَخَذْتُمْ} : مما أسَرْتم. ثم قال بعد: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ} .

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: عاتَبَه في الأسارى وأخذِ الغنائمِ، ولم يكنْ أحدٌ قبلَه من الأنبياءِ يأكلُ مغنمًا من عدوٍّ له

(1)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، قال

(2)

: ثني أبو جعفرٍ محمدُ بن عليّ بن الحسينِ بن عليّ بن أبى طالبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نُصرتُ بالرُّعبِ، وجُعِلَت لِىَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، وأُعطِيتُ جوامعَ الكَلِمِ، وأُحِلَّت لىَ المغائمُ ولم تَحِلُّ لنبيٍّ كان قَبْلى، وأُعطِيتُ الشفاعةَ، خمسٌ لم يؤتهنَّ نبيٌّ كان قبْلى". قال محمدٌ: فقال: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ} . أي: قبلَك {أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} ، إلى قوله:{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} . أي: من الأُسارى والمغانمِ، {عَذَابٌ عَظِيمٌ}: أي لولا أنه سبَق منى أن لا أُعَذِّبَ إلا بعدَ النهى، ولم أكُنْ نَهَيتُكم، لعذَّبتُكم فيما صنَعتم، ثم أُحِلُّها له ولهم، رحمةً ونعمةً وعائدةً من الرحمنِ الرحيمِ (1).

قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما قد بَيَّناه قبلُ. وذلك أن قولَه: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} . خبرٌ عامٌّ غيرُ محصورٍ على معنًى دونَ معنًى، وكلُّ هذه المعانى التي ذكرتُها عمَّن ذكَرتُ مما قد سبَق في كتابِ اللَّهِ أَنه لا يُؤَاخِذُ بشيءٍ منها هذه الأمةَ، وذلك ما عَمِلوا من عملٍ بجهالةٍ، وإحلال الغنيمةِ، والمغفرةُ

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 676.

(2)

بعده في م: "ثنى أبو سلمة، عن محمد، قال".

ص: 282

لأهلِ بدرٍ، وكلُّ ذلك مما كُتِبَ لهم. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجهَ لأن يَخُصَّ

(1)

من ذلك معنًى دونَ معنًى، وقد عَمَّ اللَّهُ الخبرَ بكلِّ ذلك بغيرِ دلالةٍ توجِبُ صحةَ القولُ بخصوصِه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: لم يكنْ من المؤمنين أَحدٌ ممَّن نُصِرَ إلا أحبَّ الغنائمَ إلا عمرَ بنَ الخطابِ، جعَل لا يَلْقَى أسيرًا إِلا ضَرَب عُنُقَه، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، ما لنا وللغنائمِ؟ نحن قومٌ نُجَاهِدُ في دينِ اللَّهِ حتى يُعبَدَ اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لو عُذِّبنا في هذا الأمرِ يا عمرُ ما نجا غيرُك". قال اللَّهُ: لا تعودوا تَستَحِلُّون قبلَ أن أُحِلَّ لكم

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: لمّا نَزَلَت: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} الآية، قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لو نَزَل عذابٌ من السماءِ لم ينْجُ منه إلا سعدُ بنُ معاذٍ". لقوله: يا نبيَّ اللَّهِ، كان الإثخانُ في القتلِ أحبَّ إليَّ من استبقاءِ الرجالِ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين من أهلِ بدرٍ: فكُلُوا أَيُّها المؤمنون مما غَنِمتُم من أموالِ المشركين حلالًا بإحلالِه لكم طيبًا، {وَاتَّقُوا اللَّهَ}. يقولُ: وخافُوا اللَّه أن تَعُودوا، أن تَفْعَلُوا في دينِكم شيئًا بعدَ هذه من قبلِ أن يُعهَدَ فيه إليكم، كما فَعَلتم في أخذِ الفداءِ وأكلِ الغنيمةِ، وأَخَذتموهما من قبلِ أن يَحِلَّا لكم {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يحصر".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1735 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(3)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 38، 39 عن المصنف، وسيرة ابن هشام 1/ 628 ببعضه دون الجزء المرفوع.

ص: 283

رَحِيمٌ}.

وهذا من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.

وتأويلُ الكلامِ: فكلُوا مما غنمتم حلالًا طيبًا، إن اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ، واتَّقُوا اللَّهَ.

ويعنى بقولِه: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لذنوبِ أهلِ الإيمانِ من عبادِه، {رَحِيمٌ} بهم أن يعاقبَهم بعدَ توبتِهم منها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى

(1)

إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70)}.

يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبيُّ، قُلْ لَمَن فِي يَدَيْك وفي يَدَيْ أصحابِك من أَسرى المشركين الذين أُخِذ منهم من الفداءِ ما أُخِذ {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا}. يقولُ: إن يَعْلَمِ اللَّهُ في قلوبِكم إسلامًا {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} من الفداءِ {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} . يقولُ: ويَصْفَحُ لكم عن عقوبةِ جُرمِكم الذي اجتَرَمتموه بقتالكم نبيَّ اللَّهِ وأصحابَه، وكفرِكم باللَّهِ، {وَاللَّهُ غَفُورٌ} لذنوب عباده إذا تابُوا، {رَحِيمٌ} بهم أن يُعاقِبَهم عليها بعدَ التوبةِ.

وذُكِر أن العباسَ بنَ عبدِ المطلبِ كان يقولُ: فيَّ نَزَلَت هذه الآيةُ.

[ذكرُ من قال ذلك]

(2)

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ابن

(3)

إسحاقَ، عن ابن أبي نجيحٍ،

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف - في هذا الموضع وما بعده -:"الأسارى". وهي قراءة أبي عمرو، والمثبت هو قراءة الباقين. ينظر السبعة لابن مجاهد ص 309، والتيسير ص 96، والكشف عن وجوه القراءات 1/ 496.

(2)

في ف: "ذكر الرواية بذلك".

(3)

في م: "أبى". وينظر تهذيب الكمال 16/ 215.

ص: 284

عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال العباسُ: فيَّ نزلَت {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} . فأخبرتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بإسلامي، وسألتُه أن يُحاسبَنى بالعشرين الأوقية التي أخَذ منى فأبَى، فأبْدَلَني اللَّهُ بها عشرين عبدًا، كلُّهم تاجرٌ، مالي في يَدَيه

(1)

.

وقد حدَّثنا بهذا الحديثِ - ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال محمدٌ: ثنى الكلبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ بن رِئابٍ، قال: كان العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ يقولُ: فيَّ واللَّهِ نَزَلت حينَ ذكرتُ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إسلامى. ثم ذَكَر نحوَ حديثِ ابن وكيعٍ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} الآية. قال: ذُكر لنا أن نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما لمَّا قَدِم عليه مالُ البحرين ثمانون ألفًا، وقد توضَّأ لصلاةِ الظهرِ، فما أعطَى يومَئذٍ شاكيًا

(2)

، ولا حَرَم سائلًا، وما صَلَّى يومَئذٍ حتى فَرَّقَه، وأمَر العباسَ أن يأخذَ منه ويَحْتَثِيَ، فَأَخَذ. قال: وكان العباسُ يقولُ: هذا خيرٌ مما أُخِذ منَّا، وأرجُو المغفرةَ

(3)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن

(1)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 26/ 293 من طريق ابن وكيع به. ووقع فيه: عبد الله بن إسحاق عن محمد بن إسحاق، وهو خطأ. وهو عبد الله بن إدريس.

وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1737 من طريق ابن إدريس، والطبراني (11398) والأوسط (8107) من طريق ابن إسحاق ووقع في تفسير ابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والأوسط "عطاء" بدل "مجاهد".

(2)

غير منقوطة في ص، س، وفي ت 1، ف:"ساكتا".

(3)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 42 عن المصنف، وأصل الأثر في صحيح البخارى (421، 3165) من حديث أنس بن مالك.

ص: 285

ابن عباس قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} الآية، وكان العباسُ أُسِرَ يومَ بدرٍ، فاقْتَدى نفسَه بأربعين أُوقيةً من ذهبٍ، فقال العباسُ حينَ نَزَلت هذه الآيةُ: لقد أعطانا

(1)

اللَّهُ خَصْلتين ما أحبُّ أن لي بهما الدنيا؛ إنى أُسِرتُ يومَ بدرٍ، ففَدَيتُ نفسي بأربعين أوقيةً، فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرةَ التي وَعَدنا اللَّهُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولَه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} إلى قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . يعنى بذلك مَن أُسِرَ يومَ بدرٍ، يقولُ: إِن عَمِلتُم بطاعتى، ونصَحتُم لرسولى، آتيتُكم خيرًا مما أُخِذ منكم، وغَفَرتُ لكم

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} : عباسٌ وأصحابهُ، قال: قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: آمنَّا بما جئتَ به، ونَشْهَدُ أنك لرسولُ اللَّهِ، لنَنْصَحَنَّ لك على قومِنا، فنَزَل:{إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} : إيمانًا وتَصْديقًا، يَخْلُفُ لكم خيرًا مما أُصِيب منكم، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} الشركَ الذي كنتم عليه. قال: فكان العباسُ يقولُ: ما أُحبُّ أن هذه الآيةَ لم تنزلْ فينا وأن لىَ الدنيا، لقد قال:{يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} ، فقد أعْطاني خيرًا مما أُخِذَ منى مائةَ ضعفٍ، وقال:{وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ، وأرجو أن يكونَ قد غفرَ لي.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ

(1)

في م، وتفسير ابن أبي حاتم:"أعطاني".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1737، والبيهقي في الدلائل 3/ 143 - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 26/ 293 - من طريق أبي صالح به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1737 عن محمد بن سعد به مختصرًا.

ص: 286

سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى} من الآية. يعنى: العباسَ وأصحابهَ، أُسِروا يومَ بدرٍ، يقولُ اللَّهُ: إِن عَمِلتم بطاعتى، ونَصَحتم لي ولرسولى، أعطيتُكم خيرًا مما أُخذَ منكم، وغَفَرتُ لكم. وكان العباسُ بنُ عبدِ المطَّلب يقولُ: لقد أعْطانا اللَّهُ خَصْلتين ما شيءٌ هو أفضلُ منهما؛ عشرين عبدًا، وأما الثانيةُ، فنحن في موعودِ الصادقِ، نَنْتَظِرُ المغفرةَ من اللَّهِ سبحانَه

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وإن يُرِدْ هؤلاء الأُسارى الذين في أيديكم {خِيَانَتَكَ} ، أي الغدرَ بك والمكرَ والخداعَ، بإظهارِهم لك بالقولِ خلافَ ما في نفوسِهم، {فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ}. يقولُ: فقد خالَفوا أمرَ اللَّهِ من

(2)

قبل وقعة بدرٍ، وأمكَن منهم ببدرٍ المؤمنين، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بما يقولون بألسنتِهم، ويُضْمِرونه في نفوسِهم، {حَكِيمٌ} في تَدْبيرِهم وتَدْبيرِ أمورِ خلقِه سواهم.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكر مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ:{وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ} يعنى العباسَ وأصحابَه في قولِهم: آمنَّا بما جئتَ به، ونشهدُ أنك رسولُ الله، لنَنصَحنَّ لك على قومِنا. يقولُ: إن كان قولهم خيانةً {فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1737 من طريق أبي معاذ به.

(2)

في م: "ممن".

ص: 287

يقولُ: قد كَفَروا وقاتَلوك، فأمكَنك اللَّهُ منهم.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ} الآية. قال: ذُكِر لنا أن رجلًا كتب لنبيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم عمَد فنافَقَ، فلَحِقَ بالمشركين بمكةَ، ثم قال: ما كان محمدٌ يَكْتُبُ إلا ما شئتُ. فلما سَمِعَ ذلك رجلٌ من الأنصارِ، نَذَر لئن أمكنَه اللَّهُ منه ليَضْرِبَنَّه بالسيفِ، فلما كان يومُ الفتحِ أمَّن رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الناسَ إلا عبدَ اللَّهِ بنَ سعدِ بن أبي سَرْحٍ، ومِقْيَسَ بنَ صُبابةَ

(1)

، وابنَ خَطَلٍ، وامرأةً

(2)

كانت تدعو على النبيِّ صلى الله عليه وسلم كلَّ صباحٍ، فجاء عثمانُ بابنِ أبى سَرْحٍ، وكان رضيعَه أو أخاه من الرضاعةِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هذا فلانٌ أقبَل تائبًا نادمًا، فأعرَض عنه

(3)

نبيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا سمِع به الأنصاريُّ أقبل متقلِّدًا سيفَه، فأطاف به، وجعَل يَنْظُرُ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجاءَ أن يُومِئَ إليه، ثم إن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدَّم يدَه فبايَعَه، فقال:"أما واللَّهِ لقد تلوَّمْتُك فيه لتوفىَ نذرَك". فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إنى هِبْتُك، فلولا أو مَضتَ إليَّ

(4)

. فقال: "إنه لا ينبغى لنبيٍّ أن يُومِضَ"

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} . يقولُ: قد كفَروا باللَّهِ، ونقَضوا عهدَه، فأمكَن منهم يبدرٍ

(6)

.

(1)

في م: "ضبابة". وينظر الإكمال 2/ 454.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"امرأته".

(3)

سقط من: م.

(4)

أو مضت إليَّ: أشرت إليَّ إشارة خفية. النهاية 5/ 230.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1738 من طريق سعيد بن بشير عن قتادة بنحوه، وأخرجه البيهقي في الدلائل 5/ 60، 61 - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق 29/ 30، 31 - من طريق الحكم بن عبد الملك قتادة أنس بن مالك بنحوه.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1738 من طريق أحمد بن مفضل به.

ص: 288

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} .

يقولُ تعالى ذكره: إن الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه {وَهَاجَرُوا} . يعني: هجروا قومهم وعَشيرتَهم ودورَهم - يعني: تركوهم وخرجوا عنهم - وهجَرهم قومُهم وعشيرتُهم {وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . يقولُ: بالغُوا في إتعابِ نفوسِهم وإنصابِها في حربِ أعداءِ اللَّهِ من الكفارِ، {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . يقولُ في دينِ اللَّهِ الذي جعَله طريقًا إلى رحمتِه والنجاةِ من عذابِه، {وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا}. يقولُ: والذين آوَوْا رسولَ اللَّهِ والمهاجرين معه. يعنى: أنهم جعَلوا لهم مأوىً يَأْوُون إليه، وهو المثوى والمسكنُ. يقولُ: أسكنوهم وجعَلوا لهم من منازلِهم مساكنَ، إذ أخْرَجهم قومُهم من منازلِهم، {وَنَصَرُوا}. يقولُ: ونصروهم على أعدائِهم وأعداءِ اللَّهِ من المشركين. {أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} . يقولُ: هاتان الفرقتان يعنى المهاجرين والأنصارَ - بعضُهم أنصارُ بعضٍ، وأعوانٌ على مَن سِواهم من المشركين، وأيديهم واحدةٌ على من كفَر باللهِ، وبعضُهم إخوانٌ لبعضٍ دونَ أقربائِهم الكفارِ.

وقد قيل: إنما عُنى بذلك أن بعضَهم أولى بميراثِ بعضٍ وأن اللَّهَ ورَّث بعضَهم من بعضٍ بالهجرةِ والنُّصرة دونَ القرابةِ والأرحامِ، وأن اللَّهَ نسَخ ذلك بعدُ بقولِه:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]، [الأحزاب: 6].

‌ذكر مَن قال ذلك

حدَّثني المثنى، قال ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ

ص: 289

آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}. يعني: في الميراثِ، جعَل الميراثَ للمهاجرين والأنصارِ دونَ ذوى الأرحامِ، قال اللَّهُ:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} . يقولُ: ما لكم من ميراثِهم من شيءٍ، وكانوا يَعْمَلون بذلك، حتى أنزل اللَّهُ هذه الآية:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]، [الأحزاب: 6] في الميراث، فنَسَخت التي قبلَها، وصار الميراثُ لذوى الأرحامِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . يقولُ: لا هجرة بعد الفتح، وإنما هو الشهادةُ بعدَ ذلك، {وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} إلى قولِه:{حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثِ منازلَ؛ منهم المؤمنُ المهاجرُ المباينُ

(2)

لقومِه في الهجرةِ، خرَج إلى قومٍ مؤمنين

(3)

في ديارِهم وعَقارِهم وأموالِهم

(4)

. {آوَوْا وَنَصَرُوا} . وأعلنوا ما أعْلَن أهلُ الهجرةِ، وشهَروا السيوفَ على من كذَّب وجحَد، فهذانِ مؤمنانِ جعَل اللَّهُ بعضَهم أولياءَ بعضٍ، فكانوا يَتَوارَثون بينَهم إذا تُوُفِّي المؤمنُ المهاجرُ

(5)

بالولايةِ في الدينِ، وكان الذي آمَن ولم يهاجِرْ لا يَرِثُ؛ من أجلِ أنه لم يُهاجِرْ ولم ينصُرْ، فبرَّأ اللَّهُ المؤمنين المهاجرين من

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1739، 1740 مفرقًا ببعضه من طريق أبي صالح به. كما أخرجه ابن أبي حاتم في 5/ 1743 من طريق آخر عن ابن عباس بنحو شطره الثاني.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"والمباين".

(3)

سقط من: ص، ت 1، س، ف.

(4)

بعده في م: "وفي قوله".

(5)

بعده في م: "ورثه الأنصارى".

ص: 290

ميراثِهم، وهى الوَلايةُ التي قال اللَّهُ:{مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} ، وكان حقًّا على المؤمنين و

(1)

الذين آوَوا ونصَروا إذا اسْتَنصَروهم في الدين أن يَنْصُروهم إن قاتَلوا

(2)

، إلا أن يَستَنْصروا على قومٍ بينَهم وبينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ميثاقٌ، فلا نصر لهم عليهم إلا على العدوِّ الذين لا ميثاقَ لهم، ثم أنزل اللَّهُ بعدَ ذلك أَلْحَقَ كلَّ ذى رَحِمٍ برَحمِه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يُهاجروا، فجعَل لكلِّ إنسانٍ من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقولِه:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . وبقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الثلاثُ الآياتِ خواتيمُ "الأنفالِ"، فيهن ذِكرُ ما كان من وَلايةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بينَ مهاجرى المسلمين، و

(4)

بينَ الأنصارِ في الميراثِ، ثم نسَخ ذلك آخرُها:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ قولَه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا} إلى قولِه: {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . قال: بَلَغنا أنها كانت في الميراثِ، لا يتوارثُ المؤمنون الذين هاجروا والمؤمنون الذين لم يهاجروا. قال: ثم نزَل بعدُ: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ

(1)

سقط من: م.

(2)

كذا في النسخ، وفي ابن أبي حاتم:"قوتلوا".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1738 - 1740 مفرقًا، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 353 من طريق محمد بن سعد به.

(4)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ما كان".

ص: 291

أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. فتوارثوا ولم يهاجِروا. قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: خواتيمُ "الأنفالِ" الثلاثُ الآياتِ

(1)

فيهن ذِكرُ ما كان والَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بينَ المهاجرين المسلمين وبينَ الأنصارِ في الميراثِ، ثم نسَخ ذلك آخرُها:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} .

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا} إلى قولِه: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} قال: لَبِث المسلمون زمانًا يَتوارثون بالهجرةِ، والأعرابيُّ المسلمُ لا يَرِثُ من المهاجرِ شيئًا، فنسَخ ذلك بعدَ ذلك قولُ

(2)

اللَّهِ: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 6]، أي: من أهلِ الشركِ، فأُجيزت الوصيةُ، ولا ميراثَ لهم، وصارت المواريثُ بالمللِ، والمسلمون يَرِثُ بعضُهم بعضًا من المهاجرين والمؤمنين، ولا يرثُ أهلُ مِلَّتين.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحُسَينِ

(3)

، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ، قالا:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إلى قولِه: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} . وكان الأعرابيُّ لا يرثُ المهاجرَ، ولا يرِثُه المهاجرُ، فنسَخها فقال:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

(4)

.

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"قال".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فألحق".

(3)

في م، ت 1، ت 2، س، ف:"الحسن". وهو الحسين بن واقد. ينظر تهذيب الكمال 6/ 491.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1739، وابن الجوزي في ناسخه ص 355 من طريق حبيب بن الزبير=

ص: 292

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} في الميراثِ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} وهؤلاء الأعرابُ {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} في الميراثِ {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} . يقولُ: بأنهم مسلمون. {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} ، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} في الميراث {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} الذين توارثوا على الهجرةِ في كتابِ الله، [ثم نسَختْها الفرائضُ والمواريثُ]

(1)

، فتَوارَث الأعرابُ والمهاجرون

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)} .

يعنى بقوله تعالى ذكرُه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا}

(3)

باللَّهِ ورسولِه {وَلَمْ يُهَاجِرُوا} قومَهم الكفارَ، ولم يُفارِقوا دارَ الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ، {مَا لَكُمْ} أيُّها المؤمنون باللَّهِ ورسولِه المهاجرون قومَهم المشركين وأرضَ الحربِ {مِنْ وَلَايَتِهِمْ}. يعنى: من نُصرتهم وميراثِهم

(4)

- وقد ذكَرتُ قولَ بعضِ من قال: معنى الوَلايةِ ههنا

= عن عكرمة بنحوه. وذكره ابن الجوزى أيضًا عن الحسن معلقًا، وأخرجه ابن الجوزى ص 354 من طريق الحسين عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس.

(1)

وقعت هذه الجملة في ص، ت 1، ت 2، س، ف بعد قوله تعالى:{فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} السالف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1739، 1740 من طريق أحمد بن المفضل ببعضه.

(3)

بعده في م: {الَّذِينَ صَدَقُوا} .

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"براءتهم"، وفي م:"ميراثهم". والمثبت موافق للسياق وما سيأتي من الآثار التالية.

ص: 293

الميراثُ. وسأذكُرُ إن شاء اللَّهُ من حضَرَنى ذكرُه بعد - {مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} قومَهم ودورَهم من دارِ الحربِ إلى دارِ الإسلامِ {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} يقولُ: إن استنصركم هؤلاء الذين آمنوا، ولم يُهاجروا. {فِي الدِّينِ}. يعنى: بأنهم من أهلِ دينِكم على أعدائِكم وأعدائِهم من المشركين، فعليكم أيُّها المؤمنون من المهاجرين والأنصار النصرُ، إلا أن يَستَنصروكم {عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}. يعني: عهدٌ قد وثَّق به بعضُكم على بعضٍ أن لا يحارِبَه {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . يقولُ: واللَّهُ بما تعمَلون فيما أمَرَكم ونهاكم من وَلايةِ بعضِكم بعضًا أيُّها المهاجرون والأنصارُ، وتركِ وَلايةِ من آمن ولم يُهاجرْ، ونُصْرتِكم إياهم عندَ استنصارِكم في الدين، وغير ذلك من فرائضِ اللَّهِ التي فَرَضَها عليكم {بَصِيرٌ} يراه ويبصرُه، فلا يخفَى عليه من ذلك ولا من غيرِه شيءٌ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:{مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} . قال: كان المسلمون يَتوارثون بالهجرةِ، وآخَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بينَهم، فكانوا يَتَوارَثون بالإسلامِ والهجرةِ، وكان الرجلُ يُسْلِمُ ولا يُهاجِرُ، لا

(1)

يَرِثُ أخاه، فنَسخ ذلك قولُه:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ}

(2)

[الأحزاب: 6].

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أخَذ على رجلٍ دخَل في الإسلامِ، فقال:"تُقيم الصلاةَ، وتؤتِي الزكاةَ، وتَحُجُّ البيتَ، وتَصومُ رمضانَ، وأنك لا تَرَى نارَ مشركٍ إلا وأنت حربٌ"

(3)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س:"ولا".

(2)

أخرجه عبد الرزاق 1/ 262 - ومن طريقه النحاس في ناسخه ص 474 - عن معمر به.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 262، وفي مصنفه (9824) عن معمر به.

ص: 294

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ} . يعنى: إن استَنْصَرَكم الأعرابُ المسلمون أيُّها المهاجرون والأنصارُ على عدوِّهم فعليكم أن تَنْصُروهم {إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قال: قال ابن عباسٍ: ترَك النبيُّ صلى الله عليه وسلم الناسَ يومَ تُوُفِّي على أربع منازلَ؛ مؤمنٌ مهاجرٌ، والأنصارُ، وأعرابيٌّ مؤمنٌ لم يُهاجرْ، إن استَنْصَره النبيُّ صلى الله عليه وسلم نصَره، وإن ترَكه فهو إذُنه

(2)

، وإن استنْصَر النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما في الدينِ كان حقًّا عليه أن يَنصُرَه

(3)

، فذلك قولُه:{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} ، والرابعةُ التابعون بإحسانٍ.

حُدِّثْتُ عن الحسينُ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا} إلى آخر السورةِ: فإن

(4)

رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تُوُفِّي وترك الناسَ على أربعِ منازلَ؛ مؤمنٌ مهاجرٌ، ومسلمٌ أعرابيٌّ، والذين آوَوْا ونصَروا، والتابعون بإحسانٍ

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)} .

يقولُ تعالى ذكره: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} باللَّهِ ورسوله {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1740 من طريق أبي صالح به.

(2)

في م: "إذن له".

(3)

في ص: "ينصرهم".

(4)

في م، ت 1، ت 2، س، ف:"قال".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1742 من طريق أبي معاذ به.

ص: 295

بَعْضٍ}. يقولُ: بعضُهم أعوانُ بعضٍ وأنصارُه، وأحقُّ به من المؤمنين باللَّهِ ورسولِه.

وقد ذكَرنا قولَ من قال: عنى بأنَّ

(1)

بعضَهم أحقُّ بميراثِ بعضٍ من قرابتِهم من المؤمنين. وسنذكُرُ بقيةَ من حضَرَنا ذكرُه.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، قال: قال رجلٌ: نُورِّثُ أرحامَنا من المشركين؟ فنزَلَت: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} الآيةَ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} . نزَلَت في مواريثِ مُشركي أهلِ العهدِ

(3)

.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} إلى قولِه: {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} . قال: كان المؤمنُ المهاجِرُ والمؤمنُ الذي ليس بمهاجرٍ لا يتَوارَثان وإن كانا أخوَين مؤمنين. قال: وذلك لأن هذا الدينَ كان بهذا البلدِ قليلًا، حتى كان يومُ الفتحِ وانقَطَعت الهجرةُ توارَثوا حيثما كانوا بالأرحامِ، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لا هجرةَ بعدَ الفتحِ". وقرَأ

(4)

: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} .

وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفارَ بعضُهم أنصارُ بعضٍ، وأنه لا يكونُ مؤمنًا من كان مقيمًا بدارِ الحربِ لم يهاجِرْ.

(1)

في م: "بيان أن". ورسمت في ص، ت 1، ت 2، س:"بيان".

(2)

تفسير الثورى ص 122، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1741.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 206 إلى المصنف.

(4)

في ف: "اقرؤا".

ص: 296

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} . قال: كان يَنْزِلُ الرجلُ بينَ المسلمين والمشركين، فيقولُ: إن ظهَر هؤلاء كنتُ معهم، وإن ظهَر هؤلاء كنتُ معهم. فأبَى اللَّهُ عليهم ذلك، وأنزَل اللَّهُ في ذلك، فلا تَراءى نارُ مسلمٍ و

(1)

نارُ مشركٍ، إلا صاحبَ جِزيةٍ مُقرًّا بالخراجِ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حضَّ اللَّهُ المؤمنين على التواصُلِ، فجعَل المهاجرين والأنصارَ أهلَ وَلايةٍ

(2)

في الدينِ دونَ من سِواهم، وجعَل الكفارَ بعضَهم أولياءَ بعض

(3)

.

وأما قوله: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} . فإن أهلَ التأويلِ اختَلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: إلا تَفْعَلُوا أَيُّها المؤمنون ما أُمِرتُم به من مُوارَثةِ المهاجرين منكم بعضِهم من بعضٍ بالهجرةِ والأنصارِ بالإيمانِ، دونَ أقربائِهم من أعرابِ المسلمين و

(4)

دونَ الكفارِ {تَكُنْ فِتْنَةٌ} . يقولُ: يحدُثْ بلاءٌ في الأرضِ بسببِ ذلك، {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}. يعنى: ومعاصٍ للَّهِ

(5)

.

‌ذكر مَن قال ذلك

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِلَّا

(1)

بعده في ص، ت 1، س:"لا".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س:"ولايته".

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 677، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1742 من طريق سلمة به.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(5)

في م، ت 1، ت 2، س، ف:"الله".

ص: 297

تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}. إلا تَفْعلوا هذا تَتْرُكوهم يَتَوارثون كما كانوا يَتَوارثون {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} . قال: ولم يَكُنْ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْبَلُ الإيمانَ إلا بالهجرةِ، ولا يَجعلونهم منهم إلا بالهجرةِ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} . يعنى: في الميراثِ. {إِلَّا تَفْعَلُوهُ} . يقولُ: إلا تأْخُذوا في الميراثِ بما أَمَرتُكم به {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}

(1)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: إلا تَناصروا أيُّها المؤمنون في الدِّينِ تَكُنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: جعَل المهاجرين والأنصارَ أهلَ وَلايةٍ

(2)

في الدين دونَ من سِواهم، وجعل الكفارَ بعضَهم أولياءَ بعضٍ، ثم قال:{إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} أَن يَتَولَّى المؤمنُ الكافرَ دونَ المؤمنِ. ثم ردَّ المواريثَ إلى الأرحامِ

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قولُه: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} . قال: إلا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1741، وأبو عبيد في ناسخه ص 328، 329 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 206 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص، ف:"ولايته".

(3)

سيرة ابن هشام 1/ 677 بنحوه. وقوله: ثم رد المواريث إلى الأرحام. ليس محل تفسير هذه الآية، بل تفسير الآية (75) في قوله:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} .

ص: 298

تَعاوَنوا وتَناصروا في الدين تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبيرٌ

(1)

.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} قولُ من قال: معناه أن بعضَهم أنصارُ بعضٍ دونَ المؤمنين، وأنه دَلالةٌ على تحريمِ الله على المؤمنِ المُقامَ في دار الحربِ، وتركَ الهجرةِ؛ لأن المعروفَ في كلامِ العربِ من معنى الوليِّ أنه النَّصيرُ والمُعينُ، أو ابن العمِّ والنَّسيبُ. فأما الوارثُ فغيرُ معروفٍ ذلك من معانيه، إلا بمعنى أنه يَليه في القيام بإِرثِه من بعدِه، وذلك معنًى بعيدٌ، وإن كان قد يَحتَمِلُه الكلامُ. وتوجيهُ معنى كلامِ الله إلى الأظهرِ الأشهرِ أولى من توجيههِ إلى خلافِ ذلك.

وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن أولى التأويلين بقوله:{إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} تأويلُ من قال: إلا تَفْعَلوا ما أمرتُكم به من التعاونِ والنُّصرةِ على الدين، تكُنْ فتنةٌ في الأرضِ. إذ كان مبتدأُ الآيةِ من قولِه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} بالحثِّ على الموالاةِ على الدين والتَّناصُرِ جاء، وكذلك الواجبُ أن يكونَ خاتمتُها به.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا} آوَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه، ونصروهم ونصَروا دينَ الله، أولئك هم أهلُ الإيمانِ بالله ورسوله حقًّا، لا مَن آمَن ولم يُهاجرْ دارَ الشركِ، وأقام بينَ أظهرِ أهلِ الشركِ، ولم يَغزُ مع المسلمين عدوَّهم، {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ}. يقولُ: لهم

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 3/ 380.

ص: 299

سِترٌ من الله على ذنوبهم بعفوه لهم عنها {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} . يقولُ: لهم في الجنةِ مَطعمٌ

(1)

ومشربٌ هَنيٌّ كريمٌ، لا يتغيَّرُ في أجوافِهم فيصيرَ نَجوًا

(2)

، ولكنه يصيرُ رَشْحًا كرشحِ المسكِ.

وهذه الآيةُ تُنْبئُ عن صحةِ ما قلنا: إن معنى قول الله: {بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} في هذه الآيةِ، وقولِه:{مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} إنما هو النُّصرةُ والمعونةُ دونَ الميراثِ؛ لأنه جلَّ ثناؤُه عقَّب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصارِ، والخبرِ عما لهم دونَ من لم يُهاجرْ بقولِه:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا} الآية، ولو كان مُرادًا بالآيات قبل ذلك الدَّلالةُ على حكم ميراثِهم لم يَكُنْ عقيب ذلك إلا الحثُّ على مُضِيِّ الميراثِ على ما أمَر، وفى صحةِ ذلك كذلك الدليلُ الواضحُ على أن لا ناسخَ في هذه الآيات لشيءٍ ولا منسوخَ.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين آمنوا بالله ورسولِه من بعدِ تِبياني ما بيَّنْتُ من وَلايةِ المهاجرين والأنصار بعضهم بعضًا، وانقطاعِ وَلايتِهم ممن آمَن ولم يُهاجِرْ حتى يُهاجر، {وَهَاجَرُوا} دارَ الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ، {وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ} أيُّها المؤمنون، {فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} في الوَلايةِ، يَجبُ عليكم لهم من الحقِّ والنُّصرةِ في الدينِ والموارثةِ مثلُ الذي يجبُ لكم عليهم، ولبعضكم على بعضٍ.

(1)

في م: "طعم".

(2)

النَّجو: ما يخرج من البطن من ريح وغائط. اللسان (ن ج و).

ص: 300

كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم ردَّ المواريثَ إلى الأرحامِ التي بينَهم فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} أي: بالميراثِ

(1)

، {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

(2)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)} .

يقولُ تعالى ذكرهُ: والمُتناسِبون بالأرحامِ بعضُهم أولى ببعضٍ في الميراثِ، إذا كانوا ممَّن قسَم الله له منه نصيبًا وحظًّا من الحليف والوليِّ، {فِي كِتَابِ اللَّهِ}. يقولُ: في حكم الله الذي كتبَه في اللوحِ المحفوظِ والسابقِ من القضاءِ، {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} يقولُ: إن الله عالمٌ بما يُصلِحُ عبادهَ في توريثِه بعضَهم من بعضٍ بالقَرابةِ

(3)

والنسب دونَ الحِلْفِ بالعَقْدِ، وبغير ذلك من الأمور كلِّها، لا يَخفَى عليه شيءٌ منها.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا قتادةُ أنَّه قال: لا يَرِثُ الأعرابيُّ المُهَاجِرَ، حتى أنزل الله:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]، [الأحزاب: 6]

(4)

.

(1)

في م: "في الميراث".

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 677.

(3)

في م: "في القرابة".

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 207 إلى المصنف، وينظر تفسير عبد الرزاق 1/ 262.

ص: 301

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا مُعاذٌ، قال: ثنا ابن عَوْنٍ، عن عيسى بن الحارثِ، أن أخاه شُريحَ بن الحارثِ كانت له سُرِّيَّةٌ، فوَلَدت منه جاريةً، فلما شَبَّت الجاريةُ زُوِّجَت، فوَلَدَت غلامًا، ثم ماتَت السُّرِّيَّةُ، واختَصم شُرَيحُ بنُ الحارثِ والغلامُ إلى شُرَيحٍ القاضي في ميراثها، فجَعَل شُرَيحُ بنُ الحارثِ يقولُ: ليس له ميراثٌ في كتابِ اللهِ. قال: فقَضَى شُرَيحٌ بالميراثِ للغلامِ. قال: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} . فرَكِبَ مَيْسَرَةُ بنُ يَزِيدَ إِلى ابن الزُّبَيرِ، وأخبرَه بقضاءِ شُريحٍ وقوله، فكَتَب ابن الزَّبَيرِ إِلى شُرَيحٍ: إِن مَيْسَرَةَ أَخبرني أنك قَضَيتَ بكذا وكذا، وقلتَ:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} . وإنه ليس كذلك، إنما نَزَلَت هذه الآيةُ؛ أن الرجلَ كان يُعاقِدُ الرجلَ يقولُ: تَرِثْنى وأَرِتُك: فنَزَلَت: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} . فجاء بالكتابِ إِلى شُرَيحٍ، فقال شُرَيحٌ: أَعْتَقَهَا جَنَانُ

(1)

بَطْنِها. وأبَى أَن يَرْجِعَ عن قضائه

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: ثنى عيسى بنُ الحارثِ، قال: كانت لشُرَيح بن الحارث سُرِّيَّةٌ، فَذَكَر نحوَه، إلا أنه قال في حديثِه: كان الرجلُ يُعاقِدُ الرجلَ يقولُ: تَرِثُنى وأَرِثُك. فلمَّا نَزَلَت تُرِك ذلك.

[آخر تفسيرِ سورةِ "الأنفالِ". والحمد لله وحدَه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله]

(3)

.

(1)

في م: "جنين". والجنان من كل شيء: جوفه. والجنان: ما سَتر. الوسيط (ج ن ن).

(2)

أخرجه وكيع في أخبار القضاة 2/ 320، 321 من طريق ابن عون بنحوه، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 323 من طريق معاذ به مختصرا في تفسير ابن الزبير للآية، وليس فيه القصة.

(3)

سقط من: م.

ص: 302

‌القولُ في تفسير السورة التي يُذْكَرُ فيها التوبةُ

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ

(2)}.

يعنى بقوله: جلَّ ثناؤُه: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . هذه براءةٌ مِن اللَّهِ ورسوله.

فـ {بَرَاءَةٌ} مرفوعةٌ بمحذوفٍ، وهو هذه، كما في قولِه:{سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا} [النور: 1] مرفوعةٌ بمحذوفٍ هو هذه، ولو قال قائلٌ:{بَرَاءَةٌ} مرفوعةٌ بالعائدِ مِن ذكرِها في قولِه: {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ} . وجَعَلها كالمعرفةِ تَرْفَعُ ما بعدَها، إذْ كانت قد صارَت بصِلَتِها، وهى قوله:{مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه} كالمعرفةِ، وصار معنى الكلامِ: براءةٌ

(1)

من الله ورسولِه، إلى الذين عاهَدْتم مِن المشركين. كان مذهبًا غيرَ مَدْفوعةٍ صحتُه، وإن كان القولُ الأولُ أعجبَ إِليَّ؛ لأن مِن شَأْنِ العربِ أن يُضْمِروا لكلِّ مُعاينٍ، نكرةً كان أو معرفةً ذلك المُعاينُ، "هذا" و "هذه"، فيقولون عندَ مُعاينتِهم الشيءَ الحسنَ: حسنٌ والله. والقبيحَ: قَبيحٌ واللهِ. يُريدون: هذا حسنٌ والله، وهذا قبيحٌ والله؛ فلذلك اخْتَرتُ القولَ الأَوَّلَ.

وقال: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ} . والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين؛ لأن العُهودَ بينَ المسلمين والمشركين على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يَتَوَلَّى عَقْدَها إلا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، أو مَن يَعْقِدُها بأَمْرِه،

(1)

كذا في النسخ ولعل صوابها: "البراءة".

ص: 303

ولكنه خاطَب المؤمنين بذلك لعِلْمِهم بمعناه، وأن عُقُودَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على أمتِه كانت عُقُودَهم؛ لأنهم كانوا لكلِّ أفعالِه فيهم راضِين، ولعُقُودِه عليهم مُسَلِّمين، فصارَ عَقْدُه عليهم كعُقُودِهم على أنفسِهم؛ فلذلك قال:{إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . لما كان مِن عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَهْدِهِ.

وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ فيمَن بَرِيءَ الله ورسولُه إليه مِن العهدِ الذي كان بينَه وبين رسولِ اللهِ من المشركين، فأَذِنَ له في السِّياحة في الأرضِ أربعةَ أشهرٍ.

فقال بعضُهم: هُم صِنْفان من المشركين:

أحدُهما: كانت مُدَّةُ العهدِ بينَه وبين رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أقلَّ مِن أربعةِ أشهرٍ، وأُمْهِلَ بالسِّياحة أربعةَ أشهرٍ.

والآخرُ منهما: كانت مُدَّةُ عَهْدِه بغيرِ أَجَلٍ محدودٍ، فقُصِر به على أربعة أشهرٍ ليَرْتادَ لنفسِه، ثم هو حَرْبٌ بعد ذلك للهِ ولرسولِه وللمؤمنين، يُقْتَلُ حيثما أُدْرِكَ ويُؤسَرُ إلا أن يتوبَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: بَعَث رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ الصِّديقَ، رضي الله عنه، أميرًا على الحاجِّ من سنة تسْعٍ؛ ليُقيمَ للناسِ حَجَّهم، والناسُ من أهل الشِّرْكِ على منازلِهم مِن حَجِّهم. فخَرَج أبو بكرٍ ومَن معه من المسلمين، ونَزَلَت سورةُ "براءة" في نَقْضِ

(1)

ما بين رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وبينَ المشركين من العهدِ الذي كانوا عليه فيما بينَه وبينَهم: أن لا يُصَدَّ عن البيتِ أَحدٌ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بعض".

ص: 304

جاءه، وأن لا يُخاف أحدٌ في الشهرِ الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناسِ من أهل الشركِ. وكانت بين

(1)

ذلك عُهُودٌ بينَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وبين قبائلَ مِن العرب خصائص إلى أجلٍ مُسَمًّى، فَنَزَلَت فيه وفيمَن تَخَلَّف عنه مِن عنه من المنافقين في تَبوكَ، وفى قول من قال منهم، فكَشَف الله فيها سرائر أقوام كانوا يَسْتَخفون بغير ما يُظْهِرون، منهم مَن سُمِّي لنا، ومنهم من لم يُسَمَّ لنا، فقال:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1)} . أي لأهل العهد العامِّ من أهلِ الشِّرْكِ من العرب {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} . إلى قوله: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} . أي: بعد هذه الحَجَّةِ

(2)

.

وقال آخرون: بل كان إمهالُ اللهِ، عز وجل، بسياحة أربعة أشهرٍ، مَن كان مِن المشركين بينَه وبينَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عهدٌ، فأما مَن لم يكن له من رسولِ اللهِ عهدٌ، فإنما كان أَجَلُه خمسين ليلةً، وذلك عشرون من ذى الحجَّة والمحرَّمُ كلُّه. قالوا: وإنما كان ذلك كذلك؛ لأن أَجَلَ الذين لا عهدَ لهم كان إلى انسلاخ الأشهر الحُرُم، كما قال الله:{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . الآية، قالوا: والنداء بـ "براءةَ"، كان يوم الحجِّ الأكبر، وذلك يومُ النَّحْرِ في قولِ قومٍ، وفى قولِ آخرين يومُ عرفةَ، وذلك خمسون يومًا.

قالوا: وأمَّا تأجيلُ الأشهرِ الأربعةِ، فإنما كان لأهلِ العهدِ بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من يومِ نَزَلَت {بَرَاءَةٌ}. قالوا: ونَزَلَت في أوَّلِ شوَّالٍ، فكان انقضاءُ مُدَّةٍ أجلهم انسلاخَ الأشهر الحُرُمِ. وقد كان بعضُ مَن يقولُ هذه المقالة يقولُ: ابتداءُ التَّأجيل كان للفريقين واحدًا - أعنى الذي له العهدُ، والذي لا عهدَ له - غيرَ أن أجلَ

(1)

في ف: "من".

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 543.

ص: 305

الذي كان له عهدٌ كان أربعة أشهرٍ، والذي لا عهدَ له انسلاخَ الأشهرِ الحُرُمِ، وذلك انقضاءُ المُحرَّمِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} . قال: حَدَّ الله للذين عاهَدوا رسوله أربعة أشهرٍ، يسيحون فيها حيثما شاءُوا، وحدَّ

(1)

أَجَلَ مَن ليس له عهدٌ، انسلاخَ الأشهرِ الحُرُمِ مِن يومِ النَّحْرِ إلى انسلاخ المُحَرَّمِ، خمسين ليلةً، فإذا انسَلَخ الأشهرُ الحُرُمُ، أَمَره بأن يَضَعَ السيف فيمَن عاهَد

(2)

.

حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لمَّا نَزَلَت: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ} إلى: {وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} . يقولُ: براءةٌ من المشركين الذين كان لهم عهدٌ، يومَ نَزَلَت "براءةُ"، فجَعَل مُدَّةَ مَن كان له عهدٌ قبل أن تَنْزِلَ "براءةُ" أربعة أشهرٍ، وأمَرهم أن يَسِيحوا في الأرض أربعةَ أشهرٍ، وجَعَل مُدَّةَ المُشْرِكين الذين لم يكنْ لهم عهدٌ قبل أن تَنْزِلَ "براءةُ" انسلاخَ الأشهر الحُرُمِ، وانسلاخُ الأشهرِ الحُرُمِ مِن يوم أُذِّنَ بـ "براءة" إلى انسلاخِ المُحَرَّمِ، وهى خمسون ليلةً: عشرون من ذى الحِجَّة، وثلاثون من المُحرَّمِ {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} إلى قوله:{وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} . يقولُ: لم يَبْق لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا ذِمَّةٌ منذُ نَزَلَت "براءةُ"،

(1)

زيادة من: م.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1746، 1751، 1752 (9218، 9250، 9255) من طريق أبي صالح به، وذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 45، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 210 إلى ابن المنذر.

ص: 306

وانسَلَخ الأشهرُ الحُرُمُ، ومُدَّةُ مَن كان له عهدٌ من المشركين قبلَ أن تَنْزِلَ "براءةُ" أربعة أشهرٍ مِن يومِ أُذُنَ بـ "براءةَ" إلى عشرٍ من أوَّلِ ربيع الآخر، فذلك أربعةُ أشهرٍ

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1)} . قبل أن تَنْزِلَ "براءةُ" عاهَد ناسًا من المشركين مِن أهل مكةَ وغيرهم، فنَزَلَت:"براءةُ" من الله إلى كلِّ أحدٍ ممن كان عاهَدَك مِن المشركين، فإنى أَنْقُضُ العهدَ الذي بينَك وبينَهم، فأُوْجِّلُهم أربعةَ أشهرٍ يَسِيحون حيثُ شاءُوا من الأرض آمِنِين. وأجَّل مَن لم يكنْ بينَه وبينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عهدٌ، انسلاخَ الأشهرِ الحُرُمِ مِن يومَ أُذِّنَ بـ "براءةَ"، وأُذِّنَ بها يومَ النَّحْرِ، فكان عشرين من ذى الحِجَّة، والمُحرَّمِ ثلاثين، فذلك خمسون ليلةً. فأمر الله نبيَّه إذا انسَلَحَ المُحرَّمُ أَن يَضَعَ السيفَ فيمَن لم يكنْ بينَه وبينَ نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عهدٌ، يَقْتُلُهم حتى يَدخُلُوا في الإسلامِ، وأمَر بمَن كان له عهدٌ إذا انسَلَخ أربعةٌ من يومِ النَّحْرِ

(2)

، أَن يَضَعَ فيهم السيفَ أيضًا، يَقْتُلَهم حتى يَدْخُلُوا في الإسلامِ. فكانت مُدَّةً مَن لا عهد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلةً من يومِ النَّحْرِ، ومُدَّةُ مَن كان بينَه وبين رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ أربعةُ أشهرٍ من يومِ النَّحْرِ إلى عشرٍ يَخْلُونَ مِن شهر ربيع الآخَرِ

(3)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 45 عن العوفى به.

(2)

بعده في تفسير ابن كثير 4/ 45: "إلى عشر خلون من ربيع الآخر".

(3)

ذكر أوله ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1746 عقب الأثر (920) معلقًا، وأخرجه مختصرًا أيضًا 6/ 1752، وذكر بعضه ابن كثير في تفسيره 4/ 45.

ص: 307

وَرَسُولِهِ} إلى قوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} . قال: ذُكِر لنا أن عليًّا نادَى بالأَذانِ، وأُمِّر على الحاجِّ أبو بكرٍ، رضي الله عنهما، وكان العامَ الذي حَجَّ فيه المسلمون والمشركون، ولم يَحُجَّ المشركون بعد ذلك العام

(1)

.

قوله: {الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . إلى قوله: {إِلَى مُدَّتِهِمْ} . قال: هم مُشْرِكو قريشٍ، الذين عاهَدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحُدَيبيةِ، وكان بَقِي مِن مُدَّتِهم أربعةُ أشهرٍ بعدَ يومِ النَّحْرِ، وأمَر الله نبيَّه أن يُوَفِّيَ بِعَهْدِهِم إِلى مُدَّتِهِم، ومَن لا عهدَ له انسلاخَ المحرمِ. ونُبِذَ إلى كلِّ ذى عَهْدِ عهدُه، وأمِر بقتالِهم حتى يَشْهَدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، ولا يَقْبَلُ منهم إلا ذلك.

وقال آخرون: كان ابتداءُ تَأْخير المشركين أربعة أشهرٍ، وانقضاءُ ذلك لجميعهم، وقتًا واحدًا. قالوا: وكان ابتداؤُه يومَ الحَجِّ الأكبرِ، وانقضاؤُه انقضاءَ عشرٍ مِن ربيعٍ الآخرِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ، بَرِئَ مِن عهدِ كلِّ مُشْرِكٍ، ولم يُعاهِدْ بعدَها إلا مَن كان عاهَد، وأجرَى لكلٍّ مُدَّتَهم {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} لمَن دخَل عهدُه فيها مِن عَشْرِ

(2)

ذى الحِجَّةِ، والمحُرَّمِ، وصَفَرِ، وشهر ربيعٍ الأوَّلِ، وعشرٍ من شهرِ ربيع الآخَرِ

(3)

.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 46.

(2)

في تفسير ابن أبي حاتم: "هي عشرون".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1746، 1750، 1752 (9216، 9244، 9251) من طريق أحمد بن المفضل به.

ص: 308

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ وغيرُه، قالوا: بَعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما أبا بكرٍ أميرًا على الموسم سنةَ تِسْعٍ، وبَعَث عليَّ بنَ أبي طالبٍ، رضي الله عنه، بثلاثينَ أو أربعينَ آيةً من "براءةً"، فقَرَأها على الناسِ يُؤجِّلُ المشركين أربعة أشهرٍ يَسيحون في الأرضِ، فقرَأ عليهم "براءة" يومَ عَرفةَ، أَجَّلَ المشركين عشرين من ذى الحجَّةِ، والمُحَرَّم، وصَفَرٍ، وشهرَ ربيع الأوَّلِ، وعَشْرًا من ربيع الآخرِ، وقَرَأها عليهم في منازلِهم، وقال: لا يَحُجَّنَّ بعدَ عامِنا هذا مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَنَّ بالبيتِ عُرْيانٌ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} . عشرون من ذى الحِجَّةِ، والمحرم، وصفرٍ، وربيعٍ الأولِ، وعَشْرٍ من ربيعٍ الآخرِ، كان ذلك عهدَهم الذي بينَهم

(1)

.

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن، عن مجاهدٍ:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} إلى أهل العهد؛ خُزاعةَ، ومُدْلِجٍ، ومَن كان له [عهدٌ مِن]

(2)

غيرهم. أقبلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن تَبُوكَ حينَ فَرَغ، فأرادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحَجَّ، ثم قال:"إنه يَحْضُرُ المشركون، فيَطُوفون عُرَاةً، فلا أُحِبُّ أن أحجَّ حتى لا يكونَ ذلك". فأرسَل أبا بكرٍ وعليًّا، رضي الله عنهما، فطافا بالناس بذى المجَازِ، وبأمكنتِهم التي كانوا يَتَبايعون بها، [وبالموسم كلِّه]

(3)

، فآذَنُوا أصحاب العهد بأن يَأمنوا أربعة أشهرٍ، فهى الأشْهرُ المُتوالياتُ: عشرون مِن آخرِ ذى الحِجَّةِ إلى عَشْرِ يَخْلُون من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهدَ لهم، وآذَن الناسَ كلَّهم

(4)

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 265 عن معمر به.

(2)

في ص، ت 1، س، ف:"أو". وفى ابن أبي حاتم: "عهد و".

(3)

في م: "بالمواسم كلها".

(4)

في م: "كلها".

ص: 309

بالقتال إلا أن يُؤْمِنوا

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد قوله:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . قال: أهلُ العهدِ: مُدْلِجٌ، والعربُ الذين عاهَدهم، ومَن كان له عهدٌ. قال: أقبَل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن تَبوكَ حينَ فَرَغ منها وأرادَ الحَجَّ، ثم قال: "إنَّه يَحْضُرُ

(2)

البيتَ مُشْرِكون يَطُوفون عُرَاةً، فلا أُحِبُّ أن أَحُجَّ حتى لا يكونَ ذلك". فأرسَل أبا بكرٍ وعليًّا، رضي الله عنهما، فَطافا بالناس بذى المجَازِ، وبأمْكِنتِهم التي كانوا يَتَبايعون بها، وبالموسم كلِّه، وآذَنُوا أصحابَ العهدِ بأن يأمَنوا أربعةَ أشهرٍ، فهى

(3)

الأشهرُ الحرُمُ المُنْسَلِخاتُ المُتوالياتُ: عشرون مِن آخِرِ ذى الحِجَّةِ إلى عَشْرٍ يَخُلُونَ مِن شهرِ ربيعٍ الآخرِ، ثم لا عهدَ لهم. وآذَن الناس كلَّهم بالقِتالِ إلا أن يُؤْمِنوا. فَآمَن الناس أجمعون حينَئذٍ، ولم يَسِحْ أحدٌ. قال: حينَ رَجَع مِن الطائفِ، ومَضَى مِن فَوْرِهِ ذلك فغَرَا تبوكَ، بعدَ إذ جاء إلى المدينةِ.

وقال آخرون ممن قال: ابتداءُ الأجلِ لجميعِ المشركين وانقضاؤه كان واحدًا؛ كان ابتداؤه يومَ نَزَلَت "براءةُ"، وانقضاؤه انقضاءَ الأشهرِ الحُرُمِ، وذلك انقضاءُ المُحَرَّمِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن

(1)

تفسير مجاهد ص 363، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1746 (9217، 9220) من طريق ابن أبي نجيح به.

(2)

في ص، ت 1، س:"حضر".

(3)

في م، ت 1، ت 2، س:"في".

ص: 310

الزُّهْرِى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} . قال: نَزَلَت في شَوَّالٍ، فهى الأربعةُ الأشهر: شَوَّالٌ، وذو القَعْدة، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ

(1)

.

وقال آخرون: إنما كان تأجيلُ اللَّهِ الأشهرَ الأربعةَ المشركين في السياحةِ، لمَن كان بينَه وبينَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ مُدَّتُه أقلُّ

(2)

من أربعة أشهرٍ. [أَمَّا مَن كان له عهدٌ مُدَّتُه أكثرُ من أربعة أشهرٍ]

(3)

، فإنه أُمِر صلى الله عليه وسلم أن يُتِمَّ له عهدَه إلى مُدَّتِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمد بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، قال: قال الكَلْبِيُّ: إنما كانت الأربعةُ الأشهرِ لَمَن كان بينه وبيَن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ دونَ الأربعةِ الأشهرِ، فأَتَمَّ له الأربعةَ. ومَن كان له عهدٌ أكثرُ من أربعة أشهرٍ، فهو الذي أُمِر أن يُتِمَّ له عهدَه، وقال:{فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ}

(4)

.

قال أبو جعفرٍ، رحمه الله: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: الأَجَلُ الذي جَعَله الله لأهل العهدِ مِن المشركين، وأَذِن لهم بالسِّياحة فيه بقولِه:{فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} . إنما هو لأهل العهد الذين ظاهَروا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ونَقَضُوا عهدَهم قبل انقضاءِ مُدَّتِه. فأمَّا الذين لم يَنْقُضوا عهدَهم، ولم يُظاهروا عليه، فإن الله جلَّ ثناؤُه، أمَر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مُدَّتِه بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1747 (9221) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 265، ومن طريقه النحاس في الناسخ ص 487 عن معمر به.

(2)

في ص، س، ف:"أكثر".

(3)

سقط من: ص، س، ف.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 265 عن معمر به.

ص: 311

عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}.

فإن ظَنَّ ظانٌّ أن قولَ الله تعالى ذكرُه: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} يدلُّ على خلافِ ما قُلنا في ذلك، إذ كان ذلك يُنْبِئُ علي

(1)

أن الفرضَ على المؤمنين كان بعدَ انقضاء الأشهر الحُرُم، قَتْلَ كُلِّ مُشْرِكٍ، فإن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظَنَّ، وذلك أن الآية التي تَتْلُو ذلك تنبئُ

(2)

عن صحةِ ما قُلْنا، وفسادِ ما ظَنَّه مَن ظَنَّ أن انسلاخَ الأشهرِ الحُرُم كان يُبيحُ قتلَ كلِّ مُشْرِكٍ، كان له عهدٌ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أو لم يكنْ كان له منه عهدٌ، وذلك قوله:{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7]. فهؤلاء مُشْرِكون، وقد أمر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالاستقامةِ لهم في عهدِهم، ما استَقاموا لهم بتَرْكِ نقض صُلْحِهم، وتَرْكِ مُظاهرة عدوِّهم عليهم.

وبعدُ، ففى الأخبار المُتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه حينَ بَعَث عليًّا، رضي الله عنه بـ "براءةَ" إلى أهل العهودِ بينَه وبينَهم، أمَره فيما أمَره أن يُنادِىَ به فيهم: ومَن كان بينَه وبينَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِه أوضحُ الدليل على صحةِ ما قُلنا. وذلك أن الله لم يأمُرْ نبيَّه صلى الله عليه وسلم بنَقْضِ عهدِ قومٍ كان عاهَدهم إلى أَجَلٍ، فاستقاموا على عهدهم

(3)

بتَرْكِ نَقْضِه، وأنه إنما أَجَّل أربعةَ أشهرٍ مَن كان قد نَقَض عهدَه قبلَ التأجيل، أو مَن كان له عهدٌ إلى أجلٍ غيرِ محدودٍ. فأمَّا مَن كان أجلُ عهدِه محدودًا، ولم يجعلْ بنَقْضِه على نفسِه سبيلًا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بإتمامِ

(1)

في م: "عن".

(2)

في ص، ف:"تبين".

(3)

في م: "عهده".

ص: 312

عهده إلى غاية أجله مأمورًا. وبذلك بَعَث مُنادِيَه يُنادى به في أهل الموسم من العرب.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن مُغِيرةَ، عن الشَّعْبيِّ، قال: ثنى مُحَرَّرُ بنُ أبي هريرةَ، عن أبي هريرةَ، رضي الله عنه، قال: كنتُ مع عليٍّ، رضي الله عنه، حينَ بعثَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُنَادِي، فكان إذا صَحِلَ

(1)

صوتُه نادَيتُ. قلتُ: بأيِّ شيءٍ كنتم تُنادُون؟ قال: بأربعٍ: لا يَطْفْ بالكعبة عُريانٌ، ومَن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ فعهدُه إلى مُدَّتِه، ولا يَدخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يَحُجَّ بعد عامنا هذا

(2)

مُشْرِكٌ

(3)

.

حدَّثني محمد بن عمرٍو

(4)

، قال: ثنا عَفَّانُ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيع، قال: ثنا الشَّيْبانيُّ، عن الشَّعْبيِّ، قال: أخبرَنا المُحَرَّرُ بنُ أبي هريرةَ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليٍّ، رضي الله عنه، فذَكَر نحوَه، إلا أنه قال: ومَن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ، فعهدُه إلى أجلِه

(5)

.

وقد حَدَّث بهذا الحديثِ شعبةُ، فخالف قيسًا في الأجلِ.

فحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن الشَّعْبيِّ، عن المُحَرَّرِ بن أبي هريرةَ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليٍّ حينَ بَعَثه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ببراءةٍ إلى أهل مكة، فكنتُ أُنادى حتى

(1)

صحل صوته: أي بَحَّ. اللسان (ص ح ل).

(2)

زيادة من: م.

(3)

أخرجه النسائي (11214 - كبرى)، وابن حبان (3820) من طريق المغيرة به.

(4)

في ص، ف:"معمر".

(5)

أخرجه إسحاق بن راهويه (517)، والحاكم 2/ 331 من طريق الشيباني به.

ص: 313

صَحِلَ صَوْتى. فقلتُ: بأيِّ شيءٍ كنتَ تُنادِى؟ قال: أُمِرْنا أَن تُنادِيَ: أنه لا يَدْخُلُ الجنة إلا مؤمنٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من عهدٌ، فأجلُه إلى أربعةِ أشهرٍ، فإذا حَلَّ الأجلُ، فإن الله بَرِيءٌ مِن المشركين ورسولُه، ولا يَطُفْ بالبيت عُرْيانٌ، ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ

(1)

.

قال أبو جعفرٍ، رحمه رحمه الله: وأخشَى أن يكونَ هذا الخبرُ وَهُمًا مِن ناقلِه في الأجل؛ لأن الأخبار مُتظاهرةٌ في الأجلِ بخلافِه، مع خلافِ قيسٍ شُعْبَةَ في نفسِ هذا الحديث على ما بَيَّنتُه.

حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن عليٍّ، رضي الله عنه، قال: أُمِرتُ بأربع؛ أُمِرْتُ أن لا يَقْرَبَ البيتَ بعد هذا العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُف رجلٌ بالبيتِ عُرْيانًا، ولا يَدخُلُ الجنةَ إلا كلُّ نفس مُسْلمةٍ. وأن يَتِمَّ إلى كلٍّ ذى عَهْدِ عهدُه

(2)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن زيدِ بن يُثَيعٍ

(3)

قال: نَزَلَت "براءةُ"، فبَعَث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ، ثم أرسَل عليًّا فأخَذَها منه. فلما رَجَع أبو بكرٍ، قال: هل نَزَل في شيءٌ؟ قال: لا،

(1)

أخرجه النسائي (2958) من طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه أحمد 13/ 356 (7977)، والدارمي 1/ 332، 2/ 237، والنسائي (2958) من طريق شعبة به.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 49 عن المصنف، وذكره الدارقطني في علله 3/ 163 عن معمر به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 265، والبزار في مسنده (785) من طريق معمر عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي، وينظر علل الدارقطني.

(3)

غير منقوطة في ص، ت 2، س، ف. وفى ت 1:"ينبع". وفى م: "يشيع"، والمثبت كما في مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال 10/ 115.

ص: 314

ولكنى أُمِرْتُ أن أُبْلِغَها أنا أو رجلٌ مِن أهل بيتى. فانطلَق إلى مكةَ، فقامَ فيهم بأربعٍ؛ أن لا يَدْخُلَ مكةَ مُشْرِكٌ بعد عامه، هذا، ولا يَطُف بالكعبة عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ الله عهدٌ، فعهده إلى مُدَّتِه

(1)

.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاقَ، عن زيدِ بن يُثَيعٍ، عن عليٍّ، قال: بَعَثني النبيُّ صلى الله عليه وسلم، حينَ أُنزِلَت "براءةُ" بأربعٍ؛ أَن لا يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ولا يَقْرَبِ المسجدَ الحرامَ مُشْرِكٌ بعد عامِهم هذا، ومَن كان بينَه وبينَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عهدٌ، فهو إلى مُدَّتِه، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمةٌ

(2)

.

حدَّثنا ابن وَكِيع، قال: ثنا ابن عبدِ الأَعْلى، عن مَعْمَرٍ، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليٍّ، رضي الله عنه، قال: بُعثتُ إلى أهل مكةَ بأربعٍ. ثم ذكَر الحديثَ.

حدَّثنا إبراهيم بنُ سعيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ قَوْمٍ، عن الأعمشِ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعث أبا بكر بـ "براءةَ"، ثم أتبعه عليًّا، فأَخَذَها منه، فقال أبو بكر، رضي الله عنه: الله عنه: يا رسولَ اللَّهِ، حَدَث فيَّ شيءٌ؟ قال:"لا، أَنْتَ صَاحِبي في الغارِ وعلى الحوض، ولا يُؤَدِّي عَنِّي إلا أنا أو عليٌّ". وكان الذي بَعَث به عليًّا أربعًا: لا

(1)

أخرجه أحمد 1/ 183 (4)، وأبو يعلى (104)، والمروزي في مسند أبى بكر (132)، والجورقاني في الأباطيل والمناكير 1/ 127 (1204) من طريق إسرائيل موصولا عن أبي بكر بنحوه. قال الحافظ في أطراف المسند 6/ 83 (7800): وهذا منقطع. وقال الجورقاني: هذا حديث منكر رواه عن إسرائيل زافر بن سليمان فخالف فيه وكيعًا.

(2)

أخرجه الحميدى (48)، وأحمد 2/ 32 (594)، والدارمي 2/ 68، والترمذي (871، 872، 3092)، وأبو يعلى (452)، والبيهقى 9/ 207 من طريق أبي إسحاق به.

ص: 315

يَدْخُلُ الجنة إلا نفسٌ مُسْلِمةٌ، ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطْف بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان بينه وبين رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عهدٌ فهو إلى مُدَّتِه

(1)

.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن أبي خالدٍ، عن عامرٍ، قال: بَعَث النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليًّا، رضي الله عنه، فنادَى: ألا لا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ومَن كان بينه وبين رسول الله عهدٌ، فأجَلُه إلى مُدَّتِه، والله بَرئٌ من المشركين ورسولُه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيم بن حكيم بن عَبَّادِ بن حُنَيْفٍ، عن أبي جعفر محمد بن عليّ بن حُسَينِ بن عليٍّ، قال: لما نَزَلَت "براءةُ" على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بَعَث أبا بكرٍ الصديقَ، رضي الله عنه، ليُقِيمَ الحَجَّ للناسِ، قيل له: يا رسول الله، لو بَعَثْتَ إلى أبي بكرٍ، فقال:"لا يُؤَدِّي عَنِّي إلا رجلٌ مِن أهلِ بَيْتِى". ثم دَعا عليَّ بنَ أبي طالبٍ، رضي الله عنه، فقال:"اخْرُج بهذه القِصَّةِ مِن صَدْرِ "بَرَاءةَ"، وأَذِّنْ في الناسِ يومَ النَّحْرِ إذا اجْتَمَعوا بمِنًى؛ أنَّه لا يَدْخُلُ الجنةَ كافِرٌ، ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ فهو إلى مُدَّتِه". فَخَرَج عليُّ بنُ أبي طالبٍ، رضي الله عنه، على ناقةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم العَضْباءِ، حتى أدرَك أبا بكرٍ الصديقَ بالطريق، فلمَّا رَآه أبو بكرٍ، قال: أميرٌ أو مأمورٌ؟ قال: مأمورٌ، ثم مَضَيا، رضي الله عنهما، فأقامَ أبو بكرٍ للناسِ الحَجَّ، والعربُ إذ ذاك في تلك السنةِ على مَنازلِهم مِن الحَجِّ التي كانوا عليها في الجاهليةِ، حتى إذا كان يومُ النَّحْرِ، قامَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، رضي الله عنه، فأَذَّنَ في الناسِ بالذي أمَره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أَيُّها الناسُ، لا

(1)

أخرجه الترمذى (3091)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1745 (9215) من طريق الحكم به.

ص: 316

يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، ولا يَحُجَّ بعدَ العام مُشْرِكٌ، ولا يَطُف بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان له عهدٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو له إلى مُدَّتِه. فلم يَحُجَّ بعدَ ذلك العامِ مُشْرِكٌ، ولم يَطُفْ بالبيتِ عُرْيانٌ، ثم قَدِما على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان هذا مِن "براءةَ"، فيمَن كان مِن أهلِ الشِّرْكِ مِن أهل العهد العامِّ، وأهلِ المُدَّةِ إلى الأجلِ المُسَمَّى

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحُسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآياتُ إلى رأسِ أربعينَ آيةً، بَعَثَ بِهِنَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مع أبي بكرٍ، وأَمَّره على الحَجِّ، فلمَا سارَ فبلَغ الشجرةَ من ذي الحُلَيفة، أتبَعه بعليٍّ فأخَذها منه، فرَجَع أبو بكرٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أَنْزِل في شأنى شيءٌ؟ قال:"لا، ولكن لا يُبلِّغُ عنِّي غَيرى، أو رجلٌ مِنِّي، أمَا تَرْضَى يا أبا بكر أنك كنتَ مَعِي في الغارِ، وأَنَّك صاحبي على الحَوْضِ؟ ". قال: بلى يا رسولَ اللهِ! فسارَ أبو بكرٍ على الحاجِّ، وعليٌّ يُؤذِّنُ بـ "براءةَ"، فقامَ يومَ الأضحَى، فقال: لا يَقْرَبَنَّ المسجد الحرامَ مُشْرِكٌ بعدَ عامِه هذا، ولا يَطُوفَنَّ بالبيتِ عُرْيانٌ، ومَن كان بينَه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، عهدٌ، فله عَهْدُه إلى مُدَّتِه، وإن هذه أيامُ أَكلٍ وشُرْبٍ، وإن الله لا يُدْخِلُ الجنةَ إلا من كان مُسْلِمًا. فقالوا: نحن نَبْرَأُ مِن عهدِك وعهدِ ابن عَمِّك إلا مِن الطَّعْنِ والضَّرْبِ. فَرَجَع المشركون، فَلامَ بعضُهم بعضًا، وقالوا: ما تَصْنَعون، وقد أَسْلَمَت قريشٌ؟ فأسلَموا.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْعٍ، عن عليٍّ، قال: أُمِرْتُ بأربعٍ؛ أَن لا يَقْرَبَ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 49 نقلا عن الطبرى، سيرة ابن هشام 2/ 430.

ص: 317

البيتَ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوف بالبيتِ عُرْيانٌ، ولا يَدْخُلَ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمَةٌ، وأن يَتِمَّ إلى كلِّ ذى عَهْدٍ عهدُه. قال مَعْمَرٌ: وقاله قتادةُ

(1)

.

قال أبو جعفر، رحمه الله: فقد أَنْبَأَتْ هذه الأخبارُ ونظائرها عن صحةِ ما قُلنا، وأن أَجَلَ الأشهر الأربعةِ إنما كان لَمَن وَصَفْنا. فأمَّا مَن كان عهدُه إلى مُدَّةٍ مَعْلومةٍ، فلم يَجعَلْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لنَقْضِه ومُظاهَرةِ أعدائِهم عليهم سبيلًا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وَفَّى له بعهده إلى مُدَّتِه، عن أمر الله إياه بذلك. وعلى ذلك دَلَّ ظاهرُ التنزيل، وتَظاهَرَت به الأخبارُ عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأما الأشهرُ الأربعةُ، فإنها كانت أَجَلَ مَن ذَكَرْنا، وكان ابتداؤُها يومَ الحَجِّ الأكبرِ، وانقضاؤها انقضاءَ عَشْرٍ من ربيع الآخرِ، فذلك أربعةٌ أشهرٍ متتابعةٍ، جُعِل لأهلِ العَهْدِ الذين وَصَفْنا أَمْرَهم فيها السياحة في الأرضِ، يَذْهَبون حيث شاءوا، لا يَعْرِضُ لهم فيها من المسلمين أحدٌ بحربٍ، ولا قتلٍ، ولا سَلْبٍ.

فإن قال قائلٌ: فإذا كان الأمرُ في ذلك كما وَصَفتَ، فما وَجْهُ قوله:{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وقد عَلِمتَ أن انسلاخها انسلاخُ المحرمِ، وقد زَعَمْتَ أن تأجيلَ القومِ مِن اللهِ ومِن رسوله كان أربعةَ أشهر، وإنما بين يوم الحجِّ الأكبر، وانسلاخ الأشهرِ الحُرُمِ خمسون يومًا أكثره، فأين الخمسون يومًا من الأشهر الأربعة؟

قيل: إن انسلاخ الأشهرِ الحُرُمِ، إنما كان أَجَلَ مَن لا عهد له مِن المشركين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأشهر الأربعة لمن له عَهْدٌ، إما إلى أجلٍ غيرِ محدودٍ، وإمَّا إلى أجلٍ محدودٍ قد نَقَضَه، فصارَ بنَقْضِه إياه بمعنى مَن خِيفَ خيانتُه، فاسْتَحَقَّ النَّبْذَ إِليه

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 265، وينظر ما تقدم ص 315.

ص: 318

على سواء، غيرَ أنه جُعِل له الاستعدادُ لنفسِه، والارْتيادُ لها من الأَجَل الأربعةِ الأشهرِ. ألَا تَرَى الله يقولُ لأصحاب الأشهر الأربعةِ، ويَصفُهم بأنهم أهلُ عَهْدٍ:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} . وَوَصَف المجعولَ لهم انسلاخَ الأشهرِ الحرمِ أجلًا، بأنهم أهلُ شِرْكِ لا أهلَ عَهْدِ، فقال:{وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} . الآية - {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . الآية، ثم قال:{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . فأمَر بقتلِ المُشْرِكين الذين لا عَهْدَ لهم بعدَ انسلاخ الأشهر الحُرُمِ، وبإتمام عَهْدِ الذين لهم عَهْدٌ، إذا لم يكونوا نَقَضُوا عهدَهم بالمُظاهرةِ على المؤمنين، وإدخالِ النَقْصِ فيه عليهم.

فإن قال قائلٌ: وما الدليلُ على أن ابتداءَ التأجيل كان يوم الحَجِّ الأكبرِ، دونَ أن يكونَ كان مِن شَوَّالٍ، على ما قاله قائلو ذلك؟

قيل له: إن قائلى ذلك، زَعَموا أن التأجيلَ كان مِن وَقْتِ نُزولِ "براءةَ"، وذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ صحيحًا؛ لأن المجعولَ له أجلُ السياحةِ إلى وَقْتٍ محدودٍ، إذا لم يَعْلَمْ ما جُعِل له ولا سيما مع عَهْدِ له قد تَقَدَّم قبل ذلك بخلافِه، فكمَن لم يُجْعَلْ له ذلك؛ لأنه إذا لم يَعْلَمُ ما لَه في الأجل الذي جُعِل له، وما عليه بعدَ انْقِضائِه، فهو كهيئته قبلَ الذي جُعِل له من الأجَلِ. ومعلومٌ أن القومَ لم يَعْلَموا بما جُعِل لهم من ذلك، إلا حينَ نُودِى فيهم بالموسمِ. وإذا كان ذلك كذلك، صَحَّ أن ابتداءَه ما قُلنا، وانقضاءه كان ما وَصَفْنا.

وأما قوله: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} . فإنه يعنى: فسِيرُوا فيها مُقْبِلِين ومُدْبِرِين، آمِنين غيرَ خائِفِين مِن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأتباعِه.

ص: 319

يقالُ منه: ساحَ فلانٌ في الأرضِ يَسِيحُ، سياحةً وسُيُوحًا وسَيَحانًا.

وأما قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} . فإنه يقولُ لأهل العهدِ مِن المشركين

(1)

الذين كان بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَهْدٌ قبل نزولِ هذه الآيةِ: اعلَموا، أيُّها المُشْرِكون، أنكم إن سِحْتُم في الأرضِ، واخْتَرْتم ذلك مع كُفْرِكم بالله، على الإقرارِ بتَوحيدِ اللهِ وتَصْديقِ رسولِه:{غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} . يقولُ: غيرُ مُفِيتِيه بأنفسِكم؛ لأنكم حيثُ ذَهَبْتم وأينَ كنتم مِن الأرضِ، ففى قَبْضتِه وسُلطانه، لا يَمْنَعُكم منه وزيرٌ، ولا يحول بينكم وبينَه إذا أرادَكم بعذابٍ مَعْقِلٌ ولا مَوْئِلٌ إلا الإيمانُ به وبرسوله، والتوبةُ مِن مَعْصِيتِه. يقولُ: فبادروا عُقوبته بتوبةٍ، ودَعُوا السياحةَ التي لا تَنْفَعُكم.

وأما قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} . يقولُ: واعلموا أن اللَّهَ مُذِلُّ الكافرين، ومُورِثُهم العارَ في الدنيا، والنارَ في الآخرة.

‌القول في تأويل قوله: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإعلامٌ من الله ورسوله إلى الناسِ يومَ الحَجِّ الأكبرِ.

وقد بَيَّنَّا معنى الأذانِ، فيما مَضَى مِن كتابنا هذا بشَواهِدِه

(2)

.

وكان سليمانُ بنُ موسى يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: زَعَمَ سليمانُ بنُ موسى الشَّامِيُّ أن

(1)

ليست في: م.

(2)

تقدم في 10/ 206.

ص: 320

قوله: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . قال: الأذانُ: القَصَصُ، فاتحةُ "براءةَ" حتى تختم:{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة: 28]. فذلك ثمانٌ وعشرون آيةً

(1)

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ، في قوله:{وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} . قال: إعلامٌ من الله ورسولِه

(2)

.

ورُفِع قوله: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ} . عطفًا على قولِه: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ} . كأنه قال: هذه براءةٌ من اللهِ ورسولِه، وأَذانٌ مِن اللَّهِ.

وأما قوله: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} . فإن فيه اختلافًا بين أهل العلمِ؛ فقال بعضُهم: هو يومُ عَرَفةَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: أخبرَنا أبو زُرْعَةَ وهبُ

(3)

الله بن راشدٍ، قال: أخبرَنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيحٍ، قال: أخبرَنا أبو صَخْرٍ، أنه سَمِع أبا مُعاويةَ البَجَليَّ مِن أهلِ الكوفةِ يقولُ: سمعتُ أبا الصَّهْبَاءِ البَكْرِيَّ، وهو يقولُ: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ، رضي الله عنه، عن يوم الحَجِّ الأكبرِ، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعَث أبا بكر بنَ أبي قُحافةَ، رضي الله عنه، يُقِيمُ للناسِ الحَجَّ، وبَعَثنى معه بأربعينَ آيةً من "براءةَ"، حتى أَتَى عَرَفةَ، فخَطَب الناسَ يومَ عَرَفةَ، فلمَّا قَضَى خُطبته التفَتَ إليَّ، فقال: قُمْ، يا عليُّ، وأَدِّ رسالةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. فقُمْتُ فقَرَأتُ عليهم أربعينَ آيةً مِن "براءةَ"، ثم صَدَرْنا حَتى أَتَينا مِنِّي، فَرَمَيتُ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1747 (9224) من طريق حجاج ببعضه.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1747 (9225) من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(3)

في النسخ: "وهبة"، وينظر الثقات لابن حبان 9/ 328، وما تقدم في 5/ 131.

ص: 321

الجَمْرةَ، ونَحَرتُ البَدَنةَ، ثم حَلَقتُ رأسى، وعلمتُ أن أهلَ الجَمْعِ لم يكونوا حَضَروا خُطْبَة أبي بكرٍ يومَ عَرَفةَ، فَطَفِقْتُ أَتَتَبَّعُ بها الفَسَاطِيطَ، أَقْرَؤها عليهم. فمِن ثَمَّ إخالُ حَسِبتم أنه يومَ النَّحْرِ، ألا وهو يومُ عَرَفةَ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بن يَحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ أبا جُحَيفةَ عن يومِ الحَجِّ الأكبر، فقال: يومُ عَرفةَ. فقلتُ: أمِن عندكِ، أو مِن أصحابِ محمدٍ؟ قال: كلُّ ذلك

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحَجُّ الأكبرُ، يومُ عَرفةَ

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عمرَ بن الوليدِ الشَّنِّيِّ، عن شهابِ بن عَبَّادٍ العَصرِيِّ، عن أبيه، قال: قال عمرُ، رضي الله عنه: يومُ الحجِّ الأكبرِ يومُ عَرفةَ. فذكَرتُه لسعيد بن المُسَيَّب، فقال: أخبِرُكَ عن ابن عمرَ، أن عمرَ قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ

(3)

عَرَفةَ

(4)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُ بنُ الوليدِ الشَّنِّيُّ، قال: ثنا شِهابُ بنُ عَبَّادٍ العَصَرِيُّ، عن أبيه، قال: سَمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ، رضي الله عنه، يقولُ: هذا يومُ عَرفَةَ، يومُ الحَجِّ الأكبرِ فلا يَصُومَنَّه أحدٌ. قال: فحَجَجْتُ بعدَ أبي، فأتيتُ المدينةَ، فسألتُ عن أفْضل أهلِها، فقالوا: سعيدُ بنُ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 50 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 213 عن أبي الصهباء عن علي مختصرا، وعزاه إلى المصنف.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 267.

(3)

سقط من: م.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 439 عن وكيع به بنحوه.

ص: 322

المُسَيَّبِ. [فأتيتُه، فقلتُ: إنى سألتُ عن أفْضلِ أهل المدينةِ، فقالوا: سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ]

(1)

، فأخبرْني عن صَومِ يومِ عَرفةَ. فقال: أُخْبِرُكَ عمَّن هو أفضلُ منى [مائةَ ضعفٍ]

(2)

، عمرُ أو ابن عمرَ، كان يَنْهَى عن صَوْمِه ويقولُ: هو يومُ الحَجِّ الأكبر

(3)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ حبيبٍ، عن مَعْقِل بن داودَ، قال: سمعتُ ابن الزبيرِ يقولُ: يومُ عَرفةَ هذا، يومُ الحَجِّ الأكبرِ، فلا يَصُمه أحدٌ

(4)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا غالبُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، قال: سألتُ عطاءً عن يوم الحَجِّ الأكبرِ، فقال: يومُ عَرفةَ، فَأَفِضُ

(5)

منها قبلَ طلوُعِ الفجر.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرَنى محمدُ بنُ قيسِ بن مَخْرَمةَ قال: خَطَب النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَشِيَّةَ عَرفةَ، ثم قال:"أَمَّا بعدُ" - وكان لا يَخْطُبُ إلا قال: أمَّا بعدُ - "فإِنَّ هذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ"

(6)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، عن

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

في م: "أضعافا"، وفى، ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ضعف"، والمثبت من تفسير ابن كثير 4/ 50.

(3)

أخرجه ابن سعد 2/ 381، 7/ 125، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1748 (9229) من طريق عمر بن الوليد الشني به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 212 إلى أبى الشيخ بنحوه.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 212 إلى المصنف عن معقل بن داود به، وعزاه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1748 معلقا. وينظر تفسير البغوي 4/ 11، وابن كثير 4/ 51.

(5)

في ت 1، ت 2، س، ف:"فاقض".

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1748 من طريق ابن جريج به. وذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 51 عن ابن جريج به.

ص: 323

مُجاهدٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ عَرفةَ

(1)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُليمانَ، عن سَلَمَةَ بن بُخْتٍ

(2)

، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ عَرفةَ.

حدَّثنا القاسمُ، قْال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرَنى ابن

(3)

طاوسٍ، عن أبيه، قال: قُلنا: ما الحَجُّ الأكبرُ؟ قال: يومُ عَرفةَ

(4)

.

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، عن محمد بن قيس بن مَخْرمةَ، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَطَب يومَ عَرَفةَ، فقال:"هذا يومُ الحَجِّ الأكبر"

(5)

.

وقال آخرون: هو يومُ النَّحْرِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سُفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ

(6)

.

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ سَلَّامٍ، عن الأَجْلَحِ، عن أبي إسحاقَ،

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 4/ 12، وابن كثير 4/ 51.

(2)

غير منقوطة في ص، وفى ت 1، ت 2، س، م:"محب"، وينظر الجرح والتعديل 4/ 156، والإكمال 1/ 215.

(3)

سقط من النسخ. وينظر تهذيب الكمال 13/ 357.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1748 معلقا، وينظر تفسير البغوي 4/ 11، وتفسير ابن كثير 4/ 51.

(5)

أخرجه أبو داود في مراسيله (153) عن أبي كريب به، وذكره البيهقى 5/ 125 من طريق ابن إدريس به.

(6)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 267 عن الثورى به.

ص: 324

عن الحارثِ، قال: سمعتُ عليًّا يقولُ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ

(1)

.

حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبَسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارث، قال: سألتُ عليًّا عن الحَجِّ الأكبر الحَجِّ الأكبر، فقال: هو يومُ النَّحْرِ.

حدَّثنا ابن أبي الشَّوَارب، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيْبانيُّ، قال: سألتُ عبد الله بن أبي أوفَى عن الحَجِّ الأكبرِ، قال: فقال: يومُ النَّحْرِ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سُفيانُ، عن عَيَّاشٍ العامِريِّ، عن عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ

(3)

.

قال: ثنا سُفيانُ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي أوفَى، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ

(3)

.

حدَّثنا محمد بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ، قال: دخَلتُ أنا وأبو سَلَمَةَ على عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، قال: فسألتُه عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، فقال: يومُ النَّحْرِ، يومٌ يُهَرَاقُ فيه الدَّمُ

(4)

.

حدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن سُفيانَ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبر، يومُ النَّحْرِ.

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السَّائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الشَّيْبانيِّ، قال:

(1)

أخرجه الدمياطي في الصلاة الوسطى (49) من طريق الأجلح مرفوعا.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 438،439 (القسم الأول من الجزء الرابع)، وتفسير مجاهد ص 364 من طريق سليمان الشيباني به.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (القسم الأول من الجزء الرابع) ص 440 من طريق سفيان به.

(4)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1007 - تفسير) من طريق عبد الملك به.

ص: 325

سألتُ ابنَ أبي أوفَى عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، قال: هو يومُ النَّحْرِ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا الشَّيْبانيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن أَبِي أوفَى، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومُ النَّحْرِ

(1)

.

قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبي أوفى، وسئل عن قوله:{يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} قال: هو اليومُ الذي يُرَاقُ فيه الدَّمُ، ويُحْلَقُ فيه الشَّعَرُ.

حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، قال: سمعتُ يحيى بنَ الجَزَّارِ يُحَدِّثُ، عن عليٍّ، أنه خَرَج يومَ النَّحْرِ على بَغْلَةٍ بيضاءَ، يريد الجَبَّانةَ، فجاءه رجلٌ فأَخَذ بلجامِ بَغْلَتِه، فسأله عن الحَجِّ الأكبرِ، فقال: هو يومُك هذا، خَلِّ سبيلَها

(2)

.

حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ بَيانٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ وسُعَيْرٍ

(3)

، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبر يومُ النَّحْرِ.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن أبي إسحاق، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: سُئِل عن يومُ الحَجِّ الأكبرِ، قال: هو يومُ النَّحْرِ

(4)

.

حدَّثنا ابن وكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شُعبةَ، عن الحَكَمِ، عن يَحيى بن الجَزَّارِ،

(1)

أخرجه ابن صاعد في مسند عبد الله بن أبي أوفى (44)، وتفسير مجاهد ص 364 من طريق هشيم به.

(2)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 51.

(3)

في م: "شتير" وينظر تهذيب الكمال 11/ 130.

(4)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1008 - تفسير)، والترمذى (3089) من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 211 إلى أبى الشيخ.

ص: 326

عن عليٍّ، أنه لَقِيَه رجلٌ يومَ النَّحْرِ، فأخَذ بلِجامِه، فسَأله عن يومُ الحَجِّ الأكبرِ، قال: هو هذا اليوم

(1)

.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ آدمَ، عن قَيْسٍ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، وعَيَّاشٍ العامِرِيِّ، عن عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، قال: هو اليومُ الذي يُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ.

حدَّثنا ابن وَكيع، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ

(2)

، عن ابن أبي أوفَى، قال: الحَجُّ الأكبرُ، يومٌ تُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ، ويُحْلَقُ فيه الشَّعَرُ، ويَحِلُّ فيه الحرامُ.

حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأَعْمَشِ، عن عبد الله بن سِنانٍ

(3)

، قال: ثنا المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ يومَ الأضْحى على بعيرٍ، فقال: هذا يومُ الأضْحى، وهذا يومُ النَّحْرِ، وهذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ

(4)

.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الأعْمش، عن عبدِ الله بن سِنانٍ

(3)

، قال: خَطَبَنا المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ يومَ الأضْحى على بَعيرٍ، وقال: هذا يومُ الأضْحى، وهذا يومُ النَّحْرِ، وهذا يومُ الحَجِّ الأكبر

(5)

.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الأعْمش، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، قال:

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 439 (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.

(2)

سقط من: ت 2، وفى ص، ت 1، س، ف:"عيينة".

(3)

في م: "يسار". وينظر الجرح والتعديل 5/ 68، والثقات لابن حبان 5/ 11 وتعجيل المنفعة 1/ 743.

(4)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1009) من طريق الأعمش به.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 439 (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.

ص: 327

خَطَبَنا المُغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ، فذكَر نحوه.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ سعيدٍ، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عَن سِمَاكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ

(1)

.

حدَّثنا ابن أبي الشَّوَارِبِ، قال: ثنا عبد الواحدِ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيْبانيُّ قال: سَمِعتُ سعيد بن جُبَيرٍ يقولُ: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ

(2)

.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن أبي جُحَيفةَ، قال: الحَجِّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ

(3)

.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، قال: اختَصَم عليُّ بنُ عبدِ اللهِ بن عباسٍ، ورجلٌ مِنْ آلِ شَيْبَةَ في يومِ الحَجِّ الأكبرِ، قال عليٌّ: هو يومُ النَّحْرِ. وقال الذي مِن آلِ شَيْبَةَ، هو يومُ عَرَفةَ. فَأَرْسِل إلى سعيدِ بن جُبَيرٍ فسألوه، فقال: هو يومُ النَّحْرِ، أَلَا تَرَى أن مَن فاتَه يومُ عرَفةَ لم يَفُتْه الحَجُّ، فإذا فاتَه يومُ النَّحْرِ فقد فاتَه الحَجُّ؟

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا يونسُ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، أنه قال: الحَجُّ الأكبرُ، يومُ النَّحْرِ. قال: فقلتُ له: إن عبدَ اللَّهِ بن شَيْبَةَ، ومحمدَ بنَ عليِّ بن عبدِ اللهِ بن عباسٍ اختَلَفا في ذلك؛ فقال محمدُ بنُ عليٍّ: هو يومُ النَّحْرِ. وقال عبد الله: هو يومُ عَرفةَ. فقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: أرأيتَ لو أن رجلًا فاتَه يومُ عَرفةَ،

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 440 (القسم الأول من الجزء الرابع) عن يحيى بن سعيد به.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 438، 439 (القسم الأول من الجزء الرابع)، وتفسير مجاهد ص 364 من طريق الشيباني به. وينظر تفسير البغوي 4/ 12.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 440 (القسم الأول من الجزء الرابع) عن عبيد الله به.

ص: 328

أكان يَفوتُه الحَجُّ؟ وإذا فاتَه يومُ النَّحْرِ فاته الحَجُّ.

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السَّائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الشَّيْبانيِّ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: ثني رجلٌ، عن أبيه، عن قيسِ بن عُبادةَ، قال: ذو الحِجَّةِ

(1)

العاشرُ النَّحْرُ، وهو يومُ الحَجِّ الأكبرِ.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرةُ

(2)

.

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادِ بن الهادِ، قال: الحَجُّ الأكبرَ يومُ النَّحْرِ

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن مُسْلِمٍ الحَجَبِيِّ، قال: سألتُ نافعَ بنَ جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ، عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، قال: يومُ النَّحْرِ

(4)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن المُغِيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ

(5)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: يومُ

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"و".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 439 (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق سفيان به.

(3)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1006 - تفسير من طريق أبي إسحاق به.

(4)

ذكره ابن كثير 4/ 51.

(5)

ذكره البغوي في تفسيره 4/ 12، وابن كثير 4/ 51.

ص: 329

الحَجِّ الأكبرِ يومٌ يُهَرَاقُ فيه الدَّمُ، ويَحِلُّ فيه الحَرامُ

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، أنه قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ الذي يَحِلُّ فيه كلُّ حَرامٍ.

قال: ثنا هُشَيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن عليٍّ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ

(2)

.

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: سألتُ محمدًا عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ فقال: كان يومًا وَافَقَ فيه حَجَّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وحَجَّ أَهلِ الوَبَرِ

(3)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا [عمرُ بنُ ذَرٍّ]

(4)

، قال: سألتُ مجاهدًا عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، فقال: هو يومُ النَّحْرِ (2).

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثَوْرٍ، عن مجاهدٍ: يوم الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ - وقال عِكْرمةُ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ، يومٌ تُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ، ويَحِلُّ فيه الحرامُ - قال: وقال مجاهدٌ: يومٌ يُجْمَعُ فيه الحَجُّ كلُّه،

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 439 (القسم الأول من الجزء الرابع) عن وكيع به.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 51.

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 52 عن المصنف.

(4)

في ف: "عمرو بن دينار".

ص: 330

وهو يومُ الحَجِّ الأكبرِ

(1)

.

قال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأَعْلى، عن محمدِ بن عليٍّ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.

قال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأَعْلى، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أبي إسحاقَ، قال: قال عليٌّ: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ. قال: وقال الزُّهْرِيُّ: يومُ النَّحْرِ يومُ الحَجِّ الأكبرِ

(2)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وَهْبٍ، قال: ثنا عمِّى عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرنى يونسُ وعمرٌو، عن الزُّهْرِيِّ، عن حُمَيدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبي هريرةَ، قال: بَعَثَنى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مع أبي بكرٍ في الحَجَّةِ التي أمَّره رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجَّةِ الوداعِ، في رَهْطٍ يُؤذِّنون في الناس يومَ النَّحْرِ؛ ألا لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بالبيتِ عُرْيانٌ. قال الزُّهْرِيُّ: فكان حميدٌ يقولُ: يومُ النَّحْرِ يومُ الحَجِّ الأكبرِ

(3)

.

(1)

ينظر تفسير مجاهد ص 364.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 266 عن معمر به.

(3)

أخرجه مسلم (1347/ 435)، وابن خزيمة (2702) من طريق ابن وهب به، به، وأخرجه البخارى (1622) من طريق يونس به وأخرجه أيضًا (369، 3177، 4363، 4655، 4657)، وأبو داود (1946)، والنسائى (2957)، من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 211 إلى ابن مردويه.

ص: 331

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ

(1)

، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن شَدَّادٍ، عن الحَجِّ الأكبرِ والحَجِّ الأصْغرِ، فقال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرةُ

(2)

.

قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن شَدَّادٍ، فذكَر نحوَه

(2)

.

قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيَينةَ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، قال: سَمِعتُ عبدُ اللهِ بنَ أبي أوفَى يقولُ: يومُ الحَجِّ الأكبرِ، يومٌ يُوَضَعُ فيه الشَّعَرُ، ويُهَرَاقُ فيه الدَّمُ، ويَحِلُّ فيه الحرامُ

(2)

.

قال: ثنا الثوريُّ، عن أبي إسحاقَ، عن عليٍّ، قال: الحَجُّ الأكبرُ يومُ النَّحْرِ

(3)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن عَيَّاشٍ العامِرِيِّ، عن عبدِ اللهِ بن أبي أوفَى، أنه سُئِل عن يومِ الحَجِّ الأكبرِ، فقال: سبحانَ اللهِ، هو يومٌ تُهَرَاقُ فيه الدِّماءُ، ويَحِلُّ فيه الحرامُ، ويُوْضَعُ فيه الشَّعَرُ، هو يومُ النَّحْرِ.

قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصِينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، قال: خَطَبَنا المُغِيرةُ بن شُعبةَ على ناقةٍ له، فقال: هذا يومُ النَّحْرِ، وهذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ.

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا حسنُ بنُ صالحٍ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال:

(1)

في م: "الشعبي".

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 267.

(3)

تقدم ص 324 بذكر الحارث بن أبي إسحاق وعلى.

ص: 332

يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن إبراهيمَ بن طَهْمانَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ:{يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} . [قال: يومُ الحجِّ الأكبرِ]

(1)

يومُ النَّحْرِ، يَحِلُّ فيه الحَرامُ.

حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا ابْنُ عَوْنٍ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبي بَكْرةَ، عن أبيه، قال: لمَّا كان ذلك اليومُ، قَعَد على بعيرٍ له النبيُّ، وأَخَذ إنسانٌ بخطامِه - أو زِمامِه - فقال: أيُّ يومٍ هذا؟ قال: فسَكَتْنا حتى ظَنَنَّا أَنه سَيُسَمِّيه غيرَ اسمِه، فقال: أليس يومَ الحَجِّ

(2)

؟

حدَّثنا سَهْلُ بنُ محمدٍ السجستانيُّ

(3)

، قال: ثنا أبو جابرٍ الحرميُّ

(4)

، قال: ثنا هشامُ بنُ الغازِ الجُرَشِيُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: وَقَف رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ النَّحْرِ عندَ الجَمَراتِ في حَجَّةِ الوداعِ، فقال:"هذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ"

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن

(1)

سقط من: م.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 52 عن المصنف، وأخرجه مسلم (1679/ 30) من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه أحمد 5/ 37، 45 (ميمنية)، وابن حبان (3848، 5973)، والبيهقي 3/ 298 من طريق ابن عون به، وأخرجه ابن أبي شيبة 15/ 26،27، والبخارى (1741) من طريق ابن سيرين به.

(3)

في ص، م، ف:"الحساني"، وفى ت 1، ت 2، س:"الجدبى". والمثبت من تفسير ابن كثير 4/ 52، وينظر تهذيب الكمال 12/ 201.

(4)

في ص، ف:"الحربى"، وفى م:"الحرثى"، والمثبت من تفسير ابن كثير 4/ 52.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1748 (9227) من طريق أبي جابر به، وأخرجه ابن سعد 2/ 184، والبخارى معلقا (1742)، وابن ماجه (3058)، وأبو داود (1945) من طريق هشام به، وأخرجه أبو نعيم في الحلية 8/ 274 من طريق نافع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 211 إلى أبى الشيخ وابن مردويه.

ص: 333

عمرٍو بن مُرَّةَ، عن مُرَّةَ الهَمْدَانيِّ، عن رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قامَ فينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على ناقةٍ حمراءَ مُخَضْرَمَةٍ

(1)

، فقال:"أَتَدْرُون أيُّ يومٍ يَوْمُكم؟ ". قالوا: يومُ النَّحْرِ، قال:"صَدَقْتُم، يومُ الحَجِّ الأكبرِ"

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ مُرَّةَ، قال: ثنا مُرَّةُ، قال: ثنا رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: قامَ فينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فذكَر نحوَه

(3)

.

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبيه عن ....

(4)

قال: بَعَث رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليًّا بأربعِ كلماتٍ حين حَجَّ أبو بكرٍ بالناسِ، فنادَى [بهن: ألا]

(5)

إنه يومُ الحَجِّ الأكبرِ، ألا إنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُسْلِمةٌ، ألَا ولا يطوفُ بالبيتِ عُرْيانٌ، ألَا ولا يحجُّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ألَا ومَن كان بينَه وبينَ محمدٍ عهدٌ، فأجلُه إلى مُدَّتِه، واللهُ بَرِيءٌ مِن المشركين ورسولُه.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنى هُشَيمٌ، عن حَجَّاج بن أَرْطَاةَ، عن عطاءٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ.

حدَّثني يونسٌ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} . قال: يومُ النَّحْرِ، يومٌ يَحِلُّ فيه المُحْرِمُ، ويَنْحَرُ فيه البُدْنَ.

(1)

ناقة مخضرمة: أي قطع طرف أذنها. الصحاح (خضرم) 5/ 1914.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 52 نقلا عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة 15/ 28 عن محمد بن جعفر به بنحوه.

(3)

أخرجه النسائي (4099) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد 5/ 412 (ميمنية) عن يحيى بن سعيد به.

(4)

سقط من: م. وهو بياض في باقى النسخ يسع اسم الراوى ولعله "أبو هريرة" وينظر ما تقدم 313.

(5)

في م: "ببراءة".

ص: 334

وكان ابن عمرَ يقولُ: هو يومُ النَّحْرِ. وكان أبي يقولُه. وكان ابن عباسٍ يقولُ: هو يومُ عَرفةَ. ولم أسمَعْ أحدًا يقولُ إنه يومُ عَرَفةَ إلا ابنَ عباسٍ. قال ابن زيدٍ: والحَجُّ يفوتُ بفَوْتِ يوم النَّحْرِ، ولا يفوتُ بفوتِ يومِ عَرفةَ، إن فاتَه اليومٌ لم يَفُتْه الليلُ، يَقِفُ مَا بينَه وبينَ طلوعِ الفجرِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: يومُ الأضحى يومُ الحَجِّ الأكبرِ

(2)

.

حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن شُعبةَ، عن عمرِو بن مُرَّةً، قال: ثنى رجلٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في غُرْفَتِي هذه حَسِبْتُه، قال: خَطَبَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ النَّحْرِ على ناقةٍ حمراءَ مُخَضْرَمةٍ، فقال:"أتَدْرون أيُّ يومٍ هذا؟ هذا يومُ النَّحْرِ، وهذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ"

(3)

.

وقال آخرون: معنى قولِه: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} : حينَ الحجِّ الأكبرِ ووقتَه. قال: وذلك أيامُ الحَجِّ كلُّها، لا يومٌ بَعيْنِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} : حينَ الحجِّ، أيامَه كلَّها

(4)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن ابن

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 51 مختصرا.

(2)

تفسير البغوي 4/ 12.

(3)

أخرجه أحمد 25/ 221 (15886) عن وكيع به.

(4)

تفسير مجاهد ص 364.

ص: 335

جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحجُّ الأكبرُ أيامُ مِنًى كلُّها، ومَجامِعُ المشركين حينَ كانوا بذي المجَازِ وعُكاظٍ ومَجَنَّةَ، حينَ نُودِى فيهم أن لا يجتمعَ المسلمون والمشركون بعدَ عامِهم هذا، وأن لا يطوفَ بالبيتِ عُريانٌ، ومَن كان بينَه وبينَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عهدٌ، فعهدُه إلى مُدَّتِه

(1)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا أبو عُبَيدٍ، قال: كان سفيانُ يقولُ: يومُ الحَجِّ، ويومُ الجَمَلِ، ويومُ صِفِّينَ، أي: أيامُه كلُّها

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} . قال: حينَ الحَجِّ، أي: أيامُه كلُّها.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ عندَنا، قولُ مَن قال:{يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} : يومَ النَّحْرِ؛ لتَظاهرِ الأخبارِ عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن عليًّا نادَى بما أرسَله به رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن الرسالةِ إلى المشركين، وتَلا عليهم "براءةَ" يومَ النَّحْرِ. هذا، مع الأخبارِ التي ذكَرناها عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال يومَ النَّحْرِ:"أَتَدْرُون أيُّ يومٍ هذا؟ هذا يومُ الحَجِّ الأكبرِ".

وبعدُ، فإن اليومَ إنما يُضافُ إلى المعنى الذي يكونُ فيه، كقولِ الناسِ: يومُ عَرفةَ. وذلك يومُ وقوفِ الناسِ بعَرفةَ، ويومُ الأضْحى. وذلك يومٌ يُضَحُّون فيه، ويومُ الفِطْرِ، وذلك يومٌ يُفْطِرون فيه. وكذلك: يومُ الحَجِّ. يومٌ يَحُجُّون فيه، وإنما يَحُجُّ الناسُ ويَقْضُون مناسكَهم يومَ النَّحْرِ؛ لأن في ليلةِ نهارِ يومِ النَّحْرِ، الوقوفَ بعرفَةَ [غيرُ فائتٍ]

(3)

إلى طلوعِ الفجرِ، وفي صَبيحتِها يُعْمَلُ أعمالُ

(1)

تفسير البغوي 4/ 12 عن ابن جريج عن مجاهد مختصرا.

(2)

تفسير البغوي 4/ 12، وتفسير ابن كثير 4/ 52.

(3)

في م: "كان".

ص: 336

الحَجِّ. فأمَّا يومُ عَرفةَ، فإنه وإن كان فيه

(1)

الوقوفُ بعرَفةَ، فغيرُ فائتٍ الوقوفُ به إلى طلوعِ الفجرِ من ليلة النَّحْرِ، والحَجُّ كلُّه يومَ النَّحْرِ.

وأمَّا ما قال مجاهدٌ، من أن يومَ الحَجِّ، إنما هو أيامُه كلُّها، فإن ذلك وإن كان جائزًا في كلامِ العربِ، فليس بالأشْهرِ الأعْرفِ في كلامِ العربِ مِن مَعانيه، بل أغْلَبُ على معنى اليومِ عندَهم، أنه مِن غُروبِ الشمسِ إلى مثلِه مِن الغدِ، وإنما مَحْمَلُ تأويلِ كتابِ اللهِ على الأشْهرِ الأعْرفِ مِن كلامِ مَن نَزَل الكتابُ بلسانِه.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه قيل لهذا اليومِ: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} ؛ فقال بعضُهم: سُمِّى بذلك؛ لأن ذلك كان في سنةٍ اجتَمَع فيها حَجُّ المسلمين والمشركين.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ، قال: إنما سُمِّى الحجَّ الأكبرَ مِن أجلِ أنه حَجَّ أبو بكرٍ الحَجَّةَ التي حَجَّها، واجتَمَع فيها المسلمون والمشركون، فلذلك سُمِّى الحجَّ الأكبرَ. ووافقوا

(2)

أيضًا عيدَ اليهودِ والنصارى

(3)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن عليّ بن زيدِ بن جُدْعانَ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثُ بن نوفلٍ، قال: يومَ الحَجِّ الأكبرِ،

(1)

سقط من: م.

(2)

في م: "وافق".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 266 عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1748 (9231) من طريق سهل السراج عن الحسن بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 211 إلى ابن المنذر.

ص: 337

كانت حجةُ الوداعِ، اجتمع فيه حَجُّ المسلمين والنصارى واليهودِ، ولم يَجتَمِعْ قبلَه ولا بعدَه

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمر، عن الحسنِ، قال: قولُه: {يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} . قال: إنما سُمَّي الحَجَّ الأكبر؛ لأنه يومٌ حَجَّ فيه أبو بكرٍ، ونُبِذت فيه العهودُ.

وقال آخرون: الحَجُّ الأكبرُ القرآنُ، والحَجُّ الأصغرُ الإفرادُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أبو بكرٍ النَّهْشَلِيُّ، عن حَمَّادٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: الحَجُّ الأكبرُ، والحَجُّ الأصغرُ؛ فالحَجُّ الأكبرُ القِرآنُ، والحَجُّ الأصغرُ إفرادُ الحَجِّ

(1)

.

وقال آخرون: الحَجُّ الأكبرُ الحَجُّ، والحَجُّ الأصغرُ العمرةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحَجُّ الأكبرَ الحَجُّ، والحَجُّ الأصْغرُ العمرةُ

(1)

.

قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: قلتُ له: هذا الحَجُّ الأكبرُ، فما الحَجُّ الأصغرُ؟ قال: العُمْرةُ

(2)

.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ ابن أبي

(1)

تفسير البغوي 4/ 12.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 128 (القسم الأول من الجزء الرابع) عن عبد الأعلى به بلفظ: العمرة في رمضان.

ص: 338

هندٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: كان يقالُ: الحَجُّ الأصْغَرُ العُمْرةُ في رمضانَ.

قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: الحَجُّ الأصْغرُ العُمْرةُ

(1)

.

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ

(2)

، عن عبدِ اللهِ بن شَدَّادٍ، قال: يومُ الحَجِّ الأكبرِ يومُ النَّحْرِ، والحَجُّ الأصغرُ العُمْرةُ

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يُسَمُّون الحَجَّ الأصْغر، العُمْرةَ

(4)

.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندى، قولُ مَن قال: الحَجُّ الأكبرُ الحَجُّ؛ لأنه أكبرُ من العُمْرةِ بزيادةِ عملِه على عملِها، فقيل له: الأكبرُ. لذلك، وأمَّا الأصْغرُ فالعُمْرةُ؛ لأن عملَها أقلُّ مِن عملِ الحَجِّ، فلذلك قيل لها: الأصغرُ. لنُقْصانِ عملِها عن عملِه.

وأما قولُه: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} . فإن معناه: أن الله بَرِيءٌ من عهدِ المشركين ورسولَه، بعدَ هذه الحَجَّةِ.

ومعنى الكلامِ: وإعلامٌ مِن اللهِ ورسولِه إلى الناسِ في يوم الحَجِّ الأكبرِ، أن الله

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة ص 222 (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق سفيان به، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وابن عبد البر في التمهيد 20/ 18 من طريق منصور به.

(2)

في م: "أسماء".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 267، وابن أبي شيبة ص 222 (القسم الأول من الجزء الرابع) من طريق سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (1006 - تفسير) من طريق أبي إسحاق به.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 166 عن معمر به.

ص: 339

ورسولَه من عهدِ المشركين ومنهم

(1)

بَرِيئان.

كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} . أي: بعدَ هذه الحَجَّةِ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

(2)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: فإن تُبْتُم مِن كفرِكم، أيُّها المشركون، ورَجَعتم إلى توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ العبادةِ له دونَ الآلهةِ والأنْدادِ، فالرجوعُ إلى ذلك خيرٌ لكم مِن الإقامةِ على الشِّرْكِ في الدنيا والآخرةِ، {وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ}. يقولُ: وإِن أَدْبَرْتم عن الإيمانِ باللهِ، وأَبَيْتُم إلا الإقامةَ على شِرْكِكم، {فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ}. يقولُ: فأيْقِنوا أنكم لا تُفِيتون الله بأنفسِكم مِن أن يَحِلُّ بكم عذابُه الأليمُ، وعِقابُه الشديدُ على إقامتِكم على الكفرِ، كما فُعِل بِذَوِيكُم

(3)

مِن أَهلِ الشِّرْكِ، مِن إنزالِ نِقَمِه به، وإحلالِه العذابَ عاجلًا بساحتهِ، {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا}. يقولُ: وأعْلِم، يا محمدُ، الذين جَحَدوا نُبُوَّتك، وخالَفوا أمرَ رَبَّهم بعذابٍ مُوجِعٍ يَحِلُّ بهم.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه:{فَإِنْ تُبْتُمْ} . قال: آمَنْتُم.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ

(1)

سقط من: م.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 544.

(3)

في ت 1، س، ف:"بدوانكم"، وفي ت 2:"بذنوبكم".

ص: 340

شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)}.

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} ، إلا مِن عَهْدِ الذين عاهَدْتم من المشركين، أيُّها المؤمنون {ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} مِن عَهْدِكم الذي عاهَدْتُموهم، {وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا} مِن عدوِّكم، فيُعِينوهم بأنفسِهم وأبدانِهم، ولا بسلاحٍ، ولا خيلٍ، ولا رجالٍ، {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ}. يقولُ: فَفُوا لهم بعهدِهم الذي عاهَدْتُموهم عليه، ولا تَنْصِبوا لهم حَرْبًا إلى انقضاءِ أجلِ عَهْدِهم الذي بينَكم وبينَهم، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}. يقولُ: إن الله يُحِبُّ مَن اتَّقَاه بطاعتِه بأداءِ فرائضِه واجْتِنابِ مَعاصِيه.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} . يقولُ: إِلى أَجَلِهم

(1)

.

حدَّثنا ابن حُمَيَدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . أي: العهدَ الخاصَّ إلى الأجلِ المُسَمَّى {ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا} الآية

(2)

.

[حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا]

(3)

وَلَمْ يُظَاهِرُوا [عَلَيْكُمْ أَحَدًا}]

(3)

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1750 (9244) من طريق أحمد بن مفضل به.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 544.

(3)

سقط من: ص، ف.

ص: 341

الآية. قال: هم مُشْرِكو قريشٍ الذين عاهَدهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الحُدَيبيةِ، وكان بَقِي مِن مُدَّتِهم أربعةُ أشهرٍ بعد يومِ النَّحْرِ، فأمَر اللهُ نبيَّه أن يُوَفِّيَ لهم بعهدِهم إلى مُدَّتِهم، ومَن لا عهدَ له إلى انسلاخِ المُحرَّمِ، ونَبَذَ إلى كلِّ ذى عهدٍ عهدَه، وأمَره بقتالِهم حتى يَشْهَدوا أن لا إله إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ، وأن لا يَقْبَلَ منهم إلا ذلك

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: مُدَّةُ مَن كان له عهدٌ من المشركين قبلَ أن تَنْزِلَ "براءةُ" أربعةُ أشهرٍ مِن يومَ أُذِّن بـ "براءةَ" إلى عشرٍ مِن شهرِ ربيعٍ الآخرِ، وذلك أربعةُ أشهرٍ، فإن نَقَض المشركون عهدَهم وظاهَروا عدوًّا، فلا عهدَ لهم، وإن وَفَّوْا بعهدِهم الذي بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولم يُظاهِروا عليه عدوًّا، فقد أَمِرَ أن يُؤدِّيَ إليهم عهدَهم ويَفِيَ به

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)} .

يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} : فَإِذا انقَضَى وَمَضَى وخرَج.

يقالُ منه سَلَحْنا شهرَ كذا نَسْلَخُه سَلْخًا وسُلُوخًا. بمعنى: خَرَجْنا منه. ومنه قولُهم: شاةً مَسْلوخةٌ. بمعنى: المنزوعةُ من جلدِها، المُخْرجَةُ منه.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1750 (9239، 9243) من طريق يزيد به إلى قوله "مدتهم".

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 55 عن العوفى عن ابن عباس به إلى قوله: "الآخر".

ص: 342

ويعنى بالأشهرِ الحُرُمِ؛ ذا القَعْدةِ، وذا الحِجَّةِ، والمُحَرَّمَ.

وإنما أُرِيدَ في هذا الموضعِ انسلاخُ المحرَّمِ وحدَه؛ لأن الأذانَ كان بـ"براءةَ" يومَ الحَجِّ الأكبرِ. فمعلومٌ أنهم لم يكونوا أجَّلوا الأشهرَ الحرمَ كلَّها - وقد دللَّنا على صحةِ ذلك فيما مضَى - ولكنه لمَّا كان مُتَّصِلًا بالشهرَين الآخرَين قبلَه الحرامَين، وكان هو لهما ثالثًا، وهى كلُّها مُتَّصِلٌ بعضُها ببعضٍ، قيل: فإذا انسلَخ الأشهرُ الحرمُ.

ومعنى الكلامِ: فإذا انقَضَت الأشهرُ الحرم الثلاثةُ على الذين لا عهدَ لهم، أو عن الذين كان لهم عهدٌ فنَقَضوا عهدَهم بمُظاهرتِهم الأعداءَ على رسولِ اللهِ وعلى أصحابِه، أو كان عهدُهم إلى [غير أجلٍ]

(1)

معلومٍ.

{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} . يقولُ: فاقْتُلُوهم {حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . يقولُ: حيثُ لَقِيتُموهم من الأرضِ، في الحَرَمِ وغيرِ الحَرَمِ، في الأشهرِ الحُرُمِ وغيرِ الأشهرِ الحُرُمِ، {وَخُذُوهُمْ}. يقولُ: وأَسِرُوهم، {وَاحْصُرُوهُمْ}. يقولُ: وامْنَعوهم مِن التصرفِ في بلادِ الإسلامِ ودخولِ مكةَ، {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}. يقولُ: واقْعُدوا لهم بالطَّلَبِ لقَتْلِهم أو أسْرِهم {كُلَّ مَرْصَدٍ} . يعنى: كلَّ طريقٍ ومَرْقَبٍ، وهو مَفْعَلٌ مِن قولِ القائلِ: رَصَدتُ فلانًا أَرْصُدُه رَصْدًا، بمعنى: رَقَبْتُه.

{فَإِنْ تَابُوا} . يقولُ: فإن رَجَعُوا عما هم

(2)

عليه مِن الشِّرْكِ باللهِ وجُحُودِ نُبوَّةِ نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، إلى توحيدِ اللهِ وإخلاصِ العبادةِ له، دونَ الآلهةِ والأنْدادِ، والإقرار بنُبَّوةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ}. يقولُ: وأَدَّوْا مَا فَرَضَ اللهُ عليهم مِن الصلاةِ بحدودِها وأعْطَوُا الزَّكاةَ التي أوجَبها اللهُ عليهم في أموالِهم أهلَها، {فَخَلُّوا

(1)

في م: "أجل غير".

(2)

في م: "نهاهم".

ص: 343

سَبِيلَهُمْ}. يقولُ: فَدَعُوهم يَتَصَرَّفون في أمْصارِكم، ويدخُلون البيتَ الحرامَ {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لَمَن تَابَ مِن عبادِه، فأنابَ إلى طاعتِه بعدَ الذي كان عليه مِن معصيتِه، ساتِرٌ على ذَنْبِه، رحيمٌ به أن يُعاقِبَه على ذُنُوبِه السالفةِ قبلَ توبتِه بعدَ التوبةِ.

وقد ذكرنا اختلافَ المُخْتلِفِين في الذين أُجِّلوا إلى انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ.

وبنحوِ ما قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عبدُ الأعْلَى بنُ واصلٍ الأسْدِيُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا أبو جعفرٍ الرَّازِيُّ عن الربيعِ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَن فَارَقَ الدنيا على الإخلاصِ للهِ وحدَه وعبادتِه لا يُشْرِكُ به شيئًا، فارَقَها واللهُ عنه راضٍ". قال: وقال أنسٌ: هو دِينُ اللهِ الذي جاءت به الرسلُ، وبلَّغُوه عن ربِّهم، قبلَ هَرْجٍ

(1)

الأحاديثِ واختلافِ الأهْواءِ، وتصديقُ ذلك في كتابِ اللهِ في آخرِ ما أنزَل اللهُ، قال اللهُ:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} . قال: توبتُهم؛ خَلْعُ الأوثانِ وعبادةُ ربِّهم، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، ثم قال في آيةٍ أخرى:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}

(2)

.

حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَإِذَا

(1)

الهرج: كثرة الكذب. التاج (هـ ر ج).

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 54 عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى - كما في الدر المنثور 3/ 213 ومن طريقه الضياء في المختارة (2122) - وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1753 (9272)، والحاكم 2/ 332 من طريق عبيد الله بن موسى به، وأخرجه ابن ماجه (70)، والحارث بن أبي أسامة في مسنده (7 - بغية)، وابن نصر في كتاب الصلاة - كما في تفسير ابن كثير - والحاكم 2/ 332، والبيهقى في الشعب (6856)، والضياء (2123، 2127)، واللالكائى في شرح أصول الاعتقاد (1549) من طريق أبي جعفر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن نصر والبزار وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

ص: 344

انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} حتى ختَم آخِرَ الآيةِ. وكان قتادةُ يقولُ: خَلُّوا سبيلَ من أمَركم اللهُ أن تُخَلُّوا سبيلَهَ، فإنما الناسُ ثلاثةُ رَهْطٍ: مسلمٌ عليه الزكاةُ، ومُشْرِكٌ عليه الجِزْيةُ، وصاحبُ حربٍ يأْمَنُ بتِجارتِه في المسلمين إذا أعطَى عُشُورَ مالِه

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} ، وهى الأربعةُ التي عَدَدتُ لك. يعنى: عشرين من ذى الحِجَّةِ، والمُحرَّمَ، وصفرَ، وربيعًا الأَوَّلَ، وعشرًا مِن شهرِ ربيعٍ الآخِرِ

(2)

.

وقال قائلو هذه المقالةِ: قيل لهذه الأشهرِ الحرمُ؛ لأن الله، عز وجل، حَرَّم على المؤمنين فيها دماءَ المُشْرِكين والعَرْضَ لهم إلا بسبيلِ خيرٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن إبراهيمَ بن أبى بكرٍ، أنه أخبرَه، عن مجاهدٍ وعمرِو بن شعَيبٍ في قولِه:{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} أنها الأربعةُ التي قال اللهُ: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} . قال: هي الحُرُمُ؛ مِن أجْلِ أنهم أُومِنوا فيها حتى يَسِيحوها

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1755 (10083) من طريق يزيد به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1752 (9251) من طريق أحمد بن مفضل به.

(3)

تفسير مجاهد ص 363، 364 بمعناه ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1746 (9220)، وذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 53 عن مجاهد وعمرو بن شعيب.

ص: 345

أَشْهُرٍ}. قال: ضُرِب لهم أجلٌ أربعةُ أشهرٍ، وتَبَرَّأَ مِن كلِّ مُشْرِكٍ. ثم أمَر إذا انسَلَخَت تلك الأشهرُ الحُرُمُ؛ {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} ، لا تَتْرُكُوهم يَضْرِبون في البلادِ، ولا يَخْرُجون للتجارةِ، ضَيِّقُوا عليهم، بعدَها

(1)

أمَر بالعَفْوِ؛ {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(2)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} . يعنى: الأربعةَ التي ضرَب اللهُ

(3)

لهم أَجَلًا لأهلِ العهدِ العامِّ مِن المشركين فاقْتُلُوهُمْ {حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} الآية

(4)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: وإن اسْتأمَنَك، يا محمدُ، من المشركين الذين أمَرْتُك بقتالِهم وقَتْلِهم بعدَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ أحدٌ ليَسْمَعَ كلامَ اللهِ منك، وهو القرآنُ الذي أنزَله اللهُ عليه، {فَأَجِرْهُ}. يقولُ: فأمِّنْه {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} وتَتْلُوه عليه {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} . يقولُ: ثم رُدَّه بعدَ سَماعِه كلامَ اللهِ إِنْ هو أَبَى أَن يُسْلِمَ، ولم يَتَّعِظُ بما تَلَوتَه عليه مِن كلامِ اللهِ، فيؤَمَّن إلى {مَأْمَنَهُ}. يقولُ: إلى حيثُ يأمَنُ منك وممن في طاعتِك، حتى يَلْحَقَ بدارِه وقومِه من المشركين. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بعدما".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1753 (9269، 9270) من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، ص، ف.

(4)

سيرة ابن هشام 2/ 544، تفسير البغوي 4/ 13.

ص: 346

قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ}. يقولُ: تَفْعَلُ ذلك بهم مِن إعْطائِك إيَّاهم الأمانَ ليَسْمَعوا القرآنَ، ورَدِّك إيَّاهم - إذا أَبَوُا الإسلامَ - إلى مَأْمَنِهم، مِن أجلِ أنهم قومٌ جَهَلَةٌ لا يفْقَهون عن اللهِ حُجَّةً، ولا يَعْلَمون ما لَهم بالإيمانِ باللهِ لو آمَنوا، وما عليهم من الوِزْرِ والإثمِ بتَرْكِهم الإيمانَ باللهِ.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} . أي: مِن هؤلاء الذين أمَرْتُك بقتالِهم، {فَأَجِرْهُ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} أَمَّا كَلَامُ اللهِ فالقرآنُ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} . قال: إنسانٌ يَأْتِيك فيَسمَعُ ما تقولُ، ويَسمَعُ ما أُنْزِل عليك، فهو آمِنٌ حتى يَأْتِيَك فيَسْمَعَ كلامَ اللهِ، وحتى يَبْلُغَ مَأْمَنَه حيثُ جاء

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ عن سعيدٍ، قال: خرَج

(1)

سيرة ابن هشام 2/ 544.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1755 (10088) من طريق أسباط به

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س:"جاءه". والأثر في تفسير مجاهد ص 364. ومن طريقه ابن أبي حاتم 6/ 1755، 1756، وأخرجه أيضًا 6/ 1755 من طريق ابن أبي نجيح به.

ص: 347

رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، غازِيًا، فلَقِى العدوَّ، وأخرَج المسلمون رجلًا من المشركين، وأشْرَعوا فيه الأَسِنَّةَ، فقال الرجلُ: ارفَعُوا عنى سلاحَكم، وأسْمِعونى كلامَ اللهِ تعالى. فقالوا: تَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وتَخْلَعُ الأَنْدادَ، وتَتَبَرَّأُ مِن اللَّاتِ والعُزَّى. فقال: فإني أُشْهِدُكم أني قد فعَلتُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قولِه:{ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} . قال: إن لم يُوافِقْه ما تقصُّ

(1)

عليه وتُحَدِّثُه، فأَبْلِغْه، قال: وليس هذا بمنسوخٍ

(2)

.

واختُلِف في حكمِ هذه الآيةِ، هل هو منسوخٌ أو هو غيرُ منسوخٍ؟

فقال بعضُهم: هو غيرُ منسوخٍ. وقد ذكَرنا قولَ من قال ذلك.

وقال آخرون: هو منسوخٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، نسخَتها:{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً}

(3)

[محمد: 47]

قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ مثلَه

(4)

.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"تقول" وكتب عليه في ص: "ط"، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1756 (10091) من طريق أصبغ عن ابن زيد به.

(3)

ذكره النحاس في ناسخه ص 493، وابن كثير في تفسيره 4/ 55.

(4)

أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص 300، وابن الجوزي في النواسخ ص 300، وابن الجوزى في النواسخ ص 467، 468 من طريق سفيان به ولكن فيه أن قوله تعالى: "فاقتلوا المشركين

" هو الناسخ لقوله: "فإما منا بعد وإما فداء"، وذكره النحاس في ناسخه ص 493، وابن كثير في تفسيره 4/ 55 عن السدى.

ص: 348

وقال آخرون: بل نسخ قولُه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} قولَه: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} .

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدَةُ بنُ سُليمانَ، عن ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ {حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} نسَخها قولُه:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}

(1)

.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى، قولُ مَن قال: ليس ذلك بمنسوخٍ. وقد دلَّلْنا على أن معنى النَّسْخِ، هو نَفْيُ حُكْمٍ قد كان ثبَت بحُكْمٍ آخَرَ غيرِه، ولم تَصِحَّ حُجَّةٌ بوجوبِ حُكْمِ اللهِ في المشركين بالقَتْلِ بكلِّ حالٍ، ثم نسَخه بتَرْكِ قتلهم على أَخْذِ الفِداءِ، ولا على وَجْهِ المَنِّ عليهم.

فإذ كان ذلك كذلك، وكان الفِداءُ والمَنُّ والقَتْلُ لم يَزَلْ مِن حكمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيهم مِن أوَّلِ حربٍ حارَبهم - وذلك مِن يومِ بدرٍ - كان معلومًا أن معنى الآيةِ: فاقْتُلوا المشركين حيثُ وَجَدْتُموهم، وخُذُوهم

(2)

للقتلِ أو المَنِّ أو الفِداءِ واحْصُروهم. وإذا كان ذلك معناه، صَحَّ ما قُلنا في ذلك دونَ غيرِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: أَنَّى يكونُ، أَيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه، وبأيِّ معنًى،

(1)

أخرجه ابن الجوزى في النواسخ ص 467 من طريق سعيد بن أبي عروبة به.

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ليسوا".

ص: 349

يكونُ للمشركين بربِّهم عهدٌ وذِمَّةٌ عندَ اللهِ وعندَ رسولِه، يُوَفَّى لهم به، ويُتْرَكوا مِن أجلِه آمِنِين يَتَصَرَّفون في البلادِ؟ وإنما معناه: لا عهدَ لهم، وأن الواجبَ على المؤمنين قَتْلُهم حيثُ وجَدوهم، إلا الذين أُعْطُوا العهد عندَ المسجدِ الحرامِ منهم، فإن الله، جلَّ ثناؤُه، أمر المؤمنين بالوفاءِ لهم بعَهْدِهم، والاستقامةِ لهم عليه، ما داموا عليه للمؤمنين مُسْتَقِيمِين.

واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بقولِه: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

فقال بعضُهم: هم قومٌ [مِن جَذِيمةَ بن الدُّئِلِ]

(1)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} : هم بنو جذيمةَ بن الدُّئِلِ

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن محمدِ بن عَبَّادِ بن جعفرٍ قولَه:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . قال: هم

(1)

في تفسير ابن أبي حاتم 6/ 1756: "جذيمة بن فلان" وفى الدر المنثور 3/ 214: "خزيمة بن فلان". والمثبت موافق لما في البحر المحيط 4/ 12؛ ولم أجد هذه القبيلة في أنساب العرب، والأقرب أنها:"جذيمة بن عامر بن عبد بن مناة بن كنانة أولاد عم لبنى الدئل بن بكر بن عبد مناة". وينظر جمهرة أنساب العرب ص 184، 187. وينظر طبعة شاكر 14/ 141.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1756 (10094) من طريق أحمد بن مفضل به.

ص: 350

جَدِيمةُ بكرِ

(1)

كِنانةَ

(2)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ} [الذين كانوا هم

(3)

وأنتم على العهد العامِّ، بأن [لا تُخِيفوهم ولا يُخِيفوكم في الحُرمةِ]

(4)

ولا في الشهرِ الحرامِ]

(5)

{عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} . وهى قبائلُ بني بكرٍ، الذين كانوا دخَلوا في عهدِ قريشٍ وعَقْدِهم يومَ الحُدَيبيةِ، إلى المدةِ التي كانت بينَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وبينَ قريشٍ، فلم يكنْ نقَضها إلا هذا الحيُّ مِن قريشٍ، وبنو الدُّئلِ مِن بكرٍ. فأُمِر بإتمامِ العهدِ لمَن لم يكنْ نقَض عَهْدَه مِن بنى بكرٍ إلى مُدَّتِهِ. {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ} الآية

(6)

.

وقال آخَرون: هم قريشٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : هم قريشٌ

(7)

.

(1)

بعده في م: "من".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1750 (9240) من طريق حجاج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 212 إلى أبى الشيخ وابن المنذر.

(3)

سقط من النسخ، والمثبت من مصدر التخريج.

(4)

في م: "لا تمنعوهم ولا يمنعوكم من الحرم".

(5)

سقط من: ف.

(6)

سيرة ابن هشام 2/ 544.

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1749 (9238) من طريق ابن جريج، أخبرني سليمان عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 214 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 351

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} . يعنى: أهلَ مكةَ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}. يقولُ: هم قومٌ كان بينَهم وبينَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مُدَّةٌ، ولا ينبغى لمُشْرِكٍ أَن يَدْخُلَ المسجدَ الحرامَ، ولا يُعْطِيَ المسلمَ الجِزْيةَ {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}. يعنى: أهلَ العَهْدِ مِن المشركين.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} . قال: هؤلاء قريشٌ

(2)

.

وقد نَسَخ هذا الأشهر التي ضُرِبت لهم، وغَدَروا بهم فلم يَسْتَقِيموا، كما قال اللهُ، فضَرَب لهم بعدَ الفتحِ أربعةَ أشهرٍ، يَخْتارون مِن أمرِهم؛ إمَّا أن يُسْلِموا، وإمَّا أن يَلْحَقوا بأيِّ بلادٍ شاءوا. قال: فأَسْلَموا قبلَ الأربعةِ الأشهرِ، [وقبلَ قتلٍ]

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ عن قتادةَ {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}. قال:[هو يومُ الحديبيةِ]

(4)

، قال: فلم يَسْتَقِيموا، نَقَضوا عهدَهم

(5)

؛ أعانوا بنى بكرٍ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1757 من طريق أبي صالح به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1757 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(3)

في م: "وقبل وقبل"، وفى ص، ت 1، ت 2، س: بدون نقط.

(4)

في ص: "هم الحديبية"، وفى ت 1، ت 2، س، ف:"هم يوم الحديبية"، وفى م:"هم قوم جذيمة"، والمثبت من مصدر التخريج.

(5)

بعده في م: "أي".

ص: 352

حِلْفَ قريشٍ، على خُزاعةَ حِلْفِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

(1)

.

وقال آخرون: هم قومٌ مِن خُزاعةَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} . قال: أهلُ العهدِ مِن خُزاعةَ

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندى، قولُ مَن قال: هم بعضُ بنى بكرٍ من كنانةَ، ممن كان أقامَ على عهدِه، ولم يكنْ دخَل في نقضِ ما كان بينَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(3)

يوم الحُدَيبيةِ من العهدِ مع قريشٍ، حينَ نقضُوه بمعونتِهم حلفاءَهم من بنى الدُّئِلِ، على حلفاءِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن خُزاعةَ.

وإنما قلتُ: هذا القولُ أَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لأن الله أمَر نبيَّه والمؤمنين بإتمامِ العهدِ لمَن كانوا عاهَدوه عندَ المسجدِ الحرامِ، ما استَقاموا على عهدِهم.

وقد بَيَّنَّا أن هذه الآياتِ، إنما نادَى بها عليٌّ في سنةِ تسعٍ من الهجرةِ، وذلك بعدَ فتحِ مكةَ بسنةٍ، فلم يكنْ بمكةَ مِن قريشٍ ولا خُزاعةَ كافرٌ يومَئذٍ بينَه وبينَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عهدٌ، فَيُؤمَرَ بالوفاءِ له بعهده ما اسْتَقامَ على عهدِه؛ لأن مَن كان

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1757 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 267، 268 عن معمر به.

(2)

تفسير مجاهد ص 363 بنحوه، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1746، وسبق تخريجه.

(3)

بعده في م: "وبين قريش".

ص: 353

منهم من ساكِنى مكةَ، كان قد نقَض العهدَ، وحُورِب قبلَ نزولِ هذه الآياتِ.

وأما قولُه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} . فإن معناه: إن الله يُحِبُّ مَن اتَّقَى الله وراقَبه في أداءِ فَرائضِه والوفاءِ بعهدِه لمَن عاهَده، واجْتِنابِ مَعاصِيه، وتَرْكِ الغَدْرِ بعهودِه لمَن عاهَده.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)} .

يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: كيف يكونُ لهؤلاء المشركين الذين نقَضُوا عهدَهم، أو لمَن لا عهدَ له منهم منكم، أيُّها المؤمنون عهدٌ وذِمَّةٌ، وهم {إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} يَغْلِبُوكم، {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} .

واكْتُفِى بـ "كيف" دليلًا على معنى الكلامِ؛ لتقدُّمِ ما يرادُ مِن المعنى بها قبلَها. وكذلك تَفْعَلُ العربُ، إذا أعادَت الحرفَ بعدَ مُضِيِّ معناه، استَجازوا حَذْفَ الفعلِ، كما قال الشاعرُ

(1)

:

وَخَبَّرْتُمانى أنما الموتُ في القُرَى

فيكفَ وهَذِى هَضْبَةٌ وكَثيبُ

فحَذَف الفعلَ بعدَ "كيف" لِتَقدُّمِ ما يرادُ بعدَها قبلَها. ومعنى الكلامِ: فكيف يكونُ الموتُ في القُرَى، وهذى هَضْبةٌ وكَثيبٌ، لا يَنْجُو فيهما منه أحدٌ؟

واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} ؛ فقال بعضُهم: معناه: لا يَرْقُبوا الله فيكم ولا عهدًا.

(1)

هو كعب بن سعد الغنوى، كما في معاني القرآن للفراء 1/ 424، والبيت في الاختيارين للأخفش ص 758، والأصمعيات ص 97، وجمهرة أشعار العرب 2/ 709، باختلاف في الألفاظ.

ص: 354

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا} . قال: الله

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمانَ، عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه:{لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 10] قال: مثلُ

(2)

قولِه: جَبْرائيلُ مِيكائيلُ إسْرافيلُ. كأنه [يقولُ: يضيفُ]

(3)

جَبْرَ ومِيْكا وإسْرافَ إلى "إيل". يقولُ عبدُ اللهِ {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا} . كأنه يقولُ: لا يَرْقُبون الله.

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنى محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ {إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}: لا يُراقِبون

(4)

الله ولا غيرَه

(5)

.

وقال آخرون: الإلُّ

(6)

: القَرابةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} . يقولُ: قَرابَةً ولا عَهْدًا.

(1)

تفسير الثورى ص 123، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية 3/ 285، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1758 من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 214 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

في ص، ت 2، ف:"يقال جبر نصف". وفى م: "يقال يضاف جبر"، وفي ت 1:"يقول جبر نصف جبر".

(4)

في م: "يرقبون".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1758 من طريق محمد بن ثور، به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 268 عن معمر به.

(6)

في ص: "الإيل".

ص: 355

وقولُه: {وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} . قال: الإلُّ: يعنى القَرابةُ، والذِّمَّةُ العَهْدُ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} . الإلُّ القرابةُ، والذِّمَّةُ العهدُ - يعنى: أهلَ العهدِ من المشركين - يقولُ: ذِمَّتَهم.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ وعَبْدةُ، عن جويبرٍ

(2)

، عن الضَّحَّاكِ: الإلُّ القرابةُ

(3)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن سَلَمةَ بن كُهَيلٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ:{لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 10]. قال: الإلُّ القَرابةُ، والذمُة العهدُ.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعَاذٍ، قال: أخبرَنا عُبَيدُ بنُ سُليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} . الإلُّ القَرابةُ، والذِّمَّةُ الميثاقُ.

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} : المشركون: {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ} عهدًا ولا قَرابةً ولا ميثاقًا

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1758 من طريق الضحاك عن ابن عباس.

(2)

في م: "حوشب".

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1758 معلقا.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1757 من طريق أحمد بن مفضل به.

ص: 356

وقال آخرون: معناه: الحِلْفُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} . قال: الإلُّ الحِلفُ، والذِّمَّةُ العهدُ

(1)

.

وقال آخرون: الإلُّ: هو العهدُ، ولكنه كُرِّر لما اختَلَف اللفظان، وإن كان معناهما واحدًا.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِلًّا} . قال: عهدًا

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} . قال: لا يَرْقُبوا فيكم عهدًا ولا ذِمَّةً. قال: إحداهما مِن صاحبتِها كهيئةِ غفورٍ رحيمٍ، قال: فالكلمةُ واحدةٌ، وهي تَفْتَرِقُ. قال: والعهدُ هو الذِّمَّةُ

(3)

.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا ذِمَّةً} . قال: العهدُ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن خُصَيفٍ، عن

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 268، وابن أبي حاتم - مختصرًا - في تفسيره 6/ 1758 من طريق معمر عن قتادة.

(2)

تفسير مجاهد ص 365 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1758.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1758 معلقا.

ص: 357

مجاهدٍ: {وَلَا ذِمَّةً} . قال: الذمةُ العهدُ.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ عن هؤلاء المشركين الذين أمَر نبيَّه والمؤمنين بقَتْلِهم بعدَ انسلاخِ الأشهرِ الحُرُمِ، وحَصْرِهم والقعودِ لهم على كلِّ مَرْصَدٍ - أنهم لو ظهَروا على المؤمنين لم يَرْقُبوا فيهم {إِلًّا}. والإلُّ: اسمٌ يشتملُ على مَعانٍ ثلاثةٍ: وهى العهدُ والعقدُ، والحلِفُ، والقَرابةُ، وهو أيضًا بمعنى اللهِ. فإذْ [كانت الكلمةُ تشملُ]

(1)

هذه المعانيَ الثلاثةَ، ولم يكنِ الله خَصَّ مِن ذلك معنى دونَ معنًى، فالصوابُ أن يَعُمَّ ذلك، كما عَمَّ بها جلّ ثناؤُه، معانيَها الثلاثةَ، فيقالَ: لا يَرْقُبون في مؤمنٍ الله، ولا قرابةً، ولا عهدًا، ولا ميثاقًا.

ومن الدلالةِ على أنه يكونُ بمعنى القرابةِ، قولُ ابن مُقْبِلٍ

(2)

:

أفْسَدَ الناسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا

قَطَعُوا الإِلَّ وَأعْرَاقَ الرَّحِمْ

بمعنى: قَطَعوا القَرابةَ، وقولُ حسانَ بن ثابتٍ

(3)

:

لَعَمْرُكَ إِنَّ إِنَّكَ مِن

(4)

قُريشٍ

كإلِّ السَّقْبِ مِن رَأْلِ النَّعَامِ

(5)

وأما معناه إذا كان بمعنى العهدِ، فقولُ القائلِ

(6)

:

(1)

في ص، ف:"فإن كان ذلك كله شمل". وفى ت 1، ت 2، س:"فإن كان ذلك كلمة يشمل".

(2)

ينظر التبيان 5/ 178.

(3)

ديوانه ص 105.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"في". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.

(5)

السقب: ولد الناقة الذكر حين يولد، والأنثى حائل والرأل ولد النعام. ديوانه الموضع السابق.

(6)

ينظر التبيان 5/ 178.

ص: 358

وَجَدْنَاهُمُ كاذِبًا إِلُّهُمْ

وَذُو الإلَّ والعَهْدِ لا يَكْذِبُ

وقد زعَم بعضُ مَن يُنْسَبُ إلى معرفةِ كلام العربِ من البَصْريين

(1)

: أن الإِلَّ والعهدَ والميثاقَ واليمينَ واحدٌ

(2)

، وأن الذمةَ في هذا الموضعِ، التَّذَمُّمُ ممن لا عهد له، والجمعُ: ذِمَمٌ.

وكان ابن إسحاق يقولُ: عنَى بهذه الآيةِ أهل العهد العامِّ.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ}. أي: المشركون الذين لا عهدَ لهم إلى مُدَّةٍ مِن أهل الشركِ

(3)

العامِّ {لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}

(4)

.

فأمَّا قوله: {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} . فإنه يقولُ: يُعْطُونكم بألسنتِهم مِن القول خلاف ما يُضْمِرُونه لكم في نفوسِهم من العداوةِ والبغضاءِ، {وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ} أي: تأبَى عليهم قُلوبُهم أن يُذْعِنُوا لكم، بتَصْديقِ ما يُبْدُونه لكم بألسنتِهم. يُحَذِّرُ جلَّ ثناؤه أمرَهم المؤمنين، ويَشْحَذُهم على قَتْلِهم واجْتِياحِهم، حيثُ وُجِدوا من أرضِ اللَّهِ، وأن لا يُقَصِّروا في مَكْروهِهم بكلِّ ما قَدَرُوا عليه، {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}. يقولُ: وأكثرُهم مُخالِفون عهدَكم، ناقِضون له، كافِرون بربِّهم، خارِجون عن طاعتِه.

‌القولُ في تأويل قوله: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9)} .

(1)

هو أبو عبيدة كما في مجاز القرآن 1/ 253.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

في م: "العهد". والمثبت موافق لما في السيرة.

(4)

سيرة ابن هشام 1/ 544.

ص: 359

يقول جلَّ ثناؤُه: ابتاعَ هؤلاء المشركون الذين أمركم اللهُ، أيُّها المؤمنون، بقَتْلِهم حيثُ وَجَدْتُموهم بتَرْكِهم اتباعَ ما احْتَجَّ اللهُ به عليهم مِن حُجَجِه - يسيرًا مِن العِوَض، قليلًا مِن عَرَضِ الدنيا.

وذلك أنهم، فيما ذُكر عنهم، كانوا نقضُوا العهد الذي كان بينَهم وبين رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بأكلةٍ أطعَمَهموها أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} . قال: أبو سفيانَ بن حَرْبٍ، أطعمَ حلفاءَه، وترَك حلفاءَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

وأما قولُه: {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} . فإن معناه: فمَنَعُوا الناسَ مِن الدخولِ في الإسلامِ، وحاوَلوا ردَّ المسلمين عن دينِهم، {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. يقولُ اللَّهُ جلّ ثناؤُه: إن هؤلاء المشركين الذين وصفتُ صِفاتِهم، ساءَ عملُهم الذي كانوا يَعْمَلون مِن اشْتِرائهم الكفرَ بالإيمانِ، والضلالة بالهُدى، وصَدِّهم عن سبيل اللَّهِ مَن آمَن باللهِ ورسولِه، أو مَن أرادَ أن يُؤْمِنَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)} .

يقولُ تعالى ذكره: لا يَتَّقِى هؤلاء المشركون الذين أمَرْتُكم، أيُّها المؤمنون، بقَتْلِهم حيثُ وَجَدْتُموهم، في قَتْلِ مؤمنٍ لو قَدَروا عليه {إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}. يقولُ:

(1)

تفسير مجاهد ص 364، 365، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1759.

ص: 360

فلا تُبْقُوا عليهم، أيُّها المؤمنون، كما لا يُبْقُون عليكم لو ظَهَروا عليكم، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}. يقولُ: المُتَجاوِزون فيكم إلى ما ليس لهم بالظُّلْمِ والاعتداءِ.

‌القولُ في تأويل قولِه: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)}

يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإن رجَع هؤلاء المشركون الذين أمَرْتُكم، أيُّها المؤمنون، بقَتْلِهم عن كفرِهم وشِرْكِهم باللهِ إلى الإيمانِ به وبرسولِه، وأنابُوا إلى طاعتِه {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} المكتوبةَ، فأدَّوْها بحُدُودِها، {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} المفروضةَ أهلَها. يقولُ: فهم إخوانُكم في الدينِ الذي أمَركم اللهُ به، وهو الإسلامُ {وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ}. يقولُ: ونُبَيِّنُ حُجَجَ اللهِ وأدلتَه على خَلْقِه، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ما بُيِّنَ لهم، فنَشْرَحُها لهم مُفَصَّلةً دونَ الجُهَّالِ الذين لا يَعْقِلون عن اللهِ بيانَه، ومُحْكَمَ آياتِه.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} . يقولُ: إِن تَرَكوا اللاتَ والعُزَّى، وشَهِدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}

(1)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1760 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 314 إلى ابن المنذر.

ص: 361

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عن ليثٍ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ} . قال: حَرَّمَت هذه الآيةُ دماءَ أهلِ القِبْلةِ

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: افتُرِضَت الصلاةُ والزكاةُ جميعًا، لم يُفَرَّقَ بينَهما. وقرَأ:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} وأبَى أن يَقْبَلَ الصلاةَ إلا بالزكاةِ. وقال: رَحِم اللهُ أبا بكرٍ، ما كان أفْقَهَه

(2)

!

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبَيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أُمِرْتم بإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، ومَن لم يُزَكِّ فلا صلاةَ له

(2)

.

وقيل: {فَإِخْوَانُكُمْ} . فرُفِع بضمير: فهم إخوانكم، إذ كان قد جرَى ذكرُهم قبلُ، كما قال:{فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [الأحزاب: 5]. بمعنى: فهم إخوانُكم في الدين.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: إن نقَض هؤلاء المشركون الذين عاهَدْتُموهم مِن قريشٍ، عهودَهم من بعدِ ما عاقَدوكم، أن لا يُقاتِلوكم، ولا يُظاهِروا عليكم أحدًا مِن أعدائِكم، {وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ}. يقولُ: وقَدَحوا في دينِكم الإسلامِ،

(1)

ذكره القرطبي في تفسيره 8/ 81.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 4/ 16.

ص: 362

فثَلَبوه

(1)

وعابُوه، {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ}. يقولُ: فَقاتِلوا رؤساءَ الكفرِ باللهِ؛ {إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} . يقولُ: إن رؤساءَ الكفرِ لا عهدَ لهم، {لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ}: لكى يَنْتَهُوا عن الطَّعْنِ في دينِكم والمظاهرةِ عليكم.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ بينَهم

(2)

في المَعْنِيِّين بأئمةِ الكفرِ.

فقال بعضُهم: هم أبو جَهْلِ بنُ هشامٍ، وعُتبةُ بنُ ربيعةَ، وأبو سُفيانَ بنُ حَرْبٍ، ونظراؤهم. وكان حُذَيفةُ يقولُ: لم يأتِ أهلُها بعدُ.

‌ذكر مَن قال: [هم مَن سَمَّيتُ]

(3)

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} إلى {لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} . يعنى: أهلَ العهدِ مِن المشركين، سَمَّاهم {أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} وهم كذلك. يقولُ اللهُ لنبيِّه: وإن نَكَثوا العهدَ الذي بينَك وبينَهم، فقاتِلْهم

(4)

، أئمةُ الكفر

(5)

لا أَيْمانَ لهم {لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ}

(6)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ

(1)

في م: "فثلموه". وثلبه يثلِبه ثلبا: لامه وعابه وصرح بالعيب وقال فيه وتنقصه. اللسان (ث ل ب).

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س:"منهم".

(3)

في ت 2، ف:"ذلك".

(4)

في م: "فقاتل"، وفي ت 2:"فقاتلوا".

(5)

بعده في م: "لأنهم"، وفى ت 2:"إنهم".

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1760، 1761 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 214 إلى ابن مردويه.

ص: 363

مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} إلى {يَنْتَهُونَ} . فكان مِن أئمةِ الكفرِ؛ أبو جهلِ بنُ هشامٍ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وعُتْبةُ بنُ رَبيعةَ، وأبو سفيانَ، وسهيلُ بن عمرٍو، وهم الذين هَمُّوا بإخراجِه.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة:{أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} أبو سُفْيانَ، وأبو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وسُهَيلُ بنُ عمرٍو، وعُتْبةُ بنُ رَبيعةَ

(1)

.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ وابنُ بَشَّارٍ - قال ابن وَكِيعٍ: ثنا غُنْدَرٌ. وقال ابن بَشَّارٍ: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ - عن شُعْبَةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن مجاهدٍ:{فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} . قال: أبو سُفْيانَ منهم

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني (أحمدُ بنُ المفضَّلِ)

(3)

، قال: ثنا أسْباطُ، عن السِّدِّيِّ:{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} إلى {يَنْتَهُونَ} :: هؤلاء قريشٌ. يقولُ: إن نَكَثوا عهدَهم الذي عاهَدوا على الإسلامِ وطعَنوا فيه، فقاتِلْهم

(4)

.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِهِ: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} . يعنى: رءوس

(5)

المشركين، أهلَ مكةَ

(6)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1761 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 268 عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 214 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

أخرجه ابن عساكر في تاريخه 23/ 438 من طريق الحكم عن مجاهد به.

(3)

في م: "حجاج". وهذا السند فيه تخليط وسقط ولعله إسنادان؛ الأول: القاسم عن الحسين عن حجاج عن ابن جريج، والثانى: القاسم عن محمد بن الحسين عن أحمد بن المفضل

الخ.

(4)

في م: "فقاتلوهم".

(5)

في م: "رأس"

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1761 من طريق أبي معاذ النحوى به.

ص: 364

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قولِه:{فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} : أَبو سُفْيانَ بنُ حَرْبٍ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وعُشبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسُهَيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله، وهَمُّوا بإخراج الرسول، وليس والله كما يتأوَّله

(1)

أهلُ الشُّبُهَاتِ والبدع والفِرَى على اللَّهِ، وعلى كتابه

(2)

.

‌ذكرُ الروايةِ عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأَعْمَشِ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، عن حذيفة:{فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} . قال: ما قُوتِل أهل هذه الآية بعد

(3)

.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حبيبُ بنُ حَسَّانَ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: كنتُ عندَ حُذَيفةَ، فقرأ هذه الآيةَ:{فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} ، فقال: ما قُوتِل أهل هذه الآية بعد.

حدثني أبو السائبِ، قال: ثنا الأعمش، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: قرَأ حُذَيفةُ: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} . قال: ما قُوتِل أهل هذه الآية بعد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَةَ بن زُفَرَ:{إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} : لا عهد لهم

(4)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيج، عن

(1)

في م: "تأوله".

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 268.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 15/ 108، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1761 من طريق أبي معاوية به، وأخرجه ابن أبي شيبة 15/ 22 عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة، وعلقه في 1762، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 214 إلى أبى الشيخ وابن مردويه.

ص: 365

مجاهدٍ قولَه: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} . قال: عهدَهم

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} : عهدَهم الذي عاهَدوا على الإسلامِ.

حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلَةَ، عن عَمَّار بن ياسرٍ في قوله:{لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} . قال: لا عهدَ لهم

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عُبَيدٍ المُحارِبيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلَةَ بن زُفَرَ، عن حُذيفةَ في قولِه:{فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} . قال: لا عهدَ لهم.

وأمَّا النَّكْثُ: فإن أصلَه، النَّقْضُ، يقالُ منه: نَكَثَ فلانٌ قُوَى حبلِه. إذا نَقَضها، والأيمانُ: جمعُ اليمينِ.

واختَلَفَت القرأة في قراءةِ قوله: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} . فقرأه قرأةُ الحجاز والعراقِ وغيرُهم: {إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ} . بفَتْحِ الألفِ مِن {أَيْمَانَ}

(3)

. بمعنى: لا عُهُودَ لهم، على ما قد ذكَرنا مِن قولِ أهلِ التأويلِ فيه.

وذُكِر عن الحسن البصريِّ أنه كان يقرأُ ذلك: (إِنَّهُمْ لا إيمانَ لَهُمْ). بكَسْرِ الألفِ، بمعنى: لا إسلامَ لهم

(4)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 365، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 214 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

تفسير الثورى ص 123، 124، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1762 من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه ابن أبي شيبة 11/ 48 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 215 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

هي قراءة القراء العشرة عدا ابن عامر الشامي. النشر 2/ 278.

(4)

وهي قراءة ابن عامر من السبعة. وينظر معاني القرآن للفراء ص 425، والسبعة لابن مجاهد 312، والحجة لأبي زرعة ص 315.

ص: 366

وقد يُتَوجَّهُ لقراءتِه كذلك وَجْهٌ غيرُ هذا. وذلك أن يكونَ أرادَ بقراءتِه ذلك كذلك: أنهم لا أمانَ لهم: أي لا تُؤْمِنوهم، ولكن اقتُلُوهم حيثُ وجَدْتُموهم، كأنه أرادَ المصدرَ مِن قولِ القائلِ: آمِنْتُه، فأنا أو مِنُه إيمانًا.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك الذي لا أستَجِيزُ القراءةَ بغيرِه، قراءةُ مَن قرَأه بفَتْحِ الألفِ دونَ كسرها

(1)

؛ لإجماع الحجَّةِ مِن القرأةِ على القراءة به، ورَفْضِ خلافِه، ولإجماع أهلِ التأويلِ على ما ذكَرتُ مِن أن تأويلَه لا عهدَ لهم، والأيمان التي هي بمعنى العهدِ، لا تكونُ إلا بفَتْح الألفِ؛ لأنها جمعُ يمينٍ كانت على عَقْدٍ كان بينَ المُتوادِعِين.

‌القول في تأويل قولِه: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين بالله ورسوله، حاضًّا لهم على جهادِ أعدائِهم مِن المشركين:{أَلَا تُقَاتِلُونَ} ، أيُّها المؤمنون، هؤلاء المشركين الذين نقَضوا العهدَ الذي بينَكم وبينَهم، وطعَنوا في دينِكم، وظاهَروا عليكم أعداءَكم، {وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} مِن بين أظْهُرِهم فأخْرَجوه، {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} بالقتال، يعنى: فِعْلَهم ذلك يومَ بَدْرٍ. وقيل: قتالهم حلفاءَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن خُزاعةَ، {أَتَخْشَوْنَهُمْ}. يقولُ: أَتَخافونهم على أنفسِكم

(2)

، فتَتْرُكوا قتالَهم خَوْفًا على أنفسكم منهم، {فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ}. يقولُ: فاللَّهُ أَوْلَى بكم أن تخافوا عُقوبته بتَرْكِكم جهادَهم، وتَحْذَروا سَخَطَه عليكم، مِن هؤلاء المشركين،

(1)

القراءتان كلتاهما صواب.

(2)

في م: "أنفسهم".

ص: 367

الذين لا يملكون لكم ضُرًّا ولا نَفْعًا إلا بإذنِ الله، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. يقول: إن كنتم مُقِرِّين أن خشيةَ اللهِ بكم أَوْلَى مِن خشيةِ هؤلاء المشركين على أنفسِكم.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ:

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه:{أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ، {وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ}. يقولُ: هَمُّوا بإخراجِه فأخرَجوه {وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} بالقتالِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} . قال: قتالُ قريشٍ حلفاءَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(2)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أمرَ الله رسولَه بجهادِ أهلِ الشِّرْكِ، ممن نَقَض مِن أهلِ العهدِ الخاصِّ

(3)

، ومَن كان مِن أهلِ العهدِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1763، 1763 من طريق أحمد بن المفضل به.

(2)

تفسير مجاهد ص 365، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1762، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 215 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

سقط من النسخ، والمثبت من مصدر التخريج.

ص: 368

العامِّ، بعد الأربعةِ الأشهرِ التي ضرَب لهم أجلًا، إلا أن [يَعْدُو فيها عادٍ منهم فيُقتل بعدائِه فقال]

(1)

: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} إلى قولِه: {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}

(2)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: قاتِلوا، أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه هؤلاء المُشْرِكين الذين نكَثُوا أيمانهم، ونقَضُوا عُهُودَهم بينَكم وبينَهم، فأَخْرَجُوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن بين أَظْهُرِهم - {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}. يقولُ: يَقْتُلُهم اللهُ بأيديكم، {وَيُخْزِهِمْ}. يقولُ: ويُذِلُّهم بالأَسْرِ والقَهْرِ، {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} ، فيُعْطِيكم الظُّفَرَ عليهم والغَلَبَةَ، {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}. يقول: ويُبرِئُ داءَ صدورِ قومٍ مؤمنين باللهِ ورسولهِ، بقَتْلِ هؤلاء المشركين بأيْدِيكم، وإذْلالِكم وقَهْرِكم إيَّاهم. وذلك الدَّاءُ هو ما كان في قلوبِهم عليهم مِن المَوْجِدَةِ بما كانوا يَنالونهم به مِن الأَذَى والمَكْرُوهِ.

وقيل: إن الله عنَى بقولِه: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} : صدورَ خُزاعةَ حلفاءِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن قريشًا نقضُوا العهدَ بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَمعُونتِهم بَكْرًا عليهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وابنُ وكِيعٍ قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ،

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يعودوا فيها على دينهم مقبل بعذابه فقال"، وفى م:"يعودوا فيها على دينهم فيقبل بعد ثم قال"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 546.

ص: 369

عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةٍ:{وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} . قال: خُزاعةُ

(1)

.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَرِيُّ، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ:{وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} . قال: خُزاعةُ؛ يَشْفِ صدورَهم مِن بني بكرٍ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} : خُزاعةَ، حلفاءِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم

(3)

.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ:{وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} . قال: حلفاءِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من خُزاعةَ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1763 من طريق شعبة عن مجاهد.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1763 من طريق أسباط به.

(3)

تفسير مجاهد ص 365، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1763، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 215 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 370

يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: ويُذْهِبْ وَجْدَ قلوبِ هؤلاء القومِ المؤمنين مِن خُزاعةَ، على هؤلاءِ القومِ الذين نَكَثوا أيمانَهم من المشركين، وغَمَّها وكَرْبَها بما فيها مِن الوَجْدِ عليهم، بمَعُونتِهم بَكْرًا كما حدَّثني ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ العَنْقَرِيُّ، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ:{وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} حينَ قَتَلهم بنو بكرٍ، وأعانتهم قريشٌ.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ مثلَه، إلا أنه قال: وأعانهم

(1)

عليهم قريشٌ

(2)

.

وأمَّا قولُه: {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} . فإنه خبرُ مبتدأ؛ ولذلك رُفِع، وجُزِم الأحرفُ الثلاثةُ قبل ذلك على وَجْهِ المُجازاة، كأنه قال: قاتِلوهم، فإنكم إن تُقاتِلوهم يُعَذِّبْهم اللهُ بأيْدِيكم، ويُخْرِهم، ويَنْصُرْكم عليهم، ثم ابتَدَأ فقال:{وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} ؛ لأن القتالَ غيرُ مُوجِبٍ لهم التوبةَ مِن اللَّهِ، وهو مُوجِبٌ لهم العذابَ مِن اللِه، والخِزْيَ، وشِفاءَ صُدورِ المؤمنين، وذَهَابَ غَيْظِ قلوبِهم، فجَزَم ذلك شَرْطًا وجزاءً على القتالِ، ولم يكنْ مُوجِبًا القتالُ التوبةَ، فَابْتُدِئَ الخَبَرُ

(3)

به ورُفِع.

ومعنى الكلام: ويَمُنُّ اللهُ على مَن يشاءُ من عبادِه الكافرين، فيُقبِلُ به إلى التوبةِ بتَوفيقِه إيَّاه، {اللَّهُ عَلِيمٌ} بسَرائرِ عبادِه، ومَن هو للتوبةِ أهلٌ، فيتوبُ عليه، ومَن غيرُ أهلٍ لها، فيَخْذُلُه، {حَكِيمٌ} في تَصْرِيفِ عبادِه من حالِ كفرٍ إلى حالِ

(1)

في ص، ف:"أعانتهم". والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1764 من طريق أسباط به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 215 إلى أبى الشيخ.

(3)

في م: "الحكم".

ص: 371

إيمانٍ بتوفيقِه مَن وَفَّقَه لذلك، ومِن حال إيمان إلى كُفْرٍ، بخِذْلانِه مَن خَذَلَ منهم عن طاعتِه وتوحيدِه، وغيرِ ذلك من أمْرِهم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين الذين أمَرهم بقتالِ هؤلاء المشركين، الذين نَقَضُوا عهدَهم الذي بينَهم وبينَهم

(1)

بقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} الآية. حاضًّا على جهادِهم: {أَمْ حَسِبْتُمْ} أيُّها المؤمنون، أن يَترُكَكم اللهُ بغيرِ مِحْنةٍ يَمتحِنُكم بها، وبغيرِ اختبارٍ يَخْتَبِرُكم به؛ ليُعْرِفَ الصادقَ منكم في دينِه من الكاذبِ فيه، {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا}. يقولُ: أحَسِبتُم أن تُتْرَكوا بغيرِ اختبارٍ يَعْرفُ به أهلَ ولايتِه المجاهدين منكم في سبيله، مِن المُضَيِّعين أمرَ اللهِ في ذلك المُفَرِّطين، {وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ}. يقولُ: ولمَّا يعلم اللهُ الذين آمنوا

(2)

منكم، والذين لم يَتَّخِذوا مِن دونِ اللهِ ولا مِن دونِ رسولِه، ولا مِن دونِ المؤمنين {وَلِيجَةً}: هو الشيءُ يَدْخُلُ في آخَرَ غيرِه، يقالُ منه: ولج [فلانٌ في]

(3)

كذا يَلِجُه فهو وَليجةٌ.

وإنما عنَى بها في هذا الموضعِ البِطانةَ مِن المشركينَ. نَهَى اللهُ المؤمنين أن يَتَّخِذُوا من عدوِّهم من المشركين أولياءَ، يُفْشُون إليهم أسرارَهم، {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا

(1)

في م: "بينه"، وت 1:"بين".

(2)

في م، ف:"جاهدوا". وينظر التبيان 5/ 187.

(3)

في ص، ت 1، س، ف:"في فلان". وفي ت 2: "فلان".

ص: 372

تَعْمَلُونَ}. يقولُ: والله ذو خِبْرةٍ بما تَعْمَلُون، مِن اتِّخاذ كم مِن دونِ اللهِ ودونِ رسولِه والمؤمنين به أولياءَ وبِطانةً، بعدَ ما قد نَهاكم عنه، لا يَخْفَى ذلك عليه، ولا غيرُه مِن أعمالِكم، واللهُ مُجازِيكم على ذلك، إنْ خيرًا فخيرًا، وإِنْ شَرًّا فَشَرًّا.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى الوَليجةِ قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} : يَتوَلَّجُها من الولايةِ للمشركين

(1)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ:{وَلِيجَةً} . قال: دَخَلًا

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قِوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا} إلى قوله: {وَلِيجَةً} . قال: أبَى أَن يَدَعَهم دونَ التَّمْحيصِ، وقرَأ:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} ، وقرأ

(3)

: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} ، {[أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ]

(4)

وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} الآيات كلَّها، أخبرَهم أن لا يَترُكَهم حتى يُمحِّصَهم ويَخْتَبِرَهم، وقرَأ:{أَحَسِبَ (1) النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} : لا يُختَبَرون

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1765 من طريق أحمد بن المفضل به

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1765 من طريق أبي جعفر به.

(3)

في ص، ف:"قوله".

(4)

سقط من: ص، م.

ص: 373

{وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} . أبَ اللهُ إلا أن يُمَحِّصَ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ:{وَلِيجَةً} . قال: هو الكفرُ والنفاقُ - أو قال أحدَهما

(2)

.

وقيل: {أَمْ حَسِبْتُمْ} ، ولم يَقُلْ: أحَسِبْتُم، لأنه مِن الاستفهامِ المُعْتَرَضِ في وسط الكلامِ، فأدخِلت فيه {أَمْ} ليُفرِّقَ بينَه وبينَ الاستفهامِ المبتدأ. وقد بَيَّنتُ نظائرَ ذلك في غيرِ موضعٍ مِن الكتابِ

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ما ينبغى للمشركين أن يَعْمُروا مساجدَ اللهِ، وهم شاهِدون على أنفِسهم بالكفرِ. يقولُ: إن المساجدَ إنما تُعْمَرُ لعبادِة اللهِ فيها، لا للكفرِ به. فمَن كان باللهِ كافرًا، فليس مِن شأنه أن يَعْمُرَ مساجدَ اللهِ.

وأمَّا شهادتُهم على أنفسِهم بالكفرِ، فإنها كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه:{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} . يقولُ: ما ينبغى لهم أن يَعْمُرُوها. وأمَّا: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} ، فإن النصرانيِّ يُسْأَلُ: ما

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1764، 9/ 3032 من طريق أصبغ عن ابن زيد، 9/ 3032.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1765 (10047) من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 268 عن معمر به.

(3)

ينظر ما تقدم في 2/ 411 - 413، 585، 3/ 621، ومعاني القرآن 1/ 426.

ص: 374

أنتَ؟ فيقولُ: نَصْرانيٌّ. واليهوديُّ، فيقولُ: يهوديٌّ. والصَّابِئُ، فيقولُ: صابئٌ. والمشركُ يقولُ إذا سألتَه: ما دينُك؟ فيقولُ: مُشْرِكٌ. لم يكنْ ليقولَه أحدٌ إلا العربَ

(1)

.

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عمرٌو العَنْقَزِيُّ، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ:{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} . قال: يقولُ: ما كان ينبغى لهم أن يَعْمُرُوها

(2)

.

حدَّثنا ابن وكِيعٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباطَ، عن السُّدِّيِّ:{شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} . قال: النصرانيُّ يقالُ له: ما أنتَ؟ فيقولُ: نصرانيٌّ. واليهوديُّ يقالُ له: ما أنتَ؟ فيقولُ: يهوديٌّ. والصَّابئٌّ يقالُ له: ما أَنتَ؟ فيقولُ: صابئٌ.

وقوله: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} . يقولُ: بَطَلَت وذَهَبَت أَجورُها؛ لأنها لم تكنْ للهِ، بل كانت للشيطانِ، {وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}. يقولُ: ماكِثون فيها أبدًا، لا أحياءً ولا أمواتًا.

واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} ؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلُ المدينةِ والكوفةِ: {مَسَاجِدَ اللَّهِ} على الجماعِ.

وقرَأ ذلك بعضُ المَكِّيِّين والبَصْرِّيين: (مَسْجِدَ اللهِ) على التوحيدِ

(3)

، بمعنى: المسجد الحرامِ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1765 من طريق أحمد بن مفضل به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1765 من طريق أسباط به.

(3)

وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي {مساجد الله} على الجمع. ينظر السبعة ص 113، والتيسير ص 96.

ص: 375

وهم جميعًا مُجْمِعون على قراءةِ قولِه: {مَسَاجِدَ اللَّهِ}

(1)

على الجماع؛ لأنه إذا قُرِئ كذلك، احتَمَل معنى الواحدِ والجماعِ؛ لأن العربَ قد تذهبُ بالواحدِ إلى الجماع، وبالجماعِ إلى الواحدِ، كقولِهم: عليه ثوبٌ أخلاقٌ

(2)

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} المُصَدِّقُ بوحدانيةِ الله، المخلصُ له العبادةَ، {وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. يقولُ: الذي يُصَدِّقُ ببعثِ اللهِ الموتَى أحياءً مِن قبورِهم يومَ القيامةِ، وأقامَ الصلاةَ المكتوبةَ بحدودِها وأدَّى الزكاةَ الواجبةَ عليه في مالِه إلى مَن أوجَبَها اللهُ له، {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ}. يقولُ: ولم يَرْهَبْ عقوبةَ شيءٍ على معصيتِه إيَّاه، سوى اللهِ، {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}. يقولُ: فخليقٌ بأولئك الذين هذه صفتُهم، أن يكونوا عندَ اللهِ ممن قد هَداه اللهُ للحقِّ وإصابةِ الصوابِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . يقولُ: مَن وَحَّد الله، وآمَن باليومِ الآخرِ. يقولُ: أَقرَّ بما أنزَل اللهُ، {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ}. يعنى: الصلواتِ الخمسَ {وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} . يقولُ: لم يَعبُدْ إلا الله، قال:{فَعَسَى أُولَئِكَ} . يقولُ: إن أولئك هم المفلحون، كقولِه لنبيِّه:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]. يقولُ: إن

(1)

يريد (مساجد الله) الثانية التي في الآية 18، ففيها الإجماع أما الأولى ففيها قراءتان.

(2)

ينظر معاني القرآن 1/ 426، 427.

ص: 376

ربَّك سيَبْعَثُك مقامًا محمودًا، وهى الشفاعةُ، وكلُّ "عسى" في القرآنِ فهى واجِبةٌ

(1)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثم ذَكَر قولَ قريشٍ: إنَّا أهلُ الحرمِ، وسُقاةُ الحاجِّ، وعُمَّارُ هذا البيتِ، ولا أحدَ أفضلُ مِنَّا. فقال:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . أي: إن عمارتَكم ليست على ذلك، {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ}. أي: من عَمَّرها بحقِّها؛ مَن آمَن باللهِ واليوم الآخرِ، {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} ، فأولئك عُمَّارُها، {فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} . وعسى مِن اللهِ حَقٌّ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)} .

وهذا تَوبيخٌ من اللهِ تعالى ذكرُه لقومٍ افتَخَروا بالسقايةِ وسِدانةِ البيتِ، فأَعْلَمَهم، جلَّ ثناؤه، أن الفخرَ في الإيمانِ بالله واليومِ الآخر والجهادِ في سبيلِه، لا في الذي افتَخَروا به مِن السِّدانةِ والسقايةِ. وبذلك جاءت الآثارُ وتأويلُ أهلِ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو الوليدِ الدَّمَشْقيُّ أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ سلَّامٍ، عن جدِّه أبى سَلَّامٍ الأسودِ، عن النُّعمانِ بن بشيرٍ الأنصاريِّ، قال: كنتُ عندَ مِنْبرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في نَفَرٍ مِن أصحابِه، فقال رجلٌ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1766 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 216 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 377

منهم: ما أُبالى ألَّا أعمَلَ عملًا بعدَ الإسلامِ؛ إلا أن أَسْقِىَ الحاجَّ. وقال آخرُ: بل عمارةُ المسجدِ الحرامِ. وقال آخَرُ: بل الجهادُ في سبيلِ اللهِ خيرٌ مما قُلْتُم. فزَجَرهم عمرُ بنُ الخطابِ، رضي الله عنه، وقال: لا تَرْفَعوا أصواتَكم عندَ مِنبرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يومُ الجمعةِ - ولكن إذا صَلَّيتُ الجمعةَ دخلتُ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فاسْتفتَيتُه فيما اختَلَفتُم فيه. قال: ففَعَل، فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} إلى قولِه: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . قال العباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ حينَ أُسِر يومَ بدرٍ: لئن كنتم سَبَقْتُمونا بالإسلامِ والهجرةِ والجهادِ، لقد كُنَّا نُعمِّرُ المسجدَ الحرامَ، ونَسْقِى الحاجَّ، ونَفُكُّ العانىَ. قال اللهُ:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} إلى قولِه: {الظَّالِمِينَ} . يعنى: أن ذلك كان في الشِّرْكِ، ولا أَقْبَلُ ما كان في الشِّرْكِ

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} إلى قولِه: {الظَّالِمِينَ} . وذلك أن المشركين قالوا: عِمارةُ بيتِ اللهِ، وقيامٌ على السِّقايةِ خيرٌ ممن آمَن وجاهَد، وكانوا يَفْخَرون بالحرمِ ويَسْتَكْبِرون

(3)

من أجلِ أنهم أهلُه وعُمَّارُه.

(1)

أخرجه أحمد 30/ 319 (18367)، ومسلم (1879)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1767، وابن حبان (4591)، والطبرانى في الأوسط (423) وفى الشاميين (2867)، والبيهقى 9/ 158، والواحدى في أسباب النزول ص 182، والبغوى في تفسيره 4/ 22 من طرق عن معاوية بن سلام عن زيد بن سلام عن أبي سلام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 218 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1768 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 218 إلى ابن المنذر.

(3)

في ص، ت 1، ف:"يستكثرون".

ص: 378

فذكر الله استكبارَهم

(1)

وإعراضَهم، فقال لأهلِ الَحرَمِ مِن المشركين:{قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 66، 67]. يعنى: أنهم يَسْتَكْبِرون بالحَرَمِ. وقال: {بِهِ سَامِرًا} . لأنهم

(2)

كانوا يَسْمُرُون، ويَهْجُرون القرآنَ والنبيَّ صلى الله عليه وسلم. فخيَّر الإيمانَ باللهِ والجهادَ مع نبيِّ اللهِ على عُمْرانِ المشركين البيتَ، وقيامِهم على السِّقايةِ. ولم يكنْ يَنْفَعُهم عندَ اللهِ الشِّرْكِ به

(3)

، أن كانوا يَعْمُرُون بيتَه ويَخْدُمُونه

(4)

. قال اللهُ: {لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . يعنى: الذين زعَموا أنهم أهلُ العمارةِ، فسَمَّاهم الله ظالمينَ بشِرْكِهم، فلم تُغْنِ عنهم عنهم العمارةُ شيئًا

(5)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرَنا مَعْمَرٌ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن النُّعمانِ بن بشيرٍ، أن رجلًا قال: ما أُبالى أن لا أعملَ عملًا بعدَ الإسلامِ، إلا أن [أَسْقِىَ الحاجَّ. وقال آخَرُ: ما أُبالى أن لا أعملَ عملًا بعدَ الإسلامِ، إلا أن]

(6)

أعْمُرَ المسجدَ الحرامَ. وقال آخَرُ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ أفضلُ مما قُلْتُم. فزَجَرهم عمرُ وقال: لا تَرْفَعوا أصواتَكم عندَ منبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وذلك يومَ الجمعةِ - ولكن إذا صَلَّى الجمعةَ دَخَلْنا عليه. فنَزَلَت: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} إلى قولِه: {لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ}

(7)

.

(1)

في ص، ت 1، ف:"استكتارهم".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"و".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يحرمونه".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1767 - 1769 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 218 إلى ابن مردويه.

(6)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(7)

تفسير عبد الرزاق 1/ 268، وفيه:(عن رجل) بين يحيى والنعمان بن بشير.

ص: 379

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن عمرٍو، عن الحسنِ قال: نَزَلَت في عليٍّ، وعباسٍ، وعثمانَ، وشَيْبَةَ، تَكَلَّموا في ذلك، فقال العباسُ: ما أُرَانى إلا تاركَ سِقايتِنا. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أقِيمُوا

(1)

سِقايتَكم، فإن لكم فيها خيرًا"

(2)

.

قال

(3)

: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيَيْنَةَ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: نَزَلَت في عليٍّ والعباسِ، تَكَلَّما في ذلك

(4)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أُخْبِرْتُ عن أبي صَخْرٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظِيَّ يقولُ: افْتَخَر طلحةُ بنُ شَيبةَ مِن بنى عبدِ الدارِ، وعباسُ بن عبدِ المطلبِ، وعليُّ بنُ أبى طالبٍ؛ فقال طلحةُ: أنا صاحِبُ البيتِ، معى مِفْتاحُه، لو أشاءُ بِتُّ فيه. وقال عباسٌ: أنا صاحِبُ السِّقايةِ والقائم عليها، ولو أشاءُ بِتُّ في المسجدِ. وقال عليٌّ: ما أدرى ما تقولان، لقد صَلَّيْتُ إلى القبلةِ ستةَ أشهرٍ قبلَ الناسِ، وأنا صاحِبُ الجهادِ. فأنزَل اللهُ:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} الآيةَ كلَّها.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ، قال: لمَّا نَزَلَت: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} . قال العباسُ: ما أُرَاني إلا تاركَ سِقايتِنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقِيمُوا على سقايتِكم، فإن لكم فيها خيرًا".

حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن

(1)

بعده في م، ت 1:"على".

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 269.

(3)

يعنى الحسن بن يحيى.

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 269، وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 81، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1768 من طريق إسماعيل بن أبي خالد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 218 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 380

السُّدِّيِّ: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ} . قال: افْتَخَر عليٌّ وعباسٌ وشيبةُ بنُ عثمانَ؛ فقال العباسُ: أنا أفضلُكم؛ أنا أسْقِى حُجَّاجَ بيتِ الله. وقال شيبةُ: أنا أعْمُرُ مسجدَ الله. وقال عليٌّ: أنا هاجَرْتُ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأجاهِدُ معه في سبيل اللهِ. فأنزَل اللهُ:{الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إِلَى {نَعِيمٌ مُقِيمٌ} .

حُدِّثْتُ الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ عن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} الآية: أقبلَ المسلمون على العباسِ وأصحابِه الذين أُسِرُوا يومَ بدرٍ يُعَيِّرُونهم بالشِّرْكِ، فقال العباسُ: أمَا واللهِ لقد كُنَّا نَعْمُرُ المسجدَ الحرامَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَحْجُبُ البيتَ، ونَسْقِى الحاجَّ. فأنزَل الله:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} الآية.

فتأويل الكلامِ إذن: أجَعَلْتُم، أيُّها القومُ، سِقايةَ الحاجِّ، وعمارةَ المسجدِ الحرامِ، كإيمانِ مَن آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ، وجاهَد في سبيلِ اللهِ! {لَا يَسْتَوُونَ}: و هؤلاء وأولئك، ولا تَعْتَدِلُ أحوالُهما عندَ اللهِ ومَنازِلُهما؛ لأن الله تعالى لا يَقْبَلُ بغيرِ الإيمانِ به وباليومِ الآخرِ عملًا، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. يقولُ: والله لا يُوفِّقُ لصالحِ الأعمالِ مَن كان به كافرًا، ولتوحيدِه جاحِدًا.

ووُضِع الاسمُ موضعَ المصدرِ في قولِه: {كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} ؛ إذ كان معلومًا معناه، كما قال الشاعرُ

(1)

:

لَعَمْرُكَ مَا الفِتْيانُ أَن تَنْبُتَ اللِّحَى

ولَكِنَّما الفِتْيانُ كُلُّ فَتًى نَدِى

(1)

البيت في معاني القرآن 1/ 427، أنشده الكسائي للفراء.

ص: 381

فجعَل خبرَ الفتيانِ "أن"، وهو كما يقالُ: إنما السَّخاءُ حاتمٌ، والشِّعْرُ زهيرٌ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)} .

وهذا قضاءٌ من الله بينَ فِرَقِ المُفْتَخِرِين الذين افتَخَر أحدُهم بالسِّقايةِ، والآخرُ بالسِّدانةِ، والآخَرُ بالإيمانِ باللهِ والجهادِ في سبيلِه، يقولُ تعالى ذكرُه:{الَّذِينَ آمَنُوا} باللهِ وصَدَّقوا بتوحيدِه مِن المشركين، {وَهَاجَرُوا} دورَ قومِهم، {وَجَاهَدُوا} المشركين في دينِ اللهِ، {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ} وأرفع منزلةً عندَه مِن سُقاةِ الحاجِّ وعُمَّارِ المسجدِ الحرامِ، وهم بالله مُشْرِكون، {وَأُولَئِكَ}. يقولُ: وهؤلاء الذين وَصَفْنا صِفَتَهم، أنهم آمَنوا وهاجَروا وجاهَدوا، {هُمُ الْفَائِزُونَ} بالجنةِ، الناجُون من النارِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يُبشِّرُ هؤلاء الذين آمنوا وهاجَروا وجاهَدوا في سبيلِ اللهِ - {رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ} لهم، أنه قد رَحِمهم مِن أن يُعَذِّبَهم، وبرضوانٍ منه لهم، بأنه قد رَضِى عنهم بطاعتِهم إيَّاه، وأدائِهم ما كَلَّفَهم، {وَجَنَّاتٍ}. يقولُ: وبَساتينُ {لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} : لا يَزُولُ ولا يَبِيدُ، ثابتٌ دائمٌ أبدًا لهم.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ

(2)

، قال: ثنا سُفيانُ، عن محمدِ

(1)

ينظر المصدر السابق.

(2)

في م: "الموسوى"، في ت 1، ت 2:"الزهرى".

ص: 382

ابن المُنكَدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: إذا دَخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ، قال اللهُ سبحانَه: أُعْطِيكم أفضلَ مِن هذا. فيقولون: رَبَّنا، أَيُّ شيءٍ أَفضلُ مِن هذا؟ قال: رِضْواني

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {خَالِدِينَ فِيهَا} : ماكثِين فيها، يعني: في الجناتِ {أَبَدًا} : لا نهاية لذلك ولا حَدَّ، {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. يقولُ: إن الله عنده لهؤلاء المؤمنين الذين نَعَتَهم جلَّ ثناؤه النعتَ الذي ذكَر في هذه الآيةِ - {أَجْرٌ} : ثوابٌ على طاعتِهم لربِّهم، وأدائِهم ما كَلَّفَهم مِن الأعمالِ {عَظِيمٌ} ، وذلك النعيمُ الذي وَعَدَهم أن يُعْطِيهم في الآخرة.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه: لا تَتَّخِذوا آباءَكم وإخوانَكم بِطانةً وأصدقاءَ تُفْشُون إليهم أسرارَكم، وتُطْلِعُونهم على عَورةِ الإسلامِ وأهلِه، وتُؤثِرون المُكْثِ بينَ أظْهُرِهم على الهجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، {إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ}. يقولُ: إن اخْتاروا الكفرَ باللهِ على التصديقِ به والإقرارِ بتوحيدِه، {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ}. يقولُ: ومَن يَتَّخِذْهم منكم بِطانةً مِن دونِ المؤمنين، ويُؤْثِرِ المُقامَ معهم على الهجرةِ إلى رسولِ اللهِ ودارِ الإسلامِ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. يقولُ: فالذين يَفْعَلون ذلك منكم، هم الذين خالَفوا أمرَ اللهِ، فوضَعوا الولايةَ في غيرِ

(1)

تقدم تخريجه في 5/ 217.

ص: 383

موضعِها، وعَصَوُا الله في أمرِه.

وقيل: إن ذلك نَزَل نَهْيًا مِن اللهِ المؤمنين عن مُوالاةِ أقربائِهم الذين لم يُهاجِروا مِن أرضِ الشِّرْكِ إلى دارِ الإسلامِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} . قال: أُمِروا بالهجرةِ، فقال العباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ: أَنا أَسْقِى الحاجَّ. وقال طلحةُ أخو بني عبدِ الدارِ: أنا صاحِبُ الكعبة فلا نُهاجرُ. فَأُنزِلَت: {لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ} إلى قولِه: {يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} : بالفتحِ، في أمرِه إِيَّاهم بالهجرةِ، هذا كلُّه قبلَ فتحِ مكةَ

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)} .

يقولُ تبارك وتعالى لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ، للمُتَخَلِّفين عن الهجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، المُقيمين بدارِ الشِّرْكِ: إن كان المُقامُ مع آبائِكم وأبنائِكم وإخوانِكم وأزواجِكم وعَشِيرتِكم، وكانت {أَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا}. يقولُ: اكتسبتُموها، {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} ، بفِراقِكم بلدَكم، {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا} فسَكَنتُموها - {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ} مِن الهجرةِ إلى اللهِ ورسولِه، مِن دارِ الشِّرْكِ،

(1)

تفسير مجاهد ص 365، 366، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1768، 1770.

ص: 384

ومِن جهادٍ في سبيلِه، يعني: في نُصْرِة دينِ اللهِ الذي ارتَضاه، {فَتَرَبَّصُوا}. يقولُ: فتَنَظَّروا، {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} . حتى يأتىَ اللهُ بفتحِ مكةَ، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}. يقولُ: واللهُ لا يُوَفِّقُ للخيرِ الخارِجِين عن طاعتِه وفي معصيتِه.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ:{حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} : بالفتحِ

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} : فتحِ مكةَ.

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا} . يقولُ: تَخْشَون أن تَكْسُدَ فتَبِيعونها

(2)

، {وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا}. قال: هي القصورُ والمنازلُ

(3)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا} . يقولُ: أَصَبْتُموها

(4)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 366، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1772، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 223 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"وأما".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1771 من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 223 إلى أبى الشيخ.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1771 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 223 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 385

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: لقد نَصَركم اللهُ، أيُّها المؤمنون، في أماكنِ حربٍ تُوَطِّنون

(1)

فيها أنفسَكم على لقاءِ عدوِّكم، ومشاهدَ تَلْتَقون فيها أنتم وهم كثيرةٍ، {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ}. يقولُ: وفى يومِ حُنَينٍ أيضًا قد نَصَرَكم. وحُنَينٌ وادٍ، فيما ذُكِر، بينَ مكةَ والطائفِ. وأُجْرِىَ؛ لأنه مذكرٌ، اسمٌ لمذكرٍ. وقد يُتْرَكُ إجراؤُه، ويرادُ به أن يُجعَلَ اسمًا للبلدةِ التي هو بها، ومنه قولُ الشاعرِ

(2)

:

نَصَرُوا نَبِيَّهِمُ وشَدُّوا أَزْرَه

بحُنَينَ يومَ تَوَاكُلِ الأبْطالِ

حدَّثني عبدُ الوارثِ بن عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبانٌ العَطَّارُ، قال: ثنا هشام بنُ عُروةً، عن عُرُوةَ، قال: حنينٌ وادٍ إلى جنبِ ذى المَجازِ

(3)

.

{إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} وكانوا ذلك اليومَ، فيما ذُكِر لنا، اثْنَى عشَرَ ألفًا.

ورُوِى أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال ذلك اليومَ: "لن نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ"

(4)

. وقيل: قال ذلك رجلٌ مِن المسلمين مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(5)

. وهو قولُ اللهِ: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"تستوطنون".

(2)

البيت لحسان بن ثابت، وهو في ديوانه ص 393. وينظر معاني القرآن 1/ 429.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1773 من طريق عبد الصمد به.

(4)

سيرة ابن هشام 2/ 444.

(5)

أخرجه البزار (1827 - كشف) من حديث أنس، وينظر دلائل النبوة للبيهقى 5/ 123.

ص: 386

كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا}. يقولُ: فلم تُغْنِ عنكم كثرتُكم شيئًا، {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}. يقولُ: وضاقَت الأرضُ بسِعتِها عليكم. و "الباءُ" هاهنا في معنى "في"، ومعناه: وضاقَت عليكم الأرضُ في رَحْبِها وبرَحْبِها، يقالُ منه: مكانٌ رَحِيبٌ. أي واسِعٌ، وإنما سُمِّيت الرِّحابُ رحابًا لسعتِها.

{ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} : عن عدوِّكم مُنْهَزِمِين مُدْبِرِين، يقولُ: وَلَّيْتُمُوهم الأدْبارَ، وذلك الهزيمةُ. يُخْبِرُهم تبارك وتعالى أن النصرَ بيدِه ومِن عندِه، وأنه ليس بكثرةِ العددِ وشِدَّةِ البَطْشِ، وأنه يَنْصُرُ القليلَ على الكثيرِ إذا شاءَ، ويُخَلِّي [الكثيرَ]

(1)

والقليلَ فيَهْزِمُ الكثيرُ.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} حتى بلغ: {وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} . قال: وحنينٌ ماءٌ بينَ مكةَ والطائفِ، قاتَل عليها نبيُّ اللهِ هَوازِنَ وثَقيف، وعلى هَوازنَ مالكُ بنُ عوفٍ أخو بنى نَصْرٍ، وعلى ثَقِيفَ عبدُ يالِيلَ بنُ عمرٍو الثَّقَفِيُّ

(2)

. قال: وذُكِر لنا أنه خرَج يومَئذٍ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اثْنَا عَشَرَ ألفًا؛ عشَرَةُ آلافٍ مِن المهاجِرين والأنصارِ، وألفانِ مِن الطُّلَقاءِ. وذُكِر لنا أن رجلًا قال

(1)

سقط من: م، ت 1. وفي س:"الكبير و".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1772 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 224 إلى أبي الشيخ.

ص: 387

يومئذٍ: لن تُغْلَبَ اليومَ بكثرةٍ، قال: وذُكِر لنا أن الطُّلقاءَ انْجَفَلوا

(1)

يومَئذٍ بالناسِ، وجَلوا عن نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حتى نَزَل عن بَغْلَتِهِ الشَّهْباءِ. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ قال:"أي ربِّ، آتِنى ما وَعَدْتَنى"

(2)

. قال: والعباسُ آخِذٌ بلجامِ بغلةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "نادِ: يا مَعْشرَ الأنصارِ، ويا مَعْشَرَ المُهَاجِرِين"

(3)

. فجَعَل يُنادِى الأنصارَ فَخِذًا فَخِذًا ثم قال: "نادِ يا أصحابَ سورةِ البقرةِ"

(4)

. قال: فجاء الناسُ عُنقًا واحدًا. فالتَفَتَ نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَإذا عِصَابَةٌ مِن الأَنصارِ، فقال:"هلْ معكم غيرُكم؟ ". فقالوا: يا نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، واللهِ لو عَمَدْتَ إِلى بَرْكِ الغِمَادِ

(5)

مِن ذِى يَمَنٍ لكُنَّا معك. ثم أَنْزَل اللهُ نصرَه، وهَزَم عدوّهم، وتَراجَع المسلمون. قال: وأخَذ رسولُ اللهِ كَفًّا من ترابٍ، أو قَبْضةً مِن حَصْباءَ، فرَمَى بها وجوهَ الكفارِ، وقال:"شاهَتِ الوجوهُ". فانْهَزموا. فلما جَمَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغنائمَ، وأتَى الِجْعرانةَ، فقَسَم بها مَغانمَ حُنَينٍ، وتألَّفَ أُناسًا مِن الناسِ فيهم؛ أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ، والحارثُ بن هشامٍ، وسُهيلُ بنُ عمرٍو، والأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، فقالت الأنصارُ: أمِن

(6)

الرجلُ وآثرَ

(7)

قومَه. فبَلَغ ذلك رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو في قُبَّةٍ له مِن أدَمٍ، فقال:"يا معشر الأنصارِ، ما هذا الذي بَلَغنى؟ ألم تَكونوا ضُلَّالًا فَهَدَاكم اللهُ، وكنتم أَذِلَّةً فأعزَّكم اللهُ، وكنتم وكنتم". قال: فقال سعدُ بنُ عُبادةَ، رحمه الله: ائْذَنْ لي فأَتكَلَّمَ. قال: "تَكَلَّمْ". قال: أمَّا قولُك: "كنتم ضُلَّالًا فهَداكم اللهُ". فكُنَّا كذلك

(1)

أي: ذهبوا مسرعين. ينظر النهاية 1/ 279.

(2)

كذا في النسخ. والمحفوظ أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم في بدر.

(3)

أخرجه مسلم (135/ 1059، 136) من حديث أنس.

(4)

أخرجه أحمد 3/ 298 (1776).

(5)

برك الغماد: بفتح الباء وكسرها وضم الغين وكسرها، في أقصى اليمن. معجم ما استعجم 1/ 244.

(6)

في م: "حن".

(7)

في م: "إلى".

ص: 388

"وكنتمُ أذِلَّةً فأعَزَّكم الله". فقد عَلِمَت العرب ما كان حيٌّ من أحياء العرب أمنعَ لِما وراء ظهورهم مِنَّا. فقال عمر: يا سعدُ، أنذرِى مَن تُكَلِّمُ! فقال: نعم، أُكَلِّمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله:"والذي نَفْسي بيده، لو سَلَكَتِ الأنصار وادِيًا والناسُ وادِيًا، لسَلَكْتُ وَادِىَ الأنصار، ولولا الهجرة لكنتُ امْرًا من الأنصارِ"

(1)

.

وذُكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "الأنصارُ كَرِشِى وعَيْبَتِي، فاقبَلوا مِن مُحْسِنِهم، وتَجاوزُوا عن مُسِيئِهم". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشرَ الأنصارِ، "أمَا تَرْضَون أن يَنْقَلِبَ الناسُ بالإبل والشَّاءِ، وتَنْقَلِبُون برسول الله إلى بُيُوتِكم؟ ". فقالت الأنصارُ: رَضِينا عن الله ورسولِه، والله ما قلنا ذلك إلا [ضِنًّا برسولِ]

(2)

الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ورسولَه يُصدِّقانِكم ويَعْذِرانِكم"

(3)

.

حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا لنا أنّ أُمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أَرْضَعَته، أو ظِئْرَه مِن بنى سعد بن بكر، أتته فسألَته سَبَايا يومِ حُنَين، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إنى لا أُمْلِكُهم، وإنما لي منهم نَصيبي، ولكن ائْتِيني غدًا فَسَلِينى والناسُ عندى، فإنى إذا أَعْطَيْتُكِ نَصِيبى أعطاك الناسُ". فجاءت الغدَ، فبَسَط لها ثوبًا، فقَعَدَت عليه، ثم سألَته، فأعطاها نصيبَه، فلما رأى ذلك الناسُ أعْطَوها أنصباءهم

(4)

.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ:{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} الآية، إن رجلا من أصحاب

(1)

أخرجه البخارى (4330)، ومسلم (1061) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.

(2)

في م: "حرصا على رسول".

(3)

أخرجه مسلم (1780/ 84) من حديث أبي هريرة.

(4)

ذكره القرطبي في تفسيره 8/ 102.

ص: 389

رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ حنينٍ قال: يا رسولَ اللهِ، لن نُغْلَبَ اليومَ مِن قِلَّةٍ. وأعجَبَته كثرةُ الناسِ، وكانوا اثْنى عشَرَ ألفًا. فسارَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فوُكِلوا إلى كلمةِ الرجلِ، فانهزَموا عن رسول الله غيرَ العباسِ، وأبي سُفْيانَ بن الحَارِثِ، وأيمن ابن أمِّ

(1)

أيمنَ، قُتِل يومئذٍ بينَ يَديه، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أينَ الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرةِ؟ ". فتراجع الناسُ، فأنزل الله الملائكة بالنصر. فهزموا المشركين يومئذٍ، وذلك قوله:{ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} الآية

(2)

.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عَن كَثِيرِ بن عباسِ بن عبدِ المُطَّلبِ، عن أبيه، قال: لما كان يومُ حُنَينٍ، التقَى المسلمون والمشركون، فولَّى المسلمون يومَئذٍ. قال: فلقد رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وما معه أحدٌ إلا أبو سفيان بن الحارثِ بن عبد المطَّلِب، آخِذًا بغَرْزِ النبي صلى الله عليه وسلم، لا يَأْلو ما أسرع نحو المشركين. قال: فأتيتُ حتى أخَذتُ بلِجامِه، وهو على بغلة له شَهْباءَ، فقال:"يا عباسُ، نادِ أصحابَ السَّمْرَةِ". وكنتُ رجلًا صَيِّتًا، فأذنتُ بصَوتى الأعلى: أين أصحابُ السَّمرَةِ؟ فالتفتوا كأنها الإبل إذا حنَّت

(3)

إلى أولادها، يقولون: يا لبَّيك، يا لبَّيك، يا لبَّيك. وأقبل المشركون، فالتقوا هم والمسلمون، وتَنادَت الأنصارُ: يا معشر الأنصارِ. ثم قُصِرَت الدعوة في بني الحارث بن الخزرجِ، فتَنَادَوا: يا بني الحارث بن الخزرجِ. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته، كالمتطاول إلى قتالهم، فقال:"هذا حينَ حَمِيَ الوَطِيسُ". ثم أَخَذ بيده من

(1)

في ف: "أو".

(2)

أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1773 من طريق أحمد بن مفضل به.

(3)

في ص، ت 1، س، ف:"حشرت".

ص: 390

الحَصْباءِ فرَماهم بها، ثم قال:"انْهَزموا وربِّ الكعبةِ، انْهَزَموا ورب الكعبة". قال: فوالله ما زال أمرهم مُدْبِرًا، وحَدُّهم كَليلا، حتى هَزَمهم الله. قال: فلكأنِّي أنظُرُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يَرْكُضُ خلفَهم على بَغْلِتِه

(1)

.

حدثنا ابن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، أنهم أصابوا يومئذ ستة آلافِ سَبْيٍ، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسولَ الله، أنتَ خيرُ الناس وأبَرُّ الناسِ، وقد أخَذْتَ أبناءَنا ونساءَنا وأموالنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن عندى مَن تَرَوْنَ، وإن خيرَ القولِ أصْدَقُه، اخْتاروا؛ إمَّا ذَرارِيَّكم ونساءَكم، وإمَّا أموالكم". قالوا: ما كُنَّا نَعْدِلُ بالأحسابِ شيئًا. فقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن هؤلاء قد جاءوني مُسْلِمِين، وإِنَّا خَيَّرْناهم بينَ الذَّرارِيِّ والأموالِ، فلم يَعْدِلوا بالأحساب شيئًا، فمَن كان بيده منهم شيءٌ، فطابت نفسه أن يَرُدَّه فبسبيل

(2)

ذلك، ومَن لا فليُعْطِنا، وليَكُنْ قَرْضًا علينا حتى نُصِيبَ شيئًا، فنُعْطِيه مكانَه". فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، رَضِينا وسَلَّمنا. فقال:"إنى لا أدْرِى، لعل منكم مَن لا يَرْضَى، فَمُروا عُرَفاءَكم فليَرْفَعوا ذلك إلينا". فرفعت إليه العُرفاءُ أن قد رَضُوا وسَلَّموا

(3)

.

حدثنا عليُّ بن سَهْلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، قال: ثنا يَعْلَى بن عطاءٍ، عن أبي هَمَّامٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ - يعنى الفِهْرِيَّ - قال: كنتُ مع

(1)

أخرجه النَّسَائِي في الكبرى (8647) عن محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 269 وفى المصنف (9741)، وابن سعد 2/ 155، وأحمد 3/ 296 (1775)، ومسلم (1775)، وأبو يعلى (6708)، وابن حبان (7049)، والبيهقى في الدلائل 5/ 139 من طريق معمر به، وأخرجه الحميدي (459)، وابن سعد 4/ 18، 19، وأحمد 3/ 398 (1776)، ومسلم (1775)، والنسائي في الكبرى (8653)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1773، والحاكم 3/ 327، 328، والبيهقي في الدلائل 5/ 137 - 139، والبغوى في تفسيره 4/ 27 من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 224 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

في م: "فليفعل".

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 270، وابن سعد 2/ 155 من طريق معمر به.

ص: 391

النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حُنَينٍ، فلما رَكَدَت

(1)

الشمسُ، لَبَسْتُ لأمَتِى، ورَكِبتُ فرسِى، حتى أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو في ظِلِّ شجرةٍ، فقلتُ: يا رسول الله، قد حانَ الرَّوَاحُ. فقال:"أَجَلْ". فنادَى: "يا بلالُ، يا بلالُ". فقام بلالٌ مِن تحتِ سَمُرَةٍ

(2)

، فأقبل كأن ظَلَّه ظِلُّ

(3)

طيرٍ، فقال: لبيك وسَعديك، ونفسى فِداؤك يا رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أَسْرِجُ فَرَسى". فَأَخْرَج سَرْحًا دَفْتاه حَشْوهما ليفٌ، ليس فيهما أشَرٌ، ولا بَطَرٌ. قال: فرَكِب النبي صلى الله عليه وسلم، فَصافَقْناهم يومنا وليلتنا، فلما التقَى الخَيْلان، وَلَّى المسلمون مُديرين كما قال الله، فنادَى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عِبادَ الله، يا معشر المهاجرين". قال: ومال النبي صلى الله عليه وسلم عن فرسه، عن فرسه، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِن تُراب، فرَمَى بها وجوهَهم، فوَلُّوا مُدْبِرِين. قال يَعْلَى بن عطاءٍ: فَحَدَّثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بَقِى مِنَّا أحدٌ إلا وقد امْتَلأت عَيناه مِن ذلك الترابِ

(4)

.

حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراء، وسأله رجلٌ مِن قيسٍ: فَرَرْتُم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ حُنَينٍ؟ فقال البَرَاءُ: لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَفِرَّ، وكانت هَوازِنُ يومَئِذٍ رُماةً، وإِنَّا لمَّا حَمَلنا عليهم انكشَفوا، فأكْبَيْنا على الغنائمِ، فاسْتَقْبَلونا بالسِّهام، ولقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاءِ، وإن أبا سفيان بن الحارث آخِذٌ بلجامِها، وهو

(1)

ركدت الشمس: إذا قام قائم الظهيرة. قال الزمخشري: وللشمس ركود، وهو أن تدوم حيال رأسك كأنها لا تريد أن تبرح أساس البلاغة، وتاج العروس (ر ك د).

(2)

في ص، ت 1، ت 2 س:"شجرة". والسمرة هي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية. لسان العرب (س م ر).

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(4)

أخرجه الطيالسي (1468)، وابن سعد 2/ 156، وابن أبي شيبة 14/ 529، وأحمد 5/ 286 (الميمنية)، وأبو داود (5233)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى (763)، والطبراني 22/ 288 (741)، والبيهقى في دلائل النبوة 5/ 141، وغيرهم من طريق حماد بن سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 224 إلى البغوي في معجمه وابن مردويه.

ص: 392

يقولُ: "أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابن عبدِ المُطَّلِبْ"

(1)

.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: سأَله رجلٌ: يا أبا عُمارةَ، وَلَّيْتُم يومَ حُنَين؟ فقال البَراءُ وأنا أسمَعُ: أَشْهَدُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُوَلِّ يومَئِذٍ دُبُرَه، وأبو سُفيانَ يَقُودُ بَغْلتَه، فلمَّا غَشِيَه المشركون، نَزَل فجَعَل يقولُ:"أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابن عبدِ المُطَّلِبْ". فما رُؤى يومَئِذٍ أَحدٌ مِن الناس كان أشدَّ منه

(2)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى جعفر بن سليمانَ، عن عوف الأعْرابيِّ، عن عبدِ الرحمنِ مولى أمِّ بُرْثُنٍ، قال: ثني رجلٌ كان من المشركين يومَ حُنَينٍ، قال: لمَّا التَقينا نحن وأصحاب محمدٍ، عليه الصلاة والسلام، لم يقفوا لنا حَلْبَ شاةٍ أَن كَشَفناهم، فبينا نحنُ نَسُوقُهم، إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، فتَلَقَّانا رجالٌ بِيضٌ، حِسانُ الوجوهِ، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. فرجعنا، [وركبنا القوم]

(3)

، فكانت إياها

(4)

.

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيد، قال:

(1)

أخرجه مسلم (80/ 1776) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد 30/ 425 (18475)، والبخارى (4317)، ومسلم (80/ 1776) من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسي (742)، وابن سعد 24/ 251، والبخارى (2864، 4316) والنسائى في الكبرى (8638)، وأبو يعلى (1727)، والطحاوى في المشكل (3322)، وابن حبان (4770)، والبيهقي في الدلائل 5/ 133 من طريق شعبة به.

(2)

أخرجه ابن سعد 1/ 24، 25، وأحمد 30/ 413 (18468) عن وكيع به، وأخرجه ابن سعد 4/ 51، وأحمد 30/ 13 (18468)، والبخارى (3042) من طريق إسرائيل به، وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 507، 14/ 521، 522 وغيره من طريق أبي إسحاق به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 225 إلى ابن مردويه.

(3)

في ص، ت 1، ت 2 س:"وركبوا".

(4)

أخرجه مسدد - كما في البداية والنهاية 7/ 31 والمطالب العالية (4799) - عن جعفر بن سليمان به، ومن طريقه البيهقي في الدلائل 5/ 143، وتصحف جعفر في المطالب إلى يحيى.

ص: 393

أمَدَّ اللَّهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم يومَ حُنَين بخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوِّمِين. قال: ويومَئِذٍ سَمَّى الله الأنصارَ مؤمنين. قال: فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها

(1)

.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثَرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا} . قال: كانوا اثْنَيْ عَشَرَ ألفا.

حدثنا محمد بن يزيد الأدَمِيُّ، قال: ثنا مَعْنُ بنُ عيسى، عن سعيد بن السائبِ الطَّائفيِّ، عن أبيه، عن يزيد بن عامرٍ، قال: لمَّا

(2)

كانت انْكِشافةُ المسلمين حينَ انكَشَفوا يومَ حُنَين ضَرَب النبي صلى الله عليه وسلم يدَه إلى الأرضِ، فَأَخَذ منها قَبْضَةً مِن تُرَابٍ، فأقبَل بها على المشركين وهم يَتْبَعون المسلمين، فَحَثاها في وجوههم وقال:"ارْجِعُوا، شاهَتِ الوجوه". قال: فانصَرَفنا، ما يَلْقَى أحدٌ أحدًا، إلا وهو يَمْسَحُ القَذَى عن عينَيه

(3)

.

وبه، عن يزيد بن

(4)

عامر السُّوَائيِّ، قال: قيل له: يا أبا حاجزٍ، الرُّعبُ الذي ألْقَى الله في قلوب المشركين، ماذا وَجَدْتُم؟ قال: وكان أبو حاجزٍ مع المشركين

(5)

يومَ حُنَين، فكان يأخُذُ الحَصاة فيرمى بها في الطَّسْتِ فيَطِنُّ، ثم يقولُ: كان في

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1774 من طريق جرير به.

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"انكشفوا".

(3)

أخرجه البخارى في تاريخه 8/ 316 من طريق معن بن عيسى به، وأخرجه عبد بن حميد (439)، والطبراني 22/ 237 (622)، والبيهقى في الدلائل 5/ 143، 144 من طريق سعيد بن السائب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 226 إلى ابن مردويه.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س:"عن". وهو خطأ واضح.

(5)

في ص، ت 1، ف:"المسلمين".

ص: 394

أجوافِنا مثلُ هذا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسنُ بنُ عَرفةَ، قال: ثني المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن عوف، قال: سمعتُ عبد الرحمن مولى أمِّ بُرْثُنٍ - أو: أُمِّ بُرْثُمٍ

(1)

- قال: ثنى رجلٌ كان في المشركين يومَ حُنَينٍ، قال: لمَّا الْتَقَيْنَا نحنُ وأصحاب رسول الله الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنَين، لم يَقُوموا لنا حَلَبَ شاةٍ. قال: فلمَّا كَشَفْناهم جَعَلْنا نَسُوقُهم في أدبارهم، حتى انتَهَينا إلى صاحب البغلة البيضاءِ، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فتلَقَّانا عنده رجالٌ بِيضٌ

(2)

، حِسانُ الوجوه، فقالوا لنا: شاهتِ الوجوه، ارجعوا. قال: فانْهَزَمنا وركبوا أكْتافَنا، فكانت إيَّاها

(3)

.

‌القولُ في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26)} .

يقول تعالى ذكره: ثم من بعدِ ما ضاقت عليكم الأرضُ بما رَحُبَت وتَوْلِيَتِكم الأعداء أدْبارَكم، كَشَف اللَّهُ نازِلَ البلاء عنكم، بإنزاله السكينة - وهي الأَمَنَةُ والطمأنينة - عليكم، وقد بَيَّنَّا أنها فَعِيلةٌ من الشكون، فيما مضى من كتابنا هذا قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع

(4)

.

{وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} . وهى الملائكةُ التي ذكَرْتُ في الأخبار التي قد مَضَى ذِكْرُها، {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا}. يقولُ: وعَذَّبَ اللَّهُ الذين جَحدوا

(1)

في م: "مريم". وينظر تهذيب الكمال 16/ 505.

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الوجوه".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 70، 71 عن المصنف، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 9/ 850 (مخطوط) من طريق عوف به.

(4)

تقدم في 4/ 471 - 476.

ص: 395

وَحْدانيته، ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، بالقتلِ وسَبْيِ الأَهْلِينَ والذَّرَارِيِّ، وسَلْبِ الأموالِ، والذِّلَّةِ، {وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ}. يقولُ: هذا الذي فَعَلْنا بهم من القتلِ والسَّبْي {جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} . يقولُ: هو ثواب أهل مجحود وحدانيته ورسالة رسوله.

حدثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} . يقولُ: قَتَلَهم بالسيف

(1)

.

حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ

(2)

، عن يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ:{وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} . قال: بالهزيمة والقتل

(3)

.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ} . قال: مَن بَقى منهم

(4)

.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)} .

يقول تعالى ذكره: ثم يَتَفضَّلُ اللَّهُ بتوفيقه للتوبةِ والإنابةِ إليه من بعد عذابه الذي به عَذَّب مَن هَلَك منهم قتلا بالسيف {عَلَى مَن يَشَاءُ} . أي: يتوبُ اللَّهُ على مَن يشاءُ مِن الأحياء

(5)

، يُقْبِلُ به إلى طاعتِه، {وَاللَّهُ غَفُورٌ} لذنوبِ مَن أنابَ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1774، من طريق أحمد بن مفضل به.

(2)

في ص: "الحضرى"، وفى ف:"الحضرمي".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1774، من طريق أبي داود الحفرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 225 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1774 من طريق أصبغ عن ابن زيد به.

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"و".

ص: 396

وتابَ إليه منهم ومن غيرهم منها، {رَحِيمٌ} بهم، فلا يُعَذِّبُهم بعد توبتهم، ولا يُؤاخِذُهم بها بعد إنابتهم.

‌القول في تأويل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)} .

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، وأقروا بوحدانيته: ما المشركون إلا نجسٌ.

واختلف أهل التأويل في معنى النَّجَسِ، وما السبب الذي من أجلِه سَمَّاهم بذلك؛ فقال بعضُهم: سَمَّاهم بذلك؛ لأنهم يُجْنِبون فلا يَغْتَسِلون، فقال: هم نَجَسٌ، ولا يَقْرَبوا المسجد الحرام؛ لأن الجنب لا ينبغى له أن يَدْخُلَ المسجد.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، في قوله:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} . لا أعلمُ قتادة إلا قال: النَّجَسُ الجنابة

(1)

.

وبه عن مَعْمَرٍ، قال: وبَلَغَنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لَقِى حُذيفة، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيده، فقال حذيفةُ: يا رسولَ اللهِ، إنى جُنُبٌ. فقال:"إن المؤمنَ لا يَنْجُسُ"

(2)

.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} . أي: أجْنَابٌ

(3)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 271 عن معمر به.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 271 عن معمر به، وأخرجه أحمد 5/ 384 (الميمنية)، ومسلم (372) وغيرها من طريق أبي وائل عن حذيفة.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1775 من طريق يزيد به، وذكره ابن المنذر في الأوسط 11/ 21، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 226 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 397

وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خِنْزيرٍ أو كلبٍ.

وهذا قولٌ رُوى عن ابن عباسٍ مِن وجه غير حميدٍ، فكرهنا ذكره.

وقوله: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} . يقول للمؤمنين: فلا تَدَعُوهم أن يَقْرَبوا المسجد الحرام بدخولهم الحَرَم. وإنما عنى بذلك مَنْعَهم من دخول الحرَمِ؛ لأنهم إذا دَخَلُوا الحَرَمَ، فقد قربوا المسجد الحرام.

وقدِ اختَلَف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم فيه نحو الذي قُلْناه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا بشر وابن المُثَنَّى، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: الحَرَمُ كلُّه قِبْلةٌ ومسجد. قال: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} . لم يَعْنِ المسجد وحدَه، إنما عَنَى مكةَ

(1)

الحرم. قال ذلك غيرَ مَرَّةٍ

(2)

.

وذُكر عن عمر بن عبد العزيز في ذلك ما:

حدثنا عبد الكريم بن أبي عُمَيرٍ، قال: ثنى الوليد بن مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرو، أن عمر بن عبد العزيز كَتَب: أنِ امْنَعوا اليهود والنصارى من دخول مساجدِ المسلمين، وأَتْبَعَ نَهْيَه قولَ اللهِ:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}

(3)

.

حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ: {إِنَّمَا

(1)

بعده في م: "و".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1776 من طريق أبي عاصم به، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (9880، 9881، 19356)، والنحاس في ناسخه ص 497 من طريق ابن جريج به.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 512، 513، والبيهقى 10/ 103 من طريقين عن عمر بن عبد العزيز بمعناه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 227 إلى أبي الشيخ.

ص: 398

الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}. قال: لا تُصافحوهم، فمَن صافحهم فليتوضَّأْ

(1)

.

وأما قوله: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} . فإنه يعنى: بعد العام الذي نادى فيه عليٌّ، رحمة الله عليه، ببراءةٍ، وذلك عامَ حَجَّ بالناس أبو بكر، وهى سنة تسعٍ من الهجرة كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} . وهو العام الذي حج فيه أبو بكر، ونادى عليٌّ، رحمة الله عليهما، بالأذان وذلك، لتسع

(2)

سنينَ مَضَينَ مِن هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحَجَّ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم مِن العامِ المقبلِ، حَجَّةَ الوداع، لم يَحُجَّ قبلها ولا بعدها

(3)

.

وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} . يقولُ للمؤمنين: وإن خِفْتُم فاقةً وفقرًا، بمنعِ المشركين من أن يَقْرَبوا المسجد الحرام، {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ}. يقال منه: عالَ يَعِيلُ عَيْلَةً وعُيُولا، ومنه قول الشاعر

(4)

:

وَما يَدْرِى الْفَقِيرُ مَتَى غِناهُ

وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ

وقد حُكِى عن بعضِهم أن من العربِ مَن يقولُ في الفاقة: عالَ يَعُولُ. بالواو.

وذُكِر عن عمرو بن فائد أنه كان تأوَّلَ قولَه: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} بمعنى: وإذ خِفْتُم. ويقولُ: كان القوم قد خافوا. وذلك نحو قول القائلِ لأبيه: إن كنتَ أبى فأكْرِمْنى. بمعنى: إذ كنت أبي. وإنما قيل ذلك لهم؛ لأن المؤمنين خافوا بانقطاع

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 74 نقلا عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة 8/ 433 عن ابن فضيل به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 227 إلى أبى الشيخ.

(2)

في ص، ت 1، س، ف:"لسبع".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1776 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 226 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.

(4)

تقدم تخريجه في 6/ 376.

ص: 399

المشركين عن دخولِ الحَرَم، انقطاع تجاراتهم، ودخول ضَرَرٍ عليهم بانقطاع ذلك، وأمَّنَهم الله مِن العَيْلةِ، وعَوَّضهم مما كانوا يَكْرَهون انقطاعه عنهم، ما هو خيرٌ لهم منه، وهو الجِزْية، فقال لهم:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرَّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} إلى: {صَاغِرُونَ} .

وقال قوم: بإدْرارِ المطرِ عليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحرامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} . قال: لمَّا نَفَى الله المشركين عن المسجدِ الحرامِ، أَلْقَى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَنَ، قال: من أين تأكلون، وقد نُفِى المشركون، وانقَطَعَت عنكم

(1)

العِيرُ. فقال الله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ} . فأمرهم بقتال أهل الكتابِ، وأغْناهم من فضله

(2)

.

حدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن سِماكٍ، عن عِكْرمةَ في قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} . قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويَجِيئون معهم بالطعامِ، ويَتَّجِرون فيه؛ فلما نُهُوا أن يأتوا البيتَ قال المسلمون: من أين لنا طعامٌ؟ فأنزل الله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"عنهم".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 227 إلى ابن مردويه.

ص: 400

شَاءَ}، فأنزَل عليهم المطرَ، وكَثَّر خيرَهم حتى

(1)

ذَهَب عنهم المشركون

(2)

.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عليّ بن صالحٍ، عن سِماكٍ، عن عِكرمةَ:{إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ} الآية، ثم ذكر نحو حديثِ هَنَّادٍ، عن أبي الأحْوَصِ.

حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن واقدٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: لما نَزَلَت: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} . شَقَّ ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من يأتينا بطعامنا، ومن يأتينا بالمتاع؟ فَنَزَلَت:{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ}

(3)

.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن واقد مولى زيدِ بن خُليدة

(4)

، عن سعيد بن جُبَيرٍ، قال: كان المشركون يَقْدَمون عليهم بالتجارةِ، فنزلت هذه الآية:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} إلى قوله: {عَيْلَةً} . قال: الفقرُ. {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}

(5)

.

حدثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أبيه، عن عطية العوفي، قال: قال المسلمون: قد كُنَّا نُصِيبُ مِن تجاراتهم وبياعاتهم. فنَزَلَت: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ

(1)

في م، س:"حين". وهو لفظ رواية ابن أبي حاتم.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1011 - تفسير) عن أبي الأحوص به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1777 من طريق أبى الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قوله. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 227 إلى ابن المنذر وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن عباس.

(3)

تفسير سفيان ص 124، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 227 إلى أبي الشيخ.

(4)

في م: "خلدة". وينظر تهذيب التهذيب 11/ 108.

(5)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1777 معلقا.

ص: 401

نَجَسٌ} إلى قوله: {مِن فَضْلِهِ} .

حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعت أبي - أحسِبُه [قال: أنبأنا]

(1)

أبو جعفر - عن عَطِيَّةَ، قال: لمَّا قيل: ولا يَحُجَّ بعد العامِ مُشْرِكٌ. قالوا: قد كُنَّا نُصِيبُ مِن بِياعاتِهم في الموسم. قال: فنَزَلَت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} يعني: بما فاتهم من بياعاتهم.

حدَّثنا أبو كرَيب، وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا ابن يَمانٍ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ:{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} . قال: بالجزية

(2)

.

حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ وأبو معاويةَ، عن أبي سنانٍ، عن ثابت، عن الضحاكِ، قال: خرج المشركون من مكةَ، فشقَّ ذلك على المسلمين، وقالوا: كُنَّا نُصِيبُ منهم التجارةَ والميرةَ. فأنزل الله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ}

(3)

.

حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سُليمان، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} : كان ناسٌ مِن المسلمين يَتَألَّفون العِيرَ، فلمَّا نَزَلَت "براءة" بقتال المشركين حيثما ثُقِفوا، وأن يَقْعُدوا لهم كلَّ مَرْصَدٍ، قَذَف الشيطان في قلوبِ المؤمنين: فمن أين تَعِيشون، وقد أُمِرْتُم بقتال أهلِ العِيرِ؟!. فعلم اللَّهُ مِن

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"أنا قال".

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1777 معلقا.

(3)

ينظر تفسير ابن كثير 4/ 74.

ص: 402

ذلك ما عَلِم، فقال: أطيعوني، وامْضُوا لأمرى، وأطيعوا رسولى، فإنى سوف أُغْنِيكُم مِن فَضْلى. فتَوكَّل لهم الله بذلك.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} إلى قوله: {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ} . قال: قال المؤمنون: كُنَّا نُصِيبُ مِن مَتاجر المشركين. فوَعَدَهم الله أن يُغْنِيَهم من فضله، عِوَضًا لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه الآية مع [أوَّلِ "براءةَ" في القراءةِ، ومع]

(1)

آخرِها في التأويل

(2)

. {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلى قوله: {عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} : حين أُمر محمد وأصحابه بغزوة تبوك

(3)

.

حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد بنحوه.

حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما نَفَى الله المشركين عن المسجدِ الحرامِ، شَقَّ ذلك على المسلمين، وكانوا يأتون [ببيعات فينتفع]

(4)

بذلك المسلمون. فأنزل الله تعالى ذكره: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} . فأغناهم بهذا الخراجِ، الجزية الجاريةَ عليهم،

(1)

في م: "من".

(2)

تفسير مجاهد ص 367، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1777، وعزاه السيوطي في

الدر المنثور 30/ 227 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(3)

تفسير مجاهد ص 367، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1778، والبيهقى 9/ 185، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى أبى الشيخ.

(4)

في م، س:"ببياعات".

ص: 403

يأخُذُونها شهرًا شهرًا، عاما عامًا، فليس لأحدٍ من المشركين أن يقربَ

(1)

المسجدَ الحرامَ بعدَ عامهم بحالٍ، إلا صاحب الجِزْيةِ، أو عَبْدَ رجلٍ مِن المسلمين

(2)

.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرنا أبو

(3)

الزبيرِ، أنه سمع جابر بن عبدِ اللهِ يقولُ في قوله:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} : إلا أن يكونَ عبدًا، أو أحدًا مِن أهل الذمةِ

(4)

.

قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله:{فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} ، قال: إلا صاحب جِزْيةٍ، أو عبدًا لرجل من المسلمين

(5)

.

حدثنا زكريا بن يَحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حَجاجٌ، عن عبد الملك بن عبدِ العزيز بن جُريجٍ، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبدِ اللهِ يقولُ في هذه الآيةِ:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} : إلا أن يكونَ عبدًا، أو أحدا من أهل الجزية

(6)

.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن

(1)

في ف، ومصدر التخريج:"يقربوا".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1777 من طريق يزيد به.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ابن". وينظر تهذيب الكمال 26/ 402.

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 271، 272، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1775 عن الحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 226 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.

(5)

تفسير عبد الرزاق 1/ 271.

(6)

أخرجه ابن المنذر في الأوسط 11/ 21، 22 من طريق حجاج به.

ص: 404

فَضْلِهِ}. قال: أغْناهم الله بالجزية الجارية، شهرًا فشهرًا، وعاما فعامًا

(1)

.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن الحَجَّاجِ، عن أبي

(2)

الزبير، عن جابرٍ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} . قال: لا يَقْرَبُ المسجد الحرام بعدَ عَامِه هذا مُشْرِكٌ ولا ذِمِّى

(3)

.

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} : وذلك أن الناس قالوا: لتُقْطَعنَّ عَنَّا الأسواقُ، فلتَهْلِكَنَّ التجارةُ، وليَذْهَبَنَّ ما كُنَّا نُصِيبُ فيها من المرافق. فنزل:{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} : مِن وجه غير ذلك، {إِنْ شَاءَ} إلى قوله:{وَهُمْ صَاغِرُونَ} . ففى هذا عِوَضٌ مما تَخَوَّفْتُم مِن قَطْعِ تلك الأسواق. فعَوَّضَهم الله بما قطع عنهم من أمرِ الشِّرْكِ، ما أعطاهم مِن أعْناقِ أهل الكتابِ مِن الجزية

(4)

.

وأما قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فإن معناه: {إنَّ الله عَلِيمٌ} بما حَدَّثَتْكم به أنفسكم، أيُّها المؤمنون، مِن خَوفِ العَيْلة عليها، بمَنْعِ المشركين من أن يَقْرَبوا المسجد الحرام، وغير ذلك من مصالح عبادِه، {حَكِيمٌ} في تدبيرِه إياهم، وتدبير جميعِ خَلْقِه.

‌القول في تأويل قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 272.

(2)

في ص، ت 1، س:"ابن".

(3)

أخرجه ابن المنذر في الأوسط 11/ 22 من طريق عباد بن العوام عن أشعث عن أبي الزبير به.

(4)

سيرة ابن هشام 2/ 547، 548.

ص: 405

وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)}.

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به مِن أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم: {قَاتِلُوا} ، أيها المؤمنون، القومَ {الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ}. يقولُ: ولا يُصَدِّقون بجنةٍ ولا نارٍ، {وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ}. يقولُ: ولا يُطيعون الله طاعة الحقِّ. يعنى: أنهم لا يُطيعون طاعة أهل الإسلامِ، {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}: وهم اليهودُ والنصارى.

وكلُّ مُطِيعٍ مَلِكًا أو ذا سلطانٍ، فهو دائنٌ له. يقال منه: دانَ فلانٌ لفلانٍ، فهو يَدِينُ له دِينًا، قال زهيرٌ

(1)

:

لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ فِي بَنِي أَسَدٍ

في دِينِ عمرٍو وحالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ

وقوله: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} . يعنى: الذين أُعْطُوا كتابَ اللهِ، وهم أهل التوراة والإنجيل {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} .

والجزيةُ: الفِعْلةُ، مِن: جَزَى فلانٌ فلانًا ما عليه. إذا قضاه، يَجْزِيه؛ والجزيةُ مثلُ القِعْدة والجلْسَة.

ومعنى الكلام: حتى يُعْطُوا الخراجَ عن رقابهم، الذي يبذلونه للمسلمين دَفْعًا عنها.

وأما قوله: {عَن يَدٍ} . فإنه يعنى: مِن يده إلى يدِ مَن يَدْفَعُه إِليه.

(1)

شرح ديوان زهير ص 183. وينظر مجاز القرآن 1/ 255.

ص: 406

وكذلك تقولُ العرب لكلِّ مُعْطٍ قاهرًا له شيئًا، طائعا له أو كارهًا: أعطاه عن يده، وعن يدٍ. وذلك نظير قولهم: كَلَّمتُه فمًا لفمٍ، ولَقِيتُه كَفَّةً لكَفَّةٍ، وكذلك أعطيتُه عن يد ليد.

وأمَّا قولُه: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون. يقال للذليلِ الحقير: صاغِرٌ.

وذكر أن هذه الآية نَزَلَت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره بحرب الروم، فَغَزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها غزوة تبوك.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني محمد بن عمرٍو

(1)

، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} : حين أُمِر محمد وأصحابه بغزوة تبوكَ

(2)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد نحوه.

واختلف أهل التأويلِ في معنى الصَّغارِ الذي غناه الله في هذا الموضع؛

فقال بعضُهم: أن يُعْطِيَها وهو قائمٌ، والآخِذُ جالسٌ.

(1)

في م: "عروة".

(2)

تقدم تخريجه في ص 403.

ص: 407

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عبد الرحمنِ بن بشْرٍ النَّيْسابوريُّ، قال: ثنا سفيان، عن أبي

(1)

سعدٍ، عن عِكْرمة:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . قال: أي تأخُذُها وأنت جالسٌ وهو قائم

(2)

.

وقال آخرون: معنى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} : عن أنفسهم، بأيديهم يَمْشُون بها، وهم كارِهون. وذلك قول رُوى عن ابن عباس

(3)

، من وجه فيه نَظَرٌ.

وقال آخرون: إعطاؤهم

(4)

إياها هو الصَّغَارُ.

‌القول في تأويل قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)} .

اختلف أهل التأويل في القائل: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} ؛ فقال بعضهم: كان ذلك رجلًا واحدًا، وهو فِنْحاصُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال:

(1)

في م، ف:"ابن". وينظر تهذيب الكمال 11/ 52.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1780، من طريق سفيان عن أبي سعد قوله، وفيه قصة، وذكره البغوي في تفسيره 4/ 33، وأبو حيان في البحر المحيط 5/ 30.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 4/ 33.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س:"اعطاؤه".

ص: 408

سَمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عُبَيدِ بن عُمَيرٍ يقولُ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} . قال: قالها رجلٌ واحدٌ، قالوا: إن اسمه فِنْحاصُ. وقالوا: هو الذي قال: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}

(1)

[آل عمران: 181].

وقال آخرون: بل كان ذلك قول جماعة منهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونس بن بُكَيرٍ، قال: ثنا محمد بن إسحاقَ، قال: ثني محمد بن أبي محمدٍ مولى زيد بن ثابتٍ، قال: ثني سعيد بن جبيرٍ أو عكرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سَلَّامُ بنُ مِشْكَمٍ، ونُعْمانُ بنُ أوْفَى، وشَأْسُ بن قيسٍ، ومالك بنُ الصَّيْفِ، فقالوا: كيف نَتَّبِعُك وقد تَرَكْتَ قِبْلَتَنا، وأنت لا تَزْعُمُ أن عزيرًا ابن اللهِ؟ فأنزل الله في ذلك من قولهم:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} . إلى: {أَنَّى يُؤْفَكُونَ}

(2)

.

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ} : وإنما قالوا: هو ابن الله. من أجل أن عُزيرًا كان في أهل الكتابِ، وكانت التوراة عندهم، فعملوا

(3)

بها ما شاء الله أن يَعْمَلُوا، ثم أضاعُوها وعَمِلوا بغير الحقِّ، وكان التابوتُ فيهم. فلما

(1)

ذكره البغوي في تفسيره 4/ 36 عن عبيد بن عمير. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 229. إلى ابن المنذر عن ابن جريج.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 570 وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1781 من طريق يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 229 إلى أبى الشيخ وابن مردويه.

(3)

في م: "يعملون".

ص: 409

رأى الله أنهم قد أضاعوا التوراةَ، وعَمِلوا بالأهْواءِ، رَفَعَ اللَّهُ عنهم التابوتَ، وأنساهم التوراة، ونَسَخَها من صدورهم، وأرسل الله عليهم مَرَضًا، فاسْتَطْلَقَت بُطونُهم، حتى جَعَل الرجلُ يمشى كَبِدُه، حتى نَسُوا التوراة، ونُسِخَت من صُدورِهم، وفيهم عُزَيرٌ. فمَكَثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نُسِخَت التوراة من صدورهم، وكان عزيز قبلُ مِن عُلمائهم، فدَعا عُزَيرٌ الله، وابْتَهَل إليه أن يَرُدَّ إليه الذي نُسِخَ من صدره

(1)

من التوراة. فبينما هو يُصَلِّي مُبْتِهِلًا إلى اللهِ، نَزَل نورٌ مِن الله فدخل جَوْفَه، فعاد إليه الذي كان ذَهَب مِن جوفه من التوراة، فأذن في قومه، فقال: يا قوم، قد آتانى الله التوراة وردّها إليَّ. فعَلِق

(2)

يُعَلِّمُهم، فمَكَثوا ما شاء الله وهو يُعَلِّمُهم. ثم إن التابوتَ نَزَل بعد ذلك وبعدَ ذَهابه منهم، فلما رأوا التابوتَ عَرَضوا ما كان فيه على الذي كان عُزَيرٌ يُعَلِّمُهم، فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أُوتى عُزَيرٌ هذا إلا أنه ابن اللهِ

(3)

.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} : إنما قالت ذلك لأنهم ظَهَرَت عليهم العَمالقةُ فقَتَلوهم، وأخَذوا التوراةَ، وذَهَب علماؤُهم الذين بَقُوا، فدفنوا

(4)

كُتُبَ التوراة في الجبالِ. وكان عُزَيرٌ غلامًا يَتَعَبَّدُ في رءوس الجبالِ، لا يَنزِلُ إلا يوم عيدٍ. فجعل الغلام يَبْكِى ويقولُ: ربِّ، تَرَكْتَ بنى إسرائيلَ بغير عالمٍ. فلم يَزَلْ يَبْكِي حتى سَقَطَت أشْفارُ عينيه، فنزل مَرَّةً إلى العيدِ، فلما رَجَع إذا هو بامرأةٍ قد مَثَلَتْ له

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"صدورهم".

(2)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"به".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1781 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 229 إلى ابن إسحاق وأبي الشيخ وابن مردويه.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"وقد دفنوا".

ص: 410

عند قبرٍ من تلك القبورِ تَبْكى وتقولُ: يا مُطْعِماه، ويا كاسياه. فقال لها: وَيْحَكِ، مَن كان يُطْعِمُكِ [أو يَكْسُوكِ أو يَسْقِيكِ أو]

(1)

يَنْفَعُكِ قبلَ هذا الرجل؟ قالت: الله. قال: فإن الله حيٌّ لم يَمُتْ. قالت: يا عُزيرُ، فمن كان يُعَلِّمُ العلماءَ قبل بنى إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلِمَ تَبكى عليهم؟ فلما عَرَف أنه قد خُصِمٍ، وَلَّى مُدْبِرًا، فَدَعَتْه فقالت: يا عُزيرُ، إذا أصبحت غدًا فأتِ نهر كذا وكذا فاعْتَسِل فيه، ثم اخرُجْ فَصَلِّ ركعتين، فإنه يأتيك شيخٌ، فما أعطاك فخُذْه. فلما أصبح انطلَق عُزَيرٌ إلى ذلك النهر فاغتَسل فيه، ثم خَرَج فصَلَّى ركعتين، فجاءه الشيخ فقال: افتَحْ فمَك

(2)

. ففَتَح فمَه، فألقَى فيه شيئًا كهيئة الجمرة العظيمةِ، مجتمعٌ

(3)

كهيئة القوارير، ثلاث مرارٍ. فَرَجَع عُزَيرٌ وهو من أعلم الناس بالتوراةِ، فقال: يا بنى إسرائيلَ، إنى قد جِئْتُكم بالتوراةِ. فقالوا: يا عُزَيرُ، ما كنتَ كَذَّابًا. فَعَمِد فَرَبَط على كلَّ إصْبَعٍ له قَلَمًا، وكتب بأصابعه كلِّها، فكتب التوراة كلَّها، فلما رَجَع العلماءُ أُخْبِروا بشَأْنِ غزيرٍ، فاستخرج أولئك العلماء كتبهم التي كانوا رفعوها

(4)

من التوراة في الجبالِ، وكانت في خَوَابٍ

(5)

مدفونةٍ، فعارضوها بتوراةِ عُزَيرٍ، فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاك الله هذا إلا أنك ابنُه

(6)

.

واختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعضُ المكِّيِّين والكوفيِّين: (وقالت اليهودُ عُزَيْرُ ابن اللَّهِ). لا يُنَوِّنون "عُزيرا"

(7)

. وقرأه بعضُ

(1)

في م: "و".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

في م: "مجتمعا".

(4)

في م: "دفنوها".

(5)

الخوابي: جمع خابية، وهى الجرة الكبيرة. التاج (خ ب أ).

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1781، 1782 من طريق أحمد بن مفضل به.

(7)

وهى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو - في رواية - وابن عامر وحمزة. السبعة لابن مجاهد ص 313.

ص: 411

المَكِّيِّين والكوفيِّين: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} . بتنوين "عُزَيرٍ"

(1)

. قال: هو اسمٌ مُجْرًى وإن كان أعْجَمِيًّا لخِفَّتِه، وهو مع ذلك غيرُ منسوبٍ إلى الله، فيكونُ بمنزلة قول القائلِ: زيد ابن عبدِ اللهِ. وأُوقع الابنُ موقع الخبر. ولو كان منسوبًا إلى الله لكان الوجه فيه - إذا كان الابن خبرًا - الإجراءَ والتنوين، فكيف وهو منسوبٌ إلى غير أبيه؟.

وأَمَّا مَن تَرَك تنوينَ "عُزيرٍ"، فإنه لما كانت "الباءُ"

(2)

من "ابن"[ساكنةً مع التنوين الساكن]

(3)

، والتقى ساكِنان، فحذف الأوَّلُ منهما اسْتِثْقالًا لتَحْريكِه، كما

(4)

قال الراجز

(5)

:

لَتَجدَنِّي بالأميرِ بَرَّا

وبالقَناةِ مِدْعَسًا

(6)

مِكَرًا

إذا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا

فحَذَف "النونَ" للساكن الذي اسْتقبلها.

قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءةُ مَن قرأَ: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} . بتنوين "عُزير"

(7)

؛ لأن

(8)

العرب [لا تُنوِّنُ]

(9)

الأسماء إذا كان الابن نعتًا

(1)

وهى قراءة عاصم والكسائي، ورواية عن أبي عمرو. المصدر السابق.

(2)

في ص، ف:"النون".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س:"وهى نون التوكيد ساكنة"، وفى ف:"وهى نون التوكيد ساكن".

(4)

سقط من: م.

(5)

نوادر أبي زيد ص 91 معاني القرآن للفراء 1/ 431.

(6)

رجل مدعس: طعان. اللسان (د ع س) والرجز فيه.

(7)

القراءاتان كلتاهما صواب.

(8)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"النون".

(9)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"من".

ص: 412

للاسم

(1)

كقولِهم: هذا زيدُ بنُ عبدِ اللهِ. فأرادوا الخبر عن عُزيرٍ

(2)

بأنه ابن اللهِ، ولم يُريدوا أن يَجْعَلوا الابن له، نعتًا، والابن في هذا الموضع خبرٌ لـ "عُزيرٍ"؛ لأن الذين ذكر الله عنهم أنهم قالوا ذلك إنما أخْبَروا عن "عُزَيرٍ" أنه كذلك، وإن كانوا بقيلهم ذلك كانوا كاذِبِين على اللهِ مُفْتَرِين.

{وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} يعنى قول اليهود: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} . يقولُ: يشبه

(3)

قول هؤلاء في الكذبِ على الله والفِرْيةِ عليه، ونشبتهم المسيحَ إلى أنه لله ابنٌ، كَذِبَ

(4)

اليهودِ وفِرْيتَهم على الله في نِسبتِهم عزيرًا إلى أنه لله ابنٌ، ولا ينبغى أن يكون لله ولدٌ، سبحانه، {بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116].

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: {يُضَاهِئُونَ

(5)

قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ}. يقولُ: يُشبهون

(6)

.

(1)

كذا ورد السياق في النسخ، ولعل الصواب أن يكون بعده: وتنونه إذا كان خبرا. كما هو ظاهر من المثل بعده والتعليق عليه. وينظر تعليق الشيخ شاكر.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"زيد".

(3)

في م، ت 1، ت 2، س:"نسبة"، وفى ف:"نسبته".

(4)

في م: "ككذب".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف في هذا الموضع وما بعده:"يضاهون". وهى القراءة التي سيختارها المصنف، وأثبتناها في جميع المواضع كرسم مصحفنا.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1783 من طريق أبي صالح به.

ص: 413

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قولَه:{يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ} : ضَاهَت النصارى قولَ اليهودِ قبلَهم

(1)

.

حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ:{يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ} : النصارى يُضاهِئون قول اليهودِ في عُزَيرٍ

(2)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ:{يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ} . يقولُ: النصارى يُضاهئون قول اليهود.

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ} . يقولُ: قالوا مثلَ ما قال أهلُ الأديانِ

(3)

.

وقد قيل

(4)

: إن معنى ذلك: يَحْكُون بقولِهم قول أهل الأوثان

(5)

الذين قالوا: {الَّلاتَ وَالْعُزَّى (19) {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى}

(6)

[النجم: 19، 20].

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1783 من طريق يزيد به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 271 عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 230 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1782 من طريق أحمد بن المفضل به. مقتصرا على قوله: النصارى.

(3)

في النسخ: "الأوثان". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم وهو في تفسيره 6/ 1783 عن محمد بن سعد به. وينظر الدر المنثور 3/ 230.

(4)

ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 433.

(5)

في م: "الأديان".

(6)

بعده في ص، ت 1 س:"ذكر من قال ذلك".

ص: 414

واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فَقَرَأَته عامة قرأة الحجاز والعراق (يُضَاهُون). بغير همزٍ

(1)

. وقرأه عاصم: {يُضَاهِئُونَ} . بالهمز، وهى لغةٌ لثقيفٍ. وهما لغتان، يقال: ضاهَيْتُه على كذا، أَضَاهِيهِ مُضَاهاةً. و: ضَاهأْتُه عليه مُضاهأةً. إذا مالأْتَه عليه وأَعَنْتَه.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءةِ في ذلك تَرْكُ الهمزِ؛ لأنها القراءةُ المستفيضة في قرأة الأمصار، واللغة الفصحى

(2)

.

وأما قوله: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} . فإن معناه فيما ذُكر عن ابن عباس ما حدثني المثُنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه:{قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} . يقولُ: لَعَنَهم الله، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ قَتْلُ فهو لَعْنٌ

(3)

.

وقال ابن جريج في ذلك ما حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاج، عن ابن جريج قوله:{قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} : يعنى النصارى، كلمةٌ من كلام العرب

(4)

.

فأمَّا أهل المعرفة بكلام العرب فإنهم يقولون: معناه: قَتَلَهم الله. والعرب تقولُ: قاتَعَك الله، وقاتَعَها الله. بمعنى: قاتَلَك اللَّهُ. قالوا: وقاتَعَك الله. أهونُ من: قاتله الله.

وقد ذكروا أنهم يقولون: شاقاه الله ما باقاه. يُريدون: أشقاه الله ما أبقاه. قالوا: ومعنى قوله: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} . كقوله: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} [الذاريات: 10].

(1)

هي قراءة القراء العشرة عدا عاصم. السبعة 314.

(2)

القراءتان متواترتان، فلا تفاضل بينهما.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1783 من طريق الضحاك عن ابن عباس مقتصرا على قوله: لعنهم الله، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 230 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(4)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 230 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 415

و: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأَخْدُود} [البروج: 4]. واحدٌ، وهو بمعنى التَّعَجُّبِ.

فإن كان الذي قالوا كما قالوا، فهو من نادر الكلام الذي جاء على غيرِ القياس؛ لأن "فاعلتُ" لا تكادُ أن تَجِيءَ فِعْلًا إلا من اثنين، كقولهم: خاصمتُ فلانا وقاتلته. وما أشبه ذلك، وقد زَعَموا أن قولهم: عافاك الله. منه، وأن معناه: أعْفاك الله. بمعنى الدعاءِ لَمَن دَعا له بأن يُعْفِيه مِن السوء.

وقوله: {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} . يقولُ: أَي وَجْهِ يُذْهَبُ بهم ويُحدُّونَ

(1)

؟ وكيف يَصِدُّون عن الحقِّ؟ وقد بَيَّنَّا ذلك بشواهده فيما مضى قبل

(2)

.

‌القول في تأويل قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} .

يقولُ جلّ ثناؤه: اتَّخذ اليهودُ أحبارهم، وهم العلماءُ - وقد بينت تأويل ذلك بشواهدِه فيما مَضَى مِن كتابنا هذا قبل

(3)

- واحِدُهم حِبْرٌ وحَبْرٌ بكسر الحاء منه وفتحها.

وكان يونس النحويُّ

(4)

- فيما ذُكر عنه - يَزْعُمُ أنه لم يَسْمَعْ ذلك إلا حِبْرٌ بكسر الحاء. ويَحْتَجُّ بقول الناسِ: هذا مِدادُ حِبْرٍ. يراد به: مِداد عالِم.

وذَكَر الفَرَّاءُ أنه سمعه حِبْرًا وحَبْرًا، بكسر الحاء وفتحها.

(1)

في م: "يحيدون"، وفي ت 1، ت 2، س:"يجدون"، وفى ف:"يجيدون". ومعنى: يُحَدّون: يمنعون ويصرفون عن الخير. ينظر اللسان (ح د د)، ومجاز القرآن 1/ 174، 257.

(2)

ينظر ما تقدم في 8/ 584.

(3)

في م: "قيل". وينظر ما تقدم في 8/ 453.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف:"الحرمي"، وفى م:"الجرمي". وينظر ما تقدم في 8/ 245.

ص: 416

والنصارى رُهبانهم، وهم أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في دينهم منهم.

كما حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سَلَمةَ، عن الضحاكِ:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ} . قال: قُراءَهم وعلماءهم

(1)

.

و {أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ} . يعنى سادةً لهم من دونِ اللهِ، يُطيعونهم في معاصى اللهِ، فيُحِلُّون ما أحَلُّوه لهم مما

(2)

قد حَرَّمه الله عليهم، ويُحَرِّمون ما يُحَرِّمونه عليهم مما قد أحَلَّه الله لهم.

كما حدثني الحسين

(3)

بن يزيدَ الطَّحَّانُ، قال: ثنا عبد السلام بنُ حَرْبٍ المُلائيُّ، عن غُطَيْفِ بن أَعْيَنَ عن مصعب بن سعدٍ، عن عَدِيِّ بن حاتمٍ، قال: انتهَيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأُ في سورة "براءة": {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ} . فقال: أما إنهم لم يكونوا يَعْبُدُونهم، ولكن كانوا يُحِلُّون لهم فيُحِلُّون

(4)

.

حدثنا أبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا مالكُ بن إسماعيلَ، وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، جميعًا، عن عبد السلام بن حربٍ، قال: ثنا غُطَيْفُ بن أَعْيَنَ، عن مصعب بن سعد، عن عديِّ بن حاتم، قال: أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفي عُنقى صليبٌ من ذهب، فقال: يا عَدِيُّ، اطْرَحْ هَذا الوَثَنَ مِن عُنُقِكَ".

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1784 من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 231 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فيما".

(3)

في النسخ: "الحسن"، والمثبت كما تقدم في 6/ 628.

(4)

أخرجه الترمذى (3095) عن الحسين بن يزيد به، كلفظ الحديث بعده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 230، 231 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 417

قال: فطَرَحتُه، وانتهيتُ إليه وهو يقرأُ في سورة "براءةَ". فقرأ هذه الآية:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ} . قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنا لسنا نَعبُدُهم. فقال:"أليس يُحرِّمونَ ما أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَه، ويُحِلُّون ما حَرَّم اللَّهُ فَتُحِلُّونه؟ " قال: قلتُ: بلى. قال: "فتلك عِبادتُهم"

(1)

. واللفظ لحديث أبي كُرَيْبٍ.

حدثني سعيد بن عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ، عن قيسِ بن الربيع، عن عبدِ السلام بن حربٍ النَّهْدِيِّ، عن عطيفٍ

(2)

، عن مصعب بن سعد، عن عَدِيٍّ بن حاتمٍ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة "براءةً"، فلما قرأ:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ} . قلتُ: يا رسول الله، أما إنهم لم يكونوا يُصَلُّون لهم. قال:"صَدَقْتَ، ولكن كانوا يُحِلُّون لهم ما حَرَّم الله فيَسْتَحِلُّونه، ويُحَرِّمون ما أحل الله لهم فيُحَرِّمونه"

(3)

.

حدثنا محمد بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيان، عن حبيبِ بن أبي ثابت، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن حذيفةَ أنه سُئِل عن قوله:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ} . أكانوا يَعْبُدُونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحَلُّوا لهم شيئًا اسْتَحَلُّوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا حَرَّموه

(4)

.

(1)

أخرجه البخارى في التاريخ الكبير 7/ 106، والطبراني 17/ 92 (218)، والبيهقي في المدخل 1/ 209 (261) من طريق مالك بن إسماعيل به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1784، وابن حزم في الأحكام 6/ 283، والبيهقى 10/ 116 من طريق عبد السلام بن حرب به، وأخرجه ابن سعد - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 66 - من طريق عامر بن سعد عن علي، وأخرجه ابن مردويه كما في تخريج الكشاف - من طريق عطاء بن يسار عن عدى.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"خصيف".

(3)

أخرجه الطبراني في الكبير 17/ 92 (219) من طريق بقية بن الوليد به.

(4)

تفسير الثورى ص 124، ومن طريقه البيهقي في المدخل 1/ 209 (259)، وعزاه السيوطي في الدر =

ص: 418

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن حبيب، عن أبي البَخْتَرِى، قال: قيل لحذيفة

(1)

. فذَكَر نحوه، غير أنه قال: ولكن كانوا يُحِلُّون لهم الحرام فيَسْتَحِلُّونه، ويُحَرِّمون عليهم الحلال فيُحرمونه

(2)

.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن حبيبٍ، عن أبي البَخْتَرِى، قال: قيل لحذيفةَ: أرأيتَ قولَ اللهِ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ} قال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يُصَلُّون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحَلُّوا لهم شيئًا اسْتَحَلُّوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا أَحَلَّه الله لهم

(3)

حَرَّموه، فتلك كانت رُبوبيَّتَهم

(4)

.

قال: ثنا جريرٌ وابنُ فُضَيلٍ، عن عطاءٍ، عن أبي البَخْتَرِى:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ} . قال: انطلقوا إلى حلال الله فجَعَلوه حراما، وانطلقوا إلى حرام الله فجَعَلوه حلالا، فأطاعوهم في ذلك. فجَعَل الله طاعتهم عبادتهم، ولو قالوا لهم: اعبُدُونا. لم يَفْعَلُوا

(5)

.

حدثني الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثَّوْرِيُّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البَخْتَرِى، قال: سأل رجلٌ حذيفة، فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، أرأيتَ قوله:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللهِ} .

= المنثور 3/ 231 إلى الفريابي وابن المنذر وأبى الشيخ، ينظر الآثار بعده.

(1)

في النسخ: "لأبي حذيفة". والمثبت هو الصواب، كما هو ظاهر الآثار قبله وبعده.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1784، والبيهقى، 10/ 116، وفى المدخل 1/ 209 (258) من طريق حبيب به.

(3)

في ص: "عليهم".

(4)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1012 - تفسير) من طريق العوام به.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 422 عن ابن فضيل به، وأخرجه ابن حزم في الأحكام 6/ 317، وتفسير مجاهد ص 367 من طريق عطاء به.

ص: 419

أكانوا يَعْبُدُونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحَلُّوا لهم شيئًا اسْتَحَلُّوه، وإذا حَرَّموا عليهم شيئًا حَرَّموه

(1)

.

حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن أَشْعَثَ، عن الحسن:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} . قال: في الطاعة

(2)

.

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ} . يقول: وزَيَّنُوا لهم طاعتهم

(3)

.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السّدي:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} . قال عبد الله بن عباس: لم يأمُرُوهم أن يَسْجُدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم، فسَمَّاهم الله بذلك أربابا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} . قال: قلتُ لأبي العالية: كيف كانت الربوبية التي كانت في بنى إسرائيل؟ قال: قالوا

(4)

: ما أمَرُونا به ائْتَمَرْنا، وما نَهَونا عنه انتهينا لقولهم. وهم يجدون في كتاب الله ما أُمروا به وما نُهُوا عنه، فاسْتَنْصَحوا الرجالَ ونَبَذُوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورهم

(5)

.

حدثني بِشْرُ بنُ سُوَيدٍ، قال: ثنا سفيان، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 272.

(2)

ينظر تفسير القرطبي 4/ 105.

(3)

ينظر تفسير ابن كثير 4/ 77.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى".

(5)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1784 معلقا.

ص: 420

البَخْتَرِيِّ، عن حُذَيْفَةَ:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مَّن دُونِ اللَّهِ} . قال: لم يَعْبُدُوهم، ولكنهم أطاعوهم في المعاصى

(1)

.

وأما قوله: {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} . فإن معناه: اتَّخَذُوا أحبارهم ورُهبانهم والمسيح ابن مريمَ أربابًا مِن دونِ اللهِ.

وأما قوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} . فإنه يعنى به: وما أُمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبار والرهبان والمسيح أربابا، ليس

(2)

إلا أن يَعْبُدُوا مَعْبُودًا واحدًا، وأن يُطيعوا إلا ربًا واحدًا، دونَ أرباب شَتَّى، هُو الله الذي له عبادة كلِّ شيءٍ، وطاعةُ كلِّ خَلْقٍ، المُسْتَحِقُّ على جميع خلقه الدَّيْنونة له بالوحدانية والربوبية، {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}. يقول تعالى ذكره: لا تَبْغى الألوهة إلا للواحدِ الذي أُمِرَ الخلق بعبادته، ولَزِمَت جميع العبادِ طاعته، {سُبْحَانَه عَمَّا يُشْرِكُونَ}. يقولُ: تَنْزيها وتَطْهِيرًا للهِ عما يُشْرَكُ في طاعتِه وربوبيَّتِه القائلون: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} . والقائلون: {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} . المُتَّخِذون أحبارهم [ورهبانهم]

(3)

أربابًا مِن دونِ اللهِ.

‌القول في تأويل قوله: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)} .

يقول تعالى ذكره: يريدُ هؤلاء المُتَّخذون أخبارهم ورُهْبانَهم والمسيحَ ابْنَ مريم أربابًا {أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} . يعنى: أنهم يحاولون بتكذيبهم بدينِ

(1)

أخرجه البيهقي في الشعب (9394) من طريق سفيان به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 231 إلى أبي الشيخ.

(2)

سقط من: م.

(3)

سقط من: ص، م، ت 2.

ص: 421

الله الذي ابتعث به رسولَه، وصدِّهم الناسَ عنه بألسنتهم، أن يُبطلوه، وهو النورُ الذي جَعَله الله لخلقه ضياءً، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ}: يَعْلَو دينُه، وتَظْهَرَ كلمتُه، ويُتِمَّ الحقَّ الذي بعث به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، {وَلَوْ كَرِهَ} إتمام الله إيَّاه، {الكَافِرُونَ}. يعني: جاحِدِيه المُكَذِّبِين به.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ:{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} . يقولُ: يُريدون أن يُطفئوا الإسلام بكلامهم

(1)

.

‌القول في تأويل قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)} .

يقول تعالى ذكره: اللَّهُ الذي يأبَى إلا إتمام دينه ولو كره ذلك جاحدوه ومُنْكِروه - {الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ} محمدا صلى الله عليه وسلم، {بِالْهُدَى}. يعني: ببيان فرائض الله على خلقِه، وجميع اللازم لهم، وبـ {وَدِينِ الْحَقِّ} ، وهو الإسلامُ، {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}. يقولُ: ليغلي الإسلام على المِلَلِ كلِّها، {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} باللهِ ظهوره عليها.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} ؛ فقال بعضُهم: ذلك عندَ خُرُوجِ عيسى، حينَ تَصِيرُ الملل كلُّها واحدة.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1785 من طريق أحمد بن مفضل به.

ص: 422

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بن سعيد القَطَّانُ، قال: ثنا سفيان

(1)

، قال: ثني ثابتٌ الحَدَّادُ أبو المِقْدامِ، عن نُبَيْحٍ

(2)

، عن

(3)

أبي هريرةَ في قولِه: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} . قال

(4)

: خُرُوج عيسى ابن مريم

(5)

.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن فُضَيلِ بن مَرْزُوقٍ، قال: ثنى مَن سَمِع أبا جعفر يقولُ

(6)

: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} . قال: إذا خرج عيسى عليه السلام اتَّبَعه أهلُ كلِّ دينٍ.

وقال آخرون: معنى ذلك: ليُعْلِمَه شرائع الدينِ كلَّها فيُطْلِعَه عليها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدَّينِ كُلَّهِ} . قال: ليُظْهِرَ اللَّهُ نبيَّه على أمرِ الدين كلِّه، فيُعْطِيَه إياه كلَّه ولا يَخْفَى عليه منه شيء. وكان المشركون واليهود يَكْرَهون ذلك

(7)

.

(1)

في النسخ: "شقيق". والمثبت مما سيأتي في تفسير الآية 4 من سورة الصف، وهو في تفسير سفيان كما سيأتي، وينظر تهذيب الكمال 11/ 54.

(2)

في ص، م، ت 2، س، ف:"شيخ"، وغير منقوطة في ت 1، والمثبت من تفسير سفيان، وينظر تهذيب الكمال 29/ 314.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(4)

بعده في م: "حين".

(5)

تفسير سفيان ص 125 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 231 إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.

(6)

سقط من: م، ف.

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1786، 1787 من طريق أبي صالح به.

ص: 423

‌القول في تأويل قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} .

يقول تعالى ذكره: يا أَيُّها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأقرُّوا بوحدانية ربِّهم، إن كثيرا من العلماء والقُرَّاء من بنى إسرائيل من اليهود والنصارى - {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ}. يقولُ: يأخُذُون الرِّشا في أحكامهم، ويُحرِّفون كتاب الله، ويَكْتُبون بأيديهم كُتُبًا ثم يقولون: هذه من عندِ اللَّهِ. ويأخُذون بها ثمنًا قليلًا مِن سِفْلتِهم، {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}. يقولُ: ويمنعون من أراد الدخولَ في الإسلام الدخول فيه بنهيهم إياهم عنه.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} : أمَّا {الْأَحْبَارِ} فين اليهودِ، وأمَّا {الرُّهْبَانِ} فمن النصارى، وأمَّا {سَبِيلِ اللَّهِ} فمحمد صلى الله عليه وسلم

(1)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)} .

يقول تعالى ذكره: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} ، ويأكُلُها أيضًا معهم {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1787 من طريق أحمد بن مفضل، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 231 إلى أبى الشيخ.

ص: 424

وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. يقولُ: بَشِّرِ الكثيرَ من الأحْبارِ والرهبانِ الذين يأكلون أموال الناس بالباطلِ، والذين يكنزون الذهبَ والفضةَ ولا يُنفقونها في سبيل الله، بعذابٍ

(1)

لهم يوم القيامةِ، مُوجِعِ مِن الله.

واختَلَف أهل العلم في معنى الكَنْزِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ مالٍ وَجَبَت فيه الزكاة فلم تُؤدَّ زكاته. قالوا: وعَنَى بقوله: {وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : ولا يُؤدُّون زكاتها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: كلُّ مالٍ أدَّيْتَ زكاتَه فليس بكَنْزٍ وإن كان مدفونًا، وكلُّ مالٍ لم تُؤدِّ زكاتَه فهو الكثرُ الذي ذَكَره الله في القرآنِ، يُكْوَى به صاحبه، وإن لم يكن مدفونًا

(2)

.

حدثنا الحسن

(3)

بن الجُنَيدِ، قال: ثنا سعيد بن مسلمةَ، قال: ثنا إسماعيل بن أُمَيَّةَ، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنه قال: كلُّ مالٍ أُدِّيَتْ منه الزكاة فليس بكنْزٍ وإن كان مدفونًا، وكلُّ مال لم تُؤدَّ منه الزكاةُ، وإن لم يكن مدفونًا، فهو كَنْزٌ.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن نافعٍ، عن

(1)

بعده في م: "أليم".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (7140) من طريق أيوب به. وأخرجه الشافعي في مسنده 1/ (612) ومن طريقه البيهقي في المعرفة 2/ 22، وعبد الرزاق في المصنف (7144)، وابن أبي حاتم 6/ 1788، وابن الجوزى في النواسخ ص 363 من طريق نافع به. كما أخرجه مالك في الموطأ 1/ 256، وعنه الشافعي في مسنده 1/ (613)، ومن طريقه البيهقي 4/ 83، وفى المعرفة (2213)، وابن أبي شيبة 3/ 190، من طريقين عن ابن عمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 32 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

في م: "الحسين".

ص: 425

ابن عمرَ، قال: أيُّما مالٍ أُديَتْ زكاتُه فليس بكثر وإن كان مدفونا في الأرضِ، وأيُّما مالٍ لم تُؤدَّ زكاتُه فهو كَنْرٌ يُكْوَى به صاحِبُه، وإن كان على وَجْهِ الأَرضِ.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي وجَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن عطيةَ، عن ابن عمر، قال: ما أُدِّيَت زكاتُه فليس بكنْزٍ

(1)

.

قال: ثنا أبى، عن العُمَرِيِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: ما أُديت زكاتُه فليس بكنْزٍ وإن كان تحتَ سبع أَرَضِين، وما لم تُؤدَّ زكاته فهو كَنْزٌ وإن كان ظاهرًا

(2)

.

قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الشَّيْبانيِّ، عن عِكْرمةَ، قال: ما أَدَّيْتَ زكاتَه فليس بكَنْزٍ

(3)

.

حدثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ، قال: أمَّا {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} فهؤلاء أهلُ القِبْلَةِ، والكنْزُ ما لم تُؤدَّ زكاتُه وإن كان على ظهرِ الأرضِ، وإن قلَّ، وإن كان كثيرا قد أُدِّيتْ زكاتُه فليس بكنْزٍ

(4)

.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، قال: قُلتُ لعامرٍ: مالٌ على رَفٍّ بينَ السماءِ والأرض لا تُؤدَّى زكاتُه، أكثر هو؟ قال:

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 190 من طريق الأعمش به نحوه وفيه قصة.

(2)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 68، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (7141، 7142) عن عبيد الله وعبد الله العمريين به، وأخرجه البيهقي 4/ 82 من طريق عبيد الله به، والطبراني في الأوسط (8279)، وأخرجه ابن علي 3/ 1262، والبيهقى 4/ 82 من طريق سويد بن عبد العزيز، عن عبيد الله به مرفوعًا، وقال البيهقي: الصحيح موقوف.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 190 من طريق أبي إسحاق الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس.

(4)

أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1789 شطره الأول من طريق أحمد بن مفضل به.

ص: 426

يُكْوَى به يوم القيامةِ.

وقال آخرون: كلُّ مالٍ زاد على أربعة آلاف درهمٍ فهو كَنْزٌ، أُدِّيتْ منه الزكاةُ أو لم تُؤدَّ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبو بكر بنُ عَيَّاشٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدةَ بن هُبَيرةَ، عن عليٍّ، رحمةُ اللهِ عليه، قال: أربعةُ آلافِ درهمٍ فما دونَها نَفَقَةٌ، فما كان أكثرَ من ذلك فهو كَنْزٌ.

حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي حَصِينٍ، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدةَ بن هُبَيرةَ، عن عليٍّ مثلَه.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ

(1)

، قال: أخبَرنى أبو حَصِينٍ، عن أبي الضُّحَى، عن جَعْدةَ بن هُبَيرةَ، عن عليٍّ، رحمه الله عليه في قوله:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ} . قال: أربعةُ آلافِ درهمٍ فما دونَها نفقةٌ، وما فوقها كَنْزٌ

(2)

.

وقال آخرون: الكَنْزُ كلُّ ما فَضَل من المال عن حاجةِ صاحبه إليه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عُبَيدُ

(3)

اللهِ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا

(1)

في م: "الشعبي".

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 273، وهو في مصنفه (7150)، ومن طريقه ابن أبي حاتم 6/ 1788، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 232 إلى أبى الشيخ.

(3)

في ت 1، س، ف:"عبد"، وينظر تهذيب الكمال 19/ 158.

ص: 427

شُعْبَةُ، عن ابن

(1)

عبدِ الواحدِ، أنه سَمِع أبا مُجِيبٍ، قال: كان نَعْلُ سيفِ

(2)

أبي هريرةَ مِن فضةٍ، فَنَهاه عنها أبو ذرٍّ، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن تَرَكَ صَفْراءَ أو بَيْضاءَ كُوِيَ بها"

(3)

.

حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ و

(4)

الأَعْمَشِ وعمرو بن مُرَّةَ، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، قال: لما نَزَلَت: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ} . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "تَبًّا للذَّهَبِ، تَبًّا للفضةِ". يقولُها ثلاثًا. قال: فشَقَّ ذلك على أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: فأيَّ مالٍ نَتَّخِذُ؟ فقال عمرُ: أنا أعلَمُ لكم ذلك. فقال: يا رسولَ اللهِ، إن أصحابَك قد شَقَّ عليهم وقالوا: فأيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فقال: "لِسانًا ذاكِرًا، وقَلْبًا شاكرًا، وزوجةً تُعِينُ أحدكم على دينه"

(5)

.

(1)

في م: "أنس عن".

(2)

نعل السيف: الحديدة التي تكون في أسفل القراب. النهاية 5/ 82.

(3)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 72 عن المصنف، وأخرجه البخارى في الكبير 6/ 60، والبيهقي 4/ 144 معلقا عن معاذ به وأخرجه المصنف في تهذيب الآثار (428 - مسند ابن عباس)، وأحمد 5/ 168 (الميمنية)، والبخارى 6/ 59، 60، والبيهقى 4/ 144، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 72 - من طرق عن شعبة. وقد اختلف في اسم شيخ شعبة وقال عنه الذهبي: يروى عن شعبة، عن أبي المجيب بحديث منكر. الميزان 4/ 394. وقد روى معناه عن أبي ذر موقوفًا أخرجه البيهقي 1/ 144.

(4)

في م: "عن".

(5)

أخرجه المصنف في تهذيب الآثار (450 - مسند ابن عباس)، وأخرجه أيضا (465) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم، عن ثوبان. وأخرجه أحمد 5/ 282 (الميمنية) - ومن طريقه أبو نعيم في الحلية 1/ 182 - وابن ماجه (1856)، والطبرانى في الصغير 2/ 45 - ومن طريقه الواحدى في أسباب النزول ص 184 - من طريق عمرو بن مرة، عن سالم، عن ثوبان، وأخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 72 من طريق أبي عامر عن ثوبان، وعزاه الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف 2/ 70 إلى أبي يعلى، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 232 إلى ابن شاهين في الترغيب في الذكر وأبي الشيخ. وقال الزيلعي: الحاصل أنه حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب.

ص: 428

حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، عن ثَوْبَانَ بمثلِه

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . قال المهاجرون: وأيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فقال عمرُ: أسألُ النبي صلى الله عليه وسلم عنه، قال: فأدْرَكْتُه على بَعِيرٍ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن المهاجرين قالوا: فأَيَّ المالِ نَتَّخِذُ؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لِسانًا ذَاكِرًا، وقَلْبًا شاكرًا، وزوجةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أحدَكم على دينِه"

(2)

.

حدثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أمامَةَ، قال: تُوفِّيَ رجلٌ مِن أهل الصُّفَّةِ فوُجِدَ في مِئْزَره دينارٌ، فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"كَيَّةٌ". ثم تُوفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِهِ ديناران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"كَيَّتان"

(3)

.

حدثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عَن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن صُدَيِّ بن عَجْلانَ أَبي أُمَامَةَ، قال: ماتَ رجلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فوُجِدَ فِي مِئْزَرِه

(1)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 69 عن المصنف، وأخرجه المصنف في تهذيب الآثار (451 - مسند ابن عباس). وأخرجه الطبراني في الأوسط (2274) من طريق مؤمل به. وأخرجه أحمد 5/ 278 (الميمنية)، وفى الزهد ص 26، والترمذى (3064) من طريق إسرائيل به.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 273، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1788. وهو في تفسير الثورى ص 120 عن عمرو به.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 274، وأخرجه أحمد 5/ 253 (الميمنية) من طريق معمر به كما أخرجه 5/ 252، 253 "الميمنية"، والطبراني (7574، 8011)، وأبو يعلى، وابن أبي شيبة - كما في تخريج الكشاف 2/ 73 - من طرق عن قتادة به. وأخرجه ابن أبي شيبة 3/ 372، وأحمد 5/ 253 (الميمنية)، والطبراني (4654)، وفي مسند الشاميين (689) من طرق عن أبي أمامة.

ص: 429

دينارٌ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"كَيَّةٌ". ثم تُوفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ فِي مِئْزَرِه ديناران؛ فقال نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "كَيَّتان"

(1)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن ثوبان، قال: كُنَّا في سَفَرٍ، ونحن نَسِيرُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المهاجرون: لَوَدِدْنا أَنَّا عَلِمْنَا أَيُّ المالِ خيرٌ فنَتَّخِذَه؟ إذ نَزَل في الذهبِ والفضةِ ما نَزَلَ، فقال عمر: إن شئتم سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقالوا: أجلْ. فانطَلَق فتَبِعْتُه أوضعُ

(2)

على بَعيرى، فقال: يا رسول الله، إن المهاجرين لمَّا أُنزِل في الذهبِ والفضةِ ما أُنزِل، قالوا: وَدِدْنا أَنَّا عَلِمْنا أي المالِ خيرٌ فنَتَّخِذَه؟ قال: "نعم، فيَتَّخِذُ أحدُكم لسانا ذاكرًا، وقَلْبًا شاكرًا، وزوجةً تُعِينُ أحدكم على إيمانه"

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصحة القول الذي ذُكر عن ابن عمرَ، مِن أن كلَّ مالٍ أُدِّيتْ زكاتُه فليس بكَنْزٍ يَحْرُمُ على صاحبِه اكْتنازُه وإن كَثُر، وأن كلَّ مالٍ

(4)

لم تُؤَدَّ زكاتُه، فصاحِبُه مُعاقَبٌ مُسْتَحِقٌّ وعيدَ اللَّهِ، إلا أن يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عليه بعَفْوِه وإن قلَّ، إذا كان مما يجبُ فيه الزكاةُ. وذلك أن الله أوجب في خمس أَوَاقٍ مِن الوَرِقِ على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم رُبُعَ عُشْرِها، وفى عشرين مثقالًا من الذهب مثلَ ذلك، رُبُعَ عُشْرِها، فإذ كان ذلك فَرْضَ الله في الذهبِ والفضةِ على لسانِ رسولِه، فمعلوم أن الكثير من المال وإن بلغ في الكثرة ألوفَ ألوفٍ، لو كان - وإن أُدِّيت زكاته - من الكنوزِ التي أوعد الله أهلَها عليها العقابَ، لم يكن فيه الزكاة التي ذكرنا

(1)

أخرجه الطبراني (7573) من طريق يزيد به، وأخرجه أحمد 5/ 253 (الميمنية) من طريق سعيد به.

(2)

الإيضاع: أن يعدى بعيره ويحمله على العدو الحثيث. تهذيب اللغة 3/ 73.

(3)

أخرجه أبو نعيم في الحلية 1/ 182 من طريق جرير به.

(4)

في م: "ما".

ص: 430

مِن رُبُعِ العُشْرِ؛ لأن ما كان فَرْضًا إخراجُ جميعِه من المال وحرام اتِّخاذُه، فزكاتُه الخروجُ من جميعِه إلى أهله لا رُبُعُ عُشْرِه. وذلك مثلُ المالِ المغصوبِ الذي هو حرامٌ على الغاصبِ إمساكُه، وفرضٌ عليه إخراجه من يده إلى يده، فالتَّطَهُّرُ منه ردُّه إلى صاحبِه. فلو كان ما زادَ مِن المالِ على أربعة آلاف درهم، أو ما فَضَل عن حاجة ربِّه التي لا بدَّ منها، مما يَسْتَحِقُّ صاحبه باقتنائه - إذا أدَّى إلى أهلِ السُّهْمانِ حُقُوقهم منها مِن الصدقةِ - وعيدَ اللهِ، لم يكن اللازم ربَّه فيه رُبُعَ عُشْرِه، بل كان اللازم له الخروج من جميعه إلى أهلِه وصَرْفَه فيما يَجِبُ عليه صَرْفُه، كالذى ذكرنا من أن الواجب على غاصب رجل ماله رَدُّه على ربِّه.

وبعد، فإن فيما حدَّثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: قال مَعْمَرٌ: أَخبرنى سُهَيلُ بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن رجلٍ لا يُؤَدِّي زكاة مالِه، إلا جُعِل يوم القيامة صفائحَ من نارٍ يُكْوَى بها جنبيه

(1)

وجَبْهتُه وظَهْرُه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقْضَى بين الناسِ، ثم يُرى سبيلُه، وإن كانت إبِلًا إلا يُطِحَ لها بِقاعٍ قَرْقَرٍ

(2)

تَطَؤُه بأخْفافِها - حَسِبْتُه قال: وتَعُضُّه بأَفْواهِها - يُرَدُّ أُولاها على أُخراها، حتى يُقْضَى بينَ الناسِ، ثم يُرى سبيلُه، وإن كانت غَنَمًا فمثلُ ذلك، إلا أنها تَنْطَحُه بقُرُونِها، وتَطَوُه بِأَظْلَافِها"

(3)

.

(1)

في م: "جنبه"، وفى ص، س، ف:"حبينه".

(2)

بطح: قيل ألقى على وجهه، وقيل أصله في اللغة البسط والمد، فقد يكون على وجهه وقد يكون على ظهره، والقاع: المستوى الواسع من الأرض، وكذلك القرقر. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 7/ 64.

(3)

أخرجه النَّسَائِي في الكبرى (11621) عن محمد بن عبد الأعلى به مختصرا. وأخرجه الطيالسي=

ص: 431

وفى نظائرِ ذلك من الأخبار التي كَرِهْنا الإطالة بذِكْرِها - الدلالة الواضحة على أن الوعيدَ إنما هو من الله على الأموالِ التي لم تُؤَدَّ الوظائف المفروضة فيها لأهلها مِن الصدقة، لا على اقتنائها واكتنازها.

وفيما بَيَّنَّا من ذلك البيانُ الواضحُ على أن الآية لخاصٍّ، كما قال ابن عباسٍ، وذلك ما حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} . يقولُ: هم أهل الكتاب. وقال: هي خاصَّةٌ وعامةٌ.

يعنى بقوله: هي خاصَّةٌ وعامَّةٌ: هي خاصة في

(1)

المسلمين في من لم يُؤَدِّ زكاةَ ماله منهم، وعامة في أهلِ الكتابِ؛ لأنهم كفارٌ لا تُقْبَلُ منهم نَفَقاتُهم إن أَنْفَقوا.

يدلُّ على صحة ما قُلنا في تأويل قولِ ابن عباس هذا ما حدثني المثنَّى، قال: ثنا عبد اللهِ، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَها} . إلى قوله: {هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} . قال: هم الذين لا يُؤدُّون زكاةَ أموالهم. قال: وكلُّ مال لا تُؤَدَّى زكاتُه، كان على ظهرِ الأرضِ أو في بطنِها، فهو كَنزٌ، وكلُّ مال تُؤَدَّى زكاتُه فليس بكَنْزٍ، كان على ظهرِ الأَرضِ أو في بَطْنِها

(2)

.

= (2562)، وأحمد 13/ 7 (7562)، ومسلم (987/ 26)، وأبو داود (1658)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1790 من طريق سهيل به وأخرجه البخارى (2371، ومسلم (24/ 987) من طريق أبي صالح به مطولا.

(1)

في النسخ: "من" والمثبت هو الصواب.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 232 إلى ابن المنذر، وأخرجه ابن أبي شيبة 3/ 190 من طريق عكرمة عن ابن عباس مختصرًا.

ص: 432

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} . قال: الكثرُ ما كُنِزَ عن طاعةِ الله وفريضتِه، وذلك الكَنْزُ. وقال: افتُرِضَت الزكاة والصلاة جميعًا لم يُفَرَّق بينهما.

وإنما قلنا: ذلك على الخصوص؛ لأن الكثر في كلامِ العربِ كلُّ شيءٍ مجموعٌ بعضُه على بعض، في بطنِ الأرضِ كان أو على ظهرها. يدلُّ على ذلك قول الشاعرِ

(1)

:

لا دَرَّ دَرِّيَ إِنْ أَطْعَمْتُ نازِلَهم

قِرْفَ الحَتِيِّ وعندى البُرُّ مَكْنُوزُ

(2)

يعنى بذلك: وعندى البُرُّ مجموعٌ بعضُه على بعض. وكذلك تقولُ العربُ للبَدَنِ المجتمعِ: مُكْتَنَزٌ، لانضمامِ بعضه إلى بعض.

وإذا كان ذلك معنى الكَنْزِ عندَهم، وكان قوله:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} . معناه: والذين يَجْمَعون الذهب والفضة بعضها إلى بعض ولا يُنفِقُونها في سبيل الله. وهو عامُّ في التلاوة، و

(3)

لم يَكُنْ في الآية بَيان كم ذلك القدرُ من الذهب والفضة الذي إذا جُمِع بعضُه إلى بعض اسْتَحَقَّ الوعيدَ - كان معلومًا أن خصوصَ ذلك إنما أُدْرِكَ لوَقْفِ الرسولِ عليه، وذلك كما بَيَّنَّا مِن أنه المالُ الذي لم يُؤدَّ حقٌّ الله منه من الزكاةِ دون غيره؛ لما قد أوضحنا من الدلالة على صحته.

وقد كان بعضُ الصحابة يقولُ: هي عامةٌ في كلِّ كَثرٍ، غير أنها خاصةٌ في

(1)

هو المتنخل الهذلي، والبيت في ديوان الهذليين 2/ 15.

(2)

لا دردرى: يقول لا رزقت الدَّرَّ، كأنه قال ذلك لنفسه كالهازئ. وقرف كل شيء ما قُرِف يعنى قِشرَه، والذي يقلع عنه ويؤكل. والحَتِيُّ: المُقل، وهو الدَّوم. شرح ديوان الهذليين 3/ 1263.

(3)

سقط من النسخ، والصواب إثباتها.

ص: 433

أهلِ الكتابِ، وإياهم عَنَى الله بها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني أبو حَصِينٍ عبد الله بن أحمد بن يونسَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا حُصَينٌ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ

(1)

فَلَقِيتُ أبا ذَرٍّ، فقلتُ: يا أبا ذَرٍّ، ما أنزَلك هذه البلادَ؟ قال: كنتُ بالشامِ فقرأتُ هذه الآية: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَة} الآية. فقال معاويةُ: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتابِ. قال: فقلتُ: إنها لفينا وفيهم. قال: فارتَفَع في ذلك بيني وبينَه القولُ، فكَتَب إلى عثمانَ يَشْكُونى، فكتب إليَّ عثمانُ أَنْ أَقِبِلْ إِلَيَّ. قال: فأقبلتُ، فلما قَدِمْتُ المدينةَ رَكِبنى الناسُ كأنهم لم يَرونى قبل يومئذٍ، فشَكُوتُ ذلك إلى عثمان، فقال لي: تَنَحَّ قريبًا. قلتُ: والله إنى

(2)

لن أَدَع ما كنتُ أقولُ

(3)

.

حدثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ وابنُ وَكِيعٍ، قالوا: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا حُصينٌ، عن زيد بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْنا بالرَّبَذَةِ. ثم ذَكَر عن أبي ذرٍّ نحوه

(4)

.

حدثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن أشْعَثَ وهشام، عن [ابن سيرين]

(5)

، قال: قال أبو ذَرٍّ: خَرَجْتُ إلى الشامِ، فقرأتُ هذه الآيةَ: {وَالَّذِينَ

(1)

الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أميال البلدان 2/ 749.

(2)

سقط من: م.

(3)

أخرجه ابن سعد 2/ 226، والبخارى (1406)، وابن أبي حاتم في تفسيره 5/ 1789، والواحدي في أسباب النزول ص 183 من طريق هشيم. به. وأخرجه البخارى (4660)، والنسائي في الكبرى (11218)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد 17/ 151، من طريق حصين. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 233 إلى أبى الشيخ وابن مردويه.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 212، 11/ 110 عن ابن إدريس به.

(5)

في م: "أبى بشر".

ص: 434

يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، فقال معاوية: إنما هي في أهل الكتاب. قال: فقلتُ: إنها لفينا وفيهم

(1)

.

حدثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حُصَيْنٌ، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: مَرَرْتُ بالرَّبَذَةِ فإذا أنا بأبى ذَرٍّ، قال: قلتُ له: ما أنزَلك منزلك هذا؟ قال: كنتُ بالشامِ فاخْتَلَفتُ أنا ومعاوية في هذه الآية: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . قال: فقال: نَزَلَت في أهلِ الكتاب، فقلتُ: نَزَلَت فينا وفيهم. ثم ذكر نحو حديثِ هُشَيمٍ، عن حصينٍ.

فإن قال قائلٌ: فكيف قيل: {وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . فأُخرِجَت الهاءُ والألفُ مُخرجَ الكناية عن أحد النوعين؟

قيل: يحتمل ذلك وجهين:

أحدهما: أن يكونَ الذهبُ والفضةُ مُرادًا بها الكنوزُ، كأنه قيل: والذين يَكْنِزون الكُنُوزَ ولا يُنفِقونها في سبيلِ الله. لأن الذهبَ والفضةَ هي الكنوزُ في هذا الموضع.

والآخَرُ: أن يكونَ اسْتُغْنى بالخبرِ عن إحداهما في عائدِ ذِكْرِهما، من الخبر عن الأُخرى؛ لدلالة الكلامِ على أن الخبرَ عن الأخرى مثلُ الخبرِ عنها، وذلك كثيرٌ موجودٌ في كلام العرب وأشعارِها، ومنه قولُ الشاعر

(2)

:

(1)

أخرجه المصنف في تهذيب الآثار. (492 - مسند ابن عباس)، وأخرجه ابن سعد 4/ 226 من طريق هشام به، وأخرجه الخلال في السنة (50) من طريق ابن سيرين به.

(2)

هو عمرو بن امرئ القيس، كما في جمهرة أشعار العرب 2/ 675، والخزانة 4/ 275. ونسبه سيبويه في الكتاب 1/ 75 إلى قيس بن الخطيم، والبيت في ديوانه ص 173؛ ضمن الأشعار المنسوبة إليه.

ص: 435

نحنُ بما عندَنا وأنتَ بما

عندَك راضٍ والرأىُ مُخْتَلِفُ

فقال: راضٍ. ولم يقلْ: راضون. وقال الآخَرُ

(1)

:

إِنَّ شَرْخَ

(2)

الشبابِ والشَّعَرَ الأَسْـ

ـودَ ما لم يُعَاصَ كانَ جُنُونَا

فقال: يُعاصَ. ولم يقلْ: يُعاصِيا. في [أشباهِ ذلك]

(3)

كثيرةٍ. ومنه قول اللهِ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11]. ولم يقلْ: إليهما.

‌القول في تأويل قوله: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)} .

يقول تعالى ذكره: فبَشِّرْ هؤلاء الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا يُخْرِجون حقوقَ الله منها، يا محمد، بعذابٍ أليمٍ - يومَ يُحْمَى عليها في نَارِ جَهَنَّمَ فاليومُ مِن صلةِ العذاب الأليم، كأنه قيل: يُبشِّرُهم بعذاب أليم يُعَذِّبُهم الله به في يومٍ يُحْمَى عليها.

ويعنى بقوله: {يُحْمَى عَلَيْهَا} : تَدْخُلُ النارَ فيُوقَدُ عليها، أي: على الذهبِ والفضةِ التي كنزوها، {فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكَوَى بِهَا جَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وظهورُهُمْ} . وكلُّ شيءٍ أُدْخِلَ النار، فقد أُحْمِيَ إحْماءً، يقال منه: أَحْمَيتُ الحديدةَ في النارِ أُحْمِيها إحْماءً.

وقوله: {فَتَكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ} يعني: بالذهب والفضةِ المكنوزة،

(1)

هو حسان بن ثابت، والبيت في ديوانه 282.

(2)

شرح الشباب: أوله، وقوته ونضارته. اللسان (ش ر خ).

(3)

في م: "أشياء".

ص: 436

يُحْمَى عليها في نار جهنمَ، يَكْوِى اللهُ بها. يقولُ: يَحْرِقُ اللَّهُ جِباهَ كانزِيها وجُنوبَهم وظهورَهم، {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ}. ومعناه: ويقال لهم: هذا ما كَنَزْتُم في الدنيا أيُّها الكافرون الذين مَنَعوا كنوزَهم من فرائضِ اللَّهِ الواجبة فيها لأنفسِكم، {فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُون}. يقولُ: فيقال لهم: فاطْعَمُوا عذاب الله بما كنتم تَمْنَعون مِن أموالكم حقوقَ اللَّهِ وتَكْنِزونها مُكاثرةً ومُباهاةً.

وحُذِف مِن قوله: {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ} : ويقال لهم. لدلالة الكلام عليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن حميد بن هلالٍ، قال: كان أبو ذَرٍّ يقولُ: بَشِّرِ الكَنَّازِين بِكَيٍّ في الجباهِ، وكَيٍّ في الجُنوبِ، وكَيٍّ في الظهورِ، حتى يَلْتَقِيَ الحَرُّ في أجوافهم.

قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن الجُرَيْرِيِّ، عن أبي العلاءِ بن الشِّخِّيرِ، عن الأحْنفِ بن قَيْسٍ، قال: قَدِمْتُ المدينة، فبينا أنا في حَلْقَةٍ فيها ملأٌ من قريشٍ، إذ جاء رجلٌ [أَخْشَنُ الثيابِ، أَخْشَنُ الجسدِ، أَخْشَنُ]

(1)

الوَجْهِ، فقامَ عليهم، فقال: بَشَّرِ الكَنَّازِين برَضْفٍ

(2)

يُحْمَى عليه في نار جهنم، فيُوضَعُ على حَلَمَةِ ثَدْي أحدِهم حتى يَخْرُجَ مِن نُغْضِ

(3)

كَتِفِه، ويُوضَعُ على نُغْضِ كَتِفِه حَتى يَخْرُجَ مِن حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ، يَتَزَلْزَلُ. قال: فوَضَع القومُ رءوسهم، فما رأيتُ أحدًا منهم رجع إليه شيئًا. قال:

(1)

في م: "خشن"، وفى ف:"حسن".

(2)

الرضف: الحجارة المحماة على النار، واحدتها رضفة. النهاية 2/ 231.

(3)

النغض: أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه. النهاية 5/ 87.

ص: 437

وأدْبَر، فاتَّبَعْتُه حتى جَلَس إلى ساريةٍ، فقلتُ: ما رأيتُ هؤلاء إلا كَرهوا ما قُلْتَ. فقال: إن هؤلاء لا يَعْقِلون شيئًا

(1)

.

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ، قال: ثني عمرُو بنُ قيس، عن عمرِو بن مُرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي نَصْرٍ، عن الأحْنَفِ بن قيسٍ، قال: رأيتُ في مسجد المدينة رجلًا غليظ الثيابِ، رَثَّ الهيئةِ، يَطُوفُ في الحِلَقِ وهو يقولُ: بَشِّرْ أصحابَ الكنوز بِكَيٍّ في جُنُوبِهم، وكَيٍّ في جِباههم، وكَيٍّ في ظهورِهم. ثم انطلق وهو يَتَذمَّرُ يقولُ: ما عسى تَصْنعُ بي قريش!

حدثنا محمد بن عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: قال أبو ذَرٍّ: بَشِّرْ أصحاب الكنوز بكيٍّ في الجباهِ، وكَيٍّ في الجُنُوبِ، وكَيٍّ في الظهور

(2)

.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن قابوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ} . قال: حَيَّةٌ تَنْطَوى على جَبِينِه

(3)

وجَبْهِتِه، تقولُ: أنا مالك الذي بَخِلْتَ به

(4)

.

حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجَعْدِ، عن مَعْدانَ بن أبي طَلْحَةَ، عن ثَوْبَانَ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقولُ: "مَن تَرَك بعدَه كَنْزًا، مَثَلَ له يومَ القيامةِ شُجاعًا أَقْرَعَ له زبيبتان، يَتْبَعُه، يقولُ: وَيْلَكَ ما

(1)

أخرجه أحمد 5/ 160 (الميمنية)، ومسلم (992/ 34، 35)، وابن حبان (3259) من طريق إسماعيل بن عليه به. وأخرجه البخارى (1407) من طريق الجريري به بنحوه.

(2)

أخرجه عبد الرزاق 1/ 273 في تفسيره عن معمر به، وهو في مصنفه (6865).

(3)

في ت 2: "جنبيه".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1790 من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 233 إلى أبي الشيخ.

ص: 438

أنت؟ فيقولُ: أنا كَنْزُك الذي تَرَكْتَه بعدَك. فلا يَزالُ يَتْبَعُه حتى يُلْقِمَه يَدَه فيَقْضِمَها، ثم يَتْبَعَه سائرَ جسده"

(1)

.

حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن

(2)

طاوسٍ، عن أبيه، قال: بَلَغَنى أن الكنوزَ تَتَحوَّلُ يومَ القيامةِ شُجاعًا يَتْبَعُ صاحبه وهو يَفِرُّ منه، ويقولُ: أنا كَنْزُك. لا يُدْرِكُ منه شيئًا إلا أخَذه

(3)

.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مَسْروقٍ، عن عبد الله، قال: والذي لا إله غيرُه، لا يُكْوَى عبدٌ بِكَنْزٍ فيمَسُّ دينارٌ دينارًا، ولا درهمٌ درهما، ولكن يُوسَّعُ جلده، فيُوضَعُ كلُّ دينارٍ ودرهم على حِدَتِه

(4)

.

قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: ما مِن رجلٍ يُكْوَى بكنزٍ، فيُوضَعُ دينارٌ على دينار، ولا درهمٌ على درهمٍ، ولكن يوسَّعُ جلْدُه

(5)

.

‌القول في تأويل قوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} .

(1)

أخرجه البزار (882 - كشف)، وابن خزيمة (2255) من طريق بشر به، وأخرجه ابن حبان (3257)، والطبراني (1408)، والحاكم 1/ 388، وأبو نعيم في الحلية 1/ 181 من طرق عن يزيد به.

(2)

سقط من: م.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 274.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 212، والطبراني (8754) من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنشور 3/ 233 إلى أبي الشيخ.

(5)

تفسير الثورى ص 125 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1790.

ص: 439

يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ عِدَّةَ [شهورِ السنة عند الله]

(1)

اثنا عشر شهرًا في كتاب الله الذي كَتَب فيه كلَّ ما هو كائنٌ في قضائه الذي قَضَى يوم خلق السماواتِ والأرضَ، {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}. يقولُ: هذه الشهور الاثنا عَشَرَ، منها أربعةُ أشهر حرمٍ كانت الجاهلية تُعَظِّمُهن وتُحرِّمُهن، وتُحرِّمُ القتال فيهن، حتى لو لَقِى الرجلُ منهم فيهن قاتل أبيه لم يَهِجْه، وهُنَّ رجبُ مُضَرَ، وثلاثةٌ مُتوالياتٌ؛ ذو القَعْدةِ، وذو الحجَّةِ، والمحرمُ. وبذلك تَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: ثنا موسى بن عُبيدةَ الرَّبَذِيُّ، قال: ثنى صدقةُ بنُ يَسارٍ، عن ابن عمر، قال: خَطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجَّةِ الوداع بمنًى في أوسط أيام التشريق، فقال:"يا أيُّها الناسُ، إن الزمان قد استَدَارَ كهيئته يومَ خَلَقَ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهورِ عندَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، أَوَّلُهن رجبُ مُضَرَ بينَ جمادى وشعبان، وذو القعدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ"

(2)

.

حدثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا أَشْعَثُ، عن محمد بن سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَق الله السماوات والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهرًا في كتابِ الله يومَ خَلَق السماوات والأرضَ، منها أربعةٌ حرمٌ، ثلاثة متوالياتٌ، ورجبُ مُضَرَ بينَ جمادى وشعبانَ"

(3)

.

(1)

في م: "الشهور".

(2)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 74، 75 عن المصنف، وأخرجه عبد بن حميد (856)، والبزار (1141 - كشف)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1791 من طريق موسى بن عبيدة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 234 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(3)

أخرجه البزار (1142 - كشف)، عن محمد بن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 234 إلى ابن مردويه.

ص: 440

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا أيوب، عن محمدِ بن سيرينَ، عن أبي بَكْرةَ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خَطَبَ في حَجة الوداعِ، فقال:"ألَا إن الزمانَ قد استَدارَ كهيئته يومَ خَلَقَ الله السماواتِ والأَرضَ، السنة اثنا عَشَرَ شَهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثةٌ مُتَوالياتٌ؛ ذو القعدة، وذو الحِجَّةِ، والمحرم، ورجب مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشعبانَ"

(1)

.

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سليمانُ التَّيْمِيُّ، قال: ثني رجلٌ بالبحرين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حَجَّةِ الوداع:"ألا إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلق الله السماوات والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهور عندَ اللهِ اثْنا عشَر شهرًا، ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القعدة، وذو الحِجَّةِ، والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان".

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن ابن أبي نَجيحٍ قوله:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة متوالياتٌ؛ ذو القَعدة، وذو الحِجَّة، والمحرم، ورجبٌ الذي بين جمادى وشعبانَ"

(2)

.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أن

(1)

أخرجه أحمد 5/ 237 (الميمنية)، وأبو داود (1947)، والنسائي (4141)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1791 من طريق إسماعيل بن إبراهيم به. وأخرجه البخارى (105، 3197، 4406، 4662، 5550، 7447)، ومسلم (1679)، وأبو داود (1948)، والبيهقى في الشعب (3805) من طريق أيوب به. وأخرجه أحمد 5/ 40 من طريق ابن سيرين به، وأخرجه أحمد 5/ 37 (الميمنية)، والدارمي (1922)، والبخارى (67)، ومسلم (1979)، والترمذى (1520)، والنسائى (4401) من طرق عن أبي بكرة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 234 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 604 من قول ابن إسحاق.

ص: 441

نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومَ منًى: "ألَا إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَقَ اللَّهُ السماوات والأرضَ، وإن عِدَّةَ الشهور عندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهرًا، منها أربعة حرمٌ، ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القَعْدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحرم، ورجب مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشعبان".

وهو قول عامة أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} : أمَّا {أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} ؛ فذو القعدة، وذو الحجة، والمُحرَّمُ، ورجب، وأمَّا {كِتَابِ اللَّهِ} ، فالذى عندَه

(1)

.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قول الله:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} . قال: يُعْرَفُ بها شأنُ النَّسِيءِ، ما نَقَص مِن السنةِ

(2)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قول الله:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ} . قال: يُذْكَرُ بها شأنُ النَّسِيءِ.

وأما قوله: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} . فإن معناه: هذا الذي أخبرتكم به، مِن أن عِدَّةَ الشهور عندَ اللهِ اثنا عشرَ شهرًا في كتاب الله، وأن منها أربعةً حُرُمًا - هو

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1791 من طريق أحمد به مقتصرا على آخره.

(2)

تفسير مجاهد ص 368 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1791، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 236 إلى أبى الشيخ.

ص: 442

الدين المستقيم.

كما حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي:{ذَلِكَ الدَّينُ الْقَيِّم} . يقولُ: المستقيمُ

(1)

.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} . قال: الأمرُ القَيِّمُ.

يقول

(2)

تعالى: واعلموا أيها الناسُ أن عِدَّةَ الشهورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شهرًا في كتابه

(3)

الذي كتب فيه كلَّ ما هو كائنٌ، وأن من هذه الاثْنى العشر الشهرَ، أربعةَ أشهرٍ حُرُما، ذلك دين الله المستقيمُ، لا ما يَفْعَلُه النَّسِيءُ

(4)

مِن تَحليلِه ما يُحَلَّلُ مِن شهور السنة، وتحريمه ما يُحَرِّمُه منها.

وأما قوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} . فإن معناه: فلا تَعْصُوا اللَّهَ فيها، ولا تُحِلُّوا فيهنَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ عليكم، فتكسبوا أنفسكم ما لا قبل لها به مِن سَخَطِ اللَّهِ وعقابه.

كما حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} . قال: الظُّلْمُ العمل بمعاصى اللهِ والتَّرْكُ لطاعته

(5)

.

ثم اختَلَف أهل التأويل في الذي عادت عليه الهاء والنونُ في قوله: {فِيهِنَّ} ؛

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1792 من طريق أحمد بن المفضل به.

(2)

بعده في م: "قال".

(3)

في م: "كتاب الله".

(4)

في ت 1، س، ف:"الذي".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1792 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

ص: 443

فقال بعضُهم: عادَ ذلك على "الاثْنى العشَرَ الشهرَ". وقال: معناه: فلا تَظْلِموا في الشهور كلها أنفسكم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} : في كُلِّهن، ثم اختصَّ مِن ذلك أربعة أشهرٍ فَجَعَلَهن حُرُمًا، وعَظَّمَ حُرُماتِهن، وجَعَل الذنب فيهنّ أعظم، والعمل الصالح والأجرَ أعظم

(1)

.

حدثنا ابن وكِيعٍ، قال: ثنا سويد بن عمرٍو، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عن عليِّ بن زيد، عن يوسف بن مِهْرَانَ، عن ابن عباسٍ:{فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} . قال: في الشهور كلِّها

(2)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تَظْلِموا في الأربعةِ الأشهرِ الحُرُّمِ أنفسَكم. والهاء والنون عائدةٌ على "الأشهر الأربعةِ".

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، قتادة: أما قوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} . فإن الظلم في الأشهرِ الحُرُمِ أعظمُ خطيئةً ووِزْرًا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1791، والبيهقي في الشعب (3806) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 236 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1792 من طريق حماد بن سلمة به.

ص: 444

من الظلمِ فيما سواها، وإن كان الظلم على كلِّ حالٍ عظيمًا، ولكنَّ الله يُعظِّمُ مِن أمرِه ما شاء. وقال: إن الله اصْطَفى صَفَايا من خلقِه؛ اصْطَفى مِن الملائكةِ رُسُلًا، ومن الناسِ رُسُلًا، واصْطَفى من الكلام ذِكْرَه، واصْطَفى من الأرض المساجد، واصْطَفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصْطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالى ليلةَ القَدْرِ، فَعَظِّموا ما عَظْمَ اللَّهُ، فإنما تُعَظَّمُ الأمورُ بما عَظَّمَها الله عند أهلِ الفهم وأهل العقل

(1)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا تَظْلِموا في تَصْييرِكم حرام الأشهر الأربعةِ حلالًا، وخلالها حراما - أنفسكم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} . إلى قوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} . أي: لا تَجْعَلوا حَرامَها حلالًا، ولا حلالَها حرامًا، كما فَعَل أهلُ الشِّرْكِ، فإنما النَّسِيءُ الذي كانوا يَصْنَعون من

(2)

ذلك {زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية

(3)

.

حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن:{فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} . قال: ظلمُ أنفسكم ألا

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 90 وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 236 إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر وأبى الشيخ، وهو عند ابن أبي حاتم 6/ 1793 من طريق يزيد به إلى قوله: ما شاء.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 548.

ص: 445

تُحَرِّموهن كحُرمتهن

(1)

.

حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيزِ، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمدِ بن عليٍّ:{فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} . قال: ظُلْمُ أنفسِكم أن لا تُحَرِّمُوهُنَّ كَحُرْمَتِهِنَّ.

(1)

حدثنا أحمد بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمدٍ بنحوه.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قولُ مَن قال: فلا تَظْلِموا في الأشهر الأربعة أنفسَكم، باسْتحلال حَرامِها، فإن الله عَظَّمَها وعَظَّمَ حُرمتها.

وإنما قُلنا: ذلك أولى بالصوابِ في تأويله؛ لقوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ} . فأخرج الكناية عنهن

(2)

مُخْرَجَ الكناية عن جمعِ

(3)

ما بين الثلاثة إلى العشرة. وذلك أن العربَ تقولُ فيما بين الثلاثةِ إلى العشرة إذا كَنَتْ عنه: فَعَلنا ذلك لثلاث ليالٍ خَلَون، ولأربعةِ أيام بَقِين. وإذا أخْبَرَت عما فوقَ العشرة إلى العشرين قالت: فَعَلْنا ذلك لثلاثَ عشْرَةَ خَلَت، ولأربعَ عَشْرَةَ مَضَت. فكان في قوله جلَّ ثناؤُه:{فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} . وإخراجه كناية عددِ الشهور التي نَهَى المؤمنين عن ظُلْمِ أنفسهم فيهن مُخْرَجَ عددِ الجمع القليلِ من الثلاثة إلى العشرة - الدليل الواضح على أن الهاءَ والنونَ من ذكره "الأشهر الأربعةِ" دونَ "الاثنى العشَرَ"؛ لأن ذلك لو كان كناية عن "الاثْنى العشَرَ الشهرَ" لكان: فلا تَظْلِموا فيها أنفسكم.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1792 من طريق سفيان به.

(2)

في م: "عنه".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"جميع".

ص: 446

فإن قال قائل: فما أنْكَرْتَ أن يكونَ ذلك كناية عن "الاثنى العشر الشهر"، وإن كان الذي ذَكَرْتَ هو المعروف في كلام العربِ؟ فقد علمت أن المعروف مِن كلامها إخراج كناية ما بين الثلاثِ إلى العشرِ بالهاء دون النونِ، وقد قال الشاعر

(1)

:

أَصْبَحْنَ فِي قُرْحٍ

(2)

وفِي دَارَاتِها

(3)

سَبْعَ ليالٍ غَيْرَ مَعْلُوفاتِها

ولم يَقُلْ: مَعْلوفاتهن. وذلك كنايةٌ عن السَّبْع؟

قيل: إن ذلك وإن كان جائزًا، فليس بالأفصح الأعرف في كلامها، وتوجيهُ كلام الله إلى الأفصح الأغرفِ أَوْلى مِن تَوجيهه إلى الأنكرِ.

فإن قال

(4)

: فإن كان الأمرُ على ما وَصَفتَ، فقد يجب أن يكونَ مُباحًا لنا ظُلْمُ أنفسنا في غيرِهنَّ مِن سائر شهور السنة.

قيل: ليس ذلك كذلك، بل ذلك حرام علينا في كلِّ وقتٍ وزمانٍ، ولكن الله عَظَّمَ حُرمة هؤلاء الأشهرِ وشَرَّفَهن على سائر شهور السنة، فَخَصَّ الذنب فيهن بالتعظيمِ، كما خَصَّهنَّ بالتشريف، وذلك نظير قوله:{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238]. ولا شكَّ أن الله قد أَمَرَنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلِّها بقوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} . ولم يُبحْ تَرْكَ

(1)

معاني القرآن للفراء 1/ 435 ونسبه إلى أبى القمقام الفقعسى، وحماسة أبي تمام 2/ 416 من أبيات نسب بعضها إلى عمرو بن لجأ.

(2)

القرح: سوق وادى القرى. معجم البلدان 4/ 53.

(3)

داراتها: جمع دارة، وهى: كل أرض واسعة بين جبال. اللسان (د و ر).

(4)

بعده في م: "قائل".

ص: 447

المحافظةِ عليهنَّ بأمرِه بالمحافظةِ على الصلاة الوسطى، ولكنه تعالى ذكره زادها تَعْظِيمًا، وعلى المحافظة عليها توكيدًا، وفى تضييعها تشديدا. فكذلك ذلك في قوله:{مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدَّينُ الْقَيَّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} .

وأما قوله: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} . فإنه يقول جل ثناؤه: وقاتِلوا المشركين باللَّهِ أَيُّها المؤمنون جميعًا غير مختلفين، مؤتلفين غير متفرقين

(1)

، كما يُقاتِلُكم المشركون جميعًا مُجْتَمِعين غيرَ مُتَفَرِّقين.

كما حدَّثني محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدِّيِّ:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةً} : أما {كَافَّةً} فجميعٌ وأمرُكم مُجْتَمِعُ

(2)

.

حدثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} . يقولُ: جميعا

(3)

.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} . أي: جميعًا.

والكافة في كلِّ حالٍ على صورة واحدة لا تُذكَّرُ ولا تُجمَعُ؛ لأنها وإن كانت بلفظ "فاعلةٍ"، فإنها في معنى المصدر، كالعافية والعاقبةِ، ولا تُدْخِلُ العرب فيها الألف واللامَ؛ لكونها آخر الكلام، مع الذي فيها من معنى المصدرِ، كما لم يُدخِلوها إذا قالوا: قاموا معًا، وقاموا جميعًا.

(1)

في ص، ت 1 ف:"متفقين"، وفى م:"مفترقين".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1793 من طريق أحمد بن المفضل به.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1793 من طريق أبي صالح به.

ص: 448

وأما قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} . فإن معناه: واعْلَموا أيُّها المؤمنون بالله أنكم إن قاتلتم المشركين كافَّةً، واتَّقَيْتُم الله، فأَطَعْتُموه فيما أمركم ونَهاكم، ولم تُخالفوا أمره فتَعْصُوه، كان الله معكم على عدوِّكم وعدوِّه من المشركين، ومَن كان الله معه لم يَغْلِبُه شيءٌ؛ لأن الله مع مَن اتَّقاه، فَخافَه وأطاعَه فيما كَلَّفَه مِن أمره ونهيه.

‌القول في تأويلِ قوله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)} .

يقول تعالى ذكره: ما النَّسِيءُ إلا زيادةٌ في الكفر.

والنَّسِيءُ مصدرٌ مِن قول القائل: نَسَأْتُ في أيامك

(1)

. و: نَسَأَ اللهُ في أجلك. أي: زادَ الله في أيام عُمُرِك ومُدَّةِ حياتك حتى تبقى فيها حيًّا. وكلُّ زيادةٍ حَدَثَت في شيءٍ، فالشيءُ الحادثُ فيه تلك الزيادة بسبب ما حَدَثَ فيه، نَسِيءٌ، ولذلك قيل للَّبَنِ إذا كُثِّر بالماءِ: نَسِيءٌ. وقيل للمرأةِ الحُبلَى: نَسُوءٌ. ونُسِئَت المرأةُ؛ لزيادة الولد فيها. وقيل: نَسَأْتُ الناقةَ وأَنْسَأَتُها. إذا زَجَرتَها ليزدادَ سَيْرُها.

وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ

(2)

النسيءُ "فَعِيل"، صرف إليه من "مفعولٍ"، كما قيل: لَعِينٌ وقتيلٌ. بمعنى: مَلْعونٌ ومقتولٌ، ويكون معناه: إنما الشهرُ المُؤَخَّرُ زيادةٌ في الكفر. وكأنَّ القول الأول أشبه بمعنى الكلام، وهو أن يكون معناه: إنما التأخير الذي يُؤخِّرُه أهلُ الشِّرْكِ بالله من شهور الحرُم الأربعة، وتصْييرُهم الحرام منهنَّ حلالًا،

(1)

تقول إذا أخرت الرجل بدينه: أنسأته. فإذا زدت في الأجل زيادة يقع عليها تأخير قلت: قد نسأت في أيامك وفى أجلك. معاني القرآن للفراء 1/ 437.

(2)

سقط من: م.

ص: 449

والحلال منهنَّ حرامًا - زيادةٌ في كفرهم وجُحُودِهم أحكام الله وآياته.

وقد كان بعضُ القرأة يقرأُ ذلك: (إنما النسيُّ). بتَرْكِ الهمز، وتركِ مَدِّه

(1)

، {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} .

واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقَرَأته عامة قرأةِ

(2)

الكُوفيين: {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} . بمعنى: يُضِلُّ اللهُ بالنسئِ الذي ابتدعوه وأحدثوه الذين كفروا.

وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرة وبعضُ الكوفيين: (يَضِلُّ به الذين كفروا). بمعنى: يزولُ عن مَحَجَّةِ اللهِ التي جَعَلها لعباده طريقًا يَسْلُكونه إلى مَرْضاتِه الذين كَفَروا

(3)

.

وقد حكى عن الحسن البصرى: (يُضِلُّ به الذين كفروا). بمعنى: يُضِلُّ بالنَّسِيءِ الذي سَنَّه الذين كَفَروا الناسَ

(4)

.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يُقال: هما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ [من القراءة]

(5)

أهل علمٍ

(6)

بالقرآن [ومعرفةٍ]

(7)

به، وهما متقاربتا المعنى؛ لأن مَن أضَلَّه الله فهو ضالٌّ، ومن ضلَّ فبإضلال الله إياه وخِذْلانِه له ضَلَّ، فبأيَّتِهما قرأ القارئ فهو للصواب في ذلك مُصِيبٌ.

(1)

قراءة ورش وأبى جعفر بإبدال الهمزة ياءً وإدغام الياء قبلها فيها فيصير اللفظ بياء مشددة. النشر 1/ 314، وإتحاف فضلاء البشر 145.

(2)

سقط من: م.

(3)

قرأ عاصم - في رواية حفص - وحمزة والكسائى وخلف بضم الياء وفتح الضاد. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر بفتح الياء وكسر الضاد. السبعة لابن مجاهد ص 314.

(4)

وقرأ بها يعقوب الحضرمي، ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 437، وإتحاف فضلاء البشر ص 145، والنشر 2/ 210.

(5)

في م: "القراء".

(6)

في م: "العلم".

(7)

في م: "والمعرفة".

ص: 450

وأمَّا الصوابُ مِن القراءة في {النَّسِيءُ} فالهمز

(1)

، وقراءته على تقدير فعيلٍ؛ لأنها القراءة المستفيضة في قرأةِ الأمصار التي لا يجوز خلافُها فيما أَجْمَعَت

(2)

عليه.

وأما قوله: {يُحِلُّونَهُ عَامًا} . فإن معناه: يُحِلُّ الذين كَفَروا النسئ، و "الهاء" في قوله:{يُحِلُّونَهُ} . عائدةٌ عليه.

ومعنى الكلام: يُحِلُّون الذي

(3)

أخَّروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم عامًا، {وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ}. يقول: ليُوافقوا بتحليلهم ما حَلَّلوا من الشهور وتحريمهم ما حَرَّموا منها عِدَّةَ ما حَرَّم الله، فيحلوا ما حرم الله، {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ}. يقولُ: حُسِّنَ لهم وحُبّب إليهم سَيِّئ أعمالهم وقبيحها، وما خُولف به أمر الله وطاعته، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}. يقولُ: والله لا يُوفِّقُ لمحاسن الأفعال [وجميلها]

(4)

، وما لله فيه رضًى، القوم الجاحدين توحيده، والمنكرين نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، [ولكنه]

(5)

يُخَذِّلُهم عن الهدى، كما خَذَّلَ هؤلاء الناس عن

(6)

الأشهر الحرم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن

(1)

القراءتان كلتاهما صواب.

(2)

في ت 2: "اجتمعت".

(3)

في م، س، ف:"الذين".

(4)

في م: "وحلها".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ولكنهم".

(6)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

ص: 451

ابن عباسٍ قوله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} . قال: النَّسِيءُ

(1)

: أن جُنادة بن عوف بن أُمَيَّةَ الكِنانيَّ كان يُوافى الموسم

(2)

كل عامٍ، وكان يُكنى أبا تمامةَ

(3)

، فينادى: ألا إن أبا ثُمامةَ لا يحابُ

(4)

ولا يُعابُ، ألا وإن صَفَرَ العامِ الأولِ العام

(5)

حلالٌ. فَيُحِلُّه

(6)

الناسُ، فيُحَرَّمُ صفرٌ عامًا، ويُحَرَّمُ المحرم عامًا، فذلك قوله تعالى:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله: {الْكَافِرِينَ} . وقوله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} . يقولُ: يَتركون المحرم عامًا، وعامًا يُحرِّمونه

(7)

.

قال أبو جعفر: وهذا التأويلُ من تأويل ابن عباسٍ يدلُّ على صحة قراءةِ مَن قرأ (النَّسيُّ) بتركِ الهمز وتركِ المدِّ. وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه "فَعْلٌ" مِن قولِ القائل: نَسِيتُ الشيءَ أَنساه. ومن قولِ اللهِ: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]. بمعنى: تَرَكوا الله فتَرَكَهم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} . قال: فهو المحرم، كان يُحَرَّمُ عامًا وصفرٌ عامًا، وزِيدَ صفرٌ آخَرُ في الأشهر الحُرُم. وكانوا يُحَرِّمون صفرًا مرةً، ويُحِلُّونه مرةً، فعابَ الله ذلك. وكانت هَوازنُ وغَطَفانُ وبنو سُلَيْمٍ

(1)

بعده في م: "هو".

(2)

بعده في م: "في".

(3)

بعده في ص، ت 1، س، ف:"فيوافى الموسم كل عام"، وبعده في ت 2:"فيوافي كل عام".

(4)

في م، ف:"يجاب". ويحاب من الحوب وهو الإثم، والمعنى: لا يُنسب إلى الإثم. ينظر اللسان (ح و ب).

(5)

سقط من: م.

(6)

في م: "فيحل".

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1793، 1794 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 236 إلى ابن مردويه بنحوه.

ص: 452

تفعلُه

(1)

.

حدثنا ابن وَكِيعِ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} . قال: كان النسئُ رجلًا من بني كنانة، وكان ذا رأيٍ فيهم، وكان يجعَلُ سنةً المحرَّمَ صفرًا، فيُغيرون

(2)

فيه، فيَغْنَمون

(3)

فيه ويُصيبون، ويُحرِّمُه سنةً

(4)

.

قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن أبي وائل:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} الآية، وكان رجلٌ مِن بني كنانةَ يُسَمَّى النسئ، فكان يجعَلُ المحرَّمَ صفرًا، ويَسْتَحِلّ فيه الغنائم، فنَزَلَت هذه الآية

(5)

.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ لَيْثًا، عن مجاهد، قال: كان رجلٌ مِن بني كنانة يأتى كل عام في الموسم على حمارٍ له، فيقولُ: أَيُّها الناسُ، إنى لا أعابُ ولا أحاب

(6)

، ولا مَرَدَّ لما أقولُ، إِنَّا قد حَرَّمنا المحرمَ وأَخَّرْنا صفرًا. ثم يَجِيءُ العام المقبل بعده فيقولُ مثل مقالته، ويقولُ: إنا قد حَرَّمْنا صفرًا وأَخَّرْنا المحرم. فهو قوله: {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} . قال: يعنى الأربعةَ، {فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ} ، لتأخير هذا الشهر الحرام

(7)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 237 إلى ابن مردويه بنحوه مختصرا.

(2)

في م: "فيغزون".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فيعلمون".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1794 من طريق جرير به.

(5)

تفسير سفيان ص 126، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1794 بدون ذكر منصور، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 237 إلى ابن المنذر.

(6)

في م، ت 1، س، ف:"أجاب".

(7)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 92 عن ليث به.

ص: 453

حدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} : النسئ المحرم، وكان يُحرَّمُ المحرم عامًا ويُحرَّمُ صفرٌ عامًا، فالزيادةُ صفرٌ، وكانوا يُؤخِّرون الشهور حتى يَجْعَلُوا صفرًا المحرمَ، فيُحِلُّوا ما حَرَّم الله. وكانت هوازنُ وغَطَفانُ وبنو سُلَيمٍ يُعَظْمونه، وهم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية

(1)

.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله: {الْكَافِرِينَ} : عَمَد أناسٌ من أهل الضلالة فزادوا صفرًا في الأشهرِ الحُرُمِ، فكان يقومُ قائمُهم في الموسم فيقولُ: ألا إن آلهتكم قد حَرَّمَت العام المحرم. فيُحَرِّمونه ذلك العام، ثم يقومُ في العام المقبل فيقولُ: ألا إن آلهتكم قد حَرَّمَت صَفَرًا. فيُحَرِّمونه ذلك العام، وكان يقال لهما: الصَّفَران. قال: فكان أول من نسَأ النسئ بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة؛ أبو ثمامةً صفوان بن أمية، أحدُ بني فُقَيْمِ

(2)

بن الحرث، ثم أحدُ بني كنانة

(3)

.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} . قال: فَرَض الله الحج في ذى الحجة. قال: وكان المشركون يُسَمُّون الأشهر: ذو الحَجَّةِ، والمحرَّمُ وصفرٌ، وربيعٌ، وربيعٌ، وجمادَى، وجُمادى، ورجبٌ، وشعبانُ،

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 92.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"نعيم".

(3)

كذا في النسخ والدر المنثور؛ لم يذكر إلا واحدا، والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 237 إلى ابن المنذر.

ص: 454

ورمضان، وشوّال، وذو القعدة، وذو الحِجَّةِ

(1)

، يحجون فيه مرَّةً أخرى

(2)

، ثم يَسْكُتُون عن المحرَّم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيُسَمُّون

(3)

صَفَرًا صَفَرًا، ثم يُسَمُّون رجبًا جُمادى الآخرة، ثم يُسمُّون شعبان رمضان، [ثم يُسَمُّون رمضان شوالًا]

(4)

، ثم يُسمون ذا القعدة شوالًا، ثم يُسَمُّون ذا الحجة ذا القَعْدةِ، ثم يُسمون المحرم ذا الحجة، فيَحُجُّون فيه، واسمه عندهم ذو الحِجَّةِ. ثم عادوا بمثل

(5)

هذه القصة، فكانوا يحُجُّون في كلِّ شهرٍ عامين، حتى وافَقَ حَجَّةُ أبي بكرٍ، رضي الله عنه، الآخِرَ مِن العامين في ذى القَعْدَةِ، ثم حَجَّ النبي صلى الله عليه وسلم حَجَّته التي حَجَّ، فوافق ذا الحجَّةِ، فذلك حين يقولُ النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته:"إن الزمان قد اسْتَدارَ كهيئته يومَ خَلَقَ الله السماواتِ والأرضَ"

(6)

.

حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} . قال: حَجُّوا في ذى الحِجَّةِ عامين، ثم حَجُّوا في المحرم عامين، ثم حَجُّوا في صفرٍ عامين، فكانوا يَحُجُّون في كلِّ سنة في كلِّ شهر عامين، حتى وافَقَت حَجُّةُ أبى بكرٍ الآخرَ مِن العامين في ذى القَعْدَةِ قبلَ حَجَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بسنةٍ، ثم حَجَّ النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذى الحجة، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته: "إن الزمان قد اسْتَدارَ كَهَيْئَتِه يومَ خَلَقَ اللهُ

(1)

بعده في تفسير عبد الرزاق والدر المنثور: "ثم".

(2)

سقط من: م.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يسمون".

(4)

سقط من: ت 2، وفى ص، ت 1، س، ف:"ثم يسمون شوال رمضان".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"مثل".

(6)

تفسير عبد الرزاق 1/ 275، 276، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1795 من طريق ابن أبي نجيح به نحوه، بدون ذكر المرفوع، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 237 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وينظر تعليق ابن كثير على هذا الأثر في تفسيره 4/ 93.

ص: 455

السماوات والأرض".

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالك:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} . قال: كانوا يَجْعَلون السنة ثلاثةَ عشَرَ شهرًا، فيجعلون المحرم صفرًا، فيَسْتَحِلُّون فيه الحُرُماتِ، فَأَنزَلَ اللَّهُ:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زَيْدٍ في قوله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية. قال: هذا رجلٌ مِن بنى كِنانة يقال له القَلَمَّسُ

(1)

. كان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يُغيرُ بعضُهم على بعضٍ في الشهر الحرامِ، يَلْقَى الرجلُ قاتل أبيه فلا يمدُّ إليه يَدَه، فلما كان هو، قال: اخرجوا بنا. قالوا له: هذا المحرم. فقال: [نُنْسِئُه العام، هما العامَ صَفَران، فإذا كان [عام قابل]

(2)

قضينا فجَعَلناهما

(3)

مُحَرَّمَين. قال: ففَعَل ذلك، فلما كان]

(4)

. [عام قابل]

(5)

قال: لا تَغْزُوا في صفرٍ، حَرِّموه مع المحرَّمِ، هما مُحَرَّمان، المحرَّمُ أَنسأناه عامًا أَوّلَ ونقضيه ذلك الإنساءَ. وقال منافرُهم

(6)

:

* ومِنَّا مُنْسِئ الشهر

(7)

القَلَمَّس

(8)

*

(1)

قيل له ذلك لجوده؛ إذ القلمس من أسماء البحر. ينظر الروض الأنف 1/ 247، والتاج (قلمس).

(2)

في ص، ت 2، س، ف:"عاما قابلا"، وفى تفسير ابن كثير:"العام القابل".

(3)

في ص، ت 2 س، ف:"جعلناها"، وفى تفسير ابن كثير:"جعلناهما".

(4)

سقط من: ت 1.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"عاما قابلا".

(6)

في م: "شاعرهم". والمنافرة: المفاخرة. التاج (ن ف ر).

(7)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الشهور".

(8)

البيت في تفسير القرطبي 8/ 138 غير منسوب، وفيه "ناسيء". بدل "منسئ"، وينظر نسب قريش لمصعب الزبيرى ص 98.

ص: 456

وأنزل الله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} إلى آخِرِ الآية

(1)

.

وأما قوله: {زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} ، فإن معناه: زيادة كفر بالنَّسِيء إلى كفرهم بالله قبل

(2)

ابْتِداعِهم النسئ.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} . يقول: ازدادوا به كفرًا إلى كفرهم

(3)

.

وأما قوله: {لِيُوَاطِئُوا} ، فإنه من قول القائل: وَاطأتُ فلانًا على كذا أُواطِئُه مواطأةٌ. إذا وافقته عليه، مُعِينًا له، غيرَ مُخالفٍ عليه.

وروى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله:{لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} . يقولُ: يُشبهون

(4)

.

وذلك قريب المعنى مما بَيَّنَّا؛ وذلك أن ما شابه الشيء فقد وافقه من الوجه الذي شابهه.

وإنما معنى الكلام: أنهم يُوافقون بعدة الشهور التي يُحَرِّمُونها عدةَ الأشهرِ الأربعةِ التي حَرَّمها الله، لا يَزِيدون عليها ولا يَنْقُصون منها، وإِن قَدَّموا وأَخَّروا. فذلك مواطأَةُ عِدَّتِهِم عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ.

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 92 إلى قوله: هما محرمان. وقال عقبه: هذه صفة غريبة في النسئ وفيها نظر؛ لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط وفى العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر، فأين من قوله تعالى:{يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله} .

(2)

في م: "وقيل".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1794 من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1795 من طريق أبي صالح به.

ص: 457

‌القول في تأويل قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)} .

وهذه الآية حَثٌّ مِن الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم، وذلك غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك.

يقول جل ثناؤه: يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه، {مَا لَكُمْ}: أيُّ شيءٍ أمْرُكم، {إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}. يقول: إذا قال لكم رسولى محمدٌ: {انْفِرُوا} . أي: اخرُجُوا مِن منازلكم إلى مَغْزاكم.

وأصلُ النَّفْر مُفارقة مكانٍ إلى مكان لأمر هاجه على ذلك، ومنه نُفُورُ الدابة، غير أنه يقالُ مِن النَّفْرِ إلى الغزو: نَفَر فلانٌ إلى تَغْرِ كَذَا يَنْفِرُ نَفْرًا وَنَفِيرًا. وأَحسَبُ أَن من الفروق التي يُفَرِّقون بها بين اختلافِ المخبَرِ عنه وإن اتَّفقت معاني الخبرِ.

فمعنى الكلام: ما لكم أيها المؤمنون، إذا قيل لكم: اخرُجُوا غُزاةً في سبيل الله. أي في جهادِ أعداءِ اللهِ، {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ}. يقولُ: تَثاقَلْتُم إلى لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها.

وقيل: {اثَّاقَلْتُمْ} لاندغام

(1)

"التاءِ" في "الثاءِ"، فأُحدثت لها ألفٌ ليُوصَلَ

(2)

إلى الكلام، بها، لأن "التاء" مندغمةٌ

(3)

في "الثاء"، ولو أُسْقِطَت "الألفُ" وابْتُدِئَ بها، لم تكن إلا متحركةً، فأُحْدِثَت "الألفُ" لتَقَعَ الحركة بها،

(1)

في م: "لأنه أدغم".

(2)

في م: "ليتوصل".

(3)

في م: "مدغمة".

ص: 458

كما قال جل ثناؤه: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا} [الأعراف: 38]. وكما قال الشاعر

(1)

:

تولى الضَّحِيعَ إِذا ما اسْتافَها خَصِرًا

عَذْبَ المَذاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ

فهو بنى

(2)

الفعلَ افْتَعَلْتم مِن التَّثاقُلِ

(3)

.

وقوله: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} . يقولُ جلّ ثناؤُه: أَرَضِيتُم بحَظِّ

(4)

الدنيا والدَّعَةِ فيها، عوضًا مِن نعيم الآخرة وما عندَ اللهِ للمتقين في جَناتِه

(5)

، {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ}. يقولُ: فما الذي يستمتع به المستمتعون

(6)

في الدنيا من عَيْشِها ولذَّاتِها في نعيم الآخرة والكرامة التي أعدَّها

(7)

الله لأوليائه وأهل طاعته، {إِلَّا قَلِيلٌ}: يسير. يقولُ لهم: فاطلبوا أيُّها المؤمنون نعيم الآخرةِ [وشَرَفَ]

(8)

الكرامة التي عندَ اللهِ لأوليائه، بطاعته والمسارعة إلى الإجابة إلى أمره في النَّفِيرِ لجهادِ عدوِّه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

(1)

تقدم في 2/ 119.

(2)

في ت 1، ت 2، س، ف:"بين"، وهي غير منقوطة في: ص.

(3)

كذا هذه العبارة في النسخ، وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 260.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بحفظ".

(5)

في م: "جنانه".

(6)

في م: "المتمتعون".

(7)

في ص، ت 1، س، ف:"أوعدها"، وفي ت 2:"أودعها".

(8)

في م: "وترف".

ص: 459

نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ:{مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} : أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف وبعد حنينٍ، أُمروا بالنَّفْرِ

(1)

في الصيفِ، حينَ خُرِفَت

(2)

النخلُ، وطابت الثمارُ، واشْتَهَوا الظِّلالَ، وشَقَّ عليهم المخرجُ

(3)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} الآية. قال: هذا حين أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحُنَينٍ وبعد الطائف، أمَرَهم بالنَّفِيرِ في الصيف، حين اختُرِفَت النخلُ، وطابت الثمارُ، واشْتَهَوا الظِّلالَ، وشَقَّ عليهم المخرجُ. قال: فقالوا: مِنَّا

(4)

الثقيلُ، [وذو]

(5)

الحاجة والضَّيْعَةِ والشُّغُلِ، والمنتشرُ به أمره في ذلك كلِّه. فأنزل الله:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41].

‌القولُ في تأويل قوله: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)} .

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به مِن أصحاب رسولِه، مُتوعِّدهم على تركِ النَّفْرِ إلى عدوِّهم من الروم: إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى مَن اسْتَنْفَرَكم رسولُ الله،

(1)

في ص، م، ت 2:"بالنفير".

(2)

خرف النخل: صرمه واجتناه. اللسان (خ ر ف).

(3)

تفسير مجاهد ص 368، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1796، وعزاه السيوطي في المنشور 3/ 237 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف، وفى تفسير مجاهد ص 369:"فينا".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ذو".

ص: 460

يُعَذِّبْكم الله عاجلًا في الدنيا بترككم النَّفْرَ إليهم عذابًا مُوجِعًا، {وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ}. يقولُ: يَسْتبدِلِ اللهُ بكم نبيَّه قومًا غيركم، يَنْفِرون إذا اسْتُنْفِروا، ويُجيبونه إذا دُعُوا، ويُطيعون الله ورسوله، {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا}. يقولُ: ولا تَضُرُّوا الله بترككم النَّفير ومَعْصيتكم إياه شيئًا؛ لأنه لا حاجة به إليكم، بل أنتم أهل الحاجة إليه، وهو الغني عنكم وأنتم الفقراء، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. يقول جل ثناؤه: والله على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم، وعلى كل ما يشاءُ من الأشياء قدير.

وقد ذُكر أن العذاب الأليم في هذا الموضع كان احْتباسَ القَطْرِ عنهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنى عبد المؤمن بن خالد الحنفى، قال: ثنى نَجدَةُ الخُراسانى، قال: سَمِعتُ ابن عباس وسُئِل عن قوله: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اسْتَنْفَر حَيًّا مِن أحياءِ العرب فَتَثاقلوا عنه، فأُمْسِكَ عنهم المَطَرُ، فكان ذلك عذابهم، فذلك قوله:{إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}

(1)

.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، عن نجدة، قال: سألتُ ابن عباس. فذكر نحوه، إلا أنه قال: فكان عذابهم أن أمسك عنهم المَطَرُ.

حدثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: {إِلَّا تَنْفِرُوا

(1)

أخرجه عبد بن حميد (680)، وأبو داود (2506)، وابن أبي حاتم 6/ 1797، والحاكم 2/ 118، والبيهقى 9/ 48 من طريق زيد بن الحباب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 239 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

ص: 461

يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}: اسْتَنَفَر اللهُ المؤمنين في لَهَبَانِ الحَرِّ في غزوة تبوكَ قِبَلَ الشام، على ما يعلمُ اللهُ مِن الجَهْدِ.

وقد زَعَم بعضُهم أن هذه الآية منسوخةٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . وقال: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} إلى قوله: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 121]. فنَسَخَتها الآيةُ التي تَلَتْها

(1)

: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} إلى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}

(2)

[التوبة: 122].

قال أبو جعفر: ولا خبر بالذي قال عكرمة والحسنُ مِن نسخ حكم هذه الآية التي ذَكَرا

(3)

يجب التسليم له، ولا حُجَّةَ باتٌّ

(4)

بصحة ذلك، وقد رأى ثبوت الحكم بذلك عددٌ من الصحابة والتابعين سنذكُرُهم بعد. وجائزٌ أن يكون قوله:{إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . لخاصٍّ من الناس، ويكون المراد به من اسْتَنفَرَه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يَنْفِرْ، على ما ذكرنا من الرواية عن ابن عباسٍ.

وإذا كان ذلك كذلك، كان قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا

(1)

في ت 1، ت 2، س، ف:"تليها".

(2)

ذكره النحاس في ناسخه ص 503، وابن الجوزى في نواسخ القرآن ص 365، وابن كثير في تفسيره 4/ 95، وأخرجه ابن الجوزى في النواسخ ص 364، 365 من طريق على بن الحسين عن أبيه عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس.

(3)

في م: "ذكروا"، وفى ت 2:"ذكر أنه"، وفى ف:"ذكر".

(4)

في م: "تأتى".

ص: 462

كَافَّةً}. نَهْيًا مِن الله المؤمنين عن إخلاءِ بلادِ الإسلام بغير مؤمنٍ مقيمٍ فيها، وإعلامًا منه

(1)

لهم أن الواجب مِن

(2)

النَّفْرِ على بعضهم دون بعضٍ، وذلك على من اسْتُنْفِرَ منهم دونَ مَن لم يُسْتَنفَرْ. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في إحدى الآيتين نسخٌ للأخرى، وكان حكم كلِّ واحدة منهما ماضيًا فيما عُنيَتْ به.

‌القول في تأويل قوله: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} .

وهذا إعلامٌ من الله أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم أنه المتوكِّل بنصرة

(3)

رسوله على أعداء دينه، وإظهاره عليهم دونَهم، أعانوه أو لم يُعينوه، وتذكيرٌ منه لهم فعل ذلك به، وهو من العددِ في قلة والعدوُّ في كثرةٍ، فكيف به وهو من العددِ في كثرة والعدوُّ في قلَّةٍ؟

يقول لهم جلّ ثناؤه: إلَّا تنفروا أيها المؤمنون مع رسولى إذا اسْتَنفَرَكم فتَنْصُروه، فالله ناصِرُه ومُعِينه على عدوِّه، ومُغْنِيه عنكم وعن معونتكم ونُضرتكم، كما نَصَره {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} باللَّهِ مِن قريش من وطنه وداره، {ثَانِيَ اثْنَيْنِ}. يقولُ: أَخْرَجُوه وهو أحد الاثنين، أي: واحدٌ من الاثنين.

وكذلك تقول العربُ: هو ثاني اثنين. يعنى: أحد الاثنين، و: ثالث ثلاثة. و: رابع أربعة. يعنى: أحد الثلاثة، وأحد الأربعة. وذلك خلافُ قولهم: هو أخو

(1)

في: م: "من الله".

(2)

سقط من: م.

(3)

في م: "بنصر".

ص: 463

ستة، وغلام سبعة. لأن الأخ والغلامَ غيرُ الستة والسبعة، وثالث الثلاثةِ أحد الثلاثة

وإنما عَنَى جلّ ثناؤه بقوله: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} . رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكرٍ رضي الله عنه؛ لأنهما كانا اللذين خَرَجا هاربين مِن قريش، إِذ هَمُّوا بِقَتْلِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، واخْتَفَيا في الغارِ.

وقوله: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} . يقول: إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، رضي الله عنه، في الغارِ. والغارُ: النَّقْبُ

(1)

العظيم يكونُ في الجبل، {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ}. يقولُ: إذ يقول رسولُ اللهِ لصاحبه أبي بكرٍ: {لَا تَحْزَنْ} . وذلك أنه خافَ مِن الطَّلَبِ أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:{لَا تَحْزَنْ} . لأنَّ اللَّهَ مَعَنا والله ناصرُنا، فلن يعلم المشركون بنا، ولن يَصِلوا إلينا.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: فقد نَصَره الله على عدوّه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد، فكيف يَخْذُلُه ويُحْوِجه إليكم وقد كثر الله أنصاره وعدد جنوده؟

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد:{إِلَّا تَنْصُرُوهُ} . ذَكَر ما كان في أوَّلِ شأنه حينَ بَعَثه.

(1)

في ف: "الثقب".

ص: 464

يقولُ الله: [فأنا فاعلٌ ذلك به وناصِرُه، كما نَصَرْتُه إذ ذاك]

(1)

وهو ثاني اثنين

(2)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهد قوله:{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} . قال: ذَكَر ما كان في أوَّلِ شأنه حينَ بُعِث، فالله فاعل به كذلك، ناصِرُه كما نَصَره إذ ذاك {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} .

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} . قال: فكان صاحبه أبو بكر، وأما الغارُ فجبلٌ بمكة يقال له: ثَوْرٌ

(3)

.

حدثنا عبد الوارث بنُ عبدِ الصمد، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عُرْوةَ، عن عُرْوةَ، قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ، رضي الله عنه، وكان لأبي بكرٍ منيحةٌ

(4)

مِن غَنَمٍ تروح على أهله، فأرسل أبو بكرٍ عامر بن فهيرة في الغنم إلى ثورٍ. وكان عامرُ بنُ فُهَيرةَ يَرُوحُ بتلك الغنم على النبي صلى الله عليه وسلم بالغار في ثورٍ، وهو الغارُ الذي سَمَّاه الله في القرآن

(5)

.

حدثني يعقوب بن إبراهيم بن جُبَيرٍ الواسِطِيُّ، قال: ثنا عَفَّانُ وحبَّانُ، قالا: ثنا همامٌ، عن ثابت، عن أنس، أن أبا بكرٍ، رضي الله عنه، حَدَّثهم قال: بَيْنَا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار وأقدامُ المشركين فوق رءوسنا، فقلتُ: يا رسول الله، لو أن

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"وكل به كذلك ناصركم كما نصره".

(2)

تفسير مجاهد ص 369 ومن طريقه ابن أبي شيبة 14/ 333، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1798، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 239 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 243 إلى أبي الشيخ.

(4)

المنيحة: الشاة والناقة المعارة للبن. ينظر اللسان (م ن ح).

(5)

أخرجه المصنف في تاريخه 2/ 375 - 377 مطولا.

ص: 465

أحدَهم رَفَع قَدَمَه أَبْصَرَنا. فقال: "يا أبا بكرٍ، ما ظَنُّك باثْنَين الله ثالثهما؟ "

(1)

.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَرِيكٍ، عن إبراهيم بن مهاجرٍ، عن مجاهد، قال: مَكَثَ أبو بكرٍ مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغارِ ثلاثًا

(2)

.

حدثنا محمد بن عبد الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ:{إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} . قال: في الجبل الذي يُسَمَّى ثورًا، مَكث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ ثلاث ليالٍ

(3)

.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبيه، أن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، حينَ خَطَب قال: أَيُّكُم يَقْرَأُ سورةَ التوبة؟ قال رجلٌ: أنا. قال: اقرأ. فلما بَلَغ: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} . بَكَى أبو بكر وقال: أنا والله صاحِبه

(4)

.

‌القول في تأويل قوله: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)} .

(1)

أخرجه البزار (36) من طريق عفان وحبان به، وأخرجه ابن سعد 3/ 173، 174، وابن أبي شيبة 12/ 7، 14/ 333، وأحمد 1/ 189 (11)، وفى فضائل الصحابة (23)(179)، والترمذى (3096)، والمروزي في مسند أبي بكر (72)، وأبو يعلى (66)، وابن حبان (6278، 6869)، والبيهقي في الدلائل 2/ 480، 481 من طريق عفان به، وأخرجه عبد بن حميد (2)، والبخارى (4663)، ومسلم (2381)، والمروزي (71)، وأبو يعلى (67)، والبيهقي في الدلائل 2/ 481، والبغوى في تفسيره 4/ 50 من طريق حبان به، وأخرجه البخارى (3653، 3922)، والبيهقى في الدلائل 2/ 480، 481 من طريق همام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 242 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 334 عن وكيع به.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 276 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 243 إلى ابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1800 من طريق ابن وهب به.

ص: 466

يقول تعالى ذكره: فأنزل الله طُمأنينته وسُكونه على رسوله. وقد قيل: على أبي بكر. {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} . يقولُ: وقَوَّاه بجنود من عنده من الملائكة لم تَرَوْها أنتم، {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا}

(1)

: وهى كلمة الشِّرْكِ، {السُّفْلَى}: لأنها قُهِرَت وأُذلَّت، وأبطَلَها الله تعالى، ومَحَق أهلها، وكلُّ مَقهورٍ ومَغلوب فهو أسفلُ مِن الغالب، والغالب هو الأعلى، {وَكَلِمَةُ}. يقولُ: ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلا الله، [وهى]

(2)

كلمته، {الْعُلْيَا}: على الشِّرْكِ وأهله، الغالية

(3)

.

كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى} : وهى الشِّرْكُ باللَّهِ، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}: وهى لا إله إلا الله

(4)

.

وقوله: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} . خبر مبتدأٌ، غيرُ مردودٍ على قوله:{وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى} ؛ لأن ذلك لو كان معطوفًا على الكلمة الأولى لكان نَصْبًا.

وأما قوله: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، فإنه يعنى:{وَاللَّهُ عَزِيزٌ} في انتقامِه مِن أهل الكفر به، لا يَقْهَرُه، قاهِرٌ، ولا يَغْلِبُه غالب، ولا يَنْصُرُ

(5)

مَن عاقبه ناصرٌ، {حَكِيمٌ} في تَدْبيره خَلْقَه، وتَصْرِيفِه إياهم في مَشِيئَتِه.

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"السفلى".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"وهو".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الغالب".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1801 من طريق أبي صالح به.

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"منه".

ص: 467

‌القول في تأويل قوله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} .

اختلف أهل التأويل في معنى الخِفَّةِ والثِّقَل، اللذين أمَر اللهُ مَن كان به أحدهما بالنفر معه؛ فقال بعضُهم: معنى الخِفَّةِ التي عَناها الله في هذا الموضعِ، الشبابُ، ومعنى الثِّقَل الشَّيخوخةُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن رجل، عن الحسن، في قوله:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . قال: شِيبًا وشُبَّانًا.

حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا حَفْصٌ، عن عمرو، عن الحسنِ، قال: شُيُوخًا وشُبَّانًا

(1)

.

قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن أنس، عن أبي طَلْحَةَ:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . قال: كُهولًا وشُبّانًا، ما أسْمَعُ الله عَذَرَ أَحَدًا

(2)

. فَخَرَج إلى الشام، فجاهد حتى مات

(3)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّام، عن عَنبسةَ، عن المُغِيرَةِ بن النُّعْمَانِ، قال:

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 306 عن حفص بن غياث به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 246 إلى أبي الشيخ.

(2)

في ص، ف:"واحدا".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 341 عن ابن عيينة به (وسقط من سنده أنس)، وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 184، 185 من طريق ابن عيينة به. وأخرجه ابن المبارك في الجهاد (104)، وابن سعد 3/ 507، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1802 بنحوه مطولًا، والطبراني (4683)، والحاكم 3/ 353، والبيهقى 9/ 21 من طريق ابن جدعان به، وأخرجه أحمد في الزهد ص 250، 251، وأبو يعلى (3413)، وابن حبان (7184)، والحاكم 2/ 104، وابن الأثير في أسد الغابة 6/ 182 من طريق ثابت عن أنس بنحوه مطولًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 246 إلى ابن أبي عمر العدنى في مسنده وابن مردويه.

ص: 468

كان رجلٌ من النَّخَعِ، وكان شَيْخًا بادِنًا

(1)

، فأرادَ الغزو، فمنعه سعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فقال: إن الله يقولُ: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . فأَذِنَ له سعد. فقُتِل الشيخُ، فسأل عنه بعدُ عمرُ، فقال: ما فَعَل الشيخُ الذي كأنه

(2)

من بني هاشمٍ؟ فقالوا: قُتِل يا أمير المؤمنين.

حدَّثنا ابن وَكِيع، قال: ثنا يزيدُ بن هارون، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: الشابُّ والشيخُ

(3)

.

قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ، عن إسماعيلَ، عن عِكرمةَ، قال: الشابُّ والشيخُ

(4)

.

قال: ثنا المُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاك: كُهولًا وشُبَّانًا. قال: ثنا حَبُّويَة

(5)

أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن جعفر بن حميد، عن بِشرِ بن عَطِيَّةَ: كُهولًا وشُبَّانًا.

حدَّثنا الوليدُ، قال: ثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مُسْلم، عن بُكَيرِ

(6)

ابن مَعْروفٍ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ، في قوله:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . قال: شُبَّانًا وكُهُولًا.

حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي

(1)

رجل بادن: سمين جسيم. اللسان (ب د ن).

(2)

في م: "كان".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 306 عن يزيد بن هارون به.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 306 عن أبي أسامة به.

(5)

في م: "حيوة".

(6)

في ف: "بكر". وينظر تهذيب الكمال 4/ 252.

ص: 469

نَجيحٍ، عن مجاهد:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . قال: شَبَابًا وشُيُوخًا، وأغنياءَ ومساكيَن.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسنُ: شُيُوخًا وشُبَّانًا

(1)

.

حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثنا حريزٌ

(2)

، قال: ثنى حِبَّانُ

(3)

بنُ زيدٍ الشَّرْعَبِيُّ، قال: نَفَرْنا مع صفوان بن عمرو، وكان واليًا على حِمْصَ قِبَلَ الأُفْسُوسِ

(4)

، إلى الجَرَاجمةِ

(5)

، فَلَقِيتُ شَيْخًا كبيرًا هِمًّا

(6)

قد سَقَط حاجِباه على عَيْنَيْهِ مِن أهل دمشقَ على راحلته فيمَن أغارَ، فأقبَلتُ عليه فقلتُ: يا عم، لقد أعذَر الله إليك. قال: فرَفَع حاجبيه، فقال: يا ابن أخى، اسْتَنْفَرَنَا اللهُ خِفافًا وثِقالًا، مَن يُحِبَّه الله يَبْتَلِه، ثم يُعِيدُه فيَبْتَليه

(7)

، وإنما يتبتلى الله من عبادِه مَن شَكَر وصَبَر وذَكَر ولم يَعْبُدُ إلا الله.

حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . قال: كلُّ شَيْخٍ وشابٍّ.

وقال آخرون: معنى ذلك مَشاغِيلُ وغيرُ مَشاغِيلَ.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 306 من طريق قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 246 إلى أبى الشيخ.

(2)

في م، ت 1:"جرير". وينظر تهذيب الكمال 5/ 568.

(3)

في ص، ف:"حيان". وينظر تهذيب الكمال 5/ 336.

(4)

الأفسوس: بلد بثغور طرسوس، يقال إنه بلد أصحاب الكهف، وطرسوس مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. معجم البلدان 1/ 330، 3/ 536.

(5)

الجراجمة: قوم من العجم بالجزيرة أو نَبَط الشام. التاج (جرجم).

(6)

الهِمُّ: الشيخ الكبير البالى، وجمعه أهمام. اللسان (هـ م م).

(7)

في م: "فيبقيه".

ص: 470

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ وابنُ وَكِيعٍ، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن الحكم في قوله:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . قال: مَشاغِيلُ وغيرُ مَشاغِيلَ

(1)

.

وقال آخرون: معناه: انفروا أغنياءَ وفقراءَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسة، عمَّن ذكَره، عن أبي صالح:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . قال: أغنياءَ وفقراءَ

(2)

.

وقال آخرون: معناه: نِشاطًا وغيرَ نِشاطٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . يقولُ: انْفِرُوا نِشاطًا وغيرَ نِشاطٍ

(3)

.

حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{خِفَافًا وَثِقَالًا} . قال: نِشاطًا وغير نشاطٍ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 306، وابن أبي حاتم 6/ 1803 من طريق ابن مهدى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 246 إلى ابن المنذر.

(2)

ذكره البغوي في تفسيره 4/ 53.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1802، 1803 عن محمد بن سعد به.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 276 عن معمر به، وأخرجه ابن أبي شيبة 5/ 306 من طريق سعيد عن قتادة.

ص: 471

وقال آخرون: معناه: رُكْبانًا ومُشَاةً.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا على بن سَهْلٍ، قال: ثنا الوليد، قال: قال أبو عمرو: إذا كان النَّفْرُ إلى دُرُوبِ الشامِ، نَفَر الناسُ إليها [{خِفَافًا} رُكبانًا، وإذا كان النَّفْرُ إلى هذه السواحل، نَفَرُوا إليها]

(1)

{خِفَافًا وَثِقَالًا} رُكْبانًا ومُشَاةً

(2)

.

وقال آخرون: معنى ذلك: ذا ضَيْعَةٍ، وغير ذى ضَيْعَةٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . قال: الثَّقِيلُ الذي له الضَّيْعةُ، فهو ثَقِيلٌ يَكْرَهُ أن يُضَيِّعَ ضَيْعتَه، ويَخْرُجَ، والخفيفُ الذي لا ضَيْعةَ له، فقال الله:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}

(3)

.

حدَّثنا ابن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، عن أبيه، قال: زَعَم حَضْرَمِيٌّ أَنه ذُكر له أن ناسًا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلًا أو كبيرًا، فيقولُ - [إني أحسَبُه قال -: أنا لا]

(4)

آثم. فأنزل الله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}

(5)

.

(1)

سقط من: ت 1، س، ف.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 97.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 4/ 53.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س:"ان احسه أنا قال". وفى ف: "ان احسه قال أنا قال". وينظر مصدرى التخريج.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 96 عن معتمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 246 إلى المصنف.

ص: 472

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: شَهِد أبو أيوب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا، ثم لم يَتَخَلَّفْ عن غَزَاةٍ للمسلمين إلا وهو في أخرى

(1)

، إلا عامًا واحدًا، وكان أبو أيوبَ يقولُ:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . فلا أَجِدُنى إلا خَفِيفًا أو ثَقِيلًا

(2)

.

حدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا [حَريزُ بنُ]

(3)

عثمانَ، عن راشد بن سعدٍ، عمَّن رَأَى المقداد بن الأسودِ فارسَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على تابوتٍ من تَوابيتِ الصَّيَارِفةِ بحِمْصَ، وقد فَضَل عنه مِن عِظَمِه

(4)

، فقلتُ له: لقد أعذَر الله إليك. فقال: أبَتْ

(5)

علينا سورةُ "البُحوث

(6)

{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}

(7)

.

حدَّثنا سعيد بن عمرو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليد، قال: ثنا حَريزٌ، قال: ثنى عبدُ الرحمن بنُ مَيْسَرَةَ، قال: ثنى أبو راشدٍ الحُبْرانيُّ، قال: وَافَيتُ المقدادَ بن الأسودِ فارسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا على تابوتِ مِن توابيتِ الصَّيارفةِ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"آخرين".

(2)

أخرجه ابن سعد 3/ 485، والحاكم 3/ 458 من طريق ابن علية وعندهما زيادات، وأخرجه ابن أبي شيبة 5/ 305 من طريق أبى العوام عن أبي أيوب بمعناه.

(3)

في م، ف:"جرير عن". وينظر تهذيب الكمال 5/ 568.

(4)

يريد أنه زاد عن التابوت من سمنه.

(5)

في م، ت 1، ت 2، س، ف، وسنن البيهقى ومجمع الزوائد:"أتت". وأثبتناه كبقية مصادر التخريج وهو موافق لما في ص.

(6)

في النسخ: "البعوث". وهو تحريف. وسيأتي في الأثر التالى على الصواب. قال ابن الأثير: "في حديث المقداد: "قال أبت علينا سورة البحوث

" يعنى سورة التوبة، سميت بها لما تضمنت من البحث عن أسرار المنافقين، وهو إثارتها والتفتيش عنها. والبحوث جمع بحث. ورأيت في الفائق سورة البحوث بفتح الباء، فإن صحت فهى فعول من أبنية المبالغة

ويكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة" اهـ. النهاية 2/ 99.

(7)

ينظر الأثر الآتي.

ص: 473

بحِمْصَ، قد فَضَل عنها

(1)

مِن عِظَمِه، يريدُ الغَزْوَ، فقلتُ له: لقد أعذَر الله إليك. فقال: أبَتْ علينا سورةُ "البحوث

(2)

{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر المؤمنين بالنَّفْرِ الجهادِ أعدائه في سبيله، خفافًا وثِقالًا. وقد يَدْخُلُ في الخفافِ كلُّ مَن كان سَهْلًا عليه النَّفْرُ؛ لقُوَّةِ بَدَنِه على ذلك، وصِحَّةِ جسمه وشَبابِه، ومَن كان ذا يُسْرٍ

(4)

بمالٍ وفَراغٍ مِن الاشتغال، وقادرًا على الظَّهْرِ والرِّكابِ، ويَدْخُلُ في الثِّقَالِ كلُّ مَن كان بخلاف ذلك، من ضعيف الجسم وعليله وسَقِيمه، ومِن مُعْسِرٍ مِن المال، ومُشْتَغِلٍ بضَيْعةٍ ومَعاشٍ، ومَن كان لا ظَهْرَ له ولا ركاب، والشيخ ذو السِّنِّ والعيال.

فإذ كان قد يَدْخُلُ في الخفافِ والثِّقَالِ مَن وَصَفْنَا مِن أهل الصفاتِ التي ذكرنا، ولم يَكُن الله جلّ ثناؤُه خَصَّ مِن ذلك صِنْفًا دونَ صِنْفٍ في الكتاب، ولا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نَصَبَ على خُصوصه دليلًا - وَجَب أن يقال: إِن الله جل ثناؤه أمر المؤمنين من أصحابِ رسوله بالنَّفْرِ للجهاد في سبيله خِفَافًا وثِقَالًا مع رسوله صلى الله عليه وسلم، على كل

(5)

حالٍ مِن أحوال الخِفَّة والثِّقل.

حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن سعيدِ بن

(1)

في م: "عنه". وفي مجمع الزوائد: "عليها". قال الشيخ شاكر: التابوت مذكر وقد يؤنث.

(2)

في م، ومجمع الزوائد:"البعوث".

(3)

أخرجه الطبراني 20/ 236 (556)، والحاكم 3/ 349 من طريق بقية به، وأخرجه ابن أبي شيبة 5/ 315، 316، وابن أبي حاتم 6/ 1802 من طريق حريز به، وأخرجه البيهقى 9/ 21 من طريق جبير بن نفير عن المقداد بنحوه.

(4)

في م: "تيسر".

(5)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

ص: 474

مسْروقٍ، عن مُسْلِمِ بن صُبيحٍ، قال: أَوَّلُ ما نَزَلَ مِن "براءةَ"{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} .

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى مثله

(1)

.

حدَّثنا الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ

(2)

، عن مُجاهد، قال: إن أوَّلَ ما نَزَل مِن "براءةَ": {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} [التوبة: 25]. قال: يُعَرِّفُهم نَصْرَه، ويُوَطِّنُهم

(3)

لغزوة تبوك

(4)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)} .

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَجَاهِدُوا} أيُّها المؤمنون، الكفار، {بِأَمْوَالِكُمْ} . فَأَنْفِقُوها في مُجاهدتهم على دين الله الذي شرعه لكم، حتى ينقادوا لكم، فيَدْخُلُوا فيه طَوْعًا أو كَرْهًا، أو يُعْطُوكم الجزية عن يَدٍ صَغَارًا، إن كانوا أهلَ كتاب، أو تَقْتُلُوهم، {وَأَنْفُسِكُمْ}. يقولُ: وبأنفسكم، فقاتلوهم بأيديكم، يُخْزِهِمُ اللهُ ويَنْصُرْكم عليهم، {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ}. يقول: هذا الذي آمُرُكم به مِن النَّفْرِ في سبيلِ اللَّهِ تعالى خِفافًا وثقالًا، وجهاد أعداء الله بأموالكم وأنفسكم - خيرٌ لكم مِن التَّثاقُلِ إلى الأرضِ إذا

(1)

تفسير الثورى ص 126، 127، وذكره ابن كثير 4/ 96، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 246 إلى الفريابي وأبي الشيخ.

(2)

في م: "جرير".

(3)

في ت 2: "يوطيهم". وفي تفسير مجاهد: "يوطئهم أو يوطنهم". وينظر تفسير ابن أبي حاتم.

(4)

تفسير مجاهد ص 367، ومن طريقه ابن أبي حاتم 6/ 1772.

ص: 475

استنفرتم، والخلودِ إليها، والرِّضا بالقليل من متاعِ الحياة الدنيا عِوَضًا من الآخرة، إن كنتم من أهل العلم بحقيقة ما بُيِّنَ لكم مِن فَضْلِ الجهاد في سبيلِ اللهِ على القُعُودِ عنه

‌القول في تأويل قوله: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)} .

يقولُ جلّ ثناؤه للنبي - وكانت جماعةٌ من أصحابه قد استأذنوه في التَّخَلُّفِ عنه حينَ خَرَج إلى تبوك، فأذن لهم -: لو كان ما تدعو إليه المُتَخَلِّفين عنك، والمُسْتأذنيك في تَرْكِ الخروج معك إلى مَغْزَاك الذي اسْتَنْفَرْتهم إليه {عَرَضًا قَرِيبًا}. يقولُ: غَنِيمةً حاضِرةً، {وَسَفَرًا قَاصِدًا}. يقولُ: ومَوْضِعًا قَرِيبًا سَهْلًا، {لَاتَّبَعُوكَ} ونَفَروا معك إليهما، ولكنك اسْتَنْفَرْتَهم إلى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ، وكَلَّفْتَهم سَفَرًا شَاقًّا عليهم؛ لأنك اسْتَنْهَضْتَهم في وَقْتِ الحَرِّ، وزمانِ القَيْظِ، وحين الحاجة إلى الكنِّ

(1)

، {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ}. يقول تعالى ذكره: وسَيَحْلِفُ لك، يا محمد، هؤلاء المُسْتَأْذِنوك في تَرْكِ الخروج معك - اعتذارًا منهم إليك بالباطل، لِتَقْبَلَ منهم عُذْرَهم، وتَأْذَنَ لهم في التَّخَلُّفِ عنك - بالله كاذِبِين:{لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} . يقولُ: لو أَطَقْنا الخروج معكم، بوجودِ السَّعَةِ والمراكب والظُّهور وما لا بدَّ للمسافرِ والغازى منه، وصِحَّةِ البَدَنِ والقُوَى، لخَرَجْنا معكم إلى عدوِّكم. {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ}. يقول: يُوجِبُونَ لأنفسهم بحَلِفِهم بالله كاذبين الهلاك والعَطَبَ؛ لأنهم يُورثونها سَخَطَ

(1)

الكِن: وقاء كل شيء وستره، وهو ما يَرُدُّ الحر والبرد من الأبنية والمساكن. اللسان (ك ن ن).

ص: 476

اللَّهِ، ويُكْسِبُونها أليمَ عِقابِه، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. في حَلِفِهم باللَّهِ:{لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} ؛ لأنهم كانوا للخروج مطيقين، بوجودِ السبيل إلى ذلك بالذي كان عندهم من الأموال، مما يَحْتاجُ إليه الغازي في غزوه، والمُسافِرُ في سَفَرِه، وصِحَّةِ الأبْدانِ وقُوَى الأَجْسامِ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا} إلى قوله: {لَكَاذِبُونَ} : إنهم يَسْتَطيعون الخروج، ولكن كان تَبْطِئةً من عند أنفسهم والشيطانِ، وزَهَادةً في الخيرِ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة:{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا} . قال: هي غزوة تبوك

(2)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق:{وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} . أي: إنهم يَسْتَطِيعون

(3)

.

‌القول في تأويل قوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)} .

وهذا عِتابٌ مِن الله تعالى ذكره، عاتب به نبيَّه صلى الله عليه وسلم في إِذْنِهِ لَمَن أَذِن له في التَّخَلُّفِ عنه، حين شخص إلى تبوك لغزو الروم، مِن المنافقين.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 247 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وفيه: "الجهاد" بدل "الخير".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 276 عن معمر به.

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 549، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1805 من طريق سلمة به.

ص: 477

يقولُ جلّ ثناؤه: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} ، يا محمد، ما كان منك في إذنك لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في تَرْكِ الخروج معك، وفى التَّخَلُّفِ عنك، مِن قبل أن تَعْلَمَ صِدْقَه مِن كَذِبِه، {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} . لأى شيءٍ أَذِنْتَ لهم؟ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} ، يقولُ: ما كان ينبغي لك أن تَأْذَنَ لهم في التَّخَلُّفِ عنك إذ قالوا لك: لو استَطَعْنا لخرجنا معك. حتى تَعْرِفَ مَن له العُذْرُ منهم في تَخَلُّفِه، ومَن لا عُذْرَ له منهم، فيكونَ إِذْنُكَ لمَن أَذِنْتَ له منهم على علمٍ منك بعُذْرِه، وتَعْلَمَ مَن الكاذب منهم المُتَخَلِّفُ نِفاقًا وشَكًّا في دين الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} . قال: ناسٌ قالوا: اسْتَأْذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أذن لكم فاقْعُدُوا، وإن لم يَأْذَن لكم فاقْعُدُوا

(1)

.

حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} الآية. عاتبه كما تَسْمَعون، ثم أنزل الله التي في سورة "النور"، فرَخَّص له في أن يَأْذَنَ لهم إن شاء، فقال:{فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} [النور: 62].

(1)

تفسير مجاهد ص 369، ومن طريقه ابن أبي حاتم 6/ 1805، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 247 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

ص: 478

فجَعَله اللهُ رُخْصَةً في ذلك مِن ذلك

(1)

.

حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن ميمون الأَوْدِيِّ، قال: اثنتان فَعَلهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لم يُؤْمَرُ فيهما بشيءٍ؛ إذنه للمُنافقين، وأخذه من الأُسارى، فأنزل الله:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} الآية

(2)

.

حدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سُليمانَ، قال: قرأتُ على سعيد بن أبى عروبة، فقال: هكذا سمعته من قتادة، قوله:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} الآية: ثم أنزل الله بعد ذلك في سورة "النور": {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} الآية

(3)

.

حدثنا صالح بن مسمارٍ، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا موسى بنُ سَرْوَانَ

(4)

، قال: سألْتُ مُوَرِّقًا عن قوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} قال: عاتبه ربُّه

(5)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44)} .

وهذا إعلام من الله نبيه صلى الله عليه وسلم سيما المنافقين، أن من علاماتهم التي يُعرفون بها، تَخَلُّفَهم عن الجهاد في سبيل الله باستئذانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركهم الخروج معه

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 99.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (9403)، وسعيد بن منصور في سننه (1017 - تفسير) عن سفيان به.

(3)

أخرجه النحاس في ناسخه ص 505 من طريق سعيد به. وأخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1805 من طريق همام عن قتادة. وعزاء السيوطي في الدر المنثور 3/ 247 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(4)

في م: "مروان"، وينظر تهذيب الكمال 29/ 40، 68.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1805 من طريق النضر بن شميل به.

ص: 479

إذا اسْتُنْفِرُوا بالمعاذير الكاذبة.

يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تَأْذَنَنَّ فِي التَّخَلُّفِ عنك - إذا خَرَجْتَ لغزو عدوّك - لَمَن استأذنك في التَّخَلُّفِ مِن غَيرِ عُذْرٍ، فإِنه لَا يَسْتَأْذِنُكَ في ذلك إلا منافق لا يؤمن بالله واليوم الآخرِ. فأمَّا الذي يُصَدِّقُ بِاللهِ ويُقِرُ بوَحْدانيته وبالبعث والدار الآخرة والثواب والعقاب، فإنه لا يَسْتأْذِنُكَ في تَرْكِ الغزو وجهادِ أعداء الله بماله ونفسه، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}. يقولُ: والله ذو علم بمن خافَه فاتَّقاه بأداءِ فَرائضه، واجتناب معاصيه، والمسارعة إلى طاعتِه في غَزْوِ عدوِّه وجهادهم بماله ونفسه، وغير ذلك من أمره ونهيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . فهذا تعييرٌ للمُنافِقِين حين استأذنوا في القُعُودِ عن الجهادِ مِن غيرِ عُذْرٍ، وعَذَر الله المؤمنين فقال:{لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ}

(1)

[النور: 62].

‌القول في تأويل قوله: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)} .

يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنما يَسْتأذنك، يا محمد، في التَّخَلُّفِ خِلافَك، وترك الجهاد معك، من غيرِ عُذْرٍ بَيِّنٍ - الذين لا يُصَدِّقون بالله ولا يُقرُّون بتوحيده،

(1)

أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 273، وابن أبي حاتم 6/ 1806، والنحاس في ناسخه ص 506 من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 247 إلى ابن المنذر.

ص: 480

{وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} . يقولُ: وشَكَّت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله، وفي ثوابه أهل طاعته، وعقابه أهلَ مَعاصِيه، {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}. يقولُ: في شَكّهم مُتَحَيِّرون، وفى ظُلمةِ الحَيَرةِ مُتَرَدِّدون، لا يَعْرِفون حَقًّا مِن باطل فيَعْمَلُوا على بصيرةٍ. وهذه صفة المنافقين.

وكان جماعةٌ مِن أهل العلم يرون أن هاتين الآيتين مَنْسُوختان بالآية التي ذُكِرَت في سورة "النور".

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسنِ البَصْرِى، قالا: قوله: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} . إلى قوله: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} . نَسَختها الآيةُ التي في "النورِ": {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ} إلى {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(1)

. [النور: 62].

وقد بَيَّنَّا الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته هاهنا

(2)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)} .

يقول تعالى ذكره: ولو أراد هؤلاء المستأذنوك يا محمد، في ترك الخروج

(1)

أخرجه ابن الجوزى في نواسخه ص 367، 368 من طريق على بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس. وذكره النحاس في ناسخه ص 505 عن الحسن وعكرمة، وفيه أن آية سورة التوبة هي التي نسخت آية سورة النور.

(2)

تقدم في 2/ 388 وما بعدها.

ص: 481

معك [لجهاد عدوِّك - الخروج معك]

(1)

، {لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً}. يقولُ: لأَعَدُّوا للخروج عُدَّةً، ولَتَأهَّبُوا للسفر والعدوِّ أُهْبتهما، {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ}. يعنى: خُروجهم لذلك، {فَثَبَّطَهُمْ}. يقولُ: فثَقَّل عليهم الخروج حتى اسْتَخَفُّوا القُعود في منازلهم خلافك، واستثقلوا السفر والخروج معك، فتركوا لذلك الخروج، {وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}. يعنى: اقْعُدُوا مع المَرْضَى والضعفاء الذين لا يجدون ما يُنْفِقُون، ومع النساء والصِّبيانِ، واتركوا الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجاهدين في سبيل الله. وكان تَثْبيطُ اللَّهِ إيّاهم عن الخروج مع رسوله والمؤمنين به؛ لعِلْمِه بنفاقهم وغشهم للإسلام وأهله وأنهم لو خَرَجوا معهم ضَرُّوهم ولم يَنْفَعوا. وذُكر أن الذين اسْتَأذَنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القُعُودِ كانوا عبد الله ابنَ أُبَيٍّ ابن سلول، والجَدَّ بنَ قَيْسٍ، ومَن كان على مثل الذي كانا عليه.

كذلك حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: كان الذين استأذنوه، فيما بلغنى، مِن ذَوى الشَّرَفِ، منهم: عبد الله بن أُبَيٍّ ابن سلول، والجد بن قَيْسٍ، وكانوا أشرافًا في قومهم، فثبَّطَهم الله؛ لِعِلْمِه بهم، أن يَخْرُجوا معهم، فيُفْسِدوا عليه جندَه

(2)

.

‌القول في تأويل قوله: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)} .

يقول تعالى ذكره: لو خرج، أيُّها المؤمنون، فيكم هؤلاء المنافقون، {مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا}. يقولُ: لم يَزيدُوكم بخروجهم فيكم إلا فسادًا وضُرًّا؛ ولذلك ثبَّطتهم عن الخروج معكم.

(1)

سقط من: ت 1، س، ف.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 549، 550.

ص: 482

وقد بَيَّنَّا معنى الخَبَالِ بشَواهِدِه فيما مَضَى قبلُ

(1)

.

{وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} . يقولُ: ولأسْرَعوا برَكائبهم السَّيْرَ بينكم.

وأصله من إيضاع الخيل والركاب، وهو الإسْراعُ بها في السَّيْرِ. يقال للناقة إذا أسْرَعَت السيرَ: وَضَعَت الناقةُ تَضَعُ وَضْعًا ومَوْضوعًا

(2)

. وأوضَعَها صاحبها: إذا جدَّ بها وأسرع. يُوضِعُها إيضاعًا، ومنه قول الراجز

(3)

:

يا لَيْتَنى فيها جَذَع

أَحُبُّ فيها وأَضَعْ

وأما أصل الخلال، فهو من الخَلَلِ، وهى الفُرَجُ تكون بين القوم في الصفوف وغيرها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"تَرَاصُّوا في الصُّفوفِ لَا يَتَخَلَّلُكم أولاد الحذف"

(4)

.

(1)

ينظر ما تقدم في 5/ 708.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ووضوعًا". وهو من مصادر وضع ولكن وجدناه في معاجم اللغة بمعنى آخر؛ قالوا: ومن المجاز: وضع فلان نفسه وضعًا ووضوعًا، بالضم، وضَعةً، بالفتح؛ أذلها. وأثبتنا الذي في المطبوعة، إذ وجدنا في المعاجم ما يؤازره حيث وجدنا: ووضع البعير حكمته وضعًا وموضوعًا إذا طامن رأسه وأسرع. ومن المجاز: وضعت الناقة وضعًا وموضوعًا: أسرعت في سيرها والدابة تضع في سيرها وهو سير دون. ولها موضوع ومرفوع. ينظر اللسان، والتاج، والأساس (و ض ع).

(3)

البيتان لدريد بن الصمة، وينظر سيرة ابن هشام 2/ 439، واللسان (و ض ع). والجذع: صغير السن، وأخب: من الخبب وهو ضرب من العدو أو هو مثل الرمل أو السرعة، اللسان (ج ذ ع، خ ب ب).

(4)

أخرجه الطبراني في الصغير 1/ 119، والحاكم 1/ 217 بهذا اللفظ من حديث البراء بن عازب، وفيه زيادة:(قيل: وما أولاد الحذف؟ قال: "ضأن سود تكون بأرض اليمن ").

وأخرجه أبو داود (667)، والنسائى (814) من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ:"رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إنى لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحذف".

وكان في النسخ الخطية بياض بعد قوله: "يتخللكم". فلعله إشارة إلى سقط يوازيه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث البراء عند الطبراني: "لا يتخللكم الشيطان كأولاد". وكذلك ما في حديث أنس.

ص: 483

وأما قوله: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} . فإن [معناه: يبغون بكم الفتنة. يقول]

(1)

: يطلبون لكم ما تَفْتِنُون

(2)

به عن مَخْرَجِكم في مَغْزاكم، بتثبيطهم إياكم عنه. يقالُ منه: بَغَيتُه الشَّرَّ، وبَغَيتُه الخيرَ، أَبْغِيه بُغَاء. إذا الْتَمَسْتَه له، بمعنى: بَغَيتُ له. وكذلك عَكَمتك

(3)

، وحَلَبتك. بمعنى: حَلَبَتُ لك، وعَكَمتُ لك. وإذا أرادوا: أَعَنتُك على التماسه وطَلَبِه، قالوا: أبْغَيتُك كذا، وأحلبتك وأعكمتك. أي أعَنتُك عليه.

وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة:{وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} : بينكم، {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} بذلك

(4)

.

حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} . يقولُ: ولأوضَعوا أسلحتهم خلالكم، بالفتنة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} : يُبَطِّئونكم. قال: رفاعةُ بنُ التابوتِ، وعبد الله بن أُبيٍّ ابن سَلول، وأوسُ بنُ قَيْظِيٍّ

(5)

.

(1)

في م: "معنى يبغونكم الفتنة".

(2)

في م: "تفتنون".

(3)

عَكَم المتاع يعكمُه عَكمًا: شده بثوب. وهو أن يبسطه ويجعل فيه المتاع ويشده ويسمى حينئذ عكمًا. اللسان (ع ك م).

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1808 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 276 عن معمر به.

(5)

تفسير مجاهد ص 369، 370. ومن طريقه ابن أبي حاتم 6/ 1808، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 247 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.

ص: 484

القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهد قوله:{وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} . قال: لأسرعوا الأزقَّة

(1)

خلالكم، {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} . يُبَطِّئُونكم؛ عبدُ اللهِ بنُ نَبْتَلٍ، ورفاعةُ بنُ تابوتٍ، وعبدُ اللهِ ابن أُبَيٍّ ابن سلول.

قال: حدثنا الحسين

(2)

، قال: ثنى أبو سفيان، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة:{وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} . قال: لأسرعوا خلالكم، {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} بذلك

(3)

.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} . قال: هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك. يُسَلِّي الله عنهم نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقال: وما يُحْزِنُكم؟ {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} . يقولون: قد مُجمع لكم، وفعل وفعل. يُخذِّلونكم، {وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ}: الكفر

(4)

.

وأما قوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} . فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: وفيكم سَمَّاعُون لحديثكم لهم، يُؤدُّونه إليهم، عيونٌ لهم عليكم.

(1)

كذا في النسخ. والأزقة جمع زُقاق وهو السكة. وقيل: هو الطريق الضيق نافذًا أو غير نافذ دون السكة. والتاج (ز ق ق).

(2)

في م: "الحسن".

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1808 من طريق معمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 247 إلى ابن المنذر.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1807 من طريق أصبغ عن ابن زيد به إلى قوله: "يخذلونكم". وذكر آخره معلقا 6/ 1808، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 247 إلى أبى الشيخ. وعندهما:"سأل". بدلًا من "يسلى".

ص: 485

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:{وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} : يُحَدَّثون بأحاديثكم، عيونٌ غيرُ منافقين

(1)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجاهدٍ:{وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} . قال: مُحَدِّثون، عيونٌ غيرُ المُنافِقِين

(2)

.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} . يَسْمَعون ما يُؤَدُّونه لعدوِّكم

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيكم مَن يَسْمَعُ كلامهم ويُطِيعُ لهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} : وفيكم مَن يَسْمَعُ كلامهم.

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، قال: كان الذين استأذنوا، فيما بَلَغَنى، مِن ذَوِي الشَّرَفِ، منهم: عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَى ابن سَلول، والجَدُّ بن قيسٍ، وكانوا أشرافًا في قومهم، فَثَبَّطَهم الله، لعلمه بهم، أن يَخْرُجوا معهم، فيفسدوا عليه جُنْدَه، وكان في جُنْدِه قومٌ أهلُ مَحَبَّةٍ لهم وطاعةٍ فيما يدعونهم إليه؛

(1)

تفسير مجاهد ص 370، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1808، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 247 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1020 - تفسير) من طريق ابن جريج به بنحوه.

(3)

أخرجه بن أبي حاتم 6/ 1809 من طريق أصبغ عن ابن زيد به.

ص: 486

لشرفهم فيهم، فقال:{وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}

(1)

.

فعلى هذا التأويل: وفيكم أهلُ سَمْعٍ وطاعة منكم، لو صحبوكم أفسدوهم عليكم بتَثْبيطهم إياهم عن السَّيْرِ معكم.

وأما على التأويل الأوَّلِ فإن معناه: وفيكم منهم سَمَّاعون يَسْمَعون حديثكم لهم، فيُبلغونهم ويُؤَدُّونه إليهم، عيونٌ لهم عليكم.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندى في ذلك بالصوابِ تأويل من قال: معناه: وفيكم سماعون لحديثكم لهم، يبلغونه عنكم، عيونٌ لهم. لأن الأغْلَبَ مِن كلام العرب في قولهم: سَمَّاعٌ. وَصْفُ مَن وُصِف به أنه سَمَّاعٌ للكلام، كما قال الله جل ثناؤه في غير موضع من كتابه {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} [المائدة: 41: 42]. واصفًا بذلك قوما بسماع الكذب من الحديث. وأمَّا إذا وَصَفوا الرجلَ بسَماعِ كلامِ الرجل وأمره ونهيه وقبوله منه وانتهائه إليه، فإنما [يصفه له]

(2)

بأنه له سامعٌ مطيعٌ، ولا يكاد يقولُ: هو له سَمَّاعٌ مُطِيعٌ.

وأما قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} . فإن معناه: والله ذو عِلْمٍ بَمَن يُوَجِّهُ أفعاله إلى غير وجوهها، ويَضَعُها في غير مواضعها، ومَن يَسْتأْذِنُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعُذْرٍ، ومَن يَسْتَأْذِنُه شَكًّا في الإسلام ونفاقًا، ومَن يَسْمَعُ حديثَ المؤمنين ليُخْبِرَ به المنافقين، ومَن يَسْمَعُه ليُسَرَّ بما سَرَّ المؤمنين

(3)

ويُسَاءَ بما ساءَهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن سَرائرِ خلقه وعلانيتهم.

(1)

سيرة ابن هشام 2/ 549، 550، وذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 100، وقد تقدم طرف منه ص 482.

(2)

في م: "تصفه".

(3)

في ص، ف:"المؤمنون".

ص: 487

وقد بَيَّنَّا معنى الظلم في غير موضعٍ من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع

(1)

.

‌القول في تأويل قوله: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48)} .

يقولُ، تعالى ذكره: لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنة لأصحابك، يا محمد، التَمَسوا صَدَّهم عن دينهم، وحَرَصوا على رَدِّهم إلى الكفرِ بالتَّخْذيل عنه، كفعل عبد الله بن أُبيٍّ بك وبأصحابك يومَ أُحُدٍ، حين انصرف عنك بمن تبعه من قومه، وذلك كان ابتغاءهم ما كانوا ابتَغَوا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتنة مِن قبلُ.

ويعنى بقوله: {مِنْ قَبْلُ} . من قبل هذا، {وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ}. يقولُ: وأجالوا فيك وفى إبطال الدَّينِ الذي بعثك به الله الرأى بالتَّخذيل عنك، وإنكار ما تأتيهم به، ورده عليك، {حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ}. يقولُ: حتى جاءك

(2)

نصرُ اللهِ، {وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ}. يقولُ: وظَهَر دينُ اللهِ الذي أمر به وافتَرَضَه على خَلْقِه، وهو الإسلامُ، {وَهُمْ كَارِهُونَ}. يقولُ: والمنافقون لظهور أمرِ اللهِ ونَصْرِه إياك كارهون. وكذلك الآنَ يُظْهِرُك الله، ويُظْهِرُ دِينَه على الذين كَفَرُوا مِن الروم وغيرهم من أهل الكفر به، وهم كارهون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

(1)

تقدم في 1/ 559، 560.

(2)

في م: "جاء".

ص: 488

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق:{وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ} . أي: ليُخذلوا عنك أصحابك، ويَرُدُّوا عليك أمرك، {حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ}

(1)

.

وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت فِي نَفَرٍ مُسَمَّين بأَعْيانِهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن عمرو، عن الحسن قوله:{وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ} . قال: منهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سَلول، وعبدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَل أخو بني عمرو بن عوف، ورفاعةُ بنُ رافع، وزيدُ بنُ التابوتِ القَينقاعي

(2)

.

وكان تَخْذِيلُ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ أصحابه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزاة كالذى حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن الزُّهْرِيِّ، ويزيد بن رومان، وعبدِ اللَّهِ بن أبي بكرٍ، وعاصم بن عمر بن قتادةَ، وغيرِهم، كلٌّ قد حَدَّثَ في غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعضُ القوم يُحَدِّثُ ما لم يُحَدِّثْ بعضٌ، وكلٌّ قد اجتمع حديثه في هذا الحديث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتَّهَيُّؤُ لَغَزْوِ الروم، وذلك في زمانِ عُشرة من الناسِ، وشِدَّةٍ مِن الحَرِّ، وجَدْبٍ مِن البلادِ، وحينَ طَابَ الثِّمارُ، وأُحِبَّت الظِّلالُ، فالناسُ يُحِبُّون المقام في ثمارهم، وظِلالِهم، ويَكْرَهون الشُّخُوص عنها، على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قلما يَخْرُجُ في غزوة إلا كَنَى عنها، وأخبر أنه يريدُ غير الذي يَصْمِدُ له، إلا ما كان من

(1)

سيرة ابن هشام 2/ 550، وتقدم بعضه ص 482، 486.

(2)

أخرجه المصنف في تاريخه 3/ 103، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 247 إلى ابن المنذر.

ص: 489

غزوة تبوك، فإنه بَيَّنَها للناس لبُعْدِ الشُّقَّة

(1)

، وشِدَّةِ الزمانِ، وكثرة العدوِّ الذي صمد له ليتأهَّبَ الناسُ لذلك أُهْبَتَه، وأمر الناسَ بالجهاد

(2)

، وأخبرهم أنه يريد الروم، فتَجَهَّز الناسُ على ما في أنفسهم من الكُره لذلك الوجه؛ لما فيه، مع ما عظَّموا مِن ذكرِ الروم وغَزوهم. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جدّ في سَفَرِه، فأمر الناس بالجهاد

(3)

والانكماش

(4)

، وحَضَّ أهلَ الغِنَى على النَّفَقةِ والحُمْلانِ في سبيل اللهِ

(5)

.

فلما خرج رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ضَرَب عَسْكره على ثَنِيَّةِ الوداع، وضَرَبَ عبدُ اللهِ ابن أُبِيٍّ ابْنُ سَلولَ عَسْكره على

(6)

حِدَةٍ أسفل منه، بحَذْوِ

(7)

ذُبَابٍ؛ جبل بالجبَّانةِ أسفل من ثَنية الوداع، وكان فيما يزعمون، ليس بأقل العسْكرين، فلما سارَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، تَخَلَّف عنه عبد الله بن أُبَيٍّ فيمَن تَخَلَّفَ مِن المُنافِقِين وأهلِ الرَّيْبِ، وكان عبد اللهِ بنُ أُبَيٍّ أخا بنى عَوْفِ بن الخزرج، وعبدُ اللهِ بنُ نَبْتَلٍ أخا بنى عمرِو بن عوف، ورفاعةُ بن زيد

(8)

بن التابوتِ أخا بني قينقاع، وكانوا مِن عُظَماء المنافقين، وكانوا ممن يَكِيدُ للإسلام وأهله. قال: وفيهم - كما ثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمرِو بن عُبَيدٍ، عن الحسنِ البَصْرِيِّ -

(1)

ص، ت 1، ت 2، س، ف:"المشقة".

(2)

في تاريخ الطبرى وسيرة ابن هشام: "الجهاز".

(3)

في م: "الجهاز".

(4)

الانكماش: الإسراع والجد. وينظر اللسان (ك م ش).

(5)

سيرة ابن هشام 2/ 516، وأخرجه المصنف في تاريخه 3/ 101، وأخرجه البيهقي في الدلائل 5/ 213، من طريق ابن إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 248 إلى ابن المنذر.

(6)

بعده في النسخ: "ذى". وينظر تاريخ المصنف 3/ 103 وسيرة ابن هشام 2/ 519 حيث ذكر ذلك في سياق أثر طويل لابن إسحاق يحكى غزوة تبوك يجتزئ منه أبو جعفر هذه الأقوال.

(7)

في ص، ت 1، ت 2، س ف:"بحدو". وفى م والسيرة: "نحو". وفي تاريخ المصنف.

"بحذاء" والحذو والحذاء: الإزاء والمقابل. اللسان (ح ذ و).

(8)

في م: "يزيد".

ص: 490

أنزل الله: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ} الآية

(1)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)} .

وذكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في الجَدِّ بن قَيْسٍ.

ويعنى جل ثناؤه بقوله: {وَمِنْهُمْ} : ومن المُنافِقِين، {مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي} أُقِمْ فلا أَشْخَصُ معك، {وَلَا تَفْتِنِّي}. يقولُ: ولا تَبْتَلِنى برؤية نساء بنى الأصفر وبناتهم، فإنى بالنساءِ مُغْرَمٌ، فَأَخْرُجَ وَآثَمَ بذلك.

وبذلك من التأويل تظاهرت الأخبارُ عن أهل التأويل.

‌ذكرُ [الرواية بذلك عمَّن قاله]

(2)

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ:{ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} . قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اغْزُوا تَبوكَ تَغْنَموا بَناتِ الأصْفر

(3)

نساءَ الرومِ". فقال الجدُّ: ائذَنْ لنا ولا تَفْتِنَّا بالنساءِ

(4)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن

(1)

أخرجه المصنف في تاريخه 3/ 103.

(2)

في ت 2، ف:"من قال ذلك".

(3)

بعده في م: "و".

(4)

في تفسير مجاهد ص 370، بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 248 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ، وينظر ابن كثير 4/ 102 والحديث يروى من حديث أبي هريرة كما عند الحاكم 3/ 219، وكعب بن مالك كما عند الطبراني في الكبير 19/ 81، (163، 164)، ويروى عن غيرهما.

ص: 491

مُجاهدٍ، قال

(1)

: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اغْزُوا تَغْنَمُوا بناتِ الأَصْفَرِ". يعنى نساء الروم، ثم ذكر مثله.

قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قوله: {ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} . قال: هو الجَدُّ بنُ قَيْسٍ، قال: قد عَلِمَت الأنصارُ أني إذا رأيتُ النساء لم أصبر حتى أُفْتَتَنَ، ولكن أُعِينُك بمالى

(2)

.

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهْرِيِّ، ويزيد بن رُومانَ، وعبد الله بن أبي بكرٍ، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ، وهو في جهازه، للجَدِّ بن قَيْسٍ أخي بني سلمة:"هل لك يا جَدُّ العام في جِلادِ بنى الأصْفَرِ؟ ". فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أَو تَأْذَنُ لى ولا تَفْتِنِّى؟! فوالله لقد عَرَف قومى ما رَجلٌ أَشدَّ عُجْبًا بالنساءِ مِنِّي، وإني أخشَى إن رأيتُ نساء بنى الأصْفرِ أَلَّا أَصْبِرَ عنهنَّ. فأَعْرَضَ عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، [وقال: قد]

(3)

"أَذِنْتُ لك". ففى الجَدِّ بن قَيْسٍ نَزَلَت هذه الآية: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} الآية. أي: إن كان إنما يَخْشَى الفِتْنة من نساء بنى الأصفر وليس ذلك به، فما سَقَط فيه من الفِتْنة بتَخَلُّفِه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرَّغْبة بنفسه عن نفسه -

أعظم

(4)

.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله:

(1)

في م: "قالوا".

(2)

أخرجه الطبراني (12654) من طريق الضحاك عن ابن عباس بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 247 إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في المعرفة.

(3)

في م: "وقد قال".

(4)

جزء من حديث تقدم ص 489.

ص: 492

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} . قال: هو رجلٌ مِن المنافقين يقال له: جَدُ بنُ قَيْسٍ. فقال له رسول الله: "العام نَغْزو بنى الأصفر، ونَتَّخِذُ منهم سَرارِيَّ وَوُصَفاءَ

(1)

". فقال: أي رسولَ اللَّهِ، ائذَنْ لي ولا تَفْتِنِّي، إن لم تَأْذَنْ لي افتُتِنْتُ وقَعَدتُ

(2)

. فَغَضب

(3)

، فقال الله:{أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} . وكان من بنى سَلِمةَ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:"مَن سَيِّدُكم يا بنى سَلِمةَ". فقالوا: جَدُّ بنُ قَيْسٍ، غيرَ أَنَّه بَخيلٌ جَبانٌ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وأى داءٍ أَدْوَى مِن البُخْل، ولكنْ سَيِّدُكم الفتى الأبيضُ الجَعْدُ [بِشْرُ بنُ]

(4)

البراء بن مَعْرُورٍ"

(5)

.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} . يقولُ: ائْذَنْ لى ولا تُخْرِجْنى. {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} . يعنى: في الحَرَجِ سَقَطوا

(6)

.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ

(1)

في م: "وصفانا". والوصفاء جمع وصيف وهو الخادم والخادمة. التاج (و ص ف).

(2)

في م: "وقعت".

(3)

أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(4)

في م: "الشعر". وفى ت 1، ت 2، س، ف:"بشرب". وينظر ترجمته في الاستيعاب 1/ 167، وأسد الغابة 1/ 218، وسير أعلام النبلاء 1/ 169، والإصابة 1/ 294.

(5)

من أول قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من سيدكم يا بني سلمة .... " إلى آخره. أخرجه البخاري في الأدب المفرد (296)، والطبراني في الأوسط (8913)، وأبو نعيم في الحلية 7/ 317 من حديث جابر، وقد فصل ابن حجر في الإصابة 1/ 294، 295 الكلام على هذا الحديث، فليراجع.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1809، 1810، من طريق أبي صالح به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 248 إلى ابن المنذر.

ص: 493

ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي}: ولا تُؤْثِمْنِي، ألا في الإِثْمِ سَقَطوا

(1)

.

وقوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} . يقول: وإن النار لمطيفةٌ

(2)

بَمَن كَفَر باللهِ وجَحَد آياتِه وكَذَّب رُسُلَه، مُحْدِقةٌ بهم، جامعة لهم جميعًا يومَ القيامة. يقولُ: فكَفَى للجدِّ بن قيس وأشكاله من المنافقين بصليِّها خزيًا.

‌القول في تأويل قوله: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50)} .

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن يُصِبْك سرورٌ بفَتْحِ اللَّهِ عليك أرضَ الروم في غَزاتِك هذه، يَسُؤ الجَدَّ بنَ قَيْسٍ ونُظَراءَه وأشْيَاعَهم مِن المنافقين، وإن تُصِبْك مُصِيبَةٌ بِفُلُولِ جيشك فيها، يَقُل الجد ونُظَراؤه:{قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ} . أي: قد أَخَذْنا حِذْرَنا بِتَخَلُّفِنا عن محمد، وتَرْكِ أتباعه إلى عدوه، {مِنْ قَبْلُ}. يقولُ: مِن قبل أن تُصِيبَه هذه المصيبةُ. {وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} . يقولُ ويَرتَدُّوا عن محمد وهم فَرِحون بما أصابَ محمدًا وأصحابه من المصيبة، بفُلُولِ أصحابه وانهزامهم عنه، وقَتْلِ مَن قُتِل منهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} . يقولُ: إِن تُصِبْكَ في سَفَرِك

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1810 من طريق يزيد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 248 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.

(2)

أي: يقال: أطاف به. إذا أحاطه. اللسان (ط و ف).

ص: 494

هذا لغزوة تبوك حَسَنةٌ تَسُؤْهم. قال: الجَدُّ وأصحابه

(1)

.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ:{قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ} : حِذْرَنا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد:{قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ} . قال: حِذْرَنا

(2)

.

حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} : إن كان فَتْحٌ للمسلمين، كبُر ذلك عليهم وساءهم

(3)

.

‌القول في تأويل قوله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)} .

يقول تعالى ذكره مُؤدِّبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: قُل يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين تَخَلَّفوا عنك:{لَنْ يُصِيبَنَا} . أيُّها المُرتابون في دينهم، {إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا، {هُوَ مَوْلَانَا}. يقولُ: هو ناصِرُنا على أعدائه، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}. يقولُ: وعلى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المؤمنون؛ فإنهم إن يَتَوَكلوا عليه، ولم يَرْجُوا النصرَ مِن عندِ غيره، ولم يخافوا شيئًا غيره، يَكْفِهم أمورهم، ويَنْصُرْهم على مَن بَغاهم وكادَهم.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 249 إلى المصنف وسنيد.

(2)

تفسير مجاهد ص 370، ومن طريقه ابن أبي حاتم 6/ 1811. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 249 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1811 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 249 إلى ابن المنذر.

ص: 495

‌القول في تأويل قوله: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)} .

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين وَصَفتُ لك صِفتهم وبَيَّنتُ لك أمرهم: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الخلَّتين اللَّتين هما أحسن من غيرهما؛ إمَّا ظَفَرًا بالعدوِّ وفتحًا لنا بغَلَبَتناهم، ففيها الأَجْرُ والغَنِيمة والسلامة؛ وإِمَّا قَتْلًا مِن عدوِّنا لنا، ففيه الشهادة والفوز بالجنة، والنَّجَاةُ مِن النارِ، وكلتاهما مما [يُحَبُّ، ولا يُكْرَهُ]

(1)

{وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ} . يقولُ: ونحن ننتظر بكم أن يُصِيبَكُمُ اللهُ بعُقوبةٍ مِن عنده عاجلةٍ، تُهْلِكُكم، أو بِأَيْدِينَا فتَقْتُلُكم، {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ}. يقولُ: فانْتَظِرُوا إِنَّا معكم مُنتظرون ما الله فاعل بنا، وما إليه صائرٌ أمرُ كلِّ فريقٍ مِنَّا ومنكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} . يقولُ: فَتْحٌ أو شَهادةٌ. وقال مَرَّةً أخرى: يقولُ: القَتْلُ، فهى الشهادة والحياة والرزق، وإمَّا يُخْزِيكم بأيدينا

(2)

.

(1)

في ت 1، ت 2:"نحب ولا نكره".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1812 من طريق أبي صالح به.

ص: 496

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} . يقولُ: قَتْل فيه الحياةُ والرِّزْقُ، وإما أن يَغْلِبَ فيؤتيه الله أجرًا عظيمًا، وهو مثل قوله:{وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74)}

(1)

[النساء: 74].

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله:{إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} . قال: القَتْلُ في سبيل الله، والظُّهورُ على أعدائه

(2)

.

[قال: ثنا محمد بن بكرٍ، عن ابن جُريجٍ، قال: بلغنى عن مجاهدٍ، قال: القَتْلُ في سبيل الله، والظُّهورُ.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ:{إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} : القتل في سبيل الله، والظُّهور على أعداء الله]

(3)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه. قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: {بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ} : بالموت. {أَوْ بِأَيْدِينَا} . قال: القتلُ.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: {قُلْ هَلْ

(1)

حدث خلط في هذه الآية في النسخ: ص، ت 1، ف، س فجاءت هكذا "ومن يقاتل في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة" وجاءت في المطبوعة هكذا "ومن يقاتل في سبيل الله" إلى "فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما" والمثبت من: ت 2.

(2)

تفسير مجاهد ص 370، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1812.

(3)

سقط من: ت 1.

ص: 497

تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ}: إلا فَتْحًا، أو قَتْلًا في سبيلِ اللهِ، {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا}. أي: قتلٌ

(1)

.

‌القولُ في تأويل قوله: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)} .

يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا محمد، لهؤلاء المنافقين: أنفقوا كيف شِئْتُم أموالكم في سَفَرِكم هذا وغيره، وعلى أيِّ حالٍ شِئْتُم، مِن حالِ الطوع والكرْه، فإنكم إن تُنفقوها، لن يتقبَّل الله منكم نَفَقاتِكم، وأنتم في شَكٍّ من دينكم، وجَهْلٍ منكم بنبوَّة نبيِّكم، وسوء معرفة منكم بثواب الله وعقابه، {إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ}. يقولُ: خارجين عن الإيمان بربكم.

وخرج قوله: {أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} مَخْرج الأمْرِ، ومعناه الخبرُ

(2)

، والعربُ تَفْعَلُ ذلك في الأماكن التي يَحْسُنُ فيها "إن"، التي تأتي بمعنى الجزاء، كما قال، جلّ ثناؤه:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80]. فهو في لفظ الأمر، ومعناه الجزاءُ

(3)

، ومنه قول الشاعر

(4)

:

أسيئى بنا أو أحْسِنى لا مَلُومةً

لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1812 من طريق يزيد به ببعضه.

(2)

قال الفراء في معاني القرآن 1/ 441: "وهو أمر في اللفظ وليس بأمر في المعنى؛ لأنه أخبرهم أنه لن يتقبل منهم. وهو في الكلام بمنزلة إن في الجزاء؛ كأنك قلت: إن أنفقت طوعا أو كرها فليس بمقبول منك

" وينظر الكشاف 2/ 195، والبحر المحيط 5/ 52، والمحكم لابن سيده 3/ 144، وينظر أيضا تفسير المصنف لقوله تعالى:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية [التوبة: 80].

(3)

في م: "الخبر". وينظر الحاشية السابقة.

(4)

هو كثير عزة، وقد تقدم تخريج البيت في 2/ 194.

ص: 498

فكذلك قوله: {أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} . إنما معناه: إن تُنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا {لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} .

وقيل: إن هذه الآيةَ نَزَلَت في الجَدِّ بن قَيْسٍ، حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم، لمَّا عَرَضَ عليه النبي صلى الله عليه وسلم الخروج معه لغزو الروم: هذا مالى أُعينك به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: قال الجَدُّ بنُ قَيْسٍ: إنى إذا رأيتُ النساء لم أَصْبِرْ حتى أُفْتَتَنَ، ولكن أُعِينك بمالي. قال: ففيه نَزَلَت: {أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} . قال: لقوله: أُعِينُك بمالى

(1)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)} .

يقول تعالى ذكره: وما منع هؤلاء المنافقين، يا محمد، أن تُقبل منهم نَفَقاتُهم التي يُنفقونها في سَفَرِهم معك، وفى غير ذلك من السُّبُلِ {إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} فـ "أن" الأولى في موضع نَصْبٍ، والثانية في موضع رفع؛ لأن معنى الكلام: ما مَنَع قبول نَفَقاتِهم إلا كفرهم باللَّهِ، {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى} ، يقول: لا يأتونها إلا مُتَناقِلين بها؛ لأنهم لا يرجون بأدائها ثوابًا، ولا يخافون بتَرْكِها عِقابًا، وإنما يُقيمونها مخافة على أنفسهم بتَرْكِها مِن المؤمنين، فإذا أَمِنُوا لم يُقيموها، {وَلَا يُنْفِقُونَ}. يقولُ: ولا يُنْفِقُون مِن أموالهم شيئًا هو {إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} أن يُنْفِقوه في الوَجْهِ الذي يُنْفِقُونه فيه، مما فيه

(1)

ينظر ما تقدم في ص 492.

ص: 499

تقويةٌ للإسلام وأهله.

‌القول في تأويل قوله: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)} .

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: فلا تُعْجِبْك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بها في الآخرة. وقال: معنى ذلك التَّقْديم، وهو مُؤخَّرٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله:{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ} . قال: هذه من تقاديم [الكلام، يقول: لا تُعْجِبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إِنَّمَا يُرِيدُ]

(1)

اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الآخرة

(2)

.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا} : في الآخِرَةِ

(3)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنما يريدُ اللهُ ليُعَذِّبَهم بها في الحياة الدنيا، بما ألزمهم فيها مِن فَرائضِه.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1813 من طريق يزيد به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 249 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 249 إلى ابن المنذر.

ص: 500

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثت عن المسيب بن شريك، عن [سليمان البصري]

(1)

، عن الحسن:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . قال: بأخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : بالمصائب فيها، هي لهم عذابٌ وهى للمؤمنين أجْرٌ

(2)

.

قال أبو جعفر: وأَوْلى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا التأويل الذي ذكرناه عن الحسن؛ لأن ذلك هو الظاهرُ من التنزيل، فصَرْفُ تأويله إلى ما دلَّ عليه ظاهِرُه، أَوْلى مِن صَرْفه إلى باطن لا دلالة على صحته.

وإنما وَجَّه مَن وَجَّه ذلك إلى التقديم وهو مُؤخَّرٌ؛ لأنه لم يَعْرِفُ لتَعْذِيبِ اللَّهِ المنافقين بأموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا، وَجْهَا يُوَجِّهه إليه، وقال: كيف يُعَذِّبُهم بذلك في الدنيا وهى

(3)

لهم فيها سرورٌ؟ وذَهَب عنه تَوْجِيهُه إلى أنه مِن عظيم العذاب عليه، إلزامه ما أوجب الله عليه فيها من حقوقه وفَرائضه، إذ كان يُلْزِمُه ويُؤخَذُ منه، وهو به غيرُ طَيِّبِ النفس، ولا راجٍ به مِن اللَّهِ جَزاءً، ولا مِن الأَخْذِ منه حَمْدًا ولا شُكْرًا، على ضَجَرٍ منه وكُرْهٍ.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"سلمان الأنضرى"، وفى م:"سلمان الأقصرى". والمثبت كما سيأتي في ص 648 وينظر أيضًا تهذيب الكمال 11/ 351.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1813 من طريق أصبغ، عن ابن زيد وسيأتي بتمامه في تفسير الآية 101 من سورة التوبة.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"هو".

ص: 501

وأما قوله: {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ [وَهُمْ كَافِرُونَ} ، فإنه يعني: وتَخْرُجَ أنفسهم]

(1)

، فَيَموتوا على كُفْرِهم بالله، وجُحُودِهم نبوة نبيِّ الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

يقالُ منه: زَهَقَت نفسُ فلانٍ، وزَهِقَت. فمَن قال: زَهَقَت. قال: تزْهَقُ. ومَن قال: زهقت، قال: تزهقُ زُهوقًا. ومنه قيل: زَهَق فلانٌ بين أيدى القومِ يَزْهَقُ زُهُوقًا. إذا سَبَقَهم فتَقَدَّمَهم. ويقالُ: زَهَق الباطل. إذا ذَهَب ودَرَس.

‌القول في تأويل قوله: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56)} .

يقول تعالى ذكره: ويَحْلِفُ بالله لكم، أيُّها المؤمنون، هؤلاء المنافقون كَذِبًا وباطلًا، خَوْفًا منكم - {إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ} في الدين والملة. يقولُ الله تعالى مُكَذِّبًا لهم:{وَمَا هُمْ مِنْكُمْ} . أي: ليسوا من أهل دينكم وملَّتِكم، بل هم أهل شكٍّ

(2)

ونفاق، {وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}. يقولُ: ولكنهم قومٌ يخافونكم، فهم خَوْفًا منكم يقولون بألسنتهم: إنَّا منكم. ليَأْمَنوا فيكم فلا يُقْتَلوا.

‌القول في تأويل قوله: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)} .

يقول تعالى ذكره: لو يَجِدُ هؤلاء المنافقون {مَلْجَأً} . يقولُ: عَصَرًا

(3)

يَعْتَصِرون به مِن حِصْنٍ، ومَعْقِلًا يَعْتَقِلون فيه منكم، {أَوْ مَغَارَاتٍ} . وهى الغيران في الجبال، واحِدَتُها: مَغَارةٌ، وهي مَفَعْلَةٌ، مِن: غارَ الرجلُ في الشيء،

(1)

سقط من: ت 1، س، ف.

(2)

في ف: "شرك".

(3)

أي الملجأ والمنجاة. اللسان (ع ص ر).

ص: 502

يَغُورُ فيه. إذا دَخَل، ومنه قيل: غارت العين. إذا دَخَلَت فِي الحَدَقَةِ. {أَوْ مُدَّخَلًا} . يقولُ: أو سَرَبًا في الأرض يدخلون فيه. وقال: {أَوْ مُدَّخَلًا}

(1)

؛ لأنه مِن ادَّخَل يَدَّخِلُ.

وقوله: {لَوَلَّوْا إِلَيْهِ} . يقولُ: لأدْبَروا إليه، هَرَبًا منكم، {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}. يقولُ: وهم يُسْرِعون في مشيهم.

وقيل: إن الجماحَ مَشىٌ بينَ المَشْيَين. ومنه قولُ مُهَلْهِلٍ

(2)

:

لقد جَمَحْتُ جماحًا في دِمائِهِمُ

حتى رأيتُ ذَوِى [أَحْسَابِهِمْ خَمَدُوا]

(3)

وإنما وصفهم الله بما وصفهم به من هذه الصفة؛ لأنهم إنما أقاموا بينَ أَظْهُرِ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كُفْرِهم ونفاقهم وعداوتهم لهم، ولما هم عليه من الإيمان بالله وبرسوله؛ لأنهم كانوا

(4)

قَوْمَهم وعشيرتهم وفى دُورهم وأموالهم، فلم يَقْدِروا على تَرْكِ ذلك وفراقه، فصانعوا القومَ بالنِّفاق ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بالكفر ودَعْوى الإيمان، وفى أنفسهم ما فيها من البُغْضِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به والعداوة لهم، فقال الله واصِفَهم بما في ضَمائرهم:{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ} الآية.

وبنحو الذي قُلْنا في ذلك قال أهل التأويل.

(1)

بعده في م: "الآية".

(2)

التبيان 5/ 241.

(3)

في التبيان: "أجسامهم جمدوا".

(4)

بعده في م: "في".

ص: 503

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} والمَلْجَأُ الحرْز

(1)

في الجبال، والمغارات الغيرانُ في الجبال. وقوله:{أَوْ مُدَّخَلًا} والمُدَّخَلُ: "السَّرَبُ"

(2)

.

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} ، {مَلْجَأً}. يقولُ: حِرْزًا، {أَوْ مَغَارَاتٍ}. يعنى: الغِيرانَ، {أَوْ مُدَّخَلًا} يقولُ: ذهابًا في الأرضِ، وهو النَّفَقُ في الأرضِ، وهو السَّرَبُ.

حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا} . قال: حِرْزًا لهم يَفِرُّون إليه منكم

(3)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قوله:{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا} . قال: مُحْرِزًا لهم، لفَرُّوا إليه منكم. وقال ابن عباسٍ: قوله: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} : حِرْزًا أو مغاراتٍ، قال: الغيرانُ، {أَوْ مُدَّخَلًا}. قال: نَفَقًا في الأرضِ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، عن سعيدٍ، عن قتادة: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ

(1)

الحرز: الموضع الحصين. التاج (ح ر ز).

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره مفرقا 6/ 1814، 1815 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 250 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

تفسير مجاهد ص 370، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1815. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 250 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

ص: 504

مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا}. يقولُ: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} : حُصُونًا، {أَوْ مَغَارَاتٍ}: غِيرانًا، {أَوْ مُدَّخَلًا}: أَسْرابًا - {لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}

(1)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)} .

يقول تعالى ذكره: ومِن المُنافِقِين الذين وَصَفْتُ لك، يا محمد، صِفتهم في هذه الآياتِ {مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}. يقولُ: يَعِيبُك في أمرها، ويَطْعُنُ عليك فيها.

يقالُ منه: لَمزَ فلانٌ

(2)

فلانًا يَلْمِزُه، ويَلْمُزُه. إذا عابه وقرصه

(3)

، وكذلك هَمَزه. ومنه قيل: فلانٌ هُمَزَةٌ لُمزَةٌ، ومنه قول رؤبة

(4)

:

قارَبتُ بينَ عَنَقِي وَجَمْزِى

(5)

في ظِلٍّ عَصْرَىْ باطِلِي وَلَمزِى

ومنه قول الآخر

(6)

:

إذا لَقِيتُكَ تُبْدِى لِي مُكَاشَرَةً

(7)

وإنْ أُغَيَّبْ فَأَنتَ العائبُ اللُّمَزَهْ

(1)

أخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1814 من طريق يزيد به.

(2)

سقط من: م.

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"قرضه" وقرصه أي: دام على منافرته وغيبته. ينظر الوسيط (ق ر ص).

(4)

ديوانه ص 64.

(5)

العنق والجمز: ضربان من السير، والجمز أشدهما فهو قريب من الوثب والعدو. ينظر الوسيط (ع ن ق)، (ج م ز).

(6)

هو زياد الأعجم. والبيت في مجاز القرآن 1/ 263. وإصلاح المنطق ص 428. وسيأتي في تفسير الآية 1 من سورة الهمزة.

(7)

كاشره: ضحك في وجهه وباسطه: الوسيط (ك ش ر).

ص: 505

{فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا} . يقول: ليس بهم في عَيْبِهِم إِيَّاكَ فيها، وطَعْنهم عليك بسببها الدِّينُ، لكن الغضب لأنفسهم، فإن أنت أَعْطيتهم منها ما يُرْضِيهم رَضُوا عنك، وإن أنت لم تُعْطِهم منها سخطوا عليك وعابُوك.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} . قال: يَرُوزُك

(1)

.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قوله:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} : يَرُوزُك ويسألُك.

قال ابن جريج: وأخبرني داود بن أبي عاصم، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقةٍ فقَسَمَها ههنا وههنا، حتى ذَهَبَت. قال: ورآه رجلٌ مِن الأنصارِ، فقال: ما هذا بالعدل. فنزلت هذه الآية

(2)

.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} . يقولُ: ومنهم مَن يَطْعَنُ عليك في الصدقات، وذكر لنا أن رجلًا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية - أَتَى نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهو يَقْسِمُ ذهبًا وفضةً، فقال: يا محمد، والله لئن كان اللهُ أَمَرَك أن تَعْدِلَ، مَا عَدَلْتَ. فقال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم:

(1)

تفسير مجاهد ص 370، ومن طريقه أبي حاتم في تفسيره 6/ 1816. ولفظه في تفسير مجاهد: يتهمك، يسألك ويروزك. ولفظ ابن أبي حاتم: يلمزك يسألك. والروز: الامتحان والتقدير. يقال: رزت ما عند فلان، إذا اختبرته وامتحنته، والمعنى: يمتحنك ويذوق أمرك هل تخاف لائمته إذا منعته أم لا. النهاية 2/ 276.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 250 إلى سنيد والمصنف.

ص: 506

"وَيْلَكَ، فمَن ذَا يَعْدِلُ عليك بَعْدِي؟ ". ثم قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "احْذَرُوا هذا وأشباهَه، فإن في أمتى أشباه هذا، يَقْرَءُون القرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيهم، فإذا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهم، ثم إذا خَرَجوا فاقْتُلُوهم، ثم إذا خَرَجوا فاقْتُلُوهم". وذُكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "والذي نفسي بيده، ما أُعطيكم شيئًا ولا أَمْنَعُكُمُوه، إنما أنا خازنٌ"

(1)

.

حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} . قال: يَطْعُنُ

(2)

.

قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ عن مَعْمَرٍ عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي سَلَمةَ بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، قال: بينما رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ قَسْمًا، إذ جاءه ابن ذى الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيميُّ

(3)

، فقال: اعْدِلْ، يا رسولَ اللَّهِ. فقال:"وَيْلَكَ! ومَن يَعْدِلُ إِن لم أَعْدِلْ؟ ". فقال عمرُ بنُ الخطاب: يا رسولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لي فَأَضْرِبَ عُنقه، قال: "دَعْهُ، فإن له أصحابًا يَحْقِرُ

(4)

أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صِيامهم، يَمْرُقُون من الدين كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّةِ، فيُنْظَرُ فِي قُذَذِهِ

(5)

، فلا يَنْظُرُ شيئًا، ثم يُنْظُرُ في نَصْلِه فلا يَجِدُ شيئًا، ثم يُنْظُرُ فِي رِصافِهِ

(6)

فَلا يَجِدُ شَيئًا، قد سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيتُهُم رجلٌ أسودُ، إحْدَى يَدَيْه - أو قال: يَدَيْه - مثلُ ثَدْي المرأةِ، أو مثلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ

(7)

، يَخْرُجُون على حين فَتْرَةٍ مِن الناسِ". قال: فنَزَلَت: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} . قال أبو سعيد: أَشْهَدُ أَنِّي سمِعتُ هذا مِن

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 104.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 277 عن معمر به.

(3)

اسمه على الصواب: "ذو الخويصرة"، ينظر أسد الغابة 2/ 172، والإصابة 2/ 411.

(4)

في ص، ف:"يحتقر".

(5)

القذذ: ريش السهم. النهاية 4/ 28.

(6)

الرصاف: عقب يلوى على مدخل النصل. النهاية (ر ص ف).

(7)

تدردر: أي ترجرج تجيءُ وتذهب. والأصل تتدردر، فحذف إحدى التاءين تخفيفا. النهاية 2/ 112.

ص: 507

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَشْهَدُ أن عليًّا، رحمة الله عليه، حين قتلهم، جيء بالرجل على النعتِ الذي نَعَت رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1)

.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} . قال: هؤلاء المنافقون قالوا: والله ما يُعطيها محمدٌ إلا من أحبَّ، ولا يُؤْثِرُ بها إلا هَواه. فأخبر الله نبيَّه، وأخبرهم أنه إنما جاءت من الله، وأن هذا أمرٌ من الله، ليس مِن محمد:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} . الآية

(2)

.

‌القول في تأويل قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59)} .

يقول تعالى ذكره: ولو أن هؤلاء الذين يَلْمِزُونك

(3)

يا محمد، في الصدقات، رَضُوا ما أعطاهم الله ورسوله من عطاءٍ، وقسم لهم مِن قَسْمٍ، {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ}. يقولُ: وقالوا: كَفِيُّنَا

(4)

اللهُ، {سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ}. يقولُ: سيُعْطِينا الله من فضلِ خَزائنه، ورسوله من الصدقة وغيرها، {إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ}. يقولُ: وقالوا: إنَّا إلى اللهِ نَرْغَبُ في أن يُوسِّعَ علينا من فضله، فيُغْنِينا

(1)

أخرجه النسائي في الكبرى (11220) عن محمد بن عبد الأعلى به. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (18649) والتفسير 1/ 277 - ومن طريقه أحمد 18/ 94 (11536) والبخارى (6933)، وابن أبي عاصم في السنة (925)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1815، والواحدى في أسباب النزول ص 186 - عن معمر به، وأخرجه البخارى (3610)، ومسلم (1064/ 148)، والطحاوي في المشكل (4071)، والبيهقى 8/ 171، وفى الدلائل 5/ 187، والبغوى (2552) من طريق الزهرى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 250 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1817 من طريق أصبغ عن ابن زيد به.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يلمزوك".

(4)

في م: "كافينا". وكلاهما بمعنًى.

ص: 508

عن الصدقةِ وغيرِها من صِلاتِ الناسِ، والحاجةِ إليهم.

‌القول في تأويل قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ما

(1)

الصَّدَقَاتُ إلا للفقراءِ والمساكينِ، ومَن سَمَّاهم اللهُ جلَّ ثناؤُه.

ثُمَّ اختلف أهلُ التأويلِ في صفةِ الفقيرِ والمسكينِ؛ فقال بعضُهم: الفقيرُ المحتاجُ المتعفِّفُ عن المسألةِ، والمسكينَ المحتاجُ السائلُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أشعثَ، عن الحسنِ:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} . قال: الفقيرُ: الجالِسُ في بيتِه، والمسكينُ: الذي يَتَتَبَّعُ

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} . قال: المساكينُ: الطَّوَّافون، والفقراءُ: فقراءُ المسلمين

(3)

.

(1)

في م: "لا تنال".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1818 من طريق أشعث به، بلفظ:"الفقير الذي لا يسأل"، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (2043) من طريق محرز البصرى عن الحسن، مطولًا بلفظ:"الفقير هو الذي لا يسأل، فإن أعطى شيئًا، أخذ ما يكتفى به، والمسكين هو الذي يسأل إذا احتاج، فإذا أصاب ما يكتفى به أمسك".

(3)

أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (1942)، وابن أبي حاتم في تفسيره مفرقا 6/ 1818، 1820 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 251 إلى ابن المنذر.

ص: 509

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن جَريرِ بن حازمٍ، قال: ثنى رجلٌ، عن جابرِ بن زيدٍ، أنه سُئِل عن الفقراءِ، قال: الفُقراءُ: المتعفِّفُون، والمساكينُ: الذين يَسْألون

(1)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ الجَزَريُّ

(2)

، قال: سألتُ الزُّهْرِيَّ عن قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} . قال: الذين في بُيوتهم لا يَسْألون، والمساكينُ: الذين يَخْرُجون فيَسْألون

(3)

.

حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يَحيى بنُ سعيدٍ، عن عبدِ الوارثِ بن سعيدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفقيرُ: الذي لا يَسْأَلُ، والمِسْكينُ: الذي يَسْألُ

(4)

.

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} . قال: الفقراء الذين لا يَسْأَلُون الناسَ

(5)

؛ أهلُ حاجةٍ، والمساكينُ: الذين يَسْألون الناسَ.

حدَّثنا الحارثُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفقراء: الذين لا يَسْألون، والمساكينُ: الذين يَسْألون.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 199، 200، عن أبي أسامة به، وأخرجه أبو عبيد بنحوه في الأموال (1944) من طريق جرير بن حازم به، وأخرجه ابن أبي شيبة 3/ 199 من طريق زياد بن حدير عن رجل عن جابر.

(2)

في م: "الحراني"، وفى ت 1، س، ف:"الحريري"، والحراني والجزرى نسبتان له. ينظر تهذيب الكمال 28/ 274.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره مفرقا 6/ 1818، 1820، من طريق أبي أحمد به، وأخرجه ابن أبي شيبة 3/ 200 من طريق معقل به.

(4)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (1943) عن يحيى بن سعيد به، وذكره النحاس في ناسخه ص 510.

(5)

بعده في م: "وهم".

ص: 510

وقال آخرون: الفقيرُ هو ذو الزَّمانةِ

(1)

من أهلِ الحاجةِ، والمسكينُ هو الصحيحُ الجسمِ منهم

(2)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} . قال: الفقيرُ

(3)

: مَن به زمانةٌ، والمِسْكينُ: الصَّحِيحُ المحتاجُ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} : أَمَّا الفقيرُ: فالزَّمِنُ الذي به زمانةٌ، وأمَّا المِسْكينُ، فهو الذي ليست به زَمانةٌ.

وقال آخرون: الفقراءُ: فقراءُ المهاجرين والمساكينُ: مَن لم يُهاجِرْ مِن المسلمين وهو مُحتاجٌ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، عن عليٍّ بن الحَكَمِ، عن الضَّحاكِ بن مُزاحم:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} قال: فقراءُ

(1)

الزمانة: العاهّة. اللسان (زم (ن)

(2)

سقط من: م، ت 1.

(3)

في ص، ت 1، س، ف:"الفقراء".

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 278 عن معمر به، ومن طريقه النحاس في ناسخه ص 507، 508 بلفظ:"الفقراء الذين بهم زمانة، والمساكين الأصحاء المحتاجون"، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره مفرقا 6/ 1819،1820 من طريق أبي عوانة عن قتادة نحوه، وذكره السيوطي في الدر المنثور 3/ 251 وعزاه إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 511

المُهاجِرين، {وَالْمَسَاكِينِ}: الذين لم يُهاجروا

(1)

.

قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} : المهاجرين

(2)

. قال سفيانُ: يعنى: ولا يُعْطَى الأعرابُ منها شيئًا

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: إنما الصدقةُ لفقراءِ المهاجرين

(4)

.

قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كانت تُجعَلُ الصدقةُ في فقراءِ المهاجرين، و

(5)

في سبيلِ اللهِ.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، وسعيدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبْزَى، قالا

(6)

: كان ناسٌ مِن المهاجرين لأحدِهم الدارُ والزوجةُ والعبدُ والناقةُ، يَحُجُّ عليها ويَغْزو، فنَسَبَهم اللهُ إلى أنهم فقراءُ، وجَعَل لهم سَهْمًا في الزكاةِ

(7)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ،

(1)

أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (1940)، وابن أبي شيبة 3/ 200، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1820 من طريق جرير بن حازم به واقتصر ابن أبي حاتم على شطره الأخير.

(2)

سقط من: س. وفى ص: "والمهاجرين"، وفى ت 1 ف:"والمساكين".

(3)

أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (1939)، وابن زنجويه (2284) من طريق سفيان به، وليس عندهما قول سفيان. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1818، 1819 من طريق منصور به، وليس عنده قول سفيان أيضًا.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 219 عن وكيع به، من قول منصور.

(5)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(6)

في م: "قال".

(7)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 179 من طريق جعفر عن سعيد وحده بلفظ: يعطى من الزكاة من له الدار والخادم والفرس.

ص: 512

عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: إنما الصدقاتُ

(1)

في فقراءِ المهاجرين، وفي سبيلِ اللَّهِ وقال آخرون: المسكينُ: الضعيفُ الكَسْبِ

(2)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا ابن عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: قال عمرُ: ليس الفقيرُ بالذي لا مالَ له، ولكن الفقيرُ الأَخْلَقُ الكَسْبِ

(3)

.

قال يعقوبُ: قال ابن عُلَيَّةَ: الأَخْلَقُ: المحارَفُ

(4)

عندَنا.

حدَّثنا ابن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرِ، عَن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه قال: ليس المسكينُ بالذي لا مالَ له، ولكن المسكينُ الأَخْلَقُ الكَسْبِ

(5)

.

وقال بعضُهم: الفقيرُ: من المسلمين، والمسكينُ: من أهلِ الكتابِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُ بنُ نافعٍ، قال: سمعتُ

(1)

بعده في: ت 1، س، ف:"للفقراء".

(2)

في م: "البئيس".

(3)

أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 18/ 52 والاستذكار 26/ 260 (39540) من طريق ابن عون به.

(4)

المحارَف: المحدود المحروم. وقيل: هو الذي قُتِر رزقُه. وقيل: رجل محارَف: منقوص الحظ، لا ينمو له مال. ينظر تاج العروس (ح ر ف).

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1820 من طريق ابن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 280 عن معمر به.

ص: 513

عِكْرمةَ في قولِه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} . قال: لا تقولوا لفقراء المسلمين: مساكين. إنما المساكينُ مَساكينُ

(1)

أهلِ الكتابِ

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: الفقيرُ: هو ذو الفَقْرِ و

(3)

الحاجة، [ومع حاجتِه يتعفَّفُ]

(4)

عن مسألةِ الناسِ والتَّذَلُّلِ لهم، في هذا الموضعِ. والمسكينُ: هو المحتاجُ المتذَلِّلُ للناسِ بمسألتهم.

وإنما قُلنا: إن ذلك كذلك، [وإن]

(5)

كان الفريقان لم يُعْطَيَا إلا بالفقرِ والحاجةِ، دونَ الذِّلَّةِ والمسألةِ

(6)

؛ لإجماعِ الجميعِ من أهلِ العلمِ أن المسكينَ إنما يُعْطَى مِن الصدقة المفروضةِ بالفقرِ، وأن معنى المَسْكَنةِ

(7)

عندَ العربِ، الذِّلَّةُ، كما قال الله جلَّ ثناؤُه:{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}

(8)

[البقرة: 61] يعنى بذلك: الهُونَ والذلةَ، لا الفقرَ. فإذ

(9)

كان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد صَنَّفَ مَن قَسَم له مِن الصدقةِ المفروضةِ قَسْمًا بالفقرِ، فجَعَلهم صِنْفَين، كان معلومًا أن كلَّ صِنْفٍ منهم غيرُ الآخرِ، وإذ كان ذلك كذلك، كان لا شكَّ أنَّ المقسومَ له باسمِ الفقرِ

(10)

، غيرُ

(1)

سقط من: ص، س، ف.

(2)

ذكره البغوي في تفسير 4/ 62، وابن كثير في تفسيره 4/ 106.

(3)

في م: "أو".

(4)

في ص، ت 2:"مع حاجته وتحفره". وفى س: "مع حاجته وتحقره". وفى ف: "مع حاجته وتحقره".

(5)

في ص، س، ف:"فإن".

(6)

في م، س:"المسكنة". وفى ف: "المسكنة والمسألة".

(7)

في ص، ف:"المسألة".

(8)

في ص، س، ف جاء لفظ الآية:"وضربت عليهم المسكنة". وهو لفظ الآية 112 من سورة آل عمران.

(9)

في م: "فإذا".

(10)

في م، س، ف:"الفقير".

ص: 514

المقسومِ له باسمِ الفقرِ

(1)

والمسكنةِ، والفقيرَ المُعْطَى ذلك باسمِ الفقرِ

(2)

المطلقِ، هو الذي لا مَسْكنةَ فيه، والمُعْطَى باسمِ المسكنةِ والفقرِ، هو

(3)

الجامعُ إلى فقرِه المَسْكنةَ؛ وهى الذُّلُّ بالطلبِ والمسألةِ.

فتأويلُ الكلامِ إذن

(4)

- إذْ كان ذلك معناه: إنما الصدقات للفقراء

(5)

؛ المُتَعَفِّفِ منهم الذي لا يسألُ، والمُتَذَلِّل منهم الذي يسألُ، وقد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بنحوِ الذي قُلنا في ذلك خبرٌ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن شَرِيكِ بن أبي نَمِرٍ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ليس المسكينُ بالذي تَرُدُّه اللقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، إنما المسكينُ المُتَعَفِّفُ، اقْرَءُوا إِن شِئْتُم:{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}

(6)

[البقرة: 273].

ومعنى قولِه صلى الله عليه وسلم: "إنما المسكينُ المُتَعفِّفُ"؛ على نحوِ ما قد جَرَى به استعمال الناسِ مِن تَسْمِيتهم أهل الفقرِ مساكينَ، لا على تفصيلِ المسكينِ من الفقيرِ.

(1)

في س، ف:"الفقير".

(2)

في م، ف:"الفقير".

(3)

بعده في ص، س، ف:"ذو".

(4)

ليست في: م، ت 1، ت 2

(5)

بعده في س، ف:"والمساكين".

(6)

أخرجه أحمد 15/ 71 (9140)، ومسلم (1039)، والنسائي (2570)، وأبو يعلى (6378)، من طريق إسماعيل به. وأخرجه البخارى (4539)، ومسلم (1039)، وابن زنجويه في الأموال (2110)، والبيهقى 4/ 195 من طريق شريك به.

ص: 515

ومما يُنْبِيُّ عن أن ذلك كذلك، انتزاعُه صلى الله عليه وسلم بقولِ

(1)

اللَّهِ: "اقْرَءوا إن شِئْتُم: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} "، وذلك في صفةِ مَن ابْتَدَأَ اللَّهُ ذِكْرَه ووَصَفَه بالفقرِ

(2)

؛ فقال: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273].

وقوله: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} . وهم

(3)

السُّعَاةُ فِي قَبْضِها مِن أهلِها، ووَضْعِها في مُسْتَحِقِّها

(4)

، يُعْطَوْن ذلك بالسِّعاية، أغنياءَ كانوا أو فقراءَ.

وبمثلِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ

(5)

عُبَيدِ اللَّهِ، قال: سألتُ الزُّهْرِيَّ عن العامِلين عليها، فقال: السُّعاةُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} . قال: جُباتُها الذين يَجْمَعونها، ويَسْعَوْن فيها.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} : الذي يَعْمَلُ عليها.

(1)

في ص، س، ف:"يقول"، وفى م:"لقول". وانتزع بالآية والشِّعْر: تمثَّل. تاج العروس (ن ز ع).

(2)

في ف: "الفقير".

(3)

في ص، س، ف:"إنهم".

(4)

في م: "مستحقيها".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"عن". وصوابها ما في: م. وقد جاءت على الصواب قبلُ في صفحة 510 بنفس رجال الإسناد.

ص: 516

ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في قدر ما يُعْطَى العاملُ مِن

(1)

ذلك؛ فقال بعضُهم: يُعْطَى منه الثُّمُنَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حُمَيدُ

(2)

بن عبدِ الرحمنِ، عن حسنِ بن صالحٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: للعامِلين عليها الثُّمُنُ مِن الصدقةِ.

حُدِّثْتُ عن مسلمِ بن خالدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} . قال: يأكلُ العُمَّالُ مِن السهمِ الثامنِ

(3)

.

وقال آخرون: بل يُعْطَى على قَدْرِ عِمالتِه.

[ذكرُ مَن قال ذلك]

(4)

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، عن الأخضرِ بن عَجْلانَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ زُهَيرٍ العامريُّ، عن أبيه، أنه لَقِى عبدَ اللهِ بنَ عمرِو بن العاصِ، فسألَه عن الصدقة: أيُّ مالٍ هي؟ فقال: مالُ العُرْجانِ والعُورانِ والعُمْيانِ، وكلِّ مُنْقَطَعٍ

(5)

به. فقال له: [إن للعاملين حقًّا]

(6)

والمجاهدين؟ قال: إن

(1)

في ص، س، ف:"في".

(2)

في ف: "عبيد". وينظر تهذيب الكمال 7/ 375.

(3)

ذكره البغوي في تفسيره 4/ 63.

(4)

ليست في: ص، م، ت 1، ت 2، س.

(5)

المُنقطع به: من "انْقُطِعَ به": إذا عجز عن سفره؛ من نفقةٍ ذَهَبَتْ، أو قامت عليه راحلته، أو أتاه أمر لا يقدر على أن يتحرك معه. ينظر تاج العروس (ق ط ع).

(6)

في ص، ت 1، س، ف:"أي والعاملين".

ص: 517

المجاهدين قومٌ أُحِلَّ لهم، وللعاملين

(1)

عليها على قَدْرِ عِمالِتهم. ثم قال: لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ، ولا لذى مِرَّةٍ

(2)

سَوِيٍّ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: يكونُ للعاملِ عليها إن عَمِلَ بالحقِّ، ولم يكنْ عمرُ رضي الله عنه ولا أولئك يُعْطُون العامل الثُّمُنَ، إنما يَفْرِضون له بقَدْرِ عِمالتِه

(4)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن أشْعَثَ، عن الحسنِ:{وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} . قال: كان يُعْطَى العامِلون

(5)

.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: يُعْطَى العاملُ عليها على قَدْرِ عِمالتِه و

(6)

أجْرِ مِثْلِه.

وإنما قُلْنا: ذلك أَوْلى بالصوابِ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه لم يَقْسِمُ صدقةَ الأموالِ بينَ الأصْنافِ الثمانيةِ على ثمانيةِ أسهمٍ، وإنما عَرَّفَ خَلْقَه أن الصدقاتِ لن تُجاوزَ

(1)

في ص، ت 1، س، ف:"العاملين".

(2)

المرة: قُوَّة الخَلْقِ وشِدَّتُه. ينظر القاموس المحيط (م ر ر).

(3)

أخرجه البيهقى 7/ 13 من طريق الأخضر وأخيه شميط عن عطاء به نحوه، وجاء عنده قوله:"لا تحل .... " مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما أخرجه في 7/ 15 من طريق الأخضر به، مختصرا بلفظ:"قال: قلت: للعاملين عليها، يعنى حقًّا؟ قال: نعم على قدر عمالتهم". وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير، 4/ 262، 263، وابن زنجويه في كتاب الأموال (2042)، ومن طريق شميط بن عجلان عن عطاء به نحوه، لكن عندهما عن عبد الله بن عمر لا "عمرو"، ووقع عند البخاري عن شميط عن أبيه عن ابن عمر" والأرجح أنه سقط منه "عن عطاء"، كما أخرجه البخارى أيضا في تاريخه الكبير 6/ 468، 469 من طريق عطاء به نحوه، وعنده أيضا عن ابن عمر، وذكره السيوطي في الدر المنثور 3/ 252 بنحوه لكن من قول ابن عمر، وعزاه لأبي الشيخ.

(4)

في ص، ت 1، س، ف:"عمله".

(5)

ينظر الأموال لابن زنجويه (2043).

(6)

سقط من: م.

ص: 518

هؤلاء الأصْنافَ الثمانيةَ إلى غيرِهم. وإذ كان كذلك، بما سنُوضِحُ بعدُ، وبما قد أوضَحْناه في [مواضع أُخَر]

(1)

، كان معلومًا أن مَن أُعْطِى منها حقًّا، فإنما يُعْطَى على

(2)

اجتهادِ المُعْطِى فيه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان العاملُ عليها إنما يُعْطَى على عملِه، لا على الحاجةِ التي تزولُ بالعَطِيَّةِ، كان معلومًا أن الذي أُعْطاه مِن ذلك، إنما هو عِوَضٌ مِن سَعْيِه وعملِه، وأن ذلك إنما هو قَدْرُ ما

(3)

يَسْتَحِقُّهُ عِوَضًا مِن عملِه الذي لا يزولُ بالعَطِيَّةِ، وإنما يزولُ بالعَزْلِ.

وأمَّا المُؤلَّفَةُ قلوبهم، فإنهم قومٌ كانوا يُتَأَلَّفون على الإسلامِ، ممن لم تَصِحَّ نُصْرَتُه؛ اسْتِصلاحًا به نفسَه وعَشيرته؛ كأبي سفيانَ بن حربٍ وعُيَيْنَةَ بن بدرٍ، والأقْرَعِ بن حابسٍ، ونُظَرائِهم مِن رؤساء القبائلِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} : وهم قومٌ كانوا يَأْتون رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قد أسْلَموا، وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْضَخُ

(4)

لهم مِن الصدقاتِ، فإذا أعْطاهم مِن الصدقةِ

(5)

فأصابوا منها خيرًا، قالوا: هذا دِينٌ صالحٌ. وإن كان غيرَ ذلك، عابُوه وتَرَكوه

(6)

.

(1)

في م: "موضع آخر".

(2)

بعده في م: "قدر".

(3)

سقط من: م.

(4)

يرضخ: يعطى قليلا. ينظر الوسيط (ر ض خ).

(5)

في م: "الصدقات".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 251 إلى المصنف وابن مردويه، وعزاه صاحب منار السبيل 1/ 208 إلى أبي بكر ابن المنذر في تفسيره.

ص: 519

حدَّثنا ابن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ، أن المؤلفةَ قلوبُهم من بنى أُمَيَّةَ أبو سفيانَ بنُ حَرْبٍ، ومِن بني مَحْرُومٍ الحارثُ بن هشامٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ يَرْبوعٍ، ومن بني جُمَحَ صَفْوانُ بنُ أُمَيَّةَ، ومِن بنى عامِرِ بن لُؤيٍّ سُهَيل بنُ عمرٍو وحُوَيْطِبُ بنُ عبدِ العُزَّى، ومن بني أسدِ بن عبدِ العُزَّى حكيمُ بنُ حزامٍ، ومِن بنى هاشمٍ أبو

(1)

سفيان بنُ الحارثُ بن عبدِ المطلبِ، ومِن بني فَزارةَ عُيَينةُ بنُ حِصْنِ بن بدرٍ، ومن بني تميمٍ الأَقْرَعُ بنُ حابسٍ، ومِن بني نصرٍ مالكُ بنُ عوفٍ، ومِن بني سُلَيمٍ العباسُ بنُ مِرْداسٍ، ومن ثقيفٍ العلاءُ بنُ حارثةَ

(2)

. أعطَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم كلَّ رجلٍ منهم مائةَ ناقةٍ إلا عبدَ الرحمنِ بنَ يَرْبوعٍ وحُويطِبَ بنَ عبدِ العُزَّى، فإنه أعطىَ كلَّ رجلٍ منهم خمسين

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا محمدُ بن ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزهريِّ، قال: قال صَفْوانُ بنُ أميةَ: لقد أعْطاني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وإنه لأَبْغَضُ الناسِ إليَّ، فما بَرِح يُعْطِينى حتى إنه لأَحَبُ الناسِ إلَّى

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ناسٌ كان يَتَألَّفُهم بالعَطِيَّةِ؛ عُيَيْنةُ بنُ بدرٍ ومَن كان

(1)

سقط من: م.

(2)

كذا في النسخ، وقيل صوابها: جارية، بالجيم التحتانية، وبعضهم يقول خارجة. ينظر الاستيعاب 3/ 1085 وأسد الغابة 4/ 73، والإصابة 4/ 540، 5/ 279.

(3)

ذكره الزيلعي في نصب الراية 2/ 394 عن المصنف، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 281، 282، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1822، 1823 من طريق معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 251 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 282، وابن عساكر 24/ 116 من طريق معمر به، وأخرجه أحمد 6/ 465 (الميمنية)، ومسلم (59/ 2313)، والترمذى (666) من طريق يونس بن يزيد الأيلى عن الزهرى عن سعيدِ بن المسيب عن صَفْوانُ بنُ أميةَ.

ص: 520

معه

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، عن حمادِ بن سَلَمَةَ، عن يونسُ، عن الحسنِ:{وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} : الذين يُؤَلَّفون على الإسلامِ

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: وأما المؤلَّفةُ قلوبُهم، فأُناسٌ مِن الأعرابِ ومن غيرِهم، كان نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتألَّفُهم بالعَطِيَّة كيما يؤمنوا

(3)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ

(4)

اللهِ، قال: سألتُ الزهريَّ، عن [قولِه:{وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} ]

(5)

. فقال: مَن أسلمَ مِن يهوديٍّ أو نصرانيٍّ. قلتُ: وإن كان غنيًّا؟ قال: وإن كان غنيًّا

(6)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ الجَزَرِيُّ، عن الزهريِّ:{وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [قال: كلُّ]

(7)

من هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ.

ثم اختَلَف أهلُ العلمِ في وجودِ المؤلَّفة اليومَ وعَدَمِها، وهل يُعْطَى اليوم أحدٌ على التألفِ على الإسلام من الصدقةِ؟ فقال بعضُهم: قد بَطَلَت المؤلفةُ قلوبهم اليومَ، ولا

(1)

تفسير مجاهد ص 370، 371.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 223، وابن أبي حاتم في تفسيره، 6/ 1823، من طريق حمادٍ به، بلفظ: الذين يدخلون في الإسلام. . وأخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (1960) من طريق حماد عن حُميد عن الحسن، بمثل لفظ السابقَين.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1823 معلقًا.

(4)

في ص، ت 1، س، ف:"عبد". وينظر ما تقدم في ص 510.

(5)

في ص، ت 1، س، ف:"المؤلفة قلوبهم".

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 223، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1823 من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله الأسدى به.

(7)

في ص، ت 1، س:"كل"، وفى م:"قال".

ص: 521

سهمَ لأحدٍ في الصدقةِ المفروضةِ إلا لذى حاجة إليها، أو

(1)

في سبيلِ اللهِ، أو لعاملٍ عليها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ:{وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} . قال: أمَّا المؤلَّفةُ قلوبُهم فليس اليومَ

(2)

.

حدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: لم يَبْقَ في الناسِ اليومَ مِن المؤلفةِ قلوبُهم، إنما كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، عن حِبَّانَ بن أبي جَبَلةَ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ رَضِى الله تعالى عنه وأتاه عُيَيْنةُ بنُ حِصْنٍ: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]. أي: ليس اليوم مؤلفةٌ

(4)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: ليس اليوم مؤلفةٌ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: إنما كانت المؤلفةُ قلوبُهم على عهدِ النبيِ صلى الله عليه وسلم، فلما وَليَ أبو بكرٍ، رضِى اللهِ تعالى عنه، انْقَطَعَت الرِّشا

(3)

.

(1)

في م: "و".

(2)

أخرجه ابن زنجويه في الأموال (2043) من طريق محرز البصري عن الحسن بمعناه.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 333 عن وكيع به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1822 من طريق جابر به.

(4)

ذكره الزيلعي في نصب الراية 2/ 394 عن المصنف.

ص: 522

وقال آخرون: المؤلَّفةُ قلوبُهم في كلِّ زمانٍ، وحَقُّهم في الصدقاتِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: في الناس اليوم المؤلَّفةُ قلوبُهم.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ مثلَه

(1)

.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى، أن اللَّهَ جَعَل الصدقةَ في مَعْنَيَيْن؛ أحدُهما: سَدُّ خَلَّةِ المسلمين، والآخرُ: معونةُ الإسلامِ وتقويتُه. فما كان في معونةِ الإسلامِ وتقويةِ أسبابهِ، فإنه يُعْطاه الغَنيُّ والفقيرُ؛ لأنه لا يُعْطاه مَن يُعْطاه بالحاجةِ منه إليه، وإنما يُعْطاه معونةً للدين. وذلك كما يُعْطَى الذي يُعْطاه بالجهادِ في سبيلِ اللهِ، فإنه يُعْطَى ذلك غَنِيًّا كان أو فقيرًا؛ للغَزْوِ، لا لسَدِّ خَلَّتِه، وكذلك المؤلفةُ قلوبُهم، يُعْطَوْن ذلك وإن كانوا أغنياءَ؛ اسْتِصْلاحًا بإعطائِهموه أمرَ الإسلامِ، وطلبَ تقويتِه وتأييدِه، وقد أعطَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أعْطَى مِن المؤلَّفةُ قلوبُهم، بعدَ أن فَتَح اللهُ عليه الفتوحَ، وفَشَا الإسلامُ وعَزَّ أهلُه. فلا حُجَّةَ لمُحْتجٍّ بأن يقولُ: لا يُتَأَلَّفُ اليومَ على الإسلامِ أحدٌ؛ لامتناعِ أهلِه بكثرةِ العددِ ممن أرادَهم. وقد أعطَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَن أعطَى منهم في الحالِ التي وَصَفتُ.

وأما قولُه: {وَفِي الرِّقَابِ} فإن أهلُ التأويلِ اختَلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم وهم الجمهورُ الأعظمُ: هم المُكاتبون، يُعْطَوْن منها في فكِّ رِقابِهم.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 223، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1823 من طريق وكيع به.

ص: 523

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن دينارٍ، عن الحسنِ

(1)

، أن مُكاتَبًا قام إلى أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، وهو يَخْطُبُ الناسَ يومَ الجمعةِ، فقال له: أيُّها الأميرُ، حُثَّ الناسَ عليَّ. فحَثَّ عليه أبو موسى، فألقَى الناسُ عليه عِمامةً ومُلاءةً وخاتَمًا، حتى الْقَوْا سَوادًا كثيرًا، فلما رأى أبو موسى ما أُلْقِى عليه، قال: اجْمَعوه. فجُمِع، ثم أَمَر به فبيعَ، فأَعْطَى المُكاتَبَ مُكاتَبَتَه، ثم أَعْطَى الفَضْلَ في الرِّقابِ، ولم يَرُدَّه على الناسِ، وقال: إنما أَعْطَى الناسُ في الرقابِ

(2)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، قال: سألتُ الزُّهْرى عن قولِه: {وَفِي الرِّقَابِ} . قال: المُكاتَبون

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَفِي الرِّقَابِ} . قال: المُكاتَبُ

(4)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سَهْلُ بن يوسفَ، عن عمرو، عن الحسنِ:{وَفِي الرِّقَابِ} . قال: هم المُكاتَبون

(5)

.

ورُوِى عن ابن عباسٍ أنه قال: لا بأسَ أن [يُعْتِقَ الرَّجُل]

(6)

الرقبةَ مِن الزكاةِ

(7)

.

(1)

في م: "الحسين". ينظر تهذيب الكمال 6/ 95.

(2)

ذكره الزيلعي في نصب الراية 2/ 395 عن المصنف، وأخرجه البيهقى 7/ 31 من طريق فلان الحنفى عن أبي موسى، بمعناه، وينظر تفسير ابن كثير 4/ 108.

(3)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1823، والبيهقى 7/ 21 معلقا عند كليهما، وينظر تفسير ابن كثير 4/ 108.

(4)

ينظر تفسير ابن كثير 4/ 108، وتفسير القرطبي، 12/ 252، ونصب الراية 2/ 395.

(5)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1823 معلقا، والزيلعي في نصب الراية.

(6)

في م: "تعتق".

(7)

أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (1966، 1967)، وابن أبي شيبة 3/ 179، 180، وعبد الله بن أحمد في مسائله لأبيه 2/ 504، 505 (696)، والحافظ في التغليق 3/ 24 من طرق عن ابن عباس.

ص: 524

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندى قولُ مَن قال: عُنِى بالرقابِ في هذا الموضع المُكاتبون؛ لإجماع الحُجَّةِ على ذلك، فإن الله جَعَل الزكاةَ حقًّا واجبًا على مَن أوجَبَها عليه في ماله، يُخْرِجُها منه، لا يَرْجِعُ إِليه منها نَفْعٌ مِن عَرَضِ الدنيا ولا عِوَضٌ، والمُعْتِقُ رقبةً منها راجعٌ إليه ولاءُ مَن أَعْتَقَه، وذلك نفعٌ يعودُ إليه منها.

وأما الغارمِون: فالذين اسْتَدَانوا في غيرِ معصيةِ اللهِ، ثم لم يَجِدوا قضاءً في عينٍ ولا عَرَضٍ.

وبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ بن أسودِ، عن مجاهدٍ، قال: الغارِمون: مَن احْتَرَق بيتُه أو يُصِيبُه السيلُ، فَيَذْهَبُ متاعُه، أو

(1)

يَدَّانُ على عيالِه، فهذا مِن الغارِمين

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَالْغَارِمِينَ} . قال: مَن احْتَرَق بيتُه، وذَهَب السيلُ بمالِه، وادَّانَ على عيالِه

(3)

.

(1)

في م: "و".

(2)

تفسير الثورى ص 127، ومن طريقه ابن زنجويه في كتاب الأموال (2048)، وأخرجه أيضًا في الأموال (2046)، وابن أبي شيبة 3/ 207 من طريق عثمان بن الأسود به.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 280، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1824 من طريق الحسن بن أبي الربيع - وهو الحسن بن يحيى به.

ص: 525

حدَّثنا أحمدُ، قال:[ثنا أبو أحمدَ، قال:]

(1)

ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال:{وَالْغَارِمِينَ} : المُسْتَدِينُ في غيرِ سَرَفٍ، ينبغى للإمامِ أَن يَقْضِيَ عنهم من بيتِ المالِ

(2)

.

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، قال: سألْنا الزهريَّ عن الغارِمين، قال: أصحابُ الدَّينِ

(3)

.

قال: ثنا مَعْقِلٌ، عن عبدِ الكريمِ، قال: ثني خادمٌ لعمرَ بن عبدِ العزيز خَدَمَه عشرين سنةً، قال: كَتَبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ أن يُعْطَى الغارِمونَ. قال أحمدُ: أكثرُ ظَنِّي مِن الصدقاتِ.

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: الغارِمون: المُسْتَدِينُ في غيرِ سَرَفٍ

(4)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: أمَّا الغارِمون: فقومٌ غَرَّقَتْهم الديونُ في غيرِ إمْلاقٍ

(5)

ولا تَبْذيرٍ ولا فسادٍ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الغارِمُ: الذي يَدْخُلُ عليه الغُرْمُ.

(1)

سقط من النسخ. وينظر تهذيب الكمال 1/ 265، 2/ 515 وما تقدم ص 523 وغيرها.

(2)

أخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال (2047) من طريق إسرائيل به بنحوه.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 207 عن أبي أحمد به.

(4)

تفسير سفيان الثوري ص 127 بنحوه.

(5)

الإملاق: كثرة إنفاق المال وتبذيره حتى يورث حاجة. والإملاق أيضًا: الإفساد. ينظر لسان العرب (م ل ق).

ص: 526

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمَانٍ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ:{وَالْغَارِمِينَ} . قال: هو الذي يذهبُ السيلُ والحريقُ بمالِه، ويَدَّانُ على عيالِه.

قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: المُسْتَدِينُ في غيرِ فسادٍ

(1)

.

قال: حدَّثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: الغارِمون: الذين يَسْتَدِينون في غيرِ فسادٍ، ينبغى للإمام أن يَقْضِيَ عنهم

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عثمانَ بن الأسْودِ، عن مجاهدٍ: هم قومٌ رَكبتْهم

(3)

الديونُ في غيرِ فسادٍ ولا تبذيرٍ، فجعلَ اللهُ لهم في هذه الآية سَهْمًا.

وأمَّا قولُه: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، فإنه يعنى: وفي النفقة في نُصْرةِ دينِ اللهِ وطريقِه وشريعتِه التي شَرَعَها لعبادِه، بقتالِ أعدائِه، وذلك هو غزوُ الكفارِ.

وبالذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: {وَفِي

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 207، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1824 من طريق وكيع به.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 207 عن وكيع. به.

(3)

في ص: "تركنهم". وفى ت 1، س، ف:"تركتهم".

ص: 527

سَبِيلِ اللَّهِ}. قال: الغازِى في سبيلِ اللَّهِ

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لا تَحِلُّ الصدقةُ لغَنِيٍّ إلا لخمسةٍ؛ رجلٍ عَمِل عليها، أو رجلٍ اشْتَراها بمالِه، أو في سبيلِ اللهِ، أو ابِن السبيلِ، أو رجلٍ كان له جارٌ تُصُدِّقَ عليه فأهْدَاها له

(2)

.

قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "لا تَحِلُّ الصدقةُ لغَنيٍّ

(3)

إلا لثلاثةٍ؛ في سبيلِ اللهِ، أو

(4)

ابن السبيلِ، أو رجلٍ كان له جارٌ فتُصُدِّقَ عليه فأهْدَاها له"

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1825 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 210 عن وكيع به نحوه، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (1729)، وابن زنجويه في الأموال (2057)، والدارقطني في العلل 11/ 271 من طريق الثورى به. وأخرجه مالك 1/ 268، وابن زنجويه (2058)، وأبو داود (1635)، والحاكم 1/ 408، والبيهقى 7/ 15، وابن عبد البر في التمهيد 5/ 96، والبغوى (1604) وغيرهم من طريق زيد به، وأخرجه موصولا بنحوه: أحمد 18/ 96، 97 (11538)، وأبو داود (1636)، وابن ماجه (1841)، وابن خزيمة (2374)، والحاكم 1/ 407، 408، والبيهقى 7/ 15، وابن عبد البر في التمهيد 5/ 96، 97 من طريق عبد الرزاق عن معمر عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. وأخرجه الدارقطنى في العلل 11/ 270، 271 من طريق الثوري ومعمر جميعًا عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد مرفوعًا، وأخرجه البيهقى 7/ 15 من طريق عبد الرزاق عن الثورى عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد مرفوعًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 252 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه.

(3)

في ص، ت 1:"معني"، وفى س، ف:"يعني".

(4)

في ف: "و".

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 210، وأحمد 17/ 370، 416/ 18 (11268، 11929)، وأبو يعلى=

ص: 528

وأمَّا قوله: {سَبِيلِ اللَّهِ} ، فالمسافرُ الذي يَجْتاز مِن بلدةٍ

(1)

إلى بلدةٍ

(1)

. والسبيلُ الطريقُ. وقيل للضاربِ فيه: ابن السبيلِ؛ للزومِه إياه، كما قال الشاعرُ

(2)

.

أنا ابن الحربِ

(3)

رَبَّتْنِى وليدًا

إلى أنْ شِبْتُ واكْتَهَلَتْ لِدَانِي

وكذلك تفعلُ العربُ، تُسَمِّى اللازمَ للشيءِ يُعْرَفُ بِه؛ بابنِه.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: ابن السبيلِ: المُجْتازُ من أرضٍ إلى أرضٍ

(4)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ:{سَبِيلِ اللَّهِ} . قال: لابنِ السبيل حقٌّ مِن الزكاةِ وإن كان غنيًّا، إذا كان مُنْقَطَعًا به.

= (1202) من طريق وكيع به. وأخرجه عبد بن حميد (893)، وابن زنجويه (2055)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 2/ 19، والبيهقى 7/ 23 من طريق ابن أبي ليلى به، وأخرجه الطيالسي (2308) مختصرًا، وأحمد 17/ 453، 454 (11358)، وابن زنجويه (2056)، وأبو داود (1637)، وأبو يعلى (1333) والطحاوى 2/ 19، من طريق عطية به.

(1)

في م: "بلد".

(2)

البيت في التبيان 5/ 245، ولم ينسبه لقائلٍ.

(3)

ابن الحرب: هو الشجاع الذي تعود الحرب وألفها ينظر ثمار القلوب. للثعالبي ص 268.

(4)

تفسير الثورى ص 127.

ص: 529

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَعْقِلُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ، قال: سألتُ الزهريِّ عن ابن السبيلِ، قال: يأتى عليَّ ابن السبيلِ وهو مُحتاجٌ. قلتُ: فإن كان غنيًّا؟ قال: وإن كان غنيًّا

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{ابْنِ السَّبِيلِ} : الضيفُ، جُعِل له فيها حقٌّ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال [ابن زِيدٍ في قولِه]

(2)

{وَابْنِ السَّبِيلِ} : المسافرُ مَن كان غنيًّا أو فقيرًا، إذا أُصِيبَتْ نفقتُه أو فُقِدَتْ، أو أصابَها شيءٌ، أو لم يكن معه شيءٌ، فحَقُّه واجبٌ.

حدَّثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، أنه قال في الغَنِيِّ إذا سافرَ فاحْتاجَ في سفرِه، قال: يأخُذُ مِن الزكاةِ

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ، قال: ابن السبيلِ: المُجْتازُ مِن الأرضِ إلى الأرضِ

(4)

.

وقولُه: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: قَسْمٌ قسَمه اللهُ لهم، فأَوْجَبه في أموالِ أهلِ الأموالِ لهم، واللهُ عليم بمصالحِ خلقِه فيما فَرَض لهم، وفي غيرِ ذلك، لا يَخْفَى عليه شيءٌ؛ فعلى عِلْمٍ منه فَرَض ما فَرَضَ مِن الصدقةِ، وبما فيها مِن المصلحةِ، حكيم في تَدْبيرِه خلقَه، لا يَدْخُلُ في تَدْبِيرِه خَلَلٌ.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 207 عن أبي أحمد به نحوه.

(2)

سقط من: ص، م، ت 1، س.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 211، وابن زنجويه في الأموال (2045) من طريق هشيم به، بلفظ:"يُعطى من الصدقة في سفره لأنه ابن السبيل"، وزاد ابن زنجويه بعده "حتى يبلغ ماله".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 207، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1825 من طريق وكيع به.

ص: 530

واختَلف أهلُ العلمِ في كَيْفيةِ قَسْمِ الصدقاتِ التي ذَكَرَها اللهُ في هذه الآيةِ، وهل يجبُ لكلِّ صِنْفِ مِن الأصنافِ الثمانيةِ

(1)

فيها حقٌّ، أو ذلك إلى ربِّ المالِ، ومَن يَتَوَلَّى قَسْمَها؛ في أنَّ له أن يُعْطِي جميعَ ذلك مَن شَاءَ مِن الأصنافِ الثمانيةِ؛ فقال عامةُ أهلِ العلمِ: للمُتَوَلِّى قَسْمِها وَضْعُها

(2)

في أيِّ الأصْنافِ الثمانيةِ شاءَ، وإنما سَمَّى اللَّهُ الأصنافَ الثمانيةَ في الآيةِ، إعْلامًا منه خَلْقَه أن الصدقةَ لا تَخْرُجُ مِن هذه الأصنافِ الثمانيةِ

(3)

إلى غيرِها، لا إيجابًا لقَسْمِها بينَ الأصنافِ الثمانيةِ [الذين ذَكَرهم اللهُ تعالى]

(4)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن الحجاج بن أَرْطَاةَ، عن المنْهالِ بن عمرٍو، عن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، عن حُذَيفة في قولِه:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} عَلَيْهَا. قال: إن شِئْتَ جَعَلْتَه في صنفٍ واحدٍ، أو صِنْفَين، أو ثلاثةٍ

(5)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الحجاجِ، عن المِنْهالِ، عن زِرٍّ، عن حُذيفةَ، قال: إذا وَضَعْتَها في صِنْفٍ واحدٍ أجْزَأَ عنك

(6)

.

(1)

بعده في ف: "التي".

(2)

في ت 1، س، ف:"ووضعها".

(3)

زيادة من: م.

(4)

زيادة من: م. وفى ص، ت 1، ف:"الذين ذكرهم".

(5)

في م: "لثلاثة".

(6)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (1826)، وابن أبي شيبة 3/ 182، والبيهقى 7/ 7 من طريق أبى معاوية به. وأخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال (2199) من طريق حجاج به نحوه، وأخرجه أبو يوسف في الخراج ص 206، وابن أبي شيبة 3/ 182 من طريق المنهال به بنحوه عند أبي يوسف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 250، 251 إلى أبي الشيخ.

ص: 531

قال: ثنا جَريرٌ، عن لَيْثٍ، عن عطاءٍ، عن عمر:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} . قال: أيُّما صِنفٍ أعطيتَه من هذا أجْزَاكَ

(1)

.

[قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن عبدِ المطلبِ، عن عطاءٍ:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الآية. قال: لو وَضَعْتَها في صنفٍ

(2)

من هذه الأصنافِ أَجْزَأك، ولو نَظَرْتَ إلى أهِل بيتٍ مِن المسلمين فقراءَ مُتَعَفِّفِين فجَبَرْتهم بها، كان أحبُّ إليَّ

(3)

.

قال: أخبَرنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبير:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} - {وَابْنِ السَّبِيلِ} ، فأيَّ صِنفٍ أعطيتَه من هذه الأصنافِ أجْزَاك]

(4)

(5)

.

قال: ثنا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن عطاء، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ

(1)

ذكره الزيلعي في نصب الراية 2/ 397 عن المصنف، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (2198) من طريق ليث به، بلفظ:"أن عمر كان يضع الزكاة في صنف واحد ويأخذ العروض".

(2)

بعده في م: "واحد".

(3)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (1838)، وابن زنجويه في الأموال (2194، 2197، 2278) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء به دون قوله: "ولو نظرت

"، إلا في (2278) عند ابن زنجويه فقد جاء تامًّا، وأخرجه ابن أبي شيبة 3/ 183 من طريق حجاج عن عطاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 251 إلى أبى الشيخ. وأما "عبد المطلب عن عطاء" فلم نجد في ترجمة عطاء وهو ابن أبي رباح - تهذيب الكمال 20/ 69 - من يروى عنه بهذا الاسم، ولكن يروى عنه عبد الملك بن أبي سليمان - ترجمة عطاء، وترجمة عبد الملك في تهذيب الكمال 18/ 322 - وينظر كذلك ترجمة عبد الله بن نمير في تهذيب الكمال 16/ 225 فليس هناك روايته عمن اسمه عطاء، ولكن عن عبد الملك بن أبي سليمان. والأرجح أن النسخ تحرف فيها "عبد الملك" إلى "عبد المطلب".

(4)

سقط من: ف.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 182 عن جرير به، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (2194، 2196)، والبيهقى 7/ 8 من طريق عطاء - وهو ابن السائب به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 251 إلى أبي الشيخ.

ص: 532

مثلَه

(1)

.

قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} . قال: إنما هذا شيءٌ أَعْلَمَهُ، فَأَيَّ صِنفٍ مِن هذه الأصنافِ أعطيتَه أجْزَأ عنك

(2)

.

قال: ثنا أبى، عن شُعْبَةَ، عن الحكم، عن إبراهيمَ:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} . قال: في أيِّ هذه الأصنافِ وضعتها أجْزَأَك

(3)

.

قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، [قال: إذا]

(4)

وَضَعْتَها في صنفٍ واحدٍ مما سَمَّى اللَّهُ أَجْزأك

(5)

.

قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: إذا وضَعْتَها في صنفٍ واحدٍ مما سَمَّى اللَّهُ أجزأك

(6)

قال: ثنا خالدُ بنُ حَيَّانَ أبو يزيدَ، عن جعفرِ بن بُرْقَانَ، عن ميمونِ بن مِهْرَانَ:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} . قال: إذا جَعَلْتَها في صنفٍ واحدٍ من هؤلاء أجْزَأ عنك

(7)

.

(1)

ذكره الزيلعي في نصب الراية 2/ 397 عن المصنف، وأخرجه أبو يوسف في الخراج ص 205، 206، وعبد الرزاق في مصنفه (7136، 7137)، وأبو عبيد في الأموال (1829) من طرق عن ابن عباس بنحوه.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 182 عن جرير به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 251 إلى أبي الشيخ.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 182 عن وكيع به.

(4)

في ص، ت 1، س، ف:"إن".

(5)

أخرجه أبو عبيد في الأموال (1838)، وابن زنجويه (2194) من طريق سفيان به.

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 182 عن وكيع به نحوه.

(7)

أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 173 من طريق جعفر به.

ص: 533

قال: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، عن مسعودٍ، عن عطاء، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية. قال: أَعْلَمَ أهلَها مَن هم.

قال: ثنا حَفْصٌ، عن لَيْثٍ، عن عطاءٍ، عن عمرَ، أنه كان يأخُذُ العَرْضَ

(1)

في الصدقة، ويَجْعَلُها في صنفٍ واحدٍ

(2)

.

وكان بعضُ المتأخرين يقولُ: إذا تولَّى ربُّ المالِ قَسْمَها، فإنّ

(3)

عليه وَضْعَها في ستةِ أصنافٍ؛ وذلك أن المؤلَّفةُ قلوبُهم عنده قد ذَهَبوا، وأن سهمَ العاملين يَبْطُلُ بقَسْمِه إياها، ويَزْعُمُ أَنه لا يَجْزِيه أن يُعْطِيَ مِن كلِّ صنفٍ أقلَّ مِن ثلاثة أنفسٍ، وكان يقولُ: إن تَوَلَّى قَسْمَها الإمامُ، فإنَّ

(3)

عليه أن يَقْسِمها على سبعةِ أصنافٍ، لا يَجْزِى عندَه غيرُ ذلك.

‌القولُ في تأويلِ قوله: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} .

يقولُ تعالى ذكره: ومن هؤلاء المنافقين جماعةٌ يُؤْذُون رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ويَعِيبونه

(4)

، {وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} ، سامعةٌ، يسمعُ مِن كلِّ أحدٍ ما يقولُ، فيَقْبَلُه

(1)

في م: "الفرض"، و في ف:"المعرض". والعَرْض بالتسكين ما خالف النَّقْدين من متاع الدنيا وأثاثها، والجمع عُرُوض. ينظر تاج العروس (ع ر ض).

(2)

ذكره الزيلعي في نصب الراية 2/ 397 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي شيبة 3/ 182 عن حفص به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (7134) من طريق ليث عن رجل عن عمر "أنه كان يأخذ العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس".

(3)

في م: "كان".

(4)

في ت 1، ت 2، س، ف:"يغشونه".

ص: 534

ويُصَدِّقُه. وهو من قولهم: رجلٌ أذَنةٌ، مثل "فعلة"، إذا كان يُسْرِعُ الاستماعَ

(1)

والقبولَ، كما يقالُ: هو يَقِنٌ ويَقَنٌ. إذا كان ذا يقينٍ بكلِّ ما حُدِّثَ

(2)

. وأصله مِن أذِنَ له يَأْذَنُ، إِذا اسْتَمَعَ له. ومنه الخبرُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "ما أَذِنَ اللَّهُ لشيءٍ كَأَذَنِه لنبيٍّ يَتَغَنَّى

(3)

بالقرآنِ"

(4)

. ومنه قولُ عديٍّ بن زيدٍ

(5)

:

أيُّها القلبُ تَعَلَّلْ بِدَدَنْ

(6)

إِنَّ هَمِّي فِي سَمَاعٍ وَأَذَنْ

(7)

وذكر أن هذه الآية نَزَلت في ربيعِ

(8)

بن الحارثِ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ذَكَر اللَّهُ غِشَّهم

(9)

- يعنى المنافقين - وأَذَاهم [للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال]

(10)

: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} الآية، وكان الذي يقولُ تلك المقالةَ - فيما بَلَغني - نَبْتلُ

(11)

بن الحارثِ، أخو بني عمرِو بن عوفٍ، وفيه نزلت هذه الآيةُ؛ وذلك أنه قال: إنما محمد أُذُنٌ؛ مَن حدَّثه شيئًا صَدَّقه. يقولُ الله: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} . أي:

(1)

في ت 1، ت 2، س:"الإسماع".

(2)

في ص: "أحدث"، وفى ت 1، ت 2، ف:"أخذت".

(3)

في ف: "معني".

(4)

أخرجه أحمد 13/ 102 (7670) والبخارى (5023)، ومسلم (792)، وغيرهم من حديث أبي هريرة.

(5)

في ف: "يزيد". والبيت في أمالي ابن الشجرى 2/ 36 واللسان (أ ذ ن، د دن).

(6)

الدَّدن: اللهو واللعب، ويستعمل محذوف النون "الدَّد". ينظر اللسان (د د ن).

(7)

في ف: "أدي". وينظر مصادر التخريج.

(8)

كذا في النسخ، وصوابه:"نبتل" كما سيأتي في الخبر التالي.

(9)

في م: "عيبهم".

(10)

في ص، ف:"فقال النبي عليه السلام"، وفى ت 1، ت 3، س:"فقال النبي صلى الله عليه وسلم ".

(11)

في ف: يصل"، وفى ت 1: ميل، وفى ت 2، س: "سل" هكذا بدون نقط. وينظر مصدر التخريج.

ص: 535

يسمعُ الخيرَ ويُصَدِّقُ به

(1)

.

واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولَه: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} .

فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} ، بإضافةِ الأُذُنِ إلى الخَيرِ

(2)

. يعنى: قلْ لهم يا محمدُ: هو أُذُن خيرٍ، لا أُذُنُ شَرٍّ.

وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه قرَأ ذلك: (قل أذنٌ خيرٌ لكم) بتنوينِ "أُذُن"

(3)

، ويَصِيرُ "خيرٌ" خبرًا له، بمعنى: قلْ: مَن يسمعُ منكم أيُّها المنافقون ما تقولون ويُصَدِّقُكم - إن كان محمدٌ كما وَصَفْتُموه - مِن أنكم إذا أتَيْتُموه

(4)

فأنكَرْتُم ما ذُكر له عنكم مِن أذَاكم إياه وعَيْبِكم له، سَمِعَ منكم وصَدَّقكم - خيرٌ لكم من أن يُكَذِّبَكم ولا يَقْبَلَ منكم ما تقولون. ثم كَذَّبَهم فقال: بل لا يَقْبَلُ إِلا مِن المؤمنين؛ {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} .

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ عندى في ذلك قراءةُ مَن قرأَ: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} ، بإضافة الأُذُنِ إلى الخيرِ وخفضِ الخيرِ، بمعنى: قل هو أُذُنُ خيرٍ لكم، لا أُذُنُ شَرٍّ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 521.

(2)

قراءة السبعة جميعا. السبعة ص 315.

(3)

وهى قراءة على بن أبى طالب والسلمي وابن أبي إسحاق وقتادة وعيسى بن عمر الثقفي، وهي قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة. ينظر شواذ القرآن ص 59.

(4)

في م: "آذيتموه".

ص: 536

ابن عباس قولَه: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ} : يسمَعُ مِن كلِّ أحدٍ

(1)

.

حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله:{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ} . قال: كانوا يقولون: إنما محمدٌ أُذُنٌ، لا يُحَدَّثُ عَنَّا شيئًا إلا هو أُذُنٌ يسمعُ ما يقال له.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابُن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي

(2)

نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} : نقولُ ما شِئْنا ونحلِفُ، فيُصَدِّقُنا

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله:{هُوَ أُذُنٌ} . قال: يقولون: نقولُ ما شِئْنا، ثم نحلفُ له فيُصَدِّقُنا

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه

(3)

.

وأما قوله: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} ، فإنه يقولُ: يُصَدِّقُ باللهِ وحدَه لا شريكَ له. وقوله {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} . يقولُ: ويُصَدِّقُ المؤمنين، لا الكافرين ولا المنافقين.

وهذا تكذيبٌ مِن اللهِ للمنافقين الذين قالوا: محمدٌ أُذُنٌ. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إنما محمدٌ صلى الله عليه وسلم مستمِعُ خيرٍ، يُصدِّقُ باللهِ وبما جاءه مِن عندِه، ويُصدِّقُ المؤمنين، لا أهل النفاق والكفرِ باللهِ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1827 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 253 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

سقط من: م، من: م، ف.

(3)

تفسير مجاهد ص 317 ومن طريق ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1827.

ص: 537

وقيل: {وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} . معناه: ويؤمنُ المؤمنين؛ لأن العربَ تقولُ، فيما ذُكِر لنا عنها: آمنتُ له، وآمنتُه. بمعنى: صَدَّقتُه، كما قيل:{رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} [النمل: 72]. ومعناه: رَدِفَكم. وكما قال: {لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154]. ومعناه: للذين هم ربَّهم يَرْهَبون.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، ثنى عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس:{يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} . يعنى: يُؤمِنُ باللَّهِ، ويُصَدِّقُ المؤمنين

(1)

.

وأما قوله: {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} ، فإن القرأةَ اختَلَفَت في قراءتِه؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ

(2)

الأمصارِ: {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا}

(3)

، بمعنى: قل هو أذنُ خيرٍ لكم، وهو رحمةٌ للذين آمَنوا منكم. فرفع الرحمةَ عطفًا بها على الأُذُنِ.

وقرأه بعضُ الكوفيين: (وَرَحْمَةٍ)

(4)

عطفًا بها على الخيرِ

(5)

، بتأويلِ: قل أذنُ خيرٍ لكم وأُذُن رحمةٍ.

قال أبو جعفرٍ، رحمه الله: وأَوْلى القراءتَين بالصوابِ في ذلك عندى قراءةُ مَن قرَأه: {وَرَحْمَةٌ} بالرفعِ

(6)

عطفًا بها على الأُذُنِ، بمعنى: وهو رحمةٌ للذين آمَنوا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1827، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 253 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

سقط من: م.

(3)

هذه قراءة السبعة إلا حمزة. ينظر السبعة ص 315 وحجة القراءات ص 320.

(4)

هذه قراءة حمزة. السبعة ص 315.

(5)

في ص: "الجر"، وفى ت 2، س، ف:"الخير".

(6)

القراءتان كلتاهما صواب.

ص: 538

منكم. وجَعَله الله رحمةً لمَن اتَّبعه واهْتَدى بهُداه، وصَدَّق بما جاء به مِن عندِ ربِّه؛ لأن اللَّهَ اسْتَنْقَذهم به مِن الضلالةِ، وأَوْرَثَهم باتِّباعه جناتِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المنافقين الذين يَعيِبُون

(1)

رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ويقولون: {هُوَ أُذُنٌ} ، وأمثالهم من مُكَذِّبِيه، والقائلين فيه الهُجْرَ

(2)

والباطلَ: عذابٌ مِن اللَّهِ موجعٌ لهم في نارِ جهنمَ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)} .

يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسولِه صلى الله عليه وسلم: يحلِفُ لكم أيُّها المؤمنون هؤلاء المنافقون باللهِ ليرضوكم فيما بَلَغَكم عنهم مِن أذاهم رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وذِكْرِهم إياه بالطعنِ عليه والعَيْبِ، له، ومُطابقتِهم

(3)

سرًّا أهلَ الكفرِ عليكم، بالله والأيْمان الفاجرةِ، أنهم ما فَعَلوا ذلك، وإنهم لعلَى دينِكم، ومعكم على من خالَفكم، يَبْتَغون بذلك رضِاكم. يقولُ الله جلّ ثناؤه:{وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [بالتوبةِ والإنابةِ مما قالوا ونَطَقوا]

(4)

، {إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} .

يقولُ: إن كانوا مُصَدِّقِين بتوحيدِ اللَّهِ، مُقِرِّين بوَعْدِه ووَعِيدِه.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ت 1، ت 2:"يعنون".

(2)

الهجر في المنطق: الفحش والكلام فيما لا ينبغي. النهاية 5/ 245.

(3)

في س: "مظاهرتهم". وطابقه على الشيء: جامعه عليه. ينظر اللسان (ط ب ق).

(4)

سقط من: ت 1، ت 2، س، ف.

ص: 539

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} الآية: ذُكِر لنا أن رجلًا مِن المنافقين، قال: واللهِ إن هؤلاء الخيارُنا وأشرافُنا، وإن كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا، لهم شرٌّ مِن الحَميرِ. قال: فسَمِعها رجلٌ مِن المسلمين فقال: واللهِ إن ما يقولُ محمدٌ حقٌّ، ولأنتَ شَرٌّ مِن الحمارِ. فَسَعَى بها الرجلُ إلى نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأرسَل إلى الرجال فدَعاه، فقال:"ما حَمَلك على الذي قلتَ؟ ". فَجَعَل يَلْتَعِنُ ويحلفُ باللَّهِ ما قال ذلك. قال: وجَعَل الرجلُ المسلمُ يقولُ: اللهمَّ صَدِّقِ الصادقَ وكذِّبِ الكاذبَ. فأنزَل اللهُ في ذلك: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ}

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يعلمْ هؤلاء المنافقون الذين يَحْلِفون باللهِ كذبًا للمؤمنين ليُرْضُوهم، وهم مُقيمون على النفاقِ، أنه مَن يُحاربِ الله ورسولَه، ويُخالفهما فيُناوِئْهما بالخلافِ عليهما، {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} في الآخرةِ، {خَالِدًا فِيهَا}. يقولُ: لابِثًا فيها، مُقِيمًا إلى غيرِ نهايةٍ. {ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ}. يقولُ: فلُبْثُه في نارِ جهنمَ وخلودُه فيها هو الهوانُ والذلُّ العظيمُ.

وقرأت القرآةُ: {فَأَنَّ} بفتحِ "الألف" مِن "أَنَّ"، بمعنى: ألم يَعْلَموا أَنَّ لَمَن حادَّ الله ورسولَه نارَ جهنمَ. وإعمالِ {يَعْلَمُوا} فيها، كأَنهم جَعَلُوا "أَنَّ" الثانيةَ مُكَرَّرةً على الأولى، واعْتَمَدوا عليها؛ إذ كان الخبرُ معها دونَ الأولى.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1828 من طريق يزيد به.

ص: 540

وقد كان بعضُ نَحْويِّى البصرة يختارُ الكسرَ في ذلك على الابتداءِ؛ بسببِ دخولِ "الفاءِ" فيها، وأن دخولَها فيها عندَه دليلٌ على أنها جوابُ الجزاءِ، وأنها إذا كانت [جوابَ الجزاءِ]

(1)

، كان الاختيارُ فيها الابتداءَ.

والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ غيرَها فتحُ الألفِ في كلا الحرفَين - أعنى "أنّ" الأولى والثانيةَ - لأن ذلك قراءةُ الأمصارِ، وللعِلَّة التي ذكرتُ من جهة العربيةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يَخْشَى المنافقون أن تَنزِلَ فيهم سورةٌ {تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ} . يقولُ: تُظهِرُ المؤمنين على ما في قلوبِهم.

وقيل: إن الله أنزَل هذه الآيةَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ لأن المنافقين كانوا إذا عابوا رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وذكروا شيئًا مِن أمره وأمرِ المسلمين، قالوا: لعل الله لا يُفْشِى سِرَّنا. فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ لهم: {اسْتَهْزِئُوا} . مُتَهَدِّدًا لهم مُتَوَعِّدًا، {إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا

(2)

تَحْذَرُونَ}.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ} . قال: يقولون القولَ

(3)

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"للجواب جزاء".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ما كنتم".

(3)

في م: "للقول".

ص: 541

بينَهم، ثم يقولون: عسى اللهُ أن لا يُفْشِيَ سِرَّنا علينا

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: سِرَّنا هذا.

وأما قولُه: {إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} ، فإنه يعنى به: إِن اللَّهَ مُظْهِرٌ عليكم أيُّها المُنافِقون ما كنتم تَحْذَرون أن تُظهِروه، فأظهَر اللهُ ذلك عليهم وفَضَحَهم، فكانت هذه السورةُ تُدْعَى الفاضحةَ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كانت تُسَمَّى هذه السورةُ الفاضحة؛ فاضحةَ المنافِقين

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)} .

يقولُ جلّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ولئن سألتَ يا محمدُ هؤلاء المنافقين عما قالوا مِن الباطلِ والكذبِ، ليَقولُنَّ لك: إنما قُلنا ذلك لَعِبًا، وكنَّا نخوضُ في حديثٍ لعبًا وهزؤًا. يقولُ الله لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ أباللهِ وآياتِ كتابِه ورسولِه كنتُم تَسْتَهْزِئُون؟

وكان ابن إسحاقُ يقولُ: الذي قال هذه المقالةَ - كما حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان الذي قال هذه المقالةَ - فيما بَلَغَنى، وديعةُ بنُ ثابتٍ، أخو بني أميةَ بن زيدٍ، مِن بني عمرِو بن عوفٍ

(3)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 371 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1829.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1829 من طريق يزيد به.

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 524، 525.

ص: 542

حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنى هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، أن رجلًا من المُنافِقين قال لعوفِ بن مالكٍ في غزوةِ تبوكَ: ما لِقُرَّائِنا هؤلاء، أرغبُنا بُطونًا، وأكْذبُنا ألسنةً، وأَجْبَنُنا عند اللقاءِ! فقال له عوفٌ: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأخْبِرَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَذَهَب عوفٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ليُخبره، فوَجَد القرآنَ قد سَبَقَه. فقال زيدٌ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: فنظرتُ إليه مُتَعَلِّقًا بحَقَبِ

(1)

ناقةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَنْكُبُه الحجارةُ

(2)

. يقولُ: إنَّما كنا نخوضُ وتلعبُ. فيقولُ له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} ؟ "، ما يزيدُه

(3)

.

[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ]

(4)

، قال: ثني هشامُ بنُ سعدٍ

(5)

، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، قال: قال رجلٌ في غزوةِ تبوكِ في مجلسٍ: ما رأينا مثلَ قُرَّائِنا هؤلاء، أرغبَ بُطونًا، ولا أكذبَ ألْسُنًا، ولا أجبنَ عندَ اللقاء! فقال رجلٌ في المجلسِ: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأُخْبِرَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ونَزَلَ القرآنُ. قال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: فأنا رأيتُه مُتَعَلِّقًا بحَقَبِ ناقةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، تَنكُبُه الحجارةُ

(6)

وهو يقولُ: يا رسولَ اللهِ، إنما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ. ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا

(1)

في ت 2: "بعقب". والحقب محركة: الحزام الذي يلى حَقْو البعير، أو هو حبل يشدّ به الرحل في بطنه مما يلى ثيله. ينظر التاج (ح ق ب).

(2)

أي: تناله وتصيبه. ينظر النهاية 5/ 113.

(3)

في ت 1، ت 2:"يريده". وذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 112 عن الليث بنحوه، وذكره القرطبي في تفسيره 8/ 197 وعزاه إلى المصنف.

(4)

سقط من: م، ف.

(5)

في ص، ف:"سعيد" وهو المتقدم في السند قبله، وينظر تهذيب الكمال 30/ 204.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، س ف:"بالحجارة".

ص: 543

تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}

(1)

".

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن عكرمةَ في قولِه:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} ، إلى قولِه:{بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} . قال: فكان رجلٌ ممن إن شاء اللَّهُ عَفا عنه يقولُ: اللهمَّ إنى أسمعُ آيةً أنا أُعْنَى بها، تَقْشَعِرُّ منها الجلودُ، وتَحِبُ

(2)

منها القلوبُ، اللهمَّ فاجعلْ وفاتى قتلًا في سبيلِك؛ لا يقولُ أحدٌ: أنا غَسَّلْتُ، أَنا كَفَّنْتُ، أَنا دَفَنْتُ. قال: فأُصِيبَ يومَ اليمامة، فما أحدٌ مِن المسلمين إلا وُجِد غيره

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} . الآية، قال: بَيْنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يسيرُ في غزوتِه إلى تبوكَ، وبينَ يَدَيه ناسٌ مِن المنافقين، قالوا: أيَرْجو

(4)

هذا الرجلُ أن يفتح قصورَ

(5)

الشامِ وحصونَها، هيهاتَ هيهاتَ! فَأَطْلَعَ اللَّهُ نبيِّه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم: "احتبِسوا

(6)

عليَّ

(7)

الرَّكْبَ". فأتاهم فقال: "قُلْتُم كذا، قُلْتُم كذا". قالوا: يا نبيَّ الله، إنما كُنَّا نخوض ونلعب. فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى

(8)

ما تَسْمَعون

(9)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1829 من طريق يونس به، وأخرجه العقيلي 1/ 93 (106) من طريق نافع عن ابن عمر، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 254 إلى أبى الشيخ وابن مردويه.

(2)

في ص، ت 1، ف:"يحب"، وفى م:"تجل"، وتجب أي: تضطرب وتخفق. ينظر النهاية 5/ 154.

(3)

أي: إن الله استجاب دعوته فوجد القتلى والمصابون إلا هو لم يوجد. والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 112.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س:"أنرجو".

(5)

في ف: "قبور".

(6)

في ص، ف:"احبسوا".

(7)

بعده في م: "هؤلاء".

(8)

بعده في م: "فيها"، وفي مصدر التخريج:"فيهم".

(9)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1830 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 254 =

ص: 544

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} . قال: بينما النبيُّ صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تبوكَ، ورَكْبٌ مِن المُنافِقِين يَسيرون بينَ يَدَيه، فقالوا: يَظُنُّ هذا أن يفتحَ قصورَ الرومِ وحصونَها! فأطْلَع اللهُ نبيِّه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال:"عليَّ بهؤلاء النَّفَر". فَدَعاهم فقال: "قُلْتُم كذا و

(1)

كذا، فخلفوا: ما كُنَّا إلا نخوضُ ونلعبُ

(2)

.

حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ وغيرِه، قالوا: قال رجلٌ مِن المنافقين: ما أَرَى قُرَّاءَنا هؤلاء إلا أَرْغَبَنَا بُطُونًا، وأكذَبَنا ألسنةً، وأجْبَنَنا عندَ اللقاءِ. فرُفِع ذلك إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقد ارْتَحَل ورَكِبَ ناقتَه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنما كُنَّا نخوضُ ونلعبُ. فقال:{أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} "، إلى قوله:{مُجْرِمِينَ} ، وإن رجْلَيه [لتنْسِفَان الحجارةَ]

(3)

، وما يَلْتَفِتُ إليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وهو متعلقٌ بنِسْعَةِ

(4)

رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(5)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} . قال: قال رجلٌ مِن

= إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(1)

في ت 1، ت 2، س، ف:"قلتم".

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 282 عن معمر به.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"لينسفان الحجارة" وفى م: "لتسفعان بالحجارة". وينظر مصدر التخريج، والنسف: قلع الشيء من أصله. التاج (ن س ف).

(4)

النسعة، بالكسر: سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره. النهاية 5/ 48.

(5)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 111 عن أبي معشر به.

ص: 545

المنافقين: يحدِّثُنا محمدٌ أن ناقةَ فلانٍ بوادى كذا وكذا [في يومِ كذا وكذا]

(1)

، وما يُذريه ما الغيبُ

(2)

؟

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ

(3)

عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ

(4)

طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)}.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ لهؤلاء الذين وَصَفتُ لك صفتَهم: {لَا تَعْتَذِرُوا} بالباطلِ، فتقولوا: كُنَّا نخوضُ ونلعبُ. {قَدْ كَفَرْتُمْ} ، يقولُ:[قد جَحَدُتُم الحقَّ بقولِكم]

(5)

ما قلتُم في رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به. {بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ، يقولُ: بعدَ تَصْديقِكم به، وإقِرارِكم به، به، {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً} . وذُكِر أنه عُنى "بالطائفةِ" في هذا الموضعِ رجلٌ واحدٌ.

وكان ابن إسحاقَ يقولُ فيما حدَّثنا به ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان الذي عُفِى عنه - فيما بَلَغَنى - مَخْشِيُّ

(6)

بنُ حُمَيِّرٍ الْأَشْجَعِيُّ

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 1، س، ف، وينظر مصادر التخريج.

(2)

تفسير مجاهد ص 371، 372 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1830، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 254 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

في ت 1، ت 2، س في هذا الموضع وما بعده:"يعف" بالياء، وهى قراءة السبعة غير عاصم، فإنه قرأه بالنون:{نَعْفُ} . ينظر السبعة ص 316.

(4)

في ت 1، ت 2، س، في هذا الموضع وما بعده "تعذب" بالتاء مبنيا للمفعول، وهي قراءة السبعة غير عاصم، فإنه قرأه {نُعَذِّبْ} بالنون. ينظر المصدر السابق.

(5)

سقط من: ف.

(6)

غير منقوطة في ص، وفي ت 1:"محسى"، وفى ف:"بحبى" وهو مخشى ويقال له "مخشن" =

ص: 546

حليفُ بني سلمةَ، وذلك أنه أنكَر منهم بعضَ ما سَمِع

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ

(2)

، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ:{إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ} . قال: الطائفة

(3)

: رجلٌ

(4)

.

واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ}

(5)

بإنكارِه

(6)

ما أنكَر عليكم

(7)

مِن قِبَلِ الكفر، {نُعَذِّبْ طَائِفَةً} بكفرِه واستهزائِه بآياتِ اللهِ ورسولِه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، قال: قال بعضُهم: كان رجلٌ منهم لم يُمالِئْهم في الحديثِ، يسيرُ مُجانِبًا لهم، فنَزَلَت:{إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً} ، فسُمِّى طائفة وهو واحدٌ

(8)

.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن تَتُبْ طائفةٌ منكم فَيَعْفو اللهُ عنه، يُعَذِّبِ اللهُ طائفةً منكم بتَرْكِ التوبة.

وأما قوله: {بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} فإن معناه: نُعَذِّبْ طائفةً منهم

= أيضًا. ينظر سيرة ابن هشام 2/ 524، والإصابة 6/ 53.

(1)

سيرة ابن هشام 2/ 525.

(2)

في م: "حبان" وينظر تهذيب الكمال 10/ 40.

(3)

في م: "طائفة"

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 61 عن زيد بن حباب به.

(5)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س:"تعذب طائفة"، وبعده في ف:"تعذب به طائفة".

(6)

عبر المصنف بالإفراد اعتمادا على أن المقصود بالطائفة: الرجل كما دل عليه الأثر قبله، وكذا الآثار التي يسوقها المصنف بعد.

(7)

في ف: "عليهم".

(8)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 282 عن معمر عن الكلبي به، فسمى ما أُبهم في رواية المصنف.

ص: 547

باكْتِسابِهم الجُرْمَ، وهو الكفر باللهِ، وطَعْنُهم في رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} وهم الذين يُظهرون للمؤمنين الإيمانَ بألسنتِهم، ويُسرُّون

(1)

الكفرَ باللهِ ورسولِه. {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} . يقولُ: هم صِنْفٌ واحدٌ، وأمْرُهم واحدٌ، في إعلانِهم الإيمانَ واسْتِبْطانهم الكفرَ؛ {يَأْمُرُونَ} منَ قبِلَ منهم {بِالْمُنْكَرِ}: وهو الكفرُ باللهِ وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وبما جاء، وتَكْذيبُه، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ}. يقولُ: ويَنْهَونهم عن الإيمانِ باللهِ ورسولِه، [وبما]

(2)

جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ.

وقوله: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} . يقولُ: ويُمسكون أيديَهم عن النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، ويَكُفُّونها عن الصدقةِ، فيَمْنَعون الذين فَرَضَ اللَّهُ لهم في أموالِهم ما فَرَضَ مِن الزكاةِ حقوقَهم.

كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ:{وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} . قال: لا يَبْسُطُونها بنفقةٍ في حقٍّ

(3)

.

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يستسرون".

(2)

في ت 1: "لما".

(3)

تفسير مجاهد ص 372، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1832، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 255 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 548

مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} : لا يَبْسُطُونها بخيرٍ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} . قال: يَقْبِضون أيديَهم عن كلِّ خيرٍ

(1)

.

وأما قولُه: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} ، فإن معناه: تَرَكوا الله أن يُطيعوه ويَتَّبعوا أمرَه، فتَرَكَهم اللهُ مِن توفيقِه وهدايتِه ورحمتِه.

وقد دَلَّلنا فيما مَضَى على أن معنى النسيانِ التَّرْكُ، بشواهدِه، فأَغْنَى ذلك عن إعادتِه ههنا

(2)

.

وكان قتادة يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} : نُسُوا مِن الخيرِ، ولم يُنْسَوا من الشرِّ

(3)

.

قوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . يقولُ: إن الذين يُخادعون

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1832 من طريق محمد بن عبد الأعلى به.

(2)

تقدم في 2/ 393.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1833 من طريق يزيد بن زريع به.

ص: 549

المؤمنين بإظهارِهم لهم بألسنتِهم الإيمانَ باللهِ وهم للكفرِ مُسْتَبْطِنون - هم المُفارِقون طاعةَ اللهِ، الخارِجون عن الإيمانِ به وبرسولِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ} باللَّهِ {نَارَ جَهَنَّمَ} أن يُصْلِيهموها جميعًا، {خَالِدِينَ فِيهَا}. يقولُ: ماكِثِين فيها أبدًا، لا يَحْيَون فيها ولا يَموتون. {هِيَ حَسْبُهُمْ} ، يقولُ: هي كافيِتُهم؛ عقابًا وثوابًا على كفرِهم باللهِ. {وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ} ، يقولُ: وأَبْعَدَهم اللهُ وأَسْحَقَهم مِن رحمتِه، {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ}. يقولُ: وللفريقَين جميعًا، يعنى مِن أهلِ النفاقِ والكفرِ، عندَ اللَّهِ {عَذَابٌ مُقِيمٌ}: دائمٌ، لا يزولُ ولا يَبِيدُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المنافقين الذين قالوا: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} : أبالله وآياتِ كتابه ورسولِه كنتم تستهزئون؟ {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} مِن الأممِ الذين فَعَلوا فعْلَكم فأهْلَكَهم اللهُ، وعَجَّل

(1)

لهم في الدنيا الخِزْىَ، مع ما أعدَّ لهم مِن العقوبةِ والنَّكال في الآخرةِ. يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: واحْذَروا أن يَحِلَّ بكم مِن عقوبةِ اللهِ مثلُ الذي حَلَّ بهم؛ فإنهم كانوا أشدَّ

(1)

في ت 1، ت 2، س، ف:"حل".

ص: 550

منكم قوّةً وبَطْشًا، وأكثرَ منكم أموالًا وأولادًا {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ}. يقولُ: فتَمَتَّعوا بنصيبِهم وحَظِّهم مِن دنياهم ودينِهم، ورَضُوا بذلك مِن نصيبِهم في الدنيا عِوَضًا مِن نصيبِهم في الآخرةِ، [وقد سَلَكتُم أيُّها المنافقون سبيلَهم في الاستمتاع {بِخَلَاقِكُمْ}. يقولُ: فَعَلتم بدينِكم ودُنْياكم، كما اسْتَمْتَع الأممُ الذين كانوا]

(1)

مِن قبلكم

(2)

، الذين أهلكتُهم بخِلافِهم أمرى - {بِخَلَاقِهِمْ}. يقولُ: كما فَعَل الذين مِن قبلِكم بنصيبهم من دُنياهم ودينهِم. {وَخُضْتُمْ} في الكذبِ والباطلِ على اللهِ {كَالَّذِي خَاضُوا} . يقولُ: وخُضْتُم أنتم أيضًا أيُّها المنافقون كخَوْضِ تلك الأممِ قبلَكم.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني أبو معشرٍ، عن سعيدِ بن أبى سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"لَتَأْخُذُنَّ كما أَخَذَ الأمُ من قَبْلِكم؛ ذِرَاعًا بذراعٍ، وشِبْرًا بشِبْرٍ، وباعًا بباعٍ، حتى لو أن أحدًا مِن أولئك دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوه". قال أبو هريرةَ: اقْرَءُوا إن شِئْتُم القرآنَ: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} . قالوا

(3)

: يا رسولَ اللهِ، كما صَنَعَت فارسُ والرومُ؟ قال: "فهَلِ الناسُ

(1)

سقط من: ت 1.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"قبلهم".

(3)

في س: "قال". وفي صحيح البخاري: "فقيل".

ص: 551

إلا هُمْ؟ "

(1)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عمرَ بن عطاءٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قولَه:{كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الآية. قال: قال ابن عباسٍ: ما أشْبَهَ الليلةَ بالبارحة: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} : هؤلاء بنو إسرائيلَ شُبِّهْنا بهم. لا أعلمُ إلا أنه قال: والذي نَفْسِي بيدِه لتتَّبِعُنَّهم حتى لو دَخَلَ الرجلُ منهم جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموه

(2)

. قال ابن جُرَيجٍ: وأخبرَنى زيادُ بنُ سعدٍ، عن محمدِ بن زيدِ بن مُهاجرٍ، عن سعيدِ بن أبى سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "والذي نَفْسِي بيدِه لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الذين مِن قبلِكم؛ شِبْرًا بشِبْرٍ، وذِرَاعًا بذراعٍ، وباعًا بباعٍ، حتى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموه". قالوا: ومَن هم يا رسولَ اللهِ، أهلُ الكتابِ؟ قال: "فَمَهْ

(3)

"

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ أنه قال: "فمَن؟ "

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن

(1)

أخرجه أحمد 14/ 60، 153، 404، 405 (8308، 8433، 8805، 8806)، والبخارى (7319) من طريق سعيد به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1834 من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 255 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

في م: "فمن "وينظر مصدر التخريج.

(4)

أخرجه أحمد 14/ 81 (8340) عن حجاج به.

(5)

أخرجه الطيالسي (2292)، وأحمد 18/ 322 (11800)، والبخارى (3456، 7320)، ومسلم (2669) وغيرهم من حديث أبي سعيد.

ص: 552

الحسنِ: {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} . قال: بدينِهم

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حَذَّرَكم

(2)

أن تُحِدِثوا في الإسلامِ حَدَثًا، وقد عَلِمَ

(3)

أنه سيفعلُ ذلك

(4)

أقوامٌ مِن هذه الأمةِ، فقال اللهُ في ذلك:{فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أ} . وإنما حَسِبوا أن لا يقعَ بهم مِن الفتنةِ ما وَقَع ببنى إسرائيلَ قبلَهم، وإن الفتنةَ عائدةٌ كما بَدَتْ

(5)

وأمَّا قولُه: {أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} ، فإن معناه: هؤلاء الذين قالوا: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} ، وفَعَلُوا في ذلك فعلَ الهالِكِين مِن الأممِ قبلَهم. {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} ، يقولُ: ذَهَبَتْ أعمالهم باطلًا، فلا ثوابَ لها إلا النارُ؛ لأنها كانت فيما يَسْخَطُ اللَّهُ ويَكْرَهُه. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ، يقولُ: وأولئك هم المَغْبونُون صفقتُهم، ببَيْعهم نعيمَ الآخرة بخَلاقِهم مِن الدنيا اليسيرِ الزهيدِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يأتِ هؤلاء المنافقين الذين يُسِرُّون الكفرَ باللهِ، ويَنْهَون

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1834 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 283 عن معمر به.

(2)

في ص، ت 2، س، ف:"حدثكم"، وينظر مصدر التخريج.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف: علمتم"، وينظر مصدر التخريج.

(4)

سقط من: ص، ت ذ، ت 2، س، ف.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 255 إلى أبي الشيخ.

ص: 553

عن الإيمانِ به وبرسولِه {نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} . يقولُ: خبرُ الأممِ الذين كانوا من قبلهم حينَ عَصَوا

(1)

رُسُلَنا وخالفوا أمْرَنا، ماذا حَلَّ بهم من عقوبتِنا؟

ثم بَيَّنَ جل ثناؤه مَن أولئك الأممُ التي قال لهؤلاء المُنافِقِين: ألم يأتِهم نَبَؤُهم؟ فقال: {قَوْمِ نُوحٍ} . ولذلك خَفَضَ القومَ، لأنه تَرْجَمَ بهم

(2)

عن "الذين" و"الذين" في موضعِ خفضٍ.

ومعنى الكلامِ: ألم يأتِ هؤلاء المنافقين خبرُ قومِ نوح وصَنيعى بهم إذ كَذَّبُوا رسولي نوحًا، وخالَفوا أمْرِى؟ ألم أُغْرِقْهم بالطُّوفانِ؟ {وَعَادٍ} ، يقولُ: وخبرُ عادٍ إذ عَصَوا رسولى هودًا، ألم أُهْلِكهم بريحٍ صَرْصَرٍ عاتيةٍ؟ وخبرُ ثمودَ إذ عَصَوا رسولى صالحًا، ألم أهلِكْهم بالرَّجْفَةِ، فأتْرُكَهم بأفْنِيتِهم خُمودًا؟ وخبرُ قومِ إبراهيمَ إذ عَصَوه، ورَدُّوا عليه ما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ مِن الحقِّ، أَلم أَسْلُبهم النعمةَ، وأُهلِكْ مَلِكَهم نُمْرُوذَ

(3)

؟ وخبرُ أصحابِ مَدْيَنَ بن إبراهيمَ، ألم أُهلِكُهم بعذابِ يومِ الظُّلَّةِ إذ كَذَّبوا رسولى شعيبًا؟ وخبرُ المُنْقَلِبة بهم أرضُهم، فصار أعلاها أسفلَها، إذ عَصَوا رسولى لوطًا، وكَذَّبوا ما جاءهم به مِن عندى من الحقِّ؟ يقولُ تعالى ذكرُه: أفأمِن هؤلاء المنافقون الذين يَسْتَهْزِءون باللهِ وبآياتِه ورسولِه، أن يُسْلَكَ بهم في الانْتِقامِ منهم وتَعْجيلِ الخِزْي والنَّكالِ لهم في الدنيا، سبيلُ أسلافِهم مِن الأممُ، ويَحِلَّ بهم بتَكْذيبِهم رسولي محمدًا صلى الله عليه وسلم ما حَلَّ بهم في تَكْذيبِهم رُسُلَنا، إذ أتتهم بالبينات.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ت 1، ت 2، س:"عموا".

(2)

في م: "بهن".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"نمرود" بالمهملة، وينظر تعليقنا المتقدم في 4/ 568.

ص: 554

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة:{وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} . قال: قومِ لوطٍ، انْقَلَبَت بهم أرضُهم، فجُعِل عاليها سافلَها

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} . قال: هم قومُ لوطٍ.

فإن قال قائلٌ: فإن كان عَنَى بـ {وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} قومَ لوطٍ، فكيف قيل: المؤتفكاتُ، فَجُمِعَت ولم تُوَحَّد؟

قيل: إنها كانت قَرْياتٍ ثلاثًا، فجُمِعَت لذلك، ولذلك جُمعت بالتاءِ على قولِ اللَّهِ:{وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} [النجم: 53].

فإن قال: وكيف قيل: أَتتهم رسلهم بالبيناتِ، وإنما كان المُرْسَلُ إليهم واحدًا؟

قيل: معنى ذلك: أَتَى كلَّ قريةٍ من المؤتفكاتِ رسولٌ يَدْعُوهم إلى اللهِ، فتكونُ رسلُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الذين بَعَثَهم إليهم

(2)

للدعاءِ إلى اللهِ عن رسالاته

(3)

رُسُلًا إليهم، كما قالت العربُ لقومٍ نُسبوا إلى أبى فُدَيْكٍ الخارِجيِّ: الفُدَيْكات، وأبو فُدَيْكٍ واحدٌ ولكن أصحابَه لما نُسبوا إليه وهو رئيسُهم، دُعُوا بذلك ونُسِبوا إلى رئيسِهم. فكذلك قولُه:{أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} .

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1837 من طريق محمد بن عبد الأعلى، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 283 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 255 إلى ابن المنذر.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"إليه".

(3)

في م: "رسالته".

ص: 555

وقد يَحتمِلُ أن يقالَ: معنى: أَتَتْ قومَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وسائرَ الأممِ الذين ذَكَرهم اللهُ في هذه الآية - رسلُهم من اللهِ بالبيناتِ.

وقولُه: {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} . يقولُ جل ثناؤه: فما أهْلَكَ اللَّهُ هذه الأممَ التي ذَكَر أنه أهْلَكها إلا بإجْرامِها وظلمِها أنفسَها واسْتحقاقِها مِن اللهِ عظيمِ العقابِ، لا ظلمًا مِن اللهِ لهم، ولا وضعًا منه جلّ ثناؤه عقوبةً في غيرِ مَن هو لها أهلٌ؛ لأن الله حكيمٌ لا خَلَلَ في تدبيرِه، ولا خطأَ في تقديرِه، ولكن القومَ الذين أَهْلَكَهم ظَلَموا أنفسهم بمعصيةِ اللهِ وتكذيبِهم رسلَه، حتى أسْخَطوا [عليهم ربِّهم، فحَقَّتْ عليهم]

(1)

كلمةُ العذابِ فعُذِّبوا.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وأما المؤمنون والمؤمناتُ، وهم المُصَدِّقون باللهِ ورسولِه وآياتِ كتابه، فإن صفتَهم؛ أن بعضَهم أنصارُ بعضٍ وأعوانُهم، {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ}. يقولُ: يأمُرون الناسَ بالإيمانِ باللهِ ورسولِه، وبما جاء به مِن عندِ الله، {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}. يقولُ: ويؤدُّون الصلاةَ المفروضةَ، {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}. يقولُ: ويُعْطُون الزكاةَ المفروضةَ أهلَها، {وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، فيأتَمِرون لأمرِ اللهِ ورسولِه، ويَنْتَهُون عما نَهياهم

(2)

عنه، {أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ}. [يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، الذين سيرحمُهم اللهُ]

(3)

، فيُبْعِدُهم

(4)

(1)

في ت 1، ت 2، س، ف:"عليها".

(2)

في م، ت 1:"نهيناهم".

(3)

سقط من: ت 1، ت 2، س، ف.

(4)

في ف: "فيعذبهم".

ص: 556

مِن عذابِه، ويُدْخِلُهم جنتَه، لا أهلُ النفاقِ والتكذيبِ باللهِ ورسولِه، النَّاهون عن المعروفِ، الأمِرُون بالمنكرِ، القابِضون أيديَهم عن أداءِ حقِّ اللهِ من أموالِهم، {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} يقولُ: إن الله ذو عِزَّةٍ في انتقامِه ممن انْتَقَم مِن خلقِه على معصيتِه وكفرِه به، لا يمنعه من الانتقامِ منه مانعٌ، ولا ينصُرُه منه ناصرٌ، {حَكِيمٌ} في انتقامِه منهم و

(1)

في جميعِ أفعالِه.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: كلُّ ما ذَكَر اللَّهُ في القرآنِ مِن الأمِر بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، فالأمرُ بالمعروفِ دعاءٌ من الشركِ إلى الإسلامِ، والنهي عن المنكرِ النهيُ عن عبادة الأوثانِ والشياطينِ

(2)

.

قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قوله:{وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} . قال: الصلواتُ الخمسُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وعَد اللهُ الذين صَدَقوا اللَّهَ ورسولَه، وأَقَرُّوا به

(1)

سقط من: م.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1831 من طريق أبي جعفر به مختصرا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 68 إلى ابن أبي حاتم وابن إسحاق. بزيادة على هذا.

ص: 557

وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، مِن الرجالِ والنساءِ، {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}. يقولُ: بساتينَ تجرى تحتَ أشْجارِها الأنهارُ، {خَالِدِينَ فِيهَا}. يقولُ: لَابِثِين فيها أبدًا، مُقيمين، لا يزولُ عنهم نَعِيمُها ولا يَبِيدُ، {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً}. يقولُ: ومنازلَ يَسْكُنونها طيبةً.

وطِيبُها أنها فيما ذُكِر لنا كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، [عن جَسْرٍ]

(1)

، عن الحسنِ، قال: سألتُ عِمْران بن حصينٍ وأبا هريرةَ عن آيةٍ في كتابِ اللهِ تبارك وتعالى: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} . فقالا: على الخبيرِ سَقَطْتَ، سألْنا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: "قَصْرٌ في الجنةِ من لؤلؤ، فيه سبعون دارًا من ياقوتةٍ حمراءَ، في كلِّ دارٍ سبعون بيتًا مِن زُمُردةٍ خضراءَ، في كلِّ بيتٍ سبعون سريرًا

(2)

.

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ حبيب، عن جَسْرِ

(3)

بن فَرْقَدٍ، عن الحسنِ، عن عِمْرانَ بن حُصَينٍ وأبى هريرةَ، قالا: سُئل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيةِ: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} . قال: "قَصْرٌ مِن لؤلؤةٍ، في ذلك القصرِ سبعون دارًا مِن ياقوتةٍ حمراءَ، في كلِّ دارٍ سبعون بيتًا مِن زَبَرْ جِدةٍ خضراءَ، في كلِّ بيتٍ سبعون سريرًا، على كلِّ سريرٍ سبعون فِراشًا مِن كلِّ لونٍ، على كلِّ فراشٍ زوجةٌ من الحورِ العينِ، في كلِّ بيتٍ سبعون مائدةً، على كلِّ مائدةٍ سبعون لونًا مِن طعامٍ، في كل بيتٍ سَبعون وصيفةً، ويُعْطَى المؤمنُ مِن القُوَّةِ في غَداةٍ

(1)

سقط من: م، ت 1، ت 2، س، ف، وفى ص:"عن الحسن". ثم ضرب على الألف واللام، والمثبت من الأوسط للطبراني، وانظره في الأثر بعده. وينظر التاريخ الكبير 2/ 246.

(2)

أخرجه الطبراني في الأوسط (4849) من طريق أبى كريب به.

(3)

في النسخ: "حسن".

ص: 558

واحدة ما يأتى على ذلك كلِّه أَجْمَعَ"

(1)

.

وأمَّا قوله: {فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} . فإنه يعنى: وهذه المساكنُ الطيِّبةُ التي وَصَفَها جلّ ثناؤُه في جناتِ عدنٍ.

و {فِي} مِن صلةِ {وَمَسَاكِنَ} .

وقيل: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} . لأنها بساتينُ خُلْدٍ وإقامةٍ، لا يَطْعَنُ منها

(2)

أحدٌ.

وقيل: إنما قيل لها: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} . لأنها دارُ اللَّهِ التي اسْتَخْلَصَها لنفسِه، ولمَن شاء مِن خلقه، مِن قولِ العربِ: عَدَنَ فلانٌ بأرضِ كذا. إذا أقامَ بها وخَلَدَ بها، ومنه المَعْدِنُ، ويقال: هو في مَعْدِنِ صدقٍ. يعنى به أنه في أصلٍ ثابتٍ. وقد أنشَد بعضُ الرواةِ بيتَ الأَعْشَى

(3)

:

وإن يَسْتَضِيفوا

(4)

إلى حكمِه

(5)

يُضَافُوا إلى راجحٍ قد عَدَنْ

(6)

ويُنْشَدُ: قد وَزَنْ.

وكالذي قُلنا في ذلك كان ابن عباسٍ وجماعةٌ معه - فيما ذُكر - يَتَأوَّلونه.

(1)

أخرجه البيهقى في البعث والنشور (281) وابن الجوزى في الموضوعات 3/ 252 من طريق براهيم بن سعيد به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1577)، والطبرانى في الكبير 18/ 160 (35)، والبزار (2217) من طريق جسر بن فرقد به، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة ص (609) من طريق الحسن به. .. وقال ابن كثير في البداية والنهاية 20/ 286: وهذا الحديث غريب، بل الأشبه أنه موضوع، وإذا كان الخبر ضعيفًا لم يمكن اتصاله، فإن جسرا هذا ضعيف جدا.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فيها".

(3)

ديوانه ص 19.

(4)

في م: "تستضيفوا"، وفى الديوان:"يستضافوا".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س:"حلمه"، وفى ف:"حمله".

(6)

في الديوان: "رزن" بالراء، ووزن ورزن بمعنى، وكذا أيضًا: عدن، كما فسره أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 264.

ص: 559

حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بن بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ:{جَنَّاتِ عَدْنٍ} . قال: مَعْدِنُ الرجلِ الذي يكونُ فيه

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بن عسكرٍ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا [الليثُ بنُ]

(2)

سعدٍ عن زيادَة، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، عن فَضالةَ بن عُبَيدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ الذِّكْرَ في ثلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِن الليلِ؛ في الساعةِ الأُولى مِنْهُنَّ ينظرُ في الكتابِ الذي لا يَنْظُرُ فيه أحدٌ غيرُه، فيَمْحُو ما يَشَاءُ ويُنْبِتُ، ثم يَنْزِلُ في الساعةِ الثانيةِ إلى جنةِ عَدْنٍ، وهى دارُه التي لم تَرَها عَيْنٌ، ولم تَخْطُرْ على قلبِ بَشَرٍ، وهى مَسْكَنُه، ولا يَسْكُنُ معه من بني آدمَ غير ثلاثةٍ؛ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشهداءِ، ثم يقولُ: طُوبَى لَمَن دَخَلَكِ. وذَكَر في الساعةِ الثالثةِ"

(3)

.

حدَّثني موسى بنُ سهلٍ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا زيادةُ بن محمدٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، فَضالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "عَدْنٌ دَارُه - يعني: دارُ اللَّهِ - التي لم تَرَها عينٌ، ولم تَخْطُرْ على قلبِ بشرٍ، وهى مَسْكنُه، ولا يَسْكُنُها معه مِن بني آدمَ غيرُ ثلاثة، النَّبِيِّين، والصِّدِّيقين والشهداءِ، يقولُ الله تبارك وتعالى: طُوبَى لَمَن دَخَلَكِ".

وقال آخرون: معنى {جَنَّاتِ عَدْنٍ} : جنات أعْنابٍ وكُرُومٍ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1840 من طريق خصيف به بلفظ: معدنهم فيها أبدا بنحوه.

(2)

في النسخ: "الكندى". والمثبت كما في الإسناد بعده، وسيأتي على الصواب أيضًا في تفسير الآية 39 من سورة الرعد.

(3)

سيأتي تخريجه 13/ 570.

ص: 560

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أحمد بن أبى سُرَيجٍ الرازيُّ، قال: ثنا زكريا بنُ عَدِيٍّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ عمرٍو، عن زيد بن أبى أُنَيْسةً، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ، أن ابنَ عباسٍ سأل كعبًا عن {جَنَّاتِ عَدْنٍ}. فقال: هي الكرومُ والأعنابُ بالسريانيةِ.

وقال آخرون: هي اسمٌ لبُطْنانِ الجنةِ ووَسَطِها.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن عبدِ الله بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال:{عَدْنٍ} : بُطْنانُ الجنةِ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ومحمد بنُ المُثنى، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ وشعبةَ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه:{جَنَّاتِ عَدْنٍ} . قال: بُطْنانُ الجنةِ. قال ابن بَشَّارٍ في حديثِه: فقلتُ: ما بُطنانُها؟ وقال ابن المُثنى في حديثِه: فقلتُ للأعمشِ: ما بُطْنَانُ الجنةِ؟ قال: وَسَطُها.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمشِ، عن عبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، أو

(2)

أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ:{جَنَّاتِ عَدْنٍ} . قال: بُطْنانُ الجنةِ.

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 335 من طريق الأعمش به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 57 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

في م: "و".

ص: 561

قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأعْمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بمثلِه.

حدَّثنا ابن المُثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُرَّةَ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.

حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمشِ، عن أبي الضُّحَى وعبدِ اللهِ بن مُرَّةَ، عنهما جميعًا، أو عن أحدِهما، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ:{جَنَّاتِ عَدْنٍ} . قال: بُطْنَانُ الجنةِ.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٍ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ في قولِ اللهِ:{جَنَّاتِ عَدْنٍ} . قال: بُطْنانُ الجنةِ

(1)

.

وقال آخرون: {عَدْنٍ} : اسمٌ لقصرٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكَنْديُّ، قال: ثنا عَبْدة أبو غَسَّانَ، عن عونِ بن موسى الكِنانيِّ، عن الحسنِ، قال:{جَنَّاتِ عَدْنٍ} ، وما أدْراكَ ما جناتُ عَدْنٍ؟ قَصْرٌ مِن ذهبٍ، لا يدخله إلا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ، أو حَكَمٌ عَدْلٌ. ورَفَع به صوتَه

(2)

.

حدَّثنا أحمد بن أبي سُرَيجٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عاصمٍ، قال: ثنا عونُ بنُ

(1)

أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (20) من طريق جرير وفضيل بن عياض به، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1455) زيادات المروزي، (425) زيادات نعيم، وابن أبي شيبة 13/ 126، هناد في الزهد (48)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (179)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1840 من طريق منصور به.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1168 - تفسير)، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة (178) من طريق عون به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 57 إلى ابن المنذر.

ص: 562

موسى، قال: سِمعتُ الحسنَ بنَ أبي الحسنِ يقولُ: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} ، وما أدْراك ما جناتُ عدنٍ؟ قَصْرٌ من ذهب، لا يدخُلُه إلا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ، أو حَكَمٌ عَدْلٌ، رَفَعَ الحسنُ به صوتَه.

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا حمادُ بنُ سلَمةَ، عن يَعْلَى بنِ عطاءٍ، عن نافعِ بن عاصمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: إن في الجنةِ قصرًا يقالُ له: عَدْنٌ. حوله البُرُوجُ والمروجُ

(1)

، له خمسون ألفَ بابٍ، على كلِّ بابٍ حِبَرَةٌ

(2)

، لا يدخله إلا نبيٌّ أو صِدِّيقٌ

(3)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ ناصحٍ

(4)

، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن يَعْلَى بن عطاءٍ، قال: سمِعتُ يعقوب بنَ عاصمٍ، يُحَدِّثُ عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو

(5)

، أن في الجنةِ قصرًا يقال له: عَدْنٌ. له خمسةُ آلافِ بابٍ، على كلِّ بابٍ خمسةُ آلافِ حِبَرَةٌ، لا يدخُلُه إلا نبيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شهيدٌ

(6)

.

وقيل: هي مدينةُ الجنةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثْتُ عن عبدِ الرحمنِ المُحارِبيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: {فِي جَنَّاتِ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س:"الروح"، وفى ف:"البروج". وسيأتي على الصواب في تفسير الآية 23 من سورة الرعد. والمروج جمع المرج: وهو أرض واسعة فيها نبت كثير تمرج فيها الدواب. تهذيب اللغة 11/ 71.

(2)

الحبرة والحبير من البرود: ما كان مَوْشِيًّا مخطَّطا. النهاية 1/ 328.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في العلل 2/ 436 من طريق حماد بن سلمة به.

(4)

في م: "ناجح"، وفى ف:"واضح" وينظر الجرح والتعديل 3/ 39.

(5)

في ف: "عمر".

(6)

أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 307 من طريق شعبة به، وأخرجه أيضًا في 5/ 311، 6/ 535، 12/ 221 من طريق ابن سابط عن عبد الله بن عمرو.

ص: 563

عَدْنٍ}. قال: هي مدينةُ الجنةِ، فيها الرسلُ والأنبياءً والشهداءُ وأئمةُ الهُدَى، والناسُ حولَهم بعدُ، والجناتُ حولَها

(1)

.

وقيل: إنه اسمُ نهرٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حُدِّثتُ عن المُحارِبيِّ، عن واصلِ بن السائبِ الرَّقَاشِيِّ، عن عطاءٍ، قال:{عَدْنٍ} نهرٌ في الجنةِ، جناتُه على حافتَيه

(2)

.

وأما قولُه: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} . فإن معناه: ورضا اللهِ عنهم أكبرُ من ذلك كلِّه. وبذلك جاء الخبرُ عن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إن الله يقولُ لأهلِ الجنةِ: يا أهلَ الجنةِ. فيقولون: لَبَّيْكَ ربَّنا وسَعْدَيك. فيقولُ: هل رَضِيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نَرْضَى، وقد أعْطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أحدًا مِن خَلْقِك؟ فيقولُ: أنا أُعْطِيكم أفضلَ مِن ذلك. قالوا: ياربَّ، وأيُّ شيءٍ أفضلُ مِن ذلك؟ قال: أُحِلُّ عليكم رِضْوانى فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا"

(3)

.

(1)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 57 إلى المصنف وأبى الشيخ، وذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 373 وعزاه إلى المصنف.

(2)

ذكره البغوي 4/ 73 في تفسيره.

(3)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (430 - زوائد نعيم)، ومن طريقه أحمد 18/ 348 (11835)، والبخارى (6549)، ومسلم (2829)، والترمذى (2555)، والنسائى في الكبرى (7749)، وابن منده في الإيمان (819)، وأبو نعيم في الحلية 6/ 342، 8/ 184، والبيهقى في البعث (490)، و في الأسماء والصفات (1054)، وأخرجه البخارى (7518)، ومسلم (2829)، وابن حبان (7440)، وابن منده في الإيمان (819)، وأبو نعيم في الحلية 6/ 342، والبيهقى في البعث (490)، وفي الأسماء والصفات (474)، والبغوى (4394) من طريق مالك به.

ص: 564

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنى يعقوبُ، عن حَفْصٍ، عن شِمْرٍ، قال: يَجِيءُ القرآنُ يومَ القيامةِ في صورةِ الرجلِ الشاحبِ، إلى الرجل حينَ يَنْشَقُّ عنه قبرُه، فيقولُ: أَبْشِرْ بكرامةِ اللَّهِ، أَبْشِرْ برضوانِ اللَّهِ. فيقولُ: مِثْلُك مَن يُبَشِّرُ بالخيرِ؟ ومَن أنت؟ فيقولُ: أنا القرآنُ الذي كنتُ أُسْهرُ ليلَك، وأُظْمِئُ نهارك. فيَحْمِلُه على رقبتِه حتى يُوافِىَ به ربَّه، فيَمْثُلُ بينَ يَدَيه فيقولُ: ياربِّ، عبدُك هذا اجْزِه عنى خيرًا، فقد كنتُ أُسْهرُ ليله، وأُظْمِئُ نهارَه، وآمُرُه فَيُطِيعُنى، وأَنْهاهُ فَيُطِيعُنى. فيقولُ الربُّ تبارك وتعالى: فله حُلَّةُ الكرامةِ. فيقولُ: أي ربَّ، زِدْه فإنه أهلُ ذلك. فيقولُ: فله رِضْوانى. قال: ورِضوانُ

(1)

اللهِ أكبرُ

(2)

.

وابْتُدِئَ الخبرُ عن رضوانِ اللهِ للمؤمنين والمؤمناتِ أنه أكبرُ مِن كلِّ ما ذَكَر جلّ ثناؤه فرُفِعَ، وإن كان الرِّضْوانُ فيما قد وَعَدهم. ولم يَعْطِفْ به في الإعربِ على "الجناتِ" و "المساكنِ الطيبةِ"، ليُعْلَمَ بذلك تفضيلُ اللَّهِ رضوانَه عن المؤمنين على سائرِ ما قَسَمَ لهم مِن فضلِه وأعْطاهم مِن كرامتِه، نظيرُ قولِ القائلِ في الكلامِ الآخَرِ: أعطيتُك ووصلتُك بكذا، وأكرمتُك، ورِضاى بعد عنك أفضلُ لك

(3)

.

هذه الأشياءُ التي وعدتُ المؤمنين والمؤمناتِ {هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} . يقولُ: هو الظُّفَرُ العظيم، والنَّجاءُ الجسيمُ؛ لأنهم ظَفرِوا بكرامةِ الأبدِ، ونَجَوا مِن الهوانِ في سَقَرَ

(4)

، فهو الفوزُ العظيمُ الذى لا شيءَ أعظمُ منه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)} .

(1)

بعده في م: "من".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 257 إلى أبي الشيخ.

(3)

في م: "وذلك".

(4)

في النسخ: "السفر".

ص: 565

يقولُ تعالى ذكرُه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ} [بالسيفِ والسلاحِ والمنافقين]

(1)

.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الجهادِ الذي أَمرَ الله نبيَّه به في المنافقين، فقال بعضُهم: أمرَه بجهادِهم باليدِ واللسانِ، وبكلِّ ما أطاقَ جهادَهم به.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مُحَميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ويحيى بنُ آدمَ، عن حسنِ بن صالحٍ، عن عليّ بن الأقمَرِ، عن [عمرِو بن أبي جُنْدبٍ]

(2)

، عن ابن مسعودٍ في قولِه:{جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} . قال: بيدِه، فإن لم يَسْتطِعْ فبلسانِه، فإن لم يستطِعْ فبقلبِه، فإن لم يستطع فليَكْفَهِرَّ

(3)

في وجهِه

(4)

.

وقال آخرون: بل أمرَه بجهادهم باللسانِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} : فأمرَه اللهُ بجهادِ الكفارِ بالسيفِ، والمنافقين باللسانِ، وأَذْهَب الرِّفْقَ عنهم

(5)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"والمنافقين بالسيف والسلاح".

(2)

في م: "عمرو بن جندب"وهما قولان في اسمه. ينظر تهذيب الكمال 21/ 566.

(3)

فليكفهر: أي: فليلقه بوجه عابس قطوب. ينظر النهاية 4/ 193.

(4)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 81 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1841، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 81، ووالبيهقي في الشعب (9370) من طريق يحيى بن آدم به. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1377) - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (109) - من طريق على بن الأقمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 258 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1841، 1842، والبيهقى 9/ 11 من طريق أبي صالح به، و عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 258 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

ص: 566

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباسٍ: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} . قال: الكفارَ بالقتالِ، والمنافقين أن يَغْلُظَ عليهم بالكلام.

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} . يقولُ: جاهِدِ الكفارَ بالسيفِ، واغْلُظ على المنافقين بالكلامِ، وهو مُجاهدتُهم

(1)

.

وقال آخرون: بل أمَره بإقامة الحدودِ عليهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الحسن:{جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} . قال: جاهِدِ الكفار بالسيفِ، والمنافقين بالحدودِ، أَقِمْ عليهم حدودَ اللهِ

(2)

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} . قال: أمر الله نبيِّه صلى الله عليه وسلم أن يُجاهِدَ الكفارَ بالسيفِ، ويَغْلُظَ على المُنافقين في الحدودِ

(3)

.

(1)

ذكر ابن أبي حاتم أوله في تفسيره 6/ 1841 معلقا، وأخرج آخره 6/ 1842 من طريق أبي معاذ به.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 283 عن معمر به بدون الجملة الأولى، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1841 من طريق حوشب، عن الحسن مقتصرا على قوله: المنافقين بالحدود، وعلق ابن أبي حاتم أوله في تفسيره 6/ 1841.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 258 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وعلقه ابن أبي حاتم في =

ص: 567

قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في تأويلِ ذلك عندى بالصوابِ، ما قال ابن مسعودٍ من أن الله أمرَ نبيِّه صلى الله عليه وسلم مِن جهادِ المنافقين بنحوِ الذي أمرَه به مِن جهادِ المشركين.

فإن قال قائلٌ: فكيف تَرَكَهم صلى الله عليه وسلم مُقيمين بينَ أَظْهُرِ أصحابِه مع علمِه بهم؟

قيل: إن الله تعالى ذكرُه إنما أمَر بقتالِ مَن أظْهَر منهم

(1)

كلمةَ الكفرِ، ثم أقامَ على إظهارِه ما أظهَر مِن ذلك، وأمَّا مَن إذا اطَّلِعَ عليه منهم أنه تَكَلَّم بكلمةِ الكفرِ وأُخِذ بها، أنكَرَها ورَجَع عنها وقال: إنى مسلمٌ. فإِنَّ حكمَ اللَّهِ في كلِّ مَنْ أَظْهَر الإسلامَ بلسانه، أن يَحْقِنَ بذلك له دمَه ومالَه، وإن كان مُعْتَقِدًا غيرَ ذلك، وتَوَكَّلَ هو جلَّ ثناؤُه بسرائرهم، ولم يجعَلْ للخلقِ البحثَ عن السرائرِ؛ فلذلك كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم علمه بهم وإطْلاعِ اللهِ إياه على ضمائرِهم واعتقادِ صُدورهم، كان يُقِرُّهم بينَ أَظْهُرِ أصحابِه، ولا يَسْلُكُ بجهادِهم مَسْلكَ جهادِ مَن قد ناصَبه الحربَ على الشركِ باللهِ؛ لأن أحدَهم كان إذا اطُّلِع عليه أنه قد قال قولًا كَفَر فيه باللَّهِ ثم أُخِذ به، أنكره وأظهر الإسلامَ بلسانِه، فلم يكنْ صلى الله عليه وسلم ما يأخُذه إلا بما أظهرَ

(2)

له مِن قولِه عندَ حضوره إياه وعزمِه على إمضاءِ الحكمِ فيه، دونَ ما سَلَف مِن قولٍ كان نَطَقَ به قبلَ ذلك، ودونَ اعتقادِ ضميرِه الذي لم يُبحِ اللهُ لأحدٍ الأخْذَ به في الحكمِ، وتَوَلَّى الأخْذَ به هو دنَ خلقه.

وقولُه: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: واشْدُدْ عليهم بالجهادِ والقتالِ

= تفسيره 6/ 1841، 1842.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"منه".

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ظهر".

ص: 568

والإرهابِ

(1)

.

وقولُه: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} . يقولُ: ومساكنُهم جهنمُ، وهى مَثْواهم ومَأْواهم، {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. يقولُ: وبئس المكانُ الذي يُصار إليه جهنمُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)} .

اختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي نَزَلَت فيه هذه الآيةُ، والقولِ الذي كان قاله الذي أخبرَ اللهُ عنه أنه يَحْلِفُ باللهِ ما قاله؛ فقال بعضُهم: الذي نَزَلَت فيه هذه الآيةُ الجُلَاسُ بنُ سُوَيدِ بن الصامتِ.

وكان القولُ الذي قاله ما حدَّثنا به ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو

(2)

معاويةً، عن هشامِ بنُ عُروةَ، عن أبيه:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} . قال: نَزَلَت في الجُلَاسِ بن سُويدِ بنُ الصامتِ، قال: إن كان ما جاء به محمدٌ حقًّا، لنحنُ أشرُّ مِن الحُمُرِ

(3)

. فقال له ابن امرأتِه: واللهِ يا عدوَّ اللهِ، لأُخْبِرَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بما قلتَ، فإنى إن لا أفعلْ أخافُ أن تُصِيبَنى قارعةٌ وأؤاخَذَ بخطيئتِك. فدعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الجُلَاسِ، فقال:"يا جُلَاسُ، أقلتَ كذا وكذا؟ ". فحَلَف ما قال، فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ

(1)

في م: "الإرعاب".

(2)

سقط من: م.

(3)

في م: "الحمير".

ص: 569

فَضْلِهِ}

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضَّرِيرُ، عن هشامِ بن عُرْوةَ، عن أبيه، قال: نَزَلَت هذه الآية {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} في الجُلَاسِ بن سُويدِ بن الصامتِ، أقبَل هو وابنُ امرأتِه مُصْعَبٌ مِن قُبَاءٍ، فقال الجُلَاسُ: إن كان ما جاء به محمدٌ حقًّا، لنحنُ أَشَرُّ مِن حُمُرِنا هذه التي نحن عليها. فقال مصعبٌ: أما واللهِ يا عدوَّ اللهِ، لأُخْبرَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بما قلتَ. فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وخَشِيتُ أن ينزِلَ فيَّ القرآنُ، أو تُصِيبَنى قارعةٌ، و

(2)

أن أُخْلَطَ

(3)

، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَقبلتُ أنا والجُلَاسُ مِن قُبَاءٍ فقال: كذا وكذا، ولولا مخافةُ

(4)

أنْ أُخْلَطَ

(5)

بخطيئتِه، أو تُصيبَنى قارعةٌ، ما أخْبَرْتُك. قال: فَدَعا الجُلَاسَ فقال له: "يا جُلَاسُ، أقُلْتَ الَّذى قال مصعبٌ؟ ". قال: فحَلَف. فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} الآية.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان الذي قال تلك المقالةَ فيما بَلَغَنى، الجُلاسُ بنُ سُويدِ بن الصامتِ، فرَفَعَها عنه رجلٌ كان في حجرِه، يقالُ له: عميرُ بنُ سعيدٍ

(6)

. فأنكَرها، فحَلَف باللهِ ما قالها، فلما نَزَل فيه

(1)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (18303)، وابن سعد 4/ 375، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1846 من طريق هشام به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 258 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(2)

في ص، م، ت 2، س، ف:"أو".

(3)

سقط من النسخ، وستأتى على الصواب بعد قليل، وهى كذلك في مصنف عبد الرزاق.

(4)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الله".

(5)

في م: "أؤاخذ"، وفى ص، ت 1، ت 2، س، ف:"يخلط". وصوابها ما أثبتنا.

(6)

في سيرة ابن هشام: "سعد" وقد ذكر ابن حجر في الإصابة 4/ 719 الخلاف فيه؛ فبعضهم يفرق بينهما وبعضهم يجعلهما واحدًا.

ص: 570

القرآنُ، تابَ ونَزَعَ وحَسُنَتْ توبته فيما بَلَغَنى

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{كَلِمَةَ الْكُفْرِ} : قال أحدُهم: لئن كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا، لنحن شَرٌّ مِن الحميرِ. فقال له رجلٌ مِن المؤمنين: إن ما قال لحقٌّ، ولأنت شَرٌّ مِن حمارٍ. قال: فَهَمَّ المنافقون بقتلِه، فذلك قولُه:{وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

حدَّثني أيوبُ بنُ إسحاقَ بن إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جالسًا في ظلِّ حجرةٍ

(3)

، فقال:"إنه سَيأتِيكم إنسانٌ فيَنْظُرُ إليكم بعَيْنَى شيطانٍ، فإذا جاء فلا تُكَلِّمُوه". فلم يَلْبَثُ أن طَلَع رجلٌ أزرقُ، فدَعاه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال:"عَلامَ تَشْتُمُنى أنت وأصحابُك؟ ". فانطَلَق الرجلُ فجاء بأصحابِه، فحَلَفوا باللهِ ما قالوا وما فَعَلوا حتى تَجاوَزَ عنهم، فأنزلَ اللهُ:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا} . ثم نَعَتَهم جميعًا إلى آخرِ الآيةِ

(4)

.

(1)

سيرة ابن هشام 1/ 519.

(2)

تفسير مجاهد ص 372، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1845، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 259 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(3)

في م: "شجرة".

(4)

سيأتي تخريجه في تفسير الآية 18 من سورة المجادلة.

ص: 571

وقال آخرون: بل نَزَلت في عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سلولَ، قالوا: والكلمةُ التي قالَها ما حدَّثنا به بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا} . إلى قولِه: {مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} . قال: ذُكِر لنا أن رجلَين اقْتَتَلا، أحدُهما مِن جُهَينةَ، والآخرُ مِن غِفارٍ، وكانت جُهَينةُ حلفاءَ الأنصارِ، وظَهَرَ الغِفارِيُّ على الجُهَنِيِّ، فقال عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ للأوسِ: انصُروا أخاكم، فواللهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائلُ: سَمِّنْ كلبَك يأكُلْك. وقال: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8]. فسعى بها رجلٌ من المسلمين إلى نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه فسأله، فجَعَل يحلفُ باللهِ ما قاله، فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ}

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} . قال: نَزَلَت في عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ ابن سلولَ.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى أخبرَ عن المنافقين أنهم يَحْلِفون باللهِ كذبًا على كلمةِ كفرٍ تَكَلَّموا بها أنهم لم يقولوها، وجائزٌ أن يكونَ ذلك القولُ ما رُوِيَ عن عُروةَ أن الجُلَاسَ قاله، وجائزٌ أن يكونَ قائلُه عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ ابنَ سلولَ، والقولُ ما ذَكَر قتادةُ عنه أنه قال، ولا علم لنا بأيِّ

(2)

ذلك مِن أيٍّ، إذْ كان لا خبرَ بأحدِهما يُوجِبُ الحُجَّةَ، ويُتَوَصَّلُ به إلى يقينِ العلمِ به، وليس مما يُدْرَكُ علمُه بفطرةِ العقلِ، فالصوابُ أن يقالَ فيه كما قال اللهُ جلّ ثناؤه:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} .

(1)

سيأتي تخريجه والأثر بعده في تفسير الآية 8 من سورة "المنافقون".

(2)

في ص، م:"بأن"، وفى ت 1، ت 2، س، ف:"فإن" وتقدم مثله كثيرا، ينظر مثلا 1/ 556.

ص: 572

أما قولُه: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} . فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفُوا في الذي كان هَمَّ بذلك، وما الشيءُ الذي كان هَمَّ به؟ قيل

(1)

: ابن امرأتِه الذي سَمِعَ منه ما قال، وخَشِيَ أَن يُفْشِيَه عليه.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هَمَّ المنافقُ بقَتْلِه، يعنى: بقَتْلِ المؤمنِ الذي قال له: أَنتَ شَرٌّ مِن الحمارِ. فذلك قولُه: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(3)

.

وقال آخرون: كان الذي هَمَّ رجلًا من قريشٍ، والذي همَّ به قتلَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن جابرٍ عن مجاهدٍ في قولِه:{وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} . قال: رجلٌ مِن قريشٍ هَمَّ بقتلِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يقالُ له: الأسودُ

(4)

.

وقال آخرون: الذي هَمَّ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابن سلولَ، وكان هَمُّه الذي لم يَنَلْه

(1)

في م: "أقتل".

(2)

تقدم تخريجه في ص 571.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، وفي م:"به".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1845 من طريق شريك، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس.

ص: 573

قولَه: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} . مِن قولِ قتادةَ، وقد ذَكَرناه.

وقولُه: {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} . ذُكِر لنا أن المنافقَ الذي ذَكَر اللهُ عنه أنه قال كلمةَ الكفرِ، كان فقيرًا فَأَغْناه اللهُ بأن قُتِلَ له مولًى، فأعطاه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم دِيَتَه، فلما قال ما قال، قال اللهُ تعالى:{وَمَا نَقَمُوا} . يقولُ: ما أنكَروا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شيئًا، إلا أن أغْناه

(1)

اللهُ ورسولُه من فضِله.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه:{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} : وكان الجُلَاسُ قُتِلَ له مولًى، فأمَر له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بديَتِه، فاسْتَغْنَى، فذلك قولُه:{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}

(2)

.

قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن عِكرمةَ، قال: قَضَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالدَّيَةِ اثْني عشَرَ ألفًا في مَوْلًى لبنى عديِّ بن كعبٍ، وفيه أُنْزِلَت هذه الآيةُ:{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ}

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} . قال: كانت لعبدِ اللهِ بنُ أُبَيٍّ دِيَةٌ، فَأَخْرَجَها

(1)

في م: "أغناهم".

(2)

تقدم تخريجه في ص 570.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (17273)، وسعيد بن منصور (1025)، وابن أبي شيبة 9/ 126، والترمذى (1389) من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 260 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ وابن مردويه.

ص: 574

رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم له

(1)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: سمِعتُ عكرمةَ، أن موْلًى لبنى عَدِيٍّ بنُ كعبٍ قَتَل رجلًا مِن الأنصارِ، فقَضَى له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالدِّيةِ اثنى عشَرَ ألفًا، وفيه أُنزلَت:{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} . قال عمرٌو: لم أسمَعْ هذا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلا مِن عكرمةَ. يعنى الديةَ اثْنى عشَرَ ألفًا.

حدَّثنا صالحُ بنُ مِسْمارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سِنانٍ العَوَقيُّ

(2)

، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عمرٍو بن دينارٍ، عن عِكْرمةَ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم جَعَل الديةَ اثْنى عشَرَ ألفًا، فذلك قولُه:{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} . قال: بأَخْذِ الديةِ

(3)

.

وأمَّا قولُه: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: فإن يَتُبْ هؤلاء القائلون كلمةَ الكفرِ مِن قِيلهم الذي قالوه فرَجَعوا عنه، يكُ رجوعُهم وتوبتُهم مِن ذلك خيرًا لهم مِن النفاقِ، {وَإِنْ يَتَوَلَّوْا}. يقولُ: وإن يُدْبِروا عن التوبةِ فيَأْبَوها، ويُصِرُّوا على كفرِهم، {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا}. يقولُ: يُعَذِّبْهم عذابًا مُوجِعًا في الدنيا؛ إما بالقتلِ، وإما بعاجلِ خِزْيٍ لهم فيها، ويُعَذِّبْهم في الآخرةِ بالنارِ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1846 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 260 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(2)

في م، ت 1، ت 2، س، ف:"العوفى". وينظر تهذيب الكمال 25/ 320.

(3)

أخرجه ابن ماجه (2632)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1845 من طريق محمد بن سنان به، وأخرجه الدارمي 2/ 192، وأبو داود (4546)، وابن ماجه (2629)، والترمذى (1388)، والنسائي (4817)، والبيهقى 8/ 78 من طريق محمد بن مسلم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 260 إلى أبي الشيخ وابن مردويه.

ص: 575

وقولُه: {وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} . يقولُ: وما لهؤلاء المنافقين - إِن عَذَّبَهم اللهُ في عاجلِ الدنيا - من وليٍّ يُواليه على مَنْعِه مِن عقابِ اللهِ، ولا نصيرٍ ينصرُه مِن اللهِ فيُنْقِذَه مِن عقابِه. وقد كانوا أهلَ عِزٍّ ومَنَعةٍ بعشائرِهم وقومِهم، يَمْتَنِعُون بهم ممن أرادهم بسوءٍ، فأخْبَر جلّ ثناؤُه أن الذين كانوا يَمْنَعونهم ممن أرادهم بسوءٍ من عشائرِهم وحُلفائِهم، لا يَمْنَعُونهم مِن اللهِ، ولا يَنْصُرونهم منه إن احتاجوا إلى نَصْرِهم.

وذُكِر أن الذي نَزَلَت فيه هذه الآيةُ تاب مما كان عليه من النفاقِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه:{فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} . قال: قال الجُلَاسُ: قد اسْتَثْنَى اللهُ لى التوبةَ، فأنا أتوبُ. فقَبِل منه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه:{فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} الآية. فقال الجُلَاسُ: يا رسولَ اللهِ، إني أرى الله قد اسْتَثْنى لى التوبةَ، فأنا أتوبُ. فتابَ، فقَبِل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم منه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ومن هؤلاءِ المُنافِقِين الذين وَصَفتُ لك يا محمدُ صفتَهم {مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} . يقولُ: أعطى الله عهدًا، {لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} .

(1)

تقدم تخريجه في ص 570.

ص: 576

يقولُ: لئن أعْطانا اللهُ مِن فضلِه، ورَزَقَنا مالًا، وَوَسَّع علينا من عندِه، {لَنَصَّدَّقَنَّ}. يقولُ: لنُخْرِجَنَّ الصدقةَ من ذلك المال الذي يرزقُنا

(1)

ربُّنا، {وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ}. يقولُ: ولَتَعْمَلَنَّ فيها بعملِ أهلِ الصلاحِ بأموالِهم، من صلةِ الرحمِ به، وإنفاقِه في سبيلِ اللهِ.

يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: فرَزَقَهم اللهُ وآتاهم من فضلِه، {فَلَمَّا آتَاهُمْ} اللهُ {مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ}: بفضلِ اللهِ الذي آتاهم، فلم يَصَّدَّقوا منه، ولم يَصِلوا منه قرابةً، ولم يُنْفِقوا منه في حقِّ اللهِ، {وَتَوَلَّوْا}. يقولُ: وأَدْبَروا عن عهدِهم الذي عاهَدوه الله {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} عنه .

{فَأَعْقَبَهُمْ} اللهُ {نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} ببُخْلِهم بحقِّ اللهِ الذي فَرَضَه عليهم فيما آتاهم مِن فضلِه، وإخلافِهم الوعدَ الذي وَعَدوا الله، ونَقْضِهم عهدَه في قلوبِهم، {إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} مِن الصدقةِ والنفقةِ في سبيلِه، {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} في قِيلهم، وحَرَمهم التوبةَ منه؛ لأنه جلّ ثناؤُه اشْتَرَط في نفاقِهم أنه أعقَبَهُمُوه إلى يوم يَلْقَونه، وذلك إلى

(2)

يوم مَماتِهم وخُروجِهم مِن الدنيا.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها رجلٌ يقالُ له: [ثعلبةُ بنُ

(3)

حاطبٍ من الأنصارِ]

(4)

.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

(1)

في م: "رزقنا".

(2)

سقط من: م.

(3)

بعده في ت 1، ت 2، س، ف:"أبى"، وقد ذكر بالاسمين جميعا. ينظر في ذلك، وفي تحقيق الكلام على قصته الإصابة 1/ 400.

(4)

سقط من: ص.

ص: 577

أبيه، عن ابن عباسٍ قوله:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} الآية: وذلك أن رجلًا يقالُ له: ثعلبةُ بنُ

(1)

حاطب مِن الأنصارِ، أتَى مجلسًا فأَشْهَدَهم، فقال: لئن آتانى اللهُ مِن فضلِه، آتَيْتُ منه كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وتَصَدَّقْتُ منه، وَوَصَلْتُ منه القرابةَ. فابْتَلاه اللهُ فأتاه مِن فضلِه، فأَخْلَفَ الله ما وعَدَه، وأَغْضَبَ الله بما أخْلَفَ ما وَعَدَه، فقَصَّ اللهُ شأنَه في القرآنِ بقولِه

(2)

: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} . إلى قولِه: {يَكْذِبُونَ}

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا هشامُ بنُ عَمَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ شعيبٍ، قال: ثنا مُعَانُ

(4)

بنُ رفاعةَ السَّلامِيُّ

(5)

، عن أبي عبدِ الملكِ عليّ بن يزيدَ الألْهانيِّ، أنه أخبرَه عن القاسمِ أبي

(6)

عبدِ الرحمنِ، أنه أخبرَه عن أبي أُمامةَ الباهليِّ، عن ثعلبةَ بن حاطبٍ الأنصاريِّ، أنه قال الرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ادعُ الله أن يَرْزُقَنى مالًا. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "وَيْحَكَ يا ثَعْلبةُ، قليلٌ تُؤدِّى شُكرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه". قال: ثم قال مرةً أُخرى، فقال:"أمَا ترْضَى أن تكونَ مثلَ نبيَّ اللهِ، فَوَالَّذِي نَفْسَى بيدِه، لو شِئْتُ أن تسيرَ معى الجبالُ ذَهَبًا وفضةً لسارَتْ". قال: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ، لئن دعوتَ الله فَرَزَقَنى مالًا لأُعْطِينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"اللهمَّ ارْزُقْ ثَعْلبة مالًا". قال: فاتَّخذ غنمًا، فَنَمَتْ كما يَنْمو الدُّودُ، فضاقَت عليه المدينةُ، فَتَنَحَّى عنها، فنَزَل واديًا من أوديتِها، حتى جَعَل

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"أبي".

(2)

ليست في: ص، م، ت 1، س، ف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1849، والبيهقى في الدلائل 5/ 289 من طريق محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 261 إلى ابن مردويه.

(4)

في م، س، ف:"معاذ". وينظر تهذيب الكمال 28/ 157.

(5)

في النسخ: "السلمي". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدلائل للبيهقي.

(6)

في م: "بن"، وهو القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن. ينظر تهذيب الكمال 23/ 283.

ص: 578

يُصَلِّي الظهرَ والعصرَ في جماعةٍ، ويتركُ ما سِواهما

(1)

، ثم تَمَتْ وكَثُرَت، فتَنَحَّى حتى تركَ الصلواتِ إلا الجمعةَ، وهي تَنْمُو كما يَنْمو الدُّودُ، حتى تَرَكَ الجمعةَ، فَطَفِقَ يَتَلَقَّى الرَّكْبانَ يومَ الجمعةِ يسألُهم عن الأخبارِ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما فَعَلَ ثَعْلبةُ؟ ". فقالوا: يا رسولَ اللهِ، اتَّخَذَ غَنَمًا فَضاقَت عليه المدينةُ. فأخْبَروه بأمرِه، فقال:"يا وَيْحَ ثَعْلبةَ، يا وَيْحَ ثَعْلَبةَ، يا وَيْحَ ثَعْلَبةَ". قال: وأَنزَلَ اللهُ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] الآية. ونَزَلَت عليه فرائضُ الصدقةِ، فبَعَث رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجلَين على الصدقةِ؛ رجلًا مِن جُهَينةَ، ورجلًا مِن سُلَيمٍ، وكَتَب لهما كيف يأخُذانِ الصدقةَ مِن المسلمين، وقال لهما:"مُرَّا بثعلبةَ، وبفلانٍ - رجلٍ مِن بنى سُلَيمٍ - فَخُذا صدقاتِهما". فَخَرَجا أَتَيا ثعلبةَ، فسَألاه الصدقةَ، وأقرَآه كتابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا جِزْيةٌ، ما هذه إلا أختُ الجزيةِ، ما أدرِى ما هذا، انْطَلِقا حتى تَفْرُغا ثم عُودا إليَّ. فَانْطَلَقا، وسَمِع بهما السُّلَمِيُّ، فَنَظَر إلى خيارِ أسنانِ إبلِه، فعَزَلها للصدقةِ، ثم اسْتَقْبَلَهم بها، فلما رَأَوها، قالوا: ما يجبُ عليك هذا، وما نريدُ أن نأخذَ هذا منك. قال: بلى فخُذُوه، فإن نفسى بذلك طيِّبةٌ، وإنما هي لى. فَأَخَذوها منه، فلما فَرَغَا مِن صدقاتهما رجعا، حتى مَرَّا بِثَعْلَبَةَ، فقال: أَرُونى كتابَكما. فنَظَر فيه فقال: ما هذه إلا أختُ الجِزْيةِ، انطَلِقا حتى أرى رأيي. فانْطَلَقا حتى أتَيا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فلما رآهما قال:"يا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ". قبل أن يُكَلِّمَهما، ودعا للسُّلَمِيِّ بالبركةِ، فأخبرَاه بالذي صَنَع ثَعْلبةُ، والذي صنَعَ السُّلَمِيُّ، فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى فيه:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} . إلى قولِه: {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} . وعندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجلٌ مِن أقاربِ ثَعْلَبةَ، فسَمِع ذلك، فخَرَج حتى أتاه، فقال: وَيْحك يا ثعلبةُ، قد أنزَل

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"سواها".

ص: 579

اللهُ فيك كذا وكذا. فخَرَج ثعلبةُ حتى أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فسأَله أن يَقْبَلَ منه صدقتَه، فقال:"إن الله مَنَعَنى أن أَقْبَلَ منك صَدَقتَك". فَجَعَل يَحْثِى على رأسِه الترابَ، فقال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هذَا عَمَلُك، قد أمَرْتُك فلم تُطِعْنى". فلما أَبَى أَن يَقْبِضَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، رَجَع إلى منزلِه، وقُبِضَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ولم يَقْبَلْ منه شيئًا، ثم أتَى أبا بكرٍ حينَ اسْتُخْلِفَ، فقال: قد عَلِمْتَ منزلتي من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ومَوضِعى مِن الأنصارِ، فاقْبَلْ صَدَقتى. فقال أبو بكرٍ: لم يَقْبَلْها رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأنا أقبَلُها! فقُبِضَ أبو بكرٍ ولم يَقْبِضْها، فلما وَلِيَ عمرُ أتاه فقال: يا أميرَ المؤمنين، اقبَلْ صدقتي فقال: لم يَقْبَلْها منك رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكرٍ، [وإذًا لا]

(1)

أَقْبَلُها منك. فقُبِض ولم يَقْبَلْها، ثم وَليَ عثمانُ، رحمةُ اللهِ عليه، فأتاه فسألَه أن يقبَلَ صدقتَه، فقال: لم يَقْبَلْها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكرٍ ولا عمرُ، رضوانُ اللهِ عليهما، وأنا لا أقبَلُها منك. فلم يَقْبَلْها منه، وهَلَكَ ثَعْلبةُ في خلافةِ عثمانَ رحمةُ اللهِ عليه

(2)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} الآية: ذُكِر لنا أن رجلًا من الأنصارِ أتَى على مجلسٍ من الأنصارِ، فقال: لئن آتاه اللهُ مالًا لَيُؤدِّيَنَّ إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه. فأتاه اللهُ مالًا فصَنَع فيه ما تَسْمَعون، قال:{فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ} . إلى

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س:"لا أنا".

(2)

أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2253)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1847، وأبو نعيم في المعرفة 3/ 271 (1375)، وابن عساكر في تاريخه 12/ 9 من طريق هشام بن عمار به، وأخرجه ابن قانع 1/ 124 (127)، والبغوى في تفسيره 4/ 75، 76، وابن الأثير في أسد الغابة 1/ 283، 284 من طريق محمد بن شعيب به، وأخرجه الطبراني (7873)، والبيهقى في الدلائل 5/ 289، وفي الشعب (4357) من طريق معان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 260 إلى الحسن بن سفيان وابن المنذر وأبى الشيخ والعسكرى في الأمثال وابن منده وابن مردويه، وقال البيهقي: هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولا بأسانيد ضعاف، وقد قال عنه الهيثمي في المجمع 7/ 32: وفيه على بن يزيد الألهانى وهو متروك.

ص: 580

قولِه: {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} : ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ أن موسى الله عليه السلام لمَّا جاء بالتوراةِ إلى بنى إسرائيلَ، قالت بنو إسرائيلَ: إن التوراةَ كثيرةٌ، وإنا لا نفرُغُ لها، فسَلْ لنا ربَّك جماعًا مِن الأمرِ نحافظُ عليه، ونَتَفرَّغُ فيه لمَعاشِنَا. قال: يا قومِ مَهلًا مَهْلًا، هذا كتابُ اللهِ، ونورُ اللهِ، وعِصْمةُ اللهِ. قال: فأَعَادوا عليه، فأعادَ عليهم، قالها ثلاثًا. قال: فأوحَى اللهُ إلى موسى: ما يقولُ عبادى؟ قال: يا ربِّ يقولون: كَيْتَ وكَيْتَ. قال: فإنى أمُرُهم بثلاثٍ، إن حافَظوا عليهنَّ دَخَلُوا بهنَّ الجنةَ، أن يَنْتَهُوا إلى قِسْمةِ الميراثِ فلا يَظْلِموا فيها، ولا يُدْخِلوا أبصارَهم البيوتَ حتى يُؤْذَنَ لهم، وألا يَطْعَموا طَعامًا حتى يتَوضَّئوا وضوءَهم للصلاةِ. قال: فرَجَع بهنَّ نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى قومِه، ففَرِحوا ورأَوا

(1)

أنهم سيقومون بهنَّ. قال: فواللهِ ما لَبِثَ القومُ إلا قليلًا حتى حَقْحَقُوا

(2)

وانقُطِعَ بهم. فلما حَدَّثَ نبيُّ اللهِ بهذا الحديثِ عن بني إسرائيلَ، قال: "تَقبَّلُوا

(3)

لى [ستًّا أتقبَّلْ]

(4)

لكم الجنَّةَ

(5)

". قالوا: ما هُنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "إذا حَدَّثَتُم فلا تَكْذِبوا، وإذا وَعَدتُم فلا تُخْلِفوا، وإذا ائتُمِنْتُم فلا تَخونُوا، وكُفُّوا أبصارَكم وأيديَكم وفُروجَكم

(6)

؛ أبصارَكم عن الخيانةِ، وأيديَكم عن السرقةِ، وفروجَكم عن

(7)

الزِّنا"

(8)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"رووا".

(2)

في م: "جنحوا" وحقحق القوم: إذا اشتدوا في السير. اللسان (ح ق ق).

(3)

في م: "تكفلوا". وتقبل وتكفّل بمعنًى. ينظر اللسان (ق ب ل).

(4)

في م: "بست أتكفل".

(5)

في م: "بالجنة".

(6)

بعده في م: "و".

(7)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"من".

(8)

أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (517) من طريق يزيد به إلى قوله: بما كانوا يكذبون ومن هنا إلى آخره عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 262 إلى أبى الشيخ، وأخرج المرفوع منه ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع في مسنديهما كما في المطالب العالية (1، 2/ 2909)، وأبو يعلى (4257)، والحاكم 4/ 359، والخطيب في الموضح 2/ 168 من حديث أنس. وأخرجه أحمد 5/ 323 (ميمنية)، والبيهقى 6/ 288 من حديث عبادة.

ص: 581

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ:"ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه صارَ مُنافِقًا، وإن صامَ وصَلَّى وزَعَم أنه مسلمٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا ائْتُمن خانَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ"

(1)

.

وقال آخرون: بل المَعْنِيُّ بذلك رجلان؛ أحدُهما ثَعْلَبةُ، والآخرُ مُعَتِّبُ بنُ قُشَيْرٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عمرِو بنُ عُبَيدٍ، عن الحسنِ:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} الآية

(2)

: وكان الذي عاهَدَ الله منهم ثَعْلبةُ بنُ حاطبٍ، ومُعَتِّبُ بنُ قُشَيْرٍ، وهما من بني عمرِو بن عوفٍ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} . قال: رجلان خَرَجا على ملإِ قُعُودٍ، فقالا: واللهِ لئن رَزَقَنَا اللهُ لنَصَّدَّقنَّ، فلما رَزَقَهم اللهُ بَخِلوا به.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} : رجلان خَرَجا على ملإِ قعودٍ، فقالا: واللهِ لئن رَزَقَنَا اللهُ لنَصَّدَّقَنَّ. فلما رَزَقَهم بَخِلوا به، فأَعْقَبهم نفاقًا في قلوبِهم بما أخْلَفوا الله ما وَعَدوه حين قالوا: لنصَدَّقنَّ. فلم يَفْعَلوا.

(1)

أخرجه الفريابي في ذم المنافقين (21) من طريق يزيد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن. وأصل الحديث أخرجه البخاري (33، 2749، 6095)، ومسلم (107 - 110) من حديث أبي هريرة.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"الآخر"، وفى م:"إلى الآخر".

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 551.

ص: 582

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} الآية. قال: هؤلاء صِنْفٌ مِن المُنافِقين، فلما آتاهم ذلك بَخِلوا به، فلما بَخِلوا بذلك أعقَبَهم بذلك نفاقًا إلى يومِ يَلْقَونه، ليس لهم منه توبةٌ ولا مغفرةٌ ولا عفوٌ، كما أصابَ إبليسَ حينَ مَنَعه التوبةَ.

قال أبو جعفرٍ: في هذه الآيةِ الإبانةُ مِن اللهِ جلّ ثناؤُه عن علامةِ أهلِ النفاقِ، أعنى في قولِه:{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} .

وبنحوِ هذا القولِ كان يقولُ جماعةٌ من الصحابةِ والتابِعين، ورُوِيت

(2)

به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

‌ذكرُ بعض مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعْمشِ، عن عُمارةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، قال: قال عبدُ اللهِ: اعْتَبِروا المنافقَ بثلاثٍ؛ إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا عاهَد غدَر، وأنزَل اللهُ تصديقَ ذلك في كتابِه:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} . إلى قولِه: {يَكْذِبُونَ}

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (515)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1847 من طريق ورقاء به.

(2)

في م: "وردت".

(3)

أخرجه سعيد بن منصور (1026)، ومن طريقه الطبراني (9075)، والفريابي في صفة النفاق (10) من طريق أبى معاوية به، وأخرجه ابن أبي شيبة 8/ 594، والحسين المروزى في زوائده على زهد ابن المبارك (1067)، وابن أبي الدنيا في الصمت (516)، ومحمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (677)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1846 من طريق الأعمش به.

ص: 583

حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن صُبَيحِ بن عبدِ اللهِ بن عُمَيرٍ

(1)

، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو

(2)

، قال: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أخلفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ. قال: وتَلَا هذه الآية {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} إلى آخرِ الآيةِ

(3)

.

حدَّثنا ابن المُثَنّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سَمِعتُ صُبَيحَ بنُ عبدِ اللهِ العَبْسيَّ

(4)

يقولُ: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو عن المنافقِ. فذَكَر نحوَه.

حدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ المخزوميُّ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ حكيمٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظِيَّ، يقولُ: كنتُ أسمعُ أن المنافقَ يُعْرَفُ بثلاثٍ؛ بالكذبِ، والإخلافِ، والخيانةِ، فالتَمسْتُها في كتابِ اللهِ زمانًا لا أجِدُها، ثم وجدْتُها في اثْنَتَين

(5)

مِن كتابِ اللهِ، قولِه:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} . حتى بَلَغَ: {وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} . وقولِه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأحزاب: 72] هذه الآية

(6)

.

(1)

في النسخ: "عميرة"، وينظر الثقات 4/ 382، والإكمال 5/ 167.

(2)

في النسخ: "عمر" وسيأتي على الصواب في الإسناد بعده.

(3)

أخرجه الفريابي في صفة النفاق (16) من طريق غندر محمد بن جعفر به. وأخرجه البخارى (34)، ومسلم (106) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا.

(4)

في النسخ: "القيس". وتقدم على الصواب في 8/ 739، 740 وينظر التاريخ الكبير 4/ 318.

(5)

في م: "آيتين".

(6)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 261 إلى أبي الشيخ والخرائطى في مكارم الأخلاق، وأخرجه الخرائطى في مساوئ الأخلاق ومذمومها (143، 303) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن كعب، وأوله مرفوع.

ص: 584

حدَّثني القاسمُ بنُ بِشْرِ بن معروفٍ، قال: ثنا شبابةُ

(1)

، قال: ثنا محمدٌ المُحْرِمُ

(2)

، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه فهو مُنافِقٌ، وإن صَلَّى وصامَ وزَعَمَ أنه مسلمٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا ائْتُمِن خانَ". فقلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، لئن كان لرجلٍ عليَّ دَيْنٌ فلَقِيني، فَتَقاضاني، وليس عندى، وخِفْتُ أن يَحْبِسَنى ويُهْلِكَني، فَوَعَدْتُه أَن أَقْضِيَه رأسَ الهلالِ فلم أفعلْ، أمنافقٌ أنا؟ قال: هكذا جاء الحديثُ. ثم حَدَّثَ عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو أن أباه لمَّا حَضَره الموتُ قال: زَوِّجوا فلانًا، فإني وَعَدْتُه أن أُزوِّجَه، لا ألقَى الله بثُلُثِ النفاقِ. قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، ويكونُ ثُلُثُ الرجلِ منافقًا، وثُلُثاه مؤمنًا؟ قال: هكذا جاء الحديثُ. قال: فحَجَجْتُ فلَقِيتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ فأخبرْتُه الحديثَ الذي سمِعتُه من الحسنِ، وبالذى قلتُ له وقال لي، فقال لي: أعَجَزْتَ أن تقولَ له: أخبِرْني عن إخوةِ يوسفَ عليه السلام، ألم يَعِدوا أباهم فأخْلَفوه، وحَدَّثوه فكَذَبُوه، وأْتَمَنَهم فخانوه، أفمنافِقين كانوا؟ ألم يكونوا أنبياءَ، أبوهم نبيٌّ وجَدُّهم نبيٌّ؟ قال: فقلتُ لعطاءٍ: يا أبا محمدُ حدَّثني بأصلِ النفاقِ، وبأصلِ هذا الحديثِ. فقال: حدَّثني جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا الحديثَ في المُنافقين خاصةً، الذين حَدَّثوا النبيَّ فَكَذَبوه، وأتَمَنَهم على سِرِّه فَخَانُوه، ووَعَدوه أن يخرُجوا معه في الغزوِ فأَخْلَفوه. قال: وخَرَجَ أبو سفيانَ مِن مكةَ، فأتَى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أبا سفيانَ في مكان كذا وكذا. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه: "إن أبا سفيانَ في مكانِ كذا وكذا، فاخْرُجُوا إليه واكْتُمُوا". قال: فكَتَبَ رجلٌ مِن المُنافِقين إليه أن محمدًا يريدُكم، فخُذُوا حِذْرَكم. فأنزَل اللهُ:

(1)

في م: "أسامة".

(2)

في م: "المخرمى".

ص: 585

{لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]. وأنزَل في المُنافِقين: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} . إلى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} . فإذا لَقِيتَ الحسنَ فأَقْرِئْه السلامَ، وأخبِرْه بأصلِ هذا الحديثِ وبما قلتُ لك. قال: فقَدِمتُ على الحسنِ، فقلتُ: يا أبا سعيدٍ، إن أخاك عطاءً يُقْرِئُك السلامَ. فأخبرتُه بالحديثِ الذي حَدَّثَ وما قال لى. فَأَخَذَ الحَسنُ بيَدِى فأشالها

(1)

، وقال: يا أهلَ العراقِ، أَعَجَزْتُم أن تكونوا مثل هذا؟ سَمِعَ منى حديثًا فلم يَقْبَلْه حتى اسْتَنْبَطَ أصلَه، صَدَقَ عطاءٌ، هكذا الحديثُ، وهذا في المُنافقين خاصةً

(2)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا يعقوبُ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه، وإن صَلَّى وصامَ وزَعَمَ أنه مسلمٌ، فهو مُنافِقٌ". فقيل له: ما هي يا رسولَ اللهِ؟ فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: "إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإِذا ائْتُمِنَ خَانَ".

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: ثنا مُبَشِّرٌ

(3)

، عن الأوزاعيِّ، عن هارونَ بن رئابٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرِو بن وائلٍ، أنه لمَّا حَضَرَتْه الوفاةُ قال: إن فلانًا خَطَبَ إليَّ ابْنَتى، وإنى كنتُ قلتُ له فيها قولًا شَبِيهًا بالعِدَةِ، واللهِ لا ألقَى الله بثُلُثِ النفاقِ، وأُشْهِدُكم أني قد زَوَّجتُه

(4)

.

وقال قومٌ: كان العهدُ الذي عاهَدَ الله هؤلاء المُنافِقون، شيئًا نَوَوْه في أنفسِهم ولم يَتَكَلَّموا به.

(1)

في م: "فأمالها" وأشال يده: رفعها. اللسان (ش و ل).

(2)

ينظر ما تقدم تخريجه في ص 212.

(3)

في م، ف:"ميسرة"، وفى ت 1:"ميسر". وينظر تهذيب الكمال 27/ 190.

(4)

أخرجه الفريابي في صفة النفاق (18) من طريق الأوزاعي به.

ص: 586

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: سمعتُ مُعْتَمِرَ بنَ سليمانَ التَّيْمِيَّ يقولُ: رَكِبتُ البحرَ، فأصابَنا ريحٌ شديدةٌ، فنَذَرَ قومٌ منَّا نُذُورًا، ونَوَيتُ أنا لم أتَكَلَّمْ به، فلما قَدِمتُ البصرةَ سألتُ أبى سليمانَ، فقال لي يا بُنَيَّ: فِ

(1)

به.

قال مُعْتَمِرٌ: وثنا كَهْمَسٌ، عن سعيدِ بن ثابتٍ، قال: قولُه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} الآية. قال: إنما هو شيءٌ نَوَوْه في أنفسِهم ولم يَتَكَلَّموا به، ألم تَسْمَعْ إلى قولِه:{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} ؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يَعْلَمْ هؤلاء المُنافِقون الذين يَكْفُرون باللهِ ورسولِه سِرًّا، ويُظْهِرون الإيمانَ بهما لأهلِ الإيمانِ بهما جَهْرًا، {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ} الذي يُسِرُّونه في أنفسِهم مِن الكفرِ به وبرسولِه، {وَنَجْوَاهُمْ}. يقولُ: ونَجْواهم إذا تَناجَوا بينَهم بالطعنِ في الإسلامِ وأهلِه، وذِكْرِهم بغيرِ ما يَنْبَغِى أَن يُذْكَروا به - فيَحْذَروا مِن اللهِ عقوبتَه أن يُحِلُّها بهم، وسَطُوتَه أن يُوقِعَها بهم، على كفرِهم باللهِ وبرسولِه، وغِشِّهم

(2)

للإسلامِ وأهلِه، فيَنْزِعوا عن ذلك، ويَتُوبوا منه، {وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}. يقولُ: ألم يَعْلَموا أن الله عَلَّامُ ما غَابَ عن أسماعِ خلقِه

(1)

في م: "فه" بهاء السكت، وقد ذهب البصريون إلى أن ثبوتها في الوصل - مكسورة أو مضمومة - ضرورة، والكوفيون إلى الجواز. ينظر خزانة الأدب 11/ 457.

(2)

في م: "عيبهم".

ص: 587

وأبصارِهم وحَواسِّهم، مما أكَنَّتْه نفوسهم فلم يَظْهَرْ على جَوارِحِهم الظاهرةِ، فَيَنْهاهم ذلك عن خِداعِ أوليائِه بالنفاقِ والكذبِ، ويَزْجُرُهم عن إضْمارِ غيرِ ما يُبْدُونه، وإظهارِ خلافِ ما يَعْتَقِدونه؟

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: الذين يَلْمِزُون المُطَّوِّعِين في الصدقةِ على أهلِ المَسْكنةِ والحاجةِ بما لم يُوجِبْه اللهُ عليهم في أموالِهم، ويَطْعَنُون فيها عليهم بقولِهم: إنما تَصَدَّقوا به رياءً وسُمْعةً ولم يُريدوا وَجْهَ اللهِ. ويَلْمِزُون الذين لا يَجِدُون ما يَتَصَدَّقون به إلا جُهَدَهم، وذلك طاقتُهم، فينْتَقِصُونهم ويقولون: لقد كان اللهُ عن صدقةِ هؤلاء غَنِيًّا؛ سُخْرِيةً منهم بهم، {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} .

وقد بَيَّنَّا صفةَ سُخْرِيةِ اللهِ بَمَن يَسْخَرُ به من خلقِه، في غيرِ هذا الموضعِ بما أغنَى عن إعادتِه ههنا

(1)

.

{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . يقولُ: ولهم مِن عندِ اللهِ يومَ القيامةِ عذابٌ مُوجِعٌ مؤلمٌ.

وذُكِرَ أن المعنيَّ بقولِه: {الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} : عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ، وعاصمُ بنُ عَدِيٍّ الأنصاريُّ، وأن المَعنيَّ بقولِه:{وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} : أبو عَقِيلٍ الإراشيُّ أخو بني أُنَيفٍ.

(1)

تقدم في 1/ 312 وما بعدها.

ص: 588

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} . قال: جاء عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بأربعين أُوقيةً من ذهبٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وجاءه رجلٌ مِن الأنصارِ بصَاعٍ مِن طعامٍ، فقال بعضُ المُنافِقين: واللهِ ما جاء عبدُ الرحمنِ بما جاء به إلا رياءً. وقالوا: إن كان اللهُ ورسولُه لَغَنِيَّيْن عن هذا الصَّاعِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي: عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} : وذلك أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلى الناسِ يومًا فنادَى فيهم أن اجْمَعُوا صَدَقَاتِكم فجَمَع الناسُ صدقاتِهم، ثم جاء رجلٌ مِن آخرهم

(2)

بمَنٍّ مِن تمرٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، هذا صاعٌ مِن تمرٍ، بِتُّ ليلتي أَجرُّ بالجريرِ

(3)

الماءَ حتى نِلْتُ صاعَين مِن تمرٍ، فأمْسَكَتُ أحدَهما وأَتيتُكَ بالآخرِ. فأمَرَه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن ينثُرَه في الصدقاتِ، فسخِرَ منه رجالٌ وقالوا: واللهِ إِنَّ الله ورسولَه لغنيانِ عن هذا، وما يصنعانِ بصاعِك من شيءٍ. ثمَّ إِنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ - رجلٌ من قريشٍ من بَنِي زُهْرَةَ - قال لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هل بَقِى مِن أحدٍ مِن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1850، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 89 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 262 إلى ابن المنذر.

(2)

في م: "أحوجهم".

(3)

في ص، ف:"بالحرير" غير منقوطة والجرير: حبل من أدَم نحو الزمام، ويطلق على غيره من الحبال المضفورة. ينظر النهاية 1/ 259.

ص: 589

أهلِ هذه الصدقاتِ؟ [فقال: "لا"]

(1)

. فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: إن عندى مائةَ أوقيةٍ من ذهبٍ في الصدقاتِ. فقال له عمرُ بنُ الخطابِ: أمجنونٌ أنت؟ فقال: ليس بي جنونٌ. فقال: أتعلمُ

(2)

ما قلتَ؟ قال: نعم، مالى ثمانيةُ آلافٍ؛ أمَّا أربعةُ آلافٍ فأُقْرِضُها ربي، وأمَّا أربعةُ آلافٍ فلِى. فقال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"بارَكَ اللهُ لك فيما أمْسَكْتَ وفيما أعْطَيْتَ". ولَمَزَه

(3)

المُنافِقون فقالوا: واللهِ ما أعطَى عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ عَطِيَّتَه إلا رياءً. وهم كاذِبون، إنما كان به مُتَطَوِّعًا، فأَنزَل اللهُ عُذْرَه وعذرَ صاحبِه المسكينِ الذي جاء بالصَّاعِ مِن التمرِ، فقال اللهُ في كتابِه:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} الآية

(4)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن شِبْلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: جاء

(5)

عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بصدقةِ مالِه أربعةِ آلافٍ، فلَمَزَه المُنافِقون، وقالوا: رَاءَى. {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} . قال: رجلٌ مِن الأنصارِ، آجَرَ نفسَه بصاعٍ من تمرٍ، لم يكن له غيرُه، فجاء به فلَمَزُوه، وقالوا: كان اللهُ غَنِيًّا عن صاعِ هذا.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه

(6)

.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

في ص: "أفعلنا"، وفى ت 1، ت 2، س:"أفعلمنا"، وفى ف:"أتعلمنا".

(3)

في م، ف: ف: "كره".

(4)

أخرجه ابن مردويه - كما في تخريج الزيلعي 2/ 89، 90 من طريق محمد بن سعد به.

(5)

في ص، ت 2، س، ف:"حدثنا".

(6)

تفسير مجاهد ص 373، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1850، 1851 من طريق ابن جريج عن مجاهد مطولا بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 263 إلى ابن المنذر.

ص: 590

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} الآية. قال: أقبَل عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بنصفِ مالِه فتَقَرَّب به إلى اللهِ، فلَمَزَه المُنافِقون، فقالوا: ما أعْطَى ذلك إلا رياءً وسمعةً. فأقبَل رجلٌ من فقراءِ المسلمين يقالُ له: حَبْحابٌ

(1)

أبو عَقِيلٍ. فقال: يا نبيَّ اللهِ، بِتُّ أجرُّ الجريرَ على صاعَين مِن تمرٍ؛ أمَّا صاعٌ فأمسَكْتُه لأهلِى، وأما صاعٌ فها هو ذا. فقال المُنافِقون: واللهِ إِن الله ورسولَه لَغَنِيَّان عن هذا. فأنزَل اللهُ في ذلك القرآنَ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ} الآية

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} . قال: تَصَدَّقَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بشَطْرِ مالِه، وكان مالُه ثمانيةَ آلافِ دينارٍ، فتَصَدَّقَ بأربعةِ آلافِ دينارٍ، فقال ناسٌ مِن المُنافِقين: إن عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ لعظيمُ الرِّياءِ. فقال اللهُ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} . وكان لرجلٍ صاعان من تمرٍ، فجاء بأحدِهما، فقال ناسٌ مِن المُنافِقين: إن كان اللهُ عن صاعِ هذا لَغَنِيًّا. فكان المُنافِقون يَطْعَنون عليهم ويَسْخَرون بهم، فقال اللهُ:{وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

(3)

.

(1)

غير منقوطة في ص، ف، وفى س:"حجاب"، وقد اختلف في اسمه، فقيل:"الحبحاب" كما أثبتناه، وقيل:"الحثحاث"، وقيل:"الجثجاث". ينظر الإصابة 1/ 464، 2/ 13، وأسد الغابة 1/ 438، 6/ 220.

(2)

عزاه ابن حجر في الفتح 8/ 331 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن منده، وقال: وهذا مرسل.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 283، 284 عن معمر به، ومن طريقه ابن عساكر 25/ 262.

ص: 591

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجَّاجُ بنُ المِنْهالِ الأنْماطيُّ، قال: ثنا أبو عوانةَ، عن [عمرَ بن]

(1)

أبي سَلَمةَ، عن أبيه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:"تَصَدَّقُوا، فإني أريدُ أن أبْعَثَ بَعْثًا". قال: فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: يا رسولَ اللهِ، إن عندى أربعةَ آلافٍ؛ ألفَين أُقْرِضُهما الله، وألفين لِعيالي. قال: فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "بارَكَ اللهُ لك فيما أعْطَيتَ، وبارَكَ لك فيما أَمْسَكْتَ". فقال رجلٌ مِن الأنصارِ: وإن عندى صاعَين مِن تمرٍ؛ صاعًا لربِّي، وصاعًا لِعيالي. قال: فلَمَزَ المنافِقون وقالوا: ما أَعْطَى ابن عوفٍ هذا إلا رياءَ. وقالوا: أو لم يكنِ اللهُ غَنِيًّا عن صاعِ هذا. فأنزَل اللهُ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، إلى آخرِ الآيةِ

(2)

.

حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرَنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} . قال: أصابَ الناس جَهْدٌ شديدٌ، فأمَرهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يَتَصَدَّقوا، فجاء عبدُ الرحمنِ بأربعِمائةِ أُوقيةٍ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"اللهمَّ بارِكْ له فيما أَمْسَكَ". فقال المُنافِقون: ما فَعَل عبدُ الرحمنِ هذا إلا رياءً وسُمْعةً. قال: وجاءَ رجلٌ بصَاعٍ من تمرٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، آجَرْتُ نفسي بصاعَين، فانطلقتُ بصاعٍ منهما إلى أهلِى، وجئتُ بصاعٍ مِن تمرٍ. فقال المنافِقون: إن الله غنيٌّ عن صاع هذا. فأنزَل اللهُ هذه الآيةَ: {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

(3)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ

(1)

سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 30/ 443.

(2)

أخرجه البزار (2216 - كشف)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1851، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 88 من طريق أبي عوانة به، وينظر المجمع 7/ 32.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1851 من طريق عبد الرحمن بن سعد - وهو الدشتكى - به.

ص: 592

الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} الآية: وكان المطَّوِّعون

(1)

مِن المؤمنين في الصدقاتِ عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ، تَصَدَّقَ بأربعةِ آلافِ دينارٍ، وعاصمَ بنَ عَدِيٍّ أَخا بنِى العَجْلانِ، وذلك أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَغَّبَ في الصدقةِ وحَضَّ عليها، فقامَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ فتَصَدَّقَ بأربعةِ آلافِ درهمٍ، وقام عاصمُ بنُ عَدِيٍّ فَتَصَدَّقَ بمائةِ وَسْقٍ مِن تمرٍ، فَلَمَزُوهما وقالوا: ما هذا إلا رياءً. وكان الذي تَصَدَّقَ بِجُهْدِه أبو عَقِيلٍ، أخو بني أُنَيْفٍ الإراشيُّ، حليفُ بني عمرِو بن عوفٍ، أَتَى بصَاعٍ مِن تمرٍ فأفْرَغَه في الصدقةِ، فَتَضاحَكوا به وقالوا: إن الله لغنيٌّ عن صاعِ أبي عَقِيلٍ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النُّعْمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سليمانَ، عن أبي وائلٍ، عن أبي

(3)

مسعودٍ، قال: لمَّا نَزَلَت آيةُ الصدقةِ كُنَّا نُحامِلُ

(4)

. قال أبو النعْمانِ: كُنَّا نعملُ. قال: فجاء رجلٌ فتَصَدَّقَ بشيءٍ كثيرٍ. قال: وجاء رجلٌ فتَصَدَّقَ بصاعِ تمرٍ، فقالوا: إن الله لَغَنِيٌّ عن صاعٍ هذا. فنَزَلَت: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ}

(5)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن موسى بن عُبيدةَ، قال: ثنى

(1)

في م: "من المطوعين"، وينظر مصدر التخريج.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 551.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ابن". وينظر مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 12/ 550.

(4)

تحاملت الشيء: تكلفته على مشقة، والمحاملة: أن يتكلف الحمل بالأجرة ليكتسب ما يتصدق به. النهاية 1/ 443.

(5)

أخرجه الطيالسي (643)، والبخارى (1415، 4668)، ومسلم (1018)، والنسائي (2529)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1850، وابن حبان (3338، 3376)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 262 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في معرفة الصحابة وغيرهم من طريق شعبة به.

ص: 593

خالدُ بنُ يسارٍ، عن ابن أبي عقيلٍ، عن أبيه، قال: بِتُّ أَجُرُّ الجَرِيرَ على ظَهْرى على صاعَين منِ تمرٍ، فانْقَلَبْتُ بأحدِهما إلى أهلى يَتَبَلَّغون به، وجئتُ بالآخرِ أَتَقَرَّبُ به إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأتيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فأخبَرتُه، فقال:"انْثُرْه في الصدقةِ". فسَخِرَ المُنافِقون منه وقالوا: لقد كان اللهُ غَنِيًّا عن صدقةِ هذا المسكينِ. فأنزَل اللهُ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} الآيتين

(1)

.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا الجُرَيريُّ

(2)

عن أبي السليلِ، قال: وَقَفَ على الحيِّ رجلٌ، فقال: ثنى أبي أو عمى، فقال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يقولُ: "مَن يَتَصَدَّقُ اليومَ بصدقةٍ أَشْهَدُ له بها عندَ اللهِ يومَ القيامةِ؟ ". قال: وعليَّ عمامةٌ لى. قال: فتَزَعْتُ [لَوْثًا أو لَوْثَيْن]

(3)

لأَتَصدَّقَ بهما. قال: ثم أدْرَكَنى ما يُدْرِكُ ابنَ آدمَ، فعَصَبتُ بها رأسِى. قال: فجاء رجلٌ لا أرَى بالبقيعِ رجلًا أقصرَ قِمَّةً

(4)

، ولا أشدَّ سَوادًا، ولا [أدمَّ بعينٍ]

(5)

منه، يقودُ ناقةً لا أرى بالبقيعٍ أحسنَ منها ولا أجملَ منها. قال: أصدقةٌ هي يا رسولَ اللهِ؟ قال: "نعم". قال: فدونَكها. فألقَى

(6)

بخطامِها - أو بزِمامِها - قال: فَلَمَزَه رجلٌ جالسٌ، فقال: واللهِ إنه ليَتَصَدَّقُ بها، ولهى خيرٌ منه. فنظر إليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: "بل هو خيرٌ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1852، والطبراني (3598)، وابن مردويه - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 2/ 88، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 262 إلى ابن أبي شيبة، والبغوى في معجمه، وأبى الشيخ، وأبي نعيم في معرفة الصحابة من طريق زيد بن الحباب به، وينظر تفسير ابن كثير 4/ 127، والفتح 8/ 331، ومجمع الزوائد 7/ 33، والفتح 8/ 331.

(2)

في ت 1، ص، ف:"الحريري".

(3)

أي لَفَّة أو لفَّتين، وهو من اللّوث: الطيّ والجمع، يقال: لُثت العمامة ألوثها لَوثا. النهاية 4/ 275.

(4)

القمة بالكسر: شخص الإنسان إذا كان قائما، وهى القامة. النهاية 4/ 110.

(5)

في م: "أذم لعينى" وقوله: "آدم" هو من الدمامة وهى القبح.

(6)

بعده في ص، ف:"الله"، وزيادتها خطأ واضح.

ص: 594

منك ومنها". يقولُ ذلك نبيُّنا

(1)

صلى الله عليه وسلم

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بن كعبِ بن مالكٍ، يقولُ: الذي تَصَدَّقَ بصاعِ التمرِ فلَمَزَه المنافقون، أبو خَيْثَمَةَ الأنصاريُّ

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ رجاءٍ، أبو سهلٍ العبادانيُّ قال: ثنا عامرُ بنُ يسافٍ اليماميُّ، عن يحيى بن أبى كثيرٍ اليماميِّ، قال: جاء عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ بأربعةِ آلافِ درهمٍ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللهِ، مالى ثمانيةُ آلافٍ، جئتُك بأربعةِ آلافٍ فأجْعَلُها في سبيلِ اللهِ، وأَمْسَكْتُ أربعةَ آلافٍ لعيالي. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"بارَكَ اللهُ فيما أعْطَيتَ وفيما أمْسَكْتَ". وجاء رجلٌ آخَرُ فقال: يا رسولَ اللهِ، بِتُّ الليلةَ أَجُرُّ الماءَ على صاعَين؛ فأَمَّا أحدُهما فتَرَكْتُ لعيالي، وأما الآخرُ فجئُتك به أجعَلُه في سبيلِ اللهِ. فقال:"بارَكَ اللهُ لك فيما أعْطَيتَ وفيما أَمْسَكَتَ". فقال ناسٌ مِن المنافقين: واللهِ ما أعْطَى عبدُ الرحمنِ إلا رياءً وسمعةً، ولقد كان اللهُ ورسولُه غَنِيَّيْنِ عن صاعِ فلانٍ. فَأَنزَلَ اللهُ:{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} ، يعنى عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ، {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} ، يعنى صاحبَ الصَّاعِ، {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

(4)

.

(1)

كذا في النسخ، وفي مسند أحمد:"ثلاث مرار".

(2)

أخرجه أحمد 5/ 34 (الميمنية)، وابنه عبد الله في زوائد الزهد 1/ 173، 174 من طريق الجريري به، وينظر تفسير ابن كثير 4/ 126.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 262 إلى المصنف، وسيأتي بتمامه في 12/ 58 - 65.

(4)

ذكره ابن حجر في الفتح 8/ 332 عن المصنف.

ص: 595

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابن عباسٍ: أمَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يَجْمَعوا صدقاتِهم، وإذا عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ قد جاء بأربعةِ آلافٍ، فقال: هذا مالي أُقْرِضُه الله، وقد بَقِيَ لى مثلُه. فقال له:"بُورِك لك فيما أعْطَيتَ وفيما أمْسَكتَ". فقال المنافقون: ما أعْطَى إلا رياءً، وما أعطَى صاحبُ الصاعِ إلا رياءً، إنْ كان اللهُ ورسولُه لَغَنِيَّيْنِ عن هذا، وما يصنَعُ اللهُ بصاعٍ من شيءٍ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} ، إلى قولِه:{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . قال: أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يَتَصَدَّقوا، فقال

(1)

عمر بنُ الخطابِ: [فأُلفَى ذلك مالى وافرا]

(2)

فآخذُ نصفَه. قال: فجئتُ أحملُ مالًا كثيرًا. فقال له رجلٌ مِن المنافقين: تُرائِى يا عمرُ. فقال [عمرُ: أُرَائى]

(3)

الله ورسولَه، وأمَّا غيرُهما فلا. قال: ورجلٌ مِن الأنصارِ لم يكنْ عندَه شيءٌ، فَآجَرَ

(4)

نفسَه ليَجُرَّ الجريرَ على رقبتِه بصاعَين ليلتَه، فتَرَكَ صاعًا لعيالِه، وجاء بصاعٍ يحمِلُه

(5)

، فقال له بعضُ المنافقين: إن الله ورسولَه عن صاعِك لَغَنِيَّان. فذلك قولُ اللهِ تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} : هذا الأنصاريُّ، {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}

(6)

.

(1)

في م: "فقام"، وينظر مصدر التخريج.

(2)

في م: "فألقى مالا وافرا".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"لعمر إن".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"فواجر".

(5)

في ت 1: "لحمله"، وفى ف:"لجمله".

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1852 من طريق أصبغ، عن ابن زيد به.

ص: 596

وقد بَيَّنَّا معنى اللَّمْزِ

(1)

في كلامِ العربِ بشواهدِه، وما فيه مِن اللغةِ والقراءةِ فيما مَضَى

(2)

.

وأما قولُه: {الْمُطَّوِّعِينَ} ، فإن معناه: المُتَطَوِّعِين، أُدْغِمَتِ "التاءُ" في "الطاءِ"، فصارت "طاءً" مشددةً، كما قيل:(ومن يَطَّوَّعَ خَيْرًا)[البقرة: 158] يعنى: يَتَطَوَّعُ.

وأما الجُهْدُ، فإن للعرب فيه لُغَتَين؛ يقال: أعْطانى مِن جُهْدِه، بضمِّ الجيمِ، وذلك - فيما ذكر - لغةُ أهلِ الحجازِ. ومن جَهْدِه

(3)

بفتحِ "الجيمِ"، وذلك لغةُ نجدٍ.

وعلى الضمِّ قراءةُ الأمصارِ، وذلك هو الاختيارُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.

وأما أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ مِن رُواةِ الشعرِ وأهلِ العربيةِ، فإنهم يَزْعُمون أنها مفتوحةٌ ومضمومةٌ بمعنىً واحدٍ، وإنما اختلافُ ذلك لاختلافِ اللغةِ فيه، كما اخْتَلَفَت لغاتُهم في الوُجْدِ والوَجْدِ، بالضمِّ والفتحِ مِن "وَجَدْتُ".

ورُوِى عن الشعبيِّ في ذلك ما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن عيسى بن المغيرةِ، عن الشعبيِّ، قال: الجَهْدُ

(4)

في العملِ، والجُهْدُ في القوتِ

(5)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الهمز".

(2)

تقدم في ص 505.

(3)

في م: "جهد".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س:"الجهد والجهد فالجهد".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1853 من طريق عيسى بن المغيرة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 263 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 597

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن عيسى بن المغيرةِ، [عن الشعبيِّ مثلَه.

قال: ثنا ابن إدريسَ، عن عيسى بن المغيرةٍ]

(1)

، عن الشعبيِّ، قال: الجَهْدُ في العملِ، والجُهْدُ في القِيتةِ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ادْعُ الله لهؤلاء المنافقينَ الذين وَصَفَ صفاتِهم في هذه الآياتِ، بالمغفرةِ، أو لا تَدْعُ لهم بها.

وهذا كلامٌ خَرَجَ مَخرجَ الأمرِ، وتأويلُه الخبرُ

(3)

، ومعناه: إن استغفرتَ لهم يا محمدُ أو لم تستغفِرْ لهم، فلن يغفِرَ اللهُ لهم.

[وقولُه: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}]

(4)

. يقولُ: إن تسألْ لهم أن تُسْتَرَ عليهم ذنوبُهم بالعفوِ منه لهم عنها، [وتَرْكِ فضيحتِهم بها، فلن يَسْتُرَ اللهُ عليهم، ولن يعفو لهم عنها]

(4)

، ولكنهم يفضحُهم بها على رءوسِ الأشهادِ يومَ القيامةِ، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}. يقولُ جلّ ثناؤُه: هذا الفعلُ مِن اللهِ لهم

(5)

، وهو تركُ عَفْوِه لهم عن ذنوبِهم؛ من أجلِ أنهم جَحَدوا توحيدَ

(1)

سقط من: ص، ف.

(2)

في م: "المعيشة"، وفى س:"العينة"، وينظر مصدر التخريج، والقيتة كميتة، بوزن فعلة، من القوت النهاية 4/ 119.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الجزاء".

(4)

سقط من: ت 1، ت 2، س، ف.

(5)

في م: "بهم".

ص: 598

اللهِ ورسالةَ رسولِه، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}. يقولُ: واللهُ لا يوفِّقُ للإيمانِ به وبرسولِه مَن آثرَ الكفرَ به، والخروجَ عن طاعتِه على الإيمانِ به وبرسولِه.

ويُرْوَى عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه حينَ نَزَلَت هذه الآيةُ، قال:"لأزِيدَنَّ في الاستغفارِ لهم على سبعين مرةً"؛ رجاءً منه أن يغفِرَ اللهُ لهم، فنَزَلَت:{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}

(1)

[المنافقون: 6].

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، أن عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ ابنَ سلولَ قال لأصحابِه: لولا أنكم تُنْفِقون على محمدٍ وأصحابِه لانْفَضُّوا مِن حولِه. وهو القائلُ: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8]. فأنزَل اللهُ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} . قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لأَزِيدَّ على السبعين". فأنزَل اللهُ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} ، فأبَى اللهُ تبارك وتعالى أن يغفرَ لهم

(2)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن شِباكٍ

(3)

، عن الشعبيِّ، قال: دَعا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سلولَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى جنازةِ أبيه، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَن أنت؟ ". قال: الحُبابُ بنُ عبدِ اللهِ بن أبيٍّ. فقال له النبيُّ: صلى الله عليه وسلم: "بل أنتَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن أُبيٍّ ابن سلولَ؛ إن الحُبابَ هو الشيطانُ". ثم قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: "إنه قد قِيل لى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} ، فأنا أستغفِرُ لهم سبعين وسبعين

(1)

أخرجه البخارى (4670، 4672)، ومسلم (2400، 2774) من حديث ابن عمر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1854 من طريق عبدة بن سليمان به.

(3)

في ف: "سالم"، وينظر تهذيب الكمال 28/ 398.

ص: 599

وسبعين". وألبَسَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قميصَه وهو عَرِقٌ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} : فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "سأزِيدُ على سبعين استغفارةً". فأنزَل اللهُ في السورةِ التي يُذكَرُ فيها المنافقون: {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} عَزْمًا

(2)

.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

قال: ثنا الحسينُ

(3)

، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا مُغِيرةُ، عن الشعبيِّ، قال: لمَّا ثَقُل عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ، انطلَقَ ابنُه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: إن أبى قد احْتُضِرَ، فأُحِبُّ أن تَشْهَدَه وتُصليَ عليه. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ما اسْمُك؟ ". قال: الحُبابُ بنُ عبدِ اللهِ. قال: "بل أنتَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن أَبيٍّ؛ إِن الحُبابَ اسمُ شيطانٍ"

(4)

. قال: فانطَلَق معه حتى شَهِدَه وأَلْبَسَه قميصَه وهو عَرِقٌ، وصَلَّى عليه، فقيل له: أتصلِّى عليه [وهو منافقٌ]

(5)

؟ فقال: "إن الله قال: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ

(1)

أخرجه ابن سعد 3/ 541 من طريق عطاء بن السائب عن السائب عن الشعبي.

(2)

تفسير مجاهد ص 373، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 264 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(3)

في: "الحسن"، وهو الحسين بن داود الملقب بسنيد. ينظر تهذيب الكمال 12/ 161.

(4)

في ت 1، ف:"الشيطان".

(5)

زيادة من: م.

ص: 600

يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}، ولأسْتَغْفِرَنَّ له سبعين وسبعين". قال هُشَيمٌ: وأشُكُّ في الثالثةِ

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسِ قولَه:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} ، إلى قولِه:{الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} . فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ أسمعُ ربِّي قد رَخَّصَ لى فيهم، فواللهِ لأسْتَغْفِرَنَّ أكثرَ مِن سبعين مرةً، فلعل الله أَن يَغْفِرَ لهم". فقال اللهُ مِن شدةِ غضبِه عليهم: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}

(2)

[المنافقون: 6].

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} . فقال نبيُّ اللهِ: "قد خيَّرَنى ربِّي فلأَزِيدَنَّهم على سبعين". فأَنزَلَ اللهُ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ} الآية.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: لمَّا نَزَلَت: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لأَزيدنَّ على سبعين". فقال اللهُ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}

(3)

.

(1)

أخرجه ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة 2/ 658 من طريق الحسين به.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 264 إلى المصنف.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 284 عن معمر به.

ص: 601

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فَرِحَ الذين خَلَّفَهم اللهُ عن الغزوِ مع رسولِه والمؤمنين به، وجهادِ أعدائِه {بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ}. يقولُ: بجلوسِهم في منازلِهم {خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} . يقولُ: على الخلافِ لرسولِ اللهِ في جلوسِه ومَقْعدِه. وذلك أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أمَرهم بالنَّفْرِ إلى جهادِ أعداءِ اللهِ، فخالَفوا أمرَه وجَلَسوا في منازلِهم.

وقولُه: {خِلَافَ} : مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: خالَف فلانٌ فلانًا، فهو يُخالِفُه خِلافًا. فلذلك جاء مصدرُه على تقديرِ "فِعالٍ"، كما يقالُ: قاتَلَه فهو يُقاتِلُه قِتالًا. ولو كان مصدرًا مِن خَلَفَه، لكانت القراءةُ: بمقعدِهم خَلْفَ رسولِ اللهِ. لأن مصدرَ خَلَفَه: خَلْفٌ، لا خِلافٌ، ولكنه على ما بَيَّنتُ مِن أنه مصدرُ خَالَف، فقُرِئ {خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} ، وهى القراءةُ التي عليها قرأةُ

(1)

الأمصارِ، وهى الصوابُ عندَنا.

وقد تأوَّل ذلك بعضُهم بمعنى: بعدَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. واسْتَشهَد على ذلك بقولِ الشاعرِ

(2)

:

عَقَبَ الربيعُ

(3)

خِلافَهم فكأنَّما

بَسَطَ الشَّوَاطِبُ

(4)

بينَهن حَصِيرَا

(1)

في م: "قراءة".

(2)

هو الحارث بن خالد المخزومي، والبيت في مجاز القرآن 1/ 264، والأغانى 3/ 336، واللسان (ع ق ب)، (خ ل ف).

(3)

في الأغاني، واللسان (ع ق ب):"الرذاذ" وهى الرواية التي سيذكرها المصنف في 15/ 21.

(4)

جمع شاطبة وهي التي تعمل الحُصر من الشطْب، وهو السَّعف الأخضر. اللسان (ش ط ب).

ص: 602

وذلك قريبٌ لمعنى ما قُلنا؛ لأنهم قَعدوا بعدَه، على الخلافِ له.

وقولُه: {وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . يقولُ تعالى ذكرُه: وكَرِهَ هؤلاء المُخَلَّفون

(1)

أن يَغْزوا الكفارَ بأموالِهم وأنفسِهم {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، يعني: في دينِ اللهِ الذي شَرَعَه لعبادِه، ليَنْصُروه، مَيْلًا إلى الدَّعَةِ والخَفْضِ

(2)

، وإيثارًا للراحة على التعبِ والمشقةِ، وشُحًّا بالمالِ أَن يُنْفِقوه في طاعةِ اللهِ.

{وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} . وذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَنْفَرَهم

(3)

إلى هذه الغزوةِ وهى غزوةُ تبوكَ، في حرٍّ شديدٍ، فقال المنافقون بعضُهم لبعضٍ:{لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} . فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قلْ لهم يا محمدُ: {نَارُ جَهَنَّمَ} [التي أعَدَّها اللهُ لمَن خالَف أمرَه وعَصَى رسولَه]

(4)

، {أَشَدُّ حَرًّا} مِن هذا الحرِّ الذي تَتَواصَون بينَكم أن لا تَنْفِروا فيه. يقولُ: فالذى هو أشدُّ حرًّا أحْرَى أن يُحْذَرَ ويُتَّقَى مِن الذي هو أقلُّهما أذًى {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} ، [يقولُ: لو كان هؤلاء المنافقون يَفْقَهُون]

(5)

عن اللهِ وَعْظَه، ويَتَدَبَّرون آيَ كتابِه، ولكنهم لا يَفْقَهون عن اللهِ، فهم يَحْذَرون من الحرِّ أقلَّه مكروهًا وأخفَّه أذًى، ويُوافِقون أشدَّه مكروهًا، وأعظمَه على مَن يَصْلاه بلاءً!

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

(1)

في ت 2: "المخالفون".

(2)

الخفض: الدعة والعيش الطيب. التاج (خ ف ض).

(3)

في ت 1، ت 2، س، ف:"استسرهم".

(4)

سقط من ف.

(5)

سقط من: ت 1، ت 2، س، ف.

ص: 603

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} ، إلى قولِه:{يَفْقَهُونَ} . وذلك أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أمَر الناسَ أن يَنْبَعِثوا معه، وذلك في الصيفِ، فقال رجالٌ: يا رسولَ اللهِ، الحرُّ شديدٌ ولا نستطيعُ الخروجَ، فلا تَنْفِرْ

(1)

في الحرِّ. فقال اللهُ: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} . فَأَمَرَه اللهُ بالخروجِ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه:{بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} . قال: هي

(3)

غزوةُ تبوكَ

(4)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ وغيرِه، قالوا: خَرَجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في حرٍّ شديدٍ إلى تبوكَ، فقال رجلٌ مِن بني سَلِمةَ:{لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} . فأنزَل اللهُ: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ} الآية

(5)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ذَكَر قولَ بعضِهم لبعضٍ، حينَ أُمِر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالجهادِ، وأجمَع السيرَ إلى تبوكَ على شدةِ الحرِّ وجَدْبِ البلادِ، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ

(1)

غير منقوطة في ص، وفى س:"ينفر"، وفى ف:"ننفر"، وينظر مصدرى التخريج.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1855 عن محمد بن سعد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 265 إلى ابن مردويه.

(3)

في م: "من"، وفى الدر المنثور "عن". وينظر تفسير عبد الرزاق.

(4)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 284 عن معمر به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1854 من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 265 إلى أبي الشيخ.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 265 إلى المصنف.

ص: 604

جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا}

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: فَرِحَ هؤلاء المُخَلَّفون بمَقْعدِهم خلافَ رسولِ اللهِ، فليَضْحَكوا فَرِحين قليلًا في هذه الدنيا الفانيةِ بمَقْعدِهم خلافَ رسولِ اللهِ، ولَهْوِهم عن طاعةِ ربِّهم، فإنهم سَيَبْكُون طويلًا

(2)

في جهنمَ، مكانَ ضحكِهم القليلِ في الدنيا. {جَزَاءً} ، يقولُ: ثوابًا مِنَّا لهم على معصيتِهم بتَرْكِهم النَّفْرَ إِذ اسْتُنْفِروا إلى عدوِّهم، وقُعودِهم في منازلِهم خلافَ رسولِ اللهِ. {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ، يقولُ بما كانوا يَجْتَرِحون من الذنوبِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينٍ:{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} ، قال: يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: الدنيا قليلٌ، فلْيَضحَكوا فيها ما شاءوا، فإذا صاروا إلى الآخرةِ بَكَوا بكاءً لا ينقطعُ. فذلك الكثيرُ

(3)

.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن الربيعِ بن خُثَيْمٍ

(4)

: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} ، قال: في الدنيا. {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} ،

(1)

سيرة ابن هشام 2/ 551.

(2)

في ت 1، ت 2، س، ف:"كثيرا".

(3)

أخرجه سعيد بن منصور (1028 - تفسير)، وابن أبي شيبة 13/ 418، وهناد في الزهد (470)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1855، 1856 من طريق أبي معاوية به.

(4)

في م، ف:"خيثم". وينظر تهذيب الكمال 9/ 70.

ص: 605

قال: في الآخرةِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبي رَزِينٍ في قولِه:{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} . قال: في الآخرةِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ أنه قال في هذه الآيةِ:{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} . قال: ليضحَكوا في الدنيا قليلًا، وليَبْكوا في النارِ كثيرًا. وقال في هذه الآيةِ: {وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ

(1)

إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 16]. قال: آجالُهم

(2)

. أحدُ هذين الحديثين رَفَعه إلى ربيعِ بن خُثيمٍ

(3)

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ:{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} . قال: ليَضْحَكوا قليلًا في الدنيا، {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} في الآخرةِ في نارِ جهنمَ؛ {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}

(5)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} . أي: في الدنيا، {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} ، أي: في النارِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال:

(1)

في ت 1، ت 2، س:"يمنعون".

(2)

في م: "أجلهم".

(3)

في النسخ: "خيثم".

(4)

أخرج رواية أبى رزين المرفوعة إلى الربيع بن خثيم: ابن أبي شيبة 13/ 396 عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي رزين عن الربيع، وعزاها السيوطي في الدر المنثور 5/ 188 إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر. وستأتى. تفسير المصنف للآية (16) من سورة الأحزاب.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 284 عن معمر به.

ص: 606

"والذي نفسي بيده لو تَعْلَمون ما أعلمُ لضَحِكْتم قليلًا، ولبكَيْتُم كثيرًا". ذُكِر لنا أنه نُودى عندَ ذلك، أو قيل له: لا تُقَنِّطْ عبادى

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن الربيعِ بن خُثيمٍ:{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} . قال: في الدنيا، {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا}. قال: في الآخرةِ

(2)

.

قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيعٍ، عن أبي رَزِينٍ:{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} . قال: في الدنيا، فإذا صاروا إلى الآخرةِ بَكَوا بكاءً لا ينقطِعُ، فذلك الكثيرُ.

حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} . قال: هم المنافقون والكفارُ الذين اتَّخَذوا دينَهم هزوًا ولَعِبًا. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} في الدنيا، {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} له في النارِ

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {فَلْيَضْحَكُوا} في الدنيا {قَلِيلًا} ، {وَلْيَبْكُوا} يومَ القيامةِ {كَثِيرًا} ، وقال:{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} ، حتى بَلَغَ:{هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}

(4)

[المطففين: 29 - 36].

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1855 معلقا عقب الأثر (10507) بشطره الأول فقط، وشطره الثاني جزء من حديث أخرجه الترمذى (2312) من حديث أبي ذر.

(2)

الزهد لوكيع (18)، ومن طريقه هناد في الزهد (471)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1856.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1855، 1856 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 265 إلى ابن المنذر.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1855 معلقا عقب الأثر (10507) لكن من قول زيد بن أسلم.

ص: 607

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)} .

يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فإن رَدَّك اللهُ يا محمدُ إلى طائفةٍ مِن هؤلاء المنافقين من غزوتِك هذه {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} معك في أخرى غيرِها، فقلْ لهم:{لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} ، وذلك عندَ خروجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى تبوكَ، {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ}. يقولُ: فاقْعُدوا مع الذين قَعَدوا من المنافقين خِلافَ رسولِ اللهِ؛ لأنكم

(1)

منهم، فاقْتَدوا بهَدْيهِم، واعمَلوا مثلَ الذي عَمِلوا مِن معصيةِ اللهِ، فإن الله قد سخِطَ عليكم.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، الحرُّ شديدٌ ولا نستطيعُ الخروجَ، فلا تَنْفِرُ

(2)

في الحَرِّ. وذلك في غزوةِ تبوكَ، فقال اللهُ:{قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} . فأمَره اللهُ بالخروجِ، فتَخَلَّفَ عنه رجالٌ، فأدرَكَتْهم نفوسُهم، فقالوا: واللهِ ما صَنَعْنا شيئًا. فانطَلَق منهم ثلاثةٌ فلَحِقوا برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم،

(1)

في ت 1، ت 2، س، ف:"لأنهم".

(2)

في ت 1: "ينفروا"، وفى ت 2:"ينفر".

ص: 608

فلما أتَوه تابوا ثم رَجَعوا إلى المدينةِ، فأنزل اللهُ:{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} ، إلى قولِه:{وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} . فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "هَلَكَ الذين تَخَلَّفوا". فأنزَل اللهُ عُذْرَهم لمَّا تابوا، فقال:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} ، إلى قولِه:{إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 117، 118]، وقال:{إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}

(1)

[التوبة: 117].

حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} ، إلى قولِه:{فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} ، أي: مع النساءِ. ذُكِر لنا أنهم كانوا اثنَيْ عَشَرَ رجلًا مِن المنافقين، [فقيل فيهم ما قيل]

(2)

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} : والخالِفون الرجالُ

(4)

.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن التأويلِ في قولِه: {الْخَالِفِينَ} . ما قال ابن عباسٍ.

فأما ما قال قتادةُ مِن أن ذلك النساءُ، فقولٌ لا معنَى له؛ لأن العربَ لا تجمعُ النساءَ إذا لم يكنْ معهنَّ رجالٌ بالياءِ والنونِ، ولا بالواوِ والنونِ، ولو كان مَغْنيًّا بذلك النساءُ، لقيل: فاقعدوا مع الخوالفِ. أو: مع الخالفاتِ. ولكن معناه ما قُلنا، مِن أنه أُرِيدَ به: فاقْعُدُوا مع مرضَى الرجالِ وأهلِ زَمانتِهم، والضعفاءِ منهم والنساءِ. وإذا

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1856 عن محمد بن سعد به مختصرا.

(2)

في ص، س، ف:"قتل منهم ما قتل"، وينظر مصدرى التخريج.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1856 من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 265 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1857 من طريق عبد الله بن صالح به.

ص: 609

اجتَمع الرجالُ والنساءُ في الخبرِ، فإن العربَ تُغَلِّبُ الذكورَ على الإناثِ، ولذلك قيل:{فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} . والمعنى ما ذَكَرنا.

ولو وُجِّه معنى ذلك إلى: فاقْعُدوا مع أهلِ الفسادِ، مِن قولِهم: خَلَفَ الرجلُ عن

(1)

أهلِه يَخْلُفُ خُلُوفًا: إذا فَسَد، ومِن قولِهم: هو خَلْفُ سَوْءٍ

(2)

- كان مذهبًا. وأصلُه إذا أريدَ به هذا المعنى، مِن قولِهم: خَلَفَ اللبنُ يَخْلُفُ خُلُوفًا: إذا خَبُثَ

(3)

مِن طولِ وضعِه في السِّقاءِ حتى يَفْسُدَ، ومِن قولِهم: خَلَفَ فمُ الصائمِ: إِذا تَغَيَّرت ريحُه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)} .

يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ولا تُصَلِّ، يا محمدُ، على أحدٍ ماتَ مِن هؤلاء المنافقين الذين تَخَلَّفوا عن الخروجِ معك أبدًا، {وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}. يقولُ: ولا تَتَوَلَّ دفنه وتقبيرَه

(4)

- مِن قولِ القائلِ: قامَ فلانٌ بأمرِ فلانٍ. إذا كَفاه أمرَه - {إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ} . يقولُ: إنهم جحَدوا توحيدَ اللهِ ورسالةَ رسولِه، وماتوا وهم خارِجون مِن الإسلامِ، مُفارِقون أمرَ اللهِ ونهيَه.

وقد ذُكِر أن هذه الآية نزَلَت حينَ صَلَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم على عبدِ اللهِ بن أُبَيٍّ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"على".

(2)

في ت 1، ت 2، س، ف:"سواء".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"خلف".

(4)

في م: "تقبره".

ص: 610

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى وسفيانُ بنُ وكيعٍ، وسَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قالوا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبَيدِ اللهِ قال: أخبَرنى نافعٌ، عن ابن عمرَ، قال: جاء ابن عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سلولَ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ ماتَ أبوه، فقال: أعْطِني قميصَك حتى أُكَفِّنَه فيه، وصَلِّ عليه، واسْتغفِرْ له. فأعْطاه قميصَه - [وقال]

(1)

: "إِذا فَرَغْتُم فَآذِنُونى". فلما أرادَ أن يُصَلِّيَ عليه، جذَبه عمرُ، وقال: أليس قد نَهاك اللهُ أن تُصَلِّيَ على المنافقين؟! فقال: "بل خَيَّرني وقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} . قال: فصَلَّى عليه. قال: فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} . قال: فترَك الصلاةَ عليهم

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عُبَيدِ اللهِ، عن ابن عمرَ، قال: لمَّا تُوفِّي عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ، جاء ابنُه عبدُ اللهِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يُعْطِيَه قميصَه، يُكَفِّنُ فيه أباه، فأعْطاه، ثم سأله أن يُصَلِّيَ عليه، فقامَ عمرُ بنُ الخطابِ، رضي الله عنه، فَأَخَذَ بثوبِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ابنَ سَلول! أَتُصَلِّي عليه وقد نَهَاك اللهُ أن تُصَلِّيَ عليه؟! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنما خَيَّرني ربي، فقال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}. وسأزيدُ على سبعين". فقال: إنه منافقٌ! فصَلَّى عليه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأنزَل اللهُ:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}

(3)

.

حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن مُجالدٍ، قال:

(1)

سقط من: ص، ف.

(2)

أخرجه البخارى (1269)، ومسلم (2774/ 4)، وابن ماجه (1523)، والترمذى (3098)، والنسائى في الكبرى (2027)، (11224)، والمجتبى (1899)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1857 من طريق يحيى بن سعيد به.

(3)

أخرجه البخارى (4670)، ومسلم (2774/ 3)، والطحاوى في المشكل (70)، وابن أبي حاتم في =

ص: 611

ثنى عامرٌ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ؛ أن رأسَ المنافقين مات بالمدينةِ، فأوصَى أن يُصَلِّيَ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأن يُكَفَّنَ في قميصِه، فكَفَّنَه في قميصِه، وصَلَّى عليه، وقامَ على قبرِه، فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}

(1)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن يزيدَ الرَّقَاشِيِّ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أرادَ أن يُصَلِّي على عبدِ اللهِ بن أبيٍّ ابن سَلولَ، فأخَذَ جبريلُ عليه السلام، بثوبِه فقال:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ

(3)

، عن عمرٍو، عن جابرٍ، قال: جاء

(4)

النبيُّ صلى الله عليه وسلم عبدَ اللهِ بنَ أبيٍّ، وقد أُدْخِلَ حُفْرتَه، فأَخْرَجه، فوضَعه على رُكْبتَيه، وألبَسه قميصَه، وتفَل عليه مِن ريقِه، واللهُ أعلمُ

(5)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن

= تفسيره 6/ 1857، والبيهقي في الدلائل 5/ 287 من طريق أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر به، وأخرجه البخارى (7672) وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1857 من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 266 إلى ابن المنذر وابن مردويه، وبهذه الطرق يتبين أن في سند الطبرى سقطا، وهو نافع، الواسطة بين عبيد الله، وابن عمر.

(1)

أخرجه ابن ماجه (1524)، والبزار - كما في تفسير ابن كثير 3/ 134، والطحاوي في المشكل (71) من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه أحمد 23/ 237 (14986) والنسائى في الكبرى (9665) من طريق أبي الزبير عن جابر بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 266 إلى أبى الشيخ وابن مردويه.

(2)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 134 عن المصنف، وأخرجه أبو يعلى (4112) من طريق يزيد الرقاشي به، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 42: رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشي، وفيه كلام وقد وثق. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 266 إلى ابن مردويه.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"علية". وينظر مصادر التخريج.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س.

(5)

أخرجه البخارى (1270، 1350، 3008، 5795)، ومسلم (2/ 2773)، والنسائي في الكبرى (2028)، والمجتبى (1900، 2018) من طريق ابن عيينة به.

ص: 612

عُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ بن عُتْبَةَ بن مسعودٍ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ، رضي الله عنه، يقولُ: لمَّا تُوفِّى عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ، دُعِى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم للصلاةِ عليه

(1)

، فقامَ إليه، فلما وقَف عليه يريدُ الصلاةَ، تَحوَّلْتُ حتى قُمْتُ في صدرِه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَتُصَلِّي على عدوِّ اللهِ، عبدِ اللهِ بن أبيٍّ، القائلِ يومَ كذا، كذا وكذا. [أُعَدِّدُ أيامَه]

(2)

، ورسولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام يَتَبَسَّمُ، حتى إذا أكثَرتُ عليه، قال:"أَخِّرْ عنى يا عمرُ، إني خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، وقد قيل لى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} فلو أنى أعلمُ أنى إن زِدْتُ على السبعين غُفِر له، لزِدْتُ". قال: ثم صَلَّى عليه ومَشَى معه، فقامَ على قبرِه، حتى فُرِغَ منه. قال: أتعجَّبُ

(3)

لي وجُرْأتى على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، واللهُ ورسولُه أعلمُ، فواللهِ ما كان إلا يسيرًا حتى نَزَلَت هاتان الآيتان:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} . فما صَلَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَه

(4)

على منافقٍ، ولا قامَ على قبرِه حتى قبَضه اللهُ

(5)

.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، قال: لما مات عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ، أتَى ابنُه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فسأله قميصَه، فأعْطاه، فكَفَّنَ فيه أباه.

حدَّثنا المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، عن ابن

(1)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"إليه".

(2)

في ت 1، ت 2، س:"أعد آثامه".

(3)

في ص، ف:"تعجب" وفى ت 1، ت 2:"فعجب". وفى مصدر التخريج: "فعجبت" وهو أقرب.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف. وينظر مصدر التخريج.

(5)

سيرة ابن هشام 2/ 552، وأخرجه أحمد 1/ 254 (95)، وعبد بن حميد (19)، والترمذى (3097)، والبزار (193)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1853، وابن حبان (3176) من طريق ابن إسحاق به.

ص: 613

شهابٍ، قال: أخبَرنى عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بن عتبةَ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، عن عمرَ بن الخطابِ، قال: لما مات عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ. فذكر مثلَ حديثِ ابن حميدٍ، عن سلمةَ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} الآية. قال: بعَث عبدُ اللهِ بنُ أَبيٍّ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو مريضٌ ليأتيَه، فنَهاه عن ذلك عمرُ، فأتاه نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلما دَخَل عليه، قال نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أهْلَكَ حُبُّ

(2)

اليهودِ". قال: فقال: يا نبيَّ اللهِ، إنى لم أبَعَثْ إليك لتُؤنِّبَنى، ولكن بَعثتُ إليك لتستغفرَ لى. وسأله قميصَه أن يُكفَّنَ فيه، فأعطاه إياه، فاستغفرَ له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فمات، فكُفِّنَ في قميصِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ونفَث في جلدِه، ودَلَّاه في قبره، فأنزَل اللهُ تبارك وتعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} الآية، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كُلِّم في ذلك، فقال: "وما يُغْنِى عنه قَمِيصِي مِن اللهِ - أو ربِّى - وصَلاتي

(3)

عليه، وإني لأَرْجو أن يُسْلِمَ به ألفٌ مِن قومِه"

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا ابن ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ، قال: أرسَل عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابن سلولَ وهو مريضٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلما دخَل عليه، قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أهْلَكَك حُبُّ يهودَ". قال: يا رسولَ اللهِ، إنما أرسلتُ إليك لتستغفرَ لى، ولم أرسلْ إليك لتُؤَنِّبَنى. ثم سأله عبدُ اللهِ أَن يُعْطِيَه قميصَه أن يُكَفَّن فيه،

(1)

أخرجه البخارى (4671، 4671)، والنسائي (1965) من طريق الليث به، وعلقه النحاس في ناسخه ص 523، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 264 إلى ابن مردويه وأبي نعيم في الحلية، وهو في الحلية 1/ 43، 44، وفيه سقط من الإسناد.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"أحب".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"صلى".

(4)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 93 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 266 إلى أبي الشيخ بنحوه، وينظر فتح البارى 8/ 334.

ص: 614

فأعْطاه إياه وصَلَّى عليه، وقامَ على قبرِه، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}

(1)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ولا تُعْجِبْك يا محمدُ، أموالُ هؤلاء المنافِقين وأولادُهم، فتُصَلِّيَ على أحدِهم إذا مات، وتقومَ على قبرِه مِن أجلِ كثرةِ مالِه وولدِه، فإني إنما أعطيتُه ما أعطيتُه ذلك؛ لأُعَذِّبَه بها في الدنيا بالغمومِ والهمومِ، بما ألْزِمُه فيها مِن المؤنِ والنفقاتِ والزّكوات، وبما يَنوبُه فيها من الرَّزايا والمُصيباتِ، {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ}. يقولُ: وليموتَ فتَخْرُجَ نفسُه من جسدِه، فيُفارِقَ ما أعطيتُه من المالِ والولدِ، فيكونَ ذلك حسرةً عليه عندَ موتِه، وَوبالًا عليه حينَئذٍ، ووَبالًا عليه في الآخرةِ، بموتِه جاحِدًا توحيدَ اللهِ، ونبوةَ نبيِّه محمدِ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ:{وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ} في الحياةِ الدنيا

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا أُنزِل عليك، يا محمدُ، سورةٌ مِن القرآن، بأن يقالَ لهؤلاء المنافقين:{آمِنُوا بِاللَّهِ} . يقولُ: صَدِّقُوا باللهِ، {وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ}. يقولُ: اغْزُوا المشركين مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، {اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ}. يقولُ: استأْذَنَك ذَوو الغِنَى والمالِ منهم في التَّخَلُّفِ عنك، والقعودِ في

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 285 عن معمر به.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1814 من طريق أسباط عن السدى.

ص: 615

أهلِه، {وَقَالُوا ذَرْنَا}. يقولُ:[وقالوا]

(1)

لك: دَعْنا نَكُنْ ممن يَقْعُدُ في منزلِه مع

(2)

ضعفاء الناسِ ومَرْضاهم، ومَن لا يَقدِرُ على الخروجِ معك في

(3)

السفرِ.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى الطَّوْلِ قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ} . قال: يعنى أهلَ الغِنَى

(4)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ} . يعنى: الأغنياءَ.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ} كان منهم عبدُ اللهِ بن أبيٍّ، والجَدُّ بنُ قيسٍ، فنَعَى اللهُ ذلك عليهم

(5)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: رَضِى هؤلاء المنافقون الذين إذا قيل لهم: آمنوا باللهِ، وجاهِدوا مع رسولِه، استأذَنَك أهلُ الغِنَى منهم في التخلُّفِ عن الغزوِ والخروجِ معك

(1)

سقط من: ف.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"من".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"و".

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1858 من طريق الضحاك عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 266 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(5)

سيرة ابن هشام 2/ 552، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1859 من طريق سلمة بنحوه.

ص: 616

لقتالِ أعداءِ اللهِ من المشركين - أن يكونوا في منازلهم كالنساءِ اللَّواتي ليس عليهنَّ فرضُ الجهادِ، فهن قُعُودٌ في منازِلهنَّ وبيوتِهن، {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ}. يقولُ: وختَم اللهُ على قلوبِ هؤلاء المنافقين، {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} عن اللهِ مواعظَه، فيَتَّعِظُوا

(1)

بها وقد بيَّنَّا معنى الطبعِ، وكيف الختمُ على القلوبِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى الخوالفِ قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} . قال: والخَوَالفُ هنَّ النساءُ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} . يعنى: النساءَ

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَبُّويه أبو يزيدَ، عن يعقوبَ القُمِّيِّ، عن حفصِ بن حُمَيدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ:{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} . قال: النساءُ

(4)

.

قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ:{مَعَ الْخَوَالِفِ} . قال: مع النساءِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {رَضُوا بِأَنْ

(1)

في م: "فيتعظون".

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 265.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1859 من طريق الضحاك عن ابن عباس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 266 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1859 معلقًا.

ص: 617

يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ}، أي مع النساءِ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ والحسنِ:{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} . قالا: النساءِ

(1)

.

حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(2)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} . قال: مع النساءِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: لم يُجاهِدْ هؤلاء المنافقون الذين اقْتَصَصْتُ قَصَصَهم المشركين، لكن الرسولُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم، والذين صَدَّقوا الله ورسولَه معه، هم الذين جاهَدوا المشركين بأموالِهم وأنفسِهم، فأنفَقوا في جهادِهم أموالَهم، وأتْعَبوا في قتالِهم أنفسَهم وبَذَلُوها، {وَأُولَئِكَ}. يقولُ: وللرسولِ وللذينِ آمَنوا معه، الذين جاهَدوا بأموالِهم وأنفسِهم {الْخَيْرَاتُ}: وهى

(4)

خيراتُ الآخرةِ، وذلك نساؤها وجناتُها ونعيمُها.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 286 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 266 إلى أبي الشيخ.

(2)

تفسير مجاهد ص 373.

(3)

أخرجه سعيد بن منصور (1029 - تفسير) من طريق ابن جريج به.

(4)

في ص، ف:"هم".

ص: 618

واحدتُها خَيْرَةٌ، كما قال الشاعرُ

(1)

:

ولقد طَعَنْتُ مَجامِعَ الرَّبَلاتِ

(2)

رَبَلَاتِ هندٍ خَيْرةِ المَلِكاتِ

والخيرةُ مِن كلِّ شيْءٍ: الفاضلةُ.

{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} . يقولُ: وأولئك هم المُخَلَّدون في الجناتِ، الباقون فيها، الفائِزون بها.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: أعدَّ اللهُ لرسولِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم والذين آمَنوا معه جَنَّاتٍ، وهى البساتينُ تَجْرِى مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، {خَالِدِينَ فِيهَا}. يقولُ: لابثِين فيها، لا يموتون فيها، ولا يَظْعَنون عنها، {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. يقولُ: ذلك النَّجَاءُ العظيمُ، والحظُّ الجزيلُ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: وَجاءَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم المُعْتَذِرُونَ

(3)

مِن الأَعْرَابِ ليؤذنَ لهم في التَّخَلُّفِ، وقَعَدَ عن المجيءِ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم والجهادِ معه الذين كذَبوا الله ورسُولَه، وقالوا الكذبَ، واعْتَذَروا بالباطلِ فيهم. يقولُ تعالى ذكرُه: سيُصيبُ

(1)

هو رجل جاهلى من بنى عدى؛ عدى تميم، والبيت في مجاز القرآن 1/ 267 واللسان (خ ي ر).

(2)

هي جمع ربلَة أو رَبَلَة، وهى كل لحمة غليظة، وقيل: هي ما حول الضرع والحياء من باطن الفخذ، وقيل: هي باطن الفخذ. وهذا الأخير هو المناسب هنا. ينظر اللسان (ر ب ل).

(3)

في ص، م:"المعذرون".

ص: 619

الذين جَحَدوا توحيدَ اللهِ، ونُبوَّةَ نبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم منهم، عذابٌ أليمٌ.

فإن قال قائلٌ: فكيف قيل: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ} . وقد عَلِمتَ أن المُعذِّرَ في كلامِ العربِ، إنما هو الذي يُعَذِّرُ في الأمرِ، فلا يبالِغُ فيه، ولا يُحْكِمُه، وليست هذه صفةَ هؤلاء، وإنما صفتُهم أنهم كانوا قد اجْتَهَدوا في طلبِ ما يَنْهَضون به مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى عدوِّهم، وحَرَصُوا على ذلك، فلم يَجدوا إليه السبيلَ، فهم بأن يوصَفوا بأنهم قد أَعْذَروا، أوْلى وأحقُّ منهم بأن يُوصَفوا بأنهم عَذَّروا، و

(1)

إذا وصفوا بذلك فالصوابُ في ذلك مِن القراءةِ ما قرَأه ابن عباسٍ.

وذلك ما حدَّثناه المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي حَمَّادٍ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمَارَةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، قال: كان ابن عباسٍ يقرأُ: (وجاءَ المُعذِرُونَ) مخففةً، ويقولُ: هم أهلُ العُذْرِ

(2)

.

مع موافقةِ مجاهدٍ إياه وغيرِه عليه.

قيل: إن معنى ذلك على غيرِ ما ذهبتَ إليه، وأن معناه: وجاءَ المُعْتَذِرون مِن الأعرابِ، ولكنَّ "التاءَ" لمَّا جاوَرَت "الذالَ" أُدغِمت فيها، فصُيِّرتا "ذالًا" مشددةً؛ لتقاربِ مخرجِ إحداهما مِن الأخرى، كما قيل:"يذَّكرون" في يتذكَّرون، و "يذَّكرُ" في يَتذكَّرُ، وخَرَجَت "العينُ" من المُعَذِّرين إلى الفتحِ؛ لأن حركةَ "التاءِ" مِن المُعْتَذِرين وهى الفتحةُ، نُقِلَت إليها، فحُرِّكَتْ بما كانت به مُحَرَّكةً. والعربُ قد تُوجِّه في معنى الاعْتذارِ إلى الإعْذارِ، فتقولُ: قد اعْتَذَر فلانٌ

(1)

سقط من: م.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1860 من طريق بشر بن عمارة به، وقراءة ابن عباس هذه هي قراءة يعقوب من العشرة، والكسائى في رواية قتيبة. ينظر حجة القراءات ص 321 والنشر 2/ 210.

ص: 620

في كذا. يعني: أعْذَر، ومن ذلك قولُ لَبيدٍ

(1)

:

إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسمُ السَّلامِ عليكُما

ومَنْ يَبْكِ حَوْلًا كاملًا فَقَدِ اعْتَذَرْ

فقال: فقد اعْتَذَر، بمعنى: فقد أعْذَر.

على أن أهلَ التأويلِ قد اختلفوا في صفةِ هؤلاء القومِ الذين وَصَفَهم اللهُ بأنهم جاءوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُعَذِّرين؛ فقال بعضُهم: كانوا كاذِبين في اعْتذارِهم، فلم يَعْذُرْهم اللهُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني أبو عُبيدةَ عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصَّمَدِ، قال: ثنى أبي، عن الحسينِ، قال: كان قتادةُ يقرأُ: (وجَاء المُعَذَّرُونَ

(2)

مِنَ الأعْرَابِ). قال: اعْتَذَروا بالكذبِ

(3)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ:{وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ} . قال: نَفَرٌ مِن بنى غِفارٍ، جاءوا فاعْتَذَروا، فلم يَعْذُرْهم اللهُ

(4)

.

فقد أَخْبَر مَن ذكَرْنا من هؤلاء أن هؤلاء القومَ إنما كانوا أهلَ اعْتذارٍ بالباطلِ لا بالحقِّ، فغيرُ جائزٍ أن يُوصَفوا بالإعْذارِ، إلا أن يُوصَفوا بأنهم أعْذَرُوا في الاعْتذارِ بالباطلِ، فأمَّا بالحقِّ - على ما قاله مَن حَكينا قولَه مِن

(1)

تقدم تخريجه في 1/ 117.

(2)

بفتح الذال والتشديد، وهى قراءة شاذة. ينظر مختصر في شواذ القرآن ص 59.

(3)

في م: "بالكتب".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 137.

ص: 621

هؤلاء - فغيرُ جائزٍ أن يُوصَفوا به.

وقد كان بعضُهم يقولُ: إنما جاءوا مُعَذِّرِين غير جادِّين، يَعْرِضُون ما لا يُريدون فعلَه. فمَن وَجَّهَه إلى هذا التأويلِ فلا كُلْفةَ في ذلك، غيرَ أنى لا أعلمُ أحدًا مِن أَهلِ العلمِ بتأويلِ القرآنِ وَجَّه تأويلَه إلى ذلك، فاسْتَحَبُّوا القولَ به.

وبعدُ، فإن الذي عليه من القراءةِ قرأةُ الأمصارِ، التشديدُ في "الذالِ" - أعنى مِن قولِه:{الْمُعَذِّرُونَ} - ففى ذلك دليل على صحةِ تأويلِ مَن تأوَّله بمعنى الاعْتذارِ؛ لأن القومَ الذين وُصِفوا بذلك لم يُكَلَّفُوا أَمْرًا عَذَّرُوا فيه، وإنما كانوا فِرْقتَين؛ إما مجتهدٌ طائعٌ، وإما منافقٌ فاسقٌ لأمرِ اللهِ مخالفٌ، فليس في الفريقَين موصوفٌ بالتَّعْذيرِ

(1)

في الشخوصِ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وإنما هو مُعَذِّرٌ

(2)

مبالغٌ، أو مُعتَذِرٌ.

فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحُجَّةُ من القرأَةِ مجمعةً على تَشْدِيدِ "الذالِ" مِن المُعَذِّرين، عُلِم أن معناه ما وَصَفناه مِن التأويلِ.

وقد ذُكِر عن مجاهدٍ في ذلك موافقةُ ابن عباسٍ.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَينَةَ، عن حُمَيدٍ، قال: قرَأ مجاهدٌ: (وَجاءَ المُعْذِرُونَ) مخففةً، وقال: هم أهلُ العُذْرِ

(3)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان المُعَذِّرون

(4)

.

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س:"في التقدير".

(2)

في ص، ف:"معذرو".

(3)

أخرجه سعيد بن منصور (1030 - تفسير) من طريق حميد به.

(4)

كذا ورد الأثر مبتورا في النسخ، وتمامه كما في سيرة ابن هشام 2/ 552: "فيما بلغني نفرا من بني =

ص: 622

‌القولُ في تأويلِ قوله: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ليس على أهلِ الزَّمانةِ وأهلِ العجزِ عن السفرِ والغزوِ، ولا على المرضى، ولا على مَن لا يَجِدُ نفقةً يَتَبَلَّغُ بها إلى مَغْزاه، حَرَجٌ: وهو الإثمُ، يقولُ: ليس عليهم إثمٌ، إذا نَصَحوا للهِ ولرسولِه في مَغِيبِهم عن الجهادِ مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}. يقولُ: ليس على مَن أحسَنَ، فَنَصَح للهِ

(1)

ورسولِه في تَخلُّفِه عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الجهادِ معه، لعُذْرٍ يُعْذَرُ بهِ طريقٌ يَتَطرَّقُ عليه فيُعاقَبُ مِن قِبَلِه، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ: واللهُ ساترٌ على ذنوبِ المحسنين، يَتَغَمَّدُها بعَفْوِه لهم عنها، رحيمٌ بهم، أن يُعاقِبَهم عليها.

وذُكِر أن هذه الآية نَزَلَت في عائذِ بن عمرٍو المُزَنيِّ. وقال بعضُهم: في عبدِ اللهِ بن مُغَفَّلٍ.

‌ذكرُ مَن قال: نَزَلَت في عائذِ بن عمرٍو

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} : نَزَلَت في عائذِ بن عمرٍو

(2)

.

‌ذكرُ مَن قال: نَزَلَت في ابن مُغَفَّلٍ

= غفار منهم خُفاف بن أَيمَاء بن رَحَضَة، ثم كانت القصة لأهل العذر، حتى انتهى إلى قوله: "ولا على الذين إذا ما أتوك

" الآية. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 267 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ.

(1)

في م: "الله".

(2)

بعده في ص، ف:"وغيره" وينظر تفسير ابن كثير 4/ 138.

ص: 623

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى} إلى قولِه: {حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} . وذلك أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ما أمَر الناسَ أن يَنْبعِثوا غازِين معه، فجاءته عصابةٌ مِن أصحابِه، فيهم عبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ المُزَنيُّ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، احْمِلْنا. فقال لهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"واللهِ ما أجِدُ ما أحْمِلُكم عليه". فتَوَلَّوا ولهم بكاءٌ، وعَزَّ

(1)

عليهم أن يَجْلِسوا عن الجهادِ، ولا يَجِدون نفقةً ولا مَحْمَلًا. فلما رأى اللهُ حِرْصَهم على محبَّتِه ومحبَّةِ رسولِه، أنزَل عُذْرَهم في كتابِه، فقال:{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ} إلى قولِه: {فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ولا سبيلَ أيضًا على النَّفَرِ الذين إذا ما جاءُوكَ لتَحْمِلَهم، يَسْأَلونك الحُمْلانَ؛ ليَبْلُغوا إلى مَغْزاهم الجهادِ أعداءِ اللهِ معك، يا محمدُ، قلتَ لهم: لا أجِدُ حَمُولةً أحمِلُكم عليها، {تَوَلَّوْا}. يقولُ: أَدْبَروا عنك، {وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا}: وهم يَبْكُون مِن حُزْنٍ على أنهم لا يَجِدون ما يُنْفِقون، وَيَتَحَمَّلون به للجهادِ في سبيلِ اللهِ.

وذَكَر بعضُهم أن هذه الآيةَ نَزَلَت فِي نَفَرٍ مِن مُزَيْنَةَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

(1)

في ص، ف:"عزيز".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 267 إلى المصنف وابن مردويه، وذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 138.

ص: 624

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} . قال: هم مِن مُزَينَةَ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} . قال: هم بنو مُقَرِّنٍ

(2)

مِن مُزَينةَ (1)

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ في قولِه:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} . إلى قولِه: {حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} . قال: هم بنو مُقَرِّنٍ مِن مُزَينَةَ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} . قال: هم بنو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ.

قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ [وغيرِه]

(3)

، عن ابن مُغَفَّلٍ

(4)

المُزَنيِّ، وكان أحدَ النفرِ الذين أُنزِلَت فيهم:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} الآية

(5)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1862 من طريق ورقاء به بنحوه.

(2)

في ف: "مقرون".

(3)

في ص، ت 2، ف:"عن غيره"، وفى ت 1، س:"عن غيره" بلا نقط، وفي م:"عن عروة" والمثبت من المعرفة والتاريخ.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"معقل".

(5)

أخرجه الفسوى في المعرفة والتاريخ 1/ 256 وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1862 من طريق أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 267 إلى ابن مردويه.

ص: 625

حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن ابن عُيَينةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا} . قال: منهم ابن مُقَرِّنٍ.

وقال سفيانُ: قال الناسُ: منهم عِرْباضُ بنُ ساريةَ.

وقال آخرون: بل نَزَلَت في عِرْباضِ بن ساريةَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ثَوْرِ بن يَزِيدَ، عن خالدِ بن مَعْدانَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عمرٍو السُّلَميِّ، وحُجْرِ بن حُجْرٍ الكَلَاعِيِّ، قالا: دَخَلْنا على عِرْباضِ بن ساريةَ، وهو الذي أُنْزِل فيه:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْنَ} الآية

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا الوليدُ، قال: ثنا ثَوْرٌ، عن خالدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عمرٍو، وحُجْرِ بن حُجْرٍ بنحوِه

(1)

.

وقال آخرون: بل نَزَلَت في نَفَرٍ سبعةٍ مِن قبائلَ شَتَّى.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ وغيرِه، قال: جاء ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَحْمِلونه، فقال:"لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُم عليه". فأنزلَ اللهُ: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} الآية،

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1862 من طريق الوليد بن مسلم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 268 إلى ابن المنذر.

ص: 626

قال: هم سبعةُ نَفَرٍ: من بنى عمرِو بن عوفٍ سالمُ بنُ عُمَيرٍ، ومِن بنى واقِفٍ هَرَمِيُّ

(1)

ابن عمرٍو، ومِن بنى مازنِ بن النَّجَّارِ عبدُ الرحمنِ بنُ كعبٍ، يُكْنَى أبا ليلى، ومن بني المُعَلَّى سَلْمانُ بنُ صَخْرٍ، ومِن بني حارثةَ [عُلْبَةُ بنُ زِيدٍ]

(2)

وهو الذي تَصَدَّق بعِرْضِه

(3)

، فقَبِلَه اللهُ منه - ومن بني سلمة عمرُو بنُ غَنَمةَ

(4)

، وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو المُزَنِيُّ

(5)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ قولَه:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} ، إلى قولِه:{حَزَنًا} : وهم البكَّاءُون، كانوا سبعةً. واللهُ أعلمُ

(6)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ما السبيلُ بالعقوبةِ على أهلِ العُذْرِ يا محمدُ، ولكنها على الذين يَستأذِنونك في التَّخَلُّفِ خِلافَك، وتَركِ الجهادِ معك، وهم أهلُ غنًى وقوةٍ وطاقةٍ للجهادِ والغزوِ، نِفاقًا وشكًّا في وعدِ اللهِ وَوَعِيدِه، {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ}. يقولُ: رَضُوا بأن يَجْلِسوا بعدَك مع النساءِ - وهنَّ الخوالفُ خلفَ

(1)

في النسخ: "حرمى"، وينظر الإصابة 6/ 567، وتبصير المنتبه 4/ 1453.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"عبد الرحمن بن زيد أبو عبلة"، ومثله في م إلا أن فيها "يزيد" مكان "زيد". والمثبت من سيرة ابن هشام 2/ 518. وينظر أسد الغابة 4/ 80، والإصابة 4/ 546.

(3)

في ف: "بفرضه".

(4)

في ف: "غنيمة"، وينظر الاستيعاب 3/ 1195.

(5)

في ت 1، ت 2، س:"المرى". وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 267 إلى المصنف، وينظر أسباب النزول للواحدي ص 193.

(6)

سيرة ابن هشام 2/ 518.

ص: 627

الرجالِ في البيوتِ - ويَتْرُكوا الغزوَ معك، {وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}. يقولُ: وخَتَمَ اللهُ على قلوبِهم بما كَسَبوا من الذنوبِ، {فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} سوءَ عاقبتِهم بتَخَلُّفِهم

(1)

عنك، وتَركِهم الجهادَ معك، وما عليهم من

(2)

قبيحِ الثناءِ في الدنيا وعظيمِ البَلاءِ في الآخرةِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يعتذرُ إليكم

(3)

، أيُّها المؤمنون باللهِ، هؤلاء المُتَخلِّفون خلافَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، التارِكون جهادَ المشركين معكم من المنافقين، بالأباطيلِ والكذبِ، {إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} من سفرِكم وجهادِكم، {قُلْ} لهم يا محمدُ:{لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ} . يقولُ: لن نُصَدِّقَكم على ما تقولون، {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ}. يقولُ: قد أخبَرنا اللهُ من أخبارِكم، وأعْلَمَنا من أمرِكم ما قد عَلِمْنا به كَذِبَكم، {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}. يقولُ: وسَيَرَى اللهُ ورسولُه فيما بعدُ عملَكم؛ أَتَتوبون من نفاقِكم، أم تُقيمون

(4)

عليه؟، {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}. يقولُ: ثم تُرجَعون بعد مماتِكم، {إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}. يعنى: الذي يعلمُ السرَّ والعلانيةَ، الذي لا يخْفَى عليه بواطنُ أمورِكم وظواهرُها، {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ، فيُخْبِرُكم بأعمالِكم

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"بخلفهم".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

في ت 1، ت 2، ف:"إليك".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"تعلمون".

ص: 628

كلَّها؛ سيِّئِها وحَسَنِها، فيُجازِيكم بها؛ الحسنَ منها بالحسنِ، والسيِّئَ منها بالسيِّئِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95)}

يقولُ تعالى ذكرُه: سَيحلِفُ، أَيُّها المؤمنون باللهِ، لكم هؤلاء المنافقون الذين فَرِحوا بمَقْعدِهم خلافَ رسولِ اللهِ، {انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ}. يعني: إذا انصَرَفْتم إليهم من غزوِكم؛ {لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ} ، فلا تُؤَنِّبُوهم، {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ}. يقولُ جلّ ثناؤه للمؤمنين: فدَعُوا تأْنيبَهم، وخَلُّوهم وما اختاروا لأنفسِهم من الكفرِ والنفاقِ، {إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}. يقولُ: إنهم نَجَسٌ، {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}. يقولُ: ومصيرُهم إلى جهنمَ، وهى مسكنُهم الذي يَأوُونه في الآخرةِ، {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. يقولُ: ثوابًا بأعمالِهم التي كانوا يَعْمَلُونها في الدنيا من معاصى اللهِ.

وذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلت في رجلين من المنافقين قالا ما حدَّثنا به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال ثنى عمي، قال ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا} إلى {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . وذلك أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قيل له: ألا تَغزو بنى الأصفرِ؛ لعلك أن تُصيبَ بنتَ عظيمِ الرومِ، فإنهم حسانٌ. فقال رجلان: قد عَلِمتَ يا رسولَ اللهِ أن النساءَ فتنةٌ، فلا تَفْتِنَّا بهنَّ، فأْذَنْ لنا. فأذِن لهما. فلما انطلقَا قال أحدُهما: إن هو إلا شَحْمةٌ لأوَّلِ آكلٍ. فسارَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولم يَنزِلْ عليه في ذلك شيءٌ. فلما كان ببعضِ الطريقِ، نَزَلَ عليه وهو على بعضِ المياهِ: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا

ص: 629

قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ}، ونَزَلَ عليه:{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} ، ونَزَلَ عليه:{لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، ونَزَلَ عليه:{إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ، فسمِع ذلك رجلٌ ممن غزا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأتاهم وهم خلفَهم، فقال تَعلَمون أن قد نَزَلَ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بعدَكم قرآنٌ. قالوا: ما الذي سَمِعتَ؟ قال: ما أدرى، غيرَ أني سمِعتُ أنه يقولُ: إنهم رِجْسٌ. فقال رجلٌ يُدْعَى مَخْشيًّا

(1)

: واللهِ، لوَدِدتُ أنى أُجلَدُ مائةَ جلدةٍ وأنى لستُ معكم. فأتى رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال:"ما جاء بك؟ ". فقال: وَجْهُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تَسْفَعُه الريحُ، وأنا في الكِنِّ

(2)

. فأنزلَ اللهُ تعالى عليه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي} ، {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} ، ونزَلَ عليه في الرجلِ الذي قال: لوَدِدتُ أنى أُجلَدُ مائةَ جلدةٍ. قولُ اللهِ تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ} ، فقال رجلٌ مع رسولِ اللهِ: لئن كان هؤلاء كما يقولون ما فينا خيرٌ. فبَلَغ ذلك رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال له:"أنت صاحبُ الكلمةِ التي سمِعتُ؟ ". فقال: لا والذي أنزَلَ عليك الكتابَ. فأنزلَ اللهُ فيه: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} ، وأنزَل فيه:{وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}

(3)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرَني عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بن كعبِ بن مالكٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ كعبٍ قال: سمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يقولُ: لمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من تبوكَ، جَلَسَ

(1)

في ص، ف:"مخشي"، وفى م:"مغشيا".

(2)

الكن: كل ما يرد الحر والبرد من الأبنية والغيران ونحوها: الوسيط (ك ن ن).

(3)

ذكره السيوطي في الدر المنثور 3/ 246 إلى قوله: "جزاء بما كانوا يكسبون"، وعزاه إلى المصنف.

ص: 630

للناس. فلما فَعَل ذلك، جاءه المُخَلَّفون فَطَفِقوا يَعْتَذِرون إليه، ويحلِفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقَبِلَ منهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم علانيتَهم، وبايعَهم واستَغفَر لهم ووَكَل سرائرَهم إلى اللهِ، وصَدَقْتُه حديثي. فقال كعبٌ: واللهِ ما أنعَم اللهُ عليَّ من نعمةٍ قطُّ، بعدَ أن هدَاني للإسلامِ، أعظمَ في نفسي

(1)

من صِدقِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كَذَبَتهُ، فَأَهْلِكَ كما هَلَك الذين كَذَبوا، إن الله قال للذين كَذَبوا حينَ أنزل الوحْيَ شرَّ

(2)

ما قال لأحدٍ: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} إلى قولِه: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}

(3)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: يَحْلِفُ لكم، أيُّها المؤمنون باللهِ، هؤلاء المنافِقون؛ اعتذارًا بالباطلِ والكذِب؛ {لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}. يقولُ: فإن أنتم، أيّها المؤمنون، رَضِيتم عنهم وقبِلتم مَعذرتَهم، إذ كنتم لا تَعلَمون صِدقَهم من كذبِهم، فإن رضاكم عنهم غيرُ نافعِهم عندَ اللهِ؛ لأن الله يَعْلَمُ من سرائرِ أمرِهم ما لا تَعْلَمون، ومن خَفِيِّ اعتقادِهم ما تَجْهَلون، وأنهم على الكفرِ باللهِ [مقيمون. وقوله:(الفاسقين)]

(4)

يعنى: أنهم الخارجون من الإيمانِ إلى الكفرِ باللهِ، ومن الطاعةِ إلى المعصيةِ.

(1)

في م: "نفسك".

(2)

سقط من النسخ، والمثبت من صحيح مسلم.

(3)

أخرجه البخارى (4676، 6690)، ومسلم (2769)، وأبو داود (2202، 3317، 2773، 4600)، والنسائي (730، 3833)، والطبراني 19/ 56 (96، 97) من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد 25/ 66 (15789)، والبخارى (3889، 4677) وغيرهما من طريق الزهرى به.

(4)

ليست في النسخ وهى زيادة يقتضيها السياق.

ص: 631

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: الأعرابُ أشدُّ جُحودًا لتوحيدِ اللهِ، وأشدُّ نفاقًا من أهلِ الحَضَرِ في القرى والأمصارِ. وإنما وصفَهم، جل ثناؤه، بذلك لجفائِهم وقسوةِ قلوبِهم، وقلةِ مُشاهدتِهم لأهلِ الخيرِ، فهم

(1)

لذلك أقْسَى قلوبًا، وأقلُّ علمًا بحقوقِ اللهِ.

وقولهُ: {وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} . يقولُ: وأَخلَقُ أن لا يَعلَموا حدودَ ما أنزلَ اللهُ على رسولِه، وذلك فيما قال قتادةُ: السُّنَنُ.

حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} . قال: هم أقلُّ عِلمًا بالسُّننِ

(2)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مَغراءَ

(3)

، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: جَلَسَ أعرابيٌّ إلى زيدِ بن صُوحانَ وهو يُحدِّثُ أصحابَه - وكانت يدُه قد أُصيبت يومَ نهاوندَ - فقال: واللهِ إن حديثَك ليُعجِبُني، وإن يدَك لتُريبُني. فقال زيدٌ: وما يُريبُك من يدى؟ إنها الشَّمالُ. فقال الأعرابيُّ: واللهِ ما أدرى، اليمينَ يَقطعون أمِ الشمالَ؟ فقال زيدُ بنُ صُوحانَ: صَدَقَ اللهُ: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ}

(4)

.

(1)

في ت 1، ت 2، س، ف:"فهى".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1866 من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 268 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

في م: "مقرن". وينظر تهذيب الكمال 17/ 418.

(4)

أخرجه ابن سعد 6/ 123 - ومن طريقة ابن عساكر 19/ 437 - وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1866 من طريق الأعمش به.

ص: 632

وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . يقولُ: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بمن يعلمُ حدودَ ما أنزل على رسولِه، والمنافقِ من خلقِه، والكافرِ منهم، لا يخفَى عليه منهم أحدٌ، {حَكِيمٌ} في تدبيره إيَّاهم، و

(1)

في حلمه عن عقابهم مع علمه بسرائرهم وخِداعِهم أولياءَه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ومن الأعرابِ مَن يَعُدُّ نفقتَه التي يُنفقُها في جهادِ مُشركٍ، أو في معونةِ مسلمٍ، أو في بعضِ ما نَدَبَ اللهُ إليه عبادَه {مَغْرَمًا}. يَعْنى: غُرمًا لَزِمه لا يرجو له ثوابًا، ولا يَدفعُ به عن نفسِه عقابًا، {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ}. يقولُ: ويَنْتَظِرون بكم الدوائرَ أن تدورَ بها الأيامُ والليالى إلى مكروهٍ، ونَفْى

(2)

محبوبٍ، وغلبةِ عدوٍّ لكم. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه:{عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} . يقولُ: جَعَلَ اللهُ دائرةَ السَّوْءِ عليهم ونزولَ المكروهِ بهم، لا عليكم أيُّها المؤمنون ولا بكم، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لدعاءِ الداعين، {عَلِيمٌ} بتَدْبِيرِهم وما هو بهم نازلٌ من عقابِ اللهِ، وما هم إليه صائرون من أليمِ عقابِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللهِ: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} . قال: هؤلاء المنافقون

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"مجيء".

ص: 633

من الأعرابِ، الذين إنما يُنفقون رياءً اتِّقاءَ

(1)

أن يُغزَوا أو يُحارَبوا أو يُقاتَلُوا، ويَرَون نفقتهم مَغْرمًا، ألا تراه يقولُ:{وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}

(2)

.

واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرَأه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} بفتحِ السين، بمعنى النعتِ للدائرةِ، وإن كانت الدائرةُ مضافةً إليه، كقولِهم: هو رجلُ السَّوءِ، وامرؤُ الصدقِ. كأنه إذا فُتح، مصدرٌ، من قولِهم: سُؤتُه أَسْوءُه سَوءًا ومَساءَةً ومَسائيَةً. وقرأ ذلك بعضُ أهل الحجازِ وبعضُ البَصْريِّين: (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوءِ) بضمِّ السينِ

(3)

، كأنه جَعَله اسمًا، كما يقالُ: عليه دائرةُ البلاءِ والعذابِ. ومن قال: (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السُّوْءِ) فضَمَّ، لم يقلْ: هذا رجلُ السُّوءِ، بالضمِّ، والرجلُ السُّوءُ. وقال الشاعرُ

(4)

:

وكنتَ كَذِئبِ السَّوءِ لمَّا رأَى دَمًا

بصاحبِه يومًا أحال على الدَّمِ

(5)

والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا بفتحِ السينِ

(6)

بمعنى: عليهم الدائرةُ التي تسُوءُهم سَوءًا، كما يقالُ: هو رجلٌ صِدقٌ. على وجهِ النعتِ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)} .

(1)

في ف: "إبقاء على"، وفى ص، ت 1، ت 2، س:"إنعاء على". غير منقوطة عدا "س".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1866 من طريق أصبغ عن ابن زيد.

(3)

قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي {دَائِرَةُ السَّوْءِ} بفتح السين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين. التيسير في القراءات السبع ص 97، والكشف عن وجوه القراءات 1/ 505.

(4)

البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ص 749، وفى اللسان (س و أ).

(5)

أحال الذئب على الدم: أقبل عليه. اللسان (ح و ل). قال الجاحظ: فإنها - أي الذئاب - قد تتهارش على الفريسة، ولا تبلغ القتل، فإذا أدمى بعضها بعضا وَثَبت عليه فمزقته وقتلته

اهـ ثم أورد البيت. الحيوان 6/ 298.

(6)

القراءتان كلتاهما صواب.

ص: 634

يقولُ تعالى ذكرُه: ومن الأعرابِ من يُصدِّقُ الله، ويُقِرُّ بوحدانيتِه وبالبعثِ بعدَ الموتِ، والثوابِ والعقابِ، وينوِى ما

(1)

يُنفِقُ من نفقةٍ في جهادِ المشركين، وفي سفرِه مع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم {قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ} ، والقرباتُ جمعُ قُربةٍ، وهو ما قَرَّبَه من رضا اللهِ ومحبتِه، {وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ}. يعنى بذلك: ويبتغى بنفقةِ ما يُنفقُ، مع طلبِ قربتِه من اللهِ، دعاءَ الرسولِ واستغفارَه له.

وقد دلَّلنا فيما مضى من كتابِنا، على أن من معاني الصلاةِ الدعاءَ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ

(2)

.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} . يعني: استغفارَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام

(3)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه:{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} . قال: دعاءَ الرسولِ. قال: هذه ثَنِيَّةُ اللهِ من الأعرابِ

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن

(1)

في م: "بما".

(2)

ينظر ما تقدم في 1/ 248.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1867 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 269 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(4)

الثَنيَّة: ما استثنى. اللسان ث ن ي.

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1867 من طريق يزيد به مختصرًا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 269 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 635

مُجَاهِدٍ قولَه: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . قال: هم بنو مُقَرِّنٍ، من مُزينةَ، وهم الذين قال اللهُ فيهم:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا} [التوبة: 92]. قال: هم بنو مُقرِّنٍ، من مُزَينةَ

(1)

.

قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: قولُه: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} ، ثم استثنى فقال:{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية

(2)

.

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا جعفرٌ، عن البَخْتريِّ بن المختارِ العبديِّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ

(3)

بنَ معقلٍ

(4)

قال: كُنَّا عشَرةً ولدَ مُقرِّنٍ، فنزلت فينا:{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلى آخرِ الآيةِ

(5)

.

قال اللهُ: {أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} . يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن صلواتِ الرسولِ قربةٌ لهم من اللهِ. وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ معناه: ألا إن نفقتَه التي يُنفِقُها كذلك قربةٌ لهم عندَ اللهِ. {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} . يقولُ: سيُدخِلُهم اللهُ في من رَحِمه، فأدخلَه برحمتِه الجنةَ، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لما اجتَرموا، {رَحِيمٌ} بهم مع توبتِهم وإصلاحِهم أن يُعذِّبَهم.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1867 من طريق حجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 269 إلى سنيد وابن المنذر وأبي الشيخ.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1866 من طريق حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 268 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.

(3)

في ف: "الرحمن".

(4)

في ف، م:"مغفل". وينظر تهذيب الكمال 17/ 417.

(5)

ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب 6273، والإصابة 5/ 245 عن المصنف.

ص: 636

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين سَبَقوا الناسَ أَوَّلًا إلى الإيمان باللهِ ورسولِه {مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} الذين هاجروا قومَهم وعشيرتَهم، وفارَقوا منازلَهم وأوطانَهم، {وَالْأَنْصَار} الذين نصَروا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم على أعدائِه من أهلِ الكفرِ باللهِ ورسولِه، {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}. يقولُ: والذين سَلَكوا سبيلَهم في الإيمانِ بالله ورسولِه، والهجرةِ من دارِ الحربِ إلى دارِ الإسلامِ؛ طلبَ رضا اللهِ، {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} .

واختلَفَ أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} ؛ فقال بعضُهم: هم الذين بايَعوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيعةَ الرُّضوانِ، أو أَدْرَكوا.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} . قال: من أدرك بيعةَ الرُّضوانِ.

قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن مُطرِّفٍ، عن عامرٍ، قال: المُهاجِرون الأوَّلون: مَن أدرَك البيعةَ تحتَ الشجرةِ

(1)

.

حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن

(1)

أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1033 - تفسير)، وابن أبي شيبة في مصنفه 14/ 111 من طريق مطرف به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 270 إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبى الشيخ وأبي نعيم في المعرفة.

ص: 637

الشعبيِّ، قال: المُهاجِرون الأوّلون

(1)

: الذين شَهِدوا بيعةَ الرُّضوانِ

(2)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُطرِّفٍ، عن الشعبيِّ، قال: المهاجرون الأوَّلون: من كان قبلَ البيعةِ إلى البيعةِ فهم المُهاجِرون الأوَّلون، ومن كان بعدَ البيعةِ فليس من المهاجرين الأوَّلين.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ

(3)

، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ ومُطرِّفٌ، عن الشعبيِّ، قال:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} : هم الذين بايَعوا بيعةَ الرضوانِ.

حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: فَصلُ ما بينَ الهجرتَين بيعةُ الرضوانِ، وهى بيعةُ الحُديبِيَةِ.

حدَّثني المُثنَّى، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ ومُطرِّفٌ، عن الشعبيِّ، قال: هم الذين بايَعوا بيعةَ الرضوانِ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبْثَرٌ أبو زُبيدٍ، عن مُطَرِّفٍ، عن الشعبيِّ، قال: المهاجرون الأوَّلون: من أدرَك بيعةَ الرضوانِ.

وقال آخرون: بل هم الذين صَلَّوا القبلتين مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن قيسٍ، عن عثمانَ الثَّقَفيِّ، عن

(1)

بعده في ف: "إلى البيعة فهم".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1768 من طريق يحيى به.

(3)

بعده في ف: "قال: حدَّثني حجاج".

ص: 638

مولًى لأبي موسى، عن أبي موسى، قال: المهاجرون الأوّلون: من صلَّى القبلتين مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم

(1)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن عثمانَ بن المغيرةِ، عن أبي زُرعةَ بن عمروِ بن جريرٍ، عن مولًى لأبي موسى، قال: سألتُ أبا موسى الأشعريَّ عن قولِه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} . قال: هُم الَّذين صَلَّوا القبلتينِ جميعًا.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أَبى، عن أبي هِلالٍ، عن قتادةَ، قال: قلتُ لسعيدِ بن المسيَّبِ: لمَ سُمُّوا المهاجرين الأوَّلين؟ قال: من صلَّى مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم القبلتين جميعًا، فهو من المهاجرين الأوّلين.

حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابن أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: المهاجرون الأوَّلون الذين صَلَّوا القبلتَين

(2)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ قولَه:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} . قال: هم الذين صَلَّوا القبلتَين جميعًا.

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، قال: ثنا عباسُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ مثلَه.

حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، وعن أشْعثَ، عن ابن سيرينَ في قولِه:

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1868 من طريق قيس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 269 إلى أبى الشيخ وأبي نعيم في المعرفة.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1868 من طريق ابن أبي عروبة به، وزاد: وهم أهل بدر.

ص: 639

{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ} . قال: هم الذين صَلَّوا القبلتين

(1)

.

حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا ابن عَونٍ، عن محمدٍ، قال: المهاجرون الأوّلون: الذين صلَّوا القبلتين.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} . قال: هم الذين صلَّوا القبلتين جميعًا

(2)

.

وأمَّا الذين اتَّبَعوا المهاجرين الأوَّلين والأنصارَ بإحسانٍ، فهم الذين أسلَموا للهِ إسلامَهم، وسَلَكوا منهاجَهم في الهجرةِ والنُّصرةِ وأعمالِ الخيرِ؛ كما حدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: مرَّ عمرُ برجلٍ وهو يقرأُ هذه الآيةَ: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} . قال: من أقرَأك هذه الآيةَ؟ قال: أَقْرَأَنِيها أبيُّ بنُ كعبٍ. قال: لا تُفارِقْنى حتى أَذْهَبَ بك إليه. فأتاه فقال: أنتَ أَقْرَأْتَ هذا هذه الآيةَ؟ قال: نعم. قال: وسَمِعتَها من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قال: [نعم. قال]

(3)

: لقد كنتُ أُرانا رَفَعْنَا رِفْعَةً لا يبلُغُها أحدٌ بعدَنا. قال أبيٌّ

(4)

: تصديقُ ذلك في

(5)

الآيةِ التي في أوَّلِ "الجمعةِ"، وأوسطِ

(6)

"الحشرِ"، وآخرِ "الأنفال"؛ أما أوَّلُ "الجمعةِ" {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا

(1)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1868 عن ابن سيرين معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 269 إلى ابن المنذر وأبي نعيم في المعرفة.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 285.

(3)

سقط من النسخ. وإثباتها يقتضيه السياق. والمثبت من مصدرى التخريج 4/ 142.

(4)

في النسخ: "و". والمثبت من مصدرى التخريج.

(5)

بعده في النسخ: "أول" وهو تكرار.

(6)

سقط من: س. وفى ص، ت 1، ت 2:"أول".

ص: 640

يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة: 3]، وأوسطُ "الحشر" {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10]، وأما آخِرُ "الأنفال" {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} [الأنفال: 75]

(1)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا أبو مَعشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيِّ، قال: مرَّ عمرُ بنُ الخطابِ برجلٍ يقرأُ: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} . حتى بَلَغ: {وَرَضُوا عَنْهُ} . قال: وأخَذ عمرُ بيدِه فقال: من أقرَأكَ هذا؟ قال: أبيُّ بن كعبٍ. فقال: لا تُفارِقْنى حتى أَذْهَبَ بك إليه. فلما جاءَه، قال عمرُ: أنتَ أقرأتَ هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: أنتَ سَمِعتَها من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قال: نَعَمْ. قال: لقد كنتُ أَظُنُّ أنَّا رَفُعْنَا رِفْعَةً لا يَبْلُغُها أحدٌ بعدنا. فقال أبيُّ: بلى، تصديقُ هذه الآيةِ في أوّلِ سورةِ "الجمعةِ":{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} إلى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، وفى سورة "الحشرِ":{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} ، وفى "الأنفال":{وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} إلى آخرِ الآيةِ.

ورُوى عن عمرَ في ذلك ما حدَّثني به أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن هارونَ، عن حبيبِ بن الشهيدِ، وعن ابن عامرٍ الأنصاريِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قرَأَ: (والسَّابِقُونَ الأوَّلُون مِن المُهاجِرِين والأنصارُ

(2)

الَّذِين اتَّبِعُوهُم بإحْسانٍ). فرفع الأنصارَ، ولم يُلحِقِ "الواوَ" في (الذين)، فقال له زيدُ

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 142، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 269 إلى المصنف وأبى الشيخ.

(2)

بعده في ص، ف:"و".

ص: 641

ابن ثابتٍ: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} . فقال عمرُ: (الَّذين اتَّبعوهُم بإحْسانٍ). فقال زيدٌ: أميرُ المؤمنين أعلمُ. فقال عمرُ: ائتُونى بأبيِّ بن كعبٍ. فأتاه فسأله عن ذلك، فقال أبيٌّ:{وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} . فقال عمرُ: إذن نُتابعُ أبَيًّا

(1)

.

والقراءةُ على خفضِ الأنصار عطفا بهم على المهاجرين.

وقد ذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرأُ: (الأنصارُ) بالرفعِ. عطفًا بهم على السابقين

(2)

.

والقراءة التي لا أستجيزُ غيرَها، الخفضُ في {الْأَنْصَارِ}

(3)

؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن السابقَ كان من الفريقين جميعًا من المهاجرين والأنصارٍ، وإنما قَصَدَ الخبرَ عن السابقِ من الفريقين، دونَ الخبرِ عن الجميعِ، وإلحاقُ "الواوِ" في {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} ؛ لأن ذلك كذلك في مصاحفِ المسلمين جميعًا، على أن التابعين بإحسانٍ غيرُ المهاجرين والأنصارِ، وأما (السَّابقون) فإنهم مرفوعون بالعائدِ من ذكرِهم في قولِه:{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} .

ومعنى الكلامِ: رَضِيَ اللهُ عن جميعِهم لَمَّا أطاعوه، وأجابوا نبيَّه إلى ما دَعاهم إليه من أمرِه ونهيِه، ورَضِيَ عنه السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصارِ، والذين اتَّبَعوهم بإحسانٍ، لَمَّا أجزَلَ لهم من الثوابِ على طاعتِهم إياه، وإيمانِهم به وبنبيِّه صلى الله عليه وسلم {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} يَدْخُلُونها، {خَالِدِينَ فِيهَا}: لابثين فيها {أَبَدًا} : لا يموتون فيها، ولا يَخْرجون منها {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .

(1)

فضائل القرآن لأبي عبيد ص 173 عن حجاج، وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في تخريج أحاديث الكشاف 2/ 96 - من طريق حبيب بن الشهيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 269 إلى سنيد وابن المنذر.

(2)

وهي قراءة يعقوب الحضرمي أحد القراء العشرة. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص 147.

(3)

القراءتان كلتاهما صواب.

ص: 642

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)}

يَقولُ تعالى ذكرُه: ومِن القومِ الذين حولَ مدينتِكم مِن الأعرابِ منافقون، ومِن أهلِ مدينتِكم أيضًا أمثالُهم أقوامٌ منافقون.

وقوله: {مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} . يقولُ: مَرَنُوا عليه ودَرِبُوا

(1)

به، ومنه: شيطانٌ مارِدٌ، ومريدٌ. وهو الخبيثُ العاتِي. ومنه قيل: تمرَّدَ فلانٌ على ربِّه. أي: عَتَا،، ومَرَنَ

(2)

على معصيتِه واعتادَها.

وقال ابن زيدٍ في ذلك، ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} . قال: أقاموا عليه، لم يتوبوا كما تابَ الآخرون

(3)

.

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} . أي: لَجُّوا فيه وأبَوْا غيرَه

(4)

.

{لَا تَعْلَمُهُمْ} . يقول لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: لا تعلمُ يا محمدُ أنت هؤلاء المنافِقين الذين وَصَفتُ لك صفتَهم ممن حولَكم من الأعرابِ ومن أهلِ المدينةِ، ولكنَّا نحن نعلمُهم، كما حدَّثنا الحسنُ، قال أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ

(1)

في ف: "قدموا".

(2)

في م: "مرد"

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1869 من طريق أصبغ عن ابن زيد وفيه: آخرون. بدون الألف واللام.

(4)

سيرة ابن هشام 2/ 553، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1869 من طريق سلمة به.

ص: 643

في قولِه: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ} إلى قولِه: {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} ، قال: فما بالُ أقوامٍ يَتكلَّفون علمَ الناسِ؟ فلانٌ في الجنةِ، وفلانٌ في النارِ. فإذا سألتَ أحدهم عن نفسِه قال: لا أدرى. لَعَمْرِى أَنتَ بنفسِك أعلمُ منك بأعمالِ الناسِ، ولقد تكَلَّفْتَ شيئًا ما تَكلَّفَتْه الأنبياء قبلَك، قال نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه السلام:{وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الشعراء: 112]. وقال نبيُّ اللهِ شعيبٌ عليه السلام: {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود: 86]. وقال اللهُ لنبيِّه عليه السلام: {لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}

(1)

.

وقولُه: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} . يقولُ: سنعذِّبُ هؤلاء المنافقين مرَّتين؛ إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبرِ.

ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في التي في الدنيا، ما هي؟ فقال بعضُهم: هي فضيحتُهم، فَضَحَهم اللهُ بكشفِ أمورِهم وتَبيينِ سرائرِهم للناسِ على لسانِ رسولِه صلى الله عليه وسلم.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا الحسينُ بنُ عمرٍو العَنقَزِيُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ:{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} إلى قوله: {عَذَابٍ عَظِيمٍ} . قال: قامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خطيبًا يومَ الجمعةِ، فقال:"اخرُج يا فلانُ، فإنك مُنافقٌ، اخرُج يا فلانُ فإنك مُنافقٌ". فأخرَجَ من المسجدِ

(1)

تفسير عبد الرزاق 1/ 285، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1870 عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 271 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 644

ناسًا منهم فَضَحَهم

(1)

، فلَقِيَهم عمرُ وهم يَخرُجون من المسجدِ، فاختبأ منهم؛ حياءً أنه لم يَشْهَدِ الجمعةَ، وظنَّ أن الناسَ قد انصَرَفوا، واختَبَئوا هم من عمرَ، ظنُّوا أنه قد عَلِمَ بأمرِهم، فجاء عمرُ فدخَلَ المسجدَ، فإذا الناسُ لم يُصلُّوا، فقال له رجلٌ من المسلمين: أَبْشِرْ يا عمرُ، فقد فضَحَ اللهُ المنافقين اليومَ. فهذا العذابُ الأوَّلُ، حينَ أخرَجَهم من المسجدِ، والعذابُ الثاني عذابُ القبرِ

(2)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} . قال: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخطُبُ، فيذكرُ المنافقين فيُعذِّبُهم بلسانِه. قال: وعذابُ القبرِ

(3)

.

[وقال آخرون: هي ما يُصِيبُ الإنسانَ من الخوفِ والجوعِ والقتلِ والسِّباءِ وغيرِ ذلك، وعذابُ القبرِ]

(4)

.

‌ذكر من قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} . قال: القتلُ والسِّباءُ

(5)

.

(1)

بعده في مصادر التخريج: "ولم يكن عمر شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له".

(2)

ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف 2/ 97 عن المصنف، وأخرجه الطبراني في الأوسط (792)، وابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف 2/ 97 - من طريق الحسين به. وقال الهيثمي في المجمع 7/ 34: وفيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزى وهو ضعيف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1870 من طريق عمرو العنقزى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 271 إلى أبى الشيخ.

(3)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 272 إلى أبى الشيخ.

(4)

ليست في النسخ. وهى زيادة يقتضيها السياق.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1871 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 286 عن معمر به.

ص: 645

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} بالجوعِ وعذابِ القبرِ. قال: {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} يومَ القيامةِ

(1)

.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ والقاسمُ ويحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} . قال: الجوعُ والقتلُ. [وقال يحيى: الخوفُ والقتلُ]

(2)

.

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: بالجوعِ والقتلِ

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} . قال: بالجوعِ وعذابِ القبرِ

(4)

.

حدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} . قال: الجوعُ والقتلُ.

وقال آخرون: معنى ذلك: سنُعذِّبُهم عذابًا في الدنيا، وعذابًا في الآخرةِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

(5)

حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:

(1)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 144.

(2)

سقط من: ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1870 من طريق ابن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 271 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1871 من طريق يحيى بن يمان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 271 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(5)

بداية الجزء الحادي والثلاثين من نسخة جامعة القرويين ويرمز لها بـ (الأصل).

ص: 646

{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} : عذابَ الدنيا

(1)

، وعذابَ القبرِ، {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} . ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم أسَرَّ إلى حُذَيفةَ باثني عشَرَ رجلًا من المنافقين، فقال: "ستةٌ منهم تكْفِيكهم الدُّبَيلةُ

(2)

؛ سراجٌ من نارِ جهنمَ، يأْخُذُ في كَتِفِ أحدِهم، حتى يُفضِىَ إلى صدرِه، وستةٌ يموتون موتًا". ذُكِر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ، كان إذا مات رجلٌ

(3)

يَرَى أنه منهم، نَظَرَ إلى حذيفةَ، فإن صَلَّى عليه صَلَّى عليه، وإلا تَرَكَه. وذُكِر لنا أن عمرَ قال لحُذَيفةَ: أَنْشُدُك باللهِ أمنهم أنا؟ قال: لا واللهِ، ولا أُؤَمِّنُ منها أحدًا بعدَك

(4)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} . قال: عذابُ الدنيا وعذابُ القبرِ

(5)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ومحمدُ بنُ المثنى

(6)

، قالا: ثنا بَدَلُ بنُ المحبَّر، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} . قال: عذابًا في الدنيا وعذابًا في القبرِ

(7)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: عذابُ الدنيا وعذابُ القبرِ، ثم يُرَدُّون إلى عذابِ النارِ

(8)

.

(1)

في الأصل: "النار".

(2)

الدبيلة: خُرَاج ودمل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبا. النهاية 2/ 99.

(3)

بعده في الأصل: "ومنهم ممن".

(4)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 144 عن سعيد به.

(5)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 286 عن معمر به.

(6)

في ص، ف، م:"العلاء". وينظر تهذيب الكمال 4/ 28.

(7)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1870، والبيهقى في عذاب القبر ص 66 (63) من طريق شعبة به بلفظ: عذاب في القبر وعذاب في النار. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 271 إلى أبى الشيخ.

(8)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 144.

ص: 647

وقال آخرون: بل

(1)

كان عذابُهم إحدى المرَّتين، مَصائبهم في أموالِهم وأولادِهم، والمرّةَ الأخرى [في الآخرةِ]

(2)

في جهنمَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} . قال: أما عذابٌ في الدنيا فالأموالُ والأولادُ. وقَرَأ قولَ اللهِ: {وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا} [التوبة: 85]. بالمصائبِ فيهم، هي لهم عذابٌ، وهى للمؤمنين أجرٌ. قال: وعذابٌ في الآخرةِ في النارِ، {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}. قال: النارُ

(3)

.

وقال آخرون: بل إحدى المرَّتين الحدودُ، والأخرى عذابُ القبرِ. ذُكِر ذلك عن ابن عباسٍ من وجهٍ غيرِ مُرَتَضًى

(4)

.

وقال آخرون: بل إحدى المرَّتين أخذُ الزكاةِ من أموالِهم، والأخرى عذابُ القبرِ. ذُكر ذلك عن سليمانَ بن أرقمَ، عن الحسنِ

(5)

.

وقال آخرون: بل إحدى المرتين عذابهم بما يَدخُلُ عليهم من الغيظِ في أمرِ الإسلامِ.

(1)

ليست في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

ليست في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1813، 1871 من طريق أصبغ عن ابن زيد به، إلى قوله: وهى للمؤمنين أجر، وقد تقدم بعضه في ص 501.

(4)

في م: "مرضى" وينظر تفسير البغوي 4/ 89.

(5)

ينظر التبيان 5/ 289، وما تقدم في ص 501.

ص: 648

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} . قال: العذابُ الذي وَعَدهم مرَّتين فيما بَلَغنى عنهم، ما هم فيه من أمرِ الإسلامِ، وما يَدْخُلُ عليهم من غَيظِ ذلك على غيرِ حسبةٍ، ثم عذابُهم في القبورِ

(1)

إذا صاروا إليها

(2)

، ثم العذابُ العظيمُ الذي يُرَدُّون إليه؛ عذابُ الآخرةِ والخلدُ

(3)

فيه

(4)

.

قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ عندى أن يقالَ: إن الله عز وجل أخبرَ أنه يُعذِّبُ هؤلاء المنافقين

(5)

الذين مَرَدوا على النفاقِ مرَّتين، ولم يَضَعْ لنا دليلًا يوصَلُ

(6)

به إلى علمِ صفةِ ذَينِك العذابين، وجائزٌ أن يكونَ بعضُ ما ذَكَرنا عن القائلين ما أُنبِئنا عنهم، وليس عندَنا علمٌ بأيِّ ذلك من أيٍّ

(7)

، غيرَ

(8)

أن في قولِه جلّ ثناؤه: {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} . دلالةً على أن العذابَ في المرَّتين كلتيهما قبلَ دخولِهم النارَ، والأغلبُ من إحدى المرَّتين أنها

(9)

في القبرِ. وقولُه: {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} . يقولُ: ثم يُرَدُّ هؤلاء المُنافقون بعدَ تعذيبِ اللهِ إياهم مرَّتين إلى عذابٍ عظيمٍ، وذلك عذابُ جهنمَ.

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف:"القبر".

(2)

في م: "إليه".

(3)

في م: "يخلدون".

(4)

سيرة ابن هشام 2/ 553، 554، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1871 من طريق سلمة بنحوه، مقتصرا على قوله: العذاب العظيم .....

(5)

ليست في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.

(6)

في م: "نتوصل".

(7)

في م: "بأى".

(8)

في م: "علي"، وفى ف:"عن".

(9)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"أنهما".

ص: 649

‌القولُ في تأويلِ قولهِ: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ومن أهلِ المدينةِ مُنافقون مَرَدُوا على النفاقِ، ومنهم آخرون {اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} ، يقولُ: أقَرُّوا بذنوبِهم، {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا}. يعنى جلّ ثناؤه بالعملِ الصالحِ الذي خَلَطوه بالعملِ السَّيِّئِ: اعتِرَافهم بذنوبِهم، وتوبتَهم منها، والآخرُ السَّيِّئُ هو تَخَلُّفُهم عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حينَ خَرَج محارِبًا

(1)

، وتَركُهم الجهادَ مع المسلمين.

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} . وإنما الكلامُ: خَلَطُوا عملًا صالحًا بآخرَ سَيِّئٍ؟ قيل: قد اختَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فكان بعضُ نَحوييِّ البصرةِ يقولُ: قيل ذلك كذلك، وجائزٌ في العربيةِ أن يكونَ بآخرَ

(2)

، كما تقولُ: استَوى الماءُ والخشبةُ. أي: بالخشبةِ، وخَلَطتُ الماءَ واللبنِ. [أي: باللبنِ. وقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ: ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: خلَطتُ الماءَ واللبنَ]

(3)

. وأنكَر أن يكون نظيرَ قولِهم: استوَى الماءُ والخشبةَ. واعتلَّ في ذلك أن الفعلَ في الخلطِ عاملٌ في الأولِ والثانى، وجائزٌ تقديمُ كلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه، وأن تقديمَ الخشبةِ على الماءِ غيرُ جائزٍ في قولِهم: استوى الماءُ والخشبةُ. وكان ذلك عندَه

(4)

دليلًا على مُخالفةِ ذلك الخلطَ.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندى، أنه بمعنى قولِهم: خَلَطتُ

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف:"غازيا".

(2)

لعل هنا سقطا.

(3)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.

(4)

في م: "عندهم".

ص: 650

الماء واللبنَ. بمعنى: خلطتُه باللبنِ.

{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} . يقولُ: لعلَّ الله أن يتوبَ عليهم. و (عسى) من اللهِ واجبٌ، وإنما معناه: سيتوبُ اللهُ عليهم. ولكنه في كلامِ العربِ على ما وصفتُ، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. يقولُ: إن الله ذو صَفحٍ وعَفوٍ لمن تابَ من

(1)

ذنوبِه، وساترٌ له عليها، {رَحِيمٌ} به أن يُعذِّبَه بها.

وقد اختلف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الآيةِ، والسببِ الذي من أجلِه أُنزِلت فيه؛ فقال بعضُهم: نَزَلت في عشْرةِ أنفسٍ كانوا تخلَّفوا عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تبوكَ، منهم أبو لُبابةَ، فرَبَطَ سبعةٌ منهم أنفسَهم بالسَّوارى

(2)

عندَ مَقدَمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ توبةً منهم من ذنبِهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} . قال: كانوا عشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفوا عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تبوكَ، فلما حَضَر رجوعُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أوثَقَ سبعةٌ منهم أنفسَهم بسَوارى المسجدِ، فكان ممَرُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا رَجَع في المسجدِ عليهم، فلما رآهم قال:"من هؤلاء المُوثِقُون أنفسَهم بالسَّواري؟ ". قالوا: هذا أبو لُبابةَ وأصحابٌ له تَخلَّفوا عنك يا رسولَ اللهِ؛ حتى تُطلِقَهم وتَعذِرَهم. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وأنا أُقسِمُ باللهِ لا أطلِقُهم ولا أَعذِرُهم حتى يكونَ اللهُ هو الذي يُطلِقُهم؛ رَغِبوا عنِّي وتَخَلَّفوا عن الغزوِ مع المسلمين". فلما

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف:"عن".

(2)

في ص، م، ف:"إلى السوارى".

ص: 651

بَلَغهم ذلك قالوا: ونحن واللهِ لا نطلقُ أنفسَنا حتى يكونَ اللهُ الذي يُطلِقُنا. فأنزل اللهُ عز وجل: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} . و"عسى" من اللهِ واجبٌ، فلما نَزَلت، أرسلَ إليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعَذَرَهم

(1)

.

وقال آخرون: بل كانوا ستةً، أحدُهم أبو لُبابةَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، وذلك أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غَزا غزوةَ تبوكَ، فتَخلَّف أبو لُبابةَ وخمسةٌ معه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم إنّ أبا لُبابةَ ورَجلَين معه تَفَكَّروا ونَدِموا وأيقَنوا بالهلَكةِ، وقالوا: نكونُ في الكِنِّ والطمأنينةِ مع النساءِ، ورسولُ اللهِ والمؤمنون معه في الجهادِ، واللهِ لنُوثِقَنَّ أنفسَنا بالسَّوارى، فلا نطلقُها حتى يكونَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هو يُطلِقُنا ويَعْذِرُنا. فانطلَقَ أبو لُبابةَ فأوثَقَ نفسَه ورجلان معه بسَوارى المسجدِ، وبَقِىَ ثلاثةُ نفرٍ لم يُوثِقوا أنفسَهم، فرَجَع رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه، وكان طريقُه في المسجدِ، فمرَّ عليهم فقال:"من هؤلاء المُوثِقو أنفسِهم بالسَّوارِى؟ ". فقالوا: هذا أبو لُبابةَ وأصحابٌ له؛ تخلَّفوا عن رسولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم فعاهدوا الله ألّا يُطلِقوا أنفسَهم حتى تكون أنت الذي تُطلِقُهم وترضَى عنهم، وقد اعترَفوا بذنوبِهم. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "والله لا أُطلِقُهم حتى أُومَرَ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1872، 1874 مفرقا، وابن مردويه - كما في تخريج أحاديث الكشاف 2/ 98 - و البيهقي في الدلائل 5/ 271 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي مطولًا في الدر المنثور 3/ 272 إلى ابن المنذر. وستأتى تتمته في ص 659، 662، 667، 669.

ص: 652

بإطلاقِهم، ولا أَعْذِرُهم حتى يكون اللهُ هو يَعْذِرُهم، وقد تَخَلَّفوا عنى ورَغِبُوا بأنفسِهم عن غزوِ المسلمين وجهادِهم". فأنزل الله عز وجل برحمتِه:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} و"عسى" من اللهِ واجبٌ، فلما نَزَلت الآيةُ أطلقَهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعَذَرَهم، وتجاوزَ عنهم

(1)

.

وقال آخرون: الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارى كانوا ثمانيةً.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن زيدِ بن أسلمَ {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)} قال: هم الثمانيةُ الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارِى؛ منهم: كَرْدَمٌ ومِرْداسٌ، وأبو لُبابةَ

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارِى؛ هلالٌ، وأبو لُبابةَ، وكَرْدَمٌ، ومِرْداسٌ، وأبو قيسٍ

(3)

.

وقال آخرون: بل كانوا سبعةً.

‌ذكرُ من قال ذلك

حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَآخَرُونَ

(1)

في الأصل: "عن ذنوبهم". والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1872 عن محمد بن سعد به.

وعزاه السيوطي مطولًا في الدر المنثور 3/ 273 إلى ابن مردويه. وستأتى تتمته في ص 660، 669.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1872 من طريق يعقوب به. وستأتى تتمته في ص 660.

(3)

ينظر تفسير البغوي 4/ 90.

ص: 653

اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}. ذُكِر لنا أنهم كانوا سبعةَ رَهْطٍ تَخَلَّفوا عن غزوةِ تبوكَ، فأمَّا أربعةٌ فَخَلَطوا عملًا صالحًا وآخَرَ سيئًا؛ جَدُّ بن قيسٍ، وأبو لُبابةَ، وجذامٌ

(1)

، وأوسٌ، وكلُّهم مِن الأنصارِ، وهم الذين قيل فيهم:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} الآية

(2)

[التوبة: 103].

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عَن قتادةَ:{خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} . قال: هم نَفَرٌ ممن تَخلَّفَ عن تبوكَ

(3)

؛ منهم أبو لُبابةَ، ومنهم جَدُّ

(4)

بنُ قَيْسٍ، تِيبَ عليهم. قال قتادةُ: وليسوا بالثلاثةِ

(5)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} . قال: هم سبعةٌ؛ منهم أبو لُبابةَ، كانوا تَخَلَّفوا عن غزوةِ تبوكَ، وليسوا بالثلاثةِ.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} ، نَزَلَت في أبى لُبابةَ وأصحابِه، تَخَلَّفوا عن نبيِّ

(1)

في ص، ت 1، س:"حدام" غير منقوطة، وفى م، ت 2، ف، والدر المنثور:"حرام"، وفي تفسير ابن أبي حاتم:"خذام"، وفي الإصابة:"خدام".

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1873 من طريق يزيد به، وأخرجه عبد بن حميد - كما في الإصابة 1/ 146 - من طريق سعيد به بدون ذكر "جذام".

وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 273 إلى أبى الشيخ.

(3)

بعده في الأصل: "مع رسول صلى الله عليه وسلم".

(4)

في الأصل: "جابر" وانظر مصدر التخريج.

(5)

في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف:"بثلاثة"، يشير إلى قوله تعالى:{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1873 من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 286 عن معمر به.

ص: 654

اللهِ صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تبوكَ، فلمَّا قَفَلَ

(1)

رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من غزوتِه، و

(2)

كان قريبًا مِن المدينةِ، نَدِموا على تَخَلُّفِهم عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وقالوا: نكونُ في الظِّلالِ والأطعمةِ والنساءِ، ونبيُّ اللهِ في الجهادِ واللَّأْواءِ! واللَّهِ لنُوثِقَنَّ أنفسَنا بالسَّوارِى، ثم لا نطلقُها حتى يكونَ نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُطْلِقُنا

(3)

ويَعْذُرُنا. وأوثَقوا أنفسَهم، وبَقِيَ ثلاثةٌ لم يُوثِقوا أنفسَهم بالسواري

(4)

، فَقَدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن غزوتِه، فمرَّ في المسجدِ، وكان طريقَه، فأبصَرهم، فسأل عنهم، فقيل له: أبو لُبابة وأصحابُه تَخَلَّفوا عنك يا نبيَّ اللَّهِ، فصَنَعوا بأنفسِهم ما تَرَى، وعاهَدوا الله

(5)

لا يُطْلِقُوا

(6)

أنفسَهم حتى تكون أنتَ الذي تُطْلِقُهم. فقال نبيُّ اللِه صلى الله عليه وسلم: "لا أُطْلِقُهم حتى أُومَرَ بإطلاقِهم، ولا أعْذُرُهم حتى يَعْذُرَهم اللهُ. و

(7)

قد رَغَبُوا بأنفسِهم عن غزوةِ المسلمين". فأنزل اللهُ عز وجل: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} إلى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} و (عسى) مِن اللهِ واجبٌ، فأطْلَقَهم نبيُّ اللهِ وعَذَرَهم

(8)

.

وقال آخرون: بل عُنِى بهذه الآيةِ أبو لُبابةَ خاصةً، وذنبُه الذي اعتَرَف به، فتِيبَ عليه منه، ما كان مِن أمرِه في بني قُريظةَ.

(1)

في ت 1، ت 2، س:"ثقل".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

في ت 1، ت 2، س:"يطلقها".

(4)

ليست في: م.

(5)

بعده في م: "أن" والمثبت من سائر النسخ وله وجه في اللغة.

(6)

بعده في الأصل: "عن".

(7)

سقط من: م.

(8)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 272 إلى أبى الشيخ. وسيأتي تتمته في ص 661، 671.

ص: 655

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} . قال: نَزَلَت في أبي لُبابةَ، قال لقُريظةَ ما قال

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} . قال: أبو لُبابةَ، إذ قال لقُريظةَ ما قال، أشارَ إلى حلقِه: إن محمدًا ذابحُكم إن نَزَلتم على حُكْمِ اللَّهِ.

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} . فَذَكَر نحوَه، إلا أنه قال: إن نَزَلْتم على حكمِه.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: رَبَطَ أبو لُبابةَ نفسَه إلى ساريةٍ، فقال: لا أحُلُّ نفسى حتى يَحُلَّنى اللهُ ورسولُه. قال: فحَلَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وفيه أُنزِلَت هذه الآيةُ:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا} الآية.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} . قال: نَزَلَت في أبي لُبابةَ

(2)

.

وقال آخرون: بل نَزَلَت في أبي لُبابةَ بسببِ تَخلُّفِه عن تبوكَ.

(1)

تفسير مجاهد ص 374، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1873 والبيهقي في الدلائل 5/ 271. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 272 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1873 من طريق المحاربي به.

ص: 656

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، قال: قال الزهريُّ: كان أبو لُبابةَ ممن تخلَّفَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تبوكَ، فرَبَطَ نفسَه بساريةٍ، فقال: واللهِ لا أَحُلُّ نفسى منها، ولا أذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ، أو يتوبَ اللهُ عليَّ. فمكَتَ سبعةَ أيامٍ لا يذوقُ فيها

(1)

طعامًا ولا شرابًا، حتى خَرَّ مَغْشِيًّا عليه. قال: ثم تابَ اللهُ عليه، ثم قيل له: قد تِيبَ عليك يا أبا لُبابةَ. فقال: واللهِ لا أَحلُّ نفسى

(2)

حتى يكونَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هو يَحُلُّنى. قال: فجاءَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم فَحَلَّه بيدِه، ثم قال أبو لُبابةَ: يا رسولَ اللهِ، إن مِن تَوْبتى أن أهجُرَ دارَ قومى التي أصبتُ فيها الذنبَ، وأن أنخلِعَ مِن مالى كلِّه صدقةً إلى اللهِ وإلى رسولِه. قال: "يُجْزِئُك يا أبا لُبابةَ الثُّلثُ

(3)

.

وقال بعضُهم: عُنِى بهذه الآيةِ الأعرابُ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} . قال: فقال: إنهم مِن الأعرابِ

(4)

.

(1)

سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

من هنا خرم في مخطوط جامعة القرويين المشار إليه بالأصل، ينتهي في ص 679.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 286، وأخرج آخره في (16397) عن ابن جريج ومعمر به، وعن معمر وحده في (9745).

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1873 عن محمد بن سعد به.

ص: 657

حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حَجَّاجِ بن أَبي زينبَ

(1)

، قال: سمعتُ أبا عثمانَ يقولُ: ما في القرآنِ آيةٌ أَرْجَى عندى لهذه الأمةِ مِن قولِه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} إلى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

(2)

.

قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك، قولُ مَن قال: نَزَلَت هذه الآيةُ في المُعْترِفِين بخطإِ فعلِهم في تَخَلُّفِهم عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وتَرْكِهم الجهادَ معه، والخروجَ لغزوِ الرومِ حينَ شَخَصَ إلى تبوكَ، وإن الذين نَزَل ذلك فيهم جماعةٌ أحدُهم أبو لُبابةَ.

وإنما قُلنا: ذلك أولَى بالصوابِ في ذلك؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قال: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} . فأخبَر عن اعترافِ جماعةٍ بذنوبِهم، ولم يكنِ المُعترِفُ بذنبِه المُوثِقُ نفسَه بالساريةِ في حصارِ قُريظةَ غيرَ أبي لُبابةَ وحدَه، فإذ كان ذلك، وكان اللهُ تبارك وتعالى قد وَصَفَ في قولِه:{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} . بالاعترافِ بذنوبِهم جماعةً، عُلِمَ أن الجماعة الذين وَصَفَهم بذلك ليست

(3)

الواحدَ، فقد تَبَيَّن بذلك أن هذه الصفةَ إذ

(4)

لم تكنْ إلا لجماعةٍ، وكان لا جماعةَ فَعَلَت ذلك - فيما نَقَلَه أهلُ السيرِ والأخبارِ، وأجمَع عليه أهلُ التأويلِ - إلا جماعةٌ من المُتخلفِين عن غزوةِ تبوكَ، صَحَّ ما قُلنا في ذلك. وقُلنا: كان منهم أبو لُبابةَ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك.

(1)

في النسخ: "ذئب". والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال 5/ 437.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 13/ 548، وابن أبي الدنيا في التوبة - كما في الدر المنثور 3/ 273 - ومن طريقه البيهقى في الشعب (7165) من طريق يزيد بن هارون، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 273 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

في م: "السبب غير".

(4)

في م: "إذا".

ص: 658

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: يا محمدُ، خُذْ مِن أموالِ هؤلاءِ الذين اعْتَرَفوا بذنوبِهم، فتابوا منها، {صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} مِن دَنَسِ ذنوبِهم، {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}. يقولُ: وتُنَمِّيهم وتَرْفعُهم عن خَسيسِ منازلِ أهلِ النفاقِ بها، إلى منازلِ أهلِ الإخلاصِ، {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}. يقولُ: وادْعُ لهم بالمغفرةِ لذنوبِهم، واستغفِرْ لهم منها، {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ}. يقولُ: إن دعاءَك واستغفارَك طُمأنينةٌ لهم، بأن الله قد عَفا عنهم، وقبل توبتَهم، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. يقولُ: واللهُ سميعٌ لدعائِك إذا دعوتَ لهم، ولغيرِ ذلك مِن كلامِ خلقِه، {عَلِيمٌ} بما تطلبُ لهم بدعائِك ربَّكَ لهم، وبغيرِ ذلك مِن أمورِ عبادِه.

وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: جاءوا بأموالِهم - يعنى أبا لُبابةَ وأصحابَه - حينَ أُطلِقوا، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، هذه أموالُنا فتَصَدَّقْ بها عنا، واستغفرْ لنا. قال:"ما أُمِرْتُ أن آخُذَ مِن أموالِكم شيئًا". فأنزَل اللهُ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ، يعنى بالزكاةِ: طاعةَ اللهِ والإخلاصَ، {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}. يقولُ: استغفرْ لهم

(1)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1874، 1876 من طريق أبي صالح به. وتقدم أوله في ص 651.

ص: 659

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا أطْلَق رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أبا لُبابةَ وصاحِبَيه، انطَلَق أبو لُبابةَ وصاحِباه بأموالِهم، فأتَوا بها رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: خُذْ مِن أموالنا فتَصدَّقْ بها عَنَّا، وصَلِّ علينا - يقولون: استغفرْ لنا - وطَهِّرْنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا آخُذُ منها شيئًا حتى أُومَرَ". فأنزَل اللهُ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} . يقولُ: استغفِرْ لهم من ذنوبِهم التي كانوا أصابوا. فلما نَزَلَت هذه الآيةُ أخذ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جزءًا من أموالهم، فتَصدَّقَ بها عنهم

(1)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: لمَّا أطْلَقَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا لُبابةَ، والذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارِى، قالوا: يا رسولَ اللهِ، خُذْ من أموالِنا صدقةً تُطَهِّرْنا بها. فأنزَل اللهُ:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} الآية

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: قال الذين رَبَطوا أنفسَهم بالسَّوارِى حينَ عَفا اللهُ عنهم: يا نبيَّ اللهِ، طَهِّرْ أموالَنا. فأنزَل اللهُ:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ، وكان الثلاثةُ إذا اشْتَكَى أحدُهم اشْتَكَى الآخران مثلَه، وكان عَمِيَ منهم اثنان، فلم يَزَلِ الآخرُ يَدْعو حتى عَمِيَ

(3)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الأربعةُ؛ جَدُّ بنُ

(1)

تقدم أوله في ص 652.

(2)

تقدم أوله في ص 653.

(3)

ينظر التبيان 5/ 292، وقد تقدم أوله في ص 653.

ص: 660

قيسٍ، وأبو لُبابةَ، وجذامٌ

(1)

، وأوسٌ، وهم الذين قيل فيهم:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} . أي: وقارٌ لهم، وكانوا وَعَدوا من أنفسِهم أن يُنْفِقوا، ويُجاهِدوا، ويَتَصَدَّقوا

(2)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ، قال: لمَّا أطلَق نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم أبا لُبابةَ وأصحابه، أتوا نبيَّ اللهِ بأموالِهم، فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، خُذْ مِن أموالِنا فتصَدَّق به عنا، وطَهِّرْنا وصَلِّ علينا. يقولون: استغفِرْ لنا. فقال نبيُّ اللهِ: "لا أَخُذُ مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيئًا حتى أُومَرَ فيها". فأنزَل اللهُ، عز وجل:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} من ذنوبِهم التي أصابُوا، {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}. يقولُ: استغفِرْ لهم. ففَعَل نبيُّ اللهِ، عليه الصلاة والسلام، ما أمَره اللهُ به

(3)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} : أبو لُبابةَ وأصحابُه، {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}. يقولُ: استغفِرْ لهم لذنوبِهم التي كانوا أصابوا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} . قال: هؤلاء ناسٌ مِن المنافقين ممن كان تَخلَّف عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تبوكَ، اعتَرَفوا بالنِّفاقِ، وقالوا: يا رسولَ اللهِ، قد ارْتَبْنا ونافَقْنا وشَكَكْنا، ولكن توبةٌ جديدةٌ، وصدقةٌ نُخْرِجُها من أموالِنا، فقال اللهُ لنبيِّه، عليه الصلاة والسلام: {خُذْ مِنْ

(1)

في م، ت 2، ف:"حرام". وغير منقوطة في ص.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1875 من طريق سعيد بن بشير عن قتادة بنحوه، وأخرج بعضه في 6/ 1876 من طريق يزيد به، وقد تقدم أوله في ص 653.

(3)

أخرج بعضه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1875 من طريق أبي معاذ به مختصرًا، وقد تقدم أوله في ص 654.

ص: 661

أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}، بعدَما قال:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}

(1)

[التوبة: 84].

واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ رفعِ {وَتُزَكِّيهِمْ} ؛ فقال بعضُ نحويى البصرةِ: رفعُ {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} في الابتداءِ، وإن شئتَ جعلتَه من صفةِ الصدقةِ، ثم جئتَ بها توكيدًا، وكذلك {تُطَهِّرُهُمْ} .

وقال بعضُ نحويى الكوفةِ: إن كان قولُه: {تُطَهِّرُهُمْ} للنبيِّ، عليه الصلاة والسلام، فالاختيارُ أن تجزمَ؛ لأنه

(2)

لم يَعُدْ على الصدقةِ عائدٌ، {تُزَكِّيهِمْ} مُستأنَفٌ. وإن كانت الصدقةُ تُطَهِّرُهم، وأنت تُزَكِّيهم بها، جازَ أن تجزمَ الفعلَين وترفعَهما

(3)

.

قال أبو جعفرٍ: والصوابُ في ذلك مِن القولُ أن قولَه: {تُطَهِّرُهُمْ} مِن صلةِ الصدقةِ؛ لأن القرأةَ مُجْمِعَةٌ على رفِعها، وذلك دليل على أنه مِن صلةِ الصدقةِ. وأما قوله:{تُزَكِّيهِمْ بِهَا} فخبرٌ مُسْتأنَفٌ، بمعنى: وأنت تُزَكِّيهم بها، فلذلك رُفِعَ.

واخْتلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} .

فقال بعضُهم: رحمةٌ لهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1875 من طريق أصبغ عن ابن زيد به.

(2)

في م، ت 1:"بأنه".

(3)

ينظر البحر المحيط 5/ 95.

ص: 662

عباسٍ: {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} . يقولُ: رحمةٌ لهم

(1)

.

وقال آخرون: بل معناه: إن صلاتَك وَقارٌ لهم.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:{إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} . أي: وَقارٌ لهم

(2)

.

واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَته قرأةُ المدينةِ (إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ). بمعنى: دَعواتِك.

وقرَأ قرأةُ العراقِ وبعضُ المكيِّين: {إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} . بمعنى: إِن دعاءَك

(3)

. وكأن الذين قَرَءُوا ذلك على التوحيدِ، رَأَوْا أن قراءتَه بالتوحيدِ أصحُّ؛ لأن في التوحيدِ مِن معنى الجمعِ وكثرةِ العددِ ما ليس في قولِه:(إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ)، إذ كانت الصلواتُ هي جمعٌ لِما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ مِن العددِ، دونَ ما هو أكثرُ من ذلك. والذي قالوا مِن ذلك، عندَنا كما قالوا: وبالتوحيدِ عندَنا القراءةُ لا [العلةُ؛ لأن]

(4)

ذلك في العددِ أكثرُ من الصلواتِ، ولكن المقصودَ منه الخبر عن دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وصلواتِه

(5)

أنه سَكَنٌ لهؤلاءِ القومِ، لا الخبرُ عن العددِ. وإذا كان ذلك كذلك، كان التوحيدُ في الصلاةِ أَوْلى

(6)

.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1876 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 270 إلى أبى الشيخ، وقد تقدم أوله في ص 651.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1876 من طريق يزيد به.

(3)

قرأ حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وإن صلاتك على التوحيد ونصب التاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بالجمع وكسر التاء. السبعة ص 317، والتيسير ص 97.

(4)

في م، ت 1:"لعلة أن".

(5)

في م: "صلاته".

(6)

والقراءتان كلتاهما صواب.

ص: 663

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)} .

وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه، أخبرَ المؤمنين به أن قبولَ توبةِ مَن تابَ مِن المنافقين، وأخْذَ الصدقةِ مِن أموالِهم إذا أعْطَوها - ليسا إلى نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأن نبيَّ الله حينَ أبَى أن يُطْلِقَ مَن رَبَطَ نفسَه بالسَّوارِى من المتخلفين عن الغزوِ معه، وحينَ تَرَكَ قبولَ صَدَقتِهم بعدَ أن أطلقَ اللهُ عنهم حتى

(1)

أَذِنَ له في ذلك - إنما فَعَلَ ذلك مِن أجلِ أن ذلك لم يكنْ إليه صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك إلى اللهِ تعالى ذكرُه دونَ محمدٍ، وأن محمدًا إنما يفعلُ ما يفعلُ مِن تَرْكٍ وإطلاقٍ وأخْذٍ صدقةٍ، وغيرِ ذلك مِن أفعالِه بأمرِ اللهِ. فقال جلَّ ثناؤُه: ألم يعلمْ هؤلاءِ المُتَخَلِّفون عن الجهادِ مع المؤمنين، المُوثِقو أنفسِهم بالسَّوارِى، القائلون: لا تُطلِقُ أنفسَنا حتى يكونَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هو الذي يُطْلِقُنا. السَّائلو رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أخْذَ صدقةِ أموالِهم - أنَّ ذلك ليس إلى محمدٍ، وأن ذلك إلى اللهِ، وأن الله هو الذي يقبلُ توبةَ مَن تابَ مِن عبادِه، أو يَرُدُّها، ويأخُذُ صدقةَ مَن تَصدَّقَ منهم، أو يَرُدُّها عليه دونَ محمدٍ، فيُوجِّهوا توبتَهم وصدقتَهم إلى اللهِ، ويقصِدوا بذلك قصدَ وجهِه دونَ محمدٍ وغيرِه، ويُخلِصوا التوبةَ له ويُريدوه بصدقتِهم، ويَعْلَموا أن الله هو التوابُ الرحيمُ؟ يقولُ:[المُراجِعُ لعبيدِه]

(2)

إلى العفوِ عنهم إذا رجَعوا إلى طاعتِه، الرحيمُ بهم إذا هم أنابُوا إلى رِضاه مِن عقابِه.

وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال الآخرون: يعنى الذين لم يَتوبوا من المُتخلِفين: هؤلاءِ، يعنى الذين

(1)

في م، ت 1، ت 2، س، ف:"حين".

(2)

في م: "المرجع بعبيده"، وفى ف:"الراجع لعبيده".

ص: 664

تابوا، كانوا بالأمسِ معنا لا يُكلَّمون ولا يُجالَسون، فما لهم؟ فقال اللهُ:{أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بن المُثَنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرَني رجلٌ كان يأتى حمادًا ولم يجلسْ إليه، قال شعبةُ: قال العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ: هو قتادةُ، أو ابن قتادةَ، رجلٌ مِن مُحاربٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ السائبِ - وكان جارَه - قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: ما من عبدٍ تَصدَّقَ بصدقةٍ إلا وَقَعَت في يدِ اللهِ، فيكونُ هو الذي يضعُها في يدِ السائلِ. وتَلَا هذه الآية:[(وهو الذي يَقْبَلُ التوبةَ عن عبادِه ويَأْخُذُ الصدقاتِ)]

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن عبدِ اللهِ بن السائبِ، عن عبدِ اللهِ بن

(3)

قتادةَ المُحارِبيِّ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ قال: ما تصَدَّقَ رجلٌ بصدقةٍ إلا وَقَعَت في يدِ اللهِ قبلَ أن تَقَعَ في يدِ السائلِ، وهو يَضَعُها في يدِ السائلِ. ثم قرَأ:{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}

(4)

.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1876 من طريق أصبغ عن ابن زيد به.

(2)

كذا في النسخ، وهو خلط بين الآية 104 من سورة التوبة وبين الآية 25 من سورة الشورى:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} وآية التوبة هي موضع الاستشهاد في الأثر وينظر ما تقدم 5/ 46.

(3)

بعده في النسخ: "أبي". والصواب - كما سيأتي في الأثر التالي - ما أثبتناه. وينظر التاريخ الكبير 5/ 175.

(4)

تفسير عبد الرزاق 1/ 287، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (647)، وأبو عبيد في الأموال (901)، وابن زنجويه في الأموال (1305)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1877، والطبراني (8571) من طريق الثورى به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 275 إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.

ص: 665

السائبِ، عن عبدِ اللهِ بن

(1)

قتادةَ، عن ابن مسعودٍ بنحوِه.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمْشِ، عن عبدِ اللهِ بن السائبِ، عن عبدِ اللهِ بن

(2)

قتادَة، قال: قال عبدُ اللهِ: إن الصدقةَ تَقَعُ في يدِ اللهِ قبلَ أَن تَقَعَ في يدِ السائلِ، ثم قرَأ هذه الآيةَ:{هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}

(3)

.

حدَّثنا أبو كريبٍ، [قال: حدَّثنا وكيعٌ]

(4)

، قال: ثنا عبَّادُ بنُ منصورٍ، عن القاسمُ، أنه سمِع أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الله يَقْبَلُ الصدقةَ، ويَأخُذُها بيمينِه، فيُربِّيها لأحدِكم كما يُربِّي أحدُكم مُهْرَه، حتى إِنَّ اللقمةَ لتصيرُ مثلَ أُحُدٍ"

(5)

. وتصديقُ ذلك في كتابِ اللهِ: [(وهو الذي]

(6)

يقبلُ التوبةَ عن عبادِه، ويأخذُ الصدقات) و {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276].

حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بن الأقطعِ الرَّقِّيُّ

(7)

، قال: ثنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن عبّادِ بن منصورٍ، عن القاسمِ، عن أبي هريرةَ، ولا أُراه إلا قد رفَعه، قال: إن الله يَقْبَلُ الصدقةَ. ثم ذكَر نحوَه (5).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن القاسمُ بن محمدٍ عن أبي هريرةَ قال: إِنَّ الله يَقْبَلُ الصدقةَ إذا كانت مِن طيِّبٍ،

(1)

بعده في م: "أبى".

(2)

بعده في النسخ: "أبي".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسير 4/ 146 عن الأعمش به.

(4)

سقط من النسخ. والمثبت مما تقدم في 5/ 46.

(5)

تقدم تخريجه في 5/ 46.

(6)

في م: "أن الله هو". وينظر ما تقدم في 5/ 46.

(7)

في م: "الربى". وينظر الجرح والتعديل 4/ 131.

ص: 666

ويَأْخُذُها بيمينِه، وإن الرجلَ يَتَصَدقُ بمثلِ اللقمةِ، فيُربِّيها اللهُ له، كما يُربِّي أحدُكم فَصِيلَه أو مُهْرَه، فتَرْبُو في كفِّ اللهِ - أو قال: في يدِ اللهِ - حتى تكونَ مثلَ الجبلِ

(1)

.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} ، ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يَقُولُ:"والذي نفسُ محمدٍ بيدِه، لا يَتَصدَّقُ رجلٌ بصدقةٍ فتَقَعُ في يدِ السائلِ حتى تَفَعَ في يدِ اللهِ".

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةٌ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ، يعنى إن استقاموا

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: {وَقُلْ} يا محمدُ لهؤلاءِ الذين اعترَفوا لك بذنوبِهم من المتخلِّفين عن الجهادِ معَك: {اعْمَلُوا} للهِ بما يُرْضِيهِ مِن طاعتِه وأداءِ فرائضِه، {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}. يَقُولُ: فسيرى اللهُ إن عمِلتُم عملَكم، ويراه رسولُه {وَالْمُؤْمِنُونَ} في الدنيا، {وَسَتُرَدُّونَ} يومَ القيامةِ إلى مَن يَعْلَمُ سرائرَكم وعلانيتَكم، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن باطنِ أمورِكم وظواهرِها،

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 287 عن معمر به، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 42 من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بنحوه، وقد تقدم في 5/ 47 من طريق عبد الرزاق عن معمر به مرفوعا.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1905 من طريق عبد الله بن صالح به، وهو تتمة الأثر المتقدم في ص 651.

ص: 667

{فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . يقولُ: فيُخْبِرُكم بما كنتم تَعمَلون؛ وما منه خالصًا وما منه رياءً

(1)

، وما منه طاعةً وما منه للهِ معصيةً، فيجازِيكم على ذلك كلِّه جزاءَكم؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} . قال: هذا وعيدٌ

(2)

.

‌القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: ومن هؤلاء المُتَخَلِّفين عنكم حينَ شَخَصْتُم لعدوّكم، أيُّها المؤمنون، آخرون.

ورُفِع قولُه: {وَآخَرُونَ} . عطفًا على قولِه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التوبة: 102].

{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ} . يعني: مُرْجَئون

(3)

لأمرِ اللهِ وقَضائِه.

يقالُ منه: أرجأتُه أُرْجِئُه إرْجاءً، وهو مُرْجَأٌ، بالهمزِ، وتركِ الهمزِ، وهما لغتان معناهما واحدٌ. وقد قَرَأَتِ القرأةُ بهما جميعًا

(4)

.

وقيل: عُنِىَ بهؤلاءِ الآخَرِين، نفرٌ ممن كان تَخلَّفَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في غزوةِ تبوكَ، فنَدِموا على ما فَعَلُوا، ولم يَعْتَذِروا إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عندَ مَقْدَمِه، ولم يُوثِقوا أنفسَهم بالسَّوارِى، فأَرْجَأَ اللهُ أمرَهم إلى أن صَحَّتْ توبتُهم، فتابُ عليهم،

(1)

بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"لغيره".

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 270 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.

(3)

في ص، ت 2، س، ف:"مرجون".

(4)

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة ويعقوب بهمزة مضمومة بعد الجيم، وقرأ الباقون: نافع وحفص وحمزة والكسائي وأبو جعفرٍ وخلف بواو ساكنة بعد الجيم من غير همز. البدور الزاهرة 139.

ص: 668

وعَفا عنهم.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: وكان ثلاثةٌ منهم - يعنى مِن المُتخلِّفِين عن غزوةِ تبوكَ - لم يُوثِقوا أنفسَهم بالسَّوارِي، أُرْجئوا سَبْتَةً

(1)

، لا يَدْرون أيُعَذَّبون أو يُتابُ عليهم، فأنزَل اللهُ:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ} إلى قولِه: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}

(2)

[التوبة: 117، 118].

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ، يعنى قولَه:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]. أخَذ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من أمواِلهم - يعنى: مِن أموالِ أبى لُبابةَ وصاحِبَيه - فتَصدَّقَ بها عنهم، وبَقِيَ الثلاثةُ الذين خالَفوا أبا لُبابةَ، ولم يُوثِقوا، ولم يُذْكَروا بشيءٍ، ولم يَنْزِلْ عُذْرُهم، وضاقَت عليهم الأرضُ بما رَحُبَت، وهم الذين قال اللهُ:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} . فجعَل الناسُ يقولون: هَلكوا إذ لم ينزلْ لهم عُذْرٌ. وجعَل آخرون يقولون: عسى اللهُ أن يغفرَ لهم. فصاروا مُرْجَئِين لأمرِ اللهِ حتى نَزَلَت: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ

(1)

في مصدر التخريج: "سنة". والسبتة: مدة من الزمان قليلة كانت أو كثيرة. النهاية 2/ 231.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1878 من طريق أبي صالح به. وهو جزء من أثر مطول تقدم أوله في ص 651.

ص: 669

الْعُسْرَةِ}. الذين خَرَجوا معه إلى الشامِ، {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117]. ثم قال: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} . يعنى المُرْجَئِين لأمرِ اللهِ نَزَلَت عليهم التوبةُ، فعُمُّوا بها، فقال:{حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} . إلى قولِه: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}

(1)

[التوبة: 118].

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سويدُ بنُ عمرٍو، عن حمادِ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن عِكْرمةَ:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} . قال: هم الثلاثةُ الذين خُلِّفوا

(2)

.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} . قال: هلالُ مِنْ أُمَيَّةَ، ومُرارةُ بن الرَّبيعِ

(3)

، وكعبُ بنُ مالكٍ، مِن الأوسِ والخزرجِ

(4)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} : هلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبيعِ

(3)

، وكعبُ بنُ مالكٍ، مِن الأوسِ والخزرجِ.

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

(1)

تقدم أوله في ص 652.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 276 إلى ابن المنذر.

(3)

في ص، ت 1، ف:"ربعي". قال الحافظ: وفي حديث مجمع بن جارية عند ابن مردويه: مرارة بن ربعي. وهو خطأ. وينظر أسد الغابة 5/ 134، والإصابة 6/ 65، وصحيح مسلم بشرح النووى 17/ 92.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1878، من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 276 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 670

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ مثلَه

(1)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} : هم الثلاثةُ الذين خُلِّفوا عن التوبةِ - يريدُ غيرَ

(2)

أبى لُبابةَ وأصحابِه - ولم يُنْزِلِ اللهُ عُذْرَهم، فضَاقَت عليهم الأرضُ بما رَحُبَت، وكان أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيهم فرقَتَين؛ فرقةً تقولُ: هَلَكُوا حينَ لم يُنْزِلِ اللهُ فيهم ما أنزَل في أبى لُبابةَ وأصحابِه. وتقولُ فرقةٌ أخرى: عسى اللهُ أن يَعْفوَ عنهم. وكانوا مُرْجَئِين لأمرِ اللهِ. ثم أنزَل اللهُ رحمتَه ومَغْفرتَه، فقال:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ} الآية [التوبة: 117]. وأنزَل: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} . الآية

(3)

[التوبة: 118].

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} . قال: كُنَّا نُحدَّثُ أنهم الثلاثةُ الذين خُلِّفوا؛ كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبيعِ

(4)

، رهطٌ مِن الأنصارِ

(5)

.

(1)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 5/ 97، وابن كثير في تفسيره 4/ 148.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

تتمة الأثر في ص 654.

(4)

في ص، ت 1، ت 2:"ربيعة". قال النووى: "مرارة بن ربيعة. فكذا وقع في نسخ مسلم"، ووقع في البخارى: ابن الربيع. وقال الحافظ في الفتح: ابن الربيع، هو المشهور. قال ابن عبد البر: يقال بالوجهين. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 17/ 92، وفتح البارى 8/ 119.

(5)

ذكره أبو حيان في البحر المحيط 5/ 97.

ص: 671

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} . قال: هم الثلاثةُ الذين خُلِّفوا

(1)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} : وهم الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وأَرْجَأَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أمرَهم، حتى أَتَتْهم توبتُهم مِن اللهِ

(2)

.

وأما قولُه: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ} . فإنه يعنى: إما أن يَحْجِزَهم اللهُ عن التوبةِ بخِذْلانِه إياهم، فيُعذِّبَهم بذنوبِهم التي ماتوا عليها في الآخرةِ. {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ}. يقولُ: وإما يُوفِّقَهم للتوبةِ، فَيتوبوا مِن ذنوبِهم، فيغفرَ لهم، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. يقولُ: واللهُ ذو علمٍ بأمرِهم، وما هم صائرون إليه مِن التوبةِ، والمُقامِ على الذنبِ، {حَكِيمٌ} في تدْبيرِهم، وتَدْبِيرِ مَن سِواهم مِن خلقِه، لا يدخُلُ حكمَه خَلَلٌ.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين ابْتَنَوْا مسجدًا ضِرارًا، وهم فيما ذُكِر اثنا عَشَرَ نفسًا مِن الأنصارِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ ويزيدَ بن

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 287 عن معمر به.

(2)

سيرة ابن هشام 2/ 554، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1878 من طريق سلمة به.

ص: 672

رُومانَ، وعبدِ اللهِ بن أبى بكرٍ، وعاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ وغيرِهم، قالوا: أقبَل رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يعنى من تبوكَ - حتى نزَل بذى أوانٍ؛ بلدٍ بينَه وبينَ المدينةِ ساعةٌ من نهارٍ. وكان أصحابُ مسجدِ الضِّرارِ قد كانوا أتَوه، وهو يَتَجَهَّرُ إلى تبوكَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنا قد بَنَيْنا مسجدًا لذى العلةِ، والحاجةِ، والليلةِ المَطِيرةِ، والليلةِ الشاتيةِ، وإنا تُحِبُّ أن تأتِيَنا فتُصَلِّيَ لنا فيه. فقال:"إِنِّي على جَناحَ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ - أو كما قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم - ولو قد قَدِمْنا أتَيْناكم إن شاء اللهُ، فصَلَّيْنا لكم فيه". فلما نَزَل بذى أوانٍ، أتاه خبرُ المسجدِ، فَدَعا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مالكَ بنَ الدُّخْشُمِ، أخا بنى سالمِ بن عوفٍ، ومَعْنَ بنَ عَدِيٍّ - أو أخاه عاصمَ بنَ عدِيٍّ - أخا بنى العَجْلانِ، فقال:"انْطَلِقا إلى هذا المسجدِ الظالمِ أهلُه، فاهْدِماه وحَرَّقَاه"، فَخَرَجا سريعَيْن حتى أَتَيا بنى سالم بن عوفٍ، وهم رهطُ مالكِ بن الدّخْشُمِ، فقال مالكٌ بلَعْنٍ: أَنْظِرْنى حتى أخرُجَ إليك بنارٍ مِن أهلى. فَدَخَل

(1)

أهله، فَأَخَذَ سَعَفًا مِن النخلِ، فأَشْعَل فيه نارًا، ثم خَرَجا يَشْتَدَّان حتى دَخَلا المسجدَ، وفيه أهلُه، فحَرَّقاه وهَدَماه، وتَفَرَّقوا عنه، ونَزَل فيهم مِن القرآنِ ما نزَل:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} ، إلى آخرِ القصةِ، وكان الذين بنَوه اثْنِي عَشَرَ رجلًا؛ خِذَامُ بن خالدِ بن

(2)

عُبيد بن زيدٍ، أحدُ بنِي عمرِو بن عوفٍ - ومن دارِه أُخْرِج مسجدُ الشِّقاقِ - وثعلبةُ بنُ حاطبٍ، [مِن بني عُبيدٍ، وهو إلى بنى أميةَ بن زيدٍ]

(3)

، ومُعَتِّبُ بنُ قُشَيرٍ، من بنى ضُبَيعَةَ بن زيدٍ، وأبو حبيبةَ بنُ الأزْعرِ، من بني ضُبَيعةَ ابن زيدٍ، وعَبَّادُ بنُ حُنَيفٍ، أخو سَهْلِ بن حُنَيفٍ، مِن بني عمرِو

(1)

كذا في النسخ وتفسير ابن كثير، وبعده في تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام:"إلى".

(2)

في تاريخ المصنف، وسيرة ابن هشام وتفسير ابن أبي حاتم:"من بني".

(3)

في سيرة ابن هشام: "من بني أمية بن زياء". وفي ابن أبي حاتم تصحفت إلى: "هزال بن أمية بن زيد".

ص: 673

ابن عوفٍ، وجاريةُ بنُ عامرٍ، وابناه مُجَمِّعُ بنُ جاريةَ

(1)

، وزيدُ بنُ جاريةَ

(1)

، ونَبْتَلُ بنُ الحارثِ، وهم مِن بنى ضُبَيعةَ، وبَحْزَجُ

(2)

وهو إلى بني ضُبَيعةَ، وبِجَادُ بن عثمانَ، وهو مِن بنى ضُبيعةَ، ووديعةُ بنُ ثابتٍ، وهو إلى بني أميةَ، رهطِ أبي لُبابةَ بن عبدِ المنذر

(3)

.

فتأويلُ الكلامِ: والذين ابْتَنوا مسجدًا ضِرارًا لمسجدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكفرًا باللهِ لمُحَادَّتِهم بذلك رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويُفَرِّقوا به المؤمنين؛ ليُصَلِّيَ فيه بعضُهم دونَ مسجدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وبعضُهم في مسجدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فيَخْتَلِفوا بسببِ ذلك ويَفْتَرِقوا، {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ}. يقولُ: وإعدادًا له لأبي عامرٍ الكافرِ، الذي خالَف الله ورسولَه وكَفَر بهما، وقاتلَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، {مِنْ قَبْلُ}. يعنى: مِن قبلِ بنائِهم ذلك المسجدَ. وذلك أن أبا عامرٍ هو الذي كان حَزَّبَ الأحزابَ - يعنى حَزَّب الأحزابَ لقتالِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فلما خَذَلَه اللهُ، لَحِق بالرومِ يَطْلُبُ النصرَ مِن مَلِكهم على نبيِّ اللهِ، وكَتَب إلى أهلِ مسجدِ الضِّرارِ يأمُرُهم ببناءِ المسجدِ الذي كانوا بَنَوه - فيما ذُكِر عنه - ليُصَلِّي فيه - فيما يَزْعُمُ - إذا رجَع إليهم، ففَعَلوا ذلك. وهذا معنى قولِ اللهِ، جلَّ ثناؤُه:{وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} .

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"حارثة"، والمثبت من مصادر التخريج.

(2)

في م، ف:"بخدج"، وفى ت 1:"يخرج". ولعله تصحيف.

(3)

أخرجه المصنف في تاريخه 3/ 109. وأخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1879 من طريق سلمة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 277 إلى ابن المنذر، وينظر سيرة ابن هشام 2/ 529، 530، ودلائل النبوة للبيهقى 5/ 259، وابن كثير في تفسيره 4/ 149.

ص: 674

{وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولَيَحْلِفَنَّ بانُوه: {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} ببِنائِناه إلا الرفقَ بالمسلمين، والمنفعةَ والتوسعةَ على أهلِ الضَّعْفِ والعلَّةِ، ومَن عَجَزَ عن المسيرِ

(1)

إلى مسجدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصلاةِ فيه، وتلك هي الفعلةُ الحَسَنَةُ

(2)

، {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في حَلِفِهم ذلك، وقيلهم: ما بَنَيْناه إلا ونحن نريدُ الحسنى. ولكنهم بَنَوه يريدون ببنائِه السُّوآى؛ ضرارًا لمسجدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكفرًا باللهِ، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لأبى عامرٍ الفاسقِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا} : وهم أناسٌ مِن الأنصارِ ابْتَنَوا مسجدًا، فقال لهم أبو عامرٍ: ابْنُوا مسجدَكم، واسْتَعِدُّوا

(3)

بما اسْتَطعتم من قوّةٍ ومِن سلاحٍ، فإني ذاهبٌ إلى قيصرَ ملكِ الرومِ، فآتِي بجندٍ من الرومِ، فأُخْرِجُ محمدًا وأصحابَه. فلما فَرَغوا من مسجِدهم، أتَوُا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد فَرَغْنا مِن بناءِ مسجدِنا، فنحبُّ أن تُصَلِّيَ فيه، وتَدْعوَ لنا بالبركةِ. فأنزَل اللهُ فيه:{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ} ، إلى قولِه: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ

(1)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"المصير". وكلاهما بمعنى.

(2)

في ص، ف:"الحسنى".

(3)

في ابن أبي حاتم ودلائل البيهقي: "استمدوا".

ص: 675

الظَّالِمِينَ}

(1)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: لما بَنَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مسجدَ قُباءٍ، خرَج رجالٌ مِن الأنصارِ؛ منهم بَحْزَجٌ

(2)

جَدُّ عبدِ اللهِ بن حُنَيفٍ، ووَدِيعةُ بنُ حِزامٍ، ومُجَمِّعُ بنُ جاريةَ الأنصاريُّ، فَبَنَوا مسجد النِّفاقِ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِبَحْزَجٍ:"وَيْلَكَ، مَا أَرَدْتَ إلى ما أَرَى". فقال: يا رسولَ اللهِ، واللهِ ما أردتُ إلا الحُسْنَى. وهو كاذبٌ، فصَدَّقَه رسولُ اللهِ، وأرادَ أَن يَعْذُرَه، فأنزَل اللهُ:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، يعني رجلًا منهم يقالُ له: أبو عامرٍ، كان مُحارِبًا لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وكان قد انْطَلَق إلى هِرَقْلَ، فكانوا يَرْصُدُون [إذا قدِم]

(3)

أبو عامرٍ أن يُصلِّيَ فيه، وكان قد خرَج مِن المدينةِ مُحاربًا للهِ ولرسولِه:{وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}

(4)

.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} . قال: أبو عامرٍ الراهبُ، انطَلَق إلى قيصرَ، فقالوا: إذا جاء يُصَلِّي فيه. كانوا يَرَون أنه سيظهرُ على

(1)

أخرجه ابن حاتم 6/ 1878، 1881، والبيهقى في الدلائل 5/ 262، 263، من طريق أبي صالحٍ به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 276 إلى ابن المنذر وابن مردويه.

(2)

في م: "بخدج"، والمثبت موافق لما في تفسير ابن أبي حاتم.

(3)

بياض في ص، ت 1، س ف، وسقط من: م، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1879، 1880، 1881، وابن مردويه - كما في تخريج - الكشاف للزيلعي 2/ 101، 102 كلاهما عن محمد بن سعد به.

ص: 676

محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} . قال: المنافقون. {لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : لأبي عامرٍ الراهبِ

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا أبو إسحاقَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال: نَزَلَت في المُنافقِين، وقولُه:{وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} . قال: هو أبو عامرٍ الراهبُ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سُويدُ بنُ عمرٍو، عن حماد بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} . قال: هم بنو غَنْمِ بن عوفٍ

(2)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ،

(1)

تفسير مجاهد ص 374، ومن طريقه ابن أبي حاتم 6/ 1879 إلى قوله: المنافقون. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 276 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة 1/ 52، 53، والطحاوى في شرح مشكل الآثار (4739) من طريق حماد بن زيد به مطولا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 276 إلى ابن المنذر مطولا.

ص: 677

عن سعيدِ بن جبيرٍ: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} . قال: هم حَيٌّ يقالُ لهم: بنو غَنْمٍ

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ عن سعيدٍ بن جبيرٍ في قولِه:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} . قال: هم حَيٌّ يقالُ لهم: بنو غَنْمٍ

(2)

.

قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت:{وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : أبو عامرٍ الراهبُ، انطَلَق إلى الشأمِ، فقال الذين بنَوا مسجدَ الضِّرارِ: إنما بَنَيناه ليُصَلِّيَ فيه أبو عامرٍ

(3)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا} الآية: عَمَد ناسٌ مِن أهلِ النفاقِ، فابْتَنَوا مسجدًا بقباءٍ؛ ليُضاهوا به مسجدَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثم بَعَثوا إلى رسولِ اللهِ ليُصَلِّي فيه. ذُكِر لنا أنه دَعا بقميصِه ليأتيَهم حتى أطْلَعَه اللهُ على ذلك

(4)

.

وأما قولُه: {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} : فإنه كان رجلًا يقالُ له: أبو عامرٍ. فَرَّ مِن المسلمينِ فلَحِقَ بالمشركين، فقَتَلوه بإسلامِه. قال: إذا جاء صَلَّى فيه. فأنزَل اللهُ: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} الآية.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 1879، من طريق محمد بن عبد الأعلى به.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 287.

(3)

تفسير عبد الرزاق 1/ 287، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1880 من طريق الحسن بن يحيى به بدون ذكر عائشة.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1879 من طريق سعيد بن بشير عن قتادة بنحوه.

ص: 678

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} : هم ناسٌ مِن المُنافِقين بَنَوا مسجدًا بقباءٍ يُضارُّون به نبيَّ اللهِ والمسلمين، {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، كانوا يقولون: إذا رجَع أبو عامرٍ من عندِ قيصرَ من الرومِ صلَّى فيه. وكانوا يقولون: إذا قَدِم ظَهَر على نبيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(1)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ

(2)

حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ}. قال: مسجدَ قُباءٍ، كانوا يُصَلُّون فيه كلُّهم. وكان رجلًا

(3)

من رؤساءِ المُنافِقين

(4)

؛ أبو عامرٍ أبو حنْظلةَ غسيلِ الملائكةِ، وصَيْفيٌّ، وأخوه

(5)

. وكان هؤلاء الثلاثةُ مِن خيارِ المسلمين، فخَرَج أبو عامرٍ هاربًا هو وابنُ [عبدِ ياليلَ]

(6)

مِن ثقيفٍ، وعَلْقمةُ بنُ عُلاثَةَ مِن قيسٍ، من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حتى لَحِقوا بصاحبِ الرومِ، فأمَّا عَلْقمةُ وابنُ [عبدِ يالِيلَ]

(7)

، فرَجَعا فبايَعا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأسلَما، وأما أبو عامرٍ فتَنَصَّر وأقام. قال: وبَنَى ناسٌ من المنافقين مسجدَ الضِّرارِ

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1879 من طريق جويبر عن الضحاك بمعناه مختصرا.

(2)

إلى هنا انتهى الخرم في مخطوطة جامعة القرويين والمشار إليها بالأصل.

(3)

في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف:"رجل".

(4)

بعده في م: "يقال له".

(5)

في م: "أخيه".

(6)

في الأصل، س:"ياليل"، وفى ص:"بالين" غير منقوطة، وفى ف:"بالين"، والمثبت من تاريخ المصنف 3/ 140، والاستيعاب 1/ 380 واسمه كنانة بن عبد ياليل.

(7)

في الأصل: "ياليل"، وفى ص، م، ف:"بالين"، وفى ت 1، ت 2:"تالين"، وفى ص:"يالين".

ص: 679

لأبي عامرٍ، قالوا: حتى يأتيَ أبو عامرٍ فيُصَلِّيَ فيه. {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} : يُفَرِّقون به

(1)

جماعتَهم؛ لأنهم كانوا يُصَلُّون جميعًا في مسجدِ قُباءٍ، وجاءوا يَخْدعون النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسولَ اللهِ، ربما جاء السيلُ، فقطَع بينَنا

(2)

الواديَ، ويحولُ بينَنا وبينَ القومِ، فنُصَلِّي في مسجدِنا، فإذا ذَهَب السيلُ صَلَّيْنا معهم. قال: وبَنَوه على النفاقِ. قال: وانْهار مسجدُهم على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قال: وألقَى الناسُ عليه النَّتِنَ

(3)

والقُمامةَ، فأنزَل اللهُ:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} ؛ لئلا يُصَلُّوا

(4)

في مسجدِ قُباءٍ [جميعُ المؤمنين]

(5)

، {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ}: أبي عامرٍ، {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}

(6)

.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن أبي جعفرٍ، عن ليثٍ، أن شقيقًا لم يُدْرِكِ الصلاةَ في مسجدِ بني عامرٍ، فقيل له: مسجدُ بني فلانٍ، لم يُصَلُّوا بعدُ. فقال: لا أُحِبُّ أن أُصَلِّى فيه، فإنه بُنِيَ على ضِرارٍ، وكلُّ

(7)

مسجدٍ بُنِيَ ضِرارًا أو رياءً أو سمعةً، فإن أَصلَه يَنْتَهى إلى المسجدِ الذي بُنِي ضرارًا

(8)

.

(1)

في م: "بين".

(2)

بعده في ص، م، "وبين".

(3)

في ص: "التين"، وفى، ت 1، ت 2، س، ف:"النتن". والنتن هو الشيء الذي له رائحة كريهة من قولهم: نتن الشيء - بكسر التاء ينتن - بفتحها - فهو نتن. قاله ابن رسلان. وينظر نيل الأوطار 1/ 45 في شرح حديث بئر بضاعة.

(4)

في م، ت 1، ت 2، س:"يصلى"، وفى ف:"يصلون".

(5)

في الأصل، ص: ت 1، ت 2، س، ف:"جميعا المؤمنون". والمثبت من "م" موافق لما في ابن أبي حاتم.

(6)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1880 من طريق أصبغ عن ابن زيد مقتصرا على بعضه.

(7)

في الأصل، ت 1، ت 2، س:"كمل".

(8)

في ص، م، ف:"على ضرار".

ص: 680

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ} .

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: لا تَقُمْ، يا محمدُ، في المسجدِ الذي بَناه هؤلاء المنافقون، ضِرارًا وتفريقًا بينَ المؤمنين، وإرصادًا لمَن حارَب الله ورسولَه. ثم أقسَم جلَّ ثناؤُه، فقال:{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ} ، أنت {فِيهِ} .

يعني بقولِه: {أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} : ابْتُدِئَ أساسُه وأصلُه على تَقْوى اللهِ وطاعتِه. {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} ابْتُدِئَ بناؤه

(1)

، {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}. يقولُ: أَوْلى أن تقومَ فيه مُصَلِّيًا للهِ.

وقيل: معنى قولِه: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} : منذُ

(2)

أولِ يومٍ، كما تقولُ العربُ: لم مِنْ أرَه مِن يومِ كذا. بمعنى: منذُ

(3)

، و {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} يرادُ به: مِن أَوَّلِ الأيامِ، كقولِ القائلِ: لَقِيتُ كلَّ رجلٍ بمعنى: كلَّ الرجالِ.

واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المسجدِ الذي عَناه بقوله: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} ، فقال بعضُهم: هو مسجدُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الذي فيه مِنْبَرُه وقبرُه اليومَ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو مُعاوية، عن إبراهيمَ بن طَهْمانَ، عن عثمانَ بن

(1)

في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف:"في بنائه".

(2)

في م، ت 1، ت 2، س:"مبدأ".

(3)

في م: "مبدؤه".

ص: 681

عُبَيدِ اللهِ، قال: أرسَلنى محمدُ بنُ أبي هريرةَ إلى ابن عمرَ أسألُه عن المسجدِ الذي أُسِّس على التقوى، أيُّ مسجدٍ هو؟ مسجدُ المدينةِ، أو مسجدُ قُباءٍ؟ قال: لا بل

(1)

مسجدُ المدينةِ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ عمرٍو العَنْقَزِيُّ، عن الدَّراورديِّ، عن عثمانَ بن عُبَيدِ اللهِ، عن ابن عمرَ وزيدِ بن ثابتٍ وأبي سعيدٍ، قالوا: المسجدُ الذي أُسِّس على التقوى، مسجدُ الرسولِ

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ربيعةَ بن عثمانَ، عن عثمانَ بن عُبَيدِ اللهِ بن أبي رافعٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن المسجدِ الذي أُسِّس على التقوى، قال: هو مسجدُ الرسولِ

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن زيدٍ، قال: هو مسجدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عبدِ الرحمنِ بن عبدِ اللهِ بن ذَكْوانَ، عن أبيه، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن زيد، قال: هو مسجدُ الرسولِ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أسامةَ بن زيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبى سعيدٍ، عن أبيه، قال: المسجدُ الذي أُسِّس على التقوى، هو مسجدُ النبيِّ

(1)

ليست في: ص، م، ت 1، ت 2، س، ف.

(2)

أخرجه الحاكم 1/ 487 من طريق الدراوردي، ولكن عن أبي سعيد فقط كما سيأتي في ص 687. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 277 إلى الزبير بن بكار وابن المنذر.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 372 عن وكيعٍ به، وينظر تاريخ البخارى 6/ 232، والجرح 6/ 156)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 277 إلى ابن مردويه.

ص: 682

الأعظمُ

(1)

.

حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، [قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ]

(2)

، قال: ثنا حُميدٌ الخَرَّاطُ المَدَنِيُّ

(3)

، قال: سَمِعتُ أبا سَلَمةَ بن عبدِ الرحمنِ، قال: مَرَّ بي عبدُ الرحمنِ بنُ أبى سعيدٍ، فقلتُ: كيف سَمِعتَ أباك يقولُ في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التقوى؟ فقال: [قال أبي]

(4)

: أتيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فدَخَلتُ عليه في بيتِ بعضِ نسائِه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ مسجدٍ الذي أُسِّسَ على التقوى؟ قال: فأَخَذَ كَفًّا مِن حَصْباءَ فَضَرَب به الأرضَ، ثم قال:"هو مسجدُكم هذا". فقال

(5)

: هكذا سَمِعتُ أباك يَذكُرُ

(6)

.

حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ، قال: إن المسجدَ الذي أُسِّس على التقوى من أوّلِ يومٍ هو مسجدُ المدينةِ الأكبرُ

(6)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داود، قال: قال سعيدُ بنُ المُسيَّبِ، فذَكَر مثلَه، إلا أنه قال: الأعظمُ

(7)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 372، ومن طريقه الحاكم 2/ 334، والبيهقى في دلائل النبوة 5/ 264 عن وكيعٍ به.

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"الآدمى". وينظر تهذيب الكمال 7/ 366.

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، م، ف:"لي".

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، ف:"ثم"، وسقط من: م.

(6)

أخرجه البيهقى في الدلائل 5/ 263 من طريق ابن بشار به، وأخرجه أحمد 17/ 282، 283 (11187)، ومسلم (1398/ 514)، والطحاوى في المشكل (4735) من طريق يحيى بن سعيد به وأخرجه ابن أبي شيبة 2/ 372، 373 وعنه مسلم (1398)، والبيهقى في السنن 5/ 246، والدلائل 5/ 264 من طريق حميد دون ذكر عبد الرحمن بن أبي سعيد.

(7)

أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 372 من طريق قتادة عن سعيد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 277 إلى أبي الشيخ.

ص: 683

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيد القطّانُ، قال: حدَّثنا ابن حَرْملةَ، عن سعيدِ بن المُسيَّبِ، قال: هو مسجدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

(1)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيَينةَ، عن أبى الزَّنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، قال: أحسَبُه عن أبيه، قال: مسجدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي أُسِّس على التقوى

(2)

.

وقال آخرون: بل عُنِيَ بذلك مسجدُ قُباءٍ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} : يعنى مسجدَ قُباءٍ

(3)

.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ نحوَه.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ:{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} . قال: هو مسجدُ قُباءٍ

(4)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 273 عن يحيى بن سعيد به.

(2)

تفسير عبد الرزاق 1/ 288، وأخرجه الطبراني (4853) من طريق ابن عيينة به من قول زيد دون شك، وأخرج سعيد بن منصور في سننه (1035 - تفسير عن ابن عيينة عن أبي الزناد عن خارجة من قوله، وأخرجه ابن أبي شيبة 2/ 372 والطبراني (3854) من طريق سفيان عن أبي الزناد عن خارجة مرفوعا. وعزاء السيوطي في الدر المنثور 3/ 277 للضياء المقدسي في المختارة عن زيد بن ثابت مرفوعا، وللحديث طرق أخرى عن زيا تأتي إن شاء الله.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1181، 1182، والبيهقي في الدلائل 5/ 263 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 277 إلى ابن المنذر.

(4)

ذكره ابن أبي حاتم 6/ 1882 معلقًا.

ص: 684

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامة، عن صالحٍ بن حَيَّانَ، عن ابن بُرَيدةَ

(1)

، قال: مسجدُ قُباءٍ الذي أُسِّسَ على التقوى، بَناه نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في المسجدِ الذي أُسِّس على التقوى: مسجدُ قُباءٍ

(2)

.

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ بن الزبيرِ، قال: الذين بُنِيَ فيهم المسجدُ الذي أُسِّس على التقوى - بنو عمرِو بن عوفٍ.

وأَوْلى القولَين في ذلك عندى بالصوابِ، قولُ مَن قال: هو مسجدُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم؛ لصحةِ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللهِ.

‌ذكرُ الروايةِ بذلك

حدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ؛ قال أبو كُريبٍ: ثنا وكيعٍ، وقال ابن وكيعٍ: ثنا أبي، عن ربيعةَ بن عثمانَ التَّيْمِيِّ، عن عمرانَ بن أبى أنسٍ، رجلٍ مِن الأنصارِ، عن سهلِ بن سعدٍ، قال: اخْتَلَف رجلان على عهدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال أحدُهما: هو مسجدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وقال الآخرُ: هو مسجدُ قُباءٍ. فَأَتَيا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فسألاء، فقال: هو مَسْجدى هذا"

(3)

. اللفظُ

(1)

في م: "بريد".

(2)

ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1882 معلقًا.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 372 ومن طريقه عبد بن حميد (466)، وابن حبان (1604، 1605)، والطبراني (6025)، وأحمد 5/ 331 (الميمنية) عن وكيع به. وأخرجه الطحاوي في المشكل (4737) من طريق ربيعة بن عثمان به، وأخرجه أحمد 5/ 335 (الميمنية) من طريق عمران به. وعزاه السيوطي في الدر =

ص: 685

لحديثِ أبي كُرَيبٍ، وحديثُ سفيانَ نحوَه.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عامرٍ الأَسْلَميِّ، عن عمرانَ أبى أنسٍ، عن سهلِ بن سعدٍ، عن أبيِّ بن كعبٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِل عن المسجدِ الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال: "هو

(1)

مَسْجدى هذا"

(2)

.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثني الليثُ، عن عِمْرانَ بن أبى أنسٍ، عن ابن أبي سعيدٍ، عن أبيه، قال: تَمارَى رجلان في المسجدِ الذي أُسِّس على التقوى مِن أوّل يومٍ، فقال رجلٌ: هو مسجدُ قُباءٍ. وقال آخرُ: هو مسجدُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "هو مَسْجِدى هذا"

(3)

.

حدَّثني بحرُ بنُ نصرٍ الخَولانيُّ، قال: قُرِئَ على شعيبِ بن الليثِ، عن أبيه، عن عِمْرانَ بن أبى أنسٍ، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ الخدريِّ؛ [عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنه]

(4)

قال: تَمارَى رجلان، فذَكَر مثلَه

(5)

.

= المنثور 3/ 277 إلى الزبير بن بكار في أخبار المدينة والحاكم في الكنى وابن مردويه.

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، م، ف.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 373، 12/ 210، وأحمد 5/ 116 (الميمنية)، وابن حميد (166)، والحاكم 2/ 334 من طريق أبي نعيم به. وأخرجه أحمد 5/ 116 (الميمنية) من طريق عبد الله بن عامر به. وأخرجه الخطيب البغدادى في تاريخه 4/ 79 من طريق جابر عن أبي بن كعب به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 277 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

(3)

أخرجه الطحاوى في المشكل (4736) عن يونس به، وأخرجه أحمد 17/ 99، 18/ 358 (11046، 11846)، وابن حبان (1606)، وابن مردويه - كما في تعجيل المنفعة 1/ 581، 582 ترجمة سعيد بن أبى سعيد الخدري من طريق الليث به.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، م، ف.

(5)

أخرجه الطحاوى في المشكل (4736) عن بحر بن نصر به، وأخرجه أحمد 18/ 358 (11846) من طريق ليث به.

ص: 686

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: ثنى سَحْبَلُ

(1)

بن محمدُ بن أبي يَحيى، قال: سَمِعتُ عمّى أُنيسَ بنَ أبي يحيى يُحدِّثُ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "المسجدُ الذي أُسِّسَ على التَّقْوى [هو هذا". يَعْنى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مسجدَه

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا القاسمُ بنُ عمرٍو العنقَزِيُّ، عن الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن ابن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: "المسجدُ الذي أُسِّس على التَّقْوَى]

(3)

مَسْجِدى هذا، وفي كلٍّ خيرٌ"

(4)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثني الحِمَّانيُّ، قال: ثنا عبدُ العزيز، عن أُنَيسِ بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم بنحوِه.

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا صَفوانُ بنُ عيسى، قال: أخبَرنا أُنيسُ بن أبى يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أن رجلًا مِن بنى

(5)

خُدْرةَ، ورجلًا مِن بنى

(6)

عوفٍ، امْتَرَيا في المسجدِ الذي أُسِّس على التقوى،

(1)

في ف: "سهيل" وفى م: "سجل"، وهو عبد الله بن محمد بن أبى يحيى، وينظر تهذيب الكمال 16/ 100.

(2)

أخرجه الطحاوى في المشكل (4734) عن يونس به، وأخرجه أيضا من طريق سحبل به، وأخرجه ابن أبي شيبة 2/ 372، وأحمد 17/ 271، 272 (11178)، الترمذي (323) - ومن طريقه البغوي (455) - والطحاوى في شرح المشكل (4733)، وابن حبان (1626) من طريق أنيس بن أبي يحيى به، وأخرجه الحاكم 2/ 334 من طريق أبي يحيى به.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، م، ف.

(4)

أخرجه الحاكم 1/ 487 من طريق الدراوردى به.

(5)

سقط من: الأصل، ص، ف، والمثبت موافق لما في المسند.

(6)

بعده في المسند: "عمرو بن".

ص: 687

فقال العَوْفيُّ

(1)

: [هو مسجدُ قباء. وقال الخدريُّ]

(2)

: هو مسجدُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

(3)

. فأَتيا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فسألاه، فقال: "هو مَسْجِدى هذا، وفى ذلك

(4)

خيرٌ كثيرٌ

(5)

".

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} .

يقولُ تعالى ذكرُه: في حاضِري المسجدِ الذي أُسِّسَ على التقوى من أولِ يومٍ، رجالٌ يُحِبُّون أن يُنَظِّفُوا مقاعدَهم بالماءِ إذا أَتَوا الغائطَ، واللهُ يحبُّ المُطَّهِرِينَ بالماءِ.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا هَمَّامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ، عن شهرِ بن حوشبٍ قال: لمَّا نَزَلَت {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"ما الطُّهُورُ الذي أثْنَى اللهُ عليكم به؟ ". قالوا: يا رسول اللهِ، نغسِلُ أثرَ الغائطِ

(6)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال لأهلِ قُباءٍ: "إِنَّ الله قد أحسَن عليكم الثَّناء في الطُّهُورِ، فما

(1)

في م: "العوفي ".

(2)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، م، ف.

(3)

بعده في م: "وقال العوفي: هو مسجد قباء".

(4)

في ص، ت 1، ت 2، س، م، ف:"كل".

(5)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، م، ف، وأخرجه أحمد 18/ 370، 371 (11864) عن صفوان بن عيسى به.

(6)

أخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة 1/ 47 من طريق داود بن أبي هند عن شهر بن حوشب به نحوه.

ص: 688

تَصْنَعون؟ ". قالوا: إِنَّا نغسِلُ عَنَّا أَثَرَ الغائطِ والبولِ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: لمَّا نَزَلَت {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} ، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا معشرَ الأنصارِ، ما هذا الطُّهُورُ الذي أثْنَى اللَّهُ عليكم فيه؟ ". قالوا: إنَّا نَسْتطِيبُ بالماءِ إذا جِئْنا مِن الغائطِ

(2)

.

حدَّثني جابرُ بنُ الكُرْدِيِّ، قال: ثنا محمدُ بنُ

(3)

سابقٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْولٍ، عن سَيَّارٍ أبى الحَكَمِ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ، قال: قام

(4)

علينا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال:"ألَا أخْبِرُوني؛ فإن الله قد أثْنَى عليكم بالطُّهُور خيرًا؟ ". فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّا نَجِدُ عندَنا مكتوبًا في التوراةِ: الاستنجاءُ بالماءِ.

حدَّثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ

(5)

، عن مالكِ بن مِغْولٍ، قال: سَمِعتُ سَيَّارًا أبا الحَكَمِ غيرَ مَرَّةٍ، يُحَدِّثُ عن شَهْرِ بن حوشبٍ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ ابن سلَامٍ، قال: لمَّا قَدِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أهلِ قباءٍ قال: "إِنَّ اللَّهَ قد أَثْنَى عليكم بالطُّهُورِ خيرًا". يعنى

(6)

قولَه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} . قالوا: إذا نَجِدُه مكتوبًا عندَنا في التوراةِ: الاستنجاءُ

(1)

أخرجه عمر بن شبة في تاريخ المدينة 1/ 47 من طريق سعيد نحوه.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسير 1/ 288 عن معمر به.

(3)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، م، ف. وينظر تهذيب الكمال 25/ 134.

(4)

كذا في النسخ ولعلها: "قدم"، وينظر الأثر التالي وما سيأتي ص 693.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، م، س، م، ف:"رافع".

(6)

زيادة من: م.

ص: 689

بالماءِ

(1)

.

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ

(2)

، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْولٍ، عن سَيَّارٍ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن محمدِ بن عبدِ الله سَلَامٍ، قال يحيى: ولا أعلمُه إلا عن أبيه، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأهلِ قُباءٍ: "إِنَّ اللَّهَ قد أثْنَى عليكم في الطُّهُورِ خيرًا". قالوا: إنا نَجِدُه مكتوبًا عندَنا

(3)

في التوراةِ: الاستنجاءُ بالماءِ. وفيه نَزَلَت: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا}

(4)

.

حدَّثني عبد الأَعْلَى بنُ واصلٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ صُبيحٍ اليَشْكُرِيُّ، قال: ثنا أبو أُويسٍ المَدَنيُّ، عن شُرَحْبيلَ بن سعدٍ، عن عُويمِ بن ساعدةَ - وكان مِن أهلِ بدرٍ - قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأهلِ قُباءٍ: "إِنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ قد أَحسَن

(5)

عليكم الثَّناءَ في الطُّهُورِ، فما هذا الطُّهُورُ

(6)

؟ ". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما نعلَمُ شيئًا، إلا أن جيرانًا لنا مِن اليهودِ رَأَيناهم يَغْسِلون أدبارَهم مِن الغائطِ، فَغَسَلْنا كما غَسَلوا

(7)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة 1/ 153، وأحمد 6/ 6 (الميمنية)، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة 1/ 48 من طريق يحيى بن آدم به، وأخرجه البخارى في تاريخه 1/ 18، وابن قانع في معجم الصحابة 3/ 22، والطبراني في المعجم الكبير (381 - قطعة من الجزء 13) من طريق مالك بن مغول به، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة 6/ 22 وزاد عزوه إلى ابن منده.

(2)

في ص، ت 1، ت 2، س، م، ف:"رافع".

(3)

في ص، ت 1، ت 2، س، م، ف:"علينا".

(4)

أخرجه أبو القاسم البغوي - كما في الإصابة 6/ 22 - عن أبي هشام الرفاعي به. قال أبو هشام: وكتبته من أصل كتاب يحيى بن آدم، ليس فيه عن أبيه، وأخرجه الطبراني في الأوسط (9363) من طريق عبد الله بن عمر عن عبد الله بن سلام بنحوه.

(5)

في ص، ت 1، ت 2، س، م، ف:"أثنى".

(6)

ليست في: الأصل.

(7)

أخرجه الطبراني في الأوسط (5885)، والصغير 2/ 23 من طريق إسماعيل بن صبيح اليشكري به، =

ص: 690

حدثني محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدٍ، عن شُرَحْبيلَ بن سعد قال: سَمِعتُ خُزَيمةَ بنَ ثابتٍ يقولُ: نَزَلَت هذه الآيةُ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} . قال: كانوا يَغْسِلُون أَدْبارَهم مِن الغائطِ

(1)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن

(2)

أبي ليلى، عن عامرٍ، قال: كان أناسٌ مِن أهلِ قباءٍ يَسْتَنجون بالماءِ، فنَزَلَت:{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} .

حدَّثنا الحسنُ بنُ عَرفةَ، قال: ثنا شَبابةُ بنُ سَوَّارٍ، عن شُعبةَ، عن مسلمٍ القُرِّيِّ

(3)

، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أصُبُّ على رأسى؟ - وهو محرِمٌ - قال: ألم تسمَعِ اللَّهَ يقولُ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن داودَ، وابنِ أبي ليلى، عن الشعبيِّ، قال: لمَّا نَزَلَت: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} ، قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأهلِ قُباءٍ:"ما هذا الذي أثْنَى اللَّهُ عليكم؟ ". قالوا: ما مِنَّا مِن أحدٍ إلا وهو يَسْتَنْجِى مِن الخلاءِ

(4)

.

حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الحميدِ

= وأخرجه أحمد 24/ 135 (15485)، وابن خزيمة (83) والطبرانى في الكبير 17/ 140 (348)، والحاكم 1/ 155 من طريق أبى أويس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 278 إلى ابن مردويه.

(1)

أخرجه الطبراني 4/ 117، 118 (3793) من طريق شرحبيل بن سعد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 278 إلى ابن مردويه.

(2)

بعده في ص، م، ت 1، ت 1، ف:"ابن".

(3)

في الأصل: "القرنى" وهو مسلم بن مخراق العبدى القرى، وينظر تهذيب الكمال 27/ 535.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة 1/ 153 عن حفص به.

ص: 691

المَدَنيِّ، عن إبراهيمَ بن إسماعيلَ الأنصاريِّ، أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال لعُويمِ بن ساعدةَ: "ما هذا الذي أثْنَى اللَّهُ به

(1)

عليكم: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} ؟ ". قال: [يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّا]

(2)

نغسلُ الأدْبارَ بالماءِ

(3)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن حُصَينٍ، عن موسى بن أبي كثيرٍ، قال: بَدْءُ حديثِ هذه الآيةِ في رجالٍ من الأنصارِ مِن أهلِ قُباءٍ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} ، فَسَأَلهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، قالوا: نَسْتَنْجِي بالماءِ.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أَصْبَغُ بنُ الفرجِ، قال: أخبَرني ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن أبي الزِّنادِ، قال: أخبَرني عُروةُ بنُ الزبيرٍ، عن عُويمِ بن ساعدةَ مِن بني عمرِو بن عوفٍ، ومَعْنِ بن عَدِيٍّ مِن بنى العَجْلانِ، وأبى الدَّحْداحِ؛ فأَمَّا عُويمُ بنُ ساعدةَ، فهو الذي بَلَغَنا أنه قال لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَن الذين قال اللَّهُ فيهم: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَ الرجلُ

(4)

منهم عُوَيمُ بن ساعدةَ". لم يَبْلُغنا أنه سَمَّى منهم رجلًا غيرَ عُوَيمٍ

(5)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المبَاركِ، عن هشامِ بن

(1)

ليست في: ص، م، ت 1، ت 2، ف، ومصدر التخريج.

(2)

في ص، م، ت 1، ت 2، ف:"نوشك أن".

(3)

ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 151 عن هشيم به.

(4)

في م: "الرجال".

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1882 من طريق يونس به، لا يذكر فيه معنا ولا أبا الدحداح، وليس آخره: لم يبلغنا

إلخ، وأخرجه ابن سعد 3/ 459، 460 من طريق ابن شهاب عن عروة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى أبي الشيخ وابن مردويه بدون ذكر معنٍ ولا أبي الدحداح.

ص: 692

حَسّانَ، قال: ثنا الحسنُ، قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} ?، قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"ما هذا الذي ذَكَرَكم اللَّهُ به في أمرِ الطُّهُورِ، فأثْنَى به عليكم؟ ". قالوا: نغسِلُ أَثَرَ الغائطِ والبولِ.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن مالكِ بن مِغْولٍ، قال: سَمِعتُ سَيَّارًا أبا الحَكَمِ يُحدِّثُ، عَن شَهْرِ بن حَوشبٍ، عن محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ، قال: لمَّا قَدِم رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المدينةَ - أو قال: قَدِمَ علينا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن اللَّهَ قد أَثْنى عليكم في الطُّهُورِ خيرًا، أفلا تُخْبِرونى؟ ". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنا نَجِدُ عندنا

(1)

مكتوبًا في التوراةِ: الاستْنجاءُ بالماءِ. قال مالكٌ: يعنى قولَه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا}

(2)

.

حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ، قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} . سَأَلهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما طُهُورُكم هذا الذي ذَكَر الله؟ ". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، كُنَّا نَسْتَنْجى بالماءِ في الجاهليةِ، فلما جاء الإسلامُ لم نَدَعْه. قال:"فلا تَدَعُوه".

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان في مسجدِ قُباءٍ رجالٌ مِن الأنصارِ يُوضِّئون سَفِلتَهم بالماءِ، يَدْخُلُون النخلَ والماءُ يَجْرِى فَيَتوضَّئون، فأثْنَى اللَّهُ ذلك

(3)

عليهم، فقال:{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} . الآية.

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ، قال:

(1)

في النسخ: "علينا" وينظر ما تقدم ص 689.

(2)

تقدم ص 689.

(3)

في م: "بذلك".

ص: 693

أحْدَث قومٌ الوضوءَ بالماءِ مِن أهلِ، قُباءٍ فنَزَلَت فيهم:{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}

(1)

.

وقيل: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} ، وإنما هو المُتطهِّرين، ولكن أُدغِمت "التاءُ" في "الطاءِ"، فجُعِلَت "طاءً" مشددةً؛ لقربِ مَخْرجِ إحداهما من الأخرى.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)} .

اخْتَلَفَت القرأة في قراءةِ قولِه: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} ؛ فقَرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ: (أَفمَنْ أُسِّسَ بُنْيانُهُ على تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمَّنْ أُسِّسَ بُنْيانُهُ) على وَجْهِ ما لم يُسمَّ فاعله في الحرفَين كليهما

(2)

.

وقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} . على وصفِ "مَن"[بأنَّه هو]

(3)

الفاعلُ الذي أَسَّس بنيانَه.

وهما قراءتان مُتَّفِقَتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غيرَ أن قراءتَه بتَوجيهِ الفعلِ إلى "مَن" إذ كان هو

(4)

المؤسِّسَ

(5)

، أعجبُ إليَّ.

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1883 من طريق طلحة بن عمرو به ولفظه: "المتطهرين بالماء".

(2)

قرأ بها نافع وابن عامر، وقرأ الباقون بفتح الهمزة والسين ونصب النون، والتيسير ص 98 والنشر 2/ 211.

(3)

في ص، ت 1، ت 2:"بأنه"، وفى م:"بناء"، وفى ف:"أنه".

(4)

في م: "من".

(5)

بعده في م: "من".

ص: 694

فتأويلُ الكلامِ إذًا: أيُّ هؤلاء الذين بَنَوا المساجدَ خيرٌ، أيها الناسُ، عندَكم؛ الذين ابْتَدَءُوا بناء مسجدِهم [على اتقاءِ اللَّهِ، بطاعتِه]

(1)

في بنائِه وأداءِ فرائضِه، ورضًا مِن اللَّهِ لبنائِهم ما بَنَوه مِن ذلك، وفعلِهم ما فَعَلوه خيرٌ، أم الذين ابْتَدَءُوا بناءَ مسجدِهم]

(2)

على شَفا جُرُفٍ هارٍ؟.

يعنى بقوله: {عَلَى شَفَا جُرُفٍ} : على حرفِ جُرفٍ هارٍ

(3)

.

والجُرُفُ، من الركايا

(4)

، ما لم يُبْنَ له جُولٌ

(5)

.

{هَارٍ} يعنى: متهوِّرٍ، وإنما هو هائرٌ، ولكنه قُلِبَ، فأُخِّرَت ياؤُها، فقيل:{هَارٍ} كما قيل: هو شاكي

(6)

السلاحِ و: شائكٌ. وأصلُه مِن: هارَ يَهورُ فهو هائرٌ. وقيل: هو مِن هارَ يَهارُ. إذا انهدَم، ومَن جَعَله مِن هذه اللغةِ قال: هِرْتَ يا جُرُفُ. ومَن جَعَله مِن: هارَ يَهُورُ، قال: هُرْتَ يا جُرُفُ.

وإنما هذا مَثَلٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: أيُّ هذين الفريقَين خيرٌ؟ وأيُّ هذين البناءَين أثبتُ؟ أمن ابتدَأ أساسَ بنائِه على طاعةِ اللَّهِ، وعلمٍ منه بأنَّ بناءه للهِ طاعةٌ، واللَّهُ به راضٍ، أم مَن ابتَدَأه بنفاقٍ وضلالٍ، وعلى غير بصيرةٍ منه بصوابِ فعلِه مِن خطئِه، فهو لا يَدْرِى متى يَتَبَيَّنُ له خطأُ فعلِه وعظيمُ ذنبِه، فيَهْدِمَه، كما بانى

(7)

(1)

في م: "بطاعتهم".

(2)

سقط من الأصل.

(3)

سقط من: ص، ت 2، ت 2، م، ف.

(4)

في م: "الركى". والرَّكيَّة: البئر تحفر، والجمع ركى وركايا. اللسان (ر ك ى).

(5)

والجول: جدار البئر وقال أبو عبيد: وهو كل ناحية من نواحى البئر إلى أعلاها من أسفلها. اللسان (ج و ل). وينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 269.

(6)

في م: "شاك". قال الجوهري: رجل شاكى السلاح إذا كان ذا شوكة وحدّ في سلاحه. اللسان (ش ك و).

(7)

في ص، ت 2، ت 2، م، ف:"يأتي".

ص: 695

البِناءِ على جُرُفِ رَكِيَّةٍ، لا حابسَ لمياهِ

(1)

السيولِ عنها ولغيرِه من المياهِ، ثريةِ

(2)

الترابِ متناثرتِه

(3)

، لا تُلْبِثُه السيولُ [والندَى]

(4)

أن تَهْدِمَه وتَنثُرَه؟

يقولُ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه: {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} . يعنى: فانْتَثَرَ الجُرُفُ الهَارِي ببنائِه في نارِ جهنمَ.

كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ:{فَانْهَارَ بِهِ} . يعني: قواعدَه في نارِ جهنمَ

(5)

.

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: {فَانْهَارَ بِهِ} . يقولُ: فَخَرَّ به

(6)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ} إلى قوله: {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} . قال: واللَّهِ ما تَناهَى أَنْ وَقَع في النارِ. ذُكِر لنا أنه حُفِرَت بقعةٌ منها

(7)

فرُؤِىَ منها الدخانُ

(8)

.

(1)

في م: "لماء".

(2)

في ص، ف:"تربة" وفى م: "ترى به". والثرى: التراب الندى، وأرض ثرية: أي ذات ثرى وندى. اللسان (ث ر ي).

(3)

في ص، ت 1، ت 2 ف:"متناثرة" وفى م: "متناثرا".

(4)

سقط من: م.

(5)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1884، والبيهقى في الدلائل 5/ 263 من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى ابن المنذر.

(6)

ينظر الدر المنثور 3/ 279

(7)

في م: "منه".

(8)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1884 من طريق سعيد بن بشير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.

ص: 696

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: بنو عمرِو بن عوفٍ اسْتأذَنوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم في بُنيانِه، فأَذِن لهم، ففَرَغُوا منه يومَ الجمعةِ، فصَلَّوْا فيه يومَ

(1)

الجمعةِ، ويومَ السبتِ، ويومَ الأحدِ. قال: وانْهار يومَ الاثنينِ. قال: وكان قد اسْتَنْظَرَهم ثلاثًا، السبتَ، والأحدَ، والاثنينِ، {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} مسجدُ المنافقين، انهارَ فلم يَتَناهَ دونَ أن وَقَعَ في النارِ.

قال ابن جُرَيجٍ: ذُكِر لنا أن رجالًا حَفَروا فيه، فأَبْصَرُوا الدخانَ يخرجُ منه

(2)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن عبدِ اللَّهِ الداناجِ، عن طَلْقٍ بن حبيبٍ، عن جابرٍ قولَه:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا} ، قال: رأيتُ المسجدَ الذي بُنِىَ ضِرارًا يخرجُ منه الدخانُ على عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوق البَصْرِيُّ، قال: ثنا أبو سَلَمةَ. قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن عبدِ اللَّهِ الداناجِ، قال: ثني طلقُ العَنَزِيُّ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: رأيتُ الدخانَ يخرجُ مِن مسجدِ الضِّرارِ.

حدَّثني سلامُ بنُ سالمٍ الخُزاعيُّ، قال: ثنا حلفُ بنُ ياسينَ الكوفيُّ، قال: حَجَجْتُ مع أبى في ذلك الزمانِ - يعنى: زمانَ بني أُميةَ - فمَرَرْنا بالمدينة، فرأيتُ مسجدَ القِبْلتَين - يعنى: مسجدَ الرسولِ - وفيه قبلةُ بيتِ المقدسِ، فلما كان زمانُ أبي جعفرٍ، قالوا: يدخُلُ الجاهلُ فلا يعرِفُ القبلةَ. فهذا البناءُ الذي يَرَون جَرَى على

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، م، ف.

(2)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى ابن المنذر من قوله: مسجد المنافقين انهار

إلخ.

(3)

أخرجه مسدد - كما في المطالب العالية (4003)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1884، والحاكم 4/ 496 من طريق عبد العزيز بن المختار به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى ابن المنذر.

ص: 697

يدِ عبدِ الصمدِ بن عليٍّ. ورأيتُ مسجدَ المنافقين الذي ذَكَره اللَّهُ في القرآنِ، وفيه حَجَرٌ يخرُجُ منه الدخانُ، وهو اليومَ مَزبَلةٌ.

وقوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . يقولُ: واللَّهُ لا يُوفِّقُ للرَّشادِ في أفعالِه، مَن كان بانيًا بناءَه في غيرِ حَقِّه وموضعِه، ومَن كان مُنافِقًا مُخالِفًا بفعِله أمرَ اللَّهِ وأمرَ رسولِه.

‌القولُ في تأويلِ قولِه: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)} .

يقولُ تعالى ذكرُه: لا يزالُ بُنيانُ هؤلاء {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا}

(1)

. يقولُ: لا يزالُ مسجدُهم الذي بَنَوه {رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} يعنى: شَكًّا ونِفاقًا في قلوبِهم، يَحْسَبون أنهم كانوا في بنائِهِ مُحْسِنِينَ، {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ}. يعنى: إلا أن تَتَصدَّعَ قلوبهم فَيَموتوا، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بما عليه هؤلاء المنافقون الذين بَنَوا مسجدَ الضِّرارِ مِن شَكِّهم في دينِهم، وما قَصَدوا في بِنائِهموه وأرادوه، وما إليه صائرٌ أمرُهم في الآخرةِ، وفى الحياةِ ما عاشوا، وبغيرِ ذلك مِن أُمورِهم وأمورِ غيرِهم:{حَكِيمٌ} في تَدْبيرِه إياهم، وتَدْبيرِ جميعِ خلقِه.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

‌ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله:{لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} . يعنى: شَكًّا، {إِلَّا أَنْ

(1)

بعده في م: "ريبة".

ص: 698

تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ}: يعنى الموتَ

(1)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ:{رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} . قال: شكٌّ في قلوبِهم، {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ}: إلى أن يموتوا

(2)

.

حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:{لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} . يقولُ: حتى يَموتوا.

حدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ في قوله:{إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} . [قال: الموتُ]

(3)

.

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ:{إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} ]

(4)

. قال: إلا أن يَموتوا.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} . قال: يَموتوا.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

(5)

(1)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1884، 1885، والبيهقى في الدلائل 5/ 263 من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى ابن المنذر.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 288 عن معمر به.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 521 من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 280 إلى أبى الشيخ.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، م، ف.

(5)

بعده في ص، م، ف:"أبى".

ص: 699

مجاهدٍ: {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} . قال: يَموتوا.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه

(1)

.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن مَعْمَرٍ، عَنِ قتادةَ والحسنِ:{لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} . قالا: شَكًّا قلوبِهم

(2)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، قال: ثنا أبو سِنانٍ، عن حبيبٍ {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ}. قال: غَيْظًا في قلوبِهم

(3)

.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} . قال: يَموتوا.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا إسحاقُ الرازيُّ، عن أبي سنانٍ، عن حبيبٍ:{إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} . قال: إلا أن يَموتوا.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ:{رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} . قال: كُفَرًا. قلتُ: أكفَرَ مُجمِّعُ بن جاريةَ؟ قال: لا، ولكنها حَزَازَةٌ

(4)

.

(1)

تفسير مجاهد ص 374.

(2)

تقدم في الصفحة السابقة عن قتادة فقط.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1885 من طريق إسحاق الرازي عن حبيب بدون ذكر أبي سنان.

وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 280 إلى أبى الشيخ.

(4)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1885 من طريق سفيان به.

والحزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه. التاج (ح ز ز).

ص: 700

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاق، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ:{لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} ، قال: حَزَازَةٌ في قلوبِهم.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} : لا يزالُ ريبةً في قلوبِهم راضِين بما صَنَعوا؛ [أولئك المنافقون يَرَون أنَّهم قد أحسَنوا وصنَعوا]

(1)

، كما حُبِّبَ العجلُ في قلوبِ أصحابِ موسى، وقَرَأ:{وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93]. قال: حُبَّه. {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} . قال: لا يزالُ ذلك في قلوبِهم حتى يَموتوا، يعنى

(2)

المنافقين

(3)

.

[حدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ}. قال: إلا أن يَموتُوا. قال: وكان أصحاب عبدِ اللَّهِ يَقْرءُونها: (ريبةً في قلوبِهم ولو قُطِّعَت قلوبُهم)]

(4)

.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن السُّدِّيِّ، عن إبراهيمَ:{رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} . قال: شَكًّا. قال: قلتُ: يا أبا عمرانَ، تقولُ هذا وقد قرأتَ القرآنَ؟ قال: إنما هي حَزَازَةٌ

(5)

.

واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} .

(1)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، م، ف.

(2)

سقط من الأصل، ص، ف.

(3)

أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1884 من طريق أصبغ عن ابن زيد به، وفي آخره سقط من المطبوع.

(4)

سقط من: ص، ت 1، ت 2، م، ف. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1886 من طريق عبد العزيز به بلفظ: يتوبوا.

(5)

عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 279 إلى أبى الشيخ.

ص: 701

فقَرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: (إِلَّا أَنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُم) بضمِّ "التاء"

(1)

مِن "تَقطَّعَ" على أنه لم يُسَمَّ فاعلُه، وبمعنى: إلا أن يُقَطِّعَ الله قلوبَهم.

وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ {إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} بفتحِ "التاءِ" من "تَقطَّعَ" على أن الفعلَ للقلوبِ. بمعنى: إلا أن تَتقطَّعَ قلوبُهم، ثم حُذِفَت إحدى التاءَين

(2)

.

وذُكِر أن الحسنَ كان يقرؤه: (إلى

(3)

أنْ تقطعَ قلوبَهم)

(4)

. بمعنى: حتى تَتقطَّعَ قلوبُهم. وذُكِرَ أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهم)

(5)

وعلى الاعتبارِ بذلك قرَأ مَن قرَأ ذلك: (إِلَّا أَنْ تُقَطَّعَ) بضمِّ "التاءِ".

والقولُ عندى في ذلك أن الفتحَ في "التاءِ" والضمَّ مُتقارِبا المعنى؛ لأن القلوبَ لا تَتقطَّعُ إذا تَقَطَّعَت إلا بتقطيع الله إيَّاها، ولا يُقَطِّعُها اللَّهُ إلا وهى مُتقطِّعةٌ. وهما قراءتان معروفتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ مِن القرأةِ، فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في قراءِته.

وأما قراءةُ مَن قرأ ذلك: (إلى

(6)

أن تُقَطَّعَ) فقراءةٌ لمصاحفِ المسلمين مخالفةٌ

(7)

، ولا أرَى القراءةَ بخلافِ ما في مصاحفِهم جائزةً.

(1)

قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي وشعبة وخلف. النشر 2/ 281.

(2)

قراءة ابن عامر وحمزة وحفص وأبى جعفر. المصدر السابق.

(3)

في ص، ت 2، ت 2، ف:"إلا". وينظر البحر المحيط 5/ 101.

(4)

قراءة يعقوب الحضرمي. النشر 2/ 211.

(5)

وهي قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة، ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 452.

(6)

في ص، ت 1، ت 2، ف:"إلا".

(7)

هي قراءة يعقوب الحضرمي، أحد القراء العشرة، وهى متواترة، ولا يجوز ردُّها.

ص: 702